######OpenITI# #META# iso: مجالس في تفسير لقد من الله علي المؤمنين لابن ناصر الدين #META# عدد الأجزاء: 1 #META# المحقق: محمد عوامة #META# ndata: مجالس في4BD1C19Dمد عوامة #META# archive: 20 #META# comp: 1 #META# مصدر الكتاب: [مكتبة يا باغي الخير أقبل - ملتقى أهل الحديث] #META# bkid: 33586 #META# الكتاب: مجالس في تفسير قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} #META# bkord: 7858 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: مجالس في تفسير قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} ¶ المؤلف: ابن ناصر الدين (842 ه) ¶ المحقق: محمد عوامة ¶ الناشر: دار القبلة الإسلامية - مؤسسة الريان ¶ الطبعة: الأولى 1421 ه - 2000 م ¶ عدد الأجزاء: 1 ¶ ملاحظات: [موافق للمطبوع - مقابل على المطبوع- إمكانية الإنتقال للصفحة] ¶ مصدر الكتاب: [مكتبة يا باغي الخير أقبل - ملتقى أهل الحديث] ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# الناشر: دار القبلة الإسلامية - مؤسسة الريان #META# Lng: محمد بن عبد الله (أبي بكر) بن محمد ابن أحمد بن مجاهد القيسي الدمشقي الشافعي، شمس الدين، الشهير بابن ناصر الدين #META# المؤلف: ابن ناصر الدين (842 ه) #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# higrid: 842 #META# idx: 1 #META# max: 451 #META# auth: ابن ناصر الدين الدمشقي #META# cat: الأجزاء الحديثية #META# authno: 1281 #META# authinf: ابن ناصر الدين الدمشقي (777 - 842 ه = 1375 - 1438 م) ¶ محمد بن عبد الله ( أبي بكر) بن محمد ابن أحمد بن مجاهد القيسي الدمشقي الشافعي، شمس الدين، الشهير بابن ناصر الدين: حافظ للحديث، مؤرخ. أصله من حماة. ولد في دمشق، وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية (سنة 837) وقتل شهيدا في إحدى قرى دمشق. من كتبه (افتتاح القاري لصحيح البخاري) و (عقود الدرر في علوم الأثر) و (الرد الوافر - ط) في الانتصار لابن تيمية، و (برد الأكباد عن فقد الأولاد - ط) و (شرح منظومة الاصطلاح - خ) في مصطلح الحديث، و (بديعة البيان - خ) أرجوزة في التراجم، على طريقة مبتكرة في تواريخ الوفيات، و (التبيان - خ) شرحها، و (السراق والمتكلم فيهم من الرواة - خ) و (كشف القناع عن حال من ادعى الصحبة أو له اتباع - خ) و (الإعلام بما وقع في مشتبه الذهبي من الأوهام - خ) رأيته في مجلد واحد مع التبيان، واستفدت منهما، و (المولد النبوي) ثلاثة أجزاء، و (سلوة الكئيب بوفاة الحبيب - خ) في خزانة الرباط (2694 كتاني) و (مختصر إعراب القرآن، للسفاقسي - خ) النصف الثاني منه، في الظاهرية بدمشق، و (ريع الفرع، في شرح حديث أم زرع - خ) رسالة في خزانة الرباط (2124 كتاني) ¶ نقلا عن : الأعلام للزركلي ¶ #META# bk: مجالس في تفسير لقد من الله على المؤمنين لابن ناصر الدين #META# الطبعة: الأولى 1421 ه - 2000 م #META# ad: 842 #META# ملاحظات: [موافق للمطبوع - مقابل على المطبوع- إمكانية الإنتقال للصفحة] #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-02 #META#Header#End# ### | CHECK [المجلس [1]] # [1] بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي افتتح أولا كتابه بعد ذكر اسمه بتحميده، وأوضح من العلم ~~أبوابه لمن ارتضاه من عبيده، وضاعف بره وثوابه لمن قام بخدمته مخلصا في ~~توحيده، عم العالمين برا ورحمة، وأتم على المؤمنين من هذه الأمة النعمة، ~~وامتن عليهم بما ساقه إليهم تفضيلا {إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو ~~عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة}. # فلا منة أعظم على العباد، ولا نعمة أبسط على العباد والبلاد، من بعثة ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة والرشاد، الذي أتى بالقرآن ~~المعظم والسنة الشريفة، وأوتي جوامع الكلم وبدائع الحكم اللطيفة، وخص ~~بخصائص عظيمة ومفاخر عجيبة طريفة، منها: ثناء الله سبحانه على كلامه، وما ~~سنه لأمته من أحكامه، وما بينه من خاص القول وعامه، مجملا ومشروحا، فقال ~~تعالى: {وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى}. # فنحمد الله على ما يسر من المنة والهداية، ونشكره على ما نشر من السنة ~~واتصالها إلينا بالرواية، ونسأله فوزا بالجنة، ووقاية من النار وحماية. # ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، جل عظمة وسلطانا، وعز قدرة ~~وتعاظم شأنا، وتبارك رحيما وتعالى رحمانا، تقدس عن الضد والند والكفء ~~والسند، وتنزه عن الشبيه والنظير والصاحبة PageV01P027 ~~والوالد والولد {قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له ~~كفوا أحد}. # ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، صاحب السنة الغراء والشريعة الطاهرة، ~~الشفيع في الخلائق إذا جمعوا بالساهرة، سيد الناس ومولاهم في الدنيا ~~والآخرة، صلى الله عليه أشرف صلواته الزكية، وعلى آله ذوي الخلائق الرضية، ~~وأصحابه أولي الطرائق العلية، وتابعي سنته، ومقتفي طريقته المرضية، ما ~~أمليت فنون السنة انتفاعا، وشرحت دروس علومها قراءة وسماعا، وسلم تسليما. # ونسأل الله الكريم، البر الرحيم، ذا الجود والكرم والإحسان، الذي هو ~~بعباده ألطف من آبائهم بهم وأرأف، أن يديم النصر والتأييد، والبقاء والعز ~~لمولانا السلطان الملك الأشرف، وأن يعز بتأييده ونصره دولته ورجاله، وخاصة ~~المقر الأشرف الزيني أسبغ الله ms001 ظلاله: # وكم له من يد بيضاء باسطة ... وسبقها قد غدا بالجود معروفا # فالباسط الله مولاه لذا بسطت ... منه الأيادي، فعم الناس معروفا # ورضي الله تعالى عن أئمة الإسلام، وخصوصا عن الأربعة الأعلام، الذين منهم ~~إمامنا القرشي المطلبي النفيس، أبو عبد الله الشافعي محمد ابن إدريس، وعمن ~~سلف من العلماء، وخلف من الأئمة النبلاء، اللهم وارض عن ساداتنا شيوخ ~~الإسلام الحاضرين، وخاصة عن مولانا وشيخنا شيخ الإسلام، وبركة المسلمين أبي ~~الفضل شهاب الدين: # إن قيل من يرتجى جودا وتفضلة ... قال: المفيد لفضل كل من وفدا # قاضي القضاة إمام العصر حافظه ... فرد الزمان الذي في فضله انفردا # إذا أردت نظيرا في تبحره ... علما وفضلا وجودا لم تجد أحدا PageV01P028 ~~لا تنكروا جوده كالماء منسجما ... فالماء من حجر يحيى به أبدا # أسبغ الله ظلاله، وبلغه في خير آماله، ورضي الله عن ساداتنا الحاضرين، ~~وختم لنا ولهم بخير في عافية. آمين. # أما بعد: فإن الله عز وجل، وله الفضل والامتنان، والطول والكرم والإحسان، ~~أنعم على المؤمنين إنعاما كبيرا، ومنحهم فضلا غزيرا، وكرما خطيرا، من ذلك ~~ما أشار إليه في كتابه المنزل، على أكرم مرسل، نبي الرأفة والرحمة، بقوله ~~تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم ~~آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة}. # فالكتاب: هو القرآن العظيم المحكم، والحكمة هنا: هي سنة سيدنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، وقد حافظ أعيان هذه الأمة على حفظ الكتاب في الصدور، ~~والإقبال على تفهمه وما فيه من الأمور، واعتنى الأئمة بحفظ السنة وتدوينها ~~في المسطور، والقيام بخدمتها والذب عنها كما هو مشهور، وسمت الأنفس الشريفة ~~من الخلفاء والملوك، فبنوا دور السنة لحفظها ونشرها للغني والصعلوك. PageV01P029 # وممن بنى دارين للسنة في بلد، ولم نعلم أنه سبقه إلى ذلك أحد: السلطان ~~الملك الأشرف مظفر الدين أبو الفتح موسى بن الملك العادل أبي بكر بن الأفضل ~~نجم الدين أيوب بن شاذي، الذي ملك دمشق بعد حصاره ابن أخيه الناصر داود ابن ~~المعظم عيسى، في سنة ست ms002 وعشرين وست مئة، وأقام ملكا بدمشق تسع سنين، وفيها ~~بنى الدارين المشار إليهما، إحداهما التي بسفح قاسيون شرطها للمقادسة ~~الحنابلة، وأول من باشرها شيخ الإسلام شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن ابن ~~أبي عمر المقدسي أول قضاة الحنابلة بدمشق. # ودار الحديث الثانية داخل دمشق جوار قلعتها المنصورة، وكانت أولا دار ~~قيماز النجمي، فاشتراها الملك الأشرف وجعلها دارا للحديث النبوي، على قائله ~~أفضل الصلاة والسلام، وجعل فيها نعل النبي صلى الله عليه وسلم في الخزانة ~~الشرقية لصيق المحراب. # ولما كان الملك الأشرف بخلاط، قدم عليه شخص يقال له النظام ابن PageV01P030 ~~أبي الحديد ومعه نعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فتلقاه الملك الأشرف ووضع ~~النعل على عينيه وجعل يبكي، وخلع على النظام، ورتب له مرتبا كثيرا، وقال ~~الملك الأشرف: قلت في نفسي: هذا النظام يطوف البلاد، وأنا أؤثر أن يكون ~~عندي قطعة من النعل، فعزمت أن آخذ منه قطعة، ثم قلت في نفسي: ربما يتأسى بي ~~أحد فيؤدي إلى استئصاله، وقلت: من ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه. # فأقام عندي النظام شهورا ثم مات فأوصى لي بالنعل، فأخذت النعل بأسره. ثم ~~وضعها الملك الأشرف في ذاك المكان. # وهي هذه التي أول من وليها الإمام العلامة الحافظ أبو عمرو عثمان ابن ~~الصلاح، ثم الخطيب عماد الدين ابن الحرستاني، ثم الشيخ شهاب الدين أبو ~~شامة، ثم شيخ الإسلام أبو زكريا النواوي، ثم الشيخ زين الدين أبو محمد عبد ~~الله الفارقي، ثم الإمام صدر الدين ابن الوكيل، ثم الشيخ كمال الدين ابن ~~الزملكاني، ثم القاضي كمال الدين أبو العباس أحمد بن الشريشي. PageV01P031 # ثم وليها بعد موته أحق الناس بها وأولاهم، شيخ الحفاظ وأعلاهم: أبو الحجاج ~~يوسف المزي، وأول مباشرته لها كان يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي الحجة ~~سنة سبع عشرة وسبع مئة، واستمرت بيده إلى حين موته نحوا من خمس وعشرين سنة، ~~ولم يتولها بعده حافظ نظيره، وإن كان قد وليها شيخ الإسلام تقي الدين أبو ~~الحسن السبكي، وابن عمه الإمام بهاء الدين ms003 أبو البقاء وغيرهما. # ولم يحضرها بعد الحافظ المزي فيما نعلم أحد في درجته من أهل هذا الشأن، ~~غير شيخنا الحاضر في هذا المكان، وهو شيخ الإسلام حافظ الزمان، قاضي القضاة ~~شهاب الدين أبو الفضل، فإنه أربى عليه بزيادة المصنفات، وإتقان المؤلفات، ~~وفنون العلوم أصلا وفرعا، واستنباطا للأحكام المحتج بها شرعا، أسبغ الله ~~ظلاله على الإسلام والمسلمين. # وما نذكره ونبديه، من بعض فوائده وما يحويه، ولولا امتثال أمره الذي ~~مقتضاه الوجوب اللازم، لم أحدث بحضرته شيئا استعمالا لأدب المتعلم بين يدي ~~العالم، ولكن من جبر من الأئمة، قلب من هو دونه من الأمة، لا يخيب إن شاء ~~الله تعالى من حصول الرحمة، المشار إليها PageV01P032 ~~في القرآن، وعلى لسان نبينا حبيب الرحمن، صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وعظم. # كما أخبرنا جماعة من المسندين منهم: أبو يوسف عبد الرحمن ابن التاجر ~~الصالحي، وهو أول حديث سمعته من كل منهم، والمسمى من لفظه، قالوا: أخبرنا ~~محمد بن أبي المحاسن بن أبي العز المصري، قال كل منهم: وهو أول حديث سمعته ~~منه، قال: أخبرنا عبد اللطيف بن أبي محمد التاجر، وهو أول حديث سمعته منه، ~~قال: أخبرنا عبد الرحمن ابن علي السلامي، وهو أول حديث سمعته من لفظه، ~~حدثنا إسماعيل بن أحمد المؤذن، وهو أول حديث سمعته منه، قال: أخبرنا أبي: ~~أحمد بن عبد الملك بن علي، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا أبو طاهر محمد بن ~~محمد بن محمش الزيادي، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا أبو حامد أحمد بن ~~محمد بن يحيى بن بلال البزاز، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا عبد الرحمن بن ~~بشر بن الحكم، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا سفيان بن عيينة، وهو أول حديث ~~سمعته من سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن ~~العاصي، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: ((الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا أهل الأرض يرحمكم ~~من ms004 في السماء)). PageV01P033 # تابعه مسلسلا كذلك أبو يعلى حمزة بن عبد العزيز بن محمد المهلبي، عن أبي ~~حامد بن بلال، وهذا هو المشهور في تسلسله، يقول الراوي عن شيخه: وهو أول ~~حديث سمعته منه. PageV01P034 # ورواه مسلسلا فوق هذا بدرجة: أبو عاصم عبد الله بن محمد الشعيري، عن أبي ~~أحمد هاشم بن عبد الله بن محمد السرخسي المؤذن، عن أبي حامد ابن بلال، فوصل ~~التسلسل إلى سفيان بقوله: وهو أول حديث سمعته من عمرو بن دينار. # وروي مسلسلا بدرجة أخرى فوق هذه، وكلاهما لا يصح. # ورويناه موصول التسلسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، من رواية أبي نصر ~~الوزيري محمد بن طاهر بن محمد بن الحسين بن الوزير الواعظ، وتكلم فيه لذلك. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد المقدسي المجاور بطيبة، وهو ~~أول حديث سمعته منه بقراءتي عليه، أخبرنا أبو العباس PageV01P035 ~~أحمد بن محمد البدر، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا أحمد بن أبي الفتح ~~الشيباني، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا أبو عمرو عثمان بن أبي القاسم ~~النصري، وهو أول حديث سمعته منه، قال: وأخبرنا أبو محمد عبد البر ابن ~~الحافظ أبي العلاء الهمذاني بها، حدثنا والدي الحافظ أبو العلاء الحسن بن ~~أحمد العطار، حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن محمد الحافظ، حدثنا أبو صالح ~~المؤذن، أخبرنا أبو سعد عبد الرحمن بن حمدان الشاهد، حدثنا أبو نصر محمد ~~ابن طاهر الوزيري الأديب، حدثنا أبو حامد البزاز، حدثنا عبد الرحمن بن بشر ~~بن الحكم، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس، عن عبد ~~الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء)). # قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: هذا أول حديث سمعته من النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعد خطبة الوداع، وقال أبو قابوس: هذا أول حديث رواه عبد ~~الله بن عمرو بالشام، وقال عمرو بن دينار: هذا ms005 أول حديث رواه PageV01P036 ~~لنا أبو قابوس، وقال ابن عيينة: هذا أول حديث أملاه علينا عمرو بن دينار، ~~وقال عبد الرحمن بن بشر: هذا أول حديث سمعته من سفيان، وقال أبو حامد: هذا ~~أول حديث سمعناه من عبد الرحمن، وقال أبو نصر الوزيري: هذا أول حديث سمعناه ~~من أبي حامد، وقال أبو سعد: هذا أول حديث سمعته من أبي نصر، وقال أبو صالح: ~~هذا أول حديث سمعته من أبي سعد في رجوعي إلى نيسابور سنة اثنتين وثلاثين ~~-يعني وأربع مئة- وقال أبو جعفر الحافظ: وهذا أول حديث سمعته من أبي صالح، ~~وقال الحافظ أبو العلاء: وهذا أول حديث سمعته من أبي جعفر، قال ابنه أبو ~~محمد عبد البر: وهو أول حديث سمعناه من أبي من لفظه، قال أبو عمرو النصري: ~~وهذا أول حديث سمعته من أبي محمد عبد البر. # وأنبأنا به عاليا جدا جماعة من شيوخنا منهم: أبو هريرة عبد الرحمن ابن ~~الذهبي، عن يحيى بن محمد بن سعد وغيره، أخبرنا أبو صالح نصر ابن عبد الرزاق ~~الجيلي كتابة، عن الحافظ أبي العلاء الحسن بن أحمد العطار، فذكره. # والحديث عند عدة من أصحاب سفيان بن عيينة من غير تسلسل، منهم أحمد بن ~~حنبل فرواه في ((مسنده)) عنه، وخرجه أبو داود في ((السنن)) عن أبي بكر بن ~~أبي شيبة ومسدد، والترمذي في ((الجامع)) عن محمد بن أبي عمر العدني، ~~الثلاثة عن سفيان، وهو من أفراده، كما تفرد به شيخه عمرو، عن أبي قابوس. # وله متابع عن عبد الله بن عمرو بمعناه، رويناه في مسندي أحمد بن PageV01P037 ~~حنبل، وعبد بن حميد، كلاهما عن يزيد -وهو ابن هارون- أخبرنا حريز، حدثنا ~~حبان الشرعبي، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال على المنبر: ((ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ~~ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون)). # تابعه هاشم بن القاسم، عن حريز -وهو ابن عثمان- الرحبي، بفتح الحاء ~~المهملة، وحكى أبو منصور الأزهري ms006 سكونها أيضا، وهو حمصي محتج به في ((صحيح ~~البخاري)). وشيخه حبان أبو خداش حمصي مذكور في ((ثقات)) ابن حبان، وعده ~~بعضهم في الصحابة، PageV01P038 ~~ولا يصح له صحبة، فيما ذكر أبو عمر يوسف بن عبد البر. # وللحديث شاهد عن عدة من الصحابة، ذكرتهم في كتاب ((نفحات الأخيار من ~~مسلسلات الأخبار)). # ورويناه من طريق منكرة عن ابن عباس رضي الله عنهما. # أنبأنا أبو محمد بن أحمد بن الموفق الطرائفي، في آخرين، عن محمد بن أبي ~~بكر بن أحمد، عن جده، أخبرنا زيد بن الحسن سماعا أخبرنا أبو منصور عبد ~~الرحمن بن محمد، أخبرنا أحمد بن علي PageV01P039 ~~الحافظ قال: أخبرني محمد بن أحمد بن رزق، حدثنا أبو سعيد الحسن بن علي بن ~~محمد بن ذكوان البزاز يعرف بابن الزهراني، حدثنا حسن الصائغ، حدثنا الكديمي قال: # خرجت أنا وعلي بن المديني وسليمان الشاذكوني نتنزه، قال: ولم يبق لنا ~~موضع نجلس غير بستان الأمير، وكان الأمير قد منع من الخروج إلى الصحراء، ~~قال: فكما قعدنا وافى الأمير، فقال: خذوهم، قال: فأخذونا وكنت أنا أصغر ~~القوم سنا، فبطحوني وقعدوا على أكتافي. # قال: قلت: أيها الأمير اسمع مني. قال: هات، قلت: حدثنا عبد الله بن ~~الزبير الحميدي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس، عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الراحمون ~~يرحمهم الرحمن، ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء))، قال: أعده علي، ~~قال: فأعدته عليه، فقال لهؤلائك: قوموا، ثم قال لي: أنت تحفظ مثل هذا وأنت ~~تخرج تتنزه! أو كما قال. قال: فكان الشاذكوني يقول: نفعك حديث الحميدي هذا. # هذه الرواية خطأ على الحميدي، إنما رواه عن سفيان على PageV01P040 ~~الصواب، كرواية مسدد وغيره من الأصحاب نحو ما تقدم. والله سبحانه أعلم. # أما فقه الحديث وما فيه من الأحكام، والمعاني والبيان اللذين يظهر بهما ~~حسن الكلام، وإيضاح لغته، ومعاني الرحمة، ووصف الرب عز وجل بها، ثم نعت ~~الأمة وما يليق بذلك من الشرح المجانس للمجالس: ms007 يكون إن شاء الله تعالى ~~فيما بعد هذا من المجالس، والآن نختم PageV01P041 ~~ما أمليناه، بأبيات قلتها في معناه: # خير العلوم كتاب الله فاعن به ... وبعده سنة المختار إنسانا # خذها بنقل ثقات واعملن بها ... وابدأ بأولها في السمع تبيانا # مسلسلا برواة أولا سمعوا ... هذا الحديث الذي معناه أحيانا # الراحمون عباد الله يرحمهم ... بفضله ربنا الرحمن إحسانا # وخالصا ارحموا أهل الأرض يرحمكم ... من في السماء تعالى الله رحمانا # صلى وسلم رب العالمين على ... نبي رحمته المخصوص قرآنا # كذا على آله والصحب أجمعهم ... والتابعين لهم عقدا وإيمانا # ما درست سنة المختار في ملأ ... لا خيب الله سعيا منهم كانا PageV01P043 ### | AUTO [تعريف بمشايخ دار الحديث الأشرفية قبله] # السلطان الملك الأشرف مظفر الدين أبو الفتح موسى بن الملك العادل سيف ~~الدين أبي بكر محمد بن الأفضل نجم الدين أيوب بن شاذي، مولده سنة ست وسبعين ~~وخمس مئة بالقاهرة، ونشأ بالقدس في كفالة الأمير فخر الدين عثمان الزنجاري. # سمع الحديث من عمر ابن طبرزد، وحدث عنه بحر بن بخيت وغيره، وأول شيء ~~وليه: القدس من قبل أبيه، ثم حران والرها وما والى ذلك، وحضر عدة حروب منها ~~المواصلة فكسرهم وكسر الروم أيضا، وكسر جلال الدين خوارزم شاه، ~~والخوارزمية، وحينئذ لقب شاه أرمن، ولم يلق حربا فانكسرت له راية بل يؤيده ~~الله وينصره. # ولما قصد أخوه الكامل ناصر الدين أبو المعالي محمد بن الملك العادل صاحب ~~مصر أخذ دمشق من ابن أخيه الناصر داود بن المعظم عيسى في سنة خمس وعشرين ~~وست مئة كاتب الناصر عمه الأشرف لينصره فقدم لذلك، ثم اتفق مع أخيه الكامل ~~وحاصرا ابن أخيهما PageV01P044 ~~الناصر داود في سنة ست وعشرين وأخذا منه دمشق وعوضاه عنها بالكرك ونابلس. # ثم سلم الكامل دمشق لأخيه الأشرف وأخذ منه حران والرها وآمد، وذهب ~~فتسلمها وأعطاها لابنه الصالح أيوب، واستمر الأشرف ملك دمشق تسع سنين، وأخذ ~~بعلبك من الأمجد. # وكان ملكا شجاعا حييا عفيفا عن المحارم، وقضيته مع ابنة صاحب خلاط ~~معروفة، وكان محبا للصالحين، حسن الظن بهم، ms008 متواضعا، محببا إلى الرعية، ~~كثير الصدقات والبر، وبنى أماكن ووقفها منها: جامع التوبة بمحلة الأوزاع، ~~وهي العقيبة الكبرى، وبنى مسجد القصب بغير خطبة، وجامع جراح، وغير ذلك. ~~ومنه: دار الحديث التي جوار قلعة دمشق، وأول من ولي مشيختها: # 1- أبو عمرو ابن الصلاح باشرها نحو ثلاث عشرة سنة، وتوفي بمنزله من هذه ~~الدار سحر يوم الأربعاء الخامس والعشرين من ربيع PageV01P045 ~~الآخر سنة ثلاث وأربعين وست مئة، وصلي عليه بالجامع الأموي وخرجوا به من ~~باب الفرج، ومن هذا الباب رجع الناس عن جنازته، ثم خرجوا بها ومعه نفر يسير ~~دون عشرة أنفس إلى مقابر الصوفية فدفنوه بها، وذلك أيام حصار الخوارزمية ~~دمشق مع معين الدين ابن الشيخ، من جهة الصالح أيوب صاحب مصر لعمه الصالح ~~إسماعيل بن أيوب. # 2- ثم وليها بعد ابن الصلاح الخطيب عماد الدين أبو محمد عبد الكريم بن ~~قاضي القضاة جمال الدين أبي القاسم عبد الصمد بن محمد ابن الحرستاني، توفي ~~سنة اثنتين وستين وست مئة في جمادى الأولى. # 3- ثم وليها الإمام العلامة المقرئ الحافظ شهاب الدين أبو القاسم -ويقال ~~أبو محمد- عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبي بكر بن ~~إبراهيم بن محمد المقدسي المعروف بأبي شامة، ولد ليلة الجمعة الثالث ~~والعشرين من ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وخمس مئة، برأس درب الفواخير داخل ~~الباب الشرقي بدمشق، أخذ عن الشيخ موفق الدين الحنبلي أبي محمد عبد الله بن ~~أحمد ابن قدامة المتوفى يوم عيد الفطر سنة عشرين وست مئة، وسمع الحديث منه ~~ومن طائفة كثيرة، وأخذ الفقه من فخر الدين ابن عساكر -وهو أبو منصور عبد ~~الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين الدمشقي ~~المتوفى عاشر شهر رجب سنة عشرين وست مئة- وغيره، وقرأ على أبي الحسن علي بن ~~محمد السخاوي المتوفى في جمادى الآخرة سنة وفاة ابن الصلاح، وأخذ الأصول عن ~~السيف الآمدي: أبي الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي المتوفى ~~في صفر سنة إحدى وثلاثين ms009 وست مئة، وشرح الشاطبية، واختصر ((تاريخ دمشق)) ~~لابن عساكر، وله PageV01P046 ~~التاريخ المسمى ب ((الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية))، ~~والذيل عليه، وغير ذلك. # توفي في رجب سنة خمس وستين وست مئة، نزل عليه بمنزله بطواحين الأشنان ~~جماعة فضربوه حتى ظنوا أنه مات، ثم ذهبوا وتركوه، وعرفهم؛ وقد أشار إلى هذه ~~القصة في كتابه: # قلت لمن قال: أما تشتكي ... ما قد جرى فهو عظيم جليل # يقيض الله تعالى لنا ... من يأخذ الحق ويشفي الغليل # إذا توكلنا عليه كفى ... فحسبنا الله ونعم الوكيل # ولم يزل الشيخ شهاب الدين متمرضا إلى أن توفي رحمه الله. # 4- فوليها بعده الشيخ الإمام العلامة الزاهد شيخ الإسلام بركة الأنام ~~الإمام محيي الدين أبو زكريا النووي رحمة الله عليه. # 5- ثم وليها بعده الشيخ الإمام مفتي المسلمين زين الدين أبو محمد عبد ~~الله بن مروان بن الفارقي، وكانت وفاته بعد عصر يوم الجمعة الحادي والعشرين ~~من صفر سنة ثلاث وسبع مئة، ودفن من الغد بتربة أهله بسفح قاسيون جوار تربة ~~الشيخ أبي عمر. # 6- ثم وليها الإمام صدر الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن مكي بن عبد ~~الصمد بن عطية بن أحمد الشافعي ابن الوكيل. # 7- ثم وليها بعد عزل ابن الوكيل عنها الإمام العلامة كمال الدين أبو ~~المعالي محمد ابن الزملكاني، توفي ببلبيس ليلة الأربعاء سادس عشر شهر رمضان ~~سنة سبع وعشرين وسبع مئة، فحمل إلى القاهرة ودفن بها. PageV01P047 # 8- ثم وليها القاضي الإمام كمال الدين أبو العباس أحمد ابن شيخ المالكية ~~كمال الدين أبي بكر محمد بن أحمد الشريشي، مولده سنجار في شهر رمضان سنة ~~ثلاث وخمسين وست مئة، وسمع من النجيب عبد اللطيف وخلق، توفي خارجا إلى الحج ~~بمنزلة الحسامي ليلة الاثنين سلخ شوال سنة ثمان عشرة وسبع مئة، ودفن من ~~الغد بالمنزلة المذكورة إلى جانب الطريق. # 9- ثم وليها أحق الناس بها وأولاهم، شيخ الحفاظ وأعلاهم، الإمام الحجة ~~القدوة شيخ المحدثين، جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن ~~يوسف بن عبد الملك بن علي ms010 بن أبي الزهر الحلبي ثم المزي، فباشرها يوم ~~الخميس الثالث والعشرين من ذي الحجة سنة سبع عشرة وسبع مئة، ولم يحضر عنده ~~من الأعيان إلا القليل، واستمرت بيده نحوا من خمس وعشرين سنة، إلى أن توفي ~~على حالته الرضية من سلامة في دينه، وتواضع وفراغ عن الرئاسة وقناعة، وحسن ~~سمت وقلة كلام وكثرة احتمال، رحمه الله، كانت وفاته سنة اثنتين وأربعين ~~وسبع مئة ودفن بمقبرة الصوفية جوار قبر ابن تيمية. # 10- ثم وليها -بعد أن ذكر لها الحافظ أبو عبد الله الذهبي فلم PageV01P048 ~~يتفق-: الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي السبكي، ~~فباشرها يوم الأربعاء سابع ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة بعد ~~قدومه قاضيا إلى دمشق بسنتين وسبعة أشهر، وكان درسه في حديث أبي ذر من صحيح ~~مسلم خمس عشرة سنة. # 11- ثم وليها بعده بنزوله عنها ولده الإمام العلامة قاضي القضاة تاج ~~الدين أبو نصر عبد الوهاب ابن السبكي، فباشرها يوم الخميس سنة ست وخمسين ~~وسبع مئة. # 12- ثم وليها أخوه قاضي القضاة أبو حامد أحمد ابن السبكي بعد ما كان ~~نائبا له فيها، ثم عزل عنها وعن القضاء. # 13- فوليها أخوه قاضي القضاة تاج الدين مرة ثانية، ثم جرت له أمور وعزل، ~~وأرسل من مصر بالكشف عليه واعتقاله بالعذراوية، ثم نقل إلى القلعة محبوسا ~~بعد ما عقد له مجلس بقاعة الدوادار ونسب PageV01P049 ~~إليه أنه وقع منه كفر، وتحملوا عليه وكثر تعصبهم في ذلك المجلس حتى بدت منه ~~كلمة تعلقوا بها عليه، فاستمر بالقلعة إلى أن ورد كتاب السلطان يطلبه في ~~التاسع والعشرين من شوال سنة .. فتوجه إليها. # 14- ثم وليها شيخنا شيخ الإسلام خاتمة المجتهدين سراج الدين البلقيني ~~رحمة الله عليه، لما قدم من الديار المصرية قاضيا بدمشق إلى أن عزل عنها. # 15- ثم وليها مرة ثالثة قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر ابن السبكي في سنة ~~سبعين وسبع مئة. # 16- ثم وليها بعد وفاته الإمام العلامة الحافظ جمال الإسلام عماد الدين ~~أبو الفداء وأبو الفضل إسماعيل بن الخطيب ms011 ضياء الدين أبي حفص عمر بن كثير ~~بن ضوء بن كثير بن ضوء بن ذرع القرشي الخصيلي، وبنو خصيلة من ولد علي الرضا ~~بن جعفر الصادق، وهو خصيلة بن حرزى بن قاسم بن إبراهيم بن محمد بن علي ~~الرضى، ودرس بها يوم الاثنين خامس المحرم سنة إحدى وسبعين وسبع مئة. # 17- ثم وليها بعده قاضي القضاة كمال الدين أبو القاسم عمر بن PageV01P050 ~~عثمان ابن أبي القاسم هبة الله المعري الحلبي، ودرس بها يوم الاثنين السابع ~~والعشرين من ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين وسبع مئة. # 18- ثم وليها بعد عزله منها الإمام العلامة قاضي القضاة بهاء الدين أبو ~~البقاء محمد بن القاضي سديد الدين عبد البر السبكي، وباشرها في صفر سنة خمس ~~وسبعين وسبع مئة، سنتين وشهرين. # 19- ثم وليها بعده ولده قاضي القضاة ولي الدين أبو ذر عبد الله في جمادى ~~الأولى سنة سبع وسبعين وسبع مئة. # 20- ثم وليها بعده قاضي القضاة برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عبد ~~الرحيم بن محمد بن إبراهيم بن سعدالله بن جماعة بن علي بن جماعة بن حازم بن ~~صخر الكناني المصري القاضي، أربع سنين وسبعة أشهر ونصفا. # 21- ثم وليها بعده قاضي القضاة سري الدين أبو الخطاب محمد ابن قاضي ~~المالكية جمال الدين محمد بن عبد الرحيم بن علي السلمي الأطرابلسي المعري ~~الأصل الدمشقي، سبط الشيخ تقي الدين أبي الحسن السبكي، فباشر ذلك تسعة أشهر ~~ونيفا وجاءت فتنة الناصري، فعزله الناصري لما استقر بمصر. # 22- ثم وليها قاضي القضاة شهاب الدين أبو العباس أحمد ابن العلامة الشيخ ~~زين الدين أبي حفص عمر بن مسلم القرشي في أول رجب سنة إحدى وتسعين وسبع مئة. # 23- ثم وليها والده الشيخ زين الدين القرشي ثم عزله عنها الأمير الظاهر ~~حين قبض على ولده، ثم قبض عليه، وسجن بالقلعة فلم يزل PageV01P051 ~~مسجونا بها إلى أن توفي في ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وسبع مئة بالقلعة ودفن ~~بالقبيبات، وقبره [مشهور ..]. PageV01P052 ### | CHECK [المجلس [2]] # [2] بسم الله الرحمن الرحيم # اللهم صلى على سيدنا محمد وعلى آل محمد ms012 وسلم # قال الله عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # هذه الآية الشريفة آية واحدة باتفاق أهل العدد المدني والبصري والكوفي، ~~وهذه الثلاثة هي التي عليها عدد آي القرآن. # أما العدد المدني: فمنسوب إلى قارئ المدينة أبي جعفر يزيد بن القعقاع ~~المخزومي مولاهم، وإلى ختنه على ابنته ميمونة شيبة بن نصاح ابن سرجس بن ~~يعقوب، مولى أم سلمة أم المؤمنين، قاضي المدينة، ومات هو وأبو جعفر في عام ~~واحد سنة ثلاثين ومئة. # وأما العدد البصري: فمنسوب إلى أبي المجشر عاصم بن أبي الصباح الجحدري ~~البصري المتوفى سنة ثمان وعشرين ومئة. # وأما العدد الكوفي: فرواه أبو محمد خلف بن هشام البزار، عن سليم بن عيسى، ~~عن حمزة بن حبيب الزيات أنه قال: هذا العدد عدد أبي عبد الرحمن السلمي، ولا ~~أشك فيه، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إلا أني أجبن عنه. PageV01P053 # وهذه الطرق الثلاثة في العدد تارة ينفرد المدنيون بعدد دون البصريين ~~والكوفيين، أو البصريون أو الكوفيون دون الباقين، وتارة يتفق اثنان من ~~الثلاثة دون الثالث، وتارة يتفقون على عدد من غير خلاف، كهذه الآية ~~الشريفة، اتفق المدنيون والبصريون والكوفيون على أنها آية واحدة. # ومعنى الآية لغة: العلامة، وتطلق على الدليل، وقال أبو عبيدة معمر ابن ~~المثنى التيمي مولاهم البصري: والآية من القرآن إنما سميت آية لأنها كلام ~~متصل إلى انقطاع، وانقطاع معناه: انقطاع قصة ثم قصة، قاله في كتابه ((مجاز ~~القرآن)). # وهذه الآية الشريفة فيها قصة من من الله عز وجل من به على المؤمنين من ~~بعثه أشرف الرسل صلوات الله وسلامه عليهم محمدا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيهم، ومن أنفسهم، وتلاوة كتاب الله عليهم، وتزكيتهم، وتعليمهم الكتاب ~~والحكمة: القرآن والسنة، وإنقاذهم من الضلال المبين؛ فلم تنقطع قصة المن ~~والإخبار عنه إلا باستيفاء قوله تعالى: {وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}. # فهذه ms013 آية واحدة، وهي من الجوامع، لاشتمالها على أحكام خطيرة، ومعان ~~كثيرة، تؤخذ معرفة علومها من منطوقها ومفهومها. # وسبيل مأخذ ذلك من وجوه، منها الاعتبار، وهو أحد أقسام البلاغة. # واختلف في اشتقاقه، فقيل: من قولهم: عبرت النهر، إذا دخلت فيه من أحد ~~شطيه إلى الآخر، فاعتبرت عمقه وما في قراره من سهوله أو غيرها بعبورك فيه. # وقيل: اشتقاقه من عبرت الدراهم، إذا عرفت أوزانها، وجيدها من رديئها. PageV01P054 # وقيل: هو من اعتبرت الكتاب، إذا قرأته في نفسك متدبرا ما فيه لتحيط علما ~~بمعانيه. # وإذا اعتبرنا وجوه الكلام على هذه الآية الشريفة رأيناها تزيد على خمسين ~~وجها، منها: اعتبار الوسائط التي بها إلينا وصلت، وعنهم إلينا نقلت، فإذا ~~اعتبرنا ذلك وجدناهم على أقسام ثلاثة: قسم من الملائكة، وقسم من الرسل، ~~وقسم من غيرهم. # فالأول: ما ذكر في آيات من القرآن، منها قول الله عز وجل: {لكن الله يشهد ~~بما أنزل إليك، أنزله بعلمه، والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيدا} وقال ~~الله عز وجل: {وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك ~~لتكون من المنذرين}، وهذا الروح الأمين هو جبريل روح القدس عليه الصلاة ~~والسلام. # والقسم الثاني من الوسائط: الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهم على ما ~~رويناه في حديث أبي ذر رضي الله عنه مرفوعا: أن الرسل ثلاث مئة وثلاثة عشر رسولا. PageV01P055 # ومن هؤلاء أولو العزم، وهم على الأشهر: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ~~عليهم الصلاة والسلام، وأفضلهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو ~~المذكور في هذه الآية الشريفة: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم ~~رسولا}. # والقسم الثالث من الوسائط: من كان من غير الملائكة والرسل، وهم على ~~قسمين: صحابة وغيرهم. # فالأول: المشار إليهم بقوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين} فالذين ~~بعث فيهم هذا الرسول وتلا عليهم القرآن وعلمهم الكتاب PageV01P056 ~~والحكمة هم الذين نقلوا إلينا ذلك، وهم الصحابة رضي الله عنهم، كما هو ظاهر ~~الآية، أن المؤمنين الذين بعث فيهم نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام هم ~~أصحابه. # وقيل: هم ms014 المؤمنون مطلقا، وأفضلهم الصدر الأول الذين شاهدوا تنزيل القرآن ~~وتلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الزمان. # والثاني: من بعد الصحابة من السلف والخلف. # وهذه الوسائط على أقسامها الثلاثة يطلق عليها الإسناد، ويقال له السند، ~~عند الجمهور، وفرق آخرون بينهما فجعلوا الإسناد: رفع الحديث إلى قائله، من ~~قولهم: أسند في الجبل إذا صعد فيه وعلا على سفحه. والسند: الإخبار عن طريق المتن. # ويطلق على المتن: الأثر والخبر والحديث، لكن في اصطلاح الفقهاء من ~~الخراسانيين أن ما يروى عن الصحابة رضي الله عنهم يسمى بالأثر، وما رفع إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم يسمى بالخبر، كما حكاه عنهم شيخ الإسلام أبو ~~زكريا النواوي رحمة الله عليه. PageV01P057 # وجاء عن آخرين إطلاق الخبر على غير المرفوع، وتخصيص الحديث بالمرفوع. # أما الأثر: فهو من أثرت الحديث -بالفتح- آثره -بالضم- إثرا -بالسكون- فهو ~~مأثور: إذا رويته، والاسم الأثر. # وأما الخبر: فهو من أخبر بالشيء يخبر به، إخبارا، إذا أعلم به، فهو مخبر، ~~والاسم الخبر. # ومعنى الحديث في اللغة: ضد القديم، ويطلق على الخبر قليله وكثيره لأنه ~~يحدث شيئا فشيئا، فسمي حديثا، ثم صار الحديث علما على السنة التي هي أقوال ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريره، لأنها حدثت منه شيئا فشيئا، إلى ~~أن أكملها الله تعالى حسبما ورد به النص. # ويطلق على السنة المتن أيضا، ولا يوصل إليه إلا بالسند كما تقدم، ويتعلق ~~بالسند نيف وأربعون نوعا من أنواع علوم الحديث، كالمسند، والمرسل، والمتصل، ~~والمنقطع، والمعضل، والمقلوب، والمسلسل، PageV01P058 ~~والمزيد، والمتفق والمفترق، والمؤتلف والمختلف، والمتشابه. ومن ذلك: ~~المتواتر، ومنه المستفيض، ومنه المشهور، وصحيح الإسناد، وحسنه، وضعيفه، إلى ~~غير ذلك. # فمما نقل بالإسناد الصحيح المتواتر بالإجماع المتيقن بالعلم القطعي من ~~غير انقطاع: كلام الله القرآن الذي تلقاه النبي صلى الله عليه وسلم ، عن ~~جبريل عليه الصلاة والسلام، عن رب العالمين جل وعلا. # ومنه هذه الآية الشريفة: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم يتلو عليهم آياته} وهي القرآن، تلقاه منه المؤمنون حين تلاه ms015 عليهم، ~~وهم الصحابة خير القرون، وأخذه عنهم التابعون، ثم من بعدهم، وهلم جرا، حتى ~~انتهى علم ذلك إلينا، وآضت بركاته لدينا، وفاضت أنواره علينا. ولله الحمد. # والقسم الثاني من الوسائط: وهو الصحابة رضي الله عنهم وكلهم عدول. # واختلف في تعريف الصحابي على أقوال أجمعها أن الصحابي من لقي النبي صلى ~~الله عليه وسلم في حياته، بعد المبعث، من المسلمين، ممن يعقل، ثم مات مسلما. PageV01P059 # وهم على طبقات، منهم: سابقون، وغيرهم، ومن السابقين: مهاجرون، وغيرهم، ومن ~~المهاجرين: من له رواية، ومنهم له رؤية بلا رواية. وأصحاب الرواية: منهم ~~المكثرون، ومنهم المقلون. # وأعلا المكثرين: أصحاب الألوف من الأحاديث، كأبي هريرة وعبد الله بن عمرو ~~رضي الله عنهم. # وأدنى المقلين: من له حديث واحد، بل من له رواية لفظة واحدة، كطارق بن ~~شهاب بن عبدشمس البجلي الأحمسي، أو عقل أمرا ما من النبي صلى الله عليه ~~وسلم مرة واحدة كمحمود بن الربيع بن سراقة الأنصاري. # ومن أنواع تطبيقهم: أن منهم خلفاء وغير خلفاء، وأمراء وغير PageV01P060 ~~أمراء، ونقباء وغير نقباء، وخطباء وغير خطباء، وشعراء وغير شعراء، وشهداء ~~وغير شهداء. # ومن أنواع تطبيقهم: أولهم إسلاما مطلقا، وآخرهم إسلاما مطلقا، وأول ~~المهاجرين إسلاما، وأول الأنصار إسلاما. # ومن أنواع تطبيقهم: مراتب السابقين، وهي تسع مراتب: # الأولى: كأبي بكر، وخديجة، ومن كان في حجر النبوة رضي الله عنهم. # الثانية: كعثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وبلال رضي الله عنهم. # الثالثة: أصحاب دار الأرقم بن أبي الأرقم التي عند الصفا، وكانوا تسعة ~~وثلاثين صحابيا من السابقين، وكملوا بإسلام عمر بن الخطاب أربعين، وللإمام ~~أبي القاسم سعيد بن يعقوب بن شاه الكشاني مصنف في ذكر هؤلاء الأربعين ~~وتراجمهم وما يتعلق بذلك سماه ((السراج)). # الرابعة: مهاجرة الحبشة. # الخامسة: أصحاب العقبتين من الأنصار. # السادسة: من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم بقباء في الهجرة قبل أن ينتقل ~~إلى المدينة. # السابعة: من صلى القبلتين مع النبي صلى الله عليه وسلم . # الثامنة: أهل بدر. # التاسعة: أهل بيعة الرضوان. وبهم انقطع السابقون، وقد شهد ms016 لهم بأنهم من ~~أهل الجنة لا يدخلون النار. # أخبرنا أبو هريرة عبد الرحمن بن الحافظ أبي عبد الله محمد ابن الذهبي ~~الدمشقي، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن الشيخ عمر ابن الشيخ ~~القدوة أبي بكر بن قوام البالسي، وأبو الحسن علي، وأم PageV01P061 ~~محمد زينب ولدا الفخر عثمان بن محمد بن الشمس لولو الحلبي، وأم عبد الله ~~زينب ابنة الإمام أبي محمد عبد الله ابن الإمام أبي أحمد عبد الحليم ابن ~~تيمية الحرانية، بقراءتي على الأول بجامع كفر بطنا من الغوطة، وعلى الثاني ~~بزاوية جده من سفح قاسيون، وعلى الأخوين بجامع بيت لهيا، وعلى ابنة تيمية ~~بمنزلها داخل دمشق قالوا: # أخبرنا أبو العباس أحمد بن أبي طالب الديرمقرني -قال علي وابنة تيمية: ~~حضورا، وقال الباقون: ونحن نسمع، زاد أبو هريرة فقال: وأخبرنا عيسى بن عبد ~~الرحمن السمسار الصالحي قراءة عليه وأنا حاضر في الثالثة، وأجاز لي ما ~~يرويه، وأبو الفضل سليمان بن حمزة الحاكم، وأبو بكر بن أحمد بن عبد الدائم ~~المقدسيان إجازة قالوا -سوى ابن عبد الدائم-: أخبرنا أبو المنجى عبد الله ~~بن عمر العتابي، وقال الحاكم أيضا وابن عبد الدائم: أخبرنا الحسين بن ~~المبارك الزبيدي قراءة عليه، قال القاضي: وأنا حاضر، وابن عبد الدائم: وأنا ~~اسمع، قالا: أخبرنا عبد الأول بن عيسى السجزي، أخبرنا محمد بن أبي مسعود ~~الفارسي، أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد الهروي، أخبرنا عبد الله بن محمد ~~البغوي، حدثنا العلاء بن موسى البغدادي، أخبرنا الليث بن سعد المصري، عن ~~أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ((لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار)). هذا ~~حديث حسن صحيح، قاله الترمذي بعد أن خرجه في PageV01P062 ~~((جامعه))، كما خرجه أبو داود والنسائي من حديث الليث بن سعد. # وقال مسلم في ((صحيحه)): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث. وحدثنا محمد بن ~~رمح، أخبرنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه، أن عبدا ms017 لحاطب ~~جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطبا فقال: يا رسول الله ليدخلن ~~حاطب النار! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((كذبت، لا يدخلها، فإنه ~~شهد بدرا والحديبية)). # ولم يخرج البخاري حديث الليث هذا -والله أعلم- لعلة هي من باب المزيد في ~~الأسانيد، لكنها لا تقدح، وهي رواية جابر رضي الله عنه للحديث، عن أم مبشر ~~الأنصارية الصحابية، بنت البراء بن معرور زوج زيد بن حارثة رضي الله عنهم. # أنبأنا الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد المقدسي، أخبرنا أبو عبد ~~الله محمد بن الفخر علي بن أحمد، وزينب ابنة الكمال أحمد، وحبيبة ابنة ~~الزين عبد الرحمن المقدسيون قراءة عليهم وأنا أسمع قالوا: أخبرنا محمد بن ~~نصر بن أبي الفرج بن الحصري إجازة -زادت زينب فقالت: ومحمد بن عبد الكريم ~~بن السيدي كتابة- قالا أخبرنا أبو الفتح عبيد الله بن عبد الله بن شاتيل ~~قراءة عليه ونحن نسمع -قال ابن PageV01P063 ~~الحصري: وأنا حاضر- أخبرنا أبو هاشم عيسى بن أحمد بن محمد الدوشابي سماعا، ~~أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن علي بن البسري، أخبرنا أبو علي الحسن بن ~~أحمد بن شاذان، أخبرنا أبو أحمد حمزة بن محمد بن العباس، حدثنا أحمد بن ~~عبيد الله النرسي، حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو ~~الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: # أخبرتني أم مبشر رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~((لا يدخل النار إن شاء الله أحد من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها)) ~~قالت حفصة: بلى يا رسول الله! فانتهرها، فقالت حفصة: {وإن منكم إلا واردها ~~كان على ربك حتما مقضيا} فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((قد قال الله عز ~~وجل: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا}. خرجه مسلم في الفضائل ~~عن هارون بن عبد الله، والنسائي في التفسير عن هارون والحسن بن محمد، ~~كلاهما عن حجاج بن محمد، به. # وقال أبو نعيم أحمد بن عبد ms018 الله الأصبهاني في ((كتاب المعرفة)) حدثنا أبو ~~حامد أحمد بن محمد، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا ~~جرير، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر رضي الله عنها قالت: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لن يدخل النار أحد شهد بدرا ~~والحديبية)). # وقال محمد بن سعد في ((الطبقات الكبرى)): أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم ~~الصنعاني، حدثني إبراهيم بن عقيل بن معقل، عن أبيه، عن وهب بن منبه قال: ~~سألت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: كم كانوا PageV01P064 ~~يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مئة، فبايعته تحت الشجرة -وهي سمرة- وعمر ~~رضي الله عنه آخذ بيده غير جد بن قيس اختبأ تحت إبط بعيره. # وسألته: كيف بايعوه؟ قال: بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت. # وسألته: هل بايع النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة؟ قال: لا، ولكن ~~صلى بها ولم يبايع عند الشجرة إلا الشجرة التي بالحديبية، ودعا النبي صلى ~~الله عليه وسلم على بئر الحديبية، وأنهم نحروا سبعين بدنة، بين كل سبعة ~~منهم بدنة. # قال جابر: وأخبرتني أم مبشر رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم عند حفصة رضي الله عنها يقول: ((لا يدخل النار إن شاء الله أصحاب ~~الشجرة الذين بايعوا تحتها)) قالت حفصة: بلى يا رسول الله! فانتهرها فقالت ~~حفصة: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم : ((قال الله عز وجل: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها ~~جثيا})). # ورواه سنيد في ((تفسيره)) فقال: وحدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني أبو ~~الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كنا في يوم الحديبية أربع عشرة مئة ~~فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم -وعمر بن الخطاب آخذ بيده تحت ~~الشجرة، وهي سمرة- فبايعناه غير الجد بن قيس اختبأ تحت بطن بعيره. قيل ~~لجابر: هل بايع النبي بذي الحليفة؟ قال: لا. ولكنه صلى بها ولم يبايع تحت ~~الشجرة إلا ms019 الشجرة التي عند الحديبية. قال أبو الزبير: قلت لجابر: كيف ~~بايعوا؟ قال: بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت. PageV01P065 # أهل هذه البيعة يقال لهم أصحاب الشجرة، وأصحاب السمرة، وأهل الحديبية، وأهل ~~بيعة الرضوان، وشهود هذه البيعة آخر مراتب السابقين، كما تقدم، وأعلاها ~~مرتبة من كان إسلامه أول الصحابة كأبي بكر الصديق رضي الله عنه، على قول ~~الجمهور، وعليه قول حسان ابن ثابت الأنصاري رضي الله عنه: # إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا # خير البرية أتقاها وأعدلها ... بعد النبي وأوفاها بما حملا # والثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا PageV01P066 ~~وبهذا استشهد ابن عباس رضي الله عنهما على أن أبا بكر رضي الله عنه أول من ~~أسلم مطلقا. # وأما أول الأنصار أسلم مطلقا: فهو إياس بن معاذ الأوسي الأشهلي، قدم مكة ~~وهو غلام قبل الهجرة في نفر من قومه يطلبون الحلف من PageV01P067 ~~قريش على قومهم من الخزرج، بسبب الحرب التي كانت بين الأوس والخزرج، فسمع ~~بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فعرض عليهم الإسلام وقرأ عليهم ~~القرآن فقال إياس لقومه: هذا والله خير مما جئتم له، فرجع ومات قبل الهجرة؛ ~~وذكر قومه أنه مات مسلما رضي الله عنه، قاله بنحوه أبو عبد الله محمد بن ~~إسحاق بن منده في كتابه في ((المعرفة)) بعد أن ذكره في الصحابة وقصته ~~بطولها رويناها من طريق ابن إسحاق في ((المغازي)). # وقد ذكرته مع ذكر ستة سابقين من الأنصار، وأصحاب العقبتين في أبيات وهي: # ألا أول الأنصار أسلم مطلقا ... إياس معاذ ستة بعد تابعوا # بمكة هم عوف وأسعد جابر ... وقطبة منهم عقبة ثم رافع # ومات إياس ثم وافوا بسبعة ... سوى جابر عهد النساء فبايعوا # عبادة عباس عويم يزيد مع ... معوذ، ذكوان، ابن تيهان سابع # وبعد أتوا بضعا وسبعين بايعوا ... على الهجرة الغراء والسعد طالع # فحازوا رسول الله حيا ودفنه ... بطيبة فضلا عم والفضل واسع # آخر المجلس ولله الحمد # وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ms020 PageV01P068 ~~الحمد لله: # إياس بن معاذ الأوسي الأشهلي. # عوف ابن عفراء، وهي أمه، وأبوه الحارث بن رفاعة النجاري. # أسعد بن زرارة النجاري أبو أمامة، نقيب النقباء. # جابر بن عبد الله بن رئاب الخزرجي السلمي. # قطبة بن عامر بن حديدة الخزرجي السلمي. # عقبة بن عامر بن نابي الخزرجي السلمي. # رافع بن مالك بن العجلان الخزرجي الزرقي، أحد النقباء. # عبادة بن الصامت الخزرجي القوقلي، أحد النقباء. # عباس بن عبادة بن نضلة الخزرجي العجلاني. # عويم بن ساعدة، من بني عمرو بن عوف. PageV01P069 # يزيد بن ثعلبة أبو عبد الرحمن، حليف الأنصار. # معوذ ابن عفراء، أخو عوف. # ذكوان بن عبد قيس بن خالد الخزرجي الزرقي، وهو أنصاري مهاجري. # مالك بن التيهان أبو الهيثم الأوسي، أحد النقباء في قول. رضي الله عنهم. PageV01P070 ### | CHECK [المجلس [3]] # [3] بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # الحمد لله رب العالمين. # الكلام على هؤلاء الآيات الشريفات من واحد وخمسين وجها من المعاني ~~المنوعات: # الأول: فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى، من قوله تعالى: {لقد من الله} وأن ~~معرفة الله أول الواجبات، لا النظر المؤدي إليها، خلافا للأستاذ أبي إسحاق ~~إبراهيم بن محمد الإسفراييني، ولا أول جزء من النظر المؤدي إلى معرفة الله، ~~ولا قصد النظر المذكور، خلافا لمن شرط ذلك في أول الواجبات. # الوجه الثاني: في الصفات الإلهية المتعلقة باسم الله عز وجل، وذكر بعض ~~الأسماء الحسنى، ومنها: المنان، خلافا لمن أنكر وروده. PageV01P071 # الوجه الثالث: ذكر الخلاف في الاسم: هل هو المسمى أو غيره، أو لا هو المسمى ~~ولا غير المسمى؟ وبيان مذهب أهل السنة في ذلك. # الوجه الرابع: إثبات الرسالة والنبوة، والرد على منكري النبوات، وما ~~يتفرع من ذلك. # الوجه الخامس: في معنى النبي لغة واصطلاحا، وهل هو أعم من الرسول أم لا؟ ~~وذكر مرتبتي النبوة والرسالة، وأيهما أفضل. # الوجه السادس: إثبات وجود الملائكة -ومنهم روح القدس جبريل- عليهم ms021 ~~السلام. # الوجه السابع: بيان المؤمنين المشار إليهم في الآية، هل هم المؤمنون ~~مطلقا أو العرب؟ # الوجه الثامن: في معنى إطلاق ذكر المؤمنين هنا ولم يقيد، كما في قوله ~~تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} الآية، وهل يحمل ~~ذاك المطلق على هذا المقيد أم لا؟ # الوجه التاسع: في معنى الإيمان لغة واصطلاحا، وهل هو مخلوق أم لا؟ # الوجه العاشر: بم يستحق الإنسان اسم الإيمان؟ # الوجه الحادي عشر: بيان أول المؤمنين مطلقا من هذه الأمة، ومقيدا، كأول ~~من أسلم من المهاجرين، وأول من أسلم من الأنصار. # الوجه الثاني عشر: بيان أقسام المؤمنين المشار إليها بقوله تعالى: PageV01P072 # {فمنهم ظالم لنفسه} الآية. # الوجه الثالث عشر: تلاوة القرآن ومعناها لغة واصطلاحا، وبيان بعض ~~أحكامها. # الوجه الرابع عشر: بيان أن الكتاب هو القرآن، وهل تسميته بالكتاب باعتبار ~~كتابته في اللوح المحفوظ، أو باعتبار ما آل إليه الأمر من جمع أبي بكر رضي ~~الله عنه القرآن وكتابته إياه بين الدفتين؟ # الوجه الخامس عشر: ذكر بعض علوم القرآن من التفسير والتأويل، وذكر ~~معناهما لغة واصطلاحا، والفرق بينهما. # الوجه السادس عشر: الإشارة إلى ذكر الخطأ في تأويل آيات الصفات وأحاديثها ~~الثابتات، هل يكفر المخطئ في ذلك أم لا؟ # الوجه السابع عشر: الكلام على أسباب نزول القرآن، وذكر سبب نزول هذه الآية. # الوجه الثامن عشر: بيان أن القرآن نزل مرتين، وما السر في ذلك، وذكر أول ~~شيء نزل من القرآن، وآخر شيء نزل منه. # الوجه التاسع عشر: ذكر إعجاز القرآن وبعض وجوهه. # الوجه العشرون: الكلام على أحد قسمي المتشابه في القرآن. # الوجه الحادي والعشرون: ذكر ما في الآية من وجوه القراءات المختلف فيها، ~~وذكر الحجة لها من العربية. # الوجه الثاني والعشرون: الإشارة إلى بعض الأمثال المضروبة في القرآن. # الوجه الثالث والعشرون: الإشارة إلى الناسخ والمنسوخ. # الوجه الرابع والعشرون: بيان (الحكمة) المشار إليها في هذه الآية، وأنها ~~سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر بعض وجوه السنن، ومعاني الحكمة، وبيان ~~الحكمة الفلسفية، وكيف انتقلت فوضعت بين المسلمين. PageV01P073 # الوجه ms022 الخامس والعشرون: استحباب مدارسة القرآن. # الوجه السادس والعشرون: بيان ما في الآية من الوعد والوعيد، والمدح والذم. # الوجه السابع والعشرون: الكلام على المن، وبيان وجوهه التي من الله بها ~~في هذه الآية، ومعاني المن. # الوجه الثامن والعشرون: في النعم وما يتعلق بها، وأنها أعيان وأوصاف ~~ومعاني. # الوجه التاسع والعشرون: بيان أمهات النعم، وأنها ترجع إلى نعمة واحدة، ~~تتفرع منها جميع النعم. # الوجه الثلاثون: في وجوب الشكر للمنعم سبحانه، وهل الشكر واجب شرعا أو ~~عقلا، وبيان مذهب أهل السنة في ذلك. # الوجه الحادي والثلاثون: ذكر أركان الشكر ووجوهه. # الوجه الثاني والثلاثون: ذكر معنى الشكر، وهل هو بمعنى الحمد أو بينهما ~~فرق؟ وإذا كان بينهما فرق، أيهما أعم من الآخر؟ # الوجه الثالث والثلاثون: الكلام على العلم المشار إليه بقوله تعالى: ~~{ويعلمهم الكتاب والحكمة} وأن العلم على قسمين: علم الله القديم، والثاني: ~~العلم المحدث، وبيان هذا القسم الثاني، وأنه ضروري وكسبي. # الوجه الرابع والثلاثون: في تعريف العلم، والإشارة إلى علم الدين. # الوجه الخامس والثلاثون: في الحث على طلب العلم. # الوجه السادس والثلاثون: استحباب التعليم بغير أجرة، وذكر الخلاف في ذلك. # الوجه السابع والثلاثون: في الكلام على البعثة وما يتعلق بها. PageV01P074 # الوجه الثامن والثلاثون: في ذكر بعض شرف هذه الأمة، كالتزكية ونحوها. # الوجه التاسع والثلاثون: في وجه الجمع بين آية الدعاء التي في سورة ~~البقرة، وبين هذه الآية في تقديم قوله تعالى: {ويزكيهم} على قوله تعالى: ~~{ويعلمهم الكتاب والحكمة} وتأخير {ويزكيهم} في آية الدعاء. # الوجه الأربعون: في الكلام على مناسبة الآية وانتظامها بما قبلها وما بعدها. # الوجه الحادي والأربعون: الكلام على الآيات من جهة العربية. # الوجه الثاني والأربعون: في الكلام على الآيات من جهة اللغة. # الوجه الثالث والأربعون: في الكلام على قوله تعالى: {من أنفسهم} ومعنى ~~النفس والروح، وهل هما واحد أو اثنان، ومعنى النفس. # الوجه الرابع والأربعون: في الكلام على نسب النبي صلى الله عليه وسلم ~~المشار إليه على أحد التفسيرين في قوله تعالى: {من أنفسهم}. # الوجه الخامس والأربعون: بيان ما في هذه ms023 الآيات منطوقا ومفهوما من ~~المبهمات. # الوجه السادس والأربعون: في التنبيه على بعض ما في الآيات من الأحكام ~~الشرعية سوى ما تقدم. # الوجه السابع والأربعون: في فائدة تكرار ذكر القرآن مرتين في هذه الآية ~~في قوله تعالى: {يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة}. # الوجه الثامن والأربعون: في الإشارة إلى ما في الآيات من الأشباه ~~والنظائر. PageV01P075 # الوجه التاسع والأربعون: في الإشارة إلى ما في الآيات من ضروب البلاغة. # الوجه الخمسون:ذكر ما في الآيات من المعاني والبيان وأنواع البديع. # الوجه الحادي والخمسون: الإشارة إلى جلب المصالح ودرء المفاسد، وذكر بعض ~~أحوال أهل الجاهلية. # وهذا الوجه أوسع الوجوه مجالا، وأعمها أحكاما، وأكثرها مقالا، كما يأتي ~~بيانه عند الكلام عليه إن شاء الله تعالى. # ولنرجع إلى ما بدأنا من الوجوه بذكره، مع شرحه مختصرا وبيان أمره، وكذلك ~~الكلام على باقي الوجوه، والله الموفق لما نؤمله والمعين على ما نرجوه. # الوجه الأول فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى: وقبل السلوك في هذا المهيع، ~~وورود صافي هذا المشرع، نذكر مقدمة تؤخر التمثيل والتشبيه بتحقيق التنزيه، ~~وتزيح التعطيل بالنفي وتكشف التمويه، وتعين على الفهم لما نذكره ونبديه: # فليعلم الإنسان المعرض للخطأ والنسيان: أنه عبد مملوك، فقير صعلوك، ذليل ~~مسكين، ابن الماء والطين، مخلوق من ماء مهين، لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ~~ولا لخير جرا، ولا لأذى بعوضة فما فوقها دفعا، وليتحقق قدر نفسه الضعيفة ~~روحا وجسما، تجد عقله معقولا عن الإحاطة بنفسه علما، فضلا عن معرفة روحه، ~~وسر الحكمة في تركيب بدنه وتشريحه. وإذا كان الأمر على ما أشرت إليه، من ~~عجز الإنسان عن PageV01P076 ~~معرفة نفسه وما جبلت عليه، فكيف يصل بعقله المعقول عن السلوك إلى معرفة ~~الله العظيم ملك الملوك، إلا على وفق ما وقف عليه من الكتاب الذي لا ريب ~~فيه، والسنة الثابتة بالنقل إليه؟! # فليقف كل إنسان عند حدود القرآن وما ثبت من السنة، وليحذر من نزغات ~~شياطين الإنس والجنة، بما نمقوه من جدل الكلام، ولفقوه بعبارات لا تجدي ~~نفعا على الأنام، وقد حذر ms024 من ذلك أئمة الأمة، وأعلام الأئمة، ومنهم الأئمة ~~الأربعة، ذموا الكلام ومن اشتغل به ومن استمعه، وقبلهم علماء لا يحصرون، ~~وبعدهم خلق آخرون. PageV01P077 # نذكر مقال الأئمة الأربعة أولي المذاهب المتبوعة، حسبما وصل إلينا ~~بالأسانيد المسموعة. # أما الشافعي رضي الله عنه: فقال إمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن ~~خزيمة: سمعت الربيع يقول: قال الشافعي رحمه الله: لأن يبتلى المرء بكل ما ~~نهى الله عنه ما خلا الشرك خير له من أن يبتلى بالكلام. # وقال أبو ثور: سمعت الشافعي يقول: من ارتدى بالكلام لم يفلح. # وقال المزني: سمعت الشافعي يقول: الكلام يلعن أهل الكلام. PageV01P080 # وقال أبو ثور، والحسن بن محمد بن الصباح -واللفظ له-: سمعت الشافعي يقول: ~~حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في ~~العشائر والقبائل. هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام. # وأما مالك بن أنس رضي الله عنه: فقال عبد الرحمن بن مهدي: دخلت على مالك ~~بن أنس وعنده رجل سأله عن القرآن والقدر فقال: لعلك من أصحاب عمرو بن ~~عبيد؟! لعن الله عمرا، فإنه ابتدع هذه البدعة من الكلام، ولو كان الكلام ~~علما لتكلم به الصحابة والتابعون رضي الله عنهم، كما تكلموا في الأحكام ~~والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل. # وقال إسحاق بن عيسى: سمعت مالك بن أنس يعيب الجدال في الدين ويقول: كلما ~~جاءنا رجل أجدل من رجل أرادنا أن نرد ما جاء به جبريل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ! # وأما أبو حنيفة رضي الله عنه: فقال صاحبه محمد بن الحسن: قال أبو حنيفة: ~~لعن الله عمرو بن عبيد، فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا يعنيهم ~~من الكلام. # قال محمد بن الحسن: كان أبو حنيفة يحثنا على الفقه وينهانا عن الكلام. PageV01P081 # وأما أحمد بن حنبل رضي الله عنه: فقال أبو علي حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد ~~الله أحمد بن حنبل يقول: عليكم بالسنة والحديث وما ينفعكم، وإياكم والخوض ~~والمراء فإنه لا يفلح من أحب ms025 الكلام. # قال: وسمعت أبا عبد الله وذكر -أهل البدع- فقال: لا أحب لأحد أن يجالسهم ~~ولا يخالطهم ولا يأنس بهم، فكل من أحب الكلام لم يكن آخر أمره إلا إلى ~~بدعة، لأن الكلام لا يدعوه إلى خير، فلا أحب الكلام ولا الخوض فيه ولا ~~الجدال، عليكم بالسنن والفقه الذي تنتفعون به، ودعوا الجدال وكلام أهل ~~الزيغ والمراء، أدركنا الناس وما يعرفون هذا ويجانبون أهل الكلام. # هؤلاء الأئمة وعلماء الإسلام، ومقتدى الأمة، حذروا من الكلام وأهله، لما ~~فيه من البلاء في اقتباسه ونقله. # وقلت في معناه: # علم الكلام بلاؤه متعدد ... منه الأئمة حذروا يا متقي # وبلاؤه من منطق، صدق الذي ... قال: البلاء موكل بالمنطق PageV01P082 ~~ولما ذكر الإمام الجليل الزاهد أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم ابن ~~الخطاب الخطابي البستي الشافعي في كتابه ((الغنية عن الكلام)) ظهور ما ظهر ~~من مقالات أهل الكلام وخوض الخائضين فيها قال: ثم إني تدبرت هذا الشأن ~~فوجدت عظم السبب فيه أن الشيطان صار اليوم بلطيف حيلته يسول لكل من أحس من ~~نفسه بزيادة فهم وفضل ذكاء وذهن، ويوهمه: أنه إن رضي من علمه ومذهبه بظاهر ~~من السنة، واقتصر على واضح بيان منها، كان أسوة العامة، وعد واحدا من عدد ~~الجمهور والكافة، وأنه قد ضل فهمه واضمحل لطفه وذهنه، فحركهم بذلك على ~~التنطع في النظر، والتبدع لمخالفة السنة والأثر، ليبينوا بذلك عن طبقة ~~الدهماء، ويتميزوا في الرتبة عمن يرونه دونهم في الفهم والذكاء، فاختدعهم ~~بهذه المقدمة، حتى استزلهم عن واضح المحجة، وأورطهم في شبهات تعلقوا ~~بزخارفها، وتاهوا عن حقائقها، PageV01P083 ~~ولم يخلصوا منها إلى شفاء نفس، ولا قبلوها بيقين علم به. # ولما رأوا كتاب الله تعالى ينطق بخلاف ما انتحلوه، وشهد عليهم بباطل ما ~~اعتقدوه ضربوا بعض آياته ببعض: وتأولوها على ما سنح لهم في عقولهم، واستوى ~~عندهم على ما وضعوه من أصولهم ونصبوا العداوة لأخبار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وسنته المأثورة عنه، وردوها على وجوهها وأساؤا في نقلتها القالة، ~~ووجهوا عليهم الظنون، ورموهم بالتزيد، ونسبوهم ms026 إلى ضعف المنة وسوء المعرفة ~~بمعاني ما يروونه من الحديث والجهل بتأويله، ولو سلكوا سبيل القصد، ووقفوا ~~عند ما انتهى بهم التوقيف، لوجدوا برد اليقين وروح القلوب، ولكثرت البركة ~~وتضاعف النماء، وانشرحت الصدور، ولأضاءت فيها مصابيح النور، والله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم. # واعلم -أدام الله توفيقك- أن الأئمة الماضين، والسلف المتقدمين، لم ~~يتركوا هذا النمط من الكلام وهذا النوع من النظر عجزا عنه، ولا انقطاعا ~~دونه، وقد كانوا ذوي عقول وافرة وأفهام ثاقبة، وقد كان وقع في زمانهم هذه ~~الشبه والآراء، وهذه النحل والأهواء، وإنما تركوا هذه الطريقة وأضربوا عنها ~~لما تخوفوه من محنتها وفتنتها، وحذروه من سوء مغبتها، وقد كانوا على بينة ~~من أمرهم، وعلى بصيرة من دينهم، لما هداهم الله له من توفيقه، وشرح به ~~صدورهم من نور معرفته، ورأوا أن فيما عندهم من علم الكتاب وحكمته، وتوقيف ~~السنة وبيانها: غنى ومندوحة عما سواهما، وأن الحجة قد وقعت بهما، والعلة قد ~~أزيحت بمكانهما، فلما تأخر الزمان بأهله، وفترت عزائمهم PageV01P084 ~~في طلب حقائق علوم الكتاب والسنة، وقلت عنايتهم بها، واعترضهم الملحدون ~~بشبههم، والمتحذلقون بجدلهم، حسبوا أنهم إن لم يردوهم عن أنفسهم بهذا النمط ~~من الكلام، ولم يدافعوهم بهذا النوع من الجدل لم يقووا بهم، ولم يظهروا في ~~الحجاج عليهم، فكان ذلك ضلة من الرأي، وغبنا فيه وخدعة من الشيطان، والله ~~المستعان. # فإن قال هؤلاء القوم: فإنكم إن أنكرتم الكلام ومنعتم استعمال أدلة ~~العقول، فما الذي تعتمدون في صحة أصول دينكم، ومن أي طريق تتوصلون إلى ~~معرفة حقائقها، وقد علمتم أن الكتاب لم يعلم حقه، وأن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لم يثبت صدقه إلا بأدلة العقول، وأنتم قد نفيتموها؟! # قلنا: إنا لا ننكر أدلة العقول، والتوصل بها إلى المعارف، ولكنا لا نذهب ~~في استعمالها إلى الطريقة التي سلكتموها في الاستدلال بالأعراض وتعلقها ~~بالجواهر، وانقلابها فيها على حدث العالم وإثبات الصانع، ونرغب عنها إلى ما ~~هو أوضح بيانا وأصح برهانا، وإنما هو شيء أخذتموه عن الفلاسفة وتابعتموهم ~~عليه، وإنما ms027 سلكت الفلاسفة هذه الطريقة لأنهم لا يثبتون النبوات، ولا يرون ~~لها حقيقة، فكان أقوى شيء عندهم في الدلالة على إثبات هذه الأمور ما تعلقوا ~~به من الاستدلال بهذه الأشياء، فأما مثبتو النبوات فقد أغناهم الله عز وجل ~~عن ذلك، وكفاهم كلفة المؤنة في ركوب هذه الطريقة المنعوجة التي لا يؤمن ~~العنت على راكبها، والإبداع والانقطاع على سالكها. # ثم ذكر أبو سليمان الخطابي بيان معرفة الصانع وإثبات توحيده من الطريق ~~الذي ذهب إليه السلف من أئمة المسلمين. كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. PageV01P085 # فأول الواجبات معرفة رب الأرض والسموات، وهو الله، [لا النظر المؤدي إليها، ~~خلافا للأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، ولا أول جزء من النظر] المؤدي إلى ~~معرفة الله تعالى، ولا قصد النظر المذكور، خلافا لمن شرط ذلك في أول ~~الواجبات، بل معرفة الله عز وجل أول الواجبات، قال الله عز وجل: {فاعلم أنه ~~لا إله إلا الله}. # -قيل: هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة-. # وهذا الوجه مأخوذ من قول الله عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين} لم ~~يذكر الله عز وجل هنا من أسمائه الحسنى غير الاسم الأعظم الذي هو (الله) ~~لأن عامة الناس في العالم معترفون بأن لهم خالقا وهو الله، لكثرة استجابة ~~دعائهم إياه من دون الأنام، ومفاجأة الفرج عنهم إذا استغاثوا به عند ~~الحوادث العظام، فهم معترفون له بالإلهية والقدرة لكن يشركون معه غيره، ~~فسبحان الله عما يشركون، وتعالى عما يصفون. قال الله عز وجل: {ولئن سألتهم ~~من خلقهم ليقولن الله}. # فذكر سبحانه في هذه الآية الشريفة أشهر أسمائه وهو (الله) المعروف عند ~~المؤمن والكافر، والبر والفاجر، لما ذكرهم نعمته على المؤمنين ببعثة رسوله ~~محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، ليعرف المؤمن والكافر والخاص والعام أن ~~خالقهم المعترفون له بالإلهية وهو (الله) هو الذي من ببعثة هذا الرسول، ~~ليكون أبلغ في تذكيرهم بهذه النعمة، وأجلب لإيمانهم ودخولهم في هذه الأمة. # وأيضا معرفة بعثة الرسل تتوقف على معرفة من أرسلهم، فيستدعي ذلك معرفة ms028 ~~الصانع خالق الخلق وباعث الرسل، وهو الله عز وجل الموجود الحق والإله الصدق ~~الواحد الأحد الفرد {الصمد. لم يلد ولم PageV01P086 ~~يولد. ولم يكن له كفوا أحد}، {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}، له ~~الأسماء الحسنى والصفات العلى. # وصفاته سبحانه على نوعين كما ذكره الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ~~في كتابه ((الأسماء والصفات)). # أحدهما: صفات ذاته سبحانه، كالحي والقدير، والسميع والبصير. # والنوع الآخر: صفات فعله سبحانه، كالخالق والرازق، والمحيي والمميت. PageV01P087 # فمن صفات ذاته سبحانه: العلم والإرادة، والحياة والكلام، والقدرة، والسمع ~~والبصر، وإلى جميعها تشير هذه الآية الشريفة {لقد من الله على المؤمنين}. ~~ففي قوله تعالى: {ويعلمهم الكتاب} لا خلاف بين المفسرين أنه القرآن، ولا ~~خلاف أن معلمه للمؤمنين عن الله عز وجل هو الذي من الله على المؤمنين ببعثه ~~رسولا وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن هاشم أبو القاسم المذكور في ~~قوله سبحانه: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار} والكتاب الذي ~~علمهم أنزله الله تعالى عليه. قال الله عز وجل: {وإنه لتنزيل رب العالمين. ~~نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين}. # وفي نزول القرآن الإشارة إلى صفة العلم. قال الله عز وجل: {لكن الله يشهد ~~أنزله بعلمه، والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيدا}. # ويؤخذ من الآية أيضا وصف الله عز وجل بالإرادة والمشيئة، لأنه سبحانه لو ~~لم يرد ما بعث هذا الرسول، ولا من. # ويؤخذ منها أيضا وصف الله عز وجل بالحياة لقوله تعالى: {لقد من الله} ذكر ~~هذا الاسم الشريف دون غيره لعموم صفات الإلهية التي من بعضها الحياة، كما ~~صرح بها وصفا في قوله تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}. # ويؤخذ منها أيضا وصف الله عز وجل بالكلام لأن قوله تعالى: {يتلو عليهم ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب} وهذا بالاتفاق هو القرآن وهو كلام الله ~~المصرح به في قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله}. # ويؤخذ من الآية أيضا وصف الله عز وجل بالقدرة التي ms029 بها بعث هذا الرسول، ~~وأجرى على يديه ما أجرى من تلاوة الآيات، وهداية المؤمنين PageV01P088 ~~وتزكيتهم، وجلب المنافع لهم، ودفع المضار عنهم. # ويؤخذ من الآية وصف الله بالسمع والبصر لقول الله عز وجل: {ويعلمهم ~~الكتاب} ومما علمهم من هذا الكتاب قول الله عز وجل فيه وصفا له سبحانه: ~~{ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}. # ويؤخذ من الآية أيضا وصف الله بالبقاء لأنه من معاني الاسم الشريف ~~المذكور في قوله تعالى: {لقد من الله}. # وقال الله عز وجل: {كل من عليها فان. