######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0009683 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمود بن إسماعيل بن إبراهيم بن ميكائيل الخيربيتي (المتوفى: 843هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 843 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الدرة الغراء في نصيحة السلاطين والقضاة والأمراء #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: السياسة الشرعية والقضاء #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0009683 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-9683 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/9683 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة نزار مصطفى الباز - الرياض #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين # الحمد لله الذي له القوة والقدرة والملك، بتقديره تجري السفن والفلك، ~~وبحكمته البقاء والهلك. # قل: اللهم مالك الملك لك العظمة والكبرياء، والرفعة والثناء، والمجد ~~والبهاء، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، منك السراء والضراء، ~~وبتقديرك الآلاء والنعماء، لك البقاء ولغيرك الفناء تعز من تشاء، وتذل من ~~تشاء. # أحمده، على جزيل النعم، وأعوذ به من وبيل النقم، وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله ~~وأصحابه وخلفائه أجمعين، خصوصا على صاحبه المصلى في محرابه، المقدم على ~~سائر أصحابه، البر الشفيق، المكنى بعتيق (الإمام أمير المؤمنين) ، أبي بكر ~~الصديق. # وعلى الزاهد الأواب، والفاروق التواب، زين الأصحاب، حنفي المحراب، وقاتل ~~المرتاب، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. # PageV01P104 # وعلى الطاهر من كل شين، المخصوص بالابنتين، جامع القرآن، معدن الجود ~~والإحسان، الإمام أمير المؤمنين عثمان بن عفان. # وعلى ذي النسب الرفيع، والجناب المنيع، ليث بني غالب، ومظهر العجائب، ~~وفارس المشارق والمغارب، الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. # وعلى الإمامين الهمامين، المظلومين المقتولين، السعيدين الشهيدين، وهما ~~لنبينا بمنزلة السمع والعينين، الحسن والحسين. # PageV01P105 # وعلى عميه الحمزة، والعباس، وعلى جميع الصحابة الكرام، من المهاجرين ~~والأنصار، رضوان الله عليهم أجمعين، وسلم تسليما كثيرا كثيرا. # أما بعد: فيقول العبد المفتقر إلى الله الغني الودود، الجليل، محمود بن ~~الشيخ إسماعيل بن إبراهيم الخيربيتي عفا الله عنهم، وعن كافة المسلمين ~~أجمعين: لما كان ملاقاة العلماء السلاطين، والأمراء والوزراء، والأجناد، من ~~الأمور المستحسنة شرعا، وعند الملاقاة إياهم المحاورة معهم، بما يتعلق بهم، ~~من مقتضيات الأحوال التي هي من أعلى البلاغة والفصاحة، خصوصا حضرة الجناب ~~العالي، صاحب القران الأعدل الأعظم الأعلم، مستخدم أرباب السيف والقلم، ~~كافل مصالح أطوار الأمم، افتخار صناديد العرب والعجم، عضد الملوك ~~والسلاطين، ومغيث الملهوفين والمظلومين، ومربي العلماء والمساكين، ذي همة ~~فلكية، وسيرة ملكية، الذي جنابه كعبة الآمال، وعتبته مقبل الإقبال، وكل من ~~محاسن شيمه أسنة الأقلام، وقصر عن شرح معاليه ms001 وأياديه ألسنة أبناء الليالي ~~والأيام. # PageV01P106 # شعر: (الكامل) # (أبكى وأضحك خصمه ووليه ... بالسيف والقلم الضحوك الباكي) # (الدر والدرى خافا جوده ... فتحصنا في البحر والأفلاك) # سلطان الإسلام والمسلمين، الملك الظاهر محمد أبو سعيد جقمق # أعلى الله - تعالى - شأنه، وضاعف إحسانه، وأعز أنصاره وأعوانه، وبلغ في ~~الدارين إرادته، كما بلغه أبعد غايات العز والإقبال، وملكه أزمة أمور ~~الأقاليم، # كما ملكه أعنة الفضل والأفضال، وأسبغ ظلاله على مفاريق الخواص والعوام، ~~وجعل أياديه ذخرا للأنام، بحق سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وأولاده ~~المعصومين العظام، وأصحابه المتقين الكرام. # أردت امتثال أمر من أمره طاعة، وحقه لا يؤدي على ما يجب، ولكن على قدر ~~الاستطاعة، بأن أجمع لخزانته الشريفة نسخة مشتملة بضبط قواعد السلاطين، ~~والقضاة، والأمراء، والوزراء والولاة، ومما لا بد منه للناس من المسائل ~~الشرعية من المشكلات، والواقعات، وسميتها: (الدرة الغراء في نصيحة السلاطين ~~والقضاة والأمراء) . # وأسأل الله تعالى التوفيق في الفاتحة والخاتمة بمنه وجوده، إنه على ما ~~يشاء قدير، وبالإجابة جدير، وجعلتها عشرة أبواب شاملة كما قال: {تلك عشرة ~~كاملة} " البقرة: 196 ". # PageV01P107 # راجيا من الله تعالى في ذلك الثواب، بقدر الوسع والإمكان، بفضل الملك ~~المنان وذلك في غرة ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة. # الباب الأول: في الإمامة. # الباب الثاني: في شروط الإمامة. # الباب الثالث: في حكم الإمام. # الباب الرابع: في قواعد الإمامة، وأحوالها # الباب الخامس: في الوزارة # الباب السادس: في قواعد الأجناد # الباب السابع: في المسائل الشرعية المتعلقة بالأمراء والسلاطين. # الباب الثامن: في الحيل الشرعية # الباب التاسع: في تنبيه المجيب في المسائل الشرعية # الباب العاشر: في المسائل المتفرقة # اللهم اهدنا من عندك، وأفض علينا من فضلك، وانشر علينا من رحمتك، وأنزل ~~علينا من بركاتك، وألهمنا القيام بحقك، وبارك لنا في الحلال من رزقك، وعد ~~علينا في كل حال برفقك، وانفعني بما أقول والحاضرين من خلقك، برحمتك يا ~~أرحم الراحمين، ويا خير الناصرين، آمين يا رب العالمين. # PageV01P108 ### | الباب الأول ### | في الإمامة # اعلم أن الإمام اسم لمن اؤتم به، والمراد منه: الخلافة، وهي: رياسة # PageV01P109 # عامة في ms002 الدين والدنيا، لا عن دعوى النبوة، فيخرج النبوة والقضاء. # PageV01P110 # وفي كتاب " التجريد ": " الإمام ": خلافة شخص للرسول في إقامة قوانين ~~شرعية، وحفظ حوزة الإسلام، على وجه يجب اتباعه على كافة الأمة، وبه اختار ~~جامع " الحقائق ". # ثم لا بد للناس من نصب إمام يقوم بمصالحهم، من إنصاف المظلوم من الظالم، ~~وتنفيذ الأحكام، وتزويج الأيتام، وقطع المنازعة بين الأنام، وإقامة الأعياد ~~والجمع والحدود، وأخذ العشور والزكاة والصدقات، وصرفها إلى # PageV01P111 # مصارفها بموجب الشرع، وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطريق، وقبول ~~الشهادات القائمة على الحقوق، وإقامة السياسة على العوام، والحراسة لبيضة ~~الإسلام، وتجهيز جيوشهم، وتقسيم غنائمهم، وحفظ أموال بيت المال، وأموال ~~الغانمين، وأموال اليتامى، وإقامة هذه الأمور واجبة، وما لا يمكن إقامة ~~الواجب إلا به يكون واجبا. # واختلفوا في نصب الإمام هل يجب بالسمع، أو بالعقل والسمع؟ # PageV01P112 # أوجبه أهل السنة - وأكثر المعتزلة على الناس بالسمع والعقل. # PageV01P113 # أما العقل: فظاهر، وأما السمع: فقوله عليه السلام: " من مات وليس له إمام ~~فقد مات ميتة جاهلية. # ويدل أيضا على وجوب نصب الإمام إجماع الصحابة بعد موت الرسول، ولم يقع ~~الاختلاف في نصب الإمام، بل الاختلاف وقع في تعيين الإمام. # PageV01P114 # ولا يجوز نصب إمامين في عصر واحد، خلافا لبعض الروافض، لأنهم يزعمون أن ~~في كل عصر إمامين: صامت، وناطق، فإن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، لم ~~يجوزوا ذلك، لأنه روى: أن الأنصار قالوا: منا أمير # PageV01P115 # ومنكم أمير، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لا يصلح سيفان في غمد ~~واحد، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فكان كون ~~الإمام واحدا بالإجماع. # ولو عقدت الإمامة لاثنين، فالإمام هو الأول، لقوله عليه السلام: " من ~~بايع إماما فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليعطه إن استطاع، فإن جاء آخر ~~ينازعه فاضربوا عنق الآخر ". # PageV01P116 # وقال عليه السلام: " إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما ". # وإن عقدتا معا يستأنف العقد، والثاني تحت يد الأول، وإن أبى الثاني يقاتل ~~كالباغي. # وقال في " الصحائف ": يجوز نصب إمامين في عصر واحد، إذا تباعد التلاقى ~~بحيث لا ms003 يصل المدد من أحدهما إلى الآخر. # ثم ينبغي أن يكون الإمام ظاهرا في كل عصر، ليمكنه القيام بما نصب هو له، ~~لأن نصب الإمام لقيام مصالح الناس، ولا يصلح ذلك بالمختفى خلافا للروافض، ~~فإنهم ينتظرون إلى خروج المهدي. # PageV01P117 ### | الباب الثاني ### | في شروط الإمامة # أما شروط الإمامة فبعضها لازم لا تنعقد الإمامة إلا به، وبعضها شرط ~~الكمال يصح للترجيح، وبعضها مختلف فيه. # أما اللازم، فالذكورة، والحرية، والبلوغ، والعقل، والعلم، وأصل الشجاعة، ~~وهو أن يكون قوي القلب، وأن يكون قرشيا، أو يكون ممن نصبه القرشي. # PageV01P118 # أما " الذكورة ": فلأن المرأة لا تصلح للقهر والغلبة، وجر العساكر، ~~وتدبير الحروب، وإظهار السياسة غالبا، كما أشار إليه النبي عليه السلام ~~بقوله: " كيف يفلح قوم تملكهم امرأة ". # وأما " الحرية "، و " البلوغ "، و " العقل "، فإن العبد والصبي والمجنون ~~مولى عليهم في تصرفاتهم، فمن لم تكن له ولاية على نفسه، فكيف تكون له ~~الولاية على غيره؟ . # وأما " العلم "، فلأن بالعلم تتضح الأشياء الخفية، ويتم بالعلم السلطنة ~~والإمارة، كما جاء في الخبر: " إن الله - تعالى - خير سليمان عليه السلام ~~بين العلم والملك، فاختار العلم، فأعطاه الله تعالى الملك والعلم جميعا. # وقال الله تعالى: {ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي ~~فضلنا على كثير من عباده المؤمنين} (النمل 15) . # وقال عليه السلام: " العلماء مصابيح الجنة وخلفاء الأنبياء عليهم السلام. # PageV01P119 # ولهذا قال سفيان الثوري رحمه الله: " خير الملوك من جالس أهل العلم ". # وقيل: إن جميع الأشياء يتجمل بالناس، والناس يتجملون بالعلم، وتعلو ~~أقدارهم بالعقل، وليس للملوك أخير شيء من العلم والعقل، فإن العلم سبب بقاء ~~العز ودوامه، والعقل سبب بقاء السرور ونظامه. # وقال الحسن البصري رحمه الله: " إن هذا العلم يزيد الشريف شرفا، ويبلغ ~~المملوك مقام الملوك ". # وقال الله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} . ~~(النساء: 59) . # PageV01P120 # انحصر قول المفسرين من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين أن ~~المراد من " أولى الأمر " الأمراء والعلماء. # فإذا اتصف الأمير بالعلم يكون مرادا بإجماعهم، فحقيق على من يقوم مقام ~~النبوة أن يطيع الناس ms004 له. # وقيل: لا بد للأمراء من ثلاثة أشياء: العلم، والمعرفة، والعقل. # فمثل العلم كالنجوم، فإنها كثيرة لا غاية لها ولا نهاية، ومثل المعرفة ~~كالشمس، لأنها أبدا تكون مضيئة، ونورها لا ينقطع، لا يزيد ولا ينقص. # وأما العقل فمثله كمثل القمر تارة يزيد، وتارة ينقص وينكسف. # ويدل على شرف العلم أن كل شيء أعطاه الله تعالى لنبيه محمد - عليه السلام ~~- لم يقل فيه قل: " رب زدني " إلا في العلم، فقال الله تعالى لنبيه عليه ~~السلام: {وقل رب زدني علما} . (النساء 59) # فمن أراد أن يكمل سلطنته وإمارته، ينبغي له أن يكون عالما، أو يكون حريصا ~~بحب العلماء وحضورهم عنده، ويقبل نصيحتهم. # وأما أصل " الشجاعة ": يكفي للإمامة بحيث يكون بحال يمكنه جر العساكر، ~~وإقامة الحدود، ومقاتلة العدو، وإن لم يقدر أن يقاتل مع العدو بنفسه. # PageV01P121 # وأما " نسب قريش "، فلقوله عليه السلام: " الأئمة من قريش " واللام تفيد ~~العموم حيث لا عهد. واتفقت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على قبول هذا ~~الحديث، والعمل به حين رواه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - محتجا به على ~~الأنصار. # PageV01P122 # وأما شرط " الكمال ": فهو التقوى، يعني ينبغي أن يكون الإمام متقيا عن ~~الحرام والشبهات، ويكون ورعا صالحا ليأمن الخلائق على أنفسهم وأموالهم، ~~وتميل قلوب الخلائق إليه، ولا تنفر عنه، لما روى عن أبي موسى الأشعري رضي ~~الله عنه قال: " كان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إذا بعث أحدا من ~~أصحابه في بعض أمره قال: " بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا ". فالتقوى ~~شرط الكمال عندنا. # PageV01P123 # وعند الشافعي رحمه الله هو شرط وكذا كون الإمام معصوما - # PageV01P124 # الجواز والانعقاد، وكذا عند الخوارج والمعتزلة، فإن عند الشافعي رحمه ~~الله الفاسق ليس بأهل للشهادة والقضاء، فأولى ألا يكون أهلا للخلافة، وعند ~~المعتزلة الفاسق ليس بمؤمن، لأنه يخرج بالفسق عن الإيمان، وعند الخوارج ~~يكفر بالفسق، فلا يكون أهلا للخلافة. # وذكر في فتاوى " المنية ": " العدالة في الإمامة والإمارة والقضاء شرط ~~الأولوية، لا شرط الصحة. # وأما عند أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله كون الإمام من بني ms005 هاشم ليس بشرط، ~~وهذا مذهب أهل السنة والجماعة. # وقال بعض أهل الروافض: هو شرط. # PageV01P125 # وأما كونه " أفضل أهل زمانه ": فعند الشيخ أبي منصور الماتريدي ليس بشرط، ~~وهو مذهب الحسين بن الفضل البجلي رحمه الله. وقال أكثر الروافض: لا تنعقد ~~إمامة المفضول مع قيام الفاضل، ووافقهم على ذلك بعض أهل السنة، وإليه مال ~~الأشعري. والصحيح: ما أشار إليه الشيخ أبو منصور رحمه الله. # PageV01P126 # أي محفوظا من العصيان - ليس بشرط عندنا، خلافا للباطنية. # PageV01P127 # وأما انعقاد الخلافة فبأربعة أشياء: إما بتنصيص الله تعالى: كما في قوله ~~تعالى: {إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا} (البقرة: 247) أو بتنصيص رسوله ~~عليه السلام كما جاء في بعض الروايات في حق سليمان بتنصيص داود عليه ~~السلام. وكما جاء في بعض الروايات في حق أبي بكر الصديق رحمه الله. # PageV01P128 # وأما سبب انعقاد خلافة سليمان بن داود عليه السلام - فما روي عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أنه قال: " نزل كتاب من السماء إلى داود عليه السلام ~~مختوم # PageV01P129 # فيه تسع مسائل أن سل ابنك سليمان، فإن هو أخرجهن، فهو الخليفة بعدك، فدعا ~~داود عليه السلام سبعين قسا وسبعين حبرا، وأجلس سليمان بين أيديهم، وقال: ~~نزل كتاب من السماء فيه تسع مسائل أمرت أن أسألك إياهن، فإن أنت أخبرتهن، ~~فأنت الخليفة بعدي، قال سليمان عليه السلام: ليسأل نبي الله عما بدا له، " ~~وما توفيقي إلا بالله " (هود 88) . قال: ما أقرب الأشياء؟ وما أبعد ~~الأشياء؟ وما آنس الأشياء؟ وما أوحش الأشياء؟ ، وما القائمان؟ وما ~~المختلفان؟ وما المتباغضان؟ وما الأمر الذي إذا ركبه الرجل حمد آخره؟ . # وما الأمر الذي إذا ركبه الرجل ذم آخره؟ # قال سليمان، عليه السلام: أما أقرب الأشياء: فالآخرة. # وأما أبعد الأشياء: فما فاتك من الدنيا. # وأما آنس الأشياء: فجسد فيه روح، وأما أوحش الأشياء: فجسد لا روح فيه. # فأما القائمان فالسماء والأرض. وأما المختلفان: فالليل والنهار. # وأما المتباغضان فالموت والحياة، كل يبغض صاحبه. وأما الأمر الذي إذا ~~ركبه الرجل حمد آخره: فالحلم على الغضب. # وأما الأمر الذي إذا ms006 ركبه الرجل ذم آخره: فالحدة على الغضب. # قال: ففك الخاتم، فإذا هذه المسائل سواء على ما نزل من السماء: فقال ~~القسيسون والأحبار: لن نرضى بذلك حتى نسأله عن مسألة، فإن هو أخبرها، فهو ~~الخليفة، من بعدك، قال: سلوه، قال سليمان عليه السلام: سلوني بتوفيق الله. # قالوا: ما الشيء الذي إذا صلح صلح كل شيء منه، وإذا فسد فسد كل شيء منه؟ ~~قال سليمان عليه السلام: هو القلب، إذا صلح صلح كل شيء منه، وإذا فسد فسد ~~كل شيء منه. # قالوا: صدقت، أنت الخليفة بعده. # PageV01P130 # ودفع إليه داود عليه السلام قضيب الملك، ومامات إلا من الغد. فملك ~~خمسمائة سنة وستة أشهر أهل الدنيا كلهم من الجن والإنس، والشياطين والدواب ~~والطير والسباع، وأعطي علم كل شيء، ومنطق كل شيء حتى قال: " علمنا منطق ~~الطير وأوتينا من كل شيء ". (النمل 16) وقيل: تنعقد الخلافة أيضا بتنصيص ~~الإمام السابق على تعيينه، كما ثبتت إمامة عمر - رضي الله عنه - باستخلاف ~~أبي بكر - رضي الله عنه - إياه. # وقد نص أبو بكر رضي الله عنه على خلافة عمر رضي الله عنه من بعده، ~~واستخلفه بعدما شاور أجل الصحابة، فقالوا: وليت علينا فظا غليظا، فما أنت ~~قائل لربك إذا سألك عن استخلافه علينا؟ فقال: " أجلسوني، أبالله تخوفونني؟ ~~خاب من تردد عليكم من أمركم بظلم إذن أقول لربي: استخلفت عليهم خير عبادك ~~". # PageV01P131 # (صفحة فارغة) # PageV01P132 # ولما قال لأبي بكر ابنه رضي الله عنه: " إن قريشا تكره ولاية عمر - رضي ~~الله عنه - وتحب ولاية عثمان - رضي الله عنه - فقال: " نعم الرجل عثمان، ~~ولكن الوالي عمر ". وأوصى أبو بكر - رضي الله عنه - إلى عمر - رضي الله عنه ~~- فقال: " يا عمر، احفظ حق الرعية، فإن الله - تعالى - يسألك عنه يوم ~~القيامة، كي لا تستحي عنه ". # PageV01P133 # وقيل: تثبت الخلافة باختيار أهل العدل والرأي كما ثبت به إمامة أبي بكر - ~~رضي الله عنه - في بعض الروايات، وهو قول أهل السنة والجماعة، ولا خلاف في ~~ذلك. # PageV01P134 # (صفحة فارغة) # PageV01P135 # وقال الروندي: الإمامة تثبت بالوراثة، وهذا القول يخالف إجماع ms007 الصحابة، ~~رضوان الله عليهم أجمعين. # PageV01P136 # وأما لو استولى مستعد له شوكة على خطة الإسلام، فلا تثبت له الإمامة عند ~~أهل السنة والجماعة عند عدم الشرائط المذكورة فيه، لكن الطاعة واجبة عليه، ~~دفعا للفتنة. # PageV01P137 # وقال بعض الروافض: الإمامة لا تثبت إلا بتنصيص الإمام. ثم ينبغي للإمام ~~أن يكون اعتقاده في تفضيل الخلفاء الأربعة بعد النبيين والمرسلين - صلى ~~الله عليهم أجمعين - على من سواهم من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - ~~على ما اجتمع عليه أهل السنة والجماعة، وهو أن أبا بكر الصديق - رضي الله ~~عنه - أفضل الناس بعد رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ثم بعد أبي بكر عمر الفاروق أفضل، ثم بعد عمر عثمان أفضل، على قول عامة ~~أهل السنة والجماعة، إلا رواية عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه كان يفضل ~~عليا على عثمان رضي الله عنه، وهو قول الحسن بن الفضل البلخي رحمه الله، ~~والصحيح ما عليه عامة أهل السنة، وهو الظاهر من قول أبي حنيفة - رحمه الله ~~- ثم بعد عثمان علي رضي الله عنه أفضل، إذ هو خاتم الخلفاء الراشدين، رضوان ~~الله عليهم أجمعين. لقوله عليه السلام: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ". كانت ~~سنتين لأبي بكر، وعشرة لعمر، واثنى عشر لعثمان، وستة لعلي، فتمت الخلافة ~~ثلاثين سنة. شعر (الرجز) # (حولان للصديق عشر للنقي ... ستان للعثمان ست للعلي) # وأما القول في أولادهم: قال بعضهم: لا نفضل من بعدهم أحدا، إلا بالعمل ~~والتقوى، والأصح أن يفضل أولادهم على ترتيب فضل آبائهم، إلا أولاد فاطمة ~~رضوان الله عليهم أجمعين، فإنهم يفضلون على أولاد أبي بكر وعمر # PageV01P138 # وعثمان لقربهم من الرسول عليه السلام وهم العترة الطاهرة، والذرية ~~الطيبة، الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا. فأما القول في عموم ~~الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - فهم أفضل الأمة بعد هؤلاء الأربعة ~~بشهادة النبي - عليه السلام - إياهم بالخيرية لقوله عليه السلام: " خير ~~القرون القرن الذي أنا فيهم " إذ هم المختارون بصحبة رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # العاملون بنصرة دين الله، فمن السنة أن نعتقد محبتهم على العموم، ms008 ونكف ~~لساننا عن الطعن والقدح في واحد منهم، ولا نذكر ما شجر بينهم، بل نكل أمرهم ~~إلى الله - تعالى - ونقول: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا ~~تسئلون عما كانوا يعملون} {البقرة: 134} . # PageV01P139 # وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : " ~~من أحب أصحابي، وأزواجي، وأهل بيتي، ولم يطعن في واحد منهم، وخرج من الدنيا ~~على محبتهم، كان معي في درجتي يوم القيامة ". ثم بعد اعتقاد الإمام أن ~~ترتيب الخلفاء الأربعة - رضوان الله عليهم أجمعين - في التفضيل كترتيبهم في ~~الخلافة، ينبغي للإمام أن يصرف عمره إلى ما كان عليه أصحاب النبي - عليه ~~السلام - وهو ما قال الأوزاعي رحمه الله: " خمس كان عليه أصحاب النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] : لزوم الجماعة، واتباع السنة وعمارة المسجد، وتلاوة ~~القرآن، وجهاد في سبيل الله ". # PageV01P140 # وقال عليه السلام: " أربع إلى الولاة: الفئ، والجمعة، والحدود، والصدقات ~~". # وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: " ضمن الإمام أربعا: الصلاة، ~~والزكاة، الحدود، والفيء ". # وكما حكى: أن شقيقا البلخي دخل على هارون الرشيد - رحمه الله - فقال له ~~هارون الرشيد: أنت شقيق الزاهد؟ فقال: أنا شقيق، ولست بزاهد، فقال له: ~~أوصني. فقال: إن الله تعالى قد أجلسك مكان الصديق، وإنه يطلب منك مثل صدقه، ~~وأعطاك موضع عمر بن الخطاب الفاروق، وهو يطلب منك الفرق بين الحق والباطل ~~مثله، وأقعدك مكان ذي النورين، وإنه يطلب منك حياءه، وكرمه، وأقعدك موضع ~~علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وإنه يطلب منك العلم والعدل كما يطلب ~~منه. # PageV01P141 # فقال له: زدني من وصيتك. فقال: نعم، إن لله تعالى دارا تعرف بجهنم، وإنه ~~قد جعلك بواب تلك الدار، وأعطاك ثلاثة أشياء: بيت المال، والسوط والسيف، ~~وأمرك أن تمنع الخلق من دخول النار بهذه الثلاثة، فمن جاءك محتاجا، فلا ~~تمنعه من بيت المال، ومن خالف أمر دينه - تعالى - فأدبه بهذا السوط، ومن ~~قتل نفسا بغير حق فاقتله بالسيف، بإذن ولي المقتول، فإن لم تفعل ما أمرك ~~الله ms009 - تعالى - فأنت تكون الغريم لأهل النار، والمتقدم إلى أهل البوار. ~~فقال: زدني من الوصية. فقال: إنما مثلك كمثل معين الماء، ومثل سائر العلماء ~~كمثل السواقي، فإذا كان المعين صافيا لا يضر كدر السواقي، وإذا كان المعين ~~كدرا لا ينفع صفاء السواقي والله أعلم وأحكم. # PageV01P142 ### | الباب الثالث ### | في كيفية حكم الإمام # قال الله تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ~~بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم ~~عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} (ص 26) . # وقال النبي عليه السلام: " اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا، فشق عليهم ~~فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا، فرفق بهم فارفق به ". وقال عليه ~~السلام: " إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا إمام عادل، ~~وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأبعدهم منه مجلسا إمام جائر ". وقال ~~عليه السلام: " ما من أمير عشيرة إلا يؤتى يوم القيامة مغلولا حتى يفك عنه ~~العدل، أو يوبقه الجور ". # PageV01P143 # وقال عليه السلام: " من أهان سلطان الله في الأرض، أهانه الله " # أي: من أذل حاكما، بأن آذاه وعصاه، أهانه الله. # وقال عليه السلام: قال الله - تعالى - في بعض الكتب: " أنا الله ملك ~~الملوك، ومالك الملك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني ~~جعلتهم عليهم رحمة، وإن عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك، ~~ولكن توبوا إلى أعطفهم عليكم ". اعلم أن الله - تعالى - جلت عظمته، وتوالت ~~نعمه، وتتابعت آلاؤه وسبقت رحمته أثبت في الآية السابقة عشرة أحكام، رحمة ~~للملوك والأمراء، وتنبيها على حفظ المملكة والأداء، وكمال أدب السلطنة ~~والمعدلة والقضاء. الأول منها: أنه قال: {إنا جعلناك خليفة} (ص: 26) يعني: ~~نحن أعطيناك الخلافة. فينبغي للملوك أن يعلموا أن السلطنة من الله تعالى، ~~ومن نعمه على الملوك لا من غيره، كما قال الله تعالى: {قل اللهم مالك الملك ~~تؤتي الملك من تشاء} (آل عمران: 26) . وينبغي للسلطان أولا أن يعرف قدر ~~الولاية، ويعلم خطرها، فإن الولاية نعمة ms010 من نعم الله تعالى، من قام بحقها ~~نال من السعادة ما لا نهاية له، ولا سعادة بعده، ومن قصر عن النهوض بحقها ~~حصل في شقاوة لا شقاوة بعدها، إلا الكفر بالله تعالى، والدليل على عظم ~~قدرها وجلالة خطرها، ما روى عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أنه قال: " ~~عدل السلطان يوما واحدا أفضل من عبادة سبعين سنة. # PageV01P144 # وقال عليه السلام: " إذا كان يوم القيامة لا يبقى ظل ولا ملجأ إلا ظل ~~الله تعالى، ولا يستظل بظله إلا سبعة أناس: إمام عادل عدل في رعيته، وشاب ~~نشأ في عبادة ربه، ورجل يكون في السوق وقلبه في المسجد، ورجلان تحابا في ~~الله، ورجل ذكر الله تعالى في خلوته، وأذرى دمعه من مقلته، ورجل دعته إمرأة ~~ذات جمال ومال إلى نفسها فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق سرا بيمينه، ولم ~~يشعر شماله ". # وقال عليه السلام: " أحب الناس إلى الله - تعالى - وأقربهم منه السلطان ~~العادل، وأبغضهم إليه وأبعدهم عنه السلطان الجائر ". # وقال عليه السلام: " والذي نفس محمد بيده إنه ليرفع للسلطان العادل إلى ~~السماء من العمل مثل عمل جملة رعيته، وكل صلاة يصليها تعدل سبعين ألف صلاة ~~". # فإذا كان كذلك، فلا نعمة أجل من أن يعطى العبد درجة السلطة، ويجعل ساعة ~~من عمره بجميع عمر غيره، ومن لم يعرف قدر هذه النعمة، واشتغل بظلمة وهواه ~~يخاف عليه أن يجعله الله تعالى من جملة أعدائه، كما قال (عليه السلام) : " ~~ما من عبد ولاه الله تعالى أمر رعية فغشهم، ولم ينصح لهم، ولم يشفق عليهم ~~إلا حرم الله عليه الجنة ". # PageV01P145 # وقال عليه السلام: " من ولى أمور الناس ولم يحفظهم كحفظه أهل بيته، فقد ~~تبوأ مقعده من النار ". # وقال عليه السلام: " رجلان من أمتي يحرمان شفاعتي: ملك ظالم ومبتدع غال ~~في الدين بتعدي الحدود ". # وقال عليه السلام: " أشد الناس عذابا يوم القيامة السلطان الظالم ". # وقال عليه السلام: " خمسة قد غضب الله عليهم، وإن شاء أمضى غضبه، ومقرهم ~~النار: أمير قوم يأخذ حقه منهم، ولا ينصفهم من ms011 نفسه، ولا يرفع الظلم عنهم، ~~ورئيس قوم يطيعونه، وهو لا يساوي بين القوي والضعيف، ويحكم بالميل ~~والمحاباة، ورجل لا يأمر أهله وأولاده بطاعة الله - تعالى ولا يعلمهم أمور ~~الدين، ولا يبالي من أين أطعمهم، ورجل استأجر أجيرا، فتم عمله ومنعه أجرته، ~~ورجل ظلم زوجته في صداقها ". # وقال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : " يؤتى بالولاة يوم القيامة، ~~فيقول الله جل وعلا: أنتم كنتم رعاة خلقي وخزنة ملكي في أرضي: ثم يقول ~~لأحدهم: لم ضربت عبادي فوق الحد الذي أمرت به؟ فيقول: يا رب، لأنهم عصوك ~~وخالفوك، فيقول الله جل جلاله: لا ينبغي أن يسبق غضبك غضبي، ثم يقول لآخر: ~~لم ضربت عبادي أقل من الحد الذي أمرت به؟ فيقول: يا رب رحمتهم، فيقول جل ~~وعلا: كيف تكون أرحم مني؟ ثم يقول الله جل وعلا: خذوا الذي زاد، والذي نقص ~~فاحشوا بهما في زوايا جهنم ". # PageV01P146 # وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه - وجماعة من أهل بيته: إنا كنا ندعو ~~الله تعالى أن يرينا عمر - رضي الله عنه - في المنام فرأيته بعد اثنتي عشرة ~~سنة يجيء خلف رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # ومعه أربعة آلاف نبي ومائة وعشرين نبيا، فقلت: يا أبي، قف ساعة، فقال: ~~ليس وقت الموقف، لأن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # مع جميع الأنبياء يذهبون بي إلى موضع الحساب، ويشفعون لي، لعل الله - ~~تعالى - يخلصني بشفاعتهم، فقلت: يا أب، كيف حالك في اثنتي عشرة سنة؟ # قال: كنت في عتاب الله تعالى، فطلبني الله تعالى من حساب الرعية، إلى أن ~~قال: كان في الشام قنطرة ولها ثقب، فرسخ فيه قوائم عناق عجوز، فكسر أحد ~~قوائم عناق العجوز، فقال لي: لم لم تعمر ذلك القنطرة كي لا يكون زحمة لذلك ~~العناق؟ فقلت: يا رب، إني كنت في المدينة، فلم يكن لي خبر من ذلك القنطرة ~~فقال الله تعالى: يا عمر لم أخذت من ولاية الدنيا مقدارا لا تقدر على خبره؟ # فإذا كان حال الأمير العادل هكذا، فكيف حال الأمير الظالم، ms012 الذي يظلم كل ~~يوم ألف فقير وألف عجوز. # وفي رواية أخرى: رأى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أباه عمر، فسأل عن ~~حاله، فقال: لما وضعتموني في القبر فذهبوا بي إلى شفير جهنم، فسألوني عن ~~النقير والقطمير، وعن جميع أحوال رعيتي، إلى أن قالوا: قد كان في ولايتك ~~امرأة عجوز، ولها بقرة، فعقدت ثديها بالحبل شديدا، وكان ذلك في # PageV01P147 # ولايتك، لم غفلت عن ظلم العجوز بتلك البقرة، ولم تمنع ظلم العجوز عن ~~البقرة؟ . فينبغي أن يعلم أن خطر الولاية عظيم، وخطبها جسيم، والشرح في ذلك ~~طويل، ولا يسلم الولاة منه إلا بمقارنة علماء الدين، ليعلموا الولاة طرق ~~العدل، وليسهلوا عليهم خطر هذا الأمر، وأن يجعل الوالي كلام الله تعالى نصب ~~عينيه، ويشتاق أبدا إلى رؤية علماء الدين، ويحرص على استماع نصحهم، ويحذر ~~من رؤية علماء السوء، الذين يحرصون على الدنيا، فإنهم يثنون عليك، ويغرونك ~~ويطلبون رضاك طمعا فيما في يدك من خبيث حطام، ووبيل حرام، ليحصلوا منه شيئا ~~بالمكر والحيل، والعالم الصالح هو الذي لا يطمع فيما عندك من المال، ويبغضك ~~في الوعظ والمقال ". # حكاية: قيل: دخل أبو حازم على سليمان فقال له الملك: ما لنا نكره الموت؟ ~~فقال: لأنكم عمرتم دنياكم، وأخربتم آخرتكم، فأنتم تخافون أن تنقلوا من ~~العمران إلى الخراب. # قال: فأخبرني كيف قدوم الخلق على الله تعالى؟ فقال: أما المحسن، فكالقادم ~~على أهله فرحا مسرورا، وأما المسئ، فكالعبد الآبق يقدم على مولاه خائفا ~~مذعورا. قال: فأي الأعمال أفضل؟ قال: أداء الفرائض، واجتناب المحارم، قال: ~~فأي الدعاء أفضل؟ قال: دعاء الملهوف للمحسن إليه. قال: فأي الصدقات أفضل؟ ~~قال: جهد المقل لا من فيه ولا أذى. قال: فأي القول أفضل؟ قال: كلمة الحق في ~~موضع يخاف فيه. فقال: فاي الناس أفضل وأعقل؟ ، قال: من عمل بطاعة الله ودل ~~عليها، قال: فأي الناس أجهل؟ قال: من باع آخرته لدنيا غيره. قال: فعظني # PageV01P148 # قال: يا أمير المؤمنين، نزه ربك أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك. # قال: فبكى سليمان ms013 بكاء شديدا، فقال له رجل من جلسائه: أسأت إلى أمير ~~المؤمنين. قال له أبو حازم: اسكت فإن الله تعالى أخذ على العلماء ميثاقهم ~~ليبيننه للناس ولا يكتمونه. فلما دخل سليمان منزله أنفذ إليه جملة من ~~الدنانير، فقال أبو حازم لرسوله: ردها إليه، وقل له: والله ما أرضاها لك، ~~فكيف أرضاها لنفسي؟ خذها فأنت المحاسب عليها. # كما حكي أن هشام بن عبد الملك - كان من خلفاء بني أمية - فسأل يوما أبا ~~حازم: ما التدبير في النجاة من أمور الخلافة؟ فقال: أن تأخذ كل درهم من وجه ~~حلال، وأن تضعه في موضع حق. فقال: من يقدر على هذا؟ فقال: من يرغب في نعيم ~~الجنان، ويهرب من عذاب النيران. # والثاني منها: أن الله تعالى قال: {إنا جعلناك خليفة} (ص 26) يعني: أخذنا ~~الخلافة من الغير: ثم أعطيناك، فإذا لم تؤد حق هذه النعمة، ولم تشكر الله - ~~تعالى - بمقابلة هذه النعمة، أخذنا منك الخلافة وأعطيناها غيرك، كما قال ~~الله تعالى: {وتنزع الملك ممن تشاء} " آل عمران: 25 ". # فينبغي للملوك أن يعملوا في هذه المملكة العارية الفانية - العدل والعمل ~~الصالح، ليحصل به سلطنة المملكة الباقية، ويكون قصدهم ألا يكونوا محرومين ~~في الدنيا من الثناء الجميل، وفي الآخرة من الأجر الجزيل. # PageV01P149 # حكاية: روى أن الخضر - عليه السلام - ذهب عند ملك لينصح له، فقال: يا ملك ~~اعلم وتفكر، إني مضيت يوما من الأيام من مدينتك، فرأيت هذه المدينة مدينة ~~عظيمة وعامرة، وكثرت فيها الحدائق والنعم فغبت عنها ثلاثمائة سنة، فلما ~~رجعت إلى هذه المدينة، فرأيتها قد كانت بحرا تجري فيه السفن مملوءة من ~~الخلائق، يجيئون ويذهبون، ثم غبت عنها خمسمائة سنة، ثم رجعت إلى هذه ~~البلدة، وقد كانت أيكة، وفي طرفها جزيرة، وفيها كثير من الخلائق، وعمروها ~~ثلاثمائة سنة، ثم غبت عنها خمسمائة سنة، ثم جئت، فرأيت قد نبت فيها ~~الزعفران والكافور، وكانت بحيث لم يكن في الدنيا أعز من هذه المدينة، ثم ~~غبت عنها خمسمائة سنة، ثم جئت فرأيتك فيها بهذه الإمارة، فينبغي لك أن تفكر ~~فكر ms014 الآخرة، وتعتبر بأن الملوك الماضية الذين مضوا قبلك عمروا هذه المدينة ~~أكثر مما عمرت ثم ماتوا، فتركوها لمن خلفهم، فلا تغتر بهذه الدنيا الدنية، ~~فإنها غدارة مكارة ليست بدار أنس وعمارة، بل دار العمارة هي دار الآخرة، ~~فلما سمع الملك هذا الحديث نزل عن تخته وترك الإمارة، ووضع على رأسه ~~التراب، واشتغل بالطاعة، والتوبة، والندامة، والاستغفار، إلى أن مات. # روى أبو هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قال يوما: " يا أبا هريرة، تريد أن أريك الدنيا؟ فقلت: نعم، فأخذ بيدي، ~~وانطلق حتى وقف بي على رأس مزبلة فيها رءوس الآدميين ملقاة، وبقايا عظام ~~نخرة، وخرق قد تمزقت وتلوثت بنجاسات الآدميين. فقال: يا أبا هريرة، هذه ~~رءوس الناس التي تراها كانت مثل رءوسكم مملؤة من الحرص والاجتهاد على جمع ~~الدنيا، وكانوا يرجون من الدنيا ما ترجون، من طول الأعمار، وكانوا يجدون # PageV01P150 # في جمع المال وعمارة الدنيا كما تجدون. فاليوم تغيرت عظامهم، وتلاشت ~~أجسامهم، كما ترى وهذه الخرق كانت أثوابهم التي يتزينون بها عند التجمل ~~ووقت الرعونة والتزين، فاليوم قد ألقتها الريح في النجاسات، وهذه عظام ~~دوابهم التي كانوا يطوفون بها أقطار الأرض على ظهورهم، وهذه النجاسات كانت ~~أطعمتهم اللذيذة، التي كانوا يحتالون في تحصيلها وينهبها بعضهم من بعض، قد ~~ألقوها عنهم بهذه الفضيحة التي لا يقربها أحد من نتنها. فهذه جملة أحوال ~~الدنيا كما تشاهد وترى، فمن أراد أن يبكي على الدنيا فليبك، فإنها موضع ~~البكاء " قال أبو هريرة رضي الله عنه - فبكى الجماعة الحاضرون. # اعلم يا سلطان العالم: أن بني آدم طائفتان: طائفة نظروا إلى شاهد حال ~~الدنيا وتمسكوا بتأمل العمر الطويل، ولم يتفكروا في النفس الأخير. وطائفة ~~عقلاء جعلوا نفسهم الأخير نصب أعينهم، لينظروا إلى ماذا يكون مصيرهم، وكيف ~~يخرجون من الدنيا ويفارقونها وإيمانهم سالم؟ أخذوا من الدنيا ما ينزل معهم ~~في القبور، وتركوا لأعدائهم ما يبقى وباله ونكاله. # وهذه الفكرة واجبة على كافة الخلق، وهي على الملوك وأهل الدنيا أوجب؛ ~~لأنهم كثيرا أزعجوا قلوب ms015 الخلق، وفزعوا الخلق، وقتلوا الخليقة، وأدخلوا في ~~قلوبهم الرعب. # فإن بحضرة الله - جل وعلا - غلاما يقال له: عزرائيل، يعرف بملك الموت، لا ~~مهرب لأحد من مطالبته، وتشبيثه وكل موكلي الملوك يأخذون جعلهم ذهبا وفضة ~~وطعاما، وصاحب هذا التوكيل لا يأخذ سوى الروح جعلا، وسائر موكلي السلاطين ~~تنفع عندهم الشفاعة، وهذا الموكل لا تنفع عنده شفاعة الشافعين، وجميع ~~الموكلين يمهلون من يوكلون به اليوم أو الساعة، وهذا الموكل لا يمهل نفسا ~~واحدا. # PageV01P151 # والثالث منها: أن يعلم السلطان أن السلطة هي الخلافة من الله تعالى، ~~فينبغي أن يتصرف في عباد الله - تعالى - بالأخلاق الحسنة، والألطاف ~~المرضية، والرأفة والرحمة، كما قال عليه السلام: " تخلقوا بأخلاق الله ". # وكما روي عن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # أنه كان إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره، قال: " بشروا ولا تنفروا ~~ويسروا ولا تعسروا ". # وقال عليه السلام: " حسن الخلق زمام من رحمة الله تعالى في أنف صاحبه، ~~والزمام في يد ملك، والملك يجر إلى الخير، والخير يجر إلى الجنة، وسوء ~~الخلق زمام من عذاب الله تعالى في أنف صاحبه، والزمام في يد الشيطان، ~~والشيطان يجر إلى الشر، والشر يجر إلى النار ". # وسئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه عليه السلام، فقرأت: # {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} (المؤمنون 1، 2) إلى عشر ~~آيات. # وقد مدح الله تعالى نبيه عليه السلام بقوله: {وإنك لعلى خلق عظيم} (القلم ~~4) وقال الجنيد - رحمه الله -: " سمى خلقه عظيما، لأنه لم يكن له همة سوى ~~الله تعالى. # PageV01P152 # وقيل: سمى خلقه عظيما، لأنه امتثل تأديب الله - تعالى - إياه بقوله عليه ~~السلام: (أدبني ربي أدبا حسنا) قال: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين} (الأعراف: 199) . فلما قبل ذلك منه، قال {وإنك لعلى خلق عظيم} ~~(القلم: 4) . # وعن أبي الدرداء أن النبي عليه السلام قال: " ما شيء أثقل في ميزان ~~المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، فإن الله تعالى يبغض الفاحش البذئ ". # PageV01P153 # وعنه قال: سمعت رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يقول: " ما من شيء يوضع ms016 ~~في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ درجة صاحب الصلاة ~~والصوم ". # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: " سئل رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: " تقوى الله وحسن الخلق ". # وعن عبد الله بن المبارك - رحمه الله - أنه وصف حسن الخلق فقال: " هو بسط ~~الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى ". # فينبغي للسلطان أنه مهما أمكنه أن يعمل الأوامر بالرفق واللطف، فلا ~~يعملها بالشدة والعنف. # فقال النبي [صلى الله عليه وسلم] : " كل وال لا يرفق برعيته لا يرفق به ~~يوم القيامة ". # ودعا النبي عليه السلام فقال: " اللهم الطف بكل وال يلطف برعيته واعنف ~~على كل وال يعنف على رعيته ". # PageV01P154 # وقال عليه السلام: " الولاية والإمارة حسنتان لمن قام بحقهما، وسيئتان ~~لمن قصر فيهما ". # وينبغي للسلطان أيضا أن يجتهد بأن يرضى عنه جميع رعيته، بموافقة الشرع، ~~كما قال عليه السلام لأصحابه: " خير أمتي الذين يحبونكم وتحبونهم، وشر أمتي ~~الذين يبغضونكم وتبغضونهم، ويلعنونكم، وتلعنونهم ". # وينبغي للوالي ألا يغتر بمن وصل إليه، وأثنى عليه، وألا يعتقد أن جميع ~~الرعية مثله راضون، فإن الذي يثنى عليه من خوفه منه يثنى، بل ينبغي أن يرتب ~~معتمدين يسألون الرعية عن أحواله، ويتجسسون، ليعلم عيبه من ألسنة الناس. # وايضا ينبغي للوالي ألا يطلب رضاء أحد من الناس بسخط الله بسبب مخالفة ~~الشرع، فإن من سخط بخلاف الشرع لا يضر سخطه. # PageV01P155 # " كتب معاوية إلى عائشة رضي الله عنهما: أن عظيني عظة مختصرة، فكتبت ~~إليه، فقالت: سمعت رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يقول: " من طلب رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن ~~طلب رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط الخلق عليه، مثل: ألا يأمرهم ~~بالطاعة، ولا يعلمهم أمور دينهم، ويطعمهم الحرام، ويمنع الأجير أجرته، ~~والمرأة مهرها، أسخط الله عليه الناس ". # والرابع منها: أنه قال: {فاحكم بين الناس بالحق} (ص: 26) أشار بذلك إلى ~~أنه ينبغي أن يحكم الملك بين الرعية بنفسه، ولا يعتمد على حكم غيره، لأن ~~الله ms017 تعالى وضع في قلب الأمراء والوزراء شفقة الرعية، كما وضع في قلب ~~الوالدين شفقة الأولاد، لأن كمال الرحمة في خمسة أشياء: # الأول: رحمة الله تعالى على عباده. # والثاني: رحمة النبي عليه السلام على أمته. # والثالث: رحمة الملوك والأمراء على رعيته. # والرابع: رحمة الوالد على أولاده. # والخامس: رحمة الشيخ على تلاميذه. # PageV01P156 # وقال عبد الرحمن بن عوف: دعاني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ذات ليلة، ~~وقال: قد نزل بباب المدينة قافلة، وأخاف عليهم إذا ناموا أن يسرق شيء من ~~متاعهم، فمضيت معه، فلما وصلنا، قال: نم أنت، ثم جعل يحرس القافلة طول ~~ليله. # حكاية: قال زيد بن أسلم رضي الله عنه: " رأيت ليلة عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - وهو يطوف مع العسس، فتبعته فقلت: أتأذن لي أن أصحبك؟ قال: نعم. ~~فلما خرجنا من المدينة رأينا نارا من بعيد، فقلنا: ربما يكون قد نزل هناك ~~من مسافر، فقصدنا النار، فرأينا امرأة أرملة، ومعها ثلاثة أطفال، وهم ~~يبكون، وقد وضعت لهم قدرا على النار، وهي تشاغلهم، وهي تقول: اللهم أنصفني ~~من عمر، وخذ لي بالحق منه، فإنه شبعان، وأطفالي جياع، فلما سمع عمر - رضي ~~الله عنه - ذلك تقدم، وسلم عليها، وقال لها: أتأذنيني أن أدنو إليك؟ قالت: ~~إن كان بخير فبسم الله، فتقدم عمر - رضي الله عنه - إليها وسألها عن حالها، ~~وحال أطفالها، فقالت نعم، وصلت - وهؤلاء أطفالي معي - من مكان بعيد، وأنا ~~جائعة، والأطفال جياع، # PageV01P157 # وقد بلغ مني ومنهم الجهد والجوع، وقد منعهم عن الهجوع، فقال عمر رضي الله ~~عنه: وأي شيء في هذه؟ فقالت: فيها ما أشاغلهم به، ليظنوا أنه طعام، فيصبروا ~~قال: فعاد إلى المدينة، وقصد دكان بياع الدقيق، وابتاع منه ملء جراب وقصد ~~دكان السمان، فابتاع منه سمنا، ووضع الجميع على عاتقه، ومضى يطلب المرأة ~~والأطفال، فقلت: يا أمير المؤمنين، ناولنيه لأحمله عنك، فقال: إن حملته عنى ~~في الدنيا، فمن يحمل ذنوبي في الآخرة، ومن يحول بيني وبين دعاء تلك المرأة؟ ~~وجعل يسعى - وهو يبكي - إلى المرأة، فقالت ms018 المرأة: جزاك الله عني أفضل ~~الجزاء. # فأخذ عمر - رضي الله عنه - جزءا من الدقيق، وشيئا من السمن، ووضعهما في ~~القدر، وجعل يوقد النار، فكلما أرادت النار أن تخمد نفخها، وكان الرماد ~~يسقط على وجهه ومحاسنه، حتى انطبخت القدر، فوضع الطبيخ في القصعة، وقال ~~للأطفال: كلوا، فأكلت المرأة والأطفال، فقال: أيتها المرأة لا تدعين على ~~عمر، فإنه لم يكن له منك ولا من أطفالك علم ولا خبر ". # وأول من دعى بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لأن أبا بكر - ~~رضي الله عنه - كان يدعوه الناس بخليفة رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # فلما وصل الأمر إلى عمر رضي الله عنه، دعوه بخليفة خليفة رسول الله، وكان ~~الأمر يطول على المسلمين، فقال عمر - رضي الله عنه -: ألست أميركم؟ قالوا: ~~بلى، فقال: سموني أميركم، وإن دعوتموني أمير المؤمنين فإني ذلك ابن الخطاب. # حكاية: كان في زمن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - قحط عظيم، فوفد عليه ~~وفد من العرب، واختاروا رجلا من العرب للخطابة فقال: يا أمير المؤمنين، إنا ~~أتيناك من ضرورة عظيمة، وقد يبست جلودنا على أجسادنا لفقد الطعام، وهذا ~~المال لا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن يكون لله، أو لعباد الله، أو لك، فإن ~~كان لله، فهو غنى عنه، وإن كان لعباد الله تعالى أو لك، # PageV01P158 # فتصدق به علينا، فإن الله يجزي المتصدقين، فتغرغرت عينا عمر - رحمه الله ~~- بالدموع، وقال: هو كما ذكرت وأمرت، فقضى حوائجهم من بيت مال المسلمين. # فلما هم الأعرابي بالخروج قال له عمر: أيها الإنسان الخير كما رفعت إلى ~~حوائج عباد الله، وأسمعتني كلامهم، فأوصل كلامي، وارفع حاجتي إلى الله ~~تعالى. # فحول الأعرابي وجهه نحو السماء، وقال: اللهم اصنع مع عمر بن عبد العزيز ~~كصنعه في عبادك، فما استتم كلامه حتى ارتفع غيم فأمطر مطرا غزيرا، وجاء في ~~المطر بردة كبيرة، فوقعت على صخرة، فانكسرت، فخرج منها كاغد عليه مكتوب: ~~هذه براءة من الله العزيز، إلى عمر بن عبد العزيز، بالنجاة من النار. # والخامس منها: ms019 أن الله تعالى أمر في الآية بالحكم بالحق - أي بالعدل - ~~بموجب الشرع، لا بالجور والظلم والميل والرشوة، كما قال عليه السلام: " ما ~~من أمير عشيرة إلا يؤتى يوم القيامة مغلولا، حتى يفك عنه العدل، أو يوبقه ~~الجور ". # فينبغي للسلطان أو الملك أن يساوي بين المجهول الذي لا يعرف، وبين ~~المحتشم صاحب الجاه في مكان واحد في وقت الدعوى، وينظر إليهما في الدعوى ~~نظرا مساويا، ولا يفضل أحدهما على الآخر، لأجل أن أحدهما غني والآخر فقير. # فإن في القيامة الجوهر والخزف شيء واحد، وإن كان لرجل ضعيف على سلطان حق ~~أو دعوى، فينبغي للحاكم أن يأمر ذلك السلطان بأن يقوم من صدر مرتبته، ~~ويساوي في القيام والقعود مع الغريم الضعيف ويحكم الحاكم بينهما بحكم الله، ~~وينصف ذلك الضعيف بموجب الشرع، ويرضيه فلا يخاف، ولا يستحي من الحق، لقوله ~~تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} (النحل: 90) فقد جاء عن النبي عليه ~~السلام أنه قال: " كل راع يسئل عن غنمه، وكل سلطان يسئل عن رعيته ". # فاعلم أن الملوك القدماء كانت همتهم واجتهادهم في عمارة بلادهم، لعلمهم # PageV01P159 # أنه كلما كانت الولاية أعمر، كانت الرعية أوفر وأشكر، وكانوا يعلمون أن ~~الذي قالته الحكماء، ونطقت به العلماء، صحيح لا ريب فيه، وهو قولهم: إن ~~الدين بالملك، والملك بالجند، والجند بالمال، والمال بعمارة البلاد، وعمارة ~~البلاد بالعدل في البلاد والعباد ". فما كان الملوك القدماء يوافقون أحدا ~~على الجور والظلم، ولا يرضون لحشمهم بالجور والغشم علما منهم أن الرعية لا ~~تثبت على الجور، وأن الأماكن والبلاد تخرب إذا استولى عليها الظالمون، ~~وتتفرق أهل الولاية، ويهربون إلى ولاية فيها العدل، ويقع النقص في الملك، ~~ويقل في البلاد البركة، وتخلو الخزائن من الأموال ويتكدر عيش الرعايا، لأن ~~الرعايا لا يحبون جائرا، ولا يزال دماؤهم عليه متواترا، فلا يتمتع بمملكته ~~وتسرع إليه دواعي هلكته. # وقيل: الظلم نوعان: # أحدهما: ظلم السلطان لرعيته، وجور القوي على الضعيف، والغني على الفقير. # والثاني: ظلمك لنفسك، وذلك من شؤم معصيتك، فلا تظلم لنفسك، ليرفع عنك ظلم ms020 ~~السلاطين. # سئل ذو القرنين فقيل: أي شيء من مملكتك أنت به أكثر سرورا؟ فقال: شيئان: ~~أحدهما: العدل والإنصاف. # والثاني: أن أكافئ من أحسن إلي بأكثر من إحسانه. # وقال ابن عمر رضي الله عنه: إن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قال: " لم يخلق الله تعالى في الأرض شيئا أفضل من العدل، والعدل ميزان ~~الله تعالى في أرضه، من تعلق به أوصله إلى الجنة ". # وقال أيضا: قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : " إن للمحسنين في الجنة ~~منازل حتى المحسن إلى أهله وعياله وأتباعه ". # PageV01P160 # وقال قتادة في تفسير هذه الآية: {ألا تطغوا في الميزان} (الرحمن: 8) قال: ~~" أراد به العدل ". # وعن ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قال: " إن الله تعالى لما أهبط آدم - عليه السلام - إلى الأرض أوحى الله ~~تعالى إليه أربع كلمات، وقال: يا آدم، عملك وعمل جميع ذريتك على هذه ~~الكلمات الأربع وهي: كلمة لي، وكلمة لك، وكلمة بيني وبينك، وكلمة بينك وبين ~~الناس. # أما الكلمة التي هي لي: فهي أن تعبدني ولا تشرك بي شيئا. # وأما الكلمة التي هي لك، فإني أجازيك بعملك، وأما التي بيني وبينك، فمنك ~~الدعاء ومني الإجابة، وأما الكلمة التي بينك وبين الناس: فهي أن تعدل فيهم، ~~وتنصف بينهم ". # وقال قتادة: " الظلم ثلاثة أضرب: ظلم لا يغفر لصاحبه، وظلم لا يبقى، وظلم ~~يغفر لصاحبه. # فأما الظلم الذي لا يغفر لصحابه: فهو الشرك بالله، لقوله تعالى: {إن ~~الشرك لظلم عظيم} (لقمان: 13) . # وأما الظلم الذي لا يبقى: فإنه ظلم العباد بعضهم لبعض. # وأما الظلم الذي يغفر لصاحبه: فهو ظلم العبد نفسه بارتكاب الذنوب، ثم ~~يرجع إلى ربه ويتوب، فإن الله يغفر له برحمته، ويدخله الجنة بفضله ومنه ". # PageV01P161 # حكاية: يروى أنه كان في بني إسرائيل، رجل يصيد السمك، ويقوت بصيده أطفاله ~~وزوجته، فكان بعض الأيام يتصيد فوقعت في شبكته سمكة كبيرة، ففرح، وقال: ~~أمضي بهذه السمكة إلى السوق، فأبيعها وأخرج ثمنها في نفقات الأولاد، فلقيه ~~بعض العوانية، فقال له: أتبيع هذه السمكة؟ فقال ms021 الصياد في نفسه: إن قلت: ~~لا، فإنه يؤذيني، وإن قلت له: نعم اشتراها مني بنصف ثمنها، فقال: لا ~~أبيعها، فغضب العواني، فضربه بخشبة كانت معه على صلبه، وأخذ السمكة منه ~~غصبا بلا ثمن، فدعا الصياد عليه، وقال: إلهي خلقتني مسكينا ضعيفا، وخلقته ~~قويا عنيفا، فخذ لي بحقي منه في هذه الدنيا، فما أصبر إلى الآخرة، ثم إن ~~ذلك الغاصب انطلق بالسمكة إلى منزله، وسلمها إلى زوجته وأمرها أن تشويها، ~~فلما شوتها ووضعتها بين يديه على المائدة ليأكل منها، فتحت السمكة فاها ~~ونكزت أصبعه نكزة سلبت قراره، وأزالت بشدة عضتها اصطباره، فقصد الطبيب، ~~وشكا إليه، وذكر له ما ناله، فقال الطبيب: ينبغي أن تقطع هذه الأصبع لئلا ~~يسري الألم إلى جميع اليد، فقطع أصبعه فسرى الألم إلى جميع الكف، فقال ~~الطبيب: ينبغي أن تقطع الكف لئلا يسري الألم إلى الزند، فقطع كفه، فسار ~~الألم إلى زنده، فقطع زنده، فسار الألم إلى الساعد، وزال قراره، فقال ~~الطبيب: ينبغي أن يقطع ساعده لئلا يسري الألم إلى الكتف، فقطع ساعده، فتوجع ~~كتفه، فخرج من مكانه هاربا على وجهه، داعيا إلى ربه ليكشف ما قد نزل به، ~~فرأى شجرة، فاتكأ عليها، فأخذه النوم، فنام، فرأى في منامه قائلا يقول له: ~~يا مسكين، إلى كم تقطع يدك؟ امض إلى الصياد، وأرض خصمك فانتبه من نومه، ~~وتفكر وتذكر، وقال: أنا أخذت السمكة غصبا، وأوجعت الصياد ضربا، وهي التي ~~تركتني هكذا، فنهض، وقصد المدينة، وطلب الصياد، فوجده، فوقع بين # PageV01P162 # يديه، والتمس الإقالة من ذنبه، وأعطاه شيئا من ماله، وتاب من فعاله، فرضى ~~عنه خصمه، ففي الحال سكن ألمه، وبات تلك الليلة، على فراشه، وقد تاب عما ~~كان يصنع، ونام على توبة خالصة، ففي اليوم الثاني تداركه ربه برحمته، ورد ~~يده كما كانت بقدرته، فنزل الوحي إلى موسى عليه السلام: أن يا موسى، وعزتي ~~وجلالي، وقدرتي لولا أن الرجل أرضى خصمه لعذبته مهما امتدت به حياته. # والسادس منها: لما أمر الله تعالى في الآية الحكم بالعدل، ينبغي للحاكم ~~أن ms022 يحكم لأجل الله - تعالى - لا لأجل خاطر الخلق، ولا للرياء والسمعة، ~~ليحصل له الثناء الجميل في الدنيا، والثواب الجزيل في العقبى، كما قال عليه ~~السلام: " عدل في حكم ساعة خير من عبادة سبعين سنة وجور في حكم ساعة يحبط ~~عبادة سبعين سنة ". # وقال النبي عليه السلام: " كل مجلس لا ذكر له كبستان لا ثمرة له، وكل شاب ~~لا أدب له كفرس لا لجام له، وكل امرأة لا حياء لها كطعام لا ملح له، وكل ~~عالم لا ورع له كسراج لا دهن له، وكل صديق لا وفاء له كقوس لا وتر له، وكل ~~غني لا سخاوة له كنهر لا ماء له، وكل أمير لا عدل له كبيت مظلم لا نور له ~~". # حكاية: يحكى عن إسماعيل الساماني في كتاب " سير الملوك "، أنه قال: كان ~~لجدي موليان، وكان في كل يوم يأمر المنادي في وقت العصر أن # PageV01P163 # ينادي في الناس، وكان يرفع الحجاب، ويرجو من الله الثواب، ويقول: ليجئ كل ~~من له ظلامة، ويقف على جانب البساط ويخاطبه، ويعود ويقضي الحاجات، وكان ~~يقضي بين الخصوم مثل الحكام، إلى أن تنقضي الدعاوى ثم يعود موضعه، ويقبض ~~على محاسنه، ويوجه وجهه نحو السماء، ويقول: إلهي هذا جهدي وطاقتي قد بذلته، ~~وأنت عالم الأسرار، وتعلم نيتي، ولا أعلم على أي عبد جرت، ولا على أي عبد ~~ظلمت، وما أنصفت، فاغفر لي يا إلهي من ذلك ما لا أعلم. # فلما كان نقي النية، جميل الطوية، لا جرم علا أمره، وارتفع قدره، وكان ~~عسكره ألف فارس معدين بالسلاح، وببركة ذلك العدل والإنصاف ظفره الله بعمرو ~~بن ليث، فقبضه وفتح خراسان، ثم إن عمرو أنفذ إليه من السجن وقال: لي ب " ~~خراسان " أموال كثيرة، وكنوز موفورة، وأنا أسلم إليك الجميع، وأطلقني من ~~السجن، فلما سمع إسماعيل ذلك ضحك، وقال: إلى الآن لم يستقم معي ابن ليث، ثم ~~يريد أن يجعل المظالم التي ارتكبها في عنقي، ويتخلص من ثقل أوزارها في ~~الآخرة قولوا له: مالي في مالك حاجة، وأخرجه من ms023 السجن، وأنفذه رسولا إلى ~~بغداد، فنال من أمير المؤمنين، الخلع والتشريف، وجلس إسماعيل في مملكته ب " ~~خراسان " آمنا مطمئنا، فارغ البال حسن البال. # PageV01P164 # حكاية: يحكى أن أنو شروان كان قد ولي عاملا، فأنفذ إليه العامل زيادة عن ~~الخراج بثلاثة آلاف درهم، فأمر أنو شروان بإعادة الزيادة إلى أصحابها، وأمر ~~بصلب العامل، وقال: كل سلطان أخذ من الرعية شيئا بالجور والغصب وخزنه في ~~خزائن الملك، كان مثله كمثل رجل عمل أساس حائط، فلم يصبر عليه حتى يجف، ثم ~~وضع البنيات عليه، وهو رطب، فلم يبق الأساس ولا الحائط. # وينبغي للسلطان أن يهتم بأمور الدين، كما يهتم بأمور بيته ليتنعم في ~~الدنيا. # وينبغي للسلطان أن يأخذ ما يأخذ من الرعية بقدر، ويهب ما يهب بقدر، لأن ~~لكل واحد من هذين الأمرين حدا. # حكاية: " سأل الإسكندر يوما حكماءه - وكان قد عزم على سفر - فقال: أوضحوا ~~لي من الحكمة لعلم أشغالي، واتقان أعمالي. # فقال له كبير العلماء والحكماء: أيها الملك، لا تدخل قلبك حب شيء ولا ~~بغضه، فإن القلب خاصته كاسمه، وإنما سمي قلبا لتقلبه، وأعمل الفكر واتخذه ~~وزيرا، واجعل العقل صاحبا ومشيرا، واجتهد أن تكون في الملك متيقظا، ولا ~~تشرع في عمل أي شيء بغير مشورة، واجتنب الميل والمحاباة، في وقت العدل ~~والإنصاف، فإذا فعلت ذلك جرت الأشياء على إيثارك، وتصرفت باختيارك ". # وينبغي أن يكون الملك وقورا حليما، ولا يكون عجولا. # قالت الحكماء: ثلاثة أشياء قبيحة، وهي في ثلاثة أقبح: الحدة في الملوك، ~~والحرص في العلماء، والبخل في الأغنياء. # كتب الوزير يونان إلى الملك العادل أنو شروان وصايا ومواعظ، فقال: ينبغي ~~يا ملك الزمان أن يكون معك أربعة أشياء: العدل، والعقل، والصبر، والحياء. ~~وينبغي أن تنفي عنك أربعة أشياء: الحسد، والكبر، وضيق القلب، يريد به ~~البخل، والعداوة. # PageV01P165 # واعلم يا سلطان العالم، أن الذين كانوا من قبلك من الملوك مضوا، والذين ~~يأتون بعدك لم يصلوا، فاجتهد أن يكون جميع ملوك الزمان محبيك ومشتاقيك. # حكاية: " يقال: إن أبو شروان ركب بعض أيام الربيع على سبيل ms024 الفرجة، فجعل ~~يسير في الرياض المخضر، ويشاهد الأشجار المثمرة، وينظر الكروم العامرة، ~~فنزل عن فرسه شكرا لربه، وخر ساجدا، ووضع خده على التراب زمانا طويلا، فلما ~~رفع رأسه قال لأصحابه: إن خصب السنين من عدل الملوك والسلاطين، وحسن نيتهم ~~إلى رعيتهم، فالمنة لله الذي أظهر حسن نيتنا في سائر الأشياء. # وإنما قال ذلك، لأنه جربه بعض الأوقات. # حكاية: " يقال: إن أنو شروان العادل مضى يوما إلى الصيد وانفرد من عسكره ~~خلف الصيد، فرأى ضيعة بالقرب منه، وكان قد عطش فقصد الضيعة، وأتى باب دار ~~قوم، وطلب ماء للشرب، فخرجت صبية فأبصرته، ثم عادت إلى البيت، فدقت قصبة ~~واحدة من قصب السكر، ومزجت ما عصرته منها بالماء، ووضعته في القدح، فرأى ~~فيه ترابا، فشرب منه قليلا قليلا، حتى انتهى إلى آخره وقال للصبية: نعم ~~الماء لولا القذى، فقالت: أنا ألقيت فيه القذى عمدا، فقال لها: لم فعلت ~~ذلك؟ قالت: رأيتك شديد العطش، فلو لم يكن في الماء قذى لشربته عجلا نوبة ~~واحدة، وكان يضرك شربه، فتعجب أنو شروان من كلامها، وعلم أنها قالت ذلك عن ~~ذكاء وفطنة، ثم قال لها: من كم دققت ذلك الماء؟ قالت: من قصبة واحدة، فتعجب ~~أنو شروان، وأضمر في نفسه أن ينظر في جريدة خراجها، وأن يزيد عليهم الخراج، ~~ثم عاد إلى تلك الناحية بعد عودته بلده، واجتاز على ذلك القرية منفردا وطلب ~~الماء، فخرجت تلك الصبية بعينها، فرأته فعرفته ثم عادت لتخرج الماء فأبطأت ~~عليه، فاستعجلها أنو شروان، وقال: لأي سبب أبطأت؟ قالت: لأنه لم يخرج من ~~قصبة واحدة حاجتك، وقد دققت ثلاث قصبات، ولم يخرج منها بقدر ما كان يخرج من ~~قصبة واحدة. # PageV01P166 # فقال أبو شروان ما سبب هذا القحط؟ قالت الصبية: سببه تغير نية السلطان، ~~فقد سمعنا من العلماء أنه إذا تغير نية السلطان على قوم زالت بركاتهم، وقلت ~~خيراتهم. # فعند ذلك ضحك أنو شروان، وأزال من نفسه ما كان قد أضمر لهم، وتزوج ~~بالصبية لتعجبه من ذكائها، وحسن كلامها. # والسابع منها: أنه ms025 تعالى قال في الاية: {ولا تتبع الهوى} (ص 26) يعني: لا ~~تتبع الهوى في جميع الأوقات، وفي جميع الأمور، واتباع الهوى أصل جميع ~~المعاصي، لأن فرعون ادعى الألوهية بسبب الهوى، وبني إسرائيل عبدوا العجل ~~بسبب الهوى. وقد قال الله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} (الجاثية 23) ~~وكل من يخالف هواه في جميع الأوقات والأمور، فإن الجنة مثواه. # قال الله تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي ~~المأوى} (النازعات 40، 41) . وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: " ويل ~~لقاضي الأرض من قاضي السماء حين يلقاه إلا من عدل، وقضى بالحق، ولم يحكم ~~بالهوى، ولم يمل مع أقاربه، ولم يبدل حكما لخوف أو طمع، لكن يجعل كتاب الله ~~ميزانه، ونصب عينه ويحكم بما فيه ". # فلا ينبغي للسلطان أن يشتغل دائما بلعب الشطرنج، والنرد، وشرب الخمر، ~~وضرب الكرة، والصيد، لأن هذه الأشياء تلهي السلطان وتشغله عن الأعمال، ولكل ~~عمل وقت، فإذا فات الوقت، عاد الربح خسرانا، والسرور أحزانا. # فإن الملوك القدماء قسموا النهار أربعة أقسام: قسم منها: لعبادة الله ~~تعالى وطاعته. # والقسم الثاني منها: للنظر في أمور السلطنة، وإنصاف المظلومين وسياسة ~~الجمهور، وتنفيذ المراسيم والأوامر، وكتابة الكتب، وإنفاذ الرسل. # والقسم الثالث: للأكل والشرب، والنوم، وأخذ الحظوظ من الفرح والسرور. # PageV01P167 # والقسم الرابع: للصيد ولعب الكرة والصولجان وما يشبه ذلك. # ويقال: إن بهرام كور قسم نهاره قسمين، وجعله نصفين: ففي النصف الأول كان ~~يقضي حوائج الناس، وفي النصف الثاني: كان يطلب الراحة. # ويقال: إنه في جميع أيامه ما اشتغل يوما تاما بعمل واحد. # وكان أنو شروان العادل يأمر أصحابه أن يصعدوا إلى أعلى مكان في البلدة، ~~فينظروا إلى بيوت الناس، فكل من لم يخرج من بيته دخان نزلوا، وسألوا عن ~~حاله وشأنه، فإن كان في غم، أعلموا السلطان، وكان يحمل غمه، ويزيل همه. # وسأل معاوية أحنف بن قيس فقال: يا أبا يحيى، كيف الزمان؟ فقال: الزمان ~~أنت: إن صلحت صلح الزمان، وإن فسدت فسد الزمان. # وقال: إن الدنيا عمرت بالعدل، ms026 فكذلك تخرب بالجور، لأن العدل يضيء نوره، ~~ويلوح تباشيره من مسيرة ألف فرسخ، والجور يتراكم ظلامه، ويسود قيامه عن ~~مسيرة ألف فرسخ. # وقال الفضيل بن عياض: " لو كان دعائي مستجابا، لم أدع لغير السلطان ~~العادل، لأن السلطان العادل صلاح العباد، وزينة البلاد ". # PageV01P168 # وجاء في الخبر: " المقسطون على منابر اللؤلؤ يوم القيامة ". # كلمة حكمة: قال الإسكندر: خير الملوك من بدل السنة السيئة بالحسنة، وشر ~~الملوك من بدل السنة الحسنة بالسنة السيئة. # حكاية: إن ملكا شابا قال: إني لأجد في الملك لذة، فلا أدري كذلك يجدها ~~الملوك أم أجدها أنا؟ فقالوا له: كذلك يجدها الملوك قال: فماذا يقيم الملك؟ ~~فقيل: يقيمه لك أن تطيع الله، ولا تعصيه، فدعا من كان في بلده من العلماء ~~والصلحاء، فقال لهم: كونوا بحضرتي، ومجلسي، فما رأيتم من طاعة الله تعالى ~~فأمروني بها، وما رأيتم من معصية الله - تعالى - فازجروني عنها، ففعلوا ~~ذلك، فاستقام له الملك أربعمائة سنة، ثم إن إبليس أتاه يوما على صورة رجل، ~~ودخل عليه، ففزع منه الملك، فقال: من أنت؟ فقال إبليس: أنا ملك، ولكن ~~أخبرني من أنت؟ قال الملك: أنا رجل من بني آدم، قال إبليس: لو كنت من بني ~~آدم لمت كما يموت بنو آدم، ولكن أنت إله، فادع الناس إلى عبادتك، فدخل في ~~قلبه سوء، ثم صعد المنبر فقال: أيها الناس: إني أخفيت عنكم أمرا حان إظهار ~~وقته، تعلمون أني ملككم، اربعمائة سنة، ولو كنت من بني آدم لمت كما مات بنو ~~آدم، ولكني إله، فاعبدوني، فأوحى الله تعالى إليه على لسان نبي زمانه: أن ~~أخبره بأني أقمت له ملكه ما استقام، فتحول من طاعتي إلى معصيتي، فبعزتي ~~وجلالي لأسلطن عليه بخت نصر، فلم يرجع عن ذلك، فسلطه عليه، فضرب عنقه، وحمل ~~من خزينته سبعين سفينة من ذهب. # والثامن منها: أنه أشار بقوله: {فيضلك عن سبيل الله} (ص 26) إلى أن ~~متابعة الهوى يضل صاحبه عن طريق الحق، ومخالفة الهوى يهدي صاحبه إلى الجنة، ~~كما قال الله تعالى: {ونهى النفس عن ms027 الهوى فإن الجنة هي المأوى} (النازعات: ~~41) . # PageV01P169 # فينبغي أن يكون الملك متدينا، محبا للدين، والعلماء، والصالحين، لأن ~~الدين والملك مثل أخوين ولدا في بطن واحد، فيجب للملك أن يهتم بأمور الدين، ~~ويؤدي الفرائض، والواجبات، والنوافل في أوقاتها، # PageV01P170 # ويجتنب الهوى، والبدع، والمنكر، والشبهة، وكل ما يرجع بنقصان الشرع، وإن ~~علم أن في ولايته من يتهم في دينه ومذهبه، فيأمر بإحضاره، وتهديده، وزجره، ~~ووعيده، فإن تاب وأناب فبها ونعمت، وإلا عاقبه، ونفاه عن ولايته ليطهر ~~الولاية من إغوائه وبدعته، وتخلو الولاية من أهل الأهواء، ويعز الإسلام، ~~ويستديم عمارة الثغور بإنفاذ العساكر، ويجتهد في إعزاز الحق، ويحطاط الملك ~~عن إزالة رونق السنة النبوية والسيرة المرضية، ليحمد عند الله تعالى ~~طريقته، وتعظم في القلوب هيبته، ويخاف سطوته أعداؤه، ويعلو قدره ومنزلته ~~وبهاؤه. ويجب أن يعلم أن صلاح الناس في حسن سيرة الملك، فينبغي للملك أن ~~ينظر في أمور رعيته، ويقف على قليلها وكثيرها، وعظيمها وحقيرها، ولا يشارك ~~رعيته في الأفعال المذمومة، ويجب عليه احترام العلماء والصالحين، وأن يثبت ~~على الفعل الجميل، ويمنع نفسه من الفعل الردئ الثقيل، ويعاقب من ارتكب ~~القبح، ولا يحابى من أصر على القبيح، ليرغب الناس في الخيرات، ويحذر من ~~السيئات، ومتى كان السلطان بلا سياسة، وكان لا ينهى المفسد عن فساده، ~~ويتركه على مراده، أفسد سائر أموره في بلاده. # PageV01P171 # والتاسع منها: أنه أشار في الآية بقوله: {إن الذين يضلون عن سبيل الله ~~لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} (ص: 26) إلى أن من ضل عن سبيل الله، ~~وأصر على ذلك، ولم يستغفر، ولم يتب عن ضلاله، فإنه يعذب في العذاب الشديد، ~~لأن الضلالة عن سبيل الله سبب لنسيان الآخرة، ونسيان الآخرة سبب لنسيان ~~الله تعالى، ونسيان الله سبب للدخول في العذاب الشديد. كما قال الله تعالى: ~~{نسوا الله فنسيهم} (التوبة: 67) . # قال بزرجمهر: لا ينبغي للملك أن يكون في حفظ مملكته أقل من البستاني في ~~حفظ بستانه، إذا زرع الريحان، ونبت فيه الحشيش، استعجل في قلع الحشيش، كي ~~يضبط أماكن الريحان. # وقال ms028 أفلاطون: " علامة السلطان المظفر على أعدائه، أن يكون قويا في نفسه، ~~حلوا في قلوب الرعية، رفيقا في سائر أعماله، مجربا لعهد من تقدمه، خبيرا ~~بأعمال من هو أقدم منه، صلبا في دينه ". # وكل ملك اجتمعت فيه هذه الخصال كان في عين عدوه مهيبا، ولا يجد الغائب ~~إليه عيبا. # وقال سقراط: " علامة الملك الذي يدوم ملكه أن يكون الدين والعقل حبيبي ~~قلبه، ليكون في قلوب الرعية محبوبا، وأن يكون العقل قريبا منه، ليكون عند ~~العقلاء قريبا، وأن يكون طالبا للعلم ليتعلم من العلماء، وأن يكون فضله ~~كثيرا ليعظم عند الفضلاء، وأن يكون مبعدا عن مملكته طالب العيوب، ليبعد عنه ~~العيوب ". # وكل ملك لم يكن له مثل هذه الخصال، لا يفرح بمملكته، ويسرع إليه دواعي ~~هلكته، ويتلف أقرباؤه على يديه. # والعاشر منها: أن الله تعالى أشار بهذه الآية إلى أن الخلافة من الأمور ~~التي تجتمع معها النبوة، فلا يبقى للملوك والأمراء عذر بأن قالوا: لا يحصل ~~بالخلافة العبادة ومصالح الدين، لأن الملوك يشتغلون بمصالح المسلمين، بل ~~الخلافة أتم الأمور التي بها يصلح أمور الدين والدنيا، ويقرب العباد بها ~~إلى الله - تعالى - # PageV01P172 # وأن العلم والنبوة يكملان بالخلافة، فلذلك سأل سليمان - عليه السلام - ~~الخلافة، ولم يسأل العلم والنبوة، كما قال الله تعالى: {وهب لي ملكا ~~لاينبغي لأحد من بعدي} {ص 35} . ومن الله تعالى على آدم - عليه السلام - ~~بالخلافة بقوله: {إني جاعل في الأرض خليفة} (البقرة: 30) وخاطب داود عليه ~~السلام بالخلافة فقال: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} (ص: 26) ولم ~~يقل: جعلناك عالما أو نبيا، ولأن العلم والنبوة متى قرنا بالسلطنة يزيد ~~بهما أمور الدين والدنيا، وثواب الأعمال الصالحة كما قال عليه السلام: " ~~عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة ". ولأن الدين يقوى، ويزيد عزته، وشرفه ~~بالسيف، وهو يختص بالخلفاء كما دعا عليه السلام بقوله: " اللهم أعز الإسلام ~~بعمر أو بأبي جهل "،. فاستجاب الله دعاءه في عمر - رضي الله عنه - لتقديمه ~~في الذكر. ومدح النبي - عليه السلام - نفسه بالسيف. بقوله عليه السلام: " ~~أنا نبي ms029 السيف ". # فلما كانت السلاطين والأمراء خليفة الله تعالى في أرضه، ينبغي لهم أن ~~يعدلوا بين الرعايا بالعفو والمساهلة، بموجب الشرع، ويمنعوا الظالمين عن ~~الظلم، والفسق، ويقووا الضعفاء، ويأدبوا الأغنياء، ويكرموا الصلحاء # PageV01P173 # والفقراء، ويوقروا العلماء، ويعظموهم غاية التعظيم، ليحرصوا على الاشتغال ~~بتعلم العلم وتعليمه لأنه جاء في الخبر: " إن لكل شيء عمادا، وعماد هذا ~~الدين الفقه ". # وقال الحكماء: " ليس شيء أعز من العلم، لأن الملوك حكام على الناس، ~~والعلماء حكام على الملوك ". # ولهذا قال إبراهيم بن أدهم رحمة الله عليه رحمة واسعة: " شرار الأمراء ~~أبعدهم من العلماء والفقراء، وشرار الفقراء والعلماء أقربهم من الأمراء ". # وينبغي للسلاطين والأمراء أن يزيدوا في وظائف العلماء والفقراء وأوقافهم، ~~لأن دولة السلاطين والملوك تزيد ببركة دعائهم كما قال عليه السلام: " لا ~~يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر ". # PageV01P174 # وأيضا ينبغي لهم أن يشتاقوا أبدا إلى رؤية علماء الدين، ويحرصوا على ~~استماع نصائحهم، وأن يحذروا عن رؤية العلماء السوء الذين يحرصون على ~~الدنيا، فإنهم يثنون عليك، " ويغرونك " ويطلبون رضاك، طمعا فيما في يدك من ~~خبيث الحطام، ونيل الحرام ليحصلوا منه شيئا بالمكر والحيلة. # والعالم الصالح هو الذي لا يطمع فيما عندك من المال، ويبغضك في الوعظ ~~والمقال. # وقال عليه السلام: " أفضل الجهاد من قال كلمة الحق عند السلطان ". # وينبغي للسلاطين والملوك أن يقضوا حوائج الخلائق، ويغتنموا قضاء حوائج ~~الخلق لأن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال: " إذا أحب الله تعالى عبدا أكثر ~~حوائج الخلق إليه ". وقال عليه السلام: " من قضى حاجة لأخيه المسلم، قضى ~~الله تعالى له سبعين حاجة من حوائج الدنيا والآخرة " # ولا يحتجبوا عن الخلائق وقت حاجتهم، فإن الاحتجاب وقت حوائج الخلائق أعظم ~~آفة لزوال دولة الملوك، وأعظم سبب لخراب المملكة، فإنه بلغنا أن داود النبي ~~- عليه السلام - إنما ابتلى من شدة الحجاب. كما روي عن عمرو بن مرة عن رسول ~~الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # أنه قال: " من ولاه الله - تعالى - شيئا من أمور المسلمين فاحتجب دون # PageV01P175 # حاجتهم وخلتهم، وفقرهم احتجب الله ms030 دون حاجته وخلته، وفقره ". وفي رواية: ~~" أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته ". # فائدة: المراد باحتجاب الوالي عن أرباب الحوائج والمهمات أي: يلجون عليه، ~~فيعرضونها، فترفع عمن استمال ذلك. والمراد باحتجاب الله تعالى: ألا يجيب ~~دعوته، وأن يخيب آماله، ويبعده عما يبتغيه ويمنعه عنه، فلا يجد سبيلا إلى ~~حاجته. # والفرق بين الحاجة، والخلة، والفقر: أن الأول يستعمل في الإضرار العام. ~~والثاني: في الإضرار الخاص. # والثالث: فيما كان كاسرا للظهر. # وعن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] : " من كان وصلة لأخيه المسلم، إلى ذي سلطان، في منفعة بر، أو يسر ~~عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام ". وعن الحسن بن علي رضي الله ~~عنه أنه قال: كان رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يقول: " ليبلغ الشاهد الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يقدر على إبلاغ # PageV01P176 # حاجته، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع له إبلاغها إياه، ثبت الله ~~قدميه يوم القيامة على الصراط ". # وينبغي للسلاطين والملوك أن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر بموجب ~~الشرع، ويكون قصدهم أن يجعلوا الرعية على الراحة والأمن، ليشتغلوا على ~~الطاعة والعبادة مع فراغ البال، ويؤمنوا الطرق عن السراق، وقطاع الطريق، ~~ويدفعوا شر الكفار والمفسدين، عن البلاد والعباد، ويكونوا حريصين على ~~الجهاد، ويحرضوا الخلائق على الجهاد، فإذا فعلوا هذه الأشياء يحصل في ديوان ~~أعمالهم مثل ثواب عبادة جميع أهل مملكتهم، وحينئذ يعمر الولاية، ويحصل ~~الصحة والسلامة، والبركة في الأرزاق والأقوات والمياه، والأمطار، ويزداد ~~عمر الملوك، ويحصل الرخاء، وأما إذا لم يعدلوا بين الرعية، ولم يعظموا ~~العلماء ولم يرحموا الفقراء، ولم يصرفوا الأوقاف مصارفها، وقطعوا الخيرات، ~~ولم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر، فحينئذ يرسل الله تعالى عليهم ~~سبعة أشياء، كما جاء في الحديث: " إذا قل الدعاء نزل البلاء، وإذا جار ~~السلطان حبس المطر، وإن قطر فلا منفعة له، وإذا منع الزكاة ماتت مواشيهم، ~~وقحطت بلادهم، وإذا قلت الصدقة كثرت الأمراض، وإذا خاف بعضهم بعضا صارت ~~الدولة للمشركين، وإذا ms031 ظهر الزنا زلزلت الأرض على أهلها، وإذا شهدوا شهادة ~~الزور نزل الطاعون - وهو الوباء ". ومصداقه قوله تعالى: {إن الله لا يغير ~~ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} (الرعد 11) . والله المستعان # PageV01P177 ### | الباب الرابع ### | في قواعد الإمامة وأحوالها # أما قواعدها: فهي أن السلطنة، والإمامة، والإمارة، أصل عظيم في الدنيا، ~~لأنها خلافة الله - تعالى - في أرضه، إذا لم يخالف أمر الله تعالى، وسنة ~~رسوله، وعدل في مملكته، ورحم الرعايا. # أما إذا لم يكن الأمير متصفا بهذه الصفات، يكون خليفة الشيطان. فإذا خص ~~الله - تعالى - أحدا من عباده بالإمارة من بين الناس، وأمر ونهى بين الناس ~~وعظمه الله بقوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ~~(النساء 59) . # ونفذ أمره على أموال الخلائق وأنفسهم، يجب على ذلك الأمير بعد أداء جميع ~~ما فرضه الله - تعالى - عليه، أن يعدل بين الناس، ويحسن إليهم، ويرفع منار ~~الشريعة والدين، ويتيقن أن كل ظلم يحصل من يد أجناده، أو من يد الرعية التي ~~تحت يد الملك، يكون إثمه عليه، وكذلك إذا علم وقدر على منعه ولم يمنع. # وأما إذا عدل في الرعية، وحكم بموجب الكتاب والسنة، يكون ثواب عبادة يوم ~~من طاعته مقابلا لثواب جميع عبادة رعيته، أو أزيد منه، كما قال عليه ~~السلام: " عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة ". # ويكون من الذين يظلهم الله تحت ظله. # اعلم أن الأمير لا يقيم مصالح الناس، ولا يعدل في رعيته، إلا بعد رعاية ~~عشر قواعد: # القاعدة الأولى: أن كل قضية تقع في الناس يقدر في ذلك القضية أن نفسه ~~رعية، والأمير غيره، وكل شيء لا يرضى لنفسه لا يرضى لغيره. # PageV01P178 # القاعدة الثانية: ألا يعد انتظار أرباب الحوائج في بابه حقيرا، ويحترز عن ~~خطر ذلك، فإن الله تعالى لا يطلب منه تأخير قضاء حوائج الخلق. # حكاية: يحكى أن أرسطاطاليس الحكيم نصح يوما لذي القرنين، وقال: يا خليفة ~~الله إذا طلب أرباب الحوائج منك حوائجهم، فلا تهاون في قضاء حوائجهم كي لا ~~تحرم عن رحمة الله ومغفرته. # القاعدة الثالثة: ألا يستغرق ms032 جميع أوقاته بالشهوات النفسانية، ويجتهد أن ~~يكون أكثر أوقاته مصروفا بتدبير الملك، وتدبير الرعية. # حكاية: يحكى أن حكيما من حكماء اليونان نصح لملك، وقال: لا تنم نوم ~~الغافلين، كي لا يحرم عن بابك طالبو العدل منك، فيشكوا منك إلى حضرة الله ~~تعالى، فحينئذ يحصل لدولتك نقص، لأن دولة الملوك مثل الشمس يقع نوره في ~~الصباح على جدار، وفي المساء على جدار آخر، وتزول الدولة بأدنى شيء من ~~المعاصي. # قال الحكماء: ثمانية أشياء سم قاتل، وثمانية أخرى ترياقها: الدنيا سم ~~قاتل، والزهد فيها ترياق. # والمال سم قاتل، والزكاة ترياق. # والكلام كله سم قاتل، وذكر الله تعالى ترياق. والعمر كله سم قاتل، ~~والطاعة ترياق. # والليل والنهار سم قاتل، والصلاة الخمس فيهما ترياق. # وجميع السنة سم قاتل، وشهر رمضان فيها ترياق. # والمعصية سم قاتل، والتوبة النصوح ترياق. # وملك الدنيا سم قاتل، والعدل فيها ترياق. # القاعدة الرابعة: أن يجتهد الملك في كل أمر أن يحصله بالرفق والسهولة، لا ~~بالعنف، لأن النبي - عليه السلام - دعا للأمراء، وقال: " اللهم ارفق كل وال ~~رفق على رعيته، واعنف على كل وال عنف على رعيته ". # PageV01P179 # حكاية: يحكى أن هشام بن عبد الملك كان من أكابر الخلفاء، سأل عن أبي حازم ~~- وهو من مشاهير علماء ذلك الزمان وزهاده - وقال: كيف التدبير عن الخلاص من ~~المظلمة في الإمارة؟ فقال أبو حازم: إن كنت تريد الخلاص عن مظلمة الإمارة، ~~يكن أخذك الأموال من مواضعها، وصرفك في محالها على وجه الشرع. # فقال هشام: من يقدر على ذلك؟ فقال أبو حازم: من لا يطيق على عذاب جهنم. # القاعدة الخامسة: الاجتهاد بقدر وسعه وطاقته أن يكون أكثر الرعية عنه ~~راضين بحسب موافقة الشرع. # حكاية: وعظ عالم من الفضلاء ملكا، فقال: إن ترد أن يكون الله تعالى عنك ~~راضيا، ورحمته عليك متواليا، فلا تشتم ولا تضرب الخلائق من غير وجه، ومن ~~غير سبب شرعي، وليكن قصدك رضاء الله - تعالى - بسبب رضاء الخلق عنك. # القاعدة السادسة: هي ألا يطلب الملك رضاء أحد بمخالفة رضاء الله تعالى، ~~ويقدم ms033 مواجب الشرع على مقتضى نفسه، وإن حكم الملك بمقتضى الشرع علي أحد من ~~تعلقاته فعاداه بسبب ذلك لا يضر عداوته لذلك الملك. # القاعدة السابعة: هي إن طلب الرعية من الملك الحكم عدل الملك، وإن طلبوا ~~الرحمة عفا عنهم، وإن وعد لهم لا يخالف ما وعد لهم. كما قال عليه السلام: " ~~العهد من الدين ". يعني إيفاء العهد من الدين. # PageV01P180 # وقال عليه السلام: " إن حسن العهد من الإيمان، لا إيمان لمن لا أمانة له ~~ولا دين لمن لا عهد له ". وقال الحكماء: الأمانة تجر الرزق، والخيانة تجر ~~الفقر، فلرب حافر حفرة وقع فيها. القاعدة الثامنة: هي أن يكون الملك حريصا ~~بملاقاة العلماء المتقين العاملين بعلمهم، ويكون حريصا على سماع وعظهم ~~ونصيحتهم، ويجتنب عن ملاقاة العلماء الذين يثنون على الملك، وينصحون للملك ~~بموافقة مزاجه، ليعطي الملك إياهم من متاع الدنيا، سواء كان ذلك المتاع ~~حلالا أو حراما. القاعدة التاسعة: هي أن يجتهد الملك أن يترك المفاخرة، ~~والكبر، والغضب، لأن الغضب عدو العقل، وآفة الغضب كثيرة لا تحصى. القاعدة ~~العاشرة: هي ألا يقنع الملك ألا يظلم بنفسه وحده، بل يجتهد ألا يظلم ~~أجناده، ونوابه، وكتابه، ومن هو تحت يده - من عبيده وخدمه - على # PageV01P181 # رعيته؛ لأن آفة الظلم أسرع لإزالة دولة السلاطين. شعر: // (الرجز) // # (سهم دموع الباكيات في السحر ... أنفذ في الإنسان من سهم الوتر) # . وكما قال عليه السلام: " ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، ~~والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب ~~السماء، ويقول الرب: وعزتي، وجلالي، لأنصرنك، ولو بعد حين ". وروي عن أبي ~~ذر - رضي الله عنه - أنه قال: " قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف إبراهيم ~~عليه السلام؟ قال: " أمثالا كلها: أيها الملك، المسلط، المبتلي، المغرور، ~~إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة ~~المظلوم، فإني لا أردها ولو كانت من كافر ". قلت: يا رسول الله، ما كانت ~~صحف موسى عليه السلام؟ قال: كانت عبرا كلها: عجبت لمن أيقن بالموت كيف ~~يفرح؟ {وعجبت ms034 لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب} وعجبت لمن يرى الدنيا، وتقلبها ~~بأهلها ثم يطمئن إليها {وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل} . # PageV01P182 # وعن علي - كرم الله وجهه - أنه خطب، وقال في خطبته: " أيها الناس سمعت ~~رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # أنه كان يقول: ليس من وال ولا قاض إلا يؤتى به يوم القيامة حتى يوقف بين ~~يدي الله تعالى على الصراط، ثم تنشر الملائكة سيرته - يعني صحيفة عمله مع ~~رعيته، ومع من في تحت يده - أعدل أم جار؟ فيقرؤها على رءوس الخلائق - يعني ~~بين الأشهاد، كما قال الله تعالى: {يوم يقوم الأشهاد} (غافر: 51) - فإن كان ~~عدلا نجاه الله بعدله، وإن كان غير عدل، انتفاضة به الصراط صار بين كل عضو ~~من أعضائه مسيرة مائة سنة. وينبغي للملك أن يقرب إليه أصحاب الرأي ~~والتدبير، وأصحاب العقول المتدينين، ويكرمهم، ويقبل شفاعتهم ونصائحهم، ~~وتكون مشورته معهم، لأن بمشورتهم تثبت أوتاد الدولة، وقد قال الله تعالى ~~لنبيه عليه السلام: {وشاورهم في الأمر} (آل عمران: 159) . # PageV01P183 # وقال عليه السلام: " لا مظاهرة أوثق من المشاورة ". وكلما روعيت هذه ~~القواعد االعشر في السلطنة والإمارة تزداد كل يوم دولة الملك، ويزداد آثار ~~الأمن وعمارة الولاية، وينشر في البلاد آثاره الحسنة، ويفشو عدله في ~~البلاد، وتميل إليه قلوب العباد، ويرتب أحوال المملكة، وتنتفع الخلائق من ~~إحسانه وكرمه. حكي: أن حكماء اليونان قالوا: علامة زيادة دولة الملك أن ~~يتردد بحضرته أرباب العلم، والزهد، والعقل، كل يوم وليلة، وعلامة نقص ~~الدولة، وخراب المملكة أن يتردد بحضرته الفساق، والسفهاء، وأهل البدع، ~~والظلمة، ويجتنب العلماء عن ملاقاته، ويكرهون الحضور عنده. حكاية: كتب ملك ~~الروم إلى أنو شروان: بأي شيء حفظت الملك والرعية، منذ زمان بحيث لا يخالفك ~~أحد، وازدادت كل يوم دولتك، وعمارة مملكتك؟ فقال بسبعة أشياء: الأول: حفظت ~~لساني من الشتم على الرعية. الثاني: ما هزلت في الأمر والنهي على الرعية، ~~بل كان أمري بالجد، ونهيي بالجد. الثالث: إني لم أخالف بوعدي للرعية، بل ~~كلما وعدت لهم شيئا أعطيتهم ذلك، وأيضا لم ms035 أخالف بوعيدي، بل كلما أوعدت ~~الناس أصبت العقوبة إياهم. # PageV01P184 # الرابع: فوضت كل أمر إلى أهله ومستحقه، من غير أن يكون فيه هواي وشهوتي. ~~الخامس: كلما أمرت بالعقوبة، أمرت بالعقوبة لأجل الأدب، لا لأجل الغضب. ~~السادس: حفظت قلوب الرعية بالعدل والإحسان إليهم، لا بالجور والإمساك عنهم. ~~السابع: حببت نفسي في قلوب الرعية بالقول الصدق، لا بالكذب والتبصبص. قالت ~~الحكماء: ينبغي للسلطان والأمراء والوزراء ألا يتخذوا العمال السوء أجنادا، ~~ولا يفوضوا الأمر الذي يتعلق بالإمارة والمملكة إلى العمال السوء الذين لا ~~يشفقون على الرعية، ولا يوقرون أهل العلم والفضل، ولا يفرقون بين الحلال ~~والحرام، لأنه إذا فوض إلى العمال السوء أمر المملكة يغتر بشفقة الملك ~~إليه، ويطاول يده إلى أموال الرعية ومحارمه، لمنفعة نفسه، ويكون جميع همته ~~وقصده أن يكون نفسه في راحة فقط، سواء كان للرعية راحة أولا، فحينئذ ينفتح ~~أبواب الفساد والظلم، ويتعذر على الملك والوزير سد ذلك الباب، ودفع ضرر ~~ذلك. # وعلى الحقيقة مثل ضرر تصرف العمال السوء كمثل الغذاء الذي لا نفع فيه ~~للبدن، كل يوم يأكل الرجل منه ذرة يحصل في باطنه أخلاط سوء، ويزيد ذلك ~~الأخلاط كل يوم في باطنه، وبطول الليالي والأيام يستحكم ذلك الخلط، فيظهر ~~أثر الخلط في الأعصاب والعروق والأعضاء جميعا، فيمرض الرجل من ذلك، وتعجز ~~الطبيعة عن دفع ذلك، ويتغير مزاج ذلك الرجل، وتذهب قوته بالكلية، فيحتاج ~~إلى الطبيب الحاذق، والطبيب إن كان حاذقا لكنه يقصر في معالجته ويعجز عنها ~~لأنه قرب إلى الهلاك فلا يتوقع الشفاء، والنجاة من ذلك المرض إلا بعد ~~المعالجة الكثيرة بطول الزمان والزحمات الكثيرة، ففي الحقيقة أن ضرر عامل ~~ظالم يوما في الرعية لا يصلحه عدل الملك بطول الزمان. # وقال العقلاء: يجب على الملوك الرعاية على ثلاثة أشياء: # PageV01P185 # الأول: أن يجتهد في عمارة الولاية، ولهذا قالوا: إن عدم عمارة الولاية ~~بشيئين: إما بعجز الأمير أو بالظلم في الرعية. والثاني: أن يشفق ويرحم على ~~الرعية ويعدل في الحكم بينهم. الثالث: ألا يعطي الملك الأمر العظيم بيد ~~الرجل الحقير ms036 غير اللائق بذلك الأمر، فإن ذلك سبب تخرب الولاية. # سئل النبي [صلى الله عليه وسلم] : بأي سبب استمر الملك على آل " ساسان " ~~لمدى اربعة آلاف سنة؟ فقال النبي [صلى الله عليه وسلم] : لرأفتهم بالعباد ~~وعمارتهم في البلاد. وسئل عن بعض أهل الساسان: بأي سبب انعزل أهل الساسان ~~عن المملكة بعد استقرارهم على الملك أربعة آلاف سنة؟ فقال: سبب انعزالهم أن ~~يفوضوا الأمور العظام إلى يد الرجل الحقير الذميم الذي لا يستحق لذلك ~~الأمر، فحينئذ ضاع أصحاب الرأي والتدبير، والأكابر، وأهل الرأي، وأهل ~~التجربة، وأصحاب الدول، والشرفاء، واستولى على الملك الرجال الذين صارت ~~عقولهم أسرى لهوائهم، فآل الأمر إلى أن خرجت المملكة عن أيديهم. حكاية: ~~أخبروا أنو شروان العادل، أن أمير " خراسان " كان نائما في داره، فسرق من ~~داره أكثر أمواله، فأمر أنو شروان بأن يعزل ذلك الملك، على خراسان، وقال: " ~~كل ملك لا يقدر على حفظ بيته من السارق، فبطريق الأولى ألا يقدر على حفظ ~~ولايتنا ". فيجب على السلاطين والأمراء، أن ينصبوا على أمورهم رجالا عقلاء، ~~أصحاب المروءة، والشفقة، والتأني، والوقار، مميزين بين الحق والباطل، وبين ~~الحلال والحرام. حكاية: يحكى أن أرسطاطاليس نصح يوما لذي القرنين عليه ~~السلام، وقال: " إن ترد ألا تكون في الدنيا ذليلا، فلا تخالف أمر الله ~~تعالى، وإن ترد ألا تضيع مالك فلا تمنعه عن مستحقيه، وأن ترد أن يكون جميع ~~أمرك صوابا، فلا تعجل في أمرك، واجعل رأس مالك العمل الصالح وأمر الدين ". ~~حكاية: سأل معاوية يوما أحنف بن قيس - وكان من أكابر ذلك الزمان - " كيف ~~الزمان؟ قال أحنف بن قيس: " أنت الزمان، إذا صلحت صلح الزمان، وإذا فسدت ~~فسد الزمان ". # PageV01P186 # كما قال الشاعر: // (الوافر) // # (إذا ما اللحم أنتن ملحوه ... ونتن الملح ليس له دواء) # ثم قال الأحنف لمعاوية: " اجعل العدل لنفسك جنة، لكي تخلص عن عتاب الله ~~تعالى، وتدخل جنته ". كما قال عليه السلام: " العدل جنة واقية، وجنة باقية ~~". حكاية: يحكى أن في زمان الملك العادل صاحب بن عباد أخبر أن فلانا التاجر ~~مات، ms037 وترك مالا عظيما، ووارثوه أطفال، أعطى كفاية أطفاله من النفقة، ووضع ~~الباقي في بيت مال المسلمين، فكتب إلى المخبر بذلك: " الميت رحمه الله، ~~والمال ورثه الله، والوارث رزقه الله، والساعي لعنه الله " ... والله ~~الموفق للصواب. وأما أحوال الإمامة: فينبغي للملوك أن تكون أحوالهم وسيرتهم ~~بين الرعية على مقتضى الآية والحديث: أما الحديث: فقوله عليه السلام: " إن ~~أفضل عباد الله عند الله منزلة يوم القيامة إمام عادل رفيق، وإن شر عباد ~~الله عند الله منزلة يوم القيامة إمام جائر خرق ". وأما الآية: فقوله ~~تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} (النحل: 90) . اعلم أن للملوك ثلاثة ~~أحوال: الأول منها مع أنفسهم. # والثاني: بينهم وبين الرعية والثالث بينهم وبين الله تعالى، وأن الملوك ~~في كل واحد من هذه الأحوال الثلاثة مأمورون بثلاثة، ومنهيون عن ثلاثة: ~~مأمورون: بالعدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى. # ومنهيون: عن الفحشاء، والمنكر، والبغي، كما نطق في الآية. # PageV01P187 # ففي كل حال من الأحوال الثلاثة للملوك مع هذه الستة المذكورة في الآية ~~معنى آخر مناسب لذلك الحال. أما الحالة الأولى للملك مع نفسه: في العدل: أن ~~يوحد الله تعالى. وحاله في الإحسان: أن يخرج نفسه عن عهدة جميع ما فرضه ~~الله تعالى. وحاله في إيتاء ذي القربى: أن يراعي حقوق جوارحه، وأعضائه، ~~ويوجه قلبه إلى الله تعالى، ويحفظ حواسه الظاهرة والباطنة، على الأشياء ~~التي أمره الله تعالى، وينهى جميع حواسه عن الأشياء التي نهى الله تعالى ~~عنها. وأما حاله في الفحشاء، والمنكر، والبغي: أن يبعد نفسه عن الكذب، ~~والغيبة، والبهتان، والزنا، والفسق، والفجور، والكفر، والغصب على غير حق، ~~والحرص والحسد، والكبر، والعجب، والجور، والظلم، والميل عن الحق، والحيف، ~~وغير ذلك. ويسمى عدل الملك على نفسه: العدل الخاص، والعدل على الخلائق: ~~العدل العام فمن لم يقدر على العدل نفسه لم يقدر على العدل على الخلائق، ~~وعلى مملكته، ويشمل كلا نوعي العدل قوله عليه السلام: " كلكم راع وكلكم ~~مسئول عن رعيته ". يعني كل رجل ms038 ملك، ورعيته أعضاؤه، وجوارحه، وحواسه ~~الخمسة، ونفسه، وقلبه، وروحه. وعدل الرجل في جوارحه: أن يحفظ كل واحد منها ~~على ما خلقه الله تعالى له. فالعدل في العين: أن يحفظها من النظر في الحرام ~~والعدل في اليدين: أن يفعل بهما الخير، ويمنعهما من الشر والعدل في اللسان: ~~أن يحفظه من الغيبة، والشتم، والكذب. والعدل في البطن، أن يحفظه من الطعام ~~الحرام، والشبهة. والعدل في الأذن: أن يحفظها من سماع النميمة، والغيبة ~~ومساوئ الخلق. # PageV01P188 # والعدل في القلب: أن يحفظه من الغل، والحقد، والحسد، والبغض والعداوة. ~~والعدل في البدن: أن يحفظه من لبس الحرام. وبعد ذلك يجب على الملك أن يحفظ ~~جميع المذكورات على طاعة الله تعالى وعبادته، ويمنع جميع الأعضاء عن العمل ~~الذي يدخل بسببه النار، كما قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا ~~أنفسكم وأهليكم نارا} (التحريم: 6) . فمن خرج عن عهدة العدل الخاص يمكن أن ~~يخرج عن عهدة العدل العام، لقول علي كرم الله وجهه: " رجعنا من الجهاد ~~الأصغر إلى الجهاد الأكبر ". والمراد من الجهاد الأصغر الجهاد مع الكفار ~~والمراد من الجهاد الأكبر: الجهاد مع النفس، بأن يحفظ نفسه على ما أمر الله ~~تعالى عليه، ويمنع نفسه عما نهى الله تعالى عنه. وقيل: العدل الخاص أسهل من ~~العدل العام - وهو العدل بين الخلائق - فكم من الملوك من يقدر على العدل ~~على نفسه، ولا يقدر على العدل بين الخلائق؟ لأن العدل بين الخلائق هو خلافة ~~الله - تعالى - عبده في أرضه، وهو أشق الأشياء، ولكثرة مشقته كان ثوابه ~~أعظم، ولهذا قيل: ليس للملوك أفضل شيء ثوابا من العدل على رعيته. # ولهذا قال عليه السلام: " إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين ~~الرحمن - وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم، وماولوا ". ~~وقال عليه السلام: " إن أفضل عباد الله منزلة إمام عادل رفيق ". # ولأجل شرف العدل عند الله تعالى، ورفع منزلته عنده، كان ثوابه ساعة مثل ~~ثواب عبادة ستين سنة. # PageV01P189 # ومثال من لا يعدل على نفسه، ويقصد أن يعدل على ms039 رعيته، كمثل رجل لا يقدر ~~على نجاة نفسه من الغرق، فمحال أن يقدر على نجاة غيره من الغرق في الماء. # وقال النبي عليه السلام: " مكتوب في عصا موسى أربع كلمات: أولها: إذا لم ~~يكن للسلطان عدل فهو مع فرعون سواء، وإذا لم يكن للعالم عمل فهو والإبليس ~~سواء، وإذا لم يكن للغني رحمة للفقير فهو مع قارون سواء، وإذا لم يكن ~~للفقير صبر فهو مع الكلب سواء ". وقال عليه السلام: " من أمر بالمعروف ونهى ~~عن المنكر فهو خليفة رسوله ". # PageV01P190 # دل الحديث على أن القيام بهما يستحق العز في الدارين، فأما المقصر فيهما ~~يستحق المذمة والمذلة في الدنيا والآخرة. فأما من رزقه الله تعالى الخلافة ~~ينبغي له أن يعدل أولا على نفسه، بأن يطرحها في كورة الشريعة، لتأتمر ~~بأوامر الله تعالى، وتنتهي عما نهى الله تعالى عنه، فحينئذ تخرج نفسه من ~~خساسة الأمارية، ويوجهها إلى حضرة الله تعالى، فيكون القلب متصفا بالصفات ~~الحميدة، والنفس مجردة عن الصفات الذميمة، والروح متعلقة بالأخلاق العلية، ~~فيؤثر ذلك على جميع البدن والجثة، فحينئذ خشعت النفس وخضعت في العبادة، وهو ~~سر قوله تعالى: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} (المؤمنون 2) وسر قوله عليه ~~السلام: " لو خشع قلب هذا لخشع جوارحه) . فيصرف الملك حينئذ جميع عمره في ~~عبادة الله تعالى، ولا يخرج عن حكم الشرع طرفة عين، لكون نفسه حينئذ ~~مطمئنة، كما قال الله تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية ~~مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} (الفجر 27، 28، 29، 30) فحينئذ يجب على ~~الخلائق طاعة ذلك الأمير العادل كما قال الله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} {النساء 59} . اعلم ~~أن مناسبة هذه الآية بما قبلها: أنه تعالى لما أمر الرعاة والولاة بالعدل ~~في الرعية أمر الرعية بطاعة الولاة فقال: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول} (النساء: 59) ، ولهذا قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ~~" حق ms040 على الإمام أن يحكم بما أنزل الله تعالى ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك، ~~فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا ". وفي سبب نزول هذه الاية قولان: # PageV01P191 # أحدهما: أنها نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي، إذ بعثه النبي ~~عليه السلام في سرية. أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنه. ~~والثاني: أن عمار بن ياسر كان مع خالد بن الوليد في سرية، فهرب القوم، ودخل ~~رجل منهم على عمار، فقال: إني قد أسلمت، فهل ينفعني، أو أذهب كما ذهب قومي؟ ~~فقال عمار: أقم فأنت آمن، فرجع الرجل وأقام # PageV01P192 # فجاء خالد، فأخذ الرجل، فقال عمار: إني قد أمنته، وقد أسلم، قال: أتجير ~~علي، وأنا الأمير؟ فتنازعا، وقدما على رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ، ~~فنزلت هذه الآية. # قوله: {أطيعوا الله} (النساء 59) ، أي أطيعوا كتاب الله، وقوله: {وأطيعوا ~~الرسول} (النساء 59) أي: في حياته امتثلوا أمره واجتنبوا نهيه، وبعد مماته ~~اتبعوا سنته. فإن قيل: إن طاعة الرسول هي طاعة الله تعالى، فما معنى هذا ~~العطف؟ قلنا: قال القاضي: الفائدة في ذلك بيان الدلالتين: فالكتاب: يدل على ~~أمر الله تعالى، ثم يفهم منه أمر الرسول لا محالة. والسنة: تدل على أمر ~~الرسول [صلى الله عليه وسلم] ، ثم يعلم منها أمر الله، لا محالة. فثبت بما ~~ذكرنا أن قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} (النساء 59) يدل على وجوب ~~متابعة الكتاب والسنة. وفي " أولي الأمر " أربعة أقوال: الأول: أنهم ~~الأمراء، والولاة، قاله أبو هريرة، وابن عباس - في رواية - وزيد بن أسلم، ~~والسدي، ومقاتل. # PageV01P193 # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " حق على الإمام أن يحكم بما أنزل ~~الله تعالى، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك، فحق على الرعية أن يسمعوا ~~ويطيعوا ". # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد ~~أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني ". # عن عبد الله عن النبي - عليه السلام - قال: " السمع ms041 والطاعة على المرء ~~المسلم، فيما أحب وكره، مالم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا ~~طاعة ". # والثاني: أنهم العلماء، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنه، وهو ~~قول جابر بن عبد الله، والحسن، وأبي العالية، وعطاء والنخعي، والضحاك، ~~ورواه حصيف عن مجاهد. # PageV01P194 # والثالث: أنهم أصحاب النبي - عليه السلام - رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، ~~وبه قال بكر بن عبد الله المزني. # والرابع: أنهم أبو بكر وعمر، وهو قول عكرمة. # وعن معاوية بن صالح قال: حدثني سليم بن عامر قال: سمعت أبا أمامة يقول: ~~سمعت رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يخطب في حجة الوداع فقال: # PageV01P195 # " اتقوا الله وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا ~~أمركم، تدخلوا جنة ربكم ". # وقيل: المراد من أولي الأمر: أمراء السرايا. # قوله: {فإن تنازعتم في شيء} {النساء 59} . قال الزجاج: معناه: اختلفتم ~~وقال كل فريق: القول قولي، واشتقاق المنازعة: أن كل واحد ينتزع الحجة. # قوله: {فردوه إلى الله والرسول} (النساء 59) في كيفية هذا الرد قولان: # أحدهما: أن رده إلى الله رده إلى كتابه، ورده إلى رسوله عليه السلام رده ~~إلى سنته، هذا قول مجاهد، وقتادة، والجمهور. # قال القاضي أبو يعلى: وهذا الرد يكون من وجهين: # أحدهما: إلى المنصوص عليه باسمه ومعناه. # والثاني: الرد إليهما من جهة الدلالة عليه، واعتباره من طريق القياس ~~والنظائر. # والقول الثاني: أن رده إلى الله ورسوله أن يقول من لا يعلم الشيء: الله ~~ورسوله أعلم، ذكره قوم منهم الزجاج. # وفي المراد بالتأويل أربعة أقوال: # الأول: أنه الجزاء والثواب، وهو قول مجاهد، وقتادة. # PageV01P196 # والثاني: أنه العاقبة، وهو قول السدي، وابن زيد، وابن قتيبة، والزجاج. # والثالث: أنه التصديق، مثل قوله: {هذا تأويل رؤياي} (يوسف 100) . # قاله ابن زيد. # والرابع: أن معناه: ردكم إلى الله ورسوله أحسن من تأويلكم. ذكره الزجاج. # كذا في تفسير " زاد المسير " للإمام ابن الجوزي النواوي رحمة الله عليه ~~رحمة واسعة. # وأما الحالة الثانية للملوك: وهي التي بينهم وبين الرعية، فهم أيضا في ~~هذه الحالة مأمورون بثلاثة أشياء ms042 وهي: العدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى. ~~ومنهيون عن ثلاثة أشياء، وهي: الفحشاء، والمنكر، والبغي. # أما العدل: فينبغي للملوك أن يعدلوا في الرعية بموجب الشرع، بألا يظلموا ~~على الرعية بأنفسهم، ويمنعون الرعية عن أن يظلم بعضهم بعضا، لأن الملك إذا ~~علم ظلم الرعية بعضهم على بعض وقدر على منع ذلك الظلم عنهم، يكون ذلك الملك ~~شريكا معهم في الإثم، لا يجب طاعته على الناس. # PageV01P197 # كما قال عليه السلام: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ". # سأل عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - يوما أبا حازم الموعظة، فقال. # له أبو حازم: " إذا نمت فضع الموت تحت رأسك، وكل ما تختار أن يأتيك ~~الموت، وأنت مصر عليه فالزمه، وكل ما لا تؤثر أن يأتيك الموت، وأنت عليه ~~فاجتنبه، فربما كان الموت منك قريبا ". # فينبغي لصاحب الولاية أن يجعل هذه الحكاية نصب عينيه، وأن يقبل المواعظ ~~التي وعظ بها غيره، وكلما رأى عالما سأله أن يعظه. # وينبغي للعالم أن يعظ الملوك بمثل هذه المواعظ، ولا يغرهم، ولا يدخر عنهم ~~كلمة الحق، وكل من غرهم فهو مشارك لهم في ظلمهم. # فينبغي للملك ألا يقنع برفع يده عن الظلم، لكن ينبغي له أن يمنع غلمانه، ~~وأصحابه، وعماله، ونوابه، وكتابه، وغيرهم، من الظلم والجور، ولا يرضى لهم ~~بما يظلمون، فإن الملك يسئل عن ظلمهم، كما يسئل عن ظلم نفسه. # كتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى عامله أبي موسى الأشعري رضي الله ~~عنه: " أما بعد: فإن أسعد الولاة من سعدت به رعيته، وإن أشقى الولاة من ~~شقيت به رعيته، فإياك والتبسط، فإن عمالك يقتدون بك، وإنما مثلك مثل دابة ~~رأت مرعى مخضرا، فأكلت كثيرا حتى سمنت، فكان سمنها # PageV01P198 # سبب هلاكها، لأنها بذلك السمن تذبح وتؤكل. # وفي التوراة مكتوب: " كل ظلم علمه السلطان من عماله، فسكت عنه، كان ذلك ~~الظلم منسوبا إليه، وأخذ به، وعوقب عليه ". # وينبغي للوالي أن يعلم أنه ليس أحد أشد عيبا ممن باع دينه وآخرته بدنيا ~~غيره. وجميع العمال والغلمان لأجل نصيبهم من الدنيا ms043 يغرون الوالي، ويحسنون ~~الظلم عنده، فيلقونه في النار، ليصلوا إلى أغراضهم، وأي عدو أشد عداوة ممن ~~يسعى في هلاكك لأجل درهم حرام يكتسبه ويحصله؟ وفي الجملة ينبغي لمن أراد ~~حفظ العدل على الرعية، أن يرتب غلمانه وعماله للعدل، ويحفظ أحوال العمال ~~وينظر فيها كما ينظر في أحوال أهله، وأولاده، ومنزله، ولا يتم له ذلك إلا ~~بحفظ العدل أولا من باطنه، وذلك ألا يسلط شهوته وغضبه على عقله ودينه، ولا ~~يجعل عقله ودينه أسيري شهوته وغضبه، بل يجعل شهوته وغضبه أسيري عقله ودينه. # وأكثر الخلق في خدمة شهواتهم، فإنهم يصرفون همتهم في عمرهم على الحيل، ~~ليصلوا إلى مرادهم من الشهوات، ولا يعلمون أن العقل من جوهر الملائكة، ومن ~~جند الباري جلت قدرته، وأن الشهوة والغضب من جند # PageV01P199 # الشيطان، فمن يجعل جند الله - تعالى - وملائكته أسارى جند الشيطان، كيف ~~يعدل في غيرهم؟ وأول ما تظهر شمس العدل في الصدر ثم تنتشر نورها في أهل ~~البيت في خواص الملك، فيصل شعاعها إلى الرعية. # واعلم أيها السلطان وتيقظ، أن ظهور العدل من كمال العقل، وكمال العقل أن ~~ترى الأشياء كما هي، وتدرك حقائق باطنها، ولا تغتر بظاهرها. # مثلا: إن كنت تجور على الناس لأجل الدنيا، فانظر أي شيء مقصودك من ~~الدنيا؟ فإن كان مقصودك أكل الطعام الطيب، فيجب أن تعلم أن هذه شهوة بهيمية ~~في صورة آدمي، فإن الحرص إلى الأكل من طباع البهائم. # وإن كان مقصودك لبس الديباج، فإنك امرأة في صورة رجل، لأن التزين ~~والرعونة من أعمال النساء. # وإن كان مقصودك أن تمضي غضبك على أعدائك، فأنت أسد أو سبع في صورة آدمي، ~~لأن إمضاء غضب القلب من طباع السباع. # وإن كان مقصودك أن يخدمك الناس، فإنك جاهل في صورة عاقل، لأنك لو كنت ~~عاقلا لعلمت أن الذين يخدمونك إنما هم خدم وغلمان لبطونهم وفروجهم ~~وشهواتهم، وأن خدمتهم وتواضعهم لأنفسهم، لا لك، وعلامة ذلك أنهم لو سمعوا ~~إرجافا، أن الولاية تؤخذ منك وتعطى لسواك، لأعرضوا بأجمعهم عنك، وتقربوا ~~إلى ذلك الشخص، وفي ms044 أي موضع علموا الدرهم فيه، خدموا وسجدوا لذلك الموضع، ~~فعلى الحقيقة ليست هذه خدمة وإنما هي ضحكة، والعاقل من نظر في أرواح ~~الأشياء وحقائقها، ولم يغتر بصورها، وحقيقة هذه الأعمال ما ذكرناه، ~~وأوضحناه، وكل من لا يتيقن ذلك فليس بعاقل، ومن لم يكن عاقلا، لم يكن ~~عادلا، بل يكون ظالما، لا تعمر الولاية على يديه، ومقره النار، فلهذا السبب ~~كان رأس مال كل السعادة العقل. # PageV01P200 # وأما الإحسان في الرعية بأن يوصل آثار الكرم والمروءة إلى الرعية بأن ~~يحسن للفقراء، ويؤدب الأغنياء، ويداري بهم، ويعطي الصدقات للفقراء ~~والمساكين، وأبناء السبيل، خصوصا الغرباء الذين جاءوا من بعيد بالمشقة، ~~والزحمة، راجين من إحسانه وكرمه، ليحصل بذلك للملك في الدنيا الثناء ~~الجميل، وفي الآخرة الأجر الجزيل. # وينبغي أيضا أن يوقر العلماء، ويرفع عنهم مؤنتهم، كي يشتغلوا بتعلم العلم ~~وتعليمه، ويكرم طلبة العلم بألوان النعم، ويعطي وظائفهم، ويزيد فيها ولا ~~يقطع وظائفهم، ويرغبهم في التعلم والتحصيل، فإذا كان كذلك يكون الملوك في ~~ثواب علمهم مشتركين. # وينبغي للملوك أن يحترموا أهل التصوف، والصلحاء، والزهاد، والعباد، ~~ويتبركوا بدعائهم، ويغتنموا قضاء حوائجهم، ويعدوا لقاءهم غنيمة عظيمة، ~~ونعمة من الله جسيمة، ويوصل الملك إنعامه وإحسانه وصدقاته من الرزق الحلال، ~~أو من بيت المال، أو من الخمس، إلى المجاورين في الخانقاه، والزوايا، ~~والرباطات، من الفقراء والمساكين. وإن لم يسألوا الملك ويعرضوا أحوالهم ~~إليه، كي يشتغلوا بالحضور إلى عبادة الله تعالى؛ لأن عمارة الدنيا وزيادة ~~دولة السلاطين والأمراء قائمة ببركة دعائهم. # وأيضا ينبغي للملوك أن يكونوا أشفق الخلائق؛ لأن الشفقة على خلق الله سبب ~~لدخول الجنة بعد الإيمان، كما قال عليه السلام لزيد: " بدلاء أمتي لم ~~يدخلوا الجنة بكثرة صوم، ولا صلاة، ولكن دخلوها برحمة الله تعالى، وسلامة ~~الصدور وسخاوة النفوس، والرحمة لجميع المسلمين ". # PageV01P201 # وأيضا ينبغي للملوك أن يحترموا السادات غاية الاحترام، ويعطى لهم من ~~الخمس أو من غيره. # أما إذا لم يكن إحسان الملك مصروفا على هذه الوجوه التي ذكرناها، يكون ~~ذلك الملك ظالما، وتذهب البركة من الأرزاق، ويخرب المملكة، ms045 وتتفرق الرعايا ~~إلى الأطراف، وينتشر في الأطراف اسمه بالظلم، وسوء العمل، وعدم الصلاحية، ~~وجميع ذلك بمخالفة حكم الشرع. # وينبغي للملوك أن يوصلوا إحسانهم إلى الخلائق جميعا في الليل والنهار، ~~كما قال الله تعالى: {وأحسن كما أحسن الله إليك} (القصص: 77) . وكما قال ~~النبي عليه السلام: " أحسن قبل أن يفوتك الإحسان ". وقال علي كرم الله ~~وجهه: " بالبر يستعبد الحر ". # وقال الشاعر: // (الوافر) // # (إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فإن لكل خافقة سكون) # (فلا تغفل عن الخيرات فيها ... فلا تدري السكون متى يكون؟) # وكان فناخسرو من أكابر الحكماء اليونانية، سئل عنه: أي شيء أحب عندك من ~~أنواع الإحسان؟ قال: العفو عن ذنب المذنبين. # PageV01P202 # حكاية: يحكى أن حسين بن علي - رضي الله عنهما - صام يوما، فجاء عند ~~الإفطار غلامه، ووضع بين يديه الخوان، فلما قصد الخادم أن يجيء بالقصعة ~~التي فيها الطعام، زلق رجله، وصب ما في القصعة على أمير المؤمنين حسين بن ~~علي رضي الله عنهما، فنظر إلى غلامه بالغضب، فقال الغلام: {والكاظمين ~~الغيظ} (آل عمران 134) فقال الحسين رضي الله عنه: أذهبت الغيظ عني، فقال ~~الغلام: {والعافين عن الناس} (آل عمران 134) . قال الحسين: عفوت عنك، فقال ~~الغلام: {والله يحب المحسنين} (آل عمران 134) ، قال الحسين: أعتقتك لوجه ~~الله. # عن سهل بن معاذ - رضي الله عنهما - عن أبيه أن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # قال: " من كظم غيظه، وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله تعالى على رؤوس ~~الخلائق، حتى يخيره أي الحور العين ". # وعن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] : " ما تجرع عبد جرعة، أفضل عند الله، من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء ~~وجهه ". # " والكظم ": عبارة عن حبس الشيء عند امتلائه. وكظم الغيظ: عبارة عن أن ~~يمتلئ الرجل غيظا، فيرده في جوفه ولا يظهره. # PageV01P203 # وقوله تعالى: {والعافين عن الناس} (آل عمران 134) . روى أبو هريرة - رضي ~~الله عنه - عن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # أنه قال: " ما زاد عبد بعفو إلا عزا ". # وقال النبي عليه السلام: " إذا قدرت على عدوك ms046 فاجعل العفو عنه شكرا لله ~~تعالى على القدرة عليه ". # وشتم رجل عمر بن ذر - رحمه الله - فقال له، لا تفرطن في سبنا، ودع للصلح ~~موضعا، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا، إلا أن نطيع الله فيه. # وشتم رجل الشعبي - رضي الله عنه - فجعل يقول: أنت كذا، وأنت كذا، فقال ~~الشعبي: إن كنت صادقا يغفر الله لي، وإن كنت كاذبا يغفر الله لك. # وقيل للفضل بن مروان: إن فلانا يشتمك، فقال: لأغضبن من أمره بذلك، يغفر ~~الله لنا وله، فقيل: من أمره بذلك؟ قال: الشيطان. # PageV01P204 # وقال العلماء: الإحسان أشرف الأشياء، إن وصل إلى الأجانب يصيرون به ~~أصدقاء، وإن وصل إلى الأصدقاء يصيرون به عبيدا. # حكاية: يحكى أن موسى - عليه السلام - لما رجع من الطور رأى أن السامري ~~صنع من الذهب كصورة العجل، فوسوس إلى قوم موسى - عليه السلام - حتى عبدوا ~~العجل، فجمع النار بين قومه، وأحرق العجل في النار، وطلب السامري فلم يجده ~~إلى أربعين يوما، فبعد ذلك وجدوا السامري وجاءوا به إلى عند موسى - عليه ~~السلام - فلما رأى موسى - عليه السلام - السامري قال: أين كنت منذ أربعين ~~يوما؟ قال: يا رسول الله، كنت مستورا تحت خبز واحد. يعني: لما علم السامري ~~غضب موسى - عليه السلام - عليه خاف منه خوفا شديدا، فأعطى مسكينا خبزا ~~واحدا، حفظه الله - تعالى - أربعين يوما، فلم يره أحد، بسبب هذا القدر من ~~الإحسان. # وأما إيتاء ذي القربى في الرعية: فهو أن يقضي حقوقهم وحوائجهم، لأن ~~الرعية بمنزلة القرابة للملك، بل الرعية للملك بمنزلة أولاده وعياله، ولهذا ~~قال عليه السلام: " من ولى أمور المسلمين ولم يحفظهم كحفظه أهل بيته فقد ~~تبوأ مقعده من النار ". # ولهذا وصى النبي - عليه السلام - في آخر حياته " الصلاة وما ملكت ~~أيمانكم. يعني: أدوا الصلاة في وقتها، بفرائضها، وواجباتها، وسننها، وتعديل ~~أركانها، وأدوا حقوق الرعايا التي تحت أيديكم. # PageV01P205 # وحقوق الرعايا: # أن ينصفهم. ويعدل بينهم، ويحسن إليهم، ويكرمهم، ويداري بهم، ويلطف ويواسي ~~لهم، ويحرس حوزتهم عن شر قطاع الطريق، والظالمين. وكل ذلك من ms047 صلة رحم ~~المروءة للسلطنة، ومن دوام ثبات أوتاد المملكة. كما قال النبي عليه السلام: ~~" العدل والملك توءمان " وقال النبي عليه السلام: " الملك يبقى مع الكفر ~~ولا يبقى مع الظلم ". # السلطان العادل من عدل بين العباد، وحذر من الجور والفساد، والسلطان ~~الظالم شؤم لا يبقى ملكه، ولا يدوم، فينبغي أن يعلم أن عمارة الدنيا ~~وخرابها من الملوك، فإذا كان السلطان عادلا انعمرت الدنيا، وأمنت الرعايا، ~~كما كان في عهد أنو شروان، وإذا كان السلطان ظالما جائرا خربت الدنيا، كما ~~كانت عليه في عهد الضحاك. # وكل سنة حسنة وضعها الملك في الرعية يستريح الرعايا بها، أو كل بدعة سيئة ~~يرفع الملك ذلك من الرعايا، فثواب جميع ذلك، ومن عمل بها، يكتب في كتاب ~~أعمال ذلك الملك إلى يوم القيامة، وأما إذا ظلم الملك على الرعية ويضع ~~البدعة في الرعية ابتداء بأن لم يكن تلك البدعة في الزمان الماضي، أو وضعت ~~البدعة قبل زمانه، فقدر على منعها، ولم يمنع تلك البدعة عن الرعايا، فإثم ~~ذلك، ومن عمل بتلك البدعة إلى يوم القيامة يكتب في صحيفة أعماله. كما قال ~~النبي عليه السلام: " من سن سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها، ومن سن ~~سنة سيئة، فله وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ". # ويجب أيضا على الملوك أن يرفعوا جميع البدع وزيادة العشر والخراج التي ~~وضعت زيادة عن قواعد الشرع، ولا يقنع الملك بهذا القول بأن يقول: # PageV01P206 # إنما يلزم على رفع البدعة التي وضعت في زماني، ولا يلزم على رفع البدعة ~~التي وضعت قبل زماني، فهذا العذر لا يقبل من الملك، بل يعاقب الملك على ~~جميع ذلك، إذا قدر على منعه، ولم يمنع كله، لأن الملك كالراعي، والرعية ~~كثلة الغنم، يجب على الراعي أن يحفظ تلك الثلة من شر الأسد، والذئب، وسائر ~~السباع جميعا، فإن وجد الراعي بين الثلة كبشا ذا قرن تعدى على من لا قرن ~~له، يجب على ذلك الراعي أن يمنع ضرر صاحب القرن عمن لا قرن لها. // ~~(الوافر) ms048 //. # (وراعي الشاة يحمي الذئب عنها ... فكيف إذا الرعاة لهم ذئاب؟) # مثلا: الكفار والظلمة ذئاب ثلة الإسلام، يجب على الملوك والسلاطين الذين ~~هم رعاة ثلة الإسلام، أن يمنعوا شر الكفار والظالمين من ثلة الإسلام، وعن ~~الرعايا جميعا، فإذا لم يمنع الملوك شر الكفار، وشر قطاع الطريق، وشر ~~الظالمين، والمفسدين، عن الرعية، يحرم على الملوك ما أكلوا من تلك الولاية، ~~ومن تلك الرعية، لأن الملوك حينئذ لم يحفظوا الرعية كما يجب حفظها، ويحاسب ~~الله تعالى الملوك، والسلاطين على ذلك، كما قال النبي عليه السلام: " ألا ~~كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسئول عن ~~رعيته، الرجل راع على أهله بيته، وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على ~~بيت زوجها وولده، وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده، وهو مسئول ~~عنه، ألا وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ". # PageV01P207 # وإذا قصد الكفار على المسلمين، يفرض على المسلمين القتال معهم، أما إذا ~~لم يقصد الكفار على المسلمين، يجب على الملوك والسلاطين أن يغزوا الكفار، ~~ويأخذوا أموالهم، ويفتحوا بلادهم، ويكون غرضهم إعلاء كلمة الله تعالى، وقهر ~~أعداء الله، وإظهار شعائر الإسلام. # وأما النهي عن الفحشاء، والمنكر، والبغي في الرعية: فبأن ينهى الملوك، ~~والسلاطين الفساق، وأهل الفجور عن الفسق، والجور، والظلم، والتعدي على ~~الرعية، بعد أن يكون الملوك والسلاطين لا يظلمون بأنفسهم على الرعية، لأن ~~الظلم وإن كان حقيرا في الدنيا يكون جزاؤه عظيما في الآخرة، كما قيل: " ~~الظلم ظلمات يوم القيامة ". # حكاية: كما حكى أن عيسى عليه السلام مر على قبر، فرأى فيه عذابا، فدعا ~~الله تعالى أن يحيي أهل هذا القبر، فأحياه الله تعالى بقدرته، فقال له عيسى ~~عليه السلام: لم تعذب في القبر؟ قال: كنت جالسا في سوق مصر، وقد كنت تناولت ~~شيئا، وأنا محتاج إلى الشظية - أي الخلال - فنزعت من حزمة رجل شوكة، فشظيت ~~بها أسناني، ومت منذ أربعة آلاف سنة، وأنا في عذابها، فقال عيسى - عليه ~~السلام - عند ذلك: هذا عذاب الشظية، فكيف عذاب صاحب ms049 الجذع؟ ثم قال عليه ~~السلام: كيف وجدت الموت وسكراته؟ قال: يا روح الله، مت منذ أربعة آلاف سنة، ~~ومرارة الموت بعد في حلقي. فقال - عليه السلام - عند ذلك: اللهم يسر علينا ~~سكرات الموت. # ولأن الملك إذا لم يمنع أهل الفسق، والظلم والجور عن فسقهم وجورهم، ~~وظلمهم على الرعية، يقع الفتنة والفساد والجور في أموال الرعية، وأزواجهم، ~~وأبنائهم ومحارمهم، بالزنا، واللواطة، والخيانة، وغير ذلك، فينتشر اسم ~~الملك في العالم بالقبح والظلم، ويختل أمر المعروف ونهى المنكر، ويضعف أمر ~~الدين، ويقع الهوان والمذلة على أهل العلم، والزهد، # PageV01P208 # والصلاح، ويفشو الظلم والفسق، ويفتح حينئذ أبواب الشر، ويستولى الذين لا ~~أصل لهم، ولا دين لهم، ولا صلاح لهم، على أهل الحياء والصلاح، والعلماء، ~~ويضيع الدين، واحترام العلماء، والزهاد، وتزيد كل يوم البدعة في الرعية، ~~ويتهمون الناس بغير حق، ولا يخافون وزره، ليأخذ الملك من الناس بسب تلك ~~التهمة من أموالهم ومواشيهم، ويقع في أيديهم شيء من ذلك الحرام، ويتصرفون ~~حينئذ في أموال الأيتام والأوقاف، تصرفا مخالفا للشرع، ويمنعون الحق عن ~~المستحقين، ويأخذون الرشوة، ويقطعون أوقاف المدارس والمساجد والرباطات، ~~ووظائف العلماء والسادات وطلاب العلم. # فإذا كان كذلك، يمنع أرباب الحوائج عن أبواب الملوك والسلاطين، ويرفع ~~العدل، ويفشو الجور، وتنفر طباع الناس عن ذلك الملك، ويكون الملك محروما عن ~~أدعية الصالحين، ويكون إثم جميع ما فعل من تحت يده على ذلك الملك، لأن ~~الملك كان سببا لفعلهم، وحينئذ تخرب الولاية، ويقذف الله تعالى الرعب في ~~قلوب جيش الملك، وتذهب البركة عن الأرزاق، ويكون الملك خسر الدنيا والآخرة، ~~ويستولي على تلك المملكة الأعادي حينئذ. # فهذه الوقائع كلها تحصل في الدنيا بسبب عدم النهي عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي. # وأما في الآخرة فيطالب الملوك عند الله تعالى بإيصال الحقوق إلى ~~مستحقاتها، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، ويحاسب ~~الملوك إلى مقدار مثقال ذرة كما قال الله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} . (الزلزلة 7، 8) . # وأما الحالة الثالثة: ms050 وهي الحالة التي بين الملوك وبين الله تعالى، أما ~~في العدل: فهي أن يستقيم ظاهره وباطنه وسره وعلانيته مع الله تعالى، ويكون ~~غرض الملوك في الإمارة والسلطنة رضي الله تعالى، وإيصال الحق إلى المستحق، ~~وارتفاع الظلم والبدع عن الخلائق، لإرضاء أنفسهم وأصحابهم وأولادهم وأهل ~~بيتهم وأقاربهم. # PageV01P209 # وأما في الإحسان: أن يعبد الملك الله تعالى بالإخلاص، كما قال النبي عليه ~~السلام: " الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". ~~ويشتغل بعد الفرائض والواجبات والسنن، بنوافل الطاعات، وقراءة القرآن، ~~ويشتغل بمصالح الخلائق، ولا يحرم أصحاب الحوائج عن بابه، ولا يغفل عن صلاح ~~المملكة وفسادها، ولا يعطي الرعية في أيدي الظلمة، ويتفحص عن أحوال البلد ~~والعباد كل يوم وليلة، ويشتغل برعاية حقوق المسلمين، ويتصرف بين عباد الله ~~تعالى بأحكام الشريعة كأنه يرى الله تعالى. # فإن لم تقع هذه الحالة في قلبه تيقن في اعتقاده وقلبه أن الله تعالى ~~يراه، وينظر إليه، ويشاهده، فإذا كان كذلك، فكل حكم يحكم الملك في الرعية ~~يكون بموجب كلام الله تعالى، ويكون عند الله تعالى من الذين قال الله تعالى ~~في شأنهم: {إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر} (القمر ~~54) . # وأما في إيتاء ذي القربى: فإنه صلة رحم العبودية. # يعني لا يرفع الملك رأسه من العبودية في الليل والنهار، كما قال الله ~~تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ~~ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا} (الفتح 29) . # ولا يكون الملك مغرورا بزخارف الدنيا ولذاتها، كي لا يحرم عن نعيم الجنة ~~ولذاتها، كما قال الله تعالى: {فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله ~~الغرور} (لقمان 33) . # وأما النهي عن الفحشاء والمنكر والبغي: فهو ألا يتكبر، ولا يعد نفسه ~~مستغنيا عن الله عز وجل بكثرة احتياج الخلائق إليه، لأنه يتولد من ذلك ~~الطغيان، كما قال الله تعالى: {إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} (العلق 6، ~~7) بل # PageV01P210 # ينظر إلى عباد الله تعالى بنظر المرحمة، والمسكنة، والحقارة، كي لا يسقط ~~الملك ms051 عن نظر الله تعالى ورحمته، كما قال عليه السلام: " ارحموا من في ~~الأرض يرحمكم من في السماء " وقال النبي عليه السلام: # " إذا رأيتم المتواضعين فتواضعوا، وإذا رأيتم المتكبرين فتكبروا " لأن ~~التكبر على المتكبر صدقة. # وروى عن النبي عليه السلام أنه قال: " ما من عبد إلا وفيه سلسلتان ~~مشدودتان: # إحداهما إلى السماء السابعة، والأخرى إلى الأرض السابعة، فإذا تواضع رفع ~~إلى السماء العليا، وإذا تكبر وضع إلى الأرض السفلى ". # وقال عليه السلام: " إياكم والتكبر، فإنه أهلك من كان قبلكم ". # وقال النبي عليه السلام: " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من ~~الكبر ". والله الموفق # PageV01P211 ### | الباب الخامس ### | في الوزارة # قال الله تعالى: {واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه ~~في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا} (طه 29 - 35) . # وقال النبي عليه السلام: " إذا أراد الله بملك خيرا، جعل له وزيرا صالحا، ~~فإن نسى ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك، جعل له وزير سوء، ~~إن نسى لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه ". # اعلم أن الوزارة تابع السلطنة، وركن أعظم المملكة، ولا بد للملك من وزير ~~صالح ذي رأي، مشفق للرعية، عالم، عادل، لأن الأنبياء - عليهم السلام - ~~كانوا محتاجين إلى الوزير، كما أخبر الله تعالى عن حال موسى عليه السلام، ~~أنه طلب من الله تعالى وزيرا فقال - {واجعل لي وزيرا} (طه 29) فبطريق ~~الأولى أن يكون السلاطين والأمراء محتاجين إلى الوزير، وقال النبي عليه ~~السلام: " لي وزيران في السماء، ووزيران في الأرض، أما وزيراي في السماء: ~~فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي في الأرض: فأبو بكر وعمر "، رضى الله عنهما، ~~وعن باقي الصحابة أجمعين. فإذا لم يكن للملك وزير كامل، ذو حرمة عند الملك، ~~فليس لذلك الملك زين، وشرف، وطراوة، وثبات في دولته. # PageV01P212 # وينبغي للملوك والسلاطين أن ينصبوا على أبوابهم حاجبا، أو صاحب قصة، ~~معتمدا متدينا، خالص الاعتقاد، كي يعرض الوزير أحوال أرباب الحوائج، وأحوال ~~المظلومين إلى الحاجب، والحاجب يعرض جميع ذلك، إما ms052 بالقصة أو بالرسالة إلى ~~حضرة الملك. # وينبغي للملك أن يعلم أن قضاء حوائج الرعية من الأمور الواجبة عليه ويعد ~~الملك قضاء حوائج الخلق غنيمة عظيمة على نفسه، كما جاء في الخبر: " إذا أحب ~~الله عبدا أكثر حوائج الخلق إليه ". # فمهما كان لأحد من المسلمين حاجة إلى الملك، ينبغي للملك ألا يشتغل ~~بنوافل العبادات عن قضائها، فإن قضاء حوائج المسلمين أفضل من نوافل ~~العبادات. # وينبغي للملوك والسلاطين، أن ينصبوا في ولايتهم قاضيا عالما، متدينا، ~~محترزا عن أكل الحرام والشبهات، ويكون صالحا، ذا مروءة وإنصاف، لا يطاول ~~يده على مال الأيتام وميراثهم، ولا يأخذ الرشوة، ويقنع بوظيفة نفسه وعياله ~~من بيت المال، ويقطع طمعه عما في أيدي الناس. # وينبغي أيضا أن يكون خادم القاضي عالما، متدينا، صالحا، زاهدا، لا يجور ~~في الدعاوى، ولا يطمع طمعا فاسدا، ولا يبطل الحق، ولا يحق الباطل بل يجعل ~~كتاب الله نصب عينه. # سئل أردشير بن بابك: أي الأصحاب يصلح للملك؟ فقال: الوزير العاقل، ~~المشفق، الأمين، الصالح، المدبر، ليدبر الملك معه أمر المملكة، ويسر إليه ~~بما في نفسه. # PageV01P213 # وترتيب الوزراء، أنهم مهما أمكنهم إصلاح أمر الملك بالكتب يتجاوبون ~~بالكتب، فإن لم يصلح الأمر بالمكتب، فبالاحتيال والتدبير، فيجتهدون في تأني ~~التدبير، بإعطال الأموال، وبذل الصلات، ومتى انهزم عسكر الملك ينبغي ~~للوزراء العفو عن ذنوب الجند، ولم يستعجلوا بقتلهم، لأنه قد يمكن قتل ~~الأحياء، ولا يمكن إحياء القتلى، فإن الرجل يصير رجلا في أربعين سنة، ومن ~~أربعين رجلا يصلح رجل لخدمة الملوك، وإن أسر أحد من الجند، أو أخذ من أصحاب ~~الملك، كان على الوزير أن ينقذه، ويفتديه، ويخلصه، ويشتريه، ليسمع الجند ~~بصنيع الوزير، فيقوى قلوبهم إذا باشروا حروبهم، وعلى الوزير أن يحفظ أرزاق ~~الجند، ويرتب جامكية كل إنسان على قدره، وأن يهيئ الرجال الشجعان بآلات ~~الحرب، وأن يخاطبهم بأحسن الكلام، ويلين للأجناد في الخطاب، ويلطف لهم ~~الجواب، ويتحمل على فعلهم عليه، فإن الجند قتلوا كثيرا من الوزراء في قديم ~~الأيام، وسالف الأعوام، ومن سعادة السلطان، ويمن طالعه، وعلو ms053 جده، أن يجعل ~~الله تعالى له وزيرا صالحا، ومشيرا ناصحا، كما قال النبي عليه السلام: " ~~إذا أراد الله - تعالى - بأمير خيرا، قيض له وزيرا ناصحا، صادقا، صبيحا، إن ~~نسى ذكره، وإن استعان به أعانه. # PageV01P214 # وقال العتابي: " من عرض نفسه للدنية، عرض نفسه للمنية، وأن مما يعين على ~~العدل ارتفاع من يؤثر التقى، واطراح من يقبل الرشا، واستكفاء من يعدل في ~~القضية، واستخلاف من يشفق على الرعية. # وقال أنو شروان: " ما عدل من جار وزيره، ولا صلح من فسد مشيره. # وقال أردشير: حقيق على كل ملك أن يتفقد وزيره، ونديمه، وكاتبه، وحاجبه، ~~فإن وزيره قوام ملكه، ونديمه بيان عقله، وكاتبه دليل معرفته، وحاجبه برهان ~~سياسته. # قيل: من تعزز بالله لم يذله السلطان، ومن توكل عليه لم يضره إنسان، من ~~استغنى بالله عن الناس أمن عوارض الإفلاس، ومن صح دينه صح يقينه. # قال أنو شروان: شر الوزير من جرأ السلطان على الحرب، وجرأه على القتال في ~~موضع يمكن أن يصلح بغير حرب، ولا خشونة، لأن في الحرب تفنى ذخائر الأموال، ~~وتفنى كرائم النفوس. # وقال أيضا: " كل ملك كان وزيره جاهلا، فمثله كمثل الغيم الذي يبدو ويظهر ~~ولا يمطر. ### | وعلى السلطان أن يعامل الوزير بثلاثة أشياء: # أحدها: إذا ظهرت منه زلة، أو وجدت منه هفوة، لا يعالجها بالعقوبة. # والثاني: إذا استغنى في خدمة الملك لا يطمع في ماله وثروته. # والثالث: إذا سأله حاجة لا يتوقف في قضاء حاجته. # PageV01P215 # وينبغي للملك ألا يمنع الوزير من ثلاثة أشياء: وهو أنه: متى أحب أن يراه ~~لا يمنعه من رؤيته، وألا يسمع في حقه كلام مفسد، ولا يكتم عنه شيئا من سره، ~~لأن الوزير الصالح حافظ سر السلطان، ومدبر أمر الدخل، وعمارة الولاية ~~والخزائن، وزينة المملكة، وله الكلام على العمال، واستماع الأجوبة، وبه ~~يكون سرور الملك، وقمع أعدائه، وهو أحق الناس بالاستمالة، وتعظيم الأمر، ~~وتفخيم القدر. # وقال لقمان - عليه السلام - لولده: " أكرم وزيرك، لأنه إذا رآك على أمر ~~لا يجوز لمملكتك لا يوافقك عليه ". # وينبغي للوزير أن ms054 يكون مائلا في الأمور إلى الخير، متوقيا من الشر، وإذا ~~كان السلطان حسن الاعتقاد، مشفقا على العباد، كان له عونا على ذلك، وآمرا ~~له بالازدياد، وإذا كان السلطان ذا حيف، كان غير ذي سياسة، كان على الوزير ~~أن يرشده قليلا بألطف وجه، ويهديه إلى الطريقة المحمودة، وينبغي للملك أن ~~يعلم أن أول إنسان يحتاج الملك أو السلطان إليه الوزير الصالح. # وسئل بهرام كور: إلى كم من الأشياء يحتاج السلطان إليه حتى يتم سلطنته، ~~وتدوم بالسرور دولته؟ فقال: إلى ستة من الأصحاب: الوزير الصالح ليظهر إليه ~~سره، ويدبر معه رأيه، ويسوس أمره، والفرس الجواد لينجيه يوم الحاجة إلى ~~النجاة، والسيف القاطع، والسلاح الحصين، والمال الكثير الذي يخف حمله، ~~كالجوهر واللؤلؤ والياقوت، والزوجة الحسناء الصالحة لتكون مؤنسة لقلبه ~~مزيلة لكربه، والطباخ الخبير الذي إذا أمسك طبعه دبر شيئا يلطف طبعه. # PageV01P216 # اعلم أن مثال المملكة كمثال خيمة، والوزير الكامل كمثال عمود الخيمة، ~~ومثال أطناب الخيمة كمثال الأمراء تحت يد الملك، سواء كان صغيرا أو كبيرا، ~~ومثال الأجناد كمثال الحلق التي تتصل بأذيال الخيمة، وفي الحقيقة أوتاد ~~الخيمة التي لا قوام للخيمة إلا بها، مثل العدل للمملكة، كما لا تستقر ~~الخيمة في الأرض إلا بالأوتاد، كذلك لا تستقر المملكة إلا بالعدل، وإن كثرت ~~الأجناد والأموال. # ولما كان الوزير للملك مثل العمود للخيمة، كما ينبغي للعمود أربع خصال: ~~أحدها: أن يكون مستقيما. والثاني: أن يكون عاليا. والثالث: أن يكون ثابتا. ~~والرابع: أن يكون متحملا. # ينبغي للوزير أيضا أن يكون له ثلاثة أحوال: أول حاله: أن يكون بينه وبين ~~الله تعالى. وثاني حاله: أن يكون بينه وبين السلطان. وثالث حاله: أن يكون ~~بينه وبين الأجناد والرعايا. ففي كل حال من هذه الأحوال الثلاثة ينبغي ~~للوزير أن يعمل الخصال الأربعة المذكورة مناسبا لذلك الحال. # أول حال الوزير وهو أن يكون بينه وبين الله تعالى: # في الخصلة الأولى - وهي الاستقامة - هي أن يكون كما أمر الله - تعالى - ~~لنبيه عليه السلام: {فاستقم كما أمرت} {هود 112} يعني: لا تخرج عن ms055 جادة ~~طريقة الشريعة، لأن طريقة الشريعة هو الصراط المستقيم، كما قال الله تعالى: ~~{وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} (الأنعام 153) . يعني راعو في جميع ~~أوقاتكم جانب الحق، وإن تركتم جانب الخلق فلا ضرر عليكم، لأن من كان لله ~~كان الله له. # وأما حال الوزير في الخصلة الثانية وهي العلو: فينبغي للوزير أن تكون ~~همته عالية ونفسه عزيزة عما في أيدي الناس من زخارف الدنيا والجاه والمال، ~~فلا يغتر الوزير بمال الدنيا. # نكتة: ينبغي للعاقل أن يتصور أن زخارف الدنيا بمنزلة الزاد والراحلة ~~للحاج ومدة العمر بمنزلة أشهر الحج، ووقت الأجل بمنزلة يوم وقفة عرفة، # PageV01P217 # ويتصور نفسه كالحاج الذي يقصد زيارة بيت الله تعالى، ويعلم يقينا أنما ~~أعطى الزاد والراحلة للعاقل ليقطع البادية، ويزور بيت الله تعالى، يعني ~~إنما أعطى الله تعالى لعباده زخارف الدنيا، ووسع أجله، ليقطع بهما بادية ~~صفات النفس الأمارة التي كانت حجابا بين العبد وبين الله تعالى، فكما لا ~~يوصل إلى الكعبة إلا بقطع البادية، كذلك لا يوصل إلى رضاء الله تعالى ~~ورحمته وجنته إلا بقطع بادية النفس الأمارة بالسوء، وهي شهواتها النفسانية. # وأما إذا صرف الزاد والراحلة لأجل هواه، وهو طرف شط بغداد، ويشتغل كل يوم ~~بمقتضى نفسه من شرب الشراب المسكر، وغفل عن حال قوافل الحج، وقد قصد أولا ~~للحج، فوصلت القافلة إلى الكعبة ووقفوا في عرفات، وحصل مرادهم بإتمام الحج، ~~فانتبه الرجل عن نوم الغفلة كما قيل: " الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا " ~~وتحسر وندم على غفلته، وفوت الحج عنه، واشتعل نار الندامة في جوفه، فلم ~~ينفع حينئذ الندم والتحسر، كذلك من لم يصرف ما في يده من نعيم الدنيا على ~~وجوه الخيرات، ولم يصرف جميع عمره وأوقاته إلى طاعة الله تعالى، فلما حضره ~~الأجل ندم على صرف عمره في الغفلة، فلم ينفع حينئذ الندم. # وأما حال الوزير في الخصلة الثالثة وهي الثبات: فينبغي للوزير أن يكون ~~اعتقاده في أمر الدين مستقيما وثابتا، وكل عمل يعمله الوزير ينبغي له أن ~~يعمله لرضاء الله تعالى، فلا يحول ms056 وجهه عن ذلك الأمر لأجل خاطر الخلق، ~~ورضاء الخلق، ولا يخاف عن شر جميع الخلائق، إذا كان ذلك الأمر لأجل الله ~~تعالى، كما قال الله تعالى {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} ~~(المائدة 54) . # PageV01P218 # وأما حال الوزير في الخصلة الرابعة وهي التحمل: فينبغي للوزير أن يتحمل ~~الأمانة التي عرضها الله تعالى على السماوات والأرض، فعجزوا عن تحملها، كما ~~قال الله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان} (الأحزاب 72) . # والمراد بالأمانة في هذه الآية على قول بعض المفسرين: الفرائض التي ~~افترضها الله تعالى على العباد، وشرط عليهم أن من أداها جوزي بالإحسان، ومن ~~خان فيها عوقب. # وقيل: العهد الذي يلزم الوفاء به، ولا يخون الوزير في ذلك الأمانة كي لا ~~يخجل عند رد الأمانة إلى أهلها، كما قال الله تعالى: {إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات إلى أهلها} (النساء 58) . # واما الحالة الثانية للوزير، وهي التي بين الوزير والأمير: فينبغي للوزير ~~أن يراعي في هذه الحالة أيضا أربعة خصال: # أحدها: الاستقامة. # والثاني: العلو. والثالث: الثبات. والرابع: التحمل. # أما حال الوزير في الاستقامة: فينبغي للوزير أن يكون ظاهره وباطنه مع ~~الأمير واحدا، وأن يطهر الوزير قلبه عن الحسد، والخيانة، والغل، والغش، في ~~حق الملك. # وأيضا ينبغي للوزير إذا دخل عند الملك أن يسكت، ولا يبدأ الكلام حتى ~~يتكلم الملك، وكلما تكلم الملك من الكلام الطيب والردئ يقول الوزير: صدق ~~الأمير، ويراعي الوزير مزاج الأمير والملك، ولا ينافق الأمير والملك بأن ~~يقول إذا خرج من عند الملك مساوئ الملك للناس، وينكر أقوال الملك وأفعاله، ~~ويشكو الناس عن الملك ويقول: إن الملك ظالم وجاهل، ولا يسند الوزير طمعه في ~~أموال الناس إلى الملك، ويبرئ نفسه عن ذلك الطمع، وكل ذلك من النفاق. # PageV01P219 # وينبغي للوزير إذا تكلم الملك أن يصغي إلى كلام الملك، ولا يكون عاشقا ~~لكلام نفسه، فإذا تكلم الملك كلمة غير موافق للحق يسمع الوزير ذلك الكلام، ~~ويكره في قلبه، ولا يعترض للملك في ذلك ms057 الحال، فإذا وجد فرصة في الخلوة يرد ~~ذلك الكلام في نفس الملك. # ففي الجملة لا يستر الوزير الحق، ولا يرضى المنكر في الشرع، بل يقول ~~للملك قولا لينا على وجه التأني والاعتراض، في غير حالة الغضب، ليرجع الملك ~~عن ذلك الكلام المنكر. # وحكي عن أردشير أنه قال: حقيق على الملك أن يكون طالبا أربعة أشياء، فإذا ~~وجدها يكون الملك أحفظهم من سائر الأنبياء: الوزير الأمين، والكاتب العالم، ~~والحاجب المشفق، والنديم الناصح، لأنه إذا كان الوزير أمينا، دل على بقاء ~~الملك وسلامته عن الزوال، وإذا كان الكاتب عالما، دل على عقل الملك ~~ورزانته، وإذا كان الحاجب مشفقا، لم يغضب الملك على أهل مملكته، وإذا كان ~~النديم ناصحا، دل على انتظام الأمر ومصلحته. # وأما حال الوزير في الخصلة الثانية وهي العلو مع الملك: فهي أن يخدم ~~الوزير الملك مع علو الهمة، لا أن يقصد الوزير في خدمة الملك الطمع الفاسد ~~من زخارف الدنيا، وأن يكون الوزير عزيز النفس، قانعا بأدنى شيء من المال، ~~ولا يطول يده في أموال الرعية بغير إذن الملك، فإذا كان الوزير على هذه ~~الصفات، ينظر الملك إلى الوزير بنظر الفراسة، ويكون الوزير في نظر الملك ~~مقبولا، وفي قلبه محبوبا، وموقرا، ومحترما. # وأما حال الوزير في الخصلة الثالثة، وهي الثبات مع الملك: فهي أن يكون ~~الوزير في خدمة الملك صاحب وفاء وعهد، وثابت القدم، بحيث لو اجتمع جميع ~~معاندي الملك عند الوزير، واجتهدوا، لا يقدرون على أن يغيروا الوزير عن ~~خدمته بالصدق، وإن عرضوا للوزير أموالا كثيرة. # PageV01P220 # وأما حال الوزير في الخصلة الرابعة وهي التحمل مع الملك: فينبغي للوزير ~~التحمل إذا غضب الملك للوزير، ولا يقع في قلب الوزير كدوره من ذلك الغضب، ~~ولا يكون الوزير عبوس الوجه من ذلك الحال، ويتكلم مع الأمير كلمات ليطفيء ~~نار غضب الملك، ويحترز في المكالمة مع الأمير عن الكلام الذي يتولد منه ~~الغضب والحقد، ويجتهد الوزير ألا يخرج الملك إلى القتال إلا في غاية ~~الضرورة، فإن كان جند الخصم كثيرا وجند الملك ms058 قليلا ينبغي للوزير أن يقوي ~~قلب الملك بقوله تعالى: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله ~~مع الصابرين} (البقرة 249) . وأن يلقى الوزير في غالب الأوقات على قلب ~~الملك أمور الدين، والأمور التي فيها مصلحة الرعية وراحة الرعية، ولا يلقى ~~الوزير في قلب الملك الأمور التي فيها فساد الرعية وفساد الدين، وأن يدل ~~الوزير الملك على الخيرات، فإذا كان الوزير متصفا بهذه الصفات الحميدة، ~~ومتزينا بهذه الآداب الشريفة (والأخلاق المرضية) ، يكون حينئذ عضد السلطنة ~~والمملكة قويا، كما قال الله تعالى: {سنشد عضدك بأخيك} . (القصص 35) ، ~~والله الموفق. # وأما الحالة الثالثة للوزير وهي التي بين الرعية والوزير: فينبغي للوزير ~~أيضا أن يراعي في هذه الحالة أربع خصال أيضا: الأول: الاستقامة. والثاني: ~~العلو. والثالث: الثبات. والرابع: التحمل. # أما حال الوزير في الاستقامة مع الرعية: فينبغي للوزير أن يعيش بين ~~الرعية بالعدل والإنصاف، ويكون أشفق الخلائق في كل أحوال الرعية، ويشتغل في ~~جميع عمره بالاعتناء بشأنهم كالحدقة للعين، ويقبل الوزير الزحمة على نفسه، ~~لتكون الرعية في الراحة عن الأمور الشاقة. # وهذه المعاني إنما تحصل للوزير إذا كان الوزير حريصا على عمارة الولاية، ~~وزراعة الدهاقين، والحال ألا يكون الملك حريصا في جمع المال، فإن كان # PageV01P221 # الملك حريصا على جمع المال، فلا بد أن يظلم الملك على الرعية، ويضع البدع ~~في الرعية، وينقص وظائف الأجناد والعلماء والفقراء، فحينئذ يخرب الرعية ~~والولاية، ويكون الرعية حينئذ كالعين بلا حدقة، كما قال عليه السلام: " ~~يكون في آخر الزمان الأمراء كالأسد، والعلماء كالنمر، والقضاة كالكلب، ~~والفقهاء كالذئب، والناس كالشاة " فكيف حال الشاة مع هؤلاء؟ // (الوافر) ~~//. # (وراعي الشاة يحمي الذئب عنها ... فكيف إذا الرعاة لها ذئاب؟) # وقال عليه السلام: " سيأتي على أمتي زمان لا يعرفون العلماء إلا بثوب ~~حسن، ولا يعرفون القراء إلا بصوت حسن، ولا يعبدون الله إلا في شهر رمضان. ~~وإذا كان كذلك سلط الله عليهم سلطانا لا علم له، ولا حلم له، ولا رحم له، ~~ولا عقل له ". # وقال عليه السلام: " سيأتي على أمتي زمان لا ms059 يأتي المسجد إلا تاجر قلبه ~~في صندوقه، أو زارع قلبه في مزرعته، فإذا سلم الإمام وثب كما وثب الصيد، ~~فإذا كان كذلك ابتلاهم الله تعالى بأربعة أشياء: أولها سلطان جائر، والخوف ~~من الأعداء، والزلزلة، والقحط، فإن تابوا تاب الله عليهم، وإن لم يتوبوا ~~زاد الله عليهم ". # PageV01P222 # فالحاصل إذا ظلم الملك في الرعية خربت الولاية، ويتفرق الرعايا إلى ~~الأطراف، ويكون الملك في تزلزل واضطراب، لأنها وقعت النفرة والتنفير في ~~قلوب الرعية بسبب طمع الملك وظلمه على الرعية، وحينئذ تقع الفتن المختلفة ~~في الولاية، ولا يدفع ذلك الفتن الخزائن العظمى، أما إذا كانت المملكة على ~~قراره، والملك يقعد محله بالعدل والإنصاف، ويجري أحكام الشريعة والسياسة ~~على الرعية، يكون جميع ما في الدنيا خزائن ذلك الملك، وجميع الناس ~~والملائكة أجناده وأعوانه. # ولا ينبغي للوزير أن يضع البدع على الرعية ليتقرب بها عند الملك، فإن ذلك ~~سبب عداوة الملك، لأن بوضع البدع ينتشر اسم الملك في الدنيا بالظلم، ويحصل ~~للملك بسبب البدع في الآخرة عقاب أليم، وتدعو الرعية على الملك بالسوء، ~~فيحصل حينئذ الاضطراب في المملكة، وتزول دولة الملك، وتنتزع المملكة من ~~يده، لأن الحكماء قالوا: ينبغي للملك من الأجناد، وأجناد الملك نوعان: جند ~~الليل، وجند النهار. # أما جند الليل: فهم الفقراء، والمساكين، والعلماء والزهاد، والعباد، ~~ولهذا قالوا: دعوة عجوز واحدة وقت السحر للملك يزيد عند الله أثره من شجاعة ~~مائة فارس. # وأما أجناد النهار: فهم الذين يجتمعون عند الملك وقت القتال. # وقال حكماء الهند: " لا ملك إلا بالرجال، ولا رجال إلا بالمال، ولا مال ~~إلا بالرعية، ولا رعية إلا بالعدل والسياسة " فيكون العدل أصل جميع ذلك. # وينبغي للسلاطين والوزراء ألا يهملوا السياسة، ويكونوا مع السياسة ~~عادلين، لأن السلطان خليفة الله في أرضه، يجب أن تكون هيبته بحيث إذا رأته ~~الرعية أو إذا كانوا بعيدا عنه خافوا منه، وسلطان هذا الزمان يجب أن يكون ~~أوفى سياسة، وأتم هيبة، لأن أناس هذا الزمان ليسوا كالمتقدمين، فإن زماننا # PageV01P223 # هذا زمان السفهاء والأشقياء، وإذا كان السلطان - والعياذ ms060 بالله - بينهم ~~ضعيفا، أو كان غير ذي سياسة وهيبة، فلا شك أن ذلك يكون سبب خراب البلاد، ~~وأن الخلل يعود على الدين والدنيا، ولم يكن لذلك السلطان في أعين الناس ~~خطر، ولا يسمعون كلامه، ولا يطيعون أمره، ويكون الخلق عليه ساخطين. اعلم أن ~~من أكمل شرائط الوزارة أن يسعى الوزير باستزادة الدعوات الصالحات، واستزادة ~~الخيرات والصلات ويسعى في استراحة الرعية في إجراء أحكام الشريعة، وإجراء ~~الوقوف مصارفها، على الشروط التي شرطها الواقفون في المبرات، ويوصل الصدقات ~~والصلات إلى الصادرين من الأئمة والعلماء، والفقراء والسادات، والزهاد، ~~والعباد، وأهل التصوف، والصلحاء، وغيرهم ليزيد المملكة ويستديم السلطنة ~~ببركة دعائهم في الدنيا، وفي الآخرة يرفع درجاته وقربته إلى الله تعالى. # وينبغي للوزير أن تكون خيراته أزيد من خيرات الأمير، ويكون بابه مفتوحا ~~لأرباب الحوائج، ولا يكون خلقه سيئا، ولا قلبه ضيقا، ولا يكون متكبرا على ~~خلق الله تعالى، وتكون معاشرته مع الخلائق بالرأفة، والرحمة، والأخلاق ~~الحسنة، والإكرام، والإعزاز، بأن يرحم الصغار، ويوقر الكبار، ويبجل ~~العلماء، كما قال النبي عليه السلام: " من لم يرحم صغيرنا، ولم يوقر ~~كبيرنا، ولم يبجل عالمنا، فليس منا ". # PageV01P224 # وايضا ينبغي للسلاطين والوزراء، أن يجتهدوا أولا في إحياء الخيرات ~~والأوقاف التي أجريت في الزمان الماضي، ثم بعد ذلك يجتهدون في ابتداء وضع ~~الخيرات والأوقاف لأنفسهم. # كما حكي أن ملكا من الملوك الماضية كان اسمه صلاح الدين - رحمه الله - ~~وكان من عادته كلما فتح بلدة ينشيء فيها بناء الخيرات، وكان له وزير مع أنه ~~كان قاضيا له صالحا فاضلا، فلما فتح ذلك الملك المصر قال لوزيره: أريد أن ~~أبني في المصر خانقاها، فقال الوزير للملك: إني أريد أن يبنى لملك الإسلام ~~في المصر ألف بقعة خير. # فقال الملك: كيف يمكن أن يبنى ألف بقعة خير؟ قال الوزير: أدام الله - ~~تعالى - دولة الملك، إن في المصر ألف بقعة خير كله خراب الآن ومندرسة، فإن ~~قصد ملك الإسلام أن يأمر بأن يعمروا تلك البقاع الخربات، ويأخذوا أوقاف تلك ~~البقاع من أيد المستأكلة، وينصب ملك ms061 الإسلام متوليا بارعا متدينا كي يصرف ~~الأوقاف مصارفها على الشرائط التي شرطها الواقفون، يحصل ثواب جميع ذلك لملك ~~الإسلام كثواب الأوقاف التي أنشأها ملك الإسلام، فأمر ملك الإسلام صلاح ~~الدين - عليه الرحمة - بأن يعمروا رقبات الوقف، ويصرفوا أوقافها على ~~مصارفها، ثم بعد ذلك وفق الله - تعالى - إياه أنشأ خيرات كثيرة، تقبل الله ~~منه وشكر سعيه. # PageV01P225 # والمقصود من هذه الحكاية: أنه ينبغي للوزير أن يكون مشفقا على أحوال ~~الخلق كما يكون مشفقا على حال نفسه. # وحكى أن أصحاب الوظائف اجتمعوا في موضع واحد في زمن هارون الرشيد رحمه ~~الله، وكتبوا كتابا مضمونه: نحن عباد الله، وبعضنا أولاد الأكابر، وبعضنا ~~حفاظا، وبعضنا من آل الرسول، وبعضنا من أهل العلم، وبعضنا من المشايخ، ~~وبعضنا فقراء، وبعضنا من المساكين، ولكل واحد منا نصيب من بيت المال، وأنت ~~كل يوم تأكل وتشرب وتلبس ما تشتهي، ونحن ما نجد الخبز، إن أنت تعطي نصيبنا ~~فبها، وإلا فنشكو من يدك إلى الله تعالى، وندعو الله تعالى ليأخذ بيت المال ~~من يدك، ويعطي الرجل الذي لا يقطع وظائفنا ونصيبنا ويشفق علينا. # فلما علم هارون الرشيد مضمون القصة تغير لونه وحزن وذهب بيته الخاصة ثم ~~سألته زوجته المسماة زبيدة عن حاله فقالت: ما كان بك اليوم؟ فأخبر مضمون ~~الكتاب فقالت زبيدة: انظر وتفكر كيف فعل قبلك الخلفاء المتقدمون والأمراء ~~والأكابر الماضون الذين قضوا بالحق، وبه كانوا يعدلون، فافعل أنت مثلهم، ~~ولا شك أن بيت المال لمصالح المسلمين، وأنت تتصرف من بيت المال أكثر من ~~نصيبك وحقك منه، فينبغي لك أن تتصرف في بيت مال المسلمين، كما يتصرف ~~المسلمون في مالك، وإن كانوا يتضرعون أن ينزع الله تعالى الملك من يدك، ~~ويعطيه في يد غيرك، فالحق في أيديهم، فإن الله تعالى يجيب دعوة المظلوم. # فلما ناما تلك الليلة رأى هارون الرشيد وزوجته في المنام أن القيامة قد ~~قامت، وأن جميع المخلوقات حضروا في موضع الحساب، والنبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يشفع لأمته، فلما قصد هارون وزوجته إلى حضرة الله تعالى للحساب، ms062 فجاء ~~ملك، ومنعهم من الذهاب إلى عند النبي عليه السلام، فقال هارون للملك: لم ~~تمنعنا من الذهاب إلى حضرة الله تعالى؟ فقال الملك: قال لي النبي عليه ~~السلام: # PageV01P226 # امنع هارون الرشيد عن المجئ عندي، لأني أستحي من الله - تعالى - بسببه، ~~لأن هارون أكل مال الخلائق بغير حق، وقطع أنصباء المستحقين، وجعلهم محرومين ~~عن حقوقهم، والحال أنه جلس في الدنيا مكاني. # فلما انتبها من النوم حزن هارون الرشيد، فسألت زبيدة عن حاله، فأخبرها ~~كما رأى في المنام، فقالت زبيدة: إني رأيت في المنام كذلك، ثم شكر الله ~~تعالى، فلما كان الغد فتح هارون أبواب الخزائن، ونادى المنادي في السوق، ~~فقال: يا أصحاب الأوقاف والوظائف والأنصباء، احضروا عند هارون الرشيد ~~فحضروا عنده بغير حساب، فقسم بيت المال جميعا لهم، ولم يبق شيء من بيت ~~المال، فقالت زبيدة: إن بيت المال حق الخلائق، فلا شك أنهم يطلبون ذلك منك، ~~إما في الدنيا وإما في الآخرة، فما أديت خرجت به من عهدة البعض الذي منعت، ~~وأما أنا إن أنفقت من مالي وجهازي فلوجه الله تعالى، فأنفقت ألف ألف دينار ~~في سبيل الله تعالى، وأمرت أن يعمر من باب " الكوفة " إلى الكعبة منازل ~~وآبارا، ففعلت الخيرات في طريق الكعبة التي لم يفعلها قبل ذلك أحد، وأمر ~~لعمالها أن يشتروا بباقي أموالها آلات الغزاة، ثم أمرت أن يشتروا بباقيها ~~القرى والضياع والكروم والبيوت، ليكون هؤلاء وقفا لمجاوري الكعبة والمدينة ~~والقدس. # قيل: إن القوم كتبوا هذه الحكاية ونقلوها إلينا قرنا بعد قرن ليعمل بها، ~~فإذا كان وجوب العمل ثابتا بالرؤيا فما جوابك إن قال الحكيم: أما كان كتابي ~~عندك منزلة الرؤيا؟ . # وأما حال الوزير في الخصلة الثانية وهي العلو مع الرعية: فينبغي للوزير ~~أن يكون مع الرعية ذا همة عالية، ولا يتوقع من الرعية شيئا، ولا يأخذ من ~~الرعية رشوة لأجل قضاء حوائجهم، ويبذل مروءته وكرمه على الرعية، ويوصل ~~صلاته إليهم. # PageV01P227 # وأما حال الوزير في الخصلة الثالثة وهي الثبات مع الرعية: فينبغي للوزير ~~أن يكون مع الرعية ms063 ثابت القدم في أحوال الرعية، يعني كلما أعطى الأمير أحدا ~~من الأجناد أو الرعية شيئا، أو جعل الأمير أو السلطان أحدا على شغل من ~~أشغال الإمارة، أو فوض أحدا منصبا، فلا يغير الوزير ذلك، ولا يبدل، كي لا ~~يقع التهاون في أمر السلاطين بل يقرر ويثبت ما أمر السلطان، ولا يسمع ~~الوزير كلام صاحب الأغراض على الرعية بغير بينة، كما قال الله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} (الحجرات 6) . # وإذا ثبت جناية أحد، مثل القصاص على أحد أو وجوب الحد على أحد، فلا يؤخر ~~الوزير ذلك إذا ثبت عند الحاكم أو عند الملك لقوله تعالى: {ولا تأخذكم بهما ~~رأفة في دين الله} (النور 2) . لأنه إذا أخر الوزير أو القاضي أو الملك ~~زواجر الشرع عن مستحقه بالشفاعة أو بالرشوة يفشو الظلم والفساد في الرعية، ~~ويطول أيدي الظلمة في الرعية بالفساد، وأخذ الأموال، ويفتح أبواب الفسق. # وينبغي للسلاطين والوزراء أن يفوضوا كل أمر إلى مستحقه، لأنه إذا لم يعط ~~الأمر إلى مستحقه يفسد الدين والدنيا، ويخرب الولاية ويتفرق الرعايا. # وأما حال الوزير في الخصلة الرابعة وهي التحمل مع الرعية: فينبغي للوزير ~~أن يكون في التحمل كعمود الخيمة، يعني يتحمل الوزير جميع زحمات الرعية ~~والمملكة بالهمة والشفقة والرحمة على الرعية، وإن صدر عن الرعية ذنب صغير ~~بالسهو أو الخطأ يعفو الوزير ذلك عنهم، ولا يكون ملولا في وقت عرضهم ~~أحوالهم عنده، ويعرك أذن الفساق والظلمة، ويؤدبهم، ليكون نصيحة على غيرهم، ~~ويكون في قلبه أنه يفعل جميع الأشياء المذكورة لأجل رضاء الله تعالى، لا ~~لأجل رضاء الأمير، ولا لأجل رضاء نفسه، ولا لأجل رضاء غيرهما. # PageV01P228 # اعلم أنه كما يجب على الوزير الأمور المذكورة، يجب على القضاة والنواب ~~وأصحاب القلم والعمال أن يراعوا في أمورهم الديانة، والأمانة، وجانب الحق، ~~ويجتهدوا في إجراء أحكام الشريعة، وتخفيف الرعايا من المؤنات والأمور ~~الشاقة، ليستوجبوا بذلك المثوبة والقربة عند الله تعالى، فإن الله تعالى ~~يسألهم عن ms064 جميع ذلك. # وايضا ينبغي لهم أن يشتغلوا في الليل والنهار بذكر لا إله إلا الله، ~~والتسبيح والاستغفار، وقراءة القرآن، وفي الصبح بقراءة قل هو الله أحد عشر ~~مرات، وبقراءة سورة يس، وسورة الواقعة، وسورة {تبارك الذي بيده الملك} ، ~~وسورة {لا أقسم بيوم القيامة} ، ولا يتركوا صلاة التهجد - وهي الصلاة في ~~جوف الليل - وإن كانت ركعتين، وصلاة الضحى وإن كانت ركعتين، وينبغي لهم أن ~~يعملوا بموجب هذا الحديث كل يوم وليلة، وهو ما روي عن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # أنه قال: " من قرأ حين يصبح آية الكرسي، وآيتين من أول {حم تنزيل الكتاب ~~من الله العزيز العليم} (غافر: 2) ، حفظ في يومه ذلك حتى يمسي، فإن قرأها ~~حين يمسي حفظ في ليلته تلك حتى يصبح ". # PageV01P229 # وعن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - أنه قال: قال رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] : " إن فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وآيتين من آل عمران: " شهد ~~الله إلى قوله: {إن الدين عند الله الإسلام} (آل عمران: 19) و {قل اللهم ~~مالك الملك} (آل عمران: 26) ، معلقات، ما بينهن وبين الله حجاب، قلن: يا رب ~~تهبطنا إلى أرضك، وإلى من يعصيك، قال الله عز وجل: بي حلفت لا يقرؤكن أحد ~~من عبادي دبر كل صلاة، إلا جعلت الجنة مثواه على ما كان منه، وأسكنته حضيرة ~~القدس، ونظرت بعين المكنون كل يوم سبعين مرة، ولقضيت كل يوم سبعين حاجة ~~أدناها المغفرة، ولأعذته من كل عدو وحاسد، ونصرته منهم ". والله الموفق # PageV01P230 ### | الباب السادس ### | في قواعد الأجناد، وآدابها # اعلم أنه لا يخفى في العالم أن خدمة السلاطين والأمراء والملوك أمر عظيم، ~~وكل من يجعل نفسه في خدمة الملك، فإنه في معرض الخطر والخطأ، ومن أجل ذلك ~~قال النبي عليه السلام: " من اقترب أبواب السلطان افتتن ". # وتقول العرب: من شرب من كأس الملوك احترقت شفتاه. # ففي الجملة إن قدر الله - تعالى - لرجل خدمة الملوك، والتقرب عندهم ينبغي ~~له ألا يخاف الملك في كل الأحوال، لأن النبي _ عليه السلام - قال: " إن ~~الله ms065 ليغضب على من خالف السلطان ". # وقال الحكماء: من خدم السلطان خدمه الإخوان، إذا تغير السلطان تغير ~~الزمان. # PageV01P231 # واعلم أنما يليق الرجل لخدمة السلطان إذا حافظ عشر قواعد، فحينئذ يأمن من ~~غضب الملوك، ويبعد عن شرورهم، ويكون ذا عزة عند الملوك: # القاعدة الأولى: ينبغي لأجناد الملك وخدامه ألا ينكروا على أفعال الملك ~~وأقواله، وإن كانت تلك الأقوال والأفعال منكرة في الشرع، بل الأجناد يمنعون ~~الملك عن منكرات الشرع بالتأني والتدريج. # القاعدة الثانية: هي أن يشتغل الأجناد والخدام جميع أوقاتهم باستمالة قلب ~~الملك، وكل شيء يعمل الأجناد والخدام، ينبغي أن يكون على وجه العبودية ~~والخضوع. # القاعدة الثالثة: هي ألا يعارض الخادم للملك بالحجة، ولا يخالف أمر ~~الملك. # القاعدة الرابعة: هي ألا يغتر الأجناد والخدام ببساطة وجه الملك ~~واستمالته، ولا يأمن من مكر الملك، بل يعلم محبته من عطائه، فإن كان عطاؤه ~~كثيرا يعلم أن محبته معه كثير، وإن كان عطاؤه قليلا يعلم أن محبته معه ~~قليل، وقال الحكماء: # ثلاثة أشياء على مقدار عقول أربابها: الكتاب يدل على مقدار عقل كاتبه، ~~والرسول يدل على مقدار عقل مرسله، والهدية تدل على مقدار همة مهديها. # القاعدة الخامسة: هي أن يحفظ الخادم لسانه عن الخصومة في حضرة الملك مع ~~رجل آخر، ولا يغضب رجلا عند الملك، لأنه إذا أغضب الخادم رجلا عند الملك، ~~فكأنه يغضب الملك. # القاعدة السادسة: إذا كانت الأجناد أو الخدام في خضرة الملك يتوجه بعينه ~~وإذنه إلى أمر الملك، ويمتثل بإشارته وأمره. # القاعدة السابعة: هي أن الخادم إذا خاطب الملك ينبغي للخادم أن يكون لين ~~الكلام، ويكون كلامه أخفض من كلام الملك، ولا يتحاج من الملك. # PageV01P232 # القاعدة الثامنة: هي ألا يكثر الخادم طلب الحوائج من الملك كي لا ينقص ~~حرمته عند الملك، وإن عرض الخادم حاجة للملك، فلم يقض الملك حاجته، فينبغي ~~للخادم ألا يغتم بذلك، ولا يغضب الخادم الملك لذلك السبب، ولا يبعد عن خدمة ~~الملك لأجل عدم قضائه الحاجة، لئلا يكون هلاك الخادم في ذلك الغضب والبعد. # القاعدة التاسعة: هي أن ms066 يعتاد الخادم في خدمة الملك أن يكون على أطيب خلق ~~وطلاقة وجه، ويحترز عن الحزن وعبوس الوجه عند الملك. # القاعدة العاشرة: ألا يعقد الخادم مع خدام الملك العداوة، وإن كان بينه ~~وبين خادم آخر عداوة، فلا يظهر تلك العداوة عند الملك، وإن شكا الخادم من ~~خادم آخر إلى الملك، فينبغي للخادم أن يعرض الشكاية للملك على طريق النصيحة ~~والتعريض، ليقع كلامه محل القبول عند الملك. # ففي الجملة ينبغي للأجناد والخدام أن يكون شعارهم ودثارهم عند الملك ~~الصبر والرفق والمداراة والأدب، لأن الأدب مفيد في جميع المواضع، أما في ~~مجلس الملك أعظم فائدة. # قال أفلاطون: ينبغي للعاقل ألا يكلم الملك بالمجاهرة والغضب، ولا يجاري ~~على الملك في الكلام، ولا يغتر باستمالة الملوك، ولا بالتقرب عندهم، لأن في ~~التقرب عندهم حصول خطر البعد عن الملك، وفي القبول عندهم يحصل الخذلان ~~والهوان. # وقال سقراط: إذا عفا الملك عن جرم رجل ينبغي أن يعرف الرجل حق ذلك العفو، ~~ولا ينبغي للرجل أن يفعل مرة أخرى ذلك الجرم. # وقال أفلاطون الحكيم: " لا يمكن خدمة الملك إلا بثلاثة أشياء: أن يغمض ~~عينه عن مساوئ الملك، ويقصر يده عن أخذ مال الملك بغير أمره، ويحفظ لسانه ~~عن غيبة الملك ". # وقال حكماء اليونان: ثلاثة أشياء من علامات عدم السعادة: الأول: ألا يرى ~~عيبه. والثاني: أن يطلب عيب غيره، والثالث: الكذب في القول. # PageV01P233 # وقال أنو شروان العادل: لا يبلغ الرجل مراده في خدمة الملوك، فإذا لم ~~يبلغ مراده، فينبغي ألا يمنع إحسانه من أصدقائه. # وينبغي للوزير والخادم ألا يرجع السائلين من بابه محرومين، فإنه من أعظم ~~العيوب عند العقلاء. # عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال لابنه محمد: " إياك ~~والسؤال، فإنه يخلق الوجه ويذهب بهاءه، ويطفئ نوره، ويضع الأقدار، ويحط ~~الأخطار، ويكسو الذلة والصغار ". # وقال الحسن بن علي رضي الله عنه: " من رجا نوالا فقد باع حياته بالموت، ~~واستبدل بالعز الذل ". # وقال المهلب لبنيه: " إياكم ورد السائلين، فإني ما رأيت شيئا أذل من ~~السؤال، فلا تجمعوا ms067 عليه ذلين، ذل السؤال، وذل الرد ". # وقال حكيم: ما أحب أن أرد ذا حاجة، فإنه لا يخلو إما أن يكون كريما فأصون ~~وجهه، أو لئيما فأصون عرضي عنه. # وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يوصي إلى ولده ويقول: " إن افتقرت فمت # PageV01P234 # قبل أن تسأل، وإن استغنيت فأعط قبل أن تسئل، وإياك ورد الطالب، فإنه قد ~~باع نفسه ". # وقال بزرجمهر: " ينبغي للرجل أن يعيش مع الملك كما يعيش العبد مع سيده، ~~لأن الملك لا يخرج عن كونه ظل الله، والرعية لا تخرج عن ذل العبودية ". # وقال الحكماء: # فساد الرعية بلا ملك كفساد الجسم بلا روح. # إذا تغير السلطان، تغير الزمان. # شعر: // (الوافر) // # (إذا ما اللحم أنتن ملحوه ... ونتن الملح ليس له دواء) # وقال الحكماء: " احذروا من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره ". # قيل لحكيم: " لم لا تشرب الشراب؟ قال: أكره أن أصبح سيد قوم وأمسي سفيههم ~~". # وينبغي للأجناد والخدام أن يكونوا أصبر الخلائق على أذى الملك، لأن ~~العقلاء قالوا: إن في الصبر خمس فوائد، كل ذلك مستحسن ومطلوب، وفي العجلة ~~خمسة أشياء، كل ذلك مذموم: # الأول: في الصبر رجاء الفرج، كما قال النبي عليه السلام: " الصبر مفتاح ~~الفرج ". فعلم من هذا الحديث أن في العجلة لا يرجى الفرج. # PageV01P235 # والثاني: أن في الصبر رجاء الصواب، وفي العجلة رجاء الخطأ، كما قال النبي ~~عليه السلام: " من تأنى أصاب أو كاد ومن تعجل أخطأ أو كاد ". # والثالث: أن في الصبر رجاء النصرة، كما قال عليه السلام: " إن النصر مع ~~الصبر " فيعلم منه أن في العجلة عدم النصر، وهو الهزيمة. # والرابع: أن في الصبر رجاء الحسنة، لأنه ذكر في التوراة: " لا حسنة أعلى ~~من الصبر " فعلم من ذلك أن في العجلة السيئة. # والخامس: أن في الصبر الاقتداء بالرسل - عليهم السلام - كما قال الله ~~تعالى: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ولا تستعجل لهم} {الأحقاف 35} ~~. # فعلم من هذه الآية أن الصبر من المأمورات، والعجلة من قبيل المنهيات، ~~لأنها ضد الصبر. # قال علي كرم الله وجهه: " كل رجل ms068 يبعد عن أربعة أشياء، فإن ذلك الرجل ~~يكون بعيدا عن السيء والمكروه: الأول: العجلة. والثاني: الغضب. والثالث: ~~العجب. والرابع: التكاسل ". # وقال النبي عليه السلام: " التعجيل لا يباح في المأمور إلا في ثلاثة ~~أشياء: الأول: في تزويج البنت، والثاني: في دفن الميت، والثالث: في إحضار ~~الطعام إلى الضيف ". # PageV01P236 ### | فصل في الموعظة (والنصيحة) # كتب أبو الدرداء إلى مسلمة بن مخلد: " سلام عليك، أما بعد: # فإن العبد إذا عمل بطاعة الله تعالى، أحبه الله تعالى، وإذا أحبه الله ~~تعالى حببه إلى عباده، وإن العبد إذا عمل بمعصية الله، أبغضه الله، وإذا ~~أبغضه بغضه إلى عباده ". وكان رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يقول: " يا أبا ذر، أوصيك بوصية إن لزمتها قرت عينك، انظر إلى من هو ~~دونك، ولا تنظر إلى من هو فوقك، فإنك إذا فعلت ذلك خشع قلبك، وإن لم تفعل ~~شمخ قلبك، فشمخ معه السمع والبصر ". # شعر: // (البسيط) // # (من رام عيشا رغيدا يستفيد به ... في دينه ثم في دنياه إقبالا) # (فلينظرن إلى من فوقه عملا ... ولينظرن إلى من دونه مالا) # وقال لقمان الحكيم - عليه السلام - لابنه: " لا تجمع المال لولدك، فإن ~~كان الولد من الأبرار، فإن الله لا يضيع الأبرار، وإن كان من الفجار فلا ~~تجمع المال للفجار ". # PageV01P237 # شعر: // (الوافر) // # (جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيان التحرك والسكون) # (جنون منك أن تسعى لرزق ... فيرزق في غشاوته الجنين) # وقال بعض النصاح: " أما ينفعك موعظة مشاهدة جنازة والدك، وحضورك وفاة ~~أخيك، وأنت بينهما عارية ". # وسأل موسى عليه السلام ربه أن يجعل في كل ألف من بني إسرائيل واعظا ~~يعظهم، فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه: " أن يا موسى أني قد أقمت بين كل ~~خمسة منهم واعظا يعظهم " يعني الأربعة الباقية - فقال موسى عليه السلام: من ~~ذلك الواعظ يا رب؟ فقال: الميت على السرير يعظ حامليه الأربعة. # حكاية: يحكى أن رجلا كان له ابن صغير يكون معه في الفراش، فليلة اضطرب ~~الابن ولم ينم، فقال له أبوه: ما لك يا بني؟ أبك وجع؟ قال: لا يا ms069 أبت، ولكن ~~غدا يوم الخميس، يوم يعرض المتعلم على المعلم فأخاف من ذلك، فقام الرجل إلى ~~صحن الدار، ووضع التراب على رأسه وقال: أنا أحق بهذا البكاء، لأني أعرض يوم ~~القيامة على ربي. # قال رجل لحاتم الأصم إني أريد سفرا فأوصني، فقال: إن أردت الأنيس فعليك ~~بالقرآن، وإن أردت الرفيق فالملائكة الكرام، وإن أردت الحبيب فالله تعالى ~~فرح قلوب أحبابه. # وعن الأنطاكي - رحمه الله - قال: " خمس من دواء القلب: مجالسة الصالحين، ~~وقراءة القرآن، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند الصحة ". # PageV01P238 # وقال رجل لذي النون المصري: أوصني، فقال: " إن أردت أن تذهب قساوة قلبك ~~فأدم الصيام، وإن وجدت قساوة، فأطل القيام، وإن وجدت قساوة فذر الحرام، وإن ~~وجدت قساوة فصل الأرحام، فإن وجدت قساوة فالطف بالأيتام ". # اعلم أن القلب عبارة عن قطعة من دم جامدة سوداء، وهو مستكن في الفؤاد، ~~وهو بيت النفس ومسكن العقل، وقساوة القلب عبارة عن عدم قبول ذكر الله ~~تعالى، والخوف، والرجاء، وغير ذلك من الخصال الحميدة، وعدم هذه الخصال لبعد ~~الناس من الله تعالى. # وقال رجل لحامل اللفاف: عظني، فقال: اجعل لدينك غلافا كغلاف المصحف، لئلا ~~يدنسه الآفات، فقال الرجل: ما غلاف ذلك؟ قال: ترك طلب الدنيا إلا ما لا بد ~~منه، وترك مخالطة الناس إلا ما لا بد منه. # حكاية: كان لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صحيفة يكتب جميع ما كان يفعل ~~في أسبوع من الخير والشر، فإذا كان يوم الجمعة يعرض أعمال الأسبوع على ~~نفسه، فلما بلغ شيئا لم يكن فيه رضاء الله - تعالى - جعل يضرب الدرة على ~~نفسه، ويقول: لم فعلت هذا؟ فلما مات وأرادوا إخراج ثيابه، فإذا ظهره وجنبه ~~مسودة من كثر الضرب. # أوحى الله - تعالى - إلى داود عليه السلام: يا داود، هل تدري من أغفر له ~~ذنوبه؟ قال: من هو يا رب؟ قال: الذي إذا ذكر ذنوبه ارتعدت فرائصه، فذلك ~~العبد الذي آمر ملائكتي أن تمحو عنه ذنوبه. # PageV01P239 # وقال داود: أين أجدك إلهي إذا طلبتك؟ قال: عند المنكسرة قلوبهم من ms070 ~~مخافتي. # وقال أبوعلي الروذباري رحمه الله: إن الله - تعالى - وضع لعباده ثلاث ~~شبكات: شبكة العفو للمذنبين، وطرح حواليها حبوب التوبة، فإذا تاب العبد ~~وندم جرته شبكة العفو إلى مغفرته ورضوانه، ووضع شبكة البشارة للنبيين، وطرح ~~حواليها حبوب الطاعة، فإذا أطاع العبد ربه، جرته شبكة البشارة إلى التوفيق ~~والاعتصام والانقطاع عما سواه، ووضع شبكة بره للعارفين، وطرح حواليها حبوب ~~المحبة، فإذا طلب المحب مرضاة حبيبه، جرته شبكة بره إلى أياديه القديمة، ~~وإلى بره الأزلي. # ويروى أن رجلا أتى النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # فقال: يا رسول الله، قد بارك الله لهذه الأمة، فخصني بخصلة خير فقال: " ~~عليك بالصلاة في الجماعة، فإن فيها النجاة، وإن علمت أن فيها الهلكة، وعليك ~~بطلب العلم، فإنه شرف لك في الدنيا والآخرة، وإذا أردت أمرا فتدبر عاقبته، ~~فإن كان رشدا فأمضه، وإن كان غيا فأمسك نفسك عنه ". # قيل لواحد من الحكماء: لماذا لا تتعلم الفقه والعلم؟ فقال: تعلمت ثلاث ~~مسائل من كتب الفقه: من كتاب النكاح: أن الجمع بين الأختين حرام بالنص، ~~فقلت: الدنيا أخت الآخرة فلا أجمع بينهما. # PageV01P240 # ومن كتاب الطلاق: أن مطلقة النبي - عليه السلام - لا يجوز نكاحها بالنص، ~~قال الله تعالى: {ولا تنكحوا أزواجه من بعده أبدا} {الأحزاب 53} ، فقلت: ~~الدنيا مطلقة النبي - عليه السلام - فلا يجوز أن أتزوجها. ومن كتاب البيوع: ~~" الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد، والفضل ربا، فقلت: الصاع من العمر ~~بصاع من الرزق، والفضل ربا حرام ". قال علي كرم الله وجهه: " الفتوة أربعة: ~~العفو عند المقدرة والتواضع عند الرفعة، والنصيحة عند العداوة، والعطية ~~بغير منة ". # قال الأصمعي: لما حج أمير المؤمنين هارون الرشيد - رحمه الله - وانصرف ~~إلى " الكوفة " بقى بها أياما، فلما أراد الانصراف، وبدت هوادجه تخرج، خرج ~~الناس ينظرون إلى بهجة الخلافة، وبين يديه الطرد والدفع والمنع، فإذا بهلول ~~المجنون، والصبيان حوله فقال: من هذا الذي يجرء علينا طريقنا هذه؟ فقال له ~~محمد بن الأحنف: هذا بهلول المشوش يا أمير المؤمنين، فخرج إليه هارون، فأخذ ~~بعنان فرسه، وأقبل عليه بوجهه، ms071 فقال له: ما حاجتك يا بهلول؟ فقال: النصيحة ~~لوجه الله، والتذكير لطاعة الله - تعالى - فقال: بلى. # قال: يا هارون، حدثني أبي عن جدي عن أحمد بن وائل عن سمي مولى أبي بكر عن ~~أبي صالح السمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن # PageV01P241 # النبي عليه السلام: أنه خرج من مكة يريد المدينة على هذه المحجة التي أنت ~~عليها، وهو على بغلته الدلدل، وليس بين يديه طرد ولا دفع ولا منع، وهو ~~يقول: " يا أيها الناس رحمكم الله، ليلطف بعضكم على بعض فإن الله لطيف ~~بالعباد ". # قال هارون: زدني يا بهلول، قال: نعم يا هارون، حدثني أحمد بن وائل، عن ~~معبد العامري، قال: سمعت رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # يقول، وهو بعرفات وبيده قضيبه الممشوق: " من رزقه الله جمالا في الدنيا ~~ومالا، فأتعب جماله في طاعة الله تعالى، وبذل ماله في مرضاة الله، كان ~~حقيقا على الله أن يسكنه في ديوان الأبرار يوم القيامة ". قال له هارون: ~~أتأخذ مني جائزة يا بهلول؟ قال: والله ما أرضاها لك، فكيف لنفسي؟ اصرفها ~~على الذي أخذتها منه، فهو أحق بها، قال: فأجري عليك عطائي من مالي يا ~~بهلول، قال: يا هارون، أليس رزقي ورزقك على الله؟ قال: بلى. قال: يا هارون ~~فتظن أنه يذكرك وينساني؟ ثم ركب القصبة وجعل يكر على الصبيان ". # حكاية: قيل: لما حج هارون الرشيد ماشيا فرش له من العراق إلى الحجاز ~~اللبود والمرعزي، لأنه قد حلف أن يحج ماشيا فاستند يوما إلى ميل من الحجر - ~~وقد تعب تعبا شديدا - فإذا سعدون المجنون قد غار منه فأنشد شعرا: // ~~(الهزج) //: # (هب الدنيا تواتيك ... أليس الموت يأتيك؟) # (فما تصنع بالدنيا؟ ... وظل الميل يكفيك؟) # (ألا يا طالب الدنيا ... دع الدنيا لشانيك) # (كما أضحكك الدهر ... كذاك الدهر يبكيك) # فشهق الرشيد، وخر مغشيا عليه، وقد فاته ثلاث صلوات. # قيل: أوحى الله - تعالى - إلى داود عليه السلام: " انصب كرسيا للقمان، ~~واسمع منه الحكمة، ففعل ذلك، قال: يا داود، اسمع مني ست كلمات يدخل فيها ~~علم الأولين والاخرين: ms072 ليكن همك على الدنيا بمقدار مقامك فيها، # PageV01P242 # وليكن عملك للآخرة بقدر لبثك فيها، ولتكن جرأتك على المعاصي بقدر صبرك ~~على النار، وليكن خدمتك لمولاك بقدر حاجتك إليه، وليكن انفكاك رقبتك على ~~النار بقدر طاعتك وإذا اردت أن تعصي مولاك، فاختر موضعا لا يراك. # لما حان للخضر وموسى - عليهما السلام - أن يتفرقا، قال: يا موسى، لو صبرت ~~علي لأتيت على ألف عجيبة كل أعجب مما رأيت، فبكى موسى عليه السلام على ~~فراقه، وقال للخضر: أوصني يا نبي الله، فقال: يا موسى، اجعل همك في معادك، ~~ولا تخض فيما لا يعنيك، ولا تأمن الخوف في أمنك، ولا تيأس من الأمن في ~~خوفك، ولا تذر الإحسان في قدرتك. قال له موسى عليه السلام: زدني - رحمك ~~الله - فقال له الخضر: إياك والإعجاب بنفسك، والتفريط فيما بقى من عمرك، ~~وهم من لا يغفل عنك. قال له موسى عليه السلام: زدني رحمك الله، فقال له ~~الخضر: إياك واللجاج، ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، وابك على ~~خطيئتك يا ابن عمران. فقال موسى عليه السلام: قد بلغت في الوصية، فأتم الله ~~- تعالى - عليك نعمته، وغمرك في رحمته وكلأك من عدوه. فقال له الخضر: آمين، ~~فأوصني أنت يا موسى، فقال له موسى عليه السلام: إياك والغضب إلا في أمر ~~الله تعالى. فقال له الخضر: قد أبلغت في الوصية، فأعانك الله على طاعته، ~~وحببك إلى خلقه، ووسع عليك من فضله، فقال له موسى عليه السلام: آمين. ثم ~~قال له موسى: يا نبي الله من أجل أي شيء أعطاك الله الحياة من بين العباد، ~~فلا تموت حتى تسأل الله تعالى ذلك، واطلعت على ما في قلوب العباد؟ فقال له: ~~يا موسى على الصبر على معصية الله تعالى والشكر لله في نعمته، وسلامة ~~القلب، لا أخاف ولا أرجو غير الله تعالى يا ابن عمران. والله أعلم. # قال النبي عليه السلام: " ناجى موسى - عليه السلام - ربه فقال: يا رب إني ~~خفت من الفقر، ومن عذاب القبر، ومن سكرات ms073 الموت ومن أهوال القيامة، قال ~~الله تعالى: يا موسى، إن خفت من الفقر فعليك بصلاة الضحى، وإن خفت من عذاب ~~القبر، فعليك بركعتين بين المغرب والعشاء، وإن خفت من سكرات الموت فعليك ~~بقيام الليل، وإن خفت من أهوال القيامة، فعليك بإطعام المساكين ". والله ~~الموفق # PageV01P243 ### | الباب السابع ### | في المسائل الشرعية المتعلقة بالقضاة والسلاطين والأمراء # قال الله تعالى: {والذين أوتوا العلم درجات} (المجادلة 11) ، وقال لنبيه ~~عليه السلام: {وقل رب زدني علما} (114 طه) . # وقال النبي - عليه السلام -: " إذا مات المؤمن، وترك ورقة عليها علم، ~~تكون الورقة سترا فيما بينه وبين النار، وأعطاه الله بكل حرف عليها مدينة ~~أوسع من الدنيا تسع مرات ". # وقال النبي - عليه السلام -: " من درس مسألة من العلم - مثلا رجل مات ~~وترك ابنا فالمال كله له - أعطاه الله - تعالى - ثواب أربعين ألف سنة ". # وروى: " أن الله - تعالى - خير سليمان - عليه السلام - بين العلم والملك، ~~فاختار العلم، فأعطاه الله تعالى الملك والعلم جميعا ". # وقال النبي عليه السلام: " لا بد لكل مؤمن ومؤمنة من أربعة أشياء: دار ~~واسع، وفرس جواد، ولباس جيد، وسراج منير ". قيل يا رسول الله، ما الدار ~~الواسع؟ فقال عليه السلام: الصبر. قيل: وما المركب الجواد؟ فقال عليه ~~السلام: العقل. قيل: وما اللباس الجيد؟ فقال عليه السلام: الحياء، قيل: وما ~~السراج المنير؟ فقال عليه السلام: العلم ". # PageV01P244 # وقال النبي عليه السلام " إن لكل شيء عمادا، وعماد هذا الدين الفقه ". # وقال عليه السلام: " العلماء مصابيح الجنة وخلفاء الأنبياء ". # وقال أبو علي رحمه الله: " من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة ~~فعليه بالعمل ". # وروى عن الشافعي - رحمه الله - أنه قال: " العلم قلادة، والأدب إفادة، ~~ومجالسة العلماء زيادة ". # وقيل: " العلم كنز مؤبد، وعز سرمد ". # وقيل: العلم نسب لمن لا نسب له، وحسب لمن لا حسب له. # وقال الحسن البصري رحمه الله: " إن هذا العلم يزيد الشريف شرفا، ويبلغ ~~المملوك مجالس الملوك ". # وقيل: العلم أفضل من العقل عند أهل السنة والجماعة، خلافا للمعتزلة. # وعن عروة بن الزبير - رضي الله عنه - أنه قال ms074 لأولاده: " تعلموا فإنكم إن ~~تكونوا صغار قوم، عسى أن تكونوا كبار قوم آخرين ". # وقال النبي عليه السلام: " لا راحة للمؤمن في الدنيا إلا في ثلاث: في ترك ~~الدنيا، وطلب العلم، وصحبة الصالحين ". # PageV01P245 # وعن أبي يوسف - رحمه الله - قال: " اختلفت إلى أبي حنيفة - رحمه الله - ~~تسع عشرة سنة ما فاتني صلاة الغداة مع ابن أبي ليلى. # وعن زفر - رحمه الله - قال: " اختلفت إلى أبي حنيفة - رحمه الله - خمسا ~~وعشرين سنة ما فاتني فطر ولا أضحى ". # مسألة: قالت له امرأته: يا نحس، فقال الرجل: إن كنت نحسا فأنت طالق ~~ثلاثا. قال العلماء: إن كان الحالف من أهل خوارزم، ينظر: إن كان # PageV01P246 # له مال لم يحنث، وإن لم يكن حنث، لأن من عادتهم أن من لم يكن له مال ~~يعدونه نحسا. وإن كان من أهل " بخارى ": إن كان له علم لا يحنث، وإن كان ~~جاهلا حنث. وإن كان من أهل " خجند ": إن كان له جمال لا يحنث، وإن لم يكن ~~حنث. كذا يعتبر عرف كل بلد. # وقال النبي عليه السلام: " القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في ~~الجنة: رجل عالم يقضي بما علم به فهو في الجنة، لأنه أظهر الحق بعلم، وأنصف ~~المظلوم من خصمه، فهو في الجنة، ورجل جاهل فقضى بالجهل فهو في النار، لأنه ~~قضى بالجور، ورجل عالم فقضى بغير علمه فهو في النار، لأنه كابر الحق، وأقدم ~~الباطل عن بصيرة ". # إنما يستحب التحرز عن الدخول في القضاء، إذا كان وراءه في البلد من يصلح ~~للقضاء، لأنه حينئذ تحرزه عن القضاء لا يختل. # PageV01P247 # روي عن أبي حنيفة رحمه الله: " القضاة ثلاثة: قاض يقبل قوله مجملا ~~ومفصلا، وهو الفقيه الورع. وقاض يقبل قوله مفصلا لا مجملا، وهو الورع غير ~~الفقيه. وقاض لا يقبل قوله لا مجملا ولا مفصلا، وهو ألا يكون فقيها ولا ~~ورعا. # الإمام الجائر لا يقبل قوله في المحرمات، نحو أخذ الأموال، والقتل، إلا ~~إذا علم. # العدالة في الإمامة، والإمارة، والقضاء، شرط الأولوية، لا شرط الصحة. # السلطان إذا حكم بين ms075 الخصم: قال أبو القاسم: ليس لمن ولى الحرب والحلب من ~~القضاء شيء، إنما ذلك إلى متولي القضاء. أراد بالحلب الرشوة. وذكر الخصاف: ~~أنه يجوز، لأن قضاء غيره إنما نفذ، لأنه تقلده، فلأن ينفذ قضاؤه كان أولى. ~~والفتوى على قول الخصاف، وإن كان في تعليله نظر. # مسألة: # من قال لسلطان هذا الزمان: عادل، كفر، لأنه لا شك في جوره، والجور حرام ~~بيقين، فمن جعله حلالا وعدلا فقد كفر. # PageV01P248 # قال لسلطان ظالم: إنه عادل. # قال أبو منصور الماتريدي: يكفر. # وقال السيد الإمام: لا يكفر، لأنه عدل في شيء. # روي عن بشر عن أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله: أن القاضي إذا كان غير ~~عدل، فقضاياه كلها مردودة. # وإذا كان الأمير الذي تولى القضاء جائرا لم يجز حكمه، ويجوز حكم قضاته، ~~كما جاز قضاء من تقلد القضاء من معاوية مع أنه كان جائرا. # قضاء القاضي في غير مكان ولايته لا يصح. # يجب أن يذكر القاضي في مكتوباته مكانه. # ويجوز قضاء الأمير الذي تولى القضاء، وكذلك كتابه إلى القاضي، إلا أن ~~يكون القاضي من جهة الخليفة، فقضاء الأمير لا يجوز. # اعلم أن العلماء اختلفوا في القاضي والأمير إذا جار وارتشى: # قال بعضهم: هما سواء، وينعزلان بنفس الجور والخيانة، لأنهما أمينان في ~~الشرع، والأمين إذا جار لا يبقى أمينا. # وقال بعضهم: ينعزل القاضي دون الأمير، لأنا تركنا القياس في الأمير بقوله ~~عليه السلام: " ولو أمر عليكم عبد حبشي أجدع "، ولا نص في القاضي، فيعمل ~~فيه بالقياس، وبه أخذ أبو بكر البلخي رحمه الله. # وقال بعضهم: لا ينعزل، بل يعزلان. وهو الصحيح، لأن الإنسان لا يخلو عن ~~ذنب. # قال الشيخ الإمام إسماعيل الزاهد: " إني أحفظ عن أصحابنا المتقدمين رواية ~~عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: أن القاضي ينعزل، لكن أدع هذه ~~الرواية، ولا أخالف أصحابي، فأقول: لا ينعزل ما لم يعزل، وينفذ قضاؤه إلا ~~فيما ارتشى، فإنه لا ينفذ قضاؤه، بل يكون حكمه فيه باطلا، حتى لا يحل لأحد ~~من القضاة تصحيح ذلك الحكم، بل ms076 يرده ويبطله. # PageV01P249 # وذكر الخصاف أيضا عن أصحابنا رحمهم الله: " لو أن قاضيا أخذ الرشوة ~~ليحكم، فحكم، كان حكمه باطلا، وصار معزولا من القضاء. # قال الناطقي: " قوله: " كان حكمه باطلا - مجرى على ظاهره. # وأما قوله: " صار معزولا " معناه: أن يعزل، ألا يرى أنه لو رد الرشوة، ~~وحكم، صح حكمه، ولو صار معزولا لاحتيج إلى تقليد آخر؟ ". # كذا ذكره الناطقي عن تأويل رواية الخصاف. والخصاف لم يؤول، بل أخذ ~~بظاهرها، فقال: يعزل. لكن الفتوى على أنه يستحق العزل، ولا ينعزل. # ولو ارتشى ولد القاضي، أو كاتبه، أو أحد في ناحيته ليعين الراشي عند ~~القضاء، ليقضي له وهو حق، فقضى القاضي، ولم يعلم بذلك، أثم الراشي، وحرم ~~على القابض، ونفذ القضاء، ولو علم القاضي بذلك، فقضاؤه مردود، كما لو ارتشى ~~بنفسه. # واعلم أن الرشوة والارتشاء حرام، إلا لدفع خوف عن نفسه، أو لدفع طمع ظالم ~~في ماله، حل الإعطاء ولا يحل الأخذ، وكذا لو رشاه ليسوي أمره بين السلطان، ~~يحل الإعطاء، دون الأخذ، والحيلة في حل أخذ تلك # PageV01P250 # الرشوة أن يقول الآخذ: استأجرني يوما إلى الليل لأقوم بعملك ببدل، ~~فيستأجره، يصح، ولو أعطاه بعدما سوى أمره ونجاه عن ظلمه، يحل للآخذ، وهو ~~الصحيح. ### | مسألة: # أبرأه عن الدين ليصلح مهمة عند السطان، لا يبرأ، وهو رشوة. # رزق القاضي وأعوانه مقدار كفايته، وكفاية أهله وأعوانه من بيت المال، ثم ~~قال بعض المشايخ: لا يستحق الكفاية يوم البطالة. # وقال مشايخ ما وراء النهر: إنه يستحق، وهو الأصح. ### | فصل في كيفية جلوس القاضي للقضاء # ويجلس القاضي للحكم في المسجد، وإن كان الخصم امرأة حائضا أو نفساء يأتي ~~القاضي إلى باب المسجد، فينظر في خصومتها، كما لو وقعت # PageV01P251 # الخصومة في الدابة، يخرج القاضي لسماع الدعوى والشهادة. ولا بأس بأن يجلس ~~في بيته، ويأذن للناس بالدخول عليه، ولا يقضي ماشيا، ولا بأس متكئا. ولا ~~بأس بالسلام على القاضي، وإن تركه وسعه، والخصوم لا يسلمون على القاضي، وهو ~~لا يسلم عليهم إذا جلس للقضاء. # وذكر الرازي في " أدب القاضي " أن ms077 من دخل على القاضي في مجلس حكمه وسعه ~~أن يترك السلام عليه هيبة له واحتشاما، وبهذا جرى الرسم أن الولاة والأمراء ~~إذا دخلوا عليهم لا يسلمون، وعلى الأمير أن يسلم ولا يترك السنة. # PageV01P252 # ويصلي ركعتين إذا دخل القاضي المسجد، ثم يدعو الله - تعالى - أن يوفقه، ~~ويسدده للحق، ويعصمه من الخطأ والذلل، ثم يجلس للحكم، ويستقبل القبلة ~~بوجهه، ويستحب أن يجلس معه قوما من أهل الفقه والأمانة قريبا منه، ويضع ~~القمطرة إلى جنبه عن يمينه. # ويتخذ كاتبا مسلما حرا، عدلا، ورعا، ويقعد حيث يرى، فيكتب خصومة كل خصمين ~~وشهودهما في صحيفة بيضاء - وهي المحضر - وينبغي أن يكتب اسم المدعي، واسم ~~أبيه، وجده، وكنيته، وصناعته، وقبيلته، وما يعرف به، وكذلك المدعي عليه؟ ~~ويكتب للشهود مواضع منازلهم ومحالهم ومصلاهم في رقعة، ويشدها في رأس ~~المحضر، للمسألة عنهم إن كان القاضي لا يعرفهم، وإن كان يعرفهم لم يحتج إلى ~~ذلك. # وينبغي للقاضي أن يتقي الله تعالى، ويقضي بالحق، ولا يقضي لهوى يضله، ولا ~~لرغبة يعزه، ولا لرهبة يزجره، بل يؤثر طاعة ربه على رضاء خلقه، فيتبع ~~الحكمة، وفصل الخطاب، قيل: هو العلم بالقضاء. وقيل: هو الفصل بين الخصوم. # وإذا تقدم إليه خصمان، فالسنة أن يقعدا بين يدي القاضي جثوا، # PageV01P253 # ويسوي بين الخصمين في الجلوس، والنظر، والمنطق، ولا يرفع صوته على ~~أحدهما، إلا أن يسئ، ولا يعين ولا يلقن أحدهما، ولا يعرض عنهما بعدما كان ~~مقبلا عليهما. # ولو اعتراه هم، أو نعاس، أو غضب، أو جوع، أو عطش، أو حاجة حيوانية، كف عن ~~القضاء، ولا يتطوع بالصوم في يوم القضاء ولا يبيع ولا يشتري في مجلس القضاء ~~بنفسه، ولا بأس بذلك في غير مجلس القضاء. # ويجيب الدعوة العامة كالعرس والختان، ولا يجيب الخاصة، وهي العشرة وما ~~دونها وما فوقها عامة، إلا إذا كان رجلا متخذا الضيافة للقاضي قبل القضاء ~~لصداقة بينهما، فيجيبه بعد القضاء، كالمستقرض إذا أهدى للمقرض شيئا أو # PageV01P254 # أضافه، إن كان فعل به قبل القرض فلا بأس بالقبول، وإلا فلا يقبل. ويجيب ~~دعوة ms078 الخاص من القرابة، ويقبل هديتهم بالاتفاق، وإن كان للقريب خصومة لا ~~يجيب ولا يقبل هديته. # PageV01P255 # (صفحة فارغة) # PageV01P256 # ولا يضيف القاضي أحد الخصمين، إلا أن يكون خصمه معه. # ويكره للقاضي أن يفتي في مجلس القضاء للخصومات والدعاوى، وفي غير مجلس ~~القضاء، قيل: لا يكره. وقيل: يكره. # ويكره أن يأذن أحد الخصمين أن يدخل في منزله، ولا بأس لمن لا خصومة له أن ~~يدخل للحاجة. # ففي الجملة يجب أن يكون المفتي: حليما، رزينا لين القول، منبسط الوجه. # PageV01P257 # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " رأس العقل أن يعفو الرجل عمن ظلمه، ~~وأن يتواضع لمن دونه، وأن يتدبر ثم يتكلم ". # وإذا أجاب المفتي ينبغي أن يكتب عقيب جوابه: والله أعلم، ونحو ذلك. # وقيل: في المسائل الدينية التي اجتمع عليها أهل السنة والجماعة ينبغي أن ~~يكتب: والله الموفق، أو يكتب: وبالله التوفيق، وبالله العصمة. # وإذا اتفق أصحابنا في شيء مثل أبي حنيفة - رحمه الله - وصاحبيه، لا ينبغي ~~للقاضي أن يخالفهم برأيه، لأن الحق لا يعدوهم، وإن اختلفوا فيما بينهم. # قال المتقدمون من مشايخنا: يؤخذ بقول أبي حنيفة رحمه الله. # وقال المتأخرون: إذا اجتمع اثنان منهم على شيء وفيهما أبو حنيفة - رحمه ~~الله - يؤخذ بقولهما، وإن كان أبو حنيفة - رحمه الله - في جانب، وهما في ~~جانب يتخير القاضي في ذلك إن كان من أهل الاجتهاد وإلا يستفتي غيره، فيأخذ ~~بقول المفتي بمنزلة العامي، ولا يسعه أن يتعدى إلى غيره. # PageV01P258 # وإن كان في المصر فقيهان اختلفا في شيء يأخذ بما هو أصوبهما عنده، وإن ~~كانوا ثلاثة فاتفق اثنان أخذ بقولهما. # ولا يجوز للحنفي أن يأخذ بقول مالك والشافعي فيما خالف مذهبه، وله أن ~~يأخذ بقول القاضي إذا حكم عليه بخلاف مذهبه. # وينبغي للقاضي أن يشاور أهل الفقه في الحكم. # ولو قضى القاضي بخلاف مذهبه نفذ قضاؤه عند أبي حنيفة - رحمه الله - خلافا ~~لهما. # ولو قضى برأي غيره، ثم ظهر له رأي بخلاف ما قضى، ينقض قضاؤه عند محمد ~~رحمه الله، وعند أبي يوسف - رحمه الله - لا ms079 ينقض، وهو الأظهر. ### | ### | مسألة # # رجل خاصم السلطان إلى القاضي فجلس السلطان مع القاضي في مجلسه، والخصم ~~على الأرض، ينبغي للقاضي أن يقوم من مقامه، ويجلس فيه خصم السلطان، ويقعد ~~على الأرض، ثم يقضي بينهما، كي لا يكون مفضلا بين الخصمين على الآخر. # PageV01P259 ### | ### | مسألة # # قضى بجواز نكاح مزنية الأب، لا يجوز عند أبي يوسف رحمه الله، والقاضي ~~الثاني يبطله. # وقال محمد رحمه الله: جاز، ولا يبطله الثاني. # ولو قضى بشهادة الابن لأبيه، أو عكسه، فالخلاف على العكس. # PageV01P260 ### | ### | مسألة # # نسى القاضي مذهبه، فقضى غيره، أو قضى به مع علمه بمذهب نفسه، ينفذ عند ~~الإمام، خلافا لهما. # وقيل: إذا قضى بخلاف مذهبه مع العلم به لم يجز في قولهم الحاصل عن الإمام ~~في القضاء، بخلاف مذهبه مع العلم به، روايتان. # PageV01P261 # إذا كان المدعي عليه شفعويا، والمدعي حنفيا، يقضى بما هو مذهب القاضي ~~بالإجماع. # ومنهم من قال: إذا كان المدعي شفعويا يسأله القاضي: هل يعتقد هذا؟ إن ~~قال: نعم، قضى له، وإن قال: لا، لا يقضى، وهذا القول أعدل. ### | ### | مسألة # # ولو انهدم جدار، فظهر للميت مال، وأخذه القاضي، فعلم بذلك الظلمة، فدفع ~~إليهم، ضمن القاضي. # الساعي إلى السلطان، إذا سعى بغير ذنب أصلا يضمن، كذا اختاره مشايخنا ~~المتأخرون، منهم: القاضي الإمام السعدي، والحاكم الإمام عبد الرحمن، ~~وغيرهما، وجعلاه بمنزلة المودع إذا دل السارق على السرقة. # إذا لم يكن مأذونا في الاستخلاف، فاستخلف، فحكم الخليفة في مجلس القاضي ~~بين يديه، جاز كالوكيل إذا وكل غيره بالبيع، فباع الثاني بمحضر الأول. # ويتوقت القضاء بالمكان والزمان. # PageV01P262 # وإذا قلد السلطان رجلا قضاء بلدة، لا يدخل فيه السواد والقرى، ما لم يكتب ~~في منشوره البلد والسواد. # السلطان أو الإمام الأكبر فوض قضاء ناحية إلى اثنين، فقضى أحدهما لم يجز، ~~كأحد وكيلي بيع. # تعليق تقليد القضاء والإمارة بالشرط مضافا إلى وقت في المستقبل جاز، بأن ~~قال: إذا قدم فلان فأنت قاضي بلدة كذا، أو إذا قدمت بلدة كذا فأنت أميرها، # أو قال: إن قدم فلان أو ms080 إن قدمت. # فأما تعليق التحكيم بين اثنين، بأن قال: إذا قدم فلان فاحكم بيننا في هذه ~~الحادثة، لم يصح عند أبي يوسف رحمه الله، وبه يفتي، وفيه خلاف محمد رحمه ~~الله. # تعليق عزل القاضي بالشرط بأن قال: إذا وصل كتابي إليك، فأنت معزول، قيل: ~~يصح، وقيل: لا، وبه يفتي. # وإذا كان للسلطان أو القاضي من العلم ما يجوز قضاؤه، لم يسعه أن يمتنع، ~~وإلا فهو في سعة. # قال أبو حنيفة رحمه الله: لا ينبغي للقاضي أن يفتي في الخصومات، ولا يفتي ~~أيضا أحد يرى أنه من قبل خصم يخاصم إليه. ### | مسألة # مات وال لا ينعزل قضاته. ### | مسألة # خوارج غلبوا على بلدة، وقلدوا قاضيا من الخوارج، لم يجز، وإن قلدوا من ~~أهل العدل، جاز. # PageV01P263 ### | فصل في البغاة # غلب البغاة على المدينة، واستعملوا عليها قاضيا منهم، فقضى بأشياء، ثم ~~ظهر أهل العدل، ينفذ قضاياه قاضي العدل، إذا كان حقا، أو مختلفا فيه. # وأهل البغي: كل فئة لهم منعة، ويقاتلوننا بتأويل، أي قالوا: الحق معنا، ~~وادعو الولاية حتى لو لم يكونوا متأولين لم يكونوا بغاة. # ويحل لأهل العدل قتال أهل البغي، فالحاصل تغلب قوم مسلمون على بلد، ~~وخرجوا عن طاعة الإمام دعاهم الإمام إلى الجماعة، وكشف عن شبهتهم التي ~~استندوا لها في خروجهم عن طاعة الإمام، ولا يبدأ الإمام البغاة بقتال، بل ~~الإمام يبدأ أولا بكشف شبهتهم، لأنه أهون على الإمام، فإن بدأ البغاة ~~بالقتال قاتلهم حتى يفرق جمعهم. # وإذا أصاب أهل العدل كراع البغاة، وسلاحهم، يجوز أن يستعملوها في قتالهم، ~~فإذ فرغوا عن القتال ردوها عليهم، وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز. # وإذا بلغ الإمام أن البغاة يشترون السلاح، ويتأهبون للقتال، ينبغي للإمام ~~أن يأخذهم ويحبسهم، حتى يقلعوا عن ذلك، ويحدثوا توبة، دفعا للشر بقدر # PageV01P264 # الإمكان وإن كانت لهم فئة أجهز - أي أسرع - على جريحهم، واتبع موليهم. # وإن لم يكن لهم جماعة لا يفعل الإمام كذلك، لأن شرهم مندفع بدونه، # ولا يسبى لهم ذرية، ولا يقسم مال، لأنهم مسلمون، معصومون، ولكن يحبس ms081 ~~مالهم حتى يتوبوا، فيرد عليهم وكذا أسيرهم لا يقتل، إذا لم يكن لهم فئة. # وإذا قتل العادل مورثه الباغي ورثه، لأن قتله بحق، قال الله تعالى: ~~{وقاتلوا التي تبغى حتى تفيء إلى أمر الله} {الحجرات 9} . # وإن قتل الباغي وقال: كنت على حق، وأنا الآن على حق، ورثه. # وعند أبي يوسف - رحمه الله - لا يرث الباغي، سواء قال: أنا على حق أو لا. # المرأة الباغية تقاتل، أخذت، وحبست، ولا تقتل، وإن قتلت في المحاربة جاز، ~~كما في الحربية. ### | مسألة # أعان قوم من أهل الذمة البغاة، لم يكن نقضا للعهد، ويكون ذميا باغيا، ~~فيقتل، ولا يسترق. # وفي " الهداية ": العادل إذا أتلف نفس الباغي أو ماله لا يضمن، وكذا إذا ~~أتلف الباغي مال العادل أو نفسه. # وفي " المحيط " و " الوجيز ": العادل إذا أتلف مال الباغي يؤخذ بالضمان. # وفيما ذكر في الهداية محمول على ما إذا أتلفه حال القتال، وأما إذا ~~أتلفوا في غير هذه الحالات فلا معنى لمنع الضمان، لأن مالهم معصوم. # ولو أتلف الباغي مال العادل لا يجب الضمان، لأن الباغي يستحل مال العادل، ~~وليس لنا ولاية الإلزام عليهم، فلا يفيد إيجاب الضمان، ولا كذلك العادل. # العادل لا يقتل ذا رحم محرم منه من البغاة، إلا دفعا عن نفسه، ويحل له أن ~~يقتل دابته ليترجل الباغي فيقتله غيره. ### | مسألة # السارق الذي يصلبه السلطان ففي الصلاة عليه اختلاف. # PageV01P265 ### | فصل في أحكام قطاع الطريق # وإذا خرج جماعة ممتنعون - أي قادرون على أن يمنعوا عن أنفسهم تعرض الغير ~~- أو واحد ممتنع لقطع الطريق، فأخذوا قبل التوبة، حبسوا ليتوبوا. # وقيدنا بقولنا: " قبل التوبة "، لأنهم لو أخذوا بعد التوبة لم يحدوا، بل ~~يؤخذ منهم المال القائم، ويضمن الهالك. # فإن أخذوا مال مسلم أو ذمي - ونصيب كل نصاب - قطعت أيديهم وأرجلهم من ~~خلاف. # وقيدنا بمال الذمي، لأنهم لو أخذوا مال المستأمن لا يجب القطع. # وإن قتلوا قتلوا حدا، من جهة أنه حق الله، ولا يلتفت إلى عفو الأولياء، ~~وإن جمعوا، فالإمام إن شاء جمع بين القطع والقتل والصلب، ms082 وإن شاء اكتفى ~~بالقتل، أو الصلب عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وعند أبي يوسف - رحمه ~~الله - يكتفي بالصلب، سواء قتل وأخذ المال، أو قتل فقط، ويصلب حيا ويشق ~~بطنه برمح إلى أن يموت، ولا يترك أكثر من ثلاثة أيام، ويقتلون بمباشرة ~~أحدهم. # وإن كان فيهم صغير، أو مجنون، أو ذو رحم محرم من المقطوع عليه، أو أخذ ~~بعد التوبة - وقد قتل عمدا - صار القتل إلى الأولياء، إن شاءوا استوفوا وإن ~~شاءوا عفوا. # وإنما قيدنا بعد التوبة، لأنهم لو أخذوا قبلها - وقد قتلوا - ليس لولي ~~القتيل العفو، بل قتلهم الإمام حدا. # ولو قطع الطريق بقرب العمران بمنعة، أو أخذ في المصر مالا مغالبة، لا ~~يجعل قاطع الطريق عند الثلاثة، خلافا للشافعي، فحكمه أنه يحبس، ويؤدب، ~~ويسترد ما أخذ، ويتخير ولي القتيل - إذا قتلوا - إن شاء قتل، وإن شاء عفا. # PageV01P266 ### | ### | مسألة # # للسلطان حبس الغلة المدركة حتى يأخذ العشر والخراج. # من لا ولي له، إذا قتل عمدا للسلطان أن يستوفي القصاص أو يصالح ولا يعفو، ~~وكذا القاضي في القصاص الذي ثبت للصغير. # ولو أن أمير العسكر في أرض الحرب بعث رسولا إلى ملك العدو، فأجاز ملك ~~العدو لرسوله جائزة، فأخرجها، فهي للرسول خاصة، لأنه ملكه، إذا لم يعطه ~~لرغبة، ولا لرهبة. # ولو استأجر أمير العسكر أجيرا للعسكر بأكثر من أجر المثل، لا يتغابن ~~الناس فيه، فعمل الأجير وانقضت المدة، فالزيادة باطلة، لأن الأمير مأمور ~~بالعمل بشرط ألا يضر، وذلك يوجب تقييد الأمر بأجر المثل، وصار كالقاضي إذا ~~استأجر أجيرا لليتيم بأكثر من أجر المثل، وعمل الأجير، كانت الزيادة باطلة. # ولو قال أمير العسكر أو القاضي: استأجرته، وأنا أعلم أنه لا ينبغي، ~~فالأجر كله في ماله، لأن القاضي إذا قضى بالجور، فإن أخطأ، كان خطؤه على ~~المقضي له، وأن تعمد ذلك، كان الغرم على القاضي في ماله. # ولو استأجر أمير العسكر قوما مشاهرة ليسوقوا الغنم والأرماك حيث ما يدور، ~~ولم يبين المكان، جاز، وله أن يزيدهم غنما بعد غنم، وأرماكا بعد أرماك ms083 قدر ~~ما يتحملون، لأنهم أجيروا حد. # ولو قال أمير العسكر لمسلم أو ذمي: أن قتلت ذلك الفارس، فلك مائة درهم، ~~فقتله لا شيء له، ولو كانوا قتلى فقال الأمير: من قطع رءوسهم فله عشرة ~~دراهم، جاز الاستئجار عليه. # PageV01P267 # إذا كتب الوالي إلى أمير العسكر: إنا قد ولينا فلانا، فأمير العسكر على ~~حاله مالم يعزله أو يلحق به الثاني، وجاز فعله قبل حضور الثاني. # فرق بين هذا وبين ما إذا كتب إليه: إنا قد عزلناك، حيث يصير معزولا حين ~~وصل إليه الكتاب. والفرق: أن المسألة الأولى لو انعزل الأول إنما ينعزل ~~بصيرورة الثاني أميرا، ولا يصير الثاني أميرا حتى يلحق العسكر، فكذا لا ~~ينعزل الأول ما لم يلحق الثاني العسكر، ولا كذلك في المسألة الثانية، ولهذا ~~لو كتب الخليفة إلى أمير المصر: إنا قد ولينا فلانا، جاز للأول أن يصلي بهم ~~الجمعة قبل حضور الثاني، ولو كتب إليه: إنا قد عزلناك، فليس له أن يصلي ~~بالناس إذا وصل الكتاب إليه. ### | ### | مسألة # # لا بأس بالمصافحة وتقبيل يد العالم أو الأمير العادل: # أما المصافحة: لقوله عليه السلام: " إذا التقى المؤمنان: فتصافحا، تناثرت ~~ذنوبهما كتناثر الورق اليابس من الشجر ". # وأما التقبيل: لما روى أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يقبلون أطراف ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] . وأبو بكر قبل بين عيني رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] . # وأما تقبيل يد غيرهما، فقد تكلموا فيه: # منهم من قال: إن كان الرجل يأمن على نفسه، وينوي حبه - وهو تعظيم المسلم ~~وإكرامه - لابأس به. # PageV01P268 # والمختار: أنه لا يرخص فيه، لأنه لا رخصة عن المتقدمين إلا فيما ذكرنا. ~~ولو قبل رجل الأرض بين يدي أحد من أصحاب السلطان تعظيما له، لا يكفر، لأنه ~~يريد به التحية لا العبادة. # إذا قيل لمسلم: اسجد للملك وإلا قتلتك، فالأفضل ألا يسجد، لأنه كفر، ~~والأفضل ألا يأتي بما هو كفر صورة، وإن كان في حالة الإكراه. # وإن سجد سجود التحية، فالأفضل أن يسجد، لأنه ليس بكفر، فهذا دليل على أن ms084 ~~السجود بنية التحية إذا كان خائفا لا يكون كفرا، فعلى هذا القياس، من سجد ~~عند السلاطين على وجه التحية لا يصير كافرا. ### | ### | مسألة # # رجل يدعوه الأمير، فيسأله عن أشياء، فما يتكلم بما يوافق الحق يناله ~~المكروه، لا ينبغي له أن يتكلم بخلاف الحق، لقوله عليه السلام: " من تكلم ~~عند ظالم ما يرضيه بغير حق يغير الله قلب الظالم عليه، ويسلطه عليه ". وهذا ~~إذا لم يخف القتل، أو تلف بعض جسده، أو أخذ ماله، فإن خاف ذلك، لا بأس ~~بذلك، لأنه مكره عليه. # PageV01P269 # عن أبي الليث الحافظ أنه قال: " كنت أفتي بثلاثة أشياء، فرجعت عنها: كنت ~~أفتي ألا يحل للمعلم أخذ الأجرة على تعليم القرآن، ولا ينبغي للعالم أن ~~يدخل على السلطان، وكنت أفتي أنه لا ينبغي لصاحب العلم أن يخرج إلى القرى ن ~~فيذكرهم بشيء، فيجمعوا له شيئا، فرجعت عن ذلك كله. # وإنما رجع تحرزا عن ضياع القرآن والحقوق والعلم. # ومن قذف مملوكا أو كافرا بالزنا، أو قذف مسلما ب " يا كافر "، يا فاسق - ~~وهو ليس بفاسق - أو يا خبيث، يا لص، يا فاجر، يا منافق، يا لوطي، يا من ~~يلعب بالصبيان، يا آكل الربا، يا شارب الخمر، يا مخنث، يا خائن، يا ابن ~~القحبة، يا زنديق، يا قرطبان، يا مأوي الزواني - عزر. # وأكثر التعزيز تسعة وتسعون، وأقل التعزيز ثلاثة، وصح حبسه بعد الضرب. وعن ~~أبي يوسف رحمه الله: التعزير بأخذ المال يجوز للسلطان. # ثم تعزير الأشراف كالفقهاء والعلوية: الإعلام فقط، بأن يقول: بلغني أنك ~~فعلت كذا، فلا تفعل. # وتعزير أوساط الناس كالسوقية: الإعلام، والجر، والحبس، وتعزير الأخساء: ~~الإعلام، والجر، والضرب، والحبس. # PageV01P270 # أهل البغي إذا قاتلوا أهل العدل، وجب على أهل العدل أن يقاتلوا أهل ~~البغاة ليرجعوا إلى أمر الله. (الآية) . # وأما الحديث الذي يروى في ذلك الباب: " القاتل والمقتول في النار "، ~~فمحمول علي ما إذا كانا باغيين يقتتلان لأجل الدنيا من المملكة، وكذا إذا ~~قاتل أهل المحلة للحمية والعصبية ليس لأحد أن يعاون أهل إحداهما. ### | ### | مسألة # # استأجروا ms085 رجلا ليرفع أمرهم إلى السطان، ويدفع الظالم عنهم، جاز إن وقتوا. ~~وإن لم يوقتوا جاز أيضا فيما يتهيأ إصلاح الأمر يوما أو يومين. # وقيل: إن كان ذلك لا يصلح إلا بمدة، فإن وقتوا للإجازة وقتا معلوما، ~~فالإجازة جائزة، والأجر كله له، وإن لم يوقتوا الإجازة فهي فاسدة، وله أجر ~~مثل عليهم، على قدر مؤنتهم ومنافعهم في ذلك. ### | مسألة # القاضي إذا زوج الصغير أو الصغيرة يكون العقد لازما، وليس لهما خيار ~~البلوغ، لأن ولاية القاضي كاملة، فتكون ملزمة كالأب والجد، لكن ولاية تزويج ~~الصغار إنما تثبت للقاضي إذا شرط السلطان للقاضي في منشوره، ولو لم يكن ~~مشروطا في منشوره، فزوجهم القاضي، فأجاز السلطان ما صنعه، يجوز على الأصح. # وعن أبي حنيفة رحمه الله: لهما خيار البلوغ في تزويج القاضي، وهو مختار ~~الرواية، لأن ولاية القاضي متأخرة عن ابن العم، فإذا ثبت الخيار لهما في ~~تزويج الحاجب، فأولى أن يثبت في المحجوب، وهو القاضي. # PageV01P271 ### | ### | مسألة # # رجل لا يحل له الصدقة، فالأفضل ألا يقبل جائزة السلطان، لأنها تشبه ~~الصدقة ولا يحل له قبول الصدقة، فكذا ما يشبه الصدقة، وهذا إذا أدى من بيت ~~المال. # وأما إذا أدى من مال موروث له، جاز، لأنه لا يشبه الصدقة. # أما إذا كان فقيرا، فإن كان السلطان لا يأخذ ذلك غصبا من الناس، يحل له، ~~لأنه يحل الصدقة حقيقة، فهذا أولى. # وإن كان يأخذ غصبا، فإن كان لا يخلط بدراهم أخرى، لا يحل له الأخذ، لأنه ~~دفع ملك الغير. # وإن كان يخلط، لا بأس به، لأنه صار ملكا له في قول أبي حنيفة رحمه الله، ~~حتى وجب عليه الحج والزكاة، ويورث عنه، وقوله: أرفق بالناس، إذ قل مال لا ~~يخلو من الغصب. ### | مسألة # رجل دخل على السلطان، فقدم إليه شيئا من المأكول، فهذا على ثلاثة أوجه: ~~إما أن اشتراه بالثمن، أو لم يشتره، وهذا الرجل لا يعلم أنه من المغصوب، أو ~~يعلم. # ففي الوجه الأول والثاني حل له أكلها. # أما الأول: فلأن العقد لم يقع على ms086 الثمن المشار إليه، فلا يتمكن الخبث في ~~نفس المبيع. # وأما الثاني: فلأن الأشياء على أصل الإباحة، إن لم يتبين دليل الحرمة. # وأما الثالث: فحرام، لأنه على حرمته. # ولو أن السلطان الجائر أخذ الصدقات: # من المتأخرين من قال: إن نوى المؤدي عند الأداء إليه الصدقة عليه، لا ~~يؤمر بالأداء ثانيا، لأنهم فقراء حقيقة. # ومنهم من قال: الأحوط أن يفتى بالأداء ثانيا، كما لو ينو لعدم لعدم ~~الاختيار الصحيح. # PageV01P272 # وأما إذا لم ينو: # منهم من قال: يفتي أرباب الصدقات بالأداء ثانيا بينهم، وبين الله تعالى، ~~لأنه لا يوضع موضعها. # وقال الفقيه أو جعفر رحمه الله: لا يؤمر، لأن أخذ السلطان منهم قد صح، ~~لأن ولاية الأخذ للسلطان، فسقط عن أرباب الصدقات، فبعد ذلك إن لم يضع ~~السلطان موضعها، لا يبطل بينهم وبين الله تعالى أخذه عنهم، وبه يفتي. وهذا ~~في صدقات الأموال الظاهرة. # أما إذا أخذ السلطان من الناس أموالا مصادرة، فنووا هذا أداء الزكاة ~~إليه، فعلى قول أولئك المشايخ يجوز. # والصحيح: أنه لا يجوز، وبه يفتي، لأنه ليس للطالب ولاية الأخذ في الأموال ~~الباطنة، وبه نأخذ. # جاء إلي رجلين من أعوان السلطان، فأقر عندهما أن لفلان على دين كذا، ~~وفلان من أناس السلطان، ثم طلب منهما الشهادة على إقرار هذا المقر، والمقر ~~يزعم: أني إنما أقررت خوفا من المقر له، فإن الشاهدين يبحثان عن هذا الأمر، ~~فإن وقعا على أمر فيه خوف، أو إكراه امتنعا عن الشهادة، لأن قوله تأيد ~~بمؤيد، وإن لم يقعا على ذلك، يشهدان على إقراره، ويخبران القاضي أنه أقر ~~ومعه أعوان السلطان، حتى يتأهل القاضي قول الآخر. # ويقبل شهادة عامل السلطان الذي يأخذ الحقوق كالخراج والجزية ونحوهما، لأن ~~العمل ليس بفسق، ولهذا كان أكابر الصحابة عمالا. # وفي " الكافي ": كان هذا في زمانهم، وفي زماننا لا تقبل شهادة العمال، ~~لغلبة ظلمهم. # وفي " النهاية ": لا تقبل شهادة من يبخل بالواجبات، كالزكاة، ونفقة ~~الأقارب، والزوجات. # PageV01P273 # من صادره السلطان، ولم يعين بيع ماله، فباع ماله، صح البيع، لأن الإكراه ~~ما وقع ms087 على البيع، فصار البيع خاليا عن القسر. ### | مسألة # خوفها زوجها بالضرب حتى وهبت مهرها، لم يصح - إن قدر على الضرب - لأن ~~الهبة تفسد بالإكراه. # ولو استحلف الوالي رجلا ليعلمنه فاسقا أو خائنا دخل البلد، تقيد بقيام ~~ولايته. # رجل في يده مال إنسان، فقال له سلطان جائر: إن لم تدفع إلي هذا المال ~~حبستك شهرا، أو ضربتك ضربا، أو أطوف بك في الناس، لا يجوز له أن يدفع، فإن ~~دفع فهو ضامن. # وإن قال: أقطع يدك، أو أضربك خمسين ضربا، فلا ضمان عليه، لأن دفع مال ~~الغير لا يجوز إلا لخوف التلف، وقد انعدم في الوجه الأول، ووجد في الوجه ~~الثاني. ### | مسألة # سعى رجل رجلا عند الوالي، فأخذوا منه مالا، فإن كانت السعاية بغير حق من ~~كل وجه، ضمن الساعي عند زفر رحمه الله، وبه يفتي. ### | مسألة # لص معروف وجده رجل يذهب مشغولا بالسرقة، ليس له أن يقاتله، وله أن يأتي ~~به إلى الإمام فيحبسه. # ولو قال وال ظالم لبعض التجار: أدوا إلى كذا لترجعوا على أصحابكم ~~المختفين بالحصص، لا يلزم الغائبين شيء إلا بالتزام المختفين. # لو أن بلدة وقعت فيها فترة، ولم يبق فيها وال ليصلي بهم صلاة العيد، ~~فضحوا بعد طلوع الفجر، جاز، وهو المختار، لأن البلدة صارت في هذا الحكم ~~كالسواد والمكان. # PageV01P274 # الإمام إذا صلى العيد يوم عرفة، وضحى الناس، وكان شهد عنده شهود على هلال ~~ذي الحجة، جازت الصلاة والتضحية، لأن التحرز عن هذا الخطأ غير ممكن، ~~والتدارك أيضا غير ممكن غالبا، فيحكم بالجوار صيانة لجميع المسلمين، ومتى ~~جازت الصلاة جازت التضحية ضرورة، وإن لم يشهد عنده شهود على هلال ذي الحجة، ~~لم يجز، لأنه لا ضرورة إلى التجويز، ومتى لم تجز الصلاة لم تجز التضحية. # وإذا رأى الوالي هلال شوال وحده لم يخرج، ولا يأمر بالخروج إلى المصلى. # وإذا قلد العبد عمل ناحية، فصلى بالمسلمين الجمعة أو العيد، جازت صلاتهم، ~~للحديث المعروف، ولو استقضى، فقضى، لا يجوز، لأن أهل القضاء من كان أهلا ~~للشهادة. ### | فضل في ms088 الجمعة # يشترط لأداء الجمعة المصر، وهو - عند أبي حنيفة - كل بلدة فيها سكك ~~وأسواق ولها رساتيق - أي قرى - ووال لدفع المظالم، وعالم يرجع إليه في ~~الحوادث، هذا هو الأصح، كذا في " التبيين ". # وعن أبي يوسف رحمه الله: كل موضع له أمير وقاض ينفذ الأحكام، وهو مختار ~~الكرخي، وعنه أيضا: أنه يبلغ سكانه عشرة آلاف. # ومن شرط الجمعة أيضا: الوالي - وهو السلطان - أو نائبه، وهو الأمير أو ~~القاضي. # PageV01P275 # وقال الشافعي رحمه الله: الوالي ليس بشرط، اعتبارا بسائر الصلوات. # ولنا قوله عليه السلام: " من ترك الجمعة - وله إمام جائر أو عادل - لا ~~جمع الله شمله ". شرط فيه أن يكون له إمام. # شرط الجمع بين صلاة الظهر وصلاة العصر في عرفة اثنان: الجماعة، والإمام ~~الأكبر - وهو السلطان - عند أبي حنيفة رحمه الله، خلافا لهما. # صلاة الجمعة خلف المتغلب الذي لا عهد له - أي لا منشور له - من الخليفة ~~تجوز إن كانت سيرته في الدين عليهم سيرة الأمراء، يحكم بين رعيته بحكم ~~الولاية، لأن بهذا تثبت الإمامة فيتحقق الشرط. # إذا افتتح الإمام الجمعة، ثم حضر وال آخر، يمضي على صلاته، لأن افتتاحه ~~قد صح، فصار كرجل أمره الإمام أن يصلي بالناس الجمعة، ثم حجر عليه، إن حجر ~~عليه قبل الدخول عمل حجره، وإن حجر عليه بعد الدخول لا، ويمضي على صلاته، ~~كذا هذا. ### | ### | مسألة # # وإلى مصر مات، ولم يبلغ موته الخليفة حتى مضت لهم جمع، فإن صلى بهم خليفة ~~الميت، أو صاحب شرطة، أو القاضي، جاز، لأنه فوض إليهم أمر العامة، ولو ~~اجتمع العامة على أن يقدموا رجلا لم يأمره القاضي، ولا خليفة الميت، لم ~~يجز، ولم يكن لهم الجمعة، لأنه لم يفوض إليهم أمورهم، إلا إذا لم يكن ثمة ~~قاض، ولا خليفة الميت، بأن كان الكل هو الميت، فالآن جاز للضرورة. # ألا ترى أن عليا - رضي الله عنه - صلى بالناس، وعثمان - رضي الله عنه - ~~محصور، لأنه اجتمع الناس على علي رضي الله عنه. # PageV01P276 # ولو مات الخليفة، وله ولاة وأمراء على الأشياء من ms089 أمور المسلمين، كانوا ~~على ولايتهم، يقيمون الجمع، لأنهم أقيموا لأمور المسلمين، فهم على حالهم ما ~~لم يعزلوا. # ومن شرائط الجمعة المصر أو فناؤه، حد المصر ذكر قبل، أما فناء المصر: وهو ~~ما أعد لحوائج المصر، من ركض الخيل، والخروج للرمي، ونحوهما. # وفي " الخانية ": لا بد أن يكون فناء المصر متصلا بالمصر، حتى لو كان ~~بينه وبين المصر فرجة من المزارع والمراعي لا يكون فناء له. # ومقدار الفناء عند محمد رحمه الله: أربعمائة ذراع، وعن أبي يوسف رحمه ~~الله: ميلان. # وفناء المصر في حكم المصر في حق إقامة صلاة الجمعة والعيدين، لأنهما من ~~حوائج أهل المصر، فألحق بالمصر في حق أداء الجمعة والعيدين، بخلاف المسافر ~~إذا خرج عن عمران المصر حيث يقصر الصلاة، لأن قصر الصلاة ليس من حوائج أهل ~~المصر، فلا يلحق الفناء بالمصر في حق هذا الحكم. # وفي " المحيط ": " القروي إذا دخل المصر، ونوى أن يمكث يوم الجمعة يلزمه ~~الجمعة، لأنه صار كواحد من أهل المصر، وإن نوى أن يخرج في يومه وذلك قبل ~~دخول وقت الصلاة أو بعده لا يلزمه. # وأهل القرية إذا اجتمعوا على ترك الوتر، أدبهم الإمام وحبسهم، فإن لم ~~يمتنعوا يقاتلهم. # وإذا امتنعوا عن أداء السنن، فجواب أئمة " بخارى ": أن الإمام يقاتلهم، ~~كما يقاتلهم على ترك الفرائض، لما روى عن عبد الله بن المبارك - رحمه الله ~~- أنه قال: " لو أن أهل بلدة أنكروا سنة السواك، يقاتلهم الإمام كما يقاتل ~~أهل الردة ". # PageV01P277 ### | ### | مسالة # # أهل البغي إذا قتلوا في الحرب لا يصلى عليهم، وإن قتلوا بعدما وضعت الحرب ~~أوزارها صلى عليهم، وكذا قطاع الطريق إذا قتلوا في حال حربهم لا يصلى ~~عليهم، وإن أخذهم الإمام وقتلهم صلى عليهم، لأنهم ما داموا محاربين كانوا ~~من جملة أهل البغي، وإذا وضعت الحرب أوزارها تركوا البغي. # ومشايخنا جعلوا حكم المقتولين بالمعصية حكم أهل البغي، حتى قالوا هذا ~~التفصيل. ### | مسألة # رجل صلى على جنازة، والولي خلفه، ولم يرض، فهذا على وجهين: # إما إن تابعه، وصلى معه، أو لم يتابع. # ففي ms090 الوجه الأول: لا يعيد الولي، لأنه صلى مرة. # وفي الوجه الثاني: إن كان المصلي سلطانا، أو الإمام الأعظم، أو القاضي، ~~أو الوالي على البلدة، أو إمام حية، ليس له أن يعيدها، لأن هؤلاء أولى منه، ~~وإن كان غيرهم، فله الإعادة. ### | مسألة # كافر أذن في وقت صلاة، أو صلى في جماعة، صار مسلما، وإن أذن في غير وقت ~~الصلاة، لا يصير مسلما. ### | مسألة # ديباج الكعبة صار خلقا، لا يجوز أخذه، لكن يبيعه السلطان، ويستعين به على ~~أمر الكعبة. # PageV01P278 ### | ### | مسألة # # السلطان إذا طمع في مال اليتيم، فإن أمكن للوصي دفعه بلا إعطاء طائفة من ~~المال، لا يحل له الإعطاء، ويضمن، وإلا حل له الإعطاء، ولم يضمن. # وفي " الملتقط ": " ظالم متغلب طلب بعض مال اليتيم، فأعطى الوصي، يضمن، ~~إلا إذا خاف القتل أو إتلاف عضو منه، أو أخذ ماله، فأعطى حينئذ لا يضمن. ~~وإن خاف الحبس، أو القيد، أو أخذ بعض ماله، ويبقي له قدر الكفاية، لا يحل ~~له أن يؤدي مال اليتيم، ولو أدى يضمن، ولو أن الظالم أخذ بنفسه، لا ضمان ~~على الوصي ". ### | مسألة # من رأى أن الخراج ملك السلطان، فقد كفر. ### | مسألة # لو ترك السلطان لرجل خراج أرضه، يجوز عند أبي يوسف رحمه الله، وعليه ~~الفتوى. # وعند محمد - رحمه الله - لا يجوز. # ولو وهب العشر منه، لا يجوز بالإجماع. # والفرق لأبي يوسف رحمه الله: أن للسلطان في الخراج حقا، فإذا تركه صح، ~~وهو بمنزلة صلة منه، ولا حق له في العشر، بل هو حق الفقراء على الخلوص، فلا ~~يملك صلته. # ولو عجل الخراج، ثم عجز عن الزراعة، يرد إليه، إن كان قائما، وإن كان ~~دفعه إلى المقاتلة، فلا شيء عليه، كما في الزكاة. # وذكر محمد - رحمه الله - في نوادر الزكاة إن زرعها السنة الثانية يحسب ~~ذلك بما عليه. # يجوز النقصان عن وظيفة عمر - رضي الله عنه - عند قلة الريع، وعدم الطاقة. # PageV01P279 # ولا يجوز الزيادة على وظيفة عمر رضي الله عنه، وعلى ما وظفه إمام آخر في ~~أرض مثل ما ms091 وظفه عمر رضي الله عنه، لما فيه من مخالفة إجماع الصحابة، أو ~~فيه مخالفة حكم أمضاه الأول باجتهاده، وذلك لا يجوز. # ولو وظفه على أرض ابتداء، تجوز الزيادة على وظيفة عمر - رضي الله عنه - ~~بقدر ما يطيق - عند محمد رحمه الله، ولا يجوز عند أبي يوسف رحمه الله. # وظيفة عمر رضي الله عنه: في كل جريب يصلح للزراعة: درهم وقفيز مما يزرع ~~منها. # " فالفقير ": هو الصاع - ثمانية أرطال - و " الدرهم ": هو الفضة الخالصة، ~~وزنه سبعة. وعلى كل جريب رطبة: خمسة دراهم. وعلى كل جريب كرم: عشرة دراهم. ~~والجريب: ستون ذراعا في ستين ذراعا بذراع الملك أنو شروان، وذراع أنو شروان ~~سبع قبضات، وفي الجريب الذي فيه أشجار مثمرة ملتفة لا يمكن زرعها. # قال محمد رحمه الله: يوظف عليها بقدر ما يطيق. # وقال أبو يوسف رحمه الله: يوظف بقدر ما يطيق، ولا يزاد على جريب الكرم. ### | ### | مسألة # # قرية فيها أرضون خراجها متفاوتة، إذا لم يعرف ابتداء وضع الخراج، يترك ~~كما كان، لا يزاد، ولا ينقص. # ولو أخذ السلطان الخراج من المشتري، ولم يبق من السنة ما يمكن استغلالها ~~فيه، لا يرجع المشتري بما أدى على البائع. # ولو أخذ الخراج من الأكار، له أن يرجع إلى الدهاقين، استحسانا. # PageV01P280 ### | ### | مسألة # # الخراج في الأرض المغصوبة على رب الأرض، ونقصان الأرض على الغاصب. # ونصيب الأكرة طيب لهم من الأراضي المغصوبة، إذا أخذوا الأرض مزارعة، أو ~~استأجروها. # وإن كان الحوز كروما وأشجارا يعرف أربابها لا يطيب للأكرة، ولا يجوز لأحد ~~أن يأكل منها، وإن لم يعرف أربابها فهو بمنزلة أرض بيت المال، يتصدق ~~السلطان بما يحصل له منها، فإن لم يفعل فلا إثم عليه، ونصيب الأكرة طيب ~~لهم، في عرف أهل " بلخ ". # فإن صالح الإمام مع أهل الحرب بمال للحاجة كان كالجزية قبل حصارهم - ~~يعني: يصرف ذلك المال مصرف الجزية - وكالغنيمة بعده - يعني: يصرف مصرف ~~الغنيمة بعد حصارهم - ولا يجوز دفع المال إليهم ليوادعهم إلا لخوف الهلاك. ### | مسألة # من ذبح وجه إنسان شيئا وقت ms092 الخلعة وما أشبه ذلك: # قيل: يكفر الذابح، والمذبوح ميتة. # وقال إسماعيل الزاهد: يكره أشد الكراهة، ولا يكفر، لأنا لا نسئ الظن ~~بالمؤمن أنه يتقرب إلى الآدمي بهذا النحر. ### | مسألة # رجل مات، وعليه دين قد نسيه، أيؤخذ به يوم القيامة؟ # فهذا على وجهين: إما إن كان الدين من جهة التجارة، أو من جهة الغصب. # PageV01P281 # ففي الوجه الأول: يرجى ألا يؤخذ، لأنه ناس، وقد رفع عن الأمة النسيان ~~بالحديث. # وفي الوجه الثاني: يؤخذ، لأنه في أوله جائر. ### | ### | مسألة # # حفر بئرا في مفازة بغير إذن الإمام - وليس بممر ولا طريق لإنسان - فجاء ~~إنسان، فوقع فيها، لا يضمن الحافر، وكذا لو قعد في المفازة، أو نصب خيمة، ~~فعثر به إنسان، بخلاف طريق الناس. # قعد في الطريق يبيع بإذن السلطان، فتعثر به إنسان، فتلف، لم يضمن. # حريق وقع في محلة، فهدم رجل دار غيره، بغير أمره، وبغير أمر السلطان، حتى ~~ينقطع عن داره، ضمن، ولم يأثم. ### | مسالة # أتى بالآبق، فالقاضي أو السلطان يحبسه والضال لا يحبسه. # رد عبدابنه، أو أمه، أو امرأته، أو زوجها، لم يستحق الجعل. وكذا لو كان ~~سلطانا، أو وصيا، وكذا شحنة كاروان، ورهبان إذا رد المال من أيدي قطاع ~~الطريق. # وللوالي أن يقطع من طريق الجادة، إن لم يضر بالمسلمين، وإن كان يضر، لا ~~يقطعهم، وليس له أن يقطع الطريق - وإن كان له طريق آخر - وإن فعل ذلك فهو ~~آثم، وإن رفع إلى قاض رده. # PageV01P282 ### | مسألة # من تقبل بعض القانص من السلطان، فاصطاد فيه غيره، كان الصيد لمن أخذه. ### | مسألة # كرى الفرات ونحوه على السطان. ### | ### | مسائل # # مواضع موات على شط جيحون عمرها أقوام، واستنزلوا، كان للسلطان أن يأخذ ~~العشر من غلاتها، وهذا يستقيم على قول محمد رحمه الله، لأن ماء الجيحون ماء ~~عشرى، والمؤنة تدور مع الماء. # ولا يجوز دفع المال إلى الكفار للصلح، إلا لخوف الهلاك. # PageV01P283 # وإذا فتح الإمام بلدة عنوة - أي قهرا - قسمها إن شاء، وإلا وضع الخراج ~~على أراضيهم وعلى أنفسهم، ويقسم المنقول، ويقتل الأسارى، أو ms093 يسترقهم، أو ~~يتركهم أهل ذمة، ولا يردهم إلى دار الحرب، والإمام لا يفادى بهم عند أبي ~~حنيفة - رحمه الله - أي: لا يعطي الإمام الكفار أساراهم ليأخذ بدلهم مالا ~~منهم أو أسارى المسلمين. # وأجاز أبو يوسف - رحمه الله - أن يفدي الإمام أساراهم باسارى المسلمين. # ولا يجوز الفداء بالمال في المشهور من الروايات، ولا يجوز المن عليهم ~~أيضا. # وعند الشافعي - رحمه الله - يجوز المن والفداء بالمال. # ولا بأس للإمام أن يحرض الغزاة حال القتال، فيقول الإمام: " من قتل قتيلا ~~فله سلبه ". فحينئذ يأخذ القاتل ما على المقتول من ثيابه وسلاحه ومركبه، ~~وسرجه، وآلته، وما مع المقتول من درهم أو دينار، وما يكون محمولا على دابته ~~من مال، أو يجعل الإمام لسرية الربع بعد الخمس، أي: بعد إخراج الخمس. # PageV01P284 # (صفحة فارغة) # PageV01P285 # ولو قال الأمير للعسكر: من جاء بالدابة فهي له، يقع على الخيل والبغال، ~~إلا إذا كانوا يسمون غيرها دابة. ### | مسائل # اشترى جارية مأسورة لم يؤد منها الخمس من الأمير ينفذ، ويحل وطؤها، وإن ~~اشتراها ممن وقعت في سهمه، نفذ البيع في أربعة أخماسها، ولا يحل له وطؤها. # ولو أن امرأة سبيت بالمشرق، وجب على أهل المغرب أن يستخلصوها ما لم تدخل ~~في دار الحرب. # عن أبي مطيع رضي الله عنه: " الرباط الذي جاء الأثر في فضله، أن يكون ~~الرباط في موضع لا يكون وراءه إسلام ". # وعن سفيان بن عيينة رضي الله عنه: " إذا أغار العدو على موضع مرة، فذلك ~~الموضع رباط أربعين سنة، وإن أغار مرتين، يكون رباطا إلى مائة وعشرين سنة، ~~وإذا أغار ثلاث مرات، فهو رباط إلى يوم القيامة. # ولو وجد العبد الآبق، أو المدبر، أو المكاتب، أخذه صاحبه مجانا، وعوضه ~~الإمام من بيت المال. # PageV01P286 # ولو أخذ غريما لإنسان، فانتزعه من يده، لا ضمان عليه، ولكن يعززه الإمام. # عن محمد - رحمه الله - فيمن خدع ابنة رجل أو امرأته، وأخرجها من منزله - ~~قال: أحبسه أبدا حتى تأتي، أو أعلم أنها قد ماتت. # شابة تخرج متزينة إلى الولائم والمآتم، لا يحل للابن ms094 منعها، ما لم يثبت ~~فسادها، فإن صح ذلك رفع إلى الحاكم حتى يمنعها. ### | مسألة # إذا شق زق الخمر لمسلم حسبة، ضمن الزق لا الخمر، وإن فعلها بإذن الإمام ~~لا يضمن. # ولو حلف لا يكتب، فأمر غيره فكتب - والحالف سلطان لا يكتب بنفسه - يحنث، ~~وإن كان يكتب بنفسه لا يحنث. ### | ### | مسائل # # وقف أرضا ثم إن القيم يخاف عليها من سلطان أو وارث، يبيعها، ويتصدق ~~بثمنها، وكذا كل قيم خاف شيئا من ذلك، فله أن يبيع ويتصدق بثمنها. # والفتوى على أنه لا يبيع، لأن الوقف إذا صحت شرائطه لا يحتمل البيع. # إذا غرم السلطان القرية، فأرادوا القسمة: # قال بعضهم: يقسم على قدر الأملاك. # وقال بعضهم: يقسم على قدر الرؤوس. # وقال بعضهم: ينظر إن كانت الغرامة لتحصين الأملاك، قسمت على قدر الأملاك، ~~وإن كانت لتحصين الرءوس، قسمت على عدد الرءوس التي يتعرض لهم، لأنها مؤنة ~~الرءوس، ولا شيء على النساء والصبيان، لأنه لا يتعرض لهم. # PageV01P287 # الأمانات تنقلب مضمونة بالموت عن تجهيل، إلا في ثلاث مسائل: # إحداها: متولي الأوقاف إذا مات ولا يعرف حال غلتها التي أخذها، ولم يبين، ~~لا ضمان عليه. # الثانية: خرج السلطان إلى الغزو، وغنموا، فأودع بعض الغانمين، ثم مات، ~~ولم يبين عند من أودع. # الثالثة: أحد المتفاوضين مات وفي يده مال الشركة، ولم يبين، لا ضمان. # ولو أن رجلا أتى القاضي فقال: إن لي على فلان حقا، وهو في منزله، وقد ~~توارى عني، وليس يحضر معي، فإن القاضي يكتب إلى الوالي في إحضاره، لأن ~~الوالي إنما نصب لإحياء حقوق الناس، فكان للقاضي أن يعين في إحضار الخصم. # والصحيح أن مؤنة المحضر على المتمرد، لأنه لما تمرد فقد تحقق منه سبب ~~وجوب ذلك. # مات وترك ابنتين وعصبة، فطلب السلطان التركة، ولم يقر العصبة، فغرم الوصي ~~للسلطان الدراهم من التركة بأمر الابنتين حتى ترك السلطان التعرض. # إن لم يقدر الوصي على تحصين التركة إلا بما غرم للسلطان، فذلك محسوب من ~~جملة الميراث، ولهما أن يحسبا ذلك من نصيب العصبة. # PageV01P288 # مات وترك ms095 ورثة ومالا، فأخذ السلطان شيئا من المال، فالمأخوذ يحمل على ~~الجملة، كسارق يسرق، ويبقى الباقي بين الورثة على فرائض الله. # كذا قال بعض أصحابنا، وقيل: يفصل تفصيلا. # وقال بعضهم: هذا إذا كان كل الورثة بحيث يرثون. على الاختلاف كمسألة ذوي ~~الأرحام، جعل المأخوذ من نصيب المختلف فيه خاصة، لأن السلطان أخذ باجتهاد ~~نفسه، أو بتقليد غيره، وذلك منه ضرب من الاجتهاد في موضع الاجتهاد، فنفذ، ~~والفتوى على الأول. هذا إذا لم يعين السلطان جهة الأخذ، أما إذا عين كمن ~~مات، وترك ابنة وابن عم، فأنكر السلطان ابن العم، وأخذ نصف المال، فإن أقرت ~~البنت أنه ابن العم، فالباقي بينهما نصفان، فالسلطان أخذ ظلما من النصيبين. # ولو ماتت، وتركت زوجا وعمة، أو خالة - والزوج مقر لذلك - فجاء السلطان، ~~وأخذ نصيب العمة، أو الخالة، فلا شيء للعمة والخالة، والنصف الباقي للزوج، ~~لأن للزوج أن يقول: السلطان أخذ بحق على قول زيد، أرأيت لو كان زيد في ~~الأحياء، أخذ بذلك كنت ترجع على ما في يدي بشيء لا يرجع، فكذا هاهنا. # قال أستاذنا - رحمه الله - في فصل ابن العم: يجب أن يكون الجواب كذلك، ~~كغاصب الشرب المشاع إذا زعم: أني غصبت نوبة فلان، كان كما قال، كذا هنا. # PageV01P289 ### | مسائل # من لا وارث له، وله عند رجل وديعة، أو على رجل دين، فللإمام أن يأخذه، ~~ويضعه في بيت مال المسلمين، ليصرف إلى مصالحهم. # ولو أن رجلا لا وارث له، أقر أن هذا ابن عمه من أب وأم، ثم مات يجعل كأنه ~~أوصى له بجميع ماله. # ولا يجوز إقرار الرجل بوارث مع ذوي قرابة معروفة، إلا بأربعة: الأب، ~~والابن والزوج والمولى. ### | مسائل # رجل باع أقواما، فمات، وله عليهم ديون، وليس له وارث معروف، فأخذ السلطان ~~ديونه، ثم ظهر له وارث، لا يبرأ الغرماء، وعليهم أن يؤدوا إلى الوارث ~~ثانيا، لأنه تبين أنه لم يكن للسلطان ولاية الأخذ. # اعلم أن مصارف بيت المال أربعة: # أحدها: مصرف زكاة السوائم، والعشر، وما أخذ العاشر من تجار المسلمين، إذا ms096 ~~مر عليهم، وذلك ثمانية أصناف، كما ذكر في الآية لكن سقطت مؤلفة قلوبهم، لأن ~~الله - تعالى - أعز الإسلام، وأغنى عنهم. # الثاني: مصرف خمس الغنائم، والمعادن، والركاز، وهو اليتامى، # PageV01P290 # والمساكين وأبناء السبيل، ويدخل فقراء ذوي القربى دون أغنيائهم عندنا. # وقال الشافعي رحمه الله: يدخل الأغنياء أيضا وسهم النبي ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # سقط عندنا بموته. وعند الشافعي - رحمه الله انتقل إلى الخليفة كما قال ~~الله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} (التوبة 60) . . الآية. # PageV01P291 # الثالث: مصرف الخراج، والجزية، ومال بني نجران، ومال بني تغلب - مضاعفة - ~~وما أخذه العاشر من تجار أهل الذمة، والحربي، والمال الذي يصالح عليه ~~الكفار يصرف إلى عطايا المقاتلة، وذراريهم، وسلاحهم، وكراعهم، ليقاتلوا ~~أعداء الله تعالى، ويفتحوا البلاد، وإلى أرزاق القضاة، والولاة، وأعوانهم، ~~والفقهاء، والمفسرين، والحفاظ، والمعلمين، والمتعلمين والمفتين، ~~والمحتسبين، وكل من تقلد شيئا من أمور المسلمين وسد الطريق في دار الإسلام ~~عن اللصوص وقطاع الطريق، وإلى إصلاح القناطر، والجسور، وبناء الرباطات، ~~والمساجد، وسد البثق، وتحصين ما يخاف عليه البثق، وكرى الأنهار العظام التي ~~فيها مصالح المسلمين، وإلى ما فيه صلاح المسلمين. # PageV01P292 # والرابع: مصرف اللقطات، والتركات التي لا وارث لها، ومصرف نفقة اللقيط، ~~والمرضى، وأدويتهم - إذا كانوا فقراء - وتكفين الموتى الذي لا وارث لهم، ~~ولا مال لهم، وعقل جناية اللقيط، ونفقة من هو عاجز عن التكسب، وليس له من ~~يقضي نفقته. # ولا يحل لكل مصرف، إلا ما يكفيهم، ويكفي أعوانهم بالمعروف، فإن فضل شيء ~~من هذه الأموال بعد إيصال الحقوق إلى أربابها، قسموه بين المسلمين. # وليس لأهل الذمة نصيب في بيت المال، إلا أن يرى الإمام ذميا يهلك جوعا، ~~فعليه أن يعطيه من بيت المال. # وليس للأغنياء في بيت المال نصيب، إلا إذا كان عالما فرغ نفسه لتعليم ~~الناس من الفقه، والقرآن، أو قاضيا. # ولا تصرف الزكاة إلى ذمي، وبناء مسجد، وتكفين ميت، وإعتاق، وأصول # PageV01P293 # المزكي، وفروعه، وزوجته، وعبده، ومكاتبه، ومدبره، وأم ولده - ومعتق البعض ~~كالمكاتب عند أبي حنيفة رحمه الله - وإلى من يملك قدر نصاب. # وإنما قلنا: قدر نصاب، لأن ms097 من ملك نفس النصاب فعليه الزكاة، لأنه يكون ~~ناميا، وينبغي أن يكون قدر النصاب فاضلا عن الحاجة الأصلية من أي مال كان، ~~بلا اشتراط نماء فيه، حتى لو كان له كتاب مكرر يحسب أحدهما من النصاب. # وهذا النصاب تتعلق به الأحكام الأربعة من: حرمان الصدقة، ووجوب الأضحية، ~~وصدقة الفطر، ونفقة الأقارب. # PageV01P294 # (صفحة فارغة) # PageV01P295 # (صفحة فارغة) # PageV01P296 # ومن عال يتيما فيكسوه، ويطعمه، وينوي به عن زكاة ماله، يجوز في الكسوة، ~~وفي الطعام لا يجوز، إلا إذا دفع إليه بيده، فيجوز أيضا. # وقال العلماء: الأفضل في صرف الصدقة أن يصرفها إلى إخوته، ثم أعمامه، ثم ~~أخواله، ثم ذوي الأرحام، ثم جيرانه، ثم أهل سكته، ثم أهل مصره. # روي عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال: " يعطي الإمام حملة القرآن لكل ~~قارئ في كل سنة مائتي دينار، أو ألف درهم، إن أخذها في الدنيا، وإلا يأخذ ~~في الآخرة ". # وعن الشيخ أبي منصور رحمه الله: " كل من خرج طالبا للعلم، فقد لزم ~~المسلمين كفايته ". وبالله التوفيق # PageV01P297 ### | الباب الثامن ### | في الحيل الشرعية # الهرب من الحرام والتخلص منه حسن، قال تعالى: {وخذ بيدك ضغثا} (ص 44) ~~الآية. # وفي الخبر: أن رجلا اشترى صاعا من تمر بصاعين فقال عليه السلام: " أربيت، ~~هلا بعت تمرك بالسلعة ثم بسلعتك تمرا ". وهذا كله إذا لم يرد الضرر بأحد. # إذا صلى أربعا، فأقيمت الصلاة في المسجد، فالحيلة ألا يجلس على رأس ~~الرابعة حتى تنقلب نفلا، ويصلي مع الإمام. ### | مسائل # نذر صوم شهرين متتابعين، وصام رجبا وشعبان، فإذا شعبان نقص يوما، فالحيلة ~~أن يسافر مدة السفر، فينوي اليوم الأول من رمضان عما نذر. # PageV01P298 # إذا خاف ألا يؤدي الزكاة: يهب النصاب قبل تمام الحول ممن يثق به، ويسلمه ~~إليه، ثم يستوهبه. # أراد أن يؤدي الفدية عن صوم أبيه أو صلاته، وهو فقير فإنه يعطي منوين من ~~الحنطة فقيرا، ثم يستوهبه منه، ثم يعيطه إياه، هكذا إلى أن يتم. # أراد أن يكون لابنته محرم في طريق الحج: يزوجها بعلمها من عبد نفسه، فلا ~~يعلم العبد ذلك. ms098 ### | ### | مسألة # # حلفت امرأة ألا تتزوج: فزوجها فضولي، فأخبرها، فقبضت المهر، لم تحنث. ### | مسألة # حلف لا يطلق فلانة، فخلعها أجنبي، ودفع بدل الخلع إلى الزوج لم يحنث، ~~وكذا لو تزوج رضيعة، وأمر امرأته أو أمها لترضعها، فأرضعته. # PageV01P299 ### | ### | مسالة # # قال لامرأته: إن لم أطلقك اليوم ثلاثا فأنت طالق ثلاثا، فالحيلة أن يقول ~~لها: أنت طالق ثلاثا على كذا، ولا تقبل المرأة، فلا يقع الطلاق وبه يفتى. ### | مسألة # امرأة سمعت زوجها طلقها طلاقا ثلاثا، ولا تقدر على منع نفسه منه، يسعها ~~أن تقتله متى علمت أنه يقربها، لأنه لا يمكن دفع شره عن نفسها إلا بقتله، ~~لكن ينبغي ألا تقتله إلا بالدواء، لأنها إن قتلته بآلة الحرب وجب عليها ~~القصاص. ### | مسألة # أراد التحليل، يخاف ألا يطلقها الثاني، أو يعلقها، فالحيلة أن يشتري ~~زوجها عبدا صغيرا قادرا على الجماع، يتزوجها منه بشهادة شاهدين، فإذا بنى ~~بها، يهبه لها ويملكه ببيع، فإذا ملكه إياها تقع الفرقة بينهما، ثم يبعث ~~المملوك إلى بلد فيباع هناك، ثم يتزوجها بعد العدة. ### | مسألة # طلق امرأته بائنا، وأنكر، فالسبيل: أن تدخل المرأة بيتا فيه زوجها ~~مختفية، فيقال: إنك تزوجت امرأة وهي في هذه الدار، فيقول: ليست لي امرأة في ~~هذه الدار، فيقال: كل امرأة لك في هذه الدار فهي طالق بائن؟ فإذا حلف تبرز ~~المرأة، فيظهر طلاقها. ### | مسألة # قال لامرأته: إن لم تطبخي قدرا نصفها حلال ونصفها حرام، فأنت طالق، ~~فالحيلة: أن تجعل الخمر في القدر، ويطبخ البيض فيها. # PageV01P300 # حلف بثلاث طلقات ألا يكلم فلانا، فالحيلة: أن يطلقها واحدة، ويدعها حتى ~~تنقض عدتها، ثم يكلم، ثم يتزوجها. ### | ### | مسألة # # حلف الا يدخل دار فلان، فالحيلة أنه إذا انتهى إلى باب يحمل مرفوعا، ~~ويدخل الدار، كلما أراد الدخول يفعل هكذا. ### | مسألة # في فيه لقمة، فقال الرجل: إن أكلتها فامرأته طالق، وقال آخر: إن أخرجتها ~~فعبدة كذا حر، فالحيلة: أن يطرح بعضها، ويأكل بعضها، أو يأخذها إنسان من ~~فيه بغير أمره. ### | مسألة # أرادت المرأة قطع طمع المحلل تقوله له: لا ms099 أطاوعك حتى تحلف بثلاث طلقاتي ~~أنك لا تخالفني فيما أطلب منك، فإذا حلف مكنته فإذا قربها مرة طلبت منه ~~الطلاق، فإن طلقها، طلقت وإلا فكذلك. # قال: إن فعلت كذا فعبدي أو جميع ما أملك حر وصدقة، فالحيلة أن يهب ذلك ~~كله ممن يثق به ويسلم، ثم يفعل ثم يستوهبه. ### | مسألة # أراد أن يكاتب جارية له ويطأها، فإنه يهبها لابن صغير له، ثم يتزوجها إن ~~لم يكن تحته حرة، ويكون أولاده أحرارا. ### | مسألة # دخل جماعة على رجل، وأخذوا أمواله وحلفوه ألا يخبر بأسمائهم، فالحيلة أن ~~يقال له: نعد عليك أسماء، فمن ليس بسارق إذا سألناك، قل: لا، وإذا انتهينا ~~إلى السارق فاسكت أو قل: لا أقول، فيظهر الأمر فلا يحنث. # PageV01P301 ### | ### | مسألة # # حلف لا يسكن هذه الدار وهو ساكنها ويشق عليه نقل المتاع، فإنه يبيع ~~المتاع ممن يثق به ويخرج بنفسه وأهله، ثم يشتري المتاع منه في وقت يتيسر ~~عليه التحويل. ### | مسألة # حلف ليقضين حقه رأس الشهر، ولا يتيسر عليه ذلك فالحيلة أن يبيع منه شهرا ~~بذلك الدين. ### | مسألة # قال الطالب: إن لم آخذ منك حقي غدا فامرأته كذا، وقال المطلوب: إن أعطيك ~~فعبدي حر، فالحيلة: أن يمنع المطلوب، فيجئ الطالب ويأخذ منه جبرا. ### | مسألة # قال لها، وفي يدها شراب: إن شربت، أو صببت، أو أعطيت غيرك، فأنت كذا. ~~فالحيلة: أن يرسل فيه ثوبا ينشف. # حلف ألا ينفق على امرأته. فالحيلة: أن يؤاجر نفسه منها، ويتجر لها، ويكسب ~~لها. # أمير البلد أراد أن يحلف رجلا ألا يخالف الملك، يكتب على كفه اليسرى ~~الملك، فكلما قيل له: عليك كذا عبيدك، ونساؤك كذا إن كنت تخالف هذا الملك، ~~جعل الرجل يشير بيده اليمنى إلى الملك المكتوب على الكف - وكلتا يديه في ~~الكم - وهو يقول: " لا أخالف هذا الملك "، فلم يحنث. # PageV01P302 ### | مسألة # وقف وخاف أن يبطله قاض على قول الإمام: فعليه أن يقر في صك الوقف: أني ~~رفعت إلى قاض من قضاة المسلمين، فأمضى ذلك، فلا يبطل بعد ذلك أبدا. ### | مسالة # أراد أن يبيع ms100 نزل الكرم مشاعا - وهو لم يصح - فالحيلة: أن يبيع الكل منه، ~~ثم يفسخ البيع في النصف. ### | مسألة # حلف لا يبيع هذه الجارية، ولا يهبها، فباع النصف بكل الثمن ووهب النصف، ~~لم يحنث. # أراد البائع أن يأمن خصومة المشتري، فالحيلة: أن يأمره إذا أراد بيعه أن ~~يقول: إن خاصمتك في عيب فهو صدقة. # الوكيل بشراء شيء بعينه بثمن معين إذا أراد أن يشتريه لنفسه، فالحيلة: أن ~~يزيد في ثمنه شيئا قليلا، أو يأمر إنسانا ليشتريه له. # اشترى إناء فضة بدراهم، وليس معه إلا قليل دراهم، فأراد أن يتفرقا ولا ~~يبطل، فالحيلة: أن ينقد ما عنده، ثم يستقرض منه ثم ينقد، ثم يستقرض، هكذا ~~إلى تمام الثمن، ومثل هذا يفعل في السلم. # أراد دفع الشفيع يقول له: آشتره مني، فأبيعك بأقل مما اشتريته من البائع، ~~فإذا أجابه بطلت شفعته. # PageV01P303 # الوكيل بالبيع أراد أن تكون العهدة على غيره، فإنه يأمر غيره فيبيع بحضرة ~~الوكيل الأول، فيجوز، وتكون العهدة على الثاني. # الوكيل بالبيع إذا أراد أن يشتري ذلك لنفسه، فالحيلة: أن يبيعه ممن يثق ~~به، ثم يشتريه لنفسه. # استقرض من رجل عشرة دراهم، فلم يرغب إلا بربح درهمين، فالحيلة: أن يشتري ~~ما يساوي فلسا بدرهمين، ويستقرض منه عشرة. # ولو باع كاغدة بألف درهم. # قال أبو يوسف رحمه الله -: يجوز ولا يكره. # وقال محمد رحمه الله: هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال. # خوصم إليه في ضيعة بغير حق، فأراد أن يسقط اليمين، فالحيلة: أن يقر لابنه ~~الصغير بالضيعة. # أراد ألا يكفل لإنسان، ينبغي أن يقول: إن كفلت فلله على أن أتصدق بفلس، ~~فإذا طلب منه الكفالة يقول: قد حلفت ألا أكفل. # والحيلة في إثبات الدين على الغائب: أن يكفل للطالب رجل عن الغائب، ثم ~~إنه يقدم الكفيل إلى القاضي فيقول: إن لي على فلان الغائب كذا، وإن هذا ~~كفيل عنه. فيقول الكفيل: إني كفلت عنه، لكن لا أدري أن للمدعي على الأصيل ~~دينا أم لا؟ فيقيم المدعي البينة على ذلك، فيقضي له القاضي بالدين على ms101 ~~الغائب، ثم إنه يبرأ الكفيل. # PageV01P304 # أراد المرتهن الا يبطل الدين بهلاك الرهن، فإنه يشتري منه عبدا بذلك ~~الدين، ولا يقبض، فلو مات العبد لا يبطل دينه، ولو مات المطلوب يكون الطالب ~~أحق به من سائر الغرماء، ولو قضى عنه حال حياته أقاله البيع. # أراد أن يجعل المال مضمونا على المضارب، فالحيلة: أن يقرض المال، ويسلمه ~~إليه ثم يأخذ منه مضاربه بالنصف، ثم يدفع إلى المستقرض ويستعين منه في ~~العمل. # وحيلة أخرى: أن يقرضه المال، ويخرج إليه درهمين آخرين، ويعقد معه شركة ~~العنان، والعمل عليهما، والمال منهما. # PageV01P305 # ومن أراد أن يشتري دارا وخاف أن البائع قد ملكها من غيره قبل ذلك. # فالحيلة: أن يكتب الشراء باسم رجل مجهول، وأودعها المجهول عنده، أو ~~استأجرها منه، ثم يشهد في السر أنه اشتراها له من ماله بأمره، وأنها داره ~~لا حق له فيها، فيقيم البينة أنها وديعة عنده لفلان، فيندفع عنه الخصومة. # والحيلة في إسقاط خيار الرؤية: أن يبيع الضيعة مع ثوب لرجل، ويقر المشتري ~~أن الثوب لهذا الرجل فيأخذ المقر له، الثوب، # PageV01P306 ### | 0 - # صفحة فارغة) # PageV01P307 # (صفحة فارغة) # PageV01P308 # (صفحة فارغة) # PageV01P309 # ويبطل خيار المشتري، لأن في رد أحدهما تفريق الصفقة، وذلك لا يجوز. # PageV01P310 # والحيلة في إجازة المستأجر بأكثر مما استأجره: أن يعطيه شيئا حقيرا ~~كالقدوم والمنجل بمقابلة الفضل أو طين لو كف سطحها، أو عمر شيئا يسيرا، ~~فيطيب له، وكذا لو استأجر دابة وأسرجها من عنده، أو أوكفها، ثم أجرها ~~بأكثر، طاب له الفضل. # والحيلة في ألا تنتقض الإجارة بموت أحدهما: أن يقر المستأجر أنه استأجرها ~~لرجل من المسلمين، ويقر الآجر لذلك. # والحيلة في أن ينفرد كل واحد من الشريكين بقبض حصته من الدين: أن يكتب ~~لكل واحد وثيقة على حدة أنه باع حصته من متاع أو عبد بينهما في صفقة على ~~حدة، وحصته على فلان منفردة. # والحيلة فيما إذا خاف الكفيل أن يتوارى عنه المكفول عنه: أن يأخذ من ~~المكفول عنه كفيلا بنفسه. # PageV01P311 # والحيلة في إسقاط الشفعة من وجوه: # أحدها: أن يهب البائع من ms102 المشتري شيئا بعينه من الدار بطريقه، ثم يشتري ~~الباقي بما سميا من الثمن. # أو يبيع جزءا من الدار بثمن كثير، ثم يشتري الباقي بثمن قليل، أو يستأجر # PageV01P312 # البائع من المشتري عبدا أو دابة بجزء من الدار، ثم يشتري الباقي، أو ~~يشتري الدار بألفين، وهي تساوي ألفا، فينقد البائع ألفا إلا عشرة، ثم يبيع ~~منه دينارا بألف وعشرة، فلا يأخذ الشفيع إلا بألفين. رجلان قال كل واحد ~~منهما لصاحبه: إن لم يكن رأسي أثقل من رأسك فامرأته طالق. # فمعرفة ذلك أنهما إذا ناما دعيا، فأيهما أسرع جوابا، فرأس الآخر أثقل ~~منه. # ولو قال لامرأته: كل امرأة أتزوج عليك فهي طالق، وعنى بقوله عليك، أي على ~~رقبتك، يصح ديانة وقضاء. # رجل حلف رجلا بالطلاق والعتاق، فالنية نية الحالف، ظالما كان أو مظلوما، ~~حتى لو نوى الطلاق عن الوثاق، أو نوى الحرية عن عمل كذا، أو # PageV01P313 # الإخبار به كاذبا، يصدق ديانة، إلا أنه إن كان مظلوما لا يأثم، وإن كان ~~ظالما يأثم، وإن كانت اليمين بالله، فإن كان الحالف مظلوما فالعبرة بنيته، ~~وإن كان ظالما، فاليمين على الماضي، فالعبرة بنية المستحلف، وإن كانت ~~اليمين على المستقبل، فهي على نية الحالف. # ولو حلف اللصوص بثلاث تطليقات، أنه لم يكن معه دراهم غير الذي أخذوا منه، ~~ثم ظهر أن معه دانقا أو نحوه، لا يحنث. # قال الفقيه أبو الليث: إن حلف بالعربية لم يحنث ما لم يبلغ ما معه ثلاثة ~~دراهم، وإن حلف بالفارسية: باتودرمست لم يحنث ما لم يبلغ درهما. # رجل أراد أن يستحلف رجلا، واستثنى الحالف في السر - إن شاء الله - لا ~~يحنث الحالف، وإن خاف المستحلف أن يستثنى في السر، فحيلته أن يستحلف، ~~ويأمره أن يقول عقيب اليمين: سبحان الله - موصولا أو غيره من الكلام. # رجل على سلم فقال: إن ارتقيت فامرأته طالق، وإن رجعت فكذلك، وإن أخذني ~~أحد فكذلك، فالحيلة: وضع السلم على الأرض حتى ينفصل عنه. # رجل قال لامرأته: إن لم أجامعك على رأس الرمح، فأنت طالق، يغرز الرمح في ms103 ~~سطح حتى يبدو رأسه من الأعلى، فيجامع عليه. والله أعلم. # PageV01P314 ### | الباب التاسع ### | في تنبيه المجيب من المسائل الشرعية مما جمعه المحقق أبو الليث السمرقندي رحمه الله # ينبغي للمفتي أن يمعن النظر في المسائل الشرعية، فإن كانت من جنس ما يفصل ~~في جوابها يفصل، ولا يجيب على الإطلاق، فإنه يكون مخطئا نحو ما إذا سئل عن ~~هرة أخذت فأرة، فوقعتا جميعا في البئر، فماتتا جميعا، أو ماتت إحداهما ~~وخرجت الأخرى حية. # فإن أجاب بنزح كل البئر، أو بنزح عشرين أو ثلاثين، أو أربعين، أو خمسين ~~فقد أخطأ. # بل يجب أن يفصل، ويبين الشروط التي فيها، فيقول: لو جرحتها الهرة، نزح ~~ماء البئر كله، وإن لم تكن جرحتها، فإن ماتت الهرة أو الفأرة ن فوظيفة كل ~~واحدة معلومة، فإن ماتتا جميعا، يدخل أقل المقدارين في أكثرهما، فيكتفي ~~بنزح الأكثر. # ولو قيل: خرجتا حيين، فالمسئول يخطئ في الجواب إلا أن يقول: إن كانت ~~جرحتها الهرة، نزح ماء البئر كله، وإن لم تكن جرحتها يستحب نزح دلاء. # قلت: ورأيت في بعض الكتب: إذا وقعت في البئر من خوف الهرة، يجب نزح ماء ~~البئر كله، لأنها إذا فرت من خوف الهرة، لا تخلو من نجاسة تنفصل منها. # وإذا استفتى عن إمام صلى بقوم ركعة، فأحدث وتأخر، وقدم رجلا والقوم قدموا ~~آخر، فتقدما ونويا الإمامة، فإن أجاب بصحة صلاة كل القوم أو فسادها، أو تصح ~~صلاة الأكثر دون الأقل، أو على العكس، فقد أخطأ، لكن ينبغي أن يقول: إن كان ~~الإمامان نويا معا، أو سبقه نية من قدمه الإمام، # PageV01P315 # أو سبقت نية الآخر، لكن لم يعتد به القوم حتى نوى من قدمه الإمام، ~~فالخليفة هو من قدمه الإمام، فمن اقتدى به منهم صحت صلاتهم، وإلا فلا. # ولو قيل: لو لم يقدم الإمام أحدا وتقدم رجلان، فإن أجاب بشيء فقد أخطأ، ~~إلا أن يقول: إن سبق أحدهما إلى مكان الإمام، فصلاة الذين اقتدوا به جائزة، ~~وصلاة الآخرين فاسدة، سواء كانوا أقل أو أكثر، فإن قاما في صلاة ms104 الإمام ~~معا، فحينئذ يعتبر الترجيح بكثرة القوم، فإن استوى الفريقان فسدت صلاة ~~الكل. # وإذا استفتى عن مريض يصلي بالإيماء، فلما كان في حال التشهد ظن أن هذا ~~موضع القيام، فاشتغل بالقراءة، ثم ذكر بعد القراءة، فإن أجاب أن بنيته ~~القراءة صار قائما، أو قال لم يصر قائما، فقد أخطأ. وينبغي أن يقول: إن كان ~~هذا في التشهد الأول، قامت القراءة مقام القيام، فلا يعود إلى التشهد، وإن ~~كان في التشهد الآخر رجع إلى التشهد، وهكذا في التصحيح الذي قام قبل أن ~~يتشهد. # وإذا استفتى عمن صلى الظهر أربعا، وجلس جلسة، ثم ظن أنها الثالثة فقام، ~~ثم علم أنها رابعة، فجلس، وقرأ بعض التشهد، وتكلم. # فإن أجاب بصحة صلاة، أو فسادها، فقد أخطأ. فينبغي أن يقول: إن كان مجموع ~~الجلوسين قبل القيام مقدار التشهد، أو أكثر، جازت صلاته، وإلا فلا. ### | فصل في النكاح # إذا استفتى عن رجل زوج ابنه الكبير امرأة بغير إذنه، فإن أجاب أن النكاح ~~موقوف، فقيل له: إن لم يجز الابن، ولم يرد حتى جن جنونا مطبقا؟ فإن أجاب ~~بجواز النكاح فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: إن أجاز الأب النكاح بعدما جن الابن جاز، وإلا فلا، لأن ~~الأب صار بحال لو استأنف العقد جاز عقده، فيجوز إجارته. # PageV01P316 # رجل تزوج امرأة، فجاءت بسقط قد استبان خلقه، إن جاءت به لأربعة أشهر جاز ~~النكاح، وإن جاءت به لأربعة أشهر إلا يوما لم يجز النكاح، لأن في الوجه ~~الثاني: الولد من الزوج الأول. # وفي الوجه الأول: الولد من الزوج الثاني، لأن خلقه لا يستبين إلا في مائة ~~وعشرين يوما، فيكون أربعين يوما نطفة، وأربعين يوما علقة، وأربعين يوما ~~مضغة. # وإذا استفتى عمن أقام بينة على امرأة أنه تزوجها، فأقامت ابنة المرأة أنه ~~تزوجها، فإن أجاب أن البينة أو بينتها، فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: إن لم يكن دخل بواحدة منهما، أو دخل بالأم فبينته أولى، ~~وبطلت بينتها. # وإن دخل بالبنت فبينتها أولى، وبطلت بينته. # وإن دخل بها، ففرق بينه وبينهما بحرمة ms105 المصاهرة. # وإذا استفتى عمن أمر رجلا بأن يزوجه امرأة، فزوجه الوكيل كما أمر، ثم مات ~~وليها الذي زوجها، ولها ولي آخر ينكر النكاح، هل يحل للزوج أن يطأها بقول ~~الوكيل؟ فإن قال: لا، أو نعم، فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: إن كانت المرأة صغيرة، أو معتوهة، لا ينبغي أن يطأها ~~بقول الوكيل ما لم يصدقه الوكيل الثاني، ولو كانت عاقلة كبيرة، فلا بأس بأن ~~يطأها، إذا كانت مقرة بالنكاح. # وإذا استفتى عن امرأة خرجت من بيت الزوج إلى منزل أبيها أو أمها، فمرضت، ~~فلم يتهيأ لها الخروج إلى منزل الزوج، هل لها النفقة ما دامت هناك؟ فإن ~~أجاب بنعم، أو بلا، فقد أخطأ. وينبغي أن يقول: إن كانت بحال يمكن أن تحمل ~~في محفة، أو نحو ذلك، فلا نفقة لها ما لم ترجع، لأنها كالناشزة، # PageV01P317 # لم أمكن عودها ولم تعد، وإن كانت لا يتهيأ حملها بوجه من الوجوه، يؤخذ ~~الزوج بنفقتها ما دامت كذلك، لكن يجب نفقة الصحيحات لا المريضات. ### | فصل في الطلاق # إذا استفتى عمن قال لامرأته: أنت طالق كالثلج، أيكون بائنا أو رجعيا؟ فإن ~~أجاب: أنه رجعي، أو بائن، فقد أخطأ. وينبغي أن يقول: إن أراد به كالثلج في ~~البرودة، فبائن، وإن أراد به كالثلج في البياض، فرجعي، كما لو قال: حسنة. # رجل قال لامرأته: إن لم أطلقك اليوم ثلاثا، فأنت طالق ثلاثا، فأراد ~~الحيلة كي لا تطلق المرأة، فقال لها: أنت طالق ثلاثا على كذا - يعني ألف ~~درهم - فلم تقبل المرأة، فمضى اليوم، وقع عليها الثلاث في قياس الروايات ~~الظاهرة، لأنه تحقق شرط الحنث، وهو عدم التطليق، لأنه أتى بالتعليق، ~~والتعليق غير التطليق. وروى عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنها لا تطلق، ~~وعليه الفتوى، وهذا حيلة الخروج عن هذا اليمين، لأنه أتى بالتعليق، ولكن ~~على ألف، وأن هذا تطليق مقيد والمقيد يدخل تحت المطلق، فينعدم شرط الحنث، ~~فلا تطلق. ### | فصل في العتق # إذا استفتى عمن أقر في مرضه بعبد لبعض ورثته، ثم أعتق ذلك العبد، فإن ~~أجاب ms106 أنه جاز عتقه، أو لم يجز، فقد أخطأ. # PageV01P318 # ينبغي أن يقول: إن كذبه سائر الورثة على إقراره، جاز عتقه في الحكم وإن ~~صدقوه، فعتقه باطل في الحكم. وأما فيما بينه وبين الله تعالى - إن لم يكن ~~بينهما سبب التمليك، لم يخرج عن ملكه، وجاز عتقه من الثلث إذا مات من مرضه، ~~وإذا صح، جاز عتقه من جميع المال. ### | ### | فصل في مسائل شتى # # إذا استفتى عمن ساوم رجلا في ثوب، فقال البائع: أبيعك بخمسة عشر، وقال ~~المشتري: لا أخذه إلا بعشرة، وذهب المشتري بالثوب على هذا. # فإن أجاب: أن البيع بعشرة، أو بخمسة عشر، فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: إن كان الثوب في يد المشتري حين ساومه وجب البيع بخمسة ~~عشر، إذا ذهب به، وإن كان الثوب في يد البائع، فدفعه إلى المشتري، ولم يقل ~~شيئا، فالبيع بعشرة. # وإذا استفتى عمن باع مال غيره بغير إذنه، فبلغه، فأجاز، فإن أجاب ~~بالجواز، أو بعدم الجواز، فقد أخطأ. وينبغي أن يقول: إن كان المبيع قائما، ~~والبائع والمشتري قائمين، صحت الإجازة، فإن مات أحد هذه الأشياء، لم يجز، ~~وكذا لو مات الوارث، فأجاز ورثته لم يجز. # وإذا استفتى عمن باع عبده، وعبد غيره صفقة واحدة، بغير أمر ذلك الغير، ما ~~حال البيع فيهما؟ وهل للمشتري الخيار؟ فإن أجاب بجوازه، أو ببطلانه أو بأن ~~له الخيار، فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: إن أجاز ذلك الغير، جاز البيع فيهما، ولا خيار له، فإن ~~لم يجز، فإن كان المشتري يعلم وقت الشراء بذلك، لزمه في عبد البائع بحصته، ~~وإن لم يكن عالما وقت الشراء، أو علم بعد ذلك، فإن علم قبل القبض فله نقض ~~البيع فيهما، لأنه لو نقض في المبيع كان فيه تفريق الصفقة قبل التمام، وذلك ~~لا يجوز. # وإن علم بعد قبضهما، لزمه الباقي بحصته، لأن الصفقة تمت بالقبض، فلو رد ~~أحدهما، كان تفريق الصفقة بعد التمام، وذلك جائز # PageV01P319 # وإذا استفتى عن رجل باع عبدا على أنه بالخيار ثلاثة أيام، ثم تقاضى على ~~المشتري ms107 بالثمن، هل يكون ذلك إجازة منه؟ فإن قال: لا، فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: إن تقاضاه قبل أن يتفرقا فهو على خياره، وإن تقاضاه ~~بعدما تفرقا، بطل خياره، وذكر عن الحسن بن زياد قال أستاذنا رحمه الله: ~~ظاهر ما ذكر في الزيادات، والقدوري يدل على أنه يبطل خياره مطلقا. # لكن لم يذكر هناك هذا التفصيل. وإضافة أبي الليث رحمه الله هذه الرواية ~~إلى الحسن بن زياد يدل على أن التفصيل، ليس في كتب محمد - رحمه الله - وهو ~~أحسن، وبه يفتى. # وإذا استفتى عن رجل اشترى جارية بثمانمائة نسيئة، فحدث بها عيب عند ~~المشتري، فباعها من البائع بستمائة قبل نقد الثمن، ثم ذهب العيب عنها، فإن ~~أجاب بجواز البيع، أو فساده، فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: إن ذهب العيب قبل أن يقبض البائع من المشتري، بطل البيع ~~الثاني، وإن ذهب العيب بعدما قبضه منه، فالبيع جائز، لأن للقبض شبها للعقد، ~~فصار الذهاب قبل القبض، كالذهاب قبل شراء البائع من المشتري. # وإذا استفتى عمن باع من رجل شيئا وزنيا، على أن وزنه كذا، فوجده أكثر من ~~ذلك، ما حال البيع؟ والزيادة لمن تكون؟ # PageV01P320 # فإن أجاب أن البيع جائز، أو فاسد، والزيادة للبائع، أو للمشتري، فقد ~~أخطأ. وينبغي أن يقول: إن اشتراه بغير جنسه، فالبيع جائز، وأما الزيادة، ~~فهي على وجهين: إن كان المشتري شيئا في تنقيصه ضرر، نحو أن يشتري إبريق فضة ~~بعشرة دنانير على أن وزنه مائة درهم، أو اشترى قمقمة بعشرة دراهم على أن ~~وزنها ثلاثة أمناء، فإذا هي أكثر، فالزيادة للمشتري. وإن كان شيئا ليس في ~~تنقيصه ضرر، نحو أن يشتري نقرة فضة أو صفر، أو نحاس، غير معمول بدينار، على ~~أنه كذا منا، فإذا هي أكثر، فالزيادة للبائع. # وإن اشتراه بجنسه فهو أيضا على وجهين: إن لم يكن في تمييزه ضرر، جاز ~~البيع بحصته، نحو أن يشتري نقرة وزنها مائة بمائة درهم فوجدها مائتين، جاز ~~البيع في النصف، وبطل في النصف الآخر. # وإن اشترى إبريق فضة وزنه مائة ms108 بمائة، فوجده مائتين، فإن قال: البيع فاسد ~~في الكل، أو في النصف، فهو خطأ. # وينبغي أن يقول: إن علم أن وزنه مائتان قبل أن يتفرقا، فالبيع باطل في ~~النصف جائز في النصف، وهو بالمختار. # وإذا استفتى عمن كان له على آخر دين مائة درهم، وعنده لمديونه وديعة ~~مائتا درهم، فقال: جعلتها قصاصا بديني، هل يعتبر قصاصا؟ فإن أجاب بلا، أو ~~بنعم فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: إن كانت الدراهم في يديه، أو قريبة منه يقدر على قبضها، ~~جاز قصاصا. # وإن كانت بحال لا يمكن أخذها، ولم تكن قريبة منه، لا يصير قصاصا، مال لم ~~يدفع إليه. # قال: وهذه الرواية عن محمد رحمه الله، وهي معروفة: أن قبض الوديعة لا ~~ينوب عن قبض الشراء. # PageV01P321 # وإذا استفتى عن رجل له على رجلين دين، فأخذ من كل واحد منهما خمسة، وخلط ~~بعضها ببعض، ثم وجد بعض الدراهم نبهرجة، وكل واحد منهما ينكر أن يكون ~~النبهرجة ملكه، هل له أن يرد على أحدهما؟ إن أجاب أن له أن يرد، أو ليس له ~~أن يرد، فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: إن وجد درهما أو درهمين إلى خمسة نبهرجة، لا يرد أصلا، ~~لأن كل واحد منهما يقول: إن الجياد دراهمي، فليس لك علي حق الرد أصلا. # فإن وجد ستة منها نبهرجة، كان له أن يرد على كل واحد منهما درهما، لأنا ~~تيقنا أن كل واحد منهما أعطاه درهما نبهرجة، فكان له حق الرد على كل واحد ~~منهما قطعا. # وإن وجد سبعة، فعلى كل واحد منهما درهمين. # وإن وجد ثمانية، فعلى كل واحد منهما ثلاثة دراهم. # وإن وجد تسعة، فعلى كل واحد منهما أربعة، وإن كان الكل نبهرجة، رد كل ~~واحد منهما خمسة. # قلت لاستاذنا رحمه الله: ينبغي ألا يكون الرد في هذه الوجوه كلها أصلا ~~على قول أبي حنيفة - رحمه الله - لأن خلط الدراهم على وجه يتعذر التمييز ~~استهلاك عنده، والرواية المحفوظة: أن من كان له على آخر دراهم جياد فأخذها ~~منه زيوفا، فأنفقها في حاجته ms109 أو استهلكها، ثم علم، ليس على مديونه شيء عند ~~أبي حنيفة. # وأحد الروايتين عن محمد رحمه الله: له أن يرد عليه مثل زيوفه، ويرجع عليه ~~بجياده، فينبغي ألا يكون له حق الرد إلا على قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما ~~الله - بناء على أن الخلط ليس استهلاكا عندهما، أو بناء على أن إنفاق ~~الزيوف واستهلاكها، لا يسقط حقه في الجودة، أما على قول أبي حنيفة رحمه ~~الله: لا يرد أصلا، لما ذكرنا من مذهبه في المسألتين. # PageV01P322 # ثم أجاب في مجلس آخر فقد أحسن فيما أجاب - فقال: لا بل هناك يرد كما ~~ذكرنا، لأن النبهرجة إذا زادت على الخمسة، تيقنا أنه استحق كل واحد منهما ~~رد شيء من هذه النبهرجة بقدر ما ذكرنا. # فلو امتنع الرد، إنما يمتنع لكون المردود على كل واحد منهما، وذلك مشكوك، ~~والثابت بالمتيقن لا يختل بالشك، بخلاف ما لو أنفق المأخوذ، أو أتلفه لأن ~~هناك تيقنا أن الذي يرد عليه غير المأخوذ منه، فجاز أن يمتنع حق الرد. # وإذا استفتى عمن دفع إلى رجل درهما وضحا، وقال: اشتر لي بنصف لحما، وبنصف ~~درهم قطنا، ولم يزد على هذا، فكيف يصنع الوكيل حتى لا يضمن؟ فإن أجاب أنه ~~يكسر الدرهم فقد أخطأ، لأنه يصير ضامنا، فإن أجاب أنه يشتري بالدرهم الوضح ~~مكسرة، فقد أخطأ أيضا، لأنه غير مأمور بالتصرف، فيصير مخالفا ضامنا. # وينبغي أن يقول: لا وجه سوى أن يأمر صاحب القطن ليشتري بنفسه لحما بنصف ~~درهم، أو القصاب ليشتري بنفسه قطنا بنصف درهم، ثم يشتري الوكيل منه بدرهم. # وإذا استفتى عمن وكل رجلا بأن يشتري له عبدا بألف درهم، فاشتراه الوكيل ~~كما أمره، لكن قال عند الشراء: اشهدوا أني اشتريته لنفسي. # فإن أجاب أنه جاز شراؤه لنفسه، أو للأمر، أو لم يجز شراؤه، فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: لو اشتراه بمحضر من موكله كان شراؤه لنفسه، وإن اشتراه ~~في حال غيبته، فهو للآمر، لأن الوكيل لا يملك عزل نفسه بدون علم الموكل، ~~كالموكل لا يملك عزله بدون ms110 علمه، وإذا لم ينعزل بقي وكيلا، والوكيل بالشراء ~~محجور عن الشراء لنفسه على الذي وكل به. # وإذا استفتى عمن وكل رجلا بشراء عبد بألف درهم، ولم يدفع إليه الثمن، ~~فاشتراه الوكيل، وقبض، وأدى الثمن، ثم لقى الآمر في غير المصر الذي فيه ~~العبد، فطلب منه الثمن، وأبى الآمر أن يدفع حتى يدفع المثمن، فإن قال: له # PageV01P323 # ذلك أو ليس له ذلك، فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: إن كان الآمر طلب قبل ذلك قبض العبد من المأمور بمحضر ~~منهما، فأبى المأمور أن يدفع إليه حتى يقبض الثمن، فللآمر ألا يدفع الثمن، ~~ما لم يحضر العبد ثم يدفع الثمن لأن قبض الوكيل كقبض الآمر ما لم يحدث ~~حبسا، ولهذا لو هلك عند الوكيل بعدما حبسه بالثمن، يهلك بالثمن، ويسقط ~~الثمن عن الآمر عندهما، وعند أبي يوسف - رحمه الله - يهلك هلاك الرهن، حتى ~~لو كان ثمنه أكثر من قيمته يرجع الوكيل على موكله بالفضل، وإن لم يكن طلب ~~منه الآمر قبض العبد قبل ذلك، فليس للآمر أن يمتنع عن دفع الثمن، لأنه لم ~~يعرف حابسا، فكان يده يد الموكل، فصار كأنه قبض العبد بنفسه، ولو قبض بنفسه ~~ليس له أن يمتنع عن دفع الثمن كذا هنا. # فلو قيل: إن الوكيل لو قبض العبد، فذهبت عينه عند الوكيل، فأبى الآمر أن ~~يأخذه، فإن أجاب أن له ذلك، أو ليس له ذلك، فقد أخطأ. وينبغي أن يقول: إن ~~كان الوكيل منعه من الآمر، ثم ذهبت عينه، فإن شاء الآمر أخذه بجميع الثمن، ~~وإن شاء تركه، وإن كان الآمر لم يطلبه منه، حتى ذهبت عينه، فعلى الآمر أن ~~يأخذه بكل الثمن، من غير خيار له. # إذا سئل عمن باع شيئا في السوق، فاستعان برجل من أهل السوق، فأعانه، ثم ~~طلب الرجل من البائع الأجر هل له ذلك؟ فإن أجاب بلا، أو بنعم، فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: ينظر إلى أهل ذلك السوق، فإن كانوا لا يعينون إلا بأجر، ~~يقضى للمعين بأجر المثل فيما أعان، وإن كانوا ms111 يعينون بغير أجر فلا شيء له. ~~وكذا إذا أعان رجل آخر من أهل السوق رجلا في حانوته، فأعانه ساعة على بيعه ~~وشرائه، والمعتبر في ذلك عادة كل أهل السوق. # وإذا استفتى عن أربعة أجروا أنفسهم لحمل الجنازة إلى المقبرة، هل تجوز ~~الإجارة وتجب الأجرة أم لا؟ فإن أجاب بلا، أو بنعم فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: إن لم يوجد لحمل الجنازة غيرهم لا تجوز الإجارة، لأنهم ~~حينئذ تعينوا لوجود إقامة هذه الحسبة، فلا يستحقون أجرا بمقابلة عمل مستحق ~~عليهم. # PageV01P324 # وإن وجد غيرهم، جازت الإجارة، ولهم الأجرة، لأن إقامة هذا العمل لم يستحق ~~عليهم حينئذ، فجاز أن يستحقوا الأجرة بعمل لم يكن مستحقا عليهم، وصار هذا ~~العمل بالنسبة إليهم بعينهم بمنزلة الأعمال المباحة، فصحت إجارتهم. # وإذا استفتى عمن حمل دقيقا إلى منزله، فاستأجر امرأته ليخبزه هل يجب ~~الأجر؟ فإن أجاب بلا، أو بنعم، فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: إن أراد أن تخبز للبيع، فلها الأجر، لأن ذلك غير مستحق ~~عليها. # وإن أراد لتخبز ليأكلوا منه، لا يجب الأجر، لأن ذلك مستحق عليها عادة، ~~كذا ذكر هنا. # قلت لأستاذنا: هل يجوز أن يكون هذا بناء على ما اختاره أبو الليث رحمه ~~الله في المنكوحة والمعتدة إذا أبت أن تطبخ وتخبز هل لها ذلك؟ قال: إن كانت ~~لا تقدر على ذلك، أو كانت من الأشراف فلها ذلك، وعلى الزوج مئونة الخبز ~~والطبخ، وإذا كانت تقدر، وهي ممن تخدم نفسها، تجبر على ذلك. # هذا اختيار الفقيه أبي الليث السمرقندي رحمه الله. # وذكر الخصاف في النفقات: أن على الزوج أن يأتي بمن يطبخ ويخبز لها، من ~~غير فصل بين الشريفة والوضيعة. وبه أخذ الفقيه أبو بكر البلخي. # قال أستاذنا رحمه الله، لا بل ينبغي أن يكون الجواب عند الكل كما ذكره ~~أبو الليث لأن الخبز بقدر ما يأكلون في البيت مستحق عليها ديانة، وإن لم ~~يستحق عليها حكما، وذلك يمنع صحة الإجارة، كما لو استأجرها لترضع ولدها منه ~~لا يجوز، وإن لم يجب عليها الإرضاع ms112 حكما. # وإذا استفتى عمن أعطى إلى الصباغ ثوبا ليصبغه، فجحد الصباغ الثوب، وحلف ~~ثم جاء به مصبوغا، هل له الأجر؟ فإن أجاب بلا أو بنعم، فقد أخطأ. # PageV01P325 # وينبغي أن يقول: إن كان صبغه قبل الجحود يجب الأجر، لأنه صبغها حال قيام ~~الإجارة بينهما، وأن كان صبغه بعد الجحود، فصاحب الثوب بالخيار، إن شاء أخذ ~~الثوب، وأعطاه ما زاد الصبغ فيه، وإن شاء تركه عليه، وضمنه قيمة ثوب أبيض، ~~لأن عقد الإجارة بينهما قد انفسخ بالجحود، فصار كمن صبغ ثوب غيره بغير ~~إذنه، فالحكم فيه معلوم. # وإذا استفتى عمن استأجر رجلا ليحمل له حملا إلى موضع معلوم، فحمل إلى نصف ~~الطريق ثم تركه المقدر، كم يجب من الأجر؟ إن قال: نصفه، أو أقل، أو أكثر، ~~فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: إن كان الطريق كله مستويا لم يكن في أحد النصفين شيء من ~~ذلك، يقسم الأجر على كل واحد من النصفين، فيلزمه حصة ما حمل. # وعن أبي يوسف - رحمه الله - أنه يقسم على صعوبة الطريق وسهولته. ### | فصل في مسائل شتى # أجر دابة إلى موضع معلوم بأربعة دراهم على أن يرجع في يومه ذلك، فرجع بعد ~~خمسة أيام، قال: عليه درهمان، لأنه خالف في الرجوع، فعليه أجر الذهاب خاصة. # وإذا استفتى عن امرأة وجب قبلها حق لأحد، فطلب إحضارها مجلس الحكم، وهي ~~تأبى، هل يؤمر بإحضارها؟ فإن قال: نعم، أو لا فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: إن ثبت خروجها إلى الحمام، ولم تكن مريضة، ولا نفساء، ~~فلا بد وأن تحضر باب الحكم إذا توجهت عليها اليمين، وإن كانت عفيفة لا تخرج ~~من بيتها، يبعث إليها من يحلفها في مثواها ولا تخرج. # وذكر أبو يوسف - رحمه الله - أن المرأة تحلف في منزلها، من غير فصل. # PageV01P326 # وإذا استفتى عمن ادعى دارا في يد آخر، وأقام البينة أن الدار له، وأقام ~~رجل آخر البينة أن البناء له، فإن أجاب أن البينة مدعي الدار، أو بينة مدعي ~~البناء، أو يؤخذ بالبينتين، فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: يسأل ms113 القاضي شهود الدار كيف يشهدون، فإن قالوا: نشهد أن ~~الدار والبناء كله لهذا، فإن الأرض له، والبناء بينهما، لأن البينتين ~~تعارضتا في حق البناء دون الدار، فعمل بها بقدر الإمكان، وإن قالوا: الأرض ~~له ولا ندري لمن البناء، قضى له بالأرض، والبناء لآخر، لأنه لا تعارض بين ~~البينتين هنا أصلا، فعمل بكل واحد منهما من كل وجه. # وإذا استفتى عن رجل سرق من رجلين عشرة دراهم، أو من عشرة أنفس من كل واحد ~~درهما، هل يقطع؟ فإن أجاب بلا، أو بنعم ن فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: إن سرق من بيت واحد، بدفعة واحدة، فجاء واكلهم وادعوا ~~يقطع. هذه الرواية عن محمد بن الحسن رحمه الله. # وإذا استفتى عن نهر غصبه غاصب، هل يجوز لمن علم بالغصب أن يتوضأ منه؟ فإن ~~قال: نعم، أو لا، فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: إن كان النهر بعد في موضعه، لا يكره أن يتوضأ أو يشرب ~~منه. ولم يظهر الغصب في حق المتوضئ والشارب بإجراء الماء. # قال أبو الليث رحمه الله: هذا جواب المشايخ، ولم يذكر عن المتقدمين. # وإذا استفتى عمن أخذ أتان رجل من الجبانة بغير إذن صاحبه، فاستعمله، ثم ~~رده إلى الجبانة، وكان مع الحمار جحش، فأكل الذئب الجحش، هل يضمن؟ وإنما ~~استعمل الأتان خاصة؟ # فالجواب فيه: أنه إن لم يتعرض للجحش شيء، غير أنه ساق الأم وانساق الجحش ~~معها ذاهبا وجائيا، فلا ضمان عليه. وإن كان ساق الجحش أيضا، فهو ضامن قيمة ~~الجحش، هكذا ذكر هاهنا، وفيه نظر. فإنه لم يفعل في الجحش على سبيل ~~المباشرة، لكنه مسبب متعد، وهذا لأن سوق الجحش ونحوه لا # PageV01P327 # يكون إلا على هذا الوجه، لأنه لا ينساق سوقه مقصودا، وغصب كل شيء وسوقه ~~ما يليق بحاله. # قال أستاذنا رحمه الله: ينبغي أن يضمن قيمة الجحش هنا، لأنه صار غاصبا ~~وإن لم يفعل فيه فعلا، ألا ترى أنهم قالوا: إذا غصب عجولا، فاستهلكه حتى ~~يبس لبن أمه، يضمن قيمة عجوله وما نقص من البقرة. # قلت: هذا ms114 وإن كان فيه نظر لما ذكر، إلا أنه ذكر الناطفي - رحمه الله - في ~~واقعاته: أن من أراد سقي زرعه، فمنع الماء غيره حتى يبس الزرع، لا يضمن ~~مانع الماء. # فينبغي ألا يضمن غاصب العجول نقصان البقرة ها هنا أيضا، كيف لو كان ذلك؟ ~~فالفرق بينهما واضح لأن الضمان ضمان الهلاك، وهلاك جزء من البقرة مضاف إلى ~~غاصب العجول، لأنه لم يوجد فعل آخر يمكن إضافته إليه، ولا كذلك في مسألة ~~الجحش لما ذكر أنه لا ينساق إلا بسوق الأم، فصار سائق الأم سائق الجحش ~~أيضا، فيضمنه. # وإذا استفتى عمن ضرب بطن شاة أو بقرة لرجل، فألقت جنينا ميتا، هل يجب ~~الضمان عليه؟ فإن أجاب بنعم، أو بلا، فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: إن لم تنتقص الشاة والبقرة لا شيء في الجنين، وإن انتقصت ~~ضمن النقصان، وهي بخلاف الجارية. # ذكر الطحاوي هذه المسألة في مختلف الحديث، فيمن ضرب بطن جارية مملوكة، ~~فألقت جنينا ميتا أن عليه نقصان الأمة. # وقال بعض المتأخرين: يلزمه عشر قيمة الأم. # أما الغرة فوجوبها في جنين الحرة، هكذا ذكر الجواب ها هنا في جنين الأمة ~~عن مختلف الحديث. وهو رواية عن أبي يوسف - رحمه الله - وظاهر الجواب عشر ~~القيمة، وهي معروفة. # وإذا استفتى عمن أوصى بأن يعطي فلان عشر نعاج من أغنامه وأغنامه حبالى ~~فولدت بعد ذلك، أيعطي مع أولادهن؟ فإن قال: لا، أو نعم، فقد أخطأ. # PageV01P328 # ينبغي أن يقول: إن كانت النعاج بغير أعيانها كان الاختيار للورثة، ~~يختارون ما شاءوا، ويعطون إليه بغير أولاد، لأن محل حقه إنما يتعين باختيار ~~الورثة، فصار كأن الملك ثبت فيه حالة الاختيار، وحالة الاختيار الولد ~~منفصلة، فلا يستحق استحقاق الأم، كما لو باع الأم لا تدخل الأولاد المنفصلة ~~في البيع، كذا هذا. # وإن كانت النعاج بأعيانها، فهي مع أولادها إن كانت تخرج من الثلث، لأن ~~محل الوصية معين، فثبت ملك الموصى له عند الموت، من غير توقف على اختيارهم، ~~والولد متصل بالأم حينئذ، فاستحق باستحقاق الأم، كمن باع الأم والجنين ms115 في ~~بطنها، يدخل تحت البيع هكذا هنا. # وإذا سئل عمن تزوج أم ولد إنسان بغير إذن مولاها، ثم أعتقت أيجوز النكاح ~~أم لا؟ فإن قال: نعم، أو لا، فقد أخطأ. # ولكن يفصل فيقول: إن دخل بها الزوج قبل إعتاق المولى، جاز، لأنه لم يجب ~~عليها العدة. # وإن لم يدخل، لم يجز، لأنه وجبت عليها العدة من المولى حين أعتقها، فلا ~~ينفذ النكاح في العدة. # وإذا سئل عمن باع عبدين: أحدهما له، والآخر لغيره صفقة واحدة، بغير إذن ~~الغير، أيجوز البيع أم لا؟ وهل للمشتري الخيار أم لا؟ فإن قال: لا، أو نعم، ~~فقد أخطأ. # وينبغي أن يقول: إن أجاز المولى الآخر: جاز البيع فيهما. # وإن لم يجز: فإن كان المشتري علم وقت الشراء بذلك، لزمه البيع في الواحد ~~بحصته. وإن لم يعلم بذلك إلا بعد البيع، إن علم قبل القبض، فله أن ينقض ~~البيع، وإن علم بعد قبضهما لزمه عبد البائع بحصته. # وإذا سئل عن رجل تزوج بخالة خالته، ينبغي أن يقال: إن كانت الخالة لأمه، ~~أو لأبيه وأمه، لم يجز. # وإن كانت لأبيه، جاز، لأنه لا قرابة بينهما. # PageV01P329 # ولو سئل عمن تزوج بعمة عمته، يقال له: إن كانت العمة لأبيه أو لأبيه ~~وأمه، لم يجز. وإن كانت لأمه جاز. # وإذا سئل عن رجل زوج أمه وأختيه من آخر في عقدة، وأفتى الفقهاء بالجواز، ~~كيف يكون؟ يقول: صورتها: جارية بين اثنين جاءت بولد، فادعياه، فهو ابنهما، ~~فإن كبر الغلام، وله أخت من هذا الأب، وأخت من هذا الأب، كلتاهما من غير ~~أمه، فزوج الأختين والأم من رجل واحد بعد موت أبيه، حكم بالجواز، لأنه لا ~~قرابة بينهن. # وإذا سئل عن رجل خرج تاجرا، وترك امرأته في المنزل، فورد عليه كتاب ~~امرأته أني قد تزوجت آخر، فابعث إلى كل شهر شيئا للنفقة، كيف تكون هذه ~~المسألة؟ قل: هذا رجل كانت امرأته بنتا لمولاه، فمات مولاه، فورثته، وبطل ~~النكاح، فكتبت إليه، وهو عبدها: أن ابعث إلى النفقة. والله أعلم # PageV01P330 ### | الباب العاشر ### | في ms116 المسائل المتفرقة # الأدب في غسل الأيدي قبل الطعام: أن يبدأ بالشباب، ثم بالشيوخ، وإذا غسل ~~لا يمسح بالمنديل، لكن يترك ليجف، ليكون أثر الغسل باقيا وقت الأكل. والأدب ~~في الغسل بعد الطعام أن يبدأ بالشيوخ، ويمسح يده بالمنديل ليكون أثر الطعام ~~زائلا بالكلية، والسنة أن يغسل الأيدي قبل الطعام وبعده. # يستحب حلق الرأس في كل جمعة مرة، ولا ينتف أنفه، لأنه يورث الأكلة، بل ~~يقصه قصا. # وقال عليه السلام: " قلموا أظفاركم في كل عشر، واحلقوا العانة في كل ~~عشرين، وانتفوا الإبط في كل أربعين، وقصوا شعر الأنف في كل شهر، واغسلوا ~~ثيابكم في كل شهر ". # وورد في الخبر: " أن الرجل إذا قلم أظافيره يوم السبت وقعت الأكلة في ~~أصابعه، ومن قلم يوم الأحد ذهبت البركة من كسبه، ومن قلم يوم الاثنين صار ~~كاتبا وحافظا، ومن قلم يوم الثلاثاء يخاف عليه الهلاك، ومن قلم يوم ~~الأربعاء صار سيء الخلق، ومن قلم يوم الخميس يخرج منه الداء، ويدخل فيه ~~الشفاء، # PageV01P331 # ومن قلم يوم الجمعة يزاد في عمره وماله، ويكون أمانا من الجذام ". # في معنى الخبر شعر الشيخ شمس الدين بن الجزري رحمه الله: // (البسيط) // # (بقص أظفاره في السبت أكلة ... تبدو، وفيما يليه تذهب البركه) # (وكاتبا عالما يبقى بتلوهما ... وإن يكن في الثلاثا فاحذر الهلكه) # (ويورث السوء في الأخلاق رابعها ... وفي الخميس خروج الدا لذي الحركه) # (والعمر والمال زيدا في عروبتها ... عن الرسول روينا فاقتفوا نسكه) . # فائدة في كيفية ترتيب قلم الأظفار: اقلم لسنة وأدب يمنى ثم يسرى خوابس أو ~~خسب. # PageV01P332 # وقال عليه السلام: " حق على كل مسلم: الغسل يوم الجمعة، والسواك، والطيب ~~". # رجل له عبد مريض لا يستطيع أن يتوضأ، يجب على مولاه أن يوضئه، فرق بين ~~هذا، وبين المرأة المريضة، حيث لا يجب على الزوج التعاهد، والفرق: أن ~~المعاهدة ها هنا إصلاح ملكه، وإصلاح الملك على المالك فأما المرأة حرة، ~~فإصلاحها عليها. # ثلاث مسائل مما يحفظ عليها: # منها: لو توضأ ثم رأى ماء أو بللا سائلا من ذكره، أعاد الوضوء، وإن ms117 كان ~~يريبه الشيطان ذلك كثيرا، أو لم يعلم أنه بول أم لا، مضى على صلاته، وأولى ~~أن ينفض فرجه بالماء إذا توضأ، دفعا للوسوسة عن نفسه. # ومنها: إذا شك في طلاق امرأته، فهي امرأته، وتحل له، ولا يعزل عنها ~~للاحتياط. # ومنها: إذا شك في عتق أمته، فهي أمته، وتحل له. # ومنها: إذا شك في نجاسة الماء، فإنه يجوز استعماله. # المكعب إذا كان أسفله نجسا، فنزعه، وقام عليه، جازت الصلاة عند محمد - ~~رحمه الله - وكما يفعل الناس في صلاة الجنازة، ولو قام على نجاسة، لا تجوز ~~صلاته. # إذا لبس المكعب، ولا يرى من كعبه إلا قدر أصبع أو أصبعين، جاز المسح عليه ~~بمنزلة الخف. # PageV01P333 # صاحب الجرح السائل، إذا منع الجرح من السيلان بعلاج، يخرج من أن يكون ~~صاحب جرح سائل. # فرق بين هذا وبين الحائض، فإنها إذا حبست الدم عن الدرور لا يخرج من أن ~~تكون حائضا. والفرق وهو أن القياس أن يخرج من أن يكون حائضا، لانعدام دم ~~الحيض حقيقة، كما خرج هو من أن يكون صاحب الجرح السائل، إلا أن الشرع اعتبر ~~دم الحيض كالخارج، حيث جعلها حائضا، ولم يعتبر في حق صاحب الجرح السائل، ~~فعلى هذا، المقتصد لا يكون صاحب جرح سائل. # الماء الجاري إذا سد من فوق، فتوضأ إنسان بماء يجري في النهر، وقد بقى ~~جري الماء، كان جائزا، لأن هذا ماء جار. # رجل استأجر أجيرا لغسل الميت، لا أجر له، ولو استأجر لحمل الميت، أو لحفر ~~القبر، أو لدفنه، يجب لأن الأول ما يحتسبه الناس، والثاني لا. # وفي صلاة الجنازة إذا لم يعرف أن الميت ذكر أو أنثى، يقول: نويت أن أصلي ~~مع الإمام الصلاة على الميت الذي يصلى عليه. # تطيين القبور لا بأس به خلافا لما قاله الكرخي في مختصره، لأن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # طين قبر ابنه إبراهيم فشيده، وقال: " من عمل عملا فليتقنه " # رجل صلى على بساط، وفي أحد طرفيه نجاسة، يصلي على الجانب الآخر، جاز سواء ~~تحرك الطرف الذي فيه النجاسة ms118 بتحرك المصلي، أو لم يتحرك، لأنه صار بمنزلة ~~الأرض، فلا يصير هو مستعملا للنجس، هكذا اختار الفقيه أبو جعفر رحمه الله. # وقال أيضا: إنما تعتبر الحركة إذا كان لابسا للثوب، كالمنديل والملاءة. # قراءة القرآن في الحمام إن لم يرفع صوته لا يكره، ولا بأس بالتسبيح ~~والتهليل رافعا صوته. # PageV01P334 # قراءة القرآن عند القبور لم يكره عند محمد رحمه الله، وبه يفتى. # قراءة الأشعار إن لم يكن فيها ذكر العشق والغلام والخمر لم يكره. # رجل يقرأ القرآن كله في يوم واحد، والآخر يقرأ {قل هو الله أحد} خمسة ~~آلاف مرة، فإن كان هذا قارئ القرآن، فقراءة القرآن أفضل، لأنه جاء في ختم ~~القرآن ما لم يجيء في غيره. # إذا أراد إنسان ختم القرآن قال عبد الله بن المبارك، رحمه الله: يعجبني ~~أن يختم في الصيف أول النهار، وفي الشتاء أول الليل، لأنه إذا ختم أول ~~النهار، فالملائكة تصلي عليه حتى يمسي، وإذا ختم أول الليل، فالملائكة تصلي ~~عليه حتى يصبح. # إذا كان تعلم بعض القرآن، ولم يتعلم الكل، فإذا وجد فراغا، كان تعلم ~~القرآن أفضل من صلاة التطوع، لأن حفظ القرآن للأمة فرض، وتعلم الفقه أفضل ~~من ذلك، لأن تعلم جميع القرآن فرض كفاية، وتعلم ما لا بد منه من الفقه فرض ~~عين والاشتغال بفرض العين أولى، ولأنه جاء في العلم الأثر أن مذاكرة ساعة ~~خير من إحياء ليلة. # القراءة في الحضر في الصلاة على أقسام: قسم يتعلق به الجواز، وقسم يخرج ~~به عن حد الكراهية، وقسم يدخل به في الاستحباب: # أما الأول: لو قرأ آية قصيرة، ولم يقرأ بفاتحة الكتاب، جاز في قول أبي ~~حنيفة - رحمه الله - ويكره، وعندهما: لا يجوز، ولو قرأ الفاتحة، ومعها ~~سورة، أو ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، جاز من غير كراهية. # والمستحب في الفجر في الركعتين أربعون آية، سوى فاتحة الكتاب. # PageV01P335 # في " ترتيب السنن ": قال الحلواني رحمه الله: أقوى السنن ركعتا الفجر، ثم ~~سنة المغرب، فإن النبي - عليه السلام - لم يدعهما في سفر، ولا في ms119 حضر، ثم ~~التي بعد الظهر، فإنها سنة متفق عليها، وفي التي قبله مختلف فيها، قيل: هي ~~للفصل بين الآذان والإقامة، ثم التي بعد العشاء، ثم التي قبل الظهر، ثم ~~التي قبل العصر، ثم التي قبل العشاء، واختلف في أقواها بعد ركعتي الفجر. ~~وقيل: التي قبل الظهر، والتي بعدها، والتي بعد المغرب، كلها سواء. بل التي ~~قبل الظهر آكد، وهو الأصح. # ولو كان في السنة قبل الظهر، فأقيم، أو الجمعة، فخطب، يقطع على رأس ~~الركعتين، لأنها نوافل سنة. # وقيل: يتمها أربعا، لأن الأربع قبل الظهر بمنزلة صلاة واحدة، لفضل ~~تأكدها، بدلالة أن المخيرة في الشفع الأولى، والمخيرة في الشفعة فيه لو ~~أكملاها أربعا لم يبطل عنها الخيار والشفعة، وكذلك لا يصح الخلوة معها، ~~بخلاف غيرها من التطوعات في ذوات الأربع. # دخول المسجد بنية الفرض أو الاقتداء ينوب عن تحية المسجد، وإنما يؤمر ~~بتحية المسجد، إذا دخله لغير الصلاة. # لو تكلم بعد السنة هل يسقط السنة؟ قيل: يسقط. وقيل: لا يسقط، ولكن ثوابه ~~أنقص من ثوابه قبل التكلم. # إذا قرأ الرجل في الركعتين الأخريين من الظهر الفاتحة والسورة ساهيا، لا ~~يجب عليه سجود السهو، وهو المختار، لأن محمدا - رحمه الله - قال في الكتاب: ~~إن شاء قرأ، وإن شاء سبح، وإن شاء سكت والقراءة أفضل، ولم يعين الفاتحة ~~وحدها. # PageV01P336 # فرغ من الفاتحة، وتفكر ساكتا أي سورة يقرأ مقدار ركن، يلزمه السهو. # ولو ترك الجهر في الوتر أو التراويح يلزمه السهو. # ولو قرا الفاتحة في خلال القنوت، أو سلم ساهيا، لا سهو عليه. # رجل جاء إلى الإمام وهو راكع، فكبر الرجل، وهو إلى الركوع أقرب فصلاته ~~فاسدة، لأنه لم يوجد الافتتاح قائما. # صاحب البيت أولى بالإمامة من غيره، والمستأجر من الآجر. # تشهد قبل إمامه، فتكلم، أو ذهب، جازت صلاته. # المعتبر في ضيق الوقت: الوقت المستحب، والمعتبر في غيبوبة الشفق: الشفق ~~الذي في جانب المغرب. # إذا كان المصلى مقتديا، قال محمد رحمه الله: لا يقنت لأن الصحابة - رضي ~~الله عنهم - اختلفوا في القنوت أنه من ms120 القرآن، والمقتدي كان لا يقرأ ~~القرآن، فلا يقرأ ماله شبه القرآن، وإن كان إماما يجهر، وإن كان منفردا فله ~~الخيار في الجهر والإخفات. # وقال أبو يوسف رحمه الله: يقرأ المقتدي القنوت، ويخافته الإمام والمنفرد، ~~لأنه دعاء حقيقة، وهو المختار. # وإذا لم يحسن القنوت يقول: اللهم اغفر لي ثلاثا، وقيل: يقول: اللهم ربنا ~~آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار # ولو نسى القنوت فتذكر في الركوع، فالصحيح أنه لا يعود إلى القيام، ولو ~~عاد لا تفسد صلاته. # نسى الصورة فركع، ثم رفع رأسه وقرأ السورة، انتقض ركوعه حتى لو لم يعد ~~الركوع تفسد صلاته. # PageV01P337 ### | دعاء القنوت # " اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونستهديك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني ~~عليك، ونشكرك، ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ~~ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ~~ملحق:. # والأولى أن يأتي بعد القنوت بما علم رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # الحسن بن علي - رضي الله عنه - وهو " اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن ~~عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا ربنا شر ما قضيت، ~~إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ~~ربنا وتعاليت، فلك الحمد على ما قضيت وهديت، نستغفرك اللهم ربنا ونتوب ~~إليك، صل على محمد النبي الأمي الذي به من النار نجيت، وإلى الجنة هديت، ~~وارحمنا يوم الوقوف بين يديك، وقل: رب اغفر وارحم، وأنت خير الراحمين ". ### | فصل # ولو باع عقارا وابنه أو امرأته حاضر، وتصرف المشتري فيه زمانا، ثم ادعى ~~الابن أنه ملكه ولم يكن ملك أبيه، اتفق مشايخنا: أنه لا يسمع مثل هذه ~~الدعوى، وحضوره عند البيع، وترك منازعته فيما يصنع، إقرار منه بأنه ملك ~~البائع. # PageV01P338 # باع ضيعة ثم قال: إنه كان وقفا عليه وعلى أولاده، لا تسمع دعواه ولا تقبل ~~بينته، وليس له أن يحلف المدعي عليه، لمكان التناقض. # أنكر الرجل النكاح، ثم ادعى تزويجها، وأقام بينة، تقبل، ولو أنكر ms121 الشراء، ~~ثم ادعاه، لا تقبل بينته، ألا يرى لو ادعى أنه تزوج هذه المرأة على ألف، ~~وأنكرت المرأة ذلك، فأقام بينة أنه تزوجها على الفين يقبل، ويكون ذلك مهرا ~~لها، ولو كان هذا في البيع، لم تقبل بينته. # أقام أحدهما على الإرث البينة، والآخر على الملك المطلق، يقضى بينهما ~~نصفان. # أقام أحدهما البينة على الإرث، والآخر على التملك من مورث مدعي الإرث ~~بسبب صحيح، قضى بالتمليك. # اقتسم الورثة - لا بأمر القاضي - ومنهم صغير، أو غائب، لا تنفذ إلا ~~بإجازة الغائب، أو وصى الصبي، أو يجيز الصبي إذا بلغ، ولو مات الصبي أو ~~الغائب، فأجازت ورثته، نفذت القسمة عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله ~~- خلافا لمحمد رحمه الله. # اقتسم الشركاء فيما بينهم، ومنهم شريك صغير، أو غائب، لا تصح القسمة، فإن ~~أمرهم القاضي بذلك صح. # إذا كان المكيل، أو الموزون، بين حاضر وغائب، أو بالغ وصغير، فأخذ الحاضر ~~أو البالغ نصيبه، فإنما ينفذ قسمته من غير خصم، بشرط سلامة نصيب الغائب أو ~~الصغير، حتى لو هلك ما بقي قبل أن يصل إلى الغائب، فالهلاك عليهما. # PageV01P339 # صبرة مشتركة بين الدهقان والمزارع، فقال الدهقان للمزارع: اقسمها، وافرز ~~نصيبي، فقسم المزارع حال غيبة الدهقان، فحمل نصيب الدهقان إليه، فلما رجع ~~إذا هلك ما أفرزه لنفسه، فالهلاك عليهما وإن قسم الصبرة، وأفرز نصيب ~~الدهقان، وحمل نصيب نفسه إلى بيته أولا، فلما رجع إذا هلك ما أفرزه ~~الدهقان، فالهلاك على الدهقان خاصة. # صالح عن مائة دينار على خمسة دنانير، إن كانت الدنانير قائمة في يد ~~المدعي عليه، أو هو مقر لم يصح، وإن كانت هالكة، أو كان منكرا، صح. # ادعى أرضا فصالح على البعض منها، لم تبطل الخصومة في الباقي. # الأب إذا باع ضيعة أو عقارا لابنه الصغير بمثل القيمة، فإن كان الأب ~~محمودا عند الناس، أو مستورا، يجوز حتى لو كبر الابن لم يكن له أن ينقض، ~~وإن كان فاسدا، لا يجوز، حتى إن الابن إذا كبر فله أن ينقض وهو المختار، ~~إلا أن ms122 يكون خيرا للصغير، لأن شفقة الأب كاملة، ولم يعارض ذلك معنى آخر، ~~فلم يكن في هذا البيع ضرر. # وإن باع الوصي ضيعة أو عقارا بمثل القيمة للصغير، في ظاهر المذاهب يجوز. # قال شيخ الأئمة الحلواني رحمه الله: هذا جواب السلف، أما جواب المتأخرين: ~~أنه إنما يجوز بأحد شروط ثلاثة: إما بأن يرغب المشتري فيها بضعف قيمتها، أو ~~بالصغير حاجة إلى ثمنها، أو بأن يكون على الميت دين لا وفاء له بها وبه ~~يفتي. # أما إذا كان مال الصغير منقولا فكذلك، إلا أن فيها إذا كان الأب مفسدا، ~~روايتان: في رواية يجوز، ويؤخذ الثمن منه، ويوضع على يدي عدل # وفي رواية لا يجوز، إلا إذا كان خيرا للصغير، وهو المختار، وتفسير الخبر ~~أن يبيع بضعف القيمة. دار بين اثنين انهدمت، وطلب أحدهما من صاحبه أن ~~يعمرها فأبى، لا يجبر # PageV01P340 # عليه، ولو بنى الطالب لا يكون متبرعا، ويأخذ حصته منه، أو يأخذ من أجرته. # ولو كان زرع بين اثنين فأبى أحدهما أن يسقيه يجبر عليه، ولو سقى يكون ~~متبرعا. # الدراهم والدنانير لا يتعينان في عقود المعاوضة وفسوخها - وإن عينتا - ~~وتتعينان في غير عقود المعاوضة كالموهوبة، حتى إذا هلكت بطل رجوع الواهب ~~فيها، وكذا في المغصوبة حتى إذا أراد الغاصب رد مثلها مع قيام عينها لا ~~يجوز، وكالصدقة، والشركة، والمضاربة، والوكالة، فإن الدراهم المسلمة إلى ~~الوكيل، إذا عينها الموكل فهلكت، ينعزل عن الوكالة، ولو هلكت بعد البيع - ~~قبل التسليم - ينفسخ البيع، ولا يبقى الوكيل مطالبا بتسليم مثلها، وفي ~~المعاوضات الفاسدة، لا يتعينان في رواية، وفي رواية يتعينان. # للشيخ رشيد الدين في الإكراه: // (الطويل) // # PageV01P341 # (عتاق، نكاح، والطلاق، ورجعة ... وعفو قصاص، واليمين، كذا النذر) # PageV01P342 # (ظهار، وإيلاء، وفئ فهذه ... تصح مع الإكراه، عدتها عشر) # رجل له خصم، فمات ولا وارث له، يتصدق عن صاحب الحق للفقراء بمقدار ذلك ~~ليكون وديعة عند الله تعالى، فيوصله إلى غرمائه. # PageV01P343 # امرأة غاب عنها زوجها، فجاء رجل بخبر موته، ورجلان بحياته، فإن كان الذي ~~أخبر بموته أنه عاين موته، وشهد جنازته، ms123 وكان عدلا وسعها أن تعتد، وتتزوج، ~~لأن الذي شهد بموته عرف شيئا لم يعرفه شاهد الحياة. # هذا إذا لم يؤرخ شاهدا الحياة، فأما إذا ارخا بتاريخ بعد تاريخ شاهد ~~الموت، فشهادتهما أولى، لأنهما أثبتا الحياة في زمان لم يثبت شاهد الموت. # رجل قال لامرأته: أنت طالق عدد ما في هذا الحوض من السمك، وليس في الحوض ~~سمك، يقع واحدة. وكذلك لو قال: أنت طالق بعدد كل شعرة على جسد إبليس، يقع ~~واحدة، ولا يقع أكثر من ذلك، حتى يعلم أن على جسد إبليس شعرا أم لا؟ لأنه ~~إذا لم يكن في الحوض سمك، ولا على جسد إبليس شعر، لم يقع على عدد السمك، ~~والشعر، فصار كأنه قال: أنت طالق، ولم يزد عليه. # رجل خطب امرأة وهي في منزل زوج أختها، فأبى زوج أختها ما لم يؤد الخاطب ~~إليه دراهم مسماة، فأدى الخاطب، وتزوج هذه المرأة كان له أن يسترد تلك ~~الدراهم، لأنه رشوة. # أنفق على معتدة الغير على طمع أن يتزوجها بعد عدتها، فأبت أن يتزوجها، ~~فإن شرط في الإنفاق التزوج، يرجع بما أنفق، وإلا فالأصح أنه لا يرجع، ولو ~~أكلت معه لا يرجع بشيء. # قال: نساء أهل " الري " طوالق - وهو من أهل الري - أو قال نساء أهل ~~الدنيا طوالق، لا يقع على امرأته، إلا أن ينوي. # PageV01P344 # وروى هشام عن أبي يوسف، رحمهما الله: أنه لا يريد امرأة نفسه عادة. # رجل قال لامرأته: أنت طالق ماشاء الله، لا يقع، لأن هذا بمنزلة قوله: إن ~~شاء الله. # رجل قال لامرأته: " ترابسيار طلاق، ولم يكن له نية، تقع تطليقتان ". # رجل قال لامرأته: أنت طالق لا قليل ولا كثير، يقع ثلاث، وهو المختار، لأن ~~القليل واحدة، والكثير ثلاث، فإذا قال أولا: لا قليل، فقد وجد إيقاع ~~الثلاث، ثم لا يعمل قوله بعد ذلك. فعلى هذا القياس لو قال: لا كثير ولا ~~قليل يقع واحدة. # رجل بعث أقواما يخطب امرأة إلى ولدها، فقال الأب: أعطيت تكلموا: فمنهم من ~~قال: لا يصح النكاح - وإن كفل ms124 عن الزوج إنسان - لأن هذا النكاح بغير شهود، ~~لأن القوم جميعا خاطبون، من تكلم ومن يتكلم، لأن التعارف أن يتكلم واحد، ~~ويسكت الباقون، والخاطب لا يصلح شاهدا، ومنهم من قال: صح النكاح، وهو ~~الصحيح، وعليه الفتوى، لأنه لا ضرورة إلى جعل الكل خاطبا، فجعلنا المتكلم ~~خاطبا والباقي شاهدا. # قال لامرأته: قولي: وهبت مهري منك، فقالت المرأة ذلك وهي لا تحسن العربية ~~- لا تصح الهبة. # فرق بين هذا وبين العتق والطلاق، حيث يقعان في القضاء، والفرق أن الرضا ~~شرط جواز الهبة، وليس شرطا لجواز العتق. # PageV01P345 ### | فائدة: " في الفرق بين الإقرار والهبة " # رجل قال: جميع ما أملكه لفلان، فهذا هبة، حتى لا يجوز بدون القبض. # فرق بين هذا وبين ما إذا قال: جميع ما يعرف وينسب إلى لفلان، حيث يكون ~~إقرارا. والفرق: أن في المسألة الأولى قال: أملكه، وهذا الملك قائم حقيقة، ~~لا يصير لغيره إلا بالتمليك، فيكون هبة، وفي المسألة الثانية قال: جميع ما ~~يعرف بي وينسب، وما يعرف به وينسب إليه يجوز أن يكون ملك غيره، فيكون ~~إقرارا. # قال لآخر: حللني من كل حق لك علي، ففعل، وأبرأه فهذا على وجهين: أما إن ~~كان صاحب الحق عالما بما عليه، أو لم يكن ففي الوجه الأول: برئ حكما ~~وديانة. # وفي الوجه الثاني: برئ حكما، وهل يبرأ ديانة أم لا؟ # عند محمد: لا يبرأ، وعند أبي يوسف رحمه الله يبرأ، وعليه الفتوى، لأن ~~الإبراء إسقاط، وجهالة الإسقاط لا يمنع صحة الإسقاط، وصار كالمشتري إذا ~~أبرأ البائع عن العيوب، صح، وإن لم يفسر العيوب، كذا هنا. # الذي لا يقدر على استيفاء دينه، فإبراؤه أفضل تخليصا من العذاب. # ولو قال: جعلتك في حل الساعة، فهو في حل في الدارين. # وإذا مات طلب الدين، ولم يصل إلى ورثته، فعن أبي يوسف ومحمد بن سلمة ~~رحمهما الله: أنه يكون للميت، مع أنه لو أدى إلى الورثة يبرأ. # ثلاث مسائل فيها خلاف زفر مع أصحابنا: # أولها: رجل تبرع بقضاء دين المرتهن، ثم هلك الرهن في يد المرتهن، ms125 يسترد ~~التبرع من المرتهن ما دفعه. # وقال زفر رحمه الله: يسترده الراهن. # وثانيها: رجل اشترى عبدا بألف، فتبرع رجل بقضاء الثمن، ثم وجد المشتري به ~~عيبا فرده، فالثمن المسترجع من البائع للمتبرع. # وقال زفر رحمه الله: للمشتري. # PageV01P346 # وثالثها: رجل تبرع عن آخر بقضاء مهر امرأته، فطلقها قبل الدخول يرجع ~~المتبرع بنصف المهر. # وقال زفر رحمه الله: يرجع الزوج. # وهذا الخلاف إذا كان المتبرع قضى جميع ذلك بغير أمرهم. # أما إذا قضى كله بأمرهم، فليس للمتبرع الرجوع بالاتفاق، بل الدين للراهن ~~والمشتري والزوج. # رجل وهب من رجل كرباسا، فقصره الموهوب له، ليس للواهب أن يرجع فيه. # فرق بين هذا وبين الغسل، والفرق: أن في الوجه الأول زيادة متصلة، وفي ~~الوجه الثاني لا. # وهب من آخر عبدا كافرا، فأسلم في يد الموهوب له، ليس له أن يرجع فيه، لأن ~~الإسلام زيادة فيه. # وهب من رجل تمرا ب " بغداد " فحمل الموهوب له التمر إلى " بلخ "، ليس ~~للواهب أن يرجع فيه، وكذا إن أخرج من دار الحرب عبدا إلى دار الإسلام وإنما ~~لا يرجع، إذا كان قيمته أكثر من قيمة المكان الأول، وإن كان مستويا له أن ~~يرجع، لأن هذا ليس زيادة. # قال الآخر: ادخل كرمي، وخذ من العنب، فله أن يأخذ من العنب ما يشبع به ~~إنسان واحد، لأن هذا إذن بأخذ ما يحتاج إليه للحال. # رجل وهب لابنه الصغير دارا، والدار مشغولة بمتاع الواهب، جاز لأن الشرط ~~قبض الواهب. # PageV01P347 # رجل قال لختنه بالفارسية: " اين زمين ترا " فاذهب وازرعها فهذا على ~~وجهين: أما إن كان الختن عندما قال هذه المقالة قبل أو لم يقبل، ففي الوجه ~~الأول: صارت الأرض له هبة، فيتم بالقبول. # وفي الوجه الثاني: لا، لأنه لم يتم. # رجل وهب من رجل أرضا، وسلمها إليه، وشرط على الموهوب له أن ينفق على ~~الواهب من الخارج، فالهبة فاسدة. # فرق بين هذا وبين ما إذا كان الموهوب كرما، وشرط عليه أن ينفق ثمرتها حيث ~~يصح الهبة، ويبطل الشرط، لأن الواهب إذا شرط على ms126 الموهوب له رد بعض الهبة ~~يصح الهبة، ويبطل الشرط. # رجل له ابن صغير فغرس كرما، فهذا على ثلاثة أوجه: # أما إن قال: اغرس هذا الكرم باسم ابني الصغير فلان، فلا يكون هبة. ولو ~~قال: جعلته باسم ابني الصغير فلان، فهذا هبة. # وإن لم يرد الهبة يصدق، ولو قال: جعلته لابني، فهذا لا شك أنه هبة. # الهبة الفاسدة مضمونة بالقبض، فإنه نص في المضاربة، إذا دفع رجل إلى رجل ~~الف درهم، وقال: نصفها مضاربة، ونصفها هبة، فهلكت الألف في يده، ضمن ~~المضارب حصة الهبة، وهذه فاسدة، لأنها هبة المشاع فيها يحتمل القسمة، وهل ~~يثبت الملك في الموهوب له بالقبض؟ # تكلم المشايخ فيه، المختار أنه لا يثبت، فإنه نص في كتاب الأصل: " لو وهب ~~نصف داره من رجل، وسلمها إليه، فباعها الموهب له، لم يجز " أشار إلى أنه لم ~~يملك حيث بطل البيع بالتسليم. # ذكر فيه " فصول الأسروشني ": " التخلية قبض في الهبة الصحيحة دون الفاسدة ~~". # PageV01P348 # رجل مات فوهبت له امرأته مهرها، جازت الهبة، لأن الدين عليه إلى أن يقضى، ~~ولأن القبول في حال حياة المديون ليس بشرط لصحة الهبة، فكذا بعد الموت. # رجل وهب من رجل ثوبا - وهو حاضر - فقال الموهوب له: قبضته، هل يصير ~~قابضا؟ قال محمد رحمه الله: صار قابضا. # وقال ابو يوسف رحمه الله: لا، ما لم يقبض، لأنه غير قابض حقيقة. # امرأة وهبت مهرها الذي لها على زوجها لابنها الصغير من زوجها فقبل الأب، ~~المختار أنها لا تصح، لأنها هبة غير مقبوضة. # لها على زوجها دين، فوهبته لولدها الصغير، صح لأن هبة الدين من غير من ~~عليه الدين يجوز، إذا كان سلطه على قبضه. # ولو وقف أرضا على أولاده، وجعل آخره للفقراء، فمات بعضهم يصرف الوقف إلى ~~الباقين، فإن ماتوا صرف إلى الفقراء بخلاف ما لو وقف على فلان وفلان - ~~سماهم بعينهم - من أولاده، وجعل آخره للفقراء، ثم مات واحد منهم، يصرف ~~نصيبه إلى الفقراء، لأنه وقف على كل منهم بعينه، فنصيب الميت لا يستحقه ~~الباقون، وفي الأول ms127 وقف على أولاده، قل أو كثر، وبعد موت بعضهم، بقى ~~أولاده، فاستحقه الباقون. # اتخذ لولده الصغير ثيابا، ثم أراد أن يدفع إلى ولد آخر، ليس له ذلك، إلا ~~أن يبين وقت الاتخاذ أنه عارية له، لأن المعتبر في هذا الباب هو المتعارف، ~~وفي المتعارف إنما يريدون الصلة والبر، ولكن العواري محتمل، فإن بين صح، ~~وإلا فلا. وكذلك لو اتخذ لتلميذه ثيابا، ثم أبقى، فأراد أن يدفع ذلك إلى ~~غيره، فإن أراد الاحتياط يبين أنه عارية، حتى لو أبق أمكنه الدفع إلى ~~تلميذه # PageV01P349 # متولي الوقف إذا أجر دار الوقف بشرائط الصحة، ثم مات قبل مضي مدة ~~الإجارة، لا تبطل الإجارة، لأنه بمنزلة الوكيل عن الفقير وبموت الوكيل لا ~~ينفسخ عقد الإجارة. # رجل مات وعليه دين قد نسيه، أيؤاخذ به يوم القيامة؟ # فهذا على وجهين: أما إن كان الدين من جهة التجارة، أو من جهة الغصب. # ففي الوجه الأول: يرجى ألا يؤاخذ، لأنه ناس، وقد رفع عن الأمة النسيان ~~بالحديث. # وفي الوجه الثاني: يؤخذ لأنه في أوله جائر. # ضرب الحداد المطرقة على المحمى، فتطاير الشرار عن الحديد، فأحرق ثوبا أو ~~دابة خارج الحانوت، فعليه قيمته. # وإن أتلف نفسا أو عبدا فعلى عاقلته. # وإن لم يتطاير من دقه، لكن احتملت الريح النار، فهو هدر. # هدم دار نفسه، فانهدم جدار غيره، لا يضمن. # مكارى حمل كرباس رجل، فاستقبله اللصوص، وطرح الكرباس، وهرب بحماره، فأذهب ~~اللصوص الكرباس، فلا ضمان عليه، إن كان يعلم أنه لا يتخلص عنهم بالحمار ~~والكرباس، لأنه لو حمله أخذ منه جملة. # حانوت للقصارين، وفيها أحجار لرجل يؤاجرها منهم بأجرة معلومة، فجاء رجل ~~ودخل فيه، ولم يشرط مع صاحبه شيئا. # إن كانت العادة فيما بينهم أن من شاء عمل عليه بغير شرط، ويعطي الأجر، ~~تجب عليه الأجرة المعروفة، لأن المعروف كالمشروط، وإن كانت العادة أنهم ~~يستأجرون ويعملون، فلا يجب، لأنه بمنزلة الغاصب. # PageV01P350 # لا بأس بثقب أذن الطفل من البنات، لأنهم كانوا يفعلون في زمن رسول الله ### | -[صلى الله عليه وسلم]- # من غير إنكار. ms128 سكن دارا معدة للغلة، أو زرع أرضا معدة للاستغلال من غير ~~استئجار، تجب الأجرة، وبه يفتى. # التأقيت في الشركة والمضاربة جائز، حتى لو قال: ما اشتريت اليوم فهو ~~بيننا، فما اشترى اليوم فهو بينهما، وما اشترى بعد اليوم فهو للمشتري خاصة. # قال: اشركني فيما اشتريت، فقال: أشركتك فيه، فإن كان قبل القبض لم يجز. # وإن كان بعده: جاز، ولزمه نصف الثمن. # وإن لم يعلم بالثمن فله الخيار إذا علم. # قال: إن دللتني على ضالتي فلك كذا، فمشى معه ودله، فله الأجر. ولو دله ~~وما مشى معه، لا. # دفع بقرة على أن يكون ما حصل من الولد واللبن والسمن بينهما، فذلك كله ~~لصاحب البقرة، وعليه ثمن العلف، وأجر مثل الحافظ. # وعلى هذا إذا دفع دجاجة، فالحيلة في مثله: أن يبيع نصف البقرة ونصف ~~الدجاجة. # اشترى حنطة أو شعيرا، والمبيع في ملك البائع، لكن لم يضف البيع إليه ~~بالإشارة، ولا باعه بطريق السلم، جاز، لأنه باع ما يملك. # من ذبح وجه إنسان شيئا وقت الخلعة وما أشبه ذلك: # قيل: يكفر الذابح، والمذبوح ميتة. # PageV01P351 # قال إسماعيل الزاهد: يكره أشد الكراهة، ولا يكفر، لأنا لا نسئ الظن ~~بالمؤمن إنه يتقرب إلى الآدمي بهذا النحر. # روى أن رجلا أهدى إلى النبي - عليه السلام - صيدا، فقال: " من أين لك ~~هذا؟ " قال: كنت رميته بالأمس، وكنت في طلبه حتى حال بيني وبينه ظلمة ~~الليل، ثم وجدته اليوم ميتا، وفيه مزراقي - وهو الرمح الصغير أخف من العنزة ~~- فقال: عليه السلام: " لا أدري، لعل الهوام أعانك على قتله، فلا حاجة لي ~~فيه ". # استأجر رجل أرض وقف ثلاث سنين بأجرة معلومة - وهي أجرة المثل - فلما دخلت ~~السنة الثانية، كثرت الرغبات، وزادوا أجرة الأرض، ليس للمتولي أن ينقض ~~الإجارة لنقصان أجر المثل، لأن أجر المثل يعتبر وقت العقد، و [000] المسمى ~~أجر المثل. # ولو دفع ابنه الصغير إلى أستاذ ليعلمه حرفة كذا في أربع سنين، وشرط على ~~الأب أنه إن حبسه عنه قبل أربع سنين، فللأستاذ عليه مائة درهم، فحبسه بعد ~~ثلاث ms129 سنين، لا يطالبه بالمائة، ولكن يطالبه بأجر مثل تعليمه. # ولو دفع إلى رجل ثوبا، وقال: بعه بعشرة، فما زاد فهو بيني وبينك، فباعه ~~بأثني عشر درهما، فله مثله، لا يجاوز به درهم، وإن باعه بعشرة فلا أجر له. # PageV01P352 # وقال محمد رحمه الله: له أجر المثل في الوجهين جميعا بالغا ما بلغ. # ولو قال: من أكل مالي فهو في حل، لا بأس بأن يأكل الغني والفقير. غصب ~~عينا، فحلله مالكه من كل حق هو له قبله، قال أئمة " بلخ ": التحليل يقع على ~~ما هو واجب في الذمة، لا على عين قائم. # اتخذ ضيافة للختان، فأهدى الناس هدايا، ووضعوها بين يدي الابن، أو دفعوها ~~إلى الوالد، أو الوالدة، أو كان ذلك في عرس فدفعوها إلى الزوج، أو إلى ~~الزوجة، أو إلى أب الزوج، أو أمه أو أب الزوجة أو أمها. # فما يصلح للصبي يكون له، مثل ثياب الصبي أو شيء يستعمله الصبي، وكذلك ما ~~يصلح للزوجة، أو لحرفة الزوج، فما كان من جهة أقارب الصبي ومعارفه، فلأب ~~الصبي، وما كان من جهة أقارب أم الصبي ومعارفها فلأم الصبي. # إن بعث شيئا لأجل تهنئة النكاح، يرجع بالباقي، دون التالف. # جهز بنته، وسلمها، ليس له في الاستحسان استرداده منها، وعليه الفتوى. # PageV01P353 # قال الصدر الشهيد رحمه الله: المختار: أن السائل في المسجد، إذا كان لا ~~يمر بين يدي المصلى، ولا يتخطى رقاب الناس، ولا يسأل إلحافا، ويسأل لأمر لا ~~بد منه، لا بأس بالسؤال والإعطاء. # ينبغي أن يكون الهدية لأجل ثلاثة أشياء، كما روى عن أم سلمة - رضي الله ~~عنها - أنها قالت: " إني لأهدي الهدية على ثلاثة أوجه: هدية مكافأة، وهدية ~~أريد بها وجه الله تعالى، وهدية أريد بها إبقاء عرضي ". # قال الله - تعالى - لموسى عليه السلام: " يا موسى، تحب أن أستجيب دعاءك؟ ~~قال: نعم يا رب، قال: فرغ قلبك عن الحرام. يا موسى، تحب أن أنظر إليك قال: ~~نعم يا رب، قال: بادر حوائج السائلين ومنافعهم. يا موسى، تحب أن أغنيك عن ~~الناس والسؤال؟ ms130 قال: نعم يا رب. قال: أكرم جارك ". # وقال الحكماء: الإنسان في الدنيا حارث، وعمله حرثه، ودنياه محرثه، ووقت ~~الموت وقت حصاده، والآخرة بيدره، ولا يحصد إلا ما يزرعه ولا يكيل إلا ما ~~حصده، ولهذا قال الله تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب} {الشورى: 20} . # PageV01P354 # فمن عمل لآخرته بورك له في كيله، وجعل له زاد الأبد، كما قال الله تعالى ~~{ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها} (الإسراء: 19) الآية. # ومن عمل لدنياه خاب سعيه، وبطل عمله، كما قال الله تعالى: {من كان يريد ~~الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك ~~الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا ~~يعملون} (هود 15، 16) فأعمال الدنيا كالدقل والحنظل، ومثل أعمال الآخرة ~~كالنخل والكرم. # ختم هذا الكتاب بعون الله تعالى وحسن توفيقه مؤلفه الفقير المحتاج إلى ~~رحمة ربه الغني الجليل محمود بن الشيخ إسماعيل بن إبراهيم بن ميكائيل بن ~~خضر بن يوسف بن يعقوب بن نور الدين الخيربيتي عفا الله عنهم أجمعين. # راجيا من الله - تعالى - أن يغفر لنا ذنوبنا ويستر عيوبنا، ويكشف كروبنا، ~~ويجعل لنا هديته التوفيق، وهدايته الرفيق، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة ~~جدير. # ثم المذكور في هذا الكتاب على أنواع: # ما يتعلق بالقرآن: فهو مأخوذ من تفسير " معالم التنزيل "، ومن تفسير " ~~زاد المسير "، ومن تفسير أبي الليث السمرقندي، تغمدهم الله بغفرانه. # وما يتعلق بالمسائل الشرعية: فهو مأخوذ من الفتاوى الكبرى للبخاري، ومن ~~فتاوى " الواقعات "، ومن فتاوى " المنية "، ومن فتاوى " الملتقط ". # وما يتعلق بالملوك والسلاطين والأمراء، فهو مأخوذ من الأحاديث المسندات، ~~والآثار المرويات، ومن كتاب " إحياء علوم الدين "، والتواريخ المعتمد ~~عليها، رحمة الله على مصنفيهم أجمعين. # PageV01P355 # والحمد لله الملك السلام، المهيمن العلام، شارع الأحكام، ذي الجلال ~~والإكرام، الذي أكرمنا بدين الإسلام، ومن علينا بنبينا محمد عليه أفضل ~~التحيات والسلام، وأنعم علينا بكتابة الفرق بين الحلال والحرام، والصلاة ~~على ms131 حبيبه وخيرته من خلقه محمد سيد الأنام، عدد ساعات الليالي والأيام، ~~وعلى آله وأصحابه نجوم الظلام، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة ~~البررة الكرام. # [في غرة ذي الحجة حجة ثلاث وأربعين وثمانمائة والله أعلم، ومنه العصمة ~~والتوفيق] . PageV01P356 ms132