######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009215 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: تقي الدين أحمد بن علي المقريزي #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أحمد بن علي المقريزي #META# 011.AuthorBORN :: 766هـ #META# 011.AuthorDIED :: 845 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: تواريخ البلدان والعوائل :: كتب التاريخ #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: اتعاظ الحنفا #META# 030.LibURI :: JK_009215 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. جمال الدين الشيال #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: وزارة الأوقاف #META# 044.EdPLACE :: مصر #META# 045.EdYEAR :: 1416هـ - 1996م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | بسم الله الرحمن الرحيم عونك اللهم # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم كما ذكره الذاكرون ، وكما ~~غفل عن ذكره الغافلون . # الحمد لله الذي برأ سماوات طباقا رفيعات ، ولما دونها محيطات ، وجعلها في ~~الأقدار متفاوتات ، وبالحركة متباينات ، وفي التركيب مختلفات ، ذات بروج ~~معدودة ، وأقسام مقدرة محدودة ، وكواكب نيرة موارة ، في أفلاك بها دوارة ، ~~تتحرك لنفسها تارة فتردها أفلاكها بقدرته تعالى مقسورة ؛ كل ذلك يجري على ~~ما قدر له من إسراع وتأثير ، وإبطاء وتدبير ، وإنماء وتغيير ، بأمر الحكيم ~~القدير ، وتقدير العليم الخبير ؛ ودحا الأرض فسطحها مهادا ، وأرسى عليها ~~الجبال فصارت أوتادا . # ثم خلق الإنسان من طين ، وأنشأ منه البشر من سلالة من ماء مهين ، ~~واستعمرهم في الأرض لينظر كيف يعملون ، وسخر لهم ما في السموات وما في ~~الأرض لعلهم يشكرون ، ومكنهم من النعماء ، وتبسطوا في فنون الأفضال والآلاء ~~، وأثاروا الأرض وعمروها ، واتخذوا المدائن واستوطنوها ، وقهروا الأعداء ~~ممن ناوأهم ، وخضدوا بالقهر شوكة من عاندهم أو شانأهم . # حتى إذا كفروا النعم ، ولم يخشوا العقوبة والنقم ، أبادهم الله الذي ~~أيدهم وأهلكهم القادر الذي مكنهم ، وجزاء بما اكتسبوا من السيئات ، وعقوبة ~~لهم على اجتراح الخطيئات ، وسيعيدهم أجمعين إليه ، ويوقفهم كلهم للحساب بين ~~يديه . PageV01P003 # أحمده حمدا يليق بجلاله ، وينبغي لعظمته وكماله ، وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له ولا ظهير ، ولا معاون له فيما يريده ولا وزير ، شهادة ~~تعبر عن قلب قد عمر بالإخلاص ، وذخيرة للنجاء من النار والخلاص . # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، ونبيه وخليله ، الذي أنقذ الله به العباد ~~من الهلاك ، وخلصهم به من أشراك الإشراك ، حتى قاموا لله سبحانه بما شرع له ~~من طاعته ، وأنزل عليه من أحكام عبادته . صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ، ~~وأوليائه ومتبعيه وأحبابه ، وشرف وكرم . # وبعد : فإني لما أعانني الله جلت قدرته ، وتعالت عظمته ، على إكمال كتاب ~~: عقد جواهر الأسفاط في أخبار مدينة الفسطاط . وضمنته ما وقفت عليه ، ~~وأرشدني الله سبحانه إليه من أحوال مدينة الفسطاط . منذ افتتح أرض مصر ~~أصحاب رسول الله ms001 صلى الله عليه وسلم وصارت دار إسلام ، إلى أن قدمت جيوش ~~الإمام المعز لدين الله أبي تميم معد من بلاد المغرب مع عبده وقائده وكاتبه ~~أبي الحسين جوهر القائد الصقلي في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ، ونزلت في ~~شمال الفسطاط بالمناخ ، وأسس مدينة القاهرة وحل بها ، أحببت أن أضع لمن ملك ~~القاهرة من الخلفاء ديوانا يشتمل على جمل خبرهم ، ويعرب عن أكثر سيرهم ، ~~فجمعت هذا الكتاب وسميته كتاب : # إتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا # والله تعالى أسأل أن يحفظني فيه ، وفيما خولني من دنيا ودين ، ويجعلني ~~يوم الفزع الأكبر من الآمنين بمنه وكرمه . # الجزء الأول PageV01P004 # | ذكر أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه # اعلم أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قتل ليلة الجمعة ~~لإحدى عشرة ، وقيل لثلاث عشرة ، وقيل لثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان ~~سنة أربعين من سني الهجرة بالكوفة . # وولد له من الأولاد الذكور : الحسن ، والحسين أمهما فاطمة بنت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . PageV01P005 # ومحمد الأكبر المعروف بابن الحنفية أمه خولة بنت قيس بن جعفر الحنفي . ~~والعباس الأكبر ، وعبد الله ، وعثمان الأكبر وجعفر الأكبر أمهم أم البنين ~~بنت المحل بن الديان بن حرام الكلابي ، وقتل هؤلاء الأربعة مع الحسين بن ~~علي عليه السلام بالطف . PageV01P006 # وعمر الأصغر أمه الصهباء أم حبيبة بنت ربيعة التغلبي . # وعبد الرحمن الذي يكنى أبا بكر ، وعبيد الله . أمهما ليلى بنت مسعود بن ~~خالد التميمي . # ويحيى وعون أمهما أسماء بنت عميس الخثعمية . # ومحمد الأصغر أمه أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس ~~، وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . # وجعفر الأصغر من أم ولد . # ومحمد الأوسط ، وعباس الأصغر أمهما أم ولد . # وعمر الأصغر وعثمان الأصغر . # فهؤلاء هم الذكور من ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، منهم من مات في ~~حياة أبيه وهو طفل صغير ، ومنهم من قتل ولا عقب له . PageV01P007 # وولد له أيضا إناث . ولم يعقب من أولاده الذكور ms002 سوى خمسة ، هم : الحسن ، ~~والحسين ، ومحمد بن الحنفية ، والعباس ، وعمر ؛ وسائرهم لم يعقب . # فولد للحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام : زيد من أم ولد . # والحسن بن الحسن من أم ولد . # والقاسم ، وأبو بكر ، وعبد الله ، لا عقب لهم ، قتلوا مع عمهم الإمام ~~الحسين بن علي عليه السلام بالطف . # وعمرو بن الحسن ، وعبد الرحمن بن الحسن ، والحسين ، ومحمد ، ويعقوب ، ~~وإسماعيل بنو الحسن . # فهؤلاء هم الذكور من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام . # ولم يعقب من ولد الحسن بن علي سوى رجلين : هما الحسن بن الحسن وزيد بن ~~الحسن ، وسائر ولد الحسن بن علي لا عقب لهم . PageV01P008 # فولد الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب محمدا ، وبه كان يكنى ، وعبد ~~الله أعقب ، وحسنا ، وإبراهيم ، وجعفر ، وداود وهذه الخمسة قد أعقبوا ، ولم ~~يعقب محمد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ولدا ذكرا . # فولد عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب محمدا وهو الذي قتل ~~بمدينة رسول اله صلى الله عليه وسلم ، وإبراهيم المقتول بالبصرة ، قتلا في ~~الحرب أيام الخليفة أبي جعفر المنصور سنة خمس وأربعين ومائة . # وموسى بن عبد الله . # ويحيى بن عبد الله وهو الذي كان بالديلم ، ونزل بالأمان على يد الفضل بن ~~يحيى PageV01P009 ابن خالد بن برمك ، ثم حبسه الخليفة هرون الرشيد ، ومات ~~في حبسه ، ويقال إنه قتل عند سندى بن شاهك . # وسليمان الذي قتل في وقعة فخ وإدريس الأصغر الذي صار إلى بلاد المغرب ، ~~وبه عقبه وعقب أخيه سليمان فولد محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ~~بن أبي طالب المقتول بالمدينة عبد الله الأشتر وهو المعقب من ولده ، قتل ~~بكابل ، وعليا أخذ بمصر ، وحبس في سجن المهدي حتى مات ، والحسين بن محمد ~~قتل بفخ ، وطاهر وإبراهيم ابنا محمد ، لا عقب لهما . # وولد إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي وهو المقتول بالبصرة ~~حسنا ، فولد حسن بن إبراهيم عبد الله ومات ms003 متغيبا ، ومحمدا ، وإبراهيم . # وولد يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي محمدا . PageV01P010 # وولد سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي المقتول بفخ محمدا ، ~~فر إلى المغرب ، وولده هناك . # وولد إدريس الأصغر بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي وهو الذي صار ~~إلى المغرب ، وغلب على موضع منه في أيام المنصور ، فدس إليه المنصور بمتطبب ~~فسقاه فقتله إدريس بن إدريس ، ولد بالمغرب وأمه بربرية ، وعقبه بالمغرب . # وولد الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي أبا جعفر عبد الله ، وعليا مات في ~~حبس المنصور مع أبيه ، وحسنا درج ولا عقب له ، والعباس ، وطلحة ابنا الحسن ~~بن الحسن بن الحسن بن علي انقرضا . # وولد إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي إسماعيل أعقب ، وإسحق أعقب ثم ~~انقرض ، ويعقوب لا عقب له ، ومحمدا الذي يسمى الديباج الأصغر ، لا عقب له ، ~~وعليا أعقب الحسن ، وولد الحسن محمدا وإبراهيم . # وولد إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي حسنا وإبراهيم أعقبا . # وولد جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي الحسن ، فولد الحسن بن جعفر عبد الله ~~، وولد عبد الله عبيد الله ولاه المأمون الكوفة ثم مكة ، وإبراهيم بن جعفر ~~؛ فولد إبراهيم عبد الله كان له بنات . # وولد داود بن الحسن بن الحسن بن علي سليمان وعبد الله ، كان عبد اله من ~~أهل الفضل والورع ؛ وقد أعقب سليمان وعبد الله ابنا داود . # وولد زيد بن الحسن بن علي الحسن لا عقب له إلا منه ، وكان فاضلا ، ولاه ~~المنصور المدينة . # فولد الحسن بن زيد بن الحسن بن علي إسماعيل والقاسم ، وعبد الله ، ~~وإبراهيم ، وزيدا ، وعليا ، وإسحق . PageV01P011 # فمن بيوت بني الحسن بن علي بن أبي طالب : بنو طباطبا . # والرسيون . # وبنو المطوق . # وبنو تج واسمه الحسن . # وولد الهادي باليمن الذي له الإمارة . # وبنو الأذرع . # وولد الداعي إلى الحق بطبرستان . PageV01P012 # وولد الحسن بن زيد الذي له الإمارة بالديلم . # وولد الناصر الحسنى الذي كان باليمن . # وغير ذلك من بيوتات ولد الحسن بن علي ms004 بن أبي طالب رضي الله عنهم . # وأما ولد الحسين بن علي بن أبي طالب فإن الحسين : ولد عليا الأكبر وقتل ~~بالطف ، ولا عقب له ؛ وعليا الأصغر وفيه البقية ، وجعفرا لا عقب له ؛ وعبد ~~الله ، قتل صغيرا بالطف ، ولا عقب له . # هؤلاء هم الذكور من ولد الحسن بن علي ، وهم لأمهات شتى . فولد علي الأصغر ~~بن الحسين حسنا ، وحسسينا لا عقب لهما ؛ وأبا جعفر محمدا ؛ وعبد الله ، ~~أمهما أم ولد . # وزيدا ؛ وعمر ؛ وعليا ، ومحمدا الأوسط ولا عقب له ؛ وعبد الرحمن ، وحسينا ~~الأصغر ؛ وسليمان ؛ والقاسم ولا عقب له . PageV01P013 # وهؤلاء هم الذكور من ولد علي بن الحسين بن علي ؛ وعدتهم ثلاثة عشر ذكرا ، ~~أعقب منهم ستة وهم : محمد المكنى بأبي جعفر . # وعبد الله . # وزيد . # وعمر . # وعلي . # والحسين الأصغر . # فولد أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي جعفرا الصادق ؛ وعبد الله ~~أمهما أم ولد ، وإبراهيم ، وعبيد الله لا بقية لهما ، درجا ، وأمهما أم ولد ~~؛ وعليا لا عقب له ، وأمه أم ولد . # فولد جعفر بن محمد الصادق إسماعيل أعقب ؛ وعبد الله لا عقب له ، أمهما ~~فاطمة ابنة الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ؛ وموسى ، وإسحق ، ومحمدا ~~لأم PageV01P014 ولد ؛ والعباس لا عقب له ، وأمه أم ولد وعليا المعروف ~~بالعريضي وأمه أم ولد . # وحيث انتهينا إلى ذكر إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين ~~بن علي ابن أبي طالب فإنه الغرض ، وإليه ينسب الخلفاء الفاطميون بناة ~~القاهرة ، فنقول : إن إسماعيل بن جعفر الصادق مات في حياة أبيه جعفر سنة ~~ثمان وثلاثين ومائة ، وخلف من الأولاد محمدا ، وعليا ، وفاطمة . # فأما محمد بن إسماعيل فإنه الذي إليه الدعوى ؛ وكان له من الولد جعفر ، ~~وإسماعيل فقط ، أمهما أم ولد : فولد جعفر بن محمد بن إسماعيل محمدا ، وأحمد ~~؛ أما أحمد فلا عقب له . # وأما محمد فولد جعفرا ، وإسماعيل ، وأحمد ، والحسن . # قال أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم # وولد إسماعيل بن جعفر : علي ، ومحمد فقط ؛ وإمامة محمد هذا تدعى القرامطة ~~والغلاة بعد ms005 أبيه إسماعيل . # فولد محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد جعفر ، وإسماعيل ، منهم بنو جعفر ~~البغيض بن الحسن بن محمد الحبيب بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ~~. PageV01P015 # وادعى عبيد الله القائم بالمغرب أنه أخو حسن بن محمد هذا ، وشهد له بذلك ~~رجل من بني البغيض ، وشهد له أيضا بذلك جعفر بن محمد بن الحسين بن أبي الجن ~~علي بن محمد الشاعر بن علي بن إسماعيل بن جعفر ، ومرة ادعى أنه ولد الحسين ~~بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ؛ وكل هذه دعوى مفتضحة ، لأن محمد بن إسماعيل ~~بن جعفر لم يكن له قط ولد اسمه الحسين . # وهذا كذب فاحش ، لأن مثل هذا النسب لا يخفى على من له أقل علم بالنسب ، ~~ولا يجهل أهله إلا جاهل . # قلت : وأما ما ذكره أبو محمد من انتسابهم إلى الحسين بن محمد بن إسماعيل ~~قول افتعله معاديهم ، فقد كان أبو محمد بقرطبة ، وملوكها بنو أمية ، وهم ~~أعدى أعادي القوم ، فنقل ما أشاعه هناك ملوك بلده ، حتى اشتهر كما هي عادة ~~الأعداء . # والذي يقوله أهل هذا البيت ويذهبون إليه : أن الإمام من ولد جعفر الصادق ~~هو إسماعيل ابنه من بعده ، وأن الإمام بعد إسماعيل بن جعفر هو ابنه محمد ، ~~ويلقبونه بالمكتوم ، وبعد المكتوم ابنه جعفر بن محمد بن إسماعيل ، ويلقبون ~~جعفرا هذا بالمصدق ، وبعد جعفر المصدق ابنه محمد الحبيب بن جعفر المصدق بن ~~محمد المكتوم بن إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق . # قالوا : فولد محمد الحبيب عبيد الله بن محمد بن جعفر الصادق بن محمد ~~المكتوم بن الإمام إسماعيل . PageV01P016 # وعبيد الله هذا هو القائم بالمغرب ، الملقب بالمهدي ، المنسوب إليه سائر ~~الخلفاء الفاطميين بالمغرب وبمصر . # هذا هو الثابت في درج نسبهم . # قال الشريف الجواني النقيب # محمد بن أسعد بن علي الحسيني # وأما إسماعيل بن جعفر يعين الصادق ، فعقبه من ابنيه : محمد وعلي . # فأما علي فمن ولده أبو الجن بن الحسين بن علي بن محمد بن علي بن إسماعيل ~~بن جعفر وهم بدمشق ويقال لهم : بنو ms006 أبي الجن بجيم ونون . # وأما محمد بن إسماعيل فينسب إليه الذين تغلبوا على إفريقية الغرب ، ثم ~~تغلبوا على مصر والشام . # ففي النسابين من أثبتهم ، وفيهم من نفاهم ، وفيهم من أمسك . # سألت الشريف النسابة جمال الدين أبا جعفر محمد بن عبد العزيز بن أبي ~~القاسم الإدريسي الحسني بمدينة القاهرة عن هؤلاء ، فقال : المثبتون لأنساب ~~أهل القصر بالقاهرة هم : شيخ الشرف العبيدلي ، وابن ملقطة العمري ، وأبو ~~عبد الله البخاري . # والنافون لأنسابهم هم : الشريف ابن العابد ، وابن وكيع من أصحاب سحنون ، ~~وابن حزم الأندلس صاحب كتاب الجماهير في أنساب المشاهير . والمتوقفون في ~~أنسابهم هم : محمد المبرقع ، وأخوه الحسن الزيديان ، في جماعة كثيرة من ~~النسابين ، كابن خداع ، وشبل بن تكين ، وغيرهم . # والذي قاله شيخ الشرف : PageV01P017 وبنو عبد الله بالمغرب في نسب القطع ~~. # هذا ما أملاه علي الإدريسي ، وكان من العلماء بالنسب والتاريخ . # قال : ووجدت في كتاب أبي الغنائم عبد الله النسابة الزيدي الحسيني في ~~ذكره ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر : المعقب من جعفر بن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر رجل واحد هو محمد ، أمه فاطمة بنت علي بن جعفر بن عمر بن علي بن ~~الحسين بن علي ، وأمها أروى ابنة الهيثم ابن العريان بن الهيثم بن الأسود ~~الجشمي ؛ والمعقب من محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل رجل واحد ، وهو الحسن ~~الحبيب لأم ولد ، وكان له : جعفر ، وإسماعيل ، وأحمد ، وعبيد الله ، وعلي ~~اغتربوا فلم يعلم كيف جرى أمرهم ، وهل اعقبوا أم لا ؟ . # ويقال إن ولد عبد الله بالمغرب ؛ وآخر من ذكره من عقب محمد بن إسماعيل : ~~الحسين ابن أبي طالب ، علي بن الحسين ، أبي القاسم بن الحسين بن الحسن بن ~~محمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ؟ . # وأما غيرهم فيقول : إن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ~~ولد جعفرا ، وإسماعيل ، وأحمد ، والحسن . # وولد الحسن جعفرا توفي بمصر سنة ثلاث وتسعين ومائتين . # فولد جعفر بن الحسين بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن ms007 جعفر الصادق ~~أبا جعفر محمدا . # فولد محمد أبا عبد الله جعفرا ، وعليا ، وأحمد ، والحسن ، ويحيى . # هؤلاء الذكور من ولد الحسن بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~الصادق وكانوا بمصر . # وولد إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن ~~علي ابن أبي طالب أحمد ، ويحيى ، ومحمدا ، وعليا ، درج ولا عقب له . # فولد أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق إسماعيل توفي ~~بمصر في ذي القعدة سنة أربع وسبعين ومائتين . # ومحمدا لا عقب له . PageV01P018 # وزيدا ، وعليا ، والحسين لأم ولد . # فولد إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق أبا ~~عبد الله أحمد توفي سنة خمس وعشرين وثلاثمائة بمصر . # وأبا جعفر محمدا توفي سنة اثنتين وثلاثمائة بمصر . # وأبا القاسم جعفرا توفي سنة أربع وسبعين ومائتين بمصر ، وحمزة درج في سنة ~~خمس وسبعين ومائتين ولا عقب له . # وأبا عبد الله الحسين توفي سنة أربع وتسعين ومائتين . # وأبا الحسن عليا توفي في طريق مكة سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة . # فولد أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~الصادق أبا محمد إسماعيل ، وأبا الحسن عليا ، وأبا القاسم جعفرا ، وتوفي ~~سنة ثلاثمائة ، وموسى ولا عقب له . # فولد إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ~~بن جعفر الصادق أبا الحسن عليا ، وأبا عبد الله الحسين ، والحسن . # وولد علي بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر الصادق بنتا لم يلد غيرها . # وولد جعفر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر الصادق أبا عبد الله الحسين ، وأبا إبراهيم إسماعيل ، وأبا جعفر محمدا ~~، وأبا الحسين محمدا . # هؤلاء هم بنو أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر الصادق وهم بمصر . # وولد محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ms008 ~~الصادق عليا ، والحسين ، وموسى . PageV01P019 # وولد علي بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر الصادق الحسن ، وتوفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة ولا عقب له . # وولد الحسين بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ~~بن جعفر زيدا ولا عقب له ، ومحمدا وجعفرا ، وأحمد ، وإسماعيل ولد بالمغرب ~~ولا عقب له . # وولد موسى بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر يحيى ، وجعفرا ، وعليا ، وإبراهيم ، وإسماعيل ولا عقب له . # فهؤلاء بنو محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر وهم بمصر . # وولد الحسين بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~الصادق محمدا أبا الحسين ، ومحمدا أبا عبد الله وهم بمصر . وولد جعفر بن ~~إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر زينب لم يلد غيرها ~~. # وولد علي بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~الصادق إسماعيل ، ومحمدا ، والحسين ، والحسن ، وجعفرا . # وولد إسماعيل بن علي بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ~~بن جعفر محمدا ولا عقب له ، وعبد الله . # وولد محمد بن علي بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر إبراهيم ، وزيدا ، وعبد الله ، ومحسنا ، وعليا . # وولد الحسين بن علي بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر الصادق حمزة وجعفرا وهم بمصر . # وولد زيد بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق موسى ولا ~~عقب له . # وولد علي بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر فاطمة ماتت ~~بدمشق . PageV01P020 # وولد الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر زيدا مات ~~ببغداد ، ومحمدا ، وإسماعيل النقيب بدمشق ، وأحمد ، والحسن ، وعليا ، ~~وجعفرا ولا عقب له . # فولد زيد بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~الحسين ms009 ولا عقب له ، وأم سلمة ، وخديجة وكان لها ولد ببغداد ، وموسى لا عقب ~~له . # وولد محمد بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~فاطمة لم يخلف غيرها . # وولد إسماعيل بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~الصادق محمدا ، وموسى ، وإبراهيم ، والحسين ، وطاهرا . # فولد محمد بن إسماعيل بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ~~ابن جعفر أحمد . # وولد أحمد بن الحسين حمزة ، ومحمدا وقد انقرضا ولا عقب لهما من الذكور . # وولد الحسن بن الحسين بن أحمد محمدا ، وعقيلا ، وإبراهيم ولا عقب له ، ~~وعبيد الله ، ومحسنا ولا بقية لهما . # وولد علي بن الحسين بن أحمد المحسن ، وأحمد ، ومحمدا المعروف بأخي محسن ، ~~كان سكن دمشق ، ولا عقب لأحمد ومحمد هذين . # وولد يحيى بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر أحمد وفاطمة درجا . # وولد محمد إسماعيل ، بن محمد بن إسماعيل بن جعفر محمدا . # فولد محمد هذا الحسن ، والحسين ، ومحمدا . # وولد الحسن بن محمد الحسين ، وأحمد وهم بالكوفة . # فهؤلاء جميع ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق . # وأما بقية أولاد إسماعيل بن جعفر الصادق فلا حاجة بنا إلى ذكرهم هنا . ~~PageV01P021 # | ذكر ما قيل في أنساب خلفاء الفاطميين # قال مؤلفه رحمة الله تعالى عليه # وقد وقفت على مجلد يشتمل على بضع وعشرين كراسة في الطعن على أنساب ~~الخلفاء الفاطميين ، تأليف الشريف العابد المعروف بأخي محسن ، وهو محمد بن ~~علي بن الحسين ابن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ~~ويكنى بأبي الحسين ؛ وهو كتاب مفيد . # وقد غبرت زمانا أظن أنه قائل ما أنا حاكية حتى رأيت محمد بن إسحاق النديم ~~في كتاب الفهرست ذكر هذا الكلام بنصه ، وعزاه إلى أبي عبد الله بن رزام ، ~~وأنه PageV01P022 ذكره في كتابه الذي رد فيه على الإسماعيلية ، قال وأنا ~~بريء من قوله : هؤلاء القوم من ولد ديصان الثنوي ، الذي ينسب إليه الثنوية ~~وهو مذهب يعتقدون فيه خالقين ، أحدهما يخلق النور ، والآخر يخلق الظلمة ms010 ~~فولد ديصان هذا ابنا يقال له ميمون القداح . PageV01P023 # وإليه تنسب الميمونية ، وكان له مذهب في الغلو ؛ فولد لميمون هذا ابن ~~يقال له عبد الله كان أخبث من أبيه ، وأعلم بالحيل ، فعمل أبوابا عظيمة من ~~المكر والخديعة على بطلان الإسلام ؛ وكان عارفا عالما بجميع الشرائع والسنن ~~، وجميع علوم المذاهب كلها ، فرتب ما جعله من المكر في سبع دعوات ، يتدرج ~~الإنسان من واحدة إلى أخرى ، حتى ينتهي إلى الأخيرة ، فيبقى معرا عن جميع ~~الأديان ، لا يعتقد غير التعطيل والإباحة ، ولا يرجو ثوابا ، ولا يخشى ~~عقابا ، ويقول إنه على هدى هو وأهل مذهبه ، وغيرهم ضال مغفل . PageV01P024 # وكان عبد الله بن ميمون يريد بهذا في الباطن أن يجعل المخدوعين أمة له ~~يستمد من أموالهم بالمكر والخديعة ، وأما في الظاهر فإنه يدعو إلى الإمام ~~من آل البيت : محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ، ليجمع الناس بهذه الحيلة . ~~وكان عبد الله بن ميمون هذا أراد أن يتنبأ فلم يتم له ، وأصله من موضع ~~بالأهواز يعرف بقورج العباس ، ثم نزل عسكر مكرم وسكن ساباط أبي نوح فنال ~~بدعوته مالا ، وكان يتستر بالتشيع والعلم ، وصار له دعاة ، فظهر ما هو عليه ~~من التعطيل والإباحة والمكر والخديعة ، فثارت به الشيعة والمعتزلة ، وكسروا ~~داره ، ففر إلى البصرة ومعه رجل من أصحابه يعرف بالحسين الأهوازي ، فادعى ~~أنه من ولد عقيل بن أبي PageV01P025 طالب ، وأنه يدعو إلى محمد بن إسماعيل ~~بن جعفر الصادق ، ثم اشتهر خبره ، فطلبه العسكريون ، فهرب هو والحسين ~~الأهوازي إلى سلمية ليخفى أمره بها ، فولد بها ابن يقال له أحمد ، ومات عبد ~~الله بن ميمون ، فقام من بعده ابنه أحمد هذا في ترتيب الدعوة ، وبعث الحسين ~~الأهوازي داعية إلى العراق ، فلقي حمدان بن الأشعت قرمط بسواد الكوفة . # وولد لأحمد بن عبد الله بن ميمون القداح ولدان ، هما : الحسين ومحمد ~~المعروف بأبي الشلعلع ، ثم هلك أحمد ، فخلفه ابنه الحسين في الدعوة ؛ فلما ~~هلك الحسين بن أحمد خلفه أخوه محمد بن أحمد المعروف بأبي الشلعلع . # وكان للحسين ابن اسمه سعيد ، فبقيت ms011 الدعوة له حتى كبر ، وكان قد بعث محمد ~~هذا داعيين إلى المغرب ، وهما ؛ أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد ، ~~وأخوه أبو العباس محمد بن أحمد بن محمد ؛ فنزلا في قبيلتين من البربر ، ~~وأخذا على أهلها . PageV01P026 # وقد كان اشتهر أمرهم بسلمية ، وأيسروا ، وصار لهم أملاك كثيرة ، فبلغ ~~خبرهم السلطان ، فبعث في طلبهم ، ففر سعيد من سلمية يريد المغرب ، وكان على ~~مصر يومئذ عيسى النوشري ، فدخل سعيد على النوشري ونادمه ، فبلغ السلطان ~~خبره ، وكان يتقصى عنه ، فبعث إلى النوشري بالقبض عليه ، فقرىء الكتاب وفي ~~المجلس ابن المدبر ، وكان مؤاخيا لسعيد ، فبعث إليه يحذره ، فهرب سعيد ، ~~وكبس النوشري داره فلم يوجد ، وسار إلى الاسكندرية ، فبعث النوشري إلى والي ~~الاسكندرية بالقبض على سعيد ، وكان رجلا ديلميا يقال له علي بن وهسودان . # وكان سعيد خداعا ، فلما قبض عليه ابن وهسودان قال : إني رجل من آل رسول ~~الله . # فرق له ، وأخذ بعض ما كان معه وخلاه ، فسار حتى نزل سجلماسة وهو في زي ~~PageV01P027 التجار فتقرب إلى واليها وخدمه ، وأقام عنده مدة ، فبلغ ~~المعتضد خبره ، فبعث في طلبه ، فلم يقبض عليه والي سجلماسة ؛ فورد عليه ~~كتاب آخر ، فقبض عليه وحبسه ؛ وكان خبره قد اتصل بأبي عبد الله الداعي الذي ~~تقدم ذكر خروجه هو وأخوه إلى البربر ، فسار حينئذ بالبربر إلى سجلماسة ، ~~وقتل واليها ، وأخذ سعيدا ، وصار صاحب الأمر ، وتسمى بعبيد الله ، وتكنى ~~بأبي محمد ، وتلقب بالمهدي ؛ وصار إماما علويا من ولد محمد بن إسماعيل ابن ~~جعفر الصادق ؛ ولم يلبث إلا يسيرا حتى قتل أبا عبد الله الداعي ، وتملك ~~البربر ، وقلع بني الأغلب ولاة المغرب . # قال : فعبيد الله الملقب بالمهدي : هو سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد ~~الله ابن ميمون القداح بن ديصان الثنوي الأهوازي ، وأصلهم من المجوس . # قال : أما سعيد هذا الذي استولى على المغرب ، وتسمى بعبيد الله ، فإنه ~~كان بعد أبيه يتيما في PageV01P028 حجر عمه الملقب بأبي الشلعلع ، وكان على ~~ترتيب الدعوة بعد أخيه ، فرتب أمرها لسعيد ، فلما هلك وكبر سعيد ، وصار على ms012 ~~الدعوة ، وترتيب الدعاة والرياسة ، ظهر أمره ، وطلبه المعتضد ، فهرب إلى ~~المغرب من سلمية . # ويقال إنه ترسم بالتعليم كي يخفي أمره ، وكان يقول عن محمد أنه ربيب في ~~حجره ، وأنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر ، وذلك لضعف أمره في مبدئه ، ~~ولذلك يقال عن محمد ابن عبيد الله يتيم المعلم . # وزعم آخر أن عبيد الله كان ربيبا في حجر بعض الأشراف ، وكان يطلب الإمامة ~~، فلما مات ادعى عبيد الله أنه ابنه ؛ وقيل بل كان عبيد الله من أبناء ~~السوقة صاحب علم . # انتهى ما ذكره الشريف . # قال : ولم يدع سعيد هذا المسمى عبيد الله نسبا إلى علي بن أبي طالب إلا ~~من بعد هربه من سلمية ، وآباؤه من قبله لم يدعوا هذا النسب ؛ وإنما كانوا ~~يظهرون التشيع والعلم ، وأنهم يدعون إلى الإمام محمد بن إسماعيل بن جعفر ، ~~وأنه حي لم يمت . # وهذا القول باطل ، وباطنهم غير ظاهرهم ، وليس يعرف هذا القول إلا لهم ؛ ~~وهم أهل تعطيل وإباحة ، وإنما جعلوا علاقتهم بآل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بابا للخديعة والمكر . ولم يتم لسعيد أمر بالمغرب إلا أن قال : أنا من ~~آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتم له بذلك الحيلة والخديعة ، وشاع بين ~~الناس أنه علوي فاطمي من ولد إسماعيل بن جعفر ، فاستعبدهم بهذا القول ، ~~وخفي أمر مذهبه عليهم إلا من كشف له من خاصته ودعاته في تعطيل البارىء ، ~~والطعن على جميع الأنبياء ، وإباحة أنفس أممهم وأموالهم وحريمهم ، ومع ما ~~كانوا يظهرون لم يكن لهم جسارة أن يذكروا لهم نسبا على منبر ، ولا في مجمع ~~بين الناس ، سوى ما يشيعون أنهم من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير ~~نسب ينتسبونه ، تمويها على العامة . PageV01P029 # ولم يكن أحد من السلاطين المتقدمين كاشفهم في أمر نسبهم احتقارا منه بهم ~~وببلدهم ، ولبعد ما بينهم من المسافة ، فجرى أمرهم على ما ذكرنا منذ ملك ~~سعيد المسمى بعبيد الله المغرب إلى أن جلس نزار بن معد يعني العزيز بمصر . # ثم ملك فنا خسرو بن ms013 الحسن الديلمي بغداد ، فقرب ما بينهما من المسافة ، ~~فجمع العلويين ببغداد ، وقال لهم : هذا الذي بمصر يقول إنه علوي منكم . # فقالوا : ليس هو منا . # فقال لهم . # ضعوا خطوطكم . # فوضعوا خطوطهم أنه ليس بعلوي ، ولا من ولد أبي طالب . # ثم أنفذ إلى نزار بن معد رسولا يقول له : نريد نعرف ممن أنت ؟ . ~~PageV01P030 # فعظم ذلك عليه ، فذكر أن قاضيه ابن النعمان ساس الأمر ، لأنه كان يلي أمر ~~الدعوة والمكاتبة في أمرها ، فنسب نزارا إلى آبائه ، وكتب نسبه ، وأمر به ~~أن يقرأ على المنابر ، فقرىء على منبر جامع دمشق صدر الكتاب ، ثم قال : ~~نزار العزيز بالله بن معد المعز لدين الله ، بن إسماعيل المنصور بالله ، بن ~~محمد القائم بأمر الله ، ابن عبيد الله المهدي ، بن الأئمة الممتحنين أو ~~قال المستضعفين وقطع . # ثم إن رسول فنا خسرو سار راجعا ، فقتل بالسم في طرابلس ، فلم يأتهم من ~~بعده رسول ، وهلك فنا خسرو . # وذكر أبو الحسين هلال بن المحسن بن إبراهيم بن هلال الصابي ، وابنه غرس ~~الدولة PageV01P031 محمد في تاريخهما أن القادر بالله عقد مجلسا أحضر فيه ~~الطاهر أبا أحمد الحسين ابن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر ~~الصادق ، وابنه أبو القاسم عليا المرتضى ، وجماعة من القضاة والشهود ~~والفقهاء ، وأبرز إليهم أبيات الشريف الرضي أبي الحسن محمد بن أحمد الحسين ~~التي أولها : # ما مقامي على الهوان وعندي . . . مقول صارم ، وأنف حمي # وإباء محلق بي عن الضيم ، . . . كما راغ طائر وحشي # أي عذر له إلى المجد إن ذل . . . غلام في غمده المشرفي # أحمل الضيم في بلاد الأعادي ، . . . وبمصر الخليفة العلوي PageV01P032 # من أبوه أبي ، ومولاه مولا . . . ي ، إذا ضامني البعيد القصي # لف عرقي بعرقه سيدا النا . . . س جميعا : محمد وعلي # إن جوعي بذلك الربع شبع . . . وأوامي بذلك الظل ري # مثل من يركب الظلام وقد أس . . . رى ومن خلفه هلال مضي # وقال الحاجب للنقيب أبي أحمد : قل لولدك محمد : أي هوان قد أقام فيه ~~عندنا ؟ وأي ضيم لقي من جهتنا ؟ وأي ذلك أصابه في مملكتنا ؟ وما ms014 الذي يعمل ~~معه صاحب مصر لو مضى إليه ؟ أكان يصنع إليه أكثر من صنيعنا ؟ ألم نوله ~~النقابة ؟ ألم نوله المظالم ؟ ألم نستخلفه على الحرمين والحجاز وجعلناه ~~أمير الحجيج ؟ فهل كان يحصل له من صاحب مصر أكثر من هذا ؟ ما نظنه كان يكون ~~لو حصل عنده إلا واحدا من أبناء الطالبيين بمصر . # فقال النقيب أبو أحمد : أما هذا الشعر فمما لم نسمعه منه ، ولا رأيناه ~~بخطه ، ولا يبعد أن يكون بعض أعدائه نحله إياه ، وعزاه إليه . # فقال القادر : إن كان كذلك فليكتب الآن محضر يتضمن القدح في أنساب ولاة ~~مصر ، ويكتب محمد خطه فيه . # فكتب محضر بذلك ، شهد فيه جميع من حضر المجلس ، منهم : النقيب أبو أحمد ، ~~وابنه المرتضى . # وحمل المحضر إلى الرضى ليكتب فيه خطه ، حمله أبوه وأخوه ، فامتنع ، وقال ~~: لا أكتب ، وأخاف دعاة صاحب مصر . PageV01P033 # وأنكر الشعر ، وكتب بخطه أنه ليس بشعره ، ولا يعرفه ؛ فأجبره أبوه على أن ~~يسطر خطه في المحضر ، فلم يفعل ، وقال : أخاف دعاة المصريين وغلبتهم ، ~~فإنهم معروفون بذلك . # فقال أبوه : يا عجبا ! أتخاف من بينك وبينه ستمائة فرسخ ، ولا تخاف من ~~بينك وبينه مائة ذراع ؟ وحلف أن لا يكلمه ، وكذلك المرتضى ، فعلا ذلك تقية ~~وخوفا من القادر ، وتسكينا له . # فلما انتهى الأمر إلى القادر سكت على سوء أضمره له ، وبعد ذلك بأيام صرفه ~~عن النقابة ، وولاها محمد بن عمر النهرسابسي . PageV01P034 # وقال الإمام علي بن محمد بن عبد الكريم بن الأثير الجزري في كتاب الكامل ~~في التاريخ ! # | ذكر ابتداء الدولة العلوية بافريقية # هذه الدولة اتسعت أكناف مملكتها ، وطالت مدتها ، فنحتاج نستقصي ذكرها ، ~~فنقول : أول من ولى منهم : أبو محمد عبيد الله ، فقيل هو محمد بن عبد الله ~~بن ميمون بن محمد ابن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ~~أبي طالب ؛ ومن ينسبه هذا النسب يجعله : عبد الله بن ميمون القداح الذي ~~ينسب إليه القداحيه . # وقيل هو عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل الثاني بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~يعني ms015 الصادق ، وقد اختلف العلماء في صحة نسبه . # فقال : هو وأصحابه القائلون بإمامته إن نسبه صحيح ، ولم يرتابوا فيه . ~~وذهب كثير من العلماء بالأنساب إلى موافقتهم أيضا ، وشهد بصحة هذا القول ما ~~قاله الشريف الرضي . # ما مقامي على الهوان ؟ وعندي . . . مقول صارم ، وأنف حمي # ألبس الذل في بلاد الأعادي ! . . . وبمصر الخليفة العلوي ؟ # من أبوه أبي ، ومولاه مولا . . . ي إذا ضامني البعيد القصي # لف عرقي بعرقه سيدا النا . . . س جميعا : محمد وعلي # إن ذلي بذلك الحي عز ، . . . وأوامي بذلك الربع ري PageV01P035 # قال أي ابن الأثير : إنما لم يودعها ديوانه خوفا ، ولا حجة فيما كتبه في ~~المحضر المتضمن القدح في أنسابهم ، فإن الخوف يحمل على أكثر من هذا ، على ~~أنه قد ورد ما يصدق ما ذكرته ، وهو أن القادر بالله لما بلغته هذه الأبيات ~~أحضر القاضي أبا بكر الباقلاني ، وأرسله إلى الشريف أبي أحمد الموسوي والد ~~الشريف الرضي يقول له : قد عرفت منزلك منا ، وما لا نزال عليه من صدق ~~الموالاة ، وما تقدم لك في الدولة من مواقف محمودة ، ولا يجوز أن تكون أنت ~~على خليفة نرضاها ، ويكون ولدك على ما يضادها ؛ ولقد بلغنا أنه قال شعرا ، ~~وهو كذا وكذا ، فيا ليت شعري على أي مقام ذل أقام ؟ وهو ناظر في النقابة ~~والحج وهما من أشرف الأعمال ولو كان في مصر لكان كبعض الرعايا . # وأطال القول . # فحلف أبو أحمد أنه ما علم بذلك ، وأحضر ولده ، فقال له في المعنى ، فأنكر ~~الشعر ، فقال له : اكتب خطك إلى الخليفة بالاعتذار ، واذكر فيه أن نسب ~~المصري مدخول ، وأنه مدع في نسبه . # فقال : لا أفعل . # فقال أبوه : أتكذبني في قولي ؟ PageV01P036 فقال : ما أكذبك ، ولكن أخاف ~~الديلم ، وأخاف من المصري ، ومن الدعاة التي له في البلاد . # فقال أبوه : أتخاف من هو بعيد منك وتراقبه ، وتسخط من أنت بمرأى منه ~~ومسمع ، وهو قادر عليك وعلى أهل بيتك ؟ . # وتردد القول بينهما ، ولم يكتب الرضي خطه ، فحرد عليه أبوه وغضب ، وحلف ~~أن لا يقيم معه في بلد ، فآل الأمر إلى أن ms016 حلف الرضي أنه ما قال هذا الشعر ~~. # واندرجت القصة على هذا . # ففي امتناع الرضي من الاعتذار ، ومن أن يكتب طعنا في نسبهم دليل قوي على ~~صحة نسبهم . # وسألت أنا جماعة من أعيان العلويين عن نسبه فلم يرتابوا في صحته . # وذهب غيرهم إلى أن نسبه مدخول ليس بصحيح ، وغلا طائفة منهم إلى أن جعلوا ~~نسبه يهوديا . # وقد كتب في الأيام القادرية محضر يتضمن القدح في نسبه ونسب أولاده ، وكتب ~~فيه جماعة من العلويين وغيرهم : أن نسبه إلى أمير المؤمنين علي كرم الله ~~وجهه غير صحيح . # وزعم القائلون بصحة نسبه أن العلماء ممن كتب في المحضر إنما كتبوا خوفا ~~وتقية ، ومن لا علم عنده بالأنساب فلا احتجاج بقوله . # وزعم الأمير عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن شداد بن تميم بن المعز بن ~~باديس صاحب تاريخ إفريقية والغرب أن نسبه معرق في اليهودية ، ونقل فيه عن ~~جماعة من العلماء ، وقد استقصى ذلك في ابتداء دولتهم وبالغ . PageV01P037 # وأنا أذكر معنى ما قاله مع البراءة من عهدة طعنه في نسبه ، وما عداه فقد ~~أحسن فيما ذكر ، قال : لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم عظم ذلك على ~~اليهود والنصارى والروم والفرس وسائر العرب ، لأنه سفه أحلامهم ، وعاب ~~أديانهم ، فاجتمعوا يدا واحدة عليه ، فكفاه الله كيدهم ، وأسلم منهم من ~~هداه الله ، فلما قبض صلى الله عليه وسلم نجم النفاق ، وارتدت العرب ، ~~وظنوا أن أصحابه يضعفون بعده ، فجاهد أبو بكر رضي الله عنه في سبيل الله ، ~~فقتل مسيلمة وأهل الرده ، ووطأ جزيرة العرب ، وغزا فارس والروم ، فلما ~~حضرته الوفاة ظنوا أن بوفاته ينتقض الإسلام ، فاستخلف عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه فأذل فارس والروم ، وغلب على ممالكهما ، فدس عليه المنافقون أبا ~~لؤلؤة فقتله ، ظنا منهم أن بقتله ينطفىء نور الإسلام ، فولى عثمان رضي الله ~~عنه ، فزاد في الفتوح ، فلما قتل وولى علي رضي الله عنه قام بالأم أحسن ~~قيام ، فلما يئس أعداء الإسلام من استئصاله بالقوة أخذوا في وضع الأحاديث ~~الكاذبة ، وتشكيك ضعفة العقول في ms017 دينهم ، بأمور قد ضبطها المحدثون ، ~~وأفسدوا الصحيح بالتأويل والطعن عليه . # وكان أول من فعل ذلك أبو الخطاب محمد بن أبي زينب مولى بني أسيد ، وأبو ~~شاكر ، ميمون بن ديصان ، وغيرهما ، فألقوا إلى كل من وثقوا به أن لكل شيء ~~من العبادات باطنا ، وأن الله لم يوجب على أوليائه ومن عرف من الأئمة ~~والأبواب صلاة ولا زكاة ولا غير ذلك ، ولا حرم عليهم شيئا ، وأباحوا لهم ~~نكاح الأمهات والأخوات ، وقالوا : هذه قيود للعامة ، وهي ساقطة عن الخاصة ، ~~وكانوا يظهرون التشيع لآل النبي صلى الله عليه وسلم ليستروا أمرهم ، ~~ويستميلوا العامة . PageV01P038 # وتفرق أصحابهم في البلاد ، وأظهروا الزهد والعبادة ، يغرون الناس بذلك ~~وهم على خلافه ، فقتل أبو الخطاب وجماعة من أصحابه بالكوفة ، وكان أصحابه ~~قالوا له : إنا نخاف الجند فقال لهم : إن أسلحتهم لا تعمل فيكم . # فلما ابتدأوا في ضرب أعناقهم ، قال له أصحابه : ألم تقل إن سيوفهم لا ~~تعمل فينا ؟ فقال : إذا كان قد بدا الله فما حيلتي ؟ وتفرقت هذه الطائفة في ~~البلاد ، وتعلموا الشعبذة ، والنأرنجيات ، والنجوم ، والكيمياء ، فهم ~~يحتالون على كل قوم بما ينفق عليهم ، وعلى العامة بإظهار الزهد . # ونشأ لابن ديصان ابن يقال له أبو عبد الله القداح علمه الحيل ، وأطلعه ~~على أسرار هذه النحلة ، فحذق وتقدم . # وكان بنواحي أصبهان رجل يعرف بمحمد بن الحسين ، ويلقب بدندان ، يتولى ~~PageV01P039 تلك المواضع ، وكان يبغض العرب ، ويجمع مساويهم ، فسار إليه ~~القداح ، وعرفه من ذلك ما زاد به محله ، وأشار إليه أن لا يظهر ما في نفسه ~~ويكتمه ، ويظهر التشيع والطعن على الصحابة ، فاستحسن قوله ، وأعطاه مالا ~~ينفقه على الدعاة إلى هذا المذهب ، فسير دعاته إلى كور الأهواز ، والبصرة ، ~~والكوفة ، والطالقان ، وخراسان ، وسلمية من أرض حمص . # وتوفي القداح ودندان ، فقام من بعد القداح ابنه أحمد ، وصحبه انسان يقال ~~له أبو القاسم رستم بن الحسين بن فرج بن حوشب بن زاذان النجار ، من أهل ~~الكوفة ، وألقى إليه مذهبه فقبله ، وسيره إلى اليمن ، وأمره بلزوم العبادة ~~والزهد ، ودعا الناس إلى المهدي ، وأنه خارج PageV01P040 في هذا الزمان ms018 ، ~~فنزل بعد ، بقرب قوم من الشيعة يعرفون ببني موسى ، فأظهر أمره ، وقرب أمر ~~المهدي ، وأمرهم بالاستكثار من الخيل والسلاح . # واتصلت أخباره بالشيعة الذين بالعراق ، فساروا إليه ، وكثر جمعهم ، وعظم ~~بأسهم ، وأغاروا على من جاورهم ، وسبوا ، وجبوا الأموال ، وأرسل إلى من ~~بالكوفة من ولد القداح هدايا عظيمة . # وأوفدوا إلى المغرب رجلين : أحدهما الحلواني ، والآخر أبو سفيان ، وقالوا ~~لهما : إن المغرب أرض بور ، فاذهبا فأحرثا حتى يجيء صاحب البذر . # فسارا ، ونزل أحدهما بأرض كتامة ، فمالت قلوب أهل تلك النواحي إليهما ، ~~وحملوا إليهما الأموال والتحف ، فأقاما سنين كثيرة وماتا ، وكان من إرسال ~~أبي عبد الله الشيعي إلى المغرب ما كان . # فلما توفي عبد الله بن ميمون القداح ادعى ولده أنه من ولد عقيل بن أبي ~~طالب ، وهم مع هذا يسترون أمرهم ، ويخفون أشخاصهم . # وكان ولده أحمد هو المشار إليه منهم ، فتوفي وخلف ولده محمدا ، ثم توفي ~~محمد وخلف أحمد والحسين ، فسار الحسين إلى سلمية ، وله بها ودائع من جهة ~~جده عبد الله القداح ، ووكلاء وغلمان . وبقي ببغداد من أولاد القداح أبو ~~الشلعلع ، وكان الحسين يدعى أنه الوصي وصاحب الأمر ، والدعاة باليمن المغرب ~~يكاتبونه ، واتفق أنه جرى بحضرته حديث النساء بسلمية ، PageV01P041 فوصفوا ~~له امرأة رجل يهودي حداد مات عنها زوجها وهي في غاية الحسن ولها ولد من ~~الحداد يماثلها في الجمال ، فأحبها وحسن موقعها منه ، وأحب ولدها ، وأدبه ~~وعلمه ، فتعلم العلم ، وصارت له نفس عظيمة ، وهمة كبيرة ، فمن العلماء من ~~أهل هذه الدعوة من يقول إن الإمام الذي كان بسلمية وهو الحسين مات ولم يكن ~~له ولد ، فعهد إلى ابن اليهودي الحداد PageV01P042 وهو عبيد الله ، وعلمه ~~أسرار الدعوة من قول وفعل ، وأين الدعاة ، وأعطاه الأموال والعلامات ، ~~وتقدم إلى أصحابه بطاعته وخدمته ، وأنه الإمام والوصي ، وزوجه ابنة عمه أبي ~~الشلعلع ، وجعل لنفسه نسبا ، وهو : عبيد الله بن الحسين بن علي بن محمد بن ~~علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . # وبعض الناس يقول : إن عبيد الله ms019 هذا من ولد القداح . # وقال أي ابن الأثير : هذه الأقوال فيها ما فيها ، فيا ليت شعري ، ما الذي ~~حمل أبا عبد الله الشيعي وغيره ممن قام في إظهار هذه الدعوة حتى يخرجوا ~~الأمر من أنفسهم ويسلموه إلى ولد يهودي ؟ ! وهل يسامح نفسه بهذا الأمر من ~~يعتقده دينا يثاب عليه ؟ ! قال : فلما عهد الحسين إلى عبيد الله قال له : ~~إنك ستهاجر بعدي هجرة بعيدة ، وتلقى محنا شديدة فتوفي الحسين ، وقام بعده ~~عبيد الله ، وانتشرت دعوته ، وأرسل إليه أبو عبد الله رجالا من كتامة من ~~المغرب ليخبروه بما فتح الله عليه ، وأنهم ينتظرونه . # وشاع خبر عند الناس أيام المكتفي ، فطلب ، فهرب هو وولده أبو القاسم الذي ~~ولي بعده وتلقب بالقائم وهو يومئذ غلام ، وخرج معه خاصته ومواليه يريد ~~المغرب ، وذلك أيام زيادة الله بن الأغلب . # انتهى ما ذكره ابن الأثير . # قال المؤلف رحمة الله عليه وأما المحضر فنسخته # هذا ما شهد به الشهود PageV01P043 أن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ~~سعيد ينسب إلى ديصان بن سعيد الذي تنسب إليه الديصانية . # وأن هذا الناجم بمصر هو منصور بن نزار المتلقب بالحاكم حكم الله عليه ~~بالبوار والخزي والدمار ابن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد لا أسعده ~~الله . # وأن من تقدمه من سلفه من الأرجاس الأنجاس عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين ~~أدعياء خوارج ، لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه : وأن ما ~~ادعوه من الانتساب إليه زور وباطل . # وأن هذا الناجم في مصر هو وسلفه كفار ، فساق ، زنادقة ، ملحدون ، معطلون ~~، وللإسلام جاحدون ، أباحوا الفروج ، وأحلوا الخمور ، وسبوا الأنبياء ، ~~وادعوا الربوبية . # وفي آخره : وكتب في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة . # وقال ابن خلدون في كتاب العبر # وديوان المبتدأ والخبر # ومن الأخبار الواهية ما يذهب إليه الكثير من المؤرخين في العبيديين خلفاء ~~الشيعة بالقيروان والقاهرة ، من نفيهم عن أهل البيت صلوات الله عليهم ~~والطعن في نسبهم إلى إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق ، يعتمدون في ذلك على ~~أحاديث ms020 لفقت للمستضعفين من خلفاء بني العباس ، تزلفا إليهم بالقدح فيمن ~~ناصبهم ، وتفننا في الشمات بعدوهم ، حسب ما تذكر بعض هذه الأحاديث في ~~أخبارهم ؛ ويغفلون عن التفطن لشواهد الواقعات ، وأدلة الأحوال التي اقتضت ~~PageV01P044 خلاف ذلك من تكذيب دعواهم ، والرد عليهم ، فإنهم متفقون في ~~حديثهم عن مبدأ دولة الشيعة أن أبا عبد الله المحتسب لما دعا بكتامة للرضى ~~من آل محمد ، واشتهر خبره ، وعلم تحويمه على عبيد الله المهدي ، وابنه أبي ~~القاسم خشيا على أنفسهما ، فهرا من المشرق محل الخلافة ، واجتازا بمصر . # وأنهما خرجا من الاسكندرية في زي التجار ، ونمى خبرهما إلى عيسى النوشري ~~عامل مصر فسرح في طلبهما الخيالة ، حتى إذا أدركا خفي حالهما على تابعهما ~~بما لبسوا من الشارة والزي ، فأقبلوا إلى المغرب . # وأن المعتضد أوعز إلى الأغالبة أمراء إفريقية بالقيروان ، وبني مدرار ~~أمراء سجلماسة بأخذ الآفاق عليهما ، وإذكاء العيون في طلبهما ، فعثر اليسع ~~صاحب سجلماسة ابن آل مدرار على خفي مكانهما ببلده ، واعتقلهما مرضاة ~~للخليفة . # هذا قبل أن تظهر الشيعة على الأغالبة بالقيروان . ثم كان بعد ذلك ما كان ~~من ظهور دعوتهم بإفريقية والمغرب ، ثم باليمن ، ثم بالاسكندرية ، ثم بمصر ~~والشام والحجاز ؛ وقاسموا بني العباس في ممالك الإسلام شق الأبلمة ، وكادوا ~~يلجون عليهم مواطنهم ، ويديلون من أمرهم . PageV01P045 # ولقد أظهر دعوتهم ببغداد وعراقها الأمير البساسيري من موالي الديلم ~~المتغلبين على خلفاء بني العباس في مغاضبة جرت بينه وبين أمراء العجم ، ~~وخطب لهم على منابرها حولا كاملا . # وما زال بنو العباس يغصون بمكانهم ودولتهم ، وملوك بني أميه وراء البحر ~~ينادون بالويل والحرب منهم . # وكيف يقع هذا كله لدعي في النسب ، يكذب في انتحال الأمر ؟ ! واعتبر حال ~~القرمطي إذ كان دعيا في انتسابه ، كيف تلاشت دعوته ، وتفرق اتباعه ، وظهر ~~سريعا على خبثهم ومكرهم ، فساءت عاقبتهم ، وذاقوا وبال أمرهم ، ولو كان أمر ~~العبيدين كذلك لعرف ولو بعد مهلة . # فمهما تكن عند امرىء من خليفة . . . وإن خالها تخفى على الناس تعلم # فقد اتصلت دولتهم نحوا من مائتين وسبعين سنة ، وملكوا مقام إبراهيم ~~ومصلاه ، وموطن ms021 الرسول ومدفنه ، وموقف الحجيج ، ومهبط الملائكة ، ثم انقرض ~~أمرهم وشيعتهم في ذلك كله على أتم ما كانوا عليه من الطاعة لهم ، والحب ~~فيهم ، واعتقادهم بنسب الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق . # ولقد خرجوا مرارا بعد ذهاب الدولة ودروس أثرها داعين إلى بدعتهم ، هاتفين ~~بأسماء صبيان من أعقابهم ، يزعمون استحقاقهم للخلافة ، ويذهبون إلى تعيينهم ~~بالوصية ممن سلف قبلهم من الأئمة ، ولو ارتابوا في نسبهم لما ركبوا أعناق ~~الأخطار في الانتصار لهم ، فصاحب البدعة لا يلبس في أمره ، ولا يشبه في ~~بدعته ، ولا يكذب نفسه فيما ينتحله . PageV01P046 # والعجب في القاضي أبي بكر الباقلاني شيخ النظار من المتكلمين يجنح إلى ~~هذه المقالة المرجوحة ، ويرى هذا الرأي الضعيف ، فإن كان ذلك لما كانوا ~~عليه من الإلحاد في الدين ، والتعمق في الرافضية ، فليس ذلك بدافع في صدد ~~بدعتهم ، وليس إثبات منتسبهم بالذي يغنى عنهم من الله شيئا في كفرهم ، وقد ~~قال تعالى لنوح عليه السلام في شأن ابنه : ' إنه ليس من أهلك ، إنه عمل غير ~~صالح ، فلا تسألن ما ليس لك به علم ' وقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة يعظها ~~: يا فاطمة : اعملي : فلن أغنى عنك من الله شيئا . # ومتى عرف أمرؤ قضية ، أو استيقن أمرا ، وجب عليه أن يصدع به ' والله يقول ~~الحق وهو يهدى السبيل ' . # والقوم كانوا في مجال لظنون الدول بهم ، وتحت رقبة من الطغاة لتوفر ~~شيعتهم ، وانتشارهم في القاصية بدعوتهم ، وتكرر خروجهم مرة بعد أخرى ، ~~فلاذت رجالاتهم بالاختفاء ، ولم يكادوا يعرفون . كما قيل : # فلو تسأل الأيام ما أسمى ما درت . . . وأين مكاني ؟ ما اعرفن مكاني # حتى لقد سمى محمد بن إسماعيل الإمام جد عبيد الله المهدي بالمكتوم ، سمته ~~بذلك شيعتهم لما اتفقوا عليه من اخفائه حذرا من المتغلبين عليهم ، فتوصل ~~شيعة آل العباس بذلك عند ظهورهم إلى الطعن في نسبهم ، وازدلفوا بهذا الرأي ~~القائل إلى المستضعفين من خلفائهم ، وأعجب به أولياؤهم وأمراء دولتهم ، ~~المتولون لحروبهم مع الأعداء ، يدفعون به عن أنفسهم وسلطانهم معرة العجز عن ~~المقاومة والمدافعة لمن غلبهم على الشام ومصر ms022 والحجاز من البربر الكتاميين ~~شيعة العبيديين وأهل دعوتهم ، حتى لقد أسجل القضاة ببغداد بنفيهم من هذا ~~النسب ، وشهد بذلك من أعلام الناس جماعة ، منهم : PageV01P047 الشريف الرضي ~~. # وأخوه المرتضى . # وابن البطحاوي . # ومن العلماء : أبو حامد الاسفراييني . # والقدوري . # والصيمري . PageV01P048 # وابن الاكفاني . # والأبيوردي . # وأبو عبد الله بن النعمان فقيه الشيعة . # وغيرهم من أعلام الأئمة ببغداد ، في يوم مشهود وذلك سنة اثنتين وأربعمائة ~~في أيام القادر ؛ وكانت شهادتهم في ذلك على السماع لما اشتهر وعرف بين ~~الناس ببغداد ، وغالبها شيعة بني العباس ، الطاعنون في هذا النسب ، فنقله ~~الأخباريون كما سمعوه ، وروه حسبما وعوه ، والحق من ورائه . وفي كتاب ~~المعتضد في شأن عبيد الله إلى ابن الأغلب بالقيروان ، وابن مدرار بسجلماسة ~~أصدق شاهد ، وأوضح دليل على صحة نسبهم ، فالمعتضد أقعد بنسب أهل البيت من ~~كل أحد ، والدولة والسلطان سوق للعالم تجلب إليه بضائع العلوم والصنائع ، ~~وتلتمس فيه ضوال الحكم ، وتحدى إليه ركائب الروايات والأخبار ، وما نفق ~~فيها نفق عند الكافة ، فإن تنزهت الدولة عن التعسف والميل والإفن والشقشقة ~~، وسلكت النهج الأمم ، ولم تجر عن قصد السبيل ، نفق بأسواقها الإبريز ~~الخالص ، واللجين المصفى ، وإن ذهبت مع الأغراض والحقود ، وماجت ~~PageV01P049 بسماسرة البغي والباطل ، نفق البهرج والزائف ، والناقد البصير ~~قسطاس نظره ، وميزان بحثه وملتمسه . # قال أي ابن خلدون : وكان الإسماعيلية من الشيعة يذهبون إلى أن الإمام من ~~ولد جعفر الصادق هو إسماعيل ابنه من بعده ، وأن الإمام بعده ابنه محمد ~~المكتوم ، وبعده ابنه جعفر المصدق ، وبعده ابنه محمد الحبيب ، وكانوا أهل ~~غلو في دعاويهم في هؤلاء الأئمة . # وكان محمد بن جعفر هذا يؤمل ظهور أمره والظفر بدولته . # وكان باليمن من هذا المذهب كثير بعدن في قوم يعرفون ببني موسى ؛ وكذلك ~~كان بإفريقية من لدن جعفر الصادق بمرجانة ، وفي كتامة ، وفي نفزة وسماتة ، ~~تلقوا ذلك من الحلواني وابن بكار داعيتي جعفر الصادق ، وقدم على جعفر بن ~~محمد والد عبيد الله PageV01P050 من أهل اليمن رجل من أولئك الشيعة ، يعرف ~~بعلي بن الفضل ، فأخبره بأخبار اليمن ، فبعث معه أبا القسم رستم ms023 بن الحسين ~~بن فرج بن حوشب الكوفي من رجالات الشيعة ، وقال له : ليس لليمن إلا أنت ، ~~فخرجا من القادسية سنة ثمان وستين ومائتين ، ودخلا اليمن ، على حين انخلع ~~محمد بن يعفر من الملك ، وأظهر التوبة ، فدعوا للرضى من آل محمد ، وظهرت ~~الدعوة سنة سبعين ، وتسمى أبو القاسم بالمنصور ، وابتنى حصنا بجبل لاعة ، ~~وزحف بالجيوش ، وفتح مدائن اليمن ، وملك صنعاء ، وأخرج بني يعفر ، وفرق ~~الدعاة في اليمن والبحرين ، واليمامة ، والسند ، والهند ، ومصر والمغرب . # وكان أبو عبد الله المحتسب داعي المغرب ، وأصله من الكوفة ، واسمه الحسين ~~بن أحمد ابن محمد بن زكريا ، من رام هرمز وكان محتسبا بسوق الغزل من البصرة ~~، وقيل إنما المحتسب أخوه أبو العباس محمد . # ويعرف أبو عبد الله بالمعلم ، كان يعلم الناس مذهب الإمامية الباطنية ، ~~واتصل بالإمام محمد بن جعفر ، ورأى أهليته ، فأرسله إلى ابن حوشب صاحب ~~اليمن ، وأمره بامتثال أمره ، والاقتداء بسيرته ، ثم يذهب بعدها إلى المغرب ~~، ويقصد بلد كتامة ، فلما بلغ إلى ابن حوشب لزمه ، وشهد مجالسه ، وأفاد ~~علمه ، ثم خرج مع حاج اليمن إلى مكة حتى أتى الموسم ، ولقي به رجالات كتامة ~~واختلط بهم ، ووجد لديهم بذار من ذلك المذهب كما قدمنا ، فاشتملوا عليه ، ~~وسألوه الرحلة فارتحل معهم إلى بلدهم ، ونزل بها ، وجاهر PageV01P051 ~~بمذهبه ، وأعلن إمامة أهل البيت ، ودعا للرضى من آل محمد على عادة الشيعة ، ~~وأطاعته قبائل كتامة بعد فتن وحروب ، ثم اجتمعوا على تلك الدعوة . # ثم هلك الإمام محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق بعد أن ~~عهد لابنه عبيد الله المهدي ، وشاع خبر دعاته باليمن وإفريقية ، وطلبه ~~المكتفي ، وكان يسكن عسكر مكرم ، فانتقل إلى الشام ، ثم طلب ففر بنفسه ~~وبابنه أبي القاسم وكان غلاما حدثا ، وبلغ مصر ، وأراد قصد اليمن ، فبلغه ~~أن علي بن المفضل أحدث فيها الأحداث من بعد ابن حوشب ، وأساء السيرة ، فكره ~~دخول اليمن ، واتصل به شأن أبي عبد الله ، وما فتح الله عليه بالمغرب ، ~~فاعتزم على اللحاق به ؛ وسرح عيسى النوشري عامل مصر في طلبه ms024 ، وكانوا خرجوا ~~من الإسكندرية في زي التجار ، فلما أدركت الرفقة خفي حالهم ، بما اشتبه من ~~الزي ، فافلتوا إلى المغرب . # انتهى كلام ابن خلدون رحمه الله قال المؤلف رحمة الله عليه : وأنت إذا ~~سلمت من العصبية والهوى ، وتأملت ما قد مر ذكره من أقوال الطاعنين في أنساب ~~القوم علمت ما فيها من التعسف والحمل مع ظهور التلفيق في الأخبار ، وتبين ~~لك منه ما تأبى الطباع السليمة قبوله ، ويشهد الحس السليم بكذبه ، فإنه قد ~~ثبت أن الله تعالى لا يمد الكذاب المفتعل بما يكون سببا لانحراف الناس إليه ~~، وطاعتهم له على كذبه . قال تعالى عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ؛ ' ~~ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ' . # وقال تعالى في الدلالة على صدقه : ' أفلا يرون أنا نأتى الأرض ننقصها من ~~أطرافها أفهم الغالبون ' . # وقد علم أن الكذب على الله تعالى ، والافتراء عليه في دعوى استحقاق ~~الخلافة النبوية على الأمة ، والإمامة لهم شرعا بكونه من ذرية رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وآل بيته ، من PageV01P052 أعظم الجنايات ، وأكبر ~~الكبائر ، فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يظهر من تعاطى ذلك واجترأ عليه ، ~~ثم يمده في ظهوره بمعونته ، ويؤيده بنصره حتى يملك أكثر مدائن الإسلام ، ~~ويورثها بنيه من بعده ، وهو تعالى يراه يستظهر بهذه النعم الجليلة على كذبه ~~، ويفتن بمخرقته العباد ، ويحدث بباطله الفتن العظيمة والحروب المبيدة في ~~البلاد ، ثم يخليه تعالى وما تولى من ذلك بباطله من غير أن يشعره شعار ~~الكذابين ، ويحل به ما من عادته تعالى أن يحل بالمفسدين ، فيدمره وقومه ~~أجمعين . # كما لا يليق بحكمته تعالى أن يخذل من دعا إلى دينه ، وحمل الكافة على ~~عبادته ، ولا يؤيده على إعلاء كلمته ، بل يسلمه في أيدي أعداء دينه ~~المجاهرين بكفرهم وطغيانهم ، حتى يزيدهم ذلك كفرا إلى كفرهم ، وضلالا إلى ~~ضلالهم ، فإن فعله هذا بالصادق في دعائه إليه تعالى كتأييده الكاذب فيها ~~سواء ، بل الحكمة الإلهية والعادة الربانية ، وسنة الله التي قد خلت في ~~عباده ، اقتضت أنه ms025 تعالى إذا رأى الكذاب يستظهر بالمحافظة على التنمس ~~بالباطل ، ويتوصل إلى إقامة دولته بالكذب ، ويحيلها بالزور في ادعائه نسبا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غير صحيح ، وصرفه الناس عن طاعة بني ~~العباس الثابتة أنسابهم ، المرضية سيرتهم ، العادلة بزعمهم أحكامهم ~~ومذاهبهم أن يحول بينه وبين همه بذلك ، ويسلبه الأسباب التي يتمكن بها من ~~الاحتراز ، ويعرضه لما يوقعه في المهلك ، ويسلك به سبيل أهل البغي والفساد ~~. # فلما لم يفعل ذلك بعبيد الله المهدي ، بل كتب تعالى له النصر على من ~~ناوأه ، والتأييد بمعونته على من خالفه وعاداه ، حتى مكن له في الأرض ، ~~وجعله وبينه من بعده أئمة ، وأورثهم أكثر البسيطة ، وملكهم من حد منتهى ~~العمارة في مغرب الشمس إلى آخر ملك مصر ، والشام ، والحجاز ، وعمان ، ~~والبحرين ، واليمن ، وملكهم بغداد وديار بكر مدة ، ونشر دعوتهم إلى خراسان ~~، ونصرهم على عدوهم أي نصر ، تبين أن دعواهم الانتساب إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صحيحة ، وهذا دليل يجب التسليم له . # وقد روى موسى بن عقبة أن هرقل لما سأل أبا سفيان بن حرب عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان مما قاله له : أتراه كاذبا أو صادقا ؟ قال أبو سفيان : ~~بل هو PageV01P053 كاذب ، قال هرقل : لا تقولوا ذلك ، فإن الكذب لا يظهر به ~~أحد ، ' والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ' . # وقد نقل عن أئمة أهل البيت عليهم السلام الإشارة إلى أمر عبيد الله ~~المهدي ، فمن ذلك : أن موسى الكاظم بن جعفر الصادق سئل عن ظهور القائم متى ~~يكون ؟ فقال : إن ظهور القائم مثله كمثل عمود من نور سقط من السماء إلى ~~الأرض ، رأسه بالمغرب ، وأسفله بالمشرق . # وكذلك كان بداية أمر المهدي عبيد الله ، فإنه ابتدأ من المغرب ، وانتهى ~~أمره على يد بنيه إلى المشرق ، فإنه ظهر بسجلماسة في ذي الحجة سنة تسعين ~~ومائتين ، وهي أقصى مسكون المغرب ، ودعي للمستنصر ببغداد في سنة إحدى ~~وخمسين وأربعمائة . # وكان علي بن محمد بن علي بن موسى الكاظم يقول : في سنة أربع وخمسين ~~ومائتين ستكشف ms026 عنكم الشدة ، ويزول عنكم كثير مما تجدون إذا مضت عنكم سنة ~~اثنتين وأربعين ؛ يشير بذلك إلى أن البداية من تاريخ وقته ، فيكون المراد ~~سنة ست وتسعين ومائتين ، وفي ذي الحجة منها كان ظهور الإمام المهدي بالله ~~رحمة الله عليه . PageV01P054 # | ذكر ما كان من ابتداء الدولة الفاطمية # # | إلى أن بنيت القاهرة # وذلك أن أبا عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الشعيي ، سار إلى ~~أبي القاسم رستم بن الحسن بن فرج بن حوشب بن ذاذان الكوفي باليمن ، وصحبه ~~وصار من كبار أصحابه ، وكان له علم وفهم ودهاء ومكر ، فلما ورد على ابن ~~حوشب موت الحلواني ورفيقه بالمغرب ، قال لأبي عبد الله الشعيي : إن أرض ~~كتامة من المغرب قد حرثها الحلواني وأبو سفيان ، وقد ماتا ، وليس لها غيرك ~~، فبادر فإنها موطأة ممهدة لك . # فخرج أبو عبد الله إلى مكة ، وقد أعطاه ابن حوشب مالا ، فلما قدم سأل عن ~~حجاج كتامة ، فأرشد إليهم ، واجتمع بهم ، ولم يعرفهم قصده ، وذلك أنه جلس ~~قريبا منهم ، فسمعهم يتحدثون بفضائل آل البيت ، فاستحسن ذلك ، وحدثهم في ~~معناه ، فلما أراد القيام سألوه أن يأذن لهم في زيارته ، فأذن لهم ، وسألوه ~~أين مقصده ؟ فقال : مصر ، ففرحوا بصحبته ، فرحلوا ، وهو لا يخبرهم بغرضه ، ~~وأظهر العبادة والزهد ، فازدادوا فيه رغبة ، وخدموه . # وكان يسألهم عن بلادهم وأحوالهم وقبائلهم ، وعن طاعتهم لسلطان إفريقية ؛ ~~فقالوا : ماله علينا طاعة ، وبيننا وبينه عشرة أيام . PageV01P055 # قال : أتحملون السلاح ؟ قالوا : هو شغلنا ولم يزل يتعرف أحوالهم حتى ~~وصلوا إلى مصر ، فلما أراد وداعهم قالوا له : أي شيء تطلب بمصر ؟ قال : ~~أطلب التعليم بها قالوا : إذا كنت تقصد هذا ، فبلادنا أنفع لك ، ونحن أعرف ~~بحقك ولم يزالوا به حتى أجابهم إلى المسير معهم . # فلما قاربوا بلادهم رجال من الشيعة فأخبروهم بخبره ، فرغبوا في نزوله ~~عندهم ، وأقرعوا فيمن يضيفه منهم . # ثم ارتحلوا حتى وصلوا إلى أرض كتامة منتصف ربيع الأول سنة ثمان وثمانين ~~ومائتين ، فسأله قوم أن ينزل عندهم حتى يقاتلوا دونه ، فقال لهم : أين يكون ~~فج الأخيار ms027 ؟ فعجبوا من ذلك ، ولم يكونوا ذكروه له ، فقالوا له : عند بني ~~سليمان . # فقال : إليه نقصد ، ثم نأتي كل قوم منكم في ديارهم ، ونزورهم في بيوتهم ~~فأرضى بذلك الجميع . PageV01P056 # وسار إلى جبل يقال له إيكجان ، وفيه فج الأخيار ، فقال : هذا فج الأخيار ~~، وما سمى إلا بكم ، ولقد جاء في الآثار : للمهدي هجرة تنبو عن الأوطان ، ~~ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان ، قوم اسمهم مشتق من الكتمان ، ~~وبخروجكم في هذا الفج سمى فج الأخيار . # فتسامعت القبائل ، وأتاه البرابر من كل مكان ، فعظم أمره إلى أن تقاتلت ~~كتامة عليه مع قبائل البربر ، وهو لا يذكر في ذلك اسم المهدي ، فاجتمع أهل ~~العلم على مناظرته وقتله ، فمنعه الكتاميون من المناظرة ، وكان اسمه عندهم ~~أبا عبد الله المشرقي . # وبلغ خبره إلى إبراهيم بن أحمد بن الأغلب أمير إفريقية ، فأرسل إلى عامله ~~على مدينة ميلة ليسأله عن أمره ، فصغره عنده ، وذكر أنه يلبس الخشن ، ويأمر ~~بالخير والعبادة ، فسكت عنه . # ثم إن أبا عبد الله قال للكتاميين . # أنا صاحب البذر الذي ذكر لكم أبو سفيان والحلواني . # فازدادت محبتهم له ، وتعظيمهم لأمره ، فلما ظهر لأهل المغرب علمه وفضله ، ~~قال أحد الأولياء لأصحابه : لولا واحدة كان الحلواني يقولها ما تخالجني ~~الشك في أن هذا الرجل هو الذي كان الحلواني يبشر به . PageV01P057 # قالوا : وما هي ؟ قال : كان إذا وصفه قال : في فيه إصبع فبلغ ذلك أبا عبد ~~الله فتبسم وقال : هذا لا يكون فلما أخذ العهد بعد ذلك على من سمع هذا ~~القول ، واشترط عليهم الكتمان ، وضع إصبعه على فيه وقال : هذا هو الإصبع ~~الذي كان يقوله الحلواني ، أمركم بالصمت والكتمان ، فأما أن يكون في فم رجل ~~إصبع فلا فقالوا كذلك والله هو وتفرقت البرابر وكتامة بسببه ، وأراد بعضهم ~~قتله ، فاختفى ، ووقع بينهم قتال شديد ، واتصل الخبر بالحسن بن هرون من ~~أكابر كتامة فأخذ أبا عبد الله إليه ، ودافع عنه ، ومضى به إلى مدينة ~~تاصروت ، فأتته القبائل من كل مكان ، وعظم شأنه ، وصارت الرئاسة للحسن بن ~~هرون ، وسلم إليه ms028 أبو عبد الله أعنة الخيل ، وظهر من الاستتار ، وشهد ~~الحروب ، فكان الظفر له ، وغنم الأموال ، وخندق على مدينة تاصروت ، وقد ~~زحفت إليه قبائل المغرب ، فاقتتلوا عدة مرار ، كان له فيها الظفر ، وصار ~~إليه أموالهم ، فاستقام له أمر البربر وعامة كتامة ، وزحف إلى مدينة ميلة ، ~~وقاتل أهلها قتالا شديدا ، وأخذ الأرباض ، ثم ملك البلد بأمان ، فبعث إليه ~~إبراهيم بن الأغلب ابنه الأحول في إثنى عشر ألفا ، وأتبعه بمثلهم ، فالتقى ~~مع أبي عبد الله ، فانهزم أبو عبد الله ، وقتل كثير من أصحابه ، وتبعه ~~الأحول ، فحال بينهما الثلج ، ولحق أبو عبد الله بجبل إيكجان ، وملك الأحول ~~مدينة تاصروت ، وأحرقها وأحرق مدينة ميلة ، فبنى أبو عبد الله دار هجرة ~~بإيكجان ، وقصده أصحابه ، وعاد الأحول إلى إفريقية ، PageV01P058 فمات ~~إبراهيم بن الأغلب ، وقتل ابنه أبو العباس ، وولى زيادة الله بن الأغلب ، ~~واشتغل باللهو واللعب ، فاشتد سرور أبي عبد الله . # ثم إن أبا مضر زيادة الله قتل الأحول ، فانتشرت حينئذ جنود أبي عبد الله ~~في البلاد ، وصار يقول : المهدي يخرج في هذه الأيام ، ويملك الأرض ، فيا ~~طوبى لمن هاجر إلي ، وأطاعني . # وأخذ يغري الناس بزيادة الله ويعيبه ، وكان أكثر من عند زيادة الله من ~~الوزراء شيعة ، فلم يكن يسوءهم ظفر أبي عبد الله ، خصوصا وقد كان يذكر لهم ~~من كرامات المهدي ، وأنه يحيي الموتى ، ويرد الشمس من مغربها ، ويملك الأرض ~~بأسرها ، وهو مع ذلك يبعث إلى الوزراء ، ويعدهم ، وبعث أبو عبد الله برجال ~~. PageV01P059 # | ذكر خروج عبيد الله المهدي إلى المغرب # وكان من خبر ذلك أن أبا عبد الله سير إلى عبيد الله رجالا من كتامة ~~يخبرونه بما فتح الله عليه ، وأنهم ينتظرونه ، فوافوه بسلمية من أرض حمص ، ~~قد كان اشتهر خبر عبيد الله عند الناس ، فطلبه المكتفي ، ففر من سلمية ومعه ~~ابنه أبو القاسم نزار الذي قام بالأمر من بعده ، وخرج معهما خاصته ومواليه ~~. # فلما انتهى إلى مصر أقام مستترا بزي التجار ، فأتت الكتب إلى عيسى ~~التوشري أمير مصر من المعتضد بالله العباسي بصفة عبيد الله وحليته ms029 ، وأنه ~~يأخذ عليه الطرق ويقبضه وكل من يشبهه ؛ فلما قرئت الكتب كان في المجلس ابن ~~المدير الكاتب ، فبلغ ذلك عبيد الله ، فسار من مصر مع أصحابه ومعه أموال ~~كثيرة ، فأوسع في النفقة على من صحبه ، وفرق النوشري الأعوان في طلب عبيد ~~الله ، وخرج بنفسه ، فلما رآه لم يشك فيه ، وقبض عليه ، ووكل به وقد نزل في ~~بستان ، ثم استدعاه ليأكل معه ، فأعلمه أنه صائم ، فرق له ، وقال : أعلمني ~~حقيقة أمرك حتى أطلقك . # فخوفه الله تعالى وأنكر حاله ، وما زال يتلطف به حتى أطلقه وخلى سبيله ، ~~وأراد أن يرسل معه من يوصله إلى رفقته ، فقال : لا حاجة إلى ذلك ، ودعا له ~~. # وقيل إنه أعطاه مالا في الباطن حتى أطلقه ، فرجع بعض أصحاب النوشري عليه ~~باللوم ، فندم على إطلاقه ، وأراد أن يبعث الجيش وراءه ليرده . # وكان عبيد الله قد لحق بأصحابه ، فإذا ابنه أبو القاسم قد ضيع كلبا كان ~~يصيد به ، PageV01P060 وهو يبكي عليه ، فعرفه عبيده أنهم تركوه في البستان ~~الذي كانوا فيه ، فرجع عبيد الله بسبب الكلب حتى دخل البستان ومعه عبيده ، ~~فلما رآه النوشري سأل عن خبره ، فقيل إنه عاد بسبب كلب لولده ، فقال ~~النوشري لأصحابه : قبحكم الله ، أردتم أن تحملوني على هذا الرجل حتى آخذه ، ~~فلو كان يطلب ما يقال أو لو كان مريبا لكان يطوى المراحل ويخفى نفسه ، ولا ~~كان يرجع في طلب كلب وتركه ، ولم يعرض له . # فسار عبيد الله وخرج عليه عدة من اللصوص بموضع يقال له : الطاحونة ، ~~فأخذوا بعض متاعه ، منه كتب وملاحم كانت لآبائه ، فعظم أمرها عليه ، فيقال ~~إنه لما خرج ابنه أبو القاسم في المرة الأولى إلى الديار المصرية أخذها من ~~ذلك المكان . ثم إن عبيد الله انتهى هو وولده إلى مدينة طرابلس ، ففارق ~~التجار ، وكان في صحبته أبو العباس أخو أبي عبد الله ، فقدمه عبيد الله إلى ~~القيروان ، فسار إليها ، فوجد خبر عبيد الله قد سبق إلى زيادة الله بن ~~الأغلب ، فقبض على أبي العباس وقرره ، فأنكر ، وقال : أنا رجل تاجر صحبت ms030 ~~رجلا في القفل ، فحبس . # وبلغ الخبر إلى عبيد الله ، فسار إلى قسنطينة . # ووصل كتاب زيادة الله إلى ناظر طرابلس بأخذ عبيد الله ، فلم يدركه ، ~~ووافى عبيد الله قسطنطينة ، فلم يقصد أبا عبد الله ، لأن أخاه أبا العباس ~~كان قد أخذ ، وسار إلى سجلماسة ، فوافت الرسل في طلبه ، وقد سار فلم يوجد ، ~~ووصل إلى سجلماسة فأقام بها ، وقد أقيمت له المراصد بالطرقات . PageV01P061 # وكان على سجلماسة اليسع بن مدرار ، فأهدى إليه عبيد الله وواصله ، فقربه ~~اليسع وأحيه ، فأتاه كتاب زيادة الله يعرفه أن الرجل الذي يدعو إليه أبو ~~عبد الله الشيعي عنده ، فلم يجد بدا من القبض على عبيد الله وحبسه . # وأخذ زيادة الله في جمع العساكر ، فقدم إبراهيم بن حنيش من أقاربه على ~~أربعين ألفا ، وسلم إليه الأموال والعدد ، وسار وقد انضاف إليه مثل جيشه ، ~~فنزل مدينة قسنطينية ، وأتاه كثير من كتامة الذين لم يطيعوا أبا عبد الله ، ~~وقتل في طريقه خلقا كثيرا من أصحاب أبي عبد الله هذا ، وأبو عبد الله متحصن ~~بالجبل ، فأقام إبراهيم بقسنطينية ستة أشهر ، فلما رأى أن أبا عبد الله لا ~~يتقدم إليه زحف بعساكره ، فأخرج إليه أبو عبد الله خيلا ، فلما رآها ~~إبراهيم قصد إليها بنفسه ، والأثقال على ظهور الدواب لم تحط ، فقاتلهم ~~قتالا كثيرا ، وأدركهم أبو عبد الله ، فانهزم إبراهيم بمن معه وجرح ، فغنم ~~أبو عبد الله جميع ما معهم ، وقتل منهم خلقا كثيرا ، فسار إبراهيم إلى ~~القيروان ، وعظم أمر أبي عبد الله ، واستقرت دولته . # وكتب كتابا إلى عبيد الله وهو بسجن سجلماسة يبشره ، وسير الكتاب مع بعض ~~ثقاته ، فدخل عليه السجن في زي قصاب يبيع اللحم ، فاجتمع به وعرفه . # ونازل أبو عبد الله عدة مدائن فأخذها بالسيف ، وضايق زيادة الله ، فحشد ~~وجمع عساكره ، وبعث إليه هرون الطيبي في خلق كثير ، فقتل هرون في خلائق لا ~~تحصى . فاشتد الأمر على زيادة الله ، وخرج بنفسه ، فوصل إلى الأربس في سنة ~~خمس وتسعين ومائتين ، وسير جيشا مع ابن عمه إبراهيم بن الأغلب . # واشتغل زيادة الله بلهوه ms031 ولعبه ، وأبو عبد الله يأخذ المدائن شيئا بعد ~~شيء عنوة وصلحا ، فأخذ مجانة ، وتيفاش ، ومسكيانة وتبسة ، وسار إلى إبراهيم ~~، فقتل من أصحابه ، وعاد إلى جبل إيكجان . PageV01P062 # فلما دخل فصل الربيع ، وطاب الزمان ، جمع أبو عبد الله عسكره فبلغت مائة ~~ألف فارس وراجل ، وجمع زيادة الله ما لا يحصى ، وسار أول جمادى الآخرة سنة ~~ست وتسعين ومائتين ، فالتقوا مع أبي عبد الله ، واقتتلوا أشد قتال ، وطال ~~زمنه ، وظهر أصحاب زيادة الله ، ثم إن أبا عبد الله كادهم بخيل بعثها من ~~خلفهم ، فانهزم أصحاب زيادة الله ، وأوقع فيهم القتل ، وغنم أموالهم ، وكان ~~ذلك في آخر جمادى الآخرة ، ففر زيادة الله إلى ديار مصر ، فدخل إبراهيم بن ~~الأغلب إلى القيروان ، فقصد قصر الإمارة ، ونادى بالأمان ، وتسكين الناس ، ~~وذكر زيادة الله وذمه ، وصغر أمر أبي عبد الله ، ووعد الناس بقتاله ، وطلب ~~منهم الأموال ، فقالوا : إنما نحن فقهاء وعامة التجار ، وما في أموالنا ما ~~يبلغ غرضك ، ثم إنهم ثارا به ورجموه . فخرج عنهم . # ودخل أبو عبد الله إلى مدينة رقادة ، فأمن الناس ، ومنع من النهب ، وخرج ~~الفقهاء ووجوه أهل القيروان إلى لقاء أبي عبد الله ، وسلموا عليه ، وهنوه ~~بالفتح ، فرد عليهم ردا حسنا ، وأمنهم ، وقد أعجبوا به وسرهم ، فأخذوا في ~~ذم زيادة الله وذكر مساوئه ، فقال لهم : ما كان إلا قويا وله منعة ودولة ~~شامخة ، وما قصر في مدافعته ، ولكن أمر الله لا يعاند ولا يدافع . # فامسكوا عن الكلام . # وكان دخول أبي عبد الله رقادة يوم السبت مستهل رجب سنة ست وتسعين ومائتين ~~، فنزل ببعض قصورها ، وفرق دورها على كتامة ، ونادى بالأمان ، فرجع الناس ~~إلى أوطانهم ، وأخرج العمال إلى البلاد ، وطلب أهل الشر فقتلهم ، وأمر بجمع ~~ما كان لزيادة الله من الأموال والسلاح وغيره ، فاجتمع منه كثير ، وكان له ~~دعة من الجواري لهن حظ من الجمال ، فلم ينظر إلى واحدة منهن ، وأمر لهن بما ~~يصلحهن . فلما كان يوم الجمعة أمر الخطباء بالقيروان ورقادة فخطبوا ولم ~~يذكروا أحدا ، وأمر PageV01P063 بضرب السكة وألا يتسم عليها اسم ، وجعل ms032 في ~~الوجه الواحد : بلغت حجة الله ، وفي الآخر : تفرق أعداء الله . # ونقش على السلاح : عدة في سبيل الله . # ووسم الخيل على أفخاذها : الملك لله . # وأقام على ما كان عليه من لباس الخشن الدون ، والقليل من الطعام الغليظ . # ولما استقرت الأمور لأبي عبد الله في رقادة وسائر بلاد إفريقية أتاه أخوه ~~أبو العباس أحمد المخطوم ، ففرح به ، وكان هو الكبير . PageV01P064 # | ذكر ظهور عبيد الله المهدي من سجلماسة # وذلك أن أبا عبد الله الشيعي لما دخل شهر رمضان سنة ست وتسعين ومائتين ~~سار من رقادة وقد استخلف أخاه أبا العباس على إفريقية في جيوش عظيمة ، ~~فاهتز المغرب لخروجه ، وخافته زناتة ، وزالت القبائل عن طريقه ، وأتته ~~رسلهم فدخلوا في طاعته ، فلما قرب من سجلماسة بعث اليسع بن مدرار صاحبها ~~إلى عبيد الله وهو في جيشه يسأله عن نسبه وحاله ، وهل أبو عبد الله قصد ~~إليه ؟ فحلف به أنه ما رأى أبا عبد الله ، وإنما أنا رجل تاجر ، فأفرده ~~معتقلا بدار وحده ، وأفرد ابنه أيضا ، فجعل عليهما الحرس ، وقرر ولده ، فما ~~حال عن كلام أبيه ، وقرر رجالا كانوا معه وضربهم ، فلم يقروا بشيء . # وبلغ ذلك أبا عبد الله ، فشق عليه ، وأرسل إلى اليسع يتلطف به وأنه لم ~~يقصده للحرب ، وإنما له حاجة مهمة عنده ، فرمى الكتب وقتل الرسل ، فعاوده ~~بالملاطفة خوفا على عبيد الله ، ولم يذكره ، فقتل الرسول ثانيا ، فأسرع أبو ~~عبد الله في السير ، ونزل عليه ، فخرج إليه اليسع وقاتله يومه كله ، فلما ~~جنه الليل فرق أصحابه من أهله وبني عمه ، وبات أبو عبد الله في غم عظيم ~~خوفا على عبيد الله . # فلما أصبح خرج إليه أهل البلد ، وأعلموه بهرب اليسع ، فدخل هو وأصحابه ~~البلد ، وأتوا مكان عبيد الله وأخرجوه وأخرجوا ابنه في يوم الأحد لسبع خلون ~~من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائتين ، وقد انتشر في الناس سرور عظيم كادت ~~تذهب منه عقولهم ؛ فأركبهما أبو عبد الله ، ومشى هو ورؤساء القبائل بين ~~أيديهما ، وأبو عبد الله يقول للناس : هذا مولاكم ، وهو يبكي ms033 من شدة الفرح ~~، حتى وصل إلى فسطاط ضربه له فنزل فيه ، وبعث الخيل في طلب اليسع ، فأدرك ~~وأخذ ، فضرب بالسياط وقتل . PageV01P065 # وأقام عبيد الله المهدي بسجلماسة أربعين يوما ، ثم سار إلى إفريقية ، ~~وأحضر الأموال من إيكجان فجعلها أحالا ، وصار بها إلى رقادة في العشر ~~الأخير من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين . # وزال مالك بني الأغلب من إفريقية ، وملك بني مدرار من سجلماسة ، وملك بني ~~رستم من تاهرت . # وملك المهدي جميع ذلك ، فلما قرب من رقادة تلقاه أهلها وأهل القيروان ~~وأبو عبد الله ورؤساء كتامة مشاة بين يديه ، وابنه خلفه ، فسلموا عليه ، ~~فرد عليهم ردا جميلا ، وأمرهم بالانصراف ، ونزل بقصر من قصور رقادة . # وأمر يوم الجمعة أن يذكر اسمه في الخطبة ، ويلقب بالمهدي أمير المؤمنين ~~في جميع البلاد ، فما كان بعد صلاة الجمعة جلس رجل يعرف بالشريف ومعه ~~الدعاة ، وأحضروا الناس ، ودعوهم إلى مذهبهم ، وقتل من لم يوافق . # وعرض المهدي جواري زيادة الله فاختار منهن لنفسه ولولده ، وفرق ما بقي ~~على وجوه كتامة ، وقسم عليهم أعمال إفريقية ، ودون الدواوين ، وجبا الأموال ~~، واستقرت قدمه ، ودانت له أهل البلاد ، واستعمل العمال عليها : ~~PageV01P066 # | ذكر قتل أبي عبد الله الشيعي # وكان سبب قتله أن المهدي لما استقامت له البلاد باشر الأمور بنفسه ، وكف ~~يد أبي عبد الله ويد أخيه أبي العباس ، فداخل أبا العباس الحسد ، وعظم عليه ~~الفطام عن الأمر والنهي ، والأخذ والعطاء ، فأقبل يزري على المهدي في مجلس ~~أخيه ، ويتكلم فيه ، وأخوه ينهاه ، ولا يزيده ذلك إلا لجاجا ، ولام أخاه ~~وقال له : ملكت أمرا ، فجئت بمن أزالك عنه ، وكان الواجب عليه أن لا يسقط ~~حقك . # وما زال به حتى أثر في قلب أبي عبد الله ، وقال للمهدي : لو كنت تجلس في ~~قصرك وتتركني مع كتامة آمرهم وأنهاهم ، لأني عارف بعاداتهم لكان ذلك أهيب ~~لك في أعين الناس . # وكان قد بلغ المهدي ما يجهر به أبو العباس ، فرد ردا لطيفا ، وأسر ذلك في ~~نفسه . # وأخذ أبو العباس يسر إلى المقدمين بما في نفسه ، ويقول ms034 . # ما جازاكم على ما فعلتم ، بل أخذ هو الأموال من إيكجان ، ولم يقسمها فيكم ~~. وكل ذلك يبلغ المهدي وهو يتغافل ، فزاد أبو العباس في القول ، حتى قال : ~~إن هذا ليس بالذي كنا نعتقد طاعته وندعو إليه ، لأن المهدي يأتي بالآيات ~~الباهرة . # فأثر ذلك في قلوب كثير من الناس ، حتى إن بعضهم من كتامة واجه المهدي ~~بذلك وقال : إن كنت المهدي فأظهر لنا آية ، فقد شككنا فيك . # فقتله المهدي . # وخافه أبو عبد الله ، وعلم أن المهدي قد تغير عليه ، فاتفق مع أخيه ~~بجماعة من كتامة على المهدي ، ودخلوا عليه مرارا ، فلم يجسروا على قتله ، ~~ونقل ذلك إلى المهدي من رجل PageV01P067 كان يوافقهم على ما هم فيه ، ثم ~~يأتي المهدي فيخبره ، فأخذ المهدي في تفريق القوم في البلاد ، وكان كبيرهم ~~أبو زاكي تمام بن معارك الإيكجاني ، فسيره واليا على طرابلس ، وكتب إلى ~~عاملها سرا بقتله عند وصوله ، فلما وصل أبو زاكي قتله العامل ، وأرسل برأسه ~~إلى المهدي ، فأمر حينئذ بقتل جماعة ، وأعد رجالا لأبي عبد الله وأخيه أبي ~~العباس ، فلما وصلا إلى قرب القصر حمل القوم على أبي عبد الله ، فقال : لا ~~تفعلوا فقالوا له : إن الذي أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك ، فقتل هو وأخوه في ~~اليوم الذي قتل فيه أبو زاكي ، وذلك يوم الاثنين للنصف من جمادى الآخرة سنة ~~ثمان وتسعين ومائتين بمدينة رقادة ، وصلى عليه المهدي ، وقال : رحمك الله ~~أبا عبد الله وجزاك خيرا بجميل سعيك . # وثارت فتنة بسبب قتلهما ، وجرد أصحابها السيوف ، فركب المهدي وأمن الناس ~~فسكنوا ثم تتبعهم حتى قتلهم . # وثارت فتنة ثانية بين كتامة وأهل القيروان قتل فيها خلق كثير ، فخرج ~~المهدي وسكن الفتنة ، وكف الدعاة عن طلب التشيع من العامة . # وكان أبو عبد الله من الرجال الدهاة الخبيرين بما يصنعون ، أحد رجالات ~~العالم القائمين بنقض الدول وإقامة الممالك العظيمة من غير مال ولا رجال . # ولما قتل أبو عبد الله واستقام أمر المهدي عهد إلى ولده أبي القاسم ~~بالخلافة ، ورجعت كتامة إلى بلادهم فأقاموا طفلا ، وقالوا : هذا هو ms035 المهدي ~~، ثم زعموا أنه يوحى إليه ، وزعموا أن أبا عبد الله لم يمت ، فبعث إليهم ~~المهدي ابنه أبا القاسم ، فقاتلهم حتى هزمهم ، واتبعهم إلى البحر ، وقتل ~~منهم خلقا كثيرا ، وقتل الطفل الذي أقاموه . # ثم إن أهل صقلية خالفوا على المهدي ، فأنفذ إليها ، وقتل من أهلها . # وخالف عليه أهل تاهرت ، فغزاها ، وقتل أهل الخلاف ، وتتبع بني الأغلب ، ~~فقتل منهم جماعة برقادة . # فلما كان سنة إحدى وثلاثمائة جهز المهدي العساكر من إفريقية مع ولده أبي ~~القاسم إلى مصر ، فساروا إلى برقة ، واستولوا عليها في ذي الحجة ، وساروا ~~إلى الاسكندرية والفيوم PageV01P068 فضيق على أهلهما ، وبعث المقتدر بالله ~~مؤنسا الخادم في جيش كثيف ، فحاربهم وأجلاهم عن مصر إلى المغرب . # وكان سبب تحرك أبي القاسم بن المهدي إلى حرب أهل مصر أنه وجه إلى بغداد ~~قصيدة يفخر فيها بنسبه ، وبما فتح من البلاد ، فأجابه الصولي بقصيدة على ~~وزنها ورويها ، فمنها : # فلو كانت الدنيا مثالا لطائر . . . لكان لكم منها بما حزتم الذنب # فحرك همته هذا البيت ، وقال : والله لا أزال حتى أملك صدر الطائر ورأسه ~~إن قدرت ، وإلا أهلك دونه . # وكابد على ديار مصر من الحروب أهوالا ، ومات ولم يظفر بها ، وأوصى ابنه ~~المنصور بما كان في عزمه ، فشغلته الفتن ، وكان الظافر بها المعز . # فلما كان في سنة اثنتين وثلاثمائة أنفذ المهدي جيشا مع قائد من قواده ~~يقال له حباسة في البحر ، فغلب على الاسكندرية ، ثم سار منها يريد مصر ، ~~فأرسل المقتدر بالله مؤنسا في عسكر إلى مصر ، وأمده بالسلاح والأموال ، ~~فالتقى بحباسة في جمادى الأولى ، فكانت بينهما حروب كثيرة ، قتل فيها من ~~الفريقين جمع عظيم ، وانهزم حباسة في سلخ جمادى الآخرة ، ويقال إنه قتل في ~~هذه الواقعة سبعة آلاف ولما صار حباسة إلى المغرب قتله المهدي . # وفيها ، خالف عليه عروبة بن سيف الكتامي بالقيروان ، واجتمع عليه خلق ~~كثير من كتامة والبرابر ، فأخرج إليهم المهدي موالاه غالبا ، فاقتتلوا ، ~~فقتل غالب في عالم لا يحصى ، وجيء بعدة رءوس إلى المهدي في قفة ، فقال : ~~PageV01P069 ما أعجب أمور الدنيا ms036 ، قد جمعت هذه القفة رؤوس هؤلاء ، وقد كان ~~يضيق بهم فضاء المغرب . ثم إن المهدي خرج بنفسه يرتاج موضعا على ساحل البحر ~~يتخذ فيه مدينة ، وكان يجد في الكتب خروج أبي يزيد النكاري على دولته ، فلم ~~يجد موضعا أحسن ولا أحصن من موضع المهدية ، وهي جزيرة متصلة بالبر كهيئة كف ~~متصلة بزند ، فبناها ، وجعلها دار ملكه ، وجعل لها سورا محكما ، وأبوابا ~~عظيمة ، زنة كل مصراع مائة قنطار . # وكان ابتداء بنائها في يوم السبت لخمس خلون من ذي القعدة سنة ثلاث ~~وثلاثمائة ، فلما ارتفع السور أمر راميا بالقوس يرمى سهما إلى ناحية المغرب ~~، فرمى بسهم فانتهى موضع المصلى ، فقال : إلى موضع هذا يصل صاحب الحمار ~~يعني أبا يزيد الخارجي فإنه كان يركب حمارا . # وكان يأمر الصناع بما يعملون ، وأمر أن تنقر دار صناعة في الجبل تسع مائة ~~شينى ، PageV01P070 وعليها باب مغلق ، ونقر في أرضها أهراء للطعام ، ومصانع ~~للماء ، وبنى فيها القصور والدور ، فلما فرغ منها قال : اليوم آمنت على ~~الفاطميات يعني بناته ، وارتحل عنها . # ولما رأى إعجاب الناس بها وبحصانتها قال : هذه بنيتها لتعتصم بها الفواطم ~~ساعة من نهار ، فكان كذلك ، لأن أبا يزيد وصل إلى موضع السهم ووقف فيه ساعة ~~وعاد ولم يظفر . # فلما كان في سنة ست وثلاثمائة جهز المهدي جيشا كثيفا مع ابنه أبي القاسم ~~إلى مصر ، وهي المرة الثانية ، فوصل الاسكندرية في ربيع الآخر ، ودخلها ~~القاسم ، ثم سار منها ، وملك الأشمونين وكثيرا من الصعيد ، وكتب إلى أهل ~~مكة يدعوهم إلى طاعته ، فلم يقبلوا منه ، فبعث المقتدر مؤنسا الخادم في ~~شعبان ، فوصل إلى مصر ، وكانت بينه وبين القائم عدة وقعات . # ووصل من إفريقية ثمانون مركبا نجدة للقائم من أبيه ، فأرست بالاسكندرية ، ~~وعليها سليمان الخادم ، ويعقوب الكتامي ، وكانا شجاعين . فأمر المقتدر أن ~~تسير مراكب طرسوس ، فسار إليهم خمس وعشرون مركبا ، فيها النفط والعدد ، ~~فالتقت المراكب على رشيد ، فظفرت مراكب المقتدر ، وأحرقوا كثيرا من مراكب ~~إفريقية ، وأهلك أكثر أهلها وأسر منها كثير ، فيهم سليمان ويعقوب ، فمات ~~سليمان بمصر في الحبس ms037 ، وحمل يعقوب إلى بغداد ، فهرب منها ، وعاد إلى ~~إفريقية . # وغلب مؤنس عساكر القائم ، ووقع فيهم الغلاء والوباء ، فمات كثير منهم ، ~~ورجع من بقي إلى PageV01P071 إفريقية ، وفيهم القائم ، وتلقب مؤنس الخادم ~~من حينئذ بالمظفر ، لغلبته عساكر المغرب غير مرة . # فلما كانت سنة خمس عشرة وثلاثمائة سير المهدي ابنه أبا القاسم من المهدية ~~إلى المغرب في جيش كثير ، في صفر ، بسبب خارجي خرج عليه ، وقتل خلقا ، فوصل ~~إلى ما وراء تاهرت . # وعاد فخط برمحه في الأرض صفة مدينة سماها المحمدية ، وكانت خطة لبني ~~كملان ، فأخرجهم منها إلى فحص القيروان ، كالمتوقع منهم أمرا ، فلذلك أحب ~~أن يكونوا قريبا منه ، وهم كانوا أصحاب أبي يزيد الخارجي . # وكان المهدي يشبه في خلفاء بني العباس بالسفاح ، فإن السفاح خرج من ~~الحميمة بالشام ، يطلب الخلافة والسيف يقطر دما ، والطلب مراصد ، وأبو سلمة ~~الخلال يؤسس له الأمر ، ويبث دعوته ؛ وعبيد الله خرج من سلمية في الشام ، ~~وقد أذكيت العيون عليه ، وأبو عبد الله الشيعي ساع في تمهيد دولته ، ~~وكلاهما تم له الأمر ، وقتل من قام بدعوته . # وانتقل كثير من الناس إلى المحمدية ، وأمر عاملها أن يكثر من الطعام ، ~~ويخزنه ويحتفظ به ، ففعل ذلك ، فلم يزل مخزونا حتى خرج أبو يزيد ، ولقيه ~~المنصور بن القائم بن المهدي ، ومن المحمدية كان يمتار ما يريد إذ ليس ~~بالموضع مدينة سواها . # فلما كان يوم الاثنين الرابع عشر ، وقيل وقت صلاة المغرب ليلة الثلاثاء ~~النصف من ربيع الأول ، سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة توفي أبو محمد عبيد ~~الله المهدي بالمهدية ، وأخفى ابنه أبو القاسم موته سنة لتدبير كان له ، ~~فإنه كان يخاف الناس إذا علموا بموت المهدي . PageV01P072 # وكان عمر المهدي لما توفى ثلاثا وستين سنة لم تكمل . # وكانت ولايته منذ دخل رقادة ودعى له بالإقامة إلى أن توفي أربعا وعشرين ~~سنة ، وعشرة أشهر ، وعشرين يوما . # وقيل : كانت ولادته بسلمية من أرض الشام في سنة تسع وخمسين ، وقيل سنة ~~ستين ومائتين ؛ وقيل : ولد بالكوفة . # ودعى له على منابر رقادة والقيروان يوم الجمعة لسبع بقين من ms038 ربيع الآخر ~~سنة سبع وتسعين ومائتين . # وتوفي ليلة الثلاثاء منتصف ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة . # ونقش خاتمة : بنصر الإله الممجد ، ينتصر الإمام أبو محمد . # وقال فيه سعدون الورجيلي : كفي عن التثبيط إني زائر . . . من أهل بيت ~~الوحي خير مزور # هذا أمير المؤمنين تضعضعت . . . لقدومه أركان كل أمير # هذا الإمام الفاطمي ومن به . . . أمنت مغاربها من المحذور # والشرق ليس لشامه وعراقه . . . من مهرب من جيشه المنصور # حتى يفوز من الخلافة بالغ . . . ويفاز منه بعدله المنشور PageV01P073 # | القائم بأمر الله أبو القاسم محمد وقيل عبد الرحمن بن المهدي عبيد الله # ولد بسلمية في المحرم سنة ثمانين وقيل سبع وسبعين ومائتين ، ورحل مع أبيه ~~إلى المغرب ، وعهد إليه من بعده . # فلما مات أبوه ، وفرغ من جميع ما يريده ، وتمكن ، أظهر موت أبيه ، وتبع ~~سنة أبيه ، وثار عليه جماعة ، فتمكن منهم . # وخرج عليه ابن طالوت في ناحية طرابلس ، فبعث إليه وقتله ، وجهز جيشا ~~كثيرا إلى المغرب ، فهزم خارجيا هناك . # وسير جيشا في البحر إلى بلد الروم ، فسبى وغنم في بلد جنوه . # وسير جيشا بالغ في النفقة عليهم إلى مصر ، فدخلوا الاسكندرية ، فبعث ~~الأخشيد فهزمهم . PageV01P074 # | ذكر أبي يزيد مخلد بن كيداد الخارجي وحروبه # وذلك أنه لما كان سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة خرج أبو يزيد بن كيداد ~~النكاري الخارجي بإفريقية ، واشتدت شوكته ، وكثرت أتباعه ، وهزم الجيوش . # وكان ابتداء أمره أنه من زناة من مدينة توزر ، وكان أبوه يختلف إلى بلاد ~~السودان للتجارة ، فولد بها أبو يزيد من جارية صفراء هوارية ، فأتى به إلى ~~توزر ، فنشأ بها ، وتعلم القرآن ، وخالط جماعة من النكارية ، فمالت نفسه ~~إلى مذهبهم ، ثم سافر إلى تاهرت ، فأقام بها يعلم الصبيان إلى أن خرج أبو ~~عبد الله الشيعي إلى سجلماسة في طلب عبيد الله المهدي ، فانتقل إلى تقيوس ، ~~واشترى ضيعة ، وأقام يعلم الناس فيها . # وكان مذهبه تكفير أهل الملة ، واستباحة الأموال والدماء ، والخروج على ~~السلطان ، فابتدأ يحتسب على الناس في أفعالهم ، وصار له جماعة يعظمونه ، ~~وذلك في أيام المهدي سنة ست عشرة وثلاثمائة ms039 . # وتزايدت شوكته ، وكثرت أتباعه في أيام القائم ، وحاصر باغاية ، وهزم ~~الجيوش الكثيرة ، ثم حاصر قسطيلية سنة ثلاث وثلاثين ، وفتح تبسة ومجانة ، ~~وهدم سورها ، ودخل مدينة مرمجنة ، فلقيه رجل من أهلها ، وأهدى له حمارا ~~أشهب مليح الصورة ، PageV01P075 فركبه من ذلك اليوم ، وصار يعرف براكب ~~الحمار ، وكان قصيرا أعرج يلبس جبة صوف قصيرة ، وكان قبيح الصورة . # ثم إنه هزم كتامة ، وافتتح سبتية ، وصلب عاملها ، وفتح مدينة الأربس ، ~~وأحرقها ونهبها ، والتجأ الناس إلى الجامع فقتلهم فيه ، وبلغ ذلك أهل ~~المهدية فاستعظموه ، وقالوا للقائم : الأربس باب إفريقية ، ولما أخذت زالت ~~دولة بني الأغلب ، فقال : لا بد أن يبلغ أبو يزيد المصلى ، وهي أقصى غايته ~~. # وأخرج القائم الجيوش لضبط البلاد ، وجمع العساكر ، وبعث جيشا مع فتاه ~~ميسور ، وجيشا مع فتاه بشرى ، فسار أبو يزيد وواقع بشرى على باجة ، فانهزم ~~أبو يزيد ، وصار في أربعمائة ، فمال إلى خيام بشرى وانتهبها ، فانهزم بشرى ~~إلى تونس وقتل كثير من عسكره ، وملك أبو يزيد باجة ، وحرقها ، ونهبها ، ~~وقتل الأطفال ، وأخذ النساء ، وكتب إلى القبائل يدعوهم إلى نفسه فأتوه ، ~~وعمل الأخبية والبنود وآلات الحرب . # وجمع بشرى جيشا وأنفذه إلى أبي يزيد ، فسير إليهم أبو يزيد جيشا ، ~~والتقوا ، وانهزم أصحاب أبي يزيد . # وكانت فتنة بتونس ، وهرب عاملها ، وكاتبوا أبا يزيد فأمنهم ، وولى عليهم ~~رجلا منهم ، فخافه الناس ، وانتقلوا إلى القيروان ، وأتاه كثير منهم ، ثم ~~لقيه بشرى ، فانهزم عسكر أبي يزيد ، وقتل منهم أربعة آلاف ، وأسر خمسمائة ، ~~وبعث بهم إلى المهدية في السلاسل ، فقتلهم العامة . # فغضب لذلك أبو يزيد ، وجمع الجموع . PageV01P076 # وسار إلى قتال الكتاميين فتلاقى مع طلائعهم ، فانهزمت الطلائع ، وتبعهم ~~البربر إلى رقادة ، فنزل أبو يزيد بالقرب من القيروان في مائة ألف مقاتل ، ~~وقاتل أهل رقادة ، فقتل من أهل القيروان خلقا كثيرا ، ودخل القيروان عسكره ~~في أواخر صفر ، فانتهبوا البلد وقتلوا ، وأخذ عامل القيروان فحمل إلى أبي ~~يزيد فقتله . # وخرج شيوخ القيروان إلى أبي يزيد وهو برقادة فطلبوا الأمان فماطلهم ، ~~وأصحابه يقتلون وينهبون ، فعادوا إلى الشكوى وقالوا : خربت المدينة . # فقال : وما ms040 تكون ؟ خربت مكة والبيت المقدس ؟ ! ثم قدم ميسور في عساكر ~~عظيمة ، فالتقى بأبي يزيد ، واشتد القتال بينهما ، وقتل ميسور ، وحمل رأسه ~~إلى أبي يزيد ، فانهزم عامة عسكره . # وسير أبو يزيد الكتب إلى عامة البلاد يخبر بهذا الظفر فخاف القائم ومن ~~معه بالمدينة ، وانتقل الناس من أرباضها ، فاحتموا بالسور ، فمنعهم القائم ~~، ووعدهم الظفر ، فعادوا إلى زويلة واستعدوا ، وأقام أبو يزيد شهرين ~~وثمانية أيام في خيم ميسور ، وهو يبعث السرايا إلى كل ناحية ، فيغنمون ~~ويعودون ؛ وفتح سوسة بالسيف ، وقتل الرجال ، وسبى النساء ، وأحرق البلد ، ~~وشق أصحابه فروج النساء ، وبقروا البطون ، حتى لم يبق موضع في إفريقية ~~معمور ، ولا سقف مرفوع ، ومضى جميع من بقى إلى القيروان حفاة عراة ، فمات ~~أكثرهم جوعا وعطشا . PageV01P077 # وفي أواخر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة حفر القائم الخنادق حول ~~أرباض المهدية ، وكتب إلى زيرى بن مناد سيد صنهاجة ، وإلى سادات كتامة ~~والقبائل بحثهم على الاجتماع بالمهدية ، فتأهبوا للمسير إليه . # ورحل أبو يزيد نحو المهدية ، فنزل على خمسة عشر ميلا منها ، وبث سراياه ~~فانتهبوا ما وجدوا ، وقتلوا من أصابوا . # فلما كان يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الأولى من السنة خرجت كتامة ~~وأصحاب القائم إلى أبي يزيد ، فالتقوا على ستة أميال من المهدية ، واقتتلوا ~~مع أصحاب أبي يزيد ، وأدركهم أبو يزيد وقد انهزم أصحابه وقتل كثير منهم ، ~~فلما رآه الكتاميون انهزموا من غير قتال ، وأبو يزيد في أثرهم إلى باب ~~الفتح . # واقتحم قوم من البربر باب الفتح ، وأشرف أبو يزيد على المهدية ، ثم رجع ~~إلى منزله ، وعاد إلى المهدية ، ووقف على الخندق المحدث ، وقاتل عليه حتى ~~وصل إلى باب المهدية عند المصلى الذي للعيد وبينه وبين المهدية رمية سهم ، ~~وتفرق أصحابه في زويلة ينهبون ويقتلون ، وهم لا يعلمون ما صنع أبو يزيد في ~~ذلك الجانب ، فحمل الكتاميون على البربر ، وهزموهم وقتلوا منهم . # ووصل زيرى بن مناد فعظم القتال ، وتحير أبو يزيد ، وقد مالوا عليه ~~ليقتلوه ، فتخلص إلى منزله بعد المغرب ، ورحل إلى ترنوطة ، وحفر على عسكره ~~خندقا ، واجتمع ms041 PageV01P078 إليه خلق عظيم من إفريقية والبربر ونفوسة ، ~~والزاب ، وأقاصي المغرب ، فحصر المهدية حصارا شديدا ، ومنع الناس من الدخول ~~إليها والخروج منها . # ثم زحف إليها لسبع بقين من جمادى الآخرة ، فجرى قتال عظيم قتل فيه جماعة ~~من وجوه عسكر القائم ، واقتحم أبو يزيد بنفسه حتى وصل قرب الباب ، فعرفه ~~بعض العبيد فقبض على لجامه وصاح : هذا أبو يزيد فاقتلوه . # فأتاه بعض أصحابه وقطع يد العبد وخلص أبو يزيد ؛ وكتب إلى عامل القيروان ~~بإرسال مقاتلة أهلها إليه ، ففعل ذلك ، وزحف بهم آخر رجب ، فجرى قتال شديد ~~، وانهزم أبو يزيد هزيمة منكرة ، وقتل جماعة من أصحابه وأكثر أهل القيروان ~~. # ثم زحف الزحفة الرابعة في العشر الآخر من شوال ، فجرى قتال عظيم ، وانصرف ~~إلى منزله ، وكثر خروج الناس إليه من الجوع والغلاء ، ففتح عند ذلك القائم ~~الأهراء التي عملها أبوه المهدي ، وفرق ما فيها على رجاله ، وعظم البلاء ~~على الرعية ، حتى أكلوا الدواب الميتة ، وخرج من المهدية أكثر السوقة ~~والتجار ، ولم يبق بها سوى الجند ، فكان البربر يأخذون من خرج ، ويشقون ~~بطونهم طلبا للذهب . # ثم وصلت كتامة فنزلت بقسطنطينة ، فخاف أبو يزيد ، وكان البربر يأتون إلى ~~أبي يزيد من كل ناحية فينهبون ويرجعون إلى منازلهم ، حتى أفنوا ما كان في ~~إفريقية ، فلما لم يبق مع أبي يزيد سوى أهل أوراس وبني كملان أخرج عسكره ، ~~فكان بينهم قتال شديد لست خلون من ذي القعدة ، ثم صبحوهم من الغد فلم يخرج ~~إليهم أحد . # ثم زحفت عساكر القائم إليه ، فخرج من خندقه ، واشتد بينهم القتال ، ثم ~~عادوا إلى PageV01P079 القتال ، فانهزم عسكر القائم ، وعاد الحصار على ما ~~كان عليه ، وهرب كثير من أهل المهدية إلى جزيرة صقلية ، وطرابلس ، ومصر ، ~~وبلد الروم . # فلما كان آخر ذي القعدة اجتمع لأبي يزيد جمع عظيم ، وتقدم إلى المهدية ، ~~فقاتل عليها ، وكاد أن يؤخذ ، ثم خلص . # سنة أربع وثلاثين # وهو مقيم على المهدية وفي المحرم منها ظهر بإفريقية رجل يدعو إلى نفسه ، ~~فأجابه كثير من الناس ، وادعى أنه رجل عباسي ورد من بغداد ms042 ، ومعه أعلام سود ~~، فظفر به أصحاب أبي يزيد وساقوه إليه فقتله . وفر بعض أصحاب أبي يزيد إلى ~~المهدية ، وخرجوا مع أصحاب القائم ، فقاتلوا أبا يزيد فظفروا ، وتفرق عند ~~ذلك أصحاب أبي يزيد ، ولم يبق معه غير هوارة وبني كملان وكان اعتماده عليهم ~~. # ورحل بقية أصحابه إلى القيروان ، ولم يشاوروا أبا يزيد ، فرحل مسرعا في ~~طائفة ، وترك جميع أثقاله ، وذلك في سادس صفر ، فنزل مصلى القيروان ، فخرج ~~أهل المهدية إلى أثقاله ، فغنموا طعاما كثيرا وخياما ، فحسنت حالهم ، ورخصت ~~الأسعار ، وبعث القائم إلى البلاد عمالا يطردون عمال أبي يزيد . # ثم إن أبا يزيد بعث عسكرا إلى تونس فدخلوها بالسيف في العشرين من صفر ، ~~فنهبوا جميع ما فيها ، وسبوا النساء والأطفال ، وقتلوا الرجال ، وهدموا ~~المساجد ، والتجأ كثير من الناس إلى البحر فغرقوا . فسير القائم عسكرا ~~لقتال أصحاب أبي يزيد في تونس ، فانهزم عسكر القائم ، وتبعهم أصحاب أبي ~~يزيد ، فكر عليهم عسكر القائم وصبروا ، فانهزم أصحاب أبي يزيد ، وقتل منهم ~~خلق كثير . PageV01P080 # ودخلوا إلى تونس خامس ربيع الأول ، فأخرجوا من فيها من أصحاب أبي يزيد ، ~~فبعث أبو يزيد ابنه فقتل أهل البلد ، وأحرق ما بقي فيه ، وتوجه إلى باجة ، ~~فقتل من بها من أصحاب القائم ، ودخلها بالسيف وأحرقها ؛ وكان في هذه المدة ~~من القتل والسبي والتخريب ما لا يوصف . # وهم جماعة من أصحاب أبي يزيد بقتله ، وكاتبوا القائم بذلك ، فظفر بهم أبو ~~يزيد فقتلهم ، وكثر النهب والسبي في القيروان . # وكان القائم قد بعث يجمع العساكر من المسيلة وغيرها ، فاجتمع له خلق كثير ~~، فطرقهم أيوب بن أبي يزيد على حين غفلة فقتل منهم ، وغنم أثقالهم ، وسير ~~جريدة إلى تونس ، فأوقعوا بعسكر القائم ، وتكررت الحرب بينهم ، فانهزم ~~أصحاب أبي يزيد ، وقتلوا قتلا ذريعا ، وأخذت أثقالهم ، وانهزم أيوب إلى ~~القيروان في ربيع الأول ، فعظم على أبي يزيد ، وجمع على ابنه أيوب فسار ؟ ، ~~وتوالت بينه وبين أصحاب القائم الحروب إلى أن هزمت أصحاب القائم من عسكر ~~أبي يزيد ، ثم تجمعت عسكر القائم ، وواقعت أصحاب أبي يزيد على قسنطينة ms043 ، ~~فانهزمت أصحاب أبي يزيد . # فجد حينئذ أبو يزيد في أمره ، وجمع العساكر ، وسار إلى سوسة سادس جمادى ~~الآخرة ، وبها جيش القائم ، فحصرها حصرا شديدا ، وعمل عليها الدبابات ~~PageV01P081 والمنجنيقات ، وقتل من أهلها خلق كثير . # فلما كان في شهر رمضان مات القائم ، وقام من بعده ابنه المنصور ، فكتم ~~موت أبيه خوفا من أي يزيد ، وعمل المراكب وشحنها بالرجال ، وسيرها إلى سوسة ~~، وسار بنفسه إليها ، ثم عاد ، وقدمت المراكب فواقعت أبا يزيد حتى انهزم هو ~~وأصحابه ، وأحرقوا خيامه ، فدخل أبو يزيد إلى القيروان ، وفر البربر على ~~وجوههم ، فمات أكثرهم جوعا وعطشا . # ومنع أهل القيروان أبا يزيد من دخول البلد ، وحصروا عامله بها ، فالتحق ~~به ، وأخذ أبو يزيد امرأته أم أيوب ، وتبعه أصحابه بعيالاتهم على سبيبة ، ~~وهي على يومين من القيروان فنزلوها . # وسار المنصور إلى مدينة سوسة لسبع بقين من شوال ، وبعث فنادى في الناس ~~بالأمان ، ورحل إلى القيروان لست بقين من شوال ، فخرج إليه الناس فأمنهم ، ~~ووجد بالقيروان حرما وأولاد لأبي يزيد ، فحملهم إلى المهدية وأجرى عليهم ~~الأرزاق . # وجمع أبو زيد العساكر ، وبعث سرية يتخبرون له ، فأرسل إليهم المنصور سرية ~~، فالتقوا واقتتلوا ، وهزموا أصحاب المنصور ، وبلغ الناس ، ذلك فتسرعوا إلى ~~أبي يزيد وكثر جمعه ، وزحف إلى القيروان ، فواقعه المنصور حتى ظفر ، وباشر ~~بنفسه القتال ، وجعل يحمل يمينا وشمالا ، والمظلة على رأسه كالعلم ، ومعه ~~نحو خمسمائة فارس ، وأبو يزيد في قدر PageV01P082 ثلاثين ألفا ، فانهزم ~~أصحاب المنصور هزيمة عظيمة حتى دخلوا الخندق ، وبقي المنصور في نحو عشرين ~~فارسا وقصده أبو يزيد ، فلما رآه شهر سيفه ، وثبت مكانه ، وحمل بنفسه على ~~أبي يزيد ، حتى كاد يقتله ، فولى أبو يزيد هاربا ، وقتل المنصور من أدرك ~~منهم ، وتلاحقت به العساكر ، فقتل من أصحاب أبي يزيد خلقا كثيرا . # وكان يوما من الأيام المشهودة التي لم يكن فيما مضى من الأيام مثله ، ~~وعاين الناس من شجاعة المنصور ما لم يظنوه ، فزادت مهابته في قلوبهم . # ورحل أبو يزيد عن القيروان أواخر ذي القعدة ، ثم عاد إليها غير مرة ، فلم ~~يخرج إليه ms044 أحد ، ونادى المنصور : من أتى برأس أبي يزيد فله عشرة آلاف دينار ~~. وأذن للناس في قتال أبي زيد ، فجرى قتال شديد انهزم فيه أصحاب المنصور ~~حتى دخلوا الخندق ، ثم عادوا فهزموا أصحاب أبي يزيد ، وافترقوا وقد انتصف ~~بعضهم من بعض ، وكثرت القتلى من الفريقين ، وعادت الحرب بينهما غير مرة ، ~~وأبو يزيد يبعث السرايا فيقطع الطريق بين المهدية والقيروان وسوسة . # ثم إنه بعث إلى المنصور يسأل حرمه وعياله الذين خلفهم بالقيروان وأخذهم ~~المنصور ، ليدخل في طاعته ، على أن يؤمنه وأصحابه ، وحلف على ذلك بأغلظ ~~الأيمان ، فسير إليه المنصور عياله مكرمين ، بعد أن وصلهم وكساهم ، فلما ~~وصلوا إليه نكث ، وقال : إنما وجههم خوفا مني . # وانقضت سنة أربع وثلاثين وهم على حالهم . # ففي خامس المحرم سنة خمس وثلاثين زحف أبو يزيد ، وركب المنصور ، وكان ~~بينهما قتال ما سمع بمثله ، وحملت البربر على المنصور ، وحمل عليها ، وجعل ~~يضرب فيهم ، فانهزموا بعد أن قتل خلق كثير . # فلما انتصف المحرم عبى المنصور عسكره ، فجعل على ميمنته أهل إفريقية ، ~~وعلى ميسرته كتامة ، وركب في القلب ومعه عبيده وخاصته ، فوقع بين الفريقين ~~قتال شديد ، PageV01P083 وحمل أبو يزيد على ميمنة المنصور فهزمها ، ثم حمل ~~على القلب فوقع إليه المنصور ، وقال : هذا يوم الفتح إن شاء الله تعالى . # وحمل فيمن معه حملة رجل واحد ، فانهزم أبو يزيد ، وأخذت السيوف أصحابه ، ~~فولوا منهزمين ، وأسلموا أثقالهم ، وفر أبو يزيد على وجهه ، وقد قتل من ~~أصحابه ما لا يحصى كثرة ، حتى أن الذي أخذه أطفال أهل القيروان خاصة من ~~رؤوس القتلى عشرة آلاف رأس . # وأقام المنصور يتجهز ، ثم رحل أواخر ربيع الأول ، فأدرك أبا يزيد ، ففر ~~منه فتبعه ، وصار كلما قصد أبو يزيد موضعا يتحصن فيه يسبقه المنصور إليه ، ~~واستأمن بعض أصحابه فأمنه المنصور ، واستمر الهرب بأبي يزيد حتى وصل إلى ~~جبل البربر وأهله على مذهبه ، وسلك الرمال ، فاجتمع معه خلق كثير ، وواقع ~~عسكره المنصور ، فهزم الميمنة ، وحمل عليه المنصور بنفسه فانهزم ، وتبعه ~~المنصور إلى جبال وعرة ، وأودية عميقة خشنة الأرض ، فمنعت الأدلاء ms045 المنصور ~~من سلوك تلك الأرض ، وقالوا إنه لم يسلكها جيش قط . # واشتد الأمر على عسكر المنصور ، فبلغ عليق كل دابة دينارا ونصفا ، وبلغت ~~قربة الماء دينارا ، هذا وما وراء ذلك رمال وقفار وبلاد السودان التي ليس ~~فيها عمارة ، وقيل للمنصور : إن أبا يزيد اختار الموت جوعا وعطشا على القتل ~~بالسيف . # فلما سمع المنصور ذلك رجع إلى بلاد صنهاجة ، فاتصل به الأمير زيرى بن ~~مناد الصنهاجي ، بعساكر صنهاجة ، فأكرمه المنصور ، وأتته الأخبار بموضع أبي ~~يزيد من الرمال . # ونزل بالمنصور مرض شديد أشفى منه ، فلما أفاق من مرضه رحل إلى المسيلة ~~ثاني رجب ، فإذا أبو يزيد قد سبقه إليها لما سمع بمرض المنصور وهو يحاصرها ~~، فلما علم بالمنصور هرب منه يريد بلاد السودان ، فخدعه بنو كملان هم ~~وهوارة ومنعوه من ذلك ، وأصعدوه إلى جبال كتامة وغيرهم فتحصن بها ، واجتمع ~~إليه أهلها ، وصاروا ينزلون ويتخطفون الناس ، فسار المنصور عاشر شعبان إليه ~~، فلم ينزل أبو يزيد ، فلما أخذ المنصور في العود ، نزل أبو يزيد إلى ساقة ~~العسكر ، فرجع المنصور ، ووقعت الحرب ، فانهزم أبو يزيد ، وأسلم أصحابه ~~وأولاده ، وأدركه فارسان فعقرا فرسه ، فسقط عنه ، فأركبه بعض أصحابه ، ~~PageV01P084 وأدركه الأمير زيرى فطعنه وألقاه ، وكثر عليه القتال حتى خلصه ~~أصحابه ، وخلصوا به ، وتبعهم المنصور فقتل منهم ما يزيد على عشرة آلاف . # وسار المنصور في أثره أول رمضان ، فاقتتلوا أشد قتال ، ولم يقدر أحد ~~الفريقين على الهزيمة لضيق المكان وخشونته ، ثم انهزم أبو يزيد ، وطلع ~~أصحابه على رؤوس الجبال يرمون بالصخر ، واشتد الأمر حتى تواخذوا بالأيدي ، ~~وكثر القتل حتى ظنوا أنه الفناء ، وافترقوا على السواء . # والتجأ أبو يزيد إلى قلعة كتامة وهي منيعة فاحتمى بها ، وأقبلت هواره ~~وأكثر من مع أبي يزيد يطلبون الأمان ، فأمنهم المنصور ، وسار فحصر القلعة ، ~~وفرق جنده حولها ، فناشبه أبو يزيد القتال ، وزحف إليها المنصور غير مرة ~~حتى ملك بعض أصحابه مكانا من القلعة ، وألقوا فيها النيران ، فانهزم أصحاب ~~أبي يزيد ، وقتلوا قتيلا ذريعا ، وامتنع أبو يزيد وأولاده في قصر بالقلعة ~~ومعه أعيان أصحابه ms046 ، فاجتمع أصحاب المنصور ، وأحرقوا شعارى الجبل حتى لا ~~يهرب أبو يزيد فصار الليل كالنهار . فلما كان آخر الليل خرج أصحاب أبي يزيد ~~وهم يحملونه على أيديهم ، وحملوا على الناس حملة منكرة ، فأفرجوا له ، ~~ونجوا به ، ونزل من القلعة خلق كثير ، فأخذوا وأخبروا بخروج أبي يزيد ، ~~فأمر المنصور بطلبه ، وقال : ما أظنه إلا قريبا منا . # فبينما هم كذلك إذ جاء الخبر أن ثلاثة من أصحاب أبي يزيد حملوه من ~~المعركة لقبح عرجه ، فذهب لينزل من الوعر فسقط في مكان صعب ، فأخذ وحمل إلى ~~المنصور يوم الأحد لخمس بقين من المحرم ، وبه جراحات ، فلما رآه سجد شكرا ~~لله . وقدم به والناس يكبرون حوله ، فأقام عنده إلى سلخ المحرم من سنة ست ~~وثلاثين وثلاثمائة ؛ فمات من جراح كانت به ، فأمر المنصور بادخاله في قفص ~~عمل له ، وجعل معه قردين يلعبان عليه ، وأمر بسلخ جلده ، وحشاه تبنا ، وكتب ~~إلى سائر البلاد بالبشارة . PageV01P085 # وخرج عليه بعد أبي يزيد عدة خوارج ، فظفر بهم المنصور . # ثم عاد المنصور إلى المهديلة في شهر رمضان سنة ست وثلاثين . # وكانت وفاة القائم بأمر الله أبو القاسم محمد بن عبيد الله المهدي لثلاث ~~عشرة خلت من شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة . # وقام بالأمر من بعده ابنه أبو طاهر إسماعيل المنصور بنصر الله ، وكتم ~~موته خوفا أن يعلم أبو يزيد ، فإنه كان على سوسة قريبا منه ، فأبقى الأمور ~~على حالها ، ولم يتسم بالخليفة ، ولا غير السكة ولا الخطبة ولا البنود ، ~~وبقى كذلك حتى فرغ من أمر أبي يزيد ، فلما فرغ منه أظهر موت أبيه ، وتسمى ~~بالخلافة ، وعمل آلات الحرب . # ويقال إن القائم لم يرق سريرا ، ولا ركب دابة صيد منذ أفضى إليه الأمر ~~حتى مات ، وإنه صلى مرة على جنازة ، وصلى مرة العيد بالناس . # وكانت مدة خلافته اثنتى عشرة سنة ، وسبعة أشهر ، واثنى عشر يوما . # وعمره ثمانيا وخمسين سنة ، وقيل أربعا وخمسين سنة ، وتسعة أشهر ، وستة ~~أيام . # وأولاده : أبو الطاهر إسماعيل . # وأبو عبد الله جعفر ومات في أيام المعز وحمزة ، وعدنان ، وأبو ms047 كنانة ~~قبضوا بالمغرب ويوسف مات ببرقة سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وعبد الجبار ~~توفي بمصر سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وأربع بنات . # وترك سبع سرارى . PageV01P086 # وكانت قضاته : إسحاق بن أبي المنهال ، ثم مات ، فولى أحمد بن يحيى وقتله ~~أبو يزيد لما فتح إفريقية في صفر سنة ثلاث وثلاثين ، ثم أحمد بن الوليد . # ونقش خاتمه : بنصر الدائم ، ينتصر الإمام أبو القاسم . # وقال فيه أيوب بن إبراهيم : # يا ابن الإمام المرتضى ، وابن الو . . . صي المصطفى ، وابن النبي المرسل # الله أعطاك الخلافة واهبا . . . ورآك للإسلام أمنع معقل # نلت الخلافة ، وهي أعظم رتبة . . . نيلت ، وليست من علاك بأفضل # فمنعت حوزتها ، وحطت حريمها . . . بالمشرفية والوشيج الذبل # وقال خليل بن إسحاق لما بعثه لقتال أبي يزيد : # وما ودعت خير الخلق طرا . . . ولا فارقته عن طيب نفس # ولكني طلب به رضاه . . . وعفو الله يوم حلول رمس # فعاش مملكا ما لاح نجم . . . على الثقلين من جن وإنس PageV01P087 # | المنصور بنصر الله أبو الطاهر إسماعيل ابن محمد القائم بن عبيد الله ~~المهدي # ولد بالمهدية في أول ليلة من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثمائة ، وقيل ولد ~~بالقيروان في سنة اثنتين وثلاثمائة ، وقيل بل في سنة إحدى وثلاثمائة . # وبويع له في شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة . # وتوفي يوم الأحد الثالث وعشرين من شوال ، وقيل يوم الجمعة مع الظهر سلخ ~~شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة ، وسترت وفاته إلى يوم الأحد سابع ذي ~~الحجة منها . # وكان له من العمر إحدى وأربعين سنة وخمسة أشهر . # وكانت ولايته الخلافة بعد أبيه ثماني سنين ، وقيل : سبع سنين وعشرة أيام ~~، وقيل : كان عمره تسعا وثلاثين سنة . # وكان فصيحا بليغا خطيبا حاد الذهن ، حاضر الجواب ، بعيد الغور ، جيد ~~الحدس ، يخترع الخطبة لوقته ؛ وأحواله التي تقدم ذكرها مع أبي يزيد وغيره ~~تدل على شجاعته وعقله . # قال أبو جعفر أحمد بن محمد المرورذي : كنت مع المنصور في اليوم الذي ~~أظهره الله بمخلد بن كيداد أبي يزيد ، وهزمه ، فتقدمت إليه ، وسلمت عليه ، ~~وقبلت يده ، ودعوت له بالنصر والظفر ، فأمرني بالركوب وقد جمع عليه سلاحه ms048 ~~وآلة حربه ، وتقلد سيف جده ذا الفقار ، وأخذ بيده رمحين فحدثته ساعة ، فجال ~~به الفرس ، ورد أحدهما إلى يده اليسرى ، فسقط إحدى الرمحين من يده إلى ~~الأرض ، PageV01P088 فتفاءلت له بالظفر ، ونزلت مسرعا ، فرفعت الرمح من ~~الأرض ، ومسحته بكمي ، فرفعته إليه ، وقبلت يده ، وقلت : # فألقت عصاها واستقر بها النوى . . . كما قر عينا بالإياب المسافر # فأخذ المنصور الرمح من يدي وقال : هلا قلت ما هو خير من هذا وأصدق ؟ . # قال ، قلت : وما هو ؟ . # قال : قال الله عز وجل : ' وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما ~~يأفكون ؛ فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ' ~~. # قال : فقلت : يا مولانا : أنت ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإمام ~~الأمة ، عليكم نزل القرآن ، ومن بيتكم درجت الحكم ، فقلت أنت بما عندك من ~~نور النبوة ، وقال عبدك بما بلغه من علمه ومعرفته بكلام العرب وأهل الشعر . # وكان الأمر كما قال ، فما هو إلا أن أشرف على عسكر أبي يزيد حتى ضرب الله ~~في وجوههم ، فقتلوا ، وأحرق عسكرهم وخيامهم بالنار ، وولى أبو يزيد في بقية ~~أصحابه خائبين إلى داخل المغرب . # ولما صارت الخلافة إلى المنصور في الشهر الذي توفى أبوه فيه ، لم يغير ~~السكة ولا البنود ، وأقام على ذلك إلى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة فأظهر موت ~~أبيه بعد أن ظفر بأبي يزيد . # وكان سبب موته : أنه خرج إلى سفاقس وتونس ، ثم إلى قابس ، وبعث يدعو ~~PageV01P089 أهل جربة إلى الطاعة فأجابوه ، وأخذ منهم رجالا وعاد ، وكانت ~~سفرته شهرا . # وعهد إلى ابنه معد وجعله ولى عهده . # فلما كان شهر رمضان سنة إحدى وأربعين خرج متنزها إلى مدينة جلولاء وهو ~~موضع كثير الثمار ، وفيه من الأترج ما لا يحمل الجمل منه غير أربع أترجات ~~لعظمه فحمل منه إلى قصره ، وكانت له حظية يحبها ، فلما رأت الأترج استحسنته ~~، وأحبت أن تراه في أغصانه ، فأجابها إلى ذلك ، ورحل بها في خاصته ، وأقام ~~بها أياما ثم عاد إلى المنصورية ، فأصابه في الطريق ريح شديد ، وبرد ومطر ~~أقام ms049 أياما ، وكثر الثلج ، فمات جماعة ممن معه . # واعتل المنصور علة شديدة ، ووصل المنصورية ، فأراد عبور الحمام فنهاه ~~طبيبه إسحاق ابن سليمان الإسرائيلي عن ذلك ، فلم يقبل ، ودخل الحمام ففنيت ~~الحرارة الغريزية منه ، ولازمه السهر ، فأخذ طبيبه يعالج المرض دون السهر ، ~~فاشتد ذلك على المنصور وقال لبعض خواصه : أما في القيروان طبيب غير إسحاق ؟ ~~فأحضر إليه شاب من الأطباء يقال له : أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد ~~بن الجزار ، فجمع له أشياء مخدرة ، وكلفه شمها ، فنام ، وخرج وهو مسرور بما ~~فعله ، فجاء إسحاق ليدخل على المنصور ، فقيل له إنه نائم ، فقال : إن كان ~~صنع له شيء ينام منه فقد مات ، فدخلوا عليه فإذا هو ميت ، فدفن في قصره . # وأرادوا قتل ابن الجزار الذي صنع له المنوم ، فقام معه إسحاق ، وقال : ~~PageV01P090 لا ذنب له ، إنما داواه بما ذكره الأطباء ، غير أنه جهل أصل ~~المرض ، وما عرفتموه ، وذلك أنني في معالجته أقصد تقوية الحرارة الغريزية ، ~~وبها يكون النوم ، فلما عولج بما يطفئها علمت أنه قد مات . # وكان نقش خاتمه : بنصر الباطن الظاهر ، ينتصر الإمام أبو الطاهر . # وكان يشبه بأبي جعفر المنصور من خلفاء بني العباس لأن كلا منهما اختلت ~~عليه الدولة ، وأصفقت عليه الحروب ، وكاد يسل من الخلافة ، فهب له ريح ~~النصر ، وتراجع له أمره حتى لم يبق مخالف . # وأولاده : أبو تميم المعز لدين الله : وحيدرة مات بمصر في جمادى الآخرة ~~سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة ، وصلى عليه العزيز بالله . # وهاشم مات بمصر في ربيع الأول سنة ثمان وستين وثلاثمائة ، وصلى عليه ~~العزيز بالله . # وطاهر مات في المحرم سنة تسع وخمسين وثلاثمائة بالمغرب . # وأبو عبد الله الحسين مات بالمغرب . # وخمس بنات : هبة ، وأروى ، وأسماء متن بمصر أيام المعز لدين الله . # وأم سلمة ماتت بمصر أيام العزيز بالله . # ومنصورة ماتت بالمغرب . # وكان له أمهات أولاد ثلاث . # وقضاته : أحمد بن محمد بن أبي الوليد . PageV01P091 # ثم محمد بن أبي المنصور . # ثم عبد الله بن قاسم . # ثم علي بن أبي سفيان . ثم أبو محمد زرارة . # ثم ms050 أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمي . # وحاجبه : جعفر بن علي . PageV01P092 # | المعز لدين الله أبو تميم معد ابن المنصور أبي الطاهر بن القائم أبي ~~القاسم محمد ابن عبيد الله المهدي # قال : ولى الأمر بعد أبيه سلخ شوال وقيل يوم الجمعة سابع عشر سنة إحدى ~~وأربعين وثلاثمائة . # وأقام في تدبير الأمور إلى سابع ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة ، ~~وأذن للناس فدخلوا عليه وقد جلس لهم ، فسلموا عليه بالخلافة ، وكان عمره ~~أربعا وعشرين سنة . # ومولده بالمحمدية على أربع ساعات وأربع أخماس ساعة من يوم الاثنين الحادي ~~عشر من رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة . # ومدة أيامه ثلاث وعشرون سنة ، وخمسة أشهر ، وسبع عشر يوما . # فلما كان في سنة اثنتين وأربعين جالت عساكره في جبل أوراس ، وكان ملجأ كل ~~منافق على الملوك ، يسكنه بنو كملان ومليلة وبعض هوارة ، ولم يدخلوا في ~~طاعة من تقدمه ، فأطاعوا المعز ، ودخلوا معه البلاد ، وتقدم إلى نوابه ~~بالإحسان إلى البربر ، فلم يبق منهم إلا من أتاه وشمله إحسان المعز ، فعظم ~~أمره . # وفي سنة سبع وأربعين عظم أمر أبي الحسين جوهر عند المعز ، وعلا محله ، ~~وصار في رتبة الوزارة ، فسيره في صفر منها على جيش كثيف ، فيهم الأمير زيرى ~~بن مناد الصنهاجي PageV01P093 وغيره ، فسار إلى تاهرت ، وحارب قوما ، ~~وافتتح مدنا ، ونهب وأحرق ، وسار إلى فارس فنازلها مدة ، وسار إلى سجلماسة ~~، وقد قام بها رجل وتلقب بالشاكر لله ، وخوطب بأمير المؤمنين ، ففر من جوهر ~~فتبعه حتى أخذه أسيرا . # ومضى جوهر إلى البحر المحيط ، فأمر أن يصاد من سمكه ، وبعثه في قلال ~~الماء إلى المعز ، وسلك ما هنالك من البلاد فافتتحها ، ثم عاد فقاتل أهل ~~فاس حتى افتتحها عنوة ، وقبض على صاحبها ، وجعله مع صاحب سجلماسة في قفصين ~~، وحملهما إلى المعز بالمهدية ، وعاد في أخريات السنة . # وفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة كان إعذار المعز لدين الله الأمراء بنيه : ~~عبد الله ، وتزار ، وعقيل ؛ فحين عزم على طهورهم كاتب عماله وولاته من لدن ~~برقة إلى أقصى سجلماسة ، وما بين ذلك ، وما حوته مملكته إلى ms051 جزيرة صقلية ~~وما والاها ، في حضر وبدو ، وبحر وبر ، وسهل وجبل ، بطهور من وجد من أولاد ~~سائر الخلق ، حرهم وعبدهم ، وأبيضهم وأسودهم ، ودنيئهم وشريفهم ، ومليهم ~~وذميهم ، الذين حوتهم مملكته ، لمدة شهر ، وتوعد على ترك ذلك ، وأمرهم ~~بالقيام بجميع نفقاتهم وكسوتهم ، وما يصلح أحوالهم من مطعم ومشرب وملبس ~~وطيب وغيره بمقدار رتبهم وأحوالهم ، فكان من جملة المنفق في ذلك مما حمل ~~إلى جزيرة صقلية وحدها من المال سوى الخلع والثياب خمسون حملا من الدنانير ~~، كل حمل عشرة آلاف دينار ، ومثل ذلك إلى كل عامل من عمال مملكته ليفرقه ~~على أهل عمله . # وابتدىء بالختان في مستهل ربيع الأول منها ، فكان المعز يطهر في اليوم من ~~أيام الشهر PageV01P094 بحضرته اثنا عشر ألف صبي وفوقها ودونها ، وختن من ~~أهل صقلية وحدها خمسة عشر ألف صبي ، وكان وزن خرق الأكياس المفرغة مما أنفق ~~في هذا الإعذار مائة وسبعين قنطارا بالبغدادي . # واستدعى المعز وهو بالمنصورية في يوم شات باردة الريح عدة شيوخ من شيوخ ~~كتامة ، وأمر بادخالهم إليه من غير الباب الذي جرى الرسم به ، فإذا هو في ~~مجلس مربع كبير مفروش باللبود على مطارح ، وحوله كساء ، وعليه جبة ، ~~وحواليه أبواب مفتحة تفضى إلى خزائن كتب ، وبين يديه مرفع ودواة ، وكتب ~~حواليه ، فقال : يا إخواننا : أصبحت اليوم في مثل هذا الشتاء والبرد ، فقلت ~~لأم الأمراء وإنها الآن بحيث تسمع كلامي : أترى إخواننا يظنون أنا في مثل ~~هذا اليوم نأكل ونشرب ونتقلب في المثقل والديباج والحرير والفنك والسمور ~~والمسك والخمر والغناء كما يفعل أرباب الدنيا ؟ ! ثم رأيت أن أنفذ إليكم ~~فأحضركم لتشاهدوا حالي إذا خلوت دونكم واحتجبت عنكم ، وأني لا أفضلكم في ~~أحوالكم إلا فيما لا بد لي منه من دنياكم ، وبما خصني الله به من إمامتكم ، ~~وأني مشغول بكتب ترد على من المشرق والمغرب أجيب عنها بخطى ، وأني لا أشتغل ~~بشيء من ملاذ الدنيا إلا بما صان أرواحكم ، وعمر بلادكم ، وأذل أعداءكم ، ~~وقمع أضدادكم . PageV01P095 فافعلوا يا شيوخ في خلوتكم مثل ما أفعله ، ولا ~~تظهروا التجبر والتكبر ms052 ، فينزع الله النعمة عنكم ، وينقلها إلى غيركم ، ~~وتحننوا على من وراءكم ممن لا يصل إلي كتحنني عليكم ، ليتصل في الناس ~~الجميل ، ويكثر الخير ، وينتشر العدل . # وأقبلوا بعدها على نسائكم ، والزموا الواحدة التي تكون لكم ، ولا تشرهوا ~~إلى التكثير منهن ، والرغبة فيهن ، فيتنغص عيشكم ، وتعود المضرة عليكم ، ~~وتنهكوا أبدانكم ، وتذهب قوتكم ، وتضعف نحايزكم ؛ فحسب الرجل الواحد ~~الواحدة ، ونحن محتاجون إلى نصرتكم بأبدانكم وعقولكم . # واعلموا أنكم إذا لزمتم ما آمركم به رجوت أن يقرب الله علينا أمر المشرق ~~كما قرب أمر المغرب بكم . انهضوا رحمكم الله ونصركم . # وفي سنة خمس وخمسين وثلاثمائة أمر المعز بحفر الآبار في طريق مصر ، وأن ~~يبنى له في كل منزلة قصر ، ففعل ذلك . # وفي يوم الجمعة لثلاث بقين من جمادى الآخرة من السنة وردت النجب من مصر ~~بموت كافور الأخشيدي يوم الأربعاء لعشر بقين من جمادى الأولى . # واستدعى المعز يوما أبا جعفر بن حسين بن مهذب صاحب بيت المال وهو بالمغرب ~~، فوجده في وسط القصر جالسا على صندوق ، وبين يديه ألوف صناديق مبددة في ~~صحن القصر ، فقال له : هذه صناديق مال ، وقد شذ عني ترتيبها ، فانظرها ~~ورتبها . # قال : فأخذت أجمعها إلى أن صارت مرتبة ، وبين يدي جماعة من خدام بيت ~~المال والفراشين ، وأنفذت إليه أعلمه ، فأمر برفعها في الخزائن على ترتيبها ~~، وأن يغلق عليها ، وتختم بخاتمه ، وقال : قد خرجت عن خاتمنا وصارت إليك ~~ففعل . PageV01P096 # وكانت جملتها أربعة وعشرين ألف ألف دينار ، وذلك في سنة سبع وخمسين ~~وثلاثمائة ، فأنفقها أجمع على العساكر التي سيرها إلى مصر في سنتي ثمان ~~وتسع وخمسين مع القائد جوهر . # وكان رحيله في رابع عشر ربيع الأول منها ، ومعه ألف حمل مال ، ومن السلاح ~~والخيل والعدد ما لا يوصف ، فقدم جوهر إلى مصر ، ووصلت البشارة بفتحها في ~~نصف رمضان سنة ثمان وخمسين ، فسر المعز سرورا كثيرا وأنشده ابن هانىء قصيدة ~~أولها : # يقول بنو العباس : هل فتحت مصر ؟ . . . فقل لبني العباس : قد قضي الأمر # ولما وصلت البشارة من الشام بكسر عسكر أبي عبد الله الحسن ms053 بن أحمد ~~القرمطي المعروف بالأعصم أنشده ابن هانىء قصيدة منها : # ما شئت لا ما شاءت الأقدار ، . . . فاحكم فأنت الواحد القهار # وأنشد أيضا أخرى أولها : # وعلى أمير المؤمنين مظلة . . . زاحمت تحت لوائها جبريلا # وفي سنتي ستين وإحدى وستين قال : ولقد وصلنا إلى برقة ومعنا خمسون ألف ~~دينار . # ولما أنفذ جوهر إلى مصر ، وبرز يريد المسير إلى مصر ، بعث المعز خفيفا ~~الصقلبي صاحب الستر إلى شيوخ كتامة ، يقول : PageV01P097 يا إخواننا : قد ~~رأينا أن ننفذ رجالا من بلدان كتامة ، يقيمون بينهم ، ويأخذون صدقاتهم ~~ومراعيهم ، ويحفظونها علينا في بلادهم ، فإذا احتجنا إليها أنفذنا خلفها ~~فاستعنا بها على ما نحن بسبيله . # فقال بعض شيوخهم لخفيف وقد بلغهم ذلك : قل لمولانا : والله لا فعلنا هذا ~~أبدا . كيف تؤدي كتامة الجزية ، ويصير عليها في الديوان ضريبة ؟ ؟ وقد ~~أعزها الله قديما بالإسلام ، وحديثا معكم بالإيمان ، وسيوفنا بطاعتكم في ~~المشرق والمغرب ؟ . # فعاد خفيف بذلك إلى المعز ، فأمر بإحضار جماعة كتامة ، فدخلوا عليه وهو ~~راكب فرسه ، فقال : ما هذا الجواب الذي صدر عنكم ؟ . # فقالوا : نعم هو جواب جماعتنا ، ما كنا يا مولانا بالذي يؤدي جزية تبقى ~~علينا . # فقام المعز في ركابه ، وقال : بارك الله فيكم ، فهكذا أريد أن تكونوا ، ~~وإنما أردت أن أجربكم ، فانظروا كيف أنتم بعدى إذا سرنا عنكم إلى مصر ، هل ~~تقبلون هذا أو تفعلونه وتدخلون تحته ممن يرومه منكم ؟ والآن سررتموني بارك ~~الله فيكم . # وكتب إلى جوهر وهو بمصر من الغرب : وأما ما ذكرت يا جوهر من أن جماعة من ~~بني حمدان وصلت إليك كتبهم ، يبذلون الطاعة ، ويعدون بالمسارعة في المسير ~~إليك ، فاسمع لما أذكره لك : احذر أن تبتدىء أحدا من بني حمدان بمكاتبة ~~ترهيبا له ولا ترغيبا ، ومن كتب إليك منهم فأجبه بالحسن الجميل ، ولا ~~تستدعه إليك ؛ ومن ورد إليك منهم فأحسن إليه ، ولا تمكن أحدا منهم من قيادة ~~جيش ولا ملك طرف ، فبنو حمدان يتظاهرون بثلاثة أشياء ، عليها مدار العالم ، ~~وليس لهم فيها نصيب : يتظاهرون بالدين ، وليس لهم فيه نصيب ؛ ويتظاهرون ~~بالكرم وليس لواحد منهم ms054 كرم في الله ؛ ويتظاهرون بالشجاعة ، وشجاعتهم ~~للدنيا لا للآخرة ؛ فاحذر كل الحذر من الاستنامة إلى أحد منهم PageV01P098 ~~ولما عزم المعز على المسير إلى مصر أجال فكره فيمن يخلفه بالمغرب ، فوقع ~~اختياره على أبي أحمد جعفر بن عبد الأمير ، فاستدعاه ، وأسر إليه أنه يريد ~~استخلافه بالمغرب ، فقال : تترك معي أحد أولادك أو أخوتك جالسا في القصر ~~وأنا أدبر ، ولا تسألني عن شيء من الأموال إن كان ما أجبيه بازاء ما أنفقه ~~؛ وإذا أردت أمرا فعلته ولم أنتظر ورود الأمر فيه ، لبعد ما بين مصر ~~والمغرب ، ويكون تقليد القضاء والخراج وغيره من قبل نفسي . # فغضب المعز وقال : يا جعفر : عزلتني عن ملكي ، وأردت أن تجعل لي شريكا في ~~أمري ، واستبددت بالأموال والأعمال دوني ، قم فقد أخطأت حظك ، وما أصبت ~~رشدك . # فخرج . # واستدعى المعز يوسف بن زيرى الصنهاجي ، وقال له : تأهب لخلافة المغرب ~~فأكبر ذلك وقال : يا مولانا : أنت وآباؤك الأئمة من ولد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما صفا لكم المغرب ، فكيف يصفوا لي وأنا صنهاجي بربري ؟ قتلتني ~~يا مولاي بلا سيف ولا رمح . # ولم يزل به حتى أجاب وقال : يا مولانا : بشريطة أن تولي القضاء والخراج ~~لمن تراه وتختاره ، والخبر لمن تثق به ، وتجعلني أنا قائما بين أيديهم ، ~~فمن استعصى عليهم أمروني به حتى أعمل فيه ما يجب ، ويكون الأمر لهم وأنا ~~خادم بين ذلك . # فحسن هذا من المعز وشكره ، فلما انصرف قال له عم أبيه أبو طالب أحمد بن ~~المهدي عبيد الله : يا مولانا : وتثق بهذا القول من يوسف أنه يفي بما ذكره ~~؟ فقال المعز : يا عمنا : كم بين قول يوسف وقول جعفر ؟ واعلم يا عم أن ~~الأمر الذي طلبه PageV01P099 جعفر ابتداء هو آخر ما يصير إليه أمر يوسف ، ~~فإذا تطاولت المدة سينفرد بالأمر ، ولكن هذا أولى وأحسن وأجود عند ذوي ~~العقل ، وهو نهاية ما يفعله من يترك دياره . # ووجهت أم الأمراء من المغرب بصبية ربتها لتباع في مصرن فطلب الوكيل فيها ~~ألف دينار ، فجاءت امرأة شابة على حمار ms055 ، فلم تزل حتى اشترتها منه بستمائة ~~دينار ، وقيل له يا مغربي : هذه بنت الأخشيد اشترت الجارية تتمتع بها ، وهي ~~ست كافور . # فلما عاد أخبر المعز بذلك ، فأمر بإحضار الشيوخ ، وأمر الرجل فحدثهم بخبر ~~الجارية ، ثم قال : يا إخواننا : انهضوا إليهم ، فلن يحول بينكم وبينهم شيء ~~، وإذا كان قد بلغ بهم الترف إلى أن صارت امرأة من بنات ملوكهم تخرج وتشتري ~~لنفسها جارية تتمتع بها فقد ضعفت نفوس رجالهم ، وذهبت الغيرة منهم ، ~~فانهضوا بنا إليهم . # فقالوا : السمع والطاعة . # فقال : خذوا في حوائجكم ، فنحن نقدم الاختيار لمسيرنا إن شاء الله . # ولما عزم المعز على الرحيل إلى مصر أتاه بلكين بن زيرى بألفي جمل من إبل ~~زناتة ، وحمل ما له بالقصور من الذخائر ، وسبك الدنانير على شكل الطواحين ، ~~جعل على كل جمل قطعتين ، في وسط كل قطعة ثقبا تجمع به القطعة إلى الأخرى ، ~~فاستعظم ذلك الجند والرعية ، وصاروا يقفون في الطرق لرؤية بيت المال ~~المحمول . # وخرج المعز من المغرب يوم الإثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين ~~وثلاثمائة ، وخرج من المنصورية ومعه بلكين واسمه يوسف إلى سردانية من بلاد ~~إفريقية ، فسلم إليه إفريقية والمغرب يوم الأربعاء لتسع بقين من ذي الحجة ، ~~وأمر سائر الناس له بالسمع والطاعة ، وفوض PageV01P100 إليه أمور البلاد ، ~~ما خلا جزيرة صقلية فإنه ترك أمرها لحسن بن علي بن أبي الحسين ، وطرابلس ~~وأعمالها . # وقال له : إن نسيت ، ما وصيناك به فلا تنس ثلاثة أشياء : إياك أن ترفع ~~الجباية عن أهل البادية ، ولا ترفع السيف عن البربر ، ولا تول أحدا من ~~أخوتك وبني عمك ، فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك ؛ وافعل مع أهل ~~الحاضرة خيرا . # وفارقه . وكان قيصر ومظفر الصقلبيان قد بلغا رتبة عظيمة عند المنصور ~~والمعز ، وكان المظفر يدل على المعز لأنه علمه الخط وهو صغير ، فاتفق أنه ~~حرد يوما ، فسمعه المعز يتكلم بكلمة صقلبية استراب بها ، فأخذ المعز نفسه ~~بحفظ اللغات ، فابتدأ بالبربرية فأحكمها ، ثم بالرومية ، ثم بالسودانية ، ~~ثم استدعى الصقلبية فمرت به تلك الكلمة فيها ، فإذا ms056 هي شتمة ، فبقيت في ~~نفسه حتى قتلهما . # وبلغه وهو بالمغرب أمر الحرب من بني حسن وبني جعفر بن أبي طالب بالحجاز ، ~~وأنه قتل من بني الحسن أكثر ممن قتل بنو حسن من بني جعفر ، فأنفذ مالا ~~ورجالا سرا سعوا بين الطائفتين حتى اصطلحوا ، وتحملوا الحمالات عنهما . # وكان فاضل القتلى لبني حسن عند بني جعفر سبعين قتيلا ، فأدى القوم ذلك ~~إليهم ، وعقدوا بينهم في المسجد الحرام صلحا ، وتحملوا دياتهم من مال المعز ~~، وذلك في سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة ، فصار ذلك جميلا عند بني حسن للمعز ~~، فلما دخل جوهر مصر بادر حسن بن جعفر الحسني فملك مكة ودعا للمعز ، وكتب ~~إلى جوهر بذلك ، فبعث بالخبر إلى المعز ، فأنفذ من المغرب إليه بتقليد ~~الحرم وأعماله . PageV01P101 # | ذكر بناء القاهرة # قال أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق المصري في كتاب إتمام أخبار ~~أمراء مصر للكندي رحمهما الله : وفي جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين ~~وثلاثمائة صحت الأخبار بمسير عساكر المعز لدين الله من المغرب إلى مصر ، ~~عليها عبده جوهر ، وكانت بمصر للمعز دعاة استدعوا خلقا في البلد ، وكانوا ~~يقولون : إذا زال الحجر الأسود ملك مولانا المعز لدين الله الأرض كلها ، ~~وبيننا وبينكم الحجر الأسود يعنون كافور الإخشيدي ، فلما مات كافور أنفذ ~~المعز إلى دعاته بنودا ، وقال : فرقوها على من يبايع من الجند ، وأمرهم إذا ~~قربت العساكر ينشرونها ، فلما قربت العساكر من الإسكندرية جمع الوزير أبو ~~الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد ابن موسى بن الحسن بن الفرات الناس ~~وشاورهم ، فاتفقوا على مراسلة جوهر ، وأن يشترطوا PageV01P102 عليه شروطا ، ~~وأنهم يسمعون له ويطيعونه ، ثم اجتمعوا على محاربته ، ثم انحل ذلك ، وعادوا ~~إلى المراسلة بالصلح . # وكانت رسل جوهر ترد سرا إلى ابن الفرات ، ثم اتفقوا على خروج أبي جعفر ~~مسلم الحسيني ، وأبي إسماعيل الرسي ، ومعهما القاضي أبو طاهر ، وجماعة ، ~~فبرزوا إلى الجيزة لاثنتي عشرة بقيت من رجب ، ولم يتأخر عن تشييعهم قائد ، ~~ولا كاتب ، ولا عالم ، ولا شاهد ، ولا تاجر ، وساروا فلقوا جوهر بتروجة ~~ووافقوه ، واشترطوا ms057 عليه ، فأجابهم إلى ما التمسوه ، وكتب لهم : بسم الله ~~الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من جوهر الكاتب عبد أمير المؤمنين المعز لدين ~~الله صلوات الله عليه لجماعة أهل مصر الساكنين بها ، من أهلها ومن غيرهم : ~~أنه قد ورد من سألتموه الترسل والاجتماع معي ، وهم : أبو جعفر مسلم الشريف ~~أطال الله بقاءه وأبو إسماعيل الرسي أيده الله وأبو الطيب الهاشمي أيده ~~الله . # وأبو جعفر أحمد بن نصر أعزه الله والقاضي أعزه الله . # وذكروا عنكم أنكم التمستم كتابا يشتمل على أمانكم في أنفسكم وأموالكم ~~وبلادكم وجميع أحوالكم ، فعرفتم ما تقدم به أمر مولانا وسيدنا أمير ~~المؤمنين صلوات الله عليه وحسن نظره لكم . فلتحمدوا الله على ما أولاكم ، ~~وتشكروه على ما حماكم ، وتدأبوا فيما يلزمكم ، وتسارعوا إلى طاعته العاصمة ~~لكم ، العائدة بالسلامة لكم ، وبالسعادة عليكم ، وهو أنه صلوات الله عليه ~~PageV01P103 لم يكن إخراجه للعساكر المنصورة ، والجيوش المظفرة إلا لما فيه ~~إعزازكم وحمايتكم والجهاد عنكم ، إذ قد تخطفتكم الأيدي ، واستطال عليكم ~~المستذل وأطمعته نفسه بالاقتدار على بلدكم في هذه السنة ، والتغلب عليه ~~وأسر من فيه ، والاحتواء على نعمكم وأموالكم حسب ما فعله في غيركم من أهل ~~بلدان المشرق ، وتأكد عزمه ، واشتد كلبه ، فعاجله مولانا وسيدنا أمير ~~المؤمنين صلوات الله عليه بإخراج العساكر المنصورة ، وبادره بانفاذ الجيوش ~~المظفرة دونكم ، ومجاهدته عنكم وعن كافة المسلمين ببلدان المشرق ، الذين ~~عمهم الخزي ، وشملتهم الذلة ، واكتنفتهم المصائب وتتابعت الرزايا ، واتصل ~~عندهم الخوف وكثرت استغاثتهم ، وعظم ضجيجهم ، وعلا صراخهم ، فلم يغثهم إلا ~~من أرمضه أمرهم ، ومضه حالهم ، وأبكى عينه ما نالهم ، وأسهرها ما حل بهم ، ~~وهو مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، فرجا بفضل الله ، ~~وإحسانه لديه ، وما عوده وأجراه عليه استنقاذ من أصبح منهم في ذل مقيم ، ~~وعذاب أليم ، وأن يؤمن من استولى عليه الوهل ، ويفرخ روع من لم يزل في خوف ~~ووجل ، وآثر إقامة الحج الذي تعطل وأهمل العباد فروضه وحقوقه لخوف المستولى ~~عليهم ، وإذ لا يأمنون على أنفسهم ولا على أموالهم ، وإذ قد أوقع بهم مرة ~~بعد ms058 أخرى ، فسفكت دماؤهم ، وابتزت أموالهم ، مع اعتماد ما جرت به عادته من ~~صلاح الطرقات ، وقطع عبث العابثين فيها ، ليتطرق الناس آمنين ، ويسيروا ~~مطمئنين ، ويتحفوا بالأطعمة والأقوات ، إذ كان قد انتهى إليه صلوات الله ~~عليه انقطاع طرقاتها ، لخوف مادتها ، إذ لا زاجر للمعتدين ، ولا دافع ~~للظالمين . # ثم تجديد السكة ، وصرفها إلى العيار الذي عليه السكة الميمونة المنصورية ~~المباركة ، وقطع الغش منها ، إذ كانت هذه الثلاث خصال هي التي لا يتسع لمن ~~ينظر في أمور المسلمين إلا إصلاحها ، واستفراغ الوسع فيما يلزمه منها . ~~PageV01P104 # وما أوعز به مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه إلى عبده من ~~نشر العدل ، وبسط الحق ، وحسم الظلم ، وقطع العدوان ، ونفى الأذى ، ورفع ~~المؤن ، والقيام في الحق ، وإعانة المظلوم مع الشفقة والإحسان ، وجميل ~~النظر ، وكرم الصحبة ، ولطف العشرة ، وافتقاد الأحوال ، وحياطة أهل البلد ~~في ليلهم ونهارهم ، وحين تصرفهم في أوان ابتغاء معاشهم ، حتى لا تجري ~~أمورهم إلا على ما لم شعثهم ، وأقام أودهم ، وأصلح بالهم ، وجمع قلوبهم ، ~~وألف كلمتهم ، على طاعة وليه ومولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ~~وما أمر به مولاه من إسقاط الرسوم الجائرة التي لا يرتضي صلوات الله عليه ~~بإثباتها عليكم . # وأن أجريكم في المواريث على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأضع ~~ما كان يؤخذ من تركات موتاكم لبيت المال من غير وصية من المتوفى بها ، فلا ~~استحقاق لمصيرها لبيت المال . # وأن أتقدم في رم مساجدكم ، وتزيينها بالفر والإيقاد ، وأن أعطى مؤذنيها ~~وقومتها ومن يؤم الناس فيها أرزاقهم ، وأدرها عليهم ، ولا أقطعها عنهم ، ~~ولا أدفعها إلا من بيت المال ، لا بإحالة على من يقبض منهم . # وغير ما ذكره مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه مما ضمنه ~~كتابه هذا ما ذكره من ترسل عنكم أيدهم الله ، وصانكم أجمعين بطاعة مولانا ~~وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه من أنكم ذكرتم وجوها التمستم ذكرها ~~في كتاب أمانكم ، فذكرتها إجابة لكم ، وتطمينا لأنفسكم . # وإلا فلم يكن لذكرها معنى ، ولا في نشرها فائدة ، إذ كان ms059 الإسلام سنة ~~واحدة ، وشريعة متبعة ، وهي إقامتكم على مذهبكم ، وأن تتركوا على ما كنتم ~~عليه من أداء الفروض في العلم ، والاجتماع عليه في جوامعكم ومساجدكم ، ~~وثباتكم على ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ~~بعدهم ، وفقهاء الأمصار الذين جرت الأحكام بمذاهبكم وفتواهم ، وأن يجرى ~~الأذان ، والصلاة ، وصيام شهر رمضان وفطره ، وقيام لياليه ، والزكاة ، ~~والحج ، والجهاد على أمر الله وكتابه ، وما نصه نبيه صلى الله عليه وسلم في ~~سنته ، واجراء أهل الذمة على ما كانوا عليه . PageV01P105 ولكم علي أمان ~~الله التام العام ، الدائم المتصل ، الشامل الكامل ، المتجدد المتأكد على ~~الأيام وكرور الأعوام ، في أنفسكم ، وأموالكم ، وأهليكم ، ونعمكم ، وضياعكم ~~، ورباعكم ، وقليلكم وكثيركم . # وعلى أنه لا يعترض عليكم معترض ، ولا يتجنى عليكم متجن ، ولا يتعقب عليكم ~~متعقب . # وعلى أنكم تصانون وتحفظون وتحرسون ، ويذب عنكم ، ويمنع منكم ، فلا يتعرض ~~إلى أذاكم ، ولا يسارع أحد في الاعتداء عليكم ، ولا في الاستطالة على قويكم ~~فضلا عن ضعيفكم . # وعلى أن لا أزال مجتهدا فيما يعمكم صلاحه ، ويشملكم نفعه ، ويصل إليكم ~~خيره ، وتتعرفون بركته ، وتغتبطون معه بطاعة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين ~~صلوات الله عليه . # ولكم علي الوفاء بما التزمته ، وأعطيتكم إياه ، عهد الله ، وغليظ ميثاقه ~~وذمته ، وذمة أنبيائه ورسله ، وذمة الأئمة موالينا أمراء المؤمنين قدس الله ~~أرواحهم ، وذمة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين المعز لدين الله صلوات الله ~~عليه فتصرحون بها وتعلنون بالانصراف إليها ، وتخرجون إلي وتسلمون علي ، ~~وتكونون بين يدي ، إلى أن أعبر الجسر ، وأنزل في المناخ المبارك ، وتحافظون ~~من بعد على الطاعة ، وتثابرون عليها ، وتسارعون إلى فروضها ، ولا تخذلون ~~وليا لمولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، وتلزمون ما أمرتم به ، وفقكم ~~الله وأرشدكم أجمعين . # وكتب القائد جوهر الأمان بخطه في شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة . # وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله الطيبين الطاهرين الأخيار . ~~PageV01P106 # وكتب بخطه في هذا الكتاب : قال جوهر الكاتب عبد أمير المؤمنين صلوات الله ~~عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين : كتبت هذا الأمان على ما تقدم ~~به أمر مولانا ms060 وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، وعلى الوفاء بجميعه ~~لمن أجاب من أهل البلد وغيرهم على ما شرطت فيه . # والحمد لله رب العالمين ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، وصلى الله على سيدنا ~~محمد وعلى آله الطيبين . # وكتب جوهر بخطه في التاريخ المذكور : وأشهد جوهر على نفسه جماعة الحاضرين ~~وهم : أبو جعفر مسلم بن محمد بن عبيد الله الحسيني . # وأبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد الرسي الحسني . # وأبو الطيب العباس بن أحمد الهاشمي . # والقاضي أبو الطاهر محمد بن أحمد . # وابنه أبو يعلى محمد بن محمد . # ومحمد بن مهلب بن محمد . # وعمرو بن الحرث بن محمد . # وأخذ منه أبو جعفر مسلم كتابا إلى أبي الفضل جعفر بن الفرات الوزير ~~وجماعة وجوه الدولة ، وخاطب ابن الفرات في كتابه بالوزير بعد مراجعة ، وكان ~~قد توقف في مخاطبته بالوزير ، وقال : ما كان وزير خليفة ، وأجاز الجماعة ~~وحملهم ، ولم يقبل أبو جعفر مسلم شيئا منه ، وأكلت الجماعة معه ، وودعوه ~~وانصرفوا ، فوافوا لثمان خلون من شعبان . # قال ابن زولاق : سألت أبا جعفر مسلم عند رجوعه عن مقدار العسكر ، فقال : ~~هو مثل جمع عرفات كثرة وعدة ؛ وسألته عن سن القائد جوهر ، فقال لي : نيف ~~وخمسون سنة . PageV01P107 # فلما قدم الجماعة انتقض الإخشيدية والكافورية ، وكان قد بلغهم ذلك وهم ~~عند القائد جوهر ، فتسرعوا في الانصراف من عنده ، وبلغ جوهر بعد انصرافهم ~~انتقاض الصلح ، فأدرك الجماعة ، وأعلمهم بأن القوم قد نقضوا الصلح ، وطلب ~~إعادة أمانه إليه ، فرفقوا به ، فقال للقاضي أبي طاهر : ما تقول يا قاضي في ~~هذه المسألة ؟ فقال : ما هي ؟ فقال : ما تقول فيمن أراد العبور إلى مصر ~~ليمضي إلى الجهاد لقتال الروم فمنع ، أليس له قتالهم ؟ فقال له القاضي : ~~نعم . # فقال : وحلال قتالهم ؟ قال : نعم . # ولما وافى أبو جعفر مسلم ومن معه من عند جوهر جاءه الناس ، وركب إليه ابن ~~الفرات في موكب عظيم ، وعنده جماعة الوجوه ، فقرأ عليهم كتاب جوهر بالأمان ~~والشرط ، وأوصل كتاب ابن الفرات وكتب الجماعة ، فامتنع القوم من قبول ذلك ، ~~وقال فرح البجكمي للشريف مسلم : لو ms061 جاءنا جدك بهذا ضربنا وجهه بالسيف . # فلامهم ابن الفرات على ذلك ، وقال : أنتم سألتم الشريف هذه المسألة ، فلم ~~يقنع حتى أخذ معه أبا إسماعيل وهو رجل حسني ، وأخذ معه قاضي المسلمين ، ~~وأخذ معه رجلا عباسيا . # وسكت الشريف مسلم ، فلم يزد على أن قال : خار الله لكم . # واشتغل ابن الفرات يسارر الشريف مسلم ، والإخشيدية والكافورية في خوض ، ~~فقالوا كلهم : ما بيننا وبين جوهر إلا السيف : PageV01P108 فسلموا على ~~تحرير شويزان بالإماره ، وخرجوا يحجبونه إلى داره ، وبقي أحمد بن علي بن ~~الإخشيد لا يفكر فيه . # واستعدوا للحرب ، وساروا لعشر خلون من شعبان ، فنزلوا الجزيرة بالرجال ~~والسلاح ، ووافى جوهر الجزيرة ، فلما شاهد ما فعلوه عاد إلى منية شلقان ، ~~وعبر إلى مصر من ذلك الموضع ، وأرسل فاستقبل المراكب الواردة من تنيس ~~ودمياط وأسفل الأرض فأخذها ، وتولى العبور إليهم جعفر بن قلاح عريانا في ~~سراويل مع جمع من المغاربة ، وبلغ الإخشيدية ، فأنفذوا تحرير الأرغلي ، ~~ويمن الطويل ومبشر الإخشيدي في خلق ، فساروا إلى الموضع ، وكانوا قد وكلوا ~~به مزاحم بن محمد بن رائق فلقوه راجعا ، ووقع القتال فقتل خلق من المصريين ~~. # وانصرف الناس عشية الأحد النصف من شعبان ، فلما كان نصف الليل انصرف من ~~كان بالجزيرة إلى دورهم ، وأصبحوا غادين إلى الشام ، وقد قتل جماعة ، منهم ~~: تحرير الأرغلي ، ومبشر الإخشيدي ، ويمن الطويل ، وخلق كثير . # وأصبح الناس على خطة عظيمة ، فبكروا في يوم الاثنين إلى دار الشريف مسلم ~~يسألونه الكتاب إلى جوهر في إعادة أمانهم ، فكتب إليه ، وجلس الناس عنده ، ~~وقد طاف علي بن PageV01P109 الحسين بن لؤلؤ صاحب الشرطة السفلي ومعه رسول ~~جوهر ، وبند عليه اسم المعز لدين الله ، وبين أيديهما الأجراس بأن لا مؤونة ~~ولا كلفة وأمن الناس ، وفرقت البنود ، فنشر كل من عنده بند بنده في درب ~~حارته . # وجاء الجواب إلى الشريف وقت العصر ، ونسخته بعد البسملة : وصل كتاب ~~الشريف الجليل أطال الله بقاءه ، وأدام عزه وتأييده وعلوه وهو المهنأ بما ~~هنأ به من الفتح الميمون ؛ فوقفت على ما سأل من إعادة الأمان الأول ، وقد ~~أعدته ms062 على حاله . # وجعلت إلى الشريف أعزه الله أن يؤمن كيف رأى وكيف أحب ، ويزيد على ما ~~كتبته كيف يشاء ، فهو أماني ، وعن إذني وإذن مولانا وسيدنا أمير المؤمنين ~~صلوات الله عليه . # وقد كتبت إلى الوزير أيده الله بالاحتياط على دور الهاربين إلى أن يرجعوا ~~إلى الطاعة ، ويدخلوا فيما دخلت فيه الجماعة ، ويعمل الشريف أيده الله ~~تعالى على لقائي في يوم الثلاثاء لسبع عشرة تخلو من شعبان . # فاستبشرت الجماعة وابتهجوا ، وعملوا على الغدو إلى الجزيرة للقاء جوهر مع ~~الشريف مسلم ، وبات الناس على هدوء وطمأنينة . # فلما كان غداة يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان خرج الشريف أبو جعفر ~~مسلم ، وجعفر بن الفضل بن الفرات ، وسائر الأشراف والقضاة والعلماء والشهود ~~ووجوه التجار والرعية إلى الجيزة ، فلما تكامل الناس أقبل القائد جوهر في ~~عساكره ، فصاح بعض حجابه : PageV01P110 الأرض ، إلا الشريف والوزير . # وتقدم الناس واحدا واحدا ، فلما فرغوا من السلام عليه عاد الناس إلى ~~الفسطاط . # فلما زالت الشمس أقبلت العساكر ، فعبرت الجسر ، ودخلت أفواجا أفواجا ، ~~ومعهم صناديق المال على البغال ، ويقال إن المال كان في ألف وخمسمائة صندوق ~~، وأقبلت القباب ، وأقبل جوهر في حلة مذهبة مثقل في فرسانه ورجالته ، وقاد ~~العسكر بأسره إلى المناخ الذي رسم له المعز موضع القاهرة ، واختط موضع ~~القصر ، وأقام عسكره سبعة أيام يدخل من يوم الثلاثاء إلى آخر يوم الاثنين ، ~~واستقرت به الدار . # وجاءته الألطاف والهدايا فلم يقبل من أحد طعاما إلا من الشريف مسلم ، ~~ويقال : لما أناخ جوهر في موضع القاهرة الآن اختط القصر ، فأصبح المصريون ~~ليهنئوه ، فوجدوه قد حفر أساس القصر في الليل . # ويقال إن جوهر لما بنى القصر ، وأدار عليها السور سماها : المنصورية ، ~~فلما قدم المعز لدين الله إلى الديار المصرية سماها القاهرة . PageV01P111 # ويقال في سبب تسميتها القاهرة أن القائد جوهر لما أراد بناء القاهرة أحضر ~~المنجمين ، وعرفهم أنه يريد عمارة بلد ظاهر مصر ليقيم بها الجند ، وأمرهم ~~باختيار طالع لوضع الأساس ، بحيث لا يخرج البلد عن نسلهم ، فاختاروا طالعا ~~لحفر السور ، وطالعا لابتداء وضع ms063 الحجارة في الأساس ، وجعلوا بدائر السور ~~قوائم من خشب ، بين كل قائمتين حبل فيه أجراس ، وقالوا للعمال : إذا تحركت ~~الأجراس أرموا ما بأيديكم من الطين والحجارة . # فوقفوا ينتظرون الوقت الصالح لذلك ، فاتفق أن غرابا وقع على حبل من تلك ~~الحبال المعلق فيها الأجراس ، فتحركت الأجراس كلها ، وظن العمال أن ~~المنجمين حركوها ، فألقوا ما بأيديهم من الطين والحجارة وبنوا ، فصاح ~~المنجمون : القاهر في الطالع . # فمضى ذلك وفاتهم ما قصدوه . ويقال إن المريخ كان في الطالع عند ابتداء ~~وضع أساس القاهرة ، وهو قاهر الفلك ، فسموها القاهرة ، فحكموا لذلك أن ~~القاهرة لا تزال تحت حكم الأتراك . # وأدار السور اللبن احول بئر العظام ، وجعلها في القصر ، وجعل القاهرة ~~حارات للواصلين صحبته وصحبة مولاه المعز ، وعمل القصر بترتيب ألقاه إليه ~~المعز . # ويقال إن المعز لما رأى القاهرة لم يعجبه مكانها في البرية بغير ساحل ، ~~وقال لجوهر : يا جوهر فاتتك عمارتك ها هنا يعني المقس بشاطىء النيل . ~~PageV01P112 # فلما رأى سطح الجرف المعروف اليوم بالرصد ، قال : يا جوهر : لما فاتك ~~الساحل كان ينبغي عمارة القاهرة بهذا الجبل على هذا السطح ، وتكون قلعة ~~لمصر . # حكاه ابن الطوير . # قال : وكان المعز عارفا بالأمور ، مطلعا على الأحوال بالذكاء ، وكان يضرب ~~في فنون منها النجامة ، فرتب في القصر ما يحتاج إليه الملوك بل الخلفاء ، ~~بحيث لا يراهم العيان في النقلة من مكان إلى مكان ، وجعل لهم في ساحاته ~~البحر والميدان والبستان ، وتقدم بعمارة المصلى ظاهر القاهرة لأهلها ، ~~لخطبتهم فيها والصلاة في عيدي الفطر والنحر ، والآخر بالقرافة لأهل مصر . # وقال ابن الظاهر : فلما تحقق المعز وفاة كافور جهز جوهر وصحبته العساكر ، ~~ثم نزل بموضع يعرف برقادة ، وخرج في أكثر من مائة ألف فارس ، وبين يديه ~~أكثر من ألف صندوق من المال PageV01P113 وكان المعز يخرج إلى جوهر في كل ~~يوم ويخلو به ، وأمره أن يأخذ من بيوت الأموال ما يريد زيادة على ما أعطاه ~~. # وركب إليه المعز يوما فجلس وقام جوهر بين يديه ، فالتفت المعز إلى ~~المشايخ الذين وجههم معه وقال : والله لو ms064 خرج جوهر هذا وحده لفتح مصر ، ~~وليدخلن إلى مصر بالأردية من غير حرب ، ولينزلن في خرابات ابن طولون ، ~~وتبنى مدينة تسمى القاهرة تقهر الدنيا . # قال : ونزل جوهر مناخه موضع القاهرة الآن في يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت ~~من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ، واختط القصر ، وبات الناس ، فلما ~~أصبحوا حضروا للهناء فوجدوه قد حفر أساس القصر بالليل ، وكانت فيه زورات ~~غير معتدلة ، فلما شاهد ذلك جوهر لم يعجبه ، ثم قال : قد حفر في ليلة ~~مباركة وساعة سعيدة فتركه على حاله . # وقال ابن زولاق : ولما أصبح أنفذ علي بن الوليد القاضي لعسكره ، وبين ~~يديه أحمال مال ومناد ينادي : من أراد الصدقة فليصر إلى دار أبي جعفر . ~~فاجتمع خلق من المستورين والفقراء ، فصاروا بهم إلى الجامع العتيق ففرق ~~فيهم . # ولما كان يوم الجمعة لعشر بقين من شعبان نزل جوهر في عسكر إلى الجامع ~~العتيق لصلاة الجمعة ، وخطب بهم هبة الله بن أحمد خليفة عبد السميع بن عمر ~~العباسي ببياض ، فلما بلغ إلى الدعاء قرأه من رقعة وهو : اللهم صل على عبدك ~~ووليك ، ثمرة النبوة ، وسليل العترة الهادية المهدية ، عبد الله الإمام معد ~~أبي تميم المعز لدين الله ، أمير المؤمنين ، كما صليت على آبائه الطاهرين ~~وأسلافه الأئمة الراشدين . PageV01P114 # اللهم ارفع درجته وأعل كلمته ، وأوضح حجته ، واجمع الأمة على طاعته ، ~~والقلوب على موالاته وصحبته ، واجعل الرشاد في موافقته ، وورثه مشارق الأرض ~~ومغاربها ، وأحمده مبادىء الأمور وعواقبها ، فإنك تقول وقولك الحق : ' ولقد ~~كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ' . # فقد امتعض لدينك ، ولما انتهك من حرمتك ، ودرس من الجهاد في سبيلك ، ~~وانقطع من الحج إلى بيتك وزيارة قبر رسولك صلى الله عليه وسلم ؛ فأعد ~~للجهاد عدته ، وأخذ لكل خطب أهبته ، فسير الجيوش لنصرتك ، وأنفق الأموال في ~~طاعتك ، وبذل المجهود في رضاك ، فارتدع الجاهل ، وقصر المتطاول ، وظهر الحق ~~وزهق الباطل ، فانصر اللهم في جيوشه التي سيرها ، وسراياه التي انتدبها ، ~~لقتال المشركين ، وجهاد الملحدين ، والذب عن المسلمين ، وعمارة الثغور ~~والحرم ، وإزالة الظلم والتهم ms065 والنهم ، وبسط العدل في الأمم . # اللهم اجعل راياته عالية مشهورة ، وعساكره غالبة منصورة ، وأصلح به وعلى ~~يديه ، واجعل لنا منك واقية علية . # وأمر جوهر بفتح دار الضرب ، وضرب السكة الحمراء ، وعليها : PageV01P115 ~~دعا الإمام معد بتوحيد الإله الصمد في سطر . # وفي السطر الآخر : المعز لدين الله أمير المؤمنين . # وفي سطر آخر : بسم الله . ضرب هذا الدينار بمصر سنة ثمان وخمسين ~~وثلاثمائة ، وفي الوجه الآخر : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، أرسله ~~بالهدى ودين الحق ، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون . علي أفضل ~~الوصيين وزير خير المرسلين . # ورجع مزاحم بن رائق وكان قد سار مع الإخشيدية ومعه جيش كبير . # وأفطر جوهر يوم الفطر على عدد بغير رؤية ، وصلى صلاة العيد بالقاهرة ، ~~صلى به على بن وليد الإشبيلي وخطب ، ولم يصل أهل مصر ، وصلوا من الغد في ~~الجامع العتيق ، وخطب لهم رجل هاشمي . وكان أبو طاهر القاضي قد التمس ~~الهلال على رسمه في سطح الجامع فلم يره ، وبلغ ذلك جوهر فأنكره وتهدد عليه ~~. PageV01P116 # وجلس جوهر للمظالم في كل يوم سبت ، ثم رد المظالم إلى أن أبي عيسى مرشد . # وفي شوال صرف علي بن لؤلؤ عن الشرطة السفلى ، ورد شبل المعرضي ، وولى عدة ~~من جهات الخراج ، وعلى الضياع . # وفي ذي الحجة قدم ستة آلاف من الإخشيدية والكافورية ، فأنزلوا خارج ~~القاهرة وزيد في الخطبة : اللهم صل على محمد النبي المصطفى ، وعلى علي ~~المرتضى ، وعلى فاطمة البتول ، وعلى الحسن والحسين سبطى الرسول ، الذين ~~أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا ، اللهم صل على الأئمة الراشدين آباء أمير ~~المؤمنين ، الهادين المهديين . # ونودي برفع البراطيل ، وقائم الشرطتين ، وسائر رسوم البلد . # وورد الخبر بدخول القرامطة الرملة . # وورد كتاب المعز من المغرب بوصول رأس نحرير ومبشر ويمن وبلال . # وتولى الحسبة رجل يعرف بأبي جعفر الخراساني . # وفي نصف ذي الحجة تكاملت الإخشيدية والكافورية المستأمنة بمصر ، وهم ~~أربعة عشر رئيسا ، في عسكر عدته خمسة آلاف كانوا في معسكر لهم عند مصلى ~~العيد بالقاهرة ، فهرب PageV01P117 منه فاتك الهيكلي إلى الشام ، فلم يدركه ~~الطلب ms066 ، وبلغ جوهر أن المستأمنة من الإخشيدية والكافورية اتفقوا على فساد . # وتوفي ابن لجعفر بن فلاح ، فحضر جوهر الجنازة ، وحضر الناس وفيهم ~~الإخشيدية والكافورية ، وانصرفوا معه ، فقال لهم في طريقه : قد حضر كتاب ~~مولانا ومولاكم بما تسروا به ، فسيروا حتى تقفوا عليه . # فساروا معه إلى مضاربة بالقاهرة ، ودخلوا معه ، فقبض على ثلاثة عشر من ~~وجوههم ، وهم : نحرير شويزان ، وقنك الخادم الأسود ، ودرى الصقلي ، وحكل ~~الإخشيدي ، ولؤلؤ الطويل ، ومفلح الوهباني ؛ وقيلق التركي ، وفرح اليحكمي ؛ ~~واعتقلهم ستة أشهر حتى سيرهم مع الهدية إلى المعز ، ومعهم الحسن بن عبيد ~~الله بن طغج ، وقبض على ضياع نحرير الأرغلي وأمواله ، وقبض من يحيى بن مكي ~~بن رجاء ثمانين ألف دينار عينا ؛ وصاريين من عود رطب . # وورد كتاب المعز إلى جوهر ، وإلى أبي جعفر مسلم ، وإلى أبي إسماعيل الرسي ~~، وإلى الوزير جعفر بن الفرات . # وولى جوهر مزاحم بن محمد بن رائق الحوف والفرما . # ودخل جوهر والغلاء شديد ، فزاد في أيامه حتى بلغ القمح تسعة أقداح بدينار ~~. PageV01P118 # وكان عامل الخراج علي بن يحيى بن العرمرم ، فأقره جوهر شهرا ، ثم أشرك ~~معه رجاء ابن صولان . # وأقر ابن الفرات على وزارته . # وأزال جوهر من مصر السواد . # ومنع من قراءة سبح اسم ربك في صلاة الجمعة . # وأزال التكبير بعد صلاة الجمعة . # ولم يدع عملا إلا جعل فيه مغربيا شريكا لمن فيه . # وكان القاع ثلاثة أذرع وتسعة عشر إصبعا ، وبلغ الماء سبعة عشر ذراعا ~~وتسعة عشر إصبعا ؛ وخلع جوهر علي ابن أبي الرداد ، وحمله فأجازه . ~~PageV01P119 # | سنة تسع وخمسين وثلاثمائة # وفي المحرم أنفذ بشير الإخشيدي من تنيس نحو مائة وخمسين رجلا طيف بهم . # وكثر الفساد في الطرق فضرب جوهر أعناق جماعة وصلبهم في السكك . # ولاثنتي عشرة بقيت منه سار جعفر بن فلاح بن أبي مرزوق إلى الشام ، وقاتل ~~القرامطة بالرملة وهزمهم ، وأسر الحسين بن عبيد الله بن طغج وجماعة ، ~~وبعثهم في القيود إلى جوهر . # وسير جوهر إلى الصعيد في البر والبحر . # وفي ربيع الأول قبض على دواب الإخشيدية والكافورية ، وصرفهم مشاة ، ~~وأمرهم بطلب ms067 المعيشة . # وسير الهدية جعفر بن الفضل بن الفرات مع ابنه أحمد في ربيع الآخر . # وفي سلخ ربيع الآخر زاد الغلاء ، ونزعت الأسعار ؛ وتوفي أبو جعفر المحتسب ~~، فرد جوهر أمر الحسبة إلى سليمان بن عزة . فضبط الساحل ، وجمع القماحين في ~~موضع واحد ؛ ولم يدع كف قمح يجمع إلا بحضرته ؛ وضرب أحد عشر رجلا من ~~الطحانين وطيف بهم . وفي يوم الجمعة لثمان خلون من جمادى الأولى صلى جوهر ~~الجمعة في جامع ابن طولون ، وأذن المؤذنون بحي على خير العمل ، وهو أول ما ~~أذن به بمصر ، وصلى به عبد السميع الجمعة فقرأ سورة الجمعة : وإذا جاءك ~~المنافقون وقنت في الركعة الثانية ، وانحط PageV01P120 إلى السجود ، ونسي ~~الركوع ، فصاح به على بن الوليد قاضي عسكر جوهر : بطلت الصلاة ، أعد ظهرا ~~أربعا . # ثم أذن بحي على خير العمل في سائر مساجد العسكر ، وأنكر جوهر على عبد ~~السميع أنه لم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في كل سورة ، ولا قرأها في ~~الخطبة ، فصلى به الجمعة الأخرى وفعل ذلك ، وكان قد دعا لجوهر في الجمعة ~~الأولى في الخطبة ، فأنكر ذلك ومنعه . # وقبض جوهر الأحباس من القاضي أبي طاهر ، وردها إلى غيره . # ولأربع بقين منه أذن في الجامع العتيق بحي على خير العمل ، وجهر فيه ~~بالبسملة في الصلاة ولسبع عشرة خلت من جمادى الآخرة أنفذ جوهر هديته إلى ~~المعز ومعها المعتقلون في القيود ، فكان فيما أهداه تسع وتسعون بختية ، ~~وإحدى وعشرون قبة عليها الديباج المنسوج بالذهب ، ولها مناطق من ذهب مكللة ~~بالجوهر ، ومائة وعشرون ناقة بأجلة الديباج ، وأعنة محلاة بالفضة ، ~~وخمسمائة جمل عرابا ، وستة وخمسون جلا ، وثمانية وأربعون دابة منها بغلة ~~واحدة ، وسبعة وأربعون فرسا بأجلة حرير منقوش ، وسروج كلها ما بين ذهب وفضة ~~، ولجمها كذلك ؛ وعودان كأطول ما يكون العود الذي يتبخر به . # وكان الأسرى : الحسن بن عبيد الله بن طغج ، وابن غزوان صاحب القرامطة ~~وفاتك الهنكري ، والحسن بن جابر الرياحي كاتب الحسن بن عبيد الله بن طغج ، ~~ونحرير شويزان ، ومفلح الرهباني ، ودرى الخازن ، وفرقيك ، وقيلغ التركي ~~الكافوري ms068 ، وأبو منحل ، PageV01P121 وحكل الإخشيدي ، وفرح اليحكمي ، ولؤلؤ ~~الطويل ، وقنك الطويل الخادم ، فحملوا في المراكب إلى الإسكندرية ، وساروا ~~منها إلى القيروان في البر . # ونافق بشير الإخشيدي بأسفل الأرض ، فاستعطفه جوهر ، فلم يجب ، فسير إليه ~~العساكر ، فحاربها بصهرجت ونهبها ، ومضى منهزما إلى الشام في البحر ، فأخذ ~~بصور ، وأدخل به على فيل ومعه جماعة ، وبعث به جعفر بن فلاح . # وفي رمضان حفر جوهر سوارى الجامع العتيق الخشب . # وفي ذي القعدة ردت الحسبة إلى سليمان بن عزة المغربي ، فجمع سماسرة ~~الغلات في مكان . وسد الطرق إلا طريقا واحدا ، فكان البيع كله هناك ، ولا ~~يخرج قدح غلة حتى يقف عليه . # ومنع جوهر من الدينار الأبيض ، وكان بعشرة دراهم ، فأمر أن يكون الراضي ~~بخمسة عشر درهما ، والمعزى بخمسة وعشرين درهما ونصف ، فلم يفعل الناس ذلك ، ~~فرد الأبيض إلى ستة دراهم ، فتلف وافتقر خلق . # وضربت أعناق عدة من أصحاب تبر والإخشيدية ، وصلبوا حتى دخل المعز من ~~المغرب . # وأنفذ المعز عسكرا وأحمال مال عدتها عشرون حملا للحرمين ، وعدة أحمال ~~متاع . # وورد الخبر بفتح جعفر بن فلاح دمشق ودخولها ، وكان من خبر جعفر بن فلاح : ~~أنه لما سار من القاهرة في عسكره كان على الرملة ودمشق الحسن بن عبيد الله ~~بن طغج ، فلما بلغه دخول جوهر القائد إلى مصر بعساكر المعز سار عن دمشق في ~~شهر رمضان ، واستخلف PageV01P122 عليه شمول الإخشيدي ، وكان شمول يحقد في ~~نفسه منه ، ويكاتب جوهر القائد ، فنزل ابن طغج الرملة ، وتأهب لحرب من يسير ~~إليه من مصر ، فوردت عليه الأخبار بمسير القرامطة إليه ، ووافوه بالرملة ، ~~فلقيهم وحاربهم ، فانهزم منهم ، ثم صالحهم وصاهرهم في ذي الحجة . # ورحل عنه القرمطي بعد ما أقام بظاهر الرملة ثلاثين يوما ، فبعث إلى شمول ~~بالمسير إليه لمحاربة من تقدم من مصر ، وأنفذ إلى الصباحي وإلى بيت المقدس ~~بالقدوم عليه ، فتقاعد عنه شمول ، وقرب منه جعفر بن فلاح ، وقد انتشرت كتبه ~~إلى ولاة الأعمال بعدهم الإحسان ، ويدعوهم إلى طاعة المعز ، فالتقى مع ابن ~~طغج وحاربه ، فانهزم منه واحتوى على عسكره ، فقتل كثيرا ms069 من أصحابه ، وأخذه ~~أسيرا في النصف من رجب سنة تسع ، فأقام بالرمة يتبع ما كان لابن طغج ~~ولأصحابه ، وسار إلى طبرية فبنى قصرا عند الجسر ليحارب فاتك غلام ملهم وكان ~~عليها من قبل كافور الإخشيدي فلم يعرض له ملهم ، وملك جعفر طبرية . وكان ~~بحوران والبثنية بنو عقيل من قبل الإخشيد وهم : شبيب ، وظالم بن موهوب ، ~~وملهم بن . . . قد ملكوا تلك الديار ، فأخذ جعفر بن فلاح يستميل إليه من ~~العرب فزارة ومرة ، وباطنهم على قتل ملهم ، فرتبوا له رجالا قتلوه على حين ~~غفلة ، وأظهر جعفر أن ذلك من غير علمه . وقبض على من قتله وبعث بهم إلى ~~ملهم ، فعفا عنهم . # وسار من دمشق مشايخ أهلها إلى طبرية للقاء جعفر ، فاتفق وصولهم إليها يوم ~~قتل فاتك ، قد ثارت بها فتنة ، فأخذوا وسلبوا ما عليهم ، فلقوا جعفر بن ~~فلاح ، وعادوا إلى دمشق وهم غير شاكرين ولا راضين ، فبسطوا ألسنتهم بذم ~~المغاربة حتى استوحش أهل دمشق منهم . PageV01P123 # وكان شمول قد خرج منها إلى جعفر ، فلقيه بطبرية ، وصار البلد خاليا من ~~السلطان ، فطمع الطامع ، وكثر الذعار وحمال السلاح به وجهز جعفر من طبرية ~~من استمالهم من مرة وفزارة لحرب بني عقيل بحوران والبثنية ، وأردفهم بعسكر ~~من أصحابه ، فواقعو بني عقيل ، وهزموهم إلى أرض حمص وهم خلفهم ؛ ثم رجعوا ~~إلى الغوطة ، وامتدت أيديهم إلى أخذ الأموال وهم سائرون حتى نزلوا بظاهر ~~دمشق ، فثار عليهم أهل البلد ، وقاتلوهم وقتلوا منهم كثيرا من العرب ، ~~فانهزموا عنها ، وذلك لثمان خلون من ذي الحجة ، فلحقوا بطلائع جعفر ، ~~فساروا معها إلى دمشق ، وخرج إليهم الناس مستعدين لمحاربتهم في خيل ورجل ~~فاقتتلوا يومهم ثم انصرفوا ، وأصبحوا يوم الجمعة فاقتتلوا ، وصاح الناس في ~~الجامع بعد الصلاة : النفير ، فخرج النفير ، واشتد القتال إلى آخر النهار . # ونزل جعفر يوم السبت لعشر خلون منه بالشماسية ، وأصبح الناس للقتال ، ولم ~~يصلوا ذلك اليوم في المصلى صلاة العيد ، فاستمروا طول النهار ومعهم الجند ~~الذين كانوا مع شمول ، فكلوا ، وحملت معهم المغاربة فانهزموا ، وتمكن السيف ~~منهم وهم منهزمون إلى ms070 أرض عاتكة وقصر حجاج ، فقتل خلق كثير ؛ وكان رئيس أهل ~~الشام في هذه الحروب أبو القاسم ابن أبي يعلى العباسي ، ومحمد بن عصودا ~~وصدقة الشوا . # فلما ملك المغاربة ظاهر البلد طرحوا النار فيما هنالك من الأسواق وغيرها ~~، وصاروا إلى باب الجابية ، وأصبحوا وقد ضبط الرعية أبواب البلد ، فاستمرت ~~الحرب طول النهار مما يلي المصلى ، ثم كفوا عن القتال وباتوا ؛ فلما أصبح ~~النهار خرج قوم من مشايخ البلد لمخاطبة جعفر وهو بالشماسية في إصلاح أمر ~~البلد ، فأخذهم قوم من المغاربة ، وسلبوهم PageV01P124 ثيابهم ، وقتلوا ~~منهم وجرحوا عدة ، وعلم بذلك أهل البلد ، فصاحوا من أعلى المواذن بالناس ~~يعلمونهم الخبر ، ثم قدم المأخوذون فارتاع الناس واشتد خوفهم وتحيروا ، ثم ~~جرت بينهم بعد ذلك وبين جعفر مراسلة ، فخرجوا إليه ، فاشتد عليهم وخوفهم ~~بالنار والسيف ، فعادوا وقد ملئوا رعبا ، فبلغوا قوله للناس وقد تحيروا ، ~~فاقتضى رأيهم معاودة جعفر في طلب العفو ، فرجع المشايخ إليه ، وما زالوا ~~يتضرعون إليه حتى قال : ما أعفو عنكم حتى تخرجوا إلي ومعكم نساؤكم مكشوفات ~~الشعور فيتمرغن في التراب بين يدي لطلب العفو . # فقالوا له : نفعل ما يقول القائد . # وما برحوا يذلون له حتى انبسط معهم في الكلام ، وتقرر الأمر على أنه يدخل ~~يوم الجمعة إلى الصلاة في الجامع . # فلما كان يوم الجمعة ركب في عسكره ، ودخل البلد فصلى بالجامع وخرج ، فوضع ~~أصحابه أيديهم ينهبون الناس ، فثاروا عليهم ، وقتلوا منهم كثيرا ؛ وخرج ~~إليه المشايخ فأنكر عليهم ، وقال لهم : دخل رجال أمير المؤمنين للصلاة ~~فقتلتموهم وهددهم ، فلطفوا معه القول وداروه ، فأومأ إلى مال يأخذه من ~~البلد دية من قتل من رجال أمير المؤمنين ، فأجابوه ، وكان في الجماعة أبو ~~القاسم أحمد المعروف بالعقيقي العلوي وهو أحمد بن الحسن الأشل بن أحمد بن ~~علي الرئيس بالمدينة كان بن محمد العقيقي بن جعفر بن عبد الله ابن الحسين ~~بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فانصرفوا من عنده ، ~~وفرضوا له المال ، فعم الناس البلاء في جبايته . # ونزل بظاهر سور دمشق فوق نهر ms071 يزيد أصحاب جعفر فبنوا المساكن ، وأقاموا ~~بها الأسواق ، وصارت شبه المدينة ، واتخذ لنفسه قصرا عجيبا من الحجارة ، ~~وجعله عظيما PageV01P125 شاهقا في الهواء غريب البناء ، وتطلب حمال السلاح ~~فظفر بقوم منهم ، وضرب أعناقهم ، وصلب جثثهم ، وعلق رءوسهم على الأبواب ، ~~وفيها رأس إسحاق بن عصودا . وكان ابن أبي يعلى لما انهزم خرج إلى الغوطة ~~يريد بغداد ، فقبض عليه ابن عليان العدوي عند تدمر ، وجاء به إلى جعفر بن ~~فلاح ، فشهره على جمل ، وفوق رأسه قلنسوة وفي لحيته ريش وبيده قصبة ، ثم ~~بعث به إلى مصر . # وأما محمد بن عصودا فإنه لحق بالقرامطة في الأحساء هو وظالم بن موهوب ~~العقيلي لما انهزم بنو عقيل عن حوران والبثنية ، فحثوهم على المسير إلى ~~دمشق . # فلما كان في ربيع الأول سنة ستين أنفذ جعفر غلامه فتوح على عسكر إلى ~~أنطاكية ، وكان لها في أيدي الروم نحو من ثلاث سنين ، وسير إلى أعمال دمشق ~~وطبرية وفلسطين فجمع منها الرجال ، وبعث عسكرا بعد عسكر إلى أنطاكية ، وكان ~~الوقت شتاء ، فنازلوها حتى انصرم الشتاء ، وسارت القوافل وهم ملحون في ~~القتال ، فأردفهم جعفر بعساكر في نحو أربعة آلاف مددا لهم فظفروا بنحو ~~مائتي بغل تحمل علوفة لأهل أنطاكية فأخذوها وقد أشرفوا على اسنكدرونة ~~وعليها عساكر الروم فواقعوهم ، فانهزم العسكر ، وقتلوا منهم كثيرا . # وورد على ابن فلاح خبر هزيمة عسكره ، وخبر مسير القرامطة إلى الشام ، ~~وأنهم وردوا الكوفة . فأمدهم صاحب بغداد بالسلاح ، وكتب لهم بأربعمائة ألف ~~درهم على أبي تغلب ابن حمدان ، تقوية لهم على حرب المغاربة ، فبعث إلى ~~غلامه فتوح برحيله عن أنطاكية ومصيره إليه ، فوافاه ذلك أول رمضان ، فسار ~~بمن معه ، وتركوا كثيرا من العلف والطعام ، وأتوه إلى دمشق ، فصار كل قوم ~~منهم إلى أماكنهم . PageV01P126 # وقدم القرمطي إلى الرحبة ، فأمده أبو تغلب بالمال ، وبمن كان عنده من ~~الإخشيدية الذين كانوا بمصر وفلسطين ، صاروا إليه لما انهزموا من المغاربة ~~، وصار بهم القرمطي حتى قرب من دمشق ، فخرج إليهم جعفر بن فلاح وقد استهان ~~بهم وواقعهم ، فانهزم منهم ، وأخذ السيف أصحابه ms072 ، وقتل فلم يدر قاتله لست ~~خلون من ذي القعدة سنة ستين ، ووجد مطروحا على الطريق خارج دمشق ، فجاءه ~~محمد بن عصودا فقطع رأسه ، وصلبه على حائط داره ؛ أراد بذلك أخذ ثأر أخيه ~~إسحاق لما قتله جعفر وصلبه . وملك القرامطة دمشق ، وأمنوا أهلها ، ثم ساروا ~~إلى الرملة فملكوها ، واجتمع إليهم كثير من الإخشيدية . # وفيها اصطلح قرعويه مولى سيف الدولة بن حمدان متولى حلب ، وأبو المعالي ~~شريف ابن سيف الدولة ، فخطب له قرعويه بحلب ، وخطبا جميعا في معاملتيهما ~~للإمام المعز بحلب وحمص . PageV01P127 # | ودخلت | سنة ستين وثلاثمائة # ففي المحرم اشتدت الأمراض والوباء بالقاهرة ، وورد جماعة من الوافدين إلى ~~المغرب بجوائز وخلع . # وفي صفر ضرب تبر بالسياط ، وقبضت ودائعه . # وفي ربيع الآخر جرح تبر القائد أبو الحسن نفسه ، ومات بعد أيام ، فسلخ ~~بعد موته وصلب حتى مزقته الرياح عند المنظر . # وفي جمادى الأولى منع جوهر من بيع الشوىء مسموطا ، وأن يسلخ من جلده . # وفي جمادى الآخرة نقل جوهر مجلس المظالم إلى يوم الأحد ، وأطلق لأصحاب ~~الراتب ألف دينار فرقت فيهم ؛ وورد شمول من الشام مستأمنا ، فخلع عليه سبع ~~خلع ، وحمل على فرسين ، وأعطى إثنا عش كيسا عينا وورقا ؛ وقدم سعادة بن ~~حيان من المغرب في جيش كبير ، فتلقاه جوهر فترجل له سعادة . # وفي شعبان وردت الرسل من المغرب برأس محمد بن خزر ، ومعه ثلاثة آلاف رأس ~~، فقرأ عبد السميع يوم الجمعة كتاب المعز بخبر المذكور ، وكان محمد بن ~~الخير بن محمد بن خزر الزناتي أكبر ملوك المغرب سلطانا على زناتة وغيرهم ، ~~هجم عليه أبو الفتوح يوسف بن زيرى ابن مناد وهو في قليل من أصحابه يشرب ، ~~فلما أحيط به قتل نفسه بسيفه في سابع عشر ربيع الآخر سنة ستين وثلاثمائة ، ~~فقدم رأسه على المعز لثلاث بقين منه . # وفي شوال أنفذ جوهر سعاة بن حيان إلى الرملة واليا عليها ، وقد كثر ~~الإرجاف بالقرامطة ، PageV01P128 وأن جعفر بن فلاح قتل منهم ، وملكوا دمشق ~~، فتأهب جوهر لقتالهم ، وعمل الخندق ، ونصب عليه البابين الحديد اللذين ~~كانا على ميدان الإخشيدي ms073 ، وبني القنطرة على الخليج ، وفرق السلاح على ~~المغاربة والمصريين ؛ ووكل بابن الفرات خادما يبيت معه في داره ، ويركب معه ~~حيث سار ؛ ووثب أهل تنيس على واليهم وقتلوا جماعة منهم الإمام في القبلة ~~ووجدت رقاع في الجامع العتيق فيها التحذير من جوهر ، فجمع الناس ووبخهم ~~فاعتذروا . # وفي ذي الحجة كبست القرامطة مدينة القلزم ، وأخذوا واليها عبد العزيز بن ~~يوسف ، وما كان له من خيل وإبل . وكان القاع خمسة أذرع ، وبلغ ماء النيل ~~سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع ، وخلع جوهر على ابن أبي الرداد ، وأجازه ~~وحمله . # وفيها مات أبو سعيد يانس أحد قواد الإخشيدية في المحرم . # وقتل تبر القائد أبو الحسن نفسه بسكين الدواة في شهر ربيع الآخر ، فسلخه ~~القائد جوهر ، وصلبه عند المنظر حتى مزقته الرياح . PageV01P129 # | ودخلت سنة إحدى وستين وثلاثمائة # وفي المحرم دخل برءوس من بني هلال . # وفيه كبست الفرما ، وعصى أهل تنيس ، وغيروا الدعوة وسودوا ، فحاربهم ~~العسكر ، ودخل بعض المنهزمين من القرامطة ، وتبعهم القرامطة إلى عين شمس ، ~~فاستعد جوهر لقتالهم ، وغلق أبواب الطابية ، وضبط الداخل والخارج ، وقبض ~~على أربعة من الجند المصريين ، وضرب أعناقهم وصلبهم ، وبعث فأخرج ابن ~~الفرات من داره وأسكنه بالقاهرة . # وفي مستهل ربيع الأول التحم القتال مع القرامطة على باب القاهرة . # وكان يوم جمعة ، فقتل من الفريقين جماعة ، وأسر عدة ، وأصبحوا يوم السبت ~~متكافئين ، وغدوا يوم الأحد للقتال ، فسار الحسن بن أحمد بهرام الذي يقال ~~له الأعسم زعيم عسكر القرامطة بجميع عسكره على الخندق ، والباب مغلق ، فلما ~~زالت الشمس فتح جوهر الباب ، واقتتلوا قتالا شديدا قتل فيه خلق كثير ، ~~وانهزم الأعسم ونهب سواده بالجب ، وأخذت صناديقه وكتبه ، وهو في الليل على ~~طريق القلزم ، فنهبت بنو عقيل وبنو طي كثيرا من مواده ، ونادى جوهر في ~~المدينة : من جاء بالقرمطي أو برأسه فله ثلاث مائة ألف درهم ، وخمسون خلعة ~~، وخمسون سرجا بحلى على دوابها . # فلما كان الغد من وقعة القرمطي ورد أبو محمد الحسن بن عمار من المغرب ؛ ~~وسار عسكر لقتال أهل تنيس ، وقبض على تسعمائة من جند ms074 مصر في ساعة واحدة ~~وقيدوا ؛ ورد جوهر تدبير الأموال إلى جعفر بن الفرات ، وخرج سعادة بن حيان ~~في عسكر إلى الرملة بسبب القرامطة فدخلها ، ثم قدم عليه الأعسم القرمطي ، ~~فعاد سعادة بمن معه إلى مصر . # وفي شهر رمضان قبض على عجوز عمياء تنشد في الطريق وحبست ، ففرح جماعة من ~~الرعية ، ونادوا بذكر الصحابة ، وصاحوا : PageV01P130 معاوية خال المؤمنين ~~، وخال علي . # فبعث جوهر ونادى في الجامع العتيق : أيها الناس : أقلوا القول ، ودعوا ~~الفضول ، فإننا حبسنا العجوز صيانة لها ، فلا ينطقن أحد إلا حلت عليه ~~العقوبة الموجعة . # ثم أطلقت العجوز . # وخرج عبد العزيز بن إبراهيم الكلابي بالصعيد ، وسود ، ودعا لبني العباس ، ~~فبعث إليه جوهر في البحر أربعين مركبا عليها بشارة النوبى ، وأنفذ بأزرق في ~~البر على عسكر ، فأخذ وأدخل به في قفص مغلولا ، وطيف به وبمن معه . # ووافى الأسطول من المغرب ، وسار إلى الشام فأسر وغنم . # وأمر جوهر برفع الدنانير البيض . # وفي آخر ذي الحجة نهبت المغاربة مواضع بمصر ، فثارت الرعية ، فاقتتلوا ~~قتالا شديدا ، وركب إليهم سعادة بن حيان ، وغرم جوهر للناس ما نهب لهم ، ~~وقبل قولهم في ذلك . PageV01P131 # | ودخلت سنة اثنتين وستين وثلاثمائة # ففي المحرم قدر جوهر قيمة الدنانير ، فجعل الأبيض بثمانية دراهم . # ولخمس بقين منه توفى سعادة بن حيان ، فحضر جوهر جنازته ، وصلى عليه ~~الشريف مسلم . # وفي ربيع الأول عزل سليمان بن عزة المحتسب جماعة من الصيارفة ، فشغب ~~طائفة منهم ، وصاحوا : معاوية خال علي بن أبي طالب . # فهم جوهر بإحراق رحبة الصيارفة ، لولا خوفه على الجامع . # وفيه أمر ألا يظهر يهودي إلا بالغيار . # ودخل الحسن بن عمار ببضع وتسعين أسيرا ، وشهروا . # ودخل عبد الله بن طاهر الحسيني على جوهر بطيلسان كحلي وفي مجلسه القضاة ~~والعلماء والشهود فأنكر الطيلسان الكحلي ، ومد يده فشقه ، فغضب ابن طاهر ~~وتكلم ، فأمر جوهر بتمزيقه فمزق ، وجوهر يضحك ، وبقى حاسرا بغير رداء ، ~~فقام جوهر وأخرج له عمامة ، ورداء أخضر ، وألبسه وعممه بيده . # وفي يوم الثلاثاء رابع المحرم المذكور زلزلت دمشق وأعمالها زلزلة عظيمة ~~وقتا من الزمان ، ثم ms075 هدأ وانهدم بها من أنطاكية عدة أبرجة . PageV01P132 # وفي شهر ربيع الآخر تواترت الأخبار بمسير المعز إلى مصر ، وورد كتابه من ~~قابس فتأهب جوهر لذلك ، وأخذ في عمارة القصر والزيادة فيه . # وفي النصف من جمادى الأولى مات عبد العزيز بن هيج فسلخ وصلب . وفي أول ~~رجب كد جوهر الناس للقاء المعز ، فتأهبوا لذلك ، وخرج أبو طاهر القاضي ، ~~وسائر الشهود والفقهاء ووجوه التجار إلى الجيزة مبرزين للقاء المعز ، ~~فأقاموا بها أربعين يوما حتى ورد الكتاب بوصول المعز إلى برقة ، فسار ~~القاضي ومن معه . # وسار الحسن بن عمار إلى الحوف في عشرة آلاف فواقعوا القرامطة هناك . # ولخمس بقين من شعبان ورد الخبر بوصول المعز إلى الاسكندرية ، ولقيه أبو ~~طاهر القاضي ومن معه ، فخاطبهم بخطاب طويل ، وأخبرهم أنه لم يسر لازدياد في ~~ملك ولا رجال ، ولا سار إلا رغبة في الجهاد ونصرة للمسلمين ؛ وخلع على ~~القاضي وأجازه وحمله . # ولقيه أبو جعفر مسلم في جماعة الأشراف ، ومعهم وجوه البلد بنواحي محلة ~~حفص ، وترجلوا له كلهم وكان سائرا فوقف ، وتقدم إليه أولا أبو جعفر مسلم ، ~~ثم الناس على طبقاتهم ، وقبلوا له الأرض وهو واقف ، حتى فرغ الناس من ~~السلام عليه ، ثم سار وسايره أبو جعفر مسلم وهو يحادثه وسأل عن الأشراف ، ~~فتقدم إليه أكابرهم : أبو الحسن محمد بن أحمد الأدرع . # وأبو إسماعيل الرسي . # وعيسى أخو مسلم . # وعبد الله بن يحيى بن طاهر بن السويح ثم عزم على الشريف مسلم ، وأمره ~~بركوب قبة لأن الحر كان شديدا وكان الصوم ، فقدمت إليه قبة محلاة على ناقة ~~، وعادله غلام له ، ونزل المعز إلى الجيزة ، فكانت مدة القائد أبي الحسن ~~جوهر أربع سنين وتسعة عشر يوما . PageV01P133 # | ذكر قدوم المعز لدين الله أبي تميم إلى مصر # وحلوله بالقصر من القاهرة المعزية # أبي تميم معد إلى مصر وحلوله بالقصر من القاهرة المعزية # وما كان من ولاية الخلفاء من بعده حتى انقضت أيامهم وأناخ بهم حمامهم . # في يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة دخل المعز ~~لدين الله إفريقية . # وفي ms076 يوم الاثنين رابع عشرين جمادى الأولى سنة ثنتي وستين نزل بقصره خارج ~~برقة . # ووصل إلى الإسكندرية يوم الجمعة لست بقين من شعبان ، ونزل تحت منارتها ثم ~~سار . # ونزل المعز إلى الجيزة فخرج إليه جماعة من بقى ، وعقد جوهر جسر الجيزة ، ~~وعقد جسرا آخر عند المختار بالجزيرة حتى سار عليه إلى الفسطاط ، ثم إلى ~~القاهرة . وزينت له الفسطاط فلم يشقها ، ودخل معه جميع من كان وفد إليه ، ~~وجميع أولاده وأخوته وعمومته ، وسائر ولد المهدي ، وأدخل معه توابيت آبائه ~~: المهدي والقائم والمنصور . وكان دخوله إلى القاهرة ، وحصوله في قصره يوم ~~الثلاثاء لسبع خلون من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة ، فصارت مصر ~~دار خلافة بعد أن كانت دار إمارة . # قال الفقيه الحسن بن إبراهيم بن زولاق رحمه الله ومن خطه نقلت : ~~PageV01P134 حدثني أحمد بن جعفر قال : كان القائم بأمر الله عليه السلام ~~يوما في مجلس أبيه المهدي جالسا بين يديه ، وكان ابنه المنصور قائما بين ~~يدي جده ، فقال المهدي لابن ابنه المنصور : ايتني بابنك يعني المعز لدين ~~الله ، فجاءت به دايته وله سنة أو فوقها ، فأخذه المهدي في حجره وقبله ، ~~وقال لابنه القائم بأمر الله : يا أبا القاسم : ما على ظهر الأرض مجلس أشرف ~~من هذا المجلس ، اجتمع فيه أربعة أئمة ، يعني المهدي نفسه ، وابنه القائم ، ~~وابن ابنه المنصور ، وابن ابنه المعز لدين الله ؛ وزادني أبو الفضل ريدان ~~صاحب المظلة في هذا الخبر أن المهدي جمعهم في دواج وقال : جمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم معه ثلاث أئمة في كساء سوى نفسه ، وقد جمع هذا الدواج ~~أربعة أئمة . # قال ابن زولاق : ولما وصل المعز إلى قصره خر ساجدا ، ثم صلى ركعتين ، ~~وصلى بصلاته كل من دخل معه ، واستقر في قصره بأولاده وحشمه وخواصه عبيده ، ~~والقصر يومئذ مشتمل على ما فيه من عين وورق وجوهر وحلي وفرش وأوان وثياب ~~وسلاح وأسفاط وأعدال وسروج ولجم ؛ وبيت المال بحاله بما فيه ، وفيه جميع ما ~~يكون للملوك . # وخرج غد هذا اليوم وهو يوم الأربعاء جماعة ms077 الأشراف والقضاة والعلماء ~~والشهود ووجوه أهل البلد وسائر الرعية لتهنئة المعز . # ولعشر خلون من رمضان أمر المعز بالكتاب على المشايخ في سائر مدينة مصر : ~~خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~عليه السلام ، وأثبت اسم المعز لدين الله ، واسم ابنه عبد الله الأمير . # ووقع المعز بيده إلى محمد بن الحسين بن مهذب صاحب بيت المال : ~~PageV01P135 تقدم يا محمد بابتياع لنا ولمولاك عبد الله في كل يوم من ~~الفاكهة الرطبة واليابسة كذا وكذا بسعر الناس ، ولا تعرف الرسول لئلا تقع ~~محاباة ولا مسامحة ، وكذلك حوائج المطبخ . # وللنصف منه جلس المعز في قصره على السرير الذهب الذي عمله جوهر في ~~الإيوان الجديد ، وأذن بدخول الأشراف أولا ، ثم بعدهم الأولياء وسائر وجوه ~~الناس ، وجوهر قائم بين يديه يقدم الناس قوما بعد قوم ؛ ثم مضى جوهر وأقبل ~~بهديته ظاهرة يراها الناس ، وهي : من الخيل : مائة وخمسون فرسا مسرجة ملجمة ~~، منها مذهب ، ومنها مرصع ، ومنها بعنبر . # وإحدى وثلاثون قبة على بخاتي بالديباج والمناطق والفرش ، منها تسعة ~~بديباج مثقل . # وتسع نوق مجنوبة مزينة بمثقل . # وثلاثة وثلاثون بغلا ، منها سبعة مسرجة ملجمة . # ومائة وثلاثون بغلا للنقل . # وتسعون نجيبا . # وأربعة صناديق مشبكة يرى ما فيها ، وفيها أواني الذهب والفضة . # ومائة سيف محلى بالذهب والفضة . # ودرجان من فضة مخرقة فيها جوهر . # وشاشية مرصعة في غلاف . # وتسعمائة ما بين سفط وتخت فيها سائر ما أعده له من ذخائر مصر . ~~PageV01P136 # وأذن المعز لابنه عبد الله في الجلوس في مجلسه . # وحمل أبو جعفر مسلم بن عبيد الله الحسيني هديته ، وهي : أحد عشر سفطا من ~~متاع تونة وتنيس ودمياط . # وخيلا وبغالا . # وقال : كنت أشتهي أن يلبس منها المعز لدين الله ثوبا أو ينعم بالعمامة ~~التي فيها ، فما عمل لخليفة قط مثلها . # وأذن المعز لجماعة بالجلوس في مجلسه ، وأطلق جماعة المعتقلين من ~~الإخشيدية والكافورية الذين اعتقلهم جوهر ، وعدتهم نحو الألف . # وقال للقاضي أبي طاهر : كم رأيت من خليفة ؟ فقال : ما رأيت خليفة غير ~~مولانا المعز لدين ms078 الله صلوات الله عليه . # فاستحسن ذلك منه على البديهة ، مع علم المعز أن أبا طاهر رأى المعتضد ، ~~والمكتفي ، والمقتدر ، والقاهر ، والراضي ، والمتقي ، والمستكفي ، والمطيع ~~؛ فشكره وأعجب بقوله . # وركب المعز يوم الفطر لصلاة العيد إلى مصلى القاهرة الذي بناه جوهر ، ~~وكان محمد بن أحمد بن الأدرع الحسيني قد بكر وجلس في المصلى تحت القبة ، ~~فجاء الخدم وأقاموه وأقعدوا موضعه أبا جعفر مسلم ، وأقعدوه دونه ، فكان أبو ~~جعفر مسلم خلف المعز عن يمينه وهو يصلي . # وأقبل المعز في زيه وبنوده وقبابه ، وصلى بالناس صلاة العيد صلاة تامة ~~طويلة ، قرأ في الأولى بأم الكتاب ، وهل أتاك حديث الغاشية ؛ ثم كبر بعد ~~القراءة ، وركع فأطال ، وسجد فأطال . PageV01P137 # قال ابن زولاق : أنا سبحت خلفه في كل ركعة وفي كل سجدة نيفا وثلاثين ~~تسبيحة ، وكان القاضي النعمان بن محمد يبلغ عنه التكبير ؛ وقرأ في الثانية ~~بأم الكتاب وسورة والضحى ، ثم كبر أيضا بعد القراءة ؛ وهي صلاة جده علي بن ~~أبي طالب ، وأطال أيضا في الثانية الركوع والسجود ، وأنا سبحت خلفه نيفا ~~وثلاثين تسبيحة في كل ركعة وفي كل سجدة ؛ وجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في ~~كل سورة ، وأنكر جماعة يترسمون بالعلم قراءته قبل التكبير ، لقلة علمهم ~~وتقصيرهم في العلوم . # فلما فرغ من الصلاة صعد المنبر ، وسلم على الناس يمينا وشمالا ، ثم نشر ~~البندين اللذين كانا على المنبر فخطب وراءهما ، وكان في أعلى درجة من ~~المنبر وسادة ديباج مثقل ، فجلس عليها بين الخطبتين ، واستفتح الخطبة ببسم ~~الله الرحمن الرحيم . # وكان معه على المنبر جوهر ، وعمار بن جعفر ، وشفيع صاحب المظلة ، ثم قال ~~: الله أكبر الله أكبر ، استفتح بذلك وخطب وأبلغ وأبكى الناس ، وكانت خطبته ~~بخضوع وخشوع . # فلما فرغ من خطبته انصرف في عساكره ، وخلفه أولاده الأربعة بالجواشن ~~والخوذ على الخيل بأحسن زي ، وساروا بين يديه بالفيلين . فلما حصل في قصره ~~أحضر الناس فأكلوا ونشطهم إلى الطعام ، وعتب على من تأخر ، وتهدد من بلغه ~~عنه صيام العيد . # ورد إلى أبي سعيد عبد الله بن أبي ثوبان أحكام المغاربة ms079 ومظالمهم . # وتحاكم إليه جماعة من المصريين فحكم بينهم وسجل ، فكان شهود مصر يشهدون ~~عنده ويشهدون على أحكامه ، ولم ير هذا بمصر قبل ذلك ؛ واستخلف أبو سعيد ~~أحمد بن محمد الدوادي . # ومنع المعز من النداء بزيادة النيل ، وألا يكتب بذلك إلا إليه وإلى جوهر ~~، فلما تم أباح النداء يعني لما تم ست عشرة ذراعا . PageV01P138 وخلع على ~~جوهر خلعة مذهبة ، وعمامة حمراء ، وقلده سيفا ، وقاد بين يديه عشرين فرسا ~~مسرجة ملجمة ، وحمل بين يديه خمسين ألف دينار ، ومائتي ألف درهم ، وثمانين ~~تختا من ثياب . # وركب المعز إلى المقس ، وأشرف على أسطوله ، وقرأ عليه وعوذه ، وخلفه جوهر ~~والقاضي النعمان ووجوه أهل البلد ، ثم عاد إلى قصره . # وضربت أعناق جماعة عاثوا بنواحي القرافة . # وفي ذي القعدة احترق سوق القاهرة ، وأعيد . # وركب المعز لكسر خليج القاهرة ، فكسر بين يديه ، وسار على شط النيل ، ومر ~~على سطح الجرف ، وعطف على بركة الحبش ، ثم على الصحراء إلى الخندق الذي ~~حفره جوهر في موكب عظيم ، وخلفه وجوه أهل البلد ، وأبو جعفر أحمد بن نصر ~~يعرفه بالمواضع ، وبلغ المعز أن محمدا أخا أبي إسماعيل الرسي يريد الفرار ~~إلى الشام ، فقبض عليه وسجن مقيدا . PageV01P139 # وفي يوم عرفة نصب المعز الشمسة التي عملها للكعبة على إيوان قصره ، ~~وسعتها اثنا عشر PageV01P140 شبرا في مثلها ، وأرضها ديباج أحمر ، ودورها ~~اثنا عشر هلال ذهب ، وفي كل هلال أترجة ذهب مشبك ، جوف كل أترجة خمسون درة ~~كبيض الحمام ، وفيها الياقوت الأحمر والأصفر والأزرق ، وفي دورها مكتوب ~~آيات الحج بزمرد أخضر ، وحشو الكتابة در كبار لم ير مثله ، وحشو الشمسة ~~المسك المسحوق ؛ فرآها الناس في القصر ومن خارجه لعلو موضعها ؛ ونصبها عدة ~~فراشين ، وجروها لثقل وزنها . # وأول من عمل الشمسة للكعبة أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله ، فبعث ~~سلسلة من ذهب كانت تعلق مع الياقوتة التي بعثها المأمون ، وصارت تعلق كل ~~سنة في وجه الكعبة ، وكان يؤتى بهذه السلسلة في كل موسم وفيها شمسة مكللة ~~بالدر والياقوت والجوهر قيمتها شيء كثير ، فيقدم بها قائد يبعث من ms080 العراق ، ~~فتدفع إلى حجبة الكعبة ، ويشهد عليهم بقبضها ، فيعلقونها يوم سادس الثمان ، ~~فتكون على الكعبة ، ثم تنزع يوم التروية . # وغدا المعز لصلاة عيد النحر في عساكره ، وصلى كما ذكر في صلاة الفطر من ~~القراءة والتكبير وطول الركوع والسجود ، وخطب وانصرف في زيه ، فلما وصل إلى ~~القصر أذن للناس عامة فدخلوا والشمسة منصوبة على حالها ، فلم يبق أحد حتى ~~دخل من أهل مصر والشام والعراق فذكر أهل العراق وأهل خراسان ، ومن يواصل ~~الحج أنهم لم يرو قط مثل هذه PageV01P141 الشمسة ؛ وذكر أصحاب الجوهر ووجوه ~~التجار أنه لا قيمة لما فيها ، وأن شمسة بني العباس كان أكثرها مصنوعا ومن ~~شبه ، وأن مساحتها مثل ربع هذه . # وكذلك كانت شمسة كافور التي عملها لمولاه أونوجور بن الإخشيد ، وكان يسير ~~بها إلى الحرم جعفر بن محمد الموسوي ، ثم ابنه أبو الحسين ، ثم بعده ابنه ~~مسلم ، ثم أبو تراب بعد أخيه ، إلى أن أخذها القائد جوهر من أبي تراب . # وأمر المعز للناس بالطعام فأكلوا . # وورد الخبر بوصول أسطول القرامطة إلى تنيس في البحر ، فكانت بينهم وبين ~~أهل تنيس حرب انهزم فيها أصحاب القرامطة ، وأخذ منهم عدة مراكب ، وأسر ~~طائفة منهم ، وأن أسكر ؟ نهبت ، فعظم ذلك على المعز ، واشتد خوف الناس في ~~المقابر حتى كانوا يصلون على الجنائز ولا يتبعونها ، ويمضي بها الحفارون ؛ ~~فأنكر المعز ذلك ، وأمن الناس . # ولثماني عشرة من ذي الحجة ، وهو يوم غدير خم ، تجمع خلق من أهل مصر ~~والمغاربة للدعاء ، فأعجب المعز ذلك ، وكان هذا أول ما عمل عيد الغدير بمصر ~~. # وقدم من تنيس مائة وثلاثة وسبعون رجلا أسارى ، وعدة رءوس ، ومعهم أعلام ~~القرامطة PageV01P142 منكوسة ، وسلاح لهم ، فشهر ذلك في البلد ، وجلس المعز ~~حتى مروا بين يديه وهو في علو باب قصره . # وكانت فتنة في البلد نهبت المغاربة فيها جماعة من الرعية ، فركب جوهر في ~~طلب النهابة ، وأخذهم وجلدهم . # وفي سلخ ذي الحجة سلخ إمام جامع القرافة محمد بن عبد السميع في طريق ~~القرافة ، وانصرف الناس من جامع القرافة من غير جمعة . # وأحضر ms081 جوهر جماعة من أهل تنيس ، وطالبهم بديات المغاربة الذين قتلوا ~~عندهم ، وألزموا بمائتي ألف دينار ، ثم استقر أمرهم على ألف ألف درهم . # وانتهى النيل في نقصانه إلى ست أذرع وإصبعين ، وبلغ زيادة الماء الجديد ~~سبع عشرة ذراعا وإصبعين ، وأطلق المعز لمتولى المقياس الجائزة والخلع ~~والحملان ، فزاده على رسمه . # وفيها مات أبو عمرو محمد بن عبد الله السهمي قاضي مكة ، ومات الإشبيلي ~~قاضي المغاربة بمصر PageV01P143 # | ثم دخلت سنة ثلاث وستين وثلاثمائة # وأمير المؤمنين المعز لدين الله . # وخليفته القائد جوهر . والقاضي أبو طاهر محمد بن أحمد . # والخراج نصفين : إلى علي بن محمد بن طباطبا ، وعبد الله بن عطاء الله ؛ ~~والنصف الآخر إلى الحسن بن عبد الله ، والحسين بن أحمد الروذباري . # وصاحب بيت المال محمد بن الحسين بن مهذب . # وصاحب المظلة شفيع الصقلي . # وطبيبه موسى بن العازار . # والشرطة السفلى إلى عروبة بن إبراهيم ، وشبل المعرضي . # والشرطة العليا إلى خير بن القاسم . # وإمام الجامع العتيق والخطبة إلى عبد السميع بن عمر العباسي . # وإمام الصلوات الخمس الحسن بن موسى الخياط . # ولست عشرة بقيت من المحرم قلد المعز الخراج ، ووجوه الأموال جميعها ، ~~والحسبة ، والسواحل ، والجوالى ، والأحباس ، والمواريث ، والشرطتين ، وجميع ~~ما ينضاف إلى ذلك ، وما يطوى في مصر وسائر الأعمال أبا الفرج يعقوب بن يوسف ~~الوزير ، وعسلوج بن الحسن ، PageV01P144 وكتب لهما بذلك سجلا . قرىء يوم ~~الجمعة على منبر جامع أحمد بن طولون ؛ وقبضت أيدي سائر العمال والمتضمنين . # وجلسا غد هذا اليوم في دار الإمارة في جامع أحمد بن طولون للنداء على ~~الضياع وسائر وجوه الأموال ، وحضر الناس للقبالات ، وطالبوا بالبقايا من ~~الأموال مما على المالكين والمتقبلين والعمال ، واستقصيا في الطلب ، ونظرا ~~في المظالم . # وفيه تبسطت المغاربة في نواحي القرافة والمعافر ، فنزلوا في الدور ، ~~وأخرجوا الناس من دورهم ، ونقلوا السكان وشرعوا في السكنى في المدينة ، ~~وكان المعز أمرهم أن يسكنوا في أطراف المدينة ، فخرج الناس واستغاثوا إلى ~~المعز ، فأمر أن يسكنوا نواحي عين شمس ، وركب المعز بنفسه حتى شاهد المواضع ~~التي ينزلون فيها ، وأمر لهم بما يبنون به ms082 ، وهو الموضع الذي يعرف اليوم ~~بالخندق ، وخندق العبيد ؛ وجعل لهم واليا وقاضيا ؛ وأسكن أكثرهم في المدينة ~~مخالطين لأهل مصر ، ولم يكن جوهر يبيحهم سكنى المدينة ولا المبيت فيهان ~~وحظر ذلك عليهم ، وكان مناديه ينادي كل عشية : لا يبينم في المدينة أحد من ~~المغاربة . # وفي يوم عاشوراء انصرف خلق من الشيعة وأتباعهم من المشاهد من قبر كلثم ~~بنت محمد بن جعفر بن محمد الصادق ، ونفيسة ، ومعهم جماعة من فرسان المغاربة ~~ورجالتهم بالنياحة والبكاء على الحسين ، وكسروا أواني السقائين في الأسواق ~~، وشققوا الروايا ، وسبوا من ينفق في هذا PageV01P145 اليوم ، وثارت إليهم ~~جماعة ، فخرج إليهم أبو محمد الحسن بن عمار ، ومنع الفريقين ، ولولا ذلك ~~لعظمت الفتنة ، لأن الناس كانوا غلقوا الدكاكين وعطلوا الأسواق ، وقويت ~~أنفس الشيعة بكون المعز بمصر . # وكانت مصر لا تخلو من الفتن في يوم عاشوراء عند قبر كلثم وقبر نفيسة بنت ~~الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب في الأيام الإخشيدية والكافورية ~~، وكان سودان كافور يتعصبون على الشيعة ، ويتعلق السودان في الطرق بالناس ~~ويقولون للرجل : من خالك ؟ فإن قال : معاوية أكرموه ، وإن سكت لقي المكروه ~~، وأخذت ثيابه وما معه ، حتى كان كافور يوكل بأبواب الصحراء ، ويمنع الناس ~~من الخروج . # ولما جلس يعقوب بن كلس وعسلوج بن الحسن الونهاجي لعقد الضياع توفرت ~~الأموال ، وزيد في الضياع ، وتكاشف الناس . # وفي صفر طيف بنحو مائتي رأس قدم بها من المغرب . # ومات ابن عم للمعز ، فصلى عليه المعز ، وكبر سبعا ، وكبر على غيره خمسا ، ~~وهذا مذهب علي بن أبي طالب : أنه يكبر على الميت على قدر منزلته . # ومات إسحاق بن موسى طبيب المعز ، فجعل موضعه أخاه إسماعيل بن موسى . # وامتنع يعقوب وعسلوج أن يأخذ في الاستخراج إلا دينارا معزيا ، فاتضع ~~الدينار الراضي وانحط ، ونقص من صرفه أكثر من ربع دينار ، فخسر الناس من ~~أموالهم ، وكان صرف المعزى خمسة عشر درهما ونصف . # واشتد الاستخراج ، وأكد المعز فيه ليرد ما أنفقه من أمواله على مصر ، ~~لأنه قدم مصر يظن أن الأموال مجتمعة ، فوجدها ms083 قد فرقتها مؤن مصر وكثرة ~~عساكرها ، وكان الذي أنفقه المعز على مصر ما لا يضبط أو يعرفه إلا هو أو ~~خزانه . # وحدثني بعض كتاب بيت ماله قال : PageV01P146 حملنا إلى مصر أكياسا فارغة ~~أنفق ما كان فيها في أربعة أعدال على جملين . وكد يعقوب وعسلوج أنفسهما في ~~الاستخراج ، فاستخرج في يوم نيف وخمسون ألف دينار معزية ، وكان استخراجا ~~بغير براءة ولا خرج ولا حوالة ؛ واستخرج في يوم مائة وعشرون ألف دينار ~~معزية ، وفي يوم آخر من مال تنيس ودمياط والأشمونين أكثر من مائتي ألف ~~وعشرين ألف دينار ، وهذا لم يسمع بمثله قط في بلد ، إلا أن في أيام العزيز ~~استخرج خير بن القاسم ، وعلي بن عمر العداس ، وعبد الله بن خلف المرصدي في ~~ثلاثة أيام مائتي ألف دينار وعشرين ألف دينار عزيزية ، منها في أول يوم ~~أربعة وسبعين ألف دينار والباقي في يومين ، وذلك في سنة أربع وسبعين ~~وثلاثمائة . # وفي شهر ربيع الآخر كثر الإرجاف بالقرامطة وانتشارهم في أعمال الشام ، ~~وكان معهم عبد الله بن عبيد الله أخو أبي جعفر مسلم ، فكتب إليه المعز بعد ~~ما شكاه إليه أخيه مسلم . # وفيه دخل الناس إلى قصر المعز وفيهم : الأشراف ، والعمال ، والقواد ، ~~وسائر الأولياء من كتامة وغيرهم ، فقال إنسان لبعض الأشراف : اجلس يا شريف ~~، فقال بعض الكتاميين : وفي الدنيا شريف غير مولانا ؟ ! لو ادعى هذا غيره ~~قتلناه . # خرج الإذن للناس ، وبلغ المعز هذا ، فلما جلس على سريره وأذن للناس ~~بالجلوس قال : يا معشر الأهل وبني العم من ولد فاطمة : أنتم الأهل ، وأنتم ~~العدة ، وما نرضى بما بلغنا من القول ، وقد أخطأ من تكلم بما قيل لنا ، لكم ~~بحمد الله الشرف العالي ، والرحم القريبة ، ولئن عاود أحد لمثل ما بلغنا ~~لننكلن به نكالا مشهورا . # فقبلت الجماعة الأرض ، ودعوا وشكروا ، وكان المتكلم حاضرا فانقمع وندم . # وحدث المعز أنه رأى في منامه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا ~~وبين يديه سيوف منها ذو الفقار ، فأخذ علي بن أبي طالب ذا الفقار فضرب به ~~عنق ms084 القرمطي الأعسم ، وضرب حمزة عنق أخي الأعسم ، وضرب جعفر عنق آخر ؛ ~~وانكب المعز يقبل رجل النبي صلى الله عليه وسلم ، فنسخ الناس هذه الرؤيا . ~~PageV01P147 # وحمل مال الأحباس من المودع إلى بيت المال الذي لوجوه البر ، وطولب أصحاب ~~الأحباس بالشرائط ليحملوا عليها . # ولما وقف على حبس عمرو بن العاص ، وأن محمد بن أبي بكر كان قبضه وضرب ~~عليه صافية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب أهل الحق ، وأن عمرو بن العاص ~~إنما حبسه لما دعا إلى مصر في أيام معاوية ، أخرج ذلك من كتاب أبي عمر ~~الكندي القاضي النعمان بن محمد ، فحمله إلى المعز فقال : هذا مال لنا ، ~~فليحمل إلينا مفردا من مال الأحباس ، ففعل ذلك . # وفي ربيع الآخر ثارت المغاربة في صحراء المقابر ، ونهبوا الناس ، فأنكر ~~المعز ذلك ، وقبض على جماعة . # وفيه اعتل المعز واحتجب ، فاضطربت الرعية ، ولم يره أحد . # وفي جمادى الأولى أرجف بالقرامطة ، وقوى الاستخراج ، ومنع الناس من ~~الحضور في الديوان لئلا يقفوا على مبلغه ؛ وجلس المعز للناس ، فسروا ~~بسلامته . # وحمل أبو جعفر مسلم إلى المعز المصحف الكبير الذي كان يذكر أنه كان ليحيى ~~بن خالد ابن برمك ، وكان شراؤه أربعمائة دينار على مسلم ، فلما رآه المعز ~~قال : أراك معجبا به ، وهو يستحق الإعجاب ، ولكن نفاخرك نحن أيضا . ~~PageV01P148 # فدعا بمصحف نصفين ما رؤى أحسن منهما خطا وإذهابا وتجليدا ، فقال : هذا خط ~~المنصور ، وإذهابه وتجليده بيده . # فقال له مسلم : فثم مصحف بخط مولانا المعز لدين الله عليه السلام ؟ . # فقال : نعم . # وأخرج له نصفين . # فقال : ما رأيت أصبح من هذا الخط . # فقال المعز : بعد مشاهدتك لخط المنصور تقول : ما رأيت أصبح من هذا الخط ، ~~ولكنه أصبح من خطك . # ثم ضحك وقال : أردت مداعبتك . # وكان أبو جعفر مسلم إذا ذكر المعز يقول : وددت أن أبي وجدي شاهداه ~~ليفتخرا به ، فلما أقدر أن أقرن به أحدا من خلفاء بني أمية ولا بني العباس ~~. # وتوفي محمد بن الحسين بن أبي الحسين أحد خواص المعز ، فخرج المعز وهو في ~~بقايا علته ، وتقدم إلى القاضي ms085 النعمان بن محمد بغسله وبكفنه ، وصلى عليه ~~المغرب ، وفتح تابوته وأضجعه . # وبعد تسعة عشر يوما توفي القاضي النعمان بن محمد أول رجب ، فخرج المعز ~~يبين الحزن عليه ، وصلى عليه ، وأضجعه في التابوت ، ودفن في داره بالقاهرة ~~. # وفي شعبان دخل أبو جعفر مسلم علي المعز ، فلما توسط صحن الإيوان قال له ~~أخوه عيسى : إن الأمير عبد الله في المجلس فسلم عليه . # وكان في المجلس جماعة ، فدخل أبو جعفر على المعز وقبل الأرض ، وقام قائما ~~، وقال : يا أمير المؤمنين : حدثني أبي عن أبيه عن جده عن إسحاق بن موسى بن ~~جعفر بن محمد قال : دخلت أنا وأخي عبد الله على يعقوب بن صالح بن المنصور ~~وهو يومئذ PageV01P149 أمير المدينة فقال : من أين أقبل الشيخان ؟ فقالا : ~~من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سلمنا عليه وأتيناك ، فقال : سلمتما ~~على صاحبيه ؟ فقلنا : لا ، فقال سبحان الله ، كيف لم تسلما على صاحبيه ؛ ~~فقال له أخي عبد الله : سألتك بالله أيها الأمير أيهما أقرب ؟ ابنك هذا منك ~~أو صاحبي رسول الله من رسول الله ؟ فقال : ابني هذا ، فقال : ما سلمنا على ~~ابنك في مجلسك إجلالا لك ، فنسلم على صحابي رسول الله بحضرة رسول الله ؟ ~~فقال : والله ما قصرتما ، ثم قال مسلم : تأذن يا أمير المؤمنين في السلام ~~على الأمير عبد الله ؟ فأذن له ، قال عيسى : وكان المعز لمسلم مكرما . # وفيه كثر الإرجاف بالقرامطة ودخول مقدمتهم أرياف مصر وأطراف المحلة ، ~~وأنهم ونهبوا واستخرجوا الخراج ثم رجعوا إلى أعمال الشام . # وأمر المعز المغاربة بالخروج من مصر والسكنى بالقاهرة ففعلوا . # ورد المعز الشرطة العليا إلى خير بن القاسم فاستقصى على المغاربة في ~~الخروج إلى القاهرة . # وعاودت المعز العلة فاحتجب أياما لا يراه أحد ، ثم جلس للناس فهنوه ، ~~وعرضوا أنفسهم للقتال ، فشكرهم على ذلك . # ووصلت سرية القرامطة إلى أطراف الحوف ، وأنفذ القرمطي عبد الله بن عبيد ~~الله أخا مسلم إلى الصعيد ، فنزل في نواحي أسيوط وإخميم ، وحارب العمال ، ~~واستخرج الأموال ، فثقل ذلك على المعز ، وعاتب أبا جعفر مسلم ، فاعتذر ms086 إليه ~~، وتبرأ من أفعاله ، ونزل الأعسم القرمطي بعسكره بلبيس ، وتأهب المعز لمنعه ~~ورده . # وقد أحببت أن أورد هنا جملة من أخبار القرامطة لتكرر دخولهم إلى مصر : ~~PageV01P150 # | ذكر طرف من أخبار القرامطة # وذلك أن الحسين الأهوازي لما خرج داعية إلى العراق لقي حمدان بن الأشعث ~~قرمط بسواد الكوفة ، ومعه ثور ينقل عليه ، فتماشيا ساعة ، فقال حمدان ~~للحسين : إني أراك جئت من سفر بعيد ، وأنت معي فاركب ثوري هذا . # فقال الحسين : لم أومر بذلك . # فقال له حمدان : كأنك تعمل بأمر أمر لك ؟ . # قال : نعم . # قال : ومن يأمرك وينهاك ؟ . # قال : مالكي ومالكك ، ومن له الدنيا والآخرة . # فبهت حمدان قرمط يفكر ، ثم قال له : يا هذا : ما يملك ما ذكرته إلا الله ~~. # قال : صدقت ، والله يهب ملكه لمن يشاء . # قال حمدان : فما تريد في القرية التي سألتني عنها ؟ . # وكان الحسين لما رأى قرمط في الطريق سأله : وكيف الطريق إلى قس بهرام . # فعرفه قرمط أنه سائر إليه ، فسأله عن قرية تعرف بباتنورا في السواد ، ~~فذكر أنها PageV01P151 قريبة من قريته ، وكان قرمط من قرية تعرف بالدور على ~~نهر هد من رستاق مهروسا من طسوج فرات بادفلي . # وإنما قيل له قرمط لأنه كان قصيرا ورجلاه قصيرتين ، وخطوه متقاربا ، فسمى ~~لذلك قرمطا . # فلما قال للحسين : ما تريد في القرية التي سألتني عنها ؟ قال له : رفع ~~إلى جراب فيه علم وسر من أسرار الله ، وأمرت أن أشفي هذه القرية ، وأغني ~~أهلها وأستنقذهم ، وأملكهم أملاك أصحابهم . # وابتدأ يدعوه ، فقال له حمدان قرمط : يا هذا : نشدتك الله ، ألا رفعت إلي ~~من هذا العلم الذي معك ، وأنقذتني ينقذك الله ؟ . # قال له : لا يجوز ذلك أو آخذ عليك عهدا وميثاقا أخذه الله على النبيين ~~والمرسلين ، وألقى إليك ما ينفعك . # فما زال يضرع إليه حتى جلسا في بعض الطريق ، وأخذ عليه العهد ، ثم قال له ~~: ما اسمك ؟ . # قال له قرمط : قم معي إلى منزلي حتى تجلس فيه ، فإن لي إخوانا أصير بهم ~~إليك لتأخذ عليهم العهد للمهدي . # فصار معه إلى منزله ، وأخذ على الناس ms087 العهد ، وأقام بمنزل حمدان قرمط ، ~~فأعجبه أمره ، وعظمه ؛ وكان الحسين على غاية ما يكون من الخشوع صائما نهاره ~~، قائما ليله ، فكان المغبوط من أخذه إلى منزله ليلة ؛ وكان يخيط لهم ~~الثياب ويكتسب بذلك ، فكانوا يتبركون به وبخياطته . PageV01P152 # وأدرك الثمر ، فاحتاج أبو عبد الله محمد بن عمر بن شهاب العدوي وكان أحد ~~وجوه الكوفة ومن أهل العلم والفضل إلى عمل ثمره ، فوصف له الحسين الأهوازي ~~، فنصبه لحفظ ثمره ، والقيام في حظيرته ، فأحسن حفظها ، واحتاط في أداء ~~الأمانة ، وظهر منه من التشدد في ذلك ما خرج به عن أحوال الناس في تساهلهم ~~في كثير من الأمور ، وذلك في # سنة أربع وستين ومائتين واستحكمت ثقة الناس به ، وثقته هو بحمدان قرمط ، ~~وسكونه إليه ، فأظهر له أمره ، وكان مما دعا إليه أنه جاء بكتاب فيه : بسم ~~الله الرحمن الرحيم : يقول الفرج بن عثمان إنه داعية المسيح ، وهو عيسى ، ~~وهو الكلمة ، وهو المهدي ، وهو أحمد بن محمد بن الحنفية ، وهو جبريل ؛ وأن ~~المسيح تصور في جسم إنسان ، وقال إنك الداعية ، وإنك الحجة ، وإنك الناقة ، ~~وإنك الدابة ، وإنك يحيى بن زكريا ، وإنك روح القدس ؛ وعرفه أن الصلاة أربع ~~ركعات : ركعتان قبل طلوع الشمس ، وركعتان قبل غروبها ؛ وأن الأذان في كل ~~صلاة أن يقول المؤذن : الله أكبر ثلاث مرات . # أشهد ألا إله إلا الله . مرتين . # أشهد أن آدم رسول الله . # أشهد أن نوحا رسول الله . # أشهد أن إبراهيم رسول الله . # أشهد أن موسى رسول الله . # أشهد أن عيسى رسول الله . # أشهد أن محمدا رسول الله . # أشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفية رسول الله . PageV01P153 # والقراءة في الصلاة : الحمد لله بكلمته ، وتعالى باسمه ، المنجد لأوليائه ~~بأوليائه ، ' قل إن الأهلة مواقيت للناس ظاهرها ليعلموا عدد السنين والحساب ~~والشهور والأيام ، وباطنها لأوليائي الذين عرفوا عبادي وسيلتي ، فاتقوني يا ~~أولى الألباب ، وأنا الذي لا أسأل عما أفعل وأنا العليم الحكيم ، وأنا الذي ~~أبلو عبادي وأمتحن خلقي ، فمن صبر على بلائي ومحنتي واختباري أدخلته في ~~جنتي ، وأخلدته في نعيمي ؛ ومن زال عن ms088 أمري ، وكذب رسلي أخلدته مهانا في ~~عذابي ، وأتممت أجلي ، وأظهرت أمري على ألسنة رسلي ، وأنا الذي لم يعل جبار ~~إلا وضعته ، ولا عزيز إلا أذللته ، وليس الذي أصر على أمره ، وداوم على ~~جهالته ، وقال إن نبرح عليه عاكفين وبه موقنين ، أولئك هم الكافرون ' . # ثم يركع . # ومن شرائعه : صيام يومين في السنة هما : المهرجان ، والنوروز . # وأن الخمر حلال . # ولا غسل من جنابة ، ولكن الوضوء كوضوء الصلاة . PageV01P154 # وأن لا يؤكل ماله ناب ولا مخلب . # ولا يشرب النبيذ . # وأن القبلة إلى بيت المقدس ، والحج إليه . # وأن الجمعة يوم الاثنين لا يعمل فيه شغل . # ولما حضرته الوفاة جعل مكانه حمدان بن الأشعث قرمط ، وأخذ على أكثر أهل ~~السواد ، وكان ذكيا داهية . # فكان ممن أجابه : مهرويه بن زكرويه السلماني ، وجلندي الرازي ، وعكرمة ~~البابلي ، وإسحاق السوراني ، وعطيف النيلي ، وغيرهم ، وبث دعاته في السواد ~~يأخذون على الناس . # وكان أكبر دعاته عبدان ، وكان فطنا خبيثا ، خارجا عن طبقة نظرائه من أهل ~~السواد ، ذا فهم وحذق ، وكان يعمل عند نفسه على نصب له من غير أن يتجاوز به ~~إلى غيره ، ولا يظهر غير التشيع والعلم ، ويدعو إلى الإمام من آل رسول الله ~~ت صلى الله عليه وسلم محمد ابن إسماعيل بن جعفر . # فكان أحد من تبع عبدان زكرويه بن مهرويه ، وكان شابا ذكيا فطنا من قرية ~~بسواد الكوفة على نهر هد ، فنصبه عبدان على إقليم نهر هد وما والاه ، ومن ~~قبله جماعة دعاة متفرقون في عمله . # وكان داعية عبدان على فرات بادفلي : الحسن بن أيمن ؛ وداعيته على طسوج ~~تستر : المعروف بالبوراني وإليه نسب البورانية ؛ وداعيته على جهة أخرى : ~~المعروف بوليد ؛ وفي أخرى : أبو الفوارس . وهؤلاء رؤساء دعاة عبدان ، ولهم ~~دعاة تحت أيديهم ؛ فكان كل داع يدور في عمله ويتعاهده في كل شهر مرة ، وكل ~~ذلك بسواد الكوفة . PageV01P155 # ودخل في دعوته من العرب طائفة ، فنصب فيهم دعاة ، فلم يتخلف عنه رفاعي ~~ولا ضبعي ، ولم يبق من البطون المتصلة بسواد الكوفة بطن إلا دخل في الدعوة ~~منه ناس كثيرا أو قليل ms089 : من بني عباس ، وذهل ، وعنزة ، وتيم الله ، وبني ~~ثعل ، وغيرهم من بني شيبان ؛ فقوى قرمط ، وزاد طمعه ، فأخذ في جمع الأموال ~~من قومه : فابتدأ يفرض عليهم أن يؤدوا درهما عن كل واحد ، وسمى ذلك : ~~الفطرة ، على كل أحد من الرجال والنساء ، فسارعوا إلى ذلك . # فتركهم مديدة ، ثم فرض الهجرة ، وهو دينار على كل رأس أدرك ، وتلا قوله ~~تعالى : ' خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ، وصل عليهم ، إن صلواتك ~~سكن لهم ، والله سميع عليم ' . # وقال : هذا تأويل هذا . # فدفعوا ذلك إليه ، وتعاونوا عليه ، فمن كان فقيرا أسعفوه . # فتركهم مديدة ، ثم فرض عليهم البلغة وهي سبعة دنانير ، وزعم أن ذلك هو ~~البرهان الذي أراد الله بقوله : ' قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ' . ~~وزعم أن ذلك بلاغ من يريد الإيمان ، والدخول في السابقتين المذكورين في ~~قوله تعالى : ' والسابقون السابقون أولئك المقربون ' . # وصنع طعاما طيبا حلوا لذيذا ، وجعله على قدر البنادق ، يطعم كل من أدى ~~إليه سبعة دنانير منها واحدة ، وزعم أنه طعام أهل الجنة نزل إلى الإمام ، ~~فكان ينفذ إلى كل داع منها مائة بلغة ، ويطالبه بسبعمائة دينار ، لكل واحدة ~~منها سبعة دنانير . PageV01P156 # فلما توطأ له الأمر فرض عليهم أخماس ما يملكون وما يتكسبون ، وتلا عليهم ~~: ' واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسة الآية ' ، فقوموا جميع ما ~~يملكونه من ثوب وغيره وأدوا ذلك إليه ، فكانت المرأة تخرج خمس ما تغزل ، ~~والرجل يخرج خمس ما يكسبه . # فلما تم ذلك فرض عليهم الألفة ، وهو أن يجمعوا أموالهم في موضع واحد ، ~~وأن يكونوا فيه أسوة واحدة لا يفضل أحد منهم صاحبه وأخاه في ملك يملكه ، ~~وتلا عليهم : ' واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ~~فأصبحتم بنعمته إخوانا ' الآية ، وقوله تعالى : ' لو أنفقت ما في الأرض ~~جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ' . # وعرفهم أنه لا حاجة بهم إلى أموال تكون معهم ، لأن الأرض بأسرها ستكون ~~لهم دون غيرهم ، وقال : هذه محنتكم التي امتحنتم بها ليعلم كيف ms090 تعملون . # وطالبهم بشراء السلاح وإعداده . # وذلك كله في سنة ست وسبعين ومائتين . # وأقام الدعاة في كل قرية : رجلا مختارا من ثقاتها يجمع عنده أموال أهل ~~قريته من بقر وغنم وحلى ومتاع وغيره ، وكان يكسو عاريهم ، وينفق على سائرهم ~~ما يكفيهم ، ولا يدع فقيرا بينهم ولا محتاجا ولا ضعيفا ؛ وأخذ كل رجل منهم ~~بالانكماش في صناعته والكسب بجهده ، ليكون له الفضل في رتبته ؛ وجمعت ~~المرأة كسبها من مغزلها ، والصبي أجرة نظارته للطير ، وأتوه به ، فلم يتملك ~~أحد منهم إلا سيفه وسلاحه . # فلما استقام له ذلك أمر الدعاة أن يجمعوا النساء ليلة معروفة ، ويختلطن ~~بالرجال ، ويتراكبن ولا يتنافرن ، فإن ذلك من صحة الود والألفة بينهم . ~~PageV01P157 # فلما تمكن من أمورهم ، ووثق بطاعتهم ، وتبين مقدار عقولهم ، أخذ في ~~تدريجهم ، وأتاهم بحجج من مذهب الثنوية ، فسلكوا معه في ذلك حتى يقضي ما ~~كان يأمرهم به في مبدأ أمرهم من الخشوع والورع والتقوى ، وظهر منهم بعد ~~تدين كثير إباحة الأموال والفروج ، والغناء عن الصوم والصلاة والفرائض ، ~~وأخبرهم أن ذلك كله موضوع عنهم وأن أموال المخالفين ودماءهم حلال لهم ، وأن ~~معرفة صاحب الحق تغني عن كل شيء ، ولا يخاف معه إثم ولا عذاب يعني إمامه ~~الذي يدعو إليه ، وهو محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وأنه الإمام المهدي ~~الذي يظهر في آخر الزمان ويقيم الحق ، وأن البيعة له ، وأن الداعي إنما ~~يأخذها على الناس له ، وأن ما يجمع من الأموال مخزون له إلى أن يظهر ، وأنه ~~حي لم يمت ، وأنه يظهر في آخر الزمان ، وأنه مهدي الأمة . # فلما أظهر هذه الأمور كلها بعد تعلقه بذكر الأئمة والرسل والحجة والإمام ~~، وأنه المعول والمقصد والمراد ، وبه اتسقت هذه الأمور ، ولولا هذه لهلك ~~الخلق وعدم الهدى والعلم ، ظهر في كثير منهم الفجور ، وبسط بعضهم أيديهم ~~بسفك الدماء ، وقتلوا جماعة ممن خالفهم ، فخافهم الناس واستوحشوا من ظهور ؛ ~~السلاح بينهم ، فأظهر موافقتهم كثير من مجاوريهم جزعا منهم . # ثم إن الدعاة اجتمعوا واتفقوا على أن يجعلوا لهم موضعا يكون وطنا ودار ~~هجرة يهاجرون ms091 إليها ، ويجتمعون بها ، فاختاروا من سواد الكوفة في طسوج ~~الفرات من ضياع السلطان المعروفة بالقاسميات قرية تعرف بمهتماباد ، فحاذوا ~~إليها صخرا عظيما ، ثم بنوا حولها سورا منيعا عرضه ثماني أذرع ، ومن ورائه ~~خندق عظيم ، وفرغوا من ذلك في أسرع وقت ، وبنوا فيها البناء العظيم ، ~~وانتقل إليها الرجال والنساء من كل مكان ، وسميت دار الهجرة ، وذلك في سنة ~~سبع وتسعين ومائتين ؛ فلم يبق حينئذ أحد إلا خافهم ، ولا بقي أحد يخافونه ~~لقوتهم وتمكنهم في البلاد . PageV01P158 # وكان الذي أعانهم على ذلك تشاغل الخليفة بفتنة الخوارج ، وصاحب الزنج ~~بالبصرة ، وقصريد السلطان ، وخراب العراق ، وتركه لتدبيره ، وركوب الأعراب ~~واللصوص بعد السبعين ومائتين بالقفر ، وتلاف الرجال ، وفساد البلدان ، ~~فتمكن هؤلاء ، وبسطوا أيديهم في البلاد ، وعلت كلمتهم . وكان منهم مهرويه ~~أحد الدعاة في مبدأ أمره ينطر النخل ويأخذ أجرته تمرا فيفرغ منه النوا ~~ويتصدق به ، ويبيع النوا ويتقوت به ، فعظم في أعين الناس قدره ، وصارت له ~~مرتبة في الثقة والدين ، فصار إلى صاحب الزنج لما ظهر على السلطان وقال له ~~. # ورائي مائة ألف ضارب سيف أعينك بهم . # فلم يلتفت إلى قوله ، ولم يجد فيه مطمعا ، فرجع وعظم بعد ذلك في السواد ، ~~وانقاد إليه خلق كثير ، فادعى أنه من ولد عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر ، فقيل له : لم يكن لمحمد بن إسماعيل ابن يقال له عبد الله . # فكف عن هذه الدعوى ، وصار بعد ذلك في قبة على جمل ، ودعى بالسيد ، وظهر ~~بسواد الكوفة ؛ وسيأتي ذكر ابنه زكرويه ، وابن ابنه الحسين بن زكرويه إن ~~شاء الله . # وكان رجل من أهل قرية جنابة يعمل الفراء ، يقال له أبو سعيد الحسن بن ~~بهرام الجنابي ، أصله من الفرس ، سافر إلى سواد الكوفة ، وتزوج من قوم يقال ~~لهم : بنو PageV01P159 القصار كانوا من أصول هذه الدعوة ، فأخذ عن عبدان ، ~~وقيل بل أخذ عن حمدان قرمط ، وسار داعية ، فنزل القطيف وهي حينئذ مدينة ~~عظيمة فجلس بها يبيع الرقيق ، فلزم الوفاء والصدق ، وكان أول من أجابه ~~الحسين بن سنبر ، وعلي بن سنبر ms092 ، وحمدان بن سنبر ، في قوم ضعفاء ، ما بين ~~قصاب وحمال وأمثال ذلك ، فبلغه أن بناحيته داعيا يقال له أبو زكريا ، أنفذه ~~عبدان قبل أبي سعيد وكان قد أخذ على بني سنبر من قبل ، فعظم أمره على أبي ~~سعيد وقبض عليه وقتله ، فحقد عليه بنو سنبر قتله . # واتفق أن البلد كان واسعا ، ولأهله عادة بالحروب ، وهم رجال شداد جهال ، ~~فظفر أبو سعيد باشتهار دعوته في تلك الديار ، فقاتل بمن أطاعه من عصاه ، ~~حتى اشتدت شوكته . # وكان لا يظفر بقرية إلا قتل أهلها ونهبها ، فهابه الناس ، وأجابه كثير ~~منهم ، وفر منه خلق كثير إلى بلدان شتى خوفا من شره ، ولم يمتنع عليه إلا ~~هجر وهي مدينة البحرين ومنزل سلطانها ، وبها التجار والوجوه فنازلها شهورا ~~يقاتل أهلها ، ثم وكل بها رجلا . # وارتفع فنزل الأحساء وبينها وبين هجر ميلان فابتنى بها دارا ، وجعلها ~~منزلا ، وتقدم في زراعة الأرض وعمارتها ، وكان يركب إلى هجر ، ويحارب أهلها ~~، ويعقب قومه على حصارها . # ودعا العرب فأجابه بنو الأضبط من كلاب ، وساروا إليه بحرمهم وأموالهم ، ~~فأنزلهم الأحساء ، وأطمعوه في بني كلاب ، وسائر من يقرب منه من العرب فضم ~~إليهم رجالا ، وساروا فأكثروا من القتل ، وأقبلوا بالحريم والأموال ~~والأمتعة إلى الأحساء ، فدخل الناس في طاعته ، فوجه جيشا إلى بني عقيل فظفر ~~بهم ، ودخلوا في طاعته . PageV01P160 # فلما اجتمع إليه العرب مناهم ملك الأرض كلها ، ورد إلى من أجابه من العرب ~~ما كان أخذ منهم من أهل وولد ، ولم يرد عبدا ولا أمة ولا إبلا ولا صبيا إلا ~~أن يكون دون الأربع سنين . # وجمع الصبيان في دور وأقام عليهم قوما ، وأجرى عليهم ما يحتاجون إليه ، ~~ووسمهم لئلا يختلطون بغيرهم ، ونصب لهم عرفاء ، وأخذ يعلمهم ركوب الخيل ~~والطعان ، فنشأوا لا يعرفون غير الحرب ، وقد صارت دعوته طبعا لهم . # وقبض كل مال في البلد ، والثمار ، والحنطة ، والشعير . # وأقام رعاة للإبل والغنم ، ومعهم قوم لحفظها ، والتنقل معها على نوب ~~معروفة . # وأجرى على أصحابه جرايات فلم يكن يصل لأحد غير ما يطعمه . # هذا وهو لا يغفل ms093 عن هجر ، وطال حصاره لهم على نيف وعشرين شهرا حتى أكلوا ~~الكلاب ، فجمع أصحابه ، وعمل دبابات ، ومشى بها الرجال إلى السور ، ~~فاقتتلوا يومهم ، وكثر بينهم القتلى ، ثم انصرف عنهم إلى الأحساء ، وباكرهم ~~فناشوه ، فانصرف إلى قرب الأحساء ، ثم عاد في خيل ، فدار حول هجر يفكر فيما ~~يكيدهم به ، فإذا لهجر عين عظيمة كثيرة الماء ، تخرج من نشز من الأرض غير ~~بعيد منها ، فيجتمع ماؤها في نهر يستقيم حتى يمر بجانب هجر ، ثم ينزل إلى ~~النخل فيسقيه ، فكانوا لا يفقدون الماء في حصارهم . # فلما تبين له أمر العين انصرف إلى الأحساء ، ثم غدا فأوقف على باب ~~المدينة رجالا كثيرا ، ورجع إلى الأحساء ، وجمع الناس كلهم ، وسار في آخر ~~الليل فورد العين بكرة بالمعاول والرمل وأوقار الثياب الخلقان ووبر وصوف ، ~~وأمر بجمع الحجارة ونقلها إلى العين ، وأعد الرمل والحصى والتراب ، ثم أمر ~~بطرح الوبر والصوف وأوقار الثياب في العين ، وطرح فوقها الرمل والحصى ~~والتراب والحجارة ، فقذفته العين ، ولم يعن ما فعله شيئا ، فانصرف إلى ~~الأحساء بمن معه . PageV01P161 وغدا في خيل فضرب البر حتى عرف أن منتهى ~~العين بساحل البحر ، وأنها تنخفض كلما نزلت ، فرد جميع من كان معه ، وانحدر ~~على النهر نحوا من ميلين ، ثم أمر بحفر نهر هنك ، وأقبل يركب هو وجمعه في ~~كل يوم والعمال يعملون حتى حفره إلى السباخ ، ومضى الماء كله فصب في البحر ~~ثم سار فنزل على هجر وقد انقطع الماء عنهم ففر بعضهم فركب البحر ، ودخل ~~بعضهم في دعوته ، وخرجوا إليه فنقلهم إلى الأحساء ، وبقيت طائفة لم يفروا ~~لعجزهم ، ولم يدخلوا في دعوته فقتلهم ، وأخذ ما في المدينة ، وأخربها فبقيت ~~خرابا ، وصارت مدينة البحرين هي الأحساء . # ثم أنفذ سرية إلى عمان في ستمائة ، وأردفهم بستمائة أخرى ، فقاتلهم أهل ~~عمان حتى تفانوا ، وبقي من أهل عمان خمسة نفر ، ومن القرامطة ستة نفر ، ~~فلحقوا بأبي سعيد ، فأمر بهم فقتلوا ، وقال : هؤلاء خاسوا بعهدي ولم ~~يواسلوا أصحابهم الذين قتلوا . # وتطير بهلاك السرية ، وكف عن أهل عمان . # واتصل بالمعتضد بالله ms094 خبره ، فخاف منه على البصرة ، فأنفذ العباس بن عمرو ~~الغنوي في ألفي رجل ، وولاه البحرين ، فخرج في سنة تسع وثمانين ومائتين ~~والتقى مع أبي سعيد ، فانهزم أصحابه ، وأسر العباس في نحو من سبعمائة رجل ~~من أصحابه ، واحتووا على عسكره ، وقتل من غده جميع الأسرى ، ثم أحرقهم وترك ~~العباس ؛ ومضى المنهزمون فتاه أكثرهم في البر ، وتلف كثير منهم عطشا ، وورج ~~بعضهم إلى البصرة ، فارتاع الناس وأخذوا في الرحيل عن البصرة . # ثم لما كان بعد الوقعة بأيام أحضر أبو سعيد العباس بن عمرو وقال له . ~~PageV01P162 # أتحب أن أطلقك ؟ قال : نعم . # قال : على أن تبلغ عني ما أقول صاحبك . # قال : أفعل . # قال : تقول له : الذي أنزل بجيشك ما أنزل بغيك ، هذا بلد خارج عن يدك ، ~~غلبت عليه ، وقمت به ، وكان بي من الفضل ما آخذ به غيره ، فما عرضت لما كان ~~في يدك ، ولا هممت به ، ولا أخفت لك سبيلا ، ولا نلت أحدا من رعيتك بسوء ؛ ~~فتوجيهك إلي الجيوش لأي سبب ؟ اعلم أني لا أخرج عن هذا البلد ، ولا توصل ~~إليه وفي هذه العصابة التي معي روح ، فأكفني نفسك ، ولا تتعرض لما ليس لك ~~فيه فائدة ، ولا تصل إلى مرادك منه إلا ببلوغ القلوب الحناجر . # وأطلقه ، وبعث معه من يرده إلى مأمنه ، فوصل إلى بغداد في شهر رمضان ، ~~وقد كان الناس يعظمون أمره ويكثرون ذكره ، ويسمونه قائد الشهداء ، فلما وصل ~~إلى المعتضد عاتبه على تركه التحرز فاعتذر ، ولم يبرح حتى رضى عنه . # وسأله عن خبره ، فعرفه جميعه ، وبلغه ما قال القرمطي ، فقال : صدق ، ما ~~أخذ شيئا كان في أيدينا . # وأطرق مفكرا ، ثم رفع رأسه وقال : كذب عدو الله الكافر ، المسلمون رعيتي ~~حيث كانوا من بلاد الله ، والله لئن طال بي عمري لأشخصن بنفسي إلى البصرة ~~وجميع غلماني ، ولأوجهن إليه جيشا كثيفا ، فإن هزمه وجهت جيشا ، فإنه هزمه ~~خرجت في جميع قوادي وجيشي إليه حتى يحكم الله بيني وبينه . # فشغل المعتضد عن القرمطي بأمر وصيف غلام أبي الساج . # ثم توفي في ربيع الآخر سنة ms095 تسع وثمانين ومائتين ، وما يزال يذكر أبا سعيد ~~الجنابي في مرضه ، ويتلهف ويقول : PageV01P163 حسرة في نفسي كنت أحب أن ~~أبلغها قبل موتي ، والله لقد كنت وضعت عند نفسي أن أركب ثم أخرج نحو ~~البحرين ، ثم لا ألقى أحدا أطول من سيفي إلا ضربت عنقه ، وإني أخاف أن يكون ~~من هناك حوادث عظيمة . # وأقبل أبو سعيد بعد إطلاق العباس على جمع الخيل ، وإعداد السلاح ، ونسج ~~الدروع والمغافر ، واتخاذ الإبل ، وإصلاح الرجال ، وضرب السيوف والأسنة ، ~~واتخاذ الروايا والمزاد والقرب ، وتعليم الصبيان الفروسية ، وطرد الأعراب ~~من قريته ، وسد الوجوه التي يتعرف منها أمر بلده وأحواله بالرجال ، وإصلاح ~~أراضي المزارع وأصول النخل ، وإصلاح مثل هذه الأمور وتفقدها ، ونصب الأمناء ~~على ذلك ، وأقام العرفاء على الرجال ، واحتاط على ذلك كله ، حتى بلغ من ~~تفقده أن الشاة إذا ذبحت يتسلم العرفاء اللحم ليفرقوه على من ترسم لهم ، ~~ويدفع الرأس والأكارع والبطن إلى العبيد والإماء ، ويجز الصوف والشعر من ~~الغنم ويفرقه على من يغزله ، ثم يدفعه إلى من ينسجه عبيا وأكسية وغرائر ~~وجوالقات ، ويفتل منه حبال ، ويسلم الجلد إلى الدباغ ، ثم إلى خرازى القرب ~~والروايا ، والمزاد ؛ وما كان من الجلود يصلح نعالا وخفا فأعمل منه ، ثم ~~يجمع ذلك كله إلى خزائن . فكان ذلك دأبه لا يغفله ، ويوجه كل قليل خيلا إلى ~~ناحية البصرة ، فتأخذ من وجدت ، وتصير بهم إليه ويستعبدهم ، فزادت بلاده ، ~~وعظمت هيبته في صدور الناس . # وواقع بني ضبة وقائع مشهورة فظفر بهم ، وأخذ منهم خلقا ، وبنى لهم حبسا ~~عظيما جمعهم فيه ، وسده عليهم ، ومنعهم الطعام والشراب ، فصاحوا فلم يغثهم ~~، فمكثوا على ذلك شهرا ، ثم فتح عليهم فوجد أكثرهم موتى ، ويسيرا بحال ~~الموتى وقد تغذوا بلحوم الموتى ، فحصاهم وخلاهم فمات أكثرهم . # وكان قد أخذ من عسكر العباس خادما له جعله على طعامه وشرابه ، فمكث مدة ~~طويلة لا يرى أبا سعيد فيها مصليا صلاة واحدة ، ولا يصوم في شهر رمضان ولا ~~في غيره ، فأضمر الخادم قتله ، حتى إذا دخل الحمام معه وكانت الحمام في ~~داره فأعد الخادم ms096 خنجرا ماضيا PageV01P164 والحمام خال فلما تمكن منه ذبحه ~~، ثم خرج فقال : يدعى فلان ، لبعض بني سنبر فأحضر ، فلما دخل قبضه وذبحه ، ~~فلم يزل ذلك دأبه حتى قتل جماعة من الرؤساء والوجوه ، فدخل آخرهم فإذا في ~~البيت الأول دم جار ، فارتاب وخرج مبادرا ، وأعلم الناس ، فحصروا الخادم ~~حتى دخلوه ، فوجدوا الجماعة صرعى ، وذلك في سنة إحدى وثلاثمائة ، وقيل ~~اثنتين وثلاثمائة ، وكان قتله بأحساء من البحرين . # وكانت سنه يوم قتله نيفا وستين سنة . # وترك أبو سعيد من الأولاد : أبا القاسم سعيدا . # وأبا طاهر سليمان . # وأبا منصور أحمد . # وأبا إسحاق إبراهيم . # وأبا العباس محمدا . # وأبا يعقوب يوسف . # وكان أبو سعيد قد جمع رؤساء دولته ، وأوصى إن حدث به موت يكون القيم ~~بأمرهم سعيد ابنه إلى أن يكبر أبو طاهر ، وكان أبو طاهر أصغر سنا من سعيد ، ~~فإذا كبر أبو طاهر كان المدبر ؛ فلما قتل جرى الأمر على ذلك . # وكان قد قال لهم سيكون الفتوح له ، فجلس سعيد يدبر الأمر بعد قتل أبيه ، ~~وأمر فشد الخادم بحبال ، وقرض لحمه بالمقاريض حتى مات ؛ فلما كان في سنة ~~خمس وثلاثمائة سلم سعيد إلى أخيه أبي طاهر سليمان الأمر ، فعظموا أمره . # وكان ابتداء أمر أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي بالقطيف وما والاها في ~~سنة ست وثمانين ومائتين ؛ فكانت مدته نحو خمس عشرة سنة . PageV01P165 # | الصناديقي # وفيها استولى النجار أبو القاسم الحسن بن فرج الصناديقي على اليمن ، ~~وكانت جيوشه بالمذيخرة وسهفنة ، وكان ابن أبي الفوارس أحد دعاة عبدان أنفذه ~~داعيا إلى اليمن ، وكان من أهل النرس موضع يعمل فيه الثياب النرسي ، وكان ~~يعمل من الكتان فصار إلى اليمن ، ودخل في دعوته خلق كثير ، فأظهر العظائم ~~وقتل الأطفال ، وسبا النساء ، وتسمى برب العزة ، وكان يكاتب بذلك ، وأعلن ~~سب النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء ، واتخذ دارا خاصة سماها دار ~~الصفوة يجتمع فيها النساء ويأمر الرجال بمخالطتهن ووطئهن ، ويحفظ من تحبل ~~منهن في تلك الليلة ومن تلد من ذلك ، ويتخذ تلك الأولاد لنفسه خولا ، ~~ويسميهم أولاد الصفوة . # قال بعضهم ms097 : دخلت إليها لأنظر فسمعت امرأة تقول : يا بني ، فقال : يا أمة ~~نريد أن نمضي أمر ولي الله فينا . # وكان يقول : إذا فعلتم هذا لم يتميز مال من مال ، ولا ولد من ولد ، ~~فتكونوا كنفس واحدة . # فعظمت فتنته باليمن ، وأجلى أكثر أهله عنه ، وأجلى السلطان ، وقاتل أبا ~~القاسم محمدا PageV01P166 ابن يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم الحسني ~~الهادي ، وأزاله عن عمله من صعدة ففر منه بعياله إلى الرس ، ثم أظفره الله ~~به فهزمه بأمر إلهي ، وهو أن الله جلت قدرته ألقى على عسكره وقد بايته بردا ~~وثلجا قتل به أكثر أصحابه في ليلة واحدة ، وقلما عرف مثل ذلك في تلك ~~الناحية . # وسلط الله عليه الأكلة ، وذلك أن القاسم أنفذ إليه طبيبا بمبضع مسموم ~~فصده به فقتله ؛ وأنزل الله بالبلدان التي غلب عليها بثرا يخرج في كتف ~~الرجل منهم بثرة فيموت سريعا ، فسمى ذلك البثر بتلك البلاد حبة القرمطي مدة ~~من الزمان . # وأخرب الله أكثر تلك البلاد التي ملكها ، وأفنى أهلها بموت ذريع ، فاعتصم ~~ابنه بجبال وأقام بها ، وكاتب أهل دعوتهم ، وعنون كتبه : من ابن رب العزة . # فأهلكه الله ، وبقي منهم بقية ، فاستأمنوا إلى القاسم بن أحمد الهادي ، ~~ولم يبق للنجار لعنه الله ولا لمن كان على دعوته بقية . وكان قرمط يكاتب من ~~بسلمية ، فلما مات من كان في وقته ، وخلفه ابنه من بعده كتب إلى قرمط فأنكر ~~منه أشياء ، فاستراب وبعث ابن مليح أحد دعاته ليعرف الخبر فامتنع ، فأنفذ ~~عبدان ، وعرف موت الذي كانوا يكاتبونه ، فسأل ابنه عن الحجة ، ومن الإمام ~~الذي يدعو إليه ، فقال الابن : ومن الإمام ؟ فقال عبدان : محمد بن إسماعيل ~~بن جعفر صاحب الزمان . # فأنكر ذلك وقال : لم يكن إمام غير أبي ، وأنا أقوم مقامه . PageV01P167 # فرجع عبدان إلى قرمط ؛ وعرفه الخبر ، فجمع الدعاة وأمرهم بقطع الدعوة ~~حنقا من قول صاحب سلمية : لا حق لمحمد بن إسماعيل في هذا الأمر ولا إمامة . # وكان قرمط إنما يدعو إلى إمامة محمد بن إسماعيل ، فلما قطعوها من ديارهم ~~لم يمكنهم قطعها ms098 من غير ديارهم ، لأنها امتدت في سائر الأقطار ، ومن حينئذ ~~قطع الدعاة مكاتبة الذين كانوا بسلمية . # وكان رجل منهم قد نفذ إلى الطالقان يبث الدعوة ، فلما انقطعت المكاتبة ~~طال انتظاره ، فشخص يسأل عن قرمط ، فنزل على عبدان بسواد الكوفة ، فعتبه ~~وعتب الدعاة في انقطاع كتبهم ، فعرفه عبدان قطعهم الدعوة ، وأنهم لا يعودون ~~فيها ، وأنه تاب من هذه الدعوة حقيقة ، فانصرف عنه إلى زكرويه بن مهرويه ~~ليدعو كما كان أبوه ، ويجمع الرجال ، فقال زكرويه : إن هذا لا يتم مع عبدان ~~لأنه داعي البلد كله والدعاة من قبله ، والوجه أن نحتال على عبدان حتى ~~نقتله . # وباطن على ذلك جماعة من قرابته وثقاته ، وقال لهم : إن عبدان قد نافق ~~وعصى وخرج من الملة . # فبيتوه ليلا وقتلوه ، فشاع ذلك ، وطلب الدعاة وأصحاب قرمط زكرويه بن ~~مهرويه ليقتلوه فاستتر ، وخالفه القوم كلهم إلا أصل دعوته ، وتنقل في القرى ~~وذلك في سنة ست وثمانين والقرامطة تطلبه إلى سنة ثمان وثمانين فأنفذ ابنه ~~الحسن إلى الشام ، ومعه من القرامطة رجل يقال له أبو الحسين القاسم بن أحمد ~~، وأمره أن يقصد بني كلاب ، وينتسب إلى محمد بن إسماعيل ، ويدعوهم إلى ~~الإمام من ولده ، فاستجاب له فخذ من بني العليص ومواليهم وبايعوه ، فبعث ~~إلى زكرويه يخبر بمن استجاب له بالشام ، فضم إليه PageV01P168 ابن أخيه ~~فتسمى بالمدثر لقبا ، وبعبد الله اسما ، وتأول أنه المذكور في القرآن ~~بالمدثر ويقال إن المدثر هذا اسمه عيسى بن مهدي ، وأنه تسمى عبد الله بن ~~أحمد بن محمد بن إسماعيل ابن جعفر الصادق ، وعهد إليه صاحب الخال من بعده ، ~~وغلاما من بني مهرويه يتلقب بالمطوق وكان سيافا وكتب إلى ابنه الحسن يعرفه ~~أنه ابن الحجة ، ويأمره بالسمع والطاعة له ، وابن الحجة هذا ادعى أنه محمد ~~بن عبد الله ، وقيل علي بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ، ~~وأنكر قوم هذا النسب ، وقالوا إنما اسمه يحيى بن زكرويه بن مهرويه ، وكنيته ~~أبو القاسم ، ويلقب بالشيخ ويعرف بصاحب الناقة ، وبصاحب الجمل ، وهو أخو ~~صاحب ms099 الخال ، القائم من بعده ، فسار حتى نزل في بني كليب ، فلقيه الحسن بن ~~زكرويه ، وسر به ، وجمع له الجمع ، وقال : هذا صاحب الإمام ، فامتثلوا أمره ~~، وسروا به ، فأمرهم بالاستعداد للحرب ، وقال : قد أظلكم النصر ، ففعلوا ~~ذلك . # واتصلت أخبارهم بشبل الديلمي مولى المعتضد في سنة تسع وثمانين ، فقصدهم ، ~~فحاربوه وقتلوه في عدة من أصحابه بالرصافة من غربي الفرات ، ودخلوها ~~فأحرقوا مسجدها ونهبوا . # وساروا نحو الشام يقتلون ويحرقون القرى وينهبونها إلى أن وردوا أطراف ~~دمشق ، وكان عليها طغج بن جف من قبل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون ~~فبرز إليهم فهزموه وقتل كثير من أصحابه ، والتجأ إلى دمشق فحصروه وقاتلوه . # وكان القرمطي يحضر الحرب على ناقة ، ويقول لأصحابه : لا تسيروا من مصافكم ~~حتى تنبعث بين أيديكم ، فإذا سارت فاحملوا ، فإنه لا ترد لكم راية ، إذ ~~كانت مأمورة . PageV01P169 # فسمى بذلك : صاحب الناقة فأقام طغج سبعة أشهر محصورا بدمشق ، فكتب إلى ~~مصر بأنه محصور وقد قتل أكثر أصحابه وضرب البلد ، فأنفذ إليه بدر الكبير ~~غلام ابن طولون المعروف بالحمامي فسار حتى قرب من دمشق ، فاجتمع هو وطغج ~~على محاربة القرمطي بقرب دمشق ، فقتل القرمطي واحتمى أصحابه وانحازوا ، ~~فمضوا ، وكان القرمطي قد ضرب دراهم ودنانير وكتب عليها : قل جاء الحق وزهق ~~الباطل . # وفي الوجه الآخر : لا إله إلا الله ، قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة ~~في القربى . فلما انصرف القرامطة عن دمشق وقد قتل محمد بن عبد الله صاحب ~~الناقة بايعوا الحسن بن زكرويه وهو الذي يقال له أحمد بن عبد الله ، ويقال ~~عبد الله بن أحمد بن محمد ابن إسماعيل بن جعفر الصادق ، ويعرف بصاحب الخال ~~، فسار بهم ، وافتتح عدة مدن من الشام ، وظهر على حمص ، وقتل خلقا ، وتسمى ~~بأمير المؤمنين المهدي على المنابر وفي كتبه ، وذلك في سنة تسع وثمانين ~~وبعض سنة تسعين . # ثم صاروا إلى الرقة ، فخرج إليهم مولى المكتفي وواقعهم فهزموه وقتلوه ، ~~واستباحوا عسكره ، ورجعوا إلى دمشق وهم ينهبون جميع ما يمرون به من القرى ، ~~ويقتلون ويسبون ، فخرج إليهم ms100 جيش كثيف عليه بشير غلام طغج وقاتلهم حتى قتل ~~في خلق من أصحابه . # واتصل ذلك بالمكتفي بالله فندب أبا الأغر السلمى في عشرة آلاف وخلع عليه ~~لثلاث عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة تسعين ، فسار حتى نزل حلب ، ثم خرج ~~فوافاه جيش القرامطة غفلة يقدمهم المطوق ، فانهزم أبو الأغر ، وركبت ~~القرامطة أكتاف الناس يقتلون ويأسرون حتى حجز بينهم الليل وقد أتوا على ~~عامة العسكر ، ولحق أبو الأغر بطائفة من PageV01P170 أصحابه ، فالتجأوا ~~بحلب ، وصار في نحو الألف ، فنازله القرامطة ، فلم يقدروا منه على شيء ~~فانصرفوا . # وجمع الحسن بن زكرويه بن مهرويه أصحابه ، وسار بهم إلى حمص ، فخطب له على ~~منابرها . # ثم سار إلى حماة والمعرة ، فقتل الرجال والنساء والأطفال ، ورجع إلى ~~بعلبك فقتل عامة أهلها . # ثم سار إلى سلمية فحارب أهلها وامتنعوا منه فأمنهم ، ودخلها فبدأ بمن ~~فيها من بني هاشم وكانوا جماعة فقتلهم . # ثم كر على أهلها فقتلهم أجمعين ، وخربها ، وخرج عنها وما بها عين تطرف ، ~~فلم يمر بقرية إلا أخربها ، ولم يدع فيها أحدا ، فخرب البلاد وقتل الناس ، ~~ولم يقاومه أحد ، وفنيت رجال طغج ، وبقي في عدة يسيرة ، فكانت القرامطة ~~تقصد دمشق فلا يقاتلهم إلا العامة وقد أشرفوا على الهلكة ، فكثر الضجيج ~~ببغداد ، واجتمعت العامة إلى يوسف بن يعقوب القاضي ، وسألوه إنهاء الخبر ~~إلى السلطان . # ووردت الكتب من مصر إلى المكتفي بخبر قتل عسكرهم الذي خرج إلى الشام بيد ~~القرامطة ، وخراب الشام ، فأمر المكتفي الجيش بالاستعداد ، وخرج إلى مضربه ~~في القواد والجند لاثنتي عشرة خلت من رمضان ، ومضى نحو الرقة بالجيوش حتى ~~نزلها ، وانبثت الجيوش بين حلب وحمص ، وقلد محمد بن سليمان حرب الحسن بن ~~زكرويه ، واختار له جيشا كثيفا وكان صاحب ديوان العطاء . # وعارض الجيش فسار إليهم والتقاهم لست خلون من المحرم سنة إحدى وتسعين ~~ومائتين بموضع بينه وبين حماة اثنا عشر ميلا ، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى ~~حجز الليل بينهم ، وقتل عامة رجال القرامطة فولوا مدبرين . PageV01P171 # وكان الحسن بن زكرويه لما أحس بالجيوش اصطفى مقاتلة ممن معه ، ورتب ms101 ~~أحوالهم ، فلما انهزم أصحابه رحل من وقته ، وتلاحق به من أفلت ، فقال لهم : ~~أتيتم من قبل أنفسكم وذنوبكم وأنكم لم تصدقوا الله ؛ وحرضهم على المعاودة ~~إلى الحرب ، فاعتلوا بفناء الرجال وكثرة الجراح فيهم ، فقال لهم : قد ~~كاتبني خلق من أهل بغداد بالبيعة لي ودعاتي بها ينتظرون أمري ، وقد خلت من ~~السلطان الآن ، وأنا شاخص نحوها لأظهر بها ، ومستخلف عليكم أبا الحسين ~~القاسم بن أحمد صاحبي ، وكتبي ترد عليه بما يعمل ، فاسمعوا وأطيعوا . # فضمنوا ذلك له ، وشخص معه قريبه عيسى ابن أخت مهرويه المسمى بالمدثر ، ~~وصاحبه المعروف بالمطوق ، وغلام له رومى ، وأخذ دليلا يرشدهم إلى الطريق ، ~~فساروا يريدون سواد الكوفة ، وسلك البر ، وتجنب القرى والمدن حتى صار قريبا ~~من الرحبة بموضع يقال له الدالية ، فأمر الدليل فمال بهم إليها ، ونزل ~~بالقرب منها خلف رابية ، ووجه بعض من معه لابتياع ما يصلحه ، فدخل القرية ~~فأنكر بعض أهلها زيه ، وسأله عن أمره ، فورى وتلجلج ، فارتاب به وقبض عليه ~~، وأتى به واليها ويقال له أبو خبزة يخلف أحمد بن كشمرد صاحب الحرب بطريق ~~الفرات ، والدالية قرية من عمل الفرات فسأله أبو خبزة ورهب عليه ، فعرفه أن ~~القرمطي الذي خرج الخليفة المكتفي في طلبه خلف رابية أشار إليها ، فسار ~~الوالي مع جماعة بالسلاح فأخذوهم وشدوهم وثاقا ، وتوجه بهم إلى ابن كشمرد ، ~~فصار بهم إلى المكتفي وهو بالرقة ، فشهرهم بالرقة ، وعلى الحسن بن زكرويه ~~دراعة ديباج وبرنس حرير ، وعلى المدثر دراعة وبرنس حرير ، وذلك لأربع بقين ~~من المحرم . PageV01P172 وقدم محمد بن سليمان بجيوشه إلى الرقة ومعه الأسرى ~~فخلف المكتفي عساكره مع محمد ابن سليمان بالرقة ، وشخص في خاصته وغلمانه ، ~~وتبعه وزيره القاسم بن عبيد الله إلى بغداد ، ومعه القرمطي وأصحابه . # فلما صار إلى بغداد عمل له كرسي سمكه ذراعان ونصف ، وركب على فيل وأركب ~~عليه ، ودخل المكتفي وهو بين يده مع أصحابه الأسرى ، وذلك ثالث ربيع الأول ~~، ثم سجنوا . # فلما وصل محمد بن سليمان ببقية القرامطة لاثنتي عشرة خلت منه أمر المكتفي ~~القواد بتلقيه والدخول معه ms102 ، فدخل في زي حسن وبين يديه نيف وسبعون أسيرا ، ~~فخلع عليه ، وطوق بطوق من ذهب ، وسور سوارين من ذهب ، وخلع على جميع من كان ~~معه القواد وطوقوا وسوروا . # وأمر المكتفي ببناء دكة في الجانب الشرقي من مربعة ، ذرعها عشرون ذراعا ~~في مثلها ، وارتفاعها عشرة أذرع ، يصعد إليها بدرج ، فلما كان لأربع بقين ~~منه خرج القواد والعامة ، وحمل القرامطة على الجمال إلى الدكة ، وقتلوا ~~جميعا وعدتهم ثلاثمائة وستون ، وقيل دون ذلك . # وقدم الحسن بن زكرويه ، وعيسى ابن أخت مهرويه إلى أعلى الدكة ومعهما ~~أربعة وثلاثون إنسانا من قبل وجوه القرامطة ممن عرف بالنكاية ، وكان الواحد ~~منهم يبطح على وجهه ، وتقطع يده اليمنى ، فيرمى بها إلى أسفل ليراها الناس ~~، ثم تقطع رجله اليسرى ، ثم رجله اليمنى ويرمى بهما ، ثم يضرب عنقه ويرمى ~~بها . # ثم قدم المدثر ففعل به كذلك بعد ما كوى ليعذب ، وضربت عنقه . # ثم قدم الحسن بن زكرويه فضرب مائتي سوط ، ثم قطعت يداه ورجلاه ، وكوى ، ~~وضربت عنقه ، ورفع رأسه على خشبة ، وكبر من على الدكة ، فكبر الناس ~~وانصرفوا . # وحملت الرءوس فصلبت على الجسر وصلب بدن القرمطي فمكث نحو سنة . ~~PageV01P173 # ومن كتب الحسن بن زكرويه إلى عماله ما هذه نسخته بعد البسملة : من عند ~~المهدي ، المنصور بالله ، الناصر لدين الله ، القائم بأمر الله الحاكم بحكم ~~الله ، الداعي إلى كتاب الله ، الذاب عن حرم الله ، المختار من ولد رسول ~~الله ، أمير المؤمنين ، وإمام المسلمين ، ومذل المنافقين ، وخليفة الله على ~~العالمين ، وحاصد الظالمين ، وقاصم المعتدين ، ومبيد الملحدين ، وقاتل ~~القاسطين ، ومهلك المفسدين ، وسراج المستبصرين وضياء المستضيئين ، ومشتت ~~المخالفين ، والقيم بسنة سيد المرسلين ، وولد خير الوصيين صلى الله عليه ~~وعلى آله الطيبين وسلم كثيرا . # كتاب إلى فلان : سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، ~~وأسأله أن يصلي على محمد جدي رسول الله . # أما بعد : فقد أنهى إلينا ما حدث قبلك من أخبار أعداء الله الكفرة ، وما ~~فعلوه بناحيتك من الظلم والعبث والفساد في الأرض ، فأعظمنا ذلك ، ورأينا أن ~~ننفذ إلى ms103 ما هنالك من جيوشنا من ينتقم الله به من أعدائه الظالمين الذين ~~يسعون في الأرض فسادا ؛ فأنقذنا عطيرا داعيتنا وجماعة من المؤمنين إلى ~~مدينة حمص وأمددناهم بالعساكر ، ونحن في أثرهم ، وقد أوعزنا إليهم في ~~المصير إلى ناحيتك لطلب أعداء الله حيث كانوا ، ونحن نرجو أن يجزينا الله ~~فيهم على أحسن عوائده عندنا في أمثالهم . # فينبغي أن تشد قلبك وقلوب من اتبعك من أوليائنا ، وتثق بالله وبنصره الذي ~~لم يزل PageV01P174 يعودنا في كل من مرق عن الطاعة ، وانحرف عن الإيمان ، ~~وتبادر إلينا بأخبار الناحية وما يحدث فيها ، ولا تخف عنا شيئا من أمرها إن ~~شاء الله . # سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام ، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ~~، وصلى الله على جدي محمد رسوله ، وعلى أهل بيته وسلم كثيرا . # وكانت عماله تكاتبه بمثل هذا الصدد . # وسلم القاسم بن أحمد أبو الحسين خليفة الحسن بن زكرويه فقدم سواد الكوفة ~~إلى زكرويه بن مهرويه ، فأخبره بخبر القوم الذين استخلفهم ابنه عليهم ، ~~وأنهم اضطربوا فخافهم وتركهم ، فلامه زكرويه على قدومه لوما شديدا ، وقال ~~له : ألا كاتبتني قبل انصرافك إلي ؟ . # ووجده مع ذلك على خوف شديد من طلب السلطان ومن طلب أصحاب عبدان . ثم إنه ~~أعرض عن أبي الحسين ، وأنفذ إلى القوم في سنة ثلاث وتسعين رجلا من أصحابه ~~كان معلما يقال له محمد بن عبد الله بن سعيد ، ويكنى بأبي غانم ، فتسمى ~~نصرا ليعمى أمره ، وأمره أن يدور أحياء كلب ويدعوهم ، فدار ودعاهم ، ~~فاستجاب له طوائف من الأصبغيين ، ومن بني العليص ، فسار بهم نحو الشام ، ~~وعامل المكتفي بالله يومئذ على دمشق والأردن أحمد بن كيغلغ ، وهو بمصر في ~~حرب ابن الخليج ، فاغتنم ذلك محمد ابن عبد الله المعلم ، وسار إلى بصرى ~~وأذرعات فحارب أهلها ، وسبى ذراريهم وأخذ جميع أموالهم ، وقتل مقاتلنهم ، ~~وسار يريد دمشق ، فخرج إليه جيش مع صالح بن الفضل خليفة أحمد بن كيغلغ ، ~~فظهروا عليه ، وقتلوا عسكره ، وأسروه فقتلوه ، وهموا بدخول دمشق فدافعهم ~~أهلها ، فمضوا إلى طبرية ، فكانت لهم وقعة على الأردن ms104 غلبوا فيها ، ونهبوا ~~طبرية ، وقتلوا وسبوا النساء . PageV01P175 # فبعث المكتفي بالحسين بن حمدان في طلبهم مع وجوه من القواد ، فدخل دمشق ~~وهم بطبرية ، فساروا نحو السماوة ، وتبعهم ابن حمدان في البرية ، فأخذوا ~~يغورون ما يرتحلون عنه من الماء ، فانقطع ابن حمدان عنهم لعدم الماء ، ومال ~~نحو رحبة مالك بن طوق ، فأسرى القرامطة إلى هيت ، وأغاروا عليها لتسع بقين ~~من شعبان سنة ثلاث وتسعين ، ونهبوا الربض والسفن التي في الفرات ، وقتلوا ~~نحو مائتي إنسان . # ثم رحلوا بعد يومين بما غنموه ، فأنفذ المكتفي إلى هيت محمد بن إسحاق بن ~~كنداج في جماعة من القواد بجيش كثيف ، وأتبعه بمؤنس ، فإذا هم قد غوروا ~~المياه ، فأنفذ إليهم من بغداد بالروايا والزاد ، وكتب إلى ابن حمدان ~~بالنفوذ إليهم من الرحبة . # فلما أحسوا بذلك ائتمروا بصاحبهم المعلم ، ووثب عليه رجل من أصحابه يقال ~~له الذئب بن القائم فقتله ، وشخص إلى بغداد متقربا بذلك ، فأسنيت له ~~الجائزة ، وكف عن طلب قومه ، وحملت رأس القائم المسمى بنصر المعلم إلى ~~بغداد . # ثم إن قوما من بني كلب أنكروا فعل الذئب وقتله المعلم ، ورضيه آخرون ، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا ، وافترقوا فرقتين ، فصارت الفرقة التي رضيت قتل ~~المعلم إلى عين التمر ، وتخلفت الأخرى ؛ وبلغ ذلك زكرويه وأحمد بن القاسم ~~عنده فرده إليهم ، فلما قدم عليهم جمعهم ووعظهم وقال : أنا رسول وليكم ، ~~وهو عاتب عليكم فيما أقدم عليه الذئب بن القائم ، وأنكم قد ارتددتم عن ~~الدين . # فاعتذروا ، وحلفوا ما كان ذلك بمحبتهم ، وأعلموه بما كان بينهم من الخلف ~~والحرب ، فقال لهم : قد جئتكم الآن بما لم يأتكم به أحد تقدمني ، يقول لكم ~~وليكم : قد حضر أمركم ، وقرب ظهوركم ، وقد بايع له من أهل الكوفة أربعون ~~ألفا ، ومن أهل سوادها أكثر ، وموعدكم اليوم PageV01P176 الذي ذكره الله في ~~شأن موسى صلى الله عليه وسلم وعدوه فرعون إذ يقول : موعدكم يوم الزينة ، ~~وأن يحشر الناس ضحى فأجمعوا أمركم ، وسيروا إلى الكوفة ، فإنه لا دافع لكم ~~عنها ، ومنجز وعدي الذي جائتكم به رسلي . # فسروا بذلك ، وارتحلوا نحو الكوفة ms105 ، فنزلوا دونها بستة وثلاثين ميلا قبل ~~يوم عرفة بيوم من سنة ثلاث وتسعين ، فخلفوا هناك الخدم والأموال ، وأمرهم ~~أن يلحقوا به على ستة أميال من القادسية . # ثم شاور الوجوه من أصحابه في طروق الكوفة أي وقت ، فاتفقوا على أن يكمنوا ~~في النجف ، فيريحوا الخيل والدواب ، ثم يركبوا عمود الصبح فيشنوها غارة ~~والناس في صلاة العيد . # فركبوا وساروا ، ثم نزلوا فناموا ، فلم يوقظهم إلا الشمس يوم العيد لطفا ~~من الله بالناس ، فلم يصلوا إلى الكوفة إلا وقد انقضت الصلاة ، وانصرف ~~الناس وهم متبددون في ظاهر الكوفة ، ولأمير البلد طلائع تتفقد ، وكان قد ~~أرجف في البلد بحدوث فتن فأقبلوا ودخلت خيل منهم الكوفة ، فوضعوا السيف ~~وقتلوا كثيرا من الناس وأحرقوا ، فارتجت الكوفة ، وخرج الناس بالسلاح ، ~~وتكاثروا عليهم يقذفونهم بالحجارة ، فقتلوا منهم عدة ، وأقبل بقيتهم فخرج ~~إليهم إسحاق بن عمران في يسير من الجند ، وتلاحق به الناس ، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا في يوم صائف شديد الحر ، فانصرف القرامطة مكدودين ، فنزلوا على ميلين ~~من الكوفة ، ثم ارتحلوا عشاء نحو سوادهم ، واجتازوا بالقادسية وقد تأهبوا ~~لحربهم ، فانصرفوا عنها ، وبعث أمير الكوفة بخبر ذلك إلى بغداد . # وسار القرامطة إلى سواد الكوفة ، فاجتمع أحمد بن القاسم بزكرويه بن ~~مهرويه وكان مستترا فقال للعسكر : هذا صاحبكم وسيدكم ووليكم الذي تنتظرونه ~~. فترجل الجميع وألصقوا خدودهم بالأرض ، وضربوا لزكرويه مضربا عظيما ، ~~وطافوا به ، وسروا سرورا عظيما ، واجتمع إليهم أهل دعوته من السواد ، فعظم ~~الجيش جدا . PageV01P177 # وسير المكتفي جيشا عظيما ، فساروا بالأثقال والبنود والبزاة على غير ~~تعبئة مستخفين بالقوم ، فوصلوا وقد تعب ظهرهم وقل نشاطهم ، فلقيهم القرامطة ~~وقاتلوهم وهزموهم ، ووضعوا فيهم السيوف ، فقتل الأكثر ، ونجا الأقل إلى ~~القادسية ، فأقاموا في جمع الغنائم ثلاثا ، فكان من قتل من الجيش نحو الألف ~~وخمسمائة ، فقويت القرامطة بما غنموا ، وبلغ المكتفي فخاف على الحاج ، وبعث ~~محمد ابن إسحاق بن كنداج لحفظ الحاج ، وطلب القرامطة ، وضم إليه خلقا عظيما ~~. # فسار القرامطة وأدركوا الحاج ، فأخذوا الخراسانية لإحدى عشرة خلت من ~~المحرم سنة أربع وتسعين ، ووضعوا فيهم السيف وقتلوا ms106 خلقا عظيما ، واستولى ~~زكرويه على الأموال . # وقدم ابن كنداج فأقام بالقادسية وقد أدركه من هرب من حاج خراسان وقال : ~~لا أغدر بجيش السلطان . # وقدمت قافلة الحاج الثانية والثالثة ، فقاتلوا القرامطة قتالا شديدا حتى ~~غلبوا ، وقتل كثير من الحاج ، واستولوا على جميع ما في القافلة ، وأخذوا ~~النساء ولم يطلقوا منهم إلا من لا حاجة لهم فيها ، ومات كثير من الحاج عطشا ~~، ويقال إنه هلك نحو من عشرين ألفا ، فارتجت بغداد لذلك . # وأخرج المكتفي الأموال لإنفاذ الجيوش من الكوفة لإحدى عشرة بقيت من ~~المحرم . وخزائن السلاح . # ورحل زكرويه فلم يدع ماء إلا طرح فيه جيف القتلى ، وبث الطلائع فوافته ~~القافلة التي فيها القواد والشمسة وكان المعتضد جعل فيها جوهرا نفيسا ، ~~ومعهم الخزانة ووجوه الناس والرؤساء ومياسير التجار ، وفيها من أنواع المال ~~ما يخرج عن الوصف ، فناهضهم زكرويه بالهبير ، وقاتلهم يومه ، فأدركتهم ~~قافلة العمرة ، وكان المعتمرون يتخلفون للعمرة PageV01P178 بعد خروج الحاج ~~، ويخرجون إذا دخل المحرم ، ويتفردون قافلة ، وانقطع ذلك من تلك السنة ، ~~فاجتمع الناس وقاتلوا يومهم وقد نفد الماء ، فملك القافلة ، وقتل الناس ، ~~وأخذ ما فيها من حريم ومال وغيره ، وأفلت ناس فمات أكثرهم عطشا ، وسار فأخذ ~~أهل فيد . # وأما بغداد فإنه حصل بها وبالكوفة وجميع العراق مصاب بحيث لم يبق دار إلا ~~وفيها مصيبة ، وعبرة سائلة ، وضجيج وعويل ، واعتزل المكتفي النساء هما وغما ~~، وتقدم بالمسير خلف زكرويه ، وأنفذ الجيوش فالتقوا مع زكرويه لسبع بقين من ~~ربيع الأول ، فاقتتلوا قتالا شديدا صبر فيه الفريقان حتى انهزم زكرويه وقتل ~~أكثر من معه ، وأسر منهم خلق كثير ، وطرحت النار في قبته ، فخرج من ظهرها ، ~~وأدركه رجل فضربه حتى سقط إلى الأرض ، فأدركه رجل يعرفه . فأركبه نجيبا ~~فارها ، وسار به إلى نحو بغداد ، فمات من جراحا كانت به ، وصبر وأدخل به ~~إلى بغداد ميتا فشهر كذلك ، ومه حرمه وحرم أصحابه وأولادهم أسرى ورءوس من ~~قتل بين يديه في الجوالقات ، ومات خبر القرامطة بموت زكرويه . # ودعوتهم ذكرها شائع . # فلما دخلت # سنة خمس وتسعين ومائتين # خرج رجل من ms107 السواد من الظط يعرف بأبي حاتم الظطي ، فقصد أصحاب البوراني ~~داعيا وهم يعرفون بالبورانية وحرم عليها الثوم والبصل والكرات والفجل ، ~~وحرم عليهم إراقة الدم من جميع الحيوان ، وأمرهم أن يتمسكوا بمذهب البوراني ~~، وأمرهم بما لا يقبله إلا أحمق ، وأقام فيهم نحو سنة ، ثم زال ، فاختلفوا ~~بعده ، فقالت طائفة : زكرويه بن مهرويه حي ، وإنما شبه على الناس به . # وقالت فرقة : الحجة لله محمد بن إسماعيل . PageV01P179 # ثم خرج رجل من بني عجل قرمطي يقال له محمد بن قطبة ، فاجتمع عليه نحو ~~مائة رجل ، فمضى بهم نحو واسط ، فنهب وأفسد فخرج إليه آمر الناحية ، فقتلهم ~~وأسرهم . ثم خمدت أحوال القرامطة إلى أن تحرك أبو طاهر بن أبي سعيد الجنابي ~~، وعمل على أخذ البصرة سنة عشر وثلاثمائة ، فعمل سلالم عراضا يصعد على كل ~~مرقاة اثنان سورافيت ، إذا احتيج إليها نصبت ، وتخلع إذا حملت ، فرحل يريد ~~البصرة ، فلما قاربها فرق السلاح ، وحشى الغرائر بالرمل ، وحملها على ~~الجمال ، فسار إلى السور قبل الفجر ، فوضع السلالم ، وصعد عليها قوم ، ~~ونزلوا فوضعوا السيف وكسروا الأقفال ، فدخل الجيش ، فأول ما عملوا أن طرحوا ~~الرمل المحمول في الأبواب ليمنع من غلقها ، وبدر لهم الناس ومعهم الأمير ، ~~فقاتلوا وقتل الأمير ، فأقاموا النهار يقتتلون حتى حجز بينهم الظلام ، ~~فخرجوا وقد قتل من الناس مقتلة عظيمة ، فباتوا ثم باكروا البلد فقاتلوا ~~ونهبوا . # ثم رحلوا إلى الأحساء ، فأنفذ السلطان عسكرا وكان أبو الهيجاء عبد الله ~~بن حمدان قد قلد أعمال الكوفة والسواد وطريق مكة فدخل في أثرهم وأسر منهم ~~وعاد . # فلما قدمت قوافل الحاج اعترضها أبو طاهر القرمطي فقتل منهم ؛ وأدركهم أبو ~~الهيجاء ابن حمدان بجيوش كثيرة ، فحملت القرامطة عليهم فهزموهم ، وأخذ أبو ~~الهيجاء أسيرا ، فلما رآه أبو طاهر تضاحك وقال له : جئناك عبد الله ، ولم ~~نكلفك قصدنا . # فتلطف له أبو الهيجاء حتى استأمنه ، وأمر بتمييز الحاج ، وعزل الجمالين ~~والصناع ناحية ، فأخذوا ما مع الحاج وخلوهم ، فردوا بشر حال في صورة الموتى ~~، ورحل من الغد من بعد أن أخذ من أبي الهيجاء وحده نحو ms108 عشرين ألف دينار مع ~~أموال لا تحصى كثرة ، ثم أطلق أبا الهيجاء بعد أشهر ، فورد بغداد . # فلما كان في سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة خرج من بغداد جيش كثيف لحفظ الحاج ~~، فلقي أبو طاهر القرمطي الحاج بالعقبة ، فرجع الحاج إلى الكوفة ، فتبعهم ~~القرمطي حتى نزل بظاهرها PageV01P180 لثلاث عشرة خلت من ذي القعدة ، فناوشه ~~الناس وانكفأ راجعا ، ثم باكرهم بالقتال وخرجت إليه جيوش السلطان ، فقاتلهم ~~وهزمهم ، وقتل قوادهم وكثيرا من العامة ، ونهب البلد إلى العشرين منه ، ~~فرحل عن البلد . # فلما كان في سنة خمس عشرة وثلاثمائة خرج القرمطي من بلده لقتال ابن أبي ~~الساج ، وقد كان السلطان أنزله في جيش كثير بواسط ليسير إلى بلد القرمطي ، ~~فاستصعب مسيره لكثرة من معه ، وثقل عليه سيره في أرض قفر ، فاحتال على ~~القرمطي ، وكاتبه باظهار المواطأة ، وأطمعه في أخذ بغداد ومعاضدته ، فاغتر ~~بذلك ، ورحل بعيال وحشم وأتباع ، وجيشه على أقوى ما يمكنه ، وأقبل يريد ~~الكوفة . # ورحل ابن أبي الساج بجيشه عن واسط إلى الكوفة ، وقد سبقه القرمطي ، ~~ودخلها لسبع خلون من شوال ، فاستولى عليها ، وأخذ منها الميرة ، وأعد ما ~~يحتاج إليه ؛ وأقبل ابن أبي الساج على غير تعبئة ، وعبر مستهينا بأمر ~~القرمطي مستحقرا له ، ثم واقعه وهو في جيش يضيق عنه موضعه ، ولا يملك ~~تدبيره ، وقد تفرق عنه عسكره ، وركبوا من نهب القرى وأذى الناس وإظهار ~~الفجور شيئا كثيرا ، فأقبل إليه القرمطي وقاتله ، فانهزمت عساكر ابن أبي ~~الساج بعد ما كثرت بينهما القتلى والجراح ، فقتلوا الناس قتلا ذريعا حتى ~~صاروا في بساط واحد نحو فرسخين أو أربع ، واحتوى على عسكره ، ونهب الأكرة ~~من أهل السواد ما قدروا عليه ، وأقام أربعين يوما ؛ وخرج بعد أن يئس من ~~مجيء عسكر إليه ، فقصد بغداد ، ونزل بسواد الأنبار ، وعبر الفرات إلى ~~الجانب الغربي ، وتوجه بين الفرات ودجلة يريد بغداد ، فجيش الجيش إليه ؛ ~~وسار مؤنس حتى نازله على نحو ثلاثة فراسخ من بغداد ، وقاتل القرامطة قتالا ~~شديدا ، وورد كتاب المقتدر يأمر مؤنسا بمعاجلته القتال ، ويذكر ما لزم من ~~صرف الأموال ms109 إلى وقت وصوله . # فكتب إليه : إن في مقامنا أطال الله بقاء مولانا نفقة المال ، وفي لقائنا ~~نفقة الرجال ؛ ونحن أحرياء باختيار نفقة المال على نفقة الرجال . ~~PageV01P181 # ثم أنفذ إلى القرمطي يقول له : ويلك ، ظننتني كمن لقيك أبرز لك رجالي ، ~~والله ما يسرني أن أظفر بك بقتل رجل مسلم من أصحابي ، ولكني أطاولك وأمنعك ~~مأكولا ومشروبا حتى آخذك أخذا بيدي إن شاء الله . وأنفذ يلبق في جيش ~~للإيقاع بمن في قصر ابن هبيرة ، فعظم ذلك على القرمطي فاضطرب ، وأخذ أصحابه ~~يحتالون في الهرب ، وتركوا مضاربهم ، فنهب مؤنس ما خلفوه ، وسار جيش ~~القرمطي من غربي الفرات ، وسار مؤنس من شرقيه ، إلى أن وافى القرمطي الرحبة ~~، ومؤنس يحتال في إرسال زواريق فيها فاكهة مسمومة ، فكان القرامطة يأخذونها ~~، فكثرت الميتة فيهم ، وكثر بهم الذرب ، وظهر جهدهم ، فكروا راجعين وقد قل ~~الظهر معهم ، فقاتلوا أهل هيت وانصرفوا مفلولين ، فدخل الكوفة على حال ضعف ~~وجراحات وعلل لثلاث خلون من رمضان سنة ست عشرة وثلاثمائة فأقام بها إلى ~~مستهل ذي الحجة ، ولم يقتل ولا نهب ، ثم رحل . # فلما كان في سنة سبع عشرة رحل بجيشه ، فوافى مكة لثمان خلون من ذي الحجة ~~، فقتل الناس في المسجد قتلا ذريعا ، ونهب الكعبة ، وأخذ كسوتها وحليها ، ~~ونزع الباب وستائره ، وأظهر الاستخفاف به ، وقلع الحجر الأسود وأخذه معه ~~وظن أنه مغناطيس القلوب ، وأخذ الميزاب أيضا . # وعاد إلى بلده في المحرم سنة ثماني عشرة وقد أصابه كد شديد ، وقد أخذ ستة ~~وعشرين ألف حمل خفا ، وضرب آلاتهم وأثقالهم بالنار ، واستملك من النساء ~~والغلمان والصبيان ما ضاق بهم الفضاء كثرة ، وحاصرته هذيل فأشرف على الهلكة ~~حتى عدل به دليل إلى غير الطريق المعروف إلى بلده . # فلما كان في شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة سار إلى الكوفة ، فعاث ~~عسكره في PageV01P182 السواد ، وأسروا خلقا ، واشتروا أمتعة ، ورجعوا بعد ~~خمسين ليلة أقاموا بها إلى بلدهم . # وبعث أبو طاهر سرية في البحر نحو أربعين مركبا فوضعوا السيف في أهل ~~الساحل ، ولم يلقوا أحدا إلا قتلوه من ms110 رجل وامرأة وصبي فما نجا منهم إلا من ~~لحق بالجبال ، وسبوا النساء ، واجتمع الناس ، فقتلوا منهم في الحرب معهم ~~خلقا كثيرا ، وأسروا جماعة ، ثم تحاملوا عليهم ، وتبادوا بالشهادة ، وجدوا ~~فقتلوا أكثرهم ، وأخذوا جميع من بقى أسرا بحيث لم يفلت منهم أحد ، وحملت ~~الأسرى إلى بغداد مع الرءوس وهم نحو المائة رجل ومائة رأس فحبسوا ببغداد . # ثم خلصوا وصاروا إلى أبي طاهر فكانوا يتحدثون بعد خلاصهم إلى أبي طاهر أن ~~كثيرا من الكبراء وغيرهم كانوا يرسلون إليهم بما يتقربون به إليهم ، وكان ~~سبب خلاصهم مكاتبة جرت بينهم بالمهادنة على أن يردوا الحجر الأسود ، ويطلق ~~الأسرى ، ولا يعترضوا الحاج ، فجرى الأمر على ذلك . # ودخل القرمطي في سنة ثلاث وعشرين إلى الكوفة والحاج قد خرج في ذي القعدة ~~، وعاد الحاج إلى الكوفة ، ولم يقدر على مقاومتهم ، فظفر بمن ظفر منهم ، ~~فلم يكثر القتل ، وأخذ ما وجد . # وبلغ القرمطي أن رجلا من أصحابه قال : والله ما ندري ما عند سيدنا أبي ~~طاهر من تمزيق هؤلاء الذين من شرق الأرض وغربها ، واتخاذهم ومن وراءهم ~~أعداء ، وما يفوز بأكثر أموالكم إلا الأعراب والشذاذ من الناس ، فلو أنه ~~حين ظفر بهم دعاهم إلى أن يؤدي كل رجل منهم دينارا ويطلقهم ويؤمنهم لم يكره ~~ذلك منهم أحد ، وخف عليهم وسهل ، وحج الناس من كل بلد ، لأنهم ظمأى إلى ذلك ~~جدا ، ولم يبق ملك إلا كاتبه وهاداه واحتاج إليه في حفظ أهل بلده وخاصته ، ~~وجاء في كل سنة من المال ما لا يصير لسلطان مثله من الخراج ، واستولى على ~~الأرض وانقاد له الناس ؛ وإن منع من ذلك سلطان اكتسب المذمة ، وصار عند ~~الناس هو المانع من الحج . # فاستصوب القرمطي هذا الرأي ، ونادى من وقته في الناس بالأمان ، وأحضر ~~الخراسانية ، PageV01P183 فوطأ أمرهم على أنهم يحجوا ويؤدوا إليه المال في ~~كل سنة ، ويكونوا آمنين على أنفسهم وأموالهم ؛ وأخرج أهل مصر أيضا عن الحاج ~~ضرائب من مال السلطان ؛ ثم ولى تدبير العراق من لم ير ذلك دناءة ولا منقصة ~~، فصار لهم على ms111 الحاج رسما بالكوفة . # فلما كان سنة خمس وعشرين كبس أبو طاهر الكوفة ، وقبض على شفي اللؤلؤي ~~أميرها بأمان ، فبعثه إلى السلطان يعرفه أنهم صعاليك لا بد لهم من أموال ، ~~فإن أعطاهم مالا لم يفسدوا عليه ، وخدموه فيما يلتمسه ، وإلا فلا يجدوا بدا ~~من أن يأكلوا بأسيافهم ، وبر أبو طاهر شفيعا ووصله ، فوصل شفيع إلى السلطان ~~وعرفه ، فبعث إليهم رجلا فناظر القرمطي ، وملأ صدره من السلطان وأتباعه ، ~~فزاده انكسارا ، وسار عن البلد ، فابتلاه الله بالجدري وقتله ؛ فملك ~~التدبير بعده أخوته وابن سنبر . فلما كان في سنة تسع وثلاثين أرادوا أن ~~يستميلوا الناس فحملوا الحجر الأسود إلى الكوفة ، ونصبوه فيها على ~~الاسطوانة بالجامع . # وكان قد جاء عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الملقب زين ~~العابدين : أن الحجر الأسود يعلق في مسجد الجامع بالكوفة في آخر الزمان . # ثم قدم به سنبر بن الحسن بن سنبر إلى مكة وأمير مكة معه فلما صار بفناء ~~البيت أظهر الحجر من سفط كان به مصونا ، وعلى الحجر ضباب فضة قد عملت عليه ~~، تأخذه طولا وعرضا ، تضبط شقوقا حدثت فيه بعد انقلاعه ؛ وكان قد أحضر له ~~صانع معه جص يشد به الحجر ، وحضر جماعة من حجبة البيت ، فوضع سنبر بن الحسن ~~بن سنبر الحجر بيده في موضعه ومعه الحجبة وشده الصانع الجص بعد وضعه وقال ~~لما رده : أخذناه بقدرة الله ، ورددناه بمشيئته . PageV01P184 # ونظر الناس إليه وقبلوه والتمسوه ، وطاف سنبر بالبيت . # وكان قلع الحجر من ركن البيت يوم الإثنين لأربع عشرة خلت من ذي القعدة ~~سنة سبع عشرة وثلاثمائة . # وكان رده يوم الثلاثاء لعشر خلون من ذي الحجة يوم النحر سنة تسع وثلاثين ~~وثلاثمائة . فكانت مدة كينونته عند الجنابي وأصحابه اثنين وعشرين سنة إلا ~~أربعة أيام . # وكان في سنة ست عشرة وثلاثمائة قد تحركت القرامطة بسواد الكوفة عند ~~انصراف أبي طاهر القرمطي عن بغداد إلى نحو الشام ، وتداعوا إلى الاجتماع في ~~دار هجرتهم فكثروا ، وكبسوا نواحي الوسط ، وقتلوا خلقا كثيرا ، وملكوا ما ~~حواه العسكر ms112 هناك من سلاح وغيره ، فقوى أمرهم ، وسار بهم عيسى بن موسى ~~والحجازي وهما داعيان وكان الحجازي بالكوفة يبيع الخبز ، فصحب يزيد النقاش ~~، واجتمع عليهما غلمان ، وساروا فنهبوا وأخافوا ، والبلد ضعيف لاتصال الفتن ~~وتخريب البوراني لسواده وضعف يد السلطان ، وطالبوا جميع أهل السواد بالرحيل ~~إليهم ، فاجتمعوا نحو العشرة آلاف ، وفرقوا العمال ، ورحلوا إلى الكوفة ~~فدخلوها عنوة ، وهرب واليها ، وولوا على خراجها وعلى حربها ، وأحدثوا في ~~الأذان ما لم يكن فيه ، فأنفذ السلطان إليهم جيشا فواقعهم فانهزموا ، وقتل ~~منهم ما لا يحصى ، وغرق منهم وهرب الباقون ، وحملت الأسرى إلى بغداد فقتلوا ~~وصلبوا ، وحبس عيسى بن موسى مدة ، ثم تخلص بغفلة السلطان وحدوث الفتن آخر ~~أيام المقتدر ، فأقام ببغداد يدعو الناس ، ووضع كتبا نسبها إلى عبدان ~~الداعي ، نسبه فيها إلى الفلسفة ، وأنه يعلم ما يكون قبل كونه ، فصار له ~~أتباع ، وأفسد فسادا عظيما ، وصار له خلفاء من بعده مدة . PageV01P185 # وأما خراسان فقدم إليها بالدعوة أبو عبد الله الخادم فأول ما ظهرت ~~بنيسابور ، فاستخلف عند موته أبا سعيد الشعراني ، وصار منهم خلق كثير هناك ~~من الرؤساء وأصحاب السلاح . # وانتشرت في الري من رجل يعرف بخلف الحلاج ، وكان يحلج القطن ، فصرف بها ~~طائفة الخلفية ، وهم خلق كثير ، ومال إليهم قوم من الديلم وغيرهم ، وكان ~~منهم أسفار فلما قتل مرداويج أسفار عظمت شوكة القرامطة في أيامه بالري ~~وأخذوا يقتلون الناس غيلة حتى أفنوا خلقا كثيرا . # ثم خرج مرداويج إلى جرجان لقتال نصر بن أحمد الساماني ، فنفر عليهم ~~وقتلهم مع صبيانهم ونسائهم حتى لم يبق منهم أحد ، وصار بعضهم إلى مفلح غلام ~~ابن أبي الساج فاستجاب له ، ودخل في دعوته . # فلما كان في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ، وقد استعد الحسن بن عبيد الله ~~بن طغج بالرملة لقتال من يرد عليه من قبل جوهر القائد ، فورد عليه الخبر ~~بأن القرامطة تقصده ، ووافت الرملة فهزموا الحسن بن عبيد الله ، ثم جرى ~~بينهم صلح ، وصاهر إليهم في ذي الحجة منها ، فأقام القرمطي بظاهر الرملة ~~ثلاثين يوما ورحل . وسار جعفر بن ms113 فلاح من مصر فهزم الحسن بن عبيد الله بن ~~طغج ، وقتل رجاله ، وأخذه أسيرا ، فسار إلى دمشق فنزل بظاهرها ، فمنعه أهل ~~البلد وقاتلوه قتالا شديدا ، ثم إنه دخلها بعد حروب ، وفر منه جماعة منهم ~~ظالم بن موهوب العقيلي ، ومحمد بن عصودا فلحقا بالأحساء إلى القرامطة ، ~~وحثوهم على المسير إلى الشام ، فوقع ذلك منهم بالموافقة ، لأن الإخشيدية ~~PageV01P186 كانت تحمل إليهم في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار ، فلما صارت ~~عساكر المعز إلى مصر مع جوهر ، وزالت الدولة الاخشيدية انقطع المال عن ~~القرامطة ، فسارت . . . . بعد أن بعثوا عرفاءهم لجمع العرب ، فنزلوا الكوفة ~~وراسلوا السلطان ببغداد ، فأنفذ إليهم خزانة سلاح ، وكتب لهم بأربعمائة ألف ~~درهم على أبي تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان ، ورحلوا إلى الرحبة وعليها أبو ~~تغلب فحمل إليهم العلوفة والمال الذي كتبا به لهم . # وجمع جعفر بن فلاح أصحابه واستعد لحربهم ، فتفرق الناس عنه إلى مواضعهم ، ~~ولم يفكروا بالموكلين على الطرق ، وكان رئيس القرامطة الحسن بن أحمد بن أبي ~~سعيد الجنابي ، فبعث إليه أبو تغلب يقول : هذا شيء أردت أن أسير أنا فيه ~~بنفسي وأنا مقيم في هذا الموضع إلى أن يرد علي خبرك ، فإن احتجت إلى مسيري ~~سرت إليك . # ونادى في عسكره : من أراد المسير من الجند الإخشيدية وغيرهم إلى الشام مع ~~الحسن بن أحمد فلا اعتراض لنا عليه ؛ فقد أذنا له في المسير ، والعسكران ~~واحد . # فخرج إلى عسكر القرمطي جماعة من عسكر أبي تغلب ، وفيهم كثي من الإخشيدية ~~الذين كانوا بمصر ، صاروا إليه لما دخل جوهر من مصر وفلسطين ؛ وكان سبب هذا ~~الفعل من أبي تغلب أن جعفر بن فلاح كان قد أنفذ إليه من طبرية داعيا يقال ~~له أبو طالب التنوخي من أهل الرملة يقول له : إني سائر إليك فنقيم الدعوة ، ~~فقال له أبو تغلب وكان بالموصل : هذا ما لا يتم لأنا في دهليز بغداد ، ~~والعساكر قريبة منا ، ولكن إذا قربت عساكركم من هذه الديار أمكن ما ذكرتم . # فانصرف من عنده على غير شيء . # وبلغ ذلك القرمطي فسره ms114 وزاده قوة ، وسار عن الرحبة ، فأشار أصحاب جعفر ~~لما قارب PageV01P187 القرامطة دمشق أن يقاتلهم بطرف البرية ، فخرج إليهم ~~وواقعهم ، فانهزم ، وقتل لست خلون من ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة . # ونزل القرمطي ظاهرة المزة فجبى مالا ، وسار يريد الرملة وعليها سعادة ابن ~~حيان فالتجأ إلى يافا ، ونزل عليه القرمطي ، وقد اجتمعت إليه عرب الشام ~~وأتباع من الجند ، فناصبها القتال حتى أكل أهلها الميتة ، وهلك أكثرهم جوعا ~~ثم سار عنها ، وترك على حصارها ظالم العقيلي وأبا الهيجا بن منجا ، وأقام ~~القرامطة الدعوة للمطيع لله العباسي في كل بلد فتحوه ، وسودوا أعلامهم ، ~~ورجعوا عما كانوا يمخرقون به ، وأظهروا أنهم كأمراء النواحي الذين من قبل ~~الخليفة العباسي . # ونزل على مصر أول ربيع الأول سنة إحدى وستين وثلاثمائة ، فقاتله جوهر على ~~الخندق وهزمه ، فرحل إلى الأحساء . # وأنفذ جوهر جيشا نحو يافا فملكوها ، ورحل المحاصرون لها إلى دمشق ، ~~ونزلوا بظاهرها ، فاختلف ظالم العقيلي وأبو الهيجا بسبب الخراج ، فكان كل ~~منهما يريد أخذه للنفقة في رجاله ، وكان أبو الهيجا أثيرا عند القرمطي يولج ~~إليه أموره ، ويستخلفه على تدبيره . # ورجع الحسن بن أحمد القرمطي من الأحساء فنزل الرملة ولقيه أبو الهيجا ~~وظالم ، وبلغه ما جرى بينهما من الاختلاف ، فقبض على ظالم واعتقله مدة ثم ~~خلى عنه . # وطرح القرمطي مراكب في البحر ، وشحنها بالمقاتلة ، وسيرها إلى تنيس ~~وغيرها من سواحل PageV01P188 مصر ، وجمع من قدر عليه من العرب وغيرهم ، ~~وتأهب للمسير إلى مصر ، هذا بعد أن كان القرامطة أولا يمخرقون بالمهدي ، ~~ويوهمون أنه صاحب المغرب ، وأن دعوتهم إليه ، ويراسلون الإمام المنصور ~~إسماعيل بن محمد القائم بن عبيد الله المهدي ، ويخرجون إلى أكابر أصحابهم ~~أنهم من أصحابه إلى أن افتضح كذبهم بمحاربة القائد جوهر لهم ، وقتله كثيرا ~~منهم ، وكسره القبة التي كانت لهم . # فلما نزل المعز لدين الله القاهرة عند ما قدم من المغرب وقد تيقن أخبار ~~القرامطة كتب إلى الحسن بن أحمد القرمطي كتابا عنوانه : من عبد الله ووليه ~~، وخيرته وصفيه ، معد أبي تميم المعز لدين الله ، أمير المؤمنين ، وسلالة ms115 ~~خيبر النبيين ، ونجل على أفضل الوصيين إلى الحسن بن أحمد : بسم الله الرحمن ~~الرحيم رسوم النطقاء ، ومذاهب الأئمة والأنبياء ، ومسالك الرسل والأوصياء ، ~~السالف والآنف منا ، صلوات الله علينا وعلى آبائنا ، أولى الأيدي والأبصار ~~، في متقدم الدهور والأكوار ، وسالف الأزمان والأعصار ، عند قيامهم بأحكام ~~الله ، وانتصابهم لأمر الله ، الابتداء بالإعذار ، والانتهاء بالإنذار ، ~~قبل إنفاذ الأقدار ، في أهل الشقاق والأصار لتكون الحجة على من خالف وعصى ، ~~والعقوبة على من باين وغوى ، حسب ما قال الله جل وعز : ' وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا ' . # و ' وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ' . # وقوله سبحانه : ' قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ، ~~وسبحان الله وما أنا من المشركين ' . PageV01P189 # ' فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق ' . # أما بعد ، أيها الناس فإنا نحمد الله بجميع محامده ، ونمجده بأحسن مماجده ~~، حمدا دائما أبدا ، ومجدا عاليا سرمدا ، على سبوغ نعمائه ، وحسن بلائه ، ~~ونبتغي إليه الوسيلة بالتوفيق والمعونة على طاعته ، والتسديد في نصرته ، ~~ونستكفيه ممايلة الهوى والزيغ عن قصد الهدى ، ونستزيد منه إتمام الصلوات ، ~~وإفاضات البركات ، وطيب التحيات ، على أوليائه الماضين ، وخلفائه التالين ، ~~منا ومن آبائنا الراشدين المهديين المنتخبين ، الذين قضوا بالحق وكانوا به ~~يعدلون . # أيها الناس : ' قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها ' ~~ليذكر من يذكر ، وينذر من أبصر واعتبر . # أيها الناس : إن الله جل وعز إذا أراد أمرا قضاه ، وإذا قضاه أمضاه ، ~~وكان من قضائه فينا قبل التكوين أن خلقنا أشباحا ، وأبرزنا أرواحا ، ~~بالقدرة مالكين ، وبالقدوة قادرين ، حين لاسماء مبنية ، ولا أرض مدحية ، ~~ولا شمس تضيء ، ولا قمر يسري ، ولا كوكب يجري ، ولا ليل يجن ، ولا أفق يكن ~~، ولا لسان ينطق ، ولا جناح يخفق ، ولا ليل ولا نهار ، ولا فلك دوار ، ولا ~~كوكب سيار . # فنحن أول الفكرة وآخر العمل ، بقدر مقدور ، وأمر في القدم مبرور ، فعند ~~تكامل الأمر وصحة العزم ، وإنشاء الله جل وعز المنشآت ، وإبداء الأمهات من ~~الهيولات ، طبعنا أنوارا وظلما ms116 ، وحركة وسكونا . # وكان من حكمه السابق في علمه ما ترون من فلك دوار ، وكوكب سيار ، وليل ~~ونهار ، وما في الآفاق من آثار معجزات ، وأقدار باهرات ، وما في الأقطار من ~~الآثار ، وما في النفوس من الأجناس والصور والأنواع ، من كثيف ولطيف ، ~~وموجود ومعدوم ، وظاهر وباطن ، ومحسوس وملموس ، ودان وشاسع ، وهابط وطالع . ~~PageV01P190 # كل ذلك لنا ومن أجلنا ، دلالة علينا ، وإشارة إلينا ، يهدي به الله من ~~كان له لب سجيح ، ورأى صحيح ، قد سبقت له منا الحسنى ، فدان بالمعنى . # ثم إنه جل وعلا أبرز من مكنون العلم ومخزون الحكم ، آدم وحوا أبوين ذكرا ~~وأنثى ، سببا لإنشاء البشرية ، ودلالة لإظهار القدرة القوية ؛ وزاوج بينهما ~~فتوالدا الأولاد ، وتكاثرت الأعداد ، ونحن ننتقل في الأصلاب الزكية ، ~~والأرحام الطاهرة المرضية ، كلما ضمنا صلب ورحم أظهر منا قدرة وعلم ، وهلم ~~جرا إلى آخر الجد الأول ، والأب الأفضل ، سيد المرسلين ، وإمام النبيين ، ~~أحمد ومحمد صلوات الله عليه وعلى آله في كل ناد ومشهد ، فحسن آلاؤه ، وبان ~~غناؤه ، وأباد المشركين ، وقصم الظالمين ، وأظهر الحق ، واستعمل الصدق ، ~~وظهر بالأحدية ، ودان بالصمدية ؛ فعندها سقطت الأصنام ، وانعقد الإسلام ، ~~وانتشر الإيمان ، وبطل السحر والقربان ، وهبرت الأوثان ، وأتى بالقرآن ، ~~شاهدا بالحق والبرهان ، فيه خبر ما كان وما يكون إلى يوم الوقت المعلوم ، ~~منبئا عن كتب تقدمت ، في صحف قد تنزلت ، تبيانا لكل شيء ، وهدى ورحمة ونورا ~~وسراجا منيرا . # وكل ذلك دلالات لنا ، ومقدمات بين أيدينا ، وأسباب لإظهار أمرنا ، هدايات ~~وآيات وشهادات ، وسعادات قدسيات ، إلاهيات أزليات ، كائنات منشآت ، مبدئات ~~معيدات فما من ناطق نطق ، ولا نبي بعث ، ولا وصي ظهر ، إلا وقد أشار إلينا ~~، ولوح بنا ، ودل علينا في كتابه وخطابه ، ومنار أعلامه ، ومرموز كلامه ، ~~فيما هو موجود غير معدوم ، وظاهر وباطن ، يعمله من سمع الندا ، وشاهد ورأى ~~، من الملأ الأعلى ؛ فمن أغفل منكم أو نسى ، أو ضل أو غوى ، فلينظر في ~~الكتب الأولى ، والصحف المنزلة ، وليتأمل آي القرآن ، وما فيه من البيان ، ~~وليسأل أهل الذكر إن كان لا يعلم ، فقد أمر الله عز وجل بالسؤال ، فقال ms117 : ' ~~فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ' . PageV01P191 # وقال سبحانه وتعالى : ' فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ' . # ألا تسمعون قول الله حيث يقول : ' وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم ~~يرجعون ' وقوله تقدست أسماؤه : ' ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ' . # وقوله له العزة : ' شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك ~~وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه ' . # ومثل ذلك في كتاب الله تعالى جده كثير ، ولولا الإطالة لأتينا على كثير ~~منه ومما دل به علينا ، وأنبأ به عنا ، قوله عز وجل : ' كمشكاة فيها مصباح ~~المصباح في زجاجة ، الزجاجة كأنها كوكب درى ، يوقد من شجرة مباركة زيتونة ~~لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضىء ولولم تمسسه نار ، نور على نور يهدى ~~الله لنوره من يشاء ، ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شىء عليم ' . # وقوله في تفضيل الجد الفاضل والأب الكامل محمد صلى الله عليه ، وعليه ~~السلام إعلاما بجليل قدرنا ، وعلو أمرنا : ' ولقد آتيناك سبعا من المثانى ~~والقرآن العظيم ' . # هذا مع ما أشار ولوح ، وأبان وأوضح ، في السر والإعلان ، من كل مثل مضروب ~~، وآية وخبر وإشارة ودلالة ، حيث يقول : ' وتلك الأمثال نضربها للناس وما ~~يعقلها إلا العالمون ' . PageV01P192 # وقال سبحانه وتعالى : ' إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~لآيات لأولى الألباب ' . # وقوله جل وعز : ' سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق ' . # فإن اعتبر معتبر ، وقام وتدبر ما في الأرض وما في الأقطار والآثار ، وما ~~في النفس من الصور المختلفات ، والأعضاء المؤتلفات ، والآيات والعلامات ، ~~والاتفاقات والاختراعات ، والأجناس والأنواع ، وما في كون الإبداع من الصور ~~البشرية ، والآثار العلوية ، وما يشهد به حروف المعجم ، والحساب المقوم ، ~~وما جمعته الفرائض والسنن ، وما جمعته السنون من فصل وشهر ويوم ، وتصنيف ~~القرآن من تحزيبه وأسباعه ، ومعانيه وأرباعه ، وموضع الشرائع المتقدمة ، ~~والسنن المحكمة ، وما جمعته كلمة الإخلاص في تقاطيعها وحروفها ms118 وفصولها ، ~~وما في الأرض من إقليم وجزيرة ، وبر وبحر ، وسهل وجبل ، وطول وعرض ، وفوق ~~وتحت ، إلى ما اتفق عليه في جميع الحروف من أسماء المدبرات السبعة النطقا ، ~~والأوصيا والخلفا ، وما صدرت به الشرائع من فرض وسنة وحدوثة ، وما في ~~الحساب من أحاد وأفراد ، وأزواج وأعداد ، تثاليثه وترابيعه واثنى عشريته ~~وتسابيعه ، وأبواب العشرات والمئين والألوف ، وكيف تجتمع وتشتمل على ما ~~اجتمع عليه ما تقدم من شاهد عدل وقول صدق ، وحكمة حكيم وترتيب عليم . # فلا إله إلا هو له الأسماء الحسنى والأمثال العلى . # ' وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ' . # ' وفوق كل ذى علم عليم ' . # PageV01P193 ' ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده ~~سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ' . وليعلم من كان له قلب أو ألقى السمع وهو ~~شهيد ، أنا كلمات الله الأزليات ، وأسماؤه التامات ، وأنواره الشعشعانيات ، ~~وأعلامه النيرات ، ومصابيحه البينات ، وبدائعه المنشآت ، وآياته الباهرات ، ~~وأقداره النافذات ، لا يخرج منا أمر ، ولا يخلو منا عصر . # وإنا لكما قال الله سبحانه وتعالى : ' ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ~~ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شىء عليم ' . # فاستشعروا النظر فقد نقر في الناقور ، وفار التنور ، وأتى النذير بين يدي ~~عذاب شديد ، فمن شاء فلينظر ، ومن شاء فليتدبر ، وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين . # وكتابنا هذا من فسطاط مصر ، وقد جئناها على قدر مقدور ، ووقت مذكور ، فلا ~~نرفع قدما ولا نضع قدما إلا بعلم موضوع ، وحكم مجموع ، وأجل معلوم ، وأمر ~~قد سبق ، وقضاء قد تحقق . # فلما دخلنا وقد قدر المرجفون من أهلها أن الرجفة تنالهم ، والصعقة تحل ~~بهم ، تبادروا وتعادوا شاردين ، وجلوا عن الأهل والحريم والأولاد والرسوم ، ~~وإنا لنار الله الموقدة ، التي تطلع على الأفئدة ، فلم أكشف لهم خبرا ، ولا ~~قصصت لهم أثرا ، ولكني أمرت بالنداء ، وأذنت بالأمان ، لكل باد وحاضر ، ~~ومنافق ومشاقق ، وعاص ومارق ، ومعاند ومسابق ، ومن أظهر صفحته ms119 وأبدى لي ~~سوءته ، فاجتمع الموافق والمخالف ، والباين والمنافق ، فقابلت الولي ~~بالإحسان ، والمسيء بالغفران ، حتى رجع الناد والشارد ، وتساوى الفريقان ، ~~واتفق الجمعان ، وانبسط القطوب ، وزال الشحوب ، جريا على العادة بالإحسان ، ~~والصفح والامتنان ، والرأفة والغفران ، فتكاثرت الخيرات ، وانتشرت البركات ~~. PageV01P194 # كل ذلك بقدرة ربانية ، وأمرة برهانية ، فأقمت الحدود ، بالبينة والشهود ، ~~في العرب والعبيد ، والخاص والعام ، والبادي والحاضر ، بأحكام الله عز وجل ~~وآدابه ، وحقه وصوابه ، فالولي آمن جذلن والعدو خائف وجل . # فأما أنت الغادر الخائن ، الناكث البائن ، عن هدى آبائه وأجداده ، ~~المنسلخ عن دين أسلافه وأنداده ، والموقد لنار الفتنة ، والخارج عن الجماعة ~~والسنة ، فلم أغفل أمرك ، ولا خفي عني خبرك ، ولا استتر دوني أثرك ، وإني ~~منى لبمنظر ومسمع ، كما قال الله جل وعز : ' إنني معكما أسمع وأرى ' ، ' ما ~~كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا ' . # فعرفنا على أي رأي أصلت ، وأي طريق سلكت : أما كان لك بجدك أبي سعيد أسوة ~~، وبعمل أبي طاهر قدوة ؟ أما نظرت في كتبهم وأخبارهم ولا قرأت وصاياهم ~~وأشارهم ؟ أكنت غائبا عن ديارهم وما كان من آثارهم ؟ ألم تعلم أنهم كانوا ~~عبادا لنا أولى بأس شديد ، وعزم سديد ، وأمر رشيد وفعل حميد ، يفيض إليهم ~~موادنا ، وينشر عليهم بركاتنا ، حتى ظهروا على الأعمال ، ودان لهم كل أمير ~~ووال ، ولقبوا بالسادة فسادوا ، منحة منا واسما من أسمائنا ، فعلت أسماؤهم ~~، واستعلت هممهم ، واشتد عزمهم ، فسارت إليهم وفود الآفاق ، وامتدت نحوهم ~~الأحداق ، وخضعت لهيبتهم الأعناق ، وخيف منهم الفساد والعناد ، وأن يكونوا ~~لبني العباس أضداد ، فعبئت الديوش ، وسار إليهم كل خميس بالرجال المنتجبة ، ~~والعدد المهذبة ، والعساكر الموكبة ، فلم يلقهم جيش إلا كسروه ، ولا رئيس ~~إلا أسروه ، ولا عسكر إلا كسروه ، وألحاظنا ترمقهم ، ونصرنا يلحقهم ، كما ~~قال الله جل وعز : ' إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ' ، ' ~~وإن جندنا لهم الغالبون ' ، وإن حزبنا لهم المنصورون . PageV01P195 # فلم يزل ذلك دأبهم ، وعين الله ترمقهم ، إلى أن اختار لهم ما اختاروه من ~~نقلهم من دار الفناء ، إلى دار البقاء ، ومن نعيم يزول إلى نعيم لا يزول ، ~~فعاشوا ms120 محمودين ، وانتقلوا مفقودين ، إلى روح وريحان وجنات النعيم ، فطوبى ~~لهم وحسن مآب . # ومع هذا فما من جزيرة في الأرض ولا إقليم إلا ولنا فيه حجج ودعاة يدعون ~~إلينا ، ويدلون علينا ، ويأخذون بيعتنا ، ويذكرون رجعتنا ، وينشرون علمنا ، ~~وينذرون بأسنا ، ويبشرون بأيامنا ، بتصاريف اللغات واختلاف الألسن ، وفي كل ~~جزيرة وإقليم رجال منهم يفقهون ، وعنهم يأخذون ، وهو قول الله عز وجل . # ' وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ' . وأنت عارف بذلك . # فيأيها الناكث الحانث ما الذي أرداك وصدك ؟ أشيء شككت فيه ؛ أم أمر ~~استربت به ، أم كنت خليا من الحكمة ، وخارجا عن الكلمة ، فأزلك وصدك ، وعن ~~السبيل ردك ؟ إن هي إلا فتنة لكم ومتاع إلى حين . # وأيم لله لقد كان الأعلى لجدك ، والأرفع لقدرك ، والأفضل لمجدك ، والأوسع ~~لوفدك ، والأنضر لعودك ، والأحسن لعذرك ، الكشف عن أحوال سلفك وإن خفيت ~~عليك ، والقفو لآثارهم وإن عميت لديك ، لتجري على سننهم ، وتدخل في زمرهم ، ~~وتسلك في مذهبهم ، أخذا بأمورهم في وقتهم ، وزيهم في عصرهم ، فتكون خلفا ~~قفا سلفا بجد وعزم مؤتلف ، وأمر غير مختلف . # لكن غلب الران على قلبك ، والصدى على لبك ، فأزالك عن الهدى وأزاغك عن ~~البصيرة والضيا ، وأمالك عن مناهج الأوليا ، وكنت من بعدهم كما قال الله عز ~~وجل : ' فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ' ~~. PageV01P196 # ثم لم تقنع في انتكاسك ، وترديتك في ارتكاسك ، وارتباكك وانعكاسك ، من ~~خلافك الآباء ومشيك القهقرى ، والنكوص على الأعقاب ، والتسمي بالألقاب ، ~~بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان ، وعصيانك مولاك ، وجحدك ولاك ، حتى انقلبت ~~على الأدبار ، وتحملت عظيم الأوزار ، لتقيم دعوة قد درست ، ودولة قد طمست ، ~~إنك لمن الغاوين ، وإنك لفي ضلال مبين . # أم تريد أن ترد القرون السالفة ، والأشخاص الغابرة ؟ أما قرأت كتاب السفر ~~، وما فيه من نص وخبر ؟ فأين يذهبون إن هي إلا حياتكم الدنيا ، تموتون ~~وتظنون أنكم لستم بمبعوثين ، ' قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم ~~وذلك على الله يسير ' . # أما علمت أن المطيع آخر ولد العباس ، وآخر المترايس في الناس ؟ أما ms121 تراهم ~~' كأنهم أعجاز نخل خاوية ، فهل ترى لهم من باقية ' ؟ ختم والله الحساب ، ~~وطوى الكتاب ، وعاد الأمر إلى أهله ، والزمان إلى أوله ، وأزفت الآزفة ، ~~ووقعت الواقعة ، وقرعت القارعة ، وطلعت الشمس من مغربها ، والآية من وطنها ~~، وجيء بالملائكة والنبيين وخسر هنالك المبطلون ، هنالك الولاية لله الحق ~~ينصر الله من يشاء ، ' يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ، وتضع كل ذات ~~حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ' . # فقد ضل عملك ، وخاب سعيك ، وطلع نحسك ، وغاب سعدك ، حين آثرت الحياة ~~PageV01P197 الدنيا على الآخرة ، ومال بك الهوى ، فأزالك عن الهدى ، فإن ~~تكفر أنت ومن في الأرض جميعا فإن الله هو الغنى الحميد . # ثم لم يكفك ذلك مع بلائك وطول شقائك حتى جمعت أرجاسك وأنجاسك ، وحشدت ~~أوباشك وأقلاسك ، وسرت قاصدا إلى دمشق وبها جعفر بن فلاح في فئة قليلة من ~~كتامة وزويلة ، فتلته وقتلتهم ، جرأة على الله وردا لأمره ، واستبحت ~~أموالهم ، وسبيت نساءهم ، وليس بينك وبينهم ترة ولا ثأر ، ولا حقد ولا ~~أضرار ، فعل بني الأصفر والترك والخزر ؛ ثم سرت أمامك ولم ترجع ، وأقمت على ~~كفرك ولم تقلع ، حتى أتيت الرملة وفيها سعادة بن حيان في زمرة قليلة وفرقة ~~يسيرة ، فاعتزل عنك إلى يافا ، مستكفيا شرك ، وتاركا حربك ، فلم تزل ماكثا ~~على نكثك باكرا وصابحا ، وغاديا ورائحا ، تقعد لهم بكل مقعد ، وتأخذ عليهم ~~بكل مرصد ، وتقعدهم بكل مقصد ، كأنهم ترك وروم وخزر ، لا ينهك عن سفك ~~الدماء دين ، ولا يردعك عهد ولا يقين ، قد استوعب من الردي حيزومك ، وانقسم ~~على الشقاء خرطومك . # أما كان لك مذكر ، وفي بعض أفعالك مزدجر ؛ أو ما كان لك في كتاب الله عز ~~وجل معتبر حيث يقول : ' ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب ~~الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ' ؟ فحسبك بها فعلة تلقاك يوم ورودك ~~وحشرك حين لا مناص ، ولا لك من الله خلاص ، ولم تستقبلها ، وكيف تستقبلها ~~وأنى لك مقيلها ؟ هيهات ، هيهات ، هلك الضالون ، وخسر هنالك المبطلون ، وقل ~~النصير ms122 ، وزال العشير ؛ ومن بعد ذلك تماديك في غيك ، ومقامك في بغيك ، ~~عداوة الله ولأوليائه ، وكفرا لهم وطغيانا ، وعمى وبهتانا . # أتراك تحسب أنك مخلد أم لأمر الله راد ؟ PageV01P198 أم ' يريدون أن ~~يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ' . # هيهات لا خلود لمذكور ، ولا مرد لمقدور ، ولا طافىء لنور ، ولا مقر ~~لمولود ، ولا قرار لموعود ، لقد خاب منك الأمل ، وحان لك الأجل ، فإن شئت ~~فاستعد للتوبة بابا ، وللنقلة جلبابا ، فقد بلغ الكتاب أجله ، والوالي أمله ~~، وقد رفع الله قبضته عن أفواه حكمته ، ونطق من كان بالأمس صامتا ، ونهض من ~~كان هناك خائفا ، ونحن أشباح فوق الأمر والنفس ، دون العقل وأرواح في القدس ~~، نسبة ذاتية ، وآيات لدنية ، نسمع ونرى ، ' ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا ' ، ' وتراهم ينظرون ~~إليك وهم لا يبصرون ' . # ونحن معرضون ثلاث خصال والرابعة أردى لك ، وأشقى لبالك ، وما أحسبك تحصل ~~إلا عليها فاختر : إما قدت نفسك لجعفر بن فلاح ، وأتباعك بأنفس المستشهدين ~~معه بدمشق والرملة من رجاله ورجال سعادة بن حيان ، ورد جميع ما كان لهم من ~~رجال وكراع ومتاع إلى آخر حبة من عقال ناقة وخطام بعير وهي أسله ما يرد ~~عليك . # وإما أن تردهم أحياء في صورهم وأعيانهم وأموالهم وأحوالهم ولا سبيل لك ~~إلى ذلك ولا اقتدار . # وإما سرت ومن معك بغير زمام ولا أمان فأحكم فيك وفيهم بما حكمت ، وأجريك ~~على إحدى ثلاث : إما قصاص ، وإما منا بعد ؟ وإما فدى ، فعسى أن يكون تمحيصا ~~لذنوبك ، وإقالة لعشرتك . PageV01P199 # وإن أبيت إلا فعل اللعين : ' فاخرج منها فإنك رجيم ، وإن عليك اللعنة إلى ~~يوم الدين ' . # أخرج منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ، وقيل اخسئوا فيها ولا تكلمون ، ~~فما أنت إلا كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ، فلا سماء ~~تظلك ولا أرض تقلك ، ولا ليل يجنك ، ولا نهار يكنك ، ولا علم يسترك ، ولا ~~فئة تنصرك ؛ قد تقطعت بكم الأسباب ، وأعجزكم ms123 الذهاب ، فأنتم كما قال الله ~~عز وجل : ' مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ' . # فلا ملجأ لكم من الله يومئذ ولا منجى منه ؛ وحنود الله في طلبك قافية ، ~~لا تزال ذو أحقاد ، وثوار أهجاد ، ورجال أنجاد ، فلا تجد في السماء مصعدا ، ~~ولا في الأرض مقعدا ، ولا في البر ولا في البحر منهجا ، ولا في الجبال ~~مسلكا ، ولا إلى الهواء سلما ، ولا إلى مخلوق ملتجا . # حينئذ يفارقك أصحابك ، ويتخلى عنك أحبابك ، ويخذلك أترابك ، فتبقى وحيدا ~~فريدا ، وخائفا طريدا ، وهائما شريدا ، قد ألجمك العرق ، وكظك القلق ، ~~وأسلمتك ذنوبك ، وازدراك خزيك ، ' كلا لا وزر ، إلى ربك يومئذ المستقر ' ، ~~' هذا يوم لا ينطقون ، ولا يؤذن لهم فيعتذرون ' ، ' وجوه يومئذ عليها غبرة ~~، ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة ' . # واعلم أنا لسنا بممهليك ولا مهمليك إلا ريثما يرد كتابك ، ونقف على فحوى ~~PageV01P200 خطابك ، فانظر لنفسك يا شقي ليومك ومعادك قبل انغلاق باب ~~التوبة ، وحلول وقت النوبة ، حينئذ لا ينفع نفسا إيمانها ، لم تكن آمنت من ~~قبل أو كسبت في إيمانها خيرا . # وإن كنت على ثقة من أمرك ، ومهل في أمر عصرك وعمرك ، فاستقر بمركزك ، ~~وأربع على ضلعك ، فلينالنك ما نال من كان قبلك من عاد وثمود ، ' وأصحاب ~~الأيكة وقوم تبع ، كل كذب الرسل فحق وعيد ' ، فلنأتينكم بجنود لا قبل لكم ~~بها ولنخرجنكم منها أذلة وأنتم صاغرون بأولى بأس شديد ، وعزم سديد ، أذلة ~~على المؤمنين ، أعزة على الكافرين ، بقلوب نقية ، وأرواح تقية ، ونفوس أبية ~~، يقدمهم النصر ، ويشملهم الظفر ، تمدهم ملائكة غلاظ شداد ، لا يعصون الله ~~ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون . # فما أنت وقومك إلا كمناخ نعم ، أو كمراح غنم ؛ فإما نرينك الذي وعدناهم ~~فإنا عليهم مقتدرون ، وأنت في القفص مصفودا ، ونتوفنيك فإلينا مرجعهم ~~فعندها تخسر الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين ، ' فأنذرتكم نارا ~~تلظى ، لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى ' ، ' كأنهم يوم يرون ما ~~يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ، بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ' . ~~فليتدبر من كان ذا تدبر ، وليتفكر من ms124 كان ذا تفكر ، وليحذر يوم القيامة من ~~الحسرة والندامة ، ' أن تقول نفس يحسرتي على ما فرطت في جنب الله ' ، ويا ~~حسرتنا على ما فرطنا ، ويا ليتنا نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ، هيهات غلبت ~~عليكم شقاوتكم وكنتم قوما بورا . # والسلام على من اتبع الهدى ، وسلم من عواقب الردى ، وانتمى إلى الملأ ~~الأعلى ، وحسبنا الله وكفى ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، ونعم المولى ونعم ~~النصير . # الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على نبينا النبي الأمى والطيبين من ~~عترته ، وسلم تسليما . # فأجاب الحسن بن الأعصم بما نصه : من الحسن بن أحمد القرمطي الأعصم : ~~PageV01P201 بسم الله الرحمن الرحيم وصل إلينا كتابك الذي كثر تفصيله ، وقل ~~تحصيله ، ونحن سائرون على إثره ، والسلام ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . # وسار الحسن بن أحمد القرمطي بعد ذلك إلى مصر ، فنزل بعسكره بلبيس ، وبعث ~~إلى الصعيد بعبد الله بن عبيد الله أخي الشريف مسلم ، وانبثت سراياه في أرض ~~مصر ، فتأهب المعز وعرض عساكره في ثالث رجب سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ، ~~وأمر بتفرقة السلاح على الرجال ، ووسع عليهم في الأرزاق ، وسير معهم ~~الأشراف والعرب . # وسير معهم المعز ابنه الأمير عبد الله ، فسار بمظلته وبين يديه الرجال ~~والسلاح والكراع والبنود وصناديق الأموال والخلع ، وسير معه أولاده وجميع ~~أهله وجمعا من جند المصريين خلا الشريف مسلم ، فإنه أعفاه من ذلك . # وانبسطت سرية القرمطي في نواحي أسفل الأرض ، فأنفذ المعز عبده ريان ~~الصقلبي في أربعة آلاف ، فأزال القرامطة عن المحلة ونواحيها وقتل وأسر . # ولثمان خلون منه قدمت سرية القرامطة إلى الخندق ، فبرز إليهم المغاربة ~~فهزموهم ، ثم كروا على المغاربة فقتلوا منهم جماعة وأسروا ؛ وفر إليهم علي ~~بن محمد الخازن فالتحق بالقرامطة . # وورد الخبر بأن عبد الله بن عبيد الله أخا مسلم أوغل في الصعيد ، وقتل ، ~~واستخرج الأموال ، وأسرف في قتل المغاربة وأسرهم ، ثم كر راجعا إلى خميم . # ولست عشرة خلت منه جمع المعز أولاد الإخشيدية وغيرهم من الجند واعتقلهم . # وفي سلخه طيف بتسعة من القرامطة على الإبل بالبرانس ومعهم ثلاث رؤوس ؟ ~~PageV01P202 وفيه سار عسكر ms125 المعز مع ابنه عبد الله فنزل جب عميرة ، ونزلت ~~عسكر القرمطي نصفين : نصف مع النعمان أخي الحسن بن أحمد الأعصم مواجهة لعبد ~~الله بن المعز ، ونصف مع الحسن بسطح الجب . # فبعث عبد الله العساكر ، فأحاطت بالحسن بن أحمد ، وعسكر وزحف إلى النعمان ~~فقاتله فانهزم ، وقتل مع أصحابه ، وواقع الآخرون الحسن حتى كاد أن يؤخذ ، ~~فإنهم أحاطوا به ، وصار في وسطهم ؛ فاغتنم فرجة مضى على وجهه ؛ ونهب سواده ~~وأخذت قبته ، وأسر رجاله ، وأخذ من عسكره وعسكر أخيه خلق كثير ، وأخذ جماعة ~~ممن كان مع المصريين . # ووصل الكتاب مع الطائر إلى عبد الله بن عبيد الله أخي مسلم بهزيمة ~~القرامطة وهو بالصعيد ، فعدى إلى الجانب الشرقي لينقلب إلى الشام ، فبلغه ~~مسير عساكر المعز فعاد إلى الجانب الغربي . PageV01P203 # وورد كتاب الطائر إلى المعز من الأمير عبد الله ابنه أن عبد الله أخا ~~مسلم قد أخذ ، فأرسل المعز إلى أخيه أبي جعفر مسلم يخبره ، فخلع على البشير ~~. # وكانت في البرية سرية للمعز قد أخذوا الطريق على عبد الله أخي مسلم ، ~~فوقع في أيديهم في الليل رجل بدوي ، فقال : أنا عبد الله أخو مسلم فجاء إلى ~~الأمير عبد الله ، فكتب إلى الطائر يأخذ عبد الله ، فلما جيء بالبدوي من ~~الغد إلى الأمير عبد الله وهو في معسكره وكان في مجلسه عبد الله بن الشويخ ~~فقال للأمير عبد الله : ما هذا عمي عبد الله . # فبطل القول . # وكان خبر هذا البدوي أنه كان مع عبد الله أخي مسلم بالصعيد ، وعبر معه ~~يريد الشام ، فأراد أن يسقي دوابه ، فقال له البدوي : ما نأمن أن يكون على ~~الماء طلب ، فدعني أتقدمك ، فإن لم أجد أحدا جئتك ، وإن أبطأت عليك فاعلم ~~أني أخذت . # فلما وافى البدوي البئر أخذ فقال لهم : أنا عبد الله أخو مسلم ليشغلهم عن ~~طلبه ، فلما أبطأ البدوي على عبد الله علم أن الطلب قد أخذوه ، فكر راجعا ~~وعاد إلى الجانب الغربي ، وركب البحر إلى عينونا ، ومضى إلى الحجاز . وكان ~~هاروق على عسكر للمعز ، فرأى أصحابه عبد ms126 الله ، فأفلت منهم على فرس دهماء ~~عربية بعد ما حط قبته وقطعها بسيفه ، فظفر هاروق بنوقه ، ووصل عبد الله إلى ~~المدينة النبوية ، وجلس يتحدث في المسجد ، فقبل له : إن الكتب قد سبقتك ، ~~وبذل فيك مال عظيم . # فنهض لوقته ، وتوجه إلى الأحساء ، فاستنهض القرامطة ، فلم يكن فيهم نهضة ~~، فوبخهم لما رأى من عجزهم ، وقال : أروني ما عندكم من القوة التي تقاومون ~~بها صاحب مصر . # فأوقفوه على ما عندهم من المال والسلاح والكراع ، فاستقله وقال : ~~PageV01P204 بهذا تقاومون صاحب مصر والشامات والمغرب ؟ . # وانصرف عنهم إلى العراق ، فأتبعوه برجل يقال إنه من بني سنبر ، فسمه في ~~لبن بموضع يقال له النصيرية على ميلين من البصرة فقام مائتي مجلس في ليلة ~~ومات بموضعه ، فغسل وكفن وأدخل البصرة ، فصلى عليه ودفن بها إلى أن جاء حسن ~~بن طاهر بن أحمد فحمله إلى المدينة . # وورد الخبر بذلك إلى المعز ، فأخبر الناس بموته وموت المطيع ، فإن ابنه ~~سمه أيضا ، كما سمت القرامطة عبد الله أخا مسلم . # وأما أخبار القرامطة ففي كتب المؤرخين من المشارقة المتعصبين على الدولة ~~الفاطمية أن سبب انهزام الحسن بن أحمد القرمطي من عساكر المعز أن العرب لما ~~أنكت بمسير سراياها أرض مصر رأى المعز أن يفل عساكر القرامطة وجموعهم ~~بمخادعة حسان بن الجارح الطائي أمير العرب ببلاد الشام ، وكان قدم مع ~~القرمطي في جمع عظيم قوى به عسكر القرمطي ؛ فبعث المعز إلى ابن الجارح وبذل ~~له مائة ألف دينا على أن يفل عسكر القرمطي ، فأجاب إلى ذلك ، وأن المعز ~~استكثر المال ، فعمل دنانير من نحاس وطلاها بالذهب ، وجعلها في أكياس ، ~~ووضع على رأس كل كيس منها دنانير يسيرة من الذهب ليغطي ما تحتها ، وشدت ~~الأكياس وحملت إلى ثقة من ثقات ابن الجراح بعد ما كانوا استوثقوا منه ~~وعاهدوه أنه لا يغدر بهم ، فلما وصل إليه المال تقدم إلى كبراء أصحابه بأن ~~يتبعوه إذا تواقف العسكران وقامت الحرب ، فلما اشتد القتال ولي ابن الجراح ~~منهزما واتبعه أصحابه وكان في جمع كبير فلما رآه القرمطي وقد ms127 انهزم تحير ، ~~فكان جهده أن قاتل بمن معه حتى تخلص ، PageV01P205 وكانوا قد أحاطوا به من ~~كل جانب ، فخشى على نفسه وانهزم ، واتبعوه ودخلوا عسكره ، فظفروا منه بنحو ~~من ألف وخمسمائة رجل ، فأخذوهم أسرى ، وانتهبوا العسكر . # ولما كان لخمس بقين من شعبان أنفذ المعز أبا محمود إبراهيم بن جعفر إلى ~~الشام خلف القرمطي في عسكر يقال مبلغه عشرون ألفا ، فظفر في طريقه بجماعة ~~من أصحاب القرمطي ، فبعث بهم إلى مصر . # وسار الحسن بن أحمد القرمطي فنزل أذرعات ، وأنفذ أبا الهيجا في طائفة إلى ~~دمشق . # وبعث المعز إلى ظالم بن موهوب العقيلي لما بلغه ما وقع بينه وبين القرمطي ~~، فاستماله ليكون عونا على القرمطي ، فسار يريد بعلبك ، فوافاه الخبر ~~بهزيمة القرمطي ونزول أبي الهيجا دمشق ، فسار القرمطي ودخل البرية يريد ~~بلده وفي نيته العود . # وكان للحسن بن أحمد القرمطي هذا شعر ، فمنه في أصحاب المعز لدين الله : # زعمت رجال الغرب أنى هبتها . . . فدمى إذا ما بينهم مطلول # يا مصر إن لم أسق أرضك من دم . . . يروى ثراك ، فلا سقاك النيل # ولما كان في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة ورد إسحق وجعفر الهجريان من ~~القرامطة فملكا الكوفة ، وخطبا لشرف الدولة ، فانزعج الناس لذلك لما في ~~النفوس من هيبتهم وبأسهم ، وكان من الهيبة ما أن عضد الدولة بن بويه ~~وبختيار أقطعاهم الكثير ، وكان لهم ببغداد نائب يعرف بأبي بكر بن ساهويه ~~يتحكم تحكم الوزراء ، فقبض عليه صمصام الدولة بن عضد الدولة ، فلما ورد ~~القرامطة الكوفة كتب إليهما صمصام الدولة يتلطفهما ويسألهما عن سبب حركتهما ~~، PageV01P206 فذكرا أن قبض نائبهم هو السبب في قصدهم البلاد ، وبثا ~~أصحابهما فجبوا المال ، فأرسل صمصام الدولة العساكر ومعهم العرب ، فعبروا ~~الفرات إليه وقاتلوه وأسروا ، فانجلت الوقائع بينهم وبين العساكر عن هزيمة ~~القرامطة ، وقتل مقدمتهم في جماعة ، وأسر عدة ، ونهب سوادهم ، فرحل من بقي ~~منهم من الكوفة ، وتبعهم العساكر إلى القادسية فلم يدركوهم ، وزال من حينئذ ~~بأسهم . وفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة جمع شخص يعرف بالأصفر من بني المنفق ~~جمعا كثيرا وكان ms128 بينه وبين جمع من القرامطة وقعة شديدة قتل في مقدم ~~القرامطة ، وانهزم أصحابه وقد قتل منهم وأسر كثير ، فسار الأصفر إلى ~~الأحساء وقد تحصن منه القرامطة بها ، فعدى إلى القطيف وأخذ ما كان فيها من ~~مال وعبيد ومواشي ، وسار بها إلى البصرة . . . . . . PageV01P207 # | ولنرجع إلى بقية أخبار المعز لدين الله أبي تميم معد الفاطمي باني ~~القاهرة # فنقول : لما انهزم الحسن بن أحمد القرمطي خرج في شعبان من سنة ثلاث وستين ~~وثلاثمائة الأشراف والقاضي أبو طاهر ، والفقهاء ، والشهود ، ووجوه التجار ، ~~وكثير من الرعية إلى المعسكر لتهنئة الأمير عبد الله بن المعز بالفتح ، ~~وكان معسكره بظاهر مشتول ، فأكرمهم وأضافهم ، وانصرفوا من الغد . # وللنصف من شعبان صرف المعز الحسن بن عبد الله عن الأحباس بمحمد بن أبي ~~طاهر القاضي ، ومحمد بن إقريطش ضمانا بألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم في ~~كل سنة ، تدفع إلى المستحقين حقوقهم ، ويحمل الباقي إلى بيت المال . # وطيف بأربين رأسا جيء بها من الصعيد من أصحاب أخي مسلم . # وفي أول شهر رمضان دخل الأمير عبد الله بعساكره إلى القاهرة بعد فراغه من ~~قتال القرامطة بالأسارى والرؤوس وهو بمظلته فجلس له أبوه المعز في القبة ~~على باب قصره لينظره ، فلما عاين الأمير عبد الله مجلس أبيه المعز ترجل ~~وقبل الأرض ، ونزل أهل العسكر كلهم بنزوله ، ومشى إلى القصر والناس معه ~~مشاة . # وورد الخبر بدخول أبي محمود إلى الرملة بغير قتال ، وأنه استأمن إليه ~~جماعة من عسكر القرامطة . # وفيه قبض المعز على جماعة من السعاة والعيارين الذين يؤذون الناس وسجنهم ~~. # ووافى رسول ملك الروم برسالة ، فاجتمع الناس للنظر إليه ، وجلس له المعز ~~على السرير الذهب ، فدخل إليه ، وقبل الأرض مرارا ، وأذن له بالجلوس على ~~وسادة ، وكان علي بن الحسين قاضي أذنة حاضرا فقال : يا أمير المؤمنين صلى ~~الله عليك ، هذا وأشار إلى الرسول آفة على الإسلام ، والمؤذي للمسلمين ~~والأسارى . PageV01P208 # فنظر إليه المعز منكرا عليه وأخرج ؛ وتكلم الرسول في الهدنة ، وأخذ المعز ~~كتابه ، وأنزل في دار . # وفيه أطلق المعز طنجمية ؟ ، وهم عشرة لكل ms129 واحد ثمانمائة رباعى ذهبا ، ~~وزنها مائتي مثقال . # ووردت الأخبار بأن القرمطي فر على وجهه ، وتمزقت عساكره ، فلم يفلحوا إلى ~~اليوم . # وطيف بأسارى من القرامطة على الإبل بالبرانس ، وعدتهم ألف وثلاثمائة ، ~~مقدمهم مفلح المنجمي ببرنس كبير على جمل بثوب مشهر مكتوب على ظهره اسمه وما ~~عمل ، وخلفه جماعة من وجوه القرامطة ، وبين أيديهم الرؤوس على الحراب ~~وعدتها آلاف ، وكان يوما عظيما واجتماعا كثيرا ؛ فلما فرغوا من التطواف ~~أعتقلوا بالقاهرة . # وفيه خرج المعز على فرس ، وقد اجتمع الناس من الأشراف والقواد والعمال ~~والكتاب والمغاربة ، فوقفوا بين يديه ، فقال لهم : قد أنعم الله عز وجل ~~وتفضل وخول ، ومكن ، ونريد الحج وزيارة قبر جدي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والجهاد ، فايش يقصر عن هذا ؟ إن قلت ليس عندي مال ، إني لكاذب ؛ وإن ~~قلت ليس عندي كراع وسلاح ، إني لكاذب ؛ وإن قلت ليس عندي رجال ، إني لكاذب ~~؛ اللهم أعني بنية أقوى من نيتي . # وفيه خرج الأمر بقتل الأسارى الذين في الاعتقال ، فقتلوا عن آخرهم ، ~~وحفرت لهم أخاديد ودفنوا ، فلما بلغ المعز ذلك قال : والله ما أمرت بقتلهم ~~، ولقد أمرت بإطلاقهم ، ويدفع لكل منهم ثلاثة دنانير . # واغتم لذلك وتصدق وأعتق . # وورد الخبر بقتل علي بن أحمد العقيقي من الأشراف ، وابنه ذا من يح كذا ~~الحسيني وأن البادية قتلهم بالصعيد ، وكانوا من أصحاب أخي مسلم . # وفيه قبض أبو إسماعيل الرسي على ابنه علي بن إبراهيم ، وأخبر المعز ، ~~فقال له المعز : يكون عندك محتفظا به ، وكان أيضا من أصحاب أخي مسلم الذين ~~ظاهروا مع القرمطي . PageV01P209 # وبعث أبو محمود بعمال الشام ، فجاسوا في بستان الإخشيد بالقاهرة . # وفي يوم عيد الفطر ركب المعز وصلى بالناس على رسمه وخطب . # وفيه ورد الخبر بدخول أبي محمود إبراهيم بن جعفر إلى دمشق ، وتمكن سلطانه ~~بها وقوته ، وأنه قبض على جماعة أبي الهيجاء القرمطي وابنه ، واستأمن إليه ~~جماعة من الإخشيدية والكافورية ، وأخذ محمد بن أحمد بن سهل النابلسي ، ~~وسيره مع الجماعة إلى المعز . وكان من خبر أبي محمود إبراهيم بن جعفر أنه ~~سار ms130 من الرملة ، ونزل على أذرعات ، وقد سار ظالم بن موهوب العقيلي نحو دمشق ~~بمراسلة أبي محمود ليتفقا على أبي الهيجاء القرمطي ، وكان أبو الهيجاء بن ~~منجا القرمطي بدمشق في نحو الألفي رجل ، وقد طلب منه الجند مالا ، فقال : ~~ما معي مال ، ووافى ظالم بن موهوب العقيلي عقبة دمر ، فخرج إليه أبو ~~الهيجاء وابنه بمن معه ، ففر عدة من الجند ، ولحقوا بظالم مستأمنين إليه ، ~~فقوى بهم ، وسار بهم فأحاط بأبي الهيجاء ، فلم يقدر على الفرار ، فأخذه ~~وابنه ، بعد أن وقعت فيه ضربة ، وانقلب العسكر كله مع ظالم ، فملك دمشق ~~لعشر خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وستين ، فحبس أبا الهيجاء وابنه ، وقبض ~~على جماعة من أصحابه ، وأخذ أموالهم . # ثم إنه طلب شيخا من أهل الرملة يقال له أبو بكر محمد بن أحمد النابلسي ~~كان يرى قتال المغاربة وبغضهم ويرى أن ذلك واجب ويقول : لو أن معي عشرة ~~أسهم لرميت تسعة في المغاربة وواحدا في الروم . # وكان الحسن بن أحمد القرمطي لما انهزم عن مصر ، سار أبو بكر النابلسي إلى ~~دمشق ، فأخذه ظالم بن موهوب وحبسه ، ونزل أبو محمود على دمشق لثمان بقين من ~~رمضان ، فتلقاه ظالم ، فأنس به أبو محمود ، فأخرج إليه أبا الهيجاء بن منجا ~~القرمطي وابنه وأبا بكر بن النابلسي ، فعلم لكل واحد منهم قفصا من خشب ، ~~وحملهم إلى مصر ، فدخلوا إلى القاهرة في شوال ، فطيف بهم على الإبل ~~بالبرانس والقيود ، وابن النابلسي ببرنس على جمل وهو مقيد ، والناس يسبونه ~~ويشتمونه ويجرون برجله من فوق الجمل . PageV01P210 # وكان معهم بضع وعشرون رجلا من القرامطة على الإبل ، فلما فرغوا من ~~التطواف ، ردوا إلى القصر ، فعدل بأبي الهيجا وابنه وبقية القرامطة إلى ~~الاعتقال ، وسيق ابن النابلسي إلى المنظر ليسلخ ، فلما علم بذلك رمى بنفسه ~~على حجارة ليموت ، فرد على الجمل ، فعاد ورمى نفسه ثانيا ، فرد وشد وأسرع ~~به إلى المنظر ، فسلخ وحشى جلده تبنا ، ونصبت جثته وجلده على الخشب عند ~~المنظر . # وأقام أبو محمود بدمشق وهي مضطربة قد كثر فيها الغوغاء وحمال ms131 السلاح ، ~~وعظم النهب في القرى ، وأخذت القوافل ، فلم يقدر أبو محمود على ضبط أصحابه ~~لقلة ماله ، فلم يكونوا يفكرون فيه ولا يرجعون عن شيء ينهاهم عنه ، وأخذوا ~~في النهب ، وظالم بن موهوب يأخذ أموال السلطان من البلد ولا يدفع إلى أبي ~~محمود شيئا منها ، ويحتج أنه أخذ البلد من أبي الهيجاء وسار إليه بمكاتبة ~~المعز له . # هذا وكل من الفريقين يخاف الآخر ، وقد علم ظالم أن أهل دمشق تكره ~~المغاربة ، فكان يدارى الأمر ، وكثر قطع المغاربة للطريق ، فامتنع الناس من ~~الذهاب والمجيء ، وهرب أهل القرى إلى المدينة ، وأوحش ظاهر البلد ، فوقع ~~بين المغاربة وبين أهل البلد الحرب أياما كثيرة ، قام فيها ظالم مع أهل ~~البلد وقاتل المغاربة ، فانهزم وسار إلى بعلبك ، ووقع الحريق في البلد ، ~~واشتد القتال ، فخرج وجوه أهل البلد إلى أبي محمود ولطفوا به ، فقال لهم : ~~ما نزلت لقتالكم ، وإنما نزلت لأرد هؤلاء الكلاب عنكم يعني أصحابه . ففرح ~~الناس واستبشروا وجاءوا إلى خيمته ، واختلطت الرعية بأصحابه ، وزال عنهم ~~الخوف ، ودخل المغاربة فيما يحتاجون إليه ، فولى أبو محمود الشرطة لرجلين : ~~أحدهما مغربي ، والآخر من الإخشيدية ، فدخلا في جمع عظيم إلى المدينة ~~بالزمر ، فجلسوا في الشرطة ، وكان يطوف لهم طوف في الليل ، ومع ذلك فلم ~~ينكسر حمال السلاح ممن يطلب الفتنة ، فرهب أبو محمود على مشايخ البلد ~~وتهددهم ، فثار أهل الشر من الدماشقة ، ورأس الشطار فيهم ابن الماورد بسبب ~~منازعة أهل البلد مع مغربي بسبب صبي ، فأراد المغربي أخذه ، فرفع البلدي ~~السيف وقتل المغربي في السوق ، فعادت الفتنة ، وشهروا السلاح ، فاضطرب ~~البلد ، وغلقت PageV01P211 الأسواق ، وثار العسكر من جهة المقتول ، وصاح ~~الناس في البلد بالنفير ، وكبروا على الأسطحة ، وخرج ابن الماورد في جماعة ~~، فاشتد القتال بين الفريقين ، وألقى المغاربة النار في الدور ، فخرج وجوه ~~البلد ومشايخهم إلى أبي محمود ، وما زالوا به حتى بعث إلى العسكر وقد كادوا ~~يغلبون أهل البلد فكفهم عن القتال ؛ وكان ذلك في آخر ذي الحج ، فسكن الأمر ~~، وخرج الناس إلى أبي محمود ، ودخل صاحب الشرطة المغربي ms132 ، إلا أن أهل ~~الغوطة كانوا قد أووا إلى البلد خوفا من النهب ، وكان فيهم ذعار ، وفي ~~المدينة قوم من أهل الشر ، فاجتمعوا يأخذون المستضعفين ، ويجبون مستغلات ~~الأسواق ، ويكبسون المواضع وينتهبونها ، فحسنت أحوالهم ، وكانوا يكرهون ~~تمكن السلطان ، فهلك لذلك كثير من الناس . # ومر صاحب الشرطة في الليل وهو يطوف البلد برجل معه سيف ، فأخذه وقتله ، ~~فأصبح أهل الشر وقد خشوا من تنديد ؟ السلطان لهم ، فثاروا بالسلاح إلى صاحب ~~الشرطة ، ففر منهم هو وأصحابه إلى معسكرهم ، وصعد العامة إلى المآذن ، ~~فصيحوا : النفير إلى الجامع . # فثار الناس بالسلاح ، وركب عسكر أبي محمود وطرحوا النار فيما بقى ، واشتد ~~القتال ، وكثر القتل والحريق ، وعظم الخوف على البلد ، وعلا الضجيج ، وذلك ~~لثلاث خلون من المحرم سنة أربع وستين . # فبات الناس على ذلك ، وأصبحوا وقد اشتدت الحرب وقويت الدماشقة ونشأ فيهم ~~من أهل الشر غلام يقال له ابن شرارة وقد ترأس ، وآخر يقال له ابن بوشرات ~~وابن المغنية ، وقسم لكل واحد منهم حزب بأعلام وأبواق ، فأظهرت المغاربة ~~قوتها وبذلوا سيوفهم في كل من قدروا عليه من الرعية ممن وجدوه بظاهر البلد ~~. # واستمر القتال أكثر من المحرم ، فخرج قوم المستورين إلى أبي محمود وما ~~زالوا به حتى أجابهم إلى الصلح ، وصرف صاحبي شرطته ، وولى أبا الثريا من ~~بانياس أميرا كان على الأكراد ، فعبر البلد أول صفر وقد أكمن له عدة من أهل ~~الشر ، فثاروا به ، ووضعوا السلاح في أصحابه ، فقتل من أصحابه ، وانهزم إلى ~~أبي محمود ، فركب العسكر وأخذوا كثيرا من PageV01P212 الناس ، ووقع النفير ~~في البلد ، واستمر القتال بين الفريقين صفر وربي الأول ، ثم وقع الصلح في ~~أثناء ربيع الآخر . # وولى محمود جيش بن الصمصامة البلد ، فأقام أياما ؛ ثم إن الناس ثاروا ~~وقتلوا عدة من المغاربة ، وساروا يريدون جيشا ، ففر منهم ، ونهبوا ما كان ~~له ، فعادت الحرب وطرح النار في المواضع . # وأمر أبو محمود بأن تقصد أهل الشر دون غيرهم من الناس ، غير أن الرعية ~~كانت تقاتل معهم ، فاشتد القتال إلى أول جمادى الأولى ، ونصبوا الحرب يوما ~~بعد ms133 يوم من بكرة النهار إلى آخره ، والبلد ممتنع في جميع هذه الحروب ، ~~والقتال من ظاهره ، ومعظمه على باب كيسان إلى باب شرقي ، وباب الصغير إلى ~~باب الجابية . # وكان عسكر أبي محمود من المغاربة عشرة آلاف سوى من تبعهم من غيرهم ومن ~~حضروا من الساحل ، فكانت الحرب مستمرة ، تارة تظهر المغاربة على الدماشقة ، ~~وتارة تهزم الدماشقة المغاربة ، وكانت المغاربة لا تظفر بأحد إلا قطعوا ~~رأسه ، فقتلوا خلقا كثيرا . # وخلت الغوطة بحيث لم يبق فيها أحد ، وانحصر البلد فلم يقو واحد يدخل إليه ~~بشيء البتة ، فغلت الأسعار ، وبطل البيع والشراء ، وقطع الماء عن البلد ، ~~فعدم الناس القنى والحمامات ، فكانت الأسواق مغلقة ، والنساء جلوس على ~~الطرق ، والرجال تصيح : النفير ، فساءت حال كثير من الناس في هذه الفتنة ، ~~وماتوا على الطرق من القر والبرد ، وهم مع ذلك مجتهدون في القتال ، ونصبوا ~~العرادات على أبواب البلد ، فلم تبطل الحرب يوما من الأيام ، وفي الليل ~~تضرب الأبواق فيثور الناس من فرشهم ، ويسيرون بالمشاعل فيقيمون إلى الصباح ~~. فلما تفاقم الأمر ، واشتد البلاء ، وقوى أهل الشر من أهل البلد ، وأكلوا ~~أموال الناس ، كتب مشايخ البلد إلى محمود في الصلح ، وأحضروا ابن الماورد ~~وابن شرارة وزجروهم ، وانصرفوا على أن أحدا لا يعارض السلطان في البلد ، ~~وقد فتح المسلمون المصاحف ، والنصارى الإنجيل ، واليهود التوراة ، واجتمعوا ~~بالجامع ، وضجوا بالدعاء ، وداروا المدينة وهي منشورة على رؤوسهم . ~~PageV01P213 # وبلغ المعز ما وقع بدمشق من الحروب ، وما صارت إليه من الخراب ، فكتب إلى ~~ريان الخادم وهو بطرابلس أن يسير إلى دمشق ، وينظر في أمر الرعية ، ويصرف ~~أبا محمود عن البلد ؛ فقدم ريان إلى دمشق ، وأمر أبا محمود بالرحيل ، فسار ~~في عدد قليل من عسكره ، وتأخر أكثرهم مع ريان ، ونزل أبو محمود في الرملة ، ~~وورد عليه كتاب المعز يوبخه ؛ وكان صرف أبي محمود عن دمشق في شعبان سنة ~~أربع وستين . # هذا ما كان من خبر دمشق . # وأما القاهرة فإنه طيف فيها في ذي القعدة سنة ثلاث وستين بنيف وأربعين ~~رأسا جيء بها من الصعيد . # وفي ذي ms134 الحجة نودى أن لا تلبس امرأة سراويل كبارا ، ووجد سراويل فيه خمس ~~شقاق ، وآخر قطع من ثماني شقاق دبيقي . # وفيه هلك رسول ملك الروم ، فسيره المعز في تابوت إلى بلد الروم . # وركب المعز لكسر الخليج . # وفيها منع المعز من وقود النيران ليلة النيروز في السكك ومن صب الماء يوم ~~النوروز . # وكثر الإرجاف بمسير الروم إلى أنطاكية . # وفي يوم عرفة نصبت الشمسة في القصر . PageV01P214 # وصلى المعز صلاة العيد ، وخطب على الرسم الذي تقدم ذكره ، وانصرف إلى ~~القصر ، فأطعم على الناس . # وانتهت زيادة ماء النيل إلى سبع عشرة ذراعا ، وجرى الرسم في الجائزة ~~والخلع والحملان لابن أبي الرداد على العادة . # وفيها حدث وباء بمصر فمات خلق كثير . # ومات القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون . ~~PageV01P215 # | ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمائة # والخليفة أمير المؤمنين المعز لدين الله معد . # والخراج ووجوه الأموال إلى يعقوب بن كلس وعسلوج . # والقاضي أبو طاهر محمد بن أحمد . # والشرطة السفلى إلى جبر بن القاسم . # والشرطة العليا إلى جبر المسالمي . # وصاحب المظلة شفيع الخادم الصقلبي . # والطبيب موسى بن العازار . # وإمام الجمعة عبد السميع بن عمر العباسي . # وصاحب بيت المال محمد بن الحسين بن مهذب . # وإمام الخمس الحسن بن موسى الخياط . # والمحتسب عبد الله بن ذلال . # وفي المحرم قدم أفلح الناشب من برقة ، فخرج إليه بالجيزة وجوه الدولة ~~والقاضي والرعية وأنزل بمكان . # وورد الخبر بخلع نفسه وبيعة ابنه الطائع . # وأطلق أبو الهيجاء بن منجا القرمطي وابنه ، وخلع عليه وحمل ، وأطلق معه ~~بضعة عشر من القرامطة . # ولست بقين من ربيع الآخر توفيت أم المعز . # وفي جمادى الأولى أطلق المعز الجائزة لوفد الحجاز من الأشراف وغيرهم ، ~~ومبلغها أربعمائة ألف درهم . PageV01P216 # وقلد أبا الحسن محمد بن محمد بن عبيد الله بن الحسن الحسيني الكوفي قضاء ~~الشامات ، ودار الضرب ، والحسبة ، وحمل على بغلة وبرذون ومعه ثلاثة عشر تخت ~~، وستة آلاف درهم ، وكتب له سجل . # وضمن أبو عبد الله الحسن بن إبراهيم الرسي ، وأبو طاهر سهل بن قمامة خرج ~~الأشمونين ms135 وحربها ، وخلع عليهما ، وسارا بالبنود والطبول . # وضمن أبو الحسن على بن عمر العداس كورة بوصير وأعمالها ، وخلع عليه وحمل ~~، وسار بالبنود والطبول . # واعتل الأمير عبد الله بن المعز ، ومات لسبع بقين منه بعد جدته بتسعة عشر ~~يوما فجلس المعز للعزاء ، ودخل الناس بغير عمائم ، وفيهم من شوه نفسه وأظهر ~~الجزع الشديد ، فكان المعز يسكنهم ويقول : اتقوا الله ، وارجعو إلى الله . # وغلقت الأسواق ، ثم جلس الناس بزيهم ، ومنهم قيام ، فأمر القاضي محمد بن ~~النعمان بغسله ، والمعز يتحدث ، ويسأل عن آي من القرآن ، وعن معانيها ، لأن ~~القراء كانوا يقرءون ، ووصف ابنه عبد الله بالفضل والبر ، فقال له أبو جعفر ~~مسلم : أعوذ بالله من فقد الولد البار فقال له المعز : فما تقول في الولد ~~العاق والأخ العاق ؟ يعرض له بابنه جعفر وبأخيه عبد الله ، وكونهما مع ~~القرامطة . # فقال له أبو جعفر مسلم : إذا بليت بالولد العاق والأخ العاق كان في الله ~~وفي بقاء مولانا منهما عوض . # فقال له المعز : لا صان الله من لا يصونك ، ولا أكرم من لا يكرمك ، ولا ~~أعز من لا يعزك ، ولا أجل من لا يجلك . PageV01P217 فقام أبو جعفر وقبل ~~الأرض هو وجماعة من في المجلس ، وشكروه على قوله . # ثم خرج تابوت عبد الله ، وحوله أهل الكوفة بالصراخ والبكاء ، فصلى عليه ~~المعز ، ودخل معه حتى واراه في القصر . # وفي جمادى الآخرة ورد الخبر بموت عبد الله أخي مسلم بظاهر البصرة كما ~~تقدم ، وبموت المطيع ببغداد ، وأن موته كان في المحرم ، وأن ابنه الطائع ~~سمه ، وأن فتنة وقعت ببغداد بين الترك والديلم ، وبين الرعية والشيعة ، ~~وغلا السعر ، ونهبت الأسواق والدور ، وأن أبا تغلب بن حمدان رحل إلى بغداد ~~متوسطا بين الطائع وبختيار . # وفيه سار نصير الخادم الصقلبي عبد المعز إلى الشام في عسكر كثير ، ودخل ~~بيروت . # وفي أول رجب أصلح جسر القسطاط ، ومنع الناس من ركوبه ، وقد كان أقام ستين ~~معطلا . # وركب المعز إلى المقس ، وسار على شط النيل ، ومعه أبو طاهر القاضي يحدثه ~~، حتى عبر الجسر إلى الجزيرة ، فمضى ms136 إلى المختار . # وفيه وردت رؤوس من المغرب عدتها ثلاثة آلاف ، فطيف بها ، وذلك أن خلف بن ~~جبر صعد في بني هواس إلى قلعه منيعة ، فاجتمع عليه كثير من البربر ، فزحف ~~إليه يوسف ابن زيرى ، فكانت بينه وبينهم حروب عظيمة قتل فيها خلائق كثيرة ~~حتى أخذ القلعة في عاشر شعبان ، ففر خلف ، وقتل بها آلافا كثيرة ، بعث منها ~~سبعة آلاف رأس إلى القيروان ، فطيف بها ، ثم حمل منها إلى مصر ما ذكر . # وفيه وقع الجدري في كثير من الناس ، وأقام شهورا . # وكانت وقعة مع الروم بطرابلس . # وفي شعبان وصل أفتكين بعسكر من الأتراك إلى دمشق ، وورد كتابه على المعز ~~وهو يستأذن في المسير ، فشاور المعز أبا جعفر مسلم ، فقال : PageV01P218 هم ~~قوم غدر ، فإن تأذن لهم غلبوا على دمشق . # فشرع المعز في تعبئة العساكر وإنفاذها لقتاله . # وكان من خبر أفتكين أن الديلم والأتراك اختلفوا ببغداد ، فأراد عز الدولة ~~أبو منصور بختيار بن معز الدولة أبي الحسين أحمد بن بويه الديلمي سلطان ~~العراق أن يقبض على سبكتكين التركي ، وكانت الأتراك تتعصب معه وهم في أربعة ~~آلاف هو أميرهم ، فغلبوا بختيار وخرج عن بغداد ، وغلب سبكتكين التركي عليها ~~، وكان في قوة من المال والسلاح والرجال ، فلم تطل مدته بعد غلبته على ~~بغداد وهلك ، فاستخلف من بعده على الأتراك أفتكين الشرابي مولى معز الدولة ~~بن بويه ، وكان شجاعا ثابتا في الحرب ، فسار بالأتراك من بغداد لحرب الديلم ~~، فجرى بينهم قتال عظيم . # وقاتل أفتكين حتى تفرق من حوله إلا يسيرا ، وانهزم صاحب رايته ، فلحقه ~~وضربه باللت وأخذها من يده ، وحمل على الديلم فقتل منهم كثيرا باللتوت ، ثم ~~حمل عليهم الديلم فانهزموا وأفتكين في نحوا الأربعمائة من الأتراك ، فأخذ ~~على الفرات حتى نزل الرحبة ، ثم أخذ في البر وقد أظهر من المهابة ما لم ~~يتجاسر العرب على نهبه ، فنزل جوشية من قرى الشام ، فجمع له ظلم بن موهوب ~~العقيلي وهو حينئذ على بعلبك من قدر عليه من العرب ، وأنفذ إلى أبي محمود ~~قبل أن يسير عن دمشق ms137 يطلب منه عسكرا ، فأنفذ إليه جماعة ، وخرج يريد أفتكين ~~وهو في ألفين فسار يريد جوشية . # وبعث أبو المعالي ابن حمدان بشارة الخادم من حمص في ثلاثمائة رجل إلى ~~جوشية مددا لأفتكين على ظالم ، فبعث بشارة إلى ظالم فصرفه عن محاربة أفتكين ~~وعاد إلى بعلبك ، وسار بشارة بأفتكين ، فنزل بأفتكين بظاهر حمص ، ووعده عن ~~مولاه أبي المعالي بكل جميل ، وحمل إليه أبو المعالي وأكرمه ، فسار إلى أبي ~~المعالي ، فأجلسه على كرسي . # وسأله أفتكين أن يوليه كفر طاب ويكون تبعا له ، فما هو إلا أن ورد عليه ~~رسول بن الماورد الشاطر من دمشق بأن يسير إلى دمشق ، وأنه يخرج إليه بأهل ~~البلد ، ويقاتلوا عسكر المغاربة ، ويملكوه عليهم ، فوقع ذلك منه بموقع ، ~~فبعث إلى أبي حمدان يقول : PageV01P219 إني نظرت في الذي وليتني فإذا هو لا ~~يقوم بمن معي من الغلمان ، وإني أريد أن أرجع إلى بغداد . # فقال : افعل ما تراه . # فسار كأنه يريد أن يأخذ طريق البلد إلى بغداد ، وأخذ نحو دمشق ، وقد نزل ~~ريان عليها ، وجاءته أخبار طرابلس : بأن العدو قد خرج ، ونحن نخاف علي ~~البلد أن يؤخذ ، فانزعج وخاف على طرابلس ، وإذا بالخبر ورد عليه بأن أفتكين ~~قد توجه نحوه بموافقة أهل البلد ، فعرض عساكره ، وبرز يريد عقبة دمر . ~~وأصبح أفتكين على ثنية العقاب ، ولم يعلم بأن ريان الخادم قد ارتحل عن ~~البلد بجميع أصحابه حتى لم يبق منهم أحد ، فوصل إلى البلد وقد أجهده ~~وأصحابه التعب لأيام بقيت من شعبان . # ونزل بظاهر البلد ، فخرج الناس إليه ، واستبشروا به ، وسألوه أن يملكهم ~~ويزيل المصريين ويكف عن الأحداث ، فأجابهم ، واستحلف على الطاعة والمساعدة ~~، وحلف لهم على الحماية وكف الأذى عنهم منه ومن غيره . # وقطع خطبة المعز وخطب للطائع ، وقمع أهل العبث ، فهابته الكافة ، وصلح به ~~كثير من أمر البلد ، وأقام أياما ، وشاع خبر العدو أنه قد أقبل في جيش عظيم ~~، فاستعدوا لقتاله ، ونزل العدو على حمص ، فلم يعرض لأحد بأرض حمص ، لهدنة ~~كانت بينه وبين أبي المعالي ابن حمدان . # وسار أفتكين إلى ms138 بعلبك في طلب ظالم ، ففر منه ، فنزل أفتكين بعلبك ، ~~وكانت العرب قد استولت على ما خرج عن سور دمشق ، فأوقع بهم أفتكين ، وقتل ~~كثيرا منهم ، وظهر منه حسن تدبيره وقوة نفس وشجاعة ، فأذعن الناس له ، ~~وأقطع البلاد ، فكثر جمعه ، وتوفرت أمواله ، وثبت قدمه ، وملك بعلبك من ~~ظالم بن موهوب ، فقصده الروم وعليهم الدمستق ، فقاتلهم أشد قتال ، ثم كثروا ~~عليه فانهزم . PageV01P220 # ودخل الروم بعلبك ، فأخذوا منها ومما حولها سلبا كثيرا ، وأحرقوا ؛ وذلك ~~في شهر رمضان ، وانتشرت خيلهم وسراياهم في أعمال بعلبك والبقاع تحرق وتسبى ~~، وامتدوا إلى الزبداني ، فأخذ الناس عليم المضايق ، ومنعوهم من الدخول إلى ~~الوادي . # وخرج من دمشق قوم فخاطبوا كبير الروم في الهدنة ، فطلب منهم مالا لينصرف ~~عن البلد ، فخرج إليه أفتكين ليخاطبه عن البلد ، وأهدى إليه من كل ما كان ~~معه من بغداد ، فأكرمه وقربه ، فخاطبه أفتكين في أمر البلد ، وأعلمه بأنه ~~خراب ليس فيه غير حمال السلاح ولا مال فيه ، فقال له : ما جئنا لنأخذ مالا ~~، وإنما جئنا لنأخذ الديار بأسيافنا ، وقد جئتنا بهدية ، وقد أجبناك إلى ما ~~طلبت ، وغرضنا فيما نأخذه من المال أن يقال بلد ملكناه فأخذنا هديته . # فقال أفتكين : هذا بلد ليس لي فيه إلا أيام يسيرة ، ولم آمر فيه ولم أنه ~~، وقد خرج معي إليك رجل له يد في البلد ، يمنعني من كل ما أفعله . # وقد كان خرج معه علاء بن الماورد ، فقال : ومن يدفعك عما تريد ؟ قال : ~~هذا وأصحابه . # فأمر بالقبض على بن الماورد ، فقبض وقيد ، وجرت الموافقة مع أفتكين على ~~أنه يجبي المال ويكون على سبيل الهدنة ، ويكف عن دمشق وأعمالها ، فعاهده ~~ملك الروم على ذلك ، وعاد أفتكين إلى دمشق ، افثار أصحاب ابن الماورد ~~بالسلاح يريدون أفتكين ، فمنعهم الناس . # وكان أبو محمود إبراهيم بن جعفر حينئذ بطبرية ، فبلغه خروج أفتكين إلى ~~الروم ، فسير جيش بن الصمصامة في نحو الألفين ليأخذ دمشق ، فسرى من طبرية ، ~~وكان شبل بن معروف العقيلي على شينيه وليس لجيش به علم ، فركب إليه شبل في ~~جمع من ms139 العرب فواقعوه فانهزم ، وأتى الخبر إلى أفتكين وقد خرج من عند ملك ~~الروم ، فخرج الأتراك وأدركوهم فقتلوا منهم PageV01P221 كثيرا ، وأخذ جيش ~~أسيرا ، فبعث به أفتكين إلى الروم وهو مقيم على عين الجر ينتظر المال . # وجبى له أفتكين من دمشق ثلاثين ألف دينار بالعنف ، ورحل فنزل على بيروت ~~وبها نصير الخادم من قبل المعز ، فلم يزول الرومي يراسل أهل بيروت : إني لا ~~أريد خراب بلدكم ، وإنما أريد أن تسلموا إلي هذا الخادم ومن معه ، وأجعل ~~عندكم من قبلي من يدفع عن بلدكم . # حتى خرج إليه نصير ومن معه ، فأخذهم ، وولى على بيروت من قبله شخصا في ~~مائتي رجل . # وسار فنزل على طرابلس وفيها ريان الخادم الذي كان على دمشق في خلق من ~~المغاربة ، فقاتلوه أشد قتال . # ونزل بالرومى مرض فرحل إلى بلده ، وهلك في الطريق . # وتمكن أفتكين من دمشق ، فأنفذ شبل بن معروف العقيلي إلى طبرية ، ففر عنها ~~أبو محمود بمن معه إلى الرملة . # وقدمت جيوش المعز ، وفيها كثر مخافتهم العرب ، واقتتلوا بجوار بيت المقدس ~~مع العرب ، فظهر العرب عليهم وهزموهم ، وقتلوا كثيرا منهم وسيروا عدة منهم ~~إلى دمشق ، فطيف بهم في الأسواق على الجمال ، وملأوا بهم الحبوس ، فأقاموا ~~في ضر ، ثم ضربوا أعناقهم ؛ وكان مع ذلك أفتكين طوال مقامه بدمشق يكاتب ~~القرامطة ويكاتبونه . وركب المعز يوم عيد الفطر ، فصلى وخطب على رسمه ~~المعتاد ، وورد عليه الخبر بوقعة ريان بالرومى وهزيمة الروم وقد أسر ريان ~~منهم وقتل وغنم فسر المعز بذلك وتصدق ، ودخل الناس عليه فهنأوه ، وقال ~~الشعراء في ذلك ، وفي خلع المطيع شعرا كثيرا . # وبعث إلى الحجاز بالأموال والنفقة وكسوة الكعبة . # ووردت رؤوس من المغرب فطيف بها . # وقدم إليه من المغرب ماء للشرب من العين التي أجراها . # وأنفذ رسولا إلى القرامطة برسالة إلى الأحساء . PageV01P222 # وفيه ثارت فتنة بين المصريين والمغاربة ، فقبض على جماعة وضربوا . # وفي ذي القعدة نودي لخمس خلون منه في الجامع العتيق : الحج في البر . # وكان قد انقطع منذ سنين . # وفيه مات عبد الله بن أبي ثوبان ، وكان ms140 قد نصبه المعز للنظر في مظالم ~~المغاربة ، فتبسط في الأحكام بين المصريين ، وقال في كتبه : قاضي مصر ~~والاسكندرية ، وشهدت عنده شهود مصر من المعدلين . # وفيه خاطب المعز علي بن النعمان بالقضاء ، وأذن له في النظر في الأحكام ، ~~فجلس في داره ومسجده ونظر في الأحكام . # وطيف برؤوس من الأعراب والروم وردت من الشام ومن الصعيد . # وقدم للنصف منه جواب القرامطة من الأحساء ، فخلع على الرسول وعلى جماعة ~~معه ، وحملوا . # وفيه طلع نجم الذنب عند الفجر وله شعاع كبير ، فأقام أياما ، واضطرب ~~الناس ، ولما رآه المعز استعاذ منه . # وطلبت العبيد الصقالبة من جميع الناس ، وأخذوا بالثمن . # وانفرد عسلوج بن الحسن بالديوان والنظر في أبواب المال كلها . # وفي مستهل ذي الحجة طيف برؤوس على رماح يقال عدتها إثنا عشر ألف رأس ، ~~وردت من المغرب ، فيها رأس خلف بن جبر ، وقد ثار بالمغرب واجتمع عليه ~~البربر ، فظفر به يوسف ابن زيرى ، وقتل لخمس خلون من رمضان هو وجماعة من ~~أهله . # واعتقل جماعة من الإخشيدية والكافورية وطولبوا ببيع عقارهم ورد ما باعوا ~~منه . # ووردت هدية أبي محمود من الشام ، وهي مائة فارس ، وأحمال مال . # وبرز ركب المعز يوم عيد النحر على رسمه ، فصلى وخطب ، وأطعم الناس بالقصر ~~. # وكسر الخليج ، ولم يركب إليه المعز . PageV01P223 # وفي يوم النوروز زاد اللعب بالماء ووقود النيران ، وطاف أهل الأسواق ~~وعملوا فيلة ، وخرجوا إلى القاهرة بلعبهم ، فأقاموا على ذلك ثلاثة أيام ، ~~وأظهروا السماجات في اللعب بالأسواق ، فأمر بالنداء أن يكف عن اللعب ، وأخذ ~~قوم فطيف بهم وحبسوا . # وأمر أن يكون في الشرطة السفلى فقيهان يجلسان ، ثم صرفا . # وورد الخبر بوقعة كانت لأبي محمود مع ابن الجراح الطائي بناحية طبرية . # وأمر المعز بتغيير المكاييل والموازين ، وجعلت الأرطال من رصاص . # وأمر المعز القاضي أبا طاهر وشهوده أن يرفعوا إليه أخبار البلد ولا ~~يكتموه شيئا ، ونصبوا لذلك رجلا فامتنع . # وبلغ النيل بزيادة الجديد سبع عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا ، فأمر لابن أبي ~~الرداد بالجائزة والخلع والحملان على عادته . # ومات في هذه السنة : أبو جعفر ms141 أحمد بن القاضي النعمان بن محمد بمصر يوم ~~الثلاثاء خامس ربيع الأول . # وحسن بن سعيد الأفرنجي بالقاهرة ، فصلى عليه المعز ودفن بها . # وإسماعيل بن لبون الدنهاجي ، وصلى عليه المعز . # وعلي بن الحرسي صاحب الخراج . # ومات حسن بن رستق الدنهاجي . # ومات أيضا أبو الفرج محمد بن إبراهيم بن سكرة في ربيع الآخر PageV01P224 # | ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمائة # والأمر على حاله إلا أن القضاء بيد أبي طاهر محمد بن أحمد ، واشترك معه ~~القاضي علي بن النعمان ، فكان كل منهما ينظر في داره . # وتثاقل يعقوب بن كلس عن حضور الديوان ، وانفرد بالنظر في أمور المعز في ~~قصره . # وفي المحرم عمرت كنيسة بقصر الشمع . # وورد سابق الحاج فأخبر بإقامة الدعوة بمكة ومسجد إبراهيم يوم عرفة ومدينة ~~الرسول ، وسائر أعمال مكة ، وبتمام الحج . # وكان هذا أول موسم دعى فيه للمعز بمكة ومدينة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فسر المعز بذلك ، وتصدق شكرا لله . وورد كتاب أمير مكة جعفر بن محمد ~~بن الحسين بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن ~~الحسن بن علي بن أبي طالب ، وكتاب أخيه الحسن بن محمد الحسني وهو أخو صفية ~~امرأة عبد الله بن عبيد الله أخي مسلم يسأل الإحسان إلى أخته صفية وكانت ~~مستترة فأمر برد ضياعها وريعها وتسليم ذلك إليها ، فأحضر يعقوب بن كلس ~~القاضي أبا طاهر وشهوده ، وأشهدهم في كتاب عن المعز أنه أمره برد ضياعها ~~ورياعها إليها ، فظهرت وأمنت . # وكتب جعفر بن محمد الحسني أمير مكة يسأله في بني جمح أن يرد حبسهم إليهم ~~الذي بمصر ، وفي ولد عمر وبني العاص أن يرد حبسهم بمصر إليهم ، فأطلق المعز ~~ذلك لبني جمح . # وورد رسول ملك الروم ، فغلقت الحوانيت ، وخرج الناس تنظر إليه . ~~PageV01P225 # | قال ابن الأثير # وكان سبب موت المعز أن ملك الروم بالقسطنطينية أرسل إليه رسولا كان يتردد ~~إليه بإفريقية ، فخلا به المعز بعض الأيام ، وقال له : أتذكر إذ أتيتني ~~رسولا وأنا بالمهدية ، فقلت لك : لتدخلن علي وأنا ms142 بمصر مالكا لها ؟ قال : ~~نعم قال : وأنا أقول لك لتدخلن علي ببغداد وأنا خليفة . # فقال له الرسول : إن أمنتني ولم تغضب ، قلت لك ما عندي . # فقال له المعز : قل وأنت آمن . # فقال : بعثني إليك الملك ذلك العام ، فرأيت من عظمتك في عيني وكثرة ~~أصحابك ما كدت أموت منه ، ووصلت إلى قصرك فرأيت عليه نورا غطى بصري ، ثم ~~دخلت عليك فرأيتك على سريرك فظننتك خالقا ، فلو قلت لي إنك تعرج إلى السماء ~~لتحققت ذلك ، ثم جئت إليك الآن فما رأيت من ذلك شيئا ، أشرفت على مدينتك ~~فرأيتها في عيني سوداء مظلمة ، ثم دخلت عليك فما وجدت من المهابة ما وجدته ~~ذلك العام ، فقلت إن ذلك كان أمرا مقبلا ، وإنه الآن بضد ما كان عليه . # فأطرق المعز ، وخرج الرسول من عنده ، وأخذت المعز الحمى لشدة ما وجد ، ~~واتصل مرضه حتى مات . PageV01P226 # | وقال ابن سعيد في كتاب المغرب # : إن المعز أنفذ إلى ابن السوادكي فقال : من لك بالحجاز من التجار تكاتبه ~~، اكتب إلى من تراه منهم بأن يكتب إلى عدن بحمل ما يقدر عليه من خشب ~~الأبنوس الحسن التلميع التام الطول ، الغليظ مما لا غاية وراءه . # فكتب إلى تاجر بمكة ، وأكد عليه ، فما كان إلا نحو شهرين حتى عاد جوابه ~~أنه وجد منه ما ليس له في الدنيا نظير ، وحمله في مركب ، فسر بذلك ، وبكر ~~إلى المعز فأخبره الخبر ، وأنه في القلزم ، فأطرق وتغير لونه ، فقال له : ~~يا مولانا هذا يوم فرح وسرور بأن تطلب أمرا يكون بعد مدة فيسهله الله في ~~أقرب وقت . # فقال : يا محمد ليس يدري إلى حيث خرجت . # ثم سار خارجا إلى ظاهر القاهرة وهو يقرأ سورة الفتح إلى آخرها ، ويرددها ~~كلما فرغ منها ، ورجع فاعتل بعد جمعة ، وترددت به العلة ، فمات في الشهر ~~الخامس ، وما طلبه منى ، ولا أذكرته به ، وكان قد تأول أن أجله نعى إليه ~~حين رأى الأشياء منقادة له . # قال ابن زولاق : ولأربع خلون من صفر ورد حاج البر ، وقد كان البر أقام ~~سنين لم ms143 يسلك . # وفيه حضر على بن النعمان القاضي جامع القاهرة ، وأملى مختصر أبيه في ~~الفقه عن أهل البيت ، ويعرف هذا المختصر بالاقتصار ، وكان جمعا عظيما . # وفي ربيع الآخر وردت رسالة القرامطة بأنهم في الطاعة . # وفيه أذن المعز لجماعة المصريين فدخلوا عليه وخاطبهم وهو على سرير الملك ~~، فصاح به رجل منهم : PageV01P227 يا أمير المؤمنين ، قال الله عز وجل : ' ~~ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ~~ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين . ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم ~~لننظر كيف تعملون ' . يا أمير المؤمنين لننظر كيف تعملون . # وقال : صدق الله ، كذا قال عز وجل ، ونسأل الله التوفيق . # واعتل المعز لثمان خلون من ربيع الأول ، فأقام ثمانيا وثلاثين يوما ، ~~ووصف له البطيخ البرلسي يؤخذ ماؤه ، فطلب بمصر فلم يوجد سوى واحدة اشتريت ~~بخمسة دنانير ، ثم وجد منها ثماني عشرة بطيخة اشتريت بثمانية عشر دينارا ، ~~وكان الناس يغدون إلى القصر ويروحون ، والذي يمرضه طبيبه موسى بن العازار ~~وعبده جوهر . فلما كان لأربع عشرة بقيت من ربيع الآخر اشتدت العلة . وعرف ~~باجتماع الناس وكثرة الرقاع في الظلامات والحوائج ، وسئل فيمن ينظر في ذلك ~~، فأمر أن ينظر فيه ولي عهده نزار فاستخلفه ، وخرج السلام إلى الناس ~~فانصرفوا . # وخرج القائد جوهر وموسى بن العازار الطبيب بالعزيز فأجلسوه ، وخرج إليه ~~إخوته وعمومته وسائر أهله فبايعوه ، ثم أدخل إليه أكثر الأولياء فبايعوه ~~وسلموا عليه بالإمرة وولاية العهد ، فابتهج الناس بذلك . # ودخل عليه من الغد القاضي أبو طاهر وجماعة الشهود والفقهاء فسلموا عليه ~~بولاية العهد ، وقبلوا له الأرض ، فرد عليهم أحسن رد ، وأخبرهم بأن المعز ~~بخير ، قال : مولانا صلوات الله عليه في كل عافية وسلامة في أحواله ، وفي ~~رأيه لكم وانصرفوا . # وكان يوم جمعة ، فدعا له عبد العزيز بن عمر العباسي على منبر الجامع ~~العتيق بعد أن دعا للمعز ، فقال : اللهم صل على عبدك ووليك ، ثمرة النبوة ، ~~ومعدن الفضل والإمامة ، عبد الله معد أبي تميم الإمام المعز لدين الله ، ~~كما صليت على آبائه الطاهرين ، وأسلافه المنتخبين ms144 من قبله . PageV01P228 # اللهم أعنه على ما وليته ، وأنجز له ما وعدته ، وملكه مشارق الأرض ~~ومغاربها . # واشدد اللهم أزره ، وأعز نصره بالأمير نزار أبي المنصور ولي عهد المسلمين ~~، ابن أمير المؤمنين ، الذي جعلته القائم بدعوته ، والقائم بحجته . # اللهم أصلح به العباد ، ومهد لديه البلاد ، وأنجز له به ما وعدته ، إنك ~~لا تخلف الميعاد . # وتوفي المعز لدين الله عشية هذا اليوم ليلة السبت السادس عشر من شهر ربيع ~~الآخر ، وقيل يوم الجمعة حادي عشر ، وقيل ثالث عشر ، ولم يظهر ذلك ولا نطق ~~به أحد مدة ثمانية أشهر . # وقيل إن السيدة لما اشتدت علة المعز أحضرت القائد جوهر وهو ملتف في برد ~~من . . . # وحضر يعقوب بن يوسف بن كلس وعسلوج القائد وأفلح الناشب ، وطارق الصقلبي ، ~~فقالوا للمعز : نريد أن تبصرنا رشدنا وتعلمنا لمن الأمر . # فلم يجبهم ، فقال له جوهر : قد كنت سمعت منك قولا في هذا استغنيت به عن ~~إعادة السؤال ، غير أنهم أكرهوني على الدخول . # وقال لهم : قابلتموني بما لا يجب وبكى . # فخرجوا ، فلما كان اليوم الثالث مات ، فصار العزيز إذا رفعت إليه الأمور ~~يدخل كأنه يشاوره ويخرج بالأمر . # قال ابن زولاق : وكان يعني المعز في غاية الفضل والاستحقاق للإمامة ، ~~وحسن السياسة . PageV01P229 # وكان مولده سنة تسع عشرة وثلاثمائة ، أدرك من أيام المهدي جد أبيه أربع ~~سنين ، وتوفي القائم وللمعز ست عشرة سنة . # واجتمع للمعز بمصر ما لا يجتمع لآبائه ، وذلك أنه حصل له بالمغرب أربعة ~~وعشرون بيتا من المال : منها أربعة عشر خلفها المهدي ، ولم يخلف القائم ~~عليها شيئا ، وخلف المنصور بيتا واحدا وكسوة ، وأضاف إليها المعز تسعة ، ~~فصارت أربعة وعشرين بيتا ، أنفق أكثرها على مصر إلى أن فتحت ودخلها ، وحصل ~~له من مال مصر أربعة بيوت سوى ما أنفقه وسوى ما قدم به معه . # واجتمع له أن خلفاءه بمصر استخرجوا له ما لم يستخرج لأحد بمصر ، فاستخرج ~~له في يوم واحد مائة ألف دينار وعشرون ألف دينار . # وهزمت القرامطة في أيامه أربع مرار : مرتين في البر على باب مصر ، ومرتين ~~في ms145 البحر ، وما تم عليهم هذا قط منذ ظهر أمرهم . # وأقيمت له الدعوة يوم عرفة في مسجد إبراهيم عليه السلام وبمكة والمدينة ~~وسائر أعمال الحرمين ، ولم ترد له راية . # وسار ابن السميسق ملك الروم إلى ريان عبد المعز وهو بطرابلس فانهزم وأخذت ~~غنائمه وأسر رجاله . # وكتب اسمه على الطرز بتنيس ودمياط والقيس والبهنسي قبل أن يملك مصر . # وتتابعت له الفتوح . # ودعى لفاطمة ولعلي عليهما السلام في أيامه على المنابر في سائر أعماله ~~وفي كثير من أعمال العراق . # ونصبت الستائر على الكعبة وعليها اسمه . # ونصبت له المحاريب الذهب والفضة داخل الكعبة وعليها اسمه . PageV01P230 # وكاتبه أهل العراق وأهل اليمن وأهل خراسان وأهل الحرمين والترك بالخلافة ~~. # وكان على التجهز للمسير للحج ثم إلى قسطنطينية للجهاد . # وكان مقامه بمصر سنتين وسبعة أشهر وعشرة أيام . # قال ابن الأثير : وأمه أم ولد . # وولد بالمهدية من إفريقية حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة . # ومات وعمره خمس وأربعون سنة وستة أشهر تقريبا . # وكانت ولايته الأمر ثلاثا وعشرين سنة وعشرة أيام . # وهو أول الخلفاء العلويين ، ملك مصر وخرج إليها . وكان مغرى بالنجوم . ~~ويعمل بأقوال المنجمين ، قال له منجم إن عليه قطعا في وقت كذا ، وأشار عليه ~~بعمل سرداب يختفي فيه إلى أن يجوز ذلك الوقت ، ففعل ما أمره ، وأحضر قواده ~~وقال لهم : إن بيني وبين الله عهدا أنا ماض إليه ، وقد استخلفت عليكم ابني ~~نزار ، فاسمعوا له وأطيعوا . # ونزل السرداب ، فكان أحد المغاربة إذا رأى سحابا ، نزل وأومي إليه ~~بالسلام ظنا منه أن المعز فيه ، فغاب سنة ثم ظهر ، وبقي مدة ومرض وتوفى ، ~~فستر ابنه نزار العزيز موته إلى عيد النحر من السنة ، فصلى بالناس وخطبهم ، ~~ودعا لنفسه ، وعزى بأبيه . # وذكر القاضي عبد الجبار بن عبد الجبار البصري في كتاب تثبيت نبوة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم المعز لدين الله ، وقال : واحتجب عن الناس مدة ، ثم ظهر ~~وجلس في حرير فائق أخضر مذهب ، وعلى وجهه الجواهر واليواقيت ، وأوهم أنه ~~كان غائبا ، وأن الله رفعه إليه ، وكان يتحدث بما ms146 يأتيه أهل الأخبار في حال ~~غيبته ، وتوهم أن الله أطلعه على تلك الغيوب . # وتعرض بالجمل دون التفصل . PageV01P231 # قال مصنفه رحمة الله عليه : ليس الأمر كما قال ابن الأثير ، فقد حكى ~~الفقيه الفاضل المؤرخ أبو الحسن بن إبراهيم بن زولاق المصري في كتاب سيرة ~~المعز وقد وقفت عليها بخطه رحمه الله أخبار المعز منذ دخل مصر إلى أن مات ~~يوما يوما ، وأن المعز إنما عهد لابنه يوم الخميس لأربع عشرة بقيت من شهر ~~ربيع الآخر قبل موته بيومين ؛ وذكر أن سبب العهد إليه اجتماع الناس بباب ~~القصر وكثرة الرقاع ، وأنه سئل فيمن ينظر في ذلك ، فأمر ابنه نزار العزيز ~~أن ينظر فيه فاستخلفه ؛ وقد ذكرت ملخص هذه السيرة فيما مر من أخبار المعز ؛ ~~وأن ابن زولاق أعرف بأحوال مصر من ابن الأثير خصوصا المعز ، فإنه كان حاضرا ~~ذلك ومشاهدا له ، وممن يدخل إليه ويسلم مع الفقهاء عليه ، ويروى في هذه ~~السيرة أشياء بالمشاهدة ، وأشياء مدته بها ثقات الدولة وأكابرها ، كما هو ~~مذكور فيها ؛ إلا أن ابن الأثير تبع مؤرخي العراق والشام فيما نقلوه ، وغير ~~خاف على من تبحر في علم الأخبار كثرة تحاملهم على الخلفاء الفاطميين وشنيع ~~قولهم فيهم ، ومع ذلك فمعرفتهم بأحوال مصر قاصرة عن الرتبة العلية ، فكثيرا ~~ما رأيتهم يحكون في تواريخهم من أخبار مصر ما لا يرتضيه جهابذة العلماء ، ~~ويرده الحذاق العالمون بأخبار مصر ؛ وأهل كل قطر أعرف بأخباره ، ومؤرخو مصر ~~أدرى بماجرياته ، وفوق كل ذى علم عليم . # قال ابن الأثير : وكان المعز عالما فاضلا جوادا جاريا على منهاج أبيه ، ~~حسن السيرة وإنصاف الرعية ، وستر ما يدعون إليه إلا عن الخاصة ، ثم أظهره ، ~~وأمر الدعاة بإظهاره ، إلا أنه لم يخرج فيه إلى حد يذم به . # وقال ابن سعيد في كتاب المغرب : إن جوهر القائد لما كان على عسقلان ، ~~وهجم عليه العدو ، وأحرقوا خيمته وما قدروا عليه ، وقاتل الناس إلى أن ~~كشفوا العدو وعادوا إلى مكانهم ، ترجل جوهر وقبل الأرض وقال : PageV01P232 ~~حذرني مولانا المعز بالمغرب ، وقال لي : احذر النار ms147 في عسكرك ببرقة فلما ~~جزت بها تحفظت من النار ، فلما صرت في مصر : قلت الحق ما يقول مولانا ، وما ~~هو إلا أن أعود إلى المغرب ، فيكون ذلك فيها ، فلما نزلت هذا المنزل عرفت ~~أنه يقال له برقة ، وكنت والله خائفا من قول مولانا حتى رأيته عيانا . # قال : ولما بلغ المعز أن يوسف بن زيرى خليفته على المغرب قبض على صاحب ~~خراجه بالمغرب غضب واستدعى إسماعيل بن اسباط ، ودفع إليه كتابا مختوما ، ~~وقال له : أنت عندي موثوق به ، غير مستراب بك ، قل له يا يوسف ، تغير ما ~~أمرتك به ، وتنسب ما فعلته لي ؟ والله لئن هممت بالعود إليك لآتينك ، ولئن ~~أتيتك لا تركت من آل مناد أحدا ، بل من بلكانه ، لا بل من صنهاجة ؛ أخرج ~~ابن الأديم فاردده إلى النظر في الخراج على رسمه ، وامتثل جميع ما أمرتك به ~~، ولا تخالف شيئا منه . # قال : فسرت بأحسن حال حتى دخلت القيروان فلم أجده ، فسرت إليه ، فلما ~~رآني نزل وقبل الأرض لما ترجلت له ، وقيل بين عيني ، وقال : هذه العين الذي ~~رأت مولانا . # وأوصلت إليه السجل ، فقرأه سرا مع كاتبه وترجمانه ، وأديت إليه الرسالة ~~بيني وبينه ، فعهدي به يرتعد وينتفخ ويسود ، ويقول : نفعل والله ، وكتب برد ~~زيادة الله بن الأديم إلى نظره ، وأقمنا مدة . قال ابن سباط : فأنا راكب ~~معه ذات يوم إذ ورد إليه نجاب بكتاب لطيف ، فقرأه عليه راكبا الترجمان ، ~~فرأيته ضرب الفرس وحركه فأقامه وأقعده ، وهز رمحه في وجوه رجاله يمينا ~~وشمالا ، وجعل يقول : أبلكين ، أمليح اسم أمه ؟ أزيرى ، أمليح اسم أبيه ؟ ~~أمناد ، أمليح اسم جده ؟ . # قال : فقلت في نفسي : خبر ورد إليه سره ، وأدرت فكري فوقف في أن مولانا ~~المعز مات . PageV01P233 # فنظر إلى وجهي متغيرا ، فأخذني ونزل إلى دار إمارته ، فأدار إلى وجهه ، ~~وقال : مالك تغير وجهك ؟ . # فقلت له : مات مولانا المعز ، فأحسن الله عزاك عنه . # فقال : من أخبرك ؟ . # قلت : أنت أخبرتني . # قال : وكيف ! . # قلت : رأيتك قد عملت بعد قراءة الكتاب عليك ما لا أعرفه منك . # فقال : قد صدقت ms148 ، قد مات مولانا المعز . # قلت له : فيقدر أن أحدا لا يقوى من بعده في مجلسه . # فقال : لا بد من ذلك . # فقلت له : ينبغي أن تنتظر كتاب ولده الذي أتى من بعده ، فسيأتيك ما تحب . # قال : صدقت ، واكتم ما جرى ، ولكن يا ابن اسباط بعدت مصر من المغرب ، وقد ~~صار المغرب والله في أيدينا إلى دهر طويل . PageV01P234 # وأقمت ، فورد كتاب العزيز إليه يعزيه ويوليه ، فسر وخلع علي ، وسيرني . # قال ابن سعيد عن كتاب سيرة الأئمة لابن العلاء عبد العزيز بن عبد الرحمن ~~بن حسين بن مهذب . # وأورد ليوسف بن زيرى خطبة كتب بها إلى العزيز بن المعز جوابا عن كتابه ~~يقول فيها : وأعوذ بالله أن أقول ما شنعه أهل الزور والجحود ، بل أنا عبد ~~من عبيده ، أيدني بنور هدايته ، وألبسني قميص حكمته ، وتوجني بعز سلطانه ، ~~وحملني أثقال علم ربوبيته ، واختصني بنفس كلايته ، وذكر أنه ولى عهده بعد ~~ابنه الشاعر تميما ثم عزله ، وولى ابنه عبد الله إفريقية ، ثم ولى ابنه ~~بمصر العزيز الذي صحت له الخلافة بعده . # قال ابن سعيد : وهذا أعجب ما سمعته في تولية العهد ، لا أعلم لهذه ~~الكائنة نظيرا . # وقال ابن الطوير : لما دخل المعز قرأ أحد القراء عند دخوله وكان منجما : ~~وحمله وفصاله ثلاثون شهرا . # فقال المعز : العاقبة . # فقال حميدة . # قال المعز : الحمد لله . # ومن أحسن ما مدح به المعز قول الحسن بن هانىء فيه : # إذا أنت لم تعلم حقيقة فضله . . . فسائل عليه الوحي المنزل تعلم # فأقسم لو لم يأخذ الناس فضله . . . عن الله ، لم يعلم ولم يتوهم # وأي قوافي الشعر فيك أجولها . . . وهل ترك القرآن من يترنم # وكان نقش خاتمه : بنصر العزيز العلم ينتصر الإمام أبو تميم . # وكان يشبه في بني العباس بالمأمون في سفره من القيروان . PageV01P235 # # | العزيز بالله أبو المنصور ابن المعز لدين الله أبي تميم معد ابن ~~المنصور بنصر الله أبي الطاهر إسماعيل ابن القائم بأمر الله أبي القاسم ~~محمد ابن المهدي عبيد الله # أمه أم ولد ، واسمها درزان . # ولد بالمهدية يوم الخميس الرابع ms149 عشر من المحرم سنة أربع وأربعين ~~وثلاثمائة . # وولى العهد بمصر وبويع لسبع بقين من ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمائة ~~. # ومن كتاب ابن مهذب : سمعت مولانا العزيز يقول : خرج مولانا المعز يوما ~~بمصر يمشي في قصره ، وأنا ، وأخي تميم ، وعبد الله ، وعقيل ، نمشي خلفه ، ~~فخطر ببالي أن قلت : ترى بصير هذا الأمر إلي ، أو إلى أخي عبد الله ، أو ~~إلى أخي تميم ؛ وإن صار إلي ، ترى أمشي هكذا وهؤلاء حولي ؟ . # قال : وانتهى مولانا المعز إلى حيث أراد ، ووقفنا بين يديه ، وانصرفت ~~الجماعة ، وأراد PageV01P236 لانصراف ، فقال : لا تبرح يا نزار ، فوقفت حتى ~~إذا لم يبق أحد بين يديه غيري استدناني وقال : بحياتي يا نزار إذا سألتك عن ~~شيء تصدقني ؟ . # قلت : نعم يا مولانا . # قال : التفت إليك فرأيتك وقد أعجبتك نفسك ، وأنت تنظر إلي وإلى نفسك وإلى ~~أخوتك ، وأنا أسارقك النظر وأنت لا تعلم ، ، فقلت في نفسك : ترى هذا الأمر ~~بصير إلي وإخوتي حولي ؟ . # قال : فاحمر وجهي ، ودنوت منه فقبلت بين يديه ، وقلت وقد غلبني البكاء : ~~يجعل الله جميعنا فداك . # فقال : دع عنك هذا ؛ كان كذا ؟ . # قلت : نعم يا مولانا ، فكيف عرفته ؟ . # قال : حزرته عليك ، ثم لم أجد نفسي تسامحني في إعجابك بنفسك على شيء سوى ~~هذا الأمر ، فهو صائر إليك ، فأحسن إلى إخوتك وأهلك ، خار الله لك ووفقك . ~~وقد تقدم أن المعز لما مات كتم موته إلى يوم النحر فأظهرت وفاته ، فركب ~~العزيز بالمظلة ، وخطب بنفسه ، وعزى نفسه ، والناس تسلم عليه بالخلافة ، ~~وركب إلى قصره فسلم عليه عماه : حيدرة وهاشم ، وعم أبيه : أبو الفرات ، وعم ~~جده : أحمد بن عبيد الله . # وقال ابن الأثير : لما استقر العزيز في الملك أطاعه العسكر واجتمعوا عليه ~~، وكان هو يدبر الأمر منذ مات والده إلى أن أظهره ؛ ثم سير إلى المغرب ~~دنانير عليها اسمها فرقت في الناس ؛ وأقر يوسف ابن بلكين على ولاية إفريقية ~~، وأضاف إليه ما كان أبوه استعمل عليه غير يوسف ، وهي PageV01P237 طرابلس ~~وغيرها ، فاستعمل عليها يوسف عماله ، وعظم أمره ، وأمن ناحية العزيز ، ~~واستبد ms150 بالملك ، وكان يظهر الطاعة مجاملة لا طائل تحتها . # وخطب للعزيز بمكة بعد أن أرسل إليها جيشا فحصرها ، وضيقوا على أهلها ~~ومنعوهم الميرة ، فغلت الأسعار بها ، ولقى أهلها شدة شديدة . # وأما أخبار الشام : فإن أفتكين لم يزل طول مقامه بدمشق يكاتب القرامطة ~~ويكاتبونه بأنهم سائرون إلى الشام ، إلى أن وافوا دمشق بعد موت المعز في ~~هذه السنة ، وكان الذي وافى منهم : إسحاق ، وكسرى ، وجعفر ، فنزلوا على ~~ظاهر دمشق ، ومعهم كثير من العجم أصحاب أفتكين الذين تشتتوا في البلاد وقت ~~وقعته مع الديلم ، لقوهم بالكوفة في الموقعات ، فأركبوهم الإبل ، وساروا ~~بهم إلى دمشق ، فكساهم أفتكين وأركبهم الجبل ؛ فقوى عسكره بهم وتلقى أفتكين ~~القرامطة وحمل إليهم وأكرمهم وفرح بهم ، وأمن من الخوف ؛ فأقاموا على دمشق ~~أياما ثم ساروا إلى الرملة وبها أبو محمود إبراهيم بن جعفر فالتجأ إلى يافا ~~، ونزل القرامطة الرملة ، ونصبوا القتال على يافا حتى مل كل من الفريقين ~~القتال ، وصار يحدث بعضهم بعضا . # وجبى القرامطة المال فأمن أفتكين من مصر ، وظن أن القرامطة قد كفوه ذلك ~~الوجه ، وعمل على أخذ الساحل ، فسار بمن اجتمع إليه ، ونزل على صيدا ، وبها ~~ابن الشيخ ، ورؤساء المغاربة ، ومعهم ظالم بن موهوب العقيلي ، فقاتلوه ~~قتالا شديدا ، فانهزم عنهم أميالا ، PageV01P238 فخرجوا إليه ، فواقعهم ~~وهزمهم وقتل منهم ، وصار ظالم إلى صور ؛ فيقال إنه قتل يومئذ أربعة آلاف من ~~عساكر المغاربة ، قطعت أيمانهم وحملت إلى دمشق ، فطيف بها . # ونزل أفتكين على عكا ، وبها جمع من المغاربة ، فقاتلوه ، فسير العزيز ~~القائد جوهر بخزائن السلاح والأموال إلى بلاد الشام في عسكر عظيم لم يخرج ~~قبله مثله إلى الشام من كثرة الكراع والسلاح والمال والرجال ، بلغت عدتهم ~~عشرين ألفا بين فارس وراجل ، فبلغ ذلك أفتكين وهو على عكا ، والقرامطة ~~بالرملة ، فسار أفتكين من عكا ونزل طبرية ، وخرج القرامطة من الرملة ، ~~ونزلها جوهر . # وسار إسحق وكسرى من القرامطة بمن معهم إلى الأحساء ، لقلة من معهم من ~~الرجال الذين يلقون بها جوهر ، وتأخر جعفر من القرامطة فلحق بأفتكين وهو ~~بطبرية ، وقد بعث فجمع ms151 في حوران والبثنية ؛ وسار جوهر من الرملة يريد طبرية ~~، فرحل أفتكين ، واستحث الناس في حمل الغلة من حوران والبثنية إلى دمشق ، ~~وصار أفتكين إلى دمشق ، ومعه جعفر القرمطي ، فنزل جوهر على دمشق لثمان بقين ~~من ذي القعدة فيما بين داريا والشماسية ، فجمع أفتكين أحداث البلد ، وأمن ~~من كان قد فزع منه ، فاجتمع حمال السلاح والذعار إليه ، ورئيسهم قسام . ~~PageV01P239 # وأخذ جوهر في حفر خندق عظيم على عسكره ، وجعل له أبوابا ، وكان ظالم بن ~~موهوب معه ، فأنزله بعسكره خارج الخندق ، وصار أفتكين فيمن جمع من الذعار ، ~~وأجرى لكبيرهم قسام رزقا . # ووقع النفي على قبة الجامع والمنابر ، وساروا فجرى بينهم وبين جوهر وقائع ~~وحروب شديدة وقتال عظيم ، وقتل بينهم خلق كثير من يوم عرفة ، فجرى بينهم ~~إثنتا عشرة وقيعة إلى سلخ ذي الحجة . # ولم يزل إلى الحادي عشر من ربيع الأول سنة ست وستين فكانت بين الفريقين ~~وقعة عظيمة ، انهزم فيها أفتكين بمن معه ، وهم بالهرب إلى أنطاكية ، ثم إنه ~~استظهر . ورأى جوهر أن الأموال قد تلفت ، والرجال قد قتلت والشتاء قد هجم ، ~~فأرسل في الصلح ، فلم يجب أفتكين ، وذلك أن الحسين بن أحمد الأعصم القرمطي ~~بعث إلى ابن عمه جعفر المقيم عند أفتكين بدمشق : إني سائر إلى الشام ، وبلغ ~~ذلك جوهر ، فترددت الرسل بينه وبين أفتكين حتى تقرر الأمر أن جوهر يرحل ، ~~ولا يتبع عسكره أحد ، فسر أفتكين بذلك ، وبعث إلى جوهر بجمال ليحمل عليها ~~ثقله لقلة الظهر عنده ؛ وبقي من السلاح والخزائن ما لم يقدر جوهر على حمله ~~فأحرقه ، ورحل عن دمشق في ثالث جمادى الأولى . # وقدم البشير من الحسن بن أحمد القرمطي إلى عمه جعفر بمجيئه ، وبلغ ذلك ~~جوهر ، فجد في السير ، وكان قد هلك من عسكره ناس كثير من الثلج ، فأسرع ~~بالمسير من طبرية ، PageV01P240 ووافى الحسن بن أحمد من البرية إلى طبرية ، ~~فوجد جوهر قد سار عنها ، فبعث خلفه سرية أدركه ، فقابلهم جوهر ، وقتل منهم ~~جماعة ، وسار فنزل ظاهر الرملة ، وتبعه القرمطي ، وقد لحقه أفتكين ، فسارا ~~إلى الرملة ؛ ودخل ms152 جوهر زيتون الرملة ، فتحصن به ، فلما نزل الحسن بن أحمد ~~القرمطي الرملة هلك فيها ، وقام من بعده بأمر القرامطة ابن عمه أبو جعفر ، ~~فكانت بينه وبين جوهر حروب كثيرة . # ثم إن أفتكين فسد ما بينه وبين أبي جعفر القرمطي ، فرجع عنه إلى الأحساء ~~، وكان حسان ابن علي بن مفرج بن دغفل بن الجراح الطائي أيضا مع أفتكين على ~~محاربة جوهر ، فلم ير منه ما يحب ، وراسله العزيز فانصرف عن أفتكين ، وقدم ~~القاهرة على العزيز ، واشتد الأمر على جوهر ، وخاف على رجاله ، فسار يريد ~~عسقلان ، فتبعه أفتكين . # واستولى قسام على دمشق وخطب للعزيز ، فسار أبو تغلب بن حمدان إلى دمشق ، ~~فقاتله قسام ومنعه ، فسار إلى طبرية . # وأدرك أفتكين جوهر ، فكانت بينهما وقعة امتدت ثلاثة أيام انهزم في آخرها ~~جوهر ، وأخذ أصحابه السيف ، فجلوا عما معهم ، والتحقوا بعسقلان ، فظفر ~~أفتكين من عسكر جوهر بما يعظم قدره ، واستغنى به ناس كثيرون . # ونزل أفتكين على عسقلان ، فجد جوهر حتى بلغ من الضر والجهد مبلغا عظيما ، ~~وغلت عنده الأسعار ، فبلغ قفيز القمح أربعين دينارا ، وأخذت كتامة تسب جوهر ~~وتنتقصه ، وكانوا قد كايدوه في قتالهم ، فراسل أفتكين يسأله : ماذا يريد ~~بهذا الحصار ، فبعث إليه : لا يزول هذا الحصار إلا بمال تؤديه إلي عن ~~أنفسكم . # فأجابه إلى ذلك ؛ وكان المال قد بقى منه شيء يسير ، فجمع من كان معه من ~~كتامة ، وجمع منهم مالا ؛ وبعث إليه أفتكين يقول : إذا أمنتكم لا بد أن ~~تخرجوا من هذا الحصن من تحت السيف وأمنهم ، وعلق السيف على باب عسقلان ، ~~فخرجوا من تحته . PageV01P241 # وسار جوهر إلى مصر ، فكان مدة قتالهم على الزيتون وقفلتهم إلى عسقلان حتى ~~خرجوا منها نحوا من سبعة عشر شهرا بقية سنة ست إلى أن دنا خروج سنة سبع ~~وستين . # وقدم جوهر على العزيز ، فأخبره بتخاذل كتامة ، فغضب غضبا شديدا ، وعذر ~~جوهر في باطنه ، وأظهر التنكير له ، وعزله عن الوزارة ، وولى يعقوب بن كلس ~~عوضه في المحرم سنة ثمان وستين . # وخرج العزيز فضربت له خيمة ديباج رومى عليها ms153 صفرية فضة ، فخرج إليه أهل ~~البلد كلهم حتى غلقت الأبواب ، وسألوه في التوقف عن السفر ، فقال : إنما ~~أخرج للذب عنكم ، وما أريد ازديادا في مال ولا رجال . # وصرفهم . # ومنع العزيز في هذه السنة وهي سنة سبع وستين النصارى من إظهار ما كانوا ~~يفعلونه في الغطاس : من الاجتماع ، ونزول الماء ، وإظهار الملاهي ، وحذر من ~~ذلك . # وسار العزيز ، وعلى مقدمته حسان بن علي بن مفرج بن دغفل بن الجراح الطائي ~~، فتنحى أفتكين عن الرملة ، ونزل طبرية . واتفق أن عضد الدولة أبا شجاع ~~فناخسرو بن ركن الدين أبي يحيى الحسن بن بويه أخذ بغداد من ابن عمه بختيار ~~بن أحمد بن بويه ، فسار بختيار إلى الموصل ، واتفق مع أبي تغلب الغضنفر بن ~~ناصر الدولة ابن حمدان على قتال فناخسرو ، فسار إليهم فناخسرو وأوقع بهم ، ~~فانهزموا ، وأسر بختيار وقتله ، وفر حينئذ من أولاد بختيار إعزاز الدولة ~~المرزبان ، وأبو كاليجار وعماه : عمدة الدولة أبو إسحاق ، وأبو طاهر محمد ، ~~ابنا معز الدولة أحمد بن بويه ، وساروا PageV01P242 إلى دمشق في عسكر ، ~~فأكرمهم خليفة أفتكين ، وأنفق فيهم ، وحملهم وصيرهم إلى أفتكين بطبرية ، ~~فقوى بهم ، وصار في اثنى عشر ألفا ، فسار بهم إلى الرملة ، ووافى بها طليعة ~~العزيز ، فحمل عليها أفتكين مرارا ، وقتل منها نحو مائة رجل ، فأقبل عسكر ~~العزيز زهاء سبعين ألفا ، فلم يكن غير ساعة حتى أحيط بعسكر أفتكين ، وأخذوا ~~رجاله ، فصاح الديلم الذين كانوا معه : زنهار ، زنهار ، يريدون : الأمان ، ~~الأمان . # واستأمن إليه أبو إسحق إبراهيم بن معز الدولة ، وابن أخيه إعزاز الدولة ، ~~والمرزبان بن بختيار ؛ وقتل أبو طاهر محمد بن معز الدولة ، وأخذ أكثرهم ~~أسرى ، ولم يكن فيهم كبير قتلى ، وأخذ هفتكين نحو القدس ، فأخذ وجيء به إلى ~~حسان بن علي بن مفرج ابن دغفل بن الجراح ، فشد عمامته في عنقه ، وساقه إلى ~~العزيز ، فشهر في العسكر ، وأسنيت الجائزة لابن الجراح . PageV01P243 # | وكانت هذه الوقعةلسبع بقين من المحرم سنة ثمان وستين # . # فورد كتاب العزيز إلى مصر بنصرته على أفتكين ، وقتل عدة من أصحابه وأسره ~~، فقرىء على أهل ms154 مصر فاستبشروا وفرحوا . # وكتب أبو إسماعيل الرسي إلى العزيز يقول : يا مولانا : لقد استحق هذا ~~الكافر كل عذاب ، والعجب من الإحسان إليه . # فلم يرد عليه جوابا . # وسار العزيز ومعه أفتكين مكرما من الرملة ، وبقية الأسرى إلى مصر . # قال المسبحي : فخرج الناس إلى لقائه وفيهم أبو إسماعيل الرسي ، فلما رآه ~~العزيز قال : يا إبراهيم : قرأت كتابك في أمر أفتكين ، وفيما ذكرته ، وأنا ~~أخبرك : اعلم أنا وعدناه الإحسان والولاية فما قبل ، وجاء إلينا فنصب ~~فازاته وخيامه حذاءنا ، وأردنا منه الانصراف فلج وقاتل ، فلما ولى منهزما ~~وسرت إلى فازاته ودخلتها سجدت لله الكريم شكرا ، وسألته أن يفتح لي بالظفر ~~به ، فجيء به بعد ساعة أسيرا ؛ ترى يليق بي غير الوفاء ؟ ! . # فقبل أبو إسماعيل رجله . # ودخل العزيز إلى القاهرة ومعه أفتكين والأسرى ، وعليه تاج مرصع بالجوهر ، ~~فأنزل أفتكين في دار ، وأوصله بالعطاء والخلع حتى قال : لقد احتشمت من ~~ركوبي مع مولانا العزيز بالله ونظري إليه مما غمرني من فضله وإحسانه ، فلما ~~بلغ العزيز ذلك ، قال لعمه حيدرة : PageV01P244 يا عم : أحب أن أرى النعم ~~عند الناس ظاهرة ، وأرى عليهم الذهب والفضة والجوهرة ولهم الخيل واللباس ~~والضياع والعقار ، وأن يكون ذلك كله من عندي . # وبلغ العزيز أن الناس من العامة يقولون : ما هذا التركي ؟ فأمر به فشهر ~~في أجمل حال ، فلما رجع من تطوافه وهب له مالا جزيلا ، وخلع عليه ، وأمر ~~الأولياء بأن يدعوه إلى دورهم ، فما منهم إلا من أضافه ، وقاد إليه ، وقاد ~~: يديه دوابا . # ثم سأله العزيز بعد ذلك : كيف رأيت دعوات أصحابنا فقال : يا مولاي : حسنة ~~في الغاية ، وما فيهم إلا من أنعم وأكرم . # وكان الذي أنفق العزيز على هفتكين حتى أسره ألف ألف دينار وقال العزيز ~~عند خروجه إلى حربه لحسين الرابض : كم عدد ما تحت يدك من الدواب ؟ فقال : ~~عشرة آلاف رأس . # فقال العزيز : لقد أوجلتني يا حسين . # وفيها نافق حمزة بن نعله الكتامي متولى أسوان ، فخرج إليه جعفر بن محمد ~~PageV01P245 ابن أبي الحسين الصقلي ، وأخذه وأتى به وبأمواله ، فأنعم بها ms155 ~~العزيز على هفتكين ، ودفعه إليه فقتله شر قتلة . # وفيها قدم حسان بن علي بن مفرج بن دغفل بن الجراح الطائي على العزيز ، ~~فخلع عليه ، وحمل على خمسة أرؤس من الخيل ، وقاد إليه بين يديه خمسة أحمال ~~مال ، وأنزله دارا . # وفيها جهز الفضل بن صالح على جيش إلى الشام ، وقلد الشام كله ، ولقب ~~بالقائد ، وخلع عليه ثوب مذهب ، ومنديل مذهب ، وقلد بسيف محلى بذهب ، وحمل ~~على فرس ، وبين يديه أربعة أفراس بمراكبها ، ومائة ألف درهم ، وخمسون قطعة ~~من الثياب الملونة ؛ فركب بالطبول والبنود ، وسار . وخرجت قافلة الحاج في ~~ذي القعدة ، وفيها صلات الأشراف ، والقمح والشعير والدقيق والزيت ، وسائر ~~الحبوب والزيت ، ومحراب من ذهب للكعبة . # وفيها كان بمصر وباء عظيم ، مات في خلائق ، فحكى بعض من سمع نواب السلطان ~~يقول : الذي قبر من الديوان سبعة آلاف وسبعمائة وستون ، سوى من لم يعلم ~~بموته ، أما من دفن بلا كفن فكثير . PageV01P246 # وكان الماء في المقياس خمسة أذرع وثلاثا وعشرين إصبعا ، وبلغ خمسة عشر ~~ذراعا وتسعة عشر إصبعا . # وأما بلاد المغرب فإن الأمير أبا الفتوح يوسف بن زيرى كتب إلى العزيز في ~~سنة سبع وستين يسأله في طرابلس وسرت وأجدابيه ، وكان عليها عبد الله بن خلف ~~، فأنعم له بها ، فرحل عنها عبد الله ، وتسلمها أبو الفتوح . # وفي سنة ثمان كتب أبو طالب أحمد بن أبي القاسم محمد بن أبي المنهال قاضي ~~المنصورية إلى العزيز يسأله في القدوم ، فأجابه إلى ذلك ، فسار بأهله ~~وأولاده في آخر شوال ، وقدم القاهرة ، فأجرى له العزيز في كل سنة ألف دينار ~~. # وكتب أبو الفتوح إلى العزيز يشاوره من يولى القضاء ؟ فكتب إليه : قد رددت ~~هذا الأمر إليك ، فول من شئت . # فاختار محمد بن إسحاق الكوفي ، وولاه آخر ذي الحجة سنة ثمان وستين ، وكتب ~~إلى العزيز يخبره بذلك ، فأجاز فعله ، وبعث إليه سجلا بالقضاء . # وفي يوم الاثنين لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة خمس وستين سير الأمير أبو ~~الفتوح الهدية من رقادة ، ومعها المال مع محمد بن صالح صاحب بيت المال ms156 ، ~~وعيسى بن خلف المرصدي ، وقائد المهدية زروال بن نصر ، فقدموا إلى القاهرة ~~والعزيز آخذ في حركة السير لحرب هفتكين ، فأمر برد المال الذي أحضره الأمير ~~زيرى مع الهدية ، وذلك أن عبد الله بن محمد الكاتب لما وصل إليه السجل من ~~العزيز بموت أبيه المعز وقيامه بعده في الخلافة ، قرأه على الناس ~~بالمنصورية من القيروان ، وفرق ما بعثه العزيز من الدنانير والدراهم التي ~~ضربت باسمه على رجال الدولة ، ثم بسط رداءه ، وألقى فيه دنانير ، وقال : ~~PageV01P247 ليلق كل واحد فيه ما يستطيع من التقرب . # ثم جمع أهل القيروان وصادرهم ، فأخذ من عشرة آلاف دينار إلى دينار واحد ، ~~حتى عم أكثر أهل البلد وسائر أعمال إفريقية ، فجبى زيادة على أربعمائة ألف ~~دينار عينا . # فلما بلغ ذلك العزيز كتب برد المال لأربابه ، فرأى عبد الله بن محمد برد ~~المال نقضا عليه وحمله إلى العزيز مع الهدية ، وجعل مال الهدية خاصة في صرر ~~، وكتب على كل صرة اسم صاحبها ، فرد العزيز صررا نفسية إلى أصحابها ، وهم ~~يومئذ بمصر ، وأمر برد باقي المال إلى المغرب ليفرق على أربابه ، فقال له ~~الوزير يعقوب بن كلس : هذه أموال عظيمة ، ونحن محتاجون إليها للنفقة على ~~هذه العساكر ، وإن رجعت أمرت يردها إليهم من بيت المال . # فقبل منه ، وأنفقها على العسكر . PageV01P248 # | ثم دخلت سنة تسع وستين وثلاثمائة # في أول . . . . . . . . . # وفيها استحضر أخويه وعميه وجماعة من أهله ، ورسم لهم الأكل معه على ~~مائدته . # وفيها أرسل فلح أمير برقة للعزيز هدية ، فيها مائتا فرس مجللة ، ومائة ~~بغل مجللة ، ومائة وخمسون بغلا بأكف ، وخمسمائة جمل ، ومائة نجيب ، ومائة ~~صندوق فيها المال . # وفيها سار ناصر الدول أبو تغلب من طبرية إلى الرملة في المحرم وبها الفضل ~~بن صالح ، وقد انضم إليه دغفل بن مفرج بن الجراح ، فقاتلا أبا تغلب قتالا ~~كثيرا حتى لم يبق معه إلا نحو سبعمائة من غلمانه وغلمان أبيه ، فولى منهزما ~~، وأتبعوه ، فأخذ وقتل ، وبعث الفضل ابن صالح برأس أبي تغلب بن ناصر الدولة ~~بن حمدان ، وعدة أسارى ، فأمر العزيز بإطلاق ms157 الأسرى ، وقدم هديته وهي : ~~أحمال محزومة ، ومائتا فرس ، وخمسون بختيا ، ومائة بغل ، ومائة ناقة ، فخلع ~~عليه ، وأركب على فرس ، وقيد بين يديه خمسة أفراس ، ومائة قطعة من الثياب ، ~~وعشرون ألف دينار . وكان من خبر الفضل بن صالح أن العزيز لما سار من الرملة ~~بأفتكين إلى مصر جعل بلد فلسطين لمفرج بن دغفل بن الجراح الطائي ، فأنفذ ~~إلى دمشق واليا من المغرب ، يقال له حميدان بن جواس العقيلي في نحو مائتي ~~رجل ، وقد غلب عليها قسام التراب السقاط عندما وردت عليه كتب العزيز عند ~~مسيره إلى محاربة أفتكين . . . . . . من ورائه فأظهر PageV01P249 سام الكتب ~~وقرأها في الجامع ، ووعد الرعية بالإحسان ، وبترك الخراج لهم إن منعوا ~~أفتكين من دخول البلد فقصدت يد الرياشي نائب أفتكين عنه ، لقوة قسام ، ~~وكثرة أصحابه ، ودالتهم بأنهم قاتلوا جوهرا القائد ومنعوه من البلد ، فأخذ ~~الخفارة من القرى وأنفق سوق الرياشي ، فتمكن وأمن ، وكثر الطامع في البلد ، ~~فولى أفتكين رجلا يقال له تكين من الأتراك ، فلم تنبسط يده لكثرة من غلب ~~على دمشق من أهل الشر ، فلما نزل أخوا بختيار دمشق قوى تكين ، وأراد أن ~~يقهر قساما ، فأوقع بطائفة من أصحابه بالغوطة ، ثم اصطلحا . # وكان من مجيء القرامطة ما ذكر ، فنزلوا على دمشق ، فمنعهم قسام من البلد ~~، وعمل على قتالهم ، فصار له بذلك يد عند العزيز ، فلما رحلوا إلى بلادهم ، ~~وتمكن ابن الجراح من فلسطين إلى طبرية ، استولت فزارة ومرة على حوران ~~والبثنية وخربتها حتى بطل الزرع منها ، وجلا أهلها ، فهلكوا من الضر ، وصار ~~كثير منهم إلى حمص وحماة وشيزر وأعمال حلب ، فعمرت بهم البلاد . # ثم إن قساما وقع بينه وبين حميدان العقيلي ، فثار به ونهبه ، ففر منه ، ~~وقوى قسام ، وكثرت رجاله ، وزاد ماله ، فولى دمشق بعد حميدان أبو محمود في ~~نفر يسير ، فكان تحت يد قسام ، لا أمر له ولا نهى . # واتفق في هذه السنة أن ولي دمشق ظالم بن موهوب العقيلي ، والقرمطي ، ~~ووشاح ، وحميدان ، وأبو محمود . # وكانت واقعة فناخسرو مع بختيار بالعراق ، فكان ممن انهزم أبو تغلب ms158 فضل ~~الله بن ناصر الدولة ابن حمدان ، فسارت خلفه عساكر فناخسرو ، وكتب فيه إلى ~~الأكراد والروم أن لا يجيره أحد ، ففر أبو تغلب إلى آمد ، وسار منها إلى ~~الرحبة ، وكتب إلى العزيز أن يقيم في عمله ، وسار في البر إلى حوران ، فنزل ~~على دمشق ، وكتب العزيز إلى قسام يمنعه من البلد ، فمنعه ، ثم أذن أن يتسوق ~~أصحابه من المدينة . # وطمع أبو تغلب في ولاية دمشق من قبل العزيز ، فخافه قسام ، وأشير على ~~العزيز في مصر PageV01P250 أن لا يمكن ابن حمدان من دمشق ، فإنه إن مكن عظم ~~شره ، فكوتب بكل ما يحب ، وكتب إلى قسام بأن لا يمكنه . # هذا وأبو تغلب بن حمدان نازل بظاهر المزة ، فأقام شهورا ، وثقل على قسام ~~مقامه ، وخاف أن يلي البلد ، فأكمن لأصحابه في البلد ، وأخذ منهم سبعين ، ~~وقتل جماعة ، وسلب الباقي ؛ فلحقوا بأبي تغلب ، فلم يطق فعل شيء ، وكتب إلى ~~العزيز ، وكتب قسام أيضا : بأن أبا تغلب قد حاصر البلد ، ومد يده إلى ~~الغوطة ، وقتل رجالي ، ونحن على الحرب معه ، فخرج الفضل بن صالح كما تقدم ~~ونزل الرملة ، وبعث إلى ابن الجراح من مصر بسجل فيه ولايته على الرملة . # وكان أبو تغلب قد سار عن دمشق ، وسار الفضل ، فنزل طبرية ، واجتمع به أبو ~~تغلب بمكاتبة ، وقرر معه أن يكون على الرملة ، وقدم الفضل دمشق . # فجبى الخراج ، وزاد في العطاء ، واستكثر من الرجال ، وخرج عنها ، فأخذ ~~طريق الساحل . # وكان أبو تغلب قد استولى على أهراء كانت بحوران والبثنية ، فاجتمعت إليه ~~العرب من بني عقيل ، فيهم شبل بن معروف العقيلي ، فسار بهم إلى الرملة فخرج ~~منها ابن الجراح ، وأخذ في جمع العرب ، وهو واثق بأن الفضل معه على أبي ~~تغلب ، وفي ذهن أبي تغلب أن الفضل معه على ابن الجراح ، ونزل الفضل عسقلان ~~، فواقع ابن الجراح بجموعه أبا تغلب ، وأدركه الفضل ، فاجتمع العسكران ، ~~وفر من كان مع أبي تغلب ، فلحقوا بالفضل ، ووقع القتال ، فانهزم أبو تغلب ، ~~وأدركه القوم ، فأخذ وحمل إلى ابن الجراح ، فأركبه جملا ، وشهر بالرملة ms159 ، ~~ونزع جميع ما عليه حتى بقي بثوب رقيق ، وحبسه ، فطلب شيئا يتوسد عليه ، ~~فقال ابن الجراح : PageV01P251 اجعلوا تحته شوكا يتوسده . # فحمل إليه ، وقالوا له : توسد بهذا . # فأغلظ في القول ، وشتم ابن الجراح ، فبلغه ذلك ، فغضب ، وأمر بقتله ، ~~فقتل ، وأحرق ليومين بقيا من صفر سنة تسع وستين ، وبعث برأسه إلى العزيز مع ~~الفضل ، وخلة الديار لابن الجراح ، فأتت طي عليها فتعطلت الزروع من القرى . ~~وكان فناخسرو البويهي قد عزم على إرسال العساكر إلى مصر ، فخالف عليه أخ له ~~، واستنجد بصاحب خراسان ، فأمده بعساكر عظيمة ، فسير إليه فناخسرو العساكر ~~من بغداد ، فشغل بذلك عن مصر . # وفيها ولد للوزير يعقوب بن كلس ولد ذكر فأرسل إليه العزيز مهدا من صندل ~~مرصعا وثلاثمائة ثوب ، وعشرة آلاف دينار عزيزية ، وخمسة عشر فرسا بسروجها ~~ولجمها ، منها اثنان ذهب ، وطيب كثير ، فكان مقدار ذلك مائة ألف دينار . # وعقد العزيز على امرأة فأصدقها مائتي ألف دينار ، وأعطى الذي كتب الكتاب ~~ألف دينار ، وخلع على القاضي والشهود ، وحملهم على البغال ، فطافوا البلد ~~بالطبول والبوقات . # وبعث متولى برقة هدية ، وهي : أربعون فرسا بتجافيف ، وأربعون بغلا ~~بسروجها ولجمها ، وستة عشر حملا من المال ، ومائة بغلة ، وأربعمائة جمل . # وجهز الحاج وكسوة الكعبة ، وصلات الأشراف ، والطيب والشمع والزيت فبلغ ~~مصروف ذلك مائة ألف دينار PageV01P252 وكثر حلف الناس برأس أمير المؤمنين ، ~~فنودي : برئت الذمة من أحد قال هذا ، وحلت به العقوبة ، فلا يحلفن إلا ~~بالله وحده . # فانتهى الناس . # وفيها قدم كتاب ومغنين ابنا زيرى بن مناد إلى القاهرة فارين من سجن ~~أخيهما الأمير أبي الفتوح يوسف بن زيرى ، فأكرمهما العزيز ، وخلع عليهما ، ~~ووصلهما . # وفيها أخرج العزيز باديس بن زيرى من القاهرة في خيل كثيرة إلى مكة مع ~~الحاج ، فلما وصل إلى مكة أنا الطرارون فقالوا : نتقبل هذا الموسم بخمسين ~~ألف درهم . # فقال لهم : اجمعوا أصحابكم حتى أعقد هذا على جميعهم . # فلما اجتمعوا أمر بقطع أيديهم ، وكانوا نيفا وثلاثين رجلا ، فقطعوا ~~أجمعين . # وأما الشام فإن العزيز بعث سلمان بن جعفر بن فلاح في أربعة آلاف ms160 ، فنزل ~~الرملة وبها ابن الجراح فتباعد ، وقد استوحش كل منهما من صاحبه ، فأقام ~~أياما ، ورحل إلى دمشق ، فوجد قساما قد غلب عليها ، فنزل بظاهر البلد ، وقد ~~ثقل على قسام ، وأراد سلمان يأمر وينهي في البلد فلم يقدر على ذلك ، وطال ~~مقامه في غير شيء ، وقل المال عنده ، وأراد إقامة الحرمة فأمر قساما ألا ~~يحمل أحد السلاح ، فأبوا عليه ، وبعث إلى الغوطة ينهاهم عن حمل السلاح : ~~وأن لا يعارضوا السلطان في بلده ، ومن وجدناه بعد هذا يحمل السلاح ويأخذ ~~الخفارة ضربنا عنقه . # فقال لهم قسام : لا نفكر فيه ، كونوا على ما أنتم عليه ، وطاف العسكر ~~الغوطة ، فوجدوا قوما يحملون السلاح ، ويأخذون الخفارة ، فقطعوا رءوسهم ، ~~فثار قسام ومن معه إلى PageV01P253 الجامع ، وثار الغوغاء ، وأخرج إلى ~~سلمان قوما فقاتلوه ، وأقام بالجامع ومعه شيوخ البلد ، وكتب محضرا أشهد فيه ~~على نفسه أنه متى جاء عسكرا من قبل فناخسرو ، وأغلق البلد وقاتلهم ، وكتب ~~بما جرى ، وسير ذلك إلى العزيز ، فبعث إلى سلمان أن يرحل عن دمشق ، فرحل ~~بعد ما أقام شهورا . # وقدم أبو محمود من طبرية بعد مسير ابن فلاح في نفر ، وخرج الفضل بن صالح ~~من عند العزيز ليحتال على ابن الجراح وعلى قسام ، وأظهر أنه يريد حمص وحلب ~~، ليأخذ تلك البلاد ، فنزل على دمشق ، وفطن ابن الجراح لما يريده ، فأخذ ~~حذره ، وسار عن الفضل ، فرحل في طلبه ، ومعه شبل بن معروف ، فكانت بينه ~~وبين ابن الجراح وقعة في صفر سنة سبعين ، فأوقع ببني سنبس ، فقتل شبل بن ~~معروف ، طعنه بعض بني سنبس ، فمات . # وبعث ابن الجراح إلى العزيز يتلطف به ، ويسأله العفو ، فأرسل إلى الفضل ~~يأمره بالكف عن ابن الجراح ، وأن لا يعرض له ، فوافاه ذلك وهو يجهز العساكر ~~خلف ابن الجراح ، فكف عن قتاله ، وعاد إلى مصر . # ورجع ابن الجراح إلى بلاد فلسطين على ما كان ، فأهلك العمل حتى كان ~~الإنسان يدخل الرملة لطلب شيء يأكله فلا يجده وهلك الفلاحون وغيرهم من الضر ~~، ومات أكثرهم . # هذا ودمشق تمتار من حمص ، وكان عليها ms161 بكجور من قبل أبي المعالي شريف بن ~~سيف الدولة ابن حمدان ، وقد عمر حمص بعد خرابها من الروم لما دخلوها في سنة ~~ثمان وخمسين وثلاثمائة . # واتفق خراب دمشق كما تقدم ، فرحل أهل القوافل من حمص إلى دمشق ، ودمشق قد ~~طمع في عملها العرب حتى كانت مواشيهم تدخل الغوطة ، وأبو محمود إبراهيم بن ~~PageV01P254 جعفر واليا عليها تحت مذلة قسام ، فهلك في صفر سنة سبعين ، ~~فكاتب بكجور العزيز ، فوعده بولاية دمشق ، فورد الخبر بموت فناخسرو ، فأمن ~~العزيز مما كان يخاف ، وجهز عسكرا عليه رشيق المصطنع . وكان بشارة الخادم ~~الإخشيدي قد فسد أمره مع أبي المعالي بحلب ، ففر منه في مائة رجل إلى مصر ، ~~فأكرمه العزيز ، وولاه طبرية ، فاستمال رجالا من أهل حلب ، وضبط البلد ~~وعمره فقوى أمره ، وابن الجراح بفلسطين يخرب ويأخذ الأموال . # وقدم أيضا على العزيز رخا الصقلي في ثلاثمائة غلام من الحمدانية ، فولاه ~~عكا ، وقدم رخا في عدة منهم ، فولاه أيضا قيسارية . PageV01P255 # | فلما كان سنة اثنتين وسبعين # خرج عسكر من مصر إلى الشام عليه بلتكين التركي أحد أصحاب أفتكين ليكون ~~على دمشق بدل رشيق ، وكوتب بشارة بمعاونة العسكر على حرب ابن الجراح ، ونزل ~~العسكر الرملة ، وسار بشارة من طبرية ، واجتمعت العرب من قيس إليهم ، فكانت ~~الحرب بينهم وبين ابن الجراح ، فانهزم ، وقتل كثير من أصحابه ؛ وصار إلى ~~أنطاكية مستجيرا بصاحبها . # وكان الروم قد خرجوا من القسطنطينية في عسكر عظيم يريدون أرض الشام ، ~~فخاف ابن الجراح ، فكