######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0005937 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: ابن الوزير، محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني القاسمي، أبو عبد الله، عز الدين اليمني (المتوفى: 840هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 840 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0005937 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-5937 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/5937 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1987م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين أكمل الحمد على جميع هداياته ومعارفه وعطاياه ~~وعوارفه وأفضل صلى الله عليه وسلم وتحياته الطيبات المباركات وإكرامه على ~~رسوله وحبيبه وصفوته محمد الأمين خاتم النبيين والمرسلين الذي جعل الله ~~الذلة والصغار على من خالف أمره كما ورد به الحديث المتين والقرآن المبين ~~حيث قال رب العالمين في بعض المخالفين له في الدين {سينالهم غضب من ربهم ~~وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين} وصلى الله عليه وسلم وعلى أهل ~~بيته الطيبين الطاهرين ورضي الله عن الصحابة أجمعين الصادقين السابقين ~~والذين جاؤا من بعدهم من التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين # أما بعد فإني نظرت إلى شدة الخلاف واختلاف العقلاء والأذكياء وأهل ~~الرياضات العظيمة من الرهبان وسائر أجناس أهل الأديان ثم إلى ما وقع من ذلك ~~بين أهل الإسلام من أهل القوانين العلمية البرهانية وأهل القوانين الرياضية ~~الرهبانية وأهل التفاسير والتآويل للآيات القرآنية وأهل الآثار والأنظار في ~~الفروع الظنية فرأيت اختلافا كبيرا وتعاديا نكيرا وتباعدا كثيرا سبق إلى ظن ~~الناظر فيه أنه لا طريق له مع سعة ذلك إلى تمييز المحق من المبطل والمصيب ~~من المخطئ بالدليل الصحيح لأن التمييز الصحيح لذلك لا يحصل إلا بعد بلوغ ~~الغاية القصوى في طرق جميع هذه الطوائف حتى يعترف له بالإمامة في كل فن من ~~تلك الفنون كل أمام بها وعارف # ويتقن علم كل فرقة مثل اتقان كل من أئمتهم لدعواهم وحقائقهم مميزا ~~لمعارفهم ومزالقهم والعمر أقصر من أن يتسع لذلك مع تفريغه عن # PageV01P009 # الشواغل المزاحمة لذلك تم الطلب الشديد له فكيف يتيسر علم جميع ذلك في ~~أول أوقات التكليف مع الشواغل الجمة والتقصير الكثير من الأكابر المتصدرين ~~للتعليم كيف للمتعلمين المقصرين على تلقن مذاهب أسلافهم من غير الثقات إلى ~~الإهتمام بتحقيق أدلتهم التي تخصهم دع عنك الإهتمام بأدلة خصومهم وتحقيقها ~~مع شدة الإشكالات ودقتها ومعارضة الأذكياء والرهبان بعضهم لبعض في كل ملة ~~وكل فرقة ومع استمرار من ظاهره الفهم والإنصاف من أهل الإسلام على ذلك ms001 ~~الإختلاف فعظمت هذه الفكرة عندي واهتم لها قلبي لولا ما عارضها من العلم ~~اليقين بل الضروري بما للأكثرين من العقائد الباطلة ومعارضة الحق الواضح ~~بالشبه الساقطة وتعرف ذلك بمطالعة كتب الملل والنحل والأهواء والتجاهل ~~فنظرت في كيفية النجاة مع ذلك مستمدا من الله تعالى داعيا طالبا راغبا ~~راهبا وان الله تعالى وله الحمد والشكر والثناء وفقني حينئذ إلى أوضح الطرق ~~في علمي وأبعدها من الشبه والشكوك إلى معرفة ما تمس الضرورة إلى معرفته من ~~الحق الذي تخاف المضرة بجهله وهو الذي جاء الإسلام بوجوب معرفته أو أمر بها ~~أو ندب إليها من الكتاب والسنة دون معرفة ما لم يدل عقل ولا سمع على وجوب ~~معرفته ولا ثبت في الشريعة استحبابها وبترك هذا القسم يسهل الأمر ويهون ~~الخطب فإن الذي وسع دائرة المراء والضلال هو البحث عما لا يعلم والسعي فيما ~~لا يدرك وطول السير والسعي في الطريق التي لا توصل إلى المطلوب والإقتداء ~~بمن يظن فيه الإصابة وهو مخطئ والإشتغال بالبحث عن الدقائق التي لا طريق ~~إلى معرفتها ولا يوصل البحث عنها إلى اليقين ولا إلى الوفاق ولا ظهرت للخوض ~~فيها مع طوله ثمرة نافعة لا باليقين صادعة ولا للإفتراق جامعة ولا روي عن ~~أحد من الأنبياء عليهم السلام ولا صح عن أحد من السلف الكرام # وربما انقطع هذا العمر القصير في تلك الطرق البعيدة قبل البلوغ إلى ~~المقصود بها وهو معرفة الحق الواجب من الباطل المهلك ومعرفة المحق من ~~المبطل وليس الطلب لكل علم بمحمود ولا كل مطلوب بموجود أما الثانية فوفاقية ~~وأما الأولى فعقلا وسمعا أما العقل فإنه لا يحسن قطع # PageV01P010 # الأوقات في وزن الحجارة وكيل التراب ونحو ذلك مما لا يفيد والعلة أنه عبث ~~ولعب لا يضر ولا ينفع فكيف بما يضر أو لا يؤمن أنه يضر وقد ذكر نحو ذلك ~~القاضي جعفر رحمه الله تعالى وأما السمع فقد قال تعالى في متعلمي السحر ~~أنهم يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم وقال تعالى {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات ~~فرحوا ms002 بما عندهم من العلم} صلى الله عليه وسلم والآية تقتضي ذم علمهم وذمهم ~~به # وفي الحديث أن من العلم جهلا قال ابن الأثير في النهاية قيل في تفسيره ~~وهو أن يتعلم ما لايحتاج إليه كالنجوم وعلوم الأوائل ويدع ما هو محتاج اليه ~~في دينه من علم القرآن والسنة وقال تعالى {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ~~وللبسنا عليهم ما يلبسون} وعلم آدم الاسماء دون الملائكة وآتانا من العلم ~~قليلا مع قدرته على أن يؤتينا كثيرا فقال في ذلك {وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا} يوضحه قول الخضر لموسى عليهما السلام ما علمي وعلمك وعلم جميع ~~الخلائق في علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من هذا البحر وقال ~~لموسى أنا على علم من علم الله لا ينبغي لك أن تعلمه وأنت على علم من علم ~~الله لا ينبغي لي أن أعمله فدل ذلك كله على أنه لا ينبغي لعاقل أن يتعرض ~~لعلم ما لم يعلمنا الله ورسوله ويتضح معقوله ومنقوله لقول الملائكة عليهم ~~السلام لا علم لنا إلا ما علمتنا وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى {قل هاتوا ~~برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي} وهذه الآية دالة على أن كتب الله لا ~~تخلو من البراهين المحتاج اليها في أمر الدين كما سيأتي في هذا المختصر ~~مستوعبا إن شاء الله تعالى # وفي قول الملائكة لا علم لنا إلا ما علمتنا إشارة إلى ذلك بل دلالة واضحة ~~لأنهم حين قطعوا على فساد آدم مع اخبار الله تعالى لهم أنه مستخلفه في ~~الأرض إنما أتوا من خوضهم فيما لم يعلمهم الله تعالى إذ لو كان من تعليم ~~الله ما أخطأوا فيه فلما تبين لهم خطأهم نظروا من أين جاءهم الخطأ على علو ~~منزلتهم فعرفوا أنهم أخطأوا لما تعرضوا لعلم ما لم يعلمهم الله # PageV01P011 # سبحانه فقالوا حينئذ {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا} فهذا وهم أحق ~~الخلق بالعلم والكشف للغائبات فإنهم أنوار وعقول بلا شهوات حاجبة ولا أهواء ~~غالبة ولذلك ذم الله ms003 الذين في قلوبهم زيغ بابتغاء تأويل المتشابه ومدح ~~الراسخين بالإعتراف بالعجز كما هو معروف عن علي عليه السلام في أمالي السيد ~~الامام أبي طالب عليه السلام وفي نهج البلاغة على ما سيأتي تقريره والحجة ~~عليه وذم اليهود على تعاطي ما لم يعلموا فقال تعالى {ها أنتم هؤلاء حاججتم ~~فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} # ومن ذلك أن الله تعالى أرى رسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين يوم بدر ~~الكثير من المشركين قليلا في المنام ثم في اليقظة للمصلحة واختلف لمن ~~الضمير في قوله تعالى {يرونهم مثليهم رأي العين} وقال سبحانه في الساعة ~~{أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى} أي أخفي علمها الجملي وأما تعيين ~~وقتها فقد أخفاه من الخلق كما قال {ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا ~~بغتة} وكفى بذلك حجة صادعة على أن المصلحة للخلق قد تعلق بجهل بعض العلوم ~~ومما يوضح ذلك قول عيسى عليه السلام {ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه} كما ~~ذكر في الكشاف ولأن حكمة الله وحكمه الذي لا يغالب قد يقتضي ذلك عموما كما ~~اقتضت كتم الآجال على الاكثرين # وجاء في الحديث الصحيح أن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أول رؤيا عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال له أصبت بعضا وأخطأت بعضا فسأله بيان ما أصاب ~~فيه وما أخطأ فأبى عليه فقال أقسمت عليك الا ما أخبرتني فقال لا تقسم فهذا ~~مع اكرامه له وانه على خلق عظيم كما قال الله تعالى فلولا أن الجهل ببعض ~~الأمور قد يكون راجحا أو واجبا لما تخلف # PageV01P012 # عن اخباره بعد هذا الالحاح الكثير من هذا الصاحب الكبير فدل على أنه ليس ~~في كل علم صلاح العباد وأن قدرنا أنه يحصل من غير خطأ ولا تعب ولا خطر فكيف ~~مع خوف الفوت والخطر العظيم والتعب الشديد بل هو مع تحقق ذلك في حق ~~الأكثرين بالتجارب الضرورية # ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رفع علم ms004 ليلة القدر وسئل ~~عنها وعسى أن يكون خيرا لكم رواه البخاري وقوله في حديث معاذ دعهم يعملوا ~~متفق على صحته وشواهده جمة كثيرة صحيحة ومن ذلك وهو أعظمه وأشهره قصة الخضر ~~وموسى عليهما السلام وهي شافية كافية وهي صريحة في اختلاف المصالح في ~~العلوم ومنه قوله تعالى بعد حكاية الإختلاف بين داود وسليمان عليهما السلام ~~{وكلا آتينا حكما وعلما} # وذكر الشيخ أبو القاسم البلخي في مقالاته المشهورة العامة فقال هنيئا لهم ~~السلامة مرتين أو ثلاثا وفي شعر العلامة ابن أبي الحديد المعتزلي وقد حكى ~~كثرة بحثه في علم الكلام حتى قال # (وأسائل الملل التي اختلفت ... في الدين حتى عابد الوثن) # (وحسبت أني بالغ أملي ... فيما طلبت ومبريء شجني) # (فاذا الذي استكثرت منه هو ... الجاني على عظائم المحن) # (فضللت في تيه بلا علم ... وغرقت في يم بلا سفن) # وقال الفخر الرازي في ذلك # (العلم للرحمن جل جلاله ... وسواه في جهلاته يتغمغم) # (ما للتراب وللعلوم وإنما ... يسعى ليعلم أنه لا يعلم) # وقال صاحب نهاية الاقدام # (قد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم) # (فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم) # PageV01P013 # فهذا كلام سلاطين أئمة المعارف العقلية من فريقي الملة الإسلامية وسيأتي ~~هذا مبسوطا في موضعه # فأما بعض الطلبة من أتباع أهل الكلام الذين قلدوا في تلك القواعد وهم ~~يحسبون أنهم من المحققين فهم أبلد وأبعد من أن يعرفوا ما أوجب اعتراف هؤلاء ~~الأئمة بالجهل والعجز وإنما هم بمنزلة من سمع أخبار الحروب والشجعان وهؤلاء ~~الأئمة بمنزلة من مارس مقارعة الأبطال ومنازلة الأقران ولا يلزم من التزهيد ~~في طلب ما لا يحصل والاشتغال بما يضر من علوم الفلاسفة والمبتدعة التزهيد ~~في العلم النافع وسيأتي اشباع القول في عظم فضله والحث عليه بعد تقرير صحته ~~والرد الشافي على من نفاه # ومن ها هنا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم بالإقتصاد في ~~الأمور وقال إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى وهو الذي ms005 اختاره الله ~~تعالى معلما للأميين ورحمة للعالمين وعلم بالضرورة لا بأخبار الآحاد إن ذلك ~~كان خلقه ودينه عند العلماء النقاد فتعين حينئذ طلب الطريق القريبة الممكنة ~~التي هي فطرة الله التي فطر الناس عليها كما نص على ذلك في كتابه الكريم ~~وسنة رسوله عليه أفضل صلى الله عليه وسلم ولولا ما وقع فيها من التغيير لما ~~احتاجت إلى طلب ولكنه قد وقع فيها التغيير كما أخبر بذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته عند أهل النقل وفيه تفسير الفطرة ~~وتقريرها من المبلغ المبين لما أنزل عليه من الهدى والنور حيث قال (كل ~~مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) وفي ذلك ~~يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في ممادح ربه سبحانه ~~وتعالى التي أودعها خطبه في محافل المسلمين وأما العارفين وعلمها من حضره ~~من خيار المؤمنين حيث قال في محامد رب العالمين لم يطلع العقول على تحديد ~~صفته ولم يحجبها عن واجب معرفته فهو الذي يشهد له أعلام الوجود على إقرار ~~قلب ذي الجحود وقد جود في شرحه ونصرته العلامة ابن أبي الحديد وعزاه إلى ~~قاضي القضاة وفرق بينه وبين قول الجاحظ فقال أنا ما ادعينا في هذا المقام ~~إلا أن العلم بإثبات الصانع هو الضروري والجاحظ # PageV01P014 # ادعى في جميع المعارف أنها ضرورية وأين أحد القولين من الآخر انتهى كلام ~~الشيخ ويدل عليه قوله تعالى {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه} وقوله {الم تنزيل ~~الكتاب لا ريب فيه} وقوله تعالى {قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات ~~والأرض} ولذلك كان المختار في حقيقة النظر إنه تجريد القلب عن الغفلات لا ~~ترتيب المقدمات كما ذكره الشيخ مختار المعتزلي في كتابه المجتبى فتأمل ذلك # قلت وبيان هذه الجملة في أمرين أحدهما بيان المحتاج إليه من المعارف ~~الإسلامية في الأصول وهي سبعة أمور كلها فطرية جلية كما يأتي وعليها مدار ~~خلاف العالمين أجمعين وإنما تدرك بالفطرة قبل التغيير أو مع الشعور بذلك ~~التغيير ms006 فإن مداواته بعد الشعور به سهلة وذلك لأن البصيرة في المعلومات ~~كالبصر في المحسوسات كلاهما مخلوقان في الأصل على الكمال ما لم يغيرا فمتى ~~وقع فيهما التغيير ولم يشعر به صاحبه فحش جهله وخطأه ومتى شعر بذلك سهل ~~علاجه واستداركه والحكم عليه بحكم العميان والله المستعان الأمر الثاني ~~بيان أن خوض جميع المتكلمين في عقائدهم الخلافية بين الفرق الإسلامية يتوقف ~~دائما أو غالبا على الخوض في مقدمات لتلك العقائد وجميع تلك المقدمات مختلف ~~فيها أشد الاختلاف بين أذكياء العالم وفحول علم المعقولات من علماء الإسلام ~~دع عنك غيرهم ومن شرط المقدمات أن تكون أجلى وأن لا تكون بالشك والإختلاف ~~أولى فلينظر بإنصاف من كان من أهل النظر من علماء الكلام في تلك القواعد ~~الدقيقة والمباحث العميقة والمعارضات الشديدة والمناقشات اللطيفة في أحكام ~~القدم ومتى يصح من الله تعالى إيجاد الحوادث وما لزم كل خائض في ذلك حتى ~~التزم بعض شيوخ الكلام نفي القدرة على تقديم الخلق عن وقته وبعضهم أن ~~الحوادث لا نهاية لها في الابتداء كما لا نهاية لها في الإنتهاء وقال ~~جمهورهم أنه قادر في القدم ولا يصح منه الفعل فيه مع قدرته وكذلك اختلافهم ~~فيما تعلق به العلم في القدم وفي أحكام الوجود والموجود وهل هما شيء واحد ~~على # PageV01P015 # التحقيق أو بينهما فرق دقيق وفي دعوى أبي هاشم وأصحابه أن الثبوت غير ~~الوجود حتى جمعوا بين الثبوت والعدم دون الوجود والعدم وقضوا بأن الله ~~تعالى لا يدخل في قدرته سبحانه أن يكون هو المثبت للأشياء الثابتة في العدم ~~مع قضائهم بثبوت جميع الأشياء في العدم بغير مؤثر وإنما تفسير خلق الله ~~للأشياء عندهم أن يكسبها بعد ثبوتها صفة الوجود مع مخالفة جمهور العقلاء ~~لهم في ذلك # وفي أدلتهم عليه كما أوضحه صاحبهم أبو الحسين وأصحابه وأوضحوا أيضا ~~مخالفتهم في اثبات الأكوان والإستدلال بها إلى أمثال لذلك كثيرة مما اشتملت ~~عليه التذكرة لابن متويه والملخص للرازي وشرحه والصحائف الإلهية لبعض ~~الحنفية ونحوها من جوامع هذا الفن فعلى قدر ms007 ما في تلك القواعد من الشكوك ~~والإحتمالات تعرف ضعف ما تفرع عنها # ولعل كثيرا من النظار المتأخرين يعترف بأنها محارات ومجاهل لا هداية ~~للعقول فيها إلى اليقين ثم يعتقد أن عقائده المبنية عليها صحيحة قطعية وهذه ~~غفلة عظيمة فإن الفرع لا يكون أقوى من الأصل لا في علوم السمع ولا في علوم ~~العقل ثم أن المتكلمين كثيرا ما يقفون المعارف الجليلة الواضحة على أدلة ~~دقيقة خفية فيتولد من ذلك مفاسد منها إيجاب ما لا يجب من الإستدلال وتكلفه ~~وتكليفه المسلمين ومنها تكفير من لا يعرف ذلك أو تأثيمه ومعاداته ومع ذلك ~~تحريمه يؤدي إلى حرام آخر وهو التفرق الذي نص القرآن الكريم على النهي عنه ~~ومنها تمكين أعداء الإسلام من التشكيك على المسلمين فيه وفي أمثاله ومنها ~~الإبتداع وتوسيع دائرته وما أحسن قول أمير المؤمنين علي عليه السلام في مثل ~~ذلك العلم نكتة يسيرة كثرها أهل الجهل # ولنذكر شيئا من ذلك نخرج به عن التهمة بدعوى ما لم يكن منهم فنقول انا لا ~~نحتاج إلى دليل على وجوب الله تعالى بعد علمنا بالضرورة الفطرية أنه الذي ~~أوجد الموجودات وخلق العوالم ودبرها واستحق المحامد جميعها والأسماء الحسنى ~~كلها وأنه على كل شيء قدير وبكل شيء عليم خبير وهذا هو قول الشيخ أبي ~~الحسين وأصحابه وأكثر العقلاء وجماهير الأمة وذهب الشيخ أبو هاشم الجبائي ~~وأتباعه إلى أنا بعد علمنا بذلك كله نشك هل هو سبحانه موجود أو معدوم بعد ~~علمنا بأنه موجد # PageV01P016 # الموجودات ومدبرها القيوم بها وأنا بعد العلم بذلك ومعه نحتاج إلى النظر ~~الدقيق في دليل يدل على أن خالقنا الكامل الأسماء والنعوت غير معدوم ولا ~~يكفينا العلم بأنه خالقنا ومدبرنا دليلا على وجوده قط وغفلوا عن كون وجود ~~الخالق القيوم بخلقه أقوى في التعريف بوجوده من الدليل الذي يتكلفونه على ~~ذلك في فطر العقلاء وأنه إن أمكن الشك في هذه الفطرة أمكن الشك في دليلهم ~~عليها إذ لا يمكن أن يكون أقوى منها بل هو أخفى بغير شك كما يعلم ms008 ذلك من ~~وقف على أدلتهم في ذلك وقد كنت أوردتها هنا وبيان ما فيها من الشكوك ثم صنت ~~ديباجة هذا المختصر من ذلك ونحوه من علم الجدل ورأيت أن أورد ذلك في فصل ~~مفرد في آخر هذا المختصر إن شاء الله تعالى وإلا فهي في العواصم مجموعة وفي ~~كتب الكلام مفرقة وإنما فعلت ذلك معا ليسلم أولا من كدورته أهل الاثر ثم ~~ينتفع ثانيا بالنظر في الشكوك الواردة عليه أهل الكلام والنظر إن شاء الله ~~تعالى وإنما اضطر أبو هاشم وأتباعه إلى ذلك لأنهم جوزوا للمعدوم تحققا في ~~الخارج لا في الذهن على ما حققه الشيخ مختار المعتزلي في كتابه المجتبى في ~~الفصل الرابع في صفات الله تعالى # واعلم أن كثرة التعنت في النظر تؤدي إلى طلب تحصيل الحاصل والتشكيك فيه ~~وقد جربنا ذلك وتأثيره في الموسوسين في الطهارة وفي النية وأمثالهما من ~~الأمور الضرورية فإذا صح مرض العقول في الضروريات بسبب التعنت والغلو في ~~تحصيل الحاصل فكيف إذا وقع هذا السبب في محارات العقول ودقائق الكلام وتوهم ~~المبتلي بالوسوسة أنه لا طريق له إلى معرفة الله تعالى إلا تلك الدقائق ~~الخفية والقواعد المختلف فيها بين أذكياء البرية ومن أمارة عدم اليقين فيها ~~استمرار الخلاف بعد طول البحث من الأذكياء من أهل الإنصاف ومن علماء أهل ~~الإسلام ولا تحسبن أن العلة في ذلك وقتها بل العلة عدم الطريق إلى معرفتها ~~يوضح هذان علم الحساب والفلك وتسيير الشمس والقمر ومعرفة أوقات الكسوفيين ~~من أدق العلوم ومع دقته فإن غالبه صحيح متفق عليه بين العارفين له وما كان ~~منه خفيا ظنيا فهو معروف بذلك بين أهله وعكس ذلك علم أحكام النجوم # PageV01P017 # في حدوث الحوادث فإن غالبه باطل لأنها لم تصح منه المقدمات فدل الضعف ~~والإختلاف على ضعف القواعد لا على دقتها ولذلك لا يختلف أهل الحساب الدقيق ~~في الفرائض وقسمة المواريث في المناسخات ونحوها مع دقته ولذلك لا تختلف ~~علماء العربية والمعاني والبيان في كل دقيق بل يتفقون حيث تكون المقدمات ~~صحيحة ms009 وإن دقت ولا يختلفون إلا حيث تكون المقدمات ظنية بل المتكلمون في ~~الحقيقة كذلك لكنهم إنما يتفقون في أمور يستغنى في معرفتها عن علم الكلام ~~وعن معرفتها في علم الكلام ثم يختصون من بين أهل العلوم بدعوى القطع في ~~مواضع الظنون وتركيب التعادي والتأثيم والتكفير على تلك الدعاوى إلا أفرادا ~~من أئمتهم وأذكيائهم توغلوا حتى فهموا أنهم انتهوا إلى محارات منتهى العقول ~~فيها الميل إلى إمارات ظنية فرجعوا إلى التسليم وترك التكفير كما سيأتي ~~بيان ذلك عنهم ونصوصهم فيه # ومن العبر الجلية في هذا للمتأملين أن أهل الدنيا الموصوفة بأنها لعب ~~ولهو ومتاع قد اتقنوا موازين معرفة الحق من الباطل فيما بينهم وتمييز يسير ~~الحيف في ذلك حتى لا يستطيع أحد تدليس الباطل مع وزنهم وتمييزهم لذلك بتلك ~~الموازين الموصلة إلى العلم اليقين القاطع لا مكان اللجاج والخلاف من ~~المخالفين فلو استطاع أهل الكلام أن يضعوا في أمور الدين المهمة موازين حق ~~تميز الحق من الباطل على وجه واضح يقطع الخلاف ويشفي الصدور مثل موازين أهل ~~الدنيا ما كرهوا ذلك وهم لا يتهمون بالتقصير في ذلك وإنما أتوا من أنهم ~~تركوا الإعتماد على تعلم الحق من الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه الذي أنزله من أنزل الميزان ليتعرف به الحق بعد دلالة الإعجاز ~~على صدقه كما يعرف الحق في الأموال بالميزان بعد دلالة العقل على صحته ~~ولذلك جمعهما الله تعالى في قوله {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان} ~~أنزل الكتاب لتعريف الحق الديني والميزان لتعريف الحق الدنيوي فترك ~~الأكثرون الإعتماد عليه لما سنذكره من الأسباب التي ظهرت في أعذار # PageV01P018 # المخالفين وان كان السبب الأكبر الذي أخبر عنه علام الغيوب حيث يقول {لقد ~~جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون} وتعرضوا لما لا يمكن من ايضاح ~~المحارات التي لا تتضح والسير في الطرق التي لا توصل والوزن بالموازين التي ~~لم ينزلها الله تعالى ولا علمتها رسله ولا اجتمعت عليها عقول العقلاء وفطن ~~الأذكياء وما خرج عن ذلك ms010 كله فمن أين له الوضوح حتى يكون له ميزان يميز به ~~الحق من الباطل عند الدقة والخفاء والإختلاف الشديد فتأمل ذلك بإنصاف # وأعجب من كل عجيب تكفير بعضهم لبعض بسبب الإختلاف في هذه المحارات ~~الخالية من ذلك كله وقد قال الله تعالى بعد الأمر بوفاء الكيل والوزن {لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها} مع وضوح الوفاء فيهما وامكان الإحتياط فكيف حيث يدق ~~ويتعذر فيه الإحتياط لكن قد يمكن أن لا يسامحوا في ذلك من جهة أن الضرورة ~~بل الحاجة لم تدع إليه كالوزن هذا مع ما في التكفير للمخطئ في هذه الدقائق ~~من المفسدة وذلك عدم جسرة الناظر على المخالفة لأنها صارت مثل الردة من ~~الدين ولولا ذلك لاتضح كثير من الدقائق فإن أوائل أهل علم الكلام لابد أن ~~يقصروا كما هو العادة الدائمة في كل من ابتدأ ما لم يسبق إليه فلما كفروا ~~المخالف كتم بعضهم المخالفة وتكلف بعضهم الموافقة بالتأويل البعيد وفسد ~~الاكثرون وقد ذكر نحو هذا في دلائل اعجاز القرآن أنه أسلوب مبتدأ جاء على ~~الكمال فحرق العادات بذلك على أن في علم الكلام من الخطر ما لا يتعرض له ~~حازم بعد معرفته وذلك ما ذكره السيد المؤيد بالله صلى الله عليه وسلم فانه ~~ذكر في أواخر كتابه ما ذكره في الزيادات ما لفظه ### | ### | فصل # فيما يجب على العامي والمستفتي # قال صلى الله عليه وسلم والأولى عندي ترك الخوض فيما لا تمس الحاجة إلى ~~معرفته من علم الكلام لأن الصحيح من المذهب أن الجهل قبيح ويجوز أن يصيره ~~إلى حالة يستحق صاحبها الخلود في النار وهذا غير مأمون لو نظر في مسألة من ~~الكلام # PageV01P019 # وأخطأ ولو لم يشتغل بها وترك النظر فيها أمن ذلك ولو أصاب كان ما يستحق ~~من الثواب على الإصابة يسيرا والعاقل إذا اختار الحزم اختار الاعراض عنها ~~دون النظر فيها إلى آخر كلامه في ذلك وأراد صلى الله عليه وسلم بالجهل ~~القبيح الجهل الاصطلاحي عند أهل الكلام وهو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو ms011 ~~عليه لا الجهل اللغوي الذي هو التوقف في موضعه فهو الذي أمر به وحكم بنجاة ~~صاحبه ومن عيوب علم الكلام تعرضهم لما لا نفع في الخوض فيه مع عدم الامان ~~من المضرة فيه كالخوض في الروح والنفس وانهما شيء واحد أو شيئان مختلفان ~~فان أدلتهم في ذلك كله ضعيفة ظنية وأحسن ما يستدلون به في ذلك هو التلازم ~~وليس من الأدلة القاطعة وقد اختار ابن متويه والحاكم منهم وغيرهما أن الروح ~~هو النفس الجاري بفتح الفاء لأجل التلازم فوهموا وهما فاحشا فان الجنين في ~~بطن أمه لا يتنفس بعد حياته ونفخ الروح فيه بالنص والحس بل حيوان الماء لا ~~يتنفس فيه ولو سلم لهم جواز دوام التلازم لم يكن حجة قاطعة على اتحاد النفس ~~والروح فليحذر الخوض في أمثال ذلك لقوله تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم} ~~ولما تقدم من كلام المؤيد بالله في ذلك وقد وافق المؤيد بالله على ذلك ~~خلائق من أئمة العترة والامة كما ذكره صاحب الجامع الكافي عن محمد بن منصور ~~في كتاب الجملة والالفة وحكى الحاكم المعتزلي في مختصر له جلي في معرفة ~~الله أن جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب من أئمة الكلام رجعا عن الخوض في دقيقه ~~وقد بالغ الغزالي في احياء علوم الدين ولا حاجة إلى التطويل بذكر ذلك وهو ~~معروف في مواضعه # وإني لما رأيت طريق النجاة من علم الكلام مما لا يجتمع عليها أهل الكلام ~~دع غيرهم ورأيتها ان كانت طريقا صحيحة فانها متوقفة ولا بد على التحقيق فيه ~~والبحث العميق عن الطائفة وخوافيه المودعة في علم اللطيف الذي تذكره ابن ~~متويه من مختصراته وجلياته وملخص الرازي من موجزاته ومتوسطاته وأئمة أهله ~~أعي علم الكلام في غاية المباعدة # PageV01P020 # والمنافاة حتى أن الشيخ أبا الحسين ذكر أنه يكفي في معرفة بطلان مذاهب ~~أصحابه البهاشمة من المعتزلة مجرد معرفة مقاصدهم مع أنهم الجميع من أئمة ~~الاعتزال هذا مع وقوع كثير من أئمة الكلام في الشك والحيرة # فلما عرفت ذلك كله ms012 علمت من غير شك صعوبة معرفة طريق النجاة من هذا الفن ~~على الاكثرين # وقد ألهم الله تعالى وله الحمد والشكر والثناء إلى أسهل طريق وأخصره في ~~علمي إلى اليقين والنجاة ونصرة طريق الصحابة والسلف التي علم تقريرهم عليها ~~بالضرورة من الدين وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها وإنما عنيت في ~~توضيحها وتجديدها بعد درسها ومداواة ما قد وقع من تغيير المغيرين لها كما ~~أشار إليه الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم (فأبواه يهودانه وينصرانه) ~~كما تقدم # وبيان ذلك أني تأملت جميع الاختلاف الواقع بين الناس من الملل الكفرية ~~والفرق الاسلامية فإذا هو على كثرته وتشعبه يرجع في الجملة إلى سبعة أشياء ~~مدركها بالفطرة قريب بعون الله تعالى بل هي فطرة الله التي فطر الناس عليها # أولها اثبات العلوم الضرورية التي يبتني الاسلام على ثبوتها وثانيها ثبوت ~~الرب عز وجل وثالثها توحيده سبحانه وتعالى ورابعها كماله بأسمائه الحسنى ~~وخامسها ثبوت النبوات وصحتها في الجملة وسادسها الايمان بجميعهم وعدم ~~التفريق بينهم وسابعها ترك الابتداع في دينهم بالزيادة على ما جاؤا به ~~والنقص منه فاذا تأملت هذه الأمور السبعة بالفطرة الأولى السليمة من ~~التغيير بالعادات والطوارئ المغيرات لم تشك أن الخطر المخوف من عقاب الآخرة ~~مأمون في جميعها وأما الستة الأولى فمجموعها هو دين الاسلام الذي فطر الله ~~عباده على معرفته والخلاف في كل واحد منها كفر يجمع عليه والأدلة عليها ~~جلية وفاقية بين المسلمين ولا يمكن وجود أحوط منها ولا أولى وأحرى كما قال ~~تعالى {فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا} وأما السابع وهو عدم الزيادة والنقص في ~~الدين فهو # PageV01P021 # العصمة من البدع المفرقة بين المسلمين وهو لاحق بما قبله في ثبوته في ~~الفطرة مع اضطرار كاره البدعة اليه لكن لا يثبت فيه التكفير غالبا كما ياتي ~~شرحه في موضعه # وسر هذا الكلام أن العذاب الأكبر مخوف في المخالفة لأحد هذه القواعد ~~السبعة الجليلة والعقل والسمع مجتمعان على حسن السعي في دفع المضار المخوفة ~~المجوزة التجويز لمستوى الطرفين ووجوب السعي في ms013 دفع المضار المطلوبة ووجوب ~~السعي في الاحتياط في ذلك وهذا معلوم في فطر العقلاء ومع كونه معقولا فقد ~~ذكره الله تعالى في كتابه المبين وذكر العقلاء به إن كانوا عنه غافلين فقال ~~في ذلك رب العالمين {قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن ~~هو في شقاق بعيد} وقال عز وجل في آية أخرى {قل أرأيتم إن كان من عند الله ~~وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين} وقال سبحانه حكاية عن خليله إبراهيم عليه السلام ~~{وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} {وتلك حجتنا آتيناها ~~إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم} ومنه ما حكاه الله ~~تعالى عن مؤمن آل فرعون من قوله {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم ~~بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي ~~يعدكم} وفي معناه قوله تعالى أيضا {ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة ~~وتدعونني إلى النار} الآيات وهو بين في هذا المعنى لأن السلامة متحققة في ~~الايمان والخطر مأمون فيه والمهالك مخوفة في مخالفته وقد أحسن كل الاحسان ~~في دعاء قومه ولذلك حكى الله تعالى حسن احتجاجه عليهم فينبغي تأمله ~~والانتفاع به ولذلك أتبع الله البرهان بالتخويف بالموت الضروري # PageV01P022 # والمعاد إليه النظري في قوله تعالى {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا ~~فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} فان الكفر مع مجموع هذه ~~الأمور أنكر الكفر وأفحشه فان البراهين تكفي العارفين والمخاوف توقظ نيام ~~الغافلين وتلين قساوة العاتين الماردين ومع ذلك تقوى دواعي العارفين وتقاوم ~~وساوس الشياطين ومن ذلك قوله تعالى {وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم ~~الآخر} وهذا القدر أعني الدخول في الاسلام على جهة الاحتياط من غير علم ~~بصحته بالأدلة يحصل أدنى مراتب الاسلام عند كثير من علماء ms014 الاسلام كمن لا ~~يكفر المقلدين لأهل الحق ومن يقول المعارف ضرورية وغيرهم وحجتهم على ذلك ~~أمور منها تقرير النبي صلى الله عليه وسلم للعامة وقبول الشهادة منهم ومنها ~~قوله تعالى {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن ~~الله غفور رحيم} وآخر الآية حجة حسنة على ذلك ومنها ما صح واشتهر وتواتر في ~~أحاديث الشفاعة من تقرير إيمان المشفوع لهم بمثاقيل الذر وأدنى أدنى أدنى ~~من ذلك ألا ترى أنك تخاف العذاب على المخالفة في كل واحد من هذه السبعة ~~الأمور ولا تخاف العذاب بالقول بواحد منها ولا تجد أحوط منها ولا أنجى ~~فحينئذ علمت بالفطرة علما قريبا جليا تطمئن به القلوب وتؤمن معه من المخوف ~~الأعظم إنه لا يمكن أن يوجد أصح ولا أنجى من المخاوف من دين الاسلام ~~ومتابعة محمد أفضل الصلاة والسلام صلى الله عليه وسلم # فلاحظت في هذا المختصر هذه الأمور السبعة وأشبعت الكلام فيها ونصرتها ~~بجهدي وغاية ما في قدرتي من العبارات الواضحة وضرب الأمثال البينة ثم ~~الآيات والآثار وإن تكلمت في نصرتها من عندي متميزة بأنفسها غير ملتبسة ~~بكلامي فما أخطأت فيه من كلامي وخالفها فعلى كل مسلم رده واجتنابه ~~ومتابعتها دونه فانما قصدي نصرتها لا مخالفتها # PageV01P023 # فما أصبت فيه فمن الله سبحانه وله فيه المنة والحمد والشكر والثناء وما ~~أخطأت فيه فالذنب مني وعلي فيه البراءة منه والتوبة والاستغفار والتحذير ~~وأشد الكراهة لا فرق بين كراهة ما صدر مني من البدع وما صدر من غيري بل يجب ~~أن أكون أشد كراهية لما صدر مني لأن الصادر مني ذنبي يضرني وأآخذ بسببه ~~والله تعالى يسلمني من البدع والذنوب ويغفر لي ما أخطأت فيه إنه واسع ~~المغفرة والرحمة وهو حسبي ونعم الوكيل لكن المحامي عن السنة الذاب عن حماها ~~كالمجاهد في سبيل الله تعالى يعد للجهاد ما استطاع من الآلات والعدة والقوة ~~كما قال الله سبحانه {وأعدوا لهم ما ms015 استطعتم من قوة} # وقد ثبت في الصحيح أن جبريل عليه السلام كان مع حسان بن ثابت يؤيده ما ~~نافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشعاره فكذلك من ذب عن دينه وسنته ~~من بعده إيمانا به وحبا ونصحا له ورجاء أن يكون من الخلف الصالح الذين قال ~~فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ينفون ~~عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين والجهاد باللسان أحد أنواع الجهاد ~~وسبله في الحديث (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) وقد أحسن من قال في ~~هذا المعنى شعرا # (جاهدت فيك بقولي يوم يختصم الأبطال ... أذفات سيفي يوم يمتصع) # (إن اللسان لوصال إلى طرق ... في الحق لا تهتديها الذبل السرع) # وقد ذكر الغزالي في المنقذ من الضلال أن الطالبين لليقين ثلاث طوائف منهم ~~أهل الرياضة للقلوب بتصفيتها بالاقبال على الله تعالى وترك ما عداه والتخلق ~~بالأخلاق المجمع على حسنها من الزهد والصبر والتوكل والرضا والعفو ووضع ~~النفس قلت إلى سائر ما ذكروه من أخلاقهم وأحوالهم ومقاماتهم في عوارف ~~المعارف وغيره وهذا لا يمكن اكتسابه بالتصنيف إنما هو بالعمل فمن عمل على ~~موافقة السنة واجتناب البدعة # PageV01P024 # كان هذا المختصر وأمثاله من بداياته التي تعينه على مقصده وتوصله إلى ~~مراده لأنهم أجمعوا على أن الشريعة لمعارفهم كاللبن للزبد ومن لا لبن له لا ~~زبد له وهذه المقدمة للشريعة وتصفية القلوب المشبهين باللبن والزبد بمنزلة ~~الروح الذي لولاها لما كان الحيوان ولا الزبد ولا اللبن ولكنها حاصلة في ~~الابتداء بالفطرة من الله سبحانه وله الحمد فمن كملت فيه وسلمت من التغيير ~~لم يحتج إلى شيء من هذا وان نظر فيه قوي ما هو عليه من الفطرة بمنزلة السقي ~~لما يشرب بعروقه من البحر فانه لا يحتاج السقي فان سقي زاده قوة وريا ~~والطائفة الثانية ممن ذكر الغزالي أهل التعليم من الامامية وغيرهم فانهم ~~زعموا أن العقول لا تفي بالمعرفة من غير تعليم الامام المعصوم ولذلك تجد ~~طالبي المعارف النظرية ms016 العقلية يتعلمون ذلك من شيوخهم ولا يمكن بالتجارب أن ~~يستقل أحدهم بنظره وعقله من غير شيخ ثم يأتي بتلك القوانين المتقنة مجودة ~~سالمة من المطاعن وعندهم أن هذا من التجريبات الضروريات وقد جود الغزالي ~~الرد عليهم في المنقذ من الضلال وكفى وشفى ثم قال وعلى تسليم ما ذكروه فنحن ~~نلتزمه ولا يضرنا لكن امامنا المعصوم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وموته لا يضرنا كما أن غيبة امامهم لا تضر عندهم بل حالنا أولى فان امامنا ~~المعصوم مات صلى الله عليه وسلم بعد كمال التعليم وامامهم غاب عنهم قبل ذلك ~~وفي هذا المختصر من التعليم النبوي الصحيح المتواتر والصحيح المشهور ما لا ~~يوجد في أمثاله والطائفة الثالثة أهل النظر وقد جمعت في هذا المختصر صفوة ~~أنظارهم وخلاصة أدلتهم ونقاوتها وقصدت تقويتها ورسوخ اليقين فيها بجمع ~~شواهدها وبراهينها الجلية القريبة الغاسلة لأدران الشكوك والريبة النازلة ~~من أهل الايمان بمنزلة الماء القراح من العطشان المشهورة بين أهل البيت ~~الطيبين والصحابة والتابعين وسائر السلف الصالحين التي لا يجر الخوض فيها ~~إلى شيء من البدعة ولا المخاطرة في الدين ولا يمكن أن يكون فيها شيء غيره ~~أحوط منه في علمي والله المستعان والمستغاث والهادي سبحانه لا إله إلا هو ~~وهو حسبي ونعم الوكيل # واعلم أني بنيت هذا المختصر على بيان الحق وتقريره في هذه الأمور السبعة ~~لا سواها وما زاد على ذلك من مواهب الله وعوارفه ومعارفه # PageV01P025 # وبدائع لطائفه فليس بمقصود لي الكلام عليه ولا أعتب على من خالفني في شيء ~~منه ولا يعاب التقصير فيه فان التطويل في الأمور العارضة يخرج عن المقصود ~~كما ذلك معروف # وإنما قصرت الاهتمام على هذه الامور السبعة لأنها الفطرة التي فطر الله ~~الناس عليها كما تطابق عليه القرآن والسنة وفي ذلك دلالة على أنها تكفي ~~العامي كما ذهب إليه أهل المعارف ما لم تعرض له شبهة قادحة فيتمكن من حلها ~~على طريق السلف القريبة الجلية كما نذكره في هذا المختصر مع الدعاء واللجأ ~~إلى الله تعالى ms017 وما أقرب نفع هذا مع خلق الله القلوب على الفطرة وكثرة مواد ~~هدايته كما ذكره في آية النور وقال الله تعالى {إن علينا للهدى} فأكد ذلك ~~بمؤكدين اثنين كما تقول أن زيدا لقائم وقال {وعلى الله قصد السبيل} هذا ~~للخلق عموما وللمؤمنين خصوصا {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} إلى غير ذلك وإنما ~~يؤتى أكثر الخلق من كفرهم بآيات الله البينة وبطلبهم غيرها كما قال تعالى ~~{سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما ~~جاءته فإن الله شديد العقاب} فليحذر ذلك كل الحذر من عدم القنوع بما قنع به ~~السلف من حجج الله تعالى وياله من تخويف شديد ووعيد عظيم # ثم اعلم أن هذا المختصر لا يصلح إلا لمن وضع له كما أن الدواء الخاص بألم ~~خاص لا يصلح لكل ألم ولا لكل أليم فمن كان يحتاج البسط إلا الحوافل الكبار ~~من مصنفات المصنفين من أذكياء النظار وقد يكون في هذا المختصر الاشارة إلى ~~تلك الكتب الحافلة والتنبيه عليها لمن يحتاج إلى ذلك والدال على الخير ~~كفاعله ولكن لكل مقام مقال ولكل مجال رجال والكتب البسيطة في علم اللطيف لا ~~تصلح لمن يخاف عليه من السبه كما أن السباحة في لجج البحار لا تصلح إلا ~~لأهل الرياضة التامة في ذلك بعد طول # PageV01P026 # التجارب وأرجو إن شاء الله تعالى أن لا يخلو هذا المختصر من أحد المعاني ~~الثمانية التي تصنف لها العلماء بل من كل واحد منها وهي اختراع معدوم أو ~~جمع مفترق أو تكميل ناقص أو تفصيل مجمل أو تهذيب مطول أو ترتيب مخلط أو ~~تعيين مبهم أو تبيين خطأ كذا عدها أبو حيان وتمكن الزيادة فيها # وإنما جمعت هذا المختصر المبارك إن شاء الله تعالى لمن صنفت لهم التصانيف ~~وعنيت بهدايتهم العلماء وهم من جمع خمسة أوصاف معظمها الاخلاص والفهم ~~والانصاف ورابعها وهو أقلها وجودا في هذه الاعصار الحرص على معرفة الحق من ~~أقوال المختلفين وشدة الداعي إلى ذلك الحامل على الصبر والطلب ms018 كثيرا وبذل ~~الجهد في النظر على الانصاف ومفارقة العوائد وطلب الاوابد فان الحق في مثل ~~هذه الاعصار قلما يعرفه إلا واحدا بعد واحد وإذا عظم المطلوب قل المساعد ~~فان البدع قد كثرت وكثرت الدعاة اليها والتعويل عليها وطالب الحق اليوم ~~شبيه بطلابه في أيام الفترة وهم سلمان الفارسي وزيد بن عمرو بن نفيل ~~وأضرابهما رحمهما الله تعالى فانهم قدوة الطالب للحق وفيهم له أعظم أسوة ~~فانهم لما حرصوا على الحق وبذلوا الجهد في طلبه بلغهم الله إليه وأوقفهم ~~عليه وفازوا من بين العوالم الجمة فكم أدرك الحق طالبه في زمن الفترة وكم ~~عمي عنه المطلوب له في زمن النبوة فاعتبر بذلك واقتد بأولئك فان الحق ما ~~زال مصونا عزيزا نفيسا كريما لا ينال مع الاضراب عن طلبه وعدم التشوف ~~والتشوق إلى سببه ولا يهجم على المبطلين المعرضين ولا يفاجئ أشباه الانعام ~~الغافلين ولو كان كذلك ما كان على وجه الأرض مبطل ولا جاهل ولا بطال ولا ~~غافل وقد أخبر الله تعالى أن ذرء جهنم هم الغافلون فانا لله وإنا إليه ~~راجعون ما أعظم المصاب بالغفلة والمغتر بطول المهلة # ومن أعجب العجائب دعوى المقلدين للمعارف ودعوى المتعصبين للانصاف وأمارة ~~ذلك أنك تجد العوالم الكثيرة في لطائف المعارف المختلف فيها على رأي رجل ~~واحد من القدماء في الامصار العديدة والاعصار المديدة # PageV01P027 # فلو كانوا في ترك التقليد كالأوائل لاشتد اختلافهم في الدقائق ولم يتفقوا ~~على كثرتهم وطول أزمانهم وتباعد بلدانهم واختلاف فطنهم كما قضت بذلك ~~العوائد العقلية الدائمة ولو كان الجامع لفرقتهم مع كثرتهم هو الوقوف على ~~الحقائق في تلك الدقائق لكانوا أكثر من مشايخهم الاقدمين علما وتحقيقا ~~وانصافا وتجويدا لكن المعلوم خلاف ذلك فاياك أن تسلك هذه المسالك فان نشأة ~~الانسان على ما عليه أهل شارعه وبلده وجيرانه وأترابه صنيع أسقط الناس همة ~~وأدناهم مرتبة فلم يعجز عن ذلك صبيان النصارى واليهود ولا ربات القدود ~~والنهود المستغرقات في تمهيد المهود وهذه هذه فأعطها حقها وانظر لنفسك وانج ~~بها وطالع قصة سلمان الفارسي ms019 وأضرابه وانظر كيف كان صبرهم واعرف قدر ما أنت ~~طالب فانك طالب لأعلى المراتب قال الله تعالى {وما قدروا الله حق قدره} ~~وقال في الأخرى {وسعى لها سعيها} وقال {خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما ~~فيه} وليس في الوجود بأسره أعز ولا أفضل من الإيمان بالله وكتبه ورسله ~~ومتابعتهم ومعرفة ما جاؤا به فلا تطلب ذلك أهون الطلب فإني أرى الأكثرين لا ~~يرضون بالغبن والنقص في بيع بعض السلع وأرى طالب الأرباح الدنيوية يطلبها ~~أشد الطلب من أبعد الأقطار بأشق الأسفار وأما طالب الكيمياء والسيمياء فإنه ~~يبذل في طلبهما ما دون الروح بل يرتكب بعض الأخطار والمتالف الكبار مع أدنى ~~تجويز للسلامة بل عدم التجويز أيضا عند ملكة هواه له وغلبة ظنه بأنه يدرك ~~ما أراد ويبلغ ما قصده ويصل إلى ما إليه سعى ولكم من منفق غضارة عمره ~~ونضارة شبابه وأبان أيامه في ذلك # وإنما طولت القول في هذا لأني علمت بالتجربة الضرورية في نفسي وغيري أن ~~أكثر جهل الحقائق إنما سببه عدم الاهتمام بتعرفها على الإنصاف لا عدم الفهم ~~فإن الله وله الحمد قد أكمل الحجة بالتمكين من الفهم وإنما أتى الأكثر من ~~التقصير في الإهتمام ألا ترى أن المهتمين بمقاصد المنطقيين # PageV01P028 # والمتكلمين يفهمونها وإن دقت مع الصبر وطول الطلب فكيف لا يفهم طالب الحق ~~مقاصد الأنبياء والمرسلين والسلف الصالحين مع الاهتمام بذلك وبذل الجهد في ~~طلبه وحسن القصد ولطف أرحم الراحمين لمن هو كذلك بالنصوص والاتفاق ولا ~~ينبغي أن يصغي إلى من يصده عن كتب الله وما أنزل فيها من الهدى والنور رحمة ~~للمؤمنين ونعمة على الشاكرين # وليحذر كل الحذر من زخرفتهم للعبارات في ذلك وترغيبهم بأنواع المرغبات في ~~تلك المسالك وليعتبر في ذلك بقوله تعالى لرسوله المعصوم صلى الله عليه وسلم ~~{وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك ~~خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف ~~الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا} ويالها ms020 من موعظة موقظة لمن ~~كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد كما قال سبحانه وتعالى ولتعرف أهل الزيغ ~~بذلك وأهل الحق بحلافه فإنهم كما وصفهم ربهم عز وجل في قوله {ويرى الذين ~~أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} ~~ولا ينبغي أن يستوحش الظافر بالحق من كثرة المخالفين له كما لا يستوحش ~~الزاهد من كثرة الراغبين ولا المتقي من كثرة العاصين ولا الذاكر من كثر ~~الغافلين بل ينبغي منه أن يستعظم المنة باختصاصه بذلك مع كثرة الجاهلين له ~~الغافلين عنه وليوطن نفسه على ذلك فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال (إن هذا الدين بدا غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء) رواه ~~مسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة ورواه الترمذي من حديث ابن مسعود وقال ~~هذا حديث حسن صحيح ورواه ابن ماجه وعبد الله بن أحمد من حديث أنس وروى ~~البخاري نحوه بغير لفظه من حديث ابن عمر وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~عليه أفضل السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (طلب الحق غربة) ~~رواه الحافظ الأنصاري في أول كتابه منازل السائرين إلى الله من حديث جعفر ~~بن محمد الصادق عن أبيه عن جده وقال هذا حديث # PageV01P029 # غريب لم أكتبه عاليا إلا من رواية علان ولذلك شواهد قوية عن تسعة من ~~الصحابة ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد فنسأل الله أن يرحم غربتنا في الحق ~~ويهدي ضالنا ولا يردنا من أبواب رجائه ودعائه وطلبه محرومين إنه مجيب ~~الداعين وهادي المهتدين وأرحم الراحمين # فإن قيل قد دل السمع كتابا وسنة على أن دين الاسلام هو الفطرة المخلوقة ~~وطلب ذلك هو تحصيل الحاصل فما هذا التهويل # قلت لأنه قد اشتد تغييرها وصلاحها بعد شدة التغيير عسير فهي كالعافية ~~والتغيير كالأمراض التي اخترنا أسبابها فاشتدت وتمكنت حتى عسر علاجها وهذا ~~المختصر وأمثاله كأدوية تنفع من لم يستحكم عليه التغيير دون من استحكم عليه ~~ولا ms021 يحتاجها المعافى ويدل على ذلك حديث حزام بن حكيم ابن حزام عن أبيه وعمه ~~أن العبادة في صدر الاسلام أفضل من العلم وأن العلم في آخر الأمر أفضل من ~~العبادة كما سيأتي قوة اسنادها وموافقتها في المعنى للنظر العقلي ياتيان في ~~بيان فضل العلم النافع وخامسها وهو اصعبها المشاركة في العلم أو في التمييز ~~والفهم لأهل الطبقة الوسطى ومن يقاربهم في المنزلة حتى يتمكن بذلك من ~~معرفته مقدار ما يقف في هذا المختصر من الفوائد من غير تقليد فيرغب فيه أو ~~يزهد حين يقيس على ما يألف ويعهد لأنه لا يعرف مقدار الشيء إلا ذو بصيرة ~~يعرف أن له أجناسا كثيرة فيقيسها إليه أو يقيسه إليها فيفضلها عليه ويفضله ~~عليها وذكي القلب يتمكن من ذلك وإن لم يسلك تلك المسالك لكن بكثرة المسألة ~~لأهل المعارف والمقايسة بين المصنفات لعارف عارف وإلا كان الواقف عليه مثل ~~من لا يعرف الجواهر الثمينة والفصوص النفيسة يجد فصا عظيم المقدار فيضيعه ~~أو يبيعه بثمن نزر فقد بيع يوسف الصديق بذلك حين لم يوقف له على قدر فإن ~~عرضت لطالب الحق محنة لم يتطير بطلب الحق فيكون من الذين يعبدون الله على ~~حرف وليثق بقرب الفرج ويتوكل على الله كما قال تعالى {فتوكل على الله إنك ~~على الحق المبين} وعلم وأيقن أن الله مع الصابرين ومع الصادقين # PageV01P030 # وأن الله ناصر من ينصره وذاكر من يذكره وأن سر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في هذه الأمور عائد على متبعيه ونصره شامل لناصريه ولم أقصد بهذا ~~المختصر هداية أهل اليقين التام من الأولياء الكرام أهل الكمال في المعارف ~~من العلماء الاعلام ولا هداية أئمة الكفر المعاندين لأهل الاسلام أما أهل ~~الكمال في العلم الذين بلغوا مرتبة الامامة الكبرى في علمي المعقول ~~والمنقول وأهل اليقين التام من الأولياء الكرام نفع الله بهم فإن مهدي هذا ~~المختصر إلى معارفهم كمهدي الحشف إلى هجرأ ونجران بل كمهدي الحضيض إلى أهل ~~الدر والعقيان وإن كان قد ينزل عند بعضهم منزلة ms022 فاكهة البادية الطرية ~~البرية التي هي من العلاجات الحضرية بريه فإنها قد تعجب أهل الحاضرة وإن ~~كانت عما لديهم في النفاسة قاصرة وأما أئمة الكفر والسفه والتعلق بمذاهب ~~الفلسفة فهم كمن استحكم الداء عليه فلا تنفعه الأدوية النافعة فالداعي لهم ~~إلى حق حقائق الإيمان وإن جاء بأعظم برهان في اليأس منهم وعدم الطمع فيهم ~~كالداعي للعميان إلى النور وللأموات إلى الخروج من القبور وكيف الطمع في ~~هداية قوم قد أقام ربهم عليهم الحجة مرارا أولها بخلقهم على الفطرة وثانيها ~~بطول المهلة وثالثها ببعثه الرسل بالمعجزات الباهرة والآيات الظاهرة إلى ~~غير ذلك من تجديد الدلائل بخلق المخلوقات المشاهد حدوثها من الغمام ~~والأمطار والحيوان والأشجار فجحدوا الجميع وكفروا الكفر الفظيع مع إيمانهم ~~بأبطل البواطل التي لا يتصور الإيمان بمثلها من عاقل حتى قال الله تعالى ~~فيهم {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء ~~قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} وقال تعالى فيهم {قتل الإنسان ما ~~أكفره} الآيات وقال تعالى {فبأي حديث بعده يؤمنون} ثم أخبر عنهم علام ~~الغيوب أنهم يجادلون في القيامة بعد بعثهم وعلمهم الضروري بصحة الربوبية ~~فيجحدون الحق حتى تشهد عليهم جلودهم ثم يقولون بعد ذلك لم شهدتم علينا ~~ولذلك لم نؤمر # PageV01P031 # بإقامة الحجة عليهم لأن الله قد أقامها وإنما أمرنا بجهادهم ودعائهم قبل ~~قبل الجهاد على خلاف في الدعاء قبل الجهاد موضعه كتب الفقه الفرعية ولا ~~قصدت بهذا المختصر تفهيم من ليس يفهم فأكون كمستولد العقيم أو مقوم ظل ما ~~ليس بمستقيم وكيف يقوم الظل والعود أعوج وإنما قصدت نفع الأوساط وامتثال ~~أمر الله تعالى فقد أمر الله تعالى بالمعاونة على البر والتقوى وصح الترغيب ~~في الدعاء إلى الحق والخير وإن الداعي إلى ذلك يؤتى مثل أجور من اتبعه ومن ~~أحيا نفسا فكأنما أحيا الناس جميعا وإن من أمر بالصلاح ابتغاء مرضات الله ~~وإن لم يطع فسوف يؤتيه الله أجرا عظيما وفي حديث أنس عنه صلى الله عليه ~~وسلم (ما من رجل ينعش ms023 بلسانه حقا يعمل به إلا جرى عليه أجره إلى يوم ~~القيامة ثم وفاه الله ثوابه يوم القيامة) رواه أحمد وسنده جيد وهو من مسند ~~أنس من جامع المسانيد بل قد أنزل الله سبحانه وتعالى سورة العصر وقصر ~~السلامة من الخسر على الذين آمنوا وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ومن أحسن ~~قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ثم إني غير مدع ~~للعصمة من الخطأ والمناقضة ولا أدعي ذلك من هو أجل مني وأكمل وأعلم وأفهم ~~من جميع العلماء بل العقلاء وقد قال تعالى في القرآن الكريم {ولو كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} فدل على لزوم ذلك لما كان من عند ~~غير الله فمن وجد خطأ فلينبه عليه مأجورا والقصد المعاونة على الخير وفق ~~الله الجميع على ما يحب ويرضى # واعلم أني رأيت المصنفين في علم العقيدة الدينية قد سلكوا مسلك سبيل ~~مصنفي كتب المذاهب التي ينتصر فيها المصنف لمذهب واحد في القوي والضعيف ~~والدقيق والجلي ولم يسلك أحد منهم مسلك مصنفي كتب الإسلام التي تذكر فيها ~~مذاهب أهل الملة الإسلامية ويقوي فيها ما قوته الدلائل البرهانية سواء كان ~~لقريب أو بعيد أو صديق أو بغيض وكتب العقائد أحق بسلوك هذا المسلك من كتب ~~الفروع فأما كون الحق فيها # PageV01P032 # مع واحد فصحيح ولكن لا يستلزم أن يكون الصواب في جميع المواضع المتفرقة ~~قد اجتمع لبعض الفرق إلا ما حصل فيه أحد الاجماعات القاطعة من الأئمة ~~والعترة فيجب الترجيح له والنصرة فاستخرت الله تعالى وقصدت احياء هذه السنة ~~الميتة التي هي ترك العصبية # ولذلك سميته إيثار الحق على الخلق جعله الله اسما موافقا لمسماه ولفظا ~~مطابقا لمعناه وجدير أن يكون فيه ما يستدرك علي فإن كل أسلوب ابتدئ لا يكمل ~~إلا بمعاونة جماعة وتتابعهم عليه وتكميل المتأخر لما أهمل المتقدم ولذلك ~~كانت أوائل كل علم وأسلوب قليلة أو ناقصة فليبسط العذر الواقف على ما ~~يستدرك فيه لما كان أسلوبا غريبا بالنسبة إلى هذه الازمنة المتأخرة ms024 # واعلم أنه ليس بصرف الاكثرين عن هذه الطريقة إلا أحد أمور أولها عدم ~~الحرص وقوة الداعي إلى هذا كما تقدم مبسوطا قريبا في الوصف الرابع من صفات ~~من تصنف لهم التصانيف وثانيها الخوف من شر الأشرار مع الترخيص في التقية ~~باجماع الأمة فقد أثنى الله على مؤمن آل فرعون مع كتم إيمانه وسميت به سورة ~~المؤمن وصح أمر عمار بن ياسر بذلك وتقريره عليه ونزلت فيه {إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان} وقد قيل من عرف الخلق جدير أن يتحامى ولكن من عرف ~~الحق فعسير أن يتعامى والذين آمنوا أشد حبا لله وثالثها خوف الشذوذ من ~~الجماهير والإنفراد من المشاهير وهذا يحتاج إلى نظر فإن كان جمهور السلف ~~القدماء مع القول الشاذ المتأخر فلا يبالى بذلك الشذوذ فقد شهدت الأخبار ~~الجمة الصحيحة بأن الدين سيعود غريبا كما بدأ وكذلك كان الحق في أواخر أهل ~~الكتاب في شذوذ من الصالحين كما شهد بذلك حديث سلمان الفارسي حتى قالت ~~طائفة إن إجماع المتأخرين ليس بحجة وإنما الحجة إجماع الصحابة لما ورد في ~~الأحاديث من ذم أهل المتأخر حكاه ابن جرير الطبري وإن كانت الشهرة للقول في ~~المتأخرين وهو لا يعرف عن أحد من السلف أو يذكر شذوذ عن بعضهم فهده عن ~~البدع وإياها # PageV01P033 ### | فصل # ينبغي من كل مكلف أن يطرح العصبية ويصحح النية ويستعمل النظر بالفطرة ~~التي فطر الله الناس عليها ولا يقدم عليها ما لقنه أهل مذهبه فإنه إذا نظر ~~كذلك في كل أمرين متضادين فيما يحتاج إليه يجد ترجيح الحق منهما على الباطل ~~بينا لا يدفع مكشوفا لا يتقنع فاقسم الأمور أولا إلى قسمين قسم لا يحتاج ~~إلى معرفته في الدين الذي تسئل عنه في الآخرة كعلم الفلك ودقائقه وعلم ~~الطبائع وعلم الطب وعلم الفراسة الدالة على الأخلاق الباطنة وعلم النجوم ~~وعلم السحر وعلم الطلسمات وعلم السيمياء وعلم الكيمياء وعلم الرياضة وعلم ~~الفلاحة وعلم الهندسة وعلم المرايا المحرقة وعلم المساحة وعلم الهيئة وعلم ~~الارصاد وعلم الحساب وعلم الشعر وعلم العروض ms025 وعلم تجويد الكتابة وقوانينها ~~وعلم اللطيف وعلم الزيجات من الفلك والتقاويم إلى سائر ما ذكر من علوم ~~الأذكياء وأهل الرياضات وقد صنفت كتب في ذكر أعداد العلوم وأسمائها فبلغت ~~مبلغا كثيرا ومن أحسن من صنف في ذلك الشيخ محمد بن إبراهيم بن ساعد ~~الأنصاري فانه صنف في ذلك كتابا مفيدا سماه ارشاد القاصد إلى أسنى المقاصد ~~وذكر من هذه الفنون التي لم يرد الشرع بوجوب معرفتها ولا ندب إليها قدر ~~أربعين فنا أو تزيد من هذه العلوم وإنما أشرت إليها ونبهتك عليها لتعرف ~~سهولة ما بقي عليك بعد تركها وتيقن صدق قول الله عز وجل {يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر} وتحمد الحمد تعالى على ذلك وأنفعها علم الطب ~~وعلم اللطيف أما علم الطب فنفعه بين لكن التوكل أفضل منه بالنص المتفق على ~~صحته والأجر في الألم # PageV01P034 # لمن صبر عظيم وأعظم مصائب الدنيا الموت والطب لا يمنع منه وهو مهون لما ~~دونه كما قيل في ذلك المعنى شعرا # (سلي عن العيش أنا لا ندوم له ... وهون الموت ما نلقى من العلل) # لكن الصبر قليل فنسأل الله العافية ولا بأس بتعلم الجلي من الطب # وأما علم اللطيف فهو أساس علم الكلام وتحقيق بعض فوائده يكشف عوار كثير ~~من البدع كما تأتي إليه الإشارة # والقسم الثاني من العلم ما يحتاج إليه في الدين وهو قسمان قسم لم يختلف ~~في حسنه مثل النصوص في الحديث والإجماع من تفسير الإسلام والإيمان الواجب ~~على الجميع دون ما عداه وعلم الزهد بما اشتملت عليه كتبه مما أجمع عليه دون ~~ما اختلف فيه ومن أنفس كتبه رياض الصالحين للنووي لاقتصاره على الحديث ~~القوي وأنفس منه الترهيب والترغيب للمنذري ونحوهما من الكتب الخالية من ~~البدع فهذا القسم الأول لا نتعرض لذكره في هذا المختصر لعدم الاشكال فيه ~~وإنما نتعرض لإيضاح ما فيه اشكال بأقرب الطرق أو أبعدها من الشبه ومن هذا ~~القسم كتب الفروع التي كل مجتهد فيها مصيب أو مأجور وكتب العربية ونحو ذلك ~~إذ ms026 لا يمكن رفع الإختلاف فيما اختلف في مثله موسى والخضر وسليمان وداود ~~واختصم في مثله الملأ الأعلى لأنه مراد الله بالإجماع والقسم الثاني ~~المختلف فيه اختلافا تخاف مضرته في الآخرة فما كان لا يجب شرعا # PageV01P035 # الخوض فيه مع عظم الخطر في الخوض فيه فاضرب عنه وطالب من دعاك إليه ~~بالدليل الواضح على الوجوب وأعرض ما أورد عليك فيه من الأدلة على النصحاء ~~والأذكياء من العلماء حتى تعرف الوجوب يقينا من غير تقليد ثم حرر النية ~~الصحيحة بعد ذلك في معرفة الحق وما أوجب الله معرفته طاعة لله لا لمباهاة ~~ولا مراآة ولا مماراة ثم استعن بالله واستغث به وانظر في الخلوات خالطا ~~للنظر بالدعاء والتضرع والاستعاذة من الفتن فإنك ترى بذلك من العون ~~والسهولة ما وعد الله به الداعين له الراجعين إليه فإن الله تعالى إذا أوجب ~~أمرا أعان عليه من أراد الأدلة بنية صحيحة كما ثبت عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما في تفسير قوله تعالى {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} وإنه ~~قال لو صبروا عليها لطوقوها فلما نقص من تكليفهم نقص من صبرهم رواه البخاري ~~وله شواهد والعقل يشهد لذلك أيضا ومنه كلام معاذ رضي الله عنه حين احتضر ~~رواه الحاكم في الفتن عن يزيد بن عميرة عنه وسيأتي ولا تستعن في ذلك إلا ~~بمن يوثق بورعه ونصحه وتقواه وما أقلهم ولكن أستعن بالنظر في تآليف العلماء ~~الحافلة الجامعة لأدلة الفرق فإن لم تجد كتابا كافلا جامعا لأدلة الفرق ~~طالعت المسألة في كتب الفرق ورأيت حجة كل فرقة في كتبهم لا في كتب خصومهم ~~الذين يسمون أدلة من خالفهم شبها ويوردونها غير مستوفاة ويجيبون عنها ~~بأجوبة محتملة للنقض ولا يذكرون ما يرد على أجوبتهم وهذا عند الإضطرار إلى ~~ذلك ومن القواعد المقربة لك إلى النجاة أن تنظر كل قولين مختلفين يخاف ~~الكفر والعذاب الأخروي في أحدهما دون الآخر فابعد عنه واحذره ألا تراك تخاف ~~الكفر في جحد العلوم لا في ثبوتها وفي جحد الرب لا في ms027 الإيمان وفي جحد ~~النبوات لا في إثباتها وفي التفريق بين الرسل كما فعلت اليهود والنصارى لا ~~في الإيمان بجميعهم وفي عدم الإيمان بما جاء به القرآن والسنة لأن خلاف ~~السمع المعلوم كفر اجماعا لا في خلاف العقل المعلوم لأنه ليس كفرا بالإجماع ~~فاعرف هذه القاعدة # واعلم أن الفطرة التي خلق الله لك تدرك القوي من الضعيف في تلك # PageV01P036 # المباحث وإن كثرت إلا ما دق وغمض جدا كما أن عينك المبصرة تدرك جميع ~~المبصرات وإن كثرت فما دق على فطرتك في العلوم تركته لا سيما مع دقته الشبه ~~المعارضة له ولم تكلف فيه ما لم تعلم مثل ما إن دق على بصرك من المرئيات ~~تركته كبعض الأهلة في أوائل الشهور سيما مع القتر والغيم # الباب الأول إثبات العلوم # فأول شيء اختلف الخلق فيه اثبات العلوم في الجملة عقلا مع اجتماع الشرائع ~~على ثبوتها فانظر هل يخفي عليك الصواب في ذلك فإن طوائف من الفلاسفة ~~والاتحادية من الصوفية أنكروا صحة العلوم أما الفلاسفة فرأوا البصر الصحيح ~~يخطئ لعوارض نادرة في مواضع كرؤية النجم ساكنا وهو يتحرك قطعا بدليل ~~انتقاله وكذلك رؤية الظل ساكنا ورؤية المستقيم في الماء أعوج ورؤية الأحول ~~الواحد اثنين ورؤية القائم فوق الماء منكوسا في الماء ورؤية السحر والنوم ~~والكشف والمرض وإن كان في رؤية النوم والكشف صحيح وباطل والصحيح منهما قد ~~يحتاج التأويل ولا يكون على ظاهره بكل حال ومن ذلك قوله تعالى {ولكن شبه ~~لهم} فالذين قصدوا قتل عيسى عليه السلام رأوا مثله فاعتقدوا أنه هو وكذلك ~~قوله تعالى {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ~~ليقضي الله أمرا كان مفعولا} # والجواب أنا نعلم بالضرورة أن هذه الأشياء كانت لعوارض تختص بهذه المواضع ~~ونحوها ولا يقدح ذلك في جملة الرؤية وجميعها ولا يمكن أن نشك لذلك في ~~وجودنا ووجود العالم وشروق النيرات وإنها تجري فوقنا وتضيئنا وإن الأعمى ~~فاقد لهذه النعمة والأليم مخالف للمعافى ولا يمكن دفع شبههم إلا بوجدان هذا ~~العلم المخلوق فينا ms028 نعمة علينا من الله لا بتحرير دليل لأن الدليل إنما ~~يصبح بعد تسليم العلوم الضرورية بل نقول # PageV01P037 # ليس الجنون أكثر من اصغائنا إلى ذلك فلو قال أحد ما يؤمني أن يقظتي هذه ~~نوم أو سحر أو كشف أو أن والدي وداري وأرضي شبهت لي وأن طعامي وشرابي سموم ~~قتالة لكان إلى أن يكوى ويقيد أحوج منه إلى أن يناظر ويجادل # فإذا عرفت هذا بالفطرة مع اعتضادها بالقرآن والسنة والإجماع فاعلم أن ~~هؤلاء إنما أتوا من شدة النظر والتدقيق فيما لا تعرفه العقول لأن دوام ~~الفكرة في المحاورات يضعف الفهم ويمرض صحيحه ومن أمثلة ذلك المجربة ~~بالضرورة كثرة الشك في النية والطهارة فإنه قد أورث الوسواس الفاحش مع ~~جماعة من أكابر العلماء الفضلاء كالشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد ممن بلغ ~~المرتبة الكبرى في العلوم وقد رأينا من أدركنا من كبار أهل العلم والصلاح ~~من لا ينتفع بذلك بالمشاهدة وشك في الضرورة وذلك مستمر في العقلاء وهو عبرة ~~للنظار فإن الوسواس إذا بلغ هذا المبلغ عند الإصغاء إليه فيما لا شك فيه ~~فكيف بمن أصغى إليه فيما يشك في مثله وما أحسن قول القاسم عليه السلام في ~~مثل هذا دواء الشك المرور عليه ولذلك ورد في الحديث المتفق على صحته الأمر ~~بالإستعاذة من الشيطان عند حضور الوسواس أو سماعه سماعا من بعض الناس وهذا ~~الحديث مناسب لقول الرسل صلوات الله عليهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض ~~فيما حكاه الله عنهم في كتابه الكريم # وأما الاتحادية المدعون للتصوف وليس هم منه في شيء فهم الذين قالوا إن ~~المكاشفة قد دلت على صحة المحال وهذا غاية التغقيل والضلال إن صح عن أحد ~~فانه يقال لهم إن كان كذب المكاشفة محالا فقد دلت على صحته فيصح أن تكون ~~كاذبة وإذا صح كذبها لم يوثق بها وإن كان كذبها ممكنا لم يوثق بها ولم يصح ~~لها اسم الدلالة فثبت أنه لولا امتناع # PageV01P038 # المحال ما صح سمع ولا عقل ولا كشف ولا نظر ولا علم ms029 شيء ألبتة وكأن هؤلاء ~~القوم لم يفرقوا بين المحارة والمحال فأما من عرف ما هو المحال وجوزه لم ~~يصح منه بعد ذلك دعوى أنه محق وأن خصمه مبطل أبدا لأنه لا يمنع من كون ~~المحق مبطلا والمبطل محقا والتوحيد شركا والشرك توحيدا إلا كون ذلك محالا ~~والمحال لا يقع ألبتة فمن فتح باب تجويز المحال لم يمتنع شيء من ذلك وانسد ~~باب الانكار على كل كافر وجاحد ولم يبق فرق بين أعرف العارفين وأجن ~~المجانين فيا عجبا كيف يدعي مثل هؤلاء مراتب العارفين ولا تغني عنهم دعوى ~~دقة التفرقة بين العلم والظن فإن الفرق بينهما في الضروريات ضروري بل من ~~الضرورة انقسام جميع ما يمكن الخبر عنه والاعتقاد له إلى ما جمع الجزم ~~والمطابقة والثبات عند التشكيك وإلى ما لم يجمعها فالجامع لها هو العلم وإن ~~اختل الثبات فاعتقاد مقلد المحق أو المطابقة فالاعتقاد الفاسد أو الجزم فمع ~~الاستواء الشك ومع الرجحان الراجح الظن والمرجوح الوهم فعلمت كلها بالضرورة ~~وإن اختلفت العبارات عنها فإن اختلاف اللغات والعبارات لا يحيل المعاني ### | خاتمة المقدمة # واعلم أن منكري العلوم لم ينازعوا في حسن العمل بها بل ولا في وجوبه ~~فإنهم انتفعوا بالابصار وتوقوا بسببها الوقوع في الماء والنار وسائر ~~المهلكات والأخطار # ومن عجائب ما يروى عنهم أن بعضهم صنف كتابا في نفي العلوم ومات له ولد قد ~~قارب الحلم فقال إنه إنما أسف لموت ولده قبل أن يقرأ كتابه في نفي العلوم ~~فقيل له وما يدريك أنه كان لك ولد وأنه مات وأنه لم يقرأ وإنك موجود وإنك ~~صنفت كتابا فلم يدر ما يقول # ومن سخف هؤلاء لم يذكر الله سبحانه الرد عليهم في كتابه ولا رسله صلوات ~~الله عليهم وإنما قدمت ذكرهم عبرة لك حتى لا تحتفل بوجود المخالفين للحق ~~الجلي وتظن أنه لو كان حقا جليا لم يمكن أن يكون فيه مخالف عاقل بل مدع ~~لمرتبة الكمال في الاسلام كنفاة جميع العلوم # PageV01P039 # والأدلة عقلا وسمعا إلا من طريق الكشف ونفاة وجوب ms030 الرب والخلق إلا الوجود ~~المطلق الذي هو ذات الأحد والحضرة الأحدية عندهم وما عداه من مراتب وجود ~~الله وأسمائه الحسنى كلها وهي الحضرة الواحدية عندهم ووجود خلقه ملائكتهم ~~ورسلهم وكتبهم وجنهم وانسهم والدنيا والآخرة كل ذلك خيال لا حقيقة له أبدا ~~ما عدا الوجود المطلق الذي هو الأحد والحضرة الأحدية عندهم هو عدم محض لا ~~وجود له إلا في اللفظ والذهن عند سائر المحققين من العقلاء فهو الموجود على ~~الحقيقة عندهم وكل موجود عندهم ما عداه خيال منه كطيف الاحلام لكن أحب أن ~~يرى نفسه فيه ونسبة كل شيء إليه نسبة صورة دحية إلى جبريل فهو هو من وجه ~~وما هو هو من وجه فكذلك فليكن الضلال المبين وكفى في بيان ضلالهم فرقهم بين ~~الاحد والواحد وبين الأحد وبين الله ولزوم قولهم لإلهين اثنين أحد حقيقي ~~وواحد خيالي ولم يذكر هؤلاء الغزالي في الرد على الاتحادية في المقصد ~~الاسنى لتأخر حدوث ضلالهم الفاحش نعوذ بالله من الغرور # فإذا تقرر أن اثبات العلوم هو الحق والاحوط وهو الذي عليه الشرائع والفطر ~~وعمل الخلق وان الاضطرار إليه وإلى العمل به حاصل وإنه لا خطر في العمل ~~بهذه العلوم عند جاحدها أيضا ثبت أن العمل بها نهج السلامة بغير شك ولا ~~خلاف فهذا أولى خلاف تخلصت منه بطيبة نفس وأول حق واجب ظفرت بمعرفته لأن ~~مخالف الحق هنا يكفر بانكار جميع المعارف الدينية المتعلقة بالقطع باثبات ~~الربوبية والنبوات والشرائع الواجبات وهذا أيضا أول كفر نجوت برحمة الله ~~منه والحمد لله رب العالمين وبعد ثبوت العلم نذكر شيئا من صحيح فضائله ~~والترغيب فيه # PageV01P040 ### | فصل من فضائل العلم النافع وأهله # فمن العقل أصل النجاة والسعادة إذ هو الداعي إلى أسباب الخير الصارف عن ~~أسباب الشر ومن خصائصه اجماع العقلاء والملل والنحل على فضله وإنه تمدح به ~~الخالق سبحانه وأنه سبحانه مدح عباده بما وهب لهم منه وفضل آدم عليه السلام ~~بعلم الاسماء على الملائكة واختار تفضيله به على تفضيله بالعمل بكشف الشبهة ~~عن ملائكته وإيضاح ms031 الحجة عليهم ولم يزهد فيه بل قال لأعلم خلقه {وقل رب ~~زدني علما} وحتى فضل الكلاب المعلمة على غيرها فأحل صيدها وهو الذي صال به ~~الهدهد على سليمان عليه السلام مع عظيم ملكه وقويت حجته مع ضعفه وحقارته ~~حيث قال {أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين} ومن أعظم فضائله ~~القرآنية تعليل خلق العالم به في قوله تعالى {الله الذي خلق سبع سماوات ومن ~~الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله ~~قد أحاط بكل شيء علما} ثم تعليل البعث في الدار الآخرة به في قوله تعالى ~~{وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} ولذلك ذم الله من يجادل في الله ~~بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير وقال تعالى {فإنها لا تعمى الأبصار} الآية ~~وقال {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له ~~قلوبهم} وقال {ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به ~~علم} وقال تعالى {ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا ~~على كثير من عباده المؤمنين وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا ~~منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين} # PageV01P041 # ) ومنه {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة} ومنه قصة موسى مع الخضر ~~وقوله على أن تعلمن ورحلته إليه في نافلة العلم وعزمه على أن يمضي حقبا في ~~طلب نافلته والحقب ثمانون سنة وذلك يشهد بصحة حديث عبد الله ابن عمر مرفوعا ~~العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل الحديث خرجه أبو داود وابن ماجه ومنه {قال ~~الذي عنده علم من الكتاب} # ومنه {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} ومنه {وعلمك ما لم تكن تعلم ~~وكان فضل الله عليك عظيما} ومنه {ووجدك ضالا فهدى} ومنه {ألم نشرح لك صدرك} ~~ومنه {فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} ومنه تشبيه العالم ~~بالحي والنور والجاهل بالميت والظلمات ومنه {هل يستوي الذين ms032 يعلمون والذين ~~لا يعلمون} ومنه {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ومنه {الرحمن علم ~~القرآن خلق الإنسان علمه البيان} ومنه {الذي علم بالقلم} ومنه {فبشرناه ~~بغلام حليم} ومنه {قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على ~~الكافرين} ومنه {وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين} ومنه {والملائكة ~~وأولو العلم} ومنه {والذين أوتوا العلم درجات} # PageV01P042 # ) ومنه {إن في ذلك لآية لقوم يعلمون} ومنه {بل أنتم قوم تجهلون} وشرف ~~الشيء يؤخذ من خساسة ضده ومنه في موسى {ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما ~~وعلما وكذلك نجزي المحسنين} ومنه {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا ~~يعلمون} ومنه {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي ~~إلى صراط العزيز الحميد} ومنه {وزاده بسطة في العلم والجسم} ومنه {ويجعل ~~الرجس على الذين لا يعقلون} ومنه {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين ~~لا يعقلون} ومنه قول أهل النار {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب ~~السعير} ومنه {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا} الآية إلى قوله هم الغافلون ومنه ~~{ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون} ومنه {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين} وقال حكاية عن ابراهيم واسماعيل {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم} فهذه ~~نيف وأربعون آية من محكم كتاب الله تعالى مع ما في السنة من ذلك فنسأل الله ~~تعالى أن يجعلنا من أوفر عباده حظا من جميع مواهبه في العلم والعمل وهذا ~~كله في العلم أنه هو الملك الوهاب المعطي من يشاء بغير # PageV01P043 # حساب وهذا كله في العلم النافع دون غيره كما تقدم بيانه بالحجة والحجة ~~على ذلك من الكتاب والسنة والمعقول # الباب الثاني في ms033 اثبات الطرق إلى الله تعالى (وبيان أجلاها وأوضحها على ~~سبيل الاجمال) # اعلم أن هذا من أوضح المعارف التي دلت عليها الفطرة التي خلق الخلق عليها ~~ولذلك قال كثير من العقلاء والعلماء والأولياء أنه ضروري لا يحتاج إلى نظر ~~وقال آخرون إنما يحتاج إلى تذكر يوقظ من سنة الغفلة كتذكر الموت الذي تقع ~~الغفلة عنه وهو ضروري حتى قال الله تعالى في مخاطبة العقلاء {إنك ميت وإنهم ~~ميتون} وقال {ثم إنكم بعد ذلك لميتون} ونحو ذلك مما أشار إليه القرآن ~~الحكيم حيث حكى الله عن الرسل الكرام قولهم {أفي الله شك فاطر السماوات ~~والأرض} وقد تقدم قول علي عليه السلام في ذلك الذي شهد له أعلام الوجود على ~~اقرار قلب ذي الجحود وذكر شرح ابن أبي الحديد لذلك وتجويده وقد بسطت أدلة ~~من قال بذلك وما يرد عليهم وما يجيبون به في العواصم ولذلك شذ المخالف هنا ~~ولم يكد الخلاف في حاجة العالم إلى مؤثر وإنما اشتد الخلاف في صفات ذلك ~~المؤثر ونقل الرازي عن الفلاسفة اعترافهم أن خوضهم في الالهيات بالظن دون ~~العلم # واعلم أن هذا الخلاف الشاذ المستند إلى الظن باعتراف أهله إنما وقع مع ~~شذوذه لأنهم نظروا في معرفة الرب جل جلاله من الوجه الذي بطن منه ولم ~~ينظروا في معرفته من الوجه الذي ظهر منه وذلك أنه سبحانه قد تسمى بالظاهر ~~وتسمى بالباطن وثبت هذا في كتابه الكريم فثبت أن له جهة يظهر منها وجهة ~~يبطن منها لتبقى حكمته في قوله {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} وقوله في الساعة ~~{أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى} فمن نظر في معرفته من الجهة التي يظهر ~~منها ترادفت مواد # PageV01P044 # معرفته وكانت نورا على نور يهدي الله لنوره من يشاء كما وصف الله نور ~~هدايته بكثرة المواد في سورة النور ومن نظر في معرفته من غير هذه الطريق ~~كان كمن ضل الطريق واجتهد في السير بعد الضلال فلا يزال يزداد بعدا بسيره ~~في غير طريق على أنه يحتمل أن المعنى في ms034 الظاهر والباطن أنه هو الحق فيهما ~~معا لا أحدهما كما قد يكون بعض الأمور حقا في الباطن ولا حجة عليه ظاهرة ~~فيكون على هذا الوجه في معنى الملك الحق المبين ويكون ذلك أعظم في قطع ~~أعذار المعاندين والله أعلم # والطرق إلى الله تعالى كثيرة جدا ولكنا نقتصر منها على أصحها وأجلاها ~~وأوضحها وأشفاها حتى نأمن بالسلوك فيها من الضلال في الطرق التي تبعد ~~السائر فيها عن مقصوده والعياذ بالله وإلى تلك الطرق الاشارة بقوله تعالى ~~{ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} وقد يكون فيها ما يستلزم رد كثير من ~~الشرائع فنقول # الباب الثالث # في بيان شيء من طرق معرفة الله تعالى على مناهج الرسل والسلف على جهة ~~التفصيل للاجمال المتقدم في الباب الذي قبل هذا فلنذكر اشارة لطيفة على قدر ~~هذا المختصر إلى ثلاث دلالات دلالة الانفس ودلالة الآفاق ودلالة المعجزات ~~وكلها دل عليها القرآن الذي وصفه الله تعالى بأنه يهدي للتي هي أقوم أما ~~دلالة الانفس فإنها بليغة قال الله تعالى {قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء ~~خلقه من نطفة خلقه فقدره} الآيات وقال تعالى {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} وقال ~~{يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما ~~شاء ركبك} وقال {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم} الآية ~~وأبسط آية في ذلك آية الحج # PageV01P045 # {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ~~ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة} الآيات إلى قوله {ذلك بأن الله هو ~~الحق} إلى {وأن الله يبعث من في القبور} وأبطل شبهة الطبائعية بقوله من ~~تراب لأن آدم أبو البشر وأصلهم بالتواتر الضروري لا أب له ولا أم فلزمت ~~الحجة وبانت ووضحت ولله الحمد والثناء والمنة وكذلك الآية التي في سورة ~~المؤمنين من قوله {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} إلى قوله {فتبارك ~~الله أحسن الخالقين} وقال {أو لم ير الإنسان أنا خلقناه ms035 من نطفة فإذا هو ~~خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه} ومن ثم قيل فكرك فيك يكفيك وقد جمع ~~الله تعالى ذكر دلالتي النفوس والآفاق في قوله تعالى {سنريهم آياتنا في ~~الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} وذلك أنا نعلم بالضرورة وجودنا ~~أحياء قادرين عالمين ناطقين سامعين مبصرين مدركين بعد أن لم نكن شيئا وأن ~~أول وجودنا كان نطفة قذرة مستوية الأجزاء والطبيعة غاية الاستواء بحيث ~~يمتنع في عقل كل عاقل أن يكون منها بغير صانع حكيم ما يختلف أجناسا وأنواعا ~~وأشخاصا # أما الأجناس فكما نبه عليه قوله تعالى {والله خلق كل دابة من ماء فمنهم ~~من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع} وأما ~~الأنواع فنبه عليها بقوله {ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى ~~فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى} ومنه {ثم سواك رجلا} وأما الأشخاص فبقوله ~~تعالى {قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل ~~يسره} الآيات # PageV01P046 # وبيانه أنه خلق من نطفة فقدره مستوية الطبيعة فكيف يكون منها ما يبصر ~~ومنها ما يسمع ومنها ما يطعم ومنها ما يشم ومنها الصلب ومنها الرخو ومنهم ~~من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع كما نبه ~~الله عليه في كتابه الكريم ونعلم أنها قد تغيرت بنا الأحوال وتنقلت بنا ~~الأطوار تنقلا عجيبا فكنا نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم لحما ودما ثم عظاما صلبة ~~متفرقة في ذلك اللحم والدم تقويهما وعصبا رابطة بين تلك العظام صالحة لذلك ~~الربط مما فيها من القوة والمتانة ثم تركب من ذلك آلات وحواس حية موافقة ~~للمصالح مع ضيق ذلك المكان وشدة ظلمته وإلى ذلك الاشارة بقوله تعالى ~~{يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له ~~الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون} والظلمات الثلاث ظلمة البطن وظلمة ~~المشيمة وظلمة الرحم ثم انظر إلى ms036 موضع العينين ما أشبهه بهما بعيدا مما ~~يؤذيها مرتفعا للتمكن من إدراك المبصرات في الوجه الذي لا يحتاج إلى تغطية ~~باللباس من الجمال البديع فيهما وفي جفونهما ولو كانا في الرأس أو في الظهر ~~أو في البطن أو غير ذلك ما تمت الحكمة ولا النعمة بهما وكذلك كل عضو في ~~مكانه وانظر إلى ستر القذر الذي في البطن بالسواتر العظيمة بحيث لا يحس له ~~حس ولا يظهر له ريح ولا يخرج إلا باختيارنا في موضع خال وإن من عجيب صنع ~~الله تعالى استمساك البول في حال الغفلة بل في حال النوم حتى نختار خروجه ~~ونرضى به من غير رباط ولا سداد في مجراه ولا مانع محسوس فتبارك الله أحسن ~~الخالقين ثم حياتنا في بطون الأمهات من غير نفس ولو كان ثم نفس لكان ثم صوت ~~ولو غم أحدنا بعد الخروج ساعة لمات بل كثيرون يموتون في المدافن المتخذة ~~للحبوب مع سعتها ثم خروجنا من ذلك الموضع الضيق من غير اختيار من المولود ~~والوالدة وهو فعل محكم صعب لابد له من فاعل مختار وعدم الموت لشدة الضغطة ~~عند الخروج وسلامة الولد وأمه من الموت في ذلك من آيات الله كما أشار إليه ~~في آية الحج في {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه} # PageV01P047 # ثم احداث اللبن في ثدي الأم من يومئذ من بين قرث ودم وتربية المولود ~~وفهمه للغة أهله ما كانت فصيحة عربية أو عبرية عجمية مع كثرة قواعد العربية ~~وكثرة اختلاف عوامل الاعراب والعاقل المميز يقف أضعاف تلك المدة بين العرب ~~والعجم فلا يعرف من ذلك ما عرف الصغير ولا يدري ما يقولون بمجرد المخالطة ~~كالطفل الذي لا عقل له ولا تمييز وكذلك العجمي بين العرب ثم يترقى إلى حال ~~التمييز وتتعاقب عليه الأحوال من الصغر والكبر والضعف والقوة والشباب ~~والشيب والعقل والذكاء والبلادة والمرض والصحة والشهوة والنفرة والدواعي ~~والصوارف والعسر واليسر والغنى والفقر وضده من غير اختيار منه في شيء من ~~ذلك فلابد لهذه التغيرات من مغير ms037 قادر عليم مدبر حكيم # وقد صنفت في هذا المعنى كتب علم التشريح وبيان كيفية الخلقة وهو مما ~~ينبغي الوقوف عليه أو على شيء منه وقد نقل ابن الجوزي منه جملة شافية في ~~أول كتابه لقط المنافع في الطب فليطالع فيه فلو جاز أن يكون مثل هذا بغير ~~صانع لجاز أن تصح لنا دور معمورة أو مصاحف مكتوبة أو ثياب محوكة أو حلى ~~مصوغة بغير بان ولا كاتب ولا حائك ولا صائغ فما خص خير الخالقين بان يكفر ~~ولا يدل عليه أثر صنعته العجيبة وخلقته البديعة ولو كان هذا الأثر للطبع ~~كما قال كثير من الفلاسفة لكان أثرا واحدا كما لو جمدت النطفة بطبع البرد ~~أو ذابت أو أنتنت # قال الامام المؤيد بالله في الزيادات أن الطبع ان سلمنا وجوده لا يحصل به ~~الشيء على قدر الحاجة وإنما يكون بمقدار قوته وضعفه ألا ترى أن النار تحرق ~~لا على قدر الحاجة بل على قدر قوتها وتنقص عن الحاجة إذا ضعفت وكذلك الماء ~~الجاري والحكيم يجريه ويقطعه على قدر الحاجة اه كلامه وفيه تنبيه حسن على ~~الفرق الجلي # PageV01P048 # فإذا عرفت هذا فانظر كيف يمكن أن يتغير المني المستوي إلى تلك الأمور ~~المختلفة المحكمة البديعة الاحكام العجيبة الصنعة وهل ذلك إلا بمنزلة تجويز ~~أن يصير المداد مصحفا معربا لا غلط فيه ولا لحن بطبع المداد من غير كاتب ~~عالم بل احكام الانسان أبلغ وأعجب وقد رأيت كم جمع في الأنملة الواحدة من ~~الاصابع من الاشياء المختلفة فوضع فيها جلدا ولحما وعصبا وشحما وعروقا ودما ~~ومخا وعظما وبلة وظفرا وشعرا وبضعة عشر شيئا غير ذلك كل واحد منها يخالف ~~الآخر قدرة وحياة واستواء وارتفاعا وانحدارا وخشونة ولينا وحرارة وبرودة ~~ورطوبة ويبوسة وصلابة ورخاوة ثم خلق في بعضها الحياة دون بعض كالشعر والظفر ~~والعظم وجعلها مدركة لأمور شتى كالحرارة والبرودة واللين والخشونة والقلة ~~والكثرة والرطوبة واليبوسة ومن لطيف الحكمة فيها اختلافها في الطول والقصر ~~حتى تستوي عند القبض على الأشياء فتقوى بالاستواء وهذا مما تخفى ms038 فيه الحكمة ~~جدا أعني كون الاختلاف في ذلك سبب الاستواء عند القبض ولذلك خصت بالذكر في ~~قوله تعالى {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} {فتبارك الله أحسن الخالقين} # وقد أشار الله تعالى إلى بطلان مذهب الطبائعيين بهذا المعنى ونبه عليه ~~سبحانه وتعالى حيث قال في كلامه الكريم {وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من ~~أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} وآخر الآية دليل على أن العقل يدرك ~~بذلك بطلان قول أهل الطبائع # ومما يدل عليه عافية كثير من المرضى بعد غلبة العلة وقوتها وضعف أسباب ~~العافية ويأس الطبيب من العلاج فقد ذكر الأطباء أن الطب لا ينفع في بعض تلك ~~الأحوال فيتأمل ذلك كثيرا ففيه شفاء لما في الصدور وقد وقعت في ذلك فقلت ~~فيه # PageV01P049 # (فيا عطسات فرجت كل كربة ... ولم يبق في أيدي الاساة سوى الصفق) # (له الحمد منشكين من غير حيلة ... ولا سبب يجري لي الريق في حلقي) # (بكن علمت الله علم ضرورة ... وكم مثلها يجلو الوساوس في الحق) # فإني شارفت الموت من الإسهال فعطست ثلاث عطسات فكأنما نشطت من عقال ولم ~~يكن للعطاس سبب طبيعي قط فكانت من الآيات العجيبة # ومما ينبغي التيقظ له في الرد عليهم أن آدم صلى الله عليه وسلم هو أبو ~~البشر وذلك معلوم ضرورة تواتر ودلالة جلية أما التواتر فواضح وأما الدلالة ~~فمحال أن يكون البشر من أم وأب وإلى ما لا نهاية لأن عدم التناهي في ~~الحوادث الماضية محال فوجب أن يكون أولهم حادثا من غير أم ولا أب ولا نطفة ~~ولا طبيعة وانه صنع حكيم وإنما علمنا من السمع أن اسمه آدم وأنه من طين فلو ~~كانت الطبيعة تقتضي ذلك بنفسها من غير صانع لكان في كل زمان تظهر صور كثيرة ~~من الطين كصورة آدم ثم النظر في خلق سائر الحيوان كذلك فإن انفلاق بعض ~~الطيور عن فراخها من عجيب صنع الله وكان بعض السلف يحتج ms039 بذلك على أن الله ~~تعالى عليم قدير لا كعلم الخلق وقدرتهم لأن قدرته أثرت فيما داخل البيضة من ~~غير كسر لها ولا مباشرة وعلمه أحكم صنع ما في البيضة كذلك وإلى ذلك أشار ~~القرآن الكريم حيث قال الله تعالى في سورة الحج {يا أيها الناس إن كنتم في ~~ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب} يعني أولكم وأوصلكم وليس في خلق ~~الإنسان من التراب شبهة ألبتة لاعتراف الطبائعية بأنه خلاف العوائد ~~الطبيعية وكذلك قوله تعالى {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس ~~واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} وقد أعظم الله تعالى ~~هذه الدلالة فقال {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم} # PageV01P050 # ) الآية وجعل عدم الإيمان بها أكفر الكفر فقال سبحانه {قتل الإنسان ما ~~أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره} ~~ونبه بقوله سبحانه على أن الموت دع عنك الحياة مما يستدل به على الله تعالى ~~كما أوضح ذلك في قوله {فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون} إلى ~~قوله {فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين} وذلك أن الحي ~~يموت بإذن الله تعالى مع اجتماع أسباب الحياة في هذا العالم الواسع كما ~~يعيش باذن الله في بطن أمه بغير نفس يجري ولا هواء يمد روحه فسبحان من هو ~~على كل شيء قدير ومنه المبدأ وإليه المصير وقد اختار المؤمن هذه الحجة في ~~قوله لصاحبه الكافر المخاصم له {أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم ~~سواك رجلا} وأثنى الله تعالى عليه بذلك وخلد ذكره في أفضل كتبه فكيف لا ~~يختاره المؤمن لتقوية يقينه ودفع وساوس خصومه وشياطينه # وأما دلالة الآفاق فما يحدث ويتجدد في العالم في طلوع القمرين والكواكب ~~وغروبها عند دوران الافلاك الدائرات والسفن الجاريات والرياح الذاريات ~~والنجوم الثوابت منها والمعالم والرواجم والاستدلال بالرواجم جيد لدلالته ~~الواضحة على الفاعل المختار كما يدل على ذلك حركة القمرين الدائمة وسائر ~~النجوم والافلاك وكذلك تغير أحوال ms040 الهواء بالغيوم والصواعق والبروق العجيبة ~~المتتابعة المختلطة بالغيوم الثقال الحاملة للماء الكثير المطفئ بطبعه ~~للنار المضادة له وما في الجمع بينها وانشائها وانزال الأمطار منها بالحكمة ~~البالغة لا تختلط قطرة بأخرى ولو اشتدت الرياح العواصف وصغرت القطر وكثرت ~~وتقاربت حتى تقع متفرقة غير ضارة ولو اجتمعت لعظم ضررها ثم نزول البرد ~~القوي الشديد المتحجر في أوقات الخريف الذي لا يجمد فيه الماء مع أنه لا ~~يجمد في أيام الغيم سواء كانت في الشتاء أو في غيره لرطوبة الغيم فمن أين ~~جاء البرد المتحجر والماء # PageV01P051 # إذا جمد لا يكون على صفة البرد أبدا فتأتي هذه الامطار فتعم الأرض سهولها ~~ووعورها وشعابها وشعافها لينبت العشب الكثير للنعام وسائر الهوام وتسقي ~~المزروع وتنبت الاشجار والفواكه والازهار والثمار وتمد البحار والأنهار ~~والآبار ثم ما في اختلاف الليل والنهار والفصول والاحوال وقد جمع الله ~~تعالى ذلك في قوله {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء ~~فأحيا به الأرض بعد موتها} إلى قوله {لآيات لقوم يعقلون} فالفكر في هذه ~~الأمور هو النظر المأمور به وعلى ذلك درج السلف من غير ترتيب المقدمات على ~~قانون أهل المنطق بل قد شهد كتاب الله على أن ذلك يفيد البيان حيث قال ~~{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} ثم توعد من ~~زعم أن ذلك لم يفده بيانا بقوله {أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} وعلى ~~هذا قال الشيخ مختار بن محمود في كتابه المجتبى في آخر ما قيل في حقائق ~~النظر أنه تجريد الفكر عن الغفلات وحكى عن شيخه محمود بن الملاحي أنه لا ~~يشترط في العلم بالله أن يبتني على المقدمات المنطقيات والأساليب النظريات ~~وكيف ينكر هذا أو يستبعد وقد حكى الله عن الهدهد وهو من العالم البهيمي أنه ~~وحد الله واحتج على صحة توحيده بهذا الدليل المذكور في الآفاق قال الله ~~سبحانه حاكيا عنه {ألا ms041 يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض} ~~يعني المطر والنبات فاحتج بحدوث هذين الأمرين العجيبين المعلوم حدوثهما مع ~~تكررهما بحسب حاجة الجميع إليهما وكذلك قيل لبعض الاعراب بم عرفت ربك فقال ~~البعرة تدل على البعير وآثار الخطا تدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ~~ذات فجاج كيف لا تدل على العلي الكبير وقد أشارت الرسل عليهم السلام إلى ~~هذا المعنى في قوله تعالى {قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض} # PageV01P052 # ومما أستجيد في هذا المعنى وتناقله السلف الصالح قول زيد بن عمرو ابن ~~نفيل رحمه الله تعالى # (رضيت بك اللهم ربا فلن أرى ... أدين إلها غيرك الله ثانيا) # (وأنت الذي من فضل من ورحمة ... بعثت إلى موسى رسولا مناديا) # (فقلت لموسى اذهب وهارون فادعوا ... إلى الله فرعون الذي كان طاغيا) # (وقولا له آأنت سويت هذه ... بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا) # (وقولا له آأنت رفعت هذه ... بلا عمد أرفق إذا بك بانيا) # (وقولا له آأنت سويت وسطها ... منيرا إذا ما جنه الليل هاديا) # (وقولا له من يرسل الشمس غدوة ... فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا) # (وقولا له من ينبت الحب في الثرى ... فيصبح منه البقل يهتز رابيا) # (ويخرج منه حبه في رؤسه ... وفي ذاك آيات لمن كان واعيا) وله أيضا # (وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا) وفيه يقول ورقة بن ~~نوفل # (رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما ... تجنبت تنورا من النار حاميا) # وتفكر في تباين القمرين في الحرارة والبرودة وبرد القمر مع استمداده في ~~نوره من الشمس وحرارة الشمس الشديدة ومم استمدت تلك الحرارة الدائمة ~~المتوقدة وهي في أرفع الاجواء الرطبة الباردة وكيف لم تحترق وتتلاش مع شدة ~~حرارتها ودوامها وعدم ما تحرقه مثل سائر الناريات وقد ذكر صاحب الوظائف أن ~~في كتاب الله تعالى من الآيات في هذا المعنى خمسمائة آية وقد ذكرت في تكملة ~~ترجيح أساليب القرآن من ذلك ما يشفي ويكفي # ولنختم هذا المعنى بذكر آية واحدة منها وهي قوله تعالى {ومن آياته ms042 أن ~~تقوم السماء والأرض بأمره} وفي آية أخرى بأنه سبحانه # PageV01P053 # {يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده} ~~وهذه حجة أجمع عليها الكفرة مع المسلمين فإن الجميع اتفقوا على أن العالم ~~في الهواء أرضه وسماؤه وما فيه من البحار والجبال وجميع الاثقال وقد ثبت ~~بضرورة العقل أن الثقيل لا يستمسك في الهواء إلا بممسك وأن هذا الامساك ~~الدائم المتقن لا يكون بما لا يعقل من الرياح كما زعمت الفلاسفة على أن ~~الرياح تحتاج إلى خالق يخلقها ثم إلى مدبر يقدرها مستوية الانفاس موزونة ~~القوة لا يزيد منها شيء على شيء حتى تعتدل اعتدالا أتم من اعتدال الفاعل ~~المختار فإن الفاعل المختار لو قصد الاعتدال التام حتى يستوي على رأسه حفنة ~~مملوءة ماء لم يستطع تمام الاعتدال إلا برياضة شديدة فكيف تعتدل عواصف ~~الرياح وتقع موزونة وزن القراريط في الصنجات المعدلة حتى يستوي عليها ثقل ~~الأرض والجبال من غير رب عظيم قدير عليم مدبر حكيم # وأما دلالة المعجزات فهي من أقوى الدلالات وأوضح الآيات لجمعها بين أمرين ~~واضحين لم يكن نزاع المبطلين إلا فيهما أو في أحدهما وهما الحدوث الضروري ~~والمخالفة للطبائع والعادات وهذا هو الذي أراه الله خليله عليه السلام حين ~~سأل الله طمأنينة قلبه والذي احتج به موسى الكليم عليه السلام على فرعون ~~وسماه شيئا مبينا كما حكاه الله تعالى في سورة الشعراء حيث قال فرعون {لئن ~~اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} قال موسى {أولو جئتك بشيء مبين قال ~~فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي ~~بيضاء للناظرين} إلى قوله {فألقي السحرة ساجدين} وكل ما تعارضت فيه أنظار ~~العقلاء وقدحت فيه شكوك الأذكياء فلا شك أن لأهل الاسلام من ذلك القدح ~~المعلى في اثبات الصانع الحكيم تعالى وعلى كل حال فالنبوات وآياتها البينة ~~ومعجزاتها الباهرة وخوارقها الدامغة أمر كبير وبرهان منير ما طرق العالم له ~~معارض ألبتة # PageV01P054 # خصوصا مع قدمه وتواتره فإن آدم عليه ms043 السلام أول البشر وأبوهم نبي مرسل ~~إلى أولاده ثم لم تزل رسل الله عز وجل لترى مبشرين ومنذرين وعاضدين لفطرة ~~الله التي فطر الخلق عليها فلا أشفى ولا أنفع من النظر في كتبهم وآياتهم ~~ومعجزاتهم وأحوالهم ثم اعتضد ذلك بأمرين أحدهما استمرار نصر الأنبياء في ~~عاقبة أمرهم وإهلاك أعدائهم بالآيات الرائعة وثانيهما سلامتهم واتباعهم ~~ونجاتهم على الدوام من نزول العذاب عليهم كما نزل على أعدائهم ولا مرة ~~واحدة وذلك بين في القرآن وجميع كتب الله تعالى وجميع تواريخ العالم ومن ~~غريبها الذي لا يكاد أحد ينظر فيه حفظهم مع ضعفهم من الأقوياء الاعداء وأهل ~~القدرة مثل حفظ موسى وهارون من فرعون مع ظهور قدرته ولذلك قالا {إننا نخاف ~~أن يفرط علينا أو أن يطغى} فقال الله تعالى لهما {لا تخافا إنني معكما أسمع ~~وأرى} وكذلك قال نوح لقومه {يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات ~~الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم ~~اقضوا إلي ولا تنظرون} ونحو ذا قال هود لقومه وكذلك قال الله تعالى لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم {قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون} ولما نزل عليه ~~قوله تعالى {والله يعصمك من الناس} ترك الحرس وكان يحرس قبل نزولها وقصة ~~إبراهيم عليه السلام في ذلك أشهر وأبهر بل على هذا درج أهل الصلاح ووضحت ~~حماية الله لأهل الصدق في التوكل كما وعد الله تعالى به والمختصر لا يحتمل ~~إلا الاشارة ثم يفتح الله تعالى على المتأمل ومنهم من كفاه الله بالاسباب ~~الظاهرة الحارقة مثل ملك سليمان عليه السلام واخدام الجن مع الانس وتسخير ~~الريح له وجميع ما حكى عنه فهذا أيضا يدل على الله تعالى أوضح الدلالة حيث ~~جمعت قدرته الباهرة خرق العادات في نصرتهم بالأسباب الباطنة والظاهرة وكذلك ~~عقوبات أعداء الله الخارقة كمسخ أهل السبت قردة وبمثل ذلك # PageV01P055 # يعلم الله ضرورة لأن مثل ذلك لا يصح بالطبع وهو متواتر مع اليهود مع ~~ثبوته في كتاب الله وفيه ms044 ما يدل على وقوعه ضرورة لقوله تعالى {ولقد علمتم ~~الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين فجعلناها نكالا ~~لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين} فلو لم يكن هذا حقا معلوما عند ~~خصوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خوطبوا بذلك ولو خوطبوا بذلك وعندهم ~~فيه أدنى ريب لبادروا إلى التكذيب والتشنيع وكل هذا يعلم ضرورة من العوائد ~~المستمرة وكذلك نتق الجبل وفلق البحر وقصة أصحاب الفيل وأصحاب الجنة في ن ~~وصاحبا الجنة في الكهف وشفاء أيوب وإحياء الموتى لعيسى عليه السلام بل منه ~~جميع المعجزات والكرامات الخارقات ومن أعظمه إحياء الموتى لعيسى عليه ~~السلام وكلام عيسى عليه السلام في الطفولة وهو معلوم بالتواتر وسبب غلو ~~النصارى فيه وهم خلائق يعلم بخبرهم العلم الضروري وخسف قارون وداره والخلق ~~ينظرون ونحو ذلك وإليه الإشارة بقوله تعالى {وذكرهم بأيام الله} وقوله ~~تعالى {ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون} # وقد نبه الله سبحانه وتعالى على هذه الدلالات الثلاث في أول سورة الأنعام ~~فتأملها لكنه يسمي المعجزات الآيات ثم أتبعها بابطال اعتلالهم بالسحر كما ~~سيأتي في النبوات # وينبغي ههنا مطالعة كتب قصص الأنبياء ومن أجودها كتاب ابن كثير البداية ~~والنهاية وكتب المعجزات مثل الشفاء للقاضي عياض والمعجزات النبوية من جامع ~~الأصول في حرف النون ولي في ذلك كتاب # PageV01P056 # مختصر سميته البرهان القاطع في معرفة الصانع ومن أحسن ما أشير فيه إلى ~~المعجزات المذكورة في كتاب الله تعالى هذه الأبيات # (هو الله من أعطى هداه وصح من ... هواه أراه الخارقات بحكمة) # (بذاك على الطوفان نوح وقد نجا ... به من نجا من قومه في السفينة) # (وغاض على ما فاض عنه استجابة ... وجد إلى الجودي بها واستقرت) # (وسار ومتن الريح تحت بساطه ... سليمان بالجيشين فوق البسيطة) # (وقبل ارتداد الطرف احضر من سباله ... عرش بلقيس بغير مشقة) # (وأحمد ابراهيم نار عدوه ... ومن نوره عادت له روض جنة) # (ولما دعا الاطيار من رأس شاهق ... وقد ذبحت جاءته غير عصية) # (ومن يده موسى عصاه تلقفت ms045 ... من السحر أهوالا على النفس شقت) # (ومن حجر أجرى عيونا بضربة ... بها دائما سقت وللبحر شقت) # (ويوسف إذ ألقى البشير قميصه ... على وجه يعقوب عليه بأوبة) # (رآه بعين قبل مقدمه بكى ... عليه بها شوقا إليه فكفت) # (وفي آل إسرائيل مائدة من ... السماء لعيسى أنزلت ثم مدت) # (ومن أكمه أبرى ومن وضح غدا ... شفى وأعاد الطير طيرا بنفخة) # (وصح بأخبار التواتر أنه ... أمات وأحيا بالدعا رب ميت) # (وأبعد من هذا عن السحر أنه ... رضيع ينادي باللسان الفصيحة) # (ينزه عن ريب الظنون عفيفة ... مبرأة من كل سوء وريبة) # (وقال لأهل السبت كونوا إلهنا ... قرودا فكانوا عبرة أي عبرة) # (وصرع أهل الفيل من دون بيته ... بطير أبابيل صغار ضعيفة) # (وأحرق روض الجنتين عقوبة ... بكاف ونون عبرة للبرية) # من نبوع العيون من الحجر بضرب العصا دليل سمعي خاص قاطع على خلق الماء ~~وعلى إخراج المخلوق من العدم المحض وكذلك قوله تعالى {وفار التنور} وكذلك ~~خروج الماء الكثير من أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P057 # وإنما ذكرت هذه الآيات لأن بعض الناس ذكر أنه ليس في هذا نص شرعي وإنما ~~يدل عليه العقل والعمومات لا النصوص وقد روى الحاكم في هذا المعنى حديثا في ~~تفسير قوله تعالى جميعا منه ### | تكميل # ثم يعتضد هذا بما يناسبه من كرامات الصالحين وعقوبات الظالمين المذكورة ~~في كتاب الله تعالى والمتواترة والمشاهدة ثم ما وقع من تكرر نصر الله تعالى ~~للحق والمحقين وإنهم وان ابتلوا فالعاقبة لهم على ما دل عليه قوله عز وجل ~~{ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم ~~الغالبون} وكذلك قول الله تعالى {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} وقوله {إنا ~~لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} وقوله تعالى ~~{كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} وقد جود الزمخشري هذا المعنى في تفسير قوله ~~تعالى {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} وفسرها ~~بما كان من فتوح الاسلام الخارقة في الآفاق وفسرها ببلاد العجم وفي أنفسهم ~~وفسرها ms046 ببلاد العرب وفي ذلك حديث ابن عباس الطويل وكذلك الأنبياء تبتلى ثم ~~تكون لهم العاقبة رواه البخاري ويشهد لصحته الاستقراء من التواريخ وقوله ~~تعالى {والعاقبة للمتقين} وفي الشعراء تنبيه على ذلك في آيات كثيرة يعقبها ~~بقوله تعالى {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم} # PageV01P058 # فتأمل ثم ما قد وقع للإنسان من إجابة الدعوات وكشف الكربات وستر العورات ~~وتيسير الضرورات وقضاء الحاجات وكشف المشكلات والالهام في المعارف الخفيات ~~والاشارات المرشدات في المنامات الصادقات وفي هذا يقول ابن الفارض شعرا # (وقل لي من ألقى إليك علومه ... وقد ركدت منه الحواس لغفوة) # وقد احتج بذلك الغزالي وعارض به الفلاسفة في إحالتهم لعلم الغيب وهذه ~~الأشياء إذا ضمت إلى البراهين حصل من مجموعها قوة بقين كثيرة ولقد قال ~~الغزالي أنه حصل له يقين قوي بالمعاد من مجموع براهين وقرائن وتجارب # ثم اليقين بعد هذا كله من مواهب الله تعالى فإن أنعم الله به عليك فكن من ~~الشاكرين وإن عرض لك الشك بعد هذا كله فاحذر أن يكون ذلك عقوبة بذنب كما ~~نبه الله على ذلك بقوله {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع ~~الله على قلوب الكافرين} وقوله {سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن ~~يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب} فافزع إلى الله ~~تعالى بالتوبة والاستغفار والتضرع والتذلل وطلب أسباب الرقة والتخويف ~~العظيم لنفسك من الوقوع في الشقوة الكبرى بعذاب الآخرة فإن من طبائع النفوس ~~الإيمان عند شدة الخوف ولذلك آمن قوم يونس لما رأوا العذاب وآمن فرعون حين ~~شاهد الغرق وقد نبه الله على ذلك بقوله {بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا ~~عذاب} ولذلك يرجع كثير من العقلاء عند الموت عن عقائد وقبائح وشبهات كانوا ~~مصرين عليها وليس ذلك لتجلي برهان حينئذ بل لأن الطبع القاسي كان كالمعارض ~~للبرهان فلما لأن بقي البرهان بلا معارض وكذلك لو شاهد فرعون وغيره أعظم ~~برهان بغير خوف ms047 ما آمنوا قال الله تعالى {فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا ~~إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين} # PageV01P059 # وحكى ابن خلكان عن ابن سينا أنه لما عرف علة الموت أقبل على القرآن وترك ~~ما كان عليه فانصح نفسك وذكرها وقل لها لو كان معك يقين بارتفاع التكليف ما ~~خفت ولكنك عن قريب إن لم يرحمك مولاك تقعين في أشد العذاب وينكشف عنك هذا ~~الارتياب وذكرها عظيم حسرة المكذبين يوم يقال {انطلقوا إلى ما كنتم به ~~تكذبون} فإن النفس كما أنها بعيدة الايمان فإنها بعيدة الامان وخوفها أعظم ~~الاعوان على الايمان قال الله تعالى {وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم ~~يرهبون} وقال تعالى {وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم} وقال عز ~~وجل {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم ~~سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا} ولأنها لوجدان الخوف عند التخويف تنزل ~~من مرتبة القطع بالتكذيب الذي هو أول ما يروم الشيطان فإذا نزلت من ذلك وجب ~~عليها في العقل تصديق الثقة والعمل بالظن كيف إذا جاء الثقة مع ظن صدقه ~~بالمعجز وعضدته البراهين المقدمة وإلى هذه الطريقة الاشارة بقوله تعالى {قل ~~أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به} إلى قوله {إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين} وقوله تعالى {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل ~~يهلك إلا القوم الظالمون} وقوله {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما ~~عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ~~بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين} وقوله تعالى {وبدا لهم من الله} # PageV01P060 # ما لم يكونوا يحتسبون) فإن نفرت النفس من الايمان ببعص المحارات وتوهمت ~~أنه من المحالات كثبوت القدم الذي لا نعرفه إلا بالتصديق أو ثبوت الحكمة في ~~العذاب وخلق أهله فسيأتي الجواب في ذلك في اثبات حكمة الله تعالى # ومن أنفع ما يدفع الحيرة به أنه لابد من لزوم المحارة في العقول على كل ~~تقدير والاسلام أقل المحارات ms048 من جميع الملل الكفرية وبالاسلام تندفع كلها ~~وتخرج العقول من الظلمات إلى النور وانظر إلى هذا العالم المحسوس بالضرورة ~~تجد المحارة العقلية لازمة لوجوده لأنه لا يخلو بالضرورة من الحدوث أو ~~القدم فالقدم من محارات العقول والحدوث من غير محدث من محاراتها بل من ~~محالاتها فالمحارات أقرب من المحالات لأن