######OpenITI# #META# OpenITI: 0845Maqrizi.DhahabMasbuk #META# BAH: https://ihodp.ugent.be/bah/mml01%3A000000097 #META# Author: al-Maqrīzī, Taqī al-Dīn Abu l-ʿAbbās Aḥmad b.ʿAlī al-ʿUbaydī #META# Title: al-Dhahab al-Masbūk fī dhikr man ḥajja min al-khulafāʾ wa-l-mulūk #META# Editor: Jo Van Steenbergen #META# Publisher: Brill #META# Place of publication: Leiden, Boston #META# Date of publication: 2016 #META# Volumes: 1 #META# Words: 12874 #META# Digitization: / #META# Typescript: Jo Van Steenbergen #META# Processed by Manhal Makhoul MMS-II #META#Header#End# ### | ~~بسم الله الرحمن الرحيم، ~~رب، يسر، يا كريم. # الحمد لله، وبه المستعان، على كل ما عز وهان. # وصلى الله على نبينا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه والتابعين، صلاة باقية إلى يوم الدين. # وبعد، فأسأل الله مبتهلا إليه مادا يدي له أن يتبع أيام المقر المخدوم بأخواتها الباقيات الصالحات ~~والزيادات الغامرات، ليكون كل دهر يستقبله وأمل يستأنفه، موفيا على المتقدم له قاصرا ~~عن المتأخر عنه، ويؤتيه من العمر أطوله وأبعده ومن العيش أعذبه وأرغده، عزيزا منصورا محميا ~~موفورا، باسطا يده فلا يقبضها إلا على نواصي {أعداء} وحساد، ساميا طرفه فلا يغضه إلا على ~~لذة غمض ورقاد، مستريحة ركابه فلا يعملها إلا لآستضافة عز وملك، {حائزة} قداحه فلا يجيلها ~~إلا لحيازة مال حتى ينال أقصى ما تتوجه اليه أمنية جامحة، وتسموا إليه همة طامحة. # وقد استفاض أن العزم الشريف قد {قوى} على الحج والتحلى بالعج والثج. وجرت العادة بإلطاف ~~العبيد السادة، فتأملت حال الأتباع الذين يجب عليهم الهدايا في مثل هذه الحركة، فاردت التأسى ~~بهم، ورأيتني أن اهديت نفسي فهي في ملك المقر المخدوم، وأن اهديت مالي فهو منه، وأن اهديت ~~مودتي وشكري فهما خالصين له غير مشتركين. وكرهت أن أخلي هذا العزم من سنته وأكون من ~~المقصرين، أو أدعى في ملكي ما يفي بحق المقر المخدوم فأكون من الكاذبين [الكامل] PageV00P0180 ~~إن أهد نفسي فهو مالكها و{لها أصون كرائم الذخر} ~~أو أهد مالا فهو واهبه وأنا الحقيق عليه بالشكر ~~أو أهد شكري فهو مرتهن بجميل فعلك آخر الدهر ~~والشمس تستغني إذا طلعت أن تستضئ بطلعة البدر ~~ولما كان العلم أنفس الذخائر وأعلاها قدرا وأعظم المآثر وأبقاها ذكرا، جمعت برسم الخزانة الشريفة ~~المخدومية -عمرها الله {ببقاء} مالكها- {جزءا} يحتوي على ذكر من حج من {الخلفاء} والملوك سميته ~~"الذهب المسبوك"، ليكون تذكرة للخاطر الشريف بما هو مني أدري وأحق بإفادته وأحرى. و{إني} - ~~فيما فعلت وصنعت- كمن أهدي القطر الى البحر، أو بعث النور إلى القمر والأرج الى الزهر، ~~بل كالذي أرسل {الضياء} إلى الشمس وروح ms01 {الحياة} إلى النفس، غير أن في كريم أخلاقه الزكية، ~~وزاكي أعراقه المرضية ما يقبل اليسير ويتجاوز عن الخطأ والتقصير. # رعى الله المخدوم من حيث لا يرتقب، وحرسه من حيث لا يحتسب. وكان له في سفره خفيرا، ~~أو في حضره عونا وظهيرا بمنه. PageV00P0182 ### | فصل في حجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم ~~افتتحت بها هذا {الجزء} إذ كان -صلى الله عليه وسلم- هو الذي بين للناس معالم دينهم وقال: "خذوا عني مناسككم". # وقد امتلأت كتب الحديث بذكر حجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأفرد فيها الفقيه الحافظ أبو محمد علي بن ~~أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي مصنفا جليلا، قد اعترض عليه في مواضع منه، أجبت عنها في كتاب ~~«شارع النجاة « ~~وملخص حجة الوداع أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما دخل ذو القعدة تجهز للحج، وأمر الناس بالجهاز ~~له، وأذن فيهم، فاجتمعوا. ثم صلى الظهر يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة سنة عشر من ~~الهجرة بالمدينة أربعا، وخرج منها بمن معه من المسلمين من أهل المدينة ومن تجمع من الأعراب - PageV00P0184 ~~وهم عشرة آلاف-، بعدما استعمل على المدينة أبا دجانة الساعدي -ويقال سباع بن عرفطة ~~الغفاري. فصلى العصر بذي الحليفة ركعتين وبات بها. # وأتاه آت من ربه -عز وجل- في ذلك الموضع -وهو وادي العقيق- يأمره -عن ربه تعالى- ~~أن يقول في حجته: "هذه حجة في عمرة". ومعنى هذا أن الله سبحانه أمره بأن يقرن الحج مع العمرة. PageV00P0186 # فأصبح -صلى الله عليه و سلم- فأخبر الناس بذلك. وطاف على {نسائه} {يومئذ} بغسل واحد -وهن تسع وقيل إحدى ~~عشرة. ثم اغتسل وصلى عند المسجد ركعتين، وأهل بحجة وعمرة معا. # هذا الذي رواه بلفظه ومعناه عنه -صلى الله عليه وسلم- ستة عشر صحابيا، منهم خادمه أنس بن مالك -رضي الله عنه. # وقد رواه عنه -صلى الله عليه وسلم- ستة عشر تابعيا، قد ذكرتهم في كتاب «شارع النجاة». وهذا صريح لا يحتمل التأويل ~~إلا أن يكون بعيدا، وما عدا ذلك مما {جاء} من الأحاديث الموهمة التمتع أو ما يدل ms02 على الإفراد ، ~~فليس هذا محل ذكرها. والقران في الحج هو مذهب إمامنا أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي - ~~رحمة الله عليه، وقد نصره جماعة من محققي أصحابه، وهو الذي يحصل به الجمع بين الأحاديث PageV00P0188 ~~كلها. ومن {العلماء} من أوجبه، وممن قال بأفضليته الإمام أبو حنيفة {النعمان بن} ثابت -رحمه الله-، ~~وهو رواية عن الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني -رحمه الله. # وساق -صلى الله عليه وسلم- الهدي من ذي الحليفة، وأمر من كان معه هدي أن يهل كما أهل -صلى الله عليه وسلم. وسار -صلى الله عليه وسلم- ~~والناس بين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله أمما لا يحصون كثرة، كلهم قدم ليأتم به -صلى الله عليه وسلم. فلما قدم ~~-صلى الله عليه وسلم- مكة لاربع ليال خلون من ذي الحجة طاف للقدوم. ثم سعى بين الصفا والمروة، وأمر الذين لم PageV00P0190 ~~يسوقوا هديا أن يفسخوا حجهم إلى عمرة ويتحللوا حلا تاما، ثم يهلوا بالحج وقت خروجهم إلى منى. # وقال ثم: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة". وهذا دليل ظاهر ~~أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يكن متمتعا، كما ذهب إليه بعض أصحاب الإمام أحمد وغيرهم. # وقدم علي بن ابي طالب -رضي الله عنه- من اليمن، فقال له -صلى الله عليه وسلم-: "بما أهللت؟" قال: "بإهلال كإهلال ~~النبي -صلى الله عليه وسلم". فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إني سقت الهدي وقرنت". روى هذا اللفظ أبو داود وغيره من الأئمة PageV00P0192 ~~بإسناد صحيح، وهو صريح في القران. وقدم مع علي -رضي الله عنه- من اليمن هدايا. فأشركه -صلى الله عليه وسلم- ~~في هديه أيضا، فكان حاصلهما {مائة} بدنة. # ثم خرج -صلى الله عليه وسلم- إلى منى، فبات بها، وكانت ليلة الجمعة التاسع من ذي الحجة. ثم أصبح، فسار إلى عرفة، ~~وخطب بنمرة خطبة عظيمة شهدها من أصحابه نحو من أربعين ألفا -رضي الله عنهم أجمعين. وجمع ~~بين الظهر والعصر. ثم وقف بعرفة، فحج على رحل، وكانت زاملته. ثم بات بالمزدلفة، وجمع بين ms03 ~~المغرب و{العشاء ليلتئذ}. ثم أصبح، فصلى الفجر في أول وقتها. ثم سار قبل طلوع الشمس إلى منى، ~~فرمى جمرة العقبة، ونحر وحلق. ثم أفاض، فطاف بالبيت طواف الفرض، وهو طواف الزيارة. PageV00P0194 # واختلف أين صلى الظهر {يومئذ}، وقد أشكل ذلك على كثير من الحفاظ. ثم حل من كل شيء ~~حرم منه -صلى الله عليه وسلم. وخطب ثاني يوم النحر خطبة عظيمة أيضا، ووصى وحذر وأنذر، وأشهدهم على ~~أنفسهم بأنه بلغهم الرسالة. فنحن نشهد أنه بلغ الرسالة، وأدى الإمانة، ونصح الأمة. صلى الله عليه وسلم تسليما ~~كثيرا إلى يوم الدين. ثم أقبل -صلى الله عليه وسلم- منصرفا إلى المدينة، وقد أكمل الله له دينه. PageV00P0196 ### || لطيفة ~~النداء بالحج سنة للمسلمين. وينادى بديار مصر في رجب، وهو قياس ندائه -عليه السلام- أول ذي ~~القعدة، لأن مسافة الحج من المدينة عشرة أيام فقدم {النداء} بثلاثة أمثالها، ومسافة الحج في البر من ~~مصر أربعون يوما، فقدم النداء بثلاثة أمثالها، فكانت الجملة من أول رجب إلى انقضاء عشر ذي ~~الحجة خمسة أشهر وعشرة أيام. # وكذلك بدمشق. # وأول من أدار المحمل الملك الظاهر بيبرس البندقداري -رحمه الله. PageV00P0198 ### | فصل في ذكر من حج من الخلفاء في مدة خلافته ### $ 1. أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه. # اسمه عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن ~~لؤى بن غالب بن فهر بن مالك القرشي التيمي، خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم. # بويع له بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيعة العامة يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر ربيع الأول سنة إحدى ~~عشرة من الهجرة. # فحج بالناس في هذه السنة عتاب بن آسيد، وقيل: عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنهما. PageV00P0200 # وحج أبو بكر -رضي الله عنه- بالناس سنة اثنتي عشرة، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان -رضي ~~الله عنه-، وقيل: حج بالناس عمر بن الخطاب أو عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنهما-، والأول ~~أصح. # وتوفي أبو بكر -رضي الله عنه- على ms04 رأس سنتين وثلاثة أشهر واثني عشر يوما، وقيل غير ذلك. PageV00P0202 ### $ 2. عمر بن الخطاب ~~ابن نفيل بن عبد {العزى} بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب القرشي ~~العدوي، أبو حفص، أمير المؤمنين -رضي الله عنه. # ولي الخلافة بعد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه. بويع له بها باستخلافه له في جمادى الآخرة سنة ~~{ثلاث} عشرة، واختلف في اليوم كما اختلف في يوم وفاة أبي بكر -رضي الله عنه. وقتل مطعونا بيد ~~أبي لؤلؤة -غلام المغيرة بن شعبة- لثلاث بقين من ذي الحجة سنة {ثلاث} وعشرين. فكانت خلافته ~~عشر سنين ونصف، حج في جميعها إلا السنة الأولى فقط، فإنه حج بالناس فيها عتاب بن آسيد، ~~وقيل: بل حج عمر بالناس سنيه كلها. # وفي سنة سبع عشرة اعتمر -رضي الله عنه- وبنى المسجد الحرام ووسع فيه، وأقام بمكة عشرين ليلة. # فهدم على قوم أبوا أن يبيعوا دورهم وعوضهم أثمانها من بيت المال. وجدد أنصاب الحرم على يد PageV00P0204 ~~مخرمة بن نوفل في آخرين. واستأذنه أهل المياة في أن يبنوا منازل بين مكة والمدينة، فأذن لهم ~~وشرط عليهم أن ابن السبيل أحق بالظل و{الماء}. # ثم خرج من المدينة عام الرمادة حاجا أو معتمرا، فأتى الجار ليرى السفن التي قدمت من مصر ~~في الخليج الذي احتفره عمرو بن العاص، كما قد ذكرت خبره في كتاب «المواعظ والاعتبار بذكر PageV00P0206 ~~الخطط والآثار». وقال للناس: "سيروا بنا ننظر إلى السفن التي سيرها الله إلينا من أرض فرعون". # وأكل في سفره هذا -وهو محرم- لحم ظبي أصابه قوم حلال. فلما نزل على البحر قال: "اغتسلوا من ~~{ماء} البحر فإنه مبارك". # ثم صك للناس بذلك الطعام صكوكا، فتبايع التجار الصكوك بينهم قبل أن تقبضوها. فلقي عمر ~~{العلاء} بن الاسود، فقال: "كم ربح حكيم بن حزام؟" فقال: "ابتاع من صكوك الجار {بمائة} ألف ~~درهم، وربح عليها {مائة} ألف". فلقيه عمر، فقال: "يا حكيم، كم ربحت؟" فأخبره بمثل خبر {العلاء}، ~~قال: "فبعته قبل أن تقبضه؟" قال: "نعم". قال: "فإن هذا ms05 بيع لا يصلح، فاردده". قال: "ما علمت أن ~~هذا لا يصلح وما أقدر على رده". قال: "ما بد". قال: "والله، ما أقدر على ذلك، وقد تفرق وذهب، ~~ولكن رأس مالي وربحي صدقة". PageV00P0208 # واتفق في آخر حجة حجها عمر -رضي الله عنه- أنه لما رمي الجمرة أتاه حجر فوقع على سلعته، فأدماه. وثم ~~رجل من بني لهب، فقال: "اشعر أمير المؤمنين لا يحج بعدها". ثم {جاء} إلى الجمرة الثانية، فصاح ~~رجل: "يا خليفة رسول الله". فقال: "لا يحج أمير المؤمنين بعد عامه هذا". فقتل عمر -رضي الله عنه- ~~بعد رجوعه من الحج. لهب -مكسور اللام- قبيلة من قبائل الازد تعرف فيها العيافة والزجر. # وعن {عائشة} -رضي الله عنها- أن عمر أذن لأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يحججن في آخر حجة حجها. قالت: "فلما ~~ارتحل من الحصبة، أقبل رجل متلثم، فقال -وأنا أسمع-: "أين كان منزل أمير المؤمنين؟" فقال {قائل} - ~~وأنا أسمع-: "هذا كان منزله"، فأناخ في منزل عمر، ثم رفع عقيرته يتغنى: [الطويل] PageV00P0210 ~~عليك سلام من أمير وباركت يد الله في ذاك الأديم الممزق ~~فمن يجر أو يركب جناحي نعامة ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق ~~قضيت أمورا ثم غادرت بعدها بوايح في أكمامها لم تفتق." ~~قالت {عائشة}: "فقلت لبعض أهلي: "اعلموا لي من هذا الرجل؟" فذهبوا، فلم يجدوا في مناخه أحدا." ~~قالت {عائشة}: "فوالله، إني لأحسبه من الجن". فلما قتل عمر نحل الناس هذه الأبيات للشماخ بن ~~ضرار أو لأخيه مزرد. هكذا روى هذا الخبر الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري. # وذكر محمد بن عمر الواقدي في «كتاب الفتوح» هذه الأبيات بزيادة في عدتها. PageV00P0212 # وقال أبو عثمان النهدي: "رأيت عمر يرمي الجمرة وعليه إزار مرقوع بقطعة جراب". وقال علي بن ~~أبي طالب: "رأيت عمر يطوف بالكعبة وعليه إزار فيه إحدى وعشرون رقعة فيها من أدم". # وعن سعيد بن المسيب، قال: "حج عمر، فلما كان بضجنان قال: "لا اله الا الله العلي العظيم المعطى ~~من {شاء} ما {شاء}، كنت أرعى ms06 إبل الخطاب بهذا الوادي في مدرعة صوف، وكان فظا يتعبني إذا ~~عملت، ويضربني إذا قصرت، وقد امسيت وليس بيني وبين الله أحد". ثم تمثل: [الكامل] ~~لا {شيء} مما ترى تبقى بشاشته، يبقى الإله ويودى المال والولد ~~لم تغن عن هرمز يوما {خزائنه}، والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا PageV00P0214 ~~ولا سليمان إذ تجري الرياح له، والإنس والجن فيما بينها برد ~~أين الملوك التي كانت نوافلها من كل أوب إليها راكب يفد ~~حوض هناك مورود بلا كدر، لا بد من ورده يوما كما وردوا. PageV00P0216 ### $ 3. عثمان بن عفان ~~ابن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي، أبو عبد الله وأبو ~~عمرو، ذو النورين، أمير المؤمنين -رضي الله عنه. # بويع له بالخلافة يوم السبت غرة المحرم سنة أربع وعشرين، بعد دفن عمر بن الخطاب -رضي الله ~~عنه- بثلاثة أيام، بإجتماع الناس عليه. وقتل بالمدينة يوم الجمعة لثمان عشرة أو سبع عشرة خلت ~~من ذي الحجة سنة خمس و{ثلاثين}، وذلك على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا واثنين وعشرين ~~يوما من مقتل عمر -رضي الله عنه. # حج فيها كلها إلا السنة {الأولى} والاخيرة. وذكر ابن الأثير أنه حج بالناس في السنة {الأولى} وقيل: بل ~~حج بالناس عبد الرحمن بن عوف بأمر عثمان. ولما حج في سنة تسع وعشرين ضرب فسطاطه ~~بمنى، فكان أول فسطاط ضربه {عثمان} بمنى. وأتم الصلاة بها وبعرفة. فكان أول ما تكلم به الناس ~~في عثمان ظاهرا حين أتم الصلاة بمنى، فعاب ذلك غير واحد من الصحابة، وقال له علي -رضي PageV00P0218 ~~الله عنه-: "ما حدث أمر، ولا قدم عهد، ولقد عهدت النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر وعمر يصلون ركعتين، ~~وأنت صليت ركعتين صدرا من خلافتك". فما درى ما يرجع إليه، وقال: "رأي رأيته". وبلغ الخبر ~~عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- وكان معه، {فجاءه} وقال له: "ألم تصل في هذا المكان مع رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر ركعتين و{صليتها} أنت ركعتين؟" ms07 قال: "بلى ولكني أخبرت أن بعض من ~~حج من اليمن و جفاة الناس قالوا إن الصلاة للمقيم ركعتين، واحتجوا بصلاتي، وقد اتخذت بمكة ~~هلا ولي {بالطائف} مال". فقال عبد الرحمن بن عوف: "ما في هذا عذر. أما قولك: "اتخذت بها ~~اهلا"، فإن زوجك بالمدينة تخرج لها إذا {شئت} وإنما تسكن بسكناك. وأما مالك {بالطائف} فبينك ~~وبينه مسيرة {ثلاث} ليال. وأما قولك عن حاج اليمن وغيرهم، فقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينزل عليه ~~الوحي والإسلام قليل، ثم أبو بكر وعمر فصلوا ركعتين وقد ضرب الإسلام بجرانه". فقال {عثمان}: ~~"هذا رأي رأيته". فخرج عبد الرحمن، فلقي عبد الله بن مسعود، فقال: "<يا> أبا محمد، قد غير ما تعلم". PageV00P0220 # قال: "فما أصنع". قال: "أعمل بما ترى وتعلم". فقال ابن مسعود: "الخلاف شر، وقد صليت بأصحابي ~~أربعا". فقال عبد الرحمن: "قد صليت بأصحابي ركعتين، وأما الآن فسوف أصلي أربعا". وقيل: ~~كان ذلك سنة {ثلاثين}. # ولم يحج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في خلافته، لاشتغاله بحرب الجمل وصفين. PageV00P0222 ### $ 4. {معاوية} بن أبي {سفيان} ~~واسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، أبو عبد الرحمن، أمير ~~المؤمنين. # كان أميرا بالشام نحو عشرين سنة. وبايع له أهل الشام {خاصة} بالخلافة سنة ثمان أو تسع و{ثلاثين}، ~~واجتمع الناس عليه حين بايع له الحسن بن علي وجماعة من معه في ربيع <الآخر> أو جمادى ~~<الأولى> سنة إحدى وأربعين، وقيل سنة أربعين. وأقام في الخلافة تسع عشرة سنة وتسعة أشهر ~~وثمانية وعشرين يوما، وقيل غير ذلك. # وحج بالناس عدة سنين اولها سنة أربع وأربعين. ولم يحج سنة خمس وأربعين، فحج بالناس مروان PageV00P0224 ~~بن الحكم. ثم حج {معاوية} سنة خمسين، وقيل: بل حج بالناس ابنه يزيد بن {معاوية}. وقيل: حج {معاوية} ~~عدة سنين أكثر من هذه. PageV00P0226 ### $ 5. عبد الله بن الزبير ~~ابن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي، أبو بكر -وقيل: أبو بكير- ~~وأبو حبيب، أمير المؤمنين -رضي الله ms08 عنه. # بويع له بالخلافة سنة أربع -وقيل: خمس- وستين، بعد موت معاوية بن يزيد بن {معاوية} بن أبي ~~{سفيان}. وكان قبل ذلك لا يدعى بالخلافة. واجتمع على طاعته أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان. # وحج بالناس ثماني حجج. # وقتل -رحمه الله- على يد الحجاج بن يوسف الثقفي، في أيام عبد الملك بن مروان بن الحكم، {يوم الثلاثاء} PageV00P0228 ~~لسبع عشرة خلت من {جمادى الأولى} -وقيل: جمادى الآخرة- سنة {ثلاث} وسبعين، وصلب بعد ~~قتله بمكة. # وبدأ الحجاج بحصاره من أول ليلة من ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين. وحج بالناس الحجاج في ذلك ~~العام، ووقف بعرفة وعليه ذرع ومغفر. ولم يطوفوا بالبيت في تلك الحجة. فحاصره الحجاج ستة أشهر ~~وسبعة عشر يوما إلى أن قتل. # ولما غزاه أهل الشام في أيام {يزيد بن معاوية} احترقت الكعبة -في سنة أربع وستين- وتركها ابن ~~الزبير ليشنع بذلك على أهل الشام. فلما مات يزيد واستقر الأمر له، هدمها إلى الأرض وبناها على ~~قواعد إبراهيم -عليه السلام-، وادخل فيها الحجر وجعل لها بابين. فلما قتل الحجاج عبد الله بن الزبير ~~هدم {بناء} ابن الزبير من الكعبة -في سنة أربع وسبعين- وجعلها على ما هي عليه الآن، كما قد ذكرت ~~ذلك في كتاب «الإشارة والإعلام {ببناء} الكعبة البيت الحرام» ذكرا شافيا. PageV00P0230 ### $ 6. عبد الملك بن مروان ~~ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي. # قام بدمشق بعد موت أبيه في شهر رمضان سنة خمس وستين، وبمكة عبد الله بن الزبير يدعا له ~~بالخلافة، وعلى العراق المختار بن أبي عبيد الثقفي يدعوا لمحمد بن الحنفية. والأرض تستعر حربا منذ ~~قتل الحسين بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما. فساعدت الأقدار عبد الملك بن مروان، وقتل ~~جميع من خالفه. وأقام في الخلافة بعد ابن الزبير {ثلاث} عشرة سنة وأربعة أشهر إلا سبع ليال، كما ~~قد ذكرت ترجمته وترجمة أبيه في «التاريخ الكبير لمصر»، فإنهما دخلاها. PageV00P0232 # وحج عبد الملك في خلافته سنتين، إحداهما سنة خمس وسبعين . فهم شبيب بن يزيد ms09 -أحد ~~الخوارج- أن يفتك به، فبلغه ذلك، فاحترس وكتب إلى الحجاج بن يوسف بعد انصرافه يأمره ~~بطلب صالح بن مسرح وغيره من الخوارج. فكان من أخبارهم ما قد ذكر في موضعه. # وخطب عبد الملك الناس بالمدينة النبوية، فقال -بعد حمد الله و{الثناء} عليه-: "أما بعد، فإني ~~لست بالخليفة المستضعف -يعني {عثمان}، رضي الله عنه-، ولا بالخليفة المداهن -{يعني معاوية}-، ولا ~~بالخليفة المأبون -{يعني يزيد بن معاوية}-، ألا وإني لا أداري هذه الأمة إلا بالسيف، حتى تستقيم ~~لي قناتكم وإنكم تكلفونا أعمال المهاجرين الأولين ولا تعملوا مثل أعمالهم، وإنكم تأمروننا بتقوى الله PageV00P0234 ~~وتنسون ذلك من أنفسكم. والله، لا يأمرني احد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه!" ثم ~~نزل. PageV00P0236 ### $ 7. الوليد <بن> عبد الملك بن مروان # بويع بعد موت أبيه بعهده إليه المنصف من شوال سنة ست وثمانين، وكانت خلافته تسع سنين ~~وسبعة أشهر. # وعمر مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سنة ثمان <وثمانين>، وكان على يد عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة. فكتب ~~إليه في ربيع الأول يأمره بإدخال حجر أزواج النبي في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأن يشتري ما ~~في نواحيه، حتى يكون {مائتي} ذراع في مثلها، وأن يقدم القبلة. فقوم عمر الأملاك قيمة عدل، ~~و{أعطى} الناس أثمانها، وهدم بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبنا المسجد، وأتته الفعلة من الشام. وبعث ~~الوليد إلى ملك الروم بما عزم عليه، فبعث له {مائة} ألف مثقال ذهبا و{مائة} عامل وأربعين حملا ~~من الفسيفساء، فحمل الوليد ذلك إلى عمر بن عبد العزيز. فحضر عمر ومعه الناس فوضعوا أساس ~~المسجد و{ابتدأوا} بعمارته. PageV00P0238 # وكتب أيضا إلى عمر أن يسهل الثنايا ويحفر الآبار ويعمل الفوارة بالمدينة. فعملها وأجرى {ماءها}، ~~فلما حج الوليد ورآها أعجبته، فأمر لها بقوام يقومون عليها، وأمر أهل المسجد أن يستقوا منها. وكتب ~~الي جميع البلاد بإصلاح الطرق وعمل الآبار بطريق الحجاز ومنع المجذمين من الخروج على الناس ~~و{أجرى} لهم الأرزاق. # وكان حجه في سنة إحدى وتسعين، ms10 فلما دخل المدينة، غدا إلى المسجد ينظر إلى {بنائه}، وأخرج الناس ~~منه، ولم يبق غير سعيد بن المسيب، فلم يجسر أحد من الحرس يخرجه. فقيل له: "لو قمت". فقال: ~~"لا أقوم حتى يأتي الوقت الذي كتب أقوم فيه". فقيل: "فلو سلمت على أمير المؤمنين". قال: "والله، ~~لا أقوم إليه". قال عمر بن عبد العزيز: "فجعلت أعدل بالوليد في ناحية المسجد {لئلا} يراه". فالتفت ~~الوليد إلى القبلة، فقال: "من ذلك الشيخ؟ أهو سعيد؟" قال عمر: "نعم، ومن حاله كذا وكذا، ولو ~~علم بمكانك لقام فسلم عليك، وهو ضعيف البصر". قال الوليد: "قد علمت حاله، ونحن نأتيه". فدار ~~في المسجد، ثم أتاه، فقال: "كيف انت، أيها الشيخ؟" فوالله، ما تحرك سعيد، فقال: "بخير، والحمد ~~لله، فكيف أمير المؤمنين، وكيف حاله؟" فانصرف الوليد وهو يقول لعمر: "هذا بقية الناس". PageV00P0240 # وقسم بالمدينة أموالا كثيرة، وصلى بها الجمعة. فخطب الناس الخطبة {الأولى} جالسا، ثم قام فخطب ~~الثانية قائما. فقال رجل {لرجاء} بن حيوة: "أهكذا يصنعون؟" قال: "نعم، وهكذا صنع {معاوية}، وهلم ~~جرا". فقيل له: "ألا تكلمه؟" فقال: "أخبرني قبيصة بن ذؤيب أنه كلم عبد الملك في القعود، فلم ~~يتركه، وقال: "هكذا خطب عثمان"." قال: "فقلت: "والله، ما خطب <عثمان> إلا {قائما}". قال {رجاء}: "روى ~~لهم {شيء}، فأخذوا به“. PageV00P0242 ### $ 8. سليمان بن عبد الملك بن مروان # بويع بعد موت أخيه الوليد في نصف جمادى الآخرة <سنة ست وتسعين> وهو بالرملة. فاقام في الخلافة سنتين وثمانية ~~أشهر وخمسة أيام -وقيل: إلا خمسة أيام. # وحج بالناس سنة سبع وتسعين، وكتب إلى خالد بن عبد الله القسري -وهو على مكة- أن "أجر ~~لي عينا يخرج من مائها العذب الزلال، حتى تخرج بين زمزم والمقام". فعمل خالد بركة بأصل ثبير PageV00P0244 ~~من حجارة، وأحكمها وأنبط {ماءها} وشق لها فلجا يسكب فيها من شعب في الجبل، ثم شق من ~~البركة عينا تخرج إلى المسجد الحرام، تجري في قصب من رصاص، حتى أظهره من فوارة تسكب ~~في فسقينة من رخام بين زمزم والمقام. فلما جرت ms11 وظهر ماءها، أمر القسري بجزر، فنحرت ~~بمكة وقسمت بين الناس وعمل طعاما دعا إليه الناس. ثم أمر {صائحا}، فصاح: "الصلاة جامعة". # وأمر بالمنبر فوضع في وجه الكعبة، ثم صعد فحمد الله وأثنى عليه، وقال: "أيها الناس، أحمدوا ~~الله وأدعوا لأمير المؤمنين الذي سقاكم {الماء} العذب الزلال النقاخ العذب". فكانت تفرغ تلك ~~الفسقينة في سرب من رصاص يخرج إلى موضع {وضوء} كان عند باب الصفاء وفي بركة كانت ~~في السوق. وكان الناس لا يقفون على تلك الفسقينة ولا يكاد أحد يقربها، وكانوا على شرب {ماء} ~~زمزم أحرص وفيه أرغب. فصعد خالد المنبر وأنب الناس وأقذع في كلامه. # فلم تزل البركة حتى هدمها داود بن علي بن عبد الله بن عباس في خلافة أبي العباس السفاح، ~~وصرف العين إلى بركة بباب المسجد. وبقي السرب من الرصاص حتى قدم يسر الخادم من بغداد PageV00P0246 ~~إلى مكة في سنة ست وخمسين و{مائتين}، فعمل القبة بجانب بيت الشراب، وأخرج قصب خالد ~~فجعلها في سرب الفوارة التي يخرج منها {الماء} إلى حياض زمزم، فتصب في هذه البركة. PageV00P0248 ### $ 9. هشام بن عبد الملك {بن} مروان # استخلف بعد موت أخيه يزيد بن عبد الملك لليال بقين من شعبان سنة خمس و{مائة}. فقام في ~~الخلافة تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وأحد وعشرين يوما، وقيل: وثمانية أشهر ونصف. # حج فيها مرة واحدة سنة ست و{مائة}. وكتب له أبو الزناد سنن الحج. قال أبو {الزناد}: "لقيت هشاما ~~فإني لفي الموكب إذ لقيه سعيد بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان، فسار إلى جنبه فسمعته ~~يقول له: "يا أمير المؤمنين، إن الله لم يزل ينعم على أهل بيت أمير المؤمنين وينصر خليفته المظلوم، ~~ولم يزالوا يلعنون في هذه المواطن أبا تراب، فإنها مواطن صالحة وأمير المؤمنين ينبغي له أن يلعنه ~~فيها"، فشق على هشام قوله وقال: "ما قدمنا لشتم أحد ولا للعنه، قدمنا حجاجا"، ثم قطع كلامه وأقبل PageV00P0250 ~~علي فسألني عن الحج، فأخبرته بما كتبت له"، قال:" وشق على سعيد إني سمعته ms12 تكلم بذلك، ~~فكان منكسرا كلما رآني". # وكلم إبراهيم بن محمد بن طلحة هشاما وهو في الحجر بمكة، فقال له: "أسألك بالله وبحرمة هذا البيت ~~الذي خرجت معظما له ألا رددت علي ظلامتي؟" قال: "أي ظلامة؟" قال: "داري". قال: "فأين ~~كنت عن أمير المؤمنين عبد الملك؟" قال: "ظلمني". قال: "فالوليد وسليمان؟" قال: "ظلماني". قال: ~~"فعمر؟" قال: "{يرحمه} الله، ردها علي". قال: "فيزيد بن عبد الملك؟" قال: "ظلمني وقبضها مني ~~بعد قبضي لها وهي في يدك". فقال هشام: "لو كان فيك ضرب لضربتك". فقال: "في والله ضرب ~~بالسيف والسوط". فانصرف هشام وقال لمن معه: "كيف سمعت هذا اللسان؟" قال: "ما اجوده! # " قال: "هي قريش والسنتها، ولا يزال في الناس بقايا ما رأيت مثل هذا". # ولم يحج بعد هشام أحد من بني أمية وهو خليفة. PageV00P0252 ### || ثم كانت دولة بني العباس. فأول من حج منهم وهو خليفة: ### $ 10. أبو جعفر المنصور ~~واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، أمير المؤمنين، العباسي ~~الهاشمي. # بويع بعد موت أخيه أبي العباس السفاح عبد الله بن محمد -وهو بطريق مكة- سنة ست و{ثلاثين} ~~و{مائة}. # فقدم الكوفة، ثم حج في سنة أربعين و{مائة}، فأحرم من الحيرة، ولما قضى حجه، توجه إلى بيت PageV00P0254 ~~المقدس وسار منها إلى الرقة ومضى إلى الكوفة. # وحج ثانيا سنة أربع وأربعين. فلما حج بالناس ورجع، لم يدخل المدينة ومضى إلى الربذة وأحضر ~~بني حسن بن علي إليه في القيود والأغلال، فسار بهم إلى الكوفة، وعتا عتوا كبيرا في ظلمهم. # ثم حج بالناس في سنة سبع أربعين و{مائة}. PageV00P0256 # وحج رابعا في سنة ثمان وأربعين. # وحج خامسا في سنة اثنين وخمسين. # وسار في سنة أربع وخمسين إلى الشام وبيت المقدس. ثم سار في سنة ثمان وخمسين و{مائة} من ~~بغداد إلى مكة ليحج. واستخلف ابنه محمد المهدي ووصاه وصيته بليغة جدا -لولا طولها لذكرتها-، ~~وودعه، وبكى وأعلمه أنه ميت في سفره هذا. ثم سار إلى الكوفة، وجمع بين الحج والعمرة، وساق ~~الهدي ms13 وأشعره وقلده لأيام <خلت> من ذي القعدة. فعرض له -وهو {سائر}- وجع اشتد به حتى ~~مات في {بئر} ميمون خارج مكة لست خلون من ذي الحجة. فكتم الربيع الحاجب موته حتى بايع ~~للمهدي. PageV00P0258 # فكانت خلافة أبي جعفر اثنين وعشرين سنة تنقص أياما قد اختلف في عدتها. # واتفق أنه لما نزل آخر منزل بطريق مكة نظر في صدر البيت فإذا فيه بعد البسملة: ~~أبا جعفر، حانت وفاتك وانقضت سنوك، وأمر الله لا بد واقع ~~أبا جعفر، هل كاهن أو منجم لك اليوم من حد المنية مانع؟ # فأحضر متولي المنازل وقال له: "ألم آمرك <أن> لا يدخل المنازل أحد من الناس ؟"وكانت {الخلفاء} يبنى ~~لهم في كل منزلة ينزلونها بطريق مكة دار، ويعد لهم فيها {سائر} ما يحتاج إليه من الستور والفرش ~~والأواني وغير ذلك. فقال: "والله، ما دخله أحد منذ فرغ". فقال: "إقرأ ما في صدر البيت". فقال: ~~"ما أرى {شيئا}". فأحضر غيره فلم ير {شيئا}، فقال: "يا ربيع، قف بيني وبين {الحائط}". فقام الربيع بينه ~~وبين الجدار، {فرأى} البيتين كما كان يراهما قبل وقوف الربيع، فعلم أنه قد نعيت إليه نفسه. فقال: ~~"يا ربيع، إقرأ آية من كتاب الله". فقرأ: ««وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون»». فرحل ~~من المنزل، وقد تطير، فسقط عن دابته فاندق عنقه _وقيل: بل مات من مرضه. ودفن {ببئر} ~~ميمون. PageV00P0260 # ومن بديع ما يحكي عنه أنه لما حج وأشرف على المدينة النبوية ترجل الناس له لما استقبلوه إلا محمد ~~بن عمران -قاضي المدينة. فقال المنصور: "يا ربيع، ما له لا يترجل لي؟ يتجالد علي ويمتنع مما فعله ~~بنو عبد المطلب وبنو علي، فلم ينزل إلى الأرض لما بصر بي؟" فقال الربيع: "{يا أمير} المؤمنين، لو رأيته ~~على الأرض، لرحمته ورثيت له من ثقله وعظمه". فأمره بالدنو، فدنا منه راكبا عند تمهيد الربيع ~~له العذر، فسأله عن حاله، ثم قال: "{يا ابن} عمران، أيما رجل أنت؟ لولا خصال فيك ثلاث كنت ~~أنت الرجل". قال: "وما هن، {يا أمير} ms14 المؤمنين؟" قال: "قعودك عن الصلاة في مسجد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم- في جماعة، فتصلى وحدك. وثانية أنك لا تكلم إنسانا في الطريق تيها وعظمة. وثالثة أنك رجل PageV00P0262 ~~بخيل فيك ضيق شديد. فقال: "{يا أمير} المؤمنين، أما الأولى فإني أكره أن أصلى بصلاة الإمام، فما ~~يدخل علي من فسادها أعظم عندي من تركي إياها لشغل، وإني لا أدرك معهم ركوعا ولا سجودا، ~~فأرى أن أصلي وحدي أفضل. وأما الثانية فإني قاض ولا يجوز أن أعطي من نفسي التسليم عليهم ~~والابتذال لنفسي، فيكون في ذلك مفسدة للخصوم. وأما الثالثة فإني لا أجمد في حق ولا أذوب ~~في باطل". قال: "خرجت منهن، {يا ابن} عمران؟ يا ربيع، إدفع إليه ثلاثة آلاف درهم". # قال: "{يا أمير} المؤمنين، بالباب مستعدون عليك يذكرون أن في يدك حقا من دار كذا". قال: ~~"فإنصفهم مني". قال: "وكل وكيلا يقوم مقامك أو إحضر معهم مجلس {القضاء}". قال: "قد وكلت ~~الربيع". قال: "أشهد على وكالتك إياه عيسى بن علي والعباس بن محمد". ففعل، ثم أخرج حدود الدار ~~التي ينازعونه فيها. ودعا بالربيع و{خصمائه}، وأحضر شهادته على الوكالة وأنفذها، ثم سأل القوم عن ~~دعواهم وعن شهودهم، ثم قضى لهم عليه. # واستعدي أيضا الجمالون على المنصور بالمدينة. فقال القاضي محمد بن عمران للشبلي: "أكتب إليه ~~في ذلك". فأبى عليه وقال: "تعفيني". فقال: "لتكتبن". فكتب. فلما استتم الكتاب وختمه، قال له: PageV00P0264 ~~"لا يمضى به سواك". فمضى ووافى إلى باب المنصور وسلم الكتاب إلى الربيع وأوصله إلى المنصور، ~~فقرأه. وعاد الشبلي إلى محمد بن عمران، فعرفه أنه سلم ما كتب إلى الربيع، فأوصله، فقرأه المنصور، ~~وأجاب إلى الحضور. ثم خرج المنصور مؤتزرا ببردة، مرتديا بأخرى، و{مشى} إلى أن قارب مجلس ~~محمد بن عمران، ووقعت عينه عليه -والربيع بين يديه- فقال له: "يا ربيع، نفيت عن العباس، ~~{لئن} تحرك محمد بن عمران من مجلسه هيبة لي، لأولى ولاية ابدا". ثم صار إلى محمد بن عمران، فلما ~~{رأى} المنصور -وكان {متكئا}- أطلق {ردائه} على عاتقه، ثم اجتبى، ms15 ودعا بالخصوم، فحكم لهم عليه ~~وأمره بإنصافهم، وانصرف أبو جعفر. وأمر الربيع بإحضار محمد بن عمران. فلما دخل عليه، قال ~~له: "{يا ابن} عمران، جزاك الله عن دينك وعن نبيك وعن حسبك وعن خليفتك أحسن {الجزاء}". # وأمر له بعشرة آلاف درهم. PageV00P0266 # تتمة - ### $ 11. المهدي ~~أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر عبد الله بن محمد المنصور، أمير المؤمنين. # ولى بعد وفاة أبيه بعهده إليه، فقام في الخلافة عشر سنين وتسعا وأربعين يوما. # وحج في سنة ستين و{مائة}، واستخلف ببغداد ابنه موسى، ومعه خاله يزيد بن منصور. وحج معه ابنه ~~{هارون} بن محمد في جماعة من أهله. # فلما قدم مكة، نزع الكسوة عن الكعبة عندما رفع إليه سدنة البيت أنهم يخافون على الكعبة أن ~~تنهدم لكثرة ما عليها من الكسوة. فوجد كسوة هشام بن عبد الملك من الديباج الثخين، وكانت PageV00P0268 ~~الكسوة لا تنزع عن الكعبة في كل سنة كما هو العمل الآن، بل تلبس كل سنة كسوة فوق تلك ~~الكسوة، فلما تكاثر العهد وكثر ذلك خافت السدنة على الأركان أن تنهدم لثقل ما صار عليها من ~~الكسوة -وكانت كسوة الكعبة تعمل من الديباج المذهب. # وأنفق المهدي في هذه الحجة مالا عظيما، قدم به معه من العراق مبلغ {ثلاثين} ألف ألف درهم سوى ~~ما وصل إليه من مصر -وهو مبلغ {ثلاثمائة} ألف دينار عينا- ومن اليمن مبلغ {مائتي} ألف دينار ~~عينا، فرق ذلك كله، ومعه {مائة} ألف وخمسون ألف ثوب. # ووسع مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم. وأخذ {خمسمائة} من الأنصار جعلهم حرسا له، وأقطعهم بالعراق ~~الإقطاعات وأجرى عليهم الأرزاق. # وحمل إليه محمد بن {سليمان} الثلج إلى مكة -وهو أول خليفة حمل إليه الثلج إلى مكة. # وأمر {ببناء} القصور بطريق مكة أوسع من القصور التي بناها السفاح، وأمر باتخاذ المصانع في كل ~~منهل منها وتجديد الأميال وحفر الركايا. PageV00P0270 # وبعث ابنه موسى الهادي فحج بالناس سنة إحدى وستين. # وأمر في سنة ست وستين و{مائة} بإقامة البريد بين مكة والمدينة واليمن بغالا وإبلا، ولم يكن ms16 هناك ~~بريد قبل ذلك. # وحكى محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: "رأيت فيما يرى ~~النائم -في آخر سلطان بني أمية- كأني دخلت مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فرفعت رأسي، فرأيت ~~الكتاب الذي بالفسيفساء، فإذا فيه: "مما أمر به أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك"، وإذا {قائل} يقول: ~~"يمحى الكتاب ويكتب مكانه اسم رجل من بني هاشم يقال له محمد"، قلت: "فأنا محمد، فابن من؟" ~~قال: "ابن عبد الله"، قلت: "فأنا ابن عبد الله، فابن من؟" قال: "ابن محمد"، قلت: "{فأنا ابن} محمد، ~~فابن من؟" قال: "ابن علي"، قلت: "فأنا ابن علي، فابن من؟" قال: "ابن عبد الله"، قلت: "فأنا ابن ~~عبد الله، فابن من؟" قال: "{ابن} عباس"، فلو لم يبلغ العباس ما شككت أني صاحب الأمر. # فتحدث بها ذلك الزمان ونحن لا نعرف المهدي حتى ولي المهدي، فدخل مسجد رسول الله PageV00P0272 ~~-صلى الله عليه وسلم-، فرأى اسم الوليد، فقال: "أرى اسم الوليد إلى اليوم؟" فدعا بكرسي، فألقى في صحن المسجد، ~~وقال: "ما أنا ببارح حتى يمحى ويكتب اسمي مكانه". ففعل ذلك وهو جالس." ~~وطاف بالبيت مرة ليلا، فسمع أعرابية تقول: "قومي مقترون، نبت عنهم العيون، وفدحتهم ~~الديون، وعضتهم السنون، بادت رجالهم وذهبت أموالهم، وكثرت عيالهم {أبناء} سبيل و{أنضاء} ~~طريق وصية الله ووصية الرسول، فهل من آمر لي بجبر كلأه الله في نفسه، وخلفه في أهله؟" فأمر ~~لها {بخمسمائة} درهم. PageV00P0274 ### $ 12. {هارون} الرشيد ~~ابن محمد المهدي {بن} أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس -رضي الله ~~عنهم. # بويع بالخلافة بعد موت أخيه موسى الهادي في ليلة الجمعة النصف من ربيع الأول -وقيل لأربع ~~عشرة خلت منه- سنة سبعين و{مائة}. فأقام في الخلافة {ثلاثا} وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر ~~يوما، يغزو سنة ويحج سنة. فحج تسع حجج، ولم يحج بعده خليفة من بغداد. # فأول ما حج -وهو خليفة- سنة سبعين، وقسم في أهل الحرمين {عطاء} كثيرا، ms17 وقيل إنه غزا أيضا ~~فيها بنفسه. # وحج ثانيا في سنة {ثلاث} وسبعين، وأحرم من بغداد. # وحج بالناس سنة أربع وسبعين، وقسم في الناس مالا كثيرا. # ثم حج في سنة سبع وسبعين، وخرج عليه الوليد بن طريف الشاري -أحد الخوارج من بني ~~تغلب- بنصيبين، وأخذ أرمينية، وحصر خلاط، وعاث في بلاد الجزيرة. فسير إليه الرشيد يزيد PageV00P0276 ~~ابن مزيد بن زائدة الشيباني -وهو ابن أخي معن بن زائدة- على العسكر، فلم يزل يحاربه حتى ~~قتله. وفيه تقول أخته ليلى بنت طريف ترثيه بالأبيات المشهورة التي فيها قولها: ~~فيا شجر الخابور، ما لك مورقا كأنك لم تجزع على ابن طريف ~~الأبيات ~~فاعتمر الرشيد في شهر رمضان سنة تسع وسبعين و{مائة}. شكر الله تعالى على قتل الوليد، وعاد إلى ~~المدينة، فأقام بها إلى وقت الحج. فحج بالناس، ومشى من مكة إلى منى إلى عرفات، وشهد ~~المشاعر كلها ماشيا، ورجع على طريق البصرة. ولا يعرف من ملوك الدنيا ملك حج ماشيا ~~سوى ملكين. هرقل بن هرقل بن أنتونيش -من أهل صلوقيا- حج من حمص إلى أيليا -التي PageV00P0278 ~~هي بيت المقدس- ماشيا، ووافاه كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفرته هذه يدعوه إلى الإسلام، كما ~~وقع في «الصحيحين» وغيرهما، والملك الثاني {هارون} الرشيد. # وذكر أبو محمد بن حزم في كتاب «جمهرة الأنساب» أن موسى الهادي بن محمد المهدي كان له أم ولد ~~تسمى أمة العزيز تزوجها أخوه {هارون} من بعده، وهي التي كان حلف الرشيد لأخيه بالمشي إلى ~~الكعبة أن لا يتزوجها، فلما مات الهادي تزوجها. ومشى راجلا من بغداد إلى مكة -وهو خليفة-، ~~فولدت له عليا، وكان أقبح الناس صورة. # ولما دخل الرشيد مكة، كان يطرح له الرمل حول البيت -ومقدار عرضه ذراعين-، ويرش ~~{بالماء}، ويقوم الحرس بينه وبين الناس، وكان يطوف بين المغرب و{العشاء} {ثلاثة} عشر اسبوعا، ولا ~~يطيق ذلك أحد ممن كان معه. وكان إذا سعى شمر إزاره وجعل له ذنبين، فكان يفتن من يراه. # وكذلك حجت زبيدة -أم جعفر، بنت جعفر بن أبي جعفر، زوج ms18 {هارون} الرشيد- ماشية أيضا، ~~وكانت حجة عظيمة غير أن ذكرها ليس من شرط هذا {الجزء}، فلذلك تركت ذكرها. PageV00P0280 # وحج الرشيد أيضا بالناس في سنة إحدى وثمانين و{مائة}. # وحج في سنة ست و{ثمانين ومائة} من الأنبار ومعه ابناه عبد الله المأمون ومحمد الأمين. فبدأ بالمدينة، ~~فأعطي فيها {ثلاث} أعطية: أعطى هو {عطاء}، وكل من ولديه {عطاء}، وسار إلى مكة فأعطى أهلها ألف ~~ألف دينار وخمسين ألف دينار، وكان قد ولى الأمين العراق والشام إلى آخر الغرب وجعله ولي ~~عهده، وضم إلى المأمون من همذان إلى آخر المشرق وعهد إليه بعد الأمين، ثم بايع لابنه القاسم ~~بولاية العهد بعد المأمون ولقبه المؤتمن وضم إليه الجزيرة والثغور والعواصم. فجمع بمكة القضاة ~~و{الفقهاء}، وكتب كتابا أشهدهم فيه على الأمين {بالوفاء} للمأمون، وكتب كتابا أشهدهم فيه على ~~المأمون {بالوفاء} للأمين، وعلق الكتابين بالكعبة. وقد ذكرت خبر ذلك مبسوطا في ترجمة المأمون ~~من «تاريخ مصر الكبير المقفا»، فإنه قدم مصر في سنة سبع عشرة و{مائتين}. PageV00P0282 # وفي عود الرشيد من هذه الحجة نكب البرامكة النكبة المشهورة بالأنبار سلخ المحرم سنة سبع و{ثمانين ~~ومائة}. # ثم حج الرشيد في سنة ثمان وثمانين راجلا، وقسم أموالا كثيرة، وهي آخر حجة حجها. # وكان إذا حج حج معه {مائة} من {الفقهاء} وأبنائهم، فإذا لم يحج أحج {ثلاثمائة} رجل بالنفقة السابغة ~~والكسوة الظاهرة. ولم ير خليفة قبله أكثر {عطاء} منه، ويقال لو قيل للدنيا: متى أيام شبابك، ~~لقالت أيام {هارون} الرشيد. # ومن {فضائل} الرشيد ما أخرجه الحافظ ابو نعيم في «كتاب الحلية»: ثنا {سليمان} بن أحمد -يعني PageV00P0284 ~~الطبراني-: نا محمد بن زكريا الغلابي: نا الغلابي: نا أبو عمر الجرمي النحوي: نا الفضل بن الربيع، ~~قال: ~~"حج أمير المؤمنين -{يعني هارون} الرشيد- فأتاني، فخرجت مسرعا، فقلت: "{يا أمير} المؤمنين، لو ~~ارسلت إلي أتيتك". فقال: "ويحك، قد حاك في نفسي {شيء}، فأنظر لي رجلا أسأله"، فقلت: "هاهنا ~~{سفيان} بن عيينة"، فقال: "إمض بنا إليه"، فأتيناه، فقرعت الباب، فقال: "من ذا؟" قلت: أجب أمير ~~المؤمنين"، فخرج مسرعا، فقال: ms19 "{يا أمير} المؤمنين، لو ارسلت إلي أتيتك"، فقال له: "خذ لما {جئناك} له ~~-رحمك الله-"، فحدثه ساعة، ثم قال له: "عليك دين؟" قال: "نعم"، قال: "أبا عباس، إقض دينه". # فلما خرجنا قال: "ما أغنى عني صاحبك {شيئا}، أنظر لي رجلا أسأله"، قلت: "هاهنا عبد الرزاق بن ~~همام"، قال: "إمض بنا إليه"، فأتيناه، فقرعت الباب، فقال: "من هذا؟" قلت: "أجب أمير المؤمنين"، PageV00P0286 ~~فخرج مسرعا، فقال: "{يا أمير} المؤمنين، لو ارسلت الي أتيتك"، فقال: "خذ لما {جئناك} له"، فحادثه ساعة ~~ثم قال له: "عليك دين؟" قال: "نعم"، قال: "أبا عباس، إقض دينه". # فلما خرجنا قال: "ما أغنى عني صاحبك {شيئا}، أنظر لي رجلا أسأله". قلت: "هاهنا الفضيل بن ~~عياض"، قال: "إمض بنا إليه"، فأتيناه، فإذا هو قائم يصلى، يتلو آية من القرآن يرددها. فقال: ~~"أقرع الباب"، فقرعت الباب، فقال: "من هذا؟" قلت: "أجب أمير المؤمنين"، فقال: "ما لي ولأمير ~~المؤمنين؟" فقلت: "{سبحان} الله، أما عليك طاعة؟ أليس قد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ليس للمؤمن ~~أن يذل نفسه؟" فنزل ففتح الباب، ثم ارتقى الغرفة فأطفأ السراج، ثم التجأ إلى زاوية من زوايا ~~البيت، فدخلنا، فجعلنا نجول عليه بأيدينا. فسبقت كف {هارون} قبلي إليه، فقال: "يا لها من كف! ما ~~ألينها إن نجت غدا من عذاب الله -عز وجل-". فقلت في نفسي ليكلمنه الليلة بكلام من قلب تقي، ~~فقال له: "خذ لما {جئناك} له -رحمك الله"، فقال: "إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا سالم بن ~~عبد الله ومحمد بن كعب القرظي و{رجاء} بن حيوة، فقال لهم: "إني قد ابتليت بهذا {البلاء} فأشيروا PageV00P0288 ~~علي، فعد الخلافة {بلاء}، وعددتها أنت وأصحابك نعمة." فقال له سالم بن عبد الله: "إن أردت النجاة ~~من عذاب الله فصم الدنيا وليكن إفطارك منها الموت". وقال له محمد بن كعب: "إن أردت النجاة ~~من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبا وأوسطهم عندك أخا وأصغرهم عندك ولدا، فوقر ~~أباك وأكرم أخاك وتحنن على ولدك". ms20 وقال له {رجاء} بن حيوة: "إن أردت النجاة من عذاب الله ~~فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك وإكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت أذا {شئت}". وإني أقول لك ~~بأني أخاف عليك أشد الخوف يوم تزل فيه الأقدام، فهل معك -رحمك الله- مثل هذا أو من يشير ~~عليك بمثل هذا؟" ~~{فبكى} {هارون} {بكاء} شديدا حتى غشي عليه، فقلت له: "إرفق بأمير المؤمنين!" قال: "{يا ابن} أم الربيع، ~~تقتله أنت وأصحابك وإرفق به أنا؟" ثم أفاق فقال له: "زدني -رحمك الله"، فقال: "{يا أمير} المؤمنين، ~~بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز شكى إليه، فكتب إليه عمر: {يا ابن} أخي، أذكرك طول سهر أهل ~~النار في النار مع خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من عند الله إلى عذاب الله، فيكون آخر ~~العهد وانقطاع {الرجاء}. فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز، فقال له: ~~"ما أقدمك؟" فقال: "خلعت قلبي بكتابك، لا أعود إلى ولاية حتى {ألقى} الله"." ~~فبكى {هارون} {بكاء} شديدا، ثم قال له: "زدني -رحمك الله"، فقال: "{يا أمير} المؤمنين، إن العباس ~~-عم المصطفى، صلى الله عليه وسلم- قال برسول الله: "أمرني على إمارة"، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- إن الإمارة حسرة ~~وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرا فإفعل" PageV00P0290 ~~فبكى {هارون} {بكاء} شديدا، وقال: "زدني -رحمك الله". قال: "يا حسن الوجه، أنت الذي يسألك الله ~~-عز وجل- عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فإياك أن تصبح ~~وتمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة ~~الجنة"." ~~فبكى {هارون} وقال له: "عليك دين؟" قال: "نعم، دين لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سائلني، ~~والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم حجتي". قال: "انما أعني من دين العباد"، قال: "إن ربي ~~-عز وجل- لم يأمرني بهذا، انما أمرني أن أصدق وأطيع أمره. فقال: ««وما خلقت الجن والإنس ms21 ~~إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.»»" ~~فقال له: "هذه ألف دينار، خذها فأنفقها على عيالك، وتقو بها على عبادتك"، فقال: "{سبحان} الله، أنا ~~أدلك على طريق النجاة وأنت تكافيني بمثل هذا؟ سلمك الله ووفقك!" ثم صمت فلم يكلمنا. فخرجنا ~~من عنده، فلما صرنا على الباب قال {هارون}: "أبا عباس، إذا دللتني على رجل، فدلني على مثل ~~هذا، هذا سيد المسلمين!" ~~فدخلت عليه امرأة من {نسائه}، فقالت: "يا هذا، قد ترى ما نحن فيه من ضيق، فلو قبلت هذا المال ~~فتفرجنا به"، فقال لها: "مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه ~~فاكلوا لحمه". فلما سمع {هارون} هذا الكلام قال: "ندخل فعسى أن يقبل المال"، فلما علم الفضيل ~~خرج فجلس في السطح على باب الغرفة، {فجاء} {هارون} وجلس إلى جنبه، فجعل يكلمه، فلا يجيبه، ~~فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية {سوداء}، فقالت: "يا هذا، قد آذيت الشيخ منذ الليلة، فانصرف ~~رحمك الله". فانصرفنا." PageV00P0292 ~~يا إبرهيم بن عبد الله: يا محمد بن إسحق: حدثني إسمعيل بن عبد الله أبو النضر: نا يحيى بن يوسف ~~الزمي عن فضيل بن عياض، قال: ~~"لما دخل علي {هارون} -أمير المؤمنين- قال: "أيكم هو؟ فأشاروا إلى أمير المؤمنين"، فقال: "أنت ~~هو، يا حسن الوجه، لقد كلفت أمرا عظيما، إني ما رأيت أحدا أحسن وجها منك، فإن قدرت ~~أن لا تسود هذا الوجه بلفحة من النار فافعل". فقال لي: "عظني"، فقلت: "ماذا أعظك؟ هذا كتاب ~~الله تعالى بين الدفتين، انظر ماذا عمل بمن أطاعه وماذا عمل بمن عصاه"، وقال: "إني رأيت الناس ~~يعرضون على النار عرضا شديدا ويطلبونها طلبا حثيثا، أما ولله لو طلبوا الجنة بمثلها أو أيسر لنالوها!" ~~فقال: "عد إلي"، فقال: "لو لم تبعث إلي لم آتك، وإن انتفعت بما سمعت مني عدت إليك“." PageV00P0294 # تتمة ### $ 13. الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد ~~ابن محمد بن الحسن بن أبي بكر بن أبي ms22 علي القبي بن الحسن الخليفة الراشد بالله، على خلاف في ~~نسبه، ثاني {خلفاء} بني العباس بديار مصر. # خرج من بغداد في واقعة هولاكو، وجمع طائفة من الناس ولقي الإمام المستنصر بالله أبا العباس ~~أحمد بن الخليفة الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الخليفة الناصر لدين الله العباسي المجهز من ديار PageV00P0296 ~~مصر لقتال الططر، وصار في جملته. فلما قتل المستنصر في وقائع الططر قدم إلى القاهرة في سابع ~~عشرين ربيع الأول سنة ستين وستمائة، فبايعه الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري في يوم ~~الخميس ثامن المحرم سنة إحدى وستين وستمائة. # فلم يزل خليفة لا أمر له ولا نهي ولا نفوذ كلمة حتى مات بمناظر الكبش خارج القاهرة ليلة ~~الجمعة ثامن عشر جمادى {الأولى} سنة إحدى و{سبعمائة}. فكانت خلافته أربعين سنة، وهو أول ~~خليفة عباسي مات بمصر. واستمرت الخلافة في عقبه إلى اليوم. PageV00P0298 # وحج في سنة تسع وتسعين وستمائة والسلطان {يومئذ} الملك المنصور لاجين، وأعطاه مبلغ {سبعمائة} ~~ألف درهم فضة. ولما قدم مكة أراد من الشريف أبي نمي -أمير مكة- أن يدعوا له على ~~منبر مكة، فامتنع من ذلك وجرت {بينهما} مفاوضة ترفع فيها عليه أبو نمي تفاخرا بنسبه الشريف. # واستمر الأمر على ذلك إلى اليوم لم يخطب قط بمكة لأحد من {خلفاء} مصر العباسيين سوى الخليفة ~~المستعين بالله أبي الفضل العباس بن محمد أياما يسيرة في سنة خمس عشرة {وثمانيمائة}. PageV00P0300 ### | <فصل في> ذكر من حج من الملوك وهو ملك ### $ 1. الصليحي ~~واسمه علي بن محمد بن علي -أحد ثوار العالم-، كنيته أبو الحسن بن أبي محمد. # كان أبوه على {قضاء} اليمن ومن أهل السنة، وكان في عشيرة من قومه. فصحب علي داعي اليمن ~~عامر بن عبد الله الزواحي -أحد دعاة الدولة الفاطمية-، ومال إلى مذهب التشيع، وتضلع من ~~علوم الشيعة حتى صار إماما فيه. PageV00P0302 # ثم ثار سنة تسع وعشرين و{أربعمائة} بستين رجلا -أصحاب {عشائر}-، فصار في عشرين ألف ~~ضارب سيف من يومه. ودعا للإمام المستنصر بالله أبي تميم معد بن الظاهر بن ms23 الحاكم -أحد ~~{الخلفاء} الفاطمية بالقاهرة-، وملك اليمن كله -سهله وجبله، ووعره وبره وبحره- وخطب ~~بنفسه، وكانت قاعدة ملكه {صنعاء}. # وحج سنة خمس وخمسين و{أربعمائة}، وملك مكة في سادس ذي الحجة منها، ونشر بها العدل، وأكثر ~~فيها من الإحسان، ومنع المفسدين، وأمن الناس أمنا لم يعهدوه قبله، ورخصت بها الأسعار لكثرة ~~ما جلب اليها بأمره، فأحبه الناس حبا {زائدا}. وكسا الكعبة الديباج الأبيض -وهو كان شعار ~~الدولة الفاطمية- وأقام بها دعوتهم. # ثم حج في سنة {ثلاث} وسبعين و{أربعمائة}. فلما نزل ظاهر المهجم، قتل في ثاني عشر ذي الحجة بيد سعيد ~~الأحول بن نجاح، وملك بعده. PageV00P0304 # ثم حج ### $ 2. الملك العادل نور الدين محمود ~~<ا>بن عماد الدين أتابك، <ا>بن زنكي بن أبي سعيد قسيم الدولة، <ا>بن أقسنقر -المعروف بالحاجب- بن ~~عبد الله. # كان جده أقسنقر مملوكا تركيا للسلطان ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي، وترقى إلى أن استنابه ~~تاج الدولة تتش بن أرسلان في حلب لما ملكها في سنة ثمان وسبعين و{أربعمائة}. فعصا عليه ~~وحاربه. فقتل في {جمادى الأولى} سنة سبع وثمانين و{أربعمائة}. وصار ابنه عماد الدين زنكي من PageV00P0306 ~~{الأمراء} ببغداد، ثم ولي الموصل سنة اثنين و{عشرين وخمسمائة}، وأخذ الرها. وقتل على جعبر ~~في ربيع الآخر سنة إحدى و{أربعين وخمسمائة} -وهو على فراشه. # وولد نور الدين محمود في سابع عشر شوال سنة إحدى عشرة و{خمسمائة}. فقام بعد قتل ~~أبيه، وأخذ قلعة حلب وجد في قتال الفرنج -وبيدهم {حينئذ} من الرها إلى السوادة من ~~حدود أرض مصر- وافتتح عدة حصون. وأظهر بحلب مذهب أهل السنة -وكان أهلها PageV00P0308 ~~من الرافضة-، وأبطل الآذان بحي على خير العمل، وأنشأ بها المدارس على مذاهب {الأئمة} ~~الأربعة. # ثم ملك دمشق بعدما أشرف الفرنج على أخذها، وضبط أمورها وأنشأ بها المدارس والمساجد ~~والمارستان، وعمرها، وأبطل المكوس كلها ومنع المنكرات بأسرها وعاقب عليها. # واستنقذ من الفرنج عدة معاقل، وبنا في أكثر ممالكه دار العدل وأحضرها القضاة و{الفقهاء} ~~وجلس فيها بنفسه لإزالة المظالم. # وبالغ في الإحسان لأهل مكة والمدينة، وبعث العساكر لحفظ المدينة النبوية، وأقطع أمير ms24 مكة ~~إقطاعا، وأقطع {أمراء} العربان إقطاعات لحفظ الحاج 926فيما بين دمشق والحجاز، وأكمل سور المدينة ~~النبوية، واستخرج لها العين، فدعي له بالحرمين على منبريهما PageV00P0310 ~~وبعث الأمير أسد الدين شيركوه بالغز إلى مصر، واستنقذ القاهرة من الفرنج بعد ما حصرها مري ~~-لعنه الله- بعساكر الفرنج أياما. ولم يبق إلا أن يملكها، فلما استولى شيركوه على القاهرة دعى لنور ~~الدين {على} منابر القاهرة ومصر. # ومات في حادي عشر شوال سنة تسع وستين و{خمسمائة} بدمشق، بعدما حج في سنة ست وخمسين ~~و{خمسمائة}. وأكثر من فعل الخير بالحرمين وبالغ في الإحسان. PageV00P0312 ### $ 3. الملك المعظم شمس الدولة توران شاه ~~ابن والد الملوك نجم الدين أيوب بن شادي بن مروان الكردي. # نشأ بدمشق وقدم إلى القاهرة مع أهله في سنة أربع وستين و{خمسمائة}، وقد تقلد أخوه الملك ~~الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وزارة مصر للخليفة العاضد لدين الله أبي محمد عبد الله بن ~~الأمير يوسف بن الحافظ لدين الله. فكان من أعظم الأسباب في نصرة أخيه صلاح الدين يوم PageV00P0314 ~~وقعة السودان حتى هزمهم وأفناهم بالسيف. فأقطعه قوص وأسوان وعيذاب، وعبرتها {يومئذ} {مائتا} ~~ألف دينار وستة وستون ألف دينار مصرية في كل سنة. # ثم {غزا} النوبة في سنة ثمان وستين، وأخذ قلعة إبريم، وعاد غانما. PageV00P0316 # ثم سار إلى بلاد اليمن في سنة تسع وستين، وعلى ملك زبيد أبو الحسن علي بن مهدي الملقب عبد ~~النبي. وقدم مكة معتمرا، وتوجه إلى زبيد واستولى على ممالك اليمن، وتلقب بالملك المعظم وخطب ~~لنفسه بعد الخليفة العباسي. # ثم توجه في سنة {إحدى} وسبعين إلى الشام، فملكه أخوه صلاح الدين دمشق في ربيع الأول سنة ~~اثنتين وسبعين. # ثم جهزه إلى القاهرة في ذي القعدة سنة أربع وسبعين، وأنعم عليه بالإسكندرية، فأقام بها إلى ~~أن مات هناك أول صفر سنة ست وسبعين و{خمسمائة}. فوجد عليه مبلغ {مائتي} ألف دينار مصرية ~~دينا قضاها عنه السلطان صلاح الدين، وسبب هذا الدين كثرة جوده وسعة {عطائه}. # ومن غريب ما يحكى عنه أن الأديب الفاضل مهذب الدين أبا ms25 طالب محمد بن علي -ابن الخيمي- ~~قال: "رأيت في النوم المعظم شمس الدولة توران شاه، وقد مدحته وهو في القبر ميت، فلف كفنه ~~ورماه وأنشدني: PageV00P0318 ~~لا تستقلن معروفا سمحت به ميتا، وامسيت منه عاريا بدني ~~ولا تظنن جودي شأنه بخل من بعد بذلي ملك الشام واليمن ~~إني خرجت من الدنيا وليس معي من كل ما ملكت كفى سوى كفني ~~وإليه ينسب درب شمس الدولة بالقاهرة. # وقد ذكرت ترجمته مبسوطة في كتاب «المواعظ والاعتبارات بذكر الخطط والآثار» وفي كتاب «التاريخ ~~الكبير المقفى لمصر PageV00P0320 ### $ 4. الملك المعظم شرف الدين أبو الفتح عيسى ~~ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن نجم الدين أيوب بن شادي بن مروان الكردي ~~الأيوبي، الفقيه الحنفي النحوي الأديب الشاعر. # ولد بدمشق في خامس رجب سنة ست وخمسين و{خمسمائة}. وتفقه على مذهب الإمام أبي ~~حنيفة بالشيخ جمال الدين أبي المحامد محمود بن أحمد الحصيري البخاري الحنفي، وأخذ العربية ~~عن التاج أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، وكان يسعى إلى منزليهما على قدميه لأخذه العلم ~~عنهما، وأفرط في العصبية لمذهب الحنفية. PageV00P0322 # وشرح «الجامع الكبير في الفقه» وصنف «السهم المصيب في الرد على الحافظ أبي بكر الخطيب». ورؤي ~~بخطه على «كتاب سيبويه»: إنني قطعته حفظا من خاطري، وعلى كتاب «النكت في الفقه على مذهب ~~أبي حنيفة» أنه: قطعته حفظا -وهو في مجلدين. # واعتنى بالعلم وأهله عناية تامة، وسمع الحديث عن حنبل وعمر بن طبرزد وغيره وحدث. PageV00P0324 # وأعطاه أبوه الملك العادل دمشق وجعل في ولايته غزة والكرك والشوبك، وذلك سنة ست ~~و{تسعين وخمسمائة}، فلم يزل حتى مات بدمشق آخر ذي القعدة سنة أربع وعشرين و{ستمائة}. # وحج، فخرج من دمشق في حادي عشر ذي القعدة سنة إحدى عشرة و{ستمائة} على الهجن، وسار ~~على طريق تبوك، وبنى البركة وعدة مصانع، وتصدق على أهل الحرمين بصدقات جزيلة. # وقدم منها إلى القاهرة وافدا على أبيه ومعه الشريف سالم بن قاسم -أمير المدينة- شافعا فيه، ~~فأكرمه الملك العادل وبعث معه عسكرا إلى المدينة، وعاد المعظم إلى دمشق. PageV00P0326 # وقد ms26 ذكرت ترجمته مستوفاة في «التاريخ الكبير المقفى لمصر». PageV00P0328 ### $ 5. الملك المسعود صلاح الدين أبو المظفر يوسف -ويقال له: أطسز، ~~ويقال أقسيس- بن السلطان الملك الكامل ناصر الدين أبي المظفر محمد بن السلطان الملك العادل ~~سيف الدين أبي بكر محمد بن والد الملوك نجم الدين أبي الشكر أيوب بن شادي بن مروان الكردي ~~الأيوبي. # ولد في ربيع الآخر سنة سبع وتسعين و{خمسمائة}، وولاه أبوه مملكة اليمن في أيام جده سنة إحدى ~~عشرة و{ستمائة}. فسار إليها في ألف فارس، ومن الجاندارية والرماة {خمسمائة} وقدم مكة وتوجه منها ~~إلى زبيد، وملكها واستولى على تهامة وتعز و{صنعاء} و{سائر} ممالك اليمن. # وحج في سنة تسع عشرة و{ستمائة}، وقاتل