######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0036427 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: ابن الوزير، محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني القاسمي، أبو عبد الله، عز الدين، من آل الوزير (المتوفى: 840هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 840 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 2 (في ترقيم مسلسل واحد) #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0036427 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-36427 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/36427 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | النص المحقق # PageV01P001 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أرسل محمدا - صلى الله عليه وسلم - بشيرا ونذيرا, وداعيا ~~إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. بعثه الله تعالى رحمة للعالمين, ومعلما ~~للأميين بلسان عربي مبين, وقال وهو أصدق القائلين: {هو الذي بعث في الأميين ~~رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من ~~قبل لفي ضلال مبين} [الجمعة:2]. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد, وهو على ~~كل شيء قدير. وأشهد أنه كما وصف ذاته الكريمة في كتابه المنير: {ليس كمثله ~~شيء وهو السميع البصير} [الشورى:11]. وأنه منزه عن إجبار العباد, وأنه لا ~~يرضى لعباده الكفر, ولا يحب الفساد, وأنه لا يظلم العبيد, وأنه لا يخلف ~~الوعد ولا الوعيد, وأنه المختص بصفات الكمال, ونعوت الجلال, وأنه منزه عن ~~الأشكال والأمثال. # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالكتاب الكريم, المنعوت بالخلق ~~العظيم. الموعود يوم القيامة مقاما محمودا, وحوضا مورودا, وشرفا مشهودا, ~~وأصلي وأسلم صلاة دائمة النماء, تملأ الأرض والسماء وما بينهما, عليه وعلى ~~آله الكرماء, الثقل المذكور مع القرآن (1) # أئمة الإسلام, وأركان الإيمان المتوجين بتاج: {قل لا PageV01P003 # أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} الشاهد بمناقبهم كتاب: ((ذخائر ~~العقبى)) (1) , وعلى أصحابه حماة الإسلام, وليوث الصدام, وهداة الأنام, ~~وأهل المشاهد العظام, أهل مكة والهجرتين, وطيبة والعقبتين, الذين أغناهم نص ~~القرآن على فضلهم عن أخبار الآحاد والقياس, حيث قال تعالى [في خطابهم] (2): ~~{كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران:110]. # أما بعد: فإن الله لما اختار محمدا - صلى الله عليه وسلم - رسولا أمينا, ~~ومعلما مبينا, واختار له دينا قويما, وهداه صراطا مستقيما, ارتضاه لجميع ~~البشر إماما, وجعله للشرائع النبوية ختاما, وأقسم في كتابه الكريم تبجيلا ~~[له] (3) وتعظيما, فقال عز قائلا كريما: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} ~~[النساء:65] ثم إنه عز وجل أثار أشواق PageV01P004 # العارفين إلى الاقتداء برسوله؛ بكثرة الثناء عليهم في تنزيله, ms001 مثل قوله ~~في التعظيم لهم والتبجيل: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} [الأعراف:157]. إلى غير ذلك من الآيات ~~الكريمة, الشاهدة لمتبعيه بالطريقة القويمة. # فلما وعت هذه الآيات آذان العارفين, وتأملتها قلوب الصادقين, حرصوا على ~~الاقتداء به في أفعاله, والاستماع منه في أقواله, فكانوا له أتبع من الظلم, ~~وأطوع من النعل: فعلمهم أركان الإسلام وشرائعه وفرائضه ونوافله, وكان بهم ~~رءوفا رحيما, وعلى تعليمهم حريصا أمينا, كما وصفه رب العالمين, حيث قال في ~~كتابه المبين: {لقد جآءكم رسول/ من أنفسكم عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رؤوف رحيم} [التوبة:128]. # فلم يزل عليه الصلاة والسلام يرشدهم إلى أفضل الأعمال, ويهديهم إلى أحسن ~~الأخلاق, ويلزمهم ما فيه النجاة والفوز في الآخرة, والسلامة والغبطة في ~~الدنيا, من لزوم الواجب [والمسنون, ومجانبة المكروه, وترك الفضول, فلم يترك ~~خيرا قط إلا أمرهم به] (1) ففعلوه, ودعاهم إليه فأجابوه, حتى لم يكن شيء في ~~زمانه من أعمال البر متروكا, ولا منهجا من مناهج الخير إلا مسلوكا, فلما تم ~~ما أراده الله تعالى برسوله من هداية أهل الإسلام, وبلغ إلى الأنام جميع ما ~~عنده من الأحكام؛ من العقائد والآداب والحلال والحرام, أنزل الله في ذلك ~~تنصيصا وتبيينا: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي PageV01P005 # ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة:3]. فكمل الدين في ذلك الزمان, ووضحت ~~الحجة والبرهان, ودحضت وساوس المشبهين؛ وانحسمت مواد المبطلين, إذ لا حجة ~~على الله بعد الرسل لأحد من العالمين, بنص كتابه المبين. # هذا؛ وإني لما رتبت (1) رتوب الكعب في مجالسة العلماء السادة, وثبت ثبوت ~~القطب في مجالس العلم والإفادة, ولم أزل منذ عرفت شمالي من يميني مشمرا في ~~طلب معرفة ديني, أنتقل في رتبة الشيوخ من قدوة إلى قدوة, وأتوقل (2) في ~~مدارس العلم من ربوة إلى ربوة, ولم يزل يراعي بلطائف الفوائد نواطف, وبناني ~~للطف المعارف قواطف: لم يكن حتما أن يرجع طرف نظري عن المعارف خاسئا حسيرا, ~~ولم يجب قطعا أن يعود جناح طلبي للفوائد مهيضا كسيرا, ولم يكن ms002 بدعا أن ~~تنسمت من أعطارها روائح, وتبصرت من أنوارها لوائح, أشربت قلبي محبة الحديث ~~النبوي, والعلم المصطفوي, وكنت ممن يرى الحظ الأسنى في خدمة علومه, وتمهيد ~~ما تعفى من رسومه. # ورأيت أولى ما اشتغلت به: ما تعين فرض كفايته بعد الارتفاع, وتضيق وقت ~~القيام به بعد الاتساع, من الذب عنه, والمحاماة عليه, والحث على اتباعه ~~والدعاء إليه. PageV01P006 # فإنه علم الصدر الأول, والذي عليه بعد القرآن المعول. # وهو لعلوم الإسلام أصل وأساس. # وهو المفسر للقرآن بشهادة: {لتبين للناس} [النحل:44]. # وهو الذي قال الله فيه تصريحا: {إن هو إلا وحي يوحى} [النجم:4]. # وهو الذي وصفه الصادق الأمين, بمماثلة القرآن المبين؛ حيث قال في التوبيخ ~~لكل مترف إمعة: ((إني أوتيت بالقرآن ومثله معه)) (1). # وهو العلم الذي لم يشارك القرآن سواه, في الإجماع على كفر جاحد المعلوم ~~من لفظه ومعناه. # وهو العلم الذي إذا تجاثت الخصوم للركب, وتفاوتت العلوم في الرتب, أصمت ~~مرنان (2) نوافله كل مناضل, وأصمت برهان معارفه كل فاضل. # وهو العلم/ الذي ورثه المصطفى المختار, والصحابة الأبرار, والتابعون ~~الأخيار. # وهو العلم الفائضة بركاته على جميع أقاليم الإسلام, الباقية PageV01P007 # حسناته في أمة الرسول -عليه الصلاة والسلام-. # وهو العلم الذي صانه الله عن عبارات الفلاسفة, وتقيدت عن سلوك مناهجه فهي ~~راسفة (1) في [الأغلال] (2) آسفة. # وهو العلم الذي جلي للإسلام به في ميدان الحجة وصلى, وتجمل بديباج ملابسه ~~من صام لله وصلى. # وهو العلم الفاصل حين تلجلج الألسنة بالخطاب, الشاهد له بالفضل رجوع عمر ~~بن الخطاب (3). # وهو العلم الذي تفجرت منه بحار العلوم الفقهية, والأحكام الشرعية, وتزينت ~~بجواهره التفاسير القرآنية, والشواهد النحوية, والدقائق الوعظية. # وهو العلم الذي يميز الله به الخبيث من الطيب, ولا يرغم إلا المبتدع ~~المتريب. # وهو العلم الذي يسلك بصاحبه نهج السلامة, ويوصله إلى دار الكرامة, ~~والسارب (4) في رياض حدائقه, الشارب من حياض حقائقه, عالم بالسنة, ولابس من ~~كل خوف جنة, وسالك منهاج الحق إلى PageV01P008 # الجنة. # وهو العلم الذي يرجع إليه الأصولي, وإن برز في علمه, والفقيه وإن برز في ~~ذكائه وفهمه, ms003 والنحوي وإن برز في تجويد لفظه, واللغوي وإن اتسع في حفظه, ~~والواعظ المبصر, والصوفي والمفسر, كلهم إليه راجعون, ولرياضه منتجعون. # ولنورد نبذة لطيفة ونكتة شريفة مما قيل فيه من أشعار الحكمة, وكلمات ~~أحبار هذه الأمة, ارتياحا إلى ذكر ممادحه, والتذاذا بسطر فضائله. # فمن ذلك ما قال الحافظ الصوري (1): # قل لمن عاند الحديث وأضحى ... عائبا أهله ومن يدعيه # أبعلم تقول هذا أبن لي ... أم بجهل فالجهل خلق السفيه # أيعاب الذين هم حفظوا الدين ... من الترهات والتمويه # وإلى قولهم وما قد رووه ... راجع كل عالم وفقيه (2) # ومن ذلك قول الحافظ الحميدي (3): # كتاب الله عز وجل قولي ... وما صحت به الآثار ديني PageV01P009 # وما اتفق الجميع عليه بدءا ... وعودا فهو من حق يقين (1) # فدع ما صد عن هذا وخذها ... تكن منها على عين اليقين (2) # ومن ذلك قول أبي محمد هبة الله بن الحسن الشيرازي (3): # عليك بأصحاب الحديث فإنهم ... على منهج ما زال بالدين معلما # وا النور إلا في الحديث وأهله ... إذا ما دجى الليل البهيم وأظلما # فأعلى البرايا من إلى السنن اعتزى ... وأغوى البرايا من إلى البدع انتمى # ومن يترك الآثار ظل بسعيه (4) ... وهل يترك الآثار من كان مسلما # ومن ذلك قول العلامة مجد الدين محمد بن أحمد بن [الظهير] (5) الإربلي ~~(6): # إذا شئت أن تتوخى الهدى ... وأن تأتي الحق من بابه # فدع كل قول ومن قاله ... لقول النبي وأصحابه # فلم تنج من محادثات الأمور ... بغير الحديث وأربابه # ومن ذلك قول الحافظ أبي محمد علي بن أحمد الفارسي: PageV01P010 # عليك كتاب الله لا تتعده ... ففيه هدى للزيغ ماح وقامع # وما سنه النبي محمد/ ... فقد خاب عاصيه وفاز المتابع # فخير الأمور السالفات على الهدى ... وشر الأمور المحدثات البدائع # ومن ذلك قول الحافظ أبي عبد الله الذهبي: # العلم قال الله قال رسوله ... إن صح والإجماع فاجهد فيه # وحذار من نصب الخلاف جهالة ... بين النبي وبين رأي فقيه (1) # ومن ذلك قول بعضهم (2): # دين النبي محمد آثار ... نعم المطية للفتى الأخبار # لا ترغبن عن الحديث وأهله ... فالرأي ليل والحديث نهار ms004 # ومما قلت في ذلك: # العلم ميراث النبي كذا أتى ... في النص, والعلماء هم وراثه # فإذا أردت حقيقة تدري بمن (3) ... وراثه فكرت ما ميراثه # ما ورث المختار غير حديثه ... فينا, وذاك متاعه وأثاثه # فلنا الحديث وراثة نبوية ... ولكل محدث بدعة إحداثه # ومما قلت في الرد على من كره تمسكي بالسنة (4): PageV01P011 # يا لائمي كف عن لومي ومعتقدي ... قول النبي فهمي في تعرفه # فما قفوت سوى آثار (1) منهجه ... ولا تلوث سوى آيات مصحفه # ففي المجازات أمضي نحو معلمه ... وفي المحاراة أبقى وسط موقفه # وإذا سعيت فسعي نحو كعبته ... وإن وقفت ففي وادي معرفه # وحق حبي له أني به كلف ... يغنيني الطبع فيه عن تكلفه # هذا الذي كثر العذال فيه فما ... تعجب القلب إلا من معنقه # يستأهل القلب ما يلقاه إن بقيت ... له علاقة توليع بمألفه # ومما قلت في ذلك: القصيدة الطويلة (2) التي أولها: # ظلت عواذله تروح وتغتدي ... وتعيد تعنيف المحب وتبتدي # يا صاحبي على الصبابة والهوى ... من منكما في حب أحمد مسعدي # حسبي بأني قد شهرت بحبه ... شرفا ببردته الجميلة أرتدي # لي باسمه وبحبه وبقربه ... ذمم عظام قد شددت بها يدي # ومحمد أوفى الخلائق ذمة ... فليبلغن بي الأماني في غد # يا قلب لا تستبعدن لقاءه ... ثق باللقاء, وبالوفاء فكأن قد # يا حبذا يوم القيامة شهرتي ... بين الخلائق في المقام الأحمد PageV01P012 # بمحبتي سنن الشفيع وأنني ... فيها عصيت معنفي ومفندي # وتركت فيها جيرتي وعشيرتي ... ومكان أترابي وموضع مولدي # فلأشكون عليه شكوى موجع ... متظلم متجرم مستنجد # وأقول: أنجد صادقا في حبه ... من ينجد المظلوم إن لم تنجد # إني أحب محمدا فوق الورى ... وبه كما فعل الأوائل أقتدي # فقد انقضت خير القرون ولم يكن ... فيهم بغير محمد من يهتدي (1) # هذا؛ وإني لما تمسكت بعروة السنن الوثيقة, وسلكت سنن الطريقة العتيقة؛ ~~تناولتني الألسنة البذية من أعداء السنة النبوية, ونسبوني إلى دعوى في ~~العلم كبيرة, وأمور غير ذلك كثيرة. حرصا على ألا يتبع ما دعوت إليه من ~~العمل بسنة سيد المرسلين, والخلفاء الراشدين, والسلف الصالحين, فصبرت على ~~الأذى/, وعلمت ms005 أن الناس ما زالوا هكذا. # ما سلم الله من بريته ... ولا نبي الهدى, فكيف أنا! (2) # إلا أنه لما اتسع الكلام وطال, واتسع مجال القيل والقال, جاءتني رسالة ~~محبرة (3) # , واعتراضات محررة, مشتملة على الزواجر PageV01P013 # والعظات, والتنبيه بالكلم الموقظات, زعم صاحبها أنه من الناصحين المحبين, ~~وأنه أدى به ما عليه لي من حق الأقربين, وأهلا بمن أهدى إلي (1) النصيحة, ~~فقد جاء الترغيب إلى ذلك في الأحاديث الصحيحة, وليس بضائر إن شاء الله ما ~~يعرض في ذلك من الجدال, مهما وزن بميزان الاعتدال, لأنه حينئذ (2) يدخل في ~~السنن, ويتناوله أمر: {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل:125] وقد أجاد من قال ~~وأحسن: # وجدال أهل العلم ليس بضائر ... ما بين غالبهم إلى المغلوب # بيد أنها لم تضع تاج المرح والاختيال, وتستعمل ميزان العدل في الاستدلال, ~~بل خلطها من سيما المختالين بشوب (3) , ومالت من التعنت في الحجاج إلى صوب, ~~فجاءتني تمشي الخطراء, وتميس في محافل الخطراء, مفضوضة لم تختم, مشهورة لم ~~تكتم. متبرجة قد كشفت حجابها, وطرحت نقابها, وطافت على الأكابر, وطاشت إلى ~~الأصاغر, حتى مضت أيدي الابتذال نضارتها, وافتضت أفكار الرجال بكارتها, وإن ~~خير النصائح الخفي, وخير النصاح الحفي, وخير الكتاب المختوم, وخير العتاب ~~المكتوم. # ثم إني تأملت فصولها وتدبرت أصولها, فوجدتها مشتملة على PageV01P014 # القدح تارة فيما نقل عني من الكلام, وتارة في كثير من قواعد العلماء ~~الأعلام, وتارة في سنة رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام, فرأيت ما يخصني ~~غير جدير بصرف العناية إليه, ولا كبير يستحق الإقبال بالجواب عليه, وأما ما ~~يختص بالسنن النبوية والقواعد الإسلامية, مثل قدحه في صحة الرجوع إلى ~~الآيات القرآنية, والأخبار النبوية, والآثار الصحابية, ونحو ذلك من القواعد ~~الأصولية, فإني رأيت القدح فيها ليس أمرا هينا, والذب عنها لازما متعينا, ~~فتعرضت لجواب ما اشتملت عليه من نقض القواعد الكبار, التي قال بها الجلة من ~~العلماء الأخيار, وجعلت الجواب متوسطا بين الإطناب والاختصار, وصدني عن ~~التوسيع والتكثير, خشية التنفير والتأخير: # أما التنفير: فلأن التوسيع [يمل] (1) الكاتب والمكتوب إليه, والمتطلع إلى ~~رؤية ms006 الجواب والوقوف عليه, مع أن القليل يكفي المنصف, والكثير لا يكفي ~~المتعسف, وضوء البرق المنير, يدل على النوء الغزير. # وأما التأخير: فلأن التوسيع يحتاج إلى تمهيد عرائس الأفكار, حتى تستكمل ~~الزينة, ومطالعة نفائس الأسفار, الحافلة بالآثار المتينة, والأنظار ~~الرصينة. # فهذا البحر وهو الزخار, يحتاج من السحب إلى مدد (2) , والبدر PageV01P015 # وهو النوار, يفتقر من الشمس إلى يد. ومن أين يتأتى ذلك أو يتهيأ لي, وأنا ~~في بواد خوالي, وجبال عوالي! (1) # فحينا بطود تمطر السحب دونه ... أشم منيف بالغمام مؤزر # وحينا بشعب بطن واد كأنه ... حشا قلم تمسي به الطير تصفر # إذا التفت الساري به نحو قلة ... توهمها من طولها تتأخر # أجاور في أرجائه البوم والقطا ... فجيرتها للمرء أولي وأجدر/ # هنالك يصفو لي من العيش ورده ... وإلا فورد العيش رنق (2) مكدر # فإن يبست ثم المراعي وأجدبت ... فروض العلا والعلم والدين أخضر # ولا عار أن ينجو كريم بنفسه ... ولكن عارا عجزه حين ينصر # فقد هاجر المختار قبلي وصحبه ... وفر إلى أرض النجاشي جعفر # ولما أنشأت هذا الجواب من هذه الجبال العالية, والبوادي الخالية, قصر ~~باعي, وضاقت رباعي, فتمصصت من بلل ما عندي برضا (3) , وما أكفى ذلك وأرضى, ~~إذا كان ذلك طيبا محضا!. # سامحا بالقليل من غير عذر ... ربما أقنع القليل وأرضى # ولكن هيهات لذلك! لا محيص لي عن أوفر نصيب من طف (4) PageV01P016 # الصاع, ولا بد لي من الانخداع بداعية الطباع. وقد قصدت وجه الله تعالى في ~~الذب عن السنن النبوية والقواعد الدينية, وليس يضرني وقوف أهل المعرفة على ~~مالي من التقصير, ومعرفتهم أن باعي في هذا الميدان قصير, لاعترافي بأني لست ~~من نقاد هذا الشأن, لا من فرسان هذا الميدان. لكني لم أجد من الأصحاب من ~~تصدى لجواب هذه الرسالة, لما يجر إليه [ذلك] (1) من سوء القالة, فتصديت ~~لذلك من غير إحسان ولا إعجاب, ومن عدم الماء تيمم بالتراب, عالما بأني وإن ~~(2) كنت باري قوسها ونبالها, وعنترة فوارسها ونزالها, فلن يخلو كلامي من ~~الخطأ عند الانتقاد, ولا يصفو جوابي من الكدر عند النقاد. ms007 # فالكلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو: كلام الله ~~الحكيم, وكلام من شهد بعصمته القرآن الكريم. وكل كلام بعد ذلك فله خطأ ~~وصواب, وقشر ولباب. ولو أن العلماء رضي الله عنهم تركوا الذب عن الحق خوفا ~~من كلام الخلق: لكانوا قد أضاعوا كثيرا, وخافوا حقيرا. # وأكثر ما يخاف الخائض في ذلك أن يكل حسامه في معترك المناظرة وينبو, ~~ويعثر جواده في مجال المحاجة ويكبو, فالأمر في ذلك قريب: إن أخطأ فمن الذي ~~عصم, وإن خطىء فمن الذي ما وصم؟. # والقاصد لوجه الله تعالى لا يخاف أن ينقد عليه خلل في كلامه, PageV01P017 # ولا يهاب أن يدل على بطلان قوله, بل يحب الحق من حيث أتاه, ويقبل الهدى ~~ممن اهداه, بل المخاشنة بالحق والنصيحة, أحب إليه من المداهنة على الأقوال ~~القبيحة, وصديقك من [صدقك] (1) لا من صدقك. # وفي نوابغ الحكمة: عليك بمن ينذر الإبسال والإبلاس, وإياك من يقول: لا ~~باس ولا تاس. # ثم إن الجواب (2) لما تم -بحمد الله تعالى- اشتمل على علوم كثيرة, وفوائد ~~غزيرة, أثرية ونظرية, ودقيقة وجليلة, وجدلية وأدبية, وكلها رياض للعارفين ~~نضرة, وفراديس عند المحققين مزهرة, لكني وضعته وأنا قوي النشاط, متوفر ~~الداعي, ثائر الغيرة, فاستكثرت من الاحتجاج رغبة في قطع اللجاج. # فربما كانت المسألة في كتب العلماء -رضي الله عنهم- مذكورة غير محتج ~~عليها بأكثر من حجة واحدة, فأحتج عليها/ بعشر حجج, وتارة بعشرين حجة, وتارة ~~بثلاثين حجة, وكذلك قد يتعنت صاحب الرسالة, ويظهر العجب بما قاله, فأحب أن ~~يظهر له ضعف اختياره, وعظيم اغتراره, فأستكثر من إيراد الإشكالات عليه, حتى ~~يتضح له خروج الحق من يديه, فربما أوردت عليه في بعض المسائل أكثر من مئتي ~~إشكال, على مقدار نصف ورقة من كتابه. PageV01P018 # ثم إني تأملت الكتاب -بعد ذلك- فوجدت ما فيه من التطويل والتدقيق, يصرف ~~الأكثرين عن التأمل له والتحقيق, لا سيما والباعث لداعية النشاط إلى معرفة ~~مثل هذا إنما هو وجود من يعارض أهل السنة, ويورد على ضعفائهم الشبه ~~الدقيقة, ومن عوفي من ms008 هذا ربما نفر عن مطالعة هذه الكتب نفرة الصحيح عن شرب ~~الأدوية النافعة, وألم المكاوي الموجعة. فاختصرت منه هذا الكتاب, على أني ~~لم أطنب في ((الأصل)) كل الإطناب لما قدمت من العذر عن ذلك, وتوعر تلك ~~المسالك. # وقد اقتصرت في هذا ((المختصر)) على نصرة السنن النبوية, والذب عنها وعن ~~أهلها من حملة الأخبار المصطفوية, سالكا من ذلك في محجة جلية, غير عويصة ~~ولا خفية, وتركت التعمق في الدقائق, والتقحم في المضايق, رجاء أن ينتفع ~~بهذا المختصر المبتدي والمنتهي, والأثري والنظري, وسميته: ((الروض الباسم, ~~في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - , وجعلنا من جيران حماه ~~المحرم. # وهذا حين الشروع في الجواب, والله الهادي إلى الصواب: # قال: معرفة الأخبار مبنية على معرفة عدالة الرواة [ومعرفة عدالتهم] (1) ~~في هذا الزمان مع كثرة الوسائط كالمعتذرة, ذكر هذا كثير من العلماء منهم: ~~الغزالي, والرازي. وإذا كان ذلك في زمانهم فهو في زماننا أصعب, وعلى طالبه ~~أتعب, لازدياد الوسائط كثرة والعلوم دروسا وفترة. فإن قيل: نحن نقول بما ~~قال الغزالي: إنا نكتفي بتعديل PageV01P019 # أئمة الحديث: كأحمد بن محمد بن حنبل, ويحيى بن سعيد الأنصاري (1) , وعلي ~~بن المديني, ويحيى بن معين, ومحمد بن إسماعيل البخاري, فإن هؤلاء قد تكلموا ~~في الرواة, وبينوا العدل ممن سواه. قلنا: هذا لا يصح لوجوه؛ أحدها: أنا إذا ~~قبلنا تعديلهم فيمن كان متقدما, فما يكون فيمن بعدهم من الرواة؟ فإن اتصال ~~رواية الحديث من وقتنا إلى مصنفي الكتب الصحاح كالبخاري ومسلم على وجه ~~الصحة متعسر لأجل العدالة. # ثم خرج المعترض إلى ذكر شيء يتعلق بمسألة [المتأولين] (2) فتركته, لأن ~~الكلام عليها يأتي مستقلا كما فعل المعترض (3) , فإنه أفردها. # أقول: الجواب على هذا المعترض يتبين بذكر وجوه: ### | الوجه الأول # : طلب الحديث ومعرفته شرط في الاجتهاد (4) , والاجتهاد فرض واجب على ~~الأمة بلا خلاف (5) , لكنه من فروض PageV01P020 # الكفايات التي تسقط بوجود من هو قائم بها وتتعين عند عدم ذلك. # فإذا ثبت أنه فرض لزم أنه من الدين, وإذا لزم أنه من الدين لزم ms009 أنه غير ~~متعسر ولا متعذر لقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج:78] ~~وقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة:185]. وقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:/ ((بعثت بالحنيفية السمحة)) (1). # والمعترض مقر بأن الله يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر, ومقر أن الله ~~يريد منا الاجتهاد ومعرفة الحديث الصحيح. فقوله: إن معرفة الحديث متعسر ~~يستلزم أن الله تعالى يريد منا المتعسر, بل لم يقنع حتى قال: إنه متعسر أو ~~متعذر, واستلزم أن الله تعالى يريد منا المتعسر أو المتعذر. # فإن قال: إنما أردت بذلك مشقة, والمشقة تلازم التكاليف غالبا. # قلنا: مجرد المشقة لا يسمى عسرا في العرف العربي, فإن PageV01P021 # المشقة ملازمة لأكثر الأعمال الدنيوية والأخروية, وقد يشق على الإنسان ~~قيامه من مجلسه إلى بيته, ونحو ذلك. # والعسر في عرف اللسان العربي مستعمل في الأمور العظيمة لا في كل أمر فيه ~~مشقة, فإذا قيل: فلان في عسر, أفاد أنه في شدة عظيمة من مرض أو خوف أو فقر ~~شديد أو غير ذلك, وقد يطلق على ما هو دون ذلك مع القرينة, فأما إذا تجرد ~~الكلام عن القرينة, وقيل: إن فلانا في عسر, لم يسبق إلى الفهم أن معنى ذلك: ~~أنه في قراءة في العلم, وتعليق للفوائد, ولو كان هذا عسرا لكان الجهاد ~~[عسرا] (1) والحج عسرا, والورع الشحيح عسرين اثنين, وعبادة الله كأنك تراه ~~أعسر وأعسر, ولكانت الشريعة كلها أو أكثرها تشديدا وتعسيرا وتحريجا ~~وتغليظا. وما بهذا نطق القرآن, ولا به جاء صاحب بيعة الرضوان. بل نفى الله ~~الحرج عن الدين, ووصف الشريعة بالسهولة سيد المرسلين, وإنما الحرج في صدور ~~المتعنتين. # فإن قيل: فإذا كانت الشريعة سهلة فما معنى: ((حفت الجنة بالمكاره)) (2) , ~~ولأي شيء مدح الله الصابرين, ووصى عباده بالصبر؟. # قلنا: لأن النفوس الخبيثة تستعسر السهل من الخير لنفرتها عنه وعدم ~~رياضتها عليه, لا لصعوبته في نفسه, ولهذا نجد أهل الصلاح يستسهلون كثيرا ~~مما يستعسره غيرهم, فلو كان العسر في نفس (3) الأمر PageV01P022 # المشروع لكان عسيرا ms010 على كل واحد, وفي كل حال. # وقد نص الله تعالى على هذا المعنى فقال في الصلاة: {وإنها لكبيرة إلا على ~~الخاشعين} [البقرة:45] فدل على أن العسر والحرج لا يكون في أفعال الخير, ~~وإنما يكون في النفوس السوء, قال الله تعالى: {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ~~ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} [الأنعام:125] فمدار المشقة التي في ~~الطاعات على الدواعي والصوارف, ولهذا ترى (1) قاطع الصلاة يقوم نشيطا إلى ~~أعمال كثيرة أشق من الصلاة. # وقد يكون العسر الموهوم في أعمال الخير من قساوة القلب, وكثرة الذنوب, ~~وعدم الرياضة وملازمة البطالة, ألا ترى إلى ما في قيام الليل وإحيائه ~~بالعبادة (2) من المشقة على النفوس, وهو يسهل عليها سهره في كثير من ~~الأحوال في العرسات والأسمار, والسروات في الأسفار. # فإذا عرفت هذا فاعلم أن من الناس من يحصل له من شدة الرغبة في العلم ~~وسائر الفضائل ما يسهل عليه عسيرها, ويقرب إليه بعيدها, فلا معنى لتعسير ~~الأمر الشرعي في نفسه, لأن ذلك يخالف كلام الله/ تعالى وكلام رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # واعلم أن من العقوق, لوم الخلي للمشوق, وفي هذا يقول PageV01P023 # أبو الطيب (1): # لا تعذل المشتاق في أشواقه ... حتى يكون حشاك في أحشائه # أما علمت أن حب المعالي, يرخص الغوالي (2) , ويقوي ضعف الصدور على الصبر ~~للعوالي. وربما بذلت الأرواح, لما هو أنفس منها من الأرباح. قال ابن الفارض ~~(3): # بذلت له روحي لراحة قربه ... وغير عجيب بذلي الغال بالغالي (4) # وفي ((المقالات)) (5) للزمحشري: ((عزة النفس وبعد الهمة, الموت الأحمر ~~والخطوب المدلهمة. ولكن من عرف منهل الذل فعافه؛ استعذب نقيع العز وزعافه ~~(6))). PageV01P024 # وقد أجاد وأبدع من قال في هذا المعنى: # صحب الله راكبين إلى العز ... طريقا من المخافة وعرا # شربوا الموت في الكريهة حلوا ... خوف أن يشربوا من الضيم مرا # يا هذا! إن الدواعي تحرك القوى, وإن القلوب ليست بسوى. إن الإبل إذا كلت ~~قواها, ونفخت في براها, أطربها السائق بحداها, فنفحت في سراها, فعللوها ~~بحديث حاجر, ولتصنع الفلاة ما بدا لها. هذا وهي غليظة ms011 الطباع بهيمية, فكيف ~~بأهل القلوب الروحانية؟! وأنشد الحجة (1) في هذا المعنى في كتابه: ((سر ~~العالمين وكشف ما في الدارين)) (2): PageV01P025 # انظر إلى الإبل اللوا ... تي هن أغلظ منك طبعا # تصغي إلى قول الحدا ... ة فتقطع الفلوات قطعا # فإياك والاستبعاد لكل ما عز عليك, والاستنكار لوجود ما خرج من يديك. طالب ~~المعالي لا يعنو كمدا, ولا يهدأ أبدا. وكلما قيل له قف تسترح جزت المدى, ~~قال: وهل نلت المدى؟!. ### | الوجه الثاني # : إفراط المعترض على أهل السنة وطلبة الحديث في تعسير معرفته حتى قال: إن ~~الأمر متعسر أو متعذر, وذلك يقتضي أنه شاك في تعذره غير قاطع بدخوله في حيز ~~الممكنات. وقد بينت (1) أن الاجتهاد من الفروض الدينية, والشعائر ~~الإسلامية, وأنه رأس معارفه العزيزة, وعمود شرائطه الأكيدة, فيجب القطع ~~بأنه غير متعذر؛ لأن المتعذر غير مطاق, والاجتهاد وطلب الحديث مشروع واجب, ~~فلو أوجبه الله وهو متعذر لكان الله قد كلفنا ما لا نطيقه, وهذا يستلزم ~~القول بتكليف ما لا يطاق, وهو مردود عند جماهير أهل المذاهب كلهم, وأما ~~المعتزلة والزيدية فعندهم أن تجويزه كفر وخروج من الملة, إلا القليل منهم, ~~فيقولون: تجويزه بدعة محرمة ومعصية ظاهرة (2) , لا سيما ومذهب الزيدية أنه ~~لا يجوز خلو الزمان PageV01P026 # عن عالم مجتهد جامع لشرائط الإمامة, فعلى أي المذاهب بنيت (1) هذه ~~الرسالة, وعلي أي الأسباب ركبت هذه الجهالة؟ ### | الوجه الثالث # : أن كلام هذا المعترض مستلزم لخلو الزمان من أهل المعرفة بالحديث ومن ~~أهل الاجتهاد في العلم, بل قد صرح/ بذلك في غير موضع, وقد غفل عما يلزم في ~~مذهبه من هذا, فإنه يلزم منه تعين وجوب طلب الاجتهاد وطلب علم الحديث على ~~كل مكلف؛ لأن هذا حكم فرض الكفاية إذا لم يقم به البعض تعين الطلب على ~~الجميع, فكان الواجب عليه على مقتضى تعسيره أن يقول: إن الزمان خال من ~~المجتهدين, وأنه يتعين علينا القيام بما يجب من فريضته, ونحو ذلك من كلام ~~العلماء العاملين. # وأما أنه يقر بخلو الزمان من القائم بهذه الفريضة, وينهى من اشتغل ببعض ms012 ~~شرائطها: فهذا هو النهي عن المعروف, والوقوع في المحظور, نعوذ بالله منه!!. # وفي هذا الوجه والذي قبله خلاف, ومباحث لطيفة تركتها اختصارا, إذ المقصود ~~إلزام الخصم ما يلتزمه على مقتضى مذهبه, وسوف تأتي الإشارة إلى عمدتها في ~~(الوجه العاشر) , فخذه من هناك (2). ### | الوجه الرابع # : أنه لا فرق فيما ذكره بين علم الحديث وسائر PageV01P027 # علوم الإسلام, ومصنفات العلماء الأعلام, بل كتب الحديث مختصة بصرف ~~العناية من العلماء إلى سماعها وتصحيحها, وكتابة خطوطهم عليها شاهدة لمن ~~قرأها بالسماع, ولا يوجد في شيء من كتب الإسلام مثل ما يوجد فيها من ~~العناية العظيمة في هذا الشأن, حتى صار كأنه خصيصة لها دون غيرها, وذلك من ~~العلماء رضي الله عنهم تعظيم لشعارها, ورفع لمنارها, وبيان لكونها أساس ~~العلوم الإسلامية, وركن الفنون الدينية, فلا يخلو المعترض: # إما أن يخصها بتحريم إسناد ما فيها إلى أربابها دون سائر المصنفات؛ فهذا ~~عكس المعقول, لأنها أقوى العلوم أثرا في هذا الشأن. # وإما أن يورد هذا الإشكال على جميع العلوم السمعية الظنية؛ فهذا إشكال ~~يعم جميع أهل الإسلام [و] (1) لا يخص حملة أخبار المصطفى عليه الصلاة ~~والسلام؛ لأنه يلزم [منه] (2) القدح في إسناد فقه الأئمة المتبوعين في ~~الفروع إلى أهله فيحرم تقليدهم, مع أنه قد أنسد باب الاجتهاد بتعذر معرفة ~~السنن النبوية, فيصبح أهل الإسلام في عمياء لا إمام ولا مأموم ولا منصوص ~~ولا مفهوم. # وكذلك يحرم على الأصوليين والنحويين نقل ما في كتبهم من الأقاويل ~~المنسوبة إلى قائلها, وكذلك يحرم على أهل السير والتاريخ, PageV01P028 # فما (1) خص علم الحديث بالترسل على من أخذ في تعلمه وتعليمه والعمل به ~~والدعاء إليه؟ # وهلا وضع المعترض كتابا آخر [إلى] (2) من أراد القراءة في فن من سائر ~~الفنون؟ ### | الوجه الخامس # : أجمعت الأمة على جواز إسناد ما في الكتب الصحيحة إلى أهلها بعد سماعها ~~على من يوثق به (3) , والدليل على ذلك: أن العلماء ما زالوا ينسبون في ~~مصنفاتهم الأحاديث إلى من أخرجها والأقاويل إلى من قالها, فيقولون في ~~الحديث: # أخرجه البخاري وأخرجه مسلم, وكذلك ms013 سائر مصنفي الحديث والفقه من غير نكير ~~في هذا على الراوي عنهم, مع كثرة وقوع هذا منذ صنفت/ هذه الكتب إلى هذا ~~التاريخ, وذلك قريب من خمسمائة سنة, ما علمنا أن أحدا من المسلمين حرم على ~~من سمعها على الثقات أن ينسب ما وجد فيها إلى مصنفيها ولا شكك, ولا حرج في ~~هذا. # حتى إن هذا المعترض زعم أن البخاري مبتدع, بل كافر!! صانه الله عن ذلك! ~~واحتج عليه بشيء نقله من صحيحه, يدل على أن البخاري يؤمن بالقدر, مع أن ~~التكفير عند المعتزلة والزيدية لا يجوز إلا بنقل متواتر, فكيف يحتج على ~~البخاري بما في صحيحه وهو عنده لا يصح بطريقة ظنية؟ مع أن صحيحه ما اشتمل ~~على ما يلزمه ما PageV01P029 # توهمه. # وكذلك فإن هذا المعترض صنف تفسيرا نقله من تفاسير العلماء, فتراه يروي ~~فيه عن البخاري [ومسلم] (1). # بل أغرب من هذا أنه يقرأ كتب الحديث ويجيز روايتها عنه عن شيوخه عن ~~أهلها, لكنه غضب من العمل بها وظهور التعظيم لها, وكل ما ذكرته يدل على ~~انعقاد الإجماع على ما ذكرته. والله أعلم. ### | الوجه السادس # : أن كلام هذا المعترض مبني على تحريم قبول المراسيل كلها (2) , وما أدرى ~~لم بنى كلامه على هذا! وهو لا يدري ما اختيار خصمه ولا ما يختاره طالب علم ~~الحديث؟ # فجواز قبول المراسيل مذهب المالكية والمعتزلة والزيدية, ونص عليه منهم ~~أبو طالب (3) في كتاب ((المجزي)) (4). PageV01P030 # والمنصور (1) # في كتاب ((صفوة الاختيار)) (2). # وروى أبو عمر بن عبد البر في أول كتاب ((التمهيد)) (3) عن العلامة محمد ~~بن جرير الطبري: إجماع التابعين على ذلك. # ومذهب الشافعية قبول بعض المراسيل على تفصيل مذكور في كتب علوم الحديث ~~(4) والأصول (5) , وهو المختار على تفصيل فيه, وهو: # قبول ما انجبر ضعفه لعلة الإرسال بجابر يقوي الظن بصحته, إما: بمعرفة حال ~~من أرسله وأنه لا يرسل إلا عن ثقة كمراسيل ابن المسيب, وما جزم به البخاري ~~من تعاليق ((الصحيح)) ولم يورده بصيغة التمريض (6) PageV01P031 # وما صنفه المتأخرون الحفاظ في كتب الأحكام (1) واقتصروا على نسبة الحديث ms014 ~~إلى مخرجه من غير إسناد من المصنف إلى مخرج الحديث, وغير ذلك من المراسيل ~~المعضودة بما يقويها. # بل مراسيل الصحابة والتابعين وأئمة الحديث المعروفين مقبولة إذا لم ~~يعارضها مسند صحيح, إلا مرسل من عرف منهم بالإرسال عن الضعفاء (2) , وأدلة ~~وجوب قبول خبر الواحد تتناول ذلك. # وموضع بيان الحجة على جواز ذلك كتب الأصول, والمسألة نظرية لا يجوز ~~الإنكار فيها على من ذهب إلى أحد المذاهب. ومن أحسن ما يحتج به [في ذلك] ~~(3) الإجماع على قبول اللغة والنحو مع بناء تفسير الحديث عليهما بغير إسناد ~~صحيح على شرط أصحاب الحديث. # إذا عرفت هذا؛ فاعلم أن أقوى المراسيل ما أرسله العلماء من PageV01P032 # أحاديث هذه الكتب, وذلك لوجوه: # أولها: أن نسبة الكتاب إلى مصنفه معلومة في الجملة بالضرورة, فإنا نعلم ~~بالضرورة أن محمد بن إسماعيل البخاري ألف كتابا في الحديث, وأنه هو الموجود ~~في أيدي المحدثين/, وإنما يقع الظن في تفاصيله, وما علمت جملته وظنت ~~تفاصيله أقوى مما ظنت جملته وتفاصيله. # وثانيها: أن أهل الكذب والتحريف قد يئسوا من إدخال الكذب في هذه الكتب, ~~فكما أنه لا يمكن أحدا أن يدخل على الفقهاء في المذاهب الأربعة غير مذاهب ~~أئمتهم, فيدخل في ((المنهاج)) (1) # للنووي أن الشافعي لا يشترط النصاب في زكاة ما أخرجت الأرض, ويدخل على ~~الحنفية مثل ذلك. وكذا لا يستطيع أحد أن يدخل على الزيدية في كتاب ~~((اللمع)) (2) الذي هو مدرسهم (3) مسألة للفقهاء وينسبها إلى أئمة الزيدية, ~~ولا يستطيع أحد أن يدخل على النحاة في كتبهم المدروسة ما ليس فيها. ~~PageV01P033 # فكذلك يتعذر أن يدخل في البخاري أحاديث ((الشهاب)) (1) ونحوه ويمضي ذلك ~~على الحفاظ, ولو تقدر ذلك في حق بعض الضعفاء لا نكشف الحق عن قريب, وكان ~~ذلك المغرور غير مؤاخذ عند الله, بل لابد أن يكون عاملا على بعض مذاهب ~~العلماء غالبا, كما سيأتي بيان ذلك عند تذكر كثرة الطرق في الراوية, واتساع ~~كثير من العلماء في ذلك واعتمادهم على العمل بالظن. # وثالثها: أن النسخ المختلفة تنزل منزلة الرواة المختلفين, فاتفاقها يدل ms015 ~~على صحة ما فيها عن المصنف قطعا أو ظاهرا. # فإنك إذا وجدت الحديث منسوبا إلى البخاري في نسخة نسخت باليمن, ووجدته ~~منسوبا إليه في نسخة غربية أو شامية أو عراقية, ووجدت ذلك الحديث كذلك في ~~شرح البخاري, ومصنفه كان في بلاد أخرى أو زمان آخر ووجدته في الكتب ~~المستخرجة من كتب الحديث والمختصرة منها, فتجده في ((جامع الأصول)) لأبي ~~السعادات ابن الأثير و ((المنتقى)) لعبد السلام (2) , و ((أحكام عبد الحق)) ~~(3) , PageV01P034 # و ((الإلمام)) للشيخ تقي الدين (1) , ونحوها, وتجده في كتب الفقه البسيطة ~~(2) المشتملة على ذكر المذاهب والحجج. وتجده في شواهد الفقه المجردة مثل: ~~((شواهد المنهاج)) لابن النحوي (3) , و ((شواهد التنبيه)) (4) لابن كثير ~~ونحوها, ونحو هذه الكتب قد توجد كلها ويوجد الحديث فيها, وقد يوجد كثير ~~منها ويوجد الحديث في كثير منها. # ولا شك أن الناظر فيها إن لم يستفد العلم الضروري باستحالة تواطؤ مصنفيها ~~على محض الكذب والبهت؛ لأنه يستحيل اجتماعهم واتفاقهم على ذلك لتباعد ~~أغراضهم وبلدانهم وأزمانهم ومذاهبهم, فأقل الأحوال أن ذلك يفيد من الظن ما ~~يفيده الإسناد إلى المصنف مع السماع على الثقة ولكن بغير إسناد, فإذا كان ~~الجم الغفير من الأئمة من فرق الإسلام قد نصوا على وجوب قبول المرسل, وادعى ~~ابن جرير وغيره الإجماع على ذلك مع خلو المرسل عن مثل هذه القرائن, ~~PageV01P035 # فكيف ينكر على من قبله مع مثل هذه القرائن الكثيرة؟ وإذا كان المعتبر (1) ~~في باب الرواية هو الظن المطلق كما يأتي تحقيقه عند كثير من أهل العلم, ~~فكيف ينكر على من استند إلى مثل هذا الظن القوي؟ # /فإن قيل: إن أهل الحفظ والثقة قد يسندون عن معمرين (2) لا يعرفون ~~الحديث, ولا يضبطونه؛ فكان هذا قدحا في رواية الحديث (3) عنهم. # قلنا: أهل الحديث لا يعتمدون على أولئك المعمرين في جواز الرواية والعمل ~~بالحديث, بل يعتمدون على من قرأ لهم, وعلى من أثبت طباق السماع لهم, وإنما ~~احتاجوا إلى أولئك لأجل علو السند, ذكر معنى ذلك الذهبي في خطبة ~~((الميزان)) (4) وقال: ((إنه مبسوط في علوم الحديث)) ms016 , وقال: ((من المعلوم ~~أنه لابد من صون الراوي وستره)). # وذكر ذلك كله زين الدين في كتابه في ((علوم الحديث)) (5) والله أعلم. ### | الوجه السابع: # أن أقصى ما في الباب أن يروي المحدث عن المجاهيل من المسلمين والمجاهيل ~~من العلماء, فقد قال PageV01P036 # بذلك (1) من أهل العلم المجمع على فضلهم ونبلهم من لا يحصى, فقد ذهب أئمة ~~الحنفية إلى قبول المجهول من أهل الإسلام, وذهب إلى ذلك كثير من المعتزلة ~~والزيدية, وهو أحد قولي المنصور بالله: ذكر ما يقتضي ذلك في كتابه: ((هداية ~~المسترشدين)) , وهو الذي ذكره عالم الزيدية ومصنفهم وعابدهم وثقتهم عبد ~~الله بن زيد العنسي (2) , ذكره في ((الدرر المنظومة)) (3) بعبارة محتملة ~~للرواية عن مذهب الزيدية كلهم, وهو الذي أشار إلى ترجيحه أبو طالب في كتاب: ~~((جوامع الأدلة)) (4) وتوقف فيه في كتاب: ((المجزي)) وذكر أنه محل نظر, ~~وحكاه المنصور في ((الصفوة)) عن الشافعي. # فكيف تنكر أيها الزيدي ما ذهب إليه جلة من أئمة الزيدية ومحققيهم؟ ! على ~~أن المحدث غني عن النزول إلى هذا الحد في الترخص, وأكثر ما يحتاج إليه في ~~بعض الأحوال: الرواية عن المجهول مطلقا, وقول ابن عبد البر, وابن المواق ~~(5) معهم, فقد وافقوهما على PageV01P037 # قبول مجهول العلماء لأنه من جملة المجاهيل, لكنهما خالفاهم في قبول من ~~عدا هذا الجنس, ولهما من الحجج على ما اختاراه ما يمكن الركون إليه ~~والاعتماد عليه, لولا عدم الحاجة إلى ذلك, ومحبة الاحتياط بسلوك أوضح ~~المسالك, وقد ذكرت في ((الأصل)) (1) لهما حججا في ذلك, وطولت الكلام عليها, ~~وأنا أذكرها في هذا ((المختصر)) وأحذف من التطويل فأقول: # يمكن أن يحتج لهما بحجج قرآنية, وأثرية, ونظرية: # أما القرآنية: فقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ~~[الأنبياء:7] , فإطلاق هذا الأمر القرآني يدل وجوب سؤال العلماء إلا ما خصه ~~الإجماع وهو: الفاسق المتعمد؛ وهذا نادر في العلماء, وإن اتفق ذلك من أحد ~~منهم فهو معروف غير معتمد, وإنما يصدر منهم من المعاصي ما لم يجمع على ~~[الجرح] (2) به كما سيأتي/ قريبا. # وأما الأثرية؛ فقد ورد في ms017 ذلك آثار: # الأثر الأول: النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يحمل هذا العلم من كل خلف ~~عدوله (3))). روي مرفوعا مسندا من طريق أبي هريرة, وعلي بن أبي PageV01P038 # طالب, وعبد الله بن عمرو بن العاص, وعبد الله بن عمر بن الخطاب, وأبي ~~أمامة, وجابر بن سمرة. # واختلفوا في صحة إسناده وإرساله؛ فأسنده العقيلي (1) عن أبي هريرة, وابن ~~عمرو بن العاص وقال: الإسناد أولى, وضعف إسناده PageV01P039 # زين الدين ابن العراقي (1) , وقال ابن القطان (2): الإرسال أولى. وتوقف ~~في ذلك الحافظ ابن النحوي الشافعي المصري. وقال ابن عدي (3): ((رواه الثقات ~~عن الوليد بن مسلم عن إبراهيم بن عبد الرحمن [ثنا] (4) الثقة من أصحابنا أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ... )) وساقه. قال الذهبي (5): ~~((رواه غير واحد من معان يعني ابن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري ~~التابعي)). # فالقوي صحة الحديث كما ذهب إلى ذلك: إمام أهل الحديث أحمد بن حنبل, ~~والعلامة الحافظ أبو عمر بن عبد البر, روى تصحيحه عن أحمد بن حنبل غير واحد ~~وابن النحوي في ((البدر المنير)) (6) والزين ابن العراقي في ((التبصرة)) ~~(7) وقال: ((ذكر الخلال في ((كتاب العلل)) أن أحمد سئل عنه فقيل له: كأنه ~~كلام موضوع؟ فقال: لا, هو صحيح, فقيل له: ممن سمعته؟ قال: من غير واحد)). # قلت: الظاهر صحته أو حسنه, فإنما علل بالإرسال, والاختلاف في معان. ~~PageV01P040 # أما الإرسال: فقد ارتفع بقول ابن عدي: إن الثقات رووه عن إبراهيم بن عبد ~~الرحمن [ثنا] (1) الثقة مع شهادة تلك الطرق المقدمة لإسناده, وإن كان زين ~~الدين ضعفها؛ فالضعيف يستشهد به, وقد تكثر الطرق الضعيفة فيقوى المتن على ~~حسب ذلك الضعف في القلة والكثرة, كما يعرف ذلك من عرف كلام أهل [هذا] (2) ~~العلم في مراتب التجريح والتعديل. # وأما معان؛ فقد قال أحمد: ((لا بأس به)) (3) ووثقه ابن المديني, لكن لينه ~~ابن معين (4) والتليين لا يقتضي رد الحديث, بل يسقطه من مرتبة الصحة, ويجوز ~~أن يكون حسنا لا سيما وهو من قبيل الجرح المطلق, وهو مردود مع التوثيق ~~الراجح, وموقوف فيه ms018 مع انفراده. # وهذا الجرح المطلق معارض بما هو أرجح منه, وهو كلام أحمد وابن المديني ~~فإنهما أرجح من ابن معين لأجل العدد, وإن كان مثلنا أقل من أن يرجح بينهم ~~في المعرفة بالحديث, فأما الترجيح بالعدد فهو ظاهر, على أنه لم يصرح (5) ~~بما يعارض كلاميهما. # فقد يقال فيمن يجب قبوله: ((فيه لين)) , وقد تطلق هذه العبارة في بعض ~~رجال الصحيح, وإنما فائدتها: ترجيح من لم يقل فيه ذلك PageV01P041 # على [من] (1) قيل فيه عند التعارض, كيف وقد وردت شواهد لحديث معان! فقد ~~قال ابن عدي: ((رواه الثقات عن إبراهيم بن عبد الرحمن)) فالثقات جمع أقله ~~ثلاثة, وقد رواه أحمد بن حنبل عن غير واحد, منهم مسكين, إلا أنه وهم في اسم ~~إبراهيم بن عبد الرحمن, فقال: القاسم بن عبد الرحمن. # هذا كله من غير اعتبار/ الطرق المسندة التي اوردها ابن العراقي في ~~((التبصرة)) (2). # وأما إبراهيم بن عبد الرحمن؛ فقد قال ابن الأثير في ((أسد الغابة)): (3) ~~إنه من الصحابة, وقد قيل: إنه ليس بصحابي. # لكن المثبت أولى من النافي, والزيادة من العدل مقبولة إذا لم تكن معلولة, ~~وقال جماعة: تقبل وإن كانت معلولة ولم تضعف, بل قد قال الذهبي (4) ((ما ~~علمته واهيا)) , وحديثه مقبول عند طوائف من العلماء. # أما المحدثون؛ فلأن إمامهم أحمد بن حنبل يقبله, ولأن له قاعدة في تصحيح ~~الأخبار معروفة (5) عندهم, ولا يظن بمثله أنه يقضي PageV01P042 # بصحته قبل تمهد قاعدة الصحة, وكذلك ابن عبد البر, وقد روى عنه غير واحد ~~من الثقات فخرج عن مطلق الجهالة, ولأنه قد قال فيه الثقة: إنه صحابي. # وأما الحنفية؛ فإنهم يقبلون المجهول, كيف إذا كان تابعيا! كيف إذا قيل: ~~إنه صحابي!. # وأما المالكية؛ فإنهم يقبلون المرسل. # واما الشافعية فإنهم يقبلون بعض المراسيل, وإذا جمعت طرق هذا كله وجدته ~~أقرب إلى القبول على قواعدهم. # فهذه الوجوه مع تصحيح أحمد, وابن عبد البر, وترجيح العقيلي لإسناده (1) ~~مع سعة اطلاعهم, وإمامتهم: تقضي بجواز التمسك به. # وأما ما اعترض به زين الدين على هذا الحديث من جهة ms019 المعنى, فإنه ضعيف. # فإنه قال: ((لو كان خبرا لما وجد في حملة العلم من ليس بعدل, فوجب حمله ~~على الأمر به)) (2). # والجواب: أن هذا غير لازم؛ لأنه يجوز تخصيص الأخبار كما يجوز تخصيص ~~الأوامر, وذلك مستفيض في القرآن والسنة, ومنه: PageV01P043 # {وأوتيت من كل شيء} [النمل:23] , وقد قال الله تعالى في أهل عصر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: {كنتم خير أمة} [آل عمران:110]. # مع صحة ارتداد جماعة منهم, كما ذكره أئمة الحديث في تأويل قوله عليه ~~الصلاة والسلام: ((فأقول سحقا لمن بدل بعدي)) (1) , فلم يوجب ذلك تأويل ~~الآية على الأمر (2) , وسلب الصحابة رضي الله عنهم هذه الفضيلة العظمى. # والوجه في ذلك أن التخصيص كثير في الشريعة واللغة, حتى قال بعضهم: إن كل ~~عموم في القرآن مخصوص إلا قوله تعالى: {وهو بكل شيء عليم} [الأنعام:101] ~~وقوله: {وهو على كل شيء قدير} [المائدة:120]. # وحتى قال بعض الأصوليين: إن ألفاظ العموم مشتركة بينه وبين الخصوص, بخلاف ~~ورود الخبر بمعنى الأمر فإنه ليس في هذه المرتبة (3) , وما كان أكثر وقوعا ~~كان أرجح. # وأما قوله: إن ذلك قد جاء في بعض طرق [ابن] أبي حاتم (4) , فمردود بضعفه ~~وإعلاله لمخالفة جميع الرواة الثقات وغير الثقات (5). PageV01P044 # الأثر الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((من يرد الله به خيرا يفقهه ~~في الدين)) (1) , رواه جماعة من الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - , ~~وهو صحيح صححه محمد بن إسماعيل البخاري, / وأبو عيسى الترمذي (2) وغيرهما, ~~وهو دليل على أن الله قد أراد الخير لأهل الفقه, ولا معنى لتخصيصهم بذلك ~~إلا لوقوع ما أراده بهم, أما عند أهل السنة فظاهر, وأما عند المعتزلة ~~فلتخصيصهم بالذكر, وأما الزيدية فقد احتجوا بمثله في قوله تعالى: {إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب:33].وهذا ~~الأثر يخص من فقه في دينه دون غيره من أهل العلم, والكلام فيمن يطلق عليه ~~ذلك يتعلق بشروح الحديث. # الأثر الثالث: ما ورد في ((الصحيح)) (3) من قصة الرجل الذي قتل تسعة ~~وتسعين, وسأل عن أعبد أهل الأرض, فدل ms020 عليه, [فسأله] (4) فأفتاه ألا توبة له ~~فقتله, ثم سأل عن أعلم أهل الأرض, فدل عليه, فسأله فأفتاه بأن توبته ~~مقبولة, وفيه: بأنه من أهل الخير. # فحكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قصته, ولم يحك فيها أنه بعد معرفة ~~علم PageV01P045 # الرجل سأل عن عدالته, وقد اعتمد هذا الرجل على فتواه فيما يتعلق بالتوبة ~~من أحكام تلك الشريعة من الدية وسقوط القود, وغير ذلك, والظاهر أنه لم يكن ~~القود في شرعهم (1) , أو كان هناك مسقط للقود من كفر القاتل والمقتول أو ~~غير ذلك, والله أعلم. # الأثر الرابع: وهو في ((الصحيح)) (2) أيضا وذلك أن الله تعالى لما قال ~~لموسى - عليه السلام -:» إن لنا عبدا هو أعلم منك «-يعني: الخضر - عليه ~~السلام - , سأل موسى من الله تعالى لقاء الخضر ليتعلم منه وسافر للقائه, ~~ولم يرد في الحديث أنه سأل عن عدالته بعد أن أعلمه الله تعالى بعلمه (3) , ~~مع أن من الجائز أن يكون عظيم العلم غير عدل مثل: PageV01P046 # بلعام (1) وغيره, و [لكنه] (2) تجويز بعيد, قليل الاتفاق, نادر الوقوع, ~~فلم يجب الاحتراز منه كما لا يجب الاحتراز من تعمد كذب الثقة, ولا من وهم ~~الحافظ. # وفي بعض هذه الآثار ما لو انفرد كان في الاحتجاج به نظر, لكنها تقوى ~~باجتماعها, وما قدمنا في شهادة القرآن لها, ولم يذكر ابن عبد البر (3) منها ~~إلا حديث: إبراهيم بن عبد الرحمن العذري المقدم. # وأما الاستدلال على ذلك من النظر فهو يظهر بذكر أنظار: # النظر الأول: أن الظاهر من حملة العلم أنهم مقيمون لأركان الإسلام ~~الخمسة, مجتنبون لكبائر المعاصي, ولما يدل على الخسة, معظمون لحرمة ~~الإسلام, لا يجترثون على الله تعالى بتعمد الكذب عليه. # والظاهر أيضا فيهم قلة الوهم بعد الاعتماد على الكتابة, وظهور العناية ~~بالفن, فصاحب الفن الشهير به قليل الغلط فيه, وإن كان يغلط في غيره, على أن ~~الوهم المقدوح به عند أهل الأصول شرطه أن يكون أكثر من الصواب أو مساويا ~~له, على اختلاف بينهم في المساوي. PageV01P047 # وهذا الذي ذكروه نادر الوقوع في حق الشيوخ ms021 المتأخرين, ولا شك أن هذه ~~الأمور أمارة/ العدالة المشترطة في الرواية التي يترجح معها ظن الصدق, وخوف ~~المضرة بالمخالفة. # النظر الثاني: أنه ثبت بالاجماع الظاهر جواز رجوع العامي في الفتوى إلى ~~من رآه في المصر منتصبا للفتوى, ورأى المسلمين يأخذون عنه, وهذا كاف ~~للعامي, مع أن العدالة شرط في المفتي, فدل على أن ظاهر العلماء العدالة, ~~وأنه لا يجب البحث حتى يظهر. # وإنما قلنا: إن ذلك يكفي العامي لأن العامة ما زالوا على ذلك, ولم ينكر ~~عليهم أحد من السلف والخلف (1) , ولو أن أحدا أوجب على العامي إذا دخل ~~المصر يستفتي أن يختبر المفتي في سفره وحضره PageV01P048 # ورضاه وغضبه ونحو ذلك لخالف الإجماع, وقد نص على هذا جماعة من أهل ~~الأصول, ذكرتهم في ((الأصل)) (1). # النظر الثالث: وجوب إجابة العامة للقاضي الذي على هذه الصفة وامتثال ~~قضائه, مع اشتراط العدالة فيه. # النظر الرابع: أنه ظهر من طلبة العلم أنهم يسألون عن العارف بالفن, فإذا ~~سمعوا به رحلوا إليه, وأخذوا [عنه] (2) من أول المجالسة قبل طول الخبرة, ~~وربما طالت المجالسة, وحصلت الخبرة فيما بعد, وربما تعجلت الفرقة قبل ~~الخبرة, ومع استمرار وقوع هذا في جميع أقطار الإسلام لم نعلم أن أحدا من ~~العلماء قال لمن فارقه قبل الخبرة: إنه لا يجوز لك العمل بما أخذت عني, ولا ~~قال لمن جالسه في أول المجالسة: إنه لا يجوز لك الأخذ بما تأخذ (3) عني حتى ~~تطول المجالسة وتحصل الخبرة. # والمقصود بهذا النظر أن العمل بهذا كثير في قديم الزمان وحديثه؛ فإذا عمل ~~به طالب الحديث لم ينسب إلى الشذوذ, وكذا إذا قيل: إن هذا مذهب ابن عبد ~~البر, وابن المواق لم يتوهم أنهما شذا بهذا. # فإذا قيل: ليس كل طالب علم معلوما أنه يريد العمل, ولا كل طالب [أيضا] ~~(4) يظهر منه أنه يستجيز العمل قبل الخبرة, قلنا: ذلك PageV01P049 # صحيح. ولكن الأكثر يظهر ذلك منهم. # فإن قيل: كيف يستنبط من هذا النظر إجماع مع ظهور الخلاف؟ قلنا: يستنبط ~~منه إجماع على عدم النكير (1) على من استجاز ms022 ذلك, لا على أن الكل من ~~العلماء قائلون به. # النظر الخامس: أنه قد ظهر تفسير كثير من الكتاب والسنة بألفاظ لغوية ~~ومعاني نحوية عن كثير من الأدباء من غير عناية بمعرفة أحوالهم في التوثيق, ~~فإن التوثيق وإن وجد في بعضهم فلا يطرد في جميعهم, ألا ترى إلى إطباق ~~الطوائف على الرجوع إلى ((النهاية)) (2) لابن الأثير من غير تثبت في ~~توثيقه؟. # ولو قدرنا معرفة بعض الخاصة لذلك فالأكثر على النقل/ منه من غير معرفة ~~لثقة مؤلفه, حتى إن الزيدية يعتمدون على الرجوع إلى كتابه, مع أنه لو ثبت ~~أنه عدل لما كفى ذلك, فإنه لم يشافه العرب, وينقل عنهم بغير واسطة, بل روى ~~عن جماعة كثيرة من اللغويين كما أشار إليه في خطبة كتابه, بل كل واحد من ~~اولئك الذين روى عنهم روى عن خلق أيضا, ألا ترى أنه يروي عن الزمخشري مع أن ~~الزمحشري معتزلي حنفي والظاهر من الحنفية قبول المجهول (3) , PageV01P050 # وهو ظاهر عن كثير من المعتزلة وغيرهم, كما ذلك مذكور في مصنفاتهم. # ومع أن الزمخشري, وإن كان صالحا عند أهل الحديث في نفسه؛ فهو عندهم داعية ~~إلى الاعتزال, غير معروف بتحريم الرواية عن المجاهيل في الحديث, دع عنك ~~اللغة, بل قد روى الموضوعات في ((كشافه)) في فضائل السور, مع الإطباق أنه ~~من أئمة اللغة والعربية, والرجوع إلى مصنفاته في ذلك, وهذا يدل على ما ذهب ~~إليه أبو عمر بن عبد البر من حمل كل صاحب علم معروف العناية فيه على ~~السلامة في علمه حتى يتبين جرحه (1) , والله سبحانه وتعالى أعلم. # فإن قلت: هذه الحجج كلها مبنية على تحسين الظن بجملة العلماء, والقول بأن ~~المجروح فيهم نادر, و [أنه] (2) إذا كان نادرا فالحكم بالنادر تقديم ~~للمرجوح على الراجح, وذلك قبيح وفاقا, لكن كون المجروح نادرا فيهم غير ~~مسلم, فإن وقوع الغيبة منهم والحسد فيما بينهم والمنافسة في الدنيا كثير ~~غير قليل. # قلت: الجواب عن ذلك أن نقول: أما قوله: إن المجروح فيهم PageV01P051 # كثير غير نادر؛ فهو بناء على أن كل ms023 من وقع منه معصية فهو مجروح, ومتى سلم ~~له أن العدالة هي: ترك جميع الذنوب؛ فالسؤال واقع, ولكن هذا ممنوع بدليل ~~القرآن والأثر والنظر والنقل. # أما القرآن: فما حكى الله تعالى عن ذنوب أنبيائه وأوليائه, ونزع الغل من ~~صدور أهل الجنة, مع أن شهادة ذي الغل لا تقبل, وذكر ذلك على التفصيل يطول. # وأما الأثر: ففيه أخبار كثيرة, أذكر ما حضرني منها وهو اليسير: # الأثر الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((من نوقش الحساب عذب)) (1) ~~وهو صحيح الإسناد والاستناد. # الأثر الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((من طلب قضاء المسلمين حتى ~~يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة, ومن غلب جوره عدله فله النار)) رواه أبو ~~داود (2) عن أبي هريرة مرفوعا. قال الحافظ ابن كثير: ((إسناده حسن)) (3). # الأثر الثالث: ما ورد في تحريم قبول ذي الإحنة (4) في الشهادة ~~PageV01P052 # على من هو له مبغض (1) , وإن كانا مسلمين عدلين, فالإحنة على المسلم ~~محرمة, / وذو الإحنة مقبول على من ليس بينه وبينه إحنة؛ لأن مجرد دخول ~~الإحنة, ووجود بعض العداوة لا يمنع من العدالة, ولهذا قال الله تعالى في ~~صفة أهل الجنة: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} [الأعراف:43] ولو كان صاحب ~~الإحنة على أخيه مجروحا في حق كل أحد, لم يكن لتخصيص رده إذا شهد على من ~~يبغضه معنى. # الأثر الرابع: الحديث الصحيح الذي فيه: ((قاربوا وسددوا وأبشروا, ولن ~~يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله تعالى)) (2) ونحو ذلك. # وأما النظر: فلأنا إذا تركنا شهادة من هذه صفته من المسلمين, وطرحنا ~~روايتهم وفتواهم ومصنفاتهم, واعتبرنا في الشهادة قول بعض المتعنتين في ~~العدالة: إنها الخروج من كل شبهة, ومحاسبة النفس في كل لحظة, ونحو ذلك من ~~التشديدات تعطلت المصالح والأحكام, وتضرر جميع أهل الإسلام, واختلفت (3) ~~الأحوال, وضاعت الحقوق PageV01P053 # والأموال, ولم يجد المقلد من يروي له مذهب إمامه, ولا العامي من يفتيه, ~~ولا الحاكم من يقيم له الشهادة, ولا وجد صاحب الولاية من يصلح للقضاء, ولا ~~وجد أهل عقد النكاح من يشهد بينهم. # فإن أهل ms024 الورع الشحيح ورياضة النفوس على دقائق المراقبة أعز من العيوق ~~(1) ملمسا, ومن الكبريت الأحمر وجودا, فإن وجدتهم لم تجدهم أهل التدريس ~~والفتوى والشهادة بين أهل اللجاج والحضور عند أهل الخصومات, وإذا تأملت ~~وجدت السالم من جميع المعاصي من أهل الفتوى والتدريس عديم الوجود. # فمن منهم الذي لا يسمع منه غيبة أحد, ولا يداهن على مثل ذلك [أحد] (2) , ~~ويصدع بمر الحق في كل موقف, ولا تأخذه في الله لومة لائم, ولا يتخلف عن ~~إنكار منكر يجب إنكاره, ولا يتثاقل عن أداء واجب عليه لعدو, ولا يترخص إن ~~وجب عليه عداوة صديق, ولا يلين بالمداهنة لأمير, ولا يتكبر على فقير!!. # ولسنا نعتقد أن أهل هذه الصفة غير موجودين, ولكن نعتقد أنهم غير كافين ~~للمسلمين في التعليم والرواية والقضاء والشهادة, ومن أين لكل عاقد نكاح ~~وبايع حق شاهدان كذلك؟ ومن أين لكل طالب علم من جميع طلبة الفنون, وكل طالب ~~فتوى في جميع الأقطار من هو كذلك؟!!. PageV01P054 # وأما النقل: فعن الشافعي - رضي الله عنه - أنه قال (1): لو كان العدل من ~~لا ذنب له لم نجد عدلا, ولو كان كل مذنب عدلا لم نجد مجروحا, ولكن العدل من ~~اجتنب الكبائر, وكانت محاسنه أكثر من مساويه, أو كما قال الشافعي. # وقد روى النووي في ((الروضة)) (2) عن الشافعي هذا المعنى, ولم يحضرني ~~لفظه/ ولا كتابه. # وروي عن أحمد بن حنبل -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: [إنه] (3) يعمل ~~بالحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب من الحديث الصحيح ما يدفعه (4) , وعن ~~أبي داود مثله (5). # ولهما حجة فيما روي عن علي - رضي الله عنه - من تحليف من اتهمه وقبول ~~حديثه, وسيأتي بلفظه وأنه حسن الإسناد (6). # وقد روي عن أبي حنيفة -رحمه الله- أكثر من هذا في هذا في المعنى المقصود. # وبالجملة؛ فإنه أجاز قبول المجاهيل, وحكم لهم باسم العدالة متى كانوا من ~~أهل الإسلام. وقد جاء في كلام عمر - رضي الله عنه - له PageV01P055 # حجة, وهو قوله في كتابه إلى أبي موسى: ((والمسلمون عدول بعضهم على بعض في ~~الشهادات, إلا ms025 مجلودا في حد, أو مجربا عليه شهادة الزور)) الحديث. رواه ~~البيهقي (1) عن معمر البصري عن أبي العوام عنه. وقال: ((وهو كتاب معروف)). # وأما كلام أصحاب المعترض: فقال عبد الله بن زيد, من علماء الزيدية في ~~كتابه ((الدرر المنظومة)) في تفسير لفظ العدل: ((ومعنى كونه عدلا: أن يكون ~~مؤديا للواجبات مجتنبا للكبائر من المستقبحات)). # قال شيخ الاعتزال أبو الحسين البصري (2) في كتابه ((المعتمد)) (3) في ~~تفسير لفظة العدل: ((وتعورف أيضا فيمن تقبل روايته عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - , وهو من اجتنب الكبائر, والكذب, والمستخفات من المعاصي ~~والمباحثات)) , ومثل المستخفات من المعاصي: بالتطفيف بحبة, والمستخفات من ~~المباحات: بالأكل على الطريق. # ومن المنقول في ذلك عن فضلاء السلف والخلف: ما اشتهر عنهم من وصفهم ~~لأنفسهم بمقارفة الذنوب والوقوع في المعاصي. # فروى الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: قال عبد الله ... -يعني ابن ~~مسعود-: ((لو تعلمون ذنوبي ما وطيء عقبي اثنان, PageV01P056 # ولحثيتم على رأسي التراب, ولوددت أن الله غفر لي ذنبا من ذنوبي وأني ~~دعيت: عبد الله بن روثة)) (1). # وروى الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد قال: أكثروا على عبد ~~الله يوما فقال: ((والله الذي لا إله غيره لو تعلمون [علمي] (2) لحثيتم ~~التراب على رأسي)) (3). قال الذهبي في ((النبلاء)) (4): ((روي هذا من غير ~~وجه عن ابن مسعود - رضي الله عنه -)). # قلت: هذا؛ وقد روى علقمة عن أبي الدرداء (5) أنه قال: ((إن الله أجار ابن ~~مسعود من الشيطان على لسان نبيه)). # وجاء من غير وجه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - , ((لو كنت مؤمرا أحدا ~~من غير مشورة لأمرت ابن أم عبد)) (6) , وجاء عنه - عليه السلام -: ((اهتدوا ~~PageV01P057 # بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد)) (1) وقال - عليه السلام -: ((رضيت ~~لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد)) (2) رواه الثوري وإسرائيل عن منصور (3). ~~وأجمعت الأمة على صحة حديثه وجلالة قدره. # فإذا كان مثل هذا الصاحب الجليل يقسم بالله الذي لا إله إلا هو: لو يعلم ~~الناس ذنوبه لحثوا على رأسه التراب, فكيف يشترط في العدل ms026 أن لا تبدو منه ~~هفوة ولا يقع في معصية؟!. # وأعظم من هذا سؤال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - PageV01P058 # لحذيفة, هل هو منافق؟ وقول حذيفة بعد تزكيته: لا أزكي بعدك أحدا (1). ولم ~~يخف/ عمر - رضي الله عنه - من النفاق الذي هو الشك في الإسلام, فإنه يعلم ~~براءة نفسه منه, بل نحن نعلم براءته - رضي الله عنه -[منه] (2) بما شهد له ~~به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الفضائل الكثيرة, والمناقب ~~الكبيرة, وإنما خاف - رضي الله عنه - من صغائر النفاق الذي هو: خلف الموعد, ~~وخيانة الأمانة, والكذب في الحديث, فإن المؤمن الورع قد يدخل عليه من صغائر ~~بعض هذه الخصال ما يدق ولا يتفطن له, وربما كان الغير (3) أبصر بعيب ~~الإنسان منه. # وربما قصد عمر تنبيه ضعفاء المسلمين على تفقد أنفسهم, وجعل لهم بنفسه ~~الكريمة أسوة حسنة حيث أتهمها على أمر عظيم. وقد كان عمر - رضي الله عنه - ~~إماما في التقوى والمراقبة, شديد المناقشة لنفسه والمحاسبة, وقد قال لبعض ~~الصحابة: كيف وجدتموني؟ [قالوا] (4):صالحا, ولو زغت لقومناك. فقال: الحمد ~~لله الذي جعلني في قوم إذا زغت قوموني (5) أو كما قالا. PageV01P059 # فهذا كله -وأمثاله مما يطول ذكره- يرد على من يتعنت, ويقدح على كثير من ~~العلماء بأشياء يسيرة لا تدل على تجريهم على تعمد الكذب على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - , وقد قال الحاكم أبو عبد الله (1): ((إنا نظرنا ~~فوجدنا البخاري قد صنف كتابا في التاريخ, جمع أسامي من روى عنهم من زمان ~~الصحابة إلى سنة خمسين (2) , فبلغ عددهم قريبا من أربعين ألفا, إلى قوله: ~~ثم جمعت من ظهر جرحه من جملة الأربعين الألف فبلغ مائتين وستة وعشرين, ~~فليعلم طالب هذا العلم أن أكثر الرواة ثقات)) انتهى. # والقصد بهذا كله الذب عن السنن ورواتها, وبيان أن من تشدد منهم, فقد ~~احتاط لنفسه والمسلمين, ومن ترخص منهم, فقد عمل بمقتضى أدلة كثيرة, ووافق ~~في عمله غير واحد من جلة العلماء الأعلام, وخيار أهل الإسلام. ### | الوجه الثامن # : أن هذا الإشكال الذي أورده هذا ms027 المعترض لا يختص بأهل السنة ورواة ~~الحديث, بل هو تشكيك في القواعد الإسلامية, وتشكيك على أهل الملة المحمدية, ~~وذلك لأنهم أجمعوا على حسن الرجوع إلى الكتاب والسنة في جميع الأحوال [على ~~الإطلاق] (3) وأجمعوا على وجوب ذلك على بعض المكلفين في PageV01P060 # جميع الأحوال, وعلى جميع المكلفين في بعض الأحوال. # والمعترض بالغ في التشكيك على من أراد الرجوع إلى الكتاب والسنة, بحيث لو ~~تصدى بعض الفلاسفة للتشكيك على المسلمين في الرجوع إلى كتاب ربهم الذي أنزل ~~عليهم, والاعتماد على سنة رسولهم الذي أرسل إليهم ما زاد على ما ذكره ~~المعترض, فإنه تشكيك في صحة الأخبار النبوية, وتشكيك في جميع طرقها, فمنع ~~القول بصحة حديث المحدثين, وأوجب معرفة الأسانيد وبراءة رواتها عن فسق ~~التأويل, فمنع بذلك صحة قبول حديث المعتزلة والزيدية, فإن عامة حديثهم ~~مرسل, ونصوا على قبول المتأولين / ومن لم يقبل المتأولين منهم قبل مرسل من ~~يقبلهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى. # فإن كان لهم حديث مسند في بعض الكتب البسيطة فإن الإسناد يضر ولا ينفع, ~~لأنه: مع الإسناد لا يجوز قبول الحديث عند من يقبل المرسل, فتعين البحث عن ~~السند, وليس لهم في علم الرجال مصنفات يمكن الرجوع إليها بحيث لا يكون فيها ~~اعتماد على أهل الحديث, ولا من المعتزلة والزيدية الذين يقبلون أهل الحديث, ~~فثبت أنه لابد من الرجوع في علم الرجال إلى المحدثين. # لكن المعترض قد منع ذلك فلزمه طرح الحديث كله: حديث أهل الأثر, وحديث ~~المعتزلة والزيدية, لأنه يمنع من قبول كل حديث احتمل أن في رواته (1) فاسق ~~تأويل مجرد احتمال, وقال: لابد من تبرئة صحيحة, وسيأتي تحقيق هذا. ~~PageV01P061 # فثبت أن المعترض سد الطريق إلى معرفة السنة النبوية على الإطلاق, ثم إنه ~~شكك في معرفة علم (1) الحديث على تقدير صحته, وذكر صعوبة (2) # معرفة الناسخ والمنسوخ, [و] (3) العام والخاص. # ثم إنه شكك في معرفة القرآن العظيم بما فيه من الناسخ والمنسوخ, والعام ~~والخاص, ووقوف العمل بالعام على معرفة مافي السنة من المخصصات, مع أنه قد ~~سد طريق معرفة ms028 السنة, فأشكل الأمر حينئذ, وبقي القرآن مع العرب بل مع ~~النحاة كما هو مع العجم في عدم المعرفة بتفسيره, وتحريم العمل بمعناه. # ثم إنه شكك في معرفة اللغة والعربية (4) اللتين هما عمود تفسير ~~PageV01P062 # الكتاب والسنة, فمنع صحتهما عن اللغويين والنحويين, وصرح بأن اتصال ~~الرواية الصحيحة بهم متعذر, هكذا أطلق القول بهذا, وجزم به, وقطعه عن الشك. # ثم إنه شكك في قبول النحويين واللغويين على على تسليم صحة الرواية عنهم ~~فقال: ((إن قبولها منهم على سبيل التقليد لهم)) , ومنع من التفسير بهذا ~~الوجه, وهذا ما لم يقل به أحد ممن يعتد به. وليت شعري كيف الاجتهاد في علم ~~العربية (1)؟ وهل ثمة طريق إليها إلا قبول الثقات, مثل ما أنه لا معنى ~~للاجتهاد والخروج من التقليد في قبول الحديث [إلا بقبول الثقات] (2) , ومتى ~~كان قبول الثقات في اللغة والحديث تقليدا محرما على المجتهد, فكيف السبيل ~~إلى الاجتهاد! إلا أن يبعث الله الموتى من العرب فيشافهوا العالم باللغة, ~~وكذلك يبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يأخذ العلماء الحديث عنه ~~ويسلموا من تقليد الثقات, وقد انعقد إجماع المسلمين على وجوب قبول الثقات ~~(3) فيما لا يدخله النظر, وليس في ذلك تقليدا بل عمل بمقتضى الأدلة القاطعة ~~الموجبة لقبول أخبار الآحاد, وهي محررة في موضعها من الفن الأصولي (4). # ولم يخالف في هذا إلا شرذمة يسيرة, وهم: متكلموا بغداد من PageV01P063 # المعتزلة, والإجماع منعقد قبلهم وبعدهم على بطلان قولهم؛ فقد تبين بهذا ~~أن المعترض شكك في رجوع المسلمين إلى القرآن العظيم والسنة النبوية, والله ~~تعالى جعل الكتاب والسنة النبوية عصمة لهذه الأمة, ولم يجعلهما عصمة للقرن ~~الأول ولا للثاني, فالمشكك في هذا يجب عليه أن ينظر في الجواب حتى على مذهب ~~المعتزلة والزيدية, فليس هذا يخص أهل الحديث, [لكن في إيراد المعترض لهذا ~~الإشكال عليهم أعظم شهادة لهم بأنهم أهل القرآن والحديث] (1) , الذين يذبون ~~عنهما ويحامون عليهما, والحمد لله والمنة. ### | الوجه التاسع # : قال الله تعالى في وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {وما ينطق عن ~~الهوى, ms029 /إن هو إلا وحي يوحى} [النجم:3 - 4] وقال فيما أوحاه إلى رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر:9] , ~~وهذا يقتضي أن شريعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تزال محفوظة, ~~وسنته لا تبرح محروسة, فكيف ينكر هذا المعترض على أهل السنة, ويشوش قلوب ~~الراغبين في حفظها, ويوعر الطريق على السالكين إلى معرفة معناها ولفظها؟ # فإن قال: فإنه قد ورد على رفع العلم في آخر الزمان, وذلك في حديث ابن ~~عمرو بن العاص: ((إن الله لا يرفع العلم انتزاعا ينتزعه, ولكن يقبض العلم ~~بقبض العلماء, حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فأفتوا بغير ~~علم فضلوا وأضلوا)) (2). PageV01P064 # والجواب من وجهين: # الأول: أن هذا غير مذهب الزيدية والمعتزلة, فإنهم لا يجيزون خلو الزمان ~~عن مجتهد. # الثاني: أن الحديث محمول على وقت مخصوص لم يأت بعد, وهو بعد نزول عيسى - ~~عليه السلام - وموته وموت المهدي المبشر به, وذلك مبين في أحاديث صحيحة, ~~وقد ورد في ((الصحيح)) (1): ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى ~~يقاتل آخرهم الدجال)) , وهذا يفسر ذاك, لأنه خاص وذلك عام, ولا يمكن أن ~~يكون ذلك الضلال العام مع وجود هذه الطائفة الموصوفة بالظهور على الحق, ~~PageV01P065 # فدل على أنه بعد انقراض هذه الطائفة. # ولا يعترض على هذا بأدلة عصمة الأمة عن الضلالة لأنه يحتمل أن هذا يكون ~~بعد موت الأمة, بل قد ورد معنى ذلك منصوصا في الحديث الصحيح الذي فيه: ((إن ~~الله يبعث ريحا ألين من الحرير, لا تترك أحدا ممن في قلبه مثقال حبة خردل ~~من إيمان إلا توفته)) (1) أو كما ورد, وذلك بعد ظهور المهدي ونزل عيسى, ~~وأدلة المعتزلة على ما يخالف هذا عامة, وهذه الأدلة أخص فوجب المصير إليها. ### | الوجه العاشر # : لو فرضنا - والعياذ بالله- خلو الزمان عن الحفاظ الثقات, والرواة ~~الأثبات لما تعذر الرجوع إلى السنة العزيزة, وذلك لأن الكتب الصحيحة ~~المتقنة موجودة في المدارس الإسلامية, والعمل بما في الكتب -التي عليها ~~خطوط الثقات الحفاظ شاهدة بالصحة- جائز ms030 عند كثير من أهل العلم, وهو الذي ~~يقوى في النظر ويظهر عليه الدليل, بل هو الذي أجمع على جوازه أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كما سيأتي, والعجب من المعترض كيف غفل عن ذلك! ~~وهو قول أئمة الزيدية والمعتزلة كما سيأتي, والعمل بهذا هو المعروف في علم ~~الحديث ب ((الوجادة)) (2) , وهو أحد أنواع علوم الحديث, وقد ذكرها ~~PageV01P066 # ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (1) وطول الكلام فيها, وحكى القول بوجوب ~~العمل بها عن الإمام الشافعي, وطائفة من نظار أصحابه في [أصول] (2) الفقه. # قال ابن الصلاح -رحمه الله-: ((وما قطع به هو الذي لا يتجه غيره / في ~~الأعصار المتأخرة, فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسد باب العمل ~~[بالمنقول] (3) لتعذر شرط الرواية فيها على ما تقدم في النوع الأول)) (4). # قلت: الذي تقدم في النوع الأول أنه لا يجوز للمتأخرين تصحيح الحديث إذا ~~لم ينص أحد من المتقدمين على صحته لعدم خلو الإسناد في هذه الأعصار ممن ~~يعتمد على كتابه من غير تمييز لما فيه, هذا كلام ابن الصلاح (5) , وقد ~~خالفه النووي (6) , وزين الدين بن العراقي, ذكر ذلك زين الدين في ~~((تبصرته)) (7) وقال: ((هو الذي عليه عمل أهل الحديث, فقد صحح غير واحد من ~~المعاصرين لابن الصلاح وبعده أحاديث لم نجد لمن تقدمهم فيها تصحيحا كأبي ~~PageV01P067 # الحسن بن القطان (1) , والضياء المقدسي (2) , والزكي عبد العظيم (3) , ~~ومن بعدهم. # قلت: فالأولى ألا يحتج على جواز العمل ب ((الوجادة)) بما ذكره ابن ~~الصلاح, ألا ترى أن الشافعي جوز العمل بها مع أن زمانه كان زمان إمكان ~~العمل بغيرها, بل سوف يأتي أن الصحابة -رضي الله عنهم- عملوا بها, والدليل ~~على ذلك حديث: عمرو بن حزم, وقد ذكر طرقه الحافظ ابن كثير في ((إرشاده)) ~~(4) , وقال بعد ذكر الاختلاف في بعض طرقه: # ((وعلى كل تقدير؛ فهذا الكتاب متداول بين أئمة الإسلام قديما وحديثا, ~~يعتمدون عليه, ويفزعون في مهمات هذا الشأن إليه, كما قال يعقوب بن سفيان ~~(5): ((لا أعلم في جمع الكتب كتابا أصح من كتاب عمرو بن حزم؛ كان ms031 الصحابة ~~(6) والتابعون يرجعون إليه ويدعون آراءهم)). # وصح عن ابن المسيب: أن عمر ترك رأيه ورجع إليه. قال ابن كثير: ((رواه ~~الشافعي و [النسائي] (7) بإسناد صحيح إلى ابن المسيب)). PageV01P068 # ونحن نبين للمعترض أنه غفل عن مذاهب أسلافه في هذا فنقول: # ممن أجاز هذا ونص عليه من الزيدية والمعتزلة الإمام المنصور في كتاب: ~~((صفوة الاختيار)) في أصول الفقة, [و] (1) ادعى إجماع الصحابة على ذلك ~~لرجوعهم إلى كتاب عمرو بن حزم, وصرح أنهم عولوا على مجرد الخط لما غلب على ~~ظنهم صحته. # قلت: ظاهر كلام المحافظين: يعقوب بن سفيان, وابن كثير: دعوى إجماع الصدر ~~الأول على قبول حديث عمرو بن حزم, وذلك يقتضي دعوى الإجماع على جواز العمل ~~ب ((الوجادة)) كما ذكره المنصور. # ومنهم: الإمام يحيى بن حمزة, فإنه ذكر في ((المعيار)) (2) جواز العمل ~~بذلك مع ظن الصحة, قال: ((وهو قول أبي يوسف ومحمد, واختاره ابن الخطيب ~~الرازي)) (3). # ولكن الإمام يحيى قال: ((يجوز العمل بذلك دون الرواية, لأن العمل إنما ~~مستنده الظن)). # وقال الإمام محمد بن المطهر في كتاب ((عقود PageV01P069 # العقيان)) (1): ((إن ذلك جائز عنده وعند والده, وأنه مستند للعمل ~~والرواية, وحكاه عن الإمام أحمد بن سليمان, والمنصور بالله)). قال: ذكره ~~المنصور بالله في ((الصفوة)) وغيرها. # وقال المحسن بن كرامة المعتزلي (2) المعروف بالحاكم في ((شرح العيون)) ~~(3): ((إنه قول الشافعي وأبي يوسف, ومحمد, وأكثر العلماء: فيما (4) وجد ~~بخطه في كتابه وعلم أنه سمعه على الجملة ولا يعلم أنه سمعه مفصلا؛ [فإنه ~~يجوز أن يرويه] (5))). # لكنه قال في ((الاحتجاج)): ((إن الصحابة كانوا يروون من الكتب من غير ~~نكير, وكان بعضهم يعمل على كتاب بعض, وكان عمر يكتب إلى عماله وقضاته ~~فيعملون بذلك, وكذلك كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - # وروى الشيخ أبو الحسين في كتاب ((المعتمد)) (6) عن الصحابة مثل ذلك, ذكره ~~محتجا به / على جواز مثله. PageV01P070 # وقال عبد الله بن زيد في ((الدرر المنظومة)): ((لا خلاف أنه متى عرف خطه ~~أو خط أستاذه, وعلم أنه لا يكتب إلا ما سمعه قبلت روايته, وإنما اختلفوا ~~إذا ms032 ظن أنه خطه أو خط أستاذه فمذهبنا أنه تقبل روايته, وهو مذهب طائفة من ~~العلماء)) , واحتج بعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك, وكذلك الصحابة. # وبهذا الوجه العاشر نجيب على من يجيز خلو الزمان من المجتهدين مع بقاء ~~الأمة على الهدى, محتجا بأن طلب الاجتهاد -وإن كان فرض كفاية- فقد سقط عنهم ~~بموت العلماء, فلا يكونون (1) مجتمعين على ضلالة, وكيف يصح هذا العذر وقد ~~استنبط الأوائل العربية و [الأصلين] (2) من غير شيوخ, فالحال في هذه الفنون ~~واحدة. بل هي اليوم أيسر قطعا, كيف لا وقد قطع النقاد أعمارهم في فنون ~~كثيرة في تسهيل صعبها (3) , وإيضاح غامضها وجمع متفرقها؟! وقد أمكن ~~استنباطها قبل ذلك, فكيف بعده؟! وأما علوم السماع فهي أسهل العلوم على ~~مريدها, وإنما تسهلت وتمهدت في هذه الأعصار الأخيرة (4). PageV01P071 # وإذا كانت الصحابة عملت ب ((الوجادة)) -مع قرب عهدهم- واحتاجت إلى ذلك ~~فيكف بنا؟. وأما قول قطب الدين الشيرازي في ((شرح مختصر المنتهى)) (1): ~~((إنه يمكن أن يجاب بمنع كون التفقه في الدين فرضا مع إمكان معرفة العوام ~~أحكام الشرع بالنقل المظنون عن العلماء السابقين, فهو ضعيف جدا؛ لإمكان ~~وقوع حادثة غير منصوصة لمن تقدم, ووجود من لا يستجيز ويرى الفتوى (2) ~~بأقوال المجتهدين ولإمكان وجود مكلفين لا يستجيزون تقليد الميت, ولأن حديث ~~ابن عمرو (3) الصحيح يقتضي أن أهل الزمان الخالي عن العلماء ضالون, المفتي ~~منهم والمستفتي, ولا شك أن المفتي المقلد لا يسمى عالما, فدل هذا على أن ~~التقليد لو كان يقوم مقام العلم ما استحق المفتي أن PageV01P072 # يسمى مضلا والمستفتي مضلا, وقد سماها بذلك في الحديث الصحيح (1). والله ~~سبحانه أعلم. ### | الوجه الحادي عشر # : لو صح ما ذكره المعترض -والعياذ بالله- من انطماس معالم العلم, وتعفي ~~رسوم الهدى, إلا تقليد العلماء -رضي الله تعالى عنهم- يلزم من ذلك أن يبطل ~~الطريق إلى جواز التقليد, لأن تقليدهم لا يجوز إلا بعد معرفة الدليل, ~~والدليل لا بد أن يكون مستندا إلى معرفة الكتاب والسنة, وهذا ظاهر على أصول ~~المعتزلة والزيدية, فإنهم قد شحنوا مصنفاتهم بتحريم الإقدام على ms033 ما لا يؤمن ~~قبحه. # وأما أهل السنة قد نقل ابن الحاجب في ((مختصر المنتهى)) (2) PageV01P073 # و [شراحه] (1) ما يقتضي ذلك, ولم يذكروا فيه خلافا, ذكره ابن الحاجب في ~~بيان حد التقليد والمقلد؛ وإنما قلنا: إن ذلك يستلزم بطلان التقليد لأن ~~أدلته من النص والإجماع مترتبة على ذلك. # وبيانه أن الاستدلال بقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ~~[الأنبياء:7]. يحتاج إلى معرفة أنها غير منسوخة ولا مخصصة ولا معارضة, ~~ويحتاج إلى معرفة معنى الآية, فهذان أمران: # أحدهما: معرفة أن الآية غير منسوخة ولا معارضة ولا مخصصة, / وهذا ينبني ~~على أن هنا سنة صحيحة, يخصص بها, وينسخ بمتواترها أو بها على قول, وعلى أن ~~إلى معرفة تلك السنة [طريقا] (2) يمكن معها معرفة ذلك. # وثانيهما: معرفة معنى الآية, ولابد فيه من النظر في قواعد العربية ~~واللغة, إذ ليس معلوما بالضرورة, فاحتاج الناظر في معنى الآية إلى أن يكون ~~من أهل الاجتهاد. # فإن قلت: إن دلالتها على جواز التقليد جلية لا تحتاج إلى اجتهاد. # قلت: ليس كذلك, فإن في معناها غموضا واختلافا, والذي يدل على ذلك أن ~~السؤال من الأفعال التي تعدى إلى مفعولين, تارة بواسطة حرف الجر مثل: سألت ~~العالم عن الدليل, وتارة بغير واسطة مثل: سألت الأمير مالا, وسألت العالم ~~دليلا. إذا عرفت هذا فاعلم PageV01P074 # أنه لابد من مسئول ومسئول عنه, فالمسئول مذكور في الآية, وهم أهل الذكر, ~~والمسئول عنه محذوف, والقول بأن المسئول عنه هو: أقوال المجتهدين, من هذه ~~الأمة مجردة عن الأدلة هو [مما] (1) لا يدل عليه دليل, وهذا المسئول عنه ~~المحذوف يحتمل أنه الأدلة, ويحتمل أنه (2) المذاهب من غير أدلة, وقد قال ~~بعض العلماء: هو السؤال عما أنزل الله تعالى, لقوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل ~~إليكم من ربكم} [الأعراف:3] فلما أمر (3) بسؤال أهل الذكر, كان المفهوم أنه ~~أمرنا بسؤالهم عما أمرنا باتباعه مما أنزله علينا من الشرائع. # وهذه [الأقوال] (4) كلها مخالفة للمفهوم على قواعد العربية, والمختار: أن ~~المراد: السؤال عن الرسل هل كانوا بشرا؟ لأن ذلك هو المذكور ms034 في أول الآية, ~~والعرف العربي يقضي بأن ذلك هو المراد, والقرائن تسوق الفهم إليه. # فإنه تعالى لما قال: {وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل ~~الذكر} [الأنبياء:7]. كان السابق إلى الأفهام؛ فاسألوهم عن كوننا ما أرسلنا ~~إلا رجالا, كما لو قال القائل: واجهت اليوم الخليفة, وسل وزراءه, كان ~~المفهوم واسألهم عن كوني واجهته. وهذا الذي ذكرت أنه المحذوف هو الذي ~~اختاره الزمخشري في ((كشافه)) (5) , PageV01P075 # ولكن لم يذكر الوجه في ذلك لجلائه عنده. # والعجب أن الأصوليين استدلوا بهذه الآية على جواز التقليد من غير بيان ~~لوجه الدلالة, ولا ذكر لهذا [الإشكال] (1) مع جلائه!!. # فإن قيل: إنها وإن نزلت على هذا السبب لم تقصر عليه عند الجمهور, فلذا لم ~~يتعرض الأصوليين لذلك. # قلنا: ليس هذا من ذاك, فإن ذلك إنما يقال فيما لفظه عام وسببه خاص, وهذه ~~الآية لفظها غير ظاهر لما فيه من الحذف, ومعناها خاص غير عام, فظهر الفرق. # وأما الاستدلال بالإجماع على جواز التقليد؛ فلا يصح أيضا مع فرض عدم ~~المعرفة بالكتاب والسنة, لأن الأدلة على كون الإجماع حجة إنما هي ظواهر ~~تحتاج في معرفة معناها إلى ثبوت اللغة والعربية, وبعد ذلك لابد من معرفة ~~عدم الناسخ والمعارض والمخصص, والمعترض على أهل الحديث قد منع من معرفة ~~اللغة, وجزم بتعذر معرفتها, ومعاني الكتاب والسنة المستنبط منها جواز ~~التقليد, وكون الإجماع حجة مما يفتقر إلى ثبوت اللغة والعربية, فإذا بطل ~~معرفة تفسير القرآن, وبطلت طريق معرفة الأخبار, / بطل أيضا ما هو فرع ذلك ~~وهو جواز التقليد, فيلزم الخصم أن يبطل التكليف تقليدا واجتهادا على مقتضى ~~[إشكاله] (2). ### | الوجه الثاني عشر: # أنه لو صح ما توهمه من PageV01P076 # بطلان (1) معرفة الكتاب والسنة, وتعذر الطريق إلى ذلك؛ لزم أن الله تعالى ~~قد قبض العلم بقبض العلماء, وأنه لم يبق عالما, وأن الناس قد اتخذوا رءوسا ~~جهالا, فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا, كما ورد ذلك في حديث ابن عمرو الثابت ~~في ((الصحيحين)) (2) وغيرهما, وإنما يلزم ذلك من كلام هذا المعترض على طلبة ~~علم ms035 الحديث؛ لأن من ليس بعالم بالكتاب والسنة لا يستحق أن يسمى في الشرع ~~عالما, وإن عرف جميع العلوم ماعدا الكتاب والسنة, وهذا ظاهر لا نعلم فيه ~~نزاعا فنطول بذكر الحجة عليه, وقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنها لا تزال طائفة من أمته ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال (3) , ~~وأجمع أهل العلم على ذلك وإن اختلفوا في معناه, فثبت أن ما جاء في حديث ابن ~~عمرو لم يأت وقته إلى الآن, وإلا لزم مع وجود هذه الطائفة الظاهرين على ~~الحق: أن الله تعالى لم يبق عالما, وأن أهل الفتوى قد ضلوا في أنفسهم, ~~وأضلوا العامة السائلين لهم, وذلك يستلزم ضلال المسلمين كلهم, وألا تبقى ~~فيهم طائفة ظاهرة على الحق. # وفي هذا القدر كفاية في الجواب على تنفيره عن طلب الحديث والتفسير, ~~وتوعيره لطريق ذلك, والتشكيك في دخوله في حيز الإمكان, والتشويش على من ~~أراده من أهل الإيمان. PageV01P077 # ويلحق بهذا ### | تنبيهات # (1) حسنة تعلق بالجواب على سؤاله, لكنه يليق إفرادها عن الأجوبة, لأن ~~بعضها من قبيل تعليم الأدب وبعضها مما يحتمل المنازعة في كونه جوابا مقنعا, ~~وجدلا قامعا, أو خطابا خطابيا, أو تنبيها أدبيا. # التنبيه الأول: المراجعة في أن طلب الحديث متيسر أو متعسر من الأساليب ~~المبتدعة والأمور المتعسفة؛ لأن مقادير التسهل والتعسر غير منضبطة بحد, ولا ~~واقفة على مقدار, ولا جارية على قياس, ولا يصح في [معرفة] (2) مقاديرها ~~برهان العقل, ولا نص الشرع ولا تعرف مقاديرها بكيل ولا وزن ولا مساحة ولا ~~خرص, فإن من قال: إن طلب الحديث أو أن حفظ القرآن أو الفقه متيسر عليه أو ~~متعسر, لم يعقد له مجلس المناظرة كما يعقد للمخالفين في العقائد, لأن الذي ~~ادعاه أمر ممكن وهو يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال. # وطلب العلم متسهل على ذكي القلب, صادق الرغبة, خلي البال من الأشغال, ~~واجد الكتب المفيدة, والشيوخ المبرزين, والكفاية فيما يحتاج إليه, ونحو ~~ذلك, وطلب العلم متعسر على من فقد هذه الأمور كلها, وبينهما في التسهل ~~والتعسر درجات غير ms036 PageV01P078 # منحصرة ومراتب غير منضبطة, وبين الناس من التفاوت ما لا يمكن ضبطه ولا ~~يتهيأ, وأين الثريا من الثرى؟ # وجامد الطبع بليد الذهن, إذا سمع [من] (1) يدعي سهولة ارتجال القصائد ~~والخطب, وتحبير الرسائل والكتب؛ توهم أنه بمنزلة من يدعي إحياء الموتى, ~~وإبراء الأكمة والأبرص, وكذلك الجبان الفشل إذا سمع [من] يدعي سهولة مقارعة ~~الأقران ومنازلة الشجعان. # وكم عاصر أئمة العلم والنحاة والنظار وحفاظ الحديث من طالب للعلم مجتهد ~~في تحصيله؛ فلم يبلغ مبلغهم ولا قارب شأوهم, وإنما تميز عن الأقران أفراد ~~من الخلق, وخواص منحهم الله الفهم والفطنة وآتاهم الفقه والحكمة, وقد وقع ~~التفاضل بين الصحابة -رضي الله عنهم-: فكان علي - رضي الله عنه - أقضاهم, ~~ومعاذ أفقههم, وأبي أقرأهم, وأبو هريرة أحفظهم, والخلفاء أفضلهم, وزيد ~~أفرضهم (2) , بل قد فاضل الله تعالى بين الأنبياء -عليهم السلام- قال الله ~~تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} [البقرة:253] وقال تعالى: ~~{ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} [الأنبياء:79] , فهذا تفضيل في ~~الفهم بين داود وسليمان - عليهما السلام- مع الاشتراك في النبوة, والتقارب ~~ما بين الأبوة والبنوة, وكذلك قد فاضل الله بينهم فيما هو دون هذه المرتبة, ~~وذلك في البيان والفصاحة PageV01P079 # وضوح العبارة, مثل ما نص الله عليه من إيتاء داود فصل الخطاب (1) , ومثل ~~قوله تعالى في الحكاية لقول موسى في أخيه -عليهما السلام-: {هو أفصح مني ~~لسانا} [القصص:34]. # وعموم (2) التفاوت الذي يدور عليه, وميزانه الذي يعتبر به في أغلب ~~الأحوال هو: التفاوت في صحة الفهم, وصفاء الذهن, واعتدال المزاج, وسلامة ~~الذوق, ورجحان العقل, واستعمال الإنصاف, فهذه الأشياء هي مبادىء المعارف, ~~ومباني الفضائل, ولأجلها يكون الرجل غنيا من غير مال, وعزيزا من غير عشيرة, ~~ومهيبا من غير سلطان, إلى غير ذلك من الصفات الحميدة والنعون الجميلة, ومن ~~ههنا حصل التفاوت الزائد, حتى عد ألف بواحد, ومما أنشدو في ذلك: # ولم أر أمثال الرجال تفاوتا ... لدى المجد حتى عد ألف بواحد # وقال ابن دريد (3) في المعنى: # والناس ألف منهم كواحد ... وواحد كالألف إن أمر عنى # وأنشدوا في المعنى: # يا ms037 بني البعد في الطباع ... [لا] (4) مع القرب في الصور PageV01P080 # وفي الأخبار: ((الناس كإبل مائة, لا تجد فيها راحلة)) (1). # وفي الأمثال العربية: ((المرء بأصغريه)) (2). # بل في الحديث الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((رب حامل فقه ~~إلى من هو أفقه منه)) (3). # وليس كل من حفظ الحديث كان كالبخاري, ولا كل من تفقه في الدين كان مثل ~~الشافعي, ولا كل من قرأ النحو والمعاني صنف مثل ((الكشاف)) , ولا كل من درس ~~الأصول والجدل ركب بحر الدقائق الرجاف/. # وما كل دار أقفرت دار عزة (4) ... ولا كل بيضاء الترائب زينب PageV01P081 # فإذا نظرت إلى (1) المواهب الربانية لا تنتهي إلى حد, والعطايا اللدنية ~~لا تقف على مقدار, لم يحسن من العاقل أن يقطع على الخلق بتعسير ما الله ~~قادر على تيسيره, فيقنط بكلامه طامعا, ويتحجر من فضل الله واسعا, بل يخلي ~~بين الناس وبين هممهم وطمعهم في فضل الله عليهم, حتى يصل كل أحد إلى ما ~~قسمه الله تعالى له من الحظ في الفهم والعلم وسائر أعمال الخير, وهذا مما ~~لا يفتقر إلى حجاج, لولا أهل المراء واللجاج (2). ### | التنبيه الثاني: # التعرض لذكر المشاق التي في طلب العلم والحج والجهاد وسائر أعمال البر ~~على سبيل التوعير لمسالكها, والإحالة لبلوغ مراتبها عكس ما جاءت به ~~الشرائع, ودعت إليه الأنبياء -عليهم السلام- وكان عليه الأئمة والعلماء ~~والوعاظ, وإنما السنة تيسير الأمور على من عسرت عليه, وتذكير القلوب ~~الغافلة, وتنشيط النفوس PageV01P082 # الفاترة (1) , ولهذا شرعت الخطب, وصنف الوعاظ أحاديث الرقائق, لتسهيل ما ~~يصعب على النفوس وتقريب ما تباعد على أهل القصور. # وقد تكاثرت الأحاديث النبوية في الحث على ذلك, وكان ... - عليه السلام - ~~إذا بعث سرية يقول لهم: ((يسروا ولا تعسروا, وبشروا ولا تنفروا)) (2). ~~فالمعترض على أهل الحديث, المعسر لمعرفته, الموعر لطريقه, مرتق لمرتبة ~~الفتيا, منتصب في منصب التعليم متمكن في مكان الدعاء إلى الله بالحكمة, ~~والموعظة الحسنة, فما [باله] (3) يعكس السنن, ويستن من البدعة في كل سنن!؟ ~~نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا, ويعلمنا ما ينفعنا, ويوفقنا للاقتداء ~~بسيدنا رسول ms038 الله محمد - صلى الله عليه وسلم -. ### | التنبيه الثالث # : فرع من فروع الشجرة النبوية على صاحبها السلام, ونشء من أهل بيته ~~الكرام, تشوف إلى مرتبة العلم, وتشوق إلى التشبه بأهل الفضل, ورغب في اتباع ~~سنة جده - صلى الله عليه وسلم - , فلما شمتم (4) بارقة جهده صيبة, و ~~[شممتم] (5) رائحة سعيه طيبة, وتوسمتم فيه للفائدة سمات, وتوهمتم أنه قارب ~~وهيهات, تواترت عليه الرسائل, وتواردت عليه الدلائل, تفتره عن عمله, وتقنطه ~~من أمله. PageV01P083 # من قد سبقكم إلى هذا من الخلفاء الراشدين والعلماء الهادين!؟. # وإنما بلغنا أن أهل العلم يحبون من علت همته وظهرت فطنته, ويرغبونه ~~بأنواع الترغيب, ويجعلون التصويب له مكان التثريب, فعكستم السنة بالتنفير ~~عن الحديث, وخالفتم العادات القديم منها والحديث. # وإلى ههنا انتهى الجواب عن الجملة المتقدمة من كلامه, وهي الوجه الأول في ~~إبطال الطريق إلى معرفة الحديث بتعذر الإسناد الصحيح منا إلى المصنفين من ~~المحدثين, ويتعلق بتفاصيلها بحثان: ### | المبحث الأول # : قال وفقه الله: ((وذكر هذا كثير من العلماء -يعني تعسر معرفة الحديث- ~~ومنهم الغزالي والرازي)). # والجواب عليه: أنه قصد الاستئناس بكلام العلماء بإظهار الموافقة لهم, ~~فهيهات! فإنه لا يوافقه على صرف الهمم عن طلب / الحديث عالم, ومقصد من أشار ~~إليه من العلماء الذين منهم الغزالي والرازي غير مقصد المعترض, فإنهم قصدوا ~~سقوط البحث عن رجال الأسانيد في الأعصار الأخيرة كما أشار إليه ابن الصلاح, ~~وخالفه النووي, وغير واحد ممن تقدم ذكره (1) , وهم مع ذلك مقرون ببقاء طريق ~~المعرفة للحديث, والتعبد به علما وعملا. # والمعترض قصد تحريم العمل بالأخبار, والمنع من التمسك PageV01P084 # بالسنن والآثار, وكلامهم عليه لا له, مع أن المعترض قد ناقض روايته هذه ~~عن الغزالي بقوله بعد هذا: إن الغزالي قال: يكتفى بتعديل أئمة الحديث, فإنه ~~أورد كلام الغزالي الآتي إشكالا على كلامه الأول الذي نسبه إلى الغزالي. ### | المبحث الثاني # : ما قصدك بحكاية ما ذهبت إليه عن جماعة كثيرة من العلماء؟ إن أردت أنه ~~حجة؛ فليس يخفى عليك فساد ذلك, وإن لم ترد أنه حجة؛ فقد أوردت الدعوى من ~~غير دليل, ms039 وادعيت الحق من غير برهان, وهذا ما لا يعجز عنه مبطل!!. # قال: الثاني (1): أن أولئك المعدلين معلومون بمثل هذا, ومجهولة براءتهم ~~منه -يعني الجبر والتشبيه والإرجاء-. # أقول: إما أن يسند القول بهذه البدع إلى جميع معدلي حملة العلم النبوي أو ~~إلى بعضهم؛ الأول: ممنوع, وبطلانه معلوم بالضرورة, ومدعيه لا يستحق ~~المناظرة. والثاني: مسلم, ولا يضر تسليمه لوجهين: # أحدهما: أن نقول لهذا المعترض: هل بقي عندك حديث صحيح يمكن معرفته؟ فدلنا ~~عليه واهدنا إليه, فإنما غرضنا اتباع السنة المروية عن الثقات بطريق صحيحة, ~~وليس غرضنا مقصورا على ما في بعض الكتب, ولا على ما روى بعض الثقات. وإن ~~كان المعترض PageV01P085 # يدعي تعذر معرفة السنة وانطماس معالم العلم كما مر في كلامه, فقد بينا ~~الجواب عن ذلك فيما مضى, وبينا أن هذا إشكال على أهل الإسلام لا على حفاظ ~~حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وثانيهما: أن الثقات من أهل هذه البدع مقبولون في مذهب المورد للاعتراض, ~~ومذهب المعترض عليه. # أما المورد للاعتراض؛ فسوف نبين عند الكلام على هذه المسألة نصوص أئمة ~~مذهبه على القطع بأن قبولهم مجمع عليه من السلف, وأن أحدا منهم ما اعترض ~~على من استجاز ذلك من الخلف. # وأما المعترض في نفسه فلا مذهب له ولا اختيار, لأن المسألة خلافية ظنية ~~اجتهادية كما سيأتي, وقد نص على تعذر الاجتهاد في العلم, فثبت أنه لا مذهب ~~إلا ما ذهب إليه أسلافه على مقتضى رسالته هذه. وأما أن قبولهم مذهب المعترض ~~عليه؛ فلأنه روى ذلك عن نفسه, وكل راو عن نفسه فهو مصدق لها وعليها, ومع ~~هذا كيف يصح هذا الإشكال, وعلى من يرد!؟ وسوف يأتي في مسألة المتأولين, ~~والكلام على قبولهم وردهم, وذكر أدلة الفريقين, ونقض كلام المعترض, ما يكفي ~~ويشفي, فقد استوعبت الكلام في هذه المسألة, وبلغت في تحقيقه (1) ما لم / ~~أسبق إليه, لله الحمد والمنة على ذلك. # وأقصى ما في الباب أن يتعذر الإسناد على شرط أهل PageV01P086 # [الصحيح] (1) , فأين عقل المعترض عن مذاهب أسلافه, ومذهب المالكية في ms040 ~~قبول المرسل؟ وما الذي يمنع طالب الحديث من القول بجوازه؟ وقد تقدمت ~~الإشارة إلى الحجة عليه وصحة الإسناد إليه ولكن لا ضرورة تلجىء إلى ذلك ~~ولله الحمد. # قال: الثالث: أن اتصال (2) الرواية بكتب الجرح والتعديل متعسرة, أو ~~متعذرة على وجه العدالة الصحيحة. # أقول: المعترض -وفقه الله- متحير متردد, أهذه الأمور متعسرة أو متعذرة؟ ~~فهو لا يزال يكرر الشك في ذلك, والشاك في تعذر أمر أو إمكانه, لا يصلح منه ~~أن يعترض على من ادعى إمكان ذلك الأمر حتى يزول ما عنده من الشك في إمكانه, ~~ويحصل له عنده علم يقين أنه غير ممكن, فإن قطع المعترض بتعذر ذلك سقط ~~التكليف به, لأن التكليف لا يتعلق بما لا يطاق. # والعجب منه أنه خص كتب (الجرح والتعديل) بالتعذر أو التعسر!! وهذا من ~~قبيل القياس على مجرد الوجود, فإنه لما عسر ذلك عليه, وخرج من يديه, لبعده ~~عن علماء هذا العلم الشريف, ظن أن ذلك لأمر يرجع إلى ذات الفن, فليحط علما ~~أصلحه الله: أن تعسر سماع كتب الجرح والتعديل عليه عرضي لا ذاتي, فإن طلبة ~~الحديث النبوي يحافظون على سماع كتبه, وشيوخها موجودون اليوم في جميع ~~الأمصار الكبار من المملكة الإسلامية حرسها الله, فإن كنت محبا في ~~PageV01P087 # العلم؛ فاطلبه حيث كان, وارحل في تحصيله وإن بعد المكان, ولا تقعد متكئا ~~على أريكتك تقول: لا أعرف طريقا إلى حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~, ولا إلى تفسير كتاب الله عز وجل. # ولقد زدت على من ذم (1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المبتدعة ~~الذين يقولون: لا نعرف إلا كتاب الله, فكيف من أنكر معرفة كتاب الله مع ~~معرفة سنة رسول الله!؟ نعوذ بالله. مع أن معرفة كتب الجرح والتعديل غير ~~مشترطة فيما نص [على صحته] (2) إمام مشهور بالحفظ والأمانة حتى يعارضه قول ~~من هو أرجح منه أو مثله على ما هو مذكور في مواضعه, وإنما يحتاج إليها في ~~معرفة كثير من أحاديث المسانيد التي لم يصحح مصنفوها كل ما رووا فيها, وقد ms041 ~~جمع الحفاظ ما يحتاج إلى معرفته من أحاديث الأحكام والعقائد والقواعد, ~~وتكلموا عليها, وكفوا المؤونة, فجزاهم الله عن المسلمين أفضل ما جزى ~~المحسنين. # وكذلك من لم يقدح في حديث بالإرسال لم يرد عليه هذا الإشكال, وقد اشتمل ~~الكلام هذا على رد كلامه في هذا الفصل بأربعة وجوه لم أتأملها إلا بعد ~~سردها غير مفصلة فتأمله. # قال: الرابع: أن تعديل هؤلاء الأئمة من بينهم وبين الرسول إنما يقع على ~~سبيل الإجمال غالبا, والتعديل الإجمالي إنما يصح من موافق في المذهب بعد ~~كونه عارفا بوجوه الجرح والتعديل عدلا مرضيا, وقيل: لا يصح وإن كان المعدل ~~كذلك بل لابد من التفصيل, وقيل PageV01P088 # يصح الإجمال مطلقا وهو ضعيف. # أقول: ما أدري ما حمل المعترض على تجريد حكاية المذاهب في هذه المسألة, ~~ودعوى التصحيح والتضعيف / [المجردة] (1) عن الأدلة, وهو يعلم ما في ذلك من ~~الشين عند أهل هذا الشأن, وإنما يجب الإيمان بكلام الله تعالى وكلام رسوله ~~- صلى الله عليه وسلم - , فلو أنا عاملناه بمثل كلامه لسهل الجواب عليه ~~بمجرد نسبة القول الضعيف إليه, فمجرد الدعوى لا يعجز عنها أحد, ولكن لابد ~~من الإشارة إلى الدليل على قوة ما ضعفه على سبيل الاختصار, فأقول ~~(2):الجواب على ما ذكره من وجوه: ### | الوجه الأول # : أن هذه مسألة خلاف بين الأصوليين وبين المحدثين, فحكى فيها خمسة أقوال ~~لأهل العلم: # منهم: من قبل الإطلاق في الجرح والتعديل معا, ومنهم: من منعه فيهما معا, ~~ومنهم: من فصل, واختلفوا على ثلاثة أقوال: # منهم: من قبل الأجمال في التعديل دون الجرح وهو (3) اختيار الشافعي ~~وجماعة, ومنهم من عكس هذا, وقال بعضهم: إن كان الجارح أو المعدل من أهل ~~العلم قبل, وإلا لم يقبل, وأفاد صاحب الرسالة قولا سادسا وهو: إن كان ~~موافقا في الاعتقاد وكان من أهل العلم قبل وإلا لم يقبل. فإذا ثبت هذا ~~الاختلاف الكبير في هذه PageV01P089 # المسألة؛ فلا معنى للإنكار على من ذهب إلى أحد هذه الأقوال, إذ ليس فيها ~~ما يخالف الإجماع القطعي, بل ولا الظني, ولا ما ms042 يخالف النص المتواتر ~~المعلوم معناه, بل ولا الآحادي المظنون معناه, فالتشعيب على طلبة علم السنة ~~بذكر ذلك من جملة مبتدعات المعترض في [رسالته] (1) , فإنه ابتكر فيها من ~~منكرات الأساليب, وتعسفات أهل اللجاج, ما لم يسبقه إليه مبتدع, ولا سيما ~~وقد أنكر المعترض في هذه المسألة القول المشهور, المعمول عليه عند الجمهور. ### | الوجه الثاني # : وهو المعتمد في الجواب, وذلك أن المختار الصحيح الذي قامت عليه الأدلة, ~~ومضى عليه عمل السلف والخلف هو: الاكتفاء في التعديل بالإطلاق, والدليل ~~عليه وجوه: # أولها: أنا متى فرضنا أن المعدل ثقة مأمون, وأخبرنا خبرا جازما بعدالة ~~رجل آخر فإنه يجب قبول قوله, لأنه خبر ثقة معروف بالعدالة, فوجب قبوله ~~كسائر أخبار الثقات. # وثانيها: إما أن يترجح صدقه أو لا, إن لم يترجح لم (2) يقبل, لكن هذا ~~الفرض لا يقع إلا لعلة, وكلامنا في توثيقه إذا لم يكن معلوما بما يدل على ~~وهمه, أو معارضا بأقوى منه, وإن ترجح صدقه وجب قبوله, وإلا لزم المساواة ~~بين الراجح والمرجوح, وهو قبيح اتفاقا. # وثالثها: إن رد قوله تهمة له بالكذب والخيانة, أو بالتقصير PageV01P090 # والإقدام على ما لم يتقن حفظه, والفرض أنه عدل مأمون, وتهمة العدل ~~المأمون بغير موجب محرمة, وما استلزم المحرم لا يكون مشروعا. # ورابعها: أن الله تعالى إنما اشترط في الشاهد أن يكون ذا عدل, وكذلك ~~الراوي, مع أنه أصل, والمعدل له فرع, والفرع لا يكون أعظم من أصله, ولا ~~آكد, فكما أن العدل في الشهادة والرواية لا يجب عليه التفصيل فيما يحتمله؛ ~~فكذلك العدل لا يجب عليه ذلك في التعديل. # فإن قلت: وكيف يحتمل التفصيل في الشهادة والرواية؟ # قلت: أما الشهادة فإذا شهد بالمال لزيد سئل عن سبب اعتقاده لملك زيد ~~للمال, فربما استند اعتقاده لذلك إلى ما لا يدل على الملك / من: خبر ثقة, ~~أو بيع باطل, أو غير ذلك, وهذا يجوز على الشاهد الثقة إذا لم يكن فقيها, ~~ولا مخالطا لأهل الفقه مخالطة كثيرة. # وأما الرواية فقد يجوز في راوي الحديث أنه رواه باللفظ ms043 أو بالمعنى, وقد ~~يجوز فيمن روى بالمعنى أن يعتقد أنه روى بالمعنى (1) مع الخطأ الذي يدق على ~~كثير, ونحو ذلك مما يدل على قبول الثقة من غير تفصيل وإن احتمل التفصيل. # ومما يزيد ذلك وضوحا: أن كل دليل دل على وجوب قبول أقوال العدول بمجرد ~~عدالتهم؛ فهو بعمومه يدل على قبولهم على PageV01P091 # الإطلاق, ويدخل في ذلك قبولهم في التعديل. # وخامسها: -وهو المعتمد- أن اشتراط التفصيل في التعديل يودي إلى ذكر ~~اجتناب المعدل لجميع المحرمات, وتأديته لجميع الواجبات, على حسب مذهب ~~المعدل في تفسير العدالة, فإن كان ممن يتشدد ذكر ذلك كله, وإن كان ممن ~~يترخص ذكر اجتنابه لجميع الكبائر معددا لها, ولجميع معاصي الأدنياء الدالة ~~على الخسة وقلة المبالاة بالدين, وذكر أداءه لجميع الواجبات التي يدل تركها ~~على الجرح. # ومعلوم أن التعديل بهذه الصفة لم يكن قط, لا من معدلي حملة العلم, ولا من ~~معدلي الشهود في الحقوق, فإن تعديد هذه الأشياء مما يفوت ذهن المعدل, ولو ~~سئل ذلك ما استحضره, فإنه يحتاج إلى تأمل كثير, وجمع وتأليف, وقد عددت من ~~ذلك في ((الأصل)) (1) شيئا كثيرا فبلغ إلى بطلان عدالة العدول ويترتب على ~~ذلك من المفاسد الدينية ما لا يقول به منصف. # فإن قيل: أقل من ذلك التفصيل يكفي, قلنا: إن كفى الإجمال في صورة ما, كفى ~~قوله: ثقة, وإن لم يكف وجب ذلك التفصيل, فأما أن الإجمال يجوز في موضع دون ~~موضع فهذا تحكم. # فإن قيل: إنما يشترط التفصيل من الفاسق والكافر المتأولين لأنه لا يؤمن ~~أن يعدلا من يعتقد اعتقادهما, وهو غير عدل عند من لم يقبل PageV01P092 # المتأولين, وإنما أشار إلى هذا صاحب الرسالة. # فالجواب: أن لا معنى لهذا, لأن من يقبله فهو يقبله, [و] (1) يقبل من عدله ~~من المبتدعة, ومن لا يقبله فإنه لا يقبله. وإن فصل في التعديل؛ فالخلاف ~~إنما هو في قبوله لا في قبول ما أطلقه من تعديله, وأما من لا يقبل بعض ~~المبتدعة ويقبل بعضهم فإنه يشكل عليه تعديل المبتدع المقبول. # مثاله: مبتدع غير ms044 داعية عدل عند بعض أهل مذهبه, فيحتمل أن المعدل داعية ~~إلى مذهبه (2) , فإذا اتفق هذا ففيه احتمالان: # أحدهما: أن يقبل تعديل غير الداعية حتى يثبت أن المعدل داعية, لأن الأصل ~~أنه غير داعية, وقد ورد التمسك بالأصل في الشريعة في يومي الشك وغير ذلك, ~~وهو ظاهر إطلاق أهل القول بقبول التعديل الإجمالي. # وثانيهما: أن يقبل في عدالة من عدله في جميع الأمور إلا في كونه داعية ~~فيبحث عن ذلك حتى يظن عدمه, ويؤخذ بتعديل المبتدع المقبول فيما عدا ذلك من ~~شرائط العدالة والله أعلم. # وأما الجرح: فالقول باشتراط التعيين فيه أقرب, لأن الجارح إذا قال: فلان ~~ليس ثقة, لأنه يشرب الخمر, أو غير ذلك كفى ذلك, ولم يلزمه تعديد جميع ~~المعاصي فظهر الفرق. PageV01P093 # قال: الخامس: أن هؤلاء الأئمة في الحديث يرون عدالة الصحابة جميعا, ويرى ~~أكثرهم/ أن الصحابي من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمنا به وإن لم ~~تطل ولم يلزم, وهذان المذهبان باطلان, وببطلانهما يبطل كثير من الأخبار ~~المخرجة في الصحاح. # أما المذهب الأول: فلأن من حارب عليا - عليه السلام - مروح, ومن قعد عن ~~نصرته كذلك, لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال: ((اللهم وال من ~~والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله)) (1) , وقال: ((لا يبغضك ~~إلا منافق شقي)) (2) وأقل أحوال هذا ألا تقبل روايته. # وأما الثاني: فيلزمهم أن يكون الأعرابي الذي بال في مسجد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - (3) عدلا بتعديل الله, ولا يحتاج إلى تعديل أحد, وكذلك ~~PageV01P094 # كثير من رواتهم الذين هم من أعراب, أو يفدون عليه مرة واحدة كما جاء في ~~حديث وفد تميم (1) وأنزل الله تعالى فيه: {إن الذين ينادونك من وراء ~~الحجرات أكثرهم لا يعقلون} [الحجرات:4] , وكحديث وفد عبد القيس (2). # أقول: اشتمل كلامه في هذا الوجه على مسائل: ### | المسألة الأولى # : القدح على المحدثين بقبول المجهول من الصحابة -رضي الله عنهم-, وقولهم: ~~[إن] (3) الجميع عدول بتعديل الله, والجواب عليه من وجوه: # الوجه الأول: أن الذاهب إلى هذا المذهب لا ms045 يستحق الإنكار؛ لأن هذا المذهب ~~إن لم يكن هو الحق دون غيره؛ فلا أقل من أن يكون غير محرم ولا منكر, لأنه ~~لا دليل قاطع على تحريمه, ومن ادعى شيئا من ذلك فليدل عليه. # والعجب من المعترض أنه خص المحدثين بهذا المذهب, وهو مذهب أكثر أهل ~~الإسلام من المحدثين والفقهاء وغيرهم, بل هو مروي عن أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - , وهو مذهب مشهور مستفيض حتى PageV01P095 # في مذهب المعتزلة والزيدية. # أما المعتزلة: فرواه ابن الحاجب عنهم الجميع, لفظه: ((قالت المعتزلة: ~~الصحابة (1) عدول إلا من حارب عليا)). وذكروه أيضا في كتبهم, فممن ذكره ~~منهم: عالمهم وإمامهم بغير منازعة: الشيخ أبو الحسن البصري في ((المعتمد)) ~~(2) فإنه قال فيه ما لفظه: ((واعلم أنه إذا ثبت اعتبار العدالة وغيرها من ~~الشروط التي ذكرناها, وجب إن كان لها ظاهر أن يعتمد, وإلا لزم اختبارها, ~~ولا شبهة أن في بعض الأزمان كزمن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كانت ~~العدالة منوطة بالإسلام, فكان الظاهر من المسلم كونه عدلا, ولهذا اقتصر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في قبول خبر الأعرابي عن رؤية الهلال على ~~ظاهر إسلامه, واقتصرت (3) الصحابة على إسلام من كان يروي الأخبار من ~~الأعراب)). # وقال الحاكم المحسن بن كرامة المعتزلي في: ((شرح العيون)) له ما لفظه: ~~((إن أحوال المسلمين كانت أيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معلومة, ~~وكانت مستقيمة مستغنية عن اعتبارها (4))). # وأما الزيدية: فقد ثبت عن كثير منهم ما يدل على ذلك كما سنذكره, من ذلك ~~قول الإمام الكبير المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن PageV01P096 # سليمان - رضي الله عنه - , فإنه قال في: ((الرسالة الإمامية, في الجواب ~~على المسائل التهامية)) (1) ما لفظه: ((فأما ما ذكره المتكلم حاكيا عنا من ~~تضعيف آراء الصحابة, فعندنا أنهم أشرف قدرا, وأعلى أمرا, وأرفع ذكرا من أن ~~تكون آراؤهم ضعيفة, أو موازينهم في الشرف والدين خفيفة. فلو كان ذلك, لما ~~اتبعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , ومالوا عن إلف دين الآباء ~~والأتراب و [القرباء] (2) إلى أمر ms046 لم يسبق لهم به أنس, ولم يسمع له /ذكر, ~~شاق على القلوب, ثقيل على النفوس فهم خير الناس على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وبعده, فرضي الله عنهم, وجزاهم عن الإسلام خيرا)) إلى ~~قوله: ((فهذا مذهبنا لم نخرجه غلطة, ولم نكتم سواه تقية. وكيف وموجبها ~~زائل! ومن هو دوننا مكانة وقدرة يسب ويلعن, ويذم ويطعن, ونحن إلى الله ~~سبحانه من فعله براء, وهذا ما يقضي به علم آبائنا منا إلى علي - عليه ~~السلام -)) إلى قوله: ((وفي هذه الجهة من يرى محض الولاء بسب الصحابة -رضي ~~الله عنهم- والبراءة منهم فتبرأ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~حيث لا يعلم. # إذا كنت لا أرمي وترمي كنانتي ... تصب جانحات النبل كشحي ومنكبي # انتهى ما أردنا نقله من كلام المنصور بالله, وما فيه من نسبة مذهبه هذا ~~إلى جميع آبائه -رضي الله عنهم-. PageV01P097 # وفي كلامات المؤيد بالله يحيى بن حمزة - رضي الله عنه - في الذب عن ~~الصحابة والثناء عليهم, ما هو أكثر من هذا, ولكن لم يحضرني تأليفه فأنقل ~~ألفاظه في ذلك, وقد أفرد الكلام في ذلك وجوده في كتابه ((التحقيق)) (1) ~~وانتصر للذب عن الصحابة غاية الانتصار, وذكر مثل ذلك في كتابيه: ((الشامل)) ~~(2) و ((الانتصار)) (3). # وأما المنصور بالله فله في ذلك كلامات مختلفة, في أماكن من كتبه متفرقة. ~~من ذلك كلامه في كتاب ((هداية المسترشدين)) , واحتجاجه بتأمير النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لعتاب بن أسيد ثاني يوم من إسلامه واكتفاؤه في أمره بمجرد ~~الإسلام. # وفي ((الاستيعاب)) (4) وغيره أنه أسلم يوم الفتح, وولاه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حين خرج إلى حنين. # وفي الاحتجاج على العدالة بالولاية نظر, لكن المنصور بالله PageV01P098 # ذكر أنه ولاه على القضاء فيما حكى لي بعض أهل العلم. فعلى الجملة؛ فغرضنا ~~حاصل بكلام المنصور, فإن القصد الاستشهاد به على ذهاب المنصور بالله إلى ~~عدالة مجهول الصحابة, وفي هذا الاحتجاج ما يؤخذ له منه عدالة الصحابة كلهم ~~-رضي الله عنهم- على أنه قد ثبت في كلام غير واحد من ms047 الزيدية: أنه يقبل ~~المجهول من جميع المسلمين؛ الصحابة وغيرهم. كما قدمنا ذلك من كلام عبد الله ~~بن زيد, والمنصور بالله, وأبي طالب, فخذه من مكانه المقدم (1). وذلك أيضا ~~مشهور عن الحنفية وغيرهم. فمع هذا ما سبب إنكار هذا المعترض على المحدثين, ~~وتخصيصهم برد هذا المذهب من بين سائر طوائف المسلمين؟ وهل هذا إلا محض ~~الجهل أو التجاهل, وصريح التعنت والتحامل؟ والله المستعان. # الوجه الثاني: أن الشيخ أبا الحسن روى في ((المعتمد)) (2) عن الصحابة ~~أنهم اقتصروا على إسلام من كان يروي الأخبار من الأعراب, وهذا يفيد إجماع ~~الصحابة على ذلك. والمعترض يعتقد عدالة الصحابة, وقبول خبره, وقد كان الرجل ~~-على ما ذهب إليه, من أهل الديانة والأمانة, يعترف له بذلك أهل المعرفة ~~بعلم الرجال من المحدثين كما ذكره الذهبي (3) , وإنما الذي قدحوا به عليه ~~كونه كان رأسا في الاعتزال داعية إلى القول به, وذلك كثير في الرواة الثقات ~~PageV01P099 # المتفق على إخراج حديثهم في ((الصحيحين)) , وغيرهما كقتادة وغيره. وإذا ~~ثبت ذلك؛ فكيف ينكر المعترض على المحدثين, مذهبا قد روى الثقة عنده أنه قول ~~الصحابة, بل الذي روى أوسع من مذهب المحدثين فإنهم اقتصروا على قبول من رأى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - , وأبو الحسين روى قبول الصحابة لمن أسلم من ~~الأعراب من غير تقييد لذلك برؤية النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقال النواوي/ - رضي الله عنه -: إنه قول من يعتبر به من الأمة أو كما ~~قال, ذكره في ((شرح مسلم)) (1) وهذه العبارة تفيد دعوى الإجماع. وقد روى ~~الحفاظ من فرسان علم الأثر ما يدل على كلام الشيخ أبي الحسين. # فمن ذلك: ما روى معمر البصري عن أبي العوام البصري قال: كتب عمر إلى موسى ~~-وساق كتابه الطويل في القضاء- وفيه من كلام عمر - رضي الله عنه -: ~~((والمسلمون عدول بعضهم على بعض في الشهادات, إلا مجلودا في حد, أو مجربا ~~عليه شهادة الزور, أو ظنينا في ولاء أو دية (2). فإن الله تعالى تولى من ~~العباد السرائر, وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان)) وساق بقية ms048 ~~كتابه, رواه البيهقي هكذا, ثم قال: ((وهذا [كتاب] (3) معروف مشهور)) (4). ~~PageV01P100 # وفيه ما يدل على مذهب المحدثين, وأن مذهبهم هذا مشهور في السلف والخلف. # وفي حديث شقيق [ابن سلمة] (1) عن كتاب عمر - رضي الله عنه -: ((لا تفطروا ~~حتى يشهد رجلان مسلمان [أنهما] (2) أهلاه بالأمس)) رواه الدارقطني (3) ~~والبيهقي, قال: ((وهو أثر صحيح)) (4) ذكره ابن النحوي في ((البدر المنير)) ~~و ((الخلاصة)) (5) (6). PageV01P101 # ومن ذلك أثر علي - رضي الله عنه - وفيه: أنه كان يستحلف بعض الرواة [إذا ~~اتهمه] (1) , فإن حلف صدقه. وقد روى ذلك عنه من الزيدية الإمام المنصور ~~محتجا به, وكذلك رواه الإمام أبو طالب وهو -أيضا- معروف عند حفاظ الحديث, ~~رواه أبو عبد الله الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (2) وقال: ((وهو حديث حسن)) ~~(3). # وهو يدل على مثل مذهب المحدثين, لأن التهمة والتحليف لا يكون للمخبورين ~~المأمونين. وإنما يكون لمن يجهل حاله فيقوى الظن بيمينه. # فإن قيل: هذا يدل على خلاف مذهب المحدثين, لأن المفهوم منه: أنه لو لم ~~يحلف له الراوي ما قبله. # والجواب: أن ذلك عير صحيح لوجهين: # أحدهما: أن المحدثين إنما يقولون بذلك في الصحابة الذين رأوا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - , وليس يعلم أن هذا منهم لجواز أن يكون من الأعراب. # وثانيهما: أنهم لا يقولون: [إنه] (4) لا يجوز الوهم على الصحابي, إنما ~~قالوا: إنه ثقة, والوهم جائز على الثقة, وعلي ... - رضي PageV01P102 # الله عنه - لم يتهم الراوي بتعمد الكذب؛ لأنه لو اتهمه بذلك لاتهمه ~~بالفجور باليمين, ولم يصدقه إذا حلف, وإنما اتهمه بالتساهل في الرواية ~~بالظن الغالب, فمع يمينه قوي ظنه بأنه متقن لما رواه حفظا. ومع امتناعه من ~~اليمين يعرف أنه غير متقن ولا مستيقن, فتكون هذه علة في قبول حديثه. # ولا شك أن حديث الثقة قد يكون معلولا بأمر يوجب الوقف, ولهذا توقف النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في قبول حديث ذي اليدين (1) حتى سأل, وتوقف عمر - ~~رضي الله عنه - في قبول حديث فاطمة بنت قيس (2) , وذلك مقرر في مواضعه من ~~الأصول. # الوجه الثالث: أن الأدلة قد دلت على ما ms049 ذهب إليه أهل الحديث, وغيرهم من ~~قبول الصحابة -رضي الله عنهم- المعروف منهم بالعدالة والمجهول حاله. ~~والأدلة على ذلك من الكتاب, والسنة, والنظر كثيرة, نذكر طرفا يسيرا [منها] ~~(3): # أما الكتاب؛ فمثل قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل ~~عمران:110]. # وأما السنة؛ ففي ذلك آثار كثيرة, نذكر منها نبذة يسيرة: # الأثر الأول: ما روى ابن عمر عن أبيه -رضي الله عنهما-: أن PageV01P103 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام فيهم فقال: ((أوصيكم بأصحابي, ثم ~~الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم, ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف, ~~ويشهد الشاهد ولا يستشهد)) (1) , الحديث رواه أحمد والترمذي. # وقد رواه عن شعبة: أبو داود الطيالسي, عن عبد الملك بن عمير, عن جابر ابن ~~سمرة, عن عمر, وله طرق أخر, وهو حديث مشهور جيد, قال ذلك الحافظ ابن كثير ~~في ((إرشاده)) (2). # قلت: وفيه ما يدل على أنه أراد بأصحابه أهل زمانه, يفهم (3) من قوله: ~~((ثم الذين يلونهم)) , فإنه جعل أهل زمانه طبقة, ثم الذين يلونهم, فلم يكن ~~ليخرج من لم يره ممن أدرك زمانه, مع دخول من لم يره من التابعين الذين لم ~~يدركوا زمانه. # الأثر الثاني: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: جاء أعرابي إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: إني رأيت الهلال -يعني رمضان- فقال: ((أتشهد أن ~~لا إله إلا الله, وأن محمدا رسول الله؟)) قال: نعم. /فقال: ((يا بلال أذن ~~في الناس أن يصوموا غدا)) رواه أهل السنن (4) , وابن حبان PageV01P104 # صاحب ((الصحيح)) (1) والحاكم أبو عبد الله (2) # وقال: ((حديث حسن صحيح)). # وذكره الحاكم أبو سعد (3) في ((شرح العيون)) واحتج به أبو الحسين في ~~((المعتمد)) واحتج به: عبد الله بن زيد العنسي. # الأثر الثالث: حديث أبي محذورة فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~علمه الأذان عقيب إسلامه, واتخذه مؤذنا (4) من ذلك الوقت, وذلك يدل على ~~عدالته من قبل الخبرة؛ لأن العدالة معتبرة في المؤذن [إذ] (5) هو مخبر ~~بدخول وقت الصلاة (6) معتمد عليه في تأدية (7) الفرائض وإجزائها. ~~PageV01P105 # الأثر الرابع: وهو أثر صحيح, ثابت في ms050 دواوين الإسلام, بل معلوم, متواتر ~~النقل, وهو حجة قوية, وذلك: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسل إلى ~~اليمن عليا ومعاذا -رضي الله عنهما-, واليين قاضيين ومفتيين (1) , ولا شك ~~أن القضاء بين الناس, متركب على عدالة الشهود, ومعرفة الحاكم عدالتهم أو ~~عدالة معدليهم, وهما غريبان في أرض اليمن, لا يعرفان عدالتهم, ولا يخبران ~~أحوالهم, وهم لا يجدون شهودا على ما يجري بينهم من الخصومات إلا منهم, ~~فلولا أن الظاهر العدالة في أهل الإسلام ذلك الزمان؛ وإلا لما كان إلى ~~حكمهما بين أهل اليمن على الإطلاق سبيل. # وهذا يدل على عدالة أهل الإسلام ذلك الزمان, لا على عدالة من صحب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - دون غيره, وهذا أوسع من مذهب المحدثين, ولأمر ما أشار ~~أبو الحسين إلى إجماع الصحابة عليه مع ذكاء أبي الحسين, فقد قال الذهبي -مع ~~كراهته للمعتزلة-إنها كانت لأبي الحسين شهرة بالذكاء والديانة (2) , فتأمل ~~أحوال الصحابة -رضي الله عنهم- تعلم صحة ما قاله, وحسن استخراجه. # الأثر الخامس: ما ثبت عن علي - رضي الله عنه - أنه ((كان يستحلف من اتهمه ~~من الرواة, فإن حلف له صدقه)) رواه الذهبي في PageV01P106 # ((تذكرة الحفاظ)) (1) وحكم بحسنه. # وقد احتج به غير واحد من أئمة الزيدية -منهم الإمامان أبو طالب, والمنصور ~~بالله- ووجه الحجة فيه: أن التحليف والتهمة إنما يكون لمجهول الحال, أو من ~~هو شر منه من المخبورين بقلة أهل الإسلام في ذلك الزمان. # الأثر السادس: حديث الجارية السوداء راعية الغنم التي أراد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يتعرف إيمانها, ويختبر إسلامها, فقال لها: ((من ~~ربك)) فأشارت, أي: ربها الله. فقال لها: ((من أنا؟)) قال: رسول الله. قال - ~~عليه السلام -: ((هي مؤمنة)) , والمؤمن مقبول. وقد وصف الله رسوله بتصديق ~~المؤمنين في قوله تعالى: ... {ويؤمن للمؤمنين} [التوبة:61]. # وحديث الجارية هو ثابت في ((صحيح مسلم)) (2) رواه الشافعي (3) عن مالك ~~(4) ذكر ذلك ابن النحوي في ((البدر المنير)) و ((الخلاصة)) (5). # الأثر السابع: حديث عقبة بن الحارث المتفق على صحته وفيه PageV01P107 # أنه تزوج أم يحيى بنت ms051 أبي إهاب, فجاءت أمة سوداء وقالت: قد أرضعتكما, ~~فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فأعرض عني, فتنحيت فذكرت ذلك له ~~فقال: ((وكيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما)) هذا لفظ البخاري (1) ومسلم (2). # /وفي رواية الترمذي (3) بإسناد حسن صحيح: ((أنه زعم أنها كاذبة)) وأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاه عنها, فدل على اعتبار قولها مع الجهالة ~~وتكذيب المدعى عليه, ولو لم يعتبر قولها لم ينهه (4) , ولا أمره بالطلاق, ~~لعدم [تحقق] (5) انفساخ النكاح, ولخيره بين الإمساك مع الكراهة, أو الطلاق ~~[للحيطة] (6) , فإن التفريق بين الزوجين من مؤكدات الأمور, وقد قال بمقتضى ~~ذلك مع يمين المرأة: ابن عباس وأحمد وإسحاق (7) , وإنما ترك العمل بظاهره ~~بعض أهل العلم لتعلقه بحقوق المخلوقين التي ورد الشرع باعتبار الشهادة ~~فيها. PageV01P108 # فأما قبول الخبر النبوي في الأحكام؛ فمقبول من المرأة الصحابية وإن لم ~~تعرف, بدليل هذا الحديث وغيره. # الأثر الثامن: أن الكافر كان يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - فيسلم, ~~فيأمره النبي - صلى الله عليه وسلم -[أن يذهب] (1) إلى [قومه] (2) داعيا ~~لهم إلى الإسلام ومعلما لهم ما علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - من شرائع ~~الإسلام, وهذا موجود في السيرة, لكنها لم تحضرني فأنقله بلفظه (3). # ومثل هذا له شواهد كثيرة يعرفها من طالع السيرة النبوية, وفيه دلالة على ~~عدالة الداخل في الإسلام, وإلا لوجب أن يبين له النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه لا يحل لقومه أن يتعلموا منه شيئا حتى يختبروه بعد إسلامه, وفي هذا ~~الأثر وفي السابع إشارة إلى آثار كثيرة, والله أعلم. # وأما النظر: فلأن العدل من ظهر عليه من القرائن ما يدل على الديانة ~~والأمانة دلالة ظنية. [إذ] (4) لا طريق إلى العلم بالبواطن؛ وهذا ظاهر في ~~الصحابة, فإنهم كما قال المنصور بالله: ((لولا ثقل موازينهم في الشرف ~~والدين ما تبعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , ومالوا عن إلف دين ~~الآباء, والأتراب والقرباء إلى أمر شاق على القلوب, ثقيل على النفوس, لا ~~سيما وهم في ذلك الزمان أهل الأنفة العظيمة والحمية الكبيرة, PageV01P109 # يرون ms052 أن يقتل جميعهم وتستأصل شأفتهم حذرا من أيسر عار يلم بساحتهم أو ~~ينسب إلى قرابتهم, ولا أعظم عارا عليهم من الاعتراف بضلال الآباء, وكفرهم, ~~وتفضيل الأنعام السائمة عليهم, فلولا صدقهم في الإسلام ومعرفتهم لصدق ~~الرسول - عليه السلام - , ما لانت عرائكهم [لذلك] (1) ولا سلكوا في مذللات ~~المسالك. # ومما يدل على صحة ذلك ويوضحه: أن أكثرهم تساهلا في أمر الدين: من يتجاسر ~~على الإقدام على الكبائر, لا سيما معصية الزنا, فقد علمنا أن جماعة من أهل ~~الإسلام في ذلك العصر من رجال ونساء وقعوا في ذلك, فهم (2) فيما يظهر لنا ~~أكثر أهل ذلك الزمان تساهلا في الوقوع في المعاصي, وذلك دليل خفة الأمانة ~~ونقصان الديانة, لكنا نظرنا في حالهم فوجدناهم فعلوا ما لا يفعله المتأخرين ~~إلا أهل الورع الشحيح, والخوف العظيم, ومن يضرب بصلاحه المثل, ويتقرب بحبه ~~إلى الله عز وجل, وذلك أنهم بذلوا أرواحهم في مرضاة رب /العالمين, وليس ~~يفعل هذا إلا من يحق له منصب الإمامة في أهل التقوى واليقين, وذلك كثير في ~~أخبارهم, مشهور الوقوع في زمانهم. # من ذلك حديث المرأة التي [زنت] (3) فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مقرة بذنبها, سائلة للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقيم الحد عليها, فجعل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستثبت في ذلك, فقالت: يا رسول! إني حبلى ~~به, فأمر أن تمهل PageV01P110 # حتى تضع, فلما وضعت جاءت بالمولود وقالت: يا رسول الله هو هذا قد ولدته, ~~فقال: ((أرضعيه حتى يتم رضاعه)) , فأرضعته حتى أتمت مدة الرضاع, ثم جاءت به ~~في يده كسرة من خبز, فقالت: يا رسول الله! هو هذا يأكل الخبز, فأمر بها ~~فرجمت (1). رواه الحافظ ابن كثير في ((إرشاده)) (2). # فانظر إلى عزم هذه الصحابية -رضي الله عنها- على أصعب قتلة على النفوس, ~~وأوجع ميتة للقلوب, وبقاء عزمها على ذلك هذه المدة الطويلة, ومطالبتها في ~~ذلك غير مكرهة ولا متوانية, وهذا -أيضا- وهي من النساء الموصوفات بنقصان ~~العقول والأديان, فكيف برجالهم رضي الله عنهم!؟. # ومن ذلك حديث الرجل الذي أتى إلى النبي ms053 - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ~~أنه سرق, فأمر بقطع يده, فلما قطعت قال: الحمد لله الذي خلصني منك, أردت أن ~~تدخليني النار (3) , أو كما قال. PageV01P111 # وحديث المجامع في رمضان (1). # وحديث ماعز بطوله (2). # وحديث الذي قال: إني أتيت امرأة فلم أترك شيئا مما يفعله الرجال بالنساء ~~إلا أتيته, إلا أني لم أجامعها (3)؛ وغير ذلك مما لا يحضرني الآن الإشارة ~~إليه. # فأخبرني على الإنصاف: من في زماننا, وقبل زماننا من أهل الديانة قد سار ~~إلى الموت نشيطا, وأتى إلى ولاة الأمر مقرا بذنبه, مشتاقا إلى لقاء ربه, ~~باذلا في مرضاة الله لروحه, ممكنا للولاة والقضاة من الحكم بقتله؟ # وهذه الأشياء تنبه الغافل, وتقوي بصيرة العاقل, وإلا ففي قوله تعالى: ~~{كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران:110]. كفاية وغنية, مع ما عضدها من ~~شهادة المصطفى - عليه السلام - بأنهم خير القرون, PageV01P112 # وبأن غيرهم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه, إلى أمثال ~~ذلك من مناقبهم الشريفة ومراتبهم المنيفة. # وقد ذكر ابن عبد البر في ديباجة ((الاستيعاب)) (1) جملة شافية مما يدل ~~على فضل أهل ذلك الزمان, [وذكر في ذلك أحاديث كثيرة] (2). # منها الحديث الصحيح الشهير أنه ((لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية)) ~~(3) رواه من طرق كثيرة. # وروى الحديث المشهور من طريق أبي الزبير عن جابر مرفوعا ((لا يدخل النار ~~أحد بايع تحت الشجرة)) (4) ثم روى أن أهل الحديبية كانوا ألفا وأربع مائة, ~~وأهل بيعة الرضوان ألفا وخمس مائة, وأهل بدر ثلاث مئة وبضعة عشر, وذكر ~~الحديث ((ألا إنكم توفون /سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله)) (5) ~~والحديث الذي فيه: ((إن الله نظر إلى قلوب العباد فوجد قلوب أصحاب محمد خير ~~قلوب العباد)) (6) , PageV01P113 # وأمثال ذلك. # وقد ظهر بهذه الجملة بيان قوة ما أنكره المعترض على أهل الحديث, وأنه ~~مذهب العلماء الجلة, من أهل الملة, قوي المواد, منصور الأدلة. والحمد لله. # المسألة [الثانية] (1): مما اشتمل عليه كلامه, إنكاره لقول أهل الحديث: ~~إن الصحابي من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمنا به, ms054 وقوله: إن هذا ~~باطل, وأنه يبطل ببطلانه كثير من حديث الصحاح. # وقد تحامل المعترض على أهل الحديث في هذه المسألة, وأطلق عليها اسم ~~((الباطل)) الذي لا يطلق على أمثالها من المسائل الظنية المحتملة, والخلاف ~~في هذه المسألة مشهور في الأصول, وعلوم الحديث, وقد ذكر ابن الحاجب في ~~((مختصر المنتهى)) (2): أنها PageV01P114 # لفظية؛ لأن النزاع فيها راجع إلى من يصدق عليه إطلاق هذا القول (1) , ~~وهذا مدرك ظني لغوي, أو عرفي لا يدخله التأثيم, ويستحق اسم الباطل, وذلك ~~يظهر بالكلام في فصلين: ### | الفصل الأول: # في بيان ما يستغربه المعترض من تسمية يسير المخالطة: ((صحبة)) , وبيان ~~ظهور ذلك في الكتاب والسنة والإجماع, ولنقدم قبل ذلك مقدمة, وهي: أن ~~((الصحبة)) في اللغة تطلق كثيرا في الشيئين إذا كان بينهما ملابسة, وسواء ~~كانت كثيرة أو قليلة, حقيقية أو مجازية, وهذه المقدمة تبين ما نورده من ~~كلام الله تعالى, وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - , وما أجمع على صحته ~~من العبارات في هذا المعنى. # أما القرآن: فقال الله تعالى: {فقال لصاحبه وهو يحاوره} [الكهف:34] و ~~{قال له صاحبه وهو يحاوره} [بالكهف:37] , فقضى بالصحبة مع الاختلاف في ~~الإسلام الموجب للعداوة لما جرى بينهما من الخطاب المتقدم, وقد أجمعت الأمة ~~على اعتبار الإسلام في اسم الصحابي, وقد ثبت بالنص القرآني أن الله تعالى ~~سمى الكافر صاحبا للمسلم, فيجب أن يكون اسم الصحابي عرفيا اصطلاحيا, ويكون ~~لكل طائفة أن تصطلح فيه على عرف كما سيأتي تحقيقه. # وقال تعالى: {والصاحب بالجنب} [النساء:36]. وهو المرافق في السفر, ولا شك ~~أنه يدخل في إطلاق هذه الآية الملازم PageV01P115 # وغيره, ولو صحب الإنسان رجلا (1) ساعة من نهار وسايره في بعض الأسفار ~~لدخل في ذلك, لأنه يصدق أن يقول: صحبت فلانا في سفري ساعة من النهار, ولأن ~~من قال ذلك لم ينكر عليه أهل اللغة, ولا يستهجنون كلامه. # وأما السنة؛ فكثير غير قليل, ومن أدلها على التوسعة العظيمة في هذا الباب ~~ما ورد في الحديث الصحيح من قوله - عليه السلام - لعائشة -رضي الله عنها-: ~~((إنكن صواحب ms055 يوسف)) (2) , فانظر ما أبعد هذا السبب الذي سميت به النساء ~~صواحب يوسف! وكيف يستنكر مع هذا أن يسمى من آمن برسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - /ووصل إلى حضرته العزيزة وتشرف برؤية غرته الكريمة صاحبا له!؟ ومن ~~أنكر على من سمى هذا صاحبا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فلينكر على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين سمى النساء كلهن صواحب يوسف. # ومن ذلك الحديث الذي أشير فيه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يقتل المنافق عبد الله بن أبي بن سلول فقال - عليه السلام -: ((إني أكره أن ~~PageV01P116 # يقال: إن محمدا يقتل أصحابه)) فسماه صاحبا مع العلم بالنفاق للملابسة ~~الظاهرة, مع أن النفاق المعلوم يقتضي العداوة, ويمحو اسم الصحبة في الحقيقة ~~العرفية, فهذا الذي ذكرته من تسميته في هذا الحديث صاحبا يحتمل في اللغة, ~~وقد تقدم أول الفصل هذا (1) , شاهده من القرآن العظيم في قوله تعالى: {فقال ~~لصاحبه وهو يحاوره} [الكهف:34]. وليس في الآية احتمال آخر. # وأما هذا الحديث فهو يحتمل احتمالا آخر تركته استغناء بهذا الاحتمال, ~~بشهادة القرآن له. # ومما يدل على التوسع الكثير في اسم الصحبة: إطلاقها بين العقلاء ~~والجمادات, كقوله تعالى: {يا صاحبي السجن} [يوسف:39] , ومثل تسمية ابن ~~مسعود: ((صاحب السواك)) (2) وصاحب: PageV01P117 # ((النعلين والوسادة)). # وأما الإجماع: فلا خلاف بين الناس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا لاقى المشركين في الحرب فقتل ممن معه من المسلمين جماعة, ومن المشركين ~~جماعة أنه يقال: قتل من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كذا وكذا, ومن ~~المشركين كذا وكذا, وبذا جرى عمل أهل السير (1) والمؤرخين والرواة ~~والأخباريين, وكذا يقولون في أيام صفين: قتل من أصحاب علي كذا, ومن أصحاب ~~معاوية كذا, ولا يعنون بأصحاب علي من لازمه, وأطال صحبته, بل من قاتل معه, ~~ولو يوما أو ساعة (2) , وهذا شيء ظاهر لا يستحق من قال بمثله الإنكار, وهو ~~من أحسن ما احتج به أهل الحديث, على أن ما ذهبوا إليه حقيقة عرفية. # ومن ذلك أصحاب الشافعي, يطلق ms056 ذلك على من دخل في مذهبه وإن مات عقيب ~~الدخول فيه من غير مهلة, وكذلك أصحاب الظاهر وأصحاب الرأي. # ومن التوسع في هذا الباب: تسمية النبي - صلى الله عليه وسلم - صاحب ~~الشفاعة قبل أن يشفع, وهذا أيضا مما لا يشترط فيه الإطالة, بل يسمى صاحب ~~الشفاعة, وإن كانت في ساعة واحدة, وهذا كله دليل على التوسعة PageV01P118 # الكثيرة في إطلاق اسم الصحبة على أدنى ملابسة. # وبعد؛ فإنها لفظة لغوية ظنية, والاختلاف فيها كالاختلاف في الشفق, هل هو ~~الحمرة أو البياض, أو مشترك بينهما, ونحو ذلك من الألفاظ اللغوية التي لا ~~ينكر على من خالفها من أهل العلم. # وبعد؛ فقد قال غير واحد من العلماء: يجوز إثبات اللغة بالقياس (1) , ~~واختاره إمام الزيدية المنصور بالله في كتابه ((صفوة الاختيار)) , قال قطب ~~الدين الشيرازي في ((شرح المنتهى)): ((إنه مذهب القاضي, وابن سريج من ~~الشافعية, وهو قول كثير من الفقهاء, ومن أهل العربية)) اه. # ولم يعلم أن أحدا شنع على /من ذهب إلى ذلك ولا قبح عليه, فكيف بهذه ~~المسألة المذكورة في الصحبة! وقد تقدم لها من الشواهد اللغوية ما أقل منه ~~يشفي ويكفي, فلو قدرنا خلوها عن الشواهد اللغوية, ورجوع القائلين بها إلى ~~الأمارات القياسية, لم يكن إلى تقبيح ذلك وقطع الخلاف فيه سبيل, ولا على ~~القطع بإبطاله وإبطال ما ترتب عليه من الحديث دليل. ### | الفصل الثاني: # في بيان المختار, والمختار: أن ما ذكره المحدثون جائز بالنظر إلى وضع ~~اللغة, وأما بالنظر إلى العرف PageV01P119 # وقد ذكر في هذا الموضع ثلاثة أشياء احتج بها ولم يعدها, فرأينا ذكرها في ~~هذا الموضع: ### | الحجة الأولى: # خبر الأعرابي الذي بال في مسجد رسول الله (1) - صلى الله عليه وسلم - , ~~قال المعترض: يلزم أنه عدل. # والجواب من وجوه: # الأول: من أين صح للمعترض أنه كان في عصره - صلى الله عليه وسلم - أعرابي ~~بال في مسجده؟ فثبوت هذا مبني على صحة طرق الحديث وقد شك في تعذرها, فلو ~~صحت طرق هذا بطل الشك, ومن البعيد أن يصح طريق هذا الحديث دون ms057 غيره, ومن ~~المعلوم أن صحة البعض تستلزم بطلان الشك في استحالة الكل. # الوجه الثاني: أنا قد ذكرنا أن كل مسلم ممن عاصر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ فإنه عدل ما لم يعلم جرحه, وبينا الحجج على هذا, وأنه مذهب جلة ~~علماء (2) الإسلام, وبينا أنه مما ادعي فيه الإجماع, وهذا الأعرابي من جملة ~~من دخل تحت عموم تلك الأدلة, فيسأل المعترض: ما الموجب لتخصيصه بالذكر؟ فإن ~~الخصم ملتزم لعدالته, فيطالب بإبداء المانع منها. # فإن قال: إن بوله في المسجد يمنع العدالة لأنه محرم. # فالجواب عليه: /أن الجرح بذلك غير صحيح لأنه لا دليل على PageV01P121 # أنه فعله وهو يعلم بالتحريم, ويقوي هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~منع من قطع درته, ونهى من نهاه وقال: ((إن منكم منفرين)) , ولو كان في فعله ~~لارتكاب ما حرمه الله مجترئا معاندا لم يكن يستحق هذا الرفق العظيم, ولكان ~~الأشبه أن يزجر عن الجرأة كما زجر السائل عن الضالة, الذي قال له رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: ((لا وجدت)) (1) وإنما ذكرنا هذا الوجه لزيادة قوة ~~الحجة على الخصم, وإلا فالأصل جهل الأعرابي بالتحريم والتمسك بالأصل كاف. # فإن قال المعترض: أن البول في المسجد يدل على الجرح من حيث إنه يدل على ~~الخسة وقلة الحياء, إذ البول في حضرة الناس يدل على ذلك كالأكل في السوق. # قلنا: ليس كما توهم, فإن ما يدل على الخسة, وقلة الحياء يختلف بحسب ~~اختلاف عرف أهل بلد الفاعل لذلك وأهل زمانه, والأعراب في ذلك الزمان وفي ~~غيره لا تستنكر ذلك في باديتها غالبا, وكل ما كان أهل الصيانة يفعلونه من ~~المباحات في بلد أو زمان, لم يقدح في عدالة أحد من أهل تلك البلد وذلك ~~الزمان, وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي في المدينة بغير ~~رداء, ولا نعل, ولا قلنسوة, يعود المرضى كذلك في أقصى المدينة, ذكره ابن ~~حزم في ((سيرته)) (2). # ومثل هذا في بعض الأمصار في هذه الأعصار المتأخرة مما لا يفعله بعض أهل ~~الحياء, ms058 ومما يتكلم بعض الفقهاء في فاعله, PageV01P122 # لعرف (1) مختص بهذه الأزمنة الأخيرة في الأمصار العظيمة, وإلا فمن أشد ~~حياء من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقد كان أشد حياء من العذراء في ~~خدرها (2) , وكان لا يثبت بصره في وجه أحد لكثرة حيائه - صلى الله عليه ~~وسلم - , ولكن هذا الذي فعله كان عادتهم في ذلك العصر, وإنما الحياء يتولد ~~من مخالفة العادة حتى إن الرجل الفقير المستمر على البذاذة (3) في الملبس, ~~لو لبس في دفعة واحدة لباس الأكابر الذي لا يعتاده قط, وطاف به الأسواق, ~~لكان معدودا من أهل المجون, وقلة الحياء لمجاهرة الناس بمخالفة العادة من ~~غير تدريج, ولا التماس فضيلة, وكذلك قد ورد عنه - عليه السلام - أنه أخذ ~~قطعة من لحم وجعل يلوكها في فيه وهو يمشي في السكة [أو] (4) يمشي بين ~~أصحابه أو نحو ذلك, ذكر معناه أبو داود (5) , وقد أردف - عليه السلام - ~~امرأة خلفه في PageV01P123 # بعض الغزوات (1) , وربما كان [هذا] (2) مما يتجنبه بعض أهل الحياء في بعض ~~الأزمان والبلدان لاختلاف العرف. # والقصد الاحتجاج بأفعاله - صلى الله عليه وسلم - على أنها ليست في ذلك ~~الزمان مما يستحيى منه, لا على أنه كان يفعل ما يستحيى منه في زمانه - عليه ~~السلام - , فتأمل ذلك ولا تغلط فيه, فإن الغلط فيه عظيم. # الوجه الثالث: لو قدرنا أن هذا مما يجرح به لكان مما يحتمل النظر ~~والاختلاف, ولا يعاب على من جرح به ولا على من لم يجرح. # الوجه الرابع: سلمنا تسليم جدل أنه مجروح فنحب (3) من المعترض أن يبين ~~لنا أن أهل الصحاح رووا عن هذا الأعرابي, ويبين لنا كم رووا عنه لا سيما من ~~أحاديث الأحكام, فإن الحاجة إلى معرفة ذلك ماسة. # الوجه الخامس: سلمنا أنهم رووا عنه وأنه مجروح, فما وجه الاحتجاج بذلك ~~على الشك في [تعذر] (4) معرفة السنن وبطلان العلم؟ وليس هذا يمنع من معرفة ~~الحديث الصحيح, بل كلما كثر المجروحون قل الصحيح, وكلما قل سهل حفظه وأمكن ~~/ضبطه, PageV01P124 # والكلام من أصله إنما هو متعسر أو متعذر. ### | الحجة ms059 الثانية # : وفد بني تميم (1). # قال المعترض: إنه يلزم قبول حديثهم, وقد قال الله تعالى: {إن الذين ~~ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} [الحجرات:4]. # والجواب من وجوه: # الأول: من أين صح أنها نزلت فيهم؟ وأنها نزلت بعد إسلامهم؟ والطريق إلى ~~صحة ذلك عندك مشكوك في إمكانها وتعذرها كما في سائر الأخبار. # الثاني: من أين صح فيهم (2) أن نداءهم له - عليه السلام - من وراء ~~الحجرات كان بعد إسلامهم؟ وما المانع أن يكون قبله فيكون ذمهم على فعل ~~فعلوه قبل الإسلام, فلا يستحقون الذم بعد الإسلام, فإن الإسلام يجب ما قبله ~~من الكفر والكبائر, كيف ما لا يعلم أنه من ذلك؟ ونزول الآية بعد إسلامهم لا ~~يصلح مانعا في ذلك كما نزل بعد التوبة على آدم - عليه السلام - قوله تعالى: ~~قوله تعالى: {وعصى آدم ربه فغوى} [طه:121]. # الثالث: أن قوله تعالى: {أكثرهم لا يعقلون?} [الحجرات:4] ليس على ظاهره, ~~لوجهين: # أحدهما: أنهم مكلفون, وشرط التكليف العقل. PageV01P125 # وثانيهما: أنه سبحانه وتعالى لا يذم ما لا يعقل كما لا يذم الأنعام لعدم ~~العقل, إذ من لا عقل له لا ذنب له في عدم العقل, وإنما قال الله تعالى: {إن ~~هم إلا كالأنعام} [الفرقان:44]. ذما للغافلين عن تدبر الآيات, لا ذما ~~للأنعام السائمات (1). # إذا ثبت ذلك فالمراد ذمهم بالجفاوة, وعدم الفهم للعوائد الحميدة (2) , ~~وآداب أهل الحياء والمروءة, وهذا ليس من الجرح في شيء, فإن لطف الأخلاق, ~~والكيس في الأمور, ليس من شروط الرواية, لأن مبني الرواية على ظن الصدق, ~~وأولئك الأعراب لا سيما ذلك الزمان كانوا من أبعد الناس عن الكذب والظن ~~لصدقهم قوي, لا سيما في الحديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - , ولابد ~~إن شاء الله تعالى من الإشارة إلى أن الكذب على الله ورسوله أبعد ما يجوز ~~وقوع المسلم فيه من المعاصي في غالب الأحوال, إلا أعداء الله تعالى من ~~الدجالين الكذابين خذلهم الله تعالى. # الوجه الرابع: أن صدور مثل هذه القوارع على جهة التأديب للجاهلين ~~والإيقاظ للغافلين من الله تعالى, أو من ms060 رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا ~~يدل على فسقه وخروجه من ولاية الله تعالى, فقد نزل من الآيات القرآنية ما ~~فيه تقريع لبعض الصالحين, وتأديب لبعض الأنبياء والمرسلين, وقد قال الله ~~تعالى لخيار المهاجرين والأنصار: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما ~~PageV01P126 # أخذتم عذاب عظيم} [الأنفال:68] , وأنزل الله في الممتحنة في شأن حاطب بن ~~أبي بلتعة, وشدد فيها على من والى أعداء الله تعالى, ولم يكن ذلك جرحا في ~~حاطب, فقد عذره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونهى عنه عمر - رضي الله ~~عنه - , وقال له: ((إنك لا تدري لعل الله اطلع على أهل بدر فقال لهم: ~~اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) (1). # وقد ثبت في ((صحيح مسلم)) (2) مرفوعا: أن حاطبا يدخل الجنة - رضي الله ~~عنه -. # وقد نزل الوعيد في رفع الأصوات عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , ~~فأشفق بعض أصحابه -رضي الله عنهم- من ذلك, وكان جهوري الصوت (3) , ولم يكن ~~شيء من ذلك جرحا في أحد من أولئك. # وقد أنزل الله تعالى سورة (عبس) في تأديب صفوته من خلقه - صلى الله عليه ~~وسلم - وأنزل في أول أنبيائه آدم - عليه السلام -: {وعصى آدم ربه فغوى} ~~[طه:121]. PageV01P127 # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر -الذي ورد فيه أنه: ((ما ~~أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة منه)) (1) -: ((إنك امرؤ فيك ~~جاهلية)) /قاله - عليه السلام - وقد سب امرأة, رواه البخاري (2). # وقد روى عن علي أنه قال لابن عباس -رضي الله عنهم- وقد راجعه في المتعة: ~~((إنك امرؤ تائه)) (3) , ولم يدل شيء من ذلك على الجرح, فكذلك الآية (4). ~~PageV01P128 # الوجه الخامس: أن هذا يؤدي إلى جرح قبيلة من قبائل المسلمين, وهذا لا يصح ~~عند أحد من أهل العلم, لأن العادة الغالبة تمنع من وجود [مثل ذلك] (1) , ~~ولهذا لم يقع إلى الآن من أول الإسلام. # الوجه السادس: سلمنا أن ذلك الجرح مانع من قبول الرواية, فإنما يستلزم ~~ترك حديثهم, وترك حديثهم متيسر غير متعسر ولا متعذر, فما وجه الاحتجاج بذلك ~~على تعسر معرفة الحديث ms061 وتعذرها إذا تركنا حديث وفد تميم؟!. ### | الحجة الثالثة: # وفد عبد القيس, ولم أعلم وجه تخصيصهم بالذكر؛ فإنهم من جملة الأعراب, إلا ~~أنه ارتد بعضهم بعد الإسلام. # والجواب على ما ذكره من وجوه: # الأول: أن إسلامهم يقتضي قبول حديثهم ما داموا مسلمين؛ وردتهم تقتضي رد ~~حديثهم من حين ارتدوا, ولا مانع من ورود التعبد بهذا في العقل ولا في الشرع ~~المنقول بالتواتر المعلوم بالضرورة معناه, بل قد بينا فيما تقدم قبول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لمن أسلم عقيب إسلامه, والدليل عام لوفد عبد ~~القيس ولغيرهم. # الثاني: إما أن يكون المعترض أنكر قبولهم لأن من أسلم لا يقبل حتى يخبر, ~~أو لأنهم ارتدوا بعد الإسلام؟ إن كان الأول فلم خصهم بالذكر؟ ولم أنكر ذلك ~~المذهب وقد بينا أنه قول الجمهور, وأنه PageV01P129 # بالأدلة الأثرية والنظرية منصور؟ أقصى ما في الباب: أنه لم يترجح للمعترض ~~موافقة الجماهير من علماء الإسلام, لكن لا يحل له الإنكار عليهم. # وإن كان يوافق على أن قبول المسلمين ذلك الزمان قبل الاختبار مذهب صحيح, ~~غير مدفوع ولا منكر, وإنما الذي أنكره قبول المسلم الذي يريد أن يرتد بعد ~~إسلامه, فهذا لا يصح لأمرين: # أحدهما: أن العلم بأنه يريد أن يرتد من قبيل علم الغيب الذي استأثر الله ~~به, وقد حكم علي - رضي الله عنه - بشهادة رجلين, ثم انكشف أنهما [شهدا ~~زورا] (1) فلم يلزمه أحد بذلك محذورا. # وثانيهما: أن العدل المخبور إذا فسق بعد العدالة لم يقدح ذلك في شهادته ~~وروايته قبل الفسق, وقد ثبت أن المسلمين في ذلك الزمان عدول عقيب إسلامهم, ~~فإذا كفروا بعد العدالة لم يقدح كفرهم فيهم قبل أن يكفروا, ولا قال أحد بأن ~~الكفر يقدح في الراوي قبل أن يكفر. # الثالث: سلمنا أن وفد عبد القيس مجاهيل أو مجاريح, فما لمعرفة الحديث ~~والتعذر أو التعسر, وأحاديث الصحابة الكبار هي المتداولة في كتب الحديث ~~والفقه والتفسير, وأحاديث الأعراب الجفاة غير معروفة إلا أن يكون شيئا ~~نادرا, وعلى تقدير كثرتها فتركها لا يكون سببا لتعذر ms062 معرفة الحديث, ولا ~~تعسرها, بل ذلك من أسباب السهولة كما بينا, وترك الكثير في السهولة مثل ترك ~~اليسير, وإنما يختلف في ذلك حفظ الكثير واليسير, وتمييز أحاديث كبار ~~الصحابة PageV01P130 # عن أحاديث جفاة الأعراب ممكن غير متعذر, # فرجال السنة قد صنفوا كتبا كثيرة في معرفة الصحابة وبينوا فيها من هو ~~معروف العدالة من الأصحاب, ومن لا يعرف إلا بظاهر حاله من الاعراب, ومن له ~~رواية /عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن ليس له رواية, ومن أطال ~~الصحبة, ومن لم يطلها, بل تعرضوا فيها لبيان السابق من المسبوق, والأفضل من ~~المفضول, والأقضى والأحفظ والأذكى, بل هم بعد هذا يبرزون صفحة الإسناد ~~للنقاد, ولا يكتمون شيئا مما قيل في رجال الحديث وعلله على سبيل الإرشاد, ~~لمن يحب الترجيح في التقليد والاجتهاد. # وإنما يلزم اختلاط أحاديث ثقات الأصحاب بأحاديث جفاة الأعراب لو أرسلوا ~~الأحاديث ولم يسندوها, وقطعوها ولم يصلوها, فأين تعذر معرفة الحديث؟ وما ~~معنى التشويش على طلبة الحديث بأن وفد عبد القيس ارتدوا؟! وإذا ارتد وفد ~~عبد القيس فمه؟! أتبطل السنن, ويضيع العلم, ويلزم من ذلك ألا يصح حديث ~~الثقات من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ما هذا الكلام [المعتل, ~~والاستدلال] (1) المختل؟. # وهذا ذكر جلة الرواة من الصحابة -رضي الله عنهم-, رأيت ذكر أسمائهم ليعرف ~~أن حديثهم هو الذي يدور عليه الفقه وينبني عليه العلم, وأن أحاديث جفاة ~~الأعراب المجاهيل شيء يسير نادر على تقدير وقوعه, فيعلم أنه لم يبن على ~~حديث جفاة الأعراب حكم شرعي, فإن اتفق ذلك ففي نادر الأحوال ممن يستجيز ذلك ~~من أهل العلم من غير ضرورة إلى ذلك. فإنه لو لم يستجز الرواية عنهم كان له ~~PageV01P131 # في القرآن وما صح من السنة والإجماع, وصحيح القياس غنية وكفاية. # وإذا أردت أن تعرف صدق هذا الكلام فأرنا المسائل التي احتج عليها الفقهاء ~~والمحدثون بأحاديث الجفاة من الأعراب من غير عموم من القرآن, ولا شاهد من ~~سائر الأدلة, وفي عدم ذلك أو نذرته ما يدلك على ما ذكرناه ms063 من أن جلة الرواة ~~هم عيون الأصحاب لا جفاة الأعراب, فدع عنك هذه الشبه الضعيفة, والمسالك ~~الوعرة (1) , وإما أن يكون من أهل العلم المجددين لما درس من آثاره, ~~المجتهدين [في الرد على] (2) من أراد خفض ما رفع الله من مناره, وإلا ~~فبالله عليك أرحنا من تعفيتك لرسومه وتغييرك لوجوهه, فحديث رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ركن الشريعة المطهرة المحفوظة إلى يوم القيامة, وليس يضر ~~أهل الإسلام جهالة بعض الأعراب, فلنا من حديثهم غنية بما رواه عيون الأصحاب ~~مثل: الخلفاء الراشدين الأربعة المهديين -رضي الله عنهم- وسائر إخوانهم ~~العشرة المشهود لهم بالجنة, وقد جمعتهم في بيت واحد فقلت: PageV01P132 # للمصطفى خير صحب نص أنهم ... في جنة الخلد نصا زادهم شرفا # هم طلحة وابن عوف والزبير مع ... أبي عبيدة والسعدان والخلفا # ومثل: الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة, وأمهما سيدة النساء-رضي الله ~~عنهم- ومثل من لا يتسع لذكره هذا ((المختصر)) من نبلاء المهاجرين والأنصار, ~~مثل: عمار بن ياسر, وسلمان الفارسي, وذي الشهادتين: خزيمة بن ثابت, وخادم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنس بن مالك, وأم المؤمنين عائشة -رضي ~~الله عنها- وحبر الأمة المفقه في الدين المعلم التأويل ابن عباس رضي الله ~~عنهما, ووالده العباس, وأخيه الفضل, وجابر بن عبد الله, وأبي سعيد الخدري, ~~وصاحب السواك (1) عبد الله بن مسعود, وعبد الله بن عمر بن الخطاب, والبراء ~~بن عازب, وأم سلمة أم المؤمنين, وأبي ذر الغفاري الذي نص رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: ((أن السماء لم تظل أصدق لهجة منه)) (2) , /وعبد الله بن ~~عمرو الذي أذن له - عليه السلام - بكتابة حديثه الشريف (3) # , وكتب ما PageV01P133 # لم يكتبه غيره؛ فاستكثر من طيب, وأبي أمامة الباهلي, وحذيفة بن اليمان, ~~والحافظ الكبير: أبي هريرة الدوسي الذي قرأ له رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في نمرته, ثم أمره فلفها فلم ينس شيئا مما سمعه منه - صلى الله عليه ~~وسلم - (1) , وأبي أيوب الأنصاري, وجابر بن سمرة الأنصاري, وأبي بكرة مولى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وأسامة بن زيد ms064 مولاه - عليه السلام - , ~~وأبي مسعود الأنصاري البدري, وعبد الله بن أبي أوفى, وزيد بن ثابت, وزيد بن ~~خالد, وأسماء بنت يزيد بن السكن, وكعب بن مالك, ورافع بن خديج, وسلمة بن ~~الأكوع, وميمونة أم المؤمنين, وزيد بن أرقم, وأبي رافع مولى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - , وعوف بن مالك, وعدي بن حاتم, وأم حبيبة أم المؤمنين, ~~وحفصة أم المؤمنين, وأسماء بنت عميس, وجبير بن مطعم, وذات النطاقين أسماء ~~بنت أبي بكر الصديق, وواثلة بن الأسقع, وعقبة بن عامر الجهني, وشداد بن أوس ~~الأنصاري, وعبد الله بن يزيد, والمقدام أبي كريمة (2) , وكعب بن عجرة, وأم ~~هانىء بنت أبي طالب, وأبي برزة, وأبي جحيفة, وبلال المؤذن, وجندب بن عبد ~~الله بن سفيان, وعبد الله بن مغفل, والمقداد, PageV01P134 # ومعاوية (1) بن حيدة, وسهل بن حنيف, وحكيم بن حزام, وأبي ثعلبة الخشني, ~~وأم عطية, ومعقل بن يسار, وفاطمة بنت قيس, وعبد الله بن الزبير, وخباب بن ~~الأرت, ومعاذ بن أنس, وصهيب, وأم الفضل بنت الحارث, وعثمان بن أبي العاص ~~الثقفي, ويعلى بن أمية, [وعتبة بن عبد] (2) , وأبي أسيد الساعدي, وعبد الله ~~بن مالك بن بحينة (3) # , وأبي مالك الأشعري, وأبي حميد الساعدي, ويعلى بن مرة, وعبد الله بن ~~جعفر, وأبي طلحة الأنصاري, وعبد الله بن سلام, وسهل بن أبي حثمة, وأبي ~~المليح الهذلي, وأبي واقد الليثي, ورفاعة بن رافع, وعبد الله بن أنيس, وأوس ~~بن أوس, وأم قيس بنت محصن, وعامر بن ربيعة, وقرة, والسائب, وسعد بن عبادة, ~~والربيع بنت معوذ, وأبي بردة, وأبي شريح, وعبد الله بن جراد, والمسور بن ~~مخرمة, وصفوان بن عسال, وسراقة بن مالك, وسبرة بن معبد الجهني, وتميم ~~الداري, وعمرو بن حريث بن خولة الأزدي, PageV01P135 # وأسيد بن الحضير (1) , والنواس بن سمعان الكلابي, وعبد الله بن [سرجس] ~~(2) , وعبد الله بن الحارث بن جزء, والصعب بن جثامة, وقيس بن سعد بن عبادة, ~~ومحمد بن مسلمة, ومالك بن الحويرث الليثي, وأبي لبابة بن [عبد المنذر] (3) ~~, وسليمان بن صرد, وخولة بنت حكيم, وعبد الرحمن بن ms065 شبل, وثابت بن الضحاك, ~~وطلق بن علي, وعبد الرحمن بن سمرة, و [الحكم] (4) بن عمير, وسفينة مولى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وكعب بن مرة, وأبي محذورة, وعروة بن ~~مضرس, ومجمع بن جارية (5) , ووابصة بن معبد الأسدي, وأبي اليسر, وأبي ليلى ~~الأنصاري, ومعاوية بن الحكم, وحذيفة بن أسيد الغفاري, وسلمان بن عامر, ~~وعروة البارقي, وأبي بصرة الغفاري, وعبد الرحمن بن أبزى, وعمرو بن سلمة (6) ~~, وسبيعة الأسلمية, PageV01P136 # وزينب بنت جحش أم المؤمنين, وضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب, وبسرة بنت ~~صفوان, وصفية أم المؤمنين, وأم هاشم بنت حارثة الأنصارية, وأم كلثوم, وأم ~~كرز, وأم سليم بنت ملحان, وأم معقل الأسدية. # وضعف هؤلاء, بل أكثر من ضعفهم ممن لو ذكرناهم على الاستقصاء لطال ذكرهم ~~وطاب نشرهم, فطالعهم -إن شئت- في كتاب ابن عبد البر ((الإستيعاب)) وغيره من ~~كتب معرفة الأصحاب, فمعرفتهم أحد أنواع علم الحديث كما ذكره المصنفون فيها ~~ك ((ابن الصلاح)) (1) /وزين الدين العراقي (2) , وغير واحد. # وقد ألفوا في معرفة الصحابة كتبا كثيرة. # فمنها: ((الصحابة)) (3) لابن حبان مختصر في مجلد. # و ((معرفة الصحابة)) (4) # لابن منده, كتاب جليل, ولأبي موسى PageV01P137 # المديني عليه ذيل (1) كبير. # ومنها: ((الصحابة)) (2) لأبي نعيم الأصبهاني, جليل القدر, ومنها ((معرفة ~~الصحابة)) (3) للعسكري. # ومنها كتاب أبي الحسن علي بن محمد بن الأثير [الجزري] (4) المسمى ب ((أسد ~~الغابة في معرفة الصحابة)) (5) وهو أجمع كتاب في هذا, جمع فيه بين كتاب ابن ~~منده, وذيل أبي موسى عليه, وكتاب أبي نعيم, و ((الاستعياب)) , وزاد من ~~غيرها أسماء. # واختصره (6) جماعة, منهم: الحافظ أبو عبد الله الذهبي في PageV01P138 # مختصر لطيف (1) , وذيل عليه [زين الدين بعدة أسماء] (2) لم تقع له (3). # ومنهم: الكاشغري (4). وقد ذكروهم أيضا في تواريخ الإسلام (5) , وكتب رجال ~~الكتب الستة (6) , وأنفس كتاب فيهم كتاب: عز الدين بن الأثير (7) , وكتب ~~الحافظين الكبيرين: أبي الحجاج المزي, وتلميذه أبي عبد الله الذهبي, ~~فبمعرفة هذه الكتب الحافلة أو بعضها يتميز لك الصحابي من الأعرابي, بل ~~يتميز معرفة الفاضل من PageV01P139 # المفضول, والسابق من المسبوق, فقد بين علماء الحديث -في ms066 كتب ((علوم ~~الحديث)) على الإجمال, وفي كتب ((معرفة الصحابة)) على التفصيل- أنهم رضي ~~الله عنهم ينقسمون إلى اثنتي عشرة طبقة: # الأولى: قدماء السابقين الذين أسلموا بمكة كالخلفاء الأربعة ... -رضي ~~الله عنهم-. # الثانية: أصحاب دار الندوة. # الثالثة: مهاجرة الحبشة. # الرابعة: أصحاب العقبة الأولى. # الخامسة: أصحاب العقبة الثانية. # السادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إليه - عليه السلام - إلى قباء قبل ~~أن يدخل المدينة. # السابعة: أهل بدر. # الثامنة: المهاجرين بين بدر والحديبية. # التاسعة: أهل بيعة الرضوان. # العاشرة: من هاجر بين الحديبية وفتح مكة. # الحادية عشرة: مسلمة الفتح. # الثانية عشرة: صبيان وأطفال رأوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~الفتح, وفي حجة الوداع وغيرهما. # PageV01P140 # قال ابن الصلاح (1): ((ومنهم من زاد على ذلك)). # وأما ابن سعد فجعلهم خمس طبقات فقط. # قال ابن عبد البر في خطبة ((الاستيعاب)) (2): ((قال الله جل ذكره: {محمد ~~رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود} [الفتح:29] , إلى أن ~~قال: وليس كذلك جميع من رآه وآمن به وسترى منازلهم من الدين والإيمان, ~~والله تعالى قد فضل بعض النبيين على بعض, وكذلك سائر المسلمين, والحمد لله ~~رب العالمين)) تم مختصرا, وفيه ما يدل على معرفتهم بدقائق تفاصيل التفضيل, ~~وتمييزهم للمشاهير عن المجاهيل. # فيا أيها المعترض على أهل السنة بأحاديث جفاة الأعراب, واختلاطها بأحاديث ~~الأصحاب, خذ من أحاديث هؤلاء الأعلام ما صفا وطاب, وأجمع على الاعتماد عليه ~~أولوا الألباب, ودع عنك التشكيك في صحة السنن /والاتياب, والتردد في ثبوت ~~الآثار والاضطراب, وليأمن خوفك من ضياع السنة والكتاب, ولتطب نفسك بحفظ ما ~~ضمن حفظه رب الأرباب. # قال: المسألة الثانية: إن قيل: الصحيح من حديث الرسول ما أخرج البخاري ~~ومسلم وأبو داود, وكذلك أصحاب الصحاح, وهي معروفة عند المحدثين والفقهاء, ~~وفي بعضها خلاف. وأما ما روي في PageV01P141 # غير تلك الكتب فليس بصحيح -إلى قوله- أما هذا الفصل (1) فزعم القائل به ~~أن مؤلفي الصحاح أعرف الناس به, وقد تعرضوا لحصر (2) الصحيح, فما لم ms067 يذكروه ~~فليس بصحيح, إلى آخر ما ذكره في هذا المعنى. # أقول: كلام المعترض هنا لا يحتاج إلى جواب أكثر من تعريفه [بأنه] (3) ~~أفرط في الجهل, ورمى أهل الحديث بما نصوا على البراءة منه نصوصا كثيرة ~~متواترة, فممن نص على ذلك البخاري ومسلم: # أما البخاري فإنه اشتهر عنه أنه خرج صحيحه من مائة ألف حديث صحاح (4) , ~~مع أن صحيحه لا يشتمل إلا على قدر أربعة آلاف (5) حديث من غير المكرر, وهذا ~~في رواية الفربري, ورواية PageV01P142 # حماد بن شاكر دونها بمئتي حديث, ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن ~~معقل (1) , فمن نص على أنه أخرج أربعة آلاف حديث من مئة ألف صحاح كيف ينسب ~~إلى دعوى حصر الصحيح؟!. # وأما مسلم؛ فروى النواوي عنه في ((شرح مسلم)) (2) النص الصريح على أنه ما ~~قصد حصر الصحيح, وكذا روى النواوي في ((الشرح)) (3) # إنكار ذلك على ابن وارة وأبي زرعة, وذكر الحاكم أبو عبد الله في خطبة ~~((المستدرك)) (4) أن البخاري ومسلما (5) ما ادعيا ذلك, وقد نص على ذلك ~~علماء الحديث: منهم ابن الصلاح, وزين الدين, والحاكم وغيرهم, ولم يختلفوا ~~في ذلك, وإنما اختلفوا في عدد أقسام الصحيح. # فالحاكم عد أقسامه عشرة (6) , وجعل حديث البخاري ومسلم PageV01P143 # قسما منها, وابن الصلاح وزين الدين [جعلا] (1) أقسام الصحيح سبعة أقسام ~~(2) , و [جعلا] حديث البخاري ومسلم ثلاثة أقسام: ما اتفقا عليه قسما, وما ~~انفرد به كل واحد منهما قسما, وابن الأثير في ((الجامع)) (3) تبع الحاكم في ~~تقسيمه المذكور. # ولم يزل علماء الحديث وأئمته يستدركون على صاحبي الصحيح ما تركاه مما هو ~~على شرطهما, ويحتجون بما حكم بصحته غيرهما كالبرقاني, وابن خزيمة, وابن ~~حبان, والدارقطني, والبيهقي, والحاكم, وعبد الغني المقدسي, وعبد الحق, وتقي ~~الدين ابن دقيق العيد, وابن سيد الناس, وأبي الحسن بن القطان, والزكي عبد ~~العظيم وغيرهم, وهذا ظاهر لا يحتاج إلى تطويل, ومعلوم لا يفتقر إلى دليل. # وليس يصح في الأفهام (4) شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل # قال: وأما الفصل الأول -وهو أن كل ما في هذه الكتب فهو صحيح- ففيه ms068 ~~موضعان: الأول: في حكاية المذهب, والثاني: في PageV01P144 # الدليل. أما الأول فقد ذهب قوم إلى ذلك, وممن قال به ابن الصلاح /وحكى عن ~~إجماع الفقهاء أنهم أفتوا من حلف بطلاق امرأته إن لم يكن [ما] (1) بين دفتي ~~((صحيح البخاري)) قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن امرأته لا ~~تطلق. وليت شعري كيف كان هذا الإجماع؟ أكان بأن طاف هذا السائل جميع ~~البقاع, أم بأن جمع له علماء الأمة في صعيد واحد وأذن فيهم بهذا السؤال, ~~وأجابوه جميعا بأن امرأته له حلال؟ وأي إجماع صحيح بغير علماء أهل البيت ~~الأطهار, وشيعتهم الأخيار؟ # أقول: الجواب على هذا الكلام يظهر بإيراد مباحث: # البحث الأول: أن المعترض روى عن ابن الصلاح, وعن قوم مجاهيل القول بأن ~~جميع ما في هذه الكتب صحيح, والظاهر أنه أراد بهذه الكتب (2): الكتب الستة؛ ~~لأن الرجل نص في كتابه ((علوم الحديث)) (3) أن كتب (السنن الأربعة) يدخلها ~~ما هو ضعيف, وإنما تكلم الرجل في صحة المسند من البخاري ومسلم دون التعاليق ~~(4) # كما PageV01P145 # سيأتي بيانه -إن شاء الله-, فالمعترض إن كان جهل الفرق بين الستة ~~والاثنين, فليس من العقلاء, وإن كان حسب أن مثل هذا التجاهل يمضي على أهل ~~الحديث فليس من الفطناء. # وأما القوم المجاهيل الذين نسب هذا المذهب الغريب إليهم: فإن كان يريد ~~أنهم أهل الحديث (1)؛ فنصوصهم على خلاف ذلك تشهد بتكذيب المعترض عليهم, ~~وتكفي في تسويد وجه المعترض نسبة (2) ذلك إليهم, فإنهم قد نصوا في كتب علوم ~~الحديث, وذكر شروط الأئمة على خلاف ذلك, وإن كان يريد أن أولئك القوم من ~~غير أهل الحديث؛ فما الموجب للاعتراض على أهل الحديث بذلك؟!. ### | البحث الثاني # : أنه حكى عن ابن الصلاح: أنه الذي روى الإجماع على أن الحالف بصحة ما في ~~البخاري لا تطلق زوجته, والذي روى الإجماع على ذلك هو الحافظ أبو نصر ~~السجزي, وإنما روى ابن الصلاح ذلك عنه (3) , وهذا يدل على عدم تثبت المعترض ~~في النقل, وبناءه لكثير من كلامه على الوهم والجهل, ومن كان كذلك لا يصلح ms069 ~~منه مناظرة الفطناء ومعارضة العلماء. ### | البحث الثالث # : أنه أثبت في كلامه سائلا سأل الأمة, والرجل لم PageV01P146 # يقل إن أحدا سأل الأمة, وإنما قال: لو أن رجلا سأل الفقهاء, فلو كان ~~يلزمه ثبوت ما بعد ((لو)) لزم مثله (1) في قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة ~~إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] , والمعترض من المتصدرين للتدريس في غوامض ~~العربية؛ فكيف نسي أن ((لو)) تفيد امتناع الشيء لامتناع غيره؟. ### | البحث الرابع: # أن كلامه في القدح في الإجماع يلزمه زيادة شروط في صحة الإجماع لم ~~يشترطها أحد. # أحدها: أنه يشترط في راوي الإجماع أن يطوف جميع البقاع, أو تجمع له الأمة ~~(2) في صعيد واحد. # الثاني: أن يؤذن فيهم بالحادثة. # الثالث: أن يجيبوه جميعا, ولا يكون فيهم من سكت (3) في تلك الحال, ثم ~~أجاب بعد ذلك أو روى مذهبه بواسطة. # وهذا كله مجرد تشنيع لا يفيد, وتهويل لا يمضي. ### | البحث الخامس # : أن المعترض قد ادعى في كتابه إجماعات كثيرة ولم يحصل فيها شيء من /هذه ~~الشرائط, وهذا من الحيف الذي لا يرتضيه أهل التمييز في المباحث العلمية. ### | البحث السادس: # أنه روى عن ابن الصلاح في أول كلامه أنه PageV01P147 # ادعى إجماع الفقهاء, ثم ألزمه أن يجمع له جميع الأمة في صعيد (1) , ومن ~~لم يفرق بين الأمة والفقهاء فليس بأهل لمراسلة العلماء, فإن الفقهاء لا ~~تكون جزءا من ألف جزء من الأمة ولا ما يقارب ذلك. ### | البحث السابع: # قال: وأي إجماع صحيح بغير أهل البيت وشيعتهم؟!. # قلنا: ومن أين يلزمه دخولهم (2)؟ وأنت إنما رويت عنه دعوى إجماع الفقهاء, ~~وأهل البيت عندكم لا يدخلون في ذلك عرفا ولا لغة, فإنكم تروون الخلاف بين ~~أهل البيت والفقهاء, كما أن أهل البيت لا يدخلون في المحدثين وإن كانوا ~~يعرفون الحديث ولا في القراء والنحاة ونحو ذلك, والفقهاء عندكم اسم مختص في ~~العرف بأئمة المذاهب الأربعة وأتباعهم. ### | البحث الثامن: # أن الرجل ادعى إجماع العلماء لا إجماع الفقهاء, ولكن المعترض لا يدري ما ~~ينقل ولا يعقل ما يقول!. ### | البحث التاسع: # من أين عرفت أن ms070 أهل عصر من علماء أهل البيت والشيعة لم يجمعوا على صحة ~~حديث البخاري؟ وما آمنك أنهم قد أجمعوا على ذلك, وأنك جهلت إجماعهم عليه؟ ~~ألا ترى أن كثيرا PageV01P148 # من علماء أهل البيت والشيعة ادعوا الإجماع على قبول أهل التأويل كما ~~سيأتي ذكره, وأنت جهلت ذلك؟. # وأقصى ما في الباب أنك طلبت فلم تجد, فليس عدم الوجدان يدل على عدم ~~الوجود, وأنك وجدت في ذلك خلافا فليس ذلك يمنع من ثبوت الإجماع عند كثير من ~~أهل العلم, وذلك حيث يكون المخالف من أهل عصر, والمجمعون أهل عصر آخر, لا ~~سيما إذا كانوا متقدمين والمخالف بعدهم, و (1) يكون المخالف شاذا نادرا, ~~[أو] يكون ممن لا يعتد بخلافه, [أو] (2) ينعقد الإجماع على رأسه لأحد ~~الأسباب المذكورة في كتب الأصول. # ومع هذه الاحتمالات؛ كيف يحسن ممن يدعي الذكاء والمعرفة أن يعترض على من ~~يدعي (3) الإجماع؟ والاعتراض على هذا الوجه المقتضي لتقبيح الخلاف لا يحسن ~~إلا فيما أدلته برهانية قطعية دون المسائل الخلافية الظنية. ### | البحث العاشر # : أنك إما أن تقبح [التمسك] (4) بالإجماع السكوتي وتحرم الاحتجاج له أو ~~لا, إن حرمته وقبحته لزمك تأثيم أكثر الأمة والأئمة فإنهم يقولون بصحة ~~الاحتجاج به, فقد ذكره الإمام المنصور بالله في: ((الصفوة)) وغيره من أئمة ~~الشيعة وعلمائهم, PageV01P149 # وكذلك سائر علماء الفرق (1) , وأكثر الإجماعات المدعاة لا تكون إلا منه. # وإن كنت لا تنكر التمسك بالإجماع السكوتي, ولا تحرمه, فالظاهر من [أقوال] ~~(2) أئمة الزيدية من أهل البيت وشيعتهم؛ موافقة سائر العلماء من المحدثين ~~والفقهاء وأهل السنة على ما /ادعوه من صحة الصحيح من حديث هذه الكتب, وإنما ~~قلنا: إن الظاهر إجماعهم على ذلك, لأن الاحتجاج بما صححه أهل هذه الكتب ~~ظاهر في كتبهم, شائع بين علمائهم من غير نكير, فقد روى عنهم الإمام أحمد بن ~~سليمان (3) في كتابه ((أصول الأحكام)) (4) على وجه يوجب القول بصحتها, فإنه ~~صنف كتابه في أحاديث الأحكام, وصرح في خطبته بالرواية منها, ولم يميز ~~حديثها من حديث أهل البيت, فتأمل ذلك. # وكذلك الإمام المنصور بالله في كثير ms071 من مصنفاته, منها كتاب: ((العقد ~~الثمين)) (5) , ونص فيه على صحة أسانيدها. PageV01P150 # وكذلك الأمير العلامة الحسين بن محمد (1) في كتابه ((شفاء الأوام)) (2) # الذي لم يصنف أحد من الزيدية في الحديث مثله, فإنه صرح فيه (3) بالرواية ~~منها على سبيل الاحتجاج بحديثها, وكذلك صاحب ((الكشاف)) فإنه روى من ((صحيح ~~مسلم)) وسماه: صحيحا, وفي ((تعليق اللمع)) الذي هو (4) مدرس الزيدية أنه ~~يكفي المجتهد في معرفة الحديث: ((الموطأ)) أو ((سنن أبي داود)) , ذكره ~~الفقيه علي بن يحيى الوشلي (5) في تعليقه (6) , وكذلك قال القاضي العلامة ~~عبد الله بن PageV01P151 # حسن الدواري (1) في تعليقه على ((الخلاصة)) (2): إنه يكفي المجتهد ((أصول ~~الأحكام)) , وأحد الكتب الصحيحة المشهورة, وكذا قال علامة الشيعة: علي بن ~~عبد الله بن أبي الخير (3) في تعليقه على ((الجوهرة)) (4): إنه يكفي ~~المجتهد كتاب جامع لأكثر الأخبار الشرعية ك ((سنن أبي داود)) وغيره. # فهذه كتب الزيدية المشهورة المتداولة بين علمائهم الأفاضل المدروسة على ~~محققيهم الأواخر منهم والأوائل قد صرحوا فيها بما يقتضي صحة ((سنن أبي ~~داود)) وأمثالها من كتب السنن, فكيف بصحيحي البخاري ومسلم؟! وشاع ذلك وذاع ~~ولم ينكره منهم أحد, فكيف تنكر على مدعي الإجماع على صحة مسند حديث البخاري ~~ومسلم, وتقدح فيه بمخالفة أهل البيت وشيعتهم؟!. PageV01P152 # وأقصى ما في الباب: أن ينقل إنكار ذلك عن بعض الناس في بعض الأعصار, فذلك ~~النقل في نفسه ظني نادر, واعتبار القدح بالنادر الظني في بعض الأعصار لا ~~يقدح في إجماع أهل عصر آخر, فلا طريق إلى تكذيب مدعي هذا الإجماع على ~~اعتبار كثير من أهل العلم في طريق الإجماع, وقد رأينا كثيرا من أهل العلم ~~يثبتون الإجماع السكوتي بمثل هذا وبأقل من هذا. ### | البحث الحادي عشر # : أن الظاهر إجماع الشيعة من الفقهاء أن من حلف بالطلاق على صحة أمر, وهو ~~يظن صحته, ولم ينكشف بطلانه لم يحنث, لأن الأصل بقاء الزوجية, فلا تبطل (1) ~~بمجرد الاحتمال المرجوح, كما لو حلف بطلاقها إن (2) خرجت من بيته, ولم يعلم ~~خروجها, ولا علمت هي أنها خرجت, ولا ظنا ذلك فإنها لا تطلق. # ولهذا ms072 تأول النواوي تخصيص ((البخاري)) /بذلك بأن المراد: أنه لا يحنث ~~باطنا ولا ظاهرا, ولا يستحب له الاحتياط؛ لأن الأمة تلقته بالقبول فهو ~~معلوم الصحة بطريق نظري, هذا تأويل النووي لمدعي الإجماع (3) , وليس هذا ~~اختياره, فإن اختياره واختيار المحققين: أن ما تلقته الأمة بالقبول يفيد ~~الظن ما لم يتواتر, وقد حكى النواوي القول الأول عن ابن الصلاح ثم قال: ~~((وخالف ابن الصلاح PageV01P153 # الأكثرون والمحققون)) (1). # قلت: حجة الجمهور أن الأمة إنما تلقت الحديث الصحيح بالقبول؛ لأنهم ظنوا ~~صحته, والعمل بالظن واجب عليهم, والظن قد يخطيء (2). # قال ابن الصلاح: ((وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويا, ثم بان لي (3) أن ~~ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطىء)) (4). # قلت: فتبين أن موضع النزاع هو: أن ظن المعصوم هل يجوز أن يخطىء أم لا, ~~وفيه دقة, ويلزم منه أن لا يكون الإجماع حجة في المسائل الظنية, والحجج من ~~الجهتين ظنية, وقد بسطت القول فيها في ((العواصم)) (5) وإنما قصدت عنا بيان ~~ظهور ما أنكره المعترض من قول العلماء: إن الحالف بصحة البخاري لا يحنث, ~~فنحب منه أن ينقل لنا مذاهب العلماء الذين قالوا بحنث الحالف, وطلاق زوجته, ~~ويعين من قال بذلك من أهل العلم حتى يظهر المحق من المبطل. # وهذا الموضع يحتمل ذكر فوائد ذكرتها في ((الأصل)) (6) منها ما ~~PageV01P154 # ذكره النووي في ((شرح مسلم)) , ومنها ما لم يذكره, ثم اختصرتها لأنها لا ~~[تتعلق] (1) بنقض كلام المعترض. # قال: والذي يذهب إليه علماؤنا ويجري على أصولهم أن في أخبار هذه الكتب: ~~الصحيح, والمعلول, والمردود, والمقبول. # أقول: الجواب: أن حديث هذه الكتب منقسم إلى أقسام: # أحدها: ما بينوا أنه صحيح, وأجمعوا على صحته, وهذا القسم العمل بمقتضاه ~~واجب بلا خلاف بينهم, وإنما اختلفوا في أنه هل يفيد العلم القاطع, أو الظن ~~الراجح على ما مضى؟ ومن نازع في الإجماع فلمدعي الإجماع أن يبحث عليه بأحد ~~تلك الوجوه المتقدمة, وهذا القسم هو أرفع أقسام الصحيح السبعة على ما بينه ~~العلماء في كتب ((علوم الحديث)) (2). # القسم الثاني: ما اختلفوا في ms073 صحته من أحاديث هذه الكتب, فيرجع فيه إلى ~~كتب الجرح والتعديل, ثم يوزن عند التعارض بميزان الترجيح. # القسم الثالث: ما نص (3) علماء الحديث -أو أحدهم- على ضعفه, ولم يعارضهم ~~من يقول بصحته, فهذا لا يؤخذ به في الأحكام PageV01P155 # ويؤخذ به في الفضائل, فلا يخلو المعترض إما أن يريد أن المردود والمعلول ~~في القسمين الأخيرين؛ فذلك مسلم ولا خلاف فيه, أو يريد أنه في القسم الأول؛ ~~فذلك ممنوع, لأن المخالف إما أن يقر بورود التعبد بأخبار الآحاد, أو لا: # إن لم يقر بذلك فليس ينبغي أن يراجع في هذا المقام, لأنه فرع لذلك الأصل, ~~ومن جحد الأصل لم يراجع في الفرع. # وإن أقر بورود التعبد بأخبار الآحاد والعمل فيها بأقوى الظنون /فلا يخلو: ~~إما أن يقر أن أهل كل فن أعرف به, وأن المرجع في كل فن إلى أهله أو لا؛ إن ~~لم يعترف بذلك؛ فهو معاند غير مستحق للمناظرة؛ لأن المعلوم من الفرق ~~الإسلامية على اختلاف طبقاتها: الاحتجاج في كل فن بكلام أهله, ولو لم ~~يرجعوا إلى ذلك لبطلت العلوم, لأن غير أهل الفن إما ألا يتكلموا فيه بشيء ~~البتة أو يتكلموا فيه بما لا يكفي ولا يشفي, ألا ترى أنك لو رجعت في تفسير ~~غريب القرآن والسنة إلى القراء, وفي القراءات إلى أهل اللغة, وهي المعاني ~~والبيان والنحو إلى أهل الحديث, وفي علم الإسناد وعلل الحديث إلى ~~المتكلمين, وأمثال ذلك لبطلت العلوم, وانطمست منها المعالم والرسوم, وعكسنا ~~المعقول, وخالفنا ما عليه أهل الإسلام. # وإن اعترف المعترض بالحق, وأقر أن كلام أهل كل فن مقدم في فنهم على ~~غيرهم, معتمد فيه على تحقيقهم, فلا شك أنه قد اشتهر عند كل منصف ما لأهل ~~الحديث من العناية التامة في معرفته, والبحث عن علله ورجاله وطرقه, ~~والاختلاف الكثير الواقع بينهم كثير منه, # PageV01P156 # الدال على عدم تقليد بعضهم في الحديث لبعض, وعدم المتابعة لمجرد (1) ~~العصبية, بحيث لو كانوا في القلة في حد يمكن تواطؤهم على التعصب؛ لوجب ~~ترجيح كلامهم, وقبول قولهم في فنهم, كيف ms074 وهم من الكثرة في حد لا يمكن معه ~~تواطؤهم على ذلك؛ لاختلاف أزمانهم وبلدانهم وأغراضهم وأديانهم! ومع ذلك فقد ~~اشتهر عن أئمتهم القول بصحة مسند ((صحيحي البخاري ومسلم)) , وادعى غير واحد ~~من ثقاتهم انعقاد الإجماع على ذلك؛ وخبر الثقة في رواية الإجماع واجب ~~القبول, كما هو المنصور المصحح في موضعه من كتب الأصول (2). # وعلى تسليم أنه ليس بمقبول (3) , وأن ذلك الإجماع غير صحيح؛ فلا أقل من ~~أن يكون ما ادعي الإجماع على صحته قول جماهير نقاد علم الحديث, وأئمة فرسان ~~علم الأثر, وهذا من أعظم وجوه التراجيح, بل أئمة علماء الأصول, والغواص على ~~الدقائق والحقائق من أهل علوم المعقول, يقضون بوجوب الترجيح بأخف أمارة, ~~وأخفى دلالة تثير أقل الظن, وتثمر يسير القوة, فكيف بما نقحه, وصححه (4) ~~إمام الحفاظ الثقات, والنقاد الأثبات: محمد بن إسماعيل البخاري, ومسلم بن ~~الحجاج النيسابوري, وانتقياه من ألوف أحاديث صحاح, مع تواتر إمامتهما ~~وأمانتهما ونقدهما ومعرفتهما, PageV01P157 # فلو لم يتابعهما غيرهما لكان الترجيح بهما كافيا, والتعويل على قولهما ~~واجبا, كيف وقد خضعت لهما رقاب النقاد! وأطبق على تصحيح دعواهما أئمة علماء ~~الإسناد!. # فإن قلت: أليس قد اختلف في توثيق بعض رواتهما, وعلل بعض الحفاظ شيئا من ~~حديثهما, وصنف الدارقطني في ذلك كتاب ((الاستدراكات والتتبع)) (1) وصنف في ~~ذلك أبو مسعود الدمشقي (2) وأبو علي الغساني الجياني (3) # , فكيف يصح مع ذلك دعوى الإجماع؟!. # قلنا: قد ذكر العلماء في علوم الحديث, وشروح الصحاح جميع ذلك, واستوعبوا ~~الجواب عليه وبينوا القول فيه, ولابد من ذكر /نكتة يسيرة من ذلك على قدر ~~هذا (المختصر) فأقول: # اعلم أن المختلف فيه من حديثهما هو اليسير, وليس في ذلك PageV01P158 # اليسير ما هو مردود بطريق قطعية ولا إجماعية, بل غاية ما فيه أنه لم ~~ينعقد عليه الإجماع, وأنه لا يعترض على من عمل به, ولا على من توقف في ~~صحته, وليس الاختلاف يدل على الضعف ولا يستلزمه, فقد اختلف في الراشدين ~~الذين هم أفضل الصحابة, وكفرتهم طوائف الروافض والنواصب والخوارج, وسلم من ~~التكفير والاختلاف من هو دون ms075 الخلفاء -رضي الله عنهم- من صغار الصحابة, ~~فليس مجرد ذكر الاختلاف بضائر للثقات من رجال الصحيحين, ولا مشعر بضعف ~~حديثهم, وإنما الحجة في الإجماع لا في الخلاف, والإجماع لم ينعقد على ضعف ~~شيء فيهما, وإنما انعقد على صحتهما إلا ما لا نسبة له إلى ما فيهما من ~~الصحيح, فإنه وقع فيه الاختلاف الذي هو ليس بحجة على الضعف ولا على الصحة, ~~إذ لو دل على شيء (1) لم يكن بأن يدل على الضعف أولى من أن يدل على الصحة, ~~إذ كل منهما قد قال به قائل, بل يكون القائل بالصحة أولى لأنه مثبت, ~~والمضعف للحديث إذا لم يبين سبب التضعيف ناف والمثبت أولى من النافي. # وقد ألف زين الدين كتابا في الجواب عن ذلك (2) , وذكر PageV01P159 # النووي في ((شرح مسلم)) (1) أنه قد أجاب عن ذلك, أو عن أكثره في شرحه, ~~على أن الأمر قريب في ذلك الخلاف, وهو ينحصر في نوعين: ### | النوع الأول: # تعليل بعض أحاديثهما, ومثاله: أن يرفع الحديث بعض الثقات ويقفه الباقون, ~~أو يسنده ويرسلوه, ونحو ذلك من العلل, وهذا النوع مما اختلف في القدح به, ~~وأكثر علماء الأصول على أنه لا يقدح في صحة الحديث ولا في الراوي, وأكثر ~~المحدثين على القدح به في الحديث إذا غلب على الظن وقوع الوهم فيه, وفي ~~الراوي إذا أكثر من ذلك, ومذهب المعتزلة والزيدية: أنه لا يقدح بهذا النوع ~~في الحديث ولا في الراوي. # ومثال ما وقع في البخاري منه: ما أخرجه البخاري (2) عن الشعبي عن جابر ~~مرفوعا: ((لا تنكح المرأة على عمتها)) هذا حديث رواته ثقات, لكن له علة ~~وهي: أن المشهور عن الشعبي أنه رواه عن أبي هريرة لا عن جابر, وقد خرجه ~~البخاري كذلك أيضا, لكنه رأى أنه لا مانع من كون الشعبي يرويه عن جابر وأبي ~~هريرة [معا] (3) فرواه [عنه] (4) عنهما. PageV01P160 # والمحدثون يرون أنه لو كان يحفظه عنهما معا لرواه كذلك لتلامذته وطلبة ~~العلم منه, ولمن يقبل ذلك أن يقول: يحتمل أنه ذكر تلك الطريق الثانية بعد ~~نسيان, أو ms076 استفادها بعد جهل, أو تذكرها بسبب سؤال عنها, أو ذكرها بحسب ~~الداعي إلى ذكرها أو نحو ذلك, فمع هذه التجويزات لا يحسن طرح مثل ذلك, فإن ~~ترجح طرحه لأحد؛ فلا وجه للاعتراض على من قبله, فبان لك أن الأمر في مثل ~~هذا قريب النظر إلى الحديث في نفسه, وكذلك النظر إلى راوي الحديث؛ لأنه ~~إنما يدل على أن الثقة وهم في روايته, والوهم جائز على الثقات, /ولايقدح ~~بمطلقه إجماعا, بل ادعى عبد الله بن زيد العنسي الإجماع على قبول حفظه أكثر ~~من وهمه, ذكره في ((الدرر المنظومة)) , وذلك هو المشهور في كتب الأصول, ~~ولكن لم يصرحوا بدعوى الإجماع عليه. # وأما إذا استوى وهمه وحفظه؛ فاختلفوا: فالمشهور رد حديثه ببطلان رجحان ~~صدقه, ومنهم من قال: لا يجوز رد حديثه لأن الأدلة الموجبة لقبوله تعم هذه ~~الصورة, واستواء حفظه ووهمه لا ينتهض مخصصا مانعا من العمل بالعام مسقطا ~~للتكليف بقبوله, وممن اختار هذا من الزيدية: عبد الله بن زيد في ((الدرر)) ~~, والإمام المنصور بالله في ((الصفوة)) وإنما أجمع العلماء على رد حديث من ~~(1) وهمه أكثر من إصابته. # وأما المحدثون: فهم أكثر الناس تشديدا في القدح بالوهم؛ PageV01P161 # لأنهم يقدحون به متى كثر, وإن لم يكن أكثر من الصواب, ولهذا تجد كثيرا من ~~أئمة الجرح والتعديل يترددون في الراوي فيوثقونه مرة ويضعفونه أخرى, وذلك ~~لأن دخول وهمه حيز الكثرة مما لا يوزن بميزان معلوم, وإنما يظن (1) ويرجح ~~فيه التحري والاجتهاد, فصار النظر فيه كنظر الفقهاء في الحوادث الظنية, ~~فلذا يكون لابن معين في الراوي قولان: التوثيق والتضعيف ونحو ذلك. # ومنهم من يغلو و (2) يقدح بالوهم وإن لم يكثر, وإنما يقدح بهذا من قل ~~فقهه وبصره بمعنى العدالة, والاحتراز عن الوهم غير ممكن, والعصمة مرتفعة عن ~~العدول, بل العصمة لا تمنع من الوهم إلا في التبليغ, فقد وهم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه صلى بعض الفرائض على الكمال, فقال له ذو اليدين: ~~((أقصرت الصلاة أم سهوت (3) يا رسول الله؟ فقال: كل ذلك لم ms077 يكن)) (4) ~~الحديث, وهذا وهم, وبناء على ما اعتقده - صلى الله عليه وسلم - , والحديث ~~في ((الصحيح)) , وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((رحم الله فلانا لقد أذكرني ~~آية كنت أنسيتها)) رواه [مسلم] (5) , وفي ((الصحيح)) (6) عن عائشة -رضي ~~PageV01P162 # الله عنها- أنها قالت في حق ابن عمر: ((ماكذب ولكنه وهم)). وقد صح عن عمر ~~- رضي الله عنه - أنه نسي حديث التيمم الذي رواه عمار (1) ولم يذكره ~~بالتذكير مع أنه مما لا ينسى [مثله] (2) , ونسي أيضا قوله تعالى: {إنك ميت ~~وإنهم ميتون} [الزمر:30] حتى ذكره ذلك أبو بكر - رضي الله عنه - حين خطب ~~بعد موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3). # بل نص القرآن على جواز النسيان على أهل رتبة النبوة الذين هم أعلى طبقات ~~البشر, فقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي/ إلا إذا تمنى ~~ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته ~~والله عليم حكيم} [الحج:52]. # أي: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته على سبيل السهو, ثم ينسخ الله ذلك, ~~يعرف الله (4) الأنبياء والرسل به, حتى لا تبطل العصمة به عن الخطأ في ~~التبليغ. وقال سبحانه وتعالى في حق آدم - عليه السلام -: {فنسي ولم نجد له ~~عزما} [طه:115] , ولو أردنا أن نستقصي ما ورد في هذا الباب لطال الكلام, ~~والمقصود بهذا أن القدح على رواة الصحاح بالتهمة لهم (5) بالوهم النادر مما ~~لا يقتضي جرحهم, ولا يقدح في حديثهم. PageV01P163 ### | النوع الثاني: # مما قدح به على البخاري ومسلم: الرواية عن بعض من اختلف في جرحه وتوثيقه, ~~وقد ذكر النووي في ((شرح مسلم)) (1) وذكر الجواب عنه بوجوه قد ذكرها أيضا ~~ابن الصلاح (2): # أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده, ولا يقال: الجرح ~~مقدم على التعديل؛ لأن ذلك فيما إذا كان الجرح ثابتا مفسرا بسبب, وإلا فلا ~~يقبل الجرح إذا لم يكن كذلك, وقد قال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ~~ثابت الخطيب البغدادي وغيره: ما احتج البخاري ومسلم وأبو داود به من جماعة ms078 ~~علم الطعن فيهم من غيرهم محمول على أنه لم يثبت الطعن المؤثر مفسر السبب. ~~انتهى كلام النووي. # قلت: فإن قيل: أليس قد ثبت في علوم الحديث أن الجرح الذي لم يفسر سببه, ~~وإن لم يجرح به لكنه يوجب ريبة, فيجب التوقف عن قبول من قبل ذلك فيه, وعن ~~رده؟. # فالجواب: أن ذلك إنما يوجب الريبة في غير المشاهير بالعدالة والثقة, وأما ~~من وثقه أهل الخبرة التامة من أئمة هذا الشأن؛ فإن الجرح المطلق لا يزيل ظن ~~ثقته, ومن زال عنه ظن ثقته بالراوي كان له ترك حديثه, ولم يكن له الاعتراض ~~على من قبله ممن لم يؤثر ذلك في ظنه لثقة الراوي وأمانته. PageV01P164 # ألا ترى أنهم قد اختلفوا [اختلافا] (1) كثيرا في جرح حمزة بن حبيب أحد ~~القراء السبعة (2) , فلم يضره ذلك مع شدة الاختلاف فيه (3) , بل انعقد ~~الإجماع بعد ذلك على قبوله وتوثيقه, وكذلك كثير ممن اختلف فيه من رواة ~~البخاري ومسلم قد أجمع على قبوله وزال الخلاف, وأقل أحوال هذا الإجماع ~~الظاهر أن يكون مرجحا, فإن العلماء يتمسكون في التراجيح بأشياء ضعيفة لا ~~تقارب هذا في القوة والله أعلم. # وهذا من نفيس (علوم الحديث) ولطيف كلام أئمة أهل هذا الشأن. وممن ذكر هذا ~~الجواب الإمام الحافظ زين الدين ابن العراقي في ((تبصرته)) (4) لكنه لم ~~يستوفه. PageV01P165 # ومن لطيف علم هذا الباب: أن يعلم أن لفظة / ((كذاب)) قد يطلقها كثير من ~~المتعنتين في الجرح على من يهم ويخطىء في حديثه, وإن لم يتبين أنه تعمد ~~ذلك, ولا تبين أن خطأه أكثر من صوابه ولا مثله, ومن طالع كتب الجرح ~~والتعديل عرف ما ذكرته, وهذا يدل على أن هذا اللفظ من جملة الألفاظ المطلقة ~~التي لم يفسر سببها, ولهذا أطلقه كثير من الثقات على جماعة من الرفعاء من ~~أهل الصدق والأمانة, فاحذر أن تغتر بذلك في حق من قيل فيه من الثقات ~~الرفعاء, فالكذب في الحقيقة اللغوية ينطلق على الوهم والعمد معا ويحتاج إلى ~~التفسير, إلا أن يدل على التعمد قرينة صحيحة ms079 (1). # قال النووي -رحمه الله تعالى-: الثاني: أن يكون ذلك واقعا في المتابعات ~~والشواهد, وقد اعتذر الحاكم أبو عبد الله بالمتابعة والاستشهاد في إخراجه ~~عن جماعة ليسوا من شرط الصحيح, منهم: مطر الوراق, وبقية بن الوليد, ومحمد ~~بن إسحاق بن يسار, وعبد الله بن عمر العمري, والنعمان بن راشد, وأخرج مسلم ~~عنهم في الشواهد في أشباه لهم كثيرين. # قلت: وقد صرح مسلم بهذا كما يأتي في الوجه الرابع, وقد استخرجت مثل ذلك ~~للبخاري من وجه صحيح وهو: أنه قد نص على تضعيف جماعة ثم روى عنهم في ~~الصحيح, ذكر ذلك الذهبي في تراجمهم في ((الميزان)) (2) , ولم يذكر أن ~~البخاري أخرج حديثهم PageV01P166 # متابعة, فدل هذا على أن صاحبي الصحيح قد يخرجان من الطريق التي فيها ضعف, ~~لوجود متابعات وشواهد, تجبر ذلك الضعف, وإن لم تورد تلك المتابعات والشواهد ~~في ((الصحيحين)) قصدا للاختصار والتقريب على طلبة العلم, مع أن تلك ~~المتابعات والشواهد معروفة في الكتب البسيطة والمسانيد الواسعة, وربما أشار ~~بعض شراح ((الصحيحين)) إلى شيء منها. # قال النووي: الثالث: أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه, ~~باختلاط حدث عليه غير قادح فيما رواه من قبل في زمن استقامته, كما في أحمد ~~بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب, فذكر الحاكم أبو عبد الله ~~(1): أنه اختلط بعد الخمسين ومئتين بعد خروج مسلم من مصر, وهو في ذلك كسعيد ~~بن أبي عروبة, وعبد الرزاق, وغيرهما ممن اختلط آخرا, ولم يمنع ذلك من صحة ~~الاحتجاج في ((الصحيحين)) بما أخذ عنهم قبل ذلك. # الرابع: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده وهو عند من رواية الثقات نازل ~~فيقتصر على العالي, ولا يطول بإضافة النازل إليه مكتفيا بمعرفة أهل الشأن ~~في ذلك, وهذا العذر قد رويناه عنه تنصيصا -يعني مسلم- وهو خلاف حاله فيما ~~رواه عن الثقات أولا ثم أتبعهم من دونهم متابعة, وكأن ذلك وقع منه بحسب ~~حصول باعث النشاط وغيبته. PageV01P167 # روينا عن سعيد بن عمرو البرذعي أنه حضر أبا زرعة وذكر ms080 ((صحيح مسلم)) ~~وإنكار أبي زرعة عليه روايته عن أسباط بن [نصر] (1) , وقطن بن نسير, وأحمد ~~بن عيسى المصري -إلى قوله- فقال: ((إنما أدخلت (2) من حديث أسباط, وقطن, ~~/أحمد: ما قد رواه الثقات عن شيوخهم, إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بالارتفاع, ~~ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول, فأقتصر على ذلك, وأصل الحديث معروف ~~من رواية الثقات-إلى قوله-: فهذا مقام وعر, وقد مهدته بواضح من القول لم ~~أره مجتمعا في مؤلف ولله الحمد)). انتهى كلام النووي - رضي الله عنه - , ~~وفيه ما يدل على أنه لا يعترض على حفاظ الحديث إذا رووا حديثا عن بعض ~~الضعفاء, وادعوا صحته حتى يعلم أنه لا جابر لذلك الضعف من الشواهد ~~والمتابعات, ومعرفة هذا عزيزة لا تحصل إلا للأئمة الحفاظ (3) , أهل الدربة ~~التامة بهذا الشأن. # فقد رئي عند (4) بعض الحفاظ الجزء النيف (5) و [العشرين] (6) من مسند أبي ~~بكر الصديق لا تزيد على خمسين حديثا, أو لا تكون PageV01P168 # خمسين حديثا؟ فقال: إن الحديث يكون عندي من مئة طريق, أو قال: إذا لم يكن ~~عندي من مائة طريق, فهو عندي يتيم أو نحو هذا, رواه الذهبي في ((التذكرة)) ~~(1) و ((الميزان)) (2). # ومن الغرائب في هذا المعنى: أن كثيرا من أهل المعرفة بالحديث يذكرون أن ~~حديث: ((الأعمال بالنيات)) حديث غريب ما رواه إلا عمر بن الخطاب, ممن نص ~~على ذلك الحافظ أبو بكر أحمد بن عبد الخالق بن عمرو البزار في ((مسنده)) ~~(3) فإنه ذكر أنه لا يصح إلا من حديث عمر. # قال حافظ العصر ابن حجر (4): ((وكأنه أراد بهذا اللفظ والسياق, وإلا فقد ~~روينا معناه من حديث: أنس, وعبادة بن الصامت, وأبي ذر, وأبي الدرداء, وأبي ~~أمامة, وصهيب, وسهل بن سعد, والنواس بن سمعان, وغيرهم, ورويناه بلفظ حديث ~~عمر من حديث: علي بن أبي طالب, وأبي سعيد الخدري, وأبي هريرة, وأنس, وابن ~~مسعود)). # وأغرب من هذا أن الصلاح -مع إمامته, وسعة معرفته- مثل PageV01P169 # ما ينفرد به الثقة من الزيادة في الحديث بما رواه مالك عن نافع عن ابن ~~عمر: ((أن رسول ms081 الله - صلى الله عليه وسلم - فرض زكاة الفطر من رمضان على ~~كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين)) (1) فذكر ابن الصلاح -وهو من أهل ~~المعرفة بالحديث- أن مالكا تفرد بلفظ: ((من المسلمين)) في الحديث, وأن عبد ~~الله بن عمر, وأيوب وغيرهما رووا هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر بغير هذه ~~الزيادة (2). # وقال زين الدين بن العراقي: ((هذا المثال غير صحيح, فقد تابع مالكا على ~~ذلك (3) عمر بن نافع, والضحاك بن عثمان, ويونس بن يزيد, وعبد الله بن عمر, ~~والمعلى بن إسماعيل, وكثير بن فرقد, واختلف في زيادتها على عبيد الله بن ~~عمر وأيوب)) (4). # وكذلك أبو عبد الله الذهبي فإنه قال في حديث أبي هريرة المرفوع: ((ولا ~~يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه, فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع ~~به, وبصره الذي يبصر به)) (5) الحديث, قال الذهبي في ((الميزان)) (6): ~~((لولا هيبة الجامع الصحيح لعدوا هذا PageV01P170 # الحديث من منكرات خالد بن مخلد)) ذكره في ترجمته. # ورد ذلك /على الذهبي ابن حجر العسقلاني, فقال: ((إن لحديث خالد هذا شواهد ~~في الحديث, وروى له ثلاثة شواهد: # أحدها: نحوه من حديث هشام الكناني عن أنس - رضي الله عنه -. # وثانيها: ببعضه من حديث معاذ. # وثالثها: نحوه من حديث عروة عن عائشة بإسناد لا بأس به (1). # فهذا يدلك على أن الحكم على الحديث بالغرابة أو النكارة أو الشذوذ مقام ~~وعر تدحض فيه أقدام أئمة الحفاظ فكيف بغيرهم, فينبغي من القاصر الاعتراف ~~لأهل الإتقان بالإمامة والتقدم في علومهم, وكف [أكف] (2) الاعتراض على ~~إمامي المحدثين: البخاري ومسلم وأمثالهما, ومن وقف على قدح في بعض رواتهما ~~أو تعليل لبعض حديثهما وكان ذلك من النادر الذي لم يتلق بالقبول؛ فالذي ~~يقوى عندي وجوب العمل بذلك لأن القدح بذلك محتمل. # والثقة العارف إذا قال: إن الحديث صحيح [عنده] (3) وجزم بذلك ولم يكن له ~~في التصحيح قاعدة معلومة الفساد, وجب قبول حديثه بالأدلة العقلية والسمعية ~~الدالة على قبول خبر الواحد, وليس PageV01P171 # ذلك بتقليد له, بل هو عمل بمقتضى ما أوجب ms082 الله تعالى من قبول أخبار ~~الثقات, ولو كان مجرد الاحتمال يقدح لطرحنا جميع أحاديث الثقات لاحتمال ~~الوهم والخطأ في الرواية بالمعنى, بل احتمال تعمد الكذب لا يمنع القبول مع ~~ظن الصدق, وقد ثبت عن علي - رضي الله عنه - أنه كان إذا اتهم الراوي حلفه, ~~فإذا حلف له صدقه كما رواه الذهبي في ((تذكرته)) (1) وحسنه, والإمامان: ~~المنصور في ((الصفوة)) , وأبو طالب في ((المجزي)). # فهذا أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - مع سعة علمه, وقرب عهده, احتاج ~~إلى الأخذ بحديث من يتهمه ولا تطيب نفسه بقبوله إلا بعد يمينه, فكيف بأهل ~~القرن التاسع إذا تعنتوا في الرواة وقدحوا في حديث (2) أئمة الأثر وتعرضوا ~~لإبطال ما صححه كبار الحفاظ؟ أليس ذلك يؤدي إلى محو آثار العلم, وسد أبواب ~~الفقه, وطمس معالم الدين؟. # وقد قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث الأعرابي في الشهادة على ~~هلال رمضان كما صححه الحاكم (3) وغيره من حديث ابن عباس (4). وتواتر عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه بعث الرسل إلى الآفاق معلمين ومبلغين ~~مع أن PageV01P172 # أهل الآفاق لم يكونوا قد خبروا رسله إليهم على طريقة المتعنتين في ~~الخبرة, وعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك من المفتي والمستفتي, ~~والراوي والمروي له, والقاضي والمقضي عليه, ولم ينكر شيئا من ذلك على أحد ~~منهم. والعدالة شرط في صحة الفتيا والرواية والقضاء, وكذلك قد روى أبو ~~الحسين في ((المعتمد)) (1) عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم ~~كانوا يقبلون أحاديث الأعراب, فرحم الله امرءا ترك التعمق في الأمور, ~~واقتدى برسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وبأصحابه خير أمة أخرجت للناس ~~-رضي الله عنهم أجمعين- وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. # قال: والضابط في ذلك: أن ما صححه أئمتنا من ذلك فهو صحيح, وما ردوه أو ~~طعنوا في رواته؛ فهو مردود, مثل: خبر الرؤية عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن ~~عبد الله, وإنما كان ما ردوه وجرحوا رواته مردودا, ومن جرحوه مجروحا (2) ~~/لوجهين: # أحدهما: أن أئمتنا ms083 عدول لصحة اعتقادهم, واستقامة أعمالهم, والقطع أنه إذا ~~جرح الراوي جماعة عدول, فإن جرحهم مقبول؛ لأن الجارح مقدم على المعدل. # الثاني: أنها إذا تعارضت رواية العدل الذي ليس على بدعة ورواية المبتدع ~~قدمت رواية العدل الذي ليس على بدعة, وهذا مجمع عليه. PageV01P173 # أقول: الجواب على هذه الجملة يظهر بذكر وجوه جملية ووجوه تفصيلية. # أما الجملية: # فالأول منها أن نقول: ما مرادك بالأئمة هنا؟ هل الجميع أو البعض منهم؟ إن ~~أردت البعض فقولهم ليس بحجة, لا عند الزيدية, ولا عند أهل الحديث, وإنما هم ~~من جملة الثقات الذين يجوز عند جميع المسلمين أن تعارض رواياتهم برواية من ~~هو مثلهم أو فوقهم في الحفظ والصدق, فإن كل ثقة يجوز وجود من هو مثله أو ~~فوقه في باب الرواية, ولم نعلم أحدا من مصنفي الزيدية والمعتزلة جعل ~~الخلافة, ولا نسب فاطمة -رضي الله عنها- من أسباب الترجيح في الرواية, على ~~أن في ولد فاطمة رضي الله عنها الشافعي والحنفي والمالكي والحنبلي, كما أن ~~فيهم الزيدي والإمامي, وقد بينا من قبل اختصاص أحاديث البخاري ومسلم بوجه ~~من وجوه الترجيح لا يوجد في غيرهما, وهو تلقي الأمة لأحاديثهما بالقبول, ~~وبينا أن أهل البيت وأئمة الزيدية من جملة من تلقى أحاديثهما بالقبول. # وإن أردت الكل من الأئمة فما أردت أيضا بتخصيصهم بالذكر؟ هل توهمت أنهم ~~هم جميع أهل البيت حتى ينعقد بإجماعهم إجماع أهل البيت؟ فهذا وهم فاحش, فلم ~~يقل أحد إن أهل البيت هم الخلفاء دون غيرهم, على أن القول بأن إجماع أهل ~~البيت حجة مسألة خلاف بين أهل البيت, فإن فيهم من لا يقول بذلك -أعني ~~الزيدية منهم- أما سائر الفرق فظاهر, فهؤلاء المعتزلة أقرب الفرق إلى ~~الزيدية يخالف # PageV01P174 # أكثرهم في هذه المسألة. # أقصى ما في الباب: أن إجماعهم حجة قاطعة, لكنا قد بينا من قبل أنهم ~~مجمعون على صحة أحاديث كتب السنة التي صححها أئمة الحديث, وبينا أنهم ~~يعولون في أحاديث الأحكام عليها ويفزعون في مهمات حوادث الشريعة إليها, وأن ~~ذلك مستمر شائع ذائع في ms084 ديارهم من غير ظهور نكير, وهذه إحدى طرق الإجماع, ~~أقصى ما في الباب أن ينازع في صحة كتب الحديث, وهذا القدر -أعني أن فيهم من ~~يقول بذلك- معلوم لا يمكن إنكاره, ومع ذلك بطل عليك إجماعهم, ولم تكن في ~~الاحتجاج ببعضهم أولى من خصمك في الاحتجاج [بمن] (1) خالف من قلدته ونازع ~~من تابعته. ### | الوجه الثاني: # أن قولك بالرجوع في الحديث وتصحيحه وتضعيفه ورده وتعليله إلى أئمة ~~الزيدية يحتاج إلى تمهيد قاعدة, وهي: أن يكون أئمة الزيدية قد صنفوا في ~~معرفة صحيح الحديث, ومعلومه, ومقبوله, ومردوده ما يكفي أهل الاجتهاد من أهل ~~الإسلام, والمعلوم خلاف ذلك, فإن من أهل الاجتهاد من لا يقبل المرسل, ومنهم ~~من لا يقبل [ما] (2) وقفه الأكثرون ورفعه بعض الثقات؛ أو وصله وقطعوه, أو ~~أسنده وأرسلوه, ومعرفة هذا يحتاج إلى تأليف في العلل, والذي كتب العلل هم ~~علماء الحديث: كالدارقطني PageV01P175 # وغيره, وليس لأئمة الزيدية في ذلك تصنيف /البتة, ومن لم يفرد للعلل ~~تأليفا من المحدثين ذكرها في تأليفه في الحديث كما يصنع أبو داود والنسائي ~~وغيرهما, بخلاف من جمع الحديث من الزيدية فإنه لا يتعرض لذلك, وكذلك ~~المجتهد يحتاج عند تعارض الأحاديث إلى معرفة الراجح بكثرة الرواة أو زيادة ~~معدليهم أو كون بعضهم مجمعا عليه وبعضهم مختلفا فيه, وهذا يحتاج إلى معرفة ~~فنين عظيمين: # أحدهما: معرفة طرق الحديث, وهو فن واسع لا نعرف للزيدية فيه تأليفا, وقد ~~تعرض لذلك جماعة من أهل المسانيد والصحاح والسنن من المحدثين, وجمع الحافظ ~~الماسرجسي (1) في ذلك ((المسند الكبير)) الذي فرغ في قدر ثلاث مئة مجلد ~~كبار (2) , واختصر الحفاظ منهم أحاديث الأحكام وجردوها من هذه المؤلفات ~~الواسعة, وذكروا ما يجب معرفته من وجوه الترجيح على أخصر ما يمكن تسهيلا ~~PageV01P176 # على الأمة وتمهيدا لقواعد الملة. # الفن الثاني: علم الجرح والتعديل, وما فيه من تعريف مراتب الثقات ~~والضعفاء الذين لا يتم ترجيح حديث بعضهم على بعض إلا بعد معرفته, وهو علم ~~واسع صنف الحفاظ فيه الكتب الواسعة الحافلة. حتى جمع الفلكي (1) # فيه كتابا فرغ في ms085 ألف جزء (2) , ثم لم يزل الحفاظ يهذبونه ويختصرون ما ~~لابد من معرفته حتى انضبط ذلك بعد الانتشار الكثير في مقدار الخمسة ~~المجلدات أو ما يقاربها, وليس للزيدية في هذا الفن تأليف البتة. # وهذه علوم جليلة لابد من معرفتها عند من يعتقد وجوب معرفتها من أهل ~~الاجتهاد. فقول المعترض: إن الواجب هو الرجوع إلى أئمة الزيدية في علوم ~~الحديث قول مغفل! لا يعرف أن ذلك مستحيل في حق أكثر أهل العلم الذين ~~يشترطون في علوم الاجتهاد ما لم تقم به الزيدية!! وإنما هذا مثل قول (3) من ~~يقول: إنه يجب الرجوع في علم الطب إلى الأحاديث النبوية والآثار الصحابية ~~ولا يجوز تعديها إلى غيرها, ومثل من يقول: إنه يجب الرجوع في علوم الأدب ~~إلى أئمة الزهادة وأقطاب أهل الرياضة. PageV01P177 # ولقد ذكر إمام الحرمين الجويني في كتاب ((البرهان)) (1) أنه لا يجوز لأحد ~~التزام مذهب أحد من علماء الصحابة -رضي الله عنهم-, وقال شارح (2) ~~((البرهان)): ((إن العلة في ذلك كون الصحابة -رضي الله عنهم- ليس لهم نصوص ~~على الحوادث تكفي الملتزم لمذهب أحدهم كأئمة الفقه المتبوعين)) , فكذلك ~~أئمة الزيدية ليس لهم من التأليف في علم الحديث ما يكفي المجتهدين, فما ~~للمعترض والتعرض لانتقاص المحدثين الذين قاموا بما قعد عنه غيرهم من علوم ~~الدين, وهذا أمر يعرفه من له أدنى تمييز, وإنما أتي المعترض في انتقاض ~~المحدثين من قلة الإنصاف ومحبة الاعتساف, ولله در من قال: # أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم # من اللوم, أو سدوا المكان الذي سدوا (3) # الوجه الثالث: أنا لو رجعنا إلى تصانيف الزيدية في الحديث, لكنا قد رجعنا ~~إلى أضعف مما استضعفت (4) وأنكر مما استنكرت, وذلك لأن المصنفين من الزيدية ~~في الحديث ليس إلا /القاضي زيد, والإمام أحمد بن سليمان, والأمير الحسين, ~~والإمام يحيى بن حمزة, هؤلاء الذين توجد تصانيفهم في أيدي الزيدية في نجد ~~اليمن. PageV01P178 # أما القاضي زيد, فقد ادعى في شرحه الذي يروي فيه الحديث إجماع الأمة على ~~قبول خبر أهل الأهواء. # وأما الإمام أحمد بن سليمان, فقد صرح في خطبة ms086 كتابه بالنقل من كتب ~~المحدثين, بل ذكر أن جميع (1) كتابه, من كتب مسموعة, وكتب غير مسموعة, ولم ~~يميز ما رواه من الكتب المسموعة, مع أن كتابه عمدة عند علماء الزيدية معتمد ~~عند المجتهدين منهم. # وأما الأمير الحسين فينقل من كتب المحدثين, وهما معا ينقلان من كتاب ~~القاضي زيد, وكل كتبهم خالية عن الإسناد, وعن بيان من خرج الحديث من ~~الأئمة. # وأما الإمام يحيى بن حمزة فينقل عنهم الجميع, وعن جميع أهل التأويل ويصرح ~~بذلك (2). # وأما من لم يصنف في الحديث من أئمة الزيدية ولكن توجد الأحاديث في كتبه؛ ~~فمنهم من صرح بقبول أهل الأهواء: فساقهم وكفارهم كالمؤيد بالله, مع إجماع ~~الزيدية على قبول ما أرسله, بل قال PageV01P179 # المؤيد بالله: إن الظاهر من قول أصحابنا قبول شهادة كفار التأويل بلفظة ~~(أصحابنا) , وهذا يقتضي روايته لذلك عن جميع [علماء] (1) الزيدية؛ وهو مجمع ~~على ثقته عند الزيدية فوجب قبول روايته, [وهي] (2) تقتضي أن الرجوع إلى ~~حديث الزيدية مشكل على من لا يقبل حديث كفار التأويل. وكذلك المنصور بالله ~~- عليه السلام - فإنه قال في ((المهذب)) (3) ما لفظه: ((وقد ذكر أهل ~~التحصيل من العلماء جواز قبول أخبار المخالفين في الاعتقادات. وروى عنهم ~~المحققون بغير مناكرة)). هذا لفظه, وهو رواية منه عن أهل التحصيل, وقد ادعى ~~الإجماع على قبول فساق التأويل في كتاب ((الصفوة)) , وكذلك الإمام يحيى بن ~~حمزة, والفقيه عبد الله بن زيد ادعيا الإجماع على قبول فساق التأويل, ~~ودعواهم الإجماع يفيد روايتهم لذلك عن أسلافهم. # وأما الهادي والقاسم -عليهما السلام- فقد اختلفوا عليهما في ذلك, فرواية ~~هؤلاء تفيد أنهما يذهبان إلى ذلك, وكذا رواية أبي مضر عنهما, وتخريج (4) ~~المؤيد بالله - عليه السلام - لهما وأحد تخريجي أبي طالب, وهو يقتضي أن ذلك ~~مذهبهما, وهو أرجح من أحد PageV01P180 # تخريجي أبي طالب ورواية أبي جعفر, لأن هؤلاء أكثر [وأخير] (1) , ولأن عمل ~~الهادي - عليه السلام - في الأحكام يوافق ذلك, فإنه روى عن المخالفين, بل ~~عن ضعفاء المخالفين, فروى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (2) , وروى عن ~~الحسين ms087 بن عبد الله بن ضميرة (3) عن أبيه عن جده. # وعلى الجملة؛ فالزيدية إن لم يقبلوا كفار التأويل وفساقه؛ قبلوا مرسل من ~~يقبلهم من أئمتهم, وإن لم يقبلوا المجهول؛ قبلوا مرسل من يقبله, ولا يعرف ~~فيهم من يحترس من هذا البتة. وهذا يدل على أن حديثهم في مرتبة لم (4) ~~يقبلها إلا من جمع بين قبول المراسيل بل المقاطيع, وقبول المجاهيل, وقبول ~~الكفار والفساق من أهل التأويل فكيف يقال مع هذا: إن الرجوع إلى حديثهم ~~أولى من الرجوع إلى حديث أئمة الأثر ونقاده الذين أفنوا أعمارهم في معرفة ~~ثقاته, وجمع متفرقاته, وبيان صحاحه من مستضعفاته, فتكثرت بهم فوائده, ~~PageV01P181 # وتمهدت بهم قواعده, وتقيدت أوابده. # وهل هذا إلا مثل إنكار الشعوبية لفضل علماء العربية, بل هو أقبح منه ~~بدرجات عديدة, ومسافات بعيدة, /لأن الآثار النبوية هي ركن الإيمان, وأخت ~~القرآن, وهي شعار الفقه والدثار, وعليها في أمور الإسلام المدار. # وأما الوجوه التفصيلية: فقد اشتمل كلامه على مسائل: ### | المسألة الأولى # : مثل المردود من كتب المحدثين بحديث (1): جرير بن عبد الله البجلي في ~~الرؤية (2) وهذا من الإغراب الكثير والجهل العظيم, فإن المحدثين يروون في ~~الرؤية أحاديث كثيرة تزيد على ثمانين حديثا عن خلق كثير من الصحابة أكثر من ~~ثلاثين صحابيا, منهم: # أبو هريرة, وأبو سعيد الخدري, وأبو موسى, وعدي بن حاتم, وأنس بن مالك, ~~وجرير بن عبد الله, وكل هؤلاء أحاديثهم متفق عليها مخرجة في صحيح البخاري ~~ومسلم معا, وفي غيرهما من كتب الحديث. # ومنهم: بريدة بن الحصيب, وأبو رزين العقيلي, وجابر بن عبد الله, وأبو ~~أمامة, وزيد بن ثابت, وعمار بن ياسر, وعبد الله بن عمر بن الخطاب, وعمارة ~~ابن رويبة (3) , وأبو بكر الصديق, وعائشة أم المؤمنين, وسلمان الفارسي, ~~وحذيفة بن اليمان, وعبد الله بن PageV01P182 # العباس, وعبد الله بن عمرو بن العاص, وكعب بن عجرة, وفضالة بن عبيد, ~~والزبير بن العوام, ولقيط بن صبرة, وعمر (1) بن ثابت الأنصاري (2) , وعبد ~~الله بن بريدة, وأبو برزة الأسلمي, وأبو الدرداء, وأبو ثعلبة الخشني, ~~وعبادة بن الصامت, وأبي بن ms088 كعب, وروى حديث الرؤية علماء الحديث كلهم في ~~جميع دواوين الإسلام من طرق كثيرة, حتى رووه من طريق زيد بن علي -رضي الله ~~تعالى عنهما-. # وفي الصحيحين منها ثلاثة عشر حديثا, اتفقا منها على ثمانية أحاديث, ~~وانفرد البخاري بحديثين, ومسلم بثلاثة أحاديث, ولولا خوف التطويل لذكرت ما ~~في كتب السنن, وقد استوفاها شيخنا الحافظ (3) النفيس العلوي اليمني (4) ~~-أدام الله علوه- في كتابه ((الأربعين)) (5) وذكر كثيرا منها الحافظ الكبير ~~البارع الشهير بابن قيم الجوزية في كتابه ((حادي الأرواح إلى دار الأفراح)) ~~(6) وغيرهما. PageV01P183 # فاعتقاد المعترض أن حديث الرؤية مروي من طريق جرير بن عبد الله فقط, وأن ~~جريرا مطعون فيه بما لم يصح, من تخريب علي - رضي الله عنه - لداره, بل بما ~~لو صح (1) # لم يكن قادحا على مذهب المحدثين ولا مذهب الزيدية, أما [المحدثون] (2) ~~فظاهر, وأما الزيدية فلأن المتأولين عندهم مقبولون, وإن لم يكونوا من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فإذا كانوا أصحابه كانوا أولى بالقبول ~~لأن صحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أسباب الزيادة لا من أسباب ~~النقص, فثبت بهذا أنه قدح بما لا يقدح به [في مذهبه, ولا] (3) في مذهب ~~خصمه, وأنه باعتقاده لانفراد جرير بالحديث في مرتبة ينبغي أن يرحم صاحبها, ~~لما هو عليه من البعد عن المعرفة والتعاطي للرد على من لم يحط من علمه بشيء ~~يعتد به, فالله المستعان!. # وهذا كله من /تعرضه لما لا يحسنه, ودخوله فيما لا يعرفه, فإن علم الحديث ~~علم جليل القدر غزير البحر, والخوض مع نقاده بغير البصيرة يؤدي إلى التخبط ~~في مثل هذه الجهالة. والتورط في مثل هذه الضلالة, وإنما الذي كان يحسنه هذا ~~المعترض أن ينقل من (([تعليق] (4) PageV01P184 # الخلاصة)) (1) كلام المعتزلة في الدليل على استحالة رؤية الله تعالى في ~~جهة, وأن الدليل العقلي يوجب تأويل ما ورد من السمع بخلافه, ويقف على هذا ~~الحد ولا يتعرض بعده لأحد (2). ### | المسألة الثانية: # قال: والقطع أنه إذا جرح الراوي جماعة عدول فإن جرحهم مقبول؛ لأن الجارح ~~يقدم على المعدل. ms089 # قلت: هذا القطع الذي ذكره قطع بغير تقدير (3) , ولا هدى ولا كتاب منير؛ ~~لأن المسألة ظنية لا قطعية, وخلافية لا إجماعية, بل الواجب التفصيل في ~~الجرح: # فإن كان مطلقا غير مفسر السبب, فالجرح به مختلف فيه, والصحيح عند ~~المحققين: أنه لا يجرح [به] (4) لاختلاف الناس في الأسباب التي يجرح بها, ~~وتفسير جماعة من الثقات ما أطلقوه من الجرح بأمور لا يوافقون على الجرح ~~بها. PageV01P185 # وأما إن كان الجرح مفسر السبب, فإما أن يعارضه تعديل جامع لشرائط ~~المعارضة, مثل أن يقول [الجارح: إن الراوي] (1) ترك صلاة الظهر يوم كذا في ~~تاريخ كذا, ويقول المعدل: إنه صلى تلك الصلاة في ذلك التاريخ. أو يقول ~~المعدل: إنه كان في ذلك الوقت نائما أو مغلوبا على اختياره أو صغيرا غير ~~مكلف أو معدوما غير مخلوق أو غائبا عن حضرة الجارح, أو نحو ذلك؛ فهنا يجب ~~الرجوع إلى الترجيح أيضا, ولا يجب قبول الجرح مطلقا لا قطعا ولا ظنا. # وأما إن لم يعارض الجرح توثيق معارضة حقيقية خاصة, ولكن معارضة عامة, مثل ~~أن يقول الجارح: إن الراوي كان ممن يخل بالصلاة ويتناول المسكر, ويقول ~~المعدل: إنه ثقة مأمون ونحو ذلك, فلا يخلو: إما أن تكون عدالة الراوي ~~معلومة بالتواتر مثل: مالك والشافعي ومسلم والبخاري, وسائر الأئمة الحفاظ ~~(2) , فإنه لا يقبل جرحهم بما يعلم نزاهتهم عنه, ولو كان ذلك مقبولا لكان ~~الزنادقة يجدون السبيل إلى إبطال جميع السنن المأثورة بأن يتعبد بعضهم ~~ويظهر الصلاح حتى يبلغ إلى حد يجب في ظاهر الشرع قبوله, ثم يجرح الصحابة ~~-رضي الله عنهم- فيرمي عمار بن ياسر يإدمان شرب المسكر, وسلمان الفارسي ~~بالسرقة لما فوق النصاب, وأبا ذر بقطع الصلاة, وأبي بن كعب بفطر رمضان, ~~وأمثال هذا في أئمة التابعين وسائر أئمة المسلمين في كل عصر, فإن من جوز ~~هذا فليس بأهل PageV01P186 # للمراجعة, ولا جدير بالمناظرة, وكثيرا ما /يقول أئمة الجرح والتعديل في ~~أهل هذه الطبقة: فلان ((لا يسأل عن مثله)) (1) فإن تكلموا فيهم بتوثيق, أو ~~تليين, أو نحو ذلك؛ فإنما ms090 يعنون به التعريف بمقدار حفظهم, وأنهم في العليا ~~من مراتب الحفظ أو الوسطى. # وأما إن كانت عدالة الراوي مظنونة غير معلومة؛ فظاهر كلام الأصوليين ~~تقديم الجرح المفسر وقبوله من غير تفصيل, وتعليلهم بالرجحان يقتضي أن ذلك ~~يختلف بحسب اختلاف القرائن والأسباب المرجحة لأحد الأمرين, وهذا هو القوي ~~عندي, ولا نضر [للنظار] (2) يخالفه. # فنقول: لا يخلو إما أن تكون عدالة الراوي أرجح من عدالة الجارح له أو ~~مثلها أو دونها, إن كانت عدالة الراوي أرجح وأشهر من عدالة الجارح؛ لم نقبل ~~الجرح؛ لأنا إنما نقبل الجرح من الثقة لرجحان صدقه على كذبه, ولأجل حمله ~~على السلامة, وفي هذه الصورة كذبه أرجح من صدقه, وفي حمله على السلامة ~~إساءة الظن بمن هو خير منه وأوثق وأعدل وأصلح. وأكثر ما يقول أئمة هذا ~~الشأن في أهل هذه الطبقة إذا سئلوا عنهم: أنا أسأل عن فلان؟ بل هو يسأل ~~عني!. PageV01P187 # وأما إن كان مثله في العدالة, فيجب الوقف لتعارض أمارتي صدق الجارح ~~وكذبه, فإن عدالة الجارح أمارة صدقه, وعدالة المجروح أمارة كذبه, وهما على ~~(1) سواء, وليس أحدهما بالحمل على السلامة أولى من الآخر, فإن انضم إلى ~~عدالة المجروح معدل كان وجها لترجيح عدالته. # وأما إن كانت عدالة الراوي أضعف من عدالة الجارح, فإن الجرح هنا يقبل إلا ~~أن تقتضي القرائن والعادة والحال -من العداوة ونحوها- أن الجارح واهم في ~~جرحه أو كاذب (2) # , فإن القرائن قد يعل PageV01P188 # بها حديث الثقة وإن كان معينا مثبتا, ويسميه المحدثون: معللا, وقالوا في ~~تفسير العلة التي يعل بها حديث الثقة: # ((هي عبارة عن أسباب خفية غامضة طرأت علىالحديث, فأثرت فيه, أي قدحت في ~~صحته, وتدرك العلة بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له, مع قرائن تنضم إلى ذلك ~~يهتدي الناقد بها إلى اطلاع على إرسال في الموصول, أو وقف في المرفوع, أو ~~دخول حديث في حديث, أو وهم واهم بغير ذلك بحيث غلب على ظنه ذلك فأمضاه وحكم ~~به, أو تردد في ذلك فوقف وأحجم عن الحكم بصحة الحديث, فإن لم يغلب ms091 على ظنه ~~التعليل بذلك فظاهر الحديث المعل السلامة من العلة)) (1) هذا كلامهم بلفظه. # فأي فرق يجده الناظر المنصف بين إعلال رواية الثقة بحديث معين, وإعلال ~~رواية الثقة بجرح معين في رجل معين, بل العلل العارضة بين الجارح والمجروح ~~أكثر من العلل العارضة بين الراوي والحديث, لما يقع بين الناس في العادة من ~~العداوة إما لأجل الاختلاف في المذاهب أو في غير ذلك, فهذه حجة قوية مأخوذة ~~من PageV01P189 # نصوص أئمة الحديث. # وأما الحجة على ذلك من أنظار علماء الأصول فهي أن نقول: الجرح المبين ~~السبب (1) إنما قدم على التعديل لأنه أرجح, إذ كان القريب في المعقول أن ~~الجارح يطلع على ما لم يطلع عليه المعدل, وفي قبوله حمل الجارح والمعدل على ~~السلامة معا, ولم يقل أحد: إن الجرح مقدم لمناسبة طبيعية ذاتية بين اسم ~~الجرح الذي حروفه الجيم والراء والحاء المهملة, وبين صدق /من ادعاه, وحينئذ ~~يظهر أن العبرة بالرجحان الذي هو ثمرة الترجيح, وإنما هذا الذي أوجب تقديم ~~الجرح في بعض الصور, وهو نوع من الترجيح أوجب الرجحان, فإذا انقلب الرجحان ~~في بعض الصور إلى جنبة التعديل, وقامت على ذلك القرائن وترجح ذلك في ظن ~~الناظر في التعارض: # فإما أن يوجبوا عليه أن يقضي بالراجح عنده؛ فذاك الذي نقول, أو يوجبوا ~~عليه العمل بالمرجوح عنده؛ فذلك خلاف المعقول والمنقول. # فتأمل هذا الكلام فإنه مفيد مانع من المسارعة إلى قبول الجرح من غير ~~بصيرة, وإياك والاغترار بقول الأصوليين: إن الجرح المفسر مقدم, فإن الرجال ~~ما أرادوا إلا تلك الصورة التي نظروا فيها إلى تجردها عن جميع الأمور إلا ~~الجرح المفسر والتعديل الجملي, وهذه الصورة لم يخالف فيها, وهم أعقل من أن ~~يطردوا هذا القول لما يلزمهم من جرح أئمة الصحابة والتابعين بقول من أظهر ~~الصلاح من PageV01P190 # الزنادقة ليتوصل (1) إلى ذلك وأمثاله من مكايد الدين. # فإن قلت: إنما تخصص عموم كلامهم في هذه الصورة؛ لأنها تؤدي إلى تقديم ~~المظنون على المعلوم لو لم يتأول كلامهم, بل خبر الثقة حين صادم المعلوم لا ms092 ~~يسمى مظنونا بل كذبا. # قلنا: وكذلك الصور التي ذكرناها يجوز تخصيصها؛ لأنها من قبيل تقديم ~~الموهوم المرجوح على المظنون الراجح, وقد علم من قواعدهم أن ذلك لا يجوز ~~فقواعدهم هي المخصصة لعموم كلامهم, على أن مخالفتهم بالدليل جائزة غير ~~ممنوعة, وقد اتضح الدليل على ما أخبرته (2) , وبان بالإجماع بطلان قطع ~~المعترض على أن الجرح مقدم مطلقا ولله الحمد. ### | المسألة [الثالثة] # (3): قال: الثاني أنه إذا تعارض رواية العدل الذي ليس على بدعة ورواية ~~المبتدع, قدمت رواية العدل الذي ليس على بدعة, وهذا مجمع عليه. # والجواب عليه من وجوه: # أحدها: منع الإجماع الذي ادعاه بشهرة الخلاف, فقد أجمع أئمة الحديث على ~~تقديم الحديث الصحيح على الحديث (4) الحسن مع إخراجهم لأحاديث كثير من أهل ~~البدع في الصحيح, بل في أرفع PageV01P191 # مراتب الصحيح وهو المتفق عليه المتلقى بالقبول من حديث الصحيحين, فحديث ~~أولئك المبتدعة الذين اتفق الشيخان على تصحيح حديثهم مقدم عند التعارض على ~~حديث كثير من أهل العقيدة الصالحة الذين نزلوا عن مرتبة أولئك المبتدعة في ~~الحفظ والإتقان. # وقد نص الإمام المنصور بالله -من أئمة الزيدية- في الاحتجاج على قبول ~~الخوارج الموارق من الإسلام: أن قبول من يرى أن الكذب كفر أولى من قبول من ~~لا يرى ذلك, وهذا نص على ما ذكرناه, وذكر مثل ذلك أحمد (1) بن الحسن الرصاص ~~في ((جوهرة الأصول)) , والحاكم في ((شرح العيون)) , ولم ينكر ذلك أحد من ~~أهل التعاليق على ((الجوهرة)) , بل ادعى المنصور الإجماع من الصحابة على ~~خلاف ما ذكره المعترض فقال: ((إن اعتماد أحدهم على ما يرويه عمن خالفه ~~كاعتماده على ما يرويه عمن يوافقه)) , وكذلك أبو طالب حكى في ((المجزي)): ~~أن الفقهاء ادعوا العلم بإجماع الصحابة على التسوية /بين الكل من أهل ~~التنزه عما يوجب الجرح من أفعال الجوارح في قبول شهادته وحديثه, مع العلم ~~باختلافهم في المذاهب. فهذه ألفاظ تدل على دعوى الإجماع على نقيض ما ذكره ~~المعترض, وهي ثابتة من طريق أوثق أئمة الزيدية, وسوف تأتي هذه المسألة عند ~~ذكر قبول أهل التأويل, وأذكر ms093 فيها الكلام مستوفى (2) هنالك إن شاء الله ~~تعالى, فقد ادعاها في ذلك الموضع (3) وهو بها أخص. PageV01P192 # الوجه الثاني: أنا قد بينا أن الزيدية أحوج الناس إلى قبول المبتدعة, وأن ~~مدار حديثهم على ما يخالفهم, وأن كثيرا من أئمتهم نصوا على قبول كفار ~~التأويل وادعوا الإجماع على ذلك, وأن بقية الزيدية يقبلون مراسيل أولئك ~~الأئمة؛ كالمنصور, والمؤيد, والإمام يحيى بن حمزة, والقاضي زيد, وعبد الله ~~بن زيد وغيرهم. # الوجه الثالث: أن أهل الحديث لو سلموا لك هذه المقدمة -وهي أن حديث غير ~~المبتدع مقدم على حديث المبتدع- لم تكن منتجة لمقصودك حتى يضم إليها مقدمة ~~أخرى, وهي: أن أهل الحديث هم المبتدعة, ولا شك أن هذه المقدمة التي تركتها ~~غير ضرورية, وقد أجمع أهل البرهان على أن إحدى المقدمتين لا تحذف إلا ~~لجلائها وعدم التنازع فيها, فكيف تركت محل النزاع مع دعواك أنك أوحد أهل ~~الزمان في علم البرهان, وليس كونك من أهل الحق يصلح عذرا لك من إظهار ~~البراهين قال الله تعالى: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [البقرة:111]. # قال: لأن رواية غيرهم لا تخلو من ضعف, وإنما تقبل عند عدم المعارض -يعني ~~رواية غير أئمة الزيدية-. # أقول: هذا قصر للعدالة على أئمة الزيدية الذين ادعوا الخلافة (1) , وهذا ~~غلو لم يسبق إليه, بل هذيان لا يعول عليه, ولو كان PageV01P193 # ما ذكره صحيحا لوجب في الشهود أن يكونوا أئمة, وهذا يؤدي إلى وجوب أربعة ~~أئمة في شهادة الزنا, وإمامين في الشهادة على الأموال, وهذا خرق للإجماع, ~~بل خلع لجلباب الحياء من الله تعالى. # قال: ((لأنها رواية عمن لا تعلم عدالته ونزاهته من فسق التأويل)). # أقول: هذه دعوى للجهل بعدالة الرواة (1) , فإما أن يدعي الجهل لنفسه أو ~~يدعيه على العلماء, إن كان الأول فمسلم, ولا يضر تسليمه لأن الإقرار بما ~~يدخل النقص على المقر دون غيره صحيح وفاقا؟ وإن كان الثاني فغير مسلم لأن ~~الدعوى على الغير تحتاج إلى بينة صحيحة أو إقرار من المدعي عليه, وكل ذلك ~~غير حاصل في هذه الدعوى, ms094 أما الرواية عن أهل التأويل فقد [أجازها] (2) أكثر ~~العلماء وادعوا الإجماع من الصحابة وغيرهم على ذلك, واحتجوا بحجج كثيرة ~~يأتي بعضها في موضعه إن شاء الله تعالى, ومن لم يقبلها من أهل العلم لم ~~يتمسك بحديث حتى يعرف براءة رواته من ذلك, ولا اعتراض على من قبلهم, ولا ~~على من لا يقبلهم. # والعجب /من المعترض يقدح على المحدثين بعدم علمهم بنزاهة رواتهم عن فسق ~~التأويل, وقد بينا نصوص أئمة الزيدية على قبول كفار التأويل, بل (3) على أن ~~قبولهم مجمع عليه, وبينا أن من لم PageV01P194 # يقبلهم من الزيدية قبل مرسل من قبلهم, فإنه لا يعلم أن في الزيدية من لا ~~يقبل حديث: المنصور, والمؤيد, والقاضي زيد, وعبد الله بن زيد, ويحيى بن ~~حمزة, ونحوهم ممن صرح بقبول أهل التأويل, وادعى الإجماع على جوازه كما ~~سيأتي مفصلا محققا -إن شاء الله تعالى-. # قال: ((هذا إذا كان الناظر في الحديث مجتهدا, أما إذا كان غير بالغ رتبة ~~الاجتهاد فليس له أن يرجح بهذا الحديث قولا ويجعله مختاره وإن كان الحديث ~~نصا في ظاهر الحال, لأن الترجيح بالخبر إنما هو بعد كونه صحيحا عن الرسول, ~~ولا يكون صحيحا حتى يكون راويه عدلا, والعدالة غير حاصلة كما سنذكره)). # أقول: نفي العدالة عن رواة حديث الكتب الصحيحة جهل مفرط لم يقل به أحد من ~~الزيدية ولا من السنية, فقد بينا إجماع أهل السنة على وجوب القبول لها, ~~وإنما يتعلل هذا المعترض لمخالفتهم لمذهبه, وقد بينا نصوص أئمة الزيدية على ~~قبول مخالفيهم في الاعتقاد, ونقل مصنفيهم في الحديث من كتب أئمة الحديث, ~~ومجرد المباهتة بإنكار الجليات, وجحد المعلومات لا يطفىء نور الحق, ولا ~~ينور دخان الباطل, بل يتميز به المنصف من المتعسف, والعارف من الجاهل. # وبمثل هذه الدعاوى المعلومة الفساد, يفضح الله المستترين من أهل العناد, ~~الذين يظهرون للعباد أنهم دعاة (1) إلى السداد, وأدلة على PageV01P195 # الرشاد, والقول بانتفاء عدالة رواة السنن النبوية, والآثار المصطفوية ~~واللغة العربية, مما لا يقول به مسلم, وقد بينا -فيما تقدم- أن مثل هذا ms095 لا ~~يصلح إيراده ونصرته إلا من أعداء الإسلام -خذلهم الله تعالى-, وأن صاحب هذه ~~الرسالة حام على بطلان التكليف فأبطل الطريق إلى الثقة بالحديث واللغة ~~والنحو والتفسير, وببطلان هذه العلوم أو بعضها يبطل الاجتهاد والتقليد. # أما الاجتهاد: فظاهر, وأما التقليد فلما شرحناه أولا, ودللنا عليه كون ~~جواز التقليد مأخوذا من هذه العلوم ومبنيا على هذه القواعد. # قال: ((ولأنه لا يرجح بالخبر حتى يعلم أنه غير منسوخ, ولا مخصص, ولا ~~معارض بما هو أقوى منه من إجماع أو غيره)). # أقول: هذا الذي ذكره لا يجب على المجتهد عند جماهير علماء الإسلام, كما ~~ذلك مقرر في علم الأصول, وأنه لا سبيل إلى العلم بعدم المعارض والناسخ ~~والمخصص, وإنما اختلف العلماء في وجوب الظن لعدم هذه الأمور في حق المجتهد ~~فقط, ولا أعلم أن أحدا شرط ذلك في ترجيح المقلد, [وإنما اختلف العلماء في ~~وجوب الترجيح على المقلد] (1) بما يفيد الظن, ولم يختلفوا في جواز ذلك ~~وحسنه, وإنما اختلفوا في وجوبه مع اتفاقهم على (2) أنه زيادة في التحري. ~~PageV01P196 # فلا يخلو المعترض؛ إما أن يقر أن الترجيح بخبر الثقة يفيد الظن أو لا, إن ~~قال: إنه لا يفيد الظن؛ فذلك ممنوع؛ لأن الظن يحصل بخبر الثقة من غير توقف ~~على العلم بعدم المعارض والناسخ والمخصص, و [وجوب] (1) الظن /عند خبر الثقة ~~ضروري, ولو كان ظن صحة الحديث النبوي يتوقف على ذلك لتوقف الظن على ذلك في ~~سائر أخبار الثقات, وكان يجب إذا أخبرنا ثقة بوقوع المطر, أو نفع دواء, أو ~~غير ذلك أن لا نظن صحته حتى يطلب المعارض والمخصص, بل يلزم إذا أفتى المفتي ~~أن لا تقبل فتواه حتى يطلب معارضها من غيره فلا يوجد, وكذلك يلزم ألا يعتد ~~بأذان المؤذن حتى يطلب المعارض, وكذلك إذا شهد الشاهدان. # وإما أن يسلم أن الظن يحصل بخبر الثقة قبل طلب المعارض ونحوه؛ فالدليل ~~على وجوب الترجيح به من وجوه: # الوجه الأول: أن مخالفته قبل طلب المعارض وغيره مع ظن صحته تقتضي الإقدام ~~على ما يظن ms096 أنه حرام وأن مضرة العقاب واقعة عليه, وتجنب الحرام المظنون ~~واجب سمعا, وتجنب المضرة المظنونة واجب عقلا. # الوجه الثاني: أن الدليل على وجوب العمل بخبر الواحد قائم قبل طلب هذه ~~الأمور, وقبل ظن عدمها كما هو قائم بعد ذلك. # الوجه الثالث: أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - لما سئل عن ~~PageV01P197 # سهم الجدة (1)؛ فأخبره المغيرة ومحمد بن مسلمة, لم يطلب المعارض والناسخ ~~ونحو ذلك. وكذلك عمر بن الخطاب لما أخبره عبد الرحمن بقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - في المجوس: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) (2) عمل به ولم يطلب ~~المعارض والناسخ ونحوه, وشاع ذلك وذاع ولم ينكر فكان إجماعا من الصحابة ... ~~-رضي الله عنهم-. # الوجه الرابع: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ في حديثه ~~PageV01P198 # المشهور (1): ((بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)) الحديث. وفيه ما يدل على تقرير معاذ ~~على ما ذكره, ولم يذكر فيه طلب المعارض والناسخ بعد وجود الحكم في الكتاب ~~أو السنة, وكان طلب ذلك في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى ~~بالوجوب؛ لأنه يطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك طلب مفيد لليقين. # وحديث معاذ هذا وإن كان في إسناده مقال عند بعض أهل الحديث, فقد قواه غير ~~واحد, منهم: القاضي أبو بكر بن العربي المالكي (2) والحافظ ابن كثير ~~الشافعي (3) , وذكر أنه جمع جزءا (4) في شواهده وطرقه وقال: ((هو حديث حسن ~~مشهور اعتمد عليه أئمة PageV01P199 # الإسلام في إثبات أصل القياس)) , وكذلك علماء المعتزلة والزيدية احتجوا ~~به, بل قال الأمير الحسين في ((شفاء الأوام)): إنه حديث معلوم. # فإن قلت: فهذه الوجوه تقتضي أن البحث عن المعارض والناسخ والخاص غير واجب ~~في حق المجتهد. # قلت: هو كذلك, وهو اختيار الفخر الرازي وحكاه في ((المحصول)) عن غيره, ~~وفي المسألة خلاف مشهور, فإن دل دليل على دفع هذه الوجوه, ووجوب البحث على ~~المجتهد, وجب تقرير ذلك حيث دل دليل في حق المجتهد دون المقلد, وإن ms097 لم يدل ~~دليل, فالحق أحق أن يتبع, والداعي إليه أجدر أن يسمع. # قال: ((ولأن /الترجيح بالأخبار اجتهاد, لأنه يفتقر إلى أصعب علوم ~~الاجتهاد وهو معرفة الناسخ من المنسوخ, وغير ذلك, والغرض أن هذا ~~الناظرمقلد)). # أقول: هذا الاحتجاج ضعيف بمرة, لأنه لا رابطة عقلية بين الاجتهاد وأصعب ~~علومه, إذ ليس بعض شرائط الشيء إذا تصعب كان هو ذلك الشيء المشروط, ألا ترى ~~أنه لا يقال: إن (1) الطهور في الماء البارد في البلاد الباردة هو الصلاة ~~لأنه أصعب شروطها إلا على وجه مجازي لا يعتد بمثله في مواضع التحليل ~~والتحريم, فكذلك معرفة الناسخ والمنسوخ لا يقال فيها إنها اجتهاد؛ لأنه ~~أصعب علوم الاجتهاد. PageV01P200 # على أن تمثيله لأصعب علوم الاجتهاد بمعرفة الناسخ والمنسوخ جهل مفرط؛ لأن ~~معرفة ذلك يسيرة, فإن النسخ قليل في الشريعة بالنظر إلى التخصيص, وما يدخله ~~ضرب من التعارض, وقد جمع كثير من العلماء المنسوخ في مختصرات يسيرة (1). # وجملة ما أجمع العلماء على نسخه: استقبال بيت المقدس, والكلام في الصلاة, ~~وحكم المسبوق, وترك الصلاة في الخوف, وصلاة الجمعة قبل الخطبة, والصلاة على ~~المنافقين, وتحريم زيارة القبور على الرجال, وجواز الاستغفار للكفار بعد ~~موتهم على الكفر, ووجوب صوم عاشوراء, والسحور بين طلوع الفجر وشروق الشمس ~~على خلاف شاذ في تفسير الفجر, وجواز لحوم الحمر الأهلية, ورجعة المطلقة ~~أبدا, واعتداد المتوفى عنها حولا, وجواز شرب الخمر, وتحريم الأكل والنكاح ~~ليلا في رمضان, والتخيير فيه (2) بين الصوم والكفارة, وتحريم الجهاد بالسيف ~~للكفار, وتحريم قتال آمي (3) البيت الحرام منهم, ووجوب قيام الليل على غير ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - , واعتبار العشر الرضعات في تحريم الرضاع, ~~وتحريم كتابة غير القرآن, ووجوب الوصية للأقربين, والتوارث بغير القرابة, ~~وحبس الزانيين حتى يموتا, ووجوب قتال المسلم لعشرة. PageV01P201 # وأجمع المسلمون على أن الرباعية من الصلوات لا تصلى ركعتين وإن كانت ~~[كذلك] (1) في الأصل, لكنهم اختلفوا في الزيادة في العبادة هل هي نسخ؟ على ~~قولين, وأجمعوا على وجوب الحجاب للنساء, فإن كان جواز تركه من قبل على أصل ~~الإباحة؛ فليس ms098 من المنسوخ في شيء, وإن كان ترخيصا شرعيا ناسخا لشرع متقدم ~~فهو منسوخ, والأول أقرب, وفيما ذكرناه ما لم يجمع على ثبوته أولا مثل ~~اعتبار العشر الرضعات, ولكن أجمعوا الآن على عدم اعتباره, فهو عند من ثبت ~~عنده في حكم المجمع على نسخه. # وفي المنسوخ ما اشتهر نسخه ولم أعلم فيه خلافا, ولا تقل الإجماع فيه [من ~~يوثق] (2) به فيما أعلم, وذلك في: نسخ الأمر بالفرع (3) , وقتل شارب /الخمر ~~في الرابعة, والأمر بأذى الزانين, وتحريم كنز الذهب والفضة بعد إخراج ~~الزكاة, وتحريم قتال الكفار والبغاة في الأشهر الحرم, وجواز التنفيل قبل ~~القسم, ولبس خواتيم الذهب, والأمر بقتل الكلاب إلا الأسود, وجواز المثلة. # وفي المنسوخ ما اشتهر نسخه وذهب إليه المشاهير (4) وشذ المخالف فيه, وذلك ~~مثل نسخ: ((الماء من الماء)) , والوضوء مما PageV01P202 # مست النار, والتطبيق في الركوع (1) , والأمر بضرب النساء مطلقا, وموقف ~~الإمام بين الاثنين, والقول بأنه لا ربا إلا النسيئة, ووجوب حقوق في المال ~~غير الزكاة, والأمر بالعتيرة -وهي ذبيحة في رجب- ومتعة النساء, وتحريم لحم ~~الأضحية بعد ثلاث, والرضاع بعد الحولين, وعدم وجوب الشياه في زكاة البقر ~~-على تفصيل فيه-, وشذ المخالف في جواز لبس الحرير للرجال مدعيا نسخ ~~التحريم, والمخالف في المسح على الخفين مدعيا لنسخه شذ في الصدر الأول, ثم ~~كثر القائل به من الشيعة. # وشاع الخلاف في نسخ تحريم استقبال القبلة عند قضاء الحاجة, وفي ترك ~~الوضوء من مس الذكر, وفي متعة الحج, وفي طهارة جلود الميتة بالدبغ, وفي ~~التيمم إلى المناكب وصح نسخه, وفي جواز مسح القدمين في الصلاة, وفي جواز ~~إقامة غير المؤذن, وفي قطع المار للصلاة, وفي الصلاة إلى التصاوير, ووضع ~~اليدين قبل الركبتين, والجهر بالتسمية, وفي ثبوت القنوت, وفي القراءة خلف ~~الإمام, وأفضلية الإسفار بالصبح, وصلاة المأموم جالسا إذا صلى الإمام كذلك, ~~وسجود السهو بعد السلام, والقيام للجنائز, ونسخ عدد تكبير صلاة الجنازة إلى ~~أربع, والنهي عن الجلوس حتى توضع الجنازة, وفساد صوم المصبح جنبا والجمهور ~~على صحته, وفساد PageV01P203 # صوم المحتجم, ونسخ إباحة ms099 الفطر في السفر إلى وجوبه والجمهور على خلافه, ~~ونسخ النهي عن شرب النبيذ في الآنية المسرعة بالتخمير, كالدباء, والإناء ~~المطلي ولم يقل بعدم النسخ فيه إلا أحمد بن حنبل وأتباعه. # واختلفوا في نسخ قوله تعالى في الممتحنة: {فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ~~ما أنفقوا} [الممتحنة:11]. لاختلافهم في معناها على ما هو مقرر في كتب ~~التفسير, والنهي عن الرقى, وعن القران في التمر, وعن قول ما شاء الله وشاء ~~فلان, والاشتراط في الحج, وابتداء الكفار بالقتال في الحرم, وشهادة غير ~~المسلمين في السفر عند الحاجة إلى ذلك, وتحريم لحوم الخيل, وجواز المزارعة, ~~والإذن للمتوفى عنها في النقلة أيام عدتها وصح نسخه, وقتل المسلم بالذمي, ~~والتحريق بالنار في غير الحرب, واستيفاء القصاص قبل اندمال الجرح, وجلد ~~المحصن قبل الرجم, وحكم الزاني بأمة امرأته, ووجوب الهجرة من دار الكفر, ~~والدعوة قبل القتال, وجواز قتل النساء الكافرات, وقتل ولدان الكفار, والنهي ~~عن الاستعانة بالمشركين, وأخذ السلب بغير بينة, وجواز الحلف بغير الله, ~~وقبول هداية الكفار, والنهي عن البول قائما, ووجوب الغسل يوم الجمعة. # فهذه /تسعة وتسعون حكما أجمع أهل العلم على حكم سبعة وعشرين منها, واشتهر ~~النسخ من غير خلاف نعرفه في ثمانية أحكام (1) , وشذ المخالف في نسخ ثلاثة ~~عشر حكما, وشذ القائل PageV01P204 # بنسخ حكمين, واشتهر الخلاف منها في ثمانية وأربعين حكما؛ أكثرها أو كثير ~~منها لم يجمع فيه شرائط النسخ بل يكون من العموم والخصوص أو التعارض الذي ~~يرجع فيه إلى الترجيح. # وأحسن كتاب صنف في ناسخ الحديث ومنسوخه كتاب ((الاعتبار)) (1) للحافظ ~~الحازمي (2) وهو مبسوط كثير الفوائد, وليس يخرج منه إلا منسوخ القرآن ~~الكريم, وكثير منه معلوم ضرورة لا يحتاج إلى ذكر, مثل: نسخ شرب الخمر, ~~واستقبال بيت المقدس, ونحو ذلك. # وقد صنف الإمام محمد بن المطهر كتاب ((عقود العقيان في الناسخ والمنسوخ ~~من القرآن)) (3) , وطول تطويلا مخرجا عن المقصود بعيدا عن ملاءمة الاقتصار ~~على موضوع الكتاب (4). # فإذا عرفت أن هذا الذي ذكرناه هو كل المنسوخ أو جله لا يفوت منه إلا ما ms100 ~~لا يعصم البشر عن نسيان مثله, فكيف يقال: إنه أصعب PageV01P205 # علوم الاجتهاد؟ (1 وأن معرفته اجتهاد (1)؟ ومن المعلوم لكل منصف أن تعلم ~~مثل هذا أسهل من تعلم كتاب الصلاة في كثير من الكتب الفقهية التقليدية, وقد ~~تعرض المتعلمون من الطلبة لمعرفة علم العربية, وكثير من العلوم الدقيقة؛ ~~فلم يعلم من أحد من أهل العلم أنه قنطهم من بلوغ المقصود في تلك الفنون, ~~فكيف إلى معرفة مختصر لطيف في الناسخ والمنسوخ؟! وهذا محض المخالفة لقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يسروا ولا تعسروا)) (2) فنسأل الله ~~الهداية, ونعوذ به من الغواية. # قال: ((فكيف يستنتج العقيم ويستفتى من ليس بعليم))؟ # أقول: الجواب على هذا من وجوه: # الوجه الأول: إما أن يشير بهذا الكلام إلى الاستهزاء والسخرية بمن أجاز ~~للمميز من القراء المقلدين, أو أوجب عليه أن [يبحث عن] (3) الأدلة ويعرف ~~نصوص السنة ثم يقلد الأرجح من العلماء, أو يأخذ بما وافق النصوص النبوية ~~التي حكم لها نقاد العلماء بالصحة وعدم النسخ والتخصيص والمعارضة, أو يشير ~~بهذا الكلام إلى السخرية بمن قال بتجزىء الاجتهاد, وأن المطلع على أدلة ~~المسألة, وجميع ما قيل فيها (4) يصير مجتهدا فيها, يلزمه العمل باجتهاده, ~~وكل واحدة من هاتين المسألتين صحيحة القواعد, نص عليها من جلة PageV01P206 # العلماء غير واحد, والساخر من الذاهب إليهما من علماء الملة الإسلامية ~~متعد لحدود القوارع القرآنية, قال الله تعالى: {لا يسخر قوم من قوم عسى أن ~~يكونوا خيرا منهم} [الحجرات:11] ونحن نذكر كل واحدة من هاتين المسألتين ~~ليظهر للناظر أنه ليس في شيء منهما ما يوجب /السخرية والاستهزاء بمن ذهب ~~إليهما, أو عول عليهما: # المسألة ### | الأولى: في وجوب الترجيح أو جوازه في حق المميز من طلبة العلم # لا سيما طلبة علم الحديث النبوي, فهذه مسألة قد ذكرها غير واحد من ~~العلماء, وقد حكاه في ((مختصر المنتهى)) (1) عن أحمد بن حنبل, وابن سريج, ~~وحكاه القطب الشيرازي في الشرح عنهما, وعن القفال, وأبي حامد الغزالي, ~~وجماعة من الفقهاء والأصوليين وهو الذي اختاره المنصور بالله, واحتج على ms101 ~~وجوبه في كتاب ((صفوة الاختيار)) , وهو ظاهر حكاية عبد الله بن زيد العنسي ~~عن الزيدية في كتاب ((الدرر)) , وهو الذي نص عليه المؤيد بالله في كتابه ~~((الزيادات)) فقال ما لفظه: ((فصل فيما يجب على العامي والمستفتي, وما يكون ~~الاشتغال به أولى من العلوم: عندي أن التنقير والبحث واجب على العامي, فإن ~~كان ممن له رشد وثبت له وجه القوة بين المسألتين أخذ بأقواهما عنده, وإن لم ~~يكن له رشد فلابد أن ينظر إلى الترجيح بين العلماء ويطلب ذلك)) إلى آخر ~~كلامه. # وقال الإمام الداعي يحيى بن المحسن (2) ما لفظه: ((من انتهى في ~~PageV01P207 # العلم إلى حالة يمكنه معها الترجيح بين الأقوال وجب عليه استعمال نظره في ~~الترجيح, وإن لم يبلغ درجة الاجتهاد)). # وذكر النووي في ((شرح المهذب)): (1) أنه صح عن الشافعي - رضي الله عنه - ~~أنه قال: ((إذا صح الحديث فاعملوا به ودعوا مذهبي)) , قال النووي في ((شرح ~~المهذب)) (2): ((وورد هذا المعنى عنه بألفاظ مختلفة)) , وهذا يدل على ما ~~قلناه, لأن قول الشافعي هذا لا يجوز أن يوجه إلى المجتهدين لأنهم غير ~~عاملين بمذهبه, سواء صح الحديث أو لم يصح, ولأنهم غير محتاجين إلى مثل هذا ~~التعليم, وإنما وصى بهذا ملتزمي مذهبه إشفاقا منه - رضي الله عنه - على ~~أصحابه ومتبعيه من الوقوع في العصبية [له و] (3) تقديم قوله على ما صح عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وهذا يدل على تعظيمه - رضي الله عنه - ~~للسنن النبوية ومحبته لتقديم العمل بها على الآراء القياسية والأنظار ~~المبنية على كثير من الأمارات العقلية. # وذكر النووي -رحمه الله-: أن كثيرا من علماء الشافعية عملوا على مقتضى ~~هذه القاعدة في مسائل كثيرة, منها اختيار التأذين بالصلاة PageV01P208 # خير من النوم (1) فإن قول الشافعي الجديد أن ذلك ليس بسنة, لكنهم خالفوه ~~لما صح الحديث في ذلك, وكذلك الحافظ عماد الدين المعروف بابن كثير ذكر مثل ~~ذلك في كتاب: ((إرشاد الفقيه إلى أدلة التنبيه)) (2) في مسألة تحريم الزكاة ~~على موالي بني هاشم [وبني المطلب] (3) , وقدم الحديث على مذهب الشافعي, ms102 ~~وحكى مثل ذلك عن النواوي -رحمه الله-, وهو الذي اختاره الإمام العلامة شيخ ~~الإمام النووي (4): عز الدين ابن عبد السلام الشافعي الذي قال النووي في ~~((شرح المهذب)) في ترجمته: إنهم اتفقوا على براعته في العلوم كلها, وعلى ~~أمانته وديانته أو كما قال, ذكر ذلك عز الدين ابن عبد السلام في كتابه ~~((قواعد الأحكام في مصالح الإنام)). وأجمع كلام /في هذا رأيته كلام الإمام ~~النواوي في ((شرح المهذب)) (5) وهو هذا بلفظه, قال -رحمه الله تعالى-: ((صح ~~عن الشافعي -رحمه الله- أنه قال: إذا PageV01P209 # وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا بالسنة ~~ودعوا قولي. وروي عنه: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وروي عنه هذا المعنى ~~بألفاظ مختلفة, وقد عمل بهذا أصحابنا في مسألة التثويب, واشتراط التحلل (1) ~~من الإحرام بعذر المرض, وغيرهما مما هو معروف. وممن أفتى بالحديث البويطي ~~والداركي (2) ونص عليه الكيا الطبري, واستعمله من أصحابنا المحدثين: ~~البيهقي وآخرون. # وكان جماعة من متقدمي أصحابنا إذا رأوا مسألة فيها حديث ومذهب الشافعي ~~بخلافه عملوا بالحديث وأفتوا به قائلين: مذهب الشافعي ما وافق الحديث. ولم ~~يتفق ذلك إلا نادرا لما نقل عن الشافعي. وهذا الذي قاله الشافعي ليس معناه ~~أن كل من رأى حديثا صحيحا, قال: هذا مذهب الشافعي بظاهره (3) , وإنما هو ~~فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب على ما تقدم من صفته أو قريب منه, وشرطه: ~~أن يغلب على ظنه أن الشافعي لم يقف على هذا الحديث أو لم يعلم صحته, وهذا ~~إنما يكون بعد مطالعة كتب الشافعي كلها ونحوها من PageV01P210 # كتب أصحابه الآخذين عنه وما أشبهها, وهذا شرط صعب قل من يتصف به. وإنما ~~اشترطوا ما ذكرناه لأن الشافعي ترك العمل بظاهر أحاديث علمها ورآها, لكن ~~قام الدليل عنده على طعن فيها أو نسخها أو تأويلها أو نحو ذلك. # قال ابن الصلاح: ((ليس العمل بظاهر ما قاله الشافعي, فليس كل (1) فقيه ~~يسوغ له أن يستقل بالعمل بما رآه حجة من الحديث. وممن سلك هذا المسلك أبو ~~الوليد موسى ms103 بن [أبي] الجارود (2) - ممن صحب الشافعي- قال: صح حديث: ((أفطر ~~(3) الحاجم والمحجوم له)) فأقول: قال الشافعي: أفطر الحاجم والمحجوم. فردوا ~~ذلك عن أبي الوليد لأن الشافعي تركه مع علمه بصحته لكونه منسوخا عنده, وبين ~~نسخه. # قال أبو عمرو (4) بن الصلاح -فيمن وجد حديثا يخالف مذهبه-: نظر إن كان من ~~أهل الاجتهاد فيه مطلقا أو في ذلك الباب أو المسألة كان له العمل به, وإن ~~لم يكن, وشق عليه مخالفة الحديث بعد البحث عنه, ولم يجد جوابا شافيا؛ فله ~~العمل به إن كان عمل به إمام مستقل, ويكون هذا [عذرا] (5) في ترك مذهب ~~إمامه. وما قاله PageV01P211 # متعين)). انتهى ما حكاه النووي -رحمه الله تعالى- في هذا. # ونقلت من خط شيخنا الحافظ العلامة شيح الحرمين الشريفين جمال الدين /كعبة ~~الطالبين: محمد بن عبد الله بن ظهيرة (1) - رضي الله عنه - في ذلك عجبا ~~عجيبا, وكان يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي, إذا صح الحديث فاضربوا بقولي ~~الحائط, وسلك في ذلك أسلوبا غريبا حتى إن أكبر أصحابه أبا يعقوب يوسف بن ~~يحيى البويطي كشط يوما شيئا من كتابه, فقيل له في ذلك؟ فقال: هذا صاحبنا ~~أوصانا به, وحكى - رضي الله عنه - بإسناد (2) إلى الربيع بن سليمان أنه ~~قال: سمعت الشافعي - رضي الله عنه - يقول -وسأله رجل عن مسألة- فقال: روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال كذا وكذا. فقال له السائل: أتقول ~~بهذا يا أبا عبد الله؟ فارتعد الشافعي واصفر وحال لونه وقال: ويحك! أي أرض ~~تقلني وأي سماء تظلني إذا رويت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا ~~[و] (3) لم أقل به!؟ نعم على الرأس والعين (4). # وفي رواية فقال الشافعي: تراني في بيعة أو كنسية؟ تراني على زي الكفار؟ ~~هو ذا تراني في مسجد المسلمين على زي المسلمين, مستقبل قبلتهم أروي حديثا ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أقول به))؟ PageV01P212 # وذكر شيخنا ابن ظهيرة -أمتع الله المستفيدين ببقائه- تفصيل ما أجمله ~~العلامة النووي من ألفاظ الشافعي ونقل ذلك كله من طريق أبي عبد ms104 الله محمد ~~بن عبد الله بن محمد الحاكم, وقد تركت التطويل بترك (1) جميع ذلك؛ لشهرته ~~عند جميع أهل المعرفة من أصحاب الشافعي -رضي الله عنهم-. # وأما الدليل على ما اختاره هؤلاء العلماء الأعلام فوجوه: # أحدهما: أنه لو جاز (2) للمقلد أن يتخير عند الاختلاف ما يشاء من غير ~~ترجيح لكان مخيرا بين التحليل والتحريم, إن شاء حل (3) الشيء, وإن شاء حرم, ~~وإن شاء أوجب, وإن شاء حرم ثم حل أو أحل ثم حرم بغير دليل ولا ضابط, وهذا ~~ممنوع؛ لأنه يؤدي إلى تمكن العوام من سقوط جميع التكاليف الظنية الخلافية ~~والإجماعية, أما الخلافية, فظاهر, وأما الإجماعية الظنية؛ فلأن في العلماء ~~من يقول: إن الإجماع المنقول بالآحاد لا يجب (4) العمل به فيقلدون من قال ~~بهذا, وحينئذ لا يجب عليهم إلا الضروريات من الدين أو من الإجماع, لكن ~~الضروريات من الإجماع هي الضروريات من الدين, فحينئد لا يجب عليهم إلا ~~المعلوم ضرورة من الدين, بل هذا القول PageV01P213 # يؤدي إلى جواز تقليد من يقول: إن التقليد غير جائز, وتقليد من يقول: إن ~~الاجتهاد غير واجب, إما لأن في الناس من هو قائم بفرضه, أو لأنه قد عدم ~~العلماء فتعذر التعليم وسقط الوجوب. # فإن قيل: /ليس له أن يقلد من يقول بسقوط التقليد, وسقوط الاجتهاد, وإنما ~~يجوز له تقليد أحدهما؛ لأن المسقط للتقليد يقول بوجوب الاجتهاد, والمسقط ~~للاجتهاد يوجب التقليد. # قلنا: قد قال بجواز مثل هذه الصورة في التقليد بعض العلماء, فإذا [جاز] ~~(1) التقليد مطلقا جاز مثل هذا التقليد, وهذا كله يؤدي إلى تمكن العامي من ~~عدم وجوب الرجوع إلى العلماء. لكن المعلوم وجوب ذلك على العوام من إجماع ~~الصحابة؛ فبطل ما أدى إلى مخالفة إجماعهم. # الوجه الثاني: أن الأدلة على جواز التقليد غير عامة لهذه الصورة ولا ~~متناولة لها, أما قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ~~[الأنبياء:7]. فلما تقدم (2) , وأما إجماع الصحابة على تقرير العوام على ~~التقليد فلأنه إجماع فعلي لا لفظي, والأفعال لا عموم لها, وهذه الصورة لم ~~تقع في ms105 زمانهم ولم تشتهر ويجمعوا على جوازها, فإنه لم يعلم أن أحدا من طلبة ~~العلم في زمنهم قلد في مسألة يحفظ فيها حديثا صحيحا مخالفا لما هو عليه, ~~وأنهم علموا (3) PageV01P214 # [بذلك] (1) كلهم وأجازوه, ولا علم (2) أن عاميا اختلف عليه عالمان فقلد ~~المفضول منهما وعلموا بذلك وأجازوه. # الوجه الثالث: أن كلامنا إنما هو فيمن اعتقد وجوب الترجيح, ومن اعتقد ذلك ~~وجب عليه بالإجماع, ولم يكن لأحد أن يعترضه, بل من أمره بمخالفة ما يجب ~~عنده فقد عصى الله تعالى وأمره بمعصيته نسأل الله السلامة. # الوجه الرابع: أن كلامنا أيضا إنما هو في الذي يوجب العمل بالترجيح بعد ~~أن عرف الراجح, وحصل له الرجحان الذي لا يمكن دفعه, بسماعه للأحاديث ~~الصحيحة, ووقوفه على كلام الحفاظ, وأهل المعرفة التامة والاطلاع الواسع, ~~ونصهم على صحة الحديث, وعدم وجود ما يدفع العمل به, فأخبرني على الانصاف؛ ~~ما الموجب لترك العمل بمقتضى الحديث؟ هل كونه مخالفا لبعض العلماء؟ فقد صار ~~العمل به موافقا لبعضهم, وترك العمل به مخالفا لبعضهم أيضا. # [أو] (3) الموجب لتركه كونه راجحا مظنونا, وكون ترك العمل به ضعيفا ~~مرجوحا؟ فهذا عكس المعقول والمنقول, فاعجب من سخرية المعترض بمتبع السنن, ~~والسائر من الحق في مثل هذا السنن!!. # ويستشهد لهذا بولاد العقيم, وإعراضه عما يجب لحملة علم السنة من التعظيم. ~~يا هذا! إن الملائكة تفرش أجنحتها (2 تعظيما لطالب PageV01P215 # العلم و (1) لمن احتقرت من طلاب السنة, وتكريما لمن أهنت من سالكي طريق ~~الجنة. # وإذا الأكابر عظمتك فلا تبل ... بمطاعن الأوزاع والأخياف (2) # المسالة الثانية: أن طالب الحديث والنحو وسائر الفنون يجوز أن يكون ~~مجتهدا في مسألة معينة أو في فن معين, وإن كان غير مجتهد في غير /ذلك, وهذا ~~هو قول الأكثر, كذا قال قطب الدين الشيرازي في ((شرح مختصر المنتهى)) وحكى ~~فيه عن الغزالي أنه قال: ((وليس الاجتهاد عندي [منصبا] (3) لا يتجزأ, بل ~~يجوز أن ينال العالم منصب الاجتهاد في بعض الأحكام دون البعض)) (4) انتهى. # وحجة الجمهور على ذلك: أن طالب العلم قد يعرف في بعض ms106 المسائل جميع ما ~~يتعلق بها, وما يعرفه المجتهد العام في ذلك, وقول المخالفين يجوز أن يكون ~~فيما لم يعلم ما يتعلق بذلك ضعيف, لأن مجرد التجويز المرجوح لا يمنع ~~الاجتهاد, إذ كل مجتهد يجوز ذلك [في حقه] (5) وإن اجتهد في جميع العلوم, ~~لكن النادر لا عبرة به. # وقد أجاب قطب الدين بهذا وقال: ((الكلام مفروض فيما إذا PageV01P216 # كانت (1) جميع الأمارات المتعلقة بتلك المسألة حاصلة في ظن الفقيه عن ~~مجتهد بأن يوقفه على الكلام عليها, أو الكلام مفروض بعد تحرير الأئمة ~~للأمارات, وتخصيص كل بعض من الأمارات ببعض المسائل, وجمع كل إلى جنسه ~~(2))). فهذه حجة الجمهور. # وأما مسألتنا فإنما هي فيمن ذهب إلى مذهب الجمهور, واعتقد صحته, ثم إنه ~~بعد البحث الكثير في مصنفات العلماء التي [حرروا فيها] (3) الأدلة على ~~الأبواب, وذكروا الخلاف والحجج على الإنصاف والاستيفاء, ثم ترجح له بعض ~~المذاهب لموافقة النصوص الصحيحة, وخاف أن يكون قد صار مجتهدا في تلك ~~المسألة, وإن لم يكن مجتهدا فمقلدا مرجحا, ولم يكن في دماغه من دخان ~~العصبية ما يوجب اتباع المفضول, والعمل بالمرجوح الذي هو خلاف الأولى عند ~~جميع العلماء, وإنما اختلفوا في وجوبه لا في جوازه (4) ولا في استحبابه. # أما من قال: بتجزىء الاجتهاد؛ فظاهر, وأما من منعه؛ فإنه يقول بجوازه لمن ~~اعتقد جوازه, لأن المسألة ظنية خلافية, لا قاطع فيها, ولا مانع من العمل ~~بها, فالمستهزىء بالعامل بهذا, الساخر PageV01P217 # منه, المشبه لعلمه (1) بما لا يستقيم من استنتاج العقيم, منتظم في سلك ~~الذين: {كانوا من الذين آمنوا يضحكون, وإذا مروا بهم يتغامزون, وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين, وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون, وما ~~أرسلوا عليهم حافظين} [المطففين:29 - 33]. # الوجه الثاني في الجواب: أن المعترض قد ارتكب ما استقبح, وانتهك ما ~~استعظم, فإنه ضعف القول بوضع اليمنى على اليسرى في الصلاة, وضعف القول ~~بالتأمين فيها -أيضا- وأخذ يرجح مذهبه بما روى من الأخبار, انتصارا لمذهبه ~~المختار, هذا مع اعترافه أنه من المقلدين, وغلوه في القول بعدم المجتهدين, ~~فما باله أنتج وهو ms107 عقيم, وأفتى وليس بعليم!! وقد قال الحكيم (2): # لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم # /الوجه الثالث: أن نقول: ما مرادك بهذا الإنتاج؟ (2 هل إنتاج (3) ~~الاستدلال العام في جميع المسائل التي لا تصح (4) إلا من المجتهدين في علوم ~~الدين, أو إنتاج الترجيح لبعض المسائل التي ذهب خصمك إلى جوازه من المقلدين ~~كما هو مذهب الأكثرين؟ إن كان الأول؛ فليس فيه نزاع, وإن كان الثاني؛ فليس ~~يبطل بمجرد الأسجاع. فهلم الدليل, وتنح عن (5 التعويل على مجرد (5) ~~التهويل. PageV01P218 # الوجه الرابع: أن نقول: ما قصدك بذكر استنتاج العقيم, واستفتاء من ليس ~~بعليم؟ هل قصدك مجرد السجع في الكلام, أو الإفحام للخصم والإلزام؟ إن كان ~~الأول؛ فالبلغاء لا يستطيبون من الأسجاع مواردها, متى كانت [تنقص من ~~المذاهب] (1) قواعدها, فإنها لا تصلح إلا زينة للحجج الصحيحة, فمتى أفسدتها ~~كانت عند البلغاء قبيحة, لكن سجعك هذا يهدم قواعدك, ويخالف مقاصدك؛ لأنك ~~الذي أجزت للمقلد العقيم أن يفتي وليس بعليم, وفي نصرة هذا المذهب أنشأت ~~هذه الرسالة؛ وأعدت وأبديت في نصرة هذه المقالة. # وأما إن كان المعترض قال ذلك الكلام على سبيل الإفحام لخصمه والإلزام؛ ~~فقد عاد الإلزام أيضا إليه, وخرج الاحتجاج من يديه, لأنه الذي قضى بفقد ~~المجتهدين, وحكم بمرتبة الفتيا للمقلدين, وأنتج العقيم, وخبط من المناقضة ~~في ليل بهيم, فبطلت حجته واضمحلت, وجاء المثل: ((رمتني بدائها وانسلت)) ~~(2). # ومن العجائب: أن المعترض متصدر للفتوى والتدريس والمناظرة والتصنيف, وهو ~~معترف بالجهل, مدع لخلو العالم من أهل العلم, منكر على من يرى جواز الترجيح ~~بالأخبار, مقتد في ذلك PageV01P219 # بالجلة من العلماء الأخيار, زاعما أن ذلك يؤدي إلى إنتاج العقيم (2وفتوى ~~من ليس بعليم, مصدرا لكلامه بكيف الإنكارية, مصورا لذلك في أبعد صور ~~المحالات العادية وهو ولاد العقيم (1) الذي لا يصح ولا يستقيم!! وهذا يقتضي ~~أنه العقيم الولود, والظئر الودود (2) , فكيف يعيب خصمه بما هو فيه, ويلزمه ~~من المحالات ما هو بالحقيقة مدعيه؟ وما ذاك إلا أنه غفل عن كون هذه من ~~عيوبه, وتوهم ms108 أنه (3) من عيوب خصومه, فباح به أشد البواح, وأكثر عليهم من ~~الصياح. # ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ... بين الرجال ولو كانوا ذوي رحم # قال: فأما أن يكون له في كل مسألة أن يرجح ويخرج عن مذهب من كان قلده؛ ~~فالصحيح أن عليه التزام مذهب إمام معين, ذكره المنصور بالله, والشيخ الحسن ~~بن محمد, والشيخ أحمد بن محمد, واحتج لهم بوجوه: # أحدها: بالإجماع, وهو أنه لا يعلم أحد من المقلدين يتردد بين مذاهب علماء ~~الإسلام المتقدمين منهم والمتأخرين, ففي مسألة يقلد أبا بكر, وفي أخرى عمر, ~~وفي ثالثة ابن عباس, وفي رابعة ابن مسعود, وهلم جرا, ولا من يكون مقلدا ~~لطاووس, وعطاء, والحسن, والشعبي, ولابن المسيب, ولغيرهم ممن كان وراءهم, ~~يقلد في كل مسألة إماما, ولا من /يكون حنفيا في مسألة, شافعيا في أخرى, ~~PageV01P220 # مالكيا حنبليا هادويا ناصريا, هذا ما وقع, ولا علم به, ولو وقع زماننا ~~لأنكره الناس. # أقول: ضعف كلام المعترض في هذا التفصيل يتبين بذكر أنظار: ### | النظر الأول: # أن المعترض جاوز حد العادة في الغلو حتى ادعى الإجماع على ما المعلوم ~~(1انعقاد الإجماع (1) على نقيضه, وذلك أنه ادعى الإجماع على التزام مذهب ~~[إمام] (2) معين في زمن الصحابة والتابعين, واحتج على ذلك بأنه لم يعلم أن ~~أحدا كان يقلد أبا بكر في مسألة, وعمر في ثانية, وابن عباس في ثالثة, وابن ~~مسعود في رابعة, هكذا قال بغير حياء من أهل العلم, والمعلوم أن العامة ما ~~كانت في زمن الصحابة متحزبة أحزابا متفرقة في التقليد فرقا بكرية, وعمرية, ~~ومسعودية, وعباسي‍ة, كما أشار إليه, وإلا فأخبرنا من الإمام في زمن الصحابة ~~[الذي] (3) لم تكن العامة تستفتي سواه ولا ترجع إلى غيره. # فإن قلت: إنك تلتزم هذاو وتصر (4) على أنه لم يكن في زمن الصحابة إلا مفت ~~واحد, فقد أنكرت الضرورة, ولم يكن [لمناظرتك] (5) صورة, فقد نقلت الفتيا عن ~~أكثر من مائة نفس من PageV01P221 # الصحابة, ذكرهم غير واحد من العلماء, منهم: الحافظ أبو محمد بن حزم (1) , ~~والشيخ أحمد بن محمد في كتاب ms109 ((الشجرة)) (2). # وتعيينهم وكمية عددهم, وإن نقلت بالآحاد فكثرتهم في الجملة معلومة ~~بالضرورة, وأما إن أقر بما هو معلوم من أن العامة لم يكونوا ملتزمين لمذهب ~~صحابي واحدو وأن الصحابة لم يكونوا مقتصرين على فتوى مفت واحد, فليت شعري ~~أي البواطل تركب؟ هل القول بأن كل مفت من الصحابة كان له أتباع؟ فهذا يفضي ~~في تشعب مذاهبهم إلى غاية الاتساع, فيكون العامة في زمنهم أكثر من مئة فرقة ~~على عدد المفتين, أو ترتكب القول بإلزام العامة لمذاهب جماعة مخصوصين, فهذا ~~مثل دعوى الروافض للاختصاص بالعلم بالنص على اثني عشر إماما منصوصين. # والجواب عليهم الجميع: أن أهل العلم يشاركون لكم في معرفة الآثار, والبحث ~~عن السير والأخبار, ولم يعرفوا من هذا شيئا, ولا عرفوا فيه علما ولا ظنا, ~~ولا يصح أن يوحي إليكم ذلك من دون الناس, فما سبب الانفراد بهذا العلم ~~والاختصاص؟. # وبالجملة: فالمعلوم ضرورة أن العامي في زمن الصحابة كان يفزع في الفتوى ~~إلى من شاء منهم, من غير نكير في ذلك, وهذا من الأمور المعلومة, وقد احتج ~~بذلك ابن الحاجب في ((مختصر PageV01P222 # المنتهى)) (1) على أن الالتزام لا يجب وادعى القطع بوقوعه, وكذلك الشيخ ~~أبو الحسن احتج في ((المعتمد)) (2) بإجماع الصحابة على عدم الالتزام, قال ~~قطب الدين في شرح كلام ابن الحاجب ما لفظه: ((احتج المصنف بالإجماع (3) على ~~الجواز بوقوعه -أي بوقوع المتنازع فيه /في زمن الصحابة وغيرهم- من غير ~~إنكار من [أحد] (4) ولو كان ذلك منكرا لأنكر, ولم ينقل عن أحد من الصحابة ~~والتابعين الإنكار ولا الحجر على المستفتي في تقليد إمام واحد. # فإن قلت: فهذا الإجماع يقتضي أنه لا يجب الترجيح, وأنت قد ذكرت أنه يجب. # قلت: إنما ذكرت أنه يجب حين يختلف أهل الفتوى على العامي فيزول ظنه لصدق ~~المفتي وصحة فتواه, وهذه الصورة التي أوجبت فيها الترجيح, لم يظهر وقوعها ~~في زمنهم, فكيف الإجماع عليها؟! وإنما كان العامي في زمنهم يسأل أحدهم وهو ~~لا يعلم أن الآخر يخالفه, فإذا سمع الفتوى ظن صحتها, وطابت نفسه بها, ~~وكأنما ms110 سمعها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وهذا هو المعروف من ~~أحوال العامة وأكثرهم, فإنهم لا يعلمون أن المفتي قد يفتي برأي منه يخالف ~~فيه من هو أعرف منه, وأنما يعتقد أكثرهم أن الفتوى إنما هي بنصوص ~~PageV01P223 # واضحة من صاحب الشريعة, فلا يدخل في حكمهم من عرف مراتب الضعف والقوة في ~~مآخذ أهل الفتوى إذا سمع الخلاف, وتعارضت عليه الأقوال, ووقع في حيرة الشك, ~~وظلمة التعارض, فإنه يجب على هذا الرجوع إلى النظر في الأمارات والمرجحات ~~حتى يلوح له ما تطيب به نفس من رجحان ما هو عليه, وصحة ما يذهب إليه لقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) (1) ~~ولما قدمنا من الأدلة في ذلك, وسوف يأتي مزيد بيان لوجه الاحتجاج بهذا ~~الحديث, وبيان معناه في مسألة قبول أهل التأويل إن شاء الله تعالى. ### | النظر الثاني: # أن المعترض قال في احتجاجه ما لفظه: ((إنه لم يعلم أحد من المقلدين يتردد ~~(2) بين مذاهب علماء (3) الإسلام)) , وهذا منه احتجاج بإجماع العامة, وليس ~~يعتبر بهم في الإجماع مع المجتهدين فكيف بهم منفردين؟ وفي الحديث الصحيح ~~المتفق عليه PageV01P224 # من حديث عبد الله بن عمرو (1) مرفوعا: ((إن الله لا يقبض العلم ينتزعه ~~انتزاعا, وإنما يقبض العلم بقبض العلماء, حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس ~~رءوسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا (2))). فهذا الحديث يقتضي (3) أن ~~العامة قد يجتمعون على الضلال والإضلال, ولا يكون إجماعهم حجة يعصم من ~~الضلال. ### | النظر الثالث # : أنا لو سلمنا أن إجماعهم حجة لما دل على مذهبه, لأنه فعل لا قول, وفعل ~~الأمة دليل على الجواز لا على الوجوب, لأنهم إنما عصموا عن الحرام لا عن ~~المباح, فلا مانع من أن يكون فعلهم مباحا, فلو قدرنا أنهم التزموا مذهبا ~~لكان ذلك دليلا على جواز ذلك لا على وجوبه, ونحن لا ننازعك في جواز ذلك ~~وجواز خلافه, وإنما نازعناك في مسألة مخصوصة لم ينقل أن الأمة أجمعت فيها ~~/بعينها إجماعا قوليا ولا فعليا, فبان ms111 بهذه الأنظار أنه وهم ثلاثة أوهام: # أحدها: أن الأمة أجمعت على الالتزام, والإجماع إنما انعقد على عدم ~~الالتزام. # وثانيها: أن إجماع العامة حجة. # وثالثها: أن الإجماع الفعلي دليل الوجوب, فلو أنه احتج بتقرير العلماء ~~للعامة لكان أقرب له, وإن كان لا يسلم من وهمين, فوهمان PageV01P225 # خير من ثلاثة. # *وبعض الشر أهون من بعض (1) * ### | النظر الرابع: # ادعى أن التنقل ما وقع في المذاهب ألبتة, وأن أحدا من المقلدين ما علم ~~أنه كان شافعيا في مسألة حنفيا في أخرى. # وهذا الكلام يدل على أحد أمرين: إما على شدة تغفيله, وأنه لا يدري ما ~~يقول وإما على كثرة جرأته وقلة مبالاته, وذلك أنه لا يعلم أن أحدا من ~~المقلدين ما عمل بغير مذهب إمامه قط إلا الله سبحانه وتعالى, لأن الإحاطة ~~بأعمال المقلدين متعذرة مع انتشارهم في أقطار الإسلام شرقا وغربا وشاما ~~ويمنا, ومع وجود المتساهلين منهم وجود (2) الفساق المصرحين. # وليت شعري ما يقول هذا المعترض؟! هل يقطع بأن أحدا من المقلدين ما زنى ~~ولا سرق, ولا أربى ولا فسق؟ فهذا عناد عظيم, وبهتان مبين, أو يقر بذلك, ~~فكيف قطع بأنهم لا يفعلون -ولا أحد منهم- ما هو جائز عند كثير من علماء ~~الإسلام؟ ومن أين علم عصمتهم عن هذا الذي لم يقل أحد من الأمة: إن فاعله ~~مستحلا له يفسق ولا يعصي؟ والمعلوم خلاف ما ذكره من كثير من العامة, بل من ~~كثير من أهل التمييز, بل قد قدمنا كلام غير واحد من العلماء في وجوب ذلك ~~PageV01P226 # على أهل التمييز, ونص بعضهم على جوازه, منهم: المؤيد والداعي من أئمة ~~الزيدية, وعز الدين بن عبد السلام, والنواوي, وابن الصلاح من أئمة ~~الشافعية, بل بينا أن كلام الإمام الشافعي يقتضي ذلك كما تقدم (1). # وأما قول المعترض: إنه لا يوجد أحد من المقلدين من يكون هادويا في مسألة, ~~ناصريا في مسألة؛ فأعجب من هذا كله! وهو غفلة كبيرة, أو جحد للضرورة, فإن ~~العمل بمذهب الناصر في أن الطلاق البدعي لا يقع؛ ظاهر مشهور في نجد واليمن ms112 ~~من بلاد الزيدية, والعمل به معلوم فيما بينهم من المفتين والمستفتين من غير ~~التزام (2) لمذهب الناصر, وإنكار هذا خلع لعروة المراعاة [كعادات] (3) أهل ~~العناد, وغلو لم يبلغه أحد من أهل اللجاج. ### | النظر الخامس: # قال المعترض: ولو وقع هذا في زماننا لأنكره الناس. وهذا عجيب أيضا! لأنه ~~إما أن يريد أن هذه إجماعية, وهو الظاهر من كلامه, فهذا لا يصح لوجوه: # أحدها: أنه واقع ولم ينكره الناس كما (4) قدمته. # وثانيها: أن قوله: لو وقع لأنكره الناس؛ دعوى على الناس, بل PageV01P227 # دعوى لعلم الغيب بما يكون من الناس في المستقبل. # وثالثها: أنا في علة من كيفية العلم بإجماع العلماء فكيف بإجماع الناس؟!. # ورابعها: أنه قد حكم بالجهل على أهل زماننا, فمع ذلك كيف يحتج بإجماعهم, ~~/وليس يحتج إلا بإجماع العلماء؟. # قال: الوجه الثاني: أنه لا يتميز على هذا الوجه المجتهد من المقلد, فإنه ~~إذا رجح في كل مسألة, وعمل يما يترجح [له] (1)؛ فهذا شأن المجتهدين, وكونه ~~قد قال به قائل شرط في حق المجتهدين أيضا. # أقول: هذا الوجه أضعف مما قبله؛ والقول بالترجيح لا يؤدي إلى ما ذكره من ~~عدم الفرق بين المجتهد والمقلد, فالفرق بينهما واضح, وهو أن المقلد ليس له ~~أن يستقل بقول لم يسبق إليه, وإنما هو تبع لغيره, وقد رام المعترض أن يبطل ~~هذا الفرق فركب الصعب الذلول, وخالف المعقول والمنقول, والتزم أنه لا يحل ~~الاجتهاد لمجتهد حتى يسبقه غيره إلى اختياره, وهذا معلوم البطلان لوجوه: # أحدها: أنه يلزم بطلان اجتهاد خير الأمة من الصدر الأول الذين ابتكروا ~~الكلام في الحوادث, وسبقوا إلى الاجتهاد في المسائل. # وثانيها: أنه يلزم أن الحادثة إذا حدثت وليس فيها نص لمن تقدم من العلماء ~~لزم العمل فيها بغير اجتهاد ولا تقليد, لأن شرط كل واحد PageV01P228 # من الاجتهاد والتقليد موافقة نص متقدم, وقد عدم هذا الشرط فيلزم من ذلك ~~سقوط التكليف في هذا الحكم والعمل بالإباحة, أو تكليف ما لا يطاق من موافقة ~~مراد الله تعالى من غير اجتهاد ولا تقليد, وعلى هذا ms113 يكون ترك حفظ أقوال ~~العلماء المتقدمين أولى؛ ليبطل التكليف, ويأمن الوقوع في المعصية فيما لم ~~ينصوا عليه, وهذا شيء لم يسبق هذا المعترض إليه!!. # الوجه الثالث: أن الأمة مجمعة قديما وحديثا على أنه لا يشترط في الاجتهاد ~~ما ذكره, وإنما اشترط العلماء عدم مصادمة الإجماع القطعي, واختلفوا في ~~الظني (1) إذا لم يعارض بما هو أرجح منه, على ما هو مقرر في علم الأصول. # قال: ((الموضع الثاني في الدليل على أن في أخبار هذه الكتب المسماة ~~بالصحاح ما هو غير صحيح)) إلى آخر ما ذكره في الموضع الثاني. # أقول: كلامه في هذا الفصل مشتمل على أمرين: # أحدهما: الطعن في صحة حديث الصحاح بما فيه من حديث المحاربين لعلي - رضي ~~الله عنه -. # وثانيهما: الطعن على أهل الحديث بمذاهب نسبها إليهم, وإنما لم أورد كلامه ~~في هذا الفصل بلفظه, لأنه (2 تقدم شيء منه و (2) تقدم الجواب عليه, وسوف ~~يأتي أيضا كثير منه في الكلام على المتأولين PageV01P229 # , ويأتي الجواب عليه هنالك إن شاء الله تعالى. # وقد رأيت أن اقتصر على ذكر أوهام وهمها في هذا الفصل لا يخلو ذكرها من ~~فائدة, معرضا عما في سائر هذا الفصل من الأوهام التي لا يفيد ذكرها ولا يهم ~~أمرها, /فإن مجرد التعرض للاعتراض من غير فائدة مما ليس تحته طائل, ولا ~~يستكثر من ذكره فاضل. وقد أخرت الكلام في البغاة على أمير المؤمنين علي - ~~رضي الله عنه - إلى المسألة الثالثة ليكون الكلام في أهل التأويل, وما ~~يتعلق بهم في موضع واحد, فإن ذلك أحسن ترتيبا وأكثر تقريبا. وهذا بيان ما ~~وهم فيه المعترض على أهل السنة حرسها الله تعالى: # الوهم الأول: زعم صاحب الرسالة أن أهل الحديث يجيزون الكبائر في الأنبياء ~~عليهم السلام, ولكنه سماهم بغير اسمهم؛ فأفرط بذلك في وصمهم, فأقول: # لا غرو إن أوذي أهل التقى ... كل إمام بالأذى قد بلي # ما سلم الصديق من رافض ... ولا نجا من ناصبي (1) علي # يأيها الرامي لهم في دجى ... تعارض الشك بأمر جلي # بأنجم من علم أعلامهم ms114 ... تعارض الشك بأمر جلي # من ذلك ما ذكره القاضي الإمام العلامة عياض بن موسى اليحصبي المالكي في ~~كتابه ((الشفا)) , في التعريف بحقوق المصطفى)) (2) PageV01P230 # - صلى الله عليه وسلم - , فإنه اجاد الكلام (1 في هذه المسألة, وليس يتسع ~~هذا المختصر لذكر جملة شافية مما ذكره؛ فإنه نوع الكلام في هذا المعنى وذكر ~~(1) الأقوال, والحجج, والتأويل حتى بلغ كلامه في هذا قدر [ستين] (2) ورقة ~~بخط وسط, أو يزيد قليلا بحسب اختلاف خطوط (3) النسخ وأوراقها, ومن كلامه ~~فيه ما لفظه: ((أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر ~~الموبقات, ومستند الجمهور في ذلك الإجماع هو مذهب القاضي أبي بكر, ومنعها ~~غيره بدليل العقل مع الإجماع, وهو قول الكافة, واختاره الأستاذ أبو اسحاق. ~~وكذلك لا خلاف أنهم معصومون من كتمان الرسالة والتقصير في التبليغ)). # وذكر الإجماع على عصمتهم عن الصغيرة التي تؤدي إلى إزالة الحشمة, وتسقط ~~المروءة وتوجب الخساسة. ثم قال: ((بل يلحق بهذا ما كان من قبيل المباح فأدى ~~إلى مثل ذلك مما يزري بصاحبه, وينفر القلوب عنه)). ثم ذكر القاضي الخلاف في ~~عصمتهم قبل النبوة حتى قال: ((والصحيح تنزيههم من كل عيب, وعصمتهم من كل ما ~~يوجب الريب)). وذكر أيضا قبل هذا عصمة الأنبياء -عليهم السلام- من الصغائر ~~واختاره واحتج عليه. # وقال الفخر الرازي في ((محصوله)) (4) ما لفظه: ((والذي نقول PageV01P231 # به: إنه لم يقع منهم ذنب على سبيل القصد لا صغير, ولا كبير, وأما السهو ~~فقد يقع منهم بشرط أن يذكروه (1) في الحال, وينبهوا غيرهم على أن ذلك كان ~~سهوا. وقد سبقت هذه المسألة في علم الكلام, ومن أراد الاستقصاء فعليه ~~بكتابنا في عصمة الأنبياء والله تعالى أعلم)). # وقال الإمام الحافظ أبو زكريا النووي في كتاب ((الروضة)) (2): ((أن ~~الأنبياء -عليهم السلام- معصومون من تعمد الذنوب؛ صغيرها وكبيرها)) هذا ~~معنى كلامه, ولم يحضرني لفظه. # /وقال ابن الحاجب في ((مختصر المنتهى)) (3): ((الإجماع على عصمتهم بعد ~~الرسالة من تعمد الكذب في الأحكام, والإجماع على عصمتهم من الكبائر وصغائر ~~الخسة)). # وقال أبو عبد الله الذهبي في ((النبلاء)) (4) وقد ذكر ms115 ما معناه: تنزيه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأكل مما ذبح على النصب قبل النبوة, ~~فقال ما لفظه: ((ومازال المصطفى محفوظا محروسا قبل الوحي وبعده, ولو احتمل ~~جواز ذلك, فبالضرورة ندري أنه كان يأكل ذبائح قريش قبل الوحي, وكان ذلك على ~~الإباحة, وإنما توصف ذبائحهم بالتحريم بعد نزول الآية, كما أن الخمرة كانت ~~على الإباحة إلى أن نزل تحريمها بالمدينة بعد يوم أحد. PageV01P232 # والذي لا ريب فيه أنه كان معصوما قبل الوحي وبعده, وقبل التشريع من: ~~الزنا قطعا, ومن الخيانة, والغدر, والكذب, والسكر, والسجود لوثن والاستسقام ~~بالأزلام, ومن الرذائل, والسفه, وبذاء اللسان, وكشف العورة, ولم يكن يطوف ~~عريانا, ولا يقف يوم عرفة مع قومه بمزدلفة, بل كان يقف بعرفة)). انتهى ~~الكلام الحافظ الذهبي. # فهذا ما تيسر لي من نقل نصوصهم وقت تعليق هذا الجواب, مع البعد من ~~ديارهم, وعدم التمكن من الاستمداد من سائر مصنفاتهم, ومن الأخذ عن محققي ~~علمائهم, وقد بان بهذا أن جلة أئمتهم نصوا في كتبهم المتداولة بينهم على ~~عصمة الأنبياء من تعمد الصغيرة, وهذا هو المنصوص لعياض في كتاب ((الشفاء)) ~~, وللرازي في ((المحصول)) , وللنواوي في ((الروضة)) , فبان بهذا أنهم أكثر ~~تنزيها للأنبياء -عليهم السلام- من المعتزلة والزيدية, لأن مذهبهم تجويز ~~تعمد الصغائر على الأنبياء -عليهم السلام-, إلا [البغدادية من المعتزلة] ~~(1) فإنهم يمنعون ذلك, لأن كل عمد كبيرة عندهم لا لتنزيه الأنبياء من تعمد ~~الصغيرة, وإنما أتي صاحب الرسالة في رميهم بهذه الضلالة من سببين: # السبب ### | الأول: # أنه رأى هذا المذهب منسوبا إلى الحشوية فظن أن المحدثين هم الحشوية كما ~~قد سماهم بذلك في رسالته, وليس عليه في مجرد الجهل ذنب, فأكثر عامة ~~المسلمين لا يدرون من الحشوية ولا يعرفون أن هذه النسبة غير مرضية, وإنما ~~الذنب الرجم بالظنون الكاذبة, والخوض مع أهل العلم بغير معرفة. PageV01P233 # ومن كان له أدنى تمييز عرف أن نقاد الحديث وأئمة الأثر أعداء الحشوية, ~~وأكره الناس لهذه الطائفة الغوية, فإن الحشوية إنما سموا بذلك لأنهم يحشون ~~الأحاديث التي لا أصل لها ms116 في الأحاديث المروية عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - , أي: يدخلونها فيها وليست منها, رواه النفيس العلوي عن نشوان ~~بن سعيد الحميري (1) , وذكر ولده محمد بن نشوان (2) في كتابه ((ضياء ~~الحلوم)) (3) ما يدل على ذلك فقال: ((إن الحشوية سموا بذلك لكثرة قبولهم ~~الأخبار من غير إنكار)). # فإذا عرفت هذا تبين لك أن المحدثين [هم] (4) الذين اختصوا /بالذب عن ~~السنن النبوية والمعارف الأثرية, وحموا حماها من أكاذيب الحشوية, وصنفوا ~~كتب الموضوعات, وناقشوا في دقائق الأوهام حفاظ الثقات, وعملوا في ذلك ~~أعمالا عظيمة, وقطعوا فيها أعمارا طويلة, وقسموا الكلام فيه في أربعة فصول: ~~(5) # أحدها: معرفة العلل. # وثانيها: معرفة الرجال. PageV01P234 # وثالثها: معرفة علوم الحديث. # ورابعها: معرفة الحديث وطرقه. # واشتملت هذه الفنون من المعارف النبوية, والقواعد العلمية على ما يضطر كل ~~عارف إلى أنهم أتم الخلق عناية بحماية علم الحديث على التبديل والتحريف, ~~وأنهم الجهابذة النقاد بعلم المتن والإسناد, فإنهم الذين بينوا أنواع ~~الحديث التي اختلف في قبولها أهل العلم, مثل: التدليس والإعضال, والاضطراب ~~والإعلال, والنكارة والإرسال, والوصل والقطع, والوقف والرفع, وغير ذلك من ~~علوم الحديث الغزيرة, وفوائده العزيزة, ولأمر ما سارت تصانيفهم فيه مسير ~~(1) الكواكب, وانتفع بكلامهم فيه الولي الصادق, والعدو المناصب, والمتهم ~~لهم بحشو الأحاديث واختلاق الأباطيل في الحديث لا يكون من أهل العقول ~~التامة, دع عنك أهل المعارف الخاصة (2). # وذلك لأنه لا خفاء على العاقل: أن أئمة الفن لا يكونون هم المتهمين فيه, ~~إذ لو كان كذلك لبطل العلم بالمرة, فإنا لو اتهمنا النحاة في النحو, ~~واللغويين في اللغة, والفقهاء في الفقه, والأطباء في الطب؛ لم يتعلم جاهل, ~~ولا تداوى مريض, فياهذا! من للحديث إذا ترك أهله!؟ فلو عدمت تآليفهم فيه ~~وتحقيقهم لألفاظه ومعانيه؛ لأظلمت الدنيا على طالبه, وأوحشت المسالك (3) ~~على مريده. PageV01P235 # بل يا هذا! فكر لم سموا: أهل الحديث, ولم [سمي] (1) أهل الكلام بذلك, ~~وكذلك أهل النحو وسائر الفنون؟ فإن كان أهل الحديث عندك سموا بذلك مع عدم ~~معرفتهم بذلك, وكذبهم فيه, فهلا جوزت مثل ذلك في سائر الفنون, ms117 بل في سائر ~~أهل الصناعات, بل في جميع أهل الأسماء المشتقات, فيجوز أن يسمى الفقيه ~~نحويا, والمتكلم عروضيا, والغني فقيرا, والصغير كبيرا, وهذا ما لا يقول به ~~عاقل, ولا يرتضيه أحد من أهل الباطل. # ومن أحب أن يعرف حق المحدثين واجتهادهم [في التحري للمسلمين] (2) , ~~فليطالع تآليف نقادهم في الرجال والعلل والأحكام, مثل: ((ميزان الاعتدال في ~~نقد الرجال)) للذهبي, و ((التهذيب)) للمزي, و ((العلل)) للدارقطني, و ~~((علوم الحديث)) لابن الصلاح, وزين الدين العراقي, وغير ذلك, ثم ليطالع بعد ~~ذلك كتب ((الصحاح)) , و ((السنن)) لاحظا لما فيها من اختيار أصح الأسانيد, ~~والإشارة إلى مهمات ما يتعلق بالأحاديث: من العلل القادحة, والمرجحات ~~الواضحة, ثم ليوازم بينها, وبين مصنفات سائر الفرق في الحديث, يجد الفرق ~~بين التصانيف واضحا, والبون بين الرجال نازحا (3). # ومن موازين الإنصاف العادلة, وأدلة الأوصاف الفاضلة: أنك PageV01P236 # تراهم يضعفون الضعيف من فضائل أبي بكر, وعمر, /وعثمان ... -رضي الله ~~عنهم- ويصدعون بالحق في ذلك, وكذلك يضعفون ما يدل على مذهبهم متى كان ~~ضعيفا, ويضعفون كثيرا من علمائهم إذا كانوا ضعفاء, نصيحة منهم للمسلمين, ~~واحتياطا في أمور الدين. # وهذه إشارة مختصرة على (1 قدر هذا (المختصر) (1) , دعا إلى ذكرها تعريف ~~من أنكر الجليات, ودافع ما هو كالمعارف الأوليات, إذ من المعلوم أن أهل ~~الحديث اسم لمن عني به, وانقطع في طلبه, كما قال بعضهم: # إن علم الحديث علم رجال ... تركوا الابتداع للاتباع # فإذا جن ليلهم كتبوه ... وإذا أصبحوا غدوا للسماع # فهؤلاء هم من أهل الحديث من أي مذهب كانوا, وكذلك أهل العربية, وأهل ~~اللغة فإن أهل كل فن هم أهل المعرفة فيه, وتحقيق ألفاظه ومعانيه, وقد ذكر ~~أئمة الحديث ما يقتضي ذلك, فإنهم مجمعون على أن أبا عبد الله الحاكم بن ~~البيع من أئمة الحديث, مع معرفتهم أنه من الشيعة (2) وقد ذكروا في كتب ~~الرجال كثيرا من أئمة الحديث, ورواة الصحيح منسوبا إلى البدع, وبهذا تزداد ~~أقوال المعترض بطلانا في نسبة المحدثين إلى الحشوية, ويظهر (3) أنه قد ~~PageV01P237 # نسب إلى الحشو جماعة من أهل مذهبه ms118 (1) وسائر الفرق, بل نسبة ذلك إلى خير ~~الفرق (2) , فإن المتمسكين بالآثار (3) النبوية هم خير الفرق الإسلامية, ~~لأنهم أشبه الخلق خلقا وسيرة وعقيدة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # والمحدث إن كان مراعيا للسنة, مجانبا للبدعة, ملاحظا لما كان عليه السلف, ~~فهو جدير بإجماع من يعتد به على صحة ما هو عليه وقوة ما استند إليه. # وإن كان من بعض الفرق المبتدعة؛ فهو خير تلك الفرقة, وأشبههم خلقا وسيرة ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وهذا هو الغالب, ولا عبرة بالنادر ولا ~~بمن ليس من أهل الديانة, فنسبة خير الفرق إلى شر فرقة تلقيبهم بأخس لقب؛ من ~~التهافت في مهاوي الضلال, والخبط في تيه الوبال. PageV01P238 # ويلحق بهذا فائدة تزيد ما ذكرناه تحقيقا, وتزيد أئمة الحديث توثيقا, وهي: ~~أن المشهورين بتجويز الكذب في الحديث من الحشوية الطائفة المسماة ~~بالكرامية, وقد أطلق (1) الرازي (2) نسبة هذا إلى الكرامية, وحققه الإمام ~~أبو بكر محمد بن منصور السمعاني (3) فنسبه إلى بعضهم فيما لا يتعلق ~~بالأحكام مما يتعلق بالترغيب والترهيب, والمحدثون براء من هذه الطائفة, وقد ~~تكلموا عليهم في غير كتاب فممن تكلم عليهم الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) ~~(4) , فإنه قال في ترجمة ابن كرام -شيخ هذه الطائفة- ما لفظه: ((محمد بن ~~كرام العابد المتكلم ساقط الحديث على بدعته, أكثر عن أحمد الجويباري, ومحمد ~~بن تميم السعدي, وكانا كذابين. # قال ابن حبان /: خذل حتى التقط من المذاهب أرداها (5) , ومن الأحاديث ~~أوهاها. # وقال أبو العباس (6): شهدت البخاري, ودفع إليه كتاب من ابن كرام يسأله عن ~~أحاديث منها: الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعا: ((الإيمان لا يزيد ولا ينقص)) ~~, فكتب البخاري على ظهر كتابه: من PageV01P239 # حدث بهذا استوجب الضرب الشديد, والحبس الطويل. # وقال ابن حبان: جعل ابن كرام الإيمان قولا (1) بلا معرفة. # وقال ابن حزم: قال ابن كرام: الإيمان قول باللسان, وإن اعتقد الكفر ~~بقلبه. قال شيخ أهل الحديث ابن الذهبي: ((هذا منافق محض في الدرك الأسفل من ~~النار, فأيش ينفع ابن كرام أن يسميه مؤمنا؟ قال الذهبي: وقد سجن ابن ms119 كرام ~~لبدعته بنيسابور ثمانية أعوام. وقد سقت أخباره في ((تاريخي الكبير)) (2))) ~~انتهى كلامه. # فيا من لا يفرق بين الحشوي والمحدث! انظر إلى نصوص أئمة الحفاظ في إنكار ~~مذهب ابن كرام في رواية الأحاديث الواهية, وفي القول بالإرجاء, وقد نص ~~البخاري علي: أن راوي الحديث المقدم الذي هو حجة المرجئة يستوجب الضرب ~~الشديد, والحبس الطويل, وعن قريب تأتي نسبتك للإرجاء إلى المحدثين, وقل لي ~~من الذي حبس ابن كرام في نيسابور على بدعته؟ ولمن كانت الشوكة في نيسابور ~~في ذلك العصر وهو بعد المئتين؟ # فإن قلت: إنك إنما سميت المحدثين بالحشوية: لكون الحشوية من فرقهم, ~~والجامع لهم: ردهم لمذهب الشيعة والمعتزلة. # قلت: هذا ليس مما تعذر به, فإن المنصور بالله روى عن المطرفية وهم من فرق ~~الزيدية -أنهم يستجيزون الكذب في الحديث في نصره ما اعتقدوه حقا, وذكر أنهم ~~صرحوا له بذلك في المناظرة, PageV01P240 # وقد صح عنهم من البدع ما هو شر من ذلك. # وكذلك الحسينية قد صح تواتر أنهم يفضلون الحسين بن القاسم (1) على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - , وهم من فرق الزيدية, والزيدية يكفرون هاتين ~~الطائفتين, فكما لم يلزم الزيدية شيء من تلك البدع لقول بعض جهلتهم بها, مع ~~إنكارهم على من قالها؛ فكذلك لا يلزم أهل الحديث كل بدعة قيلت في بلادهم أو ~~قالها من وافقهم في بعض عقائدهم, فزن الأشياء بالموازين العلمية وتعرف من ~~الحشوية, واحذر أن تكون من هذه الفرقة الغوية, لقبول الكثير (2) من ~~الأحاديث الفرية, المدسوسة في الأحاديث المروية. # السبب ### | الثاني: # أن الأنبياء -عليهم السلام- قبل النبوة لا يسمون أنبياء حقيقة, ولا تثبت ~~لهم أحكام النبوة, ألا ترى أن كلامهم وأفعالهم قبل النبوة ليست بحجة, ~~وأمرهم قبلها لا يقتضي الوجوب, والشاك في حكمهم (3) قبلها لا يكفر, وذلك ~~لأن حكمهم قبل النبوة PageV01P241 # حكم سائر المسلمين, فلما /كان الأمر كذلك, ولم يرد في حكمهم قبل النبوة ~~نص يرجع إليه, ولا إجماع يعتمد عليه ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني, وكثير ~~من الأشعرية وكثير من المعتزلة: إلى أنه لا ms120 دليل قاطع يدل على عصمتهم ~~-عليهم السلام- قبل النبوة, مع اعترافهم أن الأنبياء -عليهم السلام-[كانوا] ~~(1) قبل النبوة في أرفع مراتب الفضل والكمال لكن قالوا: إن ذلك كان منهم ~~كما كان من أفاضل المسلمين من غير دليل قاطع يدل على العصمة. وهذا القول ~~-مع بعد أهل الحديث عنه لتعلقه بعلم الكلام الذي لا يخوضون فيه- قول بعيد ~~عما اجترأ المعترض بنسبته إلى أهل الحديث لوجهين: # الوجه الأول: أن من جوز على الأنبياء -عليهم السلام- شيئا قبل النبوة لم ~~يجز أن ينسب إليه القول بذلك بعد النبوة, ولو ساغ ذلك لجاز أن ينسب إلى ~~المعتزلة والزيدية أن كلام الأنبياء غير حجة, والإيمان بهم غير واجب, لأن ~~هذا هو حكم الأنبياء عندهم قبل النبوة, بل كان يلزم أن يجوز نسبة هذا إلى ~~جميع المسلمين. # الوجه الثاني: أن هؤلاء الذين جوزوا هذا من متكلمي المعتزلة والأشعرية لم ~~يقولوا بوقوعه, بل هم معترفون أن الواقع خلافه, وأن الأنبياء -عليهم ~~السلام- كانوا قبل النبوة وبعدها من أعظم الخلق أمانة, وأحسنهم ديانة, ~~وأطيبهم أعرافا, وأكرمهم أخلاقا. # وفرق بين القول بأن الأنبياء قبل النبوة كانوا من الفضلاء الصالحين, ~~لكنهم كانوا غير معصومين, وبين القول بأنهم كانوا قبل PageV01P242 # النبوة غير معصومين, ولا صالحين, فإن القول بعدم العصمة مع الاعتراف ~~بالفضل والصلاح لا يستلزم الاستهانة, ألا ترى أن جميع الأئمة والأولياء عند ~~الجميع غير معصومين من الكبائر, مع أنهم عندنا في أعلى مراتب الصلاح, فليس ~~يلحق: إبراهيم بن أدهم, وأويسا القرني, أمثالهم نقص ولا استهانة منا حين لم ~~نعتقد عصمتهم. # وليس يظهر للخلاف فائدة تحقيقية, ولكن تقديرية, وهو: أنه لو فرض وقوع ~~كبيرة من بعض الأنبياء -عليهم السلام- قبل النبوة لوجب الكفر [بنبوتهم] (1) ~~عند أكثر المعتزلة, ولم يجب عند الأشعرية, وكثير من المعتزلة, وهذا لا يلزم ~~القائلين بعدم العصمة للأنبياء قبل النبوة كفرا أبدا, لأنهم آمنوا ~~بالأنبياء سواء كانوا معصومين /قبل النبوة أو لا, وأما القائلون بالقطع ~~بعصمة الأنبياءقبل النبوة؛ فعلى تقدير أن الأنبياء غير معصومين قبل النبوة, ~~فقد كفروا بهم كفرا مشروطا, ففي قولهم ms121 كفر مشروط بشرط لا يقع عندهم, وفي ~~قول الفريق الأول إيمان مقطوع, فما سبب التشنيع عليهم, والتقبيح لمذهبهم, ~~مع عدم مخالفة النصوص الشرعية والأدلة العقلية الضرورية, وعدم الإجماع على ~~هذه المسألة الخفية النظرية؟! # والمختار أن الأنبياء -عليهم السلام- معصومون قبل النبوة بدلائل ظنية ~~وبعدها بدلائل قطعية, بهذا يحصل الإيمان المقطوع ونسلم من الكفر المشروط, ~~مع مراعاة بذل الجهد في تعظيم جناب النبوة, وتوفير أهلها, وإطلاق القول ~~بعصمتهم قبلها وبعدها, وأما PageV01P243 # تفصيل الأدلة على ذلك؛ فذكره يخرجنا عن المقصود, وله موضع غير هذا. ### | الوهم الثاني: # قال المعترض: إن هؤلاء الحشوية -وعنى بهم أهل الحديث- يجوزون الكبائر على ~~الأنبياء, ولا يجوزونها على الصحابة, واحتج على ذلك بأشياء: منها ما نذكره ~~هنا, ومنها ما نذكره في مسائل التأويل (1) إن شاء الله تعالى. # فمما (2) نذكره هنا: أنه احتج على ذلك بأن المحدثين احتجوا في الكتب ~~الصحيحة بحديث الوليد بن عقبة. # والجواب عليه في ذلك: أن ما ذكره غير صحيح عنهم, فلم يقولوا بعصمة أحد من ~~(3 من الصحابة فمن دونهم (3) غير النبي - صلى الله عليه وسلم - , وإنما ~~الشيعة هم الذين قالوا بعصمة غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ممن ~~بعده, فمنهم: من اقتصر على عصمة (4أمير المؤمنين (4) علي وفاطمة والحسنين ~~-رضي الله عنهم-, ومنهم: من زاد على ذلك, فالإمامية قالت: بعصمة اثني عشر ~~إماما, وفي الزيدية من زاد على ذلك, وقال بعصمة كل إمام من أئمة الزيدية, ~~وهو إمام علوم الزيدية المجمع عندهم على علمه وفضله السيد الإمام أبو ~~العباس الحسني (5) روى ذلك عنه (6) غير PageV01P244 # واحد من علماء الزيدية, منهم: الفقيه العلامة عبد الله بن زيد في كتابه ~~((المحجبة البيضاء)) (1) , وذلك مشهور عن أبي العباس. # وقد اضطره هذا القول إلى القول بأن أئمة الزيدية لم يختلفوا في الفروع, ~~ولما كان الاختلاف بينهم في الفروع معلوما ألجأه الجمع بين مذهبه وبين ~~اختلافهم: إلى تأويل اختلافهم /, فصنف في ذلك كتابه المعروف ((بالتلفيق)) ~~(2) وهو كتاب معروف, قد وقفت عليه, مضمونه تأويل اختلافهم على وجه يوجب ~~الاتفاق, وذلك خلاف ms122 ما عليه جميع الزيدية؛ فإنهم يذهبون إلى أن وقوع الخلاف ~~بين الأئمة معلوم ضرورة, وقالت الزيدية: إن عصمة علي وفاطمة والحسنين -رضي ~~الله عنهم- أعظم من عصمة الأنبياء -عليهم السلام- لأن الصغائر عندهم تجوز ~~على (3 الأنبياء, ولا تجوز على (3) المذكورين من أهل البيت -رضي الله ~~عنهم-, لأنها لو وقعت منهم لم يعلم بها, مع (4) أن أقوالهم وأفعالهم حجج ~~(5) في الشرائع!! , والأنبياء -عليهم السلام- PageV01P245 # إن (1) وقعت منهم الصغائر بينها الله تعالى, فهذه أقوال الشيعة مصرحة ~~بعصمة غير الأنبياء منصوصة في مصنفاتهم. # وأما أهل الحديث فما قالوا بشيء من ذلك, بل قصروا العصمة على النبوة, ~~وإنما قالوا بعدالة الصحابة في الظاهر كما نص على ذلك الفخر الرازي في ~~((محصوله)) (2) , وكما سيظهر ذلك من نصوص غير واحد منهم, ولم يقل أحد من ~~أهل السنة بعصمة أحد من الصحابة في الباطن والظاهر, وكم بين القول بالعدالة ~~في الظاهر, والقول بالعصمة في الباطن والظاهر! فإن كان المعترض يزعم أنهم ~~نصوا على العصمة, فهو كذاب أشر غير جدير بالمناظرة, وإن كان يزعم أن نصوصهم ~~على عدالة الصحابة في الظاهر تقتضي العصمة؛ فكذلك نصوص الزيدية على عدالة ~~العدول من أئمتهم, وسائر المسلمين وكان يلزمه أن تقتضي عصمتهم. # وأما احتجاجه على ما ادعى على المحدثين بروايتهم لحديث الوليد بن عقبة ~~وإدخالهم لحديثه في الكتب الصحيحة؛ فذلك لجهل المعترض بالكتب الصحيحة, ~~وبنصوص أئمة الحديث على فسق الوليد نصوصا صريحة. # قال إمام أهل الحديث أبو عمر بن عبد البر في كتاب ((الاستيعاب في معرفة ~~الصحابة)) (3) -وقد ذكر الوليد- ما لفظه: ((له أخبار PageV01P246 # فيها نكارة وشناعة تقطع (1) على سوء حاله وقبح فعاله)). # وحكى عن أبي عبيدة والأصمعي, وابن الكلبي, وغيرهم: أنهم كانوا يقولون: ~~كان الوليد شريب خمر فاسقا. # وقال ابن عبد البر -بعد ذكر هذه الأمور-: ((إن الوليد لم يرو سنة يحتاج ~~فيها إليه)). # قال: ((وأخباره في شربه الخمر, ومنادمته لأهلها كثيرة مشهورة, يسمج بنا ~~ذكرها هاهنا, ونذكر منها طرفا)). # ثم ذكر أنه صلى الفجر بأهل الكوفة أربع ركعات ثم قال أزيدكم؟ فقال عبد ms123 ~~الله بن مسعود: ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم, فقال الحطيئة (2) [في ذلك] ~~(3): # تكلم في الصلاة وزاد فيها ... علانية وجاهر بالنفاق # ومج الخمر في ستر (4) المصلى ... ونادى الجميع إلى افتراق # أزيدكم على أن تخمدوني ... فما لكم ومالي من خلاق # / وقال أيضا: (5) PageV01P247 # شهد الحطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر # نادى وقد تمت صلاتهم ... أأزيدكم سكرا وما يدري # فأبوا أبا وهب ولو أذنوا ... لقرنت بين الشفع والوتر # كفوا عنانك إذ جريت ولو ... تركوا عنانك لم تزل تجري # قال أبو عمر بن عبد البر: ((وقوله: أزيدكم -إذ صلى الصبح أربعا- مشهور من ~~رواية الثقات, من نقل أهل الحديث, وأهل الأخبار)). ثم ذكر ما روي من (1) ~~أنه تعصب عليه قوم من أهل الكوفة بغيا وحسدا وشهدوا زورا أنه تقيأ الخمر, ~~وذكر القصة, ثم قال: ((هذا لا يصح عند أهل الحديث, ولا له عند أهل العلم ~~أصل)) , يعني أن قوما شهدوا عليه بذلك (2) زورا. # ثم ذكر الروايات الصحيحة عند أهل الحديث في ذلك, وذكر القصة التي في ~~((صحيح مسلم)) (3) وغيره وقيام الشهادة العادلة على شربه, وأمر على وعثمان ~~-رضي الله عنهما- بجلده. # وكذلك ذكر الحافظ الكبير أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي في كتاب ~~((النبلاء)) (4): أن الوليد كان يشرب الخمر وحد على شربها, وروى من شعره ~~فيها, قال: وهو (5) الذي صلى بأصحابه الفجر أربعا PageV01P248 # وهو سكران, ثم التفت إليهم, وقال: أزيدكم, وقال لأمير المؤمنين علي - رضي ~~الله عنه -: أنا أحد منك سنانا, وأذرب لسانا, وأشجع منك جنانا (1) , فقال ~~له: اسكت, فإنما أنت فاسق, فنزلت {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} ~~[السجدة:18]. رواه الذهبي, وقال: ((إسناد قوي)). # وقال إمام أهل السنة أحمد بن محمد بن حنبل: إن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - امتنع أن يمس الوليد أو يدعو له, ومنع بركة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لسابق علمه فيه, ذكر هذا الإمام أحمد حين روى الآتي ذكره. # وذكر الواحدي في ((أسباب النزول)) (2) في قوله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا إن ms124 جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} [الحجرات:6]. أنه الوليد ولم يذكر غيره. ~~وروى حديثين في الاستدلال على أنه الوليد, ومثله ذكره في ((وسيط)) (3) ~~الواحدي, و ((عين المعاني)) (4) , و ((تفسير القرطبي)) (5) و ((تفسير عبد ~~الصمد الحنفي)) (6) , و ((تفسير ابن الجوزي)) (7) و ((مفاتيح PageV01P249 # الفخر الرازي)) (1) لم يذكروا سواه مع توسع بعضهم في النقل. # وقال أبو عمر بن عبد البر في ((الاستيعاب)) (2) ما لفظه: ((ولا خلاف بين ~~أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن هذه الآية نزلت في الوليد, وروى إمام ~~المحدثين مسلم بن الحجاج في ((صحيحه)) (3) الذي اتفق أهل الحديث على صحته ~~أن الوليد شرب الخمر, وقامت الشهادة عليه بذلك (4) عند عثمان - رضي الله ~~عنه - , فأمر عثمان عليا - رضي الله عنه - بحد الوليد, فأمر علي عبد الله ~~بن جعفر بذلك فحده, وعلي يعد حتى بلغ أربعين, فقال له علي: جلد /رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أربعين, وأبو بكر أربعين, وعمر - رضي الله عنه - ~~ثمانين, وكل سنة, وهذا أحب إلي. # قال أبو عمر بن عبد البر في ((الاستيعاب)) (5): ((وروى ابن عيينة عن عمرو ~~(6) بن دينار عن أبي جعفر محمد بن علي قال: جلد علي الوليد في الخمر ~~أربعين, قال أبو عمر: أضاف الجلد إلى علي لأنه الآمر به كما مر)). ~~PageV01P250 # فانظر ما في هذه القصة من عدل الصحابة -رضي الله عنهم-. # أما عثمان فأمر بجلد الوليد مع أنه أخوه لأمه, ولم يقنع بجلده حتى جلده ~~(1) بيد علي - رضي الله عنه - , لأنه عدو الوليد, وبينهما ما قدمنا, فهذا ~~إنصاف عثمان لعلي -رضي الله عنهما-. # وأما علي - رضي الله عنه - فلأنه لم يغتنم الفرصة في عدوه, ويتشفى في ~~جلده بيده, ويستوفي الحد ثمانين, بل أمر عبد الله بن جعفر بحد الوليد, ~~ومنعه من الزيادة على أربعين مع تصريحه أن الثمانين عنده سنة -فرضي الله ~~عنهم وأرضاهم-, فلقد كانوا خير أمة أخرجت للناس كما وصفهم الله تعالى. # فيا أيها المدعي على أهل البيت أنهم يقولون بعصمة الصحابة أجمعين, ~~ويفضلونهم على الأنبياء والمرسلين, كيف تصنع بجحد هذه النصوص ms125 البينة ~~والأدلة النيرة! وكيف تجترىء معها على رمي المحدثين بأنهم لا يجيزون ~~الكبائر على أحد ممن رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنهم يقولون: ~~إن الصحابي إذا فعل المعصية الظاهرة عدوها صغيرة, فالوليد بن عقبة صحابي ~~بإجماعهم, أمالك يا هذا حياء يكفك عن مثل هذه الأكاذيب الواضحة والأباطيل ~~الفاضحة؟! وإنما قال المحدثون: إن الصحابة عدول في الظاهر كما قدمنا ليخرج ~~من ذلك من فعل الكبائر من غير تأويل كالوليد بن عقبة, وإنما ذكروا أن ~~الصحابة كلهم عدول على الإطلاق؛ لأن ذلك هو الكثير, وليس يخرج منه إلا ~~النادر اليسير, فالفاسق الذي لم يظهر التأويل في ذلك الصدر كالشعرة ~~PageV01P251 # السوداء في الثور الأبيض. # وأما القول بعصمة كل من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - , أو بعدالة من ~~تعمد الكبائر من أهل ذلك العصر؛ فلم يقل بذلك أحد منهم قولا صريحا, وإن كان ~~عموم كلام بعضهم يقتضيه فالنص (1) الصريح يخصص اللفظ العام, وقد ذكر ~~النواوي -رحمه الله- في ((شرح مسلم)) (2) , وغيره من أهل الشروح والتاريخ ~~أنه ارتد عن الإسلام جماعة ممن يطلق عليه اسم الصحبة. # وذكر ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) جماعة جرحهم وبين كلام أئمة الحديث ~~فيهم. # منهم: الوليد (3) وقد مر كلام الأئمة فيه, ومنهم بسر (4) بن أرطأة (2 ~~ذكره ابن عبد البر (5) , وذكر ما له من الأفعال القبيحة, وقال فيه: ((قال ~~أبو الحسن الدارقطني: بسر بن أرطأة (6) له صحبة, ولم يكن له استقامة بعد ~~النبي/ - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي قتل طفلين لعبيد الله بن العباس)). # وأنشد ابن عبد البر لأمهما عائشة بنت عبد المدان: PageV01P252 # ها من أحس (1) بني (2) اللذين هما ... كالدرتين تشطى عنهما الصدف # ها من أحس بني اللذين هما ... سمعي وعقلي فقلبي اليوم مختطف # حدثت بسرا وما صدقت ما زعموا ... من قتلهم ومن الإثم الذي اقترفوا # أنحى على ودجي ابني مرهفة ... مشحوذة وكذاك الإثم يقترف # قال ابن عبد البر: ((ثم وسوست؛ فكانت تقف في الموسم تنشد هذا الشعر, ~~وتهيم على وجهها)). # قال: ((وكان ابن معين يقول فيه: ms126 إنه رجل سوء)). # قال أبو عمر بن عبد البر: ((وذلك لأمور عظام ركبها في الإسلام)) , وذكر ~~أنه أغار على همدان, وقتل سبى نساءهم فكن أول مسلمات سبين في الإسلام. # ولما ذكر هذا أبو عمر استشعر سؤال سائل يرد عليه, فإنه قدم في أول الكتاب ~~أن الصحابة كلهم عدول, وهذا يناقض ذلك؛ فأراد أن يرفع هذا الإشكال بتخصيص ~~من شذ عن الصحابة, وخالف ما كانوا عليه من الديانة أو الدخول في الفتن مع ~~التأويل والتحري, فروي ابن البر في هذا الموضع حديث ابن عباس مرفوعا: ~~((إنكم محشورون إلى الله عز وجل)) , وذكر الحديث وفيه: ((فأقول يا رب ~~أصحابي, فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)) (3). PageV01P253 # قال أبو عمر: والآثار في هذا المعنى كثيرة جدا قد تقصيتها في ذكر (الحوض) ~~في باب: خبيب من كتاب ((التمهيد)) (1) والحمد لله تعالى)). انتهى لفظه. # وقد نقم بعض أهل الحديث (2) على ابن عبد البر تعرضه في ((الاستيعاب)) ~~لذكر ما شجر بين الصحابة, ولم يريدوا نقم هذا الجنس, إنما نقموا ذكر ما شجر ~~بينهم مما وقع بين أهل الفضل على سبيل التأويل الذي لا يقدح به في رواية ~~الحديث, أما ارتكاب الكبائر عمدا؛ فذكره واجب لأجل الجرح به فاعلم ذلك. # قلت: هذا مع أن ابن عبد البر ذكر في خطبة ((الاستيعاب)) (3) أن الصحابة ~~كلهم عدول بتعديل الله تعالى, وهذا يدل على أنهم أرادوا بعدالة الصحابة ما ~~قدمته من عدالتهم [و] (4) عدم الاعتداد بالنادر. # فإن قلت: فما الفرق بين مذهب الشيعة, وأهل الحديث في الصحابة؟ # قلت: من وجوه: # الأول: في الخلافة وهو معروف. # والثاني: أن أهل الحديث يحملون من أظهر التأويل من الصحابة PageV01P254 # على أنه متأول. # الثالث: أن أهل الحديث لا يكرهون العاصي من الصحابة, وإنما يكرهون ~~معصيته, ويحبونه لإسلامه وصحبته, ويترحمون عليه ويرضون (1) عنه, ويذكرون ~~ماله من الفضائل ولا يسبونه ولا يؤذونه, وتفصيل المقاصد والحجج مما لا يتسع ~~له هذا الموضع. # وللزيدية مثل ذلك بل أكثر منه في حق الحسين بن القاسم (2) , ومن ينتسب ~~إليهم. # وللمعتزلة مثل ms127 ذلك في حق ابن الزيات (3) ,/والصاحب الكافي (4) , ونحوهما ~~لمن يميل إلى مذهبهم. # وأما قول المعترض: إن أهل الكتب الستة رووا عن الوليد؛ فجهل وغلط, وأما ~~قوله: إن أبا داود روى عنه؛ فروى عنه حديثا واحدا بعد أن رواه من ست طرق؛ ~~وقد روى أبو داود: أنه شرب PageV01P255 # الخمر, وحد عليها (1) , فكيف تكون روايته عنه مع هذا كله تعديلا له؟ ~~فالرواية من غير متابع ولا شاهد, ولا جرح للراوي ليست تعديلا, كيف مع جرحه, ~~ومع ذكره بعد (2) غيره على سبيل الاستشهاد؟!. # وأنا أذكر الحديث الذي رواه عنه, وطرقه, وسبب استشهاده بحديث الوليد ~~فأقول: بوب أبو داود بابا في كراهية الخلوق للرجال (3) , وذكر ما ورد في ~~ذلك, واستوفى الطرق, ولم يقتصر على الطرق الصحيحة. # وروى عن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - أنه قال: قدمت أهلي وقد تشققت ~~يداي فخلقوني بزعفران, فغدوت على النبي - صلى الله عليه وسلم - , فسلمت ~~عليه, فلم يرد علي ولم يرحب بي, وقال: ((اذهب فاغسل هذا عنك)) فذهبت ~~فغسلته, ثم جئت [وقد بقي علي منه ردع فسلمت, فلم يرد علي, ولم يرحب بي, ~~وقال: ((اذهب فاغسل هذا عنك)) فذهبت فغسلته, ثم جئت] (4) فسلمت عليه, فسلم ~~علي, ورحب بي, وقال: ((إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير, ولا المضمخ ~~بالزعفران, ولا الجنب [قال] ورخص للجنب إذا نام أو أكل أو شرب أن يتوضأ)) ~~(5). PageV01P256 # وروى عن أبي موسى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يقبل ~~الله صلاة رجل في جسده شيء من الخلوق)) (1). # وروى عن أنس أنه قال: ((نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~التزعفر)) (2) , وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (3) والترمذي ~~والنسائي في ((سننهما)) (4). # وروى عن أنس -أيضا- من طريق أخرى أن رجلا دخل على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وعليه أثر صفرة, وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قل ما يواجه ~~رجلا في وجهه بشيء يكرهه, فلما خرج قال: ((لو أمرتم هذا أن يغسل [هذا ~~عنه])) (5) وهذا الحديث أخرجه الترمذي (6) والنسائي (7) أيضا. PageV01P257 # وروى ms128 عن عمار من غير الطريق الأولى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: ((ثلاثة لا تقربهم الملائكة جيفة الكافر والمتمضخ بالخلوق والجنب إلا ~~أن يتوضأ)) (1). # ثم بعد هذه الطرق إلا طريق أنس الأخيرة روى عن الوليد أنه قال: ((لما فتح ~~نبي الله - صلى الله عليه وسلم - مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيدعو ~~لهم بالبركة ويمسح رءوسهم, قال: فجيء بي إليه وأنا مخلق فلم يمسني من أجل ~~الخلوق)) هكذا رواه أبو داود (2). # وقد روي عن أحمد ابن حنبل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يمسه, ~~ولم يدع له بالبركة, ومنع بركة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسابق ~~علمه فيه. # وروى أحمد ابن حنبل هذا الحديث (3) وزاد فيه: أن الوليد سلح يومئذ وتقذره ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وأقول: إن النقاد من علماء الحديث /قد قدحوا في هذا الحديث مع الذي فيه ~~من القدح بفسق الوليد, وقالوا: إنه لا يصح لوجوه: # الأول: أنه قد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثه ساعيا إلى ~~بني PageV01P258 # المصطلق في القصة المشهورة (1) , وليس يصح فيمن بعث رسولا إلى بين ~~المصطلق أن يكون يوم الفتح صبيا صغيرا. # الوجه الثاني: أن زوجته شكته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , ولم ~~يعش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الفتح إلا يسيرا فمتى كانت هذه ~~الزوجة؟. # الوجه الثالث: أنه قدم في فداء من أسر يوم بدر. # الوجه الرابع: أن الزبير (2) وغيره ذكروا أن الوليد هذا وعمارة ابني (3) ~~عقبة خرجا ليردا أختهما أم كلثوم عن الهجرة, قالوا: وهجرتها كانت في الهدنة ~~بين النبي - صلى الله عليه وسلم - , وبين أهل مكة. # فإن قلت: فكيف غفل أبو داود عن هذا مع حفظه وجلالته؟. # قلت: فيه احتمالان. # أحدهما: -وهو القريب- أن يكون رأى في الحديث أمرين: # أحدهما: أن قريشا أتوا بصبيانهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , ~~ليدعو لهم بالبركة, ويمسح برؤوسهم, وأنه أتى بالوليد, فلم يمسه من غير ~~تاريخ القصة, وهذا محتمل لا ms129 دليل على بطلانه, ويكون أبو دواد (4) يعرف أصل ~~الحديث من غير طريق الوليد. PageV01P259 # ويقوي هذا وجوه: أحدهما: أن أحمد ابن حنبل تكلم في وجه امتناع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - من مس الوليد وأنه منع من بركته لسابق علمه فيه, وهذا ~~يدل على معرفة أحمد بأصل (1) الحديث لأنه من أعرف الناس بالحديث بالإجماع. # وثانيهما: أن في الحديث أمورا لم تثبت في رواية الوليد, مثل ما روى أحمد ~~ابن حنبل من كونه - عليه السلام - لم يدع له بالبركة, ولكون الوليد سلح ~~يومئذ, وتقذره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وهذا يدل على أن الحديث ~~معروف من غير طريق الوليد, ويقويه: أن الحاكم أبا أحمد الكرابيسي ذكر: أن ~~راوي هذا الحديث الذي رواه أبو داود خولف في إسناده فدل على أن له راويا ~~غير من ذكر أبو داود, وأن للحديث أصلا, وأنه قد ثبت عن أبي داود أنه: لا ~~يورد في سننه جميع ما يعرف من طرق الحديث كيلا يطول ذلك على المتعلمين (2). # وثالثها: أن هذا الحديث من مثالب الوليد, ومناقصه, فالظن يقوي في صدقه ~~فيه, ولعل أبا داود إنما رواه عنه لهذه النكتة, فإن شهادة الإنسان على نفسه ~~بما يدخل عليه النقص من أقوى الشهادات, ولقد استشعر هذا الوليد /فاعتذر ~~بأنه إنما لم يمسه لأجل الخلوق, وهذا العذر ضعيف لوجوه: # أولها: أنه امتنع من الدعاء له وهو صغير لا ذنب له في استعمال الخلوق, ~~ولا يستحق الزجر كما فعل مع عمار. PageV01P260 # وثانيها: أن جسده كله لم يكن مضمخا بالخلوق. # وثالثها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يخبره أنه امتنع لذلك, ~~فذلك من قبيل رجم الظنون. # إذا عرفت هذا فاعلم أن المنكر في الحديث إنما هو تاريخه في يوم الفتح لا ~~متنه, فإذا صح المتن لم يكن بطلان التاريخ قادحا فيه, ألا ترى أنه يصح موت ~~جماعة من الملوك وغيرهم, ويصح وقوع حوادث في العالم, ويختلف في تاريخها, ~~ويظهر غلط المؤرخ, ولا يستلزم ذلك القول بأن أولئك الملوك لم يموتوا, ms130 ولا ~~أن تلك الحوادث لم (1) تقع, ويقوي هذا الاحتمال: أن راوي الحديث عن الوليد ~~بهذا التاريخ كان رديء الحفظ, قليل الإتقان فلعله الذي وهم في ذكر يوم ~~الفتح, وهذا الراوي هو: عبد الله أبو (2) موسى الهمداني, وفيه كلام من ~~وجهين: # أحدهما: أنهم تكلموا فيه, قال الحافظ عبد العظيم: (([قالوا] (3): أبو ~~موسى هذا مجهول)) (4) وقال الحافظ الذهبي (5): ((لم يرو عنه إلا ثابت بن ~~الحجاج فقط)). PageV01P261 # وقال جعفر بن برقان (1) عن ثابت بن الحجاج: لا يصح حديثه (2). # وقال الحاكم أبو أحمد الكرابيسي: وليس يعرف أبو موسى الهمداني, ولا عبد ~~الله الهمداني, وقد خولف في هذا الإسناد, وهذا حديث مضطرب الإسناد. # الوجه الثاني: أن الحديث مروي عن عبد الله الهمداني وعن أبي موسى ~~الهمداني, وقد اختلفوا فقيل: هو رجل واحد, قال ذلك: أبو القاسم الدمشقي ~~الحافظ, وقال ابن أبي خيثمة: أبو موسى الهمداني, اسمه: عبد الله, وقيل هما ~~اثنان قاله البخاري, قال: وعبد الله الهمداني روى الحديث عن أبي موسى ~~الهمداني وهذا هو الظاهر لتقدم البخاري في الحفظ, ولأنه مثبت, ولأن احتجاج ~~ابن (3) أبي خيثمة بأن اسم أبي موسى عبد الله لا يمنع من ذلك, ولعل ذلك هو ~~متمسك أبي القاسم الدمشقي, ورواية عبد الله عن أبي موسى -كما ذكره البخاري- ~~ترفع الإشكال, وظاهر كلام الذهبي أنهما واحد فالله أعلم. # وهذا هو الاحتمال الأول وهو: أن أبا داود روى الحديث لثبوت PageV01P262 # متنه, وإن كان لا يخفى عليه بطلان تاريخه الذي جاء في هذا الطريق. # الاحتمال الثاني: أن يكون أنسي هذا وإن كان لا يجهله, فقد يسهو العالم ~~عما يعرف, كما يسهو في صلاته ولا (1) يعرف عدد ركعاتها, والسهو غير الجهل ~~بلا مرية, وقد يتفق ذلك لكثير من أئمة الفنون كلها في مسائل جلية يخطئون ~~فيها على سبيل السهو دون الجهل, والله سبحانه أعلم. # فإن قلت: فلم روى أبو داود هذا الحديث مع ما فيه من المطاعن؟ # قلت: لأنه قد رواه بإسناد نظيف صحيح, من طريق أنس كما رواه مسلم (2) ~~كذلك, ثم قوى تلك الطريق ms131 بذكر جملة مما ورد في الباب مما هو ضعيف, أو مختلف ~~فيه, كما هو عادة الحفاظ, وليس الاضطراب الكثير في الحديث إلا من أجل ~~تاريخه, وغرض أبي داود منه لا يتعلق بتاريخه, إنما يتعلق بمتنه, وليس في ~~متنه مطعن /إلا من وجهين محتملين: # أحدهما: من أجل الوليد وقد بينا أنه لا يتهم فيه فهو من مثالبه (3) , ~~وإنما رواه ليعتذر عنه, وقد بينا بطلان عذره, وقد نص أحمد بن حنبل على عكس ~~عذره, ولو استطاع الوليد لكتمه. # وثانيهما: من أجل عبد الله الهمداني, وقد بينا فيما تقدم أنه لم ~~PageV01P263 # ينفرد بهذا المتن فقد تقوى أبو داود بهذا المتن, فإن خبر الفاسق قد يثمر ~~الظن لا سيما في إقراره على نفسه بما ينقصه, وقد ضم هذا أبو داود إلى ~~أمثاله مما فيه احتمال قريب, فرواه من [طرق] (1) قد أشرنا إليها. # ففي الطريق الأول: عطاء الخرساني, وقد أخرج له مسلم متابعة ووثقه جماعة, ~~منهم: يحيى بن معين, وأحمد بن حنبل, والعجلي, ويعقوب بن (2) شيبة, وأبو ~~حاتم الرازي على تعنته وغيرهم. # وقال الذهبي: كان من خيار العلماء, وذكر في ((الميزان)) (3) أنه كان يهم, ~~فروى عن ابن المسيب حديث الذي جامع أهله في رمضان على غير ما رواه ابن ~~المسيب فكذبه فيما روى عنه [من] (4) ذلك, فذكره العقيلي لهذا في ~~((الضعفاء)) (5) , وكذلك ضعفه البخاري لأجل وهمه (6) , وكان من عباد الله ~~[الصالحين] (7) لكنه يهم. PageV01P264 # وقال ابن حبان في ((الضعفاء)) (1): ((أصله من بلخ وعداده في البصريين, ~~وإنما قيل له الخراساني, لأنه دخل خراسان, وأقام بها مدة طويلة, وكان من ~~خيار عباد الله غير أنه كان رديء الحفظ, كثير الوهم, يخطيء ولا يعلم, فلما ~~كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به)). # قال الذهبي (2): ((فهذا القول من ابن حبان فيه نظر, ولا سيما قوله: وإنما ~~قيل له الخراساني, فيا هذا! أي حاجة بك إلى هذه [الدورة] (3)؟ أليست بلخ من ~~أمهات مدن خراسان بلا خلاف؟)) انتهى كلام الذهبي. # الطريق الثانية: عن عمار, فيها رجل [مجهول] (4) غير مسمى. # الطريق الثالثة: عنه ms132 أيضا معللة بالانقطاع بين الحسن البصري وعمار. # الطريق الرابعة: عن أبي موسى, وفيها أبو جعفر الرازي عيسى بن ماهان, ~~وقيل: ابن عبد الله بن ماهان, قال الذهبي (5): صالح الحديث, ثم روى [فيه] ~~(6) الاختلاف. PageV01P265 # قال الحافظ عبد العظيم (1): ((قد اختلف فيه (2) قول ابن المديني, وابن ~~معين, وأحمد بن حنبل, فقال ابن (3) المديني مرة: ثقة, وقال مرة: كان يخلط, ~~وقال أحمد مرة: ليس بقوي (4) , وقال مرة: صالح حديث. وقال ابن معين مرة: ~~ثقة [وقال مرة:] (5) يكتب حديثه, إلا أنه يخطىء, وقال أبو زرعة الرازي: يهم ~~كثيرا. وقال الفلاس: سيء الحفظ)). # قلت: مجموع كلامهم يدل على أنه صدوق يخطىء ويهم؛ فلهذا اضطربوا في ~~توثيقه, لأن معرفة حد الوهم الذي يجب معه ترك الصدوق دقيقة اجتهادية, يكون ~~فيها للحافظ قولان, كما يكون للفقيه قولان في دقيق مسائل الفقه. # الطريق الخامسة: عن أنس, وفيها سلم العلوي وفيه كلام, قال أبو داود: وليس ~~[هو] (6) علوي النسب, كان ينظر في النجوم وشهد عند عدي بن أرطأة على رؤية ~~الهلال فلم يجز شهادته. وقال يحيى بن معين: ثقة, وقال مرة: ضعيف. ~~PageV01P266 # وقال ابن عدي (1): لم يكن من أولاد علي بن أبي طالب إلا أن فريقا بالبصرة ~~كانوا يسمون بني علي فنسب هذا إليه)). # وقال ابن حبان (2): ((كان شعبة يحمل عليه, ويقول: كان سلم العلوي يرى ~~الهلال قبل الناس بيومين. منكر الحديث [على قلته] (3) لا يحتج به إذا وافق ~~الثقات /فكيف إذا انفرد؟)). # الطريق السادسة: طريق الوليد بن عقبة, وقد مر الكلام على ما فيها من ~~المطاعن. # فإذا عرفت ما في هذه الطريق من الاختلاف, والضعف؛ عرفت أن أبا داود أراد ~~التقوي بإيراد جميعها بعد أن اعتمد على الطريق الصحيحة. # الطريق السابعة: التي خرج فيها حديث أنس الصحيح الذي أخرجه مسلم وغيره, ~~وقد ذكرت فيما تقدم: أن الحفاظ يروون عن بعض الضعفاء والمجاريح على جهة ~~المتابعة, فربما يرى ذلك من لم يعرف طريقتهم [فيظن] (4) أن القوم يرون ~~عدالة الفساق المصرحين, وما على الحفاظ إذا جهل بعض (5) الناس ما عرفوا, ms133 ~~وقصر في الحفظ عما بلغوا, والذي يقتضيه الأدب والتمييز: تواضع الإنسان لمن ~~هو PageV01P267 # أعرف منه بالفن, فإن شاركه في المعرفة, ولاح له وجه يقتضي المخالفة, ولم ~~يجد ما يدفعه, تكلم بأدب وعمل بما يعلم ولا حرج, والله أعلم. # الوهم الثالث: احتج المعترض على قبول المحدثين للمجاريح وتصحيح حديثهم ~~بأنهم رووا في الصحيح عن مروان بن الحكم. قال: وقد طرده ولعنه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. فأخطأ المعترض في مواضع: # أما ### | الموضع الأول: # فإنه وهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طرد مروان, والذي طرده هو ~~أبوه الحكم, وكان مروان حينئذ طفلا صغيرا بالإجماع, لكن أباه الحكم نقله ~~معه إلى الطائف, وكان يوم وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن ثمان ~~سنين أو نحوها في قول الإمام مالك, وأكثر الأقوال تقارب هذا, ذكره أبو عمر ~~بن عبد البر في ((الاستيعاب)) (1). # فهذا يدل على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توفي قبل أن يبلغ ~~مروان التكليف, ويستحق العقوبة بالتطريد, وهذا أمر معلوم عند أهل التاريخ. # قال الذهبي في ((النبلاء)) (2) -وقد ذكر الحكم-: ((نفاه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - PageV01P268 # إلى الطائف لكونه حكاه في مشيته, وفي بعض حركاته, فسبه وطرده)) , وروى في ~~ترجمته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: ((مالي أريت بني الحكم ينزون ~~على منبري نزو القردة)) رواه العلاء (1) # بإسنادة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - , ولم يحضرني الآن ما قال ~~الذهبي بعد هذا. # وذكر ابن عبد البر في ((الاستيعاب)): أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- طرده من المدينة فنزل الطائف, وأنه - عليه السلام - كان إذا مشى يتكفأ, ~~وكان الحكم يحكيه, فالتفت إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما؛ فرآه ~~يفعل ذلك فقال: ((فكذلك فلتكن)) , فكان الحكم متخلجا يرتعش, فعير عبد ~~الرحمن [بن حسان] (2) بن ثابت مروان بن الحكم بذلك؛ فقال يهجوه: # إن اللعين أبوك فارم عظامه ... إن ترم ترم مخلجا مجنونا # يمشي خميص البطن من عمل التقى ... ويظل من عمل الخبيث بيطنا # /قال ابن عبد ms134 البر: فأما قوله: إن اللعين أبوك, فروي عن عائشة من طرق ~~ذكرها ابن أبي (3) خيثمة وغيره, أنها قالت لمروان: أما PageV01P269 # أنت [يا] (1) مروان, فأشهد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن أباك ~~وأنت في صلبه (2). # وروى بإسناده عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: ((يدخل عليكم رجل لعين)) فدخل الحكم بن أبي العاص (3). # ففي هذا ما يشهد بمعرفة المحدثين بحال طريد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. ### | الموضع الثاني # : وهم أن الحكم عند المحدثين من جملة المعصومين المفضلين على الأنبياء ~~والمرسلين, وقد تبين بذكر نصوصهم فيه ما يكذب من اجترأ على هذا الإفك ~~العظيم. ### | الموضع الثالث # : وهم أن طريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جملة رجال الصحيح, ~~وليس كذلك؛ فليس في الكتب الستة رواية عنه البتة, وجملة من فيها من اسمه ~~الحكم: ثلاثة وعشرون رجلا, ليس فيهم PageV01P270 # الحكم بن [أبي] (1) العاص. ### | الموضع الرابع: # وهم أن مروان بن الحكم عند المحدثين من أهل التقوى والصلاح, واحتج ~~بروايتهم عنه على أنهم يقبلون الفساق والمجاريح, ويعتقدون عدالته لإخراج ~~حديثه في الصحيح, وليس كذلك فإنهم لا يجهلون ماله من الأفعال القبيحة, ~~والمعاصي الموبقة, وأنا أورد من كلامهم فيه ما يدل على ذلك. # قال الذهبي في: ((ميزان الاعتدال في نقد الرجال)) (2) ما لفظه: ((مروان ~~بن الحكم, له أعمال موبقة, نسأل الله السلامة, رمى طلحة بسهم, وفعل وفعل)). # وذكره الذهبي في ((النبلاء)) (3) وساق من أخباره حتى قال ما لفظه: ((وحضر ~~الوقعة يوم الجمل فقتل طلحة ونجا فليته ما نجا (4))). هذا لفظ الذهبي. # فلو كان عنده من أهل التقوى والصلاح ما تمنى له الهلاك وكره له النجاة, ~~وقد نص في ((الميزان)) على: أن له أعمالا موبقة, وهذا تصريح بالتفسيق. # وروى الذهبي في ((النبلاء)) (5) عن الحسين بن علي -رضي الله PageV01P271 # عنهما- أنه قال لمروان: والله لقد لعنك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأنت في صلب أبيك. # ولم يذكره الذهبي بخير, وإنما ذكره بالمكر والدهاء. # وروى الذهبي في ((النبلاء)) (1) أن ms135 مروان هو الذي قتل طلحة بن عبيد الله ~~أحد العشرة المشهود لهم بالجنة - رضي الله عنه - , ذكر ذلك في ترجمة طلحة. # وقال أبو محمد بن حزم في ((أسماء الخلفاء)) (2) في ذكر خلافة ابن الزبير ~~وقد ذكر بعض مساوي مروان: ((وهو أول من شق عصا المسلمين بلا تأويل ولا ~~شبهة, وقتل النعمان بن بشير أول مولود في الإسلام في الأنصار صاحب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -)) , وذكر أنه خرج على ابن الزبير بعد أن بايعه ~~على الطاعة. # وقال أبو السعادات ابن الأثير في كتاب ((النهاية)) (3) في حرف الفاء مع ~~الضاد: ((قالت عائشة لمروان: أنت فضض من لعنة الله, أي: قطعة وطائفة منها. ~~ورواه بعضهم فظاظة من لعنة الله بظانين, وهو من الفظيظ وهو ماء الكرش. ~~وأنكره الخطابي. وقال الزمخشري: افتظظت الكرش: اعتصرت ماءها, كأنه عصارة من ~~اللعنة, أو فعالة PageV01P272 # من الفظيظ: ماء الفحل, أي: قطعة من اللعنة)) انتهى بلفظه من ((نهاية)) ~~ابن الأثير. # وممن ذكر مروان: أبو عمر بن عبد البر في ((الاستيعاب)) (1) ولم يذكره ~~بديانة /ولا وصفه بخير, بل روى عن علي - رضي الله عنه - أنه نظر إليه يوما ~~فقال: ويلك, وويل أمة محمد منك, ومن بنيك إذا شابت ذراعك. # قال ابن عبد البر: وكان يقال له: خيط باطل, وفي ذلك يقول أخوه عبد الرحمن ~~بن الحكم لما بويع لمروان بالإمارة: # فوالله ما أدري وأني لسائل ... حليلة مضروب القفا كيف يصنع # لحا الله قوما ملكوا خيط باطل ... على الناس يعطي من يشاء ويمنع (2) # وكان أخوه عبد الرحمن شاعرا محسنا, وكان لا يرى رأي مروان, وإنما قال له: ~~مضروب القفا؛ لأنه ضرب يوم الدار على قفاه فخر لفيه, ومما قال فيه أخوه عبد ~~الرحمن: # وهبت نصيبي فيك يا مرو كله ... لعمرو بن مروان الطويل وخالد # فكل ابن أم زائد غير ناقص ... وأنت ابن أم ناقص غير زائد # وأنشد ابن عبد البر لغير أخيه في هجوه شيئا تركته لأنه قد أقذع فيه, وذكر ~~أنه لم ير النبي - صلى الله عليه وسلم ms136 - ورواه عن البخاري (3). PageV01P273 # فهذه جملة تدل على معرفتهم بحاله, وخبرتهم بسوء فعاله. وأما روايتهم عنه ~~بعد هذا؛ فلا تدل على تعديله عندهم في أمر دينه بالإجماع, وإنما على اختلف ~~العلماء في الرواية من غير تصريح بالجرح؛ هل تدل على توثيق المروي عنه, مع ~~أن المختار: أنها لا تدل على ذلك كما ذكره ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) ~~(1). وذكره يحيى بن حمزة في ((المعيار)). # وقد روى زين العابدين علي بن الحسين, وعروة بن الزبير عن مروان, ولم يدل ~~ذلك عن عدالته عندهما, ولا اعترض بذلك أحد عليهما, وكذلك رواية المحدثين ~~عنه. # فإن قلت: فلم رووا عنه؟ قلت: على سبيل التقوي والاستشهاد, مع الاعتماد ~~على غيره كما ذكرنا ذلك في الرواية عن الوليد, فقد يفيد خبر الفاسق الظن, ~~وكلما أفاد الظن حسن وأوجب (2) إيراده ليستعمل في الترجيح عند التعارض, ~~سيما وقد قال عروة بن الزبير: إن مروان لم يكن يتهم في الحديث, فدل على أنه ~~صدوق يصلح خبره للاستشهاد والترجيح عند التعارض, ولا يعتمد عليه إذا انفرد, ~~وقد بينا في جواب كلام هذا المعترض في الفصل الأول من المسألة الثانية (3) ~~أن صاحبي ((الصحيح)) قد يخرجان حديث من هذه صفته لوجود شواهد ومتابعات لم ~~يتسع كتابهما لذكرها مع قصد PageV01P274 # الاختصار, وروينا ذلك عن مسلم تنصيصا, وعن البخاري تخريجا (1) صحيحا, ~~فخذه من موضعه. # ويدل على ذلك أن أحاديث مروان التي رووها عنه في الكتب الستة (2) أحاديث ~~مشهورة عن الثقات. ومن هنا قال عروة بن الزبير: لم يكن يتهم في الحديث مع ~~أنها يسيرة: # فمنها حديث: قصة الحديبية /, وحديث: وفد هوزان, وقصة سهيل بن عمرو, وهذه ~~رواها البخاري (3) عنه مقرونا بالمسور بن مخرمة مع شهرتها, أو تواترها عند ~~أهل العلم بالسير: # ومنها سبب النزول في قوله تعالى: {غير أولي الضرر} [النساء:95]. وقد ~~رواها معه قبيصة بن ذؤيب. # ومنها قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأعراف في صلاة المغرب, ~~وقد روى هذا عن عائشة بإسناد صحيح في النسائي (4). # ومنها أثر موقوف عن عثمان في فضل ms137 الزبير, وهذا لا بأس به فإنهم يتسامحون ~~في أحاديث الفضائل. PageV01P275 # ومنها قصة عثمان وعلي -رضي الله عنهما- في اختلافهما في متعة الحج, وهي ~~مشهورة من غير طريقه. # ومنها حديثه في صلاة الخوف, وقد رواه عروة بن الزبير. # وبالجملة؛ فلم يرو مروان في الكتب الستة إلا عن ستة: علي, وعثمان -رضي ~~الله عنهما- وزيد بن ثابت, وأبي هريرة, وبسرة (1) , وعبد الرحمن بن الأسود, ~~وقد ذكرت جميع من روى عنهم ههنا إلا عبد الرحمن بن الأسود, فلم أظفر ~~بروايته عنه (2) وقت تعليق هذا الكتاب لبعدي عن أهل الحديث, وعدم وجود ~~مصنفاتهم الحافلة, وسوف ألحق ذلك إن شاء الله تعالى, فإن عاق الموت فالمنة ~~لمن أفاد ذلك (3). PageV01P276 # وأما قول مروان في عبد الرحمن بن أبي بكر: هذا الذي نزلت فيه: {والذي قال ~~لوالديه أف لكما} [الأحقاف:17]. فما أظن البخاري أورده إلا لبيان أثر عائشة ~~الذي ردت به عليه (1) , وإلا فهذا مرسل عند البخاري فإنه نص على أن مروان ~~لم ير النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنه ليس تحته حكم شرعي, وأما عبد ~~الرحمن بن الصديق -رضي الله تعالى عنهما- فما يضره ذلك على تقدير صحته فقد ~~كان مشركا بلا ريب, ولكنه أسلم وآمن, والإسلام يجب ما قبله, وقد كان لأفاضل ~~الصحابة قبل الإسلام أفعال لا حاجة لذكر شيء منها, وإنما هذا من جملة قبائح ~~مروان, فالله المستعان. # واعلم أنه لا يصح أن يعترض على المحدثين حتى يعلم أنهم رووا عن مروان ~~حديثا في الحلال والحرام, وحكموا بصحته, ولا طريق له عن سواه في الكتب ~~الستة, ولا في غيرها, وبعد العلم بهذا يعترض عليهم بأنهم خالفوا قواعدهم ~~فقط, وأما مخالفة الإجماع فلا يصح الاعتراض عليهم بذلك, لوجه ليس هذا موضع ~~ذكره. # ويلحق بهذا فائدة ينبغي ذكرها, وذلك أنه قل ما عرض ذكر الحكم, ومروان بن ~~الحكم إلا وعرض في الخاطر ذكر ما فعله عثمان PageV01P277 # - رضي الله عنه - من إيواء الحكم إلى المدينة بعد تطريد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - له عنها, فالسني يحب معرفة وجه ms138 ذلك, وغيره يحب التعرض ~~بذلك للقدح في عثمان - رضي الله عنه - /, فأحببت أن أذكر الوجه في ذلك ~~فأقول: قد خاض الناس في ذلك خوضا كثيرا قديما وحديثا, ولم يحضرني وقت كتابة ~~هذا الجواب شيء من هذه الكتب المذكور ذلك فيها فأنقل ما قال العلماء في ~~ذلك, ولا حفظت في ذلك ما يقنع, إلا ما ذكره الحاكم المحسن بن كرامة ~~المعتزلي المتشيع في كتابه: ((شرح العيون)) فإنه ذكر فيه: أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أذن في ذلك لعثمان - رضي الله عنه - , وهذا الجواب ~~مقنع إن صح الحديث لكني لم أعرف صحته. # فأما المعتزلة والشيعة من الزيدية وغيرهم؛ فيلزمهم قبوله, وترك الاعتراض ~~على عثمان بذلك, لأن راوي الحديث عندهم من المشاهير بالفقه والعلم وصحة ~~العقيدة, إلا فيما يقدح به من الاختلاف في فروع الكلام ومالا يخرج من ~~الولاية. # وأما دلالة الجواب المقنع عند النقاد فهو ما ألقاه الله تعالى على خاطري ~~في ذلك فأقول: غير خاف على (1) من [له] (2) أنس بقواعد العلماء أن أفعال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عند المحققين لا تدل بنفسها على (3) الوجوب, ~~ولا على الندب, وإنما تدل على الإباحة, وذلك لأنه - عليه PageV01P278 # السلام - كان يفعل المباح والمندوب والواجب, وإنما القدر المقطوع به أنه ~~لم يكن يفعل المعاصي المحرمة, فإن فعل شيئا من الصغائر سهوا لم يقر عليه, ~~وبين الله تعالى ذلك لئلا يبطل الاحتجاج بأفعاله. # قال المحققون: فإذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلا نظرنا هل ~~دلت القرائن على أنه فعل ذلك متقربا [به] (1) إلى الله تعالى أولا, فإن لم ~~تدل على ذلك القرائن, لم يستحب التأسي فيه, وكان [ما] (2) فعله على ~~الإباحة: من شاء فعله, ومن شاء تركه؛ واحتجوا على ذلك بحجج يطول ذكرها ~~وتقريرها. # منها: قوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} [الأحزاب:37]. فلم ~~يوجب على المؤمنين نكاح أزواج أدعيائهم. # وثانيها: حديث: ((لم خلعتم نعالكم)) (3) , فأنكر الاقتداء قبل ms139 معرفة وجه ~~فعله, وقول بعضهم إنه أقرهم على استدلالهم غير مسلم, بل رد عليهم: ((إن ~~جبريل أخبرني أن فيهما قذرا)) , والحديث صحيح PageV01P279 # على شرط مسلم, وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. # (2 وثالثها: أنه - عليه السلام - لما صلى بهم خمسا فتابعوه, فقال لهم: ~~((إنه لو حدث أمر لأنبأتكم به)) (1) أو كما قال (2) , رواه البخاري ومسلم, ~~ولفظهما ((إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به)). # ورابعها: إقراره - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن الخطاب على خلاف رأيه في ~~قصة/ أسرى بدر وقوله لعمر: ((لقد (3) عرض علي عذاب أصحابك)) الحديث (4) , ~~وذلك لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأمره بالموافقة ويوجبها ~~عليه. # وخامسها: أن بعض أفعاله - عليه السلام - غير واجب إجماعا وما كان بعضه ~~غير واجب لم يدل كل فرد منه على الوجوب. # وسادسها: أنه - عليه السلام - لو فعل شيئا معتقدا لإباحته, أو ناويا ~~للتنفل به, وفعلناه معتقدين بوجوبه ملزمين للعامة فعله وتحريم تركه لم يصدق ~~علينا التأسي الذي أمرنا به, ولكنا إلى مخالفته أقرب منا إلى الاقتداء به, ~~ولهذا أمثلة كثيرة: # منها: إنه لا (5) يستحب لنا الطلاق, ولا يجب علينا مع أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - PageV01P280 # قد طلق حفصة, مع أن الطلاق أبغض المباح إلى الله. # وكذلك قد ترك القسم لسودة لما كبرت, ووهبت نصيبها لعائشة, فدل على إباحة ~~مثل ذلك دون استحبابه أو وجوبه. # وكذلك قد أمر بالاقتصاص له في مرضه ممن لده, ولا يدل ذلك على استحباب ~~القصاص, وكراهة العفو, لأنه - عليه السلام - لم يقصد التقرب بهذه الأفعال, ~~ولا دلت على ذلك القرائن. # فإذا تقرر ذلك؛ فاعلم أنه لا يدل دليل على أنه - عليه السلام - طرد الحكم ~~معتقدا لوجوب ذلك عليه, وعلى أمته بل الظاهر خلاف ذلك لوجوه: # الأول: أنه - عليه السلام - لم يوجب ذلك, ولا أمر به, والبيان واجب عليه. # الثاني: أنه لم يطرده من دار الإسلام, بل طرده من جواره فقط, وتركه في ~~الطائف مع المسلمين, وأمره - عليه السلام - نافذ في الطائف. # الثالث: أنه لم يخبر ms140 أهل الطائف أنه يحرم عليهم مجاورة الحكم, ويجب عليهم ~~نفيه, وهم مسلمون ممتثلون لأوامره, وتقريره أحد الحجج. # الرابع: أنه لو وجب نفيه؛ لم يكن إلا لأجل فسقه أو كفره, ولا ذنب أكبر من ~~الكفر, وقد ترك - عليه السلام - المنافقين واليهود في جواره, وأجمعت الأمة ~~على جواز إقرار اليهود بين المسلمين إلا في # PageV01P281 # جزيرة (1) العرب. # فإن قلت: لم نفاه - عليه السلام -. # قلت: تعين الوجه في ذلك لم يلزم, والظاهر أنه نفاه لأحد أمرين أو ~~مجموعهما. # أحدهما: أنه كان يظهر أسرار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وهذا قد ~~زال في وقت عثمان. # ثانيهما: أنه كان يمشي مثل رسول الله (2) - صلى الله عليه وسلم - ~~/مستهزئا نعوذ بالله. # فإن قلت: فكيف وصله عثمان, وآواه مع ذلك؟. # قلت: لأنه من رحامته الماسة, فهو عمه صنو أبيه, وقد أمر الله بصلة ~~الأرحام, وإن كانوا مشركين, قال الله تعالى: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ~~ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا} [لقمان: 15] , ولم ~~يكن [للحكم] (3) من الحق على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يوجب ~~الصبر عليه, وقد يختلف التكليف في ذلك. # ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كره النظر إلى وحشي قاتل ~~حمزة (4) , ولم يستلزم ذلك أن يستحب لأولاد وحشي وزوجته, وسائر أرحامه ~~PageV01P282 # أن يقطعوا ما أمر الله بوصله (1) من رحامته, وهذه كراهية طبيعية لأنه - ~~عليه السلام - , لم يكره النظر إلى من تاب من الشرك, مع أنه أعظم الذنوب, ~~وقد قال - عليه السلام -: ((أللهم إني آسف كما يأسف بنو آدم)) (2) الحديث, ~~وليس من رق لرحم من أرحامه ممن غضب عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يعد مخالفا له - عليه السلام - , فقد رق العباس عم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لقريش في قصة الفتح, وخاف أن تستأصل شأفتهم, فسار الليل إليهم ~~وأخبر أبا سفيان بخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وجاء به, وأقره ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك, وقد كان عثمان ms141 شفيقا رحيما, وقد ~~فعل مثل هذا في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فلم ينكر عليه, ~~وذلك أنه شفع بوم الفتح في أخيه من الرضاعة: عبد الله بن سعد بن أبي سرح ~~بعد أن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتله, وقد عفا علي - عليه السلام ~~- عن مروان بن الحكم يوم الجمل وقال: أدركتني عليه رحم ماسة (3) , بل قد ~~قال نوح - عليه السلام -: {رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق} [هود:45] , ~~مع أنه PageV01P283 # الذي قال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح:26]. فما خص ~~ولده إلا لرحامته. # وأما صلة عثمان للحكم ولغيره من قرابته بالأموال الكثيرة, فلا شك أنه ~~ابتلي بقرابة سوء, فكان يتألفهم, وله حجة واضحة في فعل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يوم حنين, وإعطائه المنافقين دون المؤمنين, فإن مئة ناقة ~~لواحد من المنافقين في زمانه - عليه السلام - أكثر مما أعطاهم عثمان بالنظر ~~إلى زمانه, فإن الأموال في زمانه كانت قد كثرت كثرة /عظيمة. # الوهم الرابع: قال في الاحتجاج على أن المحدثين يروون في الصحيح عن فساق ~~التصريح ما لفظه: ((ومنهم المغيرة بن شعبة زنى)) , [هكذا] (1) رماه ~~بالزنا!. # والجواب عليه في هذا هو: النص المحكم القرآني قال الله تعالى: {لولا ~~جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون} [النور:13] قال تعالى: {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن ~~نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم} [النور:16] وقال الله تعالى: {إن الذين ~~يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [النور:19]. فإن كان [قد] (2) توهم أن ذلك قد ~~صح ولم يبق فيه شك؛ فليس الأمر كذلك, فلو صح الزنا من المغيرة لحده عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - , ولو صح PageV01P284 # عنه, ولم يحده عمر؛ لانكر ذلك الصحابة -رضي الله عنهم- فكيف يقتحم ~~المعترض هذه المهواة العظيمة, ونسي ما عظم الله من شأنها, فإنه تعالى لم ~~يجعل إليها سبيلا إلا بعد ms142 كمال نصاب الشهادة, فقد كان الرجل يأتي إلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فيقر بالزنا, ويعترف بالفاحشة فيعرض عنه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - , ويتطلب له العذر بعد الإقرار, ويقول: لعلك لمست, ~~لعلك قبلت, حتى لا يجد سبيلا إلى الشك ولا طريقا إلى الاحتمال. # وهذا المعترض على أهل السنة عكس ما يلزم من الاقتداء برسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ورمى بالزنا من غير ثبوته, ولا إقامة شهادة, ولا حكاية عن ~~شاهد, مع نقصان نصاب الشهادة, ودعوى المغيرة للبراءة بل للزوجية كما يأتي. # الوهم الخامس: قال: ((فإن يعتد بشهادة هؤلاء في الجرح لا في الحد؛ ~~فالمغيرة مجروح وإن لم يعتد بشهادتهم, فأبو بكرة قاذف وصاحباه, ولا يروي عن ~~واحد منهم الرواة)). # والجواب: أنه توهم أن الشهادة على الزنا إذا لم يتم نصابها كانت قذفا, ~~فلا يخلو إما أن يريد: أن ذلك على سبيل القطع أو الظن, فإن قال على سبيل ~~الظن؛ فذلك مسلم ولا يضر تسليمه, أما أنه مسلم؛ فلأن أدلة المسألة ظنية, ~~وهي خلافية بين العلماء. # قال في: ((نهاية المجتهد)) (1): ((والشهود عند مالك, وكذا عند الشافعي ~~إذا كانوا أقل من أربعة قذفة؛ وعند غيره (2) ليسوا قذفة, PageV01P285 # فجعل القول بأنهم غير قذفة؛ هو قول الأكثرين من الفقهاء, وكلام الفقهاء ~~في المسألة معروف /لا حاجة إلى التطويل بذكره. # وقال الحاكم المعتزلي في ((شرح العيون)) , ما لفظه (1) ((ألا ترى أن من ~~شهد بالزنا لا يؤثر حاله, ومن قذف بالزنا أثر))؟ فنص على الفرق بين الشهادة ~~والقذف, والظاهر أن المعترض حفظ من أصحابه في مذاكرة الفقه: أن الشاهد قاذف ~~إذا لم تكمل الشهادة, فقلدهم في ذلك, وظن أن هذا يقتضي القدح على (2) من ~~خالف في هذه المسألة, وقبل الشاهد, ووثقه وإن لم يتم نصاب الشهادة, وليس ~~الأمر كما توهم, فإنه لو لزم القدح بمسائل الخلاف (3) الفقهية لزم جرح جميع ~~المخالفين, بل الذي ذهب إليه أصحاب المعترض أن الشاهد قاذف عندهم؛ فلا ~~يقبلونه لمذهبهم فيه, ولا يعترضون على (4) من قبله وينسبونه إلى [قبول] ms143 (5) ~~الفسقة, وتعديل الكذبة, كما لا يلزم ذلك في سائر مسائل الخلاف الخلاف في ~~شروط الشاهد والراوي. # وأما إن قال المعترض: إنه قاذف على سبيل القطع؛ فهذا غير مسلم لأن ~~المسألة شرعية ظنية لا عقلية, وليس فيها نص قاطع متواتر اللفظ, معلوم ~~المعنى, غير محتمل للتخصيص والنسخ والمعارضة, ولم يبق إلا القياس, ولا يصح ~~أن يكون قاطعا مطلقا, وإن سلمنا أنه PageV01P286 # يكون قاطعا في بعض المواضع فلا يصح ذلك ههنا لوجدان الفروق المانعة من ~~ذلك, فإن بين الشاهد والقاذف فروقا كثيرة لا يصح معها القطع, ألا ترى أنه ~~يشترط في الشاهد العدالة, ولا يشترط في القاذف, ويشترط العدد المخصوص في ~~الشهادة ولا يجب في القذف أن يكون القذفة أربعة, وإذا قذف أربعة رجلا ~~بالزنا, وجب عليهم إقامة الشهادة, ولو كانت الشهادة قذفا؛ لكان القذف من ~~الشهادة, ولو كان منها لتم نصابها بقذف أربعة ولم يجب عليهم إقامة شهادة, ~~فثبت بهذا أن الشاهد غير قاذف, وأن المسألة ظنية, إلا من ذهب إلى ذلك فإنه ~~يعمل بمقتضى مذهبه, من غير اعتقاد جرح, ولا اعتراض على من لم يوافقه في ~~المذهب, على أن جرح القاذف الجاهل بتحريم القذف أو الموافق بإقامة الشهادة ~~مما يخالف القياس, فلا يقاس الشاهد في مثل هذه الصورة على النص الوارد ~~/فيه, على القول المنصور في الأصول. # الوهم السادس: توهم المعترض أنه هؤلاء (1) الشهود الثلاثة إذا لم يكونوا ~~قاذفين وجب جرح المغيرة بالزنا الذي أخبروا به, وظن أنه لا مخرج من هذا ~~السؤال, وليس الأمر كما توهم, بل يجوز أن يصدقوا فيما شهدوا به من نكاح ~~المغيرة لامرأة لم يعلموا أنها له زوجة, ويجوز مع ذلك أن لا يجرح بذلك ~~المغيرة لتجويز غلطهم في الشهادة, فقد روى ابن النحوي في: ((البدر ~~المنير)): أن المغيرة ادعى PageV01P287 # في تلك المرأة التي رموه بها أنها له زوجة, قال: وكان يرى نكاح السر, ~~وروي أنه كان يتبسم عند شهادتهم, فقيل له: في ذلك؟ فقال: إني أعجب مما أريد ~~أن أفعله بعد شهادتهم, فقيل: وما ms144 تفعل؟ قال: أقيم البينة أنها زوجتي. ذكره ~~في ((البدر المنير)) وذكر أنه كان كثير الزواجة وأنه أحصن بثلاثمائة امرأة. # وأما ما ذكره المعترض من أجل دخول المغيرة في الفتن فسيأتي الكلام على ~~ذلك في (المسألة الثالثة) (1) عند ذكر أهل التأويل, واختلاف الناس في ~~أحكامهم, وقد أثنى صاحب الرسالة على أبي بكرة بالديانة والتحري, وهو كما ~~وصف لكن على غير قاعدته, فإنه قد جرح من قعد عن نصرة علي - رضي الله عنه - ~~فدل ذلك على جهله بحال أبي بكرة, وعدم معرفته بتشدده في تحريم قتال أهل ~~القبلة, حتى حرم المدافعة [عن] (2) النفس, وكان ينكر على المتقاتلين من ~~الطائفتين, ولكنه متأول متحر للصواب, وفعله -كما قال علي في فعل ابن عمر- ~~إن كان حسنا إنه لعظيم, وإن كان ذنبا إنه لصغير. رواه الذهبي (3). # الوهم السابع, قال: ((ومنهم أبو موسى الأشعري, نزع عليا ... - عليه ~~السلام - الذي ولاه الله ورسوله, إنه على الله لجريء, وأقام معاوية بن أبي ~~سفيان القدري)). PageV01P288 # والجواب: أن هذا وهم فاحش لا يجهله من له أدنى تمييز, فإن أبا موسى لم ~~يقم معاوية بل خلعه, وكان يريد أن يقيم عبد الله بن عمر بن الخطاب, وكان قد ~~واطأ عمرو بن العاص على ذلك على ما هو مبسوط في كتاب التاريخ. # وقد اشتهر في كتب التاريخ أن معاوية كتب إلى أبي موسى: ((أما بعد, فإن ~~عمرو بن العاص قد بايعني على ما أريد, وأقسم بالله لئن بايعتني على الذي ~~بايعني لأستعملن أحد ابنيك على الكوفة, والآخر على البصرة, ولا يغلق دونك ~~باب, ولا تقضى دونك حاجة, وقد كتبت إليك بخطي فاكتب إلي بخط يدك)) فكتب ~~إليه: ((أما بعد فإنك كتبت إلي في جسيم الأمة, فماذا أقول لربي إذ ما قدمت ~~عليه, ليس لي في ما عرضت حاجة (1). # وهذا يدل على براءته من الجرأة على الله التي اجترأ المعترض على الله في ~~غيبته بها. فقد كان متعبدا متزهدا صواما قواما, وقد تولى البصرة فلم يخرج ~~منها إلا بست مئة درهم, وكان خراجها عشرة ms145 آلاف ألف أربعمائة ألف. روى ذلك ~~الذهبي في ((النبلاء)) (2) , وروى فيه (3) عن الشعبي (4) [عن شقيق] (5) عن ~~حذيفة أنه تكلم في أبي موسى بكلام PageV01P289 # يقتضي بأنه منافق (1). # ثم قال: ((في الشعبي تشيع يسير)). انتهى. # وقد قال الشعبي: حدثناهم بغضب أصحاب محمد /فاتخذوه دينا. # وعندي أن هذا لا يصدق, فإنه معارض بما هو أصح منه بل بما (2) هو معلوم ~~الصحة, وذلك أن حذيقة وإن كان صاحب العلم بالمنافقين, فبغير شك أنه إنما ~~أخذ العلم بذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , لكن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولى أبا موسى على اليمن مصدقا وقاضيا, وكان يفتي وقضي في ~~بلدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , في زمنه - صلى الله عليه وسلم - , ~~وفي أيام الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم-, وكانت حال المنافقين أحقر من ~~ذلك, فلم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليولي القضاء منافقا ويقره ~~على الفتيا, وكذلك أصحابه -رضي الله عنهم- فهذا أمر معلوم بالضرورة, ولا ~~يعارض بحديث مظنون, ومن الأحاديث المظنونة في الثناء على أبي موسى ما رواه ~~مالك بن مغول وغيره, عن أبي بريدة , عن أبيه بريدة عنه - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال في أبي موسى: ((إنه مؤمن منيب)) لما قال له بريدة: أتراه ~~يرائي؟ قال - عليه السلام -: ((بل مؤمن منيب)) (3). PageV01P290 # ولو كان منافقا لاغتنم الفرصة حين حكمه علي, ومال إلى الدنيا وتابع من ~~أعطاه منها, ولم ينظر للمسلمين. # ولو كان كذلك؛ لما اختار عبد الله بن عمر للخلافة, فإن عبد الله من أئمة ~~التقوى, ومعادن الزهادة في الدنيا, والمنافق إنما يحب أهل الفسق والجرأة. # وأيضا فإن أبا موسى استمر على العبادة, والاجتهاد في المدة الطويلة من ~~أول إسلامه إلى أن انقضت خلافة الخلفاء -رضي الله عنهم-, والمنافق ينجم (1) ~~نفاقه, ولا تستمر له [الاستقامة] (2) على الديانة (3). # ولما قرب موته اجتهد في العبادة اجتهادا شديدا, فقيل له: لو أمسكت ورفقت ~~بنفسك؟ فقال: إن الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها, أخرجت جميع ما عندها, ~~والذي بقي من أجلي ms146 أقل من ذلك. # ثم إنه من السابقين إلي الإسلام قبل ظهوره, والمتحملين لمشقة الهجرة, ~~وترك المال الوطن, وقد قرن الله الخروج من الديار بقتل الأنفس, وليس في ~~المنافقين من أسلم من غير تقية, فكيف يتصور أن يسلم في أرض بعيدة عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ثم (4) يظهر فيها الإسلام, ثم PageV01P291 # يهاجر إلى مثلها. فإنه من مهاجرة الحبشة, فمن يرائي بذلك, وإلى أي غرض ~~يتوصل؟ فقبح الله من يجترىء على الله ببهت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - , فإن كان صدر من حذيفة شيء من ذلك فلعله تأول في ذلك وغلط فيه, ~~وربما أخذ ذلك من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الإمام علي ... ~~- رضي الله عنه -: ((لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق)) (1). وأخذ ~~بغضه لعلي - رضي الله عنه - من تخلفه عنه, وهذا كله ضعيف, فإن التخلف لا ~~يدل على البغض, ولا يستلزم استخراج النفاق, فقد تخلف عنه من أعيان الصحابة ~~مثل: ابن عمر, وعمران بن حصين, -الذي كانت الملائكة تسلم عليه- وأبي سعيد ~~الخدري, وأسامة بن زيد حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وهو الذي قال ~~لعلي - رضي الله عنه -: والله لو كنت شدق الأسد ما تخلفت عنك, ولكني أقسمت ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا قاتلت بعده أحدا ممن يشهد أن لا إله ~~إلا الله. # على أن بغض علي - رضي الله عنه - إنما كان علامة للنفاق في أول الإسلام, ~~فإن المنافقين كانوا يبغضون من كان فيه قوة على الحرب لكراهتهم لقوة ~~الإسلام, ولذلك جاء في الحديث أيضا: ((أن بغض الأنصار علامة النفاق)) (2) ~~لهذا المعنى, (1 وكذلك حبهم وحب علي كان في ذلك الزمان علامة الإيمان (3) ~~لهذا المعنى, فأما في الأعصار المتأخرة عن أول الإسلام فلا يدل على ذلك, ~~فإن الخوارج PageV01P292 # يبغضون عليا ويكفرونه مع الإجماع على أنهم غير منافقين وإن كان ذنبهم ~~عظيما, ومروقهم من الإسلام منصوصا, والباطنية /يحبونه مع الإجماع على ~~كفرهم, وكذلك الروافض يحبونه مع ضلالهم وفسوقهم نعوذ بالله! ms147 فهذا ونحوه مما ~~يحتمل أن يستند الصحابي إلى مثله في مثل هذه الأمور -إن صحت- أولى من خرق ~~الإجماع, وهدم القواعد الكبار لملاحظة [ظاهر] (1) حديث أحسن أحواله أنه ~~مظنون. # وقد قصدت وجه الله تعالى في الذب عن هذا الصحابي المعتمد في نقل كثير من ~~الشريعة المطهرة لما رأيت الحافظ الذهبي روى ذلك, ولم يقدح في إسناده بما ~~ينفع, وقد أحسن الشعبي (2) -رحمه الله- في قوله: حدثناهم بغضب أصحاب محمد ~~فاتخذوه دينا, فإنه يحتمل صدور مثل ذلك عند الغضب بأدني شبهة. # وفي الحديث الصحيح (3): ((اللهم إني بشر آسف كما يأسف بنو آدم فمن دعوت ~~عليه أو سببته وليس لذلك بأهل فاجعلها له رحمة وزكاة)) أو كما ورد, فهذا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف غيره؟! وقد كان بين أبي موسى وعلي ~~شيء كبرته الروافض والشيعة. # وقد روى بعض أهل البيت من الزيدية أن أبا موسى اعتذر إلى علي - رضي الله ~~عنه - (4 ورضي علي - عليه السلام - عنه (4) ونرجو صحة PageV01P293 # ذلك إن شاء الله, ومثل هذه الرواية يحسن الأخذ بها وإن كانت مرسلة, فإنه ~~لا بأس بالأخذ بالمرسل في مثل هذا. على أن المالكية وغيرهم يقبلونه في ~~أحاديث الأحكام. بل ادعى العلامة محمد بن جرير إجماع التابعين على ذلك, ~~رواه عنه ابن عبد البر في ((تمهيد)) (1). # الوهم الثامن: وهم أنه يمكنه تخصيص المحدثين بالقدح عليهم في حديثهم ~~بالحديث الذي فيه: ((يؤتى بقوم يوم القيامة فيذهب بهم ذات الشمال فأقول: ~~أصحابي أصحابي)) (2) وبقوله تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل ~~المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} [التوبة:101] , قال ~~المعترض: دلت الآية على أن فيمن يعدونه صحابيا عدلا من هو كافر مجروح. ~~انتهى كلامه. # وهو يصلح من شبه الزنادقة القادحة على أهل الإسلام, لا من شبه الشيعة ~~القادحة على أهل الحديث, ولكن المعترض لا يدري ما يخرج من رأسه. # والجواب: أن الإجماع منعقد على الاعتبار بالظاهر دون الباطن, ومن نجم ~~نفاقه وظهر كفره ترك حديثه, ومن ظهر إسلامه وأمانته وصدقه قبل وإن ms148 كان في ~~الباطن خلاف ما ظهر منه, فقد علمنا لما وجب علينا وبذلنا في طلب الحق ~~جهدنا, وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعمل بالظاهر ويتبرأ من ~~علم الباطن. وإلى ذلك الإشارة بقوله في هذه PageV01P294 # الآية: {لا تعلمهم نحن نعلمهم} [التوبة:101] , فلو كان في هذا قدح على ~~المحدثين لتوجه مثله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وليت شعري ما سبب خلوص الزيدية من هذا الإشكال؟ فإن الآية والحديث يدلان ~~على أن فيمن يعدونه صحابيا (1) عدلا من يجوز أنه مجروح, وقد أحس المعترض ~~ورود هذا السؤال عليه فأشار إليه ثم قال: الجواب: أنه قد ظهر فسق من ذكرناه ~~وكفره. # والجواب: أن الذي قدح به نوعان: # أحدهما: ما وقع بين الصحابة من الفتن, وسيأتي الجواب عليه في مسألة ~~التأويل والكلام على أهله. # وثانيهما: ما نسب إلى بعض الصحابة من المعاصي التي تدل على الفسق الذي لا ~~يدخله التأويل, وقد ذكرنا فيما تقدم الجواب عليه في ذلك وأن المحدثين ~~يوافقون على الجرح لمن صح ذلك في حقه؛ كالوليد بن عقبة, والحكم بن أبي ~~العاص, ويخالفون فيمن لم يصح ذلك في حقه /كالمغيرة بن شعبة, وأبي بكرة, ~~وسيأتي الكلام على المغيرة في (المسألة ### | الثالث # ة) (2) إن شاء الله تعالى. # الوهم التاسع: ذكر المعترض أن التشبيه مستفيض عن الإمام أحمد بن حنبل, ~~وأنه روى عنه (3) ذلك علماء الزيدية وعلماء PageV01P295 # المجبرة, (1 وعنى بالمجبرة (1) الأشعرية وأهل الحديث. # والجواب عنه (2) من وجوه: # الأول: أن نقول: إما أن يقصد بذلك القدح في حديثه, أو تكفيره؛ إن كان ~~الأول لم يصح لأمور: # الأمر الأول: أنه مجمع على قبوله في الحديث, وقد قدمنا الدليل على ذلك ~~حيث ذكرنا الإجماع على صحة حديث البخاري ومسلم, فإنه أوثق رواتهما, بل إمام ~~مصنفيهما, بل إليه المرجع في توثيق ثقاتهما. # الأمر الثاني: أنه مجمع على الاعتداد بخلافه, وعدم انعقاد الإجماع على ~~رأسه, وذلك فرع على ثقته وأمانته, وقد شحنت الزيدية كتبها بمذاهبه, واشتغل ~~أهل العلم منهم بحفظ أقواله, ولو كان مجروحا ms149 غير مقبول لم يحسن ذلك منهم ~~لما فيه من إيهام الخطأ, بل قد اشتهرت الرواية لأحاديثه واختيارته عند جميع ~~أهل السنة والبدعة, والروافض والشيعة, وفيهم من هو من أعدائه, والفضل ما ~~شهدت به الأعداء, فلولا علمه وحفظه (3) , ما حفظت مذاهبه, وقبلت روايته, مع ~~(4) العجم والعرب في الشرق والغرب. PageV01P296 # *كأنه علم في رأسه نار* # كما قالت الخنساء في صخر (1) , وما ذلك لكونه مشبها كما زعم المعترض, بل ~~لكونه إماما جليلا, وعلما طويلا, وقد أحسن من قال: # *لأمر ما يسود من يسود* # وأما كلام المتكلمين فيه فهو زيادة في فضله, ودليل على جرأة المتكلم ~~وجهله. وما يضر الإمام أحمد كلام من يتكلم عليه, وعلى خير أصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - من الخلفاء الراشدين وكبراء المسلمين. # لم تدر تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران # الأمر الثالث: معارضة تلك الروايات بإجماع أهل التاريخ من أهل الحديث على ~~براءة الإمام أحمد من التشبيه, وقد روى الذهبي في ((ميزانه)) عن بعض من وثق ~~تصريح الإمام أحمد في ذلك بما لا مزيد عليه, وقد بالغ ابن الجوزي, وابن ~~قدامة المقدسي الحنبليان المحدثان في تنزيه الإمام أحمد عن ذلك. قال الشيخ ~~أحمد بن عمر الأنصاري: بل (2) لم يشتهر أحد من الحنابلة بذلك, ولم يعرف عنه ~~إلا أنه يوجد في كلام ابن تيمية, وتلميذه ابن قيم الجوزية شيء من (3) ذلك ~~لم يبلغ رتبة التصريح, ذكره في كتابه ((مغني المحدث في الأسفار عن حمل ~~الأسفار)) (4) في آخر ذكر أسانيد ((مسند أحمد)). PageV01P297 # قلت: وما أظن بعض الحنابلة ينجو من ذلك, ولكن حكم البعض لا يلزم الكل ~~بالضرورة, وقد [اشتملت] (1) كتب الرجال على القدح بذلك على من قاله دون ~~غيره, {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الزمر:7] ولله الحمد. # وأما إن أراد المعترض التوصل بذلك إلى تكفيره - رضي الله عنه - فهذا لا ~~يصح (2) لأمور أيضا: # منها: ما تقدم من الإجماع على الاعتداد بأقواله, وعدم انعقاد الإجماع على ~~رأسه, وليت شعري إذا كان / [عند] (3) المعترض بهذه المنزلة فما باله يملي ms150 ~~على طلبة العلم الشريف مذاهب أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - وهلا أملى ~~عليهم مذاهب الباطنية, وقولهم: إن للأنثى مثل حظ الذكر, ونحو ذلك؟. # ومنها: أن التكفير من المسائل القطعية, يحتاج مدعيه إلى التواتر الصحيح ~~في الطرفين والوسط, والمعترض إنما ادعى PageV01P298 # الاستفاضة, وليس الاستفاضة تستلزم التواتر, بل ولا تستلزم الصحة, فقد ~~يستفيض الأمر في الأخير بعد غرابته أو نكارته أو وضعه (1) في أول الأمر, ~~وقد اشتهرت أحاديث الكتب الستة وغيرها في الزمن الأخير, وبلغ رواتها [أكثر] ~~(2) من عدد التواتر. # ومنها: أن العدد الكثير قد يغلطون في رواية المذاهب, وإن لم يتعمدوا ~~الكذب فلا يحصل العلم بخبرهم, لأن شرط التواتر الكثرة المفيدة للعلم, وذلك ~~لا يكون إلا إذا أخبروا عن علم ضروري دون ما أخبروا به عن ظن أو استدلال, ~~لكنه يحتمل في المخبرين عن الإمام أحمد أنهم ألزموه ذلك بطرق نظرية ~~استدلالية, فلا يفيد خبرهم التواتر وإن كثروا, ألا ترى أن الشيعة تعظم ~~المعتزلة, وتوثقهم مع أن المعتزلة على كثرتهم قد أجمعوا على دعوى العلم ~~القاطع بإجماع الصحابة على خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - , والشيعة في ~~هذا المقام لا يعتقدون صدق المعتزلة ولا أن خبرهم مع أهل السنة يفيد تواتر ~~النقل بصحة [هذا] (3) الإجماع المدعى, فما بال نقل النقلة للتشبيه عن ~~الإمام أحمد لما (4) استفاض وجب الأخذ به؟ وأما استفاضة إجماع الصحابة على ~~خلافة أبي بكر فلا يؤخذ بها؟ # فكل ما اعتذر به الشيعي هناك فالحنبلي (5) والسني يعتذر عن PageV01P299 # أحمد بمثله هنا. # ومنها: أنه قد ثبت بالتواتر أن الحافظ ابن الجوزي من أئمة الحنابلة, وليس ~~في ذلك نزاع, ولا شك أن تصانيفه في المواعظ وتواليفه في الرقائق مدرس ~~فضلائهم, وتحفة علمائهم, فبها يتواعظون ويخطبون, وعليها في جميع أحوالهم ~~يعتمدون. # وقد ذكر ابن الجوزي في كتبه هذه ما يقتضي نزاهتهم عن هذه العقيدة, وأنا ~~أورد من كلامه في ذلك ما يشهد بصحة ما ذكرته, فمن ذلك قوله في كتاب ~~((المدهش)) (1) في قوله تعالى: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل ms151 ~~شيء عليم} [الحديد:3]. قال ابن الجوزي: ((أول: ليس له مبتدأ, آخر: جل عن ~~منتهى (2) , يثبته العقل [ولا يدركه] (3) الحس. كل مخلوق /محصور بحد مأسور ~~في سور قطر. والخالق بائن مباين يعرف بعدم مألوف [التعريف] (4) ارتفعت لعدم ~~الشبه والشبه, إنما يقع الإشكال في وصف من له أشكال. وإنما تضرب الأمثال, ~~لمن له أمثال. وأما من لم يزل ولا يزال فما للحس معه مجال. عظمته عظمت عن ~~نيل كف الخيال, كيف يقال: كيف, والكيف في حقه محال؟ أنى تتخايله الأوهام ~~وهي صنعته, كيف تحده العقول وهي فعله, كيف تحويه الأماكن وهي وضعه؟ انقطع ~~سير الفكر, وقف سلوك الذهن, PageV01P300 # بطلت إشارة الوهم, عجز لطف الوصف, عشيت عين العقل, خرس لسان الحس, لا طول ~~للقدم في طور القدم. عز المرقى فيئس المرتقي, بحر لا يتمكن منه عائص. ليل ~~لا يبصر فيه للعين كوكب. # مرام شط [مرمى] (1) العقل فيه ... فدون مداه بيد لا تبيد # جادة التسليم سليمة. وادي النقل بلاقع. انزل عن علو غلو التشبيه, ولا تعل ~~قلل أباطيل التعليل, فالوادي بين الجبلين. # ما عرفه من كيفه, ولا وحده من مثله, ولا عبده من شبهه. المشبه أغشى ~~والمعطل أعمى, مما يتزه عنه مم! فيما يجب نفيه فيم؟! جل وجوب وجوده عن رجم ~~((لعل)) , سبق الزمان فلا يقال: كان, أبرز عرائس الموجودات من كن ((كن)) , ~~بث الحكم فلم يعارض ((بلم)) تعالى عن بعضية ((من)) , وتقدس عن ظرفية ((في)) ~~, وتنزه عن شبه ((كأن)) وتعظم عن نقص ((لو أن)) (2 وعز عن عيب ((إلا أن (2) ~~وسما كما له عن تدارك ((لكن)) (3). # وقال ابن الجوزي في كتاب ((اللطف)) (4) في وصف الله تعالى: ((لا من ~~الظاهر فهم له شبح, ولا من الباطن تعطل له وصف. خرست في حضرة القدس صولة ~~((لم)) , وكفت لهيبة الحق كف ((كيف)) وعشيت PageV01P301 # لجلال العز عين الفكر. فأقدام الطلب واقفة على جمر التسليم. إلى قوله: ~~((المشبه ملوث بدم التجسيم, والمعطل نجس بسرجين الجحود, ونصيب المحق لبن ~~خالص هو التنزيه)) إلى قوله: ((تفكروا في آلاء الله, لا ms152 تتفكروا في الله. ~~إذا استقبل الرمد الريح فقد تعرض لزيادة الرمد)) انتهى كلامه (1). # وفيه مع نفي التجسيم والتشبيه تلويح إلى ذم تعطيل ذات الله جل جلاله عما ~~وصفها به في كتابه الكريم. فلهم مذهب بين مذهبين وإليه أشار بقوله: فالوادي ~~بين الجبلين. وبقوله: ونصيب المحق لبن خالص هو التنزيه, بل ظاهر عبارته أن ~~المشبه خير من المعطل, وتفسير هذا, وذكر الأدلة فيه والرد على المبتدعة ~~يحتمل تأليفا مستقلا, وليس هذا من مقاصد هذا الكتاب, وإنما القصد فيه تنزيه ~~الإمام /أحمد عن التشبيه الذي وصمه به المعترض. # ولنورد في هذا المقام كلام النووي في حكاية مذهب أهل الحديث, وغيرهم من ~~جماهير أهل السنة, قال النووي في: ((شرح مسلم)) (2) -وقد ذكر حديث ((يوم ~~يكشف عن ساق)) -: ((أعلم أن لأهل العلم في أحاديث الصفات, وآيات الصفات ~~قولين: # أحدهما -وهو مذهب معظم السلف (3) أو كلهم-: أنه لا يتكلم PageV01P302 # في معناها بل يقولون: يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال ~~الله مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيء, وأنه منزه عن ~~التجسيم, وعن سائر صفات المخلوقين. وهذا القول هو مذهب جماعة المتكلمين, ~~واختاره جماعة من محققيهم وهو أسلم. # والقول الثاني: وهو مذهب معظم المتكلمين أنها تتأول, وإنما يسوغ تأويلها ~~للعارف بلسان العرب, وقواعد الأصول والفروع, ذي رياضة في العلم)) انتهى ~~كلام النووي. # وهو ظاهر في تنزيه الفقهاء من التجسيم, وأحمد بإجماعهم من أئمتهم وجلتهم, ~~فلو كان مجسما ما كان عندهم بهذه المنزلة, ألا ترى أن النووي لم يعد قول ~~المجسمة في أقوال أهل العلم, وقصر أقوال العلماء على قولين, وأحمد عنده من ~~العلماء بغير شك. # فإن قلت: وما التجسيم؟ قلت: هو إثبات الجسم لله تعالى. قال الإمام يحيى ~~بن حمزة في كتاب ((التحقيق, في التكفير والتفسيق)): ((وعن الخليل بن أحمد ~~في ((كتاب العين)) (1) أنه قال: ((الجسم البدن وجميع أعضائه من الناس ~~والدواب ونحو ذلك مما عظم في الخلقة, وأنشد الخليل: # وأجسم من عاد جسوم رجالهم ... وأكثر إن عدوا عديدا من ms153 الترب PageV01P303 # انتهى كلام الإمام يحيى بن حمزة. # وقال في ((مجمل اللغة)) (1) لأبي [الحسين] (2) أحمد بن فارس بن زكرياء: ~~((الجسم كل شخص مدرك. كذا رأيته في ((كتاب ابن دريد)) (3). وكل عظيم الجسم ~~جسيم وجسام, والجثمان الشخص)) (4). وفي ((المجمل)) (5) وفي ((كتاب الخليل)) ~~(6) أن الجسد لا يقال لغير الإنسان من [خلق] الأرض. # وفي كتاب ((الضياء)) (7) لمحمد بن نشوان الحميري: الجسم كل شخص مدرك. ~~لكنه فسر الشخص بالجسم, فدار كلامه ولم يظهر مقصده. وأما التشبيه فهو أخص ~~من التجسيم لاختلاف عرف أهل اللغة العربية وأهل الاصطلاح العرفي, وقد تكلم ~~الأصوليون على ذلك في مسألة نفي المساواة وما هي تقتضي, والله سبحانه أعلم. # الوهم العاشر: قال: ((وقد نسب إلى الشافعي القول بالرؤية (8) , فطرق عليه ~~الاحتمال, لأن الرؤية إنما تكون بكيف أو بلا كيف, PageV01P304 # والكيفية (1) تجسيم لا محالة)). # أقول: قد توهم المعترض أن إسلام الإمام الشافعي - رضي الله عنه - مشكوك ~~فيه, وأراد أن يقرب كفره وخروجه من الإسلام, فلم يزد على أن تعرض لأن يبوء ~~بالكفر, وعرض نفسه للتكذيب والخسر, فأما الإمام الشافعي فهو أرفع من أن ~~ينقصه كلام سفيه/, رشح إناؤه بما فيه. # ما يضر البحر أمسى زاخرا ... أن رمى فيه سفيه بحجر # ومن جلالة (2) الشافعي - رضي الله عنه - أن كل طائفة من المعتزلة, وأهل ~~السنة تدعيه وتتشرف أن تكون من متبعيه, فيا هذا مالك, وهذه الحماقة؟ أليس ~~شيوخ المعتزلة مفصحين (3) بدعوى موافقتهم للشافعي في العقيدة؟ أليس قاضي ~~قضاتهم عبد الجبار (4) , وأمثاله من جملة خدام أقواله القديمة والجديدة؟! ~~فهم في الفروع غير مستنكفين من التشرف بالنسبة إليه, ولا مستكبرين من ~~التعويل في التقليد عليه, وهم في العقيدة مدعون لموافقته داعون إلى ~~PageV01P305 # عقيدته (1) , وكفى ما ذكره عالمهم الكبير أبو سعد المحسن بن كرامة الشهير ~~بالحاكم في كتابه ((شرح العيون)). # وأما التعرض لتكفيره -صانه الله من ذكر ذلك- لكون القول بالرؤية روي عنه, ~~فهذه علة يلزم المعتل بها تكفير كثير من أئمة الإسلام, وجلة علمائه ~~الأعلام, فقد رويت الرؤية من (2) الصحابة ... -رضي الله تعالى عنهم-, عن ~~إمام الجميع ms154 (3) علي بن أبي طالب, وإمام المعتزلة وأهل السنة أبي بكر ~~الصديق (4) -رضي الله عنهما- وعن ابن عباس, وحذيفة بن اليمان, وعبد الله بن ~~مسعود, ومعاذ بن جبل, وأبي هريرة, عبد الله بن عمر بن الخطاب, وفضالة بن ~~عبيد, وأنس بن مالك, وجابر بن عبد الله الأنصاري, وكعب الأحبار. # ومن التابعين وغيرهم: سعيد بن المسيب, والحسن البصري, وعبد الرحمن بن أبي ~~ليلى, وعمر بن عبد العزيز, والأعمش, وسعيد ابن جبير, وطاووس, وهشام بن ~~حسان, والقاضي شريك [و] (5) ابن PageV01P306 # أبي نمر, وعبد الله بن المبارك, وأئمة المذاهب الأربعة, والأوزاعي, وإسحق ~~بن راهويه, والليث بن سعد, وسفيان بن عيينة, ووكيع بن الجراح, وقتيبة بن ~~سعيد, وأبي عبيد القاسم بن سلام, وغيرهم, فكل هؤلاء روي عنهم القول ~~بالرؤية, فإن كان كل من روي عنه ذلك لزم الشك في إسلامه, والطرح لمذهبه, ~~وروايته؛ لزم المعترض التشكيك في إسلام (1) عصابة الإسلام, وركن الإيمان: ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان, الذين أطبق السلف والخلف عن الاقتداء بهم ~~(2) , والقبول لقولهم, والانتفاع بمعارفهم ومذاهبهم. # وإن كان المعترض يكذب الرواة لذلك عنهم أو يتأول معنى ذلك, وإن صح صدوره ~~منهم, فهلا فعل في حق الإمام الشافعي مثل ذلك! وسلك به في الحمل على ~~السلامة أوضح المسالك؟!. # /الوهم الحادي عشر: وهم هذا المعترض أنه يمكنه التشكيك في علم أبي حنيفة ~~- رضي الله عنه - , واعتل في ذلك بأنه قد رمي بالقصور في علمي العربية ~~والحديث, أما العربية؛ فلقوله: بأبا قبيس, وأما الحديث؛ فلأنه كان يروي عن ~~المضعفين وما ذلك إلا لقلة علمه بالحديث)) انتهى كلامه. # وكان قد قدمه قبل هذا الموضع في المسألة الأولى: لكني PageV01P307 # أحببت (1) أن أجمع الذب عن أئمة الإسلام (2) الأربعة في موضع واحد فأقول: # لا يخلو إما أن ينكر صدور الفتوى عنه - رضي الله عنه - , وينكر نقل الخلف ~~والسلف لمذاهبه (3) في الفقه, أو يقر بذلك, إن أنكره أنكر الضرورة, ولم تكن ~~لمناظرته صورة, وإن لم ينكره فهو يدل على اجتهاده, ولنا في الاستدلال به ~~(4) على ذلك مسالك: # المسلك الأول: أنه ثبت بالتواتر ms155 فضله وعدالته, وتقواه وأمانته, فلو أفتى ~~بغير علم وتأهل لذلك وليس له بأهل لكان جرحا في عدالته, وقدحا في ديانته ~~وأمانته, ووصما في عقله ومروءته, لأن تعاطي الإنسان ما لا يحسنه, ودعواه ~~لمعرفة ما لا يعرفه, من عادات السفهاء, ومن لا حياء له ولا مروءة من أهل ~~الخسة والدناءة, ووجوه مناقبه مصونة عن ابتذالها وتسويدها بهذه الوصمة ~~القبيحة, والبدعة (5) الشنيعة. # المسلك الثاني: أن رواية العلماء لمذاهبه, وتدوينها في كتب الهداية, ~~وخزائن الإسلام؛ تدل على أنهم قد عرفوا اجتهاده لأنه لا يحل لهم رواية ~~مذهبه (6) إلا بعد المعرفة بعلمه لأن إيهام ذلك من غير PageV01P308 # معرفة محرم, لما يتركب (1) عليه من الأحكام الشرعية المجمع عليها, ~~كانخرام إجماع أهل عصره بخلافه, والمختلف فيها. كانخرام إجماع من بعده ~~بخلافه, وجواز تقليده بعد موته. # المسلك الثالث: أن نقول: الإجماع منعقد على اجتهاده, فإن خالف في ذلك ~~مخالف فقد انعقد الإجماع بعد موته, وإنما قلنا بذلك لأن أقواله متداولة بين ~~العلماء الأعلام, سائرة في مملكة الإسلام, في الشرق والغرب واليمن والشام, ~~من عصر التابعين من سنة خمسين ومائة إلى يوم الناس هذا وهو أول المائة ~~التاسعة بعد الهجرة, لا ينكر على من يرويها ولا على (2) من يعتمد عليها, ~~والمسلمون بين عامل عليها, وساكت عن الإنكار على من يعمل عليها, وهذه ~~الطريقة [هي] (3) التي يثبت بمثلها دعوى الإجماع في أكثر المواضع. # المسلك الرابع: أنه قد نص كثير من الأئمة والعلماء على أن أحد الطرق ~~الدالة على اجتهاد العالم /هي: انتصابه للفتيا, ورجوع عامة المسلمين إليه ~~من غير نكير من العلماء والفضلاء, وموضع نصوص العلماء على ذلك في علم أصول ~~الفقه, وهناك يذكر الدليل على أن ذلك كاف في معرفة اجتهاد العالم وجواز ~~تقليده. # وممن ذكر ذلك من أئمة الزيدية, وشيوخ المعتزلة المنصور بالله في كتابه: ~~((الصفوة)) , وأبو الحسين البصري في كتابه PageV01P309 # ((المعتمد)) (1) , وهذا في سكوت سائر العلماء عن النكير على المفتي, فكيف ~~بسكوت ركن الإسلام من عصابة التابعين, ونبلاء سادات المسلمين [الذين] (2) ~~هم من خير القرون بنص ms156 سيد المرسلين, فقد كان الإمام أبو حنيفة معاصرا لذلك ~~الطراز الأول كما سيأتي, وقد تطابق الفريقان من أهل السنة والاعتزال, على ~~التعظيم لأبي حنيفة والإجلال؛ أما أهل السنة: فذلك أظهر من الشمس, وأوضح من ~~أن يدخل فيه اللبس. # وليس يصح في الأفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل (3) # وأما المعتزلة: فقد تشرفوا (4) بالانتساب إليه, والتعويل في التقليد ~~عليه, كأبي علي, وولده أبي هاشم من متقدميهم, وأبي (5) الحسين البصري, ~~والزمخشري من متأخريهم (6) , وهم وإن قدرنا دعواهم الاجتهاد, والخروج من ~~التقليد, فذلك إنما كان بعد طلبهم العلم وطول المدة, وهم قبل ذلك وفي خلال ~~ذلك معترفون باتباع PageV01P310 # أقواله, وبعد ذلك لم يستنكفوا من الانتساب إلى اسمه والمتابعة في المعارف ~~لرسمه, وفي كلام علامتهم الزمخشري: ((وتد الله الأرض بالأعلام المنيفة, كما ~~وطد الحنيفية بعلوم أبي حنيفة. الأئمة الجلة الحنفية, أزمة الملة الحنيفية, ~~الجود والحلم حاتمي وأحنفي, والدين والعلم حنيفي وحنفي)) (1). # وقد عقد الحاكم أبو سعد (2) فصلا في فضل أبي حنيفة, وعلمه ذكره في كتابه ~~((سفينة العلوم)) (3) , وقد أطبق أهل التاريخ على تعظيمه, وأفرد بعضهم ~~سيرته - رضي الله عنه - في كتاب سماه ((شقائق النعمان في مناقب النعمان)) ~~(4): ولو كان الإمام أبو حنيفة جاهلا ومن حلية العلم عاطلا ما تطابقت جبال ~~العلم من الحنفية على الاشتغال بمذاهبه, كالقاضي أبي يوسف, ومحمد بن الحسن ~~الشيباني, والطحاوي, وأبي (5) الحسن الكرخي, وأمثالهم وأضعافهم, فعلماء ~~الطائفة الحنفية في الهند, والشام, ومصر, واليمن, والجزيرة, والحرمين, ~~والعراقين منذ مئة وخمسين من الهجرة إلى هذا التاريخ يزيد على ستمائة سنة, ~~فهم ألوف لا ينحصرون, وعوالم لا يحصون PageV01P311 # من أهل العلم /والفتوى, والورع والتقوى, فكيف يجترىء هذا المعترض, ويجوز ~~عليهم أنهم تطابقوا على الاستناد إلى عامي جاهل لا يعرف أن الباء تجر ما ~~بعدها, ولا يدري ما يخرج من رأسه من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-؟ ما هذا إلا كلام عامي أو أعمى, يخبط من الجهل في ظلما. # وهبك تقول هذا الصبح ليل ... أيعمى العالمون عن الضياء (1) # وأما ما قدح به ms157 على الإمام أبي حنيفة من عدم العلم باللغة العربية فلا شك ~~أن هذا كلام متحامل, متنكب عن سبيل المحامل, فقد كان الإمام أبو حنيفة من ~~أهل اللسان القويمة (2) واللغة الفصيحة. # وليس بنحوي يلوك لسانه ... ولكن سيلقي يقول فيعرب # وذلك لأنه أدرك زمان العرب, واستقامة اللسان, فعاصر جريرا والفرزدق, ورأى ~~أنس بن مالك خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين, وقد توفي أنس بن ~~مالك سنة ثلاث وتسعين من الهجرة (3) , والظاهر أن أبا حنيفة ما رآه وهو في ~~المهد, بل رآه بعد التمييز, يدل على ذلك PageV01P312 # أن (1) أبا حنيفة كان من المعمرين, وتأخرت وفاته إلى سنة خمسين ومائة, ~~وقد جاوز التسعين (2) # من العمر, وهذا يقتضي أنه بلغ الحلم, وأدرك بعد موت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بقدر الثمانين [سنة] (3) لأنه - عليه السلام - توفي بعد مضي ~~عشر من الهجرة, وهذا يدل على تقدم أبي حنيفة وإدراكه زمان العرب, وهو أقدم ~~الأئمة وأكبرهم سنا, فهذا مالك على تقدمه توفي بعده بنحو ثلاثين سنة, ولا ~~شك أن تغير اللسان في ذلك الزمان كان يسيرا, وأنه لم يشتغل في ذلك الزمان ~~بعلم اللغة وفن الأدب أحد من مشاهير العلماء المتبوعين المعتمد عليهم في ~~التقليد, لعدم مسيس الحاجة إلى ذلك في ذلك العصر كما أشار إلى ذلك أبو ~~السعادات ابن الأثير في ديباجة كتابه: ((النهاية)) (4) , وكما لا يخفي ذلك ~~على من له أنس بعلم التاريخ, فلو أوجبنا قراءة علم العربية في ذلك الزمان ~~على المجتهد لم نقتصر على أبي حنيفة, ولزم أن لا PageV01P313 # يصح احتجاج (1) علماء العربية بأشعار جرير والفرزدق, وهذا ما لم يقل به ~~أحد, وإنما اختل اللسان الاختلال الكثير في حق بعض الناس بعد ذلك العصر, ~~وقد سلم من تغير اللسان من لم يخالط العجم في الأمصار من خلص العرب, وأدرك ~~الزمخشري كثيرا منهم ممن لزم البادية, وأكثر ما أسرع التغير إلى العامة ومن ~~لا تمييز له, وقد قال الأمير العالم الحسين بن محمد في كتاب ((شفاء ~~الأوام)): /إن الإمام يحيى بن ms158 الحسين - رضي الله عنه - كان عربي اللسان ~~حجازي اللغة (2) من غير قراءة, وروى [علامة الشيعة] (3) علي بن عبد الله بن ~~أبي الخير أنه قرأ في العربية أربعين يوما, وهذا وهو (4) توفي على رأس ثلاث ~~مائة من الهجرة. # وأما سنة ثمانين من الهجرة, فليس أحد من أهل التمييز يعتقد أن أهل العلم ~~في ذلك الزمان كانوا لا يتمكنون من معرفة معاني كلام الله ورسوله إلا بعد ~~((قراءة في علم العربية, ولو كان ذلك منهم لنقل ذلك, وعرف شيوخ التابعين ~~فيه, وليت شعري من كان شيخ (5) علقمة بن قيس, وأبي مسلم الخولاني, ومسروق ~~[بن] الأجدع, وجبير بن نفير, وكعب الأحبار, أو من كان شيوخ من بعدهم من ~~PageV01P314 # التابعين؟ كالحسن, وأبي الشعثاء (1) , وزين العابدين, وإبراهيم التيمي, ~~والنخعي, وسعيد بن جبير, وطاووس, وعطاء والشعبي ومجاهد, وأضرابهم, فما خص ~~أبا حنيفة بوجوب تعلم العربية, وفي أي المصنفات البسيطة يقرأ في ذلك ~~الزمان؟. # وأما قوله: بأبا قبيس فالجواب عنه من وجوه: # الأول: أن هذا يحتاج إلى طرق صحيحة, والمعترض قد شدد في نسبة الصحاح إلى ~~أهلها مع اشتهار سماعها, والمحافظة على ضبطها, فكيف بمثل هذا (2)؟!. # الثاني: أنه (3) إن ثبت بطرق صحيحة, فإنه لم يشتهر, ولم يصح مثل شهرة ~~صدور الفتيا, ودعوى الاجتهاد عن الإمام أبي حنيفة, وقد تواتر علمه وفضله, ~~وأجمع عليه, وليس يقدح في المعلوم بالمظنون, بل بما لا يستحق أن يسمى ~~مظنونا. # الثالث: أنا لو قدرنا أن ذلك صح عنه بطريق معلومة لم يقدح به لأنه ليس ~~بلحن بل هو لغة صحيحة, حكاها الفراء عن بعض العرب وأنشد: # إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها (4) PageV01P315 # الرابع: سلمنا أن هذا لحن لا وجه له, فإنه لا يدل على عدم المعرفة, فإن ~~كثيرا من علماء العربية يتكلم بلسان العامة ويتعمد النطق باللحن, بل قد ~~يتكلم العربي بالعجمية ولا يقدح ذلك في عربيته, وعلى الجملة؛ فكيف ما دارت ~~المسألة فإن ذلك لا يدل على قصور الإمام أبي حنيفة, بل يدل على غفلة ~~المعترض به وتغفيله, ms159 وجرأته على وصم هذا الإمام الجليل وتجهيله. # وأما قدحه عليه بالرواية عن المضعفين, وقوله: إن ذلك ليس إلا لقلة معرفته ~~بالحديث؛ فهو وهم فاحش, لا يتكلم به منصف. # والجواب على ذلك يتبين بذكر محامل: ### | المحمل الأول # : أنه قد علم من مذهب أبي حنيفة -رحمه الله- إنه يقبل المجهول, وإلى ذلك ~~ذهب كثير من العلماء كما قدمناه (1) , ولا شك أنهم إنما يقبلونه حيث ~~لايعارضه حديث الثقة المعلوم العدالة, لأن الترجيح بزيادة الثقة والحفظ عند ~~التعارض أمر مجمع عليه, ولا شك أن الغالب على حملة العلم النبوي في ذلك ~~الزمان العدالة, /ويشهد لذلك الحديث الثابت المشهور: ((خيركم القرن الذي ~~أنا فيهم, ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم؛ ثم يفشو الكذب من PageV01P316 # بعد)) (1) , وقد تقدم الكلام على الحديث, وقد كان علي - رضي الله عنه - ~~يتهم بعض الرواة فيستحلفه ثم يقبله (2) , وهذا إنما يكون في حديث من فيه ~~جهالة أو نحوها, ولذا لم يستحلف المقداد لما أخبره بحكم المذي (3) , وقد ~~روى الحافظ ابن كثير في ((جزء جمعه في أحاديث السباق)) (4) عن الإمام أحمد ~~بن حنبل أنه كان يرى العمل بالحديث الذي فيه ضعف إذا لم يكن في الباب حديث ~~صحيح يدفعه (5) , وأنه روى في المسند أحاديث كثيرة من هذا القبيل, وذلك على ~~سبيل الاحتياط من غير جهل بضعف الحديث, ولا بمقادير الضعف, وما يحرم معه ~~قبول الحديث بالإجماع, وما فيه خلاف. # وقال الحافظ أبو عبد الله بن منده (6): إن أبا داود يخرج الإسناد ~~PageV01P317 # الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره لأنه أقوى عنده من رأي الرجال. انتهى. ~~وفي هذا شهادة واضحة على أن رواية الحديث الضعيف لا تستلزم الجهل بالحديث, ~~فأحمد وأبو داود من أئمة علم الأثر بلا مدافعة, وهذا الحديث الضعيف الذي ~~ذكروه, ليس حديث الكذابين, ولا الفساق المصرحين, فذلك عندهم لا يستحق اسم ~~الضعف, وإنما يقال فيه: إنه باطل, أو موضوع, أو ساقط, أو متروك, أو نحو ~~ذلك, وإنما الضعيف حديث الراوي الصدوق الذي ليس بحافظ, أو المعلول (1) ~~بالاختلاف في رفعه وإسناده, والمضطرب ms160 (2) اضطرابا يسيرا, أو نحو ذلك مما ~~اختلف العلماء في التعليل للحديث به, أو الجرح للراوي به, ولا تظهر قوة في ~~دليل ردة, ولا دليل قبوله, وأكثر التضعيف إنما يكون من جهة الحفظ, وعند ~~الأصوليين: أنه لا يقدح به حتى يكون الخطأ راجحا على الصواب, أو مساويا له, ~~وفي المساوي خلاف عندهم, وقد تقدم ذكر هذه المسألة, وهي مقررة في كتب ~~((علوم الحديث)) وكتب ((الأصول)) , فعلى هذا الوجه تكون رواية الإمام أبي ~~حنيفة عن بعض الضعفاء مذهبا واختيارا, لا جهلا واغترارا. ### | المحمل الثاني: # أن يكون ضعف أولئك الرواة الذين روى عنهم مختلفا فيه, ويكون مذهبه وجوب ~~قبول حديثهم, وعدم الاعتداد بذلك التضعيف؛ إما لكونه غير مفسر لسبب, أو ~~لأجل مذهب, أو غير ذلك, وقد جرى ذلك لغير واحد من العلماء والحفاظ, بل لم ~~PageV01P318 # يسلم من ذلك صاحبا ((الصحيح)) كما قدمنا ذلك, وكذلك أئمة العلم. # هذا الإمام الشافعي - رضي الله عنه - أكثر من الرواية عن إبراهيم بن أبي ~~يحيى الأسلمي, ووثقه, وقد خالفه الأكثرون في ذلك. وقال ابن عبد البر في ~~((تمهيده)) (1): أجمعوا على تجريح ابن أبي يحيى, إلا الشافعي. # قلت: أما الإجماع على تجريحه فليس بمسلم, فقد وافق الشافعي على توثيقه ~~أربعة من كبار الحفاظ (2) وهم: ابن جريج, وحمدان بن محمد الأصبهاني, وابن ~~عدي, وابن عقدة (3) , وقال الذهبي في ((التذكرة)) (4): ((لم يكن ابن أبي ~~يحيى في وزن من يضع الحديث)) انتهى, ولكن تضعيفه قول الجماهير. وهو المصحح ~~عند أئمة الحديث من الشافعية /كالنووي, والذهبي, وابن كثير, وابن النحوي ~~وغيرهم. PageV01P319 # وكذلك روى الشافعي عن أبي خالد الزنجي المكي (1) , وهو مختلف في توثيقه, ~~وكذلك الإمام أحمد يروي عن جماعة مختلف فيهم (2) # كما تقدم, وكذلك القاسم بن إبراهيم, ويحيى بن الحسين الهادي -رضي الله ~~عنهم- قد رويا عن ابن أبي أويس, وهو مختلف فيه (3) , وقد ذكر أهل علم ~~الرجال ذلك الاختلاف, وبينوا في ((علوم الحديث)) ما يقبل من الجرح ~~والتعديل, ومراتبهما, وكيفية العمل عند تعارضهما. ### | المحمل الثالث: # أن يكون إنما روى عن أولئك الضعفاء على ms161 سبيل المتابعة والاستشهاد, وقد ~~اعتمد على غير حديثهم من عموم آية, أو حديث, أو قياس, أو استدلال. # مثل: ما صنع مالك في الرواية عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري, قال ~~ابن عبد البر في ((تمهيده)) (4): كان مجمعا على تجريحه, PageV01P320 # ولم يرو عنه مالك إلا حديثا واحدا معروفا من غير طريقه وهو حديث: وضع ~~اليمين على الشمال في الصلاة, وقد رواه مالك في ((الموطأ)) (1) من طريق ~~صحيحة من رواية أبي حازم التابعي الجليل عن سهل بن [سعد] (2) الصحابي - رضي ~~الله عنه -. # وكذلك القاسم بن إبراهيم, وحفيده يحيى بن الحسين من أئمة الزيدية قد أكثر ~~من رواية أحاديث الأحكام, والاحتجاج عليها من حديث ابن أبي ضميرة (3) وأهل ~~الرواية متفقون على تجريحه, والقدح في روايته (4). # وكذلك قد روى شعبة على جلالته (5) وتشدده عن أبان بن أبي PageV01P321 # عياش مع قول شعبة فيه: لأن أشرب من بول حمار حتى أروى أحب إلي من أن ~~أقول: حدثنا أبان بن أبي عياش, رواه شعيب بن جرير عنه, وروى ابن إدريس ~~وغيره عن شعبه (1) أنه قال: لأن يزني الرجل خير من أن يروي عن إبان. # فإن قلت: فكيف روى عنه مع اعتقاده تحريمها؟. # قلت: إنما أراد تحريم ذلك على من لا يعرف الحديث الباطل من غيره (2) , ~~وتحريم رواية العارف عن المتروكين في حضرة من لا يعرف واجب, فإن الثوري نهى ~~عن الرواية عن بعض المتروكين, فقيل له: ألست تروي عنه؟ فقال إني أروي ما ~~أعرف (3). # وهذا من لطيف علم الحديث. وقد قدمنا (4) عن مسلم أنه ربما أخرج الإسناد ~~الضعيف لعلوه واقتصر عليه, وترك إيراد الإسناد الصحيح لنزوله, ومعرفة أهل ~~الشأن له, روى ذلك النووي عن مسلم تنصيصا كما تقدم, وفيه دلالة على أن ~~رواية العالم لحديث الرجل الضعيف لا تدل على جهله بضعفه. # وكذلك البخاري قد ضعف هو بعض من روى عنه في PageV01P322 # ((الصحيح)) , ذكر ذلك الذهبي في ((الميزان)) (1) , وهذا يدل على أنه لم ~~يعتمد على ذلك الراوي الذي ضعفه, لولا شواهد لحديثه ومتابعات. # وهذا من لطيف ms162 علم الحديث, ولذا قال الإمام النووي (2): ((إن من صحح حديثا ~~على شرط مسلم لكون راويه من رواة صحيح مسلم؛ فقد وهم في ذلك)). ### | المحمل الرابع: # أن تكون رواية الإمام أبي حنيفة من قبيل تدوين ما بلغه من الحديث صحيحه ~~وضعيفه, كما هو عادة كثير من مصنفي الحفاظ أهل السنن والمسانيد, وغرضهم ~~بذلك حفظ الحديث للأمة لينظر في توابعه وشواهده, فإن صح منه شيء عمل به وإن ~~بطل شيء حذر من العمل به, وإن احتمل شيء الخلاف كان للناظر من العلماء أن ~~يعمل فيه باجتهاده. # وفي الرواية المشهورة عن البخاري أنه كان حفظ ثلاث مئة ألف حديث, منها: ~~مئتا ألف غير صحاح (3). # وقال إسحاق بن راهويه (4): أحفظ مكان مئة ألف حديث كأني أنظر إليها, ~~وأحفظ سبعين ألف حديث صحيحة عن ظهر قلبي, وأحفظ أربعة آلاف حديث مزورة. ~~فقيل له في ذلك؟ فقال: لأجل إذا مر بي منها حديث في الأحاديث الصحيحة فليته ~~فليا. PageV01P323 ### | المحمل الخامس # : أن يكون كثير من الأحاديث المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة ضعيفة من قبيل ~~ما روى عنه, لا من جهته, ولا من جهة شيوخه ومن فوقهم, كما في كثير من ~~الأحاديث المنسوبة إلى جعفر الصادق, وكثير من الثقات. # فقد روى الذهبي في ((الميزان)) (1) عن الحافظ ابن حبان (2): أن أبا (3) ~~بن جعفر وضع على أبي حنيفة أكثر من ثلاث مائة حديث, ما حدث بها أبو حنيفة ~~قط, رواه الذهبي في ترجمة أبا بن جعفر. # إذا عرفت هذا؛ فاعلم أن الإمام أبا حنيفة - رضي الله عنه - طلب العلم بعد ~~أن أسن. وقد كان الحافظ المشهور بالعناية في هذا الشأن إذا كبر وأسن ~~[تناقص] (4) حفظه, فلهذا لم يكن في الحفظ في أرفع المراتب, وكذلك غيره من ~~الأئمة, فقد كان الإمام أحمد بن حنبل أوسع الأئمة الأربعة معرفة بالحديث ~~وحفظا له, ولم يكن ذلك عيبا فيهم ولا قدحا في اجتهادهم, وقد كان حديث ابن ~~المسيب, ومحمد بن سيرين, وإبرهيم النخعي: أصح وأقوى من حديث عطاء, ~~PageV02P324 # والحسن البصري, وأبي قلابة, وأبي العالية. ms163 وكان ابن المسيب أصح الجماعة ~~حديثا من غير قدح في علم من هو دونه. # ولهذا السبب تكلم بعض (1) الحفاظ في حديث الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي ~~الله عنه -؛ فظن بعض الجهال أن ذلك يقتضي القدح في اجتهاده, وإمامته, وليس ~~كذلك, فغاية ما في الباب أن غيره أحفظ منه، وذلك لا يستلزم أن غيره أفضل ~~منه, ولا أعلم منه على الإطلاق, فقد كان أبو هريرة - رضي الله عنه - أحفظ ~~الصحابة -رضي الله عنهم-, ولم يكن أعلمهم, ولا أفقههم, ولا أفضلهم, وقد كان ~~معاذ أفقههم, وزيد أفرضهم, وعلي أقضاهم, وأبي أقرأهم, والخلفاء أفضلهم. # وبعد؛ فالمناقب مواهب يهب الله منها ما يشاء لمن يشاء, وقد أشار الذهبي ~~إلى الاعتذار عن ذكر الإمام أبي حنيفة وأمثاله, وإلى أنه لا قدح عليه بما ~~ذكر فيه من الاختلاف, فقال في خطبة ((الميزان)) (2): ((وكذا لا أذكر من ~~الأئمة /المتبوعين في الفروع أحدا لجلالتهم في الإسلام, وعظمتهم في النفوس, ~~فإن ذكرت أحدا منهم فأذكره على الإنصاف, وما يضره ذلك عند الله, ولا عند ~~الناس, إنما يضر الإنسان الكذب, والإصرار على كثرة الخطأ, والتجري على ~~تدليس الباطل, فإنه خيانة وجناية, فالمرء المسلم يطبع على كل شيء إلا ~~الخيانة والكذب)). انتهى كلامه. PageV02P325 # فانظر كيف تأدب أبو عبد الله الذهبي, وذكر جلالة الأئمة المتبوعين في ~~الإسلام, ونص على أن ذكرهم في كتب الجرح والتعديل لا يضرهم عند الله, ولا ~~عند الناس. وهكذا فليكن ذكر العالم لمن هو أعلم منه؛ بأدب, وتواضع, وتعظيم, ~~وتوقير, جعلنا الله ممن عرف قدر الأئمة, وعصمنا من مخالفة إجماع الأمة (1). # وبهذه الجملة تم كشف عوار هاتين الشبهتين الضعيفتين في علم إمام أكثر أهل ~~الإسلام, الذي أجمع على إمامته العلماء الأعلام. وقد أحببت التقرب إلى الله ~~تعالى, والتشرف بخدمة مناقبه العزيزة, والذب عن معارفه الغزيرة, بذكر هذه ~~الأحرف الحقيرة اليسيرة, ولم أقصد التعريف بمجهول (2) من فضائله, ولا الرفع ~~لمخفوض من مناقبه, فهو من ذلك أرفع مكانا, وأجل شأنا. # والشمس في صادع أنوارها ... غنية عن صفة الواصف # الوهم الثاني ms164 عشر: وهم المعترض المسكين أن طائفة المعتزلة بالذكاء ~~مخصوصة, وأجنحة أهل الأثر عن النهوض لهذه الفضيلة مقصوصة, وصرح بوصم الإمام ~~مالك بن أنس - رضي الله عنه - بالبله, وكذلك أهل الحديث, قال: ((إنما قالوا ~~بذلك لقلة ممارستهم بالعلوم, واقتصارهم على فن الحديث. وكلامه هذا ذكره في ~~رسالته PageV02P326 ### | الثاني # ة (1) التي أجاب بها على القصيدة التي أولها: # ظلت عواذله تروح وتغتدي ... وتعيد تعنيف المحب وتبتدي # وهذه قصيدة أنشأتها في الحث على اتباع السنة النبوية, زادنا الله شرفا ~~بالحث عليها, [والدعاء إليها] (2) , وقد أحببت تكميل تشرفي في الذب عن أئمة ~~الإسلام الأربعة, وسائر أئمة السنة في موضع واحد فأقول: كلام المعترض في ~~هذا الموضع من جملة فضلات الكلام, ونزوات الأقلام, التي ليس تحتها أثارة من ~~علم فتعرف, ولا فيها شبهة قادحة فتكشف. ولكن ينبغي تأديبه عليها بذكر ~~تقريعات: ### | الأول: # أن أهل السنة والبدعة, والخلف والسلف, والمتكلمين والأصوليين, والنحاة ~~واللغويين, وأهل كتب المقالات في الملل والنحل, كلهم استمرت عادتهم على ~~نسبة الأقوال إلى من قالها, وحكاية المذاهب عن أهلها؛ من غير زيادة سخرية, ~~ولا غمص/, ولا أذى ولا استهانة, تنزيها لألسنتهم عن خبث السفه, ولمصنفاتهم ~~عما يدل على قلة التمييز والمناصفة, فترى المتكلمين, وأهل المقالات ينسبون ~~البدع إلى أهلها [كذلك] (3) , بل يحكون مذاهب الخارجين عن الإسلام؛ ~~فيقولون: ذهب الثنوية إلى كذا, وذهب النصارى إلى كذا, علما من المحصلين أنه ~~لا حاصل تحت السفه, PageV02P327 # وأنه مقدور لاخس السوقة. وإنما يوجد شيء من ذلك في كلام بعض العلماء عند ~~الانتصاف من المعتدين, والانتصار لأئمة أهل الدين, قال الله تعالى: ((لا ~~يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم)) [النساء/148]. ### | الثاني # : أنك عللت بللهم, وجمود فطنتهم بقلة ممارستهم للعلوم, وعنيت بهذه ~~العلوم: علوم الجدل, والخوض في دقيق النظر, لأنه لا يفهم إلا ذلك, والتعليل ~~بهذه العلة هفوة كبيرة, لأن هذه العلة قد شاركهم فيها خيرة الله من خلقه من ~~الأنبياء المرسلين, والأولياء والمقربين, والصحابة والتابعين, وسائر ~~الصالحين, فإن كان هذا المعترض يجعل هذه العلة مؤثرة صحيحة, ms165 ويستلزم ما أدت ~~إليه من الإزراء على كل من ترك الخوض في علم الكلام, والممارسة لأساليب ~~المتحذلقين من أهل الجدل فقد تعرض للهلاك, وارتبك في البلادة أي ارتباك. # وقد اغتر بهذه الشبهة بعينها؛ الحسين بن القاسم بن علي العياني (1) , أحد ~~من ادعى الإمامة من الزيدية, فخرج من مذهب الزيدية بل من المذاهب ~~الإسلامية, وادعى أنه أفضل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وإن ~~كلامه أنفع من كلام الله عز وجل (2)!! # وتابعه على ذلك طائفة PageV02P328 # مخذولة من الزيدية, وقد انقرضت بعد الانتشار, وخملت بعد الاشتهار, وهذه ~~العلة العليلة كانت سبب اغتراره من نفسه؛ فإنه كان يناظر أهل العلم بها, ~~ويقول في مناظرته: # قد ثبت أن الأعلم أفضل, وأن علم الكلام أفضل العلوم. ثم يقول لمن يوافقه ~~من الزيدية والمعتزلة على هاتين المقدمتين: # إنه يلزم منهما أنه أفضل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه يقطع ~~أنه أعلم منه بعلم الكلام, وان مصنفاته قد اشتملت على (1) الرد على ~~الفلاسفة, وسائر أهل الملل والنحل على ما ليس في كتاب الله ما يقوم مقامه, ~~فتصانيفه أنفع للمسلمين من القرآن العظيم!! # فإن كان المعترض قد اختار هذا المذهب, وأراد أن يحيي منه ما مات, ويستدرك ~~على صاحبه من الكفر ما فات؛ فليس بمستنكر له بعد ذلك أن يستهزيء بأهل ~~الحديث, ويسخر من علماء الأثر, وإن كان يأبي منه إباء المسلمين, ويأنف منه ~~أنفة المؤمنين؛ فقد تبين له أن من كان له أسوة -في ترك علوم الأوائل وتحذلق ~~الجدليين- بالأنبياء والمرسلين, والصحابة والتابعين, وسائر الصالحين, فهو ~~حري بالتبجيل والتعظيم, والتوقير والتكريم. # فياسيال الذهن, ووقاد القريحة, من الأبله الآن!؟ أمن علل بهذا التعليل ~~العليل, وقال: إن معرفته بالله/ مثل معرفة جبريل, بل PageV02P329 # قال: إن الله لا يعرف من ذاته أكثر منه بكثير ولا قليل, أم من آمن بالله ~~(1) وكتبه ورسله وتأدب بآداب التنزيل, واقتدى بسيد المرسلين في ترك التعمق ~~في الدين والمماراة للجاهلين؟. ### | الثالث: # البله وجمود الفطنة من أفعال الله تعالى التي أجرى العادة أن لا ms166 يخلى ~~عنها الطائفة العظيمة الذين لا يحصرهم عدد, ولا يجمعهم نسب ولا بلد, وهو ~~كالطول والقصر, والسواد والبياض, وحسن الصوت (2) , وجمال الخلق, فالقول ~~بذلك عليهم من قبيل التجري على البهت الذي هو عادة البطالين. # وكل منصف يعلم أن في كل طائفة عظيمة -لا يجمعهم إقليم ولا نسب ولا طبيعة- ~~فطناء وبلداء, وكرام وبخلاء, وشجعان وجبناء, وقد خاطب الله عباد الحجارة ~~الذين لم تكن عندهم من العلم أثارة بمثل قوله تعالى: (وأنتم تعقلون) (3) , ~~((وأنتم تعلمون)) [البقرة22]. ### | الرابع: # أن رسالة المعترض منادية عليه نداء (4) صريحا بجمود الفطنة, وكثرة البله, ~~وكل إناء بالذي فيه يرشح. ولو كان من أهل المغاصات الغامضة, والأذهان ~~السائلة والقرائح الوقادة؛ لظهر لذلك PageV02P330 # أثر في أساليبه, ولاحت من ذلك مخايل على رسائله, فلا مخبأ بعد بوس, ولا ~~عطر بعد عروس. فيا هذا!! ما حملك على عيب الخصوم بعيب أنت به موصوم؟!. ### | الخامس # : أن الفلاسفة تدعي من الذكاء والفطنة مثل ما أنت مدع, وتعتقد في ~~المسلمين كلهم مثل ما أنت معتقد في المحدثين, فإنهم يعتقدون أن المتكلمين ~~من المسلمين غير ممارسين للعلوم العقلية على ما ينبغي. ولا منصفين في ~~متابعة (1) محض العقل, لمراعاتهم في كثير من المواضع لقواعد الإسلام, ~~وتعصبهم لمذاهب الآباء والمشايخ, وخوف (2) ما تقرر في نفوسهم من الصغر من ~~(3) خوف عذاب الاخرة, وعندهم أنهم السباق إلى تأسيس قواعد العلوم العقلية, ~~والقوانين المنطقية, وأنهم استبدوا باستخراج علم المنطق, وميزان البرهان, ~~بصفاء أذهانهم في النظر في الحقائق, وشدة غوصهم على لطائف الغوامض, فكما أن ~~ذلك -وإن صدقوا في بعضه- لا يدل على صحة ما هم عليه من الكفر, ولا يرجح ما ~~فرحوا به من الضلال والخسر (4) , فكذلك ما احتج به المعترض على اختصاصه ~~وأصحابه بالذكاء والفطنة, بسبب ما استعاروه من علم الأوائل, وشموا من رائحة ~~الحذق في بعض المسائل, لا يوجب له صحة دعواه, ولا يستحق به الاختصاص ~~بالنجاة؛ هذا إن سلم المعترض أن المدقق قد يضل في PageV02P331 # تدقيقه ويزل عن تحقيقه, وأما إن لم يسلم ذلك فليتخذهم أئمة, وينسلخ عما ~~عليه ms167 الأمة, وفي هذا أكبر دليل على فساد ما توهمه المعترض من تعليل صفاء ~~الأذهان, /والرجوع في صحة الإيمان إلى ممارسة تواليف اليونان في علم ~~البرهان, فقد ضل سقراط المعلم الأول, واهتدى من الأعراب كثير, وما مارس أحد ~~منهم تلك العلوم ولا تأول. # فيا هذا! من أكثر ممارسة للعلوم العقلية, وأهدى إلى العقائد الإسلامية: ~~أم الدرداء, وأم سليم, وخديجة بنت خويلد, أم أرسطاطاليس, وأفلاطون, وابن ~~سينا؟ وانظر بعد هذا في ميزانك الذي وزنت به أهل العلم والذكاء, وأهل ~~الجمود والبله, هل تجده مع مراعاة الإسلام عادلا, أو تراه إلى تعظيم ~~الفلاسفة مائلا؟. ### | السادس: # كان المسلمون أمة واحدة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأيام ~~الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم-, ليس بينهم خلاف في أمر العقيدة, وعلم من ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - , ومن الخلفاء الراشدين والسلف الصالحين أن ~~الذي كان عليه المسلمون في أعصارهم هو: سبيل الهدى ومنهج الحق وطريق ~~السلامة, حتى مارستم هذه العلوم, وتركتم الجمود, وسالت أذهانكم بالحقائق, ~~وغصتم على هذه الدقائق, وضلت اثنتان وسبعون فرقة من ثلاث وسبعين, ولم يبق ~~من الأمة على الحق بتركه (1) هذه الممارسة عشرها, ولا نصف عشرها!!. ~~PageV02P332 # والمعتزلة تدعي أنها الفرقة الناجية: دعوى ممزوجة بعجب كثير, واستحقار ~~لكل من خالفهم من صغير وكبير! وهم مع ذلك مختلفون غاية الاختلاف, مفترقون ~~عشر فرق في مسائل عقلية قطعية, لا يمكن عندهم فيها تصويب الجميع ولا رفع ~~الإثم عن المخطىء, ولا القطع بانتفاء الفسق بإجماعهم!! ومنهم من يجيز في ~~ذلك الاختلاف الواقع بينهم أن يكون فسقا فلا خلاف بينهم فيه (1) , ومنهم من ~~يصرح بتكفير مخالفه, وبين أصحاب أبي الحسين, وأصحاب أبي هاشم في ذلك ما ليس ~~بين فرق أهل الضلال أكثر منه, من قدح كل في علم الآخر, والقطع ببطلان ما هو ~~عليه, وهذا الاضطراب العظيم, والخلاف الشديد بين المعجبين بدعوى الاختصاص ~~بعلم الحق, والاعتصام بالميزان العدل الذي يرفع الخلاف, ويظهر معه ما خفي ~~من الحق, وكل هذا حصل بسبب (2) ممارسة العلوم التي عبتم على ms168 المحدثين ~~الغفلة عنها, فلا عدمكم المسلمون, زيدوا في هذه الممارسة فما يحصل منها غدا ~~إلا (3) ما حصل منها أمس: تباغض وافتراق, وجدال وشقاق, وتكفير وتفسيق, وهوى ~~من الضلال إلى مكان سحيق. # فإن كان المحدثون ما استحقوا منك السخرية والإستهانة إلا PageV02P333 # لعدم دخولهم معكم في هذه الممارسة؛ فالأمر [في ذلك] (1) مجبور, ولهم أسوة ~~يعزون بها أنفسهم فيمن فاتته هذه الممارسة من الأنبياء والمرسلين, والصحابة ~~والتابعين, والأولياء والصالحين. ### | السابع: # أخبرنا ما هذه العقائد التي اختصصتم باعتقادها؟ (4وتميزتم على المحدثين ~~(2) , وعيرتم على المخلين بمعرفتها, ولم تكن معرفتها إلا بممارسة العلوم ~~التي لم يمارسها الصحابة والسلف الصالح, فإنا رأينا الأمة قد أجمعت على صحة ~~عقائد الصحابة قبل هذه الممارسة, فمن علينا بالتعريف بما استفدتموه بذلك. # فإن قلت: إن هذه العقائد هي اعتقاد وجود الله عز وجل, وأنه عالم قادر, ~~موصوف بجميع صفات الكمال /غير ممثل بمثال, فقد أمكن الصدر الأول معرفة هذا ~~وأمثاله من الحق من غير ممارسة لعلومكم, ولم يصمهم أحد بالبله وجمود الفطنة ~~ممن هو أذكى منك قلبا, وأرجح لبا, وأصلب دينا, وأتم يقينا. وإن كانت ~~العقائد التي لا تدرك إلا بالممارسة هي قول شيوخكم: إن الله لا يعلم من ~~نفسه إلا ما يعلمونه, وقولهم: إن الله لا يقدر على هداية أحد من المذنبين, ~~وقولهم: إن الله لم يخلق شيئا على الحقيقة قط, لأن الأشياء ثابتة فيما لم ~~يزل, وتذويت الذات محال, وإنما الذي هو فعل الله اكتساب (3) PageV02P334 # الذوات الثابتة في القدم صفة الوجود, وليس لله تعالى عندهم فعل إلا صفة ~~الوجود, لكن صفة الوجود عندهم وسائر الصفات ليست بشيء, فحصل من هذا أن الله ~~تعالى لم يخلق شيئا قط, وإنما يقال: إنه خالق كل شيء مجازا. وقولهم: إن ~~الله تعالى غير قادر على إعدام الألوان كلها وكذلك الطعوم فلا يقدر على قلب ~~الأسود أغبر لأنه إنما يزيل الصفة بواسطة طروء ضدها عليه, وأن الله تعالى ~~يريد بإرادة محدثة موجودة على حد (1) وجود عرض مستقل بنفسه غير حال في ذاته ~~تعالى, ولا ms169 في غيره ولا داخل في العالم ولا خارج عنه, وأن أول الواجبات ~~النظر في الله, وأن النظر فيه لا يتم إلا بالشك فيه فوجب الشك في الله ~~تعالى, بل كان أول الواجبات, لأن ما لا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه, بحيث ~~يحصل الثواب على الشك في الله والعقاب على تركه, ويستمر وجوب الشك في مهلة ~~النظر, ويقبح فيها تعظيم الله تعالى لأنه عندهم في تلك الحال لا يؤمن أن لا ~~يستحق التعظيم, فتحرم فيها لذلك الصلوات, وسائر العبادات, تحل جميع ~~المحرمات الشرعيات (2) , ويجب فيها استحلال جميع الحرام, وترك جميع الواجب. ~~وقولهم: إن جميع الواجبات وجبت لأنفسها, وجميع المحرمات كذلك من غير إيجاب ~~موجب, ولا تحريم محرم, وأن الله تعالى غير مختار في التحليل والتحريم, ~~وإنما هو حاك فقط, فالله تعالى عندهم -في ذلك-, والرسول والمفتي سواء. ~~PageV02P335 # وقولهم: إن الله تعالى يقبح منه أن يتفضل على أحد من خلقه بغفران ذنب ~~واحد, وأنه لا يغفر إلا ما وجب عليه غفرانه وجوبا يقبح خلافه, حتى لو زادت ~~سيئات المسلم مثقال حبة من خردل قبح من الله تعالى مسامحته في ذلك, ووجب ~~على الله تعالى تخليده في النيران كتخليد فرعون وهامان وعبدة الصلبان, وأنه ~~لو فعل لاتصف بصفة الكاذبين, واستلزم ذلك بطلان هذا الدين, وأن من جوز عليه ~~ذلك فإنه عند كثير منهم قد صار من المرجئة, وخرج من الفرقة الناجية, وأن من ~~لم يعرف الله تعالى بأحد الأدلة التي حرروها فهو جاهل بالله كافر, وهذا ~~يستلزم تكفير السواد الأعظم /من المسلمين الأولين والآخرين, والأنصار ~~والمهاجرين. # وقول شيوخكم البغدادية: إن الله تعالى ليس بسميع, ولا بصير, ولا مريد ~~حقيقة, وإنما ذلك مجاز, معناه وحقيقته (1): أنه عالم, وأن التقليد في ~~الفروع حرام على العامة من النساء والعبيد والإماء وأهل الغباوة, وأن ~~الاجتهاد في الحوادث ومعرفة أدلتها واجب عليهم مع ترخيص إمام البغدادية أبي ~~القاسم البلخي (2) # في التقليد في معرفة الله تعالى, فهذا عجيب من ممارسي علوم النظر الدقيقة ~~أن يجيزوا التقليد في أصل ms170 الدين ويحرموه في فرعه! والأصل PageV02P336 # أقوى من الفرع بالإجماع من العقلاء!. # وقولهم: إن تفضل الله على عباده بالعفو قبيح عقلا وشرعا, إلا أن يجب عليه ~~وجوبا يقبح معه تركه, وسواء كان العفو قبل الوعيد أو بعده, وهذا هو الفرق ~~بين مذاهب البغدادية والبهاشمة, فإن البهاشمة لا يقبحون العفو قبل الوعيد ~~عقلا, وقول البغدادية: إنه يقبح عقلا وشرعا العمل بجميع أخبار الثقاب من ~~الصحابة والتابعين, وأئمة المسلمين, وأن العمل بالقياس حرام, وبجميع الأدلة ~~الظنية. ومن العجب استحقارهم الظاهرية وتعظيمهم البغدادية, والظاهرية إنما ~~أنكرت القياس فقط, والبغدادية أنكرت القياس والأخبار معا, فهذه العقائد ~~يذهبون إليها ويناظرون عليها, وليست من قبيل الإلزام, فإن كانت هذه العقائد ~~وأمثالها من الأباطيل هي التي اختصصتم بها على المحدثين, وتميزتم بمعرفتها ~~(1) على كثير من بله المسلمين, فلعمري إنه لم يصر إلى هذه العقائد أحد من ~~المسلمين إلا بعد ممارسة علومكم هذه التي سيلت أذهانكم إلى هذا الحد, ~~وخلصتم به (2) من عار جمود المحدثين والسلف الصالحين من الصحابة والتابعين. # فإن قلت: إن أهل الحديث فرق كثيرة ويوجد لهم مثل ما يوجد للمتكلمين من ~~الأقوال النكيرة. # فالجواب من وجوه: # الأول: أن تلك الفرق المبتدعة ممن ينسب إلى السنة فرق شاذة PageV02P337 # منكرة, قد رد عليهم أئمة السنة, ونصوا على ضلالهم, كالمرجئة والنواصب ~~والحشوية والكرامية والمشبهة والجبرية, إنما كلامنا فيما عليه الجمهور, وما ~~هو المصحح المنصور عند المعتزلة وأهل السنة, ولم نذكر الفرق الشاذة من ~~المعتزلة والشيعة, ولو تعرضنا لذكر ذلك لذكرنا فضائح وقبائح تتنزه عنها ~~المعتزلة والزيدية ويضللون من قال بها, مثل قول الحسينيه من الزيدية: إن ~~الحسين بن القاسم أفضل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وقول ~~الإمامية: إن شرط الإمام أن يكون يعلم الغيب, وقول بعض البغدادية من ~~المعتزلة -وهم المطرفية- باستقلال الطبائع بالتأثير في العالم بعد خلق الله ~~تعالى لها /ونسب هذا إلى البغدادية من المعتزلة, وقول بعض المعتزلة: إن ~~الله تعالى غير قادر على المقدورات القبيحة عقلا, وأن الأطفال والبهائم لا ~~تدرك شيئا من الآلام, لأن ms171 إيلامها قبيح, والله تعالى لا يفعله فأنكر ~~الضرورة, فهذه المذاهب الشاذة لا يشنع بها على المعتزلة, وكذلك المذاهب ~~الشاذة لا يشنع بها على أهل الحديث. # الثاني: أن ذلك إنما وقع من (1) بعض أهل الحديث من فيض علومكم هذه التي ~~اقترحتم ممارستها (2) وتميزتم عليهم بمعرفتها, ومن بقي منهم على ما كان ~~عليه السلف الصالح سلم من جميع ما حدث من التعمق في الأنظار, والتكلف ~~لاختراع ما لم يكن من العقائد. PageV02P338 # وبالجملة؛ فمن أحدث عقيدة لم تكن مشهورة وقت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ودعا الناس إليها, وحملهم عليها, مع سكوت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عنها, وعدم تعرضه لها؛ فليس بسني العقيدة, ولا سالك عند أهل الحديث ~~الطريق الحميدة. # الثالث: أن كلامنا إنما هو من (1) فوائد ممارسة العلوم العقلية النظرية ~~التي لم يعرفها السلف, والمحدث إذا ابتدع ما لم يكن في زمن الصحابة فلم يؤت ~~من الجمود وإنما أتي من سيلان الذهن, وممارسة هذه العلوم, فبان لك -أيها ~~المعترض بهذا- وبال هذه الفيهقة التي توهمتها لك, لا (2) عليك. ### | الثامن: # [من التقريعات] (3) أن المحدثين هم أهل العناية التامة بحديث رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - من أي فرقة كانوا؛ كالنحاة, والمتكلمين, وهذه الصفة ~~شريفة, فقول المعترض: إن الجمود وترك التأويل مذهب بله (4) المحدثين, تعليق ~~للسخرية والتنقص (5) بأهل صفة شريفة, وهذا دليل على أنك متصف بما رميتهم به ~~من البله, لأن التعليق للذم على الأوصاف الحميدة تغفيل (6) , فلا يقول ~~الفطناء متى أرادوا الذم والانتقاص لأحد: إنه من بله المؤمنين والصالحين ~~ونحو ذلك. PageV02P339 ### | التاسع: # أن لأهل كل فن من الفنون الإسلامية منة على كل مسلم توجب توقير أهل ذلك ~~الفن, وشكرهم والدعاء لهم, والثناء عليهم, لما مهدوا من قواعد علمهم وذللوا ~~من صعوبة فنهم, وكثروا من فوائده وقيدوا من شوارده, فبئس ما جزيت من أحسن ~~إليك بارتكاب ما لا يحل لك, وترك ما يجب عليك. # ومن آداب العلماء: أن يفتتحوا القراءة في مجالس العلم بالدعاء لمشايخهم ~~(1) ومعلميهم, وأهل كل فن هم مشايخ العالم ms172 فيه, وأدلة المتحير في خوافيه. ### | العاشر # : العجب من المعترض كيف يذمهم (2) وهو متحل بفرائد علومهم, وكارع في ~~مشارع معارفهم, وتفسيره للقرآن مشحون برواياتهم, ومعرفته بالسير والتواريخ ~~مستفادة /من أئمتهم. وما أقبح بالإنسان أن يكون من كفار النعم, وأشباه ~~النعم! فإن كنت لا بد ساخرا منهم, ومستهزئا [بهم] (3)؛ فهلا استغنيت وأغنيت ~~عنهم, وأنفت أنفة الأحرار (4) عن الحاجة إليهم: # أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا (5) ### | الحادي عشر # : أن جميع أئمة الفنون المبرزين فيها, المقتصرين PageV02P340 # على تجويدها, قد شاركوا أهل الحديث في عدم ممارسة علم الكلام, وإن لم ~~يشاركوهم في كراهة الخوض فيه, لكن علة جمودهم, ورميهم بالبله في (1) عدم ~~الممارسة؛ والممارسة للفن لا تحصل بعد كراهته, فأخبرنا هل مارس علم الكلام ~~جميع أئمة الفقه؟ كمالك والشافعي وأبي حنيفة, وأئمة العربية كالخليل ~~وسيبويه, وأئمة اللغة والقراءات والتفسير, وسائر أئمة الفنون الإسلامية؟. # فإن قلت: كل أهل الفنون قد مارس علم الكلام, كانت مباهتة! وإن قلت: بعضهم ~~قد مارس فكذلك بعض المحدثين (2) قد مارس علم الكلام, ولم ينفعهم ذلك عندك ~~من جمود الفطنة, وداء البله, فلزم ذلك كل من شاركهم في هذا من أئمة العلوم ~~الإسلامية, وما أقبح ما يجر إليه هذا الكلام من الكبر الفاحش!! فإن الكبر ~~غمص الناس, كما ورد في ((الصحيح)) (3) وهذا غمص أئمة الناس, ووجوه الخواص!. ### | الثاني عشر: # تصريك بوصم شيخ الإسلام, وإمام دار الهجرة: مالك بن أنس - رضي الله عنه - ~~بأنه جامد الفطنة؛ دليل على أنك أنت جامد الفطنة, الطويل البطنة, وأنك لا ~~تدري ما يخرج من رأسك, ولا ما يطيش من دماغك, كأنك لم تعلم أن الأمة أجمعت ~~على أنه أحد أئمة المسلمين المجتهدين, وشيخ سنة سيد المرسلين, وأنها خضعت ~~PageV02P341 # بين يديه كراسي [العلماء] (1) التابعين, وقد جاء في الأثر: ((إن الرجل ~~إذا حفظ الزهراوين جد فينا)) (2). # و (3) جاء في تعظيم العلماء والمتعلمين ما لا يتسع له هذا المكان من ~~الآيات القرآنية, والأحاديث النبوية, ولو لم يكن من ذلك إلا ما ورد من (4) ~~بسط ms173 الملائكة أجنحتها لطالبه (5)؛ لكانت كافية في رفع منار صاحبه, وتعظيم ~~قدر مناقبه, وهذا في حق الطالب المتعلم؛ فكيف العالم المعلم؟ فكيف يا سيال ~~الذهن بشيخ الإسلام, وإمام دار هجرة المصطفى - عليه السلام - ‍؟ الذي قال ~~فيه الشافعي: ((إذا ذكر العلماء فمالك النجم)). وكيف لم يهتد ذهنك هذا ~~السيال إلى أنه عار عليك أن تذم من لا تستفيد بذمه إلا كشف الغطاء عن ~~حماقتك, وخلع جلباب الحياء عن وجه خلاعتك, /وما أحسن في جوابك مما قال حسان ~~بن ثابت ... - رضي الله عنه -: (6) PageV02P342 # أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء ### | الثالث عشر # : أن أهل الحديث لم يختصوا بترك تأويل آيات الصفات, وأحاديث الصفات, ~~والإيمان بمراد الله تعالى منها (1) , والنهي عن الخوض في الكلام, بل قد ~~شاركهم في ذلك, وفي بعضه كثير من خواص علماء الكلام المشاهير بصفاء ~~الأذهان, ولطافة الأفهام, وقد نقل النووي ذلك عن جماعة من المتكلمين, ~~واختاره جماعة من محققيهم, هذا لفظ النووي ذكره في ((شرح مسلم)) (2) كما ~~قدمنا في الوهم التاسع. (3) # وقال الحجة أبو حامد الغزالي في كتاب ((الإحياء)) (4) -وقد ذكر علم ~~الكلام ما لفظه-: ((وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق, ومعرفتها ~~على ما هي عليه, وهيهات, فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف؛ ولعل ~~التحبيط والتضليل فيه أكبر من الكشف والتعريف. # وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا, ~~فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد الوصول (5) إلى ~~منتهى درجة المتكلمين, وجاوز ذلك إلى PageV02P343 # التعمق في علوم أخر تناسب نوع الكلام, وتبين (1) أن الطريق إلى حقائق ~~المعرفة من هذا الطريق مسدود. نعم (2) لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح ~~لبعض الأمور, ولكن على الندور في أمور جلية تكاد تفهم قبل التعمق في صنعة ~~الكلام)) انتهى كلام الحجة في ((الإحياء)). # وله [في] (3) كتاب ((المنقذ من الضلال والمفصح بالأحوال)) (4) مثل هذا في ~~ذم الكلام, والقول بأن أدلته لا تفيد اليقين. # وقال أيضا في كتاب ((التفرقة بين الإيمان والزندقة)) ms174 (5) وقد ذكر علم ~~الكلام ما لفظه: ((ولو تركنا المداهنة لصرحنا بأن الخوض في هذا العلم ~~حرام)). # فهذه نصوص الغزالي الذي قيل فيه: لم تر العيون ولا بعده أذكى منه. وذكر ~~شيخ الاعتزال أبو القاسم البلخي الكعبي [العامة] (6) في كتابه ((المقالات)) ~~(7) وأثنى على عقيدتهم, وعدهم فرقة مستقلة وقال: هنيئا لهم السلامة, وذكر ~~الإمام المؤيد بالله -أجل علماء الزيدية, وشيوخ علم النظر-: كراهة التعمق ~~في علم الكلام, ونهى عن ذلك, وحث على الاشتغال بالفقه, وطول الكلام ~~PageV02P344 # في ذلك, ذكره في كتاب ((الزيادات)) (1) , وكان يحيى بن منصور الحسني (2) ~~من علماء الكلام على مذهب الزيدية؛ فرجع عن ذلك وكان ينهى عنه, وله في ذلك ~~أشعار حسنة منها قوله:/ # وما الذي ألجأهم إلى الخطر ... والخوض في علم الكلام والنظر # وما يقال فيه للمخطي كفر # ومنها قوله من قصيدة طويلة: # ويرون ذلك مذهبا مستعظما ... عن طول أنظار وحسن تفكر # ونسوا غنى (3) الإسلام قبل حدوثهم ... عن كل قول حادث متأخر # ما ظنهم بالمصطفى في تركه ... ما استنبطوه ونهيه المتقرر # أيكون في دين النبي وصحبه ... نقص؟ فكيف به ولما يشعر # أو ليس كان المصطفى بتمامه ... وبيانه أولى فلم لم يخبر # ما باله حتى السواك أبانه ... وقواعد الإسلام لم تتقرر # إن كان رب العرش اكمل دينه ... فاعجب لمبطن قوله والمظهر # إن كان في إجمال أحمد غنية ... فدع التكلف للزيادة واقصر # ما كان أحمد بعد منع كاتما ... لهداية كلا ورب المشعر # بل كان ينكر كل قول حادث ... حتى الممات فلا تشك وتمتر (4) PageV02P345 # وقال أيضا (1): # طلبتك جاهدا خمسين عاما ... فلم أحصل على برد اليقين # فهل بعد الممات بك اتصال ... فاعلم غامض السر المصون # نوى قذف وكم قد مات قبلي ... بحسرته عليك من القرون # ولابن أبي الحديد المعتزلي في ذلك أشعار جيدة ذكرها في ((شرح نهج ~~البلاغة)): # سافرت فيك العقول فما ... ربحت إلا عناء السفر # رجعت حسرى وما وقفت ... لا على عين ولا أثر (2) # وقال أيضا من أبيات: # وأسائل الملل التي اختلفت ... في الدين حتى عابدي الوثن # فإذا الذي استكثرت منه هو ms175 ال ... جاني علي عظائم المحن # فضللت في تيه بلا علم ... وغرقت في بحر بلا سفن # قال إمام الكلام والمتكلمين فخر الدين ابن الخطيب الرازي في PageV02P346 # وصيته (1) ما لفظه: # ((أحمد الله بالمحامد التي ذكره بها أفضل ملائكته في أشرف أوقات معارجهم ~~(2) , ونطق بها أعظم أنبيائه في أكمل أوقات مشاهداتهم, بل أقول ذلك من ~~نتائج (3) الحدوث والإمكان, فأحمده بالمحامد التي يستحقها للاهوتيته, ~~واستوجبها بكمال إلاهيته, عرفتها أو لم أعرفها, لأنه لا مناسبة للتراب مع ~~جلالة رب الأرباب -إلى قوله- ولقد اختبرت الطرق الكلامية, والمناهج ~~الفلسفية, فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن ~~العظيم, لأنه يسعى/ في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله تعالى, ويمنع من ~~التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات, وما ذلك إلا للعلم بأن العقول ~~البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفية)). # وذكر في وصيته هذه أنه يدين لله تعالى بدين محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~, [وسأل] (4) الله تعالى أن يقبل منه هذه الجملة ولا يطالبه بالتفصيل. ومن ~~شعره في هذا المعنى: PageV02P347 # العلم للرحمن جل جلاله ... وسواه في جهلاته يتغمغم # ما للتراب وللعلوم وإنما ... يسعى ليعلم أنه لايعلم # [وله] (1) # نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال (2) # قال القرطبي في ((شرح مسلم)) (3) ما لفظه: ((وقد رجع كثير من أئمة ~~المتكلمين عن الكلام بعد انقضاء أعمار مديدة وأمداد (4) بعيدة, فمنهم: إمام ~~المتكلمين أبو المعالي, فقد حكى عنه الثقات أنه قال: ((لقد خليت أهل ~~الإسلام وعلومهم, وركبت البحر الأعظم, وغصت في الذي نهوا عنه, كل ذلك رغبة ~~في طلب الحق وهربا من التقليد, والآن قد رجعت (1عن الكل (5) إلى كلمة الحق, ~~عليكم بدين العجائز, وأختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص, والويل ~~لابن الجويني!)). # وكان يقول لأصحابه: ((يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام, فلو عرفت أن الكلام ~~يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به)). # وقال أحمد بن سنان: كان الوليد بن أبان الكرابيسي خالي, فلما حضرته ~~الوفاة قال لبنيه: أتعلمون أحدا أعلم مني؟ قالوا: لا. PageV02P348 # قال: افتتهمونني؟ قالوا: لا. قال: فإني ms176 أوصيكم, أتقبلون؟ قالوا: نعم. ~~قال: عليكم بما عليه أهل الحديث, فإني رأيت الحق معهم. # وقال أبو الوفاء بن عقيل: لقد بالغت في الأصول طول عمري, ثم عدت القهقرى ~~إلى مذهب المكتب. # قال القرطبي: وهذا الشهرستاني صاحب ((نهاية الإقدام في علم الكلام)) (1) ~~وصف حاله فيما وصل إليه من الكلام وما ناله, فتمثل بما قاله: # لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم # فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم # ثم قال: ((عليكم بدين العجائز, فإنه أسنى الجوائز)). انتهى ما حكاه ~~القرطبي. # فانظر إلى أمر [أعلام] (2) البرهان, وفرسان هذا الشأن, كيف رجعوا القهقرى ~~إلى ما قاله علماء الأثر وأئمة السنة, فإذا عرفت هذا تبين لك أن اختيار أهل ~~/الحديث لترك الكلام والتأويل ليس يلازم البله وجمود الفطنة, وأنه ربما ذهب ~~إلى ذلك من هو ألطف منك طبعا, وأصلب نبعا, وأحسن فهما, وأغرز علما. ### | الرابع عشر: # أن ذلك إنما يلازم البله وجمود الفطنة, لو كانوا قد بذلوا جهدهم في تفهم ~~علم الكلام, وتعلم أساليب أهل الجدال, فكل منهم الجد, ولم يساعدهم الجد, ~~ليس كذلك الأمر, فإنهم إنما تركوه PageV02P349 # لما ورد في القرآن من الأمر بالاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~, وذلك يقتضي الاقتداء في فعل ما كان يفعله وترك ما كان يتركه, ولما ورد في ~~((الصحيح)) (1) من النهي عن البدع, والأمر بالاقتداء بالخلفاء الراشدين, ~~كما روى الترمذي (2) وحكم بصحته عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((عليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي, عضوا عليها بالنواجذ)) الحديث. وكذلك ~~روى الترمذي (3) مرفوعا: ((ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدال)) , وفي ~~((صحيح مسلم)) (4) ((إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الألد (5) الخصم)). # قال [القرطبي] (6): ((وهذا الخصم المبغوض عند الله هو الذي يقصد ~~بمخاصمته: مدافعة الحق, ورده بالأوجه الفاسدة, والشبه الموهمة, وأشد ذلك ~~الخصومة في أصول الدين, كخصومة أكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد ~~إليها كتاب الله, وسنة نبيه, وسلف أمته, إلى طرق مبتدعة, واصطلاحات مخترعة, ~~وقوانين جدلية ms177 وأمور صناعية, مدار أكثرها على مباحث سوفسطائية ومناقشات ~~PageV02P350 # لفظية, يرد بسببها على الآخذ فيها شبه ربما يعجز عنها, وشكوك يذهب ~~الإيمان معها, وأحسنهم انفصالا عنها أجدلهم لا أعلمهم, فكم من عالم بفساد ~~الشبهة لا يقوى على حلها, وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها. # ثم إن هؤلاء المتكلمين قد ارتكبوا أنواعا من المحال, لا يرتضيها البله ~~ولا الأطفال, لما بحثوا عن تحيز الجواهر والأكوان والأحوال, لأنهم أخذوا ~~يبحثون فيما أمسك عن البحث فيه السلف الصالح, ولم يؤخذ عنهم فيه بحث واضح, ~~وهو كيفية تعلقات صفات الله تعالى وتعديدها وإيجادها في أنفسها, وأنها هي ~~الذات أو غيرها؟)). # إلى قوله: إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة التي لم يأمر صاحب الشرع ~~بالبحث عنها, وسكت أصحابه ومن سلك سبيلهم عن الخوض فيها, لعلمهم أنها بحث ~~عن كيفية ما لم يعلم كيفيته, فإن العقول لها حد تقف عنده وهو: العجز عن ~~التكييف لا تتعداه, ولا فرق بين البحث في كيفية الذات وكيفية الصفات, ولذلك ~~قال العليم الخبير: ((ليس كمثله شيء وهو السميع العليم)) [الشورى/11] , ولا ~~تبادر بالانكار فعل الأغبياء الأغمار, فإنك قد حجبت عن كيفية حقيقة نفسك مع ~~علمك بوجودها, وعن كيفية إدراكاتك مع أنك تدركها, وإذا عجزت عن إدراك كيفية ~~ما / بين جنبيك؛ فأنت عن إدراك ما ليس كذلك أعجز. # وغاية علم العلماء, وإدراك عقول العقلاء الفضلاء؛ أن يقطعوا بوجود فاعل ~~لهذه المصنوعات, منزه عن صفاتها, مقدس عن # PageV02P351 # أحوالها, موصوف بصفات الكمال اللائق به بتمامها, فما (1) أخبرنا الصادقون ~~عنه بشيء من أسمائه وصفاته قبلناه واعتقدناه, وما لم يتعرضوا له؛ سكتنا ~~عنه, وتركنا الخوض فيه. # هذه طريقة السلف (2وما سواها مهاو وتلف)) , ثم أورد ما جاء عن الأئمة ~~والسلف (2) من النهي عنه. # والقصد بإيراد هذا الكلام أن يظهر لك أن القوم لم يتركوا علم الكلام ~~لدقته وغموضه, وإنما تركوه لما نصوا عليه من ثبوت النهي عنه عندهم, وكونه ~~غير مفيد اليقين في الخفيات, ولا يحتاج إليه في الجليات. وقد نص على هذه ~~العلة ms178 كثير من المتكلمين كما قدمنا. وقد خاض في علم الكلام غير واحد من ~~المحدثين كابن تيمية, والشيخ تقي الدين (3) , فبلغوا في التدقيق وراء مدارك ~~الفطناء من أئمة الكلام كما يعرف ذلك من رأى كلامهم, وردوا على المتكلمين ~~ودققوا مع المدققين, وإنما أول القرطبي النهي عن الجدال؛ لأن الموجب ~~لتأويله نص القرآن في قوله تعالى: ((وجادلهم بالتي هي أحسن)) [النحل/125] ~~وقوله تعالى في الحكاية عن قوم نوح - عليه السلام -: ((يا نوح قد جادلتنا ~~فأكثرت جدالنا)) [هود/32] ونحو ذلك. وإنما يكون المكروه منه نوعان: ~~PageV02P352 # أحدهما: المراء به واللجاج (1) الذي يعرف صاحبه أنه غير مفيد, وربما عرف ~~أنه مثير للشر, والفرق بينه وبين الجدال بالتي هي أحسن: أن يكون المجادل ~~بالتي هي أحسن قاصدا لإيضاح الحق, أو طامعا في اتباع خصمه لا يقبل, ولم يكن ~~له مقصد إلا غلبة الخصم, ومجرد الظهور عليه, ملاحظة لحظ النفس في ذلك فقد ~~صار مماريا وداخلا في المنهي عنه. # وثانيهما: أن ينتصر للحق بالخوض في أمور يستلزم الخوص فيها الشكوك ~~والحيرة والبدعة, ولا يقتصر -في الانتصار للحق- على أساليب القرآن ~~والأنبياء -عليهم السلام- والسلف الصالح -رضي الله عنهم-, وإنما كره ~~الانتصار للحق بتلك الطريقة لما أشار إليه كثير من محققي علم الكلام: من ~~أنها خوض في محارات العقول, وبحث في غوامض تلتبس العلوم فيها بالظنون, وسير ~~في متوعرات مسالك تزل فيها أقدام الحلوم. # ألا ترى أنهم قد خاضوا في الروح مع قوله تعالى: ((ويسئلونك عن الروح قل ~~الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)) [الإسراء/85] مع عدم ~~الحاجة إلى الخوض فيه؛ لأن معرفته غير واجبة كمعرفة الله تعالى, وقد حاولوا ~~تأويل الآية ليتنزهوا عن دعوى ما لا يعلمون, فجمعوا بين خطر تأويل القرآن ~~بغير قاطع, ولغير موجب, وبين خطر دعوى علم ما لم يثبت على دعواه برهان ~~قاطع, وقد قال الله تعالى: ((ولا تقف ما ليس لك به علم/ إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك PageV02P353 # كان عنه مسئولا)) [الإسراء/36]. # فهذا وأمثاله هو الذي كره أهل الحديث ms179 الخوض فيه, رغبة في الاقتداء برسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - , بأصحابه والتابعين لهم -رضي الله عنهم-, ~~وأمساكا عن التهور في مهاوي دعاوى العلوم في مواضع الظنون, لا لما وصمهم به ~~المعترض من البله وجمود الفطنة, ولهذا الكلام تتمة تأتي في آخر الكتاب أن ~~شاء الله تعالى تشتمل على معرفة كيفية النظر في معرفة الله تعالى عند ~~المحدثين, وبماذا يعامل به أهل الفلسفة وأمثالهم متى (1) أوردوا الشبه ~~الدقيقة على المسلمين. # الوهم الثالث عشر: أراد المعترض أن يحتج على أن الأشعرية وأهل الحديث ~~كفار تصريح لإنكارهم ما هو معلوم من ضرورة الدين, وذكر أشياء: منها: زعم ~~أنهم ينكرون أن لنا أفعالا وتصرفات. # الجواب: أن هذا مجرد دعوى عليهم من غير بينة, بل بهت لهم ومصادمة ~~لنصوصهم. ولنا في بيان براءتهم في ذلك طريقان: ### | الطريق الأولى: # نقل براءتهم عن ذلك من أشهر كتب الزيدية, وهو ((شرح الأصول)) الذي هو ~~مدرس الزيدية, ومدرس هذا المدعي لهذه الدعوى الفرية فنقول: # قال السيد أحمد بن أبي هاشم -مصنف الشرح في أوائل PageV02P354 # الفصل الثاني في العدل (1) -ما لفظه-: ((يبين ما ذكرناه ويوضحه أن أحدنا ~~لو خير بين الصدق والكذب, وكان النفع بأحدهما كالنفع بالآخر, وهو عالم بقبح ~~الكذب, مستغن عنه, عالم باستغنائه عنه فإنه قط لا يختار الكذب على الصدق)). ~~إلى قوله ما لفظه: ((فإن قالوا هذا بناء على أن الواحد منا مخير في ~~تصرفاته, ونحن لا نسلم ذلك, فإن من مذهبنا أنه مجبر عليه في هذه الأفعال, ~~وأنها مخلوقة)). ثم أجاب بأربعة وجوه: قال في الثالث منها ما لفظه: ((وبعد ~~فلا خلاف بيننا وبينكم في أن هذه التصرفات محتاجة إلينا ومتعلقة بنا وأنا ~~مختارون فيها, إنما الخلاف في جهة التعلق: أكسب أم حدوث؟)). # فهذا نص صريح لا يحتمل التأويل في (مدرس الزيدية) يدل على أن القوم ~~يقولون: بأنا مختارون في أفعالنا, وقد تأوله بعض من لا يدري بمذهبهم بأنه ~~أراد بالاختيار هنا: الإرادة فقط مع وقوع الإرادة من غير اختيار, وهذا جهل ~~بقصد المصنف وبمذهب ms180 القوم, أما المصنف؛ فإنه قصد نقض جوابهم علينا في ~~التحسين والتقبيح بالجبر وبخلق الأفعال, وبين أن الحجة لازمة على مقتضى ~~مذهبهم, لأنهم لا ينكرون تعلق الأفعال بنا ووقوعها باختيارنا, ألا ترى أنه ~~قال: فإن قالوا هذا بناء على أن الواحد منا مخير في تصرفاته ونحن نسلم ذلك ~~إلى آخر كلامه, ثم نقض هذا عليهم وبين أنه ليس بمذهبهم, فكيف يمكن تأويل ~~هذا على أنه ما روى عنهم القول بالاختيار, وهل هذا إلا محض الجهل أو ~~التجاهل؟ ولو سلمنا أن مقصد هذا المصنف: PageV02P355 # التبيين, أو أنه لم ينص على ذلك لم يخف مذهب القوم على طالبه, فالقوم ~~مصرحون بمذهبهم في مصنفاتهم كما ترى الآن من الطريق الثانية, والطمع في ~~تعمية مذهبهم ورميهم بما لم يقولوا يزري بصاحبه ولا يضر من رمي به. ### | الطريق الثانية: # وهي المعتمدة المفيدة لمن يحب العلم المتواتر بمقصدهم في مذهبهم, وهي نقل ~~نصوصهم من مصنفات محققيهم الحافلة وتواليفهم الممتعة, فمن ذلك ما ذكره ~~الفخر الرازي في ((كتاب الأربعين في أصول الدين)) وفي كتابه ((نهاية ~~العقول)) فإنه ذكر ما معناه: إنهم أربع فرق, فذكر في الكتابين أنه يجمعهم ~~القول بأن العبد غير مستقل بفعله, وذكر في ((النهاية)) أيضا أنه يجمعهم ~~القول بأن الاختيار للعبد في فعله كما سوف نوضح ذلك بالكلام على كل فرقة ~~منهم فنقول: ### | الفرقة الأولى # منهم: هم الجبرية الخلص, وهم الذين يقولون: إنه لا تأثير لقدرة العبد في ~~الفعل ولا في صفة من صفاته, بل الله تعالى يخلق الفعل بقدرته, ويخلق ~~[العبد] (1) قدرة متعلقة بفعله, مقارنة في حدوثها لحدوثه, غير متقدمة عليه, ~~ولا مؤثرة فيه ألبتة, وهذا قول الأشعري وأتباعه, وجماهير المحققين من ~~المتأخرين على خلاف هذا, قال الرازي في ((النهاية)) ما لفظه: ((قالت ~~المعتزلة: لو كان فعل العبد موجودا بقدرة الله تعالى ما حسن المدح والذم ~~والأمر والنهي. ثم قال: اختلفوا في الجواب على طريقين: PageV02P356 # الأولى: طريقة الأشعري: أن قدرة العبد غير مؤثرة, وأما الأمر والنهي؛ ~~فلأن الله أجرى العادة بأن العبد متى اختار ms181 الطاعة فإنه تعالى يخلق الطاعة ~~فيه عقيب اختياره إياها, وكذلك إن اختار المعصية. وإذا كانت المكنة بهذا ~~المعنى حاصلة لا جرم حسن الأمر والنهي. إلى قوله: إذا كان الأمر كذلك؛ كان ~~التكليف والأمر والنهي إنما كان لأنه [متمكن] (1) من اختيار أحد مقدوريه ~~دون الآخر, وإن لم يكن متمكنا من الإيجاد, لا يقال: ترجيحه أحد تعلقي ~~الإرادة على تعلقها. # الثاني: إن وقع بالعبد فقد اعترفتم بتأثير قدرة العبد, وإن وقع بالله فلا ~~يكون ذلك الترجيح مضافا إلى العبدأصلا, لأنا نقول: إن ترجيح أحد التعلقين ~~على الآخر ليس أمرا ثبوتيا أصلا لا في حق الله تعالى, ولا في حق العبد حتى ~~يلزم من إسناده إلى العبد ما يلزم من الاعتراف بكون قدرته مؤثرة, فإن ذلك ~~لو كان أمرا ثبوتيا لكان وقوعه أيضا بالاختيار فيلزم التسلسل. # فهذا صريح منهم في كتبهم مبين (2) معلل لا يمكن تأويله, وقد أفصحوا بأن ~~مذهب الجبرية الخلص أن العبد مختار, وأنه إنما يستحق الذم والعقاب والأمر ~~والنهي بسوء اختياره, وبهذا يتخلص (3) من قول المعتزلة: إنهم يجوزون على ~~الله العبث والقبيح والظلم لقولهم بخلق الأفعال, وهذا من وجه مثل قول ~~الجاحظ وثمامة بن الأشرس: إنه لا PageV02P357 # فعل للعبد إلا الإرادة, وهما من أجلاء شيوخ الاعتزال. # وذكر الرازي في هذا الموضع: (3أن العبد (1) يفعل الاختيار عند الداعي ~~الراجح وجوبا كما يفعل الله الواجب في حكمته, ويترك القبيح في علمه وجوبا ~~عند المعتزلة, ولا ينافي ذلك /الوجوب ثبوت الاختيار, قال: ولا يصح للمعتزلة ~~أن يلزموهم نفي الاختيار بذلك لوجهين: # أحدهما: أن الداعي عند المعتزلة غير موجب, وثانيهما: أنهم يقولون بمثل ~~ذلك في حق الله تعالى في أفعاله الواجبة عندهم, ولم يقتض ذلك أنه تعالى ~~عندهم (2) غير مختار. # قلت: بل يقولون بذلك في حق العبد في غير موضع: منها في احتجاجهم على ثبوت ~~التحسين والتقبيح عقلا, وقولهم: إذا خير العاقل بين الصدق والكذب وكان ~~النفع فيهما سواء اختار الصدق وجوبا, بل يقولون بذلك في جميع أفعال العباد ~~كما أشار إليه الرازي في ms182 احتجاجهم على أن لنا أفعالا وتصرفات, فإنهم احتجوا ~~على ذلك بأنها تقع عند [وجود] (3) دواعينا أو تنتفي عند وجود صوارفنا. # وقد ذكر الرازي أن هذا هو مقصود القائلين بأن الداعي موجب لأنه لو لم يكن ~~موجبا لم يكن ما ذكروا دائما, ولكان اتفاقيا أو أكثريا, ولو كان كذلك لم ~~يكن حجة لهم. وأما قولهم: إنه وجوب استمرار لا PageV02P358 # وجوب اضطرار فقد صرح القوم (1) بمعنى ذلك, فإنهم صرحوا بأن معنى ذلك ~~الوجوب لا ينافي الاختيار, بل قال الرازي: إن القول بأنه ينافي الاختيار ~~خروج من الإسلام, لأنه يستلزم ذلك في حق الله تعالى, وينبغي معرفة هذه ~~النكتة فعليها المدار, وقد قال الرازي: إن الجبر حق, وفسر الجبر بوجوب وقوع ~~فعل العبد عند رجحان الداعي لانتفاء الاختيار, وصرح في غير موضع بأن القول ~~بوجوب الفعل عند رجحان الداعي لا يوجب نفي الاختيار. فثبت بهذه الجملة أن ~~الجبرية ما أرادوا بالجبر وخلق الأفعال ما فهمته عنهم المعتزلة, ومع ~~تصريحهم بمقصدهم يحرم نسبتهم إلى غيره. ### | الفرقة الثانية # : أهل القول بالكسب من الأشعرية ورئيسهم القاضي أبو بكر الباقلاني, ومعنى ~~الكسب عندهم: أن قدرة الله تعالى مستقلة بإيجاد ذوات أفعال العباد التي لا ~~توصف بحسن ولا قبح, ولا يستحق عليها ثواب ولا عقاب, وقدرة العبد مستقلة ~~بصفات تلك الأفعال التي توجب وصفها بالحسن والقبح, ويستحق عليها الثواب ~~والعقاب. # مثال ذلك: أن أصل الحركة عندهم من الله, وأما كون تلك الحركة متصفة بصفة ~~مخصوصة مثل كونها صلاة أو زنا؛ فذلك أثر قدرة العبد, وهو أقرب الأقوال (2) ~~إلى قول المعتزلة من الطائفة الأولى, لأن أكثر المعتزلة يقولون: إنه لا ~~تأثير لقدرة العبد إلا في صفات الفعل, لكن المعتزلة يقولون أيضا بمثل ذلك ~~في قدرة الله PageV02P359 # تعالى, فإنها عندهم لا تؤثر إلا في الصفات, فإن الذوات عندهم ثابتة في ~~العدم (1) والقدم, غير موجودة (2) ويفرقون بين الثبوت والوجود, بل المعتزلة ~~يقولون: إن الصفة بنفسها غير مقدورة, بل المقدور جعل الذات /عليها, والقصد: ~~[بيان] (3) أن المعتزلة قد شاركوا هذه الفرقة في ms183 القول بأن ذوات أفعال ~~العباد غير مقدورة لهم, فالذي قالت هذه الفرقة من الأشعرية: إنه مخلوق من ~~أفعال العباد, وهو الذي قالت المعتزلة: إنه ثابت في العدم والقدم, وإنه غير ~~مقدور لا للخالق ولا للمخلوق. # قالت هذه الفرقة من الأشعرية: ونحن نقول ببعض ما قالت المعتزلة فنقول: إن ~~العبد غير مؤثر في ذات الفعل, وهذا صحيح عند المعتزلة. ونقول: إن العبد ~~مؤثر في صفة الحسن والقبح, وهذا صحيح عند المعتزلة, ونقول: إن العبد مؤثر ~~في صفة الحسن والقبح, وهذا صحيح عندهم أيضا, فإن جلة المعتزلة قد أقرت أن ~~الأفعال لا تحسن وتقبح لذواتها بل لوقوعها على وجوه (4) واعتبارات, وذلك ~~لأن ذوات أفعال العباد واحدة, فإنها كلها راجعة إلى كونها حركة أو سكونا؛ ~~بل عند الفريقين من المعتزلة والأشعرية أن الحركة والسكون راجعان إلى معنى ~~واحد, وهو لبث المتحيز في الجهة لكون السكون لبث المتحيز وقتين فصاعدا, ~~والحركة لبث المتحيز في جهة عقيب PageV02P360 # لبثه في جهة أخرى, ولهذا سموا لبثه في أول وجوده إذا انتقل أو عدم في ~~الوقت الثاني كونا مطلقا, ويعنون بذلك: أنه ليس بحركة لأنه لم يكن لبث قبل ~~ذلك في جهة أخرى وهذا شرط سميته حركة, وليس بسكون لأنه لبث أقل من وقتين, ~~فإذن (1) أفعال العباد كلها راجعة إلى شيء واحد, وهو اللبث في جهة. # قال الرازي في تلخيص ذلك: إن الحركة هي الكون في الجهة الثانية في الوقت ~~الأول, والسكون هو الكون في الوقت الثاني في الجهة الأولى, فبهذا تعرف أن ~~الأفعال لا تحسن ولا تقبح لذواتها, لأنه يلزم أن تكون (2) حسنة قبيحة معا, ~~ويلزم أن يقبح غير الأجسام والألوان من أفعال الله تعالى, ويرد على ~~المتكلمين في قولهم: إن المرجع بالحركة إلى اللبث إشكالات صعبة قد أشار ~~الرازي في كتبه إلى بعضها, والذي ألجأهم إلى ذلك: القول بأن الحركة والسكون ~~ثبوتيان, وأن واحدهما ليس بعدمي, كما يعرفه من نظر في كتبهم. # فإذا عرفت هذا عرفت أن ما ذكره [القاضي] (3) أبو بكر الباقلاني لازم ~~للمعتزلة ولجميع ms184 المتكلمين, وذلك لأن لبث المتحيز في جهة ما ضروري لا يمكن ~~العبد أن يختار غيره, فثبت أنه فعل الله تعالى. وقد ثبت عندهم أن أفعال ~~العباد كلها راجعة إلى لبث المتحيز في جهة, فثبت أن ذوات أفعال العباد فعل ~~الله تعالى, وإنما يقع اختيارهم على PageV02P361 # اكتساب /ذلك الفعل بهيئات مخصوصة, وإيقاعه على مقاصد متغايرة هي منشأ ~~الحسن والقبح, والأمر والنهي, والثواب والعقاب, والذي اختصت به المعتزلة ~~دون القاضي [أبي] بكر أنها قالت: إن قدرة العبد تؤثر في صفة وجود فعله وفي ~~سائر صفاته, والقاضي قال: تؤثر في صفة الحسن والقبح دون صفة الوجود, لكن ~~المعتزلة تقول: إن صفة الوجود ليست منشأ الحسن والقبح, والأمر والنهي, ~~وإنما منشأها صفة الحسن والقبح الذي ذكر القاضي أنها من آثار قدرة العبد, ~~فثبت أنهم قد اتفقوا في موضع يوجب الاتفاق فيه ترك التأثيم, فتفهم ذلك فهو ~~سر المسألة. ### | الفرقة الثالثة: # من الأشعرية الذين قالوا: قدرة العبد تؤثر [بمعين] (1). قال الرازي: ~~ويشبه أن يكون هذا قول أبي إسحاق الإسفرايني, وهو أقرب إلى الاعتزال من ~~الفرقة الأولى, لأنهم قد أثبتوا لقدرة العبد أثرا في صفة الوجود, وإنما ~~ينكر المعتزلة من قول هؤلاء تجويز مقدور بين قادرين (2) , وقد جوزه شيخ ~~الاعتزال أبو الحسين البصري المتكلم, وإذا اتحد الفعل واختلف الفاعلان جاز ~~أن يحسن من أحدهما لإيقاعه على وجه حسن, ويقبح من الآخر لإيقاعه على وجه ~~قبيح, وقد بسطت ذلك في ((الأصل)) (3) ثم اختصرته هنا لوضوحه عند أهل ~~التمييز. PageV02P362 ### | الفرقة الرابعة: # من الأشعرية إمام الحرمين أبو المعالي الجويني وأصحابه, وهؤلاء يقولون ~~بمثل قول المعتزلة: إن قدرة العبد تؤثر في ذات فعله, وصفاتها كلها صفة ~~الوجود (1) وصفة الحسن والقبح, بل زادوا على المعتزلة, فإن المعتزلة إنما ~~قالوا بأن قدرة العبد تؤثر في صفة الوجود لا في الذات نفسها, إلا أبا ~~الحسين البصري, فيقول بمثل قول الجويني سواء, لكن هؤلاء يفارقون المعتزلة ~~لقولهم إن العبد غير مستقل بفعله بسبب أن القدرة عندهم لا تؤثر إلا بشرط ~~وجود الداعي, والداعي عند ms185 الفرق كلها وعند المعتزلة من الله تعالى, لكن ~~الداعي عند هؤلاء غير مخرج للعبد عن الاختيار, ولكن عندهم أنه يقع الفعل ~~عنده اختيارا قطعا من غير تردد كما تقول المعتزلة في أفعال الله تعالى ~~الوجبة, وفي غيرها ما (2) تقدم بيانه, فهؤلاء قولهم في هذه المسألة [و] (3) ~~قول أبي الحسين البصري من المعتزلة واحد, فإنه أيضا يقول في الداعي بمثل ~~قولهم, فكيف يحسن من المعتزلة /تقبيح على الجويني ولا يقبح على أبي الحسين ~~البصري, وينسب الجبر إلى أحدهما دون الآخر!؟ وهل هذا إلا محض العصبية؟! ~~ولله من قال: # وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن (4) عين السخط تبدي المساويا (5) ~~PageV02P363 # وقد طولت هذه المسألة في ((العواصم)) (1) لمسيس الحاجة إلى معرفتها, ~~وأكثرت من الاستشهاد على براءة أهل السنة [من] (2) نفي الاختيار [بما] (3) ~~يكاد يمل الواقف عليه, لما رأيت من كثرة عصبية الفرق [فيها] (4) وتكفير ~~المسلمين وتضليلهم بعضهم بعضا من أجل الاختلاف فيها, والأمر [فيها] (5) ~~قريب كما ترى, فإن الجبرية أقروا بثبوت الاختيار للعبد, والمعتزلة يقرون ~~بأن العبد غير مستقل بالمعنى الذي ذكره الجويني وأصحابه, خاصة أبو الحسين ~~البصري وأتباعه, لكنهم يختلفون في العبارة, ويحتاج العارف بمقاصدهم إلى ~~الجمع بين أطراف كلامهم, والنظر فيها مع الإنصاف والشفقة على المسلمين ولا ~~(6) يكون من القوم الذين قيل فيهم: # أعوذ بالله من قوم إذا سمعوا ... خيرا أسروه أو شرا أذاعوه # ثم (7) المعتزلة بأجمعهم يخالفون في المشيئة ويقولون: المشيئة للعباد في ~~أفعالهم لا لله تعالى, والواقع منها ما شاء العبد لا ما شاء الله, وأهل ~~السنة مجمعون على أن المشيئة لله تعالى في ذلك لا للعبد؛ وهذه في الحقيقة ~~هي مسألة الخلاف لا الأولى, فلو ذكرها المعترض PageV02P364 # لكان ذلك به أولى, وحين (1) أعرض عن ذكرها أعرضت عنه أيضا لأني مجيب لا ~~مبتدىء, وإنما ذكرت ذلك لئلا يتوهم الواقف على كلامي أني قد سويت بين ~~المعتزلي والسني من كل وجه وجهلت موضع الخلاف بينهما. # وقد رام بعضهم أن يلفق بين الفريقين فقال: إن المعتزلي يقول: إن الله ~~تعالى ms186 أراد أن يجعل للعباد مشيئتهم ويمضي لهم مرادهم, وتلخيصه: أن المعتزلة ~~تقول: إن الله تعالى أراد أن تكون دار التكليف دار تخلية بين المكلفين وبين ~~ما أرادوا, فكأنه قد أراد ما أرادوا, فلهذا لم يكن مغلوبا سبحانه وتعالى. ~~وفي هذا نظر [ليس هنا] (2) موضع ذكره. وخلاصته: أن المعتزلة يجيزون تعارض ~~إرادة الله وإرادة العبد في الفعل المعين, ويوجبون تأثير إرادة العبد دون ~~إرادة الله في ذلك الفعل, وأهل السنة يمنعون ذلك, فلا يمكن التلفيق بين ~~أقوالهم في هذه المسألة, وإنما يمكن توجيه كلام أهل السنة بما ذكره الذهبي ~~في ترجمة عكرمة من كتاب ((الميزان)) (3) فإنه روى عن عكرمة أنه سئل: لم ~~أنزل الله المتشابه؟ فقال: ليضل به. # قال الذهبي: ((ما أخشنها من عبارة /وأقبحها!! أنزله ليضل به كثيرا ويهدي ~~به كثيرا, وما يضل به إلا الفاسقين)). PageV02P365 # وإذا أخرج (1) الشيء هذا المخرج وعلل بالعلل المعقولة لم يبعد منه ~~المعتزلي. وقد أوضحت في غير هذا الموضع لأهل السنة في ذلك من الوجوه ما ~~يوجب على المعتزلي موافقتهم مع بقائه على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين, ~~وهو من النفائس, ولا تخفى مواقعه على الفطن في كتاب الله [مثل قوله] (2) ~~تعالى: ((ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون)) ~~[الأنفال/23] ومثل قوله تعالى: ((وما يضل به إلا الفاسقين)) [البقرة/26] ~~وغير ذلك. ولا بد في هذه المسألة للسني والمعتزلي من الرجوع إلى محض ~~التسليم للشريعة وترك محض التحسين والتقبيح العقلي في بعض المواضع الدقيقة ~~التي يجوز غلط العقل فيها لحيرته وتبلده, وعدم نفوذ نظر بصيرته فاعلم ذلك. ### | الوهم الرابع عشر: # وهم أنهم أنكروا القدر الضروري في شكر المنعم, وليس كذلك, فإنهم في تلك ~~المسألة المرسومة في الأصول إنما نازعوا في وجوب شكر المنعم الذي هو الله ~~تعالى من جهة العقل, مع اعترافهم بوجوبه شرعا, وقطعهم بكفر من قال: بأن شكر ~~الله لا يجب, لكنهم نازعوا في معرفة العقل لذلك في حقه تعالى قبل الشرع, ~~لأنه تعالى غني عن شكرنا [لأنه] (3) لا يمكن أن ms187 ينتفع به, ولا يتضرر بتركه, ~~مع أن في فعل الشكر مضرة على العبد ناجزة لما في المحافظة PageV02P366 # عليه من المشقة, قالوا: فلو خلينا وقضية العقل, لم نقطع بوجوب ما هذه ~~صفته, قال الجويني في ((البرهان)) (1) ما لفظه: ((والبرهان القاطع في بطلان ~~ما صاروا إليه: أن الشكر تعب للشاكر ناجز, ولا يفيد المشكور شيئا, فكيف ~~يقضي العقل بوجوبه؟)) انتهى. # فإن قلت: قد خالفوا في وجوب شكر المنعم في الشاهد عقلا, فقد دفعوا ~~الضرورة العقلية. # قلت: ليس كذلك, فإنهم يعرفون ما في الطبيعة من استحسان الشكر واستقباح ~~نقيضه, وإنما نازعوا في استحقاق الذم عليه عاجلا والعقاب آجلا, وعلى فعل ما ~~استقبحه العقل, مع اعترافهم أنه صفة نقص لا تجوز على الله تعالى, ولهذا ~~نصوا: أن العقل يدرك تنزيه الله تعالى عن الكذب لأن الكذب صفة نقص, وإنما ~~موضع النزاع فيما يستحقه فاعل صفة النقص عقلا قبل ورود الشرع, وهذا هو موضع ~~الخلاف في مهمات مواضع (2) التحسين والتقبيح العقليين كما ذكره الرازي من ~~الأشعرية, والإمام يحيى بن حمزة من الزيدية ذكره في ((كتاب التمهيد)). ### | الوهم الخامس عشر # : وهم المعترض أن مذهبهم: القول بجوار تكليف ما لا يطاق وليس كذلك, فلم ~~يذهب إلى هذا منهم إلا الأشعري والرازي, على اختلاف شديد في (1نقل مذهب ~~الأشعري PageV02P367 # في (1) ذلك, وقد صرح الرجال برد هذا المذهب, ونقض شبه من ذهب إليه, وقد ~~ذكرت آنفا أنه لو لزمهم مذهب من ينسب إليهم للزم المعتزلة والزيدية كثير من ~~المذاهب الباطلة, /وقد رد الغزالي على من قال بذلك, وبالغ الجويني في ~~((البرهان)) (2) في إبطال هذا القول, وكذلك ابن الحاجب في ((مختصر ~~المنتهى)) (3) وكذلك شراحه من الأشعرية, وذلك معروف في مواضعه فلا نطول ~~بنقل ألفاظهم فيه. ### | الوهم السادس عشر: # وهم المعترض أنهم قد دفعوا الضرورة في تجويز تعذيب الأطفال بذنوب آبائهم, ~~وليس كذلك لوجهين: # الوجه الأول: أنهم لم يجمعوا على القول بهذه المسألة, فنسبتها (4) إلى ~~جميعهم غير صحيحة. قال الإمام النووي في ((شرح مسلم)) (5) وقد ذكر الأقوال ~~في أطفال المشركين حتى ms188 قال ما لفظه: ((وثانيها: الوقف, وثالثها: ما ذهب ~~إليه المحققون: أنهم من أهل الجنة, ويستدل لهم بأشياء منها: حديث إبراهيم ~~الخليل - صلى الله عليه وسلم - ((حين رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الجنة وحوله أولاد الناس قالوا: يا رسول الله! وأولاد المشركين؟ قال: ~~وأولاد المشركين)). رواه البخاري في ((صحيحه)) (6) PageV02P368 # وروى أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((سألت ربي اللاهين ~~من ذرية البشر ألا يعذبهم فأعطانيهم, فهم خدم أهل الجنة)) (1) يعني ~~الأطفال, وليس في إسناده إلا يزيد بن أبان الرقاشي (2) الصالح المشهور, وهو ~~من أهل الورع والتقوى, وفي حفظه شيء يسير, فقد قال الحافظ ابن عدي فيه: ~~أرجو أنه لا بأس به (3) , وقد تابعه عبد الرحمن بن إسحاق, وهو أيضا وإن ~~ضعفه بعضهم فقد قال النسائي وابن خزيمة: ليس به بأس (4) فهذا مع حديث ~~البخاري, وظاهر القرآن يتعاضد (5). # ومنها قوله تعالى: ((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)) [الإسراء/15] ثم ~~تكلم في نصرة هذا المذهب (6) , وذكر تأويل الأحاديث التي تخالفه. وقد ~~أجابوا بأنها كلها ضعيفة إلا حديث سلمة بن يزيد الجعفي فإنه صحيح الإسناد ~~لكنه غير عام فإنه نص في موءودة بعينها فاحتمل التأويل, وذلك أنهم سألوا ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه أخت لهم ماتت في الجاهلية موءودة لم تبلغ ~~الحنث فقال: ((إنها في النار)) (7). PageV02P369 # قال السبكي: فإن كان لهذا الحديث علة لم نحتج إلى جواب, وقد قيل: إنه - ~~صلى الله عليه وسلم - اطلع عن أن سن تلك الموءودة بل التكليف, ولم يلتفت ~~إلى قول السائل: لم تبلغ الحنث لجهله, ويكون التكليف في ذلك الوقت منوطا ~~بالتمييز والسائل لجهله, ليس ذلك عنده من الأمور المحتاج إليها في تلك ~~الحال فيبينه فيها. هذه خلاصة كلام أهل هذا المذهب, وهم المحققون من أهل ~~السنة كما قال النووي -رحمه الله-. # فثبت بنقل إمام المحدثين أن المحققين منهم لا يقولون بتعذيب الأطفال, ~~وإلى ذلك مال الإمام السبكي في جزء ألفه في هذه المسألة (1) , وكذلك ~~الغزالي في كتاب ((القسطاس المستقيم)) (2) قال ما ms189 لفظه: ((وأنت تعلم أن ~~الله تعالى /ينزل الصبيان إذا ماتوا منزلا من الجنة دون منازل البالغين)) , ~~هذا لفظه في كتابه المذكور, وهو مشهور عند الأشعرية, وقال القاضي أبو بكر ~~بن العربي في ((عارضة الأحوذي في شرح الترمذي)) (3) إن حديث رؤية النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لإبراهيم قوي, وحديث: ((عصفور من عصافير الجنة)) قد ~~غمزه الحفاظ, وحديث ((هم من آبائهم)) , يعني في إهدار دمهم فإنهم سألوه: ~~إنا نغير على المشركين فنصيب من أولادهم, فقال: ((هم من آبائهم)) يعني في ~~إهدار الجناية عليهم, وهذا بين لا إشكال فيه)). هذا لفظه. PageV02P370 # وقال أيضا في الترجيح بين الأخبار في ذلك: ((أما حديث: ((كل مولود يولد ~~على الفطرة)) فيعضده المشاهدة والأدلة العقلية. إلى قوله: ((وقد يكون في ~~أولاد المشركين مؤمن, وفي أولاد المؤمنين كافر, ويحكم الباري فيهم بعلمه, ~~وهذا بين من التأويل لا يتطرق إليه إشكال ويرفع جهل الجهال)) , وكلامه في ~~هذا يرد (1) علىالخصم, حيث (2) زعم أنهم يعللون تعذيب الأطفال بكفر الآباء ~~وينكرون (3) الأدلة العقلية, وأما من أجاز ذلك, ولم يتأول الأخبار من أهل ~~العلم منهم؛ فإنهم لم يجيزوا تعذيب الأطفال لأجل ذنوب آبائهم, بل افترقوا ~~في تعليل ذلك فرقتين: # الفرقة الأولى: أهل الجمود منهم, وترك الخوض في الكلام, وهؤلاء يجوزون أن ~~في حكمة الله وعلمه المكنون من أنواع الحكم ما لا تدركه العقول, فيجوز ~~عندهم أن يكون ذلك على ظاهره, ويكون لله تعالى من الحكمة فيه ما يحسن معه, ~~وإلى هذا أشار ابن الجوزي بقوله (4) في وصف الله تعالى: ((بث الحكم فلم ~~يعارض بلم)) , وقوله في ذلك: ((خرست في حضرة القدس صولة لم, فأقدام الطلب ~~واقفة على جمر التسليم)). # وربما ذكر الفطناء منهم وجوها من حكمة الله تعالى في ذلك PageV02P371 # على سبيل التمثيل والتقريب. منها: أن الله تعالى قد خلقهم فيما مضى, وخلق ~~عقولهم وكلفهم وعصوا, ويحتجون على ذلك بحديث إخراج ذرية آدم من ظهره على ~~صورة الذر (1) , وبه فسروا قوله تعالى: ((وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ms190 ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم ~~القيامة إنا كنا عن هذا غافلين, أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ~~ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون)) [الأعراف/172 - 173]. # ويحتجون أيضا بما رواه البخاري عن قيس بن حفص, حدثنا خالد بن الحارث, ~~حدثنا شعبة عن أبي عمران الجوني عن أنس يرفعه: ((إن الله عز وجل يقول لأهون ~~أهل النار عذابا: لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم. ~~قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا, وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك بي؛ فأبيت ~~إلا الشرك)) أخرجه البخاري (2) آخر الجزء الثاني (3) عشر/ من تجزئته, وهو ~~في الجزء الثاني من أربعة أجزاء. # في ((الصحيحين)) (4) شاهد لهذا عن أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - PageV02P372 # قال: ((إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقال: مه؟ قالت: ~~هذا مقام العائذ بك من القطيعة)) الحديث, وهو دليل على أن الله تعالى قد ~~خلق الخلق فيما مضى مرة (1) أوله, وهذا غير ممتنع في مقدور الله تعالى, وهو ~~على كل شيء قدير. # وأما قوله تعالى في الآية: ((قالوا بلى)) [الأعراف/172] فلا يدل على ~~إسلام جميع ذلك الخلق الأول لوجوه: # أحدها: ما ذكره ابن عبد البر (2) وغيره في تفسير قوله تعالى: ((وله أسلم ~~من في السماوات والأرض طوعا وكرها)) [آل عمران/83] , فإنهم فسروا إسلام أهل ~~الأرض كلهم بذلك وقالوا: إن أهل السعادة قالوا ذلك عن معرفة له طوعا, وأهل ~~الشقاوة قالوا ذلك كرها, وهذا وجه وجيه (3). # الوجه الثاني: أنه يجوز أنهم قالوا ذلك ثم عصوا بعد قوله. # الوجه الثالث: أنه يجوز أن يكون القائل بذلك بعضهم, وتكون الآية من العام ~~الذي أريد به الخاص, وتخصيص العموم بالسنة جائز إجماعا. # وأما قوله تعالى: ((من بني آدم)) [الأعراف/172] فيحتمل أنه أخرج من صلب ~~آدم أولاده لصلبه, ثم أخرج من صلب كل واحد منهم أولاده, على أن دلالة ~~الأحاديث على المقصود لا PageV02P373 # [تتوقف] (1) على تفسير الآية بذلك؛ فإن الأحاديث ms191 صريحة في ذلك والآية ~~محتملة, وهذا هو أحد الاحتمالين في قوله - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن ~~الوجه في تعذيب أطفال المشركين فقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) (2) , ~~وفيه إشارة إلى أنهم عذبوا بعمل, وأنه وكل العلم به إلى الله تعالى. # الاحتمال الثاني: أنها تؤجج لهم نار فيقال: ((ردوها فيردها من كان في علم ~~الله سعيدا لو أدرك العمل, ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك ~~العمل, فيقول الله: إياي عصيتم, فكيف رسلي لو أتتكم))؟. # قال السبكي (3): ((رواه أبو سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. ومن الناس من يوقفه على أبي سعيد. وروي معناه من حديث: أنس, ومعاذ, ~~والأسود بن سريع, وأبي هريرة, وثوبان كلهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. # وذكر عبد الحق في ((العاقبة)) حديث الأسود وصححه, ورواه أحمد في ~~((مسنده)) (4) من حديث الأسود, وأبي هريرة. # قال السبكي: ((وأسانيدها صالحة)). # وقد اعترض صحتها بعض أهل الأثر برأي عقلي ضعيف, وقد PageV02P374 # أوضحته في ((العواصم)) (1). # ومما يمكن تقديره في ذلك على قواعد المعتزلة والأشعرية وأهل الحديث وجوه: # منها: أنهم يدخلون النار ثم يخرجون منها, ويكون لهم على ألمهم من النار ~~أعواض عظيمة ينالونها في الجنة, ويكون ذلك مثل إيلامهم في الدنيا وهم صغار, ~~وهذا يصح على قول طائفة من المعتزلة وهم الجبائية أصحاب شيخ الاعتزال أبي ~~علي (2) فإنه كان يذهب /إلى أنه يحسن من الله تعالى أن يؤلم من لا ذنب له ~~لأجل العوض من دون اعتبار, ومنع أبو هاشم وأصحابه من ذلك إلا مع الاعتبار ~~(3) , وتعذيب الأطفال على هذا الوجه ممكن على قول هذه الطائفة أيضا, فإنه ~~يمكن أن يخلق الله خلقا في تلك الحال, مكلفين غير عالمين علما ضروريا ~~بالآخرة, ويعلمهم علما استدلاليا بذلك الألم الذي ابتلي به الأطفال, ~~ويعلمهم بما أعد لأهل البلاء من عظيم النوال, بل يجوز أن يكون الاعتبار ~~بذلك حاصلا لنا اليوم لعلمنا أو علم بعضنا بذلك في المستقبل. # ومنها: أنه يحتمل أن الأطفال إذا ماتوا أكمل الله ms192 عقولهم قبل الموت, ~~وأمرهم فعصوه فماتوا. # ومنها: أنه يجوز إذا ماتوا أحياهم الله تعالى مرة ثانية قبل يوم ~~PageV02P375 # القيامة؛ إما في غير هذه الدار, أو فيها, ولا نعلم أنهم هم, ثم يكمل ~~عقولهم ويكلفهم, ولا يكون موتهم الأول مضطرا لهم إلى الطاعة, إما (1) لعدم ~~تمام عقولهم, أو لأنهم لم يروا فيه شيئا من أمور الآخرة, وإنما كان مثل ~~النوم. # ومنها: أنه يجوز أن يدخلوا النار ولا يتألمون بها كما يكون فيها الحيات, ~~وكما يكون فيها الخزنة من الملائكة -عليهم السلام-, وكل هذه الوجوه محتملة ~~على مذهب المعتزلة. # فإن قيل: إن المعتزلة لا يجيزون الخروج من النار, والوجه الأول منها مبني ~~على ذلك. # قلت: إنما يمنعون خروج من دخل النار معاقبا, أما من ليس بمعاقب كالحيات, ~~وخزنة النار؛ فلا يمنعون ذلك, وإنما قصدت بذكر هذه الوجوه إطلاع المعتزلي ~~على أن وجوه حكمة الله تعالى أوسع من أن يقطع المتكلم على عدم ما لم يعلم ~~منها, فإن هذه المسألة أقبح ما ينسبه المعتزلي إلى الأشعري, والمحدث, ~~ويعتقد أنه لا يمكن أن يكون لها تأويل على قواعد المعتزلة, وقد بان بهذا ~~أنه لا يلزم من تجويز هذه المسألة تجويز الظلم على الله جل جلاله, وعظم ~~شأنه, ولا يلزم من قال بها إنكار المعلوم بالضرورة. # فهذا الكلام انسحب من ذكر فرقة أهل الجمود من أهل الحديث, وأما فرقة (2) ~~أهل الكلام من الأشعرية فإنهم يثبتون الكلام PageV02P376 # في هذه المسألة على قواعدهم في التحسين والتقبيح, وقد مرت الإشارة إلى ~~نكتة منه, وتمامه مذكور في كتبهم البسيطة مثل: ((نهاية العقول)) للرازي, ~~وغيرها, ومن وقف عليه علم أن بطلانه غير معلوم بالضرورة, وأنه لا يتمكن من ~~الجواب عليهم فيه إلا خواص المتبحرين في الكلام, فكيف يدعي المعترض أنهم ~~كذبة يتعمدون الكفر مع علمهم بذلك؟ على أنه في هذا خالف سلفه من أهل البيت, ~~وشيوخه من المعتزلة, فقد بينا فيما تقدم أنهم نصوا على أن القوم من أهل ~~التأويل والتدين. وقد تركت إيراد كلام متكلمي الأشعرية في التحسين ~~والتقبيح؛ ms193 لأن كتابي هذا / [كتاب] (1) نصرة للحديث وأهله الواقفين على ما ~~كان عليه السلف, من ترك الخوض في عويص الكلام, ودقيق الجدال. # ومما (2) يدل على تنزيه أهل الحديث مما رماهم به من تجويز التعذيب بذنب ~~الغير؛ أنه (3) لما رود في الحديث: ((أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه)) (4) ~~(5) تأولوا ذلك بأن يكون الميت أوصى بذلك, ذكر ذلك البخاري في ((صحيحه)) ~~(6) , وذكره النووي في موضعين: PageV02P377 # أحدهما: كتاب ((رياض الصالحين)) (1) في الرقائق. # وثانيهما: كتاب ((روضة الطالبين)) (2) في الفقه, ذكره منه في كتاب ~~الجنائز, وقد ذكر الذهبي (3) في ذلك وجها آخر, وهو أن ما يصيب المسلم (4) ~~في قبره من ضمة القبر ونحوها, من جملة آلام الدنيا التي يبتلى بها ~~الصالحون, وهو صحيح على أصول المعتزلة, فإن العوض من الله تعالى ممكن في ~~ذلك, وكذلك الاعتبار, فإن المكلفين يعتبرون بذلك حين يعلمونه, وهذا إنما ~~ذكره الذهبي في ضمة القبر لورود النص الصحيح: ((أن القبر ضم سعد بن معاذ, ~~وأن العرش اهتز لموته, وأن الله أهبط لموته سبعين ألف ملك)) (5) , ومثل هذا ~~الوجه يمكن في جميع ما يلحق المؤمن في القبر, ويوم القيامة, وتأويل البخاري ~~والنووي أكثر ملاءمة لقوله تعالى: ((لا يحزنهم الفزع الأكبر)) ~~[الأنبياء/103] , ((وهم من فزع يومئذ آمنون)) [النمل/89] ونحوذلك. # وقد ذكرت في ((الأصل)) (6) أنه يحتمل أن يكون (7) سببا لعذاب PageV02P378 # الميت, والعذاب في نفسه مستحق بذنوب عملها الميت في حال التكليف, وقد جاء ~~في ((الصحيح)) (1): ((من نوقش الحساب عذب)) ويكون الحكمة في ذلك, وفي الخبر ~~به: الزجر العظيم عن معصية النياحة التي هي من عمل الجاهلية. # الوهم السابع عشر: ذكر المعترض عن الفقهاء أنهم يجيزون إمامة الجائر, ~~وحكى عن ابن بطال أنه قال: الفقهاء مجمعون أن المتغلب طاعته لازمة ما أقام ~~الجمعات والأعياد والجهاد, وأنصف المظلوم غالبا, وأن طاعته خير من الخروج ~~عليه, لما في ذلك من تسكين الدهماء وحقن الدماء, ولذلك قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: ((أطيعوا السلطان ولو كان عبدا حبشيا)) (2) ولا يمنع من الصلاة ~~خلفه, وكذلك المذموم ببدعة أو فسق. انتهى إلى ms194 قول المعترض: فإذا كان هذا ~~مذهب القوم عرفت أنهم كانوا من أئمة الجور, الذين قتلوا الأئمة الأطهار, ~~وأنهم شيعة الحجاج بن يوسف, بل شيعة يزيد قاتل الحسين - رضي الله عنه - ~~لأنهم يعتقدون بغي من خرج على المتغلب الظالم, كما صرح به ابن بطال, ~~ويصوبون قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس؛ لأنهم بغاة على قولهم)) انتهى ~~كلامه. # والجواب عليه يتم بالكلام على فصول: PageV02P379 ### | الفصل الأول # : في بيان أن الفقهاء لا يقولون: إن الخارج على إمام / الجور باغ ولا ~~آثم, وهذا واضح من أقوالهم, ويدل عليه وجوه: # الأول: نصهم على ذلك, قال الإمام النووي في ((الروضة)) (1) ما لفظه: ~~((الباغي في اصطلاح العلماء هو: المخالف لإمام العدل, الخارج عن طاعته ~~بامتناعه من أداء واجب (2) عليه, أو غيره)) انتهى كلامه. وهو نص في موضع ~~النزاع. # وقد حكى هذا عن العلماء على الإطلاق والاستغراق, ولم يستثن أحدا. # الوجه الثاني: أن الكلام في الخروج على أئمة الجور [عندهم] (3) من ~~المسائل الظنية الفروعية التي لا يأثم المخالف فيها, وللشافعية في جواز ذلك ~~وجهان معروفان, ذكرهما في ((الروضة)) (4) للنووي, وفي ((مجموع المذهب في ~~قواعد المذهب)))) (5) للشيخ صلاح الدين العلائي, وذكر ذلك غير واحد, ومن ~~المعلوم أن ذلك لو كان حراما قطعا كشرب الخمر, لم يكن لهم فيه قولان. # الوجه الثالث: أن الذهبي صنف كتاب ((ميزان الاعتدال)) وشرط فيه أن يذكر ~~كل من تكلم عليه من أهل الرواية للحديث بحق أو باطل, PageV02P380 # قال: ((لئلا يستدرك على كتابه)) (1) , فلم يذكر فيه زيد بن علي -رضي الله ~~عنهما- مع أنه من رجال الكتب الستة, على أنه قل ما سلم أحد من ذكره في هذا ~~الكتاب, حتى إنه ذكر سفيان الثوري, وأويسا القرني, وجعفر الصادق, ويحيى بن ~~معين, وأبا حنيفة (2) , وعلي بن المديني, وأمثال هؤلاء الأئمة, وإنما ذكرهم ~~لأنه قلما سلم أحد من الكلام بحق أو باطل, فحين لم يذكر زيد بن علي -رضي ~~الله عنهما- دل ذلك على جلالته, وأن الذهبي على سعة اطلاعه لم يعلم فيه ~~قدحا ألبتة. # وأصرح من هذا أن ms195 الذهبي قال في كتابه ((الكاشف)) (3): ((إن زيدا - رضي ~~الله عنه - استشهد)) بهذا اللفظ, وهذا نص منه في موضع النزاع, فإن الباغي ~~ليس بشهيد إجماعا. ### | الفصل الثاني # : في بيان أن منع الخروج علىالظلمة استثنى من ذلك من فحش ظلمه, وعظمت ~~المفسدة بولايته, مثل: يزيد بن معاوية, والحجاج بن يوسف, وأنه لم يقل أحد ~~منهم ممن يعتد به بإمامة من هذه حاله, وإن ظن ذلك من لم يبحث, لإيهام ظواهر ~~عباراتهم في بعض الموضع, فقد نصوا على بيان مرادهم وخصوا عموم ألفاظهم, ~~فممن ذكره الإمام الجويني فإنه قال في كتاب PageV02P381 # ((الغياثي)) (1) -وقد ذكر أن الإمام لا ينعزل بذلك ما لفظه-: ((وهذا في ~~نادر الفسق, فأما إذا تواصل منه العصيان, وفشا منه العدوان, وظهر الفساد, ~~وزال السداد, وتعطلت الحقوق, وارتفعت الصيانة, ووضحت الخيانة؛ فلا بد من ~~استدراك هذا الأمر المتفاقم, فإن أمكن كف يده وتولية غيره بالصفات ~~المعتبرة, فالبدار البدار, وإن لم يكن ذلك لاستظهاره بالشوكة إلا بإراقة ~~الدماء, ومصادمة الأهوال؛ فالوجه أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه /مبتلون به ~~بما يفرض وقوعه, فإن كان الناجز الواقع أكثر مما يتوقع؛ فيجب احتمال ~~المتوقع, وإلا فلا يسوغ التشاغل بالدفع, بل يتعين الصبر والابتهال إلى الله ~~تعالى)). # ومن ذلك ما ذكره أبو محمد بن حزم في الرد على أبي بكر بن مجاهد المقرىء ~~(2) , فإنه ادعى الإجماع على تحريم الخروج على الظلمة, فرد ذلك عليه ابن ~~حزم, واحتج عليه بخروج الحسين بن علي -رضي الله عنهما- وخروج أصحابه على ~~يزيد, وبخروج ابن الأشعث, ومن معه من كبار التابعين, وخيار المسلمين على ~~الحجاج بن يوسف. وقال ابن حزم: أترى هؤلاء كفروا؟ بل والله من كفرهم فهو ~~أحق بالتكفير. ولقد يحق على المرء المسلم أن يزم لسانه, ويعلم أنه مجزي بما ~~تكلم به, مسئول عنه غدا, قال: ولو كان خلافا يخفى لعذرناه؛ ولكنه أمر ظاهر ~~لا يخفى على المخدرات في PageV02P382 # البيوت)) , ذكره في ((كتاب الإجماع)) (1) رواه عنه الريمي (2) في كتابه ~~((عمدة الأمة في إجماع الأئمة)) (3). # وقد ذكر هذه المسألة ms196 القاضي عياض, وذكر دعوى ابن مجاهد للإجماع, قال ~~القاضي عياض (4): ورد عليه هذا بعضهم بقيام الحسين بن علي - رضي الله عنه - ~~وابن الزبير, وأهل المدينة على بني أمية, وقيام جماعة عظيمة من التابعين ~~والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث, وتأول هذا القائل قوله: ((أن لا ~~ننازع الأمر أهله)) على أئمة العدل, قال عياض: ((وحجة الجمهور: أن قيامهم ~~على الحجاج ليس لمجرد الفسق, بل لما غير (5) من الشرع, وأظهر (6) من ~~الكفر)) انتهى كلامه. # وفيه: بيان اتفاقهم على تحسين ما فعله الحسين - رضي الله عنه - مع يزيد, ~~وابن الأشعث وأصحابه مع الحجاج, وأن جمهورهم قصروا جواز الخروج على من كان ~~مثل يزيد والحجاج, ومنهم من PageV02P383 # جوز الخروج على كل ظالم. # وفيه أنهم اتفقوا على الاحتجاج بفعل الحسين, ولكن منهم من قصره على مثل ~~يزيد, ومنهم من قاس عليه كل ظالم. # ومن ذلك كلام ابن بطال الذي أورده المعترض, وقد مر, وهو على المعترض لا ~~له, فإنه روى عن الفقهاء أنهم اشترطوا في طاعة المتغلب إقامة الجمعات ~~والأعياد, والجهاد, وإنصاف المظلوم غالبا, ولم يكن يزيد والحجاج بهذه ~~الصفة. والعجب أن المعترض ادعى على ابن بطال أنه نص على ما ادعاه من تصويب ~~يزيد والحجاج وبغي الحسين, ولم يذكر ذلك ابن بطال بمنطوق ولا مفهوم, ولا نص ~~ولا عموم, وهذا كلام من غفل عن معنى النص. # وقال ابن الأثير في ((نهايته)) (1) ما لفظه: ((فيه أنه ذكر (2) /الخلفاء ~~بعده فقال: أوه لفراخ آل محمد من خليفة يستخلف عتريف مترف, يقتل خلفي وخلف ~~الخلف)). # قال ابن الأثير: العتريف: الغاشم الظالم, وقيل: الداهي الخبيث, وقيل: هو ~~قلب العفريب الشيطان الخبيث, قال الخطابي (3): قوله: خلفي [يتأول على] (4) ~~ما كان من يزيد بن معاوية PageV02P384 # إلى الحسين بن علي وأولاده الذين قتلوا معه, وخلف الخلف: ما كان منه يوم ~~الحرة إلى أولاد المهاجرين والأنصار)). انتهى بلفظه من ((النهاية)). # وفيه شهادة على براءة القوم مما رماهم به المعترض؛ من تصويب يزيد الخبيث ~~في قتل الحسين الشهيد. وكيف يقال ذلك وقد ms197 نصوا على أن يزيد ظالم غاشم خبيث ~~شيطان, وروى الترمذي في ((جامعه)) (1) حديثا وحسنه (2) عن سفينة الصحابي, ~~مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وفيه أيضا لما روى الحديث: ~~((الخلافة في أمتي ثلاثون سنة, ثم ملك بعد ذلك)) قال له سعيد بن جمهان: إن ~~بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم, قال: كذبوا [بنو] (3) الزرقاء, هم ملوك ~~من شر الملوك. هذه رواية [الترمذي] (4). # وفي رواية أبي داود (5) قال سعيد: قلت لسفينة: إن هؤلاء يزعمون أن عليا ~~لم يكن بخليفة, قال: كذبت أستاه (6) بني الزرقاء, PageV02P385 # يعني بني مروان (1). # وروى الترمذي (2) عن [الحسن] (3) # بن علي -رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أري بني أمية ~~على منبره فساءه ذلك فنزلت: ((إنا أنزلناه في ليلة القدر, وما أدراك ما ~~ليلة القدر, ليلة القدر خير من ألف شهر)) [القدر/1 - 3] يملكها بعدك بنو ~~أمية يا محمد (4). PageV02P386 # قال القاسم بن الفضل: فعددناها فإذا هي ألف شهر (1) لا تزيد يوما ولا ~~تنقص يوما. # ولما ذكر ابن حزم (2) خروم الإسلام عدها أربعة: قتل عثمان, وقتل الحسين, ~~ويوم الحرة, ولم يعد قتل عمر ولا قتل علي منها, تعظيما لقتل الحسين وإظهارا ~~لبلوغه من القبح إلى حد فوق حد الكبائر. # وقال الذهبي في ((النبلاء)) (3): ((يزيد بن معاوية كان ناصبيا فظا غليظا ~~جلفا, يتناول المسكر ويفعل المنكر, افتتح دولته بقتل الشهيد الحسين - رضي ~~الله عنه - واختتمها بوقعه الحرة, فمقته الناس, ولم يبارك في عمره, وخرج ~~عليه غير واحد بعد الحسين - رضي الله عنه - PageV02P387 # كأهل المدينة لله (1))) وذكر من خرج عليه. # قال: ((وروى الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن مكحول عن أبي عبيدة مرفوعا: ~~((لا يزال أمر أمتي قائما حتى يثلمه رجل من بني أمية يقال له: يزيد)) أخرجه ~~أبو يعلى في ((مسنده)) (2). # وروى عن جويرية عن نافع قال: مشى عبد الله بن مطيع إلى ابن الحنفية في ~~خلع يزيد, وقال: إنه يشرب الخمر, [ويترك] (3) الصلاة, ويتعدى حكم الكتاب ~~(4). # وعن عمر بن عبد العزيز قال رجل في حضرته: أمير المؤمنين يزيد, فأمر ms198 به ~~فضرب عشرين سوطا)). # قال الذهبي في ((الميزان)) (5): ((إنه مقدوح في عدالته ليس بأهل ~~PageV02P388 # أن يروى عنه. وقال أحمد بن حنبل: لا ينبغي أن يروى عنه)) (1). # وقال ابن حزم في ((أسماء الخلفاء)) آخر ((السير النبوية)) (2) ما لفظه: ~~((بويع يزيد بن معاوية إذ مات أبوه, وامتنع من بيعته الحسين بن علي - رضي ~~الله عنه - , وعبد الله بن الزبير بن العوام, فأما الحسين - رضي الله عنه - ~~فنهض إلى الكوفة /فقتل قبل دخولها, وهي ثانية (3) مصائب الإسلام وخرومه؛ ~~لأن المسلمين استضيموا في قتله ظلما وعلانية, وأما عبد الله بن الزبير - ~~رضي الله عنه - فاستجار بمكة, فبقي هنالك إلى أن أغزى يزيد الجيوش, إلى ~~المدينة حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى مكة حرم الله تعالى ~~فقتل بقايا المهاجرين والأنصار يوم الحرة, وهي ثالثة (4) مصائب الإسلام ~~وخرومه؛ لأن أفاضل الصحابة وبقيتهم -رضي الله عنهم- وخيار المسلمين قتلوا ~~جهرا ظلما في الحرب وصبرا, وجالت الخيل في مسجد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - , وراقت وبالت في الروضة بين القبر والمنبر, ولم يصل جماعة في مسجد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الأيام, ولا كان فيه أحد حاشا سعيد ~~بن المسيب, فإنه لم يفارق المسجد, ولولا شهادة [عمرو] (5) بن عثمان بن ~~عفان, ومروان بن PageV02P389 # الحكم له عند مسلم بن عقبة بأنه مجنون لقتله, وأكره الناس على أن يبايعوا ~~يزيد بن معاوية على أنهم عبيد له إن شاء باع وإن شاء أعتق, وذكر بعضهم ~~البيعة على حكم القرآن وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فأمر بقتله ~~فضربت عنقه صبرا رحمه الله. # وهتك يزيد الإسلام هتكا وأنهب المدينة ثلاثا, واستخف بأصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ومدت إليهم الأيدي, وانتهبت دورهم, وحوصرت مكة, ورمي ~~البيت بحجارة المنجنيق, وأخذ الله يزيد (1) فمات بعد الحرة بأقل من ثلاثة ~~أشهر, وأزيد من شهرين, في نصف ربيع الأول سنة أربع وستين, وله نيف وثلاثون ~~سنة)) انتهى كلام [أبي] (2) محمد بن حزم بلفظه. # وفيه أعظم شهادة لأهل السنة على البراءة ms199 من تصويب يزيد والتشيع له, هذا ~~على أن الذهبي ذكر أن ابو حزم قد وصم بالتعصب لبني أمية (3) , فإذا كان هذا ~~كلام من رمي بالتعصب لهم فكيف بمن لم يرم بذلك! على أن كلام ابن حزم هذا ~~يرد (4) على ما رماه بالعصبية, ويشهد له بالسلوك من الإنصاف في طريقة سوية. ~~PageV02P390 # قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية الكلبي (1) # في كتابه ((العلم المشهور)) (2) ما هذا لفظه مختصرا: ((وفي هذا اليوم ~~-يعني عاشوراء- قتل السيد الأمير, ريحانة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~, سيد شباب أهل الجنة: الحسين بن فاطمة البتول يوم الجمعة, وقيل: يوم السبت ~~سنة إحدى وستين بالطف بكربلاء, وهو ابن ست وخمسين سنة, ولما أحاطوا بالحسين ~~- رضي الله عنه - قام في أصحابه خطيبا, فحمد الله, وأثنى عليه, ثم قال: قد ~~نزل بي ما ترون من الأمر, وإن الدنيا قد تنكرت وتغيرت, وأدبر معروفها ~~[وانشمر, حتى] (3) لم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء, إلا خسيس عيش ~~كالمرعى الوبيل, ألا ترون الحق لا يعمل به, والباطل لا يتناهى عنه, ليرغب ~~المؤمن في لقاء الله, وإني لا أرى الموت إلا سعادة, والحياة مع الظالمين ~~إلا برما (4). PageV02P391 # وكان عبيد الله بن زياد كتب إلى الحر بن [يزيد] (1): أن جعجع بالحسين, ~~أي: ضيق عليه, ثم أمده بعمر بن [سعد] (2) المتكفل بقتال الحسين / - رضي ~~الله عنه - حتى ينجز له عبيد الله الرشد بالغي, وهو القائل: # أأترك ملك الري والري منيتي ... وأرجع مأثوما بقتل حسين # فضيق عليه اللعين أشد تضييق, وسد بين يديه واضح الطريق, إلى أن قتله في ~~التاريخ المتقدم ويسمى عام الحزن, وقتل معه: اثنان وثمانون رجلا من أصحابه ~~مبارزة, وجميع ولده -إلا علي بن الحسين زين العابدين- وقتل أكثر (3) إخوة ~~الحسين وبني أعمامه. # لمحمد سلوا سيوف محمد ... قطعوا بها هامات آل محمد # وفي هذا اليوم الذي قتل فيه الحسين - على جده وعليه أفضل PageV02P392 # السلام- رئي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجمع دم الحسين في قارورة, ~~وإن كانت رؤيا منام فإمها صادقة ليست بأضغاث أحلام, أسند ذلك ms200 إمام أهل ~~السنة الصابر على المحنة أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل (1) قال: حدثنا ~~عبد الرحمن, حدثنا حماد بن سلمة, عن عمار بن أبي عمار, عن ابن عباس قال: ~~رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام نصف النهار أشعث أغبر معه ~~قارورة فيها دم يلتقطه فيها, قلت: يا رسول الله ما هذا؟ قال: دم الحسين ~~وأصحابه لم أزل أتتبعه منذ اليوم. قال عمار فحفظنا ذلك اليوم, فوجدناه قتل ~~ذلك اليوم)). # قال ابن دحية: هذا سند صحيح, عبد الرحمن هو أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي ~~إمام أهل الحديث, وحماد إمام فقيه ثقة, وعمار من ثقات التابعين أخرج مسلم ~~أحاديثه في ((صحيحه)) (2) وتولى حمل الرأس: بشر بن مالك الكندي, ودخل به ~~على ابن زياد وهو يقول: # املأ ركابي فضة وذهبا ... إني قتلت الملك المحجبا # قتلت خير الناس أما وأبا (3) PageV02P393 # وقد صدق هذا القائل الفاسق في المديح, وتقريظ هذا السيد الذبيح, ولقي ~~الله بفعله القبيح. وأمر [عبيد] (1) الله بن زياد من قور (2) رأس الحسين ~~حتى ينصب في الرمح, فتحاماه الناس حتى قام طارق بن المبارك, فأجابه إلى ~~ذلك, وفعله ونادى في الناس وجمعهم في المسجد الجامع, وصعد المنبر, وخطب ~~خطبة لا يحل ذكرها, ثم دعا عبيد الله (3) بن زياد زحر بن قيس الجعفي فسلم ~~إليه رأس الحسين, ورءوس أهله وأصحابه, فحملها حتى قدموا دمشق, وخطب زحر ~~خطبة فيها كذب وزور, ثم أحضر الرأس فوضعه بين يدي يزيد, فتكلم بكلام قبيح ~~قد ذكره الحاكم, والبيهقي وغير واحد من أشياخ أهل النقل بطريق ضعيف وصحيح, ~~وقد ذكر ذلك كله أخطب الخطباء ضياء الدين أبو المؤيد موفق الدين بن أحمد ~~الخوارزمي (4) في تأليفه في مقتل الحسين - عليه السلام - وهو عندي في ~~مجلدين (5). PageV02P394 # وذكر شيخ السنة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي, قال: حدثنا الحافظ أبو ~~عبد الله محمد بن عبد الله, سمعت أبا الحسن علي بن محمد الأديب يذكر بإسناد ~~له أن رأس الحسين - عليه السلام - لما صلب بالشام أخفى خالد بن ms201 عفران شخصه ~~من أصحابه وهو من أفاضل التابعين, فطلبوه شهرا حتى وجدوه, فسألوه عن عزلته ~~فقال: أما ترون ما نزل بنا؟ ثم أنشأ يقول: # جاءوا برأسك يا ابن بنت محمد ... متزملا بدمائه تزميلا # فكأنما بك يا ابن بنت محمد ... قتلوا جهارا عامدين رسولا # /قتلوك عطشانا ولم يترقبوا ... في قتلك التنزيل والتأويلا # ويكبرون بأن قتلت وإنما ... قتلوا بك التكبير والتهليلا # قال ابن دحية: واعجبوا -رحمكم الله- من الأمم الذين كانوا من قبلكم, وقد ~~فضل الله أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - عليهم, منهم: المجوس يعظمون ~~النار؛ لأنها صارت بردا وسلاما على إبراهيم, والنصارى يعظمون الصليب ~~لادعائهم أنه من جنس العود الذي صلب عليه ابن مريم, وابن مرجانة, وأصحابه ~~العدا قتلوا الحسين ابن نبي الهدى, ولم يتلفتوا إلى قول أصدق القائلين: ~~((قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى)) [الشورى/23]. # قال: ولما قدموا برأس الحسين صرخت نساء بني هاشم؛ فقال مروان: # عجت نساء بين زياد عجة ... كعجيج نسوتنا غداة الأرنب # قال ابن دحية: وأنا أقول قولا هو الإيمان: هنيئا لك الشماتة # PageV02P395 # برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا مروان!. # وفي ((صحيح البخاري)) (1) عن ابن عمر أنه سأله رجل في دم البعوضة, فقال: ~~ممن أنت؟ فقال: من أهل العراق, فقال: انظروا إلى هذا! يسألني عن دم ~~البعوضة, وقد قتلوا ابن النبي - صلى الله عليه وسلم -! وسمعت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: ((هما ريحانتاي)) وفي رواية: ((هما ريحانتي)) (2). # قال ابن دحية: تفرد (3) بإخراجه البخاري من طريقين في كتاب المناقب (4) , ~~وفي كتاب الأدب (5). # وقال إبراهيم النخعي الإمام فيما حكاه أبو [سعد] (6) السمان الرازي (7) ~~بسنده (8) إليه قال: لو أني كنت فيمن قاتل الحسين, ثم أتيت بالمغفرة من ربي ~~فأدخلت الجنة لاستحييت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أمر عليه ~~فيراني. PageV02P396 # قال ابن دحية: عباد الله! اعجبوا من آراء هؤلاء الملاعين وعقولهم! إذ ~~قتلوا الحسين بن فاطمة [ولد] (1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , ثم ~~أكبوا في شمالهم على شرب شمولهم, تعسا لشيوخهم وكهولهم! ms202 أفي صلاتهم يصلون ~~على محمد وآله, ثم يمنعونهم من شرب نطفة (2) من الفرات وزلاله, ويجتمعون ~~على قتله وقتاله, ويذبحونه ولا يستحيون من نور شيبته وجماله, أما والله إن ~~حق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمته أن يعظموا تراب نعل قدمه, بل ~~تراب نعل خادم من خدمه, ليت شعري ما اعتذر هؤلاء (3الشطار الخبثة (3) ~~الأشرار, في قتل هؤلاء الأخيار, عند محمد المختار, ((يوم لا ينفع الظالمين ~~معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار)) [غافر/52]. وقد سلط الله عليهم ~~المختار, فقتلهم حتى أوردهم النار. # وأخرج الترمذي في ((جامعه الكبير)) (4) ما هذا نصه: ((حدثنا واصل بن عبد ~~الأعلى, حدثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن عمارة بن عمير, قال: لما جيء برأس ~~[عبيد] (5) الله بن زياد وأصحابه, نضدت في المسجد, فانتهيت إليهم وهم ~~يقولون: قد جاءت, قد جاءت, فإذا PageV02P397 # حية قد جاءت تخلل الرءوس حتى دخلت في منخري عبيد الله, فمكثت هنيهة, ثم ~~خرجت, فذهبت حتى تغيبت, ثم قالوا: قد جاءت, ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا. هذا ~~حديث حسن صحيح)). # انتهى المنقول من كتاب ((العلم المشهور في فضل الأيام والشهور)) للحافظ ~~المحدث الشهير بأبي الخطاب بن دحية. # وفيما ذكره أوضح دليل على براءة المحدثين وأهل السنة مما افتراه عليهم ~~المعترض من نسبتهم إلى التشيع ليزيد, وتصويب قتلة الحسين بن علي -عليهما ~~السلام- وكيف وهذه رواياتهم مفصحة بضد ذلك كما بيناه في ((مسند أحمد)) و ~~((صحيح البخاري)) و ((جامع الترمذي)) وأمثالها!! وهذه الكتب هي مفزعهم, ~~وإلى ما فيها مرجعهم, /وهي التي يخضعون لنصوصها, ويقصرون التعظيم عليها ~~بخصوصها. # وقال ابن خلكان (1) في ترجمة أبي الحسن علي بن محمد الملقب عماد الدين, ~~المعروف بالكيا الهراسي (2) الشافعي ما لفظه: ((وسئل إلكيا عن يزيد بن ~~معاوية فقال: إنه لم يكن من الصحابة, لأنه ولد في أيام عمر ابن الخطاب - ~~رضي الله عنه - , وأما قول السلف؛ ففيه لأحمد قولان: تلويح وتصريح, ولمالك ~~قولان: تلويح PageV02P398 # وتصريح, ولأبي حنيفة قولان: تلويح وتصريح, ولنا قول واحد: تصريح دون ~~تلويح. كيف لا يكون كذلك ms203 وهو اللاعب بالنرد, والمتصيد بالفهود, ومدمن ~~الخمر, وشعره في الخمر معلوم, ومنه قوله: # أقول لصحب ضمت الكأس شملهم ... وداعي صبابات الهوى يترنم # خذوا بنصيب من نعيم ولذة ... فكل وإن طال المدى يتصرم # وكتب فصلا طويلا, ثم قلب الورقة وكتب: لو مددت ببياض لمددت العنان في ~~مخازي هذا الرجل؛ وكتب فلان ابن فلان)). انتهى كلام إلكيا, وفيه ما ترى من ~~نقل مذاهب الأئمة الأربعة؛ فأما الشافعية فقد بين أن لهم فيه قولا واحدا ~~تصريحا غير تلويح, وأما سائر الأئمة فقد صرحوا تارة ولوحوا أخرى, وإنما ~~لوحوا بتضليله في بعض الأحوال, وفي هذا أكبر دليل على عدالتهم؛ لأنهم حين ~~خافوا لوحوا بتضليله, ولو عملوا بالرخصة لصرحوا بالثناء عليه عند الخوف, ~~وهذا كلام شيخ الشافعية. # قال ابن خلكان (1): ((تفقه بالجويني مدة إلى أن برع. قال الحافظ عبد ~~الغافر بن إسماعيل الفارسي فيه: كان من رؤوس معيدي إمام الحرمين في الدروس, ~~وكان ثاني أبي [حامد] (2) الغزالي, بل كان PageV02P399 # آصل وأصلح وأطيب في [الصوت] (1) والنظر, وارتفع شأنه, وتولى القضاء, وكان ~~محدثا يستعمل الحديث في مناظراته ومجالسه. ومن كلامه: إذا جالت فرسان ~~الأحاديث في ميادين الكفاح, طارت رؤوس المقاييس في مهبات (2) الرياح. # ولما حكى ابن خلكان كلام الحافظ (3) عماد الدين هذا, أورد بعده كلاما ~~رواه عن الغزالي, فكلام الغزالي ذلك شاهد ببراءة الغزالي من القول بتصويب ~~يزيد في قتل الحسين, وإنما تكلم في مسألتين غير ذلك: # إحداهما: تحريم اللعن ولم يخص [يزيد] (4) بذلك, فهو مذهبه في كل فاسق ~~وكافر كما رواه عنه النووي في ((الأذكار)) (5) , وقد ذكر النووي أن ظاهر ~~الأخبار خلاف ذلك, وقد أفردت الكلام على ذلك في كراس. # وثانيهما: القول بأن العلم برضا يزيد بقتل الحسين متعذر, وليس في هذا ~~نزاع, ولو أقر يزيد بلفظ صريح وسمعنا ذلك منه, لم نعلم أن باطنه كما أظهر, ~~وقد جهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بواطن المنافقين, ووكل علم ذلك ~~إلى الله تعالى, ولكن الحكم للظاهر. PageV02P400 # وقد روى البخاري -رحمه الله- في ((صحيحه)) (1) عن عمر بن الخطاب ms204 - رضي ~~الله عنه - أنه قال: ((إن ناسا كانوا يؤخذون بالوحي على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - , وإن الوحي قد انقطع, فمن أظهر لنا خيرا أمناه ~~وقربناه, وليس بنا من سريرته شيء, ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه, ~~وإن قال: إن سريرته حسنة)). ### | الفصل الثالث: # في بيان موضع الخلاف. فاعلم أن الفقهاء [لم يخالفونا] (2) في شرائط ~~الإمامة التي زعم المعترض أنهم خالفوا فيها, قال النووي /في ((الروضة)) ~~(3): ((شروط الإمامة: أن يكون الإمام: مكلفا, مسلما عدلا حرا ذكرا, عالما ~~مجتهدا, شجاعا ذا رأي وكفاية, سميعا بصيرا, ناطقا قرشيا)) ونحو ذلك, [قاله] ~~(4) العمراني في كتابه ((البيان)) (5). PageV02P401 # وقال القاضي عياض: لا تنعقد الإمامة لفاسق ابتداء (1) , بل قال النووي في ~~((الروضة)) (2) في كتاب الزكاة: ((يشترط في الساعي كونه مكلفا مسلما, عدلا ~~حرا, فقهيا بأبواب الزكاة)) إلى آخر كلامه في ذلك. # وقال الإمام إبراهيم بن تاج الدين (3) في كتابه إلى الملك المظفر ما ~~لفظه: ((هذا والجهابذة من أتباع الحبر العلامة محمد بن إدريس (4) - رضي ~~الله عنه - يقولون: إنه لا بد أن يكون في الأمة من قائم بأمر الإسلام, من ~~حقه بعد المنصب أن يكون جامعا للفضائل منزها عن الرذائل)). انتهى كلامه. # وفيه شهادة لهم من خصومهم, وممن هو مقبول النقل عند المعترض, فإن قلت: ~~فأين موضع الخلاف بينهم وبين المعتزلة والشيعة؟ قلت: في موضعين: # الموضع الأول: أنهم ذكروا أن الخروج على أئمة الجور متى كان مؤديا إلى ~~أعظم من جورهم؛ من إراقة الدماء, وفساد ذات البين, PageV02P402 # حرم تحريما ظنيا اجتهاديا [مختلفا] (1) في صحته بين علمائهم وسائر علماء ~~الإسلام, كما قدمنا في الفصل الثاني (2) , وللزيدية والمعتزلة ما يلزمهم ~~موافقة الفقهاء على هذا, فإنهم نصوا في باب النهي عن المنكر على أنه لا ~~يحسن متى كان يؤدي إلى وقوع منكر اكبر منه, والمسألة واحدة. # الموضع الثاني: -وهو محل الخلاف على الحقيقة- وهو في صحة أخذ الولاية من ~~أئمة الجور على ما يتعلق بمصالح المسلمين من القضاء ونحوه, وقد وافقهم على ~~أخذ ولاية القضاء من أئمة ms205 الجور: إمام الزيدية المؤيد بالله, ذكره في كتاب ~~((الزيادات)) , واحتج عليه وبالغ في ذلك, والمسألة ظنية ليس فيها نص معلوم ~~اللفظ والمعنى, ولا إجماع قطعي, وقد تمسك جمهور الفقهاء في هذا الأمر ~~بظواهر الأحاديث الواردة في طاعة السلطان, وأنه ولي من لا ولي لها من ~~النساء في التزويج, والأحاديث في ذلك كثيرة شهيرة لا حاجة إلى ذكرها, وفي ~~بعضها ما يدل على أن السلطان قد يكون جائرا بلفظ خاص مثل الحديث المرفوع: ~~((وإنما الإمام جنة يتقى بها ويقاتل من ورائه, فإن عدل كان له بذلك أجرا, ~~وإن جار كان عليه بذلك وزر)) رواه البخاري (3). وحديث مسلم (4) وفيه: ((فإن ~~كان PageV02P403 # لله خليفة في الأرض فاسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك)) والحديث الذي ~~فيه: ((أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقنا ويسألونا حقهم؟ قال: أعطوهم ~~حقهم, وسلوا الله حقكم)) (1) ونحو هذا مما يطول ذكره, وبقية الأحاديث تدل ~~على ذلك بإطلاقها, فإن المرجع (2) في تفسير السلطان إلى اللغة. # وأما المعتزلة والشيعة فاحتجوا بالسمع والرأي؛ أما السمع فبعمومات مثل ~~قوله تعالى: ((قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي ~~الظالمين)) [البقرة/124]. وللفقهاء أن يجيبوا في هذه الآية بوجوه: # أحدها: أن الإمامة المذكورة في الآية هي النبوة؛ لأن إبراهيم ... - عليه ~~السلام - سأل لذريته الإمامة التي جعلها الله /تعالى له وهي النبوة. # وثانيها: أن الإمامة التي في الآية مجملة محتملة لإمامة النبوة, ~~PageV02P404 # وإمامة خلافة النبوة, وأدلة الفقهاء المتقدمة نصوص في خلافة النبوة فكانت ~~أخص. # وثالثها: أن الآية من شرع من كان قبلنا, وقد ورد في شرعنا ما يخالفها, ~~وليس يجوز العمل بشرع من قبلنا مع مخالفة شرعنا له إجماعا, وسائر أدلة ~~المعتزلة والشيعة من هذا القبيل؛ إما دليل صحيح في لفظه لكنه ليس بنص, أو ~~دليل نص في المسألة لكن صحته غير مسلمة. # وأما الرأي فقالوا: الإمام راع منصوب للمصلحة, فإذا كان مهلكا للرعية, ~~مفسدا في الأرض, كان المسترعي له مثل المسترعي للذئب على الغنم, ومطفي ~~مشبوب النيران بالضرم. # وللفقهاء أن ms206 يجيبوا عن ذلك بأنهم لم يخالفوا في جواز اختياره, فقد قدمنا ~~نص القاضي عياض على أنه لا يصح نصب الفاسق ابتداء, ولا حرموا الخروج عليه ~~إلا إذا غلب على الظن أن المفسدة في الخروج عليه أعظم من مفسدة ولايته, وقد ~~أجمع العقلاء, وأطبق أهل الرأي على وجوب احتمال المضرة الخفيفة متى كانت ~~دافعة لما هو أعظم منها, ولذلك وجب قطع العضو المتآكل متى غلب على الظن أنه ~~إن لم يقطع سرى إلى الجسد, وكان سبب الهلاك, فبان بهذا أن الفقهاء -أيضا- ~~قد تمسكوا في هذا النص السمعي والرأي العقلي, وسيأتي لهذا مزيد بيان في ### | الفصل الخامس # -إن شاء الله تعالى-. ### | الفصل الرابع: # في بيان أنهم وإن قالوا بصحة أخذ الولاية في المصالح من أئمة الجور؛ فلم ~~يجعلوهم مثل أئمة العدل مطلقا في # PageV02P405 # جميع الأمور, وذلك ظاهر في كتبهم, والذي يدل عليه وجوه: # الأول: أنهم نصوا على اشتراط العدالة والعلم في الإمام. # الثاني: أنه يحرم نصب الإمام الجائر عندهم والرضا باختياره. # الثالث: أنه يحرم على الجائر التغلب على الإمامة ويأثم بها, نص عليه ~~النووي في ((الروضة)). # الرابع: أن الخارج على الجائر لا يكون باغيا كما قدمنا نص النووي على ذلك ~~في ((الروضة)) (1) بل رواه النووي عن العلماء. # الخامس: أنهم منعوا من جواز تسليم بيت المال إليه على سبيل الاختيار؛ فإن ~~الإمام النووي لما ذكر في ((الروضة)) (2) عن الإمام الشافعي -رحمه الله- ~~أنه يقول بميراث ذوي الأرحام, ولا يقول برد ما بقي من مال الميراث على ذوي ~~السهام, ذكر أن ذلك على الصحيح إنما يكون مع استقامة بيت المال بولاية ~~العادل, وأنه متى ولي بيت المال جائر رد بقية المال على الورثة, وورث ذووا ~~الأرحام, ولم يعط الإمام الجائر, قال النووي: وبه أفتى أكثر المتأخرين, وهو ~~الصحيح والأصح /عند محققي أصحابنا ومتقدميهم, قال ابن سراقة (3): وهو قول ~~عامة مشايخنا, وعليه الفتوى اليوم في الأمصار, ونقله صاحب PageV02P406 # ((الحاوي)) عن مذهب الشافعي, قال: ((وغلط الشيخ أبو حامد في مخالفته)) ~~هذا كله لفظ الإمام النووي -رحمه الله-. ms207 # وهو دال على أنهم لا يعتقدون أن للجائر من الحقوق مثل ما للعادل, وكذا ~~قال النووي في ((الروضة)) (1) عن الماوردي أنه قال (2): ((إذا كان العامل ~~جائرا في أخذ الصدقة عادلا في قمستها جاز كتمها عنه ... (1ودفعها إليه, ~~وإذا كان عادلا في الأخذ جائرا في القسمة وجب كتمها عنه (3) وإنما اختص ~~بهذا الماوردي لأن المسألة مفروضة في جور العامل, لا في جور الإمام, ولأن ~~الامتناع من تسليم الصدقات إليهم غير مقدور؛ لأن ذلك يكون سببا في فساد ~~عظيم كما قدمنا. ### | الفصل الخامس # : في بيان عظيم غلط المعترض على الفقهاء, حيث ظن أنهم يصوبون أئمة الجور ~~في قتلهم الذين يأمرون بالقسط من الناس (2وبيان أن الفقهاء إنما قصدوا حقن ~~دماء الذين يأمرون بالقسط من الناس (4) , بل نظروا في مصالح الجميع في ~~الخاصة والعامة, وعملوا بمقتضى قواعد الشريعة في رعاية المصالح, وذلك أنه ~~لا يشك من تأمل أن أكثر الأقطار الإسلامية قد غلب عليها أئمة الجور من بعد ~~انقراض عصر الصحابة؛ فإن الشام ومصر والغرب والهند والسند, والحجاز ~~والجزيرة, والعراقين واليمن, وسائر أقطار المملكة PageV02P407 # الإسلامية ما استدامت فيها دولة حق منذ قرون عديدة, ودهور طويلة, فلا شك ~~أن في هذه الأقاليم من عامة أهل الإسلام عوالم لا يخصون, وخلائق لا ~~ينحصرون, ولا شك أنهم في هذه القرون العديدة, والدهور الطويلة لو تركوا ~~هملا لا يقام فيهم حد, ولا يقضى فيهم بحق, ولا يجاهد فيهم الطغاة, ولا يؤدب ~~منهم العصاة: لفشا الفساد, وتظالم العباد, ومرج أمر المسلمين, وتعطلت أحكام ~~رب العالمين. # وقد علمنا على الجملة أن الله تعالى ما أراد بإقامة الحدود إلا زجر أهل ~~المعاصي, ولا أراد بالجهاد إلا حفظ حوزة الإسلام وإرغام أعاديه من أهل ~~الإجرام؛ فمتى توقفت هذه المصالح على شرط وتعذر تحصيله لم يعتبر ذلك الشرط, ~~وقد ذكر العلماء لذلك نظائر: # منها: نكاح المرأة بغير إذن وليها متى غاب وليها, أو بعد مكانه, أو جهلت ~~حياته, فقد ترك كثير من العلماء شرط العقد المشروع -وهو رضا الولي- لأجل ~~مصلحة امرأة واحدة, ms208 وخوف مضرتها!. # ومنها: /نظرهم في تزويج امرأة المفقود, فكيف بمصلحة عوالم من المسلمين ~~وخوف مضرتهم؟!. # ومنها: الانتفاع باللقطة بعد تعريف سنة لأن المال مخلوق للمنفعة غالبا, ~~فلما تعذر انتفاع صاحبه به انتفع به غيره كي لا يبقى هملا لا نفع فيه, ~~ولهذا قال - عليه السلام - في ضالة الغنم: ((إنما هي لك أو لأخيك أو ~~للذئب)) (1) فزال شرط حل المال, وهو رضا المالك PageV02P408 # لما تعذر, فهذه مصلحة شخصية غير ضرورية, فكيف بالكلية الضرورية!. # ومنها: ما أجمع عليه الصحابة -رضي الله عنهم- من الزيادة في حد الخمر, ~~ففي ((الصحيح)) عن أنس - - رضي الله عنه - قال: ((جلد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في الخمر بالجريد والنعال, وجلد أبو بكر أربعين, فلما ولي عمر ~~دعا الناس فقال لهم: إن الناس دنوا من الريف, فما ترون في حد الخمر؟ فقال ~~عبد الرحمن: نرى أن تجعله كأخف الحدود فجلد فيه ثمانين)). # أخرجه مسلم (1) وأبو داود (2) , وأخرج البخاري (3) وابن ماجه (4) بعضه. # وعن حضين بن المنذر عن علي - رضي الله عنه -: ((جلد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أربعين -وأحسبه قال: وجلد أبو بكر أربعين- وجلد عمر ثمانين وكل ~~سنة وهذا أحب إلي)) أخرجه مسلم (5) , وأبو داود (6) , وابن ماجه (7). ~~PageV02P409 # فجلد الثمانين في الخمر قد شاع في الصحابة واستمر عليه عمل الأمة إلى هذا ~~العصر, مع أنه غير منصوص في كتاب ولا سنة, وإنما عمل به للمصلحة, فدل على ~~إجماع الصحابة ومن بعدهم على جواز العمل بالمصالح ما لم تصادم النصوص. # ومن المعلوم أن أخذ الولاية من أئمة الجور في ممالك الإسلام, وإقامة ~~الحدود, واستخراج الحقوق, والقضاء بين الخصوم: من أعظم المصالح العامة, ~~وآكد الفرائض المهمة, وقد ورد القرآن الكريم بقتل النفس لمصلحة غير كلية, ~~وذلك في قصة يونس - عليه السلام - قال تعالى: ((فساهم فكان من المدحضين)) ~~[الصافات/141] فألقى بنفسه الكريمة لأجل مصلحة أهل السفينة, وإن كان هذا من ~~شرع من قبلنا؛ فالصحيح: أن ما حكاه الله تعالى في كتابنا من ذلك فهو حجة ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - في ms209 قصة كسر سن الربيع بنت معوذ: ((القصاص ~~كتاب الله)) , وهو في ((الصحيح)) (1) ولم يرد السن بالسن في كتاب الله إلا ~~حكاية عن شرع من قبلنا في قوله تعالى: ((وكتبنا عليهم فيها)) الآية ~~[المائدة/45]. # وكذا في ((الصحيح)) (2) مرفوعا: ((من نام عن صلاته أو نسيها فوقتها حين ~~يذكرها)) ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((وأقم الصلاة لذكري)) ~~[طه/14] فاحتج - عليه السلام - بالآية وهي في خطاب PageV02P410 # موسى - عليه السلام - , وفي هذا دليل على أن المصلحة يجوز أن تكون جزئية؛ ~~لأن أهل السفينة بعض المسلمين, ويجوز أن تكون ظنية؛ لأنه لا سبيل إلى العلم ~~بما يقع فيه أهل الإسلام في المستقبل, وقد تكلم غير واحد من العلماء في ~~المصالح /وهذا (المختصر) لا يحتمل التطويل بذكر ذلك, وأحسن من تكلم في ذلك ~~العلامة الكبير عز الدين بن عبد السلام في كتابه ((قواعد الأحكام في مصالح ~~الأنام)). ### | الوهم الثامن عشر: # قدح المعترض على المحدثين بالرواية عن الزهري, وجرح الزهري بمخالطته ~~للسلاطين وإعانتهم على الظلم. # فأما مخالطة السلاطين فقد كانت منه, ومن غير واحد ممن أجمع أهل العلم على ~~عدالتهم وفضلهم, ونبلهم, مثل: الإمام علي بن موسى الرضى, والقاضي أبي يوسف ~~-رحمهما الله تعالى-, ومن لا يأتي عليه العد. # وأما الإعانة على الظلم فدعوى على الزهري غير صحيحة, وقد ذكر العلماء ~~-رضي الله عنهم- ما يجوز من مخالطة الظلمة, وفرقوا بين المداراة والمداهنة. ~~قال القاضي عياض و [المازري] (1) في ((شرح مسلم)): المداهنة: بما كان من ~~أمر الدين, مثل أن يفتيه بغير حق, والمداراة: ما كان من أمور الدنيا. # قلت: الحجج على جواز المخالطة إذا لم يكن معها معصية ظاهرة, ولنذكر منها ~~وجوها. PageV02P411 # الوجه الأول: الحديث الصحيح, والنص الصريح, وهو قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - في أئمة الجور: ((فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم, وأعانهم على ~~ظلمهم فليس مني, ولست منه, وليس بوارد علي الحوض يوم القيامة, ومن غشيها أو ~~لم يغشها, فلم يصدقهم في كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وهو ~~وارد علي ms210 الحوض يوم القيامة)) رواه الترمذي في موضعين من ((جامعه)) (1) ~~بإسنادين مختلفين, أحدهما: صحيح وعليه الاعتماد, والثاني: معلول (2). # ومن ذلك ما روى أبو داود (3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أنه نهى ~~عن المسألة إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان)) والمسألة لا تمكن إلا بضرب من ~~المخالطة. PageV02P412 # الوجه الثاني: قوله تعالى: ((لا ينهاكم الله عن الذين يقاتلونكم في الدين ~~ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)) ~~الآية [الممتحنة/8] , وعمومها وسبب نزولها يستلزم جواز المخالطة ونحوها, ~~وقد بينت ذلك في ((الأصل)) (1). # الوجه الثالث: قصة يوسف - عليه السلام - ومخالطته لعزيز مصر وقوله: ~~((اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم)) [يوسف/55] وقد تقدم الكلام على ~~ما يتعلق بشرع من قبلنا (2) , وقد بسطت الكلام في هذه المسألة في ((الأصل)) ~~(3) في قدر كراس ونصف أو يزيد, وأوضحت غلط المعترض في هذه المسألة, وبينت ~~جلالة الزهري واجتهاده واعتداد العلماء بخلافه, وقبول أصحاب المعترض ~~لحديثه, واحتجاجهم بروايته ولله الحمد. # الوهم التاسع عشر: روى قصة ليحيى بن عبد الله بن الحسن ... -رضي الله ~~عنهم- مع أبي البختري وهب بن وهب القاضي المدني, والقصة مشتملة على شهادة ~~/زور وقعت بأمر هذا القاضي مع جماعة كثيرين, وقدح (4) بذلك في المحدثين وفي ~~صحة حديثهم, وهذا غلو وإسراف في التهويل والإرجاف, لأنه لا ملازمة بين رواة ~~الحديث وبين جماعة شهدوا زورا في واقعة معينة, إلا أن يذكر المعترض من ~~PageV02P413 # شهد تلك الشهادة من رواة الحديث, مع أن في كلام المعترض ما ينقض حجته, ~~فإنه ذكر أنهم خافوا من هارون الرشيد إن لم يشهدوا, والخوف من سطوة أئمة ~~الجور يبيح كلمة الكفر, كيف شهادة الزور؟! قال الله تعالى: ((إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان)) [النحل/106] على أن هذه القصة التي أشار إليها غير ~~معلومة الصحة, ولا رواها بإسناد صحيح, وهي أحقر من أن تجاب, لولا محبة الذب ~~عن أهل السنة (1) , وهداية من يغتر بمثل هذه الشبهة. # الوهم الموفي عشرين: وهم المعترض أن أبا البختري وهب بن وهب ابن [كبير] ~~(2) القاضي ms211 القرشي المدني, من رواة الصحاح, وقد ذكرت في ((الأصل)) (3) ~~اتفاق علماء الحديث على جرحه, وتصريحهم في كتب الرجال بتكذيبه, ونقلت كلام ~~العلامة أبي عبد الله الذهبي فيه في كتاب ((ميزان الاعتدال, في نقد ~~الرجال)) (4) وقد وهم المسكين أنه من رواة الترمذي, وليس كذلك, وإنما روى ~~الجماعة عن أبي البختري سعيد بن فيروز الطائي التابعي الجليل الراوي عن علي ~~- رضي الله عنه - وهما مختلفان نسبا واسما, وصفة وزمانا, كما PageV02P414 # أوضحته في ((الأصل)) (1). # قال: ((الوجه الرابع: مما يدل على أن في أخبار كتبهم التي يسمونها الصحاح ~~ما هو مردود: أن في أخبار هذه الكتب ما يثبت التجيسم والجبر والإرجاء ونسبة ~~ما لا يجوز إلى الأنبياء, ومثل ذلك يضرب به وجه راويه, وأقل أحواله أن يكذب ~~فيه)) إلى آخر كلامه في هذا الفصل. # أقول: هذا مقام وعر قد تعرض له المعترض وأبدى صفحته, ورام أن يكذب الرواة ~~فيما (2) لم يفهم تأويله, وهذا بحر عميق لا يمكن (3) ركوبه إلا في سفين ~~البراهين القاطعة, وليل بهيم لا يحسن مسراه إلا بعد طلوع أهلة الأدلة ~~الساطعة, وسوف أجيب على ما ذكره, وأذكر من حججه ما سطره, وقد استوفيت ~~الجواب في ((الأصل)) (4) وأشبعت الكلام في هذا الفصل, وذكرت من المقدمات ~~ومراتب التأويل ما لا يسع الخائض في علم الحديث جهله, وسوف أشير إلى عيون ~~يسيرة من ذلك: # المقدمة الأولى: كل ما خالف الأدلة القاطعة العلمية من الأحاديث الظنية ~~في متنها, أو في معناها وجب العمل بالقطعي دون الظني إجماعا, وفيه تنبيهان: ~~PageV02P415 # الأول: أن كثيرا من المتكلمين يظن في بعض الشبه دليل قطعي, فيخالف الحديث ~~الصحيح لذلك, معتقدا فيمن عمل بالحديث أنه يقدم الظن على العلم, وهذا جهل ~~مفرط, فليس في العقلاء -دع عنك المسلمين- من يقدم المظنون على المعلوم. # الثاني: أن كثيرا ممن لا يعرف الحديث ويمارس علومه يظن في بعض الأحادث ~~أنها ظنية وهي متواترة تواترا (1) لفظيا /أو معنويا, فليحترز الحاذق من ~~الوقوع في ذلك. # المقدمة الثانية: أن التأويل المتعسف مردود, وفيه تنبيهان: # أحدهما: أن الحكم بأنه ms212 متعسف صعب لا يتمكن من معرفته إلا الراسخون في ~~العلم. # وثانيهما: أنه لا يلزم من رد بعض التأويلات القطع بأنه لا تأويل للحديث ~~غير متعسف, فإنه قد يأتي بعض البلداء فيتعرض للتأويل؛ [فيقع] (2) ذهنه على ~~تأويل رديء مردود فيحسب (3) هو أو غيره ممن يقف على تأويله أنه لا تأويل ~~للحديث إلا ذلك, فإذا انكشف بطلان ذلك التأويل تطرقوا في ذلك إلى القدح في ~~الحديث, وهذا باطل! فإن أقصى ما في الباب: أن يطلب المتأول تأويلا صحيحا ~~فلا يجد, لكن عدم الوجدان في النظر لايدل على عدم المطلوب من الوجود, وذلك ~~PageV02P416 # لأن الباحث عن التأويل إما أن يكون من العلماء أو لا. والثاني: ليس له أن ~~يتأول قطعا, والأول: إما أن يكون من الراسخين في العلم أو لا. الثاني: ليس ~~له أن يتأول ظاهرا؛ لأن الله تعالى لم يجعل ذلك له, في جميع أقوال المفسرين ~~لقوله تعالى: ((وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا ~~به)) [آل عمران/7] وأما الأول -وهم الراسخون في العلم- فأما أن يكون الجاهل ~~بالتأويل بعضهم أو كلهم؛ إن كان بعضهم فلا مانع منه؛ لأن لم تثبت العلم ~~بالتأويل لبعضهم بنص ولا ظاهر, كما أن آيات الإجماع لم تثبت حرمة مخالفة ~~بعض الأمة (1). # ويدل عليه أن الراسخين من جميع الفرق يختلفون في التأويل على وجوه ~~متنافية, فلو كان الواحد منهم لا يجوز عليه الخطأ في التأويل لم يصح ذلك, ~~ولم يكن لمن بعده مخالفته, ويدل عليه: أن موسى الكليم من الراسخين إجماعا ~~مع أنه ما عرف تأويل ما احاط الخضر بتأويله, فكيف يحيط غير الكليم بعلم ~~الله؟ مع أن علم الكليم والخضر في علم الله تعالى, كما يأخذ الطائر بمنقاره ~~من البحر, كما قال الخضر - عليه السلام - (2) , وإن كان الجاهل بالتأويل ~~كلهم فههنا يظهر الخلاف في معنى الآية, والظاهر أنه لا يعلمه إلا الله ~~تعالى, لقوله تعالى في هذه الآية في ذم الذين في قلوبهم زيغ: ((ابتغاء ~~الفتنة وابتغاء تأويله)) [آل عمران/7] وقد تأولها المخالفون بأن ms213 المراد ~~ابتغاء تأويله الذي يوافق أهوائهم, فجعلوها من المتشابه, مع أن المرجع ~~PageV02P417 # إليها في الفرق بين المتشابه والمحكم وهذا بعيد, وهو أيضا تأويل بغير ~~دليل قاطع, فلا مانع من ورود السمع بالنهي عن تأويل المتشابه, سواء كان ~~الراسخون متمكنين (1) من معرفته أو لا. # وأما قولهم: إنه يلزم من ذلك نسبة العبث إلى الله تعالى؛ فغلط واضح, فإن ~~العبث ما لاحكمة فيه, وليس الحكمة مقصورة على معرفة التأويل, فإن الإيمان ~~بالتنزيل, والتعظيم له والتجليل, حكمة بالغة, وكذلك الإيمان بمراد الله ~~تعالى على سبيل الجملة فيه تكليف. مع أنه يقال لهم: إما أن توجبوا على جميع ~~المكلفين بذلك فهذا باطل بالقرآن والاتفاق, أما القرآن فالآية المقدمة, ~~وأما الإجماع فهو منعقد /على سقوط ذلك عن العامي والعجمي, بل على تحريمه ~~عليهما, وإذا كان علم البعض بالتأويل يكفي فلعل علم الملائكة والأنبياء ~~بذلك كاف, فمن أين يلزم ما زعم بعض المعتزلة من استلزم ذلك للعبث في حقه جل ~~وعلا, وقد حكى القاضي عياض في كتابه ((المعلم بفوائد شرح مسلم)) (2): أن ~~قوله تعالى في هذه الآية: ((والراسخون في العلم)) من المتشابه المحتمل؛ ~~وهذا أيضا بعيد لما قدمنا ذكره ولنقل الفراء للوقف على اسم الله تعالى, ~~ولأن قوله تعالى في الثناء عليهم: ((يقولون آمنا به كل من عند ربنا)) , ~~مناسب لإيمانهم بمراد الله تعالى على سبيل PageV02P418 # الجملة, وليس فيه مناسبة لمعرفتهم للتأويل على التفصيل, والعمدة في ذلك ~~ما قدمنا من ذمه تعالى لمن ابتغى تأويله ونصه (1) على أنه صفة الذين في ~~قلوبهم زيغ, والله أعلم. ### | المقدمة الثالثة: # أن المتشابه من القرآن ليس هو المجاز. لأن المجاز وقت نزول القرآن معروف ~~عند [أجلاف] (2) العرب وعباد الأصنام, وكل عربي اللغة من مسلم وغيره, ~~والمتشابه بخلافه, ألا ترى أن كل أحد منهم يعرف معنى قوله تعالى: ((واخفض ~~لهما جناح الذل من الرحمة)) [الإسراء/24] ونحو ذلك. فإن قلت: فما المتشابه؟ ~~قلت: عندي أنه ما [لا] (3) تدرك العقول معرفته, وهو قسمان: # أحدهما: ما لا تعرفه العقول من حكمة الله تعالى, مثل ms214 خلق من المعلوم أنه ~~من أهل النار, وعنه وقع سؤال الملائكة والإجمال في الجواب عليهم. # وثانيهما: ما لا تدركه العقول إلا بالسمع, مثل كلام السماء والأرض ~~والنملة ونحو ذلك مما ورد في السمع, والقسم الأول أصعب, والدليل على أنه من ~~المتشابه المحتاج إلى التأويل: قوله تعالى في قصة موسى والخضر -عليهما ~~السلام-: ((سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا)) [الكهف/78] والدليل في ~~هذه الآية واضح على ما ذكرته. والله أعلم. PageV02P419 ### | المقدمة الرابعة: # في الإشارة إلى القرائن الدالة على التجوز في الكلام وهي ثلاث: عقلية ~~وعرفية ولفظية. # مثال العقلية: قوله تعالى: ((وسئل القرية التي كنا فيها والعير)) ~~[يوسف/82] فإن العقل يدرك أن سؤال القرية والعير لا يصح فيفهم أن المراد ~~أهلهما. # ومثال العرفية: قول القائل: بنى السلطان سور المدينة, فإن مباشرة السلطان ~~لنقل الحجارة والتراب غير محال في العقل ولكنه ممتنع في العادة والعرف, ~~فيفهم من ذلك: أن السلطان أمر بذلك. وما يجري مجراه, ومنه قوله تعالى: ((يا ~~هامان ابن لي صرحا)) [غافر/36] أي مر من يبني, لأنه لم يكن ممن يباشر مثل ~~ذلك. # وأما اللفظية: فمثل: أسد شاكي السلاح, أو حسن الثياب, أو نحو ذلك. ومنه ~~قوله تعالى: ((الله نور السماوات والأرض مثل نوره)) [النور/35] فقوله: ~~((مثل نوره)) قرينة لفظية تدل على أنه تعالى ليس بنور في ذاته, وإنما هو ~~خالق النور, وأن معنى ((الله نور السماوات والأرض)) منورهما. وكذلك قوله ~~تعالى: ((يهدي الله لنوره من يشاء)) فإنه قرينة لفظية /تدل على أن النور ~~المذكور في الآية نور الهدى والعلم لا نور الشمس والقمر. # وكل مجاز لم يدل على المراد منه أحد هذه القرائن الثلاث, لم يصح التجوز ~~به في لغة العرب بإجماع علماء المعاني والبيان وأئمة هذ الشأن, فإذا عرفت ~~ذلك فاعلم أن القرينة العقلية إنما يصح الاستدلال # PageV02P420 # [على التجوز] (1) بها متى كان العقل يقطع على أن المتكلم ممن لا يصح منه ~~إرادة ظاهر كلامه, فلهذه النكتة يختلف الاستدلال بها: فيصح في مواضع فيما ~~بين الناس ولا يصح مثله ms215 في كلام الله تعالى, وكلام رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - , مثال ذلك: أنا نفهم التجوز في قول الشاعر: # شكا إلى جملي طول السرى يا ... جملي ليس إلي المشتكى (2) # وذلك لأن العادة جرت أن العجماوات لا تكلم الناس, فأما ما روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إن هذا الجمل شكا علي أنك تجيعه ~~وتدئبه)) (3) فلا يفهم منه التجوز؛ لأنا لم نعلم ولا نظن امتناع الظاهر في ~~حقه - صلى الله عليه وسلم - , بل يجوز مثل ذلك لكبار أولياء الله تعالى ~~وخواص عباده الصالحين نفع الله بهم. ومن ههنا اختلف كثير من المحدثين ~~والمعتزلة في تأويل كثير من الأحاديث والآيات مثل قوله تعالى: ((وإن من شيء ~~إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم)) [الإسراء/44]. فالمعتزلة حملوه ~~على المجاز لظنهم أن الظاهر لا يصح, وأهل الحديث لم (4) يتأولوه, لقطعهم ~~على أنه لا مانع من صحة الظاهر, بالنظر إلى قدرة الله تعالى وعلمه, فإنه ~~تعالى قادر على إنطاق كل شيء PageV02P421 # بالإجماع من المعتزلي والمحدث, وقد ورد في القرآن: ((علمنا منطق الطير)) ~~[النمل/16] وكلام الهدهد والنملة مع سليمان - عليه السلام - وتسبيح الجبال ~~مع داود ... - عليه السلام - وورد في السنة من ذلك ما لا يتسع له هذا ~~المكان, مثل: حنين الجذع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وتسبيح ~~الحصى في يده الشريفة, وقد ذكر القاضي عياض -رحمه الله تعالى- جميع ذلك في ~~كتابه ((الشفاء)) (1) وقسمه في ثلاثة فصول بعضها في كلام الحيوانات من ~~العجماوات, وبعضها في كلام الشجر, وبعضها في كلام سائر الجمادت. # فإذا تقرر هذا؛ فاعلم أن عامة أهل الأثر لما رأوا هذا داخلا في قدرة الله ~~تعالى, لم يتأولوا شيئا مما ورد من ذلك مثل قوله تعالى: ((قالتا أتينا ~~طائعين)) [فصلت/11] وليس يلزمهم من هذا أن يسبح كل جزء من الأجسام اللطيفة ~~مثل ورقة التين والقلم والسواك, بل إذا سبحت الأرض والسماء ونحوهما فقد صدق ~~أنه يسبح لله تعالى كل شيء مثل ما أنه يصدق أنه قد سبح لله تعالى كل ms216 شيء, ~~من جنس الملائكة والأنبياء والمؤمنين, وإن لم يسبح منهم كل شعرة على ~~انفرادها, على أنه تعالى قادر على إنطاق كل جزء لطيف, فأصل الخلاف في تأويل ~~هذه الآية وأمثالها على هذه النكتة التي أشرت إليها, وقد يتوقف المحدث في ~~استحالة أمور عقلية وهي ظاهرة الاستحالة عند أهل النظر في العقليات مثل ~~حديث: ((إنه يؤتى بالموت PageV02P422 # على صورة كبش يوم القيامة/فيذبح)) (1) فمن لم يكن له أنس بعلم العقل لم ~~يقطع باستحالة ظاهر هذا, فربما أجراه على ظاهره, وربما توقف في معناه, وأما ~~أهل الكلام فظاهره محال (2) عندهم فيجب تأويله؛ لأن الموت عندهم إما عرض أو ~~عدم عرض, وكل ذلك لا يصح أن ينقلب حيوانا وإنما تاويله عندهم: أن ذلك يخيل ~~إلى أهل الجنة كما يخيل إلى النائم أشياء لا حقيقة لها, أو يضرب ذكر ذلك ~~مثلا لثقتهم بالخلود, وأمانيهم من الموت كما يجري مثل ذلك في ألسنة ~~البلغاء, ومن ذلك قول شيخ التصوف ابن الفارض نفع الله به (3): # وقالوا جرت حمرا دموعك قلت عن ... أمور جرت في كثرة الشوق قلت # نحرت لطيف السهد في جفني الكرى ... قرى فجرى دمعي دما فوق وجنتي (4) # والخطر في تأويل مثل هذا والتوقف فيه يسير, ولكن قد يعرض من بعض ~~المتكلمين سخرية واستهانة [بمن] (5) خالفهم في تأويل هذا PageV02P423 # الجنس من أهل الأثر, وهذا قبيح ممن فعله؛ لأن البحث عن هذا وإن كان من ~~جليات علم المعقول, فإنه لا يجب البحث عنه على كل مسلم, بل ترك البحث عنه ~~سنة عند أهل الحديث, داخلة في عموم ما ورد من [الحث] (1) على الاقتداء ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبأصحابه -رضي الله تعالى عنهم- والوقف ~~في التأويل مع عدم العلم بالموجب له هو الواجب, ومن فعل الواجب لا تحل ~~غيبته, ولا تسقط حرمته, بل من اعتقد الظاهر لأنه يظن ذلك, وقدرنا أنه أخطأ ~~لم يأثم ولم تحل غيبته؛ لأن المسلم قد يخطىء, وليس كل أمر جلي في العقل يجب ~~على المسلمين النظر فيه, فإن من الجليات عند أهل ms217 علم المعقول صحة قولنا: ~~إذا صدق أن كل (ألف باء) وجب بالضرورة أن بعض (الباء ألف) , وهذا وإن كان ~~علما ضروريا عند من عرف مقصدهم؛ فإنه لا يلزم المسلمين أن يعرفوه, ولا ~~يستحق جاهله الاستهانة والسخرية, فقد جهله خير أمة أخرجت [للناس] (2) , وقد ~~قدمنا أن أهل علم الأثر لم يتركوا الخوض في ذلك لتبلد (3) أذهانهم عن فهمه, ~~ولا لقصور عقولهم عن علمه -فهم أهل الفطن الوقادة والفكر النقاد- ولكنهم ~~كرهوا الابتداع ورغبوا إلى الاتباع, وعضوا النواجذ على الاقتداء بالخلفاء ~~الراشدين كما أوصاهم بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وقد أوضحت ~~هذا في (الوهم الثاني عشر) فخذه من هنالك (4). PageV02P424 # المقدمة الخامسة: في ذكر ترجيح التأويل على التكذيب فيما وجب تأويله من ~~أحاديث الصحاح التي ذكرها المعترض, وترجيح ذلك يظهر بذكر مرجحات: ### | المرجح الأول: # أن القطع أنهم تعتمدوا الكذب [فيها] (1) يؤدي إلى بطلان أمر مجمع على ~~صحته, وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل, وقد تقدم الكلام على إجماع طوائف ~~الإسلام على الرجوع إلى المحدثين في علم الحديث, والاحتجاج بما رواه أئمتهم ~~في مصنفاتهم, فلا حاجة إلى إعادة ذلك. ### | المرجح الثاني: # قوله تعالى: ((ولا تقف ما ليس لك به علم)) [الإسراء/36]. والقول بأن ثقات ~~الرواة قد تعمدوا الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - /مما ليس ~~لأحد به علم, ومن قطع بذلك؛ فقد قطع بغير تقدير, ولا هدى, ولا كتاب منير, ~~وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن تكذيب أهل الكتاب في حديثهم ~~خوفا من تكذيب الصدق ورد الحق, فإن الكافر قد يصدق, فهذا في حق اليهود ~~القوم البهت, فكيف بثقات المسلمين وأئمة الدين؟! ### | المرجح الثالث: # أن الخطأ في القبول أهون من الخطأ في الرد والتكذيب؛ لأنا متى أخطأنا في ~~القبول كان تصديقا للنبي - صلى الله عليه وسلم - موقوفا على شرط صحة الحديث ~~عنه, ومتى أخطأنا في التكذيب كان تكذيبا لكلامه متى صح أنه كلامه, والتصديق ~~الموقوف بالضرورة, أقصى ما في الباب: أن يكون الخطأ في القبول PageV02P425 # كذبا عليه ms218 والخطأ في الرد تكذيبا لكلامه, لكن عمد الكذب عليه فسق وعمد ~~التكذيب كفر, والخطأ فيما عمده كفر, وهذا من ألطف المرجحات وخفيات المدارك ~~النظريات. ### | المرجح الرابع: # أن القطع على الرواة بتعمد الكذب تفسيق لهم, والتأويل تصديق لهم, وتصديق ~~المسلمين أولى من تفسيقهم لوجهين: # أحدهما: أن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة. # وثانيهما: أنه يخاف على من فسق مسلما أن يرجع الفسق عليه, فقد ورد في ~~((الصحيح)) (1): أن من دعا أخاه بالفسق وليس كذلك, [حار] (2) عليه, أو كما ~~ورد. ### | المرجح الخامس: # أنا وجدنا في كتاب الله تعالى شواهد لجميع ما أنكرته المبتدعة من أحاديث ~~الصحاح كما أوضحته في ((الأصل)) (3) كما يأتي فيما نذكر تأويله إن شاء الله ~~تعالى. # المقدمة السادسة: في الإشارة إلى مراتب التأويل والتصديق, PageV02P426 # وقد ذكرت في ((الأصل)) (1) من ذلك ست مراتب وطولت القول فيها, وقد رأيت ~~الاقتصار في هذا (المختصر) على ذكر ثلاث مراتب. ### | المرتبة الأولى: حمل الكلام على التخيل # وهو رؤية مثال الشيء في اليقظة, وهو كالمنام, إلا أنه يكون في اليقظة, ~~والأشعرية يجوزون هذا, والمعتزلة تنكره إلا في حال النوم, وعند تغير العقل ~~من مرض أو غيره, ومن جوزه يحتج له بأمور: # أولها: قوله: ((فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءو بسحر ~~عظيم)) [الأعراف/116] وقوله تعالى: ((يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى)) ~~[طه/66] وهذا مع نص القرآن عليه معلوم من أحوال السحرة وخواص السحر, وفيه ~~دليل على صحة (2) ما أنكرته المعتزلة من رؤية ما لا وجود له في الحقيقة مع ~~صحة العقل. # وثانيها: أن ذلك من العلوم الضرورية التجريبية المتواترة عن أرباب ~~الرياضيات وملازمة الخلوات, فإنهم يرون في اليقظة مثل ما يرى الناس في ~~النوم, ويسمعون مخاطبات من غير رؤية مخاطب, وقد ذكر الفخر الرازي في ~~((المفاتيح)) أن هذا مما اعترفت به الفلاسفة / ولم تنكره, وإنما وقع النزاع ~~في ماهية ذلك, فأما جحده فعناد ودفع للضرورة, وفيه ما يدل على بطلان قول ~~المعتزلة. # وثالثها: أنه قد ثبت بالضرورة أن العاقل المستيقظ قد يتخيل الشيء ms219 الواحد ~~اثنين, ويتخيل المستقيم معوجا, كما يتخيل العود في PageV02P427 # الماء, وهذا مما وافقت عليه المعتزلة, وهو يدل على جواز ما ذكرناه من صحة ~~تخيل العاقل لما لا وجود له؛ لأن كل ذلك بصر كاذب في حال الصحة واليقظة؛ ~~وإنما كذب بخلل وقع وعذر اتفق. # وهذه المرتبة الأولى من مراتب التأويل, ذكرها أبو حامد الغزالي وجعل منها ~~حديث رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام, وهذا المثال غير مطابق؛ ~~لأن الكلام في حال اليقظة غير (1) المنام, وكذلك أهل السنة فإنهم قد تأولوا ~~أشياء بهذا التأويل, ولكن بشرط المنام كما قالوا في حديث حماد بن سلمة عن ~~قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه عز ~~وجل على تلك الصفة المنكرة, وقد ذكره الذهبي في ترجمة حماد في كتاب ~~((الميزان)) (2) وساق طريقه ثم قال: ((فهذه الرؤية إن صحت رؤية منام)). # ومما جاء التصريح في متن الحديث بأنه كان في المنام قول أنس مرفوعا في ~~حديث المعراج: ((ثم دنا الجبار تعالى فتدلى, فكان قاب قوسين أو أدنى)) (3). ~~PageV02P428 # ومنه ما رواة الترمذي (1) من حديث عبد الرحمن بت عائش - رضي الله عنه - ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أتاني ربي في هذه الليلة فقال لي: ~~أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى)) , فقد جاء في الحديث ما يدل على أن هذا كان ~~في المنام, فهذا كله متعلق بالمنام. # وأما ما ورد من ذلك عن النبي صريحا في اليقظة, وهو على سبيل التخيل؛ فلا ~~أعلم أهل الحديث ذكروا من ذلك شيئا, إلا ما ذكره ابن قتيبة في حديث موسى - ~~عليه السلام - وأنه فقأ عين ملك الموت - عليه السلام - كما سيأتي تحقيقه. ~~قال ابن قتيبة (2): ((أذهب موسى العين التي هي تخييل وتمثيل وليست حقيقة ~~خلقته, (2وعاد ملك الموت إلى حقيقة خلقته (3) الروحانية كما كان لم ينقص ~~منه شيء)) فهذا أكثر ما وجدت لأهل الحديث من التأويل بهذا الوجه, مع أنه لم ~~يجعله من صريح هذا الوجه ولو جعله منه لقال: إن موسى ms220 في الحقيقة ما فقأ ~~عينا قط, وإنما خيل إليه ذلك, فإن كان قصد هذا فقصرت عبارته عن مراده. # وقد جاء في الأحاديث ما هو صريح في جواز وقوع هذا الوجه, ولكنه ورد على ~~جهة التصريح من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا على جهة التأويل ~~PageV02P429 # من المحدثين, /فلهذا لم أعده من التأويل. # وكذلك حديث: رؤية الناس للنار والماء مع الدجال, وأن ناره ماء وماءه نار, ~~وهو حديث صحيح متفق على صحته من غير طريق. # وفي حديث حذيفة المتفق على صحته (1): ((فأما الذي يرى الناس أنه نار فماء ~~بارد, وأما الذي يرى الناس أنه ماء فنار تحرق, فمن أدرك ذلك منكم فليقع في ~~الذي هو نار فهو ماء عذب بارد)). # وكذا في الحديث الطويل الثابت صفة القيامة: ((فيتمثل لكل فرقة معبودها ~~فتتبعه حتى يقدم بها في النار ويتمثل لمن كان يعبد عيسى فيتبعها حتى تقذفه ~~في النار)) وهو ثابت في ((الصحيح)) (2). # وقد جعل الغزالي من هذا القبيل حديث رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~للجنة والنار وهو يصلي بأصحابه صلاة الكسوف, وهو متفق على صحته (3) , ولكن ~~الغزالي بنى تأويله على أنه ورد في الحديث: أن الجنة والنار عرضا على رسول ~~- صلى الله عليه وسلم - في عرض حائط, قال: وهو يستحيل أن يتسع الحائط لهما ~~على تقدير الوجود الحقيقي. # قلت: ولم أجد هذه الزيادة التي ذكرها في الكتب الستة PageV02P430 # (1) , ولكن ذكرها ابن الأثير في ((النهاية)) (2) , ولا شك أنه قد يذكر ~~الحديث الضعيف في ((النهاية)) (3) فإذا صحت فهي مثال حسن في هذا المعنى, ~~وإذا لم تصح فلا مانع على قواعد أهل الحديث من رؤيتها على الحقيقة, وهذا ~~باب واسع يتركب عليه في التأويل أمور كثيرة عند من يرغب إلى التأويل, والله ~~سبحانه أعلم. ### | المرتبة الثانية: حمل الكلام على المجاز اللغوي # , وأكثر التأويل يدور عليه, وفيه: الجلي (4) والدقيق والقريب والعميق, ~~والمجاز: مرسل واستعارة, فالمرسل: الذي علاقته غير المشابهة كاليد في ~~القدرة والنعمة, وله أقسام كثيرة, والاستعارة: حيث تكون العلاقة هي ~~المشابهة, وهي مطلقة ms221 ومجردة ومرشحة, فالمطلقة: التي لا تتبع بصفات المشبه ~~ولا بصفات المشبه به, والمجردة: التي تتبع بصفات المشبه مثل: أسد شاكي ~~السلاح, والمرشحة: التي تتبع بصفات المشبه به مثل قوله (5): # * له لبد أظفاره لم تقلم * # وقرائن المجاز ثلاث: عقلية وعرفية ولفظية, كما مر تمثيلها في PageV02P431 # المقدمة الرابعة. # فإذا عرفت هذا؛ فاعلم أن القرينة متى (1) كانت معروفة عند المتخاطبين, ~~[أو] (2) عليها دليل قاطع يوجب اليقين حسنت المبالغة في التجوز ولم يدخل في ~~باب التعمية للمراد والإلغاز في الخطاب, هذ عند المتكلمين, وسواء كان ~~القاطع جليا أو خفيا, وعند أهل الحديث: متى كانت القرينة معروفة عند ~~المتخاطبين حسن /التجوز وزال الإشكال. والسر كله في هذه النكتة هي: ظهور ~~القرينة وخفاؤها, وعلى ذلك يدور الخلاف بين المتكلمين والمحدثين في كثير من ~~التأويل, فإن المتكلمين يجعلون قرينة التجوز في كثير من آيات الصفات ~~وأحاديثها عقلية, وإذا سألتهم عنها أحالوا في ثبوت تلك القرينة العقلية على ~~النظر في دقائق معارف علم المعقول التي نازعهم في صحتها من شاركهم في ~~المعرفة بالعقليات لدقتها وغموضها, فكيف يتقدر أن الصحابة ومن عاصرهم من ~~العرب عرفوها؟ # ومن مارس علم النظر وعلم التاريخ حصل له من مجموعهما علم ضروري بخلو أهل ~~ذلك العصر الأول عن تلك المعارف, فأشكل الأمر حينئذ على المتكلمين, لأنهم ~~إن قالوا: إن أهل ذلك العصر الأول تأولوا من غير دليل, وقالوا بالتجوز من ~~غير قرينة فهذا لا يجوز, وهو يفتح باب القرمطة ومذهب الباطنية المجمع على ~~بطلانه, وإن PageV02P432 # قالوا: إن أهل ذلك العصر يعرفون هذه الأدلة التي ألجأت أهل الكلام إلى ~~التأويل فذلك عناد يعلمه الخاصة من أهل ذلك العصر, وهذا الثاني هو الذي ~~يركبه المتكلمون, فإنهم يدعون مشاركة الصحابة في المعارف العقلية على سبيل ~~الجملة, وقد تكلم الرازي في رد ذلك بأن المعرفة الجملية غير صحيحة؛ لأن ~~البرهان متى تركب من عشر مقدمات استحال من العارف أن يزيد في مقدماته مقدمة ~~واحدة, واستحال من القاصر أن ينتج له العلم بمعرفة تسع مقدمات, وكلامه هذا ~~حق لا ms222 محيص عنه, فأما أن يدعي المتكلمون مشاركة الصحابة في علم الكلام على ~~سبيل التفصيل فهذا عناد عظيم, أو يدعون المشاركة فيه على سبيل الجملة فهذا ~~عذر غير مستقيم (1) , فلهذا التجأ أهل الحديث إلى الإيمان الجملي, وترك ~~الخوض مع الخائضين في بحار التأويل, وسيأتي لهذه النكتة مزيد من بيان, وقد ~~مر من ذلك طرف صالح أيضا. # وفائدة هذا الكلام: أن تعرف أن القرينة متى ظهرت وعرفها المتكلم والسامع ~~لم يختلف أهل اللغة في حسن التجوز, وهنا يتوافق المحدث والمتكلم, بل يكون ~~تناسي التشبيه أبلغ وأفصح, فإذا وصفت زيدا بأنه أسد, جاز أن تنسب إليه جميع ~~صفات الأسد كما في قوله: # لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم (2) PageV02P433 # فوصف الرجل بصفات الأسد من اللبد وطول الأظفار, وكذلك لو أنك وصفت الرجل ~~الشجاع بجميع صفات الأسد وأسمائه, وذكرت محله وأشباله /ما ازداد المجاز إلا ~~حسنا, ولم يكن ذلك مما يصعب تأويله في لغة العرب أبدا. # قال علماء المعاني: ولأجل البناء على تناسي التشبيه صح التعجب في قوله: # قامت تظللني من الشمس ... نفس أعز علي من نفسي # قامت تظللني فواعجبا (1) ... شمس تظللني من الشمس # ولذلك صح النهي عن التعجب في قوله: # لا تعجبوا من بلى غلالته (2) ... قد زر أزراره على القمر (3) # قالوا: ولهذا يبنى على علو القدر ما يبنى على علو المكان مثل قوله: # ويصعد حتى يظن الجهول ... بأن له حاجة في السماء (4) # كل هذا ذكره علماء المعاني والبيان, وقد رأيت تأكيد ما ذكروه PageV02P434 # بذكر جملة صالحة مما رود في هذا المعنى مطابقة لمقتضى الحال, فإن مقتضاه ~~المبالغة في كشف عطاء البيان, لإنكار المعترض إمكان التأويل في بعض ~~الأحاديث التي لم تبلغ في التجوز مرتبة كثير مما نورده من كلام البلغاء, ~~وإنما وقع التفاوت في ظهور القرينة الدالة على التجوز في نفس الأمر. # فمن ذلك ما ذكره الزمخشري -رحمه الله- في ((كشافه)) (1) في تفسير قوله ~~تعالى: ((أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم)) ~~[البقرة/16] فإنه تكلم في هذا لما يشهد بما ms223 ذكرته فقال ما لفظه: ((فإن قلت ~~هب أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا في معنى الاستبدال؛ فما معنى ذكر ~~الربح والتجارة كأن ثمة مبايعة على الحقيقة؟ # قلت: هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا, وهي: أن ~~تساق كلمة مساق المجاز ثم تقفى بأشكال لها وأخوات إذا تلاحقن لم تر كلاما ~~أحسن ديباجة وأكثر ماء ورونقا منه, وهو المجاز المرشح, وذلك نحو قول العرب ~~في البليد: كأن أذني قلبه خطلاوان (2) , جعلوه كالحمار ثم رشحوا ذلك روما ~~لتحقيق البلادة؛ فادعوا لقلبه أذنين وادعوا لهما الخطل, ليمثلوا البلادة ~~تمثيلا يلحقها ببلادة الحمار مشاهدة معاينة, ونحوه: PageV02P435 # ولما رأيت النسر عز ابن دأية (1) وعشش في وكريه جاش له صدري # لما شبه الشيب بالنسر, والشعر الفاحم بالغراب, أتبعه ذكر التعشيش ~~والوكر)) إلى آخر كلامه في هذا, وأنشد في غير هذا الموضع في [((كشافه))] ~~(2): # ينازعني ردائي عبد عمرو ... رويدك يا أخا عمرو بن بكر # لي الشطر الذي ملكت يمين ... ودونك فاعتجز منه بشطر # قال: أراد بردائه سيفه (3) , ثم قال: فاعتجز منه بشطر, فنظر إلى المستعار ~~في لفظ الاعتجار)) انتهى كلامه. # ومن ذلك قوله تعالى: ((يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم)) [الصف/8] فذكر ~~الأفواه ترشيحا لذكر الإطفاء, ومن مطربات الترشيح قول المعري (4): # وسألت كم بين العقيق وبارق ... فعجبت من بعد المدى المتطاول # وعذرت طيفك في الزيارة إنه ... يسري فيصبح دوننا بمراحل # فإنه لما تجوز في وصف الطيف بالزيادة تناسى التجوز حتى عليه التأخر عن ~~الزيارة فسأل عن محل صديقه, فأخبر ببعده PageV02P436 # المفرط فعرف الطيف, وعلم أنه لا يقدر قطع تلك المسافة المتطاولة في ليلة ~~واحدة, وأنه لا يصح في الطيف أن يأتي نهارا؛ لأنه وقت اليقظة, وهذا معنى ~~لطيف يهز البلغاء طربا. # ومما جاوز حد الغرابة في هذا قول الزمخشري كناية عن الجماع: # وقد خطبت على أعواد منبره ... سبعا رقاق المعاني جزلة الكلم # وقد اعترض نفسه باستعارة هذه الأمور الشريفة لما لا حظ له في مراتب ~~الشرف. # وللشيخ عمر بن الفارض في هذا من الإجادة ما ليس ms224 لغيره, من ذلك قوله (1): # كان لي قلب بجرعاء الحمى ... ضاع مني هل له رد علي # فاعهدوا بطحاء وادي سلم ... فهو ما بين كداء وكدي # فإنه لما تجوز في ضياع قلبه, بنى عليه ما يبنى على الضياع الحقيقي فأمرهم ~~بطلب قلبه, وعين لهم الموضع الذي هو فيه, وحده بكداء وكدي, وهما موضعان ~~بمكة المشرفة (2). # ومن أطول ما سمعته في هذا المعنى وأحسنه قصيدة الشيخ أبي حفص عمر بن ~~الفارض الصوفي السعدي نفع الله به (3) , التي قال فيها (4): PageV02P437 # شربنا على ذكر الحبيب مدامة ... سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم # ولها البدر كأس هي شمس يديرها ... هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم # ولولا شذاها ما اهتدينا (1) لحانها ... ولولا سناها ما تصورها الوهم # فإن ذكرت في الحي أصبح أهله ... نشاوى ولا عار عليهم ولا إثم # ومن بين أحشاء الدنان تصاعدت ... ولم يبق فيها (2) في الحقيقة إلا اسم # وإن خطرت يوما على خاطر امرىء ... أقامت به الأفراح وارتحل الهم # ولو نظر الندمان ختم إنائها ... لأسكرهم من دونها ذلك الختم # ولو نضحوا منها ثرى قبر ميت ... لعادت إليه الروح وانتعش الجسم # ولو طرحوا في فيء حائط كرمها ... عليلا وقد أشفى لفارقه السقم # ولو نال فدم القوم لثم قدامها ... لأكسبه معنى شمائلها اللثم # هنيئا لأهل الدير كم سكروا بها ... وما شربوا منها ولكنهم هموا # ودونكها في ألحان فاستجلها به ... على نغم الألحان فهي بها غنم # فما سكنت والهم يوما بموضع ... كذلك لم يسكن مع النغم الغم # /يقولون لي صفها فأنت بوصفها ... بصير, أجل عندي بأوصافها علم # صفاء ولا ماء ولطف ولا هوى ... ونور ولا نار وروح ولا جسم # إلى آخر ما ذكره الشيخ. فانظر إلى ما فيها من الترشيح, وتناسي التشبيه, ~~فإن الشيخ لما توله في حب الله تعالى جل جلاله, وارتفعت في منازل المحبة ~~أحواله, شبه الحب في تلعبه بعقول المحبين بالخمرة PageV02P438 # فاستعار اسمها للمحبة, ثم أخذ يفتن في ترشيح الاستعارة بذكر أوصاف الخمرة ~~ومتعلقاتها متناسيا للتشبيه, فذكر الشرب, والساقي, والشذا, والحان, ~~والنشوة, والدنان, والفدام, ms225 وختم الإناء, والنضح منها, والكرم الذي منه ~~عنبها, والحائط الذي كانت غروس العنب فيه, والسكر منها, والدير الذي شربت ~~فيه (1) , وهنأ لأهل الدير بسكرهم منها, وذكر مزاجها وشربها صرفا على ~~الألحان التي تصاحبها في العادة, وزوال الهم معها, وشبه الكأس الذي تشرب ~~فيه بالنجم, والساقي في جماله بالهلال, وأمثال ذلك. # فمن زعم أن هذا نظم خارج عن طريقة (2) العرب, غير بليغ ولا مستقيم, فهو ~~بهيمي الطبع جامد القريحة, ومن أقر أنه عربي بليغ في أرفع درجات الصنعة ~~البديعية عند أهل هذا الشأن؛ لزمه ألا يقول فيما هو دونه (3) بدرجات كثيرة ~~من القرآن والحديث أنه يستحيل تأويله على قانون اللغة العربية في التجوز, ~~وبطل قول من يدعي في كثير من ذلك أن التجوز فيه داخل في حد الإلغاز ~~والتعمية, وما لا يجوز على الله تعالى, وأنه يتعذر معرفة الوجه فيه على ~~جميع من أظلت السماء من العلماء والبلغاء والفطناء من أول الدهر إلى آخره! ~~وانظر أي تجوز في السنة بلغ إلى هذا المبلغ الذي ذكرته لك في البعد عن ~~الحقيقة. # فإن قلت: إن هذه المبالغة لا يجوز دخولها في القرآن والحديث لأنها كذب ~~محض, ولا يجوز ذلك في كتاب الله تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -. ~~PageV02P439 # قلت: هذا جهل باللغة والبلاغة, بل جهل بما في الكتاب والسنة من ذلك. وقد ~~تقدم شيء من ذلك في هذا النوع الذي نحن فيه, وفي القرآن العظيم ما هو أعظم ~~مما ذكرناه, ولو لم يرد في جواز هذا, والشهادة بالبراءة له من الكذب (1) ~~إلا قول الله تعالى: ((إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا)) [الإنسان/19] فإنا ~~نعلم أن من رأى الولدان الحسان لا يحسبهم لؤلؤا منثورا في صفاء ألوانهم, ~~وحسن منظرهم كالدر. ووصفه للدر بأنه منثور من جملة ما ذكرنا من ترشيح ~~الاستعارة. # وكذلك قول الكاتب: كلام لو مزج به ماء البحر لعذب/ طعمه, ليس بكذب؛ لأن ~~المتكلم به لم يقصد أن يوهم السامع حقيقة ذلك, ولا خاف من السامع أن يتوهم ~~ذلك, وإنما قصد وصف ms226 الكلام بالبلاغة لا غير, وعرف أنه لا يفهم من عبارته ~~إلا ذلك, فكأن أهل اللسان وضعوا لوصف الكلام بالحسن عبارتين: # إحداهما: أن يقول: كلام فصيح أو بليغ, أو نحو ذلك. # وثانيهما: أن يقول: كلام لو مزج به ماء البحر لعذب ونحو ذلك, وهذا يخالف ~~الكذب القبيح, فإن الكذب هو: ما قصد المتكلم به إيهام السامع ما ليس بصدق, ~~والمتجوز لم يقصد ذلك, (2وهذا هو الفرق بين الاستعارة والكذب, كما ذكره أهل ~~البيان (2) , وقد أكثرت PageV02P440 # من الاستشهاد على أمر جلي لما ادعى الخصم أن في الحديث ما لم يمكن ~~تأويله, وما يجب تكذيب راويه, وفيما ذكرت ما يرد عليه على ما سيأتي تفصيله ~~... -إن شاء الله تعالى-. # المرتبة الثالثة في التأويل: الحكم بالوهم لدليل يوجب ذلك, والوهم أنواع: ~~فمنه الوهم في اللفظ وهو صحيح مأثور, ومنه حديث عائشة الثابت في البخاري ~~ومسلم (1) وغيرهما: وفيه عن ابن عمر عن أبيه -رضي الله عنهما- مرفوعا: ~~((الميت يعذب في قبره بما نيح عليه)) وفيه: قالت عائشة: ((لا والله ما قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قط إن الميت يعذب ببكاء أحد, ولكنه قال: ~~إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا, وإن الله لهو أضحك وأبكى, ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى, ولكن السمع يخطىء)). هذا لفظ البخاري ومسلم, وفيما ذكرته ~~شهادة لجواز ظن الوهم في الراوي عند من اعتمد (2) القطع بأن الظاهر لا يصح, ~~وأنه وقع مثل ذلك في زمن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , ورضي ~~الله عنهم, في حق أوثق الرواة وأفضلهم وأروعهم ممن يعتقد تعظيمه وتفضيله, ~~على أن المختار صحة مثل ذلك على أصول الجميع. # أما أهل الحديث؛ فقد ذكر الذهبي (3) في ضمة القبر أنها مثل آلام الدنيا ~~تصيب المطيع والعاصي, وأما على أصول المعتزلة فلأن كل ألم صح فيه العوض ~~والاعتبار فهو جائز, وكلاهما ممكن في PageV02P441 # ذلك: أما العوض فلا إشكال, وأما الاعتبار فاعتبار من يعلم بذلك من ~~المكلفين, وفي المعتزلة من يجيز الإيلام لأجل العوض فقط, ولكن في الحديث ms227 ~~إشارة إلى تعليل استحقاق العذاب بالبكاء, فلذلك تأوله البخاري (1) والنووي ~~(2) لمن أوصى أن يبكى عليه, ويكن الجواب بشيء (3) آخر, وهو: أن البكاء جعل ~~سببا للعذاب لا مؤثرا في استحقاقه, كما تكون أسباب الآلام في الدنيا /أمورا ~~غير مأثرة في الاستحقاق. # والحكمة في جعل البكاء سببا للعذاب: ما في ذلك من الزجر العظيم عن ~~البكاء. وتسمية الآلام عذابا كثير في اللغة شائع, على أنه قد تقدم أن السمع ~~قد دل على استحقاق كل أحد لشيء من العذاب, فمن الجائز أن يكون عذابا مستحقا ~~بذنب غير البكاء, وجعل البكاء سببا على سبيل الزجر عنه والله أعلم. # فهذه الوجوه كلها دالة على سعة وجوه الحكمة الربانية, وعلى أنه يجب على ~~المسلم ألا يعجل برمي الرواة الثقات بالوهم في الحديث ما أمكنه, فإن قال ~~بذلك قائل فلا حرج (4) عليه, ففي عائشة -رضي الله عنها- أسوة حسنة. # ومن هذا القبيل حديث قيام الساعة لمقدار مئة سنة, وهو في PageV02P442 # ((الصحيح)) (1) وليس المراد به القيامة, وذلك لأن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إنما قال: ((لا يأتي مئة سنة حتى أتتكم ساعتكم)) هكذا ورد في ~~بعض ألفاظ ((الصحيح)) (2) وساعتهم هي الموت, وهو معنى صحيح قرآني. # قال الله تعالى في تسمية الموت بالساعة: ((ولا يزال الذين كفروا في مرية ~~منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم, الملك يومئذ لله يحكم ~~بينهم)) [الحج/55 - 56] قال الجوهري في ((صحاحه)) (3) سمي يوم القيامة ~~عقيما؛ لأنه لا موت بعده, قلت: ويدل على ما قاله الجوهري قوله تعالى: ~~((الملك يومئذ لله يحكم بينهم)) فدل على أن الساعة في الآية هي الموت. وقد ~~ظن بعض السامعين للحديث أنه أراد القيامة فإن في الترمذي (4) وأبي داود (5) ~~عن PageV02P443 # ابن عمر أن الناس وهلوا في مقالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك ~~فيما يتحدثونه بتلك الأحاديث نحو مئة سنة, وإنما قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: ((لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد)) يريد بذلك أن ~~ينخرم ذلك القرن, فهذا نص ابن ms228 عمر على أن الناس وهلوا في ذلك, والوهل هنا: ~~بمعنى الوهم في معنى كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن ~~الأثير في ((جامع الأصول)) (1): تقول: وهل إلى الشيء إذا ذهب وهمه إليه: ~~وقد يكون الوهل بمعنى الفزع, ولكنه لا يلائم كلام ابن عمر ههنا, لقول ابن ~~عمر في الرد على من وهل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أراد إلا ~~انخرام ذلك القرن, فدل على أنهم وهموا أنه أراد القيامة, كما قد جاءت ~~أحاديث توهم ذلك, ولعلها من رواية أولئك الذين وهموا (2) والله أعلم. # ومثل هذا إذا وقع نادر في بعض الأحاديث, لم يوجب التشكيك في الرجوع إلى ~~الأحاديث الصحيحة, فإن الثقة لا يعصم من الخطأ. وفي ((الصحيح)) (3): ((من ~~كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) فقيد الوعيد بالتعمد, وأجمع ~~العلماء على أن الثقة لا يجرح بالخطأ إلا إذا كثر كما تقدم تفصيله (4). ~~PageV02P444 # ومن أنواع الوهم: رفع الموقوف على الصحابي, وجعله مرفوعا إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وأشد منه: الإدراج, وهو ان يتكلم راوي الحديث بكلام بعد فراغه من رواية ~~الحديث, فيحسبه السامع من الحديث لاتصاله به. # ومن أنواع الوهم: أن يروي الحديث أحد الضعفاء, وله اسم أو كنية أو نسبة ~~يوافق فيها بعض الثقات, فيحسب السامع أنه عن الثقة فيرويه عن الثقة لا (1) ~~على وجه يميز الثقة عن الضعيف فيلصق بالثقة ما لم يقله, وقد بالغ الحفاظ في ~~الاحتراز من هذا الخلل /وصنفوا في ذلك كتب العلل؛ فهذا [آخر] (2) وجوه ~~المحامل, ومع إمكانه لا يجوز الحكم على الثقات بتعمد الكذب, ومثل هذا لا ~~يبطل به علم الأثر لوجهين: # أحدهما: أن الخطأ قد يقع من أئمة أهل النظر في نظرهم, فكما لم يبطل بذلك ~~(3علم النظر عندهم فكذلك (3) لا يبطل علم الأثر بمثله عند أهل الأثر. # وثانيهما: أنه لو وجب الاحتراز من الوهم للزم الراوي ألا يعمل بشيء مما ~~حفظه وسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , لأنه يجوز فيما لم يعلمه ~~بالضرورة على ms229 نفسه من الوهم ما يجوز على سائر الثقات, وهذا خلاف العقل ~~والنقل, فإذا قدحنا بالوهم لم يختص أهل الأثر, ولزم PageV02P445 # أهل النحو واللغة والفقه والتفسير, فإذا كان الوهم مجوزا فأقل الحديث ~~وهما: كتب أئمة الحديث المنقحة المصححة, التي حكم بعلو قدرها في الصحة أئمة ~~النقد, وعكف الأفاضل على تحقيقها من قبل ومن بعد. وهذا القدر كاف في ~~التمهيد للجواب بذكر هذه المقدمات. # ولنشرع الآن في الجواب, ونتكلم على فصلين, أحدهما: في الجواب الجملي, ~~وثانيهما: في طرف من المعارضات, فأما التحقيق؛ فلا مكانه ولا زمانه ولا ~~فرسانه ولا ميدانه. # أما الفصل الأول: فالجواب أن المعترض ذكر أحاديث معينة وذكر أنه لا يصح ~~لها تأويل, فنقول له: مرادك لا يصح لها تأويل في فهمك؟ فمسلم ولا يضر ~~تسليمه, أو مرادك لا يصح لها تأويل في علم الله تعالى, ولا في علم أحد من ~~الراسخين في العلم؟ فهذا ممنوع لوجهين: # الوجه الأول: أن موسى كليم الله لما لم يعلم تأويل فعل الخضر - عليه ~~السلام - لم يجب أن لا يعلمه الخضر, فإذا جاز على موسى الكليم - عليه ~~السلام - أن يجهل ما علمه غيره؛ جاز على المعترض أكثر من ذلك. # الوجه الثاني: أن الملائكة -عليهم السلام- ما عرفوا حكمة الله تعالى على ~~التعيين في استخلافه لآدم - عليه السلام - في الأرض, وسألوا الله تعالى عن ~~ذلك فقالوا: ((أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس ~~لك)) بالبقرة/30] , فلم يخبرهم تعالى بوجه الحكمة على التعيين, بل أجاب ~~عليهم بالجواب الجملي فقال # PageV02P446 # تعالى: ((إني أعلم ما لا تعلمون)) [البقرة/30] فإذا كفى الملائكة الجواب ~~(1) الجملي كفى كثيرا من المسلمين, فأما فهم معنى الآيات؛ فقد قدمنا أنه لا ~~يجب على جميع المسلمين من العامة والعجم إجماعا, وان معرفة البعض إذا كانت ~~كافية في ذلك, فلا مانع من أن معرفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكفي ~~في ذلك. # الفصل الثاني: وهو في المعارضات فهو نوعان: # أحدهما: معارضة الخصم بتأويل أصحابه المعتزلة لما هو أصعب تأويلا من تلك ~~الأحاديث, ms230 من آيات القرآن العظيم, الدالة على أنه تعالى سميع بصير مريد, ~~وأنه الذي أوجب الواجبات الشرعية, وحرم المحرمات الشرعية, ورفع الحرج فيها ~~عن المسلمين, وأراد اليسر في ذلك بالمؤمنين ونحو ذلك مما لا يصح عند ~~المعتزلة إلا بتأويل ظاهر, وهذا النوع ظاهر (2) لا سبيل إلى استقصائه, وقد ~~ذكر قاضي القضاة, عبد الجبار بن أحمد -وهو أحد علمائهم- ما يخالف مذهبهم من ~~القرآن العظيم, فجاء في مجلد كبير (3) , فلنقتصر في هذا الوجه على هذه ~~الاشارة, ففيها تنبيه على كيفية معارضتهم بهذه الطريقة, وقد ذكرت /في ~~((الأصل)) (4) طرفا من الآيات التي تعسفوا في تأويلها وحكموا بصحة ذلك ~~التأويل, وبينت أن تأويل الأحاديث التي ذكرها المعترض أقرب من تأويلهم لتلك ~~الآيات. PageV02P447 # النوع الثاني: معارضة الخصم بإيراد شواهد تلك الأحاديث التي زعم أنه لا ~~يمكن تأويلها بذكر ما هو مثلها من القرآن العظيم, وأنه يلزم من أقر بصحة ~~تأويل تلك الآيات أن يصحح تأويل تلك الأحاديث التي انتقاها المعترض من أدق ~~ما وجد في الحديث, وأبعد ما فيه عن التأويل, وسوف أجيب عن جميعها, وأبين أن ~~في القرآن ما هو مثلها, فمن تأوله تأولها, ومن آمن به آمن بها, ومن ردها ~~لزمه أن يرد ما هو في معناها من كلام الله تعالى: وهي هذه مرتبة على ترتيب ~~المورد لها: # الحديث الأول: الحديث الطويل الوارد في صفة يوم القيامة وفي الشفاعة, ~~وفيه: ((وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها, فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم, ~~فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه, فيأتيهم الله ~~فيقول: أنا ربكم)) هذه رواية البخاري ومسلم (1) في حديث أبي هريرة. # وفي البخاري ومسلم (2) من حديث أبي سعيد: ((حتى إذا لم يبق إلا من كان ~~يعبد الله من بر وفاجر أتاهم الله في أدنى صورة من التي رأوه فيها فيقول: ~~أنا ربكم, فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا, فيقول: هل بينكم ~~وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم, فيكشف عن ساق, فلا يبقى من كان يسجد ~~لله من تلقاء نفسه إلا ms231 أذن الله له بالسجود, ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ~~ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه)) ~~الحديث. PageV02P448 # وفي ((صحيح مسلم)) (1) من طريق أبي (2) الزبير عن جابر بن عبد الله بلفظ ~~السماع من جابر - رضي الله عنه - نحو ذلك. وللحديث طرق ليس هذا موضع ~~استيفائها, وفي بعض ألفاظ الحديث, ذكر التجلي, وفي بعضها ذكر وضع القدم في ~~النار, وفي بعضها ذكر الضحك. # والجواب (3): # أنه قد ثبت أن علماء التأويل من أهل (4) المعاني والبيان وأهل الكلام قد ~~أولوا آيات كثيرة في القرآن مثل قوله تعالى: ((هل ينظرون إلا أن يأتيهم ~~الله في ظلل من الغمام والملائكة)) [البقرة/210] وقوله تعالى: ((هل ينظرون ~~إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك)) [الأنعام/158] ~~وقالوا في هذه الآيات وأمثالها: إن إسناد المجيء والإتيان إلى الله تعالى ~~مجاز وهو من باب الإيجاز, أحد PageV02P449 # علوم المعاني, وهو: حذف بعض الكلام لدلالة القرينة على حذفه, والقرينة ~~الدالة هنا هي القرينة العقلية كالقرينة في قوله تعالى: ((وسئل القرية التي ~~كنا فيها والعير)) [يوسف/82] أي أهل القرية وأهل العير, قالوا: والمعنى: ~~وجاء أمر ربك أو عذابه أو نحو ذلك من المقدرات المحذوفة. # فنقول: إذا كان مثل هذا صحيحا عندكم صح في الحديث مثله فيقال: إن إسناد ~~المجيء فيه إلى الله تعالى مجاز وهو في الحقيقة مسند إلى ملك من ملائكة ~~الله. وقوله في الحديث: ((أنا ربكم)) أي: رسول ربكم, وكذلك قولهم: ((أنت ~~ربنا)) أي: رسول ربنا, وإذا جاز تأويل لفظ على معنى جاز تأويله على ذلك ~~المعنى, وإن كرر مئة مرة, وهذا التأويل مفحم للمبتدعة, وقد كان /وقع في ~~خاطري وكنت محبا أن أقف على مثل ذلك لأحد من أهل العلم لاستأنس بموافقته, ~~فأسلم من وحشة الشذوذ, فوقفت عليه في ((شرح مسلم للنووي)) (1) -رحمه الله- ~~ووجدته قد تأول الحديث بذلك فقال -رحمه الله- ما لفظه: ((وقيل المراد ~~((يأتيهم الله)) أي: يأتيهم بعض ملائكته. قال القاضي عياض: وهذا الوجه أشبه ~~عندي بالحديث ms232 قال: ويكون هذا الملك الذي جاءهم في الصورة التي أنكروها من ~~سمات الحدث (2) الظاهرة على الملك والمخلوق, قال: أو يكون معناه يأتيهم ~~الله في صورة, أي: بصورة ويظهر لهم من صورة ملائكته ومخلوقاته التي لا تشبه ~~صفات PageV02P450 # الإله [ليختبرهم] (1) , وهذا آخر امتحان المؤمنين, وإذا قال لهم هذا ~~الملك أو هذه الصورة: ((أنا ربكم)) رأوا عليه من سمات المخلوق ما يعلمون به ~~أنه ليس بربهم ويستعيذون بالله منه. # وأما قوله: ((فيأتيهم الله في صورته التي يعرفونها)) فالمراد بالصورة هنا ~~الصفة, ومعناه فيتجلى لهم على الصفة التي يعرفونها, وإنما عبر عن الصفة ~~بالصورة لمشابهتهما ولمجانسة الكلام فإنه تقدم ذكر الصورة, وأما قولهم: ~~((نعوذ بالله منك)) فقال الخطابي: يحتمل أن تكون الاستعاذة من المنافقين ~~خاصة, وأنكر القاضي عياض هذا, قال النووي: وما قاله القاضي عياض هو الصواب, ~~ولفظ الحديث مصرح به أو ظاهر فيه, وإنما استعاذوا منه لما قدمناه من كونهم ~~رأوا سمات المخلوق. وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((فيتبعونه)) فمعناه ~~يتبعون أمره إياهم بذهابهم إلى الجنة)) انتهى ما ذكره النووي - رضي الله ~~عنه -. # وقوله في هذا التأويل: فيتجلى لهم على الصفة التي يعرفونها, أراد به تجلي ~~الرؤية على مذهب أهل الحديث والأشعرية وغيرهم, وقد صرح به لكنه سقط التصريح ~~له من هذا الكلام (2) , ولم يحضرني ((شرح مسلم)) فانقل منه كلامه بنصه (3). ~~PageV02P451 # وأما على مذهب المعتزلة فتأويل التجلي عندهم كتأويله في قوله تعالى: ~~((فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا)) [الأعراف/143] , ويكون المعنى عند ~~المعتزلة على مقتضى أساليبهم في التأويل: فيتجلى ما يدل على عظيم قدرة الله ~~تعالى, وإحاطة علمه من عجائب أفعاله المعجزة لجميع المخلوقين التي يعلم بها ~~أنه المكلم. # وإنما ذكرت تأويل الحديث على كل مذهب ليظهر للمعترض بطلان قوله: إن تأويل ~~الحديث غير ممكن على مذهب المعتزلة, وأنه يجب على أصولهم رده, وقد ظهر أنه ~~لا يمكنهم رده, مع إقرارهم بما هو مثله في كتاب الله تعالى, وليس في الحديث ~~الذي أورده المعترض ما يظن أنه زائد على ما في ms233 القرآن إلا ثلاثة أمور: # أحدها: ذكر أنهم سجدوا لتلك الصورة, والجواب عنه من وجهين: # الوجه الأول: أنه يجوز أن يكونوا قصدوا بالسجود التعبد لله تعالى عند ~~رؤيتهم لذلك الملك, تعظيما لله تعالى حين رأوا من عظيم مخلوقاته ما يوجب ~~ذلك. # الوجه الثاني: أنه يجوز السجود للملك على سبيل التعظيم والتكرمة, كما ~~سجدت الملائكة لآدم - عليه السلام - , وكما سجد إخوة يوسف له, فإن تحريم ~~السجود لغير الله حكم شرعي يجوز تغيره إجماعا. # PageV02P452 # الأمر الثاني: مما ورد في الحديث, وليس في كتاب الله تعالى: ذكر الصورة ~~/وأنه جاءهم على صورتين, والجواب من وجهين: # الوجه الأول: ما ذكره النووي والقاضي عياض وقد تقدم. # الوجه الثاني: وهو القاطع للجاج أنا قد ذكرنا أن الذي جاءهم ملك من ~~ملائكة الله تعالى. # فإن قلت: لا يجوز أن يكون للملك صورتان, وإنما المعروف أن له صورة واحدة. # فالجواب من وجوه: # الأول: أنه لا مانع من ذلك فهو داخل في قدرة الله تعالى. # الوجه الثاني: أنه قد جاء حديث صحيح يرفع الإشكال في ذلك, و [أنه] (1) ~~جاءهم في الصورة الأولى محتجبا عنهم, وفي الثانية متجليا لهم, رواه شيخنا ~~النفيس العلوي في ((كتابه الأربعين)) (2) وهو صحيح خرجه الإمام شمس الدين ~~ابن قيم الجوزية (3). # الوجه الثالث: ما تقدم ذكره عن القاضي عياض والنووي في تأويل الصورة ~~بالصفة. # الأمر الثالث: أنه كثر في الحديث ذكر ما يقتضي التشبيه الكثير حتى صار ~~ذلك فيه كالتصريح, وليس في القرآن مثل ذلك. # والجواب عليه: أن هذا على أصول أهل التأويل أقل إشكالا لأن PageV02P453 # صفات المخلوقين كلما [كثرت] (1) كانت أظهر دلالة على التجوز, وعلى حذف ~~المسند إليه, وكان هذا أشبه بالاستعارة المجردة (2) التي يذكر فيها صفات ~~المشبه مثل قولنا: أسد شاكي السلاح, حسن الثياب, لطيف الأخلاق, فصيح ~~الكلام, ونحو ذلك من تكثير القرائن اللفظية الدالة على التجوز, ولو أنه بعد ~~إسناد الإتيان إلى الله تعالى ذكر الصفات المختصة بالله تعالى كان أبعد عند ~~أهل الصنعة من التجوز, وكان أشبه بالاستعارة المرشحة التي يذكر بعدها صفات ms234 ~~المشبه به كقوله في البيت المشهور: # * له لبد أظفاره لم تقلم * # ونحو ذلك, وقد تقدم ذكر ذلك في المقدمة السادسة في المرتبة الثانية من ~~مراتب التأويل (3) , وإنما قلنا: إن هذا الوارد في الحديث مثل المجاز ~~الوارد في القرآن عند أهل التأويل؛ لأن كل واحد منهما مجاز في الإسناد وحذف ~~المسند إليه من طرق الإيجاز في الكلام, وكلما أردف التجوز من صفات المحذوف ~~أو المذكور لم يكن في ذلك شيء من التجوز, وإنما تكون فيه قرائن لفظية تدل ~~على المبالغة في إظهار المقصود أو المبالغة في معنى التجوز, وأما التجوز ~~فليس إلا في الإسناد على ما يعرفه علماء المعاني والبيان, والله أعلم. # وقد أبرق المعترض وأرعد على البخاري - رضي الله عنه - PageV02P454 # لروايته في الحديث ((فيكشف عن ساقه)) وهذا من الجهل المفرط, فإنه لا فرق ~~بين كشف الساق, والمجيء عند أهل التأويل في جواز إسناد الجميع من ذلك إلى ~~غير الله, وامتناع إسناده إليه سبحانه وتعالى, وكذلك قوله في الحديث: ~~((فيضع الرب قدمه)) أي فيضع رسول الرب قدمه, أو نحو ذلك, وهذا النوع من ~~التأويل عربي فصيح, ومنه قول جبريل - عليه السلام - فيما حكى الله عنه: ~~((لأهب لك غلاما زكيا)) [مريم/19] في إحدى القراءتين (1)؛ ومنه قول عيسى - ~~عليه السلام -: ((وأحيي الموتى بإذن الله)) [آل عمران/49] أراد: ويحيي الله ~~الموتى عند إرادتي لذلك, ومنه الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في ((صحيحه)) ~~(2) عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن الله عز ~~وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني /, قال: يارب! كيف أعودك ~~وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده, أما علمت أنك ~~لو عدته لوجدتني عنده)) الحديث إلى آخره. # وهو صحيح صريح في صحة مجاز الحذف الذي نحن فيه, وكذلك ما ورد في الحديث ~~من ذكر الضحك فهو أسهل من هذا كله, إن شئنا جعلناه من قبيل الإيجاز وحذف ~~المسند إليه, ويكون مسندا في الحقيقة إلى الملك, وإن شئنا جعلنا التجوز ms235 في ~~الضحك لا في PageV02P455 # الإسناد, ويبقى الضحك المجازي مسندا إلى الله تعالى, فقد صح نسبة العجب ~~والغضب والرضا إلى الله تعالى, وكلام أهل التأويل في هذه الأمور متقارب, ~~وقد اشتهر في لغة العرب التجوز في الضحك, وشحن البلغاء أشعارهم بذكر ضحك ~~البروق والأزهار والأنوار, وقد فسروا ضحك الرب برضاه. وذكر ابن متويه ~~المعتزلي ضحك الأرض في المجاز وأنشد في ذلك: # * تضحك الأرض من بكاء السماء * # وقد اتسع البلغاء في ذلك حتى نسبوا الضحك إلى القبور, فدع نسبته إلى ~~الأنوار والزهور! قال المعري (1): # رب قبر صار [قبرا] (2) مرارا ... ضاحك (3) من تزاحم الأضداد # وقد أذكرني التجوز في الضحك ليلة عجيبة كانت مرت بي, طلع القمر فيها, وهو ~~في غاية (4) التمام والإنارة, وكان طلوعه من الجانب الشرقي في حال التماع ~~بروق منيرة من الجانب الغربي, مع مطر وحنين رعود, واجتمعت الأنوار مع زهور ~~رياض مختلفة الألوان في المكان الذي نحن فيه, وكان ذلك عقيب وداعنا لبعض ~~إخواننا رعاه الله تعالى, فقلت في ذلك: PageV02P456 # وليلة ضحكت أنوارها طربا ... بروقها (1) وزهور الأرض (2) والقمر ... فكدت ~~أضحك لولا حن راعدها ... حنين شاك ولولا أن بكى المطر # فذكر الرعد قلبي في تحننه ... حنين خلي لما أن دنا السفر # فنحت حتى تباكت كل ضاحكة ... من الثلاث وحتى رق لي الشجر # وهذا المعنى مطروق مشهور في أشعار المتقدمين والمتأخرين. فإن قلت: إن هذه ~~التجوزات التي في الأشعار تخالف ما في القرآن والسنة, فإن من سمع الآيات ~~والأحاديث الواردة في الصفات لم يفهم التجوز إلا أن يكون من العلماء الذين ~~قد خاضوا في الكلام وسمعوا التأويل, وأما الأشعار المذكورة فكل من سمعها ~~فهم التجوز فيها من الخاصة والعامة. # والجواب: أن السبب في ذلك ظاهر, وهو أن القرينة الدالة على التجوز في ~~الأشعار معلومة بالضرورة لكل سامع, فإن كل عاقل يعرف أن الضحك الحقيقي ~~يستحيل صدوره من الرياض والبروق والشمس والقمر, ونحو ذلك, بخلاف ما قدمنا, ~~فإن القرينة فيه خفية دقيقة, قد اختلف في تحرير الدليل عليها أذكياء الخاصة ~~من أئمة الكلام, ms236 ورد بعضهم دليل بعض. ومن هنا ترك أهل الحديث التأويل مدعين ~~أن شرط حسن المجاز عندهم /سامع الكلام للقرينة الدالة على التجوز حتى تصرفه ~~معرفته بها عن اعتقاد ظاهر الكلام, ولذلك PageV02P457 # أجمعوا على تأويل حديث: ((الركن يمين الله تعالى)) (1) , وحديث: ((إني ~~أجد نفس الرحمن من جهة اليمن)) (2) ونحوهما. # وأجمعوا على تأويل قوله تعالى ((ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)) [ق/16] ~~وقوله تعالى: ((إلا هو معهم أين ما)) [المجادلة/7] ونحوهما لما كانت ~~القرينة معروفة عند المخاطب, قالوا: والمعلوم من أحوال المسلمين في زمن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عدم المعرفة بالأدلة الكلامية الموجبة ~~للتأويل. # وأما المتكلمون ومن اختار التأويل؛ فإنهم لم يشترطوا في حسن المجاز إلا ~~تمكن السامع من معرفة القرينة ولو بالنظر الدقيق والبحث الطويل, ولما اضطرب ~~الناس في هذا ودق الكلام فيه, وعظم الخطر, اعتصم الجماهير من أهل السنة ~~بالإقرار بما ورد في الآيات والأحاديث, على الوجه الذي أراده الله تعالى, ~~مذعنين للعلم بذلك الوجه, لا رادين لما ورد في ذلك من السمع, ولا مشبهين ~~لله تعالى بما لحقه من صفات النقص, معتقدين أن الله تعالى كما وصف نفسه في ~~قوله تعالى: ((ليس كمثله شيء)) [الشورى/11] منزهين لله تعالى PageV02P458 # من كل ما يقتضي النقص من شبه المخلوقين في أفعالهم وذواتهم وصفاتهم, وهذه ~~عقيدة صالحة منجية لمن اعتقدها, ومن ضلل أهلها لزمه تضليل أصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وتضليل جميع المسلمين إلا طائفة المتكلمين, وذلك ~~يعود إلى الإدغال في الدين والقدح على سيد المرسلين, ونعوذ بالله من تأويل ~~الجاهلين وانتحال المبطلين. # وقد دخل تحت هذه الجملة تأويل حديثين أوردهما المعترض في هذا المعنى, ثم ~~إنه أردفهما بحديث جرير بن عبد الله البجلي في الرؤية, وهو الحديث الثالث, ~~ونظمه في سلكهما, وقد تقدم الكلام على صحته, وأنه متواتر المعنى, وأن ~~شواهده مروية عن أكثر من ثلاثين صحابيا في أكثر من ثمانين حديثا. # وأما الكلام على معناه: # فأما أهل الحديث: فيؤمنون به كما ورد على الوجه الذي أراده رسول ms237 الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وأما المتكلمون من الأشعرية والمعتزلة والشيعة: فيجتمعون على أنه تعالى ~~لا يرى في جهة متحيزا كما يرى القمر, ثم يفترقون في تفسير معناه, ولا حاجة ~~إلى نقل ألفاظهم في ذلك فإنه معروف في مواضعه, وإنما غرضنا هنا بيان بطلان ~~ما زعم المعترض من اشتمال كتب الحديث الصحيحة على ما يجب تكذيب راويه, وهذا ~~الحديث مما لا يمكن تكذيب راويه لأنه حديث متواتر كما قدمنا, ومن أنكر ذلك ~~لم يزد على أنه ادعى على نفسه (1) الجهل بتواتره, ونحن نسلم له PageV02P459 # ما ادعاه لنفسه من الجهل ولا ننازعه, فإن ادعى على أحد غيره أنه يجب أن ~~يشاركه في الجهل؛ لم يساعده على ذلك دليل من العقل ولا من السمع, إلا أن ~~يدعي أحد مثل دعواه فنسلم له /من الجهل ما ادعاه, ومن أحب معرفة تواتر هذا ~~الحديث فليطالع كتب أهل الحديث الحافلة الجامعة لطرقه الكثيرة وفوائده ~~الغزيرة, ولا طريق إلى إقامة البرهان على التواتر إلا ما ذكرناه كما يعرف ~~ذلك أهل الصناعة, ولو كان إلى ذلك سبيل غير ما أشرنا لفتحنا أبوابها وذللنا ~~صعابها. # وبعد, فكلام الفريقين في هذه المسألة معروف المواضع مكشوف البراقع, ~~فاختصرنا التطويل بنقل المعروف, وبيان المكشوف. # الحديث الرابع: حديث خروج أهل التوحيد من النار, والشفاعة لهم إلى الوهاب ~~الغفار, وتمييزهم بذلك من بين الكفار, فإن المعترض أنكر ذلك أشد الإنكار, ~~ونظمه في سلك ما يجب تكذيب راويه من الأخبار, وبنى كلامه في ذلك على شفا ~~جرف هار, وتوهم أنه في ذلك موافق لإجماع أهل البيت الأطهار, وخطؤه ينكشف ~~بذكر فائدتين يتضح بهما المذهب الحق المختار: # الفائدة ### | الأولى # : في تعريف المعترض أنه قد جهل في ذلك مذهب أصحابه, وظن أن هذا المذهب ~~مما يختص بالقول به خصومه, ولم يعلم أن ذلك مذهب مشترك بين السني والشيعي ~~والمعتزلي والأشعري, فقد ظهر القول به في كل الطوائف, واشترك في نصرته ~~أجناس أهل المعارف, ونحن ننقل ما يدل على ذلك من مصنفات # PageV02P460 # أصحاب المعترض: فمن ذلك من ms238 ذكره الحاكم أبو سعد في ((شرح العيون)) فإنه ~~أورد فصلا في ذكر المرجئه, وأخطأ في هذه التسمية كما سيأتي بيانه, ونسب ~~الإرجاء إلى جلة وافرة من أكابر شيوخ المعتزلة, ذكر ذلك في تراجمهم عند ~~الكلام عليها في طبقاتهم من كتابه هذا, حتى نسب إلى زيد بن علي - رضي الله ~~عنه - مخالفة المعتزلة المبالغين في هذه المسألة, وصرح بأنه يخالف المعتزلة ~~في المنزلة بين المنزلتين, ذكره في ترجمة زيد بن علي - رضي الله عنه - ~~مختصرة بعد ترجمته البسيطة, وأسند إلى صاحب ((المصابيح)) وإنما ذكرت هذا عن ~~زيد ابن علي - رضي الله عنه -؛ لأن الخصوم يقبلون (1) رواية هذا الرجل, ~~وإلا فأهل الحديث يرون عنه مخالفة المعتزلة, وحسبك أن أبا عبد الله الذهبي ~~لم يذكره في ((الميزان)) وقد شرط ألا يترك أحدا تكلم فيه بحق أو باطل إلا ~~ذكره. # وقال الحاكم المذكور في ((شرح العيون)) في فصل عقده فيما أجمع عليه أهل ~~التوحيد والعدل /: ((إن اسم الاعتزال صار في العرف لمن يقول بنفي التشبيه ~~والرؤية والجبر, وافق في الوعيد أو خالف, وافق في مسائل الإمامة أو خالف, ~~وكذا في فروع الكلام, ولذا تجد الخلاف بين الشيخين والبصرية والبغدادية ~~يزيد على الخلاف بينهم وبين سائر المخالفين, وكذا تراهم يعدون من نفى ~~الرؤية, وقال بحدوث القرآن, ومسائل العدل: معتزليا وإن خالف في الوعيد ~~ككثير من مشايخنا, منهم الصالحي والخالدي وغيرهما, وكذا ترى من PageV02P461 # خالف في هذه الأصول لا يعد منهم, وإن قال بالوعيد كالنجارية والخوارج ~~وغيرهم)). انتهى. # وقال حميد بن أحمد المحلي الزيدي في كتابه ((عمدة المسترشدين في أصول ~~الدين)) (1): ((إن القائلين بالشفاعة لأهل الكبائر والخروج من النار صنفان: ~~عدلية وغير عدلية, وذكر للعدلية القائلين بذلك مذاهب أربعة. # وذكر القاضي عبد الله بن حسن الدواري الزيدي في ((تعليق الخلاصة)): ~~انقسام القائلين بذلك إلى عدلية, وغير عدلية, قال: ((فمن أهل العدل ~~القائلين بذلك: أبو القاسم البستي, وكان من الزيدية من أصحاب المؤيد بالله, ~~وغيره من المعتزلة منهم: محمد بن شبيب, وغيلان الدمشقي رأس المعتزلة, ومويس ~~بن ms239 عمران, وأبو شمر, وصالح قبة, والرقاشي, والصالحي, والخالدي وغيرهم, ومن ~~القدماء (2): سعيد بن جبير!! , وحماد بن [أبي] سليمان, وأبو حنيفة ~~وأصحابه)). انتهى كلامه. # قلت: وإلى ذلك ذهب من أئمة الزيدية الدعاة: يحيى بن PageV02P462 # المحسن المعروف بالداعي, والمهدي أحمد بن يحيى المتأخر, وكان الفقيه علي ~~بن عبد الله بن أبي الخير يذهب إلى هذا, وغيره من أهل المعرفة, فثبت بما ~~ذكرناه أن المعترض قد جهل مذاهب أصحابه. # أما الفائدة ### | الثانية # : فهي في الإشارة إلى ضعف كلامه وبطلان شبهته, فإنه ذكر أن الأحاديث ~~الدالة على خروج أهل الإسلام من النار تعارض آيات الوعيد الدالة على خلود ~~أهل النار, وهذا جهل مفرط, فإن العموم والخصوص لا يتناقضان على القطع عند ~~أحد من فرق الإسلام بحيث يقطع على كذب أحدهما في نفس الأمر, ولو جحد ذلك ~~أحد من أهل الجهل كان الرد عليه متسهلا على أقل أهل المعارف الإسلامية ~~بصيرة, وكيف يستطيع مسلم أن يشك في جواز ذلك, والقرآن مشحون بالعموم ~~والخصوص, كما يعرف ذلك أهل التمييز, دع أهل الخصوص: مثال ذلك قوله تعالى: ~~((من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة)) [البقرة/254] , فأطلق ~~نفي الخلة والشفاعة في هذه الآية عن كل أحد, ثم قيده في قوله تعالى: ~~((الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين)) [الزخرف/67] , وقال /تعالى: ~~((ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون)) [الأنبياء/28] , فأثبت ~~الخلة والشفاعة لمن اتقى, ولمن ارتضى بعد أن نفاهما مطلقا, وكذلك ما ورد في ~~خروج أهل الإسلام من النار من صحيح الأخبار, المتواتر معناها عند العلماء ~~الأحبار, وقد أوضحت ذلك في ((الأصل)) (1) بما لا فائدة لذكره في هذا ~~((المختصر)) , لأنه من جليات PageV02P463 # مبادىء الأصول الفقهية لا من خفيات المعارف النظرية, والأمر في هذه ~~المسألة عند علماء الزيدية قريب, وقد ذكر القاضي حسن بن محمد النحوي في ~~كتابه ((التذكرة في الفقه)) (1) الذي هو مدرسهم الآن: أن المخالف في هذه ~~المسألة لا يكفر ولا يفسق, فلا حاجة إلى التطويل بذكرها, وإنما أحببت تعريف ms240 ~~المعترض أنه قد جاوز حدود الزيدية والعتزلة فيها؛ فزاد على معلمه كما تقول ~~العامة. # الحديث الخامس: حديث ### | محاجة آدم وموسى # (2) -عليهما السلام-, والجواب على ما ذكره: أن المحدثين أبرياء عما ~~اتهمهم به من افتراء ذلك في نصرة مذهبهم, ولو كان المعترض من أهل التمييز ~~لعلم أن ظاهر ذلك الحديث ليس بمذهب لأحد من أهل الإسلام, وعرف أن رجال ~~الحديث وأهل السنة قد نصوا على تأويله في شروح PageV02P464 # الحديث النبوي على صاحبه السلام, لأن ظاهره يقتضي أن يحتج العصاه بالقدر ~~على الله تعالى, وذلك ممنوع بإجماع المسلمين, وإنما يحتج به من تاب من ذنبه ~~عند أهل السنة كما ذكره شراح الحديث على صاحبه السلام. # وعندي في الجواب عنه وجه واضح, وقبل الكلام عليه أشير إلى تمهيد (قاعدة) ~~, وهي: أن الأمة أجمعت على عصمة الأنبياء -عليهم السلام- عن الجهل بالله ~~تعالى وصفاته وقواعد شرائعه, وعلى صحة عقائدهم فيما يتعلق بأفعال الله ~~وحكمته وجلاله. وهذه القاعدة تقتضي المنع من تجويز وقوع المنازعة بين ~~الأنبياء -عليهم السلام- في أمر من الأمور الدينية, فإن وقع بينهم ما يشبه ~~ذلك علمنا أنه ليس على طريق دفع الحق بالمماراة, ولا على سبيل اللجاجة في ~~المجادلة, وإنما يكون على سبيل الموعظة والمعاتبة وطلب الزيادة في المعرفة, ~~مثال ذلك: ما جرى بين موسى وهارون, وبين موسى والخضر -سلام الله عليهم-, ~~فمناظرتهم على /سبيل الموعظة والعتاب, لا على سبيل الجهل بالحق في أمر ~~الدين ولا الدفع له, فهم معصومون عن ذلك, وإذا (1) كانت محاجتهم من هذا ~~القبيل, لم تدخلها البراهين العقلية, ولم تقرر على القواعد القطعية, وحسن ~~منهم فيها الاسترواح إلى الاحتجاج بما يجري به الاعتذار في مألوف العادات ~~ولطيف المخاطبات, فلنتكلم في ثلاثة فصول: ### | الفصل الأول # : في الدليل على أن محاجتهما -عليهما السلام- PageV02P465 # ليست برهانية, والدليل على ذلك: أنهما لم يتنازعا في أمر يصح فيه من ~~مثلهما الجهل المحض الذي لا يغسل أدرانه إلا صريح البراهين القاطعة, ولا ~~يجلو ظلامه إلا شروق الأدلة الصادعة, وقد ظهر هذا من كلامهما ظهورا لا ~~يخفى. ms241 # أما موسى فإنه هو الذي بدأ الخطاب, وفتح هذا الباب, فسأل آدم - عليه ~~السلام - عن كيفية ذنبه, وأكله الشجرة وأتى بكيف الإنكارية, ولا شك أن ~~السؤال عن الكيفية المحققة غير مقصود, فإنه يعرف كيف أكل الشجرة, فلم يقصد ~~حقيقة السؤال, وإنما قصد إظهار التعجب والاستنكار (1) لما فعله آدم - عليه ~~السلام - وورود ((كيف)) بمعنى ذلك كثير شهير, من ذلك قوله تعالى: ((كيف ~~تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم)) [البقرة/28] فإنه تعالى لم يرد محض ~~السؤال عن كيفية الكفر, ويؤيد ما ذكرته: أن موسى - عليه السلام - قدم قبل ~~السؤال, عن كيفية أكل الشجرة, السؤال عن اصطفاء الله تعالى لآدم, ثم عقب ~~ذلك السؤال عن كيفية وقوع الذنب منه, فظهر أنه أراد كيف كان منك الذي كان ~~من الذنب, وأنت من الله تعالى بتلك المنزلة الرفيعة والمحل العظيم!؟ ويؤيد ~~ما ذكرته من أن موسى - عليه السلام - قصد المعاتبة, أو معرفة هذا السبب ~~العجيب الذي أوقع آدم - عليه السلام - في ذلك مع جلالة قدره: أن موسى - ~~عليه السلام - أجل من أن يجهل أن التائب من الذنب غير مستحق للذم, وأدنى ~~أهل PageV02P466 # التمييز يعرف ذلك في جميع العصاة, فكيف لا يعرفه موسى - عليه السلام - في ~~حق أول أنبياء الله -عليهم السلام- الذي أسجد الله له الملائكة الكرام!؟ ~~فيجب ألا يكون قصد موسى - عليه السلام - مجرد اللوام, وإنما أخرج الكلام ~~مخرج التعجب والاستغراب من وقوع مثل ذلك من أهل مقام النبوة, سيما ممن ~~أسكنه الله الجنة وأسجد له الملائكة, وعلمه الأسماء, وهداه واصطفاه, وحذره ~~من الشيطان, ونهاه عن الشجرة بعينها, وقطع معه الأعذار كلها, فأراد موسى ~~السؤال عن السبب الموقع /في ذلك مع استغراب شديد لوقوع الذنب ممن هذه حاله, ~~واستطراف عظيم يهيج أسباب التنديم والتحزين على ما كان. # وأما آدم - عليه السلام - فجوابه يحتمل وجهين: # الوجه الأول: أن يكون قصد تهوين ما ظهر من موسى - عليه السلام - من عظيم ~~الاستغراب, وشديد الاستطراف لوقوع الذنب منه, فأتى بما يمحو آثار الاستغراب ~~والتعجب, ويحسم مادة الاستنكار العتابي, وهو: سبق ms242 العلم, وجفوف القلم بجميع ~~ما كان منه, ولا شك أنها حجة مسكتة للمتعجب من وقوع الشيء المستغرب له ~~السائل عن وقوعه بكيف الإنكارية, وبيان ذلك: أن الله تعالى لو أخبرنا بوقوع ~~أمر من أفعالنا في وقت ثم لم يقع لكان هذا بالضرورة مما يتحير العقلاء في ~~الجواب عنه, ويتبلد الأذكياء في معرفة وجهه, فإذا تقرر ذلك؛ ثبت أن وقوع ~~الشيء مطابقا لما مضى فيه من علم الله تعالى غير مستنكر في العقل ولا يدفع ~~في النظر, إذ من المستقبح أن يقول القائل: كيف وقع ما أخبر الله به مثل ما ~~أخبر؟ أو كيف وقع الذي علم # PageV02P467 # الله كما علم؟ ولا شك أنه إذا ثبت أن تقدير وقوع خلاف معلوم الله تعالى ~~محارة للعقول, مضلة للأفهام, لم يصح أن يكون نقيضه كذلك, إذ يستحيل في ~~الشيء ونقيضه أن يكون وقوع كل واحد منهما غريبا في العقل بديعا في النظر, ~~فثبت بهذا أنه لا معنى لاستغراب موسى - عليه السلام - لوقوع ما كتبه الله ~~تعالى على آدم وتعجبه من ذلك, وثبت بذلك صحة قول من أوتي جوامع الكلم ((فحج ~~آدم موسى)) والله أعلم. # الاحتمال الثاني: أن يكون آدم - عليه السلام - فهم من موسى - عليه السلام ~~- أنه أراد إثارة أحزانه على فعل الذنب, فقصد التسلي بالقدر؛ لأنه قد خرج ~~من دار التكليف، ولم يبق عليه (1) أن يندم, وهذا وجه لا غبار عليه, أما على ~~أصول السنة؛ فظاهر, وأما على أصول المعتزلة؛ فإن تألم آدم - عليه السلام - ~~في تلك الحال ممكن بشرط العوض من الله تعالى والاعتبار وهما حاصلان, أما ~~العوض: فظاهر, وأما الاعتبار: فلأنه يمكن أن يعتبر بذلك أحد من الملائكة ~~-عليهم السلام- أو يعتبر به أحد من المكلفين الذين عرفوا ذلك بتعريف رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - , فظهر بذلك بطلان ما توهمه المعترض على كل ~~مذهب, وسقوطه على كل تقدير. ### | الفصل الثاني: # في بطلان احتجاج الجبرية بقدر الله تعالى الذي هو علمه السابق وقضاؤه ~~النافذ, ولنورد في هذا الفصل فوائد نفيسة من كلام ms243 علماء السنة وأئمة ~~الحديث, يشتمل على تعريف ماهية القدر PageV02P468 # عندهم, ويرد على من يقول بالجبر ممن ينتحل مذهبهم, فمن ذلك: قول الخطابي ~~في ((معالم السنن)) (1) ما لفظه: ((قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر من ~~الله سبحانه والقضاء [منه, معنى] الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدره, ~~ويتوهم أن قوله: ((فحج آدم موسى)) من هذا الوجه, وليس كذلك, وإنما معنى ~~القدر الإخبار عن تقدم علم الله تعالى بما يكون من /أفعال العباد وصدورها ~~من تقدير منه وخلق لها. # وكذا ذكر هذا أبو السعادات ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (2) ومحيي ~~الدين النووي في ((شرح مسلم)) (3). # وقال الإمام الجويني في كتابه ((البرهان)) (4) ما لفظه: ((إن قيل: ما علم ~~الله أنه لا يكون, وأخبر عن وفق علمه بأنه لا يكون فلا يكون, والتكليف ~~بخلاف المعلوم جائز. قلنا: إنما يسوغ ذلك لأن خلاف المعلوم مقدور في نفسه ~~وليس امتناعه بالعلم بأنه لا يقع, ولكن إذا كان لا يقع مع إمكانه في نفسه؛ ~~فالعلم يتعلق به على ما هو عليه, وتعلق العلم بالمعلوم لا يغيره ولا يوجبه, ~~بل يتبعه في النفي والإثبات, ولو كان العلم يؤثر في المعلوم لما تعلق العلم ~~بالقديم. وتقرير ذلك في فن الكلام)) انتهى كلامه. PageV02P469 # وفي كلام الفخر ابن الخطيب الرازي أشياء في ذلك فاتني لفظها, وقد ذكرت ~~جملة صالحة مما يدل على براءة أئمة السنة من الجبر, ونقلت في ذلك ألفاظهم ~~من كتبهم الشهيرة, وأشرت إلى معنى قولهم بخلق أفعال العباد, وقد تقدم ذلك ~~في ((الوهم الثالث عشر)) من هذا ((المختصر)) (1) فخذه من هنالك, فإنه قد ~~يتوهم أن قولهم بالاختيار مع قولهم بخلق الأفعال مناقضة صريحة, وليس هذا ~~بلازم من مجرد إطلاق هذا اللفظ, مع فرقهم بين خلق الله تعالى وفعله, ~~وقولهم: إن أفعال العباد لا توصف بأنها فعل الله تعالى, فقد عنوا بخلق ~~الأفعال غير ما توهمه منهم المعتزلة, ومما يدل على ذلك: أن العلم لو كان ~~يخرج القادر عن القدرة لقدح ذلك في كونه تعالى قادرا, ولكان ms244 تعالى غير قادر ~~على ترك ما علم أنه سيخلقه, ولا على خلق ما علم أنه لا يخلقه, ولكان العلم ~~كافيا في إيجاد المخلوقات من غير قدرة ولا خلق, ونحو ذلك مما أجمعت الأمة ~~بل العقلاء على بطلانه, وقد وردت الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة بما يدل ~~على نفي الجبر وثبوت الاختيار: # قال الله تعالى: ((لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)) [البقرة/286] وقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث القسم للنساء: ((اللهم هذا قسمي فيما ~~أملك, فلا تؤاخذني فيما لا أملك)) رواه أبو داود في ((السنن)) (2) , قال ~~PageV02P470 # الحافظ ابن كثير الشافعي في كتابه ((إرشاد الفقيه)) (1): ((إنه حديث ~~صحيح)). # وروى مسلم بن الحجاج في ((صحيحه)) (2) من حديث أبي ذر ... - رضي الله عنه ~~- مرفوعا: ((فمن وجد خيرا فليحمد الله, ومن وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه)). ~~وفي الأحاديث الصحيحة من ذلك ما يطول ذكره, والقصد الإشارة, وقد علم أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعمل ويجتهد في العبادة ويأمر بذلك, ~~ويحترز في الحروب, ويلبس الدروع, ويستشير في الرأي ويدبر الأمور, وقال - ~~صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن هذه الشبهة بعينها: ((اعملوا فكل ميسر لما ~~خلق له)) (3) فصلى الله عليه وسلم لقد أوتي جوامع الكلم, (2وجمع في اللفظ ~~القليل متفرقات الحكم (4). ### | الفصل الثالث: # في الدليل على حسن الاحتجاج بالقدر من غير العاصي لله تعالى على ما قدمنا ~~في (الفصل الأول) من الاعتبار, وعلى شريطة عدم الاحتجاج به على الجبر ونفي ~~الاختيار, والدليل على ذلك أنه قد ورد في الشرع ورودا كثيرا, فمن ذلك قوله ~~تعالى: ((لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم)) [الحديد/23] ~~فالله تعالى في هذه الآية الكريمة نص على حسن التسلي بالقدر, ولا معنى ~~للتسلي PageV02P471 # إلا القطع بأن المقدر واقع لا محالة, وإن كان ممكنا في ذاته لم يخرج تركه ~~عن القدرة, ومن ذلك أن المنافقين لما قالوا لإخوانهم: ((لو أطاعونا ما ~~قتلوا)) [آل عمران/168] رد الله ذلك عليهم (1) , واحتج بالقدر فقال تعالى: ~~((قل لو كنتم ms245 في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم)) [آل ~~عمران/154] , وأصرح من هذه الآية في المقصود قوله تعالى: ((قل فادرءوا عن ~~أنفسكم الموت إن كنتم صادقين)) [آل عمران/168] فسوى بين القتل الذي هو من ~~فعل المخلوقين, وبين الموت الذي هو من فعله تعالى في أنه لا يغني الاحتراز ~~من (4القتل كما لا يغني الاحتراز من (2) الموت, ومن ذلك قوله تعالى: ((إلا ~~امرأته قدرناها من الغابرين)) [النمل/57] فقوله: ((قدرناها)) تعليل لهلاكها ~~لا خبر مستقبل (3) , لأنه لا يحسن أن يقال: إلا امرأته جعلناها من الغابرين ~~(4) , لما لم يكن بينهما ملازمة تصلح للتعليل, ومن ذلك قوله تعالى: ((وكل ~~إنسان ألزمناه طائره في عنقه)) [الإسراء/13] قال في ((الكشاف)) (5): ((أي ~~عمله)) ومنه قوله تعالى: ((وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في ~~الأرض مرتين)) [الإسراء/4] قال في ((الكشاف)) (6) PageV02P472 # في تفسيرها: ((وأوحينا إليهم وحيا مقضيا -أي مقطوعا مبتوتا- بأنهم يفسدون ~~في الأرض لا محالة)) , هذا لفظه مع غلوه في مذهبه. # ومنه قوله تعالى: ((قضي الأمر الذي فيه تستفتيان)) [يوسف/41] وقوله ~~تعالى: ((ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم)) [يونس/19] وقوله تعالى: ~~((لقد حق القول على أكثرهم)) [يس/7] وقول يعقوب - عليه السلام -: ((يا بني ~~لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من ~~شيء)) [يوسف/67] إلى قوله تعالى: ((إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو ~~علم لما علمناه)) [يوسف/68] وقال الزمخشري (1) في تفسيرها: ((خاف أن يدخلوا ~~كوكبة واحدة فيعانوا لجمالهم وجلالة أمرهم)) إلى قوله: ((وما أغني عنكم من ~~الله من شيء)) [يوسف/67] يعني إن أراد الله بكم سوءا لم ينفعكم, ولم يدفع ~~عنكم ما أشرت به عليكم من التفرق وهو مصيبكم لا محالة ((إن الحكم إلا لله)) ~~[يوسف/67] ثم قال: ((ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم)) [يوسف/68] يعني ~~متفرقين ((ما كان يغني عنهم)) رأي يعقوب ودخولهم متفرقين شيئا حيث أصابهم ~~ما ساءهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم, وأخذ أخيهم بوجدان الصواع (2) ~~في رحله, وتضاعف المصيبة على أبيهم ((إلا حاجة ms246 في نفس يعقوب)) استثناء ~~منقطع على معنى: ولكن حاجة في نفس يعقوب قضاها, وهي: شفقته عليهم وإظهارها ~~بما قال لهم ووصاهم به: ((وإنه لذو علم لما علمناه)) يعني قوله: وما ~~PageV02P473 # أغني عنكم, وعلمه بأن القدر لا يغني عنه الحذر)) انتهى كلام الزمخشري. # وإنما اخترت كلامه دون كلام غيره من المفسرين؛ ليكون حجة على المعترض, ~~فإنه أنكر احتجاج آدم - عليه السلام - بالقدر, والاحتجاج به والتعزي ~~والاعتذار مشهور في السنة والقرآن, وألسنة أهل الإسلام/, وإذا كان هذا ~~الزمخشري على أنه داعية الاعتزال كما ترى, فكيف بغيره!؟ ولم يزل العقلاء ~~يتسلون بالقدر, وينظمون ذلك في أشعارهم, وقد تداول البلغاء هذا المعنى فقال ~~بعضهم: # ما قد قضي يا نفس فاصطبري له ... ولك الأمان من الذي لم يقدر # ثم اعلمي أن المقدر كائن ... حتما عليك صبرت أم لم تصبري (1) # وقال آخر: # نفذ القضاء بكل ما هو كائن ... فأرح فؤادك من لعل ومن لو # وقال آخر: # ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق # وقال آخر: # ما ثم إلا ما يري ... د فألق همك واسترح # واقطع علائقك التي ... يشغلن قلبك واطرح # وهي قصيدة كعب بن زهير الشهيرة (2): PageV02P474 # * وكل ما قدر الرحمن مفعول * # ونحو هذا مما لا سبيل إلى التقصي عليه مما اشتهر بين المسلمين من غير ~~نكير على المتعزي به, فكيف أنكر المعترض ما لا يخفى!؟ # فإن قال: إنما أنكر ذلك لوقوعه من آدم - عليه السلام - جوابا على من لامه ~~على الذنب, والمذنب لا يجوز له أن يتسلى بالقدر. # فالجواب: أن ذلك صحيح في حق المذنب, ولكن آدم - عليه السلام - تائب من ~~الذنب, والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. # وعلى هذا الجواب بحث, وهو أن يقال: إنه لا يحسن من التائب منا أن يتسلى ~~بالقدر, بل المشروع من التائب (1) أن يلوم نفسه ويتذكر ما يهيج حزنه على ما ~~فرط منه كما لم يزل عليه أهل الصلاح. # فالجواب على هذا البحث: أن المبالغة في الندم بعد التوبة إنما لزمتنا ~~لبقاء توجه التكليف علينا, وأما ms247 آدم - عليه السلام - فإنه ما تكلم بهذا إلا ~~بعد الخروج من دار التكليف, ولا شك أنه لا يلزم المكلف في دار الآخرة أن ~~يتأسف على ما فرط منه, ولو كان ذلك لازما في دار الآخرة؛ للزم في أهل الجنة ~~وحسن منهم ولا قائل بهذا, وهذا هو لباب الجواب في هذه المباحث, وقد اقتصرت ~~على هذا ((المختصر)) وقد أودعت ((الأصل)) (2) أكثر من هذا, ولولا لجاج ~~الخصم الألد ما احتجنا إلى ذكر هذا ولا بعضه, نسأل الله السلامة, ونرغب ~~إليه في الاستقامة!. PageV02P475 # وقد أورد المعترض في الحديث ما ليس منه, فروى عن آدم - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال -بعد ذكر تقدير الله ذلك عليه-: ((وخلقه في قبل أن يخلقني ~~بألفي عام)) , وأوهم المعترض أن هذه الرواية في الصحاح, والصحاح برئية من ~~هذا الإفك, فخلق المعصية في آدم قبل أن يخلق محال, والشيء لا يكون ظرفا ~~لغيره في حال العدم, وكم بين هذه الرواية وبين ما ثبت في دواوين الإسلام!!. # الحديث السادس: حديث موسى وملك الموت -عليهما السلام-, وقد جعله المعترض ~~ختام الأحاديث التي لا يمكن تأويلها, لما لم يعرف وجه ما ورد فيه من لطم ~~موسى للملك -عليهما السلام- حين جاء الملك ليقبض روحه الشريفة, وعن هذا ~~الحديث جوابان: معارضة وتحقيق. ### | أما المعارضة: # فإنه قد ورد في القرآن العظيم أن موسى أخذ برأس أخيه -عليهما السلام- ~~يجره إليه, وذلك من غير ذنب علمه من أخيه, ولا دفع مضرة خافها منه, وأخوه ~~هارون نبي كريم بنص القرآن وإجماع المسلمين/, وحرمة الأنبياء مثل حرمة ~~الملائكة, وقد بطش موسى بهارون بطشا شديدا, ولهذا قال هارون متلطفا ~~ومستعطفا له: يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي, ولا برأسي, ولا تشمت بي الأعداء, ~~فإن كان المعترض يكذب القرآن فذلك حسبه من الكفران, وإن كان يتأول أفعال ~~الأنبياء -عليهم السلام- على ما يليق حسب الإمكان, ويرجع فيما لم يمكن ~~تأويله إلى الإيمان؛ فما باله لا يفعل مثل ذلك في الأحاديث الصحيحة والسنن ~~المأثورة؟ وما له والتقحم في المهالك, # PageV02P476 # والميل إلى متوعرات ms248 المسالك, والقطع بتكذيب الرواة, والمتابعة لبادىء ~~رأيه وهواه؟. # فإن قال: إن موسى - عليه السلام - إنما فعل ذلك غضبا لله تعالى؛ لأنه ظن ~~أن هارون قصر في النهي عما فعل قومه من عبادة العجل ومجاوزته للحد في الغضب ~~لأجل مجاوزة فعلهم للحد في القبح, ولما بقي عليه من طبيعة البشر في الغضب, ~~وقد ورد في ((الصحيح)) (1) عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((اللهم ~~إني بشر آسف كما يأسف البشر)) فكذلك موسى - عليه السلام -. # قلنا: هذا كلام صحيح, ولكن يجب أن نتطلب لما ورد في السنة وجها حسنا ~~-أيضا- كما تطلبنا مثل ذلك لما ورد في القرآن العظيم, فنقول وهو التحقيق: ~~إن ذلك يحتمل وجهين: ### | الوجه الأول # (2): وهو المعتمد أن يكون الملك أتاه على صورة رجل من البشر, ولم يعرف ~~أنه ملك, مثل ما أتى جبريل - عليه السلام - إلى مريم البتول -رضي الله ~~عنها- فتمثل لها بشرا سويا ففزعت منه فقالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت ~~تقيا, ولو علمت أنه جبريل الأمين لما استعاذت منه, فلما أتى ملك الموت إلى ~~موسى PageV02P477 # على هذه الصفة, وأراد أن يقتله دفع موسى عن نفسه. # فإن قلت: أليس في الحديث أن ملك الموت لما رجع إلى الله تعالى قال: يا رب ~~أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت وهذا يدل على أنه قد أخبره أنه ملك الموت, ~~وأنه جاء لقبضه. # والجواب: أن هذا لا يدل على معرفة موسى لملك الموت, لأن معرفة ملك الموت ~~لكراهة موسى للموت لا تستلزم معرفة موسى للملك بنص ولا مفهوم, ولا معقول ~~ولا مسموع, ولو أن الملك جاء على صورة البشر وادعى أنه ملك, ولم يظهر لموسى ~~ما يدل على صدقه, ولا خلق الله فيه علما ضروريا بذلك, لم يكن لموسى أن ~~يصدقه في ذلك, وإلا جاز أن يدعي بعض شياطين الجن أو الإنس مثل ذلك على ~~الأنبياء -عليهم السلام- ويجوز عليهم, وهذا ما لا يجوز أبدا. # ويدل على ما ذكرناه من عدم (1) معرفة موسى للملك: أنه قد ثبت في الحديث ~~الصحيح أن ms249 الله تعالى لا يقبض نبيا حتى يخيره (2) # , فلما جاء ملك الموت لقبض روح موسى من غير تخيير, أمكن أن يكون موسى قد ~~علم أنه لا يقبض حتى يخير, فشك في صدقه لذلك, والذي يدل على هذا دلالة ~~ظاهرة, أنه قد ورد في هذا الحديث بعينه أن PageV02P478 # ملك الموت لما رجع إلى موسى - عليه السلام - وخيره بين الحياة والموت ~~اختار الموت واستسلم, ويؤيد هذا أن الله تعالى لو أراد موته في المرة ~~الأولى, وتسليط الملك عليه لنفذ مراد الله فيه, ولم يقدر على دفع ملك ~~الموت, ولكن الله تعالى أراد الذي كان منه لحكمة بالغة, وليعلم من يثبت ~~إيمانه, ومن يستحوذ عليه شيطانه, كما قال تعالى في تحويل القبلة: ((وما ~~جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على ~~عقبيه)) [البقرة/143] وبمثل هذه الأمور يميز الله الخبيث من الطيب, والمؤمن ~~من المتريب, نسأل الله أن يثبت قلوبنا على الإيمان, ويعصمنا من وساوس ~~الشيطان. ### | الوجه الثاني: # أن نقول: سلمنا أن الملك /جاء إلى موسى -عليهما السلام- على صورة (1) ~~يعرفه عليها, ولكن ما المانع أن يكون موسى فعل ذلك وقد تغير عقله, فإن تلك ~~الحال مظنة لتغير العقول, فقد خر موسى صعقا لأجل اندكاك الطور, فكيف بهول ~~المطلع, فإنه عند العلماء بجلال الله -سبحانه وتعالى- أعظم وأجل من اندكاك ~~الجبل, وهذا الاحتمال ايضا يمكن فيه حالان: # أحدهما: أن يكون الملك أتاه وقد تغير عقله من غمرات الألم, وسكرات النزع. # وثانيهما: أن يكون جاءه وهو صحيح غير أليم, وإنما تغير عقله حين أخبره ~~بأزوف الرحلة من دار العمل, وانقطاع المهلة والأمل, وذلك لأن أمل الأنبياء ~~-عليهم السلام- عظيم في الترقي في مراتب PageV02P479 # الخدمة لله تعالى, وبلوغ أقصى المراتب في ذلك, والآخرة دار انقطاع من ~~ذلك, فارتاع موسى - عليه السلام - لذلك, ويحتمل غير ذلك مما يحتاج إلى ~~تأويل بعض ألفاظ الحديث فتركته اختصارا. # وأما ما ورد من أنه فقأ عين الملك فقال ابن قتيبة (1): ((أذهب موسى العين ~~التي هي تخييل وتمثيل وليست على حقيقة ms250 خلقته, وعاد ملك الموت إلى حقيقة ~~خلقته الروحانية كما كان لم ينقص منه شيء)). # والوجه في الحديث عندي هو الأول, وإنما ذكرت الوجه الثاني لبيان سعة ~~المحامل لمن طلبها, وتعريف المعترض ببطلان ما توهم من عدم إمكان تأويل هذا ~~الحديث. # * * * PageV02P480 # ثم إن المعترض قدح على أهل الصحاح بروايتهم لأحاديث فساق التأويل, وكفار ~~التأويل, (1وادعى الإجماع على تحريم قبول كفار التأويل (1) , والقطع على ~~تحريم قبول فساق التأويل, وركب الصعب والذلول في استنتاج (2) القطع بذلك من ~~الأدلة الظنية, وقد أوردت كلامه بلفظه في ((الأصل)) (3) واستوفيت نقضه, ~~واستوعبت الكلام فيه في قدر سبعين ورقة كبارا, وبلغت ما يرد عليه من ~~الإشكالات إلى نيف ومئتي إشكال, وقدر رأيت أن أقتصر في هذا ((المختصر)) على ~~نكت يسيرة من ذلك فأقول: # الكلام في أهل التأويل يشتمل على فوائد: # الفائدة الأولى: في تعريف المعترض أن في كلامه هذا هدم قواعد مذهبه, ~~وخالف جميع سلفه, وكذب ثقات أصحابه, وقدح على كبار أئمته, وذلك أن الظاهر ~~من مذهب الزيدية قبول أهل التأويل مطلقا كفارهم وفساقهم, وادعوا على جواز ~~ذلك إجماع الصحابة -رضي الله عنهم-, وذلك في كتب الزيدية ظاهر لا يدفع, ~~مكشوف لا يتقنع. ولنذكر هنا ثماني طرق للإجماع, من طريق أئمة الزيدية ~~وعلمائهم, الذين يجب عند (4) المعترض قبول رواياتهم: # الطريق الأولى: عن الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة, فإنه ادعى ~~الإجماع على ذلك في كتابيه ((صفوة الاختيار)) , و ((المهذب)) لكنه في ~~((الصفوة)) بالنص الصريح, وفي ((المهذب)) بالعموم الظاهر. PageV02P481 # الطريق الثانية: طريق الإمام يحيى بن حمزة ذكره في ((الانتصار)) في كتاب ~~الأذان مرة, وفي كتاب الشهادات أخرى. # الطريق الثالثة: طريق القاضي زيد بن محمد صاحب ((شرح التحرير)) (1ذكرها ~~في ((شرح التحرير)) (1) في كتاب الشهادات, ورواها عنه الأمير الحسين في ~~((التقرير)). # الطريق الرابعة: طريق الفقيه عبد الله بن زيد العنسي ذكرها في كتابه ~~((الدرر المنظومة)) في أصول الفقه. # الطريق الخامسة: طريق الشيخ أبي الحسين البصري المعتزلي ذكرها في كتابه ~~((المعتمد)) (2) في أصول الفقه. # الطريق السادسة: طريق الحاكم أبي سعيد ms251 المحسن بن كرامة المعتزلي ذكرها في ~~كتابه ((شرح العيون)). # الطريق السابعة: طريق الشيخ /الحسن بن محمد بن الحسن الرصاص الزيدي رواها ~~عنه حفيده أحمد بن محمد بن الحسن في كتابه ((غرر الحقائق)) (3). # الطريق الثامنة: طريق حفيده هذا أحمد بن محمد الرصاص ذكرها في كتابه ~~((جوهرة الأصول)). # وفي هؤلاء من اقتصر على دعوى الإجماع, على قبول فساق التأويل دون الكفار, ~~ومنهم من ادعى الإجماع على قبول كفار التأويل PageV02P482 # أيضا, وهم: الإمام يحيى بن حمزة في ((الانتصار)) [نصا] (1) صريحا, ~~والإمام المنصور في ((المهذب)) عموما ظاهرا, وعبد الله بن زيد في ((الدرر)) ~~نصا صريحا, والقاضي زيد في ((الشرح)) كذلك. # وقال المؤيد في ((اللمع)) -الذي هو مدرس الزيدية- في كفار التأويل ما ~~لفظه: ((فعلى هذا شهادتهم جائزة عند أصحابنا)) ثبت هذا اللفظ عنه في كتاب ~~((اللمع)) وكتاب ((التقرير)) وهذا في الشهادة التي هي آكد من الرواية, ~~وأكثر من هذا أن السيد أبا طالب قال في كتاب ((اللمع)): ((إن كل من قبلهم ~~ادعى الإجماع على ذلك, وهذا يدل على أن المدعين للإجماع عدد كثير من ثقات ~~العلماء وأهل المعرفة التامة, فكيف يجترىء المعترض بالقدح بذلك على ~~المحدثين موهما أنه لا يذهب إلى جواز لك أحد من الزيدية والمعتزلة, وقد ~~أجمعت الزيدية على قبول مراسيل من يقبل من كفار التأويل وفساقه؛ كالمنصور ~~بالله والمؤيد بتخطئة المجتهدين الذين قبولهم وبنوا الأحكام على روايتهم, ~~ويستلزم ذلك عدم الاعتداد بأقوالهم, وانعقاد الإجماع على رءوسهم, وتحريم ~~التقليد لهم, ونحو ذلك من الشناعات المستلزمة لمخالفة الإجماع. # الفائدة الثانية: في بيان كلام أئمة الحديث في ذلك, فقد ذكروا في فسافق ~~التأويل أقوالا: # الأول: أنهم لا يقبلون كالمصرحين, يروى عن مالك, وقال ابن PageV02P483 # الصلاح (1): ((إنه بعيد مباعد للشائع عن أئمة الحديث, فإن كتبهم طافحة ~~بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة)) كما سيأتي. # الثاني: أنه إن كان يستحل الكذب لنصرة مذهبه لم يقبل, وإلا قبل, وهو مذهب ~~أحمد, كما قال الخطيب. # قال ابن الصلاح (1): وهذا مذهب الكثير أو الأكثر, وهو أعدلها وأولاها. # قال ابن حبان: ((هو ms252 قول أئمتنا قاطبة لا أعلم بينهم فيه خلافا)) وكذا حكى ~~بعض أصحاب الشافعي عن أصحاب الشافعي أنهم لم يختلفوا في ذلك (2). # وأما كفار التأويل فمن لم يكفرهم فحكمهم عنده على ما تقدم, وأما من كفرهم ~~فحكى زين الدين ابن العراقي (3) عن الحافظ الخطيب البغدادي الشافعي أنه حكى ~~عن جماعة من أهل النقل والمتكلمين أنهم يقبلون أهل التأويل وإن كانوا ~~كفارا, قال زين الدين: واختاره صاحب ((المحصول)). # قلت: الجمهور منهم على رد الكافر, قال زين الدين: ونقله السيف الآمدي عن ~~الأكثرين/, وبه جزم أبو عمرو ابن الحاجب. PageV02P484 # وقال صاحب ((المحصول)) (1): ((الحق أنه إن اعتقد حرمة الكذب قبلنا ~~روايته, وإلا فلا, لأن اعتقاده حرمة الكذب يمنعه منه)). # الفائدة الثالثة: في ذكر بعض حجج القابلين لهم والمخالفين في ذلك, أما ~~القابلون لهم فلهم حجج: ### | الحجة الأولى: # الإجماع, وبيانه أن أهل الحديث وأهل السنة قاطبة أجمعوا على صحة حديث ~~((الصحيحن)) , مع أن في حديثهما ما هو مستند إلى المبتدعة: القدرية ~~والمرجئة وغيرهم, من غير ظهور متابعة, ولا استشهاد, ولا تصريح من البخاري ~~ومسلم بأن المتأول غير مقبول عندهما, فيجب حملهما على معرفة متابعات وشواهد ~~تقوي حديث أولئك المبتدعة, ويجب الحكم بصحة حديثهم لأجل تلك المتابعات ~~والشواهد, لا لأجل الثقة لهم. هذا إجماع ظاهر من أهل السنة. # وأما المعتزلة والشيعة: فقد ذكرنا رواية ثقاتهم للإجماع على ذلك, وذكرنا ~~إجماعهم على الرجوع إلى ((الصحيحين)) وغيرهما من كتب أهل السنة, وبينا أنهم ~~يقبلون مراسيل من يقبل أهل التأويل, وأنه لا يمكنهم تمييز حديثهم من حديث ~~أهل التأويل عندهم ألبتة. # فإن قيل: كيف نصغي إلى دعوى الإجماع, وقد علم وقوع الخلاف؟. # قلنا: ذلك يصح؛ لأن الإجماع المدعى ليس بإجماع جميع PageV02P485 # الأمة, وإنما هو إجماع أهل عصر منهم, وهو إجماع الصدر الأول من الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم, فإن أهل العصر قد يجمعون فيعلم إجماعهم بعض أهل العلم ~~فيرويه ويتبعه, ولا يعلم ذلك بعض أهل العلم فيخالف, ويروى الخلاف والإجماع, ~~ومثل هذا كثير الوقوع, وقد عين كثير من أهل العلم ms253 ذلك العصر المدعى إجماع ~~أهله, وذكر أنه عصر الصحابة والتابعين, واحتجوا بإجماع الصحابة على قبول ~~القائمين على عثمان - رضي الله عنه - من الصحابة, ممن روى هذا أبو عمرو بن ~~الحاجب في ((مختصر المنتهى)) (1) وأجاب عنه بوجهين: # الأول: عدم تسليم الإجماع. # وهذا الوجه ليس بشيء, لأن راوي الإجماع إذا كان ثقة عارفا مطلعا موافقا ~~في الطريق التي يعرف بها ثبوت الإجماع؛ وجب قبوله كما يجب قبول راوي ~~الحديث. ولم يعارض إلا بنقل الخلاف بطريقة صحيحة, ولو جاز مقابلة نقلة ~~الأدلة بذلك أمكن رد كل راو وتكذيب كل عالم. # الوجه الثاني: أنه يجوز أنهم قبلوا حديث أولئك لعدم اعتقادهم فسقهم, أو ~~لتوقفهم في ذلك, أو لعدم معرفتهم بوقوع ذلك منهم, أو لاعتقاد بعضهم ~~إصابتهم. # والجواب عنه من وجوه: # الأول: أنه إذا روى الإجماع ثقة لم يقدح تجويز وهمه في روايته ~~PageV02P486 # لما لا حقيقة له, ولو قدح بمثل ذلك في هذا الإجماع أمكن/ القدح بمثله في ~~كل إجماع, بل في كل رواية طريقها النقل في الأخبار واللغات ونحوها, فيقال ~~في الخبر المرفوع: لعل السامع له وهم أنه من كلام رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - , وإنما حكاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن غيره, أو ~~لعله توهمه مرفوعا وهو موقوف, أو مسندا وهو مقطوع, أو نحو ذلك. # الوجه الثاني: أن مدعي الإجماع ادعى العلم, ومن رد ذلك لم ينقل خلافا في ~~ذلك وإنما استبعد أن يعلم ذلك غيره مع أنه لا يعلمه, ومن علم حجة على من ~~جهل, وقد يختلف الناس في معرفة أخبار السلف وأحوالهم, ويحصل لبعض العلماء ~~بشدة البحث للأخبار والتواريخ علم بأمور كثيرة لا يشاركه فيها غيره, وفي ~~قبول مدعي الإجماع حمل الجميع على السلامة أما المدعي فلظن صدقه وتورعه عن ~~رواية ما لا يعرف, وأما المنكر فلظن عدم معرفته لما عرف مدعي الإجماع, ~~وحمله على عدم العناد, وعلى أنه لو عرف لوافق. # الوجه الثالث: أن اختلافهم في العلة لا يقدح في صحة التمسك بالإجماع, كما ~~لو أجمعوا على ms254 قتل رجل اختلفوا في العلة, فقيل: بالقصاص, وقيل: بالردة, ~~وقيل: بغير ذلك, فإن قتله يجوز قطعا, وكذلك قبول رواية فاسق التأويل إذا ~~أجمعوا عليه واختلفوا في علته, فمنهم من قبله لأن فسق التأويل لا يوجب رد ~~الرواية, ومنهم من قبله؛ لأن مذهبه أنه ليس بفسق عنده, فإن حديث ذلك الرجل ~~يكون مقبولا بالإجماع, وأما فسقه فمأخوذ من دليل آخر. # ويتعلق بهذا بحث دقيق يتعلق بالحديث المتلقى بالقبول؛ هل # PageV02P487 # نقطع بصحته أم لا؟ وقد اختلف العلماء فيه وأوضحته في ((الأصل)) بما لا ~~مزيد عليه. # الوجه الرابع: وهو المعتمد أنا وإن سلمنا عدم العلم بإجماع الصحابة على ~~ذلك فلا نسلم عدم العلم بإجماع المتأخرين على قبول ما اتفق البخاري ومسلم ~~على تصحيحه من حديث المبتدعة, وقد قدمنا بيان إجماع المعتزلة والشيعة على ~~ذلك, وبينا اضطرارهم إلى القول به, وبسطناه في ((الأصل)) بسطا يضطر المعاند ~~إلى الوفاق, ويخضع له منهم أهل اللجاج والشقاق, ومن وقف على كلام أبي عبد ~~الله الذهبي في ((ميزان الاعتدال في نقد الرجال)) (1) أيقن أنه لا سبيل إلى ~~رواية السنن إلا على هذه الطريقة. # ولله در الإمام الشافعي - رضي الله عنه - ما أوضح مناره وأقوى أنظاره, ~~وأصح اختياره, وأحسن اعتباره! فهذه نبذة يسيرة مما يتعلق بالحجة الأولى وهي ~~حجة الإجماع. ### | الحجة الثانية: # أن الأمة أجمعت على أنه يحرم على العالم PageV02P488 # العمل بالعموم مع ظن وجود الخاص, والعمل بالحديث الظني مع ظن وجود ناسخه, ~~والعمل بالقياس مع ظن وجود النص, ولا شك أن أخبارهم توجب ظن وجود الخاص ~~والناسخ والنص المانعة من العمل بالعام والمنسوخ والقياس. ### | الحجة الثالثة: # أن في رد حديثهم مضرة مظنونة, ودفع المضرة عن النفس واجب./ وأما أن في ~~ذلك مضرة مظنونة فذلك معلوم؛ فإن أهل الصدق والأمانة لو أخبرونا بأن الطعام ~~مسموم؛ لوجب علينا تجنبه عند الأشعرية والمعتزلة عقلا وشرعا, وإذا كان هذا ~~في مضار الدنيا -مع حقارتها- فكيف إذا أخبرونا بأن فعل بعض الأمور يغضب ~~الله جل جلاله, ويستحق به عقابه ونكاله. ### | الحجة الرابعة: # أنه يحصل ms255 بخبرهم الظن, والعمل بالظن حسن عقلا, أما عند المعتزلة فظاهر, ~~وأما عند الأشعرية فلأن الفخر الرازي ذكر في ((المحصول)) وغيره أنهم لم ~~يخالفوا في هذا القدر, وإنما خالفوا في أن تارك ما أوجبه العقل يستحق الذم ~~عاجلا والعقاب آجلا. # وتقرير هذا الوجه: أن العقلاء اتفقوا على حسن الخبر والاستخبار, واعتمدوا ~~في المهمات على إرسال الرسول, وكتابة الكتاب, وبعث النذير إلى من يخاف ~~عليه, والطليعة إلى من يخاف منه, وكل هذا لا يفيد إلا الظن, وكذلك تصرفاتهم ~~فإن عامتها مبني على استحسان العمل بالظن, فسفر التاجر على ظن الربح, وزرع ~~الزارع على ظن التمام, وغزو الملوك على ظن الظفر, وقراءة القراء على ظن ~~حصول المعرفة, ولهذا فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بعث رسله ~~إلى # PageV02P489 # أهل عصره يخبرونهم بالشريعة ويبلغونهم الأحكام اتفق أهل ذلك العصر بفطر ~~عقولهم السليمة على وجوب العمل بما أخبرهم به رسل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من غير أن يعلموا جواز ذلك بنص شرعي متواتر قطعي, ومن غير أن ~~يستقبح ذلك منهم أحد, ولم يختلفوا ويتناظروا في ذلك, فثبت بهذا أن العمل ~~بالظن حسن عقلا, وأن العمل له لم يزل بين المسلمين ظاهرا قديما وحديثا, ولا ~~يخص من ذلك إلا ما خصه الدليل الشرعي, وقد تعرض ابن الحاجب لإبطال هذا ~~الوجه فلم يأت بشيء, ولولا خوف التطويل لبينت ذلك. ### | الحجة الخامسة: # قوله تعالى: ((فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما)) [البقرة/275] وقوله ~~تعالى: ((فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى)) [طه/123] ~~وأمثال ذلك, وهذا عام في كل ما جاء عن الله, سواء كان من كلامه -سبحانه- أو ~~على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وسواء كان معلوما أو مظنونا, ~~بل الأكثر من ذلك هو الذي جاء مظنونا, وقد ثبت أن معنى القرآن الكريم منقسم ~~إلى: معلوم ومظنون, وأنا متعبدون بهما معا, وأن المعنى المظنون من جملة ما ~~جاءنا من عند الله تعالى, فكذلك السنة فيها معلوم ومظنون, وكل منهما ms256 مما ~~جاءنا من عند الله. ### | الحجة السادسة: # قوله تعالى: ((وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير)) ~~[الملك/10] فذمهم الله تعالى بعدم الاستماع على الإطلاق, ولابد من تقييده ~~بعدم استماع ما جاء من عند الله تعالى من معلوم أو مظنون, وإنما قدرنا ذلك ~~لأن تقدير المعلوم وحده على خلاف الإجماع, فإن الأمة أجمعت على وجوب الرجوع ~~إلى الأدلة # PageV02P490 # الظنية من المعاني القرآنية/ والأخبار الآحادية, وإنما لم يؤثموا ~~المجتهدين إذا خالفوا شيئا من الأدلة الظنية؛ لأنهم اتبعوا ما ظنوا صحته. ### | الحجة السابعة: # قوله تعالى: ((خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون)) ~~[البقرة/63] وهي عامة في كل ما آتانا الله من معلوم ومظنون, وقد ثبت في ~~((الصحيح)) (1) عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إذا أمرتكم ~~بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) فيجب بذل الاستطاعة في تعرف ما آتانا الله ~~تعالى من معلوم ومظنون, فأعلى المراتب: أن نعلم اللفظ والمعنى, ودون ذلك: ~~أن نعلم اللفظ ونظن المعنى. ودون ذلك: أن نعلم المعنى ونظن اللفظ أو نظنهما ~~معا, على أن في علم المعنى مع ظن اللفظ بحثا ليس هذا موضعه. ### | الحجة الثامنة: # قوله تعالى: ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)) ~~[المائدة/44] وفي آية: ((الفاسقون)) [المائدة/47] وفي آية ((الظالمون)) ~~[المائدة/45] وقد ثبت أن ما أنزل الله منقسم إلى معلوم ومظنون وقد مر ~~تقريره. ### | الحجة التاسعة: # حديث الحسن بن علي -رضي الله عنهما- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) وهو حديث حسن معمول به, ذكره النووي في ~~((مباني الإسلام)) وحسنه (2) وأخرجه PageV02P491 # الترمذي في ((جامعه)) (1) وهو يصلح حجة في المسألة هو وما في معناه من ~~الحديث, لمن ثبت له صحته من غير طرق المبتدعة بفسق أو بكفر, وهو يدل على ~~قبول من يظن صدقه لأن رده مما يريب. # فإن قلت: إن تصديقهم مما يريب أيضا. # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أنا لا نسلم أن ذلك يسمى ريبا؛ لأنه راجح مظنون, والراجح ms257 المظنون ~~صحته لا يسمى تجويز خلافه ريبا في اللغة, فإن الإنسان إذا غاب من منزله ~~ساعة من نهار, وعهده بعمارته قائمة صحيحة؛ فإنه لا يسمى مريبا في انهدام ~~الدار, وإن كان يجوز ذلك, وكذا إذا أخبره ثقة بخوف عدو, فإنه يسمى مريبا من ~~خوف العدو لا صدق الثقة الذي أخبره. # الوجه الثاني: أنا لو سلمنا أن ذلك يسمى ريبا لما سلمنا سقوط التكليف ~~بقبولهم, وذلك لأن في قبولهم ريبا مرجوحا, وفي ردهم ريبا راجحا, ولا شك أن ~~الاحتراز من المضرة الراجح وقوعها أولى من الاحتراس من المضرة المرجوح ~~وقوعها, وإلا لزم قبح التصديق للنذير, وإن كان ثقة, لتجويز الكذب أو الوهم ~~عليه, ونحو ذلك, ويعضد هذا المعنى كل ما ورد فيه مثل حديث: ((الحلال بين ~~والحرام بين, وبينهما أمور مشتبهات, فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه ~~وعرضه)) (2) الحديث, وهو صحيح, ويدخل في الشبهات, ارتكاب ما PageV02P492 # رووا تحريمه, وترك ما رووا وجوبه, بل هو أقرب إلى الحرام؛ لأنه من قبيل ~~ارتكاب ما يغلب على الظن تحريمه, فتأمل ذلك ونظائره في الحديث. ### | الحجة العاشرة: # أنه يحرم عليهم كتم ما يعرفونه من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لما ورد في تحريم ذلك من القرآن والسنة والإجماع, فلا يرتفع وجوب ذلك عنهم ~~إلا بدليل يعارض أدلة تحريم كتم العلم في القوة والظهور, ولا شك أنه لا ~~يوجد ما يماثل ذلك في إسقاط تحريم الكتم عليهم, وإذا ثبت أنه يجب عليهم ~~التبليغ ويحرم عليهم الكتم/ ثبت أنه يجب قبولهم وإلا لم يكن لتبليغهم ~~فائدة, ولا لوجوب ذلك عليهم معنى. # وأما المصرح بالكفر والفسق؛ فغير متعبد بذلك في حال فسقه, لانعقاد ~~الإجماع على اشتراط توبته في القبول. # وأما المتأول؛ فلم ينعقد الإجماع على ذلك بل ادعى غير واحد من أهل الفقه ~~انعقاد الإجماع على قبولهم كما قدمنا فافترقا. وفي هذا بحث لطيف تركته ~~اختصارا. # وهذه عشر حجج اختصرتها من نيف وثلاثين حجة ذكرتها في ((الأصل)) (1) , ~~وأردفتها بذكر بضعة عشر مرجحا لقبولهم على ردهم. # وأما ms258 الرادون لحديث كفار التأويل وفساقه, فقد احتجوا بأمور PageV02P493 # ضعيفة, وقد أوردتها في ((الأصل)) (1) وأضحت الجواب عليها, وأنا أورد هنا ~~أقوى ما تمسكوا به, وألوح إلى جمل كافية في الجواب على ذلك. # فمما احتجوا به قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ~~فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة)) [الحجرات/6]. # قال المعترض: وهذا في معنى العموم كأنه قال: إن جاءكم فاسق أي فاسق. # والجواب من وجوه: # الوجه الأول: أن المتأول لا يستحق اسم الفسوق في عرف العرب؛ لأنه في عرف ~~أهل اللغة: الذي يتعمد ارتكاب الفواحش تمردا أو خلاعة, وليس هو من يكف نفسه ~~عن كل ما يعلم تحريمه أو يظنه, ولا يفعل قبيحا إلا بتأويل, وإذا لم يكن ~~يسمى فاسقا في عرفهم لم تتناوله الآية, سواء كان يسمى في وضع اللغة أم لا, ~~لأن الحقيقة العرفية مقدمة على الحقيقة اللغوية, والذي يدل على ذلك العرف ~~آيات كثيرة, منها: قوله تعالى في الكفار: ((وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين)) ~~[الأعراف/102] وقوله تعالى في المشركين: ((كيف يكون للمشركين عهد عند الله ~~-إلى قوله- وأكثرهم فاسقون)) [التوبة/7 - 8] وقوله تعالى في اليهود: ((وأن ~~أكثركم فاسقون)) [المائدة/59] وهذه الآيات الكريمة دالة على أن في المشركين ~~وسائر الكفار من ليس بفاسق, وقد فسر الزمخشري هذه PageV02P494 # الآيات على المعنى الذي ذكرته, فقال (1) في قوله تعالى: ((وأكثرهم ~~فاسقون)) [التوبة/8] ((متمردون خلعاء لا مروءة تزعهم, ولا شمائل مرضية ~~تردعهم, كما يوجد ذلك في بعض الكفرة من التفادي عن الكذب والنكث, والتعفف ~~عما يثلم العرض ويجر أحدوثة السوء)) انتهى. # وهو تصريح منه بما ذكرته في تفسير الفاسق, فكيف يدخل فيه المتأول المتعبد ~~المتورع المتخشع!؟ وقد فهم هذا المعنى في هذه الآية بخصوصها غير واحد من ~~أهل العلم بتفسير كتاب الله تعالى, فقال عبد الصمد (2) في تفسيرها: سمى ~~الله الوليد فاسقا لكذبه الذي وقع به الإغراء, وقال القرطبي في هذه الآية ~~في ((تفسيره)) (3): ((وسمى الله الوليد فاسقا أي: كاذبا)) قال القرطبي (4): ~~((وقال العلماء: الفاسق PageV02P495 # الكذاب, وقيل: الذي لا يستحي من الله)). انتهى كلامه. ms259 # وفيه شهادة للمعنى الذي ذكرته, أقصى ما في الباب: أن هذا الاحتمال غير ~~ظاهر, لكنه محتمل غير مرجوح, وذلك يمنع من الاحتجاج بها في المتأولين. # الوجه الثاني: أن الله تعالى قال: ((إن جاءكم فاسق بنبأ فنبينوا)) ~~[الحجرات/6] ولم يقل: فلا تقبلوه, والتبين هو تطلب/ البيان, وليس القطع على ~~أنه كاذب يسمى تبينا في اللغة ولا في العرف ولا في الشرع, وقد جاء الأمر ~~بالتبين في القرآن الكريم, وليس المراد به الرد والتكذيب, وذلك في قوله ~~تعالى في سورة النساء: ((يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله ~~فتبينوا)) [النساء/94] فروى البخاري ومسلم (1) من حديث ابن عباس -رضي الله ~~عنهما- أن المسلمين لحقوا رجلا في غنيمة له, فقال: السلام عليكم, فقتلوه ~~وأخذوا غنيمته فنزلت, وهو حديث صحيح مروي من غير طريق, فثبت أن التبين طلب ~~البيان لا رد المتهم. # فنقول: من جملة التبين أنا ننظر إلى المخبر أهو من أهل الصدق والتحري أم ~~لا؟ فإن لم يكن منهم لم نقبله, وإن كان منهم نظرنا هل أخبرنا بأمر يتعلق ~~بحقوق المخلوقين, أو بأمر من أمور (2) الدين, فإن كان مما يتعلق بأمر ~~الدين؛ اكتفينا فيه بظن صدقه وأمانته ما لم يجرح بأمر يعارض أدلة قبوله, ~~وإن كان في حقوق المخلوقين لم نصدقه حتى PageV02P496 # يشهد معه شاهد آخر غالبا, ولا شك أن الآية نزلت في حقوق المخلوقين وأن ~~الوليد لم يكن في المتأولين باتفاق العارفين. # الوجه الثالث: أن الله تعالى علل التبين بخوف الإصابة بالجهالة, وهذه ~~العلة غير حاصلة في خبر المتدين (1) , فإن خبره يفيد الظن الراجح وذلك لا ~~يسمى جهالة لوجهين: # الوجه الأول: أنه يسمى علما في لغة العرب لقوله تعالى: ((وما شهدنا إلا ~~ما علمنا)) [يوسف/81] وغير ذلك, وما ثبت أنه يسمى علما في لسان العرب فلا ~~يسبق إلى الفهم أنه يسمى جهالة, ولا يجوز ذلك إلا بدليل. # الوجه الثاني: وهو المعتمد أنا نظرنا في الجهالة هل هي عدم العلم أو عدم ~~الظن؟ فوجدناها عدم الظن لا عدم العلم, وإنما قلنا ليست ms260 عدم العلم؛ لأن ~~العلم لا يحصل أيضا بخبر المسلم الثقة ولا بخبر الثقتين, فثبت أن الجهالة ~~تنتفي بحصول الظن, وهو حاصل بخبر المتأول المتدين, وقد قال القرطبي (2): ~~((في هذه الآية الكريمة سبع مسائل, وذكر منها: أن القاضي إذا قضى على الظن ~~لم يكن ذلك عملا بجهالة كالقضاء بشاهدين عدلين, وقبول قول عالم مجتهد)) ~~انتهى. # وهو صريح في المعنى الذي ذكرته ولله الحمد. وللزمخشري (3) PageV02P497 # مثل ذلك ذكره في تفسير قوله تعالى: ((فإن علمتموهم مؤمنات)) ~~[الممتحنة/10]. # الوجه الرابع: أن الآية خاصة في حقوق المخلوقين (2لا عامة في جميع أخبار ~~المخبرين, ولا شك أن خبر الواحد الثقة غير مقبول في حقوق المخلوقين (1) على ~~الإطلاق, وأن الثقات غير مقبولين في حقوقهم إذا كانت بينهم أحنة عداوة, ~~والوليد كان بينه وبين الذين كذب عليهم عداوة, فلا حجة في الآية لا في ~~عمومها, ولا في (3مفهومها, ولا في (2) تعليلها المقتضي للقياس عليها. # الوجه الخامس: أنا لو قدرنا عمومها وسلمنا تسليم جدل لم يمنع ذلك من ~~تخصيصها, ولا شك أن في أدلتنا المتقدمة ما هو أخص منها كالإجماع, ودليل ~~المعقول وغيرهما. # الوجه السادس: أنا لو سلمنا عدم وجود المخصص, لم يلزم ما ذكره الخصوم؛ ~~لأن ما أوردناه من الآيات الكريمة معارضة لعموم هذه الآية, لو سلمنا /أنها ~~عامة وتلك الآيات أرجح لكثرتها, ولما في قبول المتأولين من الاحتياط غالبا, ~~ولما في مخالفة ذلك من خوف مخالفة الإجماع, ولغير ذلك من المرجحات المذكورة ~~في ((الأصل)) وقد ذكرت في ((الأصل)) (3) سبعة عشر وجها في القدح على ~~المعترض PageV02P498 # في احتجاجه بهذه الآية الكريمة, وفي هذا القدر كفاية -إن شاء الله ~~تعالى-. # الحجة الثانية: مما احتجوا به: القياس على الكافر والفاسق المصرحين, ~~قالوا: فإن العلة في ردهما الكفر والفسق, وهي حاصلة في المتأولين, والجواب ~~من وجوه: # الأول: أن هذا قياس مصادم للإجماع والدليل العقلي, فلا يقبل وفاقا, فإن ~~كل واحد منهما يمنع منه. # الوجه الثاني: أنه مخصص لكثير من الآيات القرآنية (1) والآثار الصحيحة, ~~وكل قياس على هذه الصفة لم يلزم المصير ms261 إليه, بل يقف ذلك على حسب مذهب ~~العالم في تجويز تخصيص العموم به, وعلى حسب قوة العموم أو (2) قوة القياس ~~أو ضعفهما, أو قوة أحدهما وضعف الآخر. # الوجه الثالث: أن التعليل بالفسق غير مسلم, وإذا لم تسلم العلة انهدم ~~أساس القياس, وذلك أن الخصم ادعى أن العلة في قبول العدل: أن قبول منصب ~~تعظيم وتشريف, والفاسق المتأول غير أهل لذلك, وعندي أن العلة هي ظن الصدق ~~ورجحانه, والدليل على ذلك وجوه: # الوجه الأول: قوله تعالى: ((واستشهدوا شهيدين من رجالكم)) [البقرة/282] , ~~فلو كانت العلة مجرد العدالة, وكونها منصبا شريفا, مستحقا للتعظيم, مانعا ~~من قبول الرد لما فيه من الاستهانة بالمردود PageV02P499 # والتهمة له, لكفى العدل الواحد, فإن قيل: هذا ينعكس عليكم, فإنه لو كان ~~العلة الظن لكفى الوحد أيضا, فالجواب من وجوه (1): # أحدهما: أن القصد في حقوق المخلوقين الظن الأقوى حسب الإمكان المتيسر, ~~وفي حقوق الله تعالى مجرد الظن. # وثانيهما: أنه إذا بطل بهذا تعليلنا بطل به تعليل الخصم, وذلك يضر الخصم ~~ولا يضرنا, لأن بطلان به تعليل يستلزم بطلان القياس وبذلك تبطل حجة الخصم ~~القياسية. وأما نحن؛ فلم (2) نحتج إلى القياس في هذه المسألة وإنما قصدنا ~~بطلانه. # وثالثها: أن سائر أدلتنا في استنباط التعليل بالظن غير معارضة بما ~~يساويها في القوة. # الوجه الثاني: (3) قوله تعالى: ((او آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في ~~الأرض فأصابتكم مصيبة الموت)) [المائدة/106] فأباح الله تعالى قبول كافر ~~التصريح عند الضرورة الدنيوية, حين لم يوجد من يحفظ المال بالشهادة سواه, ~~فدل على أن قبولها ليس بمنصب تشريف لا يستحقه إلا مؤمن, فأولى وأحرى أن ~~نقبل المتأول من أهل القبلة, إذا اضطررنا إلى ذلك في أمر ديننا, بأن يحفظ ~~عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - حكما ونظن صدقه فيه ولا نجد غيره أحدا ~~يرويه, فإن الشرع قد جعل الشهادة في حقوق المخلوقين آكد من الخبر عن أمور ~~الدين, لما ورد فيها من اعتبار PageV02P500 # شاهدين اثنين, وعدم الاجتزاء بامرأة واحدة عن احد الشاهدين ونحو ذلك, ~~فإذا جاز في ms262 الضرورة اعتبار كافر التصريح في الشهادة, مع تغليظ حكمها, ~~فجواز اعتبار كافر التأويل في الرواية أولى, وفي هذه الآية أوضح دليل على ~~جواز تخصيص العلة, فتأمل ذلك. # الوجه الثالث: قوله تعالى: ((ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها)) ~~[المائدة/108] فعلل بما يفيد قوة الظن. # الوجه الرابع: قوله تعالى في /الكتابة: ((ذلكم أقسط عند الله وأقوم ~~للشهادة وأدنى ألا ترتابوا)) [البقرة/282] وهذا أوضح دليل على اعتبار ما ~~يبعد عن الريبة, دون اعتبار منصب العدالة الراجع إلى ما يستحقه المسلم من ~~التعظيم. # الوجه الخامس: ورود الشرع بشاهد ويمين عند من يقول بذلك من أهل العلم, ~~ولا شك أن شرع اليمين يدل على اعتبار قوة الظن ولا يناسب مقام تعظيم ~~المؤمن, بل فيها تهمة للشاهد والحالف, ولو صدقا من غير شهادة ولا يمين كان ~~أكثر تعظيما لهما. # الوجه السادس: أنه يجب رد حديث العدل في دينه إذا كان سيء الحفظ [يترجح] ~~(1) خطؤه على صوابه, وهذا إجماع, وفيه أكبر دليل على أن العبرة الظن, ولهذا ~~وجب رد المسلم المتدين حيث زال الظن لصدقه, ولو كانت العلة ما ذكره المعترض ~~من استحقاقه لمنصب القبول بإسلامه وإيمانه وديانته؛ لوجب قبول سيء الحفظ, ~~وإن كان PageV02P501 # خطؤه أكثر من صوابه, لأنه لم يتعمد ولا إثم [عليه] (1) في ذلك ولا حرج ~~باتفاق المسلمين. # الوجه السابع: أن علماء الأصول عملوا في باب الترجيح بتقديم خبر من قوي ~~الظن بإصابته وصدقه, ولم يقدموا خبر من كثر ثوابه وعظمت منزلته عند الله ~~تعالى, فاعتبروا في الترجيح جودة الحفظ, وملازمة الفن, وموافقة أهل ~~الإتقان, ولم يعتبروا أسباب عظم المنزلة عند الله من كثرة الجهاد والصدقة ~~والذكر, وقد ضعفوا [جماعة] (2) لكثرة اشتغالهم بالعبادة وانقطاعهم في ~~الذكر, حتى غفلوا عن الحديث وساء حفظهم, وهذا أوضح دليل على تعليل القبول ~~بالظن لا باستحقاق منصب التعظيم. # الوجه الثامن: أنه يجب على المجتهد العمل بما يفيده الظن في المعاني ~~القرآنية اللفظية ونحوها, فيجب عليه تقديم دليل المنطوق على دليل المفهوم ~~ونحو ذلك, وليس العلة أن دليل المنطوق منصب ms263 (3) للتعظيم, ودليل المفهوم ~~منصب للاستهانة, وإنما العلة وجوب قبول الراجح وتقديمه على المرجوح, فيجب ~~مثل ذلك في رواة الأخبار النبوية, فإن العلة واحدة وهي حصول الظن الراجح. # قال المعترض: يلزم وجوب قبول من ظن صدقه من المصرحين PageV02P502 # بالمعاصي. # والجواب: أنه مخصوص بالإجماع على رده, وهذا لا يبطل العلة لأنه تخصيص, ~~وتخصيص العلة جائز كما في تعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان, مع أنه ~~يخص من ذلك الأب إذا قتله ابنه عمدا عدوانا, فإنه لا يقتل به قصاصا, وإن ~~كانت علة وجوب القصاص قد وجدت فيه للدليل الذي خصه, ولابد للمخالف من تخصيص ~~العلة, فإن من علل بالعدالة خصص من العدول سيء الحفظ الذي خطؤه أكثر من ~~صوابه. # وقد ذكرنا أن قوله تعالى: ((أو آخران من غيركم)) [المائدة/106] حجة ظاهرة ~~على جواز تخصيص العلة, على أن الشيخ العلامة عز الدين بن عبد السلام قد روى ~~خلافا في قبول فاسق التصريح المظنون صدقه, فروى عن الإمام الأعظم أبي حنيفة ~~- رضي الله عنه -: أن فاسق التصريح متى كان معروفا بالصدق مشهورا بالأنفة ~~العظيمة من رذيلة الكذب, بحيث أنه اختبر في ذلك وعرف منه أنه يجتنبه كما ~~يجتنب المؤمن الحرام قبلت شهادته, ذكره في كتاب ((قواعد الأحكام في مصالح ~~الأنام)) (1) وبه قال المنصور بالله من أئمة الزيدية, وشرط في جواز قبوله ~~خلو الأرض -التي يقبل فيها- عن وجود أهل العدالة؛ لأنه قاس ذلك على جواز ~~قبول الكافر في السفر عند عدم المسلمين. # واحتج سائر أهل العلم على المنع من قبول المصرحين: بأن PageV02P503 # وازع المصرح عن (1) الكذب إنما هو الحياء عن (2) ظهور هذه الرذيلة عليه ~~والأنفة من ذلك, وهذا الوازع وإن عظم فإنه /لا يقوم مقام وازع التقوى ~~والمراقبة لله تعالى, لأن خوف العار وحب المحمدة يضعف فيما يخفى ويظن صاحبه ~~أنه لا ينكشف للناس, والوازع الأخروي, والحياء من الله, والخوف من غضبه ~~وعقوبته مستو في الباطن والظاهر, والفاسق المصرح وإن حصل بخبره ظن, فالظن ~~بخبر الثقة من أهل العدالة أقوى, ولا يمنع أن يرد الشرع ms264 باعتبار ظن دون ظن ~~في حقوق الله تعالى لزيادة قوة أحدهما على الآخر, كما ورد باعتبار ذلك في ~~حقوق المخلوقين لهذه العلة, فوجب الحكم بالظن الصادر عن شهادة عدلين دون ~~الظن الصادر عن شهادة عدلتين, وكذلك حقوق الله تعالى فلا يمنع وجوب قبول ~~الظن الصادر عن العدل دون غيره, ولكن هذا خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا ~~بدليل, وذلك الدليل هو قوله تعالى: ((شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين ~~الوصية اثنان ذوا عدل منكم)) [المائدة/106] , وقوله تعالى: ((ممن ترضون من ~~الشهداء)) [البقرة/282] ونحو ذلك مما ورد في السنة النبوية, فلهذا تركنا ~~الفاسق والكافر المصرحين. # وأما الفرق بين الكافر والفاسق تأويلا, وقبول الفاسق دون الكافر فضعيف؛ ~~لأن التأويل إن أثر في القبول لعلة ظن الصدق اعتبر فيهما معا, وإلا لم ~~يعتبر, وأما من لم يقبل الدعاة منهم فله وجهان: PageV02P504 # أحدهما: أنهم يتهمون لشدة حرصهم على الدعاء إلى بدعتهم بتدليس خفي عن بعض ~~الضعفاء فيما ينصر مذهبهم, ونحو ذلك, وهذا يضعف فيما لا يتعلق بمذهبهم, ~~ويوقف فيه فيما يتعلق بذلك على حسب القرائن. # الوجه الثاني: للزجر عن مخالطة الطلبة لهم خوفا على الطلبة من فتنتهم, ~~وهذا نظر مصلحي (1) لا يسقط بمثله وجوب العمل بالحديث الراجح المظنون صحته, ~~ولا سيما وقد بلغنا ما رووه بعد موتهم أو في حياتهم من غير مخالطة لهم, ولم ~~أقف للقائلين بذلك على وجه, وإنما تكلفت هذين الوجهين لهم, والعجب من مصنفي ~~علوم الحديث كيف لم يتعرضوا لذكر وجه ذلك! على أن الرواية عن الداعية الثقة ~~ثابتة في ((الصحيح)) كرواية حديث قتادة مع أنه كان قدريا, روى الذهبي عنه ~~في ((التذكرة)) (2) أنه لم يكن يقنع حتى يصيح به صياحا, رواه بصيغة الجزم ~~عن ضمرة بن ربيعة عن (3) عبد الله بن شوذب ثقة عن ثقة, ولنقتصر على هذا ~~القدر من إيراد ما تمسكوا به وبيان الجواب عليهم, فليس لهم متمسك أقوى مما ~~ذكرناه. ### | الفائدة الرابعة: في ذكر ثلاث طوائف # خصهم بالذكر, وأورد في الاحتجاج على جرحهم في الرواية ms265 ما لم يورد في ~~غيرهم: ### | الطائفة الأولى المجبرة: # لكنه أراد بهم من ليس بجبري من PageV02P505 # الأشعرية وأهل الحديث, وهذا لفظه قال: أما المجبرة فعندهم أن الله تعالى ~~يحوز أن يعاقب المطيع وأن يثيب العاصي فلا فائدة في الطاعة, وأيضا فعندهم ~~أن أفعالهم من الله تعالى, فالإثابة عليها والعقاب لا معنى له, فإن قالوا: ~~هذا من جهة العقل, لكن قد ورد السمع أنه يدخل المطيع الجنة والعاصي النار, ~~قلنا: إنه إنما وعد ذلك مقرونا بمشيئته لقوله: ((يغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاء)) [الفتح/14] وهم لا يعلمون من الذين يشاء الله أن يغفر لهم. # أقول: الجواب عليه من وجوه/: # الوجه الأول: أنا قد بينا غير مرة أن الأشعرية وأهل الحديث لا يقولون ~~بالجبر, وبينا نصوص أئمتهم على ثبوت الاختيار ونفي الإجبار كالجويني ~~والخطابي والنووي وابن الحاجب, وغير واحد ممن قدمنا ذكره, وهم أعرف ~~بمذاهبهم من غيرهم, والرجوع إليهم في تفسير مقاصدهم في عباراتهم أولى من ~~الرجوع إلى من عداهم؛ وإذا جاز أن ينسب إليهم ما هم مفصحون بالبراءة منه, ~~جاز أن ينسب إلى الشيعة والمعتزلة مثل ذلك, فوجب اطراحه والرجوع إلى العدل ~~والإنصاف, والحكم بما ظهر من أهل الخلاف. # الوجه الثاني: أن المعلوم ضرورة من مذهبهم خلاف ما ذكره, وإنما ألزمتهم ~~ذلك المعتزلة مجرد إلزام, كما أنهم ألزموا المعتزلة القول بأقبح من ذلك في ~~كثير من مسائل الكلام, والفريقان أعقل من أن يرتكبوا من الكذب المعلوم ~~بالضرورة ما ارتكبه المعترض, فإن # PageV02P506 # الكذاب إنما غرضه أن يعتقد صحة باطله وصدق كذبه, فإذا كان معلوما ~~بالضرورة لم يستفد بكذبه إلا أن يعلم أنه كاذب, فإن كان الذي جرأه على هذا ~~كراهيته للأشعرية؛ فما أصاب السنة, ولا عمل بمقتضى الشريعة, قال الله ~~تعالى: ((ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)) ~~[المائدة/8] وإن كان قال ذلك طمعا في التمويه على خصمه, فأدنى العوام (1) ~~يعرف أنه ليس في أهل القبلة من يعتقد أن الله تعالى يعاقب المطيع ويثيب ~~العاصي, بل ما علمنا في ms266 ملل الشرك وعباد الأوثان من يعتقد ذلك في معبوده. # الوجه الثالث: أن هذا الاستدلال هو المعروف في علم المنطق بالمغالطة, قال ~~المنطقيون: والمورد لها إن قابل بها الحكيم فهو سوفسطائي, وإن قابل بها ~~الجدلي فهو مشاغبي. وإنما قلت ذلك؛ لأن المغالطة قياس يتركب من مقدمات ~~شبيهة بالحق تفسد صورته بألا يكون على هيئة منتجة لاختلال شرط معتبر, وهذا ~~حاصل في كلام المعترض, وبيانه من وجهين: # الوجه الأول: قوله عندهم: أنه يجوز أن يعاقب الله المطيع ويثيب العاصي, ~~فهذه مقدمة باطلة تشبه الحق. PageV02P507 # أما بطلانها؛ فلأنهم مصرحون بأن ذلك لا يجوز بدليل السمع القاطع, بل مجوز ~~ذلك يكفر عندهم بشكه فيما هو معلوم من الدين بالضرورة. # وأما شبهها بالحق؛ فلأن عبارة بعض الأشعرية في علم الكلام توهم أن ذلك ~~عندهم جائز في العقل فقط, وقد بينا فيما مضى موضع الخلاف بينهم وبين ~~المعتزلة في التحسين والتقبيح, وأنهم لم يخالفوا في أن المستقبح بضرورة ~~العقل صفة نقص, وأن الله تعالى منزه عن صفة النقص, وإنما خالفوا في أن فاعل ~~صفة النقص يستحق الذم والعقاب بمجرد العقل, وعلى كل تقدير فإنهم يمنعون مما ~~ذكر أنهم يجيزون إما عقلا وسمعا, وإما سمعا, ومنعهم من ذلك سمعا كاف في ~~تحريم نسبة تجويز ذلك إليهم (1) , ألا ترى أن المعتزلة والشيعة يقولون بأن ~~نكاح الأمهات والأخوات حسن عقلا, لكنه قبيح شرعا, لم يلزمهم تجويز ذلك على ~~الإطلاق. # الوجه الثاني: في بيان سلوكه مسلك المغالطة قوله: فلا فائدة في الطاعة, ~~فإنه أوهم أن هذا من جملة مذهبهم ليتم له ما قصد من الاستدلال على تجرئهم ~~على الكذب/ على الله تعالى ورسوله, فهذا باطل من هذا الوجه, وهو شبيه بالحق ~~لأنه يوهم الجاهل أن مذهبهم PageV02P508 # في نفي التحسين والتقبيح عقلا يوجب ذهابهم إلى ذلك. # الوجه الرابع (1): أنهم لو ذهبوا إلى ذلك؛ لوجب تكفير المعتزلة والزيدية ~~وسائر الشيعة إلا أبا الهذيل, وبيان ذلك: أن في المعتزلة والزيدية من لا ~~يقول بتكفيرهم, وبقيتهم لا يكفرون من لم يكفر الجبرية من شيوخهم ms267 إلا رواية ~~عن أبي الهذيل, ولو كانوا يجوزون تعذيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , ~~وأن أبا لهب يكون صاحب الشفاعة يوم القيامة؛ لكان كفرهم معلوما من ضرورة ~~الدين وكفر من لم يكفرهم كذلك, وكان يلزم كفر المعتزلة والزيدية, أما من لا ~~يكفر [هم] (2) مثل السيد الإمام المؤيد بالله, والإمام يحيى بن حمزة ~~وغيرهما فظاهر لأنهم حينئذ يكونون بمنزلة من شك في كفر المشركين واليهود, ~~والنصارى, وأما سائر المعتزلة والزيدية فلأنهم لا يكفرون أئمتهم وشيوخهم ~~الذين منعوا من تكفير الأشعرية, ولا شك أن من شك في كفر عابد الأصنام وجب ~~تكفيره, ومن لم يكفره, ولا علة لذلك إلا أن كفره معلوم من الدين ضرورة, ~~فثبت بهذه الوجوه أن المعترض كاذب بالضرورة. وقد طولت في الرد عليه في ~~((الأصل)) (3) على سبيل التوبيخ له, وإن كان مثل هذا غير محتاج إلى الجواب. ~~وبقية كلامه في المجبرة على هذا الأسلوب كما أوضحته في ((الأصل)) ولم يبق ~~في كلامه ما يحسن إيضاح بطلانه إلا قوله: PageV02P509 # فإن قالوا هذا من جهة العقل, لكن قد ورد السمع بأنه يدخل المطيع الجنة ~~والعاصي النار. قلنا: إنه إنما وعد ذلك مقرونا بمشيئته لقوله: ((يغفر لمن ~~يشاء ويعذب من يشاء)) [المائدة/18] وهم لا يعلمون من يشاء الله أن يغفر ~~لهم. # والجواب عليه: أنه جحد للضرورة, فإنهم يعلمون أن الذين يشاء الله أن يغفر ~~لهم هم من أهل الإسلام دون المشركين, وأن أهل الكبائر من أهل الإسلام قد ~~توعدهم الله بالعقاب, وأن وعيد الله تعالى لهم صادق, لكنه عموم يجوز تخصيصه ~~بالمغفرة لبعضهم من غير تعيين, وبهذا يبقى الخوف والرجاء مع كل مؤمن, وهذا ~~مذهبهم معلوم بالضرورة, لا يمكن التشكيك فيه, والآية وإن كانت مجملة, فقد ~~ورد بيانها, وقد أجمع أهل ملة الإسلام على وجوب العمل ببيان المجمل, فإما ~~أن يقول المعترض: إنه لم يرد لهذه الآية بيان في السمع, أو يقول: إن مذهبهم ~~العمل بالمجمل وطرح المبين, وأي هذين ارتكب لم يزد على أنه عرف خصمه بجرأته ~~على البهت, ms268 وقلة حيائه من أهل العلم. # * فاختر وما فيهما حظ لمختار * # ومن العجائب الدالة على إسراف المعترض, وغلوه: أنه احتج بما ذكره على أن ~~الجبرية لا يتنزهون عن الكذب, وقد قال في البراهمة: إنهم يتحرزون عن الكذب ~~أشد التحرز, ويتنزهون عنه أعظم التنزه, مع أن البراهمة يصرحون بتكذيب جميع ~~كتب الله المنزلة, ويفصحون بتضليل جميع الأنبياء والرسل الكرام, وينسبونهم # PageV02P510 # إلى السحر وطلب العيش في الدنيا بالكذب على الله تعالى, ويسخرون منهم سخر ~~الله منهم, ولهم عذاب أليم, ولا يعتقدون ثبوت النار, ولا يخافون العقاب على ~~ذنب من الذنوب, فهؤلاء نص المعترض على تنزيههم عن الكذب! وبالغ في المنع من ~~ذلك في حق من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله, وجميع ما جاءوا به, وأقام ~~أركان الإسلام وأحل الحلال وحرم الحرام!! فهذا هو الكلام على الطائفة ~~الأولى من المتأولين الذين خصهم بالذكر, وتجاهل في رميهم بالجبر. ### | الطائفة الثانية: المرجئة # , وهذا لفظه فيهم قال: ((ولأن المرجئة والمجبرة لا يرتدعون عن الكذب ~~وغيره من المعاصي, أما المرجئة: فعندهم أنهم مؤمنون, وأن الله لا يدخل ~~النار من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان, وإن زنا وإن سرق, وإن قتل, ~~والكذب أخف من ذلك. # أقول: حل هذه الشبهة التي أوردها المعترض /في هذا الموضع متوعر المسالك, ~~بعيد الأغوار, دقيق المأخذ, ولم يورد في رسالته أعوص منها, وما أعد ما ~~ألهمني الله تعالى إليه من الجواب فيها إلا من الفتوحات الربانية والألطاف ~~الخفية, وإنما قدمت هذا قبل ذكر الجواب؛ لتكون معرفة الجواب عندك أيها ~~السني بالمحل السني (1) , وإنما استوعرت مسلك الجواب عنها؛ لأن ما نسبه ~~إليهم من المذهب حق, واستلزامه لعدم خوف الله تعالى أشبه شيء بالحق, ولا ~~يميز بين الحق, وما يعظم شبهه به إلا من أمده الله تعالى بألطافه, وبصره من ~~PageV02P511 # الحق مطالع أنواره. وتحرير الجواب على ما ذكره يتم بذكر وجوه: # الوجه الأول: أن قوله: ((إن المرجئة لا يرتدعون عن الكذب وغيره من ~~المعاصي)) مباهتة عظيمة وإنكار للضرورة, فإن كلامنا إنما هو فيمن ms269 عرف منهم ~~بالديانة والأمانة وأداء الواجبات وترك المحرمات, والمعلوم بالضرورة أن في ~~المرجئة من هو من أهل العبادة والزهادة, والعلم والإفادة, والمراتب الشريفة ~~والخصال الحميدة, والمحافظة على النوافل على ما هو أشق من المفروضات, وأصعب ~~من ترك المقبحات؛ من إطعام الطعام, وسرد الصيام, والصلاة والناس نيام, ~~والبكاء العظيم من التقصير في حق الملك العلام. فقول المعترض: إنهم لا ~~يرتدعون عن الكذب وسائر المعاصي باطل بالضرورة؛ لأنه إما أن يدعي أن فعل ~~المعاصي يقع من عبادهم وثقاتهم في الباطن قطعا, وإن أظهروا الصلاح فهذا من ~~علم الغيب المحجوب عن الخلق, ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما علم هذا ~~في حق من عاصره إلا بالوحي في بعضهم, والحكم بهذا حرام بإجماع المسلمين, ~~فلا نطول في الكلام عليه. # وإما أن يدعي أن فعل الطاعة وترك المعصية غير واقع منهم ظاهرا لبطلان خوف ~~العقوبة من الله تعالى؛ فذلك لا يصح لأمرين: # أحدهما: أنه استدل على بطلان أمر معلوم بالضرورة, وذلك لا يصح, وبيانه: ~~أن فعلهم للطاعة معلوم بالضرورة, فالاستدلال على أنهم لا يفعلون الطاعة لا ~~يصح. # وثانيهما: أن نقول: إما يسلم المعترض أن فعل الطاعة وترك # PageV02P512 # المعصية مقدور لهم أو لا, إن قال: إنه غير مقدور لهم, وجاز وقوعه منهم؛ ~~فلا وجه لقطعه بأنهم لا يفعلون أحد الجائزين. وهلا ذكر قوله في رسالته: إنه ~~لا يجوز للإنسان أن يخبر بخبر يجوز أنه كذب؟ فكيف أخبر عن جميع المرجئة ~~بارتكاب الكذب وغيره من المعاصي!؟ وليس يجوز [مثل] (1) هذا في حق الفساق ~~المصرحين إلا فيما شوهد من معاصيهم, فليس لك أن تقول في قاطع الصلاة: إنه ~~يشرب الخمر, ولا في الزاني: إنه مرب, ولا في المربي: إنه يقتل النفس التي ~~حرم الله, وأمثال ذلك, فكيف قلت فيمن أرجأ ولم يعرف منه إلا معصية الإرجاء: ~~إنه يفعل غيرها من المعاصي؟ وهلا قلت: إن قوله هذا يضعف الظن بقيامه ~~بالواجبات واجتنابه للمحرمات حتى تجاب بما يجاب به من أورد الشبهات, وتميز ~~نفسك عن منكري الضرورات؟ # والعجب من ms270 المعترض أنه نزه البراهمة عن الكذب مع إنكارهم للنبوات, وجحدهم ~~لجميع الشرائع الإسلامية, وقد تقدم تقرير هذا في آخر الجواب عما أورده في ~~حق الجبرية, فهذا الوجه الأول من وجوه الجواب عن المرجئة يصلح (2) جوابا ~~على ما أورده في حق الجبرية فإنه قال فيهم الجميع: إنهم لا يرتدعون عن ~~الكذب وسائر المعاصي. # الوجه الثاني: اعلم أن الحامل على المحافظة على الخيرات PageV02P513 # والمجانبة للمكروهات ليس مجرد اعتقاد أن الله تعالى يعاقب على الذنب, ~~وإنما هو شرف في النفوس وحياء في القلوب من مبارزة المنعم /بجميع النعم ~~بالمعاصي, ولهذا فإن أكثر الخلق محافظة على الخير ومجانبة للمكروه أشدهم ~~حياء من الله تعالى وإجلالا له, وأما مجرد الاعتقاد فهو واحد لا يزيد ولا ~~ينقص؛ ولهذا تجد الوعيدية مختلفين مع اتحاد معتقدهم, ولكن تفاضلوا في شرف ~~النفوس وأنفتها من دناءة المعاصي, ومذلة كفران المنعم (1) , وتفاوتت ~~مراتبهم في شدة الحياء من ملك الملوك ورب الأرباب, وتباينت هممهم في ~~التعظيم والإجلال لمن بيده الخير وهو على كل شيء قدير, ولهذا فإن أقرب ~~الخلق إلى الله أخوفهم منه وآنسهم به وأطوعهم له. # ولهذا اشتد خوف الأنبياء والأولياء من الله تعالى وعظم أنسهم به, وكانوا ~~أطوع خلقه لو وأرغبهم إليه, وقد كان كثير من الصالحين لا يرضى أن يعبد الله ~~تعالى خوفا من العذاب ولا رغبة في الثواب. وقالت المعتزلة (2): إن نوى ذلك ~~بعبادته لم تصح, ولهذا اختلفت حال (3) الكفار المنكرين للمعاد من المشركين ~~والفلاسفة: فكان منهم PageV02P514 # المتلطخون بالرذائل, ومنهم المتحملون لأثقال المكارم والفضائل, وكان فيهم ~~السادة والأتباع, وكان في سادتهم المخذول والمطاع, على قدر (1) تفاضلهم في ~~الصبر على المكاره, واحتمال مشاق المكارم, وقالوا في أمثالهم: ((تجوع الحرة ~~ولا تأكل بثدييها)) (2) وقالت هند: أو تزني الحرة (3)؟ وقال # حاتم (4): # وإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا # وهذا كله من غير خوف العقاب ولا رجاء الثواب, فكيف يقال: إن من لم يخف ~~العقاب قال الزور وارتكب الفجور؟ هذا كلام من لم يتأمل, فقد علمنا بالضرورة ~~أن في ms271 المرجئة عبادا خاشعين ورهبانا PageV02P515 # خاضعين, وكثير منا إذا تأملنا وأنصفنا يقصر عن كثير منهم في الأعمال لا ~~في العقيدة ولله الحمد والمنة, وذلك لأن من صبر على مشاق الطاعات وترك ~~الشهوات من غير خوف العذاب؛ فهو شريف النفس, حر الطبيعة, عزيز الهمة, عظيم ~~المروءة, كثير الحياء من الله تعالى, ومن لا يقوم إلى الطاعة حتى يخاف ~~العذاب من النار؛ فطبعه طبع شرار العبيد وخساس الهمم, وما أحسن قول ابن ~~دريد (1) في هذا المعنى: # واللوم للحر مقيم رادع ... والعبد لا تردعه إلا العصا # وإن كثيرا من المتحابين من المخلوقين لا يعصي محبوبه ولا يغضبه, وإن كان ~~لا يخاف منه مضرة, ولهذا قال بعض الظرفاء في المعنى: # أهابك إجلالا وما بك قدرة ... علي ولكن ملء عين حبيبها (2) # فإن كان هذا ما بين الأحباب من عبيد الله؛ فالذين آمنوا أشد حبا لله, وفي ~~الحديث المرفوع: ((نعم العبد صهيب, لو لم يخف الله لم يعصه)) (3) وفي هذا ~~الجواب موعظة لأهل الحقائق والأحوال. وقد PageV02P516 # أجاد من قال (1): # تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محال في العقول بديع # /لو كنت تضمر حبه لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع (2) # وقد ظن المعترض أن من لم يكن من أهل مقام الخوف فليس من أهل الطاعة, ولم ~~يعرف المسكين أن مقام المحبة فوق مقام الخوف عند العارفين, ولهذا قال الشيخ ~~أبو عمر بن الفارض (3) -وما أنفع قوله هذا لأهل القلوب-: # فدع عنك دعوى الحب وادع غيره # فؤادك وادفع عنك غيك بالتي # وجانب جناب الوصل هيهات لم يكن # وها أنت حي إن تكن صادقا مت # ولهذا قالت الحكماء: المرء أسير أكبر (4) ما في قلبه, ولا شك أن أكثر ما ~~في القلب هو المحبوب لا المخوف, فإن المخوف قد يكون عدوا بغيضا بخلاف ~~المحبوب, وقد نظم ابن الفارض هذا المعنى فقال وأجاد: (5) PageV02P517 # أنت القتيل بأي من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي # الوجه الثالث: أن نقول: ما سبب تخصيص المرجئة بالذكر؟ هل تجويزهم لدخول ~~أهل الكبائر من المسلمين الجنة, وتجويزهم ms272 لنجاتهم من النار, أو قطعهم بذلك؟ ~~الثاني: وهو القطع بذلك ممنوع, لأنهم يجوزون أن يموت صاحب الكبيرة المسلم ~~كافرا, ويخافون من كبائر الذنوب أن يكون ارتكابها سببا للوقوع في ذنب الكفر ~~الذي لا يغفر إلا بالتوبة, وأما الأول وهو: تجويزهم لدخول أهل الكبائر من ~~المسلمين الجنة, فقد شاركهم في ذلك سائر الفرق, ولكن المعتزلي يجوز ذلك ~~بشرط التوبة أو المغفرة. # فإن قلت: إن المرجىء يقطع بأن من مات مسلما وهو مصر على الفسق لم يعذبه ~~الله تعالى, والسني والمعتزلي لا يقولان بذلك. # قلت: ذلك مسلم؛ ولكنه لا يقطع بأنه يموت مسلما مثلما أن المعتزلي لا يقطع ~~بأنه يموت تائبا, بل هذا الإشكال لا يلزم المعتزلة ولا يلزم المرجئة, وذلك ~~لأن المعتزلة فريقان: # أحدهما يقول: إن من مضى له وقت أدى فيه جميع ما كلفه الله تعالى علم أنه ~~من أهل الجنة؛ لأن الله تعالى لو علم أنه يموت على حال يستحق فيه النار؛ ~~لقبح منه تبقيته, ووجب عليه أن يميته في ذلك الوقت الذي أتى فيه بالطاعة, ~~وهذا هو قول من يوجب الأصلح على الله تعالى, كأبي القاسم الكعبي إمام ~~البغدادية من المعتزلة ومن يقول بقوله, وهذا الإشكال يتجه عليهم أكثر من ~~المرجئة لأنهم يجيزون أن # PageV02P518 # يأتي المكلف في بعض الأوقات بجميع تكليف ذلك الوقت, وأن يعلم المكلف ~~إتيانه بذلك, وحينئذ يقطع بأنه من أهل الجنة. # وأما الفرقة الثانية: وهم الذين لا يوجبون على الله الأصلح للعبد فإنهم ~~يوجبون على الله -سبحانه- أن يبقى العاصي بعد المعصية وقتا يتمكن فيه من ~~التوبة, وبهذا قال شيخ الاغتزال أبو علي الجبائي وأصحابه, ووافقه عليه أبو ~~القاسم الكعبي -أيضا- فلو كان ما ذكره المعترض في حق المرجئة يدل على الكذب ~~في الحديث, لدلت مذاهب المعتزلة هذه على مثل ذلك, فيقول من يوجب الأصلح ~~للعبد على الله تعالى: المعاصي لا تضرني لعلمي أني من أهل الجنة بسبب طاعتي ~~لله تعالى يوما أو ساعة أو لحظة, /ويقول من لا يرى ذلك: أنا أقدم على هذه ~~المعصية وأتوب ms273 عقيبها, ولا أخشى (1) مفاجأة الموت قبل التمكن من التوبة. # ولكن ليس وقوع المعاصي على حسب الاعتقاد, وإنما ذلك على حسب شرف الطباع, ~~وارتفاع الهمم, وشهامة النفوس, كما قدمنا في الوجه الأول, ولو كان السبب في ~~العصيان هو تجويز النجاة من عذاب الله؛ إما اتكالا على التوبة أو اتكالا ~~على الرحمة, لم توجد فرقة من فرق الإسلام إلا وهي مجروحة, ولكان العدل من ~~اعتقد أن الله لا يقبل التوبة ولا يقيل العثرة, ولا يغفر الخطيئة, لكن ~~الذاهب إلى هذا كافر بالإجماع, خارج عن ملة الإسلام. # الوجه الرابع: أن من اعتقد أن الله تعالى يتفضل على أهل PageV02P519 # الإسلام بمغفرة جميع الذنوب من غير توبة, لم يلزم من ذلك أن يتعمد الكذب ~~على الله تعالى ويجاهر بجميع المعاصي, ودليل ذلك: أن عبدا من عبيد ~~المخلوقين لو اعتقد في سيده أنه في غاية الحلم, ونهاية الجود والسماحة (1) ~~, لم يدل ذلك على أنه كثير العصيان لسيده والكذب عليه, بل قد يكون في غاية ~~الإجلال لسيده والطاعة له, مع اعتقاد حلمه ومسامحته والأمان من عقوبته, ~~محبة منه لسيده ورغبة في شكر نعمة وارتفاع المنزلة عنده, وكذلك عمل الناس ~~مع إخوانهم وأهل الحلم والكرم منهم, ولم يكن أصحاب الأحنف وعشيرته يعصونه ~~ويكذبون عليه ويعفون رحمه لأجل حلمه, وكم من مهيب يعصى وتتحمل عقوبته لأجل ~~بغضه ومساوىء أخلاقه! وكم من حليم يطاع وكريم يمتثل (2) وتفنى الأموال ~~والأرواح في طاعته! فمن أين للمعترض أن المرجئة لما اعتقدوا أن الله تعالى ~~يغفر لأهل الإسلام استهانوا بجلال الله وانهمكوا في معاصي الله وصار دأبهم ~~الكذب على الله وعلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ولقد رأينا في ~~الصالحين من يزداد عملا ونشاطا مع الرجاء, ويزداد ضعفا وفتورا مع الخوف, ~~وهذا معروف عند أهل الذوق, وأنشدوا في ذلك: # لها بوجهك نور يستضاء به ... ومن أياديك في أعقابها حادي # لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن المنام وتلهيها عن الزاد PageV02P520 # الوجه الخامس: أن القول بالإرجاء وإن كان حراما فليس بكفر ولا فسق, وكل ~~بدعة ms274 محرمة تأول فيها صاحبها, ولم تكن كفرا, ولا فسقا فصاحبها مقبول ~~بالإجماع. أما أن الإرجاء ليس بكفر ولا فسق؛ فذلك مقتضى الدليل, ومذهب ~~أصحاب الخصم. # أما الدليل: فلأن التكفير والتفسيق يحتاج إلى دليل سمعي وهو مفقود, ~~ومخالفتهم للنصوص تأويلا لا يكفي في [الكفر] (1) , على أن ابن الحاجب اختار ~~عدم التأثيم لمن خالف القطعي مجتهدا وهو قوي, والموضع يضيق عن ذكر الحجج في ~~المسألة. # وقد ذكر الذهبي في ((الميزان)) (2) ما معناه: ((إن بدعة الإرجاء ليست ~~بكبيرة)). # وأما الحديث الذي فيه: ((ليس للمرجئة في الإسلام نصيب (3))) (4) ~~PageV02P521 # [وأما مذهب الخصم: فقد نص عليه القاضي شرف الدين في ((تذكرته)) , وذكر ~~معنى ذلك القاضي العلامة عبد الله بن حسن] (1) ... (2الدواري في ((تعليق ~~الخلاصة)) , والحاكم في ((شرح العيون)) وغيرهم. # وأما دعوى الإجماع: فذكرها الأمير علي بن الحسين في ((اللمع)) الذي /هو ~~مدرسهم (2). # وفي هذا القدر كفاية في الذب عن السنن الصحيحة المنقولة عن ثقات المرجئة, ~~وقد تركت بعض ما في ((الأصل)) من التطويل في ذلك, وقد أكثرت من الانتصار ~~لظن صدقهم وقبول روايتهم, حتى ربما توهم بعض الضعفاء أني أميل رأيهم, ومعاذ ~~الله تعالى من ذلك, فعقيدة أهل السنة أصح مباني واوضح معاني, وحسبك أنها ~~جامعة لمحاسن العقائد؛ من حسن الظن بالله ورجاء مغفرته مع خوف عذابه, ~~والحذر من غضبه, وإن مات العاصي على الإسلام فلابد من الخوف والرجاء لذي ~~الجلال والإكرام, فقد قال الله تعالى في الملائكة مع أمانهم من الموت عن ~~الكفر, ومن ارتكاب الكبائر: ((يخافون ربهم من فوقهم)) [النحل/50] وقال ~~فيهم: ((هم من خشية ربهم مشفقون)) [المؤمنون/57] فإذا كان هذا حال الملائكة ~~-عليهم السلام-, فكيف بحال العبد العاصي!! وفي ((الصحيح)) (3) عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: ((لو PageV02P522 # تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا وضحكتم قليلا)) فنسأل الله السلامة, وأن ~~يجعلنا ممن يشفق من ذنبه, بل يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه, آمين آمين. # الطائفة الثالثة: معاوية والمغيرة وعمرة بن العاص, ومن تقدم ذكره في ~~الأوهام, فإن كثيرا من الشيعة ذكروا أنها ظهرت على هؤلاء ms275 الثلاثة قرائن تدل ~~على التأويل, وقدحوا بتصحيح حديثهم في حديث الكتب الصحاح كالبخاري ومسلم. # وأما أهل الحديث فمذهبهم أنهم من أهل التأويل والاجتهاد والصدق, لكونهم ~~أظهروا التأويل فيما يحتمله, وعلم البواطن محجوب عن الجميع, وبين الفريقين ~~في هذا مالا يتسع له هذا ((المختصر)) , والقصد: مجرد تصحيح الحديث الصحيح, ~~والذب عنه لا غيره فيما (1) بين أهل المذهبين, وقد اجتهدت في هذا الكتاب في ~~نصرة الحديث الصحيح بالطرق التي يتفق الفريقان على صحتها أو يتفقون على ~~قواعد تستلزم صحتها, كما يعرف ذلك من تأمل هذا الكتاب كله, وفي هذا الموضع ~~لم أجد طريقا قريبة مجمعا عليها إلا طريقا واحدة, وهي: بيان صدق هؤلاء ~~المذكورين في روايتهم بشهادة من لم تجرحه الشيعة من الصحابة لهم بصحة ~~الرواية في كل حديث على التعيين, خاصة في أحاديث الأحكام المعتمدة في معرفة ~~الحلال والحرام. # فأما أبو موسى الأشعري وعبد الله بن عمرو بن العاص ونحوهم PageV02P523 # ممن لم يصح عنه حرب لعلي - رضي الله عنه - ولا سب؛ فقد تقدم الجواب عما ~~ذكر المعترض فيهم. # وأما هؤلاء الثلاثة المذكورون فهم الذين أذكر هنا ما يدل على صحة حديثهم, ~~وأقتصر على ما يتعلق بالأحكام من ذلك اختصارا, وذلك يتم بذكر ما لهم من ~~الأحاديث المتعلقة بالأحكام وما لأحاديثهم من الشواهد المروية عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - , ونشير إلى ذلك على أقل ما يكون من الاختصار المفيد ~~-إن شاء الله تعالى- فنقول: # المروي في الكتب الستة من طريق معاوية في الأحكام ثلاثون حديثا. # الأول: حديث تحريم الوصل في شعور النساء, رواه عنه البخاري ومسلم (1) ~~وغيرهما, ويشهد لصحته رواية أسماء لذلك وعائشة وجابر # /أما حديث أسماء فخرجه البخاري ومسلم والنسائي (2). # وأما حديث عائشة فخرجه البخاري ومسلم والنسائي (3) أيضا. # وأما حديث جابر فخرجه مسلم (4). # الثاني: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق)) أخرجه عنه ~~PageV02P524 # البخاري ومسلم (1). # وقد رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص (2). # ورواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان (3). # ورواه الترمذي عن معاوية بن قرة (4). # ورواه أبو داود عن ms276 عمران بن حصين (5). # الثالث: حديث النهي عن الركعتين بعد العصر, رواه البخاري عنه (6). # وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أم المؤمنين أم سلمة (7). # وروى مسلم (8) عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كان يضرب من يفعل ~~ذلك, ولم ينكر ذلك من فعله فجرى مجرى الإجماع, وهو قول طوائف من أهل العلم. ~~PageV02P525 # الرابع: حديث النهي عن الإلحاف في المسألة رواه عنه مسلم (1). # ورواه البخاري ومسلم والنسائي عن عبد الله بن عمر (2). # وأبو داود والترمذي والنسائي عن سمرة بن جندب (3). # والنسائي عن عائد بن عمرو (4). # والبخاري عن الزبير بن العوام (5). # والبخاري ومسلم ومالك في ((الموطأ)) والترمذي والنسائي عن أبي هريرة (6). # وأبو داود والنسائي عن ثوبان (7). # ومالك في ((الموطأ)) عن عبد الله بن أبي بكر (8). # والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن حكيم بن حزام (9). PageV02P526 # وأبو داود والنسائي عن ابن الفراسي عن أبيه (1). # الخامس: ((إن هذا الأمر لا يزال في قريش)) رواه عنه البخاري (2). # ورواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر (3). # وروى مسلم نحوه عن جابر بن عبد الله (4). # ورواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة (5). # السادس: حديث جلد شارب الخمر وقتله في الرابعة, رواه عنه أبو داود ~~والترمذي (6). # وأما جلده فمعلوم من الدين ضرورة, والأحاديث فيه كثيرة مأثورة, وأما قتله ~~في الرابعة فرواه الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة (7). # ورواه أبو داود (8) عن قبيصة بن ذؤيب, وعن نفر من الصحابة ... -رضي الله ~~عنهم-. PageV02P527 # ورواه الإمام الهادي يحيى بن الحسين في ((كتاب الأحكام)) ولكن هذا الحكم ~~منسوخ عند كثير من أهل العلم. # السابع: حديث ((النهي عن لباس الحرير والذهب, وجلود السباع)) رواه عنه ~~أبو داود والنسائي, والترمذي بعضه بغير لفظه (1) , فأما شواهد تحريم لباس ~~الحرير والذهب فأشهر من أن تذكر. # وأما جلود السباع؛ فله عليه شاهد عن أبي المليح خرجه الترمذي وأبو داود ~~والنسائي (2). # الثامن: حديث افتراق الأمة إلى نيف وسبعين فرقة, رواه عنه أبو داود (3). # وروى الترمذي (4) مثله عن ابن عمرو (5). # وروى الترمذي2) وأبو داود مثله عن أبي هريرة (6). # التاسع: النهي ms277 عن سبق الإمام بالركوع والسجود, رواه عنه PageV02P528 # أبو داود (1) و [ابن ماجه] (2). # وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة, ومالك ~~في ((الموطأ)) عنه (3) -أيضا-. # ومسلم والنسائي عن أنس (4). # العاشر: النهي عن الشغار, رواه عنه أبو داود (5). # وقد رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر (6) , وهو مشهور عن غير واحد من ~~الصحابة, ومجمع على القول بمقتضاه. # الحادي عشر: أنه توضأ كوضوه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رواه أبو ~~داود (7) , وليس فيه ما يحتاج إلى شاهد إلا زيادة صب الماء على الناصية ~~والوجه. PageV02P529 # وقد رواه أبو داود (1) عن علي - رضي الله عنه -. # /الثاني عشر: النهي عن النوح, رواه عنه ابن ماجه (2) , وهو أشهرمن أن ~~يحتاج إلى ذكر شواهده. # الثالث عشر: النهي عن الرضا بالقيام, رواه عنه الترمذي وأبو داود (3) , ~~وله شواهد: في الترمذي (4) عن أنس, وفي ((سنن أبي داود)) (5) عن أبي أمامة. # وفي كتاب (([الترخيص] (6) في القيام)) (7) للنووي عنهما, وعن أبي بكرة, ~~وصحح حديث أنس. # الرابع عشر: النهي عن التمادح, رواه عنه ابن ماجه (8). # وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي بكرة (9). PageV02P530 # والبخاري ومسلم عن أبي موسى (1). # ومسلم والترمذي وأبو داود عن عبد الله بن سخرة [عن المقداد بن الأسود] ~~(2). # والترمذي عن أبي هريرة (3). # الخامس عشر: تحريم كل مسكر, رواه عنه ابن ماجه (4) , ورواه الجماعة إلا ~~ابن ماجه عن ابن عمر (5) , ومسلم والنسائي عن جابر (6) وأبو داود عن ابن ~~عباس, والنسائي عنه أيضا (7). # السادس عشر: حكم من سها في الصلاة, رواه عنه النسائي (8) PageV02P531 # وله شاهد في ((سنن أبي داود)) (1) عن ثوبان. # السابع عشر: النهي عن القران بين الحج والعمرة, رواه عنه أبو داود (2) , ~~وله شاهد عن ابن عمر رواه مالك في ((الموطأ)) (3) مرفوعا, وعن عمر وعثمان ~~رواه مسلم (4) موقوفا عليهما. # الثامن عشر: أنه قصر للنبي - صلى الله عليه وسلم - بمشقص بعد عمرته - صلى ~~الله عليه وسلم - , وبعد (5) حجه, رواه عنه البخاري ومسلم وأبو دواد ~~والنسائي (6) , وله شواهد عن علي خرجه مسلم, وعن عثمان - رضي الله عنه - في ms278 ~~مسلم أيضا (7) , وعن سعد بن أبي وقاص رواه مالك في ((الموطأ)) والنسائي ~~والترمذي وصححه (8) , رواه النسائي عن ابن عباس عن عمر (9) , والترمذي عن ~~ابن عمر (10) , والبخاري ومسلم عن عمران بن PageV02P532 # الحصين (1). # وروى الترمذي والنسائي: أن معاوية لما روى هذا الحديث, قال ابن عباس: هذه ~~على معاوية؛ لأنه ينهى عن المتعة (2). # التاسع عشر: ما روى عن أخته أم المؤمنين أم حبيبة - رضي الله عنه - ((أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه, ما ~~لم ير فيه أذى)) رواه أبو داود والنسائي (3) , ويشهد لمعناه أحاديث كثيرة, ~~منها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((كان يصلي في نعليه ما لم ير ~~بهما أذى)) رواه البخاري ومسلم عن سعيد بن [يزيد] (4) ورواه أبو داود عن ~~أبي سعيد الخدري (5). # ويشهد لذلك حديث: ((فلا ينصرفن حتى يجد ريحا أو يسمع صوتا)) وهو متفق على ~~صحته (6) , إلى أشباه لذلك كثيرة تدل على PageV02P533 # جواز الاحتجاج بالاستصحاب للحكم المتقدم, وعلى ذلك عمل العلماء في فطر ~~يوم الشك من آخر شعبان, وصوم يوم الشك من آخر رمضان. # الموفي عشرين حديثا: ((نهي من أكل الثوم أو البصل عن دخول مسجد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -)) وهو من روايته عن أبيه (1) , وله شواهد كثيرة, ~~فرواه البخاري ومسلم (2) ومالك في ((الموطأ)) (3) عن جابر بن عبد الله, ~~والبخاري ومسلم عن أنس (4) , ومسلم (5) ومالك في ((الموطأ)) (6) عن أبي ~~هريرة, وأبو داود عن حذيفة والمغيرة (7) , والبخاري ومسلم وأبو داود عن ابن ~~عمر (8) , والنسائي عن عمر (9) , مسلم وأبو داود عن أبي سعيد (10). ~~PageV02P534 # وأما النهي عن هاتين الشجرتين مطلقا من غير تقييده بدخول المسجد, فرواه ~~البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله (1) , وأبو داود والترمذي عن علي بن أبي ~~طالب (2) - رضي الله عنه -. # الحادي والعشرون: حديث: ((هذا يوم عاشوراء لم يكتب عليكم)) رواه عنه ~~البخاري ومسلم ومالك والنسائي (3). # وقد روى البخاري ومسلم (4) عن ابن عباس ما يشهد لصحة معناه, وهو قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - في الحديث المشار إليه, بعد ms279 سؤاله عن سبب صوم اليهود ~~له: ((فأنا أحق بموسى)) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((فنحن نصومه تعظيما ~~له)). # الثاني والعشرون: حديث: ((لا تنقطع الهجرة)) رواه عنه أبو داود (5) , ولم ~~يصح عنه, قال الخطابي (6): ((في إسناده مقال)) , وله شاهد رواه النسائي عن ~~عبد الله بن السعدي (7). PageV02P535 # الثالث والعشرون: حديث النهي عن لباس الذهب إلا مقطعا رواه عنه أبو داود ~~(1) , وله شاهد/ عن جمع من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رواه ~~النسائي (2). # الرابع والعشرون: النهي عن المغلوطات (3) , قال الخطابي (4): الأغلوطات. # ولم يصح عنه, في إسناده مجهول (5) , مع أن أبا السعادات ابن الأثير, روى ~~في ((جامع الأصول)) (6) له شاهدا عن أبي هريرة, وفي البخاري (7) عن أنس: ~~((نهينا عن التكلف)) , وهذا يشهد لمعناه. # الخامس والعشرون: حديث الفصل بين الجمعة والنافلة بعدها PageV02P536 # بالكلام أو الخروج, رواه عنه مسلم (1) , وله شاهد في البخاري ومسلم (2) ~~عن ابن عمر من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وروى أبو داود عن ~~أبي مسعود الزرقي (3) نحو ذلك في حق الإمام (4). PageV02P537 # السابع والعشرون: حديث: ((كل ذنب عسى الله أن يغفره, إلا الشرك بالله ~~وقتل المؤمن)) رواه عنه النسائي (1) , وله شاهد عن أبي الدرداء (2رواه أبو ~~داود (2) (3) , وله شاهد في كتاب الله تعالى (4). # الثامن والعشرون: رواه عنه أبو داود (5) حديث: ((اشفعوا تؤجروا)) وهو ~~حديث معروف, رواه البخاري ومسلم (6) عن أبي موسى, وفي القرآن ما يشهد ~~لمعناه, وهو مجمع على مقتضاه. # التاسع والعشرون: كراهة تتبع عورات الناس, رواه عنه أبو داود (7) , وله ~~شواهد, في الترمذي (8) عن ابن عمر وحسنه, وفي ((سنن أبي داود)) (9) عن أبي ~~برزة الأسلمي, وعقبة بن عامر, وزيد بن وهب, وفي ((صحيح مسلم)) (10) عن أبي ~~هريرة. PageV02P538 # الموفي ثلاثين حديثا: حديث: ((من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)) رواه ~~عنه البخاري (1) , وله شاهدان عن ابن عباس وأبي هريرة ذكرهما الترمذي في ~~((الجامع)) (2) وصحح حديث ابن عباس. # فهذه عامة أحاديث معاوية التي هي صريحة في الأحكام أو يستنبط منها حكم, ~~وهي موافقة لمذهب الشيعة والفقهاء, وليس فيها ما ms280 لم يذهب إليه جماهير ~~العلماء, إلا قتل شارب الخمر في الرابعة لأجل النسخ, وقد رواه إمام الزيدية ~~كما قدمنا, وقد وافقه ثقات الصحابة فيما روى. # فاعجب لمن يشنع على أهل الصحاح برواية هذه الأحاديث, وإدخالها في ~~الصحيح!!. # وله غير هذه أحاديث يسيرة شهيرة تركنا إيرادها وإيراد شواهدها اختصارا, ~~ونشير إليها إشارة لطيفة ليعرف ما هي, وذلك حديثه في فضل المؤذنين (3) , ~~وفضل إجابة المؤذن (4) , وفضل حلق الذكر (5) , وليلة القدر ليلة سبع وعشرين ~~(6) , وفضل حب PageV02P539 # الأنصار (1) وفضل طلحة (2) , وتاريخ وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وهو ابن ثلاث وستين سنة (3). # وحديث: ((اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت)) (4) وقد رواه مسلم ~~(5) عن علي رضي الله تعالى عنه. # وحديث: ((الخير عادة والشر لجاجة)) (6) و ((لم يبق في الدنيا إلا بلاء ~~وفتنة)) (7) # و ((إنما الأعمال كالوعاء إذا طاب أسفله طاب أعلاه)) (8). PageV02P540 # وفيمن نزل: ((والذين يكنزون الذهب والفضة)) (1) [التوبة/34]. # وأثران موقوفان عليه؛ في ذكر كعب الأحبار (2) , وفي تقبيل الأركان كلها ~~(3). # فهذا جملة ما له في جميع دواوين الإسلام الستة, لا يشذ عني من ذلك شيء, ~~إلا ما لا يعصم عنه البشر من السهو. وليس في حديثه ما ينكر قط, على أن فيها ~~ما لم يصح عنه أو ما في صحته عنه خلاف, وجملة ما اتفق على صحته عنه منها ~~كلها في الفضائل والأحكام: ثلاثة عشر حديثا؛ اتفق البخاري ومسلم منها على ~~أربعة/ وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة, وهذا دليل صدق أهل ذلك العصر, ~~وعدم انحطاطهم إلى مرتبة الكذابين خذلهم الله تعالى, ولو لم يدل على ذلك ~~إلا أن معاوية لم يرو شيئا قط في ذم علي - رضي الله عنه - , ولا في استحلال ~~حربه (4) , ولا في فضائل عثمان, ولا في ذم القائمين عليه, مع تصديق جنده ~~له, وحاجته إلى تنشيطهم بذلك فلم يكن منه في ذلك شيء على طول المدة, لا في ~~حياة علي ولا بعد وفاته, ولا تفرد برواية ما يخالف الإسلام ويهدم القواعد, ~~ولهذا روى عن معاوية غير واحد PageV02P541 # من أعيان ms281 الصحابة والتابعين؛ كعبد الله بن عباس, وأبي سعيد الخدري, وعبد ~~الله بن الزبير, وسعيد بن المسيب, وأبي صالح السمان, وأبي إدريس الخولاني, ~~وأبي سلمة بن عبد الرحمن, وعروة بن الزبير, وسالم بن عبد الله, ومحمد بن ~~سيرين, وخلق كثير. # وروى عن هؤلاء عنه أمثالهم, وإنما ذكرت هذا ليعرف أن المحدثين لم يختصوا ~~برواية حديثه, فإن من المعلوم أنهم لا يقبلون من الحديث إلا ما اتصل إسناده ~~برواية الثقات, فلولا رواية ثقات كل عصر لحديثه عن أمثالهم لم يصح للمحدثين ~~أنه حديثه, ولو لم يصح لهم أنه حديثه لم يرووه عنه في الكتب الصحيحة, وإنما ~~ذكرت هذا على سبيل الاستئناس. والعمدة في الحجة ما قدمته, والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # وقد قبلت الشيعة والمعتزلة ما هو أعظم من قبوله على أصولهم وهو مرسل ~~الثقة, فإنه مقبول عندهم على الإطلاق, فقبلوا بذلك أحاديث معاوية وهم لا ~~يشعرون! بل فقبلوا موضوعات كثيرة رواها بعض ثقاتهم بسلامة صدر عن بعض من لم ~~يعرف من المجاهيل, أو (1) طبقات المجروحين. # ومن قبل مرسل الثقة على الإطلاق دخل ذلك عليه من حيث لا يدري, فإن من ~~الثقات من يقبل المجاهيل, وفيهم من يقبل كفار PageV02P542 # التأويل, وفيهم من هو كافر تأويل عند جمهور المعتزلة والشيعة, وفيهم من ~~يقبل الفاسق المصرح إذا عرف بالصدق والأنفة من الكذب, ولقد روي هذا عن ~~الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه - كما قدمنا ذكر ذلك. # وقبول المرسل على هذه الصفة, أعظم مفسدة وأدخل في قبول الأكاذيب على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - , فينبغي للعاقل أن ينظر في عيب القريب وعيب ~~الصديق, كما ينظر في عيب الخصم والبعيد, نسأل الله التوفيق لذلك آمين آمين. # وأما حديث عمرو بن العاص فله في الأحكام عشرة أحاديث: # الأول: في النهي عن صيام أيام التشريق, رواه عنه أبو داود (1) وله شواهد؛ ~~فرواه أبو داود والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر (2) , ومسلم عن نبيشة ~~الهذلي (3) , ومسلم (4) ومالك في ((الموطأ)) (5) عن PageV02P543 # عبد الله بن حذافة, والنسائي (1) عن بشر بن ms282 سحيم, ومسلم (2) عن كعب بن ~~مالك, ومالك في ((الموطأ)) (3) عن سليمان بن يسار مرسلا, والبخاري (4) عن ~~ابن عمر وعائشة بلفظ: ((لم يرخص في صومها إلا لمن لا يجد الهدي)). # الثاني: التكبير في صلاة عيد الفطر سبعا في الأولى, وخمسا في الثانية, ~~رواه أبو داود (5) , وفي سنده عمرو بن شعيب, وفي صحة حديثه خلاف, وأكثر ~~المتأخرين على صحته, وقد رواه أبو داود و [ابن ماجه] (6) عن عائشة (7) , ~~والترمذي (8) عن عمرو بن عوف (9) , وقال ابن النحوي: في الباب أحاديث كثيرة ~~أخر, والله أعلم. PageV02P544 # الثالث: حديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرأه خمس عشرة سجدة من ~~القرآن, منها: ثلاث من المفصل, وفي سورة الحج سجدتان, رواه عنه أبو داود ~~وابن ماجه القزويني (1) , وفي إسناده ابن ماجه ابن لهيعة وضعفه مشهور. # وهذا الحديث لم يصح عن عمرو قاله ابن النحوي, وعزاه إلى ابن القطان وابن ~~الجوزي (2) , ومع ذلك فلهذا الحديث شاهد عام وشواهد خاصة: فأما الشاهد ~~العام, فروى البخاري ومسلم وأبو داود عن عبد الله بن عمر (3) /ما يدل على ~~أن السجود مشروع في كل موضع سجدة في كتاب الله تعالى, قال: ولكنا منعنا ما ~~زاد على الخمس عشرة للإجماع على المنع من الزيادة على ذلك, رواه أبو محمد ~~بن حزم (4) وغيره. # وأما الشواهد الخاصة: فاعلم أنه لا نزاع بين الأمة على قول ابن حزم, وبين ~~الجماهير على قول غيره إلا في خمس سجدات هي: ثلاث في المفصل, وسجدة في (ص) ~~, والسجدة الثانية من سورة الحج. PageV02P545 # فأما سجدات المفصل فإحداهن في (النجم) رواها البخاري والترمذي من حديث ~~ابن عباس (1) , وأبو داود عن ابن مسعود (2) , والنسائي عن المطلب بن أبي ~~وداعة (3) , والبخاري عن ابن عمر (4) , ومالك في ((الموطأ)) (5) عن عمر, ~~والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن زيد بن ثابت (6). # والسجدة الثانية: في (انشقت) وقد رواها البخاري ومسلم ومالك في ~~((الموطأ)) وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة (7). # والسجدة الثالثة: في سورة (اقرأ) وقد رواها مسلم وأبو داود والترمذي ~~والنسائي عن أبي هريرة (8). PageV02P546 # (1) وأما سجدة ms283 (ص) فقد رواها أبو داود عن أبي سعيد الخدري (2) , والبخاري ~~والترمذي وأبو داود والنسائي عن ابن عباس (3) 2). # وأما السجدة الثانية في الحج: فقد رواها أبو داود والترمذي عن عقبة بن ~~عامر (4) , ورواها مالك في ((الموطأ)) (5) عن عمر بن الخطاب وولده عبد ~~الله, ولكن موقوفا عليهما. # فهذه الخمس السجدات المختلف فيها قد تابعه في كل واحدة منها من ذكرنا, ~~وأما العشر البواقي فإن أبا محمد بن حزم ادعى إجماع الأمة على السجود فيها ~~(6) , وذكر ابن هبيرة (7) أنه قول فقهاء الأمة PageV02P547 # الأربعة وأتباعهم. # قلت: وهو قول الزيدية (1) , بل (2) مذهب الزيدية أن السجدات خمس عشرة على ~~ما روى عمرو بن العاص وهو مذهب أحمد ابن حنبل وغيره من أهل العلم, إلا أن ~~الفقيه جمال الدين الريمي ذكر في كتابه ((عمدة الأمة في إجماع الأئمة)) ~~(3): أن الإجماع لم ينعقد على عشر سجدات وإنما انعقد على أربع, والصواب ~~قبول رواية ابن حزم فإنه ثقة مطلع, ووجود الخلاف الشاذ لا يقدح في رواية ~~ثقات العلماء في الإجماع؛ لأنه يمكن أنهم ادعوا إجماع أهل عصر من الأعصار, ~~وأن ذلك الخلاف تقدم الإجماع أو تأخر عنه ممن لم يصح له الإجماع. # وأما حديث أبي الدرداء في سجوده مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إحدى ~~عشرة سجدة فقد رواه أبو داود والترمذي (4) , ولكن قال أبو داود: ((إسناده ~~واه)). PageV02P548 # وأما حديث ابن عباس: ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسجد في ~~المفصل بعد هجرته إلى المدينة)) (1) فضعيف ومعارض بما هو أصح منه من حديث ~~غيره, فقد صح عن أبي هريرة (2) أنه سجد في المفصل مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ولم يسلم أبو هريرة إلا بعد الهجرة, وهذا أولى لصحة إسناده, ~~ولأن المثبت أولى من النافي, وابن عباس إنما قال إنه لم يسجد, وهذا نفي, ~~ولعله سجد ولم يعلم ابن عباس, فيقبل المثبت لما في ذلك من حمل الجميع على ~~السلامة. # وهذه السجدات العشر في: الأعراف, والرعد, والنحل, وسبحان, ومريم, والأولى ~~من الحج, والفرقان, والنمل, والجرز (3) , والسجدة. # الحديث ms284 الرابع: حديث تقريره - صلى الله عليه وسلم - لعمرو على التيمم حين ~~احتج بما يدل أنه خاف على نفسه الموت من شدة البرد وهو (4) قوله تعالى: ~~((ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما)) (5) [النساء/29] PageV02P549 # وله شاهد على ذلك, وهو الإجماع/ أولا (1) , وما أخرجه أبو داود عن ابن ~~عباس (2) ثانيا. # الحديث الخامس: حديث: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران)) الحديث ~~رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي و [ابن ماجه] (3) , وقد رواه ~~الترمذي, والنسائي عن أبي هريرة (4). # السادس: حديثه في الحث على السحور, لكونه فصلا بين صيامنا وصيام أهل ~~الكتاب, رواه عنه مسلم وأهل السنن (5) إلا ابن PageV02P550 # ماجه. # وقد وردت في الحث على ذلك أحاديث؛ فرواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ~~(1) عن أنس, ورواه النسائي وأبو داود عن عرباض بن سارية (2) , ورواه ~~النسائي عن المقدام بن معدي, وعن خالد بن معدان (3) , ورواه أبو داود عن ~~أبي هريرة (4). # السابع: حديث: ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهانا أن ندخل على ~~النساء بغير إذن أزواجهن)) رواه عنه الترمذي وحسنه (5) , وله شاهد عن عمرو ~~بن الأحوص رواه الترمذي وصححه (6) , وفيه: ((فحقكم عليهن ألا يوطئن فرشكم ~~من تكرهون, ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون)). # وفي ((صحيح مسلم)) (7) عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا: ((لا يدخل ~~رجل بعد يومي هذا سرا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان)) فقوله: ((سرا)) ~~تقييد يقتضي إباحة ذلك بإذن الزوج لأنه يخرج PageV02P551 # به عن السر, وإنما يذكر إذن الزوج في هذا الحديث؛ لأنه في المغيبة, وحديث ~~عمرو بن الأحوص, وعمرو بن العاص في الحاضر زوجها, فهذان شاهدان على تحريم ~~الدخول إلا بإذن الزوج, وأما تحريم الدخول مطلقا فيشهد له مع الشاهدين ~~المذكورين: حديث عقبة بن عامر خرجه البخاري ومسلم والترمذي (1). وحديث جابر ~~خرجه مسلم (2). وحديث ابن عباس خرجه البخاري ومسلم (3) , فهذه خمسة شواهد ~~على أصل النهي وعمومه, واثنان على بيانه وخصوصه. # الثامن: حديثه في تكفير الإسلام والحج والهجرة لما قبلها رواه عنه مسلم ~~(4). # فأما تكفير الإسلام لما قبله؛ فإجماع, ms285 والشواهد عليه كثيرة. # وأما تكفير الحج لما قبله؛ فله شاهد في الترمذي والنسائي عن ابن مسعود ~~(5) , ورواه النسائي عن ابن عباس (6) , ورواه البخاري ومسلم والترمذي ~~والنسائي ومالك عن أبي هريرة (7). PageV02P552 # وأما تكفير الهجرة ما قبلها؛ ففي النسائي (1) عن فضالة بن عبيد ما يشهد ~~لمعنى ذلك, لكن بزيادة الإيمان والإسلام, وهذه الزيادة في حكم المذكورة في ~~حديث عمرو, إذ لا عبرة بهجرة الكافر إجماعا بل صحتها غير متصورة (2) , ~~كصلاته وسائر قرباته الشرعية, مع ماله من الشواهد العامة من القرآن والسنة ~~كقوله تعالى: ((إن الحسنات يذهبن السيئات)) [هود/114] , وقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: ((واتبع السيئة الحسنة تمحها)) رواه النووي في ((مباني ~~الإسلام)) (3). # التاسع: حديث: ((قلت يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قلت: ~~من الرجال؟ قال: أبوها)) فأما ما يخص عائشة من هذا فرواه عنه مسلم والترمذي ~~والنسائي (4) , وله [شواهد] (5) , أما في حبها فعن أبي موسى بلفظ حديث عمرو ~~رواه (6) الترمذي (7) , وأما في PageV02P553 # تفضيلها على النساء فله شاهدان: أحدهما: عن أنس رواه البخاري ومسلم ~~والترمذي (1) , وثانيهما: عن أبي موسى رواه البخاري ومسلم والترمذي ~~والنسائي (2). # وأما ما يخص أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - من هذا الحديث فرواه عن ~~عمرو: الترمذي والنسائي (3) , وله شاهد (4) بمعناه, وهو قول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في أحاديث كثيرة: ((لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا ~~بكر خليلا)) رواه البخاري (5) / من حديث ابن مسعود (6) , ورواه مسلم من ~~حديث جندب بن عبد الله (7) , وله شاهد أيضا موقوف على عمر بن الخطاب ~~PageV02P554 # - رضي الله عنه - رواه الترمذي (1). # العاشر: قوله في عدة المتوفى عنها: ((إنها أربعة أشهر وعشر)) يعني وإن ~~كانت أم ولد, رواه أبو داود وابن ماجه (2) وهو موقوف عليه, وعموم القرآن ~~حجة لقوله. # فهذه جملة ما لعمرو بن العاص في الكتب الستة مما فيه حكم ظاهر, أو يمكن ~~استخراج حكم منه, على أن فيما ذكرته من أحاديثه ما يمكن القدح في صحته عنه, ~~فالذي في ((الصحيحين)) له ستة أحاديث اتفاقا على ثلاثة, وانفرد البخاري ~~بحديث ومسلم ms286 بحديثين, والذي بقي من حديثه شيء قليل لا يتعلق به حكم, وهو ~~أقل الثلاثة حديثا, وفيما بقي حديثان لم أعرف ما فيهما: # أحدهما: حديث: ((كنا مع عمرو في حج أو عمرة فلما كان بمر الظهران إذا نحن ~~بامرأة في هودجها)) (3). # وثانيهما: حديث: ((فزع الناس بالمدينة فرأيت سالما احتبى PageV02P555 # بسيفه وجلس في المسجد)) (1) لم أعرف تمامها, يبحث هل فيهما حكم شرعي؟ وهل ~~له شاهد؟ ويلحق ذلك. # وأما حديث المغيرة: فله -فيما يتعلق بالحلال والحرام- ثلاثة وعشرون حديثا ~~أو أقل: # الأول: حديث (2) المسح على الخفين, وهو حديث مجمع على صحته, لكن ادعى بعض ~~الشيعة أنه منسوخ, لنزول المائدة بعده وفيها الأمر بالغسل, وقال الفقهاء: ~~إن المسح كان قبل المائدة وبعدها كما ثبت ذلك في حديث جرير المتفق على صحته ~~(3) , وهذا الحكم مع صحته (4) مروي من طرق كثيرة: فرواه البخاري ومسلم وأبو ~~داود والترمذي والنسائي عن جرير بن عبد الله (5) , ورواه البخاري ومالك ~~PageV02P556 # وأبو داود (1) والنسائي عن سعد بن أبي وقاص (2) , ورواه مسلم وأبو داود ~~والترمذي والنسائي عن بلال (3) , ورواه الترمذي عن جابر بن عبد الله (4) , ~~ورواه البخاري والنسائي عن عمرو بن أمية (5) , ورواه أبو داود والترمذي عن ~~بريدة (6) , ورواه الحسن البصري عن سبعين صحابيا (7). # وأما المسح على الجوربين فلم يصح عن المغيرة كما قاله الحافظ الكبير عبد ~~الرحمن بن مهدي (8) , ومع ذلك فله شاهد عن أبي موسى (9) , وكذلك مسح أسفل ~~الخف فإنه لم يصح عن PageV02P557 # المغيرة (1). # وقال أبو عيسى الترمذي (2): هذا حديث معلول, قال: وسألت أبا زرعة ومحمدا ~~-يعني البخاري- عن هذا الحديث فقالا: ليس بصحيح. # الثاني: حديثه في الصلاة على الطفل (3) وله شواهد, فرواه أبو داود (4) عن ~~عبد الله البهي مولى مصعب بن الزبير, ورواه عن عطاء مرسلا, ورواه الترمذي ~~(5) عن جابر بشرط الاستهلال. ورواه مالك في ((الموطأ)) (6) عن سعيد بن ~~المسيب عن أبي هريرة موقوفا. ورواه البخاري (7) عن الحسن البصري موقوفا ~~عليه. # وأما ما رواه أبو داود (8) عن عائشة: ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يصل على ابنه إبراهيم)) فمعارض برواية ms287 عطاء وعبد الله البهي أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - صلى عليه, والمثبت أولى (9) , ويعتضد حكم روايتهما بعموم ~~حديث جابر PageV02P558 # المتقدم, وفي رفعه ووقفه خلاف يترجح على حسب القواعد. # /الثالث: حديث ((بعث عمر الناس في أفناء الأمصار)) أخرجه البخاري (1) , ~~وفيه ((أن المغيرة قال لكسرى (2): إن نبينا - صلى الله عليه وسلم - أمرنا ~~أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية)) , وهذا يشهد له حديث ~~عبد الرحمن بن عوف في المجوس: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) (3) , وهو صحيح, ~~وإنما قلت ذلك لأن كسرى مجوسي, فحديث عبد الرحمن يشهد لحديث المغيرة هذا. # الرابع: للنسائي وابن ماجه (4) حديث النهي عن إسبال الإزار, PageV02P559 # وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر (1) , والنسائي عن ~~ابن عباس (2). # الخامس: لمسلم والنسائي والترمذي وأبي داود حديث المسح على العمامة (3) , ~~وقد رواه أبو داود عن ثوبان وأنس (4) , ورواه أحمد وأبو داود وسعيد بن ~~منصور عن بلال (5) , ذكره عبد السلام في ((المنتقى)) (6). # السادس: لأبي داود (7) حديث تحريم بيع الخمر, وشواهده أكثر من أن تذكر. # السابع: للبخاري ومسلم والنسائي (8): ((كسفت الشمس يوم موت إبراهيم)) , ~~فأما تاريخ الكسوف بيوم مات (9)؛ فرواه مسلم PageV02P560 # وأبو داود والنسائي عن جابر (1) , وأما بقية الحديث الذي يتعلق به الحكم ~~فهو أشهر من أن تذكر شواهده. # الثامن: لأبي داود والترمذي (2) حديث: ترك التشهد الأوسط وسجود السهو ~~لنسيانه, وله شاهد من حديث عبد الله بن بحينة خرجه البخاري ومسلم ومالك ~~وأهل السنن إلا ابن ماجه (3). # وأما روايته فيه لسجود السهو قبل التسليم فله شواهد: منها حديث ابن بحينة ~~المقدم خرجه من تقدم ذكره, وخرجه الترمذي عن عمران بن حصين (4) , وأبو داود ~~عن ابن مسعود (5) , ومسلم ومالك والنسائي والترمذي وأبو داود عن أبي سعيد ~~الخدري (6) , والترمذي عن عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة (7). PageV02P561 # وقال أبو داود (1) -بعد رواية حديث المغيرة-: ((وفعل مثل ما فعل المغيرة: ~~سعد بن أبي وقاص, وعمران بن حصين, والضحاك, ومعاوية, وأفتى به ابن عباس, ~~وعمر بن عبد العزيز)). # التاسع: (2) حديث: ((لا تسبوا الأموات)) , فقد رواه ms288 البخاري وأبو داود ~~والنسائي عن عائشة (3) , وأبو داود والترمذي عن ابن عمر (4). # العاشر: [لابن ماجه] (5) حديث: ((أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أتى سباطة قوم فبال قائما)) , وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ~~والنسائي عن حذيفة (6). # الحادي عشر: (7) حديث: ((دية الجنين غرة)) (8) , وقد رواه PageV02P562 # البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة (1). # الثاني عشر: لأبي داود وابن ماجه حديث: ((لا يصلي الإمام في الموضع الذي ~~صلى فيه حتى يتحول)) , رواه عنه أبو داود وابن ماجه (2) , وقد رواه أبو ~~داود عن أبي هريرة (3). # الثالث عشر: للترمذي والنسائي وابن ماجه حديث: ((من اكتوى [أو] استرقى ~~فقد برىء من التوكل)) , رواه عنه الترمذي والنسائي وابن ماجه (4) , وقد ~~رواه أو معناه أبو داود (5) عن عبد الله بن عمرو بن العاص, وجابر بن عبد ~~الله, وعبد الله بن عكيم, ورواه عن ابن عمر, ورواه البخاري ومسلم والترمذي ~~عن ابن عباس (6) , ورواه مسلم عن عمران بن الحصين (7). # الرابع عشر: حديث: ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من PageV02P563 # النار)) , رواه عنه البخاري ومسلم والترمذي (1) , وهو حديث متواتر مستغن ~~عن ذكر الشواهد. # الخامس عشر: حديث: ((من نيح عليه فهو يعذب بما نيح عليه)) , وهو طرف من ~~الحديث قبله, وله شواهد كثيرة: فرواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن ~~عمر بن الخطاب (2) , ورواه النسائي عن عمران ابن حصين (3) , ورواه الترمذي ~~عن أبي موسى (4) , /وله شواهد غير هذه, وقد ذكرنا وجهه فيما تقدم. # السادس عشر: حديث: ((فرض الجدة السدس)) , وقد رواه محمد بن مسلمة رواه ~~عنه البخاري (5) وأبو داود والترمذي (6) , ورواه الترمذي (7) عن ابن مسعود ~~(8) , وأبو داود عن بريدة (9) , وهو إجماع. PageV02P564 # السابع عشر: [للبخاري ومسلم] (1) حديث: ((ما سأل أحد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن الدجال أكثر مما سألته, يقولون: إن معه جنة ونارا, ~~فقال: هو أهون على الله من ذلك (2))) , وله شواهد, ومن العجب أن من الناس ~~من يتوهمها معارضات له, وذلك [أن] جميع ما ورد في ((الصحيحين)) وغيرهما من ~~دواوين الإسلام عن غير واحد من الصحابة رضي الله ms289 عنهم أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: ((إن ناره جنة وماءه (3) نار)) وهذا يعضد حديث ~~المغيرة فإنها متفقة على نفي أن يكون مع الدجال جنة ونار على الحقيقة, ~~وإنما أوردت هذا الحديث وإن لم يكن تحته شيء من الأحكام, للتنبيه على هذه ~~النكتة اللطيفة, ففيها جمع بين الأحاديث (4) , والله أعلم. # الثامن عشر: [لمسلم والبخاري] (5) حديث: ((لا يزال أناس من أمتي ظاهرين ~~على الحق حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون (6))) وقد وقد مرت شواهده في ~~أحاديث معاوية (7). # التاسع عشر: حديث: ((إن المرأة يعقل عنها عصبتها ويرثها بنوها)) ~~PageV02P565 # رواه عنه أبو داود (1) , وله شواهد منها: عن أبي هريرة رواه الجماعة إلا ~~ابن ماجه (2) , وهو مثل حديث المغيرة, وذكر الدية فيه فقط فيما تقدم من ~~حديث أبي هريرة, وفي ((الموطأ)) (3) والنسائي (4) عن ابن المسيب مرسل. وفي ~~((سنن أبي داود)) والنسائي عن ابن عباس (5). # الموفي عشرين: حديث: ((ترك الوضوء مما مست النار)) رواه عنه مسلم وأبو ~~داود والنسائي (6) , وله شواهد: فرواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس ~~(7) , وعمرو بن أمية (8) , وميمونة (9). ورواه مسلم عن أبي رافع (10) , ~~ومالك في ((الموطأ)) (11) , وأبو داود والترمذي عن جابر (12). PageV02P566 # الحادي والعشرون: [للبخاري ومسلم] (1) حديث سعد بن عبادة وفيه: ((أتعجبون ~~من غيرة سعد؟ إنه لغيور)) وفيه: ((ما أحد أغير من الله (2))) , ولهذا ~~المعنى المتعلق بأحاديث الصفات شاهد في ((الصحيحين)) عن عائشة (3). # الثاني والعشرون: حديث: نهي آكل الثوم من دخول المسجد (4) , وقد مرت ~~شواهده في أحاديث معاوية (5). # الثالث والعشرون: حديث: مشي الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها (6) ~~, وفيها وجهان: # أحدهما: أنه مما لا يتعلق به تحليل محرم ولا تحريم محلل, وإنما هو في ~~آداب المشيع للجنازة. # وثانيهما: أنه مما لم يصححه إلا بعضهم كالحاكم وابن السكن, وقد ضعفه غير ~~واحد من أهل النقد, ولم يصححوه عن المغيرة. # فقال الإمام المجتهد أبو الوليد المالكي في كتابه ((نهاية PageV02P567 # المجتهد)) (1). وقد ذكر هذا الحديث وغيره من أحاديث المشي خلف الجنازة ما ~~لفظه: ((وهي أحاديث يصححونها -يعني أهل الكوفة- ويضعفها غيرهم)). # وقد أشار ms290 إلى تضعيفه الإمام أبو عمر بن عبد البر (2) , والقاضي ابن ~~العربي (3) المالكيان فإنهما أشارا إلى ضعف أحاديث الباب كله إلا حديث ابن ~~عمر مع أنه مرسل من مراسيل الزهري على الصحيح عند أكثر الحفاظ, فإذا كان ~~أصحها مع تعليله بالإرسال فما ظنك بغيره؟ # ولهذا ترك الشيخان تخريج شيء من هذه الأحاديث في كتابيهما, مع خلو ~~كتابيهما عما يقوم مقامهما, وذلك نادر فيهما, ومع عدم الصحة عن المغيرة لا ~~يلزم ذكر الشواهد في رعاية ما قصدته من مراعاة ما يتفق الشيعة وأهل السنة ~~عليه, من وجوب العمل بأحاديث ((الصحيحين)) وما حكم الأئمة بصحته من أحاديث ~~دواوين الإسلام الستة. # ومن العجب أن الحاكم هو المصحح لحديث المغيرة هذا على تشيعه (4) , ~~وكلامنا إنما هو في دفع اعتراض بعض الشيعة, فهذا شاهد على المعترض من ~~أصحابه ودليل على أن أهل السنة لم /يختصوا بذلك. # الرابع العشرون: حديث: ((كان إذا ذهب المذهب أبعد)). رواه PageV02P568 # عنه أهل ((السنن)) (1) إلا ابن ماجه, وقد رواه النسائي عن عبد الرحمن بن ~~أبي قراد (2) , والعجب أن هذا الحديث وحديثا نحوه من رواية المغيرة أيضا ~~هما أول ما في كتاب ((شفاء الأوام)) (3) من كتب الزيدية أوردهما مصنفه ~~ناسبا لهما إلى المغيرة, واحتج بهما من غير ذكر غيرهما, وهم ينكرون على ~~المحدثين مثل ذلك!! # وهذا آخر ما عرفت من أحاديث المغيرة مما يتعلق بالتحليل والتحريم, ولم ~~يبق من حديثه إلا القليل مما يتعلق بذلك. على أن فيها ما يمكن القدح في ~~صحته عنه: فالذي في ((صحيحي البخاري وملسم)) منها اثنا عشر حديثا اتفقا على ~~تسعة وانفرد البخاري بحديث (4) ومسلم بحديثين. # وقد عرفت بهذه الجملة بطلان ما توهمه المعترض من دعوى بطلان أحاديثهم, ~~وسقط قوله على كل مذهب, وصحت أحاديثهم [هذه] (5) على وجه لا شبهة فيه على ~~قواعد الخصوم, والله سبحانه أعلم. PageV02P569 # قال المعترض: ويقال: ما تقول إذا وردت شبهات الملحدين ومشكلات المشبهة ~~والمجبرة المتمردين, وقد ساعدك الناس إلى إهمال النظر في علم الكلام؟ وهل ~~هذا إلا مكيدة للدين؟ إلى آخر ما ذكره. ms291 # أقول: لا يخلو الكفرة إما أن يطالبوا (1) منا أدلتنا حتى يسلموا أو ~~يوردوا علينا شبههم حتى نترك الإسلام, فهاتان مسألتان. # أما ### | المسألة الأولى # : وهي إذا سألونا أدلتنا حتى يسلموا, فالجواب من وجوه: # الوجه الأول: أن نقول لأهل الكلام: ما تقولون للكفرة إذا قالوا: إن ~~أدلتكم [المحررة] (2) في علم الكلام شبهه ضعيفة وخيالات باردة, كما قد ~~قالوا ذلك وأمثاله, فما أجبتم به عليهم بعد الاستدلال (3) والنزاع ~~والخصومة؛ فهو جوابنا عليهم قبل ذلك كله. # فإن قالوا: إنه يحسن منا بعد (4) إقامة البراهين العقلية (5) أن نحكم ~~عليهم بالعناد ونرجع إلى الإعراض عنهم وإلى الجهاد, وأما أنتم فإنه يقبح ~~منكم ذلك قبل إقامة البراهين. # قلنا لهم: إن الحجة لله تعالى عليهم قد تمت -قبل أن تذكروا PageV02P570 # لهم تلك البراهين- بما خلق الله تعالى لهم من العقول, وأرسل إليهم من ~~الرسل, فكما أنهم لو ماتوا على كفرهم قبل مناظرتكم لهم حسن من الله تعالى ~~أن يعذبهم بالنار, فكذلك يحسن منا أن نقول لهم قد أقام الله الحجة عليكم ~~وعرفكم صحة ما أمركم بالإقرار به من الإسلام, وإنما كلفنا ... (1أن ندعوكم ~~إلى الإقرار مما قد عرفكم به وكلفنا (1) بجهادكم إن لم تجيبوا إلى ذلك, ~~وكذلك فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , ولنا فيه أسوة حسنة في فعله ~~وقوله؛ أما فعله فظاهر فإنه معلوم من الدين ضرورة أنه كان يقاتل الكفار قبل ~~المناظرة بالأدلة, وإنما اختلف في قتالهم قبل الدعوة وصح أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - قاتلهم قبل الدعوة, في آخر الأمر. # وأما قوله: فإنه ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)) (2) الحديث, ولم يقل فيه: ~~أمرت أن أجادل الناس حتى يقولوا ذلك, وكذلك قال الله تعالى: ((إنما أنت ~~منذر ولكل قوم هاد)) [الرعد/7] وقالت الرسل الكرام عليهم السلام: ((وما ~~علينا إلا البلاغ المبين)) [يس/17]. # وتحقيق هذا الجواب: أن أهل الكلام إما أن يحكموا على الكفار قبل المناظرة ~~وفي خلالها بأنهم معذورون لا إثم عليهم ms292 في الكفر, أو لا, فإن قالوا بالأول, ~~خالفوا المعلوم من ضرورة الدين وإجماع المسلمين, وإن قالوا بالثاني قلنا/ ~~لهم: فالحكم الذي حكمتهم عليهم به بعد المناظرة قد كان حاصلا قبلها, فإن ~~كان قصدكم PageV02P571 # بالمناظرة العلم بعنادهم فهو معلوم قبلها, إذ لو لم يكونوا معاندين كانوا ~~معذورين غير معذبين عند الله ولا ملومين, لأن التكليف بما لا يعلم ولا يمكن ~~غير جائز ولا واقع, على ما هو مقرر في مواضعه, وإن كان قصدكم بالمناظرة ~~تمكينهم من معرفة الله فقد مكنهم الله تعالى من ذلك وهو غير متهم في إقامة ~~الحجة وقطع العذر. # وفي ((صحيح البخاري)) (1) مرفوعا: ((ما أحد أحب إليه العذر من الله, من ~~أجل ذلك أرسل الرسل)). # الوجه الثاني: أن الكفار متى سألونا الدليل على ثبوت الإسلام, قلنا لهم: ~~انظروا في ملكوت السماوات والأرض ومعجزات الأنبياء ونحو ذلك من أدلة ~~الإسلام على الإنصاف وطلب معرفة الحق, فإن نظرنا لأنفسنا لا يولد العلم لكم ~~(2) , وذكرنا للأدلة التي نظرنا في صحتها لا ينفعكم أيضا, فإن ذكرها لكم من ~~غير أن تنظروا في صحتها لا يولد العلم لكم, وعلى الجملة؛ فإيجاد العلم بصحة ~~الإسلام في قلوب الكفار غير مقدور للمسلمين لا بأدلة الكلام, ولا بأدلة ~~السلف. لأن وجود العلم متوقف إما على نظر الكفار على الوجه الصحيح أو على ~~خلق الله تعالى له, وكلاهما غير مقدور لنا, فلم يبق إلا أنا نأمرهم بأن ~~ينظروا فيما نظرنا فيه على مقتضى ما خلق الله في عقولهم السليمة, ومقتضى ما ~~علمهم الله على ألسنة أنبيائه الكرام عليهم الصلاة والسلام, فبمجموع العقل ~~وبعثة الرسل تمت الحجة عليهم بإجماع PageV02P572 # المسلمين بل إجماع العقلاء المنصفين, قال الله تعالى: ((لئلا يكون للناس ~~على الله حجة بعد الرسل)) [النساء/165] وأمثال ذلك, وإذا كانت حجة الله ~~علينا وعليهم إنما هي العقل, وبعثة الرسل, ونحن فيهما على سواء في القدر ~~الذي تقوم به الحجة, ويحصل معه التمكن من الإسلام, لم يجب علينا أن نعرفهم ~~بأمر قد شاركونا في التمكن من معرفته بغير علم ms293 منا. # ألم تر أنه لم يجب على المفتي أن يفتي العامي في حضرة الرسول, فكذلك لا ~~يجب علينا أن نعرف الكفار بمقتضى العقول مع وجود العقول, فإن قال الكافر: ~~إني قد نظرت في جميع ما ذكرتم بجهدي فلم أجد شيئا مما ذكرتم يدل على ~~الإسلام, فإنا نقطع على أنه كاذب معاند, مثلما أن المتكلمين يقطعون على ذلك ~~بعد المناظرة, فإنما علمنا أنهم معاندون في ذلك -مع أنه غيب لا سبيل لنا ~~إلى معرفته- لأن الله تعالى أخبرنا بذلك حيث يقول: ((قل فلله الحجة ~~البالغة)) [الأنعام/149] وغير هذه الآية الكريمة. وبمعنى هذا الجواب جاء ~~القرآن صريحا, قال الله تعالى: ((إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف ~~الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات ~~الله فإن الله سريع الحساب, فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل ~~للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا ~~فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد)) [آل عمران/19 - 20] فما تركت هذه ~~الآية شيئا مما ذكرناه والحمد لله. # فإن قلت: قد يكون في الناس من هو بليد لا يستطيع أن ينظر وحده, ولا يعرف ~~الأدلة إلا بالتعليم فيجب تعليمه. # PageV02P573 # والجواب/ من وجوه: # الأول: لا سبيل على قواعدكم إلى العلم القاطع بوجود من هو كذلك. سلمنا, ~~فإن الله تعالى حين يعلم منه النظر وطلب الحق يلهمه ويمكنه لا محالة. ~~وسلمنا أن الله تعالى لم يمكنه من ذلك لبلادته, فمن أين أنه مكلف بالعلم؟ ~~وما المانع من أنه غير مكلف عند من لا يجيز التقليد في هذه المعارف, ويكون ~~لاحقا بالصبيان المميزين العارفين بالعلوم الضرورية؟ أو يكون مكلفا ~~بالتقليد أو ما يقوم مقامه من الظن عند من يجيز ذلك, كأبي القاسم الكعبي من ~~المعتزلة, والمؤيد من الزيدية, وغير واحد من أهل السنة. # الوجه الثاني: أن نقول: قد يكون في الناس من لا يفهم الأدلة المحققة ~~بالتعليم -أيضا- لشدة بلادته, فما أجبتم به (1) فهو جوابنا. فإن قلتم: ~~الأدلة تمنع وجود مثل هذا, ms294 فإن وجد فغير مكلف, قلنا: ونحن نقول بمثل هذا ~~فيمن لا يتمكن من معرفة الإسلام بمجرد خلق العقل وبعثة الرسل. # الوجه الثالث: أن الذي يعرفه أهل الجهل من المسلمين يكفي أهل البلادة من ~~الكفار, فإنه لا يطالب بالأدلة الدقيقة -التي لا يعرفها إلا علماء الكلام- ~~إلا أهل الذكاء من الكفار, وأهل الذكاء منهم قد تمت عليهم الحجة ومكنهم ~~الله من المعرفة, ولا يجب علينا تعريفهم بما هم ممكنون من معرفته من غير ~~تعريفنا كما تقدم. PageV02P574 # الوجه الثالث: من (الأصل) (1) أن (2) كل مسلم يبذل جهده في دعاء الكفار ~~إلى الله تعالى بالدليل والموعظة, على قدر قوة عقله وبلاغة منطقه, من متكلم ~~أو محدث أو عامي, ولا يجب تعلم الكلام لذلك, فليس كل من قرأ الكلام تمكن من ~~تمييل القلوب المصرة على الكفر إلى الإسلام, وإنما يتمكن من ذلك من أهل ~~الكلام من آتاه الله تعالى صفاء الذهن, وحسن الفهم, والبراعة في تعليم ~~غوامض العلم, وأهل هذه الصفة العزيزة قليل من المتكلمين وغير محتاجين إلى ~~تعلم الكلام, بل في فطرهم ما يكفيهم, كما كان الذين ابتكروا علم الكلام ~~وسبقوا إليه. # الوجه الرابع: سلمنا أنه من عرف علم الكلام تمكن من محاجة الكفار ~~وإفحامهم دون غيره, ولكن ذلك لا يجب ولا يستحب, أما أنه لا يجب فلعدم ما ~~يدل على وجوبه, وأما أنه لا يستحب فلما يخاف من المضرة الحاصلة بمعرفته كما ~~تقدم تحقيق ذلك في (الوهم الثاني عشر) (3). # فإن قيل: قد ورد في السمع ما يدل على وجوب البيان على العلماء؛ فالجواب ~~من وجوه: # الوجه الأول: أن المراد بذلك بيان ما لم يبينه الله تعالى للعامة إلا ~~بواسطة علماء الشريعة, من أحكام الفروع وأركان الشريعة, وأما العلوم ~~العقلية التي ساوى الله تعالى بين الجميع فيها فلا يجب PageV02P575 # تعليمها لأن ما لم يتعلق بالإسلام من ذلك لم (1) يجب إجماعا, وما يتعلق ~~بالإسلام منه فقد بينه الله تعالى, وما بينه الله لم تجب إعادة البيان, ألا ~~ترى أن ما بينه بعض العلماء لم تجب إعادة ms295 بيانه, مع أنه ربما ظن أنه قد بين ~~للخصم ولم يتبين للخصم صحة ما ذكره, فأولى وأحرى أن لا تجب إعادة بيان ما ~~بينه الله تعالى, لأنه يعلم البواطن ويعلم أنه قد أقام الحجة, وقد أعلمنا ~~بذلك فعلمنا بخبره لنا قيام الحجة على الكفار, وكان ذلك أتم من مناظرتنا ~~لهم, غاية ما في الأمر أن هذا تخصيص للعمومات الموجبة لتعلم (2) الجاهل, ~~فهو تخصيص صحيح لأنه تخصيص بالعقل, وتخصيص العموم جائز عند جماهير (3) ~~العلماء بالقياس الظني, كيف بالدليل العقلي!. # الوجه الثاني: أنا نخصص تلك العمومات بفعل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - , فإنه - عليه السلام - لم يشتغل ببيان كيفية النظر وتعليم العقلاء ~~ذلك, بل دعا الناس إلى الإسلام, وقاتلهم عليه وبلغ ما أوحي إليه, والعلماء ~~ليسوا أبلغ من الأنبياء, وقال تعالى في حق الأنبياء: ((وما علينا/إلا ~~البلاغ المبين)) [يس/17] كذلك العلماء فإنما هم ورثة الأنبياء, وأهل السنة ~~قد قاموا بحق الوراثة للعلم النبوي, وقد علمنا أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يأمرنا بالمناظرة قبل قتال الكفار, وإنما أمرنا بالدعاء قبل ~~القتال حتى اشتهرت الدعوة النبوية وقاتل - عليه السلام - قبل الدعوة. # ومن المعلوم أن الكفار لو اعتذروا بالشبه وجاءوا بفيلسوف PageV02P576 # يجادل عنهم, وطلبوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك الجهاد حتى ~~يتعلموا أدلة علم الكلام، ويجيب النبي - صلى الله عليه وسلم - على (1) جميع ~~شبه الفلاسفة القادحة في العلم حتى يؤمنوا على يقين، ما عذرهم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في الكفر يوما واحدا، وكيف يمهلهم ويترك جهادهم حتى ~~يتعلموا ذلك! وتعلم ذلك على الوجه المرضي لم يحصل لأهل الدربة في النظر إلا ~~في مدة طويلة، وإذا جازت المهلة في مدة النظر حتى يحصل للناظر العلم بما ~~ذكره المعتزلة، وجب الرجوع في معرفة مدة المهلة إلى الناظر، لأن الناس ~~يختلفون في سرعة حصول العلم بالنظر على حسب فطنهم، ومعرفة ذلك بالوحي بعد ~~انقطاعه غير ممكنة، فلزم الخصم أمهال من اعتذر بذلك حتى يقر بحصول العلم له ~~وأنه معاند، أو الرجوع ms296 إلى ما بدأ به أهل الحديث من الدعاء والجهاد ~~والاكتفاء ببيان الله تعالى. # الوجه الخامس: أنها وردت نصوص تقتضي العلم أو الظن أن الخوض في الكلام ~~على وجه التحكيم للأدلة العقلية في المحارات الخفية، وتقديمها على النصوص ~~السمعية مضرة عظيمة، ودفع المضرة المظنونة واجب عقلا بإجماع الخصوم ودليل ~~المعقول. # فإن قالوا: وفي ترك علم الكلام خوف مضرة أيضا. # فالجواب: أن تسمية المرجوح خوفا غير مسلم، وإلا لسمينا خائفين لسقوط ~~الأبنية القائمة الصحيحة علينا. # وسلمنا أنه يسمى خوفا. لكن دفع المضرة الموهومة أو المجوزة لا يجب، لا ~~سيما إذا لم يندفع إلا بارتكاب ما فيه مضرة PageV02P577 # مظنونة فإن ذلك قبيح بالضرورة مع تساوي المضرتين أو احتمال تساويهما. # الوجه السادس: من قبيل المعارضة لبعض المتكلمين، وذلك أن في المتكلمين من ~~المعتزلة طائفتين عظيمتين لا توجبان النظر: # أحدهما: من يجيز التقليد في أصول الدين مثل شيخ البغدادية أبي القاسم ~~الكعبى وأتباعه، وإمام الزيدية المؤيد بالله وأتباعه. # ثانيهما: من يقول: بأن المعارف ضرورية من المعتزلة وعلماء الزيدية، ~~والمعتزلة مطبقون على تعظيم هاتين الطائفتين منهم، وإن قطعوا ببطلان ~~ماقالاه فنقول لهم: جواب المحدثين على أهل الفلسفة والكفر مثل جواب هاتين ~~الطائفتين وقد قال بهما جلة من شيوخهم (1) النظار المتحذلقين (2) الكبار، ~~فلا تسرفوا في التشنيع على أهل الأثر، فقد شاركهم في ذلك جماعة من أهل (3) ~~النظر. # ويتعلق بهذا بحث وجوابه تركتهما اختصارا. # وأما ### | المسألة الثانية: # وهي قولهم: ما يصنع المحدثون/ عند ورود الشبه الدقيقة من الفلاسفة ~~وغيرهم، وذكرهم لحكاية ملك الروم، وإرساله إلى الرشيد يطلب المناظرة، وإن ~~الرشيد أمر بمحدث فسألوه عن الدليل على ثبوت الصانع فاحتج عليهم بقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: ((بني الإسلام على خمس دعائم)) (4) الحديث فكتبوا ~~إلى الرشيد في PageV02P578 # ذلك وطلبوا غيره، فأرسل بمتكلم فدسوا عليه من فهمه (1) في طريقه فوجدوه ~~كما يحذرون، فسموه قبل الوصول إليهم. # والجواب على ذلك من وجهين: # الوجه الأول: معارضة وهي أن نقول: أخبرنا ما كان يصنع الصحابة والتابعون ~~ومن أجاز التقليد في الأصول من المتكلمين ms297 وأهل المعارف الضرورية منهم، وأول ~~من ابتكر علم الكلام، فإنه لا يمكن من لا يعرف الكلام أن يصنع مثلهم (2)؟ ~~فإن قالوا: إنه كان في الصحابة وكل من ذكرتم من يتمكن من ذلك من غير تعليم ~~ولا رياضة في الكلام لفرط ذكائه، قلنا: ما المانع أن يكون في كل عصر من هو ~~كذلك مثل أوائل مشايخ الكلام، بل أوائل أهل الفلسفة والبراهمة، بل الذي ~~يتمكن من حل الشبه من أهل الكلام وهو من خصه الله تعالى بالذكاء والفطنة، ~~وليس كل من قرأ الكلام صلح للذب عن الدين ومناظرة الملحدين، وإذا كانت ~~الصلاحية لذلك لذلك موقوفة على الذكاء وحسن الإيراد والإصدار، فذلك موجود ~~في المتكلمين وغيرهم كما أقر المتكلمون أنه كان في الصحابة من يعرف ذلك ~~ويتمكن منه من غير رياضة في تعلم الكلام، وإذا اتفق لبعض أهل الحديث ~~البلداء مالا يخفى على الأذكياء ضعفه، فذلك (3) قد يتفق لبعض أهل الكلام من ~~الاختيارات الركيكة مالا يخفى الأذكياء ضعفه كما قدمنا في PageV02P579 # (الوهم الثاني عشر) (1). # الوجه الثاني: أن أصولكم تقتضي عدم الخوف من ذلك، لأن عندكم أن النظر ~~واجب على العبد، والبيان واللطف واجبان على الله تعالى، فنقول: لا حاجة على ~~هذا إلى تعلم الكلام بل نقف حتى ترد الشبهة، فإن لم تقدح في أحد أركان ~~الدليل لم توجب شكا ولا تستحق جوابا، وإن قدحت فعلنا ما يجب علينا وهو ~~النظر عند المعتزلة، والله تعالى يفعل عندهم ما يجب في حكمته وهو البيان ~~لنا والهداية واللطف المطلع على أسباب الدراية، ومع ذلك تجلى لنا المشكلات، ~~ونسلم من مداحض الشبهات. # فإن قيل: فهل تقولون بقبح النظر؟ فقد أبطلتم كل النظر ببعض النظر، لأن ~~أدلتكم هذه نظرية وهذا متناقض. # والجواب أنا لا نقبح النظر، وكيف وقد أمر الله تعالى به! ونحن إنما ~~دفاعنا عن الكتاب والسنة، ولكنا نبطل مبتدع النظر بمسنونه، فنبطل من ~~الأنظار ما أدى إلى القدح على الصحابة - رضي الله عنه - وإلى تفكير ~~المسلمين، وإلى القطع في صفات الله تعالى بغير تقدير ولا ms298 هدى ولا كتاب ~~منير، وقد بينا في (الوهم الثاني عشر) (2) أن الذي يبطله أهل السنة من ~~النظر نوعان: # أحدهما: ما كان متوقفا على المراء واللجاج الذي لا يفيد اليقين، ويثير ~~الشر. PageV02P580 # وثانيهما: الانتصار للحق بالخوض في أمور يستلزم الخوض فيها الشكوك ~~والحيرة والبدعة لما في تلك الأمور من الكلام بغير علم في محار العقول ~~ومواقفها، وقد أوضحت ذلك في (الوهم الثاني عشر) وذكرت أقوال فحول المتكلمين ~~فيه واعترافهم بذلك فخذه من هنالك، فقد أبطل أهل الحديث بعض النظر ببعضه ~~كما فعل أهل الكلام في إبطال أنظار خصومهم بأنظارهم، وهذا صحيح عند/ ~~الجميع. # وأما الحكاية الني شنع بها أهل الكلام على المحدثين من إرسال ملك الروم ~~إلى هارون الرشيد وطلب المناظرة وعجز المحدث عنها وسخرية أولئك الفلاسفة به ~~فقد كثر الكلام في التبجح بذلك وبحكاية أخرى تشبهها. # والجواب عليهم في ذلك: أنهم إن أرادوا الاستدلال على أنهم أجدل من ~~المحدثين، فذلك مسلم لهم، بل مسلم لهم أنهم أجدل من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وإن أرادوا بذلك أنهم أعلم بالله وأفضل عند الله فليس ذلك يدل ~~على هذا، لأنا نعلم وكل عارف أنه لم يصدر شيء من الكلام ومجادلة الفلاسفة ~~من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا من جميع أصحابه - رضي الله عنه - ~~ولا اشتغلوا بممارستهم لمماراة أهل اللجاج، وارتياضهم على النظر في شبه أهل ~~الباطل، وليس يلزم من ذلك أنهم أقل معرفة بالله، ولا أقل نصرة لدين الله, ~~ولو أحبوا الخوض في الكلام واشتغلوا بتعلمه وتعليمه لبلغوا فيه ما أرادوا، ~~وعرفوا ما عرف المتكلمون وزادوا، وكذلك من اقتدى بهم من أهل السنة وسائر من ~~اشتغل بالعبادة أو الجهاد، ولكنهم أعرضوا عن هذا الفن إعراض مستغن عنه فارغ # PageV02P581 # القلب (1) منه، لا يعرفون له مراسا ولا رفعوا إليه رأسا. # وقد عرضت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسباب تقتضي الخوض في ذلك، ~~كذلك أصحابه رضي الله عنهم فلم يخض أحد منهم في ذلك على أساليب أهل الكلام، ~~وقد كان رسول ms299 - صلى الله عليه وسلم - أعلم بالله وأحب للدعاء بالحكمة (2) ~~إلى الله، فأعرض عمن خاض بالباطل في آيات الله ولم يزدهم على تبليغ آيات ~~الله. # كما فعل مع ابن الزبعرى فإنه لما نزل قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من ~~دون الله حصب جهنم) [الأنبياء/98] تعرض المخذول للجدال وزعم أن المسيح ~~والملائكة-عليهم السلام- ممن يعبدون وأنه يلزم من ذلك أنهم معذبون، فأعرض ~~عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يجب عليه بشيء حتى نزل قوله ~~تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون). # وكذلك أبو سفيان فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يشهد له ~~بالنبوة فقال: أما هذه ففي النفس منها شيء حتى الآن، فسكت عنه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأراد أن يضرب عنقه فشهد الشهادتين. # وكذلك الوليد بن المغيرة فإنه كلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~ترك النبوة، وعرض عليه المال والرياسة، فلم يجب عليه إلا بتلاوة سورة ~~السجدة، وكذلك نصارى نجران الذين نزلت فيهم آية المباهلة تعرضوا لمباهلته ~~... -عليه (3) الصلاة والسلام- في أن عيسى ابن الله، تعالى الله ~~PageV02P582 # عما يقول الظالمون علوا كبيرا، فلم يخض معهم في شيء من أساليب المتكلمين ~~ودعاهم إلى المباهلة كما ذلك معروف في مواضعه، وهذه الأمور وإن نقل بعضها ~~أو كلها آحاد فمعناها في الجملة معلوم بالضرورة لمن طالع السير والأخبار، ~~وكذلك أصحابه -رضي الله عنهم- ألا ترى إلى قصة جعفر بن أبي طالب، ومهاجرة ~~الحبشة مع النجاشي، وما راجعه به خطيبهم جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - ~~حين قيل للنجاشي: إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما، وكانت النصارى يعبدون ~~عيسى، ويستعظمون القول بأنه عبد من عبيد الله، فلما سألهم النجاشي عن ذلك؟ ~~أجابوا بكلام الله تعالى واحتجوا به على صحة عقيدتهم، وتلا جعفر على ~~النجاشي صدر سورة مريم، حتى بكى النجاشي وأصحابه، وكان ذلك سبب إسلام ~~النجاشي، وكل هذه المحاجات التي أشرنا إليها لا تصح على قواعد المتكلمين، ~~ولا تنفق في سوق الجدليين، فإنه لا يصح ms300 عندهم الاحتجاج بالقرآن ولا بالمعجز ~~إلا على من قد صح له وجود الباري تعالى، وأنه عالم قادر، عدل حكيم صادق، ~~بالأدلة المحققة في علم الكلام، على ماذلك مقرر بأدلته في مصنفاتهم. # والعجب من تشنيعهم على المحدث الذي أرسله هارون إلى الروم فبلغهم ما عنده ~~من دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليت شعري ما الذي أنكروه من ~~ذلك؟ فإن كان المنكر عندهم هو تبليغ كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فلا نكارة في هذا، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - /يبلغ عن ~~الله تعالى من غير زيادة استدلال ولا تجديد احتجاج، وإن كان المنكر عندهم ~~كونهم طلبوا منه الحجة العقلية فلم يأت وعدل إلى ذكر أركان الإسلام، فغير # PageV02P583 # مستنكر أيضا، فقد أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بمثل ذلك فقال ~~تعالى: (فإن حآجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن) [آل عمران/20] وأما ~~قولهم: كيف يحتج على الخصوم بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ~~يسلموا له صحة نبوته؟ فذلك جهل منهم، فإنه يصح الاحتجاج بذلك لأن الله ~~تعالى قد أقام عليهم الحجة بذلك وإن جحدوه كما قال تعالى: ((وما اختلف ~~الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم)) [آل عمران/19] ~~وقال: ((وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد)) [آل عمران/20] ~~وقد ثبت في فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المعلوم في الجملة ما يرد ~~عليهم, فإنه - صلى الله عليه وسلم - أرسل إلى هرقل عظيم الروم من كان في ~~صفة المحدث الذي أرسله هارون وهو دحية بن خليفة الكلبي ولم يعلمه ما يجيب ~~به عليهم إن أوردوا عليه ما يدق من شبههم, فإنهم اليونان أهل الفن المنطقي ~~وسائر الدقائق النظرية, وكذلك سائر رسله - عليه السلام - فإنه بعث إلى ~~النجاشي صاحب الحبشة, وإلى المقوقس صاحب الإسكندرية, وبعث أبا عبيدة إلى ~~البحرين يعلمهم الإسلام, وبعث عليا ومعاذا وأبا موسى إلى اليمن, وبعث إلى ~~سائر الملوك, وكذلك كتب رسول الله - صلى الله عليه ms301 وسلم - التي أنفذها إلى ~~الآفاق البعيدة للدعاء إلى الإسلام لم يضمنها شيئا من ذلك مع أنه موضعه, ~~مثل كتابه (1) إلى خرقل, وإلى كسرى, وإلى جهينة. # وبالجملة؛ فالعلم حاصل بأن أهل الحديث أشبه برسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأصحابه من أهل الكلام في أمر العقيدة والرجوع إلى القرآن والسنة, ~~PageV02P584 # لا يشك في ذلك إلا من قصرت معرفته بالأحوال النبوية والآثار الصحابية. # فإن قيل: أليس قد أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالجدال في قوله ~~تعالى: ((وجادلهم بالتي هي أحسن)) [النحل/125] فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن الله تعالى قيد ذلك بالتي هي أحسن, ولم يأمره بمطلق الجدال ~~والنزاع, إنما هو في كيفية ذلك وتفسير التي هي أحسن. وحجة المحدثين فيه ~~واضحة, وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد امتثل ما أمر به من ~~الجدال في هذه الآية, ومع ذلك فلم ينقل عنه أنه جادل بأساليب المتكلمين ~~وهذا واضح, وكذلك جميع ما أخبر الله تعالى به عن الأنبياء ... -عليهم ~~السلام- من مجادلة الكفار والاحتجاج عليهم, فإنه لا يعجز عن مثله محدث ولا ~~يطابق أساليب أهل الكلام, مثل ما حكى الله تعالى عن خليله إبراهيم - عليه ~~السلام - في قوله للذي حاجه في الله تعالى: ((فإن الله يأتي بالشمس من ~~المشرق فأت بها من المغرب)) [البقرة/258] ومثل ما علم الله رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يحاجهم به في قوله تعالى: ((قل إنما أعظكم بواحدة أن ~~تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم ~~بين يدي عذاب شديد, قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو ~~على كل شيء شهيد)) [سبأ/46 - 47]. # ومثل ما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - من ذلك؛ ففي ((الصحيحين)) (1) من ~~حديث PageV02P585 # ابن عباس ((لما نزلت: ((وأنذر عشيرتك الأقربين)) صعد - صلى الله عليه ~~وسلم - على الصفا فجعل ينادي: ((يا بني فهر! يا بني عدي!)) -لبطون قريش- ~~حتى اجتمعوا فقال: ((أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير ms302 ~~عليكم كنتم مصدقي؟)) قالوا: نعم, ما جربنا عليك إلا صدقا, قال: ((فإني نذير ~~لكم بين يدي عذاب شديد)). # وفي ((الصحيحين)) (1) عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:/ ~~((إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم إني (2) ~~رأيت الجيش بعيني, وإني أنا النذير العريان [فالنجاء] , فأطاعه طائفة من ~~قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم (3) , وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم ~~وصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم)) الحديث, وأمثال ذلك مما في القرآن والحديث ~~الصحيح معلوم, فالسني يفهم مثل هذا ويهتدي إلى الاحتجاج به على قدر فهمه ~~وذكائه, وفهم مثل هذا لا يحتاج إلى خوض في لطيف الكلام, وأهل البلادة من ~~أهل الكلام PageV02P586 # وأهل السنة لا يكادون يفهمون ما دق من السمع والعقل, ولهم من الفهم ما ~~تقوم عليهم به الحجة ويلزمهم معه التكليف, وقد ذكر الله تعالى في سورة هود ~~في محاجة الأنبياء وجدالهم, ما معرفته مغن (1) عن ذكره, وكذا ذكر محاجة ~~إبراهيم لقومه, ومحاجة يوسف لصاحبي السجن, ونحو ذلك مما يطول ذكره. # الوجه الثاني: أن الله تعالى أجمل كيفية الجدال بالتي هي أحسن في تلك ~~الآية وببينه في غيرها بتعليمه في القرآن العظيم لنبيه - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال تعالى: ((إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله ~~سريع الحساب, فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا ~~الكتاب والأميين ءأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك ~~البلاغ والله بصير بالعباد)) [آل عمران/19 - 20] فهذه الآية الكريمة على ما ~~يتمناه السني في وضوح الدلالة على المقصود في هذا الباب, من النص الصريح ~~على أن ما ذهبوا إليه وأجابوا به أهل اللجاج في الدين, هو الذي أمر الله به ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - من الاقتصار على مجرد الدعاء إلى الإسلام, ~~والاتكال في إيضاح الحجة على ما قد فعله الله تعالى لهم من خلق العقول, ~~وبعثة الرسول, ms303 وإنزال الآيات, وظهور (2) المعجزات وتكثير مواد البينات, كما ~~قال سبحانه وتعالى في تمثيل نور هدايته للخلق إلى معرفة الحق: ((الله نور ~~السماوات والأرض مثل نوره PageV02P587 # كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة ~~مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور ~~على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء ~~عليم)) [النور/35] فمن ادعى عدم بيان أدلة الإسلام بعد هذا لم يقبل منه ولا ~~يلتفت إليه, وقد نص الله على ما يكذب القائل لذلك في قوله تعالى في الآية ~~المتقدمة: ((وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم)) [آل عمران/19] في العلم ببواطنهم, وما أقام عليهم من الحجة حتى ~~استوجبوا العقوبة والغضب من الله تعالى, فأما الخوض مع أهل المراء واللجاج, ~~والطمع في هدايتهم بالجدال والحجاج, فذلك ما لا يطمع فيه بصير, ولا جاء به ~~كتاب منير, وكيف تطمع في أهل الزيغ وقد حكى الله تعالى عنهم (1) أنهم ~~جادلوه يوم القيامة (2) وأنكروا ما صنعوا من معاصيه -سبحانه- حتى شهدت ~~عليهم أيديهم وأرجلهم, وبعد أن شهدت عليهم لم يكل حد حجاجهم ولا خمد شواظ ~~جدالهم, بل قالوا لأعضائهم: لم شهدتم علينا؟ قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق ~~كل شيء. فمن بلغ في اللجاج إلى هذا الحد, كيف يطمع السني أو الجدلي أن ~~يفحمه بالدليل ويهديه إلى/ سواء السبيل؟! هيهات أن يكون ذلك أبدا, وكان ~~الإنسان أكثر شيء جدلا!. PageV02P588 # وقد تأول هذه الآية المصرحة بجدال الكفار يوم القيامة بعض أهل الكلام فلم ~~يأت بما يساوي سماعه, والله الذي خلق الخلق هو أعلم منهم بطباعهم وهو الذي ~~أخبر عنهم بذلك وبأنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه, والحكيم من اكتفى ~~بحكمة الله وبيانه في حق هؤلاء الذين لا يعرف طباعهم سواه ولا يعلم غلاظهم ~~غيره, ولهذا وعد الله تعالى بالفصل بينهم يوم القيامة وسماه يوم الفصل, فأي ~~جدلي مغفل يظن أنه يفصل بجدله بين ms304 الخلق قبل يوم القيامة؟ والحكيم الخبير ~~قد أنبأنا من عتوهم وإصرارهم على الباطل بما لم نكن نعرفه إلا بتعريفه (1) ~~سبحانه وتعالى فقال: ((ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون, ~~لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون)) [الحجر/14] وقال سبحانه ~~وتعالى: ((ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل ~~شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله)) [الأنعام/111] فكيف تنفع ~~المناظرة من لم تنفعه مثل (2) هذه الآيات الباهرة, وإنما الحكمة أن يوكلوا ~~إلى الذي قال في بيان القدرة على هدايتهم بما هو أعظم من تلك الآيات من ~~ألطافه التي ليسوا لها أهلا: ((ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها)) ~~[السجدة/13]: ((ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا)) [يونس/99] وقال ~~تعالى في بيان علمه ببواطنهم, وحكمته في ترك هداية غواتهم (3): ((ولو علم ~~الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهعم معرضون)) [الأنفال/23] وقال ~~PageV02P589 # تعالى في إقامة الحجة عليهم بخلق العقول وبعثة الرسول: ((وأما ثمود ~~فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى)) [فصلت/17] وقال تعالى: ((وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا)) [الإسراء/15] وقال تعالى: ((لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل)) [النساء/165]. # فهذه الآيات الكريمة وأمثالها تعرف السني قيام حجة الله تعالى على الخلق ~~في إيضاح سبيل الحق, فيدعوهم إلى الله تعالى مقتديا برسله الكرام -عليهم ~~أفضل الصلاة والسلام- مكتفيا من البيان بما في القرآن, مقتصرا في الفرق بين ~~الحق والباطل بالفرقان, يستصبح بنوره في ظلم الحيرات, ويمتثل مطاع أمره في: ~~((فاستبقوا الخيرات)) [البقرة/148] ولا يتعدى حدود نصحه في الإعراض عن ~~الجاهلين والمجانبة للخائضين في آيات رب العالمين. # إخواني! فلا يستخفنكم الذين لا يوقنون, ولا يستهوينكم الذين يسمون ~~المؤمنين بالسفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون, ولا يطيشن (1) ~~وقاركم الذين يسخرون منكم, سخر الله منهم ولهم عذاب أليم, فقد استهزأوا ~~قبلكم بجميع الأنبياء والمرسلين وسائر المؤمنين, وقد حكى الله عنهم أنهم: ~~((كانوا من الذين آمنوا يضحكون, وإذا مروا بهم يتغامزون, وإذا انقلبوا إلى ~~أهلهم انقلبوا فكهين, وإذا ms305 رأوهم قالوا إن هؤلاء لضآلون)) [المطففين/29 - ~~32] فتأسوا رحمكم الله بمن تقدم من المؤمنين في الإعراض عن المستهزئين: ~~((الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون, أولئك الذين اشتروا الضلالة ~~بالهدى فما ربحت PageV02P590 # تجارتهم وما كانوا مهتدين)) [البقرة/15 - 16] وعليكم بالقرآن فإنه الطبيب ~~الآسي, والكريم المواسي, ارتعوا في رياض ((حواميمه)) وانتفعوا ببيان ~~((طواسيمه)) , اقتدوا بأنوار مصابيحه, واستسقوا بأنواء مجاديحه/ فإنه ~~المعجز الذي لا تتناوله طاقات العباد, والحجة البالغة على أهل العناد, ~~والجديد الذي لا يخلق على طول الترداد, ولا يبلى على مرور الآباد, قرآن بلي ~~قشيب الزمان وإعجازه جديد, وهرم شباب الأيام ورونقه إلى مزيد, قد خالف (1) ~~المعجزات باستحالة السحر في حقه, وسطوع نور الحق من مشكاة بلاغته وصدقه, ~~وذلك لأن إعجازه في أمور كثيرة, ووجوه حججه (2) منيره: # منها: حسن تركيبه وإحكام ترصيفه, ومطابقة أفانينه للطيف حالتي القبض ~~والبسط, وموافقة أساليبه لدقيق شأني القطع والربط, فوعيده يبكي العيون, ~~ويستحلب الشؤون (3) , وتقشعر له الجلود, ويقطع نياط القلوب ويمنع الهجود, ~~ووعده يثير النشاط ويبعث داعية الانبساط, وأقاصيصه تثبت الإيمان في القلوب, ~~وتجلي عنها غياهب الكروب, وتزيد في الإيمان وتهدي إلى الإحسان, وهذا لا ~~يستطيعه السحرة والمشعوذون, إنهم عن السمع لمعزولون, ولو كان ذلك من ~~المجوزات لجوز مثل ذلك على جميع الأشعار المدونات, ولكنا إذا سمعنا كلاما ~~بليغا ونظاما بديعا, قد وشيت بعلوم البيان بردته, وحكيت في أفانين المعاني ~~لحمته, وقمعت بطرائف الأمثال أساليبه, PageV02P591 # وطرزت بمطابقة الأحوال أفانينه. جوزنا أنه من طمطمة العجوم, وهمهمة علوم ~~الروم!! ومتى سمعنا رطن الأعاجم وأصوات البهائم جوزنا أنها من رسائل البديع ~~المضمنة لعلوم البديع! ولو كانت الفصاحة من مقدورات السحرة, وحيل حذاقهم ~~المهرة لقدروا بذلك على معارضة القرآن, فكيف وقد عجزوا عن يسير البيان! ~~فأكثرهم لا يعرف وزن بيت من أي الأوزان, ولا يدري كيف الجولان في هذا ~~الميدان! فانظروا في هذه المعجزة العظيمة الباقية على مر الدهور الطويلة, ~~التي أخرست مهرة الكلام من العرب وأسكنتهم وأردت فرسان البلاغة (1) ~~فنكستهم, أظهر الله به عجزهم, وأبطل به عزاهم وعزهم, وقد مر ms306 اليوم نيف على ~~ثمان مئة سنة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ولم يقدر ~~على معارضته إنسان, ولا نطق بمثل سوره لسان, على أن هذه المدة الطويلة مرت ~~على سحرة الكتابة والخطابة, ومهرة اليراعة والبراعة, أساة أساليب الكلام ~~إذا اعتل/, وبناة أساسات البيان إذا اختل. # يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء # فسبحان من أخرس أمراء البيان عن معارضة هذا القرآن! وجعله عصمة لأهل ~~الإيمان في جميع الأزمان: ((قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل ~~هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا)) [الإسراء/88]. ~~فاستنصحوا القرآن واستهدوه واستخبروه واستشفوه, فإنه الناصح الذي لا يغش, ~~والهادي الذي لا يضل, PageV02P592 # والمحدث الذي لا يكذب, الطبيب الذي لا يخطىء. فاتهموا فيه (1) آراءكم, ~~واستغشوا [فيه] (2) أهواءكم, واستغنوا بمنطق القرآن عن منطق اليونان, ~~وانظروا فيما أمركم بالنظر فيه, متبعين في كيفية النظر لرسوله الذي أثنى ~~على متبعيه, فسرحوا أبصار بصائركم وأفكار ضمائركم في سماء مرفوعة, وأرض ~~موضوعة, ونجوم في مقدرات منازلها سيارة, وعلى محكمات أفلاكها دوارة (3) , ~~زينة تجتليها أعين المعتبرين, ومصابيح تتوهج أنوارها للمتفكرين, منها ثواقب ~~وثوابت, ومعالم ورواجم, وأقمار نوارة وبحار موارة, وأرواح خفاقة, وأنهار ~~دفاقة, وسحائب ثقال مطارة, وعيون سيالة وقطارة, وأودية غير منسدة (4) ~~المهارق, نافذة في المغارب والمشارق, وحيوانات حساسة منها في الأجواء ~~طيارة, ومنها على الأقدام سيارة, ومنها أمم مكلفة ومنها أخرى مسخرة, ولكل ~~أرزاق مقدرة, وأحوال مقررة, ونعم ونقم وعبرة وعبر, وفيهم المهنى والمعزى ~~والمعافى والمرزى, والضاحك والباكي, والمغبوط والشاكي, ورسل الله تعالى في ~~خلال ذلك تترى, وكتبه سبحانه لا تزال تقرأ. فسبحانك اللهم ما أعظم ما يرى ~~من خلقك وما أصغره في جنب قدرتك, وما أجل ما نشاهده من سلطانك وما أحقر ذلك ~~في جنب ما غاب عنا في ملكوتك, وما أصدق ما قلت في كتابك المبين يا أصدق ~~القائلين: PageV02P593 # ((ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما ~~نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم)) [لقمان/27]. ms307 # وهذا آخر ما وفق الله من هذا (المختصر) , وقد رأيت أن أختمه بما بدأت به, ~~بذكر شيء من الأبيات (1) المتضمنة للحث على الاتباع وترك التعمق والابتداع, ~~فمن ذلك قولي في هذا المعنى: # /منطق الأولياء والأديان ... منطق الأنبياء والقرآن # ولأهل اللجاج عند التماري (2) ... منطق الأذكياء واليونان # فإذا ما جمعت علم الفريقين ... (م) فكن مائلا إلى الفرقان # وإذا ما اكتفيت يوما بعلم ... كان علم المحدث الرباني # إن علم الحديث علم رجال ... ورثوا هدي ناسخ الأديان # جمعوا طرق ما تواتر عنه ... ورووا بعده صحيح المباني # ورووا بعده حسان الأحاديث ... (م) ووهوا ما دون شرط الحسان # واعتنوا بالنفيس من غير خبط (3) ... في دعاوى معنى بغير بيان # وأبانوا نقد الرواة بيانا ... يكشف الغامضات للعميان # فانظروا في ((مصنف ابن عدي)) (4) ... وكتاب ((التكميل)) (5) و ~~((الميزان)) (6) PageV02P594 # تعلموا أنهم قد اعتمدوا النصح ... (م) وصحوا عن علة الإذهان # واستدلوا بالمسندات العوالي ... في تفاريع دينهم والمباني # عملا بالمظنون منها وقطعا ... باعتقاد المعلوم في الأديان # فإذا جئتهم تريدن مراء (1) ... شمت هدي المبعوث من عدنان # قد رضوا ما رماهم منطقي ... بهدي أهل بيعة الرضوان # فلقاهم عندي أجل الأماني ... وهواهم علامة الإيمان # ومما قلت في هذا المعنى: # عليك بأصحاب الحديث الأفاضل ... تجد عندهم كل الهدى والفضائل # أحن إليهم كلما هبت الصبا ... وأدعوا إليهم في الضحى والأصائل # لئن شحت الأيام في الجمع بيننا ... سخت بالتوالي بيننا والرسائل # وقد تلتقي الأرواح والبون نازح ... على الجمع للأشباح ذات الهياكل # فياليت شعري والأماني ضلة ... متى نلتقي بعد النوى المتطاول # شيوخ حديث المصطفى ومعادن ال ... تقى وبدور نورهم غير آفل # شفوا علل الأكباد منه فأصبحوا ... وقد لبسوا منه نفيس الغلائل # هم نقحوا منه (2) الصحيح وبينوا ... معارفه في الممتعات الحوافل # فهم في مبانيهم جبال منيفة ... وهم في مغانيهم شموس المحافل # يذبون عن دين النبي محمد ... بألسنة مثل السيوف الفواصل # دليلهم قول الرسول وفعله ... وذلك يوم الفصل أقوى الدلائل # ومدرسهم آي الكتاب وإنه ... لأقمع برهان لكل مناضل PageV02P595 # هما حجة الإسلام لا ما يطيش من ... دماغ ألد في الخصام مجادل # ولولاهما كان ms308 ابن سينا منزلا ... من العلم في أعلى بروج المنازل # وكان ابن مسعود وأعلام عصره ... من الصحب في مهوى من الجهل نازل # فلا تقتدوا إلا بهم وتيمموا ... لهم منهجا كالقدح ليس بمائل # ألم تر أن المصطفى يوم جاءه ال ... وليد بقول الأحوذي المجادل (1) # تجنب منهاج المرا وتلا له ... من السجدة الآيات ذات الفواصل # ولم يجعل القرآن غير مصدق ... إذا لم تقدمه دروس الأوائل # كذا فعل الطيار يوم خطابه ... لأصحمة بين الخصوم المقاول # تلا لهم آي الكتاب فأيقنوا ... بها بشهادات الدموع الهواطل # إلى ذاك صار الأذكياء من الورى ... وعادوا إليه بعد بعد المراحل # أبو حامد وابن الخطيب وهكذا ال ... إمام الجويني الذي لم يماثل # كذا ابن عقيل وهو أبرع عاقل ... غدا وهو معقول كبعض العقائل # فلا تسبحوا في لجة البحر وابعدوا ... عن الخوض فيه واكتفوا بالسواحل # فإن لم يكن بد من الخوض فاجعلوا ... مواردكم مستعذبات المناهل # عليكم بقول المصطفى فهو عصمة ... وما عاقل (2) , عما يقول بعادل ~~PageV02P596 # سعدت بذبي عن حماه وحبه ... كما شقيت بالصد عنه عواذلي. # * * * PageV02P597 ms309