الممكن البعيد أقرب من الممتنع ~~ولا ثالث لهذين الأمرين إلا الاسلام وإلى هذا أشار من قال # (صورة الكون محال ... وهي حق في الحقيقة) # لكنه أخطأ في تسمية المحارة محالا فإن كانت المحارة لازمة للإسلام فهي ~~لما عداه ألزم فإن كان هذا اللزوم حقا فالمحارة حق والحق لا يستوحش منه وإن ~~كان باطلا فالباطل حقيق لا يستوحش من خشيته لأنه لا شيء حقيقة فكيف الخوف ~~من لا شيء فمن لم يثبت الرب قديما أثبت العالم قديما ومن لم يثبت له أسماءه ~~الحسنى بلا سبب أثبت الاحكام العجيب للعالم بلا سبب ومن لم يثبت الرب ~~بكماله بلا سبب أثبت العالم بأحكامه وعجائبه بلا سبب ومن لم يقبل الايمان ~~بالبرهان والقرآن قبل الكفر بلا قرآن ولا برهان # وإلى هذا آشار رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال (لا يزال الناس ~~يتساءلون حتى يقولوا هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله) وأمرنا بالاستعاذة ~~والانتهاء حينئذ لأنه يقال للكافر فإذا أمكن وجود العالم بغير خالق فأولى ~~منه وجود الرب بغير خالق ودل على أنه لابد من انتهاء الموجودات الممكنة إلى ~~واجب الوجود عز وجل # PageV01P061 # واعلم أن مادة هذه الوساوس عجب الانسان بعقله وعلمه وظنه أنه إذا لم يعرف ~~شيئا فهو باطل فاعرف أنك كما قال أصدق القائلين في صفة الانسان {إنه كان ~~ظلوما جهولا} ويدل على هذا من المعقول مع المنقول أمران أحدهما أن الانسان ~~يؤثر هواه في الاقبال على دار الفناء وعلى شهواتها الضارة المضرة في ~~العاجلة المشاهدة ويقدم المرجوح على الراجح قطعا ويتحمل من الأمانات التي ~~هو في تحملها مختار ما يدل على صحة ما روي من تحمل آدم عليه السلام لأصلها ms049 ~~وجميعها مثل الدخول في الديون والضمانات والحقوق الزوجية وغيرها وحقوق ~~المخالطة والفرق بين الأحكام عند الرضا والغضب والغنى والفقر والامان ~~والخوف وبذلك يعرف الفطين من طبع نفسه الظلم وجحد الحق عند رجحان الداعي ~~إلى ذلك ولذلك يوجد البخل من بعض الاجواد في الاحوال والكذب من بعض ~~الصادقين كذلك قال صالح عليه السلام {يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت ~~لكم ولكن لا تحبون الناصحين} فبين أن الصارف لهم الهوى المحض لا الشبهة # ومن هنا نقم الله على الكفار أنهم آمنوا بالباطل فلو كان كفرهم بالحق ~~الذي هو الله وكتبه ورسله من أجل الشبهة لكانوا لعبادة الحجارة وغيرها أشد ~~كفرا وذلك بين في قوله تعالى {والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم ~~الخاسرون} ونحوها قوله في قصة الخليل عليه السلام {وحاجه قومه قال أتحاجوني ~~في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل ~~شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ~~ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون وتلك حجتنا ~~آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم} فبين ~~الخليل لهم أن خوفهم وتخويفهم # PageV01P062 # من أصنامهم واعتذارهم به عن الايمان شيء باطل ولو كان من قبيل خوف ~~العقلاء المستند إلى الامارات الصحيحة أو الأدلة الواضحة لكان خوفهم من ~~الله تعالى أولى من كل وجه صحيح # ولوضوح هذا جاء فيه بأدوات الاستنكار والاستبعاد مثل قوله {وكيف أخاف ما ~~أشركتم} وقوله {فأي الفريقين أحق بالأمن} وهذه المعارضة وأمثالها تفيد ~~القطع بعناد الخصم فتأملها في كتاب الله تعالى وهي جيدة مفحمة نافعة ولذلك ~~سماها الله تعالى حجة ورفع بها خليله عليه السلام ونحوهما قوله تعالى {وإن ~~يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا} وكذلك ~~قوله تعالى {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك ms050 به تؤمنوا فالحكم ~~لله العلي الكبير} وقوله تعالى {أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون} # وقد يقع من أهل الايمان شيء من ذلك في غير الكفر ولذلك لم تقبل شهادة ~~المؤمن العدل لنفسه ولا على عدوه وكذلك حكى الله عن الكفار جحدهم في يوم ~~القيامة حتى تشهد عليهم جلودهم وحتى يقولوا لها لم شهدتم علينا وذلك أنهم ~~رأوا من عدل الله تعالى وحكمه بالبينات دون علمه ما أطعمهم في نفع ذلك لهم ~~والطبيعة واحدة إلا ما هدى الله وأصلح فاحذر من هذه الطبيعة أن تتوهم كفرها ~~وقساوتها وجفاوتها برهانا معارضا لبراهين الحق بل ولا شبهة أبدا ولذلك يزول ~~شكها وريبها بمعانية الأهوال كمعاينة هول المطلع كما حكى ابن خلكان عن ابن ~~سينا رأس الفلاسفة أنه لما عرف أنه ميت أعتق مماليكة وفعل من القرب الذي ~~أمكنه وأقبل على التضرع إلى الله تعالى وتلاوة كتاب الله واضمحلت عنه تلك ~~الوساوس # فهذه هذه ولذلك أكثر الله تعالى ورسله من الجمع بين الأدلة والوعيد وقصص ~~المعذبين واعتمدها مؤمن آل فرعون فأحسن في دعاء قومه إلى # PageV01P063 # الايمان وتخويفهم من العذاب الأدنى المعجل في الدنيا ثم من العذاب الأكبر ~~فقال {يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود ~~والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إني أخاف عليكم يوم ~~التناد} الآيات وإنما بدأ بذكر عذاب الله للكافرين في الدنيا لأنه كان ~~معلوما لهم بالضرورة فتأثيره في النفوس أقوى كما ذكره المؤيد بالله في قوة ~~النفع بذكر الموت والبلاء في القبور وتصور ذلك وأمثاله # والآن ظهر لك أن اثبات الرب والايمان به هو الحق والأحوط كما تبين قبل ~~ذلك أن اثبات العلوم هو الحق بحيث لا يخاف في هذين الاعتقادين مضرة ألبتة ~~والخوف العظيم والمضار العظيمة في عدمهما كما قال القائل # (قال المنجم والطبيب كلاهما ... لا تبعث الاموات قلت إليكما) # (إن صح قولكما فليس بضائري ... أو صح قولي فالوبال عليكما) ومثل ذلك قول ~~الآخر # (ورغبني في الدين أن ms051 دليله ... قوي ويخشى كل شر بجحده) # (وكرهني للكفر أن فساده ... جلي ويخشى كل شر بقصده) # بل كما قال الله تعالى {قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به} الآية ~~كما تقدم والمراد ايراده من غير شك لمداواة النفوس الجامحة والوساوس ~~الغالبة والاستعانة على تليينها بالمعارضات النافعة لتسلم العقول مما ~~يزاحمها مما شق على الأوهام من الغيوب وتذعن لما يخالف القياس من الأحكام # الباب الرابع في اثبات التوحيد والنبوات وفروعها # ثم أن المثبتين للعلوم والربوبية اختلفوا في أمور ثلاثة أحدها توحيد الرب ~~وقد علم بالضرورة من الدين وإن خلافه كفر ودليل السمع في # PageV01P064 # هذا المقام صحيح بالاتفاق مع ما عضده من الدليل العقلي الذي نبه القرآن ~~عليه في قوله تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} ولا خفاء في ذلك ~~ولا خلاف فيه بين المسلمين فلا يحتاج فيه إلى عناية ولا شك في قوة براهينة ~~وسقوط المعارض لها وأنه أحوط لما في مخالفته من خوف العذاب العظيم وسيأتي ~~تمام الكلام فيه في فروع النبوات # وأما الكلام في النبوات فاعلم أنه من أوضح المعارف وقد تطابقت دلائل ~~المعجزات الباهرات عليه ولا شك مع ذلك أنه الاحوط لأن التكذيب بها من الكفر ~~المعلوم الموجب للعذاب الأكبر وليس لمنكري النبوات من الشبه ما يعارض دلائل ~~ثبوتها ولا ما ينتهض لإثارة الشكوك في هذا المقام البين وإنما قدحت ~~البراهمة في الشرائع بنحو إباحة ذبح البهائم من غير جرائم وذلك جهل فاحش ~~فإن الله الذي خلقها هو الذي أحلها في دار الفناء التي كتب فيها الموت على ~~كل حي لحكمة بالغة وقد ساوى سبحانه بيننا وبينها بالموت وإن اختلفت الأسباب ~~ولا مانع في العقل من ذلك قبل ورود الشرع على بعض الوجوه فهؤلاء البراهمة ~~لا ينكرون تطابق العقلاء على سقي المزارع بالماء وإن مات بسبب ذلك كثير من ~~الذر ونحوها من الحيوانات التي تكون في مجاري الماء وعلى الاستسقاء من ~~المناهل وإن كان وسيلة إلى موت حيوان الماء وعلى إخراج دود البطن بالأدوية ms052 ~~وإن مات ألوف كثيرة بسبب عافية انسان واحد من ألم لا يخاف منه الموت ويخرج ~~الانسان الذباب من منزله ولو هلكن من البرد والحر ونحو ذلك وإنما أجمع أهل ~~العقول على مثل هذا لما في فطر العقول من ترجيح خير الخيرين واحتمال أهون ~~الشرين عند التعارض كما قيل حنانيك بعض الشر أهون من بعض # ومن ذلك استحسن العقلاء تحمل المضار العظيمة في الحروب لدفع ما هو أضر ~~منها وقالت العرب # (بسفك الدما يا جارتي تحقن الدما ... وبالقتل تنجو كل نفس من القتل) # PageV01P065 # وقد جاء القرآن بذلك بأفصح عبارة وأوجزها فقال تعالى {ولكم في القصاص ~~حياة يا أولي الألباب} والقصد أنه لا ينكر في العقول أن يغذي الحيوان ~~الشريف بالحيوان الخسيس فتدفع بالغذاء عنه المضرة وتكمل بالغذاء له النعمة ~~وعلى تسليم أن العقل لا يستحسن ذلك فإنه يجوز أن يحكم بحسن ذلك مالك الجميع ~~علام الغيوب الذي لا معقب لحكمه ولا عالم بغيبه ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شاء وتوهم معارضة ذلك بالتقبيح العقلي في غاية السقوط فإن العقلاء ~~يختلفون فيما دق من هذا الباب وإنما يتفقون على الضروري منه الذي لم يرد ~~الشرع به قطعا مثل ترجيح الكذب على الصدق مطلقا لا مقيدا بحال الضرورة فأي ~~عاقل يرجح هذه الحماقة على البراهين الواضحة في النبوات # وقد جود الجاحظ الكلام في النبوات في كتاب مفرد في ذلك وتبعه في ذلك ~~الامام المؤيد بالله عليه السلام فهذب كتابه وحسن ترصيعه وقرب متباعدة ~~فينبغي للمسلم الوقوف عليه وحسن التأمل له فالأمر في ذلك جلي فطري وإنما ~~ينبغي أن يذكر هنا الفروق بين الأنبياء عليهم السلام وسائر من يقع منه ~~الخوارق من أهل السحر والطلسمات وسائر أهل الرياضات # واعلم أن المتكلمين يذكرون هنا فروقا كثيرة منها أن السحر فن معروف له ~~شيوخ يعرفونه ويعلمونه وفيه مصنفات ومن تولع به وطالع كتبه وتتلمذ لشيوخه ~~عرفه وإنما اختلف في تعلمه فقيل حرام وقيل فرض كفاية حتى إذا ظهر ساحر عرف ~~سحره وهذا باطل لوجهين ms053 أحدهما أنه لم يكن في الصحابة بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من يعرفه ولو كان فرضا كانوا أقوم الناس به وثانيهما أنه قد ~~ثبت بالضرورة أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وهذا برهان يوضح ~~لنا أن كل مدع للنبوة بعده كاذب # PageV01P066 # وأن كل خارقة تأتي على يد مدعي النبوة بعده فأنها غير صحيحة فإذا تقرر ~~هذا فقد اتضح الفرق فإن النبوات لا حيلة لأحد في اكتسابها # الفرق الثاني أنه لا حقيقة للسحر ولا يبقى وفي المعجزات ما يبقى مثل ~~الناقة في قوم صالح ومثل القرآن العظيم في معجزات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولذلك كان أبهر المعجزات فإنه لو أمكن فيه السحر لأمكن أن جميع أشعار ~~العرب وتواريخ العالم وجميع كتب الدنيا سحر وهذا معلوم الفساد بالضرورة وقد ~~أشار إليه في القرآن الكريم حيث قال الله تعالى في أول سورة الأنعام {ولو ~~نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر ~~مبين} فإنه سبحانه عاب عليهم الاعتذار عن الحق بالسحر في الموضع الذي لا ~~يمكن فيه السحر قطعا في عقول العقلاء فكيف وقد جعلوه سحرا بينا لا سحرا ~~مشكوكا فيه لشدة عنادهم يدل على ذلك أنهم جعلوه غاية ما اقترحوا تعجيزا ~~وعنادا وعتوا حيث قالوا {أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا ~~كتابا نقرؤه} فتأمل ذلك وكذلك أمثالهم من أعداء الاسلام وكذلك قال تعالى في ~~سورة يونس حكاية عن موسى وقومه {فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا ~~لسحر مبين قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون} ~~فاكتفى موسى بتقريعهم حيث وضح عنادهم # الفرق الثالث أنه لا يكون السحر إلا بشروط مخصوصة في أوقات مخصوصة ولا ~~يكون بحسب الاقتراح بخلاف المعجزات # قلت وهنا فروق أوضح من هذه الفروق بين الأنبياء وغيرهم وذلك من وجوه # الأول اتفاق الأنبياء في التوحيد والدعاء إلى الله تعالى والترغيب فيما ~~لديه والترهيب من عقوبته فالأول منهم يبشر ms054 بالثاني والآخر منهم يؤمن بالأول ~~وليس أحد منهم يخطئ أحدا ولا ينقم عليه ولا ينتقصه بخلاف سائر أرباب ~~الخوارق وسائر العلماء والأولياء فإنه يجري بينهم المعارضة # PageV01P067 # الدالة على ارتفاع العصمة ألا ترى أن أهل الرياضة تكون فيهم المبتدعة بل ~~منهم الدهرية والبراهمة وقد ذكر صاحب العوارف طرفا من ذلك في الباب السابع ~~والأربعين وصنف شيخ الاسلام ابن تيمية مصنفا في ذلك سماه الفرق بين الأحوال ~~الربانية والأحوال الشيطانية الوجه الثاني ما ذكره الشيخ مختار في المجتبى ~~وهو أن صاحب المعجزات يفارق صاحب الحيل والسحر في الزي والرواء والهيبة ~~والكلام والأفعال وفي كافة الأحوال أنوار التقوى تلألأ في وجه صاحب ~~المعجزات وآثار الصلاح تلوح في وجوه أهل الخيرات تعرفهم بسيماهم كما قال ~~ربهم ومولاهم شيمتهم التحلم والاصطبار ودينهم الصفح والعفو والاستغفار ~~والجود فالسخاء والايثار والمصافاة مع المساكين والفقراء والحنو والحدب على ~~الضعفاء والأعراض عن زخارف الدنيا وعن اتباع الشهوات والهوى # وأما أصحاب السحر والحيل فرذائل التزوير لائحة في وجوههم ومخايل الختل ~~والغدر واضحة في جباههم قصارى همهم استمالة الأغبياء وإيثار مواطن الملوك ~~والأمراء والأغنياء وغاية أمنيتهم نيل الجاه والعز في الدنيا والظفر بما ~~يوافق النفس والهوى اه وقد سبقه الرازي إلى هذا المعنى بأجود من كلامه لكنه ~~أطول فآثرت اختصار ما ذكره الرازي في كتاب الأربعين ونقلته وزدت عليه كثيرا ~~في كتاب البرهان القاطع في معرفة الصانع وصحة الشرائع # وإلى هذا الوجه الإشارة بقوله تعالى {أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون} ~~وقوله {أسحر هذا ولا يفلح الساحرون} كما تقدم في كلام موسى عليه السلام ~~وقوله تعالى {اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون} وأمثالها وفي آية يسن ~~اشارة إلى أن الكذب على الله وعلى الخلق في غاية القبح ونفرة العقلاء عنه ~~متمكنة فلا يمكن صدوره من أهل العقول الراجحة والزهد المجرب لامتناع وقوع ~~المرجوح عقلا وسمعا وهذه وأضعاف أضعافها صفات الأنبياء عليهم السلام كما ~~أوضحته في البرهان القاطع ثم ان الله تعالى جعل في بعض أحوال # PageV01P068 # الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ms055 فتنة للذين في قلوبهم زيغ ومرض وعمى كما ~~قال تعالى {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في ~~الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا} وذلك ليبقى ~~الابتلاء الذي اقتضته الحكمة حين كان في أسماء الله المبتلى والباطن ~~والظاهر كما مضى فمن كان نظره من الجهات المناسبة لاسمه الظاهر رشد وسعد ~~ومن كان نظره على العكس من ذلك وقع في المحارات وبعد من مسالك النجاة فكن ~~من ذلك على حذر وافزع إلى الله واستعذبه من ذلك وهو الهادي ولا يهدى إلا ~~الله # الوجه الثالث أنه يظهر على كل نبي ما يميزه من السحرة وأهل الحيل مثال ~~ذلك إيمان السحرة بموسى واعترافهم أن الذي جاء به ليس في جنس السحر واحياء ~~عيسى للموتى وذلك ان موسى عليه السلام كان في وقت ظهر فيه علم السحر وعيسى ~~عليه السلام كان في زمن ظهر فيه علم الطب فجاء كل واحد منهما بما يعرفه أهل ~~عصره وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم كان في زمان ظهرت فيه الفصاحة فجاء ~~بالقرآن العظيم الذي لا يخفى عليهم ما اشتمل عليه من وجوه الاعجاز # ثم انه ظهر لنا في حق نبينا صلى الله عليه وسلم أمور كثيرة تميزه عن ~~السحرة والمحتالين منها ورود البشارة به في التوراة والانجيل قال الرازي في ~~كتابه الأربعين والدليل على ذلك أنه ادعى أن ذكره موجود فيهما قال الله ~~تعالى {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل} وقال حكاية عن عيسى المسيح {ومبشرا برسول يأتي من بعدي ~~اسمه أحمد} وقال {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} ومعلوم ~~أنه لو # PageV01P069 # لم يكن صادقا في ذلك لكان هذا من أعظم المنفرات عنه لليهود والنصارى ولا ~~يمكن أن العاقل يقدم على فعل يمنعه من مطلوبه ويبطل عليه مقصوده ولا نزاع ~~بين العقلاء انه كان أعقل الناس وأحلمهم انتهى # ومنها ما ظهر من كراماته في أيام الحمل به وأيام الطفولية مثل ما روى ~~مسلم في ms056 الصحيح والنسائي من حديث أنس أن جبريل أتاه وهو يلعب مع الصبيان ~~فشق بطنه واستخرجه وجاء الغلمان يسعون إلى ظيره فقالوا ان محمدا قد قتل وهو ~~منتقع اللون قال انس قد كنت أرى ذلك المخيط في صدره # ومنها علم جميع من آمن به من أهله وأصحابه وأهل بلده ببراءته من التهمة ~~بالسحر ولا شك ان علمهم بذلك ضروري كما يعلم ذلك أحدنا في كثير من أهله ~~وخاصته وجيرانه وأهل زمانه ولذلك حصل معنا العلم الضروري بذلك عن خبرهم ولو ~~كان خبرهم عن ظن لم يحصل لنا منه علم ضروري ومن لم يحصل له هذا العلم ~~الضروري فذلك لتقصيره في علم الحديث والسير والتاريخ على أنا غير محتاجين ~~إلى شيء من هذا لما قدمناه من انه لا يمكن السحر في القرآن لدوامه وعظيم ما ~~اشتمل عليه من البلاغة والعلوم ولو أمكن ذلك بالسحر لامكن الساحر أن يكون ~~كلامه بليغا مفهوما ولما حصلت الثقة بكلام ولا كتاب على وجه الأرض # وقد بسطت القوم في هذا في البرهان القاطع وهذا كاف على قدر هذ المختصر ~~وليس التآليف الامثل للثمار وطرح البذر في الأرض الطيبة ثم يهب الله من ~~البركة ما يشاء وهو الفتاح العليم على أن السحر أحد الدلالات البينة على ~~الله تعالى لان علمه من العلوم التي لا تدرك بالعقل مثل ما ذكره الغزالي في ~~أمثاله مما يعلم قطعا انه ينتهي إلى تعليم عالم الغيب ولذلك جاء النص ~~الصريح في كتاب الله تعالى بأنه من تعليم ملكين من ملائكة الله وأن علمه ~~أنزل عليهما كما قال تعالى {وما أنزل على الملكين ببابل} الآيات ثم فيه ~~دلالة على النبوات من جهة أخرى # PageV01P070 # وذلك ان الساحر يعجز عن معارضة الانبياء وعن بلوغ درجتهم في الاعجاز الحق ~~فتبين بذلك صدقهم وتمييزهم برفيع مقامهم عن السحر والسحرة كما كان في قصة ~~موسى عليه السلام مع السحرة فتعرف بذلك قدر النبوات معرفة مقادير المحاسن ~~بأضدادها ولله الحكمة البالغة في كل شيء سبحانه وتعالى # ومما يقوي أمر النبوات ms057 والاسلام النظر في معارضها وضعفه فان المخالفين ~~لذلك ضربان أحدهما أهل التجاهل المتدينون بدين الآباء وان كان عبادة ~~الاحجار ونحو ذلك ولا يلتفت إلى هؤلاء مميز وثانيهما أهل الفلسفة وقد نقل ~~الرازي عنهم الاعتراف بأن خوضهم في الربوبيات بالظن وأنهم لا يعلمون إلا ~~أحكام المشاهدات والمجريات ولو لم يقروا بذلك قام الدليل القاطع عليهم بذلك ~~وهو اختلافهم وتكاذبهم المتباعد المتفاحش الذي تميز الانبياء بالعصمة منه ~~عن جميع أهل الدعاوي الباطلة والنظر في هذا نفيس جدا فان الشيء انما يزداد ~~شرفا على قدر خساسة ضده وصحة على قدر ضعف معارضه وإليه الاشارة بقول يوسف ~~عليه السلام {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} ~~إلى آخر الآيات ويقرب منه قوله تعالى {أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام ~~غير مبين} ثم أن الله تعالى نبه على عظيم عناد المكذبين للانبياء بقوله ~~تعالى {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل ~~عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل} فقوله إنما ~~أنت نذير واضح في الرد عليهم بأن أصل القصد في النبوات اقامة الحجة على ~~الغافلين عن الامر الجلي بمجرد ما ينبه الغافل من النذارة القائمة مقام ~~الحاضر على القلب وذلك ما لا يحتاج إلى دليل قاطع على صدق النذير بل يكفي ~~في النذير أن يكون ممكن الصدق غير مقطوع بكذبه في الأصل ومثله {فإنما عليك ~~البلاغ وعلينا الحساب} ولذلك ذهب إلى ذلك كثير من الامامية # PageV01P071 # كما ذكره صاحب كتاب الدعائم عنهم لكن الله زاد في إقامة الحجة ليقوى عدله ~~على الكافرين وفضله على المؤمنين فأيدهم بأنواع الآيات الخارقة والامارات ~~الصادقة وفي الآية دلالة على حسن الاحتياط في الحذر بعد سماع النذر كما هو ~~معلوم في النظر وكما تقدمت عليه الدلالة في كلام مؤمن آل فرعون وغيره مما ~~تقدم من الآيات الكريمة في ذلك ولله الحمد ثم أن الأمة أجمعت على انقطاع ~~الوحي بعد رسول الله صلى الله ms058 عليه وسلم وأنه لا طريق لأحد من بعده إلى ~~معارضة ما جاء به فمن ادعى ذلك وجوز تغيير شيء من الشريعة بذلك فكافر ~~بالاجماع ### | خاتمة # ثم إن المثبتين للنبوة اختلفوا في الايمان بجميع الانبياء فمنهم من فرق ~~بين رسل الله فآمن ببعضهم وكفر ببعضهم كاليهود والنصارى ومنهم من آمن بجميع ~~رسل الله ولم يفرق بين أحد منهم كالمسلمين فلا شك في أن إثبات النبوات أصح ~~دليلا وأحوط ثم أن الايمان بجميع الأنبياء كذلك فان المكذب برسول واحد ~~كالمكذب بجميع الرسل وهل أشقى ممن سلم من جميع المهالك حتى إذا لم يبق إلا ~~مهلكة واحدة وقع فيها فانظر ما أوضح الضلال في جميع ما تقدم من انكار ~~العلوم ثم من إنكار الربوبية ثم من إنكار التوحيد ثم من إنكار النبوات ثم ~~من إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة وما أوضح الحق في مخالفة ذلك ~~كله فالحمد لله رب العالمين # ومن واضحات الدلالة على اليهود أنهم مقرون برسول مبشر به في التوراة لكنه ~~عندهم غير محمد صلى الله عليه وسلم فيقال لهم تكذيبهم بمحمد يؤدي إلى ~~تكذيبهم بكل مدع أنه هو لأنه لا يمكن أن يأتي إلا بمعجزات وأما حديث تمسكوا ~~بالسبت أبدا فلو كان حقا لذكروه للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن منهم ~~أحد لكنه موضوع في زمن الراوندي ذكره صاحب التقويم في أصول الفقه ولا حجة ~~فيه لو صح لأن المراد بذلك قد يكون مدة طويلة وإلى غاية كقوله تعالى {وبدا ~~بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} # PageV01P072 ### | ### | فصل # في تأكيد اليقين بالنبوات زيادة على ما تقدم # وذلك أن كثرتهم عليهم السلام قد علمت لأهل العلم بتواريخ العالم وأخبار ~~الامم واشتهرت لمن كان أقل بحثا وخبرة بهذه العلوم وورد في الاخبار أنهم ~~عليهم السلام مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا وكتب الله التي جاؤا بها مائة ~~كتاب وأربعة كتب رواه ابن حبان والبيهقي من حديث أبي ذر بسندين حسنين ~~وتواترت كثرتهم في الجملة ولا شك أن ms059 الجمع العظيم متى تفرقت أوطانهم ~~وقبائلهم وأغراضهم وأزمانهم ومذاهبهم ولم يكونوا من أهل الصناعات النظرية ~~والرياضات الفلسفية والقوانين المنطقية ثم اتفقوا على القطع بصحة أمر لا ~~داعي له ولا مانع منه بحيث لو اجتمع عيون الفطناء وحذاق الأذكياء ومهرة ~~العلماء على واحد منهم يشككون عليه في اعتقاده لم يرفع إليهم رأسا ولم ~~يلتفت إليهم أصلا فعلمنا علما تجربيا ضروريا أنهم ما تواطئوا على التعمد ~~للمباهتة والتجري على التدليس والمغالطة وأنه ما جمع متفرقات عقائدهم وألف ~~نوافر طباعهم وربط بين جوامح مختلفات اختياراتهم وعصمهم عن متابعة سنة ~~العقلاء في اختلاف مذاهبهم مع طول أنظارهم إلا صدق ما ادعوه من شريف علمهم ~~وحالهم وصحة ما بنوا عليه دينهم ويقينهم من استناد هذه العوالم والخلائق ~~والآثار والحوادث إلى رب عظيم ومدبر حكيم واضطراره لهم بالمعجزات والقرائن ~~إلى الاجتماع على هذا الدين القويم والشأن العظيم وحينئذ لا تردد العقول ~~ولا توقف الاذهان عن الجزم بصدقهم وثلج الصدور لصحة خبرهم فكيف إذا عضد هذا ~~الجميع العظيم من البراهين النيرة والقرائن الواضحة والشواهد الصادقة ما لم ~~يحصره # PageV01P073 # الاذكياء والعارفون على مرور الدهور والقرون حتى قال الله تعالى في كتابه ~~المكنون {فبأي حديث بعده يؤمنون} # فمن ذلك ما ذكره الامام المؤيد بالله عليه السلام في كتابه في اثبات ~~النبوات قال عليه السلام وأنتم إذا تأملتم أحوال الفترات التي كانت بين آدم ~~ونوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ازددتم معرفة بحسن ~~تدبير الله تعالى لخلقه بابتعاث الرسل وتجديده ما درس أو كاد يدرس من ~~الشرائع والملل وأنه عز وجل ابتعث حين علم الصلاح في الابتعاث ومد الفترة ~~حين علم اقتران المصلحة بها لأن الفترة على ما يقوله بعض أهل التواريخ على ~~اختلاف بينهم فيه والله أعلم بتحقيق ذلك كانت بين آدم ونوح صلى الله عليهما ~~سبعمائة عام وإنما كان ذلك كذلك والله أعلم على مقدار ما يلوح لنا ويبلغه ~~مقدار أفهامنا أن آدم هبط إلى الأرض وهو أبو البشر وأول الانس ولم يكن في ~~زمانه ms060 شيء من الكفر وعبادة الاصنام ولم يكن غيره وغير زوجته حواء وأولادهما ~~وكانوا يعرفون حاله فلم يكن في أمره شك عندهم لوضوح أمره وظهور آياته وقلة ~~من بعث اليهم فامتد زمان الفترة وكان بينهما مع شيث ذلك وإدريس عليهما ~~السلام فاستحدث الناس الكفر وعبادة الأصنام واتخذوا ودا وسواعا ويغوت ويعوق ~~ونسرا فابتعث الله عز وجل نوحا عليه السلام يدعوهم إلى التوحيد وخلع ~~الأصنام والأنداد فلبث فيهم كما قال الله تعالى {ألف سنة إلا خمسين عاما} ~~فغرقهم الله بالطوفان حين تمت عليهم حجته وعلم أنه لا يصلح منهم أحد كما ~~أوحى ذلك إلى نوح عليه السلام # ثم كانت الفترة بين نوح وإبراهيم عليهما السلام نحو سبعمائة عام وإنما ~~كانت هذه المدة نحو ذلك لأن الغرق أعاد حال نوح إلى نحو حال آدم صلى الله ~~عليهما وسلم في ظهور أمره وابتداء البشر منه مع أنه لم يكن بقي من الكفار ~~أحد إلا أن الناس قد كانوا عرفوا عبادة الأصنام واتخاذ الأنداد من دون الله ~~عز وجل فأسرعوا بعده إلى الكفر وعبادة الأصنام وكان الله تعالى قد بعث هودا ~~إلى عاد لما ازداد تمردهم وصالحا بعده إلى # PageV01P074 # ثمود ثم لما ازداد الكفر ظهورا وانتشارا ابتعث الله عز وجل إبراهيم ~~فدعاهم إلى الله تعالى وكسر أصنامهم ونبههم على خطأ أفعالهم وجدد لهم ~~الذكرى وأنزل عز وجل عليه الصحف وبعث لوطا عليه السلام إلى قوم مخصوصين حين ~~ازداد عتوهم واستحدثوا من الفاحشة ما لم يكن قبلهم ثم كانت الفترة بينه ~~وبين موسى صلى الله عليهما نحو أربعمائة سنة وإنما كانت كذلك والله أعلم ~~لأن ابراهيم صلى الله عليه وسلم مضى والكفر باق بينهم ظاهر ولم تكثر أتباعه ~~الكثرة الظاهرة على ما بلغنا وبعث الله بعده إسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم ~~السلام والاسباط وشعيبا قبل مبعث موسى عليه السلام وقبل أيوب وكان قد بعث ~~قبل موسى عليه السلام وتغيرت أحوال بني إسرائيل وقل قبول الناس الحق وظهر ~~الكفر وبلغ مبلغا لم يكن بلغه من قبل لأن فرعون ms061 ادعى الربوبية فاستعبد بني ~~إسرائيل فعظم الأمر وازداد الكفر واتسع الخرق ونسى الحق فلذلك قصرت مدة هذه ~~الفترة حتى بعث موسى صلى الله عليه وسلم مع تلك الآيات العظام كالعصا واليد ~~البيضاء ومجاوزة بني إسرائيل البحر بعد أن انفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ~~وتغريق فرعون ومن معه إلى غير ذلك من الحجر الذي انفجرت منه العيون وما كان ~~ظهر قبل ذلك من الجراد والقمل والضفادع والدم وغير ذلك مما يطول ذكره وأنزل ~~عليه التوراة وبين فيها الأحكام والحلال والحرام وظهر أمره أتم الظهور ~~وإنما كانت أعلام موسى أكثر وآياته أظهر لأن بني إسرائيل كانوا والله أعلم ~~أجهل الأمم وأغلظهم طبعا وأبعدهم عن الصواب وأبلدهم عن استدراك الحق ألا ~~ترى أنهم بعد ما جاوز الله بهم البحر وغرق آل فرعون وهم ينظرون قالوا لموسى ~~حين مروا على قوم عاكفين على أصنام لهم يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ~~واتخذوا العجل وعبدوه وظنوا أنه إلههم وإله موسى وأنه نسي فبحسب هذه ~~الأحوال اقتضت الحكمة إيضاح الآيات والاعلام وتكثيرها لهم ثم بعث يوشع ~~ويونس ثم بعث داود وأنزل عليه الزبور وبعث سليمان وآتاه الله الملك مع تلك ~~الآيات العظيمة ثم بعث بعده زكريا ويحيى صلى الله عليهم وكانت الفترة بين ~~موسى وعيسى نحو ألفي سنة لعظم آيات موسى وعظم الكتاب الذي أنزل # PageV01P075 # معه ولما بعث بينهما من الأنبياء عليهم السلام وهذه المدة أطول المدد ~~التي كانت بين من ذكرنا عليهم السلام # ثم لما تزايد الكفر وتغيرت أحوال بني إسرائيل وشاع الإلحاد في الفلاسفة ~~بعث الله عيسى عليه السلام بتلك الآيات الباهرة وبقي فيهم ما بقي ثم أكرمه ~~الله تعالى ورفعه إليه ثم كانت الفترة بينه وبين نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم نحو ستمائه عام وكانت هذه المدة أوسط المدد وذلك والله أعلم لأن حجج ~~الله تعالى كثرت فيها لبقاء التوراة والزبور والانجيل ومع ذلك كثر الضلال ~~وقيل في المسيح قولان عظيمان أحدهما ما قالته اليهود والثاني ما قالته ~~النصارى ms062 ثم بعث الله تعالى النبي محمدا صلى الله عليه وسلم وختم به الرسالة ~~ونحن من مبعثه على نحو من أربعمائة عام فدل على قرب الساعة وأزوف القيامة ~~وحقق ذلك قوله تعالى {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون} وقوله تعالى ~~{اقتربت الساعة وانشق القمر} وقول النبي صلى الله عليه وسلم بعثت أنا ~~والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه اه # قلت وهذا كلامه عليه السلام صلى الله عليه وسلم في هذا التاريخ المتقدم ~~فكيف بنا اليوم وقد دخلنا في المائة التاسعة أكثر من ثلثها قال صلى الله ~~عليه وسلم فانظروا رحمكم الله في حسن نظر الله عز وجل لعباده بما ذكرنا ~~فاعتبروا به واستعدوا للدوام والبقاء فله خلقتم فكأن الواقعة قد وقعت ~~والحاقة قد حقت فريق في الجنة وفريق في السعير فلا يصدنكم الشيطان وأتباعه ~~عنها كما قال الله تعالى {إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما ~~تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى} وفقنا الله وإياكم ~~لطاعته واتباع مرضاته قلت ومع قرب مبعث محمد صلى الله عليه وسلم من القيامة ~~فلم يخل الله عباده من تجديد الآيات وما يقوم مقام تجديدها وذلك بأمور ~~أعظمها إعجاز القرآن العظيم وبقاؤه في الأمة وحفظه له عن التغيير # وقد جود الامام المؤيد بالله عليه السلام ومن سبقه من علماء الاسلام # PageV01P076 # القول في ذلك وقد جمعه عليه السلام في كتابه في النبوات وجوده وإن كان ~~قال عليه السلام أنه لم يزد على ماقالوه وإنما أوجز من كلامهم ما جعله ~~البسط متباعد الأطراف أو بسط ما جعله الايجاز خفي الاغراض فقد أفاد وأجاد ~~وأحسن وزاد فينبغي مطالبة كتابه في ذلك وكتاب الجاحظ فيه أيضا فانه السابق ~~له عليه السلام إلى ذلك والمشهور بالتجويد في هذه المسالك # ومن نفيس كلامه في ذلك قوله ومن الدليل على اعجاز القرآن أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ابتدأ الاتيان بهذا القرآن على غاية الاحكام والاتقان وقد ~~ثبت جريان العادة أن كل أمر يقع على وجه لا ms063 يصح وقوعه عليه إلا بعلوم تحصل ~~للفاعل له لا يصح وقوعه ابتداء على غاية الاحكام والاتقان وأن بلوغه الغاية ~~يتعذر إلا على مر الدهور والأعصار وتعاطي جماعة فجماعة له وانه لا فرق في ~~ذلك بين شيء وشيء من الأمور في منظوم الكلام ومنثوره وما يتعلق بالتنجيم ~~والطب والفقه والنحو والصناعات التي هي النساجة والصياغة والبناء وما أشبه ~~ذلك فإذا ثبت ذلك وثبت وقوع القرآن على الوجه الذي بيناه ثبت أنه وقع على ~~وجه انتقضت به العادة فجرى مجرى قلب العصا حية واحياء الموتى والمشي على ~~الماء والهواء إلى آخر ما ذكروه في ذلك ولولا أن ذكره يناقض ما قصدت من ~~الاختصار لذكرته فهذا أعظم الآيات لبقائه في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وفناء آيات الأنبياء في أعصارهم عليهم السلام ولكن الله لما علم أن النبوة ~~قد انقطعت جعل هذا المعجز الجليل باقيا على مر الدهور جديدا على طول العصور # الأمر الثاني ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال إن الله ~~يبعث لأمتي من يجدد لها دينها رأس كل مائة عام وهذه إشارة إلى ما من الله ~~تعالى به على أهل الاسلام من الأئمة الهداة للأنام عليهم السلام ومن سائر ~~العلماء الاعلام والصالحين الكرام ومما يجعل الله تعالى فيهم من الاسرار ~~ويجدد بهم من الآثار ويوضح بهم من المشكلات ويبين بهم # PageV01P077 # من الدلالات ويرد بعلومهم من الجهالات ويؤيد بهم من الكرامات وصادق ~~المبشرات من رؤيا الحق الواردة في محكم الآيات وصحيح الروايات # الأمر الثالث نصر الله تعالى لحماة الاسلام المجاهدين وإنجازه ما وعدهم ~~به في كتابه المبين من نصره للمؤمنين وعلى لسان رسوله الصادق الأمين من ~~حفظه لهذا الدين على كثرة الكافرين والمفسدين والملاحدة والمتمردين ولو ~~نذكر القليل من ذلك لطال وقد اشتملت عليه تواريخ الاسلام وتواريخ الرجال ~~فالحمد لله رب العالمين # وأما ما يختص بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات الباهرة ~~والدلالات الواضحة فأكثر من أن يحصر وأشهر من أن يذكر وقد صنفت ms064 في ذلك ~~مصنفات كثيرة منها كتاب الشفاء للقاضي عياض المالكي وغيره لكن تقصيها هنا ~~مما لم تدع إليه الحاجة إذ لا منازع من أهل الاسلام في نبوته ولا شاك ولا ~~مشكك فيها وإنما المراد هنا ارشاد المختلفين من أمته إلى أوضح الطرق ~~وأنصفها وأهداها إلى اتباع سنته والسلامة من مخالفته ولكنا نتبرك ونتشرف ~~بذكر شيء يسير منها على جهة الاشارة والرمز إلى جمل من ذلك على حسب ما يليق ~~بهذا المختصر فنقول كما قال واحد من علماء الاسلام # إن معجزاته صلى الله عليه وسلم قسمان حسية وعقلية أما الحسية فثلاثة ~~أقسام أحدها أمور خارجة عن ذاته وثانيها أمور في ذاته وثالثها أمور في ~~صفاته # أما القسم الأول وهو الاشياء الخارجة عن ذاته فمثل انشقاق القمر وطاعة ~~الشجر في المشي إليه وتسليم الحجر وحنين الجذع إليه ونبوع الماء من بين ~~أصابعه واشباع الخلق الكثير من الطعام القليل وشكاة الناقة وشهادة الشاة ~~المشوية واظلال السحاب قبل مبعثه وما كان من حال أبي جهل وصخرته حين أراد ~~أن يضربها على رأسه وما كان من شاة أم معبد حين مسح يده المباركة على ضرعها ~~وأمثال ذلك ولو ذكرت طرق ذلك وأسانيده لمنع عن المقصود بالاختصار وأخرج عنه ~~إلى التآليف الكبار # PageV01P078 # وأما القسم الثاني وهي الأمور العائدة إلى ذاته فهو مثل ما كان من الخاتم ~~بين كتفيه والنور الذي كان ينتقل من أب إلى أب إلى أن خرج إلى الدنيا وما ~~شوهد من خلقته وصورته التي يحكم علم الفراسة بأنها دالة على نبوته # وأما القسم الثالث وهو ما يتعلق بصفاته فهي كثيرة ونحن نشير إلى بعضها ~~فمن ذلك أن أحدا ما سمع منه كذبا لا في أمور الدين ولا في أمور الدنيا ولو ~~صدر عنه شيء من ذلك مرة واحدة لاجتهد أعداؤه في نشره واظهاره # الثاني أنه ما فعل قبيحا منفرا عنه لا قبل النبوة ولا بعدها الثالث أنه ~~لم يفر عن أحد من أعدائه لا قبل النبوة ولا بعدها وان عظم الخوف واشتد ~~الأمر ms065 مثل يوم أحد ويوم الأحزاب الرابع أنه كان عظيم الشفقة والرحمة على ~~أمته كما قال الله تعالى {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} وقال تعالى {فلعلك ~~باخع نفسك} وقال تعالى {ولا تحزن عليهم} وقال تعالى {عزيز عليه ما عنتم ~~حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} الخامس أنه كان في أعظم الدرجات في الكرم ~~والسخاء حتى أن الله تعالى علمه التوسط في ذلك حيث قال له {ولا تبسطها كل ~~البسط} السادس أنه ما كان للدنيا في قلبه وقع السابع أنه كان في غاية ~~الفصاحة الثامن أنه بقي على طريقته المرضية أول عمره إلى آخره والمزور لا ~~يمكنه ذلك وإليه الاشارة بقوله تعالى {وما أنا من المتكلفين} التاسع أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان مع أهل الغنى والثروة في غاية البعد عن المطامع ~~والترفع عنها ومع الفقراء والمساكين في غاية القرب منهم والتواضع لهم ~~واللطف بهم العاشر أنه كان صلى الله عليه وسلم في كل واحدة من هذه الأخلاق ~~الكريمة في الغاية القصوى من الكمال ولا يتفق ذلك لأحد من الخلق غير أهل ~~العصمة من الله تعالى فكان اجتماع ذلك في صفاته من أعظم المعجزات # PageV01P079 # وأما المعجزات العقلية فهي ستة أنواع النوع الأول أنه ظهر بين قبيلة ما ~~كانوا من أهل العلم ومن بلدة ما كان فيها أحد من العلماء في ذلك العصر بل ~~كانت الجهالة غالبة عليهم ولم يتفق له سفر من تلك البلدة إلا مرتين كلاهما ~~إلى الشام وكانت مدة سفر قليلة ولم يذهب أحد من العلماء والحكماء إلى بلده ~~حتى يقال أنه تعلم العلم من ذلك الحكيم فاذا خرج من مثل هذه البلدة ومثل ~~هذه القبيلة رجل بارع الكمال فائق على فحول الرجال من غير أن يمارس شيئا من ~~العلوم ولا يخالط أحدا من العلماء ألبتة ثم بلغ في معرفة الله تعالى وصفاته ~~وأسمائه وأفعاله وأحكامه هذا المبلغ العظيم الذي عجز عنه جميع الأذكياء من ~~العقلاء بل عجزوا عن القرب منه والمداناة له بل أقر الكل بأنه لا يمكن أن ~~يزاد ms066 في تقرير أصول الدلائل ومهمات المعارف على ما ورد في القرآن العظيم ثم ~~ذكر قسس الأولين وتواريخ المتقدمين بحيث لم يتمكن أحد من الاعداء العارفين ~~بذلك أن يخطئه في شيء منها بل بلغ كلامه في البعد من الريب إلى أن قال بذلك ~~أن يخطئه في شيء منها بل بلغ كلامه في البعد من الريب إلى أن قال عند ~~مجادلتهم له {تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ~~ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} # فحادوا عن ذلك وعرفوا صدقه واجابة دعوته ولم يقدر أحد من أعدائه أن ينسب ~~إليه أنه أخذ ذلك من مطالعة كتاب ولا صحبة أستاذ وكانت هذه الاحوال ظاهرة ~~معلومة عند الاصدقاء والأعداء والقرباء والبعداء كما أشار إليه قوله تعالى ~~{أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون} وقال {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ~~ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون} وقال {فقد لبثت فيكم عمرا من قبله ~~أفلا تعقلون} وكل من له عقل سليم وطبع مستقيم علم أن هذه الاحوال لا تتيسر ~~إلا بالتعليم الالهي والتوفيق الرباني # النوع الثاني أنه عليه صلى الله عليه وسلم كان قبل اظهاره دعوى الرسالة ~~غير باحث عن هذه المور ولا مشغول بها ولا جرى على لسانه حديث # PageV01P080 # النبوة لنفسه ودعوى الرسالة والذي يدل على ذلك أنه لو اتفق له خوض في هذه ~~المطالب لقال الكفار أنه أفنى عمره في ذلك وفي جمع القرآن حتى قدر على ذلك ~~بعد طول التأمل والتدبر وجاء به ولما لم يذكر هذا عن أحد من الاعداء مع شدة ~~حرصهم على الطعن فيه وفي نبوته علمنا ذلك ومعلوم أن من انقضى من عمره ~~أربعون سنة ولم يخض في شيء من هذه المطالب ثم أنه خاض فيها دفعة واحد وأتى ~~بكلام عجز الأولون والآخرون عن معارضته فصريح العقل يشهد بأن هذا لا يكون ~~إلا على سبيل الوحي من الله تعالى # النوع الثالث أنه صلى الله عليه وسلم تحمل في أداء الرسالة أنواع المتاعب ~~والمشاق فلم يغيره ms067 ذلك عن المنهج الأول ولم يطمع في مال أحد ولا في جاهه بل ~~صبر على تلك المشاق والمتاعب ولم يظهر في عزمه فتور ولا في اصطباره قصور ثم ~~أنه لما قهر الأعداء وقويت شوكته ونفذت أوامره في الأموال والارواح لم ~~يتغير عن منهجه الأول في الزهد في الدنيا والاقبال على الآخرة وكل من أنصف ~~علم أن المزور وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذكر ذلك لا يكون كذلك فان ~~المزور إنما يروج الكذب والباطل على الحق لكي يتمكن من الدنيا فاذا وجدها ~~لم يملك نفسه عن الانتفاع بها لكيلا يكون ساعيا في تضييع مطلوبه بل تضييع ~~مطلوبه بل تضييع دنياه وآخرته وذلك ما لا يفعله أحد من العقلاء # النوع الرابع من معجزاته العقلية أنه كان مستجاب الدعوة وذلك معلوم ~~بالتواتر الضروري لمن عرف سيرته وأخباره وأحواله بل لمن طالع كتب آياته ~~واعلامه وذلك ثابت في الكتب الست بالأسانيد المعروفة من حديث جابر بن عبد ~~الله وأبي هريرة والسائب بن يزيد وأبي زيد ابن أخطب ويزيد ابن أبي عبيد ~~وابن مسعود وأنس والبراء بن عازب وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم # النوع الخامس ورود البشارة به صلى الله عليه وسلم في التوراة والانجيل ~~والدليل على ذلك أنه ادعى ذلك كما ذكره الله تعالى في كتابه الكريم ومعلوم ~~أنه لو لم يكن صادقا في ذلك لكان هذا من أعظم المنفرات لأهل الكتاب عنه ولا ~~يصح من العاقل أن يقدم على فعل ما يمنعه من مطلوبه ويحول بينه وبين # PageV01P081 # ما يحاوله ولا نزاغ من العقلاء أنه كان من أوفر الناس عقلا وأحسنهم ~~تدبيرا وأرجحهم علما قال بعض العارفين فادم كانت أوامره بنصرته لأولاده لا ~~تحصى ونوح عهد إلى أتباعه باتباعه ووصى والخليل كان أكثرهم اجتهادا في ذلك ~~وحرصا وبنوه تواصو به وإسماعيل أكثرهم فحصا وتوراة موسى نطقت بنعته وصفاته ~~وأبانت عن معانيه وآياته وأوضح براهان على ذلك ودليل {أو لم يكن لهم آية أن ~~يعلمه علماء بني إسرائيل} وزبور داود أفصح بصدق معجزاته ms068 واعرب عن ظهور ~~بيناته وإنجيل عيسى شهد بأنه الخاتم الذي يشكر دينه ويحمد وصرح به قوله ~~تعالى {ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} والأخبار ببعثه من الأحبار ~~أكثر من أن تذكر يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر # فاسمع أنباءهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ومن صفته في التوراة على ما ~~ثبت في صحيح البخاري (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا ~~للاميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في ~~الاسواق ولا يجزى بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه الله تعالى حتى ~~يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله يفتح بها آذانا صما ~~وأعينا عميا وقلوبا غلفا) ذكر في تفسير قوله تعالى {وإذ أخذ الله ميثاق ~~النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ~~ولتنصرنه} كما روي في تفسيرها عن علي وابن عباس رضي الله عنهما أن الله ما ~~بعث نبيا إلا وأخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه # النوع السادس اخباره عن الغيوب وصدقه في ذلك وهذا باب واسع معلوم ~~بالتواتر الضرورى لأهل المعرفة بالأخبار والتقصي فيه يخرجنا عما قصدناه من ~~الاختصار فليطالع في مظانه فانما القصد الاشارة وفي القرآن منه الكثير ~~الطيب كما ذكره المؤيد بالله عليه السلام وغيره مثل الجاحظ # PageV01P082 # والرازي والقاضي عياض وغيرهم وفي دواوين الاسلام من ذلك عن علي عليه ~~السلام وجابر بن سمرة وأبي هريرة وأبي ذر وجابر بن عبد الله وحذيفة وعمرو ~~بن أخطب وأنس وعاصم بن كليب وعائشة وأبي حميد الساعدي وثوبان وعدي بن حاتم ~~ومما تواتر من ذلك حديث (تقتلك يا عمار الفئة الباغية) كما ذكره الذهبي في ~~ترجمة عمار من النبلاء واتفق البخاري ومسلم على صحته وتخريجه من حديث أبي ~~سعيد الخدري ولفظ البخاري (ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار) ~~ورواه مسلم من حديث أبي قتادة وأم سلمة وكلها عن أحمد بن حنبل ms069 في المسند ~~ورواه الترمذي من حديث خزيمة بن ثابت والطبراني من حديث عمر بن الخطاب ~~وعثمان بن عفان وعمار وحذيفة وأبي أيوب وزياد وعمرو بن حزم ومعاوية وعبد ~~الله بن عمرو وأبي رافع ومولاة لعمارة وغيرهم وقال ابن عبد البر تواترت ~~الاخبار بذلك وهو من أصح الحديث # وقال ابن دحية لا مطعن في صحته ولو كان فيه مطعن لرده معاوية وأنكره ~~وكذلك قال المؤيد بالله عليه السلام في كتابه في النبوات وعن أحمد ابن حنبل ~~أنه روي من ثمانية وعشرين طريقا وإنما ذكرت طرفا من أسانيده على طريق ~~الاجمال لوقوعه على ما أخبر به صلى الله عليه وسلم في عصر الصحابة رضي الله ~~عنهم ولولا خشية الاطالة لذكرت الأسانيد في كل حديث # ولنختم هذا النوع بهذا الحديث الجليل والعلم الكبير من أعلام النبوة نبوة ~~سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ونذكر هنا حديث هرقل وهو قيصر ملك الروم حين ~~جاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمع من بأرضه من العرب وكان فيهم ~~أبو سفيان فسأله عن حسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه قبل دعوى ~~النبوة وعن أتباعه وثبوتهم على دينه وعن حربه كيف هو وعن وفائه وبما يأمر ~~الحديث بطوله خرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس # PageV01P083 # الباب الخامس في الاحتراز من بدع أهل الاسلام وهو قسمان مقدمات عامة ~~جميلة ومسائل مبهمة تفصيلية # القسم الأول المقدمات والآن وقد تخلصنا من جملة الشكوك التي بين أهل ~~الملل الخارجة عن الاسلام بأبين طريق وتحققنا بالاضطرار أنه لا يمكن أن ~~يوجد في العالم أقوم منهجا من منهج الاسلام المشتمل على التوحيد والايمان ~~بجميع كتب الله ورسله ولا أنزه ولا أبعد من كل مكروه في الاعمال والاقوال ~~والأخلاق والعقائد وأن من فر من الاسلام كراهية لأمر وقع في أعظم مما فر ~~منه من المحارات والمحالات والضلالات والشناعات فيجب علينا شكر النعمة بحسن ~~التخلص والاحتياط والانصاف فيما وقع بين أهل الاسلام من الاختلاف لوجهين ~~أحدهما وجوب النصيحة للمسلمين والتقرب بذلك إلى ms070 أرحم الراحمين فقد ثبت في ~~الحديث الصحيح أن الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله قال لله ولرسوله ~~ولكتابه ولأئمة المسلمين ولعامتهم وهذه كلمة اجماع من المسلمين وثانيهما ~~الاحتراز من الهلاك بعد طول السلامة مما تقدم من ضلالات أهل الملل الكفرية ~~والحذر من أن يكون ممن ذمهم الله تعالى بقوله {فما اختلفوا حتى جاءهم ~~العلم} فلا أشفى ممن فاته رضا ربه والنجاة من عذابه بعد أن لم يبق بينه ~~وبينه إلا اليسير فنسأل الله تمام هدايته فانه لا حول ولا قوة إلا بالله ~~ولا هداية إلا به وهو حسبنا ونعم الوكيل # واعلم أني قد أذكر المبتدعة وأهل السنة كثيرا في كلامي فأما المبتدعة ~~فانما أعني بهم أهل البدع الكبرى الغلاة ممن كانوا فأما البدع الصغرى فلا ~~تسلم منها طائفة غالبا وأما أهل السنة فقد أريد بهم أهلها على الحقيقة وقد ~~أريد بهم من تسمى بها وانتسب إليها فتأمل مواقع ذلك فأول ما ينبه طالب الحق ~~والنجاة عليه أن يعلم أنه لا يصح أن يخفى على أهل الاسلام دين رسولهم الذي ~~بعث اليهم وأقام بين أظهرهم يبينه لهم حتى تواترت شرائعه وصفاته مع قرب ~~العهد من ابتداء الافتراق واتصال الاخبار وكثرة # PageV01P084 # العلماء والرواة بل قد تواتر اليهم ولم يخف عليهم ما لا تعلق له بالدين ~~من صورته فانهم يعلمون ضرورة أنه لم يكن أعور ولا أعرج ولا أسود ولا فاحشا ~~ولا ممارياولا فيلسوفا ولا شاعرا ولا ساحرا ولا منجما # فان قيل فمن أين جاء الاختلاف الشديد فاعلم أن منشأ معظم البدع يرجع إلى ~~أمرين واضح بطلانهما فتأمل ذلك بانصاف وشد عليه يديك وهذان الامران ~~الباطلان هما الزيادة في الدين باثبات ما لم يذكره الله تعالى ورسله عليهم ~~السلام من مهمات الدين الواجبة والنقص منه بنفي بعض ما ذكره الله تعالى ~~ورسله من ذلك بالتأويل الباطل # ولهذين الأمرين الباطلين أصلان عقلي وسمعي أما الأصل الأول وهو العقلي ~~فذلك أنه عرض للمبتدعة بسبب الخوض فيما لا تدركه العقول من الخفيات التي ~~أعرض عنها ms071 السلف نحو مما عرض للبراهمة الذين حكموا برد النبوات من إيجاب ~~أمور سكت الشرع عن بعضها ونهى عن بعضها واستقباح أمور ورد الشرع بتحسينها ~~لكنهم خالفوا البراهمة في أنهم صدقوا الشرع في الجملة وصدقوا هذه القوادح ~~في تفاصيل الشرع وراموا الجمع بينهما فوقعوا لذلك في أشياء واهية كما تراه ~~واضحا إن شاء الله تعالى في هذا المختصر ولزمهم ما التزموا من أن رسل الله ~~عليهم السلام قصروا في البيان عمدا امتحانا للمكلفين وتعريضا للعلماء ~~الراسخين للثواب العظيم في التأويل لكلام رب العالمين # ولا شك أن الحق في خلاف هذا فقد نص الله على أن الرسل إنما أرسلت لئلا ~~يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وأنزل علينا في كتابه المبين على لسان ~~رسوله الأمين {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا} وصح التحذير من البدع ومن الله علينا باقرار أهل البدع بذلك وانعقاد ~~الاجماع من الجميع على تحريم الابتداع في الدين كما يأتي بيانه فوجب علينا ~~أن نصنع في القوادح في تفاصيل الاسلام التي عرضت لبعض أهل الكلام مثل ما ~~صنعنا # PageV01P085 # معا في الرد على البراهمة في القوادح التي قدحت في جملة الاسلام وذلك أن ~~نعتقد أن الحق في تلك القوادح التفصيلية هو فيما جاء من عند الله بدليل ~~المعجزات الباهرات ونعلم أن للبصائر أوهاما في الخفيات من الاحكام مثل ما ~~ثبت للابصار في الخفيات من الأوهام فلا نتبع في الخفيات وهم البصائر ولا ~~وهم الأبصار فنكون كمن قدم ضوء النجوم على ضوء النهار بل نتتبع الجلي من ~~المعقول والمنقول ونرد اليه الخفيات على العقول وننتفع بالجلي ونقف فيما دق ~~وخفي ونصنع في الانتفاع بالبصائر كما صنعنا في الانتفاع بالأبصار ولا نقف ~~الجلي على الخفي ولا نرجح الخفي على الجلي فهذا ما لا يخفى ترجيحه عقلا ولا ~~سمعا # أما العقل فلأن الانسان يحسن ما يحسنه وما لا يحسنه وما يعرفه وما يجهله ~~كما يحسن الجوع والظمأ والبصر والعمى وأما السمع فلقوله تعالى {ولا تقف ما ~~ليس ms072 لك به علم} وإذا أردت معرفة هذا من غير تقليد فطالع كتاب الملخص للرازي ~~في علم اللطيف وكتاب التذكرة لابن متويه ولا تقتصر على التذكرة فانها ~~مختصرة مع أن كتاب الرازي معدود في الوسائط في هذا الفن لا في البسائط ومن ~~البسائط فيه شرح الملخص هذا للكاتبي وشرح التنبيهات والاشارات للخواجه ذكر ~~ذلك ابن ساعد الانصاري في كتابه ارشاد القاصد إلى المقاصد في ذكر أنواع ~~العلوم والمصنفات فيها # وأما الأصل الثاني وهو السمعي فهو اختلافهم في أمرين أحدهما في معرفة ~~المحكم والمتشابه أنفسهما والتمييز بينهما حتى يرد المتشابه إلى المحكم ~~وثانيهما اختلافهم هل يعلمون تأويل المتشابه ثم اختلافهم في تأويله على ~~تسليم أنهم قد عرفوا المتشابه ولنذكر سبب وقوع المتشابه على العقول من حيث ~~الحكمة والدقة في كتب الله تعالى أولا # والمشهور أن سببه الابتلاء بالزيادة في مشقة التكليف لتعظيم الثواب وهذا ~~أنسب بالمتشابه من حيث اللفظ وأما أنا فوقع لي أن سببه زيادة علم # PageV01P086 # الله على علم الخلق فان العوائد التجريبية والأدلة السمعية دلت على ~~امتناع الاتفاق في تفاصيل الحكم وتفاصيل التحسين والتقبيح ولذلك وقع ~~الاختلاف بين أهل العصمة من الملائكة والأنبياء كما قال تعالى حاكيا عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم {ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون} ~~وحكى الله تعالى اختلاف سليمان وداود وموسى وهارون وموسى والخضر وصح في ~~الحديث اختلاف موسى وآدم واختلاف الملائكة في حكم قاتل المائة نفس إلى ~~أمثال لذلك قد أفردتها لبيان امتناع الاتفاق في نحو ذلك وأن علة الاختلاف ~~التفاضل في العلم فوجب من ذلك ان يكون في أحكام الله تعالى وحكمه ما ~~تستقبحه عقول البشر لأن الله تعالى لو ماثلنا في جميع الاحكام والحكم دل ~~على مماثلته لنا في العلم المتعلق بذلك وفي مؤداه ولطائفة وأصوله وفروعه ~~ولذلك تجد الأمثال والنظراء في العلوم أقل اختلافا خصوصا من المقلدين # وإنما عظم الاختلاف بين الخضر وموسى لما خص به الخضر عليهما السلام وهذه ~~فائدة نفيسة جدا وبها يكون ورود المتشابه ms073 أدل على الله تعالى وعلى صدق ~~أنبيائه لأن الكذابين إنما يأتون بما يوافق الطباع كما هو دين القرامطة ~~والزنادقة وقد أشار السمع إلى ذلك بقوله تعالى {ولو اتبع الحق أهواءهم ~~لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن} وقال في رسول الله صلى الله عليه وسلم {لو ~~يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم} # وكيف يستنكر اختلاف الانسان الظلوم الجهول وعلام الغيوب الذي جمع معارف ~~العارفين في علمه مثل ما أخذه العصفور في منقاره من البحر الاعظم بل كيف لا ~~يختص هذا الرب الاعظم بمعرفة ما لا نعرفه من الحكم اللطيفة التي يستلزم ~~تفرده بمعرفتها أن يتفرد بمعرفة حسن ما تعلقت به وتأويله وبهذا ينشرح صدر ~~العارف للايمان بالمتشابه والايمان بالغيب في تأويله فلنذكر بعد هذا كل ~~واحد من الامرين المقدم ذكرهما على الايجاز # PageV01P087 # أما الأمر الأول وهو اختلافهم في ماهيتهما فمنهم من قال المحكم ما لا ~~يحتمل إلا معنى واحدا والمتشابه ما احتمل أكثر من معنى فهؤلاء رجعوا ~~بالمحكم إلى النص الجلي وما عداه متشابه وعزاه الامام يحيى إلى أكثر ~~المتكلمين وطوائف من الحشوية ومنهم من قال المحكم ما كان إلى معرفته سبيل ~~والمتشابه ما لا سبيل إلى معرفته بحال نحو قيام الساعة والحكمة في العدد ~~المخصوص في حملة العرش وخزنة النار ومنهم من قصر المتشابه على آيات مخصوصة ~~ثم اختلفوا فمنهم من قال هي الحروف المقطعة في أوائل السور ومنهم من قال ~~آيات الشقاوة والسعادة ومنهم من قال المنسوخ ومنهم من قال القصص والامثال ~~ومنهم عكس فقال المحكم آيات مخصوصة وهي آيات الحلال والحرام وما عداها ~~متشابه إلى غير ذلك حكى الجميع الامام يحيي في الحاوي واختار أن المحكم ما ~~علم المراد بظاهره بدليل عقلي أو نقلي والمتشابه به ما لم يعلم المراد منه ~~لا على قرب ولا على بعد مثل قيام الساعة والاعداد المبهمة # وقال شيخ الاسلام ابن تيمة في القاعدة الخامسة من جواب المسألة التدبيرية ~~إنا نعلم ما أخبرنا الله تعالى به من وجه دون وجه لقوله تعالى {أفلا ~~يتدبرون ms074 القرآن} وهذا يعم المحكم والمتشابه وجمهور الأمة على أن الوقف عند ~~قوله تعالى {إلا الله} وهو المأثور عن أبي ابن كعب وعبد الله بن مسعود وعبد ~~الله بن عباس وغيرهم وعن مجاهد وطائفة أن الراسخين يعلمون تأويله ولا ~~منافاة بين القولين عند التحقيق فالتأويل على ثلاثة وجوه الأول كلام ~~الأصوليين وهو ترجيح المرجوح لدليل الثاني أن التأويل هو التفسير وهو ~~اصطلاح المفسرين كما أن الأول اصطلاح الاصوليين ومجاهد امام التفسير عند ~~الثوري والشافعي والبخاري وغيرهم والثالث أن التأويل هو الحقيق التي يؤول ~~اليها الكلام لقوله تعالى {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله} فتأويل ~~أخبار المعاد وقوعها يوم القيامة كما قال في قصة يوسف لما سجد أبواه وأخوته ~~{هذا تأويل رؤياي من قبل} ومنه قول عائشة رضي الله # PageV01P088 # عنها كان يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ~~يتأول القرآن تعنى قوله فسبح بحمد ربك واستغفره # ومنه قول ابن عيينة السنة هي تأويل الأمر والنهي فان نفس الفعل المأمور ~~به هو تأويل الامر به ونفس الموجود المخبر به هو تأويل الخبر وبهذا يقول ~~أبو عبيدة وغيره والفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة كما ذكروا ذلك في ~~تفسير اشتمال الصماء لأن الفقهاء يعلمون نفس ما أمر به ونهى عنه لعلمهم ~~بمقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعلم اتباع بقراط وسيبويه من ~~مقاصدهما ما لا يعلم بمجرد اللغة ولكن تأويل الأمر والنهي لابد من معرفته ~~بخلاف الخبر # إذ عرفت ذلك فتأويل ما أخبر به الله عن ذاته المقدسة بما لها من الأسماء ~~والصفات هو حقيقة ذاته المقدسة وتأويل ما أخبر به الله من الوعد والوعيد هو ~~نفس الثواب والعقاب وليس شيء منه مثل المسميات بأسمائه في الدنيا فكيف ~~بمعاني أسماء الله تعالى وصفاته ولكن الأخبار عن الغائب لا يفهم إن لم تعبر ~~عنه الاسماء المعلوم معانيها في الشاهد ويعلم بها ما في الغائب بواسطة ~~العلم بما في الشاهد مع الفارق المميز وفي الغائب ما لا عين رأت ولا ms075 أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر كما ورد في صفة الجنة كيف بالذات المقدسة إلى ~~قوله ومما يوضح ذلك كله أن الله تعالى وصف القرآن كله بأنه محكم وبأنه ~~متشابه وفي آية أن بعضه محكم وبعضه متشابه فالأحكام الذي يعمه هو الاتقان ~~وهو تمييز الصدق من الكذب في اخباره والغي من الرشاد في أوامره والتشابه ~~الذي يعمه هو ضد الاختلاف المنفى عنه في قوله تعالى {ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} وهو الاختلاف المذكور في قوله {إنكم لفي ~~قول مختلف يؤفك عنه من أفك} فالتشابه به هنا تماثل الكلام وتناسبه بحيث ~~يصدق بعضه بعضا فالاحكام العام في معنى التشابه العام بخلاف الاحكام الخاص ~~والتشابه الخاص فانهما متنافيان فالتشابه الخاص مشابهة # PageV01P089 # الشيء لغيره من وجه ومخالفته من وجه آخر بحيث يشتبه على بعض الناس إنه هو ~~أو هو مثله وليس كذلك والاحكام الخاص هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما ~~بالآخر يعني على من عرف ذلك الفصل وهذا التشابه الخاص إنما يكون بقدر مشترك ~~بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما # ثم من الناس من لا يهتدي إلى ذلك الفاصل فيكون مشتبها عليه ومنهم من ~~يهتدي له فيكون محكما في حقه فالتشابه حينئذ يكون من الامور الاضافية فاذا ~~تمسك النصراني بقوله تعالى {إنا نحن نزلنا الذكر} ونحوه على تعدد الآلهة ~~كان المحكم كقوله تعالى {وإلهكم إله واحد} ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى ~~واحدا يزيل ما هنالك من الاشتباه اه # وقد ترك الامام والشيخ وجها آخر من المتشابه الذين يحتاج إلى التأويل مما ~~لا يعلمه إلا الله على الصحيح وذلك وجه الحكم المعينة فيما لا تعرف العقول ~~وجه حسنه مثل خلق أهل النار وترجيح عذابهم على العفو عنهم مع سبق العلم ~~وسعة الرحمة وكمال القدرة على كل شيء # والدليل على أن الحكمة خفية فيه تسمى تأويلا له ما ذكره تعالى في قصة ~~موسى والخضر فان قوله {سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا} صريح في ذلك ms076 ~~وهذا مراد في الآية لأن الله وصف الذين في قلوبهم زيغ بابتغائهم تأويله ~~وذمهم بذلك وهم لا يبتغون علم العاقبة عاقبة الخبر عن الوعد والوعيد وما ~~يؤول اليه على ما فسره الشيخ فهم الجنة والنار والقيامة وذات الرب سبحانه ~~كما يبغيها طالب العيان إنما يستقبحون شيئا من الظواهر بعقولهم يتكلفون لها ~~معاني كثيرة يختلفون فيها وكل منهم يتفرد بمعنى من غير حجة صحيحة إلا مجرد ~~الاحتمال وربما خالف ذلك التأويل المعلوم من الشرع فتأولوه وربما استلزم ~~الوقوع في أعظم مما فروا منه # والذي وضح لي في هذا وضوحا لا ريب فيه بحسن توفيق الله أمور # PageV01P090 # أحدها أن الكلام في ذات الله تعالى على جهة التصور والتفصيل أو على جهة ~~الاحاطة على حد علم الله كلاهما باطل بل من المتشابه الممنوع الذي لا يعلمه ~~إلا الله تعالى لقوله تعالى {ولا يحيطون به علما} ولقوله تعالى {ليس كمثله ~~شيء} وانما تتصور المخلوقات وما هو نحوها ولما روي من النهي عن التفكر في ~~ذات الله والامر بالتفكر في آلاء الله ولما اشتهر عن أمير المؤمنين عليه ~~السلام أن ذلك مذهبه حتى رواه عنه الخصوم ومن أشهر ما حفظ عنه عليه السلام ~~في ذلك قوله في امتناع معرفة الله عز وجل على العقول امتنع منها بها واليها ~~حاكمها ومن التفكر في الله والتحكم فيه والدعوى الباطلة على العقول والتكلف ~~لتعريفها ما لا تعرفه حدثت هنا البدع المتعلقة بذات الله وصفاته وأسمائه ~~فمن أكبرها قول البهاشمة من المعتزلة أن الله تعالى عن قولهم لا يعلم من ~~ذاته غير ما يعلمونه قال بن أبي الحديد في شرح النهج وهذا مما يصرح به ~~أصحابنا ولا يتحاشون عنه وقد كثرت عليهم الردود حتى تولى عليهم في ذلك كثير ~~من أصحابهم المعتزلة كابن أبي الحديد وغيره حتى قال في ذلك قصائد كثيرة ~~بليغة منها # (سافرت فيك العقول فما ... ربحت إلا عنا السفر) # (رجعت حسري فما وقعت ... لا على عين ولا أثر) # (فلحى الله الأولى زعموا ... أنك المعلوم بالنظر) # (كذبوا ms077 أن الذي زعموا ... خارج عن قوة البشر) # فاذا كان هذا كلام إمام معارفهم والحامي عن حماهم فما ظنك بغيره من ~~خصومهم فاعرض على فطراتك التي فطرك الله عليها هل تجد علمك بالله مثل علم ~~الله وأنت الحكم كما قال أمير المؤمنين عليه السلام فان الانسان يعرف أحوال ~~نفسه وعلمه وجهله مثل عافيته وألمه # وقد بسطت القول في الرد عليهم في دعوى العلم بالذات كعلمه تعالى في ترجيح ~~أساليب القرآن على أساليب اليونان وكفى بقول أمير المؤمنين # PageV01P091 # عليه السلام في ذلك ولم يعلم له مخالف في الصدر الاول وكفى به عليه ~~السلام سلفا وقدوة وإماما وحجة في هذه المشكلة ومن أبيات في الرد عليهم كنت ~~قلتها وهي أيضا # (لي في القدم مقال غير مبتكر ... سبحانه عن خيال الوهم والفكر) # (أجله أن يحيط الناظرون به ... ذاتا وأين قوى النظار والنظر) # (فالعلم قسمان تصدق ومعرفة ... تختص بالذات والتصديق بالخبر) # ومنها # (الله أكبر هذا قاطع ولنا ... عليه أكبر برهان من الزبر) # (تنزه الرب في الذكر المنزل ان ... يحيط علما به خلق من البشر) # (تمدحا لم يكن في الذكر مختلفا ... قطعا ولا غلطا من وهم ذي نظر) # (وفي الحديث دلالات لنا ولنا ... حديث موسى كليم الله والخضر) # (وفي كلام أمير المؤمنين هدى ... هذا وحسبك برهانا لمنتصر) # (وفي وصيته ابن المصطفى حسنا ... دلائل لفقيه القلب معتبر) # (وعن وجوه الكراسي قد رواه لنا ... عبد الحميد بشرح النهج ذي العبر) # (وجنح القول فيه بالقصائد أمثالا ... تسير مسير الشمس والقمر) # (تلك الأولى حكمت بالمنع قد حكمت ... بها الملائك أهل القرب والنظر) # (والراسخين وأدنى من له أدب ... وكل متعظ لله منكسر) # (فلا ترجح عليهم غير محتفل ... شيوخ جبة إن جاوزوا فلا تجر) # (والفرق كالصبح لا يخفى على أحد ... والخبر تميز فليس الخبر كالخبر) ~~ولبعض الاصحاب أبيات في هذا المعنى جيدة # ومن البدع في هذا الموضع بدع المشبهة على اختلاف أنواعهم وبدع المعطلة ~~على اختلافهم أيضا فغلاتهم يعطلون الذات والصفات والاسماء الجميع ومنهم ~~الباطنية ودونهم الجهمية ومن الناس من يوافقهم في ms078 بعض ذلك دون بعض وقد بسطت ~~القول في ذلك في الوهم الخامس عشر من العواصم في نحو مجلد ويأتي إلى ذلك ~~إشارة في هذا المختصر كافية إن شاء الله # PageV01P092 # تعالى فالفريقان المشبهة والمعطلة إنما أتوا من تعاطي علم ما لا يعلمون ~~ولو أنهم سلكوا مسالك السلف في الايمان بما ورد من غير تشبيه لسلموا فقد ~~أجمعوا على أن طريقة السلف أسلم ولكنهم ادعوا أن طريقة الخلف أعلم فطلبوا ~~العلم من غير مظانه بل طلبوا علم ما لا يعلم فتعارضت أنظارهم العقلية وعارض ~~بعضهم بعضا في الأدلة السمعية فالمشبهة ينسبون خصومهم إلى رد آيات الصفات ~~ويدعون فيها ما ليس من التشبيه والمعطلة ينسبون خصومهم وسائر أئمة الاسلام ~~جميعا إلى التشبيه ويدعون في تفسيره ما لا تقوم عليه حجة والكل حرموا طريق ~~الجمع بين الآيات والآثار والاقتداء بالسلف الاخيار والاقتصار على جليات ~~الابصار وصحاح الآثار # وقد روى الامام أبو طالب عليه السلام في أماليه باسناده من حديث زيد بن ~~أسلم أن رجلا سأل أمير المؤمنين عليه السلام في مسجد الكوفة فقال يا أمير ~~المؤمنين هل تصف لنا ربنا فنزداد له حبا فغضب عليه السلام ونادى الصلاة ~~جامعة فحمد الله وأثنى عليه إلى قوله فكيف يوصف الذي عجزت الملائكة مع ~~قربهم من كرسي كرامته وطول ولهم إليه وتعظيم جلال عزته وقربهم من غيب ملكوت ~~قدرته أن يعلموا من علمه إلا ما علمهم وهم من ملكوت القدس كلهم ومن معرفته ~~على ما فطرهم عليه فقالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم ~~الحكيم فعليك أيها السائل بما دل عليه القرآن من صفته وتقدمك فيه الرسل ~~بينك وبين معرفته فأتم به وأستضيء بنور هدايته فانما هي نعمة وحكمة أوتيتها ~~فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين وما كلفك الشيطان علمه مما ليس عليك في ~~الكتاب فرضه ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أئمة الهدى أثره ~~فكل علمه إلى الله سبحانه فانه منتهى حق الله عليك # وقد روى السيد في ms079 الأمالي أيضا الحديث المشهور في كتاب الترمذي عن علي ~~عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (ستكون فتنة قلت فما ~~المخرج منها قال كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وفصل ما بينكم ~~فهو الفاصل بين الحق والباطل من ابتغى الهدى من غيره أضله الله إلى قوله من ~~قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه # PageV01P093 # هدى إلى صراط مستقيم ورواه في أماليه بسند آخر عن معاذ بن جبل رضي الله ~~عنه ورواه ابن الأثير في الجامع عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهو مع ~~شهرته في شرط أهل الحديث متلقى بالقبول عند علماء الأصول ولكن المبتدعة ~~يرون تصانيفهم أهدى منه لبيانهم فيها على زعمهم المحكم من المتشابه فمنهم ~~من صرح بذلك وقال أن كلامه أنفع من كلام الله تعالى وكتبه أهدى من كتب الله ~~وهم الحسينية أصحاب الحسين بن القاسم العناني وقد حمله الامام المطهر بن ~~يحيى على الحنون وقيل لم يصح عنه ومنهم من يلزمه ذلك وإن لم يصرح به فهذا ~~الأمر الاول من المتشابه وهو التحكم بالنظر في ذات الله تعالى وما يؤدي ~~اليه # الأمر الثاني من المتشابه الواضح تشابهه والمنع منه هو النظر في سر القدر ~~السابق في الشرور مع عظيم رحمة الله تعالى وقدرته على ما يشاء وقد ثبت في ~~كتاب الله تعالى تحير الملائكة الكرام عليهم السلام في ذلك وسؤالهم عنه ~~بقولهم {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ~~قال إني أعلم ما لا تعلمون} ثم ساق خبر آدم وتعليمه الاسماء وتفضيله في ذلك ~~عليهم إلى قوله {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون ~~وما كنتم تكتمون} وفي ذلك إشارة واضحة إلى ما سيأتي بيانه من أن مراد الله ~~بالخلق هم أهل الخير فالخلق كلهم كالشجرة وأهل الخير ثمرة تلك الشجرة واليه ~~الاشارة بقوله {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وفي حديث ms080 الخليل عليه ~~السلام حين دعا على العصاة قال الله له كف عن عبادي إن مصير عبدي مني احدى ~~ثلاث إما أن يتوب فأتوب عليه أو يستغفرني فأغفر له أو أخرج من صلبه من ~~يعبدني رواه الطبراني # وقال الغزالي في كتاب العلم في الاحياء في أقسام العلوم الباطنة ولا يبعد ~~أن يكون ذكر بعض الحقائق مضرا ببعض الخلق كما يضر نور الشمس # PageV01P094 # أبصار الخفافيش وكما يضر ريح الورد بالجعل وكيف يبعد هذا وقولنا أن كل ~~شيء بقضاء من الله وقدر حق في نفسه وقد أضر سماعه بقوم حيث أوهم ذلك عندهم ~~دلالة على السفه ونقيض الحكمة والرضا بالقبيح والظلم وألحد ابن الراوندي ~~وطائفة من المخذولين بمثل ذلك وكذلك سر القدر لو أفشي أو هم عند أكثر الخلق ~~عجزا إذ تقصر أفهامهم عن ادراك ما يزيل هذا الوهم عنهم # وقال في شرح اسماء الله الحسنى في شرح الرحمن الرحيم والآن أن خطر لك نوع ~~من الشر لا ترى فيه خيرا أو أن تحصيل ذلك الخير من غير شر أولى فاتهم عقلك ~~القاصر في كلا الطرفين فانك مثل أم الصبي التي ترى الحجامة شرا محضا والغبي ~~الذي يرى القصاص شرا محضا لأنه ينظر إلى خصوص شخص المقتول وانه في حقه شر ~~محض ويذهل عن الخير العام الحاصل للناس كافة ولا يدري أن التواصل بالشر ~~الخاص إلى الخير العام خير محض لا ينبغي حكيم أن يهمله هذا أو قريب من هذا # وفي بعض كلامه نظر قد أوضحته في العواصم والسر في ذلك أن الله تعالى لا ~~يريد الشر لكونه شرا قطعا وإنما يريده وسيلة إلى الخير الراجح كما قال ~~{ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} وكما صح في الحدود والمصائب أنها ~~كفارات فهذا هو سر القدر في الجملة وإنما الذي خفي تفصيله ومعرفته في عذاب ~~الآخرة وشقاوة الاشقياء فمن الناس من كبر ذلك عليه وأداه إلى الحكم بنفي ~~التحسين والتقبيح فصرحوا بنفي حكمة الله تعالى وهم غلاة الاشعرية إلا بمعنى ~~إحكام المصنوعات في ms081 تصويرها لا سواه ومن الناس من أداه ذلك إلى القول ~~بالجبر ونفي قدرة العباد واختيارهم ومنهم من جمع بينهما ومن الناس من جعل ~~الوجه في تحسين ذلك من الله عدم قدرته سبحانه على هدايتهم وهم جمهور ~~المعتزلة لكنهم يعتذرون عن تسميته عجزا ويسمونه غير مقدور كما سيأتي ومنهم ~~من جعل العذر في ذلك أن الله لا يعلم الغيب وهم غلاة القدرية نفاة الاقدار # PageV01P095 # وقد تقصيت الردود الواضحة عليهم والبراهين الفاضحة لهم في العواصم وجمعت ~~في ذلك ما لم أسبق إليه ولا إلى قريب منه في علمي فتمت هذه المسألة في مجلد ~~ضخم وبلغت أحاديث وجوب الايمان بالقدر اثنين وسبعين وأحاديث صحته مائة ~~وخمسة وخمسين الجملة مائتان وسبعة وعشرون حديثا من غير الآيات القرآنية ~~والأدلة البرهانية # وصنف ابن تيمية في بيان الحكمة في العذاب الأخروي وتبعه تلميذه ابن القيم ~~الجوزية وبسط ذلك في كتابه حادي الارواح إلى ديار الافراح فافردت ذلك من ~~جزء لطيف وزدت عليه ومضمون كلامهم أنه لا يجوز اعتقاد أن الله يريد الشر ~~لكونه شرا بلا لابد من خير راجح يكون ذلك الشر وسيلة اليه وذلك الخير هو ~~تأويل ذلك الشر السابق له على نحو تأويل الخضر لموسى وطردوا ذلك في شرور ~~الدارين معا ونصر ذلك الغزالي في شرح الرحمن الرحيم ولنورد في ذلك حديثا ~~واحدا مما يدل على المنع من الخوض في تعيين الحكمة في ذلك فنقول قال ~~البيهقي في كتابه الاسماء والصفات عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس لما بعث ~~الله موسى وكلمة قال اللهم أنت رب عظيم ولو شئت أن تطاع لأطعت ولو شئت أن ~~لا تعصى لما عصيت وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى فكيف هذا يارب فأوحى ~~الله اليه لا أسأل عما أفعل وهم يسئلون فانتهى موسى ورواه الهيثمي في مجمع ~~الزوائد وعزاه إلى الطبراني وزاد فيه فلما بعث الله عزيزا سأل الله مثل ما ~~سأل موسى ثلاث مرات فقال الله تعالى له أتستطيع أن تصر صرة من الشمس قال ms082 لا ~~قال أفتستطيع أن تجيء بمكيال من الريح قال لا قال أفتستطيع أن تجيء بمثقال ~~أو بقيراط من نور قال لا قال فهكذا لا تقدر على الذي سألت عنه أما أني لا ~~أجعل عقوبتك إلا أني أمحو اسمك من الأنبياء فلا تذكر فيهم # PageV01P096 # فلما بعث الله عيسى ورأى منزلته سأل عن ذلك كموسى وأجيب عليه بمثل ذلك ~~وقال الله تعالى له لئن لم تنته لأفعلن بك كما فعلت بصاحبك بين يديك فجمع ~~عيسى من معه فقال القدر سر الله تعالى فلا تكلفوه # وروى الطبراني عن وهب عن ابن عباس أنه سئل عن القدر فقال وجدت أطول الناس ~~فيه حديثا أجهلهم به وأضعفهم فيه حديثا أعلمهم به ووجدت الناظر فيه كالناظر ~~في شعاع الشمس كلما ازاد فيه نظرا ازداد قلت ويشهد لهذه الآيات ما جاء في ~~كتاب الله من قول الملائكة {أتجعل فيها من يفسد فيها} والجواب الجملي عليهم ~~كما مر وأما أحاديث النهي عن الخوض في القدر فعشرة أحاديث رجال بعضها ثقات ~~وبعضها شواهد لبعض كما أوضحته في العواصم وأقل من هذا مع شهادة القرآن ~~والبرهان لذلك يكفي المنصف وما حدث بسبب الخوض من الضلالات زيادة عبرة ~~وحيرة # الأمر الثالث من المتشابه الحروف المقطعة أوائل السور فان الجهل بالمراد ~~بها معلوم كالألم والصحة والفرق بينها وبين أقيموا الصلاة ونحو ذلك ضروري ~~ودعوى التمكن من معرفة معانيها تستلزم جواز أن ينزل الله سورة كلها كذلك أو ~~كتابا من كتبه الكريمة ويستلزم جواز أن يتخاطب العقلاء بمثل ذلك ويلوموا من ~~طلب منهم بيان مقاصدهم ونحو ذلك وهذا هو اختيار زيد بن علي عليه السلام ~~والقاسم والهادي عليهما السلام وهو نص في تفسيرهما المجموع وكذلك الامام ~~يحيى عليه السلام ذكره في الحاوي وقولهم أنا مخاطبون بها فيجب أن نفهمها ~~مقلوب وصوابه أنا لا نفهمها فيجب أن لا نكون مخاطبين بفهمها وقد ذكرت في ~~الحجة على أنها غير معلومة أكثر من عشرين حجة في تكملة ترجيح أساليب القرآن # الامر الرابع من المتشابه المجمل الذي ms083 لا يظهر معناه بعلم ولا ظن سواء ~~كان بسبب الاشتراك في معناه أو لغرابته أن عدم صحة تفسيره في اللغة والشرع ~~أو غير ذلك وقد وقع الوهم في المجمل لنوح عليه السلام # PageV01P097 # فلما بعث الله عيسى ورأى منزلته سأل عن ذلك كموسى وأجيب عليه بمثل ذلك ~~وقال الله تعالى له لئن لم تنته لأفعلن بك كما فعلت بصاحبك بين يديك فجمع ~~عيسى من معه فقال القدر سر الله تعالى فلا تكلفوه # وروى الطبراني عن وهب عن ابن عباس أنه سئل عن القدر فقال وجدت أطول الناس ~~فيه حديثا أجهلهم به وأضعفهم فيه حديثا أعلمهم به وجدت الناظر فيه كالناظر ~~في شعاع الشمس كلما ازاد فيه نظرا ازداد اقلت ويشهد لهذه الآيات ما جاء في ~~كتاب الله من قول الملائكة {أتجعل فيها من يفسد فيها} والجواب الجملي عليهم ~~كما مر وأما أحاديث النهي عن الخوض في القدر فعشرة أحاديث رجال بعضها ثقات ~~وبعضها شواهد لبعض كما أوضحته في العواصم وأقل من هذا مع شهادة القرآن ~~والبرهان لذلك يكفي المنصف وما حدث بسبب الخوض من الضلالات زيادة عبرة ~~وحيرة # الامر الثالث من المتشابه الحروف المقطعة أوائل السور فان الجهل بالمراد ~~بها معلوم كالألم والصحة والفرق بينها وبين أقيموا الصلاة ونحو ذلك ضروري ~~ودعوى التمكن من معرفة معانيها تستلزم جواز أن ينزل الله سورة كلها كذلك أو ~~كتابا من كتبه الكريمة ويستلزم جواز أن يتخاطب العقلاء بمثل ذلك ويلوموا من ~~طلب منهم بيان مقاصدهم ونحو ذلك وهذا هو اختيار زيد بن علي عليه السلام ~~والقاسم والهادي عليهما السلام وهو نص في تفسيرهما المجموع وكذلك الامام ~~يحيى عليه السلام ذكره في الحاوي وقولهم انا مخاطبون بها فيجب أن نفهمها ~~مقلوب وصوابه انا لا نفهمها فيجب أن لا نكون مخاطبين بفهمها وقد ذكرت في ~~الحجة على أنها غير معلومة أكثر من عشرين حجة في تكملة ترجيح أساليب القرآن # الأمر الرابع من المتشابه المجمل الذي لا يظهر معناه بعلم ولا ظن سواء ~~كان بسبب الاشتراك في ms084 معناه أو لغرابته أو عدم صحة تفسيره في اللغة والشرع ~~أو غير ذلك وقد وقع الوهم في المجمل لنوح عليه السلام # PageV01P097 # كيف لغيره وذلك قوله {إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق} {قال يا نوح إنه ~~ليس من أهلك} # وأما المحكم فهو ما عدا المتشابه وغالبه النص الجلي والظاهر الذي لم ~~يعارض والمفهوم الصحيح الذي لم يعارض والخاص والمقيد وإن عارضهما العالم ~~والمطلق ويلحق بهذا فوائد الاولى الصحيح في قوله تعالى {وما يعلم تأويله ~~إلا الله} الوقف على الله بدليل ذم مبتغى تأويل المتشابه في الآية وهو ~~اختيار الامام يحيى في الحاوي واحتج بأن أما للتفصيل على بابها والتقدير ~~وأما الراسخون بدليل قوله تعالى {فأما الذين في قلوبهم زيغ} كما تقول أما ~~زيد فعالم وعمرو جاهل أي وأما عمرو فجاهل يوضحه أن المخالف مسلم ان هذا هو ~~الظاهر منها لكنه يقول أنه يجب تأويلها على أن المراد ذمهم بابتغاء تأويله ~~الباطل فيقيد اطلاق الآية بغير حجة ويجعلها من المتشابه مع أنها الفارقة ~~بين المحكم والمتشابه وهذا خلف # وقد روى الحاكم عن ابن عباس أنه قرأ ويقول الراسخون وقال صحيح ورواه ~~الزمحشري في كشافه قراءة عن أبي وغيره ورواه الامام أبو طالب في أماليه عن ~~علي علي السلام ولم يتأوله ولم يطعن فيه وهو في النهج أيضا وهو نص لا يمكن ~~تأويله فان لفظه عليه السلام أعلم أيها السائل أن الراسخين في العلم هم ~~الذين أغناهم عن الاقتحام على السدد المضروبة دون الغيوب الاقرار بجملة ما ~~جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم ~~يحيطوا به علما وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عنه رسوخا فاقتصر ~~على ذلك اه بحروفه وأيضا فلا يجب علم جميع المكلفين بذلك عند الخصوم إذ في ~~المتكلفين الامي والعجمي ونحوهم وإذا كان علم البعض يكفي ويخرج الخطاب بذلك ~~عن العبث جاز أن يكون ذلك البعض هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء ~~الله من ملائكته وخواص عباده والله ms085 سبحانه أعلم # PageV01P098 # الفائدة الثانية إذا تعارض العام والخاص فالمحكم هو الخاص والبناء عليه ~~واجب وفيه الجمع بينهما وفي العكس طرح الخاص مع رجحانه بالنصوصية وهي قاعدة ~~كبيرة فاحفظها ولا خلاف فيها في الاعتقاد لعدم الفائدة في التاريخ فيه ~~ولذلك أجمعوا على اثبات الخلة للمتقين وتأويل نفي الخلة المطلق فتأمل ذلك # الفائدة الثالثة إذا كان التحسين العقلي مع بعض السمع فهو المحكم ~~والمتشابه مخالفه لما وضح من تأويل الخضر بموافقة العقل وفي مخالفة هذه ~~القاعدة عناد بين وضلال كبير فاعرفها واعتبر مواضعها ترشد إن شاء الله ~~تعالى # PageV01P099 ### | فصل # إذا عرفت ما قدمت لك بما عرفته في هذا المختصر أو به ربما أرشدك إلى ~~مطالعته مما هو أبسط منه في هذا المعنى مثل ترجيح أساليب القرآن وتكملته ~~فاعلم أن معظم ابتداع المبتدعين من أهل الاسلام راجع إلى هذين الامرين ~~الباطلين الواضح بطلانهما كما تقدم وهما لزيادة في الدين والنقص منه ثم ~~يلحق بهما التصرف فيه بالعبارات المبتدعة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وليس بأمر ثالث لأنه من الزيادة في الدين لكنه تفرد بالكلام وحده لطول ~~القول فيه وعظم المفسدة المتولدة عنه # فمن الزيادة في الدين أن يرفع المظنون في العقليات أو الشرعيات إلى مرتبة ~~المعلوم وهذا حرام بالاجماع وإنما يختلف الناس في التفطن لأسبابه وسيأتي ~~ذكر أسبابه في آخر الكلام في الزيادة في الدين مقسوما موضحا في صور أربع ~~يأتي بيانها بعون الله تعالى # ومن الزيادة في الدين أن يدخل فيه ما لم يكن على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعهد أصحابه رضي الله عنهم مثل القول بأنه لا موجود إلا الله كما ~~هو قول الاتحادية وأنه لا فاعل ولا قادر إلا الله كما هو قول الجبرية ~~وأمثال ذلك من الغلو في الدين وإنما وردت الشرائع بتوحيد الله في الربوبية ~~وذلك بلا إله إلا الله له الاسماء الحسنى وتوابع ذلك المنصوصة والمجمع ~~عليها كتوحيده بالعبادة ومن ذلك القول بأن الله تعالى صفة لم ترد في كتاب ~~الله ولا ms086 في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا هي من أسمائه الحسنى ولا ~~من مفهوماتها ولوازمها وان معرفة هذه الصفة واجبة واختراع اسم لها وهي ~~الصفة الاخص عند بعض المعتزلة ويسمونها صفة المخالفة أيضا وانها المؤثرة في ~~سائر صفات الكمال الذاتية الاربع وهي كونه حيا قديما عالما قادرا # PageV01P100 # وبها تخالف ذات الله سائر الذوات وقد كفى في رد ذلك أبو الحسين وأصحابه ~~كما ذكره مختار في الباب السادس من خاتمة أبواب العدل من كتابه المجتبى # ومن ذلك اثبات أهل الاتحاد لمثل ذلك أو نحوه فانهم يفرقون بين الله تعالى ~~وبين اسمه الاحد فيجعلون الأحد مؤثرا في الله الواحد وفي سائر أسمائه ~~ويجعلون الأحد سابقا في رتبة الوجود على الله ويجعلون الله في الرتبة ~~الثانية والاحد في الأولى ويسمون الثانية هم والفلاسفة باسماء مبتدعة منها ~~الحضرة العمائية والواحدية والأحدية ومنها حضرة الارتسام ومنها مرتبة ~~الربوبية والألوهية ومنها الحقيقة الانسانية الكمالية ومنها مرتبة الامكان ~~كما حققه الفرغاني في شرح نظم السلوك وكثيرا ما يكررون الفرق بين الحضرة ~~الأحدية والحضرة الواحدية ويعنون بالأحدية الوجود المطلق وهو عندهم الحق ~~الذي لا نعت له ولا وصف كقول الملاحدة سواء في نفي أسمائه تعالى لكنهم ~~يثبتون الاسماء الحسنى للواحد لا للأحد وهذا يلزمهم قول الثنوية لكنهم ~~يعتذرون عنه بأن الله وأسماءه الحسنى كلها خيالية لا حقيقة لها ولا لشيء ~~بعدها ولا وجود لها فكل ما عدا الوجود المطلق عندهم خيال كطيف الخيال في ~~الأحلام من الأنبياء والجنة والنار ومن صح هذا منه فهو كفر بين وجهل فاحش ~~فانه لا ثبوت للوجود المطلق في الخارج ألبتة وإنما المعلوم وجوده عقلا ~~وشرعا هو ما نفوا وجوده من الله الواحد الرب الذي له الاسماء الحسنى والمثل ~~الأعلى وما نفوه من حقيقة وجود جميع كتبه ورسله وخلقه ومعاده فالله ~~المستعان # ومن ذلك ما انفردت به الأشعرية من دوام وصف الله تعالى بالكلام ووجود ذلك ~~في القدم والأبد وجعله مثل صفة العلم لا يجوز خلوه عنه طرفة عين وقد أوضح ms087 ~~الجويني القدح في ذلك في مقدمة كتابه البرهان في أصول الفقه كما سيأتي ~~تحقيقه فالشرع لم يرد إلا بأن الله تعالى متكلم وأنه كلم موسى تكليما ونحو ~~ذلك وما زاد على هذا فبدعة في الدين قد أدت إلى التفرق المنهي عنه وإلى ~~الزامات قبيحة كما سيأتي # ومن ذلك ما اتفقت عليه الاتحادية وبعض المعتزلة بل جمهورهم وهو # PageV01P101 # اثبات الذوات في القدم والأزل بل اثبات العالم كله فيهما ودعوى الفرق بين ~~ثبوته في العدم ووجوده فيه فانهم يقولون هو ثابت غير موجود وقد جود الرد ~~عليهم في ذلك صاحبهم الشيخ أبو الحسين وأصحابه مثل محمود ان الملاحمي في ~~كتابه الفائق والشيخ مختار في كتابه المجتبى وكشفوا الغطاء عن بطلان ذلك ~~وكفوا المؤنة ومن نظر في كلامهم في ذلك ما يلزم منه من الالزامات الصعبة ~~الفاحشة تيقن مضرة الزيادة في الدين على ما جاء به سيد المرسلين # ومثال النقص من الدين قول من يقول ان الله تعالى ليس برحمن ولا رحيم ولا ~~حليم باللام على الحقيقة بل على المجاز وقول من يقول أنه سبحانه ليس بحكيم ~~على الحقيقة بل بمعنى محكم لمصنوعاته لا أن له في ذلك الاحكام حكمة أصلا ~~والمقصود معرفة طريق النجاة بأمر واضح ولا يخفى على من له أدنى عقل وتمييز ~~من المسلمين أن نجاة أهل الاسلام في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ولزوم ~~ما جاء به من غير تصرف فيه بزيادة ولا نقصان ولا ابتداع عبارة لم تكن وسواء ~~كانت تلك الزيادة أو النقص حقا أو باطلا فان زيادة الحق المبتدع في الدين ~~قد يجر إلى الفضول والباطل ويوقع في التفرق المحرم في كتاب الله تعالى بل ~~قد صار ادخاله في الدين والمراء فيه بدعة من البدع المحرمة فالحزم في ترك ~~هذه الأمور كلها وترك التعادي عليها وفي الوقف في حكم من زاد أو نقص وتأخير ~~الفصل معه إلى يوم الفصل لأن غير ذلك يؤدي إلى التفرق المحرم بنص كتاب الله ~~تعالى إلا من رد المعلوم بالضرورة ms088 من الدين وهو يعلمه ونحن نعلم أنه يعلمه ~~فانه كافر حتى كان المكلفين ولا يجوز الوقف في أمره مع تواتر ذلك عنه ~~وتحققه منه كما سيأتي في بابه وقد نزل قوله تعالى {ألم يأن للذين آمنوا أن ~~تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق} # في رغبتهم إلى غير القرآن من محض الخير كيف بالرغبة فيما لا يؤمن شره كيف ~~ما تحقق شره وفي نحو ذلك حديث معاذ الذي خرجه أبو داود في السنة # PageV01P102 # وذكر الشيخ مختار في المجتبى في المسألة السادسة من خاتمة أبواب العدل ما ~~لفظه اعلم أن شيوخ المعتزلة إلى زمن الشيخ أبي هاشم لم ينصوا على اثبات ~~الصفات ولا على نفيها إلى أن صرح باثباتها أبو هاشم وصرح بنفيها أبو علي ~~وأبو القاسم البلخي والاخشيد وأبو الحسين قلت وقد علم تعظيم خلفهم لسلفهم ~~وعلم أن الاقتداء بسلفهم خير من الاقتداء بخلفهم بالنص في خير القرون ان ~~ادعوا منهم أحدا وباقرارهم هذا لو اجتمع خلفهم على أمر وأما مع اختلاف ~~خلفهم واجتماع سلفهم على ترك الخوض فيما خاض فيه خلفهم فأدى خوضهم فيه إلى ~~الاختلاف والتأثيم فلا يشك منصف أن الاقتداء بسلفهم أرجح فان نفاة الصفات ~~ألزموا المثبتين تركيب الذات وما يترتب عليه بل ألزموهم ذلك في مجرد قولهم ~~أن الوجود غير الموجود ومن أثبت الصفات ألزم النفاة تعطيل الاسماء الحسنى ~~ومخالفة الاجماع فلزم التمسك بما اعترفوا بأن السلف كانوا مجتمعين عليه ~~سلفهم وسلف سائر الفرق الاسلامية وترك ما اختلفوا فيه ويسعنا ما وسع السلف ~~الصالح للاجماع على صلاحهم # فاذا عرفت هذا في الجملة فلنعد إلى ذكر الدليل الثاني على بطلان هذين ~~الامرين المضلين للاكثرين وهما الزيادة والنقصان في الدين ثم نتبع ذلك ~~زيادة بيان في المنع من التصرف في الكتاب والسنة بدعوى التعبير عنهما وترك ~~عباراتهما فنقول # أما الأمر الأول وهو الزيادة في الدين فسببه تجويز خلو كتب الله تعالى ~~وسنن رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام عن بيان بعض مهمات الدين اكتفاء ~~بدرك العقول لها ولو ms089 بالنظر الدقيق ليكون ثبوتها بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بطريق النظر العقلي هذا مذهب أهل الكلام ومذهب أهل الأثر أنه ~~ممنوع والدليل على منعه وجوه # الوجه الأول قوله تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت ~~لكم الإسلام دينا} فاذا قلنا بوجوب ما أوجبه # PageV01P103 # أهل الكلام لزم أنه بقي أهل الدين وأوجبه من تقرير القواعد التي يجب بها ~~تأويل السمع وبيان التأويل على التفصيل في آيات الصفات وكثير من الاسماء ~~الحسنى كالرحمن الرحيم الحكيم وما يؤدي إلى التفرق المنصوص على تحريمه لأنه ~~خوض في دقائق يستحيل اتفاق الأذكياء عليها بالعادات المستمرة فانها استمرت ~~العوائد على اختلاف العقلاء متى خاضوا في نحو ذلك حتى الطائفة الواحدة ~~ولذلك كانت المعتزلة عشر فوق وأهل السنة كذلك أو قريبا منه وكذلك سائر ~~الفرق حتى قيل إن الاتفاق في الضروريات فاذا كان الاتفاق في الخفيات ممتنعا ~~كالافتراق في الضروريات وقد ثبت تحريم الافتراق لزم من ذلك تحريم الخوض في ~~الخفيات ما لم يدل على وجوبه دليل صحيح # الوجه الثاني أنه لا نزاع أنه لا يجوز اثبات العقول لزيادة في الشريعة لا ~~يدكها العقل وإنما النزاع فيما تدركه العقول مثل نفي الولد عن الله تعالى ~~ونفي الثاني لكن السمع دل على أنه لا يجوز خلو كتب الله تعالى عن بيان مثل ~~ذلك قال الله تعالى في نفي الولد عنه جل جلاله {قل هاتوا برهانكم هذا ذكر ~~من معي وذكر من قبلي} وقال سبحانه في نفي الثاني {قل أرأيتم ما تدعون من ~~دون الله} إلى قوله تعالى {ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن ~~كنتم صادقين} فهاتان الآيتان تدلان على أنه لا يجوز خلو كتب الله تعالى ~~وسنن أنبيائه عن أمر كبير من مهمات الدين العقلية وكذلك قوله تعالى {وما ~~أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون} فثبت أن ما خلت عنه كتب الله تعالى فليس من مهمات الدين وإن زيادته ~~في الدين محرمة ألا ms090 ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذر أمته من فتنة ~~الرجال وعظمها وأخبر عن الأنبياء كلهم أنهم حذروا أممهم منها مع أن # PageV01P104 # بطلان دعواه معلوم بالعقل لأنه يدعي الربوبية وهو بشر يحتاج إلى الأكل ~~والشرب وينام ويعجز ويجهل ويمرض ويبول ويتغوط وينكح دع عنك كونه جسما مركبا ~~من لحم ودم وعظام وعصب فلم يكلنا ربنا سبحانه وتعالى إلى معرفة عقولنا ~~بحدوث ما كان على هذه الصفات واستحالة ربوبية الحادث بل زاد في البيان على ~~لسان رسوله حتى أبان لنا أنه أعور وأنه مكتوب بين عينيه كافر يقرأه من يكتب ~~ومن لا يكتب فلو كان يجوز عليه الاهمال لكان ذلك أحق ما يهمل لقوله في ~~الاحاديث الصحيحة ما خفي عليكم من شيء فلا يخفى عليكم إن ربكم ليس بأعور ~~لأنه قد تقرر أنه ليس كمثله شيء عقلا وسمعا فيجب أن لا يكون بشرا كاملا ~~فكيف يكون بشرا ناقصا معيبا فدل الحديث على تأكيد ما دل القرآن عليه في ~~الآيتين المتقدمتين # الوجه الثالث قوله {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} {لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل} ولا معنى للارسال إلا البيان وإلا لصح أن يرسل الله ~~تعالى رسولا أبكم غير ناطق وقد ورد القرآن بتقبيح ارسال الاعجمي إلى العربي ~~لذلك في قوله تعالى {أأعجمي وعربي} بل نص الله تعالى على أنه أرسل كل رسول ~~بلسان قومه ليتم لهم البيان # وقد أجمعت الامة على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة فكل ما لم ~~يبين من العقائد في عصر النبوة فلا حاجة إلى اعتقاده ولا الخوض فيه والجدال ~~والمراد سواء كان إلى معرفته سبيل أو لا وسواء كان حقا أو لا وخصوصا متى ~~أدى الخوض فيه إلى التفرق المنهي عنه فيكون في إيجابه إيجاب ما لم ينص على ~~وجوبه وان أدى إلى المنصوص على تحريمه وهذا عين الفساد # قالت الخصوم العقل يكفي بيانا في العقليات فلا يجب البيان فيها من الشرع # PageV01P105 # قلت إن أردتم الجليات التي لا يقع ms091 في مثلها التنازع أو لا يحتاج في الدين ~~إلى معرفتها أو لا يحتاج البليد فيها إلى تفهيم الذكي أو الظنية التي لا ~~إثم فيها على المخطئ فمسلم ولا يضر تسليمه ومن القسم الأول من هذا علم ~~الحساب وإن دق بعضه فان طرقه معلومة الصحة عند الجميع ولذلك لم تمنع دقته ~~من الوفاق فيه وكذلك كثير من علم الغربية والمعاني والبيان والبلاغة وإن ~~أردتم القسم الآخر وهو ما يحتاج اليه في الدين ويكون مفروضا على جميع ~~المسلمين من الخاصة والعامة أجمعين ويقع في مثله الخفاء والنزاع والاختلاف ~~الكثير ويأثم المخطئ فيه ولا يسامح فغير مسلم لكم أن مثل هذا يوكل إلى عقول ~~العقلاء وتترك الرسل بيانه لقوله تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ~~فلم يكتف سبحانه بحجة العقل حتى ضم اليها حجة الرسالة مع أن معرفته سبحانه ~~ونفي الشركاء عنه من أوضح المعارف العقلية ولذلك قالت الرسل فيما حكى الله ~~عنهم {أفي الله شك فاطر السماوات والأرض} # وقد مر بيان ذلك في مقدمات هذا المختصر وفي هذه الآية وما في معناها من ~~السمع حجة على أن ما لم يبينه الله تعالى سمعا لم يعذب المخطئ فيه إن شاء ~~الله تعالى لكن يخشى على من خاض فيا لم يبينه الله أن يعذب على الابتداع ~~وقد بين الله تحريمه وبيان تحريم ذلك في قوله {ولا تقف ما ليس لك به علم إن ~~السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} وبقوله تعالى {ها أنتم ~~هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون} فنسأل الله السلامة # الوجه الرابع قوله تعالى في وصف القرآن {تبيانا لكل شيء} وقوله سبحانه ~~{ما فرطنا في الكتاب من شيء} ولا شك أنه يدخل # PageV01P106 # في ذلك بيان مهمات الدين الاعتقادية وإن كانت عقلية ويدخل فيه ما بنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه فانتهوا} ولقوله تعالى في خطاب النبي صلى الله ms092 عليه وسلم {لتبين للناس ~~ما نزل إليهم} فهذا بيان جملي ومنه قوله صلى الله عليه وسلم (إني أوتيت ~~القرآن ومثله معه الحديث) # ومما يصلح الاستدلال به في هذا المقام قوله تعالى {وترى كل أمة جاثية كل ~~أمة تدعى إلى كتابها} فلولا أن كتابها هو موضع الحجة عليها في أمور الدين ~~ومهماته ما اختص بالدعاء اليه ونحوها قوله تعالى {الله الذي أنزل الكتاب ~~بالحق والميزان} فجعل الكتاب في بيان الدين وحفظه وتمييز الحق من الباطل ~~كالميزان في بيان الحقوق الدنيوية وحفظها بل جعل الحق مختصا به بالنص ~~والميزان معطوفا عليه بالمفهوم أي والميزان بالحق وقال بعد الامر بوفاء ~~الكيل والوزن {لا تكلف نفس إلا وسعها} لأنه يحتاج إلى المعاملة بالكيل ~~والوزن وإن وقع التظالم الخفي في مقادير مثاقيل الذر أو أقل منه ولم يقل ~~ذلك بعد الأمر بلزوم كتابه واتباع رسله لأنه لا حاجة ولا ضرورة إلى البدعة ~~في الاعتقاد # وأما الفروع العملية فلما وقعت الضرورة إلى الخوض فيها بالظنون لم يكن ~~فيها حرج بالنص والاجماع فتأمل ذلك فانه مفيد # ومن ذلك قوله تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} واتفق ~~أهل الاسلام على أن المراد بالرد إلى الله ورسوله الرد إلى كتاب الله وسنة ~~رسوله ولو لم يكونا وافيين ببيان مهمات الدين ما أمرهم الله بالرجوع اليهما ~~عند الاختلاف # الوجه الخامس في الدليل على منعه أيضا الاجماع على تحري البدعة في الدين ~~وما زال الصحابة والتابعون لهم باحسان يحذرون من ذلك حتى # PageV01P107 # ثمت النعمة وقامت الحجة بموافقة المتكلمين والغلاة على ذلك في الجملة حتى ~~رمى بعض المتكلمين بعضا بذلك عند الضجر من الخوض في تلك المباحث والشناعات ~~فقال الشيخ تقي الأمة خاتمة أهل الاصول العجالي المعتزلي في آخر الرد على ~~أصحابه المعتزلة حيث حكموا بثبوت العالم قبل خلقه في العدم المحض والازل ~~الذي لا أول له ما لفظه # إن كل من سمع ذلك من العقلاء قبل أن يتلوث خاطره بالاعتقادات التقليدية ~~فانه يقطع ببطلان هذه المذاهب ويتعجب أن ms093 يكون في الوجود عاقل تسمح نفسه ~~بمثل هذه الاعتقادات ويلزمهم أن يجوزوا فيما نشاهده من هذه الأجسام ~~والاعراض أن تكون كلها معدومة لأن الوجود غير مدرك عندهم وإلا لزم أن يرى ~~الله تعالى لوجوده بل إنما تناوله الادراك للصفة المقتضاة عندهم وهي صفة ~~التحيز وهيئة السواد والبياض فيهما غاية الامر أن الجوهرية عند بعضهم تقتضي ~~التحيز بشرط الوجود لكن الترتيب في أن الوجود لا يقتضي الترتيب في العلم ~~كما في صفة الحياة والعلم فيلزمهم أن يشكوا بعد هذه المشاهدة في وجودهما ~~وكل مذهب يؤدي إلى هذه التمحلات والخصم مع هذا يزداد سفاهة ولجاجا فالواجب ~~على العاقل الفطن الاعراض عنه والتمسك بقوله تعالى {وإذا خاطبهم الجاهلون ~~قالوا سلاما} ومن ذم من السلف الكلام والمتكلمين إنما عنوا أمثال هؤلاء ~~ظاهرا والله الموفق اه بحروفه ذكره علامة المعتزلة الشيخ مختار بن محمود في ~~كتابه المجتبى عاضدا له ومنتصرا به فهذا كلام المتكلمين بعضهم في بعض بل ~~كلام الطائفة الواحدة منهم بعضهم في بعض وفيه الاعتراف بذم البدعة وأهلها ~~وصدور ذللك من السلف الصالح فسبحان من أنطقهم بالحجة عليهم كما أنطق جلود ~~الجاحدين يوم القيامة بمثل ذلك # ولا شك أن إيجاب أمر كبير يجب من أجله التعسف في تأويل ما لا يحصى من ~~آيات كتاب الله وتقبيح ظواهره بل تقبيح ممادحه مثل الحكم بأن الرحمن اسم ذم ~~الله تعالى في الظاهرالسابق إلى الافهام إن لم يتأول وان نفيه عن الله مدح ~~لائق بجلال الله من غير قرينة والقول بتكفير من لم يعرف # PageV01P108 # هذا واستحلال سفك دمه ووجوب دوام عذابه في الآخرة من غير أن يجري لذلك ~~ذكر في زمن النبوة والصحابة هو من أعظم البدع وأفحشها وأنكرها # الوجه السادس الاحاديث الواردة في النهي عن البدعة ولا حاجة إلى سردها ~~بجميع ألفاظها وأسانيدها مع الاجماع على صحة هذا المعنى كما مر في الوجه ~~الذي قبله # الوجه السابع ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (اتركوني ما تركتكم فانما أهلك ms094 من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم ~~على أنبيائهم) وما في معنى ذلك مثل حديث إن الله حد حدودا فلا تعتدوها وفرض ~~فرائض فلا تضيعوها وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير بيان فلا تتعرضوا لها وفي ~~هذا المعنى أحاديث جمة مجموعها يفيد العلم بأن الشرع ورد بحصر الواجبات ~~والمحرمات وأن السؤال عما لم يرد به حرام حتى ثبت في الصحيحين من حديث سعد ~~بن أبي وقاص أن من أعظم المسلمين إثما في المسلمين من سأل عن شيء فحرم من ~~أجل مسألته ولقد علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كيفية قضاء الحاجة ~~وفي ذلك يقول السيد الامام يحيى بن منصور الهاروي المفضلي عليه السلام # (ما باله حتى السواك أبانه ... وقواعد الاسلام لم تتقرر) في أبيات له ~~طويلة في تقرير هذا المعنى وقد كتبتها في ترجيح أساليب القرآن هي وأمثالها ~~فان قيل هذا في غير العقائد # قلنا العقائد أولى بذلك لأنه لا يجوز أن يتجدد فيها للخلف ما لم يكن ~~واجبا على السلف بخلاف الفروع فقد تجدد الحوادث ويقع للمتأخر فيها ما لم ~~يقع للمتقدم # الوجه الثامن إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يوصي أمته بالرجوع ~~إلى كتاب الله عند الاختلاف والتمسك به عند الافتراق وكان ذلك هو # PageV01P109 # صيته عند موته وجاء ذلك عنه على كل لسان حتى اعترفت به المبتدعة كما ~~اعترفت بورود النهي عن البدع وصحته ولله الحمد والمنة بل قد جاء ذلك صريحا ~~في كتاب الله تعالى على أبلغ صيغ التأكيد قال الله عز وجل {يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن ~~تأويلا} إلى قوله {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا} ويؤكده قوله تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما} # ولا ms095 شك أن القرآن العظيم أعظم ما قضى به ودعا إليه ثم سنته التي هي تفسير ~~القرآن وبيانه كما أجمعت عليه الأمة في تفاصيل الصلاة والزكاة وسائر أركان ~~الاسلام وفي المواريث وغيرها ومن ذلك ما جاء فيمن لم يحكم بما أنزل الله من ~~الآيات الكريمة في آية {فأولئك هم الكافرون} وفي آية {الظالمون} وفي آية ~~{الفاسقون} وقوله تعالى {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} وقوله {وهذا ~~كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} وقوله {ولقد جئناهم بكتاب ~~فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون} وما أبلغ قوله فصلناه على علم وأعظم ~~موقعه عند المتأملين لأن العلوم تقل وتتلاشى في جنب علم الله تعالى بما ~~ينفع ويصلح من البراهين والأساليب وما يضر ويفسد من ذلك بل قد جاء في ~~الحديث الصحيح أن علم الخلائق في علم الله تعالى كما يأخذه الطائر من البحر ~~بمنقاره ومما جاء في ذلك من طريق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه ~~السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في القرآن الكريم فيه نبأ ~~ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم # PageV01P110 # ما بينكم من ابتغى الهدى من غيره أضله الله إلى قوله من قال به صدق ومن ~~حكم به عدل ومن دعى اليه هدى إلى صراط مستقيم الحديث بطوله كما تقدم # الوجه التاسع إن الدين قد جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وفرغ منه به ~~ولم يبق بعد تصديقه به بدلالة المعجزات الباهرات إلا اتباع الدين المعلوم ~~الذي جاء به لا استنباطه بدقيق النظر كما صنعت الفلاسفة الذين لم يتبعوا ~~الرسل وعلى هذا درج السلف ولذلك قال مالك لمن جادله كلما جاءنا رجل أجدل من ~~رجل تركنا لجدله ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وروى مالك في الموطأ ~~عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال (أيها الناس قد سنت لكم السنن وفرضت ~~لكم الفرائض وتركتم على السنة الواضحة ليلها كنهارها إلا أن تضلوا بالناس ~~يمينا وشمالا وروى ابن ماجه ms096 نحو هذا مرفوعا من حديث أبي الدرداء يوضحه أنه ~~لو كان الدين مأخوذا من النظر لكنا قبل النظر غير عالمين ما هو دين الاسلام ~~وإنما نخترعه نحن وهذا باطل ضرورة # يزيده وضوحا وجهان أحدهما الاحاديث الصحيحة المشهورة بل المتواترة في حصر ~~أركان الاسلام والايمان والتنصيص عليها وتداول الصحابة فمن بعدهم لها ~~يرويها سلفهم لخلفهم وخلفهم عن سلفهم واضحة جامعة لشرائط الاسلام والايمان ~~واحترام أهلها وأنه لا يحل دم امرئ جمعها ودان بها وفي معناها من كتاب الله ~~تعالى قوله تعالى {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} وكذلك قوله تعالى {إن الدين ~~عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم ~~بغيا بينهم} وكذلك قوله تعالى {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} # PageV01P111 # وثانيهما اجماع الامة على تكفير من خالف الدين المعلوم بالضرورة والحكم ~~بردته إن كان قد دخل فيه قبل خروجه منه ولو كان الدين مستنبطا بالنظر لم ~~يكن جاحده كافرا فثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء بالدين القيم ~~تاما كاملا وأنه ليس لأحد أن يستدرك عليه ويكمل له دينه من بعده # الوجه العاشر إن الله ذم التفرق بعد مجيء الرسل والكتب من قبلنا ولولا أن ~~في ما جاءت به يوجب الوفاق ما خص ذمهم بتلك الحال قال الله تعالى {وما تفرق ~~الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} وقبلها {حتى تأتيهم ~~البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة} الآيات إلى {وذلك دين ~~القيمة} ففسر البينة بقوله رسول من الله إلى آخر الآية وقال {وما اختلف ~~الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} وقال {ولا ~~تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} # الوجه الحادي عشر وهو ms097 أعجبها أن العقول بريئة أصح البراءة وأوضحها عما ~~ادعوا عليها من معرفة وجوب ما لم يرد به كتاب من الله تعالى ومن معرفة صحة ~~ما يناقض الآيات القرآنية فانه قد وضح للمحققين من نظار العقلاء وأذكيائهم ~~أنه لا تعارض بين صحيح السمع وصحيح العقل وأن أصل البدع كلها يوهم التعارض ~~بينهما في صور أربع