######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000966 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: محمد بن نصر المرتضى اليماني (ابن الوزير) #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن نصر المرتضى اليماني (ابن الوزير) #META# 011.AuthorBORN :: 775هـ #META# 011.AuthorDIED :: 840 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الردود :: كتب العقائد والملل #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات #META# 030.LibURI :: JK_000966 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1987م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات PageV01P001 # | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين أكمل الحمد على جميع هداياته ومعارفه وعطاياه ~~وعوارفه وأفضل صلى الله عليه وسلم وتحياته الطيبات المباركات وإكرامه على ~~رسوله وحبيبه وصفوته محمد الأمين خاتم النبيين والمرسلين الذي جعل الله ~~الذلة والصغار على من خالف أمره كما ورد به الحديث المتين والقرآن المبين ~~حيث قال رب العالمين في بعض المخالفين له في الدين @QB@ سينالهم غضب من ~~ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين @QE@ و صلى الله عليه وسلم ~~وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين ورضي الله عن الصحابة أجمعين الصادقين ~~السابقين والذين جاؤا من بعدهم من التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين # أما بعد فإني نظرت إلى شدة الخلاف واختلاف العقلاء والأذكياء وأهل ~~الرياضات العظيمة من الرهبان وسائر أجناس أهل الأديان ثم إلى ما وقع من ذلك ~~بين أهل الإسلام من أهل القوانين العلمية البرهانية وأهل القوانين الرياضية ~~الرهبانية وأهل التفاسير والتآويل للآيات القرآنية وأهل الآثار والأنظار في ~~الفروع الظنية فرأيت اختلافا كبيرا وتعاديا نكيرا وتباعدا كثيرا سبق إلى ظن ~~الناظر فيه أنه لا طريق له مع سعة ذلك إلى تمييز المحق من المبطل والمصيب ~~من المخطئ بالدليل الصحيح لأن التمييز الصحيح لذلك لا يحصل إلا بعد بلوغ ~~الغاية القصوى في طرق جميع هذه الطوائف حتى يعترف له بالإمامة في كل فن من ~~تلك الفنون كل أمام بها وعارف # ويتقن علم كل فرقة مثل اتقان كل من أئمتهم لدعواهم وحقائقهم مميزا ~~لمعارفهم ومزالقهم والعمر أقصر من أن يتسع لذلك مع تفريغه عن PageV01P009 ~~الشواغل المزاحمة لذلك تم الطلب الشديد له فكيف يتيسر علم جميع ذلك في أول ~~أوقات التكليف مع الشواغل الجمة والتقصير الكثير من الأكابر المتصدرين ~~للتعليم كيف للمتعلمين المقصرين على تلقن مذاهب أسلافهم من غير الثقات إلى ~~الإهتمام بتحقيق أدلتهم التي تخصهم دع عنك الإهتمام بأدلة خصومهم وتحقيقها ~~مع شدة الإشكالات ودقتها ومعارضة الأذكياء والرهبان بعضهم لبعض في كل ملة ~~وكل فرقة ومع استمرار من ms001 ظاهره الفهم والإنصاف من أهل الإسلام على ذلك ~~الإختلاف فعظمت هذه الفكرة عندي واهتم لها قلبي لولا ما عارضها من العلم ~~اليقين بل الضروري بما للأكثرين من العقائد الباطلة ومعارضة الحق الواضح ~~بالشبه الساقطة وتعرف ذلك بمطالعة كتب الملل والنحل والأهواء والتجاهل ~~فنظرت في كيفية النجاة مع ذلك مستمدا من الله تعالى داعيا طالبا راغبا ~~راهبا وان الله تعالى وله الحمد والشكر والثناء وفقني حينئذ إلى أوضح الطرق ~~في علمي وأبعدها من الشبه والشكوك إلى معرفة ما تمس الضرورة إلى معرفته من ~~الحق الذي تخاف المضرة بجهله وهو الذي جاء الإسلام بوجوب معرفته أو أمر بها ~~أو ندب إليها من الكتاب والسنة دون معرفة ما لم يدل عقل ولا سمع على وجوب ~~معرفته ولا ثبت في الشريعة استحبابها وبترك هذا القسم يسهل الأمر ويهون ~~الخطب فإن الذي وسع دائرة المراء والضلال هو البحث عما لا يعلم والسعي فيما ~~لا يدرك وطول السير والسعي في الطريق التي لا توصل إلى المطلوب والإقتداء ~~بمن يظن فيه الإصابة وهو مخطئ والإشتغال بالبحث عن الدقائق التي لا طريق ~~إلى معرفتها ولا يوصل البحث عنها إلى اليقين ولا إلى الوفاق ولا ظهرت للخوض ~~فيها مع طوله ثمرة نافعة لا باليقين صادعة ولا للإفتراق جامعة ولا روي عن ~~أحد من الأنبياء عليهم السلام ولا صح عن أحد من السلف الكرام # وربما انقطع هذا العمر القصير في تلك الطرق البعيدة قبل البلوغ إلى ~~المقصود بها وهو معرفة الحق الواجب من الباطل المهلك ومعرفة المحق من ~~المبطل وليس الطلب لكل علم بمحمود ولا كل مطلوب بموجود أما الثانية فوفاقية ~~وأما الأولى فعقلا وسمعا أما العقل فإنه لا يحسن قطع PageV01P010 # الأوقات في وزن الحجارة وكيل التراب ونحو ذلك مما لا يفيد والعلة أنه عبث ~~ولعب لا يضر ولا ينفع فكيف بما يضر أو لا يؤمن أنه يضر وقد ذكر نحو ذلك ~~القاضي جعفر رحمه الله تعالى وأما السمع فقد قال تعالى في متعلمي السحر ~~أنهم يتعلمون ما يضرهم ولا ms002 ينفعهم وقال تعالى @QB@ فلما جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم @QE@ صلى الله عليه وسلم والآية تقتضي ~~ذم علمهم وذمهم به # وفي الحديث أن من العلم جهلا قال ابن الأثير في النهاية قيل في تفسيره ~~وهو أن يتعلم ما لايحتاج إليه كالنجوم وعلوم الأوائل ويدع ما هو محتاج اليه ~~في دينه من علم القرآن والسنة وقال تعالى @QB@ ولو جعلناه ملكا لجعلناه ~~رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون @QE@ وعلم آدم الاسماء دون الملائكة وآتانا ~~من العلم قليلا مع قدرته على أن يؤتينا كثيرا فقال في ذلك @QB@ وما أوتيتم ~~من العلم إلا قليلا @QE@ يوضحه قول الخضر لموسى عليهما السلام ما علمي ~~وعلمك وعلم جميع الخلائق في علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من ~~هذا البحر وقال لموسى أنا على علم من علم الله لا ينبغي لك أن تعلمه وأنت ~~على علم من علم الله لا ينبغي لي أن أعمله فدل ذلك كله على أنه لا ينبغي ~~لعاقل أن يتعرض لعلم ما لم يعلمنا الله ورسوله ويتضح معقوله ومنقوله لقول ~~الملائكة عليهم السلام لا علم لنا إلا ما علمتنا وإلى ذلك الإشارة بقوله ~~تعالى @QB@ قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي @QE@ وهذه الآية ~~دالة على أن كتب الله لا تخلو من البراهين المحتاج اليها في أمر الدين كما ~~سيأتي في هذا المختصر مستوعبا إن شاء الله تعالى # وفي قول الملائكة لا علم لنا إلا ما علمتنا إشارة إلى ذلك بل دلالة واضحة ~~لأنهم حين قطعوا على فساد آدم مع اخبار الله تعالى لهم أنه مستخلفه في ~~الأرض إنما أتوا من خوضهم فيما لم يعلمهم الله تعالى إذ لو كان من تعليم ~~الله ما أخطأوا فيه فلما تبين لهم خطأهم نظروا من أين جاءهم الخطأ على علو ~~منزلتهم فعرفوا أنهم أخطأوا لما تعرضوا لعلم ما لم يعلمهم الله PageV01P011 ~~سبحانه فقالوا حينئذ @QB@ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا @QE@ فهذا وهم ~~أحق الخلق بالعلم والكشف للغائبات فإنهم أنوار وعقول بلا ms003 شهوات حاجبة ولا ~~أهواء غالبة ولذلك ذم الله الذين في قلوبهم زيغ بابتغاء تأويل المتشابه ~~ومدح الراسخين بالإعتراف بالعجز كما هو معروف عن علي عليه السلام في أمالي ~~السيد الامام أبي طالب عليه السلام وفي نهج البلاغة على ما سيأتي تقريره ~~والحجة عليه وذم اليهود على تعاطي ما لم يعلموا فقال تعالى @QB@ ها أنتم ~~هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم @QE@ # ومن ذلك أن الله تعالى أرى رسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين يوم بدر ~~الكثير من المشركين قليلا في المنام ثم في اليقظة للمصلحة واختلف لمن ~~الضمير في قوله تعالى @QB@ يرونهم مثليهم رأي العين @QE@ وقال سبحانه في ~~الساعة @QB@ أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى @QE@ أي أخفي علمها الجملي ~~وأما تعيين وقتها فقد أخفاه من الخلق كما قال @QB@ ثقلت في السماوات والأرض ~~لا تأتيكم إلا بغتة @QE@ وكفى بذلك حجة صادعة على أن المصلحة للخلق قد تعلق ~~بجهل بعض العلوم ومما يوضح ذلك قول عيسى عليه السلام @QB@ ولأبين لكم بعض ~~الذي تختلفون فيه @QE@ كما ذكر في الكشاف ولأن حكمة الله وحكمه الذي لا ~~يغالب قد يقتضي ذلك عموما كما اقتضت كتم الآجال على الاكثرين # وجاء في الحديث الصحيح أن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أول رؤيا عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال له أصبت بعضا وأخطأت بعضا فسأله بيان ما أصاب ~~فيه وما أخطأ فأبى عليه فقال أقسمت عليك الا ما أخبرتني فقال لا تقسم فهذا ~~مع اكرامه له وانه على خلق عظيم كما قال الله تعالى فلولا أن الجهل ببعض ~~الأمور قد يكون راجحا أو واجبا لما تخلف PageV01P012 عن اخباره بعد هذا ~~الالحاح الكثير من هذا الصاحب الكبير فدل على أنه ليس في كل علم صلاح ~~العباد وأن قدرنا أنه يحصل من غير خطأ ولا تعب ولا خطر فكيف مع خوف الفوت ~~والخطر العظيم والتعب الشديد بل هو مع تحقق ذلك في حق الأكثرين بالتجارب ~~الضرورية # ومن ذلك قول رسول ms004 الله صلى الله عليه وسلم حين رفع علم ليلة القدر وسئل ~~عنها وعسى أن يكون خيرا لكم رواه البخاري وقوله في حديث معاذ دعهم يعملوا ~~متفق على صحته وشواهده جمة كثيرة صحيحة ومن ذلك وهو أعظمه وأشهره قصة الخضر ~~وموسى عليهما السلام وهي شافية كافية وهي صريحة في اختلاف المصالح في ~~العلوم ومنه قوله تعالى بعد حكاية الإختلاف بين داود وسليمان عليهما السلام ~~@QB@ وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ # وذكر الشيخ أبو القاسم البلخي في مقالاته المشهورة العامة فقال هنيئا لهم ~~السلامة مرتين أو ثلاثا وفي شعر العلامة ابن أبي الحديد المعتزلي وقد حكى ~~كثرة بحثه في علم الكلام حتى قال # ( وأسائل الملل التي اختلفت % في الدين حتى عابد الوثن ) # ( وحسبت أني بالغ أملي % فيما طلبت ومبريء شجني ) # ( فاذا الذي استكثرت منه هو % الجاني على عظائم المحن ) # ( فضللت في تيه بلا علم % وغرقت في يم بلا سفن ) # وقال الفخر الرازي في ذلك # ( العلم للرحمن جل جلاله % وسواه في جهلاته يتغمغم ) # ( ما للتراب وللعلوم وإنما % يسعى ليعلم أنه لا يعلم ) # وقال صاحب نهاية الاقدام # ( قد طفت في تلك المعاهد كلها % وسيرت طرفي بين تلك المعالم ) # ( فلم أر إلا واضعا كف حائر % على ذقن أو قارعا سن نادم ) PageV01P013 ~~فهذا كلام سلاطين أئمة المعارف العقلية من فريقي الملة الإسلامية وسيأتي ~~هذا مبسوطا في موضعه # فأما بعض الطلبة من أتباع أهل الكلام الذين قلدوا في تلك القواعد وهم ~~يحسبون أنهم من المحققين فهم أبلد وأبعد من أن يعرفوا ما أوجب اعتراف هؤلاء ~~الأئمة بالجهل والعجز وإنما هم بمنزلة من سمع أخبار الحروب والشجعان وهؤلاء ~~الأئمة بمنزلة من مارس مقارعة الأبطال ومنازلة الأقران ولا يلزم من التزهيد ~~في طلب ما لا يحصل والاشتغال بما يضر من علوم الفلاسفة والمبتدعة التزهيد ~~في العلم النافع وسيأتي اشباع القول في عظم فضله والحث عليه بعد تقرير صحته ~~والرد الشافي على من نفاه # ومن ها هنا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم بالإقتصاد في ~~الأمور وقال إن المنبت ms005 لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى وهو الذي اختاره الله ~~تعالى معلما للأميين ورحمة للعالمين وعلم بالضرورة لا بأخبار الآحاد إن ذلك ~~كان خلقه ودينه عند العلماء النقاد فتعين حينئذ طلب الطريق القريبة الممكنة ~~التي هي فطرة الله التي فطر الناس عليها كما نص على ذلك في كتابه الكريم ~~وسنة رسوله عليه أفضل صلى الله عليه وسلم ولولا ما وقع فيها من التغيير لما ~~احتاجت إلى طلب ولكنه قد وقع فيها التغيير كما أخبر بذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته عند أهل النقل وفيه تفسير الفطرة ~~وتقريرها من المبلغ المبين لما أنزل عليه من الهدى والنور حيث قال ( كل ~~مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ) وفي ذلك ~~يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في ممادح ربه سبحانه ~~وتعالى التي أودعها خطبه في محافل المسلمين وأما العارفين وعلمها من حضره ~~من خيار المؤمنين حيث قال في محامد رب العالمين لم يطلع العقول على تحديد ~~صفته ولم يحجبها عن واجب معرفته فهو الذي يشهد له أعلام الوجود على إقرار ~~قلب ذي الجحود وقد جود في شرحه ونصرته العلامة ابن أبي الحديد وعزاه إلى ~~قاضي القضاة وفرق بينه وبين قول الجاحظ فقال أنا ما ادعينا في هذا المقام ~~إلا أن العلم بإثبات الصانع هو الضروري والجاحظ PageV01P014 ادعى في جميع ~~المعارف أنها ضرورية وأين أحد القولين من الآخر انتهى كلام الشيخ ويدل عليه ~~قوله تعالى @QB@ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه @QE@ وقوله @QB@ الم تنزيل ~~الكتاب لا ريب فيه @QE@ وقوله تعالى @QB@ قالت رسلهم أفي الله شك فاطر ~~السماوات والأرض @QE@ ولذلك كان المختار في حقيقة النظر إنه تجريد القلب عن ~~الغفلات لا ترتيب المقدمات كما ذكره الشيخ مختار المعتزلي في كتابه المجتبى ~~فتأمل ذلك # قلت وبيان هذه الجملة في أمرين أحدهما بيان المحتاج إليه من المعارف ~~الإسلامية في الأصول وهي سبعة أمور كلها فطرية جلية كما يأتي وعليها مدار ~~خلاف العالمين أجمعين وإنما تدرك ms006 بالفطرة قبل التغيير أو مع الشعور بذلك ~~التغيير فإن مداواته بعد الشعور به سهلة وذلك لأن البصيرة في المعلومات ~~كالبصر في المحسوسات كلاهما مخلوقان في الأصل على الكمال ما لم يغيرا فمتى ~~وقع فيهما التغيير ولم يشعر به صاحبه فحش جهله وخطأه ومتى شعر بذلك سهل ~~علاجه واستداركه والحكم عليه بحكم العميان والله المستعان الأمر الثاني ~~بيان أن خوض جميع المتكلمين في عقائدهم الخلافية بين الفرق الإسلامية يتوقف ~~دائما أو غالبا على الخوض في مقدمات لتلك العقائد وجميع تلك المقدمات مختلف ~~فيها أشد الاختلاف بين أذكياء العالم وفحول علم المعقولات من علماء الإسلام ~~دع عنك غيرهم ومن شرط المقدمات أن تكون أجلى وأن لا تكون بالشك والإختلاف ~~أولى فلينظر بإنصاف من كان من أهل النظر من علماء الكلام في تلك القواعد ~~الدقيقة والمباحث العميقة والمعارضات الشديدة والمناقشات اللطيفة في أحكام ~~القدم ومتى يصح من الله تعالى إيجاد الحوادث وما لزم كل خائض في ذلك حتى ~~التزم بعض شيوخ الكلام نفي القدرة على تقديم الخلق عن وقته وبعضهم أن ~~الحوادث لا نهاية لها في الابتداء كما لا نهاية لها في الإنتهاء وقال ~~جمهورهم أنه قادر في القدم ولا يصح منه الفعل فيه مع قدرته وكذلك اختلافهم ~~فيما تعلق به العلم في القدم وفي أحكام الوجود والموجود وهل هما شيء واحد ~~على PageV01P015 التحقيق أو بينهما فرق دقيق وفي دعوى أبي هاشم وأصحابه أن ~~الثبوت غير الوجود حتى جمعوا بين الثبوت والعدم دون الوجود والعدم وقضوا ~~بأن الله تعالى لا يدخل في قدرته سبحانه أن يكون هو المثبت للأشياء الثابتة ~~في العدم مع قضائهم بثبوت جميع الأشياء في العدم بغير مؤثر وإنما تفسير خلق ~~الله للأشياء عندهم أن يكسبها بعد ثبوتها صفة الوجود مع مخالفة جمهور ~~العقلاء لهم في ذلك # وفي أدلتهم عليه كما أوضحه صاحبهم أبو الحسين وأصحابه وأوضحوا أيضا ~~مخالفتهم في اثبات الأكوان والإستدلال بها إلى أمثال لذلك كثيرة مما اشتملت ~~عليه التذكرة لابن متويه والملخص للرازي وشرحه والصحائف الإلهية لبعض ms007 ~~الحنفية ونحوها من جوامع هذا الفن فعلى قدر ما في تلك القواعد من الشكوك ~~والإحتمالات تعرف ضعف ما تفرع عنها # ولعل كثيرا من النظار المتأخرين يعترف بأنها محارات ومجاهل لا هداية ~~للعقول فيها إلى اليقين ثم يعتقد أن عقائده المبنية عليها صحيحة قطعية وهذه ~~غفلة عظيمة فإن الفرع لا يكون أقوى من الأصل لا في علوم السمع ولا في علوم ~~العقل ثم أن المتكلمين كثيرا ما يقفون المعارف الجليلة الواضحة على أدلة ~~دقيقة خفية فيتولد من ذلك مفاسد منها إيجاب ما لا يجب من الإستدلال وتكلفه ~~وتكليفه المسلمين ومنها تكفير من لا يعرف ذلك أو تأثيمه ومعاداته ومع ذلك ~~تحريمه يؤدي إلى حرام آخر وهو التفرق الذي نص القرآن الكريم على النهي عنه ~~ومنها تمكين أعداء الإسلام من التشكيك على المسلمين فيه وفي أمثاله ومنها ~~الإبتداع وتوسيع دائرته وما أحسن قول أمير المؤمنين علي عليه السلام في مثل ~~ذلك العلم نكتة يسيرة كثرها أهل الجهل # ولنذكر شيئا من ذلك نخرج به عن التهمة بدعوى ما لم يكن منهم فنقول انا لا ~~نحتاج إلى دليل على وجوب الله تعالى بعد علمنا بالضرورة الفطرية أنه الذي ~~أوجد الموجودات وخلق العوالم ودبرها واستحق المحامد جميعها والأسماء الحسنى ~~كلها وأنه على كل شيء قدير وبكل شيء عليم خبير وهذا هو قول الشيخ أبي ~~الحسين وأصحابه وأكثر العقلاء وجماهير الأمة وذهب الشيخ أبو هاشم الجبائي ~~وأتباعه إلى أنا بعد علمنا بذلك كله نشك هل هو سبحانه موجود أو معدوم بعد ~~علمنا بأنه موجد PageV01P016 الموجودات ومدبرها القيوم بها وأنا بعد العلم ~~بذلك ومعه نحتاج إلى النظر الدقيق في دليل يدل على أن خالقنا الكامل ~~الأسماء والنعوت غير معدوم ولا يكفينا العلم بأنه خالقنا ومدبرنا دليلا على ~~وجوده قط وغفلوا عن كون وجود الخالق القيوم بخلقه أقوى في التعريف بوجوده ~~من الدليل الذي يتكلفونه على ذلك في فطر العقلاء وأنه إن أمكن الشك في هذه ~~الفطرة أمكن الشك في دليلهم عليها إذ لا يمكن أن يكون أقوى ms008 منها بل هو أخفى ~~بغير شك كما يعلم ذلك من وقف على أدلتهم في ذلك وقد كنت أوردتها هنا وبيان ~~ما فيها من الشكوك ثم صنت ديباجة هذا المختصر من ذلك ونحوه من علم الجدل ~~ورأيت أن أورد ذلك في فصل مفرد في آخر هذا المختصر إن شاء الله تعالى وإلا ~~فهي في العواصم مجموعة وفي كتب الكلام مفرقة وإنما فعلت ذلك معا ليسلم أولا ~~من كدورته أهل الاثر ثم ينتفع ثانيا بالنظر في الشكوك الواردة عليه أهل ~~الكلام والنظر إن شاء الله تعالى وإنما اضطر أبو هاشم وأتباعه إلى ذلك ~~لأنهم جوزوا للمعدوم تحققا في الخارج لا في الذهن على ما حققه الشيخ مختار ~~المعتزلي في كتابه المجتبى في الفصل الرابع في صفات الله تعالى # واعلم أن كثرة التعنت في النظر تؤدي إلى طلب تحصيل الحاصل والتشكيك فيه ~~وقد جربنا ذلك وتأثيره في الموسوسين في الطهارة وفي النية وأمثالهما من ~~الأمور الضرورية فإذا صح مرض العقول في الضروريات بسبب التعنت والغلو في ~~تحصيل الحاصل فكيف إذا وقع هذا السبب في محارات العقول ودقائق الكلام وتوهم ~~المبتلي بالوسوسة أنه لا طريق له إلى معرفة الله تعالى إلا تلك الدقائق ~~الخفية والقواعد المختلف فيها بين أذكياء البرية ومن أمارة عدم اليقين فيها ~~استمرار الخلاف بعد طول البحث من الأذكياء من أهل الإنصاف ومن علماء أهل ~~الإسلام ولا تحسبن أن العلة في ذلك وقتها بل العلة عدم الطريق إلى معرفتها ~~يوضح هذان علم الحساب والفلك وتسيير الشمس والقمر ومعرفة أوقات الكسوفيين ~~من أدق العلوم ومع دقته فإن غالبه صحيح متفق عليه بين العارفين له وما كان ~~منه خفيا ظنيا فهو معروف بذلك بين أهله وعكس ذلك علم أحكام النجوم ~~PageV01P017 في حدوث الحوادث فإن غالبه باطل لأنها لم تصح منه المقدمات فدل ~~الضعف والإختلاف على ضعف القواعد لا على دقتها ولذلك لا يختلف أهل الحساب ~~الدقيق في الفرائض وقسمة المواريث في المناسخات ونحوها مع دقته ولذلك لا ~~تختلف علماء العربية والمعاني والبيان في ms009 كل دقيق بل يتفقون حيث تكون ~~المقدمات صحيحة وإن دقت ولا يختلفون إلا حيث تكون المقدمات ظنية بل ~~المتكلمون في الحقيقة كذلك لكنهم إنما يتفقون في أمور يستغنى في معرفتها عن ~~علم الكلام وعن معرفتها في علم الكلام ثم يختصون من بين أهل العلوم بدعوى ~~القطع في مواضع الظنون وتركيب التعادي والتأثيم والتكفير على تلك الدعاوى ~~إلا أفرادا من أئمتهم وأذكيائهم توغلوا حتى فهموا أنهم انتهوا إلى محارات ~~منتهى العقول فيها الميل إلى إمارات ظنية فرجعوا إلى التسليم وترك التكفير ~~كما سيأتي بيان ذلك عنهم ونصوصهم فيه # ومن العبر الجلية في هذا للمتأملين أن أهل الدنيا الموصوفة بأنها لعب ~~ولهو ومتاع قد اتقنوا موازين معرفة الحق من الباطل فيما بينهم وتمييز يسير ~~الحيف في ذلك حتى لا يستطيع أحد تدليس الباطل مع وزنهم وتمييزهم لذلك بتلك ~~الموازين الموصلة إلى العلم اليقين القاطع لا مكان اللجاج والخلاف من ~~المخالفين فلو استطاع أهل الكلام أن يضعوا في أمور الدين المهمة موازين حق ~~تميز الحق من الباطل على وجه واضح يقطع الخلاف ويشفي الصدور مثل موازين أهل ~~الدنيا ما كرهوا ذلك وهم لا يتهمون بالتقصير في ذلك وإنما أتوا من أنهم ~~تركوا الإعتماد على تعلم الحق من الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه الذي أنزله من أنزل الميزان ليتعرف به الحق بعد دلالة الإعجاز ~~على صدقه كما يعرف الحق في الأموال بالميزان بعد دلالة العقل على صحته ~~ولذلك جمعهما الله تعالى في قوله @QB@ الله الذي أنزل الكتاب بالحق ~~والميزان @QE@ أنزل الكتاب لتعريف الحق الديني والميزان لتعريف الحق ~~الدنيوي فترك الأكثرون الإعتماد عليه لما سنذكره من الأسباب التي ظهرت في ~~أعذار PageV01P018 المخالفين وان كان السبب الأكبر الذي أخبر عنه علام ~~الغيوب حيث يقول @QB@ لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون @QE@ ~~وتعرضوا لما لا يمكن من ايضاح المحارات التي لا تتضح والسير في الطرق التي ~~لا توصل والوزن بالموازين التي لم ينزلها الله تعالى ولا علمتها رسله ولا ~~اجتمعت عليها ms010 عقول العقلاء وفطن الأذكياء وما خرج عن ذلك كله فمن أين له ~~الوضوح حتى يكون له ميزان يميز به الحق من الباطل عند الدقة والخفاء ~~والإختلاف الشديد فتأمل ذلك بإنصاف # وأعجب من كل عجيب تكفير بعضهم لبعض بسبب الإختلاف في هذه المحارات ~~الخالية من ذلك كله وقد قال الله تعالى بعد الأمر بوفاء الكيل والوزن @QB@ ~~لا نكلف نفسا إلا وسعها @QE@ مع وضوح الوفاء فيهما وامكان الإحتياط فكيف ~~حيث يدق ويتعذر فيه الإحتياط لكن قد يمكن أن لا يسامحوا في ذلك من جهة أن ~~الضرورة بل الحاجة لم تدع إليه كالوزن هذا مع ما في التكفير للمخطئ في هذه ~~الدقائق من المفسدة وذلك عدم جسرة الناظر على المخالفة لأنها صارت مثل ~~الردة من الدين ولولا ذلك لاتضح كثير من الدقائق فإن أوائل أهل علم الكلام ~~لابد أن يقصروا كما هو العادة الدائمة في كل من ابتدأ ما لم يسبق إليه فلما ~~كفروا المخالف كتم بعضهم المخالفة وتكلف بعضهم الموافقة بالتأويل البعيد ~~وفسد الاكثرون وقد ذكر نحو هذا في دلائل اعجاز القرآن أنه أسلوب مبتدأ جاء ~~على الكمال فحرق العادات بذلك على أن في علم الكلام من الخطر ما لا يتعرض ~~له حازم بعد معرفته وذلك ما ذكره السيد المؤيد بالله صلى الله عليه وسلم ~~فانه ذكر في أواخر كتابه ما ذكره في الزيادات ما لفظه # | فصل فيما يجب على العامي والمستفتي # قال صلى الله عليه وسلم والأولى عندي ترك الخوض فيما لا تمس الحاجة إلى ~~معرفته من علم الكلام لأن الصحيح من المذهب أن الجهل قبيح ويجوز أن يصيره ~~إلى حالة يستحق صاحبها الخلود في النار وهذا غير مأمون لو نظر في مسألة من ~~الكلام PageV01P019 وأخطأ ولو لم يشتغل بها وترك النظر فيها أمن ذلك ولو ~~أصاب كان ما يستحق من الثواب على الإصابة يسيرا والعاقل إذا اختار الحزم ~~اختار الاعراض عنها دون النظر فيها إلى آخر كلامه في ذلك وأراد صلى الله ~~عليه وسلم بالجهل القبيح الجهل الاصطلاحي عند أهل ms011 الكلام وهو اعتقاد الشيء ~~على خلاف ما هو عليه لا الجهل اللغوي الذي هو التوقف في موضعه فهو الذي أمر ~~به وحكم بنجاة صاحبه ومن عيوب علم الكلام تعرضهم لما لا نفع في الخوض فيه ~~مع عدم الامان من المضرة فيه كالخوض في الروح والنفس وانهما شيء واحد أو ~~شيئان مختلفان فان أدلتهم في ذلك كله ضعيفة ظنية وأحسن ما يستدلون به في ~~ذلك هو التلازم وليس من الأدلة القاطعة وقد اختار ابن متويه والحاكم منهم ~~وغيرهما أن الروح هو النفس الجاري بفتح الفاء لأجل التلازم فوهموا وهما ~~فاحشا فان الجنين في بطن أمه لا يتنفس بعد حياته ونفخ الروح فيه بالنص ~~والحس بل حيوان الماء لا يتنفس فيه ولو سلم لهم جواز دوام التلازم لم يكن ~~حجة قاطعة على اتحاد النفس والروح فليحذر الخوض في أمثال ذلك لقوله تعالى ~~@QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ ولما تقدم من كلام المؤيد بالله في ذلك ~~وقد وافق المؤيد بالله على ذلك خلائق من أئمة العترة والامة كما ذكره صاحب ~~الجامع الكافي عن محمد بن منصور في كتاب الجملة والالفة وحكى الحاكم ~~المعتزلي في مختصر له جلي في معرفة الله أن جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب من ~~أئمة الكلام رجعا عن الخوض في دقيقه وقد بالغ الغزالي في احياء علوم الدين ~~ولا حاجة إلى التطويل بذكر ذلك وهو معروف في مواضعه # وإني لما رأيت طريق النجاة من علم الكلام مما لا يجتمع عليها أهل الكلام ~~دع غيرهم ورأيتها ان كانت طريقا صحيحة فانها متوقفة ولا بد على التحقيق فيه ~~والبحث العميق عن الطائفة وخوافيه المودعة في علم اللطيف الذي تذكره ابن ~~متويه من مختصراته وجلياته وملخص الرازي من موجزاته ومتوسطاته وأئمة أهله ~~أعي علم الكلام في غاية المباعدة PageV01P020 والمنافاة حتى أن الشيخ أبا ~~الحسين ذكر أنه يكفي في معرفة بطلان مذاهب أصحابه البهاشمة من المعتزلة ~~مجرد معرفة مقاصدهم مع أنهم الجميع من أئمة الاعتزال هذا مع وقوع كثير من ~~أئمة ms012 الكلام في الشك والحيرة # فلما عرفت ذلك كله علمت من غير شك صعوبة معرفة طريق النجاة من هذا الفن ~~على الاكثرين # وقد ألهم الله تعالى وله الحمد والشكر والثناء إلى أسهل طريق وأخصره في ~~علمي إلى اليقين والنجاة ونصرة طريق الصحابة والسلف التي علم تقريرهم عليها ~~بالضرورة من الدين وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها وإنما عنيت في ~~توضيحها وتجديدها بعد درسها ومداواة ما قد وقع من تغيير المغيرين لها كما ~~أشار إليه الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم ( فأبواه يهودانه وينصرانه ) ~~كما تقدم # وبيان ذلك أني تأملت جميع الاختلاف الواقع بين الناس من الملل الكفرية ~~والفرق الاسلامية فإذا هو على كثرته وتشعبه يرجع في الجملة إلى سبعة أشياء ~~مدركها بالفطرة قريب بعون الله تعالى بل هي فطرة الله التي فطر الناس عليها # أولها اثبات العلوم الضرورية التي يبتني الاسلام على ثبوتها وثانيها ثبوت ~~الرب عز وجل وثالثها توحيده سبحانه وتعالى ورابعها كماله بأسمائه الحسنى ~~وخامسها ثبوت النبوات وصحتها في الجملة وسادسها الايمان بجميعهم وعدم ~~التفريق بينهم وسابعها ترك الابتداع في دينهم بالزيادة على ما جاؤا به ~~والنقص منه فاذا تأملت هذه الأمور السبعة بالفطرة الأولى السليمة من ~~التغيير بالعادات والطوارئ المغيرات لم تشك أن الخطر المخوف من عقاب الآخرة ~~مأمون في جميعها وأما الستة الأولى فمجموعها هو دين الاسلام الذي فطر الله ~~عباده على معرفته والخلاف في كل واحد منها كفر يجمع عليه والأدلة عليها ~~جلية وفاقية بين المسلمين ولا يمكن وجود أحوط منها ولا أولى وأحرى كما قال ~~تعالى @QB@ فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا @QE@ وأما السابع وهو عدم الزيادة ~~والنقص في الدين فهو PageV01P021 العصمة من البدع المفرقة بين المسلمين وهو ~~لاحق بما قبله في ثبوته في الفطرة مع اضطرار كاره البدعة اليه لكن لا يثبت ~~فيه التكفير غالبا كما ياتي شرحه في موضعه # وسر هذا الكلام أن العذاب الأكبر مخوف في المخالفة لأحد هذه القواعد ~~السبعة الجليلة والعقل والسمع مجتمعان على حسن السعي في دفع المضار ms013 المخوفة ~~المجوزة التجويز لمستوى الطرفين ووجوب السعي في دفع المضار المطلوبة ووجوب ~~السعي في الاحتياط في ذلك وهذا معلوم في فطر العقلاء ومع كونه معقولا فقد ~~ذكره الله تعالى في كتابه المبين وذكر العقلاء به إن كانوا عنه غافلين فقال ~~في ذلك رب العالمين @QB@ قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ~~ممن هو في شقاق بعيد @QE@ وقال عز وجل في آية أخرى @QB@ قل أرأيتم إن كان ~~من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم ~~إن الله لا يهدي القوم الظالمين @QE@ وقال سبحانه حكاية عن خليله إبراهيم ~~عليه السلام @QB@ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ~~ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون @QE@ @QB@ ~~وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ~~@QE@ ومنه ما حكاه الله تعالى عن مؤمن آل فرعون من قوله @QB@ أتقتلون رجلا ~~أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن ~~يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم @QE@ وفي معناه قوله تعالى أيضا @QB@ ويا ~~قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار @QE@ الآيات وهو بين في ~~هذا المعنى لأن السلامة متحققة في الايمان والخطر مأمون فيه والمهالك مخوفة ~~في مخالفته وقد أحسن كل الاحسان في دعاء قومه ولذلك حكى الله تعالى حسن ~~احتجاجه عليهم فينبغي تأمله والانتفاع به ولذلك أتبع الله البرهان بالتخويف ~~بالموت الضروري PageV01P022 والمعاد إليه النظري في قوله تعالى @QB@ كيف ~~تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ~~@QE@ فان الكفر مع مجموع هذه الأمور أنكر الكفر وأفحشه فان البراهين تكفي ~~العارفين والمخاوف توقظ نيام الغافلين وتلين قساوة العاتين الماردين ومع ~~ذلك تقوى دواعي العارفين وتقاوم وساوس الشياطين ومن ذلك قوله تعالى @QB@ ~~وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر @QE@ وهذا القدر أعني الدخول في ~~الاسلام على جهة الاحتياط من غير علم بصحته بالأدلة ms014 يحصل أدنى مراتب ~~الاسلام عند كثير من علماء الاسلام كمن لا يكفر المقلدين لأهل الحق ومن ~~يقول المعارف ضرورية وغيرهم وحجتهم على ذلك أمور منها تقرير النبي صلى الله ~~عليه وسلم للعامة وقبول الشهادة منهم ومنها قوله تعالى @QB@ قالت الأعراب ~~آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن ~~تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم @QE@ وآخر ~~الآية حجة حسنة على ذلك ومنها ما صح واشتهر وتواتر في أحاديث الشفاعة من ~~تقرير إيمان المشفوع لهم بمثاقيل الذر وأدنى أدنى أدنى من ذلك ألا ترى أنك ~~تخاف العذاب على المخالفة في كل واحد من هذه السبعة الأمور ولا تخاف العذاب ~~بالقول بواحد منها ولا تجد أحوط منها ولا أنجى فحينئذ علمت بالفطرة علما ~~قريبا جليا تطمئن به القلوب وتؤمن معه من المخوف الأعظم إنه لا يمكن أن ~~يوجد أصح ولا أنجى من المخاوف من دين الاسلام ومتابعة محمد أفضل الصلاة ~~والسلام صلى الله عليه وسلم # فلاحظت في هذا المختصر هذه الأمور السبعة وأشبعت الكلام فيها ونصرتها ~~بجهدي وغاية ما في قدرتي من العبارات الواضحة وضرب الأمثال البينة ثم ~~الآيات والآثار وإن تكلمت في نصرتها من عندي متميزة بأنفسها غير ملتبسة ~~بكلامي فما أخطأت فيه من كلامي وخالفها فعلى كل مسلم رده واجتنابه ~~ومتابعتها دونه فانما قصدي نصرتها لا مخالفتها PageV01P023 فما أصبت فيه ~~فمن الله سبحانه وله فيه المنة والحمد والشكر والثناء وما أخطأت فيه فالذنب ~~مني وعلي فيه البراءة منه والتوبة والاستغفار والتحذير وأشد الكراهة لا فرق ~~بين كراهة ما صدر مني من البدع وما صدر من غيري بل يجب أن أكون أشد كراهية ~~لما صدر مني لأن الصادر مني ذنبي يضرني وأآخذ بسببه والله تعالى يسلمني من ~~البدع والذنوب ويغفر لي ما أخطأت فيه إنه واسع المغفرة والرحمة وهو حسبي ~~ونعم الوكيل لكن المحامي عن السنة الذاب عن حماها كالمجاهد في سبيل الله ~~تعالى يعد للجهاد ما استطاع من الآلات والعدة ms015 والقوة كما قال الله سبحانه ~~@QB@ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة @QE@ # وقد ثبت في الصحيح أن جبريل عليه السلام كان مع حسان بن ثابت يؤيده ما ~~نافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشعاره فكذلك من ذب عن دينه وسنته ~~من بعده إيمانا به وحبا ونصحا له ورجاء أن يكون من الخلف الصالح الذين قال ~~فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ينفون ~~عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين والجهاد باللسان أحد أنواع الجهاد ~~وسبله في الحديث ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) وقد أحسن من قال ~~في هذا المعنى شعرا # ( جاهدت فيك بقولي يوم يختصم الأبطال % أذفات سيفي يوم يمتصع ) # ( إن اللسان لوصال إلى طرق % في الحق لا تهتديها الذبل السرع ) # وقد ذكر الغزالي في المنقذ من الضلال أن الطالبين لليقين ثلاث طوائف منهم ~~أهل الرياضة للقلوب بتصفيتها بالاقبال على الله تعالى وترك ما عداه والتخلق ~~بالأخلاق المجمع على حسنها من الزهد والصبر والتوكل والرضا والعفو ووضع ~~النفس قلت إلى سائر ما ذكروه من أخلاقهم وأحوالهم ومقاماتهم في عوارف ~~المعارف وغيره وهذا لا يمكن اكتسابه بالتصنيف إنما هو بالعمل فمن عمل على ~~موافقة السنة واجتناب البدعة PageV01P024 كان هذا المختصر وأمثاله من ~~بداياته التي تعينه على مقصده وتوصله إلى مراده لأنهم أجمعوا على أن ~~الشريعة لمعارفهم كاللبن للزبد ومن لا لبن له لا زبد له وهذه المقدمة ~~للشريعة وتصفية القلوب المشبهين باللبن والزبد بمنزلة الروح الذي لولاها ~~لما كان الحيوان ولا الزبد ولا اللبن ولكنها حاصلة في الابتداء بالفطرة من ~~الله سبحانه وله الحمد فمن كملت فيه وسلمت من التغيير لم يحتج إلى شيء من ~~هذا وان نظر فيه قوي ما هو عليه من الفطرة بمنزلة السقي لما يشرب بعروقه من ~~البحر فانه لا يحتاج السقي فان سقي زاده قوة وريا والطائفة الثانية ممن ذكر ~~الغزالي أهل التعليم من الامامية وغيرهم فانهم زعموا أن العقول لا تفي ~~بالمعرفة من غير ms016 تعليم الامام المعصوم ولذلك تجد طالبي المعارف النظرية ~~العقلية يتعلمون ذلك من شيوخهم ولا يمكن بالتجارب أن يستقل أحدهم بنظره ~~وعقله من غير شيخ ثم يأتي بتلك القوانين المتقنة مجودة سالمة من المطاعن ~~وعندهم أن هذا من التجريبات الضروريات وقد جود الغزالي الرد عليهم في ~~المنقذ من الضلال وكفى وشفى ثم قال وعلى تسليم ما ذكروه فنحن نلتزمه ولا ~~يضرنا لكن امامنا المعصوم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وموته لا يضرنا ~~كما أن غيبة امامهم لا تضر عندهم بل حالنا أولى فان امامنا المعصوم مات صلى ~~الله عليه وسلم بعد كمال التعليم وامامهم غاب عنهم قبل ذلك وفي هذا المختصر ~~من التعليم النبوي الصحيح المتواتر والصحيح المشهور ما لا يوجد في أمثاله ~~والطائفة الثالثة أهل النظر وقد جمعت في هذا المختصر صفوة أنظارهم وخلاصة ~~أدلتهم ونقاوتها وقصدت تقويتها ورسوخ اليقين فيها بجمع شواهدها وبراهينها ~~الجلية القريبة الغاسلة لأدران الشكوك والريبة النازلة من أهل الايمان ~~بمنزلة الماء القراح من العطشان المشهورة بين أهل البيت الطيبين والصحابة ~~والتابعين وسائر السلف الصالحين التي لا يجر الخوض فيها إلى شيء من البدعة ~~ولا المخاطرة في الدين ولا يمكن أن يكون فيها شيء غيره أحوط منه في علمي ~~والله المستعان والمستغاث والهادي سبحانه لا إله إلا هو وهو حسبي ونعم ~~الوكيل # واعلم أني بنيت هذا المختصر على بيان الحق وتقريره في هذه الأمور السبعة ~~لا سواها وما زاد على ذلك من مواهب الله وعوارفه ومعارفه PageV01P025 ~~وبدائع لطائفه فليس بمقصود لي الكلام عليه ولا أعتب على من خالفني في شيء ~~منه ولا يعاب التقصير فيه فان التطويل في الأمور العارضة يخرج عن المقصود ~~كما ذلك معروف # وإنما قصرت الاهتمام على هذه الامور السبعة لأنها الفطرة التي فطر الله ~~الناس عليها كما تطابق عليه القرآن والسنة وفي ذلك دلالة على أنها تكفي ~~العامي كما ذهب إليه أهل المعارف ما لم تعرض له شبهة قادحة فيتمكن من حلها ~~على طريق السلف القريبة الجلية كما نذكره في ms017 هذا المختصر مع الدعاء واللجأ ~~إلى الله تعالى وما أقرب نفع هذا مع خلق الله القلوب على الفطرة وكثرة مواد ~~هدايته كما ذكره في آية النور وقال الله تعالى @QB@ إن علينا للهدى @QE@ ~~فأكد ذلك بمؤكدين اثنين كما تقول أن زيدا لقائم وقال @QB@ وعلى الله قصد ~~السبيل @QE@ هذا للخلق عموما وللمؤمنين خصوصا @QB@ ومن يؤمن بالله يهد قلبه ~~@QE@ إلى غير ذلك وإنما يؤتى أكثر الخلق من كفرهم بآيات الله البينة ~~وبطلبهم غيرها كما قال تعالى @QB@ سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ~~ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب @QE@ فليحذر ذلك ~~كل الحذر من عدم القنوع بما قنع به السلف من حجج الله تعالى وياله من تخويف ~~شديد ووعيد عظيم # ثم اعلم أن هذا المختصر لا يصلح إلا لمن وضع له كما أن الدواء الخاص بألم ~~خاص لا يصلح لكل ألم ولا لكل أليم فمن كان يحتاج البسط إلا الحوافل الكبار ~~من مصنفات المصنفين من أذكياء النظار وقد يكون في هذا المختصر الاشارة إلى ~~تلك الكتب الحافلة والتنبيه عليها لمن يحتاج إلى ذلك والدال على الخير ~~كفاعله ولكن لكل مقام مقال ولكل مجال رجال والكتب البسيطة في علم اللطيف لا ~~تصلح لمن يخاف عليه من السبه كما أن السباحة في لجج البحار لا تصلح إلا ~~لأهل الرياضة التامة في ذلك بعد طول PageV01P026 التجارب وأرجو إن شاء الله ~~تعالى أن لا يخلو هذا المختصر من أحد المعاني الثمانية التي تصنف لها ~~العلماء بل من كل واحد منها وهي اختراع معدوم أو جمع مفترق أو تكميل ناقص ~~أو تفصيل مجمل أو تهذيب مطول أو ترتيب مخلط أو تعيين مبهم أو تبيين خطأ كذا ~~عدها أبو حيان وتمكن الزيادة فيها # وإنما جمعت هذا المختصر المبارك إن شاء الله تعالى لمن صنفت لهم التصانيف ~~وعنيت بهدايتهم العلماء وهم من جمع خمسة أوصاف معظمها الاخلاص والفهم ~~والانصاف ورابعها وهو أقلها وجودا في هذه الاعصار الحرص على معرفة الحق من ~~أقوال المختلفين ms018 وشدة الداعي إلى ذلك الحامل على الصبر والطلب كثيرا وبذل ~~الجهد في النظر على الانصاف ومفارقة العوائد وطلب الاوابد فان الحق في مثل ~~هذه الاعصار قلما يعرفه إلا واحدا بعد واحد وإذا عظم المطلوب قل المساعد ~~فان البدع قد كثرت وكثرت الدعاة اليها والتعويل عليها وطالب الحق اليوم ~~شبيه بطلابه في أيام الفترة وهم سلمان الفارسي وزيد بن عمرو بن نفيل ~~وأضرابهما رحمهما الله تعالى فانهم قدوة الطالب للحق وفيهم له أعظم أسوة ~~فانهم لما حرصوا على الحق وبذلوا الجهد في طلبه بلغهم الله إليه وأوقفهم ~~عليه وفازوا من بين العوالم الجمة فكم أدرك الحق طالبه في زمن الفترة وكم ~~عمي عنه المطلوب له في زمن النبوة فاعتبر بذلك واقتد بأولئك فان الحق ما ~~زال مصونا عزيزا نفيسا كريما لا ينال مع الاضراب عن طلبه وعدم التشوف ~~والتشوق إلى سببه ولا يهجم على المبطلين المعرضين ولا يفاجئ أشباه الانعام ~~الغافلين ولو كان كذلك ما كان على وجه الأرض مبطل ولا جاهل ولا بطال ولا ~~غافل وقد أخبر الله تعالى أن ذرء جهنم هم الغافلون فانا لله وإنا إليه ~~راجعون ما أعظم المصاب بالغفلة والمغتر بطول المهلة # ومن أعجب العجائب دعوى المقلدين للمعارف ودعوى المتعصبين للانصاف وأمارة ~~ذلك أنك تجد العوالم الكثيرة في لطائف المعارف المختلف فيها على رأي رجل ~~واحد من القدماء في الامصار العديدة والاعصار المديدة PageV01P027 فلو ~~كانوا في ترك التقليد كالأوائل لاشتد اختلافهم في الدقائق ولم يتفقوا على ~~كثرتهم وطول أزمانهم وتباعد بلدانهم واختلاف فطنهم كما قضت بذلك العوائد ~~العقلية الدائمة ولو كان الجامع لفرقتهم مع كثرتهم هو الوقوف على الحقائق ~~في تلك الدقائق لكانوا أكثر من مشايخهم الاقدمين علما وتحقيقا وانصافا ~~وتجويدا لكن المعلوم خلاف ذلك فاياك أن تسلك هذه المسالك فان نشأة الانسان ~~على ما عليه أهل شارعه وبلده وجيرانه وأترابه صنيع أسقط الناس همة وأدناهم ~~مرتبة فلم يعجز عن ذلك صبيان النصارى واليهود ولا ربات القدود والنهود ~~المستغرقات في تمهيد المهود وهذه هذه فأعطها حقها ms019 وانظر لنفسك وانج بها ~~وطالع قصة سلمان الفارسي وأضرابه وانظر كيف كان صبرهم واعرف قدر ما أنت ~~طالب فانك طالب لأعلى المراتب قال الله تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره ~~@QE@ وقال في الأخرى @QB@ وسعى لها سعيها @QE@ وقال @QB@ خذوا ما آتيناكم ~~بقوة واذكروا ما فيه @QE@ وليس في الوجود بأسره أعز ولا أفضل من الإيمان ~~بالله وكتبه ورسله ومتابعتهم ومعرفة ما جاؤا به فلا تطلب ذلك أهون الطلب ~~فإني أرى الأكثرين لا يرضون بالغبن والنقص في بيع بعض السلع وأرى طالب ~~الأرباح الدنيوية يطلبها أشد الطلب من أبعد الأقطار بأشق الأسفار وأما طالب ~~الكيمياء والسيمياء فإنه يبذل في طلبهما ما دون الروح بل يرتكب بعض الأخطار ~~والمتالف الكبار مع أدنى تجويز للسلامة بل عدم التجويز أيضا عند ملكة هواه ~~له وغلبة ظنه بأنه يدرك ما أراد ويبلغ ما قصده ويصل إلى ما إليه سعى ولكم ~~من منفق غضارة عمره ونضارة شبابه وأبان أيامه في ذلك # وإنما طولت القول في هذا لأني علمت بالتجربة الضرورية في نفسي وغيري أن ~~أكثر جهل الحقائق إنما سببه عدم الاهتمام بتعرفها على الإنصاف لا عدم الفهم ~~فإن الله وله الحمد قد أكمل الحجة بالتمكين من الفهم وإنما أتى الأكثر من ~~التقصير في الإهتمام ألا ترى أن المهتمين بمقاصد المنطقيين PageV01P028 ~~والمتكلمين يفهمونها وإن دقت مع الصبر وطول الطلب فكيف لا يفهم طالب الحق ~~مقاصد الأنبياء والمرسلين والسلف الصالحين مع الاهتمام بذلك وبذل الجهد في ~~طلبه وحسن القصد ولطف أرحم الراحمين لمن هو كذلك بالنصوص والاتفاق ولا ~~ينبغي أن يصغي إلى من يصده عن كتب الله وما أنزل فيها من الهدى والنور رحمة ~~للمؤمنين ونعمة على الشاكرين # وليحذر كل الحذر من زخرفتهم للعبارات في ذلك وترغيبهم بأنواع المرغبات في ~~تلك المسالك وليعتبر في ذلك بقوله تعالى لرسوله المعصوم صلى الله عليه وسلم ~~@QB@ وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا ~~لاتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ~~ضعف الحياة وضعف ms020 الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا @QE@ ويالها من موعظة ~~موقظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد كما قال سبحانه وتعالى ولتعرف ~~أهل الزيغ بذلك وأهل الحق بحلافه فإنهم كما وصفهم ربهم عز وجل في قوله @QB@ ~~ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط ~~العزيز الحميد @QE@ ولا ينبغي أن يستوحش الظافر بالحق من كثرة المخالفين له ~~كما لا يستوحش الزاهد من كثرة الراغبين ولا المتقي من كثرة العاصين ولا ~~الذاكر من كثر الغافلين بل ينبغي منه أن يستعظم المنة باختصاصه بذلك مع ~~كثرة الجاهلين له الغافلين عنه وليوطن نفسه على ذلك فقد صح عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن هذا الدين بدا غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ~~فطوبى للغرباء ) رواه مسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة ورواه الترمذي من ~~حديث ابن مسعود وقال هذا حديث حسن صحيح ورواه ابن ماجه وعبد الله بن أحمد ~~من حديث أنس وروى البخاري نحوه بغير لفظه من حديث ابن عمر وعن أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب عليه أفضل السلام عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( طلب الحق غربة ) رواه الحافظ الأنصاري في أول كتابه منازل ~~السائرين إلى الله من حديث جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده وقال هذا ~~حديث PageV01P029 غريب لم أكتبه عاليا إلا من رواية علان ولذلك شواهد قوية ~~عن تسعة من الصحابة ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد فنسأل الله أن يرحم ~~غربتنا في الحق ويهدي ضالنا ولا يردنا من أبواب رجائه ودعائه وطلبه محرومين ~~إنه مجيب الداعين وهادي المهتدين وأرحم الراحمين # فإن قيل قد دل السمع كتابا وسنة على أن دين الاسلام هو الفطرة المخلوقة ~~وطلب ذلك هو تحصيل الحاصل فما هذا التهويل # قلت لأنه قد اشتد تغييرها وصلاحها بعد شدة التغيير عسير فهي كالعافية ~~والتغيير كالأمراض التي اخترنا أسبابها فاشتدت وتمكنت حتى عسر علاجها وهذا ~~المختصر وأمثاله كأدوية تنفع من لم ms021 يستحكم عليه التغيير دون من استحكم عليه ~~ولا يحتاجها المعافى ويدل على ذلك حديث حزام بن حكيم ابن حزام عن أبيه وعمه ~~أن العبادة في صدر الاسلام أفضل من العلم وأن العلم في آخر الأمر أفضل من ~~العبادة كما سيأتي قوة اسنادها وموافقتها في المعنى للنظر العقلي ياتيان في ~~بيان فضل العلم النافع وخامسها وهو اصعبها المشاركة في العلم أو في التمييز ~~والفهم لأهل الطبقة الوسطى ومن يقاربهم في المنزلة حتى يتمكن بذلك من ~~معرفته مقدار ما يقف في هذا المختصر من الفوائد من غير تقليد فيرغب فيه أو ~~يزهد حين يقيس على ما يألف ويعهد لأنه لا يعرف مقدار الشيء إلا ذو بصيرة ~~يعرف أن له أجناسا كثيرة فيقيسها إليه أو يقيسه إليها فيفضلها عليه ويفضله ~~عليها وذكي القلب يتمكن من ذلك وإن لم يسلك تلك المسالك لكن بكثرة المسألة ~~لأهل المعارف والمقايسة بين المصنفات لعارف عارف وإلا كان الواقف عليه مثل ~~من لا يعرف الجواهر الثمينة والفصوص النفيسة يجد فصا عظيم المقدار فيضيعه ~~أو يبيعه بثمن نزر فقد بيع يوسف الصديق بذلك حين لم يوقف له على قدر فإن ~~عرضت لطالب الحق محنة لم يتطير بطلب الحق فيكون من الذين يعبدون الله على ~~حرف وليثق بقرب الفرج ويتوكل على الله كما قال تعالى @QB@ فتوكل على الله ~~إنك على الحق المبين @QE@ وعلم وأيقن أن الله مع الصابرين ومع الصادقين ~~PageV01P030 # وأن الله ناصر من ينصره وذاكر من يذكره وأن سر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في هذه الأمور عائد على متبعيه ونصره شامل لناصريه ولم أقصد بهذا ~~المختصر هداية أهل اليقين التام من الأولياء الكرام أهل الكمال في المعارف ~~من العلماء الاعلام ولا هداية أئمة الكفر المعاندين لأهل الاسلام أما أهل ~~الكمال في العلم الذين بلغوا مرتبة الامامة الكبرى في علمي المعقول ~~والمنقول وأهل اليقين التام من الأولياء الكرام نفع الله بهم فإن مهدي هذا ~~المختصر إلى معارفهم كمهدي الحشف إلى هجرأ ونجران بل كمهدي الحضيض إلى أهل ~~الدر ms022 والعقيان وإن كان قد ينزل عند بعضهم منزلة فاكهة البادية الطرية ~~البرية التي هي من العلاجات الحضرية بريه فإنها قد تعجب أهل الحاضرة وإن ~~كانت عما لديهم في النفاسة قاصرة وأما أئمة الكفر والسفه والتعلق بمذاهب ~~الفلسفة فهم كمن استحكم الداء عليه فلا تنفعه الأدوية النافعة فالداعي لهم ~~إلى حق حقائق الإيمان وإن جاء بأعظم برهان في اليأس منهم وعدم الطمع فيهم ~~كالداعي للعميان إلى النور وللأموات إلى الخروج من القبور وكيف الطمع في ~~هداية قوم قد أقام ربهم عليهم الحجة مرارا أولها بخلقهم على الفطرة وثانيها ~~بطول المهلة وثالثها ببعثه الرسل بالمعجزات الباهرة والآيات الظاهرة إلى ~~غير ذلك من تجديد الدلائل بخلق المخلوقات المشاهد حدوثها من الغمام ~~والأمطار والحيوان والأشجار فجحدوا الجميع وكفروا الكفر الفظيع مع إيمانهم ~~بأبطل البواطل التي لا يتصور الإيمان بمثلها من عاقل حتى قال الله تعالى ~~فيهم @QB@ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل ~~شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله @QE@ وقال تعالى فيهم @QB@ قتل ~~الإنسان ما أكفره @QE@ الآيات وقال تعالى @QB@ فبأي حديث بعده يؤمنون @QE@ ~~ثم أخبر عنهم علام الغيوب أنهم يجادلون في القيامة بعد بعثهم وعلمهم ~~الضروري بصحة الربوبية فيجحدون الحق حتى تشهد عليهم جلودهم ثم يقولون بعد ~~ذلك لم شهدتم علينا ولذلك لم نؤمر PageV01P031 بإقامة الحجة عليهم لأن الله ~~قد أقامها وإنما أمرنا بجهادهم ودعائهم قبل قبل الجهاد على خلاف في الدعاء ~~قبل الجهاد موضعه كتب الفقه الفرعية ولا قصدت بهذا المختصر تفهيم من ليس ~~يفهم فأكون كمستولد العقيم أو مقوم ظل ما ليس بمستقيم وكيف يقوم الظل ~~والعود أعوج وإنما قصدت نفع الأوساط وامتثال أمر الله تعالى فقد أمر الله ~~تعالى بالمعاونة على البر والتقوى وصح الترغيب في الدعاء إلى الحق والخير ~~وإن الداعي إلى ذلك يؤتى مثل أجور من اتبعه ومن أحيا نفسا فكأنما أحيا ~~الناس جميعا وإن من أمر بالصلاح ابتغاء مرضات الله وإن لم يطع فسوف يؤتيه ~~الله أجرا عظيما وفي حديث أنس عنه ms023 صلى الله عليه وسلم ( ما من رجل ينعش ~~بلسانه حقا يعمل به إلا جرى عليه أجره إلى يوم القيامة ثم وفاه الله ثوابه ~~يوم القيامة ) رواه أحمد وسنده جيد وهو 387 من مسند أنس من جامع المسانيد ~~بل قد أنزل الله سبحانه وتعالى سورة العصر وقصر السلامة من الخسر على الذين ~~آمنوا وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل ~~صالحا وقال إنني من المسلمين ثم إني غير مدع للعصمة من الخطأ والمناقضة ولا ~~أدعي ذلك من هو أجل مني وأكمل وأعلم وأفهم من جميع العلماء بل العقلاء وقد ~~قال تعالى في القرآن الكريم @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا @QE@ فدل على لزوم ذلك لما كان من عند غير الله فمن وجد خطأ ~~فلينبه عليه مأجورا والقصد المعاونة على الخير وفق الله الجميع على ما يحب ~~ويرضى # واعلم أني رأيت المصنفين في علم العقيدة الدينية قد سلكوا مسلك سبيل ~~مصنفي كتب المذاهب التي ينتصر فيها المصنف لمذهب واحد في القوي والضعيف ~~والدقيق والجلي ولم يسلك أحد منهم مسلك مصنفي كتب الإسلام التي تذكر فيها ~~مذاهب أهل الملة الإسلامية ويقوي فيها ما قوته الدلائل البرهانية سواء كان ~~لقريب أو بعيد أو صديق أو بغيض وكتب العقائد أحق بسلوك هذا المسلك من كتب ~~الفروع فأما كون الحق فيها PageV01P032 مع واحد فصحيح ولكن لا يستلزم أن ~~يكون الصواب في جميع المواضع المتفرقة قد اجتمع لبعض الفرق إلا ما حصل فيه ~~أحد الاجماعات القاطعة من الأئمة والعترة فيجب الترجيح له والنصرة فاستخرت ~~الله تعالى وقصدت احياء هذه السنة الميتة التي هي ترك العصبية # ولذلك سميته إيثار الحق على الخلق جعله الله اسما موافقا لمسماه ولفظا ~~مطابقا لمعناه وجدير أن يكون فيه ما يستدرك علي فإن كل أسلوب ابتدئ لا يكمل ~~إلا بمعاونة جماعة وتتابعهم عليه وتكميل المتأخر لما أهمل المتقدم ولذلك ~~كانت أوائل كل علم وأسلوب قليلة أو ناقصة فليبسط العذر الواقف على ما ~~يستدرك فيه ms024 لما كان أسلوبا غريبا بالنسبة إلى هذه الازمنة المتأخرة # واعلم أنه ليس بصرف الاكثرين عن هذه الطريقة إلا أحد أمور أولها عدم ~~الحرص وقوة الداعي إلى هذا كما تقدم مبسوطا قريبا في الوصف الرابع من صفات ~~من تصنف لهم التصانيف وثانيها الخوف من شر الأشرار مع الترخيص في التقية ~~باجماع الأمة فقد أثنى الله على مؤمن آل فرعون مع كتم إيمانه وسميت به سورة ~~المؤمن وصح أمر عمار بن ياسر بذلك وتقريره عليه ونزلت فيه @QB@ إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان @QE@ وقد قيل من عرف الخلق جدير أن يتحامى ولكن من ~~عرف الحق فعسير أن يتعامى والذين آمنوا أشد حبا لله وثالثها خوف الشذوذ من ~~الجماهير والإنفراد من المشاهير وهذا يحتاج إلى نظر فإن كان جمهور السلف ~~القدماء مع القول الشاذ المتأخر فلا يبالى بذلك الشذوذ فقد شهدت الأخبار ~~الجمة الصحيحة بأن الدين سيعود غريبا كما بدأ وكذلك كان الحق في أواخر أهل ~~الكتاب في شذوذ من الصالحين كما شهد بذلك حديث سلمان الفارسي حتى قالت ~~طائفة إن إجماع المتأخرين ليس بحجة وإنما الحجة إجماع الصحابة لما ورد في ~~الأحاديث من ذم أهل المتأخر حكاه ابن جرير الطبري وإن كانت الشهرة للقول في ~~المتأخرين وهو لا يعرف عن أحد من السلف أو يذكر شذوذ عن بعضهم فهده عن ~~البدع وإياها PageV01P033 # | فصل # ينبغي من كل مكلف أن يطرح العصبية ويصحح النية ويستعمل النظر بالفطرة ~~التي فطر الله الناس عليها ولا يقدم عليها ما لقنه أهل مذهبه فإنه إذا نظر ~~كذلك في كل أمرين متضادين فيما يحتاج إليه يجد ترجيح الحق منهما على الباطل ~~بينا لا يدفع مكشوفا لا يتقنع فاقسم الأمور أولا إلى قسمين قسم لا يحتاج ~~إلى معرفته في الدين الذي تسئل عنه في الآخرة كعلم الفلك ودقائقه وعلم ~~الطبائع وعلم الطب وعلم الفراسة الدالة على الأخلاق الباطنة وعلم النجوم ~~وعلم السحر وعلم الطلسمات وعلم السيمياء وعلم الكيمياء وعلم الرياضة وعلم ~~الفلاحة وعلم الهندسة وعلم المرايا المحرقة وعلم المساحة وعلم ms025 الهيئة وعلم ~~الارصاد وعلم الحساب وعلم الشعر وعلم العروض وعلم تجويد الكتابة وقوانينها ~~وعلم اللطيف وعلم الزيجات من الفلك والتقاويم إلى سائر ما ذكر من علوم ~~الأذكياء وأهل الرياضات وقد صنفت كتب في ذكر أعداد العلوم وأسمائها فبلغت ~~مبلغا كثيرا ومن أحسن من صنف في ذلك الشيخ محمد بن إبراهيم بن ساعد ~~الأنصاري فانه صنف في ذلك كتابا مفيدا سماه ارشاد القاصد إلى أسنى المقاصد ~~وذكر من هذه الفنون التي لم يرد الشرع بوجوب معرفتها ولا ندب إليها قدر ~~أربعين فنا أو تزيد من هذه العلوم وإنما أشرت إليها ونبهتك عليها لتعرف ~~سهولة ما بقي عليك بعد تركها وتيقن صدق قول الله عز وجل @QB@ يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ وتحمد الحمد تعالى على ذلك وأنفعها علم الطب ~~وعلم اللطيف أما علم الطب فنفعه بين لكن التوكل أفضل منه بالنص المتفق على ~~صحته والأجر في الألم PageV01P034 لمن صبر عظيم وأعظم مصائب الدنيا الموت ~~والطب لا يمنع منه وهو مهون لما دونه كما قيل في ذلك المعنى شعرا # ( سلي عن العيش أنا لا ندوم له % وهون الموت ما نلقى من العلل ) # لكن الصبر قليل فنسأل الله العافية ولا بأس بتعلم الجلي من الطب # وأما علم اللطيف فهو أساس علم الكلام وتحقيق بعض فوائده يكشف عوار كثير ~~من البدع كما تأتي إليه الإشارة # والقسم الثاني من العلم ما يحتاج إليه في الدين وهو قسمان قسم لم يختلف ~~في حسنه مثل النصوص في الحديث والإجماع من تفسير الإسلام والإيمان الواجب ~~على الجميع دون ما عداه وعلم الزهد بما اشتملت عليه كتبه مما أجمع عليه دون ~~ما اختلف فيه ومن أنفس كتبه رياض الصالحين للنووي لاقتصاره على الحديث ~~القوي وأنفس منه الترهيب والترغيب للمنذري ونحوهما من الكتب الخالية من ~~البدع فهذا القسم الأول لا نتعرض لذكره في هذا المختصر لعدم الاشكال فيه ~~وإنما نتعرض لإيضاح ما فيه اشكال بأقرب الطرق أو أبعدها من الشبه ومن هذا ~~القسم كتب الفروع التي كل مجتهد ms026 فيها مصيب أو مأجور وكتب العربية ونحو ذلك ~~إذ لا يمكن رفع الإختلاف فيما اختلف في مثله موسى والخضر وسليمان وداود ~~واختصم في مثله الملأ الأعلى لأنه مراد الله بالإجماع والقسم الثاني ~~المختلف فيه اختلافا تخاف مضرته في الآخرة فما كان لا يجب شرعا PageV01P035 ~~الخوض فيه مع عظم الخطر في الخوض فيه فاضرب عنه وطالب من دعاك إليه بالدليل ~~الواضح على الوجوب وأعرض ما أورد عليك فيه من الأدلة على النصحاء والأذكياء ~~من العلماء حتى تعرف الوجوب يقينا من غير تقليد ثم حرر النية الصحيحة بعد ~~ذلك في معرفة الحق وما أوجب الله معرفته طاعة لله لا لمباهاة ولا مراآة ولا ~~مماراة ثم استعن بالله واستغث به وانظر في الخلوات خالطا للنظر بالدعاء ~~والتضرع والاستعاذة من الفتن فإنك ترى بذلك من العون والسهولة ما وعد الله ~~به الداعين له الراجعين إليه فإن الله تعالى إذا أوجب أمرا أعان عليه من ~~أراد الأدلة بنية صحيحة كما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله ~~تعالى @QB@ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين @QE@ وإنه قال لو صبروا ~~عليها لطوقوها فلما نقص من تكليفهم نقص من صبرهم رواه البخاري وله شواهد ~~والعقل يشهد لذلك أيضا ومنه كلام معاذ رضي الله عنه حين احتضر رواه الحاكم ~~في الفتن عن يزيد بن عميرة عنه وسيأتي ولا تستعن في ذلك إلا بمن يوثق بورعه ~~ونصحه وتقواه وما أقلهم ولكن أستعن بالنظر في تآليف العلماء الحافلة ~~الجامعة لأدلة الفرق فإن لم تجد كتابا كافلا جامعا لأدلة الفرق طالعت ~~المسألة في كتب الفرق ورأيت حجة كل فرقة في كتبهم لا في كتب خصومهم الذين ~~يسمون أدلة من خالفهم شبها ويوردونها غير مستوفاة ويجيبون عنها بأجوبة ~~محتملة للنقض ولا يذكرون ما يرد على أجوبتهم وهذا عند الإضطرار إلى ذلك ومن ~~القواعد المقربة لك إلى النجاة أن تنظر كل قولين مختلفين يخاف الكفر ~~والعذاب الأخروي في أحدهما دون الآخر فابعد عنه واحذره ألا تراك تخاف الكفر ~~في جحد ms027 العلوم لا في ثبوتها وفي جحد الرب لا في الإيمان وفي جحد النبوات لا ~~في إثباتها وفي التفريق بين الرسل كما فعلت اليهود والنصارى لا في الإيمان ~~بجميعهم وفي عدم الإيمان بما جاء به القرآن والسنة لأن خلاف السمع المعلوم ~~كفر اجماعا لا في خلاف العقل المعلوم لأنه ليس كفرا بالإجماع فاعرف هذه ~~القاعدة # واعلم أن الفطرة التي خلق الله لك تدرك القوي من الضعيف في تلك ~~PageV01P036 المباحث وإن كثرت إلا ما دق وغمض جدا كما أن عينك المبصرة تدرك ~~جميع المبصرات وإن كثرت فما دق على فطرتك في العلوم تركته لا سيما مع دقته ~~الشبه المعارضة له ولم تكلف فيه ما لم تعلم مثل ما إن دق على بصرك من ~~المرئيات تركته كبعض الأهلة في أوائل الشهور سيما مع القتر والغيم & الباب ~~الأول إثبات العلوم & # فأول شيء اختلف الخلق فيه اثبات العلوم في الجملة عقلا مع اجتماع الشرائع ~~على ثبوتها فانظر هل يخفي عليك الصواب في ذلك فإن طوائف من الفلاسفة ~~والاتحادية من الصوفية أنكروا صحة العلوم أما الفلاسفة فرأوا البصر الصحيح ~~يخطئ لعوارض نادرة في مواضع كرؤية النجم ساكنا وهو يتحرك قطعا بدليل ~~انتقاله وكذلك رؤية الظل ساكنا ورؤية المستقيم في الماء أعوج ورؤية الأحول ~~الواحد اثنين ورؤية القائم فوق الماء منكوسا في الماء ورؤية السحر والنوم ~~والكشف والمرض وإن كان في رؤية النوم والكشف صحيح وباطل والصحيح منهما قد ~~يحتاج التأويل ولا يكون على ظاهره بكل حال ومن ذلك قوله تعالى @QB@ ولكن ~~شبه لهم @QE@ فالذين قصدوا قتل عيسى عليه السلام رأوا مثله فاعتقدوا أنه هو ~~وكذلك قوله تعالى @QB@ وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في ~~أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا @QE@ # والجواب أنا نعلم بالضرورة أن هذه الأشياء كانت لعوارض تختص بهذه المواضع ~~ونحوها ولا يقدح ذلك في جملة الرؤية وجميعها ولا يمكن أن نشك لذلك في ~~وجودنا ووجود العالم وشروق النيرات وإنها تجري فوقنا وتضيئنا وإن الأعمى ~~فاقد لهذه النعمة والأليم مخالف للمعافى ولا ms028 يمكن دفع شبههم إلا بوجدان هذا ~~العلم المخلوق فينا نعمة علينا من الله لا بتحرير دليل لأن الدليل إنما ~~يصبح بعد تسليم العلوم الضرورية بل نقول PageV01P037 # ليس الجنون أكثر من اصغائنا إلى ذلك فلو قال أحد ما يؤمني أن يقظتي هذه ~~نوم أو سحر أو كشف أو أن والدي وداري وأرضي شبهت لي وأن طعامي وشرابي سموم ~~قتالة لكان إلى أن يكوى ويقيد أحوج منه إلى أن يناظر ويجادل # فإذا عرفت هذا بالفطرة مع اعتضادها بالقرآن والسنة والإجماع فاعلم أن ~~هؤلاء إنما أتوا من شدة النظر والتدقيق فيما لا تعرفه العقول لأن دوام ~~الفكرة في المحاورات يضعف الفهم ويمرض صحيحه ومن أمثلة ذلك المجربة ~~بالضرورة كثرة الشك في النية والطهارة فإنه قد أورث الوسواس الفاحش مع ~~جماعة من أكابر العلماء الفضلاء كالشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد ممن بلغ ~~المرتبة الكبرى في العلوم وقد رأينا من أدركنا من كبار أهل العلم والصلاح ~~من لا ينتفع بذلك بالمشاهدة وشك في الضرورة وذلك مستمر في العقلاء وهو عبرة ~~للنظار فإن الوسواس إذا بلغ هذا المبلغ عند الإصغاء إليه فيما لا شك فيه ~~فكيف بمن أصغى إليه فيما يشك في مثله وما أحسن قول القاسم عليه السلام في ~~مثل هذا دواء الشك المرور عليه ولذلك ورد في الحديث المتفق على صحته الأمر ~~بالإستعاذة من الشيطان عند حضور الوسواس أو سماعه سماعا من بعض الناس وهذا ~~الحديث مناسب لقول الرسل صلوات الله عليهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض ~~فيما حكاه الله عنهم في كتابه الكريم # وأما الاتحادية المدعون للتصوف وليس هم منه في شيء فهم الذين قالوا إن ~~المكاشفة قد دلت على صحة المحال وهذا غاية التغقيل والضلال إن صح عن أحد ~~فانه يقال لهم إن كان كذب المكاشفة محالا فقد دلت على صحته فيصح أن تكون ~~كاذبة وإذا صح كذبها لم يوثق بها وإن كان كذبها ممكنا لم يوثق بها ولم يصح ~~لها اسم الدلالة فثبت أنه لولا امتناع PageV01P038 المحال ما صح ms029 سمع ولا ~~عقل ولا كشف ولا نظر ولا علم شيء ألبتة وكأن هؤلاء القوم لم يفرقوا بين ~~المحارة والمحال فأما من عرف ما هو المحال وجوزه لم يصح منه بعد ذلك دعوى ~~أنه محق وأن خصمه مبطل أبدا لأنه لا يمنع من كون المحق مبطلا والمبطل محقا ~~والتوحيد شركا والشرك توحيدا إلا كون ذلك محالا والمحال لا يقع ألبتة فمن ~~فتح باب تجويز المحال لم يمتنع شيء من ذلك وانسد باب الانكار على كل كافر ~~وجاحد ولم يبق فرق بين أعرف العارفين وأجن المجانين فيا عجبا كيف يدعي مثل ~~هؤلاء مراتب العارفين ولا تغني عنهم دعوى دقة التفرقة بين العلم والظن فإن ~~الفرق بينهما في الضروريات ضروري بل من الضرورة انقسام جميع ما يمكن الخبر ~~عنه والاعتقاد له إلى ما جمع الجزم والمطابقة والثبات عند التشكيك وإلى ما ~~لم يجمعها فالجامع لها هو العلم وإن اختل الثبات فاعتقاد مقلد المحق أو ~~المطابقة فالاعتقاد الفاسد أو الجزم فمع الاستواء الشك ومع الرجحان الراجح ~~الظن والمرجوح الوهم فعلمت كلها بالضرورة وإن اختلفت العبارات عنها فإن ~~اختلاف اللغات والعبارات لا يحيل المعاني # | خاتمة المقدمة # واعلم أن منكري العلوم لم ينازعوا في حسن العمل بها بل ولا في وجوبه ~~فإنهم انتفعوا بالابصار وتوقوا بسببها الوقوع في الماء والنار وسائر ~~المهلكات والأخطار # ومن عجائب ما يروى عنهم أن بعضهم صنف كتابا في نفي العلوم ومات له ولد قد ~~قارب الحلم فقال إنه إنما أسف لموت ولده قبل أن يقرأ كتابه في نفي العلوم ~~فقيل له وما يدريك أنه كان لك ولد وأنه مات وأنه لم يقرأ وإنك موجود وإنك ~~صنفت كتابا فلم يدر ما يقول # ومن سخف هؤلاء لم يذكر الله سبحانه الرد عليهم في كتابه ولا رسله صلوات ~~الله عليهم وإنما قدمت ذكرهم عبرة لك حتى لا تحتفل بوجود المخالفين للحق ~~الجلي وتظن أنه لو كان حقا جليا لم يمكن أن يكون فيه مخالف عاقل بل مدع ~~لمرتبة الكمال في الاسلام كنفاة جميع العلوم ms030 PageV01P039 والأدلة عقلا ~~وسمعا إلا من طريق الكشف ونفاة وجوب الرب والخلق إلا الوجود المطلق الذي هو ~~ذات الأحد والحضرة الأحدية عندهم وما عداه من مراتب وجود الله وأسمائه ~~الحسنى كلها وهي الحضرة الواحدية عندهم ووجود خلقه ملائكتهم ورسلهم وكتبهم ~~وجنهم وانسهم والدنيا والآخرة كل ذلك خيال لا حقيقة له أبدا ما عدا الوجود ~~المطلق الذي هو الأحد والحضرة الأحدية عندهم هو عدم محض لا وجود له إلا في ~~اللفظ والذهن عند سائر المحققين من العقلاء فهو الموجود على الحقيقة عندهم ~~وكل موجود عندهم ما عداه خيال منه كطيف الاحلام لكن أحب أن يرى نفسه فيه ~~ونسبة كل شيء إليه نسبة صورة دحية إلى جبريل فهو هو من وجه وما هو هو من ~~وجه فكذلك فليكن الضلال المبين وكفى في بيان ضلالهم فرقهم بين الاحد ~~والواحد وبين الأحد وبين الله ولزوم قولهم لإلهين اثنين أحد حقيقي وواحد ~~خيالي ولم يذكر هؤلاء الغزالي في الرد على الاتحادية في المقصد الاسنى ~~لتأخر حدوث ضلالهم الفاحش نعوذ بالله من الغرور # فإذا تقرر أن اثبات العلوم هو الحق والاحوط وهو الذي عليه الشرائع والفطر ~~وعمل الخلق وان الاضطرار إليه وإلى العمل به حاصل وإنه لا خطر في العمل ~~بهذه العلوم عند جاحدها أيضا ثبت أن العمل بها نهج السلامة بغير شك ولا ~~خلاف فهذا أولى خلاف تخلصت منه بطيبة نفس وأول حق واجب ظفرت بمعرفته لأن ~~مخالف الحق هنا يكفر بانكار جميع المعارف الدينية المتعلقة بالقطع باثبات ~~الربوبية والنبوات والشرائع الواجبات وهذا أيضا أول كفر نجوت برحمة الله ~~منه والحمد لله رب العالمين وبعد ثبوت العلم نذكر شيئا من صحيح فضائله ~~والترغيب فيه PageV01P040 # | فصل من فضائل العلم النافع وأهله # فمن العقل أصل النجاة والسعادة إذ هو الداعي إلى أسباب الخير الصارف عن ~~أسباب الشر ومن خصائصه اجماع العقلاء والملل والنحل على فضله وإنه تمدح به ~~الخالق سبحانه وأنه سبحانه مدح عباده بما وهب لهم منه وفضل آدم عليه السلام ~~بعلم الاسماء على الملائكة واختار تفضيله ms031 به على تفضيله بالعمل بكشف الشبهة ~~عن ملائكته وإيضاح الحجة عليهم ولم يزهد فيه بل قال لأعلم خلقه @QB@ وقل رب ~~زدني علما @QE@ وحتى فضل الكلاب المعلمة على غيرها فأحل صيدها وهو الذي صال ~~به الهدهد على سليمان عليه السلام مع عظيم ملكه وقويت حجته مع ضعفه وحقارته ~~حيث قال @QB@ أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين @QE@ ومن أعظم ~~فضائله القرآنية تعليل خلق العالم به في قوله تعالى @QB@ الله الذي خلق سبع ~~سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير ~~وأن الله قد أحاط بكل شيء علما @QE@ ثم تعليل البعث في الدار الآخرة به في ~~قوله تعالى @QB@ وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين @QE@ ولذلك ذم الله ~~من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير وقال تعالى @QB@ فإنها لا ~~تعمى الأبصار @QE@ الآية وقال @QB@ وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ~~ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم @QE@ وقال @QB@ ويعبدون من دون الله ما لم ~~ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد آتينا داود ~~وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين وورث ~~سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا ~~لهو الفضل المبين @QE@ PageV01P041 ) ومنه @QB@ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله ~~على بصيرة @QE@ ومنه قصة موسى مع الخضر وقوله على أن تعلمن ورحلته إليه في ~~نافلة العلم وعزمه على أن يمضي حقبا في طلب نافلته والحقب ثمانون سنة وذلك ~~يشهد بصحة حديث عبد الله ابن عمر مرفوعا العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل ~~الحديث خرجه أبو داود وابن ماجه ومنه @QB@ قال الذي عنده علم من الكتاب ~~@QE@ # ومنه @QB@ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا @QE@ ومنه @QB@ وعلمك ما ~~لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما @QE@ ومنه @QB@ ووجدك ضالا فهدى @QE@ ~~ومنه @QB@ ألم نشرح لك صدرك @QE@ ومنه @QB@ فاذكروا الله كما علمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون @QE@ ومنه تشبيه العالم ms032 بالحي والنور والجاهل بالميت ~~والظلمات ومنه @QB@ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون @QE@ ومنه @QB@ ~~فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون @QE@ ومنه @QB@ الرحمن علم القرآن خلق ~~الإنسان علمه البيان @QE@ ومنه @QB@ الذي علم بالقلم @QE@ ومنه @QB@ ~~فبشرناه بغلام حليم @QE@ ومنه @QB@ قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم ~~والسوء على الكافرين @QE@ ومنه @QB@ وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين ~~@QE@ ومنه @QB@ والملائكة وأولو العلم @QE@ ومنه @QB@ والذين أوتوا العلم ~~درجات @QE@ PageV01P042 ) ومنه @QB@ إن في ذلك لآية لقوم يعلمون @QE@ ومنه ~~@QB@ بل أنتم قوم تجهلون @QE@ وشرف الشيء يؤخذ من خساسة ضده ومنه في موسى ~~@QB@ ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين @QE@ ~~ومنه @QB@ كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون @QE@ ومنه @QB@ ويرى ~~الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز ~~الحميد @QE@ ومنه @QB@ وزاده بسطة في العلم والجسم @QE@ ومنه @QB@ ويجعل ~~الرجس على الذين لا يعقلون @QE@ ومنه @QB@ إن شر الدواب عند الله الصم ~~البكم الذين لا يعقلون @QE@ ومنه قول أهل النار @QB@ لو كنا نسمع أو نعقل ~~ما كنا في أصحاب السعير @QE@ ومنه @QB@ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا @QE@ الآية ~~إلى قوله هم الغافلون ومنه @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم ~~والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما ~~كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون @QE@ ومنه @QB@ لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين @QE@ وقال حكاية عن إبراهيم ~~واسماعيل @QB@ ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم @QE@ فهذه نيف وأربعون آية من محكم ~~كتاب الله تعالى مع ما في السنة من ذلك فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من أوفر ~~عباده حظا من جميع مواهبه في العلم والعمل وهذا كله في العلم أنه هو الملك ~~الوهاب المعطي من يشاء بغير PageV01P043 حساب وهذا كله في العلم النافع دون ~~غيره كما تقدم بيانه بالحجة والحجة ms033 على ذلك من الكتاب والسنة والمعقول & ~~الباب الثاني في اثبات الطرق إلى الله تعالى ( وبيان أجلاها وأوضحها على ~~سبيل الاجمال ) & # اعلم أن هذا من أوضح المعارف التي دلت عليها الفطرة التي خلق الخلق عليها ~~ولذلك قال كثير من العقلاء والعلماء والأولياء أنه ضروري لا يحتاج إلى نظر ~~وقال آخرون إنما يحتاج إلى تذكر يوقظ من سنة الغفلة كتذكر الموت الذي تقع ~~الغفلة عنه وهو ضروري حتى قال الله تعالى في مخاطبة العقلاء @QB@ إنك ميت ~~وإنهم ميتون @QE@ وقال @QB@ ثم إنكم بعد ذلك لميتون @QE@ ونحو ذلك مما أشار ~~إليه القرآن الحكيم حيث حكى الله عن الرسل الكرام قولهم @QB@ أفي الله شك ~~فاطر السماوات والأرض @QE@ وقد تقدم قول علي عليه السلام في ذلك الذي شهد ~~له أعلام الوجود على اقرار قلب ذي الجحود وذكر شرح ابن أبي الحديد لذلك ~~وتجويده وقد بسطت أدلة من قال بذلك وما يرد عليهم وما يجيبون به في العواصم ~~ولذلك شذ المخالف هنا ولم يكد الخلاف في حاجة العالم إلى مؤثر وإنما اشتد ~~الخلاف في صفات ذلك المؤثر ونقل الرازي عن الفلاسفة اعترافهم أن خوضهم في ~~الالهيات بالظن دون العلم # واعلم أن هذا الخلاف الشاذ المستند إلى الظن باعتراف أهله إنما وقع مع ~~شذوذه لأنهم نظروا في معرفة الرب جل جلاله من الوجه الذي بطن منه ولم ~~ينظروا في معرفته من الوجه الذي ظهر منه وذلك أنه سبحانه قد تسمى بالظاهر ~~وتسمى بالباطن وثبت هذا في كتابه الكريم فثبت أن له جهة يظهر منها وجهة ~~يبطن منها لتبقى حكمته في قوله @QB@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ وقوله في ~~الساعة @QB@ أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى @QE@ فمن نظر في معرفته من ~~الجهة التي يظهر منها ترادفت مواد PageV01P044 معرفته وكانت نورا على نور ~~يهدي الله لنوره من يشاء كما وصف الله نور هدايته بكثرة المواد في سورة ~~النور ومن نظر في معرفته من غير هذه الطريق كان كمن ضل الطريق واجتهد في ~~السير بعد الضلال فلا يزال يزداد بعدا بسيره ms034 في غير طريق على أنه يحتمل أن ~~المعنى في الظاهر والباطن أنه هو الحق فيهما معا لا أحدهما كما قد يكون بعض ~~الأمور حقا في الباطن ولا حجة عليه ظاهرة فيكون على هذا الوجه في معنى ~~الملك الحق المبين ويكون ذلك أعظم في قطع أعذار المعاندين والله أعلم # والطرق إلى الله تعالى كثيرة جدا ولكنا نقتصر منها على أصحها وأجلاها ~~وأوضحها وأشفاها حتى نأمن بالسلوك فيها من الضلال في الطرق التي تبعد ~~السائر فيها عن مقصوده والعياذ بالله وإلى تلك الطرق الاشارة بقوله تعالى ~~@QB@ ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ وقد يكون فيها ما يستلزم رد ~~كثير من الشرائع فنقول & الباب الثالث & # في بيان شيء من طرق معرفة الله تعالى على مناهج الرسل والسلف على جهة ~~التفصيل للاجمال المتقدم في الباب الذي قبل هذا فلنذكر اشارة لطيفة على قدر ~~هذا المختصر إلى ثلاث دلالات دلالة الانفس ودلالة الآفاق ودلالة المعجزات ~~وكلها دل عليها القرآن الذي وصفه الله تعالى بأنه يهدي للتي هي أقوم أما ~~دلالة الانفس فإنها بليغة قال الله تعالى @QB@ قتل الإنسان ما أكفره من أي ~~شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره @QE@ الآيات وقال تعالى @QB@ وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون @QE@ وقال @QB@ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك ~~فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك @QE@ وقال @QB@ كيف تكفرون بالله وكنتم ~~أمواتا فأحياكم ثم يميتكم @QE@ الآية وأبسط آية في ذلك آية الحج ~~PageV01P045 # @QB@ يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من ~~نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة @QE@ الآيات إلى قوله @QB@ ~~ذلك بأن الله هو الحق @QE@ إلى @QB@ وأن الله يبعث من في القبور @QE@ وأبطل ~~شبهة الطبائعية بقوله من تراب لأن آدم أبو البشر وأصلهم بالتواتر الضروري ~~لا أب له ولا أم فلزمت الحجة وبانت ووضحت ولله الحمد والثناء والمنة وكذلك ~~الآية التي في سورة المؤمنين من قوله @QB@ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من ~~طين @QE@ إلى قوله @QB@ فتبارك الله ms035 أحسن الخالقين @QE@ وقال @QB@ أو لم ير ~~الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه ~~@QE@ ومن ثم قيل فكرك فيك يكفيك وقد جمع الله تعالى ذكر دلالتي النفوس ~~والآفاق في قوله تعالى @QB@ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين ~~لهم أنه الحق @QE@ وذلك أنا نعلم بالضرورة وجودنا أحياء قادرين عالمين ~~ناطقين سامعين مبصرين مدركين بعد أن لم نكن شيئا وأن أول وجودنا كان نطفة ~~قذرة مستوية الأجزاء والطبيعة غاية الاستواء بحيث يمتنع في عقل كل عاقل أن ~~يكون منها بغير صانع حكيم ما يختلف أجناسا وأنواعا وأشخاصا # أما الأجناس فكما نبه عليه قوله تعالى @QB@ والله خلق كل دابة من ماء ~~فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع ~~@QE@ وأما الأنواع فنبه عليها بقوله @QB@ ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان ~~علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى @QE@ ومنه @QB@ ثم سواك ~~رجلا @QE@ وأما الأشخاص فبقوله تعالى @QB@ قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء ~~خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره @QE@ الآيات PageV01P046 # وبيانه أنه خلق من نطفة فقدره مستوية الطبيعة فكيف يكون منها ما يبصر ~~ومنها ما يسمع ومنها ما يطعم ومنها ما يشم ومنها الصلب ومنها الرخو ومنهم ~~من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع كما نبه ~~الله عليه في كتابه الكريم ونعلم أنها قد تغيرت بنا الأحوال وتنقلت بنا ~~الأطوار تنقلا عجيبا فكنا نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم لحما ودما ثم عظاما صلبة ~~متفرقة في ذلك اللحم والدم تقويهما وعصبا رابطة بين تلك العظام صالحة لذلك ~~الربط مما فيها من القوة والمتانة ثم تركب من ذلك آلات وحواس حية موافقة ~~للمصالح مع ضيق ذلك المكان وشدة ظلمته وإلى ذلك الاشارة بقوله تعالى @QB@ ~~يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له ~~الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون @QE@ والظلمات الثلاث ms036 ظلمة البطن وظلمة ~~المشيمة وظلمة الرحم ثم انظر إلى موضع العينين ما أشبهه بهما بعيدا مما ~~يؤذيها مرتفعا للتمكن من إدراك المبصرات في الوجه الذي لا يحتاج إلى تغطية ~~باللباس من الجمال البديع فيهما وفي جفونهما ولو كانا في الرأس أو في الظهر ~~أو في البطن أو غير ذلك ما تمت الحكمة ولا النعمة بهما وكذلك كل عضو في ~~مكانه وانظر إلى ستر القذر الذي في البطن بالسواتر العظيمة بحيث لا يحس له ~~حس ولا يظهر له ريح ولا يخرج إلا باختيارنا في موضع خال وإن من عجيب صنع ~~الله تعالى استمساك البول في حال الغفلة بل في حال النوم حتى نختار خروجه ~~ونرضى به من غير رباط ولا سداد في مجراه ولا مانع محسوس فتبارك الله أحسن ~~الخالقين ثم حياتنا في بطون الأمهات من غير نفس ولو كان ثم نفس لكان ثم صوت ~~ولو غم أحدنا بعد الخروج ساعة لمات بل كثيرون يموتون في المدافن المتخذة ~~للحبوب مع سعتها ثم خروجنا من ذلك الموضع الضيق من غير اختيار من المولود ~~والوالدة وهو فعل محكم صعب لابد له من فاعل مختار وعدم الموت لشدة الضغطة ~~عند الخروج وسلامة الولد وأمه من الموت في ذلك من آيات الله كما أشار إليه ~~في آية الحج في @QB@ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه @QE@ PageV01P047 ~~ثم احداث اللبن في ثدي الأم من يومئذ من بين قرث ودم وتربية المولود وفهمه ~~للغة أهله ما كانت فصيحة عربية أو عبرية عجمية مع كثرة قواعد العربية وكثرة ~~اختلاف عوامل الاعراب والعاقل المميز يقف أضعاف تلك المدة بين العرب والعجم ~~فلا يعرف من ذلك ما عرف الصغير ولا يدري ما يقولون بمجرد المخالطة كالطفل ~~الذي لا عقل له ولا تمييز وكذلك العجمي بين العرب ثم يترقى إلى حال التمييز ~~وتتعاقب عليه الأحوال من الصغر والكبر والضعف والقوة والشباب والشيب والعقل ~~والذكاء والبلادة والمرض والصحة والشهوة والنفرة والدواعي والصوارف والعسر ~~واليسر والغنى والفقر وضده من غير اختيار منه ms037 في شيء من ذلك فلابد لهذه ~~التغيرات من مغير قادر عليم مدبر حكيم # وقد صنفت في هذا المعنى كتب علم التشريح وبيان كيفية الخلقة وهو مما ~~ينبغي الوقوف عليه أو على شيء منه وقد نقل ابن الجوزي منه جملة شافية في ~~أول كتابه لقط المنافع في الطب فليطالع فيه فلو جاز أن يكون مثل هذا بغير ~~صانع لجاز أن تصح لنا دور معمورة أو مصاحف مكتوبة أو ثياب محوكة أو حلى ~~مصوغة بغير بان ولا كاتب ولا حائك ولا صائغ فما خص خير الخالقين بان يكفر ~~ولا يدل عليه أثر صنعته العجيبة وخلقته البديعة ولو كان هذا الأثر للطبع ~~كما قال كثير من الفلاسفة لكان أثرا واحدا كما لو جمدت النطفة بطبع البرد ~~أو ذابت أو أنتنت # قال الامام المؤيد بالله في الزيادات أن الطبع ان سلمنا وجوده لا يحصل به ~~الشيء على قدر الحاجة وإنما يكون بمقدار قوته وضعفه ألا ترى أن النار تحرق ~~لا على قدر الحاجة بل على قدر قوتها وتنقص عن الحاجة إذا ضعفت وكذلك الماء ~~الجاري والحكيم يجريه ويقطعه على قدر الحاجة اه كلامه وفيه تنبيه حسن على ~~الفرق الجلي PageV01P048 # فإذا عرفت هذا فانظر كيف يمكن أن يتغير المني المستوي إلى تلك الأمور ~~المختلفة المحكمة البديعة الاحكام العجيبة الصنعة وهل ذلك إلا بمنزلة تجويز ~~أن يصير المداد مصحفا معربا لا غلط فيه ولا لحن بطبع المداد من غير كاتب ~~عالم بل احكام الانسان أبلغ وأعجب وقد رأيت كم جمع في الأنملة الواحدة من ~~الاصابع من الاشياء المختلفة فوضع فيها جلدا ولحما وعصبا وشحما وعروقا ودما ~~ومخا وعظما وبلة وظفرا وشعرا وبضعة عشر شيئا غير ذلك كل واحد منها يخالف ~~الآخر قدرة وحياة واستواء وارتفاعا وانحدارا وخشونة ولينا وحرارة وبرودة ~~ورطوبة ويبوسة وصلابة ورخاوة ثم خلق في بعضها الحياة دون بعض كالشعر والظفر ~~والعظم وجعلها مدركة لأمور شتى كالحرارة والبرودة واللين والخشونة والقلة ~~والكثرة والرطوبة واليبوسة ومن لطيف الحكمة فيها اختلافها في الطول والقصر ~~حتى تستوي ms038 عند القبض على الأشياء فتقوى بالاستواء وهذا مما تخفى فيه الحكمة ~~جدا أعني كون الاختلاف في ذلك سبب الاستواء عند القبض ولذلك خصت بالذكر في ~~قوله تعالى @QB@ بلى قادرين على أن نسوي بنانه @QE@ @QB@ فتبارك الله أحسن ~~الخالقين @QE@ # وقد أشار الله تعالى إلى بطلان مذهب الطبائعيين بهذا المعنى ونبه عليه ~~سبحانه وتعالى حيث قال في كلامه الكريم @QB@ وفي الأرض قطع متجاورات وجنات ~~من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض ~~في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون @QE@ وآخر الآية دليل على أن العقل ~~يدرك بذلك بطلان قول أهل الطبائع # ومما يدل عليه عافية كثير من المرضى بعد غلبة العلة وقوتها وضعف أسباب ~~العافية ويأس الطبيب من العلاج فقد ذكر الأطباء أن الطب لا ينفع في بعض تلك ~~الأحوال فيتأمل ذلك كثيرا ففيه شفاء لما في الصدور وقد وقعت في ذلك فقلت ~~فيه PageV01P049 # ( فيا عطسات فرجت كل كربة % ولم يبق في أيدي الاساة سوى الصفق ) # ( له الحمد منشكين من غير حيلة % ولا سبب يجري لي الريق في حلقي ) # ( بكن علمت الله علم ضرورة % وكم مثلها يجلو الوساوس في الحق ) # فإني شارفت الموت من الإسهال فعطست ثلاث عطسات فكأنما نشطت من عقال ولم ~~يكن للعطاس سبب طبيعي قط فكانت من الآيات العجيبة # ومما ينبغي التيقظ له في الرد عليهم أن آدم صلى الله عليه وسلم هو أبو ~~البشر وذلك معلوم ضرورة تواتر ودلالة جلية أما التواتر فواضح وأما الدلالة ~~فمحال أن يكون البشر من أم وأب وإلى ما لا نهاية لأن عدم التناهي في ~~الحوادث الماضية محال فوجب أن يكون أولهم حادثا من غير أم ولا أب ولا نطفة ~~ولا طبيعة وانه صنع حكيم وإنما علمنا من السمع أن اسمه آدم وأنه من طين فلو ~~كانت الطبيعة تقتضي ذلك بنفسها من غير صانع لكان في كل زمان تظهر صور كثيرة ~~من الطين كصورة آدم ثم النظر في خلق سائر الحيوان كذلك فإن انفلاق بعض ~~الطيور عن ms039 فراخها من عجيب صنع الله وكان بعض السلف يحتج بذلك على أن الله ~~تعالى عليم قدير لا كعلم الخلق وقدرتهم لأن قدرته أثرت فيما داخل البيضة من ~~غير كسر لها ولا مباشرة وعلمه أحكم صنع ما في البيضة كذلك وإلى ذلك أشار ~~القرآن الكريم حيث قال الله تعالى في سورة الحج @QB@ يا أيها الناس إن كنتم ~~في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب @QE@ يعني أولكم وأوصلكم وليس في خلق ~~الإنسان من التراب شبهة ألبتة لاعتراف الطبائعية بأنه خلاف العوائد ~~الطبيعية وكذلك قوله تعالى @QB@ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء @QE@ وقد أعظم الله ~~تعالى هذه الدلالة فقال @QB@ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم @QE@ ~~PageV01P050 ) الآية وجعل عدم الإيمان بها أكفر الكفر فقال سبحانه @QB@ قتل ~~الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم ~~أماته فأقبره @QE@ ونبه بقوله سبحانه على أن الموت دع عنك الحياة مما يستدل ~~به على الله تعالى كما أوضح ذلك في قوله @QB@ فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم ~~حينئذ تنظرون @QE@ إلى قوله @QB@ فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن ~~كنتم صادقين @QE@ وذلك أن الحي يموت بإذن الله تعالى مع اجتماع أسباب ~~الحياة في هذا العالم الواسع كما يعيش باذن الله في بطن أمه بغير نفس يجري ~~ولا هواء يمد روحه فسبحان من هو على كل شيء قدير ومنه المبدأ وإليه المصير ~~وقد اختار المؤمن هذه الحجة في قوله لصاحبه الكافر المخاصم له @QB@ أكفرت ~~بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا @QE@ وأثنى الله تعالى عليه ~~بذلك وخلد ذكره في أفضل كتبه فكيف لا يختاره المؤمن لتقوية يقينه ودفع ~~وساوس خصومه وشياطينه # وأما دلالة الآفاق فما يحدث ويتجدد في العالم في طلوع القمرين والكواكب ~~وغروبها عند دوران الافلاك الدائرات والسفن الجاريات والرياح الذاريات ~~والنجوم الثوابت منها والمعالم والرواجم والاستدلال بالرواجم جيد لدلالته ~~الواضحة على الفاعل المختار كما يدل على ذلك ms040 حركة القمرين الدائمة وسائر ~~النجوم والافلاك وكذلك تغير أحوال الهواء بالغيوم والصواعق والبروق العجيبة ~~المتتابعة المختلطة بالغيوم الثقال الحاملة للماء الكثير المطفئ بطبعه ~~للنار المضادة له وما في الجمع بينها وانشائها وانزال الأمطار منها بالحكمة ~~البالغة لا تختلط قطرة بأخرى ولو اشتدت الرياح العواصف وصغرت القطر وكثرت ~~وتقاربت حتى تقع متفرقة غير ضارة ولو اجتمعت لعظم ضررها ثم نزول البرد ~~القوي الشديد المتحجر في أوقات الخريف الذي لا يجمد فيه الماء مع أنه لا ~~يجمد في أيام الغيم سواء كانت في الشتاء أو في غيره لرطوبة الغيم فمن أين ~~جاء البرد المتحجر والماء PageV01P051 إذا جمد لا يكون على صفة البرد أبدا ~~فتأتي هذه الامطار فتعم الأرض سهولها ووعورها وشعابها وشعافها لينبت العشب ~~الكثير للنعام وسائر الهوام وتسقي المزروع وتنبت الاشجار والفواكه والازهار ~~والثمار وتمد البحار والأنهار والآبار ثم ما في اختلاف الليل والنهار ~~والفصول والاحوال وقد جمع الله تعالى ذلك في قوله @QB@ إن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ~~وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها @QE@ إلى قوله ~~@QB@ لآيات لقوم يعقلون @QE@ فالفكر في هذه الأمور هو النظر المأمور به ~~وعلى ذلك درج السلف من غير ترتيب المقدمات على قانون أهل المنطق بل قد شهد ~~كتاب الله على أن ذلك يفيد البيان حيث قال @QB@ سنريهم آياتنا في الآفاق ~~وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق @QE@ ثم توعد من زعم أن ذلك لم يفده ~~بيانا بقوله @QB@ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد @QE@ وعلى هذا قال ~~الشيخ مختار بن محمود في كتابه المجتبى في آخر ما قيل في حقائق النظر أنه ~~تجريد الفكر عن الغفلات وحكى عن شيخه محمود بن الملاحي أنه لا يشترط في ~~العلم بالله أن يبتني على المقدمات المنطقيات والأساليب النظريات وكيف ينكر ~~هذا أو يستبعد وقد حكى الله عن الهدهد وهو من العالم البهيمي أنه وحد الله ~~واحتج على صحة توحيده بهذا الدليل ms041 المذكور في الآفاق قال الله سبحانه حاكيا ~~عنه @QB@ ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض @QE@ يعني ~~المطر والنبات فاحتج بحدوث هذين الأمرين العجيبين المعلوم حدوثهما مع ~~تكررهما بحسب حاجة الجميع إليهما وكذلك قيل لبعض الاعراب بم عرفت ربك فقال ~~البعرة تدل على البعير وآثار الخطا تدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ~~ذات فجاج كيف لا تدل على العلي الكبير وقد أشارت الرسل عليهم السلام إلى ~~هذا المعنى في قوله تعالى @QB@ قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات ~~والأرض @QE@ PageV01P052 # ومما أستجيد في هذا المعنى وتناقله السلف الصالح قول زيد بن عمرو ابن ~~نفيل رحمه الله تعالى # ( رضيت بك اللهم ربا فلن أرى % أدين إلها غيرك الله ثانيا ) # ( وأنت الذي من فضل من ورحمة % بعثت إلى موسى رسولا مناديا ) # ( فقلت لموسى اذهب وهارون فادعوا % إلى الله فرعون الذي كان طاغيا ) # ( وقولا له آأنت سويت هذه % بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا ) # ( وقولا له آأنت رفعت هذه % بلا عمد أرفق إذا بك بانيا ) # ( وقولا له آأنت سويت وسطها % منيرا إذا ما جنه الليل هاديا ) # ( وقولا له من يرسل الشمس غدوة % فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا ) # ( وقولا له من ينبت الحب في الثرى % فيصبح منه البقل يهتز رابيا ) # ( ويخرج منه حبه في رؤسه % وفي ذاك آيات لمن كان واعيا ) وله أيضا # ( وأسلمت وجهي لمن أسلمت % له المزن تحمل عذبا زلالا ) وفيه يقول ورقة بن ~~نوفل # ( رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما % تجنبت تنورا من النار حاميا ) # وتفكر في تباين القمرين في الحرارة والبرودة وبرد القمر مع استمداده في ~~نوره من الشمس وحرارة الشمس الشديدة ومم استمدت تلك الحرارة الدائمة ~~المتوقدة وهي في أرفع الاجواء الرطبة الباردة وكيف لم تحترق وتتلاش مع شدة ~~حرارتها ودوامها وعدم ما تحرقه مثل سائر الناريات وقد ذكر صاحب الوظائف أن ~~في كتاب الله تعالى من الآيات في هذا المعنى خمسمائة آية وقد ذكرت في تكملة ~~ترجيح أساليب القرآن من ذلك ما يشفي ويكفي # ولنختم هذا المعنى ms042 بذكر آية واحدة منها وهي قوله تعالى @QB@ ومن آياته أن ~~تقوم السماء والأرض بأمره @QE@ وفي آية أخرى بأنه سبحانه PageV01P053 @QB@ ~~يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده @QE@ ~~وهذه حجة أجمع عليها الكفرة مع المسلمين فإن الجميع اتفقوا على أن العالم ~~في الهواء أرضه وسماؤه وما فيه من البحار والجبال وجميع الاثقال وقد ثبت ~~بضرورة العقل أن الثقيل لا يستمسك في الهواء إلا بممسك وأن هذا الامساك ~~الدائم المتقن لا يكون بما لا يعقل من الرياح كما زعمت الفلاسفة على أن ~~الرياح تحتاج إلى خالق يخلقها ثم إلى مدبر يقدرها مستوية الانفاس موزونة ~~القوة لا يزيد منها شيء على شيء حتى تعتدل اعتدالا أتم من اعتدال الفاعل ~~المختار فإن الفاعل المختار لو قصد الاعتدال التام حتى يستوي على رأسه حفنة ~~مملوءة ماء لم يستطع تمام الاعتدال إلا برياضة شديدة فكيف تعتدل عواصف ~~الرياح وتقع موزونة وزن القراريط في الصنجات المعدلة حتى يستوي عليها ثقل ~~الأرض والجبال من غير رب عظيم قدير عليم مدبر حكيم # وأما دلالة المعجزات فهي من أقوى الدلالات وأوضح الآيات لجمعها بين أمرين ~~واضحين لم يكن نزاع المبطلين إلا فيهما أو في أحدهما وهما الحدوث الضروري ~~والمخالفة للطبائع والعادات وهذا هو الذي أراه الله خليله عليه السلام حين ~~سأل الله طمأنينة قلبه والذي احتج به موسى الكليم عليه السلام على فرعون ~~وسماه شيئا مبينا كما حكاه الله تعالى في سورة الشعراء حيث قال فرعون @QB@ ~~لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين @QE@ قال موسى @QB@ أولو جئتك ~~بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ~~ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين @QE@ إلى قوله @QB@ فألقي السحرة ساجدين ~~@QE@ وكل ما تعارضت فيه أنظار العقلاء وقدحت فيه شكوك الأذكياء فلا شك أن ~~لأهل الاسلام من ذلك القدح المعلى في اثبات الصانع الحكيم تعالى وعلى كل ~~حال فالنبوات وآياتها البينة ومعجزاتها الباهرة وخوارقها الدامغة أمر كبير ~~وبرهان منير ما طرق العالم له ms043 معارض ألبتة PageV01P054 خصوصا مع قدمه ~~وتواتره فإن آدم عليه السلام أول البشر وأبوهم نبي مرسل إلى أولاده ثم لم ~~تزل رسل الله عز وجل لترى مبشرين ومنذرين وعاضدين لفطرة الله التي فطر ~~الخلق عليها فلا أشفى ولا أنفع من النظر في كتبهم وآياتهم ومعجزاتهم ~~وأحوالهم ثم اعتضد ذلك بأمرين أحدهما استمرار نصر الأنبياء في عاقبة أمرهم ~~وإهلاك أعدائهم بالآيات الرائعة وثانيهما سلامتهم واتباعهم ونجاتهم على ~~الدوام من نزول العذاب عليهم كما نزل على أعدائهم ولا مرة واحدة وذلك بين ~~في القرآن وجميع كتب الله تعالى وجميع تواريخ العالم ومن غريبها الذي لا ~~يكاد أحد ينظر فيه حفظهم مع ضعفهم من الأقوياء الاعداء وأهل القدرة مثل حفظ ~~موسى وهارون من فرعون مع ظهور قدرته ولذلك قالا @QB@ إننا نخاف أن يفرط ~~علينا أو أن يطغى @QE@ فقال الله تعالى لهما @QB@ لا تخافا إنني معكما أسمع ~~وأرى @QE@ وكذلك قال نوح لقومه @QB@ يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري ~~بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم ~~غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون @QE@ ونحو ذا قال هود لقومه وكذلك قال الله ~~تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم @QB@ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ~~@QE@ ولما نزل عليه قوله تعالى @QB@ والله يعصمك من الناس @QE@ ترك الحرس ~~وكان يحرس قبل نزولها وقصة إبراهيم عليه السلام في ذلك أشهر وأبهر بل على ~~هذا درج أهل الصلاح ووضحت حماية الله لأهل الصدق في التوكل كما وعد الله ~~تعالى به والمختصر لا يحتمل إلا الاشارة ثم يفتح الله تعالى على المتأمل ~~ومنهم من كفاه الله بالاسباب الظاهرة الحارقة مثل ملك سليمان عليه السلام ~~واخدام الجن مع الانس وتسخير الريح له وجميع ما حكى عنه فهذا أيضا يدل على ~~الله تعالى أوضح الدلالة حيث جمعت قدرته الباهرة خرق العادات في نصرتهم ~~بالأسباب الباطنة والظاهرة وكذلك عقوبات أعداء الله الخارقة كمسخ أهل السبت ~~قردة وبمثل ذلك PageV01P055 يعلم الله ضرورة لأن مثل ذلك لا يصح بالطبع وهو ms044 ~~متواتر مع اليهود مع ثبوته في كتاب الله وفيه ما يدل على وقوعه ضرورة لقوله ~~تعالى @QB@ ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة ~~خاسئين فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين @QE@ فلو لم ~~يكن هذا حقا معلوما عند خصوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خوطبوا بذلك ~~ولو خوطبوا بذلك وعندهم فيه أدنى ريب لبادروا إلى التكذيب والتشنيع وكل هذا ~~يعلم ضرورة من العوائد المستمرة وكذلك نتق الجبل وفلق البحر وقصة أصحاب ~~الفيل وأصحاب الجنة في ن وصاحبا الجنة في الكهف وشفاء أيوب وإحياء الموتى ~~لعيسى عليه السلام بل منه جميع المعجزات والكرامات الخارقات ومن أعظمه ~~إحياء الموتى لعيسى عليه السلام وكلام عيسى عليه السلام في الطفولة وهو ~~معلوم بالتواتر وسبب غلو النصارى فيه وهم خلائق يعلم بخبرهم العلم الضروري ~~وخسف قارون وداره والخلق ينظرون ونحو ذلك وإليه الإشارة بقوله تعالى @QB@ ~~وذكرهم بأيام الله @QE@ وقوله تعالى @QB@ ولقد تركنا منها آية بينة لقوم ~~يعقلون @QE@ # وقد نبه الله سبحانه وتعالى على هذه الدلالات الثلاث في أول سورة الأنعام ~~فتأملها لكنه يسمي المعجزات الآيات ثم أتبعها بابطال اعتلالهم بالسحر كما ~~سيأتي في النبوات # وينبغي ههنا مطالعة كتب قصص الأنبياء ومن أجودها كتاب ابن كثير البداية ~~والنهاية وكتب المعجزات مثل الشفاء للقاضي عياض والمعجزات النبوية من جامع ~~الأصول في حرف النون ولي في ذلك كتاب PageV01P056 مختصر سميته البرهان ~~القاطع في معرفة الصانع ومن أحسن ما أشير فيه إلى المعجزات المذكورة في ~~كتاب الله تعالى هذه الأبيات # ( هو الله من أعطى هداه وصح من % هواه أراه الخارقات بحكمة ) # ( بذاك على الطوفان نوح وقد نجا % به من نجا من قومه في السفينة ) # ( وغاض على ما فاض عنه استجابة % وجد إلى الجودي بها واستقرت ) # ( وسار ومتن الريح تحت بساطه % سليمان بالجيشين فوق البسيطة ) # ( وقبل ارتداد الطرف احضر من سباله % عرش بلقيس بغير مشقة ) # ( وأحمد إبراهيم نار عدوه % ومن نوره عادت له روض جنة ) # ( ولما دعا الاطيار من رأس شاهق % وقد ms045 ذبحت جاءته غير عصية ) # ( ومن يده موسى عصاه تلقفت % من السحر أهوالا على النفس شقت ) # ( ومن حجر أجرى عيونا بضربة % بها دائما سقت وللبحر شقت ) # ( ويوسف إذ ألقى البشير قميصه % على وجه يعقوب عليه بأوبة ) # ( رآه بعين قبل مقدمه بكى % عليه بها شوقا إليه فكفت ) # ( وفي آل إسرائيل مائدة من % السماء لعيسى أنزلت ثم مدت ) # ( ومن أكمه أبرى ومن وضح غدا % شفى وأعاد الطير طيرا بنفخة ) # ( وصح بأخبار التواتر أنه % أمات وأحيا بالدعا رب ميت ) # ( وأبعد من هذا عن السحر أنه % رضيع ينادي باللسان الفصيحة ) # ( ينزه عن ريب الظنون عفيفة % مبرأة من كل سوء وريبة ) # ( وقال لأهل السبت كونوا إلهنا % قرودا فكانوا عبرة أي عبرة ) # ( وصرع أهل الفيل من دون بيته % بطير أبابيل صغار ضعيفة ) # ( وأحرق روض الجنتين عقوبة % بكاف ونون عبرة للبرية ) # من نبوع العيون من الحجر بضرب العصا دليل سمعي خاص قاطع على خلق الماء ~~وعلى إخراج المخلوق من العدم المحض وكذلك قوله تعالى @QB@ وفار التنور @QE@ ~~وكذلك خروج الماء الكثير من أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P057 # وإنما ذكرت هذه الآيات لأن بعض الناس ذكر أنه ليس في هذا نص شرعي وإنما ~~يدل عليه العقل والعمومات لا النصوص وقد روى الحاكم في هذا المعنى حديثا في ~~تفسير قوله تعالى جميعا منه # | تكميل # ثم يعتضد هذا بما يناسبه من كرامات الصالحين وعقوبات الظالمين المذكورة ~~في كتاب الله تعالى والمتواترة والمشاهدة ثم ما وقع من تكرر نصر الله تعالى ~~للحق والمحقين وإنهم وان ابتلوا فالعاقبة لهم على ما دل عليه قوله عز وجل ~~@QB@ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم ~~الغالبون @QE@ وكذلك قول الله تعالى @QB@ وكان حقا علينا نصر المؤمنين @QE@ ~~وقوله @QB@ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد @QE@ وقوله تعالى @QB@ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي @QE@ وقد جود ~~الزمخشري هذا المعنى في تفسير قوله تعالى @QB@ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ~~أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق @QE@ وفسرها بما كان من فتوح الاسلام ms046 ~~الخارقة في الآفاق وفسرها ببلاد العجم وفي أنفسهم وفسرها ببلاد العرب وفي ~~ذلك حديث ابن عباس الطويل وكذلك الأنبياء تبتلى ثم تكون لهم العاقبة رواه ~~البخاري ويشهد لصحته الاستقراء من التواريخ وقوله تعالى @QB@ والعاقبة ~~للمتقين @QE@ وفي الشعراء تنبيه على ذلك في آيات كثيرة يعقبها بقوله تعالى ~~@QB@ إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم @QE@ ~~PageV01P058 فتأمل ثم ما قد وقع للإنسان من إجابة الدعوات وكشف الكربات ~~وستر العورات وتيسير الضرورات وقضاء الحاجات وكشف المشكلات والالهام في ~~المعارف الخفيات والاشارات المرشدات في المنامات الصادقات وفي هذا يقول ابن ~~الفارض شعرا # ( وقل لي من ألقى إليك علومه % وقد ركدت منه الحواس لغفوة ) # وقد احتج بذلك الغزالي وعارض به الفلاسفة في إحالتهم لعلم الغيب وهذه ~~الأشياء إذا ضمت إلى البراهين حصل من مجموعها قوة بقين كثيرة ولقد قال ~~الغزالي أنه حصل له يقين قوي بالمعاد من مجموع براهين وقرائن وتجارب # ثم اليقين بعد هذا كله من مواهب الله تعالى فإن أنعم الله به عليك فكن من ~~الشاكرين وإن عرض لك الشك بعد هذا كله فاحذر أن يكون ذلك عقوبة بذنب كما ~~نبه الله على ذلك بقوله @QB@ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع ~~الله على قلوب الكافرين @QE@ وقوله @QB@ سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية ~~بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب @QE@ فافزع ~~إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار والتضرع والتذلل وطلب أسباب الرقة ~~والتخويف العظيم لنفسك من الوقوع في الشقوة الكبرى بعذاب الآخرة فإن من ~~طبائع النفوس الإيمان عند شدة الخوف ولذلك آمن قوم يونس لما رأوا العذاب ~~وآمن فرعون حين شاهد الغرق وقد نبه الله على ذلك بقوله @QB@ بل هم في شك من ~~ذكري بل لما يذوقوا عذاب @QE@ ولذلك يرجع كثير من العقلاء عند الموت عن ~~عقائد وقبائح وشبهات كانوا مصرين عليها وليس ذلك لتجلي برهان حينئذ بل لأن ~~الطبع القاسي كان كالمعارض للبرهان فلما لأن بقي البرهان بلا معارض ms047 وكذلك ~~لو شاهد فرعون وغيره أعظم برهان بغير خوف ما آمنوا قال الله تعالى @QB@ فما ~~كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين @QE@ PageV01P059 # وحكى ابن خلكان عن ابن سينا أنه لما عرف علة الموت أقبل على القرآن وترك ~~ما كان عليه فانصح نفسك وذكرها وقل لها لو كان معك يقين بارتفاع التكليف ما ~~خفت ولكنك عن قريب إن لم يرحمك مولاك تقعين في أشد العذاب وينكشف عنك هذا ~~الارتياب وذكرها عظيم حسرة المكذبين يوم يقال @QB@ انطلقوا إلى ما كنتم به ~~تكذبون @QE@ فإن النفس كما أنها بعيدة الايمان فإنها بعيدة الامان وخوفها ~~أعظم الاعوان على الايمان قال الله تعالى @QB@ وفي نسختها هدى ورحمة للذين ~~هم لربهم يرهبون @QE@ وقال تعالى @QB@ وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب ~~الأليم @QE@ وقال عز وجل @QB@ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ~~ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا @QE@ ~~ولأنها لوجدان الخوف عند التخويف تنزل من مرتبة القطع بالتكذيب الذي هو أول ~~ما يروم الشيطان فإذا نزلت من ذلك وجب عليها في العقل تصديق الثقة والعمل ~~بالظن كيف إذا جاء الثقة مع ظن صدقه بالمعجز وعضدته البراهين المقدمة وإلى ~~هذه الطريقة الاشارة بقوله تعالى @QB@ قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم ~~به @QE@ إلى قوله @QB@ إن الله لا يهدي القوم الظالمين @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم ~~الظالمون @QE@ وقوله @QB@ فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من ~~العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله ~~وحده وكفرنا بما كنا به مشركين @QE@ وقوله تعالى @QB@ وبدا لهم من الله ~~@QE@ PageV01P060 ما لم يكونوا يحتسبون ) فإن نفرت النفس من الايمان ببعص ~~المحارات