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام}. # وهذه الصفات السبع الأول المشار إليها اتفق أهل النظر عليها أنها من صفات ~~الله الذاتية، وأثبت الجمهور مع ذلك صفة البقاء، وقد نظم الثمان أبو القاسم ~~الشاطبي رحمة الله عليه في قصيدته في المرسوم. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الشرف محمد بن عبد الله بن المحتسب إجازة إن ~~لم يكن سماعا، أنبأنا أبو محمد الحسن بن عبد الكريم الغماري قال: أنشدنا ~~العلامة أبو عبد الله محمد بن عمر بن يوسف القرطبي سماعا، أنشدنا ولي الله ~~أبو القاسم بن فيره بن أبي القاسم الرعيني الشاطبي رحمه الله قال: # حي، عليم، قدير، والكلام له ... باق، سميع، بصير، ما أراد جرى PageV01P089 ~~وأنشدنا العلامة الحافظ أبو حفص عمر بن أبي الحسن الأنصاري لنفسه كتابة من مصر: # حياة، وعلم، قدرة، وإرادة ... كلام، وإبصار، وسمع، مع البقا # ولو أشار شيخنا إلى أن هذه صفات لله عز وجل كان أبين وأمتن. وقد نظمت ذلك ~~مع الإشارة إلى غيره من صفات الذات، كما ذكرها الإمام أبو بكر البيهقي في ~~كتابه ((الأسماء والصفات)) فقلت: # صفات لذات الله: علم، إرادة ... حياة، كلام، قدرة، السمع، والبصر # قد اتفق النظار في عد هذه ... وجمهورهم زاد البقاء وما انحصر # فما قد أتى في الذكر أو صح سنة ... بوصف لذات الله أو فعل اشتهر # فنثبته لله علما بأنه ... تعالى عن التشبيه والمثل والغير # هذا من الأحكام الأصولية المستنبطة من هذه الآية الشريفة، وهي من الآيات ~~المحكمات المشار ms030 إليها -والله أعلم- بقوله تعالى: {هو الذي أنزل عليك ~~الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب}. # لأن هذه الآية مبينة غاية البيان بمن الله على المؤمنين وبعثته خير ~~المرسلين، وتعليم الكتاب والسنة على يديه، وإنقاذهم به من الضلال الذي ~~كانوا عليه، فهي من هذا الوجه محكمة. # وهي أيضا من أحد أقسام المتشابه في القرآن، وهو التشابه في اللفظ، كأول ~~آية الكرسي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} وفاتحة سورة آل عمران: {الم. ~~الله لا إله إلا هو الحي القيوم}. PageV01P090 # وهذه الآية الشريفة أنزل الله ما يشابهها في سورتي البقرة والجمعة. قال ~~الله عز وجل إخبارا عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {ربنا وابعث فيهم ~~رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت ~~العزيز الحكيم}. # وقال تعالى في سورة الجمعة: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}. # فهذه الآية متشابهة من هذا الوجه، محكمة على الوجه الأول. # وفي قوله تعالى: {ويعلمهم الكتاب} وقع التعليم كما أخبر العزيز الحكيم، ~~فنقل إلينا الكتاب -وهو القرآن- نقلا متواترا بالوسائط الثقات الأعيان، وقد ~~تقدمت الإشارة إلى قسمي الوسائط، وأن كل قسم يرجع إلى قسمين، ومنهم ~~التابعون للصحابة رضي الله عنهم، والتابعون على قسمين: مخضرمون وغير ~~مخضرمين، وكل منهما على قسمين، فغير المخضرمين حفاظ وغير حفاظ، وكل منهما ~~على قسمين: ثقات وغير ثقات. # ولا يخلو من بعد الصحابة من الرواة من هذين القسمين، وكل منهما -الثقات ~~وغير الثقات- على مراتب تفهم من نوع واحد من أنواع الحديث وهو التعديل ~~والتجريح. # فأعلى مراتب التعديل: تكرار لفظ قولهم ((ثقة)) كما روينا عن سفيان ابن ~~عيينة رحمه الله قال: حدثنا عمرو بن دينار، وكان ثقة ثقة ثقة ثقة، كرر ذلك ~~سفيان أربع مرات. PageV01P091 # وأدنى مراتب الثقات قولهم: فلان شيخ ونحوه. # وأسوأ مراتب التجريح قولهم: فلان كذاب، ونحو ذلك، كدجال، وشبهه، وأقل ~~مراتب ذلك -وهو أسهلها- فلان فيه خلف، أو سيء الحفظ، أو في حفظه شيء، ونحو ms031 ذلك. # وفي الرواة من يكون حجة في حديث أناس لينا في حديث غيرهم، كالحافظ هشيم ~~بن بشير، فهو لين في روايته عن الزهري، حجة مقبول في روايته عن غيره بلا ~~عنعنة، فإذا روى بالعنعنة -أو نحوها- ولم يبين سماعا أوجب وهنا ما، لكن ما ~~وقع في الصحيحين عن هشيم وأمثاله من ثقات المدلسين بالعنعنة أو بلفظ موهم: ~~فهو محمول PageV01P092 ~~على ثبوت سماعهم لذلك من وجه آخر. # فهشيم من أعيان الثقات، لكنه معدود في المدلسين، وقد رماه باللحن النضر ~~بن شميل، وذلك فيما: # أخبرنا المسند أبو الخير سعد بن عبد الله النوبي البهائي مولاهم المجمر، ~~بقراءتي عليه بمسجد القصب سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، أخبرك أبو إسحاق ~~إبراهيم بن بركات بن أبي الفضل بن ألقى ريشه قراءة عليه وأنت تسمع قال: ~~أخبرنا الإمام التقي أبو عبد الله محمد بن الحسين بن أحمد الفقيه سماعا، ~~أخبرنا أبو طاهر بركات بن إبراهيم، PageV01P093 ~~أنبأنا أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري النحوي قال: ~~أخبرنا أبو علي علي بن عيسى التستري، عن حميه القاضي أبي القاسم عبد العزيز ~~بن محمد العسكري، عن أبي أحمد الحسن بن سعيد العسكري اللغوي، عن أبيه، عن ~~إبراهيم بن حامد، عن محمد بن ناصح الأهوازي قال: حدثني النضر بن شميل قال: # كنت أدخل على المأمون في سمره، فدخلت ذات ليلة وعلي قميص مرقوع. فقال: يا ~~نضر ما هذا التقشف حتى -يعني: تدخل على أمير المؤمنين في هذه الخلقان- قلت: ~~يا أمير المؤمنين أنا شيخ ضعيف، وحر مرو شديد فأتبرد بهذه الخلقان. قال: ~~لا، ولكنك قشف. # ثم أجرينا الحديث، وأجرى هو ذكر النساء فقال: حدثنا هشيم، عن مجالد، عن ~~الشعبي، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~((إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز)) فأورده ~~بفتح السين، فقلت: صدق يا أمير المؤمنين هشيم. حدثنا عوف ابن أبي جميلة، عن ~~الحسن، عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، قال رسول الله ms032 صلى الله عليه ~~وسلم : ((إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز)). # قال: وكان المأمون متكئا فاستوى جالسا فقال: كيف قلت سداد؟ PageV01P094 # قلت: لأن السداد هنا لحن، قال: أو تلحنني؟! قلت: إنما لحن هشيم، وكان ~~لحانة، فتبع أمير المؤمنين لفظه، قال: فما الفرق بينهما؟ قلت: السداد ~~-بالفتح- القصد في الدين والسبيل، والسداد -بالكسر- البلغة، وكل ما سددت به ~~شيئا فهو سداد، قال: أوتعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجي يقول: # أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر # فقال المأمون: قبح الله من لا أدب له!! وأطرق مليا ثم قال: ما مالك يا ~~نضر؟ قلت: أريضة لي بمرو أتصابها وأتمززها، قال: أفلا نفيدك مالا؟ قلت: إني ~~إلى ذلك لمحتاج، قال: فأخذ القرطاس وأنا لا أدري ما يكتب، ثم قال: كيف تقول ~~إذا أمرت أن يترب الكتاب؟ قلت: أتربه، PageV01P095 ~~قال: فهو ماذا؟ قلت: مترب، قال: فمن الطين؟ قلت: طنه، قال: فهو ماذا؟ قلت: ~~مطين، قال: هذه أحسن من الأولى، ثم قال: يا غلام أتربه وطنه. # ثم صلى بنا العشاء وقال لخادمه: تبلغ معه إلى الفضل بن سهل. قال -يعني- ~~فأتيته فلما قرأ الكتاب قال: يا نضر إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين ألف ~~درهم، فما كان السبب فيه؟ فأخبرته ولم أكذبه، فقال: ألحنت أمير المؤمنين! ~~فقلت: كلا، إنما لحن هشيم، وكان لحانة، فتبع أمير المؤمنين لفظه وقد تتبع ~~ألفاظ الفقهاء ورواة الآثار. ثم أمر لي الفضل بثلاثين ألف درهم، فأخذت ~~ثمانين ألف درهم بحرف أستفيد مني. # هذه القصة رواها مطولة الإمام أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد ~~العسكري اللغوي في كتابه ((الحكم والأمثال)) كما رويناه من طريقه، لكن في ~~كتاب ((الحكم)) رواه أيضا من طريق أخرى فقال: حدثنا محمد بن أحمد بن أبي ~~يحيى، حدثنا إبراهيم بن ناصح، حدثنا النضر ابن شميل. # وكأن الحريري الذي روينا القصة من طريقه اختصر هذه الطريق واقتصر على ~~رواية العسكري عن أبيه. # ومذهب الأصمعي كمذهب النضر في أن السداد من عوز بكسر ms033 أوله PageV01P096 ~~لا يجوز فتحه، وقاله بالفتح غيرهما، وذكر أن فيه الوجهين: الفتح والكسر. # وقولهم ((فيه سداد من عوز)): معناه -فيما قاله الأصمعي-: إن أعوز الأمر ~~كله ففي هذا ما يسد بعض الأمر، وقيل: معناه ما تسد به الخلة. والله سبحانه أعلم. PageV01P097 ### | CHECK [المجلس [4]] # [4] بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # من وجوه الكلام على هؤلاء الآيات العظام من طريقي التفسير والتأويل: ذكر ~~مواطن التنزيل، لأن القرآن نزل سماويا وأرضيا، والأرضي نزل حضرا وسفرا، ~~وشتاء وصيفا، وليلا ونهارا، ونزول القرآن على قسمين: # أحدهما: ماله سبب نزل لأجله، وقد صنف الأئمة في ذلك، ومنهم: أبو الحسن ~~علي بن أحمد بن محمد بن علي بن متويه النيسابوري الواحدي. # والقسم الآخر: نزل بغير سبب. # وهذه الآية، من القسم الأول، وسبب نزولها: الدعوة الإبراهيمية التي أخبر ~~الله تعالى عنها بقوله تعالى إخبارا عن إبراهيم عليه الصلاة PageV01P098 ~~والسلام: {ربنا وابعث فيهم رسولا .. .. } الآية. # والآيات التي تلوناها من الآي المدني، لأنها من سورة آل عمران، وهي مدنية ~~بلا خلاف، وثالث سورة نزلت بالمدينة، كما رويناه من حديث خصيف بن عبد ~~الرحمن الجزري، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فأنزل الله عز ~~وجل بالمدينة: البقرة، والأنفال، وآل عمران. # ورويناه ب ((ثم)) بدل الواو من حديث عثمان بن عطاء بن أبي مسلم، عن أبيه ~~[عن ابن عباس] قال: ثم كان أول ما أنزل بالمدينة سورة البقرة، وقال: ثم ~~الأنفال، وقال: ثم آل عمران. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما بالإسناد السابق تعليقا إليه، أن آخر ما نزل ~~بالمدينة سورة التوبة، وأول ما نزل بمكة: {اقرأ باسم ربك الذي خلق}، وآخر ~~ما نزل بمكة: سورة {ويل للمطففين}. # ومن الاتفاق: أن هؤلاء الآيات، ذكرت بنحوها في سورة البقرة، وسورة ~~الجمعة، وهؤلاء الثلاث نزلن بالمدينة، وترتيبهن في النزول كترتيبهن في ~~المصحف. # وعلم نزول ms034 القرآن ومواطن التنزيل، أحد أقسام علوم القرآن، وعلومه PageV01P099 ~~كثيرة، منها: بيان ما هو مبهم غير معلوم من المنطوق والمفهوم، ومنه في هذه ~~الآيات: قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين} المراد بهم هذه الأمة، وهي ~~أمة الإجابة، لأن الأمة على ضربين: أمة دعوة، وهم جميع الثقلين، وأمة ~~إجابة: وهم من أجاب إلى الإسلام، وذكروا في هذه الآية بالمؤمنين، وهم الذين ~~وصفوا بالأمية، كما صرح بذلك في آية سورة الجمعة في قوله تعالى: {هو الذي ~~بعث في الأميين رسولا منهم .. .. } الآية. # ومن ذلك: أن الرسول الذي من الله به على المؤمنين هو نبينا محمد عليه ~~أفضل الصلاة والسلام بلا خلاف بين الأمة. # ومن ذلك: أن الكتاب المذكور هو القرآن جل منزله، لا خلاف في ذلك، وهو ~~بمعنى المكتوب، مصدر سمي به المفعول، ولم يكن مكتوبا وقت نزوله على النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، مع أنه أطلق عليه ذلك، لكن من قواعد كلام العرب أنهم ~~تارة يصفون الشيء بما هو ملابس له حقيقة، نحو زيد قائم، إذا كان قائما حال ~~الإخبار عنه، وتارة يصفون الشيء باعتبار ما يؤول إليه. # والحكمة فسرت هنا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم . والحكمة تطلق ولها ~~معان، منها: # 1- القرآن، كما في قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة} فسرت هنا ~~بالقرآن. PageV01P100 # 2- ومنها: أن الحكمة علم تفسير القرآن، كما فسر بذلك قوله تعالى: {ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} قيل: علم القرآن. # وقال يعقوب بن إبراهيم الدورقي في ((تفسيره)): حدثنا سعيد بن محمد، عن ~~جويبر، عن الضحاك: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} قال: يعني القرآن ~~في هذه المواضع. # 3-8- وتطلق الحكمة أيضا على المواعظ والآداب، وعلى العلم، والعدل، ~~والحلم، والمنع، والإتقان. # والحكمة في عرف الفلاسفة علومها، ولأن تسمى بلازم الحكمة أولى من أن تسمى ~~بالحكمة، لما فيها من الدواهي الغائلة، والسموم القاتلة، ومن زعم أن حكمة ~~الفلاسفة هي المذكورة في القرآن فقد تجرأ وافترى، وكذب فيما رأى، وإنما ~~الحكمة المشار إليها في القرآن على وجوه ذكرها ms035 الأئمة ومن صنف في الأشباه ~~والنظائر. منها: أن المراد بالحكمة في قوله تعالى: {ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة} سنة النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P101 ~~كما تقدم، وممن فسرها بذلك ابن عباس ومجاهد وقتادة وآخرون منهم: الشافعي ~~رضي الله عنهم. # قال الشافعي رضي الله عنه في كتابه ((الرسالة)): وقد فرض الله تعالى على ~~الناس اتباع وحيه وسنن رسوله صلى الله عليه وسلم فقال في كتابه: {ربنا ~~وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ~~إنك أنت العزيز الحكيم}. وقال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث ~~فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} ~~وذكر الشافعي آيات في ذلك آخرها قوله تعالى: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من ~~آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا}. # قال الشافعي: فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى ~~يقول: الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . انتهى. # ومعاني الكتاب والسنة كثيرة لا تعد، ولا سبيل إلى معرفة ذلك إلا من جهة ~~التفسير من طريق المنقول عن الأئمة المرضية، ومن التأويل الراجع إلى ~~القواعد الشرعية والعقائد السنية، ومعاني اللغة ووجوه العربية. # وإن انضم إلى ذلك معرفة المعاني والبيان والبديع كان بليغا في فهم الحكم ~~والآيات، وعلم الحجج والبراهين القاطعات. # والمعاني: جمع معنى، ومعنى الشيء: حالته التي يصير إليها أمره، هذا ~~موضوعه لغة. PageV01P102 # وأما اصطلاحا: فهو ما يحترز به عن الخطأ في تطبيق الكلام على مقتضى الحال ~~المفتقر في تأديته إلى أزيد من الدلالات الوضعية. فيعرف منه تتبع خواص ~~تركيب الكلام وقيود دلالاته. # وأما البيان: فموضوعه لغة: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي ~~والظهور. # وأما اصطلاحا: فهو ما يحترز به عن الخطأ في دلالة المركب لتمام المراد ~~منه بمخالفة الوضوح أو الخفاء، فيعرف منه كيفية إيراد مقتضى الحال المفتقر ~~إلى أزيد من الوضعية بطرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة أو النقصان. # وأما البديع فموضوعه لغة: المبتدع العجيب، وأصله من البدع، وهو ما حدث ~~مما لم ms036 يكن قبل. # وأما اصطلاحا: فهو إبانة المعنى الحسن باللفظ المختار. # فإذا كان الكلام خاليا عن التعسف والتعقيد في معناه، عاطلا من الكلمات ~~الحوشية المتنافرة المخارج في مبناه كان بديعا، يعلق بالأفهام سريعا، لكن ~~إذا وقع البديع اتفاقا من غير تكلف، كان أبلغ في التفنن والتصرف. # ولقد حدثنا شيخنا الإمام العلامة قاضي المسلمين ولي الدين أبو زيد عبد ~~الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد الحضرمي، عن العلامة مؤرخ بلاد المغرب أبي ~~عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد الغرناطي لسان الدين ابن الخطيب أنه ~~قال: أشتهي من يتعاطى البديع في شعره PageV01P103 ~~أن يعزر ويطوف به وينادى عليه: هذا جزاء من يتعاطى البديع في شعره! أراد أن ~~لا يتكلفه الشاعر بل يقع له انسجاما وسجية. # ومن علوم القرآن المتعلقة بهذه الآية: حسن بيان كلمها، وتعديل معاني ~~نظمها، ومناسبة فواصلها، وارتباطها بأوائلها، وهذا من أنواع ضروب نظم ~~القرآن، وقد صنف فيه غير واحد منهم: أبو علي الحسن ابن يحيى بن نصر ~~الجرجاني، وكتابه غريب بديع في بابه، وغلط في تسمية مصنفه الفخر الرازي، ~~فجعله عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني صاحب ((المقدمة في النحو)) ~~المشهورة ب ((الجمل)) و((شرح الإيضاح)) لأبي علي الحسن بن أحمد بن عبد ~~الغفار الفارسي في ثلاثين مجلدا!. # نعم لعبد القاهر الجرجاني هذا مصنفان في إعجاز القرآن ((الكبير))، وآخر ~~دونه، فلعل الفخر الرازي أراد أحد مصنفيه في إعجاز القرآن فسماه ((ضروب نظم ~~القرآن))؟ والله أعلم. # ويؤخذ حسن انتظام الكلام واتساق معانيه من مواضع في هذه الآية الشريفة، ~~منها: أن الله تعالى قال: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا .. .. }. # ذكر الله تعالى هذه المنة العظمى باسمه المظهر دون المضمر، فلم يقل ~~سبحانه: لقد مننت، بل قال: {لقد من الله} وذلك -والله أعلم- لعظم شأن هذه ~~المنة التي لا منة أعظم منها، وهي بعثه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رحمة للعالمين، ونعمة امتن بها على المؤمنين. PageV01P104 # فذكر المن بهذه النعمة العظيمة باسمه الأعظم الذي هو (الله). ms037 # نعم، ولم يذكر هنا من أسمائه الحسنى غير هذا الاسم الشريف لفوائد، منها: ~~أن هذا الاسم الشريف يعلمه المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، وهم معترفون ~~بأنه خالقهم وإياه يدعون، وإليه عند الحوادث يفزعون، لكن الكفار يشركون به ~~غيره، كما كانوا يصنعون في التلبية يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك ~~لك، إلا شريكا [هو لك] تملكه وما ملك. تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # قال الله عز وجل: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله}. # فذكر سبحانه في هذه الآية الشريفة أعظم أسمائه وهو (الله) المشهور عند ~~المؤمن والكافر، ليعرف الجميع أن خالقهم المعترفون له بالإلهية -وهو ~~(الله)- هو الذي من ببعثة هذا الرسول، ليكون أبلغ في تذكيرهم بهذه النعمة، ~~وأجلب لإيمانهم ودخولهم في هذه الأمة. # وقد ذكر الله تعالى في هذه الآية وجوها من نعمه على المؤمنين ببعثة رسوله ~~محمد صلى الله عليه وسلم . # 1- منها: تلاوته آيات الله عليهم. # 2- ومنها: تزكيتهم وتطهيرهم حسا ومعنى. # 3- ومنها: تعليمه إياهم الكتاب والسنة. # 4- ومنها: إنقاذهم على يديه من الضلال المبين، الموجب للخزي والنكال يوم الدين. PageV01P105 # وكل نعمة من هذه النعم المسماة تشتمل على نعم كثيرة لا يحصيها إلا الله، ~~ولهذا -والله أعلم- عند ذكر المن بهذه النعم، ذكره الله باسمه الأعظم. # فكم حوى القرآن والسنة من عجائب ولطائف وأحكام، وقواعد وعقائد وبيان حلال ~~وحرام، وأوامر وزواجر وترغيب وترهيب للخاص والعام. # وقد نبهنا على بعض معاني هذه الآية من القرآن. # ونذكر الآن حديثا من السنة التي أشرنا من أحسن الحسان، لنجمع في المجلس ~~بين تلاوة الكتاب ورواية السنة، ويحصل لنا بركاتهما، راجين من الله أول ~~وهلة، دخول الجنة. # أخبرنا الشيخان المسندان الكبيران أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن ~~عمر البالسي، وأبو هريرة عبد الرحمن ابن الحافظ أبي عبد الله محمد ابن ~~الذهبي، وآخرون، قالوا: أخبرنا أبو العباس أحمد ابن الشحنة أبي طالب ~~الصالحي قراءة عليه ونحن نسمع -زاد أبو هريرة فقال: وأخبرنا عيسى بن عبد ~~الرحمن السمسار قراءة عليه وأنا حاضر، وأبو الفضل سليمان ms038 بن حمزة الحاكم، ~~وأبو بكر بن أحمد الضرير، وإسماعيل بن يوسف السويدي، وزينب ابنة أحمد بن ~~عمر بن شكر إجازة، قالوا -سوى الضرير-: # أخبرنا عبد الله بن عمر بن علي الحريمي سماعا -وقال الحاكم أيضا والضرير: ~~أخبرنا الحسين بن المبارك بن محمد السلامي قراءة عليه، قال الحاكم: وأنا ~~حاضر، وقال الضرير: وأنا أسمع- قالا: أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى ~~الهروي سماعا، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي مسعود عبد العزيز الفارسي، ~~أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن أبي شريح الأنصاري، أخبرنا ~~أبو القاسم عبد الله بن محمد، حدثنا العلاء بن موسى، حدثنا الليث بن سعد، ~~عن نافع، عن PageV01P106 ~~عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~((الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة)). # هذا حديث صحيح عال جدا، خرجه مسلم في ((صحيحه)) والنسائي في ((سننه)) عن ~~قتيبة بن سعيد. # وخرجه مسلم أيضا، وابن ماجه في ((سننه)) عن محمد بن رمح كلاهما عن الليث ~~بن سعد، به، فوقع لنا بدلا عاليا، وهو عند القعنبي، وأبي بكر بن أبي شيبة، ~~عن الليث. تابعه مالك، وعبيد الله بن عمر، وعبد الله بن نمير، وأسامة بن ~~زيد بن أسلم، عن نافع. # وله شاهد عن علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، والبراء بن عازب، وثوبان، ~~وجابر بن عبد الله، وجرير بن عبد الله، وأبي ذر جندب ابن جنادة، وحذيفة بن ~~اليمان، وأبي سعيد سعد بن مالك الخدري، وسلمة بن نفيل السكوني، وسوادة بن ~~الربيع الجرمي، وأبي أمامة صدي ابن عجلان الباهلي، وعبد الله بن بسر، وعبد ~~الله بن عمرو بن العاصي، وعبد الله بن مسعود، وعتبة بن عبد السلمي، وعروة ~~بن الجعد -ويقال ابن أبي الجعد، ويقال عروة بن عياض بن أبي الجعد الأزدي ~~البارقي- وعريب جد يزيد بن عبد الله بن عريب المليكي، وعمرو بن العاصي، ~~ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، والمقدام بن معدي كرب، ويعلى بن ~~مرة، ms039 وأبي كبشة الأنماري، وأبي هريرة، وابن الحنظلية الأنصاري، وأسماء بنت ~~يزيد بن السكن رضي الله عنهم. PageV01P107 # وفي حديث ابن عمر زيادة من قوله ليست في روايتنا الأولى. # قال إبراهيم بن محمد بن عرعرة السامي: حدثنا محمد بن بكر، حدثنا عمر بن ~~صهبان، أخبرني نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ((الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة)) وقال: ولقد ~~رأيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا، فلقد رأيته يمسح بردائه أو ~~بداخلة إزاره عن وجهه العرق. # ورويت قصة مسح الفرس من مراسيل الحسن البصري، ونعيم بن أبي هند الجهني، ~~ومسلم بن يسار المصبح. قال مسلم: أخبرت أن PageV01P113 ~~النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم فمسح وجه فرس له بردائه وقال: ((إني ~~عوتبت الليلة في الخيل)). # وهذه الفرس جاءت الرواية به مبهمة. # وكان للنبي صلى الله عليه وسلم عدة من الخيل معلمة. # فأولها: الكميت -ويسمى السكب- فيما رويناه، وهو أول فرس اقتناه، ابتاعه ~~بالمدينة من رجل من بني فزارة بعشر أواق، وكان اسمه PageV01P114 ~~عند بائعه الضرس، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم السكب، لأنه كان خفيف ~~الجري سريعه، وكان أول ما غزا عليه أحدا، وليس يومئذ مع المسلمين فرس غيره، ~~وغير فرس لأبي بردة بن نيار يقال له: ملاوح. # والسكب هذا كان كميتا لونه بين الشقرة والأدمة أغر محجلا مطلق اليمين. # والثاني من الخيل النبوية: سبحة، من قولهم: فرس سابح، إذا كان حسن مد ~~اليدين في الجري، وكانت سبحة شقراء، ابتاعها النبي صلى الله عليه وسلم من ~~أعرابي من جهينة بعشر من الإبل، وسابق عليها مرة فجاءت سابقة، فهش لذلك ~~وأعجبه. # والثالث من الخيل النبوية: المرتجز، وهو الذي اشتراه النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الأعرابي الذي جحد البيع فشهد خزيمة بن ثابت بتصديق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادتين. PageV01P115 # واسم الأعرابي الذي جحد البيع: سواء بن قيس بن الحارث المحاربي. # وكان المرتجز ms040 فحلا أشهب، وقيل أبيض، سمي المرتجز لحسن صهيله، ويقال لهذا ~~الفرس أيضا: الطرف والنجيب. # والرابع من الخيل النبوية: اللزاز -بكسر اللام وزايين، وقيل بفتح اللام ~~مع التشديد- وهذا الفرس كان من جملة هدية جريج المقوقس، وهو أحد الأفراس ~~الثلاثة التي كانت للنبي صلى الله عليه وسلم في حائط سعد بن سعد ابن مالك ~~بن خالد الساعدي والد سهل رضي الله عنهما يعلفهن. والآخران: اللحيف والظرب. # فالظرب -وهو الخامس من الخيل النبوية- أهداه له فروة بن عمرو الجذامي، ~~واسمه بفتح الظاء المعجمة، وكسر الراء، يليها موحدة، وقيل فيه: الطرب -بطاء ~~مهملة- والأول المعروف، وكان هذا الفرس واللزاز مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم في غزوة المريسيع. # والسادس من الخيل النبوية: اللحيف، أهداه للنبي صلى الله عليه وسلم ربيعة بن أبي PageV01P116 ~~براء ملاعب الأسنة، فأثابه عليه فرائض من نعم بني كلاب، وقد اختلف في اسمه ~~على خمسة أقوال، منها: اللحيف، بالحاء المهملة، وزان شريف. # وقيل: بالتصغير. # وقيل: كذلك مع إعجام الحاء. # وقيل: النجيف، بنون وجيم، مصغر. # وقيل: بلام مفتوحة وجيم مكسورة، وهو أوهى الأقوال. وأراه تصحيفا. والله أعلم. # والسابع من الخيل النبوية: الورد، وكان فحلا بين الكميت الأحمر والأشقر، ~~أهداه للنبي صلى الله عليه وسلم تميم الداري رضي الله عنه لما وفد عليه مع ~~الداريين سنة تسع من الهجرة منصرفه من تبوك. # وهذه السبعة لا خلاف في نسبتها للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقد نسب إليه ~~عدة أفراس دخلن في ملكه على خلاف في ذلك. PageV01P117 # منها: فرس يقال له ذو اللمة، فيما ذكره أبو جعفر محمد بن حبيب ابن محمد ~~البغدادي وغيره. # ومنها: السرحان، والمرتجل، والأدهم. ذكرهن أبو عبد الله الحسين ابن أحمد ~~بن خالويه. # ومنها: ملاوح، ذكره سليمان بن بنين بن خلف الأنصاري المصري في كتابه ~~((آلات الجهاد وأدوات الصافنات الجياد)) والمعروف أن ملاوح فرس أبي بردة بن ~~نيار شهد عليها أحدا، كما تقدم ذكره. # ومنها: ذو العقال، بضم العين المهملة وفتح القاف المشددة -وخففها بعضهم- ~~وآخره لام. # ومنها: الأبلق، ذكر في حديث من رواية ms041 مسعود بن الضحاك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سماه مطاعا وقال: ((أنت مطاع في قومك)) وقال له: ((امض إلى ~~أصحابك)) وحمله على فرس أبلق. الحديث. # ومنها: اليعسوب، ذكره قاسم بن ثابت في ((الدلائل)) وغيره. PageV01P118 # ومنها: اليعبوب، ذكره بعضهم، وجعله قاسم بن ثابت لقبا لليعسوب في رواية بعضهم. # ومنها: البحر، ذكره بعضهم. # وكذلك: المندوب. # ومنها: السجل. # ومنها: السحاء -بسين وحاء مهملتين مع التشديد والمد- وقيده أبو محمد ~~الدمياطي وتبعه غيره الشحا -بشين معجمة بدل المهملة-. # ومنها: المرواح -بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الواو، ويليها ألف، ثم ~~حاء مهملة- ذكر في هدايا الرهاويين للنبي صلى الله عليه وسلم . # وعد بعضهم البراق في خيل النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنهم شيخنا شيخ ~~الإسلام البلقيني في كتابه ((قطر السيل في أمر الخيل)). # وقد ذكر العلامة عز الدين أبو عمر عبد العزيز ابن الإمام أبي عبد الله ~~محمد بن إبراهيم بن جماعة الشافعي في كتابه ((مختصر السيرة النبوية)) أن ~~أباه جمع الخيل النبوية المتفق عليها في بيت واحد فقال: # والخيل: سكب لحيف سبحة ظرب ... لزاز مرتجز ورد لها أسرار # لكن البيت يحتاج إلى تتمة من نسبة الخيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وذكر أنها متفق عليها، وقد أشرت إلى ذلك في بيت واحد تلوته بآخرين فيهما ~~ذكر الخيل المختلف فيها، ومجموع ذلك كله أحد وعشرون فرسا، ذكرت في كل بيت ~~سبعة فقلت: PageV01P119 # خيل النبي اتفاقا: سبحة ظرب ... سكب لحيف لزاز ورد مرتجز # خلف: بيعسوب ذي العقال مرتجل ... بحر ملاوح سجل أدهم برزوا # سرحان ذي اللمة السحاء أبلقهم ... يعبوب مندوب مرواح بذا حرزوا # آخر المجلس، ولله الحمد حمدا كثيرا دائما # وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا PageV01P120 ~~وجدت بخط غالي بن أبي الفتح عثمان بن جني: قال أبو سعيد: كتبت من خط ثعلب ~~أن رجلا وصف خيلا فقال: إنها لمخيلة لكل خير، إنها لسامية العيون، لاحقة ~~البطون، مصعنات الآذان، أفتاء الأسنان، ضخام الركبات، متشركات الحجبات، ~~رحاب المناخر، صلاب الحوافر، وقعها تحليل، ورفعها تعليل، إن ms042 طلبت سبقت، وإن ~~طلبت فاتت. # قال: الصعون: الصغير الرأس. # أبو سعيد المذكور: أراه أبا سعيد السيرافي، توفي سنة ثمان وستين وثلاث ~~مئة. والله أعلم. PageV01P121 ### | CHECK [المجلس [5]] # [5] بسم الله الرحمن الرحيم # اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم ويسر # قال الله عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # هذه الآيات الشريفات، قد تلوناها في أوائل الدروس الماضيات، تبركا ~~بتلاوتها، وإيضاحا لبعض معاني كلماتها، لأن الكلام فيها وما حوته معانيها ~~من نيف وخمسين وجها، نذكرها مجملة، ثم نوضحها وجها وجها مفصلة، مع بيان ~~مآخذها من الآيات المذكورة، منطوقا أو مفهوما على القواعد المأثورة، التي ~~بناؤها على أصلين كل منهما علم جليل، وهما: تفسير القرآن، والتأويل. # ومعنى التفسير في اللغة -ويقال له الفسر-: الكشف، يقال: فسرت الحديث ~~-بالفتح- أفسره -بالكسر- فسرا، إذا بينته؛ وفسرته -بالتشديد- تفسيرا، كذلك، ~~والتفسرة: ماء العليل الذي يرفع للطبيب، فإذا رآه كشف له عن العلة. هذا ~~موضوعه لغة. # وأما معناه اصطلاحا: فهو الكلام على أسباب نزول القرآن، وبيان أحكامه ~~المجملة فيه من السنة، كبيان الصلوات. # وفي قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا}: PageV01P122 # إشارة إلى الرحمة المصرح بها في قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين}، فكان صلى الله عليه وسلم رحمة للمؤمنين بالهداية، وللمنافقين ~~بالأمان من القتل، وللمشركين بتأخير العذاب عنهم. وعلى قدر رحمته صلى الله ~~عليه وسلم للعالمين تكون رحمة الله إياه مع التضاعف من غير تعيين وثواب لا ~~يدخل تحت العد والحصر ولا الإحصاء، ف ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من ~~في الأرض يرحمكم من في السماء)). # وهذا الحديث رويناه من طرق تقدم في المجلس الأول منها طريقان مسندان، ~~وهذا طريق ثالث. # أخبرنا الأمير أسد الدين عبد الرحمن بن محمد القطلوبكي، وهو أول حديث ~~سمعته منه بمنزلي من دمشق، قال: أخبرنا محمد بن أحمد المفيد، وهو أول حديث ~~سمعته منه حضورا. قال: وأخبرنا عيسى ابن ms043 يحيى الأنصاري بمصر، وهو أول حديث ~~سمعته منه، أخبرنا بشير PageV01P123 ~~ابن حامد بمكة، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا محمد بن معمر القرشي، وهو ~~أول حديث سمعته منه، أخبرنا زاهر بن طاهر المستملي، وهو أول حديث سمعته ~~منه، أخبرنا أحمد بن عبد الملك المؤذن، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا ~~الأستاذ أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش بن علي بن داود بن أيوب الزيادي، ~~وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال ~~البزاز، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، وهو ~~أول حديث سمعته منه، حدثنا سفيان بن عيينة، وهو أول حديث سمعته منه، عن ~~عمرو بن دينار، عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو، عن عبد الله بن عمرو ~~رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الراحمون يرحمهم ~~الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء)). # هذا حديث حسن لقصور درجة أبي قابوس عن ثقات الصحيح، وارتفاعه عن مستوى ~~الضعفاء، لكونه وثق، وتفرد به سفيان كشيخه عمرو عن أبي قابوس، وقد صحح ~~الترمذي حديثه هذا، لكنه عنده PageV01P124 ~~بغير تسلسل. # وهذا أحد وجوه الكلام على الحديث. # والكلام عليه يرجع إلى أمرين: أحدهما يتعلق بالإسناد، والثاني بالمتن. # فالأول: الإسناد -ويقال السند- وهو لغة في أحد معانيه: ما ارتفع في قبل ~~جبل أو واد. ومصطلحا: هو الإخبار عن طريق المتن. ومذهب الجمهور أنه لا فرق ~~بين الإسناد والسند، وقيل: السند -كما تقدم- الإخبار عن طريق المتن، ~~والإسناد: رفع الحديث إلى قائله. # ويتعلق بالسند نيف وأربعون نوعا من أنواع علوم الحديث، منها هذا النوع، ~~وهو المسلسل: مأخوذ من تسلسل الشيء إذا اتصل بعضه ببعض على صفة واحدة، ~~كسلسلة الحديد وسلسلة الرمل. وفي المصطلح: المسلسل ما كان إسناده على صيغة ~~واحدة إلى منتهاه، وتارة يأتي كاملا، وتارة مقطوع الأول، وتارة مقطوع ~~الوسط، وتارة مقطوع الآخر. # والمسلسل كثير الأنواع، منها التسلسل بقول الراوي عمن روى عنه: وهو ms044 أول ~~حديث سمعته منه، كهذا الحديث، ويسمى المسلسل بالأولية، لكنه مقطوع الأول، ~~كما هو المشهور في تسلسله إلى عبد الرحمن بن بشر بن الحكم أنه أول حديث ~~سمعه من سفيان. # والتسلسل بزيادة على ذلك لا يصح، سواء قل: كرواية أبي عاصم عبد الله بن ~~محمد الشعيري، أو كثر: كرواية أبي نصر محمد بن طاهر PageV01P125 ~~ابن محمد بن الحسين بن الوزير الوزيري الواعظ، فإنه وصل التسلسل إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، كما رويناه من طريقه، وتكلم فيه لذلك. # وقد رويناه بغير تسلسل في ((سنن)) أبي داود والترمذي وغيرهما من طريق ~~سفيان بن عيينة. # وحدث به أحمد بن حنبل في ((مسنده)) عن سفيان. # وأبو قابوس عداده في الكوفيين، وقيل هو مكي، لا يعرف له اسم، ولا له ذكر ~~في كتاب ((الكنى)) لمسلم بن الحجاج، وذكره يحيى بن معين في ((تاريخه)) ولم ~~يسمه، وكذلك أبو عبد الله بن مندة في ((الكنى)) وغيرهما فلم يسموه، وإنما ~~جاءت تسميته عن ثابت بن محمد المديني فذكر أن اسم أبي قابوس: المبرد، وقول ~~ثابت ليس بثابت. # وجاء من طريق الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر، حدثنا سفيان ابن عيينة، ~~عن ابن دينار، عن قابوس، عن عبد الله بن عمرو، فذكره، وهذا خطأ، إنما هو عن ~~أبي قابوس، والمنكدري هذا يتكلمون فيه، فيما قاله البخاري. PageV01P126 # وجاء من رواية أبي أحمد بشر بن مطر الواسطي، عن سفيان، فذكره موقوفا على ~~عبد الله بن عمرو قوله، والصواب رفعه. # وقد رويناه في كتاب ((المحدث الفاصل بين الراوي والواعي)) لأبي محمد ~~الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي قال: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن محمد ~~الزهري، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، عن عبد الله ~~بن عمرو رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((الراحمون ~~يرحمهم الله، فارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)). # قالوا: يا أبا محمد أعده، فقال: سمعت الزهري يقول: إعادة الحديث أشد من ~~نقل الصخر. # عمرو بن ms045 أوس بن أبي أوس الثقفي المكي تابعي، وأبوه صحابي، مشهوران، ولا ~~مدخل لعمرو بن أوس في هذا الحديث. والله أعلم. # وقد تفرد بذكر عمرو بن أوس إسنادا، وبذكر اسم (الله) بدل اسمه (الرحمن) ~~متنا: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري، عن سفيان ~~بن عيينة، دون بقية أصحابه، والصواب ما رويناه PageV01P127 ~~أولا عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس. # وقول سفيان فيه ((عن عمرو بن دينار)): هذا معنعن، وقد اختلف فيه هل يحمل ~~على الاتصال أو لا؟ والجمهور أنه متصل محتج به مع اشتراط عدالة الراوي ~~وثبوت لقائه لمن روى عنه بالعنعنة؛ وهذا موجود في سفيان وروايته عن عمرو، ~~ولا تضر عنعنته هنا وإن كان مدلسا، فتدليسه التدليس المبين، وإنما سمي ~~المبين لأن المدلس إذا استفهم عنه بينه. قال أبو حاتم بن حبان: ولا يكاد ~~يوجد لابن عيينة خبر دلس فيه إلا وقد بين سماعه عن ثقة مثل ثقته. انتهى. # ومع ذلك فقد جاءت رواية عن سفيان قال: حدثنا عمرو، بلفظ التحديث بدل ~~العنعنة، فيما رويناه من طريق أسعد بن أحمد بن محمد ابن حيان النسوي، عن ~~أبي صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن، فذكره. # وجاء الحديث عن بشر بن الحكم بدل ولده عبد الرحمن، وهما من رجال ~~الصحيحين، وهو غريب، ويحتمل سماع أبي حامد بن بلال منهما لقرب وفاة بشر من ~~وفاة ولده عبد الرحمن، فإن بشرا توفي في سنة سبع وثلاثين ومئتين، ومات ابنه ~~عبد الرحمن ليلة الأربعاء لثمان PageV01P128 ~~عشرة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ستين ومئتين، ودفن من الغد بنيسابور. # وسماعه وسماع أبيه من سفيان مشهور، قال الحاكم أبو عبد الله في كتابه ~~((تاريخ نيسابور)): سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هاني يقول: سمعت إبراهيم ~~بن أبي طالب، سمعت عبد الرحمن بن بشر -يعني ابن الحكم- يقول: حملني بشر بن ~~الحكم على عاتقه في مجلس سفيان بن عيينة فقال: يا معشر أصحاب الحديث! أنا ~~بشر بن الحكم بن حبيب ms046 النيسابوري، سمع أبي الحكم بن حبيب من سفيان بن ~~عيينة، وقد سمعت أنا منه وحدثت عنه بخراسان، وهذا ابني عبد الرحمن قد سمع منه. # وقد وقع لي من حديث عبد الرحمن بن بشر، عن سفيان بن عيينة سبع وسبعون ~~حديثا غير الآثار التي منها ما قال الحاكم أبو عبد الله في ((تاريخ ~~نيسابور)): أخبرنا أحمد بن محمد الخطيب بمرو، حدثنا محمود ابن والان، حدثنا ~~عبد الرحمن بن بشر النيسابوري قال: سمعت سفيان ابن عيينة يقول: من استغنى ~~بالله أحوج الله إليه الناس. # هذا مما يتعلق بالإسناد. # وأما المتن فهو لغة: ما صلب من الأرض وارتفع. وفي المصطلح: المتن: ما ~~انتهى إليه السند من الكلام. # وسيأتي إن شاء الله تعالى في المجلس الآتي ذكر بعض ما فيه من الأحكام. ~~والله الموفق لكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. # وهذه الحسبلة قالها خلق من السلف، واقتدى بهم جماعة من الخلف، استنصارا ~~لما نابهم من الشرور، وتوكلا على الله تعالى في جميع الأمور، ومنهم المدرس ~~الثالث بهذا المكان، وهو الإمام العلامة المجتهد أبو شامة عبد الرحمن بن ~~إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان. PageV01P129 # وقد أنبأنا جماعة منهم أبو حفص عمر بن محمد الملقن، عن القاسم ابن محمد ~~الحافظ قال: وفي سابع عشر جمادى الآخرة -يعني سنة خمس وستين وست مئة- جرت ~~للشيخ شهاب الدين أبي شامة مفتي دمشق محنة بداره عند طواحين الأشنان، دخل ~~عليه شخص معه فتوى، فلما صار معه في الدار ضربه وآذاه، وذكر الناس أنه كان ~~حمل على ذلك، وصبر الشيخ لذلك ولم يشك إلى أحد. # زاد غير الحافظ قال: ولم يزل متمرضا إلى أن مات في شهر رمضان سنة خمس ~~وستين وست مئة، وأنهم كانوا جماعة، فضربوه حتى ظنوا أنه مات، ثم ذهبوا ~~وتركوه، وعرفهم، فقيل له: ألا تشتكي؟ فأنشأ يقول -فيما أنبأنا محمد بن محمد ~~بن عبد الله النعالي، عن الحافظ أبي محمد عبد المؤمن بن خلف-؛ وأنبأنا أبو ~~بكر محمد بن عبد الله الحافظ، وأبو هريرة عبد الرحمن بن الذهبي، ms047 وأبو الخير ~~أحمد بن الحافظ العلائي وغيرهم، عن أبي الصبر أيوب بن نعمة بن محمد قالا: ~~أنبأنا الشيخ شهاب الدين أبو شامة أنه قال في محنته: # قلت لمن قال: ألا تشتكي ... ما قد جرى فهو عظيم جليل: # يقيض الله تعالى لنا ... من يأخذ الحق ويشفي الغليل # إذا توكلنا عليه كفى ... فحسبنا الله ونعم الوكيل PageV01P130 ### | CHECK [المجلس [6]] # [6] بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى # قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}. # معنى من الله: أحسن وأنعم. والله أعلم. # والمن على وجوه منها: الطل الحلو ينزل على الأشجار والأحجار فيكون كالصمغ ~~يجتنى منه ويؤكل، ومنه -والله أعلم- قوله تعالى: {وظللنا عليكم الغمام، ~~وأنزلنا عليكم المن والسلوى}، قال مجاهد: المن صمغة، والسلوى الطير، علقه ~~البخاري في ((صحيحه)) عن مجاهد، وهو في تفسير شيخه محمد بن يوسف الفريابي، ~~عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. # وعلماء النبات يعدون المنون سبعة بهذا المن، وغفلوا عن الكمأة فلم ~~يذكروها، وقد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم من المن، فقال فيما صح من ~~حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الكمأة ~~من المن وماؤها شفاء للعين)). PageV01P131 # ومن وجوه المن: المنة، وهي أن يعتد المعطي بصنيعته على المعطى، فيمن بها ~~عليه تقريعا له، وهذا محرم ومعدود من الكبائر، لأنه متوعد عليه بما صح من ~~حديث أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثة لا ~~يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم)) ~~قال فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار، قال أبو ذر: خابوا ~~وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: ((المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف ~~الكاذب)) خرجه مسلم وغيره. # ومع هذا الوعيد الشديد يبطل أجر العطية بالمن. قال الله عز وجل: {يا أيها ~~الذين آمنوا ms048 لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى}. # وقال تعالى قبل هذا فيما أثنى به على من لا يمن بعطيته ولا يؤذي فقال ~~تعالى: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا ~~أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. # وقال بعض العلماء: المن من الله تعالى هو التعريف، والمن من PageV01P132 ~~العباد هو التعنيف. # وقد قيل في المأثور عن السلف: المن أخو المن، فالمن الأول امتنان المعطي ~~بالعطية على من أسداها إليه، والمن الثاني القطع والهدم، وهو أحد وجوه ~~المن، من قولهم: مننت الشيء منا إذا قطعته، ومنه قوله تعالى: {فلهم أجر غير ~~ممنون} كما فسره جماعة، وقيل فيه غير ذلك. والله أعلم. # فمعنى الأثر: أن من من بعطيته فكأنما قطع وصول أجرها إليه، وهدم البناء ~~الذي أسسها عليه، لأن العطية تسر من أسديت إليه، وتوجب الأجر لمن أعطاها، ~~والمن يسوء الذي أسديت إليه، وتوجب إثما على المنان مع حبوط أجره الذي لو ~~لم يمن لكان ثابتا له. # وتارة يكون المن ظاهرا، كأن يقول: أطعمتك، أو كسوتك، أو أحسنت إليك، ونحو هذا. # وتارة يكون المن تلويحا، وقد عدوا في المن ذكر العطية، لأن من PageV01P133 ~~شروط المعروف تعجيله، وإتمامه، وتصغيره، ونسيانه بعد فعله. # ومن وجوه المن: الإنعام والإحسان، ومنه في أسماء الله تعالى المنان، وقد ~~تقدم أن المنان الذي يبتدى بالنوال قبل السؤال، ويجود بالعطاء قبل الدعاء، ~~وقيل: هو العظيم المواهب، فإنه سبحانه أعطى الحياة والعقل والنفس، وصور ~~فأحسن الصور، ورزق من الطيبات، وأنعم بما لا يحصى من النعم والهبات، ~~والعطايا والمنح السنيات، ومنه قوله تعالى في هذه الآية الشريفة: {لقد من ~~الله على المؤمنين} أي أحسن فأجمل، وأنعم فأجزل. # ومن الإحسان المشار إليه: بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~المؤمنين يتلو عليهم آيات الله فيسمعونها ويتعلمونها ويعملون بمقتضاها ~~بتوفيق الله تعالى لذلك، وإذا وفقهم فقد زكاهم وأصلحهم، كما أشير إليه ~~بقوله تعالى: {ويزكيهم}. # وقوله تعالى: {ويعلمهم الكتاب والحكمة} الكتاب: القرآن، والحكمة عند ~~الجمهور: ms049 السنة، وكلاهما علم الدين. والعلم إذا أطلق: المراد به هذا، وهو ~~على أقسام: # 1- منها: علم الأصل، وهو معرفة الله جل وعلا. # 2- ومنها: علم الأحكام من الكتاب والسنة مجملا ومفصلا مع معرفة مراتب ~~النصوص، والناسخ والمنسوخ، والاجتهاد في إدراك المعاني، وتمييز شروط ~~القياس، ومعرفة أقاويل السلف، وما أجمعوا عليه واختلفوا فيه. PageV01P134 # 3- ومنها: علم ما به تعرف الألفاظ ومراداتها، وهو معرفة لسان العرب ووجوه ~~العربية واللغة. # 4- ومنها: علم اتصال الأحكام من الكتاب والسنة إلينا وما يحصل ذلك إلا ~~بمعرفة الأسانيد التي بها نقلت هذه العلوم، ورويت على أنواع كل منها عند ~~أهله معلوم، منها: المتواتر، ومنها: المستفيض، ومنها: المشهور، ومنها: ~~الأفراد، ومنها: ما اجتمعت فيه شروط الصحة، أو نقص عنها من غير ضعف في ~~إسنادها، أو كان فيه ضعف. # وثم أنواع أخر كالمسند، والمرسل، والمتصل، والمنقطع، والمسلسل الذي يأتي ~~إسناده بصفة واحدة، كالحديث الذي رويناه قبل من طرق، وهذه طريق رابعة من طرقه. # أخبرنا العلامة أبو البقاء محمد بن أبي الفضل القرشي الخصيلي بقراءتي ~~عليه بكفر سوسة، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا أبو طلحة محمد بن علي، وهو ~~أول حديث سمعته منه بمصر، أخبرنا أبو أحمد بن خلف التوني، وهو أول حديث ~~سمعته منه، أخبرنا محمد بن الحسن بن المقدسية، وعلي بن أبي الفضائل اللخمي، ~~وهو أول حديث سمعته منهما متفرقين قالا: أخبرنا أحمد بن محمد الأصبهاني ~~الحافظ -قال الأول: وهو أول حديث حضرته عنده، وقال الثاني: وهو أول حديث ~~سمعته منه- قال: حدثنا أبو محمد جعفر بن أحمد، وهو أول حديث سمعته منه، ~~حدثني أبو نصر عبيد الله بن سعيد الوائلي، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا ~~أبو يعلى حمزة بن عبد العزيز المهلبي، وهو أول حديث سمعته منه بقراءتي ~~عليه، أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال البزاز، وهو أول حديث ~~سمعته منه، حدثنا عبد الرحمن ابن بشر بن الحكم، وهو أول حديث سمعته منه، ~~حدثنا سفيان، وهو أول حديث سمعته منه، عن عمرو بن دينار، عن ms050 أبي قابوس مولى ~~عبد الله بن عمرو، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله PageV01P135 ~~صلى الله عليه وسلم قال: ((الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من ~~في الأرض يرحمكم من في السماء)). # هذه الطريق التي روينا منها هذا الحديث هي من أعلى طرقه علوا معنويا ~~لجلالة قدر رجالها وثقتهم. # والعلو على أقسام، أعلاها وأجلها: # 1- ما قرب إسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برواة ثقات، فإن كان ~~والحالة هذه من الأحاديث الإلهية -ويقال لها القدسية لصدورها عن حظيرة ~~القدس-: فناهيك به علوا وشرفا. # 2- ومنها: قرب الإسناد من إمام كمالك بن أنس ونحوه. # 3- ومنها: علو الموافقات ونحوها، وتسمى علو التنزيل. # 4- ومنها: علو تقدم وفاة راو على وفاة آخر اشتركا في الأخذ عن شيخ، كأبي ~~عبد الله البخاري صاحب الصحيح، وأبي عمرو عثمان بن أحمد بن السماك، اشتركا ~~في الرواية عن أبي جعفر بن أبي داود بن المنادي، وبين وفاة البخاري وابن ~~السماك ثمان وثمانون سنة، فالبخاري مات سنة ست وخمسين ومئتين، ومات ابن ~~السماك سنة أربع وأربعين وثلاث مائة. PageV01P136 # 5- ومن أقسام العلو: قدم سماع الراوي من شيخ على سماع من شاركه في الأخذ ~~منه، وهو قريب من الذي قبله. # 6- ومنها: العلو إلى أحد من مصنفي الكتب، كالبخاري ومسلم. # 7- ومنها: العلو المعنوي. قال الحافظ أبو طاهر السلفي فيما رويناه عنه ~~قال: والأصل في الطلب الأخذ عن العلماء وإن كانت رواياتهم نازلة من حيث ~~العد والإحصاء، فنزولهم أولى من العلو عن الجهلة، على مذهب المحققين من ~~النقلة. انتهى. # وفي معناه قلت: # إذا أحببت تخريج العوالي ... عن الراوين حقق ما أقول # نزول عن ثقاتهم علو ... علو عن ضعافهم نزول # ومن هذا القسم: علو هذا الحديث الذي رويناه، وإن كان نازلا بدرجة عما في ~~المجلس الأول أمليناه، مع أنه وقع لنا من هذه الطريق عاليا بدرجة. # أخبرنا الإمام أبو بكر محمد بن عبد الله المقدسي مشافهة بالإجازة، أخبرنا ~~أبو العباس أحمد بن أبي طالب وغيره سماعا قالا: أنبأنا عبد اللطيف ms051 بن محمد، ~~أخبرنا أحمد بن المقرب الكرخي، وهو أول حديث PageV01P137 ~~سمعته منه، حدثنا جعفر بن أحمد أبو محمد اللغوي، فذكره. # وأخبرناه أعلى من هذه بدرجة ومن التي قبلها بدرجتين من غير تسلسل: أبو ~~هريرة عبد الرحمن بن الذهبي بقراءتي عليه، أنبأنا أبو الفضل سليمان بن حمزة ~~ويحيى بن سعد، عن الحسن بن يحيى المخزومي -زاد سليمان فقال: وأنبأنا أيضا ~~محمد بن عماد- قالا: أخبرنا عبد الله بن رفاعة، أخبرنا علي بن الحسن ~~الفقيه، أخبرنا عبد الرحمن بن عمر النحاس، أخبرنا أبو سعيد بن الأعرابي، ~~حدثنا الحسن ابن محمد الزعفراني، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي قابوس، عن ~~عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~((الراحمون يرحمهم الرحيم، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء)). # لكن وقع في هذه الرواية: عن أبي قابوس، عن ابن لعبد الله بن عمرو، عن عبد ~~الله بن عمرو. فقوله ((عن ابن)) خطأ، ذكر الذهبي أنها كانت مولى لعبد الله، ~~فصحف ((مولى)) بقوله: عن ابن؛ وما ذكره الذهبي صحيح، لأن متقني الحفاظ من ~~أصحاب سفيان بن عيينة لم يرووه عنه إلا على الصواب. # فصار الحديث مرويا بهذه الطريق على ثلاثة أوجه، أولها -وهو المشهور ~~المعروف-: ((الراحمون يرحمهم الرحمن))، وفي رواية الرامهرمزي ((الراحمون ~~يرحمهم الله))، وفي هذه الرواية ((الرحيم)). PageV01P138 # 1- وهذا من وجوه الكلام فيما يتعلق بالسند الذي هو طريق الإخبار عن المتن. ~~والمتن -في اللغة-: ما صلب وارتفع من الأرض، وهو في المصطلح: ما انتهى إليه ~~السند من الكلام، وهو أعم من أن يكون مرفوعا أو موقوفا أو مأثورا عمن دون ~~الصحابة رضي الله عنهم. # فإن كان مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو دائر بين أقواله ~~وأفعاله وتقريره على ما يطلع عليه، وهي وجوه السنن، لكن التقرير يدخل في ~~الأفعال، لأنه كف عن الإنكار، والكف -على المختار عند محققي الأصوليين- فعل. # وزادوا في وجوه السنن ما لا يسلم من الاعتراض: كالإشارة، وهي من الأفعال؛ ~~والهمة، وهي إرادة الفعل، وتدخل في ms052 الفعل، لأنها من أعمال القلوب. # وسكوت النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه داخل في تقريره، وكل ذلك دليل ~~على الجواز، وسواء كان سكوته صلى الله عليه وسلم مستبشرا بالمسكوت عنه أو ~~غير مستبشر، والأول فيه إعلام بأنه أولى وأقوى مما سكت عنه مع عدم ~~الاستبشار، كسكوت النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع كلام مجزز بن الأعور بن ~~جعدة الكناني المدلجي لما رأى أقدام زيد بن حارثة وابنه أسامة رضي الله ~~عنهم: ((إن هذه الأقدام بعضها من بعض)) فسكت النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P139 ~~مستبشرا ولم ينكر على مجزز ما قاله، فدل ذلك على جواز القيافة واعتبارها في النسب. # ومجزز أحد الصحابة الذين روى عنهم النبي صلى الله عليه وسلم . PageV01P140 # وهذا أحد فوائد الحديث وأحكامه: الاستدلال بأحد وجوه السنن وهي الأقوال. # ومن فوائد الحديث: # 2- الحث على التراحم بين الأمة، لأن من صفاتها فيما بينهم الرحمة، قال ~~الله عز وجل: {محمد رسول الله، والذين معه أشداء على الكفار، رحماء بينهم}. # 3- ومنها: إثبات الثواب على الأعمال، وحصول الجزاء في الحال والمآل، ~~لعموم الحديث بقوله صلى الله عليه وسلم : ((الراحمون يرحمهم الرحمن)) لما ~~في معنى الرحمن من الرحمة في الدنيا والآخرة. # 4- ومنها: أن الجزاء من جنس العمل، لقوله صلى الله عليه وسلم : ~~((الراحمون يرحمهم الرحمن)) الحديث. # وقال أبو السري هناد بن السري في كتابه ((الزهد)): حدثنا عبدة، عن محمد ~~بن عمرو، حدثنا محمد بن المنكدر قال: جاءت امرأة إلى PageV01P143 ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد والناس حوله فأطافت به لتخلص ~~إليه، فقام عنها رجل لتخلص إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~((أمك هي؟)) قال: لا، قال: ((أختك هي؟)) قال: لا، قال: ((فرحمتها رحمك ~~الله)). # 5- ومنها: أنه يستحب لمن رغب غيره في عمل خير أن يذكر له شيئا من فوائده ~~وما يترتب عليه من المصالح، تنشيطا له وانبعاثا على العمل، كهذا الحديث. # 6- ومنها: أن العالم المعلم غيره يعمل بعلمه أولا، ثم يعلمه، فإنه أبلغ ~~في الإفادة وأرسخ للعبادة، ms053 وإذا نظرنا إلى صفة نبينا صلى الله عليه وسلم ~~الذي أمر بالرحمة ورغب فيها بهذا الحديث ونحوه: وجدنا رحمته قد عمت الخلق. ~~قال الله عز وجل: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}، ومن ألقابه: نبي ~~الرحمة. PageV01P144 # وجاء أنه لم يكن أحد أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم . # 7- ومنها: أنه إذا عرض أمر يحتاج فيه إلى ذكر اسم من أسماء الله الحسنى ~~يذكر ذلك الاسم المناسب لما عرض، ليكون أرجى لبلوغ الغرض فيما عرض، ومن ذلك ~~قوله تعالى: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا}. # ولما كان التراحم مندوبا إليه، والجزاء من الله تعالى موعودا عليه: ذكر ~~اسم من أسماء الله تعالى مناسب للتراحم، وهو الرحمن جل وعلا. # 8- ومنها: وصف الله تعالى بالرحمة، وأن الرحمن من أسماء الله الحسنى، وقد ~~جاء به الكتاب والسنة. # قال الإمام أبو بكر البيهقي في كتابه ((أسماء الله عز وجل وصفاته الواردة ~~في الكتاب والسنة)) في قسم الأسماء التي تتبع إثبات التدبير لله سبحانه دون ~~ما سواه، قال: ومنها الرحمن، الرحيم. قال الله عز وجل: {الرحمن. علم ~~القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان} وقال: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} ~~وقال: {وكان بالمؤمنين رحيما} وقال في فاتحة الكتاب: {الرحمن الرحيم} وقال: ~~{حم تنزيل من الرحمن الرحيم} وقال في فواتح السور [غير التوبة]: بسم الله ~~الرحمن الرحيم. # ثم ذكر البيهقي كلام الخطابي الذي قاله في كتابه في ((الدعاء ومعاني PageV01P145 ~~أسماء الله تعالى)) وهو ما أنبأنا غير واحد منهم أبو الحسن علي بن محمد ابن ~~سعيد بن ريان الطائي، عن زينب ابنة أحمد، أن عبد الخالق بن الأنجب أخبرها ~~كتابة من ماردين، عن أبي الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الهروي، أخبرنا أبو ~~نصر بن أبي طاهر الحداد سماعا، أخبرنا عبد الوهاب بن أبي سهل الأديب، ~~أخبرنا الإمام أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي البستي ~~الشافعي رحمه الله قال: اختلف الناس في تفسير الرحمن ومعناه، وهل هو مشتق ~~من الرحمة أم لا؟ فذهب بعضهم إلى ms054 أنه غير مشتق، واحتج بأنه لو كان مشتقا من ~~الرحمة لاتصل بذكر المرحوم، فجاز أن يقال: الله رحمان بعباده، كما يقال: ~~رحيم بعباده، فلما لم يستقم صلته بذكر المرحوم دل على أنه غير مشتق من ~~الرحمة. قال: ولو كان هذا الاسم مشتقا من الرحمة لم تنكره العرب حين سمعوه، ~~إذ كانوا لا ينكرون رحمة ربهم، وقد حكى الله عنهم الإنكار له والنفور عنه ~~في قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن} الآية. # وزعم بعضهم أنه اسم عبراني، وذهب الجمهور من الناس إلى أنه مشتق من ~~الرحمة مبني على المبالغة، ومعناه: ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها، ولذلك ~~لا يثنى ولا يجمع كما يثنى الرحيم ويجمع، وبناء فعلان في كلامهم للمبالغة، ~~يقال لشديد الامتلاء: ملآن، ولشديد الشبع: شبعان. # ويدل على صحة مذهب الاشتقاق في هذا الاسم حديث عبد الرحمن ابن عوف. # حدثناه أحمد بن عبد الحليم الكريزي وعبد الله بن شاذان الكراني PageV01P146 ~~قالا: حدثنا محمد بن يحيى بن المنذر القزاز، حدثنا حجاج بن المنهال، حدثنا ~~حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، أن أباه عاد أبا الرداد، فقال ~~له أبو الرداد: ما أحد من قومي أوصل لي منك! قال عبد الرحمن: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن ربه عز وجل: ((أنا الرحمن، وهي الرحم شققت ~~لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته ثم أبته)) اللفظ للكريزي. # فالرحمن: ذو الرحمة الشاملة وسعت الخلق في أرزاقهم وأسباب معاشهم ~~ومصالحهم، وعمت المؤمن والكافر والصالح والطالح. وأما الرحيم فخاص ~~للمؤمنين، كقوله تعالى: {وكان بالمؤمنين PageV01P147 ~~رحيما}. # وبالإسناد إلى الخطابي قال: ويقال: إن الرحمن خاص في التسمية، عام في ~~المعنى، والرحيم عام في التسمية، خاص في المعنى. # والذي حكاه الخطابي ولم يسم قائله: هو ما حكاه أبو القاسم الحسن ابن محمد ~~بن حبيب المفسر، عن عبد الرحمن بن يحيى أنه قال: الرحمن خاص في التسمية عام ~~في الفعل، والرحيم عام في التسمية خاص في الفعل. ms055 # وكأن هذا إشارة إلى أن الرحمن اسم من أسماء الله تعالى لا يدعى به غيره، ~~وليس لأحد أن يتسمى به إلا الله، كما دل القرآن على ذلك بقوله تعالى: {قل ~~ادعوا الله أو ادعوا الرحمن}، فهذا خصوصية في التسمية وأما معناه فعام، لأن ~~الرحمن يرحم الراحمين من عباده، وقد روي عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن ~~عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {هل تعلم له سميا} قال: ~~لم يسم أحد الرحمن غيره. PageV01P148 # وأما الرحيم: فعام في التسمية، لقوله تعالى في وصف نبيه صلى الله عليه وسلم ~~: {بالمؤمنين رؤوف رحيم}، وتقول العرب: كن بي رحيما، فهذا العموم في ~~التسمية. # وأما الخصوص في المعنى: فجاء عن عكرمة وغيره أن الرحمن برحمة واحدة، ~~والرحيم بمئة رحمة، إشارة إلى رحمة الرحيم في الآخرة، وأنها هناك مختصة ~~بالموحدين، وإن كانت التسمية بالرحيم في الدنيا غير محظورة، فهو عام في ~~التسمية خاص في المعنى. # والرحمن: يكتب بالألف إلا في البسملة بلا خلاف يكتب بغير ألف، وقيل: يكتب ~~بلا ألف حيث جاء في القرآن، ولا يكتب كذلك فيما سواه إلا بألف. # وهذان الاسمان وهما (الرحمن الرحيم) دالان على رحمة الله التي وسعت كل ~~شيء دنيا وآخرة. # وأصناف رحمة الله تعالى في الدنيا لا تحصر ولا تحصى، وهي في الآخرة أجل ~~وأعظم من أن تستقصى. # قال أيوب بن أبي تميمة السختياني رحمة الله عليه: إن رحمة واحدة قسمها ~~الله تعالى في دار الدنيا، وأصابني منها الإسلام، إني لأرجو من تسع وتسعين ~~رحمة ما هو أكثر من ذلك. # وحكى معناه الإمام شيخ الإسلام أبو زكريا النواوي رحمة الله عليه فقال: ~~قال العلماء: لأنه إذا حصل للإنسان من رحمة واحدة في هذه الدار المبنية على ~~الأكدار: الإسلام والقرآن والصلاة والرحمة في قلبه وغير ذلك مما أنعم الله ~~تعالى به، فكيف الظن بمئة رحمة في الدار الآخرة، وهي دار القرار ودار ~~الجزاء؟! والله أعلم. قاله في ((شرح PageV01P149 ~~صحيح مسلم)). # وهو من أجل مصنفاته التي رفعها الله ms056 وشهرها، وبإخلاصه ونيته الصالحة نفع ~~بها من قرأها أو كتبها أو نظرها. # ولقد كان مصنفها الشيخ محيي الدين على غاية من الزهد والتقوى والورع، ~~ومحبة أهل السنة، ومجانبة أهل البدع، معمور الأوقات بالقرب لله والطاعات، ~~مع إفادته العلم النفيس، وبما يصنعه ويلقنه في التدريس، ولقد درس بهذه ~~الدار دار الحديث حين وليها بعد الشيخ شهاب الدين أبي شامة في سنة خمس ~~وستين وست مئة، وكان رابع من وليها، ولم تزل بيده إلى أن توفي بعد رجوعه من ~~بيت المقدس في شهر رجب سنة ست وسبعين وست مئة ببلده نوى، وبها دفن رحمة ~~الله عليه. # ولم يتناول من معلوم دار الحديث شيئا، وأتي مرة بمعلومها فلم يأخذه وقال: ~~اشتروا به بسطا للمكان، ففعلوا، فكان يجلس على تلك البسط أيام الدروس إلى ~~أن ولي دار الحديث العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد ~~الكافي السبكي، وكان عاشر من وليها، وأول مباشرته إياها كان يوم الأربعاء ~~سابع شهر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، فأخبر خبر تلك البسط، ~~وأن الشيخ محيي الدين النواوي كان يمشي عليها ويجلس، فتبرك السبكي بها: كان ~~يطوف ويصلي عليها وينشد ما أنشدنا أبو اليسر أحمد بن عبد الله بن محمد ~~الأنصاري مشافهة بالإجازة قال: أنشدنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين أبو ~~الحسن علي بن عبد الكافي السبكي من لفظه لنفسه: PageV01P150 # وفي دار الحديث أطلت مكثي ... أطوف في جوانبها وآوي # عسى أني أمس بحر وجهي ... مكانا مسه قدم النواوي PageV01P151 ### | CHECK [المجلس [7]] # [7] بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين # قال الله عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # هذه الآيات الشريفات تبركنا بذكرها في أوائل الدروس الماضيات، مع الكلام ~~على بعض معانيها، والتنبيه على فوائد مما تحويها، والكلام عليها من نيف ~~وخمسين وجها، لأن القرآن لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه. # فمن الوجوه: كيفية نزول ms057 القرآن وما يتعلق بهذا الشأن. # فنزوله كان على أحوال، وفي صفة ذلك أقوال، أحدها: وهو المشهور -وعليه ~~الجمهور- أنه نزل في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا، ثم نزل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم مفرقا. # روينا في كتاب ((فضائل القرآن)) لأبي عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا ~~يزيد -يعني ابن هارون- عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل ~~بعد ذلك في عشرين سنة {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه ~~تنزيلا}، وخرجه الحاكم في ((مستدركه)) وصحح إسناده. PageV01P152 # والقول الثاني: أن القرآن كان ينزل منه من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من ~~كل سنة قدر ما ينزله الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم في تلك ~~السنة، فنزوله من اللوح المحفوظ في عشرين ليلة، كل ليلة منها كانت ليلة ~~القدر، ونزل على النبي صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة. # قال أبو محمد عبد الله بن ثابت بن يعقوب المقرئ القاضي: حدثني أبي، حدثني ~~الهذيل بن حبيب أبو صالح الأزدي، عن مقاتل بن سليمان قال عن القرآن: أنزله ~~الله عز وجل من اللوح المحفوظ إلى PageV01P153 ~~السفرة -وهم الكتبة من الملائكة- في سماء الدنيا، فكان ينزل ليلة القدر من ~~الوحي على قدر ما ينزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم في السنة ~~كلها إلى مثلها من القابل، حتى نزل القرآن كله في ليلة القدر، ونزل به ~~جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة. # والقول الثالث: أن الله عز وجل ابتدأ بإنزال القرآن في ليلة القدر. قاله ~~الشعبي، فيما حكاه أبو الحسن علي بن حبيب الماوردي في ((تفسيره)). # وروينا في كتاب ((فضائل القرآن)) لأبي عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا ~~ابن أبي عدي، عن داود بن أبي هند قال: قلت للشعبي: قوله: {شهر رمضان الذي ~~أنزل فيه القرآن} أما نزل عليه القرآن في سائر السنة ms058 إلا في شهر رمضان؟ ~~قال: بلى، ولكن جبريل عليه السلام كان يعارض محمدا صلى الله عليه وسلم بما ~~ينزل عليه في سائر السنة في شهر رمضان. # تابعه أبو بكر بن أبي شيبة، عن ابن أبي عدي. # وجوز بعضهم في قوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} -مع العلم ~~بنزوله أيضا في غير شهر رمضان-: أن يكون أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ ~~إلى السماء الدنيا في شهر رمضان، وأول نزوله إلى الأرض على النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان في شهر رمضان، وعرضه مع جبريل عليه السلام في شهر رمضان. PageV01P154 # وفي إنزال القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، ثم في إنزاله مفرقا -كما ~~تقدم-: تعظيم لأمر القرآن وأمر من أنزل عليه ذلك بإعلام سكان السموات السبع ~~أن هذا آخر الكتب، المنزل على خاتم النبيين، لأشرف الأمم، قد قربه الله ~~إليهم لينزله عليهم، ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم مفرقا بحسب ~~الوقائع لهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله، ولكن الله تعالى ~~باين بينه وبينها فجمع لنبينا صلى الله عليه وسلم الأمرين: إنزاله جملة، ثم ~~إنزاله مفرقا. # وفيه أيضا إشارة إلى زيادة شرف لنبينا صلى الله عليه وسلم ، لأن كل رسول ~~أنزل الله عليه كتابه جملة واحدة، كما أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء ~~الدنيا، فشارك نبينا صلى الله عليه وسلم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ~~وامتاز عليهم بإنزال القرآن أيضا عليه مفرقا. # ونزول القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا: هل كان بعد ظهور نبوة نبينا ~~عليه أفضل الصلاة والسلام، أم قبل بعثته؟ يحتمل كلا من الأمرين، والظاهر ~~أنه قبلها، ومن فائدته: إعلام الملائكة بقرب ظهور الأمة المحمدية، وإرسال ~~نبيهم خاتم الأنبياء الذي ينزل عليه هذا القرآن، كما PageV01P155 ~~أعلم الله الملائكة بخلق آدم عليه الصلاة والسلام قبل إيجاده، فقال تعالى: ~~{إني جاعل في الأرض خليفة}. # وفي إنزال القرآن جملة ثم نزل مفرقا من الفوائد أيضا: ما أشار الله عز ~~وجل إليه بقوله تعالى جوابا عن مقالة الكفار التي ms059 أخبر الله تعالى بها في ~~قوله عز وجل: {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} فقال ~~تعالى في الجواب: {كذلك} أي نزلناه مفرقا {لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا} ~~أي: لنقوي به قلبك، فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب ~~وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول جبريل إليه وسلامه عليه، ~~وتجديد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة عن ذلك الجناب العظيم الإلهي، ~~فيحدث له بذلك من الخيرات والمسرات، ما تضيق عن تفصيله العبارات، ولهذا ~~-والله أعلم- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقيه جبريل عليه السلام ~~كان أجود بالخير من الريح المرسلة. # واختلف: كم كان بين نزول أول القرآن وآخره على ثلاثة أقوال. # أحدها -وتقدم عن ابن عباس وغيره-: أنه عشرون سنة، وعلى هذا الأكثر. # والثاني: أنه ثلاث وعشرون سنة، وهو الأظهر لي. PageV01P156 # والثالث: أنه خمس وعشرون سنة. # أما مدة نزوله بالمدينة فلا خلاف أنها كانت عشر سنين، وإنما الخلاف فيما ~~نزل بمكة بعد البعثة. # وأول ما نزل بمكة -بل مطلقا- أول سورة: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} نزلت ~~بغار حراء، وهذا أول مرة نزل فيها جبريل عليه السلام على النبي صلى الله ~~عليه وسلم الوحي، ثم نزل بعد ذلك: {يا أيها المدثر. قم فأنذر} وقيل: أول ما ~~نزل: {يا أيها المدثر}. # وقيل: أول ما نزل من القرآن فاتحة الكتاب، ويروى في ذلك عن PageV01P157 ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # ونصر هذا القول لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة بعد البعثة على ~~المشهور ثلاث عشرة سنة، فما يظن أنه في هذه المدة كان يصلي بغير فاتحة ~~الكتاب. والله أعلم. PageV01P158 # وأما آخر ما نزل من القرآن من آياته: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} ~~الآية، كما رويناه في كتاب ((فضائل القرآن)) لأبي عبيد قال: حدثنا حجاج، عن ~~ابن جريج، قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: آخر آية أنزلت من القرآن هي: ~~{واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله}. قال: زعموا ms060 أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مكث بعدها تسع ليال. وبدى به يوم السبت، ومات يوم الاثنين صلى الله ~~عليه وسلم . # وقيل: آخر آية نزلت آيات الربا، وهذا داخل في القول الأول، لأن آخر آيات ~~الربا {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} الآية. قال أبو عبيد -فيما رويناه ~~عنه-: حدثنا عبد الله بن صالح وابن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب ~~قال: آخر القرآن عهدا بالعرش آية الربا وآية الدين. # وقيل آخر آية نزلت آية الكلالة: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} ~~إلى آخرها. PageV01P159 # وقيل: آخر آية نزلت: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} إلى آخر الآيتين. # وكذلك اختلف في آخر سورة نزلت، فصح عن البراء بن عازب رضي الله عنهما ~~قال: آخر سورة نزلت: براءة، وروي ذلك عن أبي الشعثاء والجمهور. # وقيل: آخر سورة نزلت المائدة، وقد جاء حديث مرفوع بذلك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قرأ سورة المائدة في حجة الوداع وقال: ((يا أيها الناس إن آخر ~~القرآن نزولا سورة المائدة، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها)). PageV01P160 # وترتيب الآيات والسور كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بأمره، روينا من ~~حديث ابن عباس رضي الله عنهما، عن عثمان رضي الله عنه قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، ~~فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هذه الآيات في ~~السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وإذا نزلت عليه الآية يقول: ضعوا هذه ~~الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، خرجه الترمذي في ((جامعه)) ~~وحسنه، والحاكم في ((مستدركه)) وصححه. PageV01P161 # وراويه عثمان بن عفان رضي الله عنه كان أحد كتاب الوحي للنبي صلى الله عليه ~~وسلم . فكتابه من الصحابة رضي الله عنهم: الخلفاء الأربعة، وأبي بن كعب ~~-وهو أول من كتب للنبي صلى الله عليه وسلم - وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي ~~سفيان -وهما كانا مداومين على الكتابة- وحنظلة بن الربيع الأسيدي، وخالد ms061 بن ~~العاصي بن هشام بن المغيرة، وأبان بن سعيد بن العاصي بن أمية، والعلاء بن ~~عبد الله الحضرمي، والسجل، وخبره PageV01P162 ~~لا يثبت، قيل: وهو المراد في قوله تعالى: {يوم نطوي السماء كطي PageV01P163 ~~السجل للكتب}. والمشهور من الكتاب، المذكورون قبله رضي الله عنهم. # وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي رحمة الله عليه: واعلم أن ~~القرآن كان مجموعا كله في صدور الرجال أيام حياة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، ومؤلفا هذا التأليف الذي نشاهده ونقرؤه إلا سورة براءة، فإنها كانت ~~من آخر ما نزل من القرآن ولم يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ~~موضعها من التأليف حتى خرج من الدنيا، فقرنها الصحابة بالأنفال، وبيان ذلك ~~في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قلت لعثمان رضي الله عنه: ما حملكم ~~على أن عمدتم إلى براءة -وهي من المئين- وإلى الأنفال PageV01P164 ~~-وهي من المثاني- فقرنتم بينهما ولم تجعلوا بينهما سطرا في بسم الله الرحمن ~~الرحيم ووضعتموها في السبع الطول؟ فقال عثمان: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان ينزل عليه من السور التي يذكر فيها كذا وكذا، فإذا أنزلت عليه ~~الآيات يقول: ضعوا هذه الآيات في موضع كذا وكذا، فإذا نزلت عليه السورة ~~يقول: ضعوا هذه في موضع كذا وكذا، وكانت الأنفال أول ما أنزل عليه ~~بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها تشبه قصتها، فقبض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين أمرها، فظننت أنها منها، فمن أجل ~~ذلك قرنت بينهما ولم أجعل بينهما سطرا فيه بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتها ~~في السبع الطول. # قال البيهقي: وفيما روينا من الأحاديث المشهورة في ذكر من جمع القرآن من ~~الصحابة رضي الله عنهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ما روينا ~~عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: كنا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف ~~القرآن، ثم ما روينا في كتاب السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ~~صلاة كذا ms062 PageV01P165 ~~بسورة كذا: دلالة على صحة ما قلناه، إلا أنه كان مثبتا في صدور الرجال، ~~مكتوبا في الرقاع واللخاف والعسب، وأمر أبو بكر رضي الله عنه حين استحر ~~القتل بقراء القرآن يوم اليمامة بجمعه من مواضعه في صحف، ثم أمر عثمان بن ~~عفان رضي الله عنه حين خاف الاختلاف في القراءة بتحويله منها إلى مصاحف، مع ~~بذل المجهود في معارضة PageV01P166 ~~ما كان في الصحف بما كان مثبتا في صدور الرجال، وذلك كله بمشورة من حضر من ~~علماء الصحابة، وارتضاه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وحمد أثره فيه. ~~والله يغفر لنا ولهم. # ويشبه أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما لم يجمعه في مصحف واحد ~~لما كان يعلم من جواز ورود النسخ على أحكامه ورسومه، فلما ختم الله دينه ~~بوفاة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وانقطع الوحي قيض لخلفائه الراشدين عند ~~الحاجة إليه جمعه بين الدفتين. وقد أشار أبو سليمان الخطابي رحمه الله إلى ~~جملة ما ذكرناه، وذكره أيضا غيره من أئمتنا، والأخبار المشهورة ناطقة بجميع ~~ذلك، والحمد لله على ظهور دينه ووضوح سبيله. قاله البيهقي في كتابه ~~((المدخل إلى السنن)). # هذا مما أشير به إلى ترتيب القرآن في المصحف. # أما ترتيب نزوله: فلم يكن كترتيبه في المصحف، ونزوله على نيف وعشرين وجها. # فمنه ما نزل بمكة، وعدد السور المكيات أربع وثمانون سورة، -أولها كما ~~تقدم على الأكثر- {اقرأ باسم ربك الذي خلق}، وآخرها في قول ابن عباس رضي ~~الله عنهما: سورة العنكبوت، وفي قول الضحاك ابن مزاحم، وعطاء بن أبي رباح: ~~المؤمنون. PageV01P167 # هذا من أنواع علوم القرآن الذي بعث نبينا صلى الله عليه وسلم بتعليمه، كما ~~قال تعالى في الآية: {ويعلمهم الكتاب والحكمة}. وكلما تدبر القرآن وأثير ~~ثارت علومه، وأبرزها منطوقه ومفهومه. روينا من حديث سفيان الثوري رحمة الله ~~عليه، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إذا ~~أردتم العلم فأثيروا القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين. # و(الحكمة) المذكورة في الآية: ms063 هي السنة النبوية التي تلقاها خير القرون ~~المشار إليهم في الآية الشريفة بقوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين}. # والمؤمنون في هذه الآية الشريفة صحابة وغير صحابة، وأفضل القسمين ~~الصحابة، وعنهم أخذ دين الإسلام، وقامت شرائع الأحكام، والصحابة على أقسام ~~وطبقات، كما أن التابعين في درجات، أعلاهم المخضرمون، لكن وقع لنا مسلم روى ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم سماعا منه مشافهة ورؤية له، وليست له صحبة!. PageV01P168 ### | CHECK [المجلس [8]] # [8] بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # علوم القرآن التي اشتمل عليها كثيرة، ومعانيها المستنبطة منها خطيرة، ~~والعلوم في القرآن إما مفصلة، وإما مجملة، نصا أو دلالة، ومأخذ علومه تارة ~~تؤخذ من منطوقه نصا، وتارة تؤخذ من مفهومه دلالة .. وإلحاقا للفروع ~~بالأصول. # وهذه الآيات فيها علوم كثيرة، ومأخذها من المنطوق ومن المفهوم. # فمن الأول: الإشارة إلى كرم الله سبحانه وتعالى وأنه يعطي من يشاء من ~~عباده بلا سؤال، بل بمجرد من وإفضال منه سبحانه على المؤمنين ببعثة هذا ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ، إلى غير ذلك من العطايا المصرح بها في هذه ~~الآيات مفصلة ومجملة. # ومن مفهوم الآيات: اقتضاء شكر الله تعالى على نعمه، إذ من لازم تذكير ~~الله عباده بنعمه عليهم أن يشكروه، كما جاء التذكير مصرحا به في غير ما ~~آية، منها قوله تعالى: {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق ~~غير الله يرزقكم من السماء والأرض}. # ولا يتوصل إلى شكر النعم إلا بذكرها، وبحصول العلم القطعي أنها من الله ~~عز وجل، قال الله تعالى: {وأما بنعمة ربك فحدث} وقال عز وجل: {وما بكم من ~~نعمة فمن الله}. PageV01P169 # روينا في ((كتاب الشكر)) لابن أبي الدنيا من حديث القاسم بن محمد، عن عائشة ~~رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أنعم الله على عبد ~~نعمة فعلم أنها ms064 من عند الله إلا كتب الله له شكرها)) الحديث. # وعن الحسن البصري قال: أكثروا ذكر هذه النعم، فإن ذكرها شكر. # وعن عمر بن عبد العزيز قال: ذكر النعم شكرها. # وعن أبي عبد الرحمن الشامي، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير رضي الله ~~عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((التحدث بالنعم شكر وتركها ~~كفر، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، ~~والجماعة بركة، والفرقة عذاب)) ورواه بنحوه عبد الله بن الإمام أحمد من ~~((زوائده في مسند أبيه)). PageV01P170 # فالتحدث بالنعم والعلم بأنها من الله عز وجل: ركنان من أركان الشكر. والشكر ~~نصف الإيمان، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: الإيمان نصفان: نصف ~~صبر، ونصف شكر. وروي أيضا عن PageV01P172 ~~الشعبي من قوله. # وجاء مرفوعا في ((مسند الفردوس)) لأبي منصور الديلمي من طريق يزيد ~~الرقاشي -وهو متروك- عن أنس رضي الله عنه. # وقد جمع الله سبحانه وتعالى بينهما في قوله تعالى: {إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور} في أربع سور من القرآن: # في سورة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قال الله عز وجل: {ولقد أرسلنا ~~موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ~~ذلك لآيات لكل صبار شكور}. # وقال تعالى في سورة لقمان عليه السلام: {ألم تر أن الفلك تجري PageV01P173 ~~في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور}. # وقال تعالى في سورة سبأ: {فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك ~~لآيات لكل صبار شكور}. # وقال تعالى في سورة الشورى: {ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ ~~يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور}. # فالصبر والشكر هو الإيمان، لأن جميع ما يباشره العبد في هذه الدار لا ~~يخرج عن حصول أمر إما ينفعه في الدنيا والآخرة، وإما يضره فيهما، وإما ~~ينفعه في أحد الدارين ويضره في الأخرى، وأشرف الأقسام أن يفعل العبد ما ~~ينفعه ms065 في الآخرة ويترك ما يضره فيها. وهذا حقيقة الإيمان. ففعل ما ينفعه هو ~~الشكر، وترك ما يضره هو الصبر. # والشكر والصبر متلازمان، لكن اختلف أيهما أفضل: مقام الشكر أو مقام ~~الصبر؟ على ثلاثة أقوال، الثالث: أنهما سواء. # ومن الأدلة على تفضيل الشكر على الصبر: أن الله عز وجل قرن ذكره الذي هو ~~المراد من خلقه بشكره فقال تعالى: {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا ~~تكفرون}. PageV01P174 # وقد أخبر سبحانه أنه إنما يعبده من يشكره، فمن لم يشكره لم يكن من أهل ~~عبادته، فقال تعالى: {واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} وجعل سبحانه وتعالى ~~الشكر هو الغاية التي خلق عباده لأجلها، فقال تعالى: {والله أخرجكم من بطون ~~أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون}. # ومن الأدلة على تفضيل الشكر: أنه مراد لنفسه، والصبر مراد لغيره، وإنما ~~حمد الصبر لإفضائه وإيصاله إلى الشكر، فهو بمنزلة الخادم للشكر. # وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم حتى تفطرت قدماه فيقال له: ~~قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيقول: ((أفلا أكون عبدا شكورا)). # ولو لم يكن من فضل الشكر إلا أن النعم به موصولة، والمزيد لها مرتبط به ~~لكان كافيا، ولهذا كانوا يسمون الشكر (الحافظ) ويسمونه (الجالب)، فهو حافظ ~~للموجود من النعم، جالب للمفقود منها بالمزيد، وقالوا: الشكر يقيد النعم ~~الموجودة، ويصيد النعم المفقودة. # وقد روينا من حديث عبد الله بن صالح قال: حدثنا أبو زهير يحيى ابن عطارد ~~القرشي، عن أبيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا يرزق الله عبدا ~~الشكر فيحرمه الزيادة، لأن الله تعالى يقول: {لئن شكرتم PageV01P175 ~~لأزيدنكم}. # والشكر أحد نوعي حقوق الله على عباده، فإن لله تعالى على عبده نوعين من ~~الحقوق لا ينفك عنهما العبد. # أحدهما: أمر الله ونهيه، وذلك محض حقه سبحانه على عباده. # والثاني: شكر الله على نعمه التي أنعم بها عليهم. # وهو سبحانه يطالب عباده بالقيام بطاعته في أمره ونهيه، ويطالبهم بشكر نعمته. # فمن طالع شهود ms066 الواجب عليه لا يزال يشهد تقصيره وتفريطه، وأنه محتاج إلى ~~عفو الله ومغفرته، فإن لم يتداركه بذلك هلك، وكلما كان العبد أفقه في دين ~~الله كان شهوده للواجب عليه أتم، وشهوده لتقصيره أعظم. PageV01P176 # ومن طالع شهود نعم الله عليه لم يدع له رؤية حسنة من حسناته أصلا، ولو عمل ~~من الصالحات أعمال الثقلين، فإن نعم الله عليه أكثر، وأدنى نعمة من نعم ~~الله تستغرق جميع أعماله. # وفي كتاب ((الشكر)) لابن أبي الدنيا عن وهب بن منبه قال: عبد الله تعالى ~~عابد خمسين عاما، فأوحى الله تعالى إليه: أني قد غفرت لك! قال: يا رب وما ~~تغفر لي ولم أذنب؟! فأذن الله لعرق في عنقه فضرب عليه، فلم ينم ولم يصل، ثم ~~سكن فنام، فأتاه ملك فشكا إليه فقال: ما لقيت من ضربان العرق؟! فقال الملك: ~~إن ربك يقول: عبادتك خمسين سنة تعدل سكون ذا العرق. # وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو أيوب القرشي مولى بني هاشم قال: قال داود ~~عليه الصلاة والسلام: رب أخبرني ما أدنى نعمك علي، فأوحى الله تعالى إليه: ~~يا داود تنفس، فتنفس، قال: هذا أدنى نعمي عليك. # وقال أحمد بن أبي الحواري: قالت لي امرأة: أنا في شيء قد شغل قلبي، قلت: ~~وما هو؟ قالت: أريد أن أعرف نعمة الله علي في طرفة عين، أو أعرف تقصيري عن ~~شكر النعمة على طرفة عين، فقلت: تريدين ما لا تهتدي إليه عقولنا. # ومعنى الشكر: الثناء على المحسن بما أولاكه من معروف. قاله الجوهري في ~~((صحاحه)) يقال: شكر له النعمى شكرا وشكرانا، عرف النعمى للمنعم فأظهرها، ~~ولا يكادون يقولون شكرتك، وباللام أفصح. # وقيل: الشكر الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع. PageV01P177 # وقيل: الشكر مشاهدة المنة، وحفظ الحرمة، والقيام بالخدمة. # وقيل: شكر النعمة: أن ترى نفسك فيها طفيليا. # وروي نحوه عن الجنيد رحمة الله عليه أنه قال: الشكر أن لا ترى نفسك ~~للنعمة أهلا. # وقيل: الشكر معرفة العجز عن الشكر. # وفرقوا بين الشاكر والشكور، فقيل: الشاكر الذي يشكر على الموجود، والشكور ms067 ~~الذي يشكر على المفقود. # وقيل: الشاكر على العطاء، والشكور على البلاء. # وأما الشكور في أسماء الله تعالى ففسر بأنه المجازي بالجزيل على القليل، ~~والمثني على المطيع في الملأ الرفيع، كمباهاته الملائكة بالحاج وغيره. # وقد جاء الخلاف في الحمد والشكر في أمرين: # أحدهما: هل معناهما واحد، أو لكل معنى؟ PageV01P178 # وعلى الأول طائفة، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الحمد هو ~~الشكر لله، والاستخذاء لله، والإقرار بنعمته وهدايته وابتدائه -يعني ~~بالنعم- وغير ذلك. # والثاني عليه الجمهور، وصحح، لأن الحمد: ثناء على المحمود بصفاته الجميلة ~~وأفعاله الحسنى، والشكر: ثناء على المحسن بما أولى من الإحسان. # والأمر الثاني: في العموم والخصوص بين الحمد والشكر. # فقيل: الحمد أعم من الشكر، كما تقدم في معنى الفرق بينهما، وقيل: الشكر ~~أعم، لأن الحمد باللسان. قال الله عز وجل: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ~~ولدا}، والشكر بالقول وسائر الأعمال. قال الله عز وجل: {اعملوا آل داود ~~شكرا}، وقيل كل منهما أعم من وجه وأخص من آخر، وهذا ظاهر، لأن الشكر أخص ~~بالأفعال، لأنه لا يكون إلا على إحسان للشاكر من المشكور. # والحمد أخص بالأقوال، لقول كل من المنعم عليه والمبتلى: الحمد لله، ولا ~~يقع الشكر إلا ممن أولاه المشكور إحسانا. # وسبب الحمد أعم من سبب الشكر، لأن ما يحمد عليه الرب تبارك وتعالى أعم ~~مما يشكر عليه، فإنه سبحانه يحمد على أسمائه وصفاته وأفعاله ونعمه، ويشكر ~~سبحانه على نعمه، فكان سبب الحمد أعم. # ومتعلق الشكر وما به: أعم مما به الحمد، فالحمد يطلق على القول، لأن الله ~~سبحانه وتعالى يحمد بالقلب واللسان، والشكر يطلق على القول PageV01P179 ~~والفعل جميعا، لأن شكر الله تعالى يتعلق بالقلب واللسان وبقية الجوارح، ~~فالقلب لمعرفة الله ومحبته وتوحيده، واللسان للثناء عليه وحمده وتمجيده، ~~والجوارح في استعمالها بطاعة الله وكفها عن معاصيه. وأنشد بعضهم: # أفادتكم النعماء عندي ثلاثة ... يدي، ولساني، والضمير المحجبا # ولو قال: # أفادتني النعماء شكرا لفضلكم ... بقلبي ونطقي والجوارح مرسلا # وتوفيقكم للشكر يلزم شكره ... كذا كل شكر بعده متسلسلا ms068 # وما ثم إلا العجز عن شكر ربنا ... كما ينبغي سبحانه متفضلا # كان أجود في الكلام، وأمجد لله الملك العلام. # فالشكر من وجه متعلقه أعم. والشكر -كما قدمناه- واجب بحسب الشرع، حسبما ~~قام الدليل عليه نقلا وعقلا. # فمن المنقول: قول الله عز وجل: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}. نفى ~~الله تعالى التعذيب مطلقا إلى بعثة الرسول، فلو كان الشكر واجبا بحسب العقل ~~لعذب الله تاركه قبل الشرع، لكنه بمقتضى الآية الشريفة لا يعذبه الله حتى ~~تقام عليه الحجة ببعثة الرسول. والله أعلم. # وأما الدليل على ذلك عقلا: فلأن شكر المنعم لو وجب عقلا، فلا يخلو إما أن ~~يكون لغير فائدة، أو لا. وعلى الأول: يلزم العبث، وهو غير جائز عقلا. # وإما أن يكون لفائدة: إما للمشكور -وهو باطل قطعا- لتعالي الله سبحانه عنها. # وأما للشاكر: وعلى هذا: فلا يخلو: إما أن تكون الفائدة في الدنيا، فذلك ~~مشقة بلا حظ، أو في الآخرة: فلا استقلال للعقل في الآخرة. والله أعلم. PageV01P180 # وللشكر فوائد عظيمة منها: # التوفيق له، وهو أحد أنواع النعم، ولهذا جاء الحديث بالدعاء للإعانة عليه ~~من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ومن الوصية به. # أخبرنا أبو هريرة عبد الرحمن بن محمد بن الذهبي بقراءتي عليه، أخبرنا ~~يحيى بن محمد بن سعد، أخبرنا الحسن بن يحيى بن الصباح إجازة، أخبرنا عبد ~~الله بن رفاعة سماعا، أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسن القاضي، أخبرنا القاضي ~~أبو الحسن الخصيب بن عبد الله بن محمد بن الخصيب إملاء، حدثنا عبد الله بن ~~الحسن بن أحمد بن أبي شعيب، حدثنا خالد بن يزيد المكي، حدثنا ابن أبي ذئب، ~~عن صفوان ابن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من قال: اللهم أعني على شكرك وذكرك ~~وحسن عبادتك: فقد اجتهد في الدعاء)). # وأنبأنا الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله المقدسي قال: أخبرتنا زينب ابنة ~~الكمال أحمد بن عبد الرحيم بقراءتي عليها، عن ms069 عبد الرحمن ابن مكي، عن أبي ~~طاهر أحمد بن محمد الحافظ. وقالت زينب: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الفهم ~~اليلداني إجازة أيضا، عن الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد سماعا، أخبرنا أبو ~~طاهر الحافظ سماعا، أخبرنا أبو طالب أحمد بن أبي هاشم الكندلاني، أخبرنا ~~أبو سعيد محمد ابن علي النقاش، أخبرنا عبد الله بن منصور بن محمد الكاغدي PageV01P181 ~~بنيسابور، حدثنا إبراهيم بن محمد بن هجمويه النصراباذي، حدثنا أحمد ابن ~~عاصم المصري الحافظ، حدثنا جعفر بن سليمان النوفلي، حدثنا عتيق بن يعقوب، ~~حدثنا عبد الله ومحمد ابنا المنذر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي ~~الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أحب أن يجتهد في الدعاء ~~فليقل: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)). # وقال شيخنا الحافظ أبو بكر أيضا: أخبرنا أبو بكر بن أحمد الضرير، قراءة ~~عليه وأنا أسمع في محرم سنة ثمان عشرة وسبع مئة، أخبرنا محمد ابن إبراهيم ~~بن مسلم قراءة عليه وأنا حاضر في الخامسة، أخبرتنا شهدة ابنة أحمد الكاتبة ~~سماعا، أخبرنا أحمد بن عبد القادر بن محمد اليوسفي، أخبرنا أبو القاسم عبد ~~الرحمن بن عبيد الله الحرفي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه، أخبرنا ~~أبو بكر عبد الله بن محمد القرشي، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا أبو ~~معاوية وجعفر بن عون، عن هشام بن عروة، عن ابن المنكدر قال: كان من دعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم : ((اللهم أعني على شكرك وذكرك وحسن عبادتك)). # وأخبرنا أبو هريرة عبد الرحمن ابن الذهبي قراءة عليه وأنا أسمع، أخبرنا ~~يحيى بن محمد بن سعد، أخبرنا جعفر بن علي المقرئ قراءة PageV01P182 ~~عليه وأنا في الخامسة، وأبو الحسن علي بن محمود ابن الصابوني وآخرون إجازة ~~قالوا: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد الحافظ سماعا، أخبرنا أبو عبد الله ~~القاسم بن الفضل، حدثنا أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن جعفر القاضي ~~إملاء في جمادى الأولى سنة تسع وأربع مئة، أخبرنا أبو محمد ms070 عبد الله بن ~~جعفر بن أحمد بن فارس، حدثنا محمد بن محمد بن صخر، حدثنا أبو عبد الرحمن ~~عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حيوة، عن عقبة بن مسلم، عن أبي عبد الرحمن، ~~عن الصنابحي، عن معاذ رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوما: ((يا معاذ والله إني لأحبك)) فقلت: بأبي أنت وأمي وأنا والله ~~أحبك، قال: ((يا معاذ لا تدعن أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك ~~وشكرك وحسن عبادتك)). # قال: فأوصى بذلك معاذ الصنابحي، وأوصى به الصنابحي أبا عبد الرحمن، وأوصى ~~به أبو عبد الرحمن عقبة بن مسلم. # وأخبرنا الشيوخ المسندون: أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن عثمان بن ~~محمد بن محمد بن محمد المعظمي، وأبو العباس أحمد بن أبي العز بن أحمد بن ~~أبي العز الثوري، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد الصوفي بقراءتي عليهم متفرقين ~~قالوا: أخبرنا أحمد ابن الشحنة أبي طالب، والعفيف إسحاق بن يحيى الآمدي، ~~قال الأول: أنبأنا جعفر بن علي المقرئ، وعبد الله بن عمر العتابي قال جعفر: ~~أخبرنا أحمد بن محمد الحافظ سماعا، وقال العتابي: أخبرنا أبو علي الحسن بن ~~جعفر قراءة عليه ونحن نسمع، قال هو والحافظ: أخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن ~~الباقلاني، أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد البرقاني. # وقال الآمدي: أخبرنا يوسف بن خليل الحافظ، أخبرنا أبو سعيد PageV01P183 ~~خليل بن أبي الرجاء الراراني، وأبو الحسن مسعود بن أبي منصور قالا: أخبرنا ~~أبو علي الحسن بن أحمد الحداد، أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، قال هو ~~والبرقاني: أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر البندار، حدثنا ابن أبي العوام، ~~حدثنا أبو عاصم، حدثنا حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، عن أبي عبد الرحمن ~~الحبلي، عن الصنابحي، عن معاذ رضي الله عنه قال: لقيني النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخذ بيدي فقال: ((يا معاذ إني أحبك)) قلت: يا رسول الله وأنا والله ~~أحبك، قال: ((أفلا أوصيك بكلمات تقولهن ms071 في دبر كل صلاة! قل: رب أعني على ~~ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)). # تابعه أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي قال: حدثنا محمد بن أحمد ابن أبي ~~العوام، حدثنا الضحاك بن مخلد، فذكره. # وحدث به أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي في ((معجم الصحابة)) عن علي ~~بن مسلم، عن أبي عاصم النبيل. # وخرجه الإمام أحمد بن حنبل في ((مسنده)) عن عبد الله بن يزيد المقرئ، ~~وخرجه أبو داود في ((سننه)) عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة -هو القواريري- ~~عن عبد الله بن يزيد المقرئ، وخرجه النسائي في ((سننه)) عن يونس بن عبد ~~الأعلى، عن ابن وهب، كلاهما عن حيوة بن شريح بنحوه. # وخرجه أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبو حاتم محمد بن حبان في ~~صحيحيهما وهو في ((مستدرك الحاكم)) وقال: صحيح على شرط الشيخين. # ورواه أبو بكر أحمد بن محمد ابن السني في كتابه ((عمل اليوم والليلة)) ~~فقال: أخبرني محمد بن محمد الباهلي، حدثنا الحسن بن حماد، حدثنا يحيى بن ~~يعلى -يعني القطواني- عن حيوة بن شريح -هو PageV01P184 ~~أبو زرعة المصري- فذكره. # ورويناه من طرق غير ما ذكر. # والصنابحي راويه عن معاذ هو أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة بن عسل بن ~~عسال المرادي، منسوب إلى صنابح بن زاهر، بطن من مراد، رحل من اليمن إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلم يدركه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبض ~~والصنابحي قد وصل إلى الجحفة فقدم المدينة بعد خمسة أيام من وفاة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، فهو تابعي ووقعت روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~((سنن ابن PageV01P185 ~~ماجه)) فهي مرسلة. # شهد الصنابحي فتح مصر، ونزل دمشق، وبها توفي رضي الله عنه. PageV01P186 # ومما قلته في معنى الحديث نظما، نجعله لما ذكرناه ختما، وهو: # أوصيكم بالذكر يا إخوتاه ... ذكر الإله الحق فيه النجاة # خصوصا المأثور فهو الذي ... قبوله يرجى لمن قد رجاه # ومنه ما أوصى معاذا به ... نبينا صلى عليه الإله # بدعوة جامعة للغنى ... يدعو بها الرحمن ms072 دبر الصلاة # إعانة الرب على ذكره ... وشكره مع حسن فرض قضاه # فادعوا بهن الله فهو الذي ... يعطي ولا يمنع عبدا دعاه # سبحانه من ماجد واجد ... رب الورى لا رب حقا سواه # آخره، ولله الحمد # وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم PageV01P187 ### | CHECK [المجلس [9]] # [9] بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى # قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}. # في هذه الآية الشريفة معان عظيمة وحكم لطيفة، منها: أن الله تعالى ذكر ~~عباده نعمه وإحسانه، وعرفهم ببعض الآية امتنانه، كما ذكر ذلك في آيات كثيرة ~~من القرآن، ليشكروه على ما أنعم، وليعبدوه كما أمر وعلم، وليبعثهم ذكر نعمه ~~على محبته -والله أعلم- لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها. # ومن الآيات المشار إليها قوله تعالى: {الله الذي جعل لكم الأرض قرارا، ~~والسماء بناء، وصوركم فأحسن صوركم، ورزقكم من الطيبات} الآية. # ومنها: هذه الآية الشريفة: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا ~~من أنفسهم}. وهذه النعمة التي امتن الله بها على المؤمنين، وأحسن إليهم ~~أجمعين، أعظم نعمة أنعم بها عليهم، لأن نعم الله الظاهرة دائرة بين أمرين: # أحدهما: يتعلق بأمور الدنيا. # والثاني: بأمور الدين. # ويرجعان إلى المبدأ والمعاد، ولم يحصل العلم بذلك، وكيفية العمل بما شرع ~~أمرا ونهيا وغير ذلك، إلا من جهة نبينا محمد عليه PageV01P188 ~~أفضل الصلاة والسلام؛ فلولاه ما عرف الهدى من الضلال، ولا الحرام من ~~الحلال، ولا قواعد العقائد أصلا وفرعا، ولا شعائر الشرائع نقلا وشرعا، ولا ~~أمر المعاد وما فيه من الأخطار: كالحشر والنشر، والجزاء والقصاص، والجنة ~~والنار، وكيف طريق السلامة في الدنيا، والنجاة يوم القيامة، مما بينه النبي ~~صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة، فأي نعمة أعظم من بعثة هذا النبي، نبي ~~الرحمة، الذي عرف كل ذلك من قبله واعتمد عليه، وحصلت سلامة المؤمنين ~~ونجاتهم على يديه؟! # ولعظم هذه النعمة التي هي ms073 أجل الإنعام، أخبر الله تعالى عنها مؤكدة ~~باللام فقال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم}، ولم يذكر سبحانه اسما من أسمائه الحسنى في هذه الآية سوى هذا ~~الاسم الشريف وهو (الله) إشارة -والله أعلم- إلى أنه لما كان قدر هذا ~~الرسول عظيما ذكر مرسله سبحانه اسمه الأعظم الدال على العظمة حين ذكر منه ~~ببعثته في المؤمنين رسوله محمدا، كما قال في الآية الأخرى: {محمد رسول ~~الله، والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم}. # وأيضا أهل الملل الذين يعتقدون الصانع، وأنه الله، يعلمون أن النعم كلها ~~من الله، فذكر الرب سبحانه عند ذكر نعمته ببعثة رسوله محمد صلى الله عليه ~~وسلم اسمه الذي هو (الله) ليعلم المؤمن والكافر أن بعثة هذا الرسول من نعم ~~الله الذي جميع النعم منه. قال الله عز وجل: # {قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم؟ سيقولون: الله، قل أفلا ~~تتقون. قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون؟ ~~سيقولون: الله، قل فأنى تسحرون. بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون. ما اتخذ ~~الله من ولد وما كان معه من إله، إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض، سبحان الله عما يصفون. عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون}. PageV01P189 # وهذا الاسم الشريف وهو (الله) أول أسماء الله الحسنى ذكرا، وأجمعها ~~للمعاني، وأدلها على الإلهية، وأثبتها للربوبية، ولم يسم به أحد سوى الله. # قبض الله تعالى القلوب عن التجاسر على إطلاق هذا الاسم الشريف على غيره ~~سبحانه، فلم يطلق على أحد سواه، لا من قبل ولا من بعد، مع كثرة أعداء ~~الدين، ومعارضة بعضهم للقرآن. # والعلماء مختلفون هل هو مشتق، أو هو كالأسماء الأعلام موضوع غير مشتق؟ ~~على قولين. # فكثير من الأئمة الورعين ألجمتهم هيبة هذا الاسم وعظمته عن التماس علم ~~اشتقاقه من لغة العرب، وأجمعوا على تعظيمه بالاتفاق. # وعن أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي روايتان، إحداهما: ~~أنه اسم علم غير مشتق، ولا ms074 يجوز حذف الألف واللام منه، كما يجوز من الرحمن ~~الرحيم. # وهذه أشهر الروايتين عن الخليل، وقد بلغنا أنه رئي في المنام بعد موته ~~فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بقولي في اسم الله تعالى إنه غير مشتق. # وقال أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج: وأكره أن أذكر جميع PageV01P190 ~~ما قال النحويون في اسم الله جل وعز أعني قوله (الله) تنزيها لله جل وعز. ~~قاله في كتابه ((معاني القرآن)) ولم يتعرض لشيء من الكلام في اشتقاقه. # ولما حكى البيهقي في كتابه ((الأسماء والصفات)) القولين في اسم الله عز ~~وجل، والأقوال عن القائلين بالاشتقاق، قال: وأحب هذه الأقاويل إلي قول من ~~ذهب إلى أنه اسم علم، وليس بمشتق كسائر الأسماء المشتقة، والدليل على أن ~~الألف واللام من بنية هذا الاسم ولم يدخلا للتعريف: دخول حرف النداء عليه ~~كقولك: يا الله، وحرف النداء لا يجتمع مع الألف واللام للتعريف، ألا ترى ~~أنك لا تقول: يا الرحمن، ولا يا الرحيم كما تقول يا الله، فدل أنهما من ~~بنية الاسم، والله أعلم. انتهى قول البيهقي. # وعند أكثر العلماء أن اسم الله الأعظم هو (الله). PageV01P191 # قال جابر بن زيد: اسم الله الأعظم هو الله، ألم تروا أنه يبدأ به في القرآن ~~قبل الأسماء كلها. # وقال وكيع بن الجراح: رأيت رجلا في المنام له جناحان، قلت: من أنت؟ قال: ~~ملك، قلت: ما اسم الله الأعظم؟ قال: الله، قلت: وما بيان ذلك؟ قال: قوله ~~لموسى: {إنني أنا الله} ولو كان اسم أعظم منه لقاله له. # وخرج أبو نعيم الأصبهاني في كتابه ((حلية الأولياء))، وأبو الحسن علي بن ~~جهضم في كتابه ((بهجة الأسرار)) -واللفظ له- من طريق أحمد بن أبي الحواري، ~~حدثني أبو اليمان الحمصي قال: كان لنا شيخ يقال: إنه كان يعرف اسم الله ~~الأعظم، فأتيته فقلت له: يا عم قد بلغني أنك تعرف اسم الله الأعظم، فقال: ~~يا ابن أخي أتعرف قلبك؟ قال: قلت: نعم. فقال: إذا رأيته قد أقبل، وخشع ورق، ~~ودمعت عينك فاسأل ms075 الله عند ذلك حاجتك، فهو اسم الله الأعظم. # قلت: إن أنعمت النظر في هذا الأثر، وجدت الشيخ المسئول قد صرح لأبي ~~اليمان، بالاسم الأعظم العظيم الشان، ويكفيك من التفسير، PageV01P192 ~~النظر إلى الضمير، لكنه ورى -والله أعلم- بالكلام الذي قدم، غيرة منه على ~~كشف الاسم الأعظم. # ولهذا الاسم الشريف من الخصائص اللفظية والمعنوية مالا يحصى، وقد افتتحت ~~به البسملة أول القرآن العظيم في قوله تعالى: {بسم الله الرحمن الرحيم}. # ذكر بعض المفسرين أنه لما نزل قوله تعالى: {بسم الله} وقع الخلق في الفزع ~~والهيبة، فلما نزل قوله تعالى: {الرحمن الرحيم} استقروا وسكنوا، وذاك لأن ~~من معاني اسم الله الجلال والعظمة، ومعنى الرحمن الرحيم، رحمة الله التي ~~عمت الخلق في الدنيا، وتعمهم في الآخرة. قال الله عز وجل: {ورحمتي وسعت كل ~~شيء} فهي في الدنيا عامة، وفي الآخرة تختص الرحمة بالمؤمنين. # وجاء ذكر رحمة الرحمان في أحاديث، منها الحديث السابق ذكره الذي رويناه ~~من طرق خمسة، وهذه طريق سادسة: # أخبرنا الشيخ عبد الرحمن بن محمد القنواتي المتقن، وهو أول حديث سمعته ~~منه يوم جمعة بمنزلي، أخبرنا محمد بن أحمد الفارقي، وهو أول حديث سمعته منه ~~وأنا شاهد، أخبرنا علي بن أحمد الغرافي بالثغر، وهو أول حديث سمعته منه، ~~أخبرنا محمد بن أحمد البغدادي من القطيعة، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا ~~أبو الحسين عبد الحق ابن يوسف، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا جعفر بن ~~أحمد، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا عبيد الله بن سعيد البكري، وهو أول ~~حديث سمعته منه، أخبرنا حمزة بن أبي محمد بنيسابور، وهو أول PageV01P193 ~~حديث سمعته منه بقراءتي عليه، أخبرنا أحمد بن محمد البلالي، وهو أول حديث ~~سمعته منه سنة ثلاثين ومائتين، حدثنا عبد الرحمن بن بشر العبدي، وهو أول ~~حديث سمعته منه، حدثنا سفيان بن عيينة، وهو أول حديث سمعته من سفيان بن ~~عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن العاصي، ~~عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، ms076 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~((الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في ~~السماء)). # هذا أحد الوجوه الثلاثة التي روي هذا الحديث عليها: ((الراحمون يرحمهم ~~الرحمن))، والثاني: ((يرحمهم الله))، والثالث: ((يرحمهم الرحيم)). والمشهور الأول. # وقد تقدم بعض الكلام على سنده وعلى متنه. # ومن الأول أيضا: أن الحديث يدخل في باب (المزيد في متصل الأسانيد) لأنا ~~رويناه من طريق أبي سعيد أحمد بن محمد ابن الأعرابي، حدثنا الحسن بن محمد ~~الزعفراني، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي قابوس، عن ابن لعبد الله بن عمرو، ~~عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكره. # فقوله ((عن ابن لعبد الله)): هو زيادة رجل مبهم، فيدخل الحديث في نوع ~~المبهمات في أحد قسميها، ويدخل في باب المزيد في متصل الأسانيد، وهو من أحد ~~أقسامه، لأنها إما أن يكون المزيد صوابا وغيره خطأ، أو خطأ وغيره صواب، أو ~~يكون كل منهما صوابا. وصورته: أن يسمع الرجل حديثا من شيخ عن آخر، ثم يلقى ~~الرجل شيخ شيخه، فيسمع منه ما حدث به عنه، فتارة يرويه بنزول، وتارة يرويه ~~بعلو، وكلاهما صحيح. # ومن القسم الثاني: رواية ابن الأعرابي للحديث الذي رويناه، فالمزيد في ~~إسناده خطأ، لأن لفظة ((عن ابن لعبد الله)) تصحيف، كانت PageV01P194 ~~((عن مولى))، فصحفت. # وهذه علة للحديث لكنها غير قادحة، فلا تأثير لها في الحديث، ولهذا لما ~~روى الحافظ أبو عبد الله الذهبي هذا الحديث من طريق ابن الأعرابي حذف لفظة ~~((عن ابن)) فلم يذكرها، وقال بعد فيما وجدته بخطه: صحف ((مولى)) عن ~~((ابن))؟! وإذا كان كذلك يجوز حذفه من الرواية إذ لم نحذف رجلا من السند، ~~وإنما حذفنا زيادة لا تفيد، فاعلم ذلك. انتهى. # وهذا من بعض الكلام على سند الحديث. # وقد رويناه في هذا المجلس لأجل ذكر اسم الله عز وجل (الرحمن)، وأن الله ~~تعالى موصوف بالرحمة. # قال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كتابه ((أسماء الله عز ms077 وجل ~~وصفاته الواردة في الكتاب والسنة)) فقال في قسم الأسماء التي تتبع إثبات ~~التدبير لله سبحانه دون ما سواه: ومنها الرحمن الرحيم. قال الله عز وجل: ~~{الرحمن. علم القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان} وقال تعالى: {قل ادعوا ~~الله أو ادعوا الرحمن} وقال تعالى: {وكان بالمؤمنين رحيما} وقال في فاتحة ~~الكتاب: {الرحمن الرحيم} وقال: {حم. تنزيل من الرحمن الرحيم} وقال في فواتح ~~السور [غير التوبة]: {بسم الله الرحمن الرحيم}. ثم ذكر البيهقي كلام ~~الخطابي الذي قاله في كتابه في ((الدعاء ومعاني أسماء الله تعالى)) وهو ما ~~أنبأنا غير واحد، منهم: أبو الحسن علي بن محمد بن سعيد بن ريان PageV01P195 ~~الطائي، عن زينب ابنة أحمد، أن عبد الخالق بن الأنجب أخبرها كتابة من ~~ماردين، عن أبي الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الهروي، أخبرنا أبو نصر بن ~~أبي طاهر الحداد سماعا، أخبرنا عبد الوهاب بن أبي سهل الأديب، أخبرنا ~~الإمام أبو سليمان حمد ابن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي البستي ~~الشافعي رحمه الله، قال: # اختلف الناس في تفسير الرحمن ومعناه، وهل هو مشتق من الرحمة أم لا، فذهب ~~بعضهم إلى أنه غير مشتق، واحتج بأنه لو كان مشتقا من الرحمة لاتصل بذكر ~~المرحوم، فجاز أن يقال: الله رحمان بعباده، كما يقال: رحيم بعباده، فلما لم ~~يستقم صلته بذكر المرحوم، دل على أنه غير مشتق من الرحمة، قال: ولو كان هذا ~~الاسم مشتقا من الرحمة لم ينكره العرب حين سمعوه، إذ كانوا لا ينكرون رحمة ~~ربهم، وقد حكى الله عنهم الإنكار له والنفور عنه في قوله تعالى: {وإذا قيل ~~لهم اسجدوا للرحمن، قالوا وما الرحمن؟} الآية. # وزعم بعضهم أنه اسم عبراني. PageV01P196 # وذهب الجمهور من الناس إلى أنه مشتق من الرحمة، مبني على المبالغة، ومعناه ~~ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها، ولذلك لا يثنى ولا يجمع كما يثنى الرحيم، ~~ويجمع. وبناء فعلان في كلامهم للمبالغة، يقال لشديد الامتلاء: ملآن، ولشديد ~~الشبع: شبعان، ويدل على صحة مذهب الاشتقاق في هذا الاسم حديث عبد ms078 الرحمن بن ~~عوف رضي الله عنه. # حدثناه أحمد بن عبد الحليم الكريزي وعبد الله بن شاذان الكراني قالا: ~~حدثنا محمد بن يحيى بن المنذر القزاز، حدثنا حجاج بن المنهال، حدثنا حماد ~~بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، أن أباه رضي الله عنه عاد أبا ~~الرداد، فقال له أبو الرداد: ما أحد من قومي أوصل لي منك، قال عبد الرحمن ~~رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن ربه عز وجل ((أنا ~~الرحمن، وهي الرحم، شققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته ثم ~~أبته)). اللفظ للكريزي. # فالرحمن: ذو الرحمة الشاملة [التي] وسعت الخلق في أرزاقهم وأسباب معاشهم ~~ومصالحهم، وعمت المؤمن والكافر، والصالح والطالح. # وأما الرحيم فخاص للمؤمنين، كقوله تعالى: {وكان بالمؤمنين PageV01P197 ~~رحيما}. # وبالإسناد إلى الخطابي قال: ويقال إن الرحمن خاص في التسمية، عام في ~~المعنى، والرحيم عام في التسمية، خاص في المعنى. # والذي حكاه الخطابي ولم يسم قائله: هو ما حكاه أبو القاسم الحسن ابن محمد ~~بن حبيب المفسر، عن عبد الرحمن بن يحيى أنه قال: الرحمن خاص في التسمية، ~~عام في الفعل، والرحيم عام في التسمية، خاص في الفعل. # وكأن هذا إشارة إلى أن الرحمن اسم من أسماء الله تعالى لا يدعى به غيره، ~~وليس لأحد أن يتسمى به إلا الله، كما دل القرآن على ذلك بقوله تعالى: {قل ~~ادعوا الله أو ادعوا الرحمن}، فهذا خصوصية في التسمية، وقد روي عن إسرائيل، ~~عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {هل ~~تعلم له سميا} قال: لم يسم أحد الرحمن غيره. # ومعنى الرحمن عام [في الفعل] لأنه يرحم الراحمين من عباده. # وأما الرحيم: فعام في التسمية، لقوله تعالى في وصف نبيه PageV01P198 ~~صلى الله عليه وسلم : {بالمؤمنين رؤوف رحيم}، وتقول العرب: كن لي رحيما، ~~فهذا العموم في التسمية. # وأما الخصوص في المعنى: فجاء عن عكرمة وغيره أن الرحمن برحمة واحدة، ~~والرحيم بمائة رحمة، إشارة إلى ms079 رحمة الرحيم في الآخرة وأنها هناك مختصة ~~بالموحدين، فالرحيم عام في التسمية، خاص في المعنى. # هذا الذي عليه الجمهور، لكنه قد جاء أن الله عز وجل رحمن الدنيا والآخرة ~~ورحيمهما، وذلك فيما رويناه في ((جزء أبي القاسم إبراهيم بن محمد ~~المعاديلي)): حدثنا أبو الحسن محمد بن عمر الذهبي، حدثنا محمد بن بكر بن ~~عبد الرزاق، حدثنا أبو داود، حدثنا أحمد بن سعيد، حدثنا ابن وهب، أخبرني ~~حفص بن ميسرة، عن موسى بن عقبة، عن عطاء بن [أبي] مروان، عن أبيه، أن كعبا ~~حلف له بالذي فرق البحر لموسى عليه السلام أن في التوراة ثلاثة أملاك أمروا ~~إذا قال أحد من العباد راهبا أو راغبا: بسم الله، قال له: هديت، ثم يقول: ~~توكلت على الله، قال الثاني: كفيت، ثم يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم، قال الثالث: حفظت. # ثم إن كعبا حلف له بالذي فرق البحر لموسى أن في التوراة: أن الرب عز وجل ~~يستجيب للعبد عند نزول القطر، ويستجيب له عند السحر، وعند السجود، وعند ~~الفطر، وفي السحر تفتح أبواب السماء لكل داع راهب أو راغب. # وقال: إن كعبا حلف له بالذي فرق البحر لموسى: أن في التوراة: PageV01P199 # أن عبدا من عباد الله عندما يقول: الله يا فارج الهم، ويا كاشف الغم، ومجيب ~~دعوة المضطرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما أنت ارحمني رحمة تغنيني بها ~~عن رحمة من سواك، واقض عني ديني، واكبت عدوي: إلا كفي ذلك كله. # وهذا الدعاء جاء مرفوعا في الحديث المأثور في الدعاء لقضاء الدين، ~~وإسناده واه جدا، ومن ألفاظه -وهو موافق لمذهب الجمهور- ما قال أبو بكر ابن ~~أبي عاصم: حدثنا حميد بن كاسب، حدثنا أنس بن عياض، عن يونس بن يزيد الأيلي، ~~عن الحكم بن عبد الله، عن القاسم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي ~~أبو بكر رضي الله عنه فقال: هل علمك رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء ~~علمنيه؟ كان عيسى ابن مريم عليهما السلام يعلمه أصحابه ويقول: لو ms080 كان على ~~أحدكم جبل ذهب ثم دعا به قضاه الله عنه، ((اللهم فارج الهم، كاشف الغم، ~~مجيب دعوة المضطرين، رحمن الدنيا ورحيم الآخرة ورحيمهما، ارحمني رحمة ~~تغنيني بها عن رحمة من سواك)). # خرجه أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي في كتابه ((الدعوات)) من طريق ابن ~~أبي عاصم، والحكم بن عبد الله هو الأيلي -يقال له: ابن خطاف، ويقال: هما ~~اثنان، كان ابن المبارك شديد الحمل عليه، PageV01P200 ~~ورمي بالكذب، لكن حديثه هذا في الترغيب في الدعاء، وفيه جملة من آدابه، ~~منها تمجيد الرب سبحانه، والثناء عليه، وهذا أول آداب الدعاء الواردة في ~~السنة الشريفة، وقد جمعتها في أبيات نختم بها مجلسنا هذا، وهي: PageV01P201 # بتمجيد ابدأ، صل، ثلث، تضرعن ... ألح بسرا طاهرا وقت نافع # ومستقبلا بالحل جاز، ومعربا ... دع السجع، بالمأثور شرك وجامع # وأمن، ولا تعجل، مع الرفع، وامسحن ... فهذي شروط في دعاء لطائع PageV01P202 ### | CHECK [المجلس [10]] # [10] بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # تقدم الكلام على بعض ما في هذه الآية الشريفة من المعاني والأحكام، وهي ~~من جوامع آيات القرآن، القائم خطابه في كل عصر وأوان، وكيف ما تدبر ما فيه ~~وأثير، ظهرت معانيه لمتأمليه على التحرير. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الشرف أبي عبد الله محمد بن المحتسب مشافهة ~~بالإجازة، أنبأتنا أم الحسن فاطمة ابنة سليمان بن عبد الكريم، عن أبي ~~البركات الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله، أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم ~~علي بن الحسن بن هبة الله سماعا، أخبرنا أبو المعالي محمد بن إسماعيل بن ~~محمد الفارسي قراءة عليه، أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ~~أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا هارون ~~بن سليمان الأصبهاني، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبي ~~إسحاق، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود ms081 رضي الله عنه قال: إذا أردتم العلم ~~فأثيروا القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين. # وإذا تدبرنا قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين} الآية، ظهر لنا كثير ~~من أنواع علومها المأخوذة من منطوقها ومفهومها. # فمن منطوقها: ثناء الله تعالى على من بعث فيهم رسوله محمدا خاتم النبيين ~~صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وذلك إذ وسمهم بالإيمان، وأعلم بنعمه ~~عليهم بالامتنان، وذكر بعض ما أحسن إليهم، وبين عدة PageV01P203 ~~مما أنعم به عليهم، فقال عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين} الآية. # ومن مفهومها: الإشارة إلى القضاء السابق في اللوح المحفوظ بإيمان من بعث ~~فيهم رسوله صلى الله عليه وسلم ، إذ سماهم قبل البعثة مؤمنين، باعتبار ما ~~قضاه وقدره، وفي اللوح المحفوظ قبل إخراجهم إلى الوجود سطره، فقال تعالى: ~~{لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا} قال: {على المؤمنين} للبيان ~~بقضائه السابق لهم بالإيمان، وهذا من بعض فضل الله عليهم والامتنان. # والمؤمنون المصدقون واحدهم مؤمن، والمؤمن: من اعتقد بقلبه دين الإسلام ~~اعتقادا جازما خاليا من الشكوك، ونطق بالشهادتين مع القدرة على النطق بهما. ~~فهذا يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار، كما حكاه شيخ الإسلام أبو ~~زكريا النواوي رحمة الله عليه عن اتفاق أهل السنة من المحدثين والفقهاء ~~والمتكلمين. # ولا يشترط في المؤمن الذي اعتقد بقلبه التوحيد ونطق بالشهادتين أن يقول ~~مع ذلك حين يسلم: وأنا بريء من كل دين يخالف دين الإسلام إلا إذا كان من ~~كفار يعتقدون اختصاص رسالة نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام إلى العرب، فهذا ~~لا يحكم بإسلامه إذا نطق بالشهادتين حتى PageV01P204 ~~يقول: وأنا بريء من كل دين يخالف دين الإسلام، وقد شرط بعضهم قول ذلك على ~~كل كافر يدخل في الإسلام، وليس العمل على هذا. والله أعلم. PageV01P205 # والمؤمنون أقسام: منهم الملائكة، وهم على طبقات ومنازل. # ومنهم الإنس والجن، ومن الإنس: الأنبياء، وفيهم الرسل، وهم على درجات. ~~قال الله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كل الله ورفع ~~بعضهم درجات}. # ومنهم ms082 من دونهم من المؤمنين، كمؤمني الأمم المتقدمة، ومؤمني هذه الأمة ~~المحمدية، وهم أمة الإجابة، وأفضلهم مطلقا الصحابة، وهم في قول المشار ~~إليهم بقوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا}. # والمؤمنون: أهل عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانوا على قسمين: قسم ~~آمنوا به وحصلت لهم صحبته، وقسم كذلك في الإيمان، لكن فاتتهم صحبته، وهم ~~بعض المخضرمين. # والصحبة: عامة، وخاصة، فالعامة: يدخل تحتها كل من صاحب غيره، وإن اختلفا ~~في جنس أو دين أو منزلة، يقال صحبه -بالكسر- يصحبه -بالفتح- صحبه -بالضم- ~~وصحابة -بالفتح ويكسر-: إذا PageV01P210 ~~عاشره، فهو صاحب له، وجمعه صحابة -بالفتح- وأصحاب، وصحب، وصحاب، وصحبان. ~~هذا معناه لغة. # وأما اصطلاحا: فالصاحب -ويقال له الصحابي، وهو الأكثر-: من لقي النبي صلى ~~الله عليه وسلم في حياته، بعد المبعث، من المسلمين، ممن يعقل، ثم مات مسلما. # وقيل في تعريف الصحابي غير ذلك. # ومعرفة الصحابة من أوكد العلوم وأهمها، وهو علم جسيم لا يعذر أحد [ينسب ~~إلى علم الحديث] بجهله، ولا خلاف علمته بين العلماء أن الوقوف على معرفة ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوكد علم الخاصة، وأرفع علم الخبر، ~~وبه ساد أهل السير، وما أظن أهل دين من الأديان إلا وعلماؤهم معتنون بمعرفة ~~أصحاب أنبيائهم، لأنهم الواسطة بين النبي وبين أمته. قال أبو عمر يوسف بن ~~عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري رحمة الله عليه. # ومن تبحر في معرفة الصحابة فهو حافظ كامل الحفظ. قاله الحاكم أبو عبد ~~الله محمد بن عبد الله النيسابوري. # وطريق معرفة الصحابي من وجوه، منها: التواتر، كصحبة أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه المنصوص عليها في أعظم قول وأحكم معنى، قال الله عز وجل: {ثاني ~~اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}. # وكذلك تواتر صحبة بقية العشرة المشهود لهم بالجنة، وآخرين، PageV01P211 ~~كابن مسعود، وأبي هريرة، وخلق من الصحابة. # ومن وجوه معرفة الصحابة: الاستفاضة، وهي دون التواتر، كضمام ابن ثعلبة ~~السعدي، وآخرين. # ومنها: إخبار بعض المشهورين ms083 من الصحابة بصحبة غيره. # ومنها: إخباره عن نفسه بذلك، لكن بشرط أن يقتضيه الحال مع وجود الثقة ~~والأمانة، فإن كانت الحال لا تقتضيه أو ظهر كذب المخبر فيما يدعيه، فلا ~~يقبل -والحالة هذه- إخباره بذلك، ولا خبر من ادعاه له من الهوالك، مثل: # رتن شاهون بن جندريق الهندي البترندي، وجعفر بن نسطور الرومي، ويسر بن ~~عبد الله الخادم، ومعمر بن بريك، وفهر بن تميم الكلابي، وربيع بن محمود ~~المارديني وأمثالهم، وقع لي منهم أحد وعشرون نفسا ذكرتهم مع نحوهم ممن ادعى ~~أو ادعي له أنه تابعي، مع تراجمهم، وذكر شيء مما رووه في مؤلف سميته ((كشف ~~القناع عن PageV01P212 ~~حال من افترى الصحبة أو الاتباع)). # وقد صنف في أسماء الصحابة وذكرهم كثير من الأئمة مع إفاضتهم في عددهم ~~تقليلا وتكثيرا، وكل من الأقوال رويناه مأثورا. ومنها ما قال أبو الحسن ~~محمد بن الحسين الآبري السجزي الحافظ: أخبرني محمد بن رمضان المصري، أخبرنا ~~محمد بن عبد الحكم، أخبرنا الشافعي قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمون ثلاثون ألفا بالمدينة، وثلاثون -يعني ألفا- في قبائل العرب وغير ذلك. # ومن أكثر ما قيل فيهم: ما قال القاضي أبو عبد الله أحمد بن إسحاق بن ~~خربان، أخبرنا الحسن بن بكر الوراق، حدثنا أبو عمرو أحمد بن محمد التستري، ~~أخبرنا محمد بن سعيد بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو جعفر أحمد بن عيسى الهمذاني ~~قال: قال أبو زرعة الرازي: توفي النبي صلى الله عليه وسلم ومن رآه وسمع منه ~~زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة، وكل قد روى عنه سماعا أو رؤية. # روي من طريق أخرى عن أبي زرعة -وقيل له: حديث النبي صلى الله عليه وسلم ~~أربعة آلاف؟