الصورة الأولى أن جماعة من المشتغلين بعلم المعقول لم ~~يتقنوه فيتوهمون في بعض الأمور أنه صحيح في دليل عقلي توهموه قاطعا وليس ~~بقاطع وفي معرفة القاطع وشروطه اختلاف بين المنطقيين وبعض المتكلمين # ومن مواضع بيان ذلك مقدمة التمهيد للامام ي بن حمزة عليه السلام وسبقه ~~إلى ذلك الرازي في مقدمة نهاية العقول وبسط أكثر منه فمن أراد معرفة صعوبة ~~هذا القام وقلة وجود رجاله فليطالع ما ذكرته في هذين الكتابين مطالعة شافية ~~ولو بحث عما لم يعرف من ذلك # PageV01P112 # ومن أشهر ما لهم في ذلك خمس قواعد أحدها أن الجسمية أمر ثبوتي مشترك بين ~~الأجسام زائد عليها وثانيها تماثل الأجسام وجواهرها وثالثها أن كون المتحيز ~~في المكان أمر ثبوتي زائد عليه لا وصف عدمي وسواء كان حركة أو سكونا أو ~~اجتماعا أو افتراقا ويسمونه دليل الاكوان ورابعها قياس واجب الوجود عز وجل ~~على ممكن الوجود في أشياء كثيرة مثل قول الملاحدة نفاة الاسماء الحسنى أن ~~كونه تعالى على صفة دون أخرى يقتضي أن يجري مجرى الممكنات الحادثات التي ~~تحتاج في مثل ذلك إلى تخصيص مخصص وقد أوضحت ما أورد بعضهم على بعض من ~~الاشكالات الصعبة في ذلك في مسألة الرؤية من العواصم وربما نقلته مفردا في ~~موضعه من هذا المختصر لينظر فيه من يفهمه إن شاء الله تعالى وخامسها أن كل ~~موجود في الخلاء العدمي حتى الظلمة والنور فانه جسم أو حال فيه محتاج اليه # وخالفهم في القاعدة الأولى أكثر العقلاء من المسلمين وغيرهم على ما نقله ~~ابن تيمية فقالوا أن الماهية المشتركة المعروفة بالمجردات لا وجود لها ~~ألبتة إلا في الاذهان ولم يقم على وجودها ms098 برهان في الخارج كما بسط في موضعه # وخالفهم في الثانية الرازي والشيخ أبو القاسم البلخي الكعبي وأصحابه ~~معتزلة بغداد # وخالفهم في الثالث الشيخ أبو الحسين البصري وخلق كثير ذكرهم الشيخ مختار ~~المعتزلي في كتابه المجتبى وخالف أهل القاعدة الرابعة جمهور أهل الاسلام # وخالفهم في الخامسة أهل اللغة وأهل الأثر وبعض أهل الكلام والمعقولات ~~والسلف الصالح من الصحابة والتابعين ظاهرا لا رواية ومستند الظهور نقل أهل ~~اللغة وهم من أهلها بلا ريب # وخالفهم في القواعد الخمس كلها جميع أهل الآثار وسلفهم من الصحابة ~~والتابعين ظاهرا مع من ذكرنا معهم من ذلك من أهل المعقولات والمتكلمين كما ~~بسط في مواضعه والحمد لله # PageV01P113 # ومما اختلفوا فيه هل يجب بناء الدليل على الضرورة فيما انتهى اليه النظر ~~أو على سكون النفس فعند المنطقيين وأبي الحسين من المعتزلة وأكثر المحققين ~~أنه لابد من الانتهاء إلى الضرورة وإلا أدى إلى التسلسل أو التحكم وعند ~~جمهور المعتزلة أنه يكفي أن ينتهي إلى سكون النفس ويرد عليهم سكون نفوس ~~المبطلين ببواطلهم وهذا ما عارض والقصد بذكره بيان أن كون الدليل العقلي ~~قاطعا من المواضع الدقيقة التي اختلف فيها أهل الدعوى للذكاء والكمال في ~~التدقيق فيجوز أن يقع الخطأ على المحقق في مثل هذا وينبغي أن يحذره المنصف ~~فان كثيرا من أهل العقول يقصر في هذا الموضع فيظن في بعض العقليات أن دليله ~~قاطع وليس بقاطع في نفس الامر ثم يعارضه السمع فيرى في نفسه أن التأويل ~~يتطرق إلى السمع لاحتمال اللفظ اللغوي له دون الادلة العقلية القاطعة في ~~ظنه وزعمه أنها قاطعة ولا يدري أن قطعه بأنها قاطعة قطع بغير تقرير ولا هدى ~~ولا كتاب منير وانه مقام صعب خطير وأنه بطول النظر والمراجعة فيه جدير ولو ~~لم يكن في ذلك عبرة للمعتبرين إلا ما جرى لموسى الكليم عليه أفضل الصلوات ~~والتسليم حيث قطع بالنظر العقلي على قبح ما فعله الخضر عليه السلام فانكشف ~~له خلاف ما قطع عليه وكذلك نوح عليه أفضل الصلاة والسلام حيث قطع على ms099 أن ~~ولده من أهله فبان له خلاف ذلك فاذا كان هذا في حق أرفع البشر مرتبة فمن ~~الناس بعدهم فليتفطن طالب النجاة لذلك وليحذر أشد الحذر # وقد أشار إلى ذلك ابن عبد السلام في قواعده في حقوق القلوب وما يجب من ~~معرفة الله وتقرير العامة على ما علم أنهم لم ينفكوا عنه لدقة الأمر المانع ~~مما هم عليه وصعوبة معرفته عليهم وذلك كغلاة الاشعرية في نفي حكمة الله ~~تعالى وتقبيح اسم الحكيم في الظاهر وإيجاب تأويله بالمحكم لصنعه من غير ~~حكمة له في ذلك الاحكام وغلاة المعتزلة في نفي السميع البصير والمريد ~~وتقبيحها في الظاهر وإيجاب تأويلها بالعليم لا سواه وذلك يضعف في مثل {يريد ~~الله بكم اليسر} وقول الخليل لأبيه {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ~~ولا يغني عنك شيئا} # PageV01P114 # وكذلك الجميع من الاشعرية والمعتزلة في نفي حقيقة الرحمن الرحيم وما في ~~معناهما من الرؤوف والودود وأرحم الراحمين وحكمهم بأنها أسماء قبيحة ~~الظواهر في حق الله تعالى وأنها لا تليق بجلاله إلا بصرفها عن ظواهرها ~~وتعطيلها عن حقائقها إلى المجاز المحض وأن نسبة الرحمة إلى الله سبحانه ~~كنسبة إرادة الانقضاض إلى الجدار والجناح إلى الذل وكل ذلك بمجرد ظن أن ~~الدلالة العقلية القاطعة دلت على ذلك وستأتي الاشارة إلى تلك الأدلة وما ~~يرد عليها على قواعد أئمة المعقولات على حسب هذا المختصر مع الارشاد إلى ~~مواضع البسط # فأما لوازم رحمة المخلوقين المستلزمة للنقص فواجب تنزيه الله تعالى عنها ~~قطعا وفاقا كلوازم علمهم وارادتهم ونحو ذلك كما سيأتي تحقيقه # ومن مظان بطلان ذلك النظر في كيفية بعض صفات الله تعالى اللائقة به بل ~~الواجبة له على التفصيل المؤدي إلى القطع بتسمية تلك الصفات معاني وإلى ~~القطع بالفرق بينهما وإلى القطع بأن ذات الله تعالى لا يصح وجود المعاني ~~فيها ومجموع ذلك هو الذي اضطر البهاشمة إلى أنه تعالى مريد بارادة حادثة لا ~~فيه ولا في غيره ولا يحتاج في خلقها إلى ارادة والحازم يوازن بين الممتنعات ~~فيرد ms100 أشدها امتناعا في الفطر ولعل وجود العرض لا في محل بل لا في العالم ~~ولا خارجه وتأثيره لمن لم يوجد فيه أبعد مما فروا منه # وقد جود ابن تيمية وغيره من أئمة العلم الجامعين بين التحقيق في هذين ~~العلمين العقلي والسمعي الكلام في ذلك وفي المختصرات من ذلك ما يكفي ~~المقتصد وأما من أراد الغاية في البحث فلا تكفيه المختصرات ولا النظر في ~~كتب بعض الخصوم بل يحتاج إلى النظر في الكتب البسيطة للمعتزلة والاشعرية ~~ومتكلمي أهل السنة وكتبهم أقل الكتب وجودا # PageV01P115 # ومن مشاهيرها منهاج السنة النبوية لابن تيمية على ما قيل ولم أقف عليه ~~وفي هذه الصورة يتكلف المتكلمون كلهم التأويلات البعيدة تارة لما يمكن ~~تأويله لو دل دليل قاطع على امتناع ظاهره ولكن لا قاطع محقق إلا مجرد دعوى ~~وتارة لما لا يمكن تأويله إلا بتعسف شابه تأويل القرامطة وربما استلزم بعض ~~التأويلات مخالفة الضرورة الدينية وهم لا يعلمون ولا يؤمن الكفر في هذا ~~المقام في معلوم الله تعالى وأحكام الآخرة وإن لم نعلمه نحن وتوقفنا لشبهة ~~التأويل وعدم علمنا بعلمهم بما أنكروه فانه لا يؤمن في حكم الله والله ~~المستعان # فسبب الاختلاف في هذه الصورة وما يتركب عليها وهو معظم التأويل هو ~~الاختلاف في أن الأدلة العقلية الموجبة للتأويل عند المتأولين قطعية أم لا ~~أما من علم بطلان القطع إما بالعقل أو بالسمع القاطع أو بهما معا فعليه ~~البيان لذلك فاذا سطع الحق وجب اتباعه من أي الجانبين كان # وأما من لم يعلم ذلك لكن علم أن أذكياء العقلاء ما زالوا يغلطون في ~~اعتقاد القطع في مثل هذه الدقائق وان خوضه فيها أشبه شيء بركوب البحر عند ~~هيجه واضطرابه وان الجميع قد انعقد اجماعهم على أن مخالفة العقل إذا تجرد ~~عن السمع ليست بكفر ولا فسق وإن كان فيها مخالفة ضرورة العقل فان من اعتقد ~~في حنظلة مرة أنها حلو يكون قد خالف ضرورة العقل ولا يكفر بل ولا يفسق لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن ms101 كذبا علي ليس ككذب على غيري أنه من يكذب علي ~~يلج النار وإنما هذا كاذب على نفسه ولم يكذب على الله ولا رسوله فكيف من ~~قال بغير الحق في دقائق الكلام متأولا # وكذلك انعقد إجماعهم على أن مخالفة السمع الضروري كفر وخروج عن الاسلام ~~وأن ذلك لا يؤمن في القول بأن الرحمن الرحيم الحكيم السميع البصير ليست ~~بأسماء مدح الله تعالى بل أسماء ذم قبيحة يجب تأويلها وتحذير عوام المسلمين ~~من الاغترار باطلاقها وأنها ليست أسماء حسنى لأن الحسنى جمع الاحسن لا جمع ~~الحسن وهذه لم تدخل في الحسن كيف في أحسن الحسن فان عامة أهل الاثر رجحوا ~~الاعتقاد الاسلم على الاعلم لأن المتكلمين قد اعترفوا بأن طريقة السلف أسلم ~~لكن ادعوا أن طريقهم أعلم # PageV01P116 # ووجه الترجيح عندهم أنهم علموا من كثرة نصوص الكتاب والسنة في هذه ~~الأسماء أنها على جهة التمدح كما يأتي في موضعه وظهور ذلك في عصر النبوة ~~والصحابة والتابعين من غير تحذير لأحد من الاغترار بظاهرها مع اعتقاد ~~الجميع أن الله ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته يقتضي عادة العلم ~~الضروري بأنها أسماء مدح وأنها من الاسماء الحسنى التي لا قبح فيها وخافوا ~~الكفر في مخالفة هذا العلم # وأما الادلة الموجبة للتأويل فسوف يأتي البيان الواضح أنها قد انتهت إلى ~~غاية الدقة ووردت عليها الشكوك الصعبة حتى اختلف في صحتها أئمة المعقول ~~فمخالفة الحق فيها على جهة التأويل لا يكون كفرا ولا فسقا على جميع قواعد ~~العقلاء قالوا ولا شك أن الفوز بالامان من الكفر الموجب الخلود في النار ~~أرجح من الفوز بالظفر بالحق في دقائق الجواهر والاعراض كما نص عليه المؤيد ~~بالله في الزيادات من أئمة العترة وغيره منهم عليهم السلام فشد على هذه ~~يديك ولا تغفل النظر فيها # فان قلت فما يعتقد أهل الاثر في رحمة الله وهل يجوزون أنها رحمة مثل رحمة ~~المخلوقين # قلت كلا فان رحمة المخلوقين ممتزجة بجهلهم وعجزهم فيدخلها الحسرة والاسف ~~والبكاء والاماني الباطلة فتغلبهم فتصرفهم عن العدل ms102 والحق وقد أجمعنا على ~~أن العليم القدير محكمان لا يجب تأويلهما ولو قال قائل أنهما في حق الله ~~مثلها فينا لكان كافرا بالاجماع فاذا وجب نفي التشبيه في المحكمات بالاجماع ~~فكيف لا ننفيه في غيرها وسيأتي إيضاح ذلك وإنما بسطت القول هنا لأن أكثر ~~التأويل يدور على هذه الصورة # فان قيل تقديم العقل على السمع أولى عند التعارض لأن السمع علم بالعقل ~~فهو أصله ولو بطل العقل بطل السمع والعقل معا وهذه من قواعد المتكلمين # قلنا قد اعترضهم في ذلك المحققون بأن العلوم يستحيل تعارضها في العقل ~~والسمع فتعارضها تقدير محال فانه لو بطل السمع أيضا بعد أن دل # PageV01P117 # العقل على صحته لبطلا معا أيضا لأن العقل قد كان حكم بصحة السمع وأنه لا ~~يبطل فحين بطل السمع علمنا ببطلانه بطلان الاحكام العقلية وممن ذكر ذلك ابن ~~تيمية وابن دقيق العيد والزركشي في شرح جمع الجوامع # الصورة الثانية أن يتيقن المتكلم بعض الأدلة العقلية حتى لا يشك في صحتها ~~وهي كذلك ثم يعتقد لتقصيره في علم السمع أن السمع ورد بنقيض ذلك الأمر ~~المعلوم عنده فيقع في الكفر الصريح كابن الراوندي وسائر من صرح بالردة لذلك ~~ومن هؤلاء بعض الفلاسفة وأكثر البراهمة أعني أن بعضهم كفر من هذه الجهة ~~وبعضهم كفر من جهة أخرى وذلك أن هؤلاء اجتمعت كلمتهم على أن عذاب الآخرة ~~خال عن المصلحة والحكمة وأن ذلك لا يجوز على مختار عليم حكيم فقولهم أن ~~التعذيب لغير حكمة لا يجوز على المختار العليم الحكيم حق وصواب لكنهم قصروا ~~في علم السمع فظنوا أنه ورد بأن ذلك العذاب خال عن الحكمة ودعوى هذا على ~~السمع باطلة وقد جود ابن تيمية غاليا في الرد عليهم على التفصيل كما هو ~~مبسوط في حادي الارواح وأشار إلى مثل قولة الغزالي في المقصد الاسنى في شرح ~~الرحمن الرحيم منه ولم يصرح وجعل ذلك من الاسرار التي لا تفشى وسيأتي طرف ~~من ذلك وبيان المختار منه في مسألة اثبات الحكمة قريبا إن شاء الله ms103 تعالى # الصورة الثالثة قوم أسرفوا في التقصير في علم السمع تارة في طلب معرفة ~~نصوصه وألفاظه وطرق صحتها وتارة في معانيها وتارة في كيفية الجمع بين ~~المتعارض فيقدمون العموم على الخصوص والظواهر على النصوص ونحو ذلك حتى ظنوا ~~في بعض الأمور أن السمع ورد به ورودا ضروريا أو قطعيا ولم يرد به السمع ~~أصلا لا ضرورة ولا قطعا ولا ظنا ثم عارضته أدلة كثيرة جلية عقلية أو سمعية ~~أو كلاهما كالنواصب والروافض وكثير من الوعيدية والمبالغين في التكفير ~~والتفسيق والتقنيط والتبري من كثير من أهل الاسلام والمبتدعة الذين لهم ~~ذنوب وهفوات لا تخرج عن الاسلام # ومن ذلك خبط كثير من الناس في مسألة القرآن وتكفير كل منهم لمن خالفه ~~بغير برهان حتى اعتقد بعض المحدثين قدم التلاوة وجحد حدوث # PageV01P118 # صوت التالي مع اعترافه بحدوث التالي وحدوث لسانه ووجودهما قبل التلاوة ~~وقد قال الغزالي إن هذا ما درى ما القديم وقال البيهقي أن من عرف معنى هذا ~~رجع عنه وإنما كانت هفوة ممن لم يتعقل هذا وحتى قال الشيخ أبو علي الجبائي ~~أن الله تعالى يتكلم مع التالي وأن الصوت كامن في الحروف في المصاحف وكل ~~ذلك لاعتقادهم أن السمع ورد بان كلام الله هو المسموع في المحاريب المكتوب ~~في المصاحف وان منكر هذا كافر # وما قالوه من أن ذلك كلام الله في الجملة حق ولكن لابد من الفرق بين ~~التلاوة والمتلو والحكاية والمحكى وهو فرق ضروري فان المتلو المحكي كلام ~~الله بغير شك والتلاوة والحكاية فعل لنا مقدور اختياري بغير شك ولا شك أن ~~ما هو مقدور لنا واقع باختيارنا غير المعجز الذي لم يقدر عليه أحد فالشيخ ~~أبو علي خاف ما خاف أهل الأثر في المرتبة الأولى من الكفر في مخالفة السمع ~~فتكلف مخالفة المعقول في كمون الصوت في الحروف المكتوبة وفي احداث صوت من ~~الله مع صوت كل قارئ حتى يكون السامع لكل قارئ سامعا لكلام الله على ~~الحقيقة كما سمعه موسى عليه السلام كل هذا حتى لا ms104 يخالف الاجماع والنص حيث ~~قال الله تعالى {فأجره حتى يسمع كلام الله} فأي حرج على أهل الأثر إذا ~~تابعوا سائر السمع وخالفوا من المعقولات ما هو أدق من المعقول الذي خالفه ~~أبو علي في هذه المذاهب التي لولا رواها عنه أصحابه لعدت من تشنيع الاعداء ~~عليه # وأما أولئك المحدثون فلم يفرقوا بين إنكار السلف كون القرآن مخلوقا وبين ~~كونه قديما فظنوا ما ظن أبو علي من الاجماع من السلف على قدمه وسوف يأتي ~~الفرق بينهما في بابه وأما الروافض والنواصب والخوارج وغلاة الوعيدية فظنوا ~~أن السمع ورد بعقائدهم فجحدوا كل ما خالف ذلك مما لم يعلموه وتأولوا ما ~~علموه ففحش جهلهم حيث قدموا الاكاذيب المعلوم عند أهل السمع بطلانها على ~~المتواترات وهؤلاء لا دواء لهم لأن اعتقادهم تقليد محض لاسلافهم وهو غير ~~منكشف لهم إلا بان يشكوا فيه ويقبلوا على تعلم السمع وقراءة كتب الرجال ~~والتواريخ والمساند حتى # PageV01P119 # يكونوا من أئمة السمع وينكشف لهم جهل أسلافهم أو عنادهم وهم غير ملتفتين ~~إلى شيء من هذا بل هم في غاية العجب بعلمهم واتقانهم وغاية السخرية بخصومهم ~~فهم أفحش الاقسام الاربعة المشهورة وهم من الذين لا يدرون أنهم لا يدرون # وقد رأيت لبعض حذاق الباطنية في كتاب الملل والنحل القدح في الاخبار بذلك ~~فانه لم يفرق بين التواتر الحق ودعوى التواتر فقال أما التمسك بالاخبار ~~فانه متعارض لأن كل طائفة قد تواتر لهم ما هم عليه عن أسلافهم الذين يثقون ~~بهم ولم يعلم المغفل أن هذا مثل دعوى اليهود لقول موسى عليه السلام تمسكوا ~~بالسبت أبدا ودعوى تواتر ذلك عنه وأنه لا فرق بين تلك الدعوى وبين ما صح عن ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه لا نبي بعدي وأنه خاتم الأنبياء وكم بين ~~تواتر صفات الكمال في رسول الله صلى الله عليه وسلم وتواتر معجزاته وفضائله ~~للعارفين وبين تلقي صبيان اليهود لما يعارض ذلك كله عن آبائهم القوم البهت ~~وهل يقول مميزان الامرين في التواتر سواء فجهال هذه الصورة مثل ms105 صبيان ~~اليهود حين نشؤا على ظن السوء برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لا دواء ~~لهم إلا أن يتركوا تقليد آبائهم في ذلك الظن السيء ويطالعوا كتب الاسلام ~~التي فيها سيرته وأخلاقه ومعجزاته وسائر مناقبه والتواتر مما لا يمكن تعريف ~~الجاهل به ألبتة # ولذلك يقول العلماء في ذلك أنه معلوم لمن طالع كتب الاخبار وإلا فكل مبطل ~~معتقد لصحة باطله ولولا الفرق بين الاعتقادات الباطلة والعلوم الصحيحة ما ~~تميز كفر من اسلام ولا شرك من توحيد ولا عالم من جاهل فالعلم الحق ما جمع ~~الجزم والمطابقة والثبات عند التشكيك فالظنون تلتبس بالعلوم الجازمة عند ~~كثير من العامة والاعتقادات الباطلة وإن كانت جازمة في نفوس أهلها فهي غير ~~مطابقة في الخارج واعتقادات عوام المسلمين وإن كانت جازمة في نفوسهم مطابقة ~~للحق فانها لا تثبت في نفوسهم عند التشكيك والعلم الحق هو ما جمع هذه ~~الأوصاف الثلاثة والله سبحانه قد خص بالهداية له من علم منه القبول ~~والانصاف والاهلية لذلك كما قال في إبراهيم عليه السلام {وكنا به عالمين} ~~وقال معاذ إن العلم والإيمان # PageV01P120 # مكانهما من طلبهما وجدهما فاطلبوا ذلك من حيث طلبه إبراهيم حيث قال {إني ~~ذاهب إلى ربي سيهدين} وقد تقدم الارشاد إلى طريق الظفر بالحق في هذه ~~المقدمة من هذا المختصر # الصورة الرابعة طائفة من أهل السمع أتقنوا علم السمع وعلموا منه بعض ~~القواعد علما صحيحا وتواتر لهم ما لم يتواتر لغيرهم لشدة بحثهم وقطعهم ~~أعمارهم في ذلك ثم نازعهم في ذلك جماعة من علماء المعقولات المقصرين في علم ~~السمع كبعض المعتزلة خصوصا المتأخرين في نفي الشفاعة للموحدين ونفي الرجاء ~~للمذنبين منهم وإيجابب خلودهم في النار مع المشركين فظن أولئك الذين أتقنوا ~~ما علموا من السمع أن العلوم العقلية هي المعارضة لما عرفوه من السمع الحق ~~في ذلك لشبهة أن المعارضين لهم فيه يدعون التحقيق في المعقولات فيعادون علم ~~المعقول ومن خاض فيه حتى من أهل السنة وظنوا أن الاصغاء اليه والنظر فيه ~~يستلزم البدعة من غير بد ms106 ولو نظروا بعين التحقيق لعلموا أن خصومهم في هذه ~~المسألة إنما أتوا من التقصير في علم السمع وإقلال البحث عنه وما شابوا به ~~جدا لهم من المعقولات فانما ادعوا فيه على العقل ما هو بريء منه كما يدعون ~~على العقل تقبيح خطاب الله لنا بالعموم المخصوص في العقائد من غير بيان ~~مقترن به ولم يعلموا أنه يرد عليهم هذا بعينه في عمومات الوعد كعمومات ~~الوعيد فلو حرم تخصيص الوعيد بالأدلة المنفصلة عنه لحرم تخصيص الوعد كذلك ~~بل أولى وأحرى وحينئذ يحصل بطلان مقصودهم # فان قالوا في عمومات الوعد يمكن أن تخصيصها قد كان تقدمها وعلم # قلنا وكذلك يمكن في عمومات الوعيد فان قالوا في تخصيص الوعيد أنه ظني ~~قلنا صدقتم أنه ظني عندكم لكن قد علم غيركم ما لم تعلموه من تواتره كما ~~أوضحته في العواصم ولئن سلمنا أنه ظني فان حكم الظني أن لا يقطع بصدقه ولا ~~كذبه لا أنه يقطع يكذبه لأنه لا طريق إلى ذلك وأنتم لم تتوقفوا في صدقه بل ~~قطعتم بكذبه وهذا هو القطع بغير تقدير والخبط الذي ليس من العلم العقلي في ~~قبيل ولا دبير # PageV01P121 # واعلم أنه لا يكاد يسلم من هذه الاغلاط إلا أحد رجلين إما رجل ترك البدعة ~~كلها والتمذهب والتقاليد والاعتزاء إلى المذاهب والأخذ من التعصب بنصيب ~~وبقي مع الكتاب والسنة كرجل نشأ قبل حدوث المذاهب ولم يعبر عن الكتاب ~~والسنة بعبارة منه مبتدعة واستعان الله وأنصف ووقف في مواضع التعارض ~~والاشتباه ولم يدع علم ما لم يعلم ولا تكلف ما لا يحسن وهذا هو مسلك ~~البخاري وأئمة السنة غالبا في ترجمة تصدير الأبواب وفي العقائد بالآيت ~~القرآنية والاخبار النبوية كما صنع في أبواب القدر وكتاب التوحيد والرد على ~~الجهمية وأبواب المشيئة ورجل أتقن العلمين العقلي والسمعي وكان من أئمتهما ~~معا بحيث يرجع اليه أئمتهما في وقائعهما ومشكلاتهما مع حسن قصد وورع وانصاف ~~ونحر للحق فهذا لا تخلف عنه هداية الله واعانته وأما من عادى أحد هذين ~~العلمين وعادى أهله ولم ms107 يكن على الصفة الأولى من لزوم ما يعرف وترك ما لا ~~يعرف فانه لابد أن تدخل عليه البدع والاغلاط والشناعات # ومن أنواع الزيادة في الدين الكذب فيه عمدا وهذا الفن يضر من لم يكن من ~~أئمة الحديث والسير والتواريخ ولا يتوقف على نقدهم فيه بحيث لا يفرق بين ما ~~يتواتر عند أهل التحقيق وبين ما يزوره غيرهم وليس له دواء إلا اتقان هذا ~~الفن والرسوخ فيه وعدم المعارضة لأهله بمجرد الدعاوى الفارغة وهو علم صعب ~~يحتاج إلى طول المدة ومعرفة علوم الحديث وعدم العجلة بالدعوى وإن كان جليا ~~في معناه فان الرسوخ فيه بعيد عن حصول العلم الضروري بأحوال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأحوال السلف بحيث يعلم دينهم بالضرورة مثل ما يعلم مذهب ~~المعتزلة والأشعرية كذلك يطول البحث في علم الكلام ويعلم ما يختلفون فيه ~~وما لا يختلفون فيه وما يمكن القدح فيه من المنقولات المشهورة وما لا يمكن ~~من غير تقليد ولا أقل من معرفة مثل علوم الحديث للحاكم في ذلك وهذا عندي هو ~~الفائدة العظمى في الرسوخ في علم الحديث وليس الفائدة العظمى فيه معرفة ~~أحاديث الاحكام في فروع الحلال والحرام كما يظن ذلك من يقتصر على قراءة بعض ~~المختصرات في ذلك ويكتفي به في هذا العلم الجليل ولأمر ما كان أئمة الحديث ~~الراسخون أركان الايمان # PageV01P122 # في الثبوت عند الفتن والامتحان وقد ذكرت أمور كثيرة يقدح بها على ~~المحدثين وأئمة المنقولات وقد ذكرتها والجواب عنها في المجلد الأول من ~~العواصم واشتمل ذلك على فوائد ومعارف مهمة يحتاج اليها من يهتم بالمعارف ~~المنقولة ولله الحمد وهذا آخر ما حصر من التحذير من الزيادة في الدين ~~والكلام في بطلان ذلك وتحريمه وهو الامر الأول # وأما الأمر الثاني وهو النقص في الدين برد النصوص والظواهر ورد حقائقها ~~إلى المجاز من غير طريق قاطعة تدل على ثبوت الموجب للتأويل إلا مجرد ~~التقليد لبعض أهل الكلام في قواعد لم يتفقوا عليها أيضا وأفحش ذلك وأشهره ~~مذهب القرامطة الباطنية في تأويل الاسماء ms108 الحسنى كلها أو نفيها عن الله على ~~سبيل التنزيه له عنها وتحقيق التوحيد بذلك ودعوى أن اطلاقها عليه يقتضي ~~التشبيه وقد غلوا في ذلك وبالغوا حتى قالوا أنه لا يقال أنه موجود ولا ~~معدوم بل قالوا أنه لا يعبر عنه بالحروف وقد جعلوا تأويلها أن المراد بها ~~كلها أمام الزمان عندهم وهو عندهم المسمى الله والمراد بلا إله إلا الله ~~وقد تواتر هذا عنهم وأنا ممن وقف عليه فيما لا يحصى من كتبهم التي في ~~أيديهم وخزائنهم ومعاقلهم التي دخلت عليهم عنوة أو فتحت بعد طول محاصرة ~~وأخذ بعضها عليهم من بعض الطرقات وقد هربوا به ووجد بعضها في مواضع خفية قد ~~أخفوه فيها فكما أن كل مسلم يعلم أن هذا كفر صريح وأنه ليس من التأويل ~~المسمى بحذف المضاف المذكور في قوله تعالى {واسأل القرية التي كنا فيها ~~والعير التي أقبلنا فيها} أي أهل القرية وأهل العير وإنما علم هذا كل مسلم ~~تطول صحبته لأهل الاسلام وسماع أخبارهم والباطني الناشئ بين الباطنية لا ~~يعلم مثل هذا فكذلك المحدث الذي قد طالت مطالعته للآثار قد يعلم في تأويل ~~بعض المتكلمين مثل هذا العلم وإن كان المتكلم لبعده عن أخبار الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وأحواله وأحوال السلف قد بعد عن علم المحدث كما بعد الباطني ~~عن علم المسلم فالمتكلم يرى أن التأويل ممكن بالنظر إلى وضع علماء الأدب في ~~شروط المجاز وذلك صحيح ولكن مع المحدث # PageV01P123 # من العلم الضروري بأن السلف ما تأولوا ذلك مثل ما مع المتكلم من العلم ~~الضروري بأن السلف ما تأولوا الاسماء الحسنى بامام الزمان وان كان مجاز ~~الحذف الذي تأولت به الباطنية صحيحا في اللغة عند الجميع لكن له موضع مخصوص ~~وهم وضعوه في غير موضعه كذلك المتكلم في بعض أسماء الله الحسنى كالسميع ~~والبصير والحكيم والرحمن والرحيم فانها من الاسماء الحسنى المعلوم ورودها ~~في كتاب الله على سبيل التمدح بها والثناء العظيم ونص الله تعالى ورسوله ~~على أنها ثناء على الله تعالى في حديث ms109 قسمت الصلاة بيني وبين عبدي وفيه ~~فاذا قال الرحمن الرحيم قال الله تعالى أثنى علي عبدي مع تكريرها في عهد ~~النبوة والصحابة والتابعين لم يشعر أحد منهم في تلك الاعصار كلها بتقبيح ~~شيء من ظواهرها ألا ترى أن الرحمن الرحيم ثابتان في السبع المثاني المعظمة ~~متلوان في جميع الصلوات الخمس مجهور بهما في أكثرها في محافل المسلمين ~~مجمعين على أنهما من أحسن الثناء على الله تعالى وأجمله وأفضله متقربين إلى ~~الله بمدحه بذلك مظهر من أنه أحب الحمد اليه ولذلك كرر تكرارا كثيرا في ~~كتاب الله سبحانه وفي بسم الله الرحمن الرحيم المكرر في أول كل سورة ~~المتبرك به في أول كل عبادة وجمعا معا ومرجعهما إلى معنى واحد ولم يجمع ~~اسمان في معنى واحد في موضع واحد قط كالغفار الغفور ونحو ذلك بخلاف الرحمن ~~الرحيم فتأمل ذلك فهما الغرة والمقدمة في ممادح رب العزة في خطب المسلمين ~~وجمعهم وجماعتهم وحوائجهم ومجامعهم ورسائلهم ومكاتباتهم وتصانيفهم ~~وتصرفاتهم وكل أمر ذي بال كان منهم في مصادرهم ومواردهم وتضرعهم إلى ربهم ~~ودعائهم وعند رقتهم وخضوعهم وجدهم واجتهادهم يلقنها سلف المسلمين خلفهم ~~ويتلقنهما خلفهم عن سلفهم ويعلمهما الآباء أبناءهم ويتعلمهما الابناء من ~~آبائهم ويتردد التشفي بذكرهما بين أصاغرهم وأكابرهم وبدوهم وحضرهم وخاصتهم ~~وعامتهم وذكرانهم وإناثهم وبلدائهم وأذكيائهم فأي معلوم من الدين أبين من ~~كونهما من ممادح الله تعالى وأشهر وأوضح وأظهر وأكثر استفاضة وشهرة وتواترا ~~وعظمت الشناعة في إنكار حقيقتهما ومدحتهما حين وافق ذلك مذهب القرامطة ~~ومذهب أسلافهم من المشركين في انكارهم الرحمن ونص القرآن على الرد عليهم # PageV01P124 # في ذلك والصدع بالحق فيه حيث حكى عنهم قولهم وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا ~~فقال عز من قائل {الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا ~~وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا} وحيث قال {وهم يكفرون بالرحمن ~~قل هو ربي لا إله إلا هو} وحيث قال {وهم بذكر الرحمن هم ms110 كافرون} وعظم الله ~~تعالى هذا الاسم الشريف وبالغ في تعظيمه حيث قال {قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} وقال حاكيا عن خيار عباده {هو ~~الرحمن آمنا به وعليه توكلنا} وجاءت الصوادع القرآنية مادحة لله تعالى ~~بأعظم صيغ المبالغات في هذه الصفة الشريفة الحميدة بأن الله عز وجل خير ~~الراحمين وأرحم الراحمين وكرر هذه المبالغة في مواضع من كتابه الكريم الذي ~~قال فيه {إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} وجاءت في كلام موسى وأيوب ~~ويعقوب ويوسف عليهم السلام # وكرر الله تعالى التمدح بالرحمة مرارا جمة أكثر من خمسمائة مرة من كتابه ~~الكريم منها باسمه الرحمن أكثر من مائة وستين مرة وباسمه الرحيم أكثر من ~~مائتي مرة وجمعهما للتأكيد مائة وست عشرة مرة وأكد الرحيم فجمعه مرارا مع ~~التواب ومرارا مع الرؤوف والرأفة أشد الرحمة ومرارا مع الغفور وهي أكثر ~~عرفت منها سبعة وستين موضعا وأخبر أنه كتب على نفسه الرحمة مرتين وأنه لا ~~عاصم من أمره إلا من رحم وأن من لم يرحمه يكن من الخاسرين ولا يزالون ~~مختلفين إلا من رحم وإن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم وأنه ذو رحمة واسعة ~~إلى غير ذلك من صيغ المبالغات القاضية بأن ذلك من أحب الثناء والممادح ~~والمحامد اليه عز وجل # PageV01P125 # وبالغت الملائكة الكرام في ممادح الرب سبحانه بذلك فأوردت أبلغ صيغ ~~المبالغات فقالت {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} ومدح الله ذاته الكريمة ~~بهذه الصيغة البليغة فقال {ورحمتي وسعت كل شيء} وفي كتاب سليمان عليه ~~السلام الذي حكاه الله عنه في كتابه الكريم لشرفه العظيم {إنه من سليمان ~~وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} وحكى الله نحو ذلك في كتابه الكريم عن ~~إبراهيم ويعقوب وموسى وأيوب وصالح وعيسى ابن مريم عليهم السلام للدلالة على ~~اتفاق الأديان النبوية الأولى والآخرة على مدح الله تعالى بذلك وخاطب ~~الأنبياء عليهم السلام بذلك الجفاة الاجلاف من المشركين ونحوهم ممن لا يفهم ~~دقائق الكلام الصارفة إلى مقاصد أهله فقال الخليل عليه ms111 السلام في خطاب أبيه ~~{يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا يا أبت إني أخاف أن ~~يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا} وقال هارون عليه السلام لعباد ~~العجل ما ذكره الله عنه ومدحه به حيث قال {ولقد قال لهم هارون من قبل يا ~~قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني} وكتب ذلك سليمان إلى بلقيس ~~وقومها وأمر الله تعالى في كتابه الكريم بالفرح برحمته والفرح بها فرع ~~التصديق بها فقال تعالى {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} وفي عطفها ~~على فضله دلالة على المغايرة بينهما وذلك خلاف ما يقول من تأولها # وفي الصحاح من ذلك الكثير الطيب وما لا تتسع له هذه التذكرة المختصرة منه ~~حديث سلمان وأبي هريرة وجندب وابن عباس وعبادة وأبي سعيد الخدري وابن حيدة ~~وخلاس والحسن وابن سيرين في المائة الرحمة التي لله تعالى وإنها وسعت ~~الخلائق منها رحمة واحدة وأن هذه الرحمة التي يتراحم بها الخلائق والسباع ~~والدواب البرية والبحرية هي # PageV01P126 # جزء من مائة جزء من رحمة الله وظهرت محبة الله تعالى للثناء عليه بهذه ~~الصفة وما يشتق له منها من الاسماء الشريفة حتى كان أحب الاسماء اليه عبد ~~الله وعبد الرحمن كما ثبت في الصحيح فكيف يقال أن ظاهرها نقص وذم وكفر ~~وتشبيه وسب للملك الحميد المجيد الذي لا أحد أحب اليه الحمد والمدح منه ولا ~~أعرف بما يليق بجلاله منه ثم من رسله ولا يحصى عليه ثناء هو كما أثنى على ~~نفسه لأهليته لذلك ولذلك مدح نفسه وعلمنا مدحه ودعانا اليه وأثابنا عليه ~~فكيف يفتتح كتبه الكريمة ويشحنها بما ظاهره السب والذم والكفر والتشبيه ~~وبما نسبته اليه كنسبة الارادة إلى الجدار والجناح إلى الذل بل أشد بعدا من ~~ذلك فان الجدار لا يذم بالارادة والذل لا يذم بالجناح فصار لا يوجد لذلك ~~مثال لأنه يستلزم استعارة اسم الذم لارادة المدح كما لو مدحت بالظلم الملك ~~العادل وبالنقص الرجل الكامل مجازا ونحو ذلك # مما لا يحسن في البلاغة بل ms112 لا يصح في اللغة ولا يوجد في كلام العامة ~~والعجم # وقد أجمع المسلمون على حسن اطلاق الرحمة على الله من غير قرينة تشعر ~~بالتأويل ولا توقف على عبارة التنزيل ولو كان ظاهرها القبح والذم والانتقاص ~~لله عز وجل لم يحسن ذلك من العباد وان ورد في كلام الله أقر في موضعه على ~~قواعد علماء الكلام على أن فطر العقول تعرف رحمة الله تعالى وسعة علمه ~~وكمال قدرته فان العلم بضعف العباد مع تمام القدرة والممادح والمحامد وعدم ~~المعارض يستلزم الرحمة عقلا أيضا فهي من المحكمات لامن المتشابهات على أن ~~الله سبحانه أعلم وأحكم وأجل وأعظم وأعز في كبريائه عن أن يتخير ما ظاهره ~~الانتقاص والذم غرة شادخة لاسمائه الحسنى مقدمة في مثاني كتابه العظمى وهو ~~الذي بلغ كلامه أعلى درجات الاعجاز في البلاغة التي هي البلوغ إلى المراد ~~المقصود بأوضح العبارات وأجزلها وأبينها وأجملها # وأيضا فقد ثبت أن الرحمن مختص بالله تعالى وحده ويحرم إطلاقه على غيره ~~ولو كانت الرحمة له مجازا ولغيره حقيقة كان العكس أوجب وأولى وما المانع ~~للمسلم من اثباتها صفة حمد ومدح وثناء كما علمنا ربنا مع نفي # PageV01P127 # صفات النقص المتعلقة برحمة المخلوقين عنه تعالى كما أثبتنا له اسم الحي ~~العليم الخبير المريد مع نفي نقائص المخلوقين في حياتهم المستمرة لجواز ~~التألم بأنواع الآلام ثم للموت الذي لابد منه لجميع الاحياء من الانام ~~وكذلك ينزه سبحانه عما في علمهم الناقص بدخول الكسب والنظر في مباديه ~~والاستدلال والاضطرار في منتهاه الذي يستلزم الجسمية والبينة المخصوصة ~~والحدوث ويعرض له التغير والنسيان والخطأ والشغل ببعض المعلومات عن بعض ~~وكذلك تنزه ارادته عما في ارادتنا من استلزام الحاجة إلى جلب المنافع ودفع ~~المضار ونحو ذلك وكذلك كل صفة يوصف بها الرب سبحانه ويوصف بها العبد وان ~~الرب يوصف بها على أتم الوصف مجردة عن جميع النقائص والعبد يوصف بها محفوفة ~~بالنقص وبهذا فسر أهل السنة نفي التشبيه ولم يفسروه بنفي الصفات وتعطيلها ~~كما صنعت الباطنية الملاحدة # ويدلك على قبح تأويل ms113 هذه الاسماء الشريفة في الفطر كلها إنك تجد المعتزلي ~~يستقبح تأويل الاشعرية للحكيم غاية الاستقباح والاشعري يستقبح تأويل ~~المعتزلة البغدادية للسميع البصير المريد غاية الاستقباح والسني يستقبح ~~تأويل المعتزلة والاشعرية للرحمن الرحيم الحكيم غاية الاستقباح والكل ~~يستقبحون تأويل القرامطة لجميع الاسماء الحسنى غاية الاستقباح ومتى نظرت ~~بعين الانصاف وجدتهم في ذلك كما قيل # (وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا) # وكذلك نجد كل واحد منهم يلزم المنكر عليه مثل ما ألزمه فان المعتزلة ~~والاشعرية إذا كفروا الباطني بانكار الاسماء الحسنى والجنة والنار يقول لهم ~~الباطني لم أجحدها إنما قلت هي مجاز مثل ما انكم لم تجحدوا الرحمن الرحيم ~~الحكيم وإنما قلتم إنها مجاز وكيف كفاكم المجاز في الايمان بالرحمن الرحيم ~~وهما أشهر الاسماء الحسنى أو من أشهرها ولم يكفني في سائرها وفي الجنة ~~والنار مع أنهما دون أسماء الله بكثير وكم بين الايمان بالله وبأسمائه ~~والايمان بمخلوقاته فاذا كفاكم الايمان المجازي بأشهر الاسماء الحسنى فكيف ~~لم يكفني مثله في الايمان بالجنة والنار والمعاد يوضحه أن الاجماع منعقد ~~على كفر من قال أن الله يأمر بالفسق والمعاصي حقيقة # PageV01P128 # وقد قال الزمخشري بذلك مجازا في تفسيره {أمرنا مترفيها ففسقوا فيها} ولم ~~يكفر بذلك وكذلك قال بعض الاشعرية أن الله تعالى يحب المعاصي مجازا ولم ~~يكفروه بذلك ولو قالوه حقيقة كفروا فدل على أن الايمان المجازي في موضع ~~الحقائق كلا شيء فكما لم يضره من آمن بالامر بالقبائح مجازا فكذلك لا ينفع ~~من آمن بالرحمن الرحيم الحكيم مجازا لأنهم بمنزلة الزمخشري في إيمانه بأمر ~~الله بالفسق مجازا مع نفيه لذلك أشد النفي واعتقاده أنه كالعدم يوضحه أنه ~~لا شك ولا خلاف في كفر من آمن بالنبوات مجازا ونفاها حقيقة فأسماء الله ~~الحسنى المعلوم تمدحه بها في جميع كتبه أجل وأعظم من جنته وناره وأنبيائه ~~فلا يكفي الايمان بشيء منها مجازا إلا أن يصح في ذلك اجماع قاطع وبرهان ~~الله أقطع في بعض المواضع يؤمن معه من الوقوع في البدعة ms114 والفرقة المنهي ~~عنهما بالنصوص والاجماع وكذلك يقول بعضهم لبعض فيما اختلفوا فيه كما يقول ~~لهم الباطني # وكذلك محبة الله تعالى لأنبيائه وأوليائه التي هي أعظم فضل الله العظيم ~~عليهم وأشرف ما يرجونه من مواهبه العظام وقد نص الله تعالى على ذلك في غير ~~آية من كتابه الكريم كقوله تعالى {يحبهم ويحبونه} وقوله تعالى {والله يحب ~~الصابرين} وكذلك كون الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وأكبر من ذلك أن ~~الله تعالى اتخذ ابراهيم صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم خليلا بالنص ~~القرآني واتخذ محمدا صلى الله عليه وسلم خليلا بالنص النبوي والحلة في ~~اللغة العربية أرفع مراتب المحبة ولم تزل هذه النصوص مقررة مجللة معتقدة مع ~~تنزيه الله تعالى من نقائصها مثل تنزيهه من نقائص علم المخلوقين وارادتهم ~~في العليم المريد وغيرهما حتى فشت البدعة واجتمعت كلمة المعتزلة والأشعرية ~~على تقبيح نسبة الرحمة والحلم والمحبة والخلة إلى الله تعالى إلا بتأويل ~~موجب لنفي هذه الأشياء عن الله بغير قرينة وموجب تحريم اطلاقها إلا مع ~~القرينة فيجوز عندهم أن تقول إن الله غير رحيم ولا رحمن ولا حليم ولا يحب ~~المؤمنين ولا الصابرين ولا المتطهرين # PageV01P129 # ولا اتخذ ابراهيم خليلا بغير قرينة ولا تأويل كما يجوز أن تقول في الجدار ~~أنه ليس بمريد ولا يجوز ذلك الاثبات إلا بالتأويل والقرينة الدالة عليه # والمسلم بالفطرة ينكر هذه البدع وبالرسوخ في علم الحديث يعلم بالضرورة ~~حدوثها وأن عصر النبوة والصحابة بريء منها مثل ما يعلم أن المعتزلة أبرياء ~~من مذهب الأشعرية وأن الأشعرية أبرياء من مذهب المعتزلة وأن النحاة أبرياء ~~من مذهب الشعوبية وأمثال ذلك فيجب تقرير ذلك وأمثاله مما وصف الله تعالى به ~~ذاته الكريمة على جهة التمدح والحمد والثناء وسيأتي الجواب عن سبب تخلف ~~الرحمة لكثير من أهل البلاء كما يتخلف العطاء عن كثير من الفقراء ولا يقدح ~~ذلك في مدح الله بالجود والكرم حقيقة باجماع المسلمين لمعارضة الحكمة في ~~الموضعين سواء وقد جود الغزالي القول في هذا المعنى في المقصد الامنى فلا ~~حاجة ms115 إلى التطويل بنقل كلامه وموضعه معروف # والدليل على أنه لا يجوز القول بأن ظاهر هذه الاسماء كفر وضلال وأن ~~الصحابة والسلف الصالح لم يفهموا ذلك أو فهموا ولم يقوموا بالواجب عليهم من ~~نصح المسلمين وبيان التأويل الحق لهم أمران الأول قاطع ضروري وهو أن العادة ~~توجب في كل ما كان كذلك أن يظهر التحذير منه من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومن أصحابه يتواتر أعظم مما حذروا من الدجال الأعور الكذاب ولا يجوز ~~عليهم مع كمال عقولهم وأديانهم أن يتركوا صبيانهم ونساءهم وعامتهم يسمعون ~~ذلك منسوبا إلى الله وإلى كتابه ورسوله وظاهره الكفر وهم سكوت عليه مع ~~بلادة الأكثرين ولو تركوا بيان ذلك ثقة بنظر العقول الدقيق لتركوا التحذير ~~من فتنة الدجال فان بطلان ربوبيته أجلى في العقول من ذلك ألا ترى أن ~~المتكلمين لما اعتقدوا قبح هذه الظواهر تواتر عنهم التحذير عنها والتأويل ~~لها وصنفوا في ذلك وأيقظوا الغافلين وعلموا الجاهلين وكفروا المخالفين ~~وأشاعوا ذلك بين المسلمين بل بين العالمين فكان أحق منهم بذلك سيد المرسلين ~~وقدماء السابقين وأنصار الدين الثاني أنه قد ثبت في تحريم الزيادة في الدين ~~أنه لا يصح سكوت الشرع عن النص على ما يحتاج اليه من مهمات الدين # PageV01P130 # وثبت أن الاسلام متبع لا مخترع ولذلك كفر من أنكر شيئا من أركانه لأنها ~~معلومة ضرورة فأولى وأحرى أن لا يجيء الشرع بالباطل منطوقا متكررا من غير ~~تنبيه على ذلك لا سيما إذا كان ذلك الذي سموه باطلا هو المعروف في جميع ~~آيات كتاب الله وجميع كتب الله ولم يأت ما يناقضه في كتاب الله حتى ينبه ~~على وجوب التأويل والجمع أو يوجب الوقف بل لم يأت التصريح بالحق المحض عند ~~كثير منهم قط في آية واحدة تكون هي المحكمة ويرد اليها جميع المتشابه فان ~~الله ذكر أنه نزل في كتاب آيات محكمات ترد اليها المتشابهات ولم يقل أن ~~جميع كتابه متشابه فأين الآية المحكمة التي دلت على ما يقولون # وقد اعترف الرازي في كتابه ms116 الاربعين وهو من أكبر خصوم أهل الأثر أن جميع ~~الكتب السماوية جاءت بذلك ولم ينص الله تعالى في آية واحدة على أنه منزه من ~~الوصف بالرحمة والحلم والحكمة وأنه ليس برحيم ولا رحمن ولا حليم ولا حكيم ~~ولا سميع ولا بصير وهذا خليل الله تعالى الذي مدح نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم بمتابعته يقول لأبيه {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني ~~عنك شيئا} إلى قوله {إن الشيطان كان للرحمن عصيا} فكيف يحسن تقرير الخلاف ~~في ذلك كله بين المعظمين من علماء الاسلام من غير تحذير منه ولا زجر عنه ~~وأمثال ذلك على ما ادعاه علماء الاثر وهو كذلك وإن لم يعترف به وهذه الكتب ~~السماوية موجودة كلها # (وهبك تقول هذا الصبح ليل ... أيعمى العالمون عن الضياء) # فان قيل ورود المتشابه في القرآن معلوم مجمع عليه ولابد أن يكون ظاهر ~~المتشابه باطلا وإلا لما وجب التأويل فما هذا التهويل # قلنا أما وروده فمعلوم لا ينكر وأما تفسيره بما يوجب أن يكون ظاهره باطلا ~~فغير صحيح لقول الراسخين في العلم آمنا به كل من عند ربنا ولذم الله الذين ~~في قلوبهم زيغ بابتغاء تأويله وقد تقدم هذا فلا نسلم قبح ظاهره بل هو محل ~~النزاع بل نقول هو قسمان # PageV01P131 # أحدهما لا ظاهر له ولا يفهم منه شيء فلا يضل به أحد وذلك مثل حروف التهجي ~~في أوائل السور على الصحيح كما تقدم فحكمه الوقف في معناه وكذلك المشترك ~~الذي تجرد عن القرائن في حق من لم يعرف قرينه مرجحة لاحد معانيه وما جري ~~هذا المجرى وقد تقدم الوجه في جواز ورود السمع بمثل هذا ولا يجوز القطع على ~~خلوه عن الحكمة لجواز فهم البعض له ولو رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده ~~أو لجواز أن تكون الحكمة فيه غير فهم معناه ولعدم الدليل القاطع على أنا ~~مخاطبون بهذا الجنس # النوع الثاني من المتشابه ما كان له ظاهر يسبق إلى افهام أهل اللغة ولكن ~~خفيت الحكمة ms117 فيه على العقول مثل عدم العفو عن المشركين في الآخرة وعمن شاء ~~الله من المذنبين مع أن العفو أرجح وأحب إلى الله تعالى في جميع كتبه ~~وشرائعه وأحكامه وأوامره فهذا نؤمن بظاهره ولا نقول أن ظاهره باطل بل نقول ~~أن الحكمة فيه خفية ولو أنا علمناها لعرفنا حسنه بل نقطع أنا أجهل من أن ~~نعلم جميع حكم الله في جميع أحكامه ولو علمنا الله تعالى نصف ما يعلمه لجاز ~~أن تكون الحكمة في هذا النصف الذي لم يعلمناه كيف وقد صح أن جميع علم ~~الخلائق في علم الله مثل ما يأخذه الطائر بمنقاره من البحر الأعظم # وأما المجاز المعلوم أنه مجاز مثل {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} ~~{فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} فليس من المتشابه ~~فان هذا يعرف معناه جميع أجلاف العرب ولا يصح دخول اللبس والاختلاف في ~~معناه ولذلك لم يقل بنفي عمى الابصار لأن معنى الآية نفي عمي القلوب عن ~~الابصار وأن عمي القلوب هو الحقيقي العظيم المضرة والابصار لا تعمى عنه ~~إنما تعمى القلوب وكذلك الأمر بخفض جناح الذل معلوم أن المراد به الخضوع ~~للوالدين واللطف بهما ونحو ذلك وكذلك كلما وضحت فيه احدى القرائن المجازية ~~الثلاث # PageV01P132 # المعروفة اللفظية والعقلية والعرفية ولم تكن القرينة خفية مختلفا فيها ~~كما سيأتى بيانه إن شاء الله تعالى # وقد تم الكلام في بيان تحريم الزيادة في الدين والنقص منه وقلما تدخل ~~البدعة على السني من هذين الامرين وأكثر ما تدخل عليه من التصرف في ~~العبارات وهو الامر الثالث الذي وعدت بذكره مفردا لكثرة مضرته وإن كان في ~~الحقيقة راجعا إلى الزيادة في الدين فأقول # الامر الثالث التصرف في عبارات الكتاب والسنة والرواية بظن الترادف في ~~الألفاظ واعتقاد الترادف من غير يقين وقد تفاحش الأمر في ذلك ونص القرآن ~~على النهي عن التفرق فوجب تحريم ما أدى اليه والاختلاف في معاني كتاب الله ~~تعالى ورواية ما قال الله ورسوله بالمعنى قد أدى ذلك إلى الحرام المنصوص ms118 ~~ولم يكن من الانصاف أن نقول الحق متعين منحصر في عبارات بعض فرق الاسلام ~~دون بعض غير ما ثبت في إجماع الامة والعترة فوجب أن يعدل إلى أمر عدل بين ~~الجميع فتترك كل عبارة مبتدعة من عبارات فرق الاسلام كلها سواء علمنا ~~بالعقل أنها حق أو باطل لأنه لا يجب الاشتغال بكل حق فقد نعلم من أمور ~~الدنيا ما لا يحصى ولا تجب علينا معرفته وتعريفه مثل ما اشتملت عليه ~~التواريخ من حوادث الزمان وعجائب أخبار البلدان بل ما تضمن المفاسد من الحق ~~حرم فلذلك قد يكون من الحق ما هو حرام بالاجماع والنص كالغيبة والنميمة متى ~~أردنا بالحق مجرد الصدق والمطابقة فلذلك لا ينبغي الاشتغال ببعض العلوم ~~وغيرها لمجرد كونها حقا حتى يرد الشرع بالأمر بذلك ليعلم بالشرع أنه حق ~~متضمن لمفسدة راجحة أو مساوية والله أعلم وكذلك ما كان من أمور الدين التي ~~لم ينص فرض معرفتها في كتاب الله ولا السنة المتفق على صحتها # فان قلت هذا صحيح متى ثبت أنه يجوز على العلماء والثقات الخطأ في فهم ~~المعنى أو في التعبير عما فهموا أو فيهما معا فما الدليل على جواز ذلك على ~~العلماء حيث لم يصح إجماعهم # قلت الدليل على ذلك أمور كثيرة أذكر منها ما حضر والله الهادى # PageV01P133 # منها أنه ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (نضر ~~الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها فرب حامل فقه إلى من هو ~~أفقه منه) وفي رواية فرب حامل فقه غير فقيه وثبت أن الفتنة وقعت بين ~~الصحابة ما لها سبب إلا اختلافهم في الفهم وثبت في الصحيح أن عدي بن حاتم ~~الصحابي رضي الله عنه غلط في معنى قوله تعالى {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود} وجعل تحت وسادته عقالين أسود وأبيض فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إنك لعريض القفا أو عريض الوساد وثبت في الصحيح أن ابن عمر ~~رضي الله عنهما لما روى ms119 حديث الميت يعذب ببكاء أهله قالت عائشة ما كذب ~~ولكنه وهل أي أخطأ في فهم ما سمع # وفي الصحيح عنه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (أرأيتكم ~~ليلتكم هذه فان على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض ~~أحدا) خرجه البخاري ومسلم وزاد فيه الترمذي وأبو داود قال ابن عمر فوهل ~~الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يتحدثونه من هذه ~~الأحاديث يعني حسبوه أراد القيامة وفي المستدرك عن علي عليه السلام نحو هذا # وأوضح من هذا كله أن النبي صلى الله عليه وسلم شرط التعمد فقال (من كذب ~~علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) وهو حديث متواتر فلولا جواز الخطأ ما ~~كان لذلك فائدة وثبت أيضا أن عمر رضي الله عنه شك في حديث فاطمة بنت قيس ~~لمثل ذلك بل شك في حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه في التيمم لخوف الوهم ~~فان عمارا لا يتهم بتعمد الكذب ولذلك أذن له في روايته مع شكه في صحته وثبت ~~عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال (ما عندنا إلا كتاب الله وما في ~~هذه الصحيفة) أو فهم أوتيه رجل فدل على التفاوت في الفهم ويدل عليه من كتاب ~~الله قوله سبحانه {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} # يوضح ذلك أنه قد اشتد اختلاف العلماء في أمرين أحدهما رواية الحديث ~~بالمعنى حيث يستيقن الترادف والاستواء المحقق في العموم والخصوص والخفاء ~~والجلاء وأن لا تنقل اللفظة المشتركة إلى لفظة غير مشتركة ولا # PageV01P134 # العكس ولا لفظة لها مجاز إلى لفظة لا مجاز لها ولا العكس ولا يعبر ~~بالحقيقة عن المجاز ولا العكس ولا بالمنطوق عن المفهوم ولا العكس ولا ~~بالمطابقة عن التضمن ولا الالتزام ولا العكس وأمثال ذلك # فاذا اجتمعت هذه الشرائط وعلم اجتماعها فهو محل الاختلاف الشديد في ~~الرواية بالمعنى فمنهم من أجاز الرواية بالمعنى للضرورة ومنهم من منعها ~~خوفا من المفسدة ومنهم من فصل فقال أن ms120 كان اللفظ النبوي محفوظا لم يجز سواه ~~ومنهم من عكس وقال إن كان محفوظا جاز لأن معنى اللفظ المحفوظ معروف يتمكن ~~من تبديله بمثله ومعنى اللفظ المنسي غير معروف إلى غير ذلك من الأقوال # ولولا ضرورة الترجمة للعجم ما شك منصف أن الأولى منع هذا سدا للذريعة إلى ~~تحريف المعاني النبوية لأن كل أحد حسن الظن بنفسه وقد يظن بل يقطع أن ~~المعنى واحد وليس كذلك يوضحه أن الدليل على أن المعنى واحد ليس الا عدم ~~الوجدان لمعنى آخر لجواز الاشتراك أو لتجوز وهذا دليل ظني والظن هنا غير ~~مفيد # فثبت أنه لا يجوز إلا للضرورة المجمع عليها كالترجمة للعجمي ولذلك كان ~~بيان الموقوف على الصحابي من المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم واجبا ~~ولم يحل رفع الموقوف الذي لا مجال للعقل في معرفته وإن جاز العمل به لحسن ~~الظن بالصحابي فلا يحل رفعه وثبت عن ابن مسعود أنه كان إذا قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم استقبلته الرعدة وقال هكذا إن شاء تعالى أو أو ~~ذكره الذهبي في ترجمته من التذكرة وسمى أبو بكر رضي الله عنه تفسيره ~~للكلالة رأيا لأجل هذا رواه البغوي في تفسيره وغيره وإلا فما فسرها إلا ~~بمقتضى اللغة العربية # فان قلت لابد من العمل بدلالة التضمن والالتزام فكيف منعت منهما # قلت لم أمنع من العمل بهما في العمليات الظنيات وإنما منعت من أمرين ~~أحدهما تبديل المطابقة بهما فكما أنه لا يجوز لك أن تقول أن الله حرم عظام ~~الخنزير وشعره أعني لا يجوز أن تنسب ذلك إلى قول الله ونصه # PageV01P135 # بدلالة التضمن وهي أن هذه الأشياء بعض الخنزير الذي حرمه الله تعالى وهو ~~متضمن لها وان كان لك أن تذهب إلى ذلك وتعمل فيه بمقتضى ما تضمنه على أن ~~المنصوص من تحريمه هو لحمه لا جملته وثانيهما العمل بالتضمن والالتزام في ~~الاعتقاد القاطع لأنهما غير قاطعين ولا ضرورة اليهما فيه ولخوف الفتنة وفتح ~~أبواب الاختلاف والتفرق المنهي عنه # وقد روى البخاري ms121 ومسلم والنسائي حديث ابن عمران الجوني عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم اقرأوا القرآن ما أئتلفت عليه قلوبكم فاذا اختلفتم فقوموا عنه ~~وشواهده كثيرة فهذا في القرآن المأمور بالاعتصام به كيف بما سواه # الامر الثاني مما يدل على جواز الخطأ على أهل العلم في الفهم والتعبير ~~أنه اشتد اختلاف فطنائهم وأذكيائهم في تعريف الامور الظاهرة بالحدود ~~الجامعة المانعة وقد تسمى الحقائق فانه قد علم شدة اختلافهم في ذلك وقدح ~~بعضهم على بعض وعلم اجتهادهم في تحريرها وندور الحد الذي لا يعترض مع أن ~~كثيرا من الامور التي يتعرضون لحدها يكون جليا واضحا كالعلم والخبر وقد ~~اشتد الخلاف في تحديدهما كما ذكره ابن الحاجب في مختصر المنتهى وشراح كتابه ~~وغيرهم وكذلك يختلف المتكلمون والنحاة والفقهاء في نحو ذلك فثبت أن ~~المعبرين عن المعانى كالرماة للاغراض يقل منهم المصيب ومن يفوز من الاجادة ~~بنصيب # بل قد وضح في كتاب الله عز وجل اختلاف سليمان وداود عليهما السلام في ~~الفهم كما مضى ونص موسى على أن أخاه هارون أفصح منه لسانا فاذا ثبت جواز ~~الخطأ على العلماء في الفهم أولا ثم في التعبير عما فهموا ثانيا وكانوا قد ~~اختلفوا في كثير من القرآن والسنة وعبر كل منهم بعبارة محدثة مبتدعة وقد ~~رأيناهم متباعدي الفهم والاجادة في التعبير عن الجليات كالعلم والخبر مع ~~جمع الخواطر على تنقيح العبارة في الحدود وحذف الفضلات واجتناب المجاز وقصد ~~صحة الجمع لأوصاف المحدود والمنع من دخول غيره فيه والعناية التامة في ~~تحرير الحد على جميع شرائطه المعروفة والحذر من قدح الاذكياء فيه بأدنى أمر ~~يلمحه فطنهم الوقادة وقرائحهم النقادة فمع هذا الاحتراز الكثير وقع الخلل ~~الكبير في # PageV01P136 # تعريف كثير من الجليات التي هي أفعالنا كالخبر أو صفاتنا الوجدانية ~~كالعلم والوجود فكيف إذا وقع التعبير عن محارات العقول ومواقفها من أحكام ~~القدم والقديم سبحانه ونعوت جلاله الاكبر الاعز الاعظم وسائر ما يتعلق به ~~من الاسماء والاحكام ثم سائر دقائق الجواهر والاعراض وغوامض علم الكلام وما ~~لم تعرف العقول منه ms122 إلا مجرد العبارات الرائعة والاشارات الغامضة في أسرار ~~الاقدار والحكم الخفية وتأويل المتشابهات التي تفرد الرب سبحانه بعلمها على ~~الصحيح والجمع بين المتعارضات والخوض في الممنوعات مثل كلامهم في الروح مع ~~توقف النبي صلى الله عليه وسلم فيه ونزول القرآن بما يقتضي الكف عنه ورعا ~~وأدبا وحياء من الله ورسوله حتى تجاسروا على تأويل الروح بغير دليل # ومنتهى الامر أن ما قالوه محتمل فمجرد الاحتمال لا يبيح الممنوع من غير ~~يقين مع التساهل وعدم الاحتراز الذي ذكرناه في الحدود ومع اعتماد المجاز ~~والاستعارات والتورية والاشارات في كثير من المواضع على أن الله تعالى قد ~~حكى في كتابه من زجر الملائكة عن الخوض في بعض ذلك ما كان فيه كفاية وعبرة ~~حيث تعرضوا عليهم السلام لمعرفة سر القدر في أمر واحد وهو خلق آدم وذريته ~~بقولهم للملك العزيز العليم الحكيم {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ~~ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} فقوبلوا من الخطاب بما لم يكن لهم في حساب حتى ~~قيل لهم {إن كنتم صادقين} فيما خاطبهم به رب العالمين وأمرهم أن يكونوا ~~لآدم ساجدين وكان إبليس بسبب تكبره عن ذلك من الكافرين وهذا كله بسبب خوضهم ~~في السر الممنوع والامر المحجوب وكذلك موسى الكليم عليه أفضل الصلاة ~~والتسليم وهو المقرب نجيا والوجيه عند الله نصا جليا لما تعرض لما ليس من ~~شأنه من علم السر الذي هو تأويل المتشابه نزل إلى مقام السائل المحروم ~~والمخطئ المكظوم وقطع على خطا الخضر عليهما السلام في موضع كان يجب عليه ~~القطع فيه بتصويبه لما تقدم من أخبار الله تعالى له بأنه أعلم منه وسؤاله ~~لقاءه وإجابته دعوته # PageV01P137 # وتبليغه بفضل الله إلى ذلك كل ذلك لما تعرض لسر التأويل وفي مثل ذلك قيل # (وإن مقاما حار فيه كليمه ... ولم يستطع صبرا لخير العوالم) # (جدير بتحقيق عظيم وريبة ... من الوهم عند الجزم من كل عالم) # وفي البيت الثاني تنبيه للمتكلمين وغيرهم على ما لم يزل الاكابر يقعون ~~فيه من دعوى القطع واعتقاده من ms123 غير تحقيق فان موسى عليه السلام لولا اعتقد ~~القطع بخطإ الخضر ما أنكر عليه # وكذلك قطع كثير من علماء الكلام على صحة أدلتهم الموجبة لتأويل كلام علام ~~الغيوب بل هم دون الكليم المقرب الوجيه المعصوم بمسافات لا تدركها الخواطر ~~ونسبة علم الله تعالى إلى علم جميع العالمين كما جاء في الصحيح مثل ما أخذه ~~الطائر من البحر الزاخر # وما أحسن أدب البوني في قوله علم الخلائق في علم الله مثل لا شيء في جنب ~~ما لا نهاية له والقصد أن من عرف منه الخطأ في الجليات فكيف يكون حاله متى ~~خاض في هذه الخفيات وترك عبارات الحق الذي نص على أنها لا تبدل كلماته وانه ~~لا معقب لحكمه وان كتابه لو كان من عند غيره لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وانه ~~نور وشفاء وهدى لا ريب فيه فكيف تترك عبارات هذا المعجز الباهر وتبدل ~~بعبارات من لا عصمة له عن الخطأ بل عن القبائح والكفر أعاذنا الله تعالى ~~منه # ولقد تفاحش جهل أتباع المتكلمين ومقلديهم وغلوا في الدعاوى غلوا لم ~~يسبقهم اليه غلاة قدمائهم وسباق كبرائهم فهذا أبو القاسم البلخي الكعبي ~~إمام المعتزلة يقول في حق العامة هنيئا لهم السلامة هنيئا لهم السلامة ذكره ~~في كتابه المقالات وقد عد العامة فرقة وحدهم فأصاب # وصنف محمد بن منصور كتاب الجملة والألفة في النهي عن تكفير المختلفين في ~~أصول الدين وهو إمام التشيع للعترة وحتى أقوالهم وأفعالهم عليهم السلام على ~~ذلك وأنه مذهب من أدرك من المعتزلة كالجعفرين # PageV01P138 # وطول في ذلك ذكره صاحب الجامع الكافي في آخر الجزء السادس وهذا العلامة ~~ابن أبي الحديد المعتزلي مع توغله في علم الكلام يقول # (تاه الانام بأسرهم ... فاليوم صاحي القوم عربد) # (والله ما موسى ولا ... عيسى المسيح ولا محمد) # (عرفوا ولا جبريل وهو إلى محل القدس يصعد) # (من كنه ذاتك غير أنك واحد في الذات سرمد) # (عرفوا اضافات ونفيا والحقيقة ليس توجد) # (فليخسأ الحكماء عن ... حرم له الاملاك له سجد) # (من أنت يا رسطو ومن ... أفلاط ms124 مثلك يا مبلد) # (ومن ابن سينا حيث قرر ما هذيت به وشيد) # (هل أنتم إلا الفراش ... رأى السراج وقد توقد) # (فدنا فأحرق نفسه ... ولو اهتدى رشدا لأبعد) وفي ذلك يقول أيضا # (فيك يا أغلوطة الفكر ... تاه عقلي وانقضى عمري) # (سافرت فيك العقول فما ... ربحت الا عنا السفر) # (رجعت حسرى وما وقفت ... لا على عين ولا أثر) # (فلحى الله الاولى زعموا ... إنك المعلوم بالنظر) # (كذبوا إن الذي زعموا ... خارج عن قوة البشر) # وله في هذا المعنى أشياء بليغة كثيرة ذكرها في شرح نهج البلاغة في شرح ~~قول أمير المؤمنين عليه السلام وقد ذكر عجز العقول عن معرفة ذات الرب جل ~~جلاله فقال عليه السلام في ذلك امتنع منها بها واليها حاكمها قال ابن أبي ~~الحديد وهو قول لم تزل فضلاء العقلاء مائلين اليه ومعولين عليه أو كما قال # وقد استكثرت من كلامه على قدر تركي البسيط في هذا المختصر لمعارضة أصحابه ~~المعتزلة بكلامه فانهم يعترفون بعلو مرتبته فيهم # PageV01P139 # فأما أهل السنة ومن ينسب إلى نصرتهم من المتكلمين فهم بذلك أشهر ومما ~~قاله الفخر الرازي # (العلم للرحمن جل جلاله ... وسواه في جهلاته يتغمغم) # (ما للتراب وللعلوم وإنما ... يسعى ليعلم أنه لا يعلم) # وأنشد الشهرستاني في ذلك في أول كتابه نهاية الاقدام في علم الكلام # (لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم) # (فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم) # وصرح الغزالي بذلك في الاحياء وصنف فيه ولابن دقيق العيد فيه أبيات جيدة ~~مع علو مرتبته في المعقولات والمنقولات # واشتهر عن الجنيد نفع الله به على علو مرتبته انه كان يقول ما يعرف الله ~~إلا الله وجود الغزالي تفسير ذلك في مقدمات المقصد الاسنى وجود ذلك أيضا ~~الزركشي في شرحه جمع الجوامع للسبكي ودع عنك هؤلاء كلهم فقد كفانا كتاب ~~الله تعالى حيث يقول سبحانه {ولا يحيطون به علما} ولا أوضح من نص القرآن ~~إذا أجير من التأويل بغير برهان وكيف نتأول ذلك وهذا رسول ms125 الله صلى الله ~~عليه وسلم وآله وسلم وهو المبين لكتاب الله الواسطة المختارة بين الله وبين ~~عباد الله يقول في هذا المقام سبحانك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على ~~نفسك وقال في حديث آخر تطاع ربنا فتشكر وتعصى فتغفر وتجيب المضطر وتكشف ~~الضر ولا يجزى بآلائك أحد ولا يبلغ مدحك قائل هذا وهو أفصح وأعلم من ترجم ~~عن ممادح ربه سبحانه وهو المؤتى في ذلك لجوامع الكلم وحسناها وأنفسها عند ~~الله تعالى وأسناها وهو المخاطب بقول الله تعالى {وعلمك} # PageV01P140 # ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) فاعترف عليه السلام بقصور ~~عبارته عن بلوغ المرام في هذا المقام فكيف سائر الانام # (مرام شط مرمي الوصف فيه ... فدون مداه بيد لا تبيد) # فان قيل كيف السبيل إلى المنع من التعبير بغير عبارة الكتاب والسنة وقد ~~وقع التعبير في هذا الكتاب وغيره بذلك قلنا لم نمنع ذلك مطلقا إنما منعنا ~~ذلك في مهمات الدين التي وضحت فيها عبارات الكتاب والسنة ودلت الادلة على ~~انها منحصرة كما تقدم ولم تلجيء اليها ضرورة ولا اجتمعت شرائط اليقين في ~~مطابقة العبارات عنها # والنكتة في ذلك منع ما يؤدي إلى الاختلاف المحرم وتمييز ما يجب قبوله وهو ~~عبارات القرآن والسنة عما لا يجب قبوله على الجميع وهو عبارات من ليس ~~بمعصوم وليس يخالف في حسن هذا الاختيار مميز بعد فهم معناه والمقصود به وقد ~~يجمع بين عبارة الكتاب والسنة وعبارة أهل المعقولات إذا كان معناهما واحدا ~~جليا لا يؤدي إلى مفسدة ولا إلى اختلاف ولكن ليكون الجمع بينهما أظهر في ~~وضوح المعنى وتجليه لاهل العلوم المعقولات والمنقولات جميعا وآنس لهم حيث ~~اجتمعت عباراتهم على معنى متداول متفق عليه بين أهل المعارف من أئمة الفنون ~~كلها كما نذكره في مسألة الارادة من التعبير عن حكمة الله تعالى في ~~المتشابه لغرض العرض تارة وبالمراد الأول تارة وبالخير المحض تارة ~~وبالغايات الحميدة تارة وتأويل المتشابه والداعي والحكمة وداعي الحكمة ~~وأمثال ذلك والله الهادي # فهذا الكلام انسحب ms126 على من التهى عن ترك عبارات الكتاب والسنة وتولى من لم ~~يعصم للتعبير عنهما وما يجر ذلك من الخطأ وتوسيع دائرة الاختلاف المحرم وان ~~ذلك أدى إلى غموض الحق وخفائه وزاد الحق غموضا وخفاء أمران # أحدهما خوف العارفين مع قلتهم من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين ~~الخلق مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن واجماع أهل الاسلام وما زال الخوف ~~مانعا من اظهار الحق ولا برح المحق عدوا لاكثر الخلق # PageV01P141 # وقد صح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في ذلك العصر الأول حفظت من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين أما أحدهما فبثثته في الناس وأما ~~الآخر فلو أبثه لقطع هذا البلعوم وما زال الأمر في ذلك يتفاحش وقد صرح ~~الغزالي بذلك في خطبة المقصد الاسنى ولوح بمخالفته أصحابه فيها كما صرح ~~بذلك في شرح الرحمن الرحيم فأثبت حكمة الله ورحمته وجود الكلام في ذلك وظن ~~أنهم لا يفهمون المخالفة لان شرح هذين الاسمين ليس هو موضع هذه المسألة ~~ولذلك طوى ذلك واضرب عنه في موضعه وهو اسم الضار كما يعرف ذلك أذكياء ~~النظار # وأشار إلى التقية الجويني في مقدمات البرهان في مسألة قدم القرآن والرازي ~~في كتابه المسمى بالاربعين في أصول الدين في الكلام على تأثير الوصف العدمي ~~في دليل الاكوان وصرح بالمخالفة في ذلك في المحصول في باب القياس لأنهم ~~يتسامحون في المخالفة في الاصول الفقهية دون الاصول الدينية وتراه يشير في ~~نهاية العقول الاشارة الخفية الى مخالفتهم كما صنع في دليل الاكوان بعد ~~الاحتجاج في تماثيل الاجسام على ان الجسمية أمر مشترك حيث قال وفي هذا ~~الكلام نظر لم يزد على هذا وقد أشار الى انه راجع الى أن ما لا دليل عليه ~~يجب نفيه وقد بالغ في بطلانه كما أوضحته في العواصم وقد طول في مقدمات ~~النهاية في ابطال هذه الطريقة فتأمل أمثال ذلك منه # وفي صحيح البخاري باب كيف يقبض العلم وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر ~~بن حزم انظر ms127 ما كان من حديث النبي صلى الله عليه وسلم فأكتبه فانى أخاف ~~دروس العلم وذهاب العلماء ولا يقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم ~~وليفشوا العلم وليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم فان العلم لا يهلك حتى يكون ~~سرا وأورد فيه حديث ابن عمر مرفوعا ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه ~~من العباد وإنما يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس ~~رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا # قال ابن بطال معنى قوله ان الله لا ينتزع العلم من العباد انه لا يهب لهم ~~العلم ثم ينتزعه بعد أن تفضل به عليهم وانه يتعالى عن ان يسترجع ما وهب لهم ~~من علمه الذي يؤدي إلى معرفته والايمان به وانما يكون قبض # PageV01P142 # العلم بتضييع العلم فلا يوجد فيمن يبقى من يخلف من مضى وقد أنذر عليه ~~الصلاة والسلام بنقص الخير كله وما ينطق عن الهوى # وثانيهما الاعتماد على الكتابة في حفظ العلم فانه أدى إلى كتم أهل العلم ~~لكثير من مصونه في أول الأمر ثم لمهمات الدين في آخره وكان العلم في أول ~~الأمر يبذل من أهله لأهله مشافهة ولو سرا وذلك النقص وهو محفوظ في الصدور ~~غير مبذول لأهل الشرور في السطور فلما قل الحفظ وطال الأمر وكتب ليحفظ ~~وتعذرت الصيانة وخيف العدوان من أعداء أهل الايمان كتم بعضهم فلم يظهر علمه ~~فازداد النقص واتقي بعضهم فتكلم بالمعاريض الموهمة للباطل خوفا على نفسه ~~ورمز بعضهم فغلط عليه فيما قصده في رمزه فتفاحش الجهل وقد أوضحت كثرة الغلط ~~فيما أريد بيانه كيف لا فيما أريد كتمانه وما لا يجوز تفسيره إلا لمن علم ~~من صاحبه مراده بالنص فلما كثرت أسباب غموض الحق وجب الرجوع في أصله الذي ~~ضمن الله حفظه حيث قال {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وان يبتغي من ~~حيث ابتغاه خليل الله عليه السلام حيث قال {إني ذاهب إلى ربي سيهدين} كما ~~نص على ذلك معاذ رضي الله عنه حيث ms128 قال وأوصى به عند موته كما رواه الترمذي ~~والنسائي معافى المناقب والحاكم في الفتن من المستدرك وصححه على شرط مسلم ~~وهذا لفظه مختصرا عن زيد بن عمير أنه كان عند معاذ حين احتضر فكان يغشي ~~عليه ثم يفيق حتى غشي عليه غشية ظننا انه قد قبض فيها ثم أفاق وأنا مقابله ~~أبكى فقال ما يبكيك قلت أبكي على العلم والحلم الذي أسمع منك يذهب قال فلا ~~تبك فان العلم والايمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما فابتغه حيث ابتغاه ~~إبراهيم عليه السلام فانه سأل الله وهو لا يعلم وتلا {إني ذاهب إلى ربي ~~سيهدين} أه ونحو ذلك ما وهب الله من اليقين والفوز العظيم لأهل الكهف وكذلك ~~السحرة الذين آمنوا بموسى من غير طول نظر وقد غلل الله قبول النصارى للحق ~~بان منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ترى أعينهم تفيض من الدمع مما ~~عرفوا من الحق # PageV01P143 # فمن أراد احياء هذه السنة واتباعها خلع قيود عصبيات المذاهب ورسوم ~~عوائدهم وترك التقليد في تكفير الخصوم وترك جميع العبارات المبتدعة وأخلص ~~لله والتجأ اليه وتضرع وتورع وتذلل وتواضع واستأنف طلب العلم النافع من ~~الله بواسطة أهل الورع والتواضع والانصاف من علماء الطوائف كلها ولم يقلدهم ~~في دعاوي التفسير لكتاب الله تعالى وصحيح السنة حيث يختلفون حتى ينظر بتفهم ~~وانصاف أيهم أقوى دليلا وأوضح سبيلا مؤمنا بالله موقنا بمعونته وهدايته ~~وصدق وعده حيث قال سبحانه {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} وحيث قال على لسان ~~رسوله صلى الله عليه وسلم ومن أتاني يمشي أتيته أسعى ومن تقرب إلي شبرا ~~تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت اليه باعا فاذا علمنا على ذلك ~~لوجه الله وتعاونا عليه لله وبالله نظرنا في نصوص كتاب الله وصحيح سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فان وضح الحق من غير دقة وغموض ولا تعارض بين ~~النصوص ولم يجب التأويل بامر بين جلي مأمون الخطر باجماع أو ضرورة فلا معدل ~~عن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ms129 وآله وان وقع التعارض ~~المحقق وسعنا الوقف في ذلك ووكلنا علمه إلى الله تعالى امتثالا لقوله تعالى ~~{ولا تقف ما ليس لك به علم} وان كان التعارض غير محقق وانما هو اختلاف يمكن ~~فيه الجمع جرينا على القواعد الصحيحة المجمع عليها في الجمع بين المختلفات ~~وتركنا من حاد عنها بالمعاذير الخفية # وهذه القواعد هي مثل تقديم النص على الظاهر المحتمل والخاص على العام ~~والمبين على المجمل والمعلوم على المظنون والمتواتر على الآحاد والناسخ على ~~المنسوخ والمشهور على الغريب والصحيح على الضعيف والمتفق على صحته على ~~المختلف في صحته وكلام أئمة كل فن على من خالفهم ممن لا يعرف ذلك الفن أو ~~يعرف منه اليسير ولا يعرف ما عرفوه فان الأمر في ذلك كما قيل ليس العارف ~~كالبارع في المعرفة وشتان ما بين ليلة المزدلفة وليلة عرفة وكذلك نرجع في ~~شروط ذلك كله إلى الأدلة المقبولة # فان قيل لابد من تفسير الكتاب والسنة بغير الفاظهما وقد منعتم من # PageV01P144 # العبارات المبتدعة قلنا لم نمنع من ذلك مطلقا إنما منعنا منه حيث يضر ~~ويستغني عنه بعبارات الكتاب والسنة الجليلة التي لا تحتاج إلى تفسير كما ~~تقدم وأما التفسير فما كان من المعلومات بالضرورة من أركان الاسلام واسماء ~~الله تعالى منعنا تفسيره لأنه جلي صحيح المعنى وإنما يفسره من يريد تحريفه ~~كالباطنية الملاحدة وما لم يكن معلوما ودخلته الدقة والغموض فان دخله بعد ~~ذلك الخطر وخوف الاثم في الخطأ مما يتعلق بالعقائد تركنا العبارات المبتدعة ~~وسلكنا طريق الوقف والاحتياط إذ لا عمل يوجب معرفة معناه المعين وان لم ~~يدخل فيه الخطر عملنا فيه بالظن المعتبر المجمع على وجوب العلم به أو جوازه ~~والله الهادي # PageV01P145 ### | فصل في الارشاد إلى طريق المعرفة لصحيح التفسير # وأصح التفاسير عند الاختلاف بطريق واضح لا يشك أهل الانصاف في حسن ~~التنبيه عليه والاشاد اليه # اعلم ان كتاب الله تعالى لما كان مفزع الطالب للحق بعد الايمان وكان ~~محفوظا كما وعد به الرحمن ودخل الشيطان على كثير من طريق تفسيره وعدم ms130 الفرق ~~بين التفسير والتحريف والتأويل والتبديل ولو كان لكل مبتدع ان يحمله على ما ~~يوافق هواه بطل كونه فرقا بين الحق والباطل وقد ثبت انه يقذف بالحق على ~~الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق وهذا لا يتم إلا بحراسته من دعاوى المبطلين في ~~تصرفاتهم واحتيالهم على التشويش فيه ولبس صوادعه وقواطعه بخوافيه وهذه هذه ~~فليهتم المعظم له بمعرفتها ويتأملها حق التأمل ويتعرف على أسبابها ممن قد ~~مارسها وقد أوضحتها فيما تقدم من هذا المختصر وذكرت الصور الابع التي يغلط ~~فيها كثير من المتكلمين في اعتقاد وجوب التأويل بسببها أو بعضها فتأملها ~~وجود النظر في ذلك الفصل الذي ذكرتها فيه # فاذا عرفت ذلك فلا غنى عن معرفة مراتب المفسرين حيث يكون التفسير راجعا ~~إلى الرواية ثم مراتب التفسير حيث يكون التفسير راجعا إلى الدراية # أما مراتب المفسرين فخيرهم الصحابة رضي الله عنهم لما ثبت من الثناء ~~عليهم في الكتاب والسنة ولان القرآن أنزل على لغتهم فالغلط أبعد عنهم من ~~غيرهم ولانهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله عما أشكل عليهم ~~وأكثرهم تفسيرا حبر الامة وبحرها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وقد جمع # PageV01P146 # عنه تفسير كامل ولم يتفق مثل ذلك لغيره من الصدر الأول الذين عليهم في ~~مثل ذلك المعول ومتى صح الاسناد اليه كان تفسيره من أصح التفاسير مقدما على ~~كثير من الائمة الجماهير وذلك لوجوه أولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وآله دعا له بالفقه في الدين وتعليم التأويل أي التفسير كما تقدم تقريره في ~~الكلام على المتشابه وصح ذلك واشتهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وله ~~طرق في مجمع الزوائد وقال الحافظ أبو مسعود في أطرافه انه مما أخرجه ~~البخاري ومسلم بكماله وفيهما من غير طريق أبي مسعود عند سائر الرواة اللهم ~~علمه الكتاب والحكمة وفي رواية اللهم فقهه في الدين وفي رواية الترمذي أنه ~~رأى جبريل عليه السلام مرتين ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالحكمة ~~مرتين وينبغي معرفة سائر ms131 مناقبه مع ذلك في مواضعها ولولا خوف الاطالة ~~لذكرتها # وثانيها أن الصحابة اتفقوا على تعظيمه في العلم عموما وفي التفسير خصوصا ~~وسموه البحر والحبر وشاع ذلك فيهم من غير نكير وظهرت إجابة الدعوة النبوية ~~فيه وقصة عمر معه رضي الله عنهما مشهورة في سبب تقديمه وتفضيله على من هو ~~أكبر منه من الصحابة وامتحانه في ذلك # وثالثهما كونه من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة وستأتي الاشارة إلى ~~مناقبهم الغزيرة في آخر المختصر فيكون المعظم له والموفى له حقه في ذلك قد ~~قام بحق الثقلين وعمل بالوصية النبوية فيهما # ورابعهما أنه ثبت عنه إن كان لا يستحيل التأويل بالرأي روى عنه أنه قال ~~من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار وفي رواية بغير علم رواه ~~أبو داود في العلم والنسائي في فضائل القرآن والترمذي في التفسير وقال حديث ~~حسن وشرطه فيما قال فيه حديث حسن ان يأتي من غير طريق # وخامسها أن الطرق اليه محفوظة متصلة غير منقطعة فصح منها تفسير نافع ممتع ~~ولذلك خصصته بالذكر وإن كان غيره أكبر منه وأقدم وأعلم وأفضل مثل علي بن ~~أبي طالب عليه السلام من جنسه وأهله وغيره من أكابر الصحابة رضي الله عنهم ~~لكن ثبوت التفسير عنهم قليل بالنظر اليه رضي الله عنهم أجمعين # PageV01P147 # ثم المرتبة الثانية من المفسرين التابعون ومن أشهر ثقاتهم المصنفين في ~~التفسير مجاهد بن جبر المكي وعطاء بن أبي رباح وقتادة بن دعامة والحسن ~~البصري وأبو العالية رفيع بن مهران ومحمد بن كعب القرظي وزيد بن أسلم وكلهم ~~مخرج عنهم الحديث في دواوين الاسلام الستة وغيرها والاسانيد اليهم ~~بتفاسيرهم متصلة كما ذكره البغوي في أول تفسيره وغيره وقد نقم على بعضهم ~~أشياء سهلة لكن ينبغي التيقظ لها عند التعارض والاختلاف فان مثلها يؤثر في ~~الترجيح فينظر تراجمهم في تذكرة الذهبي وميزانه وأبسط منهما تهذيب شيخه ~~المزي وكتابه النبلاء وأمثالها من كتب الرجال وتواريخ علماء الاسلام ويلحق ~~بهؤلاء عكرمة مولى ابن عباس وهو دونهم لوقوع الخلاف فيه فان ms132 الخلاف فيه ~~كثير بين الصدر الأول لكن أكثره راجع إلى اعتقاده لأنه كان ينسب إلى رأي ~~الخوارج فيكون على ما يدل على مذهب الخوارج أضعف # وقد صنف جماعة في الذب عنه وجود ابن حجر في ذلك في مقدمة شرح البخاري لأن ~~البخاري احتج به وأهل السنن والأكثرون وتجنبه الامام مالك ومسلم في صحيحه ~~ثم بعده مقاتل بن حيان ومحمد بن زيد مهاجر احتج بهما مسلم وأهل السنن دون ~~البخاري وتكلم فيهما بعضهم بغير حجة بينة ثم علي بن أبي طلحة وهو قريب منه ~~احتج به مسلم وأهل السنن لكن قال أحمد له أشياء منكرات وقال الذهبي في ~~الميزان وقد روي عن ابن عباس تفسيرا كثيرا ممتعا والصحيح عندهم أن روايته ~~عن مجاهد عن ابن عباس وإن كان يرسلها عن ابن عباس فمجاهد ثقة يقبل وقد يعضد ~~تفسيره وتفسير أمثاله بمفهومات من القرآن مثل تفسيره لتقدير يوم القيامة ~~بخمسين الف سنة عن ابن عباس أنه في حق الكافر وذلك يعتضد بقوله تعالى {وكان ~~يوما على الكافرين عسيرا} وبقوله تعالى {على الكافرين غير يسير} وبقوله ~~تعالى {يقول الكافرون هذا يوم عسر} # PageV01P148 # وبأحاديث مرفوعة في ذلك منها ما رواه البغوي من طريق ابن ابي لهيعة عن ~~أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ومنها ما يأتي الآن في النوع الثالث ~~من مراتب التفسير ثم السدي الكبير يروى عن ابن عباس وطبقته بعد هؤلاء وهو ~~مختلف فيه وهو اسماعيل بن عبد الرحمن القرشي الكوفي وحديثه عند مسلم وأهل ~~السنن الأربعة وهو تابعي شيعي وربما كان الكلام فيه لمذهبه عند من يخالفه ~~وأما السدي الصغير محمد بن مروان عن الاعمش فواه جدا ومنهم محمد بن سليمان ~~الانباري أحد مشايخ أبي داود ورواة سننه ومنهم عطية العوفي عن أبي سعيد فيه ~~ضعف وكذلك محمد بن السائب الكلبي ومقاتل بن سليمان واهيان لا سيما مقاتل بن ~~سليمان فقد كذبه غير واحد ولم يوثقه أحد واشتهر عنه التجسيم والتشبيه ولذلك ~~لم يرو عنه من أهل الكتب الستة ms133 إلا النسائي قال كان لا يكذب يعني لا يتعمد ~~الكذب وأثنى عليه بعضهم بمعرفة التفسير وأما الكلبي فروى عنه الترمذي وحده ~~ولم يوثقه أحد # وكذلك تنبغي معرفة من جرح وكذب من متأخري المفسرين مثل أبي بكر محمد بن ~~الحسن النقاش توفي عام 351 # وإنما سقت لك ذكرهم لما قيل أن المفسرين أكثروا من حكاية الاقوال ~~المختلفة والحق يضيع بين قولين فصاعدا فأرشدت إلى طرف من الترجيح عند ~~الاختلاف وبقية المفسرين مذكورون في كتب الرجال ولكن المدار على من ذكرت في ~~الأكثر فهذه مراتب المفسرين فيما يرجع من التفسير إلى الرواية # وأما مراتب التفسير فيما يرجع منه إلى الدراية فهي ترجع إلى سبعة أنواع ~~النوع الأول تفسير المتكررات تكريرا كثيرا مثل آيات الاسماء الربانية ~~والصفات والمشيئة والاسماء المعروفة بالدينية وهي الاسلام والإيمان ~~والاحسان والمسلمون والمؤمنون والمحسنون وكذلك أسماء الظالمين والفاسقين ~~والكافرين وسائر ما يتعلق بالاعتقاد ويحتاج إلى مزيد بحث وانتقاد مما تورد ~~فيه الادلة والشبه والورود والمعارضات # PageV01P149 # وهذا القسم ينبغي أن يكون مفردا في مقدمات التفسير حتى يشبع فيه الكلام ~~من غير تكرير أو يؤخذ من مظانه من كتب الاعتقاد على الصفة التي أشرت اليها ~~في أول هذا المختصر في الانصاف ومعرفة أدلة الجميع وفي هذا المختصر من ذلك ~~كفاية إن شاء الله تعالى وما هو إلا كالمقدمة للتفسير فان اشتبه الصواب على ~~أحد في هذا القسم أو خاف وقوع فتنة من الخوض فيه والبحث عنه والمناظرة ترك ~~ذلك وكفاه الايمان الجملي لما ثبت في حديث جندب بن عبد الله عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال (اقرأوا القرآن ما أتلفت عليه قلوبكم فاذا ~~اختلفتم فقوموا عنه) رواه البخاري ومسلم وغيرهما وله شواهد قدر خمسة عشر ~~حديثا والمراد الاختلاف مع التعادي والتفرق كما هو عادة أهل الكلام دون ~~الاختلاف مع التوالي والتصويب كما هو عادة الفقهاء وسائر أهل العلوم وذلك ~~لما في حديث عمر مع هشام ابن حكيم في اختلافهما في القراءة وتقرير النبي ~~صلى الله عليه وسلم لهما ms134 على الاختلاف في القراءة ونهيهما عن الاختلاف في ~~التخطئة والمناكرة خرجه الجماعة وهو متواتر أو مشهور عند أئمة الحديث فقد ~~رواه ثمانية عشر صحابيا وما تقدم من حديث جندب وشواهده مما هو زيادة بيان ~~بعد قوله تعالى {ولا تفرقوا} وأمثالها وهي كافية شافية مغنية عن الاحاديث ~~لكن في اجتماع الكتاب والسنة قرة عيون المؤمنين وطمأنينة قلوب الموقنين وفي ~~البخاري والنسائي عن ابن مسعود نحوه وقد أشار إلى هذا محمد بن منصور الكوفي ~~وصنف فيه كتاب الجملة والالفة وذكره عن الكبراء من علماء العترة وغيرهم ~~وأنكر على أهل الكلام ما اختصوا به من التعادي عند الاختلاف في الدقائق ~~الخفية وهذا عارض هنا وليس هو موضعه # النوع الثاني تفسير القرآن بالقرآن وذلك حيث يتكرر في كتاب الله تعالى ~~ذكر الشيء ويكون بعض الآيات أكثر بيانا وتفصيلا وقد جمع من هذا القبيل ~~تفسير مفرد ذكره الشيخ تقي الدين في شرح العمدة ولم اقف عليه وقد يذكر ~~المفسرون منه أشياء متفرقة فمنه تفسير قوله تعالى في سورة المؤمن {وإن يك ~~صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم} # PageV01P150 # بأنه العذاب الأدنى المعجل في الدنيا لقوله سبحانه في آخر هذه السورة ~~{فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون} وقد تكرر هذا في ~~كتاب الله تعالى ومنه تفسير {فصل لربك وانحر} بقوله تعالى {إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي} ونحو ذلك ومنه تفسير قوله تعالى {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن ~~تميلوا ميلا عظيما} بأهل الكتاب كقول مجاهد لقوله تعالى {ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل} ويقويه ان ~~عصاة المسلمين لا يريدون فجور صالحيهم والآية وردت بضمير الغائب في ~~المريدين وضمير الخطاب في المائلين فقوى ذلك ومنه تفسير {من يعمل سوءا يجز ~~به} بقوله {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} فقوله ~~فيها ويعفو عن كثير مخصص لعموم من يعمل سوءا يجز به ومقيد لاطلاقها كأنه ~~قال الا أن يعفو بدليل هذه الآية مثل ما انها مخصصة بآيات التوبة ms135 فانه مقدر ~~فيها إلا أن يتوبوا بالاجماع وبالنصوص في التائبين وهذه الآية دالة على ~~اشتراط عدم العفو وعلى اعتبار مصائب الدنيا في عذاب المسلمين ووعيدهم كما ~~دل على ذلك حديث علي عليه السلام في تفسيرها وحديث أبي بكر رضي الله عنه في ~~تفسير {من يعمل سوءا يجز به} ولذلك طرق شتى وفيه أحاديث كثيرة مجمع على ~~معناها وأحاديث الحسنة بعشر أمثالها أو أزيد والسيئة بمثلها أو أعفو وطرقه ~~صحيحة كثيرة كما يأتي في مسألة الوعد والوعيد # ومنه حمل المطلق على المقيد والعام على الخاص كنفي الخلة والشفاعة في آية ~~مطلقا وقد استثنى الله المتقين من نفي الخلة في قوله تعالى {الأخلاء يومئذ ~~بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} # PageV01P151 # ) واستثنى ما أذن فيه من الشفاعة بقوله في آية {من بعد أن يأذن الله لمن ~~يشاء ويرضى} # ومنه الجمع بين ما يتوهم أنه مختلف كخلق بني آدم من تراب كما في الكهف ~~ومن طين في غير آية وهو تراب مختلط بالماء ففيه زيادة على التراب المطلق ~~وكذلك خلقه من صلصال فانه أخص من الجميع لأنه طين مخصوص ومنه تقديم المنطوق ~~على المفهوم وأوجب منه تقديم تفصيل القول المنطوق على عموم المفهوم لأن ~~الخاص يقدم على العام المنطوق فكيف لا يقدم على عموم المفهوم # النوع الثالث التفسير النبوي وهو مقبول بالنص والاجماع قال الله تعالى ~~{وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وقال {لتبين للناس ما نزل ~~إليهم} وفي الحديث لا يأتي رجل مترف متكئ على أريكته يقول لا أعرف إلا هذا ~~القرآن ما أحله أحللته وما حرمه حرمته إلا واني أوتيت القرآن ومثله معه ألا ~~وان الله حرم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ويدل على ذلك أن الاجماع ~~قد انعقد على نسخ وجوب الوصية للوارثين بحديث لا وصية لوارث وهو حديث حسن ~~وإذا وجب قبول ذلك في نسخ فريضة منصوصة فيه فكيف بسائر البيان والتخصيص ~~وقبوله في نسخ وجوب الوصية اجماع العترة والأمة # وقد اشتملت على ذلك الصحاح والسنن ms136 والمسانيد وجمع بحمد الله تعالى وجمعت ~~منه الذي في جامع الاصول ومجمع الزوائد ومستدرك الحاكم أبي عبد الله ويلحق ~~بذلك أسباب النزول وقد أفرده الواحدي وغيره بالتأليف وهو مفيد جدا لأن ~~العموم الوارد على سبب مختلف في تعديه عن سببه وهو نص في سببه ظني في غيره ~~وقد يقصر عليه بالاجماع كما ثبت في قوله تعالى في ذم الذين يفرحون بما أتوا ~~عن ابن عباس أنها نزلت في اليهود وفرحهم بما أتوا من التكذيب بالحق فلولا ~~ذلك أشكلت وتناولت من فرح # PageV01P152 # بما عمله من الخير وقد صح أن المؤمن من سرته حسنته وساءته سيئته والفرح ~~بالخير والطاعة من ضروريات الطباع والعقول # ومنه تفسير {والفتنة أشد من القتل} سببها وهو فتنة من أسلم حتى يعود إلى ~~الشرك ولولا ذلك وقع الغلط الفاحش في مواضع كثيرة ومنه تخصيص العمومات مثل ~~تحريم الصلاة على الحائض وسائر ما في السنن من أحكام الصلاة والزكاة ~~والصيام والحج وشروط قطع السارق ونحو ذلك واستيعابه في التفاسير غير معتاد # ومنه تقديم ذوي السهام على العصبات ومنع الكافر من ميراث المسلم وعكسه ~~واسقاط الأقرب للأبعد من العصبات والاقوى للأضعف # ومنه الجمع بين آيتي الكلالة فان الاولى في الاخوة من الام والاخرى فيمن ~~عداهم وأمثال ذلك مما لا غنى عنه ولابد ولا خلاف فيه # ومنه الزيادة في البيان كصلاة الخوف والبغوي مكثر من هذا وهو أمر مجمع ~~عليه ودليل على المبتدعة حيث يمنعون من بيان السنة للقرآن # ومنه ما يتقوى بالشواهد ومفهومات من القرآن كحديث أبي سعيد في تخفيف طول ~~يوم القيامة على المؤمن كما تقدم الان من رواية البغوي وقد أخرجه أحمد وأبو ~~يعلى بسند البغوي المقدم وحسنه الهيثمي لشواهده وذكر مثله عن أبي هريرة ~~وابن عمر وبسندين جيدين وعن ابن عمرو أيضا باسناد فيه رجل لم يعرف وقد ~~تقدمت شواهده من القرآن # النوع الرابع الآثار الصحابية الموقوفة عليهم وأجودها ما لا تمكن معرفته ~~بالرأي سواء رجعنا بالرأي إلى العقل أو إلى الاستنباط من اللغة وقد كانت ~~عادتهم ms137 الاشعار بالرأي في ذلك وأمثاله كما ذكره أبو بكر رضي الله عنه حين ~~فسر الكلالة برأيه ذكره البغوي وغيره # وقد ذكر السيد أبو طالب عليه السلام في المجزى ان عادتهم الاشعار بالرأي ~~فاذا جزموا بالتحريم ونحوه كان دليلا على رفعه وكذلك ذهب كثير من المفسرين ~~إلى مثل ذلك في تفاسيرهم المجزومة لا سيما من ثبت عنه تحريم # PageV01P153 # التفسير بالرأي كابن عباس رضي الله عنه ولذلك اشتملت على هذا النوع من ~~تفاسيرهم تفاسير أهل السنة لكن يحتاج إلى معرفة الاسناد اليهم فيما لم يكن ~~مصححا عنهم في دواوين الاسلام الصحيحة المشهورة ومن مظان ذلك المستدرك ~~للحاكم ففيه من ذلك الكثير الطيب وقد نقلته بحمد الله مع التفسير النبوي # النوع الخامس ما يتعلق باللغة والعربية على جهة الحقيقة فأما المتعلقات ~~اللغوية فهي جلية وقد صنف فيها مصنفات مختصرة على جهة التقريب مثل كتاب ~~العزيزي وليس فيه تنقيح كثير وأوضح منه وأخصر كتاب أبي حيان في ذلك لكنه ~~ربما أهمل بعض ما يحتاج اليه والمعتمد في ذلك كتب اللغة البسيطة دون ما ~~يؤخذ من كثير من المفسرين كما ذكره أبو حيان في أول كتابه ونبه عليه # وأما العربية فقد جود أبو حيان في ذلك وجمع الذي في تفسيره فجاء كتابا ~~جيدا مستقلا وهو المعروف بالمجيد في اعراب القرآن المجيد وقد اشتمل على ما ~~في الكشاف مع زيادة أضعافه وينبغي التنبيه في هذا النوع لتقديم المعروف ~~المشهور على الشاذ وتقديم الحقيقة الشرعية ثم العرفية ثم اللغوية ومعرفة ~~المشترك لما فيه من الاجمال وأخذ بيانه من غيره كتفسير عسعس بادبر لان عسعس ~~مشترك بين اقبال الليل وادباره وقد قال الله تعالى {والليل إذ أدبر} وفي ~~قراءة إذا أدبر فدل على ان أفضل الليل السحر كما دلت على هذا أشياء كثيرة ~~فيفسر بذلك عسعس وان كان مشتركا ويتفطن هنا لامور # أحدها الحذر من تفسير المشترك بكلا معنييه كتفسير عسعس بأول الليل وآخره ~~كما توهم مثل ذلك في الالفاظ العامة فانه لم يتحقق ورود اللغة بذلك ولذلك ms138 ~~لم يقل أحد باعتبار ثلاث حيض وثلاثة أطهار جميعا في العدة لما كانت القروء ~~مشتركة # وثانيها معرفة ما يظن انه حقيقة وهو مجاوز من مظانه كتاب أساس # PageV01P154 # البلاغة للزمخشري فانه جود القول فيه بل لا أعلم أحدا بين ذلك كما بينه ~~ولذلك قيل انه من روائع مصنفاته وبدائع مخترعاته فاذا عرفت حقيقة الكلمة ~~ومجازها لم يفسر فيهما معا أيضا # وثالثها الفرق بين دلالة المطابقة والتضمن والالتزام فالمطابقة هي ~~اللغوية دونهما وهي دلالة اللفظ على معناه الموضوع له كدلالة غسل أعضاء ~~الوضوء عليها جملة وان دل اللفظ على جزء المعنى فهو التضمن كدلالة آية ~~الوضوء على غسل العين لانها بعض الوجه وما تحت الاظفار والخاتم لانه بعض ~~اليد وان دل اللفظ على لازم ما وضع له فدلالة الالتزام كدلالة آية الوضوء ~~على وجوبه وهما عقليتان فيقدم عليهما ما عارضهما مما هو أرجح منهما من ~~الدلائل اللفظية على حسب القوة ألا تراهم رجحوا دلائل رفع السر والحرج على ~~دلالة غسل العين من الوجه وكذلك اختلفوا فيما تحت الاظفار والخاتم لذلك # النوع السادس المجازي وتعتبر فيه قرائن المجاز الثلاث الموجبات للعدول ~~اليه ولا حرم القول به والعدول اليه الاولى العقلية التي يعرفها المخاطب ~~والمخاطب كقوله {واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها} أي ~~أهملهما ومنه {جناح الذل} و {جدارا يريد أن ينقض} وهو كثير وليس هو من ~~المتشابه بل تعرفه أجلاف العرب الثانية العرفية مثل {يا هامان ابن لي صرحا} ~~أي مر من يبني لان مثله في العرف لا يبني الثالثة اللفظية نحو {مثل نوره} ~~فانها دليل على أن الله غير النور {يهدي الله لنوره من يشاء} فانها دليل ~~على أن المراد نور الهدى ويتيقظ هنا لما كان من جنس تأويل الباطنية فيرد ~~وان صدر من غيرهم فقد كثر جدا # وأما الدعوى الباطلة تجردها عن أحد هذه القرائن وأما ما يدعيه أهل الكلام ~~من الادلة التي لم يتفقوا على صحة دليل واحد منها فلا يجوز # PageV01P155 # تقليدهم في ذلك لا عندهم ولا ms139 عند غيرهم بل يجب البحث التام أو الامساك عن ~~التأويل حتى يقع الاجماع كما مر موضحا # ومن العقلي الجلي المجمع عليه تخصيص {وأوتيت من كل شيء} على ما يناسب ~~ملوك البشر من المعتاد في الدنيا دون العالم العلوي وأمور الآخرة والملائكة ~~والنبوة ونحو ذلك # النوع السابع ما لم يصح فيه شيء من جميع ما تقدم ويختلف فيه أهل التفسير ~~وأهل العلم مثل تفسير الحروف التي في فواتح السور وتفسير الروح ونحو ذلك ~~مما لم يصح دليل لنا على تفسيره ولا معنا ضرورة عملية تلجئ إلى وجوب البحث ~~عنه وقد يرتكب فيه مخالفة الظواهر ويبتني على أسباب مختلف في صحتها فالحزم ~~الوقف فيه لما تقدم من حديث ابن عباس في وعيد من فسر القرآن برأيه وعن جندب ~~مثله رواه أبو داود والترمذي وأوضح منهما قوله تعالى {ولا تقف ما ليس لك به ~~علم} # وهذا النوع السابع قسمان # قسم فيه مخاطرة كبيرة وخوف البدعة والعذاب وهو ما يتعلق بذات الله تعالى ~~ونحوه من المتشابهات وقد تقدم القول فيه في هذا المختصر وقد بسطته في ترجيح ~~أسباب القرآن على أساليب اليونان وقسم دونه مثل تعيين الشجرة التي أكل منها ~~آدم واسمها وأسماء أهل الكهف وأسماء سائر المبهمات وتطويل القصص والحكايات ~~فهذا لا بأس بنقله مع بيان انه لم يصح فيه شيء وعدم تعلق مفسدة به ولا دخول ~~شبهة في تحليل أو تحريم والله سبحانه أعلم # وأما التأويلات التي يدعى الاجماع على وجوبها سواء كانت من اجماع الامة ~~أو العترة فاعلم أن الاجماعات نوعان أحدهما تعلم صحته بالضرورة من الدين ~~بحيث يكفر مخالفه فهذا اجماع صحيح ولكنه مستغنى عنه بالعلم الضروري من ~~الدين وثانيهما ما نزل عن هذه المرتبة ولا يكون الا ظنا لانه ليس بعد ~~التواتر الا الظن وليس بينهما في النقل مرتبة قطعية بالاجماع وهذا هو حجة ~~من يمنع العلم بحصول الاجماعات بعد انتشار الاسلام كما # PageV01P156 # نص عليه الامام المنصور بالله في مجموعه والامام يحيى بن حمزة في المعيار ~~والرازي وغيرهم بسطته ms140 في غير هذا الموضع # وهذا آخر القول في القسم الاول من هذا المختصر وهو في ذكر المقدمات ~~العامة الجميلة ولو أفرد لاستقل بنفسه كتابا مفيدا ويتلوه القسم الثاني وهو ~~الكلام في المبهم من المسائل التفصيلية المختلف فيها بين أهل الاسلام وذكر ~~طرف صالح مما فيها من المباحث السمعية القريبة التي لا خطر في النظر فيها ~~ولا غنى لاهل المرتبة الوسطى عن معرفة مثلها لتقر عقائدهم إذ يستحيل من أهل ~~هذه المرتبة أن يطمأنوا إلى التقليد المحض وإنما يطمئن اليه من لم يدر قط ~~ما لتقليد ولا دري انه مقلد ومعظمها مهان # المهم الأول مقام معرفة كمال هذا الرب الكريم وما يجب له من نعوته ~~وأسمائه الحسنى وذلك من تمام التوحيد الذي لابد منه لان كمال الذات ~~باسمائها الحسنى ونعوتها الشريفة ولا كمال لذات لا نعت لها ولا اسم ولذلك ~~عد مذهب الملاحدة في مدح الرب بنفيها من أعظم مكائدهم للاسلام فانهم عكسوا ~~المعلوم عقلا وسمعا فذموا الامر المحمود ومدحوا الامر المذموم القائم مقام ~~النفي والجحد المحض وضادوا كتاب الله ونصوصه الساطعة قال الله جل جلاله ~~{ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه} وقال ~~سبحانه وتعالى {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء ~~الحسنى} فما كان منها منصوصا في كتاب الله وجب الايمان به على الجميع ~~والانكار على من جحده أو زعم ان ظاهره اسم ذم لله سبحانه وما كان في الحديث ~~وجب الايمان به على من عرف صحته وما نزل عن هذه المرتبة أو كان مختلفا في ~~صحته لم يصح استعماله فان الله أجل من ان يسمى باسم لم يتحقق انه تسمى به # وعادة المتكلمين أن يقتصروا هنا على اليسير من الأسماء ولا ينبغي # PageV01P157 # ترك شيء منها ولا اختصاره فان ذلك كالاختصار للقرآن الكريم ولو كان منها ~~شيء لا ينبغي اعتقاده ولا ذكره ما ذكره الله تعالي في القرآن العظيم # وعادة بعض المحدثين أن يوردوا جميع ما ورد في الحديث المشهور في تعدادها ms141 ~~مع الاختلاف الشهير في صحته وحسبك ان البخاري ومسلما تركا تخريجه مع رواية ~~أوله واتفاقهما علي ذلك يشعر بقوة العلة فيه كما أوضحته في العواصم ولكن ~~الاكثرين اعتمدوا ذلك تعرضا لفضل الله العظيم في وعده من أحصاها بالجنة كما ~~اتفق علي صحته وليس يستيقن احصاؤها بذلك الا لو لم يكن لله سبحانه اسم غير ~~تلك الاسماء فأما إذا كانت أسماؤه سبحانه أكثر من أن تحصي بطل اليقين بذلك ~~وكان الاحسن الاقتصار علي ما في كتاب الله وما اتفق علي صحته بعد ذلك وهو ~~النادر كما يأتي # وقد ثبت أن أسماء الله تعالي أكثر من ذلك المروي بالضرورة والنص أما ~~الضرورة فان في كتاب الله أكثر من ذلك كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالي ~~وأما النص فحديث ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول صلى الله عليه وسلم وآله ~~وسلم أنه قال ما قال عبد أصابه هم أو حزن (اللهم اني عبدك وابن عبدك وابن ~~امتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك هو لك سميت ~~به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم ~~الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي) ~~الا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكان حزنه فرحا رواه أحمد وأبو عوانة في ~~صحيحه وهذا اسناد أحمد قال ابن الجوزي في الحديث الاربعين من مسند ابن ~~مسعود من جامع المسانيد أخبرنا يزيد ابن هارون انا فضيل بن مرزوق أنا أبو ~~سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله ابن مسعود ~~بالحديث وقال الهيثمي في مجمع الزوائد رواه أحمد وأبو يعلا والبرار ورجال ~~أحمد وأبي يعلا رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان والقاسم ~~هذا هو ابن عبد الرحمن بن عبد الله ابن مسعود وليس هو الدمشقي المختلف فيه ~~بل هو ثقة لم يتكلم عليه وهو من رجال البخاري وأهل السنن ms142 ولم يذكره الذهبي ~~في الميزان إلا للتمييز بينه وبين # PageV01P158 # المختلف فيه وكذلك لم يذكره ابن حجر فيمن انتقد على البخاري وأبوه عبد ~~الرحمن من رجال الجماعة متفق عليه الا أن سماعه من أبيه ليس بمشهور فحديثه ~~عنه في السنن الأربع وقال ابن معين والمزي قد سمع من أبيه ومن علم حجة على ~~من لم يعلم وأبو سلمة هو الجهني وثقة ابن حبان ولم يذكره في الميزان وعدم ~~ذكره في الميزان دليل على ثقته لا سيما مع تصحيح أبي عوانة للحديث وبقيتهم ~~رجال الصحاح فثبت هذا الحديث # وثبت ان حصر الاسماء التسعة والتسعين لا ينال الا بتوفيق الله تعالى ~~كساعة الاجابة يوم الجمعة لانها مجملة في أسماء الله فلنذكر هنا ما وجدناه ~~منصوصا من الأسماء في كتاب الله باليقين من غير تقليلد فانها أصح الأسماء ~~وأحبها إلى الله تعالى حيث اختارها في أفضل كتبه لا فضل أنبيائه والذي عرفت ~~منها إلى الآن بالنص صريحا دون الاشتقاق في القرآن مائة وخمسة وخمسون غير ~~الممادح السلبية كما سيأتي وفيها اسم واحد بالمفهوم المعلوم وهو الاعز ذكره ~~ابن حجر في تلخيصه ولم أجده بنصه فذكرته فيها ولم أحسبه في العدد المذكور ~~وهو أخذه من قوله تعالى {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} جوابا على قول ~~المنافقين ليخرجن الاعز منها الأذل وهي هذه وهي الاعتقاد متى سأل عنه سائل # هو الله الذي لا إله إلا هو الا له الصمد الواحد الاحد الرحمن الرحيم ذو ~~الرحمة الواسعة أرحم الراحمين خير الراحمين العفو الغفور الغافر الغفار ~~واسع المغفرة أهل التقوى وأهل المغفرة خير الغافرين الحاكم الحكم الحكيم ~~الاحكم أحكم الحاكمين خير الحاكمين العالم العليم الاعلم علام الغيوب الرب ~~البر الواسع الموسع الملك المليك المالك مالك الملك الرازق الرزاق خير ~~الرازقين الخالق الخلاق أحسن الخالقين الناصر نعم النصير خير الناصرين ~~الحافظ الحفيظ خير الحافظين الناصر نعم النصير خير الناصرين الحافظ الحفيظ ~~خير الحافظين القوي الاقوى ذو القوة المتين العلي الاعلى المتعال القادر ~~القدير المقتدر نعم القادر العزيز الاعز الشاكر الشكور ms143 قابل التوب التواب ~~المجيب القريب # PageV01P159 # الاقرب الحي القيوم القائم على كل نفس بما كسبت الفاعل الفعال لما يريد ~~الوارث خير الوارثين الكريم الاكرم فالق الاصباح فالق الحب والنوى العظيم ~~الاعظم الولي نعم المولى الشاهد الشهيد الكبير الاكبر القاهر القهار نعم ~~القادر نعم الماهد الكفيل نعم الوكيل المستمع السميع البصير البديع الرؤوف ~~الحليم الرشيد السريع المبين الخبير المبرم الغني الحميد المجيد الوهاب ~~الجامع المحيط الكافي الحسيب الحاسب المقيت الرقيب كاشف الضر الفاطر الكاتب ~~المبتلي اللطيف الصادق الحق الودود الحفي المستعان الفاتح الفتاح نور ~~السموات والأرض الهادي رفيع الدرجات الرافع المنتقم الزارع المنزل المنشئ ~~الاول الآخر الظاهر الباطن القدوس السلام المؤمن المهيمن الجبار المتكبر ~~البارئ المصور مخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي جاعل الليل سكنا ~~المنذر المرسل خير الفاصلين أسرع الحاسبين خير المنزلين عدو للكافرين ولي ~~المؤمنين خير الماكرين المتم نوره الغالب على أمره البالغ أمره ذو الطول ذو ~~المعارج ذو الفضل العظيم ذو العرش العظيم ذو الانتقام ذو الجلال والاكرام ~~انتهى ما عرفته من الاسماء الحسنى نفعنا الله بها وببركاتها وهي مائة ونيف ~~وخمسون # وقد تركت التكرار فاكتفت باسم الرب عن رب كل شيء ورب العالمين ورب العزة ~~ورب العرش العظيم ورب الملائكة والروح واكتفيت بالواسع عن واسع المغفرة ~~وواسع كل شيء رحمة وعلما ونحو ذلك وتركت ما كان من صفات أفعاله وأسمائه مثل ~~شديد العقاب وسريع الحساب ونحو ذلك لأنه لم يسم نفسه بها ولا علمت أحدا ~~عدها في أسمائه بل عدت في أفعاله سبحانه وتعالى لأنه لا فرق في المعنى بين ~~قوله إن الله شديد العقاب وبين قوله إن عذاب الله لشديد فتأمل ذلك # وذكر الغزالي في المقصد الاسى أن ما كان يطلق على العباد من أسمائه تعالى ~~على جهة الحقيقة مثل الزارع والكاتب لم يطلق على الله مجرد بل يطلق حيث ~~أطلقه على لفظه مع ما يتعلق به من السياق وهذا حيث يخاف اللبس # PageV01P160 # والتشبيه واجب وحيث يؤمن أدب حسن واحتياط جيد والله سبحانه أعلم # وقد ms144 يدق على بعض الناس كون بعضها في القرآن كالكفيل لأنه مأخوذ من قوله ~~{وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} وكالرافع من قوله {ورافعك إلي} والهادي من ~~قوله {لهاد الذين آمنوا} ونحو ذلك وكالمبرم لأنه لم يذكر فيه مفردا إنما ~~ذكر بصيغة الجمع في قوله {أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون} وكذلك الموسع ~~والمنزل قال تعالي {وإنا لموسعون} وقال {أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن ~~المنزلون} وكذلك الزارع في قوله تعالي {أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} ~~والمبتلي في قوله تعالي {وإن كنا لمبتلين} ونحو ذلك {وكفى بنا حاسبين} ~~{وإنا لصادقون} {إنا معكم مستمعون} {وإنا له كاتبون} {وهو وليهم} {أنت ~~ولينا} وكذلك الاقرب إنما وجدته في قوله تعالي {ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد} وقد ذكرت القادر مرتين وليس تكرارا بل القادر الاول من القدرة ~~ولذلك ذكرته مع القدير والمقتدر والقادر الثاني من التقدير وذلك نحو قوله ~~تعالي {فنعم القادرون} وقد ذكرت فيها مخرج الحي من الميت وهو في القرآن ~~بالياء المثناة من تحت لوجهين احدهما إني ذكرت مخرج الميت من الحي وهو في ~~القرآن بالميم ولم أستحسن فرقة من صاحبه وملازمة خاصة # PageV01P161 # وهو أبهر منه وأكبر وأعظم مدحا وأكثر وثانيهما أن لفظ مخرج قد ثبت في ~~القرآن ولم أرد الا اضافته إلي ذلك المدح الباهر والثناء الفاخر # وينبغي أن يختمها الداعي بها بحديث ابن مسعود المقدم لعمومه لما لم يذكر ~~ومما ينبغي تلاوته لمن تعرض لرحمة الله سبحانه في فضل احصاء التسعة ~~والتسعين اسما الحروف المقطعة في أوائل السور احتياطا لأنه قد قيل أنها ~~أسماء الله تعالي أو رمز إلي اسماء شريفة ولم يصح وليس هذا موضعها لعدم صحة ~~ذلك وإنما ذكرت ذلك ارشادا لمن يحب الفائدة وليس في الصحيحين مما ليس في ~~كتاب الله تعالي إلا المقدم والمؤخر في حديث ابن عباس في دعاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم حين يقوم من الليل والوتر ومنهما من حديث أبي هريرة الذي ~~سردت الاسماء الحسني في آخره # وزاد ابن حزم مما ادعي صحته السيد ms145 السبوح الحق الوتر الدهر المسعر المحسن ~~المحسان الجميل الرفيق الشافي المعطي ولم ينسبها إلي حديث أبي هريرة لكن ~~تتبعها من أحاديث متفرقة وكذلك الطبيب خرجه دوت وس باسناد علي شرط الشيخين ~~لكن قال الترمذي أنه غريب من حديث عبد الله بن اياد عن أبي رمثة الصحابي ~~مرفوعا ومنها مقلب القلوب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسم به ~~وزاد الترمذي في الحديث المختلف فيه مما لم أجده بنصه في القرآن خمسة ~~وعشرين اسما وهي القابض الباسط الخافض المعز المذل العدل الجليل المحصي ~~المبديء المعيد المحيي المميت الواجد بالجيم الماجد المقدم المؤخر الوالي ~~المقسط المغني المانع الضار النافع الباقي الرشيد الصبور وزاد ابن ماجه علي ~~الترمذي في حديث أبي هريرة هذا الراشد البرهان الواقي القائم الناظر السامع ~~الابد العالم المنير التام الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد في ~~اطلاق بعض هذه نظر مع عدم صحة الاسناد وزاد الحاكم علي الترمذي في المستدرك ~~في هذا الحديث المختلف فيه بعينه الحنان المنان الدائم الجميل القديم الوتر ~~المدبر الشاكر الرافع وزاد عليه أيضا بما في القرآن الاله الرب الفاطر ~~المليك المالك الاكرم وذكرت الرفيع فيها إذ لم يجعله مثل رفيع الدرجات # PageV01P162 # وفي حديث آخر ان الله المسعر رواه الخمسة إلا النسائي وصحيحه الترمذي من ~~حديث أنس ذكره