وتوهمت أنه من المحالات كثبوت القدم الذي لا نعرفه إلا بالتصديق ~~أو ثبوت الحكمة في العذاب وخلق أهله فسيأتي الجواب في ذلك في اثبات حكمة ~~الله تعالى # ومن أنفع ما يدفع الحيرة به أنه لابد من لزوم ms048 المحارة في العقول على كل ~~تقدير والاسلام أقل المحارات من جميع الملل الكفرية وبالاسلام تندفع كلها ~~وتخرج العقول من الظلمات إلى النور وانظر إلى هذا العالم المحسوس بالضرورة ~~تجد المحارة العقلية لازمة لوجوده لأنه لا يخلو بالضرورة من الحدوث أو ~~القدم فالقدم من محارات العقول والحدوث من غير محدث من محاراتها بل من ~~محالاتها فالمحارات أقرب من المحالات لأن الممكن البعيد أقرب من الممتنع ~~ولا ثالث لهذين الأمرين إلا الاسلام وإلى هذا أشار من قال # ( صورة الكون محال % وهي حق في الحقيقة ) # لكنه أخطأ في تسمية المحارة محالا فإن كانت المحارة لازمة للإسلام فهي ~~لما عداه ألزم فإن كان هذا اللزوم حقا فالمحارة حق والحق لا يستوحش منه وإن ~~كان باطلا فالباطل حقيق لا يستوحش من خشيته لأنه لا شيء حقيقة فكيف الخوف ~~من لا شيء فمن لم يثبت الرب قديما أثبت العالم قديما ومن لم يثبت له أسماءه ~~الحسنى بلا سبب أثبت الاحكام العجيب للعالم بلا سبب ومن لم يثبت الرب ~~بكماله بلا سبب أثبت العالم بأحكامه وعجائبه بلا سبب ومن لم يقبل الايمان ~~بالبرهان والقرآن قبل الكفر بلا قرآن ولا برهان # وإلى هذا آشار رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال ( لا يزال الناس ~~يتساءلون حتى يقولوا هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله ) وأمرنا بالاستعاذة ~~والانتهاء حينئذ لأنه يقال للكافر فإذا أمكن وجود العالم بغير خالق فأولى ~~منه وجود الرب بغير خالق ودل على أنه لابد من انتهاء الموجودات الممكنة إلى ~~واجب الوجود عز وجل PageV01P061 # واعلم أن مادة هذه الوساوس عجب الانسان بعقله وعلمه وظنه أنه إذا لم يعرف ~~شيئا فهو باطل فاعرف أنك كما قال أصدق القائلين في صفة الانسان @QB@ إنه ~~كان ظلوما جهولا @QE@ ويدل على هذا من المعقول مع المنقول أمران أحدهما أن ~~الانسان يؤثر هواه في الاقبال على دار الفناء وعلى شهواتها الضارة المضرة ~~في العاجلة المشاهدة ويقدم المرجوح على الراجح قطعا ويتحمل من الأمانات ~~التي هو في تحملها مختار ما يدل على ms049 صحة ما روي من تحمل آدم عليه السلام ~~لأصلها وجميعها مثل الدخول في الديون والضمانات والحقوق الزوجية وغيرها ~~وحقوق المخالطة والفرق بين الأحكام عند الرضا والغضب والغنى والفقر والامان ~~والخوف وبذلك يعرف الفطين من طبع نفسه الظلم وجحد الحق عند رجحان الداعي ~~إلى ذلك ولذلك يوجد البخل من بعض الاجواد في الاحوال والكذب من بعض ~~الصادقين كذلك قال صالح عليه السلام @QB@ يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ~~ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين @QE@ فبين أن الصارف لهم الهوى المحض لا ~~الشبهة # ومن هنا نقم الله على الكفار أنهم آمنوا بالباطل فلو كان كفرهم بالحق ~~الذي هو الله وكتبه ورسله من أجل الشبهة لكانوا لعبادة الحجارة وغيرها أشد ~~كفرا وذلك بين في قوله تعالى @QB@ والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك ~~هم الخاسرون @QE@ ونحوها قوله في قصة الخليل عليه السلام @QB@ وحاجه قومه ~~قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا ~~وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم ~~أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم ~~تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ~~وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ~~@QE@ فبين الخليل لهم أن خوفهم وتخويفهم PageV01P062 من أصنامهم واعتذارهم ~~به عن الايمان شيء باطل ولو كان من قبيل خوف العقلاء المستند إلى الامارات ~~الصحيحة أو الأدلة الواضحة لكان خوفهم من الله تعالى أولى من كل وجه صحيح # ولوضوح هذا جاء فيه بأدوات الاستنكار والاستبعاد مثل قوله @QB@ وكيف أخاف ~~ما أشركتم @QE@ وقوله @QB@ فأي الفريقين أحق بالأمن @QE@ وهذه المعارضة ~~وأمثالها تفيد القطع بعناد الخصم فتأملها في كتاب الله تعالى وهي جيدة ~~مفحمة نافعة ولذلك سماها الله تعالى حجة ورفع بها خليله عليه السلام ~~ونحوهما قوله تعالى @QB@ وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا ~~سبيل الغي يتخذوه سبيلا @QE@ وكذلك قوله تعالى ms050 @QB@ ذلكم بأنه إذا دعي الله ~~وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون @QE@ # وقد يقع من أهل الايمان شيء من ذلك في غير الكفر ولذلك لم تقبل شهادة ~~المؤمن العدل لنفسه ولا على عدوه وكذلك حكى الله عن الكفار جحدهم في يوم ~~القيامة حتى تشهد عليهم جلودهم وحتى يقولوا لها لم شهدتم علينا وذلك أنهم ~~رأوا من عدل الله تعالى وحكمه بالبينات دون علمه ما أطعمهم في نفع ذلك لهم ~~والطبيعة واحدة إلا ما هدى الله وأصلح فاحذر من هذه الطبيعة أن تتوهم كفرها ~~وقساوتها وجفاوتها برهانا معارضا لبراهين الحق بل ولا شبهة أبدا ولذلك يزول ~~شكها وريبها بمعانية الأهوال كمعاينة هول المطلع كما حكى ابن خلكان عن ابن ~~سينا رأس الفلاسفة أنه لما عرف أنه ميت أعتق مماليكة وفعل من القرب الذي ~~أمكنه وأقبل على التضرع إلى الله تعالى وتلاوة كتاب الله واضمحلت عنه تلك ~~الوساوس # فهذه هذه ولذلك أكثر الله تعالى ورسله من الجمع بين الأدلة والوعيد وقصص ~~المعذبين واعتمدها مؤمن آل فرعون فأحسن في دعاء قومه إلى PageV01P063 ~~الايمان وتخويفهم من العذاب الأدنى المعجل في الدنيا ثم من العذاب الأكبر ~~فقال @QB@ يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد ~~وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إني أخاف عليكم ~~يوم التناد @QE@ الآيات وإنما بدأ بذكر عذاب الله للكافرين في الدنيا لأنه ~~كان معلوما لهم بالضرورة فتأثيره في النفوس أقوى كما ذكره المؤيد بالله في ~~قوة النفع بذكر الموت والبلاء في القبور وتصور ذلك وأمثاله # والآن ظهر لك أن اثبات الرب والايمان به هو الحق والأحوط كما تبين قبل ~~ذلك أن اثبات العلوم هو الحق بحيث لا يخاف في هذين الاعتقادين مضرة ألبتة ~~والخوف العظيم والمضار العظيمة في عدمهما كما قال القائل # ( قال المنجم والطبيب كلاهما % لا تبعث الاموات قلت إليكما ) # ( إن صح قولكما فليس بضائري % أو صح قولي فالوبال ms051 عليكما ) ومثل ذلك قول ~~الآخر # ( ورغبني في الدين أن دليله % قوي ويخشى كل شر بجحده ) # ( وكرهني للكفر أن فساده % جلي ويخشى كل شر بقصده ) # بل كما قال الله تعالى @QB@ قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به ~~@QE@ الآية كما تقدم والمراد ايراده من غير شك لمداواة النفوس الجامحة ~~والوساوس الغالبة والاستعانة على تليينها بالمعارضات النافعة لتسلم العقول ~~مما يزاحمها مما شق على الأوهام من الغيوب وتذعن لما يخالف القياس من ~~الأحكام & الباب الرابع في اثبات التوحيد والنبوات وفروعها & # ثم أن المثبتين للعلوم والربوبية اختلفوا في أمور ثلاثة أحدها توحيد الرب ~~وقد علم بالضرورة من الدين وإن خلافه كفر ودليل السمع في PageV01P064 هذا ~~المقام صحيح بالاتفاق مع ما عضده من الدليل العقلي الذي نبه القرآن عليه في ~~قوله تعالى @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا @QE@ ولا خفاء في ذلك ~~ولا خلاف فيه بين المسلمين فلا يحتاج فيه إلى عناية ولا شك في قوة براهينة ~~وسقوط المعارض لها وأنه أحوط لما في مخالفته من خوف العذاب العظيم وسيأتي ~~تمام الكلام فيه في فروع النبوات # وأما الكلام في النبوات فاعلم أنه من أوضح المعارف وقد تطابقت دلائل ~~المعجزات الباهرات عليه ولا شك مع ذلك أنه الاحوط لأن التكذيب بها من الكفر ~~المعلوم الموجب للعذاب الأكبر وليس لمنكري النبوات من الشبه ما يعارض دلائل ~~ثبوتها ولا ما ينتهض لإثارة الشكوك في هذا المقام البين وإنما قدحت ~~البراهمة في الشرائع بنحو إباحة ذبح البهائم من غير جرائم وذلك جهل فاحش ~~فإن الله الذي خلقها هو الذي أحلها في دار الفناء التي كتب فيها الموت على ~~كل حي لحكمة بالغة وقد ساوى سبحانه بيننا وبينها بالموت وإن اختلفت الأسباب ~~ولا مانع في العقل من ذلك قبل ورود الشرع على بعض الوجوه فهؤلاء البراهمة ~~لا ينكرون تطابق العقلاء على سقي المزارع بالماء وإن مات بسبب ذلك كثير من ~~الذر ونحوها من الحيوانات التي تكون في مجاري الماء وعلى الاستسقاء من ~~المناهل وإن كان وسيلة ms052 إلى موت حيوان الماء وعلى إخراج دود البطن بالأدوية ~~وإن مات ألوف كثيرة بسبب عافية انسان واحد من ألم لا يخاف منه الموت ويخرج ~~الانسان الذباب من منزله ولو هلكن من البرد والحر ونحو ذلك وإنما أجمع أهل ~~العقول على مثل هذا لما في فطر العقول من ترجيح خير الخيرين واحتمال أهون ~~الشرين عند التعارض كما قيل حنانيك بعض الشر أهون من بعض # ومن ذلك استحسن العقلاء تحمل المضار العظيمة في الحروب لدفع ما هو أضر ~~منها وقالت العرب # ( بسفك الدما يا جارتي تحقن الدما % وبالقتل تنجو كل نفس من القتل ) ~~PageV01P065 وقد جاء القرآن بذلك بأفصح عبارة وأوجزها فقال تعالى @QB@ ولكم ~~في القصاص حياة يا أولي الألباب @QE@ والقصد أنه لا ينكر في العقول أن يغذي ~~الحيوان الشريف بالحيوان الخسيس فتدفع بالغذاء عنه المضرة وتكمل بالغذاء له ~~النعمة وعلى تسليم أن العقل لا يستحسن ذلك فإنه يجوز أن يحكم بحسن ذلك مالك ~~الجميع علام الغيوب الذي لا معقب لحكمه ولا عالم بغيبه ولا يحيطون بشيء من ~~علمه إلا بما شاء وتوهم معارضة ذلك بالتقبيح العقلي في غاية السقوط فإن ~~العقلاء يختلفون فيما دق من هذا الباب وإنما يتفقون على الضروري منه الذي ~~لم يرد الشرع به قطعا مثل ترجيح الكذب على الصدق مطلقا لا مقيدا بحال ~~الضرورة فأي عاقل يرجح هذه الحماقة على البراهين الواضحة في النبوات # وقد جود الجاحظ الكلام في النبوات في كتاب مفرد في ذلك وتبعه في ذلك ~~الامام المؤيد بالله عليه السلام فهذب كتابه وحسن ترصيعه وقرب متباعدة ~~فينبغي للمسلم الوقوف عليه وحسن التأمل له فالأمر في ذلك جلي فطري وإنما ~~ينبغي أن يذكر هنا الفروق بين الأنبياء عليهم السلام وسائر من يقع منه ~~الخوارق من أهل السحر والطلسمات وسائر أهل الرياضات # واعلم أن المتكلمين يذكرون هنا فروقا كثيرة منها أن السحر فن معروف له ~~شيوخ يعرفونه ويعلمونه وفيه مصنفات ومن تولع به وطالع كتبه وتتلمذ لشيوخه ~~عرفه وإنما اختلف في تعلمه فقيل حرام وقيل فرض كفاية ms053 حتى إذا ظهر ساحر عرف ~~سحره وهذا باطل لوجهين أحدهما أنه لم يكن في الصحابة بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من يعرفه ولو كان فرضا كانوا أقوم الناس به وثانيهما أنه قد ~~ثبت بالضرورة أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وهذا برهان يوضح ~~لنا أن كل مدع للنبوة بعده كاذب PageV01P066 وأن كل خارقة تأتي على يد مدعي ~~النبوة بعده فأنها غير صحيحة فإذا تقرر هذا فقد اتضح الفرق فإن النبوات لا ~~حيلة لأحد في اكتسابها # الفرق الثاني أنه لا حقيقة للسحر ولا يبقى وفي المعجزات ما يبقى مثل ~~الناقة في قوم صالح ومثل القرآن العظيم في معجزات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولذلك كان أبهر المعجزات فإنه لو أمكن فيه السحر لأمكن أن جميع أشعار ~~العرب وتواريخ العالم وجميع كتب الدنيا سحر وهذا معلوم الفساد بالضرورة وقد ~~أشار إليه في القرآن الكريم حيث قال الله تعالى في أول سورة الأنعام @QB@ ~~ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا ~~سحر مبين @QE@ فإنه سبحانه عاب عليهم الاعتذار عن الحق بالسحر في الموضع ~~الذي لا يمكن فيه السحر قطعا في عقول العقلاء فكيف وقد جعلوه سحرا بينا لا ~~سحرا مشكوكا فيه لشدة عنادهم يدل على ذلك أنهم جعلوه غاية ما اقترحوا ~~تعجيزا وعنادا وعتوا حيث قالوا @QB@ أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى ~~تنزل علينا كتابا نقرؤه @QE@ فتأمل ذلك وكذلك أمثالهم من أعداء الاسلام ~~وكذلك قال تعالى في سورة يونس حكاية عن موسى وقومه @QB@ فلما جاءهم الحق من ~~عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ~~ولا يفلح الساحرون @QE@ فاكتفى موسى بتقريعهم حيث وضح عنادهم # الفرق الثالث أنه لا يكون السحر إلا بشروط مخصوصة في أوقات مخصوصة ولا ~~يكون بحسب الاقتراح بخلاف المعجزات # قلت وهنا فروق أوضح من هذه الفروق بين الأنبياء وغيرهم وذلك من وجوه # الأول اتفاق الأنبياء في التوحيد والدعاء إلى الله تعالى ms054 والترغيب فيما ~~لديه والترهيب من عقوبته فالأول منهم يبشر بالثاني والآخر منهم يؤمن بالأول ~~وليس أحد منهم يخطئ أحدا ولا ينقم عليه ولا ينتقصه بخلاف سائر أرباب ~~الخوارق وسائر العلماء والأولياء فإنه يجري بينهم المعارضة PageV01P067 ~~الدالة على ارتفاع العصمة ألا ترى أن أهل الرياضة تكون فيهم المبتدعة بل ~~منهم الدهرية والبراهمة وقد ذكر صاحب العوارف طرفا من ذلك في الباب السابع ~~والأربعين وصنف شيخ الاسلام ابن تيمية مصنفا في ذلك سماه الفرق بين الأحوال ~~الربانية والأحوال الشيطانية الوجه الثاني ما ذكره الشيخ مختار في المجتبى ~~وهو أن صاحب المعجزات يفارق صاحب الحيل والسحر في الزي والرواء والهيبة ~~والكلام والأفعال وفي كافة الأحوال أنوار التقوى تلألأ في وجه صاحب ~~المعجزات وآثار الصلاح تلوح في وجوه أهل الخيرات تعرفهم بسيماهم كما قال ~~ربهم ومولاهم شيمتهم التحلم والاصطبار ودينهم الصفح والعفو والاستغفار ~~والجود فالسخاء والايثار والمصافاة مع المساكين والفقراء والحنو والحدب على ~~الضعفاء والأعراض عن زخارف الدنيا وعن اتباع الشهوات والهوى # وأما أصحاب السحر والحيل فرذائل التزوير لائحة في وجوههم ومخايل الختل ~~والغدر واضحة في جباههم قصارى همهم استمالة الأغبياء وإيثار مواطن الملوك ~~والأمراء والأغنياء وغاية أمنيتهم نيل الجاه والعز في الدنيا والظفر بما ~~يوافق النفس والهوى اه وقد سبقه الرازي إلى هذا المعنى بأجود من كلامه لكنه ~~أطول فآثرت اختصار ما ذكره الرازي في كتاب الأربعين ونقلته وزدت عليه كثيرا ~~في كتاب البرهان القاطع في معرفة الصانع وصحة الشرائع # وإلى هذا الوجه الإشارة بقوله تعالى @QB@ أم لم يعرفوا رسولهم فهم له ~~منكرون @QE@ وقوله @QB@ أسحر هذا ولا يفلح الساحرون @QE@ كما تقدم في كلام ~~موسى عليه السلام وقوله تعالى @QB@ اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ~~@QE@ وأمثالها وفي آية يسن اشارة إلى أن الكذب على الله وعلى الخلق في غاية ~~القبح ونفرة العقلاء عنه متمكنة فلا يمكن صدوره من أهل العقول الراجحة ~~والزهد المجرب لامتناع وقوع المرجوح عقلا وسمعا وهذه وأضعاف أضعافها صفات ~~الأنبياء عليهم السلام كما أوضحته في البرهان القاطع ثم ان الله ms055 تعالى جعل ~~في بعض أحوال PageV01P068 الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فتنة للذين في ~~قلوبهم زيغ ومرض وعمى كما قال تعالى @QB@ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا ~~إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون ~~وكان ربك بصيرا @QE@ وذلك ليبقى الابتلاء الذي اقتضته الحكمة حين كان في ~~أسماء الله المبتلى والباطن والظاهر كما مضى فمن كان نظره من الجهات ~~المناسبة لاسمه الظاهر رشد وسعد ومن كان نظره على العكس من ذلك وقع في ~~المحارات وبعد من مسالك النجاة فكن من ذلك على حذر وافزع إلى الله واستعذبه ~~من ذلك وهو الهادي ولا يهدى إلا الله # الوجه الثالث أنه يظهر على كل نبي ما يميزه من السحرة وأهل الحيل مثال ~~ذلك إيمان السحرة بموسى واعترافهم أن الذي جاء به ليس في جنس السحر واحياء ~~عيسى للموتى وذلك ان موسى عليه السلام كان في وقت ظهر فيه علم السحر وعيسى ~~عليه السلام كان في زمن ظهر فيه علم الطب فجاء كل واحد منهما بما يعرفه أهل ~~عصره وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم كان في زمان ظهرت فيه الفصاحة فجاء ~~بالقرآن العظيم الذي لا يخفى عليهم ما اشتمل عليه من وجوه الاعجاز # ثم انه ظهر لنا في حق نبينا صلى الله عليه وسلم أمور كثيرة تميزه عن ~~السحرة والمحتالين منها ورود البشارة به في التوراة والانجيل قال الرازي في ~~كتابه الأربعين والدليل على ذلك أنه ادعى أن ذكره موجود فيهما قال الله ~~تعالى @QB@ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل @QE@ وقال حكاية عن عيسى المسيح @QB@ ومبشرا برسول يأتي ~~من بعدي اسمه أحمد @QE@ وقال @QB@ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم @QE@ ومعلوم أنه لو PageV01P069 لم يكن صادقا في ذلك لكان هذا من ~~أعظم المنفرات عنه لليهود والنصارى ولا يمكن أن العاقل يقدم على فعل يمنعه ~~من مطلوبه ويبطل عليه مقصوده ولا نزاع بين العقلاء انه كان أعقل الناس ~~وأحلمهم انتهى # ومنها ما ظهر من كراماته في أيام ms056 الحمل به وأيام الطفولية مثل ما روى ~~مسلم في الصحيح والنسائي من حديث أنس أن جبريل أتاه وهو يلعب مع الصبيان ~~فشق بطنه واستخرجه وجاء الغلمان يسعون إلى ظيره فقالوا ان محمدا قد قتل وهو ~~منتقع اللون قال انس قد كنت أرى ذلك المخيط في صدره # ومنها علم جميع من آمن به من أهله وأصحابه وأهل بلده ببراءته من التهمة ~~بالسحر ولا شك ان علمهم بذلك ضروري كما يعلم ذلك أحدنا في كثير من أهله ~~وخاصته وجيرانه وأهل زمانه ولذلك حصل معنا العلم الضروري بذلك عن خبرهم ولو ~~كان خبرهم عن ظن لم يحصل لنا منه علم ضروري ومن لم يحصل له هذا العلم ~~الضروري فذلك لتقصيره في علم الحديث والسير والتاريخ على أنا غير محتاجين ~~إلى شيء من هذا لما قدمناه من انه لا يمكن السحر في القرآن لدوامه وعظيم ما ~~اشتمل عليه من البلاغة والعلوم ولو أمكن ذلك بالسحر لامكن الساحر أن يكون ~~كلامه بليغا مفهوما ولما حصلت الثقة بكلام ولا كتاب على وجه الأرض # وقد بسطت القوم في هذا في البرهان القاطع وهذا كاف على قدر هذ المختصر ~~وليس التآليف الامثل للثمار وطرح البذر في الأرض الطيبة ثم يهب الله من ~~البركة ما يشاء وهو الفتاح العليم على أن السحر أحد الدلالات البينة على ~~الله تعالى لان علمه من العلوم التي لا تدرك بالعقل مثل ما ذكره الغزالي في ~~أمثاله مما يعلم قطعا انه ينتهي إلى تعليم عالم الغيب ولذلك جاء النص ~~الصريح في كتاب الله تعالى بأنه من تعليم ملكين من ملائكة الله وأن علمه ~~أنزل عليهما كما قال تعالى @QB@ وما أنزل على الملكين ببابل @QE@ الآيات ثم ~~فيه دلالة على النبوات من جهة أخرى PageV01P070 وذلك ان الساحر يعجز عن ~~معارضة الانبياء وعن بلوغ درجتهم في الاعجاز الحق فتبين بذلك صدقهم ~~وتمييزهم برفيع مقامهم عن السحر والسحرة كما كان في قصة موسى عليه السلام ~~مع السحرة فتعرف بذلك قدر النبوات معرفة مقادير المحاسن بأضدادها ولله ~~الحكمة البالغة ms057 في كل شيء سبحانه وتعالى # ومما يقوي أمر النبوات والاسلام النظر في معارضها وضعفه فان المخالفين ~~لذلك ضربان أحدهما أهل التجاهل المتدينون بدين الآباء وان كان عبادة ~~الاحجار ونحو ذلك ولا يلتفت إلى هؤلاء مميز وثانيهما أهل الفلسفة وقد نقل ~~الرازي عنهم الاعتراف بأن خوضهم في الربوبيات بالظن وأنهم لا يعلمون إلا ~~أحكام المشاهدات والمجريات ولو لم يقروا بذلك قام الدليل القاطع عليهم بذلك ~~وهو اختلافهم وتكاذبهم المتباعد المتفاحش الذي تميز الانبياء بالعصمة منه ~~عن جميع أهل الدعاوي الباطلة والنظر في هذا نفيس جدا فان الشيء انما يزداد ~~شرفا على قدر خساسة ضده وصحة على قدر ضعف معارضه وإليه الاشارة بقول يوسف ~~عليه السلام @QB@ يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ~~@QE@ إلى آخر الآيات ويقرب منه قوله تعالى @QB@ أو من ينشأ في الحلية وهو ~~في الخصام غير مبين @QE@ ثم أن الله تعالى نبه على عظيم عناد المكذبين ~~للانبياء بقوله تعالى @QB@ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن ~~يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء ~~وكيل @QE@ فقوله إنما أنت نذير واضح في الرد عليهم بأن أصل القصد في ~~النبوات اقامة الحجة على الغافلين عن الامر الجلي بمجرد ما ينبه الغافل من ~~النذارة القائمة مقام الحاضر على القلب وذلك ما لا يحتاج إلى دليل قاطع على ~~صدق النذير بل يكفي في النذير أن يكون ممكن الصدق غير مقطوع بكذبه في الأصل ~~ومثله @QB@ فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب @QE@ ولذلك ذهب إلى ذلك كثير ~~من الامامية PageV01P071 كما ذكره صاحب كتاب الدعائم عنهم لكن الله زاد في ~~إقامة الحجة ليقوى عدله على الكافرين وفضله على المؤمنين فأيدهم بأنواع ~~الآيات الخارقة والامارات الصادقة وفي الآية دلالة على حسن الاحتياط في ~~الحذر بعد سماع النذر كما هو معلوم في النظر وكما تقدمت عليه الدلالة في ~~كلام مؤمن آل فرعون وغيره مما تقدم من الآيات الكريمة في ذلك ولله الحمد ثم ~~أن الأمة ms058 أجمعت على انقطاع الوحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لا ~~طريق لأحد من بعده إلى معارضة ما جاء به فمن ادعى ذلك وجوز تغيير شيء من ~~الشريعة بذلك فكافر بالاجماع # | خاتمة # ثم إن المثبتين للنبوة اختلفوا في الايمان بجميع الانبياء فمنهم من فرق ~~بين رسل الله فآمن ببعضهم وكفر ببعضهم كاليهود والنصارى ومنهم من آمن بجميع ~~رسل الله ولم يفرق بين أحد منهم كالمسلمين فلا شك في أن إثبات النبوات أصح ~~دليلا وأحوط ثم أن الايمان بجميع الأنبياء كذلك فان المكذب برسول واحد ~~كالمكذب بجميع الرسل وهل أشقى ممن سلم من جميع المهالك حتى إذا لم يبق إلا ~~مهلكة واحدة وقع فيها فانظر ما أوضح الضلال في جميع ما تقدم من انكار ~~العلوم ثم من إنكار الربوبية ثم من إنكار التوحيد ثم من إنكار النبوات ثم ~~من إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة وما أوضح الحق في مخالفة ذلك ~~كله فالحمد لله رب العالمين # ومن واضحات الدلالة على اليهود أنهم مقرون برسول مبشر به في التوراة لكنه ~~عندهم غير محمد صلى الله عليه وسلم فيقال لهم تكذيبهم بمحمد يؤدي إلى ~~تكذيبهم بكل مدع أنه هو لأنه لا يمكن أن يأتي إلا بمعجزات وأما حديث تمسكوا ~~بالسبت أبدا فلو كان حقا لذكروه للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن منهم ~~أحد لكنه موضوع في زمن الراوندي ذكره صاحب التقويم في أصول الفقه ولا حجة ~~فيه لو صح لأن المراد بذلك قد يكون مدة طويلة وإلى غاية كقوله تعالى @QB@ ~~وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده @QE@ ~~PageV01P072 # | فصل في تأكيد اليقين بالنبوات زيادة على ما تقدم # وذلك أن كثرتهم عليهم السلام قد علمت لأهل العلم بتواريخ العالم وأخبار ~~الامم واشتهرت لمن كان أقل بحثا وخبرة بهذه العلوم وورد في الاخبار أنهم ~~عليهم السلام مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا وكتب الله التي جاؤا بها مائة ~~كتاب وأربعة كتب رواه ابن حبان والبيهقي من حديث أبي ذر ms059 بسندين حسنين ~~وتواترت كثرتهم في الجملة ولا شك أن الجمع العظيم متى تفرقت أوطانهم ~~وقبائلهم وأغراضهم وأزمانهم ومذاهبهم ولم يكونوا من أهل الصناعات النظرية ~~والرياضات الفلسفية والقوانين المنطقية ثم اتفقوا على القطع بصحة أمر لا ~~داعي له ولا مانع منه بحيث لو اجتمع عيون الفطناء وحذاق الأذكياء ومهرة ~~العلماء على واحد منهم يشككون عليه في اعتقاده لم يرفع إليهم رأسا ولم ~~يلتفت إليهم أصلا فعلمنا علما تجربيا ضروريا أنهم ما تواطئوا على التعمد ~~للمباهتة والتجري على التدليس والمغالطة وأنه ما جمع متفرقات عقائدهم وألف ~~نوافر طباعهم وربط بين جوامح مختلفات اختياراتهم وعصمهم عن متابعة سنة ~~العقلاء في اختلاف مذاهبهم مع طول أنظارهم إلا صدق ما ادعوه من شريف علمهم ~~وحالهم وصحة ما بنوا عليه دينهم ويقينهم من استناد هذه العوالم والخلائق ~~والآثار والحوادث إلى رب عظيم ومدبر حكيم واضطراره لهم بالمعجزات والقرائن ~~إلى الاجتماع على هذا الدين القويم والشأن العظيم وحينئذ لا تردد العقول ~~ولا توقف الاذهان عن الجزم بصدقهم وثلج الصدور لصحة خبرهم فكيف إذا عضد هذا ~~الجميع العظيم من البراهين النيرة والقرائن الواضحة والشواهد الصادقة ما لم ~~يحصره PageV01P073 # الاذكياء والعارفون على مرور الدهور والقرون حتى قال الله تعالى في كتابه ~~المكنون @QB@ فبأي حديث بعده يؤمنون @QE@ # فمن ذلك ما ذكره الامام المؤيد بالله عليه السلام في كتابه في اثبات ~~النبوات قال عليه السلام وأنتم إذا تأملتم أحوال الفترات التي كانت بين آدم ~~ونوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ازددتم معرفة بحسن ~~تدبير الله تعالى لخلقه بابتعاث الرسل وتجديده ما درس أو كاد يدرس من ~~الشرائع والملل وأنه عز وجل ابتعث حين علم الصلاح في الابتعاث ومد الفترة ~~حين علم اقتران المصلحة بها لأن الفترة على ما يقوله بعض أهل التواريخ على ~~اختلاف بينهم فيه والله أعلم بتحقيق ذلك كانت بين آدم ونوح صلى الله عليهما ~~سبعمائة عام وإنما كان ذلك كذلك والله أعلم على مقدار ما يلوح لنا ويبلغه ~~مقدار أفهامنا أن آدم هبط إلى الأرض ms060 وهو أبو البشر وأول الانس ولم يكن في ~~زمانه شيء من الكفر وعبادة الاصنام ولم يكن غيره وغير زوجته حواء وأولادهما ~~وكانوا يعرفون حاله فلم يكن في أمره شك عندهم لوضوح أمره وظهور آياته وقلة ~~من بعث اليهم فامتد زمان الفترة وكان بينهما مع شيث ذلك وإدريس عليهما ~~السلام فاستحدث الناس الكفر وعبادة الأصنام واتخذوا ودا وسواعا ويغوت ويعوق ~~ونسرا فابتعث الله عز وجل نوحا عليه السلام يدعوهم إلى التوحيد وخلع ~~الأصنام والأنداد فلبث فيهم كما قال الله تعالى @QB@ ألف سنة إلا خمسين ~~عاما @QE@ فغرقهم الله بالطوفان حين تمت عليهم حجته وعلم أنه لا يصلح منهم ~~أحد كما أوحى ذلك إلى نوح عليه السلام # ثم كانت الفترة بين نوح وإبراهيم عليهما السلام نحو سبعمائة عام وإنما ~~كانت هذه المدة نحو ذلك لأن الغرق أعاد حال نوح إلى نحو حال آدم صلى الله ~~عليهما وسلم في ظهور أمره وابتداء البشر منه مع أنه لم يكن بقي من الكفار ~~أحد إلا أن الناس قد كانوا عرفوا عبادة الأصنام واتخاذ الأنداد من دون الله ~~عز وجل فأسرعوا بعده إلى الكفر وعبادة الأصنام وكان الله تعالى قد بعث هودا ~~إلى عاد لما ازداد تمردهم وصالحا بعده إلى PageV01P074 ثمود ثم لما ازداد ~~الكفر ظهورا وانتشارا ابتعث الله عز وجل إبراهيم فدعاهم إلى الله تعالى ~~وكسر أصنامهم ونبههم على خطأ أفعالهم وجدد لهم الذكرى وأنزل عز وجل عليه ~~الصحف وبعث لوطا عليه السلام إلى قوم مخصوصين حين ازداد عتوهم واستحدثوا من ~~الفاحشة ما لم يكن قبلهم ثم كانت الفترة بينه وبين موسى صلى الله عليهما ~~نحو أربعمائة سنة وإنما كانت كذلك والله أعلم لأن إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم مضى والكفر باق بينهم ظاهر ولم تكثر أتباعه الكثرة الظاهرة على ما ~~بلغنا وبعث الله بعده إسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم السلام والاسباط وشعيبا ~~قبل مبعث موسى عليه السلام وقبل أيوب وكان قد بعث قبل موسى عليه السلام ~~وتغيرت أحوال بني إسرائيل وقل قبول الناس الحق وظهر الكفر ms061 وبلغ مبلغا لم ~~يكن بلغه من قبل لأن فرعون ادعى الربوبية فاستعبد بني إسرائيل فعظم الأمر ~~وازداد الكفر واتسع الخرق ونسى الحق فلذلك قصرت مدة هذه الفترة حتى بعث ~~موسى صلى الله عليه وسلم مع تلك الآيات العظام كالعصا واليد البيضاء ~~ومجاوزة بني إسرائيل البحر بعد أن انفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وتغريق ~~فرعون ومن معه إلى غير ذلك من الحجر الذي انفجرت منه العيون وما كان ظهر ~~قبل ذلك من الجراد والقمل والضفادع والدم وغير ذلك مما يطول ذكره وأنزل ~~عليه التوراة وبين فيها الأحكام والحلال والحرام وظهر أمره أتم الظهور ~~وإنما كانت أعلام موسى أكثر وآياته أظهر لأن بني إسرائيل كانوا والله أعلم ~~أجهل الأمم وأغلظهم طبعا وأبعدهم عن الصواب وأبلدهم عن استدراك الحق ألا ~~ترى أنهم بعد ما جاوز الله بهم البحر وغرق آل فرعون وهم ينظرون قالوا لموسى ~~حين مروا على قوم عاكفين على أصنام لهم يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ~~واتخذوا العجل وعبدوه وظنوا أنه إلههم وإله موسى وأنه نسي فبحسب هذه ~~الأحوال اقتضت الحكمة إيضاح الآيات والاعلام وتكثيرها لهم ثم بعث يوشع ~~ويونس ثم بعث داود وأنزل عليه الزبور وبعث سليمان وآتاه الله الملك مع تلك ~~الآيات العظيمة ثم بعث بعده زكريا ويحيى صلى الله عليهم وكانت الفترة بين ~~موسى وعيسى نحو ألفي سنة لعظم آيات موسى وعظم الكتاب الذي أنزل PageV01P075 ~~معه ولما بعث بينهما من الأنبياء عليهم السلام وهذه المدة أطول المدد التي ~~كانت بين من ذكرنا عليهم السلام # ثم لما تزايد الكفر وتغيرت أحوال بني إسرائيل وشاع الإلحاد في الفلاسفة ~~بعث الله عيسى عليه السلام بتلك الآيات الباهرة وبقي فيهم ما بقي ثم أكرمه ~~الله تعالى ورفعه إليه ثم كانت الفترة بينه وبين نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم نحو ستمائه عام وكانت هذه المدة أوسط المدد وذلك والله أعلم لأن حجج ~~الله تعالى كثرت فيها لبقاء التوراة والزبور والانجيل ومع ذلك كثر الضلال ~~وقيل في المسيح قولان ms062 عظيمان أحدهما ما قالته اليهود والثاني ما قالته ~~النصارى ثم بعث الله تعالى النبي محمدا صلى الله عليه وسلم وختم به الرسالة ~~ونحن من مبعثه على نحو من أربعمائة عام فدل على قرب الساعة وأزوف القيامة ~~وحقق ذلك قوله تعالى @QB@ اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ اقتربت الساعة وانشق القمر @QE@ وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه اه # قلت وهذا كلامه عليه السلام صلى الله عليه وسلم في هذا التاريخ المتقدم ~~فكيف بنا اليوم وقد دخلنا في المائة التاسعة أكثر من ثلثها قال صلى الله ~~عليه وسلم فانظروا رحمكم الله في حسن نظر الله عز وجل لعباده بما ذكرنا ~~فاعتبروا به واستعدوا للدوام والبقاء فله خلقتم فكأن الواقعة قد وقعت ~~والحاقة قد حقت فريق في الجنة وفريق في السعير فلا يصدنكم الشيطان وأتباعه ~~عنها كما قال الله تعالى @QB@ إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما ~~تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى @QE@ وفقنا الله ~~وإياكم لطاعته واتباع مرضاته قلت ومع قرب مبعث محمد صلى الله عليه وسلم من ~~القيامة فلم يخل الله عباده من تجديد الآيات وما يقوم مقام تجديدها وذلك ~~بأمور أعظمها إعجاز القرآن العظيم وبقاؤه في الأمة وحفظه له عن التغيير # وقد جود الامام المؤيد بالله عليه السلام ومن سبقه من علماء الاسلام ~~PageV01P076 القول في ذلك وقد جمعه عليه السلام في كتابه في النبوات وجوده ~~وإن كان قال عليه السلام أنه لم يزد على ماقالوه وإنما أوجز من كلامهم ما ~~جعله البسط متباعد الأطراف أو بسط ما جعله الايجاز خفي الاغراض فقد أفاد ~~وأجاد وأحسن وزاد فينبغي مطالبة كتابه في ذلك وكتاب الجاحظ فيه أيضا فانه ~~السابق له عليه السلام إلى ذلك والمشهور بالتجويد في هذه المسالك # ومن نفيس كلامه في ذلك قوله ومن الدليل على اعجاز القرآن أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ابتدأ الاتيان بهذا القرآن على غاية الاحكام والاتقان وقد ~~ثبت ms063 جريان العادة أن كل أمر يقع على وجه لا يصح وقوعه عليه إلا بعلوم تحصل ~~للفاعل له لا يصح وقوعه ابتداء على غاية الاحكام والاتقان وأن بلوغه الغاية ~~يتعذر إلا على مر الدهور والأعصار وتعاطي جماعة فجماعة له وانه لا فرق في ~~ذلك بين شيء وشيء من الأمور في منظوم الكلام ومنثوره وما يتعلق بالتنجيم ~~والطب والفقه والنحو والصناعات التي هي النساجة والصياغة والبناء وما أشبه ~~ذلك فإذا ثبت ذلك وثبت وقوع القرآن على الوجه الذي بيناه ثبت أنه وقع على ~~وجه انتقضت به العادة فجرى مجرى قلب العصا حية واحياء الموتى والمشي على ~~الماء والهواء إلى آخر ما ذكروه في ذلك ولولا أن ذكره يناقض ما قصدت من ~~الاختصار لذكرته فهذا أعظم الآيات لبقائه في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وفناء آيات الأنبياء في أعصارهم عليهم السلام ولكن الله لما علم أن النبوة ~~قد انقطعت جعل هذا المعجز الجليل باقيا على مر الدهور جديدا على طول العصور # الأمر الثاني ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال إن الله ~~يبعث لأمتي من يجدد لها دينها رأس كل مائة عام وهذه إشارة إلى ما من الله ~~تعالى به على أهل الاسلام من الأئمة الهداة للأنام عليهم السلام ومن سائر ~~العلماء الاعلام والصالحين الكرام ومما يجعل الله تعالى فيهم من الاسرار ~~ويجدد بهم من الآثار ويوضح بهم من المشكلات ويبين بهم PageV01P077 من ~~الدلالات ويرد بعلومهم من الجهالات ويؤيد بهم من الكرامات وصادق المبشرات ~~من رؤيا الحق الواردة في محكم الآيات وصحيح الروايات # الأمر الثالث نصر الله تعالى لحماة الاسلام المجاهدين وإنجازه ما وعدهم ~~به في كتابه المبين من نصره للمؤمنين وعلى لسان رسوله الصادق الأمين من ~~حفظه لهذا الدين على كثرة الكافرين والمفسدين والملاحدة والمتمردين ولو ~~نذكر القليل من ذلك لطال وقد اشتملت عليه تواريخ الاسلام وتواريخ الرجال ~~فالحمد لله رب العالمين # وأما ما يختص بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات الباهرة ~~والدلالات الواضحة فأكثر ms064 من أن يحصر وأشهر من أن يذكر وقد صنفت في ذلك ~~مصنفات كثيرة منها كتاب الشفاء للقاضي عياض المالكي وغيره لكن تقصيها هنا ~~مما لم تدع إليه الحاجة إذ لا منازع من أهل الاسلام في نبوته ولا شاك ولا ~~مشكك فيها وإنما المراد هنا ارشاد المختلفين من أمته إلى أوضح الطرق ~~وأنصفها وأهداها إلى اتباع سنته والسلامة من مخالفته ولكنا نتبرك ونتشرف ~~بذكر شيء يسير منها على جهة الاشارة والرمز إلى جمل من ذلك على حسب ما يليق ~~بهذا المختصر فنقول كما قال واحد من علماء الاسلام # إن معجزاته صلى الله عليه وسلم قسمان حسية وعقلية أما الحسية فثلاثة ~~أقسام أحدها أمور خارجة عن ذاته وثانيها أمور في ذاته وثالثها أمور في ~~صفاته # أما القسم الأول وهو الاشياء الخارجة عن ذاته فمثل انشقاق القمر وطاعة ~~الشجر في المشي إليه وتسليم الحجر وحنين الجذع إليه ونبوع الماء من بين ~~أصابعه واشباع الخلق الكثير من الطعام القليل وشكاة الناقة وشهادة الشاة ~~المشوية واظلال السحاب قبل مبعثه وما كان من حال أبي جهل وصخرته حين أراد ~~أن يضربها على رأسه وما كان من شاة أم معبد حين مسح يده المباركة على ضرعها ~~وأمثال ذلك ولو ذكرت طرق ذلك وأسانيده لمنع عن المقصود بالاختصار وأخرج عنه ~~إلى التآليف الكبار PageV01P078 # وأما القسم الثاني وهي الأمور العائدة إلى ذاته فهو مثل ما كان من الخاتم ~~بين كتفيه والنور الذي كان ينتقل من أب إلى أب إلى أن خرج إلى الدنيا وما ~~شوهد من خلقته وصورته التي يحكم علم الفراسة بأنها دالة على نبوته # وأما القسم الثالث وهو ما يتعلق بصفاته فهي كثيرة ونحن نشير إلى بعضها ~~فمن ذلك أن أحدا ما سمع منه كذبا لا في أمور الدين ولا في أمور الدنيا ولو ~~صدر عنه شيء من ذلك مرة واحدة لاجتهد أعداؤه في نشره واظهاره # الثاني أنه ما فعل قبيحا منفرا عنه لا قبل النبوة ولا بعدها الثالث أنه ~~لم يفر عن أحد من أعدائه لا ms065 قبل النبوة ولا بعدها وان عظم الخوف واشتد ~~الأمر مثل يوم أحد ويوم الأحزاب الرابع أنه كان عظيم الشفقة والرحمة على ~~أمته كما قال الله تعالى @QB@ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ فلعلك باخع نفسك @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تحزن عليهم @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم @QE@ الخامس أنه ~~كان في أعظم الدرجات في الكرم والسخاء حتى أن الله تعالى علمه التوسط في ~~ذلك حيث قال له @QB@ ولا تبسطها كل البسط @QE@ السادس أنه ما كان للدنيا في ~~قلبه وقع السابع أنه كان في غاية الفصاحة الثامن أنه بقي على طريقته ~~المرضية أول عمره إلى آخره والمزور لا يمكنه ذلك وإليه الاشارة بقوله تعالى ~~@QB@ وما أنا من المتكلفين @QE@ التاسع أنه صلى الله عليه وسلم كان مع أهل ~~الغنى والثروة في غاية البعد عن المطامع والترفع عنها ومع الفقراء ~~والمساكين في غاية القرب منهم والتواضع لهم واللطف بهم العاشر أنه كان صلى ~~الله عليه وسلم في كل واحدة من هذه الأخلاق الكريمة في الغاية القصوى من ~~الكمال ولا يتفق ذلك لأحد من الخلق غير أهل العصمة من الله تعالى فكان ~~اجتماع ذلك في صفاته من أعظم المعجزات PageV01P079 # وأما المعجزات العقلية فهي ستة أنواع النوع الأول أنه ظهر بين قبيلة ما ~~كانوا من أهل العلم ومن بلدة ما كان فيها أحد من العلماء في ذلك العصر بل ~~كانت الجهالة غالبة عليهم ولم يتفق له سفر من تلك البلدة إلا مرتين كلاهما ~~إلى الشام وكانت مدة سفر قليلة ولم يذهب أحد من العلماء والحكماء إلى بلده ~~حتى يقال أنه تعلم العلم من ذلك الحكيم فاذا خرج من مثل هذه البلدة ومثل ~~هذه القبيلة رجل بارع الكمال فائق على فحول الرجال من غير أن يمارس شيئا من ~~العلوم ولا يخالط أحدا من العلماء ألبتة ثم بلغ في معرفة الله تعالى وصفاته ~~وأسمائه وأفعاله وأحكامه هذا المبلغ العظيم الذي عجز عنه جميع الأذكياء من ~~العقلاء بل عجزوا عن القرب منه والمداناة ms066 له بل أقر الكل بأنه لا يمكن أن ~~يزاد في تقرير أصول الدلائل ومهمات المعارف على ما ورد في القرآن العظيم ثم ~~ذكر قسس الأولين وتواريخ المتقدمين بحيث لم يتمكن أحد من الاعداء العارفين ~~بذلك أن يخطئه في شيء منها بل بلغ كلامه في البعد من الريب إلى أن قال بذلك ~~أن يخطئه في شيء منها بل بلغ كلامه في البعد من الريب إلى أن قال عند ~~مجادلتهم له @QB@ تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين @QE@ # فحادوا عن ذلك وعرفوا صدقه واجابة دعوته ولم يقدر أحد من أعدائه أن ينسب ~~إليه أنه أخذ ذلك من مطالعة كتاب ولا صحبة أستاذ وكانت هذه الاحوال ظاهرة ~~معلومة عند الاصدقاء والأعداء والقرباء والبعداء كما أشار إليه قوله تعالى ~~@QB@ أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون @QE@ وقال @QB@ وما كنت تتلو من ~~قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون @QE@ وقال @QB@ فقد لبثت ~~فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون @QE@ وكل من له عقل سليم وطبع مستقيم علم أن ~~هذه الاحوال لا تتيسر إلا بالتعليم الالهي والتوفيق الرباني # النوع الثاني أنه عليه صلى الله عليه وسلم كان قبل اظهاره دعوى الرسالة ~~غير باحث عن هذه المور ولا مشغول بها ولا جرى على لسانه حديث PageV01P080 ~~النبوة لنفسه ودعوى الرسالة والذي يدل على ذلك أنه لو اتفق له خوض في هذه ~~المطالب لقال الكفار أنه أفنى عمره في ذلك وفي جمع القرآن حتى قدر على ذلك ~~بعد طول التأمل والتدبر وجاء به ولما لم يذكر هذا عن أحد من الاعداء مع شدة ~~حرصهم على الطعن فيه وفي نبوته علمنا ذلك ومعلوم أن من انقضى من عمره ~~أربعون سنة ولم يخض في شيء من هذه المطالب ثم أنه خاض فيها دفعة واحد وأتى ~~بكلام عجز الأولون والآخرون عن معارضته فصريح العقل يشهد بأن هذا لا يكون ~~إلا على سبيل الوحي من الله تعالى # النوع الثالث أنه صلى الله عليه وسلم ms067 تحمل في أداء الرسالة أنواع المتاعب ~~والمشاق فلم يغيره ذلك عن المنهج الأول ولم يطمع في مال أحد ولا في جاهه بل ~~صبر على تلك المشاق والمتاعب ولم يظهر في عزمه فتور ولا في اصطباره قصور ثم ~~أنه لما قهر الأعداء وقويت شوكته ونفذت أوامره في الأموال والارواح لم ~~يتغير عن منهجه الأول في الزهد في الدنيا والاقبال على الآخرة وكل من أنصف ~~علم أن المزور وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذكر ذلك لا يكون كذلك فان ~~المزور إنما يروج الكذب والباطل على الحق لكي يتمكن من الدنيا فاذا وجدها ~~لم يملك نفسه عن الانتفاع بها لكيلا يكون ساعيا في تضييع مطلوبه بل تضييع ~~مطلوبه بل تضييع دنياه وآخرته وذلك ما لا يفعله أحد من العقلاء # النوع الرابع من معجزاته العقلية أنه كان مستجاب الدعوة وذلك معلوم ~~بالتواتر الضروري لمن عرف سيرته وأخباره وأحواله بل لمن طالع كتب آياته ~~واعلامه وذلك ثابت في الكتب الست بالأسانيد المعروفة من حديث جابر بن عبد ~~الله وأبي هريرة والسائب بن يزيد وأبي زيد ابن أخطب ويزيد ابن أبي عبيد ~~وابن مسعود وأنس والبراء بن عازب وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم # النوع الخامس ورود البشارة به صلى الله عليه وسلم في التوراة والانجيل ~~والدليل على ذلك أنه ادعى ذلك كما ذكره الله تعالى في كتابه الكريم ومعلوم ~~أنه لو لم يكن صادقا في ذلك لكان هذا من أعظم المنفرات لأهل الكتاب عنه ولا ~~يصح من العاقل أن يقدم على فعل ما يمنعه من مطلوبه ويحول بينه وبين ~~PageV01P081 ما يحاوله ولا نزاغ من العقلاء أنه كان من أوفر الناس عقلا ~~وأحسنهم تدبيرا وأرجحهم علما قال بعض العارفين فادم كانت أوامره بنصرته ~~لأولاده لا تحصى ونوح عهد إلى أتباعه باتباعه ووصى والخليل كان أكثرهم ~~اجتهادا في ذلك وحرصا وبنوه تواصو به وإسماعيل أكثرهم فحصا وتوراة موسى ~~نطقت بنعته وصفاته وأبانت عن معانيه وآياته وأوضح براهان على ذلك ودليل ~~@QB@ أو لم يكن لهم آية أن ms068 يعلمه علماء بني إسرائيل @QE@ وزبور داود أفصح ~~بصدق معجزاته واعرب عن ظهور بيناته وإنجيل عيسى شهد بأنه الخاتم الذي يشكر ~~دينه ويحمد وصرح به قوله تعالى @QB@ ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ~~@QE@ والأخبار ببعثه من الأحبار أكثر من أن تذكر يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر # فاسمع أنباءهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ومن صفته في التوراة على ما ~~ثبت في صحيح البخاري ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ~~وحرزا للاميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في ~~الاسواق ولا يجزى بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه الله تعالى حتى ~~يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله يفتح بها آذانا صما ~~وأعينا عميا وقلوبا غلفا ) ذكر في تفسير قوله تعالى @QB@ وإذ أخذ الله ~~ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه @QE@ كما روي في تفسيرها عن علي وابن عباس رضي الله ~~عنهما أن الله ما بعث نبيا إلا وأخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ~~ليؤمنن به ولينصرنه # النوع السادس اخباره عن الغيوب وصدقه في ذلك وهذا باب واسع معلوم ~~بالتواتر الضرورى لأهل المعرفة بالأخبار والتقصي فيه يخرجنا عما قصدناه من ~~الاختصار فليطالع في مظانه فانما القصد الاشارة وفي القرآن منه الكثير ~~الطيب كما ذكره المؤيد بالله عليه السلام وغيره مثل الجاحظ PageV01P082 ~~والرازي والقاضي عياض وغيرهم وفي دواوين الاسلام من ذلك عن علي عليه السلام ~~وجابر بن سمرة وأبي هريرة وأبي ذر وجابر بن عبد الله وحذيفة وعمرو بن أخطب ~~وأنس وعاصم بن كليب وعائشة وأبي حميد الساعدي وثوبان وعدي بن حاتم ومما ~~تواتر من ذلك حديث ( تقتلك يا عمار الفئة الباغية ) كما ذكره الذهبي في ~~ترجمة عمار من النبلاء واتفق البخاري ومسلم على صحته وتخريجه من حديث أبي ~~سعيد الخدري ولفظ البخاري ( ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ) ~~ورواه مسلم من حديث ms069 أبي قتادة وأم سلمة وكلها عن أحمد بن حنبل في المسند ~~ورواه الترمذي من حديث خزيمة بن ثابت والطبراني من حديث عمر بن الخطاب ~~وعثمان بن عفان وعمار وحذيفة وأبي أيوب وزياد وعمرو بن حزم ومعاوية وعبد ~~الله بن عمرو وأبي رافع ومولاة لعمارة وغيرهم وقال ابن عبد البر تواترت ~~الاخبار بذلك وهو من أصح الحديث # وقال ابن دحية لا مطعن في صحته ولو كان فيه مطعن لرده معاوية وأنكره ~~وكذلك قال المؤيد بالله عليه السلام في كتابه في النبوات وعن أحمد ابن حنبل ~~أنه روي من ثمانية وعشرين طريقا وإنما ذكرت طرفا من أسانيده على طريق ~~الاجمال لوقوعه على ما أخبر به صلى الله عليه وسلم في عصر الصحابة رضي الله ~~عنهم ولولا خشية الاطالة لذكرت الأسانيد في كل حديث # ولنختم هذا النوع بهذا الحديث الجليل والعلم الكبير من أعلام النبوة نبوة ~~سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ونذكر هنا حديث هرقل وهو قيصر ملك الروم حين ~~جاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمع من بأرضه من العرب وكان فيهم ~~أبو سفيان فسأله عن حسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه قبل دعوى ~~النبوة وعن أتباعه وثبوتهم على دينه وعن حربه كيف هو وعن وفائه وبما يأمر ~~الحديث بطوله خرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس PageV01P083 & الباب ~~الخامس في الاحتراز من بدع أهل الاسلام وهو قسمان مقدمات عامة جميلة ومسائل ~~مبهمة تفصيلية & # القسم الأول المقدمات والآن وقد تخلصنا من جملة الشكوك التي بين أهل ~~الملل الخارجة عن الاسلام بأبين طريق وتحققنا بالاضطرار أنه لا يمكن أن ~~يوجد في العالم أقوم منهجا من منهج الاسلام المشتمل على التوحيد والايمان ~~بجميع كتب الله ورسله ولا أنزه ولا أبعد من كل مكروه في الاعمال والاقوال ~~والأخلاق والعقائد وأن من فر من الاسلام كراهية لأمر وقع في أعظم مما فر ~~منه من المحارات والمحالات والضلالات والشناعات فيجب علينا شكر النعمة بحسن ~~التخلص والاحتياط والانصاف فيما وقع بين أهل الاسلام من ms070 الاختلاف لوجهين ~~أحدهما وجوب النصيحة للمسلمين والتقرب بذلك إلى أرحم الراحمين فقد ثبت في ~~الحديث الصحيح أن الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله قال لله ولرسوله ~~ولكتابه ولأئمة المسلمين ولعامتهم وهذه كلمة اجماع من المسلمين وثانيهما ~~الاحتراز من الهلاك بعد طول السلامة مما تقدم من ضلالات أهل الملل الكفرية ~~والحذر من أن يكون ممن ذمهم الله تعالى بقوله @QB@ فما اختلفوا حتى جاءهم ~~العلم @QE@ فلا أشفى ممن فاته رضا ربه والنجاة من عذابه بعد أن لم يبق بينه ~~وبينه إلا اليسير فنسأل الله تمام هدايته فانه لا حول ولا قوة إلا بالله ~~ولا هداية إلا به وهو حسبنا ونعم الوكيل # واعلم أني قد أذكر المبتدعة وأهل السنة كثيرا في كلامي فأما المبتدعة ~~فانما أعني بهم أهل البدع الكبرى الغلاة ممن كانوا فأما البدع الصغرى فلا ~~تسلم منها طائفة غالبا وأما أهل السنة فقد أريد بهم أهلها على الحقيقة وقد ~~أريد بهم من تسمى بها وانتسب إليها فتأمل مواقع ذلك فأول ما ينبه طالب الحق ~~والنجاة عليه أن يعلم أنه لا يصح أن يخفى على أهل الاسلام دين رسولهم الذي ~~بعث اليهم وأقام بين أظهرهم يبينه لهم حتى تواترت شرائعه وصفاته مع قرب ~~العهد من ابتداء الافتراق واتصال الاخبار وكثرة PageV01P084 العلماء ~~والرواة بل قد تواتر اليهم ولم يخف عليهم ما لا تعلق له بالدين من صورته ~~فانهم يعلمون ضرورة أنه لم يكن أعور ولا أعرج ولا أسود ولا فاحشا ولا ~~ممارياولا فيلسوفا ولا شاعرا ولا ساحرا ولا منجما # فان قيل فمن أين جاء الاختلاف الشديد فاعلم أن منشأ معظم البدع يرجع إلى ~~أمرين واضح بطلانهما فتأمل ذلك بانصاف وشد عليه يديك وهذان الامران ~~الباطلان هما الزيادة في الدين باثبات ما لم يذكره الله تعالى ورسله عليهم ~~السلام من مهمات الدين الواجبة والنقص منه بنفي بعض ما ذكره الله تعالى ~~ورسله من ذلك بالتأويل الباطل # ولهذين الأمرين الباطلين أصلان عقلي وسمعي أما الأصل الأول وهو العقلي ~~فذلك أنه عرض للمبتدعة بسبب الخوض ms071 فيما لا تدركه العقول من الخفيات التي ~~أعرض عنها السلف نحو مما عرض للبراهمة الذين حكموا برد النبوات من إيجاب ~~أمور سكت الشرع عن بعضها ونهى عن بعضها واستقباح أمور ورد الشرع بتحسينها ~~لكنهم خالفوا البراهمة في أنهم صدقوا الشرع في الجملة وصدقوا هذه القوادح ~~في تفاصيل الشرع وراموا الجمع بينهما فوقعوا لذلك في أشياء واهية كما تراه ~~واضحا إن شاء الله تعالى في هذا المختصر ولزمهم ما التزموا من أن رسل الله ~~عليهم السلام قصروا في البيان عمدا امتحانا للمكلفين وتعريضا للعلماء ~~الراسخين للثواب العظيم في التأويل لكلام رب العالمين # ولا شك أن الحق في خلاف هذا فقد نص الله على أن الرسل إنما أرسلت لئلا ~~يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وأنزل علينا في كتابه المبين على لسان ~~رسوله الأمين @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا @QE@ وصح التحذير من البدع ومن الله علينا باقرار أهل البدع ~~بذلك وانعقاد الاجماع من الجميع على تحريم الابتداع في الدين كما يأتي ~~بيانه فوجب علينا أن نصنع في القوادح في تفاصيل الاسلام التي عرضت لبعض أهل ~~الكلام مثل ما صنعنا PageV01P085 معا في الرد على البراهمة في القوادح التي ~~قدحت في جملة الاسلام وذلك أن نعتقد أن الحق في تلك القوادح التفصيلية هو ~~فيما جاء من عند الله بدليل المعجزات الباهرات ونعلم أن للبصائر أوهاما في ~~الخفيات من الاحكام مثل ما ثبت للابصار في الخفيات من الأوهام فلا نتبع في ~~الخفيات وهم البصائر ولا وهم الأبصار فنكون كمن قدم ضوء النجوم على ضوء ~~النهار بل نتتبع الجلي من المعقول والمنقول ونرد اليه الخفيات على العقول ~~وننتفع بالجلي ونقف فيما دق وخفي ونصنع في الانتفاع بالبصائر كما صنعنا في ~~الانتفاع بالأبصار ولا نقف الجلي على الخفي ولا نرجح الخفي على الجلي فهذا ~~ما لا يخفى ترجيحه عقلا ولا سمعا # أما العقل فلأن الانسان يحسن ما يحسنه وما لا يحسنه وما يعرفه وما يجهله ~~كما يحسن الجوع والظمأ والبصر ms072 والعمى وأما السمع فلقوله تعالى @QB@ ولا تقف ~~ما ليس لك به علم @QE@ وإذا أردت معرفة هذا من غير تقليد فطالع كتاب الملخص ~~للرازي في علم اللطيف وكتاب التذكرة لابن متويه ولا تقتصر على التذكرة ~~فانها مختصرة مع أن كتاب الرازي معدود في الوسائط في هذا الفن لا في ~~البسائط ومن البسائط فيه شرح الملخص هذا للكاتبي وشرح التنبيهات والاشارات ~~للخواجه ذكر ذلك ابن ساعد الانصاري في كتابه ارشاد القاصد إلى المقاصد في ~~ذكر أنواع العلوم والمصنفات فيها # وأما الأصل الثاني وهو السمعي فهو اختلافهم في أمرين أحدهما في معرفة ~~المحكم والمتشابه أنفسهما والتمييز بينهما حتى يرد المتشابه إلى المحكم ~~وثانيهما اختلافهم هل يعلمون تأويل المتشابه ثم اختلافهم في تأويله على ~~تسليم أنهم قد عرفوا المتشابه ولنذكر سبب وقوع المتشابه على العقول من حيث ~~الحكمة والدقة في كتب الله تعالى أولا # والمشهور أن سببه الابتلاء بالزيادة في مشقة التكليف لتعظيم الثواب وهذا ~~أنسب بالمتشابه من حيث اللفظ وأما أنا فوقع لي أن سببه زيادة علم ~~PageV01P086 الله على علم الخلق فان العوائد التجريبية والأدلة السمعية دلت ~~على امتناع الاتفاق في تفاصيل الحكم وتفاصيل التحسين والتقبيح ولذلك وقع ~~الاختلاف بين أهل العصمة من الملائكة والأنبياء كما قال تعالى حاكيا عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم @QB@ ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ ~~يختصمون @QE@ وحكى الله تعالى اختلاف سليمان وداود وموسى وهارون وموسى ~~والخضر وصح في الحديث اختلاف موسى وآدم واختلاف الملائكة في حكم قاتل ~~المائة نفس إلى أمثال لذلك قد أفردتها لبيان امتناع الاتفاق في نحو ذلك وأن ~~علة الاختلاف التفاضل في العلم فوجب من ذلك ان يكون في أحكام الله تعالى ~~وحكمه ما تستقبحه عقول البشر لأن الله تعالى لو ماثلنا في جميع الاحكام ~~والحكم دل على مماثلته لنا في العلم المتعلق بذلك وفي مؤداه ولطائفة وأصوله ~~وفروعه ولذلك تجد الأمثال والنظراء في العلوم أقل اختلافا خصوصا من ~~المقلدين # وإنما عظم الاختلاف بين الخضر وموسى لما خص به الخضر عليهما ms073 السلام وهذه ~~فائدة نفيسة جدا وبها يكون ورود المتشابه أدل على الله تعالى وعلى صدق ~~أنبيائه لأن الكذابين إنما يأتون بما يوافق الطباع كما هو دين القرامطة ~~والزنادقة وقد أشار السمع إلى ذلك بقوله تعالى @QB@ ولو اتبع الحق أهواءهم ~~لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن @QE@ وقال في رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~@QB@ لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم @QE@ # وكيف يستنكر اختلاف الانسان الظلوم الجهول وعلام الغيوب الذي جمع معارف ~~العارفين في علمه مثل ما أخذه العصفور في منقاره من البحر الاعظم بل كيف لا ~~يختص هذا الرب الاعظم بمعرفة ما لا نعرفه من الحكم اللطيفة التي يستلزم ~~تفرده بمعرفتها أن يتفرد بمعرفة حسن ما تعلقت به وتأويله وبهذا ينشرح صدر ~~العارف للايمان بالمتشابه والايمان بالغيب في تأويله فلنذكر بعد هذا كل ~~واحد من الامرين المقدم ذكرهما على الايجاز PageV01P087 # أما الأمر الأول وهو اختلافهم في ماهيتهما فمنهم من قال المحكم ما لا ~~يحتمل إلا معنى واحدا والمتشابه ما احتمل أكثر من معنى فهؤلاء رجعوا ~~بالمحكم إلى النص الجلي وما عداه متشابه وعزاه الامام يحيى إلى أكثر ~~المتكلمين وطوائف من الحشوية ومنهم من قال المحكم ما كان إلى معرفته سبيل ~~والمتشابه ما لا سبيل إلى معرفته بحال نحو قيام الساعة والحكمة في العدد ~~المخصوص في حملة العرش وخزنة النار ومنهم من قصر المتشابه على آيات مخصوصة ~~ثم اختلفوا فمنهم من قال هي الحروف المقطعة في أوائل السور ومنهم من قال ~~آيات الشقاوة والسعادة ومنهم من قال المنسوخ ومنهم من قال القصص والامثال ~~ومنهم عكس فقال المحكم آيات مخصوصة وهي آيات الحلال والحرام وما عداها ~~متشابه إلى غير ذلك حكى الجميع الامام يحيي في الحاوي واختار أن المحكم ما ~~علم المراد بظاهره بدليل عقلي أو نقلي والمتشابه به ما لم يعلم المراد منه ~~لا على قرب ولا على بعد مثل قيام الساعة والاعداد المبهمة # وقال شيخ الاسلام ابن تيمة في القاعدة الخامسة من جواب المسألة التدبيرية ~~إنا نعلم ما أخبرنا الله تعالى ms074 به من وجه دون وجه لقوله تعالى @QB@ أفلا ~~يتدبرون القرآن @QE@ وهذا يعم المحكم والمتشابه وجمهور الأمة على أن الوقف ~~عند قوله تعالى @QB@ إلا الله @QE@ وهو المأثور عن أبي ابن كعب وعبد الله ~~بن مسعود وعبد الله بن عباس وغيرهم وعن مجاهد وطائفة أن الراسخين يعلمون ~~تأويله ولا منافاة بين القولين عند التحقيق فالتأويل على ثلاثة وجوه الأول ~~كلام الأصوليين وهو ترجيح المرجوح لدليل الثاني أن التأويل هو التفسير وهو ~~اصطلاح المفسرين كما أن الأول اصطلاح الاصوليين ومجاهد امام التفسير عند ~~الثوري والشافعي والبخاري وغيرهم والثالث أن التأويل هو الحقيق التي يؤول ~~اليها الكلام لقوله تعالى @QB@ هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله @QE@ ~~فتأويل أخبار المعاد وقوعها يوم القيامة كما قال في قصة يوسف لما سجد أبواه ~~وأخوته @QB@ هذا تأويل رؤياي من قبل @QE@ ومنه قول عائشة رضي الله ~~PageV01P088 عنها كان يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم ~~اغفر لي يتأول القرآن تعنى قوله فسبح بحمد ربك واستغفره # ومنه قول ابن عيينة السنة هي تأويل الأمر والنهي فان نفس الفعل المأمور ~~به هو تأويل الامر به ونفس الموجود المخبر به هو تأويل الخبر وبهذا يقول ~~أبو عبيدة وغيره والفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة كما ذكروا ذلك في ~~تفسير اشتمال الصماء لأن الفقهاء يعلمون نفس ما أمر به ونهى عنه لعلمهم ~~بمقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعلم اتباع بقراط وسيبويه من ~~مقاصدهما ما لا يعلم بمجرد اللغة ولكن تأويل الأمر والنهي لابد من معرفته ~~بخلاف الخبر # إذ عرفت ذلك فتأويل ما أخبر به الله عن ذاته المقدسة بما لها من الأسماء ~~والصفات هو حقيقة ذاته المقدسة وتأويل ما أخبر به الله من الوعد والوعيد هو ~~نفس الثواب والعقاب وليس شيء منه مثل المسميات بأسمائه في الدنيا فكيف ~~بمعاني أسماء الله تعالى وصفاته ولكن الأخبار عن الغائب لا يفهم إن لم تعبر ~~عنه الاسماء المعلوم معانيها في الشاهد ويعلم بها ما في الغائب بواسطة ~~العلم بما في الشاهد مع ms075 الفارق المميز وفي الغائب ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر كما ورد في صفة الجنة كيف بالذات المقدسة إلى ~~قوله ومما يوضح ذلك كله أن الله تعالى وصف القرآن كله بأنه محكم وبأنه ~~متشابه وفي آية أن بعضه محكم وبعضه متشابه فالأحكام الذي يعمه هو الاتقان ~~وهو تمييز الصدق من الكذب في اخباره والغي من الرشاد في أوامره والتشابه ~~الذي يعمه هو ضد الاختلاف المنفى عنه في قوله تعالى @QB@ ولو كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ وهو الاختلاف المذكور في قوله @QB@ ~~إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك @QE@ فالتشابه به هنا تماثل الكلام ~~وتناسبه بحيث يصدق بعضه بعضا فالاحكام العام في معنى التشابه العام بخلاف ~~الاحكام الخاص والتشابه الخاص فانهما متنافيان فالتشابه الخاص مشابهة ~~PageV01P089 الشيء لغيره من وجه ومخالفته من وجه آخر بحيث يشتبه على بعض ~~الناس إنه هو أو هو مثله وليس كذلك والاحكام الخاص هو الفصل بينهما بحيث لا ~~يشتبه أحدهما بالآخر يعني على من عرف ذلك الفصل وهذا التشابه الخاص إنما ~~يكون بقدر مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما # ثم من الناس من لا يهتدي إلى ذلك الفاصل فيكون مشتبها عليه ومنهم من ~~يهتدي له فيكون محكما في حقه فالتشابه حينئذ يكون من الامور الاضافية فاذا ~~تمسك النصراني بقوله تعالى @QB@ إنا نحن نزلنا الذكر @QE@ ونحوه على تعدد ~~الآلهة كان المحكم كقوله تعالى @QB@ وإلهكم إله واحد @QE@ ونحو ذلك مما لا ~~يحتمل إلا معنى واحدا يزيل ما هنالك من الاشتباه اه # وقد ترك الامام والشيخ وجها آخر من المتشابه الذين يحتاج إلى التأويل مما ~~لا يعلمه إلا الله على الصحيح وذلك وجه الحكم المعينة فيما لا تعرف العقول ~~وجه حسنه مثل خلق أهل النار وترجيح عذابهم على العفو عنهم مع سبق العلم ~~وسعة الرحمة وكمال القدرة على كل شيء # والدليل على أن الحكمة خفية فيه تسمى تأويلا له ما ذكره تعالى في قصة ~~موسى والخضر فان قوله @QB@ سأنبئك ms076 بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا @QE@ صريح ~~في ذلك وهذا مراد في الآية لأن الله وصف الذين في قلوبهم زيغ بابتغائهم ~~تأويله وذمهم بذلك وهم لا يبتغون علم العاقبة عاقبة الخبر عن الوعد والوعيد ~~وما يؤول اليه على ما فسره الشيخ فهم الجنة والنار والقيامة وذات الرب ~~سبحانه كما يبغيها طالب العيان إنما يستقبحون شيئا من الظواهر بعقولهم ~~يتكلفون لها معاني كثيرة يختلفون فيها وكل منهم يتفرد بمعنى من غير حجة ~~صحيحة إلا مجرد الاحتمال وربما خالف ذلك التأويل المعلوم من الشرع فتأولوه ~~وربما استلزم الوقوع في أعظم مما فروا منه # والذي وضح لي في هذا وضوحا لا ريب فيه بحسن توفيق الله أمور PageV01P090 ~~أحدها أن الكلام في ذات الله تعالى على جهة التصور والتفصيل أو على جهة ~~الاحاطة على حد علم الله كلاهما باطل بل من المتشابه الممنوع الذي لا يعلمه ~~إلا الله تعالى لقوله تعالى @QB@ ولا يحيطون به علما @QE@ ولقوله تعالى ~~@QB@ ليس كمثله شيء @QE@ وانما تتصور المخلوقات وما هو نحوها ولما روي من ~~النهي عن التفكر في ذات الله والامر بالتفكر في آلاء الله ولما اشتهر عن ~~أمير المؤمنين عليه السلام أن ذلك مذهبه حتى رواه عنه الخصوم ومن أشهر ما ~~حفظ عنه عليه السلام في ذلك قوله في امتناع معرفة الله عز وجل على العقول ~~امتنع منها بها واليها حاكمها ومن التفكر في الله والتحكم فيه والدعوى ~~الباطلة على العقول والتكلف لتعريفها ما لا تعرفه حدثت هنا البدع المتعلقة ~~بذات الله وصفاته وأسمائه فمن أكبرها قول البهاشمة من المعتزلة أن الله ~~تعالى عن قولهم لا يعلم من ذاته غير ما يعلمونه قال بن أبي الحديد في شرح ~~النهج وهذا مما يصرح به أصحابنا ولا يتحاشون عنه وقد كثرت عليهم الردود حتى ~~تولى عليهم في ذلك كثير من أصحابهم المعتزلة كابن أبي الحديد وغيره حتى قال ~~في ذلك قصائد كثيرة بليغة منها # ( سافرت فيك العقول فما % ربحت إلا عنا السفر ) # ( رجعت حسري فما وقعت % لا على عين ولا ms077 أثر ) # ( فلحى الله الأولى زعموا % أنك المعلوم بالنظر ) # ( كذبوا أن الذي زعموا % خارج عن قوة البشر ) # فاذا كان هذا كلام إمام معارفهم والحامي عن حماهم فما ظنك بغيره من ~~خصومهم فاعرض على فطراتك التي فطرك الله عليها هل تجد علمك بالله مثل علم ~~الله وأنت الحكم كما قال أمير المؤمنين عليه السلام فان الانسان يعرف أحوال ~~نفسه وعلمه وجهله مثل عافيته وألمه # وقد بسطت القول في الرد عليهم في دعوى العلم بالذات كعلمه تعالى في ترجيح ~~أساليب القرآن على أساليب اليونان وكفى بقول أمير المؤمنين PageV01P091 ~~عليه السلام في ذلك ولم يعلم له مخالف في الصدر الاول وكفى به عليه السلام ~~سلفا وقدوة وإماما وحجة في هذه المشكلة ومن أبيات في الرد عليهم كنت قلتها ~~وهي أيضا # ( لي في القدم مقال غير مبتكر % سبحانه عن خيال الوهم والفكر ) # ( أجله أن يحيط الناظرون به % ذاتا وأين قوى النظار والنظر ) # ( فالعلم قسمان تصدق ومعرفة % تختص بالذات والتصديق بالخبر ) # ومنها # ( الله أكبر هذا قاطع ولنا % عليه أكبر برهان من الزبر ) # ( تنزه الرب في الذكر المنزل ان % يحيط علما به خلق من البشر ) # ( تمدحا لم يكن في الذكر مختلفا % قطعا ولا غلطا من وهم ذي نظر ) # ( وفي الحديث دلالات لنا ولنا % حديث موسى كليم الله والخضر ) # ( وفي كلام أمير المؤمنين هدى % هذا وحسبك برهانا لمنتصر ) # ( وفي وصيته ابن المصطفى حسنا % دلائل لفقيه القلب معتبر ) # ( وعن وجوه الكراسي قد رواه لنا % عبد الحميد بشرح النهج ذي العبر ) # ( وجنح القول فيه بالقصائد أمثالا % تسير مسير الشمس والقمر ) # ( تلك الأولى حكمت بالمنع قد حكمت % بها الملائك أهل القرب والنظر ) # ( والراسخين وأدنى من له أدب % وكل متعظ لله منكسر ) # ( فلا ترجح عليهم غير محتفل % شيوخ جبة إن جاوزوا فلا تجر ) # ( والفرق كالصبح لا يخفى على أحد % والخبر تميز فليس الخبر كالخبر ) ~~ولبعض الاصحاب أبيات في هذا المعنى جيدة # ومن البدع في هذا الموضع بدع المشبهة على اختلاف أنواعهم وبدع المعطلة ~~على اختلافهم أيضا فغلاتهم يعطلون الذات والصفات والاسماء الجميع ms078 ومنهم ~~الباطنية ودونهم الجهمية ومن الناس من يوافقهم في بعض ذلك دون بعض وقد بسطت ~~القول في ذلك في الوهم الخامس عشر من العواصم في نحو مجلد ويأتي إلى ذلك ~~إشارة في هذا المختصر كافية إن شاء الله PageV01P092 تعالى فالفريقان ~~المشبهة والمعطلة إنما أتوا من تعاطي علم ما لا يعلمون ولو أنهم سلكوا ~~مسالك السلف في الايمان بما ورد من غير تشبيه لسلموا فقد أجمعوا على أن ~~طريقة السلف أسلم ولكنهم ادعوا أن طريقة الخلف أعلم فطلبوا العلم من غير ~~مظانه بل طلبوا علم ما لا يعلم فتعارضت أنظارهم العقلية وعارض بعضهم بعضا ~~في الأدلة السمعية فالمشبهة ينسبون خصومهم إلى رد آيات الصفات ويدعون فيها ~~ما ليس من التشبيه والمعطلة ينسبون خصومهم وسائر أئمة الاسلام جميعا إلى ~~التشبيه ويدعون في تفسيره ما لا تقوم عليه حجة والكل حرموا طريق الجمع بين ~~الآيات والآثار والاقتداء بالسلف الاخيار والاقتصار على جليات الابصار ~~وصحاح الآثار # وقد روى الامام أبو طالب عليه السلام في أماليه باسناده من حديث زيد بن ~~أسلم أن رجلا سأل أمير المؤمنين عليه السلام في مسجد الكوفة فقال يا أمير ~~المؤمنين هل تصف لنا ربنا فنزداد له حبا فغضب عليه السلام ونادى الصلاة ~~جامعة فحمد الله وأثنى عليه إلى قوله فكيف يوصف الذي عجزت الملائكة مع ~~قربهم من كرسي كرامته وطول ولهم إليه وتعظيم جلال عزته وقربهم من غيب ملكوت ~~قدرته أن يعلموا من علمه إلا ما علمهم وهم من ملكوت القدس كلهم ومن معرفته ~~على ما فطرهم عليه فقالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم ~~الحكيم فعليك أيها السائل بما دل عليه القرآن من صفته وتقدمك فيه الرسل ~~بينك وبين معرفته فأتم به وأستضيء بنور هدايته فانما هي نعمة وحكمة أوتيتها ~~فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين وما كلفك الشيطان علمه مما ليس عليك في ~~الكتاب فرضه ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أئمة الهدى أثره ~~فكل علمه إلى الله سبحانه ms079 فانه منتهى حق الله عليك # وقد روى السيد في الأمالي أيضا الحديث المشهور في كتاب الترمذي عن علي ~~عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ستكون فتنة قلت فما ~~المخرج منها قال كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وفصل ما بينكم ~~فهو الفاصل بين الحق والباطل من ابتغى الهدى من غيره أضله الله إلى قوله من ~~قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه PageV01P093 هدى ~~إلى صراط مستقيم ورواه في أماليه بسند آخر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ~~ورواه ابن الأثير في الجامع عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهو مع شهرته في ~~شرط أهل الحديث متلقى بالقبول عند علماء الأصول ولكن المبتدعة يرون ~~تصانيفهم أهدى منه لبيانهم فيها على زعمهم المحكم من المتشابه فمنهم من صرح ~~بذلك وقال أن كلامه أنفع من كلام الله تعالى وكتبه أهدى من كتب الله وهم ~~الحسينية أصحاب الحسين بن القاسم العناني وقد حمله الامام المطهر بن يحيى ~~على الحنون وقيل لم يصح عنه ومنهم من يلزمه ذلك وإن لم يصرح به فهذا الأمر ~~الاول من المتشابه وهو التحكم بالنظر في ذات الله تعالى وما يؤدي اليه # الأمر الثاني من المتشابه الواضح تشابهه والمنع منه هو النظر في سر القدر ~~السابق في الشرور مع عظيم رحمة الله تعالى وقدرته على ما يشاء وقد ثبت في ~~كتاب الله تعالى تحير الملائكة الكرام عليهم السلام في ذلك وسؤالهم عنه ~~بقولهم @QB@ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس ~~لك قال إني أعلم ما لا تعلمون @QE@ ثم ساق خبر آدم وتعليمه الاسماء وتفضيله ~~في ذلك عليهم إلى قوله @QB@ ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض ~~وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون @QE@ وفي ذلك إشارة واضحة إلى ما سيأتي ~~بيانه من أن مراد الله بالخلق هم أهل الخير فالخلق كلهم كالشجرة وأهل الخير ~~ثمرة تلك الشجرة واليه الاشارة ms080 بقوله @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون @QE@ وفي حديث الخليل عليه السلام حين دعا على العصاة قال الله له ~~كف عن عبادي إن مصير عبدي مني احدى ثلاث إما أن يتوب فأتوب عليه أو ~~يستغفرني فأغفر له أو أخرج من صلبه من يعبدني رواه الطبراني # وقال الغزالي في كتاب العلم في الاحياء في أقسام العلوم الباطنة ولا يبعد ~~أن يكون ذكر بعض الحقائق مضرا ببعض الخلق كما يضر نور الشمس PageV01P094 ~~أبصار الخفافيش وكما يضر ريح الورد بالجعل وكيف يبعد هذا وقولنا أن كل شيء ~~بقضاء من الله وقدر حق في نفسه وقد أضر سماعه بقوم حيث أوهم ذلك عندهم ~~دلالة على السفه ونقيض الحكمة والرضا بالقبيح والظلم وألحد ابن الراوندي ~~وطائفة من المخذولين بمثل ذلك وكذلك سر القدر لو أفشي أو هم عند أكثر الخلق ~~عجزا إذ تقصر أفهامهم عن ادراك ما يزيل هذا الوهم عنهم # وقال في شرح اسماء الله الحسنى في شرح الرحمن الرحيم والآن أن خطر لك نوع ~~من الشر لا ترى فيه خيرا أو أن تحصيل ذلك الخير من غير شر أولى فاتهم عقلك ~~القاصر في كلا الطرفين فانك مثل أم الصبي التي ترى الحجامة شرا محضا والغبي ~~الذي يرى القصاص شرا محضا لأنه ينظر إلى خصوص شخص المقتول وانه في حقه شر ~~محض ويذهل عن الخير العام الحاصل للناس كافة ولا يدري أن التواصل بالشر ~~الخاص إلى الخير العام خير محض لا ينبغي حكيم أن يهمله هذا أو قريب من هذا # وفي بعض كلامه نظر قد أوضحته في العواصم والسر في ذلك أن الله تعالى لا ~~يريد الشر لكونه شرا قطعا وإنما يريده وسيلة إلى الخير الراجح كما قال @QB@ ~~ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب @QE@ وكما صح في الحدود والمصائب أنها ~~كفارات فهذا هو سر القدر في الجملة وإنما الذي خفي تفصيله ومعرفته في عذاب ~~الآخرة وشقاوة الاشقياء فمن الناس من كبر ذلك عليه وأداه إلى الحكم بنفي ~~التحسين والتقبيح فصرحوا بنفي حكمة الله ms081 تعالى وهم غلاة الاشعرية إلا بمعنى ~~إحكام المصنوعات في تصويرها لا سواه ومن الناس من أداه ذلك إلى القول ~~بالجبر ونفي قدرة العباد واختيارهم ومنهم من جمع بينهما ومن الناس من جعل ~~الوجه في تحسين ذلك من الله عدم قدرته سبحانه على هدايتهم وهم جمهور ~~المعتزلة لكنهم يعتذرون عن تسميته عجزا ويسمونه غير مقدور كما سيأتي ومنهم ~~من جعل العذر في ذلك أن الله لا يعلم الغيب وهم غلاة القدرية نفاة الاقدار ~~PageV01P095 وقد تقصيت الردود الواضحة عليهم والبراهين الفاضحة لهم في ~~العواصم وجمعت في ذلك ما لم أسبق إليه ولا إلى قريب منه في علمي فتمت هذه ~~المسألة في مجلد ضخم وبلغت أحاديث وجوب الايمان بالقدر اثنين وسبعين ~~وأحاديث صحته مائة وخمسة وخمسين الجملة مائتان وسبعة وعشرون حديثا من غير ~~الآيات القرآنية والأدلة البرهانية # وصنف ابن تيمية في بيان الحكمة في العذاب الأخروي وتبعه تلميذه ابن القيم ~~الجوزية وبسط ذلك في كتابه حادي الارواح إلى ديار الافراح فافردت ذلك من ~~جزء لطيف وزدت عليه ومضمون كلامهم أنه لا يجوز اعتقاد أن الله يريد الشر ~~لكونه شرا بلا لابد من خير راجح يكون ذلك الشر وسيلة اليه وذلك الخير هو ~~تأويل ذلك الشر السابق له على نحو تأويل الخضر لموسى وطردوا ذلك في شرور ~~الدارين معا ونصر ذلك الغزالي في شرح الرحمن الرحيم ولنورد في ذلك حديثا ~~واحدا مما يدل على المنع من الخوض في تعيين الحكمة في ذلك فنقول قال ~~البيهقي في كتابه الاسماء والصفات عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس لما بعث ~~الله موسى وكلمة قال اللهم أنت رب عظيم ولو شئت أن تطاع لأطعت ولو شئت أن ~~لا تعصى لما عصيت وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى فكيف هذا يارب فأوحى ~~الله اليه لا أسأل عما أفعل وهم يسئلون فانتهى موسى ورواه الهيثمي في مجمع ~~الزوائد وعزاه إلى الطبراني وزاد فيه فلما بعث الله عزيزا سأل الله مثل ما ~~سأل موسى ثلاث مرات فقال الله ms082 تعالى له أتستطيع أن تصر صرة من الشمس قال لا ~~قال أفتستطيع أن تجيء بمكيال من الريح قال لا قال أفتستطيع أن تجيء بمثقال ~~أو بقيراط من نور قال لا قال فهكذا لا تقدر على الذي سألت عنه أما أني لا ~~أجعل عقوبتك إلا أني أمحو اسمك من الأنبياء فلا تذكر فيهم PageV01P096 فلما ~~بعث الله عيسى ورأى منزلته سأل عن ذلك كموسى وأجيب عليه بمثل ذلك وقال الله ~~تعالى له لئن لم تنته لأفعلن بك كما فعلت بصاحبك بين يديك فجمع عيسى من معه ~~فقال القدر سر الله تعالى فلا تكلفوه # وروى الطبراني عن وهب عن ابن عباس أنه سئل عن القدر فقال وجدت أطول الناس ~~فيه حديثا أجهلهم به وأضعفهم فيه حديثا أعلمهم به ووجدت الناظر فيه كالناظر ~~في شعاع الشمس كلما ازاد فيه نظرا ازداد قلت ويشهد لهذه الآيات ما جاء في ~~كتاب الله من قول الملائكة @QB@ أتجعل فيها من يفسد فيها @QE@ والجواب ~~الجملي عليهم كما مر وأما أحاديث النهي عن الخوض في القدر فعشرة أحاديث ~~رجال بعضها ثقات وبعضها شواهد لبعض كما أوضحته في العواصم وأقل من هذا مع ~~شهادة القرآن والبرهان لذلك يكفي المنصف وما حدث بسبب الخوض من الضلالات ~~زيادة عبرة وحيرة # الأمر الثالث من المتشابه الحروف المقطعة أوائل السور فان الجهل بالمراد ~~بها معلوم كالألم والصحة والفرق بينها وبين أقيموا الصلاة ونحو ذلك ضروري ~~ودعوى التمكن من معرفة معانيها تستلزم جواز أن ينزل الله سورة كلها كذلك أو ~~كتابا من كتبه الكريمة ويستلزم جواز أن يتخاطب العقلاء بمثل ذلك ويلوموا من ~~طلب منهم بيان مقاصدهم ونحو ذلك وهذا هو اختيار زيد بن علي عليه السلام ~~والقاسم والهادي عليهما السلام وهو نص في تفسيرهما المجموع وكذلك الامام ~~يحيى عليه السلام ذكره في الحاوي وقولهم أنا مخاطبون بها فيجب أن نفهمها ~~مقلوب وصوابه أنا لا نفهمها فيجب أن لا نكون مخاطبين بفهمها وقد ذكرت في ~~الحجة على أنها غير معلومة أكثر من عشرين حجة في تكملة ms083 ترجيح أساليب القرآن # الامر الرابع من المتشابه المجمل الذي لا يظهر معناه بعلم ولا ظن سواء ~~كان بسبب الاشتراك في معناه أو لغرابته أن عدم صحة تفسيره في اللغة والشرع ~~أو غير ذلك وقد وقع الوهم في المجمل لنوح عليه السلام PageV01P097 فلما بعث ~~الله عيسى ورأى منزلته سأل عن ذلك كموسى وأجيب عليه بمثل ذلك وقال الله ~~تعالى له لئن لم تنته لأفعلن بك كما فعلت بصاحبك بين يديك فجمع عيسى من معه ~~فقال القدر سر الله تعالى فلا تكلفوه # وروى الطبراني عن وهب عن ابن عباس أنه سئل عن القدر فقال وجدت أطول الناس ~~فيه حديثا أجهلهم به وأضعفهم فيه حديثا أعلمهم به وجدت الناظر فيه كالناظر ~~في شعاع الشمس كلما ازاد فيه نظرا ازداد ا قلت ويشهد لهذه الآيات ما جاء في ~~كتاب الله من قول الملائكة @QB@ أتجعل فيها من يفسد فيها @QE@ والجواب ~~الجملي عليهم كما مر وأما أحاديث النهي عن الخوض في القدر فعشرة أحاديث ~~رجال بعضها ثقات وبعضها شواهد لبعض كما أوضحته في العواصم وأقل من هذا مع ~~شهادة القرآن والبرهان لذلك يكفي المنصف وما حدث بسبب الخوض من الضلالات ~~زيادة عبرة وحيرة # الامر الثالث من المتشابه الحروف المقطعة أوائل السور فان الجهل بالمراد ~~بها معلوم كالألم والصحة والفرق بينها وبين أقيموا الصلاة ونحو ذلك ضروري ~~ودعوى التمكن من معرفة معانيها تستلزم جواز أن ينزل الله سورة كلها كذلك أو ~~كتابا من كتبه الكريمة ويستلزم جواز أن يتخاطب العقلاء بمثل ذلك ويلوموا من ~~طلب منهم بيان مقاصدهم ونحو ذلك وهذا هو اختيار زيد بن علي عليه السلام ~~والقاسم والهادي عليهما السلام وهو نص في تفسيرهما المجموع وكذلك الامام ~~يحيى عليه السلام ذكره في الحاوي وقولهم انا مخاطبون بها فيجب أن نفهمها ~~مقلوب وصوابه انا لا نفهمها فيجب أن لا نكون مخاطبين بفهمها وقد ذكرت في ~~الحجة على أنها غير معلومة أكثر من عشرين حجة في تكملة ترجيح أساليب القرآن # الأمر الرابع من المتشابه المجمل الذي لا ms084 يظهر معناه بعلم ولا ظن سواء ~~كان بسبب الاشتراك في معناه أو لغرابته أو عدم صحة تفسيره في اللغة والشرع ~~أو غير ذلك وقد وقع الوهم في المجمل لنوح عليه السلام PageV01P097 كيف ~~لغيره وذلك قوله @QB@ إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق @QE@ @QB@ قال يا نوح ~~إنه ليس من أهلك @QE@ # وأما المحكم فهو ما عدا المتشابه وغالبه النص الجلي والظاهر الذي لم ~~يعارض والمفهوم الصحيح الذي لم يعارض والخاص والمقيد وإن عارضهما العالم ~~والمطلق ويلحق بهذا فوائد الاولى الصحيح في قوله تعالى @QB@ وما يعلم ~~تأويله إلا الله @QE@ الوقف على الله بدليل ذم مبتغى تأويل المتشابه في ~~الآية وهو اختيار الامام يحيى في الحاوي واحتج بأن أما للتفصيل على بابها ~~والتقدير وأما الراسخون بدليل قوله تعالى @QB@ فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~@QE@ كما تقول أما زيد فعالم وعمرو جاهل أي وأما عمرو فجاهل يوضحه أن ~~المخالف مسلم ان هذا هو الظاهر منها لكنه يقول أنه يجب تأويلها على أن ~~المراد ذمهم بابتغاء تأويله الباطل فيقيد اطلاق الآية بغير حجة ويجعلها من ~~المتشابه مع أنها الفارقة بين المحكم والمتشابه وهذا خلف # وقد روى الحاكم عن ابن عباس أنه قرأ ويقول الراسخون وقال صحيح ورواه ~~الزمحشري في كشافه قراءة عن أبي وغيره ورواه الامام أبو طالب في أماليه عن ~~علي علي السلام ولم يتأوله ولم يطعن فيه وهو في النهج أيضا وهو نص لا يمكن ~~تأويله فان لفظه عليه السلام أعلم أيها السائل أن الراسخين في العلم هم ~~الذين أغناهم عن الاقتحام على السدد المضروبة دون الغيوب الاقرار بجملة ما ~~جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم ~~يحيطوا به علما وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عنه رسوخا فاقتصر ~~على ذلك اه بحروفه وأيضا فلا يجب علم جميع المكلفين بذلك عند الخصوم إذ في ~~المتكلفين الامي والعجمي ونحوهم وإذا كان علم البعض يكفي ويخرج الخطاب بذلك ~~عن العبث جاز أن يكون ذلك البعض هو رسول الله صلى الله ms085 عليه وسلم ومن شاء ~~الله من ملائكته وخواص عباده والله سبحانه أعلم PageV01P098 # الفائدة الثانية إذا تعارض العام والخاص فالمحكم هو الخاص والبناء عليه ~~واجب وفيه الجمع بينهما وفي العكس طرح الخاص مع رجحانه بالنصوصية وهي قاعدة ~~كبيرة فاحفظها ولا خلاف فيها في الإعتقاد لعدم الفائدة في التاريخ فيه ~~ولذلك أجمعوا على اثبات الخلة للمتقين وتأويل نفي الخلة المطلق فتأمل ذلك # الفائدة الثالثة إذا كان التحسين العقلي مع بعض السمع فهو المحكم ~~والمتشابه مخالفه لما وضح من تأويل الخضر بموافقة العقل وفي مخالفة هذه ~~القاعدة عناد بين وضلال كبير فاعرفها واعتبر مواضعها ترشد إن شاء الله ~~تعالى PageV01P099 # | فصل # إذا عرفت ما قدمت لك بما عرفته في هذا المختصر أو به ربما أرشدك إلى ~~مطالعته مما هو أبسط منه في هذا المعنى مثل ترجيح أساليب القرآن وتكملته ~~فاعلم أن معظم ابتداع المبتدعين من أهل الاسلام راجع إلى هذين الامرين ~~الباطلين الواضح بطلانهما كما تقدم وهما لزيادة في الدين والنقص منه ثم ~~يلحق بهما التصرف فيه بالعبارات المبتدعة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وليس بأمر ثالث لأنه من الزيادة في الدين لكنه تفرد بالكلام وحده لطول ~~القول فيه وعظم المفسدة المتولدة عنه # فمن الزيادة في الدين أن يرفع المظنون في العقليات أو الشرعيات إلى مرتبة ~~المعلوم وهذا حرام بالاجماع وإنما يختلف الناس في التفطن لأسبابه وسيأتي ~~ذكر أسبابه في آخر الكلام في الزيادة في الدين مقسوما موضحا في صور أربع ~~يأتي بيانها بعون الله تعالى # ومن الزيادة في الدين أن يدخل فيه ما لم يكن على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعهد أصحابه رضي الله عنهم مثل القول بأنه لا موجود إلا الله كما ~~هو قول الاتحادية وأنه لا فاعل ولا قادر إلا الله كما هو قول الجبرية ~~وأمثال ذلك من الغلو في الدين وإنما وردت الشرائع بتوحيد الله في الربوبية ~~وذلك بلا إله إلا الله له الاسماء الحسنى وتوابع ذلك المنصوصة والمجمع ~~عليها كتوحيده بالعبادة ومن ذلك القول ms086 بأن الله تعالى صفة لم ترد في كتاب ~~الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا هي من أسمائه الحسنى ولا ~~من مفهوماتها ولوازمها وان معرفة هذه الصفة واجبة واختراع اسم لها وهي ~~الصفة الاخص عند بعض المعتزلة ويسمونها صفة المخالفة أيضا وانها المؤثرة في ~~سائر صفات الكمال الذاتية الاربع وهي كونه حيا قديما عالما قادرا ~~PageV01P100 وبها تخالف ذات الله سائر الذوات وقد كفى في رد ذلك أبو الحسين ~~وأصحابه كما ذكره مختار في الباب السادس من خاتمة أبواب العدل من كتابه ~~المجتبى # ومن ذلك اثبات أهل الاتحاد لمثل ذلك أو نحوه فانهم يفرقون بين الله تعالى ~~وبين اسمه الاحد فيجعلون الأحد مؤثرا في الله الواحد وفي سائر أسمائه ~~ويجعلون الأحد سابقا في رتبة الوجود على الله ويجعلون الله في الرتبة ~~الثانية والاحد في الأولى ويسمون الثانية هم والفلاسفة باسماء مبتدعة منها ~~الحضرة العمائية والواحدية والأحدية ومنها حضرة الارتسام ومنها مرتبة ~~الربوبية والألوهية ومنها الحقيقة الانسانية الكمالية ومنها مرتبة الامكان ~~كما حققه الفرغاني في شرح نظم السلوك وكثيرا ما يكررون الفرق بين الحضرة ~~الأحدية والحضرة الواحدية ويعنون بالأحدية الوجود المطلق وهو عندهم الحق ~~الذي لا نعت له ولا وصف كقول الملاحدة سواء في نفي أسمائه تعالى لكنهم ~~يثبتون الاسماء الحسنى للواحد لا للأحد وهذا يلزمهم قول الثنوية لكنهم ~~يعتذرون عنه بأن الله وأسماءه الحسنى كلها خيالية لا حقيقة لها ولا لشيء ~~بعدها ولا وجود لها فكل ما عدا الوجود المطلق عندهم خيال كطيف الخيال في ~~الأحلام من الأنبياء والجنة والنار ومن صح هذا منه فهو كفر بين وجهل فاحش ~~فانه لا ثبوت للوجود المطلق في الخارج ألبتة وإنما المعلوم وجوده عقلا ~~وشرعا هو ما نفوا وجوده من الله الواحد الرب الذي له الاسماء الحسنى والمثل ~~الأعلى وما نفوه من حقيقة وجود جميع كتبه ورسله وخلقه ومعاده فالله ~~المستعان # ومن ذلك ما انفردت به الأشعرية من دوام وصف الله تعالى بالكلام ووجود ذلك ~~في القدم والأبد وجعله مثل ms087 صفة العلم لا يجوز خلوه عنه طرفة عين وقد أوضح ~~الجويني القدح في ذلك في مقدمة كتابه البرهان في أصول الفقه كما سيأتي ~~تحقيقه فالشرع لم يرد إلا بأن الله تعالى متكلم وأنه كلم موسى تكليما ونحو ~~ذلك وما زاد على هذا فبدعة في الدين قد أدت إلى التفرق المنهي عنه وإلى ~~الزامات قبيحة كما سيأتي # ومن ذلك ما اتفقت عليه الاتحادية وبعض المعتزلة بل جمهورهم وهو ~~PageV01P101 اثبات الذوات في القدم والأزل بل اثبات العالم كله فيهما ودعوى ~~الفرق بين ثبوته في العدم ووجوده فيه فانهم يقولون هو ثابت غير موجود وقد ~~جود الرد عليهم في ذلك صاحبهم الشيخ أبو الحسين وأصحابه مثل محمود ان ~~الملاحمي في كتابه الفائق والشيخ مختار في كتابه المجتبى وكشفوا الغطاء عن ~~بطلان ذلك وكفوا المؤنة ومن نظر في كلامهم في ذلك ما يلزم منه من الالزامات ~~الصعبة الفاحشة تيقن مضرة الزيادة في الدين على ما جاء به سيد المرسلين # ومثال النقص من الدين قول من يقول ان الله تعالى ليس برحمن ولا رحيم ولا ~~حليم باللام على الحقيقة بل على المجاز وقول من يقول أنه سبحانه ليس بحكيم ~~على الحقيقة بل بمعنى محكم لمصنوعاته لا أن له في ذلك الاحكام حكمة أصلا ~~والمقصود معرفة طريق النجاة بأمر واضح ولا يخفى على من له أدنى عقل وتمييز ~~من المسلمين أن نجاة أهل الاسلام في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ولزوم ~~ما جاء به من غير تصرف فيه بزيادة ولا نقصان ولا ابتداع عبارة لم تكن وسواء ~~كانت تلك الزيادة أو النقص حقا أو باطلا فان زيادة الحق المبتدع في الدين ~~قد يجر إلى الفضول والباطل ويوقع في التفرق المحرم في كتاب الله تعالى بل ~~قد صار ادخاله في الدين والمراء فيه بدعة من البدع المحرمة فالحزم في ترك ~~هذه الأمور كلها وترك التعادي عليها وفي الوقف في حكم من زاد أو نقص وتأخير ~~الفصل معه إلى يوم الفصل لأن غير ذلك يؤدي إلى التفرق ms088 المحرم بنص كتاب الله ~~تعالى إلا من رد المعلوم بالضرورة من الدين وهو يعلمه ونحن نعلم أنه يعلمه ~~فانه كافر حتى كان المكلفين ولا يجوز الوقف في أمره مع تواتر ذلك عنه ~~وتحققه منه كما سيأتي في بابه وقد نزل قوله تعالى @QB@ ألم يأن للذين آمنوا ~~أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق @QE@ # في رغبتهم إلى غير القرآن من محض الخير كيف بالرغبة فيما لا يؤمن شره كيف ~~ما تحقق شره وفي نحو ذلك حديث معاذ الذي خرجه أبو داود في السنة ~~PageV01P102 # وذكر الشيخ مختار في المجتبى في المسألة السادسة من خاتمة أبواب العدل ما ~~لفظه اعلم أن شيوخ المعتزلة إلى زمن الشيخ أبي هاشم لم ينصوا على اثبات ~~الصفات ولا على نفيها إلى أن صرح باثباتها أبو هاشم وصرح بنفيها أبو علي ~~وأبو القاسم البلخي والاخشيد وأبو الحسين قلت وقد علم تعظيم خلفهم لسلفهم ~~وعلم أن الاقتداء بسلفهم خير من الاقتداء بخلفهم بالنص في خير القرون ان ~~ادعوا منهم أحدا وباقرارهم هذا لو اجتمع خلفهم على أمر وأما مع اختلاف ~~خلفهم واجتماع سلفهم على ترك الخوض فيما خاض فيه خلفهم فأدى خوضهم فيه إلى ~~الاختلاف والتأثيم فلا يشك منصف أن الاقتداء بسلفهم أرجح فان نفاة الصفات ~~ألزموا المثبتين تركيب الذات وما يترتب عليه بل ألزموهم ذلك في مجرد قولهم ~~أن الوجود غير الموجود ومن أثبت الصفات ألزم النفاة تعطيل الاسماء الحسنى ~~ومخالفة الاجماع فلزم التمسك بما اعترفوا بأن السلف كانوا مجتمعين عليه ~~سلفهم وسلف سائر الفرق الاسلامية وترك ما اختلفوا فيه ويسعنا ما وسع السلف ~~الصالح للاجماع على صلاحهم # فاذا عرفت هذا في الجملة فلنعد إلى ذكر الدليل الثاني على بطلان هذين ~~الامرين المضلين للاكثرين وهما الزيادة والنقصان في الدين ثم نتبع ذلك ~~زيادة بيان في المنع من التصرف في الكتاب والسنة بدعوى التعبير عنهما وترك ~~عباراتهما فنقول # أما الأمر الأول وهو الزيادة في الدين فسببه تجويز خلو كتب الله تعالى ~~وسنن رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام ms089 عن بيان بعض مهمات الدين اكتفاء ~~بدرك العقول لها ولو بالنظر الدقيق ليكون ثبوتها بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بطريق النظر العقلي هذا مذهب أهل الكلام ومذهب أهل الأثر أنه ~~ممنوع والدليل على منعه وجوه # الوجه الأول قوله تعالى @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا @QE@ فاذا قلنا بوجوب ما أوجبه PageV01P103 أهل ~~الكلام لزم أنه بقي أهل الدين وأوجبه من تقرير القواعد التي يجب بها تأويل ~~السمع وبيان التأويل على التفصيل في آيات الصفات وكثير من الاسماء الحسنى ~~كالرحمن الرحيم الحكيم وما يؤدي إلى التفرق المنصوص على تحريمه لأنه خوض في ~~دقائق يستحيل اتفاق الأذكياء عليها بالعادات المستمرة فانها استمرت العوائد ~~على اختلاف العقلاء متى خاضوا في نحو ذلك حتى الطائفة الواحدة ولذلك كانت ~~المعتزلة عشر فوق وأهل السنة كذلك أو قريبا منه وكذلك سائر الفرق حتى قيل ~~إن الاتفاق في الضروريات فاذا كان الاتفاق في الخفيات ممتنعا كالافتراق في ~~الضروريات وقد ثبت تحريم الافتراق لزم من ذلك تحريم الخوض في الخفيات ما لم ~~يدل على وجوبه دليل صحيح # الوجه الثاني أنه لا نزاع أنه لا يجوز اثبات العقول لزيادة في الشريعة لا ~~يدكها العقل وإنما النزاع فيما تدركه العقول مثل نفي الولد عن الله تعالى ~~ونفي الثاني لكن السمع دل على أنه لا يجوز خلو كتب الله تعالى عن بيان مثل ~~ذلك قال الله تعالى في نفي الولد عنه جل جلاله @QB@ قل هاتوا برهانكم هذا ~~ذكر من معي وذكر من قبلي @QE@ وقال سبحانه في نفي الثاني @QB@ قل أرأيتم ما ~~تدعون من دون الله @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ ائتوني بكتاب من قبل هذا أو ~~أثارة من علم إن كنتم صادقين @QE@ فهاتان الآيتان تدلان على أنه لا يجوز ~~خلو كتب الله تعالى وسنن أنبيائه عن أمر كبير من مهمات الدين العقلية وكذلك ~~قوله تعالى @QB@ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ~~وهدى ورحمة لقوم يؤمنون @QE@ فثبت أن ما خلت عنه كتب الله تعالى ms090 فليس من ~~مهمات الدين وإن زيادته في الدين محرمة ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حذر أمته من فتنة الرجال وعظمها وأخبر عن الأنبياء كلهم أنهم حذروا ~~أممهم منها مع أن PageV01P104 بطلان دعواه معلوم بالعقل لأنه يدعي الربوبية ~~وهو بشر يحتاج إلى الأكل والشرب وينام ويعجز ويجهل ويمرض ويبول ويتغوط ~~وينكح دع عنك كونه جسما مركبا من لحم ودم وعظام وعصب فلم يكلنا ربنا سبحانه ~~وتعالى إلى معرفة عقولنا بحدوث ما كان على هذه الصفات واستحالة ربوبية ~~الحادث بل زاد في البيان على لسان رسوله حتى أبان لنا أنه أعور وأنه مكتوب ~~بين عينيه كافر يقرأه من يكتب ومن لا يكتب فلو كان يجوز عليه الاهمال لكان ~~ذلك أحق ما يهمل لقوله في الاحاديث الصحيحة ما خفي عليكم من شيء فلا يخفى ~~عليكم إن ربكم ليس بأعور لأنه قد تقرر أنه ليس كمثله شيء عقلا وسمعا فيجب ~~أن لا يكون بشرا كاملا فكيف يكون بشرا ناقصا معيبا فدل الحديث على تأكيد ما ~~دل القرآن عليه في الآيتين المتقدمتين # الوجه الثالث قوله @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ @QB@ لئلا ~~يكون للناس على الله حجة بعد الرسل @QE@ ولا معنى للارسال إلا البيان وإلا ~~لصح أن يرسل الله تعالى رسولا أبكم غير ناطق وقد ورد القرآن بتقبيح ارسال ~~الاعجمي إلى العربي لذلك في قوله تعالى @QB@ أأعجمي وعربي @QE@ بل نص الله ~~تعالى على أنه أرسل كل رسول بلسان قومه ليتم لهم البيان # وقد أجمعت الامة على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة فكل ما لم ~~يبين من العقائد في عصر النبوة فلا حاجة إلى اعتقاده ولا الخوض فيه والجدال ~~والمراد سواء كان إلى معرفته سبيل أو لا وسواء كان حقا أو لا وخصوصا متى ~~أدى الخوض فيه إلى التفرق المنهي عنه فيكون في إيجابه إيجاب ما لم ينص على ~~وجوبه وان أدى إلى المنصوص على تحريمه وهذا عين الفساد # قالت الخصوم العقل يكفي بيانا في العقليات فلا يجب البيان ms091 فيها من الشرع ~~PageV01P105 قلت إن أردتم الجليات التي لا يقع في مثلها التنازع أو لا ~~يحتاج في الدين إلى معرفتها أو لا يحتاج البليد فيها إلى تفهيم الذكي أو ~~الظنية التي لا إثم فيها على المخطئ فمسلم ولا يضر تسليمه ومن القسم الأول ~~من هذا علم الحساب وإن دق بعضه فان طرقه معلومة الصحة عند الجميع ولذلك لم ~~تمنع دقته من الوفاق فيه وكذلك كثير من علم الغربية والمعاني والبيان ~~والبلاغة وإن أردتم القسم الآخر وهو ما يحتاج اليه في الدين ويكون مفروضا ~~على جميع المسلمين من الخاصة والعامة أجمعين ويقع في مثله الخفاء والنزاع ~~والاختلاف الكثير ويأثم المخطئ فيه ولا يسامح فغير مسلم لكم أن مثل هذا ~~يوكل إلى عقول العقلاء وتترك الرسل بيانه لقوله تعالى @QB@ وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا @QE@ فلم يكتف سبحانه بحجة العقل حتى ضم اليها حجة الرسالة ~~مع أن معرفته سبحانه ونفي الشركاء عنه من أوضح المعارف العقلية ولذلك قالت ~~الرسل فيما حكى الله عنهم @QB@ أفي الله شك فاطر السماوات والأرض @QE@ # وقد مر بيان ذلك في مقدمات هذا المختصر وفي هذه الآية وما في معناها من ~~السمع حجة على أن ما لم يبينه الله تعالى سمعا لم يعذب المخطئ فيه إن شاء ~~الله تعالى لكن يخشى على من خاض فيا لم يبينه الله أن يعذب على الابتداع ~~وقد بين الله تحريمه وبيان تحريم ذلك في قوله @QB@ ولا تقف ما ليس لك به ~~علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا @QE@ وبقوله تعالى ~~@QB@ ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون @QE@ فنسأل الله السلامة # الوجه الرابع قوله تعالى في وصف القرآن @QB@ تبيانا لكل شيء @QE@ وقوله ~~سبحانه @QB@ ما فرطنا في الكتاب من شيء @QE@ ولا شك أنه يدخل PageV01P106 ~~في ذلك بيان مهمات الدين الاعتقادية وإن كانت عقلية ويدخل فيه ما بنه النبي ~~صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما ms092 نهاكم عنه ~~فانتهوا @QE@ ولقوله تعالى في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم @QB@ لتبين ~~للناس ما نزل إليهم @QE@ فهذا بيان جملي ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ( ~~إني أوتيت القرآن ومثله معه الحديث ) # ومما يصلح الاستدلال به في هذا المقام قوله تعالى @QB@ وترى كل أمة جاثية ~~كل أمة تدعى إلى كتابها @QE@ فلولا أن كتابها هو موضع الحجة عليها في أمور ~~الدين ومهماته ما اختص بالدعاء اليه ونحوها قوله تعالى @QB@ الله الذي أنزل ~~الكتاب بالحق والميزان @QE@ فجعل الكتاب في بيان الدين وحفظه وتمييز الحق ~~من الباطل كالميزان في بيان الحقوق الدنيوية وحفظها بل جعل الحق مختصا به ~~بالنص والميزان معطوفا عليه بالمفهوم أي والميزان بالحق وقال بعد الامر ~~بوفاء الكيل والوزن @QB@ لا تكلف نفس إلا وسعها @QE@ لأنه يحتاج إلى ~~المعاملة بالكيل والوزن وإن وقع التظالم الخفي في مقادير مثاقيل الذر أو ~~أقل منه ولم يقل ذلك بعد الأمر بلزوم كتابه واتباع رسله لأنه لا حاجة ولا ~~ضرورة إلى البدعة في الإعتقاد # وأما الفروع العملية فلما وقعت الضرورة إلى الخوض فيها بالظنون لم يكن ~~فيها حرج بالنص والاجماع فتأمل ذلك فانه مفيد # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ ~~واتفق أهل الاسلام على أن المراد بالرد إلى الله ورسوله الرد إلى كتاب الله ~~وسنة رسوله ولو لم يكونا وافيين ببيان مهمات الدين ما أمرهم الله بالرجوع ~~اليهما عند الاختلاف # الوجه الخامس في الدليل على منعه أيضا الاجماع على تحري البدعة في الدين ~~وما زال الصحابة والتابعون لهم باحسان يحذرون من ذلك حتى PageV01P107 ثمت ~~النعمة وقامت الحجة بموافقة المتكلمين والغلاة على ذلك في الجملة حتى رمى ~~بعض المتكلمين بعضا بذلك عند الضجر من الخوض في تلك المباحث والشناعات فقال ~~الشيخ تقي الأمة خاتمة أهل الاصول العجالي المعتزلي في آخر الرد على أصحابه ~~المعتزلة حيث حكموا بثبوت العالم قبل خلقه في العدم المحض والازل الذي لا ~~أول له ما لفظه # إن كل من سمع ذلك من العقلاء قبل أن يتلوث ms093 خاطره بالاعتقادات التقليدية ~~فانه يقطع ببطلان هذه المذاهب ويتعجب أن يكون في الوجود عاقل تسمح نفسه ~~بمثل هذه الاعتقادات ويلزمهم أن يجوزوا فيما نشاهده من هذه الأجسام ~~والاعراض أن تكون كلها معدومة لأن الوجود غير مدرك عندهم وإلا لزم أن يرى ~~الله تعالى لوجوده بل إنما تناوله الادراك للصفة المقتضاة عندهم وهي صفة ~~التحيز وهيئة السواد والبياض فيهما غاية الامر أن الجوهرية عند بعضهم تقتضي ~~التحيز بشرط الوجود لكن الترتيب في أن الوجود لا يقتضي الترتيب في العلم ~~كما في صفة الحياة والعلم فيلزمهم أن يشكوا بعد هذه المشاهدة في وجودهما ~~وكل مذهب يؤدي إلى هذه التمحلات والخصم مع هذا يزداد سفاهة ولجاجا فالواجب ~~على العاقل الفطن الاعراض عنه والتمسك بقوله تعالى @QB@ وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما @QE@ ومن ذم من السلف الكلام والمتكلمين إنما عنوا ~~أمثال هؤلاء ظاهرا والله الموفق اه بحروفه ذكره علامة المعتزلة الشيخ مختار ~~بن محمود في كتابه المجتبى عاضدا له ومنتصرا به فهذا كلام المتكلمين بعضهم ~~في بعض بل كلام الطائفة الواحدة منهم بعضهم في بعض وفيه الاعتراف بذم ~~البدعة وأهلها وصدور ذللك من السلف الصالح فسبحان من أنطقهم بالحجة عليهم ~~كما أنطق جلود الجاحدين يوم القيامة بمثل ذلك # ولا شك أن إيجاب أمر كبير يجب من أجله التعسف في تأويل ما لا يحصى من ~~آيات كتاب الله وتقبيح ظواهره بل تقبيح ممادحه مثل الحكم بأن الرحمن اسم ذم ~~الله تعالى في الظاهرالسابق إلى الافهام إن لم يتأول وان نفيه عن الله مدح ~~لائق بجلال الله من غير قرينة والقول بتكفير من لم يعرف PageV01P108 هذا ~~واستحلال سفك دمه ووجوب دوام عذابه في الآخرة من غير أن يجري لذلك ذكر في ~~زمن النبوة والصحابة هو من أعظم البدع وأفحشها وأنكرها # الوجه السادس الاحاديث الواردة في النهي عن البدعة ولا حاجة إلى سردها ~~بجميع ألفاظها وأسانيدها مع الاجماع على صحة هذا المعنى كما مر في الوجه ~~الذي قبله # الوجه السابع ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من قول رسول ms094 الله صلى الله عليه ~~وسلم ( اتركوني ما تركتكم فانما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم ~~على أنبيائهم ) وما في معنى ذلك مثل حديث إن الله حد حدودا فلا تعتدوها ~~وفرض فرائض فلا تضيعوها وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير بيان فلا تتعرضوا ~~لها وفي هذا المعنى أحاديث جمة مجموعها يفيد العلم بأن الشرع ورد بحصر ~~الواجبات والمحرمات وأن السؤال عما لم يرد به حرام حتى ثبت في الصحيحين من ~~حديث سعد بن أبي وقاص أن من أعظم المسلمين إثما في المسلمين من سأل عن شيء ~~فحرم من أجل مسألته ولقد علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كيفية ~~قضاء الحاجة وفي ذلك يقول السيد الامام يحيى بن منصور الهاروي المفضلي عليه ~~السلام # ( ما باله حتى السواك أبانه % وقواعد الاسلام لم تتقرر ) في أبيات له ~~طويلة في تقرير هذا المعنى وقد كتبتها في ترجيح أساليب القرآن هي وأمثالها ~~فان قيل هذا في غير العقائد # قلنا العقائد أولى بذلك لأنه لا يجوز أن يتجدد فيها للخلف ما لم يكن ~~واجبا على السلف بخلاف الفروع فقد تجدد الحوادث ويقع للمتأخر فيها ما لم ~~يقع للمتقدم # الوجه الثامن إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يوصي أمته بالرجوع ~~إلى كتاب الله عند الاختلاف والتمسك به عند الافتراق وكان ذلك هو ~~PageV01P109 صيته عند موته وجاء ذلك عنه على كل لسان حتى اعترفت به ~~المبتدعة كما اعترفت بورود النهي عن البدع وصحته ولله الحمد والمنة بل قد ~~جاء ذلك صريحا في كتاب الله تعالى على أبلغ صيغ التأكيد قال الله عز وجل ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ إلى قوله @QB@ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل ~~الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا @QE@ ويؤكده قوله تعالى ~~@QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ms095 لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ # ولا شك أن القرآن العظيم أعظم ما قضى به ودعا إليه ثم سنته التي هي تفسير ~~القرآن وبيانه كما أجمعت عليه الأمة في تفاصيل الصلاة والزكاة وسائر أركان ~~الاسلام وفي المواريث وغيرها ومن ذلك ما جاء فيمن لم يحكم بما أنزل الله من ~~الآيات الكريمة في آية @QB@ فأولئك هم الكافرون @QE@ وفي آية @QB@ الظالمون ~~@QE@ وفي آية @QB@ الفاسقون @QE@ وقوله تعالى @QB@ إن هذا القرآن يهدي للتي ~~هي أقوم @QE@ وقوله @QB@ وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ~~ترحمون @QE@ وقوله @QB@ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون @QE@ وما أبلغ قوله فصلناه على علم وأعظم موقعه عند المتأملين لأن ~~العلوم تقل وتتلاشى في جنب علم الله تعالى بما ينفع ويصلح من البراهين ~~والأساليب وما يضر ويفسد من ذلك بل قد جاء في الحديث الصحيح أن علم الخلائق ~~في علم الله تعالى كما يأخذه الطائر من البحر بمنقاره ومما جاء في ذلك من ~~طريق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال في القرآن الكريم فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ~~PageV01P110 ما بينكم من ابتغى الهدى من غيره أضله الله إلى قوله من قال به ~~صدق ومن حكم به عدل ومن دعى اليه هدى إلى صراط مستقيم الحديث بطوله كما ~~تقدم # الوجه التاسع إن الدين قد جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وفرغ منه به ~~ولم يبق بعد تصديقه به بدلالة المعجزات الباهرات إلا اتباع الدين المعلوم ~~الذي جاء به لا استنباطه بدقيق النظر كما صنعت الفلاسفة الذين لم يتبعوا ~~الرسل وعلى هذا درج السلف ولذلك قال مالك لمن جادله كلما جاءنا رجل أجدل من ~~رجل تركنا لجدله ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وروى مالك في الموطأ ~~عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال ( أيها الناس قد سنت لكم السنن ~~وفرضت لكم الفرائض وتركتم على السنة الواضحة ليلها ms096 كنهارها إلا أن تضلوا ~~بالناس يمينا وشمالا وروى ابن ماجه نحو هذا مرفوعا من حديث أبي الدرداء ~~يوضحه أنه لو كان الدين مأخوذا من النظر لكنا قبل النظر غير عالمين ما هو ~~دين الاسلام وإنما نخترعه نحن وهذا باطل ضرورة # يزيده وضوحا وجهان أحدهما الاحاديث الصحيحة المشهورة بل المتواترة في حصر ~~أركان الاسلام والايمان والتنصيص عليها وتداول الصحابة فمن بعدهم لها ~~يرويها سلفهم لخلفهم وخلفهم عن سلفهم واضحة جامعة لشرائط الاسلام والايمان ~~واحترام أهلها وأنه لا يحل دم امرئ جمعها ودان بها وفي معناها من كتاب الله ~~تعالى قوله تعالى @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة @QE@ وكذلك قوله تعالى @QB@ ~~إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم @QE@ وكذلك قوله تعالى @QB@ قل يا أهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا ~~يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ~~@QE@ PageV01P111 # وثانيهما اجماع الامة على تكفير من خالف الدين المعلوم بالضرورة والحكم ~~بردته إن كان قد دخل فيه قبل خروجه منه ولو كان الدين مستنبطا بالنظر لم ~~يكن جاحده كافرا فثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء بالدين القيم ~~تاما كاملا وأنه ليس لأحد أن يستدرك عليه ويكمل له دينه من بعده # الوجه العاشر إن الله ذم التفرق بعد مجيء الرسل والكتب من قبلنا ولولا أن ~~في ما جاءت به يوجب الوفاق ما خص ذمهم بتلك الحال قال الله تعالى @QB@ وما ~~تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة @QE@ وقبلها @QB@ حتى ~~تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة @QE@ الآيات إلى ~~@QB@ وذلك دين القيمة @QE@ ففسر البينة بقوله رسول من الله إلى آخر الآية ~~وقال @QB@ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم @QE@ وقال @QB@ ولا تكونوا كالذين تفرقوا ms097 واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات @QE@ # الوجه الحادي عشر وهو أعجبها أن العقول بريئة أصح البراءة وأوضحها عما ~~ادعوا عليها من معرفة وجوب ما لم يرد به كتاب من الله تعالى ومن معرفة صحة ~~ما يناقض الآيات القرآنية فانه قد وضح للمحققين من نظار العقلاء وأذكيائهم ~~أنه لا تعارض بين صحيح السمع وصحيح العقل وأن أصل البدع كلها يوهم التعارض ~~بينهما في صور أربع الصورة الأولى أن جماعة من المشتغلين بعلم المعقول لم ~~يتقنوه فيتوهمون في بعض الأمور أنه صحيح في دليل عقلي توهموه قاطعا وليس ~~بقاطع وفي معرفة القاطع وشروطه اختلاف بين المنطقيين وبعض المتكلمين # ومن مواضع بيان ذلك مقدمة التمهيد للامام ي بن حمزة عليه السلام وسبقه ~~إلى ذلك الرازي في مقدمة نهاية العقول وبسط أكثر منه فمن أراد معرفة صعوبة ~~هذا القام وقلة وجود رجاله فليطالع ما ذكرته في هذين الكتابين مطالعة شافية ~~ولو بحث عما لم يعرف من ذلك PageV01P112 # ومن أشهر ما لهم في ذلك خمس قواعد أحدها أن الجسمية أمر ثبوتي مشترك بين ~~الأجسام زائد عليها وثانيها تماثل الأجسام وجواهرها وثالثها أن كون المتحيز ~~في المكان أمر ثبوتي زائد عليه لا وصف عدمي وسواء كان حركة أو سكونا أو ~~اجتماعا أو افتراقا ويسمونه دليل الاكوان ورابعها قياس واجب الوجود عز وجل ~~على ممكن الوجود في أشياء كثيرة مثل قول الملاحدة نفاة الاسماء الحسنى أن ~~كونه تعالى على صفة دون أخرى يقتضي أن يجري مجرى الممكنات الحادثات التي ~~تحتاج في مثل ذلك إلى تخصيص مخصص وقد أوضحت ما أورد بعضهم على بعض من ~~الاشكالات الصعبة في ذلك في مسألة الرؤية من العواصم وربما نقلته مفردا في ~~موضعه من هذا المختصر لينظر فيه من يفهمه إن شاء الله تعالى وخامسها أن كل ~~موجود في الخلاء العدمي حتى الظلمة والنور فانه جسم أو حال فيه محتاج اليه # وخالفهم في القاعدة الأولى أكثر العقلاء من المسلمين وغيرهم على ما نقله ~~ابن تيمية فقالوا أن الماهية المشتركة المعروفة بالمجردات لا ms098 وجود لها ~~ألبتة إلا في الاذهان ولم يقم على وجودها برهان في الخارج كما بسط في موضعه # وخالفهم في الثانية الرازي والشيخ أبو القاسم البلخي الكعبي وأصحابه ~~معتزلة بغداد # وخالفهم في الثالث الشيخ أبو الحسين البصري وخلق كثير ذكرهم الشيخ مختار ~~المعتزلي في كتابه المجتبى وخالف أهل القاعدة الرابعة جمهور أهل الاسلام # وخالفهم في الخامسة أهل اللغة وأهل الأثر وبعض أهل الكلام والمعقولات ~~والسلف الصالح من الصحابة والتابعين ظاهرا لا رواية ومستند الظهور نقل أهل ~~اللغة وهم من أهلها بلا ريب # وخالفهم في القواعد الخمس كلها جميع أهل الآثار وسلفهم من الصحابة ~~والتابعين ظاهرا مع من ذكرنا معهم من ذلك من أهل المعقولات والمتكلمين كما ~~بسط في مواضعه والحمد لله PageV01P113 # ومما اختلفوا فيه هل يجب بناء الدليل على الضرورة فيما انتهى اليه النظر ~~أو على سكون النفس فعند المنطقيين وأبي الحسين من المعتزلة وأكثر المحققين ~~أنه لابد من الانتهاء إلى الضرورة وإلا أدى إلى التسلسل أو التحكم وعند ~~جمهور المعتزلة أنه يكفي أن ينتهي إلى سكون النفس ويرد عليهم سكون نفوس ~~المبطلين ببواطلهم وهذا ما عارض والقصد بذكره بيان أن كون الدليل العقلي ~~قاطعا من المواضع الدقيقة التي اختلف فيها أهل الدعوى للذكاء والكمال في ~~التدقيق فيجوز أن يقع الخطأ على المحقق في مثل هذا وينبغي أن يحذره المنصف ~~فان كثيرا من أهل العقول يقصر في هذا الموضع فيظن في بعض العقليات أن دليله ~~قاطع وليس بقاطع في نفس الامر ثم يعارضه السمع فيرى في نفسه أن التأويل ~~يتطرق إلى السمع لاحتمال اللفظ اللغوي له دون الادلة العقلية القاطعة في ~~ظنه وزعمه أنها قاطعة ولا يدري أن قطعه بأنها قاطعة قطع بغير تقرير ولا هدى ~~ولا كتاب منير وانه مقام صعب خطير وأنه بطول النظر والمراجعة فيه جدير ولو ~~لم يكن في ذلك عبرة للمعتبرين إلا ما جرى لموسى الكليم عليه أفضل الصلوات ~~والتسليم حيث قطع بالنظر العقلي على قبح ما فعله الخضر عليه السلام فانكشف ~~له خلاف ما قطع ms099 عليه وكذلك نوح عليه أفضل الصلاة والسلام حيث قطع على أن ~~ولده من أهله فبان له خلاف ذلك فاذا كان هذا في حق أرفع البشر مرتبة فمن ~~الناس بعدهم فليتفطن طالب النجاة لذلك وليحذر أشد الحذر # وقد أشار إلى ذلك ابن عبد السلام في قواعده في حقوق القلوب وما يجب من ~~معرفة الله وتقرير العامة على ما علم أنهم لم ينفكوا عنه لدقة الأمر المانع ~~مما هم عليه وصعوبة معرفته عليهم وذلك كغلاة الاشعرية في نفي حكمة الله ~~تعالى وتقبيح اسم الحكيم في الظاهر وإيجاب تأويله بالمحكم لصنعه من غير ~~حكمة له في ذلك الاحكام وغلاة المعتزلة في نفي السميع البصير والمريد ~~وتقبيحها في الظاهر وإيجاب تأويلها بالعليم لا سواه وذلك يضعف في مثل @QB@ ~~يريد الله بكم اليسر @QE@ وقول الخليل لأبيه @QB@ يا أبت لم تعبد ما لا ~~يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا @QE@ PageV01P114 # وكذلك الجميع من الاشعرية والمعتزلة في نفي حقيقة الرحمن الرحيم وما في ~~معناهما من الرؤوف والودود وأرحم الراحمين وحكمهم بأنها أسماء قبيحة ~~الظواهر في حق الله تعالى وأنها لا تليق بجلاله إلا بصرفها عن ظواهرها ~~وتعطيلها عن حقائقها إلى المجاز المحض وأن نسبة الرحمة إلى الله سبحانه ~~كنسبة إرادة الانقضاض إلى الجدار والجناح إلى الذل وكل ذلك بمجرد ظن أن ~~الدلالة العقلية القاطعة دلت على ذلك وستأتي الاشارة إلى تلك الأدلة وما ~~يرد عليها على قواعد أئمة المعقولات على حسب هذا المختصر مع الارشاد إلى ~~مواضع البسط # فأما لوازم رحمة المخلوقين المستلزمة للنقص فواجب تنزيه الله تعالى عنها ~~قطعا وفاقا كلوازم علمهم وارادتهم ونحو ذلك كما سيأتي تحقيقه # ومن مظان بطلان ذلك النظر في كيفية بعض صفات الله تعالى اللائقة به بل ~~الواجبة له على التفصيل المؤدي إلى القطع بتسمية تلك الصفات معاني وإلى ~~القطع بالفرق بينهما وإلى القطع بأن ذات الله تعالى لا يصح وجود المعاني ~~فيها ومجموع ذلك هو الذي اضطر البهاشمة إلى أنه تعالى مريد بارادة حادثة لا ~~فيه ولا في غيره ولا ms100 يحتاج في خلقها إلى ارادة والحازم يوازن بين الممتنعات ~~فيرد أشدها امتناعا في الفطر ولعل وجود العرض لا في محل بل لا في العالم ~~ولا خارجه وتأثيره لمن لم يوجد فيه أبعد مما فروا منه # وقد جود ابن تيمية وغيره من أئمة العلم الجامعين بين التحقيق في هذين ~~العلمين العقلي والسمعي الكلام في ذلك وفي المختصرات من ذلك ما يكفي ~~المقتصد وأما من أراد الغاية في البحث فلا تكفيه المختصرات ولا النظر في ~~كتب بعض الخصوم بل يحتاج إلى النظر في الكتب البسيطة للمعتزلة والاشعرية ~~ومتكلمي أهل السنة وكتبهم أقل الكتب وجودا PageV01P115 # ومن مشاهيرها منهاج السنة النبوية لابن تيمية على ما قيل ولم أقف عليه ~~وفي هذه الصورة يتكلف المتكلمون كلهم التأويلات البعيدة تارة لما يمكن ~~تأويله لو دل دليل قاطع على امتناع ظاهره ولكن لا قاطع محقق إلا مجرد دعوى ~~وتارة لما لا يمكن تأويله إلا بتعسف شابه تأويل القرامطة وربما استلزم بعض ~~التأويلات مخالفة الضرورة الدينية وهم لا يعلمون ولا يؤمن الكفر في هذا ~~المقام في معلوم الله تعالى وأحكام الآخرة وإن لم نعلمه نحن وتوقفنا لشبهة ~~التأويل وعدم علمنا بعلمهم بما أنكروه فانه لا يؤمن في حكم الله والله ~~المستعان # فسبب الاختلاف في هذه الصورة وما يتركب عليها وهو معظم التأويل هو ~~الاختلاف في أن الأدلة العقلية الموجبة للتأويل عند المتأولين قطعية أم لا ~~أما من علم بطلان القطع إما بالعقل أو بالسمع القاطع أو بهما معا فعليه ~~البيان لذلك فاذا سطع الحق وجب اتباعه من أي الجانبين كان # وأما من لم يعلم ذلك لكن علم أن أذكياء العقلاء ما زالوا يغلطون في ~~اعتقاد القطع في مثل هذه الدقائق وان خوضه فيها أشبه شيء بركوب البحر عند ~~هيجه واضطرابه وان الجميع قد انعقد اجماعهم على أن مخالفة العقل إذا تجرد ~~عن السمع ليست بكفر ولا فسق وإن كان فيها مخالفة ضرورة العقل فان من اعتقد ~~في حنظلة مرة أنها حلو يكون قد خالف ضرورة العقل ولا يكفر ms101 بل ولا يفسق لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن كذبا علي ليس ككذب على غيري أنه من يكذب علي ~~يلج النار وإنما هذا كاذب على نفسه ولم يكذب على الله ولا رسوله فكيف من ~~قال بغير الحق في دقائق الكلام متأولا # وكذلك انعقد إجماعهم على أن مخالفة السمع الضروري كفر وخروج عن الاسلام ~~وأن ذلك لا يؤمن في القول بأن الرحمن الرحيم الحكيم السميع البصير ليست ~~بأسماء مدح الله تعالى بل أسماء ذم قبيحة يجب تأويلها وتحذير عوام المسلمين ~~من الاغترار باطلاقها وأنها ليست أسماء حسنى لأن الحسنى جمع الاحسن لا جمع ~~الحسن وهذه لم تدخل في الحسن كيف في أحسن الحسن فان عامة أهل الاثر رجحوا ~~الإعتقاد الاسلم على الاعلم لأن المتكلمين قد اعترفوا بأن طريقة السلف أسلم ~~لكن ادعوا أن طريقهم أعلم PageV01P116 # ووجه الترجيح عندهم أنهم علموا من كثرة نصوص الكتاب والسنة في هذه ~~الأسماء أنها على جهة التمدح كما يأتي في موضعه وظهور ذلك في عصر النبوة ~~والصحابة والتابعين من غير تحذير لأحد من الاغترار بظاهرها مع اعتقاد ~~الجميع أن الله ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته يقتضي عادة العلم ~~الضروري بأنها أسماء مدح وأنها من الاسماء الحسنى التي لا قبح فيها وخافوا ~~الكفر في مخالفة هذا العلم # وأما الادلة الموجبة للتأويل فسوف يأتي البيان الواضح أنها قد انتهت إلى ~~غاية الدقة ووردت عليها الشكوك الصعبة حتى اختلف في صحتها أئمة المعقول ~~فمخالفة الحق فيها على جهة التأويل لا يكون كفرا ولا فسقا على جميع قواعد ~~العقلاء قالوا ولا شك أن الفوز بالامان من الكفر الموجب الخلود في النار ~~أرجح من الفوز بالظفر بالحق في دقائق الجواهر والاعراض كما نص عليه المؤيد ~~بالله في الزيادات من أئمة العترة وغيره منهم عليهم السلام فشد على هذه ~~يديك ولا تغفل النظر فيها # فان قلت فما يعتقد أهل الاثر في رحمة الله وهل يجوزون أنها رحمة مثل رحمة ~~المخلوقين # قلت كلا فان رحمة المخلوقين ممتزجة بجهلهم وعجزهم ms102 فيدخلها الحسرة والاسف ~~والبكاء والاماني الباطلة فتغلبهم فتصرفهم عن العدل والحق وقد أجمعنا على ~~أن العليم القدير محكمان لا يجب تأويلهما ولو قال قائل أنهما في حق الله ~~مثلها فينا لكان كافرا بالاجماع فاذا وجب نفي التشبيه في المحكمات بالاجماع ~~فكيف لا ننفيه في غيرها وسيأتي إيضاح ذلك وإنما بسطت القول هنا لأن أكثر ~~التأويل يدور على هذه الصورة # فان قيل تقديم العقل على السمع أولى عند التعارض لأن السمع علم بالعقل ~~فهو أصله ولو بطل العقل بطل السمع والعقل معا وهذه من قواعد المتكلمين # قلنا قد اعترضهم في ذلك المحققون بأن العلوم يستحيل تعارضها في العقل ~~والسمع فتعارضها تقدير محال فانه لو بطل السمع أيضا بعد أن دل PageV01P117 ~~العقل على صحته لبطلا معا أيضا لأن العقل قد كان حكم بصحة السمع وأنه لا ~~يبطل فحين بطل السمع علمنا ببطلانه بطلان الاحكام العقلية وممن ذكر ذلك ابن ~~تيمية وابن دقيق العيد والزركشي في شرح جمع الجوامع # الصورة الثانية أن يتيقن المتكلم بعض الأدلة العقلية حتى لا يشك في صحتها ~~وهي كذلك ثم يعتقد لتقصيره في علم السمع أن السمع ورد بنقيض ذلك الأمر ~~المعلوم عنده فيقع في الكفر الصريح كابن الراوندي وسائر من صرح بالردة لذلك ~~ومن هؤلاء بعض الفلاسفة وأكثر البراهمة أعني أن بعضهم كفر من هذه الجهة ~~وبعضهم كفر من جهة أخرى وذلك أن هؤلاء اجتمعت كلمتهم على أن عذاب الآخرة ~~خال عن المصلحة والحكمة وأن ذلك لا يجوز على مختار عليم حكيم فقولهم أن ~~التعذيب لغير حكمة لا يجوز على المختار العليم الحكيم حق وصواب لكنهم قصروا ~~في علم السمع فظنوا أنه ورد بأن ذلك العذاب خال عن الحكمة ودعوى هذا على ~~السمع باطلة وقد جود ابن تيمية غاليا في الرد عليهم على التفصيل كما هو ~~مبسوط في حادي الارواح وأشار إلى مثل قولة الغزالي في المقصد الاسنى في شرح ~~الرحمن الرحيم منه ولم يصرح وجعل ذلك من الاسرار التي لا تفشى وسيأتي طرف ~~من ذلك وبيان ms103 المختار منه في مسألة اثبات الحكمة قريبا إن شاء الله تعالى # الصورة الثالثة قوم أسرفوا في التقصير في علم السمع تارة في طلب معرفة ~~نصوصه وألفاظه وطرق صحتها وتارة في معانيها وتارة في كيفية الجمع بين ~~المتعارض فيقدمون العموم على الخصوص والظواهر على النصوص ونحو ذلك حتى ظنوا ~~في بعض الأمور أن السمع ورد به ورودا ضروريا أو قطعيا ولم يرد به السمع ~~أصلا لا ضرورة ولا قطعا ولا ظنا ثم عارضته أدلة كثيرة جلية عقلية أو سمعية ~~أو كلاهما كالنواصب والروافض وكثير من الوعيدية والمبالغين في التكفير ~~والتفسيق والتقنيط والتبري من كثير من أهل الاسلام والمبتدعة الذين لهم ~~ذنوب وهفوات لا تخرج عن الاسلام # ومن ذلك خبط كثير من الناس في مسألة القرآن وتكفير كل منهم لمن خالفه ~~بغير برهان حتى اعتقد بعض المحدثين قدم التلاوة وجحد حدوث PageV01P118 صوت ~~التالي مع اعترافه بحدوث التالي وحدوث لسانه ووجودهما قبل التلاوة وقد قال ~~الغزالي إن هذا ما درى ما القديم وقال البيهقي أن من عرف معنى هذا رجع عنه ~~وإنما كانت هفوة ممن لم يتعقل هذا وحتى قال الشيخ أبو علي الجبائي أن الله ~~تعالى يتكلم مع التالي وأن الصوت كامن في الحروف في المصاحف وكل ذلك ~~لاعتقادهم أن السمع ورد بان كلام الله هو المسموع في المحاريب المكتوب في ~~المصاحف وان منكر هذا كافر # وما قالوه من أن ذلك كلام الله في الجملة حق ولكن لابد من الفرق بين ~~التلاوة والمتلو والحكاية والمحكى وهو فرق ضروري فان المتلو المحكي كلام ~~الله بغير شك والتلاوة والحكاية فعل لنا مقدور اختياري بغير شك ولا شك أن ~~ما هو مقدور لنا واقع باختيارنا غير المعجز الذي لم يقدر عليه أحد فالشيخ ~~أبو علي خاف ما خاف أهل الأثر في المرتبة الأولى من الكفر في مخالفة السمع ~~فتكلف مخالفة المعقول في كمون الصوت في الحروف المكتوبة وفي احداث صوت من ~~الله مع صوت كل قارئ حتى يكون السامع لكل قارئ سامعا لكلام الله على ms104 ~~الحقيقة كما سمعه موسى عليه السلام كل هذا حتى لا يخالف الاجماع والنص حيث ~~قال الله تعالى @QB@ فأجره حتى يسمع كلام الله @QE@ فأي حرج على أهل الأثر ~~إذا تابعوا سائر السمع وخالفوا من المعقولات ما هو أدق من المعقول الذي ~~خالفه أبو علي في هذه المذاهب التي لولا رواها عنه أصحابه لعدت من تشنيع ~~الاعداء عليه # وأما أولئك المحدثون فلم يفرقوا بين إنكار السلف كون القرآن مخلوقا وبين ~~كونه قديما فظنوا ما ظن أبو علي من الاجماع من السلف على قدمه وسوف يأتي ~~الفرق بينهما في بابه وأما الروافض والنواصب والخوارج وغلاة الوعيدية فظنوا ~~أن السمع ورد بعقائدهم فجحدوا كل ما خالف ذلك مما لم يعلموه وتأولوا ما ~~علموه ففحش جهلهم حيث قدموا الاكاذيب المعلوم عند أهل السمع بطلانها على ~~المتواترات وهؤلاء لا دواء لهم لأن اعتقادهم تقليد محض لاسلافهم وهو غير ~~منكشف لهم إلا بان يشكوا فيه ويقبلوا على تعلم السمع وقراءة كتب الرجال ~~والتواريخ والمساند حتى PageV01P119 يكونوا من أئمة السمع وينكشف لهم جهل ~~أسلافهم أو عنادهم وهم غير ملتفتين إلى شيء من هذا بل هم في غاية العجب ~~بعلمهم واتقانهم وغاية السخرية بخصومهم فهم أفحش الاقسام الاربعة المشهورة ~~وهم من الذين لا يدرون أنهم لا يدرون # وقد رأيت لبعض حذاق الباطنية في كتاب الملل والنحل القدح في الاخبار بذلك ~~فانه لم يفرق بين التواتر الحق ودعوى التواتر فقال أما التمسك بالاخبار ~~فانه متعارض لأن كل طائفة قد تواتر لهم ما هم عليه عن أسلافهم الذين يثقون ~~بهم ولم يعلم المغفل أن هذا مثل دعوى اليهود لقول موسى عليه السلام تمسكوا ~~بالسبت أبدا ودعوى تواتر ذلك عنه وأنه لا فرق بين تلك الدعوى وبين ما صح عن ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه لا نبي بعدي وأنه خاتم الأنبياء وكم بين ~~تواتر صفات الكمال في رسول الله صلى الله عليه وسلم وتواتر معجزاته وفضائله ~~للعارفين وبين تلقي صبيان اليهود لما يعارض ذلك كله عن آبائهم القوم البهت ~~وهل ms105 يقول مميزان الامرين في التواتر سواء فجهال هذه الصورة مثل صبيان ~~اليهود حين نشؤا على ظن السوء برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لا دواء ~~لهم إلا أن يتركوا تقليد آبائهم في ذلك الظن السيء ويطالعوا كتب الاسلام ~~التي فيها سيرته وأخلاقه ومعجزاته وسائر مناقبه والتواتر مما لا يمكن تعريف ~~الجاهل به ألبتة # ولذلك يقول العلماء في ذلك أنه معلوم لمن طالع كتب الاخبار وإلا فكل مبطل ~~معتقد لصحة باطله ولولا الفرق بين الاعتقادات الباطلة والعلوم الصحيحة ما ~~تميز كفر من اسلام ولا شرك من توحيد ولا عالم من جاهل فالعلم الحق ما جمع ~~الجزم والمطابقة والثبات عند التشكيك فالظنون تلتبس بالعلوم الجازمة عند ~~كثير من العامة والاعتقادات الباطلة وإن كانت جازمة في نفوس أهلها فهي غير ~~مطابقة في الخارج واعتقادات عوام المسلمين وإن كانت جازمة في نفوسهم مطابقة ~~للحق فانها لا تثبت في نفوسهم عند التشكيك والعلم الحق هو ما جمع هذه ~~الأوصاف الثلاثة والله سبحانه قد خص بالهداية له من علم منه القبول ~~والانصاف والاهلية لذلك كما قال في إبراهيم عليه السلام @QB@ وكنا به ~~عالمين @QE@ وقال معاذ إن العلم والإيمان PageV01P120 مكانهما من طلبهما ~~وجدهما فاطلبوا ذلك من حيث طلبه إبراهيم حيث قال @QB@ إني ذاهب إلى ربي ~~سيهدين @QE@ وقد تقدم الارشاد إلى طريق الظفر بالحق في هذه المقدمة من هذا ~~المختصر # الصورة الرابعة طائفة من أهل السمع أتقنوا علم السمع وعلموا منه بعض ~~القواعد علما صحيحا وتواتر لهم ما لم يتواتر لغيرهم لشدة بحثهم وقطعهم ~~أعمارهم في ذلك ثم نازعهم في ذلك جماعة من علماء المعقولات المقصرين في علم ~~السمع كبعض المعتزلة خصوصا المتأخرين في نفي الشفاعة للموحدين ونفي الرجاء ~~للمذنبين منهم وإيجابب خلودهم في النار مع المشركين فظن أولئك الذين أتقنوا ~~ما علموا من السمع أن العلوم العقلية هي المعارضة لما عرفوه من السمع الحق ~~في ذلك لشبهة أن المعارضين لهم فيه يدعون التحقيق في المعقولات فيعادون علم ~~المعقول ومن خاض فيه حتى من أهل السنة وظنوا ms106 أن الاصغاء اليه والنظر فيه ~~يستلزم البدعة من غير بد ولو نظروا بعين التحقيق لعلموا أن خصومهم في هذه ~~المسألة إنما أتوا من التقصير في علم السمع وإقلال البحث عنه وما شابوا به ~~جدا لهم من المعقولات فانما ادعوا فيه على العقل ما هو بريء منه كما يدعون ~~على العقل تقبيح خطاب الله لنا بالعموم المخصوص في العقائد من غير بيان ~~مقترن به ولم يعلموا أنه يرد عليهم هذا بعينه في عمومات الوعد كعمومات ~~الوعيد فلو حرم تخصيص الوعيد بالأدلة المنفصلة عنه لحرم تخصيص الوعد كذلك ~~بل أولى وأحرى وحينئذ يحصل بطلان مقصودهم # فان قالوا في عمومات الوعد يمكن أن تخصيصها قد كان تقدمها وعلم # قلنا وكذلك يمكن في عمومات الوعيد فان قالوا في تخصيص الوعيد أنه ظني ~~قلنا صدقتم أنه ظني عندكم لكن قد علم غيركم ما لم تعلموه من تواتره كما ~~أوضحته في العواصم ولئن سلمنا أنه ظني فان حكم الظني أن لا يقطع بصدقه ولا ~~كذبه لا أنه يقطع يكذبه لأنه لا طريق إلى ذلك وأنتم لم تتوقفوا في صدقه بل ~~قطعتم بكذبه وهذا هو القطع بغير تقدير والخبط الذي ليس من العلم العقلي في ~~قبيل ولا دبير PageV01P121 # واعلم أنه لا يكاد يسلم من هذه الاغلاط إلا أحد رجلين إما رجل ترك البدعة ~~كلها والتمذهب والتقاليد والاعتزاء إلى المذاهب والأخذ من التعصب بنصيب ~~وبقي مع الكتاب والسنة كرجل نشأ قبل حدوث المذاهب ولم يعبر عن الكتاب ~~والسنة بعبارة منه مبتدعة واستعان الله وأنصف ووقف في مواضع التعارض ~~والاشتباه ولم يدع علم ما لم يعلم ولا تكلف ما لا يحسن وهذا هو مسلك ~~البخاري وأئمة السنة غالبا في ترجمة تصدير الأبواب وفي العقائد بالآيت ~~القرآنية والاخبار النبوية كما صنع في أبواب القدر وكتاب التوحيد والرد على ~~الجهمية وأبواب المشيئة ورجل أتقن العلمين العقلي والسمعي وكان من أئمتهما ~~معا بحيث يرجع اليه أئمتهما في وقائعهما ومشكلاتهما مع حسن قصد وورع وانصاف ~~ونحر للحق فهذا لا تخلف عنه هداية الله ms107 واعانته وأما من عادى أحد هذين ~~العلمين وعادى أهله ولم يكن على الصفة الأولى من لزوم ما يعرف وترك ما لا ~~يعرف فانه لابد أن تدخل عليه البدع والاغلاط والشناعات # ومن أنواع الزيادة في الدين الكذب فيه عمدا وهذا الفن يضر من لم يكن من ~~أئمة الحديث والسير والتواريخ ولا يتوقف على نقدهم فيه بحيث لا يفرق بين ما ~~يتواتر عند أهل التحقيق وبين ما يزوره غيرهم وليس له دواء إلا اتقان هذا ~~الفن والرسوخ فيه وعدم المعارضة لأهله بمجرد الدعاوى الفارغة وهو علم صعب ~~يحتاج إلى طول المدة ومعرفة علوم الحديث وعدم العجلة بالدعوى وإن كان جليا ~~في معناه فان الرسوخ فيه بعيد عن حصول العلم الضروري بأحوال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأحوال السلف بحيث يعلم دينهم بالضرورة مثل ما يعلم مذهب ~~المعتزلة والأشعرية كذلك يطول البحث في علم الكلام ويعلم ما يختلفون فيه ~~وما لا يختلفون فيه وما يمكن القدح فيه من المنقولات المشهورة وما لا يمكن ~~من غير تقليد ولا أقل من معرفة مثل علوم الحديث للحاكم في ذلك وهذا عندي هو ~~الفائدة العظمى في الرسوخ في علم الحديث وليس الفائدة العظمى فيه معرفة ~~أحاديث الاحكام في فروع الحلال والحرام كما يظن ذلك من يقتصر على قراءة بعض ~~المختصرات في ذلك ويكتفي به في هذا العلم الجليل ولأمر ما كان أئمة الحديث ~~الراسخون أركان الايمان PageV01P122 في الثبوت عند الفتن والامتحان وقد ~~ذكرت أمور كثيرة يقدح بها على المحدثين وأئمة المنقولات وقد ذكرتها والجواب ~~عنها في المجلد الأول من العواصم واشتمل ذلك على فوائد ومعارف مهمة يحتاج ~~اليها من يهتم بالمعارف المنقولة ولله الحمد وهذا آخر ما حصر من التحذير من ~~الزيادة في الدين والكلام في بطلان ذلك وتحريمه وهو الامر الأول # وأما الأمر الثاني وهو النقص في الدين برد النصوص والظواهر ورد حقائقها ~~إلى المجاز من غير طريق قاطعة تدل على ثبوت الموجب للتأويل إلا مجرد ~~التقليد لبعض أهل الكلام في قواعد لم يتفقوا عليها ms108 أيضا وأفحش ذلك وأشهره ~~مذهب القرامطة الباطنية في تأويل الاسماء الحسنى كلها أو نفيها عن الله على ~~سبيل التنزيه له عنها وتحقيق التوحيد بذلك ودعوى أن اطلاقها عليه يقتضي ~~التشبيه وقد غلوا في ذلك وبالغوا حتى قالوا أنه لا يقال أنه موجود ولا ~~معدوم بل قالوا أنه لا يعبر عنه بالحروف وقد جعلوا تأويلها أن المراد بها ~~كلها أمام الزمان عندهم وهو عندهم المسمى الله والمراد بلا إله إلا الله ~~وقد تواتر هذا عنهم وأنا ممن وقف عليه فيما لا يحصى من كتبهم التي في ~~أيديهم وخزائنهم ومعاقلهم التي دخلت عليهم عنوة أو فتحت بعد طول محاصرة ~~وأخذ بعضها عليهم من بعض الطرقات وقد هربوا به ووجد بعضها في مواضع خفية قد ~~أخفوه فيها فكما أن كل مسلم يعلم أن هذا كفر صريح وأنه ليس من التأويل ~~المسمى بحذف المضاف المذكور في قوله تعالى @QB@ واسأل القرية التي كنا فيها ~~والعير التي أقبلنا فيها @QE@ أي أهل القرية وأهل العير وإنما علم هذا كل ~~مسلم تطول صحبته لأهل الاسلام وسماع أخبارهم والباطني الناشئ بين الباطنية ~~لا يعلم مثل هذا فكذلك المحدث الذي قد طالت مطالعته للآثار قد يعلم في ~~تأويل بعض المتكلمين مثل هذا العلم وإن كان المتكلم لبعده عن أخبار الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وأحواله وأحوال السلف قد بعد عن علم المحدث كما بعد ~~الباطني عن علم المسلم فالمتكلم يرى أن التأويل ممكن بالنظر إلى وضع علماء ~~الأدب في شروط المجاز وذلك صحيح ولكن مع المحدث PageV01P123 من العلم ~~الضروري بأن السلف ما تأولوا ذلك مثل ما مع المتكلم من العلم الضروري بأن ~~السلف ما تأولوا الاسماء الحسنى بامام الزمان وان كان مجاز الحذف الذي ~~تأولت به الباطنية صحيحا في اللغة عند الجميع لكن له موضع مخصوص وهم وضعوه ~~في غير موضعه كذلك المتكلم في بعض أسماء الله الحسنى كالسميع والبصير ~~والحكيم والرحمن والرحيم فانها من الاسماء الحسنى المعلوم ورودها في كتاب ~~الله على سبيل التمدح بها والثناء العظيم ونص الله ms109 تعالى ورسوله على أنها ~~ثناء على الله تعالى في حديث قسمت الصلاة بيني وبين عبدي وفيه فاذا قال ~~الرحمن الرحيم قال الله تعالى أثنى علي عبدي مع تكريرها في عهد النبوة ~~والصحابة والتابعين لم يشعر أحد منهم في تلك الاعصار كلها بتقبيح شيء من ~~ظواهرها ألا ترى أن الرحمن الرحيم ثابتان في السبع المثاني المعظمة متلوان ~~في جميع الصلوات الخمس مجهور بهما في أكثرها في محافل المسلمين مجمعين على ~~أنهما من أحسن الثناء على الله تعالى وأجمله وأفضله متقربين إلى الله بمدحه ~~بذلك مظهر من أنه أحب الحمد اليه ولذلك كرر تكرارا كثيرا في كتاب الله ~~سبحانه وفي بسم الله الرحمن الرحيم المكرر في أول كل سورة المتبرك به في ~~أول كل عبادة وجمعا معا ومرجعهما إلى معنى واحد ولم يجمع اسمان في معنى ~~واحد في موضع واحد قط كالغفار الغفور ونحو ذلك بخلاف الرحمن الرحيم فتأمل ~~ذلك فهما الغرة والمقدمة في ممادح رب العزة في خطب المسلمين وجمعهم ~~وجماعتهم وحوائجهم ومجامعهم ورسائلهم ومكاتباتهم وتصانيفهم وتصرفاتهم وكل ~~أمر ذي بال كان منهم في مصادرهم ومواردهم وتضرعهم إلى ربهم ودعائهم وعند ~~رقتهم وخضوعهم وجدهم واجتهادهم يلقنها سلف المسلمين خلفهم ويتلقنهما خلفهم ~~عن سلفهم ويعلمهما الآباء أبناءهم ويتعلمهما الابناء من آبائهم ويتردد ~~التشفي بذكرهما بين أصاغرهم وأكابرهم وبدوهم وحضرهم وخاصتهم وعامتهم ~~وذكرانهم وإناثهم وبلدائهم وأذكيائهم فأي معلوم من الدين أبين من كونهما من ~~ممادح الله تعالى وأشهر وأوضح وأظهر وأكثر استفاضة وشهرة وتواترا وعظمت ~~الشناعة في إنكار حقيقتهما ومدحتهما حين وافق ذلك مذهب القرامطة ومذهب ~~أسلافهم من المشركين في انكارهم الرحمن ونص القرآن على الرد عليهم ~~PageV01P124 في ذلك والصدع بالحق فيه حيث حكى عنهم قولهم وما الرحمن أنسجد ~~لما تأمرنا فقال عز من قائل @QB@ الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا وإذا قيل لهم اسجدوا ~~للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا @QE@ وحيث قال @QB@ ~~وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي ms110 لا إله إلا هو @QE@ وحيث قال @QB@ وهم بذكر ~~الرحمن هم كافرون @QE@ وعظم الله تعالى هذا الاسم الشريف وبالغ في تعظيمه ~~حيث قال @QB@ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء ~~الحسنى @QE@ وقال حاكيا عن خيار عباده @QB@ هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ~~@QE@ وجاءت الصوادع القرآنية مادحة لله تعالى بأعظم صيغ المبالغات في هذه ~~الصفة الشريفة الحميدة بأن الله عز وجل خير الراحمين وأرحم الراحمين وكرر ~~هذه المبالغة في مواضع من كتابه الكريم الذي قال فيه @QB@ إنا جعلناه قرآنا ~~عربيا لعلكم تعقلون @QE@ وجاءت في كلام موسى وأيوب ويعقوب ويوسف عليهم ~~السلام # وكرر الله تعالى التمدح بالرحمة مرارا جمة أكثر من خمسمائة مرة من كتابه ~~الكريم منها باسمه الرحمن أكثر من مائة وستين مرة وباسمه الرحيم أكثر من ~~مائتي مرة وجمعهما للتأكيد مائة وست عشرة مرة وأكد الرحيم فجمعه مرارا مع ~~التواب ومرارا مع الرؤوف والرأفة أشد الرحمة ومرارا مع الغفور وهي أكثر ~~عرفت منها سبعة وستين موضعا وأخبر أنه كتب على نفسه الرحمة مرتين وأنه لا ~~عاصم من أمره إلا من رحم وأن من لم يرحمه يكن من الخاسرين ولا يزالون ~~مختلفين إلا من رحم وإن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم وأنه ذو رحمة واسعة ~~إلى غير ذلك من صيغ المبالغات القاضية بأن ذلك من أحب الثناء والممادح ~~والمحامد اليه عز وجل PageV01P125 # وبالغت الملائكة الكرام في ممادح الرب سبحانه بذلك فأوردت أبلغ صيغ ~~المبالغات فقالت @QB@ ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما @QE@ ومدح الله ذاته ~~الكريمة بهذه الصيغة البليغة فقال @QB@ ورحمتي وسعت كل شيء @QE@ وفي كتاب ~~سليمان عليه السلام الذي حكاه الله عنه في كتابه الكريم لشرفه العظيم @QB@ ~~إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم @QE@ وحكى الله نحو ذلك في ~~كتابه الكريم عن إبراهيم ويعقوب وموسى وأيوب وصالح وعيسى ابن مريم عليهم ~~السلام للدلالة على اتفاق الأديان النبوية الأولى والآخرة على مدح الله ~~تعالى بذلك وخاطب الأنبياء عليهم السلام بذلك الجفاة الاجلاف من المشركين ~~ونحوهم ممن لا ms111 يفهم دقائق الكلام الصارفة إلى مقاصد أهله فقال الخليل عليه ~~السلام في خطاب أبيه @QB@ يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن ~~عصيا يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا @QE@ وقال ~~هارون عليه السلام لعباد العجل ما ذكره الله عنه ومدحه به حيث قال @QB@ ~~ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني ~~@QE@ وكتب ذلك سليمان إلى بلقيس وقومها وأمر الله تعالى في كتابه الكريم ~~بالفرح برحمته والفرح بها فرع التصديق بها فقال تعالى @QB@ قل بفضل الله ~~وبرحمته فبذلك فليفرحوا @QE@ وفي عطفها على فضله دلالة على المغايرة بينهما ~~وذلك خلاف ما يقول من تأولها # وفي الصحاح من ذلك الكثير الطيب وما لا تتسع له هذه التذكرة المختصرة منه ~~حديث سلمان وأبي هريرة وجندب وابن عباس وعبادة وأبي سعيد الخدري وابن حيدة ~~وخلاس والحسن وابن سيرين في المائة الرحمة التي لله تعالى وإنها وسعت ~~الخلائق منها رحمة واحدة وأن هذه الرحمة التي يتراحم بها الخلائق والسباع ~~والدواب البرية والبحرية هي PageV01P126 جزء من مائة جزء من رحمة الله ~~وظهرت محبة الله تعالى للثناء عليه بهذه الصفة وما يشتق له منها من الاسماء ~~الشريفة حتى كان أحب الاسماء اليه عبد الله وعبد الرحمن كما ثبت في الصحيح ~~فكيف يقال أن ظاهرها نقص وذم وكفر وتشبيه وسب للملك الحميد المجيد الذي لا ~~أحد أحب اليه الحمد والمدح منه ولا أعرف بما يليق بجلاله منه ثم من رسله ~~ولا يحصى عليه ثناء هو كما أثنى على نفسه لأهليته لذلك ولذلك مدح نفسه ~~وعلمنا مدحه ودعانا اليه وأثابنا عليه فكيف يفتتح كتبه الكريمة ويشحنها بما ~~ظاهره السب والذم والكفر والتشبيه وبما نسبته اليه كنسبة الارادة إلى ~~الجدار والجناح إلى الذل بل أشد بعدا من ذلك فان الجدار لا يذم بالارادة ~~والذل لا يذم بالجناح فصار لا يوجد لذلك مثال لأنه يستلزم استعارة اسم الذم ~~لارادة المدح كما لو مدحت بالظلم الملك العادل وبالنقص الرجل ms112 الكامل مجازا ~~ونحو ذلك # مما لا يحسن في البلاغة بل لا يصح في اللغة ولا يوجد في كلام العامة ~~والعجم # وقد أجمع المسلمون على حسن اطلاق الرحمة على الله من غير قرينة تشعر ~~بالتأويل ولا توقف على عبارة التنزيل ولو كان ظاهرها القبح والذم والانتقاص ~~لله عز وجل لم يحسن ذلك من العباد وان ورد في كلام الله أقر في موضعه على ~~قواعد علماء الكلام على أن فطر العقول تعرف رحمة الله تعالى وسعة علمه ~~وكمال قدرته فان العلم بضعف العباد مع تمام القدرة والممادح والمحامد وعدم ~~المعارض يستلزم الرحمة عقلا أيضا فهي من المحكمات لامن المتشابهات على أن ~~الله سبحانه أعلم وأحكم وأجل وأعظم وأعز في كبريائه عن أن يتخير ما ظاهره ~~الانتقاص والذم غرة شادخة لاسمائه الحسنى مقدمة في مثاني كتابه العظمى وهو ~~الذي بلغ كلامه أعلى درجات الاعجاز في البلاغة التي هي البلوغ إلى المراد ~~المقصود بأوضح العبارات وأجزلها وأبينها وأجملها # وأيضا فقد ثبت أن الرحمن مختص بالله تعالى وحده ويحرم إطلاقه على غيره ~~ولو كانت الرحمة له مجازا ولغيره حقيقة كان العكس أوجب وأولى وما المانع ~~للمسلم من اثباتها صفة حمد ومدح وثناء كما علمنا ربنا مع نفي PageV01P127 ~~صفات النقص المتعلقة برحمة المخلوقين عنه تعالى كما أثبتنا له اسم الحي ~~العليم الخبير المريد مع نفي نقائص المخلوقين في حياتهم المستمرة لجواز ~~التألم بأنواع الآلام ثم للموت الذي لابد منه لجميع الاحياء من الانام ~~وكذلك ينزه سبحانه عما في علمهم الناقص بدخول الكسب والنظر في مباديه ~~والاستدلال والاضطرار في منتهاه الذي يستلزم الجسمية والبينة المخصوصة ~~والحدوث ويعرض له التغير والنسيان والخطأ والشغل ببعض المعلومات عن بعض ~~وكذلك تنزه ارادته عما في ارادتنا من استلزام الحاجة إلى جلب المنافع ودفع ~~المضار ونحو ذلك وكذلك كل صفة يوصف بها الرب سبحانه ويوصف بها العبد وان ~~الرب يوصف بها على أتم الوصف مجردة عن جميع النقائص والعبد يوصف بها محفوفة ~~بالنقص وبهذا فسر أهل السنة نفي التشبيه ولم يفسروه بنفي ms113 الصفات وتعطيلها ~~كما صنعت الباطنية الملاحدة # ويدلك على قبح تأويل هذه الاسماء الشريفة في الفطر كلها إنك تجد المعتزلي ~~يستقبح تأويل الاشعرية للحكيم غاية الاستقباح والاشعري يستقبح تأويل ~~المعتزلة البغدادية للسميع البصير المريد غاية الاستقباح والسني يستقبح ~~تأويل المعتزلة والاشعرية للرحمن الرحيم الحكيم غاية الاستقباح والكل ~~يستقبحون تأويل القرامطة لجميع الاسماء الحسنى غاية الاستقباح ومتى نظرت ~~بعين الانصاف وجدتهم في ذلك كما قيل # ( وعين الرضا عن كل عيب كليلة % ولكن عين السخط تبدي المساويا ) # وكذلك نجد كل واحد منهم يلزم المنكر عليه مثل ما ألزمه فان المعتزلة ~~والاشعرية إذا كفروا الباطني بانكار الاسماء الحسنى والجنة والنار يقول لهم ~~الباطني لم أجحدها إنما قلت هي مجاز مثل ما انكم لم تجحدوا الرحمن الرحيم ~~الحكيم وإنما قلتم إنها مجاز وكيف كفاكم المجاز في الايمان بالرحمن الرحيم ~~وهما أشهر الاسماء الحسنى أو من أشهرها ولم يكفني في سائرها وفي الجنة ~~والنار مع أنهما دون أسماء الله بكثير وكم بين الايمان بالله وبأسمائه ~~والايمان بمخلوقاته فاذا كفاكم الايمان المجازي بأشهر الاسماء الحسنى فكيف ~~لم يكفني مثله في الايمان بالجنة والنار والمعاد يوضحه أن الاجماع منعقد ~~على كفر من قال أن الله يأمر بالفسق والمعاصي حقيقة PageV01P128 وقد قال ~~الزمخشري بذلك مجازا في تفسيره @QB@ أمرنا مترفيها ففسقوا فيها @QE@ ولم ~~يكفر بذلك وكذلك قال بعض الاشعرية أن الله تعالى يحب المعاصي مجازا ولم ~~يكفروه بذلك ولو قالوه حقيقة كفروا فدل على أن الايمان المجازي في موضع ~~الحقائق كلا شيء فكما لم يضره من آمن بالامر بالقبائح مجازا فكذلك لا ينفع ~~من آمن بالرحمن الرحيم الحكيم مجازا لأنهم بمنزلة الزمخشري في إيمانه بأمر ~~الله بالفسق مجازا مع نفيه لذلك أشد النفي واعتقاده أنه كالعدم يوضحه أنه ~~لا شك ولا خلاف في كفر من آمن بالنبوات مجازا ونفاها حقيقة فأسماء الله ~~الحسنى المعلوم تمدحه بها في جميع كتبه أجل وأعظم من جنته وناره وأنبيائه ~~فلا يكفي الايمان بشيء منها مجازا إلا أن يصح في ذلك اجماع قاطع وبرهان ~~الله ms114 أقطع في بعض المواضع يؤمن معه من الوقوع في البدعة والفرقة المنهي ~~عنهما بالنصوص والاجماع وكذلك يقول بعضهم لبعض فيما اختلفوا فيه كما يقول ~~لهم الباطني # وكذلك محبة الله تعالى لأنبيائه وأوليائه التي هي أعظم فضل الله العظيم ~~عليهم وأشرف ما يرجونه من مواهبه العظام وقد نص الله تعالى على ذلك في غير ~~آية من كتابه الكريم كقوله تعالى @QB@ يحبهم ويحبونه @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~والله يحب الصابرين @QE@ وكذلك كون الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وأكبر ~~من ذلك أن الله تعالى اتخذ إبراهيم صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم خليلا ~~بالنص القرآني واتخذ محمدا صلى الله عليه وسلم خليلا بالنص النبوي والحلة ~~في اللغة العربية أرفع مراتب المحبة ولم تزل هذه النصوص مقررة مجللة معتقدة ~~مع تنزيه الله تعالى من نقائصها مثل تنزيهه من نقائص علم المخلوقين ~~وارادتهم في العليم المريد وغيرهما حتى فشت البدعة واجتمعت كلمة المعتزلة ~~والأشعرية على تقبيح نسبة الرحمة والحلم والمحبة والخلة إلى الله تعالى إلا ~~بتأويل موجب لنفي هذه الأشياء عن الله بغير قرينة وموجب تحريم اطلاقها إلا ~~مع القرينة فيجوز عندهم أن تقول إن الله غير رحيم ولا رحمن ولا حليم ولا ~~يحب المؤمنين ولا الصابرين ولا المتطهرين PageV01P129 ولا اتخذ إبراهيم ~~خليلا بغير قرينة ولا تأويل كما يجوز أن تقول في الجدار أنه ليس بمريد ولا ~~يجوز ذلك الاثبات إلا بالتأويل والقرينة الدالة عليه # والمسلم بالفطرة ينكر هذه البدع وبالرسوخ في علم الحديث يعلم بالضرورة ~~حدوثها وأن عصر النبوة والصحابة بريء منها مثل ما يعلم أن المعتزلة أبرياء ~~من مذهب الأشعرية وأن الأشعرية أبرياء من مذهب المعتزلة وأن النحاة أبرياء ~~من مذهب الشعوبية وأمثال ذلك فيجب تقرير ذلك وأمثاله مما وصف الله تعالى به ~~ذاته الكريمة على جهة التمدح والحمد والثناء وسيأتي الجواب عن سبب تخلف ~~الرحمة لكثير من أهل البلاء كما يتخلف العطاء عن كثير من الفقراء ولا يقدح ~~ذلك في مدح الله بالجود والكرم حقيقة باجماع المسلمين لمعارضة الحكمة في ~~الموضعين سواء وقد جود ms115 الغزالي القول في هذا المعنى في المقصد الامنى فلا ~~حاجة إلى التطويل بنقل كلامه وموضعه معروف # والدليل على أنه لا يجوز القول بأن ظاهر هذه الاسماء كفر وضلال وأن ~~الصحابة والسلف الصالح لم يفهموا ذلك أو فهموا ولم يقوموا بالواجب عليهم من ~~نصح المسلمين وبيان التأويل الحق لهم أمران الأول قاطع ضروري وهو أن العادة ~~توجب في كل ما كان كذلك أن يظهر التحذير منه من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومن أصحابه يتواتر أعظم مما حذروا من الدجال الأعور الكذاب ولا يجوز ~~عليهم مع كمال عقولهم وأديانهم أن يتركوا صبيانهم ونساءهم وعامتهم يسمعون ~~ذلك منسوبا إلى الله وإلى كتابه ورسوله وظاهره الكفر وهم سكوت عليه مع ~~بلادة الأكثرين ولو تركوا بيان ذلك ثقة بنظر العقول الدقيق لتركوا التحذير ~~من فتنة الدجال فان بطلان ربوبيته أجلى في العقول من ذلك ألا ترى أن ~~المتكلمين لما اعتقدوا قبح هذه الظواهر تواتر عنهم التحذير عنها والتأويل ~~لها وصنفوا في ذلك وأيقظوا الغافلين وعلموا الجاهلين وكفروا المخالفين ~~وأشاعوا ذلك بين المسلمين بل بين العالمين فكان أحق منهم بذلك سيد المرسلين ~~وقدماء السابقين وأنصار الدين الثاني أنه قد ثبت في تحريم الزيادة في الدين ~~أنه لا يصح سكوت الشرع عن النص على ما يحتاج اليه من مهمات الدين ~~PageV01P130 وثبت أن الاسلام متبع لا مخترع ولذلك كفر من أنكر شيئا من ~~أركانه لأنها معلومة ضرورة فأولى وأحرى أن لا يجيء الشرع بالباطل منطوقا ~~متكررا من غير تنبيه على ذلك لا سيما إذا كان ذلك الذي سموه باطلا هو ~~المعروف في جميع آيات كتاب الله وجميع كتب الله ولم يأت ما يناقضه في كتاب ~~الله حتى ينبه على وجوب التأويل والجمع أو يوجب الوقف بل لم يأت التصريح ~~بالحق المحض عند كثير منهم قط في آية واحدة تكون هي المحكمة ويرد اليها ~~جميع المتشابه فان الله ذكر أنه نزل في كتاب آيات محكمات ترد اليها ~~المتشابهات ولم يقل أن جميع كتابه متشابه فأين الآية المحكمة ms116 التي دلت على ~~ما يقولون # وقد اعترف الرازي في كتابه الاربعين وهو من أكبر خصوم أهل الأثر أن جميع ~~الكتب السماوية جاءت بذلك ولم ينص الله تعالى في آية واحدة على أنه منزه من ~~الوصف بالرحمة والحلم والحكمة وأنه ليس برحيم ولا رحمن ولا حليم ولا حكيم ~~ولا سميع ولا بصير وهذا خليل الله تعالى الذي مدح نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم بمتابعته يقول لأبيه @QB@ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا ~~يغني عنك شيئا @QE@ إلى قوله @QB@ إن الشيطان كان للرحمن عصيا @QE@ فكيف ~~يحسن تقرير الخلاف في ذلك كله بين المعظمين من علماء الاسلام من غير تحذير ~~منه ولا زجر عنه وأمثال ذلك على ما ادعاه علماء الاثر وهو كذلك وإن لم ~~يعترف به وهذه الكتب السماوية موجودة كلها # ( وهبك تقول هذا الصبح ليل % أيعمى العالمون عن الضياء ) # فان قيل ورود المتشابه في القرآن معلوم مجمع عليه ولابد أن يكون ظاهر ~~المتشابه باطلا وإلا لما وجب التأويل فما هذا التهويل # قلنا أما وروده فمعلوم لا ينكر وأما تفسيره بما يوجب أن يكون ظاهره باطلا ~~فغير صحيح لقول الراسخين في العلم آمنا به كل من عند ربنا ولذم الله الذين ~~في قلوبهم زيغ بابتغاء تأويله وقد تقدم هذا فلا نسلم قبح ظاهره بل هو محل ~~النزاع بل نقول هو قسمان PageV01P131 أحدهما لا ظاهر له ولا يفهم منه شيء ~~فلا يضل به أحد وذلك مثل حروف التهجي في أوائل السور على الصحيح كما تقدم ~~فحكمه الوقف في معناه وكذلك المشترك الذي تجرد عن القرائن في حق من لم يعرف ~~قرينه مرجحة لاحد معانيه وما جري هذا المجرى وقد تقدم الوجه في جواز ورود ~~السمع بمثل هذا ولا يجوز القطع على خلوه عن الحكمة لجواز فهم البعض له ولو ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده أو لجواز أن تكون الحكمة فيه غير فهم ~~معناه ولعدم الدليل القاطع على أنا مخاطبون بهذا الجنس # النوع الثاني من المتشابه ما كان ms117 له ظاهر يسبق إلى افهام أهل اللغة ولكن ~~خفيت الحكمة فيه على العقول مثل عدم العفو عن المشركين في الآخرة وعمن شاء ~~الله من المذنبين مع أن العفو أرجح وأحب إلى الله تعالى في جميع كتبه ~~وشرائعه وأحكامه وأوامره فهذا نؤمن بظاهره ولا نقول أن ظاهره باطل بل نقول ~~أن الحكمة فيه خفية ولو أنا علمناها لعرفنا حسنه بل نقطع أنا أجهل من أن ~~نعلم جميع حكم الله في جميع أحكامه ولو علمنا الله تعالى نصف ما يعلمه لجاز ~~أن تكون الحكمة في هذا النصف الذي لم يعلمناه كيف وقد صح أن جميع علم ~~الخلائق في علم الله مثل ما يأخذه الطائر بمنقاره من البحر الأعظم # وأما المجاز المعلوم أنه مجاز مثل @QB@ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ~~@QE@ @QB@ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور @QE@ ~~فليس من المتشابه فان هذا يعرف معناه جميع أجلاف العرب ولا يصح دخول اللبس ~~والاختلاف في معناه ولذلك لم يقل بنفي عمى الابصار لأن معنى الآية نفي عمي ~~القلوب عن الابصار وأن عمي القلوب هو الحقيقي العظيم المضرة والابصار لا ~~تعمى عنه إنما تعمى القلوب وكذلك الأمر بخفض جناح الذل معلوم أن المراد به ~~الخضوع للوالدين واللطف بهما ونحو ذلك وكذلك كلما وضحت فيه احدى القرائن ~~المجازية الثلاث PageV01P132 المعروفة اللفظية والعقلية والعرفية ولم تكن ~~القرينة خفية مختلفا فيها كما سيأتى بيانه إن شاء الله تعالى # وقد تم الكلام في بيان تحريم الزيادة في الدين والنقص منه وقلما تدخل ~~البدعة على السني من هذين الامرين وأكثر ما تدخل عليه من التصرف في ~~العبارات وهو الامر الثالث الذي وعدت بذكره مفردا لكثرة مضرته وإن كان في ~~الحقيقة راجعا إلى الزيادة في الدين فأقول # الامر الثالث التصرف في عبارات الكتاب والسنة والرواية بظن الترادف في ~~الألفاظ واعتقاد الترادف من غير يقين وقد تفاحش الأمر في ذلك ونص القرآن ~~على النهي عن التفرق فوجب تحريم ما أدى اليه والاختلاف في معاني كتاب الله ~~تعالى ورواية ما ms118 قال الله ورسوله بالمعنى قد أدى ذلك إلى الحرام المنصوص ~~ولم يكن من الانصاف أن نقول الحق متعين منحصر في عبارات بعض فرق الاسلام ~~دون بعض غير ما ثبت في إجماع الامة والعترة فوجب أن يعدل إلى أمر عدل بين ~~الجميع فتترك كل عبارة مبتدعة من عبارات فرق الاسلام كلها سواء علمنا ~~بالعقل أنها حق أو باطل لأنه لا يجب الاشتغال بكل حق فقد نعلم من أمور ~~الدنيا ما لا يحصى ولا تجب علينا معرفته وتعريفه مثل ما اشتملت عليه ~~التواريخ من حوادث الزمان وعجائب أخبار البلدان بل ما تضمن المفاسد من الحق ~~حرم فلذلك قد يكون من الحق ما هو حرام بالاجماع والنص كالغيبة والنميمة متى ~~أردنا بالحق مجرد الصدق والمطابقة فلذلك لا ينبغي الاشتغال ببعض العلوم ~~وغيرها لمجرد كونها حقا حتى يرد الشرع بالأمر بذلك ليعلم بالشرع أنه حق ~~متضمن لمفسدة راجحة أو مساوية والله أعلم وكذلك ما كان من أمور الدين التي ~~لم ينص فرض معرفتها في كتاب الله ولا السنة المتفق على صحتها # فان قلت هذا صحيح متى ثبت أنه يجوز على العلماء والثقات الخطأ في فهم ~~المعنى أو في التعبير عما فهموا أو فيهما معا فما الدليل على جواز ذلك على ~~العلماء حيث لم يصح إجماعهم # قلت الدليل على ذلك أمور كثيرة أذكر منها ما حضر والله الهادى ~~PageV01P133 # منها أنه ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ~~نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها فرب حامل فقه إلى من ~~هو أفقه منه ) وفي رواية فرب حامل فقه غير فقيه وثبت أن الفتنة وقعت بين ~~الصحابة ما لها سبب إلا اختلافهم في الفهم وثبت في الصحيح أن عدي بن حاتم ~~الصحابي رضي الله عنه غلط في معنى قوله تعالى @QB@ حتى يتبين لكم الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود @QE@ وجعل تحت وسادته عقالين أسود وأبيض فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لعريض القفا أو عريض الوساد وثبت ms119 في ~~الصحيح أن ابن عمر رضي الله عنهما لما روى حديث الميت يعذب ببكاء أهله قالت ~~عائشة ما كذب ولكنه وهل أي أخطأ في فهم ما سمع # وفي الصحيح عنه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( أرأيتكم ~~ليلتكم هذه فان على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض ~~أحدا ) خرجه البخاري ومسلم وزاد فيه الترمذي وأبو داود قال ابن عمر فوهل ~~الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يتحدثونه من هذه ~~الأحاديث يعني حسبوه أراد القيامة وفي المستدرك عن علي عليه السلام نحو هذا # وأوضح من هذا كله أن النبي صلى الله عليه وسلم شرط التعمد فقال ( من كذب ~~علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) وهو حديث متواتر فلولا جواز الخطأ ما ~~كان لذلك فائدة وثبت أيضا أن عمر رضي الله عنه شك في حديث فاطمة بنت قيس ~~لمثل ذلك بل شك في حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه في التيمم لخوف الوهم ~~فان عمارا لا يتهم بتعمد الكذب ولذلك أذن له في روايته مع شكه في صحته وثبت ~~عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال ( ما عندنا إلا كتاب الله وما في ~~هذه الصحيفة ) أو فهم أوتيه رجل فدل على التفاوت في الفهم ويدل عليه من ~~كتاب الله قوله سبحانه @QB@ ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ # يوضح ذلك أنه قد اشتد اختلاف العلماء في أمرين أحدهما رواية الحديث ~~بالمعنى حيث يستيقن الترادف والاستواء المحقق في العموم والخصوص والخفاء ~~والجلاء وأن لا تنقل اللفظة المشتركة إلى لفظة غير مشتركة ولا PageV01P134 ~~العكس ولا لفظة لها مجاز إلى لفظة لا مجاز لها ولا العكس ولا يعبر بالحقيقة ~~عن المجاز ولا العكس ولا بالمنطوق عن المفهوم ولا العكس ولا بالمطابقة عن ~~التضمن ولا الالتزام ولا العكس وأمثال ذلك # فاذا اجتمعت هذه الشرائط وعلم اجتماعها فهو محل الاختلاف الشديد في ~~الرواية بالمعنى فمنهم من أجاز الرواية بالمعنى للضرورة ومنهم ms120 من منعها ~~خوفا من المفسدة ومنهم من فصل فقال أن كان اللفظ النبوي محفوظا لم يجز سواه ~~ومنهم من عكس وقال إن كان محفوظا جاز لأن معنى اللفظ المحفوظ معروف يتمكن ~~من تبديله بمثله ومعنى اللفظ المنسي غير معروف إلى غير ذلك من الأقوال # ولولا ضرورة الترجمة للعجم ما شك منصف أن الأولى منع هذا سدا للذريعة إلى ~~تحريف المعاني النبوية لأن كل أحد حسن الظن بنفسه وقد يظن بل يقطع أن ~~المعنى واحد وليس كذلك يوضحه أن الدليل على أن المعنى واحد ليس الا عدم ~~الوجدان لمعنى آخر لجواز الاشتراك أو لتجوز وهذا دليل ظني والظن هنا غير ~~مفيد # فثبت أنه لا يجوز إلا للضرورة المجمع عليها كالترجمة للعجمي ولذلك كان ~~بيان الموقوف على الصحابي من المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم واجبا ~~ولم يحل رفع الموقوف الذي لا مجال للعقل في معرفته وإن جاز العمل به لحسن ~~الظن بالصحابي فلا يحل رفعه وثبت عن ابن مسعود أنه كان إذا قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم استقبلته الرعدة وقال هكذا إن شاء تعالى أو أو ~~ذكره الذهبي في ترجمته من التذكرة وسمى أبو بكر رضي الله عنه تفسيره ~~للكلالة رأيا لأجل هذا رواه البغوي في تفسيره وغيره وإلا فما فسرها إلا ~~بمقتضى اللغة العربية # فان قلت لابد من العمل بدلالة التضمن والالتزام فكيف منعت منهما # قلت لم أمنع من العمل بهما في العمليات الظنيات وإنما منعت من أمرين ~~أحدهما تبديل المطابقة بهما فكما أنه لا يجوز لك أن تقول أن الله حرم عظام ~~الخنزير وشعره أعني لا يجوز أن تنسب ذلك إلى قول الله ونصه PageV01P135 ~~بدلالة التضمن وهي أن هذه الأشياء بعض الخنزير الذي حرمه الله تعالى وهو ~~متضمن لها وان كان لك أن تذهب إلى ذلك وتعمل فيه بمقتضى ما تضمنه على أن ~~المنصوص من تحريمه هو لحمه لا جملته وثانيهما العمل بالتضمن والالتزام في ~~الإعتقاد القاطع لأنهما غير قاطعين ولا ضرورة اليهما فيه ولخوف ms121 الفتنة وفتح ~~أبواب الاختلاف والتفرق المنهي عنه # وقد روى البخاري ومسلم والنسائي حديث ابن عمران الجوني عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم اقرأوا القرآن ما أئتلفت عليه قلوبكم فاذا اختلفتم فقوموا عنه ~~وشواهده كثيرة فهذا في القرآن المأمور بالاعتصام به كيف بما سواه # الامر الثاني مما يدل على جواز الخطأ على أهل العلم في الفهم والتعبير ~~أنه اشتد اختلاف فطنائهم وأذكيائهم في تعريف الامور الظاهرة بالحدود ~~الجامعة المانعة وقد تسمى الحقائق فانه قد علم شدة اختلافهم في ذلك وقدح ~~بعضهم على بعض وعلم اجتهادهم في تحريرها وندور الحد الذي لا يعترض مع أن ~~كثيرا من الامور التي يتعرضون لحدها يكون جليا واضحا كالعلم والخبر وقد ~~اشتد الخلاف في تحديدهما كما ذكره ابن الحاجب في مختصر المنتهى وشراح كتابه ~~وغيرهم وكذلك يختلف المتكلمون والنحاة والفقهاء في نحو ذلك فثبت أن ~~المعبرين عن المعانى كالرماة للاغراض يقل منهم المصيب ومن يفوز من الاجادة ~~بنصيب # بل قد وضح في كتاب الله عز وجل اختلاف سليمان وداود عليهما السلام في ~~الفهم كما مضى ونص موسى على أن أخاه هارون أفصح منه لسانا فاذا ثبت جواز ~~الخطأ على العلماء في الفهم أولا ثم في التعبير عما فهموا ثانيا وكانوا قد ~~اختلفوا في كثير من القرآن والسنة وعبر كل منهم بعبارة محدثة مبتدعة وقد ~~رأيناهم متباعدي الفهم والاجادة في التعبير عن الجليات كالعلم والخبر مع ~~جمع الخواطر على تنقيح العبارة في الحدود وحذف الفضلات واجتناب المجاز وقصد ~~صحة الجمع لأوصاف المحدود والمنع من دخول غيره فيه والعناية التامة في ~~تحرير الحد على جميع شرائطه المعروفة والحذر من قدح الاذكياء فيه بأدنى أمر ~~يلمحه فطنهم الوقادة وقرائحهم النقادة فمع هذا الاحتراز الكثير وقع الخلل ~~الكبير في PageV01P136 تعريف كثير من الجليات التي هي أفعالنا كالخبر أو ~~صفاتنا الوجدانية كالعلم والوجود فكيف إذا وقع التعبير عن محارات العقول ~~ومواقفها من أحكام القدم والقديم سبحانه ونعوت جلاله الاكبر الاعز الاعظم ~~وسائر ما يتعلق به من الاسماء والاحكام ثم سائر دقائق ms122 الجواهر والاعراض ~~وغوامض علم الكلام وما لم تعرف العقول منه إلا مجرد العبارات الرائعة ~~والاشارات الغامضة في أسرار الاقدار والحكم الخفية وتأويل المتشابهات التي ~~تفرد الرب سبحانه بعلمها على الصحيح والجمع بين المتعارضات والخوض في ~~الممنوعات مثل كلامهم في الروح مع توقف النبي صلى الله عليه وسلم فيه ونزول ~~القرآن بما يقتضي الكف عنه ورعا وأدبا وحياء من الله ورسوله حتى تجاسروا ~~على تأويل الروح بغير دليل # ومنتهى الامر أن ما قالوه محتمل فمجرد الاحتمال لا يبيح الممنوع من غير ~~يقين مع التساهل وعدم الاحتراز الذي ذكرناه في الحدود ومع اعتماد المجاز ~~والاستعارات والتورية والاشارات في كثير من المواضع على أن الله تعالى قد ~~حكى في كتابه من زجر الملائكة عن الخوض في بعض ذلك ما كان فيه كفاية وعبرة ~~حيث تعرضوا عليهم السلام لمعرفة سر القدر في أمر واحد وهو خلق آدم وذريته ~~بقولهم للملك العزيز العليم الحكيم @QB@ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك @QE@ فقوبلوا من الخطاب بما لم يكن لهم في ~~حساب حتى قيل لهم @QB@ إن كنتم صادقين @QE@ فيما خاطبهم به رب العالمين ~~وأمرهم أن يكونوا لآدم ساجدين وكان إبليس بسبب تكبره عن ذلك من الكافرين ~~وهذا كله بسبب خوضهم في السر الممنوع والامر المحجوب وكذلك موسى الكليم ~~عليه أفضل الصلاة والتسليم وهو المقرب نجيا والوجيه عند الله نصا جليا لما ~~تعرض لما ليس من شأنه من علم السر الذي هو تأويل المتشابه نزل إلى مقام ~~السائل المحروم والمخطئ المكظوم وقطع على خطا الخضر عليهما السلام في موضع ~~كان يجب عليه القطع فيه بتصويبه لما تقدم من أخبار الله تعالى له بأنه أعلم ~~منه وسؤاله لقاءه وإجابته دعوته PageV01P137 وتبليغه بفضل الله إلى ذلك كل ~~ذلك لما تعرض لسر التأويل وفي مثل ذلك قيل # ( وإن مقاما حار فيه كليمه % ولم يستطع صبرا لخير العوالم ) # ( جدير بتحقيق عظيم وريبة % من الوهم عند الجزم من كل عالم ) # وفي البيت الثاني تنبيه للمتكلمين وغيرهم على ما ms123 لم يزل الاكابر يقعون ~~فيه من دعوى القطع واعتقاده من غير تحقيق فان موسى عليه السلام لولا اعتقد ~~القطع بخطإ الخضر ما أنكر عليه # وكذلك قطع كثير من علماء الكلام على صحة أدلتهم الموجبة لتأويل كلام علام ~~الغيوب بل هم دون الكليم المقرب الوجيه المعصوم بمسافات لا تدركها الخواطر ~~ونسبة علم الله تعالى إلى علم جميع العالمين كما جاء في الصحيح مثل ما أخذه ~~الطائر من البحر الزاخر # وما أحسن أدب البوني في قوله علم الخلائق في علم الله مثل لا شيء في جنب ~~ما لا نهاية له والقصد أن من عرف منه الخطأ في الجليات فكيف يكون حاله متى ~~خاض في هذه الخفيات وترك عبارات الحق الذي نص على أنها لا تبدل كلماته وانه ~~لا معقب لحكمه وان كتابه لو كان من عند غيره لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وانه ~~نور وشفاء وهدى لا ريب فيه فكيف تترك عبارات هذا المعجز الباهر وتبدل ~~بعبارات من لا عصمة له عن الخطأ بل عن القبائح والكفر أعاذنا الله تعالى ~~منه # ولقد تفاحش جهل أتباع المتكلمين ومقلديهم وغلوا في الدعاوى غلوا لم ~~يسبقهم اليه غلاة قدمائهم وسباق كبرائهم فهذا أبو القاسم البلخي الكعبي ~~إمام المعتزلة يقول في حق العامة هنيئا لهم السلامة هنيئا لهم السلامة ذكره ~~في كتابه المقالات وقد عد العامة فرقة وحدهم فأصاب # وصنف محمد بن منصور كتاب الجملة والألفة في النهي عن تكفير المختلفين في ~~أصول الدين وهو إمام التشيع للعترة وحتى أقوالهم وأفعالهم عليهم السلام على ~~ذلك وأنه مذهب من أدرك من المعتزلة كالجعفرين PageV01P138 وطول في ذلك ذكره ~~صاحب الجامع الكافي في آخر الجزء السادس وهذا العلامة ابن أبي الحديد ~~المعتزلي مع توغله في علم الكلام يقول # ( تاه الانام بأسرهم % فاليوم صاحي القوم عربد ) # ( والله ما موسى ولا % عيسى المسيح ولا محمد ) # ( عرفوا ولا جبريل وهو إلى محل القدس يصعد % ) # ( من كنه ذاتك غير أنك واحد في الذات سرمد % ) # ( عرفوا اضافات ونفيا والحقيقة ليس توجد % ) # ( فليخسأ الحكماء عن % حرم ms124 له الاملاك له سجد ) # ( من أنت يا رسطو ومن % أفلاط مثلك يا مبلد ) # ( ومن ابن سينا حيث قرر ما هذيت به وشيد % ) # ( هل أنتم إلا الفراش % رأى السراج وقد توقد ) # ( فدنا فأحرق نفسه % ولو اهتدى رشدا لأبعد ) وفي ذلك يقول أيضا # ( فيك يا أغلوطة الفكر % تاه عقلي وانقضى عمري ) # ( سافرت فيك العقول فما % ربحت الا عنا السفر ) # ( رجعت حسرى وما وقفت % لا على عين ولا أثر ) # ( فلحى الله الاولى زعموا % إنك المعلوم بالنظر ) # ( كذبوا إن الذي زعموا % خارج عن قوة البشر ) # وله في هذا المعنى أشياء بليغة كثيرة ذكرها في شرح نهج البلاغة في شرح ~~قول أمير المؤمنين عليه السلام وقد ذكر عجز العقول عن معرفة ذات الرب جل ~~جلاله فقال عليه السلام في ذلك امتنع منها بها واليها حاكمها قال ابن أبي ~~الحديد وهو قول لم تزل فضلاء العقلاء مائلين اليه ومعولين عليه أو كما قال # وقد استكثرت من كلامه على قدر تركي البسيط في هذا المختصر لمعارضة أصحابه ~~المعتزلة بكلامه فانهم يعترفون بعلو مرتبته فيهم PageV01P139 فأما أهل ~~السنة ومن ينسب إلى نصرتهم من المتكلمين فهم بذلك أشهر ومما قاله الفخر ~~الرازي # ( العلم للرحمن جل جلاله % وسواه في جهلاته يتغمغم ) # ( ما للتراب وللعلوم وإنما % يسعى ليعلم أنه لا يعلم ) # وأنشد الشهرستاني في ذلك في أول كتابه نهاية الاقدام في علم الكلام # ( لقد طفت في تلك المعاهد كلها % وسيرت طرفي بين تلك المعالم ) # ( فلم أر إلا واضعا كف حائر % على ذقن أو قارعا سن نادم ) # وصرح الغزالي بذلك في الاحياء وصنف فيه ولابن دقيق العيد فيه أبيات جيدة ~~مع علو مرتبته في المعقولات والمنقولات # واشتهر عن الجنيد نفع الله به على علو مرتبته انه كان يقول ما يعرف الله ~~إلا الله وجود الغزالي تفسير ذلك في مقدمات المقصد الاسنى وجود ذلك أيضا ~~الزركشي في شرحه جمع الجوامع للسبكي ودع عنك هؤلاء كلهم فقد كفانا كتاب ~~الله تعالى حيث يقول سبحانه @QB@ ولا يحيطون به علما @QE@ ولا أوضح من نص ~~القرآن إذا ms125 أجير من التأويل بغير برهان وكيف نتأول ذلك وهذا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وآله وسلم وهو المبين لكتاب الله الواسطة المختارة بين الله ~~وبين عباد الله يقول في هذا المقام سبحانك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت ~~على نفسك وقال في حديث آخر تطاع ربنا فتشكر وتعصى فتغفر وتجيب المضطر وتكشف ~~الضر ولا يجزى بآلائك أحد ولا يبلغ مدحك قائل هذا وهو أفصح وأعلم من ترجم ~~عن ممادح ربه سبحانه وهو المؤتى في ذلك لجوامع الكلم وحسناها وأنفسها عند ~~الله تعالى وأسناها وهو المخاطب بقول الله تعالى @QB@ وعلمك @QE@ ~~PageV01P140 ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ) فاعترف عليه السلام ~~بقصور عبارته عن بلوغ المرام في هذا المقام فكيف سائر الانام # ( مرام شط مرمي الوصف فيه % فدون مداه بيد لا تبيد ) # فان قيل كيف السبيل إلى المنع من التعبير بغير عبارة الكتاب والسنة وقد ~~وقع التعبير في هذا الكتاب وغيره بذلك قلنا لم نمنع ذلك مطلقا إنما منعنا ~~ذلك في مهمات الدين التي وضحت فيها عبارات الكتاب والسنة ودلت الادلة على ~~انها منحصرة كما تقدم ولم تلجيء اليها ضرورة ولا اجتمعت شرائط اليقين في ~~مطابقة العبارات عنها # والنكتة في ذلك منع ما يؤدي إلى الاختلاف المحرم وتمييز ما يجب قبوله وهو ~~عبارات القرآن والسنة عما لا يجب قبوله على الجميع وهو عبارات من ليس ~~بمعصوم وليس يخالف في حسن هذا الاختيار مميز بعد فهم معناه والمقصود به وقد ~~يجمع بين عبارة الكتاب والسنة وعبارة أهل المعقولات إذا كان معناهما واحدا ~~جليا لا يؤدي إلى مفسدة ولا إلى اختلاف ولكن ليكون الجمع بينهما أظهر في ~~وضوح المعنى وتجليه لاهل العلوم المعقولات والمنقولات جميعا وآنس لهم حيث ~~اجتمعت عباراتهم على معنى متداول متفق عليه بين أهل المعارف من أئمة الفنون ~~كلها كما نذكره في مسألة الارادة من التعبير عن حكمة الله تعالى في ~~المتشابه لغرض العرض تارة وبالمراد الأول تارة وبالخير المحض تارة ~~وبالغايات الحميدة تارة وتأويل المتشابه والداعي ms126 والحكمة وداعي الحكمة ~~وأمثال ذلك والله الهادي # فهذا الكلام انسحب على من التهى عن ترك عبارات الكتاب والسنة وتولى من لم ~~يعصم للتعبير عنهما وما يجر ذلك من الخطأ وتوسيع دائرة الاختلاف المحرم وان ~~ذلك أدى إلى غموض الحق وخفائه وزاد الحق غموضا وخفاء أمران # أحدهما خوف العارفين مع قلتهم من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين ~~الخلق مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن واجماع أهل الاسلام وما زال الخوف ~~مانعا من اظهار الحق ولا برح المحق عدوا لاكثر الخلق PageV01P141 # وقد صح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في ذلك العصر الأول حفظت من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين أما أحدهما فبثثته في الناس وأما ~~الآخر فلو أبثه لقطع هذا البلعوم وما زال الأمر في ذلك يتفاحش وقد صرح ~~الغزالي بذلك في خطبة المقصد الاسنى ولوح بمخالفته أصحابه فيها كما صرح ~~بذلك في شرح الرحمن الرحيم فأثبت حكمة الله ورحمته وجود الكلام في ذلك وظن ~~أنهم لا يفهمون المخالفة لان شرح هذين الاسمين ليس هو موضع هذه المسألة ~~ولذلك طوى ذلك واضرب عنه في موضعه وهو اسم الضار كما يعرف ذلك أذكياء ~~النظار # وأشار إلى التقية الجويني في مقدمات البرهان في مسألة قدم القرآن والرازي ~~في كتابه المسمى بالاربعين في أصول الدين في الكلام على تأثير الوصف العدمي ~~في دليل الاكوان وصرح بالمخالفة في ذلك في المحصول في باب القياس لأنهم ~~يتسامحون في المخالفة في الاصول الفقهية دون الاصول الدينية وتراه يشير في ~~نهاية العقول الاشارة الخفية إلى مخالفتهم كما صنع في دليل الاكوان بعد ~~الاحتجاج في تماثيل الاجسام على ان الجسمية أمر مشترك حيث قال وفي هذا ~~الكلام نظر لم يزد على هذا وقد أشار إلى انه راجع إلى أن ما لا دليل عليه ~~يجب نفيه وقد بالغ في بطلانه كما أوضحته في العواصم وقد طول في مقدمات ~~النهاية في ابطال هذه الطريقة فتأمل أمثال ذلك منه # وفي صحيح البخاري باب كيف يقبض العلم وكتب ms127 عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر ~~بن حزم انظر ما كان من حديث النبي صلى الله عليه وسلم فأكتبه فانى أخاف ~~دروس العلم وذهاب العلماء ولا يقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم ~~وليفشوا العلم وليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم فان العلم لا يهلك حتى يكون ~~سرا وأورد فيه حديث ابن عمر مرفوعا ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه ~~من العباد وإنما يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس ~~رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا # قال ابن بطال معنى قوله ان الله لا ينتزع العلم من العباد انه لا يهب لهم ~~العلم ثم ينتزعه بعد أن تفضل به عليهم وانه يتعالى عن ان يسترجع ما وهب لهم ~~من علمه الذي يؤدي إلى معرفته والايمان به وانما يكون قبض PageV01P142 ~~العلم بتضييع العلم فلا يوجد فيمن يبقى من يخلف من مضى وقد أنذر عليه ~~الصلاة والسلام بنقص الخير كله وما ينطق عن الهوى # وثانيهما الاعتماد على الكتابة في حفظ العلم فانه أدى إلى كتم أهل العلم ~~لكثير من مصونه في أول الأمر ثم لمهمات الدين في آخره وكان العلم في أول ~~الأمر يبذل من أهله لأهله مشافهة ولو سرا وذلك النقص وهو محفوظ في الصدور ~~غير مبذول لأهل الشرور في السطور فلما قل الحفظ وطال الأمر وكتب ليحفظ ~~وتعذرت الصيانة وخيف العدوان من أعداء أهل الايمان كتم بعضهم فلم يظهر علمه ~~فازداد النقص واتقي بعضهم فتكلم بالمعاريض الموهمة للباطل خوفا على نفسه ~~ورمز بعضهم فغلط عليه فيما قصده في رمزه فتفاحش الجهل وقد أوضحت كثرة الغلط ~~فيما أريد بيانه كيف لا فيما أريد كتمانه وما لا يجوز تفسيره إلا لمن علم ~~من صاحبه مراده بالنص فلما كثرت أسباب غموض الحق وجب الرجوع في أصله الذي ~~ضمن الله حفظه حيث قال @QB@ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون @QE@ وان ~~يبتغي من حيث ابتغاه خليل الله عليه السلام حيث قال @QB@ إني ذاهب إلى ربي ms128 ~~سيهدين @QE@ كما نص على ذلك معاذ رضي الله عنه حيث قال وأوصى به عند موته ~~كما رواه الترمذي والنسائي معافى المناقب والحاكم في الفتن من المستدرك ~~وصححه على شرط مسلم وهذا لفظه مختصرا عن زيد بن عمير أنه كان عند معاذ حين ~~احتضر فكان يغشي عليه ثم يفيق حتى غشي عليه غشية ظننا انه قد قبض فيها ثم ~~أفاق وأنا مقابله أبكى فقال ما يبكيك قلت أبكي على العلم والحلم الذي أسمع ~~منك يذهب قال فلا تبك فان العلم والايمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما ~~فابتغه حيث ابتغاه إبراهيم عليه السلام فانه سأل الله وهو لا يعلم وتلا ~~@QB@ إني ذاهب إلى ربي سيهدين @QE@ أه ونحو ذلك ما وهب الله من اليقين ~~والفوز العظيم لأهل الكهف وكذلك السحرة الذين آمنوا بموسى من غير طول نظر ~~وقد غلل الله قبول النصارى للحق بان منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ~~ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق PageV01P143 # فمن أراد احياء هذه السنة واتباعها خلع قيود عصبيات المذاهب ورسوم ~~عوائدهم وترك التقليد في تكفير الخصوم وترك جميع العبارات المبتدعة وأخلص ~~لله والتجأ اليه وتضرع وتورع وتذلل وتواضع واستأنف طلب العلم النافع من ~~الله بواسطة أهل الورع والتواضع والانصاف من علماء الطوائف كلها ولم يقلدهم ~~في دعاوي التفسير لكتاب الله تعالى وصحيح السنة حيث يختلفون حتى ينظر بتفهم ~~وانصاف أيهم أقوى دليلا وأوضح سبيلا مؤمنا بالله موقنا بمعونته وهدايته ~~وصدق وعده حيث قال سبحانه @QB@ ومن يؤمن بالله يهد قلبه @QE@ وحيث قال على ~~لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ومن أتاني يمشي أتيته أسعى ومن تقرب إلي ~~شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت اليه باعا فاذا علمنا على ~~ذلك لوجه الله وتعاونا عليه لله وبالله نظرنا في نصوص كتاب الله وصحيح سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فان وضح الحق من غير دقة وغموض ولا تعارض بين ~~النصوص ولم يجب التأويل بأمر بين جلي مأمون الخطر باجماع أو ضرورة فلا معدل ms129 ~~عن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وان وقع التعارض ~~المحقق وسعنا الوقف في ذلك ووكلنا علمه إلى الله تعالى امتثالا لقوله تعالى ~~@QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ وان كان التعارض غير محقق وانما هو ~~اختلاف يمكن فيه الجمع جرينا على القواعد الصحيحة المجمع عليها في الجمع ~~بين المختلفات وتركنا من حاد عنها بالمعاذير الخفية # وهذه القواعد هي مثل تقديم النص على الظاهر المحتمل والخاص على العام ~~والمبين على المجمل والمعلوم على المظنون والمتواتر على الآحاد والناسخ على ~~المنسوخ والمشهور على الغريب والصحيح على الضعيف والمتفق على صحته على ~~المختلف في صحته وكلام أئمة كل فن على من خالفهم ممن لا يعرف ذلك الفن أو ~~يعرف منه اليسير ولا يعرف ما عرفوه فان الأمر في ذلك كما قيل ليس العارف ~~كالبارع في المعرفة وشتان ما بين ليلة المزدلفة وليلة عرفة وكذلك نرجع في ~~شروط ذلك كله إلى الأدلة المقبولة # فان قيل لابد من تفسير الكتاب والسنة بغير الفاظهما وقد منعتم من ~~PageV01P144 العبارات المبتدعة قلنا لم نمنع من ذلك مطلقا إنما منعنا منه ~~حيث يضر ويستغني عنه بعبارات الكتاب والسنة الجليلة التي لا تحتاج إلى ~~تفسير كما تقدم وأما التفسير فما كان من المعلومات بالضرورة من أركان ~~الاسلام واسماء الله تعالى منعنا تفسيره لأنه جلي صحيح المعنى وإنما يفسره ~~من يريد تحريفه كالباطنية الملاحدة وما لم يكن معلوما ودخلته الدقة والغموض ~~فان دخله بعد ذلك الخطر وخوف الاثم في الخطأ مما يتعلق بالعقائد تركنا ~~العبارات المبتدعة وسلكنا طريق الوقف والاحتياط إذ لا عمل يوجب معرفة معناه ~~المعين وان لم يدخل فيه الخطر عملنا فيه بالظن المعتبر المجمع على وجوب ~~العلم به أو جوازه والله الهادي PageV01P145 # | فصل في الارشاد إلى طريق المعرفة لصحيح التفسير # وأصح التفاسير عند الاختلاف بطريق واضح لا يشك أهل الانصاف في حسن ~~التنبيه عليه والاشاد اليه # اعلم ان كتاب الله تعالى لما كان مفزع الطالب للحق بعد الايمان وكان ~~محفوظا كما وعد ms130 به الرحمن ودخل الشيطان على كثير من طريق تفسيره وعدم الفرق ~~بين التفسير والتحريف والتأويل والتبديل ولو كان لكل مبتدع ان يحمله على ما ~~يوافق هواه بطل كونه فرقا بين الحق والباطل وقد ثبت انه يقذف بالحق على ~~الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق وهذا لا يتم إلا بحراسته من دعاوى المبطلين في ~~تصرفاتهم واحتيالهم على التشويش فيه ولبس صوادعه وقواطعه بخوافيه وهذه هذه ~~فليهتم المعظم له بمعرفتها ويتأملها حق التأمل ويتعرف على أسبابها ممن قد ~~مارسها وقد أوضحتها فيما تقدم من هذا المختصر وذكرت الصور الابع التي يغلط ~~فيها كثير من المتكلمين في اعتقاد وجوب التأويل بسببها أو بعضها فتأملها ~~وجود النظر في ذلك الفصل الذي ذكرتها فيه # فاذا عرفت ذلك فلا غنى عن معرفة مراتب المفسرين حيث يكون التفسير راجعا ~~إلى الرواية ثم مراتب التفسير حيث يكون التفسير راجعا إلى الدراية # أما مراتب المفسرين فخيرهم الصحابة رضي الله عنهم لما ثبت من الثناء ~~عليهم في الكتاب والسنة ولان القرآن أنزل على لغتهم فالغلط أبعد عنهم من ~~غيرهم ولانهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله عما أشكل عليهم ~~وأكثرهم تفسيرا حبر الامة وبحرها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وقد جمع ~~PageV01P146 عنه تفسير كامل ولم يتفق مثل ذلك لغيره من الصدر الأول الذين ~~عليهم في مثل ذلك المعول ومتى صح الاسناد اليه كان تفسيره من أصح التفاسير ~~مقدما على كثير من الائمة الجماهير وذلك لوجوه أولها أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وآله دعا له بالفقه في الدين وتعليم التأويل أي التفسير كما تقدم ~~تقريره في الكلام على المتشابه وصح ذلك واشتهر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وله طرق في مجمع الزوائد وقال الحافظ أبو مسعود في أطرافه انه مما ~~أخرجه البخاري ومسلم بكماله وفيهما من غير طريق أبي مسعود عند سائر الرواة ~~اللهم علمه الكتاب والحكمة وفي رواية اللهم فقهه في الدين وفي رواية ~~الترمذي أنه رأى جبريل عليه السلام مرتين ودعا له ms131 النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالحكمة مرتين وينبغي معرفة سائر مناقبه مع ذلك في مواضعها ولولا خوف ~~الاطالة لذكرتها # وثانيها أن الصحابة اتفقوا على تعظيمه في العلم عموما وفي التفسير خصوصا ~~وسموه البحر والحبر وشاع ذلك فيهم من غير نكير وظهرت إجابة الدعوة النبوية ~~فيه وقصة عمر معه رضي الله عنهما مشهورة في سبب تقديمه وتفضيله على من هو ~~أكبر منه من الصحابة وامتحانه في ذلك # وثالثهما كونه من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة وستأتي الاشارة إلى ~~مناقبهم الغزيرة في آخر المختصر فيكون المعظم له والموفى له حقه في ذلك قد ~~قام بحق الثقلين وعمل بالوصية النبوية فيهما # ورابعهما أنه ثبت عنه إن كان لا يستحيل التأويل بالرأي روى عنه أنه قال ~~من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار وفي رواية بغير علم رواه ~~أبو داود في العلم والنسائي في فضائل القرآن والترمذي في التفسير وقال حديث ~~حسن وشرطه فيما قال فيه حديث حسن ان يأتي من غير طريق # وخامسها أن الطرق اليه محفوظة متصلة غير منقطعة فصح منها تفسير نافع ممتع ~~ولذلك خصصته بالذكر وإن كان غيره أكبر منه وأقدم وأعلم وأفضل مثل علي بن ~~أبي طالب عليه السلام من جنسه وأهله وغيره من أكابر الصحابة رضي الله عنهم ~~لكن ثبوت التفسير عنهم قليل بالنظر اليه رضي الله عنهم أجمعين PageV01P147 # ثم المرتبة الثانية من المفسرين التابعون ومن أشهر ثقاتهم المصنفين في ~~التفسير مجاهد بن جبر المكي وعطاء بن أبي رباح وقتادة بن دعامة والحسن ~~البصري وأبو العالية رفيع بن مهران ومحمد بن كعب القرظي وزيد بن أسلم وكلهم ~~مخرج عنهم الحديث في دواوين الاسلام الستة وغيرها والاسانيد اليهم ~~بتفاسيرهم متصلة كما ذكره البغوي في أول تفسيره وغيره وقد نقم على بعضهم ~~أشياء سهلة لكن ينبغي التيقظ لها عند التعارض والاختلاف فان مثلها يؤثر في ~~الترجيح فينظر تراجمهم في تذكرة الذهبي وميزانه وأبسط منهما تهذيب شيخه ~~المزي وكتابه النبلاء وأمثالها من كتب الرجال وتواريخ علماء الاسلام ويلحق ~~بهؤلاء ms132 عكرمة مولى ابن عباس وهو دونهم لوقوع الخلاف فيه فان الخلاف فيه ~~كثير بين الصدر الأول لكن أكثره راجع إلى اعتقاده لأنه كان ينسب إلى رأي ~~الخوارج فيكون على ما يدل على مذهب الخوارج أضعف # وقد صنف جماعة في الذب عنه وجود ابن حجر في ذلك في مقدمة شرح البخاري لأن ~~البخاري احتج به وأهل السنن والأكثرون وتجنبه الامام مالك ومسلم في صحيحه ~~ثم بعده مقاتل بن حيان ومحمد بن زيد مهاجر احتج بهما مسلم وأهل السنن دون ~~البخاري وتكلم فيهما بعضهم بغير حجة بينة ثم علي بن أبي طلحة وهو قريب منه ~~احتج به مسلم وأهل السنن لكن قال أحمد له أشياء منكرات وقال الذهبي في ~~الميزان وقد روي عن ابن عباس تفسيرا كثيرا ممتعا والصحيح عندهم أن روايته ~~عن مجاهد عن ابن عباس وإن كان يرسلها عن ابن عباس فمجاهد ثقة يقبل وقد يعضد ~~تفسيره وتفسير أمثاله بمفهومات من القرآن مثل تفسيره لتقدير يوم القيامة ~~بخمسين الف سنة عن ابن عباس أنه في حق الكافر وذلك يعتضد بقوله تعالى @QB@ ~~وكان يوما على الكافرين عسيرا @QE@ وبقوله تعالى @QB@ على الكافرين غير ~~يسير @QE@ وبقوله تعالى @QB@ يقول الكافرون هذا يوم عسر @QE@ PageV01P148 # وبأحاديث مرفوعة في ذلك منها ما رواه البغوي من طريق ابن أبي لهيعة عن ~~أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ومنها ما يأتي الآن في النوع الثالث ~~من مراتب التفسير ثم السدي الكبير يروى عن ابن عباس وطبقته بعد هؤلاء وهو ~~مختلف فيه وهو اسماعيل بن عبد الرحمن القرشي الكوفي وحديثه عند مسلم وأهل ~~السنن الأربعة وهو تابعي شيعي وربما كان الكلام فيه لمذهبه عند من يخالفه ~~وأما السدي الصغير محمد بن مروان عن الاعمش فواه جدا ومنهم محمد بن سليمان ~~الانباري أحد مشايخ أبي داود ورواة سننه ومنهم عطية العوفي عن أبي سعيد فيه ~~ضعف وكذلك محمد بن السائب الكلبي ومقاتل بن سليمان واهيان لا سيما مقاتل بن ~~سليمان فقد كذبه غير واحد ولم يوثقه أحد واشتهر عنه ms133 التجسيم والتشبيه ولذلك ~~لم يرو عنه من أهل الكتب الستة إلا النسائي قال كان لا يكذب يعني لا يتعمد ~~الكذب وأثنى عليه بعضهم بمعرفة التفسير وأما الكلبي فروى عنه الترمذي وحده ~~ولم يوثقه أحد # وكذلك تنبغي معرفة من جرح وكذب من متأخري المفسرين مثل أبي بكر محمد بن ~~الحسن النقاش توفي عام 351 # وإنما سقت لك ذكرهم لما قيل أن المفسرين أكثروا من حكاية الاقوال ~~المختلفة والحق يضيع بين قولين فصاعدا فأرشدت إلى طرف من الترجيح عند ~~الاختلاف وبقية المفسرين مذكورون في كتب الرجال ولكن المدار على من ذكرت في ~~الأكثر فهذه مراتب المفسرين فيما يرجع من التفسير إلى الرواية # وأما مراتب التفسير فيما يرجع منه إلى الدراية فهي ترجع إلى سبعة أنواع ~~النوع الأول تفسير المتكررات تكريرا كثيرا مثل آيات الاسماء الربانية ~~والصفات والمشيئة والاسماء المعروفة بالدينية وهي الاسلام والإيمان ~~والاحسان والمسلمون والمؤمنون والمحسنون وكذلك أسماء الظالمين والفاسقين ~~والكافرين وسائر ما يتعلق بالاعتقاد ويحتاج إلى مزيد بحث وانتقاد مما تورد ~~فيه الادلة والشبه والورود والمعارضات PageV01P149 # وهذا القسم ينبغي أن يكون مفردا في مقدمات التفسير حتى يشبع فيه الكلام ~~من غير تكرير أو يؤخذ من مظانه من كتب الإعتقاد على الصفة التي أشرت اليها ~~في أول هذا المختصر في الانصاف ومعرفة أدلة الجميع وفي هذا المختصر من ذلك ~~كفاية إن شاء الله تعالى وما هو إلا كالمقدمة للتفسير فان اشتبه الصواب على ~~أحد في هذا القسم أو خاف وقوع فتنة من الخوض فيه والبحث عنه والمناظرة ترك ~~ذلك وكفاه الايمان الجملي لما ثبت في حديث جندب بن عبد الله عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ( اقرأوا القرآن ما أتلفت عليه قلوبكم فاذا ~~اختلفتم فقوموا عنه ) رواه البخاري ومسلم وغيرهما وله شواهد قدر خمسة عشر ~~حديثا والمراد الاختلاف مع التعادي والتفرق كما هو عادة أهل الكلام دون ~~الاختلاف مع التوالي والتصويب كما هو عادة الفقهاء وسائر أهل العلوم وذلك ~~لما في حديث عمر مع هشام ابن حكيم في ms134 اختلافهما في القراءة وتقرير النبي ~~صلى الله عليه وسلم لهما على الاختلاف في القراءة ونهيهما عن الاختلاف في ~~التخطئة والمناكرة خرجه الجماعة وهو متواتر أو مشهور عند أئمة الحديث فقد ~~رواه ثمانية عشر صحابيا وما تقدم من حديث جندب وشواهده مما هو زيادة بيان ~~بعد قوله تعالى @QB@ ولا تفرقوا @QE@ وأمثالها وهي كافية شافية مغنية عن ~~الاحاديث لكن في اجتماع الكتاب والسنة قرة عيون المؤمنين وطمأنينة قلوب ~~الموقنين وفي البخاري والنسائي عن ابن مسعود نحوه وقد أشار إلى هذا محمد بن ~~منصور الكوفي وصنف فيه كتاب الجملة والالفة وذكره عن الكبراء من علماء ~~العترة وغيرهم وأنكر على أهل الكلام ما اختصوا به من التعادي عند الاختلاف ~~في الدقائق الخفية وهذا عارض هنا وليس هو موضعه # النوع الثاني تفسير القرآن بالقرآن وذلك حيث يتكرر في كتاب الله تعالى ~~ذكر الشيء ويكون بعض الآيات أكثر بيانا وتفصيلا وقد جمع من هذا القبيل ~~تفسير مفرد ذكره الشيخ تقي الدين في شرح العمدة ولم اقف عليه وقد يذكر ~~المفسرون منه أشياء متفرقة فمنه تفسير قوله تعالى في سورة المؤمن @QB@ وإن ~~يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم @QE@ PageV01P150 بأنه العذاب الأدنى المعجل ~~في الدنيا لقوله سبحانه في آخر هذه السورة @QB@ فإما نرينك بعض الذي نعدهم ~~أو نتوفينك فإلينا يرجعون @QE@ وقد تكرر هذا في كتاب الله تعالى ومنه تفسير ~~@QB@ فصل لربك وانحر @QE@ بقوله تعالى @QB@ إن صلاتي ونسكي ومحياي @QE@ ~~ونحو ذلك ومنه تفسير قوله تعالى @QB@ ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ~~ميلا عظيما @QE@ بأهل الكتاب كقول مجاهد لقوله تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل @QE@ ويقويه ~~ان عصاة المسلمين لا يريدون فجور صالحيهم والآية وردت بضمير الغائب في ~~المريدين وضمير الخطاب في المائلين فقوى ذلك ومنه تفسير @QB@ من يعمل سوءا ~~يجز به @QE@ بقوله @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن ~~كثير @QE@ فقوله فيها ويعفو عن كثير مخصص لعموم من يعمل سوءا يجز به ومقيد ~~لاطلاقها كأنه قال الا أن ms135 يعفو بدليل هذه الآية مثل ما انها مخصصة بآيات ~~التوبة فانه مقدر فيها إلا أن يتوبوا بالاجماع وبالنصوص في التائبين وهذه ~~الآية دالة على اشتراط عدم العفو وعلى اعتبار مصائب الدنيا في عذاب ~~المسلمين ووعيدهم كما دل على ذلك حديث علي عليه السلام في تفسيرها وحديث ~~أبي بكر رضي الله عنه في تفسير @QB@ من يعمل سوءا يجز به @QE@ ولذلك طرق ~~شتى وفيه أحاديث كثيرة مجمع على معناها وأحاديث الحسنة بعشر أمثالها أو ~~أزيد والسيئة بمثلها أو أعفو وطرقه صحيحة كثيرة كما يأتي في مسألة الوعد ~~والوعيد # ومنه حمل المطلق على المقيد والعام على الخاص كنفي الخلة والشفاعة في آية ~~مطلقا وقد استثنى الله المتقين من نفي الخلة في قوله تعالى @QB@ الأخلاء ~~يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين @QE@ PageV01P151 ) واستثنى ما أذن فيه ~~من الشفاعة بقوله في آية @QB@ من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى @QE@ # ومنه الجمع بين ما يتوهم أنه مختلف كخلق بني آدم من تراب كما في الكهف ~~ومن طين في غير آية وهو تراب مختلط بالماء ففيه زيادة على التراب المطلق ~~وكذلك خلقه من صلصال فانه أخص من الجميع لأنه طين مخصوص ومنه تقديم المنطوق ~~على المفهوم وأوجب منه تقديم تفصيل القول المنطوق على عموم المفهوم لأن ~~الخاص يقدم على العام المنطوق فكيف لا يقدم على عموم المفهوم # النوع الثالث التفسير النبوي وهو مقبول بالنص والاجماع قال الله تعالى ~~@QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا @QE@ وقال @QB@ لتبين ~~للناس ما نزل إليهم @QE@ وفي الحديث لا يأتي رجل مترف متكئ على أريكته يقول ~~لا أعرف إلا هذا القرآن ما أحله أحللته وما حرمه حرمته إلا واني أوتيت ~~القرآن ومثله معه ألا وان الله حرم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ~~ويدل على ذلك أن الاجماع قد انعقد على نسخ وجوب الوصية للوارثين بحديث لا ~~وصية لوارث وهو حديث حسن وإذا وجب قبول ذلك في نسخ فريضة منصوصة فيه فكيف ~~بسائر البيان والتخصيص وقبوله في نسخ وجوب ms136 الوصية اجماع العترة والأمة # وقد اشتملت على ذلك الصحاح والسنن والمسانيد وجمع بحمد الله تعالى وجمعت ~~منه الذي في جامع الاصول ومجمع الزوائد ومستدرك الحاكم أبي عبد الله ويلحق ~~بذلك أسباب النزول وقد أفرده الواحدي وغيره بالتأليف وهو مفيد جدا لأن ~~العموم الوارد على سبب مختلف في تعديه عن سببه وهو نص في سببه ظني في غيره ~~وقد يقصر عليه بالاجماع كما ثبت في قوله تعالى في ذم الذين يفرحون بما أتوا ~~عن ابن عباس أنها نزلت في اليهود وفرحهم بما أتوا من التكذيب بالحق فلولا ~~ذلك أشكلت وتناولت من فرح PageV01P152 بما عمله من الخير وقد صح أن المؤمن ~~من سرته حسنته وساءته سيئته والفرح بالخير والطاعة من ضروريات الطباع ~~والعقول # ومنه تفسير @QB@ والفتنة أشد من القتل @QE@ سببها وهو فتنة من أسلم حتى ~~يعود إلى الشرك ولولا ذلك وقع الغلط الفاحش في مواضع كثيرة ومنه تخصيص ~~العمومات مثل تحريم الصلاة على الحائض وسائر ما في السنن من أحكام الصلاة ~~والزكاة والصيام والحج وشروط قطع السارق ونحو ذلك واستيعابه في التفاسير ~~غير معتاد # ومنه تقديم ذوي السهام على العصبات ومنع الكافر من ميراث المسلم وعكسه ~~واسقاط الأقرب للأبعد من العصبات والاقوى للأضعف # ومنه الجمع بين آيتي الكلالة فان الاولى في الاخوة من الام والاخرى فيمن ~~عداهم وأمثال ذلك مما لا غنى عنه ولابد ولا خلاف فيه # ومنه الزيادة في البيان كصلاة الخوف والبغوي مكثر من هذا وهو أمر مجمع ~~عليه ودليل على المبتدعة حيث يمنعون من بيان السنة للقرآن # ومنه ما يتقوى بالشواهد ومفهومات من القرآن كحديث أبي سعيد في تخفيف طول ~~يوم القيامة على المؤمن كما تقدم الان من رواية البغوي وقد أخرجه أحمد وأبو ~~يعلى بسند البغوي المقدم وحسنه الهيثمي لشواهده وذكر مثله عن أبي هريرة ~~وابن عمر وبسندين جيدين وعن ابن عمرو أيضا باسناد فيه رجل لم يعرف وقد ~~تقدمت شواهده من القرآن # النوع الرابع الآثار الصحابية الموقوفة عليهم وأجودها ما لا تمكن معرفته ~~بالرأي سواء رجعنا بالرأي ms137 إلى العقل أو إلى الاستنباط من اللغة وقد كانت ~~عادتهم الاشعار بالرأي في ذلك وأمثاله كما ذكره أبو بكر رضي الله عنه حين ~~فسر الكلالة برأيه ذكره البغوي وغيره # وقد ذكر السيد أبو طالب عليه السلام في المجزى ان عادتهم الاشعار بالرأي ~~فاذا جزموا بالتحريم ونحوه كان دليلا على رفعه وكذلك ذهب كثير من المفسرين ~~إلى مثل ذلك في تفاسيرهم المجزومة لا سيما من ثبت عنه تحريم PageV01P153 ~~التفسير بالرأي كابن عباس رضي الله عنه ولذلك اشتملت على هذا النوع من ~~تفاسيرهم تفاسير أهل السنة لكن يحتاج إلى معرفة الاسناد اليهم فيما لم يكن ~~مصححا عنهم في دواوين الاسلام الصحيحة المشهورة ومن مظان ذلك المستدرك ~~للحاكم ففيه من ذلك الكثير الطيب وقد نقلته بحمد الله مع التفسير النبوي # النوع الخامس ما يتعلق باللغة والعربية على جهة الحقيقة فأما المتعلقات ~~اللغوية فهي جلية وقد صنف فيها مصنفات مختصرة على جهة التقريب مثل كتاب ~~العزيزي وليس فيه تنقيح كثير وأوضح منه وأخصر كتاب أبي حيان في ذلك لكنه ~~ربما أهمل بعض ما يحتاج اليه والمعتمد في ذلك كتب اللغة البسيطة دون ما ~~يؤخذ من كثير من المفسرين كما ذكره أبو حيان في أول كتابه ونبه عليه # وأما العربية فقد جود أبو حيان في ذلك وجمع الذي في تفسيره فجاء كتابا ~~جيدا مستقلا وهو المعروف بالمجيد في اعراب القرآن المجيد وقد اشتمل على ما ~~في الكشاف مع زيادة أضعافه وينبغي التنبيه في هذا النوع لتقديم المعروف ~~المشهور على الشاذ وتقديم الحقيقة الشرعية ثم العرفية ثم اللغوية ومعرفة ~~المشترك لما فيه من الاجمال وأخذ بيانه من غيره كتفسير عسعس بادبر لان عسعس ~~مشترك بين اقبال الليل وادباره وقد قال الله تعالى @QB@ والليل إذ أدبر ~~@QE@ وفي قراءة إذا أدبر فدل على ان أفضل الليل السحر كما دلت على هذا ~~أشياء كثيرة فيفسر بذلك عسعس وان كان مشتركا ويتفطن هنا لامور # أحدها الحذر من تفسير المشترك بكلا معنييه كتفسير عسعس بأول الليل وآخره ~~كما توهم مثل ذلك ms138 في الالفاظ العامة فانه لم يتحقق ورود اللغة بذلك ولذلك ~~لم يقل أحد باعتبار ثلاث حيض وثلاثة أطهار جميعا في العدة لما كانت القروء ~~مشتركة # وثانيها معرفة ما يظن انه حقيقة وهو مجاوز من مظانه كتاب أساس ~~PageV01P154 البلاغة للزمخشري فانه جود القول فيه بل لا أعلم أحدا بين ذلك ~~كما بينه ولذلك قيل انه من روائع مصنفاته وبدائع مخترعاته فاذا عرفت حقيقة ~~الكلمة ومجازها لم يفسر فيهما معا أيضا # وثالثها الفرق بين دلالة المطابقة والتضمن والالتزام فالمطابقة هي ~~اللغوية دونهما وهي دلالة اللفظ على معناه الموضوع له كدلالة غسل أعضاء ~~الوضوء عليها جملة وان دل اللفظ على جزء المعنى فهو التضمن كدلالة آية ~~الوضوء على غسل العين لانها بعض الوجه وما تحت الاظفار والخاتم لانه بعض ~~اليد وان دل اللفظ على لازم ما وضع له فدلالة الالتزام كدلالة آية الوضوء ~~على وجوبه وهما عقليتان فيقدم عليهما ما عارضهما مما هو أرجح منهما من ~~الدلائل اللفظية على حسب القوة ألا تراهم رجحوا دلائل رفع السر والحرج على ~~دلالة غسل العين من الوجه وكذلك اختلفوا فيما تحت الاظفار والخاتم لذلك # النوع السادس المجازي وتعتبر فيه قرائن المجاز الثلاث الموجبات للعدول ~~اليه ولا حرم القول به والعدول اليه الاولى العقلية التي يعرفها المخاطب ~~والمخاطب كقوله @QB@ واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها ~~@QE@ أي أهملهما ومنه @QB@ جناح الذل @QE@ و @QB@ جدارا يريد أن ينقض @QE@ ~~وهو كثير وليس هو من المتشابه بل تعرفه أجلاف العرب الثانية العرفية مثل ~~@QB@ يا هامان ابن لي صرحا @QE@ أي مر من يبني لان مثله في العرف لا يبني ~~الثالثة اللفظية نحو @QB@ مثل نوره @QE@ فانها دليل على أن الله غير النور ~~@QB@ يهدي الله لنوره من يشاء @QE@ فانها دليل على أن المراد نور الهدى ~~ويتيقظ هنا لما كان من جنس تأويل الباطنية فيرد وان صدر من غيرهم فقد كثر ~~جدا # وأما الدعوى الباطلة تجردها عن أحد هذه القرائن وأما ما يدعيه أهل الكلام ~~من الادلة التي لم يتفقوا على صحة دليل ms139 واحد منها فلا يجوز PageV01P155 ~~تقليدهم في ذلك لا عندهم ولا عند غيرهم بل يجب البحث التام أو الامساك عن ~~التأويل حتى يقع الاجماع كما مر موضحا # ومن العقلي الجلي المجمع عليه تخصيص @QB@ وأوتيت من كل شيء @QE@ على ما ~~يناسب ملوك البشر من المعتاد في الدنيا دون العالم العلوي وأمور الآخرة ~~والملائكة والنبوة ونحو ذلك # النوع السابع ما لم يصح فيه شيء من جميع ما تقدم ويختلف فيه أهل التفسير ~~وأهل العلم مثل تفسير الحروف التي في فواتح السور وتفسير الروح ونحو ذلك ~~مما لم يصح دليل لنا على تفسيره ولا معنا ضرورة عملية تلجئ إلى وجوب البحث ~~عنه وقد يرتكب فيه مخالفة الظواهر ويبتني على أسباب مختلف في صحتها فالحزم ~~الوقف فيه لما تقدم من حديث ابن عباس في وعيد من فسر القرآن برأيه وعن جندب ~~مثله رواه أبو داود والترمذي وأوضح منهما قوله تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس ~~لك به علم @QE@ # وهذا النوع السابع قسمان # قسم فيه مخاطرة كبيرة وخوف البدعة والعذاب وهو ما يتعلق بذات الله تعالى ~~ونحوه من المتشابهات وقد تقدم القول فيه في هذا المختصر وقد بسطته في ترجيح ~~أسباب القرآن على أساليب اليونان وقسم دونه مثل تعيين الشجرة التي أكل منها ~~آدم واسمها وأسماء أهل الكهف وأسماء سائر المبهمات وتطويل القصص والحكايات ~~فهذا لا بأس بنقله مع بيان انه لم يصح فيه شيء وعدم تعلق مفسدة به ولا دخول ~~شبهة في تحليل أو تحريم والله سبحانه أعلم # وأما التأويلات التي يدعى الاجماع على وجوبها سواء كانت من اجماع الامة ~~أو العترة فاعلم أن الاجماعات نوعان أحدهما تعلم صحته بالضرورة من الدين ~~بحيث يكفر مخالفه فهذا اجماع صحيح ولكنه مستغنى عنه بالعلم الضروري من ~~الدين وثانيهما ما نزل عن هذه المرتبة ولا يكون الا ظنا لانه ليس بعد ~~التواتر الا الظن وليس بينهما في النقل مرتبة قطعية بالاجماع وهذا هو حجة ~~من يمنع العلم بحصول الاجماعات بعد انتشار الاسلام كما PageV01P156 نص عليه ~~الامام المنصور بالله في ms140 مجموعه والامام يحيى بن حمزة في المعيار والرازي ~~وغيرهم بسطته في غير هذا الموضع # وهذا آخر القول في القسم الاول من هذا المختصر وهو في ذكر المقدمات ~~العامة الجميلة ولو أفرد لاستقل بنفسه كتابا مفيدا ويتلوه القسم الثاني وهو ~~الكلام في المبهم من المسائل التفصيلية المختلف فيها بين أهل الاسلام وذكر ~~طرف صالح مما فيها من المباحث السمعية القريبة التي لا خطر في النظر فيها ~~ولا غنى لاهل المرتبة الوسطى عن معرفة مثلها لتقر عقائدهم إذ يستحيل من أهل ~~هذه المرتبة أن يطمأنوا إلى التقليد المحض وإنما يطمئن اليه من لم يدر قط ~~ما لتقليد ولا دري انه مقلد ومعظمها مهان # المهم الأول مقام معرفة كمال هذا الرب الكريم وما يجب له من نعوته ~~وأسمائه الحسنى وذلك من تمام التوحيد الذي لابد منه لان كمال الذات ~~باسمائها الحسنى ونعوتها الشريفة ولا كمال لذات لا نعت لها ولا اسم ولذلك ~~عد مذهب الملاحدة في مدح الرب بنفيها من أعظم مكائدهم للاسلام فانهم عكسوا ~~المعلوم عقلا وسمعا فذموا الامر المحمود ومدحوا الامر المذموم القائم مقام ~~النفي والجحد المحض وضادوا كتاب الله ونصوصه الساطعة قال الله جل جلاله ~~@QB@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه @QE@ ~~وقال سبحانه وتعالى @QB@ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله ~~الأسماء الحسنى @QE@ فما كان منها منصوصا في كتاب الله وجب الايمان به على ~~الجميع والانكار على من جحده أو زعم ان ظاهره اسم ذم لله سبحانه وما كان في ~~الحديث وجب الايمان به على من عرف صحته وما نزل عن هذه المرتبة أو كان ~~مختلفا في صحته لم يصح استعماله فان الله أجل من ان يسمى باسم لم يتحقق انه ~~تسمى به # وعادة المتكلمين أن يقتصروا هنا على اليسير من الأسماء ولا ينبغي ~~PageV01P157 ترك شيء منها ولا اختصاره فان ذلك كالاختصار للقرآن الكريم ولو ~~كان منها شيء لا ينبغي اعتقاده ولا ذكره ما ذكره الله تعالي في القرآن ~~العظيم # وعادة بعض المحدثين ms141 أن يوردوا جميع ما ورد في الحديث المشهور في تعدادها ~~مع الاختلاف الشهير في صحته وحسبك ان البخاري ومسلما تركا تخريجه مع رواية ~~أوله واتفاقهما علي ذلك يشعر بقوة العلة فيه كما أوضحته في العواصم ولكن ~~الاكثرين اعتمدوا ذلك تعرضا لفضل الله العظيم في وعده من أحصاها بالجنة كما ~~اتفق علي صحته وليس يستيقن احصاؤها بذلك الا لو لم يكن لله سبحانه اسم غير ~~تلك الاسماء فأما إذا كانت أسماؤه سبحانه أكثر من أن تحصي بطل اليقين بذلك ~~وكان الاحسن الاقتصار علي ما في كتاب الله وما اتفق علي صحته بعد ذلك وهو ~~النادر كما يأتي # وقد ثبت أن أسماء الله تعالي أكثر من ذلك المروي بالضرورة والنص أما ~~الضرورة فان في كتاب الله أكثر من ذلك كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالي ~~وأما النص فحديث ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول صلى الله عليه وسلم وآله ~~وسلم أنه قال ما قال عبد أصابه هم أو حزن ( اللهم اني عبدك وابن عبدك وابن ~~امتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك هو لك سميت ~~به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم ~~الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي ~~) الا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكان حزنه فرحا رواه أحمد وأبو عوانة في ~~صحيحه وهذا اسناد أحمد قال ابن الجوزي في الحديث الاربعين من مسند ابن ~~مسعود من جامع المسانيد أخبرنا يزيد ابن هارون انا فضيل بن مرزوق أنا أبو ~~سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله ابن مسعود ~~بالحديث وقال الهيثمي في مجمع الزوائد رواه أحمد وأبو يعلا والبرار ورجال ~~أحمد وأبي يعلا رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان والقاسم ~~هذا هو ابن عبد الرحمن بن عبد الله ابن مسعود وليس هو الدمشقي المختلف فيه ~~بل هو ms142 ثقة لم يتكلم عليه وهو من رجال البخاري وأهل السنن ولم يذكره الذهبي ~~في الميزان إلا للتمييز بينه وبين PageV01P158 المختلف فيه وكذلك لم يذكره ~~ابن حجر فيمن انتقد على البخاري وأبوه عبد الرحمن من رجال الجماعة متفق ~~عليه الا أن سماعه من أبيه ليس بمشهور فحديثه عنه في السنن الأربع وقال ابن ~~معين والمزي قد سمع من أبيه ومن علم حجة على من لم يعلم وأبو سلمة هو ~~الجهني وثقة ابن حبان ولم يذكره في الميزان وعدم ذكره في الميزان دليل على ~~ثقته لا سيما مع تصحيح أبي عوانة للحديث وبقيتهم رجال الصحاح فثبت هذا ~~الحديث # وثبت ان حصر الاسماء التسعة والتسعين لا ينال الا بتوفيق الله تعالى ~~كساعة الاجابة يوم الجمعة لانها مجملة في أسماء الله فلنذكر هنا ما وجدناه ~~منصوصا من الأسماء في كتاب الله باليقين من غير تقليلد فانها أصح الأسماء ~~وأحبها إلى الله تعالى حيث اختارها في أفضل كتبه لا فضل أنبيائه والذي عرفت ~~منها إلى الآن بالنص صريحا دون الاشتقاق في القرآن مائة وخمسة وخمسون غير ~~الممادح السلبية كما سيأتي وفيها اسم واحد بالمفهوم المعلوم وهو الاعز ذكره ~~ابن حجر في تلخيصه ولم أجده بنصه فذكرته فيها ولم أحسبه في العدد المذكور ~~وهو أخذه من قوله تعالى @QB@ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين @QE@ جوابا على ~~قول المنافقين ليخرجن الاعز منها الأذل وهي هذه وهي الإعتقاد متى سأل عنه ~~سائل # هو الله الذي لا إله إلا هو الا له الصمد الواحد الاحد الرحمن الرحيم ذو ~~الرحمة الواسعة أرحم الراحمين خير الراحمين العفو الغفور الغافر الغفار ~~واسع المغفرة أهل التقوى وأهل المغفرة خير الغافرين الحاكم الحكم الحكيم ~~الاحكم أحكم الحاكمين خير الحاكمين العالم العليم الاعلم علام الغيوب الرب ~~البر الواسع الموسع الملك المليك المالك مالك الملك الرازق الرزاق خير ~~الرازقين الخالق الخلاق أحسن الخالقين الناصر نعم النصير خير الناصرين ~~الحافظ الحفيظ خير الحافظين الناصر نعم النصير خير الناصرين الحافظ الحفيظ ~~خير الحافظين القوي الاقوى ذو القوة المتين العلي الاعلى ms143 المتعال القادر ~~القدير المقتدر نعم القادر العزيز الاعز الشاكر الشكور قابل التوب التواب ~~المجيب القريب PageV01P159 الاقرب الحي القيوم القائم على كل نفس بما كسبت ~~الفاعل الفعال لما يريد الوارث خير الوارثين الكريم الاكرم فالق الاصباح ~~فالق الحب والنوى العظيم الاعظم الولي نعم المولى الشاهد الشهيد الكبير ~~الاكبر القاهر القهار نعم القادر نعم الماهد الكفيل نعم الوكيل المستمع ~~السميع البصير البديع الرؤوف الحليم الرشيد السريع المبين الخبير المبرم ~~الغني الحميد المجيد الوهاب الجامع المحيط الكافي الحسيب الحاسب المقيت ~~الرقيب كاشف الضر الفاطر الكاتب المبتلي اللطيف الصادق الحق الودود الحفي ~~المستعان الفاتح الفتاح نور السموات والأرض الهادي رفيع الدرجات الرافع ~~المنتقم الزارع المنزل المنشئ الاول الآخر الظاهر الباطن القدوس السلام ~~المؤمن المهيمن الجبار المتكبر البارئ المصور مخرج الحي من الميت ومخرج ~~الميت من الحي جاعل الليل سكنا المنذر المرسل خير الفاصلين أسرع الحاسبين ~~خير المنزلين عدو للكافرين ولي المؤمنين خير الماكرين المتم نوره الغالب ~~على أمره البالغ أمره ذو الطول ذو المعارج ذو الفضل العظيم ذو العرش العظيم ~~ذو الانتقام ذو الجلال والاكرام انتهى ما عرفته من الاسماء الحسنى نفعنا ~~الله بها وببركاتها وهي مائة ونيف وخمسون # وقد تركت التكرار فاكتفت باسم الرب عن رب كل شيء ورب العالمين ورب العزة ~~ورب العرش العظيم ورب الملائكة والروح واكتفيت بالواسع عن واسع المغفرة ~~وواسع كل شيء رحمة وعلما ونحو ذلك وتركت ما كان من صفات أفعاله وأسمائه مثل ~~شديد العقاب وسريع الحساب ونحو ذلك لأنه لم يسم نفسه بها ولا علمت أحدا ~~عدها في أسمائه بل عدت في أفعاله سبحانه وتعالى لأنه لا فرق في المعنى بين ~~قوله إن الله شديد العقاب وبين قوله إن عذاب الله لشديد فتأمل ذلك # وذكر الغزالي في المقصد الاسى أن ما كان يطلق على العباد من أسمائه تعالى ~~على جهة الحقيقة مثل الزارع والكاتب لم يطلق على الله مجرد بل يطلق حيث ~~أطلقه على لفظه مع ما يتعلق به من السياق وهذا حيث يخاف اللبس PageV01P160 ~~والتشبيه واجب ms144 وحيث يؤمن أدب حسن واحتياط جيد والله سبحانه أعلم # وقد يدق على بعض الناس كون بعضها في القرآن كالكفيل لأنه مأخوذ من قوله ~~@QB@ وقد جعلتم الله عليكم كفيلا @QE@ وكالرافع من قوله @QB@ ورافعك إلي ~~@QE@ والهادي من قوله @QB@ لهاد الذين آمنوا @QE@ ونحو ذلك وكالمبرم لأنه ~~لم يذكر فيه مفردا إنما ذكر بصيغة الجمع في قوله @QB@ أم أبرموا أمرا فإنا ~~مبرمون @QE@ وكذلك الموسع والمنزل قال تعالي @QB@ وإنا لموسعون @QE@ وقال ~~@QB@ أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون @QE@ وكذلك الزارع في قوله ~~تعالي @QB@ أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون @QE@ والمبتلي في قوله تعالي ~~@QB@ وإن كنا لمبتلين @QE@ ونحو ذلك @QB@ وكفى بنا حاسبين @QE@ @QB@ وإنا ~~لصادقون @QE@ @QB@ إنا معكم مستمعون @QE@ @QB@ وإنا له كاتبون @QE@ @QB@ ~~وهو وليهم @QE@ @QB@ أنت ولينا @QE@ وكذلك الاقرب إنما وجدته في قوله تعالي ~~@QB@ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ وقد ذكرت القادر مرتين وليس تكرارا ~~بل القادر الاول من القدرة ولذلك ذكرته مع القدير والمقتدر والقادر الثاني ~~من التقدير وذلك نحو قوله تعالي @QB@ فنعم القادرون @QE@ وقد ذكرت فيها ~~مخرج الحي من الميت وهو في القرآن بالياء المثناة من تحت لوجهين احدهما إني ~~ذكرت مخرج الميت من الحي وهو في القرآن بالميم ولم أستحسن فرقة من صاحبه ~~وملازمة خاصة PageV01P161 وهو أبهر منه وأكبر وأعظم مدحا وأكثر وثانيهما أن ~~لفظ مخرج قد ثبت في القرآن ولم أرد الا اضافته إلي ذلك المدح الباهر ~~والثناء الفاخر # وينبغي أن يختمها الداعي بها بحديث ابن مسعود المقدم لعمومه لما لم يذكر ~~ومما ينبغي تلاوته لمن تعرض لرحمة الله سبحانه في فضل احصاء التسعة ~~والتسعين اسما الحروف المقطعة في أوائل السور احتياطا لأنه قد قيل أنها ~~أسماء الله تعالي أو رمز إلي اسماء شريفة ولم يصح وليس هذا موضعها لعدم صحة ~~ذلك وإنما ذكرت ذلك ارشادا لمن يحب الفائدة وليس في الصحيحين مما ليس في ~~كتاب الله تعالي إلا المقدم والمؤخر في حديث ابن عباس في دعاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم حين يقوم من الليل والوتر ومنهما من حديث أبي هريرة الذي ~~سردت الاسماء ms145 الحسني في آخره # وزاد ابن حزم مما ادعي صحته السيد السبوح الحق الوتر الدهر المسعر المحسن ~~المحسان الجميل الرفيق الشافي المعطي ولم ينسبها إلي حديث أبي هريرة لكن ~~تتبعها من أحاديث متفرقة وكذلك الطبيب خرجه دوت وس باسناد علي شرط الشيخين ~~لكن قال الترمذي أنه غريب من حديث عبد الله بن اياد عن أبي رمثة الصحابي ~~مرفوعا ومنها مقلب القلوب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسم به ~~وزاد الترمذي في الحديث المختلف فيه مما لم أجده بنصه في القرآن خمسة ~~وعشرين اسما وهي القابض الباسط الخافض المعز المذل العدل الجليل المحصي ~~المبديء المعيد المحيي المميت الواجد بالجيم الماجد المقدم المؤخر الوالي ~~المقسط المغني المانع الضار النافع الباقي الرشيد الصبور وزاد ابن ماجه علي ~~الترمذي في حديث أبي هريرة هذا الراشد البرهان الواقي القائم الناظر السامع ~~الابد العالم