- فقال: ومن قال ذا؟! هذا قول الزنادقة! ومن يحصي حديث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ؟! قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مائة ألف ~~وأربعة عشر ألفا من الصحابة ممن رآه وسمع منه. قيل له: هؤلاء أين كانوا؟ ~~وأين؟ -يعني يسعهم- قال: أهل المدينة، وأهل مكة، ms084 ومن بينهما من الأعراب، ~~ومن شهد معه حجة الوداع، كل رآه وسمع منه بعرفة. PageV01P213 # وأول من جمع أسماء الصحابة فيما نعلم، مرتبين في الأسماء على حروف المعجم: ~~أبو عبد الله البخاري، وهو قسم من أقسام ((تاريخه الكبير)) ثم تبعه الناس ~~في الجمع الموصوف، فبعضهم على الطبقات، وآخرون على الحروف، ما بين مختصر ~~ومطول، وأصل ومذيل، فأخصر مصنف في ذلك ((كتاب الصحابة)) تأليف أبي عيسى ~~محمد بن عيسى الترمذي، ومن ذلك ((معجم)) أبوي القاسم: عبد الله بن محمد ~~البغوي، وسليمان بن أحمد الطبراني، و((معجم)) أبي الحسين عبد الباقي ابن ~~قانع بن مرزوق القاضي، و((معجم)) أبي حفص عمر بن أحمد بن شاهين، و((كتاب ~~المعرفة)) لأبي عبد الله محمد بن إسحاق بن منده، PageV01P214 ~~و((المذيل)) عليه لحفيده أبي زكريا يحيى بن عبد الوهاب، و((التتمة)) على ~~ذلك لأبي موسى محمد ابن أبي بكر المديني، و((كتاب المعرفة)) لأبي نعيم أحمد ~~بن عبد الله الأصبهاني، وكتاب ((الاستيعاب لأسماء الأصحاب)) لأبي عمر بن ~~عبد البر، والمذيل عليه وغير ذلك من المؤلفات في أسمائهم، وكذلك المؤلفات ~~في مسانيدهم ك ((مسند)) الإمام أحمد بن حنبل، ومن ذلك التواريخ: ك ~~((تاريخ)) أبي بكر أحمد ابن أبي خيثمة. # ومن أجمع مؤلف أفرد للصحابة كتاب ((أسد الغابة)) للعلامة عز الدين أبي ~~الحسن علي بن أثير الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الكريم الجزري، ~~وجرده الحافظ أبو عبد الله الذهبي باختصار وزيادة صحابة كثيرة في كتاب سماه ~~((تجريد الصحابة)). # وهم على طبقات كما تقدم، منها: أنهم طبقتان سابقون، وغير سابقين، ذكر ~~الله تعالى الطبقتين في القرآن، فقال عز وجل: {والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد ~~لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين PageV01P215 ~~فيها أبدا ذلك الفوز العظيم}. # ومراتب السابقين تسع: الأولى: كأبي بكر الصديق، وأم المؤمنين خديجة، ومن ~~كان في حجر النبوة ونشأ فيها كالذرية الطاهرة، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ~~حارثة رضي الله عنهم. # والمرتبة الثانية: كعثمان بن عفان، وسعد بن أبي ms085 وقاص، وبلال بن رباح رضي ~~الله عنهم. # الثالثة: أصحاب دار الرقم بن أبي الأرقم المخزومي رضي الله عنه، التي ~~بمكة عند الصفا، وكانوا تسعة وثلاثين صحابيا، وبإسلام عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه كملوا أربعين، جمعهم في مصنف يذكر تراجمهم وما يتعلق بهم الإمام ~~أبو القاسم سعيد بن يعقوب بن شاه الكشاني، سمى مصنفه ((السراج)). # المرتبة الرابعة: مهاجرة الحبشة. الخامسة: أصحاب العقبتين من الأنصار. # السادسة: من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم بقباء لما نزلها في الهجرة ~~قبل أن ينتقل إلى المدينة. # السابعة: من صلى القبلتين مع النبي صلى الله عليه وسلم . # الثامنة: أهل بدر. التاسعة: أهل بيعة الرضوان. # وبهم انقطع السابقون، وقد شهد لهم بأنهم من أهل الجنة لا يدخلون النار. # أخبرنا أبو هريرة عبد الرحمن بن الحافظ أبي عبد الله محمد بن الذهبي ~~الدمشقي، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن الشيخ عمر بن الشيخ القدوة ~~أبي بكر ابن قوام البالسي، وأبو الحسن علي، وأم محمد زينب: ولدا الفخر ~~عثمان بن محمد بن الشمس لولو الحلبي، وأم عبد الله زينب ابنة الإمام أبي ~~محمد عبد الله بن الإمام أبي أحمد PageV01P216 ~~عبد الحليم بن تيمية الحرانية، بقراءتي على الأول بجامع كفر بطنا من ~~الغوطة، وعلى الثاني بزاوية جده من سفح قاسيون، وعلى الأخوين بجامع بيت ~~لهيا، وعلى ابنة تيمية بمنزلها داخل دمشق، قالوا: أخبرنا أبو العباس أحمد ~~ابن أبي طالب الديرمقرني -قال علي وابنة تيمية: حضورا، وقال الباقون: ونحن ~~نسمع، زاد أبو هريرة فقال: وأخبرنا عيسى بن عبد الرحمن السمسار الصالحي ~~قراءة عليه وأنا حاضر في الثالثة، وأجاز لي ما يرويه، وأبو الفضل سليمان بن ~~حمزة الحاكم، وأبو بكر بن أحمد ابن عبد الدائم المقدسيان إجازة- قالوا سوى ~~ابن عبد الدائم: أخبرنا أبو المنجا عبد الله بن عمر العتابي، وقال الحاكم ~~أيضا وابن عبد الدائم: أخبرنا الحسين بن المبارك الزبيدي قراءة عليه قال ~~القاضي: وأنا حاضر، وابن عبد الدائم: وأنا أسمع -قالا: أخبرنا عبد الأول بن ~~عيسى السجزي، ms086 أخبرنا محمد بن أبي مسعود الفارسي، أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد ~~الهروي، أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي، حدثنا العلاء بن موسى البغدادي، ~~أخبرنا الليث بن سعد المصري، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله ~~الأنصاري رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا يدخل ~~أحد ممن بايع تحت الشجرة النار)). هذا حديث حسن صحيح، قاله الترمذي بعد أن ~~خرجه في ((جامعه)) كما خرجه أبو داود، والنسائي من حديث الليث بن سعد. # وقال مسلم في ((صحيحه)): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث. وحدثنا محمد بن ~~رمح، أخبرنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه أن عبدا لحاطب جاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطبا فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب ~~النار! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((كذبت، PageV01P217 ~~لا يدخلها فإنه شهد بدرا والحديبية)). # لم يخرج البخاري -والله أعلم- حديث الليث الذي تقدم لعلة هي من باب ~~المزيد في الأسانيد، لكنها لا تقدح، وهي رواية جابر رضي الله عنه هذا ~~الحديث عن أم مبشر، وهي بنت البراء بن معرور الأنصارية الصحابية زوج زيد بن ~~حارثة رضي الله عنهم. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي عبد الله بن المحتسب إجازة إن ~~لم يكن سماعا، أخبرنا أبو الفضل سليمان بن حمزة الحاكم سماعا في صفر سنة ~~تسع وسبع مئة، أخبرنا أبو الوفاء محمود بن إبراهيم العبدي وأختاه أسماء ~~وحميراء كتابة قالوا: أخبرنا أبو الخير محمد بن أحمد بن الباغبان سماعا، ~~أخبرنا إبراهيم بن محمد الطيان، وأبو بكر محمد بن أحمد السمسار، وأبو عمرو ~~عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق ابن منده قراءة عليهم وأنا أسمع قالوا: أخبرنا ~~أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن محمد ..، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا ~~عبد العزيز ابن عبد الله، حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن ~~عقبة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن أم مبشر رضي الله عنها أنها ms087 ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة: ((لا يدخل أحد من أهل ~~الشجرة الذين بايعوني تحتها النار إن شاء الله)) فقالت: بلى! فانتهرها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت: إن الله تعالى يقول في كتابه: {وإن منكم ~~إلا واردها، كان على ربك حتما مقضيا}! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~((قد قال الله عز وجل: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا})). # تابعه ابن جريج، عن أبي الزبير. PageV01P218 # أنبأنا الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد المقدسي، أخبرنا أبو عبد ~~الله محمد بن الفخر علي، وزينب ابنة الكمال أحمد، وحبيبة ابنة الزين عبد ~~الرحمن المقدسيون قراءة عليهم وأنا أسمع قالوا: أخبرنا محمد بن نصر بن أبي ~~الفرج بن الحصري إجازة -زادت زينب فقالت: ومحمد بن عبد الكريم بن السيدي ~~كتابة- قالا: أخبرنا أبو الفتح عبيد الله بن عبد الله بن شاتيل قراءة عليه ~~ونحن نسمع، قال ابن الحصري وأنا حاضر، أخبرنا أبو هاشم عيسى بن أحمد بن ~~محمد الدوشابي سماعا، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن علي بن البسري، أخبرنا ~~أبو علي الحسن بن أحمد بن شاذان، أخبرنا أبو أحمد حمزة بن محمد بن العباس، ~~حدثنا أحمد بن عبيد الله النرسي، حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: ~~أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: أخبرتني ~~أم مبشر رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يدخل ~~النار إن شاء الله أحد من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها)). قالت حفصة ~~رضي الله عنها: بلى يا رسول الله! فانتهرها! فقالت حفصة: {وإن منكم إلا ~~واردها كان على ربك حتما مقضيا}! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((قد قال ~~الله عز وجل {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا})). # حدث به الإمام أحمد بن حنبل في ((مسنده)) عن حجاج كذلك. # وخرجه مسلم في الفضائل عن هارون بن عبد الله، والنسائي في التفسير عن ms088 ~~هارون والحسن بن محمد، كلاهما عن حجاج بن محمد، به. # وقال أبو السري هناد بن السري في ((كتاب الزهد)): حدثنا أبو PageV01P219 ~~معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر، عن حفصة رضي الله ~~عنهم قالت: قال صلى الله عليه وسلم : ((إني لأرجو أن لا يدخل النار -إن شاء ~~الله- أحد شهد بدرا والحديبية)) قال: فقلت: يا رسول الله أليس الله تبارك ~~وتعالى يقول: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا}؟ قال: أفلم ~~تسمعيه يقول: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا}؟)).. .. # والمشهور أنه من مسند أم مبشر الأنصارية. وعلى المشهور ما قال أبو نعيم ~~أحمد بن عبد الله الأصبهاني في ((كتاب المعرفة)): حدثنا أبو حامد أحمد بن ~~محمد، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا جرير، عن الأعمش، ~~عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر رضي الله عنهما قالت: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ((لن يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية)). # وقال محمد بن سعد في ((الطبقات الكبرى)): أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم ~~الصنعاني، حدثني إبراهيم بن عقيل بن معقل، عن أبيه، عن وهب بن منبه قال: ~~سألت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا ~~أربع عشرة مائة، فبايعته تحت الشجرة وهي سمرة، وعمر رضي الله عنه آخذ بيده، ~~غير جد بن قيس اختبأ تحت إبط بعيره!. # وسألته: كيف بايعوه؟ قال: بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت. PageV01P220 # وسألته: هل بايع النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة قال: لا، ولكن صلى ~~بها ولم يبايع عند الشجرة، إلا الشجرة التي بالحديبية، ودعا النبي صلى الله ~~عليه وسلم على بئر الحديبية، وإنهم نحروا سبعين بدنة بين كل سبعة منهم بدنة. # قال جابر: وأخبرتني أم مبشر رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم عند حفصة رضي الله عنها يقول: ((لا يدخل النار إن شاء الله أصحاب ~~الشجرة الذين بايعوا تحتها)). قالت ms089 حفصة: [بلى يا رسول الله، فانتهرها! ~~فقالت حفصة] {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : ((قال الله عز وجل: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين ~~فيها جثيا})). # ورواه الحافظ أبو علي الحسين بن داود المصيصي سنيد في ((تفسيره)) فقال: ~~وحدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله ~~رضي الله عنهما يقول: كنا في يوم الحديبية أربع عشرة مائة، فبايعنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب رضي الله عنه آخذ بيده تحت الشجرة، ~~وهي سمرة، فبايعناه غير الجد بن قيس اختبأ تحت بطن بعيره! قيل لجابر: هل ~~بايع النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة؟ قال: لا، ولكنه صلى بها ولم ~~يبايع تحت الشجرة إلا الشجرة التي عند الحديبية. قال أبو الزبير: قلت ~~لجابر: كيف بايعوا؟ قال: بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت. # الجد بن قيس: من بني سلمة، وكان سيدهم في الجاهلية، فجعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم سيدهم عمرو بن الجموح، وكان الجد يزن بالنفاق، وقيل: إنه تاب ~~وحسن إسلامه، وتوفي في خلافة عثمان رضي الله عنه. PageV01P221 # وقد اختلف فى عدة أهل الحديبية التي كانت بيعة الرضوان تحت سمرة من شجرها ~~على أقوال، فقيل: بضع عشرة مائة، من غير تعيين، كما صح من حديث عروة بن ~~الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، يزيد أحدهما على صاحبه قالا: ~~خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم . الحديث. # وقيل: كانوا ألفا وثلاث مئة كما علقه البخاري في ((صحيحه)) فقال: وقال ~~عبيد الله بن معاذ: حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، حدثني عبد الله ~~بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: كان أصحاب الشجرة ألفا وثلاث مئة وكانت ~~أسلم ثمن المهاجرين. # تابعه محمد بن بشار: حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة. PageV01P222 # حديث عبيد الله: حدث به أبو نعيم ms090 أحمد بن عبد الله الأصبهاني في ~~((مستخرجه)) عن أبي عمرو بن حمدان، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا عبيد الله ~~بن معاذ، فذكره. # وحديث محمد بن بشار بندار رواه أبو بكر الإسماعيلي في ((مستخرجه)) فقال: ~~حدثنا ابن عبد الكريم، حدثنا بندار، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن عمرو، ~~عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: كنا يوم الشجرة ألفا وثلاث ~~مئة، وكانت أسلم يومئذ ثمن المهاجرين. # وهو في ((مسند)) أبي داود سليمان بن داود الطيالسي عن شعبة، كما تقدم. # وقيل: كانوا ألفا وأربع مئة. قال البخاري في ((صحيحه)): حدثنا عبيد الله ~~بن موسى، عن إسرائيل عن أبي إسحاق، عن البراء رضي الله عنه قال: تعدون أنتم ~~الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم ~~الحديبية كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مئة وذكر الحديث. # تابعه زهير وشريك، عن أبي إسحاق. # وقال أبو حذيفة موسى بن مسعود: حدثنا عكرمة بن عمار، عن إياس PageV01P223 ~~ابن سلمة، عن أبيه رضي الله عنه قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ونحن أربع عشرة مئة. وذكر الحديث. # وأنبأنا أبو حفص عمر بن الحسن المراغي إذنا عاما، وقرأته على أبي المعالي ~~عبد الله بن إبراهيم الفرضي وغيره عنه قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد ~~السعدي قراءة عليه وأنا أسمع قال: وأخبرناه حنبل بن عبد الله بن الفرج ~~الرصافي قراءة عليه وأنا أسمع، أخبرنا هبة الله بن محمد بن حصين، أخبرنا ~~الحسن بن علي الواعظ، أخبرنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد، ~~حدثني أبي، حدثنا عبد الوهاب ابن عبد المجيد الثقفي أبو محمد، حدثنا خالد، ~~عن الحكم ابن عبد الله الأعرج، عن معقل بن يسار رضي الله عنه، أنه شهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وهو رافع غصنا من أغصان الشجرة بيده ~~عن رسول الله PageV01P224 ~~صلى الله عليه وسلم فبايعوه على أن لا يفروا، وهم يومئذ ms091 ألف وأربع مئة. # خرجه مسلم في ((صحيحه))، عن يحيى بن يحيى التميمي، عن يزيد بن زريع، عن ~~خالد الحذاء، به. تابعه أبو كامل الجحدري الفضيل ابن الحسين، عن يزيد بن ~~زريع. وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، أنه سمع ~~جابرا رضي الله عنه يقول: كنا يوم الحديبية ألفا وأربع مئة فقال لنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ((أنتم خير أهل الأرض)) وكنا ألفا وأربع مئة، ~~ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة. # تابعهما عبد الله بن الزبير الحميدي في ((مسنده)) فقال: حدثنا سفيان، ~~حدثنا عمرو بن دينار، فذكره بنحوه. # وتابعه الأعمش، سمع سالما، سمع جابرا: ألفا وأربع مئة. # هذه المتابعة وصلها البخاري في آخر باب من كتاب الأشربة فقال: حدثنا ~~قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن الأعمش، حدثني سالم بن أبي الجعد، عن جابر ~~بن عبد الله، فذكر الحديث، وفي آخره: قلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفا ~~وأربع مئة. # وجاءت رواية ثانية ثابتة أيضا عن جابر أنهم كانوا ألفا وخمس مئة. # قال البخاري: حدثنا يوسف بن عيسى، حدثنا ابن فضيل، حدثنا PageV01P225 ~~حصين، عن سالم، عن جابر رضي الله عنه قال: عطش الناس يوم الحديبية، الحديث، ~~وفيه: فقلت لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا! كنا خمس عشرة مئة. # ورواه مسدد: حدثنا خالد بن عبد الله، حدثنا حصين، فذكره. # وقال البخاري أيضا: حدثنا الصلت بن محمد، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، ~~عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: بلغني أن جابر بن عبد الله رضي الله ~~عنهما كان يقول: كانوا أربع عشرة مئة؟ فقال لي سعيد: حدثني جابر رضي الله ~~عنه كانوا خمس عشرة مئة الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~الحديبية. # ورواه محمد بن المثنى: حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، فذكره، وتابعه قرة بن ~~خالد، عن قتادة. # الحديبية: قرية على طريق جدة دون مرحلة عن مكة، وتخفيفها أعرف عند أهل ~~العربية، فيما قاله السهيلي، وذكر الجمهور الوجهين ms092 فيها، وممن حكاهما أبو ~~الحسن علي بن سيده في كتابه ((المحكم)). # ومنع بعضهم من تشديدها، ونقل عن الشافعي رضي الله عنه. PageV01P226 # وأول من بايع بالحديبية بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي، واسمه عبد الله بن ~~وهب، وقيل وهب بن عبد الله، وقيل عبد الله بن محصن أخو عكاشة، وقيل اسمه ~~عامر، بدري. # حدث أبو بكر بن عياش قال: قال زر -يعني ابن حبيش-: أول من بايع تحت ~~الشجرة أبو سنان بن وهب رضي الله عنه، وهكذا روي عن الشعبي، وهذا يوهن قول ~~من ذكر أن أبا سنان توفي سنة خمس من الهجرة. # وأهل هذه البيعة كل منهم بايع مرة مرة إلا رجلين: أحدهما عبد الله ابن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فإن أباه أرسله يومئذ إلى فرس له عند رجل من ~~الأنصار يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع عند ~~الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله بن عمر ثم ذهب إلى PageV01P227 ~~الفرس، فجاء به إلى عمر وأخبره بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع تحت ~~الشجرة. قال: فانطلق، فذهب مع أبيه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~. قيل: وبايعه ابن عمر ثانية بعد أبيه. # والثاني: أبو إياس -ويقال: أبو مسلم- سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم ~~الأكوع سنان بن عبد الله بن قشير الأسلمي، بايع يوم الحديبية مرتين. وثبت ~~في ((صحيح مسلم)) من حديث عكرمة بن عمار، حدثني إياس بن سلمة، حدثني أبي ~~قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربع عشرة مائة ~~وعليها خمسون شاة لا ترويها. قال: فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~جبا الركية، فإما دعا وإما بصق فيها. قال: فجاشت فسقينا واستقينا. # قال: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعانا للبيعة في أصل الشجرة. ~~قال فبايعته أول الناس، ثم بايع وبايع، حتى إذا كان في وسط الناس قال: ~~((بايع يا سلمة)) قال: قلت قد بايعتك يا رسول الله في أول ms093 الناس. قال: ~~((وأيضا)) قال: ورآني رسول الله صلى الله عليه وسلم عزلا -يعني ليس معه ~~سلاح- قال: فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم حجفة أو درقة، ثم بايع، ~~حتى إذا كان في آخر الناس قال: ((ألا تبايعني يا سلمة!)) قال: قلت: قد ~~بايعتك يا رسول الله في أول الناس وفي أوسط الناس، قال: ((وأيضا)) قال: ~~فبايعته الثالثة ..، وذكر الحديث بطوله. # وكتب إلي بعض حفاظ مكة -زادها الله شرفا- سؤالات، منها: وما الحكمة في ~~مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم لسلمة بن الأكوع يوم الحديبية مرتين؟. PageV01P228 # فكان من جوابي إياه: أن المحفوظ أن سلمة بايع يومئذ ثلاث مرات، وبايع على ~~الموت، والذي يظهر -والله سبحانه أعلم- من الحكمة في تكرار مبايعة سلمة أنه ~~صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غزوة عبد الرحمن الفزاري: ((خير ~~فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة)). # وكان سلمة أيضا حسن الرمي بالنبل، وكان سريع الجري، بحيث إنه كان يسبق ~~الفرس إذا جرى معها، فهذه ثلاث خصال كانت فيه، فحسن أن تكون مبايعته ثلاث ~~مرار، لأنه بايع على الموت في أي حال كان من أحواله الثلاثة: إن قاتل راجلا ~~بسلاحه، أو راميا عن قوسه، أو مبادرا بجريه في أثر العدو، أو إلى انتهاز ~~فرصة ونحوها في القتال. # ويحتمل أن تكون البيعة الأولى على الجهاد بين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، ثم رأى قرناءه من الصحابة بايعوا على أن لا يفروا ودعاه النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى المبايعة ثانيا فبايعه كأقرانه، ثم شحت نفسه بالقتل ~~في سبيل الله ودعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى المبايعة ثالثا فبايعه ~~على الموت. # ويحتمل أن تكرار المبايعة كان للتأكيد. # ويحتمل أن يكون لأمر ظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حال سلمة لا ~~يليق ببيعته إلا تكرارها، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالمبايعة أيضا ~~ثانيا وثالثا. # ويحتمل غير ذلك. والله أعلم. # وهذه البيعة يقال لها بيعة الرضوان، لقول الله عز وجل: {لقد رضي الله عن ms094 ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} الآية. # قال أبو العباس محمد بن إسحاق السراج: حدثنا أبو كريب، حدثنا محمد بن ~~عبيد وأبو أسامة، عن إسماعيل، عن عامر الشعبي قال: PageV01P229 # المهاجرون الأولون: الذين بايعوا بيعة الرضوان. # وحدث به الإمام أحمد عن هشيم، عن إسماعيل ومطرف، عن الشعبي قال: هم الذين ~~بايعوا بيعة الرضوان. # وبأهل هذه البيعة ختم السابقون، فمن أسلم بعد هذه البيعة لم يعد من ~~السابقين، لكنهم فيمن اتبعوهم بإحسان. # قال الله عز وجل: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} الآية. # ومن السابقين: مهاجرون وأنصار، فأول المهاجرين -بل أول المسلمين من ~~الصحابة مطلقا إسلاما على قول ابن عباس والجمهور- أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه، وأول الأنصار مطلقا إسلاما إياس بن معاذ الأوسي الأشهلي، قدم مكة وهو ~~غلام قبل الهجرة في نفر من قومه يطلبون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، ~~بسبب الحرب التي كانت بين الأوس والخزرج، فسمع بهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأتاهم، فعرض عليهم الإسلام وقرأ عليهم القرآن، فقال إياس لقومه: هذا ~~-والله- خير مما جئتم له، فرجع ومات قبل الهجرة. # قال أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده بعد أن ذكر إياس بن معاذ في ~~الصحابة، قال: وذكر قومه أنه مات مسلما رضي الله عنه. قاله في كتاب ~~((المعرفة)). # وقال أبو نعيم: إياس بن معاذ الأشهلي قدم على النبي بمكة فعرض عليه ~~الإسلام فأسلم، فتوفي قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة. انتهى. PageV01P230 # وقصة إياس وإسلامه وموته رويناها بطولها من طريق محمد بن إسحاق في ~~((المغازي))، وقد ذكرته مع ذكر ستة سابقين من الأنصار وذكر أصحاب العقبتين ~~في أبيات وهي: # ألا أول الأنصار أسلم مطلقا ... إياس معاذ، ستة بعد تابعوا # بمكة هم: عوف وأسعد، جابر ... وقطبة، منهم عقبة، ثم رافع # ومات إياس ثم وافوا بسبعة ... سوى جابر عهد النساء فبايعوا # عبادة عباس عويم يزيد مع ... معوذ، ذكوان، ابن تيهان سابع # وبعد أتوا بضعا وسبعين بايعوا ... على الهجرة ms095 الغراء والسعد طالع # فحازوا رسول الله حيا ودفنه ... بطيبة فضلا عم، والفضل واسع # آخر المجلس ولله الحمد حمدا كثيرا # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا PageV01P231 ### | CHECK [المجلس [11]] # [11] بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وآله وصحبه وسلم، ويسر. # قال الله عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} الآية. # الكلام على هذه الآيات من وجوه كثيرة مبنية على أصلين: # أحدهما: التفسير المأخوذ بطريق النقل والسماع. # والثاني: التأويل الراجع إلى القواعد الشرعية، والعقائد السنية، ومذاهب ~~اللغة ووجوه العربية. # فمن وجوه الكلام على هذه الآيات: علم نزول القرآن، ومواطن تنزيله، وقد ~~تقدم ذكر شيء من ذلك، فالقرآن نزل سماويا، كنزوله من اللوح المحفوظ إلى ~~سماء الدنيا، وتقدم أن في نزوله كذلك قولين: أحدهما: نزل إلى السماء الدنيا ~~في عشرين ليلة، من كل سنة في ليلة القدر منها، فكان ينزل فيها بقدر ما ينزل ~~على النبي صلى الله عليه وسلم في تلك السنة. # والقول الثاني -وعليه الجمهور-: أنه نزل جملة واحدة إلى سماء الدنيا ثم ~~نزل إلى الأرض، فكان نزوله على قسمين أحدهما: ماله سبب نزل لأجله، والثاني: ~~ما نزل بغير سبب ظاهر. # وقد صنف في القسم الأول، ومن ذلك كتاب أبي الحسن علي بن PageV01P232 ~~أحمد بن محمد بن علي بن متويه النيسابوري الواحدي رحمه الله. # ومن مواطن تنزيل القرآن: مكة والمدينة، وهذه الآيات الشريفات نزلن ~~بالمدينة، لأنهن من سورة آل عمران، وهي مدنية بلا خلاف، وثالث سورة نزلت ~~بالمدينة، كما رويناه من حديث خصيف بن عبد الرحمن الجزري، عن مجاهد، عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال: فأنزل الله عز وجل بالمدينة البقرة والأنفال وآل عمران. # ورويناه ب ((ثم)) بدل الواو من حديث عثمان بن عطاء بن أبي مسلم ~~الخراساني، عن أبيه، [عن ابن عباس] قال: ثم كان أول ما نزل بالمدينة سورة ~~البقرة، وقال: ثم الأنفال، وقال: ثم آل عمران. ms096 # ومن الاتفاق أن هؤلاء الآيات ذكرت بنحوها في سورة البقرة، وسورة الجمعة، ~~وهؤلاء الثلاث نزلن بالمدينة، وترتيبهن في النزول كترتيبهن في المصحف. # والآيات داخلة أيضا في وجه آخر من وجوه نزول القرآن، وهو ماله سبب نزل ~~لأجله، والسبب في نزول هذه الآيات غامض، ولهذا -والله أعلم- لم يذكره أبو ~~الحسن الواحدي في كتابه ((أسباب نزول القرآن)). وسبب نزولها الدعوة ~~الإبراهيمية التي أخبر الله تعالى عنها بقوله عز وجل إخبارا: {ربنا وابعث ~~فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت ~~العزيز الحكيم} فاستجاب الله عز وجل هذه الدعوة، وبعث هذا الرسول كما دعا ~~إبراهيم عليهما السلام، وأنزل الله تعالى إعلاما لهذه الأمة بإجابة الدعوة ~~المشار إليها فقال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} الآية. # وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى إجابة هذه الدعوة الشريفة، فقال ~~فيما خرجه PageV01P233 ~~أبو القاسم الطبراني في ((معجمه الكبير)) عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: ~~قيل: يا رسول الله، ما كان بدء أمرك؟ فقال: ((دعوة أبي إبراهيم، وبشر بي ~~عيسى، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام)). # وللحديث طرق خرجتها في كتابي ((جامع الآثار)). PageV01P234 # وفي آية الدعوة الإبراهيمية قال تعالى إخبارا: {يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة، ويزكيهم} وقال تعالى في هذه الآية: {ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة}. # والتزكية هي: التقديس والتطهير، والنماء والتكثير، ووجه تأخير التزكية في ~~آية الدعوة الإبراهيمية -والله أعلم-: أن التطهير والتقديس لا يكون ذلك إلا ~~بعد الإيمان وتلاوة القرآن، وتعليم الكتاب والحكمة، وطلب ذلك أهم من طلب ~~التزكية، وتقديم الأهم أولى وأعلى، فحسن تقديم طلب تعليم الكتاب والحكمة ~~على التزكية هنا. # وأما تقديم التزكية على تعليم الكتاب والحكمة في آية الإعلام بإجابة ~~الدعوة الإبراهيمية: فإن الله عز وجل أثبت للمدعو لهم -وهم هذه الأمة- ~~الإيمان أولا بقوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين} فحصلت التزكية ~~بالإيمان، وأي تزكية أعظم منها! فقدم ذكرها ms097 في هذه PageV01P235 ~~الآية قبل ذكر تعليم الكتاب والحكمة. # ووجه آخر: لما كان متعلمو العلم على قسمين: صالحون وغير صالحين، والصالح ~~يفيد فيه التعليم، ويبعثه العلم على العمل أكثر من غيره، لصلاحه الذي هو ~~التزكية، وكان صلاحه متقدما على طلب العلم، فحصلت له الفائدة بذلك، وهذه ~~الأمة اختارها الله على سائر الأمم قبل بعثة نبيها صلى الله عليه وسلم ~~فيها، فلما بعث فيها كانت زاكية، كما أشير إليه في الآية بقوله تعالى: {لقد ~~من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا} فقدم الإخبار بالتزكية على ~~التعليم هنا، وأخرت في آية الدعوة الإبراهيمية للاهتمام بطلب تعليم الكتاب ~~والحكمة، على طلب التزكية. والله أعلم بما أراد. # وبهذا تدخل هذه الآية الشريفة أيضا في علم من علوم القرآن العظيم، وهو ~~نوع من أنواع علم المقدم والمؤخر في كتاب الله عز وجل، وهو أحد وجوه كلام العرب. # وتدخل أيضا في علم من علوم القرآن وهو علم المتشابه، والمتشابه في القرآن ~~إما يكون في المعنى، أو اللفظ، والأول: ما اشتبهت وجوه المراد منه فلم ~~يتعين المقصود به، قال الله عز وجل: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات}. # فالمحكم المبين الذي ارتفعت عنه وجوه الإجمال والاحتمال. والمتشابه ~~مقابله، وهو الوارد بصفة الإشكال. # وقد اختلف العلماء في تأويل المتشابهات المشار إليها في الآية، فذهب خلق ~~من الأئمة إلى أنه لا يعلم تأويله إلا الله، وممن روي عنه ذلك من الصحابة: ~~عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله ابن مسعود، وأبي بن كعب، وأبو ~~أمامة الباهلي رضي الله عنهم. # ولم نكلف طلب معناه، وإنما كلفنا الإيمان به لوجهين: PageV01P236 # أحدهما: ليظهر آثار نقصنا وقصور علمنا عن كمال العلم، كما قالت الملائكة: ~~{سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا}. # والوجه الثاني: ليختبر الله بذلك حسن طاعتنا وقوة إيماننا في التصديق ~~بذلك والتسليم له، ورد علمه إلى عالمه سبحانه. PageV01P237 # قال أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في كتابه ((مسند شيوخ الشاميين ~~الثقات)): حدثنا ms098 عبيد العجل، حدثنا هارون بن موسى المستملي. وحدثنا محمد ~~ابن عبدوس بن كامل، حدثنا أبو الربيع سليمان ابن داود البغدادي قالا: حدثنا ~~محمد ابن حرب، حدثنا أبو سلمة سليمان ابن سليم، حدثنا أبو حصين، عن أبي ~~صالح مولى أم هانئ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل القرآن على أربعة ~~وجوه: فوجه حلال وحرام لا يسع أحدا جهالته، ووجه عربي يعرفه العرب، ووجه ~~تأويل يعلمه العلماء، ووجه تأويل لا يعلمه إلا الله، من انتحل منه علما فقد كذب. # والثاني من المتشابه في القرآن: المتشابه في اللفظ. وقد صنف فيه جماعة من ~~أئمة القراء، ومن أغربها مصنفا ((كتاب المتشابه)) لإبراهيم بن خالد الدقاق ~~وهو يروي عن أصحاب أبي الوليد الطيالسي، وأبي نعيم PageV01P240 ~~الفضل بن دكين وأضرابهما. قال في كتابه المذكور في باب ما في كتاب الله من ~~حرف واحد في ترجمة: ومن سورة آل عمران، قال: وفيها: {إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم يتلو}: ليس في القرآن مثله. # يعني الدقاق: والباقي {رسولا منهم} كما في آية البقرة: {ربنا وابعث فيهم ~~رسولا منهم يتلو عليهم آياتك}، وفي آية الجمعة كذلك: {هو الذي بعث في ~~الأميين رسولا منهم}. # وفي آية آل عمران المتشابه أيضا من وجه آخر، وهو قوله تعالى: {لقد من ~~الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم} ~~فلفظة {ويزكيهم} هنا قبل قوله {ويعلمهم الكتاب والحكمة}، وكذلك مرتبتها في ~~سورة الجمعة، وأخرت في آية سورة البقرة بعد قوله: {ويعلمهم الكتاب والحكمة ~~ويزكيهم}. وتقدم توجيه ذلك. والله سبحانه أعلم. # ومن المتشابه أيضا: ما يجيء على الإطلاق فيرجع فيه إلى المقيد، كقوله ~~تعالى: {إن الله يغفر الذنوب جميعا} يرجع فيه إلى قوله تعالى: {إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به}، وإلى قوله تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن} الآية. # ومن أنواع المتشابه: أن هذه الآية أشبهت فاتحة الكتاب من وجه، لأن فاتحة ~~الكتاب افتتحت بذكر الله وحمده والإشارة إلى نعمه على خلقه مع الثناء عليه، ~~وختمت بذكر ms099 أهل الغضب والضلال ممن ساق الله الشقاوة إليه. PageV01P241 # وكذلك هذه الآية الشريفة، افتتحت بذكر الله ومنه على المؤمنين بالإنعام ~~ببعثة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وختمت بذكر الإنقاذ من ~~الضلال المبين. # ومن المتشابه: متشابه السور، وهو على قسمين أحدهما: أن تشبه قصة سورة قصة ~~أخرى، كالأنفال وبراءة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: قلت لعثمان رضي الله ~~عنه ما حملكم على أن عمدتم إلى براءة وهي في المئين، وإلى الأنفال وهي من ~~المثاني، فقرنتم بينهما ولم تجعلوا بينهما سطرا فيه: بسم الله الرحمن ~~الرحيم، ووضعتموها في السبع الطول؟ فقال عثمان رضي الله عنه: إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه من السور التي يذكر فيها كذا وكذا، فإذا ~~أنزلت عليه الآيات يقول: ضعوا هذه الآيات في موضع كذا وكذا، فإذا أنزلت ~~عليه السورة يقول: ضعوا هذه في موضع كذا وكذا، وكانت الأنفال أول ما أنزل ~~عليه بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها تشبه قصتها، ~~فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين أمرها، فظننت أنها منها، فمن ~~أجل ذلك قرنت بينهما ولم أجعل بينهما سطرا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، ~~ووضعتها في السبع الطول. # والقسم الثاني من متشابه السور: في عدد الآي، كسورة الفاتحة وسورة أرأيت: ~~كل منهما سبع آيات، وكسورة يوسف والإسراء والأنبياء، كل منهن مائة آية ~~وإحدى عشرة آية، وكسورة الجمعة والمنافقين والضحى والعاديات والقارعة، كل ~~منهن إحدى عشرة آية، وكسورة العصر والكوثر والنصر، كل منهن ثلاث آيات؛ وهذا ~~أقل المتشابه من السور في عدد الآي، وأكثر ما في متشابه السور عددا سورة ~~براءة وطه، كل منهما مائة آية وثلاثون آية. PageV01P242 # ومن المتشابه في القرآن: الأشباه والنظائر، وقد وقع في هذه الآية الشريفة ~~من ذلك عدة، واستعمال ذلك في الكلام المنثور والمنظوم: من البلاغة، وهو أحد ~~أصناف البيان، ويسمى التصريف، وليس المراد التصريف الذي هو الكلام على ~~أسماء وأفعال يكون فيها أحد حروف العلة التي هي الياء والواو والألف ms100 ~~ويجمعها قولك (آوي) المذكور في قول الشاعر: # أطوف ما أطوف ثم آوي ... إلى بيت قعيدته لكاع # وإنما المراد التصريف الذي هو أحد أصناف البيان الذي ذكرها أبو علي الحسن ~~بن يحيى بن نصر الجرجاني في كتابه ((ضروب نظم القرآن)) وأبو الحسين أحمد بن ~~فارس بن زكريا الرازي صاحب ((المجمل)) في كتابه ((فيما ترجع إليه علوم ~~الإسلام من الفهم والإفهام، وغيرهما، فذكروا من أصناف البيان: التصريف، وهو ~~القليل من اللفظ PageV01P243 ~~يعرف من المعاني بزيادة تقع في البناء الأول، وهو على قسمين: # - تصريف المعنى في الدلالات المختلفة، كهذه الآية الشريفة، ذكرت كما ~~تلوناها أولا في سورة آل عمران: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم ~~رسولا من أنفسهم} الآية، وذكرت في سورة الجمعة: {هو الذي بعث في الأميين ~~رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من ~~قبل لفي ظلال مبين}، وذكرت في سورة البقرة في الدعوة الإبراهيمية قال الله ~~تعالى إخبارا: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم}. # فآية آل عمران ذكرت تذكيرا لبعض نعم الله على المؤمنين، وحثا لهم على ~~شكرها، وإشارة إلى إجابة الدعوة الإبراهيمية التي ذكرت في سورة البقرة. # وقد ذكرت آية البقرة إخبارا عن شرف نبينا صلى الله عليه وسلم وأنه دعوة ~~أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وإظهارا لكرامة هذه الأمة المحمدية. # وآية الجمعة ذكرت بعد تسبيح الله وتمجيده، وتقديسه، وذكر عدة من أسمائه ~~الحسنى، تعظيما لشأن هذا الرسول المبعوث صلى الله عليه وسلم ، فاختلفت ~~الدلالات في المعنى الواحد. # وهذا هو القسم الأول من التصريف. # - وأما القسم الثاني: فهو تصريف المعنى في المعاني المختلفة، وهو عقدها ~~به على جهة المعاقبة، فالمن يطلق وتصرف معانيه المختلفة بحسب الحال، فقوله ~~تعالى: {لقد من الله على المؤمنين} هذا من المن الذي هو الإنعام والإحسان ~~ابتداء بغير سؤال، بل لمجرد من وإفضال. # ومن أسماء الله تعالى (المنان) ولا عبرة بقول من أنكر ورود هذا PageV01P244 ~~الاسم في جملة الأسماء ms101 الحسنى مطلقا، لكن إن قيد برواية ليس فيها: سلم، ~~فأسماء الله الحسنى رويت من طرق، وفي بعضها زيادة أسماء على غيرها، وفي ~~بعضها إبدال أسماء بغيرها. # فمن الطرق ما رواه أبو سعيد أحمد بن محمد الأعرابي قال: حدثنا سليمان بن ~~الربيع النهدي، حدثنا خالد بن مخلد القطواني، حدثنا عبد العزيز بن الحصين، ~~حدثنا أيوب وهشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: ((إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة)) فذكر ~~الأسماء وفيها ((الرب، المنان)). # تابعه جماعة منهم محمد بن عثمان بن كرامة، عن خالد بن مخلد. # وجاء هذا الاسم أيضا فيما رويناه في ((مسند الإمام أحمد)) و((سنن)) PageV01P245 ~~النسائي وابن ماجه، وهذا لفظه: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا ~~أنت، وحدك لا شريك لك، المنان، بديع السماوات والأرض، ذا الجلال والإكرام. ~~فقال: ((لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به ~~أجاب)). # وقوله تعالى {لقد من}: يدل على أن المن حصل في زمن ماض، لكنه مستمر، كما ~~أشير إليه بلفظ يدل على الحال في قوله تعالى: {بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان} فهذا لفظه لفظ الحال. # والمن أيضا: اعتداد المعطي بصنيعته على من أعطاه، فيمن بعطيته عليه ~~تقريعا له، وهو المذكور في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا ~~صدقاتكم بالمن والأذى}. # والمن أيضا: الطل الحلو الذي ينزل على الأشجار والأحجار، فيكون كالصمغ ~~يجتنى منه ويؤكل، وهو المشار إليه بقوله تعالى: PageV01P246 # {وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى}، قال مجاهد: المن صمغه، ~~والسلوى الطير. # هكذا علقه البخاري في ((صحيحه)) بغير إسناد، وهو في ((تفسير)) شيخه محمد ~~بن يوسف الفريابي: عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. # وعلماء النبات يعدون المنون سبعة منها المن المذكور، وغفلوا عن الكمأة ~~فلم يذكروها، وقد صح عن سعيد بن ms102 زيد رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: ((الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين)). # والمن أيضا القطع والهدم، ومنه قوله تعالى: {فلهم أجر غير ممنون} فسره ~~جماعة أنه غير مقطوع. وفي ((مسائل نافع بن الأزرق)) PageV01P247 ~~الحنفي الحروري فقيه الخوارج لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وسأله عن ~~قول الله عز وجل {لهم أجر غير ممنون} فقال ابن عباس: غير مقطوع. قال: هل ~~تعرف ذلك العرب، فقال: قد عرفه أخو بني يشكر حيث قال: # وترى خلفهن من سرعة الرجع ... منينا كأنه أهباء # يعني الغبار تقطعه قطعا وراءها، والمنين: الغبار الضعيف، ويقال منين ~~وممنون: كقتيل ومقتول، وجريح ومجروح. # وقول بعض السلف: المن أخو المن: فالمن الأول: امتنان المعطي PageV01P248 ~~بالعطية على من أسداها إليه تقريعا له، والمن الثاني: القطع والهدم، فيكون ~~معنى الأثر أن من من بعطيته فكأنما قطع وصول أجرها إليه، وهدم البناء الذي ~~أسسها عليه، لأن العطية تسر من أسديت إليه وتوجب الأجر لمن أعطاها. والمن ~~يسوء الذي أسديت إليه، ويوجب إثما على المنان مع حبوط أجره الذي لو لم يمن ~~لكان ثابتا له. والمنة: القوة، وفي ((كتاب الأضداد)) للتوزي أن المنين يكون ~~القوي أيضا، فعيلا، من المنة. # فالمن في هذه المواضع لفظه متشابه، ومعانيه مختلفة، وهذا من تصريف ~~المعاني من اللفظ الواحد. # ومن هذا الباب: قوله تعالى {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم ~~رسولا}. فمعنى بعث هنا -والله أعلم- أرسل، يقال: بعثت الرجل في حاجة كذا، ~~وإلى كذا، أبعثه: إذا أرسلته، وبعثته على كذا: إذا أرغبته فيه أن يفعله، ~~ومصدر ذلك كله: البعث. # وله وجوه أيضا، منها: البعث: الجند يبعثون في الأمر. والبعث أيضا: النشور ~~من القبور. والبعث: القوم يؤمر بهم إلى مكان، ومنه الحديث: أن آدم عليه ~~الصلاة والسلام يقال له يوم القيامة أخرج بعث النار. PageV01P249 # والبعث أيضا: المبعث، ويقال له البعثة أيضا، وهي رسالة نبينا عليه أفضل ~~الصلاة والسلام المشار إليها بقوله تعالى في هذه الآية الشريفة: {لقد من ~~الله على المؤمنين ms103 إذ بعث فيهم رسولا}. # ومن الأشباه والنظائر أيضا: الرسول، وهو هنا نبينا محمد عليه أفضل الصلاة ~~والسلام، ويطلق الرسول أيضا على المبعوث برسالة ما من ذكر أو أنثى، ويطلق ~~على من أرسل من الملائكة بأمر ما، قال الله عز وجل: {الحمد لله فاطر ~~السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا} وقوله تعالى: {رسلا} هو جمع رسول، ~~ويجمع أيضا على أرسل. # ومن الأشباه أيضا: قوله تعالى {من أنفسهم} جمع نفس. واختلف في المراد بها ~~هنا، فقيل: العرب، وقيل: المؤمنون، وقال أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي: من أنفسهم بالإيمان والشفقة، لا بالنسب، كما يقول القائل: أنت ~~نفسي. انتهى. # وتطلق النفس أيضا ويراد بها نفس الإنسان وغيره التي يقوم بها جسمه، ~~والخلاف فيها مشهور: هل هي الروح أم لا؟ وقيل: الروح بها الحياة، والنفس ~~بها العقل، وعلى هذا قيل إذا نام: قبض الله نفسه، وإذا مات: قبض الله روحه، ~~وحديث النوم عن صلاة الصبح في الوادي يرد على هذا ويثبت أن الروح والنفس ~~شيء واحد. PageV01P250 # وتطلق النفس على حقيقة الشيء، وعلى جملته، والنفس أيضا: العظمة، والعزة، ~~والهمة، والأنفة، والعين المصيبة يقال: أصابت فلانا نفس، أي: عين، والنفس ~~أيضا: الخلد والروع يقال: في نفس فلان أن يفعل كذا وكذا، والنفس أيضا: ملء ~~الكف من الدباغ. # ومن الأشباه: قوله تعالى: {يتلو} معناه هنا: يقرأ، يقال: تلوت القرآن: ~~إذا قرأته، كأنك أتبعت آية في إثر آية قراءة، والمصدر: التلاوة -بكسر أوله- ~~ويقال التلاوة بالضم لغتان، ويتلو أيضا: يخبر، يقال: تلا الخبر يتلوه إذا ~~أخبر به، ويتلو الشيء أيضا يتتبعه، تلوا، فيهما. # ومن الأشباه أيضا: قوله تعالى {يتلو عليهم آياته}، الآيات هنا فسرت ~~بالقرآن، وآي أيضا: جمع آية، والآية إنما سميت آية لأنها كلام متصل إلى ~~انقطاع، وانقطاع معناه انقطاع قصة ثم قصة. قاله أبو عبيدة PageV01P251 ~~في كتاب ((مجاز القرآن)). # والآية أيضا العلامة، ومنه الحديث: ((آية المنافق ثلاث)). والآية أيضا: ~~المعجزة. # ومن الأشباه أيضا في الآية: قوله {ويزكيهم}، أي يصلحهم، فيما ذكره مقاتل ~~بن سليمان وغيره، ومنه ms104 قوله تعالى: {ولكن الله يزكي من يشاء}، فالزكاة: ~~الصلاح. والزكاة أيضا: كلمة التوحيد، كما فسر قوله تعالى {لا يؤتون ~~الزكاة}: لا يشهدون أن لا إله إلا الله. والزكاة أيضا: التطهير. والزكاة ~~أيضا: النماء والزيادة. والزكاة: صدقة الفرض المشهورة. والزكاة أيضا: ~~البركة والمدح. ويقال أيضا: زكا الرجل صار عدلا مرضيا. وزكا أيضا: أخصب. ~~وزكا أيضا: تنعم. # ومن الأشباه في الآية: قوله تعالى {ويعلمهم الكتاب} المراد به القرآن، ~~وهو بمعنى المكتوب، مصدر سمي به المفعول، ولم يكن PageV01P252 ~~مكتوبا وقت نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم ، مع أنه أطلق عليه ذلك، ~~لكن من قواعد كلام العرب أنهم تارة يصفون الشيء بما هو ملابس له حقيقة، ~~نحو: زيد قائم، إذا كان قائما حالة الإخبار عنه، وتارة يصفون الشيء بما ~~يؤول إليه مجازا، كقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((من قتل قتيلا فله ~~سلبه)) فالقتيل: لا يقتل، وإنما عبر عنه بما يصير إليه، وتارة يصفون الشيء ~~بما كان عليه أولا، كقول الله عز وجل: {وآتوا اليتامى أموالهم} ولا يسمى ~~اليتيم بعد بلوغه يتيما إلا باعتبار ما كان عليه. # والقرآن -جل منزله- لم يكن وقت نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم ~~مكتوبا وإنما ذلك باعتبار أنه كان مكتوبا في اللوح المحفوظ، قال الله عز ~~وجل: {بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ}، ويحتمل أنه سمى كتابا باعتبار ما ~~يؤول إليه، لأنه جمع بعد نزوله وكتب، والأول أظهر، لأن أبا بكر الصديق ~~وغيره رضي الله عنهم لما امتنعوا من كتابة القرآن حين اجتمعوا عند أبي بكر ~~رضي الله عنهم لجمعه، لو فهموا عن الله عز وجل أن الكتاب سمي بذلك باعتبار ~~مصيره مكتوبا في المستقبل PageV01P253 ~~ما امتنعوا من الكتابة أولا. والله أعلم. # ويطلق الكتاب أيضا على الحكم، وبه فسر قول الله تعالى: {وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} أي: في حكمه، ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ((لأقضين بينكما بكتاب الله)). والكتاب أيضا: الفرض، ومنه قوله ~~تعالى: {كتابا موقوتا} وكتب الشيء: قضاه، وجعله، ms105 وأمر به، وفرغ منه، وقدره، ~~وأحصاه، وغير ذلك من الوجوه. # ومن الأشباه أيضا في الآية: قوله تعالى {والحكمة} هي هاهنا سنة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، وبذلك فسره ابن عباس رضي الله عنهما فيما رواه عنه مجاهد، ~~وروي عن قتادة وآخرين، وبه قال إمامنا الشافعي رضي الله عنه، فقال في كتابه ~~((الرسالة)) من كتابه ((الأم)) -وهو أولها-: وقد فرض الله تعالى على الناس ~~اتباع وحيه وسنن رسوله صلى الله عليه وسلم فقال في كتابه: {ربنا وابعث فيهم ~~رسولا منهم يتلو عليهم}. PageV01P254 ### | CHECK [المجلس [12]] # [12] بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى # قال الله عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # ذكر الله عز وجل المؤمنين بنعمة عظمية من أمهات نعمه، وما أفاضه عليهم من ~~بحار كرمه، وهي بعثة هذا الرسول سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وما ~~حصل على يديه من الإنعام والإكرام، من ذلك: تلاوة آيات الله علينا أيها ~~المؤمنون، إما: بغير واسطة لمن شاهدوا التنزيل، وكانوا يسمعونه من لفظ ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعنه يأخذون. وهؤلاء هم السادة الصحابة خير ~~القرون. # وإما: تلاوة الآيات بواسطة الصحابة مع بعضهم، ومع التابعين، وبواسطة ~~التابعين لمن لم يسمع من الصحابة، وهلم جرا، إلى أن تليت علينا الآيات ~~العظام، وتلقيناها سماعا وتلاوة ممن أدركنا من الأعلام، وهكذا تتلى على من ~~يأتي بعد من المؤمنين، إلى أن يرفع القرآن من صدور المسلمين. PageV01P255 # وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى -والله أعلم-: {لقد من الله على المؤمنين إذ ~~بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته}. # والتلاوة -بكسر المثناة فوق، وضمها، لغتان- ومعناها إتباع بعض القرآن ~~بعضه قراءة. والآيات هنا فسرت بالقرآن، وتلاوته أحد علوم القرآن العظيم، ~~وعلومه كثيرة الأنواع، ترجع إلى ثلاثة أقسام: # أحدها: تلاوته بالإتقان، وتصحيح الإعراب، وحسن الأداء، ومنه الواجب ~~والمستحب. # فمن الواجب: تصحيح التلاوة من اللحن الجلي، مثل تغيير ms106 الإعراب، لاسيما ~~إذا غير اللحن المعنى، وكإخراج الحرف من غير مخرجه، وربما تغير به المعنى، ~~وكذلك عدم أصل التشديد. # ومن المستحب: تصحيح التلاوة من اللحن الخفي، كترك المد المتفق عليه، ~~وأحكام النون الساكنة والتنوين، ونحو ذلك من الترقيق والتفخيم. PageV01P256 # فهذا أحد أقسام علوم القرآن معرفة تلاوته المشار إليها بقوله تعالى: {يتلو ~~عليهم آياته}. # والثاني: معرفة وجوه القراءات المأخوذة عن الأئمة، كالسبعة، PageV01P257 ~~وما يتعلق بذلك. # والثالث: معرفة تفسيره واستنباط أحكامه، كما هو من شروط المجتهد. # وهذا القسم هو غاية علومه، لأنه المقصود لمعرفة المتكلم به سبحانه، وما ~~يتعلق بتوحيده وإخلاص الدين له، وكيفية عبادته سبحانه، كما أشار الله تعالى ~~إليه بقوله: {يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة}. # ومعنى التزكية: الإصلاح -والله أعلم- لأنه بتلاوة القرآن على المؤمنين ~~انفتحت لسماعه آذانهم، وانشرحت لفهمه صدورهم، فصلحت بالتزكية، فتعلموا ~~حينئذ الكتاب -وهو القرآن المتلو على المؤمنين-. # والحكمة -وهي سنة النبي صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا- فصاروا بذلك من ~~المهتدين، كما أشار إليه سبحانه بقوله تعالى: {وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين} أي: {من قبل} أن يبعث الله فيهم هذا الرسول صلى الله عليه وسلم بما ~~بعثه به {لفي ضلال} وهو عدم الرشاد والهدى {مبين} أي: بين ظاهر. والله أعلم. # فأي نعمة توازي هذه النعم! وأي فضل يوازي هذا الفضل والكرم!. # وفي قول الله عز وجل: {إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته} أي ~~القرآن الذي أنزله الله عليه. ونزول القرآن كان في شهر رمضان، كما قال الله ~~عز وجل: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} PageV01P260 ~~فقيل: ابتداء نزوله كان في شهر رمضان، ثم نزل مفرقا في رمضان وغيره، وقيل: ~~كان النزول في الشهر جملة واحدة، كما قال الله عز وجل: {إنا أنزلناه في ~~ليلة القدر} وهي الليلة المباركة عند الجمهور المشار إليها بقوله تعالى: ~~{إنا أنزلناه في ليلة مباركة} وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما ما يدل ~~على ذلك، جمعا بين الآيات الثلاث وبين ما علم نزوله في غير ms107 شهر رمضان، وهو ~~ما خرجه الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كتابه ((أسماء الله ~~تعالى وصفاته الواردة في الكتاب والسنة)) من حديث السدي، عن محمد بن أبي ~~المجالد، عن مقسم، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه سأله عطية بن الأسود ~~فقال: إنه قد وقع في قلبي الشك، قول الله عز وجل: {شهر رمضان الذي أنزل فيه ~~القرآن} وقوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر}، وقوله تعالى: {إنا ~~أنزلناه في ليلة مباركة} وقد أنزل في شوال، وذي القعدة، وذي الحجة -يعني ~~وغير ذلك من الأشهر- فقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنه أنزل في رمضان، وهي ~~ليلة القدر، وفي ليلة مباركة، جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع ~~النجوم رسلا في الشهور والأيام. # ومعنى رسلا أي رفقا، وقوله صلى الله عليه وسلم : على مواقع النجوم: أي ~~على مثل مساقط النجوم يتلو بعضه بعضا على تؤدة ورفق. # وروينا في كتاب ((فضائل القرآن)) لأبي عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا ~~يزيد، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل ~~القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين ~~سنة، وقرأ: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا}. قال ~~أبو عبيد: لا أدري كيف قرأه يزيد -يعني PageV01P261 ~~ابن هارون شيخه في حديثه- إلا أنه لا ينبغي أن يكون على هذا التفسير إلا ~~فرقناه -بالتشديد-. والحديث خرجه الحاكم في ((مستدركه)) -دون قول أبي عبيد- ~~وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. # والسر في إنزال القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، ثم نزل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم مفرقا: أن الكتب المنزلة قبل نزول القرآن أنزلت إلى الأرض ~~جملة واحدة، فحصل للنبي صلى الله عليه وسلم ما حصل للأنبياء الذين أنزل ~~الله عليهم كتبه جملة واحدة، فأنزل القرآن جملة واحدة، ووضع في بيت العزة ~~من سماء الدنيا، ثم زاده الله على الأنبياء نزول القرآن مفرقا بعد نزوله ~~جملة، فكان ms108 نزول القرآن مرتين. # والمرة الأولى التي نزل فيها جملة: هل كانت بعد ظهور نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم أم قبلها؟ كل منهما محتمل، وعلى كل فيه تفخيم عظيم للنبي صلى ~~الله عليه وسلم إن كان بعد ظهور النبوة، وإن كان قبلها ففائدته أظهر وأكثر، ~~لأن فيه إعلام الملائكة بقرب ظهور أمة النبي صلى الله عليه وسلم الأمة ~~المرحومة الموصوفة في الكتب السالفة، وبإرسال نبيهم أحمد خاتم الأنبياء، ~~وأرق الرحماء، خاتم النبيين، والمرسل رحمة للعالمين، الذي أمر بالتراحم ~~ورغب فيه، ووعد الثواب للراحم من جنس ما يعطيه، فقال في أحاديث منها ذلك ~~الحديث العظيم الشان ((الراحمون يرحمهم الرحمن)) الذي رويناه فيما تقدم من ~~طرق ثمانية إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذه طريق تاسعة، هي لما قبلها تابعة. # أخبرنا الإمام أبو العباس أحمد بن أبي محمد بن موسى الحاكم، وهو أول حديث ~~سمعته منه بمنزله بدمشق، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أبي بكر بن محمد ~~الثغري، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا يحيى ابن محمد بن الحسن بن عبد ~~السلام، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا أبي أبو بكر محمد بن الحسن، وهو ~~أول حديث سمعته منه، PageV01P262 ~~أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد الأصبهاني، وهو أول حديث سمعته منه ~~وأنا حاضر، أخبرنا جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن جعفر ابن السراج، وهو ~~أول حديث سمعته منه، أخبرنا أبو نصر عبيد الله الوائلي بمكة، وهو أول حديث ~~سمعته منه، أخبرنا حمزة بن أبي محمد بنيسابور، وهو أول حديث سمعته منه ~~بقراءتي عليه، أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا ~~عبد الرحمن بن بشر، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا سفيان بن عيينة، وهو أول ~~حديث سمعته من سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس مولى عبد الله بن ~~عمرو بن العاصي، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: ((الراحمون يرحمهم الرحمن ms109 تبارك وتعالى، ارحموا أهل ~~الأرض يرحمكم من في السماء)). # وأنبأناه أعلى من هذا بدرجة المسند الكبير أبو عبد الله محمد بن محمد بن ~~عبد الله النعالي، عن الحافظ العلامة أبي محمد عبد المؤمن ابن خلف الدمياطي ~~قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد السلام في الرحلة الثانية إلى ~~ثغر الإسكندرية سنة تسع وثلاثين وستمائة، وهو أول حديث سمعته منه فذكره. # وبالإسناد إلى أبي طاهر قال: قال لي ابن السراج: لما دخلت مصر حضرت مجلس ~~أبي إسحاق الحبال فأخرج لي هذا الحديث وكان يرويه عن أبي نصر فقلت: هو ~~سماعي منه. فقال: أقرؤه فتسمعه أنت مني، وأسمعه أنا منك، فقرأه رحمه الله. # هذا حديث حسن عال من حديث أبي محمد سفيان بن عيينة بن أبي عمران: ميمون ~~الهلالي مولاهم، الكوفي الأصل، المكي الدار، عالم الحجاز. وكان أعور العين، ~~أدرك من التابعين ستة وثمانين، وتفرد مدة عن الزهري وعمرو بن دينار، في آخرين. # ولما مات الزهري سنة أربع وعشرين ومئة كان لابن عيينة من العمر PageV01P263 ~~سبع عشرة سنة، وحين مات عمرو بن دينار في سنة ست وعشرين ومائة كان لابن ~~عيينة إذ ذاك تسع عشرة سنة. # قال البخاري: قال لنا علي، عن ابن عيينة: ولدت سنة سبع ومائة، وجالست ~~الزهري وأنا ابن ستة عشر سنة وشهرين ونصف. رواه في ((تاريخه الكبير)). # وكان قد رأى في حياة شيوخه في المنام كأن أسنانه كله سقطت، فقص رؤياه على ~~شيخه الزهري فقال: تموت أسنانك -يعني أقرانك- وتبقى أنت. قال سفيان: فماتت ~~أسناني وبقيت. # وروي أن سفيان لما تفرد تمثل وأنشد: # خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن الشقاء تفردي بالسؤدد # هذا، والشافعي يقول عنه: ما رأيت أحدا فيه من آلة العلم ما في سفيان، وما ~~رأيت أحدا أكف عن الفتيا منه! # وقال ابن المديني: ما بقي على وجه الأرض أحد يشبهه. # وقال ابن وهب: ما رأيت أعلم بكتاب الله منه. # وأثنى عليه الأئمة، وكان أحد علماء الأمة، وكان له أخوة تسعة هم به عشرة، ~~منهم: ms110 محمد، وآدم، وعمران، وإبراهيم، وسفيان، وكلهم محدثون، وسفيان أجل ~~العشرة قدرا، وأشهرهم ذكرا. # مولده بالكوفة للنصف من شعبان سنة سبع ومائة ثم نقله أبوه إلى PageV01P264 ~~مكة، ثم دخل الكوفة وقد ناهز عشرين سنة فقال أبو حنيفة لأصحابه: جاءكم حافظ ~~علم ابن دينار، فجاء الناس إليه يسألونه عن عمرو بن دينار. قال ابن عيينة: ~~فأول من صيرني محدثا أبو حنيفة، فذاكرته. # وقد روي أن أول من أخذ عنه من أهل الكوفة مسعر بن كدام. قال أبو غسان ~~مالك بن إسماعيل النهدي: سمعت ابن عيينة يقول: أول من جاءني يطلب مني ~~الحديث مسعر. # توفي مسعر سنة خمس وخمسين ومئة قبل وفاة سفيان بثلاث وأربعين سنة. # توفي سفيان سنة ثمان وتسعين ومئة بمكة، ودفن بالحجون وقبره ظاهر يزار، ~~وحج سبعين حجة. # وهذا الحديث معروف به، وهو من أفراده عن عمرو بن دينار. # وهو أبو محمد المكي الجمحي الأثرم، مولى موسى بن باذان مولى بني جمح، ~~ويقال مولى باذان والد موسى المذكور، وقيل باذان مولى بني مخزوم، ويقال هو ~~مولى باذان عامل كسرى على اليمن. # قال أحمد بن حنبل: كان مولى فشرفه الله بالعلم. يعني عمرا. # وهذا غير عمرو بن دينار الأعور قهرمان آل الزبير، والقهرمان هذا PageV01P265 ~~متأخر عن عمرو بن دينار المكي الأثرم مولى عبد الله بن عمرو حسا ومعنى، لأن ~~المكي لقي عدة من الصحابة، منهم ابن عباس، وجابر، وأبو شريح الخزاعي، وابن ~~عمر، وعبد الله بن عمرو، والقهرمان ليس له صحابي يروي عنه، إنما يروي عن ~~سالم بن عبد الله بن عمر. # وأما تأخر القهرمان معنى: فهو ضعيف، قال البخاري: فيه نظر، وقد ضعفه أبو ~~زرعة وأبو حاتم الرازيان، ويحيى بن معين، والترمذي وغيرهم. # وعمرو بن دينار المكي التابعي من كبار الثقات، ولقد حدث عنه سفيان بن ~~عيينة مرة فقال: حدثنا عمرو بن دينار وكان ثقة ثقة ثقة ثقة، وحديثا أسمعه ~~من عمرو أحب إلي من عشرين من غيره. # وذكر بعضهم عمرو بن دينار ثالثا وهو أبو خلدة الكوفي، من شيوخ ms111 PageV01P266 ~~سيف بن عمر صاحب ((الفتوح)) و((الردة)). وهذا من المتفق والمفترق، وهو أحد ~~الأنواع التي يدخل فيها الحديث. # وأول الثلاثة عمرو بن دينار المكي: أمثلهم، وقد تفرد بالحديث عن أبي قابوس. # والصحيح فيه أن اسمه كنيته، وزعم ثابت بن محمد المديني أن اسمه المبرد ~~قال الذهبي فيما أخبرنا وحدثنا عنه: ومن زعم أن اسمه المبرد فقد تبارد. ~~لكني قلت: وقول ثابت ليس بثابت. # وشيخ أبي قابوس مولاه: عبد الله بن عمرو بن العاصي بن وائل بن هاشم بن ~~سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي السهمي، ~~أبو محمد، وقيل أبو عبد الرحمن، وقيل أبو نصير، وهو وأبوه، وأمه ريطة بنت ~~منبه بن الحجاج السهمية صحابة رضي الله عنهم. وروي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال فيهم: ((نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله)) رضي ~~الله عنهم. PageV01P267 # ولم يكن بين عبد الله وأبيه في السن سوى إحدى عشرة سنة وقيل اثنتي عشرة سنة. # أسلم عبد الله قبل أبيه، وكان اسمه كاسم جده: العاصي، فسماه النبي صلى ~~الله عليه وسلم عبد الله، وكان رجلا طوالا، أحمر، عظيم البطن، أبيض الرأس ~~واللحية، وكان أحد فقهاء الصحابة وحفاظها، مع ورع وصلاح وعبادة، سخيا كريما ~~متواضعا. # اختلف في وفاته ومكانها، فقيل: سنة ثلاث وستين، وقيل سنة ثمان وستين، ~~وقيل سنة ثلاث وسبعين، بمكة وقيل بالطائف، وقيل بمصر، وقيل بفلسطين. وكان ~~من المكثرين أصحاب المئين، قيل روى سبع مئة حديث، أخرج له في الصحيحين خمسة ~~وأربعون حديثا، المتفق عليه فيهما سبعة عشر حديثا، وانفرد البخاري بثمانية ~~أحاديث، وانفرد مسلم بعشرين حديثا، وله في السنن عدة، وخرج له .. .. مسندا مفردا. # وحديثه هذا حسن، كما تقدم، وصححه الترمذي، وهو من الأفراد. PageV01P268 # ومن لطائف سنده: رواية الأقران عن أقرانهم، وهو على ثلاثة أجناس، منها ~~المدبج: رواية كل من القرين عن الآخر، لأن ابن السراج سمعه من لفظ أبي ~~إسحاق الحبال، حدثه به عن أبي نصر الوائلي، ms112 وسمعه ابن الحبال بقراءته على ~~ابن السراج عن أبي نصر. # ومن لطائف السند أيضا: أنه يدخل في نوع من أنواع الحديث، وهو أن يأتي نسب ~~رجل يقرأ من آخره كما يقرأ من أوله لا يتغير نطقا ولا خطا، لكن لم يذكره ~~أحد في الأنواع، ولا أفرد بالتأليف فيما أداه إلي السماع، مع أن الحافظ أبا ~~موسى المديني صنف أنواعا لطائف في الأسانيد منها: المتفق من الأسماء على ~~نسق، ولم يعرج على هذا النوع الذي ذكرته، وقد لقبته: ذكر من له نسب يستقيم ~~إذا انقلب، ووقع منه في هذا السند رجلان: أحدهما: أبو محمد ابن السراج فهو ~~جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن جعفر. # والثاني: الراوي عنه، وهو أبو طاهر الأصبهاني أحمد بن محمد بن أحمد. # وقد وقع لي عدة صالحة من هذا النوع، فمن المتقدمين: الحارث بن حاطب بن ~~الحارث بن معمر القرشي الجمحي صحابي ابن صحابي، ولد بالحبشة، ومات أبوه بها ~~مهاجرا، وسعيد بن العاصي أبي أحيحة بن سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس ~~الأموي المدني، كان من أشراف قريش وأجوادهم وفصحائهم، وأحد من كتب المصاحف ~~لعثمان، كان يقال له: عكة العسل، له صحبة ورواية مرسلة، ولي الكوفة، وافتتح ~~طبرستان، وقيل: وجرجان أيضا، وولي المدينة زمن معاوية. # ووقع لي من هذا أيضا عدة من شيوخنا، منهم: محمد بن محمد بن محمد بن عثمان ~~بن محمد بن محمد بن محمد بن الغلفي، حدثنا عن العفيف إسحاق الآمدي، وأحمد ~~بن الشحنة أبي طالب. ومنهم: أحمد PageV01P269 ~~ابن علي بن محمد بن علي بن أحمد الحنفي ابن قاضي الحصن، حدثنا عن الحافظ ~~المزي وآخرين. # هذا بعض ما يتعلق بسند هذا الخبر. # وأما فوائد متنه: 1- فمنها: أن أسماء الله الحسنى يدعا بها رغبا ورهبا ~~وغير ذلك، والأبلغ في إجابة الدعاء بواحد من هذه الأسماء أن يكون الاسم ~~المسئول به دالا على السؤال، إما باشتقاق أو نحوه من غير مثال، كمن يسأل في ~~تدبير مصالحه رفقا بلا تكليف، فيقول يا بر ms113 يا لطيف، والشاهد لذلك من الحديث ~~قوله صلى الله عليه وسلم : ((الراحمون يرحمهم الرحمن))، وهو يحتمل أمرين: ~~إما أن يكون معناه الخبر، كلفظه، وإما أن يكون لفظه لفظ الخبر، ومعناه ~~الدعاء، كقولهم: رضي الله عنه، رحمه الله، غفر الله له، ومعناه على هذا ~~الوجه: الراحمون أسأل أن يرحمهم الرحمن. # 2- ومن الفوائد أيضا: قول سفيان: عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس، عن عبد ~~الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكر الحديث. # وفيه لفظان من ألفاظ الأداء: # أحدهما: ((عن)) وهي متصلة بإجماع أئمة النقل، على تورع رواتها عن ~~التدليس، قاله الحاكم أبو عبد الله. ولفظة ((عن)) هي أعلى من لفظة ((قال)) ~~التي هي أقل عبارات الأداء مرتبة، كما أن أعلى عبارات الأداء مرتبة لفظة ~~((سمعت)). PageV01P270 # والثاني: لفظة ((أن)) وحكمها حكم ((عن)) عند الجمهور، كما حكاه عنهم ابن ~~عبد البر، وقال أبو بكر البرديجي: حرف ((أن)) محمول على الانقطاع حتى يتبين ~~السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى. قال ابن عبد البر لما حكى هذا: ~~وعندي لا معنى لهذا. انتهى. # وقول عبد الله بن عمرو: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكر ~~الحديث، قد جاء التصريح بالسماع من طريق أخرى، وهي قول عبد الله في بعض طرق ~~الحديث: ((وهذا أول حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خطبة ~~الوداع)). وما حكاه ابن عبد البر عن الجمهور يشعر أنه لا فرق بين ((عن)) ~~و((أن)). وقد عقد الخطيب في كتاب ((الكفاية)) بابا للفرق بين ((أن)) ~~و((عن)) وروى عن أبي بكر الخلال قال: أخبرنا سليمان بن الأشعث قال: وسمعت ~~أحمد قيل له: إن رجلا قال: قال عروة: إن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول ~~الله. وعن عروة عن عائشة، سواء؟ قال: كيف هذا سواء؟! ليس هذا سواء. # وروى أبو بكر الخطيب مثل ذلك من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما، عن عمر رضي الله عنه، أنه سأل النبي صلى ms114 الله عليه وسلم أينام PageV01P271 ~~فظاهر الطريق الأولى -فيما ذكره الخطيب- أنها من مسند عمر، والثانية أنها ~~من مسند ابن عمر -فيما ذكره الخطيب- وقد أدخل الثانية في مسند عمر محمد بن ~~يحيى بن أبي عمر العدني في ((مسنده)) وفعله غيره. # 3- ومن فوائد متن هذا الحديث: أن الدعاء بالأسباب أبلغ في الإجابة، كمن ~~أراد الله أن يستره فليستر مسلما، أو أن يسره فليدخل السرور على مسلم، أو ~~يرحمه الله فليرحم عباده، كما في هذا الحديث: ((الراحمون يرحمهم الرحمن)) ~~الحديث. # 4- ومن فوائد الحديث: أن ظاهره يقتضي أن قوله ((الراحمون يرحمهم الرحمن)) ~~كقوله ((ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء)) لأن معناهما واحد، وهو ~~حصول الرحمة من الله لمن يرحم عباده، لكن لما ذكر الثاني بلفظ غير الأول ~~حسن التكرار مع إفادة المعنى، وقد يكون الأول لأحد القسمين من الراحمين، ~~والثاني للآخر منهم، فأحد القسمين من لم يبلغه النص في ثواب الرحمة لخلق ~~الله، فأول الحديث لهذا القسم، لأنه لا بد لهم من الثواب وإن لم يعلموا ~~النص عليه، لقوله PageV01P272 ~~صلى الله عليه وسلم : ((الراحمون يرحمهم الرحمن))، والقسم الثاني من بلغهم ~~النص في ثواب الرحمة، فخوطبوا بقوله صلى الله عليه وسلم : ((ارحموا أهل ~~الأرض يرحمكم من في السماء)). # ويحتمل أن الرحمة لما كانت تصدر من المؤمنين والكفار، والله لا يضيع عمل ~~عامل: أما الكفار فيجازيهم في الدنيا بحسناتهم حتى يلقوا الله ومالهم حسنة ~~يجزون بها، فأول الحديث يتناولهم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ~~((الراحمون يرحمهم الرحمن)) لأن الرحمن ذو الرحمة الشاملة التي عمت المؤمن ~~والكافر، والصالح والطالح في الدنيا، وآخر الحديث خاص بالمؤمنين. ولهذا ~~-والله أعلم- خاطبهم بقوله: ((ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء)). # 5- ومن فوائد الحديث: أن من سمعه وعمل به إيمانا بالله واحتسابا للثواب ~~الموعود به فيه زكى الله عمله، وبلغه من الثواب أمله، وكان من أهل السنة ~~التي وعد الله متبعها بالجنة، كما أن من ابتدع، وأعرض عن السنة وما اتبع، ~~فقد دنا حتفه، ورغم بإعراضه أنفه. # وقد أخبرنا جماعة من ms115 الشيوخ منهم: أم يوسف فاطمة ابنة المحتسب أبي عبد ~~الله محمد، بقراءتي عليها، قالوا: أخبرنا أبو العباس أحمد بن أبي طالب ~~البياني، قراءة عليه ونحن نسمع، أخبرنا عبد الله بن عمر PageV01P273 ~~البغدادي إجازة إن لم يكن سماعا، أخبرنا أبو الفتوح محمد بن محمد ابن علي، ~~أنشدنا الزاهد أبو عبد الله محمد بن أميرجه بن أشعث الهروي، أنشدنا أبو ~~الحسن علي بن الحسين بن حمزة، أنشدنا السيد أبو الحسن المغربي لنفسه. # أفق واطلب لنفسك مستواها ... ودع عصبا قد اتبعت هواها # وسنة أحمد المختار فالزم ... وعظمها وعظم من رواها # وإن رغمت أنوف من أناس ... فقل يا رب لا ترغم سواها # آخر المجلس ولله الحمد حمدا كثيرا دائما # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم PageV01P274 ### | CHECK [المجلس [13]] # [13] بسم الله الرحمن الرحيم # اللهم صل على محمد وآله وصحبه وسلم ويسر # قال الله عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # هذه الآية الشريفة فيها معان لطيفة، وأحكام عالية منيفة، تقدم ذكر بعضها ~~في المجالس الماضية، ونذكر الآن ما تيسر من المعاني الباقية، بعد ذكر ~~مقدمة، هي كالمدخل إلى ذلك معلمة، وهي أن كل كلام مفيد إذا طرق السمع من ~~قريب أو بعيد يحصل به العلم. # والعلم يطلق لغة واصطلاحا على أمور، أولها: الشعور، وهو أول مراتب العلم، ~~فإذا شعر الإنسان بشيء فقد علم به، ومما يطلق العلم عليه الإدراك، والتصور، ~~والحفظ، والتذكر، والذكر، والفهم، والفقه، والدراية، واليقين، والذهن، ~~والفكر، والحدس، والذكاء، والفطنة، والكيس، والرأي، والتبين، والاستبصار، ~~والإحاطة، والعقل، والحسبان. # فكل من هذه الأمور يطلق العلم عليه، وإذا حصل العلم بكلام مفيد يتعلق ~~النظر فيه بأطراف من وجوه معانيه. # فمن أطرافه: بيان معاني ألفاظه المفردة من حيث المدلول، وهو علم اللغة كلفظة: PageV01P275 # - ((من)) المذكورة في الآية، فمعناها أحسن وأنعم، وقيل: أوسع في العطاء ~~وأعظم، وقيل: ابتدأ بالنوال قبل السؤال وأكرم. # و((من)) في غير هذا الموضع ms116 لها وجوه، منها: اعتداد المعطي بصنيعته على ~~المعطى تقريعا له، وبه فسر قول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى}. # ومنها: الطل الحلو، المشار إليه في قوله تعالى: {وأنزلنا عليكم المن ~~والسلوى}. # ومنها: المن: القطع والهدم، ومنه قوله تعالى: {فلهم أجر غير ممنون} فسره ~~جماعة بأنه غير مقطوع. # - وكذلك قوله تعالى: {إذ بعث} ف ((بعث)): لها وجوه، منها: بمعنى أرسل، ~~وبمعنى: أيقظ، قال الله عز وجل: {وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم} أي: ~~أيقظناهم، والبعث: النشور من القبور، ومنه قوله تعالى: {والموتى يبعثهم الله}. # - وكذلك قوله تعالى: {من أنفسهم} فالنفس تطلق ويراد بها أمور. # - وكذلك: الآيات، والتزكية، والكتاب، والحكمة، كل له عدة وجوه في كلام العرب. # ومن الأطراف التي يتعلق بها النظر في الكلام: حكم تركيب الألفاظ ~~واختلافها على وفق كلام العرب، وهذا علم الإعراب، كرفع الاسم PageV01P276 ~~الشريف في قوله تعالى: {لقد من الله} والجر في قوله تعالى: {على المؤمنين} ~~والنصب في قوله تعالى: {إذ بعث فيهم رسولا} واعتبار العوامل فيما ذكر ~~وألقابها، وما في الآية من الأسماء والأفعال والحروف، والمعرب من ذلك ~~والمبني. # ومن الأطراف التي يتعلق بها النظر في الكلام: معرفة ما تدل عليه الألفاظ، ~~وهو علم الأحكام، ومن أحكام الآية: إثبات النبوات وبعثة الرسل، ووجود ~~الملائكة، ووجوب الشكر واستدعاؤه، وذكر النعم على سبيل التعريف لا على جهة ~~التقريع والتعنيف، وغير ذلك مما يؤخذ من منطوق الآية ومفهومها. # ومن الأطراف أيضا: اعتبار ضروب نظم الألفاظ التي أفادها التركيب، وهذا ~~علم المعاني والبيان الذي هو أحد أقسام البلاغة التي هي: إيصال المعنى ~~المقصود إلى القلب بأحسن ما يكون من اللفظ وأجوده، وهي على وجوه منها: ~~البيان الذي من أقسامه الاعتبار، فإذا اعتبرنا قوله تعالى {لقد من الله على ~~المؤمنين}: علمنا أنه أنعم عليهم وأحسن إليهم، ثم ننظر في معنى المن على ~~أحد وجوهه، فنعلم أنه سبحانه ابتدأهم بالإنعام بلا سؤال، ثم نعتبر وجوه ~~إنعامه فنعلم أنها لا تحصى، كما جاء النص بذلك في قوله تعالى: {وإن ms117 تعدوا ~~نعمة الله لا تحصوها}، وحينئذ يصير الفكر ملتفتا إلى ذكر ما من الله به ~~سبحانه على المؤمنين، فنسمع قوله تعالى: {إذ بعث فيهم رسولا}، فيميل الفكر ~~إلى هذا الرسول: ممن هو؟ فنجد قوله الله عز وجل بيانا لذلك: {من أنفسهم}. # ثم نعتبر فائدة البعثة فنراها لجلب المنافع ودفع المضار، وذلك مذكور في ~~هذه الآية الشريفة، فجلب المنافع في قوله تعالى: {يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة} وأما دفع المضار ففي قوله تعالى: {وإن كانوا من ~~قبل لفي ضلال مبين}. PageV01P277 # وإذا اعتبرنا قوله تعالى {من قبل}: ظهر لنا أن الإيمان لم يحصل للمؤمنين في ~~الوجود الخارجي إلا من هذه البعثة، لقوله تعالى: {وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # ومن الأطراف التي يتعلق بها النظر في الكلام: اعتبار الوسائط بين القائل ~~والناقل، وهذا علم الإسناد الذي هو من دين الإسلام، وبه حفظت الشريعة، ~~فلولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. # ولا فرق بين الإسناد والسند عند الجمهور، وعند غيرهم: أن الإسناد رفع ~~الحديث إلى قائله، وكأنه من أسند في الجبل: إذا صعد فيه وعلا على سفحه، ~~والسند: الإخبار عن طريق المتن الذي من معانيه: ما صلب من الأرض وارتفع منها. # ويطلق على المتن: الخبر، والأثر، والحديث، فالجمهور يستعملون هذه الألفاظ ~~بمعنى ما جاء من المروي مرفوعا وغير مرفوع، وقد فرق قوم بين الخبر والأثر، ~~ففي اصطلاح الفقهاء الخراسانيين أن ما يروى عن الصحابة رضي الله عنهم يسمى ~~بالأثر، والمرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم : بالخبر، كما حكاه عنهم من ~~المتأخرين شيخ الإسلام أبو زكريا النووي وغيره. # وجاء عن آخرين تخصيص الخبر بما جاء غير مرفوع، وإطلاق الحديث على ~~المرفوع. # وجعل بعضهم بينهما عموما من وجه وخصوصا من وجه آخر، فيطلق الحديث على ~~الخبر، ولا يطلق الخبر على الحديث. # ومعنى الحديث لغة في الأصل: ضد القديم، ويطلق على الخبر قليله وكثيره، ~~لأنه يحدث شيئا فشيئا، فسمي حديثا، وجمعه أحاديث، قال يحيى بن زياد الفراء: ~~نرى أن واحد الأحاديث أحدوثة، ms118 ثم جعلوه جمعا PageV01P278 ~~للحديث، حكاه أبو نصر الجوهري. # وأما معنى الحديث اصطلاحا: فالأقرب أنه: نقل ما حدث من النبي صلى الله ~~عليه وسلم قولا له أو فعلا، وبمعنى نقل ذلك الخبر والأثر، ولهذا استعمل ~~الجمهور الحديث والخبر والأثر بمعنى واحد. # وناقل ذلك: هو الوسائط التي اعتبارها أحد الأطراف التي يتعلق بها النظر ~~في الكلام. # وللوسائط شروط: أحدها: العدالة، بإجماع أهل العلم، كما حكاه أبو بكر ~~الخطيب في ((الكفاية)) على أنه لا يقبل إلا خبر العدل. # وأول شروط العدالة: الإسلام، وأجل الأخبار أخبار الدين، ومعظمها الكتاب ~~والسنة، وناقلوهما هم الوسائط. # ومأخذ ذلك من مفهوم هذه الآية الشريفة، لأنها وصلت إلينا مع جملة القرآن ~~-ولله الحمد- بالإسناد الصحيح المتواتر المجمع عليه بنقل الوسائط الثقات ~~الضابطين، عن أمثالهم كذلك، حتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم تلقى القرآن عن جبريل عليه الصلاة والسلام، عن رب العالمين ~~عز وجل، قال الله عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم يتلو عليهم آياته} وهي القرآن، تلقاه منه المؤمنون حين تلاه عليهم، ~~وهم الصحابة خير القرون، وأخذه عنهم التابعون، وهلم جرا، حتى انتهى علم ذلك ~~إلينا، وحصلت بركاته لدينا، وفاضت أنواره علينا. # وأعلى الوسائط في ذلك: الصحابة رضي الله عنهم، وتعريف الصحابي فيه أقوال، ~~أجمعها: أن الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، PageV01P279 ~~بعد المبعث، من المسلمين، ممن يعقل، ثم مات مسلما. # وجميع الصحابة رضي الله عنهم عدول، وهم على طبقات، من الأئمة من جعلهم ~~خمس طبقات، كأبي عبد الله محمد بن سعد: # فالأولى: السابقون والبدريون. # والثانية: أصحاب أحد وما بعدها من المشاهد. # والثالثة: أصحاب الخندق وما بعدها. # والرابعة: مسلمة الفتح ومن بعدهم. # والخامسة: من لم يغز مع النبي صلى الله عليه وسلم وتوفي عنهم وهم أطفال، ~~منهم من له رؤية وبعض رواية، ومنهم من له رؤية فقط. # وجعلهم الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري ثنتي عشرة طبقة: # أولها: من أسلم ms119 بمكة كأبي بكر والسابقين. # وآخرها: من له رؤية فقط. # والكل يشملهم اسم الصحبة، كما أن من لقيهم يقال لهم التابعون، PageV01P280 ~~ورتبهم مسلم بن الحجاج صاحب ((الصحيح)) على ثلاث طبقات على البلدان بعد ~~ترتيب الصحابة. # فمن الطبقة الأولى من التابعين: كبارهم، وهم المخضرمون -بالخاء المعجمة ~~على الصحيح وفتح الراء وحكي كسرها- واشتقاق هذا اللقب من قولهم: لحم مخضرم ~~-بفتح الراء- لا يدرى لحم ذكر هو أم أنثى. # وقيل: هو من الخضرمة، وهي القطع، فكأن التابعي المخضرم قطع عن أقرانه ~~الذين لقوا النبي صلى الله عليه وسلم فحصلت لهم الصحبة وفاته ذلك دونه، ~~فالمخضرم: من أدرك الجاهلية والإسلام فلم يسلم إلا بعد وفاة النبي صلى الله ~~عليه وسلم . # وقال أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني: فإن جماعة في أحياء العرب كانوا ~~قد أسلموا ولم يهاجروا، فخضرموا آذان إبلهم لتكون علامة لإسلامهم فلا يغار ~~عليهم ولا يقاتلون، فسموا: مخضرمين، وأصحاب الحديث يفتحون الراء. قاله في ~~كتابه ((التتمة)). PageV01P281 # وقيل: المخضرم من أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يره. # والقول الأول المشهور وعليه الجمهور: أن المخضرم من أدرك الجاهلية ~~والإسلام فلم يسلم إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم . # وقد ذكر مسلم بن الحجاج رحمة الله عليه المخضرمين فبلغ بهم عشرين، وهم ~~يزيدون على مائة وأربعين مخضرما، عد منهم جماعة في الصحابة، وهذه أسماؤهم ~~مختصرة على حروف المعجم. PageV01P282 # أسلم مولى عمر، الأسود بن هلال المحاربي، الأسود بن يزيد النخعي، أمية بن ~~الأشكر الجندعي، أوس بن ضمعج الحضرمي، أوس ابن مغراء الفريعي، أوسط البجلي، ~~أويس القرني، بشير بن يزيد -على خلاف في اسمه واسم أبيه- ثمامة بن حزن ~~القشيري، جبير بن نفير الحضرمي، جبير بن الحويرث القرشي، جشيش الديلمي، ~~جعدة بن هاني الحضرمي، جفينة الجهني، الحارث بن عبد كلال اليمامي، حارث بن ~~كعب حازم بن أبي حازم أخو قيس، حجر بن العنبس، حنظل بن ضرار، خافر بن ~~التوءم الحميري، خالد بن عمير العدوي، دغفل بن حنظلة النسابة، ذؤيب بن كليب ~~الخولاني، ذو عمرو اليماني، ms120 ذو الكلاع اليماني، ربعي بن حراش، ربيعة بن ~~زرارة، رحيل بن زهير الجعفي، رفيع أبو العالية الرياحي، الزبير بن عبد الله ~~الكلابي، زر بن حبيش، زرعة بن سيف الحميري، زهير بن خيثمة، زياد بن جهور، ~~زيد ابن وهب الجهني، سعد بن إياس أبو عمرو الشيباني، سعر الكناني، سعيد بن ~~حيدة القشيري، سعيد بن وهب الخيواني، سفيان الدؤلي، سليم بن عامر، سويد بن ~~غفلة، سيف بن ذي يزن والد زرعة المذكور قبل، سيف بن مالك الرعيني، شبيل بن ~~عوف الأحمسي، شتير بن شكل، شداد بن الأزمع، شرحبيل بن عبد كلال، شربة بن ~~عبد الله، PageV01P284 ~~شهر بن باذام، الصبي بن معبد، صعصعة بن صوحان، ضبة بن محصن الغنوي، ضغاطر ~~الأسقف، طريح بن سعيد الثقفي، طفيل بن زيد، عابس بن ربيعة، عبد خير بن يزيد ~~الخيواني، عبد الله بن ثوب أبو مسلم الخولاني، عبد الله بن خليفة الهمداني، ~~عبد الله بن أبي رهم اليماني، عبد الله بن سخبرة أبو معمر، عبد الله بن ~~سلمة الهمداني -بفتح اللام من سلمة-، عبد الله بن سلمة -بكسر اللام- ~~المرادي، عبد الله بن عكيم الجهني، عبد الله بن عميرة، عبد الله بن هاني ~~الكندي، عبد الله بن فضالة الليثي، عبد الرحمن بن عسيلة أبو عبد الله ~~الصنابحي، عبد الرحمن بن غنم الأشعري، عبد الرحمن بن مل أبو عثمان النهدي، ~~عبد الرحمن بن النعمان، عبد الرحمن بن يربوع، عبيد بن شريم -وفي اسمه ونسبه ~~خلاف- عبيدة بن عمرو السلماني، عدي بن عمرو الطائي، عقبة بن النعمان ~~العتكي، علبة بن زيد، علقمة بن قيس النخعي، عمران بن ملحان أبو رجاء ~~العطاردي، عمر بن مالك الزهري، عمرو بن الأسود العنسي، عمرو بن ثبي، عمرو ~~أخو أبي ثعلبة الخشني، عمرو بن سعد الهذلي، عمرو بن عبد الله الوادعي، عمرو ~~بن ميمون الأودي، عمير الهمداني، غنيم بن قيس المازني، فنج اليماني، فيروز ~~الوادعي مولاهم، قبيصة بن جابر، قيس بن أبي حازم، قيس بن عمرو أبو زيد، كعب ~~بن عدي العبادي، كعب بن سور، كعب ms121 الأحبار، كعب بن PageV01P285 ~~يسار بن ضنة، لهب بن الخندق، مالك بن أوس بن الحدثان، مالك بن عامر ~~الوادعي، مالك بن عمير الحنفي، محرز القصاب، المختار بن أبي عبيد الكذاب، ~~مركبوذ الفارسي، مستظل بن حصين، مسروق بن الأجدع، مسروق بن الحارث، مسعود ~~الثقفي، مسعود بن حراش أخو ربعي، مسعود بن الحكم الزرقي، مطرف بن عبد الله ~~بن الشخير، معاذ بن يزيد، معضد بن يزيد، معرور بن سويد، منظور بن زبان، ~~نضلة بن ماعز، النعمان بن بزرج، النعمان ابن حميد، نفيع الصائغ، النمر بن ~~تولب، نهار بن الحارث، هاني المخزومي، هوذة، يزيد بن الأسود، يزيد بن ضرار، ~~يسير ابن عمرو، أبو أمية الشعباني، أبو تميم الجيشاني، أبو ذؤيب الهذلي، ~~أبو شداد الذماري، أبو شداد آخر، أبو صفرة والد المهلب، أبو عامر بن عمرو ~~الأصبحي، أبو عنبة الخولاني، أبو عمرو السيباني اسمه زرعة، أبو فالج ~~الأنماري، ابن عبس، ابن عفيف، أنيسة النخعية، معاذة زوج الأعشى التي نشزت عليه. # هذا ما تيسر من ذكر من عد في المخضرمين. # ومن الغرائب في هذا الباب، ونذاكر به الأصحاب: أن مسلما من PageV01P286 ~~المسلمين روى عن النبي صلى الله عليه وسلم سماعا منه مشافهة ورؤية له، ومع ~~هذا فليست له صحبة؟! # هذا هو كعب بن عدي بن حنظلة العبادي الحيري أحد وفد أهل الحيرة إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم . PageV01P287 # أخبرنا أبو هريرة عبد الرحمن بن الحافظ أبي عبد الله محمد بن الذهبي، ~~وآخرون مشافهة بالإجازة، عن أبي نصر محمد بن محمد ابن أبي نصر الفارسي، ~~وأبي محمد القاسم بن المظفر الدمشقي قالا: أنبأنا أبو الوفاء محمود بن ~~إبراهيم العبدي، أخبرنا أبو الخير محمد بن أحمد، قراءة عليه ونحن نسمع قال: ~~أخبرنا أبو عمرو عبد الوهاب بن محمد، أخبرنا والدي أبو عبد الله محمد بن ~~إسحاق الحافظ، أخبرنا أحمد بن مهران الفارسي، أخبرنا عبيد الله بن سعيد بن ~~كثير بن عفير، عن أبيه. # قال محمد بن إسحاق أيضا: وأخبرنا عبد الرحمن بن أحمد، حدثني محمد بن موسى ~~المصري، ms122 عن إبراهيم بن أبي داود أنه كان في كتاب عمرو بن الحارث بخطه: ~~حدثني يزيد بن أبي حبيب، أن ناعما أبا عبد الله -هو ابن أجيل- حدثه عن كعب ~~بن عدي أنه قال: كان أبي أسقف الحيرة، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ~~قال: هل لكم أن يذهب نفر منكم إلى هذا الرجل فيسمعوا من قوله، لا يموت غدا ~~فتقولون: لو أنا سمعنا من قوله، وقد كان على حق؟! فاختاروا أربعة فبعثوهم، ~~فقلت لأبي: ألا أنطلق معهم؟ قال: ما تصنع؟ قلت: أنظر. # فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا نجلس إليه إذا صلى الصبح ~~ونسمع كلامه والقرآن ولا ينكرنا أحد، فلم يلبث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا يسيرا حتى PageV01P288 ~~مات صلى الله عليه وسلم . فقال الأربعة: لو كان أمره حقا لم يمت، انطلقوا. ~~فقلت لهم: كما أنتم حتى تعلموا من يقوم مكانه فينقطع هذا الأمر أو يتم، ~~فذهبوا ومكثت أنا لا مسلما ولا نصرانيا، فلما بعث أبو بكر رضي الله عنه ~~جيشا إلى اليمامة ذهبت معهم، فلما فرغوا من مسيلمة ورجعوا مررت براهب فرقيت ~~إليه فدارسته فقال لي: أنصراني أنت؟ قلت: لا، قال: فيهودي أنت؟ قلت: لا، ~~قال: ما بلغ علم أحدا يقع هذا علمك. # قال: فذكرت له محمدا صلى الله عليه وسلم فقال: نعم هو مكتوب، قلت: ~~فأرنيه، فأخرج سفرا ثم قال: ما اسمك؟ قلت: كعب، قال: لا أدري ما كعب، أرني ~~شبهه، قال: فنزلت فالتمست كعبا حتى وجدته، فجئت به فقلت له: هذا اسمي، قال: ~~نعم. [قلت:] فأريد أتعرف صفته ونعته، ففتح فقرأت فعرفت صفة محمد ونعته، ~~فوقع في قلبي الإيمان فآمنت حينئذ وأسلمت، فمررت على الحيرة فعيروني. # ثم توفي أبو بكر رضي الله عنه فقدمت على عمر رضي الله عنه، فبعثني إلى ~~المقوقس، وذكر بقية الحديث. # عبد الرحمن بن محمد شيخ محمد بن إسحاق الحافظ: هو أبو سعيد عبد الرحمن بن ~~أحمد بن يونس بن عبد الأعلى. PageV01P289 # ورواية شيخه الأول سعيد بن كثير ms123 بن عفير أدرجها ولم يبين طريقه فيها، وهي ~~ما قال سعيد بن عفير: حدثني عبد الحميد بن كعب بن علقمة بن كعب بن عدي ~~التنوخي، عن عمرو بن الحارث بن علقمة بن كعب بن عدي التنوخي، عن ناعم بن ~~أجيل، عن كعب بن عدي قال: أقبلت في وفد من أهل الحيرة إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، فعرض علينا الإسلام فأسلمنا، ثم انصرفنا إلى الحيرة، فلم نلبث ~~أن جاءتنا وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فارتاب أصحابي وقالوا: لو ~~كان نبيا لم يمت، فقلت: قد مات الأنبياء قبله، وثبت على الإسلام، ثم خرجت ~~أريد المدينة، وذكر بقية الحديث. # هذه الطريق فيها الدلالة على أن كعبا له صحبة، وأنه اسلم على يدي النبي ~~صلى الله عليه وسلم . فالله أعلم. PageV01P290 ### | CHECK [المجلس [14]] # [14] بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى # قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}. # الكلام في معاني القرآن هو أحد علومه المستنبطة من منطوقه ومفهومه، ~~وأنواع علوم القرآن كثيرة، ترجع إلى أقسام ثلاثة خطيرة: # أحدها: معرفة تلاوته وإتقانها مع تصحيح إعرابه وحسن أدائه. # والثاني: علم وجوه قراءاته وما صح منها، كالسبعة المشهورة وغيرها، وما لا ~~تصح، كالشاذ وغيره. # والقسم الثالث: معرفة تفسيره واستنباط أحكامه ومعانيه، وبيان غريبه وحكمه ~~وضروب نظمه وما فيه، وهذا القسم أجل الأقسام، إذ به تتضح شرائع الدين، من ~~توحيد الله رب العالمين، ومعرفة الرسل الكرام، وبيان ما فيه من الأحكام ~~والفرق بين الحلال والحرام، والترغيب في الخيرات، والترهيب من المخالفات، ~~إلى غير ذلك مما لا يستغنى عن علمه، ولا يسع مسلما جهله مع وجود عقله وفهمه. # ومن هذا القسم الكلام على هؤلاء الآيات الشريفات. PageV01P291 # فالمن المشار إليه هو الإحسان، لأن المن على وجوه، منها هذا، يقال: من يمن ~~منا، إذا أحسن. # واختلف في المراد بالمؤمنين هنا فقيل: هم العرب، كما هو ms124 مروي عن علي بن ~~أبي طالب وغيره. # وقيل: المراد المؤمنون مطلقا، فهو عام. # والرسول المشار إليه هو نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، لا خلاف في ~~ذلك أعلمه. # وقوله {من أنفسهم} جمع نفس، والنفس لها معان، منها نفس الإنسان وغيره، ~~ومنها عين الشيء، ومنها العزة، ومنها العظمة، ومنها الهمة. # فإن أريد بالمؤمنين العرب فمعنى {من أنفسهم}: الولادة. قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما في تفسير {من أنفسكم} قال: قد ولدتموه يا معشر العرب. # وإن أريد بالمؤمنين كلهم: فيكون -كما قاله أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ~~إبراهيم الثعلبي-: من أنفسهم بالإيمان والشفقة، لا بالنسب، كما يقول ~~القائل: أنت نفسي. انتهى. # وقوله تعالى: {يتلو عليهم آياته} معنى يتلو: يقرأ، يقال: تلوت PageV01P292 ~~القرآن إذا قرأته، كأنك أتبعت آية في إثر آية قراءة. # والمصدر التلاوة بالكسر ويقال: التلاوة بالضم، لغتان. # والمراد بالآيات هنا -والله أعلم- القرآن. # ومعنى {ويزكيهم}: أي يصلحهم، لأنهم بتلاوته القرآن عليهم أنصتوا له، ~~فزكوا: صاروا صالحين لقبول ما يتلى عليهم فتعلموا ما أشار الله إليه بقوله ~~تعالى: {ويعلمهم الكتاب والحكمة} فتعلموهما علما وعملا. # والكتاب: هو القرآن، والحكمة: لها معان، منها: أن الحكمة ما يمنع من ~~الجهل، ومنها: الإصابة في القول من غير نبوة، وأيضا الحكمة: المواعظ ~~والأمثال، فكل كلمة اشتملت على موعظة أو دعاء إلى مكرمة أو نهي عن قبيح فهي حكمة. # والحكمة أيضا: العلم والفهم، وأيضا القرآن، وأيضا: تفسيره، وأيضا: سنة ~~النبي صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا. وبهذا فسرت الحكمة هنا في قوله ~~تعالى: {ويعلمهم الكتاب} أي القرآن {والحكمة} أي السنة. # روي عن ابن عباس وغير واحد، وحكاه الشافعي عمن يرضى من أهل العلم وقال به. # وقوله تعالى: {وإن كانوا} أي المؤمنون {من قبل} أي من قبل بعثة هذا ~~الرسول وهو نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام {لفي ضلال} وهو ضد الهدى، ~~وأشير به -والله أعلم- إلى الكفر الذي كان عليه أهل الجاهلية من عبادة ~~الأصنام وغيرها. # وقوله تعالى: {مبين} أي ظاهر لمن يعقله، كما أن جماعة ممن كان PageV01P293 ~~في ms125 الضلال قبل البعثة ظهر لهم ضلالهم من الإشراك فانتقلوا عنه إلى التوحيد، ~~وبعضهم تحقق ضلاله وأنه ليس على شيء فأصر عليه بعد الظهور. {ومن لم يجعل ~~الله له نورا فما له من نور}. # وآخرون من أهل الضلال استمروا فيه إلى البعثة فآمنوا بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم {واتبعوا النور الذي أنزل معه} وهؤلاء الذين أحسن الله إليهم ~~ودخلوا فيمن امتن عليهم بقوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث ~~فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم}. # ووجوه المن من الله تعالى في هذه الآية الشريفة كثيرة: # 1- منها: بعثة هذا الرسول الذي هو سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم ~~أجمعين. # 2-ومنها: إحسان الله على المؤمنين المأخوذ من قوله: {إذ بعث فيهم} ولم ~~يقل: منهم، إشارة -والله أعلم- إلى رفع العذاب عنهم لقوله تعالى: {وما كان ~~الله ليعذبهم وأنت فيهم}. # 3- ومنها: قوله تعالى: {من أنفسهم} فإن كان المراد الولادة فالنبي صلى ~~الله عليه وسلم أتى بصلة الأرحام وأمر بها وحث عليها، فلا بد من صلته لذوي ~~رحمه، وقد حصل للمؤمنين منه صلى الله عليه وسلم من الإكرام والإنعام قولا ~~وفعلا ما لا يحصيه إلا الله تعالى، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ((من ~~أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم)). PageV01P294 # هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فمنه قوله في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا ~~سببي ونسبي)). PageV01P295 # وإن كان المراد بقوله {من أنفسهم}: المؤمنين مطلقا فلا يعلم قدر ما حصل منه ~~صلى الله عليه وسلم لأمته من النعم والألطاف والكرم إلا الله تعالى، فيا ~~شرفهم بذلك! إذ هو صلى الله عليه وسلم روح المؤمنين وعزهم، والشفيق عليهم، ~~والرؤف والرحيم بهم. # وفي الآخرة لما يوضع للأنبياء منابر من نور في عرصات القيامة فيجلسون ~~عليها، ويبقى منبر النبي صلى الله عليه وسلم خاليا لا يجلس عليه قائما ~~منتصبا بين يدي ربه عز وجل، كما روي عن النبي صلى ms126 الله عليه وسلم قال: ~~((فيقول الله عز وجل: ما تريد أن أصنع بأمتك ..)) الحديث. PageV01P297 # 4- ومن وجوه المن: تلاوة القرآن عليهم، وما في سماعه من اللفظ النبوي من ~~الأجور. # 5- ومنها: تزكيتهم بالصلاح ظاهرا وباطنا. # 6- ومنها: تعليمهم القرآن وما في ذلك من وجوه النعم، وكذلك تعليم السنة ~~الشريفة، والطريقة العالية المنيفة. # 7-ومنها: إنقاذهم من الضلال المبين. وكل ذلك من بعض النعم التي امتن الله ~~بها على المؤمنين، وهي في المؤمنين عامة إلى يوم القيامة، فجميع ما نحن فيه ~~من النعم والمنن -كالإيمان والقرآن ووجوه السنن وخيرات الدنيا والآخرة ~~جزيلا وقليلا- من المن الذي أشار الله إليه بقوله تعالى، وهو أصدق قيلا: ~~{لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا}. # 8- ومن هذا المن المشار إليه في هذه الآيات: إيصال الكتاب والحكمة إلينا ~~بالأسانيد المرويات، ومن إيصال الحكمة، الحديث الذي حث فيه على الرحمة، ~~الذي رويناه فيما سبق، من طرق تسع مسلسلة على نسق، وهذه طريق عاشرة، من ~~طرقه المتصلة الفاخرة: # أخبرنا الشيخ المسند بقية ذوي الإسناد سليل الأمراء والأجناد عبد الرحمن ~~بن محمد التنكزي بقراءتي عليه، وهو أول حديث سمعته منه بمنزلي من دمشق، ~~أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي العباس أحمد المقرى المفيد، وهو أول حديث ~~سمعته منه وأنا حاضر، حدثنا الإمام أبو الحسين علي بن محمد ببعلبك، وأبو ~~عمرو عثمان بن محمد بمكة، PageV01P298 ~~وهو أول حديث سمعته منهما، قالا: # أخبرنا أبو الحسن علي بن هبة الله الخطيب بالقاهرة، وهو أول حديث سمعناه ~~منه، أخبرنا الإمام أحمد بن محمد الإسكندراني، وهو أول حديث سمعته منه، ~~حدثنا الإمام أبو محمد جعفر بن أحمد اللغوي، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا ~~الإمام عبيد الله بن سعيد البكري، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا حمزة بن ~~عبد العزيز، وهو أول حديث سمعته منه بقراءتي عليه بنيسابور، أخبرنا أحمد بن ~~محمد البزاز، وهو أول حديث سمعته منه سنة ثلاثين وثلاث مئة، حدثنا عبد ~~الرحمن ابن بشر بن الحكم، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا سفيان ms127 بن عيينة، ~~وهو أول حديث سمعته منه، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس مولى عبد الله بن ~~عمرو بن العاصي، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: ((الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا أهل ~~الأرض يرحمكم من في السماء)). # هذا حديث حسن، وقع لنا عاليا، لكن من طرق غير هذه الطريق من حيث العدد ~~بدرجة على هذه، وبدرجتين أيضا، وهذا علو حسي، وهذه الطريق التي رويناها ~~علوها معنوي، لجلالة قدر رجالها ثقة وعلما وحفظا. # والحديث في ((مسند)) الإمام أحمد عن سفيان، لكنه غير مسلسل، كما أخرجه ~~أبو داود في ((سننه)) والترمذي في ((جامعه)) من طريق سفيان وصححه الترمذي، ~~لكن سفيان تفرد به عن شيخه عمرو بن دينار، وكذا تفرد به عمرو عن أبي قابوس، ~~فهو من الأفراد ويعبر عنها بالآحاد، وبخبر الواحد، وهو أحد أقسام الخبر. # لأن الخبر إما مقطوع بصدقه: كالمتواتر معنى أو لفظا، وإما مقطوع بكذبه: ~~كالمعلوم خلافه ضرورة أو استدلالا أو نصا، وإما مظنون PageV01P299 ~~الصدق: لا يقطع بصدقه ولا يجزم بكذبه، وهو خبر الواحد الذي ليس له راو غيره. # وعند الأصوليين خبر الواحد ما لم يبلغ حد التواتر، سواء رواه واحد أو ~~اثنان فصاعدا، وعلى هذا يدخل فيه المستفيض والمشهور، وذهب بعض الأئمة إلى ~~أن خبر الواحد هو أحد القسمين الأولين بالنسبة إلى نفس الأمر، فلا بد أن ~~يكون خبر الواحد في نفسه صدقا: فيكون من القسم الأول، أو كذبا: فهو من ~~القسم الثاني، لكن تقسيم الخبر إلى الثلاثة أقسام بالنسبة إلينا. # وخبر الواحد الثقة معمول به عند جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين ~~ومن بعدهم من المحدثين والفقهاء والأصوليين، وهو حجة من حجج الشرع يلزم ~~العمل به، ويفيد الظن ولا يفيد العلم، وإن وجوب العمل به عرفناه بالشرع لا ~~بالعقل. قاله شيخ الإسلام أبو زكريا النووي. # وقال مرة: وقد جاء الشرع بوجوب العمل به فوجب المصير إليه وأما من قال ~~بوجوب العلم به فهو مكابر للحس، وكيف ms128 يحصل العلم واحتمال الغلط والوهم ~~والكذب وغير ذلك متطرق إليه؟!. انتهى. # وفيه التصريح بوجوب العمل بخبر الواحد الثقة، وعبر بعضهم بالجواز وعليه ~~ترجم البخاري رحمة الله عليه في ((جامعه)): باب ما جاء PageV01P300 ~~في إجازة خبر الواحد الصدوق. # وذكر أبو زكريا النووي رحمه الله أن القاعدة العظيمة التي ينبني عليها ~~معظم أحكام الشرع وهو وجوب العمل بخبر الواحد، فينبغي الاهتمام بها ~~والاعتناء بتحقيقها، وقد أطنب العلماء رحمهم الله في الاحتجاج لها ~~وإيضاحها، وأفردها جماعة من السلف بالتصنيف، واعتنى بها أئمة المحدثين ~~وأصول الفقه، وأول من بلغنا تصنيفه فيها الإمام الشافعي رحمه الله. انتهى. # فلا يضر تفرد سفيان بالحديث، ولا تفرد شيخه، فسفيان بن عيينة سفيان في ~~العلم والجلالة والثقة والعدالة، وشيخه عمرو بن دينار أحد الأئمة النقاد ~~الثقات الكبار، وقد تقدم أن سفيان قال مرة: حدثنا عمرو بن دينار وكان ثقة ~~ثقة ثقة ثقة، وحديث أسمعه من عمرو أحب إلي من عشرين من غيره. انتهى. # وحديثه هذا رواه عن أبي قابوس ولا يعرف إلا بكنيته. # وقد أنبأنا المحقق أبو زكريا يحيى بن يوسف الزغيبي أن الإمام أبا الحسن ~~علي بن أيوب أخبره في يوم السبت ثالث عشر شوال سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، ~~أخبرنا الإمام أبو محمد عبد الله بن مروان الفارقي وغيره، قالوا: أخبرنا ~~الإمام أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن النصري PageV01P301 ~~قال: وحدثني الثقة الحديثي أبو رشيد بن أبي بكر قال: ذكر لي الحافظ أبو ~~الفرج ثابت بن محمد المديني أن أبا قابوس اسمه المبرد، وجعل يتبجح به. قال ~~أبو عمرو النصري: وليس هذا مما يركن إليه. انتهى. # وهو من موالي عبد الله بن عمرو بن العاص. # ومولاه عبد الله أسلم قبل أبيه، وكان اسمه العاصي كاسم جده، فسماه النبي ~~صلى الله عليه وسلم عبد الله. # أما العاصي: فقال الإمام أبو عمرو بن الصلاح: يقوله كثير من أهل الضبط ~~حال الوصل بالياء جريا على الجادة، والمتداول المشهور حذف الياء، وهو مشكل ~~على من استطرف من العربية ولم يوغل وربما ms129 أنكروه، ولا وجه لإنكاره، فإنه ~~لغة لبعض العرب، شبه فيها ما فيه الألف واللام بالمنون، لما بينهما من ~~التعاقب، وبها قرأ عدة من القراء السبعة كما في قوله: {الكبير المتعال} ~~وشبهه. والله أعلم. # وما قاله ابن الصلاح يأباه كلام النووي فإنه قال: وأما العاصي فأكثر PageV01P302 ~~ما يأتي في كتب الحديث والفقه ونحوها بحذف الياء، وهي لغة، والفصيح الصحيح ~~العاصي بإثبات الياء وقال: ولا اغترار بوجوده في كتب الحديث أو أكثرها ~~بحذفها. والله أعلم. # وكلام ابن الصلاح أمتن وأبين. # هذا من بعض ما يتعلق بسند الحديث الذي هو الإخبار عن طريق المتن. # وأما فوائد متنه المستنبطة منه: # 1- فمنها: أنه كما الراحمون من في الأرض يرحمهم من في السماء مفيد لازمه، ~~وهو أن غير الراحمين لا يرحمهم الله، وقد جاءت الرواية مصرحة بلازم الحديث، ~~وذلك فيما رويناه من حديث أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي ~~إسحاق، عن جرير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~((من لم يرحم من في الأرض لم يرحمه من في السماء))، وأعم منه حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه PageV01P303 ~~الذي رويناه في ((جامع الترمذي)) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~((من لا يرحم لا يرحم)). # 2- ومن فوائد الحديث: الحث على إغاثة اللهفان، وإعانة الحيران، وإفادة ~~المستفيد، وإرفاد المستزيد، وحمل الكل، ونفع الكل، والعفو عن القصاص ~~بالجملة، والإحسان في القتلة، والمنع من المثلة، واستحباب تحديد آلة الذكاة ~~لسرعة إزهاق الروح، ومواراتها حين إرادة الذبح عن المذبوح، وكف الأذى عن ~~جميع الأنواع، وصلة الأرحام حسبما ورد به السماع، وكل ذلك من الرحمة للخلق، ~~التي أمر بها رسول الحق. # 3- ومن فوائد الحديث: أنه يدل على الرجاء، فهو من أحاديثه، لأن الله ~~سبحانه وتعالى إذا كان يستجلب لعباده رحمة غيره كما أخبر عنه الصادق ~~المصدوق بقوله: ((الراحمون يرحمهم الرحمن)): كيف لا يجود لهم برحمته سبحانه ~~وتعالى. # 4- ومن فوائده: أن جزاء الراحم من الله على المبالغة في الرحمة، لأن ~~الراحم وصف ms130 لا مبالغة فيه، والرحمن وصف يدل على المبالغة في الرحمة، فكان ~~معنى قوله: ((الراحمون يرحمهم الرحمن)) أي: من رحم رحم أضعاف ما رحم، ثم ~~الجزاء في الآخرة أضعاف ذلك، لأن الراحم عنده من الرحمة جزء من الجزء الذي ~~قسم بين الخلق من مئة جزء من الرحمة التي يقسمها الله على عباده المؤمنين ~~في الآخرة. # روينا من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة PageV01P304 ~~رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((خلق الله مئة رحمة، ~~أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، ~~وبها تعطف الوحش على ولدها؛ وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم ~~القيامة)). # قال أيوب بن أبي تميمة السختياني: إن رحمة واحدة قسمها سبحانه في دار ~~الدنيا وأصابني منها الإسلام، إني لأرجو من تسع وتسعين رحمة ما هو أكثر من ذلك. # وكذلك قال سليم بن عيسى أحد الأئمة القراء حين روى الحديث عن حمزة ~~الزيات، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي هريرة، سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: ((خلق الله مئة رحمة أنزل منها رحمة بين PageV01P305 ~~عباده، فبها يتراحمون وبها يتعاطفون، فإذا كان يوم القيامة جمع هذه الرحمة ~~إلى التسع والتسعين ففضها على عباده)) قال سليم: من رحمة واحدة أصابنا ~~القرآن والإيمان وفعل وفعل، ألا نرجو نعمة من أكثر من رحمة واحدة: الجنة؟! # وقلت في معناه، أبياتا ختام ما أمليناه، وهي: # إذا كان رب الخلق أعطى عباده ... من الرحمة العظمى التي عمت الورى # فمن مائة جزءا تراحم خلقه ... به بينهم قسما قويما مسيرا # وأخر تسعا بعد تسعين رحمة ... ويكملها يوم المعاد لتنشرا # ومن بعض ذاك الجزء توحيد ربنا ... أتانا ودنا خير دين وأنورا # فإنا لنرجو يوم نلقاه راحما ... من التسع والتسعين أعلى وأكثرا # آخر المجلس ولله الحمد حمدا كثيرا دائما # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم PageV01P306 ### | CHECK [المجلس [15]] # [15] بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى # قوله تعالى: ms131 {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}. # الكلام على هذه الآية الشريفة من وجوه تقدم ذكر بعضها، وهي من علوم ~~القرآن العظيم الذي لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، منها: علم أسباب ~~نزوله، وقد صنف الأئمة فيه، فبعضهم أدخله ضمن تفسيره القرآن، وبعضهم أفرده ~~بالتصنيف، وسبب نزول القرآن بجملته هذا الرسول صلى الله عليه وسلم ببعثته. # وهذه الآية الشريفة لها سبب في نزولها، وهو ظاهر، لكنه غامض، ولغموضه لم ~~أر أحدا ذكره ممن صنف في أسباب نزول القرآن، ومنهم أبو الحسن علي بن أحمد ~~الواحدي النيسابوري لم يذكره في كتابه ((أسباب النزول)). # والسبب في نزولها: إعلام الله تعالى الأمة بإجابته دعوة إبراهيم الخليل ~~عليه الصلاة والسلام، حيث قال فيما أخبر الله تعالى عنه: {ربنا وابعث فيهم ~~رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت ~~العزيز الحكيم} فاستجاب الله تعالى هذه الدعوة، وبعث هذا الرسول كما دعا ~~إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وأعلم الله تعالى هذه الأمة بإجابة الدعوة ~~المشار إليها فقال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} الآية. PageV01P307 # وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى إجابة هذه الدعوة الشريفة فقال ~~-فيما خرجه أبو القاسم الطبراني في ((معجمه الكبير)) من حديث أبي أمامة رضي ~~الله عنه قال: قيل يا رسول الله ما كان بدء أمرك؟- فقال: ((دعوة أبي ~~إبراهيم، وبشر بي عيسى، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام)). ~~وللحديث طرق خرجتها في كتابي ((جامع الآثار)). # وفي الدعوة المشار إليها طلب التزكية بعد تعلم الكتاب والحكمة، وفي ~~الإخبار عن الإجابة قدم التزكية قبل التعلم، وذلك -والله أعلم- أن متعلمي ~~العلم على قسمين: صالحون وغير صالحين، والصالح يفيده التعليم، ويبعثه العلم ~~على العمل أكثر من غيره، لصلاحه الذي كان متقدما على طلب العلم، ولما كان ~~كذلك قدمت ms132 التزكية في هذه الآية قبل ذكر التعليم. # وفيه الإشارة -والله أعلم- إلى شرف هذه الأمة، ففي هذه الآية الشريفة ~~حصول التزكية المطلوبة في آية الدعوة، ولكنها قبل التعلم ليكون أبلغ في ~~الفهم للعلم، وأسرع للعمل به. والله سبحانه أعلم بما أراد. # وكذلك في الآية الثالثة التي في سورة الجمعة: قدم الله تعالى الإخبار ~~بالتزكية قبل التعلم فقال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}. # وفي آية الجمعة إشارة إلى أن المؤمنين في قوله تعالى: {لقد من الله على ~~المؤمنين} أنهم المؤمنون مطلقا، لقوله تعالى في آية الجمعة: {هو الذي بعث ~~في الأميين رسولا منهم} والأميون صفة لهذه الأمة وهم الذي لا يكتبون، وقد ~~صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنا أمة أمية PageV01P308 ~~لا نكتب ولا نحسب)). # واختلف في نسبتهم للأمية، فقيل: إلى الأم، لأن النساء غالبا لا يكتبن، ~~ويحتمل أنهم نسبوا إلى الأم لأنهم يخرجون من بطون الأمهات، كما قال الله عز ~~وجل: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون}. # فالأمي الباقي على أصل ولادة أمه له: لم يقرأ ولم يكتب. # وقال أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج: الأميون الذين لا يكتبون، الذين ~~هم على ما خلقت عليه الأمة قبل تعليم الكتاب. قاله في كتابه ((معاني ~~القرآن)) وذكر أن أول من تعلم الكتاب من العرب ثقيف، تعلموه من الأنبار، ~~ولم يعرج الزجاج على غيره، لكن أول من خط بالقلم مطلقا من بني آدم إدريس ~~النبي عليه الصلاة والسلام، فيما رويناه في الحديث الطويل عن أبي ذر رضي ~~الله عنه مرفوعا، خرجه أحمد بن حنبل في ((مسنده)) وأبو حاتم ابن حبان في ~~((صحيحه)) وغيرهما. PageV01P309 # وعلى قول ابن عباس وخلق -وروي مرفوعا-: أول المخلوقات القلم خلقه الله ~~تعالى فكتب بإذنه في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة. PageV01P310 # وقد ذكر جمهور من صنف في الأوائل أن ms133 سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام ~~أول من كتب: بسم الله الرحمن الرحيم. # أنبأنا أبو عبد الله محمد بن الشرف محمد بن المحتسب وآخرون، عن أبي الفضل ~~سليمان بن حمزة الحاكم، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد الحافظ، ~~سماعا في محرم سنة تسع وثلاثين وستمائة، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن ~~نصر الصيدلاني، في شوال سنة ثمان وتسعين وخمس مئة، أخبرنا أبو علي الحسين ~~بن أحمد الحداد، حضورا أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا ~~أبو القاسم سليمان بن أحمد، حدثنا عمرو بن أبي الطاهر بن السرح، حدثنا أبي، ~~حدثنا موسى ابن عبد الرحمن الصنعاني، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ~~قال: أول من كتب ((بسم الله الرحمن الرحيم)) سليمان عليه الصلاة والسلام. # وهذا من الأوائل التي هي من فنون الحديث، وقد عني بجمعها جماعة من ~~الحفاظ، منهم أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، وأبو عروبة الحسين بن ~~محمد بن أبي معشر الحراني، وأبو الفرج عبد الرحمن ابن علي بن الجوزي، ~~وغيرهم. لكن لم يذكر واحد منهم في الأوائل PageV01P311 ~~المصنفة ما ترجمته: فلان أول شيخ لقيه فلان فأخذ عنه، ولا: أن فلانا أول من ~~أخذ عنه فلان، ولا: هذا أول حديث سمعه فلان من فلان. # ومن الثاني: ما قال أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي سبط حماد ابن أبي ~~سليمان: سمعت ابن عيينة يقول: أول من جاءني يطلب مني الحديث مسعر. # وهذا فيه شرف لسفيان، لأن مسعرا شيخ سفيان الثوري وسفيان بن عيينة ~~وآخرين، وهذا من باب رواية الأكابر عن الأصاغر. # ومن الأخير -وهو أول حديث سمعه فلان من فلان- حديث: ((الراحمون يرحمهم ~~الرحمن)) لأنه مسلسل بقول كل من شيوخنا فمن فوقهم إلى سفيان عن شيخه: وهو ~~أول حديث سمعته منه، ويقال لهذا الحديث: المسلسل بالأولية، وقد رويناه من ~~طرق عشرة، وهذه طريق حادية عشرة: # أخبرنا الشيخ المقرئ المحدث أبو المعالي عبد الله بن أبي إسحاق إبراهيم ~~الزبيدي الفرضي، بقراءتي عليه وهو أول حديث ms134 سمعته منه، أخبرنا القاضي أبو ~~العباس أحمد بن الجمال محمد بن أحمد الدمشقي، وهو أول حديث سمعته منه، ~~أخبرنا الكمال أبو العباس أحمد بن أبي الفتح بن محمود بن أبي الوحش ~~الشيباني، سماعا بجامع الكرك وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا الإمام أبو ~~عمرو عثمان بن عبد الرحمن ابن عثمان النصري، وهو أول حديث سمعته منه، ~~أخبرنا الشيخ النبيه PageV01P312 ~~أبو الفضل عبد الرحمن بن عبد الوهاب المعروف بابن المعزم الهمذاني بها رحمه ~~الله، وهو أول حديث سمعته منه وأول حديث سمعته بهمذان، حدثنا أبو منصور عبد ~~الكريم بن محمد المعروف بابن الخيام من لفظه، وهو أول حديث سمعته منه حفظا. # وبالإسناد إلى أبي عمرو النصري قال: وحدثنا الشيخ الأصيل أبو القاسم ~~منصور بن عبد المنعم الفراوي، وهو أول حديث سمعته منه إن شاء الله، حدثنا ~~الإمام أبو عبد الله محمد بن الفضل الصاعدي، وهو أول حديث سمعته منه، قالا: ~~حدثنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا ~~أبو طاهر محمد بن محمد ابن محمش الزيادي، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا ~~أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال البزاز، وهو أول حديث سمعته منه، ~~حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا سفيان بن ~~عيينة، وهو أول حديث سمعته منه -وعند ابن المعزم: من سفيان- عن عمرو بن ~~دينار، عن أبي قابوس مولى عبد الله ابن عمرو -وعند ابن المعزم: مولى لعبد ~~الله- عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم ~~من في السماء)). وقال ابن المعزم: ((أهل الأرض، يرحمكم من في السماء)). PageV01P313 # وأنبأناه أعلى من هذا بدرجة الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد ~~المقدسي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد، وهو أول حديث سمعته ~~منه، أخبرنا أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن النصري، وهو ms135 أول حديث سمعته منه، فذكره. # هذا حديث حسن خطير، رواه عن سفيان بن عيينة جم غفير، منهم عبد الرحمن بن ~~بشر بن الحكم -كما تقدم- وأبوه بشر بن الحكم، وأحمد بن حنبل، والحسين بن ~~الحسن المروزي، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، وعبد الله بن الزبير ~~الحميدي، وأبو بكر عبد الله بن أبي شيبة، ومحمد بن عباد المكي، ومحمد بن ~~أبي عمر العدني، ومحمود بن آدم، ومسدد بن مسرهد، وهارون بن معروف. # وله طرق إلى كل من المذكورين وغيرهم، وله شاهد عن جماعة من الصحابة رضي ~~الله عنهم. # وفي إسناده الذي روينا الحديث به آنفا: ما يدخل في قسم المؤتلف والمختلف ~~أحد أنواع الحديث. فمن ذلك: # 1- الزبيدي، وهو بضم الزاي، وفتح الموحدة، يليها مثناة فوق ساكنة، ثم دال ~~مهملة مكسورة، يليها ياء النسب؛ وهو نسبة إلى زبيد الصغير، وهو منبه بن ~~ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن منبه، وهو زبيد الكبير -وإليه جماع ~~زبيد- من صعب بن سعد العشيرة بن مذحج وهو مالك بن أدد. # وهذه النسبة تأتلف مع ((الزبيدي)) خطا، وتختلف معه نطقا وضبطا. فهذه بفتح ~~الزاي، وكسر الموحدة، والباقي سواء، نسبة إلى زبيد، من أكبر بلاد اليمن. PageV01P314 # 2- ومن هذا القسم في الإسناد: أبو عمرو النصري بنون مفتوحة، وصاد مهملة ~~ساكنة، ثم راء مكسورة، يليها ياء النسب، وهو نسبة إلى جد له أعلى، فهو أبو ~~عمرو عثمان بن أبي محمد عبد الرحمن بن عثمان ابن موسى بن أبي نصر النصري، ~~وهو يأتلف مع ((البصري)) وضعا، ويختلف مع النطق سمعا، فهذه النسبة ~~بالموحدة، والباقي سواء، نسبة إلى البصرة البلد المشهور بأرض العراق، وهي ~~إحدى المدن الإسلامية لأنها مصرت في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة ~~سبع عشرة من الهجرة في قول، قبل أن مصرت الكوفة بسنة. # 3- ومن هذا القسم في الإسناد: عبد الرحمن ابن المعزم الهمذاني، ونسبته ~~بالفتح محركا وبالذال المعجمة إلى همذان، إحدى بلاد عراق العجم في سفح ~~أروند، على خمسة عشر يوما من بغداد، وهذه النسبة PageV01P315 ~~تأتلف ms136 مع الهمداني في الخط وتختلف معه في الضبط، لأن هذه النسبة بالسكون ~~والدال المهملة، نسبة إلى همدان واسمه أوسلة بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ~~ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ. # 4- ومن هذا القسم في الإسناد الفراوي بضم الفاء -على المشهور- وفتح الراء ~~المخففة، يليها ألف، بعدها واو مكسورة لياء النسب، نسبة إلى بليدة على ثغر ~~خراسان قرب الديلم مما يلي خوارزم يقال لها: رباط فراوة، والعجم ينطقون بها ~~فراووه: بواوين الأولى مضمومة، والثانية ساكنة، وهذه البليدة بناها عبد ~~الله بن طاهر أمير خراسان في خلافة المأمون. # وهذه النسبة تأتلف مع القراوي كتابة، وتختلف معه بتقييد أهل الإصابة، فإن ~~هذه النسبة بالقاف المفتوحة، والباقي سواء، نسبة إلى قراوا قرية من قرى بيت ~~المقدس. # 5- ومن هذا القسم في الإسناد: الزيادي، بزاي مكسورة، تليها مثناة تحت ~~مفتوحة، ثم ألف، ثم دال مهملة مكسورة لياء النسب، نسبة إلى محلة بنيسابور ~~يقال لها: ميدان زياد بن عبد الرحمن، وهذه النسبة تأتلف مع الزبادي تسطيرا، ~~وتختلف معه نطقا وتحريرا، وهي بفتح الزاي، يليها موحدة مخففة، والباقي ~~سواء، نسبة إلى بطن من ذي PageV01P316 ~~الكلاع اسمه زباد بن كعب بن حجر بن الأسود بن الكلاع. # 6- ومن هذا القسم في الإسناد: البزاز، بفتح الموحدة، وزايين، بينهما ألف، ~~الأولى مشددة، نسبة إلى عمل البز والتجارة فيه، وهذه النسبة تأتلف مع ~~البزار نظرا وشكلا، وتختلف معه نطقا وحلا، وهذه بالراء آخره، نسبة إلى عمل ~~دهن بزر الكتان وبيعه. والله أعلم. # وهذا من بعض فوائد إسناد الحديث الذي هو الإخبار عن طريق المتن. # وأما فوائد متنه: فكثيرة تقدم ذكر بعضها، ومما لم يذكر: # 1- أن قوله صلى الله عليه وسلم ((الراحمون يرحمهم الرحمن)) إن كان معناه ~~كلفظه -وهو الظاهر- فيكون إخبارا أن الرحمن عز وجل يرحم الراحمين من عباده، ~~ويحتمل أن معناه -وإن كان لفظه لفظ الخبر- الدعاء من النبي صلى الله عليه ~~وسلم للراحمين، كما يقال: الله يغفر لفلان، وهذه إحدى مراتب ألفاظ الدعاء، ~~وهي ثلاث مرتبة على ms137 الأفعال الثلاثة: # إحداها: بلفظ الطلب، كقوله: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ~~وقنا عذاب النار}. # والثانية: بلفظ الماضي، كقوله: غفر الله له، رحمه الله، رضي الله عنه. # والثالثة: بلفظ المستقبل، كقوله: يغفر الله له، ومنه الحديث على هذا ~~الاحتمال: ((الراحمون يرحمهم الرحمن)). # والمراتب الثلاث جائزة في الدعاء، وقد تعرض الإمام أبو العباس أحمد بن ~~أبي العلى إدريس بن عبد الرحمن بن عبد الله بن يلين الصنهاجي المصري ~~القرافي المالكي في كتابه الدعوات إلى أن المرتبة PageV01P317 ~~الثانية أبلغ من الأخريين فقال: # الأدب الثامن: أن يكون الطلب بصيغة الماضي، فإن أصل الطلب أن يكون بصيغة ~~الأمر، لكن ليس من لوازم الأمر حصول مأموره في الوجود؛ وأبلغ من هذه الصيغة ~~صيغة الخبر المستقبل؛ وأبلغ من هذه الصيغة صيغة الخبر الماضي؛ لأن الماضي ~~شهد العيان بوقوع متعلقه، بخلاف المستقبل، فكان التفاؤل بحصول المطلوب بهذه ~~الصيغة أكثر. فقولنا لزيد: يديم الله سعادتك، أبلغ من قولنا: اللهم أدم ~~سعادتك، وقولنا: أدام الله سعادتك، أبلغ من قولنا: الله يديم سعادتك، وكان ~~صلى الله عليه وسلم يحب الفأل ويكره الطيرة، فيكون التفاؤل بلفظي الخبر ~~مطلوبا شرعا. انتهى. # وفي هذا نظر، لأن غالب الأدعية المأثورة بصيغة الطلب، فتكون هذه الصيغة ~~أبلغ وأكثر، لا كما قاله القرافي. والله أعلم. # 2- ومن فوائد الحديث: أن لفظ الصدر الأول من الحديث غير لفظ الثاني، ~~ومعناهما واحد، وهو أن من رحم يرحم، وهذا أحد الأقسام الثلاثة في باب ~~اللفظ، وقد عقد سيبويه في ((الكتاب)) بابا لهذا فقال: PageV01P318 # ((هذا باب اللفظ للمعاني. اعلم أن من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف ~~المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين. ~~قال: فاختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين نحو: جلس وذهب [واختلاف اللفظين ~~والمعنى واحد نحو: ذهب] وانطلق، واتفاق اللفظين والمعنى مختلف قولك: وجدت ~~عليه -في الموجدة- ووجدت إذا أردت وجدان الضالة. وأشباه ذلك كثير)). # ولم يمثل سيبويه للقسم الآخر من الثلاثة -وهو اختلاف اللفظين والمعنى ~~واحد- وهو كقولك: ذراع، وساعد. ومن هذا القسم: الحديث، فلفظ صدره ولفظ عجزه ~~مختلفان ms138 ومعناهما واحد: أن من رحم يرحم. # ويحتمل أن الرحمة لما كانت تصدر من المؤمنين والكفار، والله تعالى لا ~~يضيع عمل عامل، أما المؤمنون فيجازيهم الله بثواب رحمتهم دنيا وآخرة، وأما ~~الكفار فليس لهم في الآخرة من نصيب، فيجازيهم الله بحسناتهم في الدنيا حتى ~~يلقوا الله وما لهم حسنة يجزون بها؛ فأول الحديث يتناولهم وهو قوله صلى ~~الله عليه وسلم : ((الراحمون يرحمهم الرحمن)) فذكر (الرحمن) هنا لأن معناه ~~ذو الرحمة الشاملة التي عمت المؤمن والكافر في الدنيا. # وآخر الحديث خاص بالمؤمنين، ولهذا خوطبوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~: ((ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء)) ولم يقل: يرحمكم الرحمن. والله أعلم. PageV01P319 # 3- ومن فوائد الحديث: الحث على العمل بالعلم، ويؤخذ هذا الحكم من قوله صلى ~~الله عليه وسلم : ((الراحمون يرحمهم الرحمن)) فهذا إعلام للأمة من نبيها ~~صلى الله عليه وسلم بأن الراحمين يرحمهم الرحمن، فحصل العلم بذلك، ثم حثهم ~~على العمل به فقال: ((ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء)) فهذا وجه ~~الحث على العمل بالعلم من هذا الحديث، وهو من لطيف فوائده وما حواه. وقلت ~~في معناه أبياتا نختم بها ما أمليناه، وهي: # إذا سمعت حديثا من أخي ثقة ... قيده خطا وضبطا متقن السبل # وإن يكن مسندا في السمع أولها ... مسلسلا عاليا ذا غاية الأمل # لأن من متنه تذكار رحمة من ... هو الرحيم بنا الرحمان في الأزل # واعمل به خالصا لله تأت به ... إليك رحمته العظمى على عجل # من كان ذا عمل بالعلم فهو له ... جمال دين ودنيا فاعن بالعمل # آخر المجلس ولله الحمد حمدا كثيرا # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا PageV01P320 ### | CHECK [المجلس [16]] # [16] بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # الكلام على هؤلاء الآيات، من عدة وجوه ظاهرات وخفيات، واستنباط معاني ~~ذلك: بطريق الاعتبار الذي هو أحد أصناف البيان، ms139 والبيان أحد أقسام البلاغة، ~~ولا فرق بين الصنف والقسم والنوع ونحوها عند جمهور أئمة اللغة، وبعضهم فرق ~~بينها بفروق. # فالقسم: جزء من الشيء المقسوم، كدرهم من عشرة دراهم. والصنف من الشيء: ما ~~شاكل باقيه، كالجنيب من التمر. والنوع من الشيء: ما قارب باقيه في الشكل، ~~كالأدهان المائعات أنواع. والجنس: ما شاكل غيره مشاكلة ما، كالأقوات أجناس. ~~والضرب من الشيء: ما كان دونه كالرذاذ من المطر. والشكل: ما شابه غيره وإن ~~لم يكن من جنسه. والمثل: ما شابه الشيء من جنسه سواء. والنحو: ما قاربه في ~~المشابهة والقدر. PageV01P321 # وظهور معاني ذلك إنما هو بالاعتبار الذي أشرنا إليه. واشتقاقه من: عبرت ~~النهر، إذا سلكت من أحد شطيه إلى الآخر، فاعتبرت عمقه وما في قراره من ~~سهوله أو غيرها بعبورك فيه. # وقيل: اشتقاقه من: عبرت الدراهم، إذا عرفت وزن كل درهم منها، وهل هو جيد ~~أو غير جيد. # وقيل: من اعتبرت الكتاب، إذا قرأته في نفسك متدبرا ما فيه لتفهم معناه، ~~كما أشار إليه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بقوله: إذا سمعت قوله تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا} فارعها سمعك، فإنه خير يأمرك به أو شر ينهاك عنه. # ومعنى الاعتبار يظهر من مثال، وهو أن تسمع كلام من لم تره يقول لآخر غائب ~~عن نظرك أيضا: قم، فإذا اعتبرت كلمة ((قم)) علمت أن المأمور بالقيام لم يكن ~~قائما، بل كان على حالة تخالف القيام، ثم تعتبر أن عاقلا آمرا لا يقول ~~لمأمور عاقل ((قم)) إلا وثم للقيام معنى، إما من جلب منفعة أو دفع مضرة، أو ~~حال توافق عقل الآمر والمأمور. # فإذا تقرر هذا اعتبرنا الكلام من حيث هو فوجدناه يشرف من وجوه، منها: شرف ~~قائله، وشرف المقول له، وشرف المقول فيه. # ومنها: بلوغ الكلام نهاية الحسن وغاية البلاغة في أعلى مراتبها لفظا ومعنى. # وإذا اعتبرنا كلام الله القرآن: وجدناه كذلك، فلا أجل ولا أعظم، ولا أمجد ~~ولا أجود، ولا أكرم من قائله تعالى، وهو الله رب العالمين وخالق الأنام. # والمقول ms140 له: هو نبينا محمد خير الخلق وحبيب الحق عليه أفضل الصلاة ~~والسلام. # والمقول فيه: الشريعة المحمدية المطهرة الزكية المشتملة على PageV01P322 ~~شريف الحكمة وسني الأحكام. # وقد جمع الله تعالى في القرآن مع وجازة كلمه، وإحكام نظمه، وقواعد علمه، ~~وتناسب آياته، والتئام كلماته: أضعاف ما في الكتب السابقة من الحكم ~~والمواعظ والآيات، مع أنه معجزة واحدة تحتوي على ألوف من المعجزات. # فهذا الاعتبار يظهر شرف القرآن وأنه محتو على علوم كثيرة. قال الله عز ~~وجل: {ما فرطنا في الكتاب من شيء}. # ومأخذ علومه من وجوه: فباعتبار المراد من اللفظ: يؤخذ -كما قدمناه قبل- ~~من منطوقه أو مفهومه. # وباعتبار دلالة اللفظ على الطلب: يؤخذ من أوامره أو نواهيه، أو العام ~~المطلق، أو العام المقيد ببعض صفاته، أو من الخاص. # وباعتبار كيفية الدلالة من خفاء أو جلاء: يؤخذ من مجمله أو مبينه. # وباعتبار الدلالة على ارتفاع حكم وبقاء آخر: يؤخذ من ناسخه ومنسوخه. # وإذا اعتبرنا علوم هذه الآيات وجدنا مأخذها من هذه الوجوه. # فمن مفهوماتها باعتبار دلالة المفهوم التي اختلف فيها -كما قدمناه قبل- ~~هل هي دلالة قياسية -كما هو المنقول عن الشافعي رحمه الله PageV01P323 ~~ورضي عنه وحكي عن الأكثرين، فيما ذكره أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن ~~عبد الكريم بن الفضل بن الحسن بن الحسين الرافعي رحمه الله-. # أو هي دلالة لفظية -كما ذهب إليه شيخ الشافعية أبو حامد أحمد بن أبي ~~الطاهر محمد بن أحمد الإسفراييني إمام أهل العراق، وذكر أنه الصحيح من ~~المذهب؟