صاحب المنتقي في التسعين # وفي البخاري ومسلم منها الوتر المقدم المؤخر وفي مسلم منها الرفيق وصحح ~~ابن ماجه منها السيد السبوح الجميل المحسان المسعر القابض الباسط الشافي ~~المعطي الدهر قال ابن ماجه بعد سردها ثم قال زهير وبلغنا عن غير واحد من ~~أهل العلم أن راويها يفتتح بقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك ~~وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير لا اله الا الله له الاسماء ~~الحسنى وأكثر هذه أو كثير منها صحيح المعنى بالاجماع فلا بأس بالحاق المجمع ~~عليه منها بما في القرآن لما تقدم في حديث ابن مسعود من قوله صلى الله ms146 عليه ~~وسلم أو علمته أحدا من خلقك # وأما المشتقات من الافعال الربانية الحميدة فلا تحصى وقد جمع بعضهم منها ~~ألف اسم مثل كاتب الرحمة على نفسه المحمود العادل المعبود المحكم المنعم ~~متم النعمة المطعم المقدر القاضي المدبر الحق الشافي الباري الماحي المثبت ~~المؤيد الكافي القاسم العاصم القاصم الدافع المدافع المملي الآخذ المجير ~~المزكي الموفق المصرف الممكن مقلب الليل والنهار الصانع الواقي المتكلم ~~المريد المرجو المخوف المخشى المرهوب السابق الديان المستجار المستعاذ ~~المعاذ الملجأ المنجا المنجي ولو ذكر منها ما كان من خواص الربوبية كان ~~حميدا وذلك مثل المحيي المميت خاصة ما جاء في القرآن صلة للذي ونحوه كقول ~~الخليل عليه السلام (والذي يميتني ثم يحيين) لأن الموصول وصلته في حكم ~~الواحد والله أعلم # وأما أنواع الثناء من غير اشتقاق من ألفاظ القرآن فلا تحصى مثل قديم ~~الاحسان دائم المعروف المستغاث المأمول وأمثال ذلك مما لا منع لما أجمع ~~عليه منه والظاهر جواز هذين النوعين لأنهما من الاخبار الصادقة والله أعلم ~~وذلك فيما كان مجمعا عليه على أنه حسن لا قبح فيه وثناء جميل لا ذم فيه ولا ~~تمثيل ولا تشبيه والا فالاقتصار على المنصوصات عند الاختلاف لازم وهو موضوع ~~الكتاب # PageV01P163 # واما الممادح السلبية في كتاب الله تعالى فاعتقادها لازم وان لم تكن ~~أسماء في عرف أهل العربية لكنها نعوت حق واجبة بنص القرآن لله تعالى وذلك ~~مثل قوله تعالى {ليس كمثله شيء} {ولم يكن له كفوا أحد} وليس له سمي فانه ~~معلوم من قوله تعالى {هل تعلم له سميا} وان العباد لا يحيطون به علما كما ~~قال في سورة طه بل لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وإنما استثنى في ~~معلوماته المخلوقة وإما في ذاته المقدسة العزيزة فاطلق النفي ولم يستثن ~~أحدا ولا شيئا ولو كان يريد أن يختص أحدا بذلك لاستثناه كما استثنى من ~~الاحاطة بعلمه عز وجل # ومن ذلك أنه لا تدركه الابصار وهو يدركه الابصار وأنه لا تأخذه سنة ولا ~~نوم وأنه وسع كرسيه السموات ms147 والأرض ولا يؤده حفظهما وانه خلقهما في ستة ~~أيام وما مسه من لغوب وإنه ليس بظلام للعبيد وإنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ~~وما في معناها ولا يريد بنا العسر وما جعل علينا في الدين من حرج وأنه لا ~~يجوز عليه اللعب والعبث وخلو أفعاله عن الحكمة لقوله تعالى {وما بينهما ~~لاعبين} وقوله {ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار} وأمثال هذه ~~الآيات في حكمته في خلق الارضين والسموات وأنه تعالى لا يرضى لعباده الكفر ~~ولا يحب الفساد ولا يبدل القول لديه تبديلا قبيحا بخلاف التبديل الحسن ~~لقوله تعالى {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل} ولآيات النسخ ~~وانه لا يخلف الميعاد وأنه تعالى يجير ولا يجار عليه ويطعم ولا يطعم وأنه ~~لا شريك له في الملك ولا ولي له من الذل وان هذه الآيات دلت على ما أجمعت ~~عليه الامة اجماعا ضروريا وعلم من الدين علما ضروريا انه تعالى منزه عن كل ~~نقص وعيب مما يقع في أسماء المخلوقين سواء كان من أسماء الذم لهم كالظلم ~~واللعب والجهل أو من أسماء النقص فيهم كالفقر والضعف والعجز وسائر ما يجوز ~~على الانبياء الاولياء وأهل الصلاح # PageV01P164 # وأما أسماء المدح التي تطلق على العباد على وجوه تستلزم النقص وتطلق على ~~الله تعالى على وجوه تستلزم الكمال وهي صفات العلم والقدرة والرحمة والحياة ~~ونحو ذلك فانها تطلق على الله تعالى على جهة الكمال كما اطلقها مجردة عن ~~نقائص المخلوقين التي تعرض فيها بأسباب تخصهم دونه تعالى فهذا هو اعتقادنا ~~واعتقاد أهل الحق والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا ~~الله والحمد لله رب العالمين # PageV01P165 ### | ### | فصل # في معانيها # اعلم أنه قد تكلم على معانيها جماعة من أهل العلم والتفسير وأكثرها واضح ~~والعصمة فيها عدم التشبيه واعتقاد أن المراد بها أكمل معانيها الكمال الذي ~~لا يحيط بحقيقته إلا الله تعالى كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى ولابد من ~~الاشارة هنا إلى أمر جملي وهو أصل عظيم ms148 وبيان نفع معرفته في تفسير اسمين ~~مما ورد منها اسم من صحيحها واسم من المختلف في صحته منها # أما الاصل العظيم فهو تفسير الحسنى جملة وذلك أنها جمع الاحسن لا جمع ~~الحسن وتحت هذا سر نفيس وذلك أن الحسن من صفات الالفاظ ومن صفات المعاني ~~فكل لفظ له معنيان حسن وأحسن فالمراد الاحسن منهما حتى يصح جمعه على حسنى ~~ولا يفسر بالحسن منهما إلا الاحسن لهذا الوجه # مثال الاول وهو اللفظ الذي له معنيان اسم النور وقد ثبت في سورة النور ~~{الله نور السماوات والأرض} وفي الصحيحين من حديث ابن عباس في دعاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في قيام الليل ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ~~ومن فيهن وهذا الاسم الشريف له معنيان معلومان لا خلاف فيهما وهما نور ~~الابصار ونور البصائر ولا خلاف بين العقلاء أجمعين دع عنك المسلمين ان نور ~~البصائر هو أشرفهما وأكرمهما وخيرهما وأحسنهما وذلك معلوم من ضرورة العقل ~~والدين ولذلك قال الله تعالى في بيان تعظيمه وتشريفه وتكريمه {فإنها لا ~~تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} أي لا تعمي الابصار العمي ~~الضار الضر المذموم المستعاذ منه المهلك لمن وقع فيه وإنما تعمي هذا العمي ~~العظيم المضرة القلوب التي هي محل نور البصائر # PageV01P166 # فاذا عرفت هذا فاعلم أن القرآن الكريم قد دل على تفسير هذا الاسم الشريف ~~في حق الله تعالى بذلك أوضح دلالة وذلك في قوله تعالى بعد قوله {الله نور ~~السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة ~~كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها ~~يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء} فدل على أنه ~~نور الهدى لأن نور الابصار مبذول مشترك بين الكفار والمسلمين بل بين جميع ~~الحيوانات الانسانية والبهيمية وكذلك ثبت في الحديث هذا المعنى فخرج الحاكم ~~في المستدرك في تفسير سورة النور من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس في ms149 قوله ~~تعالى {مثل نوره كمشكاة} يقول مثل نور من آمن بالله كمشكاة وقال صحيح ~~الاسناد # قلت الوجه فيه أنه معلوم أن الله لم يرد تشبيه النور بالمشكاة نفسها وان ~~هنا محذوفا فاما ان يكون المحذوف نور المشكاة حتى يشبه النور بالنور أو ~~يكون المحذوف محل النور الذي يصح تشبيهه بالمشكاة نفسها حتى يشبه محل النور ~~الذي هو المؤمن أو قلبه بالمشكاة نفسها التي هي محل تلك الأنوار الموصوفة ~~في الآية # وقد كنت أتوقف في أي التقديرين أولى حتى وقفت على كلام ابن عباس رضي الله ~~عنه فاتبعته لأنه منصوص على تقديمه في القرآن وتعليمه التأويل بالدعوة ~~النبوية ثم جاء من طريقه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريم تفسير ~~القرآن بالرأي ثم ظهر لي بالنظر صحته وتبين أنه لا يمكن سواه وذلك أنا لو ~~جعلنا المحذوف نور المشكاة لكان المشبه بنورها هو نور الله الكلي الاعظم ~~وهو أجل من أن يشبه بنور المشكاة ويدل على ذلك أن الله تعالى شبه ذلك النور ~~الذي شرفه باضافته اليه بالمشكاة المترادفة الانوار وهذا التشبيه لا يليق ~~إلا متى كان المشبه قلب المؤمن لأن النور الذي فيه من مواهب الله تعالى هو ~~نصيب الواحد من المؤمنين المخصوص به ولذلك جاز تشبيهه يوضحه أنه لا يجوز ~~تشبيه الله ولا تشبيه شيء من صفاته بشيء من مخلوقاته # وأما أن هذا النور هو نور البصائر لا نور الابصار فبدل عليه في هذه ~~الآيات أمران أحدهما قوله تعالى في هذه الآية {يهدي الله لنوره من يشاء} # PageV01P167 # ) كما تقدم وثانيهما مقابلته لذلك بتشبيه أعمال الكفار بالظلمات ~~المترادفة ومقابلته لقوله {نور على نور} في حق المؤمنين بقوله {ظلمات بعضها ~~فوق بعض} في حق الكافرين ومقابلته لقوله تعالى {يهدي الله لنوره من يشاء} ~~في حق المؤمنين بقوله (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) في حق ~~الكافرين ويدل على ذلك أيضا في هذه الآيات قوله تعالى {في بيوت أذن الله أن ~~ترفع ويذكر فيها اسمه} فان فيها ms150 بيان أن هذا النور هو نور الهداية والاعمال ~~الصالحة التي محلها في هذه البيوت الشريفة على الخصوص وليس بنور الكواكب ~~والابصار التي هي تعم كل محل شريف وخسيس وكل مبصر مؤمن وكافر ويدل على ذلك ~~من الكتاب والسنة المنفصلة عن هذه الآيات ما لا يكاد يحصى مثل قوله تعالى ~~{الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} الآية وقوله تعالى {هو ~~الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور} وقوله تعالى {قل ~~من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس} وقال في حق محمد صلى ~~الله عليه وسلم {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل ~~معه أولئك هم المفلحون} # ومن أوضحه {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم ~~نوره ولو كره الكافرون} وقوله فيه بافواههم من ترشيح الإستعارة أما نور ~~الابصار والشمس ونحو ذلك فلم ينكر ذلك الكفار ولا يمكن أن يهموا باطفائه ~~وقوله تعالى {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن ~~مثله في الظلمات ليس بخارج منها} وقوله تعالى في صفة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم {وسراجا منيرا} # PageV01P168 # ومن الاحاديث الصحيحة قوله صلى الله عليه وسلم الصلاة نور والصدقة برهان ~~خرجه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي مالك الأشعري وذلك يناسب كونها تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر كما قال الله تعالى وهذا معنى نور الهدي والله أعلم # وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ~~في دعائه عند أن يقوم من الليل (اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي ~~بصري نورا وفي لساني نورا إلى قوله واجعل لي نورا) قال ابن الأثير في ~~النهاية أراد ضياء الحق وبيانه كأنه قال اللهم استعمل هذه الأعضاء مني في ~~الحق وفي حديث آخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه تم ~~نورك فهديت فلك الحمد رواه الجزري في العدة وفي حديث ابن مسعود المقدم ms151 من ~~رواية أحمد وأبي عوانة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ذلك الدعاء ~~(اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك إلى قوله أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور ~~صدري وفي رواية ونور بصري فكون القرآن نور البصر هنا يدل على أن المراد بصر ~~الهدى والحق أيضا كما فسرته الرواية الأخرى في قوله ونور صدري وكل هذا دليل ~~على أن الهدى أصيل في التسمية بهذا الاسم الشريف وأنه أشرف معانيه # فظهر أن معنى النور في أسماء الله تعالى هو الهادي لكل شيء إلى مصالحه ~~والمرشد لكل حي إلى منافعه الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى حتى هدى الطفل ~~المولود إلى الالتقام من الثدي وامتصاص اللبن # وأعجب من ذلك هداية أولاد البهائم التي لا تحسن أمهاتها شيئا من مقدمات ~~المعاونة على تعليم الرضاع والهداية إلى موضع اللبن فهذا من أوائل هداية ~~الله سبحانه لمن لا هداية له ولا تمكن الاشارة إلى نهايات هداياته واختلاف ~~أنواعها ومقاديرها # وفي كتاب العبر والاعتبار للجاحظ وكتاب حياة الحيوان من ذلك الكثير الطيب ~~والمكثر من ذلك مقل فالهداية من الله تعالى وهو الهادي باجماع # PageV01P169 # المسلمين وقد خرج اسم الهادي الترمذي وابن ماجه والحاكم وغيرهم في حديث ~~الاسماء الحسنى فالتفسير بها صحيح وان كان الله تعالى هو رب الانوار كلها ~~أنوار الابصار وأنوار البصائر فاللفظة لا يراد بها إلا أحد معانيها على ~~الصحيح ولم أتبع في هذا التفسير الرأي وإنما اتبعت فيه القرآن والسنة كما ~~تقدم بيانه # قال ابن الأثير في نهايته هو الذي يبصر بنوره ذو العماية ويرشد بهداه ذو ~~الغواية وأما حديث نور أني أراه فانه حديث معل متكلم فيه عند أكثر أئمة ~~الحديث وهو من رواية يزيد بن ابراهيم التستري عن قتادة عن عبد الله ابن ~~شقيق عن أبي ذرانة سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك فقال نور أنى ~~أراه # والقدح فيه من وجوه الأول قدح أئمة الحديث فيه وقد سئل إمام الحديث أحمد ~~بن حنبل عن هذا ms152 الحديث فقال ما زلت منكرا له روى ذلك عن أحمد الخلال في ~~العلل وابن الأثير في تفسيره النور من النهاية وابن الجوزي بعد رواية ~~الحديث في جامع المسانيد وهو الرابع والخمسون وكذلك روى ابن الجوزي وابن ~~الأثير كلاهما عن امام الأئمة ابن خزيمة أنه قال في القلب من صحة هذا ~~الحديث شيء وأن الله شقيق لم يكن يثبت أبا ذر ذكره ابن الأثير زاد ابن ~~الجوزي لأنه قال أتيت فاذا رجل قائم فقالوا هذا أبو ذر فسألته الحديث # الثاني أن ابن شقيق كان ناصيا يبغض عليا رضي الله عنه كما ذكره الذهبي ~~وذكر أن سليمان التيمي كان سيء الرأي فيه قلت وكان سليمان التيمي أحد أئمة ~~الاسلام الكبار ورجال الجماعة وأهل المناقب المشهورة من سادات التابعين ~~معاصرا لابن شقيق خبيرا به فقوله فيه مقبول وإنما قبله من قبله على قاعدتهم ~~في قبول أهل الصدق من الخوارج متى ظنوا صدقهم بالتجربة في مواضع سهلة يكون ~~في قبولهم فيها احتياط والمرجح آخر على ما هو مبسوط في الأصول وعلوم الحديث ~~وهذا مقام عزيز ومحل رفيع لا يقبل في مثله حديث مختلف فيه # PageV01P170 # الثالث أن يزيد بن إبراهيم الراوي له عن قتادة ضعيف في قتادة ضعفه فيه ~~يحيى بن معين وابن عدي وهما من أجل أئمة هذا الشأن وقد حكى ابن حجر في علوم ~~الحديث عن الذهبي أنه ما اجتمع اثنان من أئمة هذا العلم على جرح أو توثيق ~~إلا كان كما قالا قال ابن حجر بعد ذلك والذهبي من أهل التتبع التام قلت ~~لعله يريد حيث لم يعارضهما أحد مثل هذا الموضع على أن ابن عدي قال أنهم ~~أنكروا على يزيد هذا أحاديث رواها عن قتادة وكلامه هذا يدل على أنهما لم ~~ينفردا بتضعيفه في قتادة بل فيه نسبة ذلك إلى أهل الحديث وأما أهل الصحيح ~~فلم يخرجوا حديثه عن قتادة وسيأتي عذر مسلم في ذلك # الرابع أن الحديث معل بالاضطراب فانه رواه تارة كما تقدم وتارة رأيت نورا ~~وهاتان روايتان متضادتان ms153 في احداهما اثبات الرؤية للنور وفي الأخرى انكار ~~ذلك بصيغة الاستفهام وهي في هذا المقام أشد في الانكار والعلة تقدح في حديث ~~الثقة المتفق عليه فاجتمع فيه الضعف والاعلال وأحدهما يكفي في عدم تصحيحه # الخامس أن أصح روايتي الحديث إن قدرنا صحته هي رواية رأيت نورا وليس فيها ~~أن ذلك النور هو الله سبحانه وتعالى عن ذلك وإنما كانت أصح الروايتين لأنها ~~رواية هشام وهمام كلاهما عن قتادة الذي هو شيخ يزيد بن ابراهيم المضعف في ~~قتادة وهما أوثق منه مطلقا فكيف في قتادة فلم يبق لتصحيح روايته وجه # فان قلت فكيف خرج مسلم الروايتين معا في الصحيح قلت الذي عندي أنه إنما ~~خرجهما شاهدين على قوة حديث عائشة رضي الله عنها في نفي رؤية رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لله سبحانه ليلة الاسراء فانه خرج حديثها وطول في ذكر طرقه ~~ثم أردفه بما يناسبه ويقوى معناه فذكر هذا الحديث من طريقيه معا أردفه بما ~~يناسبه وذكر بعده حديث حجابه النور كما جاء صريحا في حديث أبي موسى شاهدا ~~لهذا المعنى ومسلم يتساهل في الشواهد هو وغيره من أئمة الحديث وقد تأوله ~~غير واحد على تقدير صحته بأن المراد حجابه النور كما جاء صريحا في حديث أبي ~~موسى ممن تأوله ابن الأثير # PageV01P171 # في نهايته وابن الجوزي في جامعه بعد روايته وذكر الحجاب قرآني صحيح كما ~~يأتي في آيات الصفات قال الله تعالى {أو من وراء حجاب} وقال في الكافرين ~~{كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} والحجاب حاجب للعباد لا لله سبحانه كما ~~نبهت عليه بهذه الآية الكريمة فانه بين فيها انهم المحجبوبون لا هو وهذه ~~نكتة شريفة فتأملها وقد طال الكلام في هذا الاسم الشريف وهو موضعه لأن ~~الخطر من أسماء الله سبحانه جليل والكثير من البحث والتحقيق فيها قليل # ومثال الثاني اسم الضار وذلك أن الله تعالى لما ثبت بالأدلة أنه لا يصح ~~أن يريد الشر لكونه شرا بل إنما يريده لما علم من الخير كما بينه الغزالي ms154 ~~في المقصد الأسنى وسوف نبين أدلته في اثبات حكمة الله تعالى في جميع أفعاله ~~من هذا المختصر ثبت أن كل ضر من الله تعالى هو خير ونفع بالنظر إلى الحكمة ~~فيه وبذلك فسر النووي الحديث الصحيح في التوجه الخير بيديك والشر ليس اليك ~~أي ليس بشر بالنظر إلى حكمتك فيه ومن هنا سمى الله تعالى القصاص حياة وهو ~~قتل وقطع ونحو ذلك ومن هنا لم يستحق الطبيب الذي يكوي ويقطع اسم الضار فثبت ~~أن كل ضر منه سبحانه وتعالى يستحق أن يسمي الله منه أسماء حسنة مثل الديان ~~والمنتقم والمبتلى وهذه خير من اسم الضار لأنه يفهم منها المجازاة على ~~أفعال متقدمة يستحق أهلها ذلك لأجلها بخلاف الضار وكذلك عذاب الله في ~~الآخرة فانه مشتمل على ذلك وإلى ذلك الاشارة بقوله {إنا لننصر رسلنا والذين ~~آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} وقال تعالى {قالوا ربنا غلبت ~~علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون قال ~~اخسؤوا فيها ولا تكلمون إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا ~~وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم ~~تضحكون} وقال تعالى {جزاء لمن كان كفر} بضم الكاف وكسر الفاء وأمثال ذلك ~~كثير مما يدل على نفع المؤمنين بعذاب الكافرين والانتصاف لهم فيجب أن يكون ~~في الاسم # PageV01P172 # المشتق لله تعالى من ذلك ما يدل على حكمته بل هنا سر لطيف أنفس من ذلك ~~وهو أن كل ضر وشر في الدنيا والآخرة فانما هو بذنوب العباد وما تستوجبه ~~وتستدعيه من العقوبات # أما شرور الدنيا فلقوله تعالى {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفو عن كثير} وفي قراءة بما كسبت أيديكم وقوله تعالى {وإن تصبهم سيئة بما ~~قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور} وفي آية {إذا هم يقنطون} وفي قوله {ظهر ~~الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم ~~يرجعون} مع ما في الحديث من ذلك # وأما عذاب الآخرة فلقوله تعالى ms155 {وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون} ~~وقوله {ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون} فسماه كسبا لهم وعملا ومنه قول أيوب ~~عليه السلام {أني مسني الشيطان بنصب وعذاب} لما كان عقوبة ذنبه ومنه قوله ~~تعالى {فأخرجهما مما كانا فيه} فنسب الاخراج إلى الشيطان لذلك # ومن أجل ذلك صح أن يقال أن العذاب ظلم وضر من العباد لأنفسهم كما قال ~~تعالى {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} وأما من الله تعالى فانما هو ~~منه عدل وحكمة أما العدل فلوقوعه جزاء وفاقا بعد التمكن والانذار وقطع ~~الاعذار والاشهاد والكتابة والوزن بموازين الحق وأمثال ذلك وأما الحكمة ~~فللنص على حاجة المتشابه إلى التأويل # وفي قصة موسى والخضر عليهما السلام بيان أن التأويل بيان وجوه خفية تناسب ~~عقول العقلاء وسيأتي هذا المعنى مبسوطا واضحا في مسألة # PageV01P173 # الحكمة من هذا المختصر إن شاء الله تعالى وسيأتي في مسألة الافعال بيان ~~أن المعاصي من العباد وما ورد في ذلك من نصوص القرآن والسنة الجمة التي لا ~~نزاع فيها ولا معارض لها ومجموع ذلك يقتضي نسبتها ونسبة جميع ما يترتب ~~عليها ويتفرع عنها من شرور الدارين إلى العباد المستحقين للذم والعذاب ~~عليها بالنصوص والاجماع # وأما تقدير الله تعالى لوقوعها باختيار العباد لحكمة فهو مثل سبق علمه ~~بذلك لا يوجب لله تعالى إلا وصف القدرة والعزة كما يأتي أيضا مبسوطا في ~~موضعه من هذا المختصر إن شاء الله تعالى # فان قيل فكيف جاز اطلاق الضار عليه سبحانه فالجواب من وجهين أحدهما أن ~~اسم الضار لم يرد في القرآن ولا في حديث متفق على صحته فمن لم يتحقق الاذن ~~فيه ولم يصح له كالبخاري ومسلم ومن شرط في الصحة شرطهما لم يجب عليه ادخاله ~~في الاسماء الحسنى وقد بسطت القول فيه في العواصم في آخر مسألة العباد ~~وذكرت فوائد تستحق الرحلة اليها إلى أبعد مكان فلتطلب من مكانها وثانيهما ~~على تقدير صحة أن اسم الضار لا يجوز افراده عن النافع فحين لم يجز افراده ~~لم يكن مفردا من أسماء الله تعالى ms156 وإذا وجب ضمه إلى النافع كانا معا كالاسم ~~الواحد المركب من كلمتين مثل عبد الله وبعلبك فلو نطقت بالضار وحده لم يكن ~~اسما لذلك المسمى به ومتى كان الاسم هو الضار النافع معا كان في معنى مالك ~~الضر والنفع وذلك في معنى مالك الأمر كله ومالك الملك وهذا المعنى من ~~الأسماء الحسنى وهو في معنى قوله تعالى {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من ~~تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير} الآية ~~وهو في معنى القدير على كل شيء # وميزان الاسماء الحسنى يدور على المدح بالملك والاستقلال وما يعود إلى ~~هذا المعنى وعلى المدح بالحمد والثناء وما يعود إلى ذلك وكل اسم دل هذين ~~الأمرين فهو صالح دخوله فيها والضار النافع يرجع إلى ذلك مع على الجمع وعدم ~~الفرق ومع القصد فيلزم من أطلقه قصد ذلك مع الجمع # PageV01P174 # وقد ذكر غير واحد من العلماء أنه لا يجوز افراد الضار ولم يلخصوا هذا ~~التلخيص وقد وفق الله له من كره الشذوذ عن الجمهور في قبوله وإن لم يكن من ~~الاسماء القرآنية ولا مما صح سنده والله المستعان والهادي لا إله إلا هو # فائدة هل يجوز تسمية محامد الرب تعالى وأسمائه الحسنى صفات له سبحانه ~~وتعالى قال الله تعالى {ولله المثل الأعلى} وذكر أهل التفسير واللغة أنه ~~الوصف الا على وكذلك جاء في كلام علي عليه السلام أنه قال فعليك أيها ~~السائل بما دل عليه القرآن من صفته ذكره السيد أبو طالب في الأمالي باسناده ~~والسيد الرضي في النهج كلاهما في جوابه عليه السلام على الذي قال له صف لنا ~~ربنا وهذا لا يعارض قوله عز وجل {سبحانه وتعالى عما يصفون} لأنه لم ينزه ~~ذاته عن الوصف مطلقا حتى يعم الوصف الحسن وإنما ينزه عن وصفهم له بالباطل ~~القبيح # ومما يحتاج إلى ذكر الشاهد في هذه الاسماء المختلف في صحة سندها اسم ~~الصبور لأنه ليس في كتاب الله تعالى وقد خرج البخاري ومسلم في حديث أبي ms157 ~~موسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا أحد أصبر على أذى سمعه من ~~الله عز وجل إنه ليشرك به ويجعل له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم ذكره ابن ~~الأثير في آخر كتاب الصبر من حرف الصاد من جامعه ويشهد لذلك ما ورد في ~~القرآن الكريم من نسبة الغضب فعلا لا اسما إلى الله تعالى وكل ذلك مع القطع ~~بانتفاء نقائص المخلوقين اللازمة لهذه الامور عن جلال الله عز وجل باجماع ~~المسلمين في المعنى وإن اختلفت عباراتهم # والذي في كتاب الله تعالى اسم الحليم وهما في المعنى متقاربان قال ابن ~~الأثير في النهاية هو الذي لا يعاجل العصاة ومعناه قريب من معنى الحليم ~~والفرق بينهما أن المذنب لا يأمن العقوبة كما يأمنها في صفة الحليم كذا قال ~~وفيه نظر فانه لا أمان لمذنب من العقوبة بالاجماع من الوعيدية وأهل الرجاء ~~واهل الارجاء لجهل الخواتم والنصوص كقوله تعالى {إن عذاب ربهم غير مأمون} ~~وفي آية {إن عذاب ربك كان محذورا} # PageV01P175 # ولقوله تعالى {وما تدري نفس ماذا تكسب غدا} وغير ذلك والله أعلم ولذلك ~~قالت المرجئة ببقاء الخوف في حال التكليف # وأما المنان فقال ابن الاثير في النهاية وغيره أنه المنعم من المن وهو ~~الاحسان الذي لا يطلب عليه جزاء لا من المنة وهو من تفسير اللفظ المشترك ~~بأحسن معانيه لما قدمته وإن كانت المنة حسنة من الله تعالى كما قال {بل ~~الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان} ولكن الاسماء الحسنى جمع الاحسن لا جمع ~~الحسن كما تقدم فتأمل ذلك يفتح لك باب الفقه في أسماء الله سبحانه وتعالى # PageV01P176 ### | فصل # في التعريف بالقصور عن الاحاطة بحقيقة معرفة الله تعالى ومعرفة أسمائه ~~ونعوته الجليلة من جميع الوجوه على مقتضى ما أرشدنا اليه ربنا سبحانه ~~وتعالى في قوله عز وجل {ولا يحيطون به علما} وكما اشتهر عن أمير المؤمنين ~~علي ابن أبي طالب عليه السلام حتى روته الخصوم عنه وكفى به أسوة وسلفا ~~صالحا في ذلك كيف ولا يعرف له مخالف من ms158 أهل عصره ومن بعدهم بل اعترف ~~العلامة ابن أبي الحديد المعتزلي أنه قول لم تزل فضلاء العقلاء مائلين اليه ~~وقد اخترت ايراد كلام الغزالي في المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى ~~لحسن عبارته ووضوح أمثاله في ذلك فأقول # قال الغزالي في الفصل الرابع من مقدمات المقصد الأسنى وقد حث على الترقي ~~في المراتب الشريفة الكمالية من العلم والرحمة ونحو ذلك مما فيه تخلق ببعض ~~أسماء الله عز وجل # فان قلت ظاهر هذا الكلام يشير إلى مشابهة بين العبد وبين الله تعالى ~~والله تعالى ليس كمثله شيء # فأقول مهما عرفت معنى المماثلة المنفية عن الله تعالى عرفت أنه لا مثل له ~~وينبغي أن لا تظن أن المشاركة بأي لفظ توجب المماثلة ألا ترى أن الضدين ~~بينهما غاية البعد الذي لا يتصور أن يكون فوقه بعد وهما متشاركان في أوصاف ~~كثيرة فالسواد يشارك البياض في كونه عرضا وفي كونه مدركا وفي كونه لونا في ~~كونه موجودا ومرئيا ومعلوما وفي أمور أخر إلى قوله # PageV01P177 # ولو كان الأمر كذلك لكان الخلق كلهم مشبهة إذ لا أقل من إثبات المشاركة ~~في الوجود بل المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية فالفرس وإن كان ~~بالغا في الكياسة لا يكون مثلا للانسان لأنه مخالف له بالنوع وإنما يشابهه ~~بالكياسة التي هي عارضة خارجة عن الماهية المقومة للذات الانسانية والخاصية ~~الالهية أنه سبحانه الموجود الواجب الوجود بذاته التي عنها يوجد ما في ~~الامكان وجوده على أحسن الوجوه في النظام والكمال وهذه الخاصة لا يتصور ~~فيها مشاركة ألبتة والمماثلة لا تحصل إلا بها فكون العبد صبورا شكورا لا ~~يوجب المماثلة ككونه سمعيا بصيرا عالما قادرا حيا فاعلا بل أقول خاصية ~~الالهية ليس إلا لله عز وجل ولا يعرفها إلا الله ولا يتصور أن يعرفها إلا ~~هو أو مثله لو كان له مثل فحين لم يكن له مثل فلا يعرفها غيره فاذا الحق ما ~~قاله الجنيد رحمه الله تعالى لا يعرف الله إلا الله إلى قوله بل أزيد فأقول ms159 ~~لا يعرف أحد حقيقة الموت والجنة والنار إلا بعد الموت ودخول الجنة والنار ~~لأن الجنة عبارة عن أسباب ملذة ولو فرضنا شخصا لم يدرك قط لذة لم يمكننا ~~أصلا أن نفهمه الجنة تفهيما يرغبه فيها وكذلك إذا أدرك شيئا من اللذات ~~فغايتنا أن نفهمه الجنة بأعظم ما ناله من تلك اللذات فان كان في الجنة لذة ~~مخالفة لهذه اللذات فلا سبيل إلى تفهيمها أصلا إلا بالتشبيه بهذه المخالفة ~~لها كما ذكرناه في تشبيه لذة النكاح بحلاوة السكر متى طالبنا الصغير ومن لا ~~يشتهي النكاح أن نعرفه ذلك بل العبارة الصحيحة عن الجنة أنها ما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر # فكيف يتعجب من قولنا لم يحصل أهل السموات والأرض من معرفة الله تعالى إلا ~~على الاسماء إلى قوله فان قلت فاذا لم يعرف حقيقة ذاته فهل تعرف حقائق ~~الاسماء قلنا هيهات ذلك لا يعرفه بالكمال إلا هو لأنا إذا علمنا ذاتا عالمة ~~فقد علمنا شيئا مجملا لا ندري ما حقيقته لكن ندري أن له صفة العلم فان كانت ~~صفة العلم معلومة لنا حقيقة كان علمنا بها علما تاما وإلا فلا ولكنه لا ~~يعرف أحد حقيقة علم الله إلا من له مثل علمه وليس ذلك إلا له وإنما يعرفه ~~غيره بالتشبيه بعلم نفسه وعلم الله لا يشبهه علم الخلق ألبتة فلا يكون ~~معرفتهم بعلمه معرفة تامة بل إلهامية تشبيهية فلا تعجبن من # PageV01P178 # هذا بل أقول لا يعرف الساحر إلا الساحر نفسه أو ساحر مثله أو فوقه انتهى ~~كلامه # والقصد تقريب الافهام من معنى قول الله سبحانه {ولا يحيطون به علما} وعن ~~أمير المؤمنين عليه السلام في عجز العقول عن ذلك امتنع عنها بها واليها ~~حاكمها وقد ذكرت كلام العلامة ابن أبي الحديد المعتزلي عنها في ذلك وأشعاره ~~ومبالغته في نصرته قريبا وكذلك نض الامام المؤيد بالله يحيى بن حمزة في ~~شرحه لنهج البلاغة واحتج بكلامه عليه السلام على ضعف كلام أبي هاشم # وحكى الرازي قول علي ms160 عليه السلام عن جمهور المحققين وابن أبي الحديد عن ~~فضلاء العقلاء وهو قول الباقلاتي وإمام الحرمين الجويني والكيا الهراسي ~~والغزالي والصوفية حكى ذلك الزركشي في شرح جمع الجوامع وجود الكلام احتجاجا ~~وجوابا وقد نقلته وزدت عليه في ترجيح أساليب القرآن ويدخل فيما ذكرته مسألة ~~القرآن ومسألة الرؤية وقد بسطت القول فيهما في العواصم في المجلد الثاني في ~~مقدار ثمانين ورقة وجودت القول في أدلة الفريقين على الانصاف ولله الحمد ~~وتقصيت كلام أهل المعقولات ومعارضة بعضهم بعضا ونقلته من كتبهم الحافلة ~~التي هي النهاية في ذلك ليخرج الواقف على ذلك من ظلمات التقليد والعصبية ~~وهو يأتي جزءا مفردا لمن أحب أن يضمه إلى هذا أو مجلدا واحدا مع هذا لمن ~~أحب # ويلحق بهذا الاشارة إلى مذهب أهل السنة في معنى قوله تعالى {ليس كمثله ~~شيء وهو السميع البصير} قالوا المراد نفي التشبيه بتعظيم الاسماء الحسنى ~~واثباتها لا بنفيها كما قالت القرامطة مثاله أنه عليم لا يعرب عن علمه شيء ~~ولا يزول علمه ولا يتغير ولا يكتسب بالنظر الذي يجوز فيه الخطأ ويتعلق ~~بالماضي والمستقبل والغيب والشهادة ويعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور ولا ~~تأخذه سنة ولا نوم وأمثال ذلك في كل اسم # PageV01P179 # ويدل على قولهم وجوه الأول قوله في آخر الآية {وهو السميع البصير} وهو ~~أوضح دليل على ذلك الثاني تمدحه تعالى بكل اسم على انفراده الثالث قوله ~~تعالى {ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم} وقوله تعالى {وله المثل ~~الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} أي الوصف الاعلى على ألسنة ~~أهل السموات والارض وهو كمال الثناء بأسمائه الحسنى كما ذكره المفسرون ~~والقرآن يفسر بعضه بعضا وأما نفي الاسماء عنه وتأويلها فلا يدل عليه عقل ~~ولا سمع بل هو خلاف المعلوم ضرورة من الدين وليس فيه من الشبهة غير تسميتهم ~~له تنزيها وهو اسم حسن على مسمى قبيح فالواجب تنزيه الله تعالى منه # الرابع اجماع أهل الاسلام على مدحه تعالى باثبات الاسماء الحسنى لا ~~بنفيها فان تسمية الملاحدة نفيها تنزيها لله ms161 تعالى من مكائدهم للاسلام ~~والمسلمين وكم فعلت الزنادقة في الاسلام من نحو ذلك يسترون قبائح عقائدهم ~~بتحسين العبارات قاتلهم الله تعالى وبذلك تم الكلام في الذات والاسماء ~~الحسنى والله الهادي وهو حسبنا ونعم الوكيل ويتلوه الكلام في الحكمة ~~والمشيئة والقضاء والقدر وأفعال العبادة وتمكينهم والاسماء الدينية والوعد ~~والوعيد والتكفير والتفسيق وما يجب من حب القرابة والصحابة وسائر المؤمنين # تم الجزء المبارك من إيثار الحق على الخلق والحمد لله رب العالمين وصلى ~~الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم # PageV01P180 ### | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده المهم الثاني الكلام في حكمة الله تعالى تم في مشيئته ~~ومحبته وأفعال العباد وما يتعلق بها من الكفر والفسق والوعد والوعيد # وهذا المهم يختص بمن قد عرف من علم الكلام والاختلاف ما أمرض قلبه أو منع ~~يقينه بالاعتقاد الجملي أو من رسخت في قلبه العصبية ولم يستطع دفعها من غير ~~حجة حين بقيت بلا معارض أو من ضل بالتقليد ومن كان في عافية من ذلك فلا ~~يحتاج اليه والله أعلم # ولنبدأ بالقول في الحكمة لأنها الاساس فانها نوع مخصوص من علم الله تعالى ~~بالمنافع الخفية والعقول الحميدة والمصالح الراجحة وبها تبرز أفعاله تعالى ~~من القدرة إلى الوجود ويتبين عجز العقول عن مدارك جميع ما له سبحانه وتعالى ~~من الحكمة والكرم والجود فنقول وبالله نستعين وهو حسيبنا ونعم الوكيل # المسألة الأولى في إثبات حكمة الله تعالى في جميع أفعاله وأن ذلك أحوط ~~ومعناها ههنا العلم بأفضل الاعمال والعمل بمقتضى ذلك العلم مثاله العلم بأن ~~الصدق أولى من الكذب والعدل أولى من الجور والجود أولى من البخل والاحسان ~~أولى من الاساءة ولا خلاف في تسمية هذا الذي ذكرته حكمة في حق الحكماء ~~والعلماء من الخلق وإنما ادعى بعض الغلاة أن مثل ذلك منها محال في حق الرب ~~عز وجل كما يأتي فساده وتختلف العبارات عما ذكرنا والمعنى واحد # وقد ذكر ابن الاثير في النهاية في غريب الحديث أن الحكمة العلم # PageV01P181 # بأفضل الاعمال ومنه قوله تعالى ms162 {ويعلمهم الكتاب والحكمة} فان النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن يعلمهم الصناعات بالاجماع وإنما كان يعلمهم أفضل ~~الأعمال من أحسن الأخلاق وعلى هذا التفسير قوله تعالى {حكمة بالغة فما تغن ~~النذر} وقوله تعالى {ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما ~~يشكر لنفسه} وقوله تعالى {وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به} ~~وكذلك قوله تعالى {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله ~~من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم} وقول عيسى عليه السلام {وإن تغفر ~~لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فانه لا يصح تأويل الحكيم في هاتين الآيتين ~~وغيرهما بالمحكم لعدم المناسبة كما سيأتي # وعبارة أهل الكلام في تفسير الحكمة أنها اثبات داع راجح إلى جميع ما فعله ~~الله وأراده وان خفي على خلقه أو كثير منهم والمرجع بهذا الداعي إلى علم ~~الله تعالى بالمصالح والغايات الحميدة وسبب وقوع الخلاف في ذلك أن قوما ممن ~~أثبت الحكمة غلوا في ذلك فأوجبوا معرفة العقول للحكمة بعينها على جهة ~~التفصيل فجاؤا بأشياء ركيكة فرد عليهم ذلك طائفة من الاشعرية وغلوا في الرد ~~وأرادوا حسم مواد الاعتراض بنفي التحسين العقلي واستلزم ذلك نفي الحكمة ~~فتجاوزوا الحد في الرد فوقعوا في أبعد مما ردوه وأشد وخير الامور أوسطها # والقول بحكمة الله تعالى أوضح من أن يروى عن صحابي أو تابعي أو مسلم سالم ~~من تغيير الفطرة التي فطر الله خلقه عليها ولذلك تقر به العوام من كل فرقة ~~ويقر به كل من لم يتلقن خلافه من اتباع غلاة بعض المتكلمين على ما فيهم من ~~الشذوذ وقد اجتهدوا واحتالوا في تحسين مذهبهم بمجرد عبارات مزخرفة ليس ~~تحتها أثارة من علم مثل تسمية الحكمة العلة وإبهام # PageV01P182 # أن القول بالحكمة يقدح في كون الله غنيا وهذا من أبطل الباطل ولو كان ذلك ~~يقدح في غناه وجب أن يقدح في غناه وجوب وصفه بكونه عليما قديرا سميعا بصيرا ~~إلى سائر أسمائه الحسنى خصوصا كونه تعالى مريدا ولزم مذهب الملاحدة ms163 في نفي ~~جميع أسمائه وكان المعدوم والجماد أغنى الأغنياء وقد تقرر في قواعد أهل ~~الاسلام نفي التشبيه عن ذات الله تعالى وصفات وأفعاله وتقرر أن المراد بنفي ~~التشبيه تعظيم الرب جل وعز في ذاته وصفاته وأفعاله لا نفي الصفات والاسماء ~~والممادح # فمن الواجب في نفي التشبيه عن أفعاله أن تكون أكمل من أفعال المخلوقين من ~~جميع الوجوه لا أنها تكون أخس ولا أنقص في وجه واحد من الوجوه المحمودة # ولا ريب ولا شبهة أن قاعدة الكمال في الافعال أن يكون صدورها عن الحكمة ~~البالغة في توجيهها إلى المصالح الراجحة والعواقب الحميدة فكلما ظهر ذلك ~~فيها كانت أدل على حكمة فاعلها وعلمه وحسن اختياره ومحامده وكلما بعدت عن ~~ذلك كانت أشبه بالآثار الاتفاقية وما يتولد عن العلل الموجبة وأشبهت أفعال ~~الصبيان في ملاعبهم والمجانين في خيالاتهم فلا يوجد في أفعال المخلوقين أخس ~~ولا أنقص من أفعال الصبيان والمجانين لخلوها عن الحكمة مع أنها لم تخل من ~~موافقة شهواتهم ولم تجرد عن كل داع فمن نفي عن أفعال الله كل داع وحكمة فقد ~~جعلها من هذه الجهة أنقص قدرا من أفعال الصبيان والمجانين في ملاعبهم ~~وجنونهم # وأصل أهل الاسلام تحريم تشبيه أفعال الله بأفعال العقلاء والحكماء في ~~كمالها وعدم مداناتهم لها في ذلك لزيادتها في الكمال في ذلك وبلوغها في ~~الزيادة إلى منزلة لا تبلغها عقول الاذكياء والحكماء كما أن الحيوان ~~البهيمي لا يبلغ بما له من الالهام إلى تعرف حكمة الحكماء وتصانيف الأذكياء ~~ومعارف الفطناء ولا يتمكن من معرفة مقدار زيادتهم عليه فكذلك الحكماء لا ~~يعرفون جميع حكمة الله تعالى ولا يستطيعون أن يعرفوا مقدار زيادتها على ~~حكمتهم كما وضح في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام ولله # PageV01P183 # المثل الأعلى وكيف تجعل أفعال أحكم الحاكمين أنقص رتبة في خلوها عن ~~الحكمة وأبعد عنها من مرتبة أفعال الصبيان والمجانين والساهين # وإنما قلنا أنهم جعلوها أنقص في ذلك لوجهين أحدهما أنهم قطعوا بخلوها ~~كلها عن كل حكمة وداع وسبب ومنعوا أن تكون أفعاله ms164 كلها أرجح من أضدادها إلا ~~في الاقوال فأوجبوا الصدق في أقوال الله تعالى ومنعوا ضده وهو الكذب ولزمهم ~~بذلك الموافقة على ثبوت مثل ذلك في الافعال إذ لم يفرقوا بين الأفعال ~~والأقوال بحجة بينة ولكن خافوا من تجويز الكذب على الله صريح الكفر وإنما ~~الاقوال نوع من الأعمال # وقد أجمعت الامة على دخول الاقوال والاعمال في الوعد والوعيد على الاعمال ~~وفي الصحيح أن أفضل العلم شهادة أن لا إله إلا الله وقال الشيخ تقي الدين ~~في شرح العمدة أنه لا تردد في دخول الاقوال في حديث (الأعمال بالنيات) ~~وأمثال ذلك كثيرة جدا هذا في اللغة والنص والاجماع وأما العقل فلا ريب في ~~تساويهما في ذلك فما بالهم أوجبوا صيانة الاقوال الربانية عن النقائص وأما ~~في الأفعال الربانية فحكموا بأنه تعالى لو عكس الحكم في جميع أوامره ~~العادلة المصلحة الحكيمة في شرائعه وأحكامه في الدنيا وكذلك في يوم القيامة ~~أو عذب الأنبياء والأولياء وأهانهم وأخزاهم بذنوب غيرهم ثم أدخل أعداءه ~~وأعداءهم الجنة بحسناتهم واكرامهم وعظمهم ما كان هذا الحال عليه بأبعد عن ~~حكمته ومحامدة في العقل والسمع مما هو فاعله سبحانه وتعالى مما تمدح به ~~وسماه حقا وعدلا وحكمة وصوابا وتمدح لذلك بأنه لا معقب لحكمه ولا مبدل ~~لكلماته وبأنه إذا بدل آية مكان آية لا يبدلها إلا بما هو خير منها أو ~~مثلها فزعموا أن التسوية بين أحكامه وأضدادها هو مقتضى العقول والشرائع لكن ~~الشرائع وردت بالخبر عن وقوع أحد الجائزين المتماثلين في الحكمة مثل ~~تماثلهما في القدرة بل المتماثلين في القدرة بلا حكمة عندهم إلا الصدق في ~~الخبر فواجب وحده فانا لله إن كانت ذهبت العقول فأين الحياء من الله تعالى ~~وكتبه ورسله والمسلمين # ومن العجب ظنهم أن هذا كله جائز عليه في أفعاله عقلا ولا يجوز في أقواله ~~عقلا أدنى نقص ولا لغب وهو كما قالوا في الأقوال لكن الصواب # PageV01P184 # صيانة أفعاله كأقواله من الاهمال بل إهمال الافعال من الحكمة أضر وأقبح ~~من إهمال الأقوال وكم بين التخليد ms165 في عذاب جهنم بلا ذنب بل بذنب الغير وبين ~~الخلف في وعد بمثوبة عند جميع العقلاء فمن لم يجز عليه هذا الخلف كيف يجوز ~~عليه ذلك التعسف # وثانيهما أنهم جعلوا صدور الافعال منه تعالى عن حكمة محالا عليه غير ممكن ~~له ولا داخل في مقدوره كاحالة الأكل والشرب عليه وصدورها عن حكمة غير محال ~~في حق الصبيان والمجانين والغافلين والنائمين والمفسدين عند الجميع بل ~~يلزمهم أن الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا لو عكس الصدق والحق وبعث الكاذبين ~~المفسدين وأيدهم بالمعجزات ما كان أولى من عكس ذلك ولم ينفصلوا عن هذا ~~الالزام بوجه بين وإنما خرموا قاعدتهم فيه خوفا من صريح الكفر فقال بعضهم ~~إنما يمتنع الكذب في كلام الله تعالى لأنه قديم وهذا قد جوز أن الكذب من ~~حيث هو كذب قبيح لكنه مع ذلك نسب إلى الله تعالى عدم القدرة عليه فجمع بين ~~تجويزه نقصين نقص الكذب لو دخل في قدرة الله تعالى ونقص العجز عنه تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا # ولذلك أبطله الرازي بأن القدم يختص الكلام النفسي لا الأصوات عندهم وقال ~~الرازي إنما يمتنع الكذب على الله تعالى لأن صفة النقص لا تجوز على الله ~~تعالى وهذا كلام صحيح لكن كون الكذب صفة نقص اعتراف بالتحسين والتقبيح ~~وثبوت الحكمة عقلا وإذا وقع الاجماع على أن الكذب صفة نقص وعلى أنه إنما ~~امتنع على الله لكونه صفة نقص فكذلك تعذيب الانبياء بذنوب أعدائهم وإثابة ~~أعدائهم بحسناتهم في يوم القيامة ويوم الدين والحق والعدل فانه محال على ~~الله تعالى عقلا وسمعا من الجهة التي استحال عليه الكذب منها ومن زعم أن ~~بينهما فرقا في النقص على العدل الحكيم فقد أبطل والله يحب الانصاف على أن ~~بعثة الرسل الصادقين دون الكذابين من محسنات الافعال التي نازعوا فيها ~~وليست من صدق الاقوال الذي أوجبوه فلزمهم تجويز بعثة الكذابين وتأييدهم ~~بالمعجزات ولذلك لما قرر هذا بعض أئمة المعقولات منهم لم ينفصل عنه إلا ~~بالزام # PageV01P185 # خصومهم مثله وترك ذلك كذلك غنيمة ms166 باردة للزنادقة والملاحدة متى وقفوا ~~عليه أو ظفروا به والله المستعان # وقد أجمعت الامة وعلم من الدين ضرورة أن الله تعالى تمدح بأنه الملك ~~الحميد وإلى هذين الاسمين الشريفين ترجع متفرقات أسمائه الحسنى فما كان ~~منها يقتضي كمال العزة والقدرة والجبروت والاستقلال والجلال دخل في اسم ~~الملك وعاد اليه وما كان منها يقتضي الجود والرحمة واللطف والصدق والعدل ~~وكشف الضر وأمثال ذلك من الممادح دخل في اسم الحميد وعاد اليه وربما عبر ~~عنهما بما رادفهما أو أحدهما مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم أهل الثناء ~~والمجد وقوله إنك حميد مجيد فان المجد هو الملك والثناء هو الحمد فمن الناس ~~من نظر إلى اسم الملك فعظمه ووفاه حقه بالنظر إلى معارف البشر وقصر في اسم ~~الحميد ومعناه بنفي الحكمة عن أفعاله كلها كما أن من الناس من عكس فبالغ في ~~اسم الحميد وقصر في تعظيم ملكه وقدرته وعزته فلم يجعل له قدرة على اللطف ~~بعبد واحد من جميع عباده العصاة كما سيأتي في مسألة المشيئة وجميع أئمة ~~الاسلام العارفين جمعوا بين تعظيم هذين الاسمين الشريفين ووفوا كل واحد ~~منهما حقه على حسب قوى البشر في ذلك ومما قلته في ذلك في الاجادة # (فمن قاصد تنزيهه لو رعى له ... من الجبروت الحق عز التعاظم) # (ومن قاصد تعظيمه لو رعى له ... محامد ممدوح بأحكم حاكم) # (وحافظ كل العارفين عليهما ... وهذا الصراط المستقيم لقائم) # ذلك أن اسم الملك يقتضي تفرده بالخلق والامر والعزة وعلم الغيوب والقدرة ~~على كل شيء ثم أن الكمال الاعظم في ذلك كله يقتضي نفوذ المشيئة وسبق القضاء ~~من غير جبر كيلا يفوت عليه سبحانه مراد واسمه الحميد يقتضي كمال الحمد ~~والعدل والحكمة والفضل والصدق والجود والثناء والتسبيح والتقديس ثم أن ~~الكمال الأعظم في ذلك كله يقتضي أوفر نصيب لأفعاله الحميدة وأحكامه العادلة ~~من التنزيه عن اللعب والعبث والخلو عن الحكمة والمساواة بينها وبين أضدادها ~~وهذا ما لا شبهة # PageV01P186 # فيه ولذلك نص عليه كثير من أئمة الآثار بل من علماء ms167 الكلام الذين ربما ~~اتهمهم خصومهم أنهم من نفاة الحكمة # وأنا أورد من ذلك اليسير على قدر هذا المختصر فمن ذلك أن ابن الحاجب جزم ~~في كتابه مختصر منتهى السؤل والامل باجماع الفقهاء على أن أفعال الله تعالى ~~في الشرائع معللة ذكره في دليل العمل بالسير وتخريج المناط من القياس وذكر ~~في مسالك العلة أنها صريح وتنبيه وإيماء فالصريح مثل لعلة كذا أو بسبب أو ~~لاجل أو لكي أو اذن أو مثل لكذا أو ان كان كذا أو بكذا أو مثل فانهم يحشرون ~~أو فاقطعوا أيديهما ومثل سها فسجد ثم ذكر أقسام التنبيه والايماء بعد ذلك ~~وجميع الاشعرية يتابعونه على ذلك في أصول الفقه كالرازي في المحصول ~~والغزالي في المستصفى وجميع من أثبت القياس في الفروع وكذلك شراح كتابه ~~منهم ومن غيرهم مع كثرتهم وأكثرهم أشعرية قرروا ذلك ولم يعترضوه وقد قيل ~~أنه شرح بسبعين شرحا # وأما قول عضد الدين في شرحه وجوبا عند المعتزلة وتفضلا عند غيرهم فانما ~~أراد ارسال الرسل لا تعليل الاحكام الشرعية وإلا بطل القياس ولأن هذا النقل ~~عن المعتزلة وغيرهم باطل في تعليل الاحكام الشرعية وكذلك ذكر الحافظ أسعد ~~بن علي المعروف بالزنجاني أن ذلك مذهب أهل السنة وهو من أئمة الشافعية ذكره ~~في شرح قصيدته الشهيرة في الحث على السنة وهي التي أولها (تمسك بحبل الله ~~واتبع الخبر) وذكر الذهبي في ترجمة عكرمة من الميزان ما يدل على ذلك وكذلك ~~الامام الخطابي والعلامة الدميري من أئمة الشافعية وأهل السنة ذكرا حكمة ~~الله تعالى في خلق الداء والدواء في جناحي الذباب والهامة تقديم ما فيه ~~الداء وتأخير ما فيه الدواء ردا على من من طعن في الحديث بذلك ونصا على أن ~~لله حكمة في كل شيء وطولا في ذلك ذكره الدميري في كتابه حياة الحيوان في ~~ذكر الذباب من حرف الذال # وشرح ابن الأثير الحكيم بالحاكم وبذى الحكمة معا ولم ينكر تفسيره بذي ~~الحكمة ويجعله من البدع وفسر الحكمة بمعرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم فجعل ~~الاشياء ms168 متفاضلة في أنفسها والحكمة معرفة ذلك وهذا هو المراد وإذا كان ~~للاسم الشريف معنيان صحيحان مشتملان على الحمد # PageV01P187 # والثناء لم يصح منع أحدهما على أن تفسير الحكيم بالحاكم مطلقا مما لم أره ~~في كتب اللغة ولعل ابن الأثير قلد فيه بعض المتكلمين وهذه كتب اللغة موجودة ~~والله يحب الانصاف # وذكر ابن كثير في الأول من البداية والنهاية في قصة نوح عليه السلام في ~~تفسير قوله تعالى {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد ~~أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون} قال ابن كثير أي من يرد الله فتنته فلن ~~يملك أحد هدايته هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الفعال لما يريد ~~وهو الحكيم العليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية وله الحكمة البالغة ~~والحجة الدامغة اه بحروفه هو إشارة إلى قوله تعالى {وما يضل به إلا ~~الفاسقين} كما ذكره الذهبي # فالزنجاني والذهبي وابن كثير من أئمة الاثر وأئمة الشافعية وأهل السنة ~~وقد تطابقوا على تعليل أفعال الله بالحكمة من غير حكاية خلاف في ذلك بل ذكر ~~ذلك الغزالي مع توغله في علم الكلام ذكره في المقصد الأسنى في شرح أسماء ~~الله الحسنى في شرح الرحمن الرحيم وكذلك ذكر مثل ذلك في الاحياء في سر ~~القدر كما تقدم # ومن كلامه في المقصد الاسنى ما لفظه ولذلك قال الله سبقت رحمتي غضبي ~~فغضبه ارادته الشر والشر بارادته ورحمته ارادته الخير والخير بارادته ولكن ~~أراد الخير للخير نفسه وأراد الشر لا لذاته بل لما تضمنه من الخير إلى قوله ~~فلا تشكن أصلا في أن الله أرحم الراحمين وانه سبقت رحمته غضبه ولا تستريبن ~~في أن مريد الشر للشر لا للخير غير مستحق اسم الرحمة إلى آخر ما ذكره وهو ~~كلام طويل متداول بين أهل السنة وكذلك قال النووي في شرح مسلم في حديث ~~والشر ليس اليك أي ليس بشر بالنظر إلى حكمتك فيه وإنك لا تفعل العبث وذكره ~~في الاذكار أيضا # وذكر ذلك الفقيه ابن العربي ms169 المالكي في شرح الترمذي ومن كلامه فيه ما ~~لفظه فان البارى لا يجوز عليه الاهمال بحال ولا بوجه قال # PageV01P188 # وقد وهم في ذلك المتكلمون من علمائنا في بعض الاطلاقات على الله وذلك ~~قبيح فلا تلتفتوا اليه ذكره في أول كتاب الصيام بل قال الرازي في مفاتيح ~~الغيب إن مسألة الافعال وقعت في حيز التعارض بحسب تعظيم الله تعالى نظرا ~~إلى قدرته وبحسب تعظيمه سبحانه نظرا إلى حكمته إلى آخر كلامه كما سيأتي في ~~مسألة الافعال ويعضده كلامه في وصيته وفي أصول الفقه # وقال الامام العلامة محمد بن جرير الطبري إمام السنة ما لفظه (فان قال ~~قائل) فما معنى قوله عليه السلام اعملوا فكل ميسر لما خلق له إن كان الامر ~~كما وصفت من أن الذي سبق لأهل السعادة والشقاء لم يضطر واحدا من الفريقين ~~إلى الذي كان يعمل ولم يجبره عليه (قيل) هو أن أهل كل فريق من هذين مسهل له ~~العمل الذي اختاره لنفسه مزين له ذلك كما قال جل ثناؤه {ولكن الله حبب ~~إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم ~~الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم} وأما أهل الشقاوة فانه زين ~~لهم أعمالهم لإيثارهم لها على العمل بطاعته كما قال جل ثناؤه {إن الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون} إلى قوله لأن المضطر إلى ~~الشيء لا شك أنه مكره عليه لا محب له بل هو له كاره ومنه هارب والكافر ~~يقاتل دون كفره إلى آخر ما ذكره وهو كلام جيد مطول ذكره بكماله العلامة ابن ~~بطال في أبواب القدر من شرح صحيح البخاري محتجا به على بطلان قول الجبرية ~~الجهمية وموضحا لبراءة أهل السنة منهم والحجة فيه هنا قوله لإيثارهم لها ~~على طاعته # وفي الواحدي في تفسير قوله تعالى {وأضله الله على علم} عن سعيد بن جبير ~~على علمه فيه وهو من هذا القبيل وإلا لم يكن مناسبا واحتاج إلى تفسير آخر ~~وقال ابن الجوزي في مواعظه بث ms170 الحكم فلم يعارض بلم وقال ابن قيم الجوزي ~~الحنبلي في حادي الأرواح ما لفظه محال على أحكم الحاكمين وأعلم العالمين أن ~~تكون أفعاله معطلة عن الحكم # PageV01P189 # والمصالح والغايات الحميدة والقرآن والسنة والعقول والفطر والآيات شاهدة ~~ببطلان ذلك # وقال في الجواب الكافي وما قدروا الله حق قدره من نفي حقيقة حكمته التي ~~هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله وكذلك نصر ذلك شيخه ابن تيمية وبالغ في ~~نصرته وذكر الزركشي في شرح جمع الجوامع نحو ذلك عن الحنفية وأنهم رووه عن ح ~~قال وهو الذي حكاه الزنجاني من أصحابنا وأبو الخطاب من الحنابلة وهو ~~المنصور لقوته من حيث الفطرة وآيات القرآن المجيد وسلامته من الوهن ~~والتعارض # فهؤلاء سبعة عشر من أكابر الاشعرية وأهل الكلام وأهل السنن والآثار من ~~المتأخرين تيسر لي النقل عنهم الآن مع بعدي عن ديارهم دع عنك قدماء السلف ~~الذين صانهم الله وصان أزمنتهم عن البدع فلو ادعى مدع اجماع المتأخرين مع ~~اجماع المتقدمين من المسلمين على ذلك لما بعد عن الصواب والله الهادي # أما القدماء من الصحابة والتابعين فقد علم ضرورة أنهم لم يتأولوا اسم ~~الله الحكيم وأما المتأخرون فأما طوائف الفقهاء وأهل الأثر والشيعة ~~والمعتزلة على كثرة فرقهم فقد اتفقوا على ذلك أما أهل الأثر فقد تقدم نقله ~~عنهم من غير معارضة وأما طوائف الفقهاء فقد نقله عنهم ابن الحاجب عموما ~~وادعى اجماعهم وأما كل طائفة منهم خصوصا فقد تقدم نقله عن أبي حنيفة ~~وأصحابه وأما الشافعية فذكر منهم جماعة عرفت منهم وقت هذا التعليق عشرة ~~الخطابي وعلي بن خلف بن بطال والزنجاني وابن كثير والذهبي والغزالي والنووي ~~وابن الأثير والزركشي والدميري وتركت الرازي لتعارض كلامه في ذلك وأما ~~المالكية فذكر منهم ابن الحاجب وابن العربي وصدع بالحق في هذا الموضع ونص ~~على قبح ذلك ممن قال به من متكلميهم وأما الحنابلة فذكر منهم أربعة ابن ~~الجوزي وأبو الخطاب وابن قيم الجوزيه وشيخه ابن تيمية وبالغا في نصرته # PageV01P190 ### | فصل في ذكر الادلة على ذلك # واعلم أن هذه المسألة ms171 الجليلة وإن كانت جلية فقد أحوج أهل اللجاج والتمسك ~~بالمتشابهات إلى التطويل فيها لما يتفرع عنها ويبتني عليها من القواعد وقد ~~بسطت الادلة عليها في العواصم ولكن لابد من التبرك بذكر طرف صالح غير ~~المشهور في علم الكلام يدفع الله به في نحو المخالفين # فمن ذلك ما ورد في تعليل خلق السموات والأرض كقوله تعالى {وما خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون} وقال تعالى {أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض ~~وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى} وفي هذه الآية الكريمة دلالة على أن ~~الفكرة العقلية الصحيحة تثمر المعرفة بحكمة الله والقطع على تنزيه الله من ~~العبث واللعب كما أن الادلة الشرعية جاءت بذلك وذلك واضح في قوله تعالى {أو ~~لم يتفكروا في أنفسهم} فهي حجة على إثبات التحسين العقلي كقوله {أم تأمرهم ~~أحلامهم بهذا} وقال تعالى {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ~~ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} وقال {هو الذي جعل الشمس ضياء ~~والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا ~~بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون} إلى غير ذلك # وبوب البخاري بابا في ذلك فقال في التوحيد والرد على الجهمية # PageV01P191 # باب قول الله عز وجل وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ثم روى حديث ابن ~~عباس كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو من الليل وذكر دعاءه وفيه أنت الحق ~~وقولك الحق ووعدك الحق والجنة حق والنار حق والساعة حق وذلك من البخاري ~~إشارة إلى مذهب أهل السنة في إثبات الحكمة # ومن ذلك ما ورد في تعليل العذاب بالاعمال والاستحقاق مثل {جزاء بما كانوا ~~يعملون} وهو أصرح وأكثر وأشهر من أن يذكر بل هو من المعلومات من ضرورة ~~الدين وكذلك جاء صريح التعليل في الأحكام كقوله تعالى {من أجل ذلك كتبنا ~~على بني إسرائيل} الآية وقد ذكرت في العواصم في هذه أكثر من مائة آية من ~~كتاب الله ms172 مما تقشعر الجلود لمخالفة آية واحدة منها وإنما اقتصرت على ما ~~هنالك خوفا من الاملال وقد ذكر ابن قيم الجوزية في الجواب الكافي أن في ذلك ~~قدر ألف آية من كتاب الله ذكره في فائدة العمل مع القدر في ترتيب الاشياء ~~على الاسباب في حكمة الله تعالى # ومن ذلك قول نوح عليه أفضل السلام {إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت ~~أحكم الحاكمين} فان لفظة أحكم هنا مبالغة في الحكمة التي هذا موضعها لما في ~~كلامه من التلطف بتنزيه الله عن الخلف في الميعاد ولا يصح أن يكون أحكم هنا ~~مبالغة في الاحكام إذ لا مناسبة لذلك بهذا المقام ولذلك كان الجواب على نوح ~~عليه السلام بأنه عمل غير صالح فبينت له الحكمة على التعيين لتقرير اعتقاده ~~الجملي لها فكشف له بها أن الوعد سبق له متعلق بأهله الصالحين وقد روى أت ~~الوجه في اشتباه ذلك على نوح أن ابنه كان منافقا وكان علم نفاقه من علم ~~الغيب الذي يختص الله به ولو كان عدم صلاحه بأمر بين لم يخف ذلك عليه وهذا ~~وجه جيد والله أعلم ومن ذلك قوله تعالى {أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم ~~طاغون} # PageV01P192 # ومن ذلك قوله تعالى حاكيا عن الأشقياء {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير} وقوله في غير آية {أفلا تعقلون} {وأنتم تعلمون} فانها ~~وأمثالها تدل على معرفتهم بعقولهم قبح ما هم عليه وبطلانه معا إذ لو عرفوا ~~بطلانه بها دون قبحه لم تقم عليهم الحجة وإنما أرسلت الرسل لقطع عذرهم ~~لكيلا يقولوا ما حكى الله تعالى عنهم وذلك لزيادة الاعذار لأنه لا أحد أحب ~~اليه العذر من الله تعالى لا لأنه لا حجة عليهم قبل الرسل أصلا ولذلك صح ~~عند أهل السنة أن تقوم حجة الله بالخلق الاول في عالم الذر على ما سيأتي ~~بيانه وذلك قبل الرسل ولم يختلفوا في صحته وإنما اختلفوا في وقوعه # ومن ذلك سؤال الملائكة عن وجه الحكمة في خلق آدم وذريته ms173 ولولا اعتقادهم ~~للقطع بالحكمة ما استغربوا ذلك ولا سألوا عنه ولذلك كان الجواب عليهم بقوله ~~تعالى {إني أعلم ما لا تعلمون} ولم يقل اني يصدر مني ما يفعل المفسدون ~~وأوضح من هذا كله ما جرى بين موسى والخضر عليهما السلام فانه مناد نداء ~~صريحا على اشتمال أفعال الله تعالى على المصالح والغايات المحمودة ولولا ~~اعتقادهما لذلك ما استنكر موسى ولا أجاب الخضر بوجوه الحكمة الراجعة إلى ~~المصالح ولا قنع موسى بذلك الجواب والخصم يعتقد أن المفسدة البينة الفساد ~~في البداية والنهاية الخالية عن الحكمة والمصلحة باطنا وظاهرا جائزة على ~~اتعالى بل مساوية للمصلحة البينة الصلاح باطنا وظاهرا بل لا يجوز أن يعلل ~~شيء من أفعاله بحكمة بل يجب القطع بخلوهاعن ذلك بل يجب القطع بأن ذلك هو ~~الأولى في ممادح الرب تعالى حتى صرخوا بتأويل اسمه الحكيم بمعنى المحكم ~~لخلق المخلوقات لا سواه لا أن له في ذلك الأحكام حكمة ألبتة ولو كان كذلك ~~لم يقع منه الاحكام لأنه لا يكون أولى به من عدمه وإن لم يكن أولى به فلا ~~ولا أكثر وقوعا في مخلوقاته بل لو كان كذلك لارتفع التحسين والتقبيح في ~~الشرع ولم يكن الامر بالشيء أولى من النهي عنه ولا العكس لأن الممكن لا ~~يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح ولا مرجح في ذلك كله إلا داعي الحكمة ~~والعلم بفضل بعض الأمور على بعض # PageV01P193 # ثم إنا قد علمنا أن الشيطان محكم لأسباب فساده ووسواسه أشد الاحكام مع ~~أنه في غاية القبح لخلوه عن الحكمة وكذلك المشركون أحكموا حربهم وسبهم ~~للأنبياء وقالوا في ذلك القصائد المحكمة وإنما قبح ذلك كله وسخف قائله ~~لخروجه عن الحكمة فكيف يرد اسم الحكيم إلى مثل ذلك # وقد نقل تفسير الحكيم بالمحكم من لم يفهم هذه الغائلة من شراح الاسماء ~~الحسنى حتى نقله البغوي في تفسيره ومصنف سلاح المؤمن وأما ابن الأثير في ~~النهاية فنقل التفسيرين معا وأما الغزالي في المقصد الأسنى فانه اتقى فيه ~~من المخالفين بغير شك لأنه صرح بمخالفتهم ms174 في شرح الرحمن الرحيم لكنه تلطف ~~في إخفاء المخالفة على الأكثرين بكونه جعلها في الموضع الذي لم يشتهر فيه ~~الخلاف بينهم وبين خصومهم وهو تعظيم رحمة الله تعالى وسعتها وقد أشار إلى ~~مخالفة الأكثرين للحق في خطبة هذا الكتاب بل صرح بذلك وأيضا فيلزم أن لا ~~يكون الجود ونحوه أولى بالله من أضدادها وأيضا كل مقدور ممكن الوجود ~~والبقاء على العدم ولا يترجح أحد الممكنين إلا بمرجح ولا مرجح إلا الدعي ~~وأيضا فيلزم أن لا يحتاج المتشابه إلى تأويل # ومن ذلك أنه يتعذر على من نفى حكمة الله تعالى أن يقطع على صدقه سبحانه ~~وصدق رسله الكرام عليهم السلام كما تقدمت الاشارة اليه وهذا مبسوط في كتب ~~الكلام ولا يصح لهم عنه جواب إلا ما يلزمهم معه ثبوت الحكمة في الافعال ~~والاقوال معا كما تقدم # ومن ذلك أنهم إنما أن يحسنوا نفي الحكمة بغير حجة أو لا يحسنوه إلا بحجة ~~إن حسنوه بغير حجة أكذبهم قوله تعالى {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} ~~وإن لم يحسنوه إلا بحجة اعترفوا بالتحسين العقلي # ومن ذلك أنهم اعترفوا بأن العقل يعرف الحق من الباطل فيقال لهم فاذا تقرر ~~ذلك فالمعلوم في الفطر ترجيح الحق على الباطل وقد اجتمعنا في الاقوال على ~~ترجيح الصدق على الكذب بخصوصه والصواب ترجيح الحق على الباطل بعمومه في ~~الافعال كالأقوال والله يحب الانصاف # PageV01P194 ### | فصل في الجواب عما اغتروا به في ذلك # فمن ذلك أنه ورد في السمع ما يتوهم الجهال منه إن الله تعالى يريد الشر ~~المحض لكونه شرا لا لحكمة فيه ولا غاية محمودة وهذه هي معظم ما جرأهم على ~~ذلك بل ليس لهم كبير شيء سواها وهي شبهة الملاحدة التي يصولون بها على ~~السفهاء والضعفاء وذلك مثل آلام الاطفال والبهائم وعذاب الآخرة الدائم ~~والجواب عن ذلك يتضح بذكر أمور # الامر الأول أن الاستقباح الذي يوجد في العقول لذلك إنما هو بالنسبة إلى ~~من لا يعلم تأويلها تفصيلا ولا جملة لكن الله تعالى قد أعلمنا جملة أن ms175 لها ~~تأويلا أو أن لها تأويلا لا يعلمه سواه وهو الصحيح على ما مضى تقريره في ~~هذا المختصر فاذا ذلك الاستقباح الموجود في عقول البشر صحيح بالنظر إلى ~~علومهم القاصرة وعقولهم الحائرة لكن الراكن اليه غفل عن كون ما أنكر صدر ~~عمن ثبتت حكمته وثبت استبداده بعلم الغيوب والحكم وانه يعلم ما لا نعلم من ~~الغيوب والحكم وقد أخبرنا في كلامه الحق أن للمتشابه تأويلا لا يعلمه إلا ~~هو ولو كان ما تشابه علينا حسنا في عقولنا لم يحتج إلى تأويل ولو لم تكن ~~أفعاله موقوفة على الحكمة لم يرد بذلك التنزيل بل ورد السمع بما يدل على أن ~~الله تعالى فعل ذلك للابتلاء كما قال تعالى في تحويل القبلة {وما جعلنا ~~القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} إلى ~~قوله {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} وفي نحو هذا يقول عز وجل ~~{بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم ~~فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} فبين سبحانه أن التكذيب بما لم # PageV01P195 # يعلم تأويله هو عادة جميع الكافرين الاولين والآخرين وان سبب كفرهم ~~وتكذيبهم به إنما هو جهلهم وعدم احاطتهم بعلمه فليحذر ذلك كل الحذر فان ~~طباع الخلق واحدة إلا ما سلم الله تعالى نسأل الله الهداية والسلامة # فعلى هذا يكون الايمان به أفضل الايمان بل محك أهل اليقين والاحسان ويكون ~~الخوف على المرتابين بسببه من مكر الله خوفا عظيما نسأل الله أن يثبتنا ~~ولذلك خص الله الراسخين بالاستعاذة من الزيغ بعد ذكر إيمانهم بالمتشابه كأن ~~ذكره ذكرهم ذلك فليطلب العاقل من طبعه اللجوج ونفسه الجاهلة المهلة اليسيرة ~~حتى ينكشف في الآخرة ذلك التأويل كما انكشف لموسى تأويل الخضر بعد القطع ~~على بطلانه ألا ترى إذا رأيت رجلا مطيقا يضرب ولدا ضعيفا ضربا مؤلما أنه ~~أول ما يسبق إلى طبعك رحمة الصغير والانكار على الكبير حتى تعلم أن الكبير ~~أبو ذلك المضروب وأنه ساع في صلاحه ms176 وخبير به فيزول عنك ما كان سبق إلى طبعك # وقد جود هذا الوجه الشيخ مختار المعتزلي في كتابه المجتبى وفي البحث ~~السادس من مسألة الارادة تمام لهذا فيه تقرير ورود السمع بأن الله تعالى في ~~جزاء الاشقياء حجتين حجة ظاهرة وهي العمل وحجة خفية وهي الحكمة الباعثة على ~~الجزاء دون العفو ثم أن تأويل الخضر لموسى دل على أن تأويل المتشابه يرجع ~~إلى رده إلى المحكم الذي تحسنه العقول ولا تنكره وهو جلب المنافع والمصالح ~~ودفع المضار والمفاسد ويدل على لزوم هذا في التأويل أنه لو ورد بخلافه كان ~~متشابها آخر يحتاج إلى التأويل ولم يستحق اسم التأويل وهذه حجة قاطعة ولله ~~الحمد # واعلم أن الطبع في هذه المسألة غالب بقوته على من لم يعارضه بتذكر كمال ~~الربوبية ونقص العبودية ويتضرع إلى الله في امداده بهدايته ألا ترى إلى ~~قوله تعالى بعد ذكره لتحويل القبلة {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى ~~الله} نسأل الله هدايته وإن لا يكلنا إلى نفوسنا طرفة عين # PageV01P196 # الوجه الثاني أن يتذكر الانسان ما يعلمه من نفسه من شدة الجهل وقلة العلم ~~وتردده في الامور وحيرته في أشياء سهلة ورجوعه عما كان عليه مرارا ووجدانه ~~للشيء بعد الطلب الشديد الطويل واليأس من وجدانه فان علم الانسان بأحوال ~~نفسه ضروري وهو حجة عليه كما قال تعالى {بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ~~ألقى معاذيره} وقد وصفه ربه العليم الخبير بأنه ظلوم جهول في كتابه الحق ~~ويعلم من التجربة المستمرة ومن قصة موسى والخضر التفاوت العظيم بين الخلق ~~في البلادة والذكاء ومعرفة الدقائق وخفيات الحكم ومحكمات الآراء وحدس عواقب ~~الامور فكيف التفاوت بين الخلق وخالقهم سبحانه وتعالى ولو وهب الله عز وجل ~~لبعض خلقه نصف علمه سبحانه لجاز أن يكون ذلك التأويل في النصف الآخر كيف ~~وقد صح في حديث ابن عباس أن الخضر قال لموسى ما علمي وعلمك وعلم جميع ~~الخلائق في علم الله إلا مثل ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر # والفرق بين هذا ms177 الوجه والذي قبله إن هذا راجع إلى كسره لعجبه بنفسه فان ~~الاعتراض على الله سبحانه إنما ينشأ من ذلك والوجه الأول مبني على تسليم ~~صحة إنكاره في المتشابهات لكن بالنسبة إلى عقولنا ومعارفنا والغرض به اقناع ~~الخصم كيلا يعتقد فينا العناد بانكار المدارك العقلية فانا لا ننكرها لكن ~~ندعي أنه قد ينكشف خلاف السابق إلى الوهم العقلي والحسي كما أن الانسان أول ~~ما يرى النجوم يعتقد أنها ساكنة حتى تنكشف له حركتها بالبرهان لا بالبصر ~~وقد يراها متحركة حركة سريعة مع حركة السحاب الرقيق وينكشف له بالبرهان عدم ~~ذلك # الوجد الثالث وهو القالع لآثار هذه الوساوس أن يعلم الانسان أنه ما زال ~~الاختلاف بين أهل الفطن والعلوم من المسلمين فيما بينهم والفلاسفة فيما ~~بينهم وسائر الخلائق حتى حكى الله تعالى الاختلاف اليسير الذي لا يضر فيما ~~عن الملائكة وبعض الأنبياء عليهم السلام فقال تعالى {ما كان لي من علم ~~بالملإ الأعلى إذ يختصمون} # PageV01P197 # ) وحكى سبحانه ما جرى بين داود وسليمان عليهما السلام من الاختلاف في حكم ~~الغنم إذ نفشت في زرع قوم إلى قوله تعالى {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما ~~وعلما} وحكى ما جرى بين موسى وهارون عليهما السلام حتى حكى قول هارون لموسى ~~{لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي} و {فلا تشمت بي الأعداء} وثبت في الحديث اختصام ~~ملائكة الرحمة وملائكة العذاب في حكم الذي قتل مائة نفس ثم تاب وبعث الله ~~ملكا يحكم بينهم فحكم لملائكة الرحمة وثبت أيضا محاجة آدم وموسى في الخروج ~~من الجنة لا في المعصية كما يظنه كثير من الناس كما سيأتي في موضعه إن شاء ~~الله تعالى فصار مجموع ذلك دليلا قاطعا على أن العادة قد استمرت على وجوب ~~الاختلاف في الاحكام عند التفاضل في العلم والحكمة وذلك يوجب استقباح ~~الجاهل لبعض أفعال الأعلم على قدر ما بينهما من التفاوت فأولى وأحرى أن ~~يوجب استقباح الجاهل لبعض أفعال الاعلم # ولما كان التفاوت بين علم المخلوقين وعلم خالقهم عز وجل لا يقدر بمقدار ~~ولا يتوهم ms178 بقياس وجب أن يكون بينهم في التحسين والتقبيح لتفاصيل الاحكام ~~أعظم الاختلاف وجوبا عاديا يستحيل خلافه حتى لو قدرنا ما لا يتقدر من ~~موافقتهم لجميع أحكام الله تعالى على جهة التفصيل لكان هذا محارة عظمى ~~لعقول جميع العقلاء والأذكياء بل محالا ممتنعا في معارف الفطناء والعلماء ~~ولكان ذلك الاتفاق أعظم شبهة قادحة في زيادة علم الله عليهم ومن أدق ~~المتشابه المحير لفطنائهم فلما جاء السمع بالمتشابه عليهم على القاعدة ~~المألوفة والعادة المعروفة في أن الاعلم إذا تميز شيئا قليلا عن أجناسه ~~وأشباهه لم يكن بد من أن يأتي بما لا يعرفون ويفعل ما لا يقولون ويستحسن ~~بعض ما يستقبحون حتى قيلت في هذا الاشعار وضربت فيه الامثال وحتى قيل أن ~~الاجتماع في الخفيات محال مثلما أن الاختلاف في الجليات محال وقد أجاد في ~~هذا المعنى من قال # PageV01P198 # (تسل عن الوفاق فمر بنا قد ... حكى بين الملائكة الخصاما) # (كذا الخضر المكرم والوجيه المكلم ... إذ ألم به لماما) # (تكدر صفو جمعهما مرارا ... وعجل صاحب السر الصراما) # (ففارقه الكليم كليم قلب ... وقد ثنا على الخضر الملاما) # (فدل على اتساع الامر فيما الكرام فيه خالفت الكراما) # (وما سبب الخلاف سوى اختلاف العلوم هناك بعضا أو تماما) # (فكان من اللوازم أن يكون الاله ... مخالفا فيها الاناما) # (فلو لم نجهل الاسرار عنها ... بلغنا مثله فيها المراما) # (فصار تشابه الاحكام منه ... عليه شاهدا ولنا لزاما) # (فلا تجهل لها قدرا وخذها ... شكورا للذي يحيى العظاما) # (وحاذر أن تكون لها نسيا ... وتنظر في المواقف أو تراما) # (فلو لم ينسها موسى عليه السلام قضى من الخضر المراما) # (ولو لم تنسها الاملاك في آدم كانوا بها اعتصموا اعتصاما) # (وإن محارة قد حار فيها الملائك والكليم ولن يسامى) # (لقاطعة القلوب حرية أن ... يكون الابتداع بها حراما) # (ولا تعجب بفضل الله يوما ... فان العجب يورثك السقاما) # (وكن لنعال خلق الله تربا ... إذا ما شئت للنعمى دواما) # الوجه الرابع # تدبر كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترى إلى ~~قوله ms179 تعالى {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما} فعقب ذكر هذا ~~العذاب العظيم بذكر موجبه من عزته وحكمته التي هي تأويل المتشابه وكذلك ~~قوله تعالى {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من ~~يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم} # PageV01P199 # وكذلك قال عيسى عليه السلام {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} ولا ~~يخفى ما في تأويل الحكيم بالمحكم هنا من التعسف الباطل وما في التأويل من ~~غير موجب من فتح أبواب البدع والمجاهل # وفي هذه الآيات وأمثالها نكتة لطيفة في جمعه بين العزة والحكمة وذلك أن ~~اجتماعهما عزيز في المخلوقين فان أهل العزة من ملوك الدنيا يغلب عليهم ~~العسف في الاحكام فبين مخالفته لهم في ذلك فان عظيم عزته لم يبطل لطيف ~~حكمته ورحمته سبحان من له الكمال المطلق والمجد المحقق # وبعد فان اثبات حكمة الله تعالى معلوم في كتاب الله وسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بين لا يدفع مكشوف لا يتقنع مدحا وثناء كما اشتملت عليه ~~النصوص القرآنية والاسماء الحسنى وأسئلة وجوابات كما تبين في قصة موسى ~~والخضر وآدم وملائكة السموات ألا ترى أنك إذا تأملت سؤال الملائكة وما أجيب ~~عليهم به عرفت فيه ما اتفق عليه العقلاء من تقبيح الشر المحض الذي لا خير ~~فيه ولا في عواقبه وغاياته دون الشر المراد لاجل الخير وذلك بين في اظهار ~~الله تعالى لهم صلاح آدم عليه السلام وعلمه وتقدمه في القرب من الله تعالى ~~ألا تراه سبحانه وتعالى يقول لهم بعد بيان ذلك لهم {ألم أقل لكم إني أعلم ~~غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} فبين لهم أن خلقا ~~فيهم مثل هذا العبد الصالح والنبي المكلم المقرب المستخلف المعلم لا يحكم ~~عليه بأنه شر محض ولا حكمة فيه ولا خير يقصد به وإنه لا نكارة في شر يكون ~~للخير كالصف للدر والترب للبر والفصاد للعافية والقصاص للحياة ms180 وأمثال ذلك ~~مما هو صحيح شهير في حكمة الحكماء وعقول الفطناء # ولذلك قيل أن العالم كالشجرة وأهل الخير منهم كالثمرة من تلك الشجرة وهو ~~أحد الوجوه في تفسير قوله تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} أي ~~ليعبدني العابدون منهم وقد جاء نحو # PageV01P200 # ذلك في حديث الخليل عليه السلام حين جعل يدعو علي من رآه يعصي الله فوحي ~~الله اليه يا إبراهيم دع عبادي فان قصر عبدى مني احدي ثلاث اما أن يتوب ~~فأتوب عليه أو يستغفرني فأغفر له أو أخرج من صلبه من يعبدني رواه الهيثمي ~~في مجمع الزوائد والطبراني # فثبت أن الانسان ما يؤتي في توهمه نفي حكمة الله إلا من جهة جهله لقدر ~~علمه وقدر علم الله تعالي وإنما كره علم الكلام لما يؤدي اليه الخوض فيه من ~~المحارات ومخالفة الضرورات أو المشهورات ألا تري أن المتكلمين لما توغلوا ~~في هذه المباحث أدي ذلك طائفة منهم إلي القدح في الحكمة وطائفة إلي القدح ~~في القدرة علي هداية العصاة وطائفة إلي القدح في دوام العذاب ورجحت كل ~~طائفة تأويلها # أما غلاة الأشعرية الذين قدحوا في معني الحكمة فرجحوا ذلك لصعوبة النظر ~~في حكمة الله تعالي في جميع الشرور الدنيوية والأخروية وعجز العقول عن درك ~~ذلك وأما غلاة المعتزلة فرجحوا قدحهم في القدرة على اللطف أنه قد خاض في ~~أمر معين يحتمل أنه محال ولا بد من اخراج المحال من المقدورات بالاجماع ~~وإلا أدي إلي تجوير قلب القديم حادثا والحادث قديما وغير ذلك مما يستقبح ~~ذكره وقد أشار الغزالي إلي مثل كلامهم في شرح الرحمن الرحيم من المقصد ~~الأمني # وأما الأشعرية فقدحوا في الحكمة بأسرها فكان ما ذهبت اليه المعتزلة أهون ~~من هذه الجهة # وأما ابن تيمية وأصحابه فرأوا أن القدح في الحكمة والقدرة يتطرق إلي ~~النقص في كمال الربوبية وذلك يحتمل الكفر ويضارعه أو يقرب منه وأما دوام ~~العذاب فالقدح فيه عندهم سهل بعد ورود الاستثناء في غير آية وحديث وأثر ~~ومنتهاه تخصيص عموم بما يقتضي زيادة الرحمة ms181 والحكمة والعدل والثناء # ولي علي الجميع كلام طويل وقد أشرت إلي أقوالهم وشبههم في الإجادة بأقصر ~~عبارة فقلت في ذلك شعرا # PageV01P201 # (تحير أرباب النهي ما المراد بالعصاة ... من الجن وأولاد آدم) # (أخيرا أراد الله بالخلق أولا ... أم الشر مقصود لا حكم حاكم) # (فان كان خيرا هل يجوز فواته ... علي مالك ما شاء بالغيب عالم) # (وإن كان شرا هل أريد لنفسه ... أم الخير مقصود به باللوازم) # (وهل سبق قصد الخير بالشر يقتضي ... تطابق ذاك القصد حكم الخواتم) # (ولما أتي ذكر الخلود بناره ... علي جوده في ذكره والجوازم) # (تعاظم شأن الخلد في النار كل من ... تفكر في أسماء رب العوالم) # (فلا هو مغلوب ولا هو جاهل ... ولا عابث قطعا ولا غير راحم) # (فعاد إلي التسليم كل محقق ... لما قاله في الذكر رب العوالم) # (سواء قضي بالخلد بالنار أو قضي ... بأن عذاب الأشقياء غير دائم) # (ولما أتي استثناؤه في كتابه ... من الخلد جهرا فل حد التعاظم) # (وعاد مجال القول في ذاك واسعا ... وقد كان ضاق الأمرضيق الخواتم) # (ورد شكوك الملحدين خواسئا ... ومد بحار العارفين الاكارم) # (فمن قائل بالخلد من أجل كثرة ... الوعيد به المنزلات القواصم) # (ومن قائل أن الخصوم مقدم ... وساعده أسماء أحكم حاكم) # (وثالثها المنصور يرجي لمسلم ... ومن عاند الاسلام ليس بسالم) # (ومن لائم من خاض في ذاك حائر ... ومن واقف في ذاك ليس بلائم) # (ومن خائض فيه يكفر خصمه ... علي مثل ما يأتي فاليس بسالم) # (ولا كفر في الأقوال بعد تعارض ... الصوادع في تنزيل أعلم عالم) # (ولكنه يخشي بتكفير غيره ... يبوء به أو باقتراف المآثم) # (فلولا أراد الله توسيع حكمه ... لما خصه في ذكره غير كاتم) # (وفي الجنة استثني وعقبة بما ... يدل علي خلد الجنان الدوائم) # (علي أن وصف الجود لله دائم ... ومستلزم قطعا دوام المكارم) # (وكيف يدوم الملك والجود والثنا ... وينقطع المعروف في قول عالم) # (وجاءت أحاديث الصحاح توافق ... العقول بثنيا الرب أرحم راحم) # PageV01P202 # (إذا وردت بعد الثواب فانها ... لما زاد جودا في ثواب الاكارم) # (وإن وردت بعد الوعيد فانها ms182 ... لعفو وصفح عن عقاب الجرائم) # (ووافقها في الذكر ذكر زيادة ... وذكر مزيد في النصوص الجوازم) # (وطول في الثاني اين تيمة فقف ... علي علمه في كتبه والتراجم) # (وأسنده عن ستة نص قولهم ... أكابر من صحب النبي الاكارم) # (فلا تعتقد ان لم يصح مقالهم ... وبان ضعيفا ساقطا كفر عالم) # (فما هو الا حسن ظن فان يجب ... فما ينقص الرحمن رجوى المراحم) # (وقول خليل الله ثم ابن مريم ... دليل على بطلان لوم اللوائم) # (وقد كاد جل الخلق يكفر ضلة ... بذلك لولا فضل أرحم راحم) # (فمن قاصد تنزيهه لو رعى له ... من الجبروت الحق عز التعاظم) # (ومن قاصد تعظيمه لو رعى له ... محامد ممدوح بأحكم حاكم) # (وحافظ كل العارفين عليهما ... وهذا الصراط المستقيم لقائم) # (وهذا مقام لا يخاطر عاقل ... به وله قد كان خلق العوالم) # (لتعليل خلق السبع والسبع كلها ... بتعريف وصفيه قدير وعالم) # (وإن مقاما حار فيه كليمه ... ولم يستطع صبرا لخير العوالم) # (جدير بتحقيق عظيم وريبة ... من الوهم عند الجزم من كل عالم) # (ألم تر ما أدى اليه الكلام من ... فريقيه لما لججوا في الخضارم) # (نفوا حكمة الرحمن في العدل والجزا ... وقدرته عن هدى أحقر ظالم) # (فوهى فريق عز أقدر قادر ... ووهى فريق قدس أحكم حاكم) # (وذا عذرهم في ذي الأقاويل أنها ... لمنكرة في قول جل الأكارم) # (كأنهم راموا مساعدة النهى ... وثلج نفوس بالغيوب هوائم) # (فلم يجدوا إلا التأول مخرجا ... لاحدى ثلاث في العلوم عظائم) # (لحكمة رب الخلق أو لاقتداره ... على اللطف أو تخليد أهل الجرائم) # (وأحسن من ذا الوقف فيه لقطعنا ... جميعا بحسن الحكم من خير حاكم) # (وذلك مغن إذ سلامة جارم ... لدى الخوف أولى من اصابة جاز) # PageV01P203 # (وأثن ولا تستثن شيئا من الثنا ... ودع بدعا أضحت كأضغاث حالم) # (ولا تخش من عجز ولا جهل حكمة ... ولا غيظ مظلوم ولا عسف ظالم) # (ولا أنه في بره غير قادر ... عزيز ولا في عزه غير راحم) # (ولا أنه في حكمه غير عادل ... حكيم لما لم يعلم الخلق عالم) انتهت على ~~الاختصار في هذا ms183 المختصر # فهذه نبذة مختصرة من أول الاجادة في الارادة وهي قدر ألف ومائتي بيت أو ~~تزيد علي ذلك قلتها أيام النشاط إلي البحث استعظاما لخوف الوقوع في الخطأ ~~أو الخطر في هذه المسألة العظمي فاسأل الله التوفيق والعصمة مما خفت منه ~~انه حسبي ونعم الوكيل # وقد أفردت هذه المسألة في مصنفات حافلة منها لابن تيمية ومنها لتلميذه ~~شمس الدين ومنها للذهبي ومنها لي فمن أحب الاستقصاء في المباحث وقف عليها ~~ونظر فيها هنالك والله الموفق ويأتي في الارادة بضعة عشر وجها مما غالبه ~~منصوص من الحكم الربانية في خلق الاشقياء وكان هذا الموضع يليق بها فلتنظر ~~هنالك في البحث السادس من مباحث الارادة # فهذا المعظم المهم مما خدشت به الملاحدة في الاسلام والمبتدعة في حكمه ~~الملك الحميد الحكيم العلام ولم يبق إلا أمور يسيرة منها تعلقوا بآلام ~~الاطفال والبهائم ومن لا ذنب له وكل ما أبيح في الشرع من ذبح البهائم ~~وتحميلها والعمل بها # والجواب عن ذلك كله هو ما تقدم من البراهين الصحيحة على ان الله تعالى ~~حكيم عليم بل على انه سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين # ولعلماء الاسلام في هذا المقام أجوبة مختلفة على حسب قواعدهم وعقائدهم ~~وفطنهم وقرائحهم وقد رأيت أن أقتصر ههنا على كلام الغزالي في المقصد الاسنى ~~لوجهين أحدهما ليعرف الاشعري ان جمهور أصحابه على القول بحكمة الله تعالى ~~ان لم يكن ذلك اجماع المسلمين وثانيهما لحسن عبارة الغزالي في الاستدلال ~~وضرب الامثال فأقول # PageV01P204 # قال في شرح الرحمن الرحيم من الاسماء الحسنى ما لفظه (سؤال وجوابه) لعلك ~~تقول ما معنى كونه رحيما وأرحم الراحمين والدنيا طافحة بالامراض والمحن ~~والبلايا وهو قادر على ازالة جميعها وتارك عباده ممتحنين فجوابك ان الطفل ~~المريض قد ترثى له أمه فتمنعه من الحجامة والأب العاقل يحمله عليها قهرا ~~والجاهل يظن ان الرحيم هو الام دون الاب والعاقل يعلم ان ايلام الاب ~~بالحجامة من كمال رحمته وان الام عدوله في صورة صديق فان ألم الحجامة ~~القليل إذا كان سببا للذة ms184 الكثيرة لم يكن شرا بل كان خيرا والرحيم يريد ~~الخير بالمرحوم لا محالة وليس في الوجود شر إلا وفي ضمنه خير ولو رفع ذلك ~~الشر لبطل الخير الذي في ضمنه وحصل ببطلانه شر أعظم من الشر الذي يتضمن ذلك ~~الخير # قلت وما أبين هذا المعنى في كتاب الله تعالى ولو لم يرد فيه إلا قوله ~~سبحانه وتعالى {ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون} ~~وقوله تعالى {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} وقوله تعالى {ولو بسط الله ~~الرزق لعباده لبغوا في الأرض} وقوله تعالى {كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه ~~استغنى} وقوله تعالى {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} وقوله تعالى {أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} وقوله ~~تعالى في تعليل أفعاله بالحكم في الآخرة {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} ~~افحاما لسائلي ذلك ومرة أجاب عليهم بقوله تعالى {ولو شئنا لآتينا كل نفس ~~هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} # PageV01P205 # ولا خفاء أن قوله حق القول واضح في مواقفه الحكمة والا لما كان بان يحق ~~أكمل في الثناء على الله تعالى من أن لا يحق فتأمل ذلك يوضحه قوله تعالى ~~{وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين} الآية إلى سائر ما تقدم في ~~هذا # قال الغزالي واليد المتأكلة قطعها في الظاهر وفي ضمنه الخير الجزيل وهو ~~سلامة البدن ولو ترك قطعها لحصل هلاك البدن ولكن قطعها لسلامة البدن شر وفي ~~ضمنه الخير لكن المراد الأول السابق إلى نظر القاطع هو السلامة التي هي خير ~~محض وهي مطلوبة لذاتها ابتداء والقطع مطلوب لغيره ثانيا لا لذاته فهما ~~داخلان تحت الارادة لكن أحدهما يراد لذاته والآخر يراد لغيره فالمراد لذاته ~~قبل المراد لغيره ولاجل ذلك قال الله تعالى {سبقت رحمتي غضبي} فغضبه ارادته ~~الشر والشر بارادته ورحمته ارادته الخير والخير بارادته ولكن اراد الخير ~~للخير نفسه وأراد الشر لا لذاته فالخير مقتضى بالذات والشر مقتضى بالعرض ~~وكل ms185 بقدر وليس ذلك مما ينافي الرحمة أصلا والآن ان خطر لك نوع من الشر لا ~~ترى فيه خيرا أو خطر لك انه كان يمكن حصول ذلك الخير لا في ضمن ذلك الشر ~~فاتهم عقلك القاصر في كلا الطرفين # أما قولك ان بعض الشر لا خير تحته فان هذا مما تقصر العقول عن معرفته مثل ~~أم الصبي التي ترى الحجامة شرا محضا ومثل الغبي الذي يرى القتل قصاصا شرا ~~محضا لانه ينظر إلى خصوص شخص المقتول وأن القتل في حقه شر محض ويذهل عن ~~الخير العام الحاصل للناس كافة ولا يدري ان التوصل بالشر الخاص إلى الخير ~~العام خير محض لا ينبغي لحكيم ان يهمله فاتهم خاطرك # وأما الثاني وهو قولك انه كان يمكن تحصيل ذلك الخير لا في ضمن ذلك الشر ~~فان هذا أيضا دقيق فليس كل محال وممكن مما يدرك استحالته وامكانه بالبديهية ~~ولا بالنظر القريب بل يعرف ذلك بنظر غامض دقيق يقصر عنه الاكثرون فاتهم ~~عقلك في هذين الطرفين ولا تشكن أصلا في # PageV01P206 # انه تعالى أرحم الراحمين وانه تعالى سبقت رحمته غضبه ولا تستريبن في أن ~~مريد الشر للشر أي لكونه شرا فقط لا للخير غير مستحق اسم الرحمة وتحت هذا ~~سر منع الشرع من افشائه فلا تطمع في الافشاء ولقد نبهت بالايماء والرمز ان ~~كنت من أهله فتأمل ارشدك الله # (لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي) انتهى كلامه # وللشيخ مختار قريب منه في كتاب المجتبى لكن بغير عبارته بل للامام القاسم ~~بن ابراهيم عليه السلام نحو هذا المعنى في الجواب على الملحد المعروف بابن ~~المقفع فهذا معنى حسن شهد له القرآن والحكمة وفي الحديث النص أن كل ما قضاه ~~الله تعالى للمؤمن فهو خير له مما يحب أو يكره رواه أحمد ومسلم بنحوه ~~واعتقاده هذا من حسن الظن بالله تعالى وفي الحديث ان حسن الظن بالله تعالى ~~هو من حسن العبادة وفي الصحيح يقول الله تعالى انا عند ظن عبدي بي فليظن بي ms186 ~~ما شاء وذلك يناسب قوله تعالى {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم} وهي المحكم هنا ~~وما فيه المدح من غير ذم بالاجماع # وأما السر الذي ذكر أن الشرع منع من افشائه فلعله أراد سعة الرجاء لرحمة ~~الله تعالى كما جاء عن علي عليه السلام لولا أخاف ان تتكلوا عن العمل ~~لاخبرتكم بما لكم من الاجر في قتلهم يعني الجوارح وفي حديث معاذ لاتخبرهم ~~دعهم يعملوا وقد تبين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ذلك مرارا ولم ~~يكتمه دائما وكثير منه في كتاب الله تعالى واستقر الاجماع بعد على تدوينه ~~في كتب الاسلام # ثم ان ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية قد صنفا في هذا مصنفات ممتعة ~~وللذهبي معارضة لهم ولي توسط بينهم والله تعالى يمدنا بهدايته وتوفيقه ولي ~~أيضا تكملة على كلام الغزالي هذا ومناقشة لطيفة تتعلق بآخره # PageV01P207 # في أمر محتمل وما أظنه أراد فيه إلا الصواب وقد ذكرته في العواصم ونفسه ~~في هذا المقام نفس طيب قرآني أثري فأين هو من قول بعض المتأخرين عنه من ~~المتكلمين من أصحابه وممن كان يظن انه أقرب إلى السنة منه حيث قال في بعض ~~كتبه ما لفظه # فان قال بعض الأشقياء انما فعل ذلك ليثيبهم عليه يعني الآلام والمصائب ~~التي تصيب الصبيان ومن لا ذنب له # قلنا له قد ضللت عن سواء السبيل أما كان في قدرة رب العالمين ان يحسن ~~اليهم عوضا عن تعذيبهم أه فانظر إلى ما في هذا الكلام من البعد عن القرآن ~~والسنة والآثار فأول ما بدأ به أنه سمي القائل بذلك بعض الأشقياء وهو رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تواترت عنه بذلك الأحاديث الصحيحة التي لا يجهل ~~مثلها مميز والتي اتفق أهل البصر بهذا الشأن على صحة طرقها وتواترها ~~ودونوها في الصحاح والمسانيد وكتب الزهد والرقائق وليس هي من الآحاد بل هي ~~باب كبير من أبواب الدين الذي لم تزل الصحابة فمن بعدهم من طبقات المسلمين ~~يروونها قرنا بعد قرن يروى ذلك السلف للخلف والاكابر ms187 للاصاغر ويعزى به ~~العلماء أهل المصائب حتى قال العلامة أبو عمر ابن عبد البر في هذا الباب في ~~كتابه التمهيد ان ذلك أمر مجمع عليه وهي دالة على حسن التعليل بذلك وان لم ~~يرد في المحل الذي ذكره على انفراده أعني الصبيان والبهائم فان الخصم انما ~~أنكر حسن التعليل بذلك ومتى صح التعليل به في موضع صح في غيره وبطل قطعه ~~ببطلانه فتأمل ذلك فان العلل العقلية لا تخصص ولا توجد غير مؤثرة مع ان ~~كثيرا من الأحاديث تعم الصغار والكبار والمكلفين وغيرهم ولنذكر من ذلك ~~اليسير تنبيها على الكثير ليعرف الحامل على هذا النكير # فمن ذلك ما خرجه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ وأحمد في المسند وغيرهم ~~من حديث عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P208 # لا تصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة وخط عنه بها خطيئة ~~هذا لفظ مسلم وفيه روايات كثيرة وروى البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود قلت ~~يا رسول الله انك توعك وعكا شديدا قال أجل اني أوعك كما يوعك رجلان منكم ~~قلت ذلك بان لك أجرين قال أجل ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه الا حط ~~الله سيئاته كما تحط الشجرة ورقها ولمسلم نحو من ذلك من حديث جابر وللبخاري ~~ومسلم هذا المعنى من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ولمالك عن يحيى بن ~~سعيد وروى الترمذي عن أنس حديثين ومتن أحدهما عن انس ان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال ان عظم الجزاء مع عظم البلاء وان الله اذا أحب قوما ابتلاهم ~~فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط والآخر للترمذي عن جابر ولفظه يود أهل ~~العافية يوم القيامة حين يعطي أهل البلاء ثوابهم لو ان جلودهم كانت قرضت في ~~الدنيا بالمقاريض وروى مالك والترمذي عن أبي هريرة وأبو داود عن محمد بن ~~خالد السلمي عن أبيه عن جده وله صحبة والترمذي عن مصعب بن سعيد ولفظه أشد ~~الناس ms188 بلاء الانبياء ثم الامثل فالامثل ومالك والبخاري عن أبي هريرة ولفظه ~~من يرد الله به خيرا يصب منه والبخاري عن أبي هريرة ولفظه ما لعبدي المؤمن ~~عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه الا الجنة # ولهذا المعنى ثلاثة شواهد في تفسير قوله تعالى {من يعمل سوءا يجز به} عن ~~أبي بكر وعائشة وأبي هريرة وان كانت هذه تختص بالمذنبين وهذا في جنس الآلام ~~كلها وفي أنواعها الخاصة أحاديث كثيرة مثل ما جاء فيمن مات له ثلاثة أولاد ~~لم يبلغوا الحنث أو اثنان لم تمسه النار الا تحلة القسم رواه البخاري ومسلم ~~من حديث أبى سعيدو أبي هريرة معا والترمذي عن ابن مسعود والبخاري والنسائي ~~عن انس والنسائي عن أبي ذر ومالك عن النضر السلمي والنسائي عن معاوية بن ~~قرة والترمذي عن ابن عباس # فهذه نيف وعشرون حديثا من دواوين الاسلام المشهورة وفي فضل الفقر وأجره ~~خمسة وعشرون حديثا تركتها اختصارا وفي سياق الجميع ما # PageV01P209 # يشهد بان ذلك تعليل مناسب للعقول ولذلك قبله أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولم ينكروه وهم أوفر عقولا وأصح اذهانا وأسلم من تغير الفطرة ~~التي فطر الله خلقه عليها وعند الخصم ان ذلك التعليل غير مناسب وأنه ونقيضه ~~سواء مثل أن يؤلمهم الله في الدنيا ليعاقبهم على آلامهم في الآخرة فان ~~اعترف بالفرق لزمه مناسبة الأول الذي جاءت به السنة وتلقته الصحابة بالقبول ~~وان ادعى انهما سواء فقد عاند وجنى على المسموع والمعقول فكيف يترك النظر ~~في ذلك كله عالم من علماء الاسلام ويعارضه بقوله أما كان في قدرة رب ~~العالمين ان يحسن اليهم عوضا عن تعذيبهم # وجواب أهل الحق على من ابتلى بهذه الوساوس هو قوله تعالى {فلا تضربوا لله ~~الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون} وذلك أن الأنظار العقلية انما تورد ~~على العلل العقلية وأما العلل السمعية فانها صدرت عمن يعلم ما لا نعلم وليت ~~شعري اذا أنكر الخصوم هذا المعنى ما يكون تفسير العلم الذي خص الله ms189 تعالى ~~به الخضر دون موسى عليهما السلام وقد أوضح الله تعالى أنه علم الحكمة ~~الخفية في مثل ذلك # وقد أجاب بعض المتكلمين بجواب مناسب فقال ان الثواب على هذه الاشياء جزء ~~من الحكمة المسماة بالعلة في عرف المتكلمين وليس هو كلها والجزء الثاني هو ~~الاعتبار بذلك وهذا معنى مناسب وقد ورد ما يدل عليه من الحديث وذلك ما رواه ~~الحافظ ابن كثير من طرق في خلق آدم من أول الجزء الأول من البداية والنهاية ~~ان الله لما أخرج ذرية آدم ورآهم آدم رأى فيهم الغنى والفقير والصحيح ~~والسقيم فقال يا رب هلا سويت بين ذريتي فقال تعالى اني أردت أن تشكر نعمتي ~~الى غير ذلك وكفى بقوله تعالى {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} وفي آية ~~أخرى {فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} وهي شاهدة لقول أهل ~~المعقولات انه لا يكون في مخلوقات الله تعالى ما هو شر محض من جميع # PageV01P210 # الوجوه لان ما كان كذلك لم يمكن تجويز أنه خير ولا أن فيه خيرا فافهم ذلك # وفي الآلام ما لا يحصى من الالطاف بالمكلفين والتزهيد في دار الغرور ~~ونعيمها الزائل والترغيب في خير الآخرة المحض الخالص من المكدرات وتهذيب ~~الاخلاق ورحمة أهل البلاء والتدريب على الصبر الذي هو أساس الفضائل ومعرفة ~~قدر النعم بالذوق وتخديد الشكر عليه وحسبك في ذلك قول الله تعالى {أم حسبتم ~~أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} وفي ذلك ~~من معرفة الانسان بعجزه وذله وجمع القلب على الله واقباله على الدعاء ~~واللجأ والتضرع ومعرفته باجابة الدعاء وكشف الضر وزيادة اليقين به إلى ~~أمثال ذلك من الغايات المحمودة والمصالح المقصودة ما عرفته العقول الصحيحة ~~وقضت به التجارب الدائمة حتى ذكر صاحب عوارف المعارف ما معناه ان العبد ~~مخلوق ليكون ملتجئا إلى الله سبحانه على الدوام فما دام كذلك فهو في عافية ~~ومتى غفل عن ذلك ساقه الله إلى ذلك ببعض المصائب وذكر في موضع آخر أن سبب ms190 ~~فضيلة الفقراء أنهم يذوقون الافتقار إلى الله تعالى بقلوبهم وان تلك من ~~أقرب المنازل إلى الله تعالى # وروى ابن قيم الجوزية في حادي الأرواح ان نبيا من الأنبياء عليهم السلام ~~رأى مبتلى فقال اللهم ارحمه فقال الله تعالى {كيف أرحمه مما به أرحمه هم ~~عبادي ان أحسنوا فأنا حبيبهم وان أساؤا فأنا طبيبهم ابتليتهم بالمصائب ~~لاطهرهم من المعائب # ومن ذلك الابتلاء بالايمان وبالثبات عليه عند رؤية ذلك فان ذلك يمير الله ~~به الخبيث من الطيب كما نص عليه في ابتلاء المسلمين بتحويلهم من استقبال ~~بيت المقدس إلى استقبال الكعبة ونجم عن ذلك نفاق بعض المنافقين ونزل قوله ~~تعالى} {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} ~~الآيات وكم عسى أن يكتب الكاتب ويحسب الحاسب من حكم الله سبحانه وفوائده ~~وفوائد أفعاله الحكيمة وتقديراته اللطيفة فهذا يخرج عن المقصود ويمنع مما ~~قصدته من الاختصار على ان المعترض # PageV01P211 # لمناسبة هذه العلة الشرعية والاحاديث النبوية أتى بما يضحك السامعين ~~ويخالف الاذكياء والبلداء من العقلاء أجمعين فزعم ان الله عذب من لا ذنب له ~~من الصغار والبهائم بغير علة ولا سبب ولا حكمة ولا داع فيا هذا المغفل اذا ~~لم يحز على الله الاحسان العظيم الدائم على سبب وحكمة لم تعقلهما كيف أجزت ~~عليه التعذيب العظيم بغير سبب وحكمة واذا أوجبت تنزيه الله تعالى من ~~الاحسان العظيم الدائم على سبب وحكمة كيف قبحت على غيرك تنزيهه من التعذيب ~~العظيم الدائم بغير سبب وحكمة واذا اعترفت ان من اعترض على الله تعالى في ~~العذاب بغير ذنب فقد زاد شقاؤه وعظم بلاؤه فمن أباح لك اعتراضه في أسباب ~~احسانه حين لم توافق فهمك الذي اختار نفي الحكمة عن جميع الأفعال الربانية ~~وجعل كمال الحكمة نقصا وعكسها عكسا فجعل زينها شيئا وحمدها ذما فكيف اتسع ~~عقله لتجويز تعذيب من لا ذنب له في طبقات النيران إلى ما لا نهاية له من ~~الملك الغني الحميد المجيد الحكيم الرحمن الرحيم الحليم ثم ما اتسع عقله أن ms191 ~~يعلم ان الله تعالى في ترتيب الثواب على المصائب وجه حكمة لم يعلمها هو ~~ومنتهى ما في الأمر أن ترتيب ذلك الثواب على تلك المصائب قبيح في منتهى ~~معارف العقول أو عبث لا في علم الله تعالى فهلا آمنت به مع صحته في المعقول ~~والمنقول مثل ما آمنت بتعذيب ذنب من لا ذنب له مع قبحه في المعقول وعدم ~~صحته في المنقول # واعلم ان من عادة بعض المخالفين في هذه المسألة أن يوردوا صورا تحسن من ~~الله تعالى وتقبح من عباده ويوهمون بذلك ان هذا محل النزاع وليس كذلك وكفى ~~حجة على من نازع في هذا قصة الخضر وموسى عليهما السلام ولهذا تجد كثيرا من ~~أهل السنة يظنون ان هذا القدر هو محل النزاع فيرجحون قول من ينفي التحسين ~~العقلي وليس محل النزاع الا في نفي الحكمة عن علم الله تعالى لا عن معارف ~~عقول العقلاء # ومن الخطأ البين ما يفعله كثير من المخالفين من تقدير صور في غاية القبح ~~في الشاهد ثم تقدير أن الله يفعلها فيجب تحسينها منه لو فعلها وموضع القبح ~~بين في وجهين أحدهما في ضرب الأمثال لله والله تعالى يقول # PageV01P212 # {فلا تضربوا لله الأمثال} وثانيهما في تجويز ان الله يفعل تلك الصور ~~الشنيعة الفاحشة الشناعة وأنا أذكر من ذلك صورة واحدة قد ختم بها هذا الشيخ ~~المدقق كلامه فجعل ثواب الله العظيم على فقر عباده وبلائهم بمنزلة رجل يقلع ~~عيني فقير مسكين مجذوم مقطوع الاطراف ليطعمه لقمة واحدة فاساء الأدب وأبطل ~~في المثل ولله المثل الاعلى والأسماء الحسنى والله تعالى جعل ثواب العبد ~~على ذهاب بصره الخلود الذي لا آخر له في نعيم الجنان الذي لا مثل له بحيث ~~ان من غمس غمسة واحدة فيه من أهل البلاء يقال له هل رأيت بؤسا قط فيقول ما ~~رأيت بؤسا قط فهذا في أول غمسة كيف في الدوام الابدي فيما لا عين رأت ولا ~~اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر في مقعد صدق عند مليك مقتدر ms192 مع الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # وكل عاقل يشترى هذا بان يقطع إربا أربا في كل حين ولذلك قال الله تعالى ~~{إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} الآية وورد في ~~البخاري ومسلم عن أنس أنه لا يحب الرجوع الى الدنيا أحد من أهل الجنة الا ~~الشهيد فانه يحب أن يعود فيقتل عشر مرات لما رأى من عظيم الأجر على الشهادة ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ولوددت أني أقتل في سبيل الله ~~ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل رواه البخاري وهذا لفظه ~~ومسلم ومالك وغيرهم وفي صحيح مسلم ان الله ليغفر للعبد بالشربة يشربها ~~فيشكر عليها والأكلة يأكلها فيشكر عليها وفيه ان سبحان الله نصف الميزان ~~وسبحان الله والحمد لله يملآن ما ما بين السموات والارض # فهذا بعض ما صح ويسير من كثير بل قطرة من بحار فضل الله العظيم الذي لا ~~يقدر بمقدار ولا تمده لو كتب الانهار ولا البحار فكيف بقدر لقمة واحدة ~~يطعمها فقير مسكين حيران لقلع عينيه # وقد أجاد الشيخ مختار في المجتبى حيث أشار الى الفرق بين الجزاء # PageV01P213 # العظيم وغيره في تقبيح هذه الامور وتحسينها ولو كان يقبل مثل ذلك ~~الاعتراض على العلل السمعية والحكم الالهية لو رد على قوله تعالى {إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} وقيل أما كان في قدرة رب ~~العالمين أن يدخلهم الجنة عوضا عن بذلهم أنفسهم وأموالهم الحقيرة مع انها ~~من مبادي مواهبه ولو كان هذا من العلم المحمود لسبق اليه السلف الذين هم ~~خير أمة أخرجت للناس رضي الله عنهم # ومن ذلك احتجوا بقوله تعالى {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} # والجواب من وجهين أحدهما ان هذه الآية في اثبات عزة الله تعالى وهي كلمة ~~اجماع بين المسلمين والله أعز من أن يسئل وليس ذلك يقتضي أنه غير حكيم فقد ~~تمدح بالعزة بل تمدح بسؤاله ms193 وعده الصادق للمتقين حيث قال سبحانه في كتابه ~~المبين {قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا ~~لهم فيها ما يشاؤون خالدين كان على ربك وعدا مسؤولا} فوجب الايمان بهما معا ~~فهو العزيز الحكيم كما جمعهما سبحانه وتعالى كثيرا في التمدح بهما معافي ~~غير موضع واحد وذلك اشارة الى انهما اخوان لا يفترقان لا ضدان لا يجتمعان ~~ولذلك بوب البخاري عليهما مجموعين بابا في كتاب التوحيد من صحيحه وثانيهما ~~أن هذه الآية في الدلالة على بطلان الشركاء الذين عبدهم المشركون والمراد ~~انهم يسئلون يوم القيامة عن ذنوبهم ويعذبون عليها كقوله {ولقد علمت الجنة ~~إنهم لمحضرون} ومن كان كذلك فهو مربوب لا رب وانما الرب الحق الذي يسأل ~~عباده يوم القيامة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء لا من يخاف العذاب ويحاسب ~~أشد الحساب وسياق الآية من أولها واضح في ذلك فالاحتجاج بها على نفي الحكمة ~~غفلة عظيمة وانما هي لنفي شريك مغالب يلزم اظهار الحكمة ويعاقب على ترك ~~البيان لها ونحو ذلك وقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ~~ان يسأله الزيادة من العلم ولم يعلم موسى # PageV01P214 # على طلب ذلك من الخضر عليهما السلام والله يحب أن يسئل ومن لم يسأل الله ~~يغضب عليه فمن سأل الله من أنبيائه عن خفي حكمته لم يدخل في الآية كما سأله ~~آدم عليه السلام هلآ سويت بين ذريتي فقال فعلت ذلك لتشكر نعمتي وانما يلام ~~من سأل اعتراضا أوشكا أو استبعادا والله سبحانه أعلم # ومن ذلك شبهة الثلاثة الاطفال الذين فرضوا أن أحدهم مات صغيرا فدخل الجنة ~~وأحدهم كبر ووحد الله وعبده ودخل الجنة وأحدهم كبر وكفر ودخل النار فرأى ~~الصغير منزلة المؤمن الكبير فوقه في الجنة فقال يا رب هلا بلغتني منزلة هذا ~~فيقول الله تعالى له اني علمت انك لو كبرت كفرت ودخلت النار فيقول الذي في ~~النار فهلا أمتني صغيرا وهذه هي مسألة خلق الاشقياء بعينها لكن غيروا ~~العبارة فيها # والجواب ان ms194 هذا التقدير خطأ فاحش فان العلة في امانة الصغير ليس هي علم ~~الله بانه لو كبر كفر ولو كانت هذه هي العلة لأمات جميع الكفرة والاشقياء ~~كلهم صغارا بل لما خلقهم صغارا حتى يميتهم فان ترك خلقهم أولى من استدراك ~~الفساد بموتهم بعد خلقهم ولو كانت هذه هي العلبة لصاحت الوحوش والطيور ~~وجميع أنواع الدواب وقالت يا رب هلا جعلتنا من بني آدم ولصاح المؤمنون كلهم ~~وقالوا ربنا هلآ عصمتنا وبلغتنا مراتب الأنبياء بل جعلتنا كلنا أنبياء يوحى ~~الي كل واحد منا ويسري بنا الى السماء وقالوا جميعا هلا جعلتنا ملائكة ~~كراما ولقالت الأنبياء هلا ساويت بيننا فانه نص انه فضل بعض الرسل على بعض ~~ولقالت مثل ذلك الملائكة فانه فضل بينهم ولو انفتح هذا الباب لاعترض تفضيل ~~يوم الجمعة والعيد وليلة القدر ولم تكن هذه الأوقات المخصوصات اولى بذلك من ~~غيرها ولاعترض تخصيص السموات باماكنها والارضين بسكانها ولاعترض تخصيص ~~ايجاد العالم وكل فرد ممن فيه بوقت دون وقت وتخصيص جميع ما فيه بقدر دون ~~قدر في جميع أفعال الله تعالى ومقادير الاعمال والاجساد والارزاق والنعم ~~والقوى والالوان والتقديم والتأخير والتقليل والتكثير ولما انتهى ذلك الى ~~حد ولا وقف على مقدار الا والاعتراض فيه قائم