المنير التام الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد في ~~اطلاق بعض هذه نظر مع عدم صحة الاسناد وزاد الحاكم علي الترمذي في المستدرك ~~في هذا الحديث المختلف فيه بعينه الحنان المنان الدائم الجميل القديم الوتر ~~المدبر الشاكر الرافع وزاد عليه أيضا بما في القرآن الاله الرب الفاطر ~~المليك المالك الاكرم وذكرت الرفيع فيها إذ لم يجعله مثل رفيع الدرجات ~~PageV01P162 # وفي حديث آخر ان الله المسعر رواه الخمسة إلا النسائي وصحيحه الترمذي من ~~حديث أنس ذكره صاحب المنتقي في التسعين # وفي البخاري ومسلم منها الوتر المقدم المؤخر وفي مسلم منها الرفيق وصحح ~~ابن ماجه منها السيد السبوح الجميل المحسان المسعر القابض الباسط الشافي ~~المعطي الدهر قال ابن ماجه بعد سردها ثم قال زهير وبلغنا عن غير واحد من ~~أهل العلم أن راويها يفتتح بقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك ~~وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير لا اله الا الله له الاسماء ~~الحسنى وأكثر هذه أو كثير منها صحيح المعنى بالاجماع فلا بأس بالحاق المجمع ~~عليه منها بما في القرآن ms146 لما تقدم في حديث ابن مسعود من قوله صلى الله عليه ~~وسلم أو علمته أحدا من خلقك # وأما المشتقات من الافعال الربانية الحميدة فلا تحصى وقد جمع بعضهم منها ~~ألف اسم مثل كاتب الرحمة على نفسه المحمود العادل المعبود المحكم المنعم ~~متم النعمة المطعم المقدر القاضي المدبر الحق الشافي الباري الماحي المثبت ~~المؤيد الكافي القاسم العاصم القاصم الدافع المدافع المملي الآخذ المجير ~~المزكي الموفق المصرف الممكن مقلب الليل والنهار الصانع الواقي المتكلم ~~المريد المرجو المخوف المخشى المرهوب السابق الديان المستجار المستعاذ ~~المعاذ الملجأ المنجا المنجي ولو ذكر منها ما كان من خواص الربوبية كان ~~حميدا وذلك مثل المحيي المميت خاصة ما جاء في القرآن صلة للذي ونحوه كقول ~~الخليل عليه السلام ( والذي يميتني ثم يحيين ) لأن الموصول وصلته في حكم ~~الواحد والله أعلم # وأما أنواع الثناء من غير اشتقاق من ألفاظ القرآن فلا تحصى مثل قديم ~~الاحسان دائم المعروف المستغاث المأمول وأمثال ذلك مما لا منع لما أجمع ~~عليه منه والظاهر جواز هذين النوعين لأنهما من الاخبار الصادقة والله أعلم ~~وذلك فيما كان مجمعا عليه على أنه حسن لا قبح فيه وثناء جميل لا ذم فيه ولا ~~تمثيل ولا تشبيه والا فالاقتصار على المنصوصات عند الاختلاف لازم وهو موضوع ~~الكتاب PageV01P163 # واما الممادح السلبية في كتاب الله تعالى فاعتقادها لازم وان لم تكن ~~أسماء في عرف أهل العربية لكنها نعوت حق واجبة بنص القرآن لله تعالى وذلك ~~مثل قوله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ ~~وليس له سمي فانه معلوم من قوله تعالى @QB@ هل تعلم له سميا @QE@ وان ~~العباد لا يحيطون به علما كما قال في سورة طه بل لا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شاء وإنما استثنى في معلوماته المخلوقة وإما في ذاته المقدسة ~~العزيزة فاطلق النفي ولم يستثن أحدا ولا شيئا ولو كان يريد أن يختص أحدا ~~بذلك لاستثناه كما استثنى من الاحاطة بعلمه عز وجل # ومن ذلك أنه لا تدركه الابصار وهو يدركه الابصار ms147 وأنه لا تأخذه سنة ولا ~~نوم وأنه وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفظهما وانه خلقهما في ستة ~~أيام وما مسه من لغوب وإنه ليس بظلام للعبيد وإنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ~~وما في معناها ولا يريد بنا العسر وما جعل علينا في الدين من حرج وأنه لا ~~يجوز عليه اللعب والعبث وخلو أفعاله عن الحكمة لقوله تعالى @QB@ وما بينهما ~~لاعبين @QE@ وقوله @QB@ ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ~~@QE@ وأمثال هذه الآيات في حكمته في خلق الارضين والسموات وأنه تعالى لا ~~يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد ولا يبدل القول لديه تبديلا قبيحا بخلاف ~~التبديل الحسن لقوله تعالى @QB@ وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ~~ينزل @QE@ ولآيات النسخ وانه لا يخلف الميعاد وأنه تعالى يجير ولا يجار ~~عليه ويطعم ولا يطعم وأنه لا شريك له في الملك ولا ولي له من الذل وان هذه ~~الآيات دلت على ما أجمعت عليه الامة اجماعا ضروريا وعلم من الدين علما ~~ضروريا انه تعالى منزه عن كل نقص وعيب مما يقع في أسماء المخلوقين سواء كان ~~من أسماء الذم لهم كالظلم واللعب والجهل أو من أسماء النقص فيهم كالفقر ~~والضعف والعجز وسائر ما يجوز على الانبياء الاولياء وأهل الصلاح ~~PageV01P164 # وأما أسماء المدح التي تطلق على العباد على وجوه تستلزم النقص وتطلق على ~~الله تعالى على وجوه تستلزم الكمال وهي صفات العلم والقدرة والرحمة والحياة ~~ونحو ذلك فانها تطلق على الله تعالى على جهة الكمال كما اطلقها مجردة عن ~~نقائص المخلوقين التي تعرض فيها بأسباب تخصهم دونه تعالى فهذا هو اعتقادنا ~~واعتقاد أهل الحق والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا ~~الله والحمد لله رب العالمين PageV01P165 # | فصل في معانيها # اعلم أنه قد تكلم على معانيها جماعة من أهل العلم والتفسير وأكثرها واضح ~~والعصمة فيها عدم التشبيه واعتقاد أن المراد بها أكمل معانيها الكمال الذي ~~لا يحيط بحقيقته إلا الله تعالى كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى ms148 ولابد من ~~الاشارة هنا إلى أمر جملي وهو أصل عظيم وبيان نفع معرفته في تفسير اسمين ~~مما ورد منها اسم من صحيحها واسم من المختلف في صحته منها # أما الاصل العظيم فهو تفسير الحسنى جملة وذلك أنها جمع الاحسن لا جمع ~~الحسن وتحت هذا سر نفيس وذلك أن الحسن من صفات الالفاظ ومن صفات المعاني ~~فكل لفظ له معنيان حسن وأحسن فالمراد الاحسن منهما حتى يصح جمعه على حسنى ~~ولا يفسر بالحسن منهما إلا الاحسن لهذا الوجه # مثال الاول وهو اللفظ الذي له معنيان اسم النور وقد ثبت في سورة النور ~~@QB@ الله نور السماوات والأرض @QE@ وفي الصحيحين من حديث ابن عباس في دعاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيام الليل ولك الحمد أنت نور السموات ~~والأرض ومن فيهن وهذا الاسم الشريف له معنيان معلومان لا خلاف فيهما وهما ~~نور الابصار ونور البصائر ولا خلاف بين العقلاء أجمعين دع عنك المسلمين ان ~~نور البصائر هو أشرفهما وأكرمهما وخيرهما وأحسنهما وذلك معلوم من ضرورة ~~العقل والدين ولذلك قال الله تعالى في بيان تعظيمه وتشريفه وتكريمه @QB@ ~~فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور @QE@ أي لا تعمي ~~الابصار العمي الضار الضر المذموم المستعاذ منه المهلك لمن وقع فيه وإنما ~~تعمي هذا العمي العظيم المضرة القلوب التي هي محل نور البصائر PageV01P166 # فاذا عرفت هذا فاعلم أن القرآن الكريم قد دل على تفسير هذا الاسم الشريف ~~في حق الله تعالى بذلك أوضح دلالة وذلك في قوله تعالى بعد قوله @QB@ الله ~~نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة ~~كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها ~~يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء @QE@ فدل على ~~أنه نور الهدى لأن نور الابصار مبذول مشترك بين الكفار والمسلمين بل بين ~~جميع الحيوانات الانسانية والبهيمية وكذلك ثبت في الحديث هذا المعنى فخرج ~~الحاكم في المستدرك في تفسير سورة ms149 النور من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~في قوله تعالى @QB@ مثل نوره كمشكاة @QE@ يقول مثل نور من آمن بالله كمشكاة ~~وقال صحيح الاسناد # قلت الوجه فيه أنه معلوم أن الله لم يرد تشبيه النور بالمشكاة نفسها وان ~~هنا محذوفا فاما ان يكون المحذوف نور المشكاة حتى يشبه النور بالنور أو ~~يكون المحذوف محل النور الذي يصح تشبيهه بالمشكاة نفسها حتى يشبه محل النور ~~الذي هو المؤمن أو قلبه بالمشكاة نفسها التي هي محل تلك الأنوار الموصوفة ~~في الآية # وقد كنت أتوقف في أي التقديرين أولى حتى وقفت على كلام ابن عباس رضي الله ~~عنه فاتبعته لأنه منصوص على تقديمه في القرآن وتعليمه التأويل بالدعوة ~~النبوية ثم جاء من طريقه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريم تفسير ~~القرآن بالرأي ثم ظهر لي بالنظر صحته وتبين أنه لا يمكن سواه وذلك أنا لو ~~جعلنا المحذوف نور المشكاة لكان المشبه بنورها هو نور الله الكلي الاعظم ~~وهو أجل من أن يشبه بنور المشكاة ويدل على ذلك أن الله تعالى شبه ذلك النور ~~الذي شرفه باضافته اليه بالمشكاة المترادفة الانوار وهذا التشبيه لا يليق ~~إلا متى كان المشبه قلب المؤمن لأن النور الذي فيه من مواهب الله تعالى هو ~~نصيب الواحد من المؤمنين المخصوص به ولذلك جاز تشبيهه يوضحه أنه لا يجوز ~~تشبيه الله ولا تشبيه شيء من صفاته بشيء من مخلوقاته # وأما أن هذا النور هو نور البصائر لا نور الابصار فبدل عليه في هذه ~~الآيات أمران أحدهما قوله تعالى في هذه الآية @QB@ يهدي الله لنوره من يشاء ~~@QE@ PageV01P167 ) كما تقدم وثانيهما مقابلته لذلك بتشبيه أعمال الكفار ~~بالظلمات المترادفة ومقابلته لقوله @QB@ نور على نور @QE@ في حق المؤمنين ~~بقوله @QB@ ظلمات بعضها فوق بعض @QE@ في حق الكافرين ومقابلته لقوله تعالى ~~@QB@ يهدي الله لنوره من يشاء @QE@ في حق المؤمنين بقوله ( ومن لم يجعل ~~الله له نورا فما له من نور ) في حق الكافرين ويدل على ذلك أيضا في هذه ~~الآيات قوله تعالى @QB@ في ms150 بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه @QE@ فان ~~فيها بيان أن هذا النور هو نور الهداية والاعمال الصالحة التي محلها في هذه ~~البيوت الشريفة على الخصوص وليس بنور الكواكب والابصار التي هي تعم كل محل ~~شريف وخسيس وكل مبصر مؤمن وكافر ويدل على ذلك من الكتاب والسنة المنفصلة عن ~~هذه الآيات ما لا يكاد يحصى مثل قوله تعالى @QB@ الله ولي الذين آمنوا ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور @QE@ الآية وقوله تعالى @QB@ هو الذي يصلي ~~عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور @QE@ وقوله تعالى @QB@ قل من ~~أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس @QE@ وقال في حق محمد صلى ~~الله عليه وسلم @QB@ فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي ~~أنزل معه أولئك هم المفلحون @QE@ # ومن أوضحه @QB@ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن ~~يتم نوره ولو كره الكافرون @QE@ وقوله فيه بافواههم من ترشيح الإستعارة أما ~~نور الابصار والشمس ونحو ذلك فلم ينكر ذلك الكفار ولا يمكن أن يهموا ~~باطفائه وقوله تعالى @QB@ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به ~~في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها @QE@ وقوله تعالى في صفة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم @QB@ وسراجا منيرا @QE@ PageV01P168 # ومن الاحاديث الصحيحة قوله صلى الله عليه وسلم الصلاة نور والصدقة برهان ~~خرجه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي مالك الأشعري وذلك يناسب كونها تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر كما قال الله تعالى وهذا معنى نور الهدي والله أعلم # وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ~~في دعائه عند أن يقوم من الليل ( اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا ~~وفي بصري نورا وفي لساني نورا إلى قوله واجعل لي نورا ) قال ابن الأثير في ~~النهاية أراد ضياء الحق وبيانه كأنه قال اللهم استعمل هذه الأعضاء مني في ~~الحق وفي حديث آخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه تم ~~نورك فهديت فلك ms151 الحمد رواه الجزري في العدة وفي حديث ابن مسعود المقدم من ~~رواية أحمد وأبي عوانة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ذلك الدعاء ~~( اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك إلى قوله أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور ~~صدري وفي رواية ونور بصري فكون القرآن نور البصر هنا يدل على أن المراد بصر ~~الهدى والحق أيضا كما فسرته الرواية الأخرى في قوله ونور صدري وكل هذا دليل ~~على أن الهدى أصيل في التسمية بهذا الاسم الشريف وأنه أشرف معانيه # فظهر أن معنى النور في أسماء الله تعالى هو الهادي لكل شيء إلى مصالحه ~~والمرشد لكل حي إلى منافعه الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى حتى هدى الطفل ~~المولود إلى الالتقام من الثدي وامتصاص اللبن # وأعجب من ذلك هداية أولاد البهائم التي لا تحسن أمهاتها شيئا من مقدمات ~~المعاونة على تعليم الرضاع والهداية إلى موضع اللبن فهذا من أوائل هداية ~~الله سبحانه لمن لا هداية له ولا تمكن الاشارة إلى نهايات هداياته واختلاف ~~أنواعها ومقاديرها # وفي كتاب العبر والاعتبار للجاحظ وكتاب حياة الحيوان من ذلك الكثير الطيب ~~والمكثر من ذلك مقل فالهداية من الله تعالى وهو الهادي باجماع PageV01P169 ~~المسلمين وقد خرج اسم الهادي الترمذي وابن ماجه والحاكم وغيرهم في حديث ~~الاسماء الحسنى فالتفسير بها صحيح وان كان الله تعالى هو رب الانوار كلها ~~أنوار الابصار وأنوار البصائر فاللفظة لا يراد بها إلا أحد معانيها على ~~الصحيح ولم أتبع في هذا التفسير الرأي وإنما اتبعت فيه القرآن والسنة كما ~~تقدم بيانه # قال ابن الأثير في نهايته هو الذي يبصر بنوره ذو العماية ويرشد بهداه ذو ~~الغواية وأما حديث نور أني أراه فانه حديث معل متكلم فيه عند أكثر أئمة ~~الحديث وهو من رواية يزيد بن إبراهيم التستري عن قتادة عن عبد الله ابن ~~شقيق عن أبي ذرانة سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك فقال نور أنى ~~أراه # والقدح فيه من وجوه الأول قدح أئمة الحديث ms152 فيه وقد سئل إمام الحديث أحمد ~~بن حنبل عن هذا الحديث فقال ما زلت منكرا له روى ذلك عن أحمد الخلال في ~~العلل وابن الأثير في تفسيره النور من النهاية وابن الجوزي بعد رواية ~~الحديث في جامع المسانيد وهو الرابع والخمسون وكذلك روى ابن الجوزي وابن ~~الأثير كلاهما عن امام الأئمة ابن خزيمة أنه قال في القلب من صحة هذا ~~الحديث شيء وأن الله شقيق لم يكن يثبت أبا ذر ذكره ابن الأثير زاد ابن ~~الجوزي لأنه قال أتيت فاذا رجل قائم فقالوا هذا أبو ذر فسألته الحديث # الثاني أن ابن شقيق كان ناصيا يبغض عليا رضي الله عنه كما ذكره الذهبي ~~وذكر أن سليمان التيمي كان سيء الرأي فيه قلت وكان سليمان التيمي أحد أئمة ~~الاسلام الكبار ورجال الجماعة وأهل المناقب المشهورة من سادات التابعين ~~معاصرا لابن شقيق خبيرا به فقوله فيه مقبول وإنما قبله من قبله على قاعدتهم ~~في قبول أهل الصدق من الخوارج متى ظنوا صدقهم بالتجربة في مواضع سهلة يكون ~~في قبولهم فيها احتياط والمرجح آخر على ما هو مبسوط في الأصول وعلوم الحديث ~~وهذا مقام عزيز ومحل رفيع لا يقبل في مثله حديث مختلف فيه PageV01P170 # الثالث أن يزيد بن إبراهيم الراوي له عن قتادة ضعيف في قتادة ضعفه فيه ~~يحيى بن معين وابن عدي وهما من أجل أئمة هذا الشأن وقد حكى ابن حجر في علوم ~~الحديث عن الذهبي أنه ما اجتمع اثنان من أئمة هذا العلم على جرح أو توثيق ~~إلا كان كما قالا قال ابن حجر بعد ذلك والذهبي من أهل التتبع التام قلت ~~لعله يريد حيث لم يعارضهما أحد مثل هذا الموضع على أن ابن عدي قال أنهم ~~أنكروا على يزيد هذا أحاديث رواها عن قتادة وكلامه هذا يدل على أنهما لم ~~ينفردا بتضعيفه في قتادة بل فيه نسبة ذلك إلى أهل الحديث وأما أهل الصحيح ~~فلم يخرجوا حديثه عن قتادة وسيأتي عذر مسلم في ذلك # الرابع أن الحديث معل بالاضطراب فانه ms153 رواه تارة كما تقدم وتارة رأيت نورا ~~وهاتان روايتان متضادتان في احداهما اثبات الرؤية للنور وفي الأخرى انكار ~~ذلك بصيغة الاستفهام وهي في هذا المقام أشد في الانكار والعلة تقدح في حديث ~~الثقة المتفق عليه فاجتمع فيه الضعف والاعلال وأحدهما يكفي في عدم تصحيحه # الخامس أن أصح روايتي الحديث إن قدرنا صحته هي رواية رأيت نورا وليس فيها ~~أن ذلك النور هو الله سبحانه وتعالى عن ذلك وإنما كانت أصح الروايتين لأنها ~~رواية هشام وهمام كلاهما عن قتادة الذي هو شيخ يزيد بن إبراهيم المضعف في ~~قتادة وهما أوثق منه مطلقا فكيف في قتادة فلم يبق لتصحيح روايته وجه # فان قلت فكيف خرج مسلم الروايتين معا في الصحيح قلت الذي عندي أنه إنما ~~خرجهما شاهدين على قوة حديث عائشة رضي الله عنها في نفي رؤية رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لله سبحانه ليلة الاسراء فانه خرج حديثها وطول في ذكر طرقه ~~ثم أردفه بما يناسبه ويقوى معناه فذكر هذا الحديث من طريقيه معا أردفه بما ~~يناسبه وذكر بعده حديث حجابه النور كما جاء صريحا في حديث أبي موسى شاهدا ~~لهذا المعنى ومسلم يتساهل في الشواهد هو وغيره من أئمة الحديث وقد تأوله ~~غير واحد على تقدير صحته بأن المراد حجابه النور كما جاء صريحا في حديث أبي ~~موسى ممن تأوله ابن الأثير PageV01P171 في نهايته وابن الجوزي في جامعه بعد ~~روايته وذكر الحجاب قرآني صحيح كما يأتي في آيات الصفات قال الله تعالى ~~@QB@ أو من وراء حجاب @QE@ وقال في الكافرين @QB@ كلا إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون @QE@ والحجاب حاجب للعباد لا لله سبحانه كما نبهت عليه بهذه الآية ~~الكريمة فانه بين فيها انهم المحجبوبون لا هو وهذه نكتة شريفة فتأملها وقد ~~طال الكلام في هذا الاسم الشريف وهو موضعه لأن الخطر من أسماء الله سبحانه ~~جليل والكثير من البحث والتحقيق فيها قليل # ومثال الثاني اسم الضار وذلك أن الله تعالى لما ثبت بالأدلة أنه لا يصح ~~أن يريد الشر لكونه شرا ms154 بل إنما يريده لما علم من الخير كما بينه الغزالي ~~في المقصد الأسنى وسوف نبين أدلته في اثبات حكمة الله تعالى في جميع أفعاله ~~من هذا المختصر ثبت أن كل ضر من الله تعالى هو خير ونفع بالنظر إلى الحكمة ~~فيه وبذلك فسر النووي الحديث الصحيح في التوجه الخير بيديك والشر ليس اليك ~~أي ليس بشر بالنظر إلى حكمتك فيه ومن هنا سمى الله تعالى القصاص حياة وهو ~~قتل وقطع ونحو ذلك ومن هنا لم يستحق الطبيب الذي يكوي ويقطع اسم الضار فثبت ~~أن كل ضر منه سبحانه وتعالى يستحق أن يسمي الله منه أسماء حسنة مثل الديان ~~والمنتقم والمبتلى وهذه خير من اسم الضار لأنه يفهم منها المجازاة على ~~أفعال متقدمة يستحق أهلها ذلك لأجلها بخلاف الضار وكذلك عذاب الله في ~~الآخرة فانه مشتمل على ذلك وإلى ذلك الاشارة بقوله @QB@ إنا لننصر رسلنا ~~والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا ~~فإنا ظالمون قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا ~~آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ~~ذكري وكنتم منهم تضحكون @QE@ وقال تعالى @QB@ جزاء لمن كان كفر @QE@ بضم ~~الكاف وكسر الفاء وأمثال ذلك كثير مما يدل على نفع المؤمنين بعذاب الكافرين ~~والانتصاف لهم فيجب أن يكون في الاسم PageV01P172 المشتق لله تعالى من ذلك ~~ما يدل على حكمته بل هنا سر لطيف أنفس من ذلك وهو أن كل ضر وشر في الدنيا ~~والآخرة فانما هو بذنوب العباد وما تستوجبه وتستدعيه من العقوبات # أما شرور الدنيا فلقوله تعالى @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفو عن كثير @QE@ وفي قراءة بما كسبت أيديكم وقوله تعالى @QB@ وإن تصبهم ~~سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور @QE@ وفي آية @QB@ إذا هم يقنطون ~~@QE@ وفي قوله @QB@ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم ~~بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون @QE@ مع ms155 ما في الحديث من ذلك # وأما عذاب الآخرة فلقوله تعالى @QB@ وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون ~~@QE@ وقوله @QB@ ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون @QE@ فسماه كسبا لهم وعملا ~~ومنه قول أيوب عليه السلام @QB@ أني مسني الشيطان بنصب وعذاب @QE@ لما كان ~~عقوبة ذنبه ومنه قوله تعالى @QB@ فأخرجهما مما كانا فيه @QE@ فنسب الاخراج ~~إلى الشيطان لذلك # ومن أجل ذلك صح أن يقال أن العذاب ظلم وضر من العباد لأنفسهم كما قال ~~تعالى @QB@ وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون @QE@ وأما من الله تعالى ~~فانما هو منه عدل وحكمة أما العدل فلوقوعه جزاء وفاقا بعد التمكن والانذار ~~وقطع الاعذار والاشهاد والكتابة والوزن بموازين الحق وأمثال ذلك وأما ~~الحكمة فللنص على حاجة المتشابه إلى التأويل # وفي قصة موسى والخضر عليهما السلام بيان أن التأويل بيان وجوه خفية تناسب ~~عقول العقلاء وسيأتي هذا المعنى مبسوطا واضحا في مسألة PageV01P173 الحكمة ~~من هذا المختصر إن شاء الله تعالى وسيأتي في مسألة الافعال بيان أن المعاصي ~~من العباد وما ورد في ذلك من نصوص القرآن والسنة الجمة التي لا نزاع فيها ~~ولا معارض لها ومجموع ذلك يقتضي نسبتها ونسبة جميع ما يترتب عليها ويتفرع ~~عنها من شرور الدارين إلى العباد المستحقين للذم والعذاب عليها بالنصوص ~~والاجماع # وأما تقدير الله تعالى لوقوعها باختيار العباد لحكمة فهو مثل سبق علمه ~~بذلك لا يوجب لله تعالى إلا وصف القدرة والعزة كما يأتي أيضا مبسوطا في ~~موضعه من هذا المختصر إن شاء الله تعالى # فان قيل فكيف جاز اطلاق الضار عليه سبحانه فالجواب من وجهين أحدهما أن ~~اسم الضار لم يرد في القرآن ولا في حديث متفق على صحته فمن لم يتحقق الاذن ~~فيه ولم يصح له كالبخاري ومسلم ومن شرط في الصحة شرطهما لم يجب عليه ادخاله ~~في الاسماء الحسنى وقد بسطت القول فيه في العواصم في آخر مسألة العباد ~~وذكرت فوائد تستحق الرحلة اليها إلى أبعد مكان فلتطلب من مكانها وثانيهما ~~على تقدير صحة أن اسم الضار لا يجوز افراده عن النافع فحين ms156 لم يجز افراده ~~لم يكن مفردا من أسماء الله تعالى وإذا وجب ضمه إلى النافع كانا معا كالاسم ~~الواحد المركب من كلمتين مثل عبد الله وبعلبك فلو نطقت بالضار وحده لم يكن ~~اسما لذلك المسمى به ومتى كان الاسم هو الضار النافع معا كان في معنى مالك ~~الضر والنفع وذلك في معنى مالك الأمر كله ومالك الملك وهذا المعنى من ~~الأسماء الحسنى وهو في معنى قوله تعالى @QB@ قل اللهم مالك الملك تؤتي ~~الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير ~~@QE@ الآية وهو في معنى القدير على كل شيء # وميزان الاسماء الحسنى يدور على المدح بالملك والاستقلال وما يعود إلى ~~هذا المعنى وعلى المدح بالحمد والثناء وما يعود إلى ذلك وكل اسم دل هذين ~~الأمرين فهو صالح دخوله فيها والضار النافع يرجع إلى ذلك مع على الجمع وعدم ~~الفرق ومع القصد فيلزم من أطلقه قصد ذلك مع الجمع PageV01P174 # وقد ذكر غير واحد من العلماء أنه لا يجوز افراد الضار ولم يلخصوا هذا ~~التلخيص وقد وفق الله له من كره الشذوذ عن الجمهور في قبوله وإن لم يكن من ~~الاسماء القرآنية ولا مما صح سنده والله المستعان والهادي لا إله إلا هو # فائدة هل يجوز تسمية محامد الرب تعالى وأسمائه الحسنى صفات له سبحانه ~~وتعالى قال الله تعالى @QB@ ولله المثل الأعلى @QE@ وذكر أهل التفسير ~~واللغة أنه الوصف الا على وكذلك جاء في كلام علي عليه السلام أنه قال فعليك ~~أيها السائل بما دل عليه القرآن من صفته ذكره السيد أبو طالب في الأمالي ~~باسناده والسيد الرضي في النهج كلاهما في جوابه عليه السلام على الذي قال ~~له صف لنا ربنا وهذا لا يعارض قوله عز وجل @QB@ سبحانه وتعالى عما يصفون ~~@QE@ لأنه لم ينزه ذاته عن الوصف مطلقا حتى يعم الوصف الحسن وإنما ينزه عن ~~وصفهم له بالباطل القبيح # ومما يحتاج إلى ذكر الشاهد في هذه الاسماء المختلف في صحة سندها اسم ~~الصبور لأنه ليس في ms157 كتاب الله تعالى وقد خرج البخاري ومسلم في حديث أبي ~~موسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا أحد أصبر على أذى سمعه من ~~الله عز وجل إنه ليشرك به ويجعل له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم ذكره ابن ~~الأثير في آخر كتاب الصبر من حرف الصاد من جامعه ويشهد لذلك ما ورد في ~~القرآن الكريم من نسبة الغضب فعلا لا اسما إلى الله تعالى وكل ذلك مع القطع ~~بانتفاء نقائص المخلوقين اللازمة لهذه الامور عن جلال الله عز وجل باجماع ~~المسلمين في المعنى وإن اختلفت عباراتهم # والذي في كتاب الله تعالى اسم الحليم وهما في المعنى متقاربان قال ابن ~~الأثير في النهاية هو الذي لا يعاجل العصاة ومعناه قريب من معنى الحليم ~~والفرق بينهما أن المذنب لا يأمن العقوبة كما يأمنها في صفة الحليم كذا قال ~~وفيه نظر فانه لا أمان لمذنب من العقوبة بالاجماع من الوعيدية وأهل الرجاء ~~واهل الارجاء لجهل الخواتم والنصوص كقوله تعالى @QB@ إن عذاب ربهم غير ~~مأمون @QE@ وفي آية @QB@ إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ PageV01P175 # ولقوله تعالى @QB@ وما تدري نفس ماذا تكسب غدا @QE@ وغير ذلك والله أعلم ~~ولذلك قالت المرجئة ببقاء الخوف في حال التكليف # وأما المنان فقال ابن الاثير في النهاية وغيره أنه المنعم من المن وهو ~~الاحسان الذي لا يطلب عليه جزاء لا من المنة وهو من تفسير اللفظ المشترك ~~بأحسن معانيه لما قدمته وإن كانت المنة حسنة من الله تعالى كما قال @QB@ بل ~~الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان @QE@ ولكن الاسماء الحسنى جمع الاحسن لا ~~جمع الحسن كما تقدم فتأمل ذلك يفتح لك باب الفقه في أسماء الله سبحانه ~~وتعالى PageV01P176 # | فصل # في التعريف بالقصور عن الاحاطة بحقيقة معرفة الله تعالى ومعرفة أسمائه ~~ونعوته الجليلة من جميع الوجوه على مقتضى ما أرشدنا اليه ربنا سبحانه ~~وتعالى في قوله عز وجل @QB@ ولا يحيطون به علما @QE@ وكما اشتهر عن أمير ~~المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام حتى روته الخصوم عنه وكفى به أسوة ms158 ~~وسلفا صالحا في ذلك كيف ولا يعرف له مخالف من أهل عصره ومن بعدهم بل اعترف ~~العلامة ابن أبي الحديد المعتزلي أنه قول لم تزل فضلاء العقلاء مائلين اليه ~~وقد اخترت ايراد كلام الغزالي في المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى ~~لحسن عبارته ووضوح أمثاله في ذلك فأقول # قال الغزالي في الفصل الرابع من مقدمات المقصد الأسنى وقد حث على الترقي ~~في المراتب الشريفة الكمالية من العلم والرحمة ونحو ذلك مما فيه تخلق ببعض ~~أسماء الله عز وجل # فان قلت ظاهر هذا الكلام يشير إلى مشابهة بين العبد وبين الله تعالى ~~والله تعالى ليس كمثله شيء # فأقول مهما عرفت معنى المماثلة المنفية عن الله تعالى عرفت أنه لا مثل له ~~وينبغي أن لا تظن أن المشاركة بأي لفظ توجب المماثلة ألا ترى أن الضدين ~~بينهما غاية البعد الذي لا يتصور أن يكون فوقه بعد وهما متشاركان في أوصاف ~~كثيرة فالسواد يشارك البياض في كونه عرضا وفي كونه مدركا وفي كونه لونا في ~~كونه موجودا ومرئيا ومعلوما وفي أمور أخر إلى قوله PageV01P177 ولو كان ~~الأمر كذلك لكان الخلق كلهم مشبهة إذ لا أقل من إثبات المشاركة في الوجود ~~بل المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية فالفرس وإن كان بالغا في ~~الكياسة لا يكون مثلا للانسان لأنه مخالف له بالنوع وإنما يشابهه بالكياسة ~~التي هي عارضة خارجة عن الماهية المقومة للذات الانسانية والخاصية الالهية ~~أنه سبحانه الموجود الواجب الوجود بذاته التي عنها يوجد ما في الامكان ~~وجوده على أحسن الوجوه في النظام والكمال وهذه الخاصة لا يتصور فيها مشاركة ~~ألبتة والمماثلة لا تحصل إلا بها فكون العبد صبورا شكورا لا يوجب المماثلة ~~ككونه سمعيا بصيرا عالما قادرا حيا فاعلا بل أقول خاصية الالهية ليس إلا ~~لله عز وجل ولا يعرفها إلا الله ولا يتصور أن يعرفها إلا هو أو مثله لو كان ~~له مثل فحين لم يكن له مثل فلا يعرفها غيره فاذا الحق ما قاله الجنيد رحمه ~~الله تعالى ms159 لا يعرف الله إلا الله إلى قوله بل أزيد فأقول لا يعرف أحد ~~حقيقة الموت والجنة والنار إلا بعد الموت ودخول الجنة والنار لأن الجنة ~~عبارة عن أسباب ملذة ولو فرضنا شخصا لم يدرك قط لذة لم يمكننا أصلا أن ~~نفهمه الجنة تفهيما يرغبه فيها وكذلك إذا أدرك شيئا من اللذات فغايتنا أن ~~نفهمه الجنة بأعظم ما ناله من تلك اللذات فان كان في الجنة لذة مخالفة لهذه ~~اللذات فلا سبيل إلى تفهيمها أصلا إلا بالتشبيه بهذه المخالفة لها كما ~~ذكرناه في تشبيه لذة النكاح بحلاوة السكر متى طالبنا الصغير ومن لا يشتهي ~~النكاح أن نعرفه ذلك بل العبارة الصحيحة عن الجنة أنها ما لا عين رأت ولا ~~أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر # فكيف يتعجب من قولنا لم يحصل أهل السموات والأرض من معرفة الله تعالى إلا ~~على الاسماء إلى قوله فان قلت فاذا لم يعرف حقيقة ذاته فهل تعرف حقائق ~~الاسماء قلنا هيهات ذلك لا يعرفه بالكمال إلا هو لأنا إذا علمنا ذاتا عالمة ~~فقد علمنا شيئا مجملا لا ندري ما حقيقته لكن ندري أن له صفة العلم فان كانت ~~صفة العلم معلومة لنا حقيقة كان علمنا بها علما تاما وإلا فلا ولكنه لا ~~يعرف أحد حقيقة علم الله إلا من له مثل علمه وليس ذلك إلا له وإنما يعرفه ~~غيره بالتشبيه بعلم نفسه وعلم الله لا يشبهه علم الخلق ألبتة فلا يكون ~~معرفتهم بعلمه معرفة تامة بل إلهامية تشبيهية فلا تعجبن من PageV01P178 هذا ~~بل أقول لا يعرف الساحر إلا الساحر نفسه أو ساحر مثله أو فوقه انتهى كلامه # والقصد تقريب الافهام من معنى قول الله سبحانه @QB@ ولا يحيطون به علما ~~@QE@ وعن أمير المؤمنين عليه السلام في عجز العقول عن ذلك امتنع عنها بها ~~واليها حاكمها وقد ذكرت كلام العلامة ابن أبي الحديد المعتزلي عنها في ذلك ~~وأشعاره ومبالغته في نصرته قريبا وكذلك نض الامام المؤيد بالله يحيى بن ~~حمزة في شرحه لنهج البلاغة واحتج بكلامه عليه ms160 السلام على ضعف كلام أبي هاشم # وحكى الرازي قول علي عليه السلام عن جمهور المحققين وابن أبي الحديد عن ~~فضلاء العقلاء وهو قول الباقلاتي وإمام الحرمين الجويني والكيا الهراسي ~~والغزالي والصوفية حكى ذلك الزركشي في شرح جمع الجوامع وجود الكلام احتجاجا ~~وجوابا وقد نقلته وزدت عليه في ترجيح أساليب القرآن ويدخل فيما ذكرته مسألة ~~القرآن ومسألة الرؤية وقد بسطت القول فيهما في العواصم في المجلد الثاني في ~~مقدار ثمانين ورقة وجودت القول في أدلة الفريقين على الانصاف ولله الحمد ~~وتقصيت كلام أهل المعقولات ومعارضة بعضهم بعضا ونقلته من كتبهم الحافلة ~~التي هي النهاية في ذلك ليخرج الواقف على ذلك من ظلمات التقليد والعصبية ~~وهو يأتي جزءا مفردا لمن أحب أن يضمه إلى هذا أو مجلدا واحدا مع هذا لمن ~~أحب # ويلحق بهذا الاشارة إلى مذهب أهل السنة في معنى قوله تعالى @QB@ ليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ قالوا المراد نفي التشبيه بتعظيم الاسماء ~~الحسنى واثباتها لا بنفيها كما قالت القرامطة مثاله أنه عليم لا يعرب عن ~~علمه شيء ولا يزول علمه ولا يتغير ولا يكتسب بالنظر الذي يجوز فيه الخطأ ~~ويتعلق بالماضي والمستقبل والغيب والشهادة ويعلم خائنة الاعين وما تخفي ~~الصدور ولا تأخذه سنة ولا نوم وأمثال ذلك في كل اسم PageV01P179 # ويدل على قولهم وجوه الأول قوله في آخر الآية @QB@ وهو السميع البصير ~~@QE@ وهو أوضح دليل على ذلك الثاني تمدحه تعالى بكل اسم على انفراده الثالث ~~قوله تعالى @QB@ ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم @QE@ أي الوصف ~~الاعلى على ألسنة أهل السموات والأرض وهو كمال الثناء بأسمائه الحسنى كما ~~ذكره المفسرون والقرآن يفسر بعضه بعضا وأما نفي الاسماء عنه وتأويلها فلا ~~يدل عليه عقل ولا سمع بل هو خلاف المعلوم ضرورة من الدين وليس فيه من ~~الشبهة غير تسميتهم له تنزيها وهو اسم حسن على مسمى قبيح فالواجب تنزيه ~~الله تعالى منه # الرابع اجماع أهل الاسلام على مدحه تعالى باثبات ms161 الاسماء الحسنى لا ~~بنفيها فان تسمية الملاحدة نفيها تنزيها لله تعالى من مكائدهم للاسلام ~~والمسلمين وكم فعلت الزنادقة في الاسلام من نحو ذلك يسترون قبائح عقائدهم ~~بتحسين العبارات قاتلهم الله تعالى وبذلك تم الكلام في الذات والاسماء ~~الحسنى والله الهادي وهو حسبنا ونعم الوكيل ويتلوه الكلام في الحكمة ~~والمشيئة والقضاء والقدر وأفعال العبادة وتمكينهم والاسماء الدينية والوعد ~~والوعيد والتكفير والتفسيق وما يجب من حب القرابة والصحابة وسائر المؤمنين # تم الجزء المبارك من إيثار الحق على الخلق والحمد لله رب العالمين وصلى ~~الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم PageV01P180 # | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده المهم الثاني الكلام في حكمة الله تعالى تم في مشيئته ~~ومحبته وأفعال العباد وما يتعلق بها من الكفر والفسق والوعد والوعيد # وهذا المهم يختص بمن قد عرف من علم الكلام والاختلاف ما أمرض قلبه أو منع ~~يقينه بالاعتقاد الجملي أو من رسخت في قلبه العصبية ولم يستطع دفعها من غير ~~حجة حين بقيت بلا معارض أو من ضل بالتقليد ومن كان في عافية من ذلك فلا ~~يحتاج اليه والله أعلم # ولنبدأ بالقول في الحكمة لأنها الاساس فانها نوع مخصوص من علم الله تعالى ~~بالمنافع الخفية والعقول الحميدة والمصالح الراجحة وبها تبرز أفعاله تعالى ~~من القدرة إلى الوجود ويتبين عجز العقول عن مدارك جميع ما له سبحانه وتعالى ~~من الحكمة والكرم والجود فنقول وبالله نستعين وهو حسيبنا ونعم الوكيل # المسألة الأولى في إثبات حكمة الله تعالى في جميع أفعاله وأن ذلك أحوط ~~ومعناها ههنا العلم بأفضل الاعمال والعمل بمقتضى ذلك العلم مثاله العلم بأن ~~الصدق أولى من الكذب والعدل أولى من الجور والجود أولى من البخل والاحسان ~~أولى من الاساءة ولا خلاف في تسمية هذا الذي ذكرته حكمة في حق الحكماء ~~والعلماء من الخلق وإنما ادعى بعض الغلاة أن مثل ذلك منها محال في حق الرب ~~عز وجل كما يأتي فساده وتختلف العبارات عما ذكرنا والمعنى واحد # وقد ذكر ابن الاثير في النهاية في ms162 غريب الحديث أن الحكمة العلم ~~PageV01P181 بأفضل الاعمال ومنه قوله تعالى @QB@ ويعلمهم الكتاب والحكمة ~~@QE@ فان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلمهم الصناعات بالاجماع وإنما ~~كان يعلمهم أفضل الأعمال من أحسن الأخلاق وعلى هذا التفسير قوله تعالى @QB@ ~~حكمة بالغة فما تغن النذر @QE@ وقوله تعالى @QB@ ولقد آتينا لقمان الحكمة ~~أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه @QE@ وقوله تعالى @QB@ وما أنزل ~~عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به @QE@ وكذلك قوله تعالى @QB@ وما أرسلنا ~~من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو ~~العزيز الحكيم @QE@ وقول عيسى عليه السلام @QB@ وإن تغفر لهم فإنك أنت ~~العزيز الحكيم @QE@ فانه لا يصح تأويل الحكيم في هاتين الآيتين وغيرهما ~~بالمحكم لعدم المناسبة كما سيأتي # وعبارة أهل الكلام في تفسير الحكمة أنها اثبات داع راجح إلى جميع ما فعله ~~الله وأراده وان خفي على خلقه أو كثير منهم والمرجع بهذا الداعي إلى علم ~~الله تعالى بالمصالح والغايات الحميدة وسبب وقوع الخلاف في ذلك أن قوما ممن ~~أثبت الحكمة غلوا في ذلك فأوجبوا معرفة العقول للحكمة بعينها على جهة ~~التفصيل فجاؤا بأشياء ركيكة فرد عليهم ذلك طائفة من الاشعرية وغلوا في الرد ~~وأرادوا حسم مواد الاعتراض بنفي التحسين العقلي واستلزم ذلك نفي الحكمة ~~فتجاوزوا الحد في الرد فوقعوا في أبعد مما ردوه وأشد وخير الامور أوسطها # والقول بحكمة الله تعالى أوضح من أن يروى عن صحابي أو تابعي أو مسلم سالم ~~من تغيير الفطرة التي فطر الله خلقه عليها ولذلك تقر به العوام من كل فرقة ~~ويقر به كل من لم يتلقن خلافه من اتباع غلاة بعض المتكلمين على ما فيهم من ~~الشذوذ وقد اجتهدوا واحتالوا في تحسين مذهبهم بمجرد عبارات مزخرفة ليس ~~تحتها أثارة من علم مثل تسمية الحكمة العلة وإبهام PageV01P182 أن القول ~~بالحكمة يقدح في كون الله غنيا وهذا من أبطل الباطل ولو كان ذلك يقدح في ~~غناه وجب أن يقدح في غناه وجوب وصفه بكونه عليما قديرا سميعا بصيرا إلى ms163 ~~سائر أسمائه الحسنى خصوصا كونه تعالى مريدا ولزم مذهب الملاحدة في نفي جميع ~~أسمائه وكان المعدوم والجماد أغنى الأغنياء وقد تقرر في قواعد أهل الاسلام ~~نفي التشبيه عن ذات الله تعالى وصفات وأفعاله وتقرر أن المراد بنفي التشبيه ~~تعظيم الرب جل وعز في ذاته وصفاته وأفعاله لا نفي الصفات والاسماء والممادح # فمن الواجب في نفي التشبيه عن أفعاله أن تكون أكمل من أفعال المخلوقين من ~~جميع الوجوه لا أنها تكون أخس ولا أنقص في وجه واحد من الوجوه المحمودة # ولا ريب ولا شبهة أن قاعدة الكمال في الافعال أن يكون صدورها عن الحكمة ~~البالغة في توجيهها إلى المصالح الراجحة والعواقب الحميدة فكلما ظهر ذلك ~~فيها كانت أدل على حكمة فاعلها وعلمه وحسن اختياره ومحامده وكلما بعدت عن ~~ذلك كانت أشبه بالآثار الاتفاقية وما يتولد عن العلل الموجبة وأشبهت أفعال ~~الصبيان في ملاعبهم والمجانين في خيالاتهم فلا يوجد في أفعال المخلوقين أخس ~~ولا أنقص من أفعال الصبيان والمجانين لخلوها عن الحكمة مع أنها لم تخل من ~~موافقة شهواتهم ولم تجرد عن كل داع فمن نفي عن أفعال الله كل داع وحكمة فقد ~~جعلها من هذه الجهة أنقص قدرا من أفعال الصبيان والمجانين في ملاعبهم ~~وجنونهم # وأصل أهل الاسلام تحريم تشبيه أفعال الله بأفعال العقلاء والحكماء في ~~كمالها وعدم مداناتهم لها في ذلك لزيادتها في الكمال في ذلك وبلوغها في ~~الزيادة إلى منزلة لا تبلغها عقول الاذكياء والحكماء كما أن الحيوان ~~البهيمي لا يبلغ بما له من الالهام إلى تعرف حكمة الحكماء وتصانيف الأذكياء ~~ومعارف الفطناء ولا يتمكن من معرفة مقدار زيادتهم عليه فكذلك الحكماء لا ~~يعرفون جميع حكمة الله تعالى ولا يستطيعون أن يعرفوا مقدار زيادتها على ~~حكمتهم كما وضح في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام ولله PageV01P183 المثل ~~الأعلى وكيف تجعل أفعال أحكم الحاكمين أنقص رتبة في خلوها عن الحكمة وأبعد ~~عنها من مرتبة أفعال الصبيان والمجانين والساهين # وإنما قلنا أنهم جعلوها أنقص في ذلك لوجهين أحدهما أنهم قطعوا بخلوها ms164 ~~كلها عن كل حكمة وداع وسبب ومنعوا أن تكون أفعاله كلها أرجح من أضدادها إلا ~~في الاقوال فأوجبوا الصدق في أقوال الله تعالى ومنعوا ضده وهو الكذب ولزمهم ~~بذلك الموافقة على ثبوت مثل ذلك في الافعال إذ لم يفرقوا بين الأفعال ~~والأقوال بحجة بينة ولكن خافوا من تجويز الكذب على الله صريح الكفر وإنما ~~الاقوال نوع من الأعمال # وقد أجمعت الامة على دخول الاقوال والاعمال في الوعد والوعيد على الاعمال ~~وفي الصحيح أن أفضل العلم شهادة أن لا إله إلا الله وقال الشيخ تقي الدين ~~في شرح العمدة أنه لا تردد في دخول الاقوال في حديث ( الأعمال بالنيات ) ~~وأمثال ذلك كثيرة جدا هذا في اللغة والنص والاجماع وأما العقل فلا ريب في ~~تساويهما في ذلك فما بالهم أوجبوا صيانة الاقوال الربانية عن النقائص وأما ~~في الأفعال الربانية فحكموا بأنه تعالى لو عكس الحكم في جميع أوامره ~~العادلة المصلحة الحكيمة في شرائعه وأحكامه في الدنيا وكذلك في يوم القيامة ~~أو عذب الأنبياء والأولياء وأهانهم وأخزاهم بذنوب غيرهم ثم أدخل أعداءه ~~وأعداءهم الجنة بحسناتهم واكرامهم وعظمهم ما كان هذا الحال عليه بأبعد عن ~~حكمته ومحامدة في العقل والسمع مما هو فاعله سبحانه وتعالى مما تمدح به ~~وسماه حقا وعدلا وحكمة وصوابا وتمدح لذلك بأنه لا معقب لحكمه ولا مبدل ~~لكلماته وبأنه إذا بدل آية مكان آية لا يبدلها إلا بما هو خير منها أو ~~مثلها فزعموا أن التسوية بين أحكامه وأضدادها هو مقتضى العقول والشرائع لكن ~~الشرائع وردت بالخبر عن وقوع أحد الجائزين المتماثلين في الحكمة مثل ~~تماثلهما في القدرة بل المتماثلين في القدرة بلا حكمة عندهم إلا الصدق في ~~الخبر فواجب وحده فانا لله إن كانت ذهبت العقول فأين الحياء من الله تعالى ~~وكتبه ورسله والمسلمين # ومن العجب ظنهم أن هذا كله جائز عليه في أفعاله عقلا ولا يجوز في أقواله ~~عقلا أدنى نقص ولا لغب وهو كما قالوا في الأقوال لكن الصواب PageV01P184 ~~صيانة أفعاله كأقواله من الاهمال بل إهمال الافعال ms165 من الحكمة أضر وأقبح من ~~إهمال الأقوال وكم بين التخليد في عذاب جهنم بلا ذنب بل بذنب الغير وبين ~~الخلف في وعد بمثوبة عند جميع العقلاء فمن لم يجز عليه هذا الخلف كيف يجوز ~~عليه ذلك التعسف # وثانيهما أنهم جعلوا صدور الافعال منه تعالى عن حكمة محالا عليه غير ممكن ~~له ولا داخل في مقدوره كاحالة الأكل والشرب عليه وصدورها عن حكمة غير محال ~~في حق الصبيان والمجانين والغافلين والنائمين والمفسدين عند الجميع بل ~~يلزمهم أن الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا لو عكس الصدق والحق وبعث الكاذبين ~~المفسدين وأيدهم بالمعجزات ما كان أولى من عكس ذلك ولم ينفصلوا عن هذا ~~الالزام بوجه بين وإنما خرموا قاعدتهم فيه خوفا من صريح الكفر فقال بعضهم ~~إنما يمتنع الكذب في كلام الله تعالى لأنه قديم وهذا قد جوز أن الكذب من ~~حيث هو كذب قبيح لكنه مع ذلك نسب إلى الله تعالى عدم القدرة عليه فجمع بين ~~تجويزه نقصين نقص الكذب لو دخل في قدرة الله تعالى ونقص العجز عنه تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا # ولذلك أبطله الرازي بأن القدم يختص الكلام النفسي لا الأصوات عندهم وقال ~~الرازي إنما يمتنع الكذب على الله تعالى لأن صفة النقص لا تجوز على الله ~~تعالى وهذا كلام صحيح لكن كون الكذب صفة نقص اعتراف بالتحسين والتقبيح ~~وثبوت الحكمة عقلا وإذا وقع الاجماع على أن الكذب صفة نقص وعلى أنه إنما ~~امتنع على الله لكونه صفة نقص فكذلك تعذيب الانبياء بذنوب أعدائهم وإثابة ~~أعدائهم بحسناتهم في يوم القيامة ويوم الدين والحق والعدل فانه محال على ~~الله تعالى عقلا وسمعا من الجهة التي استحال عليه الكذب منها ومن زعم أن ~~بينهما فرقا في النقص على العدل الحكيم فقد أبطل والله يحب الانصاف على أن ~~بعثة الرسل الصادقين دون الكذابين من محسنات الافعال التي نازعوا فيها ~~وليست من صدق الاقوال الذي أوجبوه فلزمهم تجويز بعثة الكذابين وتأييدهم ~~بالمعجزات ولذلك لما قرر هذا بعض أئمة المعقولات منهم لم ms166 ينفصل عنه إلا ~~بالزام PageV01P185 خصومهم مثله وترك ذلك كذلك غنيمة باردة للزنادقة ~~والملاحدة متى وقفوا عليه أو ظفروا به والله المستعان # وقد أجمعت الامة وعلم من الدين ضرورة أن الله تعالى تمدح بأنه الملك ~~الحميد وإلى هذين الاسمين الشريفين ترجع متفرقات أسمائه الحسنى فما كان ~~منها يقتضي كمال العزة والقدرة والجبروت والاستقلال والجلال دخل في اسم ~~الملك وعاد اليه وما كان منها يقتضي الجود والرحمة واللطف والصدق والعدل ~~وكشف الضر وأمثال ذلك من الممادح دخل في اسم الحميد وعاد اليه وربما عبر ~~عنهما بما رادفهما أو أحدهما مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم أهل الثناء ~~والمجد وقوله إنك حميد مجيد فان المجد هو الملك والثناء هو الحمد فمن الناس ~~من نظر إلى اسم الملك فعظمه ووفاه حقه بالنظر إلى معارف البشر وقصر في اسم ~~الحميد ومعناه بنفي الحكمة عن أفعاله كلها كما أن من الناس من عكس فبالغ في ~~اسم الحميد وقصر في تعظيم ملكه وقدرته وعزته فلم يجعل له قدرة على اللطف ~~بعبد واحد من جميع عباده العصاة كما سيأتي في مسألة المشيئة وجميع أئمة ~~الاسلام العارفين جمعوا بين تعظيم هذين الاسمين الشريفين ووفوا كل واحد ~~منهما حقه على حسب قوى البشر في ذلك ومما قلته في ذلك في الاجادة # ( فمن قاصد تنزيهه لو رعى له % من الجبروت الحق عز التعاظم ) # ( ومن قاصد تعظيمه لو رعى له % محامد ممدوح بأحكم حاكم ) # ( وحافظ كل العارفين عليهما % وهذا الصراط المستقيم لقائم ) # ذلك أن اسم الملك يقتضي تفرده بالخلق والامر والعزة وعلم الغيوب والقدرة ~~على كل شيء ثم أن الكمال الاعظم في ذلك كله يقتضي نفوذ المشيئة وسبق القضاء ~~من غير جبر كيلا يفوت عليه سبحانه مراد واسمه الحميد يقتضي كمال الحمد ~~والعدل والحكمة والفضل والصدق والجود والثناء والتسبيح والتقديس ثم أن ~~الكمال الأعظم في ذلك كله يقتضي أوفر نصيب لأفعاله الحميدة وأحكامه العادلة ~~من التنزيه عن اللعب والعبث والخلو عن الحكمة والمساواة بينها وبين أضدادها ~~وهذا ما لا شبهة PageV01P186 فيه ms167 ولذلك نص عليه كثير من أئمة الآثار بل من ~~علماء الكلام الذين ربما اتهمهم خصومهم أنهم من نفاة الحكمة # وأنا أورد من ذلك اليسير على قدر هذا المختصر فمن ذلك أن ابن الحاجب جزم ~~في كتابه مختصر منتهى السؤل والامل باجماع الفقهاء على أن أفعال الله تعالى ~~في الشرائع معللة ذكره في دليل العمل بالسير وتخريج المناط من القياس وذكر ~~في مسالك العلة أنها صريح وتنبيه وإيماء فالصريح مثل لعلة كذا أو بسبب أو ~~لاجل أو لكي أو اذن أو مثل لكذا أو ان كان كذا أو بكذا أو مثل فانهم يحشرون ~~أو فاقطعوا أيديهما ومثل سها فسجد ثم ذكر أقسام التنبيه والايماء بعد ذلك ~~وجميع الاشعرية يتابعونه على ذلك في أصول الفقه كالرازي في المحصول ~~والغزالي في المستصفى وجميع من أثبت القياس في الفروع وكذلك شراح كتابه ~~منهم ومن غيرهم مع كثرتهم وأكثرهم أشعرية قرروا ذلك ولم يعترضوه وقد قيل ~~أنه شرح بسبعين شرحا # وأما قول عضد الدين في شرحه وجوبا عند المعتزلة وتفضلا عند غيرهم فانما ~~أراد ارسال الرسل لا تعليل الاحكام الشرعية وإلا بطل القياس ولأن هذا النقل ~~عن المعتزلة وغيرهم باطل في تعليل الاحكام الشرعية وكذلك ذكر الحافظ أسعد ~~بن علي المعروف بالزنجاني أن ذلك مذهب أهل السنة وهو من أئمة الشافعية ذكره ~~في شرح قصيدته الشهيرة في الحث على السنة وهي التي أولها ( تمسك بحبل الله ~~واتبع الخبر ) وذكر الذهبي في ترجمة عكرمة من الميزان ما يدل على ذلك وكذلك ~~الامام الخطابي والعلامة الدميري من أئمة الشافعية وأهل السنة ذكرا حكمة ~~الله تعالى في خلق الداء والدواء في جناحي الذباب والهامة تقديم ما فيه ~~الداء وتأخير ما فيه الدواء ردا على من من طعن في الحديث بذلك ونصا على أن ~~لله حكمة في كل شيء وطولا في ذلك ذكره الدميري في كتابه حياة الحيوان في ~~ذكر الذباب من حرف الذال # وشرح ابن الأثير الحكيم بالحاكم وبذى الحكمة معا ولم ينكر تفسيره بذي ~~الحكمة ويجعله من ms168 البدع وفسر الحكمة بمعرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم فجعل ~~الاشياء متفاضلة في أنفسها والحكمة معرفة ذلك وهذا هو المراد وإذا كان ~~للاسم الشريف معنيان صحيحان مشتملان على الحمد PageV01P187 والثناء لم يصح ~~منع أحدهما على أن تفسير الحكيم بالحاكم مطلقا مما لم أره في كتب اللغة ~~ولعل ابن الأثير قلد فيه بعض المتكلمين وهذه كتب اللغة موجودة والله يحب ~~الانصاف # وذكر ابن كثير في الأول من البداية والنهاية في قصة نوح عليه السلام في ~~تفسير قوله تعالى @QB@ ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله ~~يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون @QE@ قال ابن كثير أي من يرد الله ~~فتنته فلن يملك أحد هدايته هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الفعال ~~لما يريد وهو الحكيم العليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية وله ~~الحكمة البالغة والحجة الدامغة اه بحروفه هو إشارة إلى قوله تعالى @QB@ وما ~~يضل به إلا الفاسقين @QE@ كما ذكره الذهبي # فالزنجاني والذهبي وابن كثير من أئمة الاثر وأئمة الشافعية وأهل السنة ~~وقد تطابقوا على تعليل أفعال الله بالحكمة من غير حكاية خلاف في ذلك بل ذكر ~~ذلك الغزالي مع توغله في علم الكلام ذكره في المقصد الأسنى في شرح أسماء ~~الله الحسنى في شرح الرحمن الرحيم وكذلك ذكر مثل ذلك في الاحياء في سر ~~القدر كما تقدم # ومن كلامه في المقصد الاسنى ما لفظه ولذلك قال الله سبقت رحمتي غضبي ~~فغضبه ارادته الشر والشر بارادته ورحمته ارادته الخير والخير بارادته ولكن ~~أراد الخير للخير نفسه وأراد الشر لا لذاته بل لما تضمنه من الخير إلى قوله ~~فلا تشكن أصلا في أن الله أرحم الراحمين وانه سبقت رحمته غضبه ولا تستريبن ~~في أن مريد الشر للشر لا للخير غير مستحق اسم الرحمة إلى آخر ما ذكره وهو ~~كلام طويل متداول بين أهل السنة وكذلك قال النووي في شرح مسلم في حديث ~~والشر ليس اليك أي ليس بشر بالنظر إلى حكمتك فيه وإنك لا تفعل ms169 العبث وذكره ~~في الاذكار أيضا # وذكر ذلك الفقيه ابن العربي المالكي في شرح الترمذي ومن كلامه فيه ما ~~لفظه فان البارى لا يجوز عليه الاهمال بحال ولا بوجه قال PageV01P188 وقد ~~وهم في ذلك المتكلمون من علمائنا في بعض الاطلاقات على الله وذلك قبيح فلا ~~تلتفتوا اليه ذكره في أول كتاب الصيام بل قال الرازي في مفاتيح الغيب إن ~~مسألة الافعال وقعت في حيز التعارض بحسب تعظيم الله تعالى نظرا إلى قدرته ~~وبحسب تعظيمه سبحانه نظرا إلى حكمته إلى آخر كلامه كما سيأتي في مسألة ~~الافعال ويعضده كلامه في وصيته وفي أصول الفقه # وقال الامام العلامة محمد بن جرير الطبري إمام السنة ما لفظه ( فان قال ~~قائل ) فما معنى قوله عليه السلام اعملوا فكل ميسر لما خلق له إن كان الامر ~~كما وصفت من أن الذي سبق لأهل السعادة والشقاء لم يضطر واحدا من الفريقين ~~إلى الذي كان يعمل ولم يجبره عليه ( قيل ) هو أن أهل كل فريق من هذين مسهل ~~له العمل الذي اختاره لنفسه مزين له ذلك كما قال جل ثناؤه @QB@ ولكن الله ~~حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم @QE@ وأما أهل ~~الشقاوة فانه زين لهم أعمالهم لإيثارهم لها على العمل بطاعته كما قال جل ~~ثناؤه @QB@ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون @QE@ ~~إلى قوله لأن المضطر إلى الشيء لا شك أنه مكره عليه لا محب له بل هو له ~~كاره ومنه هارب والكافر يقاتل دون كفره إلى آخر ما ذكره وهو كلام جيد مطول ~~ذكره بكماله العلامة ابن بطال في أبواب القدر من شرح صحيح البخاري محتجا به ~~على بطلان قول الجبرية الجهمية وموضحا لبراءة أهل السنة منهم والحجة فيه ~~هنا قوله لإيثارهم لها على طاعته # وفي الواحدي في تفسير قوله تعالى @QB@ وأضله الله على علم @QE@ عن سعيد ~~بن جبير على علمه فيه وهو من هذا القبيل وإلا لم يكن مناسبا ms170 واحتاج إلى ~~تفسير آخر وقال ابن الجوزي في مواعظه بث الحكم فلم يعارض بلم وقال ابن قيم ~~الجوزي الحنبلي في حادي الأرواح ما لفظه محال على أحكم الحاكمين وأعلم ~~العالمين أن تكون أفعاله معطلة عن الحكم PageV01P189 والمصالح والغايات ~~الحميدة والقرآن والسنة والعقول والفطر والآيات شاهدة ببطلان ذلك # وقال في الجواب الكافي وما قدروا الله حق قدره من نفي حقيقة حكمته التي ~~هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله وكذلك نصر ذلك شيخه ابن تيمية وبالغ في ~~نصرته وذكر الزركشي في شرح جمع الجوامع نحو ذلك عن الحنفية وأنهم رووه عن ح ~~قال وهو الذي حكاه الزنجاني من أصحابنا وأبو الخطاب من الحنابلة وهو ~~المنصور لقوته من حيث الفطرة وآيات القرآن المجيد وسلامته من الوهن ~~والتعارض # فهؤلاء سبعة عشر من أكابر الاشعرية وأهل الكلام وأهل السنن والآثار من ~~المتأخرين تيسر لي النقل عنهم الآن مع بعدي عن ديارهم دع عنك قدماء السلف ~~الذين صانهم الله وصان أزمنتهم عن البدع فلو ادعى مدع اجماع المتأخرين مع ~~اجماع المتقدمين من المسلمين على ذلك لما بعد عن الصواب والله الهادي # أما القدماء من الصحابة والتابعين فقد علم ضرورة أنهم لم يتأولوا اسم ~~الله الحكيم وأما المتأخرون فأما طوائف الفقهاء وأهل الأثر والشيعة ~~والمعتزلة على كثرة فرقهم فقد اتفقوا على ذلك أما أهل الأثر فقد تقدم نقله ~~عنهم من غير معارضة وأما طوائف الفقهاء فقد نقله عنهم ابن الحاجب عموما ~~وادعى اجماعهم وأما كل طائفة منهم خصوصا فقد تقدم نقله عن أبي حنيفة ~~وأصحابه وأما الشافعية فذكر منهم جماعة عرفت منهم وقت هذا التعليق عشرة ~~الخطابي وعلي بن خلف بن بطال والزنجاني وابن كثير والذهبي والغزالي والنووي ~~وابن الأثير والزركشي والدميري وتركت الرازي لتعارض كلامه في ذلك وأما ~~المالكية فذكر منهم ابن الحاجب وابن العربي وصدع بالحق في هذا الموضع ونص ~~على قبح ذلك ممن قال به من متكلميهم وأما الحنابلة فذكر منهم أربعة ابن ~~الجوزي وأبو الخطاب وابن قيم الجوزيه وشيخه ابن تيمية وبالغا في نصرته ms171 ~~PageV01P190 # | فصل في ذكر الادلة على ذلك # واعلم أن هذه المسألة الجليلة وإن كانت جلية فقد أحوج أهل اللجاج والتمسك ~~بالمتشابهات إلى التطويل فيها لما يتفرع عنها ويبتني عليها من القواعد وقد ~~بسطت الادلة عليها في العواصم ولكن لابد من التبرك بذكر طرف صالح غير ~~المشهور في علم الكلام يدفع الله به في نحو المخالفين # فمن ذلك ما ورد في تعليل خلق السموات والأرض كقوله تعالى @QB@ وما خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى @QE@ وفي هذه الآية الكريمة دلالة ~~على أن الفكرة العقلية الصحيحة تثمر المعرفة بحكمة الله والقطع على تنزيه ~~الله من العبث واللعب كما أن الادلة الشرعية جاءت بذلك وذلك واضح في قوله ~~تعالى @QB@ أو لم يتفكروا في أنفسهم @QE@ فهي حجة على إثبات التحسين العقلي ~~كقوله @QB@ أم تأمرهم أحلامهم بهذا @QE@ وقال تعالى @QB@ وما خلقنا السماء ~~والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ~~@QE@ وقال @QB@ هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا ~~عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون ~~@QE@ إلى غير ذلك # وبوب البخاري بابا في ذلك فقال في التوحيد والرد على الجهمية PageV01P191 ~~باب قول الله عز وجل وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ثم روى حديث ابن ~~عباس كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو من الليل وذكر دعاءه وفيه أنت الحق ~~وقولك الحق ووعدك الحق والجنة حق والنار حق والساعة حق وذلك من البخاري ~~إشارة إلى مذهب أهل السنة في إثبات الحكمة # ومن ذلك ما ورد في تعليل العذاب بالاعمال والاستحقاق مثل @QB@ جزاء بما ~~كانوا يعملون @QE@ وهو أصرح وأكثر وأشهر من أن يذكر بل هو من المعلومات من ~~ضرورة الدين وكذلك جاء صريح التعليل في الأحكام كقوله تعالى @QB@ من أجل ~~ذلك كتبنا على بني إسرائيل @QE@ الآية وقد ذكرت في ms172 العواصم في هذه أكثر من ~~مائة آية من كتاب الله مما تقشعر الجلود لمخالفة آية واحدة منها وإنما ~~اقتصرت على ما هنالك خوفا من الاملال وقد ذكر ابن قيم الجوزية في الجواب ~~الكافي أن في ذلك قدر ألف آية من كتاب الله ذكره في فائدة العمل مع القدر ~~في ترتيب الاشياء على الاسباب في حكمة الله تعالى # ومن ذلك قول نوح عليه أفضل السلام @QB@ إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق ~~وأنت أحكم الحاكمين @QE@ فان لفظة أحكم هنا مبالغة في الحكمة التي هذا ~~موضعها لما في كلامه من التلطف بتنزيه الله عن الخلف في الميعاد ولا يصح أن ~~يكون أحكم هنا مبالغة في الاحكام إذ لا مناسبة لذلك بهذا المقام ولذلك كان ~~الجواب على نوح عليه السلام بأنه عمل غير صالح فبينت له الحكمة على التعيين ~~لتقرير اعتقاده الجملي لها فكشف له بها أن الوعد سبق له متعلق بأهله ~~الصالحين وقد روى أت الوجه في اشتباه ذلك على نوح أن ابنه كان منافقا وكان ~~علم نفاقه من علم الغيب الذي يختص الله به ولو كان عدم صلاحه بأمر بين لم ~~يخف ذلك عليه وهذا وجه جيد والله أعلم ومن ذلك قوله تعالى @QB@ أم تأمرهم ~~أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون @QE@ PageV01P192 # ومن ذلك قوله تعالى حاكيا عن الأشقياء @QB@ لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا ~~في أصحاب السعير @QE@ وقوله في غير آية @QB@ أفلا تعقلون @QE@ @QB@ وأنتم ~~تعلمون @QE@ فانها وأمثالها تدل على معرفتهم بعقولهم قبح ما هم عليه ~~وبطلانه معا إذ لو عرفوا بطلانه بها دون قبحه لم تقم عليهم الحجة وإنما ~~أرسلت الرسل لقطع عذرهم لكيلا يقولوا ما حكى الله تعالى عنهم وذلك لزيادة ~~الاعذار لأنه لا أحد أحب اليه العذر من الله تعالى لا لأنه لا حجة عليهم ~~قبل الرسل أصلا ولذلك صح عند أهل السنة أن تقوم حجة الله بالخلق الاول في ~~عالم الذر على ما سيأتي بيانه وذلك قبل الرسل ولم يختلفوا في صحته وإنما ~~اختلفوا في وقوعه # ومن ms173 ذلك سؤال الملائكة عن وجه الحكمة في خلق آدم وذريته ولولا اعتقادهم ~~للقطع بالحكمة ما استغربوا ذلك ولا سألوا عنه ولذلك كان الجواب عليهم بقوله ~~تعالى @QB@ إني أعلم ما لا تعلمون @QE@ ولم يقل اني يصدر مني ما يفعل ~~المفسدون وأوضح من هذا كله ما جرى بين موسى والخضر عليهما السلام فانه مناد ~~نداء صريحا على اشتمال أفعال الله تعالى على المصالح والغايات المحمودة ~~ولولا اعتقادهما لذلك ما استنكر موسى ولا أجاب الخضر بوجوه الحكمة الراجعة ~~إلى المصالح ولا قنع موسى بذلك الجواب والخصم يعتقد أن المفسدة البينة ~~الفساد في البداية والنهاية الخالية عن الحكمة والمصلحة باطنا وظاهرا جائزة ~~على ا تعالى بل مساوية للمصلحة البينة الصلاح باطنا وظاهرا بل لا يجوز أن ~~يعلل شيء من أفعاله بحكمة بل يجب القطع بخلوهاعن ذلك بل يجب القطع بأن ذلك ~~هو الأولى في ممادح الرب تعالى حتى صرخوا بتأويل اسمه الحكيم بمعنى المحكم ~~لخلق المخلوقات لا سواه لا أن له في ذلك الأحكام حكمة ألبتة ولو كان كذلك ~~لم يقع منه الاحكام لأنه لا يكون أولى به من عدمه وإن لم يكن أولى به فلا ~~ولا أكثر وقوعا في مخلوقاته بل لو كان كذلك لارتفع التحسين والتقبيح في ~~الشرع ولم يكن الامر بالشيء أولى من النهي عنه ولا العكس لأن الممكن لا ~~يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح ولا مرجح في ذلك كله إلا داعي الحكمة ~~والعلم بفضل بعض الأمور على بعض PageV01P193 # ثم إنا قد علمنا أن الشيطان محكم لأسباب فساده ووسواسه أشد الاحكام مع ~~أنه في غاية القبح لخلوه عن الحكمة وكذلك المشركون أحكموا حربهم وسبهم ~~للأنبياء وقالوا في ذلك القصائد المحكمة وإنما قبح ذلك كله وسخف قائله ~~لخروجه عن الحكمة فكيف يرد اسم الحكيم إلى مثل ذلك # وقد نقل تفسير الحكيم بالمحكم من لم يفهم هذه الغائلة من شراح الاسماء ~~الحسنى حتى نقله البغوي في تفسيره ومصنف سلاح المؤمن وأما ابن الأثير في ~~النهاية فنقل التفسيرين معا وأما الغزالي في المقصد ms174 الأسنى فانه اتقى فيه ~~من المخالفين بغير شك لأنه صرح بمخالفتهم في شرح الرحمن الرحيم لكنه تلطف ~~في إخفاء المخالفة على الأكثرين بكونه جعلها في الموضع الذي لم يشتهر فيه ~~الخلاف بينهم وبين خصومهم وهو تعظيم رحمة الله تعالى وسعتها وقد أشار إلى ~~مخالفة الأكثرين للحق في خطبة هذا الكتاب بل صرح بذلك وأيضا فيلزم أن لا ~~يكون الجود ونحوه أولى بالله من أضدادها وأيضا كل مقدور ممكن الوجود ~~والبقاء على العدم ولا يترجح أحد الممكنين إلا بمرجح ولا مرجح إلا الدعي ~~وأيضا فيلزم أن لا يحتاج المتشابه إلى تأويل # ومن ذلك أنه يتعذر على من نفى حكمة الله تعالى أن يقطع على صدقه سبحانه ~~وصدق رسله الكرام عليهم السلام كما تقدمت الاشارة اليه وهذا مبسوط في كتب ~~الكلام ولا يصح لهم عنه جواب إلا ما يلزمهم معه ثبوت الحكمة في الافعال ~~والاقوال معا كما تقدم # ومن ذلك أنهم إنما أن يحسنوا نفي الحكمة بغير حجة أو لا يحسنوه إلا بحجة ~~إن حسنوه بغير حجة أكذبهم قوله تعالى @QB@ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ~~@QE@ وإن لم يحسنوه إلا بحجة اعترفوا بالتحسين العقلي # ومن ذلك أنهم اعترفوا بأن العقل يعرف الحق من الباطل فيقال لهم فاذا تقرر ~~ذلك فالمعلوم في الفطر ترجيح الحق على الباطل وقد اجتمعنا في الاقوال على ~~ترجيح الصدق على الكذب بخصوصه والصواب ترجيح الحق على الباطل بعمومه في ~~الافعال كالأقوال والله يحب الانصاف PageV01P194 # | فصل في الجواب عما اغتروا به في ذلك # فمن ذلك أنه ورد في السمع ما يتوهم الجهال منه إن الله تعالى يريد الشر ~~المحض لكونه شرا لا لحكمة فيه ولا غاية محمودة وهذه هي معظم ما جرأهم على ~~ذلك بل ليس لهم كبير شيء سواها وهي شبهة الملاحدة التي يصولون بها على ~~السفهاء والضعفاء وذلك مثل آلام الاطفال والبهائم وعذاب الآخرة الدائم ~~والجواب عن ذلك يتضح بذكر أمور # الامر الأول أن الاستقباح الذي يوجد في العقول لذلك إنما هو بالنسبة إلى ~~من لا يعلم ms175 تأويلها تفصيلا ولا جملة لكن الله تعالى قد أعلمنا جملة أن لها ~~تأويلا أو أن لها تأويلا لا يعلمه سواه وهو الصحيح على ما مضى تقريره في ~~هذا المختصر فاذا ذلك الاستقباح الموجود في عقول البشر صحيح بالنظر إلى ~~علومهم القاصرة وعقولهم الحائرة لكن الراكن اليه غفل عن كون ما أنكر صدر ~~عمن ثبتت حكمته وثبت استبداده بعلم الغيوب والحكم وانه يعلم ما لا نعلم من ~~الغيوب والحكم وقد أخبرنا في كلامه الحق أن للمتشابه تأويلا لا يعلمه إلا ~~هو ولو كان ما تشابه علينا حسنا في عقولنا لم يحتج إلى تأويل ولو لم تكن ~~أفعاله موقوفة على الحكمة لم يرد بذلك التنزيل بل ورد السمع بما يدل على أن ~~الله تعالى فعل ذلك للابتلاء كما قال تعالى في تحويل القبلة @QB@ وما جعلنا ~~القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه @QE@ ~~إلى قوله @QB@ وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله @QE@ وفي نحو هذا ~~يقول عز وجل @QB@ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب ~~الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين @QE@ فبين سبحانه أن التكذيب ~~بما لم PageV01P195 يعلم تأويله هو عادة جميع الكافرين الاولين والآخرين ~~وان سبب كفرهم وتكذيبهم به إنما هو جهلهم وعدم احاطتهم بعلمه فليحذر ذلك كل ~~الحذر فان طباع الخلق واحدة إلا ما سلم الله تعالى نسأل الله الهداية ~~والسلامة # فعلى هذا يكون الايمان به أفضل الايمان بل محك أهل اليقين والاحسان ويكون ~~الخوف على المرتابين بسببه من مكر الله خوفا عظيما نسأل الله أن يثبتنا ~~ولذلك خص الله الراسخين بالاستعاذة من الزيغ بعد ذكر إيمانهم بالمتشابه كأن ~~ذكره ذكرهم ذلك فليطلب العاقل من طبعه اللجوج ونفسه الجاهلة المهلة اليسيرة ~~حتى ينكشف في الآخرة ذلك التأويل كما انكشف لموسى تأويل الخضر بعد القطع ~~على بطلانه ألا ترى إذا رأيت رجلا مطيقا يضرب ولدا ضعيفا ضربا مؤلما أنه ~~أول ما يسبق إلى طبعك رحمة الصغير والانكار على الكبير ms176 حتى تعلم أن الكبير ~~أبو ذلك المضروب وأنه ساع في صلاحه وخبير به فيزول عنك ما كان سبق إلى طبعك # وقد جود هذا الوجه الشيخ مختار المعتزلي في كتابه المجتبى وفي البحث ~~السادس من مسألة الارادة تمام لهذا فيه تقرير ورود السمع بأن الله تعالى في ~~جزاء الاشقياء حجتين حجة ظاهرة وهي العمل وحجة خفية وهي الحكمة الباعثة على ~~الجزاء دون العفو ثم أن تأويل الخضر لموسى دل على أن تأويل المتشابه يرجع ~~إلى رده إلى المحكم الذي تحسنه العقول ولا تنكره وهو جلب المنافع والمصالح ~~ودفع المضار والمفاسد ويدل على لزوم هذا في التأويل أنه لو ورد بخلافه كان ~~متشابها آخر يحتاج إلى التأويل ولم يستحق اسم التأويل وهذه حجة قاطعة ولله ~~الحمد # واعلم أن الطبع في هذه المسألة غالب بقوته على من لم يعارضه بتذكر كمال ~~الربوبية ونقص العبودية ويتضرع إلى الله في امداده بهدايته ألا ترى إلى ~~قوله تعالى بعد ذكره لتحويل القبلة @QB@ وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى ~~الله @QE@ نسأل الله هدايته وإن لا يكلنا إلى نفوسنا طرفة عين PageV01P196 # الوجه الثاني أن يتذكر الانسان ما يعلمه من نفسه من شدة الجهل وقلة العلم ~~وتردده في الامور وحيرته في أشياء سهلة ورجوعه عما كان عليه مرارا ووجدانه ~~للشيء بعد الطلب الشديد الطويل واليأس من وجدانه فان علم الانسان بأحوال ~~نفسه ضروري وهو حجة عليه كما قال تعالى @QB@ بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ~~ألقى معاذيره @QE@ وقد وصفه ربه العليم الخبير بأنه ظلوم جهول في كتابه ~~الحق ويعلم من التجربة المستمرة ومن قصة موسى والخضر التفاوت العظيم بين ~~الخلق في البلادة والذكاء ومعرفة الدقائق وخفيات الحكم ومحكمات الآراء وحدس ~~عواقب الامور فكيف التفاوت بين الخلق وخالقهم سبحانه وتعالى ولو وهب الله ~~عز وجل لبعض خلقه نصف علمه سبحانه لجاز أن يكون ذلك التأويل في النصف الآخر ~~كيف وقد صح في حديث ابن عباس أن الخضر قال لموسى ما علمي وعلمك وعلم جميع ~~الخلائق في علم الله إلا ms177 مثل ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر # والفرق بين هذا الوجه والذي قبله إن هذا راجع إلى كسره لعجبه بنفسه فان ~~الاعتراض على الله سبحانه إنما ينشأ من ذلك والوجه الأول مبني على تسليم ~~صحة إنكاره في المتشابهات لكن بالنسبة إلى عقولنا ومعارفنا والغرض به اقناع ~~الخصم كيلا يعتقد فينا العناد بانكار المدارك العقلية فانا لا ننكرها لكن ~~ندعي أنه قد ينكشف خلاف السابق إلى الوهم العقلي والحسي كما أن الانسان أول ~~ما يرى النجوم يعتقد أنها ساكنة حتى تنكشف له حركتها بالبرهان لا بالبصر ~~وقد يراها متحركة حركة سريعة مع حركة السحاب الرقيق وينكشف له بالبرهان عدم ~~ذلك # الوجد الثالث وهو القالع لآثار هذه الوساوس أن يعلم الانسان أنه ما زال ~~الاختلاف بين أهل الفطن والعلوم من المسلمين فيما بينهم والفلاسفة فيما ~~بينهم وسائر الخلائق حتى حكى الله تعالى الاختلاف اليسير الذي لا يضر فيما ~~عن الملائكة وبعض الأنبياء عليهم السلام فقال تعالى @QB@ ما كان لي من علم ~~بالملإ الأعلى إذ يختصمون @QE@ PageV01P197 ) وحكى سبحانه ما جرى بين داود ~~وسليمان عليهما السلام من الاختلاف في حكم الغنم إذ نفشت في زرع قوم إلى ~~قوله تعالى @QB@ ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ وحكى ما جرى ~~بين موسى وهارون عليهما السلام حتى حكى قول هارون لموسى @QB@ لا تأخذ ~~بلحيتي ولا برأسي @QE@ و @QB@ فلا تشمت بي الأعداء @QE@ وثبت في الحديث ~~اختصام ملائكة الرحمة وملائكة العذاب في حكم الذي قتل مائة نفس ثم تاب وبعث ~~الله ملكا يحكم بينهم فحكم لملائكة الرحمة وثبت أيضا محاجة آدم وموسى في ~~الخروج من الجنة لا في المعصية كما يظنه كثير من الناس كما سيأتي في موضعه ~~إن شاء الله تعالى فصار مجموع ذلك دليلا قاطعا على أن العادة قد استمرت على ~~وجوب الاختلاف في الاحكام عند التفاضل في العلم والحكمة وذلك يوجب استقباح ~~الجاهل لبعض أفعال الأعلم على قدر ما بينهما من التفاوت فأولى وأحرى أن ~~يوجب استقباح الجاهل لبعض أفعال الاعلم # ولما كان التفاوت بين ms178 علم المخلوقين وعلم خالقهم عز وجل لا يقدر بمقدار ~~ولا يتوهم بقياس وجب أن يكون بينهم في التحسين والتقبيح لتفاصيل الاحكام ~~أعظم الاختلاف وجوبا عاديا يستحيل خلافه حتى لو قدرنا ما لا يتقدر من ~~موافقتهم لجميع أحكام الله تعالى على جهة التفصيل لكان هذا محارة عظمى ~~لعقول جميع العقلاء والأذكياء بل محالا ممتنعا في معارف الفطناء والعلماء ~~ولكان ذلك الاتفاق أعظم شبهة قادحة في زيادة علم الله عليهم ومن أدق ~~المتشابه المحير لفطنائهم فلما جاء السمع بالمتشابه عليهم على القاعدة ~~المألوفة والعادة المعروفة في أن الاعلم إذا تميز شيئا قليلا عن أجناسه ~~وأشباهه لم يكن بد من أن يأتي بما لا يعرفون ويفعل ما لا يقولون ويستحسن ~~بعض ما يستقبحون حتى قيلت في هذا الاشعار وضربت فيه الامثال وحتى قيل أن ~~الاجتماع في الخفيات محال مثلما أن الاختلاف في الجليات محال وقد أجاد في ~~هذا المعنى من قال PageV01P198 # ( تسل عن الوفاق فمر بنا قد % حكى بين الملائكة الخصاما ) # ( كذا الخضر المكرم والوجيه المكلم % إذ ألم به لماما ) # ( تكدر صفو جمعهما مرارا % وعجل صاحب السر الصراما ) # ( ففارقه الكليم كليم قلب % وقد ثنا على الخضر الملاما ) # ( فدل على اتساع الامر فيما الكرام فيه خالفت الكراما % ) # ( وما سبب الخلاف سوى اختلاف العلوم هناك بعضا أو تماما % ) # ( فكان من اللوازم أن يكون الاله % مخالفا فيها الاناما ) # ( فلو لم نجهل الاسرار عنها % بلغنا مثله فيها المراما ) # ( فصار تشابه الاحكام منه % عليه شاهدا ولنا لزاما ) # ( فلا تجهل لها قدرا وخذها % شكورا للذي يحيى العظاما ) # ( وحاذر أن تكون لها نسيا % وتنظر في المواقف أو تراما ) # ( فلو لم ينسها موسى عليه السلام قضى من الخضر المراما % ) # ( ولو لم تنسها الاملاك في آدم كانوا بها اعتصموا اعتصاما % ) # ( وإن محارة قد حار فيها الملائك والكليم ولن يسامى % ) # ( لقاطعة القلوب حرية أن % يكون الابتداع بها حراما ) # ( ولا تعجب بفضل الله يوما % فان العجب يورثك السقاما ) # ( وكن لنعال خلق الله تربا % إذا ما شئت للنعمى دواما ) # الوجه الرابع # تدبر كتاب الله تعالى ms179 وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترى إلى ~~قوله تعالى @QB@ إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما @QE@ فعقب ذكر ~~هذا العذاب العظيم بذكر موجبه من عزته وحكمته التي هي تأويل المتشابه وكذلك ~~قوله تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من ~~يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم @QE@ PageV01P199 ) وكذلك قال عيسى ~~عليه السلام @QB@ وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم @QE@ ولا يخفى ما في ~~تأويل الحكيم بالمحكم هنا من التعسف الباطل وما في التأويل من غير موجب من ~~فتح أبواب البدع والمجاهل # وفي هذه الآيات وأمثالها نكتة لطيفة في جمعه بين العزة والحكمة وذلك أن ~~اجتماعهما عزيز في المخلوقين فان أهل العزة من ملوك الدنيا يغلب عليهم ~~العسف في الاحكام فبين مخالفته لهم في ذلك فان عظيم عزته لم يبطل لطيف ~~حكمته ورحمته سبحان من له الكمال المطلق والمجد المحقق # وبعد فان اثبات حكمة الله تعالى معلوم في كتاب الله وسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بين لا يدفع مكشوف لا يتقنع مدحا وثناء كما اشتملت عليه ~~النصوص القرآنية والاسماء الحسنى وأسئلة وجوابات كما تبين في قصة موسى ~~والخضر وآدم وملائكة السموات ألا ترى أنك إذا تأملت سؤال الملائكة وما أجيب ~~عليهم به عرفت فيه ما اتفق عليه العقلاء من تقبيح الشر المحض الذي لا خير ~~فيه ولا في عواقبه وغاياته دون الشر المراد لاجل الخير وذلك بين في اظهار ~~الله تعالى لهم صلاح آدم عليه السلام وعلمه وتقدمه في القرب من الله تعالى ~~ألا تراه سبحانه وتعالى يقول لهم بعد بيان ذلك لهم @QB@ ألم أقل لكم إني ~~أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون @QE@ فبين لهم أن ~~خلقا فيهم مثل هذا العبد الصالح والنبي المكلم المقرب المستخلف المعلم لا ~~يحكم عليه بأنه شر محض ولا حكمة فيه ولا خير يقصد به وإنه لا نكارة في ms180 شر ~~يكون للخير كالصف للدر والترب للبر والفصاد للعافية والقصاص للحياة وأمثال ~~ذلك مما هو صحيح شهير في حكمة الحكماء وعقول الفطناء # ولذلك قيل أن العالم كالشجرة وأهل الخير منهم كالثمرة من تلك الشجرة وهو ~~أحد الوجوه في تفسير قوله تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~@QE@ أي ليعبدني العابدون منهم وقد جاء نحو PageV01P200 ذلك في حديث الخليل ~~عليه السلام حين جعل يدعو علي من رآه يعصي الله فوحي الله اليه يا إبراهيم ~~دع عبادي فان قصر عبدى مني احدي ثلاث اما أن يتوب فأتوب عليه أو يستغفرني ~~فأغفر له أو أخرج من صلبه من يعبدني رواه الهيثمي في مجمع الزوائد ~~والطبراني # فثبت أن الانسان ما يؤتي في توهمه نفي حكمة الله إلا من جهة جهله لقدر ~~علمه وقدر علم الله تعالي وإنما كره علم الكلام لما يؤدي اليه الخوض فيه من ~~المحارات ومخالفة الضرورات أو المشهورات ألا تري أن المتكلمين لما توغلوا ~~في هذه المباحث أدي ذلك طائفة منهم إلي القدح في الحكمة وطائفة إلي القدح ~~في القدرة علي هداية العصاة وطائفة إلي القدح في دوام العذاب ورجحت كل ~~طائفة تأويلها # أما غلاة الأشعرية الذين قدحوا في معني الحكمة فرجحوا ذلك لصعوبة النظر ~~في حكمة الله تعالي في جميع الشرور الدنيوية والأخروية وعجز العقول عن درك ~~ذلك وأما غلاة المعتزلة فرجحوا قدحهم في القدرة على اللطف أنه قد خاض في ~~أمر معين يحتمل أنه محال ولا بد من اخراج المحال من المقدورات بالاجماع ~~وإلا أدي إلي تجوير قلب القديم حادثا والحادث قديما وغير ذلك مما يستقبح ~~ذكره وقد أشار الغزالي إلي مثل كلامهم في شرح الرحمن الرحيم من المقصد ~~الأمني # وأما الأشعرية فقدحوا في الحكمة بأسرها فكان ما ذهبت اليه المعتزلة أهون ~~من هذه الجهة # وأما ابن تيمية وأصحابه فرأوا أن القدح في الحكمة والقدرة يتطرق إلي ~~النقص في كمال الربوبية وذلك يحتمل الكفر ويضارعه أو يقرب منه وأما دوام ~~العذاب فالقدح فيه عندهم سهل بعد ورود الاستثناء في ms181 غير آية وحديث وأثر ~~ومنتهاه تخصيص عموم بما يقتضي زيادة الرحمة والحكمة والعدل والثناء # ولي علي الجميع كلام طويل وقد أشرت إلي أقوالهم وشبههم في الإجادة بأقصر ~~عبارة فقلت في ذلك شعرا PageV01P201 # ( تحير أرباب النهي ما المراد بالعصاة % من الجن وأولاد آدم ) # ( أخيرا أراد الله بالخلق أولا % أم الشر مقصود لا حكم حاكم ) # ( فان كان خيرا هل يجوز فواته % علي مالك ما شاء بالغيب عالم ) # ( وإن كان شرا هل أريد لنفسه % أم الخير مقصود به باللوازم ) # ( وهل سبق قصد الخير بالشر يقتضي % تطابق ذاك القصد حكم الخواتم ) # ( ولما أتي ذكر الخلود بناره % علي جوده في ذكره والجوازم ) # ( تعاظم شأن الخلد في النار كل من % تفكر في أسماء رب العوالم ) # ( فلا هو مغلوب ولا هو جاهل % ولا عابث قطعا ولا غير راحم ) # ( فعاد إلي التسليم كل محقق % لما قاله في الذكر رب العوالم ) # ( سواء قضي بالخلد بالنار أو قضي % بأن عذاب الأشقياء غير دائم ) # ( ولما أتي استثناؤه في كتابه % من الخلد جهرا فل حد التعاظم ) # ( وعاد مجال القول في ذاك واسعا % وقد كان ضاق الأمرضيق الخواتم ) # ( ورد شكوك الملحدين خواسئا % ومد بحار العارفين الاكارم ) # ( فمن قائل بالخلد من أجل كثرة % الوعيد به المنزلات القواصم ) # ( ومن قائل أن الخصوم مقدم % وساعده أسماء أحكم حاكم ) # ( وثالثها المنصور يرجي لمسلم % ومن عاند الاسلام ليس بسالم ) # ( ومن لائم من خاض في ذاك حائر % ومن واقف في ذاك ليس بلائم ) # ( ومن خائض فيه يكفر خصمه % علي مثل ما يأتي فاليس بسالم ) # ( ولا كفر في الأقوال بعد تعارض % الصوادع في تنزيل أعلم عالم ) # ( ولكنه يخشي بتكفير غيره % يبوء به أو باقتراف المآثم ) # ( فلولا أراد الله توسيع حكمه % لما خصه في ذكره غير كاتم ) # ( وفي الجنة استثني وعقبة بما % يدل علي خلد الجنان الدوائم ) # ( علي أن وصف الجود لله دائم % ومستلزم قطعا دوام المكارم ) # ( وكيف يدوم الملك والجود والثنا % وينقطع المعروف في قول عالم ) # ( وجاءت أحاديث الصحاح توافق % العقول بثنيا الرب أرحم راحم ) ~~PageV01P202 # ( إذا وردت بعد الثواب فانها ms182 % لما زاد جودا في ثواب الاكارم ) # ( وإن وردت بعد الوعيد فانها % لعفو وصفح عن عقاب الجرائم ) # ( ووافقها في الذكر ذكر زيادة % وذكر مزيد في النصوص الجوازم ) # ( وطول في الثاني اين تيمة فقف % علي علمه في كتبه والتراجم ) # ( وأسنده عن ستة نص قولهم % أكابر من صحب النبي الاكارم ) # ( فلا تعتقد ان لم يصح مقالهم % وبان ضعيفا ساقطا كفر عالم ) # ( فما هو الا حسن ظن فان يجب % فما ينقص الرحمن رجوى المراحم ) # ( وقول خليل الله ثم ابن مريم % دليل على بطلان لوم اللوائم ) # ( وقد كاد جل الخلق يكفر ضلة % بذلك لولا فضل أرحم راحم ) # ( فمن قاصد تنزيهه لو رعى له % من الجبروت الحق عز التعاظم ) # ( ومن قاصد تعظيمه لو رعى له % محامد ممدوح بأحكم حاكم ) # ( وحافظ كل العارفين عليهما % وهذا الصراط المستقيم لقائم ) # ( وهذا مقام لا يخاطر عاقل % به وله قد كان خلق العوالم ) # ( لتعليل خلق السبع والسبع كلها % بتعريف وصفيه قدير وعالم ) # ( وإن مقاما حار فيه كليمه % ولم يستطع صبرا لخير العوالم ) # ( جدير بتحقيق عظيم وريبة % من الوهم عند الجزم من كل عالم ) # ( ألم تر ما أدى اليه الكلام من % فريقيه لما لججوا في الخضارم ) # ( نفوا حكمة الرحمن في العدل والجزا % وقدرته عن هدى أحقر ظالم ) # ( فوهى فريق عز أقدر قادر % ووهى فريق قدس أحكم حاكم ) # ( وذا عذرهم في ذي الأقاويل أنها % لمنكرة في قول جل الأكارم ) # ( كأنهم راموا مساعدة النهى % وثلج نفوس بالغيوب هوائم ) # ( فلم يجدوا إلا التأول مخرجا % لاحدى ثلاث في العلوم عظائم ) # ( لحكمة رب الخلق أو لاقتداره % على اللطف أو تخليد أهل الجرائم ) # ( وأحسن من ذا الوقف فيه لقطعنا % جميعا بحسن الحكم من خير حاكم ) # ( وذلك مغن إذ سلامة جارم % لدى الخوف أولى من اصابة جاز ) PageV01P203 # ( وأثن ولا تستثن شيئا من الثنا % ودع بدعا أضحت كأضغاث حالم ) # ( ولا تخش من عجز ولا جهل حكمة % ولا غيظ مظلوم ولا عسف ظالم ) # ( ولا أنه في بره غير قادر % عزيز ولا في عزه غير راحم ) # ( ولا أنه في حكمه غير عادل ms183 % حكيم لما لم يعلم الخلق عالم ) انتهت على ~~الاختصار في هذا المختصر # فهذه نبذة مختصرة من أول الاجادة في الارادة وهي قدر ألف ومائتي بيت أو ~~تزيد علي ذلك قلتها أيام النشاط إلي البحث استعظاما لخوف الوقوع في الخطأ ~~أو الخطر في هذه المسألة العظمي فاسأل الله التوفيق والعصمة مما خفت منه ~~انه حسبي ونعم الوكيل # وقد أفردت هذه المسألة في مصنفات حافلة منها لابن تيمية ومنها لتلميذه ~~شمس الدين ومنها للذهبي ومنها لي فمن أحب الاستقصاء في المباحث وقف عليها ~~ونظر فيها هنالك والله الموفق ويأتي في الارادة بضعة عشر وجها مما غالبه ~~منصوص من الحكم الربانية في خلق الاشقياء وكان هذا الموضع يليق بها فلتنظر ~~هنالك في البحث السادس من مباحث الارادة # فهذا المعظم المهم مما خدشت به الملاحدة في الاسلام والمبتدعة في حكمه ~~الملك الحميد الحكيم العلام ولم يبق إلا أمور يسيرة منها تعلقوا بآلام ~~الاطفال والبهائم ومن لا ذنب له وكل ما أبيح في الشرع من ذبح البهائم ~~وتحميلها والعمل بها # والجواب عن ذلك كله هو ما تقدم من البراهين الصحيحة على ان الله تعالى ~~حكيم عليم بل على انه سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين # ولعلماء الاسلام في هذا المقام أجوبة مختلفة على حسب قواعدهم وعقائدهم ~~وفطنهم وقرائحهم وقد رأيت أن أقتصر ههنا على كلام الغزالي في المقصد الاسنى ~~لوجهين أحدهما ليعرف الاشعري ان جمهور أصحابه على القول بحكمة الله تعالى ~~ان لم يكن ذلك اجماع المسلمين وثانيهما لحسن عبارة الغزالي في الاستدلال ~~وضرب الامثال فأقول PageV01P204 قال في شرح الرحمن الرحيم من الاسماء ~~الحسنى ما لفظه ( سؤال وجوابه ) لعلك تقول ما معنى كونه رحيما وأرحم ~~الراحمين والدنيا طافحة بالامراض والمحن والبلايا وهو قادر على ازالة ~~جميعها وتارك عباده ممتحنين فجوابك ان الطفل المريض قد ترثى له أمه فتمنعه ~~من الحجامة والأب العاقل يحمله عليها قهرا والجاهل يظن ان الرحيم هو الام ~~دون الاب والعاقل يعلم ان ايلام الاب بالحجامة من كمال رحمته وان الام ~~عدوله ms184 في صورة صديق فان ألم الحجامة القليل إذا كان سببا للذة الكثيرة لم ~~يكن شرا بل كان خيرا والرحيم يريد الخير بالمرحوم لا محالة وليس في الوجود ~~شر إلا وفي ضمنه خير ولو رفع ذلك الشر لبطل الخير الذي في ضمنه وحصل ~~ببطلانه شر أعظم من الشر الذي يتضمن ذلك الخير # قلت وما أبين هذا المعنى في كتاب الله تعالى ولو لم يرد فيه إلا قوله ~~سبحانه وتعالى @QB@ ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم ~~يعمهون @QE@ وقوله تعالى @QB@ وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى @QE@ وقوله تعالى @QB@ ونبلوكم ~~بالشر والخير فتنة @QE@ وقوله تعالى @QB@ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ~~يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين @QE@ وقوله تعالى في تعليل ~~أفعاله بالحكم في الآخرة @QB@ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه @QE@ افحاما ~~لسائلي ذلك ومرة أجاب عليهم بقوله تعالى @QB@ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ~~ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين @QE@ PageV01P205 # ولا خفاء أن قوله حق القول واضح في مواقفه الحكمة والا لما كان بان يحق ~~أكمل في الثناء على الله تعالى من أن لا يحق فتأمل ذلك يوضحه قوله تعالى ~~@QB@ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين @QE@ الآية إلى سائر ما ~~تقدم في هذا # قال الغزالي واليد المتأكلة قطعها في الظاهر وفي ضمنه الخير الجزيل وهو ~~سلامة البدن ولو ترك قطعها لحصل هلاك البدن ولكن قطعها لسلامة البدن شر وفي ~~ضمنه الخير لكن المراد الأول السابق إلى نظر القاطع هو السلامة التي هي خير ~~محض وهي مطلوبة لذاتها ابتداء والقطع مطلوب لغيره ثانيا لا لذاته فهما ~~داخلان تحت الارادة لكن أحدهما يراد لذاته والآخر يراد لغيره فالمراد لذاته ~~قبل المراد لغيره ولاجل ذلك قال الله تعالى ? < سبقت رحمتي غضبي > ? فغضبه ~~ارادته الشر والشر بارادته ورحمته ارادته الخير والخير بارادته ولكن اراد ~~الخير للخير نفسه ms185 وأراد الشر لا لذاته فالخير مقتضى بالذات والشر مقتضى ~~بالعرض وكل بقدر وليس ذلك مما ينافي الرحمة أصلا والآن ان خطر لك نوع من ~~الشر لا ترى فيه خيرا أو خطر لك انه كان يمكن حصول ذلك الخير لا في ضمن ذلك ~~الشر فاتهم عقلك القاصر في كلا الطرفين # أما قولك ان بعض الشر لا خير تحته فان هذا مما تقصر العقول عن معرفته مثل ~~أم الصبي التي ترى الحجامة شرا محضا ومثل الغبي الذي يرى القتل قصاصا شرا ~~محضا لانه ينظر إلى خصوص شخص المقتول وأن القتل في حقه شر محض ويذهل عن ~~الخير العام الحاصل للناس كافة ولا يدري ان التوصل بالشر الخاص إلى الخير ~~العام خير محض لا ينبغي لحكيم ان يهمله فاتهم خاطرك # وأما الثاني وهو قولك انه كان يمكن تحصيل ذلك الخير لا في ضمن ذلك الشر ~~فان هذا أيضا دقيق فليس كل محال وممكن مما يدرك استحالته وامكانه بالبديهية ~~ولا بالنظر القريب بل يعرف ذلك بنظر غامض دقيق يقصر عنه الاكثرون فاتهم ~~عقلك في هذين الطرفين ولا تشكن أصلا في PageV01P206 انه تعالى أرحم ~~الراحمين وانه تعالى سبقت رحمته غضبه ولا تستريبن في أن مريد الشر للشر أي ~~لكونه شرا فقط لا للخير غير مستحق اسم الرحمة وتحت هذا سر منع الشرع من ~~افشائه فلا تطمع في الافشاء ولقد نبهت بالايماء والرمز ان كنت من أهله ~~فتأمل ارشدك الله # ( لقد أسمعت لو ناديت حيا % ولكن لا حياة لمن تنادي ) انتهى كلامه # وللشيخ مختار قريب منه في كتاب المجتبى لكن بغير عبارته بل للامام القاسم ~~بن إبراهيم عليه السلام نحو هذا المعنى في الجواب على الملحد المعروف بابن ~~المقفع فهذا معنى حسن شهد له القرآن والحكمة وفي الحديث النص أن كل ما قضاه ~~الله تعالى للمؤمن فهو خير له مما يحب أو يكره رواه أحمد ومسلم بنحوه ~~واعتقاده هذا من حسن الظن بالله تعالى وفي الحديث ان حسن الظن بالله تعالى ~~هو من حسن العبادة وفي ms186 الصحيح يقول الله تعالى انا عند ظن عبدي بي فليظن بي ~~ما شاء وذلك يناسب قوله تعالى @QB@ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم @QE@ وهي ~~المحكم هنا وما فيه المدح من غير ذم بالاجماع # وأما السر الذي ذكر أن الشرع منع من افشائه فلعله أراد سعة الرجاء لرحمة ~~الله تعالى كما جاء عن علي عليه السلام لولا أخاف ان تتكلوا عن العمل ~~لاخبرتكم بما لكم من الاجر في قتلهم يعني الجوارح وفي حديث معاذ لاتخبرهم ~~دعهم يعملوا وقد تبين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ذلك مرارا ولم ~~يكتمه دائما وكثير منه في كتاب الله تعالى واستقر الاجماع بعد على تدوينه ~~في كتب الاسلام # ثم ان ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية قد صنفا في هذا مصنفات ممتعة ~~وللذهبي معارضة لهم ولي توسط بينهم والله تعالى يمدنا بهدايته وتوفيقه ولي ~~أيضا تكملة على كلام الغزالي هذا ومناقشة لطيفة تتعلق بآخره PageV01P207 في ~~أمر محتمل وما أظنه أراد فيه إلا الصواب وقد ذكرته في العواصم ونفسه في هذا ~~المقام نفس طيب قرآني أثري فأين هو من قول بعض المتأخرين عنه من المتكلمين ~~من أصحابه وممن كان يظن انه أقرب إلى السنة منه حيث قال في بعض كتبه ما ~~لفظه # فان قال بعض الأشقياء انما فعل ذلك ليثيبهم عليه يعني الآلام والمصائب ~~التي تصيب الصبيان ومن لا ذنب له # قلنا له قد ضللت عن سواء السبيل أما كان في قدرة رب العالمين ان يحسن ~~اليهم عوضا عن تعذيبهم أه فانظر إلى ما في هذا الكلام من البعد عن القرآن ~~والسنة والآثار فأول ما بدأ به أنه سمي القائل بذلك بعض الأشقياء وهو رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تواترت عنه بذلك الأحاديث الصحيحة التي لا يجهل ~~مثلها مميز والتي اتفق أهل البصر بهذا الشأن على صحة طرقها وتواترها ~~ودونوها في الصحاح والمسانيد وكتب الزهد والرقائق وليس هي من الآحاد بل هي ~~باب كبير من أبواب الدين الذي لم تزل الصحابة فمن بعدهم من ms187 طبقات المسلمين ~~يروونها قرنا بعد قرن يروى ذلك السلف للخلف والاكابر للاصاغر ويعزى به ~~العلماء أهل المصائب حتى قال العلامة أبو عمر ابن عبد البر في هذا الباب في ~~كتابه التمهيد ان ذلك أمر مجمع عليه وهي دالة على حسن التعليل بذلك وان لم ~~يرد في المحل الذي ذكره على انفراده أعني الصبيان والبهائم فان الخصم انما ~~أنكر حسن التعليل بذلك ومتى صح التعليل به في موضع صح في غيره وبطل قطعه ~~ببطلانه فتأمل ذلك فان العلل العقلية لا تخصص ولا توجد غير مؤثرة مع ان ~~كثيرا من الأحاديث تعم الصغار والكبار والمكلفين وغيرهم ولنذكر من ذلك ~~اليسير تنبيها على الكثير ليعرف الحامل على هذا النكير # فمن ذلك ما خرجه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ وأحمد في المسند وغيرهم ~~من حديث عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P208 # لا تصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة وخط عنه بها خطيئة ~~هذا لفظ مسلم وفيه روايات كثيرة وروى البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود قلت ~~يا رسول الله انك توعك وعكا شديدا قال أجل اني أوعك كما يوعك رجلان منكم ~~قلت ذلك بان لك أجرين قال أجل ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه الا حط ~~الله سيئاته كما تحط الشجرة ورقها ولمسلم نحو من ذلك من حديث جابر وللبخاري ~~ومسلم هذا المعنى من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ولمالك عن يحيى بن ~~سعيد وروى الترمذي عن أنس حديثين ومتن أحدهما عن انس ان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال ان عظم الجزاء مع عظم البلاء وان الله اذا أحب قوما ابتلاهم ~~فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط والآخر للترمذي عن جابر ولفظه يود أهل ~~العافية يوم القيامة حين يعطي أهل البلاء ثوابهم لو ان جلودهم كانت قرضت في ~~الدنيا بالمقاريض وروى مالك والترمذي عن أبي هريرة وأبو داود عن محمد بن ~~خالد السلمي عن أبيه عن ms188 جده وله صحبة والترمذي عن مصعب بن سعيد ولفظه أشد ~~الناس بلاء الانبياء ثم الامثل فالامثل ومالك والبخاري عن أبي هريرة ولفظه ~~من يرد الله به خيرا يصب منه والبخاري عن أبي هريرة ولفظه ما لعبدي المؤمن ~~عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه الا الجنة # ولهذا المعنى ثلاثة شواهد في تفسير قوله تعالى @QB@ من يعمل سوءا يجز به ~~@QE@ عن أبي بكر وعائشة وأبي هريرة وان كانت هذه تختص بالمذنبين وهذا في ~~جنس الآلام كلها وفي أنواعها الخاصة أحاديث كثيرة مثل ما جاء فيمن مات له ~~ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث أو اثنان لم تمسه النار الا تحلة القسم رواه ~~البخاري ومسلم من حديث أبى سعيدو أبي هريرة معا والترمذي عن ابن مسعود ~~والبخاري والنسائي عن انس والنسائي عن أبي ذر ومالك عن النضر السلمي ~~والنسائي عن معاوية بن قرة والترمذي عن ابن عباس # فهذه نيف وعشرون حديثا من دواوين الاسلام المشهورة وفي فضل الفقر وأجره ~~خمسة وعشرون حديثا تركتها اختصارا وفي سياق الجميع ما PageV01P209 يشهد بان ~~ذلك تعليل مناسب للعقول ولذلك قبله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ~~ينكروه وهم أوفر عقولا وأصح اذهانا وأسلم من تغير الفطرة التي فطر الله ~~خلقه عليها وعند الخصم ان ذلك التعليل غير مناسب وأنه ونقيضه سواء مثل أن ~~يؤلمهم الله في الدنيا ليعاقبهم على آلامهم في الآخرة فان اعترف بالفرق ~~لزمه مناسبة الأول الذي جاءت به السنة وتلقته الصحابة بالقبول وان ادعى ~~انهما سواء فقد عاند وجنى على المسموع والمعقول فكيف يترك النظر في ذلك كله ~~عالم من علماء الاسلام ويعارضه بقوله أما كان في قدرة رب العالمين ان يحسن ~~اليهم عوضا عن تعذيبهم # وجواب أهل الحق على من ابتلى بهذه الوساوس هو قوله تعالى @QB@ فلا تضربوا ~~لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون @QE@ وذلك أن الأنظار العقلية ~~انما تورد على العلل العقلية وأما العلل السمعية فانها صدرت عمن يعلم ما لا ~~نعلم وليت شعري اذا ms189 أنكر الخصوم هذا المعنى ما يكون تفسير العلم الذي خص ~~الله تعالى به الخضر دون موسى عليهما السلام وقد أوضح الله تعالى أنه علم ~~الحكمة الخفية في مثل ذلك # وقد أجاب بعض المتكلمين بجواب مناسب فقال ان الثواب على هذه الاشياء جزء ~~من الحكمة المسماة بالعلة في عرف المتكلمين وليس هو كلها والجزء الثاني هو ~~الاعتبار بذلك وهذا معنى مناسب وقد ورد ما يدل عليه من الحديث وذلك ما رواه ~~الحافظ ابن كثير من طرق في خلق آدم من أول الجزء الأول من البداية والنهاية ~~ان الله لما أخرج ذرية آدم ورآهم آدم رأى فيهم الغنى والفقير والصحيح ~~والسقيم فقال يا رب هلا سويت بين ذريتي فقال تعالى اني أردت أن تشكر نعمتي ~~إلى غير ذلك وكفى بقوله تعالى @QB@ وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم @QE@ ~~وفي آية أخرى @QB@ فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا @QE@ وهي ~~شاهدة لقول أهل المعقولات انه لا يكون في مخلوقات الله تعالى ما هو شر محض ~~من جميع PageV01P210 الوجوه لان ما كان كذلك لم يمكن تجويز أنه خير ولا أن ~~فيه خيرا فافهم ذلك # وفي الآلام ما لا يحصى من الالطاف بالمكلفين والتزهيد في دار الغرور ~~ونعيمها الزائل والترغيب في خير الآخرة المحض الخالص من المكدرات وتهذيب ~~الاخلاق ورحمة أهل البلاء والتدريب على الصبر الذي هو أساس الفضائل ومعرفة ~~قدر النعم بالذوق وتخديد الشكر عليه وحسبك في ذلك قول الله تعالى @QB@ أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ~~@QE@ وفي ذلك من معرفة الانسان بعجزه وذله وجمع القلب على الله واقباله على ~~الدعاء واللجأ والتضرع ومعرفته باجابة الدعاء وكشف الضر وزيادة اليقين به ~~إلى أمثال ذلك من الغايات المحمودة والمصالح المقصودة ما عرفته العقول ~~الصحيحة وقضت به التجارب الدائمة حتى ذكر صاحب عوارف المعارف ما معناه ان ~~العبد مخلوق ليكون ملتجئا إلى الله سبحانه على الدوام فما دام كذلك فهو في ~~عافية ومتى غفل عن ذلك ساقه ms190 الله إلى ذلك ببعض المصائب وذكر في موضع آخر أن ~~سبب فضيلة الفقراء أنهم يذوقون الافتقار إلى الله تعالى بقلوبهم وان تلك من ~~أقرب المنازل إلى الله تعالى # وروى ابن قيم الجوزية في حادي الأرواح ان نبيا من الأنبياء عليهم السلام ~~رأى مبتلى فقال اللهم ارحمه فقال الله تعالى ? < كيف أرحمه مما به أرحمه هم ~~عبادي ان أحسنوا فأنا حبيبهم وان أساؤا فأنا طبيبهم ابتليتهم بالمصائب ~~لاطهرهم من المعائب # ومن ذلك الابتلاء بالايمان وبالثبات عليه عند رؤية ذلك فان ذلك يمير الله ~~به الخبيث من الطيب كما نص عليه في ابتلاء المسلمين بتحويلهم من استقبال ~~بيت المقدس إلى استقبال الكعبة ونجم عن ذلك نفاق بعض المنافقين ونزل قوله ~~تعالى > ? @QB@ سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا ~~عليها @QE@ الآيات وكم عسى أن يكتب الكاتب ويحسب الحاسب من حكم الله سبحانه ~~وفوائده وفوائد أفعاله الحكيمة وتقديراته اللطيفة فهذا يخرج عن المقصود ~~ويمنع مما قصدته من الاختصار على ان المعترض PageV01P211 لمناسبة هذه العلة ~~الشرعية والاحاديث النبوية أتى بما يضحك السامعين ويخالف الاذكياء والبلداء ~~من العقلاء أجمعين فزعم ان الله عذب من لا ذنب له من الصغار والبهائم بغير ~~علة ولا سبب ولا حكمة ولا داع فيا هذا المغفل اذا لم يحز على الله الاحسان ~~العظيم الدائم على سبب وحكمة لم تعقلهما كيف أجزت عليه التعذيب العظيم بغير ~~سبب وحكمة واذا أوجبت تنزيه الله تعالى من الاحسان العظيم الدائم على سبب ~~وحكمة كيف قبحت على غيرك تنزيهه من التعذيب العظيم الدائم بغير سبب وحكمة ~~واذا اعترفت ان من اعترض على الله تعالى في العذاب بغير ذنب فقد زاد شقاؤه ~~وعظم بلاؤه فمن أباح لك اعتراضه في أسباب احسانه حين لم توافق فهمك الذي ~~اختار نفي الحكمة عن جميع الأفعال الربانية وجعل كمال الحكمة نقصا وعكسها ~~عكسا فجعل زينها شيئا وحمدها ذما فكيف اتسع عقله لتجويز تعذيب من لا ذنب له ~~في طبقات النيران إلى ما لا نهاية له من الملك الغني ms191 الحميد المجيد الحكيم ~~الرحمن الرحيم الحليم ثم ما اتسع عقله أن يعلم ان الله تعالى في ترتيب ~~الثواب على المصائب وجه حكمة لم يعلمها هو ومنتهى ما في الأمر أن ترتيب ذلك ~~الثواب على تلك المصائب قبيح في منتهى معارف العقول أو عبث لا في علم الله ~~تعالى فهلا آمنت به مع صحته في المعقول والمنقول مثل ما آمنت بتعذيب ذنب من ~~لا ذنب له مع قبحه في المعقول وعدم صحته في المنقول # واعلم ان من عادة بعض المخالفين في هذه المسألة أن يوردوا صورا تحسن من ~~الله تعالى وتقبح من عباده ويوهمون بذلك ان هذا محل النزاع وليس كذلك وكفى ~~حجة على من نازع في هذا قصة الخضر وموسى عليهما السلام ولهذا تجد كثيرا من ~~أهل السنة يظنون ان هذا القدر هو محل النزاع فيرجحون قول من ينفي التحسين ~~العقلي وليس محل النزاع الا في نفي الحكمة عن علم الله تعالى لا عن معارف ~~عقول العقلاء # ومن الخطأ البين ما يفعله كثير من المخالفين من تقدير صور في غاية القبح ~~في الشاهد ثم تقدير أن الله يفعلها فيجب تحسينها منه لو فعلها وموضع القبح ~~بين في وجهين أحدهما في ضرب الأمثال لله والله تعالى يقول PageV01P212 @QB@ ~~فلا تضربوا لله الأمثال @QE@ وثانيهما في تجويز ان الله يفعل تلك الصور ~~الشنيعة الفاحشة الشناعة وأنا أذكر من ذلك صورة واحدة قد ختم بها هذا الشيخ ~~المدقق كلامه فجعل ثواب الله العظيم على فقر عباده وبلائهم بمنزلة رجل يقلع ~~عيني فقير مسكين مجذوم مقطوع الاطراف ليطعمه لقمة واحدة فاساء الأدب وأبطل ~~في المثل ولله المثل الاعلى والأسماء الحسنى والله تعالى جعل ثواب العبد ~~على ذهاب بصره الخلود الذي لا آخر له في نعيم الجنان الذي لا مثل له بحيث ~~ان من غمس غمسة واحدة فيه من أهل البلاء يقال له هل رأيت بؤسا قط فيقول ما ~~رأيت بؤسا قط فهذا في أول غمسة كيف في الدوام الابدي فيما لا عين رأت ولا ~~اذن سمعت ms192 ولا خطر على قلب بشر في مقعد صدق عند مليك مقتدر مع الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # وكل عاقل يشترى هذا بان يقطع إربا أربا في كل حين ولذلك قال الله تعالى ~~@QB@ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة @QE@ الآية ~~وورد في البخاري ومسلم عن أنس أنه لا يحب الرجوع إلى الدنيا أحد من أهل ~~الجنة الا الشهيد فانه يحب أن يعود فيقتل عشر مرات لما رأى من عظيم الأجر ~~على الشهادة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ولوددت أني أقتل في ~~سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل رواه البخاري ~~وهذا لفظه ومسلم ومالك وغيرهم وفي صحيح مسلم ان الله ليغفر للعبد بالشربة ~~يشربها فيشكر عليها والأكلة يأكلها فيشكر عليها وفيه ان سبحان الله نصف ~~الميزان وسبحان الله والحمد لله يملآن ما ما بين السموات والأرض # فهذا بعض ما صح ويسير من كثير بل قطرة من بحار فضل الله العظيم الذي لا ~~يقدر بمقدار ولا تمده لو كتب الانهار ولا البحار فكيف بقدر لقمة واحدة ~~يطعمها فقير مسكين حيران لقلع عينيه # وقد أجاد الشيخ مختار في المجتبى حيث أشار إلى الفرق بين الجزاء ~~PageV01P213 العظيم وغيره في تقبيح هذه الامور وتحسينها ولو كان يقبل مثل ~~ذلك الاعتراض على العلل السمعية والحكم الالهية لو رد على قوله تعالى @QB@ ~~إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة @QE@ وقيل أما ~~كان في قدرة رب العالمين أن يدخلهم الجنة عوضا عن بذلهم أنفسهم وأموالهم ~~الحقيرة مع انها من مبادي مواهبه ولو كان هذا من العلم المحمود لسبق اليه ~~السلف الذين هم خير أمة أخرجت للناس رضي الله عنهم # ومن ذلك احتجوا بقوله تعالى @QB@ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون @QE@ # والجواب من وجهين أحدهما ان هذه الآية في اثبات عزة الله تعالى وهي كلمة ~~اجماع بين المسلمين والله أعز من أن يسئل وليس ms193 ذلك يقتضي أنه غير حكيم فقد ~~تمدح بالعزة بل تمدح بسؤاله وعده الصادق للمتقين حيث قال سبحانه في كتابه ~~المبين @QB@ قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ~~ومصيرا لهم فيها ما يشاؤون خالدين كان على ربك وعدا مسؤولا @QE@ فوجب ~~الايمان بهما معا فهو العزيز الحكيم كما جمعهما سبحانه وتعالى كثيرا في ~~التمدح بهما معافي غير موضع واحد وذلك اشارة إلى انهما اخوان لا يفترقان لا ~~ضدان لا يجتمعان ولذلك بوب البخاري عليهما مجموعين بابا في كتاب التوحيد من ~~صحيحه وثانيهما أن هذه الآية في الدلالة على بطلان الشركاء الذين عبدهم ~~المشركون والمراد انهم يسئلون يوم القيامة عن ذنوبهم ويعذبون عليها كقوله ~~@QB@ ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون @QE@ ومن كان كذلك فهو مربوب لا رب ~~وانما الرب الحق الذي يسأل عباده يوم القيامة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ~~لا من يخاف العذاب ويحاسب أشد الحساب وسياق الآية من أولها واضح في ذلك ~~فالاحتجاج بها على نفي الحكمة غفلة عظيمة وانما هي لنفي شريك مغالب يلزم ~~اظهار الحكمة ويعاقب على ترك البيان لها ونحو ذلك وقد أمر الله سبحانه ~~وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ان يسأله الزيادة من العلم ولم يعلم موسى ~~PageV01P214 على طلب ذلك من الخضر عليهما السلام والله يحب أن يسئل ومن لم ~~يسأل الله يغضب عليه فمن سأل الله من أنبيائه عن خفي حكمته لم يدخل في ~~الآية كما سأله آدم عليه السلام هلآ سويت بين ذريتي فقال فعلت ذلك لتشكر ~~نعمتي وانما يلام من سأل اعتراضا أوشكا أو استبعادا والله سبحانه أعلم # ومن ذلك شبهة الثلاثة الاطفال الذين فرضوا أن أحدهم مات صغيرا فدخل الجنة ~~وأحدهم كبر ووحد الله وعبده ودخل الجنة وأحدهم كبر وكفر ودخل النار فرأى ~~الصغير منزلة المؤمن الكبير فوقه في الجنة فقال يا رب هلا بلغتني منزلة هذا ~~فيقول الله تعالى له اني علمت انك لو كبرت كفرت ودخلت النار فيقول الذي في ~~النار فهلا أمتني صغيرا وهذه ms194 هي مسألة خلق الاشقياء بعينها لكن غيروا ~~العبارة فيها # والجواب ان هذا التقدير خطأ فاحش فان العلة في امانة الصغير ليس هي علم ~~الله بانه لو كبر كفر ولو كانت هذه هي العلة لأمات جميع الكفرة والاشقياء ~~كلهم صغارا بل لما خلقهم صغارا حتى يميتهم فان ترك خلقهم أولى من استدراك ~~الفساد بموتهم بعد خلقهم ولو كانت هذه هي العلبة لصاحت الوحوش والطيور ~~وجميع أنواع الدواب وقالت يا رب هلا جعلتنا من بني آدم ولصاح المؤمنون كلهم ~~وقالوا ربنا هلآ عصمتنا وبلغتنا مراتب الأنبياء بل جعلتنا كلنا أنبياء يوحى ~~الي كل واحد منا ويسري بنا إلى السماء وقالوا جميعا هلا جعلتنا ملائكة ~~كراما ولقالت الأنبياء هلا ساويت بيننا فانه نص انه فضل بعض الرسل على بعض ~~ولقالت مثل ذلك الملائكة فانه فضل بينهم ولو انفتح هذا الباب لاعترض تفضيل ~~يوم الجمعة والعيد وليلة القدر ولم تكن هذه الأوقات المخصوصات اولى بذلك من ~~غيرها ولاعترض تخصيص السموات باماكنها والارضين بسكانها ولاعترض تخصيص ~~ايجاد العالم وكل فرد ممن فيه بوقت دون وقت وتخصيص جميع ما فيه