-. # فمن مفهوم الآيات: الإشارة إلى أقسام نعم الله تعالى، وهي -وإن كانت لا ~~تحصى- فهي على ثلاثة أقسام كلها مأخوذ من هذه الآيات، فقسم أعيان، وقسم ~~أوصاف، وقسم معان. # فمن الأعيان -وهو أجلها-: رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي من الله عز ~~وجل ببعثته على المؤمنين، بل أنعم به على جميع المخلوقين، قال الله عز وجل: ~~{وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}. # ومن الأوصاف في هذه الآيات: نعمة الله على هذه الأمة أمة الإجابة حيث ~~سماهم المؤمنين، وخاطبهم في الكتاب ms141 المذكور في قوله تعالى: {ويعلمهم ~~الكتاب}: بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا}. # وكذلك نعمته عليهم بالتزكية، من قوله تعالى {ويزكيهم} فصارت الأمة به ~~صالحين أمة وسطا عدولا خيارا. قال الله عز وجل في الكتاب الذي علمهم إياه: ~~{كنتم خير أمة أخرجت للناس}. # ومن المعاني: علم الشريعة المشار إليه بقوله تعالى: {ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة}. # ومن المعاني: عافية المؤمنين من الكفر وتوابعه، المشار إلى ذلك PageV01P324 ~~بقوله تعالى: {وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}. # نعم، ومدار النعم على المؤمنين كلها على قطبين: نعمة بالمسرة مقرونة، ~~ونعمة بالتطهير والتكفير مضمونة. وقد أشار إليهما أبو القاسم الجنيد بن ~~محمد رحمة الله عليه فقال: لله عز وجل في السراء نعمة التفضيل، وفي الضراء ~~نعمة التطهير، فكن في السراء عبدا شكورا، وفي الضراء عبدا صبورا. # وما أشار إليه الجنيد رحمة الله عليه هو الإيمان. # روى أبو منصور شهردار بين شيرويه بن شهردار الهمداني الديلمي في ((مسند ~~الفردوس)) من طريق يزيد الرقاشي، عن أنس رضي الله عنه مرفوعا: ((الإيمان ~~نصفان: فنصف في الصبر، ونصف في الشكر)). هذا ضعيف الإسناد، والمعروف غير ~~مرفوع، وهو من قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. # وروي أيضا عن عامر بن شراحيل الشعبي قوله. # فبين الشكر والصبر منازل الإيمان كلها، لأن العبد لا يخلو: إما أن يكون ~~في نعمة، أو بلية، وعليه في كل فرضان، ففي النعمة: القيام بالشكر الحافظ ~~لها بالتقييد، والجالب لغيرها بالمزيد، والقيام بالصبر على سبب حفظها، ~~والصبر على ما يكون سببا لزوالها. # وفي البلية: يلزمه الصبر عليها احتسابا، والشكر لله عليها، فبالحقيقة ~~بلية المؤمن إما تكون تطهيرا وتكفيرا، أو درجات وأجورا. # فالقيام لله تعالى بالشكر والصبر لازم في الحالتين، قال الله عز وجل: ~~{إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} وقال تعالى: {وسيجزي الله الشاكرين}. PageV01P325 # وإذا اعتبرنا نعم الله عز وجل المشار إليها بقوله تعالى: {لقد من الله على ~~المؤمنين} وعلمنا أنها لا تحصى، لورود النص بذلك في قوله تعالى: {وإن تعدوا ~~نعمة الله لا تحصوها}: يصير الفكر ms142 ملتفتا إلى ذكر شيء من من الله عز وجل ~~على المؤمنين، فنعتبر الآية الشريفة فنجد من ذكر المن بعثة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ، ثم يميل الفكر إلى هذا الرسول: ممن هو؟ فنسمع قوله تعالى: {من ~~أنفسهم}، ثم نعتبر ما فائدة البعثة؟ فنعلم أنها لجلب المنافع ودفع المضار، ~~فيسمو الفكر إلى ذكر بعض ذلك، فنسمع قوله تعالى: {يتلو عليهم آياته ~~ويزكيهم} هذا من جلب المنافع. وقوله تعالى: {وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين} فهمنا أن الإيمان لم يحصل للمؤمنين المشار إليهم في الآية في الوجود ~~الخارجي إلا من هذه البعثة. # وجلب المنافع ودفع المضار فيما يتعلق بأمور الدنيا وأمور الدين. فظهر ~~بهذا الاعتبار أن النعم على قسمين: فنعم الله سبحانه وتعالى باعتبار وجوهها ~~وصنوفها وسبوغها ظاهرا وباطنا، وتواترها ليلا ونهارا في كل حين على جميع ~~العالمين: لا توصف ولا تعد، ولا تحصر ولا تحد؛ وهي على ثلاثة أقسام باعتبار ~~الأعيان، والأوصاف، والمعاني، كما تقدم بيانه. # وهي قسمان باعتبار جلب المنافع، ودفع المضار، وهي أيضا قسمان باعتبار ما ~~يتعلق بأمور الدنيا، وما يتعلق بأمور الدين. # ويرجع ذلك إلى قسمين أيضا: نعمة المبدأ، والمعاد. # ولم يحصل العلم بذلك إلا من جهة هذا الرسول، وهو نبينا محمد عليه أفضل ~~الصلاة والسلام، الذي من الله عز وجل ببعثته على المؤمنين وأرسله رحمة ~~للعالمين، وأنزل عليه كتابه الذي فيه ذكر المبدأ وما يتعلق به من أمور ~~الدنيا، نحو قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ..} الآية. PageV01P326 # وقوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا}. # وما يتعلق بأمور الدين كقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~واركعوا مع الراكعين}. # وفي الكتاب ذكر المعاد والحشر والنشر، والجزاء والقصاص، والجنة والنار، ~~وغير ذلك من أمور الآخرة. # والنعم في المبدأ والمعاد لا تحصى، فبهذا الاعتبار أيضا ترجع النعم إلى ~~قسمين، كما تقدم، ثم باعتبار إيجاد الموجودات وخلق الكائنات وما حصل بسبب ~~ذلك هي نعمة واحدة أم النعم وأصلها، فكم تفرع منها من إنعام خاص وعام؟! وكم ~~تشعب منها ms143 من أقسام لا يحصيها إلا المنعم بها سبحانه وتعالى؟! # ومن تأمل القرآن وتدبر ما ذكر فيه من وجوه الامتنان والآلاء والإنعام: ~~علم ذلك علم اليقين، وتحقق أن حمد الحامدين وشكر الشاكرين لا يبلغ الثناء ~~كما ينبغي لرب العالمين، سبحانه ما أسبغ إنعامه وأوسع إفضاله وإكرامه! وما ~~ثم إلا الاعتراف بالعجز والتقصير، عن شكر ربنا العلي الكبير. # وإلى هذا المقام أشار نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام بقوله في السجود ~~والقنوت، مناجاة لله الحي الذي لا يموت: ((لا أحصي ثناء عليك، أنت كما ~~أثنيت على نفسك)). # أخبرنا أبو حفص عمر بن الحسن المراغي إذنا عاما -وقرأته على أبي الحسن ~~علي بن إسماعيل المؤذن وغيره، عنه سماعا- أخبرنا علي ابن أحمد المقدسي، ~~أخبرنا عمر بن محمد السلامي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن منصور، أخبرنا أبو ~~بكر أحمد بن علي الحافظ. # وأنبأنا يوسف بن عثمان العوفي وآخرون قالوا: أخبرنا أبو أحمد إبراهيم بن ~~محمد المكي كتابة من مكة، أخبرنا عم أبي أبو يوسف PageV01P327 ~~يعقوب بن أبي بكر سماعا، أخبرنا نصر بن أبي الفرج، أخبرنا أبو طالب محمد بن ~~محمد العلوي النقيب، أخبرنا علي بن أحمد التستري، قال هو والحافظ واللفظ له ~~-أخبرنا القاسم بن جعفر الهاشمي، أخبرنا محمد بن أحمد بن عمرو أبو علي قال: ~~حدثنا سليمان بن الأشعث، حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، حدثنا عبدة، عن ~~عبيد الله، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذات ليلة فلمست المسجد فإذا هو ساجد وقدماه منصوبتان يقول: ((أعوذ ~~برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء ~~عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)). # تابعه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: أخبرنا عبدة بن سليمان، فذكره. # هذا حديث صحيح، خرجه مسلم في ((صحيحه)) وابن ماجه في ((سننه)) عن أبي بكر ~~بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، وخرجه النسائي عن محمد بن عبد الله ms144 بن المبارك ~~المخرمي، ونصير بن الفرج، كلاهما عن أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، به. PageV01P328 # وجعله أبو القاسم علي بن الحسن ابن عساكر في ((أطرافه)) من مسند أبي هريرة فوهم. # وله شاهد من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن التقي أحمد بن العز إذنا مطلقا -وقرأته على ~~الثقة، عنه، سماعا- وأخبرناه أبو اليسر أحمد بن عبد الله الأنصاري، وعبد ~~الرحمن بن أحمد بن الموفق، وعمر بن محمد الملقن مشافهة قالوا: أخبرنا علي ~~بن أبي بكر الحراني قالا: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد قراءة عليه ونحن ~~نسمع، أخبرنا حنبل أبو علي، أخبرنا هبة الله بن محمد، أخبرنا الحسن بن علي، ~~أخبرنا أحمد بن جعفر، حدثنا عبد الله بن أحمد حدثني إبراهيم بن الحجاج ~~الناجي، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عمرو الفزاري عن عبد الرحمن بن ~~الحارث ابن هشام، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يقول في آخر وتره: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، ~~وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على ~~نفسك)). # هذا حديث حسن من أفراد حماد بن سلمة، عن هشام بن عمرو الفزاري، وهشام ثقة ~~ليس يروي عنه غير حماد، فيما قاله يحيى بن PageV01P329 ~~معين، وهو أقدم شيخ لحماد، فيما قاله أبو داود بعد أن خرج حديثه هذا في ~~((سننه)) عن موسى بن إسماعيل. # وخرجه الترمذي -مع تحسينه له وأنه من الأفراد- عن أحمد بن منيع، عن يزيد ~~بن هارون. # وخرجه النسائي عن محمد بن عبد الله بن المبارك، عن سليمان بن حرب وهشام ~~بن عبد الملك، وهو عند النسائي أيضا عن إسحاق بن منصور، عن أبي الوليد هشام ~~بن عبد الملك. # وخرجه ابن ماجه عن أبي عمر حفص بن عمرو، عن بهز بن أسد. الخمسة عن حماد ~~بن سلمة، به. # تابعهم شهاب بن معمر بن يزيد بن بلال العوقي أبو الأزهر ms145 البلخي، فيما ~~علقه البخاري في ((تاريخه الكبير)) مختصرا فقال: وقال شهاب: حدثنا حماد بن ~~سلمة، فذكره بنحوه، وشهاب من شيوخ البخاري في ((كتاب الأدب المفرد)). PageV01P330 # وحدث به الإمام أحمد في ((مسنده)) عن بهز بن أسد وأبي كامل -هو فضيل بن ~~حسين الجحدري- كلاهما عن حماد. # وحدث به أيضا عن يزيد -هو ابن هارون- لكنه لم يسم عليا بل قال: عن رجل أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره: ((اللهم إني أعوذ برضاك من ~~سخطك)) وذكر الحديث. # ومن بعض معانيه: ما قال الإمام أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن ~~خطاب البستي الخطابي: في هذا الكلام معنى لطيف، وهو أنه صلى الله عليه وسلم ~~قد استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته. ~~والرضى والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمؤاخذة بالعقوبة، فلما صار ~~إلى ذكر من لا ضد له -وهو الله سبحانه- استعاذ به منه لا غير. # ومعنى ذلك: الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه. # وقوله ((لا أحصي ثناء عليك)): أي لا أطيقه ولا أبلغه. PageV01P331 # وفيه إثبات إضافة الخير والشر معا إليه سبحانه. قاله في كتابه ((معالم ~~السنن)). # وقال غيره: لما أراد صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ من الأشياء بضدها، مثل ~~أن تقول: وبحلمك من تعجيل عذابك، وبكذا من كذا، فلما كان التعداد يطول قال: ~~((وأعوذ بك منك)) أي: أعوذ بما يصدر منك من عفو ولطف، مما يصدر منك من ~~عقوبة ونقمة. # وفسر الخطابي الإحصاء بالإطاقة له وبلوغه، كما تقدم. # وقوله صلى الله عليه وسلم ((أنت كما أثنيت على نفسك)): فيه الاعتراف ~~بالعجز عن تفصيل الثناء، وأنه كما قال: لا يحصيه. ورد ثناءه إلى الجملة دون ~~تفصيل وإحصاء وتعيين، ووكل ذلك إلى المحيط بكل شيء جملة وتفصيلا. # وكما أنه تبارك وتعالى لا نهاية لسلطانه وعظمته وتمجيده وعزته وجليل ~~قدرته، فكذلك لا نهاية للثناء عليه، وكل ثناء أثني به عليه -وإن كثر وطال ~~وبولغ فيه- فقدرته تعالى أعظم - وسلطانه أعز، وأوصافه أكثر ms146 وأكبر، وفضله ~~وإحسانه أوسع وأسبغ. # ومما قلته في معناه، نجعله ختاما لما ذكرناه وهو: PageV01P332 # يا رب أنت الله رب الورى ... هديت أو أضللت كل إليك # أنلت كل الخلق فضلا ... كذا الإنفاق لا ينقص ما في يديك # وكل وصف حسن كامل ... صفاتك الحسنى جلالا لديك # أنت كما أثنيت حقا على ... نفسك لا نحصي ثناء عليك # آخر المجلس ولله الحمد حمدا كثيرا # وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما PageV01P333 ### | CHECK [المجلس [17]] # [17] بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى # قال الله عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # تقدم أن المن في كلام العرب له وجوه منها: الإحسان، وبه فسر قوله تعالى: ~~{لقد من الله على المؤمنين} أي: أحسن إليهم وأنعم بما ذكره عليهم. ~~والمؤمنون: المصدقون، واحدهم مؤمن، وهو: من اعتقد بقلبه دين الإسلام ~~اعتقادا جازما خاليا من الشكوك، ونطق بالشهادتين مع القدرة على النطق بهما، ~~فهذا يحكم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار، كما حكاه شيخ الإسلام ~~أبو زكريا النووي عن اتفاق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين. # ولا يشترط في المؤمن الذي اعتقد بقلبه التوحيد ونطق بالشهادتين أن يقول ~~مع ذلك حين يسلم: (وأنا بريء من كل دين يخالف دين الإسلام) إلا إذا كان من ~~كفار يعتقدون اختصاص رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى العرب، فهذا لا ~~يحكم بإسلامه إذا نطق بالشهادتين.. # ولا يقال إذا كان بعث إلى الجن والإنس، فلم خص بكونه من الإنس PageV01P334 ~~دون الجن؟ لأنا نقول: إن الله سبحانه وتعالى شرف نبيه محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بأنواع من الشرف لا يحصيها إلا الله مانحه إياها، ومن وجوه شرفه أن ~~جعله من الصنف الذي كرمه، قال الله عز وجل: {ولقد كرمنا بني آدم}. # ومنها: أنه جعله سيدهم، كما في ذلك الحديث الذي خرجه الترمذي وغيره عن ~~أبي سعيد ms147 الخدري رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أنا ~~سيد ولد آدم يوم القيامة ..)) الحديث. # بل أعم من هذا: الحديث الذي رويناه في ((مسند الدارمي)) و((جامع ~~الترمذي)) -واللفظ له- وغيرهما، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جلس ناس ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرونه قال: فخرج، وذكر الحديث، وفي ~~آخره قال: ((وأنا أكرم الأولين والآخرين PageV01P335 ~~ولا فخر)). # وقوله تعالى: {يتلو عليهم آياته} فسر الجمهور (الآيات) هنا بالقرآن ثم ~~أعيد ذكره بالتعليم مقرونا مع السنة في قوله تعالى: {ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة} ليعلم أنه لا سبيل إلى معرفة الآيات التي هي القرآن إلا من قبل ~~النبي صلى الله عليه وسلم بتعليمه إياه للمؤمنين. وتعليمه على قسمين: # - تعليم تلاوته كما أنزل، وهو المشار إليه بقوله تعالى -وهو أعلم-: {يتلو ~~عليهم آياته}. # والثاني: تعليم تفسيره ومعانيه التي يشملها علم القرآن، وأشير إليه ~~-والله أعلم- بقوله تعالى: {ويعلمهم الكتاب والحكمة}. # فالكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة التي منها بيان ما في القرآن من ~~الأحكام ونحوها إجمالا وتفصيلا. # ولا سبيل إلى معرفة ذلك إلا من قبل النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قال ~~الله عز وجل: {ويعلمهم الكتاب والحكمة} وهو عام في الصحابة ومن بعدهم. # ولا طريق إلى معرفة الكتاب والسنة إلا بإخبار الصحابة، ولا إلى معرفة ~~إخبار الصحابة إلا بما جاء عن التابعين، ولا وصول إلى ذلك إلا بالإسناد ~~الذي هو من الدين، وهو من خصائص هذه الأمة، فإن علم PageV01P336 ~~الدين هكذا أدي إلينا، فبلغنا بالإسناد درجة بعد درجة حتى وصل علم ذلك ~~إلينا، وحصلت بركاته لدينا، ولله الحمد. # وعلم الدين الذي اتصل، وحصل منه للمؤمنين ما حصل، هو علم الكتاب والسنة، ~~أما علم الكتاب: فقال الإمام أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم ~~الحليمي البخاري القاضي رحمه الله، قال: الإحاطة بعلم الكتاب كله لم تكن ~~إلا لمن أنزل عليه صلى الله عليه وسلم ، وأما الناس بعده فعلم الكتاب فيهم ~~متفرق، ولا يوجد عند أحد منهم إلا بعضه. ms148 وعلوم الكتاب كثيرة: # 1- منها: علم ألفاظه وما أريد به، وهذا هو الذي يقال له التفسير، ويدخل ~~في هذا القسم ما اختلف فيه من القراءات ووجوهها. # 2- ومنها: علم المكي والمدني منها، وأسباب التنزيل ومن نزل فيه، ومن نزل لأجله. # 3- ومنها: علم المحاجات فيه، فقد أودعه الله تعالى من البراهين والحجج ما ~~إذا عرفت حق المعرفة لم يحتج معها ولا وراءها إلى غيرها. PageV01P337 # 4- ومنها: علم الأحكام المبينة فيه جملة وتفصيلا، وتمييز الثابت منها ~~والزائل. # 5- ومنها: علم الأمثال المضروبة فيه، والوقوف على ما هي أمثال له ودلائل عليه. # 6- ومنها: علم الوعد والوعيد، والمدح والذم. # 7- ومنها: علم القصص وأنباء الأولين المذكورة للاعتبار بها وتسلية النبي ~~صلى الله عليه وسلم وتصبيره. # 8- ومنها: علم ما جاء من الحث على الاعتصام بالله تعالى، والالتجاء في ~~النوائب إليه، والدلالة على وجوه الاحتراس من شياطين الإنس والجن. # 9- ومنها: علم الإخبار بالعواقب، تبشيرا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وتثبيتا للمؤمنين. # 10- ومنها: علم إعجازه ومباينته في نظمه نظم الشعراء أو خطب الخطباء ~~وبلاغة الكتاب البلغاء. # وما شيء من هذه العلوم إلا ويوجد منه في السنة مثل ما يوجد في الكتاب، ~~إلا الإعجاز فإنه يخص القرآن، وفيها -أي السنة- زيادات كثيرة، لأن الله ~~تعالى جعل نبيه صلى الله عليه وسلم مبينا للكتاب ومعرفا للناس منه ما لا ~~يدركونه إلا بتبيانه، وأوحى إليه كثيرا مما لا ذكر له في الكتاب فبلغه عنه، ~~إلا أن ما ينتهى من سنته إلينا فقد تأتينا متواترة، وقد تأتينا مستفيضة غير ~~متواترة، وقد تأتينا من قبل الآحاد. قاله الحليمي في كتابه ((المنهاج)). # وقال بعده: ولا غنى بالمفتي عن دراية الأكثر الأظهر من عامة ما PageV01P338 ~~وصفنا، فإن شذ عنه بعد الطلب الحثيث والعناية الشديدة بعض مما ذكرنا: فلا ~~عليه، ولكنه لا يحل له أن يعتمد ما يراه مثبتا في كتب العلماء ويشهد على ~~أنه سنة حتى يسمعها ممن يرويها له، ويحدثه إياها بإسناد متصل منه إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، ويكون نقلتها عدولا. # انظروا إلى قول الحليمي رحمة الله ms149 عليه ((لا يحل له)) ما لازمه! فقد ذهب ~~الحليمي إلى أنه يحرم على من يعتمد حديثا عملا به أو استدلالا ويسميه سنة، ~~دون سماعه من عدل يرويه متصلا عن مثله إلى منتهاه. # وحكى الحافظ أبو بكر محمد بن خير بن عمر بن خليفة الأموي -نسبة إلى بلد ~~أمو- اللمتوني المتوفى سنة خمس وسبعين وخمس مئة بقرطبة، حكى في ((برنامجه)) ~~الاتفاق على نحو ما قاله الحليمي فقال: وقد اتفق العلماء رحمهم الله على ~~أنه لا يصح لمسلم أن يقول قال PageV01P339 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا: حتى يكون عنده ذلك القول مرويا ولو على ~~أقل وجوه الروايات. # فعلى هذا لا يحل لأحد أن ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم حديثا حتى ~~يسمعه بشرطه المذكور. # والأحاديث النبوية المتصلة برواية العدول على أقسام: # منها: غرائب الصحاح، وقد افرده بالتصنيف الحافظ الضياء أبو عبد الله محمد ~~بن عبد الواحد المقدسي رحمه الله. # ومنها: تفرد الثقة بحديث له شواهد، كالحديث الذي رويناه فيما مضى من إحدى ~~عشرة طريقا، وهذه طريق ثانية عشرة: # أخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الحاسب بقراءتي عليه، وهو أول ~~حديث سمعته منه، أخبرنا أبو العباس أحمد بن علي بن نحلة الدمشقي، وهو أول ~~حديث سمعته منه، أخبرنا العماد أبو الحسن علي ابن عبد العزيز السكري، وهو ~~أول حديث سمعته منه، أخبرنا أبو الحسن علي بن هبة الله اللخمي، وهو أول ~~حديث سمعته منه، أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد الحافظ، وهو أول حديث سمعته ~~منه، أخبرنا جعفر بن أحمد اللغوي، وهو أول حديث سمعته منه ببغداد، أخبرنا ~~عبيد الله بن سعيد السجزي بمكة، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا أبو يعلى ~~حمزة بن عبد العزيز بنيسابور، هو أول حديث سمعته منه، حدثنا أبو حامد أحمد ~~بن محمد البزاز، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن ~~الحكم، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا سفيان بن عيينة، وهو أول حديث سمعته ~~منه، عن عمرو بن دينار، ms150 عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن العاصي، عن ~~عبد الله PageV01P340 ~~ابن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الراحمون ~~يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء)). # وأنبأناه عاليا أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله المقدسي، عن ~~الحافظ أبي محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، أخبرنا أبو بكر محمد ابن ~~الحسن بن عبد السلام، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا أبو طاهر أحمد بن ~~محمد، وهو أول حديث سمعته منه، فذكره. # هذا حديث حسن عال من أفراد الثقات، ولهذا -والله أعلم- صححه الترمذي في ~~((جامعه)) حين حدث به من غير تسلسل عن محمد ابن أبي عمر العدني، عن سفيان. ~~تابعه أحمد بن حنبل في ((مسنده)) وجماعة عن سفيان، عن عمرو بن دينار المكي ~~التابعي الجليل. [وهو] روى عن عدة من الصحابة منهم ابن عباس، وجابر، وابن ~~عمر، وابن عمرو، وأبو شريح الخزاعي. # وهذا غير عمرو بن دينار البصري قهرمان آل الزبير الراوي عن سالم ابن عبد ~~الله بن عمر، ضعيف. # وهما غير عمرو بن دينار الكوفي، يكنى أبا خلدة من شيوخ سيف بن عمر صاحب ~~((كتاب الفتوح)) و((الردة))، وهذا من المتفق والمفترق أحد أنواع الحديث، ~~وقد أفرده غير واحد بالتصنيف، منهم الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ~~الخطيب، فجمع فيه كتابا حافلا. # وأمثل الثلاثة وأقدمهم عمرو بن دينار المكي التابعي راوي هذا PageV01P341 ~~الحديث عن أبي قابوس. # وأبو قابوس في الكنى ثلاثة، لا رابع لهم فيما أعلم، إلا ما جاء في قول ~~الراجز: # لقد ولدت أبا قابوس رهو ... أتوم الفرج حمراء العجان # أما الثلاثة فصحابي مختلف فيه، وتابعي، وجاهلي قبلهما، وهو أبو قابوس ~~النعمان بن المنذر ملك الحيرة، ذكره بهذه الكنية الخليل بن أحمد في ((كتاب ~~العين)) ولم يذكره من صنف في الكنى ممن وقفت على كناهم، كمسلم بن الحجاج ~~صاحب ((الصحيح)) والنسائي صاحب ((السنن)) وأبي أحمد الحاكم، وابن منده، بل ~~ولم يذكره الذهبي في كتابه ((المقتنى)) وكأنهم ms151 لم يذكروه -والله أعلم- لأنه ~~لا مدخل له في الرواة، وهو الذي عناه النابغة في قوله: # وعيد أبي قابوس في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس فالضواجع # فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع # يسهد من نوم العشاء سليمها ... لحلي النسا في يديه قعاقع # تناذرها الراقون من سوء سمها ... تطلقه طورا، وطورا تراجع PageV01P342 ~~وأما أبو قابوس الصحابي: فاختلف في اسمه ونسبه، فقيل: اسمه مخارق، وهو ~~الأكثر، وقيل أبو مخارق، وهو ابن سليم عند الأكثر، ومنهم مسلم في ((الكنى)) ~~لكنه ذكره في أفراد الكنى فقال: أبو قابوس مخارق بن سليم عن علي، روى عنه ~~ابنه مخارق. قال القاضي أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني: كذا في الكتاب: ~~ابنه مخارق، وهو خطأ، ولعله من الناقل، قاله في كتابه ((ترتيب كنى مسلم)). # وقيل في أبي قابوس هذا: مخارق بن عبد الله، نسبه هكذا ابن عبد البر في ~~((الاستيعاب)) وتبعه الذهبي في ((التجريد))، وقيل: مخارق ابن عطية، قاله ~~ابن منده في كتابه ((الكنى)) لكن لم ينسبه في كتابه ((المعرفة في الصحابة)) ~~فقال: مخارق أبو قابوس، عداده في أهل الكوفة، ثم روى له ابن منده حديثين لم ~~يسم أبوه فيهما. # ولا يقال: إنه تابعي، لما تقدم عن مسلم قوله: مخارق بن سليم، عن علي، ~~وكذلك قاله غيره، لأنا نقول: لا تنفي روايته عن علي صحبته، فقد روى خلق من ~~الصحابة عن أمثالهم حتى عن التابعين، وكأن مسلما ومن تابعه رأوا حديثه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الإسناد إليه اضطراب، وروايته عن علي ليس فيها ~~كذلك، فعدلوا عن رواية الرفع إلى ذكر روايته عن علي، لما ذكرناه، والله أعلم. PageV01P343 # وأما أبو قابوس التابعي: فهو راوي الحديث الذي أسندناه، واسمه كنيته على ~~الصحيح. # أنبأنا شيخنا المحدث العالم أبو زكريا يحيى بن يوسف الزغيبي رحمه الله، ~~أن الإمام أبا الحسن علي بن أيوب أخبره في يوم السبت ثالث عشر شوال سنة ~~إحدى وأربعين وسبعمائة، أخبرنا الإمام أبو محمد عبد الله بن مروان الفارقي ~~وغيره، قالوا: ms152 أخبرنا الإمام أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن النصري قال: ~~وحدثني الثقة الحديثي أبو رشيد بن أبي بكر قال: ذكر لي الحافظ أبو الفرج ~~ثابت بن محمد المديني أن أبا قابوس اسمه المبرد وجعل يتبجح به. قال: أبو ~~عمرو النصري: وليس هذا مما يركن إليه. انتهى. PageV01P344 # وأبو قابوس غير منصرف، واختلفوا في علة المنع، فالأكثر قالوا للعجمة ~~والعلمية، وأما ما رواه أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري في كتابه ((تهذيب ~~اللغة)) عن ابن الأعرابي أن القابوس الجميل الوجه الحسن اللون، فهذا لا ~~ينفي عدم صرفه، فقد صح أن قابوس من المعرب. قال أبو بكر محمد بن الحسن بن ~~دريد: فأما تسميتهم قابوس فهو اسم أعجمي: كاوس اسم ملك من ملوك العجم فأعرب ~~فقيل: قابوس، فوافق العربية. قاله في كتابه ((جمهرة اللغة))، وقال فيه: ~~ومما أخذته العرب عن العجم من الأسماء قابوس، وهو بالفارسية: كاوس. انتهى. # ومن فوائد سند الحديث أيضا: أنه فرد من وجهين هما قسمان من أقسام التفرد، ~~فتارة يأتي الحديث بسند لم يروه عن فلان إلا فلان، وهذا على صفات، و((معجم ~~أبي القاسم الطبراني الأوسط)) من هذا، وكذلك ((الأفراد)) لأبي الحسن ~~الدارقطني، وهي في مائة جزء، جمع لها أبو عبد الله محمد بن طاهر المقدسي ~~أطرافا. # وتارة يأتي الحديث فيقال مثلا: تفرد به أهل البصرة، أو أهل الكوفة، أو ~~يقال: هذه سنة تفرد بها أهل بلد كذا، ولأبي داود صاحب ((السنن)) مصنف مفرد ~~في ذلك سماه ((كتاب التفرد)) وذكر في ((سننه)) شيئا PageV01P345 ~~يسيرا من ذلك. # وتارة يأتي التفرد في إسناد فيه راو عن آخر فيقال عنهما: فلان عن فلان، ~~وتفرد عنه. أي: لم يبق من يروي عن ذلك الرجل من الموجودين أحد غير ذلك ~~الراوي، فتارة يأتي مطلقا، وتارة مقيدا ببلد ونحوه، وهذا القسم قد وقع من ~~زمن الصحابة رضي الله عنهم، وهلم جرا، كأبي الطفيل عامر بن واثلة بن عبد ~~الله بن عمير الكناني الليثي رضي الله عنه، آخر من بقي على وجه الأرض من ~~الصحابة رضي ms153 الله عنهم، وأبوه واثلة صحابي أيضا، ولا يلتفت إلى من ادعى ~~الصحبة بعد ذلك أو ادعيت له. # ومنه ما روى الخطيب البغدادي في ((تاريخه)) عن أبي إسحاق المستملي عن ~~محمد بن يوسف الفربري أنه كان يقول: سمع كتاب ((الصحيح)) لمحمد بن إسماعيل ~~تسعون ألف رجل، فما بقي أحد يروي عنه غيري. # وفي هذا نظر، فقد ذكر أبو العباس جعفر بن محمد المستغفري في ((تاريخ ~~نسف)) والأمير أبو نصر علي بن هبة الله بن علي بن جعفر بن ماكولا وغيرهما ~~أن آخر من روى عن البخاري ((صحيحه)) أبو طلحة منصور بن محمد بن علي البزدوي ~~النسفي الدهقان المتوفى سنة تسع PageV01P346 ~~وعشرين وثلاثمائة، وهو ثقة، لكن ضعفت روايته من جهة صغره. # والوجهان من التفرد: في سند هذا الحديث، أحدهما: أن سفيان تفرد برواية ~~هذا الحديث عن شيخه عمرو، لم يروه عن عمرو غير سفيان، ولا عن أبي قابوس غير عمرو. # والوجه الآخر: أن سفيان تفرد مدة في عصره بالرواية عن عمرو بن دينار ~~والزهري وغيرهما، لم يبق على وجه الأرض من يروي عنهم غيره. # وإذا كان في الإسناد مثل ذلك يقع عاليا في الغالب، وأكثر ما يقع في ~~الإسناد من هذا النوع راو أو اثنان، وقد وقع لنا بحمد الله تعالى حديث منا ~~إلى الصحابي تفرد كل من رواته عمن فوقه بالرواية عنه، ويسمى المسلسل ~~بالآخرية، وإذا انتهينا إن شاء الله تعالى من الكلام على المسلسل بالأولية ~~أملينا المسلسل بالآخرية مع الكلام عليه إن شاء الله تعالى. # ولما حدث سفيان بهذا الحديث حين سمعه منه عبد الرحمن بن بشر كان قد تفرد ~~بالرواية عن عمرو بن دينار وغيره، وعبد الرحمن بن بشر PageV01P347 ~~ابن الحكم بن حبيب العبدي النيسابوري مات في ثامن عشر شهر ربيع الآخر سنة ~~ستين ومئتين، بعد وفاة شيخه سفيان بن عيينة باثنتين وستين سنة، فكأنه ~~-والله أعلم- آخر من روى عن سفيان، وقد سمع هو وأبوه وجده من سفيان. # قال إبراهيم بن أبي طالب: سمعت عبد الرحمن بن بشر بن ms154 الحكم يقول: حملني ~~أبي على عاتقه في مجلس سفيان بن عيينة فقال: يا معشر أصحاب الحديث أنا بشر ~~بن الحكم بن حبيب النيسابوري، سمع أبي الحكم بن حبيب من سفيان بن عيينة، ~~وقد سمعت أنا منه وحدثت عنه بخراسان، وهذا ابني عبد الرحمن قد سمع منه. # هذا بعض ما يتعلق بسند هذا الحديث غير ما تقدم. # ومن فوائد متنه: الإشارة إلى سعة رحمة الله تعالى المأخوذ ذلك من قوله ~~صلى الله عليه وسلم : ((الراحمون يرحمهم الرحمن)) فالرحمن: اسم لله عز وجل ~~من أسمائه الحسنى، ورد به الكتاب والسنة، واختلف الناس في تفسيره ومعناه، ~~وهل هو مشتق من الرحمة أم لا، فمذهب الجمهور من الناس -على ما حكاه أبو ~~سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي البستي أنه مشتق من ~~الرحمة مبني على المبالغة، ومعناه ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها. PageV01P348 # وقال أبو الحسن علي ابن سيده في كتابه ((المحكم)): ولفظ الرحمن بني على ~~فعلان، لأن معناه الكثرة، وذلك لأن رحمته وسعت كل شيء. # وقال أبو الحسن أيضا: ومعناه عند أهل اللغة ذو الرحمة التي لا غاية بعدها ~~في الرحمة، لأن فعلان بناء من أبنية المبالغة. انتهى. # ومن فوائد الحديث: أن الطلب من الله تعالى بالأفعال أبلغ في الإجابة من ~~الطلب بالأقوال، فمن طلب أن الله يستره فستر مسلما: ستره الله، ومن طلب ~~التيسير عليه فيسر على معسر: يسر الله عليه، وكذلك طلب الرحمة وغيرها، فمن ~~طلب الرحمة من الله تعالى بالقول، ليس كمن رحم عباد الله لكي يرحمه الله، ~~هذا أبلغ في استجلاب الرحمة لما فيه من النفع المتعدي، بخلاف الطالب من ~~الله الرحمة لنفسه بالقول، هذا نفعه قاصر، وذلك أبلغ وأفضل. # ومن الفوائد: أن الدنيا عنوان الآخرة، وإذا كانت رحمة الله في الدنيا عمت ~~المؤمن والكافر وجميع دواب الأرواح، وحتى الجمادات، وهي جزء من مائة جزء من ~~رحمة الله، وهذا الجزء انتشر في الخلق وتنوع، وتأصل فيهم وتفرع، ومما حصل ~~منه بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام، ms155 والإسلام والقرآن وعلم الدين وفوائد ~~الدنيا على كثرتها واختلاف صنوفها، فكيف يكون الأمر في الآخرة إذا أضيفت ~~هذه الرحمة إلى تسع وتسعين رحمة مثلها فصارت مائة يرحم الله بها عباده ~~المؤمنين يوم القيامة؟! # ولهذا كان كثير من السلف ينظرون بعين البصيرة إلى ما يكون من الرحمة في ~~الآخرة، فتنشرح صدورهم ويعظم سرورهم مع ملازمتهم للعبادة والخدمة، ~~ومحافظتهم على الخشية لله وتعظيم الحرمة، PageV01P349 ~~وشكرهم لله على ما سخر من هذه الرحمة. # وإذا نظرنا إلى نعم الدنيا ومحتوياتها، ونعيم الآخرة ودرجاتها، تحققنا ~~عقلا وشرعا، وعلمنا نقلا وسمعا: أن الكل من رحمة الله التي يرجوها كل مسلم، ~~بل كل أحد. وهذا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، وأتقاهم ~~لله، وأشدهم له خشية يقول: ((اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة ~~عين)) ويقول صلى الله عليه وسلم : ((لا يدخل أحدا الجنة عمله)) قالوا: ولا ~~أنت يا رسول الله، قال: ((ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة)) وفي ~~رواية ((إلا أن يتغمدني الله برحمته))، وفي حديث طويل رواه عثمان بن سعيد ~~الدارمي، عن جابر مرفوعا في آخره قال: إن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم : ((إنما الأشياء برحمة الله يا محمد)). PageV01P350 # فرجاء الرحمة والاعتماد عليه مع لزوم العبادة والرجوع إليها: هي الطريق ~~الأسلم، اتباعا لسنة نبينا صلى الله عليه وسلم . # وفي معنى رجاء الرحمة: ما أخبرنا أبو حفص عمر بن الحسن المراغي -مراغة ~~مصر لا مراغة العراق- إذنا مطلقا، وقرأته على الثقة عنه سماعا، أخبرنا أبو ~~الحسن علي بن أحمد السعدي، أخبرنا هبة الله ابن الخضر بن طاوس، أخبرنا أبو ~~الفتح نصر الله بن محمد المصيصي، حدثنا نظام الملك الحسن بن علي الوزير، ~~حدثنا أبو عدنان القرشي، قال: أنشدنا القاضي أبو أحمد منصور بن محمد الأزدي لنفسه. PageV01P351 # لما عدمت وسيلة ألقى بها ... ربي تقي نفسي شديد عقابها # صيرت رحمته لدي وسيلة ... وكفى بها، وكفى بها، وكفى بها # آخر المجلس ولله الحمد حمدا كثيرا # وصلى الله على سيدنا محمد ms156 وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما PageV01P352 ### | CHECK [المجلس [18]] # [18] بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # الكلام على هذه الآيات من وجوه تقدم ذكر بعضها. # ومنها: النظر في حكم تركيب الألفاظ واختلافها المؤدي إلى أصل المعنى على ~~وفق كلام العرب، ويخرج منه علم النحو الذي يفهم به مقاصد الكلام، وهو على ~~أنواع، منها: معرفة الحروف المفردة، والمركبة، ومعانيها. # فالأول: كالألف والباء، وباقي حروف المعجم ولكل منها معنى لغة واصطلاحا، ~~كالباء اسم للحرف، وللنكاح، ويطلق على الرجل الكثير الجماع، وتارة تأتي ~~للإلصاق، وتأتي للتعدية، وللاستعانة، ولمعان أخر. # وأما الحرف المفرد نفسه فلا يمكن أن يلفظ به مفردا. # قال إمام أهل البصرة سيبويه أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي ~~مولاهم البصري في ((الكتاب)): قال الخليل -وسأل أصحابه-: كيف تقولون إذا ~~أردتم أن تلفظوا بالكاف التي في: لك، والكاف التي في منك، والباء التي في: ~~ضرب؟ فقيل له: باء وكاف. فقال: إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف، وقال: ~~أقول كه وبه، فقلنا: لم ألحقت PageV01P353 ~~الهاء؟ فقال: رأيتهم قالوا: عه، فألحقوا الهاء حتى صيروها يستطاع الكلام ~~بها، لأنه لا يلفظ بحرف، فإن وصلت قلت: ك واعلم، وب يا فتى، كما تقول: ع يا ~~فتى، فهذه طريقة كل حرف كان متحركا، وقد يجوز أن تكون الألف هاهنا بمنزلة ~~الهاء، لقربها منها وشبهها بها، فتقول: با، وكا، كما تقول: أنا. # فتلخص من قول الخليل بن أحمد أن النطق بالحرف الواحد له ثلاثة وجوه، ~~أحدها: وصل هاء السكت به، مثل (به) في النطق بحرف الباء من: ضرب. # والثاني: وصل الكلام به مثل: ب يا فتى. # والثالث: وصله بألف مثل: با، بلا مد. والله أعلم. # وليس في الآية من الحروف المفردة سوى الواو العاطفة، ومعناها لغة: الجمل ~~الذي له سنامان. والأصح أن الواو العاطفة لمطلق الجمع، لا تدل على ترتيب ~~ولا ms157 معية، وقيل: تفيد الترتيب، وقيل: هي للمعية. # ومن الحروف ذوات التركيب مع غيرها مما هو مذكور في هذه الآية الشريفة: ~~اللام في قوله تعالى: {لقد من الله} وفي قوله تعالى: {وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # ومعنى اللام في اللغة: اسم للحرف، ويطلق اسما للشجر إذا استوى واستقام ~~أيام الربيع، واللام أيضا اسم للسهم لكنه بلغة الحبشة، وهو أيضا اسم لشخص ~~الإنسان. PageV01P354 # وجميع اللامات في كلام العرب منها ما يكون مفتوحا، ومنها ما يكون مكسورا. ~~ومن الأول: اللامان في هذه الآية، فقوله تعالى {لقد} هي لام الابتداء، وهي ~~لام التأكيد أيضا، وكذلك اللام في قوله تعالى {وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين} معناها التأكيد. # وتجيء اللام في الكلام لمعان، منها: بمعنى الملك المعين، كقوله تعالى: ~~{لله ما في السموات وما في الأرض}، وتأتي بمعنى ملك المنافع، نحو قولهم: ~~عمارة الدار لزيد، وبمعنى ملك التصرف نحو: خذ طرف الحبل لآخذ طرفه. وتسمى ~~في هذه المعاني: لام الاختصاص. # ولها معان أخر. وهذا على مذهب الكوفيين في مجيء اللام لهذه المعاني، وأما ~~حذاق البصريين فمذهبهم أن اللام على بابها ثم يضمنون الفعل ما يصلح معها، ~~ويرون التجوز في الفعل أسهل من الحرف. # ومن معاني حروف الآية: أن معنى {وإن كانوا} أي: وقد كانوا، جاء تفسيرها ~~بذلك عن ثابت بن يعقوب المقرئ، حدثني الهذيل بن حبيب أبو صالح الأزدي، عن ~~مقاتل بن سليمان قال في قوله تعالى: {وإن} يعني: وقد {كانوا من قبل} أن ~~يبعث محمد صلى الله عليه وسلم {لفي ضلال مبين} أي: بين، وهو الشرك. PageV01P355 # ومن وجوه الكلام على الآية: النظر في تصرف معاني الألفاظ، ويقال له في فن ~~البلاغة: التصريف البياني الذي ذكره أبو علي الحسن ابن يحيى بن نصر ~~الجرجاني في كتابه ((ضروب نظم القرآن))، وأبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا ~~الرازي صاحب ((مجمل اللغة)) في كتابه ((فيما ترجع إليه علوم الإسلام من ~~الفهم والإفهام)) وغيرهما، فذكروا من أصناف البيان: التصريف، وهو القليل من ~~اللفظ يعرف من ms158 المعاني بزيادة، فتارة يكون تصريف المعنى في الدلالات ~~المختلفة، وتارة يكون التصريف تصريف المعنى في المعاني المختلفة. # فالأول: كقصة موسى عليه الصلاة والسلام ذكرت في القرآن في غير ما موضع، ~~من ذلك في سورة الأعراف، والشعراء، وطه، لوجوه من الحكمة، # منها: التصرف في البلاغة من غير نقصان عن أعلى مرتبتها. # ومنها: تمكين العبرة والموعظة. # ومنها: ظهور الحجاج على الكفار بالدلالات المختلفة في المعنى الواحد. ~~فهذه الآية الشريفة ذكرت في ثلاث سور من القرآن: في البقرة، وآل عمران، ~~والجمعة. # وفي البقرة ذكرت مرتين في آية الدعوة الإبراهيمية {ربنا وابعث فيهم ~~رسولا} والآية الأخرى قوله تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم ~~آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون. ~~فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون}. # ففي كل موضع من هذه المواضع الأربعة ذكرت بمعناها لدلالات PageV01P356 ~~مختلفة. والله أعلم. # والثاني من قسمي تصريف البيان: تصريف المعنى في المعاني المختلفة، فقوله ~~تعالى: {لقد من الله على المؤمنين} دل معناه على زمن مضى. # وقوله تعالى: {بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} لفظه ~~لفظ الحال. # وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} ~~فالمن هنا: اعتداد المعطي بصنيعته على المعطى تقريعا له. # وقال الله عز وجل: {وأنزلنا عليكم المن والسلوى} فالمن هنا: الطل الحلو ~~الذي ينزل على الأشجار والأحجار، فينعقد كالحلوى فيجتنى ويؤكل. # وقوله تعالى: {فلهم أجر غير ممنون} فسره جماعة بأنه غير مقطوع، والمن في ~~أحد وجوهه: القطع والهدم. # وللمن معان أخر، ومدارها على مادة منن ثلاثة أحرف، بل هي حرفان وتحتهما ~~هذه المعاني، فهذا من تصريف المعنى في المعاني المختلفة. # وكذلك قوله تعالى: {بعث} ومعناه هنا -والله أعلم- أرسل. # ويقال بعثه: أيقظه من نومه. قال الله تعالى: {وكذلك بعثناهم ليتساءلوا ~~بينهم}. # والبعث أيضا: النشور من القبور، قال الله عز وجل: {والموتى يبعثهم الله} ~~وقال تعالى: {وأن الله يبعث من في القبور}. # وللعرب التصريف الكثير في معاني الكلمة الواحدة، لكن تارة PageV01P357 ~~يذكرونها بلفظها الواحد لعدة ms159 معان، وتارة يتصرفون في اللفظ لاختلاف المعنى، ~~فيقولون مثلا: بعث فلان ويريدون: أرسل، ويقولون: انبعث فلان ويريدون: مضى ~~متتابعا إلى جهة قصده في خير أو شر. # ويقولون: كسب مالا، وكسب غيره مالا، يستعملونه لازما ومتعديا، ومن قال: ~~أكسبه -فعداه بالهمزة أو التضعيف-: فقد أخطأ، وكسب واكتسب: معناهما واحد، ~~وذكر بعضهم أن كسب يستعمل في الخير، واكتسب في الشر. # حكى الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن أبي محمد البغدادي ابن النجار ~~في ((تاريخ بغداد)) عن أبي شجاع محمد بن عبد الحق المؤدب قال: تذاكرنا ~~الفرق بين الكسب والاكتساب، وأن الكسب في الخير والاكتساب في الشر، لقوله ~~تعالى: {لها ما كسبت وعليها من اكتسبت}. فأخبرني بعد شخص أنه رأى الوزير ~~ابن هبيرة في المنام PageV01P358 ~~قال: فقلت يا سيدي ما فعل الله بك؟ فأنشدني: # قد سئلنا عن مثلها فأجبنا ... بعد ما حال حالنا وحجبنا # فوجدنا مضاعفا ما كسبنا ... ووجدنا ممحصا ما اكتسبنا # ومن الحروف المركبة في هذه الآية: ((قد)) في قوله تعالى: {لقد من الله ~~على المؤمنين} و((قد)) في كلام العرب تأتي على ضربين: # أحدهما: اسم فعل، وتكون مرادفة ل: حسب، وهي مبنية على السكون يقال: قد ~~زيد درهم، وربما أعربت فيقال: قد زيد درهم، كما يقال: حسب زيد درهم، ويقال ~~قدي. أي: حسبي، وتزاد فيها النون محافظة على السكون، فيقال: قدني. # وتأتي أيضا اسم فعل مرادفة ل: يكفي، يقال: قد زيدا درهم، أي: يكفيه، ومنه ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم للكفار حين كان يسمع تلبيتهم: لبيك اللهم ~~لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((قد قد)) ~~أي: كفى كفى. # والضرب الثاني: أن ((قد)) تكون حرفا، قال الخليل بن أحمد: ((وقد)) حرف ~~يوجب به الشيء، قاله في ((كتاب العين)). # وتأتي ((قد)) التي هي حرف: للتوقع وتقريب زمن الفعل، ولا يليها PageV01P359 ~~بعدها إلا الفعل مظهرا غير مغير عن حاله التي كان عليها قبل دخول ((قد)) ~~عليه، ولا يفصل بينها وبين الفعل بغيره، وتارة يليها الفعل المستقبل، ms160 كقوله ~~تعالى: {قد يعلم الله المعوقين منكم}. # وتارة يليها الفعل الماضي، كقوله تعالى في هذه الآية الشريفة: {لقد من ~~الله على المؤمنين}. ودخول اللام عليها هنا للتأكيد، تحقيقا لوقوع المن من ~~الله تعالى على المؤمنين. # و((قد)) هذه من الحروف المبنية، لها من مجاري أواخر الكلم الوقف، وهذه ~~المجاري ثمانية على أربعة أضرب: رفع وضم، ونصب وفتح، وجر وكسر، وجزم ووقف. # هكذا ذكرها سيبويه في ((الكتاب)) ثمانية على أربعة أضرب، جعل ذلك للفرق ~~بين ما يتغير إعرابه ويزول عنه من رفع ونصب وجر وجزم، كالأسماء المتمكنة ~~والأفعال المضارعة لأسماء الفاعلين، وبين ما لا يزول عنه ما بني عليه من ضم ~~وفتح وكسر ووقف من الأسماء غير المتمكنة، ومن الأفعال الثلاثة -لكن لا ضم ~~في الفعل سوى المضارع- ومن الحروف التي ليست إلا لمعنى، ومنها ((قد)). PageV01P360 # وهي مبنية على الوقف لا يزول عنها، كما نطقت بها العرب وجاءت في القرآن ~~كذلك في غير ما موضع، ومنه في هذه الآية الشريفة، قال الله عز وجل: {لقد من ~~الله على المؤمنين}. # هذا بعض ما يتعلق من الكلام ببعض الحروف الواقعة في هذه الآية الشريفة، ~~وهو أحد وجوه الكلام عليها. # ومن وجوه الكلام: النظر فيما دلت عليه الألفاظ، وهو علم الأحكام، ومن ~~أحكام هذه الآية الشريفة: # - أن الله عز وجل رفع مقام نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأن وضعه من ~~دينه موضع الإبانة عنه ما أراد سبحانه بكتابه عاما وخاصا، وفرضا وندبا، ~~وإباحة ووقتا وعددا، فقال الله عز وجل: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما ~~نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}، وجعل سبحانه للنبي صلى الله عليه وسلم أن يسن ~~مما ليس فيه نص كتاب، وهذا أحد الأحكام التي في هذه الآية الشريفة {لقد من ~~الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة} وهما: القرآن المعظم، والسنة التي شرعها النبي صلى ~~الله عليه وسلم . # - ومن أحكام هذه الآية المستنبطة منها: أن فيها أدلة الشريعة التي PageV01P361 ~~هي أصولها، وهي: الكتاب ms161 والسنة والإجماع. # فمأخذ الكتاب والسنة: من قوله تعالى: {ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} ~~فالكتاب: القرآن، والحكمة: السنة. # ومأخذ الإجماع: من مفهوم قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين} ~~والمؤمنون هنا هم أمة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا أجمعوا بعده على أمر ~~لم يأت فيه نص لم تجز مخالفتهم، كما ذكرهم الله تعالى في قوله: {ومن يشاقق ~~الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين} وهم الذين ذكرهم ~~الله تعالى في هذه الآية {لقد من الله على المؤمنين}. والرسول المذكور في ~~قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول} هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم المذكور ~~في هذه الآية {إذ بعث فيهم رسولا}. # وأيضا: يؤخذ الإجماع من مفهوم قوله تعالى {ويزكيهم} لأن الأمة حصلت لهم ~~التزكية، وأشير إليها في آيات، منها قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس} ومنها قوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} أي: عدولا خيارا، واتفاق ~~عدول الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم في كل عصر: إجماع. # وهذه الثلاثة -الكتاب والسنة والإجماع- هي الأدلة فقط عند إمام الحرمين ~~أبي المعالي عبد الله بن محمد بن يوسف الجويني رحمة الله عليه، لأن الأدلة ~~عنده لا تتناول إلا القطعي، فلا يكون الدليل إلا قطعيا، والإجماع حجته ~~قطعية عند الأكثرين، لكن إمام الحرمين جعل القياس -الذي هو في المصطلح- ~~مساواة فرع لأصل في علة جامعة- داخلا مع الثلاثة في الاحتجاج، لقيام القاطع ~~على العمل به. # وكذلك أبو حامد الغزالي عنده أيضا الأدلة الثلاثة فقط، وجعل القياس داخلا ~~من وجه غير الوجه السابق، لأنه من طرق الاستثمار، فإنه PageV01P362 ~~دلالة من حيث معقول اللفظ، كما أن العموم والخصوص دلالة من حيث صيغته. # وأهل الإجماع مختلف فيهم، فأحد الأقوال في الإجماع: أنه إجماع من كانوا ~~بعد النبي صلى الله عليه وسلم من أمة إجابته في أي عصر كان، على أي أمر ~~كان، من إثبات أو نفي أو حكم شرعي أو عقلي أو لغوي. # وقيل: إجماع المجتهدين مطلقا من الأمة على ما تقدم، فلا اعتبار بإجماع ms162 ~~العوام وفاقا ولا خلافا. # وقيل: الإجماع إجماع الصحابة فقط، كما حكاه أبو محمد ابن حزم عن مذهب ~~داود بن علي وأصحابه. # والقول الثاني هو الراجح، وقد قال به الأكثرون. # وأدلة القول الأول كثيرة، منها: حث النبي صلى الله عليه وسلم على لزوم ~~الجماعة، وترغيبه في ذلك، كحديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: ((نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب ~~حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن PageV01P363 ~~قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم ~~تحيط من ورائهم)). # ومنه حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ~~((ألا فمن سره بحبحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من ~~الاثنين أبعد)). PageV01P364 # ومنه حديث معاوية بن أبي سفيان وغيره رضي الله عنهم مرفوعا: ((لا تزال ~~طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم -أو خالفهم- حتى يأتي أمر ~~الله وهم ظاهرون)). # قال الشافعي رضي الله عنه في ((الرسالة)) بعد أن ذكر لزوم الجماعة، فقال: ~~فلم يكن للزوم جماعتهم معنى إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم ~~والطاعة فيهما، فمن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن ~~خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها، وإنما ~~تكون الغفلة في الفرقة، فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنى كتاب ~~الله ولا سنة ولا قياس إن شاء الله تعالى. انتهى قول الشافعي. # وقد استدل بأقوى دليل على الإجماع من كتاب الله عز وجل، وهو قوله تعالى: ~~{ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ~~ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}. # أنبأنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله المقدسي، عن فاطمة ابنة ~~سليمان الأنصارية، أخبرنا الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله الشافعي ~~إذنا، أخبرنا عمي أبو القاسم ms163 علي بن الحسن بن هبة الله الحافظ PageV01P365 ~~سماعا، أخبرنا محمد بن إسماعيل الفارسي، أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن ~~الحسين الخسروجردي، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عبد الله ~~الزبير بن عبد الواحد الحافظ الأسداباذي، سمعت أبا سعيد محمد بن عقيل ~~الفاريابي يقول: قال المزني -أو الربيع-: # كنا يوما عند الشافعي بين الظهر والعصر عند الصحن في الصفة، والشافعي قد ~~استند -إما قال إلى أسطوانة، وإما قال إلى غيرها- إذ جاء شيخ عليه جبة صوف، ~~وعمامة صوف، وإزار صوف، وفي يده عكاز قال: فقام الشافعي وسوى عليه ثيابه ~~واستوى جالسا، قال: وسلم الشيخ وجلس، وأخذ الشافعي ينظر إلى الشيخ هيبة له، ~~إذ قال له الشيخ: أسأل؟ قال: سل. قال: إيش الحجة في دين الله؟ فقال ~~الشافعي: كتاب الله. قال: وماذا؟ قال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~قال: وماذا؟ قال: اتفاق الأمة. قال: من أين قلت: اتفاق الأمة من كتاب الله؟ ~~قال: فتدبر الشافعي ساعة! فقال للشافعي: قد أجلتك ثلاثة أيام ولياليها، فإن ~~جئت بحجة من كتاب الله في الاتفاق، وإلا تب إلى الله عز وجل. # قال: فتغير لون الشافعي، ثم إنه ذهب فلم يخرج ثلاثة أيام ولياليهن، قال ~~فخرج إلينا اليوم الثالث في ذلك الوقت -يعني بين الظهر والعصر- وقد انتفخ ~~وجهه ويداه ورجلاه وهو مسقام، فجلس قال: فلم PageV01P366 ~~يكن بأسرع أن جاء الشيخ، فسلم فجلس فقال: حاجتي! # فقال الشافعي: نعم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن ~~الرحيم، قال الله عز وجل: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} لا يصليه على خلاف ~~المؤمنين إلا وهو فرض. فقال: صدقت، وقام وذهب. # قال الفاريابي: قال المزني -أو الربيع-: قال الشافعي: فلما ذهب الرجل ~~قرأت القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات حتى وقفت عليه. يعني على دليل ~~الإجماع. # هذا من بعض أحكام القرآن وعجائبه وفوائده وغرائبه. وطريق استنباط ذلك ~~للاتعاظ: الاعتبار بمدلولات الألفاظ. # وكذلك الحكمة ms164 المشار إليها في الآية الشريفة، وهي سنة نبينا عليه أفضل ~~الصلاة والسلام، فيستنبط من الحديث الواحد مع إيجازه عدة من الأحكام، كيف ~~لا وقد أعطي قائله صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم. PageV01P367 # أخبرنا الخطيبان المتفقان أيضا في الكنية والاسم واسم الأب والجد: أبو عبد ~~الله محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم المصري، قدم علينا دمشق، بقراءتي ~~عليه بها بمسجد العادلية الكبرى، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن ~~كامل، بقراءتي عليه ببلد حبرون، وآخرون، قالوا: أخبرنا أبو الفتح محمد بن ~~محمد الخطيب قراءة عليه ونحن نسمع، قال الثاني: وأنا حاضر، أخبرنا عبد ~~اللطيف بن أبي محمد النميري سماعا، أخبرنا عبد المنعم بن أبي نصر التاجر، ~~أخبرنا علي بن أحمد العمري، أخبرنا محمد بن محمد البزاز، أخبرنا إسماعيل ~~الملحي، أخبرنا الحسن العبدي، حدثنا هشيم بن بشير، عن عبد الرحمن بن إسحاق ~~القرشي، PageV01P368 ~~عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ((أعطيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه)) فقلت: يا رسول الله ~~علمنا مما علمك الله، فعلمنا التشهد في الصلاة. # هذا الحديث على شرط مسلم، لأن عبد الرحمن بن إسحاق القرشي انفرد مسلم ~~بإخراج حديثه دون البخاري، لأن عبد الرحمن هذا عند البخاري ليس ممن يعتمد ~~على حفظه وقال: ((ربما وهم)) فيما ذكره في ((تاريخه)) وللحديث علة وهي ~~مجيئه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه موقوفا. PageV01P369 # أنبأنا الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد، أخبرنا أبو عبد الله محمد ~~بن أحمد بن أبي الهيجاء السلمي قراءة عليه وأنا أسمع، في ذي القعدة سنة ~~اثنتين وعشرين وسبع مئة، بالجامع المظفري من سفح قاسيون، أخبرنا أبو علي ~~الحسن بن محمد التيمي، أخبرنا عبد المعز بن محمد، أخبرنا تميم بن أبي سعيد، ~~أخبرنا علي بن محمد الحاكم، أخبرنا محمد بن أحمد الزوزني، أخبرنا محمد بن ~~حبان التميمي، حدثنا أحمد بن عبد الله بحران، حدثنا النفيلي، حدثنا زهير بن ms165 ~~معاوية، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~قال: إن محمدا صلى الله عليه وسلم أوتي فواتح الكلام وخواتمه -أو جوامع ~~الخير وخواتمه- وإنا كنا لا ندري ما نقول إذا جلسنا في الصلاة حتى علمنا، ~~فقال: ((قولوا: التحيات لله .. .. )) وذكر الحديث. # وله شاهد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: ((أنا محمد النبي الأمي، لا نبي بعدي، أوتيت جوامع الكلم ~~وخواتمه، وعلمت [كم] خزنة النار، وحملة العرش)). # وخرج الدارقطني في ((سننه)) من حديث زكريا بن عطية، حدثنا سعيد PageV01P370 ~~ابن خالد، حدثني محمد بن عثمان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي ~~الحديث اختصارا)). # وصح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~((بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب.. .. )) الحديث. # فسر جوامع الكلم بالقرآن، لإيجازه واحتوائه على علوم لا تحصى، PageV01P371 ~~وفنون من البلاغة لا تستقصى. # وفي حديث هند بن أبي هالة رضي الله عنه، في وصف النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: ((ويتكلم بجوامع الكلم فصلا، لا فضول فيه ولا تقصير)) فسر هذا PageV01P372 ~~بأنه الكلام الموجز المفيد المحكم. # وفي ((مسند)) الإمام أحمد -وأصله مخرج في الصحيح- عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسرد سردكم هذا، كان يتكلم ~~بكلام يبينه، فصلا، يحفظه من يسمعه. # وفي قول عائشة رضي الله عنها ((يتكلم بكلام يبينه)) إشارة إلى إحدى ~~حالاته صلى الله عليه وسلم وهو أنه يبين كلامه بمعانيه، حين يتكلم به ~~ويلقيه، ومن أحواله أنه كان يسأل عن كلامه إذا أشكل فيبينه لسامعيه. # ومن الأول: ما أخبرنا أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن هبة الله القيسي ~~الصقلي قراءتي عليه، أخبرنا أحمد بن أبي طالب البياني PageV01P373 ~~محمد بن عمر الأصبهاني سماعا قالا: أخبرنا عبد اللطيف بن محمد كتابة من ~~بغداد، أخبرنا أبو ms166 المعالي أحمد بن عبد الغني سماعا، أخبرنا أبو منصور محمد ~~بن أحمد الخياط، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن أحمد الصواف، ~~أخبرنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا يحيى بن سعيد ~~الأنصاري، أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي ~~يقول: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول على المنبر يخبر ذلك عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما ~~الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ~~فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ~~فهجرته إلى ما هاجر إليه)). # حديث صحيح متفق على صحته وثبوته، لكنه من الأفراد بالنسبة إلى أوائل ~~الإسناد، ومتواتر بالنسبة إلى الأواخر، فهو من يحيى بن سعيد الأنصاري إلى ~~عمر رضي الله عنه من الأفراد، لم يصح أنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~غير عمر، ولا عن عمر غير علقمة، ولا عن علقمة غير التيمي، ولا عن التيمي ~~غير الأنصاري. هذا التفرد في الإسناد. # وأما بقيته فهو متواتر، فقد رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري خلق PageV01P374 ~~بلغ بهم أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن منده ثلاث مئة رجل ~~وأربعين رجلا. # وحكى أبو موسى المديني، عن شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد ~~الأنصاري أنه قال: كتبت هذا الحديث عن سبع مئة نفس من أصحاب يحيى بن سعيد ~~-يعني الأنصاري-. # فمن الأنصاري إلينا هو متواتر، وما هذا سبيله في التواتر والإفراد هل يعد ~~متواترا أو فردا؟ هذا محل نظر، والظاهر أن الحكم لأول الإسناد. والله أعلم. PageV01P375 # وأما القسم الثاني من الأحاديث النبوية فمنه: ما أنبأنا الحافظ أبو بكر ~~محمد بن عبد الله ابن المحب، أخبرتنا زينب ابنة أحمد الكمالية بقراءتي ~~عليها في يوم الخميس التاسع والعشرين من ذي الحجة سنة ست وثلاثين وسبع مئة، ~~أخبرنا يوسف بن خليل الحافظ إجازة، أخبرنا أبو محمود ms167 أسعد بن أحمد بن حامد ~~الثقفي وأبو سعيد خليل بن أبي الرجاء الراراني وأبو المحاسن محمد بن الحسن ~~التاجر سماعا قالوا: أخبرنا أبو الفضل جعفر بن عبد الواحد، أخبرنا أبو طاهر ~~محمد بن أحمد بن عبد الرحيم قال: قرئ على أبي محمد عبد الله بن محمد بن ~~جعفر بن حيان في سنة ثمان وستين وثلاث مئة فأقر به وأنا أسمع، حدثنا أحمد ~~ابن عبدان بن سنان، حدثنا إسماعيل بن مسعود، حدثنا أحمد بن المنهال السرخسي قال: # مر بخارجة بن مصعب رجل ممن يطلب الأشعار، فدعاه خارجة فقال له: لم لا ~~تطلب الحديث؟ قال: أمرت بطلب الغريب، قال: إن في الحديث من الغريب أكثر مما ~~في الأشعار، هات أغرب ما عندك. # فقال: رأيت الهبنق ذا اللعوتين، غدا كالعملس، في حضنه رؤوس العناظب ~~كالعنجد. # فقال خارجة: أما قولك: رأيت الهبنق: فالهبنق الغلام المدرك قبل أن تخرج لحيته. # ذا اللعوتين: يعني الكلبتين. # العملس: الذئب. # في حضنه رؤوس العناظب: الجراد الذكر. # كالعنجد: الزبيب. # فقال خارجة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ليس على النخة والكسعة ~~والجبهة صدقة)) فما هو؟ فلم يعرفها. فقال: إن الكسعة جماعة PageV01P376 ~~العجاجيل من البقر. والنخة: جماعة الحمير. والجبهة: جماعة الخيل. # ومن الباب: ما أنبأنا أبو هريرة عبد الرحمن بن محمد ابن الذهبي وآخرون، ~~عن علي بن محمود بن عبد اللطيف السلمي، أخبرنا أبو الخطاب عمر بن الحسن ~~الحافظ كتابة، أخبرنا أبو القاسم خلف بن عبد الملك القاضي إذنا، أخبرنا ~~يونس بن محمد بن مغيث، عن جده مغيث بن محمد، عن جده يونس بن عبد الله قال: ~~حدثنا عباس بن عمرو الصقلي الوراق، عن ثابت بن قاسم بن ثابت، عن جده ثابت ~~بن قاسم، حدثنا علي بن عبدك، حدثنا العباس بن عيسى، حدثنا يعقوب PageV01P377 ~~ابن عبد الوهاب الزبيري، حدثني محمد بن عبد الرحمن الزهري، عن أبيه، عن جده ~~قال: قال رجل من بني سليم للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله الرجل ~~يدالك أهله؟ قال: فقال رسول الله صلى ms168 الله عليه وسلم : ((نعم إذا كان ~~ملفجا)) قال: فقال له أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله ما قال لك وما ~~قلت له؟ قال: ((قال لي: الرجل يماطل أهله؟ قال: فقلت: نعم إذا كان مفلسا))، ~~قال: فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله طفت في العرب وسمعت فصحاءهم ~~فما سمعت أفصح منك! فمن أدبك؟ قال: ((أدبني ربي، ونشأت في بني سعد)). # وجاءت هذه اللفظة ((أدبني ربي)) في حديث طهفة بن أبي زهير النهدي، ويقال ~~طهية، ويقال ابن زهير، الذي روي من طريق عن عمران ابن حصين رضي الله عنهما ~~قال: لما قدمت وفود العرب على النبي PageV01P378 ~~صلى الله عليه وسلم قام طهفة بن أبي زهير النهدي فقال: أتيناك يا رسول الله ~~من غوري تهامة، على أكوار الميس، ترتمي بنا العيس. الحديث بطوله، وفيه: ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ~~ومذقها وفرقها، وابعث راعيها في الدثر، بيانع الثمر، وافجر لهم الثمد، ~~وبارك لهم في المال والولد)). # وفي الحديث: فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا رسول الله نراك ~~تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره ونحن بنو أب واحد؟! فقال: ((أدبني ربي ~~فأحسن تأديبي وربيت في بني سعد)). # وقال أبو محمد عبد الله بن محمد البلوي: حدثني عمارة بن زيد الأنصاري، من ~~الأوس من ساكني تيماء، حدثني إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، حدثني يحيى ~~بن عروة بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن زبان بن قسور الكلفي رضي الله ~~عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بوادي الشوحط، ومعه ~~رجل دونه في هديه وسمته، إذا كلم رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطال: ~~أومأ إليه أن اقتصد، وإذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا، سمعه ~~وفهمه قول النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت لبعض أصحابه: من هذا؟ قالوا: ~~هذا صاحبه الأخص أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فكلمت رسول ms169 الله صلى الله ~~عليه وسلم فقلت: إن لوبا -يعني نحلا- كان في عيلم له PageV01P379 ~~طرم وشرو، فجاء رجل فضرب ميتين فأنتج حيا وكفنه بالثمام، فنحس، فطار اللوب ~~هاربا، ودلى مشواره في العيلم، فاشتار العسل فمضى به، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ((ملعون ملعون من سرق شرو قوم فأضر بهم، أفلا تبعتم أثره، ~~وعرفتم خبره؟!)) قال: قلت: يا رسول الله إنه دخل في قوم لهم منعة، وهم ~~جيرتنا من هذيل! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((صبرك صبرك ترد نهر ~~الجنة، وإن سعته كما بين اللقيقة والسحيقة، يتسبسب جريا بعسل صاف ما تقيأه ~~لوب ولا مجه نوب)). # الكلفي هذا مختلف في اسمه، فقيل زبار -بالزاي المفتوحة ثم موحدة مشددة ~~وبعد الألف راء- وقيل كذلك لكن آخره نون، وبه جزم الدارقطني، وقال عن ~~حديثه: منكر الإسناد، ثم قال: حدثنا الحسن ابن رشيق بمصر، حدثنا أحمد ابن ~~محمد بن يحيى بن جرير الهمداني، حدثني أبو محمد عبد الله بن محمد البلوي، ~~فذكره بطوله. # تابعه أبو القاسم يحيى بن علي بن محمد الحضرمي الحافظ، فرواه عن الحسن بن ~~رشيق لكنه قال: زبار -بالراء- كما قاله عبد الغني بن PageV01P380 ~~سعيد المصري، وهو ابن قسور وقيل ابن قيسور، ذكره في الصحابة أبو موسى محمد ~~بن أبي بكر المديني في كتابه ((التتمة لكتاب المعرفة)) تأليف أبي عبد الله ~~محمد بن إسحاق بن منده فاستدركه عليه، واختصر حديثه هذا. # وهذا الحديث وإن كان إسناده منكرا ففصاحة النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~تنكر، وبلاغة قوله لا تجهل، وحكم أحاديثه لا تحصى، ومعاني جوامع كلمه لا ~~تستقصى، مع التأييد الإلهي، والمدد الرباني، والعصمة التي ذكرت في القرآن ~~تصريحا، فقال تعالى: {وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى}. فهذا ~~وأمثاله من الأخبار، مما يدل على بلاغة نبينا المختار، الذي ما ينطق عن ~~الهوى صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وعظم. وقلت في معنى ذلك: # بلاغة القول من المصطفى ... في كل فن نورها يشرق # مقاله فصل ومن فضله ... عن الهوى ms170 نزه ما ينطق # فما أتى فيما مضى مثله ... كلا ولا يأتي ولا يخلق # صلاة ربي زاكيا نشرها ... عليه يطوى فائحا يعبق PageV01P381 ~~وتشمل الآل وأصحابه ... ومن بهم في هديهم يلحق # آخر الإملاء ولله الحمد حمدا كثيرا # وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما دائما PageV01P382 ### | CHECK [المجلس [19]] # [19] بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى # قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}. # أخبر الله تعالى بما من به وتفضل، وتكرم به على عباده المؤمنين وتطول، ~~وأكد الإخبار باللام، تأكيدا لشأن هذا الإعلام، فقال تعالى: {لقد من الله}. # ومعنى {من} -والله أعلم بما أراد- أي: أحسن وأنعم، والمنان -في أحد ~~معنييه- الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال، ويجود بالعطاء قبل الدعاء. # والمؤمنون: هذه الأمة، في قول. والرسول: هو بلا خلاف نبينا محمد عليه ~~أفضل الصلاة والسلام. # خرج أبو بكر بن مردويه في ((تفسيره)) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ~~قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} قال: ~~وكنتم أنتم المؤمنون، وكان محمد صلى الله عليه وسلم هو الرسول إليكم. PageV01P383 # وخرج أيضا عن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: {لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} قالت: من العرب. # وحكى الإمام الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي عن بعضهم ~~أن لفظ الآية عام ومعناها خاص في العرب، لأنه ليس حي من أحياء العرب إلا ~~وقد ولده صلى الله عليه وسلم ولهم فيه نسب إلا بني تغلب، فإن الله سبحانه ~~طهره منهم، لما فيهم من دنس النصرانية، إذ ثبتوا عليها، وبيان هذا التأويل ~~قوله تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم}. # وقال الآخرون: أراد به المؤمنين كلهم. ومعنى قوله: {من أنفسهم}: بالإيمان ~~والشفقة لا بالنسب، كما يقول القائل: أنت نفسي، يدل عليه قوله تعالى: {لقد ~~جاءكم رسول ms171 من أنفسكم}. قاله الثعلبي في ((تفسيره)). # وقوله تعالى: {يتلو عليهم آياته} يتلو من التلاوة -بكسر المثناة فوق ~~وضمها، لغتان- وهي: إتباع بعض القرآن بعضه قراءة، والآيات هنا فسرت ~~بالقرآن. # ومعنى {يزكيهم}: يصلحهم فيصيرون صالحين متقين. {ويعلمهم الكتاب} يعني ~~القرآن: {والحكمة} يعني السنة، كما تقدم القول في المجلس الأول عن مجاهد عن ~~ابن عباس، وحكاه الشافعي عن من يرضى من أهل العلم: أن {الحكمة} السنة. # والسنة: هي أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريره على أمر اطلع ~~عليه، وزيد على ذلك: ما إذا سلم من الاعتراض. # وقوله تعالى: {وإن كانوا} أي المؤمنون الذين من الله عليهم {من PageV01P384 ~~قبل} أي: من قبل أن يبعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم {لفي ضلال} ~~الضلال: ضد الرشاد والهدى، وقوله {مبين} أي بين ظاهر، حتى إن كثيرا من ~~المشركين قبل البعثة كانوا يعلمون أنهم ليسوا على شيء. # فأي منة أعظم من منة الله علينا، ببعثة نبي الرحمة إلينا، ومجيئه بالقرآن ~~المعظم، وتشريعه الأحكام به وبسنته صلى الله عليه وسلم . # وهذا من بعض أنواع الرحمة التي رحم الله بها هذه الأمة. قال الله عز وجل: ~~{ورحمتي وسعت كل شيء، فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم ~~بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم ~~في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم ~~الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، ~~فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم ~~المفلحون}. # 1- وهذا أحد وجوه شكر النعم. # 2- ومن وجوهه: الثناء على الله تعالى وحمده باللسان، جمعا بين الاعتقاد ~~بالجنان والنطق باللسان. # 3- ومنها: لزوم طاعة المنعم سبحانه، والكف عما نهى عنه، لأنه لا مقابلة ~~للنعم إلا بتعظيم المنعم، ولا يحصل تعظيم العبد له إلا بطاعته فيما أمر ونهى. # 4- ومنها: الخوف من زوال النعم بمعصية المنعم، والسعي في الأسباب التي ~~تديمها. # 5- ومنها: الشكر بالفعل بعد الشكر بالقول، كالإنفاق في سبيل الله ووجوه البر. # 6- ومن وجوه الشكر للنعم: ترك الأشر ms172 والبطر والتفاخر بها والتكاثر ~~والتكبر. PageV01P385 # 7- ومنها: التحديث بها لأعلى وجه الزهو والافتخار، بل إظهارا لنعمة الله ~~عليه، وثناء على المنعم سبحانه بفضله وما ساقه إليه. # 8- نعم، وفي ذكر نعم الله: الاستدلال بها على وجوده وعلمه وحكمته ~~ووحدانيته، كما أشير إليه في هذه الآية الشريفة بذكر هذه النعمة العظيمة ~~التي هي أجل أمهات النعم الست التي رويناها عن علي ابن أبي طالب رضي الله ~~عنه أنه قال: النعم ست: أولها: الإسلام، والثاني: القرآن كلام الله، ~~والثالث: محمد رسول الله، والرابعة: الستر، والخامسة: العافية، والسادسة: ~~الغنى عن الناس. # وقد تقدم ذكر هذا الأثر وأبياتي التي نظمتها في معناه: # نعم الله لها مدد ... إن رمت الحصر فلن تجدا # فيها نعم أمات لها ... رويت أثرا ستا عددا # منها الإسلام، كذا القرآن ... كلام الله أعظم رشدا # ورسول الله فبعثته ... جلت وحلت عيشا رغدا # والستر لنا خاصا وكذا ... في عافية دينا جسدا # والاستغناء بخالقنا ... فالحمد له حقا أبدا # ولم يذكر فيما مضى أن النعم كلها اجتمعت لهذه الأمة من نعمة واحدة من ~~الست، وهي نعمة الله علينا ببعثة هذا الرسول صلى الله عليه وسلم ، الذي قال ~~الله عز وجل مذكرا ذلك: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا}. PageV01P386 # 1- أما نعمة الإسلام: فقد حصلت بمحمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فلولاه ما ~~كنا مسلمين، ولا علمنا شرائع الدين ولا وجوه الأحكام. # 2- وكذلك نعمة الله بالقرآن. # 3- ونعمته بمحمد عليه أفضل الصلاة والسلام. وهذه الثلاث مذكورات في قوله ~~تعالى: {لقد من الله على المؤمنين} أثبت لهم الإسلام. {إذ بعث فيهم رسولا} ~~دخلت في هذا نعمته سبحانه بمحمد صلى الله عليه وسلم . {من أنفسهم يتلو ~~عليهم آياته} فدخلت نعمة الله بالقرآن. # 4- وأما نعمته بالستر قد حصلت أيضا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، عاما ~~وخاصا، دنيا وآخرة، فمن العموم: أن الله تعالى جعل هذه الأمة آخر الأمم، ~~فلا أمة بعدها تقف على ذنوب بعض هذه الأمة، ولا على انتقام الله عاجلا من ~~بعض من استحق العقوبة منهم، وأي ستر أعظم ms173 من هذا لهذه الأمة بين الأمم؟! # ومن الستر الخاص: درء الحدود بالشبهات، وجريان الشريعة على الظاهر. قال ~~الله عز وجل: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} ولم يقل: وعلى ~~الآباء، لأن المولود له صادق على الآباء وعلى من ولد على فراشه ولم يكن منه ~~جاهلا ذلك، فيعطى حكم الولد للصلب فلهذا -والله أعلم- عدل عن ذكر الآباء ~~إلى قوله تعالى: {وعلى المولود له} لأن الدين مبني على الظاهر، والله يتولى ~~السرائر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((الولد للفراش)). PageV01P387 # والأحاديث في الأمر بالستر على عورات المؤمنين كثيرة، كقوله صلى الله عليه ~~وسلم : ((ومن ستر مسلما ستره الله)) الحديث، فبالنبي صلى الله عليه وسلم ~~حصلت نعمة الله بالستر. # 5- وأما نعمة الله بالعافية: فقد حصلت لهذه الأمة: # - منها: أنهم عوفوا مما أصاب قبلهم من الأمم. # - ومنها: أن الله لا يهلكهم بسنة عامة. # - ومنها: أن الله لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيستبيح بيضتهم. إلى غير ~~ذلك مما عوفوا به. # وربما تستنبط عافية الأمة بوجود النبي صلى الله عليه وسلم فيهم من قوله ~~تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا} ولم يقل منهم، كما ~~صرح في الآية الأخرى {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}. # قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أنزل الله تعالى عليه {وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت PageV01P388 ~~فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} قال: ((قد أنزل الله علي أمانين ~~لأمتي: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون} فإذا مضيت تركت فيكم الاستغفار)) إلى غير ذلك من صنوف العافية ~~حسا ومعنى، وكل ذلك حصل ببعثة هذا الرسول صلى الله عليه وسلم . # 6- وأما الغنى عن الناس: فقد حصل للأمة عاما وخاصا. # - فمن العموم: ما أحله الله لهم من الغنائم التي حرمت على من كان قبلهم، ~~وما أبيح لهم مما حظر على غيرهم، وما ساقه الله إليهم من الفتوحات والغنائم ~~على يدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم من المقاتلين، لتكون ms174 ~~كلمة الله هي العليا. # ومنها: ما شرع لهم من المكاسب ووجوه التجارات وأصناف الزراعات، وأنواع ~~الأسباب في الأرض، وإرفاق بعضهم ببعض. # - ومن الخصوص: ما فرضه الله من الزكوات في أموال الأغنياء لمن كان محتاجا ~~إليها من الأصناف المباحة لهم أخذ الزكاة، فأغناهم الله بذلك حتى قيل: لو ~~أخرجت الزكاة كما شرعت وصدق آخذوها لم PageV01P389 ~~يوجد فقير ولا مسكين. # ومنها: ما جعله الله في قلوب خيار أمته من الغنى والرضى والاستغناء بالله ~~عز وجل عمن سواه، حسبما دلهم النبي صلى الله عليه وسلم وأرشدهم إليه بقوله ~~صلى الله عليه وسلم في أحاديث منها: ((ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى ~~غنى النفس)). ومنها: ((ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله)). # فقد حصلت للأمة نعمة الغنى حسا ومعنى بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فجميع ~~الخلق مغمورون بهذه النعمة العظيمة التي ذكرنا الله تعالى إياها بقوله ~~تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا} الآية. # وفي التذكير بالنعم الاستدلال على الله عز وجل، كما تقدم، فبها يستدل على ~~وجوده سبحانه، لأنا إذا أنعمنا النظر في بعض نعم الله -ومنها ما أشير إليه ~~في هذه الآية {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا}- ظهر لنا ~~الدليل القطعي الذي لا ريب فيه، وقام البرهان الجلي الذي لا شك يعتريه، ~~بوجود المنعم، وهو الله سبحانه، وأنه قادر فمن قدرته حصول ما أنعم به ~~وتفضل، ووصول ما من به وتطول. # وفي إيصال النعم إلى أربابها والأرزاق، وما قدره الله تعالى من العطاء ~~والإرفاق: إشارة إلى أن الله عز وجل قد أحاط بكل شيء علما، فأوصل PageV01P390 ~~من نعمه إلى كل حي قسما، وفي ترتيب الأرزاق والنعم، وتقديرها بين الأمم: ~~دلالة على حكمة الله فيما قسم. # وفي تصرف الله في مخلوقاته وتدبيره أمر مكوناته أعظم دليل على أنه سبحانه ~~واحد لا شريك له ولا عديل، وفرد لا ثاني له ولا شبيه ولا مثيل. # فنعم الله دالة على وجوده، وقدرته، وعلمه، وحكمته، ووحدانيته، وهذا من ~~بعض ms175 أسرار الذكر الحكيم المستنبط دليلا من قوله تعالى: {لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا}. # وهذا الرسول قد تقدم أنه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي أرسله ~~الله للعالمين رحمة، وأتم به على المؤمنين النعمة، وجعله نبي الرحمة ~~والمراحم، وهو الذي أمر أمته المرحومة بالتعاطف والتراحم، في أحاديث مسندة ~~مرضية، ومنها الحديث المسلسل بالأولية، الذي رويناه فيما تقدم من اثنتي ~~عشرة طريقا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذه طريق ثالثة عشرة. # أخبرنا الشيخ المسند الكبير المحدث الأصيل، شهاب الدين أبو هريرة عبد ~~الرحمن ابن الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن ~~عبد الله ابن الذهبي بقراءتي عليه بكفر بطنا، وهو أول حديث سمعته منه يومئذ ~~بمنزله، أخبرنا أبو نصر محمد بن محمد ابن محمد أبي نصر الفارسي، أنبأنا ~~الإمام شيخ الإسلام شهاب الدين أبو عبد الله وأبو نصر عمر بن محمد بن عبد ~~الله السهروردي. # وأخبرنا أبو المعالي عبد الله بن المسند أبي إسحاق السنجاري بقراءتي ~~عليه، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا أبو الثناء محمود بن خليفة العقيلي، ~~وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا أبو عبد الله محمد ابن أبي القاسم عبد الله ~~بن عمر المصري، وهو أول حديث سمعته منه. # وأنبأنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله المقدسي، عن أبي عبد الله ~~محمد ابن أبي القاسم المذكور قال: أخبرنا شيخنا شيخ الإسلام شهاب الدين أبو ~~عبد الله عمر بن محمد بن عبد الله السهروردي، وهو PageV01P391 ~~أول حديث سمعته منه، أخبرنا الإمام عمي شيخ الإسلام ضياء الدين أبو النجيب ~~عبد القاهر بن عبد الله بن محمد بن عمويه عبد الله، وهو أول حديث سمعته ~~منه، أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر الشحامي، وهو أول حديث سمعته منه، ~~أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا ~~أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا أبو ms176 ~~حامد أحمد ابن محمد بن بلال، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا عبد الرحمن ابن ~~بشر بن الحكم العبدي، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا سفيان ابن عيينة، وهو ~~أول حديث سمعته منه، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو ~~بن العاصي، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: ((الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا أهل الأرض ~~يرحمكم من في السماء)). # الكلام على هذا الحديث من وجوه ترجع إلى أمرين، أحدهما يتعلق بالسند، ~~والثاني بالمتن. # فالأول: السند -ويقال الإسناد- هذا مذهب الجمهور أنه لا فرق بينهما، ~~وقيل: السند الإخبار عن طريق المتن. والإسناد: رفع الحديث إلى قائله. # وأصل السند في اللغة: الارتفاع، وغالب أنواع علوم الحديث تتعلق بالسند ~~الذي تفردت به هذه الأمة الشريفة، فهو من خصائصها، وهو من دين الإسلام، كما: # أخبرنا عدة من الشيوخ منهم البهاء أبو محمد رسلان بن أحمد الطرائفي قال: ~~أخبرنا عمر بن محمد بن عمر الفارسي في آخرين قالوا: أخبرنا إبراهيم بن عمر، ~~أخبرنا منصور بن عبد المنعم، أخبرنا محمد بن الفضل، أخبرنا عبد الغافر بن ~~محمد، أخبرنا محمد بن عيسى، أخبرنا PageV01P392 ~~إبراهيم بن محمد، حدثنا مسلم قال: وحدثني محمد بن عبد الله بن قهزاذ من أهل ~~مرو، سمعت عبدان بن عثمان يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: الإسناد من ~~الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. # تابعه أبو الموجه محمد بن عمرو قال: حدثنا عبدان قال: سمعت عبد الله بن ~~المبارك رحمه الله، فذكره. # ورواه علي بن الحسن بن شقيق، سمعت عبد الله بن المبارك يقول: الإسناد من ~~الدين، لولا الإسناد لقال الناس ما شاؤا. # فمن فوائد سند الحديث أنه يدخل في أنواع من علوم الحديث: # 1- منها الصحيح، لأن الترمذي صححه في ((جامعه)) لكنه في آخر مراتب الصحيح ~~التي هي أعلى مراتب الحسن، وإسناده كلهم ثقات وهم من رجال الصحيح غير أبي ~~قابوس، وقد قصرت درجته عن ثقات ms177 PageV01P393 ~~الصحيح وارتفعت عن مرتبة الضعفاء، لكونه وثق فحسن حديثه لذلك، وبهذا يدخل ~~أيضا في نوع الحسن. # 2- ومما يدخل فيه أيضا من الأنواع: الأفراد، لتفرد سفيان به عن شيخه ~~عمرو، وتفرد عمرو به عن أبي قابوس. # 3- ومنها: المسلسل، وهو من أحد أقسامه الأربعة، لأنه مقطوع الأول من ~~التسلسل، على الصحيح المشهور. # وفيه تسلسل من وجه آخر، يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. # 4- ومنها: المعل، ولا يقال: من شرط الصحيح والحسن أن لا يكون فيه علة ~~وهذا الحديث معل، لأنا نقول: العلل التي جاءت في هذا الحديث غير قادحة فيه، ~~وإذا لم تقدح العلة لا تأثير لها، والعلل التي جاءت في هذا الحديث من وجوه، ~~منها: اختلاف وقع في سنده لكنه خطأ، فجميع طرق الحديث التي وقعت لنا: عن ~~عمرو بن دينار، عن أبي قابوس. # ووقع لنا من طريق أبي حامد محمد بن هارون الحضرمي، حدثنا الحسن بن داود، ~~حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن دينار، عن قابوس، عن عبد الله بن عمرو رضي ~~الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ~~ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)). # فقوله ((عن قابوس)): يخالف الرواية الأولى المتفق عليها من جميع طرقه: عن ~~أبي قابوس: وهذه الصواب، ورواية الحسن بن داود خطأ، وهو ابن داود بن محمد ~~بن المنكدر، قال البخاري: يتكلمون فيه. # وقد جاء كرواية المنكدري هذا من طريق عبد الله بن سبعون القيرواني، عن ~~عبيد الله بن سعيد الوائلي، بسنده إلى عمرو بن دينار قال فيه: عن قابوس، ~~كرواية المنكدري. قال أبو القاسم بن عساكر: ولعل أبا محمد بن سبعون لما حدث ~~به من حفظه وهم فيه. انتهى. PageV01P394 # وفيه كلام غير ذلك ذكرته في كتابي ((نفحات الأخيار)). # 5- ومن العلل في الحديث: المقلوب، فهذا الحديث من جميع طرقه التي وقعت ~~لنا من رواية سفيان، عن عمرو، عن أبي قابوس، عن عبد الله بن عمرو. # ورويناه من طريق أبي العباس محمد بن يونس بن موسى الكديمي القرشي الشامي ~~البصري ms178 أحد الأعلام المتروكين، عن الحميدي، عن سفيان، فذكره إلا أنه قال ~~بدل ((عبد الله بن عمرو)): عن عبد الله بن عباس، فانقلبت عليه، لرعب حصل ~~لديه، فيما أعلم، والله أعلم. # وكان شيخ الإسلام وحافظ الأعلام قاضي القضاة أبو الفضل ابن حجر أمتع الله ~~بوجوده أوقفني على كتاب صنفه في المقلوب، فلما حضر الدرس هنا أول يوم، ~~ورويت في الدرس حديث الكديمي هذا فقال لي: هذا مما كنا فيه من المقلوب. # 6- ومن العلل في الحديث: تعارض الرفع والوقف، وقد اختلف في الحكم في ~~تعارض الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف. فعلى الصحيح المختار الذي عليه ~~الفقهاء والمحققون من المحدثين وأصحاب الأصول أن الحكم لمن وصل أو رفع إذا ~~كان ثقة، لأن ذلك زيادة ثقة: على من لم يروها فتقبل. PageV01P395 # وهذا الحديث رواه أبو أحمد بشر بن مطر الواسطي، عن سفيان بن عيينة، فذكره ~~موقوفا على عبد الله بن عمرو قوله، والحكم لمن رفع الحديث لوجوه: # - منها: أنها زيادة ثقة فتقبل. # - ومنها: أن الذي وقفه واحد والذي رفعه جماعة. # - ومنها: أن حال من وقفه وهو بشر بن مطر لا يقاوم حال من رفعه من أصحاب ~~سفيان كأحمد بن حنبل، ومسدد بن مسرهد، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأضرابهم. # وثم وجوه أخر من العلل في هذا الحديث تقدم ذكرها، كالمزيد في متصل ~~الأسانيد وغير ذلك، لكن جميع ما أعل به الحديث غير قادح فيه، لما بيناه، ~~والله أعلم. # 7- ويدخل الحديث في نوع معرفة الأسماء والكنى، لأن في سنده أبا قابوس، ~~واسمه كنيته على الصحيح، وتقدم أن أبا قابوس ثلاثة، وربما يكون لهم رابع، ~~وهو ما جاء في قول الراجز: # لقد ولدت أبا قابوس رهو ... أتوم الفرج حمراء العجان # الرهو: الواسعة عند الجماع، والأتوم: المفضاة، والعجان، ما بين الدبر ~~والصفن الذي هو وعاء الخصيتين. # 8- ويدخل الحديث في نوع المتابعات والشواهد، فقد روينا الحديث من طريق ~~متابع لأبي قابوس، عن عبد الله بن عمرو، في ((مسندي)) الإمامين أحمد بن ~~حنبل وعبد بن حميد، كلاهما روياه عن ms179 يزيد -هو PageV01P396 ~~ابن هارون- أخبرنا حريز، حدثنا حبان الشرعبي، عن عبد الله بن عمرو ابن ~~العاصي رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكره بمعناه مع زيادة. # وأما الشواهد: فللحديث شاهد من حديث جماعة من الصحابة، منهم أبو بكر وعمر ~~وعلي رضي الله عنهم. PageV01P397 # 9- ويدخل الحديث في معرفة العالي والنازل: لأن فيه العلو الحسي، لقلة عدد ~~رجاله في الطريق الأولى، والتحويل في الطريق الثانية. وأما النزول في ~~الحديث: فهو في طريقه المتصلة الإسناد بالسماع. # 10- ويدخل في المتفق والمفترق: كعمرو بن دينار ثلاثة، وتقدم. # 11- ويدخل في المؤتلف والمختلف: كالعقيلي شيخ شيخنا، بفتح أوله، نسبة إلى ~~جده الأعلى عقيل، وإليه ينسب بني عقيل الخيميون بدمشق، وتشتبه هذه النسبة ~~بالعقيلي -بالضم مصغرا- وهم كثيرون. # 12- ومنها: معرفة الموالي، فقد وقع في هذا السند ثلاثة من الموالي على ~~نسق، فسفيان بن عيينة: جده أبو عمران، واسمه ميمون، مولى لبني هلال. وشيخه ~~عمرو والده دينار، مولى، واختلف في مواليه، فقيل: هو مولى بني جمح، وقيل: ~~مولى بني مخزوم، وقيل: مولى باذان عامل كسرى على اليمن. وشيخ عمرو أبو ~~قابوس المكي، مولى عبد الله بن عمرو بن العاصي. # ويدخل هذا في المسلسل بالموالي، فيكون تسلسله من وجهين؛ ولأبي موسى محمد ~~بن أبي بكر المديني مصنف في مسلسل الأسماء. PageV01P398 # 13- ومنها أنه يدخل في النوع الذي ذكرته، وبذلك الاسم لقبته، وهو (ذكر من ~~له نسب، يستقيم إذا انقلب)، وقد وقع منه في إسناد هذا الحديث شيخ مشايخنا ~~أبو نصر عمر بن محمد بن عمر أبي نصر الفارسي. # 14- ومنها: معرفة الأسماء المحولة إلى غيرها، ولأبي المظفر يوسف بن محمد ~~بن مسعود بن محمد السرمري رحمه الله مؤلف في ذلك، ويظهر هذا النوع من ترجمة ~~صحابي الحديث، وهو عبد الله ابن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما، كان اسمه ~~كاسم جده: العاصي، فلما أسلم -وكان إسلامه قبل أبيه- حول النبي صلى الله ~~عليه وسلم اسمه فسماه عبد الله. # وأبوه وأمه ريطة بنت منبه بن الحجاج صحابيان أيضا، قال فيهم النبي صلى ~~الله ms180 عليه وسلم : ((نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله)) ~~رضي الله عنهم. ولم يكن بين عبد الله وأبيه عمرو في السن سوى إحدى عشرة ~~سنة، وقيل اثنتي عشرة سنة. # توفي عبد الله رضي الله عنه سنة ثلاث -وقيل سنة ثمان- وستين، وقيل سنة ~~ثلاث وسبعين بمكة، وقيل بالطائف، وقيل بمصر، وقيل بفلسطين، وهو أحد ~~المكثرين من الصحابة، ومن جمع بين القرآن PageV01P399 ~~والتوراة حفظا. # هذا من بعض ما يتعلق بسند الحديث. # وأما ما يتعلق بمتنه -والمتن في اللغة: ما صلب من الأرض وارتفع، ويقال ~~الظهر من الفرس والدواب. وفي المصطلح: المتن: ما انتهى إليه السند من ~~الكلام-. # 1- فمن فوائد متن الحديث: أن الجزاء من الله تعالى عاجلا وآجلا، يكون من ~~جنس ما كان ابن آدم به عاملا، لقوله صلى الله عليه وسلم : ((الراحمون ~~يرحمهم الرحمن)). # 2- ومنها: الإشارة إلى أن الجزاء على الأعمال، يكون أعظم مما يخطر في ~~البال، لذكر اسم الرحمن تبارك وتعالى في سياق قوله: ((الراحمون يرحمهم ~~الرحمن)) لأن الرحمن على أحد الأقوال في تفسير معناه أنه ذو الرحمة التي لا ~~غاية بعدها. # 3- ومنها: أن في أسماء الله الحسنى ما هو خاص في التسمية، خاص PageV01P400 ~~في المعنى، كالاسم الأعظم الذي هو الله. # ومنها ما هو عام في التسمية خاص في المعنى، كالرحيم عام في التسمية قال ~~الله عز وجل في وصف نبيه صلى الله عليه وسلم : {بالمؤمنين رؤوف رحيم}، ~~وتقول العرب: كن بي رحيما. # وخصوص هذا الاسم في المعنى يظهر مما روي عن عكرمة وغيره أن الرحمن برحمة ~~واحدة، والرحيم بمائة رحمة، إشارة إلى رحمة الرحيم في الآخرة، وهي هناك ~~خاصة بالموحدين، بخلاف رحمته في الدنيا الدال عليها اسم الرحمن، فإنها عامة ~~في الدنيا للمؤمن وغيره. # ومن أسماء الله تعالى ما هو خاص في التسمية عام في المعنى، كالرحمن، وهو ~~الذي عمت رحمته في الدنيا جميع خلقه، فهذا العموم، وأما الخصوص فإن الرحمن ~~لم يسم به أحد غير الله، ولا يرد عليه ما روي أن مسيلمة كان ms181 يسمى رحمان ~~اليمامة، فهذا -إن صح- لم يسم به مسيلمة إلا مقيدا باليمامة لا مطلقا. PageV01P401 # وقد روى إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في ~~قوله تعالى: {هل تعلم له سميا} قال: لم يسم أحد الرحمن غيره سبحانه وتعالى. # وهذه الثلاثة ذكرها جماعة ممن تكلم في معاني أسماء الله الحسنى، ولم ~~يتعرضوا لقسم رابع، وهو العموم في التسمية والعموم في المعنى. ومع هذا لابد ~~من اعتقادنا اعتقادا يقينيا قطعيا لا ريب فيه، ولا شك يعتريه، ولا تشبيه ~~يفسده ولا تعطيل يجحده: أن الله سبحانه وتعالى +وله المثل الأعلى- لا تشبه ~~ذاته ذوات المخلوقين، ولا صفاته صفات المحدثين، تقدس وتعالى عن الشبيه ~~والمثيل والنظير {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}. # وفي قول عكرمة وغيره: الرحمن برحمة واحدة -يعني في الدنيا- والرحيم بمائة ~~رحمة -يعني في الآخرة- بشارة عظيمة للمؤمنين. وفي معناه قال شيخ الإسلام ~~أبو زكريا النواوي رحمه الله: قال العلماء: لأنه إذا حصل للإنسان من رحمة ~~واحدة في هذه الدار المبنية على الأكدار: الإسلام والقرآن والصلاة والرحمة ~~في قلبه وغير ذلك مما أنعم الله تعالى به، فكيف الظن بمئة رحمة في الدار ~~الآخرة، وهي دار القرار ودار PageV01P402 ~~الجزاء. والله أعلم. قاله في ((شرح صحيح مسلم)). # ولي أبيات في معناه، نختم بها ما أمليناه، وفيها من صناعة البديع المعلم، ~~نوع يسمى (التزام ما لا يلزم) ويسمى أيضا (الإعنات) وهو: أن الناظم أو ~~الناثر يعنت نفسه في التزام ردف أو دخيل أو حرف مخصوص قبل حرف الروي، فيصير ~~بذلك للقوافي طلاوة، وللأسجاع حلاوة، وفي كتاب الله تعالى كثير من هذا ~~النوع، كقوله عز وجل: {فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر} وكان ~~قد أولع الناس بهذا النوع في أشعارهم، فنظم فيه أبو العلاء أحمد بن سليمان ~~المعري ديوانا وقفت منه على مجلد لكن فيه بلايا من الاعتقاد الخبيث، نسأل ~~الله السلامة والعافية. # والأبيات الموعود بإنشادها التزمت فيها حرف الفاء بعد حرف التأسيس الذي ~~هو ألف ساكنة لا تختلف، وقبل ms182 حرف الروي المقدم على حرف الإطلاق الذي يكون ~~به الوصل لمد الصوت والترنم، فقلت: PageV01P403 # من رحمة الله أتت رحمة ... فعمت المؤمن والكافرا # وكل ذي روح ومنها التي ... ترفع عن مولودها الحافرا # وأعظم الرحمة توحيدنا ... لله، نرجوه لنا غافرا # وفضل دنيانا فمنها أتى ... مؤلفا ليس يرى نافرا # من رحمة واحدة كل ذا ... سبحان من أطلعه سافرا # لكن في الأخرى لنا رحمة ... نرجو بها الخير غدا وافرا # ينال كل جنة خالدا ... فيها مقيما بالمنى ظافرا # آخر المجلس ولله الحمد حمدا كثيرا # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما PageV01P404 ### | CHECK [المجلس [20]] # [20] بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # إذا تدبرنا قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين} الآية، وجدنا له ~~وجوها من التفسير والتأويل تقدم ذكر بعضها، والآن نذكر وجها واحدا يتعلق ~~بالمعاني والبيان، وهو أحد وجوه العربية ومذاهب اللغة، التي بمعرفتها يعقل ~~عن الله عز وجل كتابه وما استودعه من حكمه وآياته، وحججه المنيرة وبراهينه ~~القاطعة ومواعظه الشافية، وبها يفهم عن نبيه صلى الله عليه وسلم أخباره ~~المؤدية لأمره ونهيه، وآثاره الموصلة إلى سنته وهديه. وبمعرفة ذلك يتسع ~~المرء في منطقه، فإن قال أفصح، وإن احتج أوضح، وإن كتب أبلغ، وإن خطب أعجب، ~~قاله بنحوه أبو علي الحسن ابن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي في كتابه ~~((المنطق))، وليس هو بالمنطق الذي يذكره أهل الكلام وبعض الأصوليين، وإنما ~~هو منطق العربية من فنون الكلام وأجناسه وحدوده ومعانيه. # والكلام في المعاني منه أقسام البلاغة الواقعة في القرآن على أعلى ~~مراتبها، فمما يتعلق بالآية الشريفة التي تلوناها من ذلك: # 1- الإيجاز وهو: بيان المعنى بأقل ما يمكن من الكلام. # وقيل: الإيجاز: إظهار الكثير من المعاني بلفظ يسير. PageV01P405 # وقيل: هو تهذيب الكلام بما يحسن به البيان، وقيل غير ذلك. # والإيجاز على وجهين: حذف، وقصر. # فالحذف: إسقاط ms183 كلمة للاجتزاء عنها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام، ~~وهو كثير في القرآن، ومنه قوله تعالى: {وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} ~~أي: من قبل بعث هذا الرسول فيهم، أو تلاوته القرآن عليهم، أو التزكية لهم، ~~أو تعليم الكتاب والسنة، والله أعلم بما أراد. # ومن الحذف نوع يقال له: حذف الأجوبة، وهو أبلغ من ذكرها، وفي القرآن منه ~~كثير، كقوله تعالى: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم ~~به الموتى} أي: لكان هذا القرآن. والله أعلم بما أراد. # وأما القصر أحد وجهي الإيجاز: فهو أغمض من الحذف، كقوله تعالى: {ولكم في ~~القصاص حياة} ولا يفهم من القصر التقصير، فإن القصر بلاغة، والتقصير عي، ~~فالقصر ما يقتصر عليه ويكتفى به، يقال: كان ذلك قصري وقصاراي. والتقصير: ~~التواني في الشيء فلا يوصل إلى الغرض. # ومن أقسام البلاغة: 2- الإطناب وهو داخل في الإيجاز من وجه، لأنه إذا ~~ظهرت الفائدة بما يستحسن فهو إيجاز لخفته على النفس، قاله أبو الحسن ~~الرماني. # والفرق بين الإطناب والتطويل -الذي ليس من البلاغة وهو عي- يظهر من مثال ~~ضربه أبو الحسن علي بن عيسى بن علي الرماني في PageV01P406 ~~((النكت في إعجاز القرآن)) فصاحب التطويل كسالك طريقا بعيدا جهلا منه ~~بالطريق القريب، وصاحب الإطناب كمن سلك طريقا بعيدا لما فيه من النزه ~~الكثيرة والفوائد العظيمة، فيحصل له في الطريق إلى غرضه من الفائدة على نحو ~~ما يحصل له بالغرض المطلوب. # ووجه الإطناب ظاهر في قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم ~~رسولا} الآية. # ومن أقسام البلاغة: 3- الاستعارة، وهي التي توجب بلاغة ببيان لا تنوب ~~منابه الحقيقة، ولابد لكل استعارة من حقيقة، ومن معنى مشترك بين المستعار ~~منه والمستعار له، فلابد من بيان لا يفهم بالحقيقة. فقوله تعالى: {لقد من ~~الله} حقيقة من: أحسن وأنعم، والإحسان قد يكون بسؤال وقد يكون بلا سؤال، ~~والمن هو الإحسان ابتداء بلا سؤال، فعلى هذا: (من) أبلغ من الحقيقة الذي هو ~~(أحسن)، والمعنى المشترك بينهما: ms184 إيصال النفع إلى المنعم عليه، إلا أن ~~الإيصال ابتداء كمفهوم (من) أبلغ. والله أعلم. # ومن أقسام البلاغة: 4- الفواصل: وهي الأسجاع والقوافي. فالفواصل: حروف ~~متشاكلة في المقاطع توجب حسن إفهام المعاني، وهي على وجهين: # أحدهما: على الحروف المتجانسة، ومنه قوله تعالى في هذه الآية الشريفة: ~~{لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم، يتلو عليهم آياته ~~ويزكيهم}. # والوجه الثاني: على الحروف المتقاربة، ومثلوه بقوله تعالى: {الرحمن ~~الرحيم. مالك يوم الدين} فالميم والنون متقاربان. # ومن أقسام البلاغة: 5- حسن البيان، وأعلى مراتبه ما جمع أسباب PageV01P407 ~~الحسن في العبارة: ثم تعديل النظم، حتى يحسن في السمع ويسهل في النطق ~~وتتقبله النفس، وحتى يأتي على مقدار الحاجة فيما هو حقه من المرتبة. # ولا يخفى ما في قول الله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين} الآية من حسن ~~البيان على أعلى مراتبه. # ومن أقسام البلاغة: 6- التصريف، وهو أحد أصناف البيان، وليس المراد ~~التصريف الذي هو الكلام على أسماء وأفعال يكون فيها أحد حروف العلة التي هي ~~عند الجمهور ثلاثة: الياء والواو والألف، إلى غير ذلك من أحكامه، هذا عند ~~أئمة العربية أحد ضربي التصريف. # وأما الضرب الثاني: فهو المراد هنا، وهذا التصريف أحد أصناف البيان التي ~~ذكرها أبو علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني في كتابه ((ضروب نظم القرآن)) ~~وأبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا الرازي صاحب ((المجمل)) في كتابه ((فيما ~~ترجع إليه علوم الإسلام من الفهم والإفهام)) وغيرهما، فذكروا من أصناف ~~البيان (التصريف) وهو: القليل من اللفظ يعرف من المعاني بزيادة تقع في ~~البناء الأول، وهو على قسمين: # تصريف المعنى في الدلالات المختلفة، كقصة موسى عليه الصلاة والسلام، ذكرت ~~في القرآن في سورة الأعراف، وفي سورة الشعراء، وفي سورة طه، وغيرها من ~~السور، لوجوه من الحكمة: # منها: التصريف في البلاغة من غير نقصان عن أعلى مرتبتها. # ومنها: تمكين العبرة والموعظة. # ومنها: ظهور الحجاج على الكفار بالدلالات المختلفة في المعنى الواحد. # وهذه الآية الشريفة ذكرت أيضا في غير سورة آل عمران: ms185 في سورة PageV01P408 ~~الجمعة: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}. # وذكرت أيضا في الدعوة الإبراهيمية التي في سورة البقرة: {ربنا وابعث فيهم ~~رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت ~~العزيز الحكيم}. # وآية آل عمران ذكرت تعريفا لبعض نعم الله على المؤمنين وحثا لهم على ~~شكرها، وتعريفا لإجابة الدعوة الإبراهيمية التي ذكرت في سورة البقرة، وآية ~~الجمعة ذكرت بعد ذكر تسبيح الله وتمجيده وتقدسيه، وذكر عدة من أسمائه، ~~تعظيما لشأن هذا الرسول المبعوث صلى الله عليه وسلم ، فاختلفت الدلالات في ~~المعنى الواحد. # والقسم الثاني: تصريف المعنى في المعاني المختلفة، وهو عقدها به على جهة ~~المعاقبة، فقوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين} يدل على زمن قد مضى. # وقوله تعالى: {بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} لفظه ~~لفظ الحال. # وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} المن ~~المنهي عنه هنا: أن يعتد بصنيعته على المعطى فيمن بها عليه. # وقوله تعالى: {وأنزلنا عليكم المن والسلوى} المن هنا الطل الحلو ينزل على ~~الأشجار والأحجار، فيكون كالصمغ يجتنى منه ويؤكل. # وقوله تعالى: {فلهم أجر غير ممنون} فسره جماعة أنه غير مقطوع، فالمن في ~~اللغة على أحد وجوهه: القطع والهدم. # فهذه المعاني مدارها على مادة (م ن ن) وهي ثلاثة أحرف، بل حرفان أحدهما ~~مكرر، وتحتها هذه المعاني. PageV01P409 # ومن أصناف البيان: الإعراب، وله وجهتان في العربية إحداهما: الفرق بين ~~المعاني: كالفاعل والمفعول، فقوله تعالى: {إذ بعث فيهم رسولا} دل بهذا ~~الإعراب على أن الباعث هو الله، والرسول هو المبعوث، وكذلك ما بعده من ~~الفرق بين التالي والمتلو ونحوهما. # فلو غير الإعراب -ونعوذ بالله من ذلك- لتحول المعنى. # وقد روي أن رجلا كان ممن يرى رأي شبيب الخارجي يقال له: الشيباني جيء به ~~أسيرا إلى عبد الملك بن مروان فقال له عبد الملك: ألست القائل: # فمنا سويد والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين ms186 شبيب # فقال له: لم أقل هكذا وإنما قلت: # ومنا -أمير المؤمنين- شبيب ... # فعفا عنه عبد الملك. # والجهة الأخرى التي للإعراب: الإتباع في قوله تعالى: {إذ بعث فيهم رسولا} ~~هذا فاعله معلوم من مفعوله، إلا أنه أتبع الفعل فيه، فلو قلت زيد الماء، ~~كان بعض الكلام معربا وبعضه غير معرب، فإذا أتبعته: شرب فقلت: شرب زيد ~~الماء، صار الكلام كله معربا. # ومن أصناف البيان: 8- النظم، وهو التئام الكلام مع الذي قبله أو بعده، ~~فيحكم له بحكمه، فقوله تعالى: {ويعلمهم الكتاب والحكمة} بين في هذا أن ~~الحكمة -وهي هنا السنة النبوية- حكمها في PageV01P410 ~~التعليم حكم الكتاب، لانتظامها في الذكر والتئامهما في الكلام. # ومن ضروب النظم في الآية: حسن نظمها في التئامها بما قبلها وبعدها، وتمكن ~~كل كلمة في موضعها. # ولا يرد على هذا ما في آية الدعوة الإبراهيمية التي فيها تقديم التعليم ~~على التزكية، وهي قوله تعالى إخبارا: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، إنك أنت العزيز الحكيم}. لأن ~~إجابة الله هذه الدعوة قد حصلت: من البعثة، وتلاوة الآيات، وتعليم الكتاب ~~والحكمة، والتزكية. # لكن قدمت التزكية على التعليم في آية الإجابة، وهي هذه الآية: {لقد من ~~الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة} لأنه لما كان متعلمو العلم على قسمين: صالحين وغير ~~صالحين، والصالح: يفيد فيه التعليم ويبعثه العلم على العمل أكثر من غيره، ~~لصلاحه الذي هو التزكية الذي كان متقدما على طلب العلم -فقدمت التزكية قبل ~~التعليم هنا لفوائد، منها ما ذكر؛ والله أعلم بما أراد. فظهر بهذا في الآية ~~تمكن نظم قوله تعالى: {ويزكيهم} قبل قوله تعالى: {ويعلمهم الكتاب والحكمة}. # ومن أصناف البيان: 9- الاعتبار، واختلفوا في اشتقاقه فقيل: هو من عبور ~~النهر من أحد شطيه إلى الآخر. # وقيل: هو من: عبرت الدراهم، إذا عرفت وزن كل درهم منها. # وقيل: من اعتبرت الكتاب إذا قرأته في نفسك من غير نطق متدبرا ما فيه. # وصورة الاعتبار: مثل ما روي ms187 عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه PageV01P411 ~~قال: إذا سمعت قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} فارعها سمعك فإنه خير ~~يأمرك به، أو شر ينهاك عنه. # ومثلوا للاعتبار: أن تسمع كلام من لم تره يقول لآخر غائب عن نظرك أيضا: ~~قم. فإذا اعتبرت هذا الأمر علمت أن المأمور بالقيام لم يكن قائما، بل كان ~~على حالة تخالف القيام، ثم تعتبر أن عاقلا آمرا لا يقول لمأمور عاقل قم إلا ~~وثم معنى للقيام من جلب منفعة، أو دفع مضرة، أو حال توافق عقل الآمر ~~والمأمور. # فإذا اعتبرنا قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين} علمنا أنه أنعم ~~عليهم، ثم ننظر في وجوه إنعامه فنراها لا تحصى، {وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها}، فيصير الفكر ملتفتا إلى ذكر ما من الله به سبحانه على المؤمنين، ~~فسمعنا قوله تعالى: {إذ بعث فيهم رسولا} فمال الفكر إلى هذا الرسول ممن هو؟ ~~فقال سبحانه وتعالى: من أنفسهم، فاعتبرنا فائدة البعثة فعلمنا أنه ما بعثه ~~في المؤمنين إلا لجلب منافع لهم، ودفع مضار عنهم، فتشوفنا إلى ذكر بعض ذلك ~~فقال سبحانه: {يتلو عليهم آياته ويزكيهم} الآية، فهذا من جلب المنافع. ~~وقوله تعالى: {وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} أي: فأنقذهم منه، فهذا من ~~دفع المضار. # وإذا اعتبرنا قوله تعالى {من قبل} ظهر أن الإيمان لم يحصل للمؤمنين في ~~الوجود الخارجي إلا من هذه البعثة، لقوله تعالى: {وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # وهذه الأربعة: التصريف: وهو في الكلمة، والإعراب: وهو في الخبر، والنظم: ~~وهو في القصة، والاعتبار: وهو معيار الثلاثة - هذه الأربعة هي أقسام البيان ~~في الكلام. # وزاد أبو الحسين أحمد بن فارس على الأربعة أربعة أخر يكون بها أيضا الفهم ~~والإفهام وهي: الخط، والعقد، والإشارة، والنصبة. # وحكى هذه الأربعة أبو المطهر محمد بن داود النحوي في شرحه PageV01P412 ~~رسالة أبي الحسن علي بن عيسى بن علي الرماني في النكت في إعجاز القرآن. # 10- أما الخط: فهو ثلاثة أنواع منها: ما أشير إليه في الحديث: ms188 أن نبيا من ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كان يخط، فمن وافق خطه فذاك. PageV01P413 # وهذا من الأحكام في الواقعات بخطوط يعرفها أهلها، وقد ذهب علم هذا الخط، ~~كما جزم به أبو الحسين ابن فارس وغيره. # والثاني: خط المهموم والحزين على الأرض، كقول الشاعر: # أخط وأمحو كل شيء خططته ... بكفي والغزلان حولي رتع # ويروى: والغربان حولي وقع. # والخط الثالث: الكتابة التي تقرأ ويتداولها الكتاب، سواء كانت بعربية أو ~~غيرها، وأشير إلى هذا الخط في هذه الآية الشريفة بقوله تعالى: {ويعلمهم ~~الكتاب} والكتاب هو المكتوب، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم عدة من الكتاب، ~~منهم الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، فكان إذا نزل شيء من القرآن يأمرهم ~~بكتابته ووضع كل آية أو سورة مكانها. # 11- وأما العقد: فهو عقد الحاسب بيده عددا يفهم بصورة عقده، ويعقد باليد ~~من واحد إلى ما لا نهاية له. ومنه الحديث في التسبيح: PageV01P414 # ((واعقدن عليه بالأنامل فإنهن مسئولات مستنطقات)) لكن ليس هذا من وجوه ~~البيان صريحا في القرآن، مع ذكر العد وعقود بعضه في القرآن. # نعم، إن أريد بالعقد ارتباط الكلام والتئام بعضه ببعض وعدم تنافره، فهو ~~داخل حينئذ في ضروب نظم القرآن. # 12- وأما الإشارة: فهي الإيماء بما يدل على المقصود، وهي على قسمين: ~~إشارة بجارحة كالعين واليد والرأس، ومنه قوله تعالى في قصة مريم عليها ~~الصلاة والسلام: {فأشارت إليه}. # وربما دلت الإشارة بالجارحة إلى معان كثيرة، لكنه بعيد، ومنه قول الشاعر: # أومت بعينيها من الهودج ... لولاك هذا العام لم أحجج # أنت إلى مكة أخرجتني ... حقا، ولولا أنت لم أخرج # وقد لا يبعد هذا الاحتمال: أن هذه المرأة أومأت بعينيها مخاطبة لربها ~~الذي قدر لها الحج وأخرجها إليه، وهو سبحانه {يعلم السر وأخفى}، {وهو عليم ~~بذات الصدور}. ثم صرحت بعد ذلك فحدثت بلسان قالها ما كانت أومأت إليه بلسان ~~حالها، فنظمه الشاعر على الحال الأول. والله أعلم. PageV01P415 # والقسم الثاني من الإشارة: نوع يسمى الوحي والإشارة، وهو أن يجيء كلام قليل ~~المباني كثير المعاني يشير إليها وينبه عليها، ومن هذا ms189 قوله تعالى: {إذ بعث ~~فيهم رسولا} فيه إشارة إلى البعثة، وذكرها يستدعي معاني، منها: البعثة كيف ~~كانت، ومتى كانت، وأين كانت، وبما كانت أولا، وما كان من دلائلها قبل وبعد، ~~وأول شيء نزل من القرآن، وكيف كانت الدعوة قبل الإذن في القتال، وبعده، ~~وكيف كان نزول الكتاب، وذكر أول من آمن وأجاب، وما يتعلق بكل فصل من ذلك ~~إجمالا وتفصيلا، وإلى كل هذا تحتمل الإشارة بقوله تعالى: {إذا بعث فيهم ~~رسولا}. # 13- وأما النصبة -وهو بكسر النون كالنصب- وهو: ما ينصب من حجر أو خشب ~~يكون علما دالا على شيء، لكن معنى النصبة في البيان: الحالة الدالة بغير ~~نطق على أمور، ومثلها بعضهم بخلق السموات والأرض، والبر والبحر، والنجم ~~والشجر، الدال ذلك بوجوده على أن له صانعا متقنا ومدبرا حكيما، وهو الله جل ~~ثناؤه، وتقدست أسماؤه، وعظمت آلاؤه، وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون ~~علوا كبيرا. # ووجه هذا في القرآن ظاهر، مع ما ورد في الحديث في صفة القرآن أن الله ~~سبحانه جعله حجة قائمة وعلما منصوبا. # والعلم: ما يهتدى به، ويدل على جلب المنافع ودفع المضار. # والقرآن جل منزله المشار إليه بقوله تعالى: {ويعلمهم الكتاب} جمع الله ~~فيه مع وجازة الكلم أضعاف ما في الكتب السابقة من الحكم، أنزله بكل خير ~~آمرا، وعن كل شر زاجرا، هداية لم تمسك به، وحجة قائمة لمن استنصر به، وهو ~~أكبر معجزات هذا الرسول المبعوث به حجة PageV01P416 ~~قاطعة ودليلا، المشار إليه بقوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث ~~فيهم رسولا}، وكانت رسالته رحمة عامة للخلق أجمعين، قال الله تعالى: {وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين}. # نعم، ويلتفت من قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين} إلى قوله تعالى: ~~{إنما المؤمنون إخوة} ومن شرط الأخ أنه ينبغي أن يكون مشفقا على أخيه، ~~رحيما به مع ما ورد به أمر المؤمنين بالتراحم في عدة أحاديث نبوية، منها ~~الحديث المسلسل بالأولية، الذي روينا من ثلاث عشرة طريقا، وهذه طريق رابعة ~~عشرة تالية لما تقدم، متصلة إلى النبي صلى ms190 الله عليه وسلم . # أخبرنا الإمام المفيد أبو محمد عبد الله بن إبراهيم البعلي بقراءتي عليه ~~بمنزله، وهو أول حديث سمعته منه يومئذ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد ~~الخطيب المزي، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا التاج أبو العباس أحمد بن ~~أبي العلا، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد التيمي، ~~وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الوهاب الهمذاني إمام ~~جامع همذان بها، وأبو الفتوح محمد بن محمد بن الجنيد الصوفي بأصبهان، وهو ~~أول حديث سمعته منهما متفرقين، قال الأول: أخبرنا أبو منصور عبد الكريم ابن ~~محمد، وهو أول حديث سمعته من لفظه، وقال الثاني: أخبرنا أبو القاسم زاهر بن ~~طاهر الشحامي، وهو أول حديث سمعته منه، قالا: أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد ~~الملك النيسابوري، وهو أول حديث سمعناه منه، حدثنا أبو طاهر محمد بن محمد ~~بن محمش الزيادي، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد ~~البلالي، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، وهو ~~أول حديث سمعته منه، حدثنا سفيان بن عيينة، وهو أول حديث سمعته منه، عن ~~عمرو بن دينار، عن أبي قابوس مولى عبد الله بن PageV01P417 ~~عمرو، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في ~~السماء)). لفظ عبد الكريم بن محمد. # وقال ابن الجنيد في روايته: ((فارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء)). # هذا حديث فرد من الحسان، وقد صححه الترمذي في ((جامعه)) بعد روايته إياه ~~من غير تسلسل من طريق سفيان. # ولا يقال: كيف حكم له بالصحة أو بالحسن، وفي إسناده زاهر الشحامي وقد ترك ~~الرواية عنه غير واحد من الحفاظ، وتجاسر آخرون، فيما ذكره الذهبي في ~~((الميزان))؟. # لأنا نقول: إن زاهر بن طاهر بن محمد بن محمد بن أحمد بن محمد ابن يوسف ~~المستملي الشحامي ((كان مسند نيسابور ms191 صحيح السماع)) وله مؤلفات في الحديث، ~~وضعفه لم يكن من قبل الحديث، إنما ضعف لإخلاله بالصلاة، لا من جهة سماعه ~~وروايته. ومع هذا فلم ينفرد PageV01P418 ~~برواية هذا الحديث عن أبي صالح، بل تابعه جم غفير قرنا به أحدهم وهو أبو ~~منصور عبد الكريم بن محمد الذي يقال له ابن الخيام، وممن تابعهما ولد أبي ~~صالح: وهو إسماعيل بن أبي صالح أحمد بن عبد الملك، وطريف بن محمد بن عبد ~~العزيز النيسابوري، وأبو الوفاء علي ابن يزيد ابن علي بن أحمد بن شهريار ~~الزعفراني، وأبو جعفر محمد ابن الحسن بن محمد الهمذاني، ومحمد بن الفضل ~~الفراوي، وأبو الأسعد هبة الرحمن بن عبد الواحد القشيري. # وأيضا فالحديث قد استفاض عن سفيان بن عيينة فلا يؤثر جرح زاهر الشحامي ~~أحد رواة هذا الحديث فيه، لما تقدم. والله أعلم. # فكم من حديث صحيح إسنادا ومتنا كأحاديث الصحيحين؟! وكم من حديث ضعيف من ~~الطرفين؟! وكم من حديث موضوع من المرويات بإسناد جيد كله ثقات؟! وكم من ~~حديث صحيح جاء بسند كذبه صريح؟! وهذا والذي قبله من فعل السراق من ضعفاء ~~المحدثين، ولي في ذلك مصنف ذكرت فيه السراق على الحروف مرتبين. # وربما جاء المتن صحيحا أو حسنا، وفي إسناده أحد الضعفاء معلنا، كهذا ~~الحديث الذي رويناه بإسنادين أحدهما فيه ضعيف، لكن لا تأثير PageV01P419 ~~لضعفه لما بيناه. # ومن فوائد سنده: معرفة المغير من الأسماء، ووسمته ب: الأنباء المسيرة في ~~الأسماء المغيرة، وللعلامة الحافظ أبي المظفر يوسف بن محمد بن مسعود بن ~~محمد السرمري مصنف في ذلك. # ووجه هذا النوع في الحديث أن صحابيه وهو عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي ~~الله عنهما كان اسمه العاصي، كاسم جده، فلما أسلم -وكان إسلامه قبل أبيه- ~~سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله، فاشتهر بهذا الاسم ونسي اسمه الأول. # ومن النوادر: أن عبد الله بينه وبين أبيه عمرو في الميلاد إحدى عشرة سنة ~~أو اثنتي عشرة سنة. # وكان عبد الله أحد العباد المجتهدين والعلماء المكثرين، جمع بين القرآن ms192 ~~والتوراة حفظا، توفي سنة ثلاث وستين، وقيل سنة ثمان وستين، وقيل سنة ثلاث ~~وسبعين بمكة، وقيل بالطائف، وقيل بمصر، وقيل بفلسطين. رحمه الله ورضي عنه. # ويدخل هذا الحديث في نوع الموافقات والأبدال، وهو: أن يروي حديثا هو في ~~كتاب من الكتب المشهورة من غير طريقه، إلى شيخ من شيوخ مصنف الكتاب، فتقع ~~الموافقة مع المصنف في شيخه مع علو طريق الراوي على الطريق إلى المصنف، وقد ~~تأتي الموافقة بلا علو، وتأتي مع نزول، والكل يسمى موافقة. PageV01P420 # وتارة تكون الموافقة في شيخ شيخ المصنف مع العلو، ومع غيره أيضا، وتسمى بدلا. # وهذا الحديث خرجه الإمام أحمد بن حنبل في ((مسنده)) عن سفيان. # ورواه أبو داود في ((سننه)) عن مسدد وأبي بكر بن أبي شيبة، والترمذي في ~~((جامعه)) عن محمد بن أبي عمر العدني، ثلاثتهم عن سفيان، فوقع لنا موافقة ~~لأحمد، وبدلا لأبي داود والترمذي. # هذا من بعض الأنواع التي يدخل فيها إسناد هذا الحديث -الذي هو الإخبار عن ~~طريق المتن- غير ما تقدم. # وأما فوائد -المتن الذي هو: ما انتهى إليه السند من الكلام- فكثيرة تقدم ~~ذكر بعضها .. .. PageV01P421 ### | CHECK [المجلس [21]] # [21] بسم الله الرحمن الرحيم # اللهم صل على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم # قال الله عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # تقدم الكلام على هذه الآيات الشريفات من وجوه، منها وجه واحد ذكرناه في ~~الدرس الماضي، فيما يتعلق بالمعاني والبيان، وذكرنا أن في هذه الآية من ~~فنون البلاغة: الإيجاز والإطناب، والاستعارة، والفواصل، وحسن البيان، ~~والتصريف، والإعراب، والنظم، والاعتبار، والخط، والعقد، والإشارة، والنصبة. # والآن نتكلم على فن واحد من فنون البلاغة التي اشتمل القرآن عليها على ~~أعلى مراتب فنونها، وهذا الفن الواحد الذي نشير إليه الآن هو أحد قسمي ~~الإشارة، وهو الذي يسميه أهل النقد والبلاغة: بالوحي والإشارة، وهو أن يجيء ~~كلام قليل المباني يشير إلى كثير من المعاني، ينبه عليها ويرشد إليها، ~~ويسمى ms193 اللطائف والإشارات، فمنها المتعلق بهذه الآيات عدة منها: # 1- ثناء الله تعالى على نفسه بإظهار اسمه الأعظم في قوله تعالى: {لقد من ~~الله على المؤمنين} ولم يقل سبحانه لقد مننت، فذكر الله PageV01P422 ~~تعالى المن باسمه المظهر دون المضمر، لعظم شأن هذه المنة التي بينا فيما ~~تقدم أنها أم النعم كلها، وهي بعثه سبحانه هذا الرسول صلى الله عليه وسلم ، ~~لأن في هذه البعثة ومتعلقاتها أعظم دليل على توحيد الله تعالى وحكمته ~~وقدرته ونفوذ أمره وعظم سلطانه. # ففي قوله تعالى {لقد من الله}: ثناؤه سبحانه على نفسه بالإلهية والحمد، ~~والتعظيم والتقديس والمجد، الذي هو من بعض المعاني التي يدل عليها اسم الله. # ودليل ما أشير إليه بقوله {لقد من الله} من الثناء والتمجيد والتنزيه ~~والتقديس لله عز وجل: ما ذكره الله ظاهرا قبل ذكر هذه النعمة في سورة ~~الجمعة فقال تعالى: {يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس ~~العزيز الحكيم. هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}. # 2- ومن الإشارات المفهومات من هذه الآيات: شكر الناس على اصطناع المعروف، ~~لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((من أسدى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم ~~تجدوا ما تكافئونه فادعوا له)). # ووجه هذا في الآية الشريفة من جهتين: # إحداهما: ما قدمناه من معاني الآية وأحكامها، أن فيها الحث على PageV01P423 ~~شكر الله تعالى على نعمه، لأن فيها تذكير الله المؤمنين بمنه عليهم وإحسانه ~~ابتداء إليهم، ومن لازم التذكير معرفة النعم ومعرفة من أنعم بها، فيجب شكره عليها. # وشكر الله تعالى على وجوه تقدم ذكر بعضها، ومما لم يتقدم: أن من وجوه شكر ~~الله شكر الناس، فقد صح عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ((من لا يشكر الناس لا يشكر الله)). # وله شاهد عن أبي سعيد الخدري، والنعمان بن بشير، والأشعث بن قيس رضي الله عنهم. PageV01P424 # والجهة الثانية لاستنباط شكر الناس من هذه الآية: أن ms194 ما فيها من المنن ~~والإنعام كان بسبب دعوة أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث قال: {ربنا ~~وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ~~إنك أنت العزيز الحكيم} فاستجاب الله هذه الدعوة التي أشار إليها النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، فيما روي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول ~~الله: ما كان بدء أمرك؟ فقال: ((دعوة أبي إبراهيم، وبشر بي عيسى، ورأت أمي ~~أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام)) خرجه الطبراني في ((معجمه الكبير)) وغيره. # وقد أمرنا بمكافأة من أحسن، ومنهم سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة ~~والسلام الذي أحسن بهذه الدعوة العظيمة، فأمرنا بمكافأته -تلويحا، وإن لم ~~يكن صريحا- في ذلك الحديث الآتي ذكره إن شاء الله تعالى بالصلاة على ~~إبراهيم، وآل إبراهيم، والدعاء لهم بالبركة مشروعا (؟) لنا في صلواتنا. # ومن لطائف هذه الجهة الثانية: أن من أحسن قولا أو فعلا، لابد له من ~~الجزاء كما ورد نقلا، قال الله عز وجل في محكم القرآن: {هل جزاء الإحسان ~~إلا الإحسان} وقال تعالى: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا}. # وهذه النعمة العظيمة، بهذه البعثة العميمة، كانت بسبب دعوة إبراهيم ~~الخليل عليه الصلاة والسلام، وهي قوله: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم} فلما ~~أحسن إبراهيم عليه السلام بهذا الدعاء، PageV01P425 ~~جازاه الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم بعظيم من الجزاء، وهو الصلاة ~~والدعاء في كل صلاة بالبركة عليه وعلى آله، كما صح في الحديث المتفق عليه ~~لثقة رجاله، من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة رضي ~~الله عنه فقال لي: ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم ! ~~فقلت: بلى، فأهدها لي، قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا ~~رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ قال: ((قولوا: اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك ms195 حميد مجيد، اللهم ~~بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك ~~حميد مجيد)). # وله شاهد من حديث أبي حميد الساعدي، وأبي مسعود الأنصاري، وغيرهما رضي ~~الله عنهم. PageV01P426 # وهذا الجزاء الذي هو الصلاة والبركة لا ينقطع مدده، ولا ينتهي عدده، كما أن ~~هذه البعثة المحمدية التي دعا بها إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام لا ~~تحول ولا تزول، ولا تنفد خيراتها ما بقيت الدنيا، ولا تنقطع بركاتها في ~~الآخرة. # ولو لم يكن من جزاء المحسن إلا الثناء عليه لكان كافيا. # روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لابنة هرم بن سنان المري: ما وهب ~~أبوك لزهير؟ فقالت: أعطاه مالا وأثاثا أفناه الدهر! فقال عمر: لكن ما ~~أعطاكموه لا يفنيه الدهر. يعني مدح زهير بن أبي سلمى هرم بن سنان وثناءه ~~عليه، الذي منه قوله في قصيدته التي أولها: # غشيت ديارا بالبقيع فثهمد ... دوان قد أقوين من أم معبد # فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت ... ولكن حمد الناس ليس بمخلد # ولكن منه باقيات وراثة ... فأورث بنيك بعضها وتزود # تزود إلى يوم الممات فإنه ... -ولو كرهته النفس- آخر موعد PageV01P427 ~~وهذا معنى ما أشار إليه عمر رضي الله عنه من الثناء. # وقد امتدح نصيب عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فأمر له بخيل وإبل وأثاث ~~ودنانير ودراهم! فقال له رجل: أمثل هذا الأسود يعطى مثل هذا المال؟! فقال ~~عبد الله رضي الله عنه: إن كان أسود فإن شعره لأبيض، وإن ثناءه لعربي، ولقد ~~استحق بما قال أكثر مما نال، وهل أعطيناه إلا ثيابا تبلى، ومالا يفنى ~~ومطايا تنضى، وأعطانا مدحا يروى، وثناء يبقى؟! # وقد ذكرت العرب معنى ذلك في أشعارها فقال بعضهم: # فأثنوا علينا -لا أبا لأبيكم- ... بأفعالنا، إن الثناء هو المجد # وقد استحسنوا في معناه قول أبي الطيب المتنبي: # ذكر الفتى عمره الثاني، وحاجته ... ما قاته، وفضول العيش أشغال PageV01P428 ~~لكني أقول: في هذا البيت نظر وإن كان في الظاهر بديعا بليغا ولهذا ~~استحسنوه، ووجه النظر في ms196 قوله ((ذكر الفتى عمره الثاني)) لأن ذكر الإنسان ~~إما يكون بخير، أو بضده، أو بهما، كأن يذكر بمدح خصلة فيه حسنة، وبذم بأخرى ~~فيه قبيحة، فإذا قيل: فلان له ذكر، أو قيل: ذكر فلان، كان فيه إبهام، ~~فالذكر يطلق ويراد به معان، منها: الحفظ، والشرف، والصوت، وجري الشيء على ~~اللسان، فقول المتنبي في البيت ((ذكر الفتى عمره الثاني)) يحتمل حفظه وشرفه ~~وصوته وما جرى على لسانه وغير ذلك من وجوه معاني الذكر، ففيه إبهام، فلو ~~قال: صيت الفتى عمره الثاني: لكان أبين، وفي البلاغة أقوى وأمتن، يقال: رجل ~~له صيت: إذا كان عالي الذكر، يقال: ذهب صيته في الناس. # 3- ومن الإشارات المفهومات من هذه الآيات: الحث على سماع تلاوة القرآن، ~~لأن سماع تلاوته أحد وجوه الامتنان، لقوله تعالى: {لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته}. # وإذا كان هذا من منة الله على المؤمن فيجب عليه شكرها، ومن وجوه شكرها: ~~تعاهدها ورعايتها، فظهر بهذا أن في الآية الحث على سماع تلاوة القرآن. # 4- نعم، وفي سماع تلاوة الآيات: الإشارة إلى الحث على الجلوس إلى العلماء ~~سماعا، والاجتماع بهم استفادة وانتفاعا، لأنه لا يكون سماع التلاوة وتعلم ~~الكتاب والحكمة إلا بالجلوس إلى العلماء، والاستماع منهم، والانتفاع بهم، ~~والأخذ عنهم، ومجالسهم هي المجالس التي يصيب أصحابها نفحاتها، وتعود على ~~أهلها بركاتها، وقد جاء الكتاب والسنة بالحث على ذلك، ومنه قول الله عز ~~وجل: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم ~~إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}. PageV01P429 # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((ما جلس قوم في بيت من بيوت الله ~~يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ~~وذكرهم الله فيمن عنده)). # ولقد مدحت في الجاهلية والإسلام، مجالس أولي الفهم والإفهام، وذوي ~~التذكير والأحكام، كما تقدم بعض ذلك. # ومما جاء في معناه في الجاهلية: قول جد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهب ~~بن عبد مناف بن زهرة: # وإذا ms197 أتيت جماعة في مجلس ... فاختر مجالسهم ولما تقعد # ودع الغواة الجاهلين وجهلهم ... وإلى الذين يذكرونك فاعمد # 5- وفي هذه الآيات من الإشارات أيضا: أن علم الدين هو الكتاب والسنة ~~لقوله تعالى: {ويعلمهم الكتاب والحكمة}. # فسر ابن عباس رضي الله عنهما وغيره أن الحكمة هنا هي سنة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، وحكاه الشافعي رضي الله عنه عن سماعه لذلك ممن يرضى من أهل ~~العلم وقال به. # فلو كان قدر زائد على الكتاب والسنة لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه ~~وسلم بتعليمه للأمة، والعلم إذا أطلق إنما يراد به علم الدين. # 6- نعم، وفي قول الله تعالى: {ويعلمهم الكتاب والحكمة} الحث على طلب ~~العلم من الكتاب والسنة، لقول الله تعالى: {ما فرطنا في PageV01P430 ~~الكتاب من شيء} وقوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ~~ورحمة وبشرى للمسلمين} وقوله تعالى: {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين}. # وروي عن العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ((لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ بعدي عنها ~~إلا هالك)). # وهذا المشار إليه هو علم الدين كما تقدم، والمقدار الذي يجب طلبه من ~~العلم وتحصيله: ما تقع به الكفاية للعمل، وإفتاء من لا علم عنده فيما ينزل ~~به وينوبه. # 7- ومن الإشارات في هذه الآيات أيضا: استحباب التعليم مجانا بغير أجرة، ~~ويؤخذ هذا من قوله تعالى: {ويعلمهم الكتاب والحكمة} وقد علم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذلك لأمته: جليله ودقيقه، وصريحه ومفهومه، وجمله وتفاصيله، ~~لامتثال قوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} والذي أنزله ~~إليه: القرآن، وكذلك السنة، بدليل قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى. إن هو ~~إلا وحي يوحى} ومع ذلك PageV01P431 ~~فقد علم علما يقينيا قطعيا أن النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك كله من غير ~~أخذ أجرة على ذلك، ولا على شيء منه. # وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: ((عليكم بسنتي)) وكان من سنته التعليم ~~بغير أجرة، كما ذكرناه، فيستحب التعليم كذلك. ms198 # والتعليم عام في القرآن والسنة، لكن الإجارة على تعليم القرآن صحيحة، ~~وأخذ الأجرة عليه جائزة، لما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا: ((أحق ~~ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله)) فتصح الإجارة على تعليم القرآن وإن كان ~~عبادة تجب لها نية كالحج ومسائل معروفة، فإن كل أحد لا يختص بوجوب تعليم ~~القرآن، وإن كان نشر القرآن وإشاعته من فروض الكفايات. # ومن الأئمة من منع من أخذ الأجرة على القرآن مطلقا، ومنهم من جوز الأخذ ~~بغير اشتراط: إن أعطي قبل وإن لم يعط لا يطالب، ومنهم من فرق بين المحتاج وغيره. # وأما الإجارة وأخذ الأجرة على التحديث وتدريس العلم: لا يجوز، لأن نشر ~~العلم وتعليمه فرض كفاية كالجهاد، وفيه تفصيل أشار إليه الإمام أبو عبد ~~الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الحليمي البخاري القاضي فقال: ولا ~~يجوز لمن كانت عنده أخبار عن PageV01P432 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فسئل عنها أن يمتنع من روايتها ليعطى عليها ~~مالا، لأنه يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أداه الرسول صلى الله ~~عليه وسلم إلى أمته، ومعلوم أن الله تعالى لم يكن أطلق له أخذ أجر من أمته ~~على ما يبلغهم إياه عن ربهم عز وجل، فلذلك لا ينطلق لأحد من المؤدين عنه. # وقال أيضا: وإذا حضر العالم ليسمع منه الحديث فأذن في القراءة عليه ~~فقالوا ((نريد لفظك)): كان له أن لا يتكلف القراءة بنفسه إلا بعوض، وإنما ~~يحرم العوض إذا لم يخرج ما عنده فيقرؤوا عليه إلا بعوض، فأما إذا أخرجه ~~وأمر بالقراءة عليه فكلف أن يقرأ: فهذا شغل زائد على التبليغ والأداء، فله ~~أن لا يفعله بغير عوض، فإن لم يوجد أحد يقرأ عليه ووجب عليه أن يروي بلفظه ~~فلا عوض له، وإن أعطي لم يجز له أخذه. # وذكر الحليمي أيضا أن الطلبة إذا أرادوا من الشيخ ما يطول به المجلس ~~وينقطع به عن السعي على نفسه وعياله: جاز أن يأخذ على إدمانه الجلوس ~~وتفريغه نفسه لهم ms199 ما يعطونه ما لم يكن سرفا، والسرف أن يطالبهم بأكثر مما ~~كان يعود عليه من سعيه لو لم يجلس لهم. والله أعلم. انتهى قول الحليمي رحمه الله. # 8- ومن الإشارات في الآيات: بيان المبهمات المفهومات منها، لأن الكتاب ~~المشار إليه في قوله تعالى: {ويعلمهم الكتاب} معلوم -نقلا متواترا، ويقينا ~~قطعيا متوافرا- نزوله على هذا الرسول المشار إليه، وهو نبينا محمد عليه ~~أفضل الصلاة والسلام، فالذي نزل به عليه روح القدس جبريل عليه الصلاة ~~والسلام لقوله تعالى: {وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على ~~قلبك لتكون من المنذرين} وقوله تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق ~~ليثبت الذين آمنوا .. .. } الآية، PageV01P433 ~~فظهر بهذا المبهم المفهوم والمبهم المنطوق. # 9- نعم، وفي هذا إثبات وجود الملائكة، ومنهم الروح الأمين الذي نزل بهذا ~~الكتاب على خاتم النبيين صلى الله وسلم عليهم أجمعين. # 10- وفي الآية: الإشارة إلى الرد على منكري النبوات من الفلاسفة ~~والبراهمة وغيرهم، فإن من العقائد الواجبة شرعا وعقلا الإيمان بالأنبياء ~~والرسل عليهم الصلاة والسلام، فمن وجوبه شرعا ما ورد في الكتاب والسنة، ففي ~~الكتاب آيات كثيرة منها: قوله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله .. .. } الآية. # ومنها: قوله تعالى في هذه الآية: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم ~~رسولا} وهذا الرسول بالإجماع هو نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وهو ~~خاتم النبيين، قال الله عز وجل: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول ~~الله وخاتم النبيين} فإذا كان هذا الرسول الذي من الله علينا ببعثته هو ~~خاتم النبيين فعلم بالتواتر علما قطعيا بعثة النبيين الذي نبينا هو خاتمهم ~~كما قال الله عز وجل، فوجب الإيمان بهم عليهم الصلاة والسلام. # ومن الوارد في السنة: قول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الحديث في ~~البنيان وموضع اللبنة قال: ((وأنا خاتم النبيين)). # وكذلك مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم : ((لا نبي بعدي))، ولهذا الحديث طرق، PageV01P434 ~~لكن بعض الوضاعين من السراق المولدين -وهو محمد ms200 بن سعيد الدمشقي المصلوب ~~على الزندقة- سرق هذا الحديث ورواه بزيادة في آخره عن حميد، عن أنس مرفوعا: ~~لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله. وقد حكم الحاكم أبو عبد الله بوضع هذه ~~الزيادة في الحديث، وتأولها بعضهم على تقدير الصحة -وأنى لها الصحة- أنها ~~محمولة على رؤيا المؤمن لأنها جزء من أجزاء النبوة ولم يبق بعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم من المبشرات غيرها. وهذا تأويل بعيد. # وتأولها بعضهم -لو صحت- على مجيء عيسى عليه الصلاة والسلام حين ينزل من ~~السماء آخر الزمان بعد خروج الدجال. # وهذا بعيد أيضا، لكنه أقرب في التأويل من الأول، مع الاعتقاد PageV01P435 ~~الجازم أنه لا نبي بعد نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام يأتي بشريعة غير ~~شريعته، بل إذا نزل عيسى عليه الصلاة والسلام يقتدي بإمام هذه الأمة في ~~الصلاة، ويحمل الناس على هذه الشريعة المحمدية ولا يقبل من أحد غيرها، كما ~~صحت الأحاديث بذلك. # وعلى هذا يحمل ذلك الحديث الذي رواه خالد بن يزيد بن أسد القسري -وفيه ~~كلام- قال: حدثني محمد بن إبراهيم الإمام، عن أبي جعفر المنصور، عن أبيه، ~~عن جده، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~((لن تهلك أمة أنا أولها والمسيح آخرها))، وذلك أن المسيح عيسى عليه الصلاة ~~والسلام إذا نزل ينصر المؤمنين ويكشف عنهم -بإذن الله- ما هم فيه من ~~البلاء، والجهد والجوع والغلاء، ويقتل عدوهم من الدجال، ويأجوج ومأجوج ~~بهلاكهم، فتعيش هذه الأمة بعد تلك الشدة بخير عظيم، تخرج الأرض البركات، ~~وتنزل عليهم الخيرات، فلن تهلك هذه الأمة وهذا حال آخرها. PageV01P436 # وأما حال أولها: فبعث فيهم هذا الرسول صلى الله عليه وسلم فتلا عليهم ~~الآيات وزكاهم، وعلمهم الكتاب والحكمة، وكانوا من قبل ذلك في ضلال مبين، ~~وعلى شفا حفرة من النار فأنقذهم من ذلك بإرشادهم إلى توحيد الله رب ~~العالمين، وتعليمهم ما ذكر من شرائع الدين، وكان بالمؤمنين رؤوفا رحيما. ~~ومن رأفته بهم ورحمته إياهم ما أمرهم به ونهاهم عنه تحصيلا لهم ما لا يعبر ~~عنه ms201 من الأجور، وتحصينا لهم من العذاب وأنواع من الشرور. # ومن أوامره التي هي من شعب الإيمان: قوله صلى الله عليه وسلم : ~~((الراحمون يرحمهم الرحمن)) الحديث. وهذا الحديث قد رويناه فيما سبق من ~~أربع عشرة طريقا من الطرق، وهذه طريق خامسة عشرة، وهذه طريق المصريين. # سمعت شيخنا شيخ الإسلام وفقيه الدنيا خاتمة المجتهدين سراج الدين أبا حفص ~~عمر بن أبي الفتح رسلان بن نصير بن صالح بن أحمد ابن عبد الحق بن مسافر ~~العسقلاني الأصل البلقيني رحمة الله عليه، فيما حدثناه من لفظه وحفظه بجامع ~~دمشق، وأخبرنا الإمام العلامة قاضي القضاة أبو المعالي محمد بن إبراهيم بن ~~إسحاق بن إبراهيم السلمي الشافعي، بقراءتي عليه بدار السنة الظاهرية بدمشق، ~~والإمام الخطيب أبو عبد الله محمد بن أحمد بن القاضي أبي عبد الله محمد بن ~~إبراهيم بن إبراهيم بن داود الأذرعي المصري، بقراءتي عليه بمسجد المدرسة ~~العادلية الكبرى من دمشق، وغيرهم، وهو أول حديث سمعته منهم مطلقا، قالوا: # أخبرنا أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم البكري المصري، ~~قال كل منهم: وهو أول حديث سمعته منه، زاد شيخ PageV01P437 ~~الإسلام فقال: وأخبرنا أيضا أبو العباس أحمد بن كشتغدي ابن الصيرفي المعزي، ~~وهو أول حديث سمعته منه، قالا أخبرنا أبو الفرج عبد اللطيف ابن عبد المنعم ~~بن علي بن نصر بن الصيقل الحراني، وهو أول حديث سمعناه منه، حدثنا الإمام ~~أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي البكري، وهو أول حديث ~~سمعناه من لفظه وذلك في ذي القعدة سنة خمس وتسعين وخمس مئة، أخبرنا الإمام ~~أبو سعد إسماعيل ابن أبي صالح أحمد بن عبد الملك بن علي بن عبد الصمد ~~النيسابوري، وهو أول حديث سمعناه منه، أخبرنا والدي أبو صالح أحمد بن عبد ~~الملك بن علي الحافظ، وهو أول حديث سمعته منه، حدثنا الأستاذ أبو طاهر محمد ~~بن محمد بن محمش الزيادي، حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال ~~البزاز، حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن ms202 الحكم، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو ~~بن دينار، عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن العاصي، عن عبد الله بن ~~عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الراحمون ~~يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)). # قال عبد الرحمن بن بشر: هذا أول حديث سمعته من سفيان بن عيينة، وقال أبو ~~حامد بن بلال: هذا أول حديث سمعته من عبد الرحمن ابن بشر، وقال أبو طاهر ~~الزيادي: هذا أول حديث سمعته من أبي حامد بن بلال، وقال أبو صالح المؤذن: ~~هذا أول حديث سمعته من الأستاذ أبي طاهر الزيادي رحمة الله عليه. # هذا الحديث له ألقاب بحسب الوجوه التي رويناه منها، فهو PageV01P438 ~~حديث صحيح، حسن، فرد، مسلسل من وجهين، معل من وجوه، مختلف في إسناده من ~~وجوه، مرفوع، موقوف من وجه، منقطع على قول مرجوح، معنعن. # وكل هذه الأنواع تقدم بعض الكلام عليها، ونزيد كلاما على النوع الأخير ~~وهو المعنعن. ففي إسناد هذا الحديث: قول سفيان بن عيينة: عن عمرو بن دينار، ~~عن أبي قابوس: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. # فسياقه هكذا بالعنعنة لا يظهر فيه صفة التحمل هل هو سماع من لفظ الراوي؟ ~~أو قراءة عليه؟ أو سماع وهو يقرأ عليه؟ أو مناولة؟ أو إجازة؟ أو كتابة؟ أو ~~وجادة؟، فالمعنعن -والحالة هذه- مختلف في حكمه، فذهب بعضهم على أنه من قبيل ~~المرسل والمنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره. # وهذا قول مرجوح ليس العمل عليه، بل الصحيح الذي قال به الجماهير من ~~الأئمة وعليه العمل: أنه متصل الإسناد بشرط سلامة المعنعن الثقة من التدليس ~~وثبوت لقائه لمن روى عنه، وزاد أبو المظفر عبد الرحيم .. .. في ((مسنده)) ~~وفعله غيره. والله أعلم. # ومن فوائد متن الحديث: أن من أنواع الرحمة المرتب عليها الثواب الرحمة ~~بالفعل، كمن هو في يسار من الدنيا فيرى مسلما محتاجا، فهذا لا تكفي رحمته ~~للفقير ورقته عليه بقلبه، حتى يرحمه بالعطية من يساره: PageV01P439 # إن لم ms203 يساوه: فمن الفضل، أو من الفرض الواجب عليه كالزكاة، فهذا من الرحمة ~~بالفعل. # وكثير من ذوي اليسار يرق بقلبه على الفقير إذا رآه، وهو قادر على إزالة ~~ضرره بشيء من الدنيا يعطيه، لكن يمنعه البخل من ذلك. # وبعض الحمقى من الفقراء وغيرهم تراه يكرم هذا البخيل لماله، رجاء أن يصيب ~~من ماله، والغني البخيل يحب أن يكرم لماله ويعظم من غير أن ينفع أحدا ممن ~~يكرمه! وكل منهما مذموم. # وقلت في معناه: ما نختم به ما أمليناه وهو: # خلق من الناس في يسار ... لكن بالبخل في غرامة # من قال منهم ألا أكرموني ... للمال قولوا ولا كرامة # إكرام ذي المال مع إياس ... للنفع داء بلا سلامة # آخر المجلس ولله الحمد # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا PageV01P440 ### | CHECK [المجلس [22]] # [22] بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # .. .. كفر نعمة الله عليه، والنعمة إذا كفرت نفرت وزالت، وقل أن ترجع كما كانت. # وقد أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد ابن النقاش بقراءتي عليه، أخبرنا ~~أحمد ابن البياني المقدم سماعا، أخبرنا عبد اللطيف ابن محمد البغدادي ~~كتابة، أخبرنا محمد بن عبد الباقي قراءة عليه وأنا أسمع، PageV01P441 ~~أنشدنا محمد بن فتوح بن عبد الله، قال: وأنشدني والدي رحمه الله فيما ~~لقننيه أيام الصبا: # من قابل النعمة من ربه ... بواجب الشكر له دامت # وكافر النعمة مسلوبها ... وقل ما ترجع إن زالت # وأما مأخذ الأمر والنهي من الآية فمن مفهومها أيضا من مواضع، منها: قوله ~~تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا} وهذا الرسول صلى الله ~~عليه وسلم قيل لنا في حقه: {وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه ~~فانتهوا} وفي قوله تعالى: {يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة} فالكتاب وهو القرآن، والحكمة وهي السنة مشحونان بالأوامر ~~والنواهي. # وأما العام المطلق في الآية: ففي قوله ms204 تعالى: {ويزكيهم} فهو عام في كل ما ~~تحصل به التزكية. # وأما العام المقيد في الآية: ففي قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين} ~~فهو عام في كل مؤمن، لكنه قيد بهذه الأمة لقوله تعالى: {إذ بعث فيهم رسولا ~~من أنفسهم}. # وأما الخاص في الآية: ففي قوله تعالى: {من أنفسهم} والمراد -والله أعلم- ~~العرب على أحد الأقوال، قال محمد بن سعد في كتابه ((الطبقات)): أخبرنا هشام ~~بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما في قوله تعالى: {رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم} قال: قد ولدتموه ~~يا معشر العرب. # ورواه أبو نعيم الأصبهاني في كتابه ((دلائل النبوة)) من طريق محمد ابن ~~السائب، ولفظه قال: ليس من العرب قبيلة إلا ولدت رسول الله PageV01P442 ~~صلى الله عليه وسلم : مضريها، وربيعيها، ويمانيها. # وأما المجمل في الآية: ففي قوله تعالى: {وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} ~~فيه إجمال واحتمال لأن يكون قبل بعثة الرسول المشار إليه صلى الله عليه ~~وسلم ، أو قبل تلاوته الآيات عليهم، أو قبل التزكية لهم، أو قبل تعليمهم ~~الكتاب والحكمة، أو قبل هدايتهم للإيمان. # وأما المبين في الآية: ففي قوله تعالى: {إذ بعث فيهم رسولا} هذا بيان ~~للمن الذي امتن الله تعالى به على المؤمنين. # وأما الناسخ: فمن مفهوم قوله تعالى: {إذ بعث فيهم رسولا} وقد اتفق ~~المفسرون ووقع الإجماع عليه أن الرسول هنا هو نبينا خاتم الأنبياء أبو ~~القاسم محمد بن عبد الله الهاشمي عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد نسخ الله ~~تعالى ببعثته جميع الملل قبله إلا ما اتفقت عليه جميع الشرائع من توحيد ~~الله عز وجل وأصوله وبعض الأحكام، كما هو معروف. # وكل موحد لله عز وجل مؤمن به، والمؤمنون وقع ذكرهم في القرآن عاما وخاصا ~~ومطلقا ومقيدا، فمن العام: قول الله عز وجل: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا ~~بين أخويكم}. # ومن الخاص: قوله عز وجل: {محمد رسول الله والذين آمنوا معه أشداء على ~~الكفار رحماء بينهم}. # ومن المقيد: قوله تعالى: ms205 {إنما المؤمنون الذي إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا، وعلى ربهم يتوكلون}. # ومن المطلق: قوله تعالى في هذه الآية الشريفة: {لقد من الله على المؤمنين ~~إذ بعث فيهم رسولا} الآية. # أطلق ذكر المؤمنين هنا -وإن كان خاصا بهذه الأمة- ولم يقيد PageV01P443 ~~بوصف ليشمل أقسامها الثلاثة المشار إليهم بقوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق ~~بالخيرات} وهؤلاء كلهم مؤمنون، وهم هذه الأمة المشار إليهم بقوله تعالى: ~~{لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا}. # فالظالم لنفسه هو: العاصي بترك مأمور أو ارتكاب محظور. # والمقتصد: المؤدي للواجبات التارك للمحرمات. # والسابق بالخيرات: المتقرب إلى الله بما يستطيع من واجب ومستحب، التارك ~~للمحرمات والمكروهات. # وهذان القسمان داخلان في قول الله عز وجل: {ألا إن أولياء الله لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون}. # وأما القسم الثالث -وهو الظالم لنفسه- معه من الإيمان والحسنات ما يقتضي ~~الثواب عليه، ومعه من المعاصي والسيئات ما يقتضي العقاب عليه، ولا تخرجه ~~معصيته من دائرة الإسلام، هذا مذهب جميع الصحابة وتابعيهم بإحسان وأهل ~~السنة والجماعة القائلين: بأنه لا يخلد في النار من كان في قلبه مثقال ذرة ~~من إيمان. # وقد جاء أن هذه الأقسام الثلاثة كلهم في الجنة. # أنبأنا أبو حفص عمر بن محمد بن أحمد الملقن، أخبرتنا أم عبد الله زينب ~~ابنة أحمد المقدسية سماعا، أنبأنا أبو القاسم عبد الرحمن بن مكي، أخبرنا ~~جدي لأمي أبو طاهر أحمد بن محمد الحافظ قراءة عليه وأنا أسمع، أخبرنا نصر ~~بن أحمد الغازي بقراءتي عليه ببغداد، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبيد ~~الله، أخبرنا الحسين ابن إسماعيل القاضي، حدثنا العباس البحراني، حدثنا أبو ~~داود وعبد الصمد قالا: حدثنا شعبة، عن الوليد بن العيزار، عن رجل من ثقيف، ~~عن رجل من كنانة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم {ثم أورثنا الكتاب الذين PageV01P444 ~~اصطفينا من عبادنا: فمنهم ظالم لنفسه، ms206 ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات} ~~قال: ((كلهم في الجنة)) وقال أحدهما: أو قال: ((بمنزلة واحدة)). # ولهذا الحديث شاهد عن أبي الدرداء رضي الله عنه، فيما خرجه الحاكم في ~~((مستدركه)) من طريق إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، حدثني الأعمش، عن رجل ~~قد سماه، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول في قوله عز وجل: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} ~~قال: ((السابق والمقتصد يدخلان الجنة بغير حساب، والظالم لنفسه يحاسب حسابا ~~يسيرا ثم يدخل الجنة)). # ففي هذا وما قبله أنه من مات مؤمنا بالله عز وجل على توحيده فهو مقطوع له ~~بالجنة. PageV01P445 # وقد قطع بالجنة لأقوام معينين ومبهمين، حسبما جاء النص بذلك، منهم العشرة ~~المشهود لهم بالجنة، وقد ذكرت حديثهم ببعض طرقه مع الكلام عليه في كتابي ~~((الأربعين حديثا المتباينة الأسانيد والمتون)). # وممن قطع لهم بالجنة أهل الشجرة الذين بايعوا تحتها بيعة الرضوان. PageV01P446 # أخبرنا أبو هريرة عبد الرحمن بن الحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد ابن ~~الذهبي الدمشقي بقراءتي عليه بجامع كفربطنا من الغوطة، وأبو عبد الله محمد ~~بن محمد بن محمد بن عمر البالسي بقراءتي عليه بزاوية جده من سفح قاسيون، ~~وأبو الحسن علي، وأم محمد زينب ولدا الأمير فخر الدين عثمان بن محمد بن ~~الشمس لولو الحلبي بقراءتي عليهم بجامع بيت لهيا، وأم عبد الله زينب ابنة ~~الإمام العلامة أبي محمد عبد الله ابن الإمام أبي أحمد عبد الحليم بن عبد ~~السلام بن تيمية الحرانية بقراءتي عليها بمنزلها جوار المدرسة القيمرية ~~داخل دمشق قالوا: أخبرنا أبو العباس أحمد ابن الشحنة أبي طالب الديرمقرني ~~قراءة عليه، قال علي وابنة تيمية: ونحن حاضران، وقال الباقون: ونحن نسمع، ~~زاد أبو هريرة فقال: وأخبرنا عيسى بن عبد الرحمن السمسار الصالحي قراءة ~~عليه وأنا حاضر، وأبو الفضل سليمان بن حمزة الحاكم، وأبو بكر بن أحمد بن ~~عبد الدائم المقدسيان إجازة قالوا -سوى ابن عبد الدائم-: أخبرنا أبو المنجا ~~عبد الله بن عمر الحريمي سماعا، ms207 وقال الحاكم أيضا وابن عبد الدائم: أخبرنا ~~الحسين بن المبارك الزبيدي قراءة عليه -قال الحاكم: وأنا حاضر، وقال ابن ~~عبد الدائم: وأنا اسمع- قالا: # أخبرنا عبد الأول بن عيسى السجزي، أخبرنا محمد بن أبي مسعود الفارسي، ~~أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد الهروي، أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي، حدثنا ~~العلاء بن موسى البغدادي، أخبرنا الليث بن سعد المصري، عن أبي الزبير ~~المكي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ((لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار)). خرجه أبو ~~داود والترمذي والنسائي لليث، وهو حديث حسن صحيح فيما ذكره الترمذي، وفي ~~صحيح مسلم معناه من طريق الليث. # وللحديث علة غير مؤثرة، وهي رواية جابر رضي الله عنه للحديث عن PageV01P447 ~~أم مبشر الصحابية زوج زيد بن حارثة رضي الله عنه. خرجه مسلم في ((صحيحه)) ~~والنسائي في ((سننه)) واللفظ لمسلم من حديث حجاج بن محمد قال: قال ابن ~~جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخبرتني أم مبشر ~~رضي الله عنها، أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة رضي ~~الله عنها: ((لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا ~~تحتها)) قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة: {وإن منكم إلا ~~واردها} فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((قد قال الله عز وجل: {ثم ننجي ~~الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا})). # ورواه أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي من طريق أبي معاوية، عن ~~الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر، عن حفصة أنها قالت: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ((إني أرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد ~~شهد بدرا والحديبية)) وذكر الحديث بنحوه. # وفيه لطيفة وهي: رواية ثلاثة من الصحابة على نسق، وفي روايتنا الأولى ~~لطيفة في إسناده وهي تباين رجاله بالنسبة إلى الأوطان، وفي الحديث من ~~أنواعه: المزيد في متصل الأسانيد، وهو على ms208 أقسام بينها الحافظ الخطيب ~~البغدادي في مصنف خاص بهذا النوع. والله أعلم. # وقد نظمت العشرة المشهود لهم بالجنة في بيت واحد قبله آخر تعريفا للثاني فقلت: # وعشرة خير صحب بالجنان أتى ... وعد النبي لهم نصا بلا خلل # عتيق عثمان عامر طلحة عمر الزبير ... سعد سعيد وابن عوف علي PageV01P448 ### | CHECK [المجلس [23]] # [23] بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # هذه الآيات الشريفات تبركنا بتلاوتها أول التدريس، وهي من جوامع الكلم ~~لاحتوائها على كل معنى نفيس، والكلام عليها من وجوه كثيرة، لأن كل كلام ~~مفيد منثور إذا طرق السمع يتعلق النظر فيه بأطراف من وجوه معاني الكلام، ~~منها في بيان معاني ألفاظه المفردة، وهو علم اللغة، كالمن في قوله تعالى: ~~{لقد من الله على المؤمنين} فالمن هنا: الإحسان والإنعام، ومن أسماء الله ~~تعالى، المنان وهو من أبنية المبالغة، ومعناه المنعم، وقيل: الذي يبدأ ~~بالنوال قبل السؤال، وقيل: الكثير العطاء العظيم المواهب. # فإنه سبحانه من بعض عطائه: أنه أعطى الحياة والعقل والمنطق بعد أن شق ~~السمع والبصر، وصور فأحسن الصور، ورزق من الطيبات، وهدى إلى الإسلام، وأنعم ~~بما لا يحصى من الإنعام الخاص والعام، وذكر الله عباده بنعمه خصوصا وعموما. # قال بعض السلف: المن من الله تعالى هو التعريف، والمن من العباد هو ~~التعنيف، وهذان وجهان من معنى المن، وله معان أخر. # ومن الأطراف التي يتعلق بها: النظر في حكم تركيب الألفاظ واختلافها على ~~وفق كلام العرب، وهذا هو علم الإعراب، الذي به تفهم المقاصد والوسائل، ~~ويتميز به المفعول من الفاعل، ويعقل معنى الكلام. PageV01P449 # وقد صنف فيه خلق من الأعلام ما بين إيجاز، ووسط، وإطناب، وأجله في الأقدمين ~~مصنف سيبويه ((الكتاب))، وفي المتأخرين من مؤلفات الأعيان ((التسهيل)) لابن ~~مالك، وشرحه لابن حيان. ويطلق على هذا الفن ألقاب منها: النحو، واشتقاقه ~~من: نحوت الشيء أنحوه إذا قصدته، وكل شيء ms209 أممته فقد نحوته، ومنه اشتقاق ~~النحو في الكلام، كأنه قصد الصواب. قاله ابن دريد في ((الجمهرة)). # ومن ألقاب هذا العلم: العربية، والإعراب، ومنها: المنطق. # ولم أر من وسمه بهذا سوى الإمام أبي علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار ~~الفارسي النحوي، له كتاب في النحو سماه ((المنطق)) وليس بالمنطق المبني على ~~الكلام في الحد ونوعه، والقياس البرهاني PageV01P450 ~~ونوعه، ويقسم العلم إلى تصور أو تصديق، وكل منهما: إما بديهي أو نظري، إلى ~~غير ذلك من قواعده التي يعتمدها أهل الجدل والكلام، ولا طائل تحته والسلام! # ومن نظمي في ذمه: # علم الكلام بلاؤه متعدد ... منه الأئمة حذروا يا متقي # وبلاؤه من منطق صدق الذي ... قال: البلاء موكل بالمنطق # ومن الأطراف التي يتعلق بها النظر: الاعتبار في مثار المقال، وهو علم ~~أسباب الكلام، ومن وجوه علوم القرآن: أسباب نزوله، وهذه الآية الشريفة لها ~~سبب في نزولها، وهو ظاهر، لكنه غامض، ولغموضه لم أر أحدا ذكره ممن صنف في ~~أسباب نزول القرآن، كأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري لم يذكر في ~~مصنفه لنزول هذه الآية سببا، والسبب في نزولها -والله أعلم-: إعلام الله ~~تعالى الأمة بإجابته دعوة خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، في حبيبه ~~محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، حيث قال فيما أخبر الله تعالى عنه: {ربنا ~~وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ~~إنك أنت العزيز الحكيم} فأعلم الله المؤمنين بهذه الدعوة في هذه الآية، ~~وبإجابته لها في الآية الأخرى بقوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ ~~بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة}. # ومن الأطراف التي يتعلق بها النظر: كشف المكتوم من فحوى PageV01P451 ~~المنطوق والمفهوم، وهو علم المبهمات من الأسماء والقضيات. # وفي هذه الآية الشريفة عدة من ذلك تقدم بعض الكلام عليها، فمنه قوله ~~تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا} هذا الرسول الذي جاء ~~ذكره هنا منكرا مبهما جاء معرفا مصرحا به في غير ما آية من ms210 القرآن، مع ~~تعريف المؤمنين، ومن ذلك قوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على ~~الكفار رحماء بينهم} الآية. # وجاء في الآثار مثل ذلك: خرج الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في ~~((تفسيره المسند)) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله تعالى: {لقد من ~~الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} قال: وكنتم أنتم المؤمنين، ~~وكان محمد صلى الله عليه وسلم هو الرسول إليكم. # ومن مبهمات القضايا في الآية في قوله تعالى: {وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين}. قال ثابت بن يعقوب المقري: حدثني الهذيل بن حبيب أبو صالح الأزدي، ~~عن مقاتل بن سليمان قال في قوله تعالى: {وإن} يعني: وقد {كانوا من قبل} أن ~~يبعث محمد صلى الله عليه وسلم {لفي ضلال مبين} أي بين وهو الشرك. # ومن الأطراف التي يتعلق بها النظر: اعتبار ضروب نظم الألفاظ التي أفادها ~~التركيب، وهو علم المعاني والبيان، وهو أحد وجوه العربية، وهو فن جليل ~~بمعرفته يعقل عن الله عز وجل كتابه وعن نبيه صلى الله عليه وسلم أحاديثه، ~~وبمعرفته يتسع المرء في منطقه، فإن تكلم أفصح، وإن احتج أوضح، وإن كتب ~~أبلغ، وإن خطب أعجب، والمعاني والبيان أحد أقسام البلاغة التي هي إيصال ~~المعنى المقصود إلى القلب بأحسن ما يكون من اللفظ وأجوده، فلو كان الكلام ~~يفهم المعنى بلفظ غير PageV01P452 ~~محكم لم يكن بليغا، وكذلك لو كان اللفظ محكما جيدا والمعنى غير طائل، لا ~~يعد في البلاغة. # والبلاغة على ثلاث مراتب: عليا ووسطى ودنيا، والكلام إذا اجتمع فيه ~~الفصاحة والجزالة والنظم كان كامل البلاغة، وأعلاها بلاغة القرآن لاجتماع ~~هذه الثلاثة فيه. # فالفصاحة: دلالة اللفظ على المعنى مع الإفصاح والإيضاح. والجزالة: دلالة ~~اللفظ على المعنى مع قلة حروف الكلم وتناسب مخارجها والاختصار. والنظم: ~~ترتيب الألفاظ وارتباط بعضها ببعض مع تناسب الكلمات وتوازن الحركات ~~والسكتات، والدلالة على المعنى المراد، وهذا كله في القرآن مع أسلوبه ~~العجيب الذي لم يعهد نظيره ونظمه الغريب الذي لم يسمع لكلام ms211 غيره تحريره ~~ولا تحبيره، ولهذا عجز البلغاء كافة والفصحاء عامة عن الإتيان بسورة من ~~مثله، وانقطعوا عن المعارضة بحديث من شكله، مع تحديهم وتوفر دواعيهم إلى ~~المعارضة، ولم يقع ذلك منهم، ولا جاء شيء مثله عنهم. # قال الله عز وجل: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من ~~مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن لم تفعلوا، ولن ~~تفعلوا، فاتقوا النار} الآية. # وفي هذه الآية معجزة من وجه آخر، وهي الإخبار عن نفي فعلهم الإتيان بسورة ~~من مثله، فكان كما أخبر سبحانه، وقد قال عز وجل: {قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا}. فوقع التحدي من الله عز وجل على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو بعشر ~~سور {قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} أو بسورة واحدة. وهو أدنى التحدي عند ~~الجمهور. # وقيل: وقع التحدي بآية واحدة لقوله تعالى: {فليأتوا بحديث مثله} فلم ~~يأتوا بشيء من ذلك، تعجيزا من الله تعالى لهم عن ذلك، كما عجز PageV01P453 ~~المفحم عن نظم الشعر، مع اعتراف بعض فصحائهم وهو الوليد بن المغيرة ~~المخزومي لما سمع أوائل (حم) فقال: إن فيه حلاوة، وعليه طلاوة، وإن أعلاه ~~لمغدق، وإن أسفله لمعرق، وإنه ليعلو ولا يعلى، وما أراه بكلام البشر. # وقد عد جماعة من المعتزلة وغيرهم في وجوه إعجاز القرآن الصرفة، لكنهم ~~اختلفوا فمنهم من قال: صرفوا عن القدرة على أن يأتوا بسورة من مثله، فعجزوا ~~عن ذلك، ومنهم من قال: صرفوا عن التعرض له، قال علي بن عيسى ابن علي ~~الرماني -وكان معتزليا- في كتابه ((النكت في إعجاز القرآن)): وأما الصرفة: ~~فهو صرف الهمم عن المعارضة، وعلى ذلك كان يعتمد بعض أهل العلم في أن القرآن ~~معجز من جهة صرف الهمة عن المعارضة، وذلك خارج عن العادة كخروج سائر ~~المعجزات التي دلت على النبوة، وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز التي يظهر منها ~~للعقول. # وما قاله الرماني -ومن نحا نحوه ms212 من اعتقاد الصرفة أنها من وجوه الإعجاز- ~~فاسد، كما أشار إليه الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن PageV01P454 ~~فرح الأنصاري القرطبي، وعلل فساده بأن إجماع الأمة قبل حدوث المخالف على أن ~~القرآن هو المعجز، فلو قلنا إن المنع والصرفة هو المعجز يخرج القرآن أن ~~يكون معجزا، وذلك خلاف الإجماع. قاله القرطبي في ((تفسيره)). PageV01P455 ### | CHECK [المجلس [24]] # [24] بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # وقد حصل للمؤمنين المشار إليهم في هذه الآية بالمنة والنعمة الثناء ~~العظيم، من الله الكريم، في الذكر الحكيم، بقوله تعالى: {كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس} وبقوله تعالى: {محمد رسول الله، والذين معه أشداء على الكفار ~~رحماء بينهم} الآية. # ووصفت هذه الأمة بأنها أمة مرحومة مع ما أمروا به من التراحم الذي منه ~~الحديث الذي رويناه من طرق عديدة في الدروس الماضية، ومن طرقه التي لم ~~نذكرها في الدروس هنا ما: # أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي عبد الله المجاور بطيبة، ~~وهو أول حديث سمعته منه بقراءتي عليه، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد ~~المعري المنعوت بالبدر، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا أحمد بن أبي الفتح ~~الشيباني، وهو أول حديث سمعته منه، أخبرنا أبو عمرو عثمان بن أبي القاسم ~~النصري، وهو أول حديث سمعته PageV01P456 ~~منه قال: وأخبرنا أبو محمد عبد البر بن الحافظ أبي العلاء الهمذاني بها، ~~حدثنا والدي الحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد العطار، حدثنا أبو جعفر محمد ~~بن الحسن بن محمد الحافظ، حدثنا أبو صالح المؤذن وهو أحمد بن عبد الملك، ~~أخبرنا أبو سعد عبد الرحمن بن حمدان الشاهد، حدثنا أبو نصر محمد ابن طاهر ~~الوزيري الأديب، حدثنا أبو حامد البزاز، يعني أحمد بن محمد بن بلال، حدثنا ~~عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ~~أبي قابوس، ms213 عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل ~~السماء)). # قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: هذا أول حديث سمعته من النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعد خطبة الوداع، وقال أبو قابوس: هذا أول حديث رواه عبد ~~الله بن عمرو رضي الله عنهما بالشام، وقال عمرو بن دينار: هذا أول حديث ~~رواه لنا أبو قابوس، وقال ابن عيينة: هذا أول حديث أملاه علينا عمرو بن ~~دينار، وقال عبد الرحمن بن بشر: هذا أول حديث سمعته من سفيان، وقال أبو ~~حامد: هذا أول حديث سمعناه من عبد الرحمن، وقال أبو نصر الوزيري: هذا أول ~~حديث سمعناه من أبي حامد، وقال أبو سعد: هذا أول حديث سمعته من أبي نصر، ~~وقال أبو صالح: هذا أول حديث سمعته من أبي سعد في رجوعي إلى نيسابور سنة ~~اثنتين وثلاثين، يعني وأربع مئة، وقال أبو جعفر الحافظ: وهذا أول حديث ~~سمعته من أبي صالح، وقال الحافظ أبو العلاء: وهذا أول حديث سمعته من أبي ~~جعفر، قال ابنه أبو محمد عبد البر: وهو أول حديث سمعناه من أبي من لفظه، ~~قال أبو عمرو النصري: وهذا أول حديث سمعته من أبي محمد عبد البر. # وأنبأنا به عاليا جدا جماعة من شيوخنا، منهم: أبو عبد الله محمد بن PageV01P457 ~~محمد بن عبد الله الصالحي، عن يحيى بن محمد بن سعد وغيره، أخبرنا أبو صالح ~~نصر بن الحافظ أبي محمد عبد الرزاق بن الشيخ العارف ولي الله أبي محمد عبد ~~القادر الجيلي كتابة. وزاد شيخنا الصالحي فقال: وأنبأنا الحافظ الكبير أبو ~~محمد عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن التوني، أخبرنا أبو الحسن علي بن أبي ~~عبد الله الأزجي إجازة إن لم يكن سماعا، قالا جميعا: عن الحافظ أبي العلاء ~~الحسن بن أحمد ابن الحسن العطار الهمذاني، فذكره. # هذا الحديث له ألقاب بحسب طرقه التي رويناها منه، فهو حديث صحيح، وحسن، ~~وضعيف الإسناد ms214 من وجه، وفرد، ومعل من وجوه، ومرفوع، وموقوف من وجه، ومسلسل ~~بالأولية: مقطوع التسلسل، وموصول التسلسل من غير انقطاع، كما رويناه، ~~ومعنعن، لقول سفيان فيه عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس، عن عبد الله بن عمرو. # فسياقه هكذا معنعنا لا يظهر فيه صفة التحمل: هل كان سماعا من لفظ الراوي، ~~أو عرضا عليه، أو مناولة، أو إجازة مشافهة أو كتابة، أو وجادة؟ فالحديث ~~المعنعن إسناده -والحالة ما ذكر- مختلف في حكمه، فقيل: هو كالمرسل والمنقطع ~~حتى يتبين اتصاله من وجه آخر، وهذا قول مرجوح، فالصحيح وعليه جماهير ~~الأئمة: أنه متصل الإسناد بشرط سلامة المعنعن الثقة من التدليس، وثبوت ~~لقائه لمن روى عنه. # واشترط أبو المظفر عبد الرحيم ابن السمعاني مع ثبوت اللقاء طول الصحبة ~~بين الراويين. # واشترط أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني معرفة المعنعن بالرواية عمن روى عنه. PageV01P458 # واقتصر مسلم صاحب الصحيح على المعاصرة ولم يشترط ثبوت اللقاء. # وإذا تقرر هذا ونظرنا فيمن عنعن هذا الحديث وجدناه سفيان بن عيينة وقد ~~اجتمعت فيه الشروط التي تحكم لما رواه بالاتصال، ولا يقال إن سفيان عد في ~~المدلسين فبهذا فقد فيه شرط السلامة من التدليس، لأنا نقول: إن التدليس على ~~أنواع ترجع إلى قسمين: # أحدهما: تدليس السماع. # والثاني: تدليس الشيوخ والأماكن. # ومن ذلك ما هو مؤثر في الحديث قدحا، ومنه ما لا يؤثر، كالتدليس المبين ~~وهو: الذي إذا سئل عنه راويه بينه، وعليه يحمل ما في الصحيحين من رواية ~~المدلسين، كهشيم بن بشير وغيره. # ومن هذا الذي هو غير مؤثر تدليس سفيان بن عيينة، فروايته لهذا الحديث ~~بالعنعنة لا تضر، مع أنه قد روي عنه من طريق بلفظ التحديث قال فيها سفيان: ~~حدثنا عمرو بن دينار. وسفيان كان أجل من أن يدلس تدليسا يؤثر قدحا. # وهو أبو محمد سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي PageV01P459 ~~مولاهم، الكوفي الأصل، المكي الدار، عالم الحجاز، وكان أعور العين، أدرك ~~ستة وثمانين تابعيا، وتفرد مدة عن الزهري وعمرو بن دينار، في آخرين، ولد ~~بالكوفة ms215 في النصف من شعبان سنة سبع ومائة، ثم نقله أبوه إلى مكة، ثم دخل ~~الكوفة وقد ناهز عشرين سنة، فقال الإمام أبو حنيفة لأصحابه: جاءكم حافظ علم ~~عمرو ابن دينار. فجاء الناس إليه يسألونه عن عمرو بن دينار. قال ابن عيينة: ~~فأول من صيرني محدثا أبو حنيفة، فذاكرته. # وقد روي أن أول من أخذ عن سفيان من أهل الكوفة مسعر بن كدام، توفي مسعر ~~سنة خمس وخمسين ومائة، قبل وفاة سفيان بثلاث وأربعين سنة، توفي سفيان سنة ~~ثمان وتسعين ومائة بمكة، ودفن بالحجون وقبره ظاهر يزار، حج سبعين حجة، وله ~~مناقب ومآثر جمة، وحكم ومواعظ، وآداب ونوادر. # وكان إذا جلس أصحابه إليه لسماع الحديث قال: اسمعوا ما أقول لكم! لو أن ~~رجلا أصاب مال أخيه فجاء به بعد موته إلى ورثته، لرأينا أن ذلك كفارة، ولو ~~أن رجلا أصاب من عرض رجل فتورع عنه بعد موته فجاء إلى ورثته وإلى جميع أهل ~~الأرض فجعلوه في حل ما كان في حل، فعرض المؤمن أشد من ماله، افهموا ما يقال ~~لكم! هو خير لكم من سماع الحديث! # وقال أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني: حدثنا أبو القاسم سليمان بن ~~أحمد بن أيوب، حدثنا محمد بن صالح بن الوليد، حدثنا أبو حفص عمرو بن علي ~~قال: كنا عند سفيان بن عيينة فجاءته جاريته PageV01P460 ~~فقالت: مولاي! فلان الصيرفي يقرئك السلام، قالت: ويقول لك: بعث إلي إنسان ~~بعشرة آلاف درهم فقال: ادفعها إلى سفيان بن عيينة وهي عندي. فأخذ منها ~~سفيان ثلاثة آلاف درهم وبقيت عنده سبعة آلاف، فجاء ابن أخيه عمران ذات يوم ~~مع جماعة يخطب إليه ابنته قال: مرحبا بابن أخي جاء يطلب أخته إلا أن الله ~~عز وجل قد أحلها له، ثم قال: # اقرأ عشر آيات من كتاب الله عز وجل: فلم يحسن! فقال: هات ثلاثة أحاديث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلم يحسن! فقال: هات ثلاثة أبيات شعر من ~~شعر العرب. فلم يحسن! فقال: لا تحسن آيات من ms216 كتاب الله تعالى، ولا حديثا عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أبيات شعر، اذهب إلى فلان الصيرفي فخذ ~~منه أربعة آلاف درهم وتزوج من شئت. # وبقي عند الصيرفي ثلاثة آلاف درهم، فمر به الصيرفي يوما فقال: ألا تبعث ~~إلى بقية المال من يأخذه -قال أبو حفص: وقد كان الصيرفي قضى له حاجة- فقال: ~~هو لك، فقال الرجل: لا حاجة لي بها وأنا عنها غني، فقال: ابن أخيك اليتيم، ~~ادفعها إليه ولا تراجعني فيه. # ومن نوادره الدالة على ورعه وتقواه، ونختم بذكر ذلك ما أمليناه، قال أبو ~~العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي الثمالي -وهو المبرد، بكسر الراء ~~على الصحيح- قال: حدثت من غير وجه أن سفيان بن عيينة قال لجلسائه يوما: إني ~~أرى جارنا هذا السهمي قد أثرى وانفسحت له النعمة، وصار ذا جاه عند الأمراء، ~~ووافدا إلى الخلفاء، فمم ذلك؟ -يعني يحيى بن جامع- فقال له جلساؤه: إنه ~~يصير إلى الخليفة فيتغنى له، فقال سفيان: فيقول ماذا؟ فقال أحد جلسائه: PageV01P461 # فيقول: # أطوف نهاري مع الطائفين ... وأرفع من مئزري المسبل # فقال سفيان: ما أحسن والله ما قال! فقال الرجل: # وأسهر ليلي مع العاكفين ... وأتلو من المحكم المنزل # فقال: حسن والله جميل! قال: إن بعد هذا شيئا، قال سفيان: وما هو؟ قال: # عسى فارج الكرب عن يوسف ... يسخر لي ربة المحمل # فزوى سفيان وجهه وأومأ بيده: أن كف وقال: حلالا حلالا. PageV01P462 ### | CHECK [المجلس [25]] # [25] بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين}. # .. .. على ارتفاع الأحكام وبقائها. # فهذا بعض وجوه مأخذ علوم القرآن منه، وأصلها المنطوق والمفهوم، فالمنطوق ~~ما دل على اللفظ بغير واسطة في محل النطق: تارة يكون نصا، والنص اصطلاحا: ~~ما رفع في بيانه إلى أقصى غايته، وهو ما استقل بنفسه بنصه. # وتارة يكون ظاهرا وهو: ما احتمل أمرين أحدهما أقوى من الآخر. # وأما المفهوم: فهو ms217 ما دل عليه اللفظ في محل السكوت، ودلالته مختلف فيها: ~~هل هي قياسية أو لفظية؟ والأول منقول عن الشافعي، وذكر الشيخ أبو حامد ~~الإسفراييني أن دلالته [لفظية] وأنه الصحيح من المذهب. PageV01P463 # فقوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} فمنطوقه تحريم التأفف، ومفهومه: تحريم ~~الضرب والسب ونحوه. # فالتأفيف مصرح به لفظا، وتحريم الضرب والسب ونحوه مفهوم من لحن الكلام ~~وفحواه. والله أعلم. # وقد فرقوا بين اللحن والفحوى، فالفحوى: ما يعلم من الخطاب بطريق القطع، ~~واللحن: معنى الخطاب. # إذا تقرر هذا فقوله سبحانه وتعالى: {يتلو عليهم آياته ويزكيهم} من ~~مفهومه: القيام بشكر نعم الله وترك كفرانها، ولذلك مدركان يدرك بهما ~~مذكوران في الآية: أحدهما: السمع، ومستنده تلاوة الآيات المشتملة على جميع ~~أحكام الشرع في أفعال العباد. # والمدرك الثاني: حصول التزكية التي منها فتح البصيرة للنظر بعين الاعتبار ~~فيدرك بذلك بعض حكمة الله في كل موجود خلقه الله، إذ ما خلق الله شيئا إلا ~~وفيه حكمة جلية وخفية، بل جميع أجزاء العالم، لا تخلو منه ذرة عن حكمة ~~إلهية، فمن لم يطلع على أحكام الشرع التي تضمنته الآيات التي تتلى عليه في ~~جميع أفعاله، فيمتثل الأوامر ويجتنب النواهي، لم يمكنه القيام بحق شكر الله أصلا. # ومن لم يعرف حكمة الله في خلق نفسه فضلا عن غيره، أو استعمل شيئا من ~~جوارحه ظاهرا أو باطنا في غير الجهة التي خلق لها ذلك الشيء على غير الوجه ~~الذي أريد به: فقد كفر نعمة الله فيه، قال الله عز وجل: {وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون}. # فكل من استعمل شيئا من نعم الله في غير طاعته فقد كفر النعمة، والنعمة ~~إذا كفرت نفرت وزالت، وإذا زالت بالكفران قل أن تعود كما كانت. PageV01P464 # أخبرنا إبراهيم بن محمد النقاش أبوه بقراءتي عليه، أخبرنا أحمد بن أبي ~~طالب، أخبرنا عبد اللطيف بن القبيطي كتابة، أخبرنا محمد بن عبد الباقي ~~سماعا، قال: أنشدنا محمد بن فتوح بن عبد الله قال: وأنشدني والدي رحمه الله ~~فيما لقننيه أيام الصبا. # من قابل النعمة ms218 من ربه ... بواجب الشكر له دامت # وكافر النعمة مسلوبها ... وقل ما ترجع إن زالت # وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من زوالها. # أخبرنا أبو محمد رسلان بن أحمد بن الموفق، أخبرنا محمد بن المحب عبد الله ~~ابن أحمد، ومحمد بن أحمد بن أبي الهيجاء. قال ابن المحب: أخبرنا إبراهيم بن ~~عمر الواسطي، أخبرنا منصور بن عبد المنعم، وقال ابن المحب أيضا وابن أبي ~~الهيجاء: أخبرنا محمد بن عبد الهادي، وقال ابن أبي الهيجاء أيضا: أخبرنا ~~أحمد ابن عبد الدائم، قال هو وابن عبد الهادي: أخبرنا محمد بن علي الحراني، ~~قال هو ومنصور: أخبرنا محمد بن الفضل الصاعدي، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، ~~أخبرنا محمد بن عيسى، أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثنا مسلم، حدثنا عبيد الله ~~بن عبد الكريم أبو زرعة، حدثنا ابن بكير، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن ~~موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ~~قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((اللهم إني أعوذ بك من ~~زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك)). # فبالشكر تثبت النعم ولا تزول، ويبلغ الشاكر من المزيد فوق المأمول، ولهذا ~~كانوا يسمون الشكر (الحافظ، والجالب) لأنه حافظ للموجود من النعم، جالب ~~للمفقود منها بالمزيد. PageV01P465 # ومادة شكر في اللغة كيف ما تصرف فيها تدل على الكثرة، يقال: # أشكر القوم: إذا أصاب نعمهم بقلا تدر على أكله ألبانها. # ويقال: اشتكر ضرع الناقة: إذا امتلأ لبنا، فهي شكرة، وربما استعير ذلك ~~للسحاب. # والشكير: ما نبت في أصول الشجر الكبار منه. # وأيضا: هو الزرع ينبت في الأرض الكريمة في أصول الزرع من غير بذر. # والشكير أيضا: ما نبت من الشعر بين الضفائر. # وأيضا: ما نبت من الشعر الضعيف خلال الشيب. # وأيضا: ما نبت من صغار الشعر في معرفة الفرس. # والشكور من النساء: من يستبين عليها أثر الغذاء كالسمن ونحوه. # وكذلك الشكور من الخيل. # والشكور من العباد: من كثر شكره لله عز وجل، قال ms219 تبارك وتعالى: {وقليل من ~~عبادي الشكور}. والشكار أبلغ في الكثرة. # والشكر في أحد تعريفاته: الثناء على المحسن بما أولى من الإحسان، وهو أحد ~~نوعي الحمد، لأن الحمد لله على نوعين: حمد ثناء ومدح، وحمد عبودية وشكر، ~~والأول أفضل، لأن حمد الثناء والمدح PageV01P466 ~~متعلق بصفات الله تعالى وأسمائه كقوله تعالى: {الحمد لله رب العالمين. ~~الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين} فجميع أسماء الله تعالى حمد، وصفاته حمد، ~~وأفعاله حمد، والخلق والأمر إنما قام بحمده، ووجد بحمده، {ألا له الخلق ~~والأمر تبارك الله رب العالمين}. # وأما حمد العبودية والشكر -ويقال له: حمد النعم والآلاء- فهو مشهود لكل ~~من الخليقة مؤمنها وكافرها، وبرها وفاجرها. فمن أوائل النعم الإيجاد من ~~العدم، فالمؤمن معترف بالله الخلاق، وتوحيده، والكافر معترف بالخلاق لكن مع ~~الإشراك في معبوده {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله}. # وهذا الخلق من قسم النعم التي ابتدأ الله تعالى بها قبل السؤال، بل بمجرد ~~من وإفضال، ومن هذا القسم: ما خص الله تعالى به المؤمنين من الإيمان وغيره، ~~ومنه ما قاله في كتابه المبين: {لقد من الله على المؤمنين} ومنه سبحانه ~~عليهم أجله الإيمان الذي حببه إليهم وزينه وكتبه في قلوبهم، وذكرهم قبل أن ~~يذكروه، وألحقهم قبل السؤال بمطلوبهم. هذا من بعض إنعامه عليهم في الدنيا، ~~ومنه بعثه الرسل، وتيسير الطاعات التي ينالون بعملها الدرجات في الجنات، ~~لأن الله عز وجل قد أعد للمؤمنين من نعمه في الآخرة دارا هي المقصود {فيها ~~ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين} مع الخلود، مودعة من النعيم والحبرة والسرور، ~~والغرف والخيام والقصور، من الذهب واليواقيت والدرر ما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر!. # فأي شكر يقابل هذا الإنعام؟! أم أي ثناء يقاوم أصغر نعمة من هذا ~~الإكرام؟! # روينا في ((كتاب الشكر)) لأبي بكر بن أبي الدنيا، عن وهب بن PageV01P467 ~~منبه قال: عبد الله تعالى عابد خمسين عاما، فأوحى الله إليه أني قد غفرت ~~لك، قال: يا رب وما تغفر لي ولم أذنب؟ فأذن الله لعرق في ms220 عنقه فضرب عليه، ~~فلم ينم ولم يصل، ثم سكن فنام، فأتاه ملك فشكى إليه فقال: ما لقيت من ضربان ~~العرق؟ فقال الملك: إن ربك يقول: عبادتك خمسين سنة تعدل سكون ذا العرق. # فهذه نعمة نوع واحد من أنواع عافية البدن استغرقت عبادة خمسين سنة من ~~الزمان، فما ظنكم بما لا يحصى من النعم المتكاثرة في الدنيا والآخرة؟! # وما ثم إلا العجز عن شكر ربنا ... كما ينبغي سبحانه متفضلا # والاعتراف بالعجز نوع من الشكر، والتوفيق للشكر نعمة يجب شكرها، وسؤال ~~الإعانة على الشكر سنة يتبع أثرها، وينشر ذكرها. # أنبأنا الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله المقدسي، أخبرنا أبو بكر ابن ~~أحمد الضرير قراءة عليه وأنا أسمع، في محرم سنة ثمان عشرة وسبع مئة، أخبرنا ~~محمد بن إبراهيم بن مسلم قراءة عليه وأنا حاضر في الخامسة، أخبرتنا شهدة ~~ابنة أحمد الكاتبة سماعا، أخبرنا أحمد بن عبد القادر بن محمد اليوسفي، ~~أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحرفي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن ~~سلمان الفقيه، أخبرنا عبد الله بن محمد القرشي، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ~~حدثنا أبو معاوية وجعفر ابن عون، عن هشام بن عروة، عن ابن المنكدر قال: كان ~~من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : ((اللهم أعني على شكرك وذكرك وحسن ~~عبادتك)). # وأخبرنا الشيوخ المسندون: أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن PageV01P468 ~~عثمان بن محمد بن محمد بن محمد المعظمي، وأبو العباس أحمد بن أبي العز بن ~~أحمد بن أبي العز الثوري، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد الصوفي، بقراءتي ~~عليهم متفرقين قالوا: أخبرنا أحمد ابن الشحنة أبي طالب، والعفيف إسحاق بن ~~يحيى الآمدي. قال الأول: أنبأنا جعفر بن علي المقرئ، وعبد الله بن عمر ~~العتابي. قال جعفر: أخبرنا أحمد بن محمد الحافظ سماعا، وقال العتابي: ~~أخبرنا أبو علي الحسن بن جعفر قراءة عليه ونحن نسمع، قال هو والحافظ: ~~أخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن الباقلاني، أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد ~~البرقاني. # وقال الآمدي: أخبرنا يوسف ms221 بن خليل الحافظ، أخبرنا أبو سعيد خليل بن أبي ~~الرجاء الراراني، وأبو الحسن مسعود بن أبي منصور، قالا: أخبرنا أبو علي ~~الحسن بن أحمد الحداد، أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، قال هو ~~والبرقاني: أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر البندار، حدثنا ابن أبي العوام، ~~حدثنا أبو عاصم، حدثنا حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، عن أبي عبد الرحمن ~~الحبلي، عن الصنابحي، عن معاذ رضي الله عنه قال: لقيني النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخذ بيدي فقال: ((يا معاذ إني أحبك)) قلت: يا رسول الله، وأنا والله ~~أحبك، قال: ((أفلا أوصيك بكلمات تقولهن في دبر كل صلاة! قل: رب أعني على ~~ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)). # تابعه أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي فقال: حدثنا محمد بن أحمد ابن ~~أبي العوام، حدثنا الضحاك بن مخلد، فذكره. # وحدث به أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي في كتابه ~~((معجم الصحابة)) عن علي بن مسلم، عن أبي عاصم النبيل. # وخرجه الإمام أحمد بن حنبل في ((مسنده)) عن عبد الله بن يزيد المقرئ. PageV01P469 # وخرجه أبو داود في ((سننه)) عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة، هو القواريري، ~~عن عبد الله بن يزيد المقرئ. # وخرجه النسائي في ((سننه)) عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، كلاهما عن ~~حيوة بن شريح، وهو أبو زرعة المصري، بنحوه. # وهو في صحيحي أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي حاتم محمد بن حبان، ~~و((مستدرك)) الحاكم أبي عبد الله، وقال: صحيح على شرط الشيخين. # ورواه أبو بكر أحمد بن محمد بن السني في كتابه ((عمل اليوم والليلة)) ~~فقال: أخبرني محمد بن محمد الباهلي، حدثنا الحسن بن حماد، حدثنا يحيى بن ~~يعلى، عن حيوة بن شريح، فذكره. # ورويناه من طرق غير ما ذكر. # والصنابحي راويه: هو أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة بن عسل بن عسال ~~المرادي، ونسبه إلى صنابح بن زاهر، بطن من مراد، رحل الصنابحي من اليمن إلى ~~النبي صلى ms222 الله عليه وسلم فلم يدركه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبض ~~والصنابحي قد وصل إلى الجحفة، فقدم المدينة بعد خمسة أيام من وفاة النبي ~~صلى الله عليه وسلم فهو تابعي، ووقعت روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في ((سنن ابن ماجه)) فهي مرسلة، شهد الصنابحي فتح مصر، ونزل دمشق، وبها ~~توفي رضي الله عنه. # وقال أبو محمد عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم الخراساني: حدثنا جعفر بن ~~محمد بن القعقاع، حدثنا خالد بن يزيد العمري، حدثنا ابن أبي ذئب، عن صفوان ~~بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: ((من قال: اللهم أعني على أداء شكرك، وذكرك، وحسن عبادتك: فقد ~~اجتهد في الدعاء)). # ومما قلته في معنى الحديث نظما، نجعله لما ذكرناه ختما، وهو: PageV01P470 # أوصيكم بالذكر يا إخوتاه ... ذكر الإله الحق فيه النجاة # خصوصا المأثور فهو الذي ... قبوله يرجى لمن قد رجاه # ومنه ما أوصى معاذا به ... نبينا صلى عليه الإله # بدعوة جامعة للغنى ... يدعو بها الرحمن دبر الصلاة # إعانة الرب على ذكره ... وشكره مع حسن فرض قضاه # فادعوا بهن الله فهو الذي ... يعطي ولا يمنع عبدا دعاه # سبحانه من ماجد واجد ... رب الورى لا رب حقا سواه # آخر المجلس ولله الحمد حمدا كثيرا # وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا PageV01P471 ### | AUTO الفوائد التي كتبها المصنف ضمن المجالس وليست لها مناسبة بها (¬1) # 1- أبو القاسم إبراهيم بن محمد ابن الإفليلي، حدث عن أبيه، وعن أبي زكريا ~~يحيى بن مالك بن عائذ، وغيرهما. # 2- الحمد لله # قال أبو حامد الغزالي في كتابه ((وسيلة الحاجات وآداب المناجاة)) في ~~تفصيل قواعد العقائد، حين ذكر قصة سؤال مالك بن أنس عن قوله تعالى: {الرحمن ~~على العرش استوى} قال الغزالي: ولا يخفى كراهية السلف رضوان الله عليهم ~~الخوض في تأويلاتها وشدة إنكارهم على من يتكلم فيها، وإن كان من المتأخرين ~~من رأى جواز التأويل، وحاشى وكلا أبى الله علما وحكما! ولكن ms223 الإيثار ما ~~عليه الجمهور واختيار أكثر الأئمة المتقدمين، إذ معرفة ذلك ليس بفرض عين ~~بالاتفاق، فإذا علمت عقيدة التوحيد، وفهمت الواجب من ذلك فلا خلاف بين ~~الأئمة أنه من PageV01P472 ~~قدس الله ونزهه ووصفه بما وصف به نفسه، ولم يعتقد ما يقال فيه إنه بدعة: ~~فعند أهل الحق علم ما وجب عليه تعلمه من ذلك، وليس أحد من الأئمة يوجب عليه ~~العلم بتأويل هذه الظواهر، فلنقتصر على آرائهم، ولنترك مجاوزة اعتقاداتهم، ~~والخطأ مع تعيين السلامة أحسن من الصواب مع توقع الخطر. # نسأل الله تعالى التوفيق والعصمة من طريق الخطل بمنه وكرمه. # 3- الحمد لله # أنبأنا الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله المقدسي، أخبرنا التقي أبو محمد ~~عبد الرحمن بن عبد الولي سماعا في سلخ ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وسبع مئة، ~~أخبرنا جدي لأمي التقي عبد الرحمن بن أبي الفهم، أخبرنا يحيى بن أسعد، ~~أخبرنا بهرام بن بهرام البيع، أخبرنا علي بن المحسن القاضي، حدثنا أبو عمر ~~محمد بن العباس الخزاز، أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف فيما قرئ عليه وأنا ~~أسمع في صفر سنة ثمان وثلاث مئة، حدثنا سماعة بن محمد بن سماعة، حدثنا علي ~~بن الجعد، حدثنا أبو هلال، عن عبد الله بن بريدة قال: قال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه: ما تعلم أحد الفارسية إلا خبث، ولا خبث إلا ذهبت مروءته. PageV01P473 # قال أبو عبد الله بن منده في ((المعرفة)): أخبرنا محمد بن إسحاق بن نافع ~~الخزاعي بمكة، حدثنا محمد بن خالد البرذعي، حدثنا موسى بن سهل الرملي. # وقال ابن منده أيضا: وحدثنا جمح بن أبان المؤذن بدمشق، حدثنا عبد الله بن ~~إسحاق الرملي، حدثنا يحيى بن السكن الرملي، قالا: حدثنا محمد بن فهر بن ~~جميل بن أبي كريم بن لفاف بن كدن، حدثنا أمية ولفاف ابنا مفضل بن أبي كريم، ~~عن المفضل بن أبي كريم، عن أبيه، عن جده لفاف، عن الأقرع بن شفي العكي، ~~قال: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم في مرضي فقلت: لا ms224 أحسب إلا أني ميت ~~من مرضي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((كلا لتبقين، ولتهاجرن إلى أرض ~~الشام، وتموت وتدفن بالربوة من أرض فلسطين)). # رواه إسماعيل بن رشيد الرملي، عن ضمرة بن ربيعة، عن قادم بن ميسور ~~القرشي، عن رجل من عكل، عن الأقرع العكي قال: مرضت. فذكر الحديث نحوه. PageV01P474 # 4- الحمد لله # أجاز للمسئول لهم في هذه الاستجازة المباركة الشيختان المسندتان الست ~~الجليلة باي خاتون ابنة قاضي القضاة أبي الحسن علي بن الإمام العلامة قاضي ~~القضاة بهاء الدين أبي البقاء محمد بن عبد البر السبكي الشافعي، وأم عبد ~~الله عائشة ابنة إبراهيم بن خليل ابن الشرائحي ما تجوز لهما روايته بشرطه. # وكتب عنهما بإذنهما العبد محمد بن أبي بكر عبد الله بن محمد عفا الله عنهم. # وأجاز كذلك ما تجوز له وعنه روايته بشرطه. الحمد لله)). # 5- الحمد لله # أنبؤونا عن الأئمة الحافظين أبي الحجاج يوسف بن الزكي المزي، وأبي محمد ~~القاسم بن محمد ابن البرزالي، والمقرئ أبي عبد الله محمد ابن أحمد بن علي ~~الرقي قالوا: أخبرنا أبو محمد عبد الواسع بن عبد الكافي الأبرهي سماعا -قال ~~المزي: بقراءتي- أخبرنا أبو الفتح محمد بن أحمد الواسطي كتابة، أخبرنا أبو ~~الحسن عبيد الله بن محمد بن أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي سماعا، أخبرنا ~~جدي الإمام أبو بكر أحمد، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى، أخبرنا أبو عبد ~~الله محمد بن عبد الله الصفار، حدثنا أحمد بن عيسى البرتي القاضي، حدثنا ~~أبو نعيم، حدثنا عبادة بن مسلم، حدثني جبير بن [أبي] سليمان بن جبير بن ~~مطعم أنه كان جالسا مع ابن عمر رضي الله عنهما فقال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول في دعائه حين يمسي وحين يصبح لم يدعه حتى فارق الدنيا -أو PageV01P475 ~~قال: حتى مات-: ((اللهم إني أسالك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني ~~أسألك العفو والعافية في ديني [ودنياي] وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، ~~وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ms225 ~~ومن فوقي، [و] أعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي)). # قال جبير: هو الخسف. # قال عبادة: فلا أدري: قول النبي صلى الله عليه وسلم هذا، أو قول جبير؟ # فيه عدة من الأشياخ المتأخرين المتوفين في المائة (الثامنة؟). # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. # السبت 3- من جمادى الآخرة- سنة 1416ه # وكتبه محمد عوامة PageV01P476 ~~ ms226