والسؤال عليه وارد ولقالت ~~القباح هلا جعلتنا حسانا والنساء هلا جعلتنا رجالا وأمثال ذلك مما لا يحصى ~~وذلك مما يؤدي إلى عدو وجود # PageV01P215 # شيء من الموجودات بل الى استحالة وجود الممكنات من جميع المخلوقات لعدم ~~رجحان وقت على وقت ومكان على مكان وقدر على قدر فيلحق القادر حينئذ بالعاجز ~~ويتعذر الاختيار على جميع المختارين وانتهينا الى مسألة لا تنتهي لتعارض ~~الدواعي المستدعية للوقف وترك جميع الأفعال وهذا خروج من المعقول فان ~~العاطش الجيعان لو حضر عنده كيزان كثيرة ورغفان كثيرة وهو لا يأكل معتذرا ~~بان الدواعي الى تخصيص كل كوز وكل رغيف تعارضت عليه حتى لم يتمكن من الاكل ~~والشرب ودفع الضرر العظيم لعد من المجانين # والجواب عن هذه الوساوس ان الله يختص برحمته من ms195 يشاء وانه في ذلك العليم ~~الحكيم الخبير البصير ومتى دعت الحكمة الى أحد الامرين المستويين بادر جميع ~~العقلاء الى تخصيص أحدهما محمودين على ذلك غير ملومين سواء كان ذلك التخصيص ~~مستندا الى مرجح خفي أم الى الحكمة الاولى # ومن ذلك الحديث المقلوب الذي خرجه البخاري في التوحيد في الباب الخامس ~~والعشرين في قوله عز وجل {إن رحمة الله قريب من المحسنين} فانه خرج فيه عن ~~عبادة حديثا مرفوعا انما يرحم الله من عباده الرحماء وحديث انس مرفوعا ~~ليصيبن أقواما سفع من النار بذنوب أصابوها ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته ~~ثم أراد تأكيد هذين الحديثين في رحمة الله تعالى بحديث ثالث لابي هريرة وقد ~~رواه على الصواب قبل هذا الموضع من طريق اتفق على صحتها هو ومسلم وغيرهما ~~ثم جاء به في هذا الموضع من طريق أخرى لم يوافقه عليها مسلم ولا غيره من ~~أهل السنن وانما أراد تقوية أصل الحديث وما فيه من معنى الرحمة المتفق ~~عليها فقال حدثنا عبيد الله بن سعيد قال حدثنا يعقوب يعني ابن ابراهيم بن ~~سعد الزهري قال حدثنا أبي عن صالح بن كيسان عن الاعرج عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال اختصمت الجنة والنار الى ربهما فقالت الجنة ~~يا رب مالها لا يدخلها الا ضعفاء الناس وسقطهم وقالت النار فقال للجنة أنت ~~رحمتي وقال للنار أنت عذابي أصيب بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها # PageV01P216 # قال فاما الجنة فان الله لا يظلم من خلقه أحدا وانه ينشئ للنار من يشاء ~~فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ثلاثا حتى يضع قدمه فيها فتمتلئ ويرد بعضها ~~الى بعض وتقول قط قط قط فهذا حديث مقلوب انقلب على بعض رواته كما خرج مسلم ~~من حديث أبي هريرة في ذلك السبعة الذين يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة ~~يوم لا ظل الا ظله فذكر منهم رجلا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما ~~تنفق شماله خرجه مسلم وانما انقلب على بعض الرواة ms196 وصوابه ما خرجاه معا عن ~~أبي هريرة في هذا الحديث بعينه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ~~ما تنفق يمينه فحكم كل عارف بانقلابه لما اتفقا عليه في ذلك ولانه المناسب ~~فان اليمين هي المنفقة فخرجه مسلم كذلك لتقوى أصل الحديث بهذا الاسناد لا ~~لكونه ظن صحة هذا المتن المقلوب مع مخالفته للمنقول والمعقول ولم يتهم أحد ~~مسلما بجهل ذلك # وكذلك حديث الجنة والنار فانهما اتفقا على اخراجه على الصواب من حديث عبد ~~الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تحاجت النار والجنة فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين ~~وقالت الجنة ما لي لا يدخلني الا ضعفاء الناس وسقطهم فقال الله تعالى للجنة ~~انت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار أنت عذابي أعذب بك من أشاء ~~من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول ~~قط قط قط فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها الى بعض ولا يظلم الله من خلقه أحدا ~~وأما الجنة فان الله ينشئ لها خلقا خرجه البخاري في التفسير في تفسير ق ~~ومسلم في صفة النار نعوذ بالله منها وفي صفتها خرج مسلم حديث أنس والبخاري ~~في التوحيد في الباب السابع منه في قول الله عز وجل {وهو العزيز الحكيم} ~~فخرج منه حديث شعبة وسعيد بن أبي عروبة كلاهما عن قتادة عن أنس قال لا يزال ~~يلقى فيها وهي تقول هل من مزيد حتى يضع فيها رب العالمين قدمه فيزوي بعضها ~~الى بعض ثم تقول قد قد بعزتك وكرمك ولا تزال الجنة تفضل حتى ينشئ الله لها ~~خلقا فيسكنهم الله فضل الجنة هذا لفظ البخاري في التوحيد ورواه مسلم من ~~طريق سعيد عن قتادة بمثله الا # PageV01P217 # انه قال قط قط ثم رواه من طريق أخرى فقال نازهير بن حرب ناعفان ناحماد ~~يعني ابن سلمة ناثابت قال سمعت أنسا يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~يبقي من ms197 الجنة ما شاء الله ان يبقى ثم ينشئ الله لها خلقا مما يشاء وخرج ~~مسلم أصل الحديث من طريق أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~محاجة الجنة والنار الى قوله لكل واحدة منكما ملؤها فلم يذكر ما بعده من ~~الزيادة # فقد تبين بهذا ان حديث ابراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن الاعرج عن أبي ~~هريرة حديث منقلب لم يتابع عليه فأما أبو هريرة فقد تخلص من الوهم برواية ~~الثقات للحديث عنه على الصواب وكذلك الاعرج قد خرجه عنه مسلم من طريق أبي ~~الزناد عن أبي هريرة بغير ذكره لتلك الزيادة المنكرة وأبو الزناد في الأعرج ~~من ابراهيم فانه راويه المشهور وفي كتب الجماعة الستة عنه قدر ثلاثمائة ~~حديث وليس لابراهيم عن صالح عنه الا سبعة أحاديث لم يتفقا على واحد منها ~~خرج البخاري ثلاثة منها أحدها في الابراد بالصلاة في شدة الحر وهو معروف من ~~غير طريقه والثاني لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك وهو كذلك والثالث هذا ~~الحديث وغيره فيه أثبت منه وأحفظ له كما نبين لك ان شاء الله وأما مسلم فلم ~~يخرج له عن صالح عن الاعرج الا في الفضائل ثلاثة أحاديث والسابع من هذه ~~الترجمة خرجه ابن ماجة في رفع اليدين عند التكبير وهو معروف # وقد ذكر ابن حجر ابراهيم بن سعد فيمن اختلف فيه من رجال البخاري وحكى بعد ~~توثيقه عن ابن عدي انه روي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه انه ذكر ~~ابراهيم بن سعد عند يحيى بن سعيد فجعل يقول ابراهيم بن سعد كأنه يضعفه وقال ~~ابن عدي كلام من تكلم فيه تحامل فأفاد انه قد تكلم فيه وقال ابن دارة كان ~~صغيرا حين سمع من الزهري فهذا ما ذكره ابن حجر في ترجمته ولم يذكره الذهبي ~~في الميزان والاعلال والحكم بالانقلاب والادراج ونحو ذلك لا يختص بالضعفاء ~~بل يجوز الحكم به بمخالفة الاوثق والاكثر مع القرائن وقد اجتمع ذلك كله بل ~~ذكر ابن ms198 قيم الجوزية في حادي الارواح ان ذلك من المقلوب وان البخاري قد نبه # PageV01P218 # على ذلك قال والروايات الصحيحة ونص القرآن يرده فان الله تعالى أخبر أنه ~~يملأ جهنم من إبليس وأتباعه وأنه لا يعذب الا من قامت عليه الحجة وكذب رسله ~~قال تعالى {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد ~~جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء} # قلت ويدل على هذا وجوه منها ان راوي هذا الحديث المقلوب جعل تنزيه الله ~~تعالى من الظلم عند ذكره الجنة فأوهم بذلك ان من أدخله الله تعالى الجنة ~~بغير عمل كان ظلما وهذا من أفحش الخطأ فان الحور العين في الجنة والاطفال ~~بغير عمل وهذا هو الموضع الذي لا يسمى ظلما عند أحد من المسلمين ولا من ~~العقلاء أجمعين ولا أشار الى ذلك شيء من الحديث ولا من السنة ولا من اللغة ~~ولا من العرف وانما ذكر هذا في النار اشارة الى أن التعذيب بغير ذنب هو شأن ~~الظالمين من الخلق والله تعالى حرم الظلم على نفسه وجعله بين خلقه محرما ~~كما رواه أبو ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل في الحديث ~~الصحيح بل كما تمدح بذلك رب العالمين في كتابه المبين # الوجه الثاني انه قصر في سياقه المتن فقال وقالت النار ولم يذكر ما قالت ~~ولا سكت من قوله قالت قال ابن بطال في شرحه وهو كذلك في جميع النسخ وذكر ~~هذا الراوي قول الله تعالى للجنة أنت رحمتي ولم يتمم قولها لها أرحم بك من ~~أشاء من عبادي والنقص في الحفظ والركة في الرواية بين على حديثه # الوجه الثالث تجنب المحدثين لاخراج هذه الرواية مثل مسلم والنسائي مع ~~روايتهما الحديث ومثل أحمد بن حنبل في مسنده مع توسعه فيه وكذلك ابن الجوزي ~~في جمعه أحاديث البخاري ومسلم ومسند أحمد وكذلك ابن الاثير في جامع الاصول ~~وهو يعتمد الجمع بين الصحيحين للحميدي والحميدي انما يترك ما ليس على شرط ms199 ~~البخاري مما ذكره في صحيحه مثل حديث الفخذ عورة فانه ترك ذكره لذلك كما ذكر ~~ابن الصلاح في علوم # PageV01P219 # الحديث والامر أوضح من أن يطول في بيانه وانما ذكرت هذا لان صاحب القواعد ~~احتج به ونسبه الى الصحيح ولم يذكر فيه شيئا أصلا وكذلك المهلب فعرفت انهما ~~قد غلطا في ذلك كيف من هو أقل معرفة منهما بسبب ذكره في صحيح البخاري وقد ~~رأى ذكره في صحيح البخاري # وقد ذكر ابن الصلاح وغيره ان في البخاري أحاديث كثيرة على غير شرطه ولا ~~شرط غيره من أهل الصحيح وان ذلك معلوم وذكر من ذلك حديث بهز بن حكيم في ان ~~الفخذ عورة وقد ذكر غيره من ذلك شيئا كثيرا فقد ذكر ابن حجر في مقدمة شرح ~~البخاري بعض ما اعترض على البخاري فذكر مائة حديث وعشرة أحاديث وانما قلت ~~انه البعض لانه ذكر ان من ذلك عنعنة المدلسين التي في الصحيح وأحاديث ~~الرجال المختلف فيهم وذلك شئ كثير # الوجه الرابع انه قد ثبت بالنصوص والاجماع ان سنة الله تعالى انه لا يعذب ~~أحدا بغير ذنب ولا حجة كما قال تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وقال ~~{لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} وقال تعالى {ذكرى وما كنا ~~ظالمين} وفي الصحيحين لا أحد أحب اليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل ~~وأنزل الكتب ومن جحدان هذه سنة الله فقد جحد الضرورة وإذا تقرر أنها سنة ~~الله تعالى فقد قال تعالى {ولن تجد لسنة الله تبديلا} {ولن تجد لسنة الله ~~تحويلا} وقال تعالى {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} وأحسن ما أنزل ~~الله الينا هو الثناء عليه وتسبيحه وتقديس أفعاله وأقواله من جميع صفات ~~النقص فكيف يعدل عن هذا كله مع موافقة الرواية الصحيحة له إلى رواية ساقطة ~~مغلوطة مقلوبة زل بها لسان بعض الرواة كما زل لسان الذي اراد أن يقول اللهم ~~أنت ربي وأنا عبدك فغلط من شدة الفرح بوجود راحلته عليها طعامه وشرابه بعد ms200 ~~اليأس كما ورد في الأحاديث الصحاح ولو كان # PageV01P220 # الغلط يحكم به لوجب كفر ذلك الغالط وتكفيرنا له لأجل غلطه وعكسه ما أراد ~~ونجعله مذهبا له # الوجه الخامس أنه لو قدر ما لا يتقدر من ورود حديث صحيح بذلك الغلط لم ~~يدل على مخالفة جميع ما عارضه من الأدلة القاطعة والحجج الساطعة لأنه محتمل ~~لموافقتها فانه لم يصرح فيه بأنه ينشيء للنار خلقا لا ذنوب لهم ولا قال ~~فيدخلهم النار قبل أن يذنبوا ويستحقوا العذاب وإذا لم ينص على ذلك وجب ~~تقدير ذلك لموافقة سنة الله تعالى التي لا تبديل لها ولا تحويل وذلك على ~~أحد وجهين إما أن يكون هؤلاء الذين أنشأهم الله لها هم قوم من كفار بني آدم ~~الذين تقدم كفرهم وقدم ادخارهم لها بعد كفرهم وسمى اعادتهم لها انشاء لأنها ~~انشاء حقيقي لصورهم وردهم على ما كانوا أو لأنه كان قد أعدمهم وهذا اختيار ~~كثير من أهل السنة بل من الأشعرية فقد نص عليه ابن بطال في شرح البخاري في ~~شرح هذا الحديث فأصاب في وجه وأخطأ في وجه أما صوابه ففي تنزيهه الله تعالى ~~مما توهمه غيره جائزا على الله سبحانه وأما خطأه ففي إيهامه أن الحديث صحيح ~~وهو مقلوب بغير شبهة وإنما خفي ذلك عليه لأنه لم يكن من أئمة الحديث وإنما ~~كان من علماء الفقه والكلام وإما أن يكون الله تعالى خلق للنار خلقا ~~مستأنفا فكلفهم بعد خلقهم فكفروا فاستحقوها كما ورد في بعض أحاديث الاطفال ~~وفي هذا مباحث قد استوفيت هنالك وإما أن يكون خلق لها خلقا لا يتألم بها أو ~~يتلذذ بها أو من الجمادات كما قال الله تعالى {وقودها الناس والحجارة} وجاء ~~فيها بضمير العقلاء لأنهم بدل منهم كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام {إني ~~رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} أو لغير ذلك ومع ~~الاحتمال بعض هذه الوجوه في بيان غلط بعض الرواة الذي قامت الأدلة على غلطه ~~كيف يعدل إلى ظاهره ويسمى صحيحا ويحتج به مثل ms201 المهلب وصاحب القواعد وغيرهما ~~فالله المستعان # PageV01P221 # ومن ذلك قالوا الاسباب والدواعي خلق الله فلو كان الله لا يفعل إلا لها ~~لم يخلقها إلا لمثلها داع وسبب وأدى هذا إلى التسلسل أو إلى تعجيز الله ~~تعالى من خلق شيء بغير داع # والجواب أن هذا من أفحش الوهم والغلط فان المرجع بالأسباب والدواعي ~~والحكم إلى الله تعالى بذلك وما كان من المخلوقات خيرا محضا فانه يراد خلقه ~~لنفسه لا لمعنى آخر ولا لسبب ثان وما كان شرا فانه يراد لخير فيه أو خير ~~يستلزمه أو يتعقبه لما اجتمعت عليه الفطر وأقرته الشرائع من قبح ارادة الشر ~~لكنه شرا وأما تعجيز الرب عز وجل فأعظم فحشا في الوهم وأين نفى القدرة من ~~نفي الفعل وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله تعالى {بيده الملك وهو على كل ~~شيء قدير} ولم يقل وهو لكل شيء فاعل فنحن لم نقل أن الله لا يقدر على العبث ~~ولا اللعب ولا الظلم وإنما قلنا أنه لا يفعلها ومدحناه بذلك كما مدح به ~~نفسه في كتابه الكريم ولو لم يكن قادرا على ذلك لم يكن ممدوحا بتركه كما أن ~~الجمادات غير ممدوحة بترك ذلك وهي لا تفعله وإنما لم تمدح بتركه مع عدم ~~فعلها له لعجزها عن فعله وتركه وهذا شيء تفهمه العرب في جاهليتها والعوام ~~في أسواقها وباديتها والعجب من قوم ادعوا كمال المعرفة بالحقائق والغوص على ~~لطائف الدقائق ثم عموا أو تعاموا عن هذه الأحكام الظاهرة والأدلة الباهرة ~~نسأل الله العافية لنا ولجميع المسلمين # وأما بيان أن القول بحكمة الله تعالى أحوط في الدين من النفي لها ~~والتأويلات المتعسفة فلا شك فيه لوجوه # الوجه الأول أن وصف الله تعالى بالحكيم معلوم ضرورة من الدين متكرر النص ~~عليه في كتاب الله تعالى تكرارا كثيرا ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه والسلف المجمع عليهم ما تأولوه ومعلوم تمدحه سبحانه وتعالى # PageV01P222 # بالحكمة كما قال الله تعالى {ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة ~~بالغة فما تغن ms202 النذر} وأمثالها وهي مانعة من تأويلهم الحكيم بأنه ذو ~~الأحكام في المخلوقات لا ذو الحكمة فيها ولا شك أن إثبات الحكيم بأنه ذو ~~الأحكام في المخلوقات لا ذو الحكمة فيها ولا شك أن إثبات الأحكام لها ~~والحكمة فيها أكثر مدحا وأنه تعالى أولى بكل مدح # الوجه الثاني أنه لا بدعة في إثبات الحكمة لله تعالى وعدم تأويل الحكيم ~~بالاجماع لأن البدعة احداث ما لم يعهد في عصر النبوة والصحابة وما كان ~~منصوصا في كتاب الله تعالي فهو موجود في عصرهم ضرورة وإنما الذي لم يوجد في ~~عصرهم نفي ذلك أو تأويله والقول بأنه صفة ذم أو يستلزم ذلك # الوجه الثالث أنه يخاف الكفر بجحد ذلك لما قررناه من أنه معلوم ضرورة ~~وكذلك يخاف الكفر في تأويله وإن كنا لا نكفرهم احتياطا للاسلام وأهله لما ~~سيأتي ولمعارضة الأدلة الموجبة لاسلامهم كما تقدم ولأن قصدهم إنما هو حسم ~~مواد الاعتراض علي الله تعالي لكنهم أساؤا النظر بالتزام مثل ما فروا منه ~~وأما القول بذلك فلا وجه لخوف الكفر فيه أبدا حتي عند نفاة الحكمة لأن ~~الكفر هو جحد الضرورات من الدين أو تأويلها ولم تأت في نفيها آية قرآنية ~~ولا حديث آحادي فضلا عن متواتر وأما مخالفة غلاة المتكلمين في دقائقهم فلم ~~يقل أحد أنها كفر وإلا لوجب تكفير أكثر أهل الاسلام بل خيرهم # وإنما أوضحت هذا لأتي بنيت هذا الكتاب علي لزوم الأحوط في الدين مهما ~~وجدت اليه سبيلا وترك كل ما يخاف من القول به العذاب أجارنا الله تعالي منه ~~وعلي تقديم عبارة القرآن ونصه ولفظه لقوله تعالي {إن هذا القرآن يهدي للتي ~~هي أقوم} وقوله تعالي {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه ~~أولياء} ولأنه {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم ~~حميد} # PageV01P223 # ولأنه أشرف وأبرك وأصح وأنجي وأولي وأحري وأعلي وأهدي بالاجماع # فان قبل تجويز بعض ما يستقبح في عقول العقلاء لحكمة لا يعلمونها يستلزم ~~تجويز بعثة الكذابين والكذب والخلف ms203 في الوعد والوعيد ونحو ذلك لحكمة لا ~~يعلمها إلا الله تعالي # قلنا هذا ممنوع لوجهين الوجه الاول أن تقبيح العقول ينقسم إلى قسمين ~~ضروري وظني ونحن ما جوزنا أن يصدر من الله تعالى كل قبيح على الاطلاق لحكمة ~~خفية إنما جوزنا ذلك في القسم الذي التقبيح فيه ظني يقع في مثله الاختلاف ~~بين الجاهل والعالم وبين العالم والاعلم ولا شك أن اختيار الكذب وبعثه ~~الكذابين بالمعجزات والخلف في الوعد بالخير ممن هو على كل شيء قدير وبكل ~~غيب عليم وترجيحه على الصدق وبعثة الصادقين مع أن قدرته عليهما على السواء ~~قبيح قبحا ضروريا قبحا أشد القبح في عقول العقلاء أما أن لم يجوز في ذلك ~~خير فظاهر وأما أن جوز فيه شيء من الخير فلا شك أن الصدق وبعثة الصادقين ~~أكثر خيرا ودفعا للفساد والمفاسد وجلبا للصلاح والمصالح وتجويز خلاف ذلك ~~يؤدي إلى أن لا يوثق لله تعالى بكلام ولا لأحد من رسله الكرام في دين ولا ~~دنيا ولا جد ولا هزل ولا حلال ولا حرام ولا وعد ولا وعيد ولا عهد ولا عقد ~~ولا أعظم فسادا مما يؤدي إلى هذا بحيث أن كثيرا من السفهاء والظلمة ~~والمفسدين لا يرضون لنفوسهم بمثل ذلك # الوجه الثاني إن الذي يحسن حينئذ لبعض القبائح لبعض العقلاء إنما هو ~~الاضطرار إلى عدم الخلاص من أحد قبيحين فيختار حينئذ الأهون منهما قبحا كما ~~قيل حنانيك بعض الشر أهون من بعض مثاله من لم يستطع حقن دم معصوم أو مسلم ~~مظلوم إلا بكذب أو خلف وعد أو نحو ذلك حسن منه دفع الشر الأعظم بالشر الأقل ~~ومثل هذا لا يتصور في حق الرب جل جلاله لما ثبت من أنه على كل شيء قدير ~~وبكل شيء عليم وأما الخلف في الوعيد فليس هو في مرتبة القبيح الضروري لشهرة ~~الخلاف فيه بين العقلاء وصحة تسميته في اللغة عفوا لا خلفا كما قال كعب بن ~~زهير في قصيدته المعروفة # PageV01P224 # (نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول) ms204 # ولم يقل والخلف عند رسول الله مأمول وفي الصحيح من حديث جماعة من الصحابة ~~ابن عباس والخدري وأبي ذر وأبي رزين العقيلي لكن حديثه عند أحمد ولقيط بن ~~صبرة وحديثه عند الطبراني وعبد الله بن أحمد وله مسندان مسند ومرسل ورجال ~~المسند ثقات ذكره الهيثمي في باب جامع في البعث وعن سلمان عند البزار برجال ~~مختلف في بعضهم ذكر في باب حسن الظن بالله تعالى من مجمع الزوائد أن الله ~~تعالى يقول الحسنة بعشر أمثالها أو أزيد والسيئة بمثلها أو أعفو ويشهد لذلك ~~حديث معاذ الذي فيه دعهم يعملوا # وعن علي عليه السلام نحوه في فضل قتال الخوارج ومثل حديث إبراهيم الخليل ~~عليه السلام في التعرض يوم القيامة للشفاعة لأبيه آزر وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقد سئل عن أمه أن ربي وعدني مقاما محمودا وأمثال ذلك مما قد جمع ~~في غير هذا الموضع # ويشهد له من كتاب الله تعالى قول الخليل {فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني ~~فإنك غفور رحيم} وقول عيسى عليه السلام {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر ~~لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} لكن عارض هذه الادلة قوله تعالى {ما يبدل ~~القول لدي وما أنا بظلام للعبيد} وقوله تعالى {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا ~~مبدل لكلماته} ولله تعالى من كل حسن أحسنه فلما كان العفو بعد الوعيد حسنا ~~كان العفو قبل الوعيد القاطع أحسن كان الاحسن أولى بالله تعالى من الحسن ~~لكنا نقول أن الله تعالى قد اشترط عدم العفو في الوعيد في آيات كثيرة وفي ~~أخبار كثيرة والشرط الواحد في آية واحدة وحديث واحد كاف في الخروج من ذلك ~~مثاله قوله تعالى {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وقوله تعالى {خالدين فيها ~~إلا ما شاء الله} والأحاديث المتقدمة وكلام الخليل والمسيح عليهما السلام # PageV01P225 # وأما المرجئة وغيرهم من أهل السنة فقد أجابوا عن قوله تعالى {ما يبدل ~~القول لدي} بأنها عموم مخصوص بقوله تعالى {وإذا بدلنا آية مكان آية} ~~وأمثالها كما أن قوله تعالى {لا ms205 مبدل لكلماته} مخصوص بها وعضدوا ذلك في ~~قوله تعالى {ما يبدل القول لدي} بأنها في خطاب الكفار كما هو معلوم من ~~الآيات التي قبلها قالوا وتعدية ما له سبب إلى غير سببه ظنية بالاجماع لكن ~~يقوي ويضعف على حسب القرائن والأحاديث المتقدمة وكلام الخليل والمسيح قرائن ~~تقوى عدم التعدية والجمع بذلك بينهما أولى من الطرح وعضدوا ذلك بأن التبديل ~~لم يقبح لذاته ولا لأنه تبديل قول مطلقا لأنه تبديل قول مخصوص فقد قال ~~تعالى {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} وقال {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت ~~بخير منها أو مثلها} والنسخ من تبديل القول لقوله تعالى {وإذا بدلنا آية ~~مكان آية} وقد بدل الله ذبح اسماعيل بالكبش وضرب امرأة أيوب بالضغث وبدل ~~صورة عيسى بمثلها مرتين في الدنيا وفي يوم القيامة وبدل استقبال بيت المقدس ~~بالكعبة وذم من قبح ذلك وسماهم سفهاء حيث قال {سيقول السفهاء من الناس ما ~~ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} # يوضحه النصوص المتفق على صحتها والاجماع من أهل العلم المشاهير من جميع ~~المذاهب على أن من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها فالمستحب له أن يفعل ~~الذي هو خير ويكفر عن يمينه استحبابا لا وجوبا وهي مسألة اخلاف الوعيد ~~بعينها فتأمل ذلك يوضحه أحاديث لم تمسه النار إلا تحلة القسم وقوله صلى ~~الله عليه وسلم فيها واثنان بعد قوله ثلاثة فدل على أن التبديل المذموم ~~تبديل مخصوص لا كل تبديل يوضحه أنه قد ثبت أن عذاب الكفار راجح قطعا ~~للاجماع على عدم تجويز العفو المطلق عنهم ولما فيه من حقوق الأنبياء ~~والمؤمنين ونصرهم عليهم وشفاء غيظ قلوبهم منهم ولم يثبت مثل ذلك في عذاب ~~المسلمين لقوله تعالى {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} # PageV01P226 # وللاحاديث المخصصة للعمومات المتواترة عند أهل الحديث ولأن الأنبياء ~~والمؤمنين شفعاؤهم لا خصماؤهم وأما قصة قوم يونس فتأتي في مسألة الوعيد # فان قيل إنما يحسن الخلف في الوعيد منا للجهل بالغيب مع نية الصدق فاما ~~عالم الغيب فلو أخلف لم يصح ms206 ارادة الصدق عند الوعيد لعلمه بالعاقبة فلو ~~أخلف كان كذبا قبيحا وهذا السؤال قوي إلا أن قوة التباسه بالانشاء هو الذي ~~غرهم فالأولى ترك تجويز ذلك ولسنا نحتاج في هذه المسألة إلى تجويزه لا سيما ~~وهذا الكتاب مبني على الأسلم والأحوط فقس ذلك على هذه القاعدة ولا تعدها ~~فمن نهج السلامة نال السلامة وكثيرا ما يلتبس التخصيص بالخلف على من بعد عن ~~تأمل السمع فأفرق بينهما فهو واضح # والكلام في هذه المسألة طويل وموضعه مسألة الوعد والوعيد وهو يأتي في آخر ~~هذا المختصر إن شاء الله تعالى ومع ما قدمته من وقوع الشرط في الوعيد لا ~~يحتاج إلى هذا ولا يمكن تقبيح العفو من أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين عن ~~أحد من الموحدين والحمد لله رب العالمين لكنه لا سبيل إلى الأمان لأنه ~~وسيلة إلى الفساد والطغيان والله أحكم من أن يؤمن المفسدين من تبوء الجزاء ~~في الآخرة كما لم يسمح لهم الحدود في الدنيا بل أوجب قطع يد السارق في ربع ~~الدينار لحفظ الأموال ومصلحة الخلق في ذلك وهو الحكيم العليم الحميد المجيد ~~الفعال لما يريد # وبهذا السؤال وجوابه تعلم سبب الخلاف في دوام العذاب فمن توهمه من ~~المرجوحات الضرورية في عقول العقلاء وحكمة الحكماء رجح الخصوص الذي هو قوله ~~تعالى {إلا ما شاء ربك} على عمومات الوعيد بالخلود ومن ذهب إلى أنه من ~~المرجوحات الظنية المستندة إلى مجرد الاستبعاد رجح العمومات وعضدها بتقرير ~~أكثر السلف لها على ما تكرر أن ما لم يتأولوه فتأويله بدعة ولما كان ~~تأويلهم لذلك في حق المسلمين متواترا عنهم وأدلته متواترة عند البعض صحيحة ~~شهيرة عند الجميع كان هو المنصور وسيأتي في موضعه الوجه في أنه أحوط ~~الأقوال والله سبحانه أعلم # PageV01P227 ### | الكلام على مسألة الارادة وفيها مباحث # البحث الأول في معناها وهي الأمر الذي يقع به فعل الفاعل المختار على ~~وجوه مختلفة في الحسن والقبح وعلى مقادير مختلفة في الكثرة والقلة وسائر ~~الهيئات والأشكال من السرعة والبطؤ وموافقة الغرض ومنافرته في أوقات مختلفة ~~في ms207 التقديم والتأخير وهذا هو القدر المجمع عليه في معناها وبقية المباحث ~~فيها في علم اللطيف وكلها مما لا تكليف في الخوض فيه ولا حاجة اليه بل هو ~~يؤدي إلى محارات أو محالات # البحث الثاني في معرفة ما ورد في السمع مما يتعلق بالارادة ويظن فيه أنه ~~متعارض وبيان أنه غير متعارض وأن اتباعه أحوط وهو نوعان # النوع الأول وردت النصوص المعلومة بالضرورة من كتاب الله تعالى أنه يكره ~~المعاصي ولا يحبها وذلك واضح قال تعالى بعد ذكر كثير منها {كل ذلك كان سيئه ~~عند ربك مكروها} وقال {والله لا يحب الفساد} وقال {ولا يرضى لعباده الكفر} ~~وقال {وإن تشكروا يرضه لكم} فهذا النوع من السمع معلوم وقد قال به أهل ~~الأثر وجماهير أهل النظر واتفقت عليه الأشعرية والمعتزلة # النوع الثاني ما ورد من التمدح بكمال قدرة الله تعالى على هداية العصاة ~~خصوصا وعلى كل شيء عموما والتمدح بنفوذ ارادته كقوله تعالى {ولو شاء الله ~~ما أشركوا} {ولو شاء الله ما فعلوه} {فلو شاء لهداكم أجمعين} وما شاء الله ~~كان وجودا وعدما وهو المعلوم من القرآن ويلزم منه إن شاء لم يكن وهو أصح من ~~قولهم وما لم يشأ لم يكن إلا أن يصح الحديث الذي فيه وفيه أحاديث لم يخرج ~~البخاري # PageV01P228 # ولا مسلم منها شيئا عاما وإنما خرجا حديث أبي هريرة في قصة يمين سليمان ~~عليه السلام وهي خاصة بتلك الواقعة ولذلك اخترت في العبارة في الاعتقاد ما ~~شاء الله كان وما شاء لم يكن ومعناهما ما شاء أن يكون كان وما شاء أن لا ~~يكون لم يكن وهذا معلوم من السمع وفيه ما لا يحتمل التأويل بالإكراه دون ~~غيره كقوله تعالى {لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب ~~العالمين} وقوله تعالى جوابا على من قال ارجعنا نعمل صالحا {ولو شئنا ~~لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين} وغيرهما مما ذكره يطول # وقد أوضحت الوجه في امتناع تأويلهم ms208 لهذه الآيات بمشيئة القسر والالجاء في ~~كتاب العواصم وهو لا يخفى على النبيه إن شاء الله تعالى والعقل يعضد السمع ~~في قدرة الله تعالى على ذلك كما أوضحته هنالك وقد رجعت اليه المعتزلة كما ~~سيأتي في هذه المسألة حيث نبين أن الأمة رجعت إلى الاجماع في هذه المسألة ~~العظمى بعد إيهام الاختلاف الشديد وهو اختيار الامام المؤيد بالله يحيى بن ~~حمزة عليه السلام أعني قدرة الله على اللطف بالعصاة وأنه غير واجب عليه ~~فتبقى الآيات في التمدح بذلك على ظاهرها ذكره الامام في كتاب التمهيد في ~~أوائل الباب السابع في النبوات واحتج عليه وهو قول الامام الناصر محمد ابن ~~علي عليهما السلام وهو قول قدماء العترة كما ذكره صاحب الجامع الكافي ~~ويعتضد بوجهين أحدهما قوله تعالى {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله} وحديث كل مولود يولد على الفطرة ومذهب المعتزلة مبني على أن ~~اللطف إنما تعذر في حقهم لأن الله بناهم بنية لا تقبل اللطف وثانيهما أن ~~تجويز خلق الله لهم على هذه البنية يناقض إيجابهم اللطف بل يجوز فعل ~~المفاسد # وأما قوله تعالى {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم ~~معرضون} فالجواب عن الاحتجاج بها على مذهبهم من وجوه # PageV01P229 # الاول أنها في الكافرين الذين قد غيروا الفطرة واستحقوا العقوبة بالخذلان ~~وسلب الالطاف فهي كقوله تعالى {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} ونحوها وكلامنا ~~إنما هو في المكلف في أول أحوال تكليفه وابتلائه وهذا بين # الثاني أنها خبر عن صفتهم التي هم عليها وليس فيها نفي قدرة الله تعالى ~~على تغيير صفتهم بالطافه الخفية وهو اللطيف لما يشاء القائل {قل كونوا ~~حجارة أو حديدا} الآية المتمدح بأنه لو شاء لجعل منهم ملائكة وجعل الناس ~~أمة واحدة ونحو ذلك والآية تقتضي أن الله ما علم فيهم خبرا لا أنه ما علم ~~أنه يقدر على هدايتهم وكم بين الأمرين وأين أحدهما من الآخر # الثالث أن الآية لهم فيجب حملها على ما يرجع إلى كسبهم الاختياري ms209 من ~~الاصرار والعناد الذي يستحقون الذم عليه لا على ما يرجع إلى خلقتهم التي هي ~~فعل الله تعالى يغيرها كيف يشاء ولا ذم عليهم فيها جمعا بينهما وبين جميع ~~ما تقدم من نحو قوله تعالى {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب ~~بالمغفرة} وقوله تعالى {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} وقد مر مستوفى # الرابع سلمنا أن الآية تحتمل ما ظنوا وما ذكرنا يمتنع لكن ما ذكروه بسائر ~~الآيات المبينات لقدرة الله تعالى على كل شيء ولكونه ما يضل إلا الفاسقين ~~ولكونه خلق الخلق على الفطرة حتى غيرهم آباؤهم ولا يجوز العدول عن هذه ~~الأمور الثلاثة البينة بمجرد احتمال لا حجة عليه والله أعلم # وهنا ظن بعض الأشعرية أن الآيات التي في نفوذ المشيئة في قوة أن الله ~~تعالى مريد للموجودات بأسرها سواء كانت حسنة أو قبيحة وأنه غير مريد لما لم ~~يوجد سواء كان حسنا أو قبيحا وليس هو تحقيق مذهبهم كما أن عدم قدرة الرب ~~على اللطف بالعصاة ليس هو تحقيق مذهب المعتزلة وإنما قال بعض الاشعرية ~~المعاصي مرادة مجازا لا حقيقة عندهم يعني أن أسبابها التي هي أفعال الله ~~تعالى مرادة لله تعالى مثل القدرة والدواعي فتنزلت المعاصي # PageV01P230 # عندهم منزلة غرض الغرض وهذا أيضا ليس تحقيق مذهبهم لوجهين أحدهما أن ~~كثيرا منهم لا يجيزون الاغراض على الله تعالى كما ذكر في مسألة الحكمة ~~وثانيهما أن غرض الغرض لا يكون إلا خيرا محضا كالحياة في القصاص والعافية ~~في الفصاد والقبائح أو وقوعها لا يصح أن يكون غرض الغرض لحكيم قط كيف أحكم ~~الحاكمين فلابد أن يكون غرض الغرض في عدم اللطف الزائد بالعصاة هو خير محض ~~وهو تأويل المتشابه الذي لا يعلمه على التفصيل إلا الله على الصحيح كما ~~تقدم في مقدمات هذا المختصر # ومثال الغرض الأول قول الخضر عليه السلام فأردت أن أعيبها وغرض الغرض هو ~~سلامتها لأهلها من أخذ الملك لها ومن أدب الخضر عليه أفضل السلام إضافة هذا ~~الغرض لنفسه دون الله سبحانه وتعالى # ومثال غرض الغرض ms210 هو ما أضافه الخضر إلى ربه تعالى حيث قال {فأراد ربك أن ~~يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما} ومثاله أيضا ما ثبت في الصحيح عن أبي أيوب ~~وأبي هريرة كلاهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لو لم تذنبوا لذهب ~~الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم وله شواهد عن جماعة من ~~الصحابة فلم يجعل الذنوب القبيحة غرض الغرض بل جعله مغفرتها بالاستغفار ومن ~~لا يغفر له فقد دل القرآن على أن غرض الغرض في عذابه الانتصاف للمؤمنين من ~~أعدائهم الكافرين ونحو ذلك من المصالح والعواقب الحميدة كما يأتي بيانه ~~والمراد المحقق هو غرض الغرض وهو الثاني في الوقوع والأول في الارادة ألا ~~ترى أن أول ما وقع في همة الخضر عليه السلام سلامة السفينة ثم عابها لتسلم ~~فالمراد المحقق هو سلامتها لا عيبها فاعتبر ذلك في جميع المتشابه من هذا ~~الجنس تجده بينا واضحا ولله الحمد # فهذا كله إذا ثبت أن شيئا من الشر مراد فانه لا يجوز أن يكون الشر مراد ~~الحكيم لكونه شرا فقط وأما الخير فيراد لنفسه لا لشيء آخر فلا يلزم فيه غرض ~~الغرض وإن جاز من غير لزوم لزيادة الخير مثل أن يراد # PageV01P231 # خير لأنه يؤدي إلى اضعافه من الخيرات ولو أريد لنفسه كان صحيحا # فاذا تقرر هذا فاعلم أن تلك الآيات في قوة التمدح بكمال القدرة لا بارادة ~~القبائح ومرادنا بالقوة هنا هو ما سيقت لافادته وهو المعنى اللغوي الذي ~~يسميه أهل المعاني دلالة المطابقة فقد وهم من ظن أنها في قوة أن القبائح ~~مرادة لله تعالى وأفحش منه غلطا من ظن أنها مرادة لله تعالى وأن المرادة في ~~قوة المحبوب فاطلق القول بأن المعاصي محبوبة لله تعالى # فأما أهل الآثار فلا يقول بهذا منهم أحد لأن المحبة عندهم غير الارادة ~~حقيقة ولا يطلق أحدهما حيث يطلق الآخر إلا بدليل خاص # وأما بعض الأشعرية فقد أجاز ذلك بناء على أنه مجاز لأن المحبة عندهم لا ~~تجوز على الله تعالى إلا مجازا كما ms211 تقوله المعتزلة وهذا وإن كان أهون في ~~القبح إلا أنه خطأ وقبيح لوجهين أحدهما أن شرط المجاز هنا مفقود وهو ~~العلاقة المسوغة المقتضية للتشابه ولولا ذلك لصح تسمية البخيل غيثا وبحرا ~~كالجواد والجبان أسدا كالشجاع يوضحه أن المعاصي مسخوطة من حيث كانت معاصي ~~بالاجماع وأهلها إنما يغضب الله عليهم من هذه الجهة المسخوطة فلا يصح أن ~~تكون المعاصي مرضية محبوبة مجازا من هذه الجهة بعينها قطعا باجماع من يعرف ~~المجاز وشروطه المخرجة له عن الكذب والمناقضة وتجويز ذلك خروج عن قانون ~~اللغة وتجويزه يؤدي إلى تجويز مجازات الملاحدة # وقد أخطأ من روى عنهم ذلك على الاطلاق ولم يقيده بانه مجاز عندهم ومن ~~أخطأ في رواية ذلك منهم افحش غلطا في الخطأ والغلط ممن رواه من خصومهم وهذا ~~مع دقته قد وقع فيه بعض المعتزلة بل علامتهم في علم البلاغة والادب ~~الزمخشري ولذلك زعم في تفسير قوله تعالى {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها} أي أمرناهم بالفسق مجازا فالامر بالفسق مجازا أبعد من ~~الرضا به مجازا وغلط الزمخشري فيه بينته في العواصم والمختار فيه أمرناهم ~~بالتكليف على السنة الرسل كقوله # PageV01P232 # تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وثانيهما ان قوما من الجهلة ~~الاتحادية قد ظنوا قول بعض الاشعرية ان المعاصي مرادة والمراد في قوة ~~المحبوب فهي محبوبة مرضية على الحقيقة فزادوا على هذا انه يستحيل في المراد ~~المحبوب ان يكون معصية لمن أراده وأحبه فزعموا انه لا يصح وجود معصية لله ~~وان معنى {سابقوا إلى مغفرة من ربكم} أي الى الكبائر والفواحش لان المغفرة ~~لا تتم إلا بذلك وكان بعضهم يقول كفرت برب يعصى وأنشد بعضهم في ذلك # (أصبحت منفعلا لما تختاره ... مني ففعلي كله طاعات) # وهذا إلحاد في الدين صريح وانما وقع فيه أهله من ترك عبارات الكتاب ~~والسنة وتبديلها بما ظنوه مثلها وليس مثلها # والسر في ذلك أن المراد المطلق هو المراد لنفسه من جميع الوجوه الذي لا ~~يكره من وجه قط والمعاصي ليست من هذا ms212 بالاجماع فان كراهة المكلفين لها ~~واجبة وفاقا مع وجوب الرضى عليهم بقضاء الله تعالى ولان الله تعالى يكره ~~المعاصي بالنص فلم تكن المعاصي من هذا الجنس من المرادات ولكن الذين قالوا ~~انها مرادة والمراد بها غيره عنوا نوعا آخر من المرادات التي يراد لغيره ~~ويكره لنفسه فهو مكروه حقيقة والمراد به غير كاليمين الغموس كما يأتي ولما ~~لم يوضحوا ذلك دائما ويكثروا من ذكره وبيانه أوهموا عليه الخطأ ولذلك لم ~~يرد السمع بذلك ألا نصا ولا نص عليه السلف الصالح ألا ترى ان إرادة القبيح ~~ليست صفة مدح بالاجماع بخلاف ما ورد السمع به من نفوذ المشيئة في كل شيء # وقد نص أئمة الاشعرية أن الله تعالى لا يوصف بصفة نقص ولا بصفة لا مدح ~~فيها ولا نقص فارادة القبيح لغير وجه حسن ان لم تكن نقصا كانت مما لا مدح ~~فيه قطعا فيجب ان لا يوصف بها الرب عز وجل على قواعد الجميع # PageV01P233 # وقد بنيت هذا الكتاب على المنع من ذلك لان عبارة الكتاب والسنة ان كانت ~~واضحة فهي أحق أن يعبر بها وأولى ولا حاجة الى تركها وتبديلها بعبارة واضحة ~~مثلها وان كانت خفية لم تبدل أيضا بعبارة واضحة لانه لا يؤمن الغلط في ~~تبديلها الا ترى أن بعض الاشعرية لما بدل ولو شاء لهداكم أجمعين بان ~~المعاصي مرادة بدل بعضهم المراد بالمرضى المحبوب مجازا ثم جاء من بدل ~~المرضي المحبوب مجازا بالمرضي المحبوب حقيقة ثم بالطاعة المأمور بها فحرم ~~التبديل هنا كما تحرم الرواية بالمعنى الجلي حيث يكون المعنى خفيا بالاجماع ~~بل هنا أولى لانه من مهمات الاسلام وذلك في فروعه وأيضا فان الرضاء بمراد ~~الله واجب كالرضاء بفعله ولان كراهة ما أراد مضادة له تعالى ومعارضة وذلك ~~خلاف مقتضى العبودية والرضاء بالمعاصي حرام بالاجماع القاطع من الجميع ~~والنصوص الجمة فيلزم من ذلك ان لا تكون المعاصي مرادة لله تعالى وهذا معيار ~~صدق وميزان حق في مضايق هذه المسائل كما يأتي بيانه في مسألة الأفعال ان ~~شاء ms213 الله تعالى # البحث الثالث في كيفية الجمع بين السمع الوارد في هذه المسألة وهو أنواع ~~فنوعان تقدما وهما ما يدل على كراهية الله تعالى للقبائح ومحبته للخيرات ~~وما يدل على قدرته على هداية العصاة ونوعان نذكرهما هنا وهما عام وخاص # أما العام فهو أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء وهو معلوم كثير وهو ~~بمنزلة يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء في انهما مجملان قد علم في القرآن ~~بيانهما بالنصوص الكثيرة البينة الواضحة فلله الحمد ومن عجائب أهل التأويل ~~تكلف وجه يحسن ذلك من ابائهم وترك الوجه المنصوص وهو العقوبة كما نذكره ~~الآن وتبديل لفظة بلفظة وهما على سواء في المعنى كتأويل الاضلال بالخذلان ~~لم يبعد ان يبدلوه بلفظ آخر ولا أصح من لفظ القرآن ولا أبرك ولا أطيب # وأما الخاص فمثل قوله تعالى {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى ~~يبين لهم ما يتقون} ومنه {كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا ~~يؤمنون} # PageV01P234 # ) وقوله تعالى {وما يضل به إلا الفاسقين} وقوله تعالى {فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم} وقوله تعالى {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} ~~وقوله تعالى {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم} وقد خلقوا على الفطرة بدليل الكتاب والسنة وفي الرعد نحوها وأيضا ~~فالهدى أعظم النعم وقد قال الله تعالى {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ ~~هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} مع قوله {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما ~~كفورا} وقوله {إن علينا للهدى} وقوله {ثم السبيل يسره} وقوله {وأما ثمود ~~فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} وقوله {وعلى الله قصد السبيل ومنها ~~جائر} فالهداية أعظم النعم وأول الحجج على العبد ومن ذلك قوله تعالى {ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} ~~وقوله تعالى {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} وقوله {فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله} مع حديث كل ms214 مولود يولد على الفطرة وهو ~~متفق على صحته من حديث أبي هريرة ومعه حديث عياض بن حماد المجاشعي أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته ألا ان ربي عز وجل أمرني عليكم أن ~~أعلمكم ما جهلتم مما علمني الى قوله حاكيا عن الله تعالى وانى خلقت عبادي ~~حنفاء كلهم وانهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم # PageV01P235 # وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ~~الحديث رواه م وس من حديث جماعة عن قتادة عن مطرف بن عبد الله الشخير عنه ~~ومرة عن جماعة ذكر منهم ثقتين عن مطرف عنه قوله تعالى {فبما نقضهم ميثاقهم ~~لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية} وقوله تعالى {وأما من بخل واستغنى وكذب ~~بالحسنى فسنيسره للعسرى} وقوله {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا ~~يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} وقوله {فما كانوا ليؤمنوا ~~بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين} وقوله {وقولهم قلوبنا ~~غلف بل طبع الله عليها بكفرهم} وفيها رد قولهم انها غلف في أصل الخلقة حتى ~~عوقبوا على الكفر واستحقوا العقوبة وقوله {أولئك الذين اشتروا الضلالة ~~بالهدى والعذاب بالمغفرة} وما أحسن هذه العبارة وأبلغها مع تقدم التمكين ~~واقامة الحجة وقطع الأعذار ومن ذلك قوله تعالى {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ~~ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ~~وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون} وقوله {فريقا هدى ~~وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون ~~أنهم مهتدون} ومنه {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على ~~قلوب الكافرين} ومنه {قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} ومنه ~~{يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل ~~الله الظالمين} وقوله بعدها {ويفعل الله ما يشاء} دليل على ان المبين لا ~~يناقض المجمل وهي # PageV01P236 # كآية الحج بعد السجدة لا تقتضى ms215 خلاف ما قبلها قال البغوي ما يشاء من ~~التوفيق والخذلان والتثبيت وعدمه # والوجه فيه عندي أن يفسر اجماله بالآيات البينات في القرآن مثل {ليجزي ~~الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء} ومثل {ثم يتوب الله من بعد ~~ذلك على من يشاء} بعد ذكر الكافرين # ومنه الأحاديث الصحيحة الحسنة بعشر أمثالها أو أزيد والسيئة بمثلها أو ~~أعفو والمعني انه لما قال ويضل الله الظالمين استثنى من ذلك من يشاء أن ~~يتوب عليه وهذا من تفسير القرآن بالقرآن وهو الذي يناسب جلال عدله وجمال ~~فضله وحسن أسمائه وليس لأحد أن يفسره بما لم يشهد له كتاب الله بل بما صرح ~~بتنزيهه عنه من نفي الحكمة في أفعاله وما سمى لعبا وعبثا تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا وأمثال ذلك مما يطول ذكره وبذلك جاءت السنة كما احتج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على القدر بالآية في سورة الليل المقدمة وهي مصرحة ~~بتأخير التيسير لليسرى عن العصيان حتى وقع التيسير بعد العصيان عقوبة عليه ~~وكما قال في حديث الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه وكل ذلك في البخاري ~~ومسلم وعند مسلم من حديث عياض المجاشعي يقول الله تعالى إني خلقت عبادي ~~حنفاء فجاءت الشياطين فاجتالتهم الحديث كما مضى وعنده أيضا حديث أبي ذر فمن ~~وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه وعند مسلم أيضا من ~~حديث علي عليه السلام الخير بيديك والشر ليس إليك وسنده على شرط الجماعة ~~وله شاهد آخر أخرجه الحاكم أحسبه من حديث أبي بكر رضي الله عنه ومعنى ذلك ~~ليس اليك الذم عليه واللوم فيه كقوله ومن وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه فان ~~الله مكن بالقدرة وبين بالعقل والرسل وأزاح العلل وقطع الاعذار # وفي الصحيحين لا أحد أحب اليه العذر من الله تعالى من أجل ذلك أنزل الكتب ~~وأرسل الرسل وهذا كله متطابق تطابقا يفيد العلم على أن الله # PageV01P237 # تعالى لا يريد الشر لكونه شرا وانه عدل حكيم فيما أمر ونهى وما علمنا وما ms216 ~~جهلنا كما مضى في مسألة حكيم فيجب أن يبنى العام على الخاص في هذه الآيات ~~كما يبني في آيات الوعد والوعيد ألا ترى أنه قال فيها {يغفر لمن يشاء ويعذب ~~من يشاء} ثم فسر من يعذبه بالمشركين ونحوهم ومن يغفر له بالمؤمنين فلم يجز ~~بعد تفسيره أن تخلى المشيئة مطلقة حتى تخاف العذاب على الانبياء ونرجو ~~الرضوان لمن مات مشركا وكذلك في آيات الضلال والهدى الخاص الزائد على ~~الفطرة لما بينها الله تعالى وبين أن هذا الهدى الخاص مثل الثواب يختص أهل ~~الخير بالوعد الحق ومن شاء الله من غيرهم بمحض الرحمة والفضل وان الضلال ~~يختص بمن يستحقه من الأشرار وجب أن يحكم بأن الله تعالى لا يضل المهتدين ~~ولا يضل أحدا إلا الفاسقين كما دل عليه في كتابه المبين والعمل على هذا من ~~قواعد علماء الاسلام المعلومة # وأما كراهة القبائح فعلى ظاهرها وأما ارادتها ومحبتها فلم يرد به سمع ~~منصوص جلي ولا قرآن ولا سنة ولا متواتر ولا آحاد فلا تعارض هنا ألبتة بل ~~جاء في كتاب الله تعالى أن الله لا يريد ظلما للعباد وفي آية أخرى للعالمين ~~وإن كان أظهر التفسيرين أن المعنى لا يريد سبحانه ظلما منه لهم تعالى عن ~~ذلك علوا كبيرا وذلك مثل تمدحه جل جلاله بأنه ليس بظلام للعبيد وقد أوضحت ~~وجهه في العواصم في البحث العاشر من هذه المسألة لكنه يقال أنه تعالى إنما ~~نفي أرادته ظلم العباد لفبح الظلم وقبح ارادته لا لكونه محالا في قدرته ~~لأنه لا معنى للتمدح بترك المحال في القدرة لان المحال لا تنبغي ارادته ~~وصحته وبكل حال فقواعد أهل السنة تقتضي الايمان بهاتين الآيتين وقول من ~~يقول أن الله يريد الظلم الواقع وسائر القبائح يخالف مفهومهما فيتعين تركه ~~احتياطا ومحاذرة من مخالفة مفهوم كتاب الله تعالى الذي لم يعارضة منطوق ~~صريح في العقائد التي لا ضرورة بنا إلى النص فيها على ما لم ينصه الله ~~تعالى ورسوله وسيأتي أن من ادعى أن المعاصي مراده إنما أطلق ms217 ذلك مجازا على ~~ما سيأتي من نصوص الأشعرية عليه # والحاصل في الجمع وجوه الوجه الاول دعوى عدم التعارض الموجب للجمع على ~~وجه دقيق وإنما هو من قبيل العام والخاص وهو جلي لا يسمى متشابها لوضوحه # PageV01P238 # الوجه الثاني التعبير بعبارة الكتاب والسنة عموما وخصوصا وترك الابتداع ~~بالنص في موضع العموم مثاله تقول أن الله تعالى خلق كل شيء على العموم ~~وتترك ما اختلف فيه من خلق القرآن وخلق أفعال العباد لأن الله تعالى لم ينص ~~عليهما وقد قال بكل منهما طائفة وتمسكوا بالعموم والانصاف إن تمتنع من ~~مساعدة كل من الطائفتين على ما ابتدع النص عليه فان النص على جزيئات العام ~~إنما يحتاج اليه في العمليات لضرورة العلم وأما هنا فقد نص علماء المعاني ~~واللغة على أن دلالة المطابقة اللغوية في العموم لا تدل على أبعاضه ~~وجزئياته كما تدل على جملته وأن فهم تلك الأبعاض الجزئية هو من دلالة ~~التضمن وأنها عقلية لا لغوية # فالواجب في مسائل الاعتقاد التي يقع فيها الاختلاف وتجوز المخصصات ~~المانعة لبعض الأجزاء من الدخول في العموم الاقتصار على دلالة المطابقة ~~اللغوية العربية التي قصدها المتكلم قطعا وكم للناس في هذا من الأوهام ألا ~~ترى أن كثيرا من الناس يتوهم أن آيات المشيئة تدل على مذهب الجبرية ما لم ~~تصرف بالتأويل عن ظاهرها مثل {فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} وليس كذلك ~~وكذلك قولنا ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن # بيان أن ذلك لا يلزم إلا لو تبين بدليل آخر أن الله شاء أن يكون العباد ~~مجبورين على أفعالهم لكنه قد ثبت أنه شاء أن يكونوا مختارين فبهما بمشيئتهم ~~لها لقوله تعالى {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} ولم يقل وما تشاؤون من غير ~~استثناء كما قالت الجبرية فقد كان الاختيار الذي شاء الله أن يكون العباد ~~عليه لكن بعد مشيئة الله تعالى لذلك ولم يكن الجبر الذي لم يشأ الله تعالى ~~فتأمل غلطهم في ذلك بل قد وهم نوح عليه السلام بسبب ms218 عدم النظر إلى احتمال ~~العموم للتخصيص حيث قال {إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق} فكيف بغيره وقد ~~نقم الله تعالى على المشركين جدالهم لعيسى عليه السلام حين نزل {إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} وقال {ما ضربوه لك إلا جدلا ~~بل هم قوم خصمون} # PageV01P239 # ) فليتق طالب الحق أمثال ذلك وليكن منه على أشد حذر # ولذلك تجد هذا الجنس متمسك أكثر أهل الضلالات ولا تجد صاحب باطل ولا تجد ~~في العمومات ما يساعده حتى منكري الضرورات كغلاة الاتحادية فانهم قد تمسكوا ~~بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم لقوله لبيد # (ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل) # وقد اختار هذا صاحب الفقه الأكبر ونسبه إلى الشافعي وهو على مذهب ~~الأشعرية وعقد له فصلا قال فيه لا يقال أن الله تعالى يريد الكفر وسائر ~~المعاصي على الاطلاق لأنه يوهم الخطأ لكن نقول أن جميع ما يجري في سلطانه ~~بارادته إلى قوله ويجب الاحتراز عما يوهم الخطأ كما يجب عن الخطأ نفسه وما ~~أحسن هذا لو لزم عبارة الكتاب والسنة فقال {ولو شاء الله ما فعلوه} مكان ~~قوله جميع ما يجري في سلطانه بارادته لأن كلام الله تعالى يستلزم كمال ~~العزة والقدرة وكلامه يستلزم ارادة الكفر وذلك عين ما فر منه وهو يستلزم حب ~~الكفر والرضا به أو يوهمه وذلك يستلزم الامر به وإباحته أو يوهمه كما مر ~~تحقيقه في البحث الثاني فراجعه منه وقد صرح بوجوب الاجتناب لما يوهم الخطأ ~~كوجوب الاجتناب للخطأ نفسه ولا شك أن عبارته توهم الذي خافه وفر منه بل ~~يستلزمه تحقيقها وذلك لأنها مبتدعة فلزم ما ذكرناه من ترك البدع ألا ترى ~~كيف ورد النص والاجماع بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ولم يرد ~~أنه لا كفر ولا معصية إلا بالله فبين العبارات أبعد مما بين الارضين ~~والسموات وحديث ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن محمول على ما تمكن ~~مشيئته له ms219 ولا تمتنع ولفظه يعطي ذلك # وإنما أحببت أن أنبه عليه وعلى أنه إجماع في صورتين احداهما أنه لا يدخل ~~في ذلك المحال في نفسه كوجود ثان في الربوبية وجعل أنه لا يدخل في ذلك ~~المحال الحوادث بعد حدوثها قديمة ونحو ذلك وثانيهما # PageV01P240 # أنه لا يدخل فيه ما تمنع منه الحكمة من قلب صدق الاقوال الربانية إلى ~~الكذب وبعثة الرسل كذا بين على ما مر محققا في إثبات الحكمة وان الامة ~~أجمعت على امتناع النقص في كلام الله تعالى وامتناع ارادته وأن ذلك يستلزم ~~امتناع النقص في أفعاله كامتناعه في أقواله # ويوضحه اجتماع الكلمة من الأشعرية والمعتزلة على أن الله تعالى لا يوصف ~~إلا بما يستلزم المدح دون ما يستلزم الذم أو ما لا يستلزم لا مدحا ولا ذما ~~أما الأشعرية فنصوا على ذلك وأما المعتزلة فنصوا على امتناع العبث واللعب ~~على الله تعالى وعلى اعتبار التحسين العقلي وهما يستلزمان ذلك والله سبحانه ~~أعلم # الوجه الثالث من وجوه الجمع توجيه الجمع إلى الوقوع والواقع وهو مثل ~~الفرق بين الوقوع والواقع وهو مثل الفرق بين التلاوة والمتلو والحكاية ~~والمحكي كما أوضحت بيانه في مسألة القرآن وهو قول الامام المنصور بالله ~~عليه السلام وبين ذلك الفرق بين الوقوع والواقع أنه لما ورد الشرع بجواز ~~ارادة اليمين الغموس الفاجرة من جاحد الحقوق الواجبة عليه في الأموال ~~والدماء والقسامة واللعان ونحو ذلك فانه يجوز لصاحب الحق ارادة هذه اليمين ~~من حيث أنها حق له واجب وان كان يعلم أنها يمين فاجرة معصية لله تعالى ومع ~~ذلك فلا يجوز له أن يحبها ويرضاها من حيث أنها قبيحة معصية لله تعالى # فتبين أن هذه اليمين ذات وجهين وجه جازت منه ارادتها ووجه وجبت منه ~~كراهتها فالوجه الذي جازت منه ارادتها وقوعها من خصمه الظالم من حيث هي حق ~~له على من ظلمه على جهة العقوبة للظالم والوجه الذي وجبت منه كراهتها هو ~~ذاتها الواقعة معصية لله تعالى فافترقت الجهتان اللتان يتوهم عدم افتراقهما ~~بذلك فمتى وردت النصوص ms220 مختلفة في نحو ذلك أمكن حملها على مثل ذلك # مثال ذلك قوله تعالى في المستحقين للعقوبة دون غيرهم {ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا} وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P241 # في المرحومين من العباد لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون كي ~~يغفر لهم رواه مسلم من حديث أبي أيوب وروى مسلم من حديث أبي هريرة نحوه ~~بزيادة وهي كي يستغفروا فيغفر لهم وله شواهد عن جماعة من الصحابة ذكرتها في ~~العواصم # وهذا القسم أوضح القسمين في الحكمة أعني قسم المرحومين من الخلق فهذه ~~الآية المتقدمة ظاهرها ارادة وقوع الضلال منه مع أنه عبارة عن المعاصي ~~المكروهة بنص قوله تعالى {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها} فجعلوا معاصي ~~المعاقبين ذات وجهين كاليمين الغموس الواجبة في الحقوق وهي حرام ووجوبها ~~وتحريمها مجمع عليهما وذلك يوجب صحة اعتبار الجهتين في هذه الأمور لأن ~~الوجوب والقبح ضدان يستحيل أن يتوهما إلى جهة واحدة # والجواب أن الآية غير نص فيما قالوا لاحتمال أن المراد هو جعل صدره ضيقا ~~حرجا وذلك هو فعل الله تعالى وهو حسن لا قبح فيه لأنه عقوبة مستحقة بل ذلك ~~بين فان الاضلال غير المعاصي بل سبب لها وفاعله غير فاعلها لكن ظنوا أنها ~~غرض الغرض وقد مر بطلانه في البحث الثاني وسيأتي أن مذهب أهل السنة أن ~~الارادة لا تعلق بفعل الغير وإنما تتعلق به المحبة وتسمى ارادة مجازا وقد ~~بنيت هذا الكتاب على أنا لا نبدل الظواهر بالنصوص ألا ترى أن اضلاله الذي ~~نص على ارادته لا يجوز أن يفسر إلا بفعل أشياء من أفعال الله الحسنة يقع ~~عندها منهم معاص قبيحة كما ذكره الله تعالى في بسط الرزق في آيات كثيرة ~~وكذلك الحديث النبوي ليس بنص فيما ذكروه لجواز أن المراد مثل ذلك من أفعال ~~الله الحسنة التي تكون وسيلة إلى أفضل أخلاق الدنيا والآخرة وهو العفو بعد ~~الاساءة والاحسان إلى المسيء كما أوضحته واستوعبت ما ذكر فيه في العواصم ~~والحمد ms221 لله رب العالمين ومن ذلك ارادة خلق الكفار وبقاؤهم مع كراهته لهم ~~فانهما لم يتناقضا لاختلاف الجهات التي تعلقت بها ومن ذلك أنه حسن من ~~المذنب # PageV01P242 # المسلم أن يكره عذاب الله تعالى له مع أنه يعتقد حسنه من الله تعالى وعدل ~~الله فيه لكنه لم يكرهه من هذه الجهة إنما كرهه من حيث أنه لا يصبر عليه ~~ولا يقوى له ونحو ذلك فوجه بعض أهل النظر كراهة الله تعالى للمعاصي ~~والقبائح إلى ذواتها الواقعة من العصاة وارادتها إن قدرنا ورود شيء من ~~السمع بها إلى الوقوع لحكمة من عقوبة وسخط على من استحق ذلك أو غير ذلك ~~وهذا جيد في النظر لولا أنا لم نضطر اليه لعدم صحة ورود السمع بارادة ~~المعاصي ولا شيء منها وان ظن ذلك من لم يكثر النظر والتأويل التام لمعاني ~~الآيات القرآنية والله الهادي # وأقرب الآيات منه قوله تعالى {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} وقول موسى عليه السلام {ربنا اطمس ~~على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} ومن ~~الحديث حديث جبريل عليه السلام حيث روي أنه جعل يأخذ من حال البحر فيدخله ~~في فم فرعون خشية أن يقول لا إله إلا الله فتدركه الرحمة وإذا صح ورود ~~السمع بهذا فالدليل على من ادعى قبحه لأن قبحه ليس بضروري بالاجماع # وتلخص أن حسن ذلك أن ورد به النص مشروط بثلاثة أمور أحدها أن يتعلق ~~بالوقوع دون الواقع مثل ما ذكرنا في اليمين الغموس وثانيها أن يكون بعد ~~استحقاق العقوبة لقوله تعالى {وما يضل به إلا الفاسقين} ونحوها مما ذكرناه ~~وثالثها أن لا يجعل ذلك غرض الغرض الذي هو تأويل المتشابه وإن لاح لنا منه ~~شيء لم نقصر عليه التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى الذي هو المراد على ~~الحقيقة وإنما أراد الله تعالى بما قبله أن يكون سببا له لحكمة الله تعالى ~~في ترتيب المسببات على أسبابها فتأمل ذلك حتى تخلص به ms222 من ارادة القبائح ~~وارادة وقوعها جميعا كما تقدم في قول الخضر فأردت أن أعيبها أي أجعل عيبها ~~سبب سلامتها من الملك الظالم وإلا فالمراد المحقق سلامتها لاعيبها # PageV01P243 # الوجه الرابع أن قوله تعالى {وما يضل به إلا الفاسقين} وما في معناها من ~~آيات هذا النوع كلها أدلة خاصة تدل على أن أول ما يقع من المكلف من الذنوب ~~كائن بالتخلية بينه وبين نفسه لاقامة الحجة حجة العدل عليه وقطع أعذاره ~~الباطلة من دون اضلال من الله تعالى في هذه الحال ولا تيسير للعسرى ولم يبق ~~من الله تعالى في مثل هذا الحال إلا القدرالذي بمعنى العلم والكتابة وارادة ~~العاقبة المستحقة بالعمل وارادة اقامة الحجة على العبد في تلك العاقبة كما ~~يذكر في تفسير قوله تعالى {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} فان ~~ارادة الله تعالى عذابهم لم تعلق به إلا حين يكون حقا مستحقا عليهم بذونهم ~~بالاجماع وإنما الخلاف في جواز تقدم الارادة للعقاب المستحق لا في أنها ~~تعلقت بغير مستحق فمن فسر الارادة بالعلم من المعتزلة كالبغدادية وأبي ~~الحسين لا يمكنهم تقبيح تقدمها وكذلك من يجعل تقدمها أمرا واجبا مستحيلا ~~خلافه كالأشعرية # وقولنا أنه لا يجوز الاضلال في أول أحوال التكليف حتى يستحق العبد ذلك ~~بالمعاصي يناسب قول أبي علي بالمنع من الزيادة في الدواعي إلى القبيح التي ~~يعلم الله تعالى عندها أن المكلف يختار القبيح بخلاف أبي هاشم فانه يجيز ~~ذلك كالأشعرية لكن لا يسميه اضلالا إنما يسميه امتحانا وابتلاء لكنا لم نقل ~~ذلك بالنظر العقلي وإنما قلناه بتأمل كتاب الله تعالى وقضينا بأنه محكم ~~القرآن لموافقة العقل والنظر فهو محكم عقلا وسمعا أما العقل فلأنه من قبيل ~~الجزاء والعذاب الاخروي وقد ورد السمع بجواز تقديم بعضه وهو المسمى بالعذاب ~~الأدنى في كتاب الله تعالى ونص على ذلك الامام المنصور بالله من الأئمة ~~وأما أحكامه سمعا فلأنه المنصوص فان قوله تعالى {وما يضل به إلا الفاسقين} ~~نص في ذلك والمعارض له غير صحيح في ارادة الله تعالى وقوع ms223 ذنب العبد قبل ~~استحقاقه العقوبة بذلك # وهنا تلخيص جيد مفيد وهو أنه لا خلاف أن الله تعالى لا يعاقب إلا بعد ~~الاستحقاق بالمعصية لقوله تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ولقوله ~~تعالى {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها ~~القول} # PageV01P244 # ) الآية فمن فهم من الاضلال أنه من جنس العقوبات لم يجزه إلا بعد الذنوب ~~ومنع أن يقع من الله تعالى ابتداء قبل أول معصية وسمى ما يقع في ذلك الوقت ~~من أسباب المعاصي ابتلاء وامتحانا إن كان ممن يجيزه وهم الأشعرية وجمهور ~~المعتزلة ومن فهم من الاضلال معنى الابتلاء والامتحان اجازه مطلقا قبل ~~الذنوب وبعدها لكن الآيات المتقدمة ظاهرة في الدلالة على أنه من جنس ~~العقوبات مثل قوله تعالى {وما يضل به إلا الفاسقين} وقوله تعالى {فلما ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم} إلى سائر ما تقدم والله أعلم # وجميع المعارضات لذلك نوعان أحدهما يختص بغير المعاصي عند التأمل كقوله ~~تعالى {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى} الآية فانها في ~~امتناع الايمان إلا بمشيئة الله تعالى وعونه ولطفه وذلك صحيح ودليل ذلك ~~قوله تعالى في آخرها {ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} وكذلك قوله تعالى ~~{وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} فانها في مشيئة الطاعة لقوله تعالى في أولها ~~{لمن شاء منكم أن يستقيم} وفي ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ~~وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه بل قال الله تعالى ~~{ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من ~~يشاء} وقال {يختص برحمته من يشاء} # فان قيل قوله تعالى {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} عام في لفظه وخصوص أول ~~الآية لا يستلزم خصوص العام الذي في آخرها كما أن خصوص السبب لا يستلزم ~~خصوص العموم في أحد القولين # فالجواب من وجوه أربعة الأول أنا لا نسلم أن آخرها عام منطوق لأن مفعول ~~يشاء الله تعالى محذوف وتقديره المذكور في ms224 أول الآية والمذكور في أولها ~~يختص بالطاعات وهذا جيد جدا فتأمله # الثاني أنا لو سلمنا العموم اللفظي لما سلمنا جواز اعتقاد معناه هنا لأن ~~في العام الوارد على سبب خلافا # PageV01P245 # قويا في الظنيات العمليات فكيف هذا وهو أولى بالوقف فيه لوجوه ثلاثة ~~أحدها أن هذا في الاعتقاد القاطع في أصول الاديان وثانيها أن خصوص أول ~~الآية أقوى في هذا من مجرد نزولها على سبب خاص وثالثها أن هذا من عموم ~~المفهوم وفيه خلاف الثالث من الأصل أنا لو سلمنا العموم لم يكن لنا اعتقاد ~~هذا لما ذكرنا من أنه من دلالة التضمن لا من دلالة المطابقة اللغوية وقد مر ~~تحقيقه الرابع أنه معارض لقول إبراهيم عليه أفضل السلام {لئن لم يهدني ربي ~~لأكونن من القوم الضالين} فاكتفى في وقوع ضلاله بفقد هداية الله تعالى وإن ~~لم تحصل ارادة ضلال ولا ارادة قبائح الافعال # ولذلك نظائر في الآيات كقول آدم عليه السلام {وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين} وقول نوح عليه السلام {وإلا تغفر لي وترحمني أكن من ~~الخاسرين} ومنه حديث داود عليه السلام في سبب ذنبه وقول الرب عز وجل له ~~وعزتي وجلالي لأكلنك إلى نفسك يوما فأصابته السيئة ذلك اليوم رواه الحاكم ~~من حديث ابن عباس وصححه فلم يقف خسراننا على ارادته بل على عدم رحمته ونحو ~~ذلك كثير جدا وهو بعمومه معارض بما يستلزم من استلزام الآيات لعمومها ~~لارادة الله القبائح فوجب الوقف في ذلك # وثمرة هذا التحقيق أن القدر المتيقن أن وقوع المعاصي متوقف على عدم ~~القدرة امتحان الفرد بعدم اللطف الزائد لا بارادة ذنوبه ولا محبتها كما ظن ~~أنه مقتضى الآيات وظن أنه قول أهل السنة ولا متوقف على عدم القدرة والعجز ~~كما ظن أنه قول المعتزلة # فان قيل ينتفض هذا بقوله تعالى {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء ~~الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا} لأن هذا الكلام كلام نبي ~~مرضي لا يستحق العقوبة بالاضلال وقد جوز ms225 أن يشاء الله ذلك فيقع بمشيئته # PageV01P246 # قلنا لا نسلم ذلك بل هذا من شديد خوف الأنبياء عليهم السلام لأنهم أعلم ~~الخلق بالله تعالى واعلمهم به أخشاهم له كما قال تعالى {إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء} ألا ترى إلى قول الراسخين {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ ~~هديتنا} بل إلى قوله تعالى {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} وسبب ~~خوف العلماء أنه قد أخبرنا أنه خلقنا ليبلونا أينا أحسن عملا وكل أحد يبتلي ~~على قدر صبره وحاله وكمال الابتلاء لا يحصل إلا بذلك ولذلك ابتلى ابراهيم ~~الخليل عليه السلام بالامر في المنام بذبح ولده فخاف هذا النبي الكريم أن ~~يكون له ذنب يستحق عليه العقوبة ببلوى توقعه في أعظم الذنوب خوف هيبة وقمع ~~نفس من العجب والأمان لا خوف تجويز كما فسر به خوف الملائكة ويؤيد ذلك أن ~~كلامه خرج مخرج التعظيم لله تعالى في عدم القطع بالنجاة دون مشيئته وعد ~~القطع على براءة نفسه من الذنوب الموجبة للعقوبة بالخذلان فقد عوقب آدم ~~وداود حين وثقا بأنفسهما فأذنبا ولذلك أتبع بذكر التوكل # النوع الثاني مما يتوهم معارضته لقوله تعالى {وما يضل به إلا الفاسقين} ~~كله عمومات مثل قوله تعالى {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء ~~الله} يوضحه أنها نزلت على سبب غير قبيح وفي العلماء من يقصر العموم على ~~سببه وتناول العموم لغير سببه ظني بالاجماع وأما قوله تعالى {إن كان الله ~~يريد أن يغويكم هو ربكم} فلا يرد علينا هنا لأنها في كفار بعد البعثة ~~والتمادي على التكذيب فهم يستحقون الاغواء والاضلال وأما كلامنا هنا في أول ~~ذنب # وأما أحاديث القدر وما فيها من قوله صلى الله عليه وسلم كل ميسر لما خلق ~~له فلا نص فيها على أول أحوال التكليف بل قد جاء بعضها صريحا في أن ذلك ~~يكون عند الخاتمة وهي وقت الاستحقاق للجزاء وحديث كل مولود يولد على الفطرة ~~وإنما أبواه يهودانه وينصرانه يدل على ذلك بل قوله تعالى {فطرة الله ms226 التي ~~فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} فيحتمل أن # PageV01P247 # يكون أراد بالتيسير في العصاة بعد العصيان لقوله تعالى {وما يضل به إلا ~~الفاسقين} ولآية سورة الليل التي احتج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على القدر فيحتمل أن تكون التخلية تيسيرا لما يقع بعدها باختيار المكلف ~~وحده لما كانت سببا في اختياره فيكون للقدر تفسيران أحدهما عام لكل حال ~~ولكل شيء وهو العلم والكتابة ونحوهما مما تقدم كمشيئة العاقبة المستحقة ~~بالمعاصي على ما سيأتي في قوله تعالى {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والإنس} وثانيهما الاضلال بعد الاستحقاق له عقوبة من غير اجبار ولا سلب ~~للاختيار وهو خاص بمن قد امتحن حتى عصى عند أهل الجمع بهذه الطريقة # الوجه الخامس أن الارادة دائرة بين معنيين إما أن تكون حقيقة فيهما معا ~~أو في الأول منهما حقيقة وفي الآخر مجازا # المعنى الأول الارادة الملازمة للمحبة للمراد والامر به والتحسين له أو ~~شيئا مما يقارب هذا المعنى وهي الارادة الشرعية للواجبات والمستحبات وهذه ~~هي ارادة الشيء لنفسه من غير معارضة كراهة لها بوجه من الوجوه المتعلقة ~~بذلك الشيء المراد وهذه هي الارادة الحقيقية بالاجماع فالقبائح لا تكون ~~مرادة بهذا المعنى وكان المعتزلة لم يعرفوا أو لم يعترفوا بغير هذا المعنى ~~للارادة ولذلك منعوا تعلقها بجميع القبائح وتقدم في الصفات الدليل على جواز ~~اطلاق المحبة على الله تعالى من غير تشبيه كالارادة # المعنى الثاني للارادة الارادة الدالة على نفي ما يستلزم العجز من وقوع ~~ما يكره الله تعالى وقوعه في ملكه من غير سبق قدر منه أو تخلية مرادة لحكمة ~~أو نحو ذلك وذلك لكمال قدرته ونفوذ مشيئته وعموم ربوبيته وكبرياء عظمته ~~بحيث لا يجوز عليه عدم القدرة على اللطف بالعصاة ولا البداء والرجوع عما قد ~~قدره وقضاه وانه لو شاء لهدى الناس جميعا ولجعلهم أمة واحدة كما تمدح بذلك ~~في كتابه الكريم ولكن حكمته اقتضت تمكين العباد وتكلفيهم وابتلاءهم كما ~~أخبر في كتابه وسبقت أقداره بكل ما هو كائن عن ms227 علم لا يتغير وحكمة بالغة ~~وحجة دامغة فوقوع المعاصي بالنظر إلى هذه المعاني هو معنى القضاء والقدر ~~والتقدير عند الجميع وعند طائفة لا مانع # PageV01P248 # من أن يسمي ذلك الوقوع مرادا حقيقة أو مجازا ولا تسمى المعاصي الواقعة ~~مرادة مثل وقوعها بل تسمى مكروهة حقيقة وارادة وقوع المعاصي المكروهة هذه ~~تسمى عند من يجيزها ارادة ارادة كونية لا شرعية في عرفهم وإنما الشرعية في ~~عرفهم هي النوع الأول المختص بالطاعة # وأعلم أن تمسيتهم لهذه ارادة لم يثبت بالنص وإنما ثبت أن ذلك مقدر ولم ~~يرد النص أن كل تقدير مراد وإن كان ذلك هو الظاهر في بادئ الرأي فالتحقيق ~~في النظر والاحتياط يخالفه أما التحقيق في النظر فان المعاصي بالنصوص ~~مكروهة لانفسها فلا تسمى مرادة لأنفسها لتضاد ذلك وعدم الدليل عليه وإنما ~~يجوز أن تراد لغيرها ومتى أريدت لغيرها كانت هذه العبارة مجازية تحقيقها أن ~~المراد هو ذلك الغير لا هي وحينئذ فلا يجوز أن تسمى مرادة مطلقا لوجهين ~~أحدهما أن ذلك يوهم أنها مرادة لنفسها محبوبة وثانيهما أنها مكروهة لنفسها ~~حقيقة ولا يجوز أن تسمى مرادة إلا لغيرها وتسمية الشيء بوصف نفسه أولى من ~~تسميته بوصف غيره فان سمي بوصف غيره فمع قرينة تشعر بذلك وإلا أدى إلى قلب ~~المعاصي وأما الاحتياط فلما بنينا عليه هذا الكتاب من الوقوف على النصوص ~~كما تقدم # ومن أقرب الأمثلة إلى هذا الذي ذكروه ما حكى الله عن موسى عليه السلام من ~~قوله {ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب ~~الأليم} فكره وقوع الايمان منهم عند الغضب عليهم لله تعالى وهو لا يتهم في ~~محبة الايمان بالله في الجملة وابن تيمية كثير التعويل على الفرق بين ~~الارادة الشرعية وبين الارادة الكونية وكلامه في هذا طويل وليس هذا مما ~~تعلم صحته ولا بطلانه بالنصوص الشرعية ولا بالبداية العقلية فالاعتصام ~~بالاعتقاد الجملي أحوط منه وأولى وهو أن الله يكره القبائح ولا يحبها وأنه ~~على كل شيء قدير فلو شاء لهدى الناس ms228 جميعا وإن له الحكمة البالغة فيما فعل ~~وترك وقدر وقضى وإن ذلك غير متناقض ولذلك ظهر اعتقاد ذلك الجميع عن السلف ~~من غير إشكال فيه # PageV01P249 # البحث الرابع اتفق أهل السنة من أهل الاثر والنظر والأشعرية على أن ~~الارادة لا يصح أن تضاد العلم ولا يريد الله تعالى وجود ما قد علم أنه لا ~~يوجد وهذه الارادة التي المقصود بها إيجاد المراد لا إرادة المحبة التي ~~تعلق بالذات لا بايجاد الذات فافهم ذلك # واحتجوا على ذلك بوجوه منها قوله تعالى {أتريدون أن تهدوا من أضل الله} ~~ولا وجه لإنكار هذه الارادة إلا تعلقها بما لا يقع في العلم ومنها أن ~~امتناع ذلك مدرك عقلي جلي يدرك بالوجدان من النفس كما يدرك الالم واللذة ~~فانا ندرك من أنفسنا امتناعها مثل أن نريد من الله تعالى ما يقدر عليه ~~سبحانه مما نعلم أنه لا يفعله مثل ان لا يذيقنا الموت أبدا وأن يدخلنا ~~الجنة من غير موت ولا حشر مع قدرة الله تعالى على ذلك ومحبتنا لذلك وإنما ~~امتنع أن نريد ذلك من الله تعالى لعلمنا أن الله تعالى قد كتب الموت والحشر ~~على جميع العباد ولا شك أن هذا هو الفطرة ولذلك لا ترى عاقلا في الدنيا ~~يسعى فيما يعلم أنه لا يحصل فلا نرى شيخا فانيا يطلب دواء لعود أيام الشباب ~~ولا نحو ذلك وإنما خالفت المعتزلة لشبهة الامر بخلاف المعلوم فان الله ~~تعالى يأمر بما يعلم أنه لا يقع وصحة هذا إجماع لكن ظنت المعتزلة أن الأمر ~~يلازم الارادة وإنما ظنوا ذلك لأنه الأكثر في الشاهد في حق من لا يعلم ~~الغيب # والتحقيق أن الأمر مع الارادة ينقسم ثلاثة أقسام # القسم الأول الأمر الملازم للارادة وذلك في حق من غرضه بالأمر تحصيل ~~المطلوب وشرط هذا الأمر أن يصدر ممن يعلم أن المطلوب سيحصل أو يكون جاهلا ~~بعلم الغيب # القسم الثاني لا تصحبه الارادة قط ولا محبة المطلوب وهو أمر الاختيار ~~للغير بالعزم على الطاعة مثل أمر الخليل عليه السلام بذبح ms229 ولده فان الله ~~تعالى لم يرد ما أمر به من الذبح ولا أحبه وإنما ابتلى خليله بالعزم كما ~~قال {فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا ~~كذلك نجزي المحسنين} # PageV01P250 # القسم الثالث لا تصحبه ارادة الحصول وتصحبه محبة المطلوب دون ارادة وقوعه ~~من المأمور وذلك مثل أمر الكافر بالايمان مع علم الله تعالى أنه لا يؤمن ~~أبدا مثال ذلك قوله تعالى {ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم} مع أن الانبعاث ~~معه عليه السلام مأمور به لكن كره من وجه آخر لا من الوجه المأمور به لأجله # وفي هذا المقام يذكر أهل السنة علم الغيب وما ورد في القدر والقضاء ~~وأنهما بمعزل عن الجبر والاكراه ونفي الاختيار وقد تقصيت ما ورد في ذلك ~~فبلغت أحاديث الأقدار وثبوتها مائة حديث وخمسة وخمسين حديثا وأحاديث وجوب ~~اعتقاد ذلك اثنين وسبعين حديثا صار الجميع مائتي حديث وسبعة وعشرين حديثا ~~من غير الآيات القرآنية والقدرية المجمع على ذمهم عند أهل السنة من يقول من ~~قدماء المبتدعة أن الله لا يعلم الغيب ولا يوجد الآن من هؤلاء أحد وسياتي ~~الكلام في تفسير القدرية # البحث الخامس وهو أنفس هذه المباحث ومغن عنها وذلك أن ظواهر عبارات ~~المعتزلة والأشعرية في هذه المسألة في غاية المنافرة وتحقيق مذاهبهم يقضي ~~باجتماع كلمتهم على أن الله تعالى قادر على هداية من يشاء باللطف والتيسير ~~وعلى أن الله تعالى لا يريد المعاصي والقبائح وهذا عجيب لا يكاد أحد يصدق ~~به إلا بعد شدة البحث والتنقير وسبب اجتماعهم في المعنى أن الخطأ منهم ~~الجميع لما فحش من الجانبين لم يخف عليهم وما زالوا ينظرون ويناظرون ~~ويعتذرون عن شنيع العبارات حتى اجتمعوا وهم لا يقصدون ذلك الاجتماع وأنا ~~أبين ذلك من نصوصهم وكتبهم المعروفة # فأما المعتزلة فاعترفوا بقدرة الله تعالى على ذلك عندهم وعلى أصولهم في ~~مسألتين # احدهما أن اللطف إنما امتنع في حق بعض المكلفين لأجل البنية التي خلقهم ~~الله تعالى عليها وهي بنية مخصوصة فيها غلظة وقساوة وهو قادر ms230 عند جميع ~~المعتزلة على تغيير بنيتهم وخلقهم على بنية الانبياء والملائكة ذكر ذلك ابن ~~الملاحمي في كتابه الفائق وقد ذكرت الوجه في لزوم ذلك على أصول # PageV01P251 # المعتزلة من العقل والسمع وتقصيته في العواصم قال تعالى {ولو نشاء لجعلنا ~~منكم ملائكة في الأرض يخلفون} وقال تعالى {عسى الله أن يجعل بينكم وبين ~~الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم} وقال تعالى {وآخرون ~~مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم} وفيها حجة ~~على ثبوت حكمة الله تعالى فيما تعرف العقول حسنه من هدايتهم وما لا تعرفه ~~من تركها مع القدرة عليها فانها لا تعرف حسن ذلك كما عرفناه الآن إلا ~~بتعريف الشرع كما مضى في مسألة الحكمة لأن كل بنية قابلة للطف أو غير قابلة ~~فانها عارضة يمكن تغييرها لا ذاتية ولأن الاجسام عندهم كلها متماثلة في ~~ذواتها وإنما تختلف بالصفات والأحوال العارضة وتغيير ذلك كله ممكن لله ~~تعالى ولأن قدرة الله تعالى على كل شيء عموما وعلى هداية كل أحد خصوصا ~~منصوصة قطعية معلومة من الدين ومن إجماع المسلمين # قال ابن الملاحمي فان قيل فلم خلقه الله تعالى على هذه البنية التي لا ~~تقبل اللطف قلنا لحكمة لا نعلمها ويكفينا علمنا بأنه أو كما قال وهنا نعلم ~~أن الخلاف لفظي لأن تغيير هذه البنية يسير على من هو على كل شيء قدير وإنما ~~هو تليين تلك القلوب القاسية أو تعليم تلك النفوس الجاهلية ولو أراد الله ~~تعالى قلب جبال حديد ماء عذبا أو هباء منثورا لم يزد على أن يقول لذلك كن ~~فيكون كيف وليس إلا تقليب القلوب القاسية وتليين القساوة وترقيق الطبع ~~الغليظ فثبت أن الله تعالى قادر عندهم على هداية العصاة عند الجميع لكن ~~المعتزلة شرطوا أن تكون هدايتهم بتغيير بنيتهم وسائر الناس قالوا إن ذلك ~~ممكن من غير تغيير بنية # وثانيتهما قالت المعتزلة إلا أبا علي الجبائي أنه يجوز أن يزيد الله ~~تعالى في شهوات المكلفين ويخلق من أسباب المعاصي ما يعلم ms231 أن المعاصي تقع ~~عنده ولو لم يخلقه لم تقع وقاسوا ذلك على ابتداء التكليف فان الله تعالى ~~كلف أهل النار وهو يعلم أن تكليفهم يكون سببا لوقوع معاصيهم ولو لم يكلفهم ~~لم تقع منهم المعاصي وعلى هذا يجوز أن جميع المعاصي ما وقعت إلا # PageV01P252 # لزيادات في الشهوات والدواعي وقع الامتحان بها لشدة الابتلاء ومن ذلك خلق ~~الشياطين عند هؤلاء وحينئذ تجويز أن الله تعالى قادر على هداية من وقعت منه ~~المعاصي بتسبب هذه الزيادات والقدرة ووجه القدرة على اللطف به واضح وذلك أن ~~يترك الله هذه الزيادات وتجويز قدرة الله تعالى على اللطف بهذا المعنى بين ~~فثبت أن تأويلهم لآيات المشيئة بالاكراه ومحافظتهم على ذلك وقطعهم بتعينه ~~وعدم احتمال غيره مجرد لجاج مع الخصوم وزيادة في المراء المذموم والله ~~المستعان # وأما موافقة الاشعرية وأهل الأثر لهم في أن الله تعالى لا يريد المعاصي ~~فان ذلك ثبت بالنص منهم والاقرار لا بالالزام والاستنباط وذلك أن إمام ~~علومهم العقلية صاحب نهاية الاقدام المعروف بالشهرستاني ذكر في كتابه هذا ~~أن ارادة الله تعالى عندهم لا يصح أن تعلق إلا بأفعاله سبحانه دون كسب ~~العباد سواء كان طاعة أو معصية وأن معنى قولنا إن الطاعات مرادة ومحبوبة ~~ومرضية هو أن الله تعالى يريد أفعاله التي تعلق بها وهي الأمر والثناء في ~~الدنيا والثواب والثناء في الآخرة ومعنى قولنا أن المعاصي مكروهة ومسخوطة ~~هو أن الله تعالى يريد أفعاله المتعلقة بها وهي النهي والذم في الدنيا ~~والعقاب والذم في الآخرة وطول في هذا واحتج عليه بأن الارادة هي التي تخصص ~~الفعل بوقت دون وقت وقدر دون قدر ووجه دون وجه قال ويستحيل أن تخصص فعل ~~الغير وأن تقع غير مخصصة فيختلف عنها أثرها وذلك محال ثم قال وأنت إذا عرفت ~~هذا هانت عليك تهويلات القدرية وتمويهات الجبرية وبين أيضا وميز فعل العبد ~~الذي هو كسبه عن فعل الله تعالى الذي هو خلقه كما سيأتي إن شاء الله تعالى ~~في مسألة الافعال # واعلم أن كلامه في ms232 ذلك قوي لأنه لو صح تعلق الارادة بفعل الغير لصح أن ~~ينوي للغير لأن النية ارادة مقارنة وكذلك كان يلزم أن يعزم له لأن العزم ~~ارادة متقدمة # فان قيل فنحن نحس ارادة فعل الغير بالضرورة قلنا تلك محبة لا إرادة لكن ~~المحبة قد تسمى ارادة كما قال الشاعر # PageV01P253 # (يريد المرء أن يعطي مناه ... ويأبى الله إلا ما أرادا) # والبيت عربي فصيح من شعر الحماسة وعلى الجملة أن هذا نقل لمذهب الأشعرية ~~من بصير به بل من إمام فيه فقد صح أن هذا مذهبهم سواء كان صحيحا أو باطلا ~~قويا أو ضعيفا وعبارتهم في جميع تصرفاتهم في تأويل الآيات والأحاديث مخالفة ~~لهذا ومصرحة بارادة المعاصي فحين علمنا أن هذا حقيقة قولهم وإن ذلك مجاز لم ~~نوجب حملها على الحقيقة بل لم نجوز ذلك كما أن الزمخشري قال إن الله يأمر ~~بالفسق مجازا في تفسير قوله تعالى {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها} ومع ذلك لا يحل لمسلم أن يحمله على الحقيقة لما كان قد نص على ~~أن ذلك مجاز فكذلك هؤلاء ولكن هذا منهم مجرد لجاج وشدة مراء وجدل قابلوا به ~~ما وقع من خصومهم من مثل ذلك وقد نهى الله تعالى عن التفريق بنص القرآن ~~وإجماع المسلمين فواجب على كل من عرف هذا من الفريقين ترك هذه العادة ~~المكروهة في ابتداع العبارات المفرقة بين الجماعة والمخالفة للطاعة ولذلك ~~نهى الامام ابراهيم بن عبد الله بن الحسن عن تسمية الفرق بهذه الاسماء ~~المبتدعة وأمر أن يسموا بالمسلمين فانهم إذا اجتمعوا في ذلك بهذه الاسماء ~~المبتدعة وأمر أن يسموا بالمسلمين فانهم إذا اجتمعوا في ذلك كان أدعى إلى ~~محو آثار الحمية وترك التعادي والعصبية ولذلك أثنى الله تعالى على الذين ~~يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا ~~غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم # وقد كنت هممت أن أقتصر على هذا البحث في هذه المسألة ثم رجوت أن يكون في ~~ذكر سائر المباحث مزيد ms233 فائدة وإلا فهذا أنفعها وأجلها وهو يكفي صاحب الجمل ~~إن شاء الله تعالى وقد بالغ في تحريم التفرق وترك التكفير بالاختلاف في ~~مسائل الكلام محمد بن منصور الكوفي محب أهل البيت وصنف فيه كتاب الجملة ~~والالفة فأجاد رحمه الله تعالى ونقل فيه القول المفيدة عن كبراء أهل البيت ~~عليهم السلام باختيار ذلك ونقل صاحب الجامع الكافي منه جملة شافية في آخره ~~ينبغي معرفتها ذكرها في مسألة القرآن ومذاهب الناس فيه # PageV01P254 # وهنا تحقيق بالغ وهو أن مراد أهل السنة في مسألة الارادة أن يكون الله ~~تعالى غالبا غير مغلوب كما قال تعالى {والله غالب على أمره} ولم يصادم هذه ~~القدرة المعتزلة إنما خالفوا في العبارة حيث قالوا إن الله تعالى إنما أراد ~~مجرد تعريض الاشقياء للخير فقد حصل مراده الذي هو التعريض فلم يكن مغلوبا ~~على مراده كما مضى وما يرد عليه قالوا وأراد تمكين العباد مع علمه بأنه ~~يكون وسيلة إلى المعاصي فقد أراد عندهم سببها لعلمه بذلك بل أجاز جمهورهم ~~أن يبتلي الله تعالى المكلفين بعد تمام التكليف بزيادة في خلق الشهوات ~~والشياطين ومضلات الفتن بحيث تقع عندها المعاصي وهو يعلم أنه لو لم يفعل ~~ذلك أطيع وما عصى وهذا هو الاضلال الذي تجيزه الأشعرية وتظن المعتزلة أنها ~~تمنعه وهو الذي قد يسميه بعض الأشعرية ارادة لوقوع المعاصي أولها وإنما ~~اختلفت عباراتهم فانهم الجميع قد اتفقوا على نفي الجبر وعلى ثبوت الاختيار ~~وعلى أن الله تعالى ملك عزيز غالب غير مغلوب وعلى أن الاضلال إن كان من جنس ~~العقوبات لا من جنس الابتلاء والامتحان لم يكن إلا بعد الاستحقاق بالذنوب ~~كعقاب الآخرة لقوله تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} فلولا اللجاج في ~~المراء وتمكن التعادي في القلوب لكانوا فرقة واحدة واجتمعوا على جهاد ~~أعدائهم من الكفار الملاحدة # وسر هذا التحقيق أنه لا خلاف أن سبب المعاصي مراد وهو خلق القدرة ~~والتمكين والتكليف لكنه ليس بجبر محض بل الظاهر في سبب الشر أنه شر فمن نفى ~~الحكمة قال هو ms234 مراد لنفسه ومن أثبتها قال لابد من مراد آخر وهو المسمى ~~المراد الأول وغرض الغرض فمن قال هو الجنة في حق الكفار ورد عليه أن علم ~~الغيب يمنع من طلب حصول ما علم أنه لا يحصل ومن قال هو التعريض لذلك ورد ~~عليه أن التعريض ليس بخير محض مع العلم أنه سبب حصول نقيض المقصود ومن قال ~~المعاصي فهو أجهل لأن سببها لم يكن شرا إلا لأجلها فثبت أنه اقامة الحجة في ~~الظاهر وتأويل المتشابه في الباطن والحق أنه لا يعلمه إلا الله كما تقدم ~~بدلائله # PageV01P255 # البحث السادس في ذكر الفائدة في التكليف بالأعمال مع سبق الاقتدار وقد ~~يذكر هذا جوابا على من قدح في صحة أحاديث الاقدار من المبتدعة فيقال ~~الفائدة في العمل مع القدر مثل الفائدة في العمل مع سبق العلم إذ كل منهما ~~غير مزيل للقدرة ولا مؤثر فيها ولو كان شيء من ذلك يؤثر فيها لما تعلق جميع ~~ذلك بأفعال الله تعالى وهو متعلق بها وهي اختيارية بالنص والاجماع ألا ترى ~~إلى قوله تعالى {كان على ربك حتما مقضيا} وأنه سبحانه قد علم وقت وقوع ذلك ~~بعينه وهو موصوف بالقدرة على تقديمه وتأخيره بل على تركه لكنه لا يتركه # وقد قال الرازي أن القول بأن سبق العلم والقدر ينفي الاختيار يستلزم ذلك ~~في حق الله تعالى وذلك يؤدي إلى رفع أثر القدرة وإلى أن تقع الأشياء بالعلم ~~دون القدرة فينقلب العلم قدرة وذلك محال وقد يذكر هذا على سبيل التقوية ~~للايمان الجملي بحكمة الله تعالى وقد ذكرت في ذلك وجوه كثيرة بسطتها في ~~العواصم ولنقتصر على شيء يسير من الوارد في القرآن والسنة وفي الفطرة # أما القرآن فورد بان التكليف في حق الاشقياء اقامة الحجة وقطع العذر قال ~~الله تعالى {فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا} وقال {لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل} وقال {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا ~~أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى} وهذا المعنى ms235 كثير وفيه ~~سر لم أر أحدا تنبه له وذلك أن لله تعالى حججا مناسبة لعرف العقلاء وحكمة ~~مناسبة لعلمه الحق الذي تقصر عنه عقول العقلاء وهذه الآيات التي ذكرناها من ~~القسم الاول ومنه إقامة الموازين القسط ليوم القيامة وإشهاد الملائكة ~~والجوارح وكتابة الاعمال مع الغنى عن ذلك كله بعلم الله تعالى # فأما الحكمة المناسبة لعلمه الحق فهي الحكمة الداعية إلى إظهار هذه الحجج ~~القاطعة للاعذار الباعثة على هذا العدل وهي التي لم يعلمها سني ولا # PageV01P256 # مبتدع ولا أثري ولا متكلم ومن تعرض لها لم يحظ بطائل وقد يرد القرآن بهذه ~~الحجة الظاهرة المناسبة لعرف العقلاء وحدها مثل آيات الوعيد وقد يرد بما ~~يقتضي التعليل بحكمته الحقيقية المناسبة لعلمه الحق وحدها كقوله تعالى في ~~سورة هود {وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} وكذلك قوله ~~تعالى {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} فانا نعلم أن هذه لم ~~تكن سدى خالية عن الحكمة وقد يرد القرآن بهما جميعا كقوله تعالى جوابا على ~~من قال {فارجعنا نعمل صالحا} قال تعالى {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن ~~حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين فذوقوا بما نسيتم لقاء ~~يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون} فجمع بينهما حيث ~~أجاب على الكفار قولهم {أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل} استدراكا ~~منهم لما فات فأخبرهم أنه كان قادرا على تحصيل ذلك منهم فيما مضى ولو ~~أرادوه لم يفته حتى يحتاج إلى الملافاة والاستدراك وحين علمنا حكمته في ذلك ~~حسن أن نشير اليها في الجملة من غير بيان معين كما قال سبحانه وتعالى ~~للملائكة {إني أعلم ما لا تعلمون} جوابا على قولهم {أتجعل فيها من يفسد ~~فيها} # وأما ما ورد في ذلك من السنة فأنواع # منها حديث لا أحد أحب اليه العذر من الله تعالى من أجل ذلك أرسل الرسل ~~وأنزل الكتب # ومنها عملهم بمقتضى قوله تعالى {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ms236 ~~الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} وقوله {وخذوا حذركم} # PageV01P257 # ومنها حديث أبي خزامة قلت يا رسول الله أرأيت رقي نسترقي بها ودواء ~~نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا قال هو من قدر الله تعالى ~~رواه الترمذي وابن ماجه من طرق عن ابن عيينة عن الزهري عنه قال المزي في ~~أطرافه وكذلك رواه مالك ويونس بن يزيد وعمرو ابن الحارث والاوزاعي عن ~~الزهري # ومنها أن هذا السؤال مما سئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتولى ~~جوابه كما ثبت في أحاديث الاقدار فقال في الجواب اعملوا فكل ميسر لما خلق ~~له وقرأ قوله تعالى {فأما من أعطى واتقى} الآيتين والمعنى في الجواب النبوي ~~أن الله تعالى قدر الجزاء وأسبابه وقدر أن تكونه أسبابه اختيارية من أفعال ~~العبد وما قدره الله لابد أن يقع كما قدره فارتفع توهم الاشكال فانا لو لم ~~نعمل مع سبق العلم بعملنا وسبق المقادير لكان محارة للعقول بل محالا فيها ~~فوجب أن لا يكون العمل محارة ولا محالا ولا موضع شبهة فلا اشكال # وأما ما دلت عليه الفطرة من ذلك فهو أن الله تعالى قدر الجزاء في الآخرة ~~مرتبا على أسباب وقدر وقوع تلك الأسباب على اختيارنا في الأعمال وتارة على ~~اختياره تعالى في أسباب الاعمال وفي الآلام ونحوها وذلك كما قدر السبع ~~بالأكل والري بالشرب وهما عملان اختياريان وكذلك قدر الولد بالوطئ وحصول ~~الزرع بالبذر وخروج روح الحيوان بالذبح ذكر ذلك الغزالي مختصرا وابن قيم ~~الجوزية وطوله وجوده هذا المعنى اسماعيل المقرى من علماء الشافعية في قصيدة ~~له وعظية بليغة فقال وأجاد # (تقول مع العصيان ربي غافر ... صدقت ولكن غافر بالمشيئة) # (وربك رزاق كما هو غافر ... فلم لم تصدق فيهما بالسوية) # (فانك ترجو العفو من غير توبة ... ولست براجي الرزق إلا بحيلة) # (على أنه بالرزق كفل نفسه ... لكل ولم يكفل لكل بجنة) # فثبت أنه يلزم في قضية العقل من احتج بسبق القدر وسبق العلم على # PageV01P258 # ذنوبه وتفريطه في عمل الخير إن ms237 يترك الاكل والشرب والبذر والوطئ والتوقي ~~من الحر والبرد وسائر المضار وإلا فقد فضل الدنيا على الآخرة حيث توكل في ~~الآخرة وما سعى لها سعيها وترك التوكل في الدنيا وسعى لها أكثر من سعيها ثم ~~احتج على ضلاله بالباطل وهيهات # ثم أنه لابد مع التوكل من السعي كما قال الله تعالى {وشاورهم في الأمر ~~فإذا عزمت فتوكل على الله} وذكر الزركشي في شرح جمع الجوامع عن الجنيد رحمه ~~الله أنه قال كلمت يوما رجلا من القدرية فلما كان في الليل رأيت في النوم ~~كأن قائلا يقول ما ينكر هؤلاء القوم أن يكون الله قبل خلقه للخلق علم أنه ~~لو خلق الخلق ثم مكنهم أمورهم ثم رد الاختيار اليهم للزم كل امرئ منهم بعد ~~أن خلقهم ما علم أنهم له مختارون # قلت بل قد أوجب ذلك الرازي بنظر عقلي معناه أن العلم تابع للمعلوم في ~~الرتبة لا في الوجود مثل تبع حركة الخاتم للاصبع فلا يتصور حصول العلم ~~متعلقا بالمعلوم إلا وللمعلوم ثبوت في الذهن لا في الخارج والنكتة في هذا ~~أن الله تعالى غير مختار في علمه إجماعا فان كونه قادرا عالما من صفات ~~الكمال اللازمة الواجبة وإنما يختار سبحانه في كونه فاعلا فان شاء فعل وإن ~~شاء ترك وليس يقال إن شاء علم وإن شاء جهل فكذلك لا يقال إن شاء علم ~~الموجود معدوما والمعدوم موجودا ونحو ذلك إنما يقال لو شاء لجعل ذلك كذلك ~~لكنه لا يشاء خلاف ما علم كما سبق تقريره لكنه يقال إن كان المعلوم أسبق في ~~الرتبة فانه راجع إلى أفعال الله تعالى وهي اختيارية وكان الاختيار تابعا ~~للحكمة فهي أسبق في الرتبة وهذا نفيس جدا فتأمله # وسبق في مسألة الحكمة طرف صالح من الكلام في الحكمة في خلق الاشقياء ~~فيراجع من هنالك ومن ذلك أن يقال انما يلزم في قضية العقل قطع أعذار الخلق ~~في الربوبية وتقديسها عن كل عيب ونقص وظلم وعبث ولعب فمن أنكر شيئا من ذلك ~~قامت عليه البراهين كما ms238 تقدم ومن اعترف بهذين الامرين فقد اعترف بان الله ~~حكيم نافذ المشيئة غني كريم فلا يصح منه بعد هذا ان ينازع ربه تعالى في ~~حكمة خفية لوجهين # PageV01P259 # أحدهما أن علمه الجملي بحكمة ربه كاف شاف وثانيها ان علمه بكمال ربه في ~~جميع أسمائه الحسنى مع نقص العبد في كل معنى وكثرة جهالاته وظلمه وخبث كثير ~~من طباعه وغلبتها عليه يكفيه وازعا عن اتباع سنة الشيطان لعنه الله تعالى ~~حيث نازع ربه تعالى في حسن سجوده لآدم وهذه هي سنة السفهاء من الناس الذين ~~قالوا {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} ولو كانت تجب ازاحة كل عذر ~~باطل لازاح الله تعالى اعذارهم حيث قالوا {فارجعنا نعمل صالحا} واقتراحهم ~~على الرسول أن يكون ملكا وان يفجر لهم الأنهار تفجيرا ونحو ذلك على ان الله ~~تعالى لم يخل كتابه الكريم من الاشارة الى ما تحمله عقول البشر ويليق ~~بعلومهم من ذلك فنقول بقدر ما وهب الله لنا من ذلك ان الله تعالى خلق ~~الاشياء لحكم كثيرة شاهدة له سبحانه وتعالى بالنزاهة من الظلم واللعب ~~والعبث بل شاهدة له سبحانه وتعالى بالحكمة البالغة والنعمة السابغة والحجة ~~الدامغة فمن قال ان الله تعالى ما خلق الاشقياء الا لعمل القبائح في الدنيا ~~وللعذاب في الآخرة أو كانت عبارته توهم ذلك فما أصاب الحق ولا أحسن الترجمة ~~عن الكتاب والسنة ومن أراد اصابة الحق في ذلك تتبع متفرقات الحكمة المنصوصة ~~بألفاظها وأداها بها والمعقولة بمعانيها وجمعها بل جمع ما يسر الله له منها ~~لا يمكن البشر الاحاطة بجميعها # والذي حضرني منها سبعة أمور تفصيلية لفظية ومعنوية وأمر جملي يعمها # أما الأمر الجملي فما تقرر بالبراهين الجمة سمعا وعقلا من حكمة الله ~~تعالى كما قال للملائكة {إني أعلم ما لا تعلمون} قال في هذا المعنى {أفنضرب ~~عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين} وأما التفصيلية فانها وان رجعت في ~~المعنى الى أقل من ذلك العد فقد أديت ما أمكنني تأديته بلفظه عسى أن أنال ~~الدعوة النبوية لمن ms239 أدى ما سمع كما سمع من الأحاديث الثابتة في ذلك # PageV01P260 # الأول خلق الله تعالى الاشقياء لعبادته بالنظر إلى أوامره اجماعا ونصا ~~وبالنظر الى محبته للخير من حيث هو خير على الصحيح كما مر في اثبات الحكمة ~~وقد أوضحت هذا في العواصم في تفسير قوله تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون} وهو مذهب جمهور أهل السنة في قوله تعالى {ولا يرضى لعباده الكفر} ~~وقوله تعالى {والله لا يحب الفساد} فانهم أقروهما وفرقوا بين الرضى والمحبة ~~ومعنى الارادة والمشيئة ولذلك قال السبكي في جمع الجوامع في آخره في ~~الاعتقاد ما لفظه والمحبة غير المشيئة والارادة فلا يرضى لعباده الكفر ولو ~~شاء ربك ما فعلوه ولم يحك خلافا لشذوذه عنده ومن لم يبحث حوافل أهل السنة ~~يظن ان هذا يخالف قواعدهم # الثاني الابتلاء بالنظر الى عدله وحجته كما يظهر من قوله تعالى {ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا} كما مر في الحكمة في العمل مع القدر # الثالث لما يوجب عليهم شكره من احسانه اليهم بعظيم نعمه وسوابع مواهبه ~~بالنظر الى تكليفهم شكر نعمته وقد ذكر غير واحد من الائمة الأذكياء ان فرار ~~الحيوانات من الموت وحرصها على الحياة من أعظم الأدلة على عظم النعمة بها ~~وعلى وجوب الشكر عليها ثم نعمة العافية والتمكين من الخير والمعارف باكمال ~~العقول والاسماع والابصار والأيدي والبنية السوية الصحيحة والانفاس ~~والارزاق الجارية # الرابع لما شاء بالنظر الى عزة ملكه وعظيم سلطانه وقاهر قدرته # الخامس لما لم يحط بجميعه الا هو سبحانه وتعالى بالنظر الى واسع علمه ~~ورحمته # السادس للعذاب المستحق بكفر نعمته وجحد حجته بالنظر الى علمه واختياره ~~وقدرته وقضائه وكتابته # PageV01P261 # السابع الحكمة المرجحة فيهم بعقابه على عفوه وعدله على فضله الراجعة ~~بعدله الى فضله التي هي تأويل المشابه وهو الخير المقصود بما ظهر للعقلاء ~~من ارادة وقوع ما قبلها من المتشابه وهو الشرور التي لا يعلم فيها خير ان ~~سلم وقوع ذلك # وهذا النوع السابع هو بالنظر الى خفي حكمته منتهى متعلق ارادته ومشيئته ~~الذي هو المراد الاول ms240 وهو تأويل المتشابه الذي لا يعلمه الا هو على المختار ~~كما سبق بيانه ودليله في مقدمات هذا المختصر # وزادت المعتزلة على هذه الامور السبعة ثلاثة انفردت بها دون أهل السنة # أحدها تعريض الاشقياء لدرك ثوابه العظيم وسكون جنات النعيم فان التعريض ~~لذلك نعمة وان لم يقبلوها كما ورد في حديث رواه البخاري عن أبي هريرة كل ~~أمتي يدخلون الجنة الا من أبي قالوا ومن يأبى ذلك يا رسول الله قال من ~~عصاني فقد أبى # وثانيها ارادة وقوع الطاعة منهم لظاهر قوله تعالى (وما خلقت الجن والانس ~~الا ليعبدون) ومنعت هذين الاشعرية وغيرهم كما تقدم # وثالثها مصلحة الخوف لان العقلاء اذا علموا ان الله ما يخلق الا سعيدا ~~غير معذب تجرؤا على الفساد والفسوق ذكرته البغدادية منهم وما هو بالضعيف ~~ولا بالمخالف للقواعد فقد نص الله تعالى على أن بسط الرزق مفسدة للعباد ~~فكيف يرفع الخوف والامان من التبعات في الدارين كذلك نص على أنه تخصيص ~~الكافرين بالتوسيع الكثير في الغنى مفسدة وانه انما تركه لذلك كما في سورة ~~الزخرف ولذلك قال {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فابهم المغفور له ليبقى ~~الخوف وكذلك قال في حق الكفار أيضا في التوفيق للتوبة في الدنيا {لا ~~تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا ~~مجرمين} فلم يقنطهم الجميع ولم يؤمنهم لانهما جميعا مفسدتان وتركهم في محل ~~الخوف والرجاء لانهما جناحا الدواعي الناهضة للعباد الى طاعة ربهم وفيها ~~الحجة الدامغة لمن عصى # PageV01P262 # منهم وورد في السنة النبوية مع ذلك كله غيره مما لا غنى عن ذكره فان ~~الشيء قد يحسن مع غيره ولا يحسن وحده كما ذكره كثير من أهل العلم في جميع ~~الآلام والمصائب لعظيم الجزاء مع عظيم الاعتبار # فمن أحسن ما ورد في ذلك في السنة حديث فداء كل مسلم من النار بيهودي أو ~~نصراني خرجه مسلم واسناده على شرط الجماعة كلهم وله طرق جيدة كما أوضحته في ~~العواصم والاجادة وغيرهما وأوضحت ما فيه من ms241 الحكمة والعدل واجماع العقلاء ~~على نظائره # فمن العدل في ذلك أن اليهود والنصارى عادوا المسلمين في الدنيا وظلموهم ~~وكذبوهم وفعلوا ما أمكنهم من مضارهم ومن لم يستطع ذلك منهم ورد انه تمكن ~~منه وأنه فعله ووالى من فعله من أصحابه وقد ثبت وجوب القصاص بين المسلمين ~~بعضهم من بعض بل بين الشاة الجماء والشاة القرناء فكيف لا ينتصف للمسلمين ~~من أكفر الكافرين المكذبين البغضاء المعتدين والله تعالى يقول {إنا لننصر ~~رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} وقد صح في ~~الأحاديث الثابتة ان القصاص بالحسنات والسيئات ان كان للظالم حسنات أخذ ~~منها للمظلوم وان لم يكن حمل الظالم من ذنوب المظلوم بقدر مظلمته وهذا عدل ~~معقول وليس فيه مناقضة لقوله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} لان المعنى ~~انها تظلم لا بتحميلها وزر الاخرى لا انه لا ينتصف منها بالحق وان شق فما ~~كان على وجه الانتصاف من الظالم للمظلوم لم يكن من تحميل الذنوب من لم ~~يفعلها ظلما وعدوانا بل هو من العدل الوارد في السمع المعلوم لقوله تعالى ~~{وأثقالا مع أثقالهم} وقول ابن آدم الصالح لأخيه الكافر {إني أريد أن تبوء ~~بإثمي وإثمك} وهذه أدلة خاصة مفسرة لما أجمل من قوله تعالى {ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى} وكذلك وردت الأحاديث الصحاح بأن من سن سنة سيئة كان عليه اثمها ~~واثم من عمل بها من غير أن # PageV01P263 # ينقص من آثامهم وان على ابن آدم اثم من قتل الى يوم القيامة لانه أول من ~~سن القتل بل قد أشار القرآن العظيم الى هذا الحديث العظيم الى هذا حيث قال ~~تعالى {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد ~~في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} ~~وكذلك لا يناقض هذا قوله تعالى {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} لانه عموم ~~مخصوص بالاجر على الآلام والاقتصاص من الظالم ويجوز أن يفضل الرب سبحانه ~~وتعالى على من يشاء كما ms242 قال {ويزيدهم من فضله} لان فضله ليس هو مما هو حق ~~لهم حتى يدخل في قوله {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} فهذا ما في فداء ~~المسلمين بالكافرين من العدل # وأما ما فيه من الحكمة ففيه صدق وعيد العصاة من المسلمين بذلك وعدم الخلف ~~كما أشار اليه قوله تعالى {وفديناه بذبح عظيم} فانه لا معنى للفداء الا انه ~~قد كان لزم ذبحه بالامر لان البداء لا يجوز على الله سبحانه وذبح الفداء ~~يقوم مقام ذبح الذبيح عليه السلام ومنه فداء والد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بمائة من الابل كما هو مذكور في السيرة النبوية منه قوله تعالى {ولا ~~يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل} أي فدية لكنها في الكافرين كما قال ~~سبحانه في سورة الحديد في خطاب المنافقين {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من ~~الذين كفروا} وفي تخصيصهم بالذكر اشارة الى القبول من المسلمين بمقتضي ~~مفهوم الصفة والمسلمون أيضا باقون على الإصل في حسن ذلك كما قرر في موضعه ~~ويأتي منه في هذا المختصر ما فيه كفاية وقد استوفيت مطابقة ذلك لعمل ~~الحكماء والعقلاء من جميع المسلمين بل من جميع الناس أجمعين في كتاب ~~العواصم # ومما جاء في السنة من حكمة الله تعالى في خلق الكافرين في الدنيا ونفع ~~المسلمين بهم ما رواه النسائي من حديث سلمة بن نفيل الكندي قال كنت # PageV01P264 # جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل أزال الناس الخيل ووضعوا ~~السلاح وقالوا لا جهاد قد وضعت الحرب أوزارها فاقبل رسول الله بوجهه صلى ~~الله عليه وسلم وقال كذبوا الآن جاء القتال ولا تزال من أمتي أمة يقاتلون ~~على الحق ويزيغ الله قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة وحتى يأتي ~~وعد الله الخيل معقود في نواصيها الخير الى يوم القيامة الحديث قال المزي ~~في أطرافه رواه النسائي في السير وفي الخيل باسنادين الى أبي علقمة والوليد ~~بن عبد الرحمن الجرشي كلاهما عن جبير بن نفيل عن سلمة # قلت واسناد النسائي جيد ms243 قوي رواه أحمد بن حنبل في المسند بطريق أخرى الى ~~الوليد بن عبد الرحمن فصح الحديث ولله الحمد والمنة ويشهد لذلك من كتاب ~~الله تعالى {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا} ~~وما استأثر الله تعالى بعلمه في ذلك من الحكم والعنايات الحميدة أكثر وأعظم ~~والله سبحانه أعز وأعلم وأجل وأحكم آمنا به وبجميع أسمائه ومحامده وله ~~المنة علينا في ذلك وله الحمد والشكر والثناء # البحث السابع قد ظهر من جماعة من المتكلمين استقباح الظواهر السمعية مثل ~~قوله تعالى {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} فأوجبوا تأويلها ~~وأمثالها وشنعوا على من آمن بها من غير تأويل الا التأويل الذي استأثر الله ~~بعلمه على ما تقدم والعجب من المقبحين لذلك من المخالفين أنهم قبحوا خلق ~~أهل النار لها وارادة ذلك لهم في الابتداء مع تحسينهم لفعل ذلك بهم في ~~الانتهاء بل أوجبوا ذلك على الله تعالى في الانتهاء وأوجبوا عليه تخليدهم ~~في النار وقبحوا منه العفو عن أحد منهم فكيف قبحوا ارادة ذلك الواجب عندهم ~~في الابتداء مع ان الارادة لا تزيد على المراد في الحسن والقبح عقلا وشرعا ~~فان كان عذاب الآخرة من الحق الراجح المشتمل على العدل والمصالح كما هو ~~الحق عقلا وسمعا كما يأتي فلا ينبغي تقبيح ارادته ولا تقبيح خلق أهله له في ~~الابتداء لان ما حسن فعله حسنت ارادته فكيف بما وجب # PageV01P265 # فعله والارادة أهون من التعذيب نفسه وأقل مضرة منه فكيف يعقل أن يكون ~~التعذيب واجبا