أمير مكة الشريف حسن بن قتادة الحسني، وهزمه ونهب ~~مكة، فلما كان يوم عرفة منع أعلام الخليفة من التقدم على أعلام أبيه. وأظهر من الجرأة PageV00P0330 ~~على الله {قبائح}، منها أنه كان يصعد أعلى زمزم فيرمى حمام الحرم بالبندق، ويستخف بحرمة الكعبة، ~~وأكثر من سفك {الدماء}، وكان إذا نام في داره بالمسعى ضربت الجاندارية الطائفين بالمسعى ~~بأطراف السيوف لئلا يشوشوا عليه وهو في نوم من شدة سكره بالخمر. # ثم عاد إلى اليمن، وخرج منها بعدما استخلف عليها نور الدين عمر بن علي بن رسول الكردي في سنة ~~اثنتين وعشرين، وقدم القاهرة بهدايا جليلة، ونزل بالقصر وأقام لأبيه حرمة وافرة. فخافه {الأمراء} ~~والأجناد، وخشوا سطوته. # ثم توجه إلى اليمن بعدما أتاه التشريف الخليفتي من بغداد، فأقام بها إلى أن بلغه ان أباه أخذ دمشق، ~~فتاق إلى أخذها عوضا عن اليمن، وخرج بأمواله وأثقاله. فمات بمكة في {ثالث} عشر جمادى الأولى ~~سنة ست وعشرين و{ستمائة}، فدفن {بالمعلاة}. وقام بأمر اليمن بعده {نائبه} عمر بن علي بن رسول. PageV00P0332 # وقد استوفيت أخباره في «تاريخ مصر المقفى». # وإليه تنسب الدراهم المسعودية بمكة. PageV00P0334 ### $ 6. الملك المنصور نور الدين عمر ~~ابن علي بن رسول الكردي # ملك اليمن بعد موت الملك المسعود، وبعث الملك الكامل هدية جليلة وقال: "أنا {نائب} السلطان ~~على البلاد". فأقره عليها. # وعمر هذا أول من ms27 ملك اليمن من بني رسول. # وبويع له بها سنة تسع وعشرين، وخطب له بمكة فيها أيضا، ودامت مملكته إلى أن قتل في سنة ~~سبع و{أربعين وستمائة}. وملك بعده ابنه الملك المظفر شمس الدين يوسف. # وحج نور الدين هذا في سنة إحدى و{ثلاثين وستمائة} على النجب. # وبعث في سنة {اثنتي وثلاثين} إلى الكعبة قناديل من ذهب وفضة. # وحج أيضا في سنة تسع و{ثلاثين}، وأبطل المكوس والجنايات من مكة، وكتب ذلك تجاه الحجر الأسود، ~~فاستمر ذلك حتى إزالة ابن المسيب لما ولي مكة سنة ست و{أربعين وستمائة}، وأعاد المكوس ~~والجنايات، وصام شهر رمضان بمكة. PageV00P0336 # واتفق في سنة {ثلاث وأربعين وستمائة} -وقيل أربع وأربعين- أن هاجت ريح شديدة مزقت ~~كسوة الكعبة وألقتها، وبقيت الكعبة عارية، فأراد عمر بن رسول أن يكسوها، فامتنع من ذلك ~~شيخ الحرم عفيف الدين منصور بن منعة البغدادي، وقال: "لا يكون ذلك إلا من الديوان" ~~-يعني الخليفة-، وكساها ثيابا من قطن مصبوغة بالسواد، وركب عليها الطرز القديمة. PageV00P0338 ### $ 7. الملك الناصر ~~أبو شادي داود بن الملك المعظم أبي الفتح عيسى بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن ~~نجم الدين أبي الشكر أيوب بن شادي بن مروان الكردي الأيوبي. # ولد في تاسع عشر جمادى الآخرة سنة {ثلاث وستمائة}، وحفظ القرآن وعمره تسع سنين، وقال الشعر ~~وهو ابن عشر سنين، وبرع في كل فن من علوم الأدب والحكمة وغير ذلك. # وولي سلطنة دمشق بعد موت أبيه -وهو في السنة {الحادية عشرين} من عمره- أول ذي الحجة ~~سنة أربع وعشرين و{ستمائة}، وأقبل على اللهو. # فطلب منه عمه السلطان الملك الكامل قلعة الشوبك، فامتنع، فتنكر عليه وعزم على المسير إليه ~~ونزعه من سلطنة {دمشق}، وأخذ الناصر في ظلم الرعية وأخذ أموالهم والانهماك في اللعب، ~~واستدعى عمه الملك الأشرف شاه أرمن موسى، فقدم عليه من الشرق وحكمه في المملكة. فآل ~~الأمر أن حاصر الملك الكامل دمشق حتى أخذ الناصر، وعوضه عن دمشق بالكرك والشوبك PageV00P0340 ~~والصلت و{البلقاء} والأغوار جميعها ونابلس وأعمال القدس وبيت جبريل. وكانت هذه الأعمال ms28 ~~{يومئذ} عامرة جليلة القدر. ثم نزل الناصر عن الشوبك لعمه الكامل، وتسلم الكامل دمشق أول ~~شعبان سنة ست وعشرين. # فأقام بالكرك، وكانت له قصص و{أنباء} ذكرتها في «التاريخ الكبير المقفى» آلت به أن {الشتت} في ~~البلاد. وموته في إحدى قرى دمشق يوم السادس عشرين من {جمادى} الأولى سنة ست و{خمسين ~~وستمائة}، فدفن بصالحية دمشق. PageV00P0342 # وحج في سنة {ثلاث وخمسين وستمائة}، وسبب حجه أنه لما تنكر له الملك الصالح نجم الدين ~~أيوب بن الكامل وبعث إليه الامير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ صدر الدين بن ~~حموية على العساكر، فهزمه وأوقع الحوطة على بلاده ونازل الكرك حتى طلب منه الأمان. # فرحل عنه وقد ضاقت الأمور بالناصر، فخرج إلى حلب ومعه جواهر جليلة قيمتها ما ينيف ~~على {مائة} ألف دينار، فبعثها إلى الخليفة المستعصم بالله ببغداد لتكون عنده وديعة، فقبضت ~~من رسوله، وكتب الخط الشريف بقبضها، فشق ذلك على أولاده وخرجوا عن طاعته ~~ولحق بعضهم بالملك الصالح نجم الدين أيوب بمصر، وسلمه الكرك. فجرت أمور آلت بالناصر ~~إلى مسيره إلى بغداد لطلب وديعته، فمنعه الخليفة من الدخول إليها ومظله بالجوهر. فلما PageV00P0344 ~~أيس من ذلك سار {إلى} مكة من طريق العراق، وحج، فلما قدم المدينة النبوية تعلق بأستار الحجرة ~~بحضرة الناس، وقال: "اشهدوا أن هذا مقامي من رسول الله داخلا عليه مستشفعا به إلى ابن عمه ~~المستعصم في أن يرد علي وديعتي"، فأعظم الناس ذلك وجرت عبراتهم وارتفع ضجيجهم {بالبكاء}، ~~وكتب بصورة ما جرى مكتوب في يوم السبت ثامن عشرين ذي الحجة تسلمه أمير حاج العراقي، ~~ومضى الناصر معه {إلى} بغداد، فعوض الجوهر {بشيء} تافه، وعاد إلى الشام مقهورا. PageV00P0346 ### $ 8. الملك المظفر شمس الدين يوسف ~~ابن الملك المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول. # قام بعد أبيه بملك اليمن في سنة سبع و{أربعين وستمائة}، وحج سنة تسع وخمسين، وغسل الكعبة ~~بنفسه وطيبها وكساها من داخلها وخارجها. # وهو أول من كسى الكعبة بعد قتل الخليفة المستعصم ببغداد من الملوك، وذلك أن الحاج انقطع ~~من ms29 العراق عن مكة من سنة خمس وخمسين و{ستمائة} إلى سنة ست وستين، فلم يرد من هناك حاج ~~في هذه المدة، وقام المظفر بمصالح الحرم وأهله، وأكثر من الصدقات، ونثر على الكعبة الذهب ~~والفضة، وخطب له بمكة واستمر يخطب بعده لملوك اليمن على منبر مكة إلى يومنا هذا بعد الخطبة ~~لسلطان مصر. # ولم تزل كسوة المظفر التي كساها للكعبة من داخلها باقية {إلى} أن كساها الملك الناصر حسن ~~بن محمد بن قلاوون هذه الكسوة -الموجودة اليوم- في سنة إحدى و{ستين وسبعمائة}. PageV00P0348 ### $ 9. السلطان الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتح بيبرس البندقداري الصالحي النجمي # اشتراه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل ~~سيف الدين أبي بكر محمد بن نجم الدين أيوب، وعمله أحد المماليك البحرية بقلعة الروضة. فترقى ~~في خدمته واستفاد من أخلاقه وتنقلت به الأحوال حتى ملك مصر بعد قتل الملك المظفر سيف ~~الدين قطز، وتسلم قلعة الجبل ليلة الاثنين تاسع عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين و{ستمائة}. واستمر ~~ملكه حتى مات بدمشق في سابع عشرين المحرم سنة ست وسبعين و{ستمائة}. وقد ملك مدة سبع ~~عشرة سنة وشهرين واثنى عشر يوما. # وحج سنة سبع وستين و{ستمائة}، ولذلك خبر طويل قد ذكرته في ترجمته من كتاب «التاريخ الكبير ~~المقفى» وكتاب «أخبار ملوك مصر». PageV00P0350 # وملخص ذلك أنه أجلس ابنه الملك السعيد محمد بركة خان في مرتبة الملك وحضر {الأمراء} فقبلوا ~~الأرض بين يديه، وجلس الأمير عز الدين أيدمر الحلي -نائب السلطنة- وجلس الأتابك ~~والصاحب {بهاء} الدين علي بن حنا وكتاب {الإنشاء} والقضاة والشهود، وحلف له {الأمراء وسائر} ~~العساكر في تاسع صفر منها، وركب في ثالث عشره الموكب كما يركب والده، وجلس في الإيوان ~~وقرئت عليه القصص، وقرئ في العشرين منه تقليد بتفويض السلطنة له في الإيوان، واستمر ~~جلوسه فيه {لقضاء} الأشغال، ووقع وأطلق وركب في المواكب. # وأقام السلطان الأمير بدر الدين بيليك الخازندار {نائبا} عنه عوضا عن الحلي. وسار الى الشام ~~في ثاني عشر جمادى الآخرة بحصة من ms30 العساكر، وترك أكثرها مع ولده الملك السعيد. ونزل ~~بخربة اللصوص -خارج دمشق-، وسار منها متنكرا إلى القاهرة ليشاهد أحوال ولده، فخفي PageV00P0352 ~~ذلك على جميع من معه من العسكر حتى عاد إليهم، وفي حكاية ذلك هنا طول ليس من قصد {هذا ~~الجزء}. # فاتفق الاختلاف بين الشريف نجم الدين أبي نمي وبين عمه الشريف بهاء الدين إدريس - ~~أميري مكة-، فرتب السلطان لهما عشرين ألف درهم نقرة في كل سنة عوضا عما يؤخذ بمكة ~~من المكوس وأن لا يمنع أحد من دخول الكعبة وأن يخطب له بمكة والمشاعر وتضرب السكة ~~باسمه، فأجاباه، وكتب لهما تقليد الإمارة، وسلمت أوقاف الحرم بمصر والشام لنوابهما. # وسلم للشريف قاضي المدينة النبوية وخطيبها ووزيرها -عندما حضر برسالة الامير عز الدين ~~جماز، أمير المدينة- الجمال التي نهبها الأمير أحمد بن حجي لأشراف المدينة -وهي {ثلاثة آلاف} PageV00P0354 ~~بعير- ليوصلها لأربابها. وأنعم على الطواشي جمال الدين محسن الصالحي -شيخ الخدام بالحجرة ~~الشريفة- {بمائتي} ألف درهم، وأعاده مع القاضي صحبة الركب الشامي. # وجهز الكسوة لمكة والمدينة. # وقدم الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا إلى الدهليز بالخربة، فأوهم السلطان أنه يريد الحركة إلى ~~العراق، وأمره بالتأهب ليركب إذا دعي، ورده إلى بلاده، وكان السلطان في الباطن إنما يريد ~~الحركة للحجاز، لكنه ورى بالعراق. # فلما دخل شوال أنفق في العساكر جميعها وجرد {طائفة} مع الأمير أقوش الرومي السلاح دار ليكونوا ~~صحبة الركاب السلطاني، وجرد {طائفة} مع الأمير شمس الدين آق سنقر الفارقاني أستادار إلى دمشق PageV00P0356 ~~ليقيموا ظاهرها. وتوجه السلطان إلى الحج ومعه الأمير بدر الدين الخازندار وقاضي القضاة صدر ~~الدين {سليمان} الحنفي وفخر الدين إبراهيم بن لقمان -كاتب السر- وتاج الدين بن الأثير ونحو ~~{ثلاثمائة} مملوك وعدة من أجناد الحلقة. وسار من الفوار يوم الخميس خامس شهر شوال كأنه متوجه ~~إلى الكرك كأنه يتصيد، ولم يجسر أحد يتحدث بأنه متوجه إلى الحجاز، وذلك أن الحاجب جمال ~~الدين بن الداية كتب إلى السلطان يسأله "أني أشتهي أن أتوجه صحبة السطان إلى الحجاز"، فأمر ~~بقطع لسانه، فلم يتفوه أحد بعدها ms31 بذلك. # فوصل إلى الكرك أول يوم من ذي القعدة، وكان قد دبر أموره في خفية من غير أن يطلع أحد ~~على {شيء} مما فعله، بحيث أنه جهز البشماط والدقيق والروايا والقرب والأشربة، وعين العربان ~~المتوجهين معه والمرتبين في المنازل من غير أن يشعر أحد من الخاصة فضلا عن العامة بذلك. PageV00P0358 # ففرق في المجردين معه الشعير، وبعث الثقل في رابعه، وتبعه في سادسه، فنزل الشوبك، ورسم ~~{بإخفاء} خبره، واستقل بالمسير في حادي عشره، وأنفذ البريد إلى قلعة الجبل لمهمات له، فجهزت ~~الكتب مع العربان. وقدم المدينة النبوية في خامس عشرينه، فلم يقابله الشريف جماز ولا مالك - ~~{أميرا} المدينة-، وفرا منه، فأعرض عنهما. # ورحل في سابع عشرينه، وأحرم، فدخل مكة في خامس ذي الحجة، وأعطى خواصه جملة أموال ~~لتفرق في الناس سرا، وعم أهل الحرمين بالكسوة التي فرقها فيهم، وصار كآحاد الناس لا يحجبه ~~أحد ولا يحرسه إلا الله تعالى، وبقي منفردا يصلى وحده ويطوف وحده ويسعى وحده، فلا ~~يعرفه إلا من يعرفه، وغسل الكعبة بيده {بماء} الورد، وصار بين جميع الناس على اختلاف طبقاتهم ~~وتباين أجناسهم، وما منهم إلا من يرمى إليه