بقدر دون ~~قدر في جميع أفعال الله تعالى ومقادير الاعمال والاجساد والارزاق والنعم ~~والقوى والالوان والتقديم والتأخير والتقليل والتكثير ولما انتهى ذلك إلى ~~حد ولا وقف على مقدار الا والاعتراض فيه قائم والسؤال عليه وارد ولقالت ~~القباح هلا جعلتنا حسانا والنساء هلا جعلتنا رجالا وأمثال ذلك مما لا يحصى ~~وذلك مما يؤدي إلى عدو وجود PageV01P215 شيء من الموجودات بل إلى استحالة ~~وجود الممكنات من جميع المخلوقات لعدم رجحان وقت على وقت ومكان على مكان ~~وقدر على قدر فيلحق القادر حينئذ بالعاجز ويتعذر الاختيار على جميع ~~المختارين وانتهينا إلى مسألة لا تنتهي لتعارض الدواعي المستدعية للوقف ~~وترك جميع الأفعال وهذا خروج من المعقول فان العاطش الجيعان لو حضر عنده ~~كيزان كثيرة ورغفان كثيرة وهو لا يأكل معتذرا بان الدواعي إلى تخصيص كل كوز ~~وكل رغيف تعارضت عليه حتى لم يتمكن من الاكل والشرب ودفع الضرر العظيم لعد ms195 ~~من المجانين # والجواب عن هذه الوساوس ان الله يختص برحمته من يشاء وانه في ذلك العليم ~~الحكيم الخبير البصير ومتى دعت الحكمة إلى أحد الامرين المستويين بادر جميع ~~العقلاء إلى تخصيص أحدهما محمودين على ذلك غير ملومين سواء كان ذلك التخصيص ~~مستندا إلى مرجح خفي أم إلى الحكمة الاولى # ومن ذلك الحديث المقلوب الذي خرجه البخاري في التوحيد في الباب الخامس ~~والعشرين في قوله عز وجل @QB@ إن رحمة الله قريب من المحسنين @QE@ فانه خرج ~~فيه عن عبادة حديثا مرفوعا انما يرحم الله من عباده الرحماء وحديث انس ~~مرفوعا ليصيبن أقواما سفع من النار بذنوب أصابوها ثم يدخلهم الله الجنة ~~بفضل رحمته ثم أراد تأكيد هذين الحديثين في رحمة الله تعالى بحديث ثالث ~~لابي هريرة وقد رواه على الصواب قبل هذا الموضع من طريق اتفق على صحتها هو ~~ومسلم وغيرهما ثم جاء به في هذا الموضع من طريق أخرى لم يوافقه عليها مسلم ~~ولا غيره من أهل السنن وانما أراد تقوية أصل الحديث وما فيه من معنى الرحمة ~~المتفق عليها فقال حدثنا عبيد الله بن سعيد قال حدثنا يعقوب يعني ابن ~~إبراهيم بن سعد الزهري قال حدثنا أبي عن صالح بن كيسان عن الاعرج عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اختصمت الجنة والنار إلى ربهما ~~فقالت الجنة يا رب مالها لا يدخلها الا ضعفاء الناس وسقطهم وقالت النار ~~فقال للجنة أنت رحمتي وقال للنار أنت عذابي أصيب بك من أشاء ولكل واحدة ~~منكما ملؤها PageV01P216 قال فاما الجنة فان الله لا يظلم من خلقه أحدا ~~وانه ينشئ للنار من يشاء فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ثلاثا حتى يضع قدمه ~~فيها فتمتلئ ويرد بعضها إلى بعض وتقول قط قط قط فهذا حديث مقلوب انقلب على ~~بعض رواته كما خرج مسلم من حديث أبي هريرة في ذلك السبعة الذين يظلهم الله ~~بظل عرشه يوم القيامة يوم لا ظل الا ظله فذكر منهم رجلا تصدق بصدقة فأخفاها ~~حتى لا تعلم ms196 يمينه ما تنفق شماله خرجه مسلم وانما انقلب على بعض الرواة ~~وصوابه ما خرجاه معا عن أبي هريرة في هذا الحديث بعينه ورجل تصدق بصدقة ~~فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه فحكم كل عارف بانقلابه لما اتفقا ~~عليه في ذلك ولانه المناسب فان اليمين هي المنفقة فخرجه مسلم كذلك لتقوى ~~أصل الحديث بهذا الاسناد لا لكونه ظن صحة هذا المتن المقلوب مع مخالفته ~~للمنقول والمعقول ولم يتهم أحد مسلما بجهل ذلك # وكذلك حديث الجنة والنار فانهما اتفقا على اخراجه على الصواب من حديث عبد ~~الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تحاجت النار والجنة فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين ~~وقالت الجنة ما لي لا يدخلني الا ضعفاء الناس وسقطهم فقال الله تعالى للجنة ~~انت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار أنت عذابي أعذب بك من أشاء ~~من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول ~~قط قط قط فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها إلى بعض ولا يظلم الله من خلقه أحدا ~~وأما الجنة فان الله ينشئ لها خلقا خرجه البخاري في التفسير في تفسير ق ~~ومسلم في صفة النار نعوذ بالله منها وفي صفتها خرج مسلم حديث أنس والبخاري ~~في التوحيد في الباب السابع منه في قول الله عز وجل @QB@ وهو العزيز الحكيم ~~@QE@ فخرج منه حديث شعبة وسعيد بن أبي عروبة كلاهما عن قتادة عن أنس قال لا ~~يزال يلقى فيها وهي تقول هل من مزيد حتى يضع فيها رب العالمين قدمه فيزوي ~~بعضها إلى بعض ثم تقول قد قد بعزتك وكرمك ولا تزال الجنة تفضل حتى ينشئ ~~الله لها خلقا فيسكنهم الله فضل الجنة هذا لفظ البخاري في التوحيد ورواه ~~مسلم من طريق سعيد عن قتادة بمثله الا PageV01P217 انه قال قط قط ثم رواه ~~من طريق أخرى فقال نازهير بن حرب ناعفان ناحماد يعني ابن سلمة ناثابت قال ~~سمعت ms197 أنسا يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يبقي من الجنة ما شاء الله ~~ان يبقى ثم ينشئ الله لها خلقا مما يشاء وخرج مسلم أصل الحديث من طريق أبي ~~سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في محاجة الجنة والنار إلى قوله ~~لكل واحدة منكما ملؤها فلم يذكر ما بعده من الزيادة # فقد تبين بهذا ان حديث إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن الاعرج عن أبي ~~هريرة حديث منقلب لم يتابع عليه فأما أبو هريرة فقد تخلص من الوهم برواية ~~الثقات للحديث عنه على الصواب وكذلك الاعرج قد خرجه عنه مسلم من طريق أبي ~~الزناد عن أبي هريرة بغير ذكره لتلك الزيادة المنكرة وأبو الزناد في الأعرج ~~من إبراهيم فانه راويه المشهور وفي كتب الجماعة الستة عنه قدر ثلاثمائة ~~حديث وليس لابراهيم عن صالح عنه الا سبعة أحاديث لم يتفقا على واحد منها ~~خرج البخاري ثلاثة منها أحدها في الابراد بالصلاة في شدة الحر وهو معروف من ~~غير طريقه والثاني لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك وهو كذلك والثالث هذا ~~الحديث وغيره فيه أثبت منه وأحفظ له كما نبين لك ان شاء الله وأما مسلم فلم ~~يخرج له عن صالح عن الاعرج الا في الفضائل ثلاثة أحاديث والسابع من هذه ~~الترجمة خرجه ابن ماجة في رفع اليدين عند التكبير وهو معروف # وقد ذكر ابن حجر إبراهيم بن سعد فيمن اختلف فيه من رجال البخاري وحكى بعد ~~توثيقه عن ابن عدي انه روي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه انه ذكر ~~إبراهيم بن سعد عند يحيى بن سعيد فجعل يقول إبراهيم بن سعد كأنه يضعفه وقال ~~ابن عدي كلام من تكلم فيه تحامل فأفاد انه قد تكلم فيه وقال ابن دارة كان ~~صغيرا حين سمع من الزهري فهذا ما ذكره ابن حجر في ترجمته ولم يذكره الذهبي ~~في الميزان والاعلال والحكم بالانقلاب والادراج ونحو ذلك لا يختص بالضعفاء ~~بل يجوز الحكم به بمخالفة ms198 الاوثق والاكثر مع القرائن وقد اجتمع ذلك كله بل ~~ذكر ابن قيم الجوزية في حادي الارواح ان ذلك من المقلوب وان البخاري قد نبه ~~PageV01P218 على ذلك قال والروايات الصحيحة ونص القرآن يرده فان الله تعالى ~~أخبر أنه يملأ جهنم من إبليس وأتباعه وأنه لا يعذب الا من قامت عليه الحجة ~~وكذب رسله قال تعالى @QB@ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير ~~قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء @QE@ # قلت ويدل على هذا وجوه منها ان راوي هذا الحديث المقلوب جعل تنزيه الله ~~تعالى من الظلم عند ذكره الجنة فأوهم بذلك ان من أدخله الله تعالى الجنة ~~بغير عمل كان ظلما وهذا من أفحش الخطأ فان الحور العين في الجنة والاطفال ~~بغير عمل وهذا هو الموضع الذي لا يسمى ظلما عند أحد من المسلمين ولا من ~~العقلاء أجمعين ولا أشار إلى ذلك شيء من الحديث ولا من السنة ولا من اللغة ~~ولا من العرف وانما ذكر هذا في النار اشارة إلى أن التعذيب بغير ذنب هو شأن ~~الظالمين من الخلق والله تعالى حرم الظلم على نفسه وجعله بين خلقه محرما ~~كما رواه أبو ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل في الحديث ~~الصحيح بل كما تمدح بذلك رب العالمين في كتابه المبين # الوجه الثاني انه قصر في سياقه المتن فقال وقالت النار ولم يذكر ما قالت ~~ولا سكت من قوله قالت قال ابن بطال في شرحه وهو كذلك في جميع النسخ وذكر ~~هذا الراوي قول الله تعالى للجنة أنت رحمتي ولم يتمم قولها لها أرحم بك من ~~أشاء من عبادي والنقص في الحفظ والركة في الرواية بين على حديثه # الوجه الثالث تجنب المحدثين لاخراج هذه الرواية مثل مسلم والنسائي مع ~~روايتهما الحديث ومثل أحمد بن حنبل في مسنده مع توسعه فيه وكذلك ابن الجوزي ~~في جمعه أحاديث البخاري ومسلم ومسند أحمد وكذلك ابن الاثير في جامع الاصول ~~وهو يعتمد ms199 الجمع بين الصحيحين للحميدي والحميدي انما يترك ما ليس على شرط ~~البخاري مما ذكره في صحيحه مثل حديث الفخذ عورة فانه ترك ذكره لذلك كما ذكر ~~ابن الصلاح في علوم PageV01P219 الحديث والامر أوضح من أن يطول في بيانه ~~وانما ذكرت هذا لان صاحب القواعد احتج به ونسبه إلى الصحيح ولم يذكر فيه ~~شيئا أصلا وكذلك المهلب فعرفت انهما قد غلطا في ذلك كيف من هو أقل معرفة ~~منهما بسبب ذكره في صحيح البخاري وقد رأى ذكره في صحيح البخاري # وقد ذكر ابن الصلاح وغيره ان في البخاري أحاديث كثيرة على غير شرطه ولا ~~شرط غيره من أهل الصحيح وان ذلك معلوم وذكر من ذلك حديث بهز بن حكيم في ان ~~الفخذ عورة وقد ذكر غيره من ذلك شيئا كثيرا فقد ذكر ابن حجر في مقدمة شرح ~~البخاري بعض ما اعترض على البخاري فذكر مائة حديث وعشرة أحاديث وانما قلت ~~انه البعض لانه ذكر ان من ذلك عنعنة المدلسين التي في الصحيح وأحاديث ~~الرجال المختلف فيهم وذلك شئ كثير # الوجه الرابع انه قد ثبت بالنصوص والاجماع ان سنة الله تعالى انه لا يعذب ~~أحدا بغير ذنب ولا حجة كما قال تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ~~@QE@ وقال @QB@ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ذكرى وما كنا ظالمين @QE@ وفي الصحيحين لا أحد أحب اليه العذر من الله ~~من أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب ومن جحدان هذه سنة الله فقد جحد الضرورة ~~وإذا تقرر أنها سنة الله تعالى فقد قال تعالى @QB@ ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا @QE@ @QB@ ولن تجد لسنة الله تحويلا @QE@ وقال تعالى @QB@ واتبعوا ~~أحسن ما أنزل إليكم من ربكم @QE@ وأحسن ما أنزل الله الينا هو الثناء عليه ~~وتسبيحه وتقديس أفعاله وأقواله من جميع صفات النقص فكيف يعدل عن هذا كله مع ~~موافقة الرواية الصحيحة له إلى رواية ساقطة مغلوطة مقلوبة زل بها لسان بعض ~~الرواة كما زل لسان الذي اراد أن يقول اللهم أنت ربي وأنا ms200 عبدك فغلط من شدة ~~الفرح بوجود راحلته عليها طعامه وشرابه بعد اليأس كما ورد في الأحاديث ~~الصحاح ولو كان PageV01P220 الغلط يحكم به لوجب كفر ذلك الغالط وتكفيرنا له ~~لأجل غلطه وعكسه ما أراد ونجعله مذهبا له # الوجه الخامس أنه لو قدر ما لا يتقدر من ورود حديث صحيح بذلك الغلط لم ~~يدل على مخالفة جميع ما عارضه من الأدلة القاطعة والحجج الساطعة لأنه محتمل ~~لموافقتها فانه لم يصرح فيه بأنه ينشيء للنار خلقا لا ذنوب لهم ولا قال ~~فيدخلهم النار قبل أن يذنبوا ويستحقوا العذاب وإذا لم ينص على ذلك وجب ~~تقدير ذلك لموافقة سنة الله تعالى التي لا تبديل لها ولا تحويل وذلك على ~~أحد وجهين إما أن يكون هؤلاء الذين أنشأهم الله لها هم قوم من كفار بني آدم ~~الذين تقدم كفرهم وقدم ادخارهم لها بعد كفرهم وسمى اعادتهم لها انشاء لأنها ~~انشاء حقيقي لصورهم وردهم على ما كانوا أو لأنه كان قد أعدمهم وهذا اختيار ~~كثير من أهل السنة بل من الأشعرية فقد نص عليه ابن بطال في شرح البخاري في ~~شرح هذا الحديث فأصاب في وجه وأخطأ في وجه أما صوابه ففي تنزيهه الله تعالى ~~مما توهمه غيره جائزا على الله سبحانه وأما خطأه ففي إيهامه أن الحديث صحيح ~~وهو مقلوب بغير شبهة وإنما خفي ذلك عليه لأنه لم يكن من أئمة الحديث وإنما ~~كان من علماء الفقه والكلام وإما أن يكون الله تعالى خلق للنار خلقا ~~مستأنفا فكلفهم بعد خلقهم فكفروا فاستحقوها كما ورد في بعض أحاديث الاطفال ~~وفي هذا مباحث قد استوفيت هنالك وإما أن يكون خلق لها خلقا لا يتألم بها أو ~~يتلذذ بها أو من الجمادات كما قال الله تعالى @QB@ وقودها الناس والحجارة ~~@QE@ وجاء فيها بضمير العقلاء لأنهم بدل منهم كما قال يوسف عليه الصلاة ~~والسلام @QB@ إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين @QE@ ~~أو لغير ذلك ومع الاحتمال بعض هذه الوجوه في بيان غلط بعض الرواة الذي قامت ~~الأدلة ms201 على غلطه كيف يعدل إلى ظاهره ويسمى صحيحا ويحتج به مثل المهلب وصاحب ~~القواعد وغيرهما فالله المستعان PageV01P221 # ومن ذلك قالوا الاسباب والدواعي خلق الله فلو كان الله لا يفعل إلا لها ~~لم يخلقها إلا لمثلها داع وسبب وأدى هذا إلى التسلسل أو إلى تعجيز الله ~~تعالى من خلق شيء بغير داع # والجواب أن هذا من أفحش الوهم والغلط فان المرجع بالأسباب والدواعي ~~والحكم إلى الله تعالى بذلك وما كان من المخلوقات خيرا محضا فانه يراد خلقه ~~لنفسه لا لمعنى آخر ولا لسبب ثان وما كان شرا فانه يراد لخير فيه أو خير ~~يستلزمه أو يتعقبه لما اجتمعت عليه الفطر وأقرته الشرائع من قبح ارادة الشر ~~لكنه شرا وأما تعجيز الرب عز وجل فأعظم فحشا في الوهم وأين نفى القدرة من ~~نفي الفعل وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله تعالى @QB@ بيده الملك وهو على ~~كل شيء قدير @QE@ ولم يقل وهو لكل شيء فاعل فنحن لم نقل أن الله لا يقدر ~~على العبث ولا اللعب ولا الظلم وإنما قلنا أنه لا يفعلها ومدحناه بذلك كما ~~مدح به نفسه في كتابه الكريم ولو لم يكن قادرا على ذلك لم يكن ممدوحا بتركه ~~كما أن الجمادات غير ممدوحة بترك ذلك وهي لا تفعله وإنما لم تمدح بتركه مع ~~عدم فعلها له لعجزها عن فعله وتركه وهذا شيء تفهمه العرب في جاهليتها ~~والعوام في أسواقها وباديتها والعجب من قوم ادعوا كمال المعرفة بالحقائق ~~والغوص على لطائف الدقائق ثم عموا أو تعاموا عن هذه الأحكام الظاهرة ~~والأدلة الباهرة نسأل الله العافية لنا ولجميع المسلمين # وأما بيان أن القول بحكمة الله تعالى أحوط في الدين من النفي لها ~~والتأويلات المتعسفة فلا شك فيه لوجوه # الوجه الأول أن وصف الله تعالى بالحكيم معلوم ضرورة من الدين متكرر النص ~~عليه في كتاب الله تعالى تكرارا كثيرا ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه والسلف المجمع عليهم ما تأولوه ومعلوم تمدحه سبحانه وتعالى ~~PageV01P222 بالحكمة كما قال الله تعالى ms202 @QB@ ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه ~~مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر @QE@ وأمثالها وهي مانعة من تأويلهم الحكيم ~~بأنه ذو الأحكام في المخلوقات لا ذو الحكمة فيها ولا شك أن إثبات الحكيم ~~بأنه ذو الأحكام في المخلوقات لا ذو الحكمة فيها ولا شك أن إثبات الأحكام ~~لها والحكمة فيها أكثر مدحا وأنه تعالى أولى بكل مدح # الوجه الثاني أنه لا بدعة في إثبات الحكمة لله تعالى وعدم تأويل الحكيم ~~بالاجماع لأن البدعة احداث ما لم يعهد في عصر النبوة والصحابة وما كان ~~منصوصا في كتاب الله تعالي فهو موجود في عصرهم ضرورة وإنما الذي لم يوجد في ~~عصرهم نفي ذلك أو تأويله والقول بأنه صفة ذم أو يستلزم ذلك # الوجه الثالث أنه يخاف الكفر بجحد ذلك لما قررناه من أنه معلوم ضرورة ~~وكذلك يخاف الكفر في تأويله وإن كنا لا نكفرهم احتياطا للاسلام وأهله لما ~~سيأتي ولمعارضة الأدلة الموجبة لاسلامهم كما تقدم ولأن قصدهم إنما هو حسم ~~مواد الاعتراض علي الله تعالي لكنهم أساؤا النظر بالتزام مثل ما فروا منه ~~وأما القول بذلك فلا وجه لخوف الكفر فيه أبدا حتي عند نفاة الحكمة لأن ~~الكفر هو جحد الضرورات من الدين أو تأويلها ولم تأت في نفيها آية قرآنية ~~ولا حديث آحادي فضلا عن متواتر وأما مخالفة غلاة المتكلمين في دقائقهم فلم ~~يقل أحد أنها كفر وإلا لوجب تكفير أكثر أهل الاسلام بل خيرهم # وإنما أوضحت هذا لأتي بنيت هذا الكتاب علي لزوم الأحوط في الدين مهما ~~وجدت اليه سبيلا وترك كل ما يخاف من القول به العذاب أجارنا الله تعالي منه ~~وعلي تقديم عبارة القرآن ونصه ولفظه لقوله تعالي @QB@ إن هذا القرآن يهدي ~~للتي هي أقوم @QE@ وقوله تعالي @QB@ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا ~~تتبعوا من دونه أولياء @QE@ ولأنه @QB@ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه تنزيل من حكيم حميد @QE@ PageV01P223 ولأنه أشرف وأبرك وأصح وأنجي ~~وأولي وأحري وأعلي وأهدي بالاجماع # فان قبل تجويز بعض ما يستقبح في ms203 عقول العقلاء لحكمة لا يعلمونها يستلزم ~~تجويز بعثة الكذابين والكذب والخلف في الوعد والوعيد ونحو ذلك لحكمة لا ~~يعلمها إلا الله تعالي # قلنا هذا ممنوع لوجهين الوجه الاول أن تقبيح العقول ينقسم إلى قسمين ~~ضروري وظني ونحن ما جوزنا أن يصدر من الله تعالى كل قبيح على الاطلاق لحكمة ~~خفية إنما جوزنا ذلك في القسم الذي التقبيح فيه ظني يقع في مثله الاختلاف ~~بين الجاهل والعالم وبين العالم والاعلم ولا شك أن اختيار الكذب وبعثه ~~الكذابين بالمعجزات والخلف في الوعد بالخير ممن هو على كل شيء قدير وبكل ~~غيب عليم وترجيحه على الصدق وبعثة الصادقين مع أن قدرته عليهما على السواء ~~قبيح قبحا ضروريا قبحا أشد القبح في عقول العقلاء أما أن لم يجوز في ذلك ~~خير فظاهر وأما أن جوز فيه شيء من الخير فلا شك أن الصدق وبعثة الصادقين ~~أكثر خيرا ودفعا للفساد والمفاسد وجلبا للصلاح والمصالح وتجويز خلاف ذلك ~~يؤدي إلى أن لا يوثق لله تعالى بكلام ولا لأحد من رسله الكرام في دين ولا ~~دنيا ولا جد ولا هزل ولا حلال ولا حرام ولا وعد ولا وعيد ولا عهد ولا عقد ~~ولا أعظم فسادا مما يؤدي إلى هذا بحيث أن كثيرا من السفهاء والظلمة ~~والمفسدين لا يرضون لنفوسهم بمثل ذلك # الوجه الثاني إن الذي يحسن حينئذ لبعض القبائح لبعض العقلاء إنما هو ~~الاضطرار إلى عدم الخلاص من أحد قبيحين فيختار حينئذ الأهون منهما قبحا كما ~~قيل حنانيك بعض الشر أهون من بعض مثاله من لم يستطع حقن دم معصوم أو مسلم ~~مظلوم إلا بكذب أو خلف وعد أو نحو ذلك حسن منه دفع الشر الأعظم بالشر الأقل ~~ومثل هذا لا يتصور في حق الرب جل جلاله لما ثبت من أنه على كل شيء قدير ~~وبكل شيء عليم وأما الخلف في الوعيد فليس هو في مرتبة القبيح الضروري لشهرة ~~الخلاف فيه بين العقلاء وصحة تسميته في اللغة عفوا لا خلفا كما قال كعب بن ~~زهير في قصيدته ms204 المعروفة PageV01P224 # ( نبئت أن رسول الله أوعدني % والعفو عند رسول الله مأمول ) # ولم يقل والخلف عند رسول الله مأمول وفي الصحيح من حديث جماعة من الصحابة ~~ابن عباس والخدري وأبي ذر وأبي رزين العقيلي لكن حديثه عند أحمد ولقيط بن ~~صبرة وحديثه عند الطبراني وعبد الله بن أحمد وله مسندان مسند ومرسل ورجال ~~المسند ثقات ذكره الهيثمي في باب جامع في البعث وعن سلمان عند البزار برجال ~~مختلف في بعضهم ذكر في باب حسن الظن بالله تعالى من مجمع الزوائد أن الله ~~تعالى يقول الحسنة بعشر أمثالها أو أزيد والسيئة بمثلها أو أعفو ويشهد لذلك ~~حديث معاذ الذي فيه دعهم يعملوا # وعن علي عليه السلام نحوه في فضل قتال الخوارج ومثل حديث إبراهيم الخليل ~~عليه السلام في التعرض يوم القيامة للشفاعة لأبيه آزر وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقد سئل عن أمه أن ربي وعدني مقاما محمودا وأمثال ذلك مما قد جمع ~~في غير هذا الموضع # ويشهد له من كتاب الله تعالى قول الخليل @QB@ فمن تبعني فإنه مني ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم @QE@ وقول عيسى عليه السلام @QB@ إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم @QE@ لكن عارض هذه الادلة قوله ~~تعالى @QB@ ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته @QE@ ولله تعالى من كل حسن أحسنه ~~فلما كان العفو بعد الوعيد حسنا كان العفو قبل الوعيد القاطع أحسن كان ~~الاحسن أولى بالله تعالى من الحسن لكنا نقول أن الله تعالى قد اشترط عدم ~~العفو في الوعيد في آيات كثيرة وفي أخبار كثيرة والشرط الواحد في آية واحدة ~~وحديث واحد كاف في الخروج من ذلك مثاله قوله تعالى @QB@ ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء @QE@ وقوله تعالى @QB@ خالدين فيها إلا ما شاء الله @QE@ ~~والأحاديث المتقدمة وكلام الخليل والمسيح عليهما السلام PageV01P225 وأما ~~المرجئة وغيرهم من أهل السنة فقد أجابوا عن قوله تعالى @QB@ ما يبدل القول ~~لدي @QE@ بأنها عموم مخصوص بقوله تعالى ms205 @QB@ وإذا بدلنا آية مكان آية @QE@ ~~وأمثالها كما أن قوله تعالى @QB@ لا مبدل لكلماته @QE@ مخصوص بها وعضدوا ~~ذلك في قوله تعالى @QB@ ما يبدل القول لدي @QE@ بأنها في خطاب الكفار كما ~~هو معلوم من الآيات التي قبلها قالوا وتعدية ما له سبب إلى غير سببه ظنية ~~بالاجماع لكن يقوي ويضعف على حسب القرائن والأحاديث المتقدمة وكلام الخليل ~~والمسيح قرائن تقوى عدم التعدية والجمع بذلك بينهما أولى من الطرح وعضدوا ~~ذلك بأن التبديل لم يقبح لذاته ولا لأنه تبديل قول مطلقا لأنه تبديل قول ~~مخصوص فقد قال تعالى @QB@ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات @QE@ وقال @QB@ ~~ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها @QE@ والنسخ من تبديل ~~القول لقوله تعالى @QB@ وإذا بدلنا آية مكان آية @QE@ وقد بدل الله ذبح ~~اسماعيل بالكبش وضرب امرأة أيوب بالضغث وبدل صورة عيسى بمثلها مرتين في ~~الدنيا وفي يوم القيامة وبدل استقبال بيت المقدس بالكعبة وذم من قبح ذلك ~~وسماهم سفهاء حيث قال @QB@ سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي ~~كانوا عليها @QE@ # يوضحه النصوص المتفق على صحتها والاجماع من أهل العلم المشاهير من جميع ~~المذاهب على أن من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها فالمستحب له أن يفعل ~~الذي هو خير ويكفر عن يمينه استحبابا لا وجوبا وهي مسألة اخلاف الوعيد ~~بعينها فتأمل ذلك يوضحه أحاديث لم تمسه النار إلا تحلة القسم وقوله صلى ~~الله عليه وسلم فيها واثنان بعد قوله ثلاثة فدل على أن التبديل المذموم ~~تبديل مخصوص لا كل تبديل يوضحه أنه قد ثبت أن عذاب الكفار راجح قطعا ~~للاجماع على عدم تجويز العفو المطلق عنهم ولما فيه من حقوق الأنبياء ~~والمؤمنين ونصرهم عليهم وشفاء غيظ قلوبهم منهم ولم يثبت مثل ذلك في عذاب ~~المسلمين لقوله تعالى @QB@ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ PageV01P226 # وللاحاديث المخصصة للعمومات المتواترة عند أهل الحديث ولأن الأنبياء ~~والمؤمنين شفعاؤهم لا خصماؤهم وأما قصة قوم يونس فتأتي في مسألة الوعيد # فان قيل إنما يحسن الخلف في الوعيد منا للجهل ms206 بالغيب مع نية الصدق فاما ~~عالم الغيب فلو أخلف لم يصح ارادة الصدق عند الوعيد لعلمه بالعاقبة فلو ~~أخلف كان كذبا قبيحا وهذا السؤال قوي إلا أن قوة التباسه بالانشاء هو الذي ~~غرهم فالأولى ترك تجويز ذلك ولسنا نحتاج في هذه المسألة إلى تجويزه لا سيما ~~وهذا الكتاب مبني على الأسلم والأحوط فقس ذلك على هذه القاعدة ولا تعدها ~~فمن نهج السلامة نال السلامة وكثيرا ما يلتبس التخصيص بالخلف على من بعد عن ~~تأمل السمع فأفرق بينهما فهو واضح # والكلام في هذه المسألة طويل وموضعه مسألة الوعد والوعيد وهو يأتي في آخر ~~هذا المختصر إن شاء الله تعالى ومع ما قدمته من وقوع الشرط في الوعيد لا ~~يحتاج إلى هذا ولا يمكن تقبيح العفو من أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين عن ~~أحد من الموحدين والحمد لله رب العالمين لكنه لا سبيل إلى الأمان لأنه ~~وسيلة إلى الفساد والطغيان والله أحكم من أن يؤمن المفسدين من تبوء الجزاء ~~في الآخرة كما لم يسمح لهم الحدود في الدنيا بل أوجب قطع يد السارق في ربع ~~الدينار لحفظ الأموال ومصلحة الخلق في ذلك وهو الحكيم العليم الحميد المجيد ~~الفعال لما يريد # وبهذا السؤال وجوابه تعلم سبب الخلاف في دوام العذاب فمن توهمه من ~~المرجوحات الضرورية في عقول العقلاء وحكمة الحكماء رجح الخصوص الذي هو قوله ~~تعالى @QB@ إلا ما شاء ربك @QE@ على عمومات الوعيد بالخلود ومن ذهب إلى أنه ~~من المرجوحات الظنية المستندة إلى مجرد الاستبعاد رجح العمومات وعضدها ~~بتقرير أكثر السلف لها على ما تكرر أن ما لم يتأولوه فتأويله بدعة ولما كان ~~تأويلهم لذلك في حق المسلمين متواترا عنهم وأدلته متواترة عند البعض صحيحة ~~شهيرة عند الجميع كان هو المنصور وسيأتي في موضعه الوجه في أنه أحوط ~~الأقوال والله سبحانه أعلم PageV01P227 # | الكلام على مسألة الارادة وفيها مباحث # البحث الأول في معناها وهي الأمر الذي يقع به فعل الفاعل المختار على ~~وجوه مختلفة في الحسن والقبح وعلى مقادير مختلفة في الكثرة والقلة وسائر ~~الهيئات ms207 والأشكال من السرعة والبطؤ وموافقة الغرض ومنافرته في أوقات مختلفة ~~في التقديم والتأخير وهذا هو القدر المجمع عليه في معناها وبقية المباحث ~~فيها في علم اللطيف وكلها مما لا تكليف في الخوض فيه ولا حاجة اليه بل هو ~~يؤدي إلى محارات أو محالات # البحث الثاني في معرفة ما ورد في السمع مما يتعلق بالارادة ويظن فيه أنه ~~متعارض وبيان أنه غير متعارض وأن اتباعه أحوط وهو نوعان # النوع الأول وردت النصوص المعلومة بالضرورة من كتاب الله تعالى أنه يكره ~~المعاصي ولا يحبها وذلك واضح قال تعالى بعد ذكر كثير منها @QB@ كل ذلك كان ~~سيئه عند ربك مكروها @QE@ وقال @QB@ والله لا يحب الفساد @QE@ وقال @QB@ ~~ولا يرضى لعباده الكفر @QE@ وقال @QB@ وإن تشكروا يرضه لكم @QE@ فهذا النوع ~~من السمع معلوم وقد قال به أهل الأثر وجماهير أهل النظر واتفقت عليه ~~الأشعرية والمعتزلة # النوع الثاني ما ورد من التمدح بكمال قدرة الله تعالى على هداية العصاة ~~خصوصا وعلى كل شيء عموما والتمدح بنفوذ ارادته كقوله تعالى @QB@ ولو شاء ~~الله ما أشركوا @QE@ @QB@ ولو شاء الله ما فعلوه @QE@ @QB@ فلو شاء لهداكم ~~أجمعين @QE@ وما شاء الله كان وجودا وعدما وهو المعلوم من القرآن ويلزم منه ~~إن شاء لم يكن وهو أصح من قولهم وما لم يشأ لم يكن إلا أن يصح الحديث الذي ~~فيه وفيه أحاديث لم يخرج البخاري PageV01P228 ولا مسلم منها شيئا عاما ~~وإنما خرجا حديث أبي هريرة في قصة يمين سليمان عليه السلام وهي خاصة بتلك ~~الواقعة ولذلك اخترت في العبارة في الإعتقاد ما شاء الله كان وما شاء لم ~~يكن ومعناهما ما شاء أن يكون كان وما شاء أن لا يكون لم يكن وهذا معلوم من ~~السمع وفيه ما لا يحتمل التأويل بالإكراه دون غيره كقوله تعالى @QB@ لمن ~~شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين @QE@ وقوله ~~تعالى جوابا على من قال ارجعنا نعمل صالحا @QB@ ولو شئنا لآتينا كل نفس ~~هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس ms208 أجمعين @QE@ وغيرهما ~~مما ذكره يطول # وقد أوضحت الوجه في امتناع تأويلهم لهذه الآيات بمشيئة القسر والالجاء في ~~كتاب العواصم وهو لا يخفى على النبيه إن شاء الله تعالى والعقل يعضد السمع ~~في قدرة الله تعالى على ذلك كما أوضحته هنالك وقد رجعت اليه المعتزلة كما ~~سيأتي في هذه المسألة حيث نبين أن الأمة رجعت إلى الاجماع في هذه المسألة ~~العظمى بعد إيهام الاختلاف الشديد وهو اختيار الامام المؤيد بالله يحيى بن ~~حمزة عليه السلام أعني قدرة الله على اللطف بالعصاة وأنه غير واجب عليه ~~فتبقى الآيات في التمدح بذلك على ظاهرها ذكره الامام في كتاب التمهيد في ~~أوائل الباب السابع في النبوات واحتج عليه وهو قول الامام الناصر محمد ابن ~~علي عليهما السلام وهو قول قدماء العترة كما ذكره صاحب الجامع الكافي ~~ويعتضد بوجهين أحدهما قوله تعالى @QB@ فطرة الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله @QE@ وحديث كل مولود يولد على الفطرة ومذهب المعتزلة مبني ~~على أن اللطف إنما تعذر في حقهم لأن الله بناهم بنية لا تقبل اللطف ~~وثانيهما أن تجويز خلق الله لهم على هذه البنية يناقض إيجابهم اللطف بل ~~يجوز فعل المفاسد # وأما قوله تعالى @QB@ ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا ~~وهم معرضون @QE@ فالجواب عن الاحتجاج بها على مذهبهم من وجوه PageV01P229 # الاول أنها في الكافرين الذين قد غيروا الفطرة واستحقوا العقوبة بالخذلان ~~وسلب الالطاف فهي كقوله تعالى @QB@ صم بكم عمي فهم لا يرجعون @QE@ ونحوها ~~وكلامنا إنما هو في المكلف في أول أحوال تكليفه وابتلائه وهذا بين # الثاني أنها خبر عن صفتهم التي هم عليها وليس فيها نفي قدرة الله تعالى ~~على تغيير صفتهم بالطافه الخفية وهو اللطيف لما يشاء القائل @QB@ قل كونوا ~~حجارة أو حديدا @QE@ الآية المتمدح بأنه لو شاء لجعل منهم ملائكة وجعل ~~الناس أمة واحدة ونحو ذلك والآية تقتضي أن الله ما علم فيهم خبرا لا أنه ما ~~علم أنه يقدر على هدايتهم وكم بين الأمرين وأين أحدهما من الآخر # الثالث ms209 أن الآية لهم فيجب حملها على ما يرجع إلى كسبهم الاختياري من ~~الاصرار والعناد الذي يستحقون الذم عليه لا على ما يرجع إلى خلقتهم التي هي ~~فعل الله تعالى يغيرها كيف يشاء ولا ذم عليهم فيها جمعا بينهما وبين جميع ~~ما تقدم من نحو قوله تعالى @QB@ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب ~~بالمغفرة @QE@ وقوله تعالى @QB@ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم @QE@ وقد مر ~~مستوفى # الرابع سلمنا أن الآية تحتمل ما ظنوا وما ذكرنا يمتنع لكن ما ذكروه بسائر ~~الآيات المبينات لقدرة الله تعالى على كل شيء ولكونه ما يضل إلا الفاسقين ~~ولكونه خلق الخلق على الفطرة حتى غيرهم آباؤهم ولا يجوز العدول عن هذه ~~الأمور الثلاثة البينة بمجرد احتمال لا حجة عليه والله أعلم # وهنا ظن بعض الأشعرية أن الآيات التي في نفوذ المشيئة في قوة أن الله ~~تعالى مريد للموجودات بأسرها سواء كانت حسنة أو قبيحة وأنه غير مريد لما لم ~~يوجد سواء كان حسنا أو قبيحا وليس هو تحقيق مذهبهم كما أن عدم قدرة الرب ~~على اللطف بالعصاة ليس هو تحقيق مذهب المعتزلة وإنما قال بعض الاشعرية ~~المعاصي مرادة مجازا لا حقيقة عندهم يعني أن أسبابها التي هي أفعال الله ~~تعالى مرادة لله تعالى مثل القدرة والدواعي فتنزلت المعاصي PageV01P230 ~~عندهم منزلة غرض الغرض وهذا أيضا ليس تحقيق مذهبهم لوجهين أحدهما أن كثيرا ~~منهم لا يجيزون الاغراض على الله تعالى كما ذكر في مسألة الحكمة وثانيهما ~~أن غرض الغرض لا يكون إلا خيرا محضا كالحياة في القصاص والعافية في الفصاد ~~والقبائح أو وقوعها لا يصح أن يكون غرض الغرض لحكيم قط كيف أحكم الحاكمين ~~فلابد أن يكون غرض الغرض في عدم اللطف الزائد بالعصاة هو خير محض وهو تأويل ~~المتشابه الذي لا يعلمه على التفصيل إلا الله على الصحيح كما تقدم في ~~مقدمات هذا المختصر # ومثال الغرض الأول قول الخضر عليه السلام فأردت أن أعيبها وغرض الغرض هو ~~سلامتها لأهلها من أخذ الملك لها ومن أدب الخضر عليه أفضل السلام ms210 إضافة هذا ~~الغرض لنفسه دون الله سبحانه وتعالى # ومثال غرض الغرض هو ما أضافه الخضر إلى ربه تعالى حيث قال @QB@ فأراد ربك ~~أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما @QE@ ومثاله أيضا ما ثبت في الصحيح عن أبي ~~أيوب وأبي هريرة كلاهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لو لم تذنبوا ~~لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم وله شواهد عن جماعة ~~من الصحابة فلم يجعل الذنوب القبيحة غرض الغرض بل جعله مغفرتها بالاستغفار ~~ومن لا يغفر له فقد دل القرآن على أن غرض الغرض في عذابه الانتصاف للمؤمنين ~~من أعدائهم الكافرين ونحو ذلك من المصالح والعواقب الحميدة كما يأتي بيانه ~~والمراد المحقق هو غرض الغرض وهو الثاني في الوقوع والأول في الارادة ألا ~~ترى أن أول ما وقع في همة الخضر عليه السلام سلامة السفينة ثم عابها لتسلم ~~فالمراد المحقق هو سلامتها لا عيبها فاعتبر ذلك في جميع المتشابه من هذا ~~الجنس تجده بينا واضحا ولله الحمد # فهذا كله إذا ثبت أن شيئا من الشر مراد فانه لا يجوز أن يكون الشر مراد ~~الحكيم لكونه شرا فقط وأما الخير فيراد لنفسه لا لشيء آخر فلا يلزم فيه غرض ~~الغرض وإن جاز من غير لزوم لزيادة الخير مثل أن يراد PageV01P231 خير لأنه ~~يؤدي إلى اضعافه من الخيرات ولو أريد لنفسه كان صحيحا # فاذا تقرر هذا فاعلم أن تلك الآيات في قوة التمدح بكمال القدرة لا بارادة ~~القبائح ومرادنا بالقوة هنا هو ما سيقت لافادته وهو المعنى اللغوي الذي ~~يسميه أهل المعاني دلالة المطابقة فقد وهم من ظن أنها في قوة أن القبائح ~~مرادة لله تعالى وأفحش منه غلطا من ظن أنها مرادة لله تعالى وأن المرادة في ~~قوة المحبوب فاطلق القول بأن المعاصي محبوبة لله تعالى # فأما أهل الآثار فلا يقول بهذا منهم أحد لأن المحبة عندهم غير الارادة ~~حقيقة ولا يطلق أحدهما حيث يطلق الآخر إلا بدليل خاص # وأما بعض الأشعرية فقد أجاز ذلك بناء على أنه مجاز ms211 لأن المحبة عندهم لا ~~تجوز على الله تعالى إلا مجازا كما تقوله المعتزلة وهذا وإن كان أهون في ~~القبح إلا أنه خطأ وقبيح لوجهين أحدهما أن شرط المجاز هنا مفقود وهو ~~العلاقة المسوغة المقتضية للتشابه ولولا ذلك لصح تسمية البخيل غيثا وبحرا ~~كالجواد والجبان أسدا كالشجاع يوضحه أن المعاصي مسخوطة من حيث كانت معاصي ~~بالاجماع وأهلها إنما يغضب الله عليهم من هذه الجهة المسخوطة فلا يصح أن ~~تكون المعاصي مرضية محبوبة مجازا من هذه الجهة بعينها قطعا باجماع من يعرف ~~المجاز وشروطه المخرجة له عن الكذب والمناقضة وتجويز ذلك خروج عن قانون ~~اللغة وتجويزه يؤدي إلى تجويز مجازات الملاحدة # وقد أخطأ من روى عنهم ذلك على الاطلاق ولم يقيده بانه مجاز عندهم ومن ~~أخطأ في رواية ذلك منهم افحش غلطا في الخطأ والغلط ممن رواه من خصومهم وهذا ~~مع دقته قد وقع فيه بعض المعتزلة بل علامتهم في علم البلاغة والادب ~~الزمخشري ولذلك زعم في تفسير قوله تعالى @QB@ وإذا أردنا أن نهلك قرية ~~أمرنا مترفيها ففسقوا فيها @QE@ أي أمرناهم بالفسق مجازا فالامر بالفسق ~~مجازا أبعد من الرضا به مجازا وغلط الزمخشري فيه بينته في العواصم والمختار ~~فيه أمرناهم بالتكليف على السنة الرسل كقوله PageV01P232 تعالى @QB@ وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ وثانيهما ان قوما من الجهلة الاتحادية قد ~~ظنوا قول بعض الاشعرية ان المعاصي مرادة والمراد في قوة المحبوب فهي محبوبة ~~مرضية على الحقيقة فزادوا على هذا انه يستحيل في المراد المحبوب ان يكون ~~معصية لمن أراده وأحبه فزعموا انه لا يصح وجود معصية لله وان معنى @QB@ ~~سابقوا إلى مغفرة من ربكم @QE@ أي إلى الكبائر والفواحش لان المغفرة لا تتم ~~إلا بذلك وكان بعضهم يقول كفرت برب يعصى وأنشد بعضهم في ذلك # ( أصبحت منفعلا لما تختاره % مني ففعلي كله طاعات ) # وهذا إلحاد في الدين صريح وانما وقع فيه أهله من ترك عبارات الكتاب ~~والسنة وتبديلها بما ظنوه مثلها وليس مثلها # والسر في ذلك أن المراد المطلق هو المراد لنفسه من جميع ms212 الوجوه الذي لا ~~يكره من وجه قط والمعاصي ليست من هذا بالاجماع فان كراهة المكلفين لها ~~واجبة وفاقا مع وجوب الرضى عليهم بقضاء الله تعالى ولان الله تعالى يكره ~~المعاصي بالنص فلم تكن المعاصي من هذا الجنس من المرادات ولكن الذين قالوا ~~انها مرادة والمراد بها غيره عنوا نوعا آخر من المرادات التي يراد لغيره ~~ويكره لنفسه فهو مكروه حقيقة والمراد به غير كاليمين الغموس كما يأتي ولما ~~لم يوضحوا ذلك دائما ويكثروا من ذكره وبيانه أوهموا عليه الخطأ ولذلك لم ~~يرد السمع بذلك ألا نصا ولا نص عليه السلف الصالح ألا ترى ان إرادة القبيح ~~ليست صفة مدح بالاجماع بخلاف ما ورد السمع به من نفوذ المشيئة في كل شيء # وقد نص أئمة الاشعرية أن الله تعالى لا يوصف بصفة نقص ولا بصفة لا مدح ~~فيها ولا نقص فارادة القبيح لغير وجه حسن ان لم تكن نقصا كانت مما لا مدح ~~فيه قطعا فيجب ان لا يوصف بها الرب عز وجل على قواعد الجميع PageV01P233 # وقد بنيت هذا الكتاب على المنع من ذلك لان عبارة الكتاب والسنة ان كانت ~~واضحة فهي أحق أن يعبر بها وأولى ولا حاجة إلى تركها وتبديلها بعبارة واضحة ~~مثلها وان كانت خفية لم تبدل أيضا بعبارة واضحة لانه لا يؤمن الغلط في ~~تبديلها الا ترى أن بعض الاشعرية لما بدل ولو شاء لهداكم أجمعين بان ~~المعاصي مرادة بدل بعضهم المراد بالمرضى المحبوب مجازا ثم جاء من بدل ~~المرضي المحبوب مجازا بالمرضي المحبوب حقيقة ثم بالطاعة المأمور بها فحرم ~~التبديل هنا كما تحرم الرواية بالمعنى الجلي حيث يكون المعنى خفيا بالاجماع ~~بل هنا أولى لانه من مهمات الاسلام وذلك في فروعه وأيضا فان الرضاء بمراد ~~الله واجب كالرضاء بفعله ولان كراهة ما أراد مضادة له تعالى ومعارضة وذلك ~~خلاف مقتضى العبودية والرضاء بالمعاصي حرام بالاجماع القاطع من الجميع ~~والنصوص الجمة فيلزم من ذلك ان لا تكون المعاصي مرادة لله تعالى وهذا معيار ~~صدق وميزان حق في ms213 مضايق هذه المسائل كما يأتي بيانه في مسألة الأفعال ان ~~شاء الله تعالى # البحث الثالث في كيفية الجمع بين السمع الوارد في هذه المسألة وهو أنواع ~~فنوعان تقدما وهما ما يدل على كراهية الله تعالى للقبائح ومحبته للخيرات ~~وما يدل على قدرته على هداية العصاة ونوعان نذكرهما هنا وهما عام وخاص # أما العام فهو أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء وهو معلوم كثير وهو ~~بمنزلة يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء في انهما مجملان قد علم في القرآن ~~بيانهما بالنصوص الكثيرة البينة الواضحة فلله الحمد ومن عجائب أهل التأويل ~~تكلف وجه يحسن ذلك من ابائهم وترك الوجه المنصوص وهو العقوبة كما نذكره ~~الآن وتبديل لفظة بلفظة وهما على سواء في المعنى كتأويل الاضلال بالخذلان ~~لم يبعد ان يبدلوه بلفظ آخر ولا أصح من لفظ القرآن ولا أبرك ولا أطيب # وأما الخاص فمثل قوله تعالى @QB@ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم ~~حتى يبين لهم ما يتقون @QE@ ومنه @QB@ كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا ~~أنهم لا يؤمنون @QE@ PageV01P234 ) وقوله تعالى @QB@ وما يضل به إلا ~~الفاسقين @QE@ وقوله تعالى @QB@ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم @QE@ وقد خلقوا على الفطرة بدليل الكتاب والسنة وفي الرعد نحوها ~~وأيضا فالهدى أعظم النعم وقد قال الله تعالى @QB@ وما كان الله ليضل قوما ~~بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون @QE@ مع قوله @QB@ إنا هديناه السبيل ~~إما شاكرا وإما كفورا @QE@ وقوله @QB@ إن علينا للهدى @QE@ وقوله @QB@ ثم ~~السبيل يسره @QE@ وقوله @QB@ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ~~@QE@ وقوله @QB@ وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر @QE@ فالهداية أعظم النعم ~~وأول الحجج على العبد ومن ذلك قوله تعالى @QB@ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما ~~لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون @QE@ وقوله تعالى @QB@ في ~~قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا @QE@ وقوله @QB@ فطرة الله ms214 التي فطر الناس ~~عليها لا تبديل لخلق الله @QE@ مع حديث كل مولود يولد على الفطرة وهو متفق ~~على صحته من حديث أبي هريرة ومعه حديث عياض بن حماد المجاشعي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال في خطبته ألا ان ربي عز وجل أمرني عليكم أن أعلمكم ~~ما جهلتم مما علمني إلى قوله حاكيا عن الله تعالى وانى خلقت عبادي حنفاء ~~كلهم وانهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم PageV01P235 وحرمت عليهم ما ~~أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا الحديث رواه م و س من ~~حديث جماعة عن قتادة عن مطرف بن عبد الله الشخير عنه ومرة عن جماعة ذكر ~~منهم ثقتين عن مطرف عنه قوله تعالى @QB@ فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا ~~قلوبهم قاسية @QE@ وقوله تعالى @QB@ وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى ~~فسنيسره للعسرى @QE@ وقوله @QB@ إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا ~~يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون @QE@ وقوله @QB@ فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين @QE@ وقوله @QB@ ~~وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم @QE@ وفيها رد قولهم انها غلف ~~في أصل الخلقة حتى عوقبوا على الكفر واستحقوا العقوبة وقوله @QB@ أولئك ~~الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة @QE@ وما أحسن هذه العبارة ~~وأبلغها مع تقدم التمكين واقامة الحجة وقطع الأعذار ومن ذلك قوله تعالى ~~@QB@ ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل ~~الله الرجس على الذين لا يؤمنون وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات ~~لقوم يذكرون @QE@ وقوله @QB@ فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم ~~اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون @QE@ ومنه @QB@ ~~فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين @QE@ ~~ومنه @QB@ قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب @QE@ ومنه @QB@ يثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله ~~الظالمين @QE@ وقوله بعدها @QB@ ويفعل الله ما يشاء @QE@ دليل على ms215 ان ~~المبين لا يناقض المجمل وهي PageV01P236 كآية الحج بعد السجدة لا تقتضى ~~خلاف ما قبلها قال البغوي ما يشاء من التوفيق والخذلان والتثبيت وعدمه # والوجه فيه عندي أن يفسر اجماله بالآيات البينات في القرآن مثل @QB@ ~~ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء @QE@ ومثل @QB@ ثم يتوب ~~الله من بعد ذلك على من يشاء @QE@ بعد ذكر الكافرين # ومنه الأحاديث الصحيحة الحسنة بعشر أمثالها أو أزيد والسيئة بمثلها أو ~~أعفو والمعني انه لما قال ويضل الله الظالمين استثنى من ذلك من يشاء أن ~~يتوب عليه وهذا من تفسير القرآن بالقرآن وهو الذي يناسب جلال عدله وجمال ~~فضله وحسن أسمائه وليس لأحد أن يفسره بما لم يشهد له كتاب الله بل بما صرح ~~بتنزيهه عنه من نفي الحكمة في أفعاله وما سمى لعبا وعبثا تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا وأمثال ذلك مما يطول ذكره وبذلك جاءت السنة كما احتج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على القدر بالآية في سورة الليل المقدمة وهي مصرحة ~~بتأخير التيسير لليسرى عن العصيان حتى وقع التيسير بعد العصيان عقوبة عليه ~~وكما قال في حديث الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه وكل ذلك في البخاري ~~ومسلم وعند مسلم من حديث عياض المجاشعي يقول الله تعالى إني خلقت عبادي ~~حنفاء فجاءت الشياطين فاجتالتهم الحديث كما مضى وعنده أيضا حديث أبي ذر فمن ~~وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه وعند مسلم أيضا من ~~حديث علي عليه السلام الخير بيديك والشر ليس إليك وسنده على شرط الجماعة ~~وله شاهد آخر أخرجه الحاكم أحسبه من حديث أبي بكر رضي الله عنه ومعنى ذلك ~~ليس اليك الذم عليه واللوم فيه كقوله ومن وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه فان ~~الله مكن بالقدرة وبين بالعقل والرسل وأزاح العلل وقطع الاعذار # وفي الصحيحين لا أحد أحب اليه العذر من الله تعالى من أجل ذلك أنزل الكتب ~~وأرسل الرسل وهذا كله متطابق تطابقا يفيد العلم على أن الله PageV01P237 ~~تعالى لا يريد ms216 الشر لكونه شرا وانه عدل حكيم فيما أمر ونهى وما علمنا وما ~~جهلنا كما مضى في مسألة حكيم فيجب أن يبنى العام على الخاص في هذه الآيات ~~كما يبني في آيات الوعد والوعيد ألا ترى أنه قال فيها @QB@ يغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء @QE@ ثم فسر من يعذبه بالمشركين ونحوهم ومن يغفر له ~~بالمؤمنين فلم يجز بعد تفسيره أن تخلى المشيئة مطلقة حتى تخاف العذاب على ~~الانبياء ونرجو الرضوان لمن مات مشركا وكذلك في آيات الضلال والهدى الخاص ~~الزائد على الفطرة لما بينها الله تعالى وبين أن هذا الهدى الخاص مثل ~~الثواب يختص أهل الخير بالوعد الحق ومن شاء الله من غيرهم بمحض الرحمة ~~والفضل وان الضلال يختص بمن يستحقه من الأشرار وجب أن يحكم بأن الله تعالى ~~لا يضل المهتدين ولا يضل أحدا إلا الفاسقين كما دل عليه في كتابه المبين ~~والعمل على هذا من قواعد علماء الاسلام المعلومة # وأما كراهة القبائح فعلى ظاهرها وأما ارادتها ومحبتها فلم يرد به سمع ~~منصوص جلي ولا قرآن ولا سنة ولا متواتر ولا آحاد فلا تعارض هنا ألبتة بل ~~جاء في كتاب الله تعالى أن الله لا يريد ظلما للعباد وفي آية أخرى للعالمين ~~وإن كان أظهر التفسيرين أن المعنى لا يريد سبحانه ظلما منه لهم تعالى عن ~~ذلك علوا كبيرا وذلك مثل تمدحه جل جلاله بأنه ليس بظلام للعبيد وقد أوضحت ~~وجهه في العواصم في البحث العاشر من هذه المسألة لكنه يقال أنه تعالى إنما ~~نفي أرادته ظلم العباد لفبح الظلم وقبح ارادته لا لكونه محالا في قدرته ~~لأنه لا معنى للتمدح بترك المحال في القدرة لان المحال لا تنبغي ارادته ~~وصحته وبكل حال فقواعد أهل السنة تقتضي الايمان بهاتين الآيتين وقول من ~~يقول أن الله يريد الظلم الواقع وسائر القبائح يخالف مفهومهما فيتعين تركه ~~احتياطا ومحاذرة من مخالفة مفهوم كتاب الله تعالى الذي لم يعارضة منطوق ~~صريح في العقائد التي لا ضرورة بنا إلى النص فيها على ما لم ينصه ms217 الله ~~تعالى ورسوله وسيأتي أن من ادعى أن المعاصي مراده إنما أطلق ذلك مجازا على ~~ما سيأتي من نصوص الأشعرية عليه # والحاصل في الجمع وجوه الوجه الاول دعوى عدم التعارض الموجب للجمع على ~~وجه دقيق وإنما هو من قبيل العام والخاص وهو جلي لا يسمى متشابها لوضوحه ~~PageV01P238 # الوجه الثاني التعبير بعبارة الكتاب والسنة عموما وخصوصا وترك الابتداع ~~بالنص في موضع العموم مثاله تقول أن الله تعالى خلق كل شيء على العموم ~~وتترك ما اختلف فيه من خلق القرآن وخلق أفعال العباد لأن الله تعالى لم ينص ~~عليهما وقد قال بكل منهما طائفة وتمسكوا بالعموم والانصاف إن تمتنع من ~~مساعدة كل من الطائفتين على ما ابتدع النص عليه فان النص على جزيئات العام ~~إنما يحتاج اليه في العمليات لضرورة العلم وأما هنا فقد نص علماء المعاني ~~واللغة على أن دلالة المطابقة اللغوية في العموم لا تدل على أبعاضه ~~وجزئياته كما تدل على جملته وأن فهم تلك الأبعاض الجزئية هو من دلالة ~~التضمن وأنها عقلية لا لغوية # فالواجب في مسائل الإعتقاد التي يقع فيها الاختلاف وتجوز المخصصات ~~المانعة لبعض الأجزاء من الدخول في العموم الاقتصار على دلالة المطابقة ~~اللغوية العربية التي قصدها المتكلم قطعا وكم للناس في هذا من الأوهام ألا ~~ترى أن كثيرا من الناس يتوهم أن آيات المشيئة تدل على مذهب الجبرية ما لم ~~تصرف بالتأويل عن ظاهرها مثل @QB@ فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء @QE@ ~~وليس كذلك وكذلك قولنا ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن # بيان أن ذلك لا يلزم إلا لو تبين بدليل آخر أن الله شاء أن يكون العباد ~~مجبورين على أفعالهم لكنه قد ثبت أنه شاء أن يكونوا مختارين فبهما بمشيئتهم ~~لها لقوله تعالى @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ ولم يقل وما تشاؤون ~~من غير استثناء كما قالت الجبرية فقد كان الاختيار الذي شاء الله أن يكون ~~العباد عليه لكن بعد مشيئة الله تعالى لذلك ولم يكن الجبر الذي لم يشأ الله ms218 ~~تعالى فتأمل غلطهم في ذلك بل قد وهم نوح عليه السلام بسبب عدم النظر إلى ~~احتمال العموم للتخصيص حيث قال @QB@ إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق @QE@ ~~فكيف بغيره وقد نقم الله تعالى على المشركين جدالهم لعيسى عليه السلام حين ~~نزل @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون @QE@ وقال ~~@QB@ ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون @QE@ PageV01P239 ) فليتق طالب ~~الحق أمثال ذلك وليكن منه على أشد حذر # ولذلك تجد هذا الجنس متمسك أكثر أهل الضلالات ولا تجد صاحب باطل ولا تجد ~~في العمومات ما يساعده حتى منكري الضرورات كغلاة الاتحادية فانهم قد تمسكوا ~~بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم لقوله لبيد # ( ألا كل شيء ما خلا الله باطل % وكل نعيم لا محالة زائل ) # وقد اختار هذا صاحب الفقه الأكبر ونسبه إلى الشافعي وهو على مذهب ~~الأشعرية وعقد له فصلا قال فيه لا يقال أن الله تعالى يريد الكفر وسائر ~~المعاصي على الاطلاق لأنه يوهم الخطأ لكن نقول أن جميع ما يجري في سلطانه ~~بارادته إلى قوله ويجب الاحتراز عما يوهم الخطأ كما يجب عن الخطأ نفسه وما ~~أحسن هذا لو لزم عبارة الكتاب والسنة فقال @QB@ ولو شاء الله ما فعلوه @QE@ ~~مكان قوله جميع ما يجري في سلطانه بارادته لأن كلام الله تعالى يستلزم كمال ~~العزة والقدرة وكلامه يستلزم ارادة الكفر وذلك عين ما فر منه وهو يستلزم حب ~~الكفر والرضا به أو يوهمه وذلك يستلزم الامر به وإباحته أو يوهمه كما مر ~~تحقيقه في البحث الثاني فراجعه منه وقد صرح بوجوب الاجتناب لما يوهم الخطأ ~~كوجوب الاجتناب للخطأ نفسه ولا شك أن عبارته توهم الذي خافه وفر منه بل ~~يستلزمه تحقيقها وذلك لأنها مبتدعة فلزم ما ذكرناه من ترك البدع ألا ترى ~~كيف ورد النص والاجماع بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ولم يرد ~~أنه لا كفر ولا معصية إلا بالله فبين العبارات أبعد مما بين الارضين ~~والسموات وحديث ما شاء الله ms219 كان وما لم يشأ لم يكن محمول على ما تمكن ~~مشيئته له ولا تمتنع ولفظه يعطي ذلك # وإنما أحببت أن أنبه عليه وعلى أنه إجماع في صورتين احداهما أنه لا يدخل ~~في ذلك المحال في نفسه كوجود ثان في الربوبية وجعل أنه لا يدخل في ذلك ~~المحال الحوادث بعد حدوثها قديمة ونحو ذلك وثانيهما PageV01P240 أنه لا ~~يدخل فيه ما تمنع منه الحكمة من قلب صدق الاقوال الربانية إلى الكذب وبعثة ~~الرسل كذا بين على ما مر محققا في إثبات الحكمة وان الامة أجمعت على امتناع ~~النقص في كلام الله تعالى وامتناع ارادته وأن ذلك يستلزم امتناع النقص في ~~أفعاله كامتناعه في أقواله # ويوضحه اجتماع الكلمة من الأشعرية والمعتزلة على أن الله تعالى لا يوصف ~~إلا بما يستلزم المدح دون ما يستلزم الذم أو ما لا يستلزم لا مدحا ولا ذما ~~أما الأشعرية فنصوا على ذلك وأما المعتزلة فنصوا على امتناع العبث واللعب ~~على الله تعالى وعلى اعتبار التحسين العقلي وهما يستلزمان ذلك والله سبحانه ~~أعلم # الوجه الثالث من وجوه الجمع توجيه الجمع إلى الوقوع والواقع وهو مثل ~~الفرق بين الوقوع والواقع وهو مثل الفرق بين التلاوة والمتلو والحكاية ~~والمحكي كما أوضحت بيانه في مسألة القرآن وهو قول الامام المنصور بالله ~~عليه السلام وبين ذلك الفرق بين الوقوع والواقع أنه لما ورد الشرع بجواز ~~ارادة اليمين الغموس الفاجرة من جاحد الحقوق الواجبة عليه في الأموال ~~والدماء والقسامة واللعان ونحو ذلك فانه يجوز لصاحب الحق ارادة هذه اليمين ~~من حيث أنها حق له واجب وان كان يعلم أنها يمين فاجرة معصية لله تعالى ومع ~~ذلك فلا يجوز له أن يحبها ويرضاها من حيث أنها قبيحة معصية لله تعالى # فتبين أن هذه اليمين ذات وجهين وجه جازت منه ارادتها ووجه وجبت منه ~~كراهتها فالوجه الذي جازت منه ارادتها وقوعها من خصمه الظالم من حيث هي حق ~~له على من ظلمه على جهة العقوبة للظالم والوجه الذي وجبت منه كراهتها هو ~~ذاتها الواقعة معصية ms220 لله تعالى فافترقت الجهتان اللتان يتوهم عدم افتراقهما ~~بذلك فمتى وردت النصوص مختلفة في نحو ذلك أمكن حملها على مثل ذلك # مثال ذلك قوله تعالى في المستحقين للعقوبة دون غيرهم @QB@ ومن يرد أن ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا @QE@ وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P241 في المرحومين من العباد لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم ~~يذنبون كي يغفر لهم رواه مسلم من حديث أبي أيوب وروى مسلم من حديث أبي ~~هريرة نحوه بزيادة وهي كي يستغفروا فيغفر لهم وله شواهد عن جماعة من ~~الصحابة ذكرتها في العواصم # وهذا القسم أوضح القسمين في الحكمة أعني قسم المرحومين من الخلق فهذه ~~الآية المتقدمة ظاهرها ارادة وقوع الضلال منه مع أنه عبارة عن المعاصي ~~المكروهة بنص قوله تعالى @QB@ كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها @QE@ فجعلوا ~~معاصي المعاقبين ذات وجهين كاليمين الغموس الواجبة في الحقوق وهي حرام ~~ووجوبها وتحريمها مجمع عليهما وذلك يوجب صحة اعتبار الجهتين في هذه الأمور ~~لأن الوجوب والقبح ضدان يستحيل أن يتوهما إلى جهة واحدة # والجواب أن الآية غير نص فيما قالوا لاحتمال أن المراد هو جعل صدره ضيقا ~~حرجا وذلك هو فعل الله تعالى وهو حسن لا قبح فيه لأنه عقوبة مستحقة بل ذلك ~~بين فان الاضلال غير المعاصي بل سبب لها وفاعله غير فاعلها لكن ظنوا أنها ~~غرض الغرض وقد مر بطلانه في البحث الثاني وسيأتي أن مذهب أهل السنة أن ~~الارادة لا تعلق بفعل الغير وإنما تتعلق به المحبة وتسمى ارادة مجازا وقد ~~بنيت هذا الكتاب على أنا لا نبدل الظواهر بالنصوص ألا ترى أن اضلاله الذي ~~نص على ارادته لا يجوز أن يفسر إلا بفعل أشياء من أفعال الله الحسنة يقع ~~عندها منهم معاص قبيحة كما ذكره الله تعالى في بسط الرزق في آيات كثيرة ~~وكذلك الحديث النبوي ليس بنص فيما ذكروه لجواز أن المراد مثل ذلك من أفعال ~~الله الحسنة التي تكون وسيلة إلى أفضل أخلاق الدنيا والآخرة وهو العفو بعد ~~الاساءة ms221 والاحسان إلى المسيء كما أوضحته واستوعبت ما ذكر فيه في العواصم ~~والحمد لله رب العالمين ومن ذلك ارادة خلق الكفار وبقاؤهم مع كراهته لهم ~~فانهما لم يتناقضا لاختلاف الجهات التي تعلقت بها ومن ذلك أنه حسن من ~~المذنب PageV01P242 المسلم أن يكره عذاب الله تعالى له مع أنه يعتقد حسنه ~~من الله تعالى وعدل الله فيه لكنه لم يكرهه من هذه الجهة إنما كرهه من حيث ~~أنه لا يصبر عليه ولا يقوى له ونحو ذلك فوجه بعض أهل النظر كراهة الله ~~تعالى للمعاصي والقبائح إلى ذواتها الواقعة من العصاة وارادتها إن قدرنا ~~ورود شيء من السمع بها إلى الوقوع لحكمة من عقوبة وسخط على من استحق ذلك أو ~~غير ذلك وهذا جيد في النظر لولا أنا لم نضطر اليه لعدم صحة ورود السمع ~~بارادة المعاصي ولا شيء منها وان ظن ذلك من لم يكثر النظر والتأويل التام ~~لمعاني الآيات القرآنية والله الهادي # وأقرب الآيات منه قوله تعالى @QB@ ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ~~خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما @QE@ وقول موسى عليه السلام @QB@ ~~ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ~~@QE@ ومن الحديث حديث جبريل عليه السلام حيث روي أنه جعل يأخذ من حال البحر ~~فيدخله في فم فرعون خشية أن يقول لا إله إلا الله فتدركه الرحمة وإذا صح ~~ورود السمع بهذا فالدليل على من ادعى قبحه لأن قبحه ليس بضروري بالاجماع # وتلخص أن حسن ذلك أن ورد به النص مشروط بثلاثة أمور أحدها أن يتعلق ~~بالوقوع دون الواقع مثل ما ذكرنا في اليمين الغموس وثانيها أن يكون بعد ~~استحقاق العقوبة لقوله تعالى @QB@ وما يضل به إلا الفاسقين @QE@ ونحوها مما ~~ذكرناه وثالثها أن لا يجعل ذلك غرض الغرض الذي هو تأويل المتشابه وإن لاح ~~لنا منه شيء لم نقصر عليه التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى الذي هو ~~المراد على الحقيقة وإنما أراد الله تعالى بما قبله أن يكون سببا له لحكمة ms222 ~~الله تعالى في ترتيب المسببات على أسبابها فتأمل ذلك حتى تخلص به من ارادة ~~القبائح وارادة وقوعها جميعا كما تقدم في قول الخضر فأردت أن أعيبها أي ~~أجعل عيبها سبب سلامتها من الملك الظالم وإلا فالمراد المحقق سلامتها ~~لاعيبها PageV01P243 الوجه الرابع أن قوله تعالى @QB@ وما يضل به إلا ~~الفاسقين @QE@ وما في معناها من آيات هذا النوع كلها أدلة خاصة تدل على أن ~~أول ما يقع من المكلف من الذنوب كائن بالتخلية بينه وبين نفسه لاقامة الحجة ~~حجة العدل عليه وقطع أعذاره الباطلة من دون اضلال من الله تعالى في هذه ~~الحال ولا تيسير للعسرى ولم يبق من الله تعالى في مثل هذا الحال إلا ~~القدرالذي بمعنى العلم والكتابة وارادة العاقبة المستحقة بالعمل وارادة ~~اقامة الحجة على العبد في تلك العاقبة كما يذكر في تفسير قوله تعالى @QB@ ~~ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس @QE@ فان ارادة الله تعالى عذابهم ~~لم تعلق به إلا حين يكون حقا مستحقا عليهم بذونهم بالاجماع وإنما الخلاف في ~~جواز تقدم الارادة للعقاب المستحق لا في أنها تعلقت بغير مستحق فمن فسر ~~الارادة بالعلم من المعتزلة كالبغدادية وأبي الحسين لا يمكنهم تقبيح تقدمها ~~وكذلك من يجعل تقدمها أمرا واجبا مستحيلا خلافه كالأشعرية # وقولنا أنه لا يجوز الاضلال في أول أحوال التكليف حتى يستحق العبد ذلك ~~بالمعاصي يناسب قول أبي علي بالمنع من الزيادة في الدواعي إلى القبيح التي ~~يعلم الله تعالى عندها أن المكلف يختار القبيح بخلاف أبي هاشم فانه يجيز ~~ذلك كالأشعرية لكن لا يسميه اضلالا إنما يسميه امتحانا وابتلاء لكنا لم نقل ~~ذلك بالنظر العقلي وإنما قلناه بتأمل كتاب الله تعالى وقضينا بأنه محكم ~~القرآن لموافقة العقل والنظر فهو محكم عقلا وسمعا أما العقل فلأنه من قبيل ~~الجزاء والعذاب الاخروي وقد ورد السمع بجواز تقديم بعضه وهو المسمى بالعذاب ~~الأدنى في كتاب الله تعالى ونص على ذلك الامام المنصور بالله من الأئمة ~~وأما أحكامه سمعا فلأنه المنصوص فان قوله تعالى @QB@ وما يضل به إلا ~~الفاسقين ms223 @QE@ نص في ذلك والمعارض له غير صحيح في ارادة الله تعالى وقوع ~~ذنب العبد قبل استحقاقه العقوبة بذلك # وهنا تلخيص جيد مفيد وهو أنه لا خلاف أن الله تعالى لا يعاقب إلا بعد ~~الاستحقاق بالمعصية لقوله تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ ~~ولقوله تعالى @QB@ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق ~~عليها القول @QE@ PageV01P244 ) الآية فمن فهم من الاضلال أنه من جنس ~~العقوبات لم يجزه إلا بعد الذنوب ومنع أن يقع من الله تعالى ابتداء قبل أول ~~معصية وسمى ما يقع في ذلك الوقت من أسباب المعاصي ابتلاء وامتحانا إن كان ~~ممن يجيزه وهم الأشعرية وجمهور المعتزلة ومن فهم من الاضلال معنى الابتلاء ~~والامتحان اجازه مطلقا قبل الذنوب وبعدها لكن الآيات المتقدمة ظاهرة في ~~الدلالة على أنه من جنس العقوبات مثل قوله تعالى @QB@ وما يضل به إلا ~~الفاسقين @QE@ وقوله تعالى @QB@ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم @QE@ إلى سائر ~~ما تقدم والله أعلم # وجميع المعارضات لذلك نوعان أحدهما يختص بغير المعاصي عند التأمل كقوله ~~تعالى @QB@ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى @QE@ الآية فانها ~~في امتناع الايمان إلا بمشيئة الله تعالى وعونه ولطفه وذلك صحيح ودليل ذلك ~~قوله تعالى في آخرها @QB@ ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله @QE@ وكذلك ~~قوله تعالى @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ فانها في مشيئة الطاعة ~~لقوله تعالى في أولها @QB@ لمن شاء منكم أن يستقيم @QE@ وفي ذلك قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد شرا فلا يلومن ~~إلا نفسه بل قال الله تعالى @QB@ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم ~~من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء @QE@ وقال @QB@ يختص برحمته من يشاء ~~@QE@ # فان قيل قوله تعالى @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ عام في لفظه ~~وخصوص أول الآية لا يستلزم خصوص العام الذي في آخرها كما أن خصوص السبب لا ~~يستلزم خصوص العموم في أحد القولين # فالجواب من وجوه أربعة الأول أنا لا نسلم أن ms224 آخرها عام منطوق لأن مفعول ~~يشاء الله تعالى محذوف وتقديره المذكور في أول الآية والمذكور في أولها ~~يختص بالطاعات وهذا جيد جدا فتأمله # الثاني أنا لو سلمنا العموم اللفظي لما سلمنا جواز اعتقاد معناه هنا لأن ~~في العام الوارد على سبب خلافا PageV01P245 قويا في الظنيات العمليات فكيف ~~هذا وهو أولى بالوقف فيه لوجوه ثلاثة أحدها أن هذا في الإعتقاد القاطع في ~~أصول الاديان وثانيها أن خصوص أول الآية أقوى في هذا من مجرد نزولها على ~~سبب خاص وثالثها أن هذا من عموم المفهوم وفيه خلاف الثالث من الأصل أنا لو ~~سلمنا العموم لم يكن لنا اعتقاد هذا لما ذكرنا من أنه من دلالة التضمن لا ~~من دلالة المطابقة اللغوية وقد مر تحقيقه الرابع أنه معارض لقول إبراهيم ~~عليه أفضل السلام @QB@ لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين @QE@ ~~فاكتفى في وقوع ضلاله بفقد هداية الله تعالى وإن لم تحصل ارادة ضلال ولا ~~ارادة قبائح الافعال # ولذلك نظائر في الآيات كقول آدم عليه السلام @QB@ وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين @QE@ وقول نوح عليه السلام @QB@ وإلا تغفر لي ~~وترحمني أكن من الخاسرين @QE@ ومنه حديث داود عليه السلام في سبب ذنبه وقول ~~الرب عز وجل له وعزتي وجلالي لأكلنك إلى نفسك يوما فأصابته السيئة ذلك ~~اليوم رواه الحاكم من حديث ابن عباس وصححه فلم يقف خسراننا على ارادته بل ~~على عدم رحمته ونحو ذلك كثير جدا وهو بعمومه معارض بما يستلزم من استلزام ~~الآيات لعمومها لارادة الله القبائح فوجب الوقف في ذلك # وثمرة هذا التحقيق أن القدر المتيقن أن وقوع المعاصي متوقف على عدم ~~القدرة امتحان الفرد بعدم اللطف الزائد لا بارادة ذنوبه ولا محبتها كما ظن ~~أنه مقتضى الآيات وظن أنه قول أهل السنة ولا متوقف على عدم القدرة والعجز ~~كما ظن أنه قول المعتزلة # فان قيل ينتفض هذا بقوله تعالى @QB@ وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن ~~يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ms225 @QE@ لأن هذا الكلام ~~كلام نبي مرضي لا يستحق العقوبة بالاضلال وقد جوز أن يشاء الله ذلك فيقع ~~بمشيئته PageV01P246 # قلنا لا نسلم ذلك بل هذا من شديد خوف الأنبياء عليهم السلام لأنهم أعلم ~~الخلق بالله تعالى واعلمهم به أخشاهم له كما قال تعالى @QB@ إنما يخشى الله ~~من عباده العلماء @QE@ ألا ترى إلى قول الراسخين @QB@ ربنا لا تزغ قلوبنا ~~بعد إذ هديتنا @QE@ بل إلى قوله تعالى @QB@ فلا يأمن مكر الله إلا القوم ~~الخاسرون @QE@ وسبب خوف العلماء أنه قد أخبرنا أنه خلقنا ليبلونا أينا أحسن ~~عملا وكل أحد يبتلي على قدر صبره وحاله وكمال الابتلاء لا يحصل إلا بذلك ~~ولذلك ابتلى إبراهيم الخليل عليه السلام بالامر في المنام بذبح ولده فخاف ~~هذا النبي الكريم أن يكون له ذنب يستحق عليه العقوبة ببلوى توقعه في أعظم ~~الذنوب خوف هيبة وقمع نفس من العجب والأمان لا خوف تجويز كما فسر به خوف ~~الملائكة ويؤيد ذلك أن كلامه خرج مخرج التعظيم لله تعالى في عدم القطع ~~بالنجاة دون مشيئته وعد القطع على براءة نفسه من الذنوب الموجبة للعقوبة ~~بالخذلان فقد عوقب آدم وداود حين وثقا بأنفسهما فأذنبا ولذلك أتبع بذكر ~~التوكل # النوع الثاني مما يتوهم معارضته لقوله تعالى @QB@ وما يضل به إلا ~~الفاسقين @QE@ كله عمومات مثل قوله تعالى @QB@ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك ~~غدا إلا أن يشاء الله @QE@ يوضحه أنها نزلت على سبب غير قبيح وفي العلماء ~~من يقصر العموم على سببه وتناول العموم لغير سببه ظني بالاجماع وأما قوله ~~تعالى @QB@ إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم @QE@ فلا يرد علينا هنا ~~لأنها في كفار بعد البعثة والتمادي على التكذيب فهم يستحقون الاغواء ~~والاضلال وأما كلامنا هنا في أول ذنب # وأما أحاديث القدر وما فيها من قوله صلى الله عليه وسلم كل ميسر لما خلق ~~له فلا نص فيها على أول أحوال التكليف بل قد جاء بعضها صريحا في أن ذلك ~~يكون عند الخاتمة وهي وقت الاستحقاق للجزاء وحديث كل مولود يولد على الفطرة ms226 ~~وإنما أبواه يهودانه وينصرانه يدل على ذلك بل قوله تعالى @QB@ فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله @QE@ فيحتمل أن PageV01P247 يكون ~~أراد بالتيسير في العصاة بعد العصيان لقوله تعالى @QB@ وما يضل به إلا ~~الفاسقين @QE@ ولآية سورة الليل التي احتج بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على القدر فيحتمل أن تكون التخلية تيسيرا لما يقع بعدها باختيار ~~المكلف وحده لما كانت سببا في اختياره فيكون للقدر تفسيران أحدهما عام لكل ~~حال ولكل شيء وهو العلم والكتابة ونحوهما مما تقدم كمشيئة العاقبة المستحقة ~~بالمعاصي على ما سيأتي في قوله تعالى @QB@ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والإنس @QE@ وثانيهما الاضلال بعد الاستحقاق له عقوبة من غير اجبار ولا سلب ~~للاختيار وهو خاص بمن قد امتحن حتى عصى عند أهل الجمع بهذه الطريقة # الوجه الخامس أن الارادة دائرة بين معنيين إما أن تكون حقيقة فيهما معا ~~أو في الأول منهما حقيقة وفي الآخر مجازا # المعنى الأول الارادة الملازمة للمحبة للمراد والامر به والتحسين له أو ~~شيئا مما يقارب هذا المعنى وهي الارادة الشرعية للواجبات والمستحبات وهذه ~~هي ارادة الشيء لنفسه من غير معارضة كراهة لها بوجه من الوجوه المتعلقة ~~بذلك الشيء المراد وهذه هي الارادة الحقيقية بالاجماع فالقبائح لا تكون ~~مرادة بهذا المعنى وكان المعتزلة لم يعرفوا أو لم يعترفوا بغير هذا المعنى ~~للارادة ولذلك منعوا تعلقها بجميع القبائح وتقدم في الصفات الدليل على جواز ~~اطلاق المحبة على الله تعالى من غير تشبيه كالارادة # المعنى الثاني للارادة الارادة الدالة على نفي ما يستلزم العجز من وقوع ~~ما يكره الله تعالى وقوعه في ملكه من غير سبق قدر منه أو تخلية مرادة لحكمة ~~أو نحو ذلك وذلك لكمال قدرته ونفوذ مشيئته وعموم ربوبيته وكبرياء عظمته ~~بحيث لا يجوز عليه عدم القدرة على اللطف بالعصاة ولا البداء والرجوع عما قد ~~قدره وقضاه وانه لو شاء لهدى الناس جميعا ولجعلهم أمة واحدة كما تمدح بذلك ~~في كتابه الكريم ولكن حكمته اقتضت تمكين العباد وتكلفيهم ms227 وابتلاءهم كما ~~أخبر في كتابه وسبقت أقداره بكل ما هو كائن عن علم لا يتغير وحكمة بالغة ~~وحجة دامغة فوقوع المعاصي بالنظر إلى هذه المعاني هو معنى القضاء والقدر ~~والتقدير عند الجميع وعند طائفة لا مانع PageV01P248 من أن يسمي ذلك الوقوع ~~مرادا حقيقة أو مجازا ولا تسمى المعاصي الواقعة مرادة مثل وقوعها بل تسمى ~~مكروهة حقيقة وارادة وقوع المعاصي المكروهة هذه تسمى عند من يجيزها ارادة ~~ارادة كونية لا شرعية في عرفهم وإنما الشرعية في عرفهم هي النوع الأول ~~المختص بالطاعة # وأعلم أن تمسيتهم لهذه ارادة لم يثبت بالنص وإنما ثبت أن ذلك مقدر ولم ~~يرد النص أن كل تقدير مراد وإن كان ذلك هو الظاهر في بادئ الرأي فالتحقيق ~~في النظر والاحتياط يخالفه أما التحقيق في النظر فان المعاصي بالنصوص ~~مكروهة لانفسها فلا تسمى مرادة لأنفسها لتضاد ذلك وعدم الدليل عليه وإنما ~~يجوز أن تراد لغيرها ومتى أريدت لغيرها كانت هذه العبارة مجازية تحقيقها أن ~~المراد هو ذلك الغير لا هي وحينئذ فلا يجوز أن تسمى مرادة مطلقا لوجهين ~~أحدهما أن ذلك يوهم أنها مرادة لنفسها محبوبة وثانيهما أنها مكروهة لنفسها ~~حقيقة ولا يجوز أن تسمى مرادة إلا لغيرها وتسمية الشيء بوصف نفسه أولى من ~~تسميته بوصف غيره فان سمي بوصف غيره فمع قرينة تشعر بذلك وإلا أدى إلى قلب ~~المعاصي وأما الاحتياط فلما بنينا عليه هذا الكتاب من الوقوف على النصوص ~~كما تقدم # ومن أقرب الأمثلة إلى هذا الذي ذكروه ما حكى الله عن موسى عليه السلام من ~~قوله @QB@ ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا ~~العذاب الأليم @QE@ فكره وقوع الايمان منهم عند الغضب عليهم لله تعالى وهو ~~لا يتهم في محبة الايمان بالله في الجملة وابن تيمية كثير التعويل على ~~الفرق بين الارادة الشرعية وبين الارادة الكونية وكلامه في هذا طويل وليس ~~هذا مما تعلم صحته ولا بطلانه بالنصوص الشرعية ولا بالبداية العقلية ~~فالاعتصام بالاعتقاد الجملي أحوط منه وأولى وهو أن الله يكره ms228 القبائح ولا ~~يحبها وأنه على كل شيء قدير فلو شاء لهدى الناس جميعا وإن له الحكمة ~~البالغة فيما فعل وترك وقدر وقضى وإن ذلك غير متناقض ولذلك ظهر اعتقاد ذلك ~~الجميع عن السلف من غير إشكال فيه PageV01P249 # البحث الرابع اتفق أهل السنة من أهل الاثر والنظر والأشعرية على أن ~~الارادة لا يصح أن تضاد العلم ولا يريد الله تعالى وجود ما قد علم أنه لا ~~يوجد وهذه الارادة التي المقصود بها إيجاد المراد لا إرادة المحبة التي ~~تعلق بالذات لا بايجاد الذات فافهم ذلك # واحتجوا على ذلك بوجوه منها قوله تعالى @QB@ أتريدون أن تهدوا من أضل ~~الله @QE@ ولا وجه لإنكار هذه الارادة إلا تعلقها بما لا يقع في العلم ~~ومنها أن امتناع ذلك مدرك عقلي جلي يدرك بالوجدان من النفس كما يدرك الالم ~~واللذة فانا ندرك من أنفسنا امتناعها مثل أن نريد من الله تعالى ما يقدر ~~عليه سبحانه مما نعلم أنه لا يفعله مثل ان لا يذيقنا الموت أبدا وأن يدخلنا ~~الجنة من غير موت ولا حشر مع قدرة الله تعالى على ذلك ومحبتنا لذلك وإنما ~~امتنع أن نريد ذلك من الله تعالى لعلمنا أن الله تعالى قد كتب الموت والحشر ~~على جميع العباد ولا شك أن هذا هو الفطرة ولذلك لا ترى عاقلا في الدنيا ~~يسعى فيما يعلم أنه لا يحصل فلا نرى شيخا فانيا يطلب دواء لعود أيام الشباب ~~ولا نحو ذلك وإنما خالفت المعتزلة لشبهة الامر بخلاف المعلوم فان الله ~~تعالى يأمر بما يعلم أنه لا يقع وصحة هذا إجماع لكن ظنت المعتزلة أن الأمر ~~يلازم الارادة وإنما ظنوا ذلك لأنه الأكثر في الشاهد في حق من لا يعلم ~~الغيب # والتحقيق أن الأمر مع الارادة ينقسم ثلاثة أقسام # القسم الأول الأمر الملازم للارادة وذلك في حق من غرضه بالأمر تحصيل ~~المطلوب وشرط هذا الأمر أن يصدر ممن يعلم أن المطلوب سيحصل أو يكون جاهلا ~~بعلم الغيب # القسم الثاني لا تصحبه الارادة قط ولا محبة المطلوب وهو ms229 أمر الاختيار ~~للغير بالعزم على الطاعة مثل أمر الخليل عليه السلام بذبح ولده فان الله ~~تعالى لم يرد ما أمر به من الذبح ولا أحبه وإنما ابتلى خليله بالعزم كما ~~قال @QB@ فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ~~إنا كذلك نجزي المحسنين @QE@ PageV01P250 # القسم الثالث لا تصحبه ارادة الحصول وتصحبه محبة المطلوب دون ارادة وقوعه ~~من المأمور وذلك مثل أمر الكافر بالايمان مع علم الله تعالى أنه لا يؤمن ~~أبدا مثال ذلك قوله تعالى @QB@ ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم @QE@ مع أن ~~الانبعاث معه عليه السلام مأمور به لكن كره من وجه آخر لا من الوجه المأمور ~~به لأجله # وفي هذا المقام يذكر أهل السنة علم الغيب وما ورد في القدر والقضاء ~~وأنهما بمعزل عن الجبر والاكراه ونفي الاختيار وقد تقصيت ما ورد في ذلك ~~فبلغت أحاديث الأقدار وثبوتها مائة حديث وخمسة وخمسين حديثا وأحاديث وجوب ~~اعتقاد ذلك اثنين وسبعين حديثا صار الجميع مائتي حديث وسبعة وعشرين حديثا ~~من غير الآيات القرآنية والقدرية المجمع على ذمهم عند أهل السنة من يقول من ~~قدماء المبتدعة أن الله لا يعلم الغيب ولا يوجد الآن من هؤلاء أحد وسياتي ~~الكلام في تفسير القدرية # البحث الخامس وهو أنفس هذه المباحث ومغن عنها وذلك أن ظواهر عبارات ~~المعتزلة والأشعرية في هذه المسألة في غاية المنافرة وتحقيق مذاهبهم يقضي ~~باجتماع كلمتهم على أن الله تعالى قادر على هداية من يشاء باللطف والتيسير ~~وعلى أن الله تعالى لا يريد المعاصي والقبائح وهذا عجيب لا يكاد أحد يصدق ~~به إلا بعد شدة البحث والتنقير وسبب اجتماعهم في المعنى أن الخطأ منهم ~~الجميع لما فحش من الجانبين لم يخف عليهم وما زالوا ينظرون ويناظرون ~~ويعتذرون عن شنيع العبارات حتى اجتمعوا وهم لا يقصدون ذلك الاجتماع وأنا ~~أبين ذلك من نصوصهم وكتبهم المعروفة # فأما المعتزلة فاعترفوا بقدرة الله تعالى على ذلك عندهم وعلى أصولهم في ~~مسألتين # احدهما أن اللطف إنما امتنع في حق بعض المكلفين لأجل البنية التي ms230 خلقهم ~~الله تعالى عليها وهي بنية مخصوصة فيها غلظة وقساوة وهو قادر عند جميع ~~المعتزلة على تغيير بنيتهم وخلقهم على بنية الانبياء والملائكة ذكر ذلك ابن ~~الملاحمي في كتابه الفائق وقد ذكرت الوجه في لزوم ذلك على أصول PageV01P251 ~~المعتزلة من العقل والسمع وتقصيته في العواصم قال تعالى @QB@ ولو نشاء ~~لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون @QE@ وقال تعالى @QB@ عسى الله أن يجعل ~~بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم ~~حكيم @QE@ وفيها حجة على ثبوت حكمة الله تعالى فيما تعرف العقول حسنه من ~~هدايتهم وما لا تعرفه من تركها مع القدرة عليها فانها لا تعرف حسن ذلك كما ~~عرفناه الآن إلا بتعريف الشرع كما مضى في مسألة الحكمة لأن كل بنية قابلة ~~للطف أو غير قابلة فانها عارضة يمكن تغييرها لا ذاتية ولأن الاجسام عندهم ~~كلها متماثلة في ذواتها وإنما تختلف بالصفات والأحوال العارضة وتغيير ذلك ~~كله ممكن لله تعالى ولأن قدرة الله تعالى على كل شيء عموما وعلى هداية كل ~~أحد خصوصا منصوصة قطعية معلومة من الدين ومن إجماع المسلمين # قال ابن الملاحمي فان قيل فلم خلقه الله تعالى على هذه البنية التي لا ~~تقبل اللطف قلنا لحكمة لا نعلمها ويكفينا علمنا بأنه أو كما قال وهنا نعلم ~~أن الخلاف لفظي لأن تغيير هذه البنية يسير على من هو على كل شيء قدير وإنما ~~هو تليين تلك القلوب القاسية أو تعليم تلك النفوس الجاهلية ولو أراد الله ~~تعالى قلب جبال حديد ماء عذبا أو هباء منثورا لم يزد على أن يقول لذلك كن ~~فيكون كيف وليس إلا تقليب القلوب القاسية وتليين القساوة وترقيق الطبع ~~الغليظ فثبت أن الله تعالى قادر عندهم على هداية العصاة عند الجميع لكن ~~المعتزلة شرطوا أن تكون هدايتهم بتغيير بنيتهم وسائر الناس قالوا إن ذلك ~~ممكن من غير تغيير بنية # وثانيتهما قالت المعتزلة إلا أبا علي الجبائي أنه يجوز أن ms231 يزيد الله ~~تعالى في شهوات المكلفين ويخلق من أسباب المعاصي ما يعلم أن المعاصي تقع ~~عنده ولو لم يخلقه لم تقع وقاسوا ذلك على ابتداء التكليف فان الله تعالى ~~كلف أهل النار وهو يعلم أن تكليفهم يكون سببا لوقوع معاصيهم ولو لم يكلفهم ~~لم تقع منهم المعاصي وعلى هذا يجوز أن جميع المعاصي ما وقعت إلا ~~PageV01P252 لزيادات في الشهوات والدواعي وقع الامتحان بها لشدة الابتلاء ~~ومن ذلك خلق الشياطين عند هؤلاء وحينئذ تجويز أن الله تعالى قادر على هداية ~~من وقعت منه المعاصي بتسبب هذه الزيادات والقدرة ووجه القدرة على اللطف به ~~واضح وذلك أن يترك الله هذه الزيادات وتجويز قدرة الله تعالى على اللطف ~~بهذا المعنى بين فثبت أن تأويلهم لآيات المشيئة بالاكراه ومحافظتهم على ذلك ~~وقطعهم بتعينه وعدم احتمال غيره مجرد لجاج مع الخصوم وزيادة في المراء ~~المذموم والله المستعان # وأما موافقة الاشعرية وأهل الأثر لهم في أن الله تعالى لا يريد المعاصي ~~فان ذلك ثبت بالنص منهم والاقرار لا بالالزام والاستنباط وذلك أن إمام ~~علومهم العقلية صاحب نهاية الاقدام المعروف بالشهرستاني ذكر في كتابه هذا ~~أن ارادة الله تعالى عندهم لا يصح أن تعلق إلا بأفعاله سبحانه دون كسب ~~العباد سواء كان طاعة أو معصية وأن معنى قولنا إن الطاعات مرادة ومحبوبة ~~ومرضية هو أن الله تعالى يريد أفعاله التي تعلق بها وهي الأمر والثناء في ~~الدنيا والثواب والثناء في الآخرة ومعنى قولنا أن المعاصي مكروهة ومسخوطة ~~هو أن الله تعالى يريد أفعاله المتعلقة بها وهي النهي والذم في الدنيا ~~والعقاب والذم في الآخرة وطول في هذا واحتج عليه بأن الارادة هي التي تخصص ~~الفعل بوقت دون وقت وقدر دون قدر ووجه دون وجه قال ويستحيل أن تخصص فعل ~~الغير وأن تقع غير مخصصة فيختلف عنها أثرها وذلك محال ثم قال وأنت إذا عرفت ~~هذا هانت عليك تهويلات القدرية وتمويهات الجبرية وبين أيضا وميز فعل العبد ~~الذي هو كسبه عن فعل الله تعالى الذي هو خلقه كما ms232 سيأتي إن شاء الله تعالى ~~في مسألة الافعال # واعلم أن كلامه في ذلك قوي لأنه لو صح تعلق الارادة بفعل الغير لصح أن ~~ينوي للغير لأن النية ارادة مقارنة وكذلك كان يلزم أن يعزم له لأن العزم ~~ارادة متقدمة # فان قيل فنحن نحس ارادة فعل الغير بالضرورة قلنا تلك محبة لا إرادة لكن ~~المحبة قد تسمى ارادة كما قال الشاعر PageV01P253 # ( يريد المرء أن يعطي مناه % ويأبى الله إلا ما أرادا ) # والبيت عربي فصيح من شعر الحماسة وعلى الجملة أن هذا نقل لمذهب الأشعرية ~~من بصير به بل من إمام فيه فقد صح أن هذا مذهبهم سواء كان صحيحا أو باطلا ~~قويا أو ضعيفا وعبارتهم في جميع تصرفاتهم في تأويل الآيات والأحاديث مخالفة ~~لهذا ومصرحة بارادة المعاصي فحين علمنا أن هذا حقيقة قولهم وإن ذلك مجاز لم ~~نوجب حملها على الحقيقة بل لم نجوز ذلك كما أن الزمخشري قال إن الله يأمر ~~بالفسق مجازا في تفسير قوله تعالى @QB@ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها @QE@ ومع ذلك لا يحل لمسلم أن يحمله على الحقيقة لما ~~كان قد نص على أن ذلك مجاز فكذلك هؤلاء ولكن هذا منهم مجرد لجاج وشدة مراء ~~وجدل قابلوا به ما وقع من خصومهم من مثل ذلك وقد نهى الله تعالى عن التفريق ~~بنص القرآن وإجماع المسلمين فواجب على كل من عرف هذا من الفريقين ترك هذه ~~العادة المكروهة في ابتداع العبارات المفرقة بين الجماعة والمخالفة للطاعة ~~ولذلك نهى الامام إبراهيم بن عبد الله بن الحسن عن تسمية الفرق بهذه ~~الاسماء المبتدعة وأمر أن يسموا بالمسلمين فانهم إذا اجتمعوا في ذلك بهذه ~~الاسماء المبتدعة وأمر أن يسموا بالمسلمين فانهم إذا اجتمعوا في ذلك كان ~~أدعى إلى محو آثار الحمية وترك التعادي والعصبية ولذلك أثنى الله تعالى على ~~الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في ~~قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم # وقد كنت هممت أن أقتصر على هذا البحث ms233 في هذه المسألة ثم رجوت أن يكون في ~~ذكر سائر المباحث مزيد فائدة وإلا فهذا أنفعها وأجلها وهو يكفي صاحب الجمل ~~إن شاء الله تعالى وقد بالغ في تحريم التفرق وترك التكفير بالاختلاف في ~~مسائل الكلام محمد بن منصور الكوفي محب أهل البيت وصنف فيه كتاب الجملة ~~والالفة فأجاد رحمه الله تعالى ونقل فيه القول المفيدة عن كبراء أهل البيت ~~عليهم السلام باختيار ذلك ونقل صاحب الجامع الكافي منه جملة شافية في آخره ~~ينبغي معرفتها ذكرها في مسألة القرآن ومذاهب الناس فيه PageV01P254 # وهنا تحقيق بالغ وهو أن مراد أهل السنة في مسألة الارادة أن يكون الله ~~تعالى غالبا غير مغلوب كما قال تعالى @QB@ والله غالب على أمره @QE@ ولم ~~يصادم هذه القدرة المعتزلة إنما خالفوا في العبارة حيث قالوا إن الله تعالى ~~إنما أراد مجرد تعريض الاشقياء للخير فقد حصل مراده الذي هو التعريض فلم ~~يكن مغلوبا على مراده كما مضى وما يرد عليه قالوا وأراد تمكين العباد مع ~~علمه بأنه يكون وسيلة إلى المعاصي فقد أراد عندهم سببها لعلمه بذلك بل أجاز ~~جمهورهم أن يبتلي الله تعالى المكلفين بعد تمام التكليف بزيادة في خلق ~~الشهوات والشياطين ومضلات الفتن بحيث تقع عندها المعاصي وهو يعلم أنه لو لم ~~يفعل ذلك أطيع وما عصى وهذا هو الاضلال الذي تجيزه الأشعرية وتظن المعتزلة ~~أنها تمنعه وهو الذي قد يسميه بعض الأشعرية ارادة لوقوع المعاصي أولها ~~وإنما اختلفت عباراتهم فانهم الجميع قد اتفقوا على نفي الجبر وعلى ثبوت ~~الاختيار وعلى أن الله تعالى ملك عزيز غالب غير مغلوب وعلى أن الاضلال إن ~~كان من جنس العقوبات لا من جنس الابتلاء والامتحان لم يكن إلا بعد ~~الاستحقاق بالذنوب كعقاب الآخرة لقوله تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا @QE@ فلولا اللجاج في المراء وتمكن التعادي في القلوب لكانوا فرقة ~~واحدة واجتمعوا على جهاد أعدائهم من الكفار الملاحدة # وسر هذا التحقيق أنه لا خلاف أن سبب المعاصي مراد وهو خلق القدرة ~~والتمكين والتكليف لكنه ليس بجبر محض ms234 بل الظاهر في سبب الشر أنه شر فمن نفى ~~الحكمة قال هو مراد لنفسه ومن أثبتها قال لابد من مراد آخر وهو المسمى ~~المراد الأول وغرض الغرض فمن قال هو الجنة في حق الكفار ورد عليه أن علم ~~الغيب يمنع من طلب حصول ما علم أنه لا يحصل ومن قال هو التعريض لذلك ورد ~~عليه أن التعريض ليس بخير محض مع العلم أنه سبب حصول نقيض المقصود ومن قال ~~المعاصي فهو أجهل لأن سببها لم يكن شرا إلا لأجلها فثبت أنه اقامة الحجة في ~~الظاهر وتأويل المتشابه في الباطن والحق أنه لا يعلمه إلا الله كما تقدم ~~بدلائله PageV01P255 البحث السادس في ذكر الفائدة في التكليف بالأعمال مع ~~سبق الاقتدار وقد يذكر هذا جوابا على من قدح في صحة أحاديث الاقدار من ~~المبتدعة فيقال الفائدة في العمل مع القدر مثل الفائدة في العمل مع سبق ~~العلم إذ كل منهما غير مزيل للقدرة ولا مؤثر فيها ولو كان شيء من ذلك يؤثر ~~فيها لما تعلق جميع ذلك بأفعال الله تعالى وهو متعلق بها وهي اختيارية ~~بالنص والاجماع ألا ترى إلى قوله تعالى @QB@ كان على ربك حتما مقضيا @QE@ ~~وأنه سبحانه قد علم وقت وقوع ذلك بعينه وهو موصوف بالقدرة على تقديمه ~~وتأخيره بل على تركه لكنه لا يتركه # وقد قال الرازي أن القول بأن سبق العلم والقدر ينفي الاختيار يستلزم ذلك ~~في حق الله تعالى وذلك يؤدي إلى رفع أثر القدرة وإلى أن تقع الأشياء بالعلم ~~دون القدرة فينقلب العلم قدرة وذلك محال وقد يذكر هذا على سبيل التقوية ~~للايمان الجملي بحكمة الله تعالى وقد ذكرت في ذلك وجوه كثيرة بسطتها في ~~العواصم ولنقتصر على شيء يسير من الوارد في القرآن والسنة وفي الفطرة # أما القرآن فورد بان التكليف في حق الاشقياء اقامة الحجة وقطع العذر قال ~~الله تعالى @QB@ فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا @QE@ وقال @QB@ لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل @QE@ وقال @QB@ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من ~~قبله لقالوا ربنا لولا ms235 أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ~~@QE@ وهذا المعنى كثير وفيه سر لم أر أحدا تنبه له وذلك أن لله تعالى حججا ~~مناسبة لعرف العقلاء وحكمة مناسبة لعلمه الحق الذي تقصر عنه عقول العقلاء ~~وهذه الآيات التي ذكرناها من القسم الاول ومنه إقامة الموازين القسط ليوم ~~القيامة وإشهاد الملائكة والجوارح وكتابة الاعمال مع الغنى عن ذلك كله بعلم ~~الله تعالى # فأما الحكمة المناسبة لعلمه الحق فهي الحكمة الداعية إلى إظهار هذه الحجج ~~القاطعة للاعذار الباعثة على هذا العدل وهي التي لم يعلمها سني ولا ~~PageV01P256 مبتدع ولا أثري ولا متكلم ومن تعرض لها لم يحظ بطائل وقد يرد ~~القرآن بهذه الحجة الظاهرة المناسبة لعرف العقلاء وحدها مثل آيات الوعيد ~~وقد يرد بما يقتضي التعليل بحكمته الحقيقية المناسبة لعلمه الحق وحدها ~~كقوله تعالى في سورة هود @QB@ وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين @QE@ وكذلك قوله تعالى @QB@ وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا @QE@ فانا نعلم أن هذه لم تكن سدى خالية عن الحكمة وقد يرد القرآن ~~بهما جميعا كقوله تعالى جوابا على من قال @QB@ فارجعنا نعمل صالحا @QE@ قال ~~تعالى @QB@ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا ~~عذاب الخلد بما كنتم تعملون @QE@ فجمع بينهما حيث أجاب على الكفار قولهم ~~@QB@ أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل @QE@ استدراكا منهم لما فات ~~فأخبرهم أنه كان قادرا على تحصيل ذلك منهم فيما مضى ولو أرادوه لم يفته حتى ~~يحتاج إلى الملافاة والاستدراك وحين علمنا حكمته في ذلك حسن أن نشير اليها ~~في الجملة من غير بيان معين كما قال سبحانه وتعالى للملائكة @QB@ إني أعلم ~~ما لا تعلمون @QE@ جوابا على قولهم @QB@ أتجعل فيها من يفسد فيها @QE@ # وأما ما ورد في ذلك من السنة فأنواع # منها حديث لا أحد أحب اليه العذر من الله تعالى من أجل ذلك أرسل الرسل ~~وأنزل الكتب # ومنها ms236 عملهم بمقتضى قوله تعالى @QB@ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن ~~رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم @QE@ وقوله @QB@ وخذوا حذركم @QE@ ~~PageV01P257 # ومنها حديث أبي خزامة قلت يا رسول الله أرأيت رقي نسترقي بها ودواء ~~نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا قال هو من قدر الله تعالى ~~رواه الترمذي وابن ماجه من طرق عن ابن عيينة عن الزهري عنه قال المزي في ~~أطرافه وكذلك رواه مالك ويونس بن يزيد وعمرو ابن الحارث والاوزاعي عن ~~الزهري # ومنها أن هذا السؤال مما سئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتولى ~~جوابه كما ثبت في أحاديث الاقدار فقال في الجواب اعملوا فكل ميسر لما خلق ~~له وقرأ قوله تعالى @QB@ فأما من أعطى واتقى @QE@ الآيتين والمعنى في ~~الجواب النبوي أن الله تعالى قدر الجزاء وأسبابه وقدر أن تكونه أسبابه ~~اختيارية من أفعال العبد وما قدره الله لابد أن يقع كما قدره فارتفع توهم ~~الاشكال فانا لو لم نعمل مع سبق العلم بعملنا وسبق المقادير لكان محارة ~~للعقول بل محالا فيها فوجب أن لا يكون العمل محارة ولا محالا ولا موضع شبهة ~~فلا اشكال # وأما ما دلت عليه الفطرة من ذلك فهو أن الله تعالى قدر الجزاء في الآخرة ~~مرتبا على أسباب وقدر وقوع تلك الأسباب على اختيارنا في الأعمال وتارة على ~~اختياره تعالى في أسباب الاعمال وفي الآلام ونحوها وذلك كما قدر السبع ~~بالأكل والري بالشرب وهما عملان اختياريان وكذلك قدر الولد بالوطئ وحصول ~~الزرع بالبذر وخروج روح الحيوان بالذبح ذكر ذلك الغزالي مختصرا وابن قيم ~~الجوزية وطوله وجوده هذا المعنى اسماعيل المقرى من علماء الشافعية في قصيدة ~~له وعظية بليغة فقال وأجاد # ( تقول مع العصيان ربي غافر % صدقت ولكن غافر بالمشيئة ) # ( وربك رزاق كما هو غافر % فلم لم تصدق فيهما بالسوية ) # ( فانك ترجو العفو من غير توبة % ولست براجي الرزق إلا بحيلة ) # ( على أنه بالرزق كفل نفسه % لكل ولم يكفل لكل بجنة ) # فثبت أنه يلزم في قضية العقل من ms237 احتج بسبق القدر وسبق العلم على ~~PageV01P258 ذنوبه وتفريطه في عمل الخير إن يترك الاكل والشرب والبذر ~~والوطئ والتوقي من الحر والبرد وسائر المضار وإلا فقد فضل الدنيا على ~~الآخرة حيث توكل في الآخرة وما سعى لها سعيها وترك التوكل في الدنيا وسعى ~~لها أكثر من سعيها ثم احتج على ضلاله بالباطل وهيهات # ثم أنه لابد مع التوكل من السعي كما قال الله تعالى @QB@ وشاورهم في ~~الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله @QE@ وذكر الزركشي في شرح جمع الجوامع عن ~~الجنيد رحمه الله أنه قال كلمت يوما رجلا من القدرية فلما كان في الليل ~~رأيت في النوم كأن قائلا يقول ما ينكر هؤلاء القوم أن يكون الله قبل خلقه ~~للخلق علم أنه لو خلق الخلق ثم مكنهم أمورهم ثم رد الاختيار اليهم للزم كل ~~امرئ منهم بعد أن خلقهم ما علم أنهم له مختارون # قلت بل قد أوجب ذلك الرازي بنظر عقلي معناه أن العلم تابع للمعلوم في ~~الرتبة لا في الوجود مثل تبع حركة الخاتم للاصبع فلا يتصور حصول العلم ~~متعلقا بالمعلوم إلا وللمعلوم ثبوت في الذهن لا في الخارج والنكتة في هذا ~~أن الله تعالى غير مختار في علمه إجماعا فان كونه قادرا عالما من صفات ~~الكمال اللازمة الواجبة وإنما يختار سبحانه في كونه فاعلا فان شاء فعل وإن ~~شاء ترك وليس يقال إن شاء علم وإن شاء جهل فكذلك لا يقال إن شاء علم ~~الموجود معدوما والمعدوم موجودا ونحو ذلك إنما يقال لو شاء لجعل ذلك كذلك ~~لكنه لا يشاء خلاف ما علم كما سبق تقريره لكنه يقال إن كان المعلوم أسبق في ~~الرتبة فانه راجع إلى أفعال الله تعالى وهي اختيارية وكان الاختيار تابعا ~~للحكمة فهي أسبق في الرتبة وهذا نفيس جدا فتأمله # وسبق في مسألة الحكمة طرف صالح من الكلام في الحكمة في خلق الاشقياء ~~فيراجع من هنالك ومن ذلك أن يقال انما يلزم في قضية العقل قطع أعذار الخلق ~~في الربوبية وتقديسها عن كل عيب ونقص ms238 وظلم وعبث ولعب فمن أنكر شيئا من ذلك ~~قامت عليه البراهين كما تقدم ومن اعترف بهذين الامرين فقد اعترف بان الله ~~حكيم نافذ المشيئة غني كريم فلا يصح منه بعد هذا ان ينازع ربه تعالى في ~~حكمة خفية لوجهين PageV01P259 أحدهما أن علمه الجملي بحكمة ربه كاف شاف ~~وثانيها ان علمه بكمال ربه في جميع أسمائه الحسنى مع نقص العبد في كل معنى ~~وكثرة جهالاته وظلمه وخبث كثير من طباعه وغلبتها عليه يكفيه وازعا عن اتباع ~~سنة الشيطان لعنه الله تعالى حيث نازع ربه تعالى في حسن سجوده لآدم وهذه هي ~~سنة السفهاء من الناس الذين قالوا @QB@ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا ~~عليها @QE@ ولو كانت تجب ازاحة كل عذر باطل لازاح الله تعالى اعذارهم حيث ~~قالوا @QB@ فارجعنا نعمل صالحا @QE@ واقتراحهم على الرسول أن يكون ملكا وان ~~يفجر لهم الأنهار تفجيرا ونحو ذلك على ان الله تعالى لم يخل كتابه الكريم ~~من الاشارة إلى ما تحمله عقول البشر ويليق بعلومهم من ذلك فنقول بقدر ما ~~وهب الله لنا من ذلك ان الله تعالى خلق الاشياء لحكم كثيرة شاهدة له سبحانه ~~وتعالى بالنزاهة من الظلم واللعب والعبث بل شاهدة له سبحانه وتعالى بالحكمة ~~البالغة والنعمة السابغة والحجة الدامغة فمن قال ان الله تعالى ما خلق ~~الاشقياء الا لعمل القبائح في الدنيا وللعذاب في الآخرة أو كانت عبارته ~~توهم ذلك فما أصاب الحق ولا أحسن الترجمة عن الكتاب والسنة ومن أراد اصابة ~~الحق في ذلك تتبع متفرقات الحكمة المنصوصة بألفاظها وأداها بها والمعقولة ~~بمعانيها وجمعها بل جمع ما يسر الله له منها لا يمكن البشر الاحاطة بجميعها # والذي حضرني منها سبعة أمور تفصيلية لفظية ومعنوية وأمر جملي يعمها # أما الأمر الجملي فما تقرر بالبراهين الجمة سمعا وعقلا من حكمة الله ~~تعالى كما قال للملائكة @QB@ إني أعلم ما لا تعلمون @QE@ قال في هذا المعنى ~~@QB@ أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين @QE@ وأما التفصيلية ~~فانها وان رجعت في المعنى إلى أقل من ذلك العد ms239 فقد أديت ما أمكنني تأديته ~~بلفظه عسى أن أنال الدعوة النبوية لمن أدى ما سمع كما سمع من الأحاديث ~~الثابتة في ذلك PageV01P260 # الأول خلق الله تعالى الاشقياء لعبادته بالنظر إلى أوامره اجماعا ونصا ~~وبالنظر إلى محبته للخير من حيث هو خير على الصحيح كما مر في اثبات الحكمة ~~وقد أوضحت هذا في العواصم في تفسير قوله تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون @QE@ وهو مذهب جمهور أهل السنة في قوله تعالى @QB@ ولا يرضى ~~لعباده الكفر @QE@ وقوله تعالى @QB@ والله لا يحب الفساد @QE@ فانهم ~~أقروهما وفرقوا بين الرضى والمحبة ومعنى الارادة والمشيئة ولذلك قال السبكي ~~في جمع الجوامع في آخره في الإعتقاد ما لفظه والمحبة غير المشيئة والارادة ~~فلا يرضى لعباده الكفر ولو شاء ربك ما فعلوه ولم يحك خلافا لشذوذه عنده ومن ~~لم يبحث حوافل أهل السنة يظن ان هذا يخالف قواعدهم # الثاني الابتلاء بالنظر إلى عدله وحجته كما يظهر من قوله تعالى @QB@ ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ كما مر في الحكمة في العمل مع القدر # الثالث لما يوجب عليهم شكره من احسانه اليهم بعظيم نعمه وسوابع مواهبه ~~بالنظر إلى تكليفهم شكر نعمته وقد ذكر غير واحد من الائمة الأذكياء ان فرار ~~الحيوانات من الموت وحرصها على الحياة من أعظم الأدلة على عظم النعمة بها ~~وعلى وجوب الشكر عليها ثم نعمة العافية والتمكين من الخير والمعارف باكمال ~~العقول والاسماع والابصار والأيدي والبنية السوية الصحيحة والانفاس ~~والارزاق الجارية # الرابع لما شاء بالنظر إلى عزة ملكه وعظيم سلطانه وقاهر قدرته # الخامس لما لم يحط بجميعه الا هو سبحانه وتعالى بالنظر إلى واسع علمه ~~ورحمته # السادس للعذاب المستحق بكفر نعمته وجحد حجته بالنظر إلى علمه واختياره ~~وقدرته وقضائه وكتابته PageV01P261 # السابع الحكمة المرجحة فيهم بعقابه على عفوه وعدله على فضله الراجعة ~~بعدله إلى فضله التي هي تأويل المشابه وهو الخير المقصود بما ظهر للعقلاء ~~من ارادة وقوع ما قبلها من المتشابه وهو الشرور التي لا يعلم فيها خير ان ~~سلم وقوع ذلك # وهذا النوع السابع هو ms240 بالنظر إلى خفي حكمته منتهى متعلق ارادته ومشيئته ~~الذي هو المراد الاول وهو تأويل المتشابه الذي لا يعلمه الا هو على المختار ~~كما سبق بيانه ودليله في مقدمات هذا المختصر # وزادت المعتزلة على هذه الامور السبعة ثلاثة انفردت بها دون أهل السنة # أحدها تعريض الاشقياء لدرك ثوابه العظيم وسكون جنات النعيم فان التعريض ~~لذلك نعمة وان لم يقبلوها كما ورد في حديث رواه البخاري عن أبي هريرة كل ~~أمتي يدخلون الجنة الا من أبي قالوا ومن يأبى ذلك يا رسول الله قال من ~~عصاني فقد أبى # وثانيها ارادة وقوع الطاعة منهم لظاهر قوله تعالى ( وما خلقت الجن والانس ~~الا ليعبدون ) ومنعت هذين الاشعرية وغيرهم كما تقدم # وثالثها مصلحة الخوف لان العقلاء اذا علموا ان الله ما يخلق الا سعيدا ~~غير معذب تجرؤا على الفساد والفسوق ذكرته البغدادية منهم وما هو بالضعيف ~~ولا بالمخالف للقواعد فقد نص الله تعالى على أن بسط الرزق مفسدة للعباد ~~فكيف يرفع الخوف والامان من التبعات في الدارين كذلك نص على أنه تخصيص ~~الكافرين بالتوسيع الكثير في الغنى مفسدة وانه انما تركه لذلك كما في سورة ~~الزخرف ولذلك قال @QB@ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ فابهم المغفور له ~~ليبقى الخوف وكذلك قال في حق الكفار أيضا في التوفيق للتوبة في الدنيا @QB@ ~~لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم ~~كانوا مجرمين @QE@ فلم يقنطهم الجميع ولم يؤمنهم لانهما جميعا مفسدتان ~~وتركهم في محل الخوف والرجاء لانهما جناحا الدواعي الناهضة للعباد إلى طاعة ~~ربهم وفيها الحجة الدامغة لمن عصى PageV01P262 منهم وورد في السنة النبوية ~~مع ذلك كله غيره مما لا غنى عن ذكره فان الشيء قد يحسن مع غيره ولا يحسن ~~وحده كما ذكره كثير من أهل العلم في جميع الآلام والمصائب لعظيم الجزاء مع ~~عظيم الاعتبار # فمن أحسن ما ورد في ذلك في السنة حديث فداء كل مسلم من النار بيهودي أو ~~نصراني خرجه مسلم واسناده على شرط الجماعة كلهم وله ms241 طرق جيدة كما أوضحته في ~~العواصم والاجادة وغيرهما وأوضحت ما فيه من الحكمة والعدل واجماع العقلاء ~~على نظائره # فمن العدل في ذلك أن اليهود والنصارى عادوا المسلمين في الدنيا وظلموهم ~~وكذبوهم وفعلوا ما أمكنهم من مضارهم ومن لم يستطع ذلك منهم ورد انه تمكن ~~منه وأنه فعله ووالى من فعله من أصحابه وقد ثبت وجوب القصاص بين المسلمين ~~بعضهم من بعض بل بين الشاة الجماء والشاة القرناء فكيف لا ينتصف للمسلمين ~~من أكفر الكافرين المكذبين البغضاء المعتدين والله تعالى يقول @QB@ إنا ~~لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد @QE@ وقد صح ~~في الأحاديث الثابتة ان القصاص بالحسنات والسيئات ان كان للظالم حسنات أخذ ~~منها للمظلوم وان لم يكن حمل الظالم من ذنوب المظلوم بقدر مظلمته وهذا عدل ~~معقول وليس فيه مناقضة لقوله تعالى @QB@ ولا تزر وازرة وزر أخرى @QE@ لان ~~المعنى انها تظلم لا بتحميلها وزر الاخرى لا انه لا ينتصف منها بالحق وان ~~شق فما كان على وجه الانتصاف من الظالم للمظلوم لم يكن من تحميل الذنوب من ~~لم يفعلها ظلما وعدوانا بل هو من العدل الوارد في السمع المعلوم لقوله ~~تعالى @QB@ وأثقالا مع أثقالهم @QE@ وقول ابن آدم الصالح لأخيه الكافر @QB@ ~~إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك @QE@ وهذه أدلة خاصة مفسرة لما أجمل من قوله ~~تعالى @QB@ ولا تزر وازرة وزر أخرى @QE@ وكذلك وردت الأحاديث الصحاح بأن من ~~سن سنة سيئة كان عليه اثمها واثم من عمل بها من غير أن PageV01P263 ينقص من ~~آثامهم وان على ابن آدم اثم من قتل إلى يوم القيامة لانه أول من سن القتل ~~بل قد أشار القرآن العظيم إلى هذا الحديث العظيم إلى هذا حيث قال تعالى ~~@QB@ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد ~~في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا @QE@ ~~وكذلك لا يناقض هذا قوله تعالى @QB@ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى @QE@ لانه ~~عموم مخصوص بالاجر على الآلام والاقتصاص ms242 من الظالم ويجوز أن يفضل الرب ~~سبحانه وتعالى على من يشاء كما قال @QB@ ويزيدهم من فضله @QE@ لان فضله ليس ~~هو مما هو حق لهم حتى يدخل في قوله @QB@ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى @QE@ ~~فهذا ما في فداء المسلمين بالكافرين من العدل # وأما ما فيه من الحكمة ففيه صدق وعيد العصاة من المسلمين بذلك وعدم الخلف ~~كما أشار اليه قوله تعالى @QB@ وفديناه بذبح عظيم @QE@ فانه لا معنى للفداء ~~الا انه قد كان لزم ذبحه بالامر لان البداء لا يجوز على الله سبحانه وذبح ~~الفداء يقوم مقام ذبح الذبيح عليه السلام ومنه فداء والد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بمائة من الابل كما هو مذكور في السيرة النبوية منه قوله ~~تعالى @QB@ ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل @QE@ أي فدية لكنها في ~~الكافرين كما قال سبحانه في سورة الحديد في خطاب المنافقين @QB@ فاليوم لا ~~يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا @QE@ وفي تخصيصهم بالذكر اشارة إلى ~~القبول من المسلمين بمقتضي مفهوم الصفة والمسلمون أيضا باقون على الإصل في ~~حسن ذلك كما قرر في موضعه ويأتي منه في هذا المختصر ما فيه كفاية وقد ~~استوفيت مطابقة ذلك لعمل الحكماء والعقلاء من جميع المسلمين بل من جميع ~~الناس أجمعين في كتاب العواصم # ومما جاء في السنة من حكمة الله تعالى في خلق الكافرين في الدنيا ونفع ~~المسلمين بهم ما رواه النسائي من حديث سلمة بن نفيل الكندي قال كنت ~~PageV01P264 جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل أزال الناس الخيل ~~ووضعوا السلاح وقالوا لا جهاد قد وضعت الحرب أوزارها فاقبل رسول الله بوجهه ~~صلى الله عليه وسلم وقال كذبوا الآن جاء القتال ولا تزال من أمتي أمة ~~يقاتلون على الحق ويزيغ الله قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة وحتى ~~يأتي وعد الله الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الحديث قال ~~المزي في أطرافه رواه النسائي في السير وفي الخيل باسنادين إلى أبي علقمة ~~والوليد بن عبد الرحمن ms243 الجرشي كلاهما عن جبير بن نفيل عن سلمة # قلت واسناد النسائي جيد قوي رواه أحمد بن حنبل في المسند بطريق أخرى إلى ~~الوليد بن عبد الرحمن فصح الحديث ولله الحمد والمنة ويشهد لذلك من كتاب ~~الله تعالى @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ~~ونصيرا @QE@ وما استأثر الله تعالى بعلمه في ذلك من الحكم والعنايات ~~الحميدة أكثر وأعظم والله سبحانه أعز وأعلم وأجل وأحكم آمنا به وبجميع ~~أسمائه ومحامده وله المنة علينا في ذلك وله الحمد والشكر والثناء # البحث السابع قد ظهر من جماعة من المتكلمين استقباح الظواهر السمعية مثل ~~قوله تعالى @QB@ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس @QE@ فأوجبوا ~~تأويلها وأمثالها وشنعوا على من آمن بها من غير تأويل الا التأويل الذي ~~استأثر الله بعلمه على ما تقدم والعجب من المقبحين لذلك من المخالفين أنهم ~~قبحوا خلق أهل النار لها وارادة ذلك لهم في الابتداء مع تحسينهم لفعل ذلك ~~بهم في الانتهاء بل أوجبوا ذلك على الله تعالى في الانتهاء وأوجبوا عليه ~~تخليدهم في النار وقبحوا منه العفو عن أحد منهم فكيف قبحوا ارادة ذلك ~~الواجب عندهم في الابتداء