على الله تعالى وارادته منه قبيحة # فان قالوا انما قبحناها اذا وقعت متقدمة لمعاصيهم لانهم حينئذ غير ~~مستحقين لذلك قلنا انها لم تعلق بهم حينئذ وانما تعلقت بهم حين الاستحقاق ~~لانه لم يرد أن يوقع بهم العذاب قبل ذلك بل بعده والعزم على مثل ذلك من ~~مثلنا حسن عقلا فكذلك الارادة المتقدمة في حقه تعالى وقد ورد السمع بتقدمها ~~والدليل على من ادعى قبح ذلك # والقول بان عذاب الآخرة حق راجح مشتمل على العدل ms244 والمصالح التي هي تأويل ~~المتشابه هو قول البغدادية وطائفة كثيرة من السلف والخلف ومن تبعهم من أهل ~~السنة كما نصره ابن تيمة وأصحابه وأجاز ذلك الغزالي في المقصد الاسنى واحتج ~~عليه كما تقدم ويدل على ذلك اقسام الله تعالى في غير آية على وقوعه وتسميته ~~حقا في قوله تعالى {ولكن حق القول مني لأملأن جهنم} وانما يختلف هؤلاء في ~~قدر العذاب المشتمل على المصالح الراجحة فمنهم من جوز ذلك فيه مطلقا ولو مع ~~الخلود والدوام الذي لا نهاية له ومنهم من جوزه فيه مطلقا الا في الخلود # واختلفوا أيضا هل دلالة السمع على الخلود قاطعة أم لا لورود الاستثناء ~~فيه في القرآن والحديث الا تحلة القسم ولغير ذلك كما تقدمت اليه الاشارة في ~~مسألة الحكمة وهو مبسوط في مواضعه فقد صنفت في هذه المسألة مصنفات مستقلة # والعجب منهم كيف يمنعون تقدم إرادته مع مثل هذه الأقسام المؤكدة السابقة ~~من الله تعالى على فعله وتسميته حقا ولم يبق بينهم خلاف وبين أهل السنة الا ~~في تجويز تقدم ارادته لذلك والنصوص شاهدة لاهل السنة بتقدمها وكذلك العقول # أما النصوص فمثل قوله تعالى {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} # PageV01P266 # ) وهي واضحة في تقدم الارادة قبل وقت قطع الاعذار والعذاب لا يقع قبل ذلك ~~في حكم الله تعالى لقوله تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وكذلك قوله ~~تعالى {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين} وفي آية أخرى {وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين} وفي آية اخرى {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} ~~الاية وفي هذه الآيات الثلاث دلالة واضحة على أن عذاب الاخرة من قبيل الحق ~~الراجح المتضمن للمصالح وهذه العبارات المؤكدة في وقوعه كلام من قد أراد ~~ذلك فكيف يقسم عليه وهو لا يريده # وأما دليل العقول على ذلك فلان الارادة انما تتأخر في حقنا لتأخر العلم ~~بالمرجحات ms245 وعدم العلم بانتفاء الموانع والمعارضات ولذلك قال أبو الحسين ~~انها هي الداعي الراجح الراجع الى العلم لملازمة الفعل لذلك ولملازمة ~~الارادة له وذلك منه يفضي الى نحو قول الاشعرية في قدم الارادة وأما الاثري ~~السني فلا حاجة له الى الخوض في ذلك كما تقدم # البحث الثامن ان ارادة الله تعالى نافذة وانه لا راد لما أراد وقد تقدم ~~كثير منها ولكن في هذا البحث فوائد مهمة لم تقدم ولا بأس ببعض التكرار ~~للتأكيد والفائدة ولذلك ورد به كتاب الله تعالى وهو أكثر الكتب حكمة ~~وأحكاما # وهذا البحث مبني على ان الله تعالى على كل شيء قدير وهذا ما لا شك فيه ~~ولكن أكثر المعتزلة زعموا ان الله تعالى مريد لفعل جميع ما يقدر عليه من ~~هداية المكلفين واللطف بهم بل اعتقدوا ان ذلك واجب عليه ولاجل اعتقادهم ~~وجوبه عليه قطعوا حين لم يفعله انه غير قادر عليه تنزيها له من الاخلال ~~بالواجب # PageV01P267 # وقد صرح الامام يحيى بن حمزة بابطال قولهم في كتابه التمهيد في أوائل ~~الباب السابع من النبوات على ذلك وهو قول جماعة من قدماء محمد بن منصور ~~الكوفي والسيد أبو عبد الله الحسيني في كتابه الجامع الكافي وهو قول غير ~~واحد ممن عاصرت من أئمتهم عليه السلام # وهذه المسألة هفوة المعتزلة الكبرى في مقابلة هفوة الجبرية في نفسى ~~الاختيار وبها تمكن خصومهم منهم ومن سلم منهم من هذه المسألة قارب أهل ~~السنة في مسألة الأفعال بل كان منهم فان أمام الحرمين الجويني ما وافق أهل ~~السنة في مسألة الأفعال الا فيها فعدوه من أئمتهم ولم يختلفوا في ذلك ولا ~~شك في صحة قدرته على هداية الخلق أجمعين باللطف والاختيار عقلا وسمعا ولا ~~شك انه أحوط وأولى من قول المعتزلة فانه يمكن في العقل أن يكون الله تعالى ~~انما ترك ذلك لحكمة استأثر بعلمها مثل حكمته في خلق أهل النار والعقول تقصر ~~عن الاحاطة بجميع حكمة الله تعالى ومعلوماته فيحسن في بعض ما لا تعرف ~~العقول حسنه أن يكون ms246 حسنا عند الله لحكمة اختص بعلمها فيجب قصر استقباح ~~العقول على من لم يعلم من الحكم في الغيوب المحجوبة الا ما يعلمه وليس يحسن ~~أن يقال ان الله لا يقدر على شيء لوجه حسن استأثر الله بعلمه ولا نحو ذلك ~~من الاعذار لان عدم القدرة نقص في الربوبية وان مثل الجهل ببعض الامور وأما ~~التحسين والتقبيح فبابه واسع وتفاوت المعارف فيه غير واقف على حد ولا نهاية ~~لانه موقوف على الوجوه والاعتبارات ومعرفة العواقب الحميدة والغاية الغيبية ~~البعيدة # والمرجحات الخفية عند تعارض المصالح والمفاسد وهذا باب واسع يدخله ~~التأويل القريب والبعيد بل قد اختلفوا في هذا أحوال المخلوقين كما أخبر ~~الله تعالى عن موسى والخضر عليهما السلام ولا يزال العالم ينكر على الاعلم ~~كيف الجاهل على العالم كيف المخلوق الظلوم الجهول على علام الغيوب كما تقدم ~~في الحكمة في خلق الأشقياء فكما أن الحكمة في خلق الأشقياء لما خفيت لم ~~يحسن من أحد أن يقول انه تعالى غير مختار في وجودهم ورد أهل الاسلام ذلك ~~على الفلاسفة فكذلك في مسألتنا # PageV01P268 # ثم ان المعتزلة رجعوا إلى قول أهل السنة في هذا بعد التعسف الشديد في ~~تأويل القرآن والسنة واجتمعت الكلمة في الحقيقة على ان الله تعالى على كل ~~شيء قدير وعلى ما يشاء لطيف وما بقي الا اللجاج في المراء بين أهل الكلام ~~كما أوضحت ذلك في البحث الخامس من هذه المسألة أعني مسألة الارادة # ونزيد هنا وجها لم نذكره هناك وهو ان الله تعالى قد نص على دين الاسلام ~~انه الفطرة قال تعالى {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ~~ذلك الدين القيم} واتفق أهل الحديث على صحة حديث أبي هريرة في ذلك وهو قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة وانما أبواه ~~يهودانه وينصرانه ويمجسانه وقد ذكر البغوي في تفسير هذه الآية عن أكثر أهل ~~السنة أن الآية على عمومها في السعداء والاشقياء واحتج لهم بحديث أبي هريرة ~~في ذلك وغيره ms247 وكيف لا يكون كذلك وقوله صلى الله عليه وسلم وانما يهودانه ~~وينصرانه ويمجسانه انما هو في الاشقياء فلزم المعتزلة أن يقولوا به ويتركوا ~~قولهم ان الله بني الاشقياء على بنية علم معها انه لم يبق لهم لطف في ~~مقدوره ولزم أهل السنة أن يقولوا به ولا يعتقدوا ان أحاديث القضاء والقدر ~~مبطلة للاختيار ولا لحجة الله تعالى وفي الحقيقة ان الجميع قد فعلوا ~~بمقتضاه لكن أهل السنة بالنصوص الصريحة الكثيرة والمعتزلة في بعض المواضع ~~كما تقدم في البحث الخامس على ان هذه الآية وهذا الحديث عند المعتزلة مما ~~يصولون به على أهل السنة وليس كذلك بل هما على المعتزلة لا لهم # وانما ظنوا ذلك لانهما حجتان على الجبرية وهم يعتقدون الا العارفين منهم ~~ان أهل السنة كلهم جبرية فهذا سبب وهمهم وأما كونهما على المعتزلة فلقولهم ~~ان اللطف غير مقدور لله تعالى وتعليلهم ذلك بانه تعالى بنى الاشقياء على ~~بنية لا تقبل اللطف ثم ان أهل السنة يلزمونهم تعجيز الرب تعالى بذلك وهم ~~يأبون ذلك ويقولون انه غير قادر على اللطف ولا يوصف بالعجز وانما قالوا ذلك ~~لاعتقادهم أن اللطف بالاشقياء محال كوجود ثان لله تعالى عن ذلك # PageV01P269 # والقادر على كل شيء لا يوصف بالقدرة على المحالات لانها ليست بشيء والا ~~لزم أن يوصف بالقدرة على لا شيء # وقولهم هذا ضعيف لان الاحالة لم تبين في اللطف بالعصاة ولو تبين ذلك لقبح ~~تكليفهم على أصول المعتزلة فان خلقهم على تلك البنية مفسدة في التكليف وهم ~~لا يجيزون المفسد فيه ولو جوزوها فيه ما أوجبوا اللطف فيه والا لتناقض انما ~~المحال ما لا يمكن تصوره مثل كون الشيء قديما حادثا كما في تقديرهم ان الله ~~لو خلق مثله تعالى عن ذلك لم يكن مثله قط لان المخلوق حادث مربوب بالضرورة ~~والله تعالى رب قديم فقياس هذا باللطف بالعصاة واه لا يرضى في الفروع ~~الظنية # وقد اعتذرت الفلاسفة بمثل عذرهم في هذا في قول الفلاسفة انه ليس في ~~مقدورالله تعالى أحسن من ms248 هذا العالم مع انه على كل شيء قدير لانهم زعموا ~~انه لو كان في مقدوره لا وجده على الفور والا كان بخيلا تعالى عن ذلك وأجيب ~~عليهم بمثل ما أجيب على المعتزلة من ان حكمة الله تعالى أعظم من أن يحيط ~~بها خلقه وانه قد بين منها انه يبلو عباده ليميز الخبيث من الطيب كما صرحت ~~به الآيات القرآنية # واعلم ان قول أهل السنة في المشيئة والقضاء والقدر وسبقها للاعمال لا ~~يقتضي الجبر كقول الجميع في سبق العلم بل كثير من أهل السنة فسروا القضاء ~~والقدر بعلم الغيب السابق منهم القاضي عياض في شرحه لمسلم والنووي في شرحه ~~له وابن بطال في شرح البخاري وغيرهم وانما وقع الخلاف فيما تعلق به الارادة ~~السابقة كما تقدم تحقيقه في المباحث المتقدمة وانما مقصود أهل السنة بذلك ~~نفي العجز والقصور عن قدرة الله تعالى فقد وقع الاتفاق على نفيه في الحقيقة ~~ان شاء الله تعالى # وقد وضح بذكر هذه المباحث للخلاف هنا خمس مراتب قد بسطتها في العواصم ولا ~~غنى عن الرمز اليها على سبيل الايجاز الكثير # الخلاف الأول هو الخلاف في قدرة الله تعالى على هداية الله العصاة ما ~~داموا على بنيتهم التي خلقوا عليها حتى يغيرها الله تعالى وهو الذي فرغنا # PageV01P270 # من ذكره وبيان الحجة على بطلانه وعلى ان المخالف فيه أخطأ في العبارة ~~ووافق في المعنى لا قدرته تعالى على تغيير البنية هي قدرته على اللطف ~~بعينها فارتفع الخلاف ولله الحمد # الخلاف الثاني القول بنفي قدرته تعالى على ذلك مطلقا ادعاه بعض أهل العصر ~~على أصحاب أبي هاشم المعتزلي ولم ينصوا عليه وهو مما لا ينبغي ان يصدق ~~عليهم حتى ينصوا عليه لمخالفته الأدلة الجلية من المعقول والمنقول كما ~~أوضحته في العواصم وانما حمل هذا على دعواه ما رأى في اعتراف المعتزلة ~~بخلافه من لزوم موافقة أهل السنة ففر من موافقة خصومه الى ما هو شر منها ~~كالمستجير من الرمضاء بالنار # وقد تمدح الرب سبحانه وتعالى بانه لو شاء لجعل ms249 منا ملائكة وقال {إنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} وقال {كونوا حجارة أو حديدا أو ~~خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة} وقد ~~علم من الدين واجماع المسلمين انه تعالى قادر على تغيير صفات الأجسام مثل ~~قلب خبث الحديد فضة أو ذهبا وقلب البهائم ناسا والناس بهائم مثل ما خسف ~~باليهود قردة بقوله لهم {كونوا قردة خاسئين} فكذلك لو شاء خلق من الاشقياء ~~أنبياء وملائكة وما السر في تغيير شيء منهم الا تليين قساوة قلوبهم كما ~~أوضحته في العواصم فليراجع اذا احتيج الى ذلك # الخلاف الثالث خلاف من منع عقوبة العصاة بالاضلال وقد توهم كثير منهم أن ~~ذلك يؤدي الى الجبر فيتأولونه بالخذلان ولا يعلم أن الاضلال ليس من الجبر ~~في شيء انما هو الخذلان وسلب الالطاف ألا ترى أن من هداه الله تعالى فلم ~~يقهره ولم يجبره على الهدى فكذلك من أضله فلم يقهره ولم يجبره على الضلال ~~انما هو التيسير للعسرى عقوبة كما ان الهدى هو # PageV01P271 # التيسير لليسرى مثوبة وأما من خالف في هذا فلانه لم يستحسن ارادة وقوع ~~الذنب عقوبة مع كراهة الذنب نفسه وقد تقدم القول فيه مستوفي في الوجه ~~الثالث من المبحث الثالث # الخلاف الرابع خلاف من يخالف في تجويز ارادة وقوع الذنب مع كراهة الواقع ~~ليظهر كثير من اسمائه تعالى الحسنى مثل اسمائه تعالى العفو الغفور التواب ~~الواسع الحليم الرحمن الرحيم وقد صحت النصوص النبوية بما يقتضي هذا كما ~~خرجه مسلم عن أبي أيوب الانصاري وعن أبي هريرة كلاهما عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون كي يغفر لهم ~~وفي حديث أبي هريرة كي يستغفروا فيغفر لهم وروى عن جماعة من الصحابة غيرهما ~~كما ذكرته في العواصم وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وبعد ورود السمع بهذا ~~فالحجة على من ادعى قبحه لان قبحه لا يعلم بالضرورة بالاجماع فإن الاجماع ~~انما ينعقد على مثل قبح الكذب ms250 الضار وحسن الصدق النافع أما مثل الكذب ~~النافع والصدق الضار فانه استدلالي والسمع فيه مقدم مقبول # الخلاف الخامس قال أهل السنة وأبو هاشم وجمهور المعتزلة يجوز أن يبتلي ~~الله تعالى العبد في أول أحوال تكليفه قبل أن يعصي ويستحق العقوبة بما يعلم ~~انه يعصي عنده مختارا لحكمة لا يعلمها الا هو كما يحسن ان يكلفه وهو يعلم ~~ان يعصي حينئذ ولو لم تقع منه المعاصي ولم يفرقوا بينهما وخالف في ذلك أبو ~~علي الجبائي من المعتزلة وغيره وهذه مسائل الخلاف بين أبي علي وبين ولده ~~أبي هاشم فانه في هذه وأصحابه مع أهل السنة والمراد بهذا التجويز انه لو ~~ورد به نص لا يحتمل التأويل وجب قبوله ولو ورد به ظاهر يحتمل التأويل لم ~~يجب تأويله بل لم يحل وقيل في هذا ما دل عليه السمع والسمع أقوى الادلة في ~~مثل هذه المحتملات في العقول وقيل انه لا يجوز في هذه الحال من الله تعالى ~~الا التخلية بين العبد وبين نفسه بعد التمكين ومعنى التخلية ترك اللطف ~~والخذلان معا وقد دل السمع على ان العبد لا يختار حينئذ إلا المعصية ودل ~~على ان فعل اللطف حينئذ فضل من الله يؤتيه من يشاء كما يختص برحمته من يشاء ~~بالنص وذلك التخصيص لحكمة بالغة # PageV01P272 # ويدل على ذلك قول يوسف عليه السلام {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن ~~من الجاهلين} بل قول الله تعالى {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم ~~من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء} وقوله تعالى {فلولا فضل الله عليكم ~~ورحمته لكنتم من الخاسرين} وأبو علي يحمل ذلك في الابتداء على فضله العام ~~بخلقه # وروى الحاكم في تفسير سورة (ص) من حديث ابن عباس ان سبب ذنب داود عليه ~~السلام انه قال اللهم انك تعلم انه لا يمضي ساعة من ليل أو نهار الا وهو ~~يصعد اليك عمل صالح من آل داود يعني نفسه فعتب الله تعالى ذلك عليه وقال ~~أما علمت انه لولا اعانتي لك ms251 الحديث وروى نحو ذلك في سبب ذنب آدم عليه ~~السلام وروي الحاكم وأحمد من حديث زيد بن أرقم مرفوعا وان تكلني الى نفسي ~~تكلني الى ضيعة وضعف وذنب وخطيئة وقال الحاكم فيها كلها انها صحاح والقرآن ~~يدل على ذلك ويغني عنه كما تقدم وهذه التخلية في الابتداء لا تسمى اضلالا ~~لقوله تعالى {وما يضل به إلا الفاسقين} ولقوله تعالى {فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم} كما تقدم وانما تسمى ابتلاء كما قال تعالى {ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا} والله تعالى لم يقل انه لا يبتلي به إلا الفاسقين انما قال {وما يضل ~~به إلا الفاسقين} كما انه لا يعذب غيرهم فالاضلال من جنس العقاب وقد دل ~~السمع على ان الله خلق الخلق في الابتداء على الفطرة نعمة ورحمة للأوليائه ~~ونقمة وحجة على اعدائه كما خلقهم كذلك في الخلق الأول في عالم الذر كما جاء ~~في الاحاديث التي لا مانع من صحتها وقد أوضحتها في كتاب العواصم في الوهم ~~الثلاثين منه في تفسير قوله تعالى {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا ~~وكرها} ثم دل القرآن على ان الله تعالى يبدأ باللطف ثم يعاقب من يشاء ممن ~~لم يقبل اللطف # PageV01P273 # قال الله تعالى {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} وقال {ثم ~~السبيل يسره} وقال {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} وقال ~~تعالى في بيان ذلك {وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء ~~والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس ~~آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون} ودل السمع أيضا على ~~انه تعالى يبتدي بالاحسان من غير استحقاق ولا يبتدي بالعقوبة من غير ~~استحقاق بل يمهل بعد الاستحقاق ويحكم ويكرر الحجة ويعذر ويعفو عن كثير كما ~~قال تعالى ثم ينتقم ممن يشاء بالحكمة البالغة ويعفو عمن يشاء بالرحمة ~~الواسعة كما قال تعالى {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن ~~كثير} والمصيبة في الدين أعظم المصائب وقد جاء ذلك في أمور ms252 الدين منصوصا في ~~قوله {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} {وجعلنا قلوبهم ~~قاسية} وقوله {وأضله الله على علم} أي علم باستحقاقه الاضلال وأصرح من ذلك ~~قوله {وما يضل به إلا الفاسقين} فما كان على جهة العقوبة لم يفعله الله به ~~ابتداء قبل الاستحقاق وما كان على جهة الابتداء الذي لا يصح التكليف إلا به ~~فعله وما زاد على ذلك مما يقع عنده المعاصي فهو مسألة الخلاف # فان قيل إن القول ان العبد يضل في الابتداء باختياره بغير اضلال من الله ~~يؤدي إلى أنه يملك لنفسه نفعا وضرا على جهة الاستقلال وهذا مما يمنعه السمع # فالجواب من وجهين الأول أنه لا يؤدي إلى ذلك إلا لو قلنا أنه الذي خلق ~~نفسه فسواها فألهمها فجورها وتقواها وخلق قدرته وتمكنه وقدر لنفسه أفعاله ~~ومبدأه ومصيره وهداها النجدين ومكنها الأمرين وأما إذا # PageV01P274 # كان ذلك فعل الله فمن أين له الاستقلال ولله الخلق والأمر واليه يرجع ~~الأمر كله ولكن الله قد استثنى من تعجيز العباد حيث قال {قل لا أملك لنفسي ~~نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله} وهذا الاستثناء هو الذي رددنا به قول ~~الجبرية حيث احتجوا بقوله تعالى {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} فانهم ~~تمسكوا بنفي المشيئة ونسوا الاستثناء وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك وقال موسى عليه السلام ~~{رب إني لا أملك إلا نفسي} وذلك مثل كوننا لا نعلم إلا ما علمنا يؤتي ~~الحكمة من يشاء ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ولم يؤد إلى استقلال ~~العبد في العلم فلا بدعة في القول بأن العبد يملك بعض الامور بتمليك الله ~~له ذلك لاقامة حجته أو سعة رحمته أو خفي حكمته # والقطع بأن ذلك محال غير ممكن يؤدي إلى تعجيز الله عنه ورجوع القهقري من ~~مذهب السنة والمسلمين فانظر إلى الغلو في الأمور كيف ينتهي إلى الوقوع فيما ~~كان الفرار منه فان السني إنما يحاول ms253 البقاء على تعظيم القدرة لله عز وجل ~~فاذا غلا في مذهب رجع إلى تعجيز الله الذي كان يشنع به على المبتدعة فصار ~~هذا التمليك من الله تعالى لمن يشاء من عباده من جملة أحكام ملكه وعطاياه ~~التي لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع على معنى ما كان يقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليس لنا من أمرنا ما شئنا وإنما نأخذ ما أعطينا فجعل ~~أخذهم ما أعطاهم الله تعالى من فعلهم ليكون فرق بين الحيوان المختار ~~والجماد المسخر وهو فرق معلوم ضرورة وعقلا وشرعا مدرك بالفطرة التي فطر ~~الله الخلق ولن تجد لسنة تبديلا فنسأل الله الاعتدال وترك بدع الجبر ~~والاعتزال وهو حسبنا ونعم الوكيل # الوجه الثاني إن العبد لا يستقل في الخير لقول الله تعالى {ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا} ولحديث أبي ذر رضي الله عنه من ~~وجد خيرا فليحمد الله وأمثال ذلك كثير وأما الشر فسيأتي تحقيقه في مسألة ~~الأفعال والظاهر أن اللطف # PageV01P275 # ينقسم فمنه لطف هداية ومنه لطف حجة وازاحة عذر فمن وضح له في هذه المرتبة ~~الخامسة من مواقع الخلاف شيء قال به وإلا فالموقف مع القطع بصحة القواعد ~~الثلاث وهي عموم قدرة الله تعالى ونفوذ مشيئته وكمال حجته بالتمكين والبيان # وبالجملة فلله الحجة البالغة على العصاة في الابتداء والانتهاء علمنا ~~تفاصيلها أو لم نعلمها مع ما له عليهم من النعم وله سبحانه وتعالى المنة ~~البالغة على المطيعين في الابتداء والانتهاء علمنا تفاصيلها أو لم نعلمها ~~مع تجاوزه عنهم من الذنوب وكل هذا معلوم من الدين وإنما نسعى في تقريره في ~~القلوب وزيادة اليقين به ونفي الشبهات عنه ورفع الخصومات فيه والله سبحانه ~~وتعالى أعلم # واعلم أن طريق المتكلمين في مثل هذه المشكلات المسارعة إلى القطع بأحد ~~الاحتمالين وان خفي الامر والأولى عندي عدم المسارعة إلى ذلك وعدم الجراءة ~~عليه لما ذكره المؤيد عليه السلام أن الخطأ في ذلك قد ينتهي إلى حد الكفر ~~والخلود في العذاب ms254 وهذا خطر عظيم لا يسارع إلى ما يحتمله أدنى احتمال عاقل ~~فان كان لابد من اختيار كان القول المختار أكثر الاقوال ملاءمة للسمع ~~وأكثرها ثناء على الله تعالى وأبعدها من المتشابهات لقوله تعالى {واتبعوا ~~أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} وقد ذكرت هذا غير مرة # البحث التاسع في الفرق بين المحبة والرضى والارادة والمشيئة فاعلم أن ~~الفرق بينهما في اللغة واضح فالمحبة والرضى نقيض الكراهة والارادة والمشيئة ~~معناهما واحد وهو ما يقع الفعل به على وجه دون وجه كما تقدم في أول المباحث # بيان ذلك أن الصائم العاطش يحب شرب الماء في حال صومه بالطبيعة ولا يريده ~~بالعزيمة ونحو ذلك فاذا عرفت ذلك فاعلم أن المحبة قد يعبر عنها بالمشيئة ~~والارادة كما تقدم قول الشاعر # PageV01P276 # (يريد المرء أن يعطي مناه ... ويأبى الله إلا ما أراد) # أي يحب أن يعطى مناه فتأمل ذلك لتعرف مواضعه حيث يتعارض السمع فانه قد ~~تقدم قول الشهرستاني أن الارادة المحضة التي ليست بمعنى المحبة لا تعلق ~~بأفعال الغير وإنما تعلق من كل مريد بأفعال نفسه وأن الارادة التي تعلق ~~بفعل الغير هي المحبة لكن أهل الكلام من الأشعرية والمعتزلة لا يجيزونها ~~على الله تعالى وأهل السنة والمتكلمون منهم كابن تيمية ومن تابعه يجيزونها ~~مجردة من نقائصها المختصة بالمخلوقين كسائر الصفات صفات الله تعالى اتباعا ~~منهم لنصوص الكتاب والسنة والسلف وقد تقدم طريق أهل السنة في هذا وأمثاله ~~عند الكلام على الرحمن الرحيم وسائر الأسماء الحسنى وإن مجرد الاشتراك في ~~لفظ مع الاختلاف في المعنى لا يقتضي التشيبه # وقد تقدم كلام الغزالي في ذلك المنقول من المعصد الأسنى وهو كلام مجود ~~وأجود منه كلام ابن تيمية في ذلك ومثال ذلك صفة الوجود والحي فانهما يطلقان ~~على الله تعالى على صفة الكمال الذي لا يستلزم صفة نقص وعلى عباده على وجوه ~~تستلزم جواز الفناء والموت والمرض واعتراض الآفات والعلل ولم يستلزم ذلك ~~تشبيها وكذلك محبة الله تعالى ورحمته وسائر ما ورد منصوصا في كتاب الله ~~وسنة رسوله ms255 صلى الله عليه وسلم وكلام سلف هذه الأمة الصالح وشاع بينهم وذاع ~~وكثر واستمر من غير تأويل ولا تحذير من اطلاقه بغير قرينة الله سبحانه أعلم # وأما موضع الاحتياط في هذه المباحث فانه ملاحظة إثبات صفات الكمال لله ~~تعالى ونفي صفات النقص بتبين وفي الوقف حيث يخفى فمن صفات الكمال البينة ~~المعلومة من الدين ومن إجماع المسلمين أن الله على كل شيء قدير وإن ما شاء ~~كان وانه يهدي من يشاء وأن له الحجة الدامغة والحكمة البالغة ومن صفات ~~النقص المنفية عنه سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أنه لا يحب الفساد ولا ~~يرضى لعباده الكفر وليس بظلام للعبيد ولا يريد ظلما للعباد ولا يريد ظلما ~~للعالمين كما قال في ذلك كله وانه لم يخلق السموات والارض باطلا ولا لعبا ~~ولا عبثا بل خلق ذلك وغيره بالحق # PageV01P277 # وللحق ويقضي الحق ولذلك تسمى سبحانه وتعالى بالحق وكان قوله الحق وحكمه ~~الحق فهو سبحانه وتعالى الحق اسما ومعنى وقضاء وقصصا وفعلا وقولا وخلقا ~~وأمرا وعدلا وفصلا وابتداء وانتهاء ودنيا وآخرة كل ذلك حقيقة لا مجازا ولا ~~تخبيلا ولا استعارة ولا مبالغة وتفاصيل ذلك ما لا يحصيه الحاسبون ولا يجمعه ~~الكاتبون ولا يحيط به الراسخون ولا يبلغه العارفون ولايستقصيه الحامدون # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت ~~كما أثنيت على نفسك فهذا كلام سيد ولد آدم والذي تقدم للشفاعة حين تأخر من ~~تقدم فكيف أيها العقلاء يكون هذا كلامه صلى الله عليه وسلم وهو إمامنا ~~وقدوتنا ومعلمنا ورسوله ثم نتأول ممادح الرب الحميد المجيد نحن ونقول أنها ~~تقتضي بحقائقها الذم وهو الذي لا أحد أحب اليه المدح منه ولذلك مدح نفسه ~~فاتقوا الله وتأدبوا مع كتب الله ولا تضربوا بعضها ببعض ولا تبادروا إلى ~~القدح في ظواهرها والتحكم في تأويلاتها والله سبحانه وتعالى هادينا الجميع ~~وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وهذا آخر ~~الكلام في مسألة الارادة ومباحثها على حسب هذا ms256 المختصر والحمد لله رب ~~العالمين # ويتعلق بهذه المسألة الكلام في القضاء والقدر وأنه لا يدل على الجبر ~~بالنص والاجماع وقد كثرت الاحاديث في وجوب الايمان به كثرة توجب التواتر ~~فقد ذكرت منها في العواصم أكثر من سبعين حديثا وذكرت مع ذلك نحو مائة ~~وخمسين حديثا في صحة ذلك مما ليس فيه ذكر وجوب الايمان به وذكرت مما ورد من ~~كتاب الله تعالى نحو مائة آية منها قوله تعالى {إنا كل شيء خلقناه بقدر} ~~وقوله تعالى {وكل شيء عنده بمقدار} وقوله تعالى {إلا امرأته قدرناها من ~~الغابرين} وفي آية أخرى {قدرنا إنها لمن الغابرين} وقوله تعالى # PageV01P278 # {كان على ربك حتما مقضيا} وقوله تعالى {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ~~لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا} وقوله تعالى {وأهلك إلا من سبق ~~عليه القول} وقوله {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} وقوله في هود وفي السجدة ~~{لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} وقوله {وكان أمر الله قدرا مقدورا} ~~وقوله {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء} وقوله تعالى {ويقللكم في أعينهم ~~ليقضي الله أمرا كان مفعولا} وقوله تعالى {ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ~~ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا} وقال تعالى {وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم} ~~وأمثال ذلك وإنما المهم من ذلك معرفة معنى القضاء والقدر وأن أحدا لم يقل ~~أن معناهما هو الجبر وسلب الاختيار وكيف يكون كذلك وقد ثبت تعلق القضاء ~~والقدر بأفعال الله تعالى كما قال {كان على ربك حتما مقضيا} وهو سبحانه ~~مختار بغير شك ولا خلاف # واعلم أن أكثر الاخبار وأقوال السلف تدل على أن القضاء يرجع إلى كتابة ما ~~سبق في علم الله تعالى وتيسير كل لما خلق له على ما جاء في قوله تعالى ~~{فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب ~~بالحسنى فسنيسره للعسرى} على ما مضى تفصيله في الخلاف الخامس من المبحث ~~الثامن في الارادة # وقد ذكر الطبري أن الجبر هو الاكراه على الشيء كالمسحوب على وجهه وأن أهل ms257 ~~المعاصي يأتونها برغبتهم اليها وهم مستلذون بها بل منهم من يقاتل من دفعه ~~عنها وهذا نقيض الجبر في اللغة وبطلان الجبر معلوم بالضرورة على الصحيح وهو ~~قول أبي الحسين من المعتزلة وأكثر أهل السنة والله سبحانه وتعالى أعلم ~~وسيأتي في مسألة الافعال بيان ذلك إن شاء الله # PageV01P279 # تعالى ثم أنه ورد النهي عن الخوض في القدر وفي أحاديث عرفت منها عشرة ~~وليس فيها شيء متفق على صحته ولا خرج البخاري ولا مسلم منها شيئا لكن خرج ~~أحمد بن حنبل منها حديثا من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهي طريق ~~مختلف فيها اختلافا كثيرا وهو يصلح مع الشواهد وخرج الترمذي منها حديثا عن ~~أبي هريرة وقال غريب وفي سنده صالح المزي لكن خرج البزار له اسنادين آخرين ~~قال الهيثمي رجال أحدهما رجال الصحيح غير عمر بن أبي خليفة وهو ثقة وإن لم ~~يكن من رجال الصحيح وخرج الطبراني في المعجمين الاوسط والكبير والحاكم حديث ~~ابن عباس في ذلك وقال الحاكم صحيح على شرطهما ولا نعلم له علة # قلت رواه السبكي موقوفا ولم يذكر رفعه وإن سلم من الاعلال بذلك كان ~~أصلحها اسنادا ومعنى ذلك إذا صح إن شاء الله تعالى التحذير من مجاراة ~~المبتدعة في القدر والمراء بغير علم على وجه يؤدي إلى إثارة الشر والشك كما ~~هو ظاهر حديث أبي هريرة وأخر الكلام في القدر لشرار أمتي في آخر الزمان ~~فالذي أخر هو ما ذكرته فأما الخوض فيه على جهة التعلم والتعرف لما جاءت به ~~الشريعة ثم الايمان به بعد معرفته على الوجه المشروع فان هذا لم يؤخر لشرار ~~الامة بل قد تواتر أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم وخاضوا في معرفته وفي وجوب الايمان به فلم يزجرهم صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك القدر ولم يترك الجواب عليهم بالقدر الواجب على بيان ذلك # وقد احتج ابن عبد البر في التمهيد على ذلك بمحاجة آدم وموسى وهو من أثبت ms258 ~~الاحاديث وأصح ما قيل في معناه أن لوم موسى لآدم كان على الخروج من الجنة ~~واخراجه ذريته منها على جهة الأسف على فوات هذه النعمة وتلك في الحقيقة ~~مصيبة من فعل الله قدرها بسبب ذنب آدم عليه السلام لحكمته في ذلك ولما قد ~~علمه وقضاه من خلافة آدم عليه السلام في الأرض وإلا فذنب آدم عليه السلام ~~صغير لأنه نبي معصوم عن الكبائر وقد تاب أيضا والمذنب التائب لا تجب عليه ~~العقوبة بالخروج من داره ولا بغير ذلك فاحتج آدم بسبق القضاء في الخروج ~~الحسن لأنه من فعل الله تعالى # PageV01P280 # ولم يحتج به على حسن ذنبه أبدا وهو الذي قال {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم ~~تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} # وقد أجمع أهل الاسلام على أن القدر يتعزى به أهل المصائب ولا يحتج به في ~~المعائب فهذا معنى الحديث ووجهه وقد بسط في موضعه وحديث القدرية مجوس هذه ~~الأمة ضعيف عند المؤيد بالله عليه السلام وعند المحدثين وقول الحاكم أنه ~~صحيح على شرطهما إن صح سماع أبي حازم مع ابن عمر شره في التصحيح فانه لم ~~يصح ذلك وتصحيح كل ضعيف على شروطه معدوم وإن فسر القدر بالعلم ونحوه ~~فالمذموم من نفاه وإن فسر بالجبر والاكراه فالمذموم من أثبته وقد بسط هذا ~~في موضعه ### | القول في مسألة الأفعال # وهي مسألة خلية عن الآثار وإنما خلت عنها لأن لها طرفين أحدهما جلي ~~وكانوا لا يسألون عن الجلي لجلائه والآخر خفي وكانوا لا يتعرضون لأمثاله ~~تارة لعدم الحاجة اليه وتارة لعدم الوقوف عليه ولأن ما لا يوقف عليه لا ~~يحتاج اليه وهما داخلان في البدعة التي نهوا عنها وكانوا أبعد الناس منها ~~ولأن الاشتغال بتقرير قواعد الاسلام وجهاد أعدائه الطغام وعبادة الملك ~~العلام وأمثال هذه المهمات العظام كانت قد استغرقت السلف رضي الله عنهم ~~وأعاد علينا من بركاتهم وردنا عن الزيغ والغلو إلى الاقتداء بهم # وأنا أذكر إن شاء الله تعالى طرفا صالحا من بيان هذين الطرفين وبيان ~~أقوال الناس في ms259 هذه المسألة لفائدتين في الدين احداهما معرفة ما ابتدع في ~~ذلك من الأقوال حتى يجتنب عن بصيرة فربما ظن بعض الناس في بعض البدع أنها ~~سنة لعدم اهتمامه بتمييز السنة من البدعة وعدم تفرغه أو صلاحيته للبحث عن ~~ذلك وثانيتهما ليترك الجاهل التكفير من غير بصيرة حين يعلم # PageV01P281 # أنه لم يحط علما يقينا بماهية الاقوال أو يحكم بعلم حين يتحقق ذلك والله ~~الموفق وفي حديث ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أفضل ~~الناس أفضلهم عملا إذا فقهوا في دينهم وأعلمهم أبصرهم بالحق إذا اختلف ~~الناس وإن كان مقصرا في العلم وإن كان يزحف على أسته الحديث خرجه الناس وإن ~~كان مقصرا في العمل وإن كان يزحف على أسته الحديث خرجه الحاكم في التفسير ~~في سورة الحديد وقال صحيح الاسناد وهو كما قال والله سبحانه أعلم # فأما الطرف الجلي الذي لم يبحثوا عنه لجلاله فهو أن لنا أفعالا متوقفة ~~على همنا بها ودواعينا اليها واختيارنا لها ولذلك شذ المخالف لذلك من ~~الجبرية ونسب إلى مخالفة الضرورة ولم يخالف في ذلك أحد من أهل السنة ولا من ~~طوائف الأشعرية بل نسب الرازي الجبرية إلى البراءة من ذلك وانما أراد من ~~تسمى باسم الجبرية من الاشعرية وهو شيء يختص به الرازي وحده فيما علمت فانه ~~يصحح الجبر في كثير من عباراته ويعنى به وجوب وقوع الراجح من الفاعل ~~المختار وصرح ببقاء الاختيار مع تسميته جبرا # وأما الخفي الذي عظم فيه الاختلاف ودق وكثر فهو معرفة حقيقة أفعال العباد ~~على جهة التعيين والتمييز لها عن سائر الحقائق وقد اختلف في ذلك على أربعة ~~عشر قولا أو يزيد للمعتزلة منها ثمانية وللسنية والاشعرية أربعة وللجبرية ~~قولان وهي هذه مسرودة # الأول من أقوال المعتزلة أن الذوات كلها ثابتة في العدم أزلية غير مقدورة ~~لله تعالى ولا بخلقه الاجسام منها والاعراض وذوات أفعال الله تعالى وذوات ~~أفعال العباد أعني ذوات الحركات والسكنات وأنها في العدم والأزل ثابتة ~~ثبوتا حقيقيا في الخارج ثبوتا ms260 يوجب تماثلها فيه واختلافها عنه وأن المقدور ~~لله تعالى ولعباده أمر آخر غير الذات ولا وجودها ولا مجموعهما بل جعل الذات ~~على صفة الوجود وقد ادعى الرازي وغيره من أصحاب أبي الحسين من المعتزلة أنه ~~غير معقول فانه لا يتصور إلا برده إلى أحد الأمور الثلاثة وهو أيضا يبتني ~~على ثبوت الذوات في الازل والعدم وعلى الفرق بين الثبوت والوجود وعلى ثبوت ~~الدليل القاطع على أن الوجود أمر # PageV01P282 # حقيقي زائد على الموجود وعلى أن الأكوان من الحركة والسكون ذوات حقيقية ~~لا صفات اضافية في ذلك كله نزاع طويل كثير دقيق بين العقلاء جملة تم بين ~~المسلمين ثم بين المعتزلة وقد جود أبو الحسين منهم وأصحابه رد ذلك على ~~أصحابهم من البهاشمة في كتبهم # الثاني لهم أيضا أن فعل الله تعالى وفعل العباد هو صفة الوجود لا ذات ~~الموجود وهؤلاء مثل الأولين إلا أنهم اشتركوا في اثبات الامر الرابع الذي ~~عده خصومهم محالا فعينوا مقدور القادر وبقي عليهم سائر ما يرد على أصحابهم ~~وقد ألزموا جميعا أن الله تعالى لا يخلق شيئا قط على أصولهم لأن الشيء ~~عندهم هو الثابت في الأزل والقدم وصفة الوجود عندهم ليست شيئا لأنهم قضوا ~~بالأزلية في القدم للشيء وللذات ولصفاتها الذاتية ولم يبق إلا صفاتها ~~المقتضاة وهي التحيز ثم اختلفوا فيه فمنهم من قضى أنه ثابت في الأزل أيضا ~~حكاه مختار في المجتبى وابن متويه في التذكرة ولم يقبحه على قائله منهم ~~والقائل به منهم جرى على مقتضى دليلهم العقلي وذلك لأن الصفة المقتضاة لا ~~تخلف عن مقتضيها وتخلفها عنه محال ألا ترى أن صفات القادرية والعالمية ~~ونحوها لما كانت مقتضاة عندهم من الصفة الاخص لم تخلف عنها كانت غير حادثة ~~فكذلك هذا لكنهم خافوا أن يتفاحش الامر هنا بلزوم قدم العالم جهارا ~~فاعتذروا بأن هذا التحيز لا يظهر إلا بشرط الوجود والوجود بالفاعل وهو الله ~~تعالى فقد زعموا أن التحيز في الاجسام ليس به تعالى فلذلك لزمهم أن الله ~~غير خالق لشيء ولا مؤثر ms261 فيه # وقد حاول ابن متويه الجواب عن هذا في تذكرته بأن خلق الشيء واحداثه هو ~~إيجاده والله هو الذي حصل له صفة الوجود وهذا الجواب غير مخلص لأن معنى ~~الالزام ان اتصاف الشيء عندهم بأنه محدث ومخلوق على قواعدهم مجاز لا حقيقة ~~لأن الشيء عندهم ثابت في الازل غير مقدور لله عز وجل وإنما المخلوق المقدور ~~حدوثه ووجوده وليسا بشيء عندهم لأنهما لو كانا شيئا كانا ثابتين في الازل ~~وذلك تصريح بقدم العالم فلذلك قضوا أنهما ليسا بشيء ولذلك صرح الزمخشري في ~~أساس البلاغة أن الله لا يسمى خالقا إلا مجازا وكل هذا مما يعترفون به ~~ويذكرونه في مصنفاتهم # PageV01P283 # وحكى هذين القولين عنهم ابن المطهر الحلي في شرح مختصر منتهى السؤل في ~~الكلام على الاشتقاق لاسم الفاعل مما لم يقم به وأما قولهم ان ثبوت الأشياء ~~في الأزل حقيقي في الخارج لا في الذهن فذكره منهم الشيخ مختار المعتزلي في ~~كتابه المجتبى في الفصل الرابع من الصفات الذاتية وهو عنهم صحيح وكلماتهم ~~توافقه لكن بغير هذه العبارة # الثالث لهم أنه لا فعل للعبد إلا الارادة قاله الجاحظ وثمامة بن الأشرس # الرابع لهم أن أفعال العباد حوادث لا محدث لها وهذا والذي قبله مع ~~غرابتهما معروفان في كتب المعتزلة من روايتهم عن شيوخهم لا من رواية خصومهم # الخامس أن أفعال العباد لا تتعدى محل القدرة والمتعدي فعل الله تعالى ~~وإنها حركات كلها وأن السكون حركة اعتماد والعلوم والارادات حركة النفس ~~حكاه الشهرستاني في الملل والنحل عن النظام قال ولم يرد بالحركة النقلة ~~وإنما الحركة عنده مبتدأ كل تغير وهو قول المطرفية من الزيدية دون الحركات # السادس مثل الذي قبله لكن قالوا أن المتولدات أفعال لا فاعل لها # السابع مثل الثالث أنه لا فعل للعبد إلا الارادة لكن قالوا فيما عدا ~~الارادة أنها حدث لا محدث لها وأهل الثالث نسبوا ذلك إلى الله تعالى فهم ~~كغلاة الاشعرية الذين يسميهم الرازي جبرية أعني أهل القول الثالث من ~~المعتزلة وهذان القولان السادس والسابع حكاهما ms262 الشهرستاني عن ثمامة أيضا ~~فكان له أقوال ثلاثة # الثامن قول أبي الحسين وأصحابه وابن تيمية وأصحابه أن أفعال العباد هي ~~الاكوان أعني الحركة والسكون والاجتماع والافتراق وأنها ليست أشياء حقيقية ~~وأنها لا ثبوت لها ولا لشيء من الاجسام في الازل والعدم وإن الثبوت والوجود ~~شيء واحد وكذلك الازل والقدم وهو مذهب أكثر أهل البيت قال الشيخ مختار وهو ~~مذهب أكثر المشايخ وممن نص على # PageV01P284 # اختياره من أهل البيت الامام يحيى بن حمزة وهو الذي في فطرة كل عاقل لم ~~تغير فطرته بتغيير المشايخ والله أعلم # التاسع وهو أول أقوال أهل السنة والأشعرية مثل الذي قبله سواء إلا أن ~~الأكوان عندهم ذوات حقيقية وهو قول الجويني وأصحابه وهو أقرب فوق الأشعرية ~~إلى المعتزلة في هذه المسألة # العاشر القول بمقدور بين قادرين مع عدم تمييزه إلا بالوجوه والاعتبارات # الحادي عشر قول أهل الكسب أن الأكوان ذوات ثبوتية هي فعل الله تعالى وفعل ~~العبد كسب يتعلق بها وهي متميزة منه وسيأتي تحقيقه # الثاني عشر أنه لا فعل للعبد إلا الاختيار فمتى اختار الطاعة خلقها الله ~~عقيب اختياره وكذلك المعصية وسيأتي بيانه أيضا # الثالث عشر قول الجهمية وهم الجبرية وحدهم فانهم زعموا أن للعبد قدرة غير ~~أنه لا أثر لها ألبتة وأفعاله مخلوقة لله وحده ولم يثبتوا كسبا للعبد ولا ~~مقدورا بين قادرين # الرابع عشر أنه لا قدرة للعبد ولا فعل ألبتة وإنما حركته منسوبة اليه مثل ~~نسبة حركة الشجرة اليها وهذا ما حكاه الشهرستاني في الملل والنحل عن غلاة ~~الجبرية وأما الشيخ مختار في المجتبى فأنكر وجود من يقول بذلك # فهذه الاقوال التي عرفت في تفاصيل هذه المسألة لاهل الملة وسيأتي ذكر ~~مذهب الفلاسفة وأهل القول العاشر ومن بعدهم يطلقون على أفعال العباد أنها ~~مخلوقات وإن اختلفوا في تفسير ذلك وتفصيله كما يأتي # وقد ظهر أن تحقيق المقاصد في أكثرها يبتني على مسائل صعبة غامضة من مسائل ~~علم اللطيف كالفرق بين الذوات والصفات والاحوال وبين الحقائق والاضافات ~~وبين الثبوت والوجود وما الذي يصح ms263 منهما في العدم الفرق بين الوجود ~~والموجود وبين الارادة والاختيار وهو يتوقف على # PageV01P285 # معرفة الارادة وأقسامها ومعرفة الاسباب والمسببات والفرق بين الأسباب ~~المؤثرة المولدة وغيرهما # فمدار الخلاف وأصله في أن الافعال هل هي ذوات أو صفات أو أحوال أو مجموع ~~أمرين من ذلك أو أمر رابع غير ذلك أو أسباب فقط مؤثرة كالقتل أو غير مؤثرة ~~كالارادة وهي أسباب ومسببات أو متعدية أو لازمة أو هي تسمى مخلوقة أولا ~~وإذا كانت تسمى بذلك فمن الخالق لها وهل يصح مقدور بين قادرين أو هو محال ~~وإذا كان يصح فهل أفعال العباد منه أو لا وإذا كانت منه فهل أحد الفعلين ~~المقدورين متميز عن الآخر في أفعال العباد وكسبهم مع خلق الله تعالى بالذات ~~أو بالوجود وهل يصح حادث لا محدث له أم لا وإذا صح هل الموصوف بذلك أفعال ~~العباد كلها غير الارادة أم المتولدات فقط أم جميع أفعال العباد من غير ~~استثناء وإذا كانت ذوات فما هي هل هي حركات كلها أو أكون مختلفة وإن كانت ~~صفات فهل هي حقيقية أو اضافية وهل القدرة متقدمة أو مقارنة وتصلح للضدين أم ~~لا # والقصد بذكرها معرفة البدعة منها ومعرفة بطلانها وذلك لا يصح ممن لم يعرف ~~حقائق مقاصدهم ومن لم يرسخ في علم اللطيف لم يعرف ذلك ومن لم يعرف ذلك كيف ~~يتمكن من معرفة أن هذا القول كفر أو غير كفر وهو لم يتحقق ماهية القول ~~ومعناه # القول في بيان أن مراد من قال أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وانها مع ~~ذلك واقعة على اختيار العباد جملة ثم بيان اختلافهم في القدر المخلوق منها ~~وفي تفسير الخلق وبيان الاحوط في هذه المسألة # أما مرادهم الاول الذي اتفقوا عليه جملة فهو الايمان بمقتضى ما تقدم في ~~مسألة المشيئة من الآيات والأحاديث المصرحة بأن ما شاء الله كان وما شاء أن ~~لا يكون لم يكن وإنه لو شاء ما عصى وإنه يهدي من يشاء باللطف والاختيار # ثم أنه تعارض عند هؤلاء السمع ms264 في نسبة كسب الافعال إلى العباد # PageV01P286 # ونسبة تقديرها إلى الله تعالى هذه معارضة خاصة من الجانبين ثم معارضة ~~أخرى وهي نسبة أفعال العباد بخصوصها اليهم ونسبتها إلى الله تعالى مدرجة في ~~عمومات أن الله تعالى خالق كل شيء وربما تتوهم بعضهم النصوصية في قوله ~~تعالى {والله خلقكم وما تعملون} وليس كذلك كما سيأتي فتعارضت عندهم الدلائل ~~السمعية وكذلك الأنظار العقلية فان وقوف الافعال على الدواعي معلوم صحيح ~~البرهان بل وفاقي على الصحيح وهو دليل المعتزلة على أن الله تعالى عدل لا ~~يفعل القبيح والدواعي هي العلوم بالمصالح والمنافع والمضار والظنون لذلك ~~والشهوة والنفرة والمرجع بها إلى فعل الله تعالى تارة بواسطة وتارة بغير ~~واسطة # ويعارض هذا أن الفرق بين حركة المختار وحركة المفلوج والمسحوب على وجهه ~~فرق ضروري وهو يقتضي اختيار العباد وبطلان الجبر بالضرورة وزاد وضوحا أن ~~الجبر في اللغة هو الاكراه الذي ينافي اللذة والشهوة والرضا وأهل المعاصي ~~يفعلونها متلذذين بها مشتهين لها راضين مسرورين وهذا كله يضاد الجبر ~~والاكراه وينافيه بالضرورة قال الله تعالى {ائتيا طوعا أو كرها} ففرق ~~بينهما والجبر يؤدي إلى عدم ذلك # فأما الجبرية فتركوا الجمع بين الظواهر وركبوا اللجاج الشديد والعناد ~~البعيد وجحدوا الضرورات العقلية والبينات السمعية وأجمع أهل السنة وأهل ~~الكلام من الشيعة والأشعرية والمعتزلة على ضلالهم والرد لقولهم لأنهم نفوا ~~مشيئة العبد والله تعالى لم ينفها مطلقا لكن جعلها بعد مشيئته فقال تعالى ~~{وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} والجبرية نفوها واطرحوا قوله إلا أن يشاء ~~الله وكذلك قولنا ما شاء الله كان يقتضي ذلك لأنه قد شاء وكذلك نفوا أن ~~يكون المكلفون مختارين غير مجبورين فكان ما شاء من اختيارهم # وأما الأشعرية فراموا الجمع بين هذه المتعارضات بنسبة الفعل إلى الله ~~تعالى من وجه وإلى العباد من وجه آخر كالمفسرين بذلك لما ورد السمع به ومن ~~ذلك التعارض المتقدم وأمثاله مثل قوله تعالى {إنه من عبادنا المخلصين} # PageV01P287 # ) بفتح اللام وكسرها فالفتح نسبة إلى الله تعالى والكسر نسبة إلى العبد ~~وقوله ms265 تعالى {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} وقوله {فأخرجناهم من جنات وعيون} ~~مع أنهما فعل قوم فرعون حقيقة وقوله تعالى {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ~~بل الله يزكي من يشاء} وقوله تعالى {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا ~~منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء} وقول الله تعالى حاكيا عن يوسف ~~عليه السلام {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} مع قوله ~~{لولا أن رأى برهان ربه} وقوله {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} وقوله تعالى ~~{ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا} وقوله تعالى ~~{واصبر وما صبرك إلا بالله} وقوله تعالى {وقال الذين أوتوا العلم والإيمان} ~~مع نسبة الايمان إلى فعل المؤمنين في آيات كثيرة وهذا باب واسع في السمع ~~وهو صريح في الطاعات كما تقدم تحقيقه وأما في المعاصي فالذي تحقق في السمع ~~أنه لو شاء ما عصى على ما مر ملخصا في الارادة وإضافة أفعال العباد اليهم ~~أكثر وأوضح فأرادوا الجمع بنسبة ما يسى خلقا إلى الله تعالى ونسبة ما يسمى ~~كسبا وطاعة ومعصية إلى العباد ولم يريدوا بكون الافعال خلق الله تعالى نفي ~~كونها أفعال العباد كما لم يريدوا بكونها كسبا للعباد نفي أنها خلق الله # وبالجملة فلم يريدوا نسبتها إلى الله تعالى وحده من كل جهة إذ لم تكن ~~كسبا ولا طاعة ولا معصية فان الطاعة والمعصية من الله تعالى وحده محالان ~~ولا أرادوا نسبتها إلى العباد وحسم لاعتقادهم أنها تسمى مخلوقة وأن الخلق ~~من العباد محال # PageV01P288 # قال الشيخ مختار المعتزلي في كتابه المجتبى قال صاحب المعتمد يعني أبا ~~الحسين أن الجهم بن صفوان ذهب إلى أن الله تعالى خالق لأفعال العباد فيهم ~~وليسوا محدثين لها ولا مكتسبين لها وذهب النجار والاشعري إلى أنه خالقها ~~وهم يكسبونها وهو المشهور من مذهبهم وبه قال أكثر أهل السنة فنفرد لكل ~~طائفة من الجبرية الخالقية والكسبية مسألة على حدة # والحاصل أن المخالفين كلهم قالوا بقدرة العبد لكن الفلاسفة زعموا أن ms266 ~~القدرة هي علة الفعل مع الداعي والاسفرايني زعم أنها جزء من علة الفعل ~~الموجود بالقدرتين والباقلاني زعم أنها علة الكسب والجهم زعم أنها معنى لا ~~تأثير له في الفعل أصلا لكنه يوجد متعلقا به اه وفيه تحقيق بالغ كما سيأتي ~~بيانه ومثله ذكر ابن بطال في شرح البخاري فانه يسمي الجبرية جهمية ويخص ~~الجهمية بالجبر ويوجه الردود اليهم خاصة كما هو معروف في شرحه لأبواب القدر # وقال الرازي في تفسيره مفاتح الغيب ان اثبات الاله يلجئ الى القول بالجبر ~~واسال الرسل يلجئ الى القول بالقدر بل ههنا سر آخر وهو فوق الكل وهو أنا ~~لما رجعنا الى الفطرة السليمة والعقل الأول وجدنا ما استوى الوجود والعدم ~~بالنسبة اليه لا يترجح أحدهما الا بمرجح وهذا يقتضي الجبر ونجد أيضا تفرقه ~~بديهية بين الحركات الاختيارية والاضطرارية وجزما بديهيا بحسن المدح والذم ~~والامر والنهي وذلك يقتضي مذهب المعتزلة فكان هذه المسألة وقعت في حيز ~~التعارض بحسب العلوم الضرورية وبحسب العلوم النظرية وبحسب تعظيم الله تعالى ~~نظرا الى قدرته وبحسب تعظيمه سبحانه وتعالى نظرا الى حكمته وبحسب التوحيد ~~والنبوة وبحسب الدلائل السمعية فلهذا الذي شرحناه والاسرار التي كشفنا ~~حقائقها صعبت المسألة وعظمت فنسأل الله العظيم أن يوفقنا للحق # وقال البيضاوي في كتابه طوالع الأنوار وقد ذكر احتجاج المعتزلة # PageV01P289 # بالآيات الدالات على أن أفعال الله تعالى لا توصف بصفات أفعال العباد من ~~الظلم ونحوه فيجب الفرق بينهما ثم قال ما لفظه واجيب بان كونه ظلما اعتبار ~~يعرض في بعض الأحوال بالنسبة الينا لقصور ملكنا واستحقاقنا وذلك لا يمنع ~~صدور أصل الفعل عن الباري تعالى مجردا عن هذا الاعتبار # وأعلم أن أصحابنا لما وجدوا تفرقة بديهية بين ما نزاوله وبين ما نحسه من ~~الجمادات وزادهم قائم البرهان عن اضافة الفعل الى العبد مطلقا جمعوا بينهما ~~وقالوا الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العبد على معنى أن العبد إذا ~~صمم العزم فالله يخلق الفعل فيه وهو أيضا مشكل ولصعوبة هذا المقام أنكر ~~السلف على الناظرين فيه اه ms267 بحروفه # وأعلم أن تسمية الرازي لمذهب الأشعرية جبرا شيء تفرد به دونهم ودون غيرهم ~~وهو خلاف منه في العبارة فقد صرح في نهاية العقول ببقاء اختيار العبد مع ~~هذا الذي يسميه جبرا والمرجع به عنده إلى وقوع الراجح بالدواعي فانه في ~~النهاية لما ذكر انه يلزمهم قبح المدح والذم والامر والنهي أجاب بان مذهبهم ~~ان الاختيار الى العبد فان اختار الطاعة خلقها الله فيه عقيب اختياره وكذلك ~~المعصية كما تقول المعتزلة في المسببات كلون المداد وصبغ الثياب وازهاق ~~الارواح والسحر ونحو ذلك وقد تطابق الرازي والبيضاوي والشهرستاني على نسبة ~~هذا الى الاشعرية قال الرازي وهو الوجه في توجيه الأمر والنهي اليهم فقد ~~أجمعوا بنقل أئمة مذهبهم هؤلاء على ثبوت الاختيار للعبد وان كان الاختيار ~~واجبا بالداعي قال الرازي مثل ما أجمعت المعتزلة على ثبوت الاختيار لله ~~تعالى وان كانت أفعاله واجبة بالدواعي فانه لا يجوز عليه اخلال بواجب ولا ~~فعل لقبيح قطعا مع ثبوت الاختيار منه في ذلك # واعلم أن هذا القدر كاف في هذه المسألة دون زيادة عليه أعني معرفة اختيار ~~العباد وتمكين الله تعالى لهم وقيام حجته بذلك عليهم مع سبق قضائه وقدره ~~وقدرته على هدايتهم أجمعين وحكمته في ذلك كله # وأما بيان أقوالهم التفصيلية في ذلك فاعلم انهم اختلفوا في القدر المقابل ~~بالجزاء والقدر المخلوق على قولين # القول الأول ان فعل العبد الاختياري كسب للعبد مخلوق لله تعالى # PageV01P290 # مقدور بين قادرين وكذلك اختياره لذلك الكسب وهو مخاطب بالامر والنهي ~~مجازى على أفعاله بالثواب والعقاب لما له في فعله واختياره من الكسب ~~الاختياري لا لما الله فيهما من الخلق والتقدير السابق من غير تمييز للقدر ~~المكسوب من القدر المخلوق الا بالوجوه والاعتبارات فان الفرق بها ضروري لان ~~معنى ذلك ان العبد فعل ما فعله من ذلك طاعة وعصيانا ولولا انه اوقفه على ~~ذلك بارادته لذلك ونيته لم يوصف بذلك ولا تميزت الطاعة من المعصية والله ~~سبحانه فعل ما فعل من ذلك امتنانا وامتحانا على ما يأتي ولو فعله ms268 على الوجه ~~الذي فعله العبد لسمى مطيعا وعاصيا وذلك محال في حقه وانما يسمى بأفعاله ~~خالقا ومحسنا ومبتليا وحكيما وانما قالوا ذلك وتركوا التمييز جمعا بين ~~الأدلة المتعارضة المتقدمة وفرارا من الخوض فيما لم يخض فيه السلف من ~~الفروق الدقيقة بين هذه المعاني على نحو قول أبي علي الجبائي في تلاوتنا ~~للقرآن انه كلام الله تعالى حقيقة وكلامنا حقيقة وأن الله يتكلم مع كل قارئ ~~سواء كان صادق النية مطيعا أو مرائيا عاصيا قال بذلك جمعا بين الادلة أدلة ~~العقل على ان التلاوة فعلنا وكلامنا ودلالة الاجماع على ان كلام الله تعالى ~~هو المتلو في المحاريب المكتوب في المصاحف ولذلك التزم أن كلام الله في ~~المصاحف حقيقة وان الصوت كامن في الحروف كما نقله عنه ابن متوية في التذكرة ~~وغيره فلم تلزمه المعتزلة الجبر بذلك ولا الضلال والكفر فكذلك كثير من أهل ~~الحديث والاثر اعتقدوا مثل ذلك في سائر أفعال العباد على جهة الايمان بأن ~~الله خالق كل شيء # واختار هذا من متكلميهم جماعة وهو ظاهر عبارة البيضاوي في الطوالع ~~والسبكي في جمع الجوامع والغزالي في الاحياء فانه نص فيه على بطلان الجبر ~~بالضرورة وعلى خلق الاختيار والفعل وروى هذا صاحب الجامع الكافي من علماء ~~أهل البيت المتقدمين عن الامام أحمد بن عيسى بن زيد بن علي عليهم السلام ~~وروى فيه عن أحمد بن عيسى انه روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ان رجلا ~~سأله عن أفعال العباد فقال هي من الله خلق ومن العباد فعل لا تسأل عنها ~~أحدا بعدي قال أحمد بن عيسى بعد روايته انما يعذب الله العباد على فعلهم لا ~~على خلقه # PageV01P291 # قلت رواه منقطعا بغير اسناد ولو صح مثل هذا عن علي عليه السلام أو عن ~~غيره من الصحابة رضي الله عنهم ما غفل عن تدوينه أهل الحديث قاطبة وظاهر ~~كلام السيد أبي عبد الله الحسني في الجامع الكافي ان هذا مذهب أهل ذلك ~~العصر من أهل البيت وشيعتهم فانه ذكر ذلك ms269 عن محمد بن منصور عن أحمد ابن ~~عيسى ولم يذكر خلافا لأحد # فاما الطاعة والخير فلا نكارة في مشاركة الرب لعبده فيه كما قال تعالى ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} وقال تعالى {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا ~~منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء} ولكن لا حجة لهم في ذلك على عدم ~~تمييز فعل العبد من فعل الله أصلا بل ظاهر الآيات يعطي التمييز بينهما ~~وأكثر ما يلتبس مثل قول عيسى عليه السلام {وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي ~~الموتى بإذن الله} ولا شك ان الذي من عيسى عليه السلام انما هو الدعاء الى ~~الله تعالى أو الأمر لهن بذلك كما قال لابراهيم عليه السلام {ثم ادعهن ~~يأتينك سعيا} بل كما قال عيسى فانفخ فيه طائرا باذن الله فميز فعله الذي هو ~~النفخ في الصورة فقط # وأما في المعاصي فهو المشكل والذي وجهوا فيه انه يمكن من طريق الابتلاء ~~ان يفعل الله من ذلك ما يتم به تمكين العبد من فعل القبيح كخلقه للقدرة عند ~~الجميع لكن عند هؤلاء انه لا يتم التمكين بها وحدها لاستحالة ذلك عندهم ~~عقلا وسمعا فلابد من أمر زائد على خلق القدرة لحكمة الله تعالى في تمام ~~الابتلاء ومثال ذلك قوله في السحر {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء ~~وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} وقوله {وفي ذلكم بلاء من ~~ربكم عظيم} وقوله تعالى {فأخرجناهم من جنات وعيون} وتسمى في المعاصي ابتلاء ~~وامتحانا وفي الطاعات لطفا ومعونة ومثال ذلك عند الجميع فعل # PageV01P292 # السبب بالنظر الى المسببات التي هي غير مقدورة لنا كالمداد ونحوه وقد ~~يكون عمله قبيحا كالمغصوب وعمله للظلمة وسيأتي الفرق بين قول هؤلاء وبين ~~قول الاشعرية الكسبية في آخر المذهب الثالث من القول الثاني بعد هذا # وهذا القول على انه أقل أفواههم تكلفا لم يصح فيه نص من كتاب ولا سنة ولا ~~اجماع الصحابة ولا قول واحد منهم وقد ادعى فيه اجماع المتأخرين وذلك أبعد ~~فقد خالفهم ms270 أبو المعالي الجويني امام الحرمين وأصحابه والشيخ أبو اسحاق ~~وكلاهما من أجل ائمتهم فكيف غيرهم وسيأتي كلام ابن الحاجب الدال على تفرد ~~الاشعري بذلك وعلى انه أول من قال به فلا يسلم هذا المذهب من تسميته بدعة ~~لانه لا معنى للبدعة الا ما حدث من العقائد بعد الصحابة والتابعين ولم يصح ~~عنهم فيه نص # وأما الاستناد الى العمومات ونحوها فلا يكفي في ثبوت السنن والا لاكتفت ~~المعتزلة بقوله {خالق كل شيء} على ان القرآن مخلوق وان القول بذلك سنة ~~فافهم هذه النكتة فانها نفيسة جدا فان السنة ما اشتهر عن السلف وصح بطريق ~~النصوصية ولولا هذا لكانت البدع كلها من السنن لانه ما من بدعة الا ولأهلها ~~شبه من العمومات والمحتملات والاستخراجات الا ترى أن الاتحادية أبعد ~~المبتدعة من السنة واشنعهم بدعة وافحشهم مقالا وهم مع ذلك يحتجون بقوله ~~تعالى {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} وبقوله تعالى {وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى} وبقول النبي صلى الله عليه وسلم ان أصدق كلمة قالها ~~لبيد الشاعر ألا كل شيء ما خلا الله باطل متفق على صحته ونحو ذلك كثير ولو ~~كان في اعتقاد خلق الافعال خير ما سكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وآله وأصحابه ولاسبقهم المتأخرون الى اشاعته والزام المسلمين باعتقاده ~~وتعريفهم بوجوبه وكان معدودا في أركان الدين والاسلام المعدودة المنصوصة ~~والله يحب الانصاف وسيأتي بقية ادلتهم والجواب عنها قريبا ان شاء الله ~~تعالى # PageV01P293 # القول الثاني للاشعرية من أهل الكلام ان فعل العبد المقابل بالجزاء متميز ~~عن القدر المخلوق لله تعالى ومغاير له وهو قول الاشعرية وأكثر متكلميهم ~~ذكروه كما ذكره الشيخ مختار المعتزلي ورواه عن شيخ الاعتزال ابي الحسين ~~البصري واختلف هؤلاء في كيفية تمييز كسب العبد عن خلق الرب على مذاهب # المذهب الأول مقابل للقول الأول هو ما ذكره الشهرستاني في نهاية الاقدام ~~والرازي في نهاية العقول وغيرهما عن امام الحرمين أبي المعالي الجويني انه ~~أثبت لقدرة العبد أثرا هو الوجود يعني ايجاد الحركة ms271 والسكون مع اعتقاد ~~الجويني انهما شيء حقيقي وهذا لفظ الشهر ستاني قال وغلا امام الحرمين حيث ~~أثبت للقدرة الحادثة أثرا هو الوجود الا انه لم يثبت للعبد استقلالا ~~بالوجود ما لم يستند الى سبب آخر يعني الدواعي قال وانما حمله على تقدير ~~ذلك الاحتراز عن ركاكة الجبر وقال الرازي في نهاية العقول ان الجويني صرح ~~بذلك في كتابة النظامي ونسبه الرازي أيضا الى الشيخ أبي اسحق # وقال أبو نصر السبكي في جمع الجوامع عن الجويني انه يقول الطاعة مخلوقة ~~والرواية الاولى أصح وأشهر وهي المنصوصة في مصنفاته ففي مقدمات كتابه ~~البرهان التصريح بان الكسب تمويه لان المكلف هو المتمكن وان التكليف لا ~~يكون الا بالممكن وان تكليف ما لا يطاق باطل وأمثال هذا والجويني مع هذا لا ~~يخالف في ان أفعال العباد مخلوقة بمعنى آخر أي مقدرة فان الخلق بمعنى ~~التقدير حقيقة لغوية صحيحة ومع خلاف الجويني هذا لم يكن خارجا من أهل السنة ~~وكذلك الشيخ أبو اسحق بل هما معدودان من أجل أئمتهم والدعاة الى السنة ~~والحماة عنها وذلك لما قدمت في مسألة الارادة ان مدار الخلاف بين المعتزلة ~~وأهل السنة عليها في مسألة الافعال فمن قال ان مشيئة الله تعالى نافذة ~~وقدرته عامة ولو شاء لهدى الناس جميعا فهو على السنة وان خالف في مسألة خلق ~~الافعال لان القدر المجمع عليه بين أهل السنة أن العبد فاعل مختار مستعين ~~بالله غير مستقل بنفسه طرفة عين على ما يقتضيه قوله تعالى {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} وأمثالها كما تقدم وتكرر ذكره # PageV01P294 # المذهب الثاني لأهل السنة مذهب شيخ الاسلام ومتكلم أهل الآثار أحمد بن ~~تيمية الحراني وهو مثل مذهب الجويني سواء الا أنه لا يرى الاكوان أمورا ~~حقيقية بل يراها صفات اضافية كأبي الحسين البصري والامام يحيى بن حمزة عليه ~~السلام على ما مضى في أول المسألة وهذا أقوى من قول الجويني أدلة لما يرد ~~على مثبتي الاكوان من الاشكالات الصعبة وهو أنسب لمذهب أهل السنة لان صاحبه ~~لم يجعل للقدرة ms272 الحادثة أثرا في اخراج شيء حقيقي من العدم إلى الوجود ~~والقول بان الاكوان صفات اضافية قول جماعة من المحققين وعزاه الشيخ مختار ~~في المجتبى الى المحققين وهو يوافق قول الاشعرية كله في هذه المسألة الا ~~قولهم ان الاكوان أشياء حقيقية وهو أقوى هذه التفاصيل وأقربها الى الفطرة ~~وأسلمها من البدعة لانه لا بدعة في اثبات الحركة والسكون ولا في انهما ~~صفتان للاجسام ولا في انهما فعلان للعباد مقدران لهم ونحو ذلك ولم يتوقف شئ ~~من هذا على النظر الدقيق والبحث العميق # المذهب الثالث قول الأشعرية الكسبية وقد اجمعوا على ان القدر المقابل ~~بالجزاء من فعل العبد غير مخلوق لله تعالى وقد جود بيان هذا منهم ~~الشهرستاني في نهاية الاقدام ونقلت كلامه على طول الى العواصم لنفاسته وحسن ~~سياقه وبيانه وهم مع هذا يطلقون القول بان أفعال العباد مخلوقة وانما ~~يريدون ذوات الاكوان التي هي الحركة والسكون مجردين عن الوجوه والاعتبارات ~~وسائر الاحوال التي هي أثر قدرة العباد عندهم والاحوال عبارة عما تختلف به ~~الاكوان المتماثلة ألا ترى أن الحركات متماثلة من حيث أنها حركات وحوادث ثم ~~هي مختلفة في الحسن والقبح والاصابة والخطأ والسرعة والبطئ متمايزة في أنه ~~بعضها حركة كتابة وبعضها حركة صياغة وبعضها حركة غياصة ولاختلاف أحوالها ~~وتمايزها كان بعضها مجونا مضحكا وبعضها هائلا مفزعا وبعضها خارقا معجزا ~~وبعضها محكما متقنا إلى غير ذلك ولا شك أن القدر الذي اختلفت فيه غير القدر ~~الذي اتفقت فيه وهو مجرد الانتقال والحدوث فاضافوا هذه الاحوال المقدورة ~~للعباد اليهم وأضافوا ذات الحركة وحدوثها إلى الله تعالى والذي ألجأهم إلى ~~ذلك أن الحركة # PageV01P295 # والسكون عندهم من الاشياء الحقيقية مثل الأجسام وأنه لا يقدر على إيجاد ~~الأشياء الحقيقية إلا الله وتأولوا على ذلك قوله تعالى {هل من خالق غير ~~الله} أي للاشياء الحقيقية ولم يجعلوا من ذلك الأشياء اللغوية المسماة في ~~عرفهم بالاحوال وبالوجوه وبالاعتبارات وبالاضافات وبالمعاصي والطاعات # ولا خلاف بين علماء اللطيف أن الطاعة والمعصية ليسا بشيء حقيقي كالاجسام ~~بل هما معقولان ms273 حتى في التروك التي هي عدم الافعال على الصحيح فانا نعقل ~~قبح الترك لقضاء الدين وترك رد الوديعة وترك الصلاة ونعقل حسن ترك المظالم ~~وترك العدوان على المساكين قبل أن نعقل أن الترك كف النفس عن الفعل أو عدم ~~محض فالواقع عندهم بقدرة الله تعالى هو الحركة من حيث هي حركة مجردة ولا ~~قبح فيها من هذه الجهة إجماعا وكذلك لا قبح فيها من حيث هي حادثة فلذلك ~~نسبوا الحركة وحدوثها إلى الله تعالى والواقع بقدرة العبد هو كون الحركة ~~طاعة أو معصية أو حجا أو صلاة أو ظلما أو قتلا أو نحو ذلك من الأحوال # قالوا ولذلك يشتق من هذه الأشياء أسماء الفاعلين لها دون الله تعالى فقد ~~بالغ الشهرستاني في نهاية الاقدام في رد مذهب المعتزلة المتقدم في حكاية ~~الأقوال في هذه المسألة وعارضهم بمعارضات جدلية معارضة عارف لمذهبهم محقق ~~لمقاصدهم من ذلك قال ان الحدوث والوجود صفة غير مطلوبة من العبد ولا ممنوعة ~~ولا محمودة ولا مذمومة من هذه الجهة لأنها مشتركة بين الحسن والقبيح إذ كل ~~منهما حادث موجود قال وإنما ينبغي أن يضاف إلى العبد ما طلب منه أو نهي عنه ~~وهو أمر أخص من ذلك وهو كون ذلك الحدوث طاعة أو معصية وهما أثر قدرة العبد ~~عند الأشعرية وهما المقابلان بالجزاء قال وعند المعتزلة أثر قدرة العبد من ~~أثر قدرة الرب عز وجل عند من يطلق أن أفعال العباد مخلوقة ومن الأمثلة التي ~~يظهر فيها المقدور بين قادرين حمل العرش فان الله تعالى قد نسبه إلى حملته ~~من الملائكة من أن الله تعالى حامل لهم ولما استقروا عليه من سماء وأرض ~~والحامل للقرار حامل # PageV01P296 # لما عليه قطعا فثبت أن العرش محمول لله تعالى مع أنه محمول لحملته عليهم ~~السلام # والفرق بين قول هؤلاء وبين أهل القول الأول أن هؤلاء يجعلون ذات الحركة ~~خلقا لله تعالى وحده وعندهم تأثير قدرة العبد فيها محال مطلقا وعند الطائفة ~~الأولى أن قدرة العبد تؤثر في ذات الحركة مع ms274 خلق الله تعالى للحركة لا ~~مستقلا منفردا فالفرق أن الذي اختص الله تعالى به عند هؤلاء هو عدم ~~الاستقلال بالايجاد وعند الأشعرية الكسبية هو الايجاد مطلقا وأما الوجوه ~~والاعتبارات فاتفقوا كلهم على أنها من أثر قدرة العباد فلا يسمى العبد ~~خالقا عند الأولين لعدم استقلاله # PageV01P297 ### | فصل # في بطلان القول بأن المعاصي من الله تعالى الله عن ذلك على جميع هذه ~~المذاهب الأربعة عشر مذهبا إلا على مذهب الجهمية الجبرية وهذا أوضح من أن ~~يحتج عليه ويوضح الاجماع عليه أنه لا خلاف بين أحد من أهل الاسلام في وجوب ~~كراهة معاصي الله تعالى ومساخطة من الاعمال ولا في وجوب الرضى والتحسين ~~لجميع ما كان منه سبحانه وتعالى وذلك يوجب أن القبائح كلها ليست منه عز وجل ~~كما سيأتي بيانه بعون الله تعالى ولكن فرق أهل السنة الاربع لما كانوا ~~يحتجون مع فرقة الجبرية الجهمية في رد كثير من مذاهب المعتزلة المقدمة في ~~مسألة المشيئة وفي هذه المسألة أخذ بعضهم من عبارات بعض وقل من يدرك ~~التفاوت بين العبارات كما قدمت ذكره مطولا في مقدمات هذا المختصر وكانت هذه ~~العبارة من عبارات الجبرية الجهمية وربما يوجد في كلام بعض السلف أن الخير ~~والشر من الله يعنون به الصحة والسقم والغنى والفقر ونحو ذلك فجاء من بدل ~~ذلك من الجهلة بالطاعات والمعاصي كما يدل {ولو شاء الله ما أشركوا} بأنه ~~مريد للشرك وبدل مريدا براض محب وبدلت الاتحادية راض محب بآمر مثيب كما ~~تقدم وكم وقع من الضلال العظيم من تبديل العبارات وظن تماثلها ولذلك بنيت ~~هذا المختصر على منع ذلك بالمرة فلما كثر القول من الجهمية بأن المعاصي من ~~الله تعالى ظن كثير من متكلمي السنة أنها في قوة أن المعاصي مقضية مقدرة ~~سابقة في علم الله تعالى وقضائه وقدره الذي لا مرد له مع اختيار العباد في ~~فعلها وقدرتهم عليها خصوصا من لم يكن منهم من أئمة علم العربية الذين ربما ~~زادهم رسوخهم فيه عن مثل هذا الوهم الفاحش # PageV01P298 # مثل الغزالي ms275 فانه اعترف أنه لم يعرف من العربية إلا القدر الذي يميز به ~~شنيع اللحن ولذلك أكثر من التصريح بأن جميع المعاصي والكفر والفواحش من ~~الله تعالى ولولا أنه صرح مع ذلك القول بالكسب وأن الجبر باطل بالضرورة ما ~~استربت في أنه جبري وأكثر المغترون به من أهل السنة وعوامهم من ذلك حتى ~~حملني ذلك على جمع شيء كثير في التعريف ببطلان ذلك وقد أودعته العواصم ~~وإنما اختصرت منه اليسير واذكره هنا لعل الله ينفع به من بقيت فيه بقية من ~~التمييز ولبيان الخطأ في هذه العبارة ذكرت المذاهب والفروق بينها وعنيت في ~~تمييز بعضها من بعض وطولت في تلخيص ذلك ليتضح الحق من الباطل لأنه أعظم ما ~~طلبه الله تعالى من عباده وأكثر ما بعثت له الرسل الكرام كما أقسم الله ~~عليه في سورة العصر {إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} وكما قال تعالى {بل نقذف بالحق على الباطل ~~فيدمغه فإذا هو زاهق} وكما قال الله تعالى {الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض ~~مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط ~~بكل شيء علما} ولو لم ينزل في شرف العلم سواها لكانت كافية # أقول وبالله التوفيق الدليل على بطلان ذلك العقل والسمع # أما العقل فلأن القبائح عنده إما أن تكون من الله تعالى وحده تعالى عن عن ~~ذلك علوا كبيرا ولا أثر فيها من العباد فهذا محض الجبر وقد اعترف أن الجبر ~~باطل بالضرورة ولولا ذلك لذكرنا هنا ما يخزي الجبرية ويفضحهم ويعرف بأنهم ~~من سقط المتاع الذين لا يستحقون مناظرة العلماء العارفين والاذكياء ~~البارعين وإنما حقهم أن يجري عليهم أحكام أئمة العدل على حسب آرائهم من ~~تنكيل وتطريد أو قتل فحين اعترف بالحق وناقضه في عبارته لم يكن له بد من أن ~~يجعل لقدرة العبد نصيبا وأثرا وهو قوله فاما أن يجعله الكسب القبيح دون ~~الخلق الحسن الذي هو من الله تعالى كما هو مذهب ms276 أصحابه الاشعرية وصح الامر ~~في غلطه في قبح عبارته أو يجعل # PageV01P299 # نصيب العبد من الفعل وحظه وأثر قدرته أمرا آخر غير المعاصي والقبائح وغير ~~الخلق والايجاد فهذا شيء لا يعقل ولا يتصور فان ظن أن ذلك يصح على المذهب ~~الأول من مذاهب أهل السنة وهو مذهب من لا يميز أثر قدرة العبد بالذات فقد ~~غلط وأفحش في الجهل فقد ذكرنا قبل أنهم يميزون بينهما بالوجوه والاعتبارات ~~وأنهم لا يميزون بينهما بالذات ومعنى ذلك أنهم يقولون أن العبد فعل مقدوره ~~على جهة المخالفة لمولاه غير مستقل بنفسه فكان من هذا الوجه معصية والرب عز ~~وجل فعل ذلك المقدور بعينه مستقلا على وجه الامتحان والابتلاء لحكمته ~~البالغة وحجته الدامغة فلذلك يشتق له تعالى من فعله ذلك من الاسماء ما لا ~~يشتق لعبده من نحو الخالق المبدع الحكيم المبتلي في المعاصي المعين في ~~غيرها ويشتق للعبد من ذلك المقدور بعينه ما يستحيل على الله تعالى من ~~الظالم الفاسق العاصي الخبيث العاجز المفتقر ونحو ذلك فلو لم تفترق الافعال ~~بالوجوه والاعتبارات لم تفترق الاسماء المشتقات مع فرض اتحاد الوجوه والذات ~~جميعا فان كان أراد بذلك الترجمة عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم وأصول الأشياء فكان يلزمه الاقتصار على عبارتهما فانها أصح وأشرف ~~وأبرك وأسلم وإن كان أراد الترجمة عن مذهب الأشعرية فقد عظمت جنايته عليهم ~~فان الرجال صرحوا بأن الأفعال لا تضاف إلى الله تعالى إلا خلقا وإيجادا ~~وابداعا وذواتا وأعيانا مجردة عن الوجوه التي تعلق بها قدر العباد ~~ويوقعونها عليها فتكون لأجلها معاصي قبيحة مستلزمة للذم والنقص في المنهيات ~~وللذلة والخضوع في العبادات وللافتقار والحاجة إلى الله تعالى في التمام ~~وقضاء الحاجات ونحو ذلك مما لا يجوز على بارئ البريات فكيف نجعلها من الله ~~تعالى حيث تكون واقعة على هذه الوجوه والاعتبارات ولولا تنزيههم لله تعالى ~~ما تكلفوا القول بالكسب ولا فارقوا أهل الجبر وردوا عليهم وترفعوا عن خسيس ~~مقامهم وشنيع ضلالهم # ولو كانت المعاصي من الله تعالى كان ms277 عاصيا وقد تمدح بالمغفرة ولا تصح ~~المغفرة منه لنفسه ولا لمن ليست الذنوب منه قطعا ولذلك قال تعالى {وآخرون ~~اعترفوا بذنوبهم} فمدحهم بذلك وصح في سيد # PageV01P300 # الاستغفار أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي وأجمع أهل اللغة والغريب أن ~~المعنى أقر واعترف بذنبي ومن المحال أن يكون المعنى أقر واعترف أنه ليس مني ~~فان هذا مناقضة للاقرار والاعتراف # ومن زعم أن المفر المعترف بالذنب هو المتبرئ أن يكون منه ألبتة لم يكن ~~أهلا للمناظرة ألا ترى أن المستغفرين إذا قالوا اللهم اغفر لنا ما كان منا ~~كانت عبارة صحيحة بالاجماع بل بالضرورة ولو قالوا اللهم اغفر لنا ما كان ~~منك كانت عبارة باطلة بالاجماع بل بالضرورة بل قد صرح القرآن بذلك في ~~الطاعات التي تحسن اضافتها إلى الله تعالى كما يحسن منه تعالى أن يتفضل ~~بالهداية اليها قال الله تعالى حكاية عن الخليل والذبيح عليها السلام {ربنا ~~تقبل منا إنك أنت السميع العليم} ولم يقل ربنا تقبل منك وأمثال هذا كثير ~~فكيف باضافة الفواحش والمخازي إلى السبوح القدوس بهذه العبارة جل وعز ~~وتبارك وتعالى عن ذلك وتقدست أسماؤه الحسنى وله المثل الأعلى # وقد تتبعت القرآن والسنة النبوية والآثار الصحابية فلم أجد لما أدعوه في ~~ذلك أصلا بل وجدت النصوص في جميع هذه الاصول رادة لهذه البدعة فمن القرآن ~~قوله تعالى {فلما أحس عيسى منهم الكفر} {فمن خاف من موص جنفا أو إثما} ~~{فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله} {ويقولون هو ~~من عند الله وما هو من عند الله} {قل هو من عند أنفسكم} {وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك} وأما قوله تعالى قبلها {قل كل من عند الله} فلأن المراد بالسيئة ~~عقوبة الذنب وبالحسنة المثوبة على الحسنة ولذلك قال {ما أصابك} ولم يقل ما ~~اصبت ولكنها تضاف إلى العبد اضافة المسبب إلى فاعل السبب كقول أيوب {أني ~~مسني الشيطان بنصب وعذاب} لما كان عقوبة على ذنبه وقوله # PageV01P301 # تعالى {ذوقوا ما كنتم تعملون} وفي آية {تكسبون} فالسيئة ms278 التي هي كسب ~~العبد لا تضاف إلا اليه والسيئة التي هي عقوبة تجوز اضافتها الله تعالى ~~وإلى فاعلها وإنما رد عليهم بقوله {قل كل من عند الله} اضافتهم العقوبة على ~~الشرك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تشاء مؤابة فلم يضيفوها إلى ~~خالقها سبحانه وتعالى ولا إلى فاعل سببها # ومن الآيات في الباب الذي نحن فيه {حسدا من عند أنفسهم} {ربنا تقبل منا ~~إنك أنت السميع العليم} {إلا بحبل من الله وحبل من الناس} ففرق بين ما هو ~~من الله وما هو من الناس {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} وهذا الحلال كيف ~~الحرام {ولا تزال تطلع على خائنة منهم} {وإما تخافن من قوم خيانة} {ولكن ~~يناله التقوى منكم} {كبرت كلمة تخرج من أفواههم} {فإن أتممت عشرا فمن عندك} ~~{وإما ينزغنك من الشيطان نزغ} {فتصيبكم منهم معرة بغير علم} {لا نريد منكم ~~جزاء ولا شكورا} {ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} {هذا ~~من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين} {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ~~رجس من عمل الشيطان} {إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا} وهاتان ~~الآيتان الاخيرتان مصدرتان بأنما التي تفيد الحصر وقصر هذا على أنه من ~~الشيطان دون غيره على جهة الذم لما كان منه والكراهة له والبراءة منه من ~~ذمه وخبثه وشرعه والامر به # PageV01P302 # بل من كل وجه إلا ما اقتضته الحكمة من خلق المختارين له واقدارهم عليه ~~وتقدير وقوعه منهم للحكمة البالغة والحجة الدامغة # وفي القرآن الكثير مما يقوم مقام هذا لكن بغير لفظ من كقوله تعالى {فإنه ~~فسوق بكم} {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} وقد ذكرت في ~~العواصم من ذلك خمسة وعشرين نوعا وذكرت هناك من الأحاديث الصحيحة الشهيرة ~~قدر خمسة عشر حديثا ونسبتها إلى رواتها من الصحابة ومن خرجها من الأئمة مثل ~~حديث التثاؤب من الشيطان وحديث إن تقليب الحصى وقت الخطبة في الجمعة من ~~الشيطان وحديث إن تفرقكم في الشعاب والأودية إنما ذلكم ms279 من الشيطان وحديث ~~الاناة من الله والعجلة من الشيطان وحديث كل مولود يولد على الفطرة وإنما ~~أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه وحديث الرؤيا الصالحة من الله تعالى ~~والحلم من الشيطان رواه الجماعة عن أبي قتادة ولمسلم مثله بل أبين عن أبي ~~هريرة وروى البخاري والنسائي مثل ذلك عن أبي سعيد الخدري وقال إنما هي من ~~الشيطان بالحصر وخرج ابن ماجة وابن عبد البر في التمهيد مثل حديث أبي هريرة ~~عن عوف بن مالك وكلها مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما تواترت ~~النصوص في الرؤيا أكثر من غيرها لأن الأمر يشتبه فيها هل هي من الله تعالى ~~أو من الشيطان ولا يتميز إلا بالنص وأما الفواحش والقبائح الصادرة من ~~المنهيين عنها المذمومين عليها فلم يشتبه الامر في ذلك حتى يرتفع الاشتباه ~~فيه بالنصوص ولو وقع في ذلك غلط في ذلك العصر لتواترت النصوص في الرد على ~~صاحبه # وإنما أوضحت رواة أحاديث الرؤيا وحدها كيلا يتوهم أنه حديث واحد ومن ذلك ~~حديث المستحاضة وقوله فيه إنما ذلك ركضة من الشيطان قال ابن الأثير في ~~نهايته والمعنى أن الشيطان قد وجد سبيلا إلى التلبيس عليها في أمر دينها ~~ذكره في خرف الراء مع الكاف وعندي فيما قاله نظر لأنه لو أراد ذلك لقال ~~إنما ذلك من الشيطان ولم يذكر أنه ركضة من ولا مانع من تمكينه من ركضته بعض ~~العروق حتى تنقطع ليلبس بذلك عليها أمر دينها # PageV01P303 # فانه يجري من ابن آدم مجرى الدم مثل ما جاء أنه ينفخ في الدبر فلا ينصرف ~~أحدكم حتى من صلاته حتى يجد ريحا أو يسمع صوتا فكما لا يتأول نفخه فكذلك لا ~~يتأول ركضه # ومن ذلك لا تأكل الشريقة فانها ذبيحة الشيطان فيه حديثان حديث عن ابن ~~عباس وحديث عن أبي هريرة كلاهما في مسند أحمد وفي حديث لابن عباس ماتت زينب ~~بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت النساء فجعل عمر يضربهن بسوطه فأخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال مهلا ms280 يا عمر إنه ما كان من العين ~~والقلب فمن الله تعالى وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان رواه أحمد وابن ~~تيمية في المنتقى # فهذه نحو خمسة عشر حديثا عن أبي هريرة منها ستة وعن ابن عباس حديثان ~~وبقيتها عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعائشة وأبي ثعلبة وسهل ابن سعد وأبي ~~قتادة وأبي سعيد الخدري وعوف بن مالك وحمنة بنت جحش من غير الآثار الموقوفة ~~على أكابر الصحابة والتابعين رضي الله عنهم كما نوضح الآن طرفا منه # فمن ذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال ابن سيرين لم يكن أحد أهيب ~~لما لا يعلم من أبي بكر وإنها نزلت به فريضة لم يجد لها في كتاب الله أصلا ~~ولا في السنة أثرا فقال أقول فيها برأيي فان يكن صوابا فمن الله تعالى وإن ~~يكن خطأ فمني وأستغفر الله رواه الحافظ العلامة ابن حجر الشافعي في القضاء ~~من كتابه التلخيص الكبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير وذكر سنده عن عبد ~~الله بن مهدي عن حماد بن زيد عن محمد بن سيرين به كما تقدم قال وأخرجه قاسم ~~بن محمد في كتابه الحجة والرد على المقلدين # قلت ورواه البغوي في تفسيره في آية الكلالة وجعل كلام أبي بكر رضي الله ~~عنه الذي قاله هو القول عنده في الكلالة وجاء بذلك البغوي من طريق الشعبي ~~عن أبي بكر فازداد قوة لاختلاف طرقه وكذلك رواه الدامغاني في رسالته ~~المشهورة في المذاهب # PageV01P304 # وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصرح من ذلك وأبين وأوضح وذلك ما رواه ~~ابن حجر في كتابه المذكور وأسنده إلى الحافظ البيهقي أنه رواه من طريق ~~الثوري عن السفياني عن أبي الضحى عن مسروق قال كتب كاتب لعمر هذا ما أراه ~~الله تعالى أمير المؤمنين فانتهره عمر وقال بل أكتب هذا ما رآه عمر فان كان ~~صوابا فمن الله تعالى وإن كان خطأ فمن عمر قال الحافظ ابن حجر اسناده صحيح ~~وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي ms281 في ترجمة عمار بن ياسر من كتاب النبلاء ما ~~لفظه الاعمش عن حبيب بن أبي ثابت قال سألهم عمر عن عمار فأثنوا عليه وقالوا ~~والله ما أنت أمرته علينا ولكن الله أمره فقال عمر اتقوا الله وقولوا كما ~~يقال فوالله لأنا أمرته عليكم فان كان صوابا فمن قبل الله وإن كان خطأ أنه ~~لمن قبلى اه بحروفه والاعمش وحبيب من رجال البخاري ومسلم وسائر الجماعة # قلت رضي الله عن عمر ما كان أصدعه بالحق وأخشنه فيه وأغيظه للشيطان ~~وأعرفه بما ينافيه وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه نحو ذلك ذكره ابن حجر ~~في كتابه وأحال ألفاظه الشريفة إلى كلامه عليه السلام في حكم أم الولد ولم ~~أجد ألفاظه في ذلك ولو وجدتها لسطرتها وصدرتها فمن وجدها فيلحقها وهذا ~~المعنى عنه عليه السلام مشهور كثيرا وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~أنه قال في قصة بروع بنت واشق أقول فيها بجهد رأي فان كان صوابا فمن الله ~~وحده لا شريك له وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء رواه ~~إمام أهل السنة أحمد بن حنبل في مسند الجراح بن أبي الجراح من المسند وأبو ~~داود والترمذي والنسائي وهذا لفظه ولفظ أبي داود بريئان ورواه ابن ماجه ~~وابن الأثير في جامعه في كتاب الصداق والحافظ أبو الحجاج المزي الشافعي في ~~أطرافه في مسند معقل بن سنان وإمام الشافعية ابن النحوي في كتابه الشهير ~~المسمى بالبدر المنير وقال صحيح ورواه أحمد والأربعة وابن حبان والحاكم في ~~صحيحيهما وقال الحاكم على شرط مسلم وقال ابن حزم لا مغمز فيه لصحة # PageV01P305 # قلت وهذا الكلام كله في المرفوع أما كلام ابن مسعود المقدم في أن الخطأ ~~من الشيطان فهو صحيح بالاتفاق على شرط الجماعة كلهم رواه الكبراء والنبلاء ~~من أئمة التابعين ومن بعدهم منهم الشعبي وابراهيم التيمي ومنصور ابن ~~المعتمر وزائدة وهشام ويحيى القطان ويزيد بن هارون وابن مهدي وخلاس بن عمرو ~~وأبو حسان وداود بن أبي هند وعلي ms282 بن مسهر وعلي بن حجر وعثمان بن أبي شيبة ~~وغندر وسفيان الثوري وشعبة وبندار وعبد الرزاق وكلهم رجال البخاري ومسلم ~~معا إلا اثنين فانفرد مسلم بهما وكل هؤلاء رووه ولم ينكروه ولم يشككوا على ~~معناه ولم يتأولوه ولم يحذروا من ظاهره # وفي ظهور هذه الأخبار والآثار بين السلف من غير مناكرة أوضح دلالة على ~~إجماعهم رضي الله عنهم على ذلك هذا ولم يوجد مخالف لهم توجب مخالفته ~~الاكثار من صدور النصوص منهم في الرد عليه # وذكر الامام العلامة إمام أهل السنة أبو عمرو بن الصلاح عن أبي القاسم ~~الصيمري أنه قال وكان بعض السلف إذا أفتى يقول إن كان صوابا فمن الله وإن ~~كان خطأ فمني قال وهذا معنى كره في هذا الزمان لأن فيه إضعاف نفس السائل ~~وإدخال قلبه الشك في الجواب اه بحروفه وقرره ابن الصلاح فلم يقل أحد منهم ~~أن ذلك ترك لأن الحقيقة أن الخطأ من الله تعالى الله عن ذلك وأجمعوا على ~~نقل ذلك عن بعض السلف من غير مناكرة بين السلف والخلف في حسن ذلك وصحته ولو ~~كان مخالفا في ذلك ما تركوا ذكره وقد تعرضوا لجميع أقوال علماء الاسلام في ~~ذلك واليهم المنتهى في معرفة الخلاف والوفاق والسنة والبدعة ولذلك لم ~~يتعقبهم أحد وينسبهم إلى التقصير والحمد لله ذكره ابن الصلاح في كتابه في ~~المفتى والمستفتى في المسألة السادسة من القول في كيفية الفتوى وآدابها ~~وأبو القاسم الصيمري شيخ أبي الحسن الماوردي صاحب الحاوي ذكره ابن الصلاح ~~وتلميذ أبي # PageV01P306 # حامد المروزي وسماه ابن الصلاح الامام أبا القاسم الصيمري في المسألة ~~الثالثة عشرة من هذا الباب وقال في مقدمة الكتاب أنه أحد أئمة الشافعية # وأما قولهم أن ذلك كره في هذا الزمان فانه متعقب من وجهين أحدهما أنه لا ~~يسلم صحة الكراهة من بعض الخلف لما فعله بعض السلف وسكت عنه بقية السلف لا ~~سيما إذا كان الفاعل من قدمنا من خلفائهم وكبرائهم والاجماعات المروية عنهم ~~ما تزيد على هذا شيئا كما تقدم تقريره ms283 وقولنا فيما هذا حاله أنه مكروه بدعة ~~مكروهة لما فيه من نسبتهم إلى المكروه كما لو قال أنه بدعة وهم أعرف ~~بالمكروهات والمحذورات وثانيهما أنهم لم يقولوا ذلك في مواقع النصوص بل في ~~مواقع الرأي التي ينبغي فيها إشعار المستفتي بها ليأخذ لنفسه بالوثيقة من ~~الاحتياط فان ترخص تضرع إلى الله تعالى في المسامحة والقبول واستغفر وينبغي ~~اشعار المستفتى بما هذا حاله كيلا يكون على ظن ضعيف مختلف فيه وهو معتقد ~~أنه على أثر معلوم من الدين فانه طالب للهداية لا للعماية والله تعالى يحب ~~الانصاف وكان أقل الأحوال في أدب الخلف مع السلف أن يقال في فعلهم ثم ترك ~~ولا يقال كره مع أن الاولى بالخلف التسليم للسلف والمتابعة ولا معنى لمذهب ~~أهل السنة إلا ذلك # فان قال قائل إن هذا كله محمول على مجرد الادب في حسن الخطاب كقول الخليل ~~عليه السلام {وإذا مرضت فهو يشفين} وكما لا يقال لله تعالى يا رب الكلاب ~~والخنازير # فالجواب أن هذا ليس مثل ذلك لوجوه # الوجه الأول إن خلق الله تعالى للكلاب والخنازير معلوم ضرورة من الدين ~~ومن إجماع المسلمين وأنه لا نقص فيه على الله تعالى فلم يكن في حسن العبارة ~~مع حسن الاعتقاد قبح ولا مخاطرة ولا بدعة في الدين لأن البدعة هناك مأمونة ~~ويمكن أن يكون قبح ذلك من أجل مفهوم اللقب فانه يقتضي نفي الربوبية لما ~~سواها حيث يخصص بالذكر من غير وجه ظاهر # PageV01P307 # للتخصيص ولذلك قال به الدقاق والصيرفي وبعض الحنابلة وغيرهم وربما كان ~~قبح هذه الصورة وأمثالها من أدلتهم على ذلك بخلاف ما نحن فيه وأيضا فأسماء ~~الله وصفاته توقيفية شرعية وهو أعز من أن يطلق عليه عبيده الجهلة ما رأوا ~~من ذلك فلا يجوز تسميته رب الكلاب والخنازير ونحو ذلك من غير إذن شرعي ~~وإنما يسمى بما سمى به نفسه {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين ~~يلحدون في أسمائه} وأما الآلام فيمكن أن تكون عقوبات على ذنوب فتحسن نسبتها ~~إلى المذنب كقول أيوب ms284 عليه السلام {أني مسني الشيطان بنصب وعذاب} وقال ~~تعالى {وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون} وفي آية أخرى {ويقول ذوقوا ما ~~كنتم تعملون} فسمى عقوباتهم كسبا لهم وعملا وقال {ظهر الفساد في البر ~~والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} إلى غير ~~ذلك مما تقدم في آخر الكلام في الاسماء الحسنى وهذا يدل عليه كثير من ~~الكتاب والسنة كقوله تعالى {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن ~~كثير} وفي قراءة فبما كسبت أيديكم وجاء ذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله ~~تعالى عنه في تفسير قوله تعالى {من يعمل سوءا يجز به} جاء من وجوه شتى قاله ~~أبو عمر بن عبد البر في التمهيد وقد طولت في هذا وجودته في العواصم وهو ~~صحيح فقف عليه هنالك وعلى ما فيه من الآيات القرآنية الكثيرة فلكلام الخليل ~~حينئذ وجه لطيف غير مجرد حسن الخطاب وأما إضافة المعاصي إلى الله تعالى ~~وتسميته خالقها فهو عكس ذلك كله من كل وجه ولا هو معلوم من ضرورة الدين ولا ~~من إجماع المسلمين ولا من الأدلة القاطعة ولا من الأدلة الظاهرة ولا البدعة ~~فيه مأمونة بل ولا هو من المسكوت عنه حتى تكون البدعة فيه لغوية والدلالة ~~ظنية بل مصادم النصوص كتابا وسنة وإجماعا من خير الامة وكونه نقصا مضادا ~~للمادح الربانية ظاهر منه غير خاف فيه فوجب فيه لزوم عبارات # PageV01P308 # الكتاب والسنة والسلف وعدم التمحل لتأويلاتها البعيدة المتعسفة المشكرهة # الوجه الثاني أن الدلالة على بطلان الجبر قاضية بصحة ما ذكرنا من إضافة ~~القبائح والفضائح إلى فاعلها الراغب فيها المختار لعارها وما فيها من الذم ~~والخزي وقبح اضافتها إلى السبوح القدوس المحرم لها الناهي عنها الكاره لها ~~البريء من لومها وذمها ونقصها أصح البراءة ظاهرا وباطنا وحقا وصدقا لا ~~كأكاذيب المداهنين للظلمة المطرين لهم بالممادح الكاذبة فان ذلك إلى الذم ~~أقرب منه إلى المدح لما فيه من التذكير بصحيح القدح ولذلك قيل شعرا # (إذا أثنى عليك المراء يوما ... بما هو ms285 ليس فيك فذاك هاجي) # فكيف برد تمدح الرب عز وجل بالبراءة من ذلك ونسبته إلى أعدائه وتسميته ~~بالسبوح القدوس إلى نحو ذلك # الوجه الثالث إنا قد قررنا غير مرة أن العادة تحيل وقوع مثل هذا وظاهره ~~الخطأ والقبح ولا يظهر تأويله ولا تعارض فيه الاقوال وذلك إن كل ما كثر ~~وتكرر من كلام السلف ولم تعارض فيه الاقوال ولم ينبهوا على تأويله ولم ~~يحذروا من ظاهره ومفهومه وجب أن يكون على ظاهره كأحاديث الاقدار وآيات ~~الارادة ونفوذ المشيئة ومن ذلك كون المعاصي والقبائح والفواحش والفضائح من ~~عبيد السوء المذمومين بها في الدنيا والموعودين بالجزاء في الآخرة عليها # الوجه الرابع إن في ما ذكرناه عن السلف الصالح التصريح بنفي القبائح عن ~~الله تعالى في قول ابن مسعود رضي الله عنه وإن كان خطأ فمن الشيطان والله ~~ورسوله منه بريئان وذلك دليل الحقيقة ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال على جهة ~~الادب أن الكلاب والخنازير ليست من خلق الله تعالى ولا هو ربها وخالقها ومن ~~قال ذلك كفر باجماع المسلمين وهو نظير قول ابن مسعود والله ورسوله منه ~~بريئان أترى ابن مسعود يكون كافرا ويصرح بالكفر بين خير أمة أخرجت للناس ~~وهم سكوت ثم يدونه أئمة المسلمين مقررين له غير منكرين له وابن مسعود هو ~~الذي رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ما رضي لهم والذي قال فيه ~~عليه السلام إن الله أجاره من # PageV01P309 # الشيطان على أنا لم نقل أن المعاصي من العباد على جهة المغالبة لارادته ~~وإنما قلنا أنها منهم أفعال وذنوب وسوء اختيار كما اجتمعت عليه كلمة أهل ~~السنة والمعتزلة كما علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقول في حديث أبي ~~ذر الذي خرجه مسلم وغيره في الصحاح فيه فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد ~~شرا فلا يلومن إلا نفسه ولكنا لا نقول كما تقول المبتدعة أنه لا يقدر على ~~هداية أهل الضلال بل نقول كما قال الله تعالى {قل فلله الحجة البالغة فلو ~~شاء ms286 لهداكم أجمعين} كما تقدم مبسوطا في مسألة المشيئة # الوجه الخامس ان ذلك ان كان أدبا حسنا وثناء مناسبا لاسماء الله الحسى ~~كان نقيضه حراما فقد تقرر عند الأشعرية أنه لا يضاف إلى الله تعالى إلا ~~المدح والثناء دون ما فيه نقص أو ما ليس فيه نقص ولا ثناء وليس في ذلك ثناء ~~ولذلك اعترفوا بأن الأدب تركه وتجنبه وكل ما كان كذلك حرم ولا معنى للادب ~~باللسان دون الجنان وقد تقدم أن ذلك خلاف مذهب الأشعرية وجناية عليهم ولا ~~يجوز خلاف ذلك إلا بدليل صحيح بخلق الكلاب والخنازير على وجه لا يوهم الخطأ # الوجه السادس أن تأويل ذلك على الادب مع الله تعالى لا يحتمل إلا فيما ~~صدر من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه رضي الله عنهم على أنا قد ~~ذكرنا ما يمنع من ذلك في حقهم أيضا لكن على تسليمه فانا قد ذكرنا من كلام ~~الله تعالى في كتابه الكريم اثنتين وعشرين آية ولا يجوز حملها على ذلك لأن ~~الادب من خواص العباد ولذلك ولا يجوز أن يسمى الله تعالى أديبا كما لا يسمى ~~الادب من خواص العباد ولذلك لا يجوز أن يسمى الله تعالى أديبا كما لا يسمى ~~عاقلا ولا فاضلا بالاجماع فانه أرفع وأعلى من ذلك جل وعلا # الوجه السابع أنه انعقد اجماع المسلمين على وجوب الرضى بما كان من الله ~~تعالى وعلى تحريم الرضى بالمعاصي ووجوب كراهتها وهذا على الحقيقة لا يمكن ~~حمله على الادب وهذا الوجه كان شاف في هذه المسألة وقد اعترف الغزالي به ~~وهو أعظم حجة عليه وقال إنما يجب الرضى بالقضاء بالمعاصي لا بالمعاصي وطول ~~فيه في باب الرضى بالقضاء # PageV01P310 ### | فصل في تفسير خلق الافعال (والاختلاف في ذلك وبيان الأحوط فيه لطالب السنة) # اعلم أنا قد بينا فيما تقدم أن السنة هي ما صح واشتهر واستفاض في عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وتابعيهم وبلغنا ~~متواترا أو مشهورا من غير معارضة ولا شبهة مثل الايمان ms287 بالاقدار لتواتره في ~~الأخبار والآثار فليس خلق أفعال العباد من هذا ولا هو قريب منه فلا وجه ~~لكونه من السنة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين علم أركان الاسلام ~~والايمان والاحسان لم يذكره ثم لم يصح فيه حديث واحد ولا أثر وأما أخذه من ~~خالق كل شيء فهو خلاف الاحتياط في مواضع الخطر حيث لا ضرورة وهو مثل أخذ ~~المعتزلي من ذلك أن القرآن مخلوق وأمثال هذا مما لا يحصى ويوضح ذلك وجوه # الوجه الأول إن الخلق لفظة مشتركة وأشهر معانيها التقدير ولا نزاع في ذلك ~~والافعال مخلوقة بهذا المعنى بلا نزاع كما هو قول الامام الجويني والشيخ ~~أبي إسحاق واصحابهما من أهل السنة بل هو قول المعتزلة والشيعة ولم يذكر ~~الجوهري في صحاحه للخلق معنى فيما نحن فيه إلا التقدير وكذلك ابن الأثير في ~~نهاية الغريب فانه قال أصل الخلق التقدير ثم فسر خلق الله الاشياء بعد أن ~~لم تكن وانه تعالى يسمى الخالق باعتبار تقدير وجود الأشياء منه أو باعتبار ~~الايجاد على وفق التقدير هذا مع توسعه في النقل وعدم تهمته بعصبية ولا جهل ~~فانه نقل كتابه من ستة عشر مصنفا لأئمة اللغة وهم أبو عبيدة والمازني ~~والاصمعي والقاسم بن سلام وابن قتيبة وثعلب # PageV01P311 # وشمر به حمدويه والأنباري وأحمد بن الحسن الكندي وأبو عمرو الزاهد ~~والخطابي والهروي والأزهري والزمخشري والأصفهاني وابن الجوزي قال وغير ~~هؤلاء من أئمة اللغة والنحو والفقه ولكن لا معنى لتسمية الافعال مخلوقة ~~بهذا المعنى أعني إيجاب اعتقاد ذلك على كل مسلم وإيهام اختصاص أهل السنة به ~~لوجهين أحدهما أنه لا ثمرة له لا خلافية ولا وفاقية وإنما هو مثل تسميتها ~~معلومة ومكتوبة وثانيهما أن عبارات الكتاب والسنة هنا وردت بألفاظ بينة ~~المعاني غير مشتركة بين ما يصح وما لا يصح وقد أجمعت الامة على أنه لا تجوز ~~الرواية بالمعنى والتبديل لألفاظ المعصوم إلا عند الاستواء والمعلوم ~~باليقين حتى لا يجوز تبديل الخفي بالجلي ولا العكس ولا الظاهر الظني بالنص ~~القاطع ولا ما ms288 لا اشتراك فيه بالمشترك ولا العكس # الوجه الثاني ما تقدم الآن من اعتبار ما تجب كراهيته ويحرم الرضى به في ~~دقائق هذه المسألة ومضائقها فانه ميزان حق ومعيار صدق وأنت إذا اعتبرته هنا ~~وضح لك الصواب وانكشف لك الارتياب فانه يجب الرضى بخلق الله تعالى الذي هو ~~فعله بالاجماع فلو كانت المعاصي من حيث هي معاص خلقا له وفعلا وجب الرضى ~~بها وفاقا لكن الرضى بها حرام بالنصوص الجمة والاجماع المعلوم من الجميع ~~وهذا وجه واضح لا غبار عليه ولا ريب فيه والحمد لله رب العالمين # الوجه الثالث إن أهل السنة كلهم قد وافقوا على أن أفعالنا لا تسمى مخلوقة ~~من حيث نسبت الينا وإنما تسمى بذلك من حيث نسبت إلى الله تعالى ففارقوا ~~الجبرية في المعاني مفارقة بعيدة وقاربوهم في العبارات مقاربة كثيرة حتى ~~غلط عليهم خصومهم بسبب ذلك ونسبوهم إلى الجبر فينبغي منهم وممن ينصر مذهبهم ~~تجنب العبارات التي توهم مذهب الجبرية ليتم بذلك نزاهتهم منه حتى لا يحتج ~~عليهم بتلك العبارات جبري ولا معتزلي ولا يغلط بسببها عامي ولا سني فقد وقع ~~بسببها خبط كثير وغلط فاحش وقد قال الله تعالى {لا تقولوا راعنا وقولوا ~~انظرنا} لما وقع في أحد اللفظين من المفسدة دون اللفظ الآخر فلنتكلم مع كل ~~فرقة من فرقهم # PageV01P312 # فأما إمام الحرمين والشيخ أبو إسحاق ومن تابعهم فقد وافقونا بحمد الله ~~تعالى # وأما الجبرية الجهمية فليس هم من فرق أهل السنة على الحقيقة ولكن نتكلم ~~معهم لنستقصي القول في هذه المسألة فنقول لهم قولكم أن فعل العبد مخلوق لله ~~تعالى وحده لا يشركه العبد فيه خلاف الضرورة العقلية والسمعية ويلزمكم على ~~هذا أن لا تصح تسميته فاعلا ألبتة وذلك يستلزم أن لا يكون مطيعا ولا عاصيا ~~لأن كونه مطيعا وعاصيا فرع على كونه فاعلا والالزم أن يكون اليهود ~~الممسوخون قردة مطيعين بكونهم كانوا قردة هذا على جهة النافلة وإلا ~~فالمختار عدم مناظرة من بلغ في الجهل والعناد إلى هذا الحد # وأما الاشعرية الذين قالوا ms289 أن فعل العبد الذي هو كسب متميز من فعل الله ~~الذي هو خلق فان الحجة عليهم واضحة وذلك أن الأصل المعلوم أن لا يضاف إلى ~~كل فاعل إلا ما هو أثر قدرته ولما كان أثر قدرة الله تعالى عندهم هو الذوات ~~والأعيان وأثر قدرة العبد هو الاحوال والوجوه والاعتبارات لم يصح ولم يحسن ~~أن يضاف فعل العبد إلى الله ولا فعل الله إلى العبد لأنه من قبيل الكذب ~~الصريح المتفق على تحريمه ولو جاز أن يضاف فعل العبد القبيح إلى ربه الحميد ~~المجيد لجاز أن يضاف فعل الله تعالى إلى عبده فيسمى العبد خالقا فأما تسمية ~~أفعال العباد مخلوقة حقيقة فقد تعذروا واستحال على مذهبهم وأما تسميتها ~~مخلوقة مجازا فهو الذي يمكن أن يقع فيه الغلط أو الغلاط والحق أنه ممنوع ~~ودليل منعه وجوه # أولها أن للمجاز شرائط معلومة عند علماء المعاني والبيان من أوجبها ~~الاشتراك في أمر جلي غير خفي يوجب المقاربة أو المشابهة بين الأمرين ~~كاشتراك الشجاع والاسد في قوة القلب والكريم والبحر في كثرة النفع ونحو ذلك ~~ولا مناسبة بين أفعال الرب السبوح القدوس الحكيم العليم وبين أفعال ~~الشياطين والسفلة والسفهاء وأخبث الخلق # وثانيها أن جناب الملك العزيز أرفع مرتبة وأبعد قدرا من أن يجوز لنا أن ~~نتصرف فيه مثل هذا التصرف من غير إذن شريف # PageV01P313 # وثالثها انا متفقون على أن مثل هذا ممنوع وأن هذا المقام غير مباح ولا ~~مسكوت عنه وذلك من جهتين الجهة الأولى أن البدعة ممنوعة والجهة الثانية أن ~~الله تعالى لا يوصف إلا بما قد تحقق فيه أنه مدح وثناء دون ما فيه نقص أو ~~ما ليس فيه نقص ولا ثناء # ورابعها أن هذا من قبيل اثبات اللغة بالنظر العقلي واللغة لا تثبت إلا ~~بالنقل الصحيح عن أئمتها عند الجمهور في الحقائق الوضعية وعند طائفة في ~~الحقائق والمجاز معا ولم ينقلوا في ذلك شيئا وهذه كتب اللغة موجودة وقد ~~ذكرت فيما تقدم قريبا أن الجوهري لم يذكر في صحاحه للخلق معنى إلا ms290 التقدير ~~أعني في هذا المعنى الذي نحن فيه وإن كان قد ذكر معاني أخر كالخلق بمعنى ~~الكذب فافهم هذه النكتة # وخامسها أن أهل اللغة ولو أجازوا شيئا في أسمائنا وأحوالنا فان أسماء ~~الله تعالى توقيفية ولذلك لا يسمى عاقلا ولا فاضلا ولا يجوز نحو ذلك لا ~~حقيقة ولا مجازا بالاتفاق مع أنهما من أجل الاسماء وأحمدها وأشرفها فكيف ~~يسمى خالق القبائح والفواحش والفضائح من غير إذن سمعي ممن لا يجيز عليه أن ~~يوصف بوصف لا ذم فيه ولا مدح وما الملجئ إلى هذا والداعي اليه والله تعالى ~~هو الملك العزيز الذي ليس لعبيده أن يتصرفوا في أنفسهم إلا باذنه فكيف في ~~صفاته وأسمائه # وسادسها أن هذا ممنوع بالبرهان فلا يجوز التجوز فيه كما لا يجوز أن يسمى ~~سبحانه وتعالى ظالما مجازا وذلك البرهان هو إخبار كتاب الله تعالى الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه عن حسن جميع مخلوقات الله وذلك قوله ~~عز وجل {ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ ~~خلق الإنسان من طين} وقال تعالى {فتبارك الله أحسن الخالقين} فكيف يضاف إلى ~~الحميد المجيد السبوح القدوس الذي تمدح بأنه أحسن الخالقين وأنه أحسن كل ~~شيء خلقه بغير إذن منه أنه خالق جميع من في العالم من كل كذب # PageV01P314 # وظلم وخبث وكفر وفحش وقد نص تعالى في كتابه الكريم على أن أسماءه كلها ~~حسنى والحسنى تأنيث الاحسن والحسن الراجع إلى الحكمة أنسب أولى بكل مخلوقات ~~الله الحسنة من الحسن الراجع إلى الصورة فما كان من الصورة الحسنة جمع ~~الحسنين كما قال تعالى {وصوركم فأحسن صوركم} وما لم يظهر فيه حسن الصورة من ~~الحجارة والتراب والجبال لم يخل من حسن الحكمة والله سبحانه وتعالى أعلم # ألا ترى أن جميع عبارات الكتاب والسنة وأهل اللغة في الجاهلية والاسلام ~~والمسلمين من أهل السنة والبدعة من العامة والخاصة والصحابة والتابعين بل ~~والجبرية الجهمية المبتدعة كلهم عبروا عن أفعال العباد بأسمائها الخاصة بها ~~ويكسب العباد لها ms291 وفعلهم واختيارهم دون خلق الله تعالى لها فيهم فيقولون ~~إذا زنى الزاني مختارا غير مكره وجب عليه الحد وكذلك إذا قتل وجب عليه ~~القصاص وإذا كفر وجب جهاده ونحو ذلك ولا يقول أحد منهم حتى الجبرية الضلال ~~إذا خلق الله الزنا في الزاني جلد وإذا خلق القتل في القاتل قتل وإذا خلق ~~الكفر في الكافر حورب وهذه كتبهم شاهدة بذلك ولو أن أحدا قال ذلك وحافظ ~~عليه فلم ينطق بمعصية منسوبة إلى فاعلها وبدل نسبة المعاصي إلى أهلها ~~بنسبتها إلى خلق الله تعالى في أهلها في جميع كلامه أو كثير منه لكان ذلك ~~من أوضح البدع وأشنع الشنع وشر الأمور المحدثات البدائع # وأما سائر من قال أن أفعال العباد مقدور بين قادرين من غير تمييز بالذات ~~فالكلام معهم مثل الكلام مع الاشعرية لأنهم وإن لم يفرقوا بين فعل الرب عز ~~وجل وفعل العبد بالذات فانهم يفرقون بينهما بالوجوه والاعتبارات وذلك أمر ~~ضروري فانهم لابد أن يقولوا أن العبد فعل الطاعة على وجه الذلة والخضوع ~~والامتثال والتقرب والرغبة والرهبة وإن الله تعالى منزه عن جميع هذه الوجوه ~~وإن الله تعالى فعل ذلك الفعل إما لغير علة كما هو قول بعضهم وإما على جهة ~~الحكمة والرحمة والنعمة أو على جهة الحكمة والابتلاء والامتحان فثبت بهذا ~~أن فعل العبد مركب من أمرين اثنين أحدهما من # PageV01P315 # الذات التي هي مقدور بين قادرين وثانيهما من تلك الوجوه والاعتبارات التي ~~يكفر من أجازها على الله سبحانه أو سماه بها بالاجماع والله تعالى ما شارك ~~العبد إلا في أجمل هذين الامرين وأحمدهما فكيف ينسب اليه أخبثهما وشرهما ~~وأقبحهما بغير إذن منه وهم إنما فروا الجميع من قول الجبرية لما يلزم فيه ~~من نحو هذه الأشياء فيجب عليهم أن يتموا النزاهة عن خبائث مذهب الجبرية وما ~~يقاربه ويضارعه مما لم ترد النصوص الشرعية بوجوبه على المسلمين ودخوله في ~~أركان الدين # واعلم أنه قد تقرر بالاتفاق أن اسم الخلق لا يطلق على شيء كالتخليق قال ~~تعالى في المضغة {مخلقة ms292 وغير مخلقة} أي مصورة وغير مصورة ولذلك قال أهل ~~السنة أن القرآن لا يدخل في قوله تعالى {خالق كل شيء} لقوله تعالى (ألا له ~~الخلق والأمر) وهما شيئان فدل على أن قوله تعالى {خالق كل شيء} مخصوص بكل ~~شيء يسمى مخلوقا وأن هذه الآية في عالم الخلق دون عالم الأمر فثبت أنه لا ~~حجة لمن سمى الله خالقا لمعاصي العباد في قوله تعالى {خالق كل شيء} حتى يدل ~~على أنها تسمى مخلوقة في اللغة وكيف وقد اتفقنا على انها تسمى كسبا وعملا ~~وفعلا لا خلقا # ألا ترى أن من جعل العبد من أهل السنة مؤثرا في الذات باعانة الله تعالى ~~لا يسميه خالقا باعانة الله تعالى ما ذلك إلا لأن هذه الذات هي الأكوان ~~وكونها ذوات غير صحيح في لغة العرب وفي النظر الصحيح عند محققي أهل المعقول ~~وتسمية الأشعرية لها خلقا لله تعالى لم تصح لغة يوضحه أن إمام الحرمين ~~الجويني والشيخ أبا إسحاق ومن تابعهما من أهل السنة لم يسموا العبد خالقا ~~مع أنهم يقولون أن قدرته هي التي أثرت في ذات فعله وحدها بتمكين الله تعالى ~~ومشيئته تعالى من غير زيادة مشاركة بينه وبين قدرة الله تعالى في تلك الذات ~~التي هي فعله وكسبه # فثبت أن المعنى أن الله خالق كل شيء مخلوق أي يسمى مخلوقا # PageV01P316 # في لغة العرب التي نزل عليها القرآن ولم يكن أحد منهم يقول خلقت قياما ~~ولا كلاما ولا صلاة ولا صياما ونحو ذلك ولذلك ورد الوعيد للمصورين المشبهين ~~بخلق الله تعالى فلو كانت أفعالنا خلق الله تعالى لم يحرم علينا التشبيه ~~بخلق الله تعالى وكذلك لعن الواشمات المغيرات خلق الله تعالى ولا شك في ~~جواز تغييرنا