إحرامه، فيغسله بيده ويناوله صاحبه، وجلس على ~~باب الكعبة وأخذ بأيدي الناس ليطلعهم إليها، فتعلق بعض العامة بإحرامه ليطلع فقطعه، وكاد ~~يرمى السلطان عن العتبة إلى الأرض وهو مستبشر بجميع ذلك، وعلق كسوة الكعبة بيده ومعه ~~خواصه، وتردد إلى من بمكة والمدينة من أهل الخير يلتمس بركتهم ويسأل {دعاءهم}. # هذا وقاضي القضاة صدر الدين معه طول طريقه يستفتيه ويتفهم منه أمور دينه. PageV00P0360 # ولم يغفل مع ذلك عن تدبير الممالك، وكتاب {الإنشاء} تكتب عنه في المهمات، وكتب إلى صاحب ~~اليمن ينكر عليه أمورا ويقول: "سطرتها من مكة المشرفة وقد أخذت طريقها في سبع عشرة ~~خطوة" -يعني بالخطوة المنزلة- ويقول: "الملك هو الذي يجاهد في الله حق جهاده ويبذل نفسه ~~في الذب عن حوزة الدين، فإن كنت ملكا، فأخرج وإلق الططر!" ~~وأحسن إلى إميري مكة وإلى أمير ينبع وأمير خليص وأكابر الحجاز، ms32 وكتب منشورين لأميري ~~مكة، ورتب معهما الأمير شمس الدين مروان -{نائب} أمير جاندار- يقيم معهما بمكة حسب ~~سؤالهما ليكون مرجع الأمور إليه والحل والعقد على يديه. وزاد أميري مكة مالا وغلالا في كل ~~سنة لأجل تسبيل الكعبة للناس. # وسار من مكة بعد {قضاء} النسك في ثالث عشره، وقدم المدينة النبوية ثانيا في عشرينه، فبات بها، ~~وسار من غده، فجد في السير ومعه عدة يسيرة، فقدم الكرك بكرة يوم الخميس سلخه من غير أن يعلم PageV00P0362 ~~أحد بوصوله حتى نزل مشهد جعفر بقرية مؤتة، فتلقاه الناس بها، ودخل المدينة وعليه {عباءته} التي ~~سار بها -وهو راكب راحله-، فبات بها. # ورحل من الغد -بعدما صلى الجمعة مستهل المحرم سنة ثمان وستين و{ستمائة}- ومعه {مائة} فارس بيد ~~كل فارس منهم فرس، وساق إلى دمشق و{سائر} من في بلاد مصر وبلاد الشام من {الأمراء} ومن ~~دونهم لا يعرفون {شيئا} من خبر السلطان: هل هو في الشام أو الحجاز أو غير ذلك من بلاد الله؟ ولا ~~يجسر أحد -لشدة مهابة السلطان والخوف منه- أن يتكلم {بشيء} من خبره ولا يسأل عنه. فلما قارب ~~دمشق بعث أحد خاصته على البريد بكتب البشارة إلى دمشق بالسلامة بعد {قضاء} الحج، فلما ~~دخل على الأمير جمال الدين النجيبي -{نائب} دمشق- جمع {الأمراء لقراءة} الكتب السلطانية، ~~فبينما هم في {القراءة} إذ قيل لهم: "قد نزل السلطان بالميدان!" فتبادروا {إلى} {لقائه}، فإذا به وحده و قد ~~أعطى فرسه لبعض دلالي سوق الخيل لينادى عليه وهو لا يعرفه أنه السلطان، فعندما شاهدوه PageV00P0364 ~~قبل {النائب} الارض وتلاه {الأمراء}، وحضر الأمير اق سنقر الفارقاني ومن معه من عسكر مصر، ~~فأكل السلطان {شيئا}، وقام ليستريح، وانصرف الناس. # فركب في نفر يسير وتوجه في خفية يريد حلب، فلما حضر {الأمراء} خدمة العصر لم يجدوا السلطان ~~ولا عرف له خبر. فبينما {نائب} حلب و{الأمراء} في الموكب تحت قلعة حلب وإذا بالسلطان قد ساق ~~ووقف ساعة، فلم يعرفه أحد حتى فطن به بعضهم، فنزل عن فرسه وقبل له الأرض، فبادر الجميع ~~ونزلوا وقبلوا ms33 الأرض، وساروا في ركابه حتى دخل دار {نائب} حلب. ثم كشف القلعة وخرج من ~~حلب ولم يعرف أحد به ~~فدخل دمشق في ثالث عشره على حين غفلة، ولعب بالكرة، وسار ليلا إلى القدس، وسار {إلى} ~~الخليل، وتصدق بعدة صدقات. # وكان الأمير آق سنقر قد سار بمن معه من عسكر مصر، ونزل تل العجول، ووافاه السلطان هناك ~~وعليه {عباءته} لم يغيرها، وسار من تل العجول بالعسكر في حادي عشرينه، وقدم القاهرة أول صفر ~~وعليه {عباءته} التي حج بها لم يغيرها نحو خمسة وسبعين يوما. فخرج الملك السعيد إلى {لقائه}، وصعد ~~قلعة الجبل. PageV00P0366 ### $ 10. السلطان الملك الناصر ناصر الدين أبو المعالي محمد بن الملك المنصور سيف الدين {قلاوون} الألفي ~~الصالحي النجمي # {ولد} يوم السبت نصف المحرم سنة أربع وثمانين و{ستمائة}، وأقيم في السلطنة بعد قتل أخيه الملك ~~الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون في رابع عشر المحرم سنة {ثلاث} وتسعين، وعمره تسع سنين ~~تنقص يوما واحدا. فأقام سنة إلا {ثلاثة} أيام، وخلع بمملوك أبيه زين الدين كتبغا -الملك العادل- PageV00P0368 ~~في حادي عشر المحرم سنة أربع وتسعين، وأخرج مع أمه أشلون بنت شكناي إلى الكرك. # فثار الأمير حسام الدين لاجين المنصوري -{نائب} السلطنة- على العادل كتبغا، وتسلطن عوضه. # فثار عليه {طغجي} وكرجي، فقتلاه، وقتلا أيضا، واستدعى الناصر من الكرك، فقدم إلى قلعة ~~الجبل، وأعيد إلى السلطنة مرة ثانية في سادس جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين. PageV00P0370 # فأقام عشر سنين وخمسة أشهر وستة عشر يوما محجورا عليه لا يملك التصرف في أكلة طعام ~~يشتهيه، و{القائم} بتدبير الدولة الأميران بيبرس الجاشنكير -أستادار السلطان- وسلار -{نائب} ~~السلطنة-، فدبر لنفسه في سنة ثمان و{سبعمائة}، وأظهر أنه يريد الحج بعياله، فوافقه الأميران ~~على ذلك، وشرعوا في تجهيزه، وكتب إلى دمشق والكرك برمي الإقامات، وألزم عرب الشرقية ~~بحمل الشعير، فلما تهيأ ذلك أحضر {الأمراء} تقادمهم من الخيل والجمال في العشرين من شهر ~~رمضان، فقبلها، وركب في خامس عشرينه من القلعة -ومعه {الأمراء}- إلى بركة الحاج، وتعين PageV00P0372 ~~معه للسفر أيدمر الخطيري والحاج أل ملك الجوكندار وقرا ms34 لاجين -أمير مجلس- وبلبان - ~~أمير جاندار- وأيبك الرومي -أمير سلاح- وبيبرس الأحمدي وسنجر الجمقدار وتقطاي الساقي PageV00P0374 ~~وسنقر السعدي -النقيب- وخمسة وسبعون مملوكا. وعاد بيبرس وسلار من غير أن يترجلا له ~~عند نزوله بالبركة. # فرحل من ليلته وعرج إلى الصالحية وعيد بها، وتوجه إلى الكرك فقدمها في عاشر شوال، وبها ~~الأمير جمال الدين أقوش الأشرفي {نائبا}، فنزل بقلعتها وصرح بأنه قد انثنى عزمه عن الحج واختار ~~الإقامة بالكرك وترك السلطنة ليستريح. وكتب إلى {الأمراء} بذلك وسأل أن ينعم عليه بالكرك ~~والشوبك. وأعاد من كان معه من {الأمراء}، وسلمهم الهجن -وعدتهم {خمسمائة} هجين- والمال ~~والجمال وجميع ما قدمه له {الأمراء}، وأخذ ما كان من المال بالكرك -وهو {ستمائة} ألف درهم فضة ~~وعشرون ألف دينار-، وأمر {نائب} الكرك أيضا بالمسير عنه، فسار إلى مصر. PageV00P0376 # وتسلطن بيبرس الجاشنكير وتلقب بالملك المظفر، وكتب للناصر تقليدا بنيابة الكرك وجهزه مع ~~الحاج أل ملك، فأظهر الملك الناصر البشر، وخطب باسم المظفر على منبر الكرك، وأنعم على الحاج ~~{أل} ملك وأعاده. فلم يتركه المظفر، وأخذ يناكره ويطلب منه من معه من المماليك الذين اختارهم ~~للإقامة عنده والخيول التي أخذها من قلعة الجبل والمال الذي أخذه من الكرك، وهدده بتجهيز ~~العساكر إليه واخذه، فحنق لذلك وكتب لنواب الشام يشكوا ما هو فيه، فحثوه على القيام لأخذ ~~ملكه، ووعدوه بالنصر، فتحرك لذلك وسار إلى دمشق، وأتته النواب، وقدم إلى مصر، ففر بيبرس ~~وطلع الناصر القلعة يوم عيد الفطر سنة تسع و{سبعمائة}. # فأقام في الملك اثنتين و{ثلاثين} سنة وشهرين وعشرين يوما، ومات في ليلة الخميس حادي عشرين ~~ذي الحجة سنة إحدى و{أربعين وسبعمائة}، وعمره سبع وخمسون سنة وأحد عشر شهرا وخمسة أيام. # ومدة سلطنته في المدد الثلاث ثلاث وأربعون سنة وثمانية أشهر وتسعة أيام حج فيها {ثلاث} مرات: ~~الأولى في سنة {اثنتي} عشرة و{سبعمائة}، وسببها أن خربندا تحرك لأخذ الشام ونزل على الفرات، ~~فخرج السلطان بعساكر مصر في ثالث شوال، وسار إلى الصالحية، فقدم البريد من حلب ودمشق PageV00P0378 ~~برحيل خربندا عن الرحبة يوم عيد الفطر يريد ms35 بلاده، فسر السلطان بذلك وعزم على الحج. ودخل ~~دمشق في ثالث عشرينه، وفرق العساكر في الجهات، وركب في أربعين أميرا وستة آلاف مملوك ~~على الهجن في أول ذي القعدة، وأخذ معه {مائة} فرس، فقضى نسكه وعاد إلى دمشق بعد مروره ~~بالمدينة النبوية ودخوله الكرك. فدخل في حادي عشر المحرم سنة {ثلاث} عشرة وهو راكب ناقة ~~لطيفة القد بعمامة مدورة ولثام وعليه بشت من أبشات العرب وفي يده حربة، وتلقاه شيخ ~~الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية وسائر {الفقهاء} وجميع الناس، وكان يوما مشهودا بلغ {كراء} دار ~~للتفرج على السلطان {ستمائة} درهم فضة. ثم سار إلى مصر وصعد قلعة الجبل في ثاني عشر صفر. # ثم حج في سنة تسع عشرة و{سبعمائة}، فلما تحرك لذلك أتته تقادم {الأمراء} و{سائر} نواب الشام و{أمراء} ~~دمشق وحلب، وأول من بعث تقدمته الأمير تنكز -{نائب} الشام- وفيها الخيل والهجن {بأكوار} الذهب PageV00P0380 ~~والسلاسل من الذهب والفضة وجميع المقاود والمخاطم والآلات من الحرير الملون المحكم الصنعة، ~~ثم تقادم الملك المؤيد عماد الدين -صاحب حماة-، ثم تلاه {الأمراء} ~~وشرع القاضي كريم الدين عبد الكريم -ناظر الخاص- في تجهيز ما يحتاج إليه، وخرج إلى ناحية ~~سرياقوس، وصار يقف -وهو مشدود الوسط- أو يجلس على كرسي وسائر أرباب الوظائف PageV00P0382 ~~في خدمته وهو يرتب الأمور، فعمل عدة قدور من فضة ونحاس تحمل على البخاتي ليطبخ فيها، ~~وأحضر الخولة لعمل مباقل وخضراوات ورياحين ومشمومات في أحواض خشب لتحمل على ~~الجمال و{تسقى} طول الطريق ويؤخذ منها كل يوم ما يحتاج إليه، ورتب الأفران وقلائي الجبن وصناع ~~الكماج والسميد وغير ذلك مما يحتاج إليه. وأعطى العربان أجر الجمال التي تحمل الشعير والبشماط ~~والدقيق، وجهز مركبين في البحر إلى ينبع ومركبين إلى جدة بعد ما اعتبر كلفة العليق بأوراق ~~كتب فيها {أسماء} اثنين وخمسين أميرا منهم من له في اليوم {مائة} عليقة ومنهم من له خمسون عليقة ~~وأقلهم من له عشرون عليقة. فكانت جملة الشعير المحمول {مائة} ألف إردب و{ثلاثين} ألف إردب. # وجهز من الشام {خمسمائة} جمل تحمل الحلوى ms36 والسكردانات والفواكه، وحضرت أيضا حوائج ~~خاناه على {مائة} وثمانين جملا تحمل الحب رمان واللوز وما يحتاج إليه في المطبخ {سوى} ما حمل ~~من الحوائج خاناه من القاهرة، وجهز ألف {طائر} أوز وثلاثة آلاف {طائر} دجاج. # فلما تهيأ ذلك ركب السلطان مستهل ذي القعدة ومعه المؤيد -صاحب حماه- وقاضي القضاة PageV00P0384 ~~بدر الدين محمد بن جماعة الشافعي، بعدما مهدت عقبة أيلة من الصخور ووسع مضيقها بعد ما كان ~~سلوكها مشقا، وفتح مغارة شعيب. # فلما قدم مكة أظهر من التواضع والذلة والمسكنة أمرا {زائدا}، وسجد عند معاينة البيت سجود عبد ~~ذليل، ثم التفت إلى الأمير بدر الدين جنكلي بن البابا، وقال: "لا زلت أعظم نفسي حتى رأيت ~~البيت فذكرت تقبيل الناس الأرض لي، فدخل قلبي مهابة عظيمة لم تزل حتى سجدت لله تعالى ~~شكرا". وتقدم إليه قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة وحسن له أن يطوف راكبا "فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~طاف راكبا"، فقال: "يا قاضي، ومن أنا حتى اتشبه بالنبي -صلى الله عليه وسلم؟ والله لا طفت إلا كما يطوف الناس". # فطاف من غير أن يكون معه أحد من الحجاب، فصار الناس يزاحمونه ويزاحمهم كواحد منهم حتى ~~قضى طوافه وسيعه. PageV00P0386 # وكان قد حج جماعة من المغل، فأحضرهم وأنعم عليهم إنعاما {زائدا}. وأمر أن {تكسى} الكعبة بالحرير ~~الأطلس، وأخرج الثياب للصناع فعملوها. وفرق في أهل مكة مالا عظيما، وأفاض التشاريف ~~على {أمراء} مكة وأرباب {وظائفها} وأمير ينبع وأمير خليص. وأنعم عليه بخمسة آلاف درهم برسم ~~عمارة عين خليص، وكان لها مدة سنين قد انقطعت، وجعل ذلك مقررا له في كل سنة برسم ~~عمارتها. # واجتمع عند السلطان من العربان <من> لم يجتمع لملك قبله وهم: {سائر} بني مهدي و{أمرائها}، وشطى ~~وأخوه عساف وأولاده، و{أمراء} مكة وأشرافها، {أمراء} المدينة، و{صاحبا} ينبع وخليص، ~~و{بنو} لام، وعرب حوران وكبارها، وأولاد مهنا. وصاروا يدلون عليه إدلالا {زائدا} بحيث قام ~~في بعض الأيام ابن لموسى بن مهنا وقال للسلطان: "{يا أبا علي}، بحيات هذى" -ومد يده إلى لحية PageV00P0390 ~~السلطان ms37 ومسكها- "إلا أعطيتني الضيعة الفلانية؟" فصرخ فيه الفخر -ناظر الجيش- فقال: ~~"ارفع يدك -قطع الله يدك-، والك، يا ولد {زناء}، تمد يدك إلى السلطان!" فتبسم السلطان وقال: "يا ~~قاضي، هذه عادة العرب، إذا قصدوا كبيرا في {شيء} يكون عظمته عندهم مسك ذقنه -يعني ~~أنه قد استجار به- فهو عندهم سنة". فقام الفخر مغضبا وهو يقول: "والله، إن {هاؤلاء} مناحيس ~~وسنتهم أنحس منهم، لا بارك الله فيهم!" ~~وصلى السلطان الجمعة بمكة، فدعى له وللشريف فقط ولم يدع لصاحب اليمن تأدبا مع السلطان. # وقضى نسكه، وسار إلى المدينة النبوية وصلى بها الجمعة أيضا، وأقام يومين حتى قدم الركب، وبعث ~~المبشرين إلى مصر والشام، وسار إلى ينبع، فلم يجد المراكب وصلت، فحصلت مشقة {زائدة} من ~~قلة العليق، ومشى أكثر المماليك لوقوف الجمال حتى أتت الإقامات من مصر والشام. # ونزل السلطان بركة الحاج في ثاني عشر المحرم سنة {عشرين وسبعمائة}، فعمل له سماط عظيم جدا، ~~وركب في موكب جليل إلى القلعة، فكان يوما مشهودا. وجلس يوم الخميس نصف المحرم بدار ~~العدل وخلع على {سائر الأمراء} وأرباب {الوظائف وأمراء} العربان. # وحج ثالثا في سنة {اثنتين وثلاثين وسبعمائة}، ورسم بسفر الخواتين وبعض السراري، وكتب {لنائب} ~~الشام بتجهيز ما يحتاج إليه، فوصلت التقادم على العادة من النواب وأمراء الشام و{أمراء} العربان، ~~وطلب {سائر} صناع مصر لعمل الاحتياجات. PageV00P0390 # وخرج المحمل على العادة وأمر الركب الأمير عز الدين أيدمر الخطيري، فرحل في عشرين ~~شوال. وركب السلطان في سبعين أميرا من قلعة الجبل يوم الخامس والعشرين منه، وسفر الحريم ~~مع الأمير سيف الدين طقزتمر. فلما قارب عقبة أيلة بلغه أن الأمير بكتمر الساقي على نية المخامرة، ~~فهم بالرجوع وبعث ابنه أنوك وأمه الى الكرك، ثم قوى عزمه على المسير، فسار وهو محترز، ورسم ~~أن كلا من {الأمراء} يحضر على باب الدهليز {بثلاثين} مملوكا، فصار الجميع ينامون وعددهم تحت ~~{رؤوسهم}، والأحمدي مستمر عليه زرديه وسيفه متقلد به وترسه على كتفه، وترك السلطان ~~النوم في مبيته. PageV00P0392 # فلما وصل إلى ينبع تلقاه الشريف أسد الدين رميثة ms38 -أمير مكة- بينبع ومعه القواد والأشراف، ~~وأكرمه ورحب به، وتوجه 1388حتى نزل خليص. ففر عند الرحيل ثلاثون مملوكا، فاهتم السلطان لذلك ~~وسار حتى قدم مكة، وجرى على عادته في التواضع لله تعالى وكثر الصدقات على أهل مكة والإنعام ~~على {الأمراء} والأجناد، وقضى نسكه. وبعث الأمير أيتمش المحمدي -ومعه {مائة} حجار- إلى العقبة، ~~فوسعها ونظفها. ودخل السلطان المدينة النبوية، فهبت بها رياح عاصفة قلعت الخيم وأظلم الجو ~~وصار كل أحد يهجم على غير خيمته ولا يعرف موضعه، فانزعج السلطان انزعاجا {زائدا}، وخاف ~~من أن يفتك به أحد أو يغتاله، ووقع الصياح في الوطاقات، فكان أمرا موهولا طول الليل، حتى ~~طلع الفجر فانجلى ذلك، وحضر {أمراء} العربان بالمماليك الهاربين عن آخرهم، ورحل من المدينة. # فتوعك أحمد بن الأمير بكتمر الساقي، ومات بعد أيام، ولم يقم بعده بكتمر سوى {ثلاثة أيام}، ومات ~~أيضا بالقرب من عيون القصب. فتحدث الناس أن السلطان سقاهما. فدفنا بعيون القصب، ثم ~~نقلا إلى تربة بكتمر بالقرافة. PageV00P0394 # وسار السلطان وقد اطمأن بعدما كان {خائفا} فزعا، فقدم بركة الحاج يوم السبت ثاني عشر المحرم ~~سنة {ثلاث وثلاثين وسبعمائة}، وصعد القلعة في موكب عظيم لم ير مثله، ومشى على شقاق الحرير ~~بفرسه وهو ضارب اللثام، وفرح الناس به فرحا {زائدا}، ودقت {البشائر} وطبلخاناة {الأمراء} {ثلاثة} ~~أيام، وعملت {الأفرح}، وجلس في يوم الاثنين وخلع على {سائر الأمراء} والمقدمين وأنعم إنعاما ~~عظيما. PageV00P0396 ### $ 11. {منسا} موسى ملك التكرور # أول من حج من ملوك التكرور {سربندانه} -ويقال برمندانه-، ثم حج منسا ولي بن ماري بن جاظه ~~في أيام الملك الظاهر بيبرس، ثم حج ساكوره -وكان قد تغلب على ملكهم وفتح بلاد كوكو. # ثم حج منسا موسى لما قدم إلى مصر سنة أربع و{عشرين وسبعمائة} بهدايا جليلة وذهب كثير، فأرسل ~~السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون المهمندار لتلقيه، وركب به إلى القلعة في يوم الخدمة، فامتنع ~~أن يقبل الأرض، وقال للترجمان: "أنا رجل مالكي المذهب ولا أسجد لغير الله". فأعفاه السلطان PageV00P0398 ~~من ذلك وقربه إليه وأكرمه وسأله عن سبب ms39 {مجيئه}، فقال: "أردت الحج"، فرسم للوزير أن يجهزه ~~بكل ما يحتاج إليه. # ويقال إنه قدم معه أربع عشرة ألف جارية برسم خدمته خاصة، فأقبل أصحابه على {شراء} الجواري ~~من الترك والحبوش والمغنيات والثياب، فانحط سعر الدينار الذهب ستة دراهم. # وقدم هديته، وخرج مع الركب بعدما أوصى به السلطان الأمير سيف الدين أيتمش -أمير ~~الركب-، فسار ركبا وحده ساقة الحاج حتى قضى حجه. # وتأخر بمكة بعد الموسم أياما، وعاد، فهلك كثير من أصحابه وجماله بالبرد حتى لم يصل معه إلا نحو ~~الثلث منهم، فاحتاج إلى قرض مال كثير من التجار. # واشترى عدة كتب من فقه المالكية، وأنعم السلطان عليه بخيول وجمال. # وسافر إلى بلاده بعدما تصدق في الحرمين بمال كثير. # وكان إذا حدثه أصحابه في أمر كشفوا {رؤوسهم} عند مخاطبته عادة لهم. PageV00P0400 ### $ 12. الملك المجاهد علي ~~بن الملك المؤيد داود بن الملك المظفر يوسف بن الملك المنصور عمر بن علي بن رسول، صاحب ~~اليمن. # حج في سنة اثنتين وأربعين و{سبعمائة}، وأطلع علمه جبل عرفة وقد <و>قف بنو حسن في خدمته حتى ~~قضى حجه. وعزم على كسوة الكعبة، فلم يمكنه أمير مكة من ذلك، فسار وهو حنق. # ثم حج ثانيا في سنة اثنتين و{خمسين وسبعمائة}، وقد قدم عليه الشريف ثقبة بن رميثة، وأغراه بأخيه ~~عجلان، وأطمعه في مكة وكسوة الكعبة، فسار في عسكر كبير، فبلغ ذلك الشريف عجلان. وكان ~~الأمير طاز قد حج في جماعة من {الأمراء}، فبلغهم قدوم صاحب اليمن في جحفل عظيم وأنه يريد PageV00P0402 ~~يدخل مكة بلامة الحرب وحوله سلاح داريته وطبرداريته ليقيم فتنة. فبعثوا إليه أنه "من يريد ~~الحج إنما يدخل مكة {بذلة} ومسكنة، وأنت تريد تبتدع بدعة فاحشة، ونحن لا نمكنك من الدخول ~~على هذه الصفة، فإن اردت السلامة، فابعث إلينا الشريف ثقبة يكون عندنا حتى تقضي الحج". # فلم يجد بدا من الإذعان، وبعث ثقبة، فأكرمه {الأمراء}، وبعث الأمير طاز {إلى} صاحب اليمن بالأمير ~~طقطاي في جماعة من المماليك ليكونوا في خدمته حتى يقضى حجه، فساروا إليه وأبطلوا السلاح ms40 ~~دارية وحمل الغاشية و{سائر} ما كان قد اهتم به، ومشوا في خدمته حتى دخل الحرم، وسلم على ~~{الأمراء} واعتذر إليهم وأضمر أنه يصبر حتى يرحل الأمير طاز ويثور -هو وثقبة- على من بقي مع أ ~~مير الركب ويأخذا عجلان ويملكا مكة. # فلما كان يوم منى ركب الأمير بزلار -أمير الركب- من مكة، فرأى خادم صاحب اليمن، ~~فاستدعاه إليه فامتنع من الحضور، وضرب مملوك بزلار بعض جنده بحربة، فوقع الصوت في ~~الركب، وركب بزلار إلى طاز وثار أهل اليمن بالسلاح، فركب {أمراء} مصر وقت الظهر واقتتلوا ~~مع اليمنيين وهزموا بزلار هزيمة قبيحة، وأقبل عجلان -أمير مكة- بجيش كبير، فأمره طاز أن PageV00P0404 ~~يحفظ الحاج، واستمرت الحرب إلى العصر فانكسر جيش اليمن وقتل منهم جماعة وقطع دهليز ~~المجاهد وقبض عليه ونهبت أثقاله. # وقضى الناس حجهم وسار الأمير طاز بالمجاهد معه ورتب في خدمته جماعة من مماليكه، وبالغ في ~~إكرامه ووصى الأمير عجلان بأمه وحرمه، وكتب إلى السلطان يعرفه بما وقع، وتوجه إلى مصر. # فقدم به في العشرين من المحرم سنة اثنتين و{خمسين وسبعمائة}، وصعد به إلى القلعة مقيدا في يوم ~~الخدمة، فأوقف تجاه النائب -و{الأمراء} قعود- حتى خرج أمير جاندار ودخل {الأمراء} إلى الخدمة ~~بالإيوان وهو معهم، فقبل الأرض بين يدي السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون، ثم ~~فك قيده وأنزل بالأشرفية من القلعة، وأطلق له راتب وأقيم له من يخدمه. # ثم رسم بسفره {إلى} بلاده، فخرج معه الأمير قشتمر -شاد الدواوين-، وكتب للشريف ~~عجلان -أمير مكة- أن يجهزه، وخلع عليه أطلسين وركب في الموكب، واستأنس السلطان به، ~~وتردد إليه الناس، واقترض مالا كثيرا، و{اشترى} المماليك {و}الخيل والجمال، {وأتته} الإنعامات من ~~السلطان والتقادم من {الأمراء} والتزم بحمل المال في كل سنة على العادة. وسار أول ربيع الأول. PageV00P0406 # فبعث قشتمر بالشكوى منه، فرسم له أن يقبض عليه ويسيره إلى الكرك. ففعل ذلك وقبض عليه ~~بالينبع وبعث به إلى الكرك، وأقام بالكرك {قليلا}، ثم أفرج عنه وأحضر إلى القاهرة، ووبخ وعنف ~~تعنيفا كثيرا من {الأمراء}. ثم خلع عليه ms41 وجهز في النيل ليتوجه إلى بلاده من عيذاب في البحر، ~~وأنعم عليه {الأمراء} والسطان {بأشياء كثيرة} ~~فوصل إلى بلاده وقد ضبطت له أمه المملكة، وأقام بها حتى مات في سنة تسع وستين و{سبعمائة}، ~~وملك بعده ابنه الملك الأفضل عباس. PageV00P0408 ### $ 13. الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن {قلاوون} # جلس على تخت الملك -وعمره عشر سنين- في نصف شعبان سنة أربع وستين و {سبعمائة} ، وقام ~~بأمر المملكة الأمير يلبغا العمري الخاصكي إلى أن قتل في ربيع الآخر سنة ثمان وستين و {سبعمائة} ، ~~فقوى أمره قليلا، ثم قتل أسندمر بعد يلبغا، واشتد أمره، وأوقع باليلبغاوية الأجلاب. # وشرع في الاهتمام بالحج في سنة ثمان وسبعين، وخرج أطلاب {الأمراء} للسفر في يوم السبت ثاني ~~عشر شوال، وخرج طلب السلطان يوم الأحد ثالث عشره. فجر عشرين قطار هجن بقماش ذهب PageV00P0410 ~~وخمسة عشر قطارا بعبى حرير وقطارا ملبس خليفتي وقطارا بقماش أبيض برسم الإحرام و{مائة ~~رأس} خيل مشهرة وكحاوتين وتسع محفات -وهو محفات كلها بأغشية حرير مزركش- وستة ~~وأربعين زوج محاير وخزانة عشرين جملا وقطارين جمال تحمل خضر مزدرعة ومن الجمال المحملة ~~{شيئا} كثيرا. # وركب يوم الاثنين رابع عشره، فأقام 875بسرياقوس إلى يوم {الثلاثاء} ثاني عشرينه، واستقل بالمسير - ~~ومعه من {الأمراء} المقدمين تسعة ومن الطبلخاناه خمسة وعشرون ومن العشراوات خمسة عشر. # فركب طاشتمر المحمدي اللفاف -أحد العشرات- وقرطاي -رأس نوبة- وجماعة في يوم ~~السبت ثالث ذي القعدة خارج القاهرة، وسلطنوا أمير علي بن السلطان. فقدم الخبر يوم الأحد PageV00P0412 ~~ثانيه بأن السلطان وصل {إلى} عقبة أيلة يوم {الثلاثاء} وأقام إلى ليلة الخميس، فركب عليه المماليك ~~ليلة الخميس بسبب تأخير النفقة، فانهزم السلطان في نفر يسير، فخرجوا إلى قبة النصر. فقبضوا ~~على الامير صرغتمش وغيره من {الأمراء} وقتلوهم، وقبض على الأشرف من بيت إمرأة في ليلة ~~الاثنين خامس ذي القعدة، فكان آخر العهد به، قتل خنقا. والله أعلم. # {حرره} جهد القدرة فصح مؤلفه أحمد بن علي المقريزي في ذي القعدة سنة 841. PageV00P0414 ms42