مع ان الارادة لا تزيد على المراد في الحسن ~~والقبح عقلا وشرعا فان كان عذاب الآخرة من الحق الراجح المشتمل على العدل ~~والمصالح كما هو الحق عقلا وسمعا كما يأتي فلا ينبغي تقبيح ارادته ولا ~~تقبيح خلق أهله له في الابتداء لان ما حسن فعله حسنت ارادته فكيف بما وجب ~~PageV01P265 فعله والارادة أهون من التعذيب نفسه وأقل مضرة منه فكيف يعقل ~~أن يكون التعذيب واجبا على الله تعالى وارادته منه قبيحة # فان قالوا انما قبحناها اذا وقعت متقدمة لمعاصيهم لانهم حينئذ غير ~~مستحقين لذلك قلنا انها لم تعلق بهم حينئذ وانما تعلقت بهم حين الاستحقاق ~~لانه لم يرد أن يوقع بهم العذاب قبل ذلك بل بعده والعزم على مثل ذلك من ~~مثلنا حسن عقلا فكذلك الارادة المتقدمة في حقه تعالى وقد ورد السمع بتقدمها ~~والدليل على من ms244 ادعى قبح ذلك # والقول بان عذاب الآخرة حق راجح مشتمل على العدل والمصالح التي هي تأويل ~~المتشابه هو قول البغدادية وطائفة كثيرة من السلف والخلف ومن تبعهم من أهل ~~السنة كما نصره ابن تيمة وأصحابه وأجاز ذلك الغزالي في المقصد الاسنى واحتج ~~عليه كما تقدم ويدل على ذلك اقسام الله تعالى في غير آية على وقوعه وتسميته ~~حقا في قوله تعالى @QB@ ولكن حق القول مني لأملأن جهنم @QE@ وانما يختلف ~~هؤلاء في قدر العذاب المشتمل على المصالح الراجحة فمنهم من جوز ذلك فيه ~~مطلقا ولو مع الخلود والدوام الذي لا نهاية له ومنهم من جوزه فيه مطلقا الا ~~في الخلود # واختلفوا أيضا هل دلالة السمع على الخلود قاطعة أم لا لورود الاستثناء ~~فيه في القرآن والحديث الا تحلة القسم ولغير ذلك كما تقدمت اليه الاشارة في ~~مسألة الحكمة وهو مبسوط في مواضعه فقد صنفت في هذه المسألة مصنفات مستقلة # والعجب منهم كيف يمنعون تقدم إرادته مع مثل هذه الأقسام المؤكدة السابقة ~~من الله تعالى على فعله وتسميته حقا ولم يبق بينهم خلاف وبين أهل السنة الا ~~في تجويز تقدم ارادته لذلك والنصوص شاهدة لاهل السنة بتقدمها وكذلك العقول # أما النصوص فمثل قوله تعالى @QB@ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا @QE@ PageV01P266 ) وهي واضحة ~~في تقدم الارادة قبل وقت قطع الاعذار والعذاب لا يقع قبل ذلك في حكم الله ~~تعالى لقوله تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ وكذلك قوله ~~تعالى @QB@ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين @QE@ وفي آية أخرى @QB@ وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين @QE@ وفي آية اخرى @QB@ وإن منكم إلا واردها كان على ~~ربك حتما مقضيا @QE@ الاية وفي هذه الآيات الثلاث دلالة واضحة على أن عذاب ~~الاخرة من قبيل الحق الراجح المتضمن للمصالح وهذه العبارات المؤكدة في ~~وقوعه كلام من قد أراد ذلك فكيف يقسم عليه وهو لا يريده # وأما دليل ms245 العقول على ذلك فلان الارادة انما تتأخر في حقنا لتأخر العلم ~~بالمرجحات وعدم العلم بانتفاء الموانع والمعارضات ولذلك قال أبو الحسين ~~انها هي الداعي الراجح الراجع إلى العلم لملازمة الفعل لذلك ولملازمة ~~الارادة له وذلك منه يفضي إلى نحو قول الاشعرية في قدم الارادة وأما الاثري ~~السني فلا حاجة له إلى الخوض في ذلك كما تقدم # البحث الثامن ان ارادة الله تعالى نافذة وانه لا راد لما أراد وقد تقدم ~~كثير منها ولكن في هذا البحث فوائد مهمة لم تقدم ولا بأس ببعض التكرار ~~للتأكيد والفائدة ولذلك ورد به كتاب الله تعالى وهو أكثر الكتب حكمة ~~وأحكاما # وهذا البحث مبني على ان الله تعالى على كل شيء قدير وهذا ما لا شك فيه ~~ولكن أكثر المعتزلة زعموا ان الله تعالى مريد لفعل جميع ما يقدر عليه من ~~هداية المكلفين واللطف بهم بل اعتقدوا ان ذلك واجب عليه ولاجل اعتقادهم ~~وجوبه عليه قطعوا حين لم يفعله انه غير قادر عليه تنزيها له من الاخلال ~~بالواجب PageV01P267 # وقد صرح الامام يحيى بن حمزة بابطال قولهم في كتابه التمهيد في أوائل ~~الباب السابع من النبوات على ذلك وهو قول جماعة من قدماء محمد بن منصور ~~الكوفي والسيد أبو عبد الله الحسيني في كتابه الجامع الكافي وهو قول غير ~~واحد ممن عاصرت من أئمتهم عليه السلام # وهذه المسألة هفوة المعتزلة الكبرى في مقابلة هفوة الجبرية في نفسى ~~الاختيار وبها تمكن خصومهم منهم ومن سلم منهم من هذه المسألة قارب أهل ~~السنة في مسألة الأفعال بل كان منهم فان أمام الحرمين الجويني ما وافق أهل ~~السنة في مسألة الأفعال الا فيها فعدوه من أئمتهم ولم يختلفوا في ذلك ولا ~~شك في صحة قدرته على هداية الخلق أجمعين باللطف والاختيار عقلا وسمعا ولا ~~شك انه أحوط وأولى من قول المعتزلة فانه يمكن في العقل أن يكون الله تعالى ~~انما ترك ذلك لحكمة استأثر بعلمها مثل حكمته في خلق أهل النار والعقول تقصر ~~عن الاحاطة بجميع حكمة الله ms246 تعالى ومعلوماته فيحسن في بعض ما لا تعرف ~~العقول حسنه أن يكون حسنا عند الله لحكمة اختص بعلمها فيجب قصر استقباح ~~العقول على من لم يعلم من الحكم في الغيوب المحجوبة الا ما يعلمه وليس يحسن ~~أن يقال ان الله لا يقدر على شيء لوجه حسن استأثر الله بعلمه ولا نحو ذلك ~~من الاعذار لان عدم القدرة نقص في الربوبية وان مثل الجهل ببعض الامور وأما ~~التحسين والتقبيح فبابه واسع وتفاوت المعارف فيه غير واقف على حد ولا نهاية ~~لانه موقوف على الوجوه والاعتبارات ومعرفة العواقب الحميدة والغاية الغيبية ~~البعيدة # والمرجحات الخفية عند تعارض المصالح والمفاسد وهذا باب واسع يدخله ~~التأويل القريب والبعيد بل قد اختلفوا في هذا أحوال المخلوقين كما أخبر ~~الله تعالى عن موسى والخضر عليهما السلام ولا يزال العالم ينكر على الاعلم ~~كيف الجاهل على العالم كيف المخلوق الظلوم الجهول على علام الغيوب كما تقدم ~~في الحكمة في خلق الأشقياء فكما أن الحكمة في خلق الأشقياء لما خفيت لم ~~يحسن من أحد أن يقول انه تعالى غير مختار في وجودهم ورد أهل الاسلام ذلك ~~على الفلاسفة فكذلك في مسألتنا PageV01P268 # ثم ان المعتزلة رجعوا إلى قول أهل السنة في هذا بعد التعسف الشديد في ~~تأويل القرآن والسنة واجتمعت الكلمة في الحقيقة على ان الله تعالى على كل ~~شيء قدير وعلى ما يشاء لطيف وما بقي الا اللجاج في المراء بين أهل الكلام ~~كما أوضحت ذلك في البحث الخامس من هذه المسألة أعني مسألة الارادة # ونزيد هنا وجها لم نذكره هناك وهو ان الله تعالى قد نص على دين الاسلام ~~انه الفطرة قال تعالى @QB@ فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله ذلك الدين القيم @QE@ واتفق أهل الحديث على صحة حديث أبي هريرة في ذلك ~~وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة وانما ~~أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه وقد ذكر البغوي في تفسير هذه الآية عن ~~أكثر أهل السنة أن الآية على ms247 عمومها في السعداء والاشقياء واحتج لهم بحديث ~~أبي هريرة في ذلك وغيره وكيف لا يكون كذلك وقوله صلى الله عليه وسلم وانما ~~يهودانه وينصرانه ويمجسانه انما هو في الاشقياء فلزم المعتزلة أن يقولوا به ~~ويتركوا قولهم ان الله بني الاشقياء على بنية علم معها انه لم يبق لهم لطف ~~في مقدوره ولزم أهل السنة أن يقولوا به ولا يعتقدوا ان أحاديث القضاء ~~والقدر مبطلة للاختيار ولا لحجة الله تعالى وفي الحقيقة ان الجميع قد فعلوا ~~بمقتضاه لكن أهل السنة بالنصوص الصريحة الكثيرة والمعتزلة في بعض المواضع ~~كما تقدم في البحث الخامس على ان هذه الآية وهذا الحديث عند المعتزلة مما ~~يصولون به على أهل السنة وليس كذلك بل هما على المعتزلة لا لهم # وانما ظنوا ذلك لانهما حجتان على الجبرية وهم يعتقدون الا العارفين منهم ~~ان أهل السنة كلهم جبرية فهذا سبب وهمهم وأما كونهما على المعتزلة فلقولهم ~~ان اللطف غير مقدور لله تعالى وتعليلهم ذلك بانه تعالى بنى الاشقياء على ~~بنية لا تقبل اللطف ثم ان أهل السنة يلزمونهم تعجيز الرب تعالى بذلك وهم ~~يأبون ذلك ويقولون انه غير قادر على اللطف ولا يوصف بالعجز وانما قالوا ذلك ~~لاعتقادهم أن اللطف بالاشقياء محال كوجود ثان لله تعالى عن ذلك PageV01P269 ~~والقادر على كل شيء لا يوصف بالقدرة على المحالات لانها ليست بشيء والا لزم ~~أن يوصف بالقدرة على لا شيء # وقولهم هذا ضعيف لان الاحالة لم تبين في اللطف بالعصاة ولو تبين ذلك لقبح ~~تكليفهم على أصول المعتزلة فان خلقهم على تلك البنية مفسدة في التكليف وهم ~~لا يجيزون المفسد فيه ولو جوزوها فيه ما أوجبوا اللطف فيه والا لتناقض انما ~~المحال ما لا يمكن تصوره مثل كون الشيء قديما حادثا كما في تقديرهم ان الله ~~لو خلق مثله تعالى عن ذلك لم يكن مثله قط لان المخلوق حادث مربوب بالضرورة ~~والله تعالى رب قديم فقياس هذا باللطف بالعصاة واه لا يرضى في الفروع ~~الظنية # وقد اعتذرت الفلاسفة بمثل عذرهم ms248 في هذا في قول الفلاسفة انه ليس في ~~مقدورالله تعالى أحسن من هذا العالم مع انه على كل شيء قدير لانهم زعموا ~~انه لو كان في مقدوره لا وجده على الفور والا كان بخيلا تعالى عن ذلك وأجيب ~~عليهم بمثل ما أجيب على المعتزلة من ان حكمة الله تعالى أعظم من أن يحيط ~~بها خلقه وانه قد بين منها انه يبلو عباده ليميز الخبيث من الطيب كما صرحت ~~به الآيات القرآنية # واعلم ان قول أهل السنة في المشيئة والقضاء والقدر وسبقها للاعمال لا ~~يقتضي الجبر كقول الجميع في سبق العلم بل كثير من أهل السنة فسروا القضاء ~~والقدر بعلم الغيب السابق منهم القاضي عياض في شرحه لمسلم والنووي في شرحه ~~له وابن بطال في شرح البخاري وغيرهم وانما وقع الخلاف فيما تعلق به الارادة ~~السابقة كما تقدم تحقيقه في المباحث المتقدمة وانما مقصود أهل السنة بذلك ~~نفي العجز والقصور عن قدرة الله تعالى فقد وقع الاتفاق على نفيه في الحقيقة ~~ان شاء الله تعالى # وقد وضح بذكر هذه المباحث للخلاف هنا خمس مراتب قد بسطتها في العواصم ولا ~~غنى عن الرمز اليها على سبيل الايجاز الكثير # الخلاف الأول هو الخلاف في قدرة الله تعالى على هداية الله العصاة ما ~~داموا على بنيتهم التي خلقوا عليها حتى يغيرها الله تعالى وهو الذي فرغنا ~~PageV01P270 من ذكره وبيان الحجة على بطلانه وعلى ان المخالف فيه أخطأ في ~~العبارة ووافق في المعنى لا قدرته تعالى على تغيير البنية هي قدرته على ~~اللطف بعينها فارتفع الخلاف ولله الحمد # الخلاف الثاني القول بنفي قدرته تعالى على ذلك مطلقا ادعاه بعض أهل العصر ~~على أصحاب أبي هاشم المعتزلي ولم ينصوا عليه وهو مما لا ينبغي ان يصدق ~~عليهم حتى ينصوا عليه لمخالفته الأدلة الجلية من المعقول والمنقول كما ~~أوضحته في العواصم وانما حمل هذا على دعواه ما رأى في اعتراف المعتزلة ~~بخلافه من لزوم موافقة أهل السنة ففر من موافقة خصومه إلى ما هو شر منها ~~كالمستجير ms249 من الرمضاء بالنار # وقد تمدح الرب سبحانه وتعالى بانه لو شاء لجعل منا ملائكة وقال @QB@ إنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ وقال @QB@ كونوا حجارة أو ~~حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول ~~مرة @QE@ وقد علم من الدين واجماع المسلمين انه تعالى قادر على تغيير صفات ~~الأجسام مثل قلب خبث الحديد فضة أو ذهبا وقلب البهائم ناسا والناس بهائم ~~مثل ما خسف باليهود قردة بقوله لهم @QB@ كونوا قردة خاسئين @QE@ فكذلك لو ~~شاء خلق من الاشقياء أنبياء وملائكة وما السر في تغيير شيء منهم الا تليين ~~قساوة قلوبهم كما أوضحته في العواصم فليراجع اذا احتيج إلى ذلك # الخلاف الثالث خلاف من منع عقوبة العصاة بالاضلال وقد توهم كثير منهم أن ~~ذلك يؤدي إلى الجبر فيتأولونه بالخذلان ولا يعلم أن الاضلال ليس من الجبر ~~في شيء انما هو الخذلان وسلب الالطاف ألا ترى أن من هداه الله تعالى فلم ~~يقهره ولم يجبره على الهدى فكذلك من أضله فلم يقهره ولم يجبره على الضلال ~~انما هو التيسير للعسرى عقوبة كما ان الهدى هو PageV01P271 التيسير لليسرى ~~مثوبة وأما من خالف في هذا فلانه لم يستحسن ارادة وقوع الذنب عقوبة مع ~~كراهة الذنب نفسه وقد تقدم القول فيه مستوفي في الوجه الثالث من المبحث ~~الثالث # الخلاف الرابع خلاف من يخالف في تجويز ارادة وقوع الذنب مع كراهة الواقع ~~ليظهر كثير من اسمائه تعالى الحسنى مثل اسمائه تعالى العفو الغفور التواب ~~الواسع الحليم الرحمن الرحيم وقد صحت النصوص النبوية بما يقتضي هذا كما ~~خرجه مسلم عن أبي أيوب الانصاري وعن أبي هريرة كلاهما عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون كي يغفر لهم ~~وفي حديث أبي هريرة كي يستغفروا فيغفر لهم وروى عن جماعة من الصحابة غيرهما ~~كما ذكرته في العواصم وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وبعد ورود السمع بهذا ~~فالحجة على من ادعى قبحه لان قبحه ms250 لا يعلم بالضرورة بالاجماع فإن الاجماع ~~انما ينعقد على مثل قبح الكذب الضار وحسن الصدق النافع أما مثل الكذب ~~النافع والصدق الضار فانه استدلالي والسمع فيه مقدم مقبول # الخلاف الخامس قال أهل السنة وأبو هاشم وجمهور المعتزلة يجوز أن يبتلي ~~الله تعالى العبد في أول أحوال تكليفه قبل أن يعصي ويستحق العقوبة بما يعلم ~~انه يعصي عنده مختارا لحكمة لا يعلمها الا هو كما يحسن ان يكلفه وهو يعلم ~~ان يعصي حينئذ ولو لم تقع منه المعاصي ولم يفرقوا بينهما وخالف في ذلك أبو ~~علي الجبائي من المعتزلة وغيره وهذه مسائل الخلاف بين أبي علي وبين ولده ~~أبي هاشم فانه في هذه وأصحابه مع أهل السنة والمراد بهذا التجويز انه لو ~~ورد به نص لا يحتمل التأويل وجب قبوله ولو ورد به ظاهر يحتمل التأويل لم ~~يجب تأويله بل لم يحل وقيل في هذا ما دل عليه السمع والسمع أقوى الادلة في ~~مثل هذه المحتملات في العقول وقيل انه لا يجوز في هذه الحال من الله تعالى ~~الا التخلية بين العبد وبين نفسه بعد التمكين ومعنى التخلية ترك اللطف ~~والخذلان معا وقد دل السمع على ان العبد لا يختار حينئذ إلا المعصية ودل ~~على ان فعل اللطف حينئذ فضل من الله يؤتيه من يشاء كما يختص برحمته من يشاء ~~بالنص وذلك التخصيص لحكمة بالغة PageV01P272 # ويدل على ذلك قول يوسف عليه السلام @QB@ وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن ~~وأكن من الجاهلين @QE@ بل قول الله تعالى @QB@ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين @QE@ وأبو علي يحمل ذلك في ~~الابتداء على فضله العام بخلقه # وروى الحاكم في تفسير سورة ( ص ) من حديث ابن عباس ان سبب ذنب داود عليه ~~السلام انه قال اللهم انك تعلم انه لا يمضي ساعة من ليل أو نهار الا وهو ~~يصعد اليك عمل صالح من آل داود يعني نفسه ms251 فعتب الله تعالى ذلك عليه وقال ~~أما علمت انه لولا اعانتي لك الحديث وروى نحو ذلك في سبب ذنب آدم عليه ~~السلام وروي الحاكم وأحمد من حديث زيد بن أرقم مرفوعا وان تكلني إلى نفسي ~~تكلني إلى ضيعة وضعف وذنب وخطيئة وقال الحاكم فيها كلها انها صحاح والقرآن ~~يدل على ذلك ويغني عنه كما تقدم وهذه التخلية في الابتداء لا تسمى اضلالا ~~لقوله تعالى @QB@ وما يضل به إلا الفاسقين @QE@ ولقوله تعالى @QB@ فلما ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم @QE@ كما تقدم وانما تسمى ابتلاء كما قال تعالى ~~@QB@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ والله تعالى لم يقل انه لا يبتلي به إلا ~~الفاسقين انما قال @QB@ وما يضل به إلا الفاسقين @QE@ كما انه لا يعذب ~~غيرهم فالاضلال من جنس العقاب وقد دل السمع على ان الله خلق الخلق في ~~الابتداء على الفطرة نعمة ورحمة للأوليائه ونقمة وحجة على اعدائه كما خلقهم ~~كذلك في الخلق الأول في عالم الذر كما جاء في الاحاديث التي لا مانع من ~~صحتها وقد أوضحتها في كتاب العواصم في الوهم الثلاثين منه في تفسير قوله ~~تعالى @QB@ وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها @QE@ ثم دل القرآن ~~على ان الله تعالى يبدأ باللطف ثم يعاقب من يشاء ممن لم يقبل اللطف ~~PageV01P273 قال الله تعالى @QB@ إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ~~@QE@ وقال @QB@ ثم السبيل يسره @QE@ وقال @QB@ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا ~~العمى على الهدى @QE@ وقال تعالى في بيان ذلك @QB@ وما أرسلنا في قرية من ~~نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة ~~الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا ~~يشعرون @QE@ ودل السمع أيضا على انه تعالى يبتدي بالاحسان من غير استحقاق ~~ولا يبتدي بالعقوبة من غير استحقاق بل يمهل بعد الاستحقاق ويحكم ويكرر ~~الحجة ويعذر ويعفو عن كثير كما قال تعالى ثم ينتقم ممن يشاء بالحكمة ~~البالغة ويعفو عمن يشاء بالرحمة الواسعة كما قال تعالى @QB@ وما أصابكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو ms252 عن كثير @QE@ والمصيبة في الدين أعظم المصائب ~~وقد جاء ذلك في أمور الدين منصوصا في قوله @QB@ فبظلم من الذين هادوا حرمنا ~~عليهم طيبات أحلت لهم @QE@ @QB@ وجعلنا قلوبهم قاسية @QE@ وقوله @QB@ وأضله ~~الله على علم @QE@ أي علم باستحقاقه الاضلال وأصرح من ذلك قوله @QB@ وما ~~يضل به إلا الفاسقين @QE@ فما كان على جهة العقوبة لم يفعله الله به ابتداء ~~قبل الاستحقاق وما كان على جهة الابتداء الذي لا يصح التكليف إلا به فعله ~~وما زاد على ذلك مما يقع عنده المعاصي فهو مسألة الخلاف # فان قيل إن القول ان العبد يضل في الابتداء باختياره بغير اضلال من الله ~~يؤدي إلى أنه يملك لنفسه نفعا وضرا على جهة الاستقلال وهذا مما يمنعه السمع # فالجواب من وجهين الأول أنه لا يؤدي إلى ذلك إلا لو قلنا أنه الذي خلق ~~نفسه فسواها فألهمها فجورها وتقواها وخلق قدرته وتمكنه وقدر لنفسه أفعاله ~~ومبدأه ومصيره وهداها النجدين ومكنها الأمرين وأما إذا PageV01P274 كان ذلك ~~فعل الله فمن أين له الاستقلال ولله الخلق والأمر واليه يرجع الأمر كله ~~ولكن الله قد استثنى من تعجيز العباد حيث قال @QB@ قل لا أملك لنفسي نفعا ~~ولا ضرا إلا ما شاء الله @QE@ وهذا الاستثناء هو الذي رددنا به قول الجبرية ~~حيث احتجوا بقوله تعالى @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ فانهم ~~تمسكوا بنفي المشيئة ونسوا الاستثناء وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~( اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك وقال موسى عليه ~~السلام @QB@ رب إني لا أملك إلا نفسي @QE@ وذلك مثل كوننا لا نعلم إلا ما ~~علمنا يؤتي الحكمة من يشاء ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ولم يؤد ~~إلى استقلال العبد في العلم فلا بدعة في القول بأن العبد يملك بعض الامور ~~بتمليك الله له ذلك لاقامة حجته أو سعة رحمته أو خفي حكمته # والقطع بأن ذلك محال غير ممكن يؤدي إلى تعجيز الله عنه ورجوع القهقري من ~~مذهب السنة والمسلمين فانظر إلى الغلو في الأمور ms253 كيف ينتهي إلى الوقوع فيما ~~كان الفرار منه فان السني إنما يحاول البقاء على تعظيم القدرة لله عز وجل ~~فاذا غلا في مذهب رجع إلى تعجيز الله الذي كان يشنع به على المبتدعة فصار ~~هذا التمليك من الله تعالى لمن يشاء من عباده من جملة أحكام ملكه وعطاياه ~~التي لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع على معنى ما كان يقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليس لنا من أمرنا ما شئنا وإنما نأخذ ما أعطينا فجعل ~~أخذهم ما أعطاهم الله تعالى من فعلهم ليكون فرق بين الحيوان المختار ~~والجماد المسخر وهو فرق معلوم ضرورة وعقلا وشرعا مدرك بالفطرة التي فطر ~~الله الخلق ولن تجد لسنة تبديلا فنسأل الله الاعتدال وترك بدع الجبر ~~والاعتزال وهو حسبنا ونعم الوكيل # الوجه الثاني إن العبد لا يستقل في الخير لقول الله تعالى @QB@ ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا @QE@ ولحديث أبي ذر رضي الله ~~عنه من وجد خيرا فليحمد الله وأمثال ذلك كثير وأما الشر فسيأتي تحقيقه في ~~مسألة الأفعال والظاهر أن اللطف PageV01P275 ينقسم فمنه لطف هداية ومنه لطف ~~حجة وازاحة عذر فمن وضح له في هذه المرتبة الخامسة من مواقع الخلاف شيء قال ~~به وإلا فالموقف مع القطع بصحة القواعد الثلاث وهي عموم قدرة الله تعالى ~~ونفوذ مشيئته وكمال حجته بالتمكين والبيان # وبالجملة فلله الحجة البالغة على العصاة في الابتداء والانتهاء علمنا ~~تفاصيلها أو لم نعلمها مع ما له عليهم من النعم وله سبحانه وتعالى المنة ~~البالغة على المطيعين في الابتداء والانتهاء علمنا تفاصيلها أو لم نعلمها ~~مع تجاوزه عنهم من الذنوب وكل هذا معلوم من الدين وإنما نسعى في تقريره في ~~القلوب وزيادة اليقين به ونفي الشبهات عنه ورفع الخصومات فيه والله سبحانه ~~وتعالى أعلم # واعلم أن طريق المتكلمين في مثل هذه المشكلات المسارعة إلى القطع بأحد ~~الاحتمالين وان خفي الامر والأولى عندي عدم المسارعة إلى ذلك وعدم الجراءة ~~عليه لما ذكره المؤيد عليه السلام ms254 أن الخطأ في ذلك قد ينتهي إلى حد الكفر ~~والخلود في العذاب وهذا خطر عظيم لا يسارع إلى ما يحتمله أدنى احتمال عاقل ~~فان كان لابد من اختيار كان القول المختار أكثر الاقوال ملاءمة للسمع ~~وأكثرها ثناء على الله تعالى وأبعدها من المتشابهات لقوله تعالى @QB@ ~~واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم @QE@ وقد ذكرت هذا غير مرة # البحث التاسع في الفرق بين المحبة والرضى والارادة والمشيئة فاعلم أن ~~الفرق بينهما في اللغة واضح فالمحبة والرضى نقيض الكراهة والارادة والمشيئة ~~معناهما واحد وهو ما يقع الفعل به على وجه دون وجه كما تقدم في أول المباحث # بيان ذلك أن الصائم العاطش يحب شرب الماء في حال صومه بالطبيعة ولا يريده ~~بالعزيمة ونحو ذلك فاذا عرفت ذلك فاعلم أن المحبة قد يعبر عنها بالمشيئة ~~والارادة كما تقدم قول الشاعر PageV01P276 # ( يريد المرء أن يعطي مناه % ويأبى الله إلا ما أراد ) # أي يحب أن يعطى مناه فتأمل ذلك لتعرف مواضعه حيث يتعارض السمع فانه قد ~~تقدم قول الشهرستاني أن الارادة المحضة التي ليست بمعنى المحبة لا تعلق ~~بأفعال الغير وإنما تعلق من كل مريد بأفعال نفسه وأن الارادة التي تعلق ~~بفعل الغير هي المحبة لكن أهل الكلام من الأشعرية والمعتزلة لا يجيزونها ~~على الله تعالى وأهل السنة والمتكلمون منهم كابن تيمية ومن تابعه يجيزونها ~~مجردة من نقائصها المختصة بالمخلوقين كسائر الصفات صفات الله تعالى اتباعا ~~منهم لنصوص الكتاب والسنة والسلف وقد تقدم طريق أهل السنة في هذا وأمثاله ~~عند الكلام على الرحمن الرحيم وسائر الأسماء الحسنى وإن مجرد الاشتراك في ~~لفظ مع الاختلاف في المعنى لا يقتضي التشيبه # وقد تقدم كلام الغزالي في ذلك المنقول من المعصد الأسنى وهو كلام مجود ~~وأجود منه كلام ابن تيمية في ذلك ومثال ذلك صفة الوجود والحي فانهما يطلقان ~~على الله تعالى على صفة الكمال الذي لا يستلزم صفة نقص وعلى عباده على وجوه ~~تستلزم جواز الفناء والموت والمرض واعتراض الآفات والعلل ولم يستلزم ذلك ~~تشبيها وكذلك محبة ms255 الله تعالى ورحمته وسائر ما ورد منصوصا في كتاب الله ~~وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام سلف هذه الأمة الصالح وشاع بينهم وذاع ~~وكثر واستمر من غير تأويل ولا تحذير من اطلاقه بغير قرينة الله سبحانه أعلم # وأما موضع الاحتياط في هذه المباحث فانه ملاحظة إثبات صفات الكمال لله ~~تعالى ونفي صفات النقص بتبين وفي الوقف حيث يخفى فمن صفات الكمال البينة ~~المعلومة من الدين ومن إجماع المسلمين أن الله على كل شيء قدير وإن ما شاء ~~كان وانه يهدي من يشاء وأن له الحجة الدامغة والحكمة البالغة ومن صفات ~~النقص المنفية عنه سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أنه لا يحب الفساد ولا ~~يرضى لعباده الكفر وليس بظلام للعبيد ولا يريد ظلما للعباد ولا يريد ظلما ~~للعالمين كما قال في ذلك كله وانه لم يخلق السموات والأرض باطلا ولا لعبا ~~ولا عبثا بل خلق ذلك وغيره بالحق PageV01P277 وللحق ويقضي الحق ولذلك تسمى ~~سبحانه وتعالى بالحق وكان قوله الحق وحكمه الحق فهو سبحانه وتعالى الحق ~~اسما ومعنى وقضاء وقصصا وفعلا وقولا وخلقا وأمرا وعدلا وفصلا وابتداء ~~وانتهاء ودنيا وآخرة كل ذلك حقيقة لا مجازا ولا تخبيلا ولا استعارة ولا ~~مبالغة وتفاصيل ذلك ما لا يحصيه الحاسبون ولا يجمعه الكاتبون ولا يحيط به ~~الراسخون ولا يبلغه العارفون ولايستقصيه الحامدون # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت ~~كما أثنيت على نفسك فهذا كلام سيد ولد آدم والذي تقدم للشفاعة حين تأخر من ~~تقدم فكيف أيها العقلاء يكون هذا كلامه صلى الله عليه وسلم وهو إمامنا ~~وقدوتنا ومعلمنا ورسوله ثم نتأول ممادح الرب الحميد المجيد نحن ونقول أنها ~~تقتضي بحقائقها الذم وهو الذي لا أحد أحب اليه المدح منه ولذلك مدح نفسه ~~فاتقوا الله وتأدبوا مع كتب الله ولا تضربوا بعضها ببعض ولا تبادروا إلى ~~القدح في ظواهرها والتحكم في تأويلاتها والله سبحانه وتعالى هادينا الجميع ~~وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله ms256 العلي العظيم وهذا آخر ~~الكلام في مسألة الارادة ومباحثها على حسب هذا المختصر والحمد لله رب ~~العالمين # ويتعلق بهذه المسألة الكلام في القضاء والقدر وأنه لا يدل على الجبر ~~بالنص والاجماع وقد كثرت الاحاديث في وجوب الايمان به كثرة توجب التواتر ~~فقد ذكرت منها في العواصم أكثر من سبعين حديثا وذكرت مع ذلك نحو مائة ~~وخمسين حديثا في صحة ذلك مما ليس فيه ذكر وجوب الايمان به وذكرت مما ورد من ~~كتاب الله تعالى نحو مائة آية منها قوله تعالى @QB@ إنا كل شيء خلقناه بقدر ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ وكل شيء عنده بمقدار @QE@ وقوله تعالى @QB@ إلا ~~امرأته قدرناها من الغابرين @QE@ وفي آية أخرى @QB@ قدرنا إنها لمن ~~الغابرين @QE@ وقوله تعالى PageV01P278 @QB@ كان على ربك حتما مقضيا @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ~~ولتعلن علوا كبيرا @QE@ وقوله تعالى @QB@ وأهلك إلا من سبق عليه القول @QE@ ~~وقوله @QB@ قضي الأمر الذي فيه تستفتيان @QE@ وقوله في هود وفي السجدة @QB@ ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين @QE@ وقوله @QB@ وكان أمر الله قدرا ~~مقدورا @QE@ وقوله @QB@ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم @QE@ وأمثال ذلك وإنما المهم من ~~ذلك معرفة معنى القضاء والقدر وأن أحدا لم يقل أن معناهما هو الجبر وسلب ~~الاختيار وكيف يكون كذلك وقد ثبت تعلق القضاء والقدر بأفعال الله تعالى كما ~~قال @QB@ كان على ربك حتما مقضيا @QE@ وهو سبحانه مختار بغير شك ولا خلاف # واعلم أن أكثر الاخبار وأقوال السلف تدل على أن القضاء يرجع إلى كتابة ما ~~سبق في علم الله تعالى وتيسير كل لما خلق له على ما جاء في قوله تعالى @QB@ ~~فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب ~~بالحسنى فسنيسره للعسرى @QE@ على ما مضى تفصيله في الخلاف الخامس من المبحث ~~الثامن في الارادة # وقد ذكر ms257 الطبري أن الجبر هو الاكراه على الشيء كالمسحوب على وجهه وأن أهل ~~المعاصي يأتونها برغبتهم اليها وهم مستلذون بها بل منهم من يقاتل من دفعه ~~عنها وهذا نقيض الجبر في اللغة وبطلان الجبر معلوم بالضرورة على الصحيح وهو ~~قول أبي الحسين من المعتزلة وأكثر أهل السنة والله سبحانه وتعالى أعلم ~~وسيأتي في مسألة الافعال بيان ذلك إن شاء الله PageV01P279 تعالى ثم أنه ~~ورد النهي عن الخوض في القدر وفي أحاديث عرفت منها عشرة وليس فيها شيء متفق ~~على صحته ولا خرج البخاري ولا مسلم منها شيئا لكن خرج أحمد بن حنبل منها ~~حديثا من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهي طريق مختلف فيها اختلافا ~~كثيرا وهو يصلح مع الشواهد وخرج الترمذي منها حديثا عن أبي هريرة وقال غريب ~~وفي سنده صالح المزي لكن خرج البزار له اسنادين آخرين قال الهيثمي رجال ~~أحدهما رجال الصحيح غير عمر بن أبي خليفة وهو ثقة وإن لم يكن من رجال ~~الصحيح وخرج الطبراني في المعجمين الاوسط والكبير والحاكم حديث ابن عباس في ~~ذلك وقال الحاكم صحيح على شرطهما ولا نعلم له علة # قلت رواه السبكي موقوفا ولم يذكر رفعه وإن سلم من الاعلال بذلك كان ~~أصلحها اسنادا ومعنى ذلك إذا صح إن شاء الله تعالى التحذير من مجاراة ~~المبتدعة في القدر والمراء بغير علم على وجه يؤدي إلى إثارة الشر والشك كما ~~هو ظاهر حديث أبي هريرة وأخر الكلام في القدر لشرار أمتي في آخر الزمان ~~فالذي أخر هو ما ذكرته فأما الخوض فيه على جهة التعلم والتعرف لما جاءت به ~~الشريعة ثم الايمان به بعد معرفته على الوجه المشروع فان هذا لم يؤخر لشرار ~~الامة بل قد تواتر أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم وخاضوا في معرفته وفي وجوب الايمان به فلم يزجرهم صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك القدر ولم يترك الجواب عليهم بالقدر الواجب على بيان ذلك # وقد احتج ابن ms258 عبد البر في التمهيد على ذلك بمحاجة آدم وموسى وهو من أثبت ~~الاحاديث وأصح ما قيل في معناه أن لوم موسى لآدم كان على الخروج من الجنة ~~واخراجه ذريته منها على جهة الأسف على فوات هذه النعمة وتلك في الحقيقة ~~مصيبة من فعل الله قدرها بسبب ذنب آدم عليه السلام لحكمته في ذلك ولما قد ~~علمه وقضاه من خلافة آدم عليه السلام في الأرض وإلا فذنب آدم عليه السلام ~~صغير لأنه نبي معصوم عن الكبائر وقد تاب أيضا والمذنب التائب لا تجب عليه ~~العقوبة بالخروج من داره ولا بغير ذلك فاحتج آدم بسبق القضاء في الخروج ~~الحسن لأنه من فعل الله تعالى PageV01P280 ولم يحتج به على حسن ذنبه أبدا ~~وهو الذي قال @QB@ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين @QE@ # وقد أجمع أهل الاسلام على أن القدر يتعزى به أهل المصائب ولا يحتج به في ~~المعائب فهذا معنى الحديث ووجهه وقد بسط في موضعه وحديث القدرية مجوس هذه ~~الأمة ضعيف عند المؤيد بالله عليه السلام وعند المحدثين وقول الحاكم أنه ~~صحيح على شرطهما إن صح سماع أبي حازم مع ابن عمر شره في التصحيح فانه لم ~~يصح ذلك وتصحيح كل ضعيف على شروطه معدوم وإن فسر القدر بالعلم ونحوه ~~فالمذموم من نفاه وإن فسر بالجبر والاكراه فالمذموم من أثبته وقد بسط هذا ~~في موضعه # | القول في مسألة الأفعال # وهي مسألة خلية عن الآثار وإنما خلت عنها لأن لها طرفين أحدهما جلي ~~وكانوا لا يسألون عن الجلي لجلائه والآخر خفي وكانوا لا يتعرضون لأمثاله ~~تارة لعدم الحاجة اليه وتارة لعدم الوقوف عليه ولأن ما لا يوقف عليه لا ~~يحتاج اليه وهما داخلان في البدعة التي نهوا عنها وكانوا أبعد الناس منها ~~ولأن الاشتغال بتقرير قواعد الاسلام وجهاد أعدائه الطغام وعبادة الملك ~~العلام وأمثال هذه المهمات العظام كانت قد استغرقت السلف رضي الله عنهم ~~وأعاد علينا من بركاتهم وردنا عن الزيغ والغلو إلى الاقتداء بهم # وأنا أذكر إن شاء ms259 الله تعالى طرفا صالحا من بيان هذين الطرفين وبيان ~~أقوال الناس في هذه المسألة لفائدتين في الدين احداهما معرفة ما ابتدع في ~~ذلك من الأقوال حتى يجتنب عن بصيرة فربما ظن بعض الناس في بعض البدع أنها ~~سنة لعدم اهتمامه بتمييز السنة من البدعة وعدم تفرغه أو صلاحيته للبحث عن ~~ذلك وثانيتهما ليترك الجاهل التكفير من غير بصيرة حين يعلم PageV01P281 أنه ~~لم يحط علما يقينا بماهية الاقوال أو يحكم بعلم حين يتحقق ذلك والله الموفق ~~وفي حديث ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أفضل الناس ~~أفضلهم عملا إذا فقهوا في دينهم وأعلمهم أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن ~~كان مقصرا في العلم وإن كان يزحف على أسته الحديث خرجه الناس وإن كان مقصرا ~~في العمل وإن كان يزحف على أسته الحديث خرجه الحاكم في التفسير في سورة ~~الحديد وقال صحيح الاسناد وهو كما قال والله سبحانه أعلم # فأما الطرف الجلي الذي لم يبحثوا عنه لجلاله فهو أن لنا أفعالا متوقفة ~~على همنا بها ودواعينا اليها واختيارنا لها ولذلك شذ المخالف لذلك من ~~الجبرية ونسب إلى مخالفة الضرورة ولم يخالف في ذلك أحد من أهل السنة ولا من ~~طوائف الأشعرية بل نسب الرازي الجبرية إلى البراءة من ذلك وانما أراد من ~~تسمى باسم الجبرية من الاشعرية وهو شيء يختص به الرازي وحده فيما علمت فانه ~~يصحح الجبر في كثير من عباراته ويعنى به وجوب وقوع الراجح من الفاعل ~~المختار وصرح ببقاء الاختيار مع تسميته جبرا # وأما الخفي الذي عظم فيه الاختلاف ودق وكثر فهو معرفة حقيقة أفعال العباد ~~على جهة التعيين والتمييز لها عن سائر الحقائق وقد اختلف في ذلك على أربعة ~~عشر قولا أو يزيد للمعتزلة منها ثمانية وللسنية والاشعرية أربعة وللجبرية ~~قولان وهي هذه مسرودة # الأول من أقوال المعتزلة أن الذوات كلها ثابتة في العدم أزلية غير مقدورة ~~لله تعالى ولا بخلقه الاجسام منها والاعراض وذوات أفعال الله تعالى وذوات ~~أفعال العباد أعني ذوات ms260 الحركات والسكنات وأنها في العدم والأزل ثابتة ~~ثبوتا حقيقيا في الخارج ثبوتا يوجب تماثلها فيه واختلافها عنه وأن المقدور ~~لله تعالى ولعباده أمر آخر غير الذات ولا وجودها ولا مجموعهما بل جعل الذات ~~على صفة الوجود وقد ادعى الرازي وغيره من أصحاب أبي الحسين من المعتزلة أنه ~~غير معقول فانه لا يتصور إلا برده إلى أحد الأمور الثلاثة وهو أيضا يبتني ~~على ثبوت الذوات في الازل والعدم وعلى الفرق بين الثبوت والوجود وعلى ثبوت ~~الدليل القاطع على أن الوجود أمر PageV01P282 حقيقي زائد على الموجود وعلى ~~أن الأكوان من الحركة والسكون ذوات حقيقية لا صفات اضافية في ذلك كله نزاع ~~طويل كثير دقيق بين العقلاء جملة تم بين المسلمين ثم بين المعتزلة وقد جود ~~أبو الحسين منهم وأصحابه رد ذلك على أصحابهم من البهاشمة في كتبهم # الثاني لهم أيضا أن فعل الله تعالى وفعل العباد هو صفة الوجود لا ذات ~~الموجود وهؤلاء مثل الأولين إلا أنهم اشتركوا في اثبات الامر الرابع الذي ~~عده خصومهم محالا فعينوا مقدور القادر وبقي عليهم سائر ما يرد على أصحابهم ~~وقد ألزموا جميعا أن الله تعالى لا يخلق شيئا قط على أصولهم لأن الشيء ~~عندهم هو الثابت في الأزل والقدم وصفة الوجود عندهم ليست شيئا لأنهم قضوا ~~بالأزلية في القدم للشيء وللذات ولصفاتها الذاتية ولم يبق إلا صفاتها ~~المقتضاة وهي التحيز ثم اختلفوا فيه فمنهم من قضى أنه ثابت في الأزل أيضا ~~حكاه مختار في المجتبى وابن متويه في التذكرة ولم يقبحه على قائله منهم ~~والقائل به منهم جرى على مقتضى دليلهم العقلي وذلك لأن الصفة المقتضاة لا ~~تخلف عن مقتضيها وتخلفها عنه محال ألا ترى أن صفات القادرية والعالمية ~~ونحوها لما كانت مقتضاة عندهم من الصفة الاخص لم تخلف عنها كانت غير حادثة ~~فكذلك هذا لكنهم خافوا أن يتفاحش الامر هنا بلزوم قدم العالم جهارا ~~فاعتذروا بأن هذا التحيز لا يظهر إلا بشرط الوجود والوجود بالفاعل وهو الله ~~تعالى فقد زعموا أن التحيز في الاجسام ms261 ليس به تعالى فلذلك لزمهم أن الله ~~غير خالق لشيء ولا مؤثر فيه # وقد حاول ابن متويه الجواب عن هذا في تذكرته بأن خلق الشيء واحداثه هو ~~إيجاده والله هو الذي حصل له صفة الوجود وهذا الجواب غير مخلص لأن معنى ~~الالزام ان اتصاف الشيء عندهم بأنه محدث ومخلوق على قواعدهم مجاز لا حقيقة ~~لأن الشيء عندهم ثابت في الازل غير مقدور لله عز وجل وإنما المخلوق المقدور ~~حدوثه ووجوده وليسا بشيء عندهم لأنهما لو كانا شيئا كانا ثابتين في الازل ~~وذلك تصريح بقدم العالم فلذلك قضوا أنهما ليسا بشيء ولذلك صرح الزمخشري في ~~أساس البلاغة أن الله لا يسمى خالقا إلا مجازا وكل هذا مما يعترفون به ~~ويذكرونه في مصنفاتهم PageV01P283 وحكى هذين القولين عنهم ابن المطهر الحلي ~~في شرح مختصر منتهى السؤل في الكلام على الاشتقاق لاسم الفاعل مما لم يقم ~~به وأما قولهم ان ثبوت الأشياء في الأزل حقيقي في الخارج لا في الذهن فذكره ~~منهم الشيخ مختار المعتزلي في كتابه المجتبى في الفصل الرابع من الصفات ~~الذاتية وهو عنهم صحيح وكلماتهم توافقه لكن بغير هذه العبارة # الثالث لهم أنه لا فعل للعبد إلا الارادة قاله الجاحظ وثمامة بن الأشرس # الرابع لهم أن أفعال العباد حوادث لا محدث لها وهذا والذي قبله مع ~~غرابتهما معروفان في كتب المعتزلة من روايتهم عن شيوخهم لا من رواية خصومهم # الخامس أن أفعال العباد لا تتعدى محل القدرة والمتعدي فعل الله تعالى ~~وإنها حركات كلها وأن السكون حركة اعتماد والعلوم والارادات حركة النفس ~~حكاه الشهرستاني في الملل والنحل عن النظام قال ولم يرد بالحركة النقلة ~~وإنما الحركة عنده مبتدأ كل تغير وهو قول المطرفية من الزيدية دون الحركات # السادس مثل الذي قبله لكن قالوا أن المتولدات أفعال لا فاعل لها # السابع مثل الثالث أنه لا فعل للعبد إلا الارادة لكن قالوا فيما عدا ~~الارادة أنها حدث لا محدث لها وأهل الثالث نسبوا ذلك إلى الله تعالى فهم ~~كغلاة الاشعرية الذين يسميهم الرازي ms262 جبرية أعني أهل القول الثالث من ~~المعتزلة وهذان القولان السادس والسابع حكاهما الشهرستاني عن ثمامة أيضا ~~فكان له أقوال ثلاثة # الثامن قول أبي الحسين وأصحابه وابن تيمية وأصحابه أن أفعال العباد هي ~~الاكوان أعني الحركة والسكون والاجتماع والافتراق وأنها ليست أشياء حقيقية ~~وأنها لا ثبوت لها ولا لشيء من الاجسام في الازل والعدم وإن الثبوت والوجود ~~شيء واحد وكذلك الازل والقدم وهو مذهب أكثر أهل البيت قال الشيخ مختار وهو ~~مذهب أكثر المشايخ وممن نص على PageV01P284 اختياره من أهل البيت الامام ~~يحيى بن حمزة وهو الذي في فطرة كل عاقل لم تغير فطرته بتغيير المشايخ والله ~~أعلم # التاسع وهو أول أقوال أهل السنة والأشعرية مثل الذي قبله سواء إلا أن ~~الأكوان عندهم ذوات حقيقية وهو قول الجويني وأصحابه وهو أقرب فوق الأشعرية ~~إلى المعتزلة في هذه المسألة # العاشر القول بمقدور بين قادرين مع عدم تمييزه إلا بالوجوه والاعتبارات # الحادي عشر قول أهل الكسب أن الأكوان ذوات ثبوتية هي فعل الله تعالى وفعل ~~العبد كسب يتعلق بها وهي متميزة منه وسيأتي تحقيقه # الثاني عشر أنه لا فعل للعبد إلا الاختيار فمتى اختار الطاعة خلقها الله ~~عقيب اختياره وكذلك المعصية وسيأتي بيانه أيضا # الثالث عشر قول الجهمية وهم الجبرية وحدهم فانهم زعموا أن للعبد قدرة غير ~~أنه لا أثر لها ألبتة وأفعاله مخلوقة لله وحده ولم يثبتوا كسبا للعبد ولا ~~مقدورا بين قادرين # الرابع عشر أنه لا قدرة للعبد ولا فعل ألبتة وإنما حركته منسوبة اليه مثل ~~نسبة حركة الشجرة اليها وهذا ما حكاه الشهرستاني في الملل والنحل عن غلاة ~~الجبرية وأما الشيخ مختار في المجتبى فأنكر وجود من يقول بذلك # فهذه الاقوال التي عرفت في تفاصيل هذه المسألة لاهل الملة وسيأتي ذكر ~~مذهب الفلاسفة وأهل القول العاشر ومن بعدهم يطلقون على أفعال العباد أنها ~~مخلوقات وإن اختلفوا في تفسير ذلك وتفصيله كما يأتي # وقد ظهر أن تحقيق المقاصد في أكثرها يبتني على مسائل صعبة غامضة من مسائل ~~علم اللطيف كالفرق بين ms263 الذوات والصفات والاحوال وبين الحقائق والاضافات ~~وبين الثبوت والوجود وما الذي يصح منهما في العدم الفرق بين الوجود ~~والموجود وبين الارادة والاختيار وهو يتوقف على PageV01P285 معرفة الارادة ~~وأقسامها ومعرفة الاسباب والمسببات والفرق بين الأسباب المؤثرة المولدة ~~وغيرهما # فمدار الخلاف وأصله في أن الافعال هل هي ذوات أو صفات أو أحوال أو مجموع ~~أمرين من ذلك أو أمر رابع غير ذلك أو أسباب فقط مؤثرة كالقتل أو غير مؤثرة ~~كالارادة وهي أسباب ومسببات أو متعدية أو لازمة أو هي تسمى مخلوقة أولا ~~وإذا كانت تسمى بذلك فمن الخالق لها وهل يصح مقدور بين قادرين أو هو محال ~~وإذا كان يصح فهل أفعال العباد منه أو لا وإذا كانت منه فهل أحد الفعلين ~~المقدورين متميز عن الآخر في أفعال العباد وكسبهم مع خلق الله تعالى بالذات ~~أو بالوجود وهل يصح حادث لا محدث له أم لا وإذا صح هل الموصوف بذلك أفعال ~~العباد كلها غير الارادة أم المتولدات فقط أم جميع أفعال العباد من غير ~~استثناء وإذا كانت ذوات فما هي هل هي حركات كلها أو أكون مختلفة وإن كانت ~~صفات فهل هي حقيقية أو اضافية وهل القدرة متقدمة أو مقارنة وتصلح للضدين أم ~~لا # والقصد بذكرها معرفة البدعة منها ومعرفة بطلانها وذلك لا يصح ممن لم يعرف ~~حقائق مقاصدهم ومن لم يرسخ في علم اللطيف لم يعرف ذلك ومن لم يعرف ذلك كيف ~~يتمكن من معرفة أن هذا القول كفر أو غير كفر وهو لم يتحقق ماهية القول ~~ومعناه # القول في بيان أن مراد من قال أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وانها مع ~~ذلك واقعة على اختيار العباد جملة ثم بيان اختلافهم في القدر المخلوق منها ~~وفي تفسير الخلق وبيان الاحوط في هذه المسألة # أما مرادهم الاول الذي اتفقوا عليه جملة فهو الايمان بمقتضى ما تقدم في ~~مسألة المشيئة من الآيات والأحاديث المصرحة بأن ما شاء الله كان وما شاء أن ~~لا يكون لم يكن وإنه لو شاء ما عصى ms264 وإنه يهدي من يشاء باللطف والاختيار # ثم أنه تعارض عند هؤلاء السمع في نسبة كسب الافعال إلى العباد ~~PageV01P286 ونسبة تقديرها إلى الله تعالى هذه معارضة خاصة من الجانبين ثم ~~معارضة أخرى وهي نسبة أفعال العباد بخصوصها اليهم ونسبتها إلى الله تعالى ~~مدرجة في عمومات أن الله تعالى خالق كل شيء وربما تتوهم بعضهم النصوصية في ~~قوله تعالى @QB@ والله خلقكم وما تعملون @QE@ وليس كذلك كما سيأتي فتعارضت ~~عندهم الدلائل السمعية وكذلك الأنظار العقلية فان وقوف الافعال على الدواعي ~~معلوم صحيح البرهان بل وفاقي على الصحيح وهو دليل المعتزلة على أن الله ~~تعالى عدل لا يفعل القبيح والدواعي هي العلوم بالمصالح والمنافع والمضار ~~والظنون لذلك والشهوة والنفرة والمرجع بها إلى فعل الله تعالى تارة بواسطة ~~وتارة بغير واسطة # ويعارض هذا أن الفرق بين حركة المختار وحركة المفلوج والمسحوب على وجهه ~~فرق ضروري وهو يقتضي اختيار العباد وبطلان الجبر بالضرورة وزاد وضوحا أن ~~الجبر في اللغة هو الاكراه الذي ينافي اللذة والشهوة والرضا وأهل المعاصي ~~يفعلونها متلذذين بها مشتهين لها راضين مسرورين وهذا كله يضاد الجبر ~~والاكراه وينافيه بالضرورة قال الله تعالى @QB@ ائتيا طوعا أو كرها @QE@ ~~ففرق بينهما والجبر يؤدي إلى عدم ذلك # فأما الجبرية فتركوا الجمع بين الظواهر وركبوا اللجاج الشديد والعناد ~~البعيد وجحدوا الضرورات العقلية والبينات السمعية وأجمع أهل السنة وأهل ~~الكلام من الشيعة والأشعرية والمعتزلة على ضلالهم والرد لقولهم لأنهم نفوا ~~مشيئة العبد والله تعالى لم ينفها مطلقا لكن جعلها بعد مشيئته فقال تعالى ~~@QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ والجبرية نفوها واطرحوا قوله إلا أن ~~يشاء الله وكذلك قولنا ما شاء الله كان يقتضي ذلك لأنه قد شاء وكذلك نفوا ~~أن يكون المكلفون مختارين غير مجبورين فكان ما شاء من اختيارهم # وأما الأشعرية فراموا الجمع بين هذه المتعارضات بنسبة الفعل إلى الله ~~تعالى من وجه وإلى العباد من وجه آخر كالمفسرين بذلك لما ورد السمع به ومن ~~ذلك التعارض المتقدم وأمثاله مثل قوله تعالى @QB@ إنه من عبادنا المخلصين ~~@QE@ PageV01P287 ) بفتح ms265 اللام وكسرها فالفتح نسبة إلى الله تعالى والكسر ~~نسبة إلى العبد وقوله تعالى @QB@ وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم @QE@ وقوله ~~@QB@ فأخرجناهم من جنات وعيون @QE@ مع أنهما فعل قوم فرعون حقيقة وقوله ~~تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله ~~يزكي من يشاء @QE@ وقول الله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام @QB@ وإلا ~~تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين @QE@ مع قوله @QB@ لولا أن رأى ~~برهان ربه @QE@ وقوله @QB@ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ واصبر وما صبرك إلا بالله @QE@ وقوله تعالى @QB@ وقال الذين ~~أوتوا العلم والإيمان @QE@ مع نسبة الايمان إلى فعل المؤمنين في آيات كثيرة ~~وهذا باب واسع في السمع وهو صريح في الطاعات كما تقدم تحقيقه وأما في ~~المعاصي فالذي تحقق في السمع أنه لو شاء ما عصى على ما مر ملخصا في الارادة ~~وإضافة أفعال العباد اليهم أكثر وأوضح فأرادوا الجمع بنسبة ما يسى خلقا إلى ~~الله تعالى ونسبة ما يسمى كسبا وطاعة ومعصية إلى العباد ولم يريدوا بكون ~~الافعال خلق الله تعالى نفي كونها أفعال العباد كما لم يريدوا بكونها كسبا ~~للعباد نفي أنها خلق الله # وبالجملة فلم يريدوا نسبتها إلى الله تعالى وحده من كل جهة إذ لم تكن ~~كسبا ولا طاعة ولا معصية فان الطاعة والمعصية من الله تعالى وحده محالان ~~ولا أرادوا نسبتها إلى العباد وحسم لاعتقادهم أنها تسمى مخلوقة وأن الخلق ~~من العباد محال PageV01P288 # قال الشيخ مختار المعتزلي في كتابه المجتبى قال صاحب المعتمد يعني أبا ~~الحسين أن الجهم بن صفوان ذهب إلى أن الله تعالى خالق لأفعال العباد فيهم ~~وليسوا محدثين لها ولا مكتسبين لها وذهب النجار والاشعري إلى أنه خالقها ~~وهم يكسبونها وهو المشهور من مذهبهم وبه قال أكثر أهل السنة فنفرد لكل ~~طائفة من الجبرية الخالقية والكسبية مسألة على ms266 حدة # والحاصل أن المخالفين كلهم قالوا بقدرة العبد لكن الفلاسفة زعموا أن ~~القدرة هي علة الفعل مع الداعي والاسفرايني زعم أنها جزء من علة الفعل ~~الموجود بالقدرتين والباقلاني زعم أنها علة الكسب والجهم زعم أنها معنى لا ~~تأثير له في الفعل أصلا لكنه يوجد متعلقا به اه وفيه تحقيق بالغ كما سيأتي ~~بيانه ومثله ذكر ابن بطال في شرح البخاري فانه يسمي الجبرية جهمية ويخص ~~الجهمية بالجبر ويوجه الردود اليهم خاصة كما هو معروف في شرحه لأبواب القدر # وقال الرازي في تفسيره مفاتح الغيب ان اثبات الاله يلجئ إلى القول بالجبر ~~واسال الرسل يلجئ إلى القول بالقدر بل ههنا سر آخر وهو فوق الكل وهو أنا ~~لما رجعنا إلى الفطرة السليمة والعقل الأول وجدنا ما استوى الوجود والعدم ~~بالنسبة اليه لا يترجح أحدهما الا بمرجح وهذا يقتضي الجبر ونجد أيضا تفرقه ~~بديهية بين الحركات الاختيارية والاضطرارية وجزما بديهيا بحسن المدح والذم ~~والامر والنهي وذلك يقتضي مذهب المعتزلة فكان هذه المسألة وقعت في حيز ~~التعارض بحسب العلوم الضرورية وبحسب العلوم النظرية وبحسب تعظيم الله تعالى ~~نظرا إلى قدرته وبحسب تعظيمه سبحانه وتعالى نظرا إلى حكمته وبحسب التوحيد ~~والنبوة وبحسب الدلائل السمعية فلهذا الذي شرحناه والاسرار التي كشفنا ~~حقائقها صعبت المسألة وعظمت فنسأل الله العظيم أن يوفقنا للحق # وقال البيضاوي في كتابه طوالع الأنوار وقد ذكر احتجاج المعتزلة ~~PageV01P289 بالآيات الدالات على أن أفعال الله تعالى لا توصف بصفات أفعال ~~العباد من الظلم ونحوه فيجب الفرق بينهما ثم قال ما لفظه واجيب بان كونه ~~ظلما اعتبار يعرض في بعض الأحوال بالنسبة الينا لقصور ملكنا واستحقاقنا ~~وذلك لا يمنع صدور أصل الفعل عن الباري تعالى مجردا عن هذا الاعتبار # وأعلم أن أصحابنا لما وجدوا تفرقة بديهية بين ما نزاوله وبين ما نحسه من ~~الجمادات وزادهم قائم البرهان عن اضافة الفعل إلى العبد مطلقا جمعوا بينهما ~~وقالوا الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العبد على معنى أن العبد إذا ~~صمم العزم فالله يخلق الفعل فيه ms267 وهو أيضا مشكل ولصعوبة هذا المقام أنكر ~~السلف على الناظرين فيه ا ه بحروفه # وأعلم أن تسمية الرازي لمذهب الأشعرية جبرا شيء تفرد به دونهم ودون غيرهم ~~وهو خلاف منه في العبارة فقد صرح في نهاية العقول ببقاء اختيار العبد مع ~~هذا الذي يسميه جبرا والمرجع به عنده إلى وقوع الراجح بالدواعي فانه في ~~النهاية لما ذكر انه يلزمهم قبح المدح والذم والامر والنهي أجاب بان مذهبهم ~~ان الاختيار إلى العبد فان اختار الطاعة خلقها الله فيه عقيب اختياره وكذلك ~~المعصية كما تقول المعتزلة في المسببات كلون المداد وصبغ الثياب وازهاق ~~الارواح والسحر ونحو ذلك وقد تطابق الرازي والبيضاوي والشهرستاني على نسبة ~~هذا إلى الاشعرية قال الرازي وهو الوجه في توجيه الأمر والنهي اليهم فقد ~~أجمعوا بنقل أئمة مذهبهم هؤلاء على ثبوت الاختيار للعبد وان كان الاختيار ~~واجبا بالداعي قال الرازي مثل ما أجمعت المعتزلة على ثبوت الاختيار لله ~~تعالى وان كانت أفعاله واجبة بالدواعي فانه لا يجوز عليه اخلال بواجب ولا ~~فعل لقبيح قطعا مع ثبوت الاختيار منه في ذلك # واعلم أن هذا القدر كاف في هذه المسألة دون زيادة عليه أعني معرفة اختيار ~~العباد وتمكين الله تعالى لهم وقيام حجته بذلك عليهم مع سبق قضائه وقدره ~~وقدرته على هدايتهم أجمعين وحكمته في ذلك كله # وأما بيان أقوالهم التفصيلية في ذلك فاعلم انهم اختلفوا في القدر المقابل ~~بالجزاء والقدر المخلوق على قولين # القول الأول ان فعل العبد الاختياري كسب للعبد مخلوق لله تعالى ~~PageV01P290 مقدور بين قادرين وكذلك اختياره لذلك الكسب وهو مخاطب بالامر ~~والنهي مجازى على أفعاله بالثواب والعقاب لما له في فعله واختياره من الكسب ~~الاختياري لا لما الله فيهما من الخلق والتقدير السابق من غير تمييز للقدر ~~المكسوب من القدر المخلوق الا بالوجوه والاعتبارات فان الفرق بها ضروري لان ~~معنى ذلك ان العبد فعل ما فعله من ذلك طاعة وعصيانا ولولا انه اوقفه على ~~ذلك بارادته لذلك ونيته لم يوصف بذلك ولا تميزت الطاعة من المعصية والله ms268 ~~سبحانه فعل ما فعل من ذلك امتنانا وامتحانا على ما يأتي ولو فعله على الوجه ~~الذي فعله العبد لسمى مطيعا وعاصيا وذلك محال في حقه وانما يسمى بأفعاله ~~خالقا ومحسنا ومبتليا وحكيما وانما قالوا ذلك وتركوا التمييز جمعا بين ~~الأدلة المتعارضة المتقدمة وفرارا من الخوض فيما لم يخض فيه السلف من ~~الفروق الدقيقة بين هذه المعاني على نحو قول أبي علي الجبائي في تلاوتنا ~~للقرآن انه كلام الله تعالى حقيقة وكلامنا حقيقة وأن الله يتكلم مع كل قارئ ~~سواء كان صادق النية مطيعا أو مرائيا عاصيا قال بذلك جمعا بين الادلة أدلة ~~العقل على ان التلاوة فعلنا وكلامنا ودلالة الاجماع على ان كلام الله تعالى ~~هو المتلو في المحاريب المكتوب في المصاحف ولذلك التزم أن كلام الله في ~~المصاحف حقيقة وان الصوت كامن في الحروف كما نقله عنه ابن متوية في التذكرة ~~وغيره فلم تلزمه المعتزلة الجبر بذلك ولا الضلال والكفر فكذلك كثير من أهل ~~الحديث والاثر اعتقدوا مثل ذلك في سائر أفعال العباد على جهة الايمان بأن ~~الله خالق كل شيء # واختار هذا من متكلميهم جماعة وهو ظاهر عبارة البيضاوي في الطوالع ~~والسبكي في جمع الجوامع والغزالي في الاحياء فانه نص فيه على بطلان الجبر ~~بالضرورة وعلى خلق الاختيار والفعل وروى هذا صاحب الجامع الكافي من علماء ~~أهل البيت المتقدمين عن الامام أحمد بن عيسى بن زيد بن علي عليهم السلام ~~وروى فيه عن أحمد بن عيسى انه روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ان رجلا ~~سأله عن أفعال العباد فقال هي من الله خلق ومن العباد فعل لا تسأل عنها ~~أحدا بعدي قال أحمد بن عيسى بعد روايته انما يعذب الله العباد على فعلهم لا ~~على خلقه PageV01P291 # قلت رواه منقطعا بغير اسناد ولو صح مثل هذا عن علي عليه السلام أو عن ~~غيره من الصحابة رضي الله عنهم ما غفل عن تدوينه أهل الحديث قاطبة وظاهر ~~كلام السيد أبي عبد الله الحسني في الجامع الكافي ms269 ان هذا مذهب أهل ذلك ~~العصر من أهل البيت وشيعتهم فانه ذكر ذلك عن محمد بن منصور عن أحمد ابن ~~عيسى ولم يذكر خلافا لأحد # فاما الطاعة والخير فلا نكارة في مشاركة الرب لعبده فيه كما قال تعالى ~~@QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ وقال تعالى @QB@ ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء @QE@ ولكن لا حجة ~~لهم في ذلك على عدم تمييز فعل العبد من فعل الله أصلا بل ظاهر الآيات يعطي ~~التمييز بينهما وأكثر ما يلتبس مثل قول عيسى عليه السلام @QB@ وأبرئ الأكمه ~~والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله @QE@ ولا شك ان الذي من عيسى عليه السلام ~~انما هو الدعاء إلى الله تعالى أو الأمر لهن بذلك كما قال لابراهيم عليه ~~السلام @QB@ ثم ادعهن يأتينك سعيا @QE@ بل كما قال عيسى فانفخ فيه طائرا ~~باذن الله فميز فعله الذي هو النفخ في الصورة فقط # وأما في المعاصي فهو المشكل والذي وجهوا فيه انه يمكن من طريق الابتلاء ~~ان يفعل الله من ذلك ما يتم به تمكين العبد من فعل القبيح كخلقه للقدرة عند ~~الجميع لكن عند هؤلاء انه لا يتم التمكين بها وحدها لاستحالة ذلك عندهم ~~عقلا وسمعا فلابد من أمر زائد على خلق القدرة لحكمة الله تعالى في تمام ~~الابتلاء ومثال ذلك قوله في السحر @QB@ فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين ~~المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله @QE@ وقوله @QB@ وفي ~~ذلكم بلاء من ربكم عظيم @QE@ وقوله تعالى @QB@ فأخرجناهم من جنات وعيون ~~@QE@ وتسمى في المعاصي ابتلاء وامتحانا وفي الطاعات لطفا ومعونة ومثال ذلك ~~عند الجميع فعل PageV01P292 السبب بالنظر إلى المسببات التي هي غير مقدورة ~~لنا كالمداد ونحوه وقد يكون عمله قبيحا كالمغصوب وعمله للظلمة وسيأتي الفرق ~~بين قول هؤلاء وبين قول الاشعرية الكسبية في آخر المذهب الثالث من القول ~~الثاني بعد هذا # وهذا القول على انه أقل أفواههم تكلفا لم يصح فيه نص من كتاب ولا سنة ولا ~~اجماع الصحابة ms270 ولا قول واحد منهم وقد ادعى فيه اجماع المتأخرين وذلك أبعد ~~فقد خالفهم أبو المعالي الجويني امام الحرمين وأصحابه والشيخ أبو اسحاق ~~وكلاهما من أجل ائمتهم فكيف غيرهم وسيأتي كلام ابن الحاجب الدال على تفرد ~~الاشعري بذلك وعلى انه أول من قال به فلا يسلم هذا المذهب من تسميته بدعة ~~لانه لا معنى للبدعة الا ما حدث من العقائد بعد الصحابة والتابعين ولم يصح ~~عنهم فيه نص # وأما الاستناد إلى العمومات ونحوها فلا يكفي في ثبوت السنن والا لاكتفت ~~المعتزلة بقوله @QB@ خالق كل شيء @QE@ على ان القرآن مخلوق وان القول بذلك ~~سنة فافهم هذه النكتة فانها نفيسة جدا فان السنة ما اشتهر عن السلف وصح ~~بطريق النصوصية ولولا هذا لكانت البدع كلها من السنن لانه ما من بدعة الا ~~ولأهلها شبه من العمومات والمحتملات والاستخراجات الا ترى أن الاتحادية ~~أبعد المبتدعة من السنة واشنعهم بدعة وافحشهم مقالا وهم مع ذلك يحتجون ~~بقوله تعالى @QB@ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله @QE@ وبقوله تعالى ~~@QB@ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى @QE@ وبقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~ان أصدق كلمة قالها لبيد الشاعر ألا كل شيء ما خلا الله باطل متفق على صحته ~~ونحو ذلك كثير ولو كان في اعتقاد خلق الافعال خير ما سكت عنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وآله وأصحابه ولاسبقهم المتأخرون إلى اشاعته والزام ~~المسلمين باعتقاده وتعريفهم بوجوبه وكان معدودا في أركان الدين والاسلام ~~المعدودة المنصوصة والله يحب الانصاف وسيأتي بقية ادلتهم والجواب عنها ~~قريبا ان شاء الله تعالى PageV01P293 # القول الثاني للاشعرية من أهل الكلام ان فعل العبد المقابل بالجزاء متميز ~~عن القدر المخلوق لله تعالى ومغاير له وهو قول الاشعرية وأكثر متكلميهم ~~ذكروه كما ذكره الشيخ مختار المعتزلي ورواه عن شيخ الاعتزال أبي الحسين ~~البصري واختلف هؤلاء في كيفية تمييز كسب العبد عن خلق الرب على مذاهب # المذهب الأول مقابل للقول الأول هو ما ذكره الشهرستاني في نهاية الاقدام ~~والرازي في نهاية العقول وغيرهما عن امام الحرمين ms271 أبي المعالي الجويني انه ~~أثبت لقدرة العبد أثرا هو الوجود يعني ايجاد الحركة والسكون مع اعتقاد ~~الجويني انهما شيء حقيقي وهذا لفظ الشهر ستاني قال وغلا امام الحرمين حيث ~~أثبت للقدرة الحادثة أثرا هو الوجود الا انه لم يثبت للعبد استقلالا ~~بالوجود ما لم يستند إلى سبب آخر يعني الدواعي قال وانما حمله على تقدير ~~ذلك الاحتراز عن ركاكة الجبر وقال الرازي في نهاية العقول ان الجويني صرح ~~بذلك في كتابة النظامي ونسبه الرازي أيضا إلى الشيخ أبي إسحاق # وقال أبو نصر السبكي في جمع الجوامع عن الجويني انه يقول الطاعة مخلوقة ~~والرواية الاولى أصح وأشهر وهي المنصوصة في مصنفاته ففي مقدمات كتابه ~~البرهان التصريح بان الكسب تمويه لان المكلف هو المتمكن وان التكليف لا ~~يكون الا بالممكن وان تكليف ما لا يطاق باطل وأمثال هذا والجويني مع هذا لا ~~يخالف في ان أفعال العباد مخلوقة بمعنى آخر أي مقدرة فان الخلق بمعنى ~~التقدير حقيقة لغوية صحيحة ومع خلاف الجويني هذا لم يكن خارجا من أهل السنة ~~وكذلك الشيخ أبو إسحاق بل هما معدودان من أجل أئمتهم والدعاة إلى السنة ~~والحماة عنها وذلك لما قدمت في مسألة الارادة ان مدار الخلاف بين المعتزلة ~~وأهل السنة عليها في مسألة الافعال فمن قال ان مشيئة الله تعالى نافذة ~~وقدرته عامة ولو شاء لهدى الناس جميعا فهو على السنة وان خالف في مسألة خلق ~~الافعال لان القدر المجمع عليه بين أهل السنة أن العبد فاعل مختار مستعين ~~بالله غير مستقل بنفسه طرفة عين على ما يقتضيه قوله تعالى @QB@ إياك نعبد ~~وإياك نستعين @QE@ وأمثالها كما تقدم وتكرر ذكره PageV01P294 # المذهب الثاني لأهل السنة مذهب شيخ الاسلام ومتكلم أهل الآثار أحمد بن ~~تيمية الحراني وهو مثل مذهب الجويني سواء الا أنه لا يرى الاكوان أمورا ~~حقيقية بل يراها صفات اضافية كأبي الحسين البصري والامام يحيى بن حمزة عليه ~~السلام على ما مضى في أول المسألة وهذا أقوى من قول الجويني أدلة لما يرد ~~على مثبتي الاكوان ms272 من الاشكالات الصعبة وهو أنسب لمذهب أهل السنة لان صاحبه ~~لم يجعل للقدرة الحادثة أثرا في اخراج شيء حقيقي من العدم إلى الوجود ~~والقول بان الاكوان صفات اضافية قول جماعة من المحققين وعزاه الشيخ مختار ~~في المجتبى إلى المحققين وهو يوافق قول الاشعرية كله في هذه المسألة الا ~~قولهم ان الاكوان أشياء حقيقية وهو أقوى هذه التفاصيل وأقربها إلى الفطرة ~~وأسلمها من البدعة لانه لا بدعة في اثبات الحركة والسكون ولا في انهما ~~صفتان للاجسام ولا في انهما فعلان للعباد مقدران لهم ونحو ذلك ولم يتوقف شئ ~~من هذا على النظر الدقيق والبحث العميق # المذهب الثالث قول الأشعرية الكسبية وقد اجمعوا على ان القدر المقابل ~~بالجزاء من فعل العبد غير مخلوق لله تعالى وقد جود بيان هذا منهم ~~الشهرستاني في نهاية الاقدام ونقلت كلامه على طول إلى العواصم لنفاسته وحسن ~~سياقه وبيانه وهم مع هذا يطلقون القول بان أفعال العباد مخلوقة وانما ~~يريدون ذوات الاكوان التي هي الحركة والسكون مجردين عن الوجوه والاعتبارات ~~وسائر الاحوال التي هي أثر قدرة العباد عندهم والاحوال عبارة عما تختلف به ~~الاكوان المتماثلة ألا ترى أن الحركات متماثلة من حيث أنها حركات وحوادث ثم ~~هي مختلفة في الحسن والقبح والاصابة والخطأ والسرعة والبطئ متمايزة في أنه ~~بعضها حركة كتابة وبعضها حركة صياغة وبعضها حركة غياصة ولاختلاف أحوالها ~~وتمايزها كان بعضها مجونا مضحكا وبعضها هائلا مفزعا وبعضها خارقا معجزا ~~وبعضها محكما متقنا إلى غير ذلك ولا شك أن القدر الذي اختلفت فيه غير القدر ~~الذي اتفقت فيه وهو مجرد الانتقال والحدوث فاضافوا هذه الاحوال المقدورة ~~للعباد اليهم وأضافوا ذات الحركة وحدوثها إلى الله تعالى والذي ألجأهم إلى ~~ذلك أن الحركة PageV01P295 والسكون عندهم من الاشياء الحقيقية مثل الأجسام ~~وأنه لا يقدر على إيجاد الأشياء الحقيقية إلا الله وتأولوا على ذلك قوله ~~تعالى @QB@ هل من خالق غير الله @QE@ أي للاشياء الحقيقية ولم يجعلوا من ~~ذلك الأشياء اللغوية المسماة في عرفهم بالاحوال وبالوجوه وبالاعتبارات ~~وبالاضافات وبالمعاصي والطاعات # ولا خلاف ms273 بين علماء اللطيف أن الطاعة والمعصية ليسا بشيء حقيقي كالاجسام ~~بل هما معقولان حتى في التروك التي هي عدم الافعال على الصحيح فانا نعقل ~~قبح الترك لقضاء الدين وترك رد الوديعة وترك الصلاة ونعقل حسن ترك المظالم ~~وترك العدوان على المساكين قبل أن نعقل أن الترك كف النفس عن الفعل أو عدم ~~محض فالواقع عندهم بقدرة الله تعالى هو الحركة من حيث هي حركة مجردة ولا ~~قبح فيها من هذه الجهة إجماعا وكذلك لا قبح فيها من حيث هي حادثة فلذلك ~~نسبوا الحركة وحدوثها إلى الله تعالى والواقع بقدرة العبد هو كون الحركة ~~طاعة أو معصية أو حجا أو صلاة أو ظلما أو قتلا أو نحو ذلك من الأحوال # قالوا ولذلك يشتق من هذه الأشياء أسماء الفاعلين لها دون الله تعالى فقد ~~بالغ الشهرستاني في نهاية الاقدام في رد مذهب المعتزلة المتقدم في حكاية ~~الأقوال في هذه المسألة وعارضهم بمعارضات جدلية معارضة عارف لمذهبهم محقق ~~لمقاصدهم من ذلك قال ان الحدوث والوجود صفة غير مطلوبة من العبد ولا ممنوعة ~~ولا محمودة ولا مذمومة من هذه الجهة لأنها مشتركة بين الحسن والقبيح إذ كل ~~منهما حادث موجود قال وإنما ينبغي أن يضاف إلى العبد ما طلب منه أو نهي عنه ~~وهو أمر أخص من ذلك وهو كون ذلك الحدوث طاعة أو معصية وهما أثر قدرة العبد ~~عند الأشعرية وهما المقابلان بالجزاء قال وعند المعتزلة أثر قدرة العبد من ~~أثر قدرة الرب عز وجل عند من يطلق أن أفعال العباد مخلوقة ومن الأمثلة التي ~~يظهر فيها المقدور بين قادرين حمل العرش فان الله تعالى قد نسبه إلى حملته ~~من الملائكة من أن الله تعالى حامل لهم ولما استقروا عليه من سماء وأرض ~~والحامل للقرار حامل PageV01P296 لما عليه قطعا فثبت أن العرش محمول لله ~~تعالى مع أنه محمول لحملته عليهم السلام # والفرق بين قول هؤلاء وبين أهل القول الأول أن هؤلاء يجعلون ذات الحركة ~~خلقا لله تعالى وحده وعندهم تأثير قدرة العبد فيها ms274 محال مطلقا وعند الطائفة ~~الأولى أن قدرة العبد تؤثر في ذات الحركة مع خلق الله تعالى للحركة لا ~~مستقلا منفردا فالفرق أن الذي اختص الله تعالى به عند هؤلاء هو عدم ~~الاستقلال بالايجاد وعند الأشعرية الكسبية هو الايجاد مطلقا وأما الوجوه ~~والاعتبارات فاتفقوا كلهم على أنها من أثر قدرة العباد فلا يسمى العبد ~~خالقا عند الأولين لعدم استقلاله PageV01P297 # | فصل # في بطلان القول بأن المعاصي من الله تعالى الله عن ذلك على جميع هذه ~~المذاهب الأربعة عشر مذهبا إلا على مذهب الجهمية الجبرية وهذا أوضح من أن ~~يحتج عليه ويوضح الاجماع عليه أنه لا خلاف بين أحد من أهل الاسلام في وجوب ~~كراهة معاصي الله تعالى ومساخطة من الاعمال ولا في وجوب الرضى والتحسين ~~لجميع ما كان منه سبحانه وتعالى وذلك يوجب أن القبائح كلها ليست منه عز وجل ~~كما سيأتي بيانه بعون الله تعالى ولكن فرق أهل السنة الاربع لما كانوا ~~يحتجون مع فرقة الجبرية الجهمية في رد كثير من مذاهب المعتزلة المقدمة في ~~مسألة المشيئة وفي هذه المسألة أخذ بعضهم من عبارات بعض وقل من يدرك ~~التفاوت بين العبارات كما قدمت ذكره مطولا في مقدمات هذا المختصر وكانت هذه ~~العبارة من عبارات الجبرية الجهمية وربما يوجد في كلام بعض السلف أن الخير ~~والشر من الله يعنون به الصحة والسقم والغنى والفقر ونحو ذلك فجاء من بدل ~~ذلك من الجهلة بالطاعات والمعاصي كما يدل @QB@ ولو شاء الله ما أشركوا @QE@ ~~بأنه مريد للشرك وبدل مريدا براض محب وبدلت الاتحادية راض محب بآمر مثيب ~~كما تقدم وكم وقع من الضلال العظيم من تبديل العبارات وظن تماثلها ولذلك ~~بنيت هذا المختصر على منع ذلك بالمرة فلما كثر القول من الجهمية بأن ~~المعاصي من الله تعالى ظن كثير من متكلمي السنة أنها في قوة أن المعاصي ~~مقضية مقدرة سابقة في علم الله تعالى وقضائه وقدره الذي لا مرد له مع ~~اختيار العباد في فعلها وقدرتهم عليها خصوصا من لم يكن منهم من أئمة علم ms275 ~~العربية الذين ربما زادهم رسوخهم فيه عن مثل هذا الوهم الفاحش PageV01P298 ~~مثل الغزالي فانه اعترف أنه لم يعرف من العربية إلا القدر الذي يميز به ~~شنيع اللحن ولذلك أكثر من التصريح بأن جميع المعاصي والكفر والفواحش من ~~الله تعالى ولولا أنه صرح مع ذلك القول بالكسب وأن الجبر باطل بالضرورة ما ~~استربت في أنه جبري وأكثر المغترون به من أهل السنة وعوامهم من ذلك حتى ~~حملني ذلك على جمع شيء كثير في التعريف ببطلان ذلك وقد أودعته العواصم ~~وإنما اختصرت منه اليسير واذكره هنا لعل الله ينفع به من بقيت فيه بقية من ~~التمييز ولبيان الخطأ في هذه العبارة ذكرت المذاهب والفروق بينها وعنيت في ~~تمييز بعضها من بعض وطولت في تلخيص ذلك ليتضح الحق من الباطل لأنه أعظم ما ~~طلبه الله تعالى من عباده وأكثر ما بعثت له الرسل الكرام كما أقسم الله ~~عليه في سورة العصر @QB@ إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر @QE@ وكما قال تعالى @QB@ بل نقذف ~~بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق @QE@ وكما قال الله تعالى @QB@ الذي ~~خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل ~~شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما @QE@ ولو لم ينزل في شرف العلم ~~سواها لكانت كافية # أقول وبالله التوفيق الدليل على بطلان ذلك العقل والسمع # أما العقل فلأن القبائح عنده إما أن تكون من الله تعالى وحده تعالى عن عن ~~ذلك علوا كبيرا ولا أثر فيها من العباد فهذا محض الجبر وقد اعترف أن الجبر ~~باطل بالضرورة ولولا ذلك لذكرنا هنا ما يخزي الجبرية ويفضحهم ويعرف بأنهم ~~من سقط المتاع الذين لا يستحقون مناظرة العلماء العارفين والاذكياء ~~البارعين وإنما حقهم أن يجري عليهم أحكام أئمة العدل على حسب آرائهم من ~~تنكيل وتطريد أو قتل فحين اعترف بالحق وناقضه في عبارته لم يكن له بد من أن ~~يجعل لقدرة العبد نصيبا وأثرا وهو قوله فاما أن يجعله ms276 الكسب القبيح دون ~~الخلق الحسن الذي هو من الله تعالى كما هو مذهب أصحابه الاشعرية وصح الامر ~~في غلطه في قبح عبارته أو يجعل PageV01P299 نصيب العبد من الفعل وحظه وأثر ~~قدرته أمرا آخر غير المعاصي والقبائح وغير الخلق والايجاد فهذا شيء لا يعقل ~~ولا يتصور فان ظن أن ذلك يصح على المذهب الأول من مذاهب أهل السنة وهو مذهب ~~من لا يميز أثر قدرة العبد بالذات فقد غلط وأفحش في الجهل فقد ذكرنا قبل ~~أنهم يميزون بينهما بالوجوه والاعتبارات وأنهم لا يميزون بينهما بالذات ~~ومعنى ذلك أنهم يقولون أن العبد فعل مقدوره على جهة المخالفة لمولاه غير ~~مستقل بنفسه فكان من هذا الوجه معصية والرب عز وجل فعل ذلك المقدور بعينه ~~مستقلا على وجه الامتحان والابتلاء لحكمته البالغة وحجته الدامغة فلذلك ~~يشتق له تعالى من فعله ذلك من الاسماء ما لا يشتق لعبده من نحو الخالق ~~المبدع الحكيم المبتلي في المعاصي المعين في غيرها ويشتق للعبد من ذلك ~~المقدور بعينه ما يستحيل على الله تعالى من الظالم الفاسق العاصي الخبيث ~~العاجز المفتقر ونحو ذلك فلو لم تفترق الافعال بالوجوه والاعتبارات لم ~~تفترق الاسماء المشتقات مع فرض اتحاد الوجوه والذات جميعا فان كان أراد ~~بذلك الترجمة عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأصول ~~الأشياء فكان يلزمه الاقتصار على عبارتهما فانها أصح وأشرف وأبرك وأسلم وإن ~~كان أراد الترجمة عن مذهب الأشعرية فقد عظمت جنايته عليهم فان الرجال صرحوا ~~بأن الأفعال لا تضاف إلى الله تعالى إلا خلقا وإيجادا وابداعا وذواتا ~~وأعيانا مجردة عن الوجوه التي تعلق بها قدر العباد ويوقعونها عليها فتكون ~~لأجلها معاصي قبيحة مستلزمة للذم والنقص في المنهيات وللذلة والخضوع في ~~العبادات وللافتقار والحاجة إلى الله تعالى في التمام وقضاء الحاجات ونحو ~~ذلك مما لا يجوز على بارئ البريات فكيف نجعلها من الله تعالى حيث تكون ~~واقعة على هذه الوجوه والاعتبارات ولولا تنزيههم لله تعالى ما تكلفوا القول ~~بالكسب ولا فارقوا أهل الجبر وردوا عليهم ms277 وترفعوا عن خسيس مقامهم وشنيع ~~ضلالهم # ولو كانت المعاصي من الله تعالى كان عاصيا وقد تمدح بالمغفرة ولا تصح ~~المغفرة منه لنفسه ولا لمن ليست الذنوب منه قطعا ولذلك قال تعالى @QB@ ~~وآخرون اعترفوا بذنوبهم @QE@ فمدحهم بذلك وصح في سيد PageV01P300 الاستغفار ~~أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي وأجمع أهل اللغة والغريب أن المعنى أقر ~~واعترف بذنبي ومن المحال أن يكون المعنى أقر واعترف أنه ليس مني فان هذا ~~مناقضة للاقرار والاعتراف # ومن زعم أن المفر المعترف بالذنب هو المتبرئ أن يكون منه ألبتة لم يكن ~~أهلا للمناظرة ألا ترى أن المستغفرين إذا قالوا اللهم اغفر لنا ما كان منا ~~كانت عبارة صحيحة بالاجماع بل بالضرورة ولو قالوا اللهم اغفر لنا ما كان ~~منك كانت عبارة باطلة بالاجماع بل بالضرورة بل قد صرح القرآن بذلك في ~~الطاعات التي تحسن اضافتها إلى الله تعالى كما يحسن منه تعالى أن يتفضل ~~بالهداية اليها قال الله تعالى حكاية عن الخليل والذبيح عليها السلام @QB@ ~~ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم @QE@ ولم يقل ربنا تقبل منك وأمثال ~~هذا كثير فكيف باضافة الفواحش والمخازي إلى السبوح القدوس بهذه العبارة جل ~~وعز وتبارك وتعالى عن ذلك وتقدست أسماؤه الحسنى وله المثل الأعلى # وقد تتبعت القرآن والسنة النبوية والآثار الصحابية فلم أجد لما أدعوه في ~~ذلك أصلا بل وجدت النصوص في جميع هذه الاصول رادة لهذه البدعة فمن القرآن ~~قوله تعالى @QB@ فلما أحس عيسى منهم الكفر @QE@ @QB@ فمن خاف من موص جنفا ~~أو إثما @QE@ @QB@ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند ~~الله @QE@ @QB@ ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله @QE@ @QB@ قل هو ~~من عند أنفسكم @QE@ @QB@ وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ وأما قوله تعالى ~~قبلها @QB@ قل كل من عند الله @QE@ فلأن المراد بالسيئة عقوبة الذنب ~~وبالحسنة المثوبة على الحسنة ولذلك قال @QB@ ما أصابك @QE@ ولم يقل ما اصبت ~~ولكنها تضاف إلى العبد اضافة المسبب إلى فاعل السبب كقول أيوب @QB@ أني ~~مسني الشيطان بنصب وعذاب @QE@ لما كان ms278 عقوبة على ذنبه وقوله PageV01P301 ~~تعالى @QB@ ذوقوا ما كنتم تعملون @QE@ وفي آية @QB@ تكسبون @QE@ فالسيئة ~~التي هي كسب العبد لا تضاف إلا اليه والسيئة التي هي عقوبة تجوز اضافتها ~~الله تعالى وإلى فاعلها وإنما رد عليهم بقوله @QB@ قل كل من عند الله @QE@ ~~اضافتهم العقوبة على الشرك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تشاء ~~مؤابة فلم يضيفوها إلى خالقها سبحانه وتعالى ولا إلى فاعل سببها # ومن الآيات في الباب الذي نحن فيه @QB@ حسدا من عند أنفسهم @QE@ @QB@ ~~ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم @QE@ @QB@ إلا بحبل من الله وحبل من ~~الناس @QE@ ففرق بين ما هو من الله وما هو من الناس @QB@ إلا أن تكون تجارة ~~عن تراض منكم @QE@ وهذا الحلال كيف الحرام @QB@ ولا تزال تطلع على خائنة ~~منهم @QE@ @QB@ وإما تخافن من قوم خيانة @QE@ @QB@ ولكن يناله التقوى منكم ~~@QE@ @QB@ كبرت كلمة تخرج من أفواههم @QE@ @QB@ فإن أتممت عشرا فمن عندك ~~@QE@ @QB@ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ @QE@ @QB@ فتصيبكم منهم معرة بغير ~~علم @QE@ @QB@ لا نريد منكم جزاء ولا شكورا @QE@ @QB@ ونري فرعون وهامان ~~وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون @QE@ @QB@ هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل ~~مبين @QE@ @QB@ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~@QE@ @QB@ إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا @QE@ وهاتان الآيتان ~~الاخيرتان مصدرتان بأنما التي تفيد الحصر وقصر هذا على أنه من الشيطان دون ~~غيره على جهة الذم لما كان منه والكراهة له والبراءة منه من ذمه وخبثه ~~وشرعه والامر به PageV01P302 بل من كل وجه إلا ما اقتضته الحكمة من خلق ~~المختارين له واقدارهم عليه وتقدير وقوعه منهم للحكمة البالغة والحجة ~~الدامغة # وفي القرآن الكثير مما يقوم مقام هذا لكن بغير لفظ من كقوله تعالى @QB@ ~~فإنه فسوق بكم @QE@ @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~@QE@ وقد ذكرت في العواصم من ذلك خمسة وعشرين نوعا وذكرت هناك من الأحاديث ~~الصحيحة الشهيرة قدر خمسة عشر حديثا ونسبتها إلى رواتها من الصحابة ومن ~~خرجها من الأئمة مثل حديث التثاؤب من الشيطان وحديث إن تقليب الحصى وقت ms279 ~~الخطبة في الجمعة من الشيطان وحديث إن تفرقكم في الشعاب والأودية إنما ذلكم ~~من الشيطان وحديث الاناة من الله والعجلة من الشيطان وحديث كل مولود يولد ~~على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه وحديث الرؤيا الصالحة من ~~الله تعالى والحلم من الشيطان رواه الجماعة عن أبي قتادة ولمسلم مثله بل ~~أبين عن أبي هريرة وروى البخاري والنسائي مثل ذلك عن أبي سعيد الخدري وقال ~~إنما هي من الشيطان بالحصر وخرج ابن ماجة وابن عبد البر في التمهيد مثل ~~حديث أبي هريرة عن عوف بن مالك وكلها مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإنما تواترت النصوص في الرؤيا أكثر من غيرها لأن الأمر يشتبه فيها هل هي ~~من الله تعالى أو من الشيطان ولا يتميز إلا بالنص وأما الفواحش والقبائح ~~الصادرة من المنهيين عنها المذمومين عليها فلم يشتبه الامر في ذلك حتى ~~يرتفع الاشتباه فيه بالنصوص ولو وقع في ذلك غلط في ذلك العصر لتواترت ~~النصوص في الرد على صاحبه # وإنما أوضحت رواة أحاديث الرؤيا وحدها كيلا يتوهم أنه حديث واحد ومن ذلك ~~حديث المستحاضة وقوله فيه إنما ذلك ركضة من الشيطان قال ابن الأثير في ~~نهايته والمعنى أن الشيطان قد وجد سبيلا إلى التلبيس عليها في أمر دينها ~~ذكره في خرف الراء مع الكاف وعندي فيما قاله نظر لأنه لو أراد ذلك لقال ~~إنما ذلك من الشيطان ولم يذكر أنه ركضة من ولا مانع من تمكينه من ركضته بعض ~~العروق حتى تنقطع ليلبس بذلك عليها أمر دينها PageV01P303 فانه يجري من ابن ~~آدم مجرى الدم مثل ما جاء أنه ينفخ في الدبر فلا ينصرف أحدكم حتى من صلاته ~~حتى يجد ريحا أو يسمع صوتا فكما لا يتأول نفخه فكذلك لا يتأول ركضه # ومن ذلك لا تأكل الشريقة فانها ذبيحة الشيطان فيه حديثان حديث عن ابن ~~عباس وحديث عن أبي هريرة كلاهما في مسند أحمد وفي حديث لابن عباس ماتت زينب ~~بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت النساء فجعل ms280 عمر يضربهن بسوطه فأخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال مهلا يا عمر إنه ما كان من العين ~~والقلب فمن الله تعالى وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان رواه أحمد وابن ~~تيمية في المنتقى # فهذه نحو خمسة عشر حديثا عن أبي هريرة منها ستة وعن ابن عباس حديثان ~~وبقيتها عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعائشة وأبي ثعلبة وسهل ابن سعد وأبي ~~قتادة وأبي سعيد الخدري وعوف بن مالك وحمنة بنت جحش من غير الآثار الموقوفة ~~على أكابر الصحابة والتابعين رضي الله عنهم كما نوضح الآن طرفا منه # فمن ذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال ابن سيرين لم يكن أحد أهيب ~~لما لا يعلم من أبي بكر وإنها نزلت به فريضة لم يجد لها في كتاب الله أصلا ~~ولا في السنة أثرا فقال أقول فيها برأيي فان يكن صوابا فمن الله تعالى وإن ~~يكن خطأ فمني وأستغفر الله رواه الحافظ العلامة ابن حجر الشافعي في القضاء ~~من كتابه التلخيص الكبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير وذكر سنده عن عبد ~~الله بن مهدي عن حماد بن زيد عن محمد بن سيرين به كما تقدم قال وأخرجه قاسم ~~بن محمد في كتابه الحجة والرد على المقلدين # قلت ورواه البغوي في تفسيره في آية الكلالة وجعل كلام أبي بكر رضي الله ~~عنه الذي قاله هو القول عنده في الكلالة وجاء بذلك البغوي من طريق الشعبي ~~عن أبي بكر فازداد قوة لاختلاف طرقه وكذلك رواه الدامغاني في رسالته ~~المشهورة في المذاهب PageV01P304 # وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصرح من ذلك وأبين وأوضح وذلك ما رواه ~~ابن حجر في كتابه المذكور وأسنده إلى الحافظ البيهقي أنه رواه من طريق ~~الثوري عن السفياني عن أبي الضحى عن مسروق قال كتب كاتب لعمر هذا ما أراه ~~الله تعالى أمير المؤمنين فانتهره عمر وقال بل أكتب هذا ما رآه عمر فان كان ~~صوابا فمن الله تعالى وإن كان خطأ فمن ms281 عمر قال الحافظ ابن حجر اسناده صحيح ~~وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في ترجمة عمار بن ياسر من كتاب النبلاء ما ~~لفظه الاعمش عن حبيب بن أبي ثابت قال سألهم عمر عن عمار فأثنوا عليه وقالوا ~~والله ما أنت أمرته علينا ولكن الله أمره فقال عمر اتقوا الله وقولوا كما ~~يقال فوالله لأنا أمرته عليكم فان كان صوابا فمن قبل الله وإن كان خطأ أنه ~~لمن قبلى اه بحروفه والاعمش وحبيب من رجال البخاري ومسلم وسائر الجماعة # قلت رضي الله عن عمر ما كان أصدعه بالحق وأخشنه فيه وأغيظه للشيطان ~~وأعرفه بما ينافيه وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه نحو ذلك ذكره ابن حجر ~~في كتابه وأحال ألفاظه الشريفة إلى كلامه عليه السلام في حكم أم الولد ولم ~~أجد ألفاظه في ذلك ولو وجدتها لسطرتها وصدرتها فمن وجدها فيلحقها وهذا ~~المعنى عنه عليه السلام مشهور كثيرا وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~أنه قال في قصة بروع بنت واشق أقول فيها بجهد رأي فان كان صوابا فمن الله ~~وحده لا شريك له وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء رواه ~~إمام أهل السنة أحمد بن حنبل في مسند الجراح بن أبي الجراح من المسند وأبو ~~داود والترمذي والنسائي وهذا لفظه ولفظ أبي داود بريئان ورواه ابن ماجه ~~وابن الأثير في جامعه في كتاب الصداق والحافظ أبو الحجاج المزي الشافعي في ~~أطرافه في مسند معقل بن سنان وإمام الشافعية ابن النحوي في كتابه الشهير ~~المسمى بالبدر المنير وقال صحيح ورواه أحمد والأربعة وابن حبان والحاكم في ~~صحيحيهما وقال الحاكم على شرط مسلم وقال ابن حزم لا مغمز فيه لصحة ~~PageV01P305 # قلت وهذا الكلام كله في المرفوع أما كلام ابن مسعود المقدم في أن الخطأ ~~من الشيطان فهو صحيح بالاتفاق على شرط الجماعة كلهم رواه الكبراء والنبلاء ~~من أئمة التابعين ومن بعدهم منهم الشعبي وابراهيم التيمي ومنصور ابن ~~المعتمر وزائدة وهشام ويحيى القطان ويزيد بن ms282 هارون وابن مهدي وخلاس بن عمرو ~~وأبو حسان وداود بن أبي هند وعلي بن مسهر وعلي بن حجر وعثمان بن أبي شيبة ~~وغندر وسفيان الثوري وشعبة وبندار وعبد الرزاق وكلهم رجال البخاري ومسلم ~~معا إلا اثنين فانفرد مسلم بهما وكل هؤلاء رووه ولم ينكروه ولم يشككوا على ~~معناه ولم يتأولوه ولم يحذروا من ظاهره # وفي ظهور هذه الأخبار والآثار بين السلف من غير مناكرة أوضح دلالة على ~~إجماعهم رضي الله عنهم على ذلك هذا ولم يوجد مخالف لهم توجب مخالفته ~~الاكثار من صدور النصوص منهم في الرد عليه # وذكر الامام العلامة إمام أهل السنة أبو عمرو بن الصلاح عن أبي القاسم ~~الصيمري أنه قال وكان بعض السلف إذا أفتى يقول إن كان صوابا فمن الله وإن ~~كان خطأ فمني قال وهذا معنى كره في هذا الزمان لأن فيه إضعاف نفس السائل ~~وإدخال قلبه الشك في الجواب اه بحروفه وقرره ابن الصلاح فلم يقل أحد منهم ~~أن ذلك ترك لأن الحقيقة أن الخطأ من الله تعالى الله عن ذلك وأجمعوا على ~~نقل ذلك عن بعض السلف من غير مناكرة بين السلف والخلف في حسن ذلك وصحته ولو ~~كان مخالفا في ذلك ما تركوا ذكره وقد تعرضوا لجميع أقوال علماء الاسلام في ~~ذلك واليهم المنتهى في معرفة الخلاف والوفاق والسنة والبدعة ولذلك لم ~~يتعقبهم أحد وينسبهم إلى التقصير والحمد لله ذكره ابن الصلاح في كتابه في ~~المفتى والمستفتى في المسألة السادسة من القول في كيفية الفتوى وآدابها ~~وأبو القاسم الصيمري شيخ أبي الحسن الماوردي صاحب الحاوي ذكره ابن الصلاح ~~وتلميذ أبي PageV01P306 حامد المروزي وسماه ابن الصلاح الامام أبا القاسم ~~الصيمري في المسألة الثالثة عشرة من هذا الباب وقال في مقدمة الكتاب أنه ~~أحد أئمة الشافعية # وأما قولهم أن ذلك كره في هذا الزمان فانه متعقب من وجهين أحدهما أنه لا ~~يسلم صحة الكراهة من بعض الخلف لما فعله بعض السلف وسكت عنه بقية السلف لا ~~سيما إذا كان الفاعل من قدمنا من ms283 خلفائهم وكبرائهم والاجماعات المروية عنهم ~~ما تزيد على هذا شيئا كما تقدم تقريره وقولنا فيما هذا حاله أنه مكروه بدعة ~~مكروهة لما فيه من نسبتهم إلى المكروه كما لو قال أنه بدعة وهم أعرف ~~بالمكروهات والمحذورات وثانيهما أنهم لم يقولوا ذلك في مواقع النصوص بل في ~~مواقع الرأي التي ينبغي فيها إشعار المستفتي بها ليأخذ لنفسه بالوثيقة من ~~الاحتياط فان ترخص تضرع إلى الله تعالى في المسامحة والقبول واستغفر وينبغي ~~اشعار المستفتى بما هذا حاله كيلا يكون على ظن ضعيف مختلف فيه وهو معتقد ~~أنه على أثر معلوم من الدين فانه طالب للهداية لا للعماية والله تعالى يحب ~~الانصاف وكان أقل الأحوال في أدب الخلف مع السلف أن يقال في فعلهم ثم ترك ~~ولا يقال كره مع أن الاولى بالخلف التسليم للسلف والمتابعة ولا معنى لمذهب ~~أهل السنة إلا ذلك # فان قال قائل إن هذا كله محمول على مجرد الادب في حسن الخطاب كقول الخليل ~~عليه السلام @QB@ وإذا مرضت فهو يشفين @QE@ وكما لا يقال لله تعالى يا رب ~~الكلاب والخنازير # فالجواب أن هذا ليس مثل ذلك لوجوه # الوجه الأول إن خلق الله تعالى للكلاب والخنازير معلوم ضرورة من الدين ~~ومن إجماع المسلمين وأنه لا نقص فيه على الله تعالى فلم يكن في حسن العبارة ~~مع حسن الإعتقاد قبح ولا مخاطرة ولا بدعة في الدين لأن البدعة هناك مأمونة ~~ويمكن أن يكون قبح ذلك من أجل مفهوم اللقب فانه يقتضي نفي الربوبية لما ~~سواها حيث يخصص بالذكر من غير وجه ظاهر PageV01P307 للتخصيص ولذلك قال به ~~الدقاق والصيرفي وبعض الحنابلة وغيرهم وربما كان قبح هذه الصورة وأمثالها ~~من أدلتهم على ذلك بخلاف ما نحن فيه وأيضا فأسماء الله وصفاته توقيفية ~~شرعية وهو أعز من أن يطلق عليه عبيده الجهلة ما رأوا من ذلك فلا يجوز ~~تسميته رب الكلاب والخنازير ونحو ذلك من غير إذن شرعي وإنما يسمى بما سمى ~~به نفسه @QB@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ~~@QE@ وأما ms284 الآلام فيمكن أن تكون عقوبات على ذنوب فتحسن نسبتها إلى المذنب ~~كقول أيوب عليه السلام @QB@ أني مسني الشيطان بنصب وعذاب @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون @QE@ وفي آية أخرى @QB@ ويقول ~~ذوقوا ما كنتم تعملون @QE@ فسمى عقوباتهم كسبا لهم وعملا وقال @QB@ ظهر ~~الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم ~~يرجعون @QE@ إلى غير ذلك مما تقدم في آخر الكلام في الاسماء الحسنى وهذا ~~يدل عليه كثير من الكتاب والسنة كقوله تعالى @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما ~~كسبت أيديكم ويعفو عن كثير @QE@ وفي قراءة فبما كسبت أيديكم وجاء ذلك عن ~~أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في تفسير قوله تعالى @QB@ من يعمل سوءا ~~يجز به @QE@ جاء من وجوه شتى قاله أبو عمر بن عبد البر في التمهيد وقد طولت ~~في هذا وجودته في العواصم وهو صحيح فقف عليه هنالك وعلى ما فيه من الآيات ~~القرآنية الكثيرة فلكلام الخليل حينئذ وجه لطيف غير مجرد حسن الخطاب وأما ~~إضافة المعاصي إلى الله تعالى وتسميته خالقها فهو عكس ذلك كله من كل وجه ~~ولا هو معلوم من ضرورة الدين ولا من إجماع المسلمين ولا من الأدلة القاطعة ~~ولا من الأدلة الظاهرة ولا البدعة فيه مأمونة بل ولا هو من المسكوت عنه حتى ~~تكون البدعة فيه لغوية والدلالة ظنية بل مصادم النصوص كتابا وسنة وإجماعا ~~من خير الامة وكونه نقصا مضادا للمادح الربانية ظاهر منه غير خاف فيه فوجب ~~فيه لزوم عبارات PageV01P308 الكتاب والسنة والسلف وعدم التمحل لتأويلاتها ~~البعيدة المتعسفة المشكرهة # الوجه الثاني أن الدلالة على بطلان الجبر قاضية بصحة ما ذكرنا من إضافة ~~القبائح والفضائح إلى فاعلها الراغب فيها المختار لعارها وما فيها من الذم ~~والخزي وقبح اضافتها إلى السبوح القدوس المحرم لها الناهي عنها الكاره لها ~~البريء من لومها وذمها ونقصها أصح البراءة ظاهرا وباطنا وحقا وصدقا لا ~~كأكاذيب المداهنين للظلمة المطرين لهم بالممادح الكاذبة فان ذلك إلى الذم ~~أقرب منه إلى المدح لما فيه من ms285 التذكير بصحيح القدح ولذلك قيل شعرا # ( إذا أثنى عليك المراء يوما % بما هو ليس فيك فذاك هاجي ) # فكيف برد تمدح الرب عز وجل بالبراءة من ذلك ونسبته إلى أعدائه وتسميته ~~بالسبوح القدوس إلى نحو ذلك # الوجه الثالث إنا قد قررنا غير مرة أن العادة تحيل وقوع مثل هذا وظاهره ~~الخطأ والقبح ولا يظهر تأويله ولا تعارض فيه الاقوال وذلك إن كل ما كثر ~~وتكرر من كلام السلف ولم تعارض فيه الاقوال ولم ينبهوا على تأويله ولم ~~يحذروا من ظاهره ومفهومه وجب أن يكون على ظاهره كأحاديث الاقدار وآيات ~~الارادة ونفوذ المشيئة ومن ذلك كون المعاصي والقبائح والفواحش والفضائح من ~~عبيد السوء المذمومين بها في الدنيا والموعودين بالجزاء في الآخرة عليها # الوجه الرابع إن في ما ذكرناه عن السلف الصالح التصريح بنفي القبائح عن ~~الله تعالى في قول ابن مسعود رضي الله عنه وإن كان خطأ فمن الشيطان والله ~~ورسوله منه بريئان وذلك دليل الحقيقة ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال على جهة ~~الادب أن الكلاب والخنازير ليست من خلق الله تعالى ولا هو ربها وخالقها ومن ~~قال ذلك كفر باجماع المسلمين وهو نظير قول ابن مسعود والله ورسوله منه ~~بريئان أترى ابن مسعود يكون كافرا ويصرح بالكفر بين خير أمة أخرجت للناس ~~وهم سكوت ثم يدونه أئمة المسلمين مقررين له غير منكرين له وابن مسعود هو ~~الذي رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ما رضي لهم والذي قال فيه ~~عليه السلام إن الله أجاره من PageV01P309 الشيطان على أنا لم نقل أن ~~المعاصي من العباد على جهة المغالبة لارادته وإنما قلنا أنها منهم أفعال ~~وذنوب وسوء اختيار كما اجتمعت عليه كلمة أهل السنة والمعتزلة كما علمنا ~~نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقول في حديث أبي ذر الذي خرجه مسلم وغيره في ~~الصحاح فيه فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه ولكنا ~~لا نقول كما تقول المبتدعة أنه لا يقدر على هداية أهل ms286 الضلال بل نقول كما ~~قال الله تعالى @QB@ قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين @QE@ كما ~~تقدم مبسوطا في مسألة المشيئة # الوجه الخامس ان ذلك ان كان أدبا حسنا وثناء مناسبا لاسماء الله الحسى ~~كان نقيضه حراما فقد تقرر عند الأشعرية أنه لا يضاف إلى الله تعالى إلا ~~المدح والثناء دون ما فيه نقص أو ما ليس فيه نقص ولا ثناء وليس في ذلك ثناء ~~ولذلك اعترفوا بأن الأدب تركه وتجنبه وكل ما كان كذلك حرم ولا معنى للادب ~~باللسان دون الجنان وقد تقدم أن ذلك خلاف مذهب الأشعرية وجناية عليهم ولا ~~يجوز خلاف ذلك إلا بدليل صحيح بخلق الكلاب والخنازير على وجه لا يوهم الخطأ # الوجه السادس أن تأويل ذلك على الادب مع الله تعالى لا يحتمل إلا فيما ~~صدر من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه رضي الله عنهم على أنا قد ~~ذكرنا ما يمنع من ذلك في حقهم أيضا لكن على تسليمه فانا قد ذكرنا من كلام ~~الله تعالى في كتابه الكريم اثنتين وعشرين آية ولا يجوز حملها على ذلك لأن ~~الادب من خواص العباد ولذلك ولا يجوز أن يسمى الله تعالى أديبا كما لا يسمى ~~الادب من خواص العباد ولذلك لا يجوز أن يسمى الله تعالى أديبا كما لا يسمى ~~عاقلا ولا فاضلا بالاجماع فانه أرفع وأعلى من ذلك جل وعلا # الوجه السابع أنه انعقد اجماع المسلمين على وجوب الرضى بما كان من الله ~~تعالى وعلى تحريم الرضى بالمعاصي ووجوب كراهتها وهذا على الحقيقة لا يمكن ~~حمله على الادب وهذا الوجه كان شاف في هذه المسألة وقد اعترف الغزالي به ~~وهو أعظم حجة عليه وقال إنما يجب الرضى بالقضاء بالمعاصي لا بالمعاصي وطول ~~فيه في باب الرضى بالقضاء PageV01P310 # | فصل في تفسير خلق الافعال ( والاختلاف في ذلك وبيان الأحوط فيه لطالب ~~السنة ) # اعلم أنا قد بينا فيما تقدم أن السنة هي ما صح واشتهر واستفاض في عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله ms287 عنهم وتابعيهم وبلغنا ~~متواترا أو مشهورا من غير معارضة ولا شبهة مثل الايمان بالاقدار لتواتره في ~~الأخبار والآثار فليس خلق أفعال العباد من هذا ولا هو قريب منه فلا وجه ~~لكونه من السنة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين علم أركان الاسلام ~~والايمان والاحسان لم يذكره ثم لم يصح فيه حديث واحد ولا أثر وأما أخذه من ~~خالق كل شيء فهو خلاف الاحتياط في مواضع الخطر حيث لا ضرورة وهو مثل أخذ ~~المعتزلي من ذلك أن القرآن مخلوق وأمثال هذا مما لا يحصى ويوضح ذلك وجوه # الوجه الأول إن الخلق لفظة مشتركة وأشهر معانيها التقدير ولا نزاع في ذلك ~~والافعال مخلوقة بهذا المعنى بلا نزاع كما هو قول الامام الجويني والشيخ ~~أبي إسحاق واصحابهما من أهل السنة بل هو قول المعتزلة والشيعة ولم يذكر ~~الجوهري في صحاحه للخلق معنى فيما نحن فيه إلا التقدير وكذلك ابن الأثير في ~~نهاية الغريب فانه قال أصل الخلق التقدير ثم فسر خلق الله الاشياء بعد أن ~~لم تكن وانه تعالى يسمى الخالق باعتبار تقدير وجود الأشياء منه أو باعتبار ~~الايجاد على وفق التقدير هذا مع توسعه في النقل وعدم تهمته بعصبية ولا جهل ~~فانه نقل كتابه من ستة عشر مصنفا لأئمة اللغة وهم أبو عبيدة والمازني ~~والاصمعي والقاسم بن سلام وابن قتيبة وثعلب PageV01P311 # وشمر به حمدويه والأنباري وأحمد بن الحسن الكندي وأبو عمرو الزاهد ~~والخطابي والهروي والأزهري والزمخشري والأصفهاني وابن الجوزي قال وغير ~~هؤلاء من أئمة اللغة والنحو والفقه ولكن لا معنى لتسمية الافعال مخلوقة ~~بهذا المعنى أعني إيجاب اعتقاد ذلك على كل مسلم وإيهام اختصاص أهل السنة به ~~لوجهين أحدهما أنه لا ثمرة له لا خلافية ولا وفاقية وإنما هو مثل تسميتها ~~معلومة ومكتوبة وثانيهما أن عبارات الكتاب والسنة هنا وردت بألفاظ بينة ~~المعاني غير مشتركة بين ما يصح وما لا يصح وقد أجمعت الامة على أنه لا تجوز ~~الرواية بالمعنى والتبديل لألفاظ المعصوم إلا عند الاستواء والمعلوم ~~باليقين حتى لا ms288 يجوز تبديل الخفي بالجلي ولا العكس ولا الظاهر الظني بالنص ~~القاطع ولا ما لا اشتراك فيه بالمشترك ولا العكس # الوجه الثاني ما تقدم الآن من اعتبار ما تجب كراهيته ويحرم الرضى به في ~~دقائق هذه المسألة ومضائقها فانه ميزان حق ومعيار صدق وأنت إذا اعتبرته هنا ~~وضح لك الصواب وانكشف لك الارتياب فانه يجب الرضى بخلق الله تعالى الذي هو ~~فعله بالاجماع فلو كانت المعاصي من حيث هي معاص خلقا له وفعلا وجب الرضى ~~بها وفاقا لكن الرضى بها حرام بالنصوص الجمة والاجماع المعلوم من الجميع ~~وهذا وجه واضح لا غبار عليه ولا ريب فيه والحمد لله رب العالمين # الوجه الثالث إن أهل السنة كلهم قد وافقوا على أن أفعالنا لا تسمى مخلوقة ~~من حيث نسبت الينا وإنما تسمى بذلك من حيث نسبت إلى الله تعالى ففارقوا ~~الجبرية في المعاني مفارقة بعيدة وقاربوهم في العبارات مقاربة كثيرة حتى ~~غلط عليهم خصومهم بسبب ذلك ونسبوهم إلى الجبر فينبغي منهم وممن ينصر مذهبهم ~~تجنب العبارات التي توهم مذهب الجبرية ليتم بذلك نزاهتهم منه حتى لا يحتج ~~عليهم بتلك العبارات جبري ولا معتزلي ولا يغلط بسببها عامي ولا سني فقد وقع ~~بسببها خبط كثير وغلط فاحش وقد قال الله تعالى @QB@ لا تقولوا راعنا وقولوا ~~انظرنا @QE@ لما وقع في أحد اللفظين من المفسدة دون اللفظ الآخر فلنتكلم مع ~~كل فرقة من فرقهم PageV01P312 فأما إمام الحرمين والشيخ أبو إسحاق ومن ~~تابعهم فقد وافقونا بحمد الله تعالى # وأما الجبرية الجهمية فليس هم من فرق أهل السنة على الحقيقة ولكن نتكلم ~~معهم لنستقصي القول في هذه المسألة فنقول لهم قولكم أن فعل العبد مخلوق لله ~~تعالى وحده لا يشركه العبد فيه خلاف الضرورة العقلية والسمعية ويلزمكم على ~~هذا أن لا تصح تسميته فاعلا ألبتة وذلك يستلزم أن لا يكون مطيعا ولا عاصيا ~~لأن كونه مطيعا وعاصيا فرع على كونه فاعلا والالزم أن يكون اليهود ~~الممسوخون قردة مطيعين بكونهم كانوا قردة هذا على جهة النافلة وإلا ~~فالمختار عدم ms289 مناظرة من بلغ في الجهل والعناد إلى هذا الحد # وأما الاشعرية الذين قالوا أن فعل العبد الذي هو كسب متميز من فعل الله ~~الذي هو خلق فان الحجة عليهم واضحة وذلك أن الأصل المعلوم أن لا يضاف إلى ~~كل فاعل إلا ما هو أثر قدرته ولما كان أثر قدرة الله تعالى عندهم هو الذوات ~~والأعيان وأثر قدرة العبد هو الاحوال والوجوه والاعتبارات لم يصح ولم يحسن ~~أن يضاف فعل العبد إلى الله ولا فعل الله إلى العبد لأنه من قبيل الكذب ~~الصريح المتفق على تحريمه ولو جاز أن يضاف فعل العبد القبيح إلى ربه الحميد ~~المجيد لجاز أن يضاف فعل الله تعالى إلى عبده فيسمى العبد خالقا فأما تسمية ~~أفعال العباد مخلوقة حقيقة فقد تعذروا واستحال على مذهبهم وأما تسميتها ~~مخلوقة مجازا فهو الذي يمكن أن يقع فيه الغلط أو الغلاط والحق أنه ممنوع ~~ودليل منعه وجوه # أولها أن للمجاز شرائط معلومة عند علماء المعاني والبيان من أوجبها ~~الاشتراك في أمر جلي غير خفي يوجب المقاربة أو المشابهة بين الأمرين ~~كاشتراك الشجاع والاسد في قوة القلب والكريم والبحر في كثرة النفع ونحو ذلك ~~ولا مناسبة بين أفعال الرب السبوح القدوس الحكيم العليم وبين أفعال ~~الشياطين والسفلة والسفهاء وأخبث الخلق # وثانيها أن جناب الملك العزيز أرفع مرتبة وأبعد قدرا من أن يجوز لنا أن ~~نتصرف فيه مثل هذا التصرف من غير إذن شريف PageV01P313 # وثالثها انا متفقون على أن مثل هذا ممنوع وأن هذا المقام غير مباح ولا ~~مسكوت عنه وذلك من جهتين الجهة الأولى أن البدعة ممنوعة والجهة الثانية أن ~~الله تعالى لا يوصف إلا بما قد تحقق فيه أنه مدح وثناء دون ما فيه نقص أو ~~ما ليس فيه نقص ولا ثناء # ورابعها أن هذا من قبيل اثبات اللغة بالنظر العقلي واللغة لا تثبت إلا ~~بالنقل الصحيح عن أئمتها عند الجمهور في الحقائق الوضعية وعند طائفة في ~~الحقائق والمجاز معا ولم ينقلوا في ذلك شيئا وهذه كتب اللغة موجودة وقد ms290 ~~ذكرت فيما تقدم قريبا أن الجوهري لم يذكر في صحاحه للخلق معنى إلا التقدير ~~أعني في هذا المعنى الذي نحن فيه وإن كان قد ذكر معاني أخر كالخلق بمعنى ~~الكذب فافهم هذه النكتة # وخامسها أن أهل اللغة ولو أجازوا شيئا في أسمائنا وأحوالنا فان أسماء ~~الله تعالى توقيفية ولذلك لا يسمى عاقلا ولا فاضلا ولا يجوز نحو ذلك لا ~~حقيقة ولا مجازا بالاتفاق مع أنهما من أجل الاسماء وأحمدها وأشرفها فكيف ~~يسمى خالق القبائح والفواحش والفضائح من غير إذن سمعي ممن لا يجيز عليه أن ~~يوصف بوصف لا ذم فيه ولا مدح وما الملجئ إلى هذا والداعي اليه والله تعالى ~~هو الملك العزيز الذي ليس لعبيده أن يتصرفوا في أنفسهم إلا باذنه فكيف في ~~صفاته وأسمائه # وسادسها أن هذا ممنوع بالبرهان فلا يجوز التجوز فيه كما لا يجوز أن يسمى ~~سبحانه وتعالى ظالما مجازا وذلك البرهان هو إخبار كتاب الله تعالى الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه عن حسن جميع مخلوقات الله وذلك قوله ~~عز وجل @QB@ ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي أحسن كل شيء خلقه ~~وبدأ خلق الإنسان من طين @QE@ وقال تعالى @QB@ فتبارك الله أحسن الخالقين ~~@QE@ فكيف يضاف إلى الحميد المجيد السبوح القدوس الذي تمدح بأنه أحسن ~~الخالقين وأنه أحسن كل شيء خلقه بغير إذن منه أنه خالق جميع من في العالم ~~من كل كذب PageV01P314 وظلم وخبث وكفر وفحش وقد نص تعالى في كتابه الكريم ~~على أن أسماءه كلها حسنى والحسنى تأنيث الاحسن والحسن الراجع إلى الحكمة ~~أنسب أولى بكل مخلوقات الله الحسنة من الحسن الراجع إلى الصورة فما كان من ~~الصورة الحسنة جمع الحسنين كما قال تعالى @QB@ وصوركم فأحسن صوركم @QE@ وما ~~لم يظهر فيه حسن الصورة من الحجارة والتراب والجبال لم يخل من حسن الحكمة ~~والله سبحانه وتعالى أعلم # ألا ترى أن جميع عبارات الكتاب والسنة وأهل اللغة في الجاهلية والاسلام ~~والمسلمين من أهل السنة والبدعة من العامة والخاصة والصحابة والتابعين بل ~~والجبرية ms291 الجهمية المبتدعة كلهم عبروا عن أفعال العباد بأسمائها الخاصة بها ~~ويكسب العباد لها وفعلهم واختيارهم دون خلق الله تعالى لها فيهم فيقولون ~~إذا زنى الزاني مختارا غير مكره وجب عليه الحد وكذلك إذا قتل وجب عليه ~~القصاص وإذا كفر وجب جهاده ونحو ذلك ولا يقول أحد منهم حتى الجبرية الضلال ~~إذا خلق الله الزنا في الزاني جلد وإذا خلق القتل في القاتل قتل وإذا خلق ~~الكفر في الكافر حورب وهذه كتبهم شاهدة بذلك ولو أن أحدا قال ذلك وحافظ ~~عليه فلم ينطق بمعصية منسوبة إلى فاعلها وبدل نسبة المعاصي إلى أهلها ~~بنسبتها إلى خلق الله تعالى في أهلها في جميع كلامه أو كثير منه لكان ذلك ~~من أوضح البدع وأشنع الشنع وشر الأمور المحدثات البدائع # وأما سائر من قال أن أفعال العباد مقدور بين قادرين من غير تمييز بالذات ~~فالكلام معهم مثل الكلام مع الاشعرية لأنهم وإن لم يفرقوا بين فعل الرب عز ~~وجل وفعل العبد بالذات فانهم يفرقون بينهما بالوجوه والاعتبارات وذلك أمر ~~ضروري فانهم لابد أن يقولوا أن العبد فعل الطاعة على وجه الذلة والخضوع ~~والامتثال والتقرب والرغبة والرهبة وإن الله تعالى منزه عن جميع هذه الوجوه ~~وإن الله تعالى فعل ذلك الفعل إما لغير علة كما هو قول بعضهم وإما على جهة ~~الحكمة والرحمة والنعمة أو على جهة الحكمة والابتلاء والامتحان فثبت بهذا ~~أن فعل العبد مركب من أمرين اثنين أحدهما من PageV01P315 الذات التي هي ~~مقدور بين قادرين وثانيهما من تلك الوجوه والاعتبارات التي يكفر من أجازها ~~على الله سبحانه أو سماه بها بالاجماع والله تعالى ما شارك العبد إلا في ~~أجمل هذين الامرين وأحمدهما فكيف ينسب اليه أخبثهما وشرهما وأقبحهما بغير ~~إذن منه وهم إنما فروا الجميع من قول الجبرية لما يلزم فيه من نحو هذه ~~الأشياء فيجب عليهم أن يتموا النزاهة عن خبائث مذهب الجبرية وما يقاربه ~~ويضارعه مما لم ترد النصوص الشرعية بوجوبه على المسلمين ودخوله في أركان ~~الدين # واعلم أنه قد تقرر بالاتفاق ms292 أن اسم الخلق لا يطلق على شيء كالتخليق قال ~~تعالى في المضغة @QB@ مخلقة وغير مخلقة @QE@ أي مصورة وغير مصورة ولذلك قال ~~أهل السنة أن القرآن لا يدخل في قوله تعالى @QB@ خالق كل شيء @QE@ لقوله ~~تعالى ( ألا له الخلق والأمر ) وهما شيئان فدل على أن قوله تعالى @QB@ خالق ~~كل شيء @QE@ مخصوص بكل شيء يسمى مخلوقا وأن هذه الآية في عالم الخلق دون ~~عالم الأمر فثبت أنه لا حجة لمن سمى الله خالقا لمعاصي العباد في قوله ~~تعالى @QB@ خالق كل شيء @QE@ حتى يدل على أنها تسمى مخلوقة في اللغة وكيف ~~وقد اتفقنا على انها تسمى كسبا وعملا وفعلا لا خلقا # ألا ترى أن من جعل العبد من أهل السنة مؤثرا في الذات باعانة الله تعالى ~~لا يسميه خالقا باعانة الله تعالى ما ذلك إلا لأن هذه الذات هي الأكوان ~~وكونها ذوات غير صحيح في لغة العرب وفي النظر الصحيح عند محققي أهل المعقول ~~وتسمية الأشعرية لها خلقا لله تعالى لم تصح لغة يوضحه أن إمام الحرمين ~~الجويني والشيخ أبا إسحاق ومن تابعهما من أهل السنة لم يسموا العبد خالقا ~~مع أنهم يقولون أن قدرته هي التي أثرت في ذات فعله وحدها بتمكين الله تعالى ~~ومشيئته تعالى من غير زيادة مشاركة بينه وبين قدرة الله تعالى في تلك الذات ~~التي هي فعله وكسبه # فثبت أن المعنى أن الله خالق كل شيء مخلوق أي يسمى مخلوقا PageV01P316 في ~~لغة العرب التي نزل عليها القرآن ولم يكن أحد منهم يقول خلقت قياما ولا ~~كلاما ولا صلاة ولا صياما ونحو ذلك ولذلك ورد الوعيد للمصورين المشبهين ~~بخلق الله تعالى فلو كانت أفعالنا خلق الله تعالى لم يحرم علينا التشبيه ~~بخلق الله تعالى وكذلك لعن الواشمات المغيرات خلق الله تعالى ولا شك في ~~جواز تغييرنا لكثير من أفعالنا ووجوب ذلك في كثير منها وكذلك قال الله ~~تعالى بعد ذكر مخلوقاته من الاجسام وتصويرها وسائر ما لا يقدر العباد عليه ~~من الاعراض @QB@ هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين ms293 من دونه @QE@ وإنما ~~يعرف الخلق في اللغة لايجاد الاجسام ويدل على ما ذكرته ما حكاه الله تعالى ~~وذم الشيطان به من قوله @QB@ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله @QE@ فدل على أن ~~التغيير الذي هو فعلهم ليس هو خلق الله تعالى بل هو مغاير له ولذلك نظائر ~~كثيرة ذكرتها في العواصم # وقد احتج البخاري في جامعه الصحيح بمثل هذا على أن الكلام لا يسمى مخلوقا ~~فقال في باب قول الله عز وجل @QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ~~حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم @QE@ ولم يقل ما ذا خلق ربكم ~~ذكره في آخر كتابه الجامع الصحيح في الباب الثاني بعد الثلاثين من أبواب ~~الرد على الجهمية وقالت البغدادية الخلق اسم يختص الايجاد بغير مباشرة # فان قال جاهل حجة الاشعرية على أن أعمالنا مخلوقة أنها ذوات لا صفات ولا ~~أحوال ولا يقدر على شيء من الذوات إلا الله تعالى # فالجواب من وجوه الأول أوضحها وهو أنهم لا يقولون بذلك بل يقولون أن ~~أفعالنا هي الاحوال والوجوه والاعتبارات المتعلقة بتلك الذوات وذلك هو معنى ~~الكسب كما تقدم # وثانيها أنهم منازعون في أن الأكوان التي هي الحركة والسكون والاجتماع ~~والافتراق ذوات بل هي صفات أو أحوال كما ذهبت اليه PageV01P317 الجماهير ~~وأهل التحقيق كابن تيمية وأصحابه منهم وأبو الحسين وأصحابه من المعتزلة ومن ~~لا يحصى كثرة من سائر طوائف الشيعة والمتكلمين وثالثها أنه لا يسلم لهم أنه ~~لا يقدر على شيء من الذوات إلا الله تعالى بل قد خالفهم في ذلك امامهم ~~الكبير أبو المعالي الجويني والشيخ أبو إسحاق وأصحابهما فقالوا أنه يقدر ~~على ذلك من أقدره الله تعالى عليه ومكنه منه وأراده له كما تقدم # إذا تقرر هذا فلنكمل الفائدة بما بقي لهم من الأدلة التي يمكن أن يغتر ~~بها أحد فمن ذلك قول الخليل عليه السلام في مجادلة عباد الاصنام وذلك قوله ~~تعالى حكاية عنه @QB@ قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون @QE@ ~~وقد احتج بها أبو عبيد لهم وأنكر ms294 عليه ابن قتيبة كما ذكره في مشكل القرآن ~~وكلاهما من أهل السنة وقال ابن كثير الشافعي في أول البداية والنهاية في ~~قصة إبراهيم عليه السلام وسواء كانت ما مصدرية أو بمعنى الذي فمقتضى الكلام ~~أنكم مخلوقون والاصنام مخلوقة فكيف عبادة مخلوق لمخلوق فأشار إلى مثال ~~الخلاف ولم يتعرض لترجيح # واعلم أن من يتأمل هذا توهم أن الآية من النصوص على خلق الافعال ولذلك ~~يستروح كثير من القائلين بذلك اليها ويستأنسون بها ولو أنصفوا ما استحلوا ~~ذلك فان القول في تفسير كتاب الله تعالى بغير علم حرام بالنص وفيه حديثان ~~معروفان عن ابن عباس وجندب بن عبد الله ولا خلاف في أن في الآية اجمالا ~~واشتراكا بالنظر إلى لفظة ما تعملون فانها محتملة أن تكون بمعنى الذي ~~تعملون كقوله تعالى في سورة يس @QB@ ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم @QE@ ~~فجعل ما عملته أيديهم مأكولا وكل مأكول مخلوق لله وحده لا عمل للعبد فيه ~~ألبته وقد سماه معمولا لأيديهم لمباشرتهم له وأن تكون مصدرية بمعنى وعملكم ~~ولما كان ذلك كذلك ولم يحل أن يتقول على الله تعالى إلا بوجه صحيح وإلا وجب ~~الوقف ورد ذلك إلى الله تعالى لقوله @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ ~~لكن هنا وجوه ترجح أنها بمعنى الذي تعملون وهو الاصنام التي خلقها الله ~~تعالى حجارة وعملونا أصناما PageV01P318 فهي معمولة مصنوعة حقيقة وقد يسمى ~~المعمول عملا مجازا وحقيقة عرفية ولا حاجة بنا إلى ذلك فكونها معمولة كاف ~~في ذلك # وأصل ذلك أن فعل العبد ينقسم إلى ما يكون لازما في محل القدرة مثل حركة ~~يد الصانع وإلى ما يتعدى إلى مخلوقات الله تعالى مثل تصوير الصانع الذي ~~يبقى أثره في الحجارة وغيرها وهو الذي منع ثمامة المعتزلي والمطرفية أن ~~تكون فعلا للعبد فالآية تحتمل بالنظر إلى لفظها ثلاثة أشياء أحدها أنه ~~تعالى خلق جميع أفعال العباد على العموم كما قال المخالف الثاني أنه خلق ~~الاصنام التي هي معمولات العباد ومصنوعاتهم لما فيها من أثر تصويرهم ~~وتشكيلهم # الثالث ms295 أنه خلق الاصنام التي فيها عملهم وتصويرهم وعلى هذا الثالث يكون ~~التقدير وما تعملون فيه والثاني من هذه الاحتمالات هو الراجح لوجوه # الوجه الأول أن الله تعالى ساق الآية في حجاج الخليل عليه السلام ~~للمشركين وأورد حجته عليهم في بطلان ذلك وتقبيحه وليس في كون أفعال العباد ~~مخلوقة لله تعالى حجة على ذلك من هذه الجهة قط وفي كون الاصنام مخلوقة لله ~~تعالى ذواتا وأعيانا معمولة للعباد نحتا وتصويرا أوضح برهان على بطلان ~~ربوبيتها # الوجه الثاني أن الله تعالى نص على هذا المعنى في غير هذه الآية والقرآن ~~يفسر بعضه بعضا وذلك في قوله تعالى في سورة الفرقان @QB@ واتخذوا من دونه ~~آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون @QE@ وقال في سورة النحل @QB@ والذين يدعون ~~من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون @QE@ # الوجه الثالث أنه قد ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقتضي ~~ذلك وقد أجمع أهل التفسير ومن يحتج به من الجماهير إلى الرجوع إلى مثل ذلك ~~في مثل هذه المواضع المجملة من كتاب الله تعالى وذلك ما أخرجه الحاكم أو ~~عبد الله في المستدرك في أول كتاب البر منه فقال أخبرنا PageV01P319 أبو ~~عبد الله محمد بن عبد الله الزاهد الاصبهاني أخبرنا أبو إسماعيل محمد بن ~~إسماعيل أخبرنا إبراهيم بن يحيى بن محمد المدني السجزي حدثني أبي عن عبيد ~~بن يحيى عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه رفاعة ابن رافع وكان قد ~~شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج وابن خالته معاذ بن ~~عفراء حتى قدما مكة فلما هبطا من الثنية رأيا رجلا تحت الشجرة إلى قوله ~~قلنا من أنت قال انزلوا فنزلنا فقلنا أين الرجل الذي يدعي ويقول ما يقول ~~فقال أنا فقلت له فاعرض علي فعرض علينا الاسلام فقال من خلق السموات ~~والجبال فقلنا الله فقال فمن خلقكم قلنا الله قال فمن عمل هذه الاصنام قلنا ~~نحن قال فالخالق أحق بالعبادة أم المخلوق فأنتم عملتوها والله أحق ms296 أن ~~تعبدوه من شيء عملتموه قال الحاكم هذا حديث صحيح الاسناد فسماها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مخلوقة لله ومعمولة للعباد حيث قال إن الخالق أحق ~~بالعبادة من المخلوق وقال إن الله أحق بالعبادة من شيء عملتموه فناسب حجة ~~أبيه إبراهيم عليهما السلام وماثلها ففرق بين الخلق والعمل وجعل الاصنام ~~مخلوقة من حيث هي من الجبال التي قد قرر عليهم أنها مخلوقة وجعلها معمولة ~~من حيث أنها لا تسمى أصناما إلا بعد تصويرهم وتشكيلهم لها # الوجه الرابع أن المعنى إذا كان على ما ذكرنا حصل منه تنبيه المشركين على ~~أنهم مثل الاصنام في كونهم مخلوقين وليس ينبغي أن يكون العبد والرب من جنس ~~واحد لا سيما والعابد منهما أشرف من المعبود بالضرورة من جهتين الجهة ~~الأولى أنه حي والصنم جماد والثانية أنه الذي عمل صورة معبودة من الأصنام ~~ونحته وشابه صورته بخلق الله تعالى وهو من هذه الجهة يسمى معمولا له ~~ومصنوعا كما يقال هذا السيف صنعة فلان وعمله وما أشبه ذلك من تصرف الصناع ~~في خلق الله تعالى في الحلى والاصباغ وسائر المسببات وهي حقائق عرفية ولم ~~ينكرها إلا ثمامة والمطرفية على ما تقدم بيانه # الوجه الخامس أن قرينة الحال وصيغة البيان تقتضي أن يكون قوله وما تعملون ~~موافقا في المعنى لقوله تعالى @QB@ ما تنحتون @QE@ في أولها لأنه ~~PageV01P320 صدر الآية الكريمة بانكار عبادة المنحوت ثم أكد ذلك الانكار ~~بكون العبادة له وقعت في حال خلق الله له لكنه سماه في آخر الآية معمولا ~~وفي أولها منحوتا لكراهة تكرير الألفاظ المتقاربة في بلاغة بلغاء العرب كما ~~خالف اللفظ في قوله @QB@ فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها ~~غير بيت من المسلمين @QE@ مع أن المسلمين في آخر الكلام هم المؤمنون ~~المذكورون في أوله والذي يدل على ذلك أن الواو حالية في قوله تعالى @QB@ ~~والله خلقكم وما تعملون @QE@ فالمعنى كيف غفلتم عن قبح عبادتكم لها والحال ~~هذه # وأنت إذا نظرت في طباق الكلام وسياقه لم يحسن قط أن يكون ms297 المعمول غير ~~المنحوت ووجب أن يكون هو إياه أما أنه لا يحسن فلان الجملة الحالية تقتضي ~~شدة النكارة في مثل هذا الموضع ولن يصح أن تقتضيها إلا بذلك كما تقول أتجفو ~~زيدا وهو أبوك فلا يجوز أن يكون الأب غير زيد كما لا يجوز أن تقول أتجفو ~~زيدا وأبوك خالد حيث لا يكون بينهما ما يوجب زيادة النكارة ولو كان المعمول ~~غير المنحوت لم يكن الشرك معه أقبح إذا كان المعمول هو المنحوت كان الشرك ~~معه أقبح وكذلك يكون الشرك أقبح مع عدم خلق الأعمال بخلاف الشرك مع خلق ~~الاعمال فانه ليس بأقبح منه مع عدم خلقها بل يلزم أن لا يقبح وأما أنه يجب ~~أن يكون المعمول هو المنحوت فلما في ذلك من زيادة قبح الشرك لأنه لا يخفي ~~على عاقل أن أقبح الشرك أن يجعل العبد المخلوق شريكا لربه الخالق له وذلك ~~الشريك مخلوق لربه باقرار العبد ولا سيما وذلك الشريك المخلوق جماد مسخر ~~للعبد مصنوع له ينحته ويكسره ويشكله ويطمسه ويضعه ويرفعه ويدنيه ويقصيه ~~ويتصرف أنواع التصرف فيه # الوجه السادس أن الآية الكريمة نزلت في خلق المفعول به المنفصل عن محل ~~قدرة العبد لا في الفعل نفسه لقوله تعالى @QB@ ليأكلوا من ثمره وما عملته ~~أيديهم @QE@ ولا خلاف بين المعتزلة والأشعرية أنه مخلوق لله تعالى وكذلك ~~صنعة المداد وسائر الاصباغ والمسببات مثل ازهاق الأرواح PageV01P321 ~~بالجراح والتغريق والتحريق ومثل السحر وآثاره ولذلك احتج الشهرستاني وغيره ~~بهذه الصورة على المعتزلة حين أنكروا مقدورا بين قادرين مع اختلاف الوجوه ~~على أنه لا يصح عنهم انكار مثل ذلك ومع نزول الآية في هذا بالاجماع كما ~~ذكره ابن كثير بل كما هو معلوم فلا وجه للقطع بتعديتها بل لا يصح ظهور ذلك ~~على جهة الظن لما في عموم ما من الخلاف ولما في تعدية العموم على غير ما ~~نزل فيه من ذلك ولما في خلاف ذلك من المرجحات ولذلك وأمثاله لم تكن الآية ~~نصا ولا ظاهرا بين الظهور في هذه المسألة # الوجه السابع ms298 أن النص على أن أعمالهم مخلوقة لله تعالى ينافي توبيخهم ~~عليها والاستنكار الشديد لصدورها عنهم لأنه لا يخلو إما أن يكون ورد على ~~مثل الشهرستاني والباقلاني من أئمة الأشعرية الذي عرفوا الكلام في اللطيف ~~واعتقدوا صحة مقدور بين قادرين وأن أفعال العباد لا تنسب اليهم وحدهم ~~لنقصان قدرتهم عن الاستقلال ولا إلى الله وحده لكمال حجته عليهم وقدسه عن ~~نقائصهم فهؤلاء لو ورد عليهم النص على خلق الاعمال لم يشكل عليهم ظاهره ~~ولكن يكون ذكره في هذا الموضع غير مناسب للبلاغة لأن الكلام البليغ لابد أن ~~يناسب مقتضى الحال ومقتضى الحال هنا زيادة التقبيح والتوبيخ وهو لا يزيد ~~على هذا التقدير ولكن هذا التقدير معلوم البطلان عند الجميع واما أن يكون ~~الخطاب بهذا النص على خلق الاعمال ورد على أجهل العوام الطغام الذين عبدوا ~~لشدة غباوتهم الاصنام فانهم إذا خوطبوا بأن أعمالهم مخلوقة لله تعالى لا ~~يسبق إلى أفهامهم إلا أنه سبحانه وتعالى مستقل بها غير مشارك فيها وحينئذ ~~ينقص ذلك التقبيح أو يبطل أو يتناقض الكلام وينفتح باب الاعتراض على الخليل ~~عليه السلام حينئذ لاعدائه ويرفع الشيطان رأسه إلى الهامهم الزام الاحتجاج ~~على الرسل بالقدر وافحامهم بذلك كما حكى الله تعالى ذلك عنهم في غير آية ~~وكل عاقل يريد افحام خصمه أو ارشاده لا يورد عند جداله أعظم شبه الخصم في ~~حال الصولة عليه بالحجة القاطعة فلم يكن الخليل عليه السلام يلقنهم في هذه ~~الحال أعظم شبههم التي ضل بها كثير من المسلمين بعد الاسلام ودق النظر عن ~~جوابها على كثير من العلماء الاعلام مع ما أوتي الخليل PageV01P322 عليه ~~السلام من حسن العبارة وإيضاح الحجة ألا ترى إلى قوله عليه السلام فيما حكى ~~عنه من حجاجهم في سورة العنكبوت @QB@ إنما تعبدون من دون الله أوثانا ~~وتخلقون إفكا @QE@ كيف عقب بطلان ما هم عليه ما يدل على سوء اختيارهم في ~~اختلافهم الافك افتراء من عند أنفسهم فهذا هو المناسب لحال المناظرة ألا ~~تراه لا يصلح أن يقول عوض قوله وتخلقون ms299 افكا والله الذي خلق هذا الافك فيكم ~~وأراده منكم لأنه يكون بذلك كالمعتذر لهم في حال النكير عليهم فيكون مناقضا ~~لقصده فكذلك لو جعلنا الخلق بمعنى انشاء العين في قوله @QB@ والله خلقكم ~~وما تعملون @QE@ والقرآن يفسر بعضه بعضا كما قال المفسرون في تفسير قوله ~~تعالى @QB@ كتابا متشابها @QE@ أي يشبه بعضه بعضا في معانيه وأحكامه فهذه ~~الوجوه ترجح أن ما تعملون بمعنى لذي تعملون على أحد وجهين إما أن تجعل ~~الأصنام هي المعمولة لأنها لا تسمى أصناما الا بعد عملهم أو على أن تجعل ~~معمولا فيها ولولا ما شهد لذلك من القرآن والسنة والمرجحات الضرورية ما ~~رضيت أن أتكلم في كتاب الله تعالى بغير علم وأقصى ما في الباب أن يكون الذي ~~ذكرته محتملا غير راجح فكيف يجوز القطع بأنه غير مراد الله تعالى والقطع ~~على أن نقيضه هو المراد والاحتجاج بذلك على مسألة كبرى قطعية من مهمات ~~مسائل الإعتقاد التي أوقعت الفرقة بين المسلمين والعداوة والله تعالى يوفق ~~الجميع إلى ما أمرنا به ربنا سبحانه وتعالى من الاجتماع ويعصمنا عما نهانا ~~عنه من التفرق ولن يوجد إلى ذلك سبيل أوضح من ترك ما لم يتضح والرجوع إلى ~~ما استبان من الكتاب والسنة والتقديم له على ما وقع فيه الاحتمال والاختلاف ~~والله عند لسان كل قائل ونيته وهو حسبنا ونعم الوكيل # وقد أوضحت في العواصم بقية المباحث وبطلان دعوى الاجماع على خلق الأعمال ~~إلا بمعنى التقدير وسبق القضاء وجفوف الاقلام كما قد ورد في كتاب الله ~~تعالى وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفقت الامة المرحومة المعصومة ~~على صحة معناه أنه لا يقتضي افحام الرسل ولا يناقض كمال PageV01P323 حجة ~~الحكيم العليم على ما عصاه من عباده وذكر ذلك كله هنا يخرجنا عن قصد ~~الاختصار بالمرة # ولا نزاع في أن الأفعال مخلوقة بمعنى مقدرة وأما بغير ذلك المعنى فان ~~سلمنا أن ذنوبنا تسمى مخلوقة لله تعالى في اللغة بغير ذلك المعنى مع صدورها ~~منا باختيارنا على وجه تقوم الحجة به علينا ms300 فلا وجه لادخال ذلك في مسائل ~~الإعتقاد وأركان الاسلام وواجبات الايمان ولا حجة على ذلك ولا شبهة ولا حرج ~~على من لم يؤمن بذلك لجهله به فليس كل حق يجب أن يدخل ذلك من وجود ~~الموجودات وعدم المعدومات وقد علمنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ديننا ~~كما علمه ربه عز وجل وحصر لنا أركان الاسلام وعلمنا الايمان والاحسان فما ~~عد فيه خلق الافعال وإنما عد فيه سبق الاقدار كما تواتر في الاخبار ولذلك ~~لم يذكره مالك في الموطأ كما ذكر القدر وغيره في أواخره ثم انظر مع تسليم ~~نفي الجبر وتسليم قيام الحجة لله تعالى بخلق القدرة وتمكين المكلفين أي ~~ثمرة تبقي لاعتقاد أن الأفعال مخلوقة وإنما حافظ على ذلك في الأصل من يقول ~~بالجبر ثم ظن كثير من أهل الكلام والحديث بعد ذلك أنه من لوازم عقائد السنة ~~فقالوه مع نفي الجبر ولذلك ذكر ابن الحاجب في مختصر المنتهى أن الأشعري ~~ألزم من قوله بذلك القول بتكليف ما لا يطاق وفي كلامه هذا دلالة على أن ~~القول مما يختص بالأشعري وحده في أول الأمر والله أعلم # وعلى تسليم ذلك كله فاعتقاد أنها مخلوقة بمعنى مقدرة يكفي وهو صحيح ~~بالاجماع كما تقدم وفيه الحيطة والعصمة عن تعديه إلى مواقع الخلاف ومظان ~~البدعة ولكن يعبر عنها بأنها مقدرة لأنها صريح عبارة الكتاب والسنة ~~والصحابة والتابعين ولا يعبر عنها بأنها مخلوقة لأنها توهم خلاف الصواب ~~ولأنها عبارة الجبرية وأهل الكلام المتأخرين عن عصر الصحابة والتابعين رضي ~~الله عنهم أجمعين ولأنها مختلف فيها وقد نهينا عن الاختلاف واختياره مع ~~التمكن من تركه وقد نهى الله تعالى عن قولهم راعنا وأمر أن يقولوا مكانه ~~انظرنا لمصلحة يسيرة كيف ما نحن فيه والله الهادي والحمد لله رب العالمين ~~وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم PageV01P324 # | المسألة الرابعة أن الله تعالى لا يكلف ما لا يطاق # وهو قول الجماهير من جميع طوائف المسلمين وإجماع العترة والشيعة ~~والمعتزلة ورواه ابن بطال في شرح البخاري عن ms301 الفقهاء أجمعين ونسب السبكي ~~المنع منه إلى الغزالي والشيخ أبي حامد والشيخ تقي الدين الشهير بابن دقيق ~~العيد وإمام الحرمين أبي المعالي الجويني والآمدي على تفصيل ذكره في الفرق ~~بين المحال لذاته ولغيره # واعلم أن هذا ما لا شك فيه ولا ريب وإنما يتعجب من وقوع الخلاف الشاذ في ~~ذلك وأي شك في ذلك والله تعالى قد نص في كتابه الكريم على ذلك في غير موضع ~~كقوله تعالى @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ وفي آية أخرى ( لا نكلف ~~نفسا إلا وسعها ) بالنون وفي آية أخرى @QB@ إلا ما آتاها @QE@ ومنه @QB@ أم ~~تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون @QE@ ومنه قوله تعالى @QB@ مكناهم في الأرض ~~@QE@ وفي آية @QB@ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا ~~وأفئدة @QE@ الآية وأمثال ذلك مما لا يحصى # والمراد بالاحتجاج بهذه الآيات ونحوها أنها شاهدة على اعتبار ما يسمى حجة ~~في عرف العقلاء وامتناع نقيض ذلك على أحكم الحاكمين وأن هذا معلوم ضرورة من ~~كتب الله تعالى وأديان رسله عليهم السلام ونص على ما يستلزم ذلك مما لا ~~يحصى كثرة من سعة رحمته وظهور عدله وعظيم فضله وعدل أحكامه وظهور حكمته ~~وشمول نعمته وقوله من أتاني يمشي أتيته أسعى ومن تقرب إلي شبرا تقربت اليه ~~ذراعا بل سمح سبحانه من الوسع الممكن المقدور ما لا يحصى ونص على ذلك فقال ~~تعالى @QB@ وما جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ وقال @QB@ يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ PageV01P325 ) فسمح سبحانه وتعالى مما يطاق ~~الكثير الذي لا يعلم مقداره إلا هو ولم يبق من التكاليف إلا ما جعله سببا ~~لرحمته وفضله وكرامته كما جعل البذر في الدنيا سببا للزرع الذي لا ينميه ~~ويتمه سواه وبشر سبحانه ويسر ونهى عن التعسير والتنفير وجاء على لسان نبيه ~~نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم أنه المبعوث بالحنيفية السمحة وتلقى ذلك ~~علماء الاسلام بالتصديق والاشاعة وعملوا في الاحكام بحسب ذلك واحتجوا به ~~وشاع فيما بينهم وذاع وانعقد على عدم انكاره الاجماع ولم ms302 يعارض ذلك عقل ولا ~~شرع ولا نص ولا ظاهر وناسب هذا كله تمدح أصدق القائلين بأنه أرحم الراحمين ~~وخير الراحمين وأكرم الأكرمين ولا يختص المؤمنين من رحمته تعالى إلا ~~كتابتها ووجوبها لهم ونحو ذلك دون سعتها فانها لكل شيء كما تبين في قوله ~~تعالى @QB@ ورحمتي وسعت كل شيء @QE@ الآية ومن حرمها فذلك لاستحقاقه ولحكمه ~~بالغة وهي تأويل المتشابه على ما نص على أن الخصوم جوزوا تكليف المؤمنين ~~المرحومين بما لا يطاق عقلا وسمعا بل جوزوا عقلا عقابهم بذنوب أعدائهم ~~المشركين بل جوزوا ذلك في حق الأنبياء والمرسلين والله تعالى تمدح بضد ذلك ~~وبأن له الأسماء الحسنى وله أعظم الحمد والمجد والشكر والثناء دع عنك العدل ~~في الحكم والجزاء وعضد ذلك الثناء العظيم من رسوله الكريم بأنه لا أحد أحب ~~اليه العذر منه سبحانه وتعالى من أجل ذلك أرسل رسله إلى العالمين وأنزل ~~كتبه على المرسلين وجعل رسله تترى إلى خلقه مبشرين ومنذرين ومعلمين ومحتجين ~~وميسرين غير معسرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل # والعجب ممن يدعي الفقه والفهم بل الامامة العظمى في العلم كيف لم يعلم أن ~~مراد الله تعالى هو أطيب الثناء وأحسن الأسماء وأجمل الحمد وأتم العدل ~~وأحمد الأمور كلها أو قد فهم هذا كله ولكن ظن أن تكليف ما لا يطاق وطلب ~~تنجيزه من العبد الضعيف وعقوبته عليه أشد العقوبة وأدومها هو أنسب بأطيب ~~الثناء والممادح الربانية والمحامد الرحمانية من PageV01P326 عكس ذلك كأنه ~~لم يعرف القرآن والسنة قط قال سبحانه وتعالى في ذلك @QB@ ولو أنا أهلكناهم ~~بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن ~~نذل ونخزى @QE@ وقال عز وجل @QB@ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين @QE@ وقال في الزمر @QB@ أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب ~~الله وإن كنت @QE@ الآيات إلى قوله @QB@ بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها ~~واستكبرت وكنت من الكافرين @QE@ وقال تعالى @QB@ ذكرى وما كنا ظالمين @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ شهد الله أنه لا ms303 إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم @QE@ فجعل القسط الذي هو العدل مما هو ~~لازم لتوحيده في الالهية ومما هو قائم به ومما شهد به لنفسه وشهد له به ~~خواص خلقه وأهل معرفته والعدل هو ضد الجور والعنف والعسف وذلك كله دون ~~تكليف ما لا يطاق فانه قد وصف بذلك كثير من ملوك الجور ولم يوصف أحد منهم ~~قط بتكليف ما لا يطاق كما يأتي تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا أفلا يخاف ~~المخالف أن لا يكون من العلماء الذين شهدوا لله بهذه الشهادة إلى غير ذلك # وأوضح من ذلك أنه سبحانه وتعالى كتب الاعمال في الكتب وأشهد على خلقه ~~ملائكته الكرام ثم نصب الموازين القسط ليوم القيامة وأنطق الجلود والاعضاء ~~بعد شهادة الملائكة وصالحي خلقه بعد رسله عليهم السلام كل ذلك ليقيم الحجة ~~حجة عدله وعظيم فضله ويقطع اعذار المعاندين والجاهلين والمتجاهلين وكم احتج ~~الله تعالى بذلك وتمدح به في كريم كتابه كقوله تعالى @QB@ ثم السبيل يسره ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ وهديناه النجدين @QE@ وقوله عز سلطانه @QB@ إنا ~~هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا @QE@ بل نفى سبحانه وتعالى ما يستلزم ~~ذلك أو يقاربه PageV01P327 كما قال سبحانه وتعالى @QB@ أم تسألهم أجرا فهم ~~من مغرم مثقلون @QE@ فأوضح أنه لم يبق لهم عذرا يتعللون به إذ لا معنى لنفي ~~المغرم الثقيل مع وجود التكليف الممتنع لذاته المستحيل ثم تمدح سبحانه ~~وتعالى بالقضاء الحق يوم القيامة في غير آية # فالعجب ممن لم يفهم أن ذلك ينافي تكليف ما لا يطاق ويضاده ممن يدعي ~~الانصاف وفهم الدقائق والغوص على غوامض الحقائق وأنه في رتبة الذب عن ~~الاسلام ونحو ذلك كثير جدا في كتاب الله تعالى فكيف يقدم على هذا كله مفهوم ~~ظني مرجوح مختلف في معناه كما ذكره الغزالي في قوله تعالى حاكيا عن عباده ~~@QB@ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به @QE@ والله تعالى يقول @QB@ ~~واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم @QE@ ويقول @QB@ فبشر عباد الذين ~~يستمعون القول فيتبعون ms304 أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا ~~الألباب @QE@ ولا شك في وضوح الآيات في نفي ذلك وحسنها سمعا وعقلا وفضلا ~~وعدلا # وأما الآية التي احتج بها فقد ذكر البغوي وغيره من هل السنة اختلاف ~~المفسرين في معناها وفيها احتمالان لا دافع لهما وأيهما كان تفسيرها ~~فالثاني تفسير التي قبلها فافهم أحدهما أن يكون المراد التكاليف الشاقة مع ~~دخولها تحت القدرة وقد دل على ذلك حديث أبي قتادة رضي الله عنه خرجه مسلم ~~في الصحيح وغير مسلم وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عمن يصوم ~~الدهر فقال لا صام ولا أفطر فقيل كيف بمن يصوم يومين ويفطر يوما قال أو ~~يطيق ذلك أحد إلى قوله فيمن يصوم يوما ويفطر يوما وددت أني طوقت ذلك # وقد نص ابن الأثير في النهاية على أنه صلى الله عليه وسلم لم يعجز عن ذلك ~~لضعف PageV01P328 # وأعظم من ذلك نفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطيق أحد على صوم ~~يومين وفطر يوم وذلك واضح في أنه صلى الله عليه وسلم فسر الطاقة هنا بما لا ~~مشقة فيه ولا حرج فدل على أن الشاق يسمى غير مطاق في عرفهم ولا أصح من ~~اثبات اللغة بالسند الصحيح بل المتفق على صحته من طريق تلقتها الامة ~~بالقبول وادعى الاجماع على صحتها باطنا وظاهرا عدد كثير من أئمة الاسلام ~~وعادة اللغويين والمفسرين الاكتفاء في مثل ذلك برواية بعض أهل اللغة بغير ~~سند ولا توثيق # الاحتمال الثاني أن يكون من تحميل عقوبات الذنوب في الدارين مثل المصائب ~~في الدنيا وعذاب القبر في البرزخ وعذاب النار في الآخرة ومن ذلك قوله تعالى ~~@QB@ وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى @QE@ وهذا ~~صريح في هذا المعنى والحمد لله رب العالمين وكذلك قوله تعالى @QB@ ولنحمل ~~خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء @QE@ # ومنه حديث عبد الملك في ابن الزبير وددت أني تركته وما يحمل من الاثم في ~~هدمها وبنائها ذكره ابن الأثير ms305 في نهاية الغريب في مادة ح م ل وهو معنى ~~صحيح فصيح وقد فسر بهذا المعنى العلامة المتفق على علمه وجلالته عبد الملك ~~بن جريج فقال هو مسخ القردة والخنازير رواه البغوي عنه في تفسير هذه الآية ~~فجعله من قبيل ما لا يطاق من عقوبات الذنوب وجعله كثير من المفسرين من ~~الاول أعني الشاق فقال مجاهد هو الغلمة وقال إبراهيم هو الحب وقيل شماتة ~~الأعداء وقال محمد بن عبد الوهاب العشق وقيل هو الفرقة والقطيعة ذكر ذلك ~~كله البغوي ولم يذكر قط عن أحد من المفسرين أنه تكليف المحال وهو من أهل ~~السنة فكيف يرى هذا المعنى المتسع لمثل هذه الاحتمالات والمعاني المختلفة ~~يقدم على النص الجلي الذي أثنى الله تعالى به على نفسه وتمدح به من قوله ~~@QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ وما في معناها وما في معنى ذلك من ~~أسماء الله الحسنى وما ذكرناه من الحديث ولا سيما ونزول قوله تعالى @QB@ لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ كل ذلك مع قوله تعالى @QB@ ربنا ولا تحملنا ~~ما لا طاقة لنا به @QE@ PageV01P329 ) في آية واحدة وفي وقت واحد فلا يجوز ~~أن يتناقض فيكون أحدهما ناسخا والآخر منسوخا وكونهما نزلا معا أمر ثابت في ~~الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن أبي هريرة كلاهما عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على أنا لو سلمنا لمن احتج بها ما توهمه من أن ~~المراد لا تحملنا ما لا نطيقه من التكاليف المحال وقوعها لما سلمنا أن ~~الدعاء بذلك يستلزم جواز وقوعه من الله تعالى فقد دل الدليل على جواز ~~الدعاء بما لا يجوز على الله تعالى خلافه كقوله تعالى @QB@ قال رب احكم ~~بالحق @QE@ فانه دعاء إلى الله تعالى بما لا يقع سواه وكذلك قوله تعالى ~~@QB@ قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين @QE@ فانه ~~معلوم أن الله تعالى لا يجعل رسوله الكريم عليه الحبيب اليه مع خصومه ~~المكذبين به المعاندين له فيه وكذلك استغفاره صلى ms306 الله عليه وسلم من ذنوبه ~~فانه مأمور به في سورة النصر وهي نزلت بعد قوله تعالى في سورة الفتح @QB@ ~~ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر @QE@ فهو سؤال لما لا يقع وكذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن غفر ~~الله لك مع أنه مغفور لك رواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة من حديثه ~~عليه السلام فيكون الدعاء حينئذ عبادة يحصل بها الثواب والتشريف للعبد ~~والتقريب وتحصيل المسؤول بسببين لما لله تعالى في ذلك من الحكمة فأولى ~~وأحرى قوله تعالى @QB@ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به @QE@ وهذا أمر ~~شهير كثير جدا ومنه قول القائل # ( وهذا دعاء لو سكت كفيته % لأني سألت الله ما هو فاعل ) # وأعجب من ذلك قول الغزالي في الاحياء أن ذلك وقع جازما به محتجا عليه ~~بتكليف أبي لهب بالإيمان مع قوله تعالى @QB@ سيصلى نارا ذات لهب @QE@ وقد ~~رد هذا ابن الحاجب في مختصر المنتهى بأنه مثل خبر قوم نوح @QB@ أنه لن يؤمن ~~من قومك إلا من قد آمن @QE@ قلت بل هو والعلم السابق سواء والكل مسألة ~~واحدة وهي المعروفة في علم الأصول بالممتنع لغيره لا لذاته والتكليف بذلك ~~جائز بالاجماع ولا يسمى محالا وفاقا PageV01P330 # وقد بين الحلي المعتزلي الشيعي في مختصر المنتهى أن ذلك هو الذي جوزه ~~الغزالي وابن الحاجب لا المحال لنفسه قلت بل ذلك جائز عند المعتزلة وجميع ~~المسلمين أجمعين إلا من زعم أن الله تعالى لا يعلم الغيب ممن يدعي الاسلام ~~من الغلاة في نفي القدر وقد بين ذلك العلامة ابن أبي الحديد في شرح نهج ~~البلاغة في شرح قوله عليه السلام اقتلوه ولن تقتلوه فكيف أوهم الغزالي في ~~الاحياء أنه يجوز التكليف بالمحال مطلقا وأوهم أن ذلك وقع # وقد قال السبكي في جمع الجوامع والحق وقوع الممتنع بالغير لا بالذات ~~وتسميتهم لهذا الجنس بالممتنع من قبيل المجاز وهو مما لا يجوز إلا مع ~~البيان لأن العلم غير مانع بنفسه عند جميع المحققين ms307 # وقد نص الشهرستاني من كبار الأشعرية على أن العلم غير مؤثر بالاجماع وصحح ~~ذلك غير واحد منهم دع عنك المعتزلة واحتج الجويني على ذلك بأنه لو كان ~~العلم يؤثر في المعلوم لما تعلق العلم بالقديم نفسه سبحانه وتعالى لأنه لا ~~يصح أن يؤثر في الله تعالى شيء # واحتج الرازي على ذلك بوجوه كثيرة منها أن ذلك يؤدي إلى نفي قدرة الله ~~تعالى وذلك كفر بالاجماع وإنما كان يؤدي إلى ذلك لأن علم الله تعالى متعلق ~~بجميع أفعاله وتروكه فكان يلزم أن ما علم الله أنه يفعله في وقت لم يوصف ~~بالقدرة على تركه ولا تقديمه ولا تأخيره وما علم أنه يتركه لم يوصف بالقدرة ~~على فعله وذلك يستلزم استقلال العلم بالتأثير واستغناء العالم عن القدرة ~~وذلك يستلزم انقلاب العلم قدرة وانقلاب الفاعل المختار غير مختار وذلك محال # وذكر ابن الحاجب أن مثل هذا يؤدي إلى أن التكاليف كلها تكليف بالمحال قال ~~وذلك خلاف الاجماع وقال أيضا أن الممكن لا يخرج عن امكانه بخبر أو علم ~~انتهى PageV01P331 # واعلم أنهم إنما أرادوا أن العلم لا يؤثر تأثير القدرة في إيجاد ~~المعلومات وفعل المأمورات ولم يريدوا نفي كل تأثير للعلم مطلقا فان العلم ~~يؤثر تأثير الدواعي والصوارف مثاله أن من علم أن العقاب يحصل على ترك ~~الصلوات والثواب العظيم يحصل على فعلها كان علمه ذلك مرجحا لفعلها على ~~تركها مؤثرا في وقوعها من العالم بذلك ألا تراه لا يتركها مع أن تركها أسهل ~~ما ذاك إلا لترجيح العلم نعم وقد ذكرت في العواصم غير هذه الوجوه في أن ~~العلم غير مؤثر تأثير القدرة وكذلك الشيخ مختار في المجتبى جود الكلام في ~~ذلك وذكرت في العواصم وجها حسنا في افحام من يحتج على الله تعالى بالعلم من ~~المبتدعة والملاحدة وذلك أنا لو سلمنا تسليم جدل أنه مؤثر ومانع من خلافه ~~منع استحالة لزم أن تكون حجة الله تعالى على عذاب العصاة لأن العلم بأفعال ~~الله تعالى كما يتعلق بأفعال عباده إجماعا فكما أنهم لا ms308 يستحسنون من الله ~~تعالى يوم القيامة أن يقول إنما عذبتكم لسبق علمي بذلك فكذلك لا يحسن منهم ~~أن يقولوا إنما عصيناك لسبق علمك بذلك وإن حسن ذلك منهم كان من الله أحسن # ويلحق بهذه أمور يشتد تعجب العاقل منها # أحدها أن مذهب الغزالي نفسه أن التكليف بالمحال لذاته لا يجوز على الله ~~وهو مشهور عنه في شرح المنتهى وجمع الجوامع وغيرهما حتى ذكروا أن حجته على ~~ذلك هي حجة ابن الحاجب وإنما أراد الغزالي بالوصية بذلك في إحياء علوم ~~الدين الموافقة لعقيدة الاشعرية على أن ذلك لم يصح قط عن الاشعري ولا لذلك ~~عنه أصل صحيح كما أوضحته في العواصم ولذلك صدر ابن الحاجب المسألة بأن ~~التكليف بالمحال لا يجوز ثم قال ونسب خلافه إلى الاشعري على صيغة ما لم يسم ~~فاعله ثم ذكر أن ذلك نسب إلى الأشعري على جهة الالزام له لا أنه نص على ذلك ~~ثم تعصب أصحاب الاشعري له على توهم أنه مذهبه وقدموه على نصوص كتاب الله ~~تعالى ونصوص رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى البراهين العقلية فانا لله وإنا ~~إليه راجعون # وثانيهما أن الغزالي ذكر في كتابه الاقتصاد في الإعتقاد تأويل ذلك بما ~~يخرجه عن محل النزاع ويقتضي جمع الكلمة على نفيه عن الله سبحانه ~~PageV01P332 وتعالى فلله الحمد وذلك أنه ذكر فيه أن المراد بذلك مجرد ~~اعتقاد المكلف أنه مخاطب بذلك لا أنه مطلوب منه لكن خوطب به ليعتقد توجه ~~الطلب اللفظي اليه لا أنه أريد منه فعله ولا يجب عليه إلا مجرد ذلك ~~الإعتقاد # قلت وهذا على نحو قول الله تعالى للمصورين يوم القيامة أحيوا ما خلقتم ~~للتعجيز لا لطلب ذلك منهم ومنه حديث من كذب في حلمه كلف يوم القيامة عقد ~~شعيرة وقد أشار إلى هذا الجويني في مقدمات البرهان فقال إن كان المراد ورود ~~صيغة الامر لا حقيقته فذلك جائز كقوله تعالى @QB@ كونوا قردة خاسئين @QE@ ~~فان معناه كوناهم قردة فكانوا كما شئنا وإن كان المراد تحصيل المأمور به ~~فذلك ممتنع قلت ms309 قد صرح الغزالي في الاقتصاد أن الأول هو المراد وعلى هذا ~~فلا يكون اعلام أبي لهب بأنه سيصلي نارا ذات لهب بعد كفره العظيم محل ~~النزاع لوجوه # الوجه الأول إن النزاع إنما هو في تكليف يقع عليه الجزاء والعقوبة وحده ~~كما لو كلف أعمى بنقط مصحف على الصواب ولم يكلفه الله تعالى بغير ذلك ولا ~~عاقبة على سواه وكان الاعمى يود أنه تمكن من ذلك وامتثل ثم يخلد في عذاب ~~النار بترك ذلك فهذا ما لم ينسبه أحد إلى معبوده من جميع العقلاء بل هذا ما ~~لم ينسبه إلى أحد من رؤساء المخلوقين حتى تفاحشت البدع ورذلت حتى تكلم في ~~مهمات قواعد الإسلام بالآراء والأوهام وضربت فيها المقاييس والأمثال وتجارى ~~فيها أهل الاهواء مجاراة المتنافسين وتجاروا على ذلك مجاراة المتعادين فظن ~~بعضهم أن هذا ليس بصفة نقص عقلا مع موافقتهم على أن الكذب صفة نقص عقلا ~~والكذب دون هذا النقص بكثير لا سيما الكذب النافع ثم تجاسروا بعد ذلك على ~~تجويزه على الله تعالى ثم ادعوا وقوعه من الله تعالى # واعلم أنه لا استبعاد أن يعاقب الله تعالى بذلك في الآخرة من جوز عليه ~~التكليف بالمحال الذي لا يطاق كما صح أن يقال للمصورين يوم PageV01P333 ~~القيامة أحيوا ما خلقتم وأن الكفار يؤمرون بالسجود ويحال بينهم وبينه فلا ~~يستطيعون بل مجوز ذلك على الله تعالى في دار التكليف أولى بهذه العقوبة لما ~~ثبت عن جماعة من الصحابة في الصحيحين وغيرهما أن الله تعالى يقول أنا عند ~~ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء ولما ثبت من مناسبة العقوبات للمعاصي حتى أن ~~من تردى من جبل فهو يتردى في النار من جبل ومن طعن نفسه بحديدة فهو يطعنها ~~في النار بحديدة وحتى رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله امرأة حبست ~~هرة حتى قتلتها والهرة تنهشها في النار وحتى ثبت أن الله تعالى يقول أليس ~~عدلا مني أن أولى كلاما تولى فيقول الخلق بلى فيرى كل عابد لغير الله ~~معبوده ويأمره ms310 باتباعه حتى يوردهم النار ويمثل لمن عبد عيسى صورة عيسى عليه ~~السلام وأمثاله من الصالحين كذلك وحتى قيل للمصورين أحيوا ما خلقتم وحتى ~~يكفر من قال الآخر يا كافر وليس كذلك ويعفى يوم الخميس والاثنين عن كل مسلم ~~إلا المتهاجرين حتى يصطلحا لأنهما أختارا عدم العفو مذهبا ونحو ذلك فليحذر ~~من هذه العقوبة الخاصة مع سائر أنواع العذاب صاحب هذا المذهب بل يحذر من ~~أهون من هذا وهو أن يناقشه الله تعالى الحساب على جميع ما أقدره عليه ومكنه ~~منه ولا يسامحه في قليل ولا كثير ويقول له أنت جوزت مني تكليف ما لا يطاق ~~وظننت ذلك في فلا أقل من أن أحاسبك على التكليف الذي لا يطاق ولا أسامحك ~~بشيء منه وفي ذلك هلاكه كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله ~~عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أنه قال ( من نوقش الحساب عذب ~~وشواهده معلومة ) وكفى بقول الله تعالى @QB@ ولو يؤاخذ الله الناس بما ~~كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة @QE@ وفي آية أخرى @QB@ ما ترك عليها @QE@ # الوجه الثاني أن الله لم يعلم أبا لهب بذلك بالنص ولا ظاهر القرآن يقتضي ~~ذلك أيضا وإنما أعلم رسوله صلى الله عليه وسلم وآله بذلك فمن أين أن أبا ~~لهب علم ذلك يقينا والله قادر على أن لا يعلمه ذلك لتزداد الحجة عليه وقد ~~ذكر هذا ابن الحاجب وقال أنه مثل إعلام نوح عليه السلام أنه لن يؤمن من ~~قومك إلا من قد آمن PageV01P334 # الوجه الثالث أنه وإن علم ذلك فانه خارج مخرج الوعيد لا مخرج الاخبار ~~المحض والفرق بينهما واضح فان الوعيد مشروط بعدم التوبة مثل وعيد جميع ~~الكافرين # الوجه الرابع أنه لا مانع من أن يكون الخبر والقضاء والقدر والكتابة في ~~مثل ذلك مشروطة ويكون مما يجوز أن يدخل في قوله تعالى @QB@ يمحو الله ما ~~يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب @QE@ ويدل عليه حديث لا يرد القضاء إلا الدعاء ~~رواه الحاكم وفي الباب عن معاذ ms311 وعائشة وأبي هريرة ذكرها الهيثمي وروي عن ~~أبي قلابة عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول اللهم إن كنت كتبتني في ~~أهل الشقاء فامحني وأثبتني في أهل السعادة وقال رواه الطبراني ورجاله رجال ~~الصحيح إلا أن أبا قلابة لم يدرك ابن مسعود وهذا باب واسع وقد ذكره الغزالي ~~وغيره في الجواب على ما من قال ما فائدة الدعاء والعمل مع سبق الاقدار ~~وجوده ابن قيم الجوزية في الجواب الكافي ونقلته في العواصم وزدت عليه ~~زيادات مفيدة # الوجه الخامس أنه ليس في الخبر أنه لا يؤمن فيجوز أبو لهب في نفسه حين ~~يسمعه أن يكون لو آمن من المؤمنين العصاة وأن يدخل النار بذلك ويطمع في ~~العفو بعد دخولها على الاصل في حسن ذلك عقلا أو لسماعه أن السمع ورد بذلك ~~فانه لا مانع من ذلك فاذا جوز أبو لهب ومن في حكمة هذه الأمور أو بعضها ~~قامت عليه الحجة والعذر الحق الذي هو سنة الله تعالى في عدله وحكمته يوم ~~القيامة فكيف مع هذه الأمور واحتمالها يجوز للعاقل أن يقطع على أن تكليف ~~المحال قد وقع والتقول على الله بما لم يقل كالكذب عليه والتوصل إلى ذلك ~~بالشبه الواهيات صنيع المخذولين من أهل الضلالات فان الاجتراء على الابتداع ~~في الدين ذنب عظيم وربما أدى صاحبه إلى الكفر والعياذ بالله وهل ذلك إلا ~~كالاحتجاج على تجويز الولد بقوله تعالى @QB@ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول ~~العابدين @QE@ مع وجود النصوص الجمة على بطلان ذلك وتعظيم تقبيحه بنحو قوله ~~تعالى PageV01P335 @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا @QE@ إلى آخر الآيات ولو ~~سلمنا أن النصوص تعارضت في مثل هذه المسألة كان الواجب على العالم أن يرجح ~~منها المحكم الموافق الاكثر ثناء على الله تعالى ومدحا لله تعالى ومناسبة ~~لاسمائه الحميدة المحكمة الحسنى لقوله تعالى @QB@ واتبعوا أحسن ما أنزل ~~إليكم من ربكم @QE@ وقوله تعالى @QB@ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ~~أولئك الذين هداهم ms312 الله وأولئك هم أولوا الألباب @QE@ فما الموجب لترجيح ~~تشبيه أفعال أحكم الحاكمين بأفعال المجانين والاطفال حين لاح لذلك أدنى ~~خيال وتقديم أضعف الأوهام وأبعد الاحتمالات والجزم بوقوع ذلك دون نقيضه ~~الذي هو منطوق به في نصوص القرآن الصادعة معلوم احكامه واثباته في البراهين ~~القاطعة داخل في الأسماء الحسنى غرة في الحمد والمدح والثناء وأعجب من ذلك ~~كله المحافظة من الغزالي على الوصية باعتقاد ذلك لأهل الجمل في الإعتقاد من ~~المتعبدين والزهاد والذين لم يعرفوا الخلاف في دقائق الكلام مع نهي الغزالي ~~عن علم الكلام وذكر مساويه وما يؤدي اليه الخوض فيه لأنه ذكر هذا في ~~الرسالة القدسية من مقدمات الاحياء الذي بالغ فيه في ذم علم الكلام لما جر ~~اليه من البدع فاي بدعة بديعة ومحدثة شنيعة أبدع وأشنع من وصية الزهاد ~~والصالحين من عوام المسلمين باعتقاد ذلك في أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين ~~وإيهامهم أن اعتقاده من الفرائض المؤكدة في دين الله تعالى وان من لم يعتقد ~~ذلك كان على أعظم خطر من عذاب الله ولقد مضى أكثر عمر الدنيا على مالا يحصى ~~من الظلمة والفجرة والفسقة والكفرة والخلفاء والسفهاء فما علم أن أحدا منهم ~~فعل ذلك على الوجه الذي جوزه المخالف على الله تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا وإنما كانوا يعاقبون من لا ذنب له لحاجتهم إلى تحصيل الاموال أو لدفع ~~المضار أو لمجموعهما أو تشفيا من عدو مضر انتصافا منه ونقما للثأر ونحو ذلك ~~مما ألف وعرف من عادات الفجار وهذا أيضا غير تكليف المحال إنما هذا أنزل ~~المضار ممن لا يستحقها وأما ان أحدا من جميع ما ذكرناه من أنواع الاشرار ~~PageV01P336 وجد مريضا ليس بينه وبينه عداوة ولا له في تعذيبه حاجة ألبتة ~~ولا غرض له ولا داعي ولا له ذنب ولا عليه حجة فأمر بتكليفه حمل الجبال أو ~~ما لا يطيق من الاحمال ومسابقة الرياح والحيل السابقة فان لم يفعل ما لا ~~يطيق من ذلك عذب أشد العذاب وعوقب أفحش العقاب فما كان هذا من ms313 فاجر ولا ~~كافر ولا خليع ولا سخيف ولا يجوز أن يكون منهم ولو فعل مخلوق لكان الله ~~تعالى هو الذي يشتد عليه غضبه وسخطه ويتولى عقوبته وملامته وإذاقته أعظم ~~الخزي الهوان والمقت والفضوح فكيف ينسب جواز ذلك بل وقوعه وتجويز أفحش ما ~~يكون من جميع أنواعه الفاحشة إلى الملك العلي الحميد الصمد المجيد السبوح ~~القدوس الذي كره ذلك وسخطه وحرمه ويعادي على أقل منه كل جبار عنيد وقال في ~~كتابه المجيد @QB@ وما ربك بظلام للعبيد @QE@ وقال على لسان رسوله صلى الله ~~عليه وسلم وآله يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا ~~تظلموا كما رواه مسلم في الصحيح عن حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه # ومن الشبه في ذلك قوله تعالى @QB@ فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا ~~تخافي ولا تحزني @QE@ قالوا فحرم عليها الخوف والحزن في هذه الحال وكلفها ~~اعدامهما عن قلبها وهي لا تستطيع ذلك # والجواب أن النهي هنا لم يرد للتحريم فقد ذكر السبكي في جمع الجوامع ~~للنهي ثمانية معان أحدها بيان العاقبة كما في هذه الآية الشريفة وذلك أن ~~النهي فيها إنما ورد للبشرى بوقوع ما لا ينبغي عنده الخوف والحزن فانه مقام ~~تكريم لا مقام تكليف ولذلك عقبه بقوله @QB@ إنا رادوه إليك وجاعلوه من ~~المرسلين @QE@ وهاتان بشارتان عظيمتان ممن علمت صدقه في كل خبر وقدرته على ~~كل شيء واحاطة علمه بكل غيب فهي تقابل ما في طبعها البشري مع ما ذكره الله ~~تعالى بعد ذلك من ربطه على قلبها # يوضحه أنه مقام لطف وتشريف لا مقام تحريج وتعنيف ولو سلمنا أنه نهي تحريم ~~لوجب في حكمة الله تعالى وعوائده مع عباده المؤمنين PageV01P337 أن يمكنها ~~من مفارقه ما نهاها عنه كما ذكره وابن عباس رضي الله عنه في تكليف الواحد ~~بقتال عشرة أنهم لو صبروا عليها لطوقوها رواه البخاري ولو سلمنا أن ظاهر ~~التحريم توجه إلى ما لا يطاق لوجب تأويله لوضوحه لأنه متشابه على ما يوافق ~~المحكم الذي هو أم الكتاب ms314 كما ثبت في تحريم النياحة أنه لا يؤاخذ بما كان ~~من العين والقلب فثبت أن سلمنا أنه للتحريم أن المراد النهي عن الاسترسال ~~مع الطبيعة البشرية ومقابلتها ومدافعتها بما علمنا الله تعالى من نحو قوله ~~@QB@ وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم @QE@ وتذكير عظيم ثوابه وخفي ألطافه ~~وصدق مواعيده وأنه كاشف الكروب علام الغيوب وما يحصل به الرضا لدون أم موسى # وقد ذكر بعض المفسرين نحو هذا الوجه الثالث في تفسير @QB@ خلق الإنسان من ~~عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون @QE@ فقال أنهم أقدروا ومكنوا من مدافعه ~~الطبيعة المخلوقة فلذلك نهوا عن الاستعجال وقد خلقوا على هذه الطبيعة كما ~~أن المخلوق على طبع الشح مأمور باخراج الزكاة ممكن من ذلك فانه يتصرف في ~~شهواته أضعافها # وإنما ذكرت مثل هذه الأشياء على جهة التقرب إلى الله وإلا فجوابها لا ~~يخفى على أهل الممارسة للجمع بين المتعارضات ورد الفروع إلى الأصول ~~والمظنون إلى المعلوم PageV01P338 المختصرات عموم المسلمين فيوهمون أن ذلك ~~من أركان الاسلام فلولا أن هذا قد وقع منهم ما كان العاقل يصدق بوقوعه ممن ~~هو دونهم فنسأل الله تعالى العافية # وإنما أوضحت هذا الكلام أيها السنى لتغتبط بعلم القرآن والاثر ولتصونه عن ~~شوبه بأمثال هذا من بدع أهل الدعاوى للحذق في النظر فقد صارت أقوالهم في ~~الركة أمثالا وعبرا لمن اعتبر وجميع ما يرد على هذا من الأسئلة وأجوبتها ~~تقدم في المسألة الأولى في إثبات حكمة الله تعالى فخذه إن احتجت اليه ~~والحمد لله رب العالمين # | خاتمة تشتمل على فائدة نفيسة # وهي أن هذه المسألة وأمثالها مما بالغت في نصرته مثل اثبات حكمة الله ~~تعالى وتعظيم قدرته عز وجل من قبيل الثناء الحسن بحيث لو قدرنا الخطأ في ~~شيء منها ما كان يخاف منه الكفر والعذاب قطعا وأما أضدادها فانه يخاف ذلك ~~عند تقدير الخطأ فيها لاستلزامها ما لا يجوز على الله تعالى من النقص ~~المضاد لاسمائه الحسنى التي هي جمع تأنيث الاحسن من كل ثناء لا جمع تانيث ~~الحسن كما مر تقريره ms315 فاعرض هذه الفائدة النفيسة على كل عقيدة لك وشد عليها ~~يديك في كل ما لم يعارض المعلوم ضرورة من الدين والله الموفق والهادي إلى ~~الصواب # المسألة الخامسة أن الله تعالى لا يعذب أطفال المشركين بذنوب آبائهم ولا ~~بغير ذنب وهذه من فروع اثبات الحكمة وهي أخت التي قبلها وهو مذهب جماهير ~~الاسلام بل لم يعرف فيه خلاف بين السلف فانهم كانوا مجمعين على عدل الله ~~تعالى وحكمته في الجملة والاجماع على ذلك يتقضي المنع من كل ما يضاده وممن ~~صرح باختيار هذا البخاري في صحيحه والنووي في شرح مسلم وقواه واحتج عليه ~~ونسبه إلى المحققين وكذلك اختاره علي بن عبد الكافي الشهير بالسبكي في كتاب ~~جمعه في هذه المسألة وهما من عيون أئمة السنة والطائفة الشافعية وكذلك ~~اختار ذلك العلامة أبو PageV01P339 عمر بن عبد البر في كتابه التمهيد وهو ~~من أئمة السنة واختاره غير واحد منهم دع عنك خصومهم في ذلك من الشيعة ~~والمعتزلة # واحتج النووي وغيره على ذلك بقوله تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا @QE@ وبما رواه البخاري في صحيحه عن سمرة في حديثه الطويل وفيه ذكر ~~رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وآله وفيها ما لفظه والشيخ في أصل الشجرة ~~إبراهيم عليه السلام والصبيان حوله أولاد قالوا يا رسول الله وأولاد ~~المشركين قال وأولاد المشركين وهذا نص في موضع النزاع من أصح كتب الاسلام ~~عند أئمة الحديث وأما كونه رؤيا فلا يضر لوجهين أحدهما أن رؤيا الأنبياء ~~عليهم السلام وحي وحق ولذلك عزم الخليل عليه السلام على ذبح ولده بسببها ~~وهذا إجماع وثانيهما أن هذا السؤال عن أولاد المشركين وجوابه كان في اليقظة ~~لا في الرؤيا # وقد أوضحت في العواصم أنه لم يصح في تعذيب الأطفال بغير ذنب منهم حديث قط ~~ولا صح ذلك عمن ينظر اليه من أئمة السنة وإنما قالت طوائف منهم بأقوال ~~محتملة منها أن الله تعالى يكمل عقول الصبيان ويكلفهم في عرصة من عرصات يوم ~~القيامة بتكيلف يناسب ذلك اليوم مثل ما روى ms316 أنه يخرج لهم عنقا من النار ~~فيأمرهم بورودها فمن كان سعيدا في علم الله تعالى لو أدرك العمل وردها ~~فكانت عليه بردا وسلاما ومن كان شقيا في علم الله تعالى لو أدرك العمل ~~امتنع وعصى فيقول الله تعالى لهم عصيتموني اليوم كيف رسلي لو أتتكم أو كما ~~ورد # وسبب مصير من صار منهم إلى هذا القول أحاديث كثيرة وردت بذلك منها عن أبي ~~سعيد وأنس ومعاذ والاسود بن سريع وأبي هريرة وثوبان وروى ذلك أيضا أحمد بن ~~عيسى بن زيد بن علي عليه السلام عن جده زيد بن علي ذكره صاحب الجامع الكافي ~~وقال السبكي في كتابه في ذلك أن أسانيد هذه الأحاديث صالحة # قلت وفسروا بهذه الاحاديث حديث الله أعلم بما كانوا عاملين وهو الذي اتفق ~~على صحته في الباب وسنة الله في إقامة الحجج على خلقه PageV01P340 لا تحيل ~~هذا احالة قاطعة كما تحيل تكليف المحال ولا حجة واضحة على أن هذه الاحاديث ~~موضوعة يجوز الجزم بتكذيبها وقد قال الله تعالى @QB@ يوم يكشف عن ساق ~~ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون @QE@ فأثبت تكليفا بذلك السجود يوم القيامة ~~وصح وتواتر أن الميت يمتحن في قبره في المسألة عن الشهادتين وأن المؤمن ~~يثبت فيقولهما والكافر والمنافق يتلجلج أو يقول لا أدري # وفي الصحيحين من حديث البراء أن قوله تعالى @QB@ يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة @QE@ نزلت في ذلك وكذلك أجمع ~~أهل السنة على أن للبرزخ حكما بين حكم الدنيا والآخرة ومنه أن موسى عليه ~~السلام كان يصلي في قبره رواه مسلم ومنه ضمة القبر ونحوها فنكل علم تلك ~~الاخبار إلى الله ولا نجوز على الله تعالى ظلما لأحد من عباده ولا عبثا ولا ~~لعبا ولا مباحا لا يستحق عليه الثناء والحمد وإنما نجوز عليه ما يستحق عليه ~~الثناء والحمد سواء علمنا وجهه أم لا وكذلك لا نجوز عليه تعذيب الميت ببكاء ~~أهله عليه من غير حكمة ولا ذنب ولا عوض لكن قد روى ذلك ابن عمر عن ms317 النبي ~~صلى الله عليه وسلم وآله وردته عليه عائشة رضي الله عنها ورواه جماعة من ~~الصحابة رضي الله عنهم غير ابن عمر فاحتمل تأويله على أحد وجوه # الوجه الأول أن يكون الميت أوصى بذلك وعلى ذلك حمله البخاري وغيره لأن ~~ذلك كان عادتهم وهي قرينة قوية لهذا التأويل # الوجه الثاني أن يكون العذاب مستحقا للميت على ذنوبه لما ثبت في الصحيح ~~أن من نوقش الحساب عذب وأن أحدا لا يدخل الجنة بعمله وإنما يدخلها برحمة ~~الله تعالى وإن الباء في قوله تعالى @QB@ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ~~@QE@ باء السبب لا باء الثمن جمعا بين النصوص وهو من حمل المشترك على أحد ~~الحقيقتين بالحجة لا من صرف الظاهر إلى PageV01P341 المجاز والعقول والفطرة ~~ترجح ذلك فان سبحان الله تملأ الميزان والله أكبر تملأ ما بين السماء ~~والأرض بل قد صحت النصوص قرآنا وسنة أن السيئة بمثلها أو يعفو الله عنها ~~والوحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والله يضاعف لمن يشاء والصبر والصوم ~~بغير حساب # فاذا تقرر ذلك جاز أن يكون البكاء المحرم المغضب لله عز وجل سببا لمؤآخذة ~~الميت بما يستحقه من العقوبة على ذنوبه التي قدمها ونسب التعذيب إلى البكاء ~~لهذه السببية مع حسن تعذيبه لو لم يبك عليه بذلك ويكون هذا التعذيب ~~والاخبار به زاجرا عن الاصرار على سنة الجاهلية المستحكمة في طباعهم ~~المقوية للدواعي إلى إظهار الجزع ولطم الخدود وشق الجيوب وحلق الشعور وإن ~~لم يبكوا امتثالا لأمر الله عفا الله عن ميتهم وترك تعذيبه المستحق بذنوبه ~~مع ثوابهم على امتثالهم ويكون هذا العفو والاخبار به داعيا ومرغبا ولطفا في ~~فعل هذه الطاعة # الوجه الثالث أن يكون عذاب القبر مثل الآلام الدنيوية للعوض والاعتبار ~~مثل ما صح من ضمة اللحد ويكون مع بكاء فقط وإن ترك البكاء لم يزد على ضمة ~~اللحد وهذا أشار اليه الذهبي وذكر أن للبرزخ حكما بين حكم الدنيا والآخرة ~~وأنه ليس مثل الحال بعد اقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ~~والحجة ms318 في ذلك من الكتاب والسنة كما مضى وادعى الاشعري أنه اجماع أهل السنة ~~ذكره ابن كثير في البداية والنهاية والله أعلم # المسألة السادسة في التحسين العقلي ويدل عليه قوله تعالى @QB@ أو لم ~~يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق @QE@ ~~وتقدم طرف من ذلك في المسألة الأولى في إثبات حكمة الله تعالى ونزيد هنا ~~فنقول اختلف الناس في ذلك اختلافا ظاهره التباعد الكثير ومع تلخيص محل ~~النزاع والتوسط يسهل الامر ويقرب من الاتفاق فقد ذكر الرازي وغيره من ~~متكلمي الأشعرية أنه لا خلاف فيه باعتبارات ثلاثة PageV01P342 # أحدها باعتبار الشهوة والنفرة وثانيها باعتبار جلب النفع ودفع الضر ~~وثالثها باعتبار صفة النقص كالكذب والجهل وصفة الكمال كالصدق والعلم وعنوا ~~بالكذب الذي لم تدع اليه ضرورة وبالصدق الذي ليس بضار # ومن هنا لم يجوزوا وقوع الكذب في كلام الله تعالى لأنه صفة نقص قالوا ~~وإنما الخلاف في معرفة العقل لوجوب استحقاق الذم في الدنيا والعقاب في ~~الآخرة على فعل صفة النقص لا جوزها من غير وجوب وكذلك معرفة العقل لوجوب ~~استحقاق الثناء في الدنيا والثواب والثناء في الآخرة على فعل صفة الكمال لا ~~جواز ذلك من غير وجوب ولذلك حكى الزركشي في شرحه لكتاب السبكي المسمى جمع ~~الجوامع أن قوما توسطوا فقالوا إن القبح واستحقاق الذم عليه ثابت بالعقل ~~وأما العقاب فمتوقف على الشرع قال وهو الذي ذكره أسعد بن علي الزنجاني من ~~أصحابنا الشافعية وأبو الخطاب من الحنابلة وذكرته الحنفية وحكوه عن أبي ~~حنيفة قال وهو المنصور لقوته من حيث الفطرة وآيات القرآن المجيد وسلامته من ~~الوهن والتناقض اه # وقد تقدم في المسألة الأولى أن تسليم هذا القدر من التحسين العقلي يوجب ~~الموافقة على إثبات الحكمة في أفعال الله تعالى وأنه لا فرق في التحسين بين ~~الأقوال والأفعال وقد ثبت وقوف الأقوال على الحكمة حيث وجب القطع بأن الله ~~تعالى يختار الصدق على الكذب في جميع كلامه وكتبه والموجب ذلك هو بعينه ~~يوجب مراعاة الحكمة في الأفعال وهذه ms319 فائدة مهمة وحجة بينة ينبغي التعويل ~~عليها في دعاء من ينكر الحكمة إلى الحق والله الهادي # وقول الزركشي أن ذلك هو المنصور لموافقته الفطرة وآيات القرآن المجيد قول ~~صحيح وأراد بآيات القرآن المجيد ما ورد في ذلك مثل ما قدمنا من قوله تعالى ~~@QB@ أو لم يتفكروا في أنفسهم @QE@ الآية ومثل قصة موسى والخضر عليهما ~~السلام فانها صريحة في ذلك والحجة فيها من وجهين PageV01P343 أحدهما أن ~~موسى عليه السلام إنما أنكر ذلك بالفطرة العقلية بدليل أن الله تعالى قد ~~كان أعلمه أن الخضر أعلم منه والتفاضل إنما هو في الشرعيات ودقائق العقليات ~~فلما كان ما أنكره موسى من جليات العقليات حسب موسى أنه لا مفاضلة فيها إذ ~~كانت معرفتها بالبصيرة مخلوقة مثل خلق الاسماع والابصار أو حسب أن تفضيله ~~لم يكن في ذلك لأن موسى لم يدع أنه أعلم الناس بالعقليات والحجة من هذا ~~الوجه تحتمل النزاع البعيد # وثانيهما وهي الحجة القاطعة أن الخضر لم يحتج على موسى بمجرد ورود أمر ~~الله تعالى بذلك وان الامر الشرعي هو المحسن بذلك بمجرده وأن تقبيح العقول ~~لما يقبحه باطل بل جعل الجواب الشافي عن ذلك الرافع للريب عن موسى عليه ~~السلام هو بيان الحكمة الخفية المناسبة لمقتضى العقول في الموازنة بين ~~المضار والمصالح وتقديم ما ثبت من ذلك أنه الراجح وتحسين المضار متى اشتملت ~~على المصالح الراجحة وأدت إلى الغايات الحميدة وهذا عين مسألتنا ومحل ~~النزاع ولكن العقول أقل وأجهل وأدنى وأحقر من أن تحيط بجميع حكم الله تعالى ~~وأسراره وغايات ارادته في قضاياه وأقداره فلا يمكن الجزم بقبح شيء معين من ~~أفعال الله تعالى لأن أفعاله سبحانه وتعالى واضحة الحكمة بينة النفع ~~والصلاح للمتفكرين في ذلك وما كان منها متشابها وهو القليل فهو محتمل للحكم ~~الخفية وليس في أفعاله سبحانه وتعالى ما هو معلوم القبح للعقول بالضرورة ~~ألبتة # وبيان ذلك أن المعلوم قبحه بالضرورة هي المضار التي لا نفع فيها بوجه من ~~الوجوه ولا فيها احتمال لذلك عاجلا ولا آجلا ألبتة وكيف ms320 يمكن أن تحيط ~~العقول بذلك في شيء من أفعال الحكيم العليم وهو سبحانه وتعالى يقول @QB@ ~~وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون @QE@ وقد صرح الزمخشري بهذا المعنى في تفسير قوله تعالى ~~@QB@ هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن @QE@ PageV01P344 ) ومثال القبيح ~~بالضرورة الذي لا يجوز على الله بعثة الكذابين لما فيه من الفساد المتفاحش ~~وهو عدم الثقة بكلام الله تعالى وكلام جميع رسله عليهم السلام لا في دين ~~ولا في دنيا ولا في حد ولا في مهم ولا ترغيب ولا ترهيب وهذا هدم للمصالح ~~كلها والصلاح أجمع ولذلك كان الله أصدق القائلين وكان من أبغض الخلق اليه ~~الملك الكذاب لأن الذي قد يهون قبح الكذب في بعض المواضع ويعارض ما فيه من ~~الفساد هو الضرورة الملجئة اليه كخوف المضار ونحو ذلك والملوك أبعد الناس ~~منها لقدرتهم على دفع المضار وإن كانت قدرتهم قاصرة فكيف بملك الملوك الذي ~~هو على كل شيء قدير وعن كل شيء غني وإنما يجوز عليه ما تخفى فيه الحكمة على ~~الخلق لقصور علومهم من الامور المحتملة مثل ما سألت عنه الملائكة عليهم ~~السلام من الحكمة في خلق آدم وذريته لظنهم أنهم كلهم أشرار لا خير في أحد ~~منهم والشر المحض الذي لا خير فيه ألبتة لا عاجلا ولا آجلا قبيح في العقول ~~وأما الشر المشتمل على الخير والغايات الحميدة أو المجوز فيه شيء من ذلك ~~فلا مجال للعقول في القطع بقبحه ولذلك أجاب عليهم بقوله تعالى @QB@ إني ~~أعلم ما لا تعلمون @QE@ ولم يقل إنه يحسن مني كل ما تستقبحون وكل ما ~~تستقبحه العارفون ولو كانت أفعال الله معطلة من الحكم لم يكن لذكر علمه ~~وزيادته على علمهم معنى في هذا الموضع لأن الحكمة على قول الخصم ممتنعة ~~الامكان في حق الله تعالى فلم يتعلق بها علمه كما لا يتعلق برب ثان مشارك ~~له في الربوبية ومن ثم أظهر الله تعالى بعد ذلك فضل آدم بعلم ms321 الاسماء ولو ~~كان كما زعموا من تعطيل أفعاله من الحكم لفضله بغير سبب فدل على أنه أراد ~~ببيان شيء من الخير الذي أحاط به علمه في خلق آدم عليه السلام وذريته ولم ~~يحيطوا بشيء من الخير في ذلك فبين لهم أن فيه خيرا كثيرا وبان بذلك أن الشر ~~المحض لا يكون من أفعاله تعالى بخلاف الشر المشتمل على الخير فيكون فيها ~~ويكون ذلك الخير هو المقصود وهو المسمى تأويل المتشابة في لسان الشرع وغرض ~~الغرض في لسان الحكماء ولذلك قال تعالى لهم بعد ذلك إنه يعلم غيب السموات ~~والأرض ويعلم ما لا يعلمون وهذا يدل على ما قيل أن العالم كله كالشجرة وأهل ~~الخير من الخلق هم ثمرة تلك الشجرة ويدل عليه PageV01P345 قوله تعالى @QB@ ~~وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ أي ليعبدني العابدون منهم على أحد ~~التفاسير كما قررته بشواهده في العواصم # يوضح ذلك حديث الخليل عليه السلام وفيه نهيه عن الدعاء على من رآه يعصي ~~الله وفيه ان الله تعالى قال له إن قصر عبدي مني إحدى ثلاث إما أن يتوب إلي ~~فأتوب عليه أو يستغفرني فأغفر له أو أخرج من صلبه من يعبدني رواه الطبراني ~~ثم الهيثمي في مجمع الزوائد وهذه الاشارة مع الفطرة تكفي بحسب هذا المختصر ~~إن شاء الله تعالى وتقدمت بقية المباحث في المسألة الأولى في إثبات حكمة ~~الله تعالى # المسألة السابعة في الوعد والوعيد والاسماء الدينية وليس في هذه المسألة ~~تكفير ولا تفسيق باتفاق الفريقين فيما علمت إلا ما يأتي ذكره في إحدى ~~صورتين لا يقع فيهما أحد من أهل العلم والخير وهما التكذيب بعد التواتر ~~وتجويز الخلف على الله تعالى في الوعد بالخير لأن الفريقين متفقون على وجوب ~~صدق الله تعالى وإنما اختلفوا عند تعارض بعض السمع في كيفية الجمع بين ~~المتعارضات والترجيح لبعضها على بعض فيما يصح فيه الترجيح أو الوقف عند عدم ~~التمكن من الجمع والترجيح وقد صح بعض الاختلاف بين الملائكة عليهم السلام ~~كما دل عليه قوله تعالى @QB@ ما كان ms322 لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون ~~@QE@ كما تقدم شواهده في مسألة اثبات الحكمة وورد في الحديث الصحيح اختلاف ~~الملائكة في هذه المسألة بعينها وذلك حيث اختلفوا في حكم النادم المهاجر ~~بعد قتل مائة نفس حتى جاءهم ملك فحكم بينهم فكانت الاصابة لملائكة الرحمة ~~ولله الحمد والمنة والحديث طويل رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد ~~الخدري ولا يصح تأثيم أحد منهم بالاجماع لأن الذين أرادوا عذابه إنما اشتد ~~غضبهم لله تعالى والذين أرادوا نجاته إنما رجوا له سعة رحمة الله تعالى ~~فكذلك علماء الاسلام في هذه المسألة إنما خاف بعضهم من مفاسد الامان وخاف ~~بعضهم من مفاسد القنوط ومن مفسدة تكذيب البشرى ومفسدة ثقة الانسان بنفسه ~~وحوله وقوته وعلمه ونحو ذلك ومن نظر بعين التحقيق وجد القول الحق الوارد في ~~السنة خاليا من جميع هذه المفاسد PageV01P346 # ولا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله مبين لكتاب الله عز وجل ~~أمين على تأويله وأن المرجع في بيان كتاب الله تعالى إلى السنة الصحيحة ~~فليس في كتاب الله تعالى من تفاصيل الصلاة والزكاة والصوم والحج وأمثالها ~~إلا اليسير ولا شك أن الاستثناء من الوعد والوعيد وتخصيص العمومات بالأدلة ~~المتصلة والمنفصلة مقبول إما على جهة الجمع ولا شك في جوازه وصحته وحسنه ~~والاجماع على ذلك وكثرة وقوعه من سلف الامة وخلفها بل لا شك في تقديمه في ~~الرتبة والبداية بذلك قبل الترجيح فان تعذر الجمع فالترجيح فان وضح عمل به ~~وإن لم يتضح وجب الوقف لقوله تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ ~~ولذلك اخترت الوقف في حكم قاتل المؤمن بعد الانتصاف منه للمظلوم والقطع على ~~أنه فاسق ملعون واجب قتله والبراءة منه والقطع أن جزاءه جهنم خالدا فيها ~~كما قال الله تعالى على ما أراد وإنما وقفت في محل التعارض الذي أوضحته في ~~العواصم لا على حسب ما قيل في أن الله تعالى في هذه الآية هل بين جزاءه ~~الذي له أن يفعله إن شاء أو بين جزاءه ms323 الذي تخير له في تنجيزه حين لم يبق ~~إلا حقه بعد استيفاء حق المظلوم المقتول والله سبحانه أعلم # فمن رجح الجمع بين وعيد القاتل وبين قوله تعالى @QB@ ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء @QE@ وسائر آيات الرجاء وأحاديثه قال بالاول ومن رجح وعيد القاتل ~~في هذه الآية وفي الاحاديث المخصصة لقتل المؤمن بقطع الرجاء كما أوضحته في ~~العواصم رجح وعيد القاتل ومن تعارضت عليه ولم ير في تنجيز الإعتقاد مصلحة ~~ولا له موجبا ولا اليه ضرورة رجح الوقف والله عند لسان كل قائل ونيته # ولا شك في ترجيح النص الخاص على العموم وتقديمه وعليه عمل علماء الاسلام ~~في أدلة الشريعة ومن لم يقدمه في بعض المواضع لم يمكنه الوفاء بذلك في كل ~~موضع واضطر إلى التحكم والتلون من غير حجة بينة وقد أجمع من يعتد به من ~~المسلمين على تخصيص الصغائر من آيات الوعيد العامة على جميع المعاصي متى ~~كان أهل الصغائر من المسلمين ولم يلزم من ذلك خلف في آيات الوعيد ولا كذب ~~ولا تكذيب لشيء منها فكذلك PageV01P347 سائر ما صح من أحاديث الرجاء ليس ~~فيه مناقضة لعمومات آيات الوعيد ولا يستلزم تجويز الخلف على الله تعالى ~~وذلك باب واحد ولذلك اشتهرت أحاديث الرجاء في عصر الصحابة والتابعين ولم ~~ينكرها أحد بل رواتها أكابرهم وأئمتهم # وفي العواصم من ذلك عن علي عليه السلام بضعة عشر أثرا بل المخصصات ~~للعمومات في ذلك قرآنية وعمومات الوعد مانعة قبل تخصيص الوعيد من الجزم على ~~وقوع عمومه دون عموم الوعد على أن الخلف عند جماعات كثيرة لا يكون إلا عدم ~~الوفاء بالوعد بالخير وأما الوعيد بالشر فقد اختلف في تركه وأجمعوا على أنه ~~يسمى عفوا كما قال كعب ابن زهير # ( أنبئت أن رسول الله أوعدني % والعفو عند رسول الله مأمول ) # وإنما اختلفوا مع تسميته عفوا هل يسمى خلفا أم لا ومن منع من ذلك منع صحة ~~النقل له لغة واحتج على امتناعه بأنه لا يصح اجتماع اسم مدح واسم ذم على ~~مسمى واحد وقد ms324 تقدم زيادة في هذا في مسألة الحكمة فلينظر هناك # ويستثنى من هذا كل وعيد جعله الله تعالى نصر للانبياء والمؤمنين ووعدهم ~~به فانه يكون حينئذ وعدا لا يجوز خلفه كما قال صالح عليه السلام لقومه @QB@ ~~تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب @QE@ ولذلك سماه وعدا # وأما قصة يونس عليه السلام فقد تقدم الكلام عليها في مسألة الحكمة وكذلك ~~اختلفوا في قوله تعالى @QB@ ما يبدل القول لدي @QE@ هل هي خاصة فيمن نزلت ~~فيه من الكفار وهل فيها شيء من ذلك لقوله تعالى @QB@ إنا لننصر رسلنا ~~والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد @QE@ PageV01P348 أم لا ~~فمن قال بعمومها لم ينظر إلى سبب نزولها في الكفار وجعلها كقوله تعالى @QB@ ~~وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم @QE@ ومن ~~قصرها عليهم نظر إلى الجمع بين هاتين الآيتين وبين قوله تعالى @QB@ وإذا ~~بدلنا آية مكان آية @QE@ وقوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت ~~بخير منها أو مثلها @QE@ وخاصة إذا جوز أن نفي التبديل مقيد بيوم نقول ~~لجهنم هل امتلأت وأنه ظرف له فهؤلاء فهموا من مجموع الآيات أن التبديل ~~ينقسم إلى مذموم ومحمود فالمذموم ما كان من خير إلى شر والمحمود ما كان من ~~شر إلى خير أو من خير إلى خير أفضل منه أو مثله وجعلوا العفو خيرا من ~~العقوبة في حق المسلمين لما ورد في الاحاديث في هذا بعينه وفي من حلف على ~~يمين فرأى غيرها خيرا منها وأجمعت عليه الأمة في من حلف على يمين فرأى ~~غيرها خيرا منها # وينبغي هنا تحقيق النظر في الفرق بين الوعيد والخبر المحض عن الواقع في ~~المستقبل وذلك أن الوعيد يحسن ممن لا يعلم الغيب بخلاف الخبر المحض وإذا لم ~~يفعله لتوبة أو رحمة لم يعد في لغة العرب من الكذابين المذمومين فكيف إذا ~~كان إنما بين مراده ولم يرجع عنه لأنه عند هؤلاء في خطاب المسخوطين خاصة ~~كقول يوسف @QB@ معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا ms325 عنده إنا إذا ~~لظالمون @QE@ ولو كان له رغبة في رحمتهم وإسعادهم وجد اليه السبيل والله ~~سبحانه أعلم وأحكم # ومن أمثلة ذلك الحالف على أن لا يفعل ما يستحب فعله فان كان له حكمة ~~مرجحة لتركه وهو يخفيها كان له في اليمين عذر وإن أحب أن يفعل المستحب كان ~~له فيه المخرج ولله تعالى من ذلك كله أجمله وأحسنه وأكثره حمدا وثناء # وقد ذكرت في العواصم من أحاديث الرجاء المبينة للمراد في عمومات الوعيد ~~أكثر من أربعمائة حديث من دواوين الاسلام المعروفة مع ما شهد لها من الآيات ~~القرآنية ومن أعظمها بشرى حديث معاذ المتفق عليه وفيه PageV01P349 أنه قال ~~أفلا أبشر الناس قال دعهم يعملوا فدل على أنه على ظاهره وعلى أن جانب ~~الرجاء مكتوم للمصلحة يوضحه حديث من مات له ثلاثة لم تمسه النار قالوا ~~واثنان قال واثنان فقد كان أوهمهم بمفهوم العدد أن الرجاء يختص بالثلاثة ~~ولم يبدأهم بالبشرى بالاثنين لمصلحة التخويف ومنه قوله في ذلك لم تسمه ~~النار إلا تحلة القسم فدل على أن القدر الواجب المقسم عليه مجرد الورود في ~~حق المسلمين ولله الحمد # ومن ذلك أحاديث خروج من دخل النار من الموحدين برحمة الله تعالى ثم ~~بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وشفاعته من رحمة الله تعالى ~~والذي حضرني الآن من الأحاديث المصرحة بخروجهم من النار أحاديث كثيرة جدا ~~عن أكثر من عشرين من كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله من ذلك ~~في علوم آل محمد صلى الله عليه وسلم وآله عن علي بن أبي طالب عليه السلام ~~في باب ما يقال بعد الصلاة وفي مسند أحمد عن أبي بكر رضي الله عنه وابن ~~عباس رضي الله عنهما وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري وأنس بن ~~مالك وأبي هريرة وفي البخاري وحده عن عمران بن حصين وفي صحيح مسلم وحده عن ~~ابن مسعود وجابر بن عبد الله وفي مستدرك الحاكم عن أبي موسى عشرتهم عن رسول ~~الله صلى الله ms326 عليه وسلم وآله بذلك بألفاظ صريحة ضرورية لا تحتمل التأويل # وفي مجمع الزوائد مثل ذلك عن عشرة من الصحابة غير هؤلاء الذين ذكرتهم ~~ذكرتهم في العواصم والتواتر يحصل بهذا بل بدون ذلك ولا يشترط في رجاله ~~العدالة كيف وقد اجتمعا غالبا وما زالوا يروون ذلك في عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وآله وبعده لا ينكره منكر ولا يزجر عنه أحد ثم وافقهم جماعة ~~كثيرة على هذا المعنى لكن بغير لفظ الخروج من النار وذلك كثير جدا منهم من ~~روى أن الشفاعة نائلة من مات لا يشرك بالله شيئا كعبد الله بن عمر بن ~~الخطاب وأبي ذر الغفاري وعبد الله بن عمرو وعوف بن مالك وأبي هريرة وابن ~~عباس ومعاذ وأبي موسى وأنس وأبي أيوب وأبي سعيد ومنهم من روى حديث شفاعتي ~~لأهل الكبائر من أمتي كما ثبت ذلك من حديث جابر بن عبد الله PageV01P350 # وأنس بن مالك وابن عمرو رواه الحاكم في المستدرك من حديث جعفر ابن محمد ~~الصادق عن أبيه الباقر عن جابر وفي حديث ابن عمر حرب بن شريح وثقه جماعة ~~وفيه خلاف يسير ينجبر بالشواهد وروى عنه نحو ذلك بغير لفظه من طريق النعمان ~~بن قراد وهو ثقة رواهما الهيثمي في مجمعه ولفظ حديث النعمان أن شفاعتي ليست ~~للمؤمنين المتقين لكنها للمذنبين الخاطئين المتلوثين وروى الهيثمي نحو ذلك ~~عن أم سلمة وعبد الله ابن بسر وأبي أمامة ومنهم من روى أن الله يفدي كل ~~مسلم بكافر كما رواه مسلم من حديث أبي موسى بأسانيد على شرط الجماعة # ومن ذلك ما ورد فيمن كان آخر كلامه لا أله إلا الله وقد تقصاها الحافظ ~~ابن حجر في تلخيصه في كتاب الجنائز ثم ما ورد في الرجاء لأهل الأمراض ~~والفقر والمصائب وفي موت الاولاد والاصفياء وفي هذا النوع وحده عن ثمانية ~~عشر صحابيا ثم ما جاء في فضائل الايمان والاسلام والوضوء والصلوات والصدقة ~~والصلة والجهاد والشهادة والاذكار وسائر الاعمال الصالحة مع ما شهد لذلك من ~~سعة رحمة الله ms327 تعالى المنصوصة في الكتاب والسنة وأنها الموجبة دخول الجنة ~~لا العمل في أربعة عشر حديثا ويشهد لها أن الله تعالى سمى الجنة فضله في ~~غير آية وأن المائة الرحمة أعدت ليوم القيامة في عشرة أحاديث ويشهد لها ~~قوله تعالى @QB@ كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ~~@QE@ وما دل على جواز ورود ذلك من آيات القرآن الكريم وهي أنواع كثيرة # منها قوله تعالى @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء @QE@ وهي أبين آية في الوعد والوعيد وقد جودت الكلام عليها في العواصم ~~بحمد الله تعالى PageV01P351 # ومنها قوله تعالى بعد ذكر المتقين والفراغ منه @QB@ ونسوق المجرمين إلى ~~جهنم وردا لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا @QE@ # ومنها قوله تعالى @QB@ ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن @QE@ في أربع آيات ~~فانها أخص وأبين من وصف المؤمنين بعمل الصالحات إذ لا يمكن إحاطة الواحد ~~منهم بها كلها كما اعترف بها الزمخشري وإن المعنى في عملها عمل بعضها فأما ~~قول الكوفيين إن من قد تكون زائدة في الاثبات فلا يقطع الرجاء لو سلم لأن ~~الاكثر أنها فيه للتبعيض عند الجميع ومجرد تجويز أنها للتبعيض يوجب الرجاء ~~لو كان نادرا كيف وهو الأكثر إذ لا يجوز القطع في موضع الاشتراك بغير قاطع ~~فثبت الرجاء على كل تقدير ويعضده الوعد على الواحد منها كقوله تعالى @QB@ ~~ومن يوق شح نفسه @QE@ و @QB@ إن تقرضوا الله قرضا حسنا @QE@ مع شهادة السنة ~~لذلك مثل حديث أربعين خصلة وحديث اتقوا النار ولو بشق تمرة وقد بسط في ~~العواصم # ومنها قوله تعالى @QB@ خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ~~ربك إن ربك فعال لما يريد @QE@ وقد أوضحت هنالك وفي الاجادة أن الاستثناء ~~من الشر للنقصان ومن الخير للزيادة لقوله في أهل الحسنى لهم الحسنى وزيادة ~~وفي آية @QB@ لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد @QE@ وفي أخرى @QB@ ويزيدهم ~~من فضله @QE@ # وفي دواوين الاسلام الصحاح من غير طريق يقول الله الحسنة بعشرة أمثالها ms328 ~~أو أزيد والسيئة بمثلها أو أعفو رواه ابن عباس وأبو سعيد وأبو ذر وأبو رزين ~~أربعتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ولذلك قال الله تعالى بعد ~~الاستثناء من خلود أهل الجنة @QB@ عطاء غير مجذوذ @QE@ فأشار إلى أن ~~الاستثناء فيها للزيادة كما ثبت في سائر الآيات والأحاديث وكما PageV01P352 ~~قال بعد ذكر ثواب المؤمنين بالجنة @QB@ ورضوان من الله أكبر @QE@ ويشهد ~~لذلك قوله تعالى @QB@ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير ~~فلا راد لفضله @QE@ ولم يقل هنا إلا هو كما قال في كشف الضر وهذا من لطف ~~هذا الباب وأوضح منه قوله تعالى @QB@ ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب ~~المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما @QE@ ولم يقل ~~ليجزي الصادقين إن شاء كما قال في العذاب وفي سورة الليل تخصيص الحسنى وهي ~~الجنة بالوعد على التصديق بها والوعيد على التكذيب بها وفي الصحيح المتفق ~~على صحته حديث لم تمسه النار إلا تحلة القسم وفيه مأخذ قوي في معرفة القدر ~~المقسم عليه منه والله أعلم # ولهذا شواهد في القرآن والسنة يحصل بمجموعها قوة كثيرة ومما قيل أنه وقع ~~من ذلك قصة يونس لقوله تعالى @QB@ إلا قوم يونس @QE@ الآية والوقوع فرع ~~الصحة وأدل منها فكم من ممكن لم يقع ولا يقع ويستحيل فيما وقع أن يكون غير ~~ممكن وقد جود القرطبي الكلام في قصتهم في تذكرته وقال إن توبة الله عليهم ~~محض التفضل لأنهم قد كانوا مضطرين إليها بمشاهدتهم العذاب الذي وعدهم به ~~يونس صلوات الله وسلامه عليه والله سبحانه أعلم لكن يعارض ما ذكره قصة ~~فرعون فانه لم يقبل إيمانه حينئذ بل قال الله تعالى له @QB@ آلآن وقد عصيت ~~قبل وكنت من المفسدين @QE@ # والحق أن الله لا يخلف الوعيد الا أن يكون استثنى فيه وليس كل من شاهد ~~العذاب اضطر إلى الايمان لأنه قد يشك في أنه عذاب من الله أو من مصائب ~~الدنيا كما كان من ابن نوح فانه قال بعد مشاهدة ms329 الغرق الخارق والوعيد به ~~@QB@ سآوي إلى جبل يعصمني من الماء @QE@ فدل علي PageV01P353 اختلاف أحوال ~~الخلق في ذلك وبعد فالاضطرار فعل الله تعالي بالاتفاق فلا ينكر أنه يفعله ~~لبعض دون بعض # وأصح التفسير تفسير القرآن بالقرآن ثم بالحديث فاذا اجتمعا وكثرت ~~الأحاديث وصحت كان ذلك نورا علي نور يهدي الله لنوره من يشاء وكل ذلك رجاء ~~مقرون بالخوف مقطوع عن الامان لجهل الخواتم ولقوله تعالي @QB@ لمن يشاء ~~@QE@ بعد قوله @QB@ ويغفر ما دون ذلك @QE@ ولقوله في الصالحين @QB@ والذين ~~هم من عذاب ربهم مشفقون إن عذاب ربهم غير مأمون @QE@ وفي آية @QB@ إن عذاب ~~ربك كان محذورا @QE@ فلا يقتضي شيء من ذلك الاغراء والفساد لأن الشفاعة ~~إنما هي شفاعة من النار بعد دخولها وذلك من أعظم الصوارف عن المعاصي مع ما ~~يقع بسبب المعاصي في الدنيا والقبر ويوم القيامة من المؤاخذة علي ما شهدت ~~به الآيات والأخبار وكفي بقوله تعالي في مصائد الدنيا @QB@ وما أصابكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير @QE@ وفي قراءة @QB@ فبما كسبت ~~أيديكم @QE@ # وقد ذكرت في العواصم في التخويف أكثر من عشرين آية من كتاب الله تعالي ~~مما يختص بعصاة المسلمين وذكرت هنالك أيضا حديثا كثيرا في التحذير من مكر ~~الله وشديد عقابه أعاذنا الله منه وختمت بذلك الكلام في الرجاء كيلا يظن ~~الجهال أن المقصود بالرجاء هو الامان والتفريط وتضييع الاعمال واطراح ~~التقوي وقد جود الكلام في هذا المعني الشيخ العلامة الشهير بابن قيم ~~الجوزية تلميذ شيخ الاسلام ابن تيمية في كتابه الجواب الكافي فليطالع فانه ~~مفيد جدا # والجمع بين الخوف والرجاء سنة الله وسنة رسله عليهم السلام وسنة دين ~~الاسلام والاولي للانسان تغليب الخوف في حق نفسه إلا عند اقتراب الاجل ~~الاقتراب الخاص أعني عند ظهور امارات الموت في المرض الشديد PageV01P354 ~~وإلا فالموت قريب غير بعيد وذلك لما صح أن الله تعالي يقول أنا عند ظن عبدي ~~بي فليظن بي ما شاء ولهذا الحديث لم يكن تقديم عمومات الوعيد أولي من تقديم ~~خصوص آيات الرجاء وأحاديثه مع ms330 ما عضد هذا الحديث من نحو قول الملائكة عليهم ~~السلام للخليل عليه السلام @QB@ فلا تكن من القانطين @QE@ وقوله في جوابهم ~~@QB@ ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون @QE@ مع ما ورد في كتاب الله تعالي ~~من شواهد ذلك كقوله تعالي @QB@ يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون @QE@ هذه الآية تفسير قوله @QB@ إنما يخشى ~~الله من عباده العلماء @QE@ لأنه قصر الخشية عليهم حيث علموا الدار الآخرة ~~دون الكافرين كما دل عليه أول الآية ولم يقصرهم علي الخشية دون الرجاء كما ~~دل عليه وصفهم برجاء رحمة الله تعالي في غير آية وقوله تعالي @QB@ لقد كان ~~لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر @QE@ وقوله تعالي @QB@ ~~أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم @QE@ وقوله تعالي @QB@ يرجون تجارة ~~لن تبور @QE@ وقوله تعالي @QB@ ما لكم لا ترجون لله وقارا @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين @QE@ وقوله تعالي @QB@ وما ~~لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم ~~الصالحين @QE@ إلي @QB@ بما قالوا @QE@ وقوله تعالى @QB@ وادعوه خوفا وطمعا ~~إن رحمة الله قريب من المحسنين @QE@ فأكد الطمع بقوله إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين وهم المخلصون لإيمانهم من النفاق كما قرر في موضعه وقوله تعالى ~~@QB@ ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين @QE@ فأكد الرهب بذكر الخشوع ~~فبين أنه المقصود لا القنوط PageV01P355 وقول الخليل عليه السلام @QB@ ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم @QE@ وقول عيسي عليه السلام @QB@ وإن تغفر لهم فإنك ~~أنت العزيز الحكيم @QE@ وفي الخوف أكثر من ذلك كقوله @QB@ ولمن خاف مقام ~~ربه جنتان @QE@ وقوله تعالي @QB@ ذلك لمن خشي ربه @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~إنما يخشى الله من عباده العلماء @QE@ وقوله تعالي في الملائكة @QB@ يخافون ~~ربهم من فوقهم @QE@ وقوله تعالى في الصالحين @QB@ إن عذاب ربهم غير مأمون ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون @QE@ ~~وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله والله إني لأخشاكم لله وأمثال ذلك ~~مما يطول ذكره # والجمع بين الرجاء ms331 والخوف من وجهين أحدهما أن يرجو حين يذكر صفات ربه ~~ويخاف حين يذكر صفات نفسه لقوله تعالى @QB@ من خشي الرحمن @QE@ فسماه ~~بالرحمن في حال خوفه وثانيهما أن يخاف على نفسه ويرجو لغيره وتأمل قول ~~الخليل عليه السلام في خوفه على نفسه @QB@ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي ~~يوم الدين @QE@ ولم يقل والذي يغفر لي كما قال @QB@ والذي هو يطعمني ويسقين ~~وإذا مرضت فهو يشفين @QE@ وكذا قوله @QB@ عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا @QE@ ~~وقال عليه السلام في حق غيره @QB@ ومن عصاني فإنك غفور رحيم @QE@ فانظر ما ~~أشد خوفه على نفسه وأوسع رجاءه لغيره وهذا عكس ما عليه الاكثرون والله ~~المستعان # فان قيل هذا الكتاب مبني على الاحتياط ومذهب الوعيدية أحوط فكيف لم ~~تلتزمه في هذه المسألة # فالجواب أن الاحتياط باق مع الرجاء والخوف لوجهين أحدهما أن المفسدة إنما ~~هي في الأمان لكن من لم يتأمل لم يفرق بين الامان والرجاء والفرق بينهما ~~واضح ولذلك قيل من رجا خاف ومن خاف رجا ومن قديم ما قلت في هذا المعني هذه ~~الأبيات PageV01P356 # ( عذلي عابوا رجائي % عذلي جاروا وتاهوا ) # ( كيف لا أرجو الذي لا % يغفر الذنب سواه ) # ( جاء في القرآن منصوصا % وكل قد رواه ) # ( وهو أعلي رتب المجد % بعفو هو ما هو ) # ( قصر المدح عليه % فانظروا ذا المدح ما هو ) # ( هو حق أو محال % أو صحيح أو سواه ) # ( لا ومن لا يغفر الذنب % وإن جل سواه ) # ( إنه للحق صدقا % وصدوق من رواه ) # ( وسعيد من تلقا % بصدق ورجاه ) # ( وظلوم من يسميه % مني خاب مناه ) # ( الاماني رده الحق % اجتهادا بهواه ) # ( أو يري أهدي من % القرآن نهجا ما رآه ) # ( ويري الباطل في % مفهومه مهما تلاه ) # ( غير أن الله للعبد % بخوف ابتلاه ) # ( لصلاح فيه لا يغني عن الخوف سواه % ) # ( نحمد الله علي الخوف % فمولانا قضاه ) # ( لو محا الخوف رجائي % لمحا الخوف قضاه ) # ( من رجا خاف من الله % ومن خاف رجاه ) # ( ولذا اختص أولو العلم % ومن قد اصطفاه ) # ( بمزيد الخوف لله % مع وعد رضاه ) # ( لو رجا الكافر أوخاف % وقاه ms332 وكفاه ) # ( ذا رجائي فيه وإلا % رجاء زور لا أراه ) # ( فاعرف الارجاء تعلم % أن رجواه سواء ) # وثانيهما أن الاحتياط إنما هو بالعمل الصالح فان العمل الصالح هو موضع ~~الاحتياط فاما مجرد الإعتقاد فلا يمكن أن يكون أحد الاعتقادين PageV01P357 ~~أحوط ههنا لأنه من قبيل التصديق وهو واجب في الموضعين بل هو في الرجاء أوجب ~~اجماعا وإنما يمكن اعتقاد الاصح ولذلك اختلفت الملائكة عليهم السلام وكان ~~الصواب مع من رجا منهم كما تقدم في أول هذه المسألة # ويدل علي ذلك وجوه # الوجه الأول أن المقتضي للرجاء تقديم الخاص على العام عند تعارض السمع في ~~ذلك وذلك واجب ولا يمكن أن يكون ترك الواجب أحوط لأن تركه حرام وارتكاب ~~الحرام يناقض الاحتياط وينافيه فلم يمكن الاحتياط إلا في العمل فان زعموا ~~ان العموم في مسائل الإعتقاد قطعي فلا يجوز تخصيصه فالجواب من وجوه أولها ~~أنه يلزمهم مثله في عمومات الوعد بالمغفرة كقوله تعالى @QB@ يغفر لمن يشاء ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم @QE@ ~~وقوله تعالى ( ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ) في ثلاث آيات وقوله تعالى ~~@QB@ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا @QE@ وقوله تعالى @QB@ أعدت للكافرين @QE@ وفي الجنة ~~@QB@ أعدت للذين آمنوا بالله ورسله @QE@ وغير ذلك مما يطول ذكره وتقدم بعضه ~~بل المحافظة على الصدق في الوعد أوجب لأن الخلف فيه قبيح ضرورة وإجماعا وفي ~~الوعيد لا ضرورة فيه ولا إجماع وثانيها ان المخصصات قواطع كقوله تعالى @QB@ ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ وقوله تعالى @QB@ أعدت للكافرين @QE@ وقوله ~~@QB@ أن العذاب على من كذب وتولى @QE@ وقوله @QB@ لا يصلاها إلا الأشقى ~~الذي كذب وتولى @QE@ وغير ذلك وقد بسطت الردود على مطاعن المخالف في ~~الاحتجاج بها وغايتها ظواهر مثل عموماتهم فان وجب الجزم على ما يفهم من ~~عموماتهم لعلة وجب الجزم على ظواهر هذه لتلك العلة بعينها بل البعد عن ~~الخلف في الوعد أوجب لما تقدم وإن جاز حمل هذه على غير ظاهرها لدليل ms333 منفصل ~~جاز في عمومات الوعيد مثل PageV01P358 ذلك وكانت هذه هي الادلة المنفصلة ~~وإن لم يسلموا أنها قاطعة كانت معارضة توجب الوقف وأحاديث الشفاعة المصرحة ~~بخروج الموحدين من النار قاطعة في معناها بالاجماع وهي قاطعة في ألفاظها ~~كما أوضحناه فيما تقدم لورودها عن عشرين صحابيا أو تزيد في الصحاح والسنن ~~والمسانيد وأما شواهدها بغير لفظها فقاربت خمسمائة حديث فيها كثير من طريق ~~أهل البيت عليهم السلام كما مضى ورابعها أنه لا يمكن القطع على تكذيب ~~رواتها خاصة ومنهم جماعة من أهل البيت عليهم السلام ومتى لم يمكن حصل ~~التجويز ومتى حصل وجب قبول الثقة وخامسها أن المخالف وافق على قبول الآحاد ~~في مثل ذلك حيث يحتاجه كما قبلوا استثناء الدين من المغفرة للشهيد وهي ~~قرآنية واستثناء علي عليه السلام من قوله تعالى @QB@ فإن لم تفعلوا @QE@ في ~~آية النجوى وغير ذلك وسادسها أنهم أهل الدعوى والحجة عليهم وليس بأيديهم ~~إلا ظواهر معارضة بأمثالها وفي الموضع الثاني من الفصل الثالث من الجوهرة ~~في أقسام الخصوص أنه لا وجه للمنع من تخصيص الاخبار مع القرائن والاحتجاج ~~على الجواز بالعقل والسمع # قلت ومن الأدلة قوله تعالى في ريح عاد @QB@ ما تذر من شيء أتت عليه إلا ~~جعلته كالرميم @QE@ وقوله تعالى فيها @QB@ تدمر كل شيء بأمر ربها @QE@ مع ~~قوله تعالى @QB@ فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم @QE@ فخص مساكنهم # وقال في سورة القمر @QB@ إلا آل لوط نجيناهم بسحر @QE@ وخص امرأته من هذا ~~العموم في الحجر والنمل خصوصا منفصلا وأمثال ذلك كثير # وأما الاشعار الجملي بأن هذا العموم مخصوص فلو كان لوجب أن ينقل عادة ~~لكثرة العمومات المخصوصة فلما لم ينقل ألبتة علم بالعوائد أنه لم يكن فلم ~~يبق إلا أن كثرة وقوع التخصيص بعد العموم في اللغة والشرع تنزل منزلة ~~الاشعار بأن صيغة العموم ظنية لا يجوز استناد الإعتقاد القاطع PageV01P359 ~~اليها وكان هذا بمنزلة القرينة الصارفة عن القطع كما فهمت ذلك الصحابة على ~~ما شرح مطولا في العواصم لذلك جعلوا الاسباب في كثير من المواضع قرائن ~~قاصرة للعموم ms334 بل لأجل هذه الكثرة في تخصيصه قال المرتضى الموسوي أنه مشترك ~~بين العموم والخصوص ومتى لم يجد الوعيدي شفاء في هذه الادلة فلينظر في ~~عمومات الوعد التي هي أوجب صدقا من عمومات الوعيد وكيف أجتزئ فيها باليسير ~~من هذا ولم يجتزأ منه بشيء في حق خصمه فيعرف طبيعة العصبية الغالبة فربما ~~خفيت على المنصف حتى يتأملها حق التأمل والله الهادي وفي الموضع الرابع في ~~وقت بيان الخطاب من الفصل الثاني في الكلام في المجمل والمبين من الجوهرة ~~أيضا أن ذلك يعني تجويز تخصيص الاخبار يؤدي إلى الاغراء بالقبيح واعترضه ~~القاضي في تعليقه بما حاصله أن الجزم في موضع الظن خطأ من المكلف وقع منه ~~باختياره القبيح ولا ملجئ اليه وإن كان يكفيه اعتقاد أن ظاهر ذلك العموم ~~حقيقة لا مجاز ما لم يرد مخصص مع اعتقاده أيضا لاحتمال العموم حين ورد ~~للتخصيص كما هو مقتضى اللغة التي نزل علها القرآن وكما هو معتقده في عمومات ~~الوعد وقد بسط هذا بسطا شافيا في العواصم في مقدار مجلد كبير لمن أحب ~~التوسع في معرفة ما ورد في هذه المسألة # الوجه الثاني من الأصل أن المرجح له الاحتراز من تجويز الخلف على الله ~~تعالى في الوعد بالخير لأنه متفق على المنع منه عقلا وشرعا وإجماعا من ~~الامة الاسلامية وسائر الملل والرجح للوعيد المحافظة على الصدق في الوعيد ~~بالعقوبة وقد تقدم ما فيه من الخلاف والاحتمال والتعارض في الأدلة وأنه قد ~~يسمى عفوا لا خلفا وأنه من التبديل إلى ما هو خير ونحو ذلك مع أنه قد اقترن ~~به ما يمنع أن يكون خلفا وفاقا من شرط المشيئة ومن الفداء لكل مسلم بكافر ~~ونحو ذلك ولا شك في ترجيح الأول على الثاني لأن من تعمد القول بتجويز الخلف ~~على الله في الوعد بالخير فقد كفر بالاجماع والخطأ فيما عمده كفر بالاجماع ~~أشد قبحا والاحتراز منه أوجب عقلا وسمعا وقد قال الله تعالى @QB@ واتبعوا ~~أحسن ما أنزل إليكم من ربكم @QE@ PageV01P360 ) وقال @QB@ فبشر عباد الذين ~~يستمعون ms335 القول فيتبعون أحسنه @QE@ ولا شك أن تغليب جانب الرحمة وما يناسبها ~~أكثر ثناء على الله تعالى ولذلك كتبها على نفسه وتمدح بها وكثر اسماءه ~~المشتقة منها ومدح العافين والكاظمين كما يجيء في الوجه السابع إن شاء الله ~~تعالى # الوجه الثالث أنه قد ورد الوعيد الشديد على سوء الظن بالله تعالى وعلى ~~عدم قبول البشرى كما تقدم قريبا في نهي الملائكة للخليل عليه السلام عن ~~القنوط وفي جوابه عليهم وقال الله تعالى في ذلك @QB@ والذين كفروا بآيات ~~الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم @QE@ فخص الكافرين ~~باليأس من رحمته وتوعدهم عليه بأليم عقابه وقال تعالى @QB@ إنه لا ييأس من ~~روح الله إلا القوم الكافرون @QE@ وقال @QB@ إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو ~~البر الرحيم @QE@ بفتح أنه وهي قراءة وبذلك وردت السنة الصحيحة المفسرة ~~للقرآن فصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أنه قال ( يقول الله عز ~~وجل أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء ) وحديث الأمر بقبول البشرى وفيه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم وآله قال لأعرابي أبشر فقال قد أكثرت علي من ~~أبشر فأقبل على بعض أصحابه وقال إن هذا رد البشرى فأقبلا أنتما رواه ~~البخاري وفي المستدرك ومسند أحمد من حديث عكرمة بن عمار عن صمضم بن جوسي ~~اليمامي عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله يقول كان في ~~بني إسرائيل رجلان كان أحدهما مجتهدا في العبادة وكان الآخر مسرفا على نفسه ~~وكانا متآخيين فكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب فيقول يا هذا أقصر ~~فيقول خلني وربي أبعثت علي رقيبا قال إلى أن رآه يوما على ذنب استعظمه فقال ~~له ويحك أقصر فقال خلني وربي أبعثت علي رقيبا فقال والله لا يغفر لك فبعث ~~الله اليهما ملكا فقبض أرواحهما فاجتمعا عنده فقال للمذنب اذهب فادخل الجنة ~~برحمتي PageV01P361 وقال للآخر أكنت بي عالما أكنت على ما في يدي قادرا ~~اذهبوا به إلى النار قال فوالذي نفسي ms336 بيده لتكلم بكلمة أذهبت دنياه وآخرته ~~اه ويشهد له أحاديث ذم التألي على الله تعالى والنهي عن ذلك كما ذكره ابن ~~الأثير في النهاية ويعضده الحديث الصحيح صدفة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا ~~صدقته # وقد جمعت في هذا المعنى مصنفا مفردا سميته قبول البشرى وشرط الاحتياط أن ~~لا يكون فيه مخافة وفي القنوط واليأس من رحمة الله تعالى وتقنيط الناس منها ~~مع نصه على أنها كالعلم في سعتها أعظم مخافة فامتنع أن يكون ذلك وما ~~يستلزمه أو شيء منه أو يقاربه هو الاحوط خصوصا وقد ينتهي ذلك إلى الكفر في ~~صورتين أحدهما أن يرد ذلك أحد بعد التواتر له ومعرفته بتواتره عنادا لخصمه ~~ويقرب منه من يكذب مع تجويزه أنه صدر من رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ~~فانه لا يؤمن مع صحته أن يكون كفرا على اعتبار الانتهاء كمن يستخف بمصحف ~~وقد أخبر أنه مصحف وهو يجوز صدق من أخبره ولأن فيه مضارعة للاستهانة بأمر ~~النبوة حين أقدم على التكذيب من غير ملجئ اليه مع تجويز أنه كلام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وآله ولذلك حرم تكذيب ما يجوز صدقه من أخبار أهل الكتاب ~~لكن لا يقطع أنه كفر لا مكان أن يكون الحق اعتبار الابتداء دون الانتهاء أو ~~يسامح فيه لعدم تحققه # الوجه الرابع أنه لو اعتبر الاحتياط على ما توهمه السائل لكان الاحوط هو ~~مذهب الخوارج من الوعيدية لأنهم يجعلون الصغائر المتعمدة كبائر ويجعلون ~~جميع المعاصي كفرا إلا لسهو ونحوه وبه فسروا الصغائر وبعضهم يستثنى من ذلك ~~ما فيه حد لأن الكفر لا يجب معه حد لكن الأدلة قامت على بطلان قولهم ~~والنصوص تواترت بمروقهم والامر بقتلهم فصح أن الأحوط اتباع البراهين ~~الصحيحة دون مجرد التشديد PageV01P362 أحاديث الرجاء في كتب أهل البيت ~~وجميع فرق الاسلام كما تقدم واختلفت الملائكة فيها وكان الحق فيها مع ~~ملائكة الرحمة كما مضي # الوجه السادس أن الرجاء شرع للمصلحة الدينية لا للمفسدة وما شرع للمصلحة ~~الدينية لم يكن تركه أحوط ms337 وتلك المصلحة هي قوة دعاء الرغبة الممدوح في قوله ~~تعالى @QB@ ويدعوننا رغبا ورهبا @QE@ وتضعيف مفسدة القنوط المذموم بالنص ~~والاجماع وعدم الكبر على العصاة المذموم بالنص في تفسير الكبر والتخلق ~~بأعدل الاخلاق وأدلها على الانصاف وهو تغليب الرجاء على الخوف في حق الغير ~~وتغليب الخوف على الرجاء في حق النفس وهذا هو معظم المصلحة فيه وإنما يلزم ~~الفساد لو عكسنا ذلك وجعلناه وسيلة إلي المعاصي وأما مع إثبات الخوف ~~وترجيحه في حق النفس فهو سبب الصلاح للأخلاق والاعمال وسنة الانبياء ~~والأولياء # بيان ذلك أن الخليل عليه السلام جادل عن قوم لوط على جهة الرجاء لفضل ~~الله ورحمته لعله يمهلهم حتى يتوبوا اليه أو غير ذلك مما كان يسوغ ويحتمل ~~في شريعته عليه السلام فمدحه الله تعالى بذلك وقال في ذلك @QB@ إن إبراهيم ~~لحليم أواه منيب @QE@ مع خوفه على نفسه كما تقدم حيث قال @QB@ والذي أطمع ~~أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين @QE@ ولم يقل والذي يغفر لي وكذلك قال @QB@ ~~عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا @QE@ وكذالك قال عيسى عليه السلام فيمن أشرك ~~بعبادة عيسى @QB@ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم @QE@ وقال إبراهيم عليه السلام أيضا @QB@ ومن عصاني فإنك غفور رحيم ~~@QE@ فدل على أن سعة الرجاء للخلق مع التجويز لا تخالف الاحوط وأنه لا ذم ~~فيه ولا شبهة لأنه لا أبعد من الذم والشبهة من مثل خليل الله وروحه عليهما ~~السلام ولذلك قال علي عليه السلام الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من ~~رحمة الله ولم يؤمنهم مكر الله تعالى # الوجه السابع إن الرجاء مقتضي اسماء الله تعالى وممادحة الغالية السابقة ~~المكتوبة الواجبة أسماء الرحمة المحكمة والفضل العظيم التي هي PageV01P363 ~~أم الكتاب والمقصود الأول باجماع الحكماء والسلف الصالح كما تقدم في إثبات ~~حكمة الله تعالى وإن الخبر هو المراد لذاته والمراد الأول كما بسط في أواخر ~~حادي الأرواح فينظر فيه فانه من أنفس المصنفات في ذلك والخوف إنما وجب لأمر ~~عارض وهو خوف فساد العبد وغلبة هواه ms338 عليه فجعل وازعا له عنه أو صارفا ولذلك ~~كره عند أمان المعصية عند النزع وترقب لقاء الله تعالى وقال صلى الله عليه ~~وسلم وآله لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه فعلى قدر الخوف من الوقوع ~~في المعاصي يحسن تقوية الخوف من العذاب ولا شك في غلبة الهوى للابتلاء فيجب ~~تقوية الخوف واللجأ إلي الله تعالى في ذلك وهو نعم المعين # ثم إن هذه المسألة مما لا تجب معرفتها على كل مكلف لكن من عرف الحق فيما ~~لا يجب لم يحل له جحده ولا يصح أن يسمى جحده احتياطا وإن كان قد سوغ كتمه ~~في هذه المسألة في بعض المواضع حيث يخاف منه مفسدة كما ورد في بعض الاخبار ~~ولا يجوز أن يقال أنه مفسدة مطلقا لأن ذلك يكون ردا على الله تعالى وعلى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وآله وقد سمعه أصحابه والتابعون من أصحابه ولم ~~يفسدوا به بل قد بشر بالجنة منهم جماعة بأسمائهم فلم يفسدوا بذلك فمن فسد ~~فبسوء اختياره ونسبته لفساده إلي بشرى الله ورسوله وحسني أسمائه جناية أعظم ~~من جنايته وذلك بمنزلة من يقول من الخوارج إن اثبات الصغائر مفسدة أو ~~يمنزلة من يقول إن قبول التوبة مفسدة # فان قيل إن الرجاء يؤدي إلي تجويز أن الايمان قول بلا عمل وأن الجنة ترجى ~~بغير استحقاق لها بالعمل ولاول مذموم عند الجمهور والثاني خلاف النص في ~~قوله تعالى @QB@ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون @QE@ # فالجواب أن هذا غلط فاحش لأن القول من الاعمال نصا وإجماعا إذ لا خلاف ~~معتبر إن النار لا تدخل بغير عمل ونصوص القرآن في ذلك لا تحصى وإن الشرك ~~بالقول عمل موجب لعذاب النار فمن قال بذلك كيف يستطيع ان ينكر أن يكون ~~التوحيد عملا مثل ما ان الشرك عمل هذا مع ما ورد في الحديث الصحيح أن لا ~~إله إلا الله أفضل العمل وأجمعت PageV01P364 الامة على ذلك حيث يموت من ~~قالها عقيب قولها وعلى أنه لا يرد عليه هذا السؤال بل ms339 هو معلوم ضرورة من ~~دين الإسلام وأما قول القائل أن الجنة لا تدخل ألا بالاستحقاق بالعمل بالنص ~~فهذا كلام من لم يعرف النص لأن شرطه عدم الاشتراك والاشتراك في معنى الباء ~~معلوم فقد تكون للثمن وللسبب وهو أولى هنا للحديث المتواتر ولتسمية الجنة ~~فضل الله في كثير من الآيات كما بين في موضعه فالخلاف إذا في كيفية الجمع ~~بين الآيات ونحوها PageV01P365 # | فصل في ذكر من يقول بالرجاء ومن يقول بالارجاء والفرق بينهما # ثم إن القول بالرجاء مشهور في كل مذهب ذكره الحاكم في شرح العيون عن ~~جماعة من المعتزلة وذكر أن المعتزلي ليس هو الذي لا يقول بذلك ونسب ما ~~يقتضي ذلك إلى زيد بن علي عليه السلام في ترجمة له غير ترجمته المبسوطة ~~وتقدم شهرة ذلك أو تواتره عن علي عليه السلام لروايته عنه من بضعة عشر ~~طريقا # وفي تذكرة القاضي شرف الدين الحسن بن محمد النحوي عن زيد بن علي ما يدل ~~على ذلك وهو قوله بالصلاة على الفاسق وفي اللمع في الصلاة على الملتبس حاله ~~إن المصلي عليه يقول في الدعاء له اللهم إن كان محسنا فزده إحسانا وإن كان ~~مسيئا فأنت أولى بالعفو عنه وهذا تجويز للعفو عنه بل تحسين له وترجيح لا ~~يوافق قول الوعيدية بل هو عين الرجاء ولذلك اعترضه بعض الوعيدية المتأخرين ~~وفي التذكرة أيضا أن الارجاء ليس بكفر ولا فسق ذكره حيث ذكر أن المبتدع بما ~~لا يتضمن الكفر والفسق مقبول الشهادة ومثل ذلك بالارجاء مع أن الارجاء غير ~~الرجاء فان الارجاء عند أهل السنة مذموم وإن لم يصح في ذمه حديث # وقال الشيخ مختار المعتزلي في كتابه المجتبى في الكلام في التكفير في ~~المسألة السابعة ما لفظه لم تكفر شيوخنا المرجئة لأنهم يوافقونهم في جميع ~~قواعد الاسلام لكنهم قالوا عني الله بآيات الوعيد الكفرة دون بعض الفسقة أو ~~التخويف دون التحقيق وإن ذلك ليس بكفر اه وذكر نحو ذلك الحاكم في شرح ~~العيون وذكره نحوه القاضي عبد الله بن حسن الدواري ms340 في PageV01P366 تعليقه ~~على الخلاصة وقيل في توجيه ذلك أن معناه أنه لا خلاف أن الوعيد مشروط لكن ~~عند الوعيدية أنه مشروط بعدم التوبة من المعاصي لا سواء وعند أهل السنة ~~بعدم التوبة أو عدم العفو وعند المرجئة بعدم الاسلام ولا قائل منهم بتجويز ~~الكذب ألا ترى أن علماء التفسير وعلماء الاسلام قد يختلفون في بعض ما أخبر ~~الله عنه أنه يفعله لاختلافهم في توقف ذلك الخبر على شرط منفصل كما اختلفوا ~~في انزال المائدة مع قوله تعالى @QB@ إني منزلها عليكم @QE@ من غير تجويز ~~كذب على الله تعالى كما اشتملت عليه كتب التفسير والله تعالى أعلم بل قد ~~وعد الله الداعين بالاجابة في كتابه ووردت السنة بشروط في ذلك منها أن لا ~~يعجل الداعي ويقول قد دعوت فلم أجب ونحو ذلك # وكذلك أجمعوا على أن الوعد يتوقف على شرط في كثير كوعد من أقرض الله قرضا ~~حسنا بالمغفرة والمضاعفة فانه لابد فيه من شرط الموت على الاسلام اجماعا ~~فلذلك لم يكن القول بتوقيف الوعيد على شرط منفصل كفرا لأنه ليس فيه نسبة ~~قبيح إلى الله تعالى # ويدل على قول أهل السنة أن الوعيد مشروط بعدم التوبة وعدم العفو جميعا ~~قوله تعالى @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير @QE@ ~~وهي أخص من قوله تعالى @QB@ من يعمل سوءا يجز به @QE@ وأبين فيجب تقييدها ~~بعدم العفو مثل تقييدها بعدم التوبة سواء وخاصة مع ما ورد بتفسيرها بذلك من ~~حديث علي عليه السلام وفي تفسير من يعمل سوءا يجز به من حديث أبي بكر رضي ~~الله عنه وما صح وتواتر من قول الله تعالى الحسنة بعشرة أمثالها أو أزيد ~~والسيئة بمثلها أو أعفو والله أعلم # وممن روى عنه الارجاء من المعتزلة في كتب المعتزلة محمد بن شبيب وغيلان ~~الدمشقي رأس الاعتزال ومويس بن عمران وأبو شمر وصالح قبه والرقاشي واسمه ~~الفضل بن عيسى والصالحي واسمه صالح بن عمرو والخالدي وغيرهم ذكرهم القاضي ~~في تعليق الخلاصة وزاد الشهرستاني PageV01P367 مع هؤلاء من المعتزلة بشار ms341 ~~بن عتاب المريسي والغياثي وقال القاضي في تعدادهم ومن الفقهاء القائلين ~~بالعدل سعيد بن جبير وحماد بن سليمان وأبو حنيفة وأصحابه وأبو القاسم ~~البستي من أصحاب المؤيد بالله وهو مذهب الامام الداعي إلى الله تعالى من ~~أئمة الزيدية ذهب اليه واعترض عليه به # ورواه عنه السيد صلاح ابن الجلال رحمه الله تعالى وكذلك غير الامام ~~الداعي من الزيدية مثل الفقيه محمد بن حسن السودي الصالح والسيد العلامة ~~داود بن يحيى والفقيه العلامة علي بن عبد الله بن أبي الخير وغيرهم ممن ~~عاصرته وأدركته # وفي الجامع الكافي على مذهب الزيدية عن محمد بن منصور في هذه المسألة أنه ~~قال المؤمن المذنب لله تعالى فيه المشيئة إن غفر له فبفضله وإن عذبه فبعدله ~~قلت فهذا رجاء لا ارجاء والرجاء مذهب أهل السنة والسلف وفي كتب الرجال نسبة ~~الارجاء المذموم إلى جماعة من رجال البخاري ومسلم وغيرهما من الثقات ~~الرفعاء منهم ذر بن عبد الله الهمداني أبو عمرو التابعي حديثه في كتب ~~الجماعة كلهم وقال أحمد هو أول من تكلم في الارجاء وأيوب بن عائذ الطائي ~~حديثه خ م ت د وسالم بن عجلان الافطس في ( خ د س ق ) وكان داعية إلى ~~الارجاء وشبابة بن سوار أبو عمرو المديني وكان داعية وقيل أنه رجع عنه وابن ~~عبد الرحمن أبو يحيى الحماني الكوفي حديثه عند خ م ت ق وكان داعية إلى ذلك ~~وعثمان بن غياث الراسبي البصري في خ م د س وعمرو بن ذر الهمذاني الكوفي من ~~كبار الزهاد والحافظ وكان رأسا في الارجاء حديثه في خ ت د س وعمرو بن مرة ~~الجملي أحد الاثبات من كبار التابعين حديثه عند الجماعة كلهم وابراهيم بن ~~طهمان الخراساني أحد الائمة حديثه عندهم وقيل رجع ومحمد بن خازم أبو معاوية ~~الضرير أثبت أصحاب الاعمش حديثه عندهم وورقاء بن عمرو الكوفي اليشكري حديثه ~~عندهم ويحيى بن صالح الوحاظي الحمصي حديثه عند خ م ت د ق وعبد العزيز بن ~~أبي رواد الحمصي خرج له ms342 الاربعة واستشهد به البخاري فهؤلاء ممن ذكره ابن ~~حجر في مقدمة شرح البخاري والذهبي في الميزان فكيف لو تتبع سائر الرواة من ~~كتب الرجال الحافلة فلقد ذكر الذهبي في ترجمة هشام ابن PageV01P368 حسان من ~~الميزان على هدبة بن خالد أحد رجال البخاري ومسلم أنه يقول عن شعبة بن ~~الحجاج على جلالته أنه يرى الارجاء دع عنك الرجاء بل ذكر الذهبي في ترجمة ~~الفضل بن دكين عن ابن معين أن الفضل إذا قال في رجل كان مرجئا فانه صاحب ~~سنة لا بأس به وإذا أثنى على رجل أنه جيد فهو شيعي قال الذهبي هذا القول من ~~يحيى يدل على أنه كان مائلا إلى الارجاء وهو خير من القدر بكثير # قلت وهو يحتمل ان ابن معين يعني أن الفضل كان يسمي الرجاء ارجاء تحاملا ~~على أهل السنة أو عدم معرفة بالفرق بينهما كما هو عمل كثير من المتأخرين بل ~~هذا الاحتمال أقوى والالزم أن يكون ابن معين يعتقد أن الارجاء مذهب أهل ~~السنة كلهم وهذا باطل بالضرورة فقد رد كل واحد من أهل دواوين الاسلام الستة ~~على المرجئة في كتبهم المشهورة # وأما أول من تكلم فيه فقيل ذر بن عبد الله كما تقدم عن أحمد وقيل الحسن ~~بن محمد بن الحنفية كما في الملل والنحل وفي تهذيب المزي وفي غيرهما وفي ~~البخاري ومسلم عن ابن مسعود ما يقتضي أنه تكلم فيه فان فيهما عنه قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وآله كلمة وقلت الثانية قال من مات يشرك بالله دخل ~~النار وقلت من مات لا يشر بالله دخل الجنة وفي رواية فيهما أنه يرفع ذلك ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ذكرهما ابن الأثير في جامعه ونسب ~~ذلك الشهرستاني إلى سعيد بن جبير وجماعة غير من ذكرت هنا والله أعلم من يصح ~~عنه الارجاء ومن غلط عليه في تسمية الرجاء ارجاء فان الرجاء هو القول بان ~~الله تعالى لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ms343 على الاجمال في ~~المغفور لهم لا في المغفور كما أوضحته في العواصم وجودت الكلام على هذه ~~الآية في أكثر من كراس كبير # وأما الارجاء فهو القول بأن الله تعالى يغفر ما دون ذلك لأهل التوحيد ~~قطعا وحملوا وحملوا الأحمال على أنه جاء لاخراج مغفرة الكبائر التي دون ~~الشرك للمشركين فانه لو لم يجمل ذلك بالشرط المذكور لزم ذلك وزعموا أن بيان ~~ذلك ورد في السنة وأن الخوف صحيح ولكن زعموا أنه لسوء الخاتمة PageV01P369 ~~وخوف الموت على غير الاسلام وهذا القول الذي قالوه اسراف في القول ويخاف ~~منه أن يقوي جانب الامان كما أن قول الوعيدية يخاف منه أن يقوي جانب القنوط ~~وخير الأمور أوساطها والذي جاء في السنة مما يقتضي مذهب الارجاء معارض ~~بأحاديث الشفاعة وفيها التصريح بدخول عصاة الموحدين النار ثم بخروجهم منها ~~بالشفاعة والجمع بينها وبين تلك الأحاديث مذكور في العواصم فقد جاءت هذه ~~المسألة فيه في مجلد ونسأل الله تعالى أوفر حظ ونصيب من خوفه ورجائه وطاعته ~~وفضله العظيم ورحمته الواسعة السابقة الغالبة التي كتبها على نفسه أنه هو ~~الغفور الرحيم # المسألة الثامنة في الولاء والبراء والتكفير والتفسيق وما يتعلق بذلك على ~~طريق الاختصار قال الله تعالى @QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو ~~عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن ~~حزب الله هم المفلحون @QE@ وهي من قواعد هذا الباب والدواعي إلى المحافظة ~~عليه وقال تعالى @QB@ ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم ~~أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون @QE@ وصح بلا خلاف حديث ~~المرء مع من أحب وشواهده وطرقه كثيرة # وفي سنن أبي داود من حديث أبي ذر مرفوعا أفضل الاعمال الحب في الله تعالى ~~والبغض في الله تعالى وللحاكم من حديث عائشة مرفوعا الشرك في هذه الامة ms344 ~~أخفى من دبيب النمل وأدناه أن يحب على شيء من الحور ويبغض على شيء من العدل ~~وهل الدين إلا الحب والبغض رواه الحاكم في تفسير آل عمران من المستدرك وقال ~~صحيح الاسناد وفي مسند البراء من مسند أحمد حدثنا اسماعيل هو ابن إبراهيم ~~بن علية قال حدثنا ليث عن عمرو بن مرة عن معاوية بن سويد بن مقرن عن البراء ~~ابن عازب قال كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم وآله فقال أي عرى ~~الاسلام PageV01P370 أوثق قالوا الصلاة قال حسنة وما هي بها قالوا الزكاة ~~قال حسنة وما هي بها قالوا صيام رمضان قال حسن وما هو به قالوا الحج قال ~~حسن وما هو به قالوا الجهاد قال حسن وما هو به قال إن أوثق عرى الاسلام أن ~~تحب في الله وتبغض في الله عز وجل # وفي هذا فروع مفيدة الاول أن هذا كله في الحب الذي هو في القلب وخالصة ~~لأجل الدين وذلك للمؤمنين المتقين بالاجماع وللمسلمين الموحدين إذا كان ~~لأجل اسلامهم وتوحيدهم عند أهل السنة كما يأتي وأما المخالفة والمنافعة ~~وبذل المعروف وكظم الغيظ وحسن الخلق واكرام الضيف ونحو ذلك فيستحب بذله ~~لجميع الخلق إلا ما كان يقتضي مفسدة كالذلة فلا يبذل للعدو في حال الحرب ~~كما اشارت اليه الآية @QB@ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ~~@QE@ كما يأتي وأما التقية فتجوز للخائف من الظالمين القادرين وأما الفرق ~~بين ما يجوز من المنافعة والمداهنة وما لا يجوز من الرياء فما كان من بذل ~~المال والمنافع فهو جائز وهو المنافعة وربما عبر عنه بالمداهنة والمداراة ~~والمخالفة وما كان من أمر الدين فهو الرباء الحرام ويأتي ما يدل على ذلك في ~~الأدلة المذكورة في هذه المسألة # ومن كلام الامام الداعي إلى الله تعالى يحيى بن المحسن عليه السلام في ~~الرسالة المخرسة لأهل المدرسة لا يجوز أن تكون الموالاة هي المتابعة فيما ~~يمكن التأويل فيه لأن كثيرا من أهل البيت عليهم السلام قد عرف بمتابعة ~~الظلمة لوجه يوجب ms345 ذلك فتولى الناصر الكثير منهم وصلى بهم الجمعة جعفر ~~الصادق وصلى الحسن السبط على جنائزهم وأقام علي بن موسى الرضا مع المأمون ~~وكثر جماعته وتزوج ابنه محمد ابنة المأمون وغير ذلك والوجه فيه أن الفعل لا ~~ظاهر له فتأويله ممكن وذكر الامام المهدي محمد بن المطهر عليهما السلام أن ~~الموالاة المحرمة بالاجماع هي موالاة الكافر لكفره والعاصي لمعصيته ونحو ~~ذلك # قلت وهو كلام صحيح والحجة على صحة الخلاف فيما عدا ذلك PageV01P371 أشياء ~~كثيرة منها قوله تعالى في الوالدين المشركين بالله @QB@ وصاحبهما في الدنيا ~~معروفا @QE@ ومنها قوله تعالى @QB@ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ~~إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا ~~على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون @QE@ وفي الحديث أنها ~~نزلت في قتيلة أم أسماء بعد آيات التحريم رواه أحمد والبزار والواحدي ~~وتأخرهما واضح في سياق الآيات وقرينة الحال مع هذا الحديث ومع حديث ابن عمر ~~الآتي ولو لم يصح تأخر ذلك في هذين الحديثين وغيرهما فالخاص مقدم على العام ~~عند جهل التاريخ عند الجمهور ورجحه ابن رشيد في نهايته بالنصوصية على ما هو ~~خاص فيه ويدل عليه ما ثبت في القرآن والسنة الصحيحة المتفق عليها من حديث ~~علي عليه السلام في قصة حاطب على ما ذكره الله تعالى في أول سورة الممتحنة ~~وذكره أهل الحديث وأهل التفسير جميعا فان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وآله قبل عذره بالخوف على أهله في مكة والتقية بما لا يضر في ظنه # فان قيل القرآن دال على أنه قد أذنب لقوله @QB@ ومن يفعله منكم فقد ضل ~~سواء السبيل @QE@ فكيف يقبل ما جاء من قبول عذره # قلت إنما قبل عذره في بقائه على الايمان وعدم موالاة المشركين لشركهم ~~ولذلك خاطبه الله بالايمان فقال @QB@ يا أيها الذين آمنوا @QE@ والعموم نص ~~في سببه فاتفق القرآن والحديث وأما ذنبه فانه لا يحل مثل ما ms346 فعله لأحد من ~~الجيش إلا باذن أميرهم لقوله تعالى @QB@ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف ~~أذاعوا به @QE@ الآية ولأن تحريم مثل ذلك بغير إذن الأمير إجماع ومع إذنه ~~يجوز فقد أذن في أكثر من ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآله حيلة في ~~حفظ المال فلو كان مثل ذلك موالاة لم يأذن فيه صلى الله عليه وسلم وآله فدل ~~PageV01P372 على أن ذنب حاطب هو الكتم لما فيه من الخيانة لأنفس الفعل لو ~~تجرد من الكتم والخيانة والله أعلم # ويدل عليه قوله تعالى @QB@ أشداء على الكفار رحماء بينهم @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون @QE@ فأمره بالبراءة من عملهم ~~القبيح لا منهم وكذلك تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم وآله مما فعل خالد بن ~~الوليد ولم يبرأ منه بل لم يعزله من امارته ولأن الله تعالى علل تحريم ~~الاستغفار للمشركين بقوله @QB@ من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم @QE@ ~~فكل ذنب يستغفر أو نحو ذلك فيه لم تلزم لذنب الشرك في ذلك حتى احتج بها ~~بعضهم على جواز الاستغفار للمشركين قبل أن يموتوا على الشرك وتأولوا عليه ~~حديث اللهم اغفر لقومي فانهم كانوا جاهلين وهو في خ م وحديثا آخر لعلي عليه ~~السلام في تأويل استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه كذلك رواه أحمد ويدل ~~عليه قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم @QE@ عن ابن عباس ~~هم الذين منعهم أهلهم عن الهجرة لما هاجروا ورأوا الناس قد فقهوا هموا أن ~~يعاقبوا أهليهم الذين منعوهم ومن قال كانوا مشركين فليس بشيء لأنها مدنية ~~وقد كان حرم نكاح الكوافر وفيه نظر ويدل عليه ما تقدم في حديث الحب على شيء ~~من الجور والبغض على شيء من العدل ويدل عليه جواز نكاح الفاسقة بغير الزنا ~~وفاقا ونكاح الكتابية عند الجمهور وظاهر القرآن يدل عليه وفعل الصحابة ومنه ~~امرأة نوح وامرأة لوط وقوله للكفار @QB@ هؤلاء بناتي هن أطهر ms347 لكم @QE@ # ومن ها هنا أجاز المشددون في الولاء والبراء أن يحب العاصي لخصلة خير فيه ~~ولو كافرا كأبي طالب في أحد القولين وعلى الآخر حب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وآله له قبل إسلامه وهو مذهب الهادوية ويدل لهم في المسلم حديث شارب ~~الخمر الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم وآله عن سبه بعد حده وقال ( لا ~~تعينوا PageV01P373 الشيطان على أخيكم أما أنه يحب الله ورسوله رواه ~~البخاري وكذلك حديث ضمضم عن أبي هريرة في المتآخيين المجتهد في العبادة ~~والمسرف على نفسه كما تقدم في المسألة السابعة بل يدل عليه في حق أهل ~~الاسلام قوله تعالى @QB@ وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى ~~تؤمنوا بالله وحده @QE@ فجعل الايمان بالله وحده غاية ينقطع عندها وجوب ~~العداوة والبغضاء ومنه استئذانه صلى الله عليه وسلم وآله في زيارة قبري ~~والديه وزيارته لهما وشفاعة إبراهيم لأبيه فان الباعث على تخصيصهم بذلك هو ~~الحب للرحامة ومنه @QB@ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات @QE@ @QB@ فلعلك باخع ~~نفسك @QE@ لشدة شفقته ورفقه ومن ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنه قال كنا ~~نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ قال يعني النبي صلى الله عليه وسلم وآله ~~اني ادخرت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي فأمسكنا عن كثير مما كان في ~~أنفسنا ثم نطقنا بعد ورجونا رواه في مجمع الزوائد في موضعين من خمس طرق ~~أحدها صحيح وله شاهد عن ابن مسعود بل أحاديث الشفاعة المتواترة تشهد له ~~والله أعلم # فيه وفي آية الممتحنة فائدة نفيسة هي أن ذلك آخر الامرين إن روى ما يعارض ~~هذه الأدلة وقد ذكرت في العواصم أدلة كثيرة على تأخر ذلك في أول مسألة ~~الوعد والوعيد وهي مفيدة جدا ثم وجدته قد ذكره النووي وقواه في شرح مسلم ~~ويعضده ما نص عليه من العفو عمن فر يوم أحد ومن حديث أهل الافك إلا الذي ~~تولى كبره منهم لأنه عبد الله بن ms348 أبي بن سلول وهو منافق ومنه حديث مسطح ~~ونزول الآية فيه ومنه تحريم المشاحنة والمهاجرة بل جعلها كالشرك في منع ~~المغفرة للمتهاجرين حتى يصطلحا كما صح ذلك من حديث أبي هريرة وله شواهد ~~كثير عن أبي بكر وعوف بن مالك وعبد الله بن عمر ومعاذ وأبي ثعلبة وأسامة ~~وابن مسعود وجابر ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد في شحناء الرجل على أخيه ~~والاخ يطلق على المسلم لقوله تعالى @QB@ فإن بغت إحداهما على الأخرى ~~فقاتلوا التي تبغي @QE@ إلى قوله @QB@ إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين ~~أخويكم @QE@ فسمى الباغي أخا ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله في ~~المحدود PageV01P374 في الخمر لا تعينوا الشيطان على أخيكم كما تقدم ولأن ~~العمل بذلك في أحاديث الشحناء وحقوق المسلم على المسلم هو الأظهر والأحوط ~~ما لم يؤد إلى الفساد في الدين والتهوين لمعاصي رب العالمين ويخرج من هذا ~~أهل النفاق بالنصوص والاجماع فلذلك قال أهل السنة تجب كراهة ذنب المذنب ~~العاصي ولا تجب كراهة المسلم نفسه بل يجب لاسلامه قلت حبا لا يوقع في معصية ~~ولا يؤدي إلى مفسدة ويكره ذنبه وهو قول أحمد بن عيسى من أهل البيت ذكر ~~معناه عنه صاحب الجامع الكافي في ولاية علي عليه أفضل السلام # الفرع الثاني أن يسير الاختلاف لا يوجب التعادي بين المؤمنين وهو ما وقع ~~في غير المعلومات القطعية من الدين التي دل الدليل على تكفير من خالف فيها ~~والاصل في الامور المختلف فيها هو عدم العلم الضروري الذي يكفر المخالف فيه ~~حتى يدل الدليل على ذلك وفي إثبات مسائل قطعية شرعية لا ظنية ولا ضرورية ~~خلاف والصحيح أنه لا واسطة بينهما مثلما أنه لا واسطة بين التواتر والظن في ~~الاخبار وفاقا وعلى هذا نقل التكفير والتأثيم والذي يدل على أنه معفو عن ~~يسير الاختلاف وجوه # أحدها أنه وقع بين الملائكة عليهم السلام قال تعالى @QB@ ما كان لي من ~~علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون @QE@ وفي حديث البخاري ومسلم عن الخدري في ~~حديث القاتل مائة نفس أنها اختصمت ms349 فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب حتى ~~أرسل الله ملكا يحكم بينهم # وثانيها ثبت في كتاب الله تعالى حكاية الاختلاف بين موسى والخضر وبين ~~موسى وهارون وبين داود وسليمان وهو صريح ما نحن فيه لأن اختلافهما في حادثة ~~واحدة في وقت واحد في شريعة واحدة # وثالثها ما رواه ابن مسعود قال سمعت رجلا قرأ آية وسمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وآله يقرأ خلافها فأخبرته فعرفت في وجهه الكراهة فقال ? < ~~كلاكما محسن ولا تختلفوا فان من قبلكم اختلفوا فهلكوا PageV01P375 # رواه البخاري والنسائي وعن عمر بن الخطاب مثله في قضيته مع هشام بن حكيم ~~رواه الجماعة كلهم ولهذا المعنى طرق جمة تقتضي تواتره ذكرتها في العواصم ~~وفي خ م س عن جندب مرفوعا اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فاذا ~~اختلفتم فقوموا عنه فهذا الخلاف الذي نهى عنه وحذر منه الهلاك هو التعادي ~~فأما الاختلاف بغير تعاد فقد أقرهم عليه ألا تراه قال لابن مسعود كلاكما ~~محسن حين أخبره باختلافهما في القراءة ثم حذرهم من الاختلاف بعد الحكم ~~باحسانهما في ذلك الاختلاف فالاختلاف المحذر منه غير الاختلاف المحسن به ~~منهما فالمحذر منه التباغض والتعادي والتكاذب المؤدي إلى فساد ذات البين ~~وضعف الاسلام وظهور أعدائه على أهله والمحسن هو عمل كل أحد بما علم مع عدم ~~المعاداة لمخالفة والطعن عليه وعلى ذلك درج السلف الصالح من أهل البيت ~~والصحابة والتابعين وصنف محمد بن منصور في هذا كتاب الحملة والالفة وحكى ~~فيه عن قدماء المعتزلة التوالي مع الاختلاف في بعض العقائد بل حكى ذلك عن ~~قدماء العترة أيضا وقد نقلت كلامه في ذلك بحروفه إلى مسألة القرآن من ~~العواصم # الفرع الثالث في التكفير والتفسيق بالتأويل لأنه لا يفيد إلا الظن وفي ~~التكفير بالتأويل أربعة أقوال الأول أنه لا كفر بالتأويل الثاني أنه يكفر ~~به ولكن لا تجري عليهم أحكام الكفار في الدنيا الثالث أن أمرهم إلى الامام ~~في الاحكام الرابع أنه كالكفر بالتصريح فيكون قتالهم إلى آحاد الناس على ~~الصحيح في الكفار بالتصريح ms350 واختلف في كفار التأويل من هم على أربعة أقوال ~~أيضا الأول أنهم من أهل القبلة الثاني من ذهب إلى مذهب وهو فيه مخطئ بشبهة ~~يعلم بطلانها دلالة من الدين والصريح بخلافه الثالث من ذهب إلى الخطأ بشبهة ~~والصريح بخلافه الرابع من ورد فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ~~أنه كافر والصريح بخلافه # واعلم أن أصل الكفر هو التكذيب المتعمد لشيء من كتب الله تعالى المعلومة ~~أو لأحد من رسله عليهم السلام أو لشيء مما جاؤوا به إذا كان ذلك الأمر ~~المكذب به معلوما بالضرورة من الدين ولا خلاف أن هذا القدر PageV01P376 كفر ~~ومن صدر عنه فهو كافر إذا كان مكلفا مختارا غير مختل العقل ولا مكره وكذلك ~~لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع وتستر باسم التأويل ~~فيما لا يمكن تأويله كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى بل جميع ~~القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار وإنما ~~يقع الاشكال في تكفير من قام بأركان الاسلام الخمسة المنصوص على اسلام من ~~قام بها إذا خالف المعلوم ضرورة للبعض أو للاكثر لا المعلوم له وتأويل ~~وعلمنا من قرائن أحواله أنه ما قصد التكذيب أو التبس ذلك علينا في حقه ~~وأظهر التدين والتصديق بجميع الأنبياء والكتب الربانية مع الخطأ الفاحش في ~~الإعتقاد ومضادة الادلة الجلية عقلا وسمعا ولكن لم يبلغ مرتبة الزنادقة ~~المقدمة وهؤلاء كالمجبرة الخلص المعروفين بالجهمية عند المحققين وكذلك ~~المجسمة المشبهة في الذات التشبيه المجمع على أنه تشبيه احترازا عما لا نقص ~~فيه مجمع على أنه نقص مع اثبات كمال الربوبية وخواصها وجميع صفات الكمال ~~وإلا كان كفرا صريحا مجمعا عليه وكذلك القدرية على كلا التفسيرين فان ~~القدران فسر بعلم الغيب السابق فهم من نفاه ونفيه كفر بالاجماع وإن فسر ~~بالجبر ونفى الاختيار عن العباد ونفى التمكين لهم فهم من أثبته كما تقدم ~~بيانه فهؤلاء المشبهة والمجبرة معا اختلف علماء الاسلام في تكفيرهم بعد ~~إجماعهم على تقبيح عقائدهم وانكارها فذكر الامام يحيى في ms351 التمهيد أنههم غير ~~كفار واحتج على ذلك وجود القول فيه وذكر الشيخ مختار في كتابه المجتبى عن ~~الشيخ أبي الحسين من رؤوس المعتزلة وعن الرازي من رؤوس الأشعرية أنهما معا ~~لم يكفراهم قال لأن حجة من كفرهم القياس على المشركين المصرحين وهما قد ~~قدحا في صحة هذا القياس دع عنك كونه قطعيا وذلك القدح هو بوجود الفارق الذي ~~يمنع مثله من صحة القياس وهو إيمان هؤلاء بجميع كتب الله تعالى وجميع رسله ~~بأعيانهم وأسمائهم إلا من جهلوه وإنما يخالفون حين يدعون عدم العلم ثم ظهر ~~عليهم ما يصدق من ذلك من اقامة أركان الاسلام وتحمل المشاق العظيمة بسبب ~~تصديق الأنبياء عليهم السلام ولأن القياس عند المحققين من علماء المعقولات ~~لا يكون قاطعا لأن الأمرين إن استويا في جميع الوجوه لم يكن قياسا وإن وجد ~~بينهما فارق جاز أن PageV01P377 يكون مؤثرا في عدم استوائهما في الحكم ولم ~~يقم دليل قاطع على أنه وصف ملغى لا تأثير له وبيان ذلك أنهم قالوا أن ~~المبتدعة حين غلطوا في صفات الله تعالى فقد عبدوا غير الله فيكون قياسا على ~~المشركين فان بعضهم عبد الرب الذي يشبه العباد وهم المشبهة وبعضهم عبد الرب ~~الذي يجبرهم وهم المجبرة ونحو ذلك # والجواب أنهم عبدوا الرب الذي خلق الخلق وغلطهم في بعض صفاته لا يخرجهم ~~عن عبادته ويصيرهم كمن يعيد الاصنام لوجهين أحدهما أن علماء الكلام يختلفون ~~في كثير من الصفات كالمدرك والوصف الأخص والمريد بل كالسميع والبصير ولم ~~يلزم بعضهم بعضا ذلك ولو كان حقا لزمهم وثانيهما أن من شهد أن محمدا رسول ~~الله وغلط في بعض صفات جسده أو نسبه لم يكفر قطعا فدل على أن من غلط في وصف ~~شيء لم يكن مثل جاحده وربما قالوا إن ذلك نقص له فيكون كفرا قياسا على من ~~تعمد انتقاصه بما هو نقص بالاجماع قلنا الخطأ فارق مؤثر شرعا كالاكراه ~~والنسيان كما سيأتي ومن اعتقد حسن القبيح وأضافه اليه لحسنه عنده لا لقبحه ~~لا يكون كمن عكس ودليله ms352 اختلافهم في الاعراض وفي الوجه فيها من غير تكفير ~~وبعضهم يلزمه نسبة الظلم اليه وبعضهم يلزمه نسبة العبث اليه عز وجل عن ذلك ~~وقد جود الرد عليهم صاحبهم الشيخ مختار في المسألة التاسعة من التكفير من ~~كتابه المجتبى وفيما قبلها وبعدها فليطالع فيه وقد نقلته بألفاظه أو معظمه ~~إلى مواضعه من العواصم # قلت وأما بقية أدلتهم السمعية فلا تخلو من الظن في معانيها إن لم تكن ~~ظنية اللفظ والمعنى معا كما يعرف ذلك النقاد من أهل الأصول الفقه لأنها إما ~~عمومات وظواهر ومعناها ظني وإن كانت ألفاظها قرآنية معلومة ولها أو لأكثرها ~~أسباب نزلت عليها تدل على أنها نزلت في المشركين المصرحين وتعديتها عن ~~أسبابها ظنية مختلف فيها أو نصوص جلية لكن ثبوتها ظني لا ضروري ثم لا تخلو ~~بعد ذلك مما يعارضها أو يكون أظهر في المعنى منها من الأحاديث الدالة على ~~اسلام أهل الشهادتين أو الاكتفاء بهما حتى في أحاديث فتنة القبر مع كثرتها ~~وصحتها وتلقيها بالقبول واتفاق الفرق على PageV01P378 روايتها وقد ذكرت ~~منها كثيرا في آخر العواصم في أحاديث الرجاء ولولا خوف الاطالة لذكرتها هنا ~~وكذلك ما جاء في من آمن بالله ورسله كقوله تعالى في الجنة @QB@ أعدت للذين ~~آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم @QE@ ~~ونظائرها مما ذكرته في العواصم ومثل قوله تعالى @QB@ فمن يكفر بالطاغوت ~~ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها @QE@ ومثل أحاديث ~~الشفاعة وقد تقدمت الاشارة إلى تواتر معنى ذلك في مسألة الوعد والوعيد في ~~هذا المختصر وبسطتها في العواصم فقاربت خمسمائة حديث مع ما في القرآن ~~العظيم مما يغني عنها لو لم ترد # ويشهد لها بعد ورودها على ما قدرته في العواصم في الكلام على قوله تعالى ~~@QB@ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ فهم الصحابة للبشرى فيها وفرحهم بها ~~وإقرار المتأولين لها برواية ذلك عنهم وذلك يدل على عدم تأويلها ومنهم علي ~~عليه السلام وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وقد جودت الكلام ms353 عليها هنالك ~~بحمد الله وحسن هدايته وتوفيقه # ومن ذلك ما جاء فيمن أقام الاركان الخمسة ونحو هذه الأمور وهي أنواع ~~كثيرة جدا معناها متواتر ضروري معارض لما يفهم منه تكفير المبتدعة من هذه ~~الأمور ومن أقبح التكفير ما كان منه مستند إلى وجه ينكره المخالف من أهل ~~المذهب مثل تكفير أبي الحسين وأصحابه بنفي علم الغيب وهم ينكرونه وتكفير ~~الاشعرية بالجبر الخالص الذي هو قول الجهمية الجبرية وهم ينكرونه والله ~~تعالى يقول @QB@ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا @QE@ # ومن العجب أن الخصوم من البهاشمة وغيرهم لم يساعدوا على تكفير النصارى ~~الذي قالوا إن الله ثالث ثلاثة ومن قال بقولهم مع نص القرآن على كفرهم إلا ~~بشرط أن يعتقدوا ذلك مع القول وعارضوا هذه الآية الظاهرة بعموم مفهوم قوله ~~@QB@ ولكن من شرح بالكفر صدرا @QE@ كما سيأتي بيانه وضعفه مع وضوح الآية ~~الكريمة في الكفر بالقول عضدها حديثان PageV01P379 صحيحان كما احتج بهما ~~الامام المنصور بالله عليه السلام حديث ع عن ثابت بن الضحاك من حلف بملة ~~غير الاسلام كاذبا فهو كما قال وحديث مس دق على شرط م عن بريدة من حلف قال ~~إني بريء من الاسلام فان كان كاذبا فهو كما قال وإن كان صادقا فلن يرجع إلى ~~الاسلام سالما وعن أنس سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله رجلا يقول ~~أنا إذا يهودي فقال وجبت وعن ابن عمر قال صلى الله عليه وسلم وآله من حلف ~~بغير الله فقد كفر وأشرك وفي مجمع الزوائد لذلك شواهد وفي النسائي عن سعد ~~أنه حلف وهو قريب عهد بالجالية فقال واللات والعزى فقال له أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وآله ما نراك إلا قد كفرت فسأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم وآله فأمره أن يشهد أن لا إله إلا الله ثلاث مرات ثم لا يعود إلى ذلك ~~وهذا أمر بتجديد الاسلام ثم لم يرضوا بجميع ما ذكرنا معارضا لما استنبطوه ~~فتأمل ذلك وعلى هذا لا يكون شيء من ms354 الافعال والاقوال كفرا إلا مع الإعتقاد ~~حتى قتل الأنبياء والاعتقاد من السرائر المحجوبة فلا يتحقق كفر كافر قط إلا ~~بالنص الخاص في شخص شخص ولا يدل حرب الانبياء على ذلك لاحتمال أن يكون على ~~الظاهر كقوله فمن حكمت له بمال أخيه فانما أقطع له قطعة من النار # ومع نكارة هذا فالملجئ اليه عموم مفهوم ظني ضعيف يأتي وقد مر اختيار ~~الامام يحيى وأبي الحسين والرازي في ذلك ونكل وهو قول الطبق الادهم من ~~السلف وعلماء الاسلام وأهل الاثار كما رواه السيد أبو عبد الله الحسني في ~~كتابه الجامع الكافي عن محمد بن منصور الكوفي عن سلف أهل البيت عليهم ~~السلام وغيرهم وصنف فيه كتاب الجملة والالفة وهو قول الامام السيد المؤيد ~~بالله في الجبرية نص عليه في آخر كتاب الزيادات # ومذهب السلف الصالح في ذلك هو المختار مع أمرين أحدهما القطع بقبح البدعة ~~والانكار لها والانكار على أهلها وثانيهما عدم الانكار على من كفر كثيرا ~~منهم فانا لا نقطع بعدم كفر بعضهم ممن فحشت بدعته بل نقف في ذلك ولكل علمه ~~والحكم فيه إلى الله سبحانه وذلك لوجوه # الوجه الأول خوف الخطأ العظيم في ذلك فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم PageV01P380 وآله تعظيم ذلك بل تواتر ذلك لأهل البحث عن طرق الحديث ~~حتى تواتر أنه كفر روى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أبو ذر ~~وأبو هريرة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأبو سعيد ~~الخدري خمستهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله مع كثرة الطرق عنهم من ~~غير ما لحديثهم من الشواهد الجمة بألفاظ مختلفة مثل ما ورد في الخوارج ~~والروافض وهذا بيان طرف يسير على جهة الاختصار الكثير فنقول # أما حديث أبي ذر فرواه البخاري ومسلم ولفظه ومن دعا رجلا بالكفر أو قال ~~عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه أي رجع وأما حديث أبي هريرة فرواه البخاري ~~ولفظه إذا قال المسلم لأخيه كافر فقد باء ms355 بها أحدهما وأما حديث ابن عمر ~~فرواه البخاري ومسلم والترمذي وقال حديث حسن صحيح ولفظه مثل لفظ حديث أبي ~~هريرة وأما حديث عبد الله بن مسعود فرواه الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد ~~ولفظه ما من مسلمين إلا وبينهما ستر من الله فاذا قال أحدهما لصاحبه هجرا ~~هتك الله ستره وإذا قال يا كافر فقد كفر أحدهما قال الهيثمي رواه الطبراني ~~والبزار باختصار من حديث يزيد بن أبي زياد وحديثه حسن ورجاله ثقات قلت يزيد ~~هذا أحد علماء الكوفة المشاهير وهو من رجال السنن الاربعة وممن قواه شعبة ~~على تعنته في الرجال وبالغ حتى قال لا يبالي إذا سمع الحديث منه ألا سمعه ~~من سواه وقال ابن فضيل هو من أئمة الشيعة الكبار وأما حديث أبي سعيد الخدري ~~في ذلك فرواه ابن حبان في صحيحه وذكره الحافظ ابن حجر في كتابه التلخيص ~~الخبير وسيأتي حديث عن ابن عمر مرفوع نحو هذا ولكن بغير هذا اللفظ قال ~~النووي في شرح مسلم وروى أبو عوانة حديث ابن عمر المتقدم فقال إن كان كما ~~قال والاباء بالكفر وفي رواية فقد وجب الكفر على أحدهما اه # وأما شواهد هذه الاحاديث الخمسة بغير لفظها فكثيرة متواترة منها أحاديث ~~مروق الخوارج من الاسلام وكان دينهم الذي اختصوا به من بين الداخلين في ~~الفتن هو تكفير بعض المسلمين بما حسبوه كفرا فوردت الاحاديث بمروقهم بذلك ~~وتواترت وهي في دواوين الاسلام الستة عن علي PageV01P381 عليه السلام وسهل ~~بن سعد وأبي سعيد الخدري وابن عمر ابن الخطاب وأبي ذر ورافع بن عمرو ~~الغفاري وجابر بن عبد الله الانصاري وابن مسعود وأبي برزه الاسلمي وأبي ~~أمامة وفي حديثه مرفوعا كانوا مسلمين كفارا واسناده حسن ورواها غير هؤلاء ~~بما هو معروف في مجمع الزوائد وكتب الاسلام من المسانيد والتواريخ وغيرها # ومنها أحاديث كفر الروافض وقد رويت من طرق كثيرة على غرابتها وخلو دواوين ~~الاسلام الستة منها فرويت عن علي عليه السلام وفاطمة والحسن عليهما السلام ~~وابن عباس وأم سلمة رضي الله عنهما ms356 وروى الامام الهادي عليه السلام منها ~~حديث الحسن عليه السلام في كتاب الأحكام في كتاب الطلاق منه في باب من طلق ~~ثلاثا وقد ذكر الامامية فقال ما لفظه وفيهم ما حدثني أبي وعمي محمد والحسن ~~عن أبيهم القاسم عن أبيه عن جده عن إبراهيم بن الحسن عن أبيه عن جده الحسن ~~بن علي بن أبي طالب عليه وعليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله ~~أنه قال ( يا علي يكون في آخر الزمان قوم لهم نبز يعرفون به يقال لهم ~~الرافضة فان أدركتهم فاقتلهم قتلهم الله تعالى فانهم مشركون اه بحروفه ولا ~~أعلم في الاحكام اسنادا متصلا مسلسلا بأهل البيت عليهم السلام سواه الا أن ~~يكون مرسلا أو مقطوعا أو مدخلا فيه غيرهم من الرواة # وقد أحببت سياق هذا الاسناد الشريف لهذا المتن لجلالة رواته واختصرت ~~أسانيد سائر الاحاديث فأما حديث علي عليه السلام بمثل ذلك فرواه الهيثمي في ~~مجمع الزوائد وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند والبزار في مسنده ~~وابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس من طريق أبي حباب الكلبي عن أبي سليمان ~~الهمداني عن علي عليه السلام والذهبي في كتابه ميزان PageV01P382 الاعتدال ~~في نقد الرجال من طريق أخرى في ترجمة كثير بن إسماعيل النو ولكن لفظه في ~~الميزان يكون بعدي قوم من أمتي يسمون الرافضة يرفضون الاسلام وأما حديث ~~فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وآله فرواه الهيثمي في مجمع الزوائد ~~وأبو يعلى وصاحب الفصول السبعة والعشرين في فضائل أمير المؤمنين عليه ~~السلام في الفصل الحادي والعشرين منه والذهبي في موضعين من كتابه الميزان # أحدهما في ترجمة تليد بن عبد الرحمن سليمان الكوفي الشيعي وثانيهما في ~~ترجمة أبي الجارود زياد بن المنذر الشيعي وقال الهيثمي رواته ثقات ولفظ ~~رواية تليد في الميزان نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله إلى علي عليه ~~السلام فقال هذا في الجنة وإن من شيعته قوما يلفظون الاسلام لهم نبز يسمون ~~الرافضة من لقيهم فليقتلهم فانهم مشركون ms357 ولفظ أبي الجارود أما أنك يا ابن ~~أبي طالب وشيعتك في الجنة وسيجيء أقوام ينتحلون حبك يقال لهم الرافضة فان ~~لقيتهم فاقتلهم فانهم مشركون وأما ابن عباس فمنه حديثان أما أحدهما فرواه ~~الطبراني والهيثمي وقال اسناده حسن وأما الحديث الثاني فرواه أبو يعلي ~~والبزار والطبراني والهيثمي وقال في بعض رجاله خلاف قلت ومثل ذلك ينجبر ~~بحديثه الآخر بل بجميع أحاديث هذا الباب وأما حديث أم سلمة فرواه الطبراني ~~والهيثمي من طريق الفضل ابن غانم وفي ترجمة أبي بكر بن عياش من الميزان أن ~~هارون الرشيد سأله عن صحة هذا الحديث وذلك دليل شهرته فهذه شواهد جميلة لأن ~~معظم ذنوب الخوارج والروافض هو التكفير # وأما الشواهد التفصيلية فكثيرة جدا وهي أنواع مختلفة منها حديث ثابت بن ~~الضحاك مرفوعا وفيه من قذف مؤمنا بكفر فهو كقاتله قال ابن الجوزي في جامع ~~المسانيد خرجاه في الصحيحين قلت وهو طرف من حديثه الطويل فيهما الذي فيه من ~~حلف بملة غير الاسلام وغير ذلك PageV01P383 ورواه الترمذي وقال حسن صحيح ~~فهو يشهد للتغليظ في تكفير المؤمن وأنه أغلظ من السباب المطلق لأنه قد ثبت ~~أن سبابه فسوق وقتاله كفر والقتل أعظم من القتال ومنها حديث أبي هريرة ~~مرفوعا المؤمن أكرم على الله من بعض ملائكته رواه ابن ماجه في الفتن وهو ~~يستلزم ذلك لأن من كفر ملكا كفر ومن الشواهد على ذلك أحاديث المستبين ما ~~قالا فعلى البادئ منهما فيه عند مسلم وغيره عن أبي هريرة وأحاديث التحذير ~~من فتن يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ومنها ~~ما رواه الحاكم في المستدرك من حديث الاعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود ~~يرفعه لو أن رجلين دخلا في الاسلام فاهتجرا كان أحدهما خارجا عن الاسلام ~~حتى يرجع الظالم وقال صحيح على شرط البخاري ومسلم فهذا في المهاجرة محمول ~~على الخروج عن الاسلام الكامل فاذا كان مجرد المهاجرة يبلغ هذا الحد في ~~التغليط لم يستبعد أن يكون التكفير كفرا على الحقيقة # ولحديث ابن ms358 مسعود شواهد متواترة في تغليظ تحريم المهاجرة وإنها فرنت ~~بالشرك في المنع من العفو عن صاحبها دون سائر الكبائر من ذنوب أهل الاسلام ~~ففي الموطأ لمالك ومسند أحمد من ثلاث طرق وفي سنن أبي داود والترمذي عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله تعرض الاعمال في كل خميس واثنين ~~فيغفر الله عز وجل في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا إلا امرأ كانت ~~بينه وبين أخيه شحناء فيقول اتركوا هذين حتى يصطلحا وفي رواية إلا ~~المتهاجرين وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله تعرض الاعمال يوم ~~الاثنين ويوم الخميس فمن مستغفر فيغفر له ومن تائب فيتاب عليه وترد أهل ~~الفضائل وضغائنهم رواه الطبراني في الاوسط والهيثمي وقال رجاله ثقات وعن ~~ابن مسعود وأسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله نحو ذلك رواهما ~~الطبراني والهيثمي وعن أبي أيوب الانصاري نحو ذلك رواه الهيثمي ويأتي حديث ~~ابن مسعود في ذلك في الوجه السابع وفيه فأولهما فيأ يكون سبقه بالفيء كفارة ~~له وإن ماتا على صرامهما لم يدخلا الجنة جميعا رواه أحمد باسناد صحيح وعن ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه إذا كان ليلة النصف من شعبان غفر الله تعالى ~~لعباده إلا ما كان من PageV01P384 مشرك أو مشاحن لأخيه رواه البزار ~~والهيثمي وعن أبي هريرة مثله وعن عوف بن مالك مثله وعن معاذ مثله ورجاله ~~ثقات وعن أبي ثعلبه الخشني نحوه وعن عبد الله بن عمر نحوه فهذه بضعة عشر ~~حديثا في ذلك وفي تحريم المهاجرة فوق ثلاث نحو ذلك ولكن استثنى فيها ما دون ~~الثلاث رحمة للمسلمين لما في الطباع من قوة الداعية إلى ذلك في بعض الأحوال ~~وذلك عند الغفلة من هذا الوعيد الشديد بعدم العفو عن هذا الذنب بخصوصه حين ~~يعفي عن سائر الذنوب وذلك لأن من عدل الله تعالى ولطيف جزائه يوم الدين أن ~~يعامل كل عامل على حسب اختياره واعتقاده ومذهبه فلما كان المهاجر المشاحن ~~قد اختار ترك ms359 العفو عن أخيه مذهبا له وحكم بحسنه جوزي بذلك جزاء وفاقا كما ~~يشهد له قوله تعالى @QB@ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي ~~القربى @QE@ الآية في قصة أبي بكر مع مسطح ونظائر ذلك كثيرة وصحيحة نسأل ~~الله العافية من ذلك وفي سنن أبي داود باسناد صحيح هجر المسلم سنة كسفك دمه ~~وسيأتي في الوجه السابع ما يناسب هذا من الحث على اصلاح ذات البين وتسمية ~~التفرق والتباغض الحالقة للدين # وفي مجموع ذلك ما يشهد لصحة التغليظ في تكفير المؤمن وإخراجه من الاسلام ~~مع شهادته بالتوحيد والنبوات وخاصة مع قيامه بأركان الإسلام وتجنبه للكبائر ~~وظهور أمارات صدقه في تصديقه لأجل غلطة في بدعة لعل الكفر له لا يسلم من ~~مثلها أو قريب منها فان العصمة مرتفعة وحسن ظن الانسان بنفسه لا يستلزم ~~السلامة من ذلك عقلا ولا شرعا بل الغالب على أهل البدع شدة العجب بنفوسهم ~~والاستحسان لبدعتهم وربما كان أجر ذلك عقوبة على ما اختاروه أول مرة من ذلك ~~كما حكى الله تعالى ذلك في قوله @QB@ وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم @QE@ ~~وهي من عجائب العقوبات الربانية والمحذرات من المؤخذات الخفية @QB@ ومكروا ~~ومكر الله والله خير الماكرين @QE@ # وقد كثرت الآثار في أن اعجاب المرء بنفسه من المهلكات كما في PageV01P385 ~~حديث أبي ثعلبة الخشني عند دت وعن ابن عمر مرفوعا ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى ~~متبع وإعجاب المرء بنفسه وعن أنس وابن عباس وابن أبي أوفى كلهم عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وآله مثل ذلك رواها الهيثمي في مجمعه ودليل العقوبة في ~~ذلك انك ترى أهل الضلال أشد عجبا وتيها وتهليكا للناس واستحقارا لهم نسأل ~~الله العفو والمعافاة من ذلك كله # وفي ذلك حديث حذيفة الصحيح عند مسلم المشهور عنه صلى الله عليه وسلم وآله ~~أنه قال ( تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه ~~نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى يصير على قلبين أبيض مثل ~~الصفا فلا تضره فننة ما ms360 دامت السموات والأرض والآخر أسود مربادا كالكوز ~~مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه فينبغي من كل ~~حازم لبيب إيقاظ خاطره والحذر العظيم عن الامور التي تواترت النصوص من ~~الصحاح وتواترت بأنها كفر وخروج عن الاسلام أو نحو ذلك مما لم يحصل دليل ~~قاطع على أنه متأول من إجماع صحيح أو نص معارض لذلك صحيح وذلك مثل ما قدمنا ~~من تكفير من يجوز أنه مسلم بمجرد الالزامات والتمحلات التي متى سلمت عارضها ~~مثلها أو أقوى منها كما تقدم # فان قيل أليس قد ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يكفر من كفر مسلما على ~~الاطلاق # فالجواب أن ذلك صحيح ولكن لا حجة فيه توجب تقديمه على النصوص حيث لم يكن ~~تأويلها إجماعا فقد حكى الخلاف في ذلك الشيخ تقي الدين في شرح العمدة حيث ~~شرح حديث أبي ذر المقدم ذكره في كتاب اللعان فقال وهذا وعيد عظيم لمن يكفر ~~أحدا من المسلمين وليس كذلك وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق من المتكلمين ومن ~~المنسوبين إلى السنة وأهل الحديث وخرق حجاب الهيبة في ذلك جماعة من الحشوية ~~وقد اختلف الناس في التكفير وسببه حتى صنف فيه مفردا إلى قوله والحق أنه لا ~~يكفر أحد من أهل القبلة إلا بانكار متواتر فانه حينئذ يكون مكذبا للشرع ~~وليس مخالفة القواطع مأخذا للتكفير وعبر بعض أهل الاصول عن هذا بما معناه ~~PageV01P386 أن من أنكر طريق اثبات الشرع لم يكفر كمن أنكر الاجماع ومن ~~أنكر الشرع بعد الاعتراف بطريقه كفر لأنه مكذب قال وقد نقل عن بعض ~~المتكلمين أنه قال لا أكفر إلا من كفرني وربما خفى سبب هذا القول على بعض ~~الناس وحمله على غير محمله الصحيح والذي ينبغي أن يحمل عليه أنه قد لمح هذا ~~الحديث الذي قتضي أن من دعا رجلا بالكفر وليس كذلك رجع عليه الكفر وكذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم وآله ( من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ~~وكأن هذا المتكلم يقول ms361 هذا الحديث دل على أنه يحصل الكفر لأحد الشخصين فاذا ~~كفرني بعض الناس فالكفر واقع بأحدنا وأنا قاطع بأني لست بكافر فالكفر راجع ~~اليه اه وفيه ما ترى من تقرير الخلاف في الأخذ بظواهر النصوص مما يؤمن ~~المكفر لغيره أن يخطئ في نظره في طريق التكفير كما ذلك عادة الفطناء ~~والأذكياء أعني الخطأ في مثل هذه المزالق ولو كان خطأ الأذكياء في ذلك ~~نادرا وأنت منهم لم تأمن أن تقع في ذلك النار كيف وخطأهم فيه كثير غالب ~~وأنت على غير يقين بأنك منهم فأما دفع الكفر بأنه حديث أحادي فانه غرور من ~~وجوه # الأول أنا قد بينا من طرقه ما يدل على أنه متواتر عند أهل الاطلاع ~~والمعلوم لا يكون ظنيا لجهل الجاهلين له # الثاني أن غرضنا الاحتراز على الاسلام مما تجوز صحته في علم الله تعالى ~~وحديث الواحد وإن لم تعلم صحته فقد يكون صحيحا ونحن لا نعمل والصحيح جواز ~~كفر لا دليل عليه كما هو معروف في مواضعه # الثالث أن الفقيه حميدا في العمدة جوز العمل بالحديث الواحد في التكفير ~~من غير اعتقاد وذكر أنه مذهب المنصور بالله والمحققين واحتج بأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وآله هم بالغزو لخبر الوليد بن عقبة فنزلت الآية فامتنع ~~لفسقه لا لأنه خبر واحد والله سبحانه أعلم # ويحتج لهم بقبول الشهادة على الردة والكفر والحدود في الفسق ثم من العبر ~~الكبار في ذلك أن الجمهور لم يكفروا من كفر المسلم متأولا في تكفيره غير ~~متعمد مع أن هذه الأحاديث الكثيرة تقتضي ذلك والنصوص PageV01P387 أصح طرق ~~التكفير فاذا تورع الجمهور من تكفير من اقتضت النصوص كفره فكيف لا يكون ~~الورع أشد من تكفير من لم يرد في كفره نص واحد فاعتبر تورع الجمهور هنا ~~وتعلم الورع منهم في ذلك # فان قيل لم تورعوا هنا مع هذه النصوص الصحيحة المتواترة لصريحة # قلت لوجوه # أحدها ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من عدم تكفير ~~الخوارج مع بغضهم له ms362 وبغضه نفاق بل مع تكفيرهم له عليه السلام وهو سيد ~~المسلمين وإمام المتقين وأبعد الخلق أجمعين عما افتراه من ذلك كذبة ~~المارقين وقد ذكر الفقيه حميد في كتابه عمدة المسترشدين أن ذلك هو المشهور ~~عنه عليه السلام وروى هو أنه عليه السلام لما سئل عن كفرهم قال من الكفر ~~فروا ولما سئل عن إيمانهم قال لو كانوا مؤمنين ما حاربناهم قيل فما هم قال ~~اخواننا بالأمس بغوا علينا فحاربناهم حتى يفيئوا إلى أمر الله قال الفقيه ~~حميد وهذا تصريح بالمنع من كفرهم وأقرته الصحابة # قلت ومن ههنا ادعى هو والخطابي وابن جرير قبلهما الاجماع على عدم تكفيرهم ~~وكأن الناس تابعوه عليه السلام في ذلك لشهرته وعدم منازعة الصحابة ولا ~~بعضهم له عليه السلام كما احتج به الفقيه حميد على أنه إجماع قال ولأن من ~~كفر إماما وحاربه لم يكفر اه كلامه # وقد روى ابن بطال في شرح البخاري كلام ابن جرير ودعواه الاجماع على ذلك ~~في الكلام على الخوارج وكان في ابن جرير تشيع وموالاة ذكره الذهبي في ~~الميزان في الذب عنه فقال إن ذلك مروي عن علي عليه السلام من طرق وذكر نحو ~~ما تقدم وزاد في روايته قيل له عليه السلام فمنافقون فقال لو كانوا منافقين ~~لم يذكروا الله إلا قليلا ثم قال روى وكيع عن مسعر عن عامر بن شقيق عن أبي ~~وائل عن علي عليه السلام أنه قال لم نقاتل أهل النهر وان على الشرك اه ~~ومراده على الكفر بالقرينة كحديث PageV01P388 جابر مرفوعا بين العبد وبين ~~الشرك ترك الصلاة رواه مسلم بهذا اللفظ وكذا ذكره عنه ابن الأثير في جامعه ~~وقبله الحميدي في جمعه بين الصحيحين # يوضحه أن ترك الخوارج للشرك الذي هو عبادة الاصنام وعبادة المخلوقين كان ~~معلوما بالضرورة فلم يكن ليخبر بذلك وإنما خرج كلامه مخرج حديث جابر ومخرج ~~حديث ابن عباس حيث قال إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وآله يصلي إلي غير ~~جدار أي غير سترة وهذا هو النوع المسمي بالخاص ms363 يراد به العام ومنه @QB@ فلا ~~تقل لهما أف @QE@ أي لا تؤذهما بذلك ولا بغيره ونظائره كثيرة ويقوي صحة ذلك ~~عنه عليه السلام أنه رد على أهل النهروان أموالهم قال ابن حجر رواه البيهقي ~~من طرق فانضمت هذه الطرق إلى تلك الطرق التي ذكرها ابن بطال وأشار اليها ~~الفقيه حميد # وثانيها ما أشار اليه البخاري في صحيحه وترجم عليه من أن ذلك فيما إذا ~~كفر أخاه متعمدا غير متأول محتجا بأن النبي صلى الله عليه وسلم وآله لم ~~يكفر عمر في قوله لحاطب أنه منافق ولا معاذا في قوله للذي خرج من الصلاة ~~حين طول معاذ أنه منافق وأمثال ذلك مع التأويل كثيره شهيرة وأشار الفقيه ~~حميد في عمدة المسترشدين إلي اختيار هذا وصرح الغزالي في المستصفى باختياره ~~وطول الكلام فيه ووجهه وجوده ولولا خوف الاطالة الكثيرة لنقلته # وهذه فائدة جيدة تمنع من القطع بتكفير من أخطأ في التكفير متأولا فانا لو ~~كفرنا بذلك لكفرنا الجم الغفير فالحمد لله على التوفيق لترك ذلك والنجاة ~~منه والبعد عنه على أنه يرد عليهم أن الاستحلال بالتأويل قد يكون أشد من ~~التعمد مع الاعتراف بالتحريم وذلك حيث يكون المستحل بالتأويل معلوم التحريم ~~بالضرورة كترك الصلاة فان من تركها متأولا كفرناه بالاجماع وإن كان عامدا ~~معترفا ففيه الخلاف فكان التأويل هنا أشد تحريما فلذلك ينبغي ترك التكفير ~~المختلف فيه حذرا من الوقوع فيه والله المسلم # وثالثها آن قد جاء كفر دون كفر كقوله تعالى @QB@ ومن لم @QE@ PageV01P389 ~~يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون ) ومنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وآله لما وصف النساء بالكفر قال أصحابه يا رسول الله ( يكفرن بالله تعالى ~~قال لا يكفرن العشير # أي الزوج وهو متفق على صحته فلم يحملوا الكفر على ظاهره حين سمعوه منه ~~صلى الله عليه وسلم وآله لاحتمال معناه ووجود المعارض وهو إسلام النساء ~~وإيمانهن ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم وآله عليهم التثبت في معنى ~~الكفر والبحث عن مراده به وكذلك تأولوا أحاديث سباب ms364 المؤمن فسوق وقتله كفر ~~ولا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض مع الاتفاق على صحتها وكثرتها ~~وللاجماع المعلوم والنص المعلوم على وجوب القصاص ولو كان كفرا على الحقيقة ~~لأسقط القصاص وكذلك تأول كثير من علماء الاسلام حديث ترك الصلاة كفر مع ما ~~ورد فيه من لفظ الشرك في صحيح مسلم وغير ذلك وكذلك حديث النياحة كفر وحديث ~~الانتساب إلى غير الأب كفر قال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة في اللعان في ~~هذا بخصوصه إنه متروك الظاهر عند الجمهور وفيه إشارة إلى وجود خلاف فيه ~~وإلا لقال إجماعا ولم يقل كذا في تكفير المسلم أخاه فدل على أن الخلاف فيه ~~ليس بشاذ فاعرف ذلك # ورابعها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأله أنه قال ( إذا قال ~~الرجل للرجل يا يهودي فاضربوه عشرين سوطا ) رواه الترمذي من طريق إبراهيم ~~ابن اسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس وضعفه ~~الترمذي بابراهيم هذا وكذلك ضعفه النسائي والدار قطني بابراهيم وبعض الرواة ~~عنه شك في رفعه ذكره الذهبي في الميزان لكن وثقه أحمد وكان عابدا وهذا ~~الجرح فيه أقوى ويقدم على قول من يقدم الجرح ومن يقول بالترجيح خصوصا مع ~~تلك المعارضات المتواترة عند أئمة الحديث الصحيحة بلا ريب على أن ابن ماجه ~~والذهبى جعلوا متن الحديث من قال لرجل يا مخنث زاد ق بالوطي فاضربوه عشرين ~~سوطا ولم يذكروا السب باليهودية وقال المزي رواية ق أتم رواه ابن ماجه من ~~طريق دحيم الحافظ واسمه عبد الرحمن بن إبراهيم عن ابن أبي فديك ورواه ~~الترمذي عن محمد ابن رافع عن ابن أبي فديك وكانت العبادة أغلب على محمد بن ~~رافع من الحفظ فالبخاري لذلك يتخير من حديثه PageV01P390 القليل ولا ~~يستوعبه ومع هذا الضعف والاعلال لا يعارض ما صح وتواتر ولكن سلك الجمهور ~~مسلك الاحتياط فاقتد بهم في ذلك # فاذا ثبت أن النص على الكفر غير قاطع فما ظنك بغيره فلهذه الوجوه الاربعة ~~لم يعمل الجمهور ms365 بظاهر هذه الأحاديث # وأما من كفر أخاه متعمدا غير متأول فاختلفوا فيه من تقدم إلي كفره ووجهه ~~الغزالي بأنه لما كان معتقد الاسلام أخيه كان قوله إنه كافر قولا بأن الذي ~~هو عليه كفر والذي هو عليه كفر دين الاسلام فكأنه قال إن دين الاسلام كفر ~~وهذا القول كفر من قائله وإن لم يعتقد ذلك على أن أبا هاشم وأصحابه من ~~المعتزلة لا يكفرون من تعمد النطق بالكفر من غير إكراه عليه وإن كانا ~~يفترقان في الاثم كما تقدم وهذا بعد كثير من التكفير في هذه الصورة فلو ~~طردوا الاحتياط لتركوا التكفير بالقياس ومآل المذهب لكنهم كفروا بهما وهو ~~أضعف من التكفير بتعمد النطق بالكفر اختيارا بلا إكراه وأما النووي فقال في ~~شرح مسلم في هذا الحديث الذي يقتضي كفر من كفر أخاه هذا الحديث مما عده بعض ~~العلماء من المشكلات فان مذهب أهل الحق أن المسلم لا يكفر بالمعاصي وهذا ~~منها فقيل في تأويله وجوه الاول أنه محمول على المستحل لذلك وبهذا يكفر إن ~~الثاني أن المعنى رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره الثالث أنه محمول ~~على الخوارج ورواه ابن بطال أيضا عن مالك قال فقيل له فيكفرون قال لا أدري ~~اه كلام ابن بطال قال النووي وهو ضعيف لمخالفته الاكثرين والمحققين في كفر ~~الخوارج قال النووي الرابع أنه محمول على أنه يؤول به إلي الكفر فان ~~المعاصي بريد الكفر واحتج عليه برواية أبي عوانة والاباء بالكفر وفي رواية ~~فقد وجب الكفر على أحدهما ا ه والظاهر أن هاتين الروايتين حجة عليه لا له ~~الخامس أن معناه فقد رجع عليه تكفيره وليس الراجع عليه حقيقة الكفر بل ~~التكفير لكونه جعل أخاه المسلم كافرا فكأنه كفر نفسه إما لأنه كفر من هو ~~مثله وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان الاسلام وهذا هو الذي ~~ذكره ابن بطال في توجيه كلام البخاري في الفرق بين العامد والمتأول ~~PageV01P391 وترك النووي القول السادس وهو اختيار البخاري والغزالي والفقيه ~~حميد في ms366 تأويل الحديث بالعامد دون المتأول بهذا التوجيه المذكور وترك أيضا ~~القول السابع وهو أن الحديث على ظاهره من غير تأويل وهو الذي حكاه الشيخ ~~تقي الدين في شرح العمدة كما سلف ولا حجة قاطعة مانعة من صحته وعدم الحجة ~~القاطعة المانعة من صحة ظاهره يوجب الاحتياط البالغ بتركه احتياطا للاسلام ~~وتعظيما له عن المخاطرة به وتعريضه لما لا يؤمن أن يبطله ويسلب نعمته ~~العظمى وينظم صاحبه في جمله أهل الكفر والعمى # تنبيه وذلك أن هذا الكلام في التحذير من تكفير المبتدعة الذين لم نستيقن ~~أن بدعتهم كفر مع قبحها وفحشها وكراهتنا لها وأمر تكفير عوام المسلمين ~~لأنهم لم يعرفوا الله تعالى بدليل قاطع على شروط أهل علم الكلام فانه يزداد ~~الامر قوة في كفر من كفرهم لأن الحكم باسلامهم معلوم ضرورة من الدين ~~وتكفيرهم جحد ذلك وقد دل وقد دل القرآن على صحة اسلامهم حيث قال تعالى @QB@ ~~قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم ~~@QE@ وقد تقدمت الأدلة على هذا في أول الكتاب هذا فليراجع وهذا لجلائه لا ~~يحتاج إلى بسط وبهذا الكلام تم الكلام في الوجه الاول من مرجحات ترك ~~التكفير # الوجه الثاني من مرجحات ترك التكفير أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وآله بذلك في هذه المسألة بالنصوصية والخصوصية وهذا من أوضح المرجحات وفي ~~ذلك أحاديث منها حديث أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ثلاث من ~~أصل الايمان الكف عمن قال لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من ~~الاسلام بعمل الحديث رواه أبو داود في كتاب الجهاد من السنن ورواه أبو يعلى ~~من طريق أخرى وليس فيها من ضعف إلا يزيد الرقاشي العبد الصالح ضعف من قبل ~~حفظه وقد أثنى عليه الحافظ ابن عدي ووثقه وقال عنده أحاديث صالحة عن أنس ~~أرجو أنه لا بأس به هذا مع الثناء النبوي على عموم ms367 التابعين فأقل أحواله أن ~~يقوي طريق أبي داود ويشهد لها الحديث الثاني عن أبي هريرة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وآله نحو حديث أنس PageV01P392 بمعناه رواه أبو داود الحديث ~~الثالث عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله كفوا عن أهل لا ~~إله إلا الله لا تكفروهم بذنب من كفر أهل لا إله إلا الله فهو إلى الكفر ~~أقرب رواه الطبراني في الكبير من حديث الضحاك ابن حمزة عن علي بن زيد وحمزة ~~بالحاء والراء المهملتين بينهما ميم قال الهيثمي مختلف في الاحتجاج بهما ~~قلت لكن حديثهما يصلح في الشواهد ويقوى بما تقدم # وفي الباب عن علي بن أبي طالب عليه السلام وأبي الدرداء وأبي أمامة ~~ووائلة وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وعائشة رضي الله عنها وعنهم ~~سبعتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله بمثل ذلك لكن في أسانيدها مجاريح ~~لكن بمجموعها مع ما تقدم قوة ولحديث علي عليه السلام شواهد عنه وهو ما تقدم ~~من عدم تكفيره الخوارج من طرق ومن رده لأموالهم من طرق ويعضد ذلك عمل ~~الصحابة فعن جابر أنه قيل له هل كنتم تدعون أحدا من أهل القبلة مشركا قال ~~معاذ الله ففزع لذلك قال هل كنتم تدعون أحدا منهم كافرا قال لا رواه أبو ~~يعلي والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح والحديث إذا اشتهر العمل به ~~في الصحابه دل على قوته وهذه الشواهد السبعة والحديث الذي قبلها كلها في ~~مجمع الزوائد في أوائله # الوجه الثالث أنها قد تكاثرت الآيات والأحاديث في العفو عن الخطأ والظاهر ~~أن أهل التأويل أخطأوا ولا سبيل إلى العلم بتعمدهم لأنه من علم الباطن الذي ~~لا يعلمه إلا الله تعالى قال الله تعالى في خطاب أهل الاسلام خاصة @QB@ ~~وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ وصح في تفسيرها أن الله تعالى قال ~~قد فعلت في حديثين صحيحين أحدهما عن ابن عباس ms368 والآخر عن أبي هريرة وقال ~~تعالى @QB@ ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون @QE@ فقيد ذمهم بعلمهم وقال ~~في PageV01P393 قتل المؤمن مع التغليط العظيم فيه @QB@ ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا فجزاؤه جهنم @QE@ فقيد الوعيد فيه بالتعمد وقال في الصيد @QB@ ومن ~~قتله منكم متعمدا @QE@ وجاءت الاحاديث الكثيرة بهذا المعنى كحديث سعد وأبي ~~ذر وأبي بكرة متفق على صحتها فيمن ادعى أبا غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه ~~فشرط العلم في الوعيد ومن أوضحها حجة حديث الذي أوصى لإسرافه أن يحرق ثم ~~يذري في يوم شديد الرياح نصفه في البر ونصفه في البحر حتي لا يقدر الله ~~عليه ثم يعذبه ثم أدركته الرحمة لخوفه وهو حديث متفق على صحته عن جماعة من ~~الصحابة منهم حذيفة وأبو سعيد وأبو هريرة بل رواته منهم قد بلغوا عدد ~~التواتر كما في جامع الاصول ومجمع الزوائد وفي حديث حذيفة أنه كان نباشا ~~وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه بالله والمعاد لذلك خاف العقاب وأما ~~جهله بقدرة الله تعالى على ما ظنه محالا فلا يكون كفرا إلا لو علم أن ~~الأنبياء جاؤا بذلك وأنه ممكن مقدور ثم كذبهم أو أحدا منهم لقوله تعالى ~~@QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في ~~التأويل ويعضد ما تقدم بأحاديث أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء وهي ~~ثلاثة أحاديث صحاح ولهذا قال جماعة جلة من علماء الاسلام أنه لا يكفر ~~المسلم بما يندر منه من ألفاظ الكفر إلا ان يعلم المتلفظ بها أنها كفر قال ~~صاحب المحيط وهو قول أبي علي الجبائي ومحمد والشافعي قال الشيخ مجتبى وبه ~~يفتى ولعل هذا الحديث الصحيح بل المتواتر حجتهم على ذلك وهذا خلاف متجه ~~بخلاف قول البهاشمة لا يكفر وإن علم أنه كفر حتى يعتقده # ومما يقوي العفو عن أهل الخطأ أنه قد يكون في الأدلة ومقدماتها ولذلك كان ~~المشهور في القتلى في فتن الصحابة سقوط القصاص كما هو المشهور في سيرة على ~~عليه السلام كما تقدم وروي الشافعي ms369 عن الزهري أنه قال أدركت الفتنة الأولى ~~في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وكانت فيها دماء وأموال فلم ~~يقتص فيها من دم ولا مال ولا قدح أصيب بوجه التأويل إلا أن يوجد مال رجل ~~بعينه فيدفع إلى صاحبه PageV01P394 # قال ابن كثير في ارشاده وهو ثابت عن الزهري وهو عام في أهل العدل والبغي ~~وإن واحدا من الفريقين لا يضمن للآخر شيئا وهو الذي صححه الشيخ أبو إسحاق ~~من قولي الشافعي فدل على دخول الخطأ في أفعال القلوب كأفعال الخوارج كما هو ~~واضح في قوله تعالى @QB@ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت ~~قلوبكم @QE@ وكذلك قوله تعالى في سورة النحل @QB@ إنما يفتري الكذب الذين ~~لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون من كفر بالله من بعد إيمانه إلا ~~من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ~~ولهم عذاب عظيم @QE@ فقوله في هذه الآية الكريمة @QB@ ولكن من شرح بالكفر ~~صدرا @QE@ يؤيد أن المتأولين غير كفار لأن صدورهم لم تنشرح بالكفر قطعا أو ~~ظنا أو تجويزا أو احتمالا # وقد يشهد لهم بذلك كلام أمير المؤمنين عليه السلام وهو الصادق المصدوق في ~~المشهور عنه حيث سئل عن كفر الخوارج فقال من الكفر فروا فكذلك جميع أهل ~~التأويل من أهل الملة وإن وقعوا في أفحش البدع والجهل فقد علم منهم أن ~~حالهم في ذلك هي حال الخوارج وقد بالغ الشيخ أبو هاشم وأصحابه وغيرهم ~~فقالوا هذه الآية تدل على أن من لم يعتقد الكفر ونطق بصريح الكفر وبسب ~~الرسل أجمعين وبالبراءة منهم وبتكذيبهم من غير إكراه وهو يعلم أن ذلك كفر ~~لا يكفر وهو ظاهر اختيار الزمخشري في كشافه فانه فسر شرح الصدر بطيب النفس ~~بالكفر وباعتقاده معا واختاره الامام يحيي عليه السلام والامير الحسين بن ~~محمد # وهذا كله ممنوع لأمرين أحدهما معارضة قولهم بقوله تعالى @QB@ لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة @QE@ فقضي بكفر من قال ذلك بغير شرط فخرج ~~المكره بالنص ms370 والاجماع وبقي غيره فلو قال مكلف مختار غير مكره بمقالة ~~النصاري التي نص القرآن على أنها كفر ولم يعتقد صحة PageV01P395 ما قال لم ~~يكفره مع أنه لعلمه يقبح قوله يجب أن يكون أعظم إنما من بعض الوجوه لقوله ~~تعالى @QB@ وهم يعلمون @QE@ فعكسوا وجعلوا الجاهل بذنبه كافرا والعالم ~~الجاحد بلسانه مع علمه مسلما الامر الثاني أن حجتهم دائرة بين دلالتين ~~ظنيتين قد اختلف فيهما في الفروع الظنية احداهما قياس العامد على المكره ~~والقطع على أن الاكراه وصف ملغى مثل كون القائل بالثلاثة نصرانيا وهذا نازل ~~جدا ومثله لا يقبل في الفروع الظنية وثانيتهما عموم المفهوم ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا فانه لا حجة لهم في منطوقها قطعا وفاقا وفي المفهوم خلاف مشهور ~~هل هو حجة ظنية مع الاتفاق على أنه هنا ليس بحجة قطعية ثم في إثبات عموم له ~~خلاف وحجتهم هنا من عمومه أيضا وهو أضعف منه # بيانه أن مفهوم الآية ومن لم يشرح بالكفر صدرا فهو بخلاف ذلك سواء قال ~~كلمة الكفر بغير إكراه أو قالها مع إكراه فاحتمل أن لا يدخل المختار بل رجح ~~أن لا يدخل لأن سبب النزول في المكره والعموم المنطوق يضعف شموله بذلك ~~ويختلف فيه فضعف ذلك في الظنيات من ثلاث جهات من كونه مفهوما وكونه عموم ~~مفهوم وكونه على سبب مضاد لمقصودهم قال قتادة نزلت فى عمار بن ياسر ذكره ~~الذهبي في ترجمته من النبلاء ورواه الواحدي عن ابن عباس فكيف يقدم مع ذلك ~~كله على منطوق @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة @QE@ وإذ قد ~~فعلوا ذلك هنالك لما فيه من أدني احتمال لعدم شرح الصدر من العامد المختار ~~في كلمات الكفر كلها من غير اكراه ولا جهل لا خطأ ولا عذر أصلا فكيف بأهل ~~التأويل الذين علم منهم السعي في تعميم شعائر الاسلام والأنبياء ومحبتهم ~~ومحبة مناصرتهم والمرء مع من أحب وتحمل المشاق العظيمة لله تعالى والاحتجاج ~~الطويل على مخالفي الاسلام حتى قال الرازي في وصيته اللهم إن كنت تعلم ms371 إني ~~آثرت هواي على الحق فيما صنعته فلا كذا وكذا ودعا بعدم المغفرة أو كما قال # ولما ذكر الذهبي في النبلاء تجويد الجاحظ في كتاب النبوات ترحم عليه وقال ~~فكذلك فليكن المسلم مع أنه من خصومه وهذا شيء يعلمه العاقل PageV01P396 من ~~قرائن أحوال المتأولين وأقل الاحوال أن يكون هذا محتملا مجرد احتمال مع سعة ~~رحمة الله سبحانه وعظيم عفوه وغفرانه ومع ما ورد في أحاديث الشفاعة ~~المتواترة كما مضى بيانه في موضعه ولذلك ساوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين الخطأ والنسيان والاكراه في أحاديث كثيرة جدا مجتمعة على ا أن الله ~~تعالى تجاوز لأمته عليه أفضل الصلاة والسلام الخطأ والنسيان وما استكرهوا ~~عليه وقد تقصيت طرقها وشواهدها من القرآن في ديباجة كتاب العواصم # وقد أجمعت الأمة على العمل بمقتضى النصوص في الاكراه والنسيان فكذلك ~~أخوهما وثالثهما وهو الخطأ إن شاء الله تعالى بل هو أكثر منهما ذكرا وشواهد ~~في الكتاب والسنة والبلوى به أشد والرخصة إنما تكون على قدر شدة البلوى # واما كفار التصريح فلا نسلم أن كفرهم خطأ لوجهين # أحدهما أن مرادنا بالخطأ هو خطأ مخصوص وهو الخطأ في تحري مراد الله تعالى ~~ورسوله فيما ظاهره التعارض والتشابه وكفار التصريح تعمدوا تكذيب الله تعالى ~~الله عن ذلك وتكذيب رسله ولم يقعوا في ذلك خطأ من غير اعتماد # وثانيها أن الله تعالى قد أخبر رسله الكرام بعنادهم واستحقاقهم العداوة ~~والعذاب العظيم ولو في أول مرة كما قال في ذلك @QB@ كما لم يؤمنوا به أول ~~مرة @QE@ وقد تقدم ذكر ذلك وكلام ابن أبي الحديد فيه في شرح قول علي عليه ~~السلام الذي شهدت له أعلام الوجود على اقرار قلب ذي الجحود وهذا تصريح ~~بعناد كفار التصريح حين انكروا فطرة الله التي فطر الناس عليها واجتمعت ~~عليها جميع كتبه ورسله وأتباعهم ولم يختلفوا فيها وليحذر من أمن الخطأ وقطع ~~على عدم مسامحة أهله في العقائد من المؤاخذة له فيما أخطأ فيه وعدم ~~المسامحة له كما ذكرته في تحذير من قال ms372 بتكليف ما لا يطاق أن يحمله الله ~~تعالى من العقوبات على قولها ما لا يطيقه فان جزاء الله تعالى لعباده من ~~جنس أفعالهم وأقوالهم جزاء وفاقا وكما تدين تدان وقد مر ما ورد في ذلك أو ~~بعضه في التحذير من تجويز التكليف بما لا يطاق على أعدل العادلين وأكرم ~~الأكرمين وأرحم الراحمين PageV01P397 # الوجه الرابع أن مؤاخذة المخطيء لا تخلو إما أن تكون من تكليف ما لا يطاق ~~أو من أعظم المشاق فان كانت من الأول فهو لا يجوز على الله تعالى كما تقدم ~~القول فيه مبسوطا بسطا شافيا وإن لم تكن منه كانت من أعظم المشاق وقد نفي ~~الله تعالى وجود ذلك في دينه # أما أنه قد نفى ذلك في دينه فالمنصوص فيه كثيرة قال الله تعالى @QB@ وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ وقال @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد ~~بكم العسر @QE@ وتواتر هذا المعنى في السنة وقد جمعته في مؤلف مفرد ذكرت ~~فيه أكثر من ثلاثين آية من كتاب الله تعالى وأزيد من مائة وثمانين حديثا ~~فلا نطول بذكره لوضوحه # وأما أن ذلك من أعظم الحرج والمشاق فالأمرين # الأمر الأول أن العاقل المعظم لأمر الله تعالى المؤثر لمرضاته لو خير بين ~~أمرين أن يكلف الصبر على القتل عند الاكراه على كلمة الكفر أو الاحتراز من ~~الخطأ بعد تقرير أن الخطأ كفر لا يغفر ويوجب الخلود في النار لاختار الصبر ~~على القتل لأنه يفضي به إلى الجنة وإنما هو صبر ساعة وهو لا يأمن أن يقع في ~~الخطأ الذي يكفر به ولا يغفر له مع عدم العصمة وعدم المسامحة لأن الخطأ قد ~~جربت كثرة وقوعه من الأذكياء والافراد في المعارف الذين ضربت الأمثال بهم ~~في العقل والذكاء والفهم والعلم وذلك عند تعار ض الأنظار والآيات والآثار ~~والمتشابهات والمحتملات وتخصيص أكثر العمومات حتى وقع بعض الأنبياء في شيء ~~من ذلك مع العصمة والتأييد الرباني هذا نوح عليه السلام ظن أن ابنه داخل في ~~عموم أهله الذين وعده الله تعالى بنجاتهم ms373 ولم يعلم تخصيص هذا العموم ولو ~~علمه ما سأل وقد قيل في الوجه في ذلك أن ابنه كان منافقا وهذا موسى عليه ~~السلام راعه ما وقع من الخضر عليه السلام من المتشابهات حتى عيل صبره وأخلف ~~وعده # الأمر الثاني أنه لم يتحقق ورود الشرع بعقوبة المخطيء بعد الرغبة في ~~معرفة الصواب وحسن النية في تعرفه وإن لم يبلغ جميع ما يمكن البشر في علم ~~الله تعالى أما مع بلوغه ذلك فلا شك في العفو عنه وأما المشاق PageV01P398 ~~العظيمة فقد يرد الشرع بها نادرا في هذه الشريعة تخصيصا لعموم المسامحة ~~فيما شق حيث تقتضي ذلك الحكمة كما في وجوب الصبر للقصاص في القتل وقطع ~~الاعضاء والرجم في عقوبة الزاني وكان هذا أكثر في شرائع من قبلنا لقوله ~~تعالى @QB@ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم @QE@ ومنه وجوب القتل ~~في توبة بني إسرائيل ونحو ذلك فثبت أن المشاق العظيمة قد تحقق ورودها في ~~الشرائع نادرا حيث يقتضي ذلك المصلحة وإن عقاب المخطيء بعذاب النار لم ~~يتحقق وروده في شريعة من الشرائع فثبت أنه أحق المشاق بأن يسمحه اكرام ~~الاكرمين وخير الغافرين سبحانه وتعالى ولا برهان قاطع على أن المكفرين من ~~أهل التأويل لا يسمون مخطئين ولا على خروجهم من الأدلة الدالة على العفو عن ~~المخطئين # االوجه الخامس أن أخوة يوسف لما قالوا @QB@ إن أبانا لفي ضلال مبين @QE@ ~~وقالوا @QB@ تالله إنك لفي ضلالك القديم @QE@ لم يكفروا بذلك لما كانوا ~~باقين على شهادة أن لا إله إلا الله وأن يعقوب رسول الله معتقدين مع ذلك ~~صحة نبوته ودينه وإنما جوزوا عليه مع ذلك الضلال في حب يوسف لأنه عندهم من ~~الضلال في الرأي ومصالح الدنيا وقد قاربوا الاستهانة وعدم التوقير لولا ~~جلالة بقائهم على الشهادتين وإيمانهم بالله تعالى ورسله فثبت أن للبقاء على ~~ذلك أثرا عظيما فان الامارات لا تقاومه وإن الشرع ورد بتعظيم ذلك وطرح ~~المعارض له ولذلك عظم رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله على أسامة بن زيد ~~قتل الكافر الذي ms374 ضربه فلما قدر عليه أسلم وعظم على أصحابه الكلام في بعض من ~~كانوا يعدونه من المنافقين وقال أليس يشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول ~~الله ويصلي قالوا بلى ولا شهادة له ولا صلاة قال إني لم أومر أن أفتش على ~~قلوب الناس وأمثال ذلك كثيرة صحيحة # الوجه السادس أن الخارجي الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ~~اعدل يا محمد والله إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تكلم بكلام من أقبح ~~الكلام وظن ظنا من أسوأ الظنون ولم يحكم النبى صلى الله عليه وسلم بكفره مع ~~ذلك مع أنه لو PageV01P399 كفر لوجب قتله بالردة إلا أن يتوب ولم تنقل له ~~توبة بل جاء في الحديث ما معناه أنها تخرج من ضئضئة الخوارج وإنما لم يكفر ~~والله أعلم لأنه بقي على شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ~~وإنما جوز عليه أن يذنب كذنوب الانبياء كما قال تعالى @QB@ وعصى آدم ربه ~~فغوى @QE@ وهذا يدل على تعظيم حرمة الشهادتين مع عظم الخطأ وكذلك لم يكفر ~~حاطب ابن أبي بلتعة مع خيانته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وما نزل ~~فيه أول سورة الممتحنة وقوله تعالى فيه @QB@ تلقون إليهم بالمودة @QE@ و ~~@QB@ تسرون إليهم بالمودة @QE@ وقد قال تعالى @QB@ ومن يتولهم منكم فإنه ~~منهم @QE@ ومع ذلك وصفه بالايمان في أول السورة حيث قال @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا @QE@ وإنما قلنا أنه داخل فيمن خوطب بذلك لأن العموم نص في سببه ~~بالاجماع ولذلك أدخله الله مع المؤمنين وخاطبه بأجمل الخطاب حيث قال @QB@ ~~لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء @QE@ وكذلك ثبت أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وآله قبل عذره وذلك كله يدل على ما قاله الامام المهدي محمد بن المطهر ~~عليه السلام أن الموالاة المحرمة بالاجماع هي أن تحب الكافر لكفره والعاصي ~~لمعصيته لا لسبب آخر من جلب نفع أو دفع ضرر أو خصلة خير فيه والله أعلم # الوجه السابع أن الله تعالى نص على تحريم التفرق ms375 في كتابه الكريم وجاء ~~ذلك بعبارات كثيرة في الكتاب والسنة ولا أفحش في التفرق من التوصل إل ~~التكفير بأدلة محتملة تمكن معارضتها بمثلها ويمكن التوصل بها إلى عدم ~~التكفير وإلى جمع الكلمة وإنما قلنا أنه لا أفحش من ذلك في التفرق المنهي ~~عنه لما فيه من أعظم التعادي والتنافر والتباين وقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وآله في حق المحدود في الخمر مرارا حيث لعنوه بسبب ذلك لا تعينوا ~~الشيطان على أخيكم أما أنه يحب الله ورسوله ولا شك أن في التفرق ضعف ~~الاسلام وتقليل أهله وتوهين أمره قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ~~ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا @QE@ وقال بعدها بآية PageV01P400 واحدة @QB@ ولا تكونوا ~~كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات @QE@ وقد تقدم في حديث ابن ~~مسعود أن الاختلاف المنهى عنه هو التعادي لا الاختلاف في مجرد الافعال ~~والاقوال مع عدم التعادي وأن بعض ذلك قد وقع بين الملأ الاعلى وبين رسل ~~الله الكرام عليهم أفضل الصلاة والسلام يوضحه قوله تعالى @QB@ ولا تنازعوا ~~فتفشلوا وتذهب ريحكم @QE@ وقال تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ وقال تعالى @QB@ وما اختلف ~~الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم @QE@ وفي الحديث ~~أن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصوم وفيه أن فساد ذات البين هي ~~الحالقة اما اني لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين # وقد تقدم في هذا الباب ما جاء في المشاحنة والمهاجرة من الوعيد الشديد ~~والأحاديث المتواترة منها حديث هشام بن عمار عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وآله لا يحل لمسلم أن ms376 يهجر مسلما فوق ثلاث فانهما ناكبان عن الحق ما ~~داما على صرامهما وأولهما فيأ يكون سبقة بالفيء كفارة له وإن سلم ولم يقبل ~~ردت عليه الملائكة وإن ماتا على صرامهما لم يدخلا الجنة جميعا أبدا رواه ~~أحمد ورجاله رجال الصحيح وقد مر في الوجه الأول من هذه الوجوه ما له من ~~الشواهد المتواترة الرائعة في تحريم ذلك وانه مقرون بالشرك في حرمان صاحبه ~~الغفران وهذا أمر مجمع على تحريمه في الأصل فيجب مراعاة أسبابه ومقوياته ~~فكلما كان أقرب إلى الاجتماع كان أرجح وكلما كان أقرب إلى التفرق وادعى ~~اليه وإلى اثارته كان أفسد وأبطل وكم بين إخراج PageV01P401 عوام فرق ~~الاسلام أجمعين وجماهير العلماء المنتسبين إلى الاسلام من الملة الاسلامية ~~وتكثير العدد بهم وبين ادخالهم في الاسلام ونصرته بهم وتكثير أهله وتقوية ~~أمره فلا يحل الجهد في التفرق بتكلف التكفير لهم بالأدلة المعارضة بما هو ~~أقوى منها أو مثلها مما يجمع الكلمة ويقوي الاسلام ويحقن الدماء ويسكن ~~الدهماء حتى ينضح كفر المبتدع اتضاح الصبح الصادق وتجتمع عليه الكلمة وتحقق ~~إليه الضرورة مثل كفر الزنادقة والملاحدة الذين أنكروا البعث والجزاء ~~والجنة والنار وتأولوا الرب جل جلاله وجميع أسمائه بامام الزمان وسموه باسم ~~الله تعالى وفسروا لا إله إلا الله أي لا إمام إلا إمام الزمان في زعمهم ~~خذلهم الله تعالى وتلعبوا بجميع آيات كتاب الله عز وجل في تأويلها جميعا ~~بالبواطن التي لم يدل على شيء منها دلالة ولا امارة ولا لها في عصر السلف ~~الصالح اشارة وكذلك من بلغ مبلغهم من غيرهم في تعفية آثار الشريعة ورد ~~العلوم الضرورية التي نقلتها الامة خلفها عن سلفها والله يحب الانصاف قطعا # الوجه الثامن أن الخطأ لما كان منقسما إلي مغفور قطعا كالخطأ في ~~الاجتهاديات على الصحيح وغير مغفور قطعا كالخطأ في نفي البعث والجنة والنار ~~وتسمية الامام بأسماء الله تعالى إلي غير ذلك ومختلف فيه محتمل للالحاق ~~بأحد القسمين نظرنا لأنفسنا في الاقدام على تكفير أهل التأويل من أهل ~~القبلة وفي الوقف عنه ms377 عند الاشتباه فوجدنا الوقف عنه حينئذ مع تقبيح بدع ~~المبتدعة لا يحتمل أن يكون كفرا ولا خطأ غير معفو عنه لأنه لا يدل على ذلك ~~برهان قاطع ولا دليل ظاهر بل الأدلة واضحة في العفو حينئذ على تقدير الخطأ ~~كما تقدم بيانه في الوجه الرابع وأما الاقدام على التكفير فعلى تقدير الخطأ ~~فيه لا نأمن أن يكون كفرا أو خطأ غير معفو عنه كخطأ الخوارج لورود النصوص ~~الصحيحة الكثيرة بذلك وعدم الإجماع على تأويلها كما تقدم في الوجه الأول ~~فوجدنا الوقف حينئذ أحوط للدين والدار الآخرة حتى لو قدرنا والعياذ بالله ~~تعالى أن الخطأ في كل واحد منهما ذنب غير مغفور لكان الخطأ في الوقف أهون ~~من الخطأ في التكفير وفي الحديث والعقول دلائل على ذلك كثيرة ولذلك قيل أن ~~للشر خيارا ومنه قولهم حنانيك بعض الشر أهون من بعض PageV01P402 الوجه ~~التاسع أن الوقف عن التكفير عند التعارض والاشتباه أولى وأحوط من طريق أخرى ~~وذلك أن الخطأ في الوقف على تقديره تقصير في حق من حقوق الغني الحميد العفو ~~الواسع أسمح الغرماء وأرحم الرحماء وأحكم الحكماء سبحانه وتعالى والخطأ في ~~التكفير على تقديره أعظم الجنايات على عباده المسلمين المؤمنين وذلك مضاد ~~لما أوجب الله من حبهم ونصرهم والذب عنهم # وقد روى في ذلك من حديث أمير المؤمنين علي عليه السلام ومن حديث عائشة أم ~~المؤمنين رضي الله عنها كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أنه ~~قال # ( الدواوين عند الله ثلاثة ديوان لا يغفره الله وهو الشرك بالله تعالى ~~وديوان لا يتركه وهو حقوق المخلوقين وديوان لا يبالي به وهو ما بينه سبحانه ~~وتعالى وبين عبده فالتارك للتكفير إن قدرنا خطأه فانما أخل بحق من حقوق ~~الله تعالى وهو إجراء الاحكام عليهم وهو ههنا لم يتركه إلا لعدم شرط جوازه ~~وهو تحقق الموجب له وأما للكفر إن قدرنا خطأه فقد أخل بحق المخلوق المسلم ~~بل تعدى عليه وظلمه أكبر الظلم وأفحشه فأخرجه من الاسلام وهو يشهد أن لا ms378 ~~أله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن جميع رسله وكتبه وما جاء فيها عن ~~الله عز وجل حق لا شك فيه ولا ريب في شيء منه على الجملة وإنما أخطأ في بعض ~~التفاصيل وقد صرح بالتأويل فيما أخطأ فيه فان وصف الله بوصف نقص فلاعتقاده ~~أنه وصف كمال وان نسب إليه قبحا فلاعتقاده أنه حسن وان تعمد القبيح في ذلك ~~فمحل التعمد هو القلب المحجوب عنا سرائره والحاكم فيه علام الغيوب وقد ~~عوقبت الخوارج أشد العقوبة وذمت أقبح الذم على تكفيرهم لعصاة المسلمين مع ~~تعظيمهم في ذلك لمعاصي الله تعالى وتعظيمهم لله تعالى بتكفير عاصية فلا ~~يأمل المكفر أن يقع في مثل ذنبهم وهذا خطر في الدين جليل فينبغي شدة ~~الاحتراز فيه من كل حليم نبيل ولأجل هذا الخطر عذر المتوقف في التكفير وكان ~~هذا هو الصحيح عند المحققين كما ذكره الفقيه حميد واختاره في عمدة ~~المسترشدين بل كما قامت عليه الدلائل والبراهين # الوجه العاشر أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لم يكفر ~~PageV01P403 أهل الجمل وصفين لم يسر فيهم السيرة في الكافرين مع صحة قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ( لايحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ~~) والمنافق إذا أظهر النفاق وحارب وكانت له شوكة جرت عليه أحكام الكفار ~~بالاجماع بل قد صح أن سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر فكيف بسيد المسلمين ~~ومولاهم الامام بل خلاف بينهم الواجب محبته وطاعته عليهم # وفي مسند أحمد عن أم سلمة أنها قالت أيسب رسول الله فيكم قيل لها معاذ ~~الله قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سب عليا فقد سبي ~~رجاله رجال الجماعة كلهم إلى أبي عبد الله الحدلي التابعي الراوي عنها وهو ~~ثقة ولم يكفرهم عليه السلام مع هذا وأمثاله فدل ذلك على أنه عليه السلام ~~بعد عن التكفير لأجل المعارضات التي أشرنا اليها في حكم أهل الشهادتين أو ~~فيمن قام بأركان الاسلام ولجوازان يراد كفر دون كفر ونفاق دون نفاق وهذا ms379 ~~الوجه مفارق للوجه الأول المتعلق بالحوارج لأن النزاع في كفر الخوارج ممكن ~~أو مشهور وأما هؤلاء فلا خلاف بين أهل النقل والبصر وبالتواريخ أنه عليه ~~السلام سار فيهم السيرة في البغاة على إمام الحق ولم يسر فيهم السيرة في ~~أهل الكفر ولهذا قال الامام أبو حنيفة أنه لولا سيرته عليه السلام في ذلك ~~ما عرفت أحكام البغاة أو كما قال رحمه الله تعالى وإنما كان فعله فيهم حجة ~~على البعد عن التكفير لأنه تركه مع وجود النصوص الصحيحة بكفرهم ونفاقهم كما ~~ذكرناه في الحديثين الشهيرين وشواهدهما بل كما في قوله تعالى @QB@ ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون @QE@ وعدل إلى ترجيح معارضتهما ولا ~~معنى للعبد عن التكفير إلا ذلك # الوجه الحادي عشر # أنه قد يدق مراد المخالف ويخفي جدا ويحتمل الوقف فيفسر بما لم يقصده كما ~~تقدم في هذا المختصر في اختلاف الناس في تحقيق فعل العبد إلى بضعة عشر قولا ~~أكثرها غامضة وكما دق مذهب الاشعرية في الرؤية حتى قال الرازي أن مرادهم ~~أنه ينكشف لله تعالى صفة في الآخرة هي بالنسبة اليه كالرؤية بالنسبة إلى ~~غيره وقد ينقل عنه ما لم يقل لتوهم أنه لازم له وليس بلازم كما نسب تكليف ~~ما لا يطاق إلى PageV01P404 الاشعري أو لازم ولكن اللازم الذي لم يقل به بل ~~تبرأ منه ومن لزومه كالذي قاله وكم يختلف أتباع العالم في كثير من مقاصده ~~ويلزم ما لم يقصده كما يختلف في كثير من الآيات والأحاديث وقد تقدم هذا في ~~سبب الابتداع في الدين بتبديل العبارات وعليه بنيت هذا المختصر فاذا تقرر ~~هذا فمن العجب تكفير كثير ممن لم يرسخ في العلم لكثير من العلماء وما دروا ~~حقيقة مذاهبهم وهذه هذه وما يعقلها إلا العالمون # الوجه الثاني عشر # أن في الحكم بتكفير المختلف في كفرهم مفسدة بينة تخالف الاحتياط وذلك ~~اسقاط العبادات عنهم إذا تابوا وإسقاط جميع حقوق المخلوقين من الأموال ~~والدماء وغيرهما وإباحة فروج نسائهم إذا لم يتوبوا وسفك دمائهم مع ms380 قيام ~~الاحتمال بشهادة وجود المخالفين الجلة من أئمة الملة ووجود المعارضات ~~الراجحة الواضحة الادلة وقد أشار إلى هذا الوجه شيخ الاعتزال المعروف ~~بمختار في المسألة الثانية عشرة من مسائل هذا الباب في كتابه المجتبى قال ~~فيه وعن بعض السلف أنه كان يكتب في الفتوى في هذا لا يكفر وغيري يخالفني # الوجه الثالث عشر # أن الخطأ في العفو خير الخطأ في العقوبة نعوذ بالله من الخطأ في الجميع ~~ونسأله الاصابة والسلامة والتوفيق والهداية لكنا وجدنا الله تعالى لم يذم ~~من أخطأ في نحو ذلك ألا تراه أثنى على خليه عليه السلام حين جادله في قوم ~~لوط فقال @QB@ إن إبراهيم لحليم أواه منيب @QE@ وقال عز وجل فيه بعد حكايته ~~استغفاره لأبيه @QB@ إن إبراهيم لأواه حليم @QE@ وإنما كان جداله واستغفاره ~~فيما يحتمل الجواز في شريعته لا فيما لا يجوز بالنص فانه منزه عن ذلك ولا ~~فيما يجوز بالنص فانه لا يعاقب في ذلك ولا يحتاج إلى الاعتذار له فيه ونحو ~~هذا من وجه آخر قوله عليه السلام @QB@ ومن عصاني فإنك غفور رحيم @QE@ وقول ~~عيسى عليه السلام @QB@ وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم @QE@ وصلاة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله على عبد الله بن أبي بعد نزول قوله ~~تعالى @QB@ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر ~~الله لهم @QE@ وقوله في تفسيرها ان الله خيرني ولم ينهني ولو أعلم انه يغفر ~~لهم اذا زدت على السبعين لزدت PageV01P405 عليها وثبت انه عليه الصلاة ~~والسلام ما خير بين أمرين الا اختار أيسرهما ما لم يكن اثما وتواتر ذلك من ~~اخلاقه الكريمة كما جمع في مصنف مفرد ويشهد له بذلك القرآن الكريم حيث قال ~~تعالى @QB@ وإنك لعلى خلق عظيم @QE@ هذا مع انا نقف فيمن تفاحشت بدعته ~~وقاربت الكفر ولا نواليه ولا ندعوا له بالرحمة والمغفر الا بشرط ان يكون من ~~المسلمين محاذرة من ان نوالي من هو عدو لله في الباطن وقد أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وآله ms381 بنحو هذا في حديث أهل الكتاب لا تصدقوهم ولا ~~تكذبوهم حذرا من تكذيب الحق وتصديق الباطل فنعوذ بالله من موالاة أعداء ~~الله بل ننكر بدعهم وننهي عنها ما استطعنا ونكرهها ونتبرأ منها ونشهد الله ~~تعالى انا نعادي من عاداه علمناه أو جهلناه فقد دل في الحديث على نفع هذا ~~الإعتقاد الجملي وهو حديث زيد بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وآله وفيه ( اللهم ما صليت من صلاة فعلى من صليت وما لعنت من لعنة فعلى من ~~لعنت ) رواه أحمد والحاكم وقتال حديث صحيح ويشهد لصحته ما تقدم عن إبراهيم ~~الخليل عليه السلام من الجدال عن قوم لوط والاستغفار منه لابيه ولم يكن ~~موالاة منه لهم ولا رضى بذنوبهم ولا ذم به بل بين الله تعالى عذره في بعض ~~ذلك وعده من سعة حلمه في بعضه وهذا كله في حق الكافرين وأما أهل الاسلام ~~المؤمنين الخاطئين فلا نص على تحريم ذلك فيهم فيما علمت وينبغي الاشتراط ~~فيما شك فيه من الدعاء لبعضهم ان يكون موافقا لمراد الله تعالى في الشريعة ~~النبوية PageV01P406 # | فصل في الفسق # وهو أقسام باعتبار العرف الاول والآخر واسم الفاعل واسم الفعل وباعتبار ~~التصريح والتأويل # فاما العرف الأول في اسم الفاعل فانه يدل ان الفاسق من الكفار من لا حياء ~~ولا مروءة ولا عهد ولا عقد له كما فسره بذلك الزمخشري في بعض الآيات الدالة ~~على ذلك فان الله تعالى يقول في الكفار من اليهود وغيرهم @QB@ وأكثرهم ~~فاسقون @QE@ وفي بعض الآيات @QB@ وكثير منهم فاسقون @QE@ كما أوضحته في ~~الاول من العواصم مبسوطا بسطا شافيا زائدا على ما يعتاد في ذلك من البسط # وأما باعتبار اسم الفعل ففيه قوله تعالى @QB@ وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان @QE@ وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله سباب المؤمن فسوق ~~وقتاله كفر في أحاديث كثيرة متفق على صحتها # وأما العرف المتأخر فالفسق يختص بالكبيرة من المعاصي مما ليس بكفر ~~والفاسق يختص بمرتكبها وعند المعتزلة لا يسمي كافرا ولا مؤمنا ولا مسلما ~~وعند ms382 أهل الحديث والاشعرية لا يسمى كافرا وأما اسم الاسلام فان اعتبرنا ~~تمامه وكماله لم نسمه مؤمنا ولا مسلما وان اعتبرنا أقله سميناه مؤمنا ~~ومسلما الا ان تسميته مسلما اعتبارا بالاقل من مراتب الاسلام هو العرف ~~الاكثر بخلاف تسميته مؤمنا وفي ذلك من الآيات والأحاديث ما لا يحتمله هذا ~~المختصر وقد استوفيت الكلام فيه في مسألة الوعد والوعيد في آخر العواصم ~~PageV01P407 # وأما انقسام ذلك باعتبار فسق التصريح والتأويل فهو متفق عليه أما فسق ~~التصريح فلا داعي إلى ذكره هنا وهو يرجع إلى معرفة الكبائر وهي منصوصة في ~~أحاديث كثيرة وفي بعضها زيادة على بعض وقد جمعها ابن الحاجب في مختصر ~~المنتهى وتكلم ابن كثير على طرقها ومنهم من زاد عليها ما هو أكثر منها قطعا ~~عملا بمفهوم الموافقة المسمى فحوى الخطاب # مثاله ان قتل المؤمن كبيرة بالنص فأولى منه بذلك دلالة الكفار على نقب في ~~مصر عظيم من أمصار المسلمين يدخلون منه فيقتلون جميع من فيها ويستحلون ~~المحارم من النسوان والصبيان ونحو ذلك وهذا قسمان منه ما يكون معلوما كما ~~يعلم تحريم ضرب الوالدين من تحريم التأفيف فلا يكون قياسا ومنه قياس واختلف ~~فيما يكون قياسأ فاجازته طائفة منهم الهدوية ففسقوا من غصب عشرة دراهم ~~قياسا على من سرقها ومنعته طائفة منهم المؤيد بالله عليه السلام واحتج ~~عليهم بالاجماع على ان الغاصب لا يقطع ومنهم من قال الكبيرة ما كان فيه حد ~~من حدود الله تعالى أو قال الله تعالى فيه إنه عظيم أو كبير ومنهم من قال ~~ما توعد الله عليه بخصوصه بالعذاب # وأما فسق التأويل فهو الذي أردت أن أذكره هنا واعلم ان ما دخله التأويل ~~مما يتعلق بالكبائر ولم يعلم انه منها سوى قتل المسلمين وقتالهم فانه يصير ~~ظنا من الفروع الاجتهاديات عند جماهير العلماء من الفرق أو عند جميعهم ~~كالربويات المختلف فيها والانكحة المختلف فيها مثال ذلك وأما قتل المسلمين ~~وقتالهم والبغي على أئمتهم العادلين فاختلف فيه فقالت الشيعة والمعتزلة لا ~~يعذر المجتهد ان أخطأ فيه ويكون ms383 فاسق تأويل وقيل يعذر مثل التأويل فيما ~~تقدم وسبب الاختلاف أمران # أحدهما تعارض الوعيد على ذلك والوعد بالعفو عن أهل الخطأ وقد تقدم ما في ~~ذلك قريبا في الوجه الثالث في الكلام على تكفير أهل التأويل # وثانيهما اختلافهم هل يوجد دليل قاطع شرعي وليس بضروري من الدين أم لا ~~ومعنى ذلك أن القطعي الشرعي هو المعلوم لفظه المعلوم PageV01P408 معناه ~~فأما العلم بلفظه فلا يكون إلا ضروريا بالاجماع لانه نقل محض ما لم يبلغ ~~مرتبة الضرورة فيه كان ظنيا ولا واسطة فيه بين الضرورة والظن وفاقا ~~فالضرورة هو التواتر والظن آحاد وان كثرت رواته وأما العلم بمعنى القطعي ~~الشرعي فهو محل الخلاف فعند المعتزلة وكثير من الشيعة يدخله القطع من غير ~~ضرورة وعند المخالفين لهم انه راجع إلى لنقل المحض إما عن أهل اللغة أو عن ~~أهل الشرع فلا يكون الا ضروريا فيكفر المخالف فيه أو ظنيا فيعذر # وعضدوا هذا بوجوه منها قياس القتل والقتال على سائر ما تقدم مما يتعلق ~~بالكبائر فان هذا حكمها عند الجميع ومنها قياس ذلك على كلام العلماء في ~~مسائل الخلاف في القصاص في النفوس كالحر بالعبد والذكر بالانثى والقصاص بين ~~المسلم والذمي والخلاف في عمد الخطأ وكذلك كلامهم في الحدود التي يجب فيها ~~القتل أو العفو والعقد الاجماع في ذلك كله على عدم تأثيم المخالف مع انه ~~خلاف في سفك الدماء وقتل المؤمنين بالتحري للعدل المأمور به لدفع الفساد ~~قالوا فكذلك من أخطأ من المجتهدين في الفتن وهو على هذه النية ومنها قوله ~~تعالى @QB@ ومن يقتل مؤمنا متعمدا @QE@ مع أحاديث خاصة وردت في الخطأ في ~~الفتن بخصوصها # وفي ذلك أحاديث # الاول عن سعيد بن زيد أحد العشرة رضي الله عنهم قال كنا عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وآله فذكر فتنة عظم أمرها فقلنا أو قالوا يا رسول الله ~~لئن أدركتنا هذه الفتنة لنهلكن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله كلا ~~ان يحسكم القتل قال سعيد فرأيت أخواني قتلوا رواه أبو داود ms384 في الفتن من ~~كتاب السنن عن مسدد عن أبي الاحوص سلام ابن سليم عن منصور بن المعتمر أحد ~~أئمة الكوفة عن هلال بن يساف الاشجعي الكوفي عن سعيد بن زيد وكلهم نبلاء ~~ثقات من رجال البخاري ومسلم وسائر الجماعة الا أن البخاري لم يخرج حديث ~~هلال ابن يساف وحده لغبر طعن فيه فانه لم يذكر في الميزان ورواه أحمد بن ~~حنبل في مسنده بإسناد آخر رجاله كله ثقات إلى هلال بن PageV01P409 يساف عن ~~سعيد ولفظه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله فتنا كقطع الليل المظلم ~~أراه قال قد يذهب فيها الناس أسرع ذهاب قال فقيل أكلهم هالك أم بعضهم فقال ~~حسبهم أو بحسبهم القتل وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ولفظه فقلنا إن ~~أدركنا ذلك هلكنا فقال بحسب أصحابي القتل ورواه الطبراني باسانيد ورجال ~~أحدها ثقات ورواه البزار كذلك # الحديث الثاني عن أم حبيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله انه قال ~~رأيت ما تلقى أمتي بعدي وسفك بعضهم دماء بعض فسألته أن يؤتيني شفاعة يوم ~~القيامة فيهم ففعل رواه أحمد والطبراني في الاوسط ورجالهما رجال الصحيح الا ~~أن رواية أحمد عن انس عن أم حبيبة ورواية الطبراني عن الزهري عن أنس رواه ~~في مجمع الزوائد ولم أجده في جامع ابن الجوزي ولكنه لا يستوفى والله أعلم # الحديث الثالث عن طارق بن أشيم انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وآله ~~يقول بحسب أصحابي القتل # الحديث الرابع عن أبي بردة عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وآله انه قال عقوبة هذه الأمة السيف رواه الطبراني برجال الصحيح # الحديث الخامس عن أبي بردة عن عبد الله بن زيد انه سمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول جعل الله عذاب هذه الأمة في دنياهم # الحديث السادس عن معقل بن يسار مرفوعا نحو ذلك رواه الطبراني من حديث عبد ~~الله بن عيسى الخزاز # الحديث السابع عن أبي هريرة نحوه رواه الطبراني في الأوسط من حديث سعيد ~~بن ms385 مسلمة الأموي وعضدوا هذه الأخبار بما رواه زيد بن أبي الزرقاء عن جعفر ~~بن برقان عن يزيد بن الاصم قال قال علي عليه PageV01P410 السلام قتلاي ~~وقتلى معاوية في الجنة رواه الذهبي في ترجمة معاوية من النبلاء وجعفر ويزيد ~~من رجال مسلم وزيد من رجال النسائي قال في الكاشف صدوق وكذلك قال في ~~الميزان وفيه عن ابن معين لا بأس به ولم يورد فيه جرحا الا قول ابن حبان ~~انه يغرب وليس ذلك بجرح وقال فيه انه صدوق مشهور عابد وإن ابن عمار قال ما ~~رأيت في الفضل مثله ومثل المعافي وقاسم الجرمي رحمهم الله تعالى # وهذا من أحسن ما في الباب وانما أخرته لانه موقوف ومع ذلك فله قوة ~~المرفوع والله أعلم بصحة ذلك عنه ومنه أحاديث النهي عن مدافعة أهل التأويل ~~ومنها اعتقادهم أن هذه الادلة أخص وأن ادلة المعتزلة والشيعة عامة وهو في ~~الحقيقة موضع النزاع كما سيأتي في ادلة المعتزلة فينبغي تحرير النظر فيه ~~لان الخاص مقدم على العام ومنها عدم ترجيح عدم التفسيق بالمرجحات المتقدمة ~~لعدم التكفير الحكم فيها متقارب وان كان التكفير أخطر # وقد نص أبو ذر رضي الله عنه على رواية ذلك عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في حديثه المتقدم فقال من قال لاخيه كافر أو قال عدو الله وليس كذلك ~~الا حار عليه متفق على صحته كما مضى # وأما الشيعة والمعتزلة فاحتجوا على قولهم بانواع من السمع كثيرة منها ~~قوله تعالى @QB@ فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله @QE@ وأهل ~~التأويل من البغاة داخلون في هذه الآية وان كان سبب النزول في المصرحين ~~فيما أحسب فالآية عامة عند الشيعة والمعتزلة أو عند أكثرهم ومنها حديث أبي ~~هريرة موفوعا في الفتن ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قتل ولا ~~يدري المقتول في أي شيء قتل قيل وكيف ذاك قال الهرج القاتل والمقتول في ~~النار أخرجه مسلم وعن عبد الله بن عمرو موفوعا ستكون فتنة تستنظف العرب ~~قتلاها في النار رواه ms386 أبو داود والترمذي ومنها حديث اذا التقى المسلمان ~~بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال ~~المقتول قال انه كان حريصا على قتل صاحبه رواه خ و م و د و س من حديث أبي ~~بكرة و س من حديث أبي PageV01P411 موسى ومنها أحاديث سباب المؤمن فسوق ~~وقتاله كفر ومنها أحاديث لا ترجعوا بعدي كفرا يضرب بعضكم رقاب بعض ومنها ~~بادروا بالاعمال فتنا يصبح الزجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح ~~كافرا ومنها وهو من أصرحها حديث عمار وهو صحيح متواتر ويح عمار تقتله الفئة ~~الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار أخرجه البخاري ومسلم واللفظ ~~لمسلم وقال ابن الجوزي في جامع المسانيد أخرجه البخاري ومسلم وكذلك ابن ~~الأثير في جامع الاصول # قال الحميدي أخرجه كذلك أبو بكر البرقاني وأبو بكر الاسماعيلي قبله وذكره ~~ابن حجر في قتال البغاة من تلخيصه عن اثني عشر صحابيا وذكر عن ابن عبد البر ~~انها تواترت به الاخبار وان أصح الحديث وعن أحمد بن حنبل انه روي من ثمانية ~~وعشرين طريقا وذكر الذهبي في ترجمة عمار من النبلاء كثيرا من طرقه وحكم ~~بصحته بل بتواتره وذكر ان يعقوب بن أبي شيبة الامام الثقة الحافظ سمع أحمد ~~بن حنبل سئل عنه فقال فيه حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى ~~الذهبي مع ذلك أحاديث أخر قاتل عمار وسالبه في النار بل ان الله يعادي عدو ~~عمار ويغضب لغضب عمار رضي الله عنه وحديث عمار هذا من اعلام النبوة الكبار ~~ولذلك ذكره جمهور من صنف في المعجزات النبوية واحتجوا على انه معلوم ~~بالضرورة بان معاوية وأهل الشام حين سمعوه لم ينكروه وذكر القرطبي في ~~تذكرته والحاكم في علوم الحديث ان القول بمقتضاه اجماع أهل السنة يعني ان ~~من حارب عليا عليه السلام فهو باغ عليه وانه عليه السلام صاحب الحق في جميع ~~تلك الحروب ومنها ما ورد في تخصيص قتل المسلم وقتاله من الوعيد الشديد وان ~~رسول ms387 الله صلى الله عليه وسلم قال ان الله أبي علي في القاتل وفي حديث ابن ~~عمر لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما رواه البخاري وروي ~~من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا من قتل مؤمنا فاغتبط بقتله لم يقبل الله ~~منه صرفا ولا عدلا قال د في حديث عبادة عن يحيى بن يحيى الغساني في معنى ~~اغتبط بقتله قال الذين يقاتلون في الفتنة فيقتل أحدهم فيرى انه على هدى لا ~~يستغفر الله تعالى يعني من ذلك والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى ~~PageV01P412 # وقد ذكرت في العواصم في مسألة الوعيد أحاديث كثيرة رائعة في تعظيم القتل ~~وذكرها هنا يخرجنا على معنى الاختصار ومنها وهو أقوى من هذه الأشياء انه ~~تواتر عن الصحابة انهم كانوا يعتقدون في الباغي على أخيه المسلم وعلى امامه ~~العادل انه عاص آثم وأن التأويل في ذلك مفارق للاجتهاد في الفروع فانهم لم ~~يتعادوا على شيء من مسائل الفروع وتعادوا على البغي وكذلك أجمعت الأمة على ~~الاحتجاج بسيرة علي عليه السلام في قتالهم وليس المجتهد المعفو عنه يقاتل ~~على اجتهاده ويقتل ويهدر دمه # وأما الاحاديث التي تقدمت في معارضة هذه فلا تبلغ مرتبتها في الصحة ~~والشهرة ولو بلغت لم تعارضها فانها دالة على اثم أهل الفتن وانما فيها انه ~~خفف على هذه الأمة عذابها في ذلك الذنب وجعل عذابها بالسيف في دنياها وهذا ~~أولى أن يكون حجة على تحريم ذلك وعدم قبول الاجتهاد فيه فانه لو قبل منه لم ~~يستحقوا عليه عذابا لا في الدنيا ولا في الآخرة بالاجماع بل يستحقون عليه ~~المثوبة والثناء من الله سبحانه وتعالى # وأما الرجاء والشفاعة للمسلمين فقد تقدم ما فيه من القرآن والتواتر الا ~~في قاتل المؤمن متعمدا ومنها ان النبي صلى الله عليه وسلم سمي فساد ذات ~~البين الحالقة تحلق الدين لا تحلق الشعر ولو كان الاجتهاد فيها سائغا لم ~~يصح ذلك ومنها أن الفريقين اجتمعوا على تهليك الخوارج والنصوص دلت على ذلك # فان قيل ms388 انما هلكوا بمجرد اعتقادهم التكفير # قيل لا سبيل إلى القطع بذلك بل قد ورد ما يدل على ان القتل أعظم من ~~التكفير وذلك حديث ثابت بن الضحاك مرفوعا وفيه ومن قذف مؤمنا بكفر فهو ~~قاتله وتقدم القول في صحته وشواهده كثيرة قالوا وأما أحاديث النهي عن دفاع ~~المتأولين فليس العلة فيها قبول اجتهادهم ألا تراه يقول فيها كن كخير ابني ~~آدم يبوء باثمة واثمك فيكون من أصحاب النار رواه مسلم من حديث أبي بكرة ولم ~~يكن ابن آدم القاتل لأخيه معفوا عنه والله تعالى يقول عن أخيه @QB@ إني ~~أريد أن تبوء بإثمي وإثمك @QE@ PageV01P413 ) بل هذا من أخص أدلة المعتزلة ~~وأقواها لانه في أهل التأويل بالاتفاق والاثم منصوص # وقد جود ابن جرير الطبري الكلام في هذا الفصل ونقله ابن بطال في شرح ~~البخاري وأما قوله @QB@ ومن يقتل مؤمنا متعمدا @QE@ وحديث كل ذنب عسى الله ~~أن يغفره الا الرجل يقتل المؤمن متعمدا فالمراد الاحتراز من خطأ اليد لا ~~خطأ الاستحلال بدليل ما ذكرناه وبدليل سياق الآيات من أولها في قتل الخطأ ~~وكلام المعتزلة مع كثرة شواهده غير نص في محل النزاع فانه يمكن أن يكون هذا ~~الوعيد بالنار في الفتن مختصا بالفتن التي الداعي اليها هو الهوى والكبر ~~وحب الرياسة والمنافسة في الدنيا بل هو الظاهر في كثير من الأحاديث ومن ~~أحوال أهل تلك الفتن ولو اجتهدوا لعرفوا الحق لاهله ومنتهى الامر ان يؤديهم ~~الاجتهاد إلى الوقف # وروى الحاكم في المستدرك في مناقب عمار والذهبي في النبلاء في مناقبه ~~أيضا عن ابن عمر ما يدل على ذلك وانما الكلام مفروض فيمن وفي الاجتهاد حقه ~~ولذلك أجمعت الأمة على العفو عن المجتهدين من أئمة العلم في معرفة أحكام ~~الدماء والقتل في الحدود والقصاص في مسائل الفروع المختلف فيها المعمول ~~فيها بأقوالهم كالخلاف في قتل تارك الصلاة وقتل الحر بالعبد ونحو ذلك حيث ~~لم يكن الهوي سبب اختلافهم وظهر منهم التحري في الصواب وبذل الجهد في تعرفه ~~وتوفية الاجتهاد حقه وهذا زبدة ما عرفته ms389 من أدلة الفريقين على جهة الاشارة ~~والله الهادي والموفق إلى الصواب PageV01P414 PageV01P415 # | خاتمة # في حب من أحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأمر بحبه من القرابة ~~والصحابة وقد دلت النصوص الجمة المتواترة على وجوب محبتهم وموالاتهم وأن ~~يكون معهم ففي الصحيح ( لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ~~وفيه المرء مع أحب ) # ومما يخص أهل بيت رسول لله صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى @QB@ إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا @QE@ كما ثبت في صحيح ~~مسلم من حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وقوله تعالى @QB@ قل لا ~~أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى @QE@ كما روى تفسيرها مرفوعا امام ~~أهل الحديث أحمد بن حنبل والملا في سيرته والطبراني في معجمعه الكبير ~~والاوسط من حديث حبر الامة وبحرها عبد الله بن العباس رضي الله عنهما # ويعضد ذلك من كتاب الله تعالى قوله عز وجل @QB@ ألحقنا بهم ذريتهم @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ وكان أبوهما صالحا @QE@ واجماع الامة وتواتر الاخبار بشرع ~~الصلاة عليهم في تشهد الصلاة واختصاصهم به أو بالاجماع على دخولهم فيه فيجب ~~لذلك حبهم وتعظيمهم وتوقيرهم واحترامهم والاعتراف بمناقبهم فانهم أهل آيات ~~المباهلة والمودة والتطهير وأهل المناقب الجمة والفضل الشهير # وقد ذكر مناقبهم امام أهل الحديث والسنة في عصره المحب الطبري وصنف في ~~ذلك كتابه ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ويا له من PageV01P416 كتاب ~~وافق اسمه مسماه وصدق لفظه ومعناه وكذلك دلت النصوص المتواترة على وجوب حب ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ورضي الله عنهم وأرضاهم وتعظيمهم ~~وتكريمهم واحترامهم وتوقيرهم ورفع منزلتهم والاحتجاج باجماعهم والاستنان ~~بآثارهم واعتقاد ما نطق به القرآن الكريم والذكر الحكيم من انهم خير أمة ~~أخرجت للناس وفيهم يقول الله تعالى @QB@ والذين معه أشداء على الكفار رحماء ~~بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من ~~أثر السجود @QE@ الآية # وفي تعظيم حق أهل البيت يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ستة لعنتهم ~~لعنهم الله ms390 وذكرهم الي أن قال والمستحل من عترتي لما حرم الله تعالى رواه ~~الترمذي والحاكم من حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها # وفي تعظيم حق الصحابة رضي الله عنهم يقول صلى الله عليه وسلم ( اذا سمعتم ~~من يلعن أصحابي فقولوا لعنة الله على شركم ) رواه الترمذي # وكذلك يجب حب المؤمنين علمائهم وعامتهم ونصيحتهم واكرامهم لما ثبت في ~~الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يؤمن أحدكم حتى يحب ~~لاخيه المؤمن ما يحب لنفسه وقد تقدم في مسألة الوعد والوعيد فوائد تعلق ~~بحكم الخالطين من المسلمين وخصوص المؤمنين والتحذير من مشاحنتهم واضمار ~~الغل لهم والمحافظة على ذلك والتواصي به على مقتضى ما وصف الله تعالى به ~~المؤمنين من التواصي بالحق والصبر والمرحمة جعلنا الله من العاملين بذلك ~~وهو الهادي لا اله الا هو نعم المولى ونعم النصير له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شيء قدير وهو حسبنا ونعم الوكيل # والاولى لكل حازم أن يشترط في كل ما يعتقده من المشكلات المختلف فيها ان ~~يكون موافقا لما هو الحق عند الله تعالى وأن لا يكون فيه مخالفة لشيء من ~~كتب الله تعالى ولا لما جاءت به رسل الله تعالى عليهم أفضل الصلاة والسلام ~~وان كان الوقف حيث يجوز أحزم وأسلم فان العصمة مرتفعة والثقة بالفهم أو ~~الانصاف غير مفيد للعلم الضروري بالسلامة من ذلك PageV01P417 وقد ورد في ~~الحديث ما يدل على نفع ذلك كما تقدم في حديث زيد بن ثابت في آية آخر مسألة ~~التكفير والتفسيق ولو لم يكن الا ان هذا الاشتراط آخر ما في الوسع من طلب ~~النجاة # وأنا أشهد الله عز وجل باني مشترط لذلك في كل ما يحسن مني اشتراطه فيه ~~وبكون أحوط لي في ديني وأقرب إلى رضوان ربي سبحانه وتعالى مع اختيار الوقف ~~في المشكلات المختلف فيها حيث لا يجب القطع بأحد الاحتمالين تقبل الله ذلك ~~مني وثبتني وهداني ولا وكلني إلى نفسي طرفة عين ولا حول ولا قوة الا بالله ms391 ~~عليه توكلت واليه أنيب # وهذا آخر هذا المختصر المبارك إن شاء الله تعالى وأما الكلام في الخلافة ~~ومناقب القرابة والصحابة فلا يتسع له هذا المختصر فان الكلام فيه كثير جدا ~~وإفراده بمجلد يحق له بل يقل له عند من يعرف ما ورد في ذلك وما قاله أهل ~~العلم فيه وإنما أوردت في هذا المختصر ما يصلح أن يكون مقدمة من مقدمات ~~تفسير كتاب الله تعالى كما ذكرته في هذا المختصر من أنواع التفسير منه في ~~النوع الأول منها والله تعالى يتقبل مني ما وهب من ذلك ويبارك فيه ربنا ~~تقبل منا انك أنت السميع العليم فانما البركة والخير كله بيده سبحانه ومنه ~~وبه وله فله الحمد كله كما ينبغي لكريم وجهه وله الشكر وله الثناء لا أحصي ~~ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه سبحانه وتعالى # ثم اني أختم هذا المختصر المبارك باني أستغفر الله وأسأله التجاوز عني ~~والمسامحة في كل ما أخطأت فيه من هذا المختصر وغيره فاني محل الخطأ والغلط ~~والجهل وأهله وهو سبحانه وتعالى أهل المغفرة والسعة والمسامحة والغنى ~~الأعظم والكريم الأكرم عن مضايقة المساكين والجاهلين اذ كان تعالى عز وجل ~~غنيا عن عرفان العارفين غير متضرر بجهل الجاهلين وآخر كلامي كاف له أن ~~الحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله ~~الطاهرين الطيبين وصحبه الراشدين ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ~~PageV01P418 ms392