لكثير من أفعالنا ووجوب ذلك في كثير منها وكذلك قال الله ~~تعالى بعد ذكر مخلوقاته من الاجسام وتصويرها وسائر ما لا يقدر العباد عليه ~~من الاعراض {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} وإنما يعرف الخلق ~~في اللغة لايجاد الاجسام ويدل على ما ذكرته ms293 ما حكاه الله تعالى وذم الشيطان ~~به من قوله {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} فدل على أن التغيير الذي هو فعلهم ~~ليس هو خلق الله تعالى بل هو مغاير له ولذلك نظائر كثيرة ذكرتها في العواصم # وقد احتج البخاري في جامعه الصحيح بمثل هذا على أن الكلام لا يسمى مخلوقا ~~فقال في باب قول الله عز وجل {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى ~~إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم} ولم يقل ماذا خلق ربكم ذكره في آخر ~~كتابه الجامع الصحيح في الباب الثاني بعد الثلاثين من أبواب الرد على ~~الجهمية وقالت البغدادية الخلق اسم يختص الايجاد بغير مباشرة # فان قال جاهل حجة الاشعرية على أن أعمالنا مخلوقة أنها ذوات لا صفات ولا ~~أحوال ولا يقدر على شيء من الذوات إلا الله تعالى # فالجواب من وجوه الأول أوضحها وهو أنهم لا يقولون بذلك بل يقولون أن ~~أفعالنا هي الاحوال والوجوه والاعتبارات المتعلقة بتلك الذوات وذلك هو معنى ~~الكسب كما تقدم # وثانيها أنهم منازعون في أن الأكوان التي هي الحركة والسكون والاجتماع ~~والافتراق ذوات بل هي صفات أو أحوال كما ذهبت اليه # PageV01P317 # الجماهير وأهل التحقيق كابن تيمية وأصحابه منهم وأبو الحسين وأصحابه من ~~المعتزلة ومن لا يحصى كثرة من سائر طوائف الشيعة والمتكلمين وثالثها أنه لا ~~يسلم لهم أنه لا يقدر على شيء من الذوات إلا الله تعالى بل قد خالفهم في ~~ذلك امامهم الكبير أبو المعالي الجويني والشيخ أبو إسحاق وأصحابهما فقالوا ~~أنه يقدر على ذلك من أقدره الله تعالى عليه ومكنه منه وأراده له كما تقدم # إذا تقرر هذا فلنكمل الفائدة بما بقي لهم من الأدلة التي يمكن أن يغتر ~~بها أحد فمن ذلك قول الخليل عليه السلام في مجادلة عباد الاصنام وذلك قوله ~~تعالى حكاية عنه {قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون} وقد احتج ~~بها أبو عبيد لهم وأنكر عليه ابن قتيبة كما ذكره في مشكل القرآن وكلاهما من ~~أهل السنة وقال ابن ms294 كثير الشافعي في أول البداية والنهاية في قصة إبراهيم ~~عليه السلام وسواء كانت ما مصدرية أو بمعنى الذي فمقتضى الكلام أنكم ~~مخلوقون والاصنام مخلوقة فكيف عبادة مخلوق لمخلوق فأشار إلى مثال الخلاف ~~ولم يتعرض لترجيح # واعلم أن من يتأمل هذا توهم أن الآية من النصوص على خلق الافعال ولذلك ~~يستروح كثير من القائلين بذلك اليها ويستأنسون بها ولو أنصفوا ما استحلوا ~~ذلك فان القول في تفسير كتاب الله تعالى بغير علم حرام بالنص وفيه حديثان ~~معروفان عن ابن عباس وجندب بن عبد الله ولا خلاف في أن في الآية اجمالا ~~واشتراكا بالنظر إلى لفظة ما تعملون فانها محتملة أن تكون بمعنى الذي ~~تعملون كقوله تعالى في سورة يس {ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم} فجعل ما ~~عملته أيديهم مأكولا وكل مأكول مخلوق لله وحده لا عمل للعبد فيه ألبته وقد ~~سماه معمولا لأيديهم لمباشرتهم له وأن تكون مصدرية بمعنى وعملكم ولما كان ~~ذلك كذلك ولم يحل أن يتقول على الله تعالى إلا بوجه صحيح وإلا وجب الوقف ~~ورد ذلك إلى الله تعالى لقوله {ولا تقف ما ليس لك به علم} لكن هنا وجوه ~~ترجح أنها بمعنى الذي تعملون وهو الاصنام التي خلقها الله تعالى حجارة ~~وعملونا أصناما # PageV01P318 # فهي معمولة مصنوعة حقيقة وقد يسمى المعمول عملا مجازا وحقيقة عرفية ولا ~~حاجة بنا إلى ذلك فكونها معمولة كاف في ذلك # وأصل ذلك أن فعل العبد ينقسم إلى ما يكون لازما في محل القدرة مثل حركة ~~يد الصانع وإلى ما يتعدى إلى مخلوقات الله تعالى مثل تصوير الصانع الذي ~~يبقى أثره في الحجارة وغيرها وهو الذي منع ثمامة المعتزلي والمطرفية أن ~~تكون فعلا للعبد فالآية تحتمل بالنظر إلى لفظها ثلاثة أشياء أحدها أنه ~~تعالى خلق جميع أفعال العباد على العموم كما قال المخالف الثاني أنه خلق ~~الاصنام التي هي معمولات العباد ومصنوعاتهم لما فيها من أثر تصويرهم ~~وتشكيلهم # الثالث أنه خلق الاصنام التي فيها عملهم وتصويرهم وعلى هذا الثالث يكون ~~التقدير وما تعملون ms295 فيه والثاني من هذه الاحتمالات هو الراجح لوجوه # الوجه الأول أن الله تعالى ساق الآية في حجاج الخليل عليه السلام ~~للمشركين وأورد حجته عليهم في بطلان ذلك وتقبيحه وليس في كون أفعال العباد ~~مخلوقة لله تعالى حجة على ذلك من هذه الجهة قط وفي كون الاصنام مخلوقة لله ~~تعالى ذواتا وأعيانا معمولة للعباد نحتا وتصويرا أوضح برهان على بطلان ~~ربوبيتها # الوجه الثاني أن الله تعالى نص على هذا المعنى في غير هذه الآية والقرآن ~~يفسر بعضه بعضا وذلك في قوله تعالى في سورة الفرقان {واتخذوا من دونه آلهة ~~لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} وقال في سورة النحل {والذين يدعون من دون الله ~~لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} # الوجه الثالث أنه قد ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقتضي ~~ذلك وقد أجمع أهل التفسير ومن يحتج به من الجماهير إلى الرجوع إلى مثل ذلك ~~في مثل هذه المواضع المجملة من كتاب الله تعالى وذلك ما أخرجه الحاكم أو ~~عبد الله في المستدرك في أول كتاب البر منه فقال أخبرنا # PageV01P319 # أبو عبد الله محمد بن عبد الله الزاهد الاصبهاني أخبرنا أبو إسماعيل محمد ~~بن إسماعيل أخبرنا إبراهيم بن يحيى بن محمد المدني السجزي حدثني أبي عن ~~عبيد بن يحيى عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه رفاعة ابن رافع وكان ~~قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج وابن خالته معاذ بن ~~عفراء حتى قدما مكة فلما هبطا من الثنية رأيا رجلا تحت الشجرة إلى قوله ~~قلنا من أنت قال انزلوا فنزلنا فقلنا أين الرجل الذي يدعي ويقول ما يقول ~~فقال أنا فقلت له فاعرض علي فعرض علينا الاسلام فقال من خلق السموات ~~والجبال فقلنا الله فقال فمن خلقكم قلنا الله قال فمن عمل هذه الاصنام قلنا ~~نحن قال فالخالق أحق بالعبادة أم المخلوق فأنتم عملتوها والله أحق أن ~~تعبدوه من شيء عملتموه قال الحاكم هذا حديث صحيح الاسناد فسماها رسول الله ms296 ~~صلى الله عليه وسلم مخلوقة لله ومعمولة للعباد حيث قال إن الخالق أحق ~~بالعبادة من المخلوق وقال إن الله أحق بالعبادة من شيء عملتموه فناسب حجة ~~أبيه ابراهيم عليهما السلام وماثلها ففرق بين الخلق والعمل وجعل الاصنام ~~مخلوقة من حيث هي من الجبال التي قد قرر عليهم أنها مخلوقة وجعلها معمولة ~~من حيث أنها لا تسمى أصناما إلا بعد تصويرهم وتشكيلهم لها # الوجه الرابع أن المعنى إذا كان على ما ذكرنا حصل منه تنبيه المشركين على ~~أنهم مثل الاصنام في كونهم مخلوقين وليس ينبغي أن يكون العبد والرب من جنس ~~واحد لا سيما والعابد منهما أشرف من المعبود بالضرورة من جهتين الجهة ~~الأولى أنه حي والصنم جماد والثانية أنه الذي عمل صورة معبودة من الأصنام ~~ونحته وشابه صورته بخلق الله تعالى وهو من هذه الجهة يسمى معمولا له ~~ومصنوعا كما يقال هذا السيف صنعة فلان وعمله وما أشبه ذلك من تصرف الصناع ~~في خلق الله تعالى في الحلى والاصباغ وسائر المسببات وهي حقائق عرفية ولم ~~ينكرها إلا ثمامة والمطرفية على ما تقدم بيانه # الوجه الخامس أن قرينة الحال وصيغة البيان تقتضي أن يكون قوله وما تعملون ~~موافقا في المعنى لقوله تعالى {ما تنحتون} في أولها لأنه # PageV01P320 # صدر الآية الكريمة بانكار عبادة المنحوت ثم أكد ذلك الانكار بكون العبادة ~~له وقعت في حال خلق الله له لكنه سماه في آخر الآية معمولا وفي أولها ~~منحوتا لكراهة تكرير الألفاظ المتقاربة في بلاغة بلغاء العرب كما خالف ~~اللفظ في قوله {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين} مع أن المسلمين في آخر الكلام هم المؤمنون المذكورون في أوله ~~والذي يدل على ذلك أن الواو حالية في قوله تعالى {والله خلقكم وما تعملون} ~~فالمعنى كيف غفلتم عن قبح عبادتكم لها والحال هذه # وأنت إذا نظرت في طباق الكلام وسياقه لم يحسن قط أن يكون المعمول غير ~~المنحوت ووجب أن يكون هو إياه أما أنه لا يحسن فلان الجملة ms297 الحالية تقتضي ~~شدة النكارة في مثل هذا الموضع ولن يصح أن تقتضيها إلا بذلك كما تقول أتجفو ~~زيدا وهو أبوك فلا يجوز أن يكون الأب غير زيد كما لا يجوز أن تقول أتجفو ~~زيدا وأبوك خالد حيث لا يكون بينهما ما يوجب زيادة النكارة ولو كان المعمول ~~غير المنحوت لم يكن الشرك معه أقبح إذا كان المعمول هو المنحوت كان الشرك ~~معه أقبح وكذلك يكون الشرك أقبح مع عدم خلق الأعمال بخلاف الشرك مع خلق ~~الاعمال فانه ليس بأقبح منه مع عدم خلقها بل يلزم أن لا يقبح وأما أنه يجب ~~أن يكون المعمول هو المنحوت فلما في ذلك من زيادة قبح الشرك لأنه لا يخفي ~~على عاقل أن أقبح الشرك أن يجعل العبد المخلوق شريكا لربه الخالق له وذلك ~~الشريك مخلوق لربه باقرار العبد ولا سيما وذلك الشريك المخلوق جماد مسخر ~~للعبد مصنوع له ينحته ويكسره ويشكله ويطمسه ويضعه ويرفعه ويدنيه ويقصيه ~~ويتصرف أنواع التصرف فيه # الوجه السادس أن الآية الكريمة نزلت في خلق المفعول به المنفصل عن محل ~~قدرة العبد لا في الفعل نفسه لقوله تعالى {ليأكلوا من ثمره وما عملته ~~أيديهم} ولا خلاف بين المعتزلة والأشعرية أنه مخلوق لله تعالى وكذلك صنعة ~~المداد وسائر الاصباغ والمسببات مثل ازهاق الأرواح # PageV01P321 # بالجراح والتغريق والتحريق ومثل السحر وآثاره ولذلك احتج الشهرستاني ~~وغيره بهذه الصورة على المعتزلة حين أنكروا مقدورا بين قادرين مع اختلاف ~~الوجوه على أنه لا يصح عنهم انكار مثل ذلك ومع نزول الآية في هذا بالاجماع ~~كما ذكره ابن كثير بل كما هو معلوم فلا وجه للقطع بتعديتها بل لا يصح ظهور ~~ذلك على جهة الظن لما في عموم ما من الخلاف ولما في تعدية العموم على غير ~~ما نزل فيه من ذلك ولما في خلاف ذلك من المرجحات ولذلك وأمثاله لم تكن ~~الآية نصا ولا ظاهرا بين الظهور في هذه المسألة # الوجه السابع أن النص على أن أعمالهم مخلوقة لله تعالى ينافي توبيخهم ~~عليها والاستنكار الشديد لصدورها ms298 عنهم لأنه لا يخلو إما أن يكون ورد على ~~مثل الشهرستاني والباقلاني من أئمة الأشعرية الذي عرفوا الكلام في اللطيف ~~واعتقدوا صحة مقدور بين قادرين وأن أفعال العباد لا تنسب اليهم وحدهم ~~لنقصان قدرتهم عن الاستقلال ولا إلى الله وحده لكمال حجته عليهم وقدسه عن ~~نقائصهم فهؤلاء لو ورد عليهم النص على خلق الاعمال لم يشكل عليهم ظاهره ~~ولكن يكون ذكره في هذا الموضع غير مناسب للبلاغة لأن الكلام البليغ لابد أن ~~يناسب مقتضى الحال ومقتضى الحال هنا زيادة التقبيح والتوبيخ وهو لا يزيد ~~على هذا التقدير ولكن هذا التقدير معلوم البطلان عند الجميع واما أن يكون ~~الخطاب بهذا النص على خلق الاعمال ورد على أجهل العوام الطغام الذين عبدوا ~~لشدة غباوتهم الاصنام فانهم إذا خوطبوا بأن أعمالهم مخلوقة لله تعالى لا ~~يسبق إلى أفهامهم إلا أنه سبحانه وتعالى مستقل بها غير مشارك فيها وحينئذ ~~ينقص ذلك التقبيح أو يبطل أو يتناقض الكلام وينفتح باب الاعتراض على الخليل ~~عليه السلام حينئذ لاعدائه ويرفع الشيطان رأسه إلى الهامهم الزام الاحتجاج ~~على الرسل بالقدر وافحامهم بذلك كما حكى الله تعالى ذلك عنهم في غير آية ~~وكل عاقل يريد افحام خصمه أو ارشاده لا يورد عند جداله أعظم شبه الخصم في ~~حال الصولة عليه بالحجة القاطعة فلم يكن الخليل عليه السلام يلقنهم في هذه ~~الحال أعظم شبههم التي ضل بها كثير من المسلمين بعد الاسلام ودق النظر عن ~~جوابها على كثير من العلماء الاعلام مع ما أوتي الخليل # PageV01P322 # عليه السلام من حسن العبارة وإيضاح الحجة ألا ترى إلى قوله عليه السلام ~~فيما حكى عنه من حجاجهم في سورة العنكبوت {إنما تعبدون من دون الله أوثانا ~~وتخلقون إفكا} كيف عقب بطلان ما هم عليه ما يدل على سوء اختيارهم في ~~اختلافهم الافك افتراء من عند أنفسهم فهذا هو المناسب لحال المناظرة ألا ~~تراه لا يصلح أن يقول عوض قوله وتخلقون افكا والله الذي خلق هذا الافك فيكم ~~وأراده منكم لأنه يكون بذلك كالمعتذر لهم ms299 في حال النكير عليهم فيكون مناقضا ~~لقصده فكذلك لو جعلنا الخلق بمعنى انشاء العين في قوله {والله خلقكم وما ~~تعملون} والقرآن يفسر بعضه بعضا كما قال المفسرون في تفسير قوله تعالى ~~{كتابا متشابها} أي يشبه بعضه بعضا في معانيه وأحكامه فهذه الوجوه ترجح أن ~~ما تعملون بمعنى لذي تعملون على أحد وجهين إما أن تجعل الأصنام هي المعمولة ~~لأنها لا تسمى أصناما الا بعد عملهم أو على أن تجعل معمولا فيها ولولا ما ~~شهد لذلك من القرآن والسنة والمرجحات الضرورية ما رضيت أن أتكلم في كتاب ~~الله تعالى بغير علم وأقصى ما في الباب أن يكون الذي ذكرته محتملا غير راجح ~~فكيف يجوز القطع بأنه غير مراد الله تعالى والقطع على أن نقيضه هو المراد ~~والاحتجاج بذلك على مسألة كبرى قطعية من مهمات مسائل الاعتقاد التي أوقعت ~~الفرقة بين المسلمين والعداوة والله تعالى يوفق الجميع إلى ما أمرنا به ~~ربنا سبحانه وتعالى من الاجتماع ويعصمنا عما نهانا عنه من التفرق ولن يوجد ~~إلى ذلك سبيل أوضح من ترك ما لم يتضح والرجوع إلى ما استبان من الكتاب ~~والسنة والتقديم له على ما وقع فيه الاحتمال والاختلاف والله عند لسان كل ~~قائل ونيته وهو حسبنا ونعم الوكيل # وقد أوضحت في العواصم بقية المباحث وبطلان دعوى الاجماع على خلق الأعمال ~~إلا بمعنى التقدير وسبق القضاء وجفوف الاقلام كما قد ورد في كتاب الله ~~تعالى وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفقت الامة المرحومة المعصومة ~~على صحة معناه أنه لا يقتضي افحام الرسل ولا يناقض كمال # PageV01P323 # حجة الحكيم العليم على ما عصاه من عباده وذكر ذلك كله هنا يخرجنا عن قصد ~~الاختصار بالمرة # ولا نزاع في أن الأفعال مخلوقة بمعنى مقدرة وأما بغير ذلك المعنى فان ~~سلمنا أن ذنوبنا تسمى مخلوقة لله تعالى في اللغة بغير ذلك المعنى مع صدورها ~~منا باختيارنا على وجه تقوم الحجة به علينا فلا وجه لادخال ذلك في مسائل ~~الاعتقاد وأركان الاسلام وواجبات الايمان ولا حجة على ms300 ذلك ولا شبهة ولا حرج ~~على من لم يؤمن بذلك لجهله به فليس كل حق يجب أن يدخل ذلك من وجود ~~الموجودات وعدم المعدومات وقد علمنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ديننا ~~كما علمه ربه عز وجل وحصر لنا أركان الاسلام وعلمنا الايمان والاحسان فما ~~عد فيه خلق الافعال وإنما عد فيه سبق الاقدار كما تواتر في الاخبار ولذلك ~~لم يذكره مالك في الموطأ كما ذكر القدر وغيره في أواخره ثم انظر مع تسليم ~~نفي الجبر وتسليم قيام الحجة لله تعالى بخلق القدرة وتمكين المكلفين أي ~~ثمرة تبقي لاعتقاد أن الأفعال مخلوقة وإنما حافظ على ذلك في الأصل من يقول ~~بالجبر ثم ظن كثير من أهل الكلام والحديث بعد ذلك أنه من لوازم عقائد السنة ~~فقالوه مع نفي الجبر ولذلك ذكر ابن الحاجب في مختصر المنتهى أن الأشعري ~~ألزم من قوله بذلك القول بتكليف ما لا يطاق وفي كلامه هذا دلالة على أن ~~القول مما يختص بالأشعري وحده في أول الأمر والله أعلم # وعلى تسليم ذلك كله فاعتقاد أنها مخلوقة بمعنى مقدرة يكفي وهو صحيح ~~بالاجماع كما تقدم وفيه الحيطة والعصمة عن تعديه إلى مواقع الخلاف ومظان ~~البدعة ولكن يعبر عنها بأنها مقدرة لأنها صريح عبارة الكتاب والسنة ~~والصحابة والتابعين ولا يعبر عنها بأنها مخلوقة لأنها توهم خلاف الصواب ~~ولأنها عبارة الجبرية وأهل الكلام المتأخرين عن عصر الصحابة والتابعين رضي ~~الله عنهم أجمعين ولأنها مختلف فيها وقد نهينا عن الاختلاف واختياره مع ~~التمكن من تركه وقد نهى الله تعالى عن قولهم راعنا وأمر أن يقولوا مكانه ~~انظرنا لمصلحة يسيرة كيف ما نحن فيه والله الهادي والحمد لله رب العالمين ~~وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم # PageV01P324 ### | المسألة الرابعة أن الله تعالى لا يكلف ما لا يطاق # وهو قول الجماهير من جميع طوائف المسلمين وإجماع العترة والشيعة ~~والمعتزلة ورواه ابن بطال في شرح البخاري عن الفقهاء أجمعين ونسب السبكي ~~المنع منه إلى الغزالي والشيخ أبي حامد والشيخ تقي الدين ms301 الشهير بابن دقيق ~~العيد وإمام الحرمين أبي المعالي الجويني والآمدي على تفصيل ذكره في الفرق ~~بين المحال لذاته ولغيره # واعلم أن هذا ما لا شك فيه ولا ريب وإنما يتعجب من وقوع الخلاف الشاذ في ~~ذلك وأي شك في ذلك والله تعالى قد نص في كتابه الكريم على ذلك في غير موضع ~~كقوله تعالى {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} وفي آية أخرى (لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها) بالنون وفي آية أخرى {إلا ما آتاها} ومنه {أم تسألهم أجرا فهم من ~~مغرم مثقلون} ومنه قوله تعالى {مكناهم في الأرض} وفي آية {ولقد مكناهم فيما ~~إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة} الآية وأمثال ذلك مما لا ~~يحصى # والمراد بالاحتجاج بهذه الآيات ونحوها أنها شاهدة على اعتبار ما يسمى حجة ~~في عرف العقلاء وامتناع نقيض ذلك على أحكم الحاكمين وأن هذا معلوم ضرورة من ~~كتب الله تعالى وأديان رسله عليهم السلام ونص على ما يستلزم ذلك مما لا ~~يحصى كثرة من سعة رحمته وظهور عدله وعظيم فضله وعدل أحكامه وظهور حكمته ~~وشمول نعمته وقوله من أتاني يمشي أتيته أسعى ومن تقرب إلي شبرا تقربت اليه ~~ذراعا بل سمح سبحانه من الوسع الممكن المقدور ما لا يحصى ونص على ذلك فقال ~~تعالى {وما جعل عليكم في الدين من حرج} وقال {يريد الله بكم اليسر ولا يريد ~~بكم العسر} # PageV01P325 # ) فسمح سبحانه وتعالى مما يطاق الكثير الذي لا يعلم مقداره إلا هو ولم ~~يبق من التكاليف إلا ما جعله سببا لرحمته وفضله وكرامته كما جعل البذر في ~~الدنيا سببا للزرع الذي لا ينميه ويتمه سواه وبشر سبحانه ويسر ونهى عن ~~التعسير والتنفير وجاء على لسان نبيه نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم أنه ~~المبعوث بالحنيفية السمحة وتلقى ذلك علماء الاسلام بالتصديق والاشاعة ~~وعملوا في الاحكام بحسب ذلك واحتجوا به وشاع فيما بينهم وذاع وانعقد على ~~عدم انكاره الاجماع ولم يعارض ذلك عقل ولا شرع ولا نص ولا ظاهر وناسب هذا ~~كله تمدح أصدق ms302 القائلين بأنه أرحم الراحمين وخير الراحمين وأكرم الأكرمين ~~ولا يختص المؤمنين من رحمته تعالى إلا كتابتها ووجوبها لهم ونحو ذلك دون ~~سعتها فانها لكل شيء كما تبين في قوله تعالى {ورحمتي وسعت كل شيء} الآية ~~ومن حرمها فذلك لاستحقاقه ولحكمه بالغة وهي تأويل المتشابه على ما نص على ~~أن الخصوم جوزوا تكليف المؤمنين المرحومين بما لا يطاق عقلا وسمعا بل جوزوا ~~عقلا عقابهم بذنوب أعدائهم المشركين بل جوزوا ذلك في حق الأنبياء والمرسلين ~~والله تعالى تمدح بضد ذلك وبأن له الأسماء الحسنى وله أعظم الحمد والمجد ~~والشكر والثناء دع عنك العدل في الحكم والجزاء وعضد ذلك الثناء العظيم من ~~رسوله الكريم بأنه لا أحد أحب اليه العذر منه سبحانه وتعالى من أجل ذلك ~~أرسل رسله إلى العالمين وأنزل كتبه على المرسلين وجعل رسله تترى إلى خلقه ~~مبشرين ومنذرين ومعلمين ومحتجين وميسرين غير معسرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل # والعجب ممن يدعي الفقه والفهم بل الامامة العظمى في العلم كيف لم يعلم أن ~~مراد الله تعالى هو أطيب الثناء وأحسن الأسماء وأجمل الحمد وأتم العدل ~~وأحمد الأمور كلها أو قد فهم هذا كله ولكن ظن أن تكليف ما لا يطاق وطلب ~~تنجيزه من العبد الضعيف وعقوبته عليه أشد العقوبة وأدومها هو أنسب بأطيب ~~الثناء والممادح الربانية والمحامد الرحمانية من # PageV01P326 # عكس ذلك كأنه لم يعرف القرآن والسنة قط قال سبحانه وتعالى في ذلك {ولو ~~أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ~~آياتك من قبل أن نذل ونخزى} وقال عز وجل {أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن ~~هذا غافلين} وقال في الزمر {أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ~~وإن كنت} الآيات إلى قوله {بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من ~~الكافرين} وقال تعالى {ذكرى وما كنا ظالمين} وقال تعالى {شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز ~~الحكيم} ms303 فجعل القسط الذي هو العدل مما هو لازم لتوحيده في الالهية ومما هو ~~قائم به ومما شهد به لنفسه وشهد له به خواص خلقه وأهل معرفته والعدل هو ضد ~~الجور والعنف والعسف وذلك كله دون تكليف ما لا يطاق فانه قد وصف بذلك كثير ~~من ملوك الجور ولم يوصف أحد منهم قط بتكليف ما لا يطاق كما يأتي تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا أفلا يخاف المخالف أن لا يكون من العلماء الذين شهدوا ~~لله بهذه الشهادة إلى غير ذلك # وأوضح من ذلك أنه سبحانه وتعالى كتب الاعمال في الكتب وأشهد على خلقه ~~ملائكته الكرام ثم نصب الموازين القسط ليوم القيامة وأنطق الجلود والاعضاء ~~بعد شهادة الملائكة وصالحي خلقه بعد رسله عليهم السلام كل ذلك ليقيم الحجة ~~حجة عدله وعظيم فضله ويقطع اعذار المعاندين والجاهلين والمتجاهلين وكم احتج ~~الله تعالى بذلك وتمدح به في كريم كتابه كقوله تعالى {ثم السبيل يسره} ~~وقوله تعالى {وهديناه النجدين} وقوله عز سلطانه {إنا هديناه السبيل إما ~~شاكرا وإما كفورا} بل نفى سبحانه وتعالى ما يستلزم ذلك أو يقاربه # PageV01P327 # كما قال سبحانه وتعالى {أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون} فأوضح أنه لم ~~يبق لهم عذرا يتعللون به إذ لا معنى لنفي المغرم الثقيل مع وجود التكليف ~~الممتنع لذاته المستحيل ثم تمدح سبحانه وتعالى بالقضاء الحق يوم القيامة في ~~غير آية # فالعجب ممن لم يفهم أن ذلك ينافي تكليف ما لا يطاق ويضاده ممن يدعي ~~الانصاف وفهم الدقائق والغوص على غوامض الحقائق وأنه في رتبة الذب عن ~~الاسلام ونحو ذلك كثير جدا في كتاب الله تعالى فكيف يقدم على هذا كله مفهوم ~~ظني مرجوح مختلف في معناه كما ذكره الغزالي في قوله تعالى حاكيا عن عباده ~~{ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} والله تعالى يقول {واتبعوا أحسن ما ~~أنزل إليكم من ربكم} ويقول {فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ~~أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب} ولا شك في وضوح الآيات ms304 في ~~نفي ذلك وحسنها سمعا وعقلا وفضلا وعدلا # وأما الآية التي احتج بها فقد ذكر البغوي وغيره من هل السنة اختلاف ~~المفسرين في معناها وفيها احتمالان لا دافع لهما وأيهما كان تفسيرها ~~فالثاني تفسير التي قبلها فافهم أحدهما أن يكون المراد التكاليف الشاقة مع ~~دخولها تحت القدرة وقد دل على ذلك حديث أبي قتادة رضي الله عنه خرجه مسلم ~~في الصحيح وغير مسلم وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عمن يصوم ~~الدهر فقال لا صام ولا أفطر فقيل كيف بمن يصوم يومين ويفطر يوما قال أو ~~يطيق ذلك أحد إلى قوله فيمن يصوم يوما ويفطر يوما وددت أني طوقت ذلك # وقد نص ابن الأثير في النهاية على أنه صلى الله عليه وسلم لم يعجز عن ذلك ~~لضعف # PageV01P328 # وأعظم من ذلك نفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطيق أحد على صوم ~~يومين وفطر يوم وذلك واضح في أنه صلى الله عليه وسلم فسر الطاقة هنا بما لا ~~مشقة فيه ولا حرج فدل على أن الشاق يسمى غير مطاق في عرفهم ولا أصح من ~~اثبات اللغة بالسند الصحيح بل المتفق على صحته من طريق تلقتها الامة ~~بالقبول وادعى الاجماع على صحتها باطنا وظاهرا عدد كثير من أئمة الاسلام ~~وعادة اللغويين والمفسرين الاكتفاء في مثل ذلك برواية بعض أهل اللغة بغير ~~سند ولا توثيق # الاحتمال الثاني أن يكون من تحميل عقوبات الذنوب في الدارين مثل المصائب ~~في الدنيا وعذاب القبر في البرزخ وعذاب النار في الآخرة ومن ذلك قوله تعالى ~~{وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} وهذا صريح في ~~هذا المعنى والحمد لله رب العالمين وكذلك قوله تعالى {ولنحمل خطاياكم وما ~~هم بحاملين من خطاياهم من شيء} # ومنه حديث عبد الملك في ابن الزبير وددت أني تركته وما يحمل من الاثم في ~~هدمها وبنائها ذكره ابن الأثير في نهاية الغريب في مادة ح م ل وهو معنى ~~صحيح فصيح وقد فسر ms305 بهذا المعنى العلامة المتفق على علمه وجلالته عبد الملك ~~بن جريج فقال هو مسخ القردة والخنازير رواه البغوي عنه في تفسير هذه الآية ~~فجعله من قبيل ما لا يطاق من عقوبات الذنوب وجعله كثير من المفسرين من ~~الاول أعني الشاق فقال مجاهد هو الغلمة وقال ابراهيم هو الحب وقيل شماتة ~~الأعداء وقال محمد بن عبد الوهاب العشق وقيل هو الفرقة والقطيعة ذكر ذلك ~~كله البغوي ولم يذكر قط عن أحد من المفسرين أنه تكليف المحال وهو من أهل ~~السنة فكيف يرى هذا المعنى المتسع لمثل هذه الاحتمالات والمعاني المختلفة ~~يقدم على النص الجلي الذي أثنى الله تعالى به على نفسه وتمدح به من قوله ~~{لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} وما في معناها وما في معنى ذلك من أسماء ~~الله الحسنى وما ذكرناه من الحديث ولا سيما ونزول قوله تعالى {لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها} كل ذلك مع قوله تعالى {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} # PageV01P329 # ) في آية واحدة وفي وقت واحد فلا يجوز أن يتناقض فيكون أحدهما ناسخا ~~والآخر منسوخا وكونهما نزلا معا أمر ثابت في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما وعن أبي هريرة كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنا ~~لو سلمنا لمن احتج بها ما توهمه من أن المراد لا تحملنا ما لا نطيقه من ~~التكاليف المحال وقوعها لما سلمنا أن الدعاء بذلك يستلزم جواز وقوعه من ~~الله تعالى فقد دل الدليل على جواز الدعاء بما لا يجوز على الله تعالى ~~خلافه كقوله تعالى {قال رب احكم بالحق} فانه دعاء إلى الله تعالى بما لا ~~يقع سواه وكذلك قوله تعالى {قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في ~~القوم الظالمين} فانه معلوم أن الله تعالى لا يجعل رسوله الكريم عليه ~~الحبيب اليه مع خصومه المكذبين به المعاندين له فيه وكذلك استغفاره صلى ~~الله عليه وسلم من ذنوبه فانه مأمور به في سورة النصر وهي نزلت بعد ms306 قوله ~~تعالى في سورة الفتح {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} فهو سؤال ~~لما لا يقع وكذلك قال صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام ألا أعلمك كلمات ~~إذا قلتهن غفر الله لك مع أنه مغفور لك رواه الترمذي والنسائي في اليوم ~~والليلة من حديثه عليه السلام فيكون الدعاء حينئذ عبادة يحصل بها الثواب ~~والتشريف للعبد والتقريب وتحصيل المسؤول بسببين لما لله تعالى في ذلك من ~~الحكمة فأولى وأحرى قوله تعالى {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} وهذا ~~أمر شهير كثير جدا ومنه قول القائل # (وهذا دعاء لو سكت كفيته ... لأني سألت الله ما هو فاعل) # وأعجب من ذلك قول الغزالي في الاحياء أن ذلك وقع جازما به محتجا عليه ~~بتكليف أبي لهب بالإيمان مع قوله تعالى {سيصلى نارا ذات لهب} وقد رد هذا ~~ابن الحاجب في مختصر المنتهى بأنه مثل خبر قوم نوح {أنه لن يؤمن من قومك ~~إلا من قد آمن} قلت بل هو والعلم السابق سواء والكل مسألة واحدة وهي ~~المعروفة في علم الأصول بالممتنع لغيره لا لذاته والتكليف بذلك جائز ~~بالاجماع ولا يسمى محالا وفاقا # PageV01P330 # وقد بين الحلي المعتزلي الشيعي في مختصر المنتهى أن ذلك هو الذي جوزه ~~الغزالي وابن الحاجب لا المحال لنفسه قلت بل ذلك جائز عند المعتزلة وجميع ~~المسلمين أجمعين إلا من زعم أن الله تعالى لا يعلم الغيب ممن يدعي الاسلام ~~من الغلاة في نفي القدر وقد بين ذلك العلامة ابن أبي الحديد في شرح نهج ~~البلاغة في شرح قوله عليه السلام اقتلوه ولن تقتلوه فكيف أوهم الغزالي في ~~الاحياء أنه يجوز التكليف بالمحال مطلقا وأوهم أن ذلك وقع # وقد قال السبكي في جمع الجوامع والحق وقوع الممتنع بالغير لا بالذات ~~وتسميتهم لهذا الجنس بالممتنع من قبيل المجاز وهو مما لا يجوز إلا مع ~~البيان لأن العلم غير مانع بنفسه عند جميع المحققين # وقد نص الشهرستاني من كبار الأشعرية على أن العلم غير مؤثر بالاجماع وصحح ~~ذلك ms307 غير واحد منهم دع عنك المعتزلة واحتج الجويني على ذلك بأنه لو كان ~~العلم يؤثر في المعلوم لما تعلق العلم بالقديم نفسه سبحانه وتعالى لأنه لا ~~يصح أن يؤثر في الله تعالى شيء # واحتج الرازي على ذلك بوجوه كثيرة منها أن ذلك يؤدي إلى نفي قدرة الله ~~تعالى وذلك كفر بالاجماع وإنما كان يؤدي إلى ذلك لأن علم الله تعالى متعلق ~~بجميع أفعاله وتروكه فكان يلزم أن ما علم الله أنه يفعله في وقت لم يوصف ~~بالقدرة على تركه ولا تقديمه ولا تأخيره وما علم أنه يتركه لم يوصف بالقدرة ~~على فعله وذلك يستلزم استقلال العلم بالتأثير واستغناء العالم عن القدرة ~~وذلك يستلزم انقلاب العلم قدرة وانقلاب الفاعل المختار غير مختار وذلك محال # وذكر ابن الحاجب أن مثل هذا يؤدي إلى أن التكاليف كلها تكليف بالمحال قال ~~وذلك خلاف الاجماع وقال أيضا أن الممكن لا يخرج عن امكانه بخبر أو علم ~~انتهى # PageV01P331 # واعلم أنهم إنما أرادوا أن العلم لا يؤثر تأثير القدرة في إيجاد ~~المعلومات وفعل المأمورات ولم يريدوا نفي كل تأثير للعلم مطلقا فان العلم ~~يؤثر تأثير الدواعي والصوارف مثاله أن من علم أن العقاب يحصل على ترك ~~الصلوات والثواب العظيم يحصل على فعلها كان علمه ذلك مرجحا لفعلها على ~~تركها مؤثرا في وقوعها من العالم بذلك ألا تراه لا يتركها مع أن تركها أسهل ~~ما ذاك إلا لترجيح العلم نعم وقد ذكرت في العواصم غير هذه الوجوه في أن ~~العلم غير مؤثر تأثير القدرة وكذلك الشيخ مختار في المجتبى جود الكلام في ~~ذلك وذكرت في العواصم وجها حسنا في افحام من يحتج على الله تعالى بالعلم من ~~المبتدعة والملاحدة وذلك أنا لو سلمنا تسليم جدل أنه مؤثر ومانع من خلافه ~~منع استحالة لزم أن تكون حجة الله تعالى على عذاب العصاة لأن العلم بأفعال ~~الله تعالى كما يتعلق بأفعال عباده إجماعا فكما أنهم لا يستحسنون من الله ~~تعالى يوم القيامة أن يقول إنما عذبتكم لسبق علمي بذلك فكذلك ms308 لا يحسن منهم ~~أن يقولوا إنما عصيناك لسبق علمك بذلك وإن حسن ذلك منهم كان من الله أحسن # ويلحق بهذه أمور يشتد تعجب العاقل منها # أحدها أن مذهب الغزالي نفسه أن التكليف بالمحال لذاته لا يجوز على الله ~~وهو مشهور عنه في شرح المنتهى وجمع الجوامع وغيرهما حتى ذكروا أن حجته على ~~ذلك هي حجة ابن الحاجب وإنما أراد الغزالي بالوصية بذلك في إحياء علوم ~~الدين الموافقة لعقيدة الاشعرية على أن ذلك لم يصح قط عن الاشعري ولا لذلك ~~عنه أصل صحيح كما أوضحته في العواصم ولذلك صدر ابن الحاجب المسألة بأن ~~التكليف بالمحال لا يجوز ثم قال ونسب خلافه إلى الاشعري على صيغة ما لم يسم ~~فاعله ثم ذكر أن ذلك نسب إلى الأشعري على جهة الالزام له لا أنه نص على ذلك ~~ثم تعصب أصحاب الاشعري له على توهم أنه مذهبه وقدموه على نصوص كتاب الله ~~تعالى ونصوص رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى البراهين العقلية فانا لله وإنا ~~إليه راجعون # وثانيهما أن الغزالي ذكر في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد تأويل ذلك بما ~~يخرجه عن محل النزاع ويقتضي جمع الكلمة على نفيه عن الله سبحانه # PageV01P332 # وتعالى فلله الحمد وذلك أنه ذكر فيه أن المراد بذلك مجرد اعتقاد المكلف ~~أنه مخاطب بذلك لا أنه مطلوب منه لكن خوطب به ليعتقد توجه الطلب اللفظي ~~اليه لا أنه أريد منه فعله ولا يجب عليه إلا مجرد ذلك الاعتقاد # قلت وهذا على نحو قول الله تعالى للمصورين يوم القيامة أحيوا ما خلقتم ~~للتعجيز لا لطلب ذلك منهم ومنه حديث من كذب في حلمه كلف يوم القيامة عقد ~~شعيرة وقد أشار إلى هذا الجويني في مقدمات البرهان فقال إن كان المراد ورود ~~صيغة الامر لا حقيقته فذلك جائز كقوله تعالى {كونوا قردة خاسئين} فان معناه ~~كوناهم قردة فكانوا كما شئنا وإن كان المراد تحصيل المأمور به فذلك ممتنع ~~قلت قد صرح الغزالي في الاقتصاد أن الأول هو المراد وعلى هذا فلا يكون ~~اعلام ms309 أبي لهب بأنه سيصلي نارا ذات لهب بعد كفره العظيم محل النزاع لوجوه # الوجه الأول إن النزاع إنما هو في تكليف يقع عليه الجزاء والعقوبة وحده ~~كما لو كلف أعمى بنقط مصحف على الصواب ولم يكلفه الله تعالى بغير ذلك ولا ~~عاقبة على سواه وكان الاعمى يود أنه تمكن من ذلك وامتثل ثم يخلد في عذاب ~~النار بترك ذلك فهذا ما لم ينسبه أحد إلى معبوده من جميع العقلاء بل هذا ما ~~لم ينسبه إلى أحد من رؤساء المخلوقين حتى تفاحشت البدع ورذلت حتى تكلم في ~~مهمات قواعد الإسلام بالآراء والأوهام وضربت فيها المقاييس والأمثال وتجارى ~~فيها أهل الاهواء مجاراة المتنافسين وتجاروا على ذلك مجاراة المتعادين فظن ~~بعضهم أن هذا ليس بصفة نقص عقلا مع موافقتهم على أن الكذب صفة نقص عقلا ~~والكذب دون هذا النقص بكثير لا سيما الكذب النافع ثم تجاسروا بعد ذلك على ~~تجويزه على الله تعالى ثم ادعوا وقوعه من الله تعالى # واعلم أنه لا استبعاد أن يعاقب الله تعالى بذلك في الآخرة من جوز عليه ~~التكليف بالمحال الذي لا يطاق كما صح أن يقال للمصورين يوم # PageV01P333 # القيامة أحيوا ما خلقتم وأن الكفار يؤمرون بالسجود ويحال بينهم وبينه فلا ~~يستطيعون بل مجوز ذلك على الله تعالى في دار التكليف أولى بهذه العقوبة لما ~~ثبت عن جماعة من الصحابة في الصحيحين وغيرهما أن الله تعالى يقول أنا عند ~~ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء ولما ثبت من مناسبة العقوبات للمعاصي حتى أن ~~من تردى من جبل فهو يتردى في النار من جبل ومن طعن نفسه بحديدة فهو يطعنها ~~في النار بحديدة وحتى رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله امرأة حبست ~~هرة حتى قتلتها والهرة تنهشها في النار وحتى ثبت أن الله تعالى يقول أليس ~~عدلا مني أن أولى كلاما تولى فيقول الخلق بلى فيرى كل عابد لغير الله ~~معبوده ويأمره باتباعه حتى يوردهم النار ويمثل لمن عبد عيسى صورة عيسى عليه ~~السلام وأمثاله من ms310 الصالحين كذلك وحتى قيل للمصورين أحيوا ما خلقتم وحتى ~~يكفر من قال الآخر يا كافر وليس كذلك ويعفى يوم الخميس والاثنين عن كل مسلم ~~إلا المتهاجرين حتى يصطلحا لأنهما أختارا عدم العفو مذهبا ونحو ذلك فليحذر ~~من هذه العقوبة الخاصة مع سائر أنواع العذاب صاحب هذا المذهب بل يحذر من ~~أهون من هذا وهو أن يناقشه الله تعالى الحساب على جميع ما أقدره عليه ومكنه ~~منه ولا يسامحه في قليل ولا كثير ويقول له أنت جوزت مني تكليف ما لا يطاق ~~وظننت ذلك في فلا أقل من أن أحاسبك على التكليف الذي لا يطاق ولا أسامحك ~~بشيء منه وفي ذلك هلاكه كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله ~~عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أنه قال (من نوقش الحساب عذب ~~وشواهده معلومة) وكفى بقول الله تعالى {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ~~ترك على ظهرها من دابة} وفي آية أخرى {ما ترك عليها} # الوجه الثاني أن الله لم يعلم أبا لهب بذلك بالنص ولا ظاهر القرآن يقتضي ~~ذلك أيضا وإنما أعلم رسوله صلى الله عليه وسلم وآله بذلك فمن أين أن أبا ~~لهب علم ذلك يقينا والله قادر على أن لا يعلمه ذلك لتزداد الحجة عليه وقد ~~ذكر هذا ابن الحاجب وقال أنه مثل إعلام نوح عليه السلام أنه لن يؤمن من ~~قومك إلا من قد آمن # PageV01P334 # الوجه الثالث أنه وإن علم ذلك فانه خارج مخرج الوعيد لا مخرج الاخبار ~~المحض والفرق بينهما واضح فان الوعيد مشروط بعدم التوبة مثل وعيد جميع ~~الكافرين # الوجه الرابع أنه لا مانع من أن يكون الخبر والقضاء والقدر والكتابة في ~~مثل ذلك مشروطة ويكون مما يجوز أن يدخل في قوله تعالى {يمحو الله ما يشاء ~~ويثبت وعنده أم الكتاب} ويدل عليه حديث لا يرد القضاء إلا الدعاء رواه ~~الحاكم وفي الباب عن معاذ وعائشة وأبي هريرة ذكرها الهيثمي وروي عن أبي ~~قلابة عن ابن مسعود رضي الله ms311 عنه أنه كان يقول اللهم إن كنت كتبتني في أهل ~~الشقاء فامحني وأثبتني في أهل السعادة وقال رواه الطبراني ورجاله رجال ~~الصحيح إلا أن أبا قلابة لم يدرك ابن مسعود وهذا باب واسع وقد ذكره الغزالي ~~وغيره في الجواب على ما من قال ما فائدة الدعاء والعمل مع سبق الاقدار ~~وجوده ابن قيم الجوزية في الجواب الكافي ونقلته في العواصم وزدت عليه ~~زيادات مفيدة # الوجه الخامس أنه ليس في الخبر أنه لا يؤمن فيجوز أبو لهب في نفسه حين ~~يسمعه أن يكون لو آمن من المؤمنين العصاة وأن يدخل النار بذلك ويطمع في ~~العفو بعد دخولها على الاصل في حسن ذلك عقلا أو لسماعه أن السمع ورد بذلك ~~فانه لا مانع من ذلك فاذا جوز أبو لهب ومن في حكمة هذه الأمور أو بعضها ~~قامت عليه الحجة والعذر الحق الذي هو سنة الله تعالى في عدله وحكمته يوم ~~القيامة فكيف مع هذه الأمور واحتمالها يجوز للعاقل أن يقطع على أن تكليف ~~المحال قد وقع والتقول على الله بما لم يقل كالكذب عليه والتوصل إلى ذلك ~~بالشبه الواهيات صنيع المخذولين من أهل الضلالات فان الاجتراء على الابتداع ~~في الدين ذنب عظيم وربما أدى صاحبه إلى الكفر والعياذ بالله وهل ذلك إلا ~~كالاحتجاج على تجويز الولد بقوله تعالى {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول ~~العابدين} مع وجود النصوص الجمة على بطلان ذلك وتعظيم تقبيحه بنحو قوله ~~تعالى # PageV01P335 # {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه ~~وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا} الى آخر الآيات ولو سلمنا أن النصوص تعارضت ~~في مثل هذه المسألة كان الواجب على العالم أن يرجح منها المحكم الموافق ~~الاكثر ثناء على الله تعالى ومدحا لله تعالى ومناسبة لاسمائه الحميدة ~~المحكمة الحسنى لقوله تعالى {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} وقوله ~~تعالى {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك ~~هم أولوا الألباب} فما الموجب لترجيح تشبيه أفعال أحكم الحاكمين بأفعال ~~المجانين ms312 والاطفال حين لاح لذلك أدنى خيال وتقديم أضعف الأوهام وأبعد ~~الاحتمالات والجزم بوقوع ذلك دون نقيضه الذي هو منطوق به في نصوص القرآن ~~الصادعة معلوم احكامه واثباته في البراهين القاطعة داخل في الأسماء الحسنى ~~غرة في الحمد والمدح والثناء وأعجب من ذلك كله المحافظة من الغزالي على ~~الوصية باعتقاد ذلك لأهل الجمل في الاعتقاد من المتعبدين والزهاد والذين لم ~~يعرفوا الخلاف في دقائق الكلام مع نهي الغزالي عن علم الكلام وذكر مساويه ~~وما يؤدي اليه الخوض فيه لأنه ذكر هذا في الرسالة القدسية من مقدمات ~~الاحياء الذي بالغ فيه في ذم علم الكلام لما جر اليه من البدع فاي بدعة ~~بديعة ومحدثة شنيعة أبدع وأشنع من وصية الزهاد والصالحين من عوام المسلمين ~~باعتقاد ذلك في أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وإيهامهم أن اعتقاده من ~~الفرائض المؤكدة في دين الله تعالى وان من لم يعتقد ذلك كان على أعظم خطر ~~من عذاب الله ولقد مضى أكثر عمر الدنيا على مالا يحصى من الظلمة والفجرة ~~والفسقة والكفرة والخلفاء والسفهاء فما علم أن أحدا منهم فعل ذلك على الوجه ~~الذي جوزه المخالف على الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وإنما كانوا ~~يعاقبون من لا ذنب له لحاجتهم إلى تحصيل الاموال أو لدفع المضار أو ~~لمجموعهما أو تشفيا من عدو مضر انتصافا منه ونقما للثأر ونحو ذلك مما ألف ~~وعرف من عادات الفجار وهذا أيضا غير تكليف المحال إنما هذا أنزل المضار ممن ~~لا يستحقها وأما ان أحدا من جميع ما ذكرناه من أنواع الاشرار # PageV01P336 # وجد مريضا ليس بينه وبينه عداوة ولا له في تعذيبه حاجة ألبتة ولا غرض له ~~ولا داعي ولا له ذنب ولا عليه حجة فأمر بتكليفه حمل الجبال أو ما لا يطيق ~~من الاحمال ومسابقة الرياح والحيل السابقة فان لم يفعل ما لا يطيق من ذلك ~~عذب أشد العذاب وعوقب أفحش العقاب فما كان هذا من فاجر ولا كافر ولا خليع ~~ولا سخيف ولا يجوز أن يكون منهم ولو فعل ms313 مخلوق لكان الله تعالى هو الذي ~~يشتد عليه غضبه وسخطه ويتولى عقوبته وملامته وإذاقته أعظم الخزي الهوان ~~والمقت والفضوح فكيف ينسب جواز ذلك بل وقوعه وتجويز أفحش ما يكون من جميع ~~أنواعه الفاحشة إلى الملك العلي الحميد الصمد المجيد السبوح القدوس الذي ~~كره ذلك وسخطه وحرمه ويعادي على أقل منه كل جبار عنيد وقال في كتابه المجيد ~~{وما ربك بظلام للعبيد} وقال على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وآله يا ~~عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظلموا كما رواه ~~مسلم في الصحيح عن حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه # ومن الشبه في ذلك قوله تعالى {فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ~~ولا تحزني} قالوا فحرم عليها الخوف والحزن في هذه الحال وكلفها اعدامهما عن ~~قلبها وهي لا تستطيع ذلك # والجواب أن النهي هنا لم يرد للتحريم فقد ذكر السبكي في جمع الجوامع ~~للنهي ثمانية معان أحدها بيان العاقبة كما في هذه الآية الشريفة وذلك أن ~~النهي فيها إنما ورد للبشرى بوقوع ما لا ينبغي عنده الخوف والحزن فانه مقام ~~تكريم لا مقام تكليف ولذلك عقبه بقوله {إنا رادوه إليك وجاعلوه من ~~المرسلين} وهاتان بشارتان عظيمتان ممن علمت صدقه في كل خبر وقدرته على كل ~~شيء واحاطة علمه بكل غيب فهي تقابل ما في طبعها البشري مع ما ذكره الله ~~تعالى بعد ذلك من ربطه على قلبها # يوضحه أنه مقام لطف وتشريف لا مقام تحريج وتعنيف ولو سلمنا أنه نهي تحريم ~~لوجب في حكمة الله تعالى وعوائده مع عباده المؤمنين # PageV01P337 # أن يمكنها من مفارقه ما نهاها عنه كما ذكره وابن عباس رضي الله عنه في ~~تكليف الواحد بقتال عشرة أنهم لو صبروا عليها لطوقوها رواه البخاري ولو ~~سلمنا أن ظاهر التحريم توجه إلى ما لا يطاق لوجب تأويله لوضوحه لأنه متشابه ~~على ما يوافق المحكم الذي هو أم الكتاب كما ثبت في تحريم النياحة أنه لا ~~يؤاخذ بما كان من العين والقلب فثبت ms314 أن سلمنا أنه للتحريم أن المراد النهي ~~عن الاسترسال مع الطبيعة البشرية ومقابلتها ومدافعتها بما علمنا الله تعالى ~~من نحو قوله {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} وتذكير عظيم ثوابه وخفي ~~ألطافه وصدق مواعيده وأنه كاشف الكروب علام الغيوب وما يحصل به الرضا لدون ~~أم موسى # وقد ذكر بعض المفسرين نحو هذا الوجه الثالث في تفسير {خلق الإنسان من عجل ~~سأريكم آياتي فلا تستعجلون} فقال أنهم أقدروا ومكنوا من مدافعه الطبيعة ~~المخلوقة فلذلك نهوا عن الاستعجال وقد خلقوا على هذه الطبيعة كما أن ~~المخلوق على طبع الشح مأمور باخراج الزكاة ممكن من ذلك فانه يتصرف في ~~شهواته أضعافها # وإنما ذكرت مثل هذه الأشياء على جهة التقرب إلى الله وإلا فجوابها لا ~~يخفى على أهل الممارسة للجمع بين المتعارضات ورد الفروع الى الأصول ~~والمظنون إلى المعلوم # PageV01P338 # المختصرات عموم المسلمين فيوهمون أن ذلك من أركان الاسلام فلولا أن هذا ~~قد وقع منهم ما كان العاقل يصدق بوقوعه ممن هو دونهم فنسأل الله تعالى ~~العافية # وإنما أوضحت هذا الكلام أيها السنى لتغتبط بعلم القرآن والاثر ولتصونه عن ~~شوبه بأمثال هذا من بدع أهل الدعاوى للحذق في النظر فقد صارت أقوالهم في ~~الركة أمثالا وعبرا لمن اعتبر وجميع ما يرد على هذا من الأسئلة وأجوبتها ~~تقدم في المسألة الأولى في إثبات حكمة الله تعالى فخذه إن احتجت اليه ~~والحمد لله رب العالمين ### | خاتمة تشتمل على فائدة نفيسة # وهي أن هذه المسألة وأمثالها مما بالغت في نصرته مثل اثبات حكمة الله ~~تعالى وتعظيم قدرته عز وجل من قبيل الثناء الحسن بحيث لو قدرنا الخطأ في ~~شيء منها ما كان يخاف منه الكفر والعذاب قطعا وأما أضدادها فانه يخاف ذلك ~~عند تقدير الخطأ فيها لاستلزامها ما لا يجوز على الله تعالى من النقص ~~المضاد لاسمائه الحسنى التي هي جمع تأنيث الاحسن من كل ثناء لا جمع تانيث ~~الحسن كما مر تقريره فاعرض هذه الفائدة النفيسة على كل عقيدة لك وشد عليها ~~يديك في كل ما ms315 لم يعارض المعلوم ضرورة من الدين والله الموفق والهادي إلى ~~الصواب # المسألة الخامسة أن الله تعالى لا يعذب أطفال المشركين بذنوب آبائهم ولا ~~بغير ذنب وهذه من فروع اثبات الحكمة وهي أخت التي قبلها وهو مذهب جماهير ~~الاسلام بل لم يعرف فيه خلاف بين السلف فانهم كانوا مجمعين على عدل الله ~~تعالى وحكمته في الجملة والاجماع على ذلك يتقضي المنع من كل ما يضاده وممن ~~صرح باختيار هذا البخاري في صحيحه والنووي في شرح مسلم وقواه واحتج عليه ~~ونسبه إلى المحققين وكذلك اختاره علي بن عبد الكافي الشهير بالسبكي في كتاب ~~جمعه في هذه المسألة وهما من عيون أئمة السنة والطائفة الشافعية وكذلك ~~اختار ذلك العلامة أبو # PageV01P339 # عمر بن عبد البر في كتابه التمهيد وهو من أئمة السنة واختاره غير واحد ~~منهم دع عنك خصومهم في ذلك من الشيعة والمعتزلة # واحتج النووي وغيره على ذلك بقوله تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ~~وبما رواه البخاري في صحيحه عن سمرة في حديثه الطويل وفيه ذكر رؤيا النبي ~~صلى الله عليه وسلم وآله وفيها ما لفظه والشيخ في أصل الشجرة ابراهيم عليه ~~السلام والصبيان حوله أولاد قالوا يا رسول الله وأولاد المشركين قال وأولاد ~~المشركين وهذا نص في موضع النزاع من أصح كتب الاسلام عند أئمة الحديث وأما ~~كونه رؤيا فلا يضر لوجهين أحدهما أن رؤيا الأنبياء عليهم السلام وحي وحق ~~ولذلك عزم الخليل عليه السلام على ذبح ولده بسببها وهذا إجماع وثانيهما أن ~~هذا السؤال عن أولاد المشركين وجوابه كان في اليقظة لا في الرؤيا # وقد أوضحت في العواصم أنه لم يصح في تعذيب الأطفال بغير ذنب منهم حديث قط ~~ولا صح ذلك عمن ينظر اليه من أئمة السنة وإنما قالت طوائف منهم بأقوال ~~محتملة منها أن الله تعالى يكمل عقول الصبيان ويكلفهم في عرصة من عرصات يوم ~~القيامة بتكيلف يناسب ذلك اليوم مثل ما روى أنه يخرج لهم عنقا من النار ~~فيأمرهم بورودها فمن كان سعيدا في علم الله ms316 تعالى لو أدرك العمل وردها ~~فكانت عليه بردا وسلاما ومن كان شقيا في علم الله تعالى لو أدرك العمل ~~امتنع وعصى فيقول الله تعالى لهم عصيتموني اليوم كيف رسلي لو أتتكم أو كما ~~ورد # وسبب مصير من صار منهم إلى هذا القول أحاديث كثيرة وردت بذلك منها عن أبي ~~سعيد وأنس ومعاذ والاسود بن سريع وأبي هريرة وثوبان وروى ذلك أيضا أحمد بن ~~عيسى بن زيد بن علي عليه السلام عن جده زيد بن علي ذكره صاحب الجامع الكافي ~~وقال السبكي في كتابه في ذلك أن أسانيد هذه الأحاديث صالحة # قلت وفسروا بهذه الاحاديث حديث الله أعلم بما كانوا عاملين وهو الذي اتفق ~~على صحته في الباب وسنة الله في إقامة الحجج على خلقه # PageV01P340 # لا تحيل هذا احالة قاطعة كما تحيل تكليف المحال ولا حجة واضحة على أن هذه ~~الاحاديث موضوعة يجوز الجزم بتكذيبها وقد قال الله تعالى {يوم يكشف عن ساق ~~ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون} فأثبت تكليفا بذلك السجود يوم القيامة وصح ~~وتواتر أن الميت يمتحن في قبره في المسألة عن الشهادتين وأن المؤمن يثبت ~~فيقولهما والكافر والمنافق يتلجلج أو يقول لا أدري # وفي الصحيحين من حديث البراء أن قوله تعالى {يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} نزلت في ذلك وكذلك أجمع أهل ~~السنة على أن للبرزخ حكما بين حكم الدنيا والآخرة ومنه أن موسى عليه السلام ~~كان يصلي في قبره رواه مسلم ومنه ضمة القبر ونحوها فنكل علم تلك الاخبار ~~إلى الله ولا نجوز على الله تعالى ظلما لأحد من عباده ولا عبثا ولا لعبا ~~ولا مباحا لا يستحق عليه الثناء والحمد وإنما نجوز عليه ما يستحق عليه ~~الثناء والحمد سواء علمنا وجهه أم لا وكذلك لا نجوز عليه تعذيب الميت ببكاء ~~أهله عليه من غير حكمة ولا ذنب ولا عوض لكن قد روى ذلك ابن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وآله وردته عليه عائشة رضي الله عنها ورواه جماعة ms317 من ~~الصحابة رضي الله عنهم غير ابن عمر فاحتمل تأويله على أحد وجوه # الوجه الأول أن يكون الميت أوصى بذلك وعلى ذلك حمله البخاري وغيره لأن ~~ذلك كان عادتهم وهي قرينة قوية لهذا التأويل # الوجه الثاني أن يكون العذاب مستحقا للميت على ذنوبه لما ثبت في الصحيح ~~أن من نوقش الحساب عذب وأن أحدا لا يدخل الجنة بعمله وإنما يدخلها برحمة ~~الله تعالى وإن الباء في قوله تعالى {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} باء ~~السبب لا باء الثمن جمعا بين النصوص وهو من حمل المشترك على أحد الحقيقتين ~~بالحجة لا من صرف الظاهر إلى # PageV01P341 # المجاز والعقول والفطرة ترجح ذلك فان سبحان الله تملأ الميزان والله أكبر ~~تملأ ما بين السماء والارض بل قد صحت النصوص قرآنا وسنة أن السيئة بمثلها ~~أو يعفو الله عنها والوحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والله يضاعف لمن ~~يشاء والصبر والصوم بغير حساب # فاذا تقرر ذلك جاز أن يكون البكاء المحرم المغضب لله عز وجل سببا لمؤآخذة ~~الميت بما يستحقه من العقوبة على ذنوبه التي قدمها ونسب التعذيب إلى البكاء ~~لهذه السببية مع حسن تعذيبه لو لم يبك عليه بذلك ويكون هذا التعذيب ~~والاخبار به زاجرا عن الاصرار على سنة الجاهلية المستحكمة في طباعهم ~~المقوية للدواعي إلى إظهار الجزع ولطم الخدود وشق الجيوب وحلق الشعور وإن ~~لم يبكوا امتثالا لأمر الله عفا الله عن ميتهم وترك تعذيبه المستحق بذنوبه ~~مع ثوابهم على امتثالهم ويكون هذا العفو والاخبار به داعيا ومرغبا ولطفا في ~~فعل هذه الطاعة # الوجه الثالث أن يكون عذاب القبر مثل الآلام الدنيوية للعوض والاعتبار ~~مثل ما صح من ضمة اللحد ويكون مع بكاء فقط وإن ترك البكاء لم يزد على ضمة ~~اللحد وهذا أشار اليه الذهبي وذكر أن للبرزخ حكما بين حكم الدنيا والآخرة ~~وأنه ليس مثل الحال بعد اقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ~~والحجة في ذلك من الكتاب والسنة كما مضى وادعى الاشعري أنه اجماع أهل السنة ~~ذكره ms318 ابن كثير في البداية والنهاية والله أعلم # المسألة السادسة في التحسين العقلي ويدل عليه قوله تعالى {أو لم يتفكروا ~~في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} وتقدم طرف من ~~ذلك في المسألة الأولى في إثبات حكمة الله تعالى ونزيد هنا فنقول اختلف ~~الناس في ذلك اختلافا ظاهره التباعد الكثير ومع تلخيص محل النزاع والتوسط ~~يسهل الامر ويقرب من الاتفاق فقد ذكر الرازي وغيره من متكلمي الأشعرية أنه ~~لا خلاف فيه باعتبارات ثلاثة # PageV01P342 # أحدها باعتبار الشهوة والنفرة وثانيها باعتبار جلب النفع ودفع الضر ~~وثالثها باعتبار صفة النقص كالكذب والجهل وصفة الكمال كالصدق والعلم وعنوا ~~بالكذب الذي لم تدع اليه ضرورة وبالصدق الذي ليس بضار # ومن هنا لم يجوزوا وقوع الكذب في كلام الله تعالى لأنه صفة نقص قالوا ~~وإنما الخلاف في معرفة العقل لوجوب استحقاق الذم في الدنيا والعقاب في ~~الآخرة على فعل صفة النقص لا جوزها من غير وجوب وكذلك معرفة العقل لوجوب ~~استحقاق الثناء في الدنيا والثواب والثناء في الآخرة على فعل صفة الكمال لا ~~جواز ذلك من غير وجوب ولذلك حكى الزركشي في شرحه لكتاب السبكي المسمى جمع ~~الجوامع أن قوما توسطوا فقالوا إن القبح واستحقاق الذم عليه ثابت بالعقل ~~وأما العقاب فمتوقف على الشرع قال وهو الذي ذكره أسعد بن علي الزنجاني من ~~أصحابنا الشافعية وأبو الخطاب من الحنابلة وذكرته الحنفية وحكوه عن أبي ~~حنيفة قال وهو المنصور لقوته من حيث الفطرة وآيات القرآن المجيد وسلامته من ~~الوهن والتناقض اه # وقد تقدم في المسألة الأولى أن تسليم هذا القدر من التحسين العقلي يوجب ~~الموافقة على إثبات الحكمة في أفعال الله تعالى وأنه لا فرق في التحسين بين ~~الأقوال والأفعال وقد ثبت وقوف الأقوال على الحكمة حيث وجب القطع بأن الله ~~تعالى يختار الصدق على الكذب في جميع كلامه وكتبه والموجب ذلك هو بعينه ~~يوجب مراعاة الحكمة في الأفعال وهذه فائدة مهمة وحجة بينة ينبغي التعويل ~~عليها في دعاء من ينكر الحكمة إلى الحق ms319 والله الهادي # وقول الزركشي أن ذلك هو المنصور لموافقته الفطرة وآيات القرآن المجيد قول ~~صحيح وأراد بآيات القرآن المجيد ما ورد في ذلك مثل ما قدمنا من قوله تعالى ~~{أو لم يتفكروا في أنفسهم} الآية ومثل قصة موسى والخضر عليهما السلام فانها ~~صريحة في ذلك والحجة فيها من وجهين # PageV01P343 # أحدهما أن موسى عليه السلام إنما أنكر ذلك بالفطرة العقلية بدليل أن الله ~~تعالى قد كان أعلمه أن الخضر أعلم منه والتفاضل إنما هو في الشرعيات ودقائق ~~العقليات فلما كان ما أنكره موسى من جليات العقليات حسب موسى أنه لا مفاضلة ~~فيها إذ كانت معرفتها بالبصيرة مخلوقة مثل خلق الاسماع والابصار أو حسب أن ~~تفضيله لم يكن في ذلك لأن موسى لم يدع أنه أعلم الناس بالعقليات والحجة من ~~هذا الوجه تحتمل النزاع البعيد # وثانيهما وهي الحجة القاطعة أن الخضر لم يحتج على موسى بمجرد ورود أمر ~~الله تعالى بذلك وان الامر الشرعي هو المحسن بذلك بمجرده وأن تقبيح العقول ~~لما يقبحه باطل بل جعل الجواب الشافي عن ذلك الرافع للريب عن موسى عليه ~~السلام هو بيان الحكمة الخفية المناسبة لمقتضى العقول في الموازنة بين ~~المضار والمصالح وتقديم ما ثبت من ذلك أنه الراجح وتحسين المضار متى اشتملت ~~على المصالح الراجحة وأدت إلى الغايات الحميدة وهذا عين مسألتنا ومحل ~~النزاع ولكن العقول أقل وأجهل وأدنى وأحقر من أن تحيط بجميع حكم الله تعالى ~~وأسراره وغايات ارادته في قضاياه وأقداره فلا يمكن الجزم بقبح شيء معين من ~~أفعال الله تعالى لأن أفعاله سبحانه وتعالى واضحة الحكمة بينة النفع ~~والصلاح للمتفكرين في ذلك وما كان منها متشابها وهو القليل فهو محتمل للحكم ~~الخفية وليس في أفعاله سبحانه وتعالى ما هو معلوم القبح للعقول بالضرورة ~~ألبتة # وبيان ذلك أن المعلوم قبحه بالضرورة هي المضار التي لا نفع فيها بوجه من ~~الوجوه ولا فيها احتمال لذلك عاجلا ولا آجلا ألبتة وكيف يمكن أن تحيط ~~العقول بذلك في شيء من أفعال الحكيم العليم وهو سبحانه وتعالى ms320 يقول {وعسى ~~أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون} وقد صرح الزمخشري بهذا المعنى في تفسير قوله تعالى {هو ~~الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} # PageV01P344 # ) ومثال القبيح بالضرورة الذي لا يجوز على الله بعثة الكذابين لما فيه من ~~الفساد المتفاحش وهو عدم الثقة بكلام الله تعالى وكلام جميع رسله عليهم ~~السلام لا في دين ولا في دنيا ولا في حد ولا في مهم ولا ترغيب ولا ترهيب ~~وهذا هدم للمصالح كلها والصلاح أجمع ولذلك كان الله أصدق القائلين وكان من ~~أبغض الخلق اليه الملك الكذاب لأن الذي قد يهون قبح الكذب في بعض المواضع ~~ويعارض ما فيه من الفساد هو الضرورة الملجئة اليه كخوف المضار ونحو ذلك ~~والملوك أبعد الناس منها لقدرتهم على دفع المضار وإن كانت قدرتهم قاصرة ~~فكيف بملك الملوك الذي هو على كل شيء قدير وعن كل شيء غني وإنما يجوز عليه ~~ما تخفى فيه الحكمة على الخلق لقصور علومهم من الامور المحتملة مثل ما سألت ~~عنه الملائكة عليهم السلام من الحكمة في خلق آدم وذريته لظنهم أنهم كلهم ~~أشرار لا خير في أحد منهم والشر المحض الذي لا خير فيه ألبتة لا عاجلا ولا ~~آجلا قبيح في العقول وأما الشر المشتمل على الخير والغايات الحميدة أو ~~المجوز فيه شيء من ذلك فلا مجال للعقول في القطع بقبحه ولذلك أجاب عليهم ~~بقوله تعالى {إني أعلم ما لا تعلمون} ولم يقل إنه يحسن مني كل ما تستقبحون ~~وكل ما تستقبحه العارفون ولو كانت أفعال الله معطلة من الحكم لم يكن لذكر ~~علمه وزيادته على علمهم معنى في هذا الموضع لأن الحكمة على قول الخصم ~~ممتنعة الامكان في حق الله تعالى فلم يتعلق بها علمه كما لا يتعلق برب ثان ~~مشارك له في الربوبية ومن ثم أظهر الله تعالى بعد ذلك فضل آدم بعلم الاسماء ~~ولو كان كما زعموا من تعطيل أفعاله من الحكم لفضله بغير سبب فدل ms321 على أنه ~~أراد ببيان شيء من الخير الذي أحاط به علمه في خلق آدم عليه السلام وذريته ~~ولم يحيطوا بشيء من الخير في ذلك فبين لهم أن فيه خيرا كثيرا وبان بذلك أن ~~الشر المحض لا يكون من أفعاله تعالى بخلاف الشر المشتمل على الخير فيكون ~~فيها ويكون ذلك الخير هو المقصود وهو المسمى تأويل المتشابة في لسان الشرع ~~وغرض الغرض في لسان الحكماء ولذلك قال تعالى لهم بعد ذلك إنه يعلم غيب ~~السموات والأرض ويعلم ما لا يعلمون وهذا يدل على ما قيل أن العالم كله ~~كالشجرة وأهل الخير من الخلق هم ثمرة تلك الشجرة ويدل عليه # PageV01P345 # قوله تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} أي ليعبدني العابدون منهم ~~على أحد التفاسير كما قررته بشواهده في العواصم # يوضح ذلك حديث الخليل عليه السلام وفيه نهيه عن الدعاء على من رآه يعصي ~~الله وفيه ان الله تعالى قال له إن قصر عبدي مني إحدى ثلاث إما أن يتوب إلي ~~فأتوب عليه أو يستغفرني فأغفر له أو أخرج من صلبه من يعبدني رواه الطبراني ~~ثم الهيثمي في مجمع الزوائد وهذه الاشارة مع الفطرة تكفي بحسب هذا المختصر ~~إن شاء الله تعالى وتقدمت بقية المباحث في المسألة الأولى في إثبات حكمة ~~الله تعالى # المسألة السابعة في الوعد والوعيد والاسماء الدينية وليس في هذه المسألة ~~تكفير ولا تفسيق باتفاق الفريقين فيما علمت إلا ما يأتي ذكره في إحدى ~~صورتين لا يقع فيهما أحد من أهل العلم والخير وهما التكذيب بعد التواتر ~~وتجويز الخلف على الله تعالى في الوعد بالخير لأن الفريقين متفقون على وجوب ~~صدق الله تعالى وإنما اختلفوا عند تعارض بعض السمع في كيفية الجمع بين ~~المتعارضات والترجيح لبعضها على بعض فيما يصح فيه الترجيح أو الوقف عند عدم ~~التمكن من الجمع والترجيح وقد صح بعض الاختلاف بين الملائكة عليهم السلام ~~كما دل عليه قوله تعالى {ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون} كما ~~تقدم شواهده في مسألة اثبات الحكمة ms322 وورد في الحديث الصحيح اختلاف الملائكة ~~في هذه المسألة بعينها وذلك حيث اختلفوا في حكم النادم المهاجر بعد قتل ~~مائة نفس حتى جاءهم ملك فحكم بينهم فكانت الاصابة لملائكة الرحمة ولله ~~الحمد والمنة والحديث طويل رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ولا ~~يصح تأثيم أحد منهم بالاجماع لأن الذين أرادوا عذابه إنما اشتد غضبهم لله ~~تعالى والذين أرادوا نجاته إنما رجوا له سعة رحمة الله تعالى فكذلك علماء ~~الاسلام في هذه المسألة إنما خاف بعضهم من مفاسد الامان وخاف بعضهم من ~~مفاسد القنوط ومن مفسدة تكذيب البشرى ومفسدة ثقة الانسان بنفسه وحوله وقوته ~~وعلمه ونحو ذلك ومن نظر بعين التحقيق وجد القول الحق الوارد في السنة خاليا ~~من جميع هذه المفاسد # PageV01P346 # ولا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله مبين لكتاب الله عز وجل ~~أمين على تأويله وأن المرجع في بيان كتاب الله تعالى إلى السنة الصحيحة ~~فليس في كتاب الله تعالى من تفاصيل الصلاة والزكاة والصوم والحج وأمثالها ~~إلا اليسير ولا شك أن الاستثناء من الوعد والوعيد وتخصيص العمومات بالأدلة ~~المتصلة والمنفصلة مقبول إما على جهة الجمع ولا شك في جوازه وصحته وحسنه ~~والاجماع على ذلك وكثرة وقوعه من سلف الامة وخلفها بل لا شك في تقديمه في ~~الرتبة والبداية بذلك قبل الترجيح فان تعذر الجمع فالترجيح فان وضح عمل به ~~وإن لم يتضح وجب الوقف لقوله تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم} ولذلك اخترت ~~الوقف في حكم قاتل المؤمن بعد الانتصاف منه للمظلوم والقطع على أنه فاسق ~~ملعون واجب قتله والبراءة منه والقطع أن جزاءه جهنم خالدا فيها كما قال ~~الله تعالى على ما أراد وإنما وقفت في محل التعارض الذي أوضحته في العواصم ~~لا على حسب ما قيل في أن الله تعالى في هذه الآية هل بين جزاءه الذي له أن ~~يفعله إن شاء أو بين جزاءه الذي تخير له في تنجيزه حين لم يبق إلا حقه بعد ~~استيفاء حق المظلوم ms323 المقتول والله سبحانه أعلم # فمن رجح الجمع بين وعيد القاتل وبين قوله تعالى {ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء} وسائر آيات الرجاء وأحاديثه قال بالاول ومن رجح وعيد القاتل في هذه ~~الآية وفي الاحاديث المخصصة لقتل المؤمن بقطع الرجاء كما أوضحته في العواصم ~~رجح وعيد القاتل ومن تعارضت عليه ولم ير في تنجيز الاعتقاد مصلحة ولا له ~~موجبا ولا اليه ضرورة رجح الوقف والله عند لسان كل قائل ونيته # ولا شك في ترجيح النص الخاص على العموم وتقديمه وعليه عمل علماء الاسلام ~~في أدلة الشريعة ومن لم يقدمه في بعض المواضع لم يمكنه الوفاء بذلك في كل ~~موضع واضطر إلى التحكم والتلون من غير حجة بينة وقد أجمع من يعتد به من ~~المسلمين على تخصيص الصغائر من آيات الوعيد العامة على جميع المعاصي متى ~~كان أهل الصغائر من المسلمين ولم يلزم من ذلك خلف في آيات الوعيد ولا كذب ~~ولا تكذيب لشيء منها فكذلك # PageV01P347 # سائر ما صح من أحاديث الرجاء ليس فيه مناقضة لعمومات آيات الوعيد ولا ~~يستلزم تجويز الخلف على الله تعالى وذلك باب واحد ولذلك اشتهرت أحاديث ~~الرجاء في عصر الصحابة والتابعين ولم ينكرها أحد بل رواتها أكابرهم وأئمتهم # وفي العواصم من ذلك عن علي عليه السلام بضعة عشر أثرا بل المخصصات ~~للعمومات في ذلك قرآنية وعمومات الوعد مانعة قبل تخصيص الوعيد من الجزم على ~~وقوع عمومه دون عموم الوعد على أن الخلف عند جماعات كثيرة لا يكون إلا عدم ~~الوفاء بالوعد بالخير وأما الوعيد بالشر فقد اختلف في تركه وأجمعوا على أنه ~~يسمى عفوا كما قال كعب ابن زهير # (أنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول) # وإنما اختلفوا مع تسميته عفوا هل يسمى خلفا أم لا ومن منع من ذلك منع صحة ~~النقل له لغة واحتج على امتناعه بأنه لا يصح اجتماع اسم مدح واسم ذم على ~~مسمى واحد وقد تقدم زيادة في هذا في مسألة الحكمة فلينظر هناك # ويستثنى من هذا كل وعيد ms324 جعله الله تعالى نصر للانبياء والمؤمنين ووعدهم ~~به فانه يكون حينئذ وعدا لا يجوز خلفه كما قال صالح عليه السلام لقومه ~~{تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب} ولذلك سماه وعدا # وأما قصة يونس عليه السلام فقد تقدم الكلام عليها في مسألة الحكمة وكذلك ~~اختلفوا في قوله تعالى {ما يبدل القول لدي} هل هي خاصة فيمن نزلت فيه من ~~الكفار وهل فيها شيء من ذلك لقوله تعالى {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} # PageV01P348 # أم لا فمن قال بعمومها لم ينظر إلى سبب نزولها في الكفار وجعلها كقوله ~~تعالى {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم} ومن ~~قصرها عليهم نظر إلى الجمع بين هاتين الآيتين وبين قوله تعالى {وإذا بدلنا ~~آية مكان آية} وقوله تعالى {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها} وخاصة إذا جوز أن نفي التبديل مقيد بيوم نقول لجهنم هل امتلأت وأنه ~~ظرف له فهؤلاء فهموا من مجموع الآيات أن التبديل ينقسم إلى مذموم ومحمود ~~فالمذموم ما كان من خير إلى شر والمحمود ما كان من شر إلى خير أو من خير ~~إلى خير أفضل منه أو مثله وجعلوا العفو خيرا من العقوبة في حق المسلمين لما ~~ورد في الاحاديث في هذا بعينه وفي من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ~~وأجمعت عليه الأمة في من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها # وينبغي هنا تحقيق النظر في الفرق بين الوعيد والخبر المحض عن الواقع في ~~المستقبل وذلك أن الوعيد يحسن ممن لا يعلم الغيب بخلاف الخبر المحض وإذا لم ~~يفعله لتوبة أو رحمة لم يعد في لغة العرب من الكذابين المذمومين فكيف إذا ~~كان إنما بين مراده ولم يرجع عنه لأنه عند هؤلاء في خطاب المسخوطين خاصة ~~كقول يوسف {معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون} ~~ولو كان له رغبة في رحمتهم وإسعادهم وجد اليه السبيل ms325 والله سبحانه أعلم ~~وأحكم # ومن أمثلة ذلك الحالف على أن لا يفعل ما يستحب فعله فان كان له حكمة ~~مرجحة لتركه وهو يخفيها كان له في اليمين عذر وإن أحب أن يفعل المستحب كان ~~له فيه المخرج ولله تعالى من ذلك كله أجمله وأحسنه وأكثره حمدا وثناء # وقد ذكرت في العواصم من أحاديث الرجاء المبينة للمراد في عمومات الوعيد ~~أكثر من أربعمائة حديث من دواوين الاسلام المعروفة مع ما شهد لها من الآيات ~~القرآنية ومن أعظمها بشرى حديث معاذ المتفق عليه وفيه # PageV01P349 # أنه قال أفلا أبشر الناس قال دعهم يعملوا فدل على أنه على ظاهره وعلى أن ~~جانب الرجاء مكتوم للمصلحة يوضحه حديث من مات له ثلاثة لم تمسه النار قالوا ~~واثنان قال واثنان فقد كان أوهمهم بمفهوم العدد أن الرجاء يختص بالثلاثة ~~ولم يبدأهم بالبشرى بالاثنين لمصلحة التخويف ومنه قوله في ذلك لم تسمه ~~النار إلا تحلة القسم فدل على أن القدر الواجب المقسم عليه مجرد الورود في ~~حق المسلمين ولله الحمد # ومن ذلك أحاديث خروج من دخل النار من الموحدين برحمة الله تعالى ثم ~~بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وشفاعته من رحمة الله تعالى ~~والذي حضرني الآن من الأحاديث المصرحة بخروجهم من النار أحاديث كثيرة جدا ~~عن أكثر من عشرين من كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله من ذلك ~~في علوم آل محمد صلى الله عليه وسلم وآله عن علي بن أبي طالب عليه السلام ~~في باب ما يقال بعد الصلاة وفي مسند أحمد عن أبي بكر رضي الله عنه وابن ~~عباس رضي الله عنهما وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري وأنس بن ~~مالك وأبي هريرة وفي البخاري وحده عن عمران بن حصين وفي صحيح مسلم وحده عن ~~ابن مسعود وجابر بن عبد الله وفي مستدرك الحاكم عن أبي موسى عشرتهم عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وآله بذلك بألفاظ صريحة ضرورية لا تحتمل التأويل # وفي مجمع الزوائد مثل ms326 ذلك عن عشرة من الصحابة غير هؤلاء الذين ذكرتهم ~~ذكرتهم في العواصم والتواتر يحصل بهذا بل بدون ذلك ولا يشترط في رجاله ~~العدالة كيف وقد اجتمعا غالبا وما زالوا يروون ذلك في عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وآله وبعده لا ينكره منكر ولا يزجر عنه أحد ثم وافقهم جماعة ~~كثيرة على هذا المعنى لكن بغير لفظ الخروج من النار وذلك كثير جدا منهم من ~~روى أن الشفاعة نائلة من مات لا يشرك بالله شيئا كعبد الله بن عمر بن ~~الخطاب وأبي ذر الغفاري وعبد الله بن عمرو وعوف بن مالك وأبي هريرة وابن ~~عباس ومعاذ وأبي موسى وأنس وأبي أيوب وأبي سعيد ومنهم من روى حديث شفاعتي ~~لأهل الكبائر من أمتي كما ثبت ذلك من حديث جابر بن عبد الله # PageV01P350 # وأنس بن مالك وابن عمرو رواه الحاكم في المستدرك من حديث جعفر ابن محمد ~~الصادق عن أبيه الباقر عن جابر وفي حديث ابن عمر حرب بن شريح وثقه جماعة ~~وفيه خلاف يسير ينجبر بالشواهد وروى عنه نحو ذلك بغير لفظه من طريق النعمان ~~بن قراد وهو ثقة رواهما الهيثمي في مجمعه ولفظ حديث النعمان أن شفاعتي ليست ~~للمؤمنين المتقين لكنها للمذنبين الخاطئين المتلوثين وروى الهيثمي نحو ذلك ~~عن أم سلمة وعبد الله ابن بسر وأبي أمامة ومنهم من روى أن الله يفدي كل ~~مسلم بكافر كما رواه مسلم من حديث أبي موسى بأسانيد على شرط الجماعة # ومن ذلك ما ورد فيمن كان آخر كلامه لا أله إلا الله وقد تقصاها الحافظ ~~ابن حجر في تلخيصه في كتاب الجنائز ثم ما ورد في الرجاء لأهل الأمراض ~~والفقر والمصائب وفي موت الاولاد والاصفياء وفي هذا النوع وحده عن ثمانية ~~عشر صحابيا ثم ما جاء في فضائل الايمان والاسلام والوضوء والصلوات والصدقة ~~والصلة والجهاد والشهادة والاذكار وسائر الاعمال الصالحة مع ما شهد لذلك من ~~سعة رحمة الله تعالى المنصوصة في الكتاب والسنة وأنها الموجبة دخول الجنة ~~لا العمل في أربعة عشر ms327 حديثا ويشهد لها أن الله تعالى سمى الجنة فضله في ~~غير آية وأن المائة الرحمة أعدت ليوم القيامة في عشرة أحاديث ويشهد لها ~~قوله تعالى {كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} وما ~~دل على جواز ورود ذلك من آيات القرآن الكريم وهي أنواع كثيرة # منها قوله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ~~وهي أبين آية في الوعد والوعيد وقد جودت الكلام عليها في العواصم بحمد الله ~~تعالى # PageV01P351 # ومنها قوله تعالى بعد ذكر المتقين والفراغ منه {ونسوق المجرمين إلى جهنم ~~وردا لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا} # ومنها قوله تعالى {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن} في أربع آيات فانها ~~أخص وأبين من وصف المؤمنين بعمل الصالحات إذ لا يمكن إحاطة الواحد منهم بها ~~كلها كما اعترف بها الزمخشري وإن المعنى في عملها عمل بعضها فأما قول ~~الكوفيين إن من قد تكون زائدة في الاثبات فلا يقطع الرجاء لو سلم لأن ~~الاكثر أنها فيه للتبعيض عند الجميع ومجرد تجويز أنها للتبعيض يوجب الرجاء ~~لو كان نادرا كيف وهو الأكثر إذ لا يجوز القطع في موضع الاشتراك بغير قاطع ~~فثبت الرجاء على كل تقدير ويعضده الوعد على الواحد منها كقوله تعالى {ومن ~~يوق شح نفسه} و {إن تقرضوا الله قرضا حسنا} مع شهادة السنة لذلك مثل حديث ~~أربعين خصلة وحديث اتقوا النار ولو بشق تمرة وقد بسط في العواصم # ومنها قوله تعالى {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ~~إن ربك فعال لما يريد} وقد أوضحت هنالك وفي الاجادة أن الاستثناء من الشر ~~للنقصان ومن الخير للزيادة لقوله في أهل الحسنى لهم الحسنى وزيادة وفي آية ~~{لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد} وفي أخرى {ويزيدهم من فضله} # وفي دواوين الاسلام الصحاح من غير طريق يقول الله الحسنة بعشرة أمثالها ~~أو أزيد والسيئة بمثلها أو أعفو رواه ابن عباس وأبو سعيد وأبو ذر وأبو ms328 رزين ~~أربعتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ولذلك قال الله تعالى بعد ~~الاستثناء من خلود أهل الجنة {عطاء غير مجذوذ} فأشار إلى أن الاستثناء فيها ~~للزيادة كما ثبت في سائر الآيات والأحاديث وكما # PageV01P352 # قال بعد ذكر ثواب المؤمنين بالجنة {ورضوان من الله أكبر} ويشهد لذلك قوله ~~تعالى {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد ~~لفضله} ولم يقل هنا إلا هو كما قال في كشف الضر وهذا من لطف هذا الباب ~~وأوضح منه قوله تعالى {ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء ~~أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما} ولم يقل ليجزي الصادقين إن شاء كما ~~قال في العذاب وفي سورة الليل تخصيص الحسنى وهي الجنة بالوعد على التصديق ~~بها والوعيد على التكذيب بها وفي الصحيح المتفق على صحته حديث لم تمسه ~~النار إلا تحلة القسم وفيه مأخذ قوي في معرفة القدر المقسم عليه منه والله ~~أعلم # ولهذا شواهد في القرآن والسنة يحصل بمجموعها قوة كثيرة ومما قيل أنه وقع ~~من ذلك قصة يونس لقوله تعالى {إلا قوم يونس} الآية والوقوع فرع الصحة وأدل ~~منها فكم من ممكن لم يقع ولا يقع ويستحيل فيما وقع أن يكون غير ممكن وقد ~~جود القرطبي الكلام في قصتهم في تذكرته وقال إن توبة الله عليهم محض التفضل ~~لأنهم قد كانوا مضطرين إليها بمشاهدتهم العذاب الذي وعدهم به يونس صلوات ~~الله وسلامه عليه والله سبحانه أعلم لكن يعارض ما ذكره قصة فرعون فانه لم ~~يقبل إيمانه حينئذ بل قال الله تعالى له {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من ~~المفسدين} # والحق أن الله لا يخلف الوعيد الا أن يكون استثنى فيه وليس كل من شاهد ~~العذاب اضطر إلى الايمان لأنه قد يشك في أنه عذاب من الله أو من مصائب ~~الدنيا كما كان من ابن نوح فانه قال بعد مشاهدة الغرق الخارق والوعيد به ~~{سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} فدل علي # PageV01P353 # اختلاف أحوال ms329 الخلق في ذلك وبعد فالاضطرار فعل الله تعالي بالاتفاق فلا ~~ينكر أنه يفعله لبعض دون بعض # وأصح التفسير تفسير القرآن بالقرآن ثم بالحديث فاذا اجتمعا وكثرت ~~الأحاديث وصحت كان ذلك نورا علي نور يهدي الله لنوره من يشاء وكل ذلك رجاء ~~مقرون بالخوف مقطوع عن الامان لجهل الخواتم ولقوله تعالي {لمن يشاء} بعد ~~قوله {ويغفر ما دون ذلك} ولقوله في الصالحين {والذين هم من عذاب ربهم ~~مشفقون إن عذاب ربهم غير مأمون} وفي آية {إن عذاب ربك كان محذورا} فلا ~~يقتضي شيء من ذلك الاغراء والفساد لأن الشفاعة إنما هي شفاعة من النار بعد ~~دخولها وذلك من أعظم الصوارف عن المعاصي مع ما يقع بسبب المعاصي في الدنيا ~~والقبر ويوم القيامة من المؤاخذة علي ما شهدت به الآيات والأخبار وكفي ~~بقوله تعالي في مصائد الدنيا {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو ~~عن كثير} وفي قراءة {فبما كسبت أيديكم} # وقد ذكرت في العواصم في التخويف أكثر من عشرين آية من كتاب الله تعالي ~~مما يختص بعصاة المسلمين وذكرت هنالك أيضا حديثا كثيرا في التحذير من مكر ~~الله وشديد عقابه أعاذنا الله منه وختمت بذلك الكلام في الرجاء كيلا يظن ~~الجهال أن المقصود بالرجاء هو الامان والتفريط وتضييع الاعمال واطراح ~~التقوي وقد جود الكلام في هذا المعني الشيخ العلامة الشهير بابن قيم ~~الجوزية تلميذ شيخ الاسلام ابن تيمية في كتابه الجواب الكافي فليطالع فانه ~~مفيد جدا # والجمع بين الخوف والرجاء سنة الله وسنة رسله عليهم السلام وسنة دين ~~الاسلام والاولي للانسان تغليب الخوف في حق نفسه إلا عند اقتراب الاجل ~~الاقتراب الخاص أعني عند ظهور امارات الموت في المرض الشديد # PageV01P354 # وإلا فالموت قريب غير بعيد وذلك لما صح أن الله تعالي يقول أنا عند ظن ~~عبدي بي فليظن بي ما شاء ولهذا الحديث لم يكن تقديم عمومات الوعيد أولي من ~~تقديم خصوص آيات الرجاء وأحاديثه مع ما عضد هذا الحديث من نحو قول الملائكة ~~عليهم السلام للخليل عليه السلام {فلا ms330 تكن من القانطين} وقوله في جوابهم ~~{ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون} مع ما ورد في كتاب الله تعالي من شواهد ~~ذلك كقوله تعالي {يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون} هذه الآية تفسير قوله {إنما يخشى الله من عباده العلماء} ~~لأنه قصر الخشية عليهم حيث علموا الدار الآخرة دون الكافرين كما دل عليه ~~أول الآية ولم يقصرهم علي الخشية دون الرجاء كما دل عليه وصفهم برجاء رحمة ~~الله تعالي في غير آية وقوله تعالي {لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان ~~يرجو الله واليوم الآخر} وقوله تعالي {أولئك يرجون رحمة الله والله غفور ~~رحيم} وقوله تعالي {يرجون تجارة لن تبور} وقوله تعالي {ما لكم لا ترجون لله ~~وقارا} وقوله تعالى {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} وقوله تعالي ~~{وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم ~~الصالحين} إلي {بما قالوا} وقوله تعالى {وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله ~~قريب من المحسنين} فأكد الطمع بقوله إن رحمت الله قريب من المحسنين وهم ~~المخلصون لإيمانهم من النفاق كما قرر في موضعه وقوله تعالى {ويدعوننا رغبا ~~ورهبا وكانوا لنا خاشعين} فأكد الرهب بذكر الخشوع فبين أنه المقصود لا ~~القنوط # PageV01P355 # وقول الخليل عليه السلام {ومن عصاني فإنك غفور رحيم} وقول عيسي عليه ~~السلام {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} وفي الخوف أكثر من ذلك كقوله ~~{ولمن خاف مقام ربه جنتان} وقوله تعالي {ذلك لمن خشي ربه} وقوله تعالى ~~{إنما يخشى الله من عباده العلماء} وقوله تعالي في الملائكة {يخافون ربهم ~~من فوقهم} وقوله تعالى في الصالحين {إن عذاب ربهم غير مأمون} وقوله تعالى ~~{وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون} وقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وآله والله إني لأخشاكم لله وأمثال ذلك مما يطول ذكره # والجمع بين الرجاء والخوف من وجهين أحدهما أن يرجو حين يذكر صفات ربه ~~ويخاف حين يذكر صفات ms331 نفسه لقوله تعالى {من خشي الرحمن} فسماه بالرحمن في ~~حال خوفه وثانيهما أن يخاف على نفسه ويرجو لغيره وتأمل قول الخليل عليه ~~السلام في خوفه على نفسه {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} ولم يقل ~~والذي يغفر لي كما قال {والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين} وكذا ~~قوله {عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا} وقال عليه السلام في حق غيره {ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم} فانظر ما أشد خوفه على نفسه وأوسع رجاءه لغيره وهذا ~~عكس ما عليه الاكثرون والله المستعان # فان قيل هذا الكتاب مبني على الاحتياط ومذهب الوعيدية أحوط فكيف لم ~~تلتزمه في هذه المسألة # فالجواب أن الاحتياط باق مع الرجاء والخوف لوجهين أحدهما أن المفسدة إنما ~~هي في الأمان لكن من لم يتأمل لم يفرق بين الامان والرجاء والفرق بينهما ~~واضح ولذلك قيل من رجا خاف ومن خاف رجا ومن قديم ما قلت في هذا المعني هذه ~~الأبيات # PageV01P356 # (عذلي عابوا رجائي ... عذلي جاروا وتاهوا) # (كيف لا أرجو الذي لا ... يغفر الذنب سواه) # (جاء في القرآن منصوصا ... وكل قد رواه) # (وهو أعلي رتب المجد ... بعفو هو ما هو) # (قصر المدح عليه ... فانظروا ذا المدح ما هو) # (هو حق أو محال ... أو صحيح أو سواه) # (لا ومن لا يغفر الذنب ... وإن جل سواه) # (إنه للحق صدقا ... وصدوق من رواه) # (وسعيد من تلقا ... بصدق ورجاه) # (وظلوم من يسميه ... مني خاب مناه) # (الاماني رده الحق ... اجتهادا بهواه) # (أو يري أهدي من ... القرآن نهجا ما رآه) # (ويري الباطل في ... مفهومه مهما تلاه) # (غير أن الله للعبد ... بخوف ابتلاه) # (لصلاح فيه لا يغني عن الخوف سواه) # (نحمد الله علي الخوف ... فمولانا قضاه) # (لو محا الخوف رجائي ... لمحا الخوف قضاه) # (من رجا خاف من الله ... ومن خاف رجاه) # (ولذا اختص أولو العلم ... ومن قد اصطفاه) # (بمزيد الخوف لله ... مع وعد رضاه) # (لو رجا الكافر أوخاف ... وقاه وكفاه) # (ذا رجائي فيه وإلا ... رجاء زور لا أراه) # (فاعرف الارجاء تعلم ... أن رجواه ms332 سواء) # وثانيهما أن الاحتياط إنما هو بالعمل الصالح فان العمل الصالح هو موضع ~~الاحتياط فاما مجرد الاعتقاد فلا يمكن أن يكون أحد الاعتقادين # PageV01P357 # أحوط ههنا لأنه من قبيل التصديق وهو واجب في الموضعين بل هو في الرجاء ~~أوجب اجماعا وإنما يمكن اعتقاد الاصح ولذلك اختلفت الملائكة عليهم السلام ~~وكان الصواب مع من رجا منهم كما تقدم في أول هذه المسألة # ويدل علي ذلك وجوه # الوجه الأول أن المقتضي للرجاء تقديم الخاص على العام عند تعارض السمع في ~~ذلك وذلك واجب ولا يمكن أن يكون ترك الواجب أحوط لأن تركه حرام وارتكاب ~~الحرام يناقض الاحتياط وينافيه فلم يمكن الاحتياط إلا في العمل فان زعموا ~~ان العموم في مسائل الاعتقاد قطعي فلا يجوز تخصيصه فالجواب من وجوه أولها ~~أنه يلزمهم مثله في عمومات الوعد بالمغفرة كقوله تعالى {يغفر لمن يشاء} ~~وقوله تعالى {إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم} وقوله تعالى ~~(ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن) في ثلاث آيات وقوله تعالى {يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} ~~وقوله تعالى {أعدت للكافرين} وفي الجنة {أعدت للذين آمنوا بالله ورسله} ~~وغير ذلك مما يطول ذكره وتقدم بعضه بل المحافظة على الصدق في الوعد أوجب ~~لأن الخلف فيه قبيح ضرورة وإجماعا وفي الوعيد لا ضرورة فيه ولا إجماع ~~وثانيها ان المخصصات قواطع كقوله تعالى {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وقوله ~~تعالى {أعدت للكافرين} وقوله {أن العذاب على من كذب وتولى} وقوله {لا ~~يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى} وغير ذلك وقد بسطت الردود على مطاعن ~~المخالف في الاحتجاج بها وغايتها ظواهر مثل عموماتهم فان وجب الجزم على ما ~~يفهم من عموماتهم لعلة وجب الجزم على ظواهر هذه لتلك العلة بعينها بل البعد ~~عن الخلف في الوعد أوجب لما تقدم وإن جاز حمل هذه على غير ظاهرها لدليل ~~منفصل جاز في عمومات الوعيد مثل # PageV01P358 # ذلك وكانت هذه هي الادلة المنفصلة وإن لم ms333 يسلموا أنها قاطعة كانت معارضة ~~توجب الوقف وأحاديث الشفاعة المصرحة بخروج الموحدين من النار قاطعة في ~~معناها بالاجماع وهي قاطعة في ألفاظها كما أوضحناه فيما تقدم لورودها عن ~~عشرين صحابيا أو تزيد في الصحاح والسنن والمسانيد وأما شواهدها بغير لفظها ~~فقاربت خمسمائة حديث فيها كثير من طريق أهل البيت عليهم السلام كما مضى ~~ورابعها أنه لا يمكن القطع على تكذيب رواتها خاصة ومنهم جماعة من أهل البيت ~~عليهم السلام ومتى لم يمكن حصل التجويز ومتى حصل وجب قبول الثقة وخامسها أن ~~المخالف وافق على قبول الآحاد في مثل ذلك حيث يحتاجه كما قبلوا استثناء ~~الدين من المغفرة للشهيد وهي قرآنية واستثناء علي عليه السلام من قوله ~~تعالى {فإن لم تفعلوا} في آية النجوى وغير ذلك وسادسها أنهم أهل الدعوى ~~والحجة عليهم وليس بأيديهم إلا ظواهر معارضة بأمثالها وفي الموضع الثاني من ~~الفصل الثالث من الجوهرة في أقسام الخصوص أنه لا وجه للمنع من تخصيص ~~الاخبار مع القرائن والاحتجاج على الجواز بالعقل والسمع # قلت ومن الأدلة قوله تعالى في ريح عاد {ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته ~~كالرميم} وقوله تعالى فيها {تدمر كل شيء بأمر ربها} مع قوله تعالى {فأصبحوا ~~لا يرى إلا مساكنهم} فخص مساكنهم # وقال في سورة القمر {إلا آل لوط نجيناهم بسحر} وخص امرأته من هذا العموم ~~في الحجر والنمل خصوصا منفصلا وأمثال ذلك كثير # وأما الاشعار الجملي بأن هذا العموم مخصوص فلو كان لوجب أن ينقل عادة ~~لكثرة العمومات المخصوصة فلما لم ينقل ألبتة علم بالعوائد أنه لم يكن فلم ~~يبق إلا أن كثرة وقوع التخصيص بعد العموم في اللغة والشرع تنزل منزلة ~~الاشعار بأن صيغة العموم ظنية لا يجوز استناد الاعتقاد القاطع # PageV01P359 # اليها وكان هذا بمنزلة القرينة الصارفة عن القطع كما فهمت ذلك الصحابة ~~على ما شرح مطولا في العواصم لذلك جعلوا الاسباب في كثير من المواضع قرائن ~~قاصرة للعموم بل لأجل هذه الكثرة في تخصيصه قال المرتضى الموسوي أنه مشترك ~~بين العموم والخصوص ms334 ومتى لم يجد الوعيدي شفاء في هذه الادلة فلينظر في ~~عمومات الوعد التي هي أوجب صدقا من عمومات الوعيد وكيف أجتزئ فيها باليسير ~~من هذا ولم يجتزأ منه بشيء في حق خصمه فيعرف طبيعة العصبية الغالبة فربما ~~خفيت على المنصف حتى يتأملها حق التأمل والله الهادي وفي الموضع الرابع في ~~وقت بيان الخطاب من الفصل الثاني في الكلام في المجمل والمبين من الجوهرة ~~أيضا أن ذلك يعني تجويز تخصيص الاخبار يؤدي إلى الاغراء بالقبيح واعترضه ~~القاضي في تعليقه بما حاصله أن الجزم في موضع الظن خطأ من المكلف وقع منه ~~باختياره القبيح ولا ملجئ اليه وإن كان يكفيه اعتقاد أن ظاهر ذلك العموم ~~حقيقة لا مجاز ما لم يرد مخصص مع اعتقاده أيضا لاحتمال العموم حين ورد ~~للتخصيص كما هو مقتضى اللغة التي نزل علها القرآن وكما هو معتقده في عمومات ~~الوعد وقد بسط هذا بسطا شافيا في العواصم في مقدار مجلد كبير لمن أحب ~~التوسع في معرفة ما ورد في هذه المسألة # الوجه الثاني من الأصل أن المرجح له الاحتراز من تجويز الخلف على الله ~~تعالى في الوعد بالخير لأنه متفق على المنع منه عقلا وشرعا وإجماعا من ~~الامة الاسلامية وسائر الملل والرجح للوعيد المحافظة على الصدق في الوعيد ~~بالعقوبة وقد تقدم ما فيه من الخلاف والاحتمال والتعارض في الأدلة وأنه قد ~~يسمى عفوا لا خلفا وأنه من التبديل إلى ما هو خير ونحو ذلك مع أنه قد اقترن ~~به ما يمنع أن يكون خلفا وفاقا من شرط المشيئة ومن الفداء لكل مسلم بكافر ~~ونحو ذلك ولا شك في ترجيح الأول على الثاني لأن من تعمد القول بتجويز الخلف ~~على الله في الوعد بالخير فقد كفر بالاجماع والخطأ فيما عمده كفر بالاجماع ~~أشد قبحا والاحتراز منه أوجب عقلا وسمعا وقد قال الله تعالى {واتبعوا أحسن ~~ما أنزل إليكم من ربكم} # PageV01P360 # ) وقال {فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} ولا شك أن تغليب ~~جانب الرحمة وما يناسبها أكثر ثناء على ms335 الله تعالى ولذلك كتبها على نفسه ~~وتمدح بها وكثر اسماءه المشتقة منها ومدح العافين والكاظمين كما يجيء في ~~الوجه السابع إن شاء الله تعالى # الوجه الثالث أنه قد ورد الوعيد الشديد على سوء الظن بالله تعالى وعلى ~~عدم قبول البشرى كما تقدم قريبا في نهي الملائكة للخليل عليه السلام عن ~~القنوط وفي جوابه عليهم وقال الله تعالى في ذلك {والذين كفروا بآيات الله ~~ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم} فخص الكافرين باليأس من ~~رحمته وتوعدهم عليه بأليم عقابه وقال تعالى {إنه لا ييأس من روح الله إلا ~~القوم الكافرون} وقال {إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم} بفتح أنه ~~وهي قراءة وبذلك وردت السنة الصحيحة المفسرة للقرآن فصح عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وآله أنه قال (يقول الله عز وجل أنا عند ظن عبدي بي فليظن ~~بي ما شاء) وحديث الأمر بقبول البشرى وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وآله قال لأعرابي أبشر فقال قد أكثرت علي من أبشر فأقبل على بعض أصحابه ~~وقال إن هذا رد البشرى فأقبلا أنتما رواه البخاري وفي المستدرك ومسند أحمد ~~من حديث عكرمة بن عمار عن صمضم بن جوسي اليمامي عن أبي هريرة سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وآله يقول كان في بني إسرائيل رجلان كان أحدهما ~~مجتهدا في العبادة وكان الآخر مسرفا على نفسه وكانا متآخيين فكان المجتهد ~~لا يزال يرى الآخر على ذنب فيقول يا هذا أقصر فيقول خلني وربي أبعثت علي ~~رقيبا قال إلى أن رآه يوما على ذنب استعظمه فقال له ويحك أقصر فقال خلني ~~وربي أبعثت علي رقيبا فقال والله لا يغفر لك فبعث الله اليهما ملكا فقبض ~~أرواحهما فاجتمعا عنده فقال للمذنب اذهب فادخل الجنة برحمتي # PageV01P361 # وقال للآخر أكنت بي عالما أكنت على ما في يدي قادرا اذهبوا به إلى النار ~~قال فوالذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أذهبت دنياه وآخرته اه ويشهد له أحاديث ~~ذم التألي على الله ms336 تعالى والنهي عن ذلك كما ذكره ابن الأثير في النهاية ~~ويعضده الحديث الصحيح صدفة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته # وقد جمعت في هذا المعنى مصنفا مفردا سميته قبول البشرى وشرط الاحتياط أن ~~لا يكون فيه مخافة وفي القنوط واليأس من رحمة الله تعالى وتقنيط الناس منها ~~مع نصه على أنها كالعلم في سعتها أعظم مخافة فامتنع أن يكون ذلك وما ~~يستلزمه أو شيء منه أو يقاربه هو الاحوط خصوصا وقد ينتهي ذلك إلى الكفر في ~~صورتين أحدهما أن يرد ذلك أحد بعد التواتر له ومعرفته بتواتره عنادا لخصمه ~~ويقرب منه من يكذب مع تجويزه أنه صدر من رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ~~فانه لا يؤمن مع صحته أن يكون كفرا على اعتبار الانتهاء كمن يستخف بمصحف ~~وقد أخبر أنه مصحف وهو يجوز صدق من أخبره ولأن فيه مضارعة للاستهانة بأمر ~~النبوة حين أقدم على التكذيب من غير ملجئ اليه مع تجويز أنه كلام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وآله ولذلك حرم تكذيب ما يجوز صدقه من أخبار أهل الكتاب ~~لكن لا يقطع أنه كفر لا مكان أن يكون الحق اعتبار الابتداء دون الانتهاء أو ~~يسامح فيه لعدم تحققه # الوجه الرابع أنه لو اعتبر الاحتياط على ما توهمه السائل لكان الاحوط هو ~~مذهب الخوارج من الوعيدية لأنهم يجعلون الصغائر المتعمدة كبائر ويجعلون ~~جميع المعاصي كفرا إلا لسهو ونحوه وبه فسروا الصغائر وبعضهم يستثنى من ذلك ~~ما فيه حد لأن الكفر لا يجب معه حد لكن الأدلة قامت على بطلان قولهم ~~والنصوص تواترت بمروقهم والامر بقتلهم فصح أن الأحوط اتباع البراهين ~~الصحيحة دون مجرد التشديد # PageV01P362 # أحاديث الرجاء في كتب أهل البيت وجميع فرق الاسلام كما تقدم واختلفت ~~الملائكة فيها وكان الحق فيها مع ملائكة الرحمة كما مضي # الوجه السادس أن الرجاء شرع للمصلحة الدينية لا للمفسدة وما شرع للمصلحة ~~الدينية لم يكن تركه أحوط وتلك المصلحة هي قوة دعاء الرغبة الممدوح في قوله ~~تعالى {ويدعوننا رغبا ورهبا} وتضعيف ms337 مفسدة القنوط المذموم بالنص والاجماع ~~وعدم الكبر على العصاة المذموم بالنص في تفسير الكبر والتخلق بأعدل الاخلاق ~~وأدلها على الانصاف وهو تغليب الرجاء على الخوف في حق الغير وتغليب الخوف ~~على الرجاء في حق النفس وهذا هو معظم المصلحة فيه وإنما يلزم الفساد لو ~~عكسنا ذلك وجعلناه وسيلة إلي المعاصي وأما مع إثبات الخوف وترجيحه في حق ~~النفس فهو سبب الصلاح للأخلاق والاعمال وسنة الانبياء والأولياء # بيان ذلك أن الخليل عليه السلام جادل عن قوم لوط على جهة الرجاء لفضل ~~الله ورحمته لعله يمهلهم حتى يتوبوا اليه أو غير ذلك مما كان يسوغ ويحتمل ~~في شريعته عليه السلام فمدحه الله تعالى بذلك وقال في ذلك {إن إبراهيم ~~لحليم أواه منيب} مع خوفه على نفسه كما تقدم حيث قال {والذي أطمع أن يغفر ~~لي خطيئتي يوم الدين} ولم يقل والذي يغفر لي وكذلك قال {عسى ألا أكون بدعاء ~~ربي شقيا} وكذالك قال عيسى عليه السلام فيمن أشرك بعبادة عيسى {إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} وقال إبراهيم عليه ~~السلام أيضا {ومن عصاني فإنك غفور رحيم} فدل على أن سعة الرجاء للخلق مع ~~التجويز لا تخالف الاحوط وأنه لا ذم فيه ولا شبهة لأنه لا أبعد من الذم ~~والشبهة من مثل خليل الله وروحه عليهما السلام ولذلك قال علي عليه السلام ~~الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يؤمنهم مكر الله تعالى # الوجه السابع إن الرجاء مقتضي اسماء الله تعالى وممادحة الغالية السابقة ~~المكتوبة الواجبة أسماء الرحمة المحكمة والفضل العظيم التي هي # PageV01P363 # أم الكتاب والمقصود الأول باجماع الحكماء والسلف الصالح كما تقدم في ~~إثبات حكمة الله تعالى وإن الخبر هو المراد لذاته والمراد الأول كما بسط في ~~أواخر حادي الأرواح فينظر فيه فانه من أنفس المصنفات في ذلك والخوف إنما ~~وجب لأمر عارض وهو خوف فساد العبد وغلبة هواه عليه فجعل وازعا له عنه أو ~~صارفا ولذلك كره عند أمان المعصية عند النزع ms338 وترقب لقاء الله تعالى وقال ~~صلى الله عليه وسلم وآله لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه فعلى قدر ~~الخوف من الوقوع في المعاصي يحسن تقوية الخوف من العذاب ولا شك في غلبة ~~الهوى للابتلاء فيجب تقوية الخوف واللجأ إلي الله تعالى في ذلك وهو نعم ~~المعين # ثم إن هذه المسألة مما لا تجب معرفتها على كل مكلف لكن من عرف الحق فيما ~~لا يجب لم يحل له جحده ولا يصح أن يسمى جحده احتياطا وإن كان قد سوغ كتمه ~~في هذه المسألة في بعض المواضع حيث يخاف منه مفسدة كما ورد في بعض الاخبار ~~ولا يجوز أن يقال أنه مفسدة مطلقا لأن ذلك يكون ردا على الله تعالى وعلى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وآله وقد سمعه أصحابه والتابعون من أصحابه ولم ~~يفسدوا به بل قد بشر بالجنة منهم جماعة بأسمائهم فلم يفسدوا بذلك فمن فسد ~~فبسوء اختياره ونسبته لفساده إلي بشرى الله ورسوله وحسني أسمائه جناية أعظم ~~من جنايته وذلك بمنزلة من يقول من الخوارج إن اثبات الصغائر مفسدة أو ~~يمنزلة من يقول إن قبول التوبة مفسدة # فان قيل إن الرجاء يؤدي إلي تجويز أن الايمان قول بلا عمل وأن الجنة ترجى ~~بغير استحقاق لها بالعمل ولاول مذموم عند الجمهور والثاني خلاف النص في ~~قوله تعالى {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} # فالجواب أن هذا غلط فاحش لأن القول من الاعمال نصا وإجماعا إذ لا خلاف ~~معتبر إن النار لا تدخل بغير عمل ونصوص القرآن في ذلك لا تحصى وإن الشرك ~~بالقول عمل موجب لعذاب النار فمن قال بذلك كيف يستطيع ان ينكر أن يكون ~~التوحيد عملا مثل ما ان الشرك عمل هذا مع ما ورد في الحديث الصحيح أن لا ~~إله إلا الله أفضل العمل وأجمعت # PageV01P364 # الامة على ذلك حيث يموت من قالها عقيب قولها وعلى أنه لا يرد عليه هذا ~~السؤال بل هو معلوم ضرورة من دين الإسلام وأما قول القائل أن الجنة لا تدخل ~~ألا ms339 بالاستحقاق بالعمل بالنص فهذا كلام من لم يعرف النص لأن شرطه عدم ~~الاشتراك والاشتراك في معنى الباء معلوم فقد تكون للثمن وللسبب وهو أولى ~~هنا للحديث المتواتر ولتسمية الجنة فضل الله في كثير من الآيات كما بين في ~~موضعه فالخلاف إذا في كيفية الجمع بين الآيات ونحوها # PageV01P365 ### | فصل في ذكر من يقول بالرجاء ومن يقول بالارجاء والفرق بينهما # ثم إن القول بالرجاء مشهور في كل مذهب ذكره الحاكم في شرح العيون عن ~~جماعة من المعتزلة وذكر أن المعتزلي ليس هو الذي لا يقول بذلك ونسب ما ~~يقتضي ذلك إلى زيد بن علي عليه السلام في ترجمة له غير ترجمته المبسوطة ~~وتقدم شهرة ذلك أو تواتره عن علي عليه السلام لروايته عنه من بضعة عشر ~~طريقا # وفي تذكرة القاضي شرف الدين الحسن بن محمد النحوي عن زيد بن علي ما يدل ~~على ذلك وهو قوله بالصلاة على الفاسق وفي اللمع في الصلاة على الملتبس حاله ~~إن المصلي عليه يقول في الدعاء له اللهم إن كان محسنا فزده إحسانا وإن كان ~~مسيئا فأنت أولى بالعفو عنه وهذا تجويز للعفو عنه بل تحسين له وترجيح لا ~~يوافق قول الوعيدية بل هو عين الرجاء ولذلك اعترضه بعض الوعيدية المتأخرين ~~وفي التذكرة أيضا أن الارجاء ليس بكفر ولا فسق ذكره حيث ذكر أن المبتدع بما ~~لا يتضمن الكفر والفسق مقبول الشهادة ومثل ذلك بالارجاء مع أن الارجاء غير ~~الرجاء فان الارجاء عند أهل السنة مذموم وإن لم يصح في ذمه حديث # وقال الشيخ مختار المعتزلي في كتابه المجتبى في الكلام في التكفير في ~~المسألة السابعة ما لفظه لم تكفر شيوخنا المرجئة لأنهم يوافقونهم في جميع ~~قواعد الاسلام لكنهم قالوا عني الله بآيات الوعيد الكفرة دون بعض الفسقة أو ~~التخويف دون التحقيق وإن ذلك ليس بكفر اه وذكر نحو ذلك الحاكم في شرح ~~العيون وذكره نحوه القاضي عبد الله بن حسن الدواري في # PageV01P366 # تعليقه على الخلاصة وقيل في توجيه ذلك أن معناه أنه لا خلاف أن ms340 الوعيد ~~مشروط لكن عند الوعيدية أنه مشروط بعدم التوبة من المعاصي لا سواء وعند أهل ~~السنة بعدم التوبة أو عدم العفو وعند المرجئة بعدم الاسلام ولا قائل منهم ~~بتجويز الكذب ألا ترى أن علماء التفسير وعلماء الاسلام قد يختلفون في بعض ~~ما أخبر الله عنه أنه يفعله لاختلافهم في توقف ذلك الخبر على شرط منفصل كما ~~اختلفوا في انزال المائدة مع قوله تعالى {إني منزلها عليكم} من غير تجويز ~~كذب على الله تعالى كما اشتملت عليه كتب التفسير والله تعالى أعلم بل قد ~~وعد الله الداعين بالاجابة في كتابه ووردت السنة بشروط في ذلك منها أن لا ~~يعجل الداعي ويقول قد دعوت فلم أجب ونحو ذلك # وكذلك أجمعوا على أن الوعد يتوقف على شرط في كثير كوعد من أقرض الله قرضا ~~حسنا بالمغفرة والمضاعفة فانه لابد فيه من شرط الموت على الاسلام اجماعا ~~فلذلك لم يكن القول بتوقيف الوعيد على شرط منفصل كفرا لأنه ليس فيه نسبة ~~قبيح إلى الله تعالى # ويدل على قول أهل السنة أن الوعيد مشروط بعدم التوبة وعدم العفو جميعا ~~قوله تعالى {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} وهي أخص ~~من قوله تعالى {من يعمل سوءا يجز به} وأبين فيجب تقييدها بعدم العفو مثل ~~تقييدها بعدم التوبة سواء وخاصة مع ما ورد بتفسيرها بذلك من حديث علي عليه ~~السلام وفي تفسير من يعمل سوءا يجز به من حديث أبي بكر رضي الله عنه وما صح ~~وتواتر من قول الله تعالى الحسنة بعشرة أمثالها أو أزيد والسيئة بمثلها أو ~~أعفو والله أعلم # وممن روى عنه الارجاء من المعتزلة في كتب المعتزلة محمد بن شبيب وغيلان ~~الدمشقي رأس الاعتزال ومويس بن عمران وأبو شمر وصالح قبه والرقاشي واسمه ~~الفضل بن عيسى والصالحي واسمه صالح بن عمرو والخالدي وغيرهم ذكرهم القاضي ~~في تعليق الخلاصة وزاد الشهرستاني # PageV01P367 # مع هؤلاء من المعتزلة بشار بن عتاب المريسي والغياثي وقال القاضي في ~~تعدادهم ومن الفقهاء القائلين بالعدل سعيد بن ms341 جبير وحماد بن سليمان وأبو ~~حنيفة وأصحابه وأبو القاسم البستي من أصحاب المؤيد بالله وهو مذهب الامام ~~الداعي إلى الله تعالى من أئمة الزيدية ذهب اليه واعترض عليه به # ورواه عنه السيد صلاح ابن الجلال رحمه الله تعالى وكذلك غير الامام ~~الداعي من الزيدية مثل الفقيه محمد بن حسن السودي الصالح والسيد العلامة ~~داود بن يحيى والفقيه العلامة علي بن عبد الله بن أبي الخير وغيرهم ممن ~~عاصرته وأدركته # وفي الجامع الكافي على مذهب الزيدية عن محمد بن منصور في هذه المسألة أنه ~~قال المؤمن المذنب لله تعالى فيه المشيئة إن غفر له فبفضله وإن عذبه فبعدله ~~قلت فهذا رجاء لا ارجاء والرجاء مذهب أهل السنة والسلف وفي كتب الرجال نسبة ~~الارجاء المذموم إلى جماعة من رجال البخاري ومسلم وغيرهما من الثقات ~~الرفعاء منهم ذر بن عبد الله الهمداني أبو عمرو التابعي حديثه في كتب ~~الجماعة كلهم وقال أحمد هو أول من تكلم في الارجاء وأيوب بن عائذ الطائي ~~حديثه خ م ت د وسالم بن عجلان الافطس في (خ د س ق) وكان داعية إلى الارجاء ~~وشبابة بن سوار أبو عمرو المديني وكان داعية وقيل أنه رجع عنه وابن عبد ~~الرحمن أبو يحيى الحماني الكوفي حديثه عند خ م ت ق وكان داعية إلى ذلك ~~وعثمان بن غياث الراسبي البصري في خ م د س وعمرو بن ذر الهمذاني الكوفي من ~~كبار الزهاد والحافظ وكان رأسا في الارجاء حديثه في خ ت د س وعمرو بن مرة ~~الجملي أحد الاثبات من كبار التابعين حديثه عند الجماعة كلهم وابراهيم بن ~~طهمان الخراساني أحد الائمة حديثه عندهم وقيل رجع ومحمد بن خازم أبو معاوية ~~الضرير أثبت أصحاب الاعمش حديثه عندهم وورقاء بن عمرو الكوفي اليشكري حديثه ~~عندهم ويحيى بن صالح الوحاظي الحمصي حديثه عند خ م ت د ق وعبد العزيز بن ~~أبي رواد الحمصي خرج له الاربعة واستشهد به البخاري فهؤلاء ممن ذكره ابن ~~حجر في مقدمة شرح البخاري والذهبي ms342 في الميزان فكيف لو تتبع سائر الرواة من ~~كتب الرجال الحافلة فلقد ذكر الذهبي في ترجمة هشام ابن # PageV01P368 # حسان من الميزان على هدبة بن خالد أحد رجال البخاري ومسلم أنه يقول عن ~~شعبة بن الحجاج على جلالته أنه يرى الارجاء دع عنك الرجاء بل ذكر الذهبي في ~~ترجمة الفضل بن دكين عن ابن معين أن الفضل إذا قال في رجل كان مرجئا فانه ~~صاحب سنة لا بأس به وإذا أثنى على رجل أنه جيد فهو شيعي قال الذهبي هذا ~~القول من يحيى يدل على أنه كان مائلا إلى الارجاء وهو خير من القدر بكثير # قلت وهو يحتمل ان ابن معين يعني أن الفضل كان يسمي الرجاء ارجاء تحاملا ~~على أهل السنة أو عدم معرفة بالفرق بينهما كما هو عمل كثير من المتأخرين بل ~~هذا الاحتمال أقوى والالزم أن يكون ابن معين يعتقد أن الارجاء مذهب أهل ~~السنة كلهم وهذا باطل بالضرورة فقد رد كل واحد من أهل دواوين الاسلام الستة ~~على المرجئة في كتبهم المشهورة # وأما أول من تكلم فيه فقيل ذر بن عبد الله كما تقدم عن أحمد وقيل الحسن ~~بن محمد بن الحنفية كما في الملل والنحل وفي تهذيب المزي وفي غيرهما وفي ~~البخاري ومسلم عن ابن مسعود ما يقتضي أنه تكلم فيه فان فيهما عنه قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وآله كلمة وقلت الثانية قال من مات يشرك بالله دخل ~~النار وقلت من مات لا يشر بالله دخل الجنة وفي رواية فيهما أنه يرفع ذلك ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ذكرهما ابن الأثير في جامعه ونسب ~~ذلك الشهرستاني إلى سعيد بن جبير وجماعة غير من ذكرت هنا والله أعلم من يصح ~~عنه الارجاء ومن غلط عليه في تسمية الرجاء ارجاء فان الرجاء هو القول بان ~~الله تعالى لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء على الاجمال في ~~المغفور لهم لا في المغفور كما أوضحته في العواصم وجودت الكلام ms343 على هذه ~~الآية في أكثر من كراس كبير # وأما الارجاء فهو القول بأن الله تعالى يغفر ما دون ذلك لأهل التوحيد ~~قطعا وحملوا وحملوا الأحمال على أنه جاء لاخراج مغفرة الكبائر التي دون ~~الشرك للمشركين فانه لو لم يجمل ذلك بالشرط المذكور لزم ذلك وزعموا أن بيان ~~ذلك ورد في السنة وأن الخوف صحيح ولكن زعموا أنه لسوء الخاتمة # PageV01P369 # وخوف الموت على غير الاسلام وهذا القول الذي قالوه اسراف في القول ويخاف ~~منه أن يقوي جانب الامان كما أن قول الوعيدية يخاف منه أن يقوي جانب القنوط ~~وخير الأمور أوساطها والذي جاء في السنة مما يقتضي مذهب الارجاء معارض ~~بأحاديث الشفاعة وفيها التصريح بدخول عصاة الموحدين النار ثم بخروجهم منها ~~بالشفاعة والجمع بينها وبين تلك الأحاديث مذكور في العواصم فقد جاءت هذه ~~المسألة فيه في مجلد ونسأل الله تعالى أوفر حظ ونصيب من خوفه ورجائه وطاعته ~~وفضله العظيم ورحمته الواسعة السابقة الغالبة التي كتبها على نفسه أنه هو ~~الغفور الرحيم # المسألة الثامنة في الولاء والبراء والتكفير والتفسيق وما يتعلق بذلك على ~~طريق الاختصار قال الله تعالى {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو ~~عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن ~~حزب الله هم المفلحون} وهي من قواعد هذا الباب والدواعي إلى المحافظة عليه ~~وقال تعالى {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن ~~سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون} وصح بلا خلاف حديث المرء مع من أحب ~~وشواهده وطرقه كثيرة # وفي سنن أبي داود من حديث أبي ذر مرفوعا أفضل الاعمال الحب في الله تعالى ~~والبغض في الله تعالى وللحاكم من حديث عائشة مرفوعا الشرك في هذه الامة ~~أخفى من دبيب النمل وأدناه أن يحب على شيء من الحور ويبغض على شيء ms344 من العدل ~~وهل الدين إلا الحب والبغض رواه الحاكم في تفسير آل عمران من المستدرك وقال ~~صحيح الاسناد وفي مسند البراء من مسند أحمد حدثنا اسماعيل هو ابن ابراهيم ~~بن علية قال حدثنا ليث عن عمرو بن مرة عن معاوية بن سويد بن مقرن عن البراء ~~ابن عازب قال كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم وآله فقال أي عرى ~~الاسلام # PageV01P370 # أوثق قالوا الصلاة قال حسنة وما هي بها قالوا الزكاة قال حسنة وما هي بها ~~قالوا صيام رمضان قال حسن وما هو به قالوا الحج قال حسن وما هو به قالوا ~~الجهاد قال حسن وما هو به قال إن أوثق عرى الاسلام أن تحب في الله وتبغض في ~~الله عز وجل # وفي هذا فروع مفيدة الاول أن هذا كله في الحب الذي هو في القلب وخالصة ~~لأجل الدين وذلك للمؤمنين المتقين بالاجماع وللمسلمين الموحدين إذا كان ~~لأجل اسلامهم وتوحيدهم عند أهل السنة كما يأتي وأما المخالفة والمنافعة ~~وبذل المعروف وكظم الغيظ وحسن الخلق واكرام الضيف ونحو ذلك فيستحب بذله ~~لجميع الخلق إلا ما كان يقتضي مفسدة كالذلة فلا يبذل للعدو في حال الحرب ~~كما اشارت اليه الآية {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} كما ~~يأتي وأما التقية فتجوز للخائف من الظالمين القادرين وأما الفرق بين ما ~~يجوز من المنافعة والمداهنة وما لا يجوز من الرياء فما كان من بذل المال ~~والمنافع فهو جائز وهو المنافعة وربما عبر عنه بالمداهنة والمداراة ~~والمخالفة وما كان من أمر الدين فهو الرباء الحرام ويأتي ما يدل على ذلك في ~~الأدلة المذكورة في هذه المسألة # ومن كلام الامام الداعي إلى الله تعالى يحيى بن المحسن عليه السلام في ~~الرسالة المخرسة لأهل المدرسة لا يجوز أن تكون الموالاة هي المتابعة فيما ~~يمكن التأويل فيه لأن كثيرا من أهل البيت عليهم السلام قد عرف بمتابعة ~~الظلمة لوجه يوجب ذلك فتولى الناصر الكثير منهم وصلى بهم الجمعة جعفر ~~الصادق وصلى الحسن السبط على ms345 جنائزهم وأقام علي بن موسى الرضا مع المأمون ~~وكثر جماعته وتزوج ابنه محمد ابنة المأمون وغير ذلك والوجه فيه أن الفعل لا ~~ظاهر له فتأويله ممكن وذكر الامام المهدي محمد بن المطهر عليهما السلام أن ~~الموالاة المحرمة بالاجماع هي موالاة الكافر لكفره والعاصي لمعصيته ونحو ~~ذلك # قلت وهو كلام صحيح والحجة على صحة الخلاف فيما عدا ذلك # PageV01P371 # أشياء كثيرة منها قوله تعالى في الوالدين المشركين بالله {وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا} ومنها قوله تعالى {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ~~إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا ~~على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} وفي الحديث أنها ~~نزلت في قتيلة أم أسماء بعد آيات التحريم رواه أحمد والبزار والواحدي ~~وتأخرهما واضح في سياق الآيات وقرينة الحال مع هذا الحديث ومع حديث ابن عمر ~~الآتي ولو لم يصح تأخر ذلك في هذين الحديثين وغيرهما فالخاص مقدم على العام ~~عند جهل التاريخ عند الجمهور ورجحه ابن رشيد في نهايته بالنصوصية على ما هو ~~خاص فيه ويدل عليه ما ثبت في القرآن والسنة الصحيحة المتفق عليها من حديث ~~علي عليه السلام في قصة حاطب على ما ذكره الله تعالى في أول سورة الممتحنة ~~وذكره أهل الحديث وأهل التفسير جميعا فان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وآله قبل عذره بالخوف على أهله في مكة والتقية بما لا يضر في ظنه # فان قيل القرآن دال على أنه قد أذنب لقوله {ومن يفعله منكم فقد ضل سواء ~~السبيل} فكيف يقبل ما جاء من قبول عذره # قلت إنما قبل عذره في بقائه على الايمان وعدم موالاة المشركين لشركهم ~~ولذلك خاطبه الله بالايمان فقال {يا أيها الذين آمنوا} والعموم نص في سببه ~~فاتفق القرآن والحديث وأما ذنبه فانه لا يحل مثل ما فعله لأحد من الجيش إلا ~~باذن أميرهم لقوله تعالى {وإذا جاءهم أمر من الأمن ms346 أو الخوف أذاعوا به} ~~الآية ولأن تحريم مثل ذلك بغير إذن الأمير إجماع ومع إذنه يجوز فقد أذن في ~~أكثر من ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآله حيلة في حفظ المال فلو كان ~~مثل ذلك موالاة لم يأذن فيه صلى الله عليه وسلم وآله فدل # PageV01P372 # على أن ذنب حاطب هو الكتم لما فيه من الخيانة لأنفس الفعل لو تجرد من ~~الكتم والخيانة والله أعلم # ويدل عليه قوله تعالى {أشداء على الكفار رحماء بينهم} وقوله تعالى {فإن ~~عصوك فقل إني بريء مما تعملون} فأمره بالبراءة من عملهم القبيح لا منهم ~~وكذلك تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم وآله مما فعل خالد بن الوليد ولم يبرأ ~~منه بل لم يعزله من امارته ولأن الله تعالى علل تحريم الاستغفار للمشركين ~~بقوله {من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} فكل ذنب يستغفر أو نحو ذلك ~~فيه لم تلزم لذنب الشرك في ذلك حتى احتج بها بعضهم على جواز الاستغفار ~~للمشركين قبل أن يموتوا على الشرك وتأولوا عليه حديث اللهم اغفر لقومي ~~فانهم كانوا جاهلين وهو في خ م وحديثا آخر لعلي عليه السلام في تأويل ~~استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه كذلك رواه أحمد ويدل عليه قوله تعالى ~~{يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا ~~وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} عن ابن عباس هم الذين منعهم أهلهم عن ~~الهجرة لما هاجروا ورأوا الناس قد فقهوا هموا أن يعاقبوا أهليهم الذين ~~منعوهم ومن قال كانوا مشركين فليس بشيء لأنها مدنية وقد كان حرم نكاح ~~الكوافر وفيه نظر ويدل عليه ما تقدم في حديث الحب على شيء من الجور والبغض ~~على شيء من العدل ويدل عليه جواز نكاح الفاسقة بغير الزنا وفاقا ونكاح ~~الكتابية عند الجمهور وظاهر القرآن يدل عليه وفعل الصحابة ومنه امرأة نوح ~~وامرأة لوط وقوله للكفار {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} # ومن ها هنا أجاز المشددون في الولاء والبراء أن يحب العاصي لخصلة خير ms347 فيه ~~ولو كافرا كأبي طالب في أحد القولين وعلى الآخر حب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وآله له قبل إسلامه وهو مذهب الهادوية ويدل لهم في المسلم حديث شارب ~~الخمر الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم وآله عن سبه بعد حده وقال (لا ~~تعينوا # PageV01P373 # الشيطان على أخيكم أما أنه يحب الله ورسوله رواه البخاري وكذلك حديث ضمضم ~~عن أبي هريرة في المتآخيين المجتهد في العبادة والمسرف على نفسه كما تقدم ~~في المسألة السابعة بل يدل عليه في حق أهل الاسلام قوله تعالى {وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} فجعل الايمان بالله ~~وحده غاية ينقطع عندها وجوب العداوة والبغضاء ومنه استئذانه صلى الله عليه ~~وسلم وآله في زيارة قبري والديه وزيارته لهما وشفاعة إبراهيم لأبيه فان ~~الباعث على تخصيصهم بذلك هو الحب للرحامة ومنه {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} ~~{فلعلك باخع نفسك} لشدة شفقته ورفقه ومن ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنه قال ~~كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا {إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} قال يعني النبي صلى الله عليه وسلم وآله اني ~~ادخرت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ~~ثم نطقنا بعد ورجونا رواه في مجمع الزوائد في موضعين من خمس طرق أحدها صحيح ~~وله شاهد عن ابن مسعود بل أحاديث الشفاعة المتواترة تشهد له والله أعلم # فيه وفي آية الممتحنة فائدة نفيسة هي أن ذلك آخر الامرين إن روى ما يعارض ~~هذه الأدلة وقد ذكرت في العواصم أدلة كثيرة على تأخر ذلك في أول مسألة ~~الوعد والوعيد وهي مفيدة جدا ثم وجدته قد ذكره النووي وقواه في شرح مسلم ~~ويعضده ما نص عليه من العفو عمن فر يوم أحد ومن حديث أهل الافك إلا الذي ~~تولى كبره منهم لأنه عبد الله بن أبي بن سلول وهو منافق ومنه حديث مسطح ~~ونزول الآية فيه ومنه تحريم المشاحنة ms348 والمهاجرة بل جعلها كالشرك في منع ~~المغفرة للمتهاجرين حتى يصطلحا كما صح ذلك من حديث أبي هريرة وله شواهد ~~كثير عن أبي بكر وعوف بن مالك وعبد الله بن عمر ومعاذ وأبي ثعلبة وأسامة ~~وابن مسعود وجابر ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد في شحناء الرجل على أخيه ~~والاخ يطلق على المسلم لقوله تعالى {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التي تبغي} إلى قوله {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} فسمى الباغي ~~أخا ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله في المحدود # PageV01P374 # في الخمر لا تعينوا الشيطان على أخيكم كما تقدم ولأن العمل بذلك في ~~أحاديث الشحناء وحقوق المسلم على المسلم هو الأظهر والأحوط ما لم يؤد إلى ~~الفساد في الدين والتهوين لمعاصي رب العالمين ويخرج من هذا أهل النفاق ~~بالنصوص والاجماع فلذلك قال أهل السنة تجب كراهة ذنب المذنب العاصي ولا تجب ~~كراهة المسلم نفسه بل يجب لاسلامه قلت حبا لا يوقع في معصية ولا يؤدي إلى ~~مفسدة ويكره ذنبه وهو قول أحمد بن عيسى من أهل البيت ذكر معناه عنه صاحب ~~الجامع الكافي في ولاية علي عليه أفضل السلام # الفرع الثاني أن يسير الاختلاف لا يوجب التعادي بين المؤمنين وهو ما وقع ~~في غير المعلومات القطعية من الدين التي دل الدليل على تكفير من خالف فيها ~~والاصل في الامور المختلف فيها هو عدم العلم الضروري الذي يكفر المخالف فيه ~~حتى يدل الدليل على ذلك وفي إثبات مسائل قطعية شرعية لا ظنية ولا ضرورية ~~خلاف والصحيح أنه لا واسطة بينهما مثلما أنه لا واسطة بين التواتر والظن في ~~الاخبار وفاقا وعلى هذا نقل التكفير والتأثيم والذي يدل على أنه معفو عن ~~يسير الاختلاف وجوه # أحدها أنه وقع بين الملائكة عليهم السلام قال تعالى {ما كان لي من علم ~~بالملإ الأعلى إذ يختصمون} وفي حديث البخاري ومسلم عن الخدري في حديث ~~القاتل مائة نفس أنها اختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب حتى أرسل ~~الله ملكا يحكم بينهم # وثانيها ثبت في ms349 كتاب الله تعالى حكاية الاختلاف بين موسى والخضر وبين ~~موسى وهارون وبين داود وسليمان وهو صريح ما نحن فيه لأن اختلافهما في حادثة ~~واحدة في وقت واحد في شريعة واحدة # وثالثها ما رواه ابن مسعود قال سمعت رجلا قرأ آية وسمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وآله يقرأ خلافها فأخبرته فعرفت في وجهه الكراهة فقال ~~{كلاكما محسن ولا تختلفوا فان من قبلكم اختلفوا فهلكوا # PageV01P375 # رواه البخاري والنسائي وعن عمر بن الخطاب مثله في قضيته مع هشام بن حكيم ~~رواه الجماعة كلهم ولهذا المعنى طرق جمة تقتضي تواتره ذكرتها في العواصم ~~وفي خ م س عن جندب مرفوعا اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فاذا ~~اختلفتم فقوموا عنه فهذا الخلاف الذي نهى عنه وحذر منه الهلاك هو التعادي ~~فأما الاختلاف بغير تعاد فقد أقرهم عليه ألا تراه قال لابن مسعود كلاكما ~~محسن حين أخبره باختلافهما في القراءة ثم حذرهم من الاختلاف بعد الحكم ~~باحسانهما في ذلك الاختلاف فالاختلاف المحذر منه غير الاختلاف المحسن به ~~منهما فالمحذر منه التباغض والتعادي والتكاذب المؤدي إلى فساد ذات البين ~~وضعف الاسلام وظهور أعدائه على أهله والمحسن هو عمل كل أحد بما علم مع عدم ~~المعاداة لمخالفة والطعن عليه وعلى ذلك درج السلف الصالح من أهل البيت ~~والصحابة والتابعين وصنف محمد بن منصور في هذا كتاب الحملة والالفة وحكى ~~فيه عن قدماء المعتزلة التوالي مع الاختلاف في بعض العقائد بل حكى ذلك عن ~~قدماء العترة أيضا وقد نقلت كلامه في ذلك بحروفه إلى مسألة القرآن من ~~العواصم # الفرع الثالث في التكفير والتفسيق بالتأويل لأنه لا يفيد إلا الظن وفي ~~التكفير بالتأويل أربعة أقوال الأول أنه لا كفر بالتأويل الثاني أنه يكفر ~~به ولكن لا تجري عليهم أحكام الكفار في الدنيا الثالث أن أمرهم إلى الامام ~~في الاحكام الرابع أنه كالكفر بالتصريح فيكون قتالهم إلى آحاد الناس على ~~الصحيح في الكفار بالتصريح واختلف في كفار التأويل من هم على أربعة أقوال ~~أيضا الأول أنهم من أهل ms350 القبلة الثاني من ذهب إلى مذهب وهو فيه مخطئ بشبهة ~~يعلم بطلانها دلالة من الدين والصريح بخلافه الثالث من ذهب إلى الخطأ بشبهة ~~والصريح بخلافه الرابع من ورد فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ~~أنه كافر والصريح بخلافه # واعلم أن أصل الكفر هو التكذيب المتعمد لشيء من كتب الله تعالى المعلومة ~~أو لأحد من رسله عليهم السلام أو لشيء مما جاؤوا به إذا كان ذلك الأمر ~~المكذب به معلوما بالضرورة من الدين ولا خلاف أن هذا القدر # PageV01P376 # كفر ومن صدر عنه فهو كافر إذا كان مكلفا مختارا غير مختل العقل ولا مكره ~~وكذلك لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع وتستر باسم ~~التأويل فيما لا يمكن تأويله كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى بل ~~جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار ~~وإنما يقع الاشكال في تكفير من قام بأركان الاسلام الخمسة المنصوص على ~~اسلام من قام بها إذا خالف المعلوم ضرورة للبعض أو للاكثر لا المعلوم له ~~وتأويل وعلمنا من قرائن أحواله أنه ما قصد التكذيب أو التبس ذلك علينا في ~~حقه وأظهر التدين والتصديق بجميع الأنبياء والكتب الربانية مع الخطأ الفاحش ~~في الاعتقاد ومضادة الادلة الجلية عقلا وسمعا ولكن لم يبلغ مرتبة الزنادقة ~~المقدمة وهؤلاء كالمجبرة الخلص المعروفين بالجهمية عند المحققين وكذلك ~~المجسمة المشبهة في الذات التشبيه المجمع على أنه تشبيه احترازا عما لا نقص ~~فيه مجمع على أنه نقص مع اثبات كمال الربوبية وخواصها وجميع صفات الكمال ~~وإلا كان كفرا صريحا مجمعا عليه وكذلك القدرية على كلا التفسيرين فان ~~القدران فسر بعلم الغيب السابق فهم من نفاه ونفيه كفر بالاجماع وإن فسر ~~بالجبر ونفى الاختيار عن العباد ونفى التمكين لهم فهم من أثبته كما تقدم ~~بيانه فهؤلاء المشبهة والمجبرة معا اختلف علماء الاسلام في تكفيرهم بعد ~~إجماعهم على تقبيح عقائدهم وانكارها فذكر الامام يحيى في التمهيد أنههم غير ~~كفار واحتج على ذلك وجود القول فيه وذكر الشيخ مختار في ms351 كتابه المجتبى عن ~~الشيخ أبي الحسين من رؤوس المعتزلة وعن الرازي من رؤوس الأشعرية أنهما معا ~~لم يكفراهم قال لأن حجة من كفرهم القياس على المشركين المصرحين وهما قد ~~قدحا في صحة هذا القياس دع عنك كونه قطعيا وذلك القدح هو بوجود الفارق الذي ~~يمنع مثله من صحة القياس وهو إيمان هؤلاء بجميع كتب الله تعالى وجميع رسله ~~بأعيانهم وأسمائهم إلا من جهلوه وإنما يخالفون حين يدعون عدم العلم ثم ظهر ~~عليهم ما يصدق من ذلك من اقامة أركان الاسلام وتحمل المشاق العظيمة بسبب ~~تصديق الأنبياء عليهم السلام ولأن القياس عند المحققين من علماء المعقولات ~~لا يكون قاطعا لأن الأمرين إن استويا في جميع الوجوه لم يكن قياسا وإن وجد ~~بينهما فارق جاز أن # PageV01P377 # يكون مؤثرا في عدم استوائهما في الحكم ولم يقم دليل قاطع على أنه وصف ~~ملغى لا تأثير له وبيان ذلك أنهم قالوا أن المبتدعة حين غلطوا في صفات الله ~~تعالى فقد عبدوا غير الله فيكون قياسا على المشركين فان بعضهم عبد الرب ~~الذي يشبه العباد وهم المشبهة وبعضهم عبد الرب الذي يجبرهم وهم المجبرة ~~ونحو ذلك # والجواب أنهم عبدوا الرب الذي خلق الخلق وغلطهم في بعض صفاته لا يخرجهم ~~عن عبادته ويصيرهم كمن يعيد الاصنام لوجهين أحدهما أن علماء الكلام يختلفون ~~في كثير من الصفات كالمدرك والوصف الأخص والمريد بل كالسميع والبصير ولم ~~يلزم بعضهم بعضا ذلك ولو كان حقا لزمهم وثانيهما أن من شهد أن محمدا رسول ~~الله وغلط في بعض صفات جسده أو نسبه لم يكفر قطعا فدل على أن من غلط في وصف ~~شيء لم يكن مثل جاحده وربما قالوا إن ذلك نقص له فيكون كفرا قياسا على من ~~تعمد انتقاصه بما هو نقص بالاجماع قلنا الخطأ فارق مؤثر شرعا كالاكراه ~~والنسيان كما سيأتي ومن اعتقد حسن القبيح وأضافه اليه لحسنه عنده لا لقبحه ~~لا يكون كمن عكس ودليله اختلافهم في الاعراض وفي الوجه فيها من غير تكفير ~~وبعضهم يلزمه نسبة الظلم اليه ms352 وبعضهم يلزمه نسبة العبث اليه عز وجل عن ذلك ~~وقد جود الرد عليهم صاحبهم الشيخ مختار في المسألة التاسعة من التكفير من ~~كتابه المجتبى وفيما قبلها وبعدها فليطالع فيه وقد نقلته بألفاظه أو معظمه ~~إلى مواضعه من العواصم # قلت وأما بقية أدلتهم السمعية فلا تخلو من الظن في معانيها إن لم تكن ~~ظنية اللفظ والمعنى معا كما يعرف ذلك النقاد من أهل الأصول الفقه لأنها إما ~~عمومات وظواهر ومعناها ظني وإن كانت ألفاظها قرآنية معلومة ولها أو لأكثرها ~~أسباب نزلت عليها تدل على أنها نزلت في المشركين المصرحين وتعديتها عن ~~أسبابها ظنية مختلف فيها أو نصوص جلية لكن ثبوتها ظني لا ضروري ثم لا تخلو ~~بعد ذلك مما يعارضها أو يكون أظهر في المعنى منها من الأحاديث الدالة على ~~اسلام أهل الشهادتين أو الاكتفاء بهما حتى في أحاديث فتنة القبر مع كثرتها ~~وصحتها وتلقيها بالقبول واتفاق الفرق على # PageV01P378 # روايتها وقد ذكرت منها كثيرا في آخر العواصم في أحاديث الرجاء ولولا خوف ~~الاطالة لذكرتها هنا وكذلك ما جاء في من آمن بالله ورسله كقوله تعالى في ~~الجنة {أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم} ونظائرها مما ذكرته في العواصم ومثل قوله تعالى {فمن يكفر ~~بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} ومثل ~~أحاديث الشفاعة وقد تقدمت الاشارة إلى تواتر معنى ذلك في مسألة الوعد ~~والوعيد في هذا المختصر وبسطتها في العواصم فقاربت خمسمائة حديث مع ما في ~~القرآن العظيم مما يغني عنها لو لم ترد # ويشهد لها بعد ورودها على ما قدرته في العواصم في الكلام على قوله تعالى ~~{ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فهم الصحابة للبشرى فيها وفرحهم بها وإقرار ~~المتأولين لها برواية ذلك عنهم وذلك يدل على عدم تأويلها ومنهم علي عليه ~~السلام وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وقد جودت الكلام عليها هنالك بحمد ~~الله وحسن هدايته وتوفيقه # ومن ذلك ما جاء فيمن أقام الاركان ms353 الخمسة ونحو هذه الأمور وهي أنواع ~~كثيرة جدا معناها متواتر ضروري معارض لما يفهم منه تكفير المبتدعة من هذه ~~الأمور ومن أقبح التكفير ما كان منه مستند إلى وجه ينكره المخالف من أهل ~~المذهب مثل تكفير أبي الحسين وأصحابه بنفي علم الغيب وهم ينكرونه وتكفير ~~الاشعرية بالجبر الخالص الذي هو قول الجهمية الجبرية وهم ينكرونه والله ~~تعالى يقول {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا} # ومن العجب أن الخصوم من البهاشمة وغيرهم لم يساعدوا على تكفير النصارى ~~الذي قالوا إن الله ثالث ثلاثة ومن قال بقولهم مع نص القرآن على كفرهم إلا ~~بشرط أن يعتقدوا ذلك مع القول وعارضوا هذه الآية الظاهرة بعموم مفهوم قوله ~~{ولكن من شرح بالكفر صدرا} كما سيأتي بيانه وضعفه مع وضوح الآية الكريمة في ~~الكفر بالقول عضدها حديثان # PageV01P379 # صحيحان كما احتج بهما الامام المنصور بالله عليه السلام حديث ع عن ثابت ~~بن الضحاك من حلف بملة غير الاسلام كاذبا فهو كما قال وحديث مس دق على شرط ~~م عن بريدة من حلف قال إني بريء من الاسلام فان كان كاذبا فهو كما قال وإن ~~كان صادقا فلن يرجع إلى الاسلام سالما وعن أنس سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وآله رجلا يقول أنا إذا يهودي فقال وجبت وعن ابن عمر قال صلى الله ~~عليه وسلم وآله من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك وفي مجمع الزوائد لذلك ~~شواهد وفي النسائي عن سعد أنه حلف وهو قريب عهد بالجالية فقال واللات ~~والعزى فقال له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ما نراك إلا قد ~~كفرت فسأل النبي صلى الله عليه وسلم وآله فأمره أن يشهد أن لا إله إلا الله ~~ثلاث مرات ثم لا يعود إلى ذلك وهذا أمر بتجديد الاسلام ثم لم يرضوا بجميع ~~ما ذكرنا معارضا لما استنبطوه فتأمل ذلك وعلى هذا لا يكون شيء من الافعال ~~والاقوال كفرا إلا مع الاعتقاد حتى قتل الأنبياء والاعتقاد من السرائر ~~المحجوبة فلا ms354 يتحقق كفر كافر قط إلا بالنص الخاص في شخص شخص ولا يدل حرب ~~الانبياء على ذلك لاحتمال أن يكون على الظاهر كقوله فمن حكمت له بمال أخيه ~~فانما أقطع له قطعة من النار # ومع نكارة هذا فالملجئ اليه عموم مفهوم ظني ضعيف يأتي وقد مر اختيار ~~الامام يحيى وأبي الحسين والرازي في ذلك ونكل وهو قول الطبق الادهم من ~~السلف وعلماء الاسلام وأهل الاثار كما رواه السيد أبو عبد الله الحسني في ~~كتابه الجامع الكافي عن محمد بن منصور الكوفي عن سلف أهل البيت عليهم ~~السلام وغيرهم وصنف فيه كتاب الجملة والالفة وهو قول الامام السيد المؤيد ~~بالله في الجبرية نص عليه في آخر كتاب الزيادات # ومذهب السلف الصالح في ذلك هو المختار مع أمرين أحدهما القطع بقبح البدعة ~~والانكار لها والانكار على أهلها وثانيهما عدم الانكار على من كفر كثيرا ~~منهم فانا لا نقطع بعدم كفر بعضهم ممن فحشت بدعته بل نقف في ذلك ولكل علمه ~~والحكم فيه إلى الله سبحانه وذلك لوجوه # الوجه الأول خوف الخطأ العظيم في ذلك فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # PageV01P380 # وآله تعظيم ذلك بل تواتر ذلك لأهل البحث عن طرق الحديث حتى تواتر أنه كفر ~~روى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أبو ذر وأبو هريرة وعبد الله ~~بن مسعود وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأبو سعيد الخدري خمستهم عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وآله مع كثرة الطرق عنهم من غير ما لحديثهم من الشواهد ~~الجمة بألفاظ مختلفة مثل ما ورد في الخوارج والروافض وهذا بيان طرف يسير ~~على جهة الاختصار الكثير فنقول # أما حديث أبي ذر فرواه البخاري ومسلم ولفظه ومن دعا رجلا بالكفر أو قال ~~عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه أي رجع وأما حديث أبي هريرة فرواه البخاري ~~ولفظه إذا قال المسلم لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما وأما حديث ابن عمر ~~فرواه البخاري ومسلم والترمذي وقال حديث حسن صحيح ms355 ولفظه مثل لفظ حديث أبي ~~هريرة وأما حديث عبد الله بن مسعود فرواه الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد ~~ولفظه ما من مسلمين إلا وبينهما ستر من الله فاذا قال أحدهما لصاحبه هجرا ~~هتك الله ستره وإذا قال يا كافر فقد كفر أحدهما قال الهيثمي رواه الطبراني ~~والبزار باختصار من حديث يزيد بن أبي زياد وحديثه حسن ورجاله ثقات قلت يزيد ~~هذا أحد علماء الكوفة المشاهير وهو من رجال السنن الاربعة وممن قواه شعبة ~~على تعنته في الرجال وبالغ حتى قال لا يبالي إذا سمع الحديث منه ألا سمعه ~~من سواه وقال ابن فضيل هو من أئمة الشيعة الكبار وأما حديث أبي سعيد الخدري ~~في ذلك فرواه ابن حبان في صحيحه وذكره الحافظ ابن حجر في كتابه التلخيص ~~الخبير وسيأتي حديث عن ابن عمر مرفوع نحو هذا ولكن بغير هذا اللفظ قال ~~النووي في شرح مسلم وروى أبو عوانة حديث ابن عمر المتقدم فقال إن كان كما ~~قال والاباء بالكفر وفي رواية فقد وجب الكفر على أحدهما اه # وأما شواهد هذه الاحاديث الخمسة بغير لفظها فكثيرة متواترة منها أحاديث ~~مروق الخوارج من الاسلام وكان دينهم الذي اختصوا به من بين الداخلين في ~~الفتن هو تكفير بعض المسلمين بما حسبوه كفرا فوردت الاحاديث بمروقهم بذلك ~~وتواترت وهي في دواوين الاسلام الستة عن علي # PageV01P381 # عليه السلام وسهل بن سعد وأبي سعيد الخدري وابن عمر ابن الخطاب وأبي ذر ~~ورافع بن عمرو الغفاري وجابر بن عبد الله الانصاري وابن مسعود وأبي برزه ~~الاسلمي وأبي أمامة وفي حديثه مرفوعا كانوا مسلمين كفارا واسناده حسن ~~ورواها غير هؤلاء بما هو معروف في مجمع الزوائد وكتب الاسلام من المسانيد ~~والتواريخ وغيرها # ومنها أحاديث كفر الروافض وقد رويت من طرق كثيرة على غرابتها وخلو دواوين ~~الاسلام الستة منها فرويت عن علي عليه السلام وفاطمة والحسن عليهما السلام ~~وابن عباس وأم سلمة رضي الله عنهما وروى الامام الهادي عليه السلام منها ~~حديث الحسن عليه السلام في كتاب الأحكام في ms356 كتاب الطلاق منه في باب من طلق ~~ثلاثا وقد ذكر الامامية فقال ما لفظه وفيهم ما حدثني أبي وعمي محمد والحسن ~~عن أبيهم القاسم عن أبيه عن جده عن ابراهيم بن الحسن عن أبيه عن جده الحسن ~~بن علي بن أبي طالب عليه وعليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله ~~أنه قال (يا علي يكون في آخر الزمان قوم لهم نبز يعرفون به يقال لهم ~~الرافضة فان أدركتهم فاقتلهم قتلهم الله تعالى فانهم مشركون اه بحروفه ولا ~~أعلم في الاحكام اسنادا متصلا مسلسلا بأهل البيت عليهم السلام سواه الا أن ~~يكون مرسلا أو مقطوعا أو مدخلا فيه غيرهم من الرواة # وقد أحببت سياق هذا الاسناد الشريف لهذا المتن لجلالة رواته واختصرت ~~أسانيد سائر الاحاديث فأما حديث علي عليه السلام بمثل ذلك فرواه الهيثمي في ~~مجمع الزوائد وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند والبزار في مسنده ~~وابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس من طريق أبي حباب الكلبي عن أبي سليمان ~~الهمداني عن علي عليه السلام والذهبي في كتابه ميزان # PageV01P382 # الاعتدال في نقد الرجال من طريق أخرى في ترجمة كثير بن إسماعيل النو ولكن ~~لفظه في الميزان يكون بعدي قوم من أمتي يسمون الرافضة يرفضون الاسلام وأما ~~حديث فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وآله فرواه الهيثمي في مجمع ~~الزوائد وأبو يعلى وصاحب الفصول السبعة والعشرين في فضائل أمير المؤمنين ~~عليه السلام في الفصل الحادي والعشرين منه والذهبي في موضعين من كتابه ~~الميزان # أحدهما في ترجمة تليد بن عبد الرحمن سليمان الكوفي الشيعي وثانيهما في ~~ترجمة أبي الجارود زياد بن المنذر الشيعي وقال الهيثمي رواته ثقات ولفظ ~~رواية تليد في الميزان نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله إلى علي عليه ~~السلام فقال هذا في الجنة وإن من شيعته قوما يلفظون الاسلام لهم نبز يسمون ~~الرافضة من لقيهم فليقتلهم فانهم مشركون ولفظ أبي الجارود أما أنك يا ابن ~~أبي طالب وشيعتك في الجنة وسيجيء أقوام ms357 ينتحلون حبك يقال لهم الرافضة فان ~~لقيتهم فاقتلهم فانهم مشركون وأما ابن عباس فمنه حديثان أما أحدهما فرواه ~~الطبراني والهيثمي وقال اسناده حسن وأما الحديث الثاني فرواه أبو يعلي ~~والبزار والطبراني والهيثمي وقال في بعض رجاله خلاف قلت ومثل ذلك ينجبر ~~بحديثه الآخر بل بجميع أحاديث هذا الباب وأما حديث أم سلمة فرواه الطبراني ~~والهيثمي من طريق الفضل ابن غانم وفي ترجمة أبي بكر بن عياش من الميزان أن ~~هارون الرشيد سأله عن صحة هذا الحديث وذلك دليل شهرته فهذه شواهد جميلة لأن ~~معظم ذنوب الخوارج والروافض هو التكفير # وأما الشواهد التفصيلية فكثيرة جدا وهي أنواع مختلفة منها حديث ثابت بن ~~الضحاك مرفوعا وفيه من قذف مؤمنا بكفر فهو كقاتله قال ابن الجوزي في جامع ~~المسانيد خرجاه في الصحيحين قلت وهو طرف من حديثه الطويل فيهما الذي فيه من ~~حلف بملة غير الاسلام وغير ذلك # PageV01P383 # ورواه الترمذي وقال حسن صحيح فهو يشهد للتغليظ في تكفير المؤمن وأنه أغلظ ~~من السباب المطلق لأنه قد ثبت أن سبابه فسوق وقتاله كفر والقتل أعظم من ~~القتال ومنها حديث أبي هريرة مرفوعا المؤمن أكرم على الله من بعض ملائكته ~~رواه ابن ماجه في الفتن وهو يستلزم ذلك لأن من كفر ملكا كفر ومن الشواهد ~~على ذلك أحاديث المستبين ما قالا فعلى البادئ منهما فيه عند مسلم وغيره عن ~~أبي هريرة وأحاديث التحذير من فتن يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي ~~مؤمنا ويصبح كافرا ومنها ما رواه الحاكم في المستدرك من حديث الاعمش عن زيد ~~بن وهب عن ابن مسعود يرفعه لو أن رجلين دخلا في الاسلام فاهتجرا كان أحدهما ~~خارجا عن الاسلام حتى يرجع الظالم وقال صحيح على شرط البخاري ومسلم فهذا في ~~المهاجرة محمول على الخروج عن الاسلام الكامل فاذا كان مجرد المهاجرة يبلغ ~~هذا الحد في التغليط لم يستبعد أن يكون التكفير كفرا على الحقيقة # ولحديث ابن مسعود شواهد متواترة في تغليظ تحريم المهاجرة وإنها فرنت ~~بالشرك في المنع من العفو ms358 عن صاحبها دون سائر الكبائر من ذنوب أهل الاسلام ~~ففي الموطأ لمالك ومسند أحمد من ثلاث طرق وفي سنن أبي داود والترمذي عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله تعرض الاعمال في كل خميس واثنين ~~فيغفر الله عز وجل في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا إلا امرأ كانت ~~بينه وبين أخيه شحناء فيقول اتركوا هذين حتى يصطلحا وفي رواية إلا ~~المتهاجرين وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله تعرض الاعمال يوم ~~الاثنين ويوم الخميس فمن مستغفر فيغفر له ومن تائب فيتاب عليه وترد أهل ~~الفضائل وضغائنهم رواه الطبراني في الاوسط والهيثمي وقال رجاله ثقات وعن ~~ابن مسعود وأسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله نحو ذلك رواهما ~~الطبراني والهيثمي وعن أبي أيوب الانصاري نحو ذلك رواه الهيثمي ويأتي حديث ~~ابن مسعود في ذلك في الوجه السابع وفيه فأولهما فيأ يكون سبقه بالفيء كفارة ~~له وإن ماتا على صرامهما لم يدخلا الجنة جميعا رواه أحمد باسناد صحيح وعن ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه إذا كان ليلة النصف من شعبان غفر الله تعالى ~~لعباده إلا ما كان من # PageV01P384 # مشرك أو مشاحن لأخيه رواه البزار والهيثمي وعن أبي هريرة مثله وعن عوف بن ~~مالك مثله وعن معاذ مثله ورجاله ثقات وعن أبي ثعلبه الخشني نحوه وعن عبد ~~الله بن عمر نحوه فهذه بضعة عشر حديثا في ذلك وفي تحريم المهاجرة فوق ثلاث ~~نحو ذلك ولكن استثنى فيها ما دون الثلاث رحمة للمسلمين لما في الطباع من ~~قوة الداعية إلى ذلك في بعض الأحوال وذلك عند الغفلة من هذا الوعيد الشديد ~~بعدم العفو عن هذا الذنب بخصوصه حين يعفي عن سائر الذنوب وذلك لأن من عدل ~~الله تعالى ولطيف جزائه يوم الدين أن يعامل كل عامل على حسب اختياره ~~واعتقاده ومذهبه فلما كان المهاجر المشاحن قد اختار ترك العفو عن أخيه ~~مذهبا له وحكم بحسنه جوزي بذلك جزاء وفاقا كما يشهد له ms359 قوله تعالى {ولا ~~يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى} الآية في قصة أبي بكر ~~مع مسطح ونظائر ذلك كثيرة وصحيحة نسأل الله العافية من ذلك وفي سنن أبي ~~داود باسناد صحيح هجر المسلم سنة كسفك دمه وسيأتي في الوجه السابع ما يناسب ~~هذا من الحث على اصلاح ذات البين وتسمية التفرق والتباغض الحالقة للدين # وفي مجموع ذلك ما يشهد لصحة التغليظ في تكفير المؤمن وإخراجه من الاسلام ~~مع شهادته بالتوحيد والنبوات وخاصة مع قيامه بأركان الإسلام وتجنبه للكبائر ~~وظهور أمارات صدقه في تصديقه لأجل غلطة في بدعة لعل الكفر له لا يسلم من ~~مثلها أو قريب منها فان العصمة مرتفعة وحسن ظن الانسان بنفسه لا يستلزم ~~السلامة من ذلك عقلا ولا شرعا بل الغالب على أهل البدع شدة العجب بنفوسهم ~~والاستحسان لبدعتهم وربما كان أجر ذلك عقوبة على ما اختاروه أول مرة من ذلك ~~كما حكى الله تعالى ذلك في قوله {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} وهي من ~~عجائب العقوبات الربانية والمحذرات من المؤخذات الخفية {ومكروا ومكر الله ~~والله خير الماكرين} # وقد كثرت الآثار في أن اعجاب المرء بنفسه من المهلكات كما في # PageV01P385 # حديث أبي ثعلبة الخشني عند دت وعن ابن عمر مرفوعا ثلاث مهلكات شح مطاع ~~وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه وعن أنس وابن عباس وابن أبي أوفى كلهم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وآله مثل ذلك رواها الهيثمي في مجمعه ودليل ~~العقوبة في ذلك انك ترى أهل الضلال أشد عجبا وتيها وتهليكا للناس واستحقارا ~~لهم نسأل الله العفو والمعافاة من ذلك كله # وفي ذلك حديث حذيفة الصحيح عند مسلم المشهور عنه صلى الله عليه وسلم وآله ~~أنه قال (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه ~~نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى يصير على قلبين أبيض مثل ~~الصفا فلا تضره فننة ما دامت السموات والارض والآخر أسود مربادا كالكوز ~~مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا ms360 إلا ما أشرب من هواه فينبغي من كل ~~حازم لبيب إيقاظ خاطره والحذر العظيم عن الامور التي تواترت النصوص من ~~الصحاح وتواترت بأنها كفر وخروج عن الاسلام أو نحو ذلك مما لم يحصل دليل ~~قاطع على أنه متأول من إجماع صحيح أو نص معارض لذلك صحيح وذلك مثل ما قدمنا ~~من تكفير من يجوز أنه مسلم بمجرد الالزامات والتمحلات التي متى سلمت عارضها ~~مثلها أو أقوى منها كما تقدم # فان قيل أليس قد ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يكفر من كفر مسلما على ~~الاطلاق # فالجواب أن ذلك صحيح ولكن لا حجة فيه توجب تقديمه على النصوص حيث لم يكن ~~تأويلها إجماعا فقد حكى الخلاف في ذلك الشيخ تقي الدين في شرح العمدة حيث ~~شرح حديث أبي ذر المقدم ذكره في كتاب اللعان فقال وهذا وعيد عظيم لمن يكفر ~~أحدا من المسلمين وليس كذلك وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق من المتكلمين ومن ~~المنسوبين إلى السنة وأهل الحديث وخرق حجاب الهيبة في ذلك جماعة من الحشوية ~~وقد اختلف الناس في التكفير وسببه حتى صنف فيه مفردا إلى قوله والحق أنه لا ~~يكفر أحد من أهل القبلة إلا بانكار متواتر فانه حينئذ يكون مكذبا للشرع ~~وليس مخالفة القواطع مأخذا للتكفير وعبر بعض أهل الاصول عن هذا بما معناه # PageV01P386 # أن من أنكر طريق اثبات الشرع لم يكفر كمن أنكر الاجماع ومن أنكر الشرع ~~بعد الاعتراف بطريقه كفر لأنه مكذب قال وقد نقل عن بعض المتكلمين أنه قال ~~لا أكفر إلا من كفرني وربما خفى سبب هذا القول على بعض الناس وحمله على غير ~~محمله الصحيح والذي ينبغي أن يحمل عليه أنه قد لمح هذا الحديث الذي قتضي أن ~~من دعا رجلا بالكفر وليس كذلك رجع عليه الكفر وكذلك قال صلى الله عليه وسلم ~~وآله (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما وكأن هذا المتكلم يقول هذا ~~الحديث دل على أنه يحصل الكفر لأحد الشخصين فاذا كفرني بعض الناس فالكفر ms361 ~~واقع بأحدنا وأنا قاطع بأني لست بكافر فالكفر راجع اليه اه وفيه ما ترى من ~~تقرير الخلاف في الأخذ بظواهر النصوص مما يؤمن المكفر لغيره أن يخطئ في ~~نظره في طريق التكفير كما ذلك عادة الفطناء والأذكياء أعني الخطأ في مثل ~~هذه المزالق ولو كان خطأ الأذكياء في ذلك نادرا وأنت منهم لم تأمن أن تقع ~~في ذلك النار كيف وخطأهم فيه كثير غالب وأنت على غير يقين بأنك منهم فأما ~~دفع الكفر بأنه حديث أحادي فانه غرور من وجوه # الأول أنا قد بينا من طرقه ما يدل على أنه متواتر عند أهل الاطلاع ~~والمعلوم لا يكون ظنيا لجهل الجاهلين له # الثاني أن غرضنا الاحتراز على الاسلام مما تجوز صحته في علم الله تعالى ~~وحديث الواحد وإن لم تعلم صحته فقد يكون صحيحا ونحن لا نعمل والصحيح جواز ~~كفر لا دليل عليه كما هو معروف في مواضعه # الثالث أن الفقيه حميدا في العمدة جوز العمل بالحديث الواحد في التكفير ~~من غير اعتقاد وذكر أنه مذهب المنصور بالله والمحققين واحتج بأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وآله هم بالغزو لخبر الوليد بن عقبة فنزلت الآية فامتنع ~~لفسقه لا لأنه خبر واحد والله سبحانه أعلم # ويحتج لهم بقبول الشهادة على الردة والكفر والحدود في الفسق ثم من العبر ~~الكبار في ذلك أن الجمهور لم يكفروا من كفر المسلم متأولا في تكفيره غير ~~متعمد مع أن هذه الأحاديث الكثيرة تقتضي ذلك والنصوص # PageV01P387 # أصح طرق التكفير فاذا تورع الجمهور من تكفير من اقتضت النصوص كفره فكيف ~~لا يكون الورع أشد من تكفير من لم يرد في كفره نص واحد فاعتبر تورع الجمهور ~~هنا وتعلم الورع منهم في ذلك # فان قيل لم تورعوا هنا مع هذه النصوص الصحيحة المتواترة لصريحة # قلت لوجوه # أحدها ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من عدم تكفير ~~الخوارج مع بغضهم له وبغضه نفاق بل مع تكفيرهم له عليه السلام وهو سيد ~~المسلمين وإمام المتقين وأبعد ms362 الخلق أجمعين عما افتراه من ذلك كذبة ~~المارقين وقد ذكر الفقيه حميد في كتابه عمدة المسترشدين أن ذلك هو المشهور ~~عنه عليه السلام وروى هو أنه عليه السلام لما سئل عن كفرهم قال من الكفر ~~فروا ولما سئل عن إيمانهم قال لو كانوا مؤمنين ما حاربناهم قيل فما هم قال ~~اخواننا بالأمس بغوا علينا فحاربناهم حتى يفيئوا إلى أمر الله قال الفقيه ~~حميد وهذا تصريح بالمنع من كفرهم وأقرته الصحابة # قلت ومن ههنا ادعى هو والخطابي وابن جرير قبلهما الاجماع على عدم تكفيرهم ~~وكأن الناس تابعوه عليه السلام في ذلك لشهرته وعدم منازعة الصحابة ولا ~~بعضهم له عليه السلام كما احتج به الفقيه حميد على أنه إجماع قال ولأن من ~~كفر إماما وحاربه لم يكفر اه كلامه # وقد روى ابن بطال في شرح البخاري كلام ابن جرير ودعواه الاجماع على ذلك ~~في الكلام على الخوارج وكان في ابن جرير تشيع وموالاة ذكره الذهبي في ~~الميزان في الذب عنه فقال إن ذلك مروي عن علي عليه السلام من طرق وذكر نحو ~~ما تقدم وزاد في روايته قيل له عليه السلام فمنافقون فقال لو كانوا منافقين ~~لم يذكروا الله إلا قليلا ثم قال روى وكيع عن مسعر عن عامر بن شقيق عن أبي ~~وائل عن علي عليه السلام أنه قال لم نقاتل أهل النهر وان على الشرك اه ~~ومراده على الكفر بالقرينة كحديث # PageV01P388 # جابر مرفوعا بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة رواه مسلم بهذا اللفظ وكذا ~~ذكره عنه ابن الأثير في جامعه وقبله الحميدي في جمعه بين الصحيحين # يوضحه أن ترك الخوارج للشرك الذي هو عبادة الاصنام وعبادة المخلوقين كان ~~معلوما بالضرورة فلم يكن ليخبر بذلك وإنما خرج كلامه مخرج حديث جابر ومخرج ~~حديث ابن عباس حيث قال إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وآله يصلي إلي غير ~~جدار أي غير سترة وهذا هو النوع المسمي بالخاص يراد به العام ومنه {فلا تقل ~~لهما أف} أي لا تؤذهما بذلك ولا بغيره ms363 ونظائره كثيرة ويقوي صحة ذلك عنه ~~عليه السلام أنه رد على أهل النهروان أموالهم قال ابن حجر رواه البيهقي من ~~طرق فانضمت هذه الطرق إلى تلك الطرق التي ذكرها ابن بطال وأشار اليها ~~الفقيه حميد # وثانيها ما أشار اليه البخاري في صحيحه وترجم عليه من أن ذلك فيما إذا ~~كفر أخاه متعمدا غير متأول محتجا بأن النبي صلى الله عليه وسلم وآله لم ~~يكفر عمر في قوله لحاطب أنه منافق ولا معاذا في قوله للذي خرج من الصلاة ~~حين طول معاذ أنه منافق وأمثال ذلك مع التأويل كثيره شهيرة وأشار الفقيه ~~حميد في عمدة المسترشدين إلي اختيار هذا وصرح الغزالي في المستصفى باختياره ~~وطول الكلام فيه ووجهه وجوده ولولا خوف الاطالة الكثيرة لنقلته # وهذه فائدة جيدة تمنع من القطع بتكفير من أخطأ في التكفير متأولا فانا لو ~~كفرنا بذلك لكفرنا الجم الغفير فالحمد لله على التوفيق لترك ذلك والنجاة ~~منه والبعد عنه على أنه يرد عليهم أن الاستحلال بالتأويل قد يكون أشد من ~~التعمد مع الاعتراف بالتحريم وذلك حيث يكون المستحل بالتأويل معلوم التحريم ~~بالضرورة كترك الصلاة فان من تركها متأولا كفرناه بالاجماع وإن كان عامدا ~~معترفا ففيه الخلاف فكان التأويل هنا أشد تحريما فلذلك ينبغي ترك التكفير ~~المختلف فيه حذرا من الوقوع فيه والله المسلم # وثالثها آن قد جاء كفر دون كفر كقوله تعالى {ومن لم} # PageV01P389 # يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون) ومنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وآله لما وصف النساء بالكفر قال أصحابه يا رسول الله (يكفرن بالله ~~تعالى قال لا يكفرن العشير # أي الزوج وهو متفق على صحته فلم يحملوا الكفر على ظاهره حين سمعوه منه ~~صلى الله عليه وسلم وآله لاحتمال معناه ووجود المعارض وهو إسلام النساء ~~وإيمانهن ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم وآله عليهم التثبت في معنى ~~الكفر والبحث عن مراده به وكذلك تأولوا أحاديث سباب المؤمن فسوق وقتله كفر ~~ولا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض مع الاتفاق ms364 على صحتها وكثرتها ~~وللاجماع المعلوم والنص المعلوم على وجوب القصاص ولو كان كفرا على الحقيقة ~~لأسقط القصاص وكذلك تأول كثير من علماء الاسلام حديث ترك الصلاة كفر مع ما ~~ورد فيه من لفظ الشرك في صحيح مسلم وغير ذلك وكذلك حديث النياحة كفر وحديث ~~الانتساب إلى غير الأب كفر قال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة في اللعان في ~~هذا بخصوصه إنه متروك الظاهر عند الجمهور وفيه إشارة إلى وجود خلاف فيه ~~وإلا لقال إجماعا ولم يقل كذا في تكفير المسلم أخاه فدل على أن الخلاف فيه ~~ليس بشاذ فاعرف ذلك # ورابعها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأله أنه قال (إذا قال الرجل ~~للرجل يا يهودي فاضربوه عشرين سوطا) رواه الترمذي من طريق ابراهيم ابن ~~اسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس وضعفه ~~الترمذي بابراهيم هذا وكذلك ضعفه النسائي والدارقطني بابراهيم وبعض الرواة ~~عنه شك في رفعه ذكره الذهبي في الميزان لكن وثقه أحمد وكان عابدا وهذا ~~الجرح فيه أقوى ويقدم على قول من يقدم الجرح ومن يقول بالترجيح خصوصا مع ~~تلك المعارضات المتواترة عند أئمة الحديث الصحيحة بلا ريب على أن ابن ماجه ~~والذهبى جعلوا متن الحديث من قال لرجل يا مخنث زاد ق بالوطي فاضربوه عشرين ~~سوطا ولم يذكروا السب باليهودية وقال المزي رواية ق أتم رواه ابن ماجه من ~~طريق دحيم الحافظ واسمه عبد الرحمن بن ابراهيم عن ابن أبي فديك ورواه ~~الترمذي عن محمد ابن رافع عن ابن أبي فديك وكانت العبادة أغلب على محمد بن ~~رافع من الحفظ فالبخاري لذلك يتخير من حديثه # PageV01P390 # القليل ولا يستوعبه ومع هذا الضعف والاعلال لا يعارض ما صح وتواتر ولكن ~~سلك الجمهور مسلك الاحتياط فاقتد بهم في ذلك # فاذا ثبت أن النص على الكفر غير قاطع فما ظنك بغيره فلهذه الوجوه الاربعة ~~لم يعمل الجمهور بظاهر هذه الأحاديث # وأما من كفر أخاه متعمدا غير متأول فاختلفوا فيه من تقدم إلي ms365 كفره ووجهه ~~الغزالي بأنه لما كان معتقد الاسلام أخيه كان قوله إنه كافر قولا بأن الذي ~~هو عليه كفر والذي هو عليه كفر دين الاسلام فكأنه قال إن دين الاسلام كفر ~~وهذا القول كفر من قائله وإن لم يعتقد ذلك على أن أبا هاشم وأصحابه من ~~المعتزلة لا يكفرون من تعمد النطق بالكفر من غير إكراه عليه وإن كانا ~~يفترقان في الاثم كما تقدم وهذا بعد كثير من التكفير في هذه الصورة فلو ~~طردوا الاحتياط لتركوا التكفير بالقياس ومآل المذهب لكنهم كفروا بهما وهو ~~أضعف من التكفير بتعمد النطق بالكفر اختيارا بلا إكراه وأما النووي فقال في ~~شرح مسلم في هذا الحديث الذي يقتضي كفر من كفر أخاه هذا الحديث مما عده بعض ~~العلماء من المشكلات فان مذهب أهل الحق أن المسلم لا يكفر بالمعاصي وهذا ~~منها فقيل في تأويله وجوه الاول أنه محمول على المستحل لذلك وبهذا يكفر إن ~~الثاني أن المعنى رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره الثالث أنه محمول ~~على الخوارج ورواه ابن بطال أيضا عن مالك قال فقيل له فيكفرون قال لا أدري ~~اه كلام ابن بطال قال النووي وهو ضعيف لمخالفته الاكثرين والمحققين في كفر ~~الخوارج قال النووي الرابع أنه محمول على أنه يؤول به إلي الكفر فان ~~المعاصي بريد الكفر واحتج عليه برواية أبي عوانة والاباء بالكفر وفي رواية ~~فقد وجب الكفر على أحدهما اه والظاهر أن هاتين الروايتين حجة عليه لا له ~~الخامس أن معناه فقد رجع عليه تكفيره وليس الراجع عليه حقيقة الكفر بل ~~التكفير لكونه جعل أخاه المسلم كافرا فكأنه كفر نفسه إما لأنه كفر من هو ~~مثله وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان الاسلام وهذا هو الذي ~~ذكره ابن بطال في توجيه كلام البخاري في الفرق بين العامد والمتأول # PageV01P391 # وترك النووي القول السادس وهو اختيار البخاري والغزالي والفقيه حميد في ~~تأويل الحديث بالعامد دون المتأول بهذا التوجيه المذكور وترك أيضا القول ~~السابع وهو أن الحديث على ms366 ظاهره من غير تأويل وهو الذي حكاه الشيخ تقي ~~الدين في شرح العمدة كما سلف ولا حجة قاطعة مانعة من صحته وعدم الحجة ~~القاطعة المانعة من صحة ظاهره يوجب الاحتياط البالغ بتركه احتياطا للاسلام ~~وتعظيما له عن المخاطرة به وتعريضه لما لا يؤمن أن يبطله ويسلب نعمته ~~العظمى وينظم صاحبه في جمله أهل الكفر والعمى # تنبيه وذلك أن هذا الكلام في التحذير من تكفير المبتدعة الذين لم نستيقن ~~أن بدعتهم كفر مع قبحها وفحشها وكراهتنا لها وأمر تكفير عوام المسلمين ~~لأنهم لم يعرفوا الله تعالى بدليل قاطع على شروط أهل علم الكلام فانه يزداد ~~الامر قوة في كفر من كفرهم لأن الحكم باسلامهم معلوم ضرورة من الدين ~~وتكفيرهم جحد ذلك وقد دل وقد دل القرآن على صحة اسلامهم حيث قال تعالى ~~{قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور ~~رحيم} وقد تقدمت الأدلة على هذا في أول الكتاب هذا فليراجع وهذا لجلائه لا ~~يحتاج إلى بسط وبهذا الكلام تم الكلام في الوجه الاول من مرجحات ترك ~~التكفير # الوجه الثاني من مرجحات ترك التكفير أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وآله بذلك في هذه المسألة بالنصوصية والخصوصية وهذا من أوضح المرجحات وفي ~~ذلك أحاديث منها حديث أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ثلاث من ~~أصل الايمان الكف عمن قال لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من ~~الاسلام بعمل الحديث رواه أبو داود في كتاب الجهاد من السنن ورواه أبو يعلى ~~من طريق أخرى وليس فيها من ضعف إلا يزيد الرقاشي العبد الصالح ضعف من قبل ~~حفظه وقد أثنى عليه الحافظ ابن عدي ووثقه وقال عنده أحاديث صالحة عن أنس ~~أرجو أنه لا بأس به هذا مع الثناء النبوي على عموم التابعين فأقل أحواله أن ~~يقوي طريق أبي داود ويشهد لها الحديث الثاني عن أبي هريرة عن ms367 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وآله نحو حديث أنس # PageV01P392 # بمعناه رواه أبو داود الحديث الثالث عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وآله كفوا عن أهل لا إله إلا الله لا تكفروهم بذنب من كفر أهل لا ~~إله إلا الله فهو إلى الكفر أقرب رواه الطبراني في الكبير من حديث الضحاك ~~ابن حمزة عن علي بن زيد وحمزة بالحاء والراء المهملتين بينهما ميم قال ~~الهيثمي مختلف في الاحتجاج بهما قلت لكن حديثهما يصلح في الشواهد ويقوى بما ~~تقدم # وفي الباب عن علي بن أبي طالب عليه السلام وأبي الدرداء وأبي أمامة ~~ووائلة وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وعائشة رضي الله عنها وعنهم ~~سبعتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله بمثل ذلك لكن في أسانيدها مجاريح ~~لكن بمجموعها مع ما تقدم قوة ولحديث علي عليه السلام شواهد عنه وهو ما تقدم ~~من عدم تكفيره الخوارج من طرق ومن رده لأموالهم من طرق ويعضد ذلك عمل ~~الصحابة فعن جابر أنه قيل له هل كنتم تدعون أحدا من أهل القبلة مشركا قال ~~معاذ الله ففزع لذلك قال هل كنتم تدعون أحدا منهم كافرا قال لا رواه أبو ~~يعلي والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح والحديث إذا اشتهر العمل به ~~في الصحابه دل على قوته وهذه الشواهد السبعة والحديث الذي قبلها كلها في ~~مجمع الزوائد في أوائله # الوجه الثالث أنها قد تكاثرت الآيات والأحاديث في العفو عن الخطأ والظاهر ~~أن أهل التأويل أخطأوا ولا سبيل إلى العلم بتعمدهم لأنه من علم الباطن الذي ~~لا يعلمه إلا الله تعالى قال الله تعالى في خطاب أهل الاسلام خاصة {وليس ~~عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم} وقال تعالى {ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} وصح في تفسيرها أن الله تعالى قال قد فعلت في ~~حديثين صحيحين أحدهما عن ابن عباس والآخر عن أبي هريرة وقال تعالى {ولم ~~يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} فقيد ذمهم بعلمهم ms368 وقال في # PageV01P393 # قتل المؤمن مع التغليط العظيم فيه {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} ~~فقيد الوعيد فيه بالتعمد وقال في الصيد {ومن قتله منكم متعمدا} وجاءت ~~الاحاديث الكثيرة بهذا المعنى كحديث سعد وأبي ذر وأبي بكرة متفق على صحتها ~~فيمن ادعى أبا غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فشرط العلم في الوعيد ومن ~~أوضحها حجة حديث الذي أوصى لإسرافه أن يحرق ثم يذري في يوم شديد الرياح ~~نصفه في البر ونصفه في البحر حتي لا يقدر الله عليه ثم يعذبه ثم أدركته ~~الرحمة لخوفه وهو حديث متفق على صحته عن جماعة من الصحابة منهم حذيفة وأبو ~~سعيد وأبو هريرة بل رواته منهم قد بلغوا عدد التواتر كما في جامع الاصول ~~ومجمع الزوائد وفي حديث حذيفة أنه كان نباشا وإنما أدركته الرحمة لجهله ~~وإيمانه بالله والمعاد لذلك خاف العقاب وأما جهله بقدرة الله تعالى على ما ~~ظنه محالا فلا يكون كفرا إلا لو علم أن الأنبياء جاؤا بذلك وأنه ممكن مقدور ~~ثم كذبهم أو أحدا منهم لقوله تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وهذا ~~أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل ويعضد ما تقدم بأحاديث أنا عند ظن عبدي بي ~~فليظن بي ما شاء وهي ثلاثة أحاديث صحاح ولهذا قال جماعة جلة من علماء ~~الاسلام أنه لا يكفر المسلم بما يندر منه من ألفاظ الكفر إلا ان يعلم ~~المتلفظ بها أنها كفر قال صاحب المحيط وهو قول أبي علي الجبائي ومحمد ~~والشافعي قال الشيخ مجتبى وبه يفتى ولعل هذا الحديث الصحيح بل المتواتر ~~حجتهم على ذلك وهذا خلاف متجه بخلاف قول البهاشمة لا يكفر وإن علم أنه كفر ~~حتى يعتقده # ومما يقوي العفو عن أهل الخطأ أنه قد يكون في الأدلة ومقدماتها ولذلك كان ~~المشهور في القتلى في فتن الصحابة سقوط القصاص كما هو المشهور في سيرة على ~~عليه السلام كما تقدم وروي الشافعي عن الزهري أنه قال أدركت الفتنة الأولى ~~في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ms369 وكانت فيها دماء وأموال فلم ~~يقتص فيها من دم ولا مال ولا قدح أصيب بوجه التأويل إلا أن يوجد مال رجل ~~بعينه فيدفع إلى صاحبه # PageV01P394 # قال ابن كثير في ارشاده وهو ثابت عن الزهري وهو عام في أهل العدل والبغي ~~وإن واحدا من الفريقين لا يضمن للآخر شيئا وهو الذي صححه الشيخ أبو إسحاق ~~من قولي الشافعي فدل على دخول الخطأ في أفعال القلوب كأفعال الخوارج كما هو ~~واضح في قوله تعالى {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم} ~~وكذلك قوله تعالى في سورة النحل {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات ~~الله وأولئك هم الكاذبون من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه ~~مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب ~~عظيم} فقوله في هذه الآية الكريمة {ولكن من شرح بالكفر صدرا} يؤيد أن ~~المتأولين غير كفار لأن صدورهم لم تنشرح بالكفر قطعا أو ظنا أو تجويزا أو ~~احتمالا # وقد يشهد لهم بذلك كلام أمير المؤمنين عليه السلام وهو الصادق المصدوق في ~~المشهور عنه حيث سئل عن كفر الخوارج فقال من الكفر فروا فكذلك جميع أهل ~~التأويل من أهل الملة وإن وقعوا في أفحش البدع والجهل فقد علم منهم أن ~~حالهم في ذلك هي حال الخوارج وقد بالغ الشيخ أبو هاشم وأصحابه وغيرهم ~~فقالوا هذه الآية تدل على أن من لم يعتقد الكفر ونطق بصريح الكفر وبسب ~~الرسل أجمعين وبالبراءة منهم وبتكذيبهم من غير إكراه وهو يعلم أن ذلك كفر ~~لا يكفر وهو ظاهر اختيار الزمخشري في كشافه فانه فسر شرح الصدر بطيب النفس ~~بالكفر وباعتقاده معا واختاره الامام يحيي عليه السلام والامير الحسين بن ~~محمد # وهذا كله ممنوع لأمرين أحدهما معارضة قولهم بقوله تعالى {لقد كفر الذين ~~قالوا إن الله ثالث ثلاثة} فقضي بكفر من قال ذلك بغير شرط فخرج المكره ~~بالنص والاجماع وبقي غيره فلو قال مكلف مختار غير مكره بمقالة النصاري التي ~~نص القرآن على أنها ms370 كفر ولم يعتقد صحة # PageV01P395 # ما قال لم يكفره مع أنه لعلمه يقبح قوله يجب أن يكون أعظم إنما من بعض ~~الوجوه لقوله تعالى {وهم يعلمون} فعكسوا وجعلوا الجاهل بذنبه كافرا والعالم ~~الجاحد بلسانه مع علمه مسلما الامر الثاني أن حجتهم دائرة بين دلالتين ~~ظنيتين قد اختلف فيهما في الفروع الظنية احداهما قياس العامد على المكره ~~والقطع على أن الاكراه وصف ملغى مثل كون القائل بالثلاثة نصرانيا وهذا نازل ~~جدا ومثله لا يقبل في الفروع الظنية وثانيتهما عموم المفهوم ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا فانه لا حجة لهم في منطوقها قطعا وفاقا وفي المفهوم خلاف مشهور ~~هل هو حجة ظنية مع الاتفاق على أنه هنا ليس بحجة قطعية ثم في إثبات عموم له ~~خلاف وحجتهم هنا من عمومه أيضا وهو أضعف منه # بيانه أن مفهوم الآية ومن لم يشرح بالكفر صدرا فهو بخلاف ذلك سواء قال ~~كلمة الكفر بغير إكراه أو قالها مع إكراه فاحتمل أن لا يدخل المختار بل رجح ~~أن لا يدخل لأن سبب النزول في المكره والعموم المنطوق يضعف شموله بذلك ~~ويختلف فيه فضعف ذلك في الظنيات من ثلاث جهات من كونه مفهوما وكونه عموم ~~مفهوم وكونه على سبب مضاد لمقصودهم قال قتادة نزلت فى عمار بن ياسر ذكره ~~الذهبي في ترجمته من النبلاء ورواه الواحدي عن ابن عباس فكيف يقدم مع ذلك ~~كله على منطوق {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} وإذ قد فعلوا ذلك ~~هنالك لما فيه من أدني احتمال لعدم شرح الصدر من العامد المختار في كلمات ~~الكفر كلها من غير اكراه ولا جهل لا خطأ ولا عذر أصلا فكيف بأهل التأويل ~~الذين علم منهم السعي في تعميم شعائر الاسلام والأنبياء ومحبتهم ومحبة ~~مناصرتهم والمرء مع من أحب وتحمل المشاق العظيمة لله تعالى والاحتجاج ~~الطويل على مخالفي الاسلام حتى قال الرازي في وصيته اللهم إن كنت تعلم إني ~~آثرت هواي على الحق فيما صنعته فلا كذا وكذا ودعا بعدم المغفرة أو كما قال ms371 # ولما ذكر الذهبي في النبلاء تجويد الجاحظ في كتاب النبوات ترحم عليه وقال ~~فكذلك فليكن المسلم مع أنه من خصومه وهذا شيء يعلمه العاقل # PageV01P396 # من قرائن أحوال المتأولين وأقل الاحوال أن يكون هذا محتملا مجرد احتمال ~~مع سعة رحمة الله سبحانه وعظيم عفوه وغفرانه ومع ما ورد في أحاديث الشفاعة ~~المتواترة كما مضى بيانه في موضعه ولذلك ساوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين الخطأ والنسيان والاكراه في أحاديث كثيرة جدا مجتمعة على اأن الله ~~تعالى تجاوز لأمته عليه أفضل الصلاة والسلام الخطأ والنسيان وما استكرهوا ~~عليه وقد تقصيت طرقها وشواهدها من القرآن في ديباجة كتاب العواصم # وقد أجمعت الأمة على العمل بمقتضى النصوص في الاكراه والنسيان فكذلك ~~أخوهما وثالثهما وهو الخطأ أن شاء الله تعالى بل هو أكثر منهما ذكرا وشواهد ~~في الكتاب والسنة والبلوى به أشد والرخصة إنما تكون على قدر شدة البلوى # واما كفار التصريح فلا نسلم أن كفرهم خطأ لوجهين # أحدهما أن مرادنا بالخطأ هو خطأ مخصوص وهو الخطأ في تحري مراد الله تعالى ~~ورسوله فيما ظاهره التعارض والتشابه وكفار التصريح تعمدوا تكذيب الله تعالى ~~الله عن ذلك وتكذيب رسله ولم يقعوا في ذلك خطأ من غير اعتماد # وثانيها أن الله تعالى قد أخبر رسله الكرام بعنادهم واستحقاقهم العداوة ~~والعذاب العظيم ولو في أول مرة كما قال في ذلك {كما لم يؤمنوا به أول مرة} ~~وقد تقدم ذكر ذلك وكلام ابن أبي الحديد فيه في شرح قول علي عليه السلام ~~الذي شهدت له أعلام الوجود على اقرار قلب ذي الجحود وهذا تصريح بعناد كفار ~~التصريح حين انكروا فطرة الله التي فطر الناس عليها واجتمعت عليها جميع ~~كتبه ورسله وأتباعهم ولم يختلفوا فيها وليحذر من أمن الخطأ وقطع على عدم ~~مسامحة أهله في العقائد من المؤاخذة له فيما أخطأ فيه وعدم المسامحة له كما ~~ذكرته في تحذير من قال بتكليف ما لا يطاق أن يحمله الله تعالى من العقوبات ~~على قولها ما لا يطيقه فان جزاء ms372 الله تعالى لعباده من جنس أفعالهم وأقوالهم ~~جزاء وفاقا وكما تدين تدان وقد مر ما ورد في ذلك أو بعضه في التحذير من ~~تجويز التكليف بما لا يطاق على أعدل العادلين وأكرم الأكرمين وأرحم ~~الراحمين # PageV01P397 # الوجه الرابع أن مؤاخذة المخطيء لا تخلو إما أن تكون من تكليف ما لا يطاق ~~أو من أعظم المشاق فان كانت من الأول فهو لا يجوز على الله تعالى كما تقدم ~~القول فيه مبسوطا بسطا شافيا وإن لم تكن منه كانت من أعظم المشاق وقد نفي ~~الله تعالى وجود ذلك في دينه # أما أنه قد نفى ذلك في دينه فالمنصوص فيه كثيرة قال الله تعالى {وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج} وقال {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} ~~وتواتر هذا المعنى في السنة وقد جمعته في مؤلف مفرد ذكرت فيه أكثر من ~~ثلاثين آية من كتاب الله تعالى وأزيد من مائة وثمانين حديثا فلا نطول بذكره ~~لوضوحه # وأما أن ذلك من أعظم الحرج والمشاق فالأمرين # الأمر الأول أن العاقل المعظم لأمر الله تعالى المؤثر لمرضاته لو خير بين ~~أمرين أن يكلف الصبر على القتل عند الاكراه على كلمة الكفر أو الاحتراز من ~~الخطأ بعد تقرير أن الخطأ كفر لا يغفر ويوجب الخلود في النار لاختار الصبر ~~على القتل لأنه يفضي به إلى الجنة وإنما هو صبر ساعة وهو لا يأمن أن يقع في ~~الخطأ الذي يكفر به ولا يغفر له مع عدم العصمة وعدم المسامحة لأن الخطأ قد ~~جربت كثرة وقوعه من الأذكياء والافراد في المعارف الذين ضربت الأمثال بهم ~~في العقل والذكاء والفهم والعلم وذلك عند تعار ض الأنظار والآيات والآثار ~~والمتشابهات والمحتملات وتخصيص أكثر العمومات حتى وقع بعض الأنبياء في شيء ~~من ذلك مع العصمة والتأييد الرباني هذا نوح عليه السلام ظن أن ابنه داخل في ~~عموم أهله الذين وعده الله تعالى بنجاتهم ولم يعلم تخصيص هذا العموم ولو ~~علمه ما سأل وقد قيل في الوجه في ذلك أن ابنه ms373 كان منافقا وهذا موسى عليه ~~السلام راعه ما وقع من الخضر عليه السلام من المتشابهات حتى عيل صبره وأخلف ~~وعده # الأمر الثاني أنه لم يتحقق ورود الشرع بعقوبة المخطيء بعد الرغبة في ~~معرفة الصواب وحسن النية في تعرفه وإن لم يبلغ جميع ما يمكن البشر في علم ~~الله تعالى أما مع بلوغه ذلك فلا شك في العفو عنه وأما المشاق # PageV01P398 # العظيمة فقد يرد الشرع بها نادرا في هذه الشريعة تخصيصا لعموم المسامحة ~~فيما شق حيث تقتضي ذلك الحكمة كما في وجوب الصبر للقصاص في القتل وقطع ~~الاعضاء والرجم في عقوبة الزاني وكان هذا أكثر في شرائع من قبلنا لقوله ~~تعالى {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} ومنه وجوب القتل في توبة ~~بني إسرائيل ونحو ذلك فثبت أن المشاق العظيمة قد تحقق ورودها في الشرائع ~~نادرا حيث يقتضي ذلك المصلحة وإن عقاب المخطيء بعذاب النار لم يتحقق وروده ~~في شريعة من الشرائع فثبت أنه أحق المشاق بأن يسمحه اكرام الاكرمين وخير ~~الغافرين سبحانه وتعالى ولا برهان قاطع على أن المكفرين من أهل التأويل لا ~~يسمون مخطئين ولا على خروجهم من الأدلة الدالة على العفو عن المخطئين # االوجه الخامس أن أخوة يوسف لما قالوا {إن أبانا لفي ضلال مبين} وقالوا ~~{تالله إنك لفي ضلالك القديم} لم يكفروا بذلك لما كانوا باقين على شهادة أن ~~لا إله إلا الله وأن يعقوب رسول الله معتقدين مع ذلك صحة نبوته ودينه وإنما ~~جوزوا عليه مع ذلك الضلال في حب يوسف لأنه عندهم من الضلال في الرأي ومصالح ~~الدنيا وقد قاربوا الاستهانة وعدم التوقير لولا جلالة بقائهم على الشهادتين ~~وإيمانهم بالله تعالى ورسله فثبت أن للبقاء على ذلك أثرا عظيما فان ~~الامارات لا تقاومه وإن الشرع ورد بتعظيم ذلك وطرح المعارض له ولذلك عظم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله على أسامة بن زيد قتل الكافر الذي ضربه ~~فلما قدر عليه أسلم وعظم على أصحابه الكلام في بعض من كانوا يعدونه من ~~المنافقين وقال ms374 أليس يشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله ويصلي قالوا ~~بلى ولا شهادة له ولا صلاة قال إني لم أومر أن أفتش على قلوب الناس وأمثال ~~ذلك كثيرة صحيحة # الوجه السادس أن الخارجي الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ~~اعدل يا محمد والله إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تكلم بكلام من أقبح ~~الكلام وظن ظنا من أسوأ الظنون ولم يحكم النبى صلى الله عليه وسلم بكفره مع ~~ذلك مع أنه لو # PageV01P399 # كفر لوجب قتله بالردة إلا أن يتوب ولم تنقل له توبة بل جاء في الحديث ما ~~معناه أنها تخرج من ضئضئة الخوارج وإنما لم يكفر والله أعلم لأنه بقي على ~~شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وإنما جوز عليه أن يذنب ~~كذنوب الانبياء كما قال تعالى {وعصى آدم ربه فغوى} وهذا يدل على تعظيم حرمة ~~الشهادتين مع عظم الخطأ وكذلك لم يكفر حاطب ابن أبي بلتعة مع خيانته لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وآله وما نزل فيه أول سورة الممتحنة وقوله تعالى ~~فيه {تلقون إليهم بالمودة} و {تسرون إليهم بالمودة} وقد قال تعالى {ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم} ومع ذلك وصفه بالايمان في أول السورة حيث قال {يا ~~أيها الذين آمنوا} وإنما قلنا أنه داخل فيمن خوطب بذلك لأن العموم نص في ~~سببه بالاجماع ولذلك أدخله الله مع المؤمنين وخاطبه بأجمل الخطاب حيث قال ~~{لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} وكذلك ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وآله قبل عذره وذلك كله يدل على ما قاله الامام المهدي محمد بن المطهر عليه ~~السلام أن الموالاة المحرمة بالاجماع هي أن تحب الكافر لكفره والعاصي ~~لمعصيته لا لسبب آخر من جلب نفع أو دفع ضرر أو خصلة خير فيه والله أعلم # الوجه السابع أن الله تعالى نص على تحريم التفرق في كتابه الكريم وجاء ~~ذلك بعبارات كثيرة في الكتاب والسنة ولا أفحش في التفرق من التوصل إل ms375 ~~التكفير بأدلة محتملة تمكن معارضتها بمثلها ويمكن التوصل بها إلى عدم ~~التكفير وإلى جمع الكلمة وإنما قلنا أنه لا أفحش من ذلك في التفرق المنهي ~~عنه لما فيه من أعظم التعادي والتنافر والتباين وقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وآله في حق المحدود في الخمر مرارا حيث لعنوه بسبب ذلك لا تعينوا ~~الشيطان على أخيكم أما أنه يحب الله ورسوله ولا شك أن في التفرق ضعف ~~الاسلام وتقليل أهله وتوهين أمره قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ~~ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا} وقال بعدها بآية # PageV01P400 # واحدة {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} وقد ~~تقدم في حديث ابن مسعود أن الاختلاف المنهى عنه هو التعادي لا الاختلاف في ~~مجرد الافعال والاقوال مع عدم التعادي وأن بعض ذلك قد وقع بين الملأ الاعلى ~~وبين رسل الله الكرام عليهم أفضل الصلاة والسلام يوضحه قوله تعالى {ولا ~~تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} وقال تعالى {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه} وقال تعالى {ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} وقال تعالى {وما اختلف الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} وفي الحديث أن صلاح ذات ~~البين أفضل من عامة الصلاة والصوم وفيه أن فساد ذات البين هي الحالقة اما ~~اني لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين # وقد تقدم في هذا الباب ما جاء في المشاحنة والمهاجرة من الوعيد الشديد ~~والأحاديث المتواترة منها حديث هشام بن عمار عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وآله لا يحل لمسلم أن يهجر مسلما فوق ثلاث فانهما ناكبان عن الحق ما ~~داما على صرامهما وأولهما فيأ يكون سبقة بالفيء ms376 كفارة له وإن سلم ولم يقبل ~~ردت عليه الملائكة وإن ماتا على صرامهما لم يدخلا الجنة جميعا أبدا رواه ~~أحمد ورجاله رجال الصحيح وقد مر في الوجه الأول من هذه الوجوه ما له من ~~الشواهد المتواترة الرائعة في تحريم ذلك وانه مقرون بالشرك في حرمان صاحبه ~~الغفران وهذا أمر مجمع على تحريمه في الأصل فيجب مراعاة أسبابه ومقوياته ~~فكلما كان أقرب إلى الاجتماع كان أرجح وكلما كان أقرب إلى التفرق وادعى ~~اليه وإلى اثارته كان أفسد وأبطل وكم بين إخراج # PageV01P401 # عوام فرق الاسلام أجمعين وجماهير العلماء المنتسبين إلى الاسلام من الملة ~~الاسلامية وتكثير العدد بهم وبين ادخالهم في الاسلام ونصرته بهم وتكثير ~~أهله وتقوية أمره فلا يحل الجهد في التفرق بتكلف التكفير لهم بالأدلة ~~المعارضة بما هو أقوى منها أو مثلها مما يجمع الكلمة ويقوي الاسلام ويحقن ~~الدماء ويسكن الدهماء حتى ينضح كفر المبتدع اتضاح الصبح الصادق وتجتمع عليه ~~الكلمة وتحقق إليه الضرورة مثل كفر الزنادقة والملاحدة الذين أنكروا البعث ~~والجزاء والجنة والنار وتأولوا الرب جل جلاله وجميع أسمائه بامام الزمان ~~وسموه باسم الله تعالى وفسروا لا إله إلا الله أي لا إمام إلا إمام الزمان ~~في زعمهم خذلهم الله تعالى وتلعبوا بجميع آيات كتاب الله عز وجل في تأويلها ~~جميعا بالبواطن التي لم يدل على شيء منها دلالة ولا امارة ولا لها في عصر ~~السلف الصالح اشارة وكذلك من بلغ مبلغهم من غيرهم في تعفية آثار الشريعة ~~ورد العلوم الضرورية التي نقلتها الامة خلفها عن سلفها والله يحب الانصاف ~~قطعا # الوجه الثامن أن الخطأ لما كان منقسما إلي مغفور قطعا كالخطأ في ~~الاجتهاديات على الصحيح وغير مغفور قطعا كالخطأ في نفي البعث والجنة والنار ~~وتسمية الامام بأسماء الله تعالى إلي غير ذلك ومختلف فيه محتمل للالحاق ~~بأحد القسمين نظرنا لأنفسنا في الاقدام على تكفير أهل التأويل من أهل ~~القبلة وفي الوقف عنه عند الاشتباه فوجدنا الوقف عنه حينئذ مع تقبيح بدع ~~المبتدعة لا يحتمل أن يكون كفرا ولا خطأ ms377 غير معفو عنه لأنه لا يدل على ذلك ~~برهان قاطع ولا دليل ظاهر بل الأدلة واضحة في العفو حينئذ على تقدير الخطأ ~~كما تقدم بيانه في الوجه الرابع وأما الاقدام على التكفير فعلى تقدير الخطأ ~~فيه لا نأمن أن يكون كفرا أو خطأ غير معفو عنه كخطأ الخوارج لورود النصوص ~~الصحيحة الكثيرة بذلك وعدم الإجماع على تأويلها كما تقدم في الوجه الأول ~~فوجدنا الوقف حينئذ أحوط للدين والدار الآخرة حتى لو قدرنا والعياذ بالله ~~تعالى أن الخطأ في كل واحد منهما ذنب غير مغفور لكان الخطأ في الوقف أهون ~~من الخطأ في التكفير وفي الحديث والعقول دلائل على ذلك كثيرة ولذلك قيل أن ~~للشر خيارا ومنه قولهم حنانيك بعض الشر أهون من بعض # PageV01P402 # الوجه التاسع أن الوقف عن التكفير عند التعارض والاشتباه أولى وأحوط من ~~طريق أخرى وذلك أن الخطأ في الوقف على تقديره تقصير في حق من حقوق الغني ~~الحميد العفو الواسع أسمح الغرماء وأرحم الرحماء وأحكم الحكماء سبحانه ~~وتعالى والخطأ في التكفير على تقديره أعظم الجنايات على عباده المسلمين ~~المؤمنين وذلك مضاد لما أوجب الله من حبهم ونصرهم والذب عنهم # وقد روى في ذلك من حديث أمير المؤمنين علي عليه السلام ومن حديث عائشة أم ~~المؤمنين رضي الله عنها كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أنه ~~قال # (الدواوين عند الله ثلاثة ديوان لا يغفره الله وهو الشرك بالله تعالى ~~وديوان لا يتركه وهو حقوق المخلوقين وديوان لا يبالي به وهو ما بينه سبحانه ~~وتعالى وبين عبده فالتارك للتكفير إن قدرنا خطأه فانما أخل بحق من حقوق ~~الله تعالى وهو إجراء الاحكام عليهم وهو ههنا لم يتركه إلا لعدم شرط جوازه ~~وهو تحقق الموجب له وأما للكفر إن قدرنا خطأه فقد أخل بحق المخلوق المسلم ~~بل تعدى عليه وظلمه أكبر الظلم وأفحشه فأخرجه من الاسلام وهو يشهد أن لا ~~أله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن جميع رسله وكتبه وما جاء فيها عن ~~الله عز ms378 وجل حق لا شك فيه ولا ريب في شيء منه على الجملة وإنما أخطأ في بعض ~~التفاصيل وقد صرح بالتأويل فيما أخطأ فيه فان وصف الله بوصف نقص فلاعتقاده ~~أنه وصف كمال وان نسب إليه قبحا فلاعتقاده أنه حسن وان تعمد القبيح في ذلك ~~فمحل التعمد هو القلب المحجوب عنا سرائره والحاكم فيه علام الغيوب وقد ~~عوقبت الخوارج أشد العقوبة وذمت أقبح الذم على تكفيرهم لعصاة المسلمين مع ~~تعظيمهم في ذلك لمعاصي الله تعالى وتعظيمهم لله تعالى بتكفير عاصية فلا ~~يأمل المكفر أن يقع في مثل ذنبهم وهذا خطر في الدين جليل فينبغي شدة ~~الاحتراز فيه من كل حليم نبيل ولأجل هذا الخطر عذر المتوقف في التكفير وكان ~~هذا هو الصحيح عند المحققين كما ذكره الفقيه حميد واختاره في عمدة ~~المسترشدين بل كما قامت عليه الدلائل والبراهين # الوجه العاشر أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لم يكفر # PageV01P403 # أهل الجمل وصفين لم يسر فيهم السيرة في الكافرين مع صحة قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وآله (لايحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) والمنافق ~~إذا أظهر النفاق وحارب وكانت له شوكة جرت عليه أحكام الكفار بالاجماع بل قد ~~صح أن سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر فكيف بسيد المسلمين ومولاهم الامام بل ~~خلاف بينهم الواجب محبته وطاعته عليهم # وفي مسند أحمد عن أم سلمة أنها قالت أيسب رسول الله فيكم قيل لها معاذ ~~الله قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سب عليا فقد سبي ~~رجاله رجال الجماعة كلهم إلى أبي عبد الله الحدلي التابعي الراوي عنها وهو ~~ثقة ولم يكفرهم عليه السلام مع هذا وأمثاله فدل ذلك على أنه عليه السلام ~~بعد عن التكفير لأجل المعارضات التي أشرنا اليها في حكم أهل الشهادتين أو ~~فيمن قام بأركان الاسلام ولجوازان يراد كفر دون كفر ونفاق دون نفاق وهذا ~~الوجه مفارق للوجه الأول المتعلق بالحوارج لأن النزاع في كفر الخوارج ممكن ~~أو مشهور وأما هؤلاء فلا ms379 خلاف بين أهل النقل والبصر وبالتواريخ أنه عليه ~~السلام سار فيهم السيرة في البغاة على إمام الحق ولم يسر فيهم السيرة في ~~أهل الكفر ولهذا قال الامام أبو حنيفة أنه لولا سيرته عليه السلام في ذلك ~~ما عرفت أحكام البغاة أو كما قال رحمه الله تعالى وإنما كان فعله فيهم حجة ~~على البعد عن التكفير لأنه تركه مع وجود النصوص الصحيحة بكفرهم ونفاقهم كما ~~ذكرناه في الحديثين الشهيرين وشواهدهما بل كما في قوله تعالى {ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} وعدل إلى ترجيح معارضتهما ولا معنى ~~للعبد عن التكفير إلا ذلك # الوجه الحادي عشر # أنه قد يدق مراد المخالف ويخفي جدا ويحتمل الوقف فيفسر بما لم يقصده كما ~~تقدم في هذا المختصر في اختلاف الناس في تحقيق فعل العبد إلى بضعة عشر قولا ~~أكثرها غامضة وكما دق مذهب الاشعرية في الرؤية حتى قال الرازي أن مرادهم ~~أنه ينكشف لله تعالى صفة في الآخرة هي بالنسبة اليه كالرؤية بالنسبة إلى ~~غيره وقد ينقل عنه ما لم يقل لتوهم أنه لازم له وليس بلازم كما نسب تكليف ~~ما لا يطاق إلى # PageV01P404 # الاشعري أو لازم ولكن اللازم الذي لم يقل به بل تبرأ منه ومن لزومه كالذي ~~قاله وكم يختلف أتباع العالم في كثير من مقاصده ويلزم ما لم يقصده كما ~~يختلف في كثير من الآيات والأحاديث وقد تقدم هذا في سبب الابتداع في الدين ~~بتبديل العبارات وعليه بنيت هذا المختصر فاذا تقرر هذا فمن العجب تكفير ~~كثير ممن لم يرسخ في العلم لكثير من العلماء وما دروا حقيقة مذاهبهم وهذه ~~هذه وما يعقلها إلا العالمون # الوجه الثاني عشر # أن في الحكم بتكفير المختلف في كفرهم مفسدة بينة تخالف الاحتياط وذلك ~~اسقاط العبادات عنهم إذا تابوا وإسقاط جميع حقوق المخلوقين من الأموال ~~والدماء وغيرهما وإباحة فروج نسائهم إذا لم يتوبوا وسفك دمائهم مع قيام ~~الاحتمال بشهادة وجود المخالفين الجلة من أئمة الملة ووجود المعارضات ~~الراجحة الواضحة الادلة وقد أشار إلى ms380 هذا الوجه شيخ الاعتزال المعروف ~~بمختار في المسألة الثانية عشرة من مسائل هذا الباب في كتابه المجتبى قال ~~فيه وعن بعض السلف أنه كان يكتب في الفتوى في هذا لا يكفر وغيري يخالفني # الوجه الثالث عشر # أن الخطأ في العفو خير الخطأ في العقوبة نعوذ بالله من الخطأ في الجميع ~~ونسأله الاصابة والسلامة والتوفيق والهداية لكنا وجدنا الله تعالى لم يذم ~~من أخطأ في نحو ذلك ألا تراه أثنى على خليه عليه السلام حين جادله في قوم ~~لوط فقال {إن إبراهيم لحليم أواه منيب} وقال عز وجل فيه بعد حكايته ~~استغفاره لأبيه {إن إبراهيم لأواه حليم} وإنما كان جداله واستغفاره فيما ~~يحتمل الجواز في شريعته لا فيما لا يجوز بالنص فانه منزه عن ذلك ولا فيما ~~يجوز بالنص فانه لا يعاقب في ذلك ولا يحتاج إلى الاعتذار له فيه ونحو هذا ~~من وجه آخر قوله عليه السلام {ومن عصاني فإنك غفور رحيم} وقول عيسى عليه ~~السلام {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} وصلاة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وآله على عبد الله بن أبي بعد نزول قوله تعالى {استغفر لهم أو لا ~~تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} وقوله في تفسيرها ~~ان الله خيرني ولم ينهني ولو أعلم انه يغفر لهم اذا زدت على السبعين لزدت # PageV01P405 # عليها وثبت انه عليه الصلاة والسلام ما خير بين أمرين الا اختار أيسرهما ~~ما لم يكن اثما وتواتر ذلك من اخلاقه الكريمة كما جمع في مصنف مفرد ويشهد ~~له بذلك القرآن الكريم حيث قال تعالى {وإنك لعلى خلق عظيم} هذا مع انا نقف ~~فيمن تفاحشت بدعته وقاربت الكفر ولا نواليه ولا ندعوا له بالرحمة والمغفر ~~الا بشرط ان يكون من المسلمين محاذرة من ان نوالي من هو عدو لله في الباطن ~~وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله بنحو هذا في حديث أهل الكتاب لا ~~تصدقوهم ولا تكذبوهم حذرا من تكذيب الحق وتصديق الباطل فنعوذ ms381 بالله من ~~موالاة أعداء الله بل ننكر بدعهم وننهي عنها ما استطعنا ونكرهها ونتبرأ ~~منها ونشهد الله تعالى انا نعادي من عاداه علمناه أو جهلناه فقد دل في ~~الحديث على نفع هذا الاعتقاد الجملي وهو حديث زيد بن ثابت عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وآله وفيه (اللهم ما صليت من صلاة فعلى من صليت وما لعنت من ~~لعنة فعلى من لعنت) رواه أحمد والحاكم وقتال حديث صحيح ويشهد لصحته ما تقدم ~~عن ابراهيم الخليل عليه السلام من الجدال عن قوم لوط والاستغفار منه لابيه ~~ولم يكن موالاة منه لهم ولا رضى بذنوبهم ولا ذم به بل بين الله تعالى عذره ~~في بعض ذلك وعده من سعة حلمه في بعضه وهذا كله في حق الكافرين وأما أهل ~~الاسلام المؤمنين الخاطئين فلا نص على تحريم ذلك فيهم فيما علمت وينبغي ~~الاشتراط فيما شك فيه من الدعاء لبعضهم ان يكون موافقا لمراد الله تعالى في ~~الشريعة النبوية # PageV01P406 ### | فصل في الفسق # وهو أقسام باعتبار العرف الاول والآخر واسم الفاعل واسم الفعل وباعتبار ~~التصريح والتأويل # فاما العرف الأول في اسم الفاعل فانه يدل ان الفاسق من الكفار من لا حياء ~~ولا مروءة ولا عهد ولا عقد له كما فسره بذلك الزمخشري في بعض الآيات الدالة ~~على ذلك فان الله تعالى يقول في الكفار من اليهود وغيرهم {وأكثرهم فاسقون} ~~وفي بعض الآيات {وكثير منهم فاسقون} كما أوضحته في الاول من العواصم مبسوطا ~~بسطا شافيا زائدا على ما يعتاد في ذلك من البسط # وأما باعتبار اسم الفعل ففيه قوله تعالى {وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان} وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله سباب المؤمن فسوق وقتاله ~~كفر في أحاديث كثيرة متفق على صحتها # وأما العرف المتأخر فالفسق يختص بالكبيرة من المعاصي مما ليس بكفر ~~والفاسق يختص بمرتكبها وعند المعتزلة لا يسمي كافرا ولا مؤمنا ولا مسلما ~~وعند أهل الحديث والاشعرية لا يسمى كافرا وأما اسم الاسلام فان اعتبرنا ~~تمامه وكماله لم نسمه مؤمنا ولا ms382 مسلما وان اعتبرنا أقله سميناه مؤمنا ~~ومسلما الا ان تسميته مسلما اعتبارا بالاقل من مراتب الاسلام هو العرف ~~الاكثر بخلاف تسميته مؤمنا وفي ذلك من الآيات والأحاديث ما لا يحتمله هذا ~~المختصر وقد استوفيت الكلام فيه في مسألة الوعد والوعيد في آخر العواصم # PageV01P407 # وأما انقسام ذلك باعتبار فسق التصريح والتأويل فهو متفق عليه أما فسق ~~التصريح فلا داعي الى ذكره هنا وهو يرجع الى معرفة الكبائر وهي منصوصة في ~~أحاديث كثيرة وفي بعضها زيادة على بعض وقد جمعها ابن الحاجب في مختصر ~~المنتهى وتكلم ابن كثير على طرقها ومنهم من زاد عليها ما هو أكثر منها قطعا ~~عملا بمفهوم الموافقة المسمى فحوى الخطاب # مثاله ان قتل المؤمن كبيرة بالنص فأولى منه بذلك دلالة الكفار على نقب في ~~مصر عظيم من أمصار المسلمين يدخلون منه فيقتلون جميع من فيها ويستحلون ~~المحارم من النسوان والصبيان ونحو ذلك وهذا قسمان منه ما يكون معلوما كما ~~يعلم تحريم ضرب الوالدين من تحريم التأفيف فلا يكون قياسا ومنه قياس واختلف ~~فيما يكون قياسأ فاجازته طائفة منهم الهدوية ففسقوا من غصب عشرة دراهم ~~قياسا على من سرقها ومنعته طائفة منهم المؤيد بالله عليه السلام واحتج ~~عليهم بالاجماع على ان الغاصب لا يقطع ومنهم من قال الكبيرة ما كان فيه حد ~~من حدود الله تعالى أو قال الله تعالى فيه إنه عظيم أو كبير ومنهم من قال ~~ما توعد الله عليه بخصوصه بالعذاب # وأما فسق التأويل فهو الذي أردت أن أذكره هنا واعلم ان ما دخله التأويل ~~مما يتعلق بالكبائر ولم يعلم انه منها سوى قتل المسلمين وقتالهم فانه يصير ~~ظنا من الفروع الاجتهاديات عند جماهير العلماء من الفرق أو عند جميعهم ~~كالربويات المختلف فيها والانكحة المختلف فيها مثال ذلك وأما قتل المسلمين ~~وقتالهم والبغي على أئمتهم العادلين فاختلف فيه فقالت الشيعة والمعتزلة لا ~~يعذر المجتهد ان أخطأ فيه ويكون فاسق تأويل وقيل يعذر مثل التأويل فيما ~~تقدم وسبب الاختلاف أمران # أحدهما تعارض الوعيد على ذلك والوعد ms383 بالعفو عن أهل الخطأ وقد تقدم ما في ~~ذلك قريبا في الوجه الثالث في الكلام على تكفير أهل التأويل # وثانيهما اختلافهم هل يوجد دليل قاطع شرعي وليس بضروري من الدين أم لا ~~ومعنى ذلك أن القطعي الشرعي هو المعلوم لفظه المعلوم # PageV01P408 # معناه فأما العلم بلفظه فلا يكون إلا ضروريا بالاجماع لانه نقل محض ما لم ~~يبلغ مرتبة الضرورة فيه كان ظنيا ولا واسطة فيه بين الضرورة والظن وفاقا ~~فالضرورة هو التواتر والظن آحاد وان كثرت رواته وأما العلم بمعنى القطعي ~~الشرعي فهو محل الخلاف فعند المعتزلة وكثير من الشيعة يدخله القطع من غير ~~ضرورة وعند المخالفين لهم انه راجع الى لنقل المحض إما عن أهل اللغة أو عن ~~أهل الشرع فلا يكون الا ضروريا فيكفر المخالف فيه أو ظنيا فيعذر # وعضدوا هذا بوجوه منها قياس القتل والقتال على سائر ما تقدم مما يتعلق ~~بالكبائر فان هذا حكمها عند الجميع ومنها قياس ذلك على كلام العلماء في ~~مسائل الخلاف في القصاص في النفوس كالحر بالعبد والذكر بالانثى والقصاص بين ~~المسلم والذمي والخلاف في عمد الخطأ وكذلك كلامهم في الحدود التي يجب فيها ~~القتل أو العفو والعقد الاجماع في ذلك كله على عدم تأثيم المخالف مع انه ~~خلاف في سفك الدماء وقتل المؤمنين بالتحري للعدل المأمور به لدفع الفساد ~~قالوا فكذلك من أخطأ من المجتهدين في الفتن وهو على هذه النية ومنها قوله ~~تعالى {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} مع أحاديث خاصة وردت في الخطأ في الفتن ~~بخصوصها # وفي ذلك أحاديث # الاول عن سعيد بن زيد أحد العشرة رضي الله عنهم قال كنا عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وآله فذكر فتنة عظم أمرها فقلنا أو قالوا يا رسول الله ~~لئن أدركتنا هذه الفتنة لنهلكن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله كلا ~~ان يحسكم القتل قال سعيد فرأيت أخواني قتلوا رواه أبو داود في الفتن من ~~كتاب السنن عن مسدد عن أبي الاحوص سلام ابن سليم عن منصور بن المعتمر ms384 أحد ~~أئمة الكوفة عن هلال بن يساف الاشجعي الكوفي عن سعيد بن زيد وكلهم نبلاء ~~ثقات من رجال البخاري ومسلم وسائر الجماعة الا أن البخاري لم يخرج حديث ~~هلال ابن يساف وحده لغبر طعن فيه فانه لم يذكر في الميزان ورواه أحمد بن ~~حنبل في مسنده بإسناد آخر رجاله كله ثقات الى هلال بن # PageV01P409 # يساف عن سعيد ولفظه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله فتنا كقطع ~~الليل المظلم أراه قال قد يذهب فيها الناس أسرع ذهاب قال فقيل أكلهم هالك ~~أم بعضهم فقال حسبهم أو بحسبهم القتل وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ولفظه ~~فقلنا إن أدركنا ذلك هلكنا فقال بحسب أصحابي القتل ورواه الطبراني باسانيد ~~ورجال أحدها ثقات ورواه البزار كذلك # الحديث الثاني عن أم حبيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله انه قال ~~رأيت ما تلقى أمتي بعدي وسفك بعضهم دماء بعض فسألته أن يؤتيني شفاعة يوم ~~القيامة فيهم ففعل رواه أحمد والطبراني في الاوسط ورجالهما رجال الصحيح الا ~~أن رواية أحمد عن انس عن أم حبيبة ورواية الطبراني عن الزهري عن أنس رواه ~~في مجمع الزوائد ولم أجده في جامع ابن الجوزي ولكنه لا يستوفى والله أعلم # الحديث الثالث عن طارق بن أشيم انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وآله ~~يقول بحسب أصحابي القتل # الحديث الرابع عن أبي بردة عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وآله انه قال عقوبة هذه الأمة السيف رواه الطبراني برجال الصحيح # الحديث الخامس عن أبي بردة عن عبد الله بن زيد انه سمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول جعل الله عذاب هذه الأمة في دنياهم # الحديث السادس عن معقل بن يسار مرفوعا نحو ذلك رواه الطبراني من حديث عبد ~~الله بن عيسى الخزاز # الحديث السابع عن أبي هريرة نحوه رواه الطبراني في الأوسط من حديث سعيد ~~بن مسلمة الأموي وعضدوا هذه الأخبار بما رواه زيد بن أبي الزرقاء عن جعفر ~~بن برقان عن يزيد ms385 بن الاصم قال قال علي عليه # PageV01P410 # السلام قتلاي وقتلى معاوية في الجنة رواه الذهبي في ترجمة معاوية من ~~النبلاء وجعفر ويزيد من رجال مسلم وزيد من رجال النسائي قال في الكاشف صدوق ~~وكذلك قال في الميزان وفيه عن ابن معين لا بأس به ولم يورد فيه جرحا الا ~~قول ابن حبان انه يغرب وليس ذلك بجرح وقال فيه انه صدوق مشهور عابد وإن ابن ~~عمار قال ما رأيت في الفضل مثله ومثل المعافي وقاسم الجرمي رحمهم الله ~~تعالى # وهذا من أحسن ما في الباب وانما أخرته لانه موقوف ومع ذلك فله قوة ~~المرفوع والله أعلم بصحة ذلك عنه ومنه أحاديث النهي عن مدافعة أهل التأويل ~~ومنها اعتقادهم أن هذه الادلة أخص وأن ادلة المعتزلة والشيعة عامة وهو في ~~الحقيقة موضع النزاع كما سيأتي في ادلة المعتزلة فينبغي تحرير النظر فيه ~~لان الخاص مقدم على العام ومنها عدم ترجيح عدم التفسيق بالمرجحات المتقدمة ~~لعدم التكفير الحكم فيها متقارب وان كان التكفير أخطر # وقد نص أبو ذر رضي الله عنه على رواية ذلك عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في حديثه المتقدم فقال من قال لاخيه كافر أو قال عدو الله وليس كذلك ~~الا حار عليه متفق على صحته كما مضى # وأما الشيعة والمعتزلة فاحتجوا على قولهم بانواع من السمع كثيرة منها ~~قوله تعالى {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} وأهل التأويل من ~~البغاة داخلون في هذه الآية وان كان سبب النزول في المصرحين فيما أحسب ~~فالآية عامة عند الشيعة والمعتزلة أو عند أكثرهم ومنها حديث أبي هريرة ~~موفوعا في الفتن ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قتل ولا يدري ~~المقتول في أي شيء قتل قيل وكيف ذاك قال الهرج القاتل والمقتول في النار ~~أخرجه مسلم وعن عبد الله بن عمرو موفوعا ستكون فتنة تستنظف العرب قتلاها في ~~النار رواه أبو داود والترمذي ومنها حديث اذا التقى المسلمان بسيفيهما ~~فالقاتل والمقتول في النار قالوا يا رسول الله ms386 هذا القاتل فما بال المقتول ~~قال انه كان حريصا على قتل صاحبه رواه خ وم ود وس من حديث أبي بكرة وس من ~~حديث أبي # PageV01P411 # موسى ومنها أحاديث سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر ومنها أحاديث لا ترجعوا ~~بعدي كفرا يضرب بعضكم رقاب بعض ومنها بادروا بالاعمال فتنا يصبح الزجل فيها ~~مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ومنها وهو من أصرحها حديث عمار ~~وهو صحيح متواتر ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم الى الجنة ويدعونه ~~الى النار أخرجه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم وقال ابن الجوزي في جامع ~~المسانيد أخرجه البخاري ومسلم وكذلك ابن الأثير في جامع الاصول # قال الحميدي أخرجه كذلك أبو بكر البرقاني وأبو بكر الاسماعيلي قبله وذكره ~~ابن حجر في قتال البغاة من تلخيصه عن اثني عشر صحابيا وذكر عن ابن عبد البر ~~انها تواترت به الاخبار وان أصح الحديث وعن أحمد بن حنبل انه روي من ثمانية ~~وعشرين طريقا وذكر الذهبي في ترجمة عمار من النبلاء كثيرا من طرقه وحكم ~~بصحته بل بتواتره وذكر ان يعقوب بن أبي شيبة الامام الثقة الحافظ سمع أحمد ~~بن حنبل سئل عنه فقال فيه حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى ~~الذهبي مع ذلك أحاديث أخر قاتل عمار وسالبه في النار بل ان الله يعادي عدو ~~عمار ويغضب لغضب عمار رضي الله عنه وحديث عمار هذا من اعلام النبوة الكبار ~~ولذلك ذكره جمهور من صنف في المعجزات النبوية واحتجوا على انه معلوم ~~بالضرورة بان معاوية وأهل الشام حين سمعوه لم ينكروه وذكر القرطبي في ~~تذكرته والحاكم في علوم الحديث ان القول بمقتضاه اجماع أهل السنة يعني ان ~~من حارب عليا عليه السلام فهو باغ عليه وانه عليه السلام صاحب الحق في جميع ~~تلك الحروب ومنها ما ورد في تخصيص قتل المسلم وقتاله من الوعيد الشديد وان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان الله أبي علي في القاتل وفي حديث ابن ~~عمر لا يزال المؤمن في فسحة ms387 من دينه ما لم يصب دما حراما رواه البخاري وروي ~~من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا من قتل مؤمنا فاغتبط بقتله لم يقبل الله ~~منه صرفا ولا عدلا قال د في حديث عبادة عن يحيى بن يحيى الغساني في معنى ~~اغتبط بقتله قال الذين يقاتلون في الفتنة فيقتل أحدهم فيرى انه على هدى لا ~~يستغفر الله تعالى يعني من ذلك والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى # PageV01P412 # وقد ذكرت في العواصم في مسألة الوعيد أحاديث كثيرة رائعة في تعظيم القتل ~~وذكرها هنا يخرجنا على معنى الاختصار ومنها وهو أقوى من هذه الأشياء انه ~~تواتر عن الصحابة انهم كانوا يعتقدون في الباغي على أخيه المسلم وعلى امامه ~~العادل انه عاص آثم وأن التأويل في ذلك مفارق للاجتهاد في الفروع فانهم لم ~~يتعادوا على شيء من مسائل الفروع وتعادوا على البغي وكذلك أجمعت الأمة على ~~الاحتجاج بسيرة علي عليه السلام في قتالهم وليس المجتهد المعفو عنه يقاتل ~~على اجتهاده ويقتل ويهدر دمه # وأما الاحاديث التي تقدمت في معارضة هذه فلا تبلغ مرتبتها في الصحة ~~والشهرة ولو بلغت لم تعارضها فانها دالة على اثم أهل الفتن وانما فيها انه ~~خفف على هذه الأمة عذابها في ذلك الذنب وجعل عذابها بالسيف في دنياها وهذا ~~أولى أن يكون حجة على تحريم ذلك وعدم قبول الاجتهاد فيه فانه لو قبل منه لم ~~يستحقوا عليه عذابا لا في الدنيا ولا في الآخرة بالاجماع بل يستحقون عليه ~~المثوبة والثناء من الله سبحانه وتعالى # وأما الرجاء والشفاعة للمسلمين فقد تقدم ما فيه من القرآن والتواتر الا ~~في قاتل المؤمن متعمدا ومنها ان النبي صلى الله عليه وسلم سمي فساد ذات ~~البين الحالقة تحلق الدين لا تحلق الشعر ولو كان الاجتهاد فيها سائغا لم ~~يصح ذلك ومنها أن الفريقين اجتمعوا على تهليك الخوارج والنصوص دلت على ذلك # فان قيل انما هلكوا بمجرد اعتقادهم التكفير # قيل لا سبيل الى القطع بذلك بل قد ورد ما يدل على ان القتل أعظم من ms388 ~~التكفير وذلك حديث ثابت بن الضحاك مرفوعا وفيه ومن قذف مؤمنا بكفر فهو ~~قاتله وتقدم القول في صحته وشواهده كثيرة قالوا وأما أحاديث النهي عن دفاع ~~المتأولين فليس العلة فيها قبول اجتهادهم ألا تراه يقول فيها كن كخير ابني ~~آدم يبوء باثمة واثمك فيكون من أصحاب النار رواه مسلم من حديث أبي بكرة ولم ~~يكن ابن آدم القاتل لأخيه معفوا عنه والله تعالى يقول عن أخيه {إني أريد أن ~~تبوء بإثمي وإثمك} # PageV01P413 # ) بل هذا من أخص أدلة المعتزلة وأقواها لانه في أهل التأويل بالاتفاق ~~والاثم منصوص # وقد جود ابن جرير الطبري الكلام في هذا الفصل ونقله ابن بطال في شرح ~~البخاري وأما قوله {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} وحديث كل ذنب عسى الله أن يغفره ~~الا الرجل يقتل المؤمن متعمدا فالمراد الاحتراز من خطأ اليد لا خطأ ~~الاستحلال بدليل ما ذكرناه وبدليل سياق الآيات من أولها في قتل الخطأ وكلام ~~المعتزلة مع كثرة شواهده غير نص في محل النزاع فانه يمكن أن يكون هذا ~~الوعيد بالنار في الفتن مختصا بالفتن التي الداعي اليها هو الهوى والكبر ~~وحب الرياسة والمنافسة في الدنيا بل هو الظاهر في كثير من الأحاديث ومن ~~أحوال أهل تلك الفتن ولو اجتهدوا لعرفوا الحق لاهله ومنتهى الامر ان يؤديهم ~~الاجتهاد الى الوقف # وروى الحاكم في المستدرك في مناقب عمار والذهبي في النبلاء في مناقبه ~~أيضا عن ابن عمر ما يدل على ذلك وانما الكلام مفروض فيمن وفي الاجتهاد حقه ~~ولذلك أجمعت الأمة على العفو عن المجتهدين من أئمة العلم في معرفة أحكام ~~الدماء والقتل في الحدود والقصاص في مسائل الفروع المختلف فيها المعمول ~~فيها بأقوالهم كالخلاف في قتل تارك الصلاة وقتل الحر بالعبد ونحو ذلك حيث ~~لم يكن الهوي سبب اختلافهم وظهر منهم التحري في الصواب وبذل الجهد في تعرفه ~~وتوفية الاجتهاد حقه وهذا زبدة ما عرفته من أدلة الفريقين على جهة الاشارة ~~والله الهادي والموفق الى الصواب # PageV01P414 ### | خاتمة # في حب من أحبه الله ورسوله صلى الله عليه ms389 وسلم وأمر بحبه من القرابة ~~والصحابة وقد دلت النصوص الجمة المتواترة على وجوب محبتهم وموالاتهم وأن ~~يكون معهم ففي الصحيح (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ~~وفيه المرء مع أحب) # ومما يخص أهل بيت رسول لله صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى {إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} كما ثبت في صحيح مسلم من ~~حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وقوله تعالى {قل لا أسألكم عليه أجرا ~~إلا المودة في القربى} كما روى تفسيرها مرفوعا امام أهل الحديث أحمد بن ~~حنبل والملا في سيرته والطبراني في معجمعه الكبير والاوسط من حديث حبر ~~الامة وبحرها عبد الله بن العباس رضي الله عنهما # ويعضد ذلك من كتاب الله تعالى قوله عز وجل {ألحقنا بهم ذريتهم} وقوله ~~تعالى {وكان أبوهما صالحا} واجماع الامة وتواتر الاخبار بشرع الصلاة عليهم ~~في تشهد الصلاة واختصاصهم به أو بالاجماع على دخولهم فيه فيجب لذلك حبهم ~~وتعظيمهم وتوقيرهم واحترامهم والاعتراف بمناقبهم فانهم أهل آيات المباهلة ~~والمودة والتطهير وأهل المناقب الجمة والفضل الشهير # وقد ذكر مناقبهم امام أهل الحديث والسنة في عصره المحب الطبري وصنف في ~~ذلك كتابه ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ويا له من # PageV01P416 # كتاب وافق اسمه مسماه وصدق لفظه ومعناه وكذلك دلت النصوص المتواترة على ~~وجوب حب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ورضي الله عنهم وأرضاهم ~~وتعظيمهم وتكريمهم واحترامهم وتوقيرهم ورفع منزلتهم والاحتجاج باجماعهم ~~والاستنان بآثارهم واعتقاد ما نطق به القرآن الكريم والذكر الحكيم من انهم ~~خير أمة أخرجت للناس وفيهم يقول الله تعالى {والذين معه أشداء على الكفار ~~رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم ~~من أثر السجود} الآية # وفي تعظيم حق أهل البيت يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ستة لعنتهم ~~لعنهم الله وذكرهم الي أن قال والمستحل من عترتي لما حرم الله تعالى رواه ~~الترمذي والحاكم من حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله ms390 عنها # وفي تعظيم حق الصحابة رضي الله عنهم يقول صلى الله عليه وسلم (اذا سمعتم ~~من يلعن أصحابي فقولوا لعنة الله على شركم) رواه الترمذي # وكذلك يجب حب المؤمنين علمائهم وعامتهم ونصيحتهم واكرامهم لما ثبت في ~~الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يؤمن أحدكم حتى يحب ~~لاخيه المؤمن ما يحب لنفسه وقد تقدم في مسألة الوعد والوعيد فوائد تعلق ~~بحكم الخالطين من المسلمين وخصوص المؤمنين والتحذير من مشاحنتهم واضمار ~~الغل لهم والمحافظة على ذلك والتواصي به على مقتضى ما وصف الله تعالى به ~~المؤمنين من التواصي بالحق والصبر والمرحمة جعلنا الله من العاملين بذلك ~~وهو الهادي لا اله الا هو نعم المولى ونعم النصير له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شيء قدير وهو حسبنا ونعم الوكيل # والاولى لكل حازم أن يشترط في كل ما يعتقده من المشكلات المختلف فيها ان ~~يكون موافقا لما هو الحق عند الله تعالى وأن لا يكون فيه مخالفة لشيء من ~~كتب الله تعالى ولا لما جاءت به رسل الله تعالى عليهم أفضل الصلاة والسلام ~~وان كان الوقف حيث يجوز أحزم وأسلم فان العصمة مرتفعة والثقة بالفهم أو ~~الانصاف غير مفيد للعلم الضروري بالسلامة من ذلك # PageV01P417 # وقد ورد في الحديث ما يدل على نفع ذلك كما تقدم في حديث زيد بن ثابت في ~~آية آخر مسألة التكفير والتفسيق ولو لم يكن الا ان هذا الاشتراط آخر ما في ~~الوسع من طلب النجاة # وأنا أشهد الله عز وجل بأني مشترط لذلك في كل ما يحسن مني اشتراطه فيه ~~ويكون أحوط لي في ديني وأقرب الى رضوان ربي سبحانه وتعالى مع اختيار الوقف ~~في المشكلات المختلف فيها حيث لا يجب القطع بأحد الاحتمالين تقبل الله ذلك ~~مني وثبتني وهداني ولا وكلني الى نفسي طرفة عين ولا حول ولا قوة الا بالله ~~عليه توكلت واليه أنيب # وهذا آخر هذا المختصر المبارك إن شاء الله تعالى وأما الكلام في الخلافة ~~ومناقب القرابة والصحابة فلا ms391 يتسع له هذا المختصر فان الكلام فيه كثير جدا ~~وإفراده بمجلد يحق له بل يقل له عند من يعرف ما ورد في ذلك وما قاله أهل ~~العلم فيه وإنما أوردت في هذا المختصر ما يصلح أن يكون مقدمة من مقدمات ~~تفسير كتاب الله تعالى كما ذكرته في هذا المختصر من أنواع التفسير منه في ~~النوع الأول منها والله تعالى يتقبل مني ما وهب من ذلك ويبارك فيه ربنا ~~تقبل منا انك أنت السميع العليم فانما البركة والخير كله بيده سبحانه ومنه ~~وبه وله فله الحمد كله كما ينبغي لكريم وجهه وله الشكر وله الثناء لا أحصي ~~ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه سبحانه وتعالى # ثم اني أختم هذا المختصر المبارك باني أستغفر الله وأسأله التجاوز عني ~~والمسامحة في كل ما أخطأت فيه من هذا المختصر وغيره فاني محل الخطأ والغلط ~~والجهل وأهله وهو سبحانه وتعالى أهل المغفرة والسعة والمسامحة والغنى ~~الأعظم والكريم الأكرم عن مضايقة المساكين والجاهلين اذ كان تعالى عز وجل ~~غنيا عن عرفان العارفين غير متضرر بجهل الجاهلين وآخر كلامي كاف له أن ~~الحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله ~~الطاهرين الطيبين وصحبه الراشدين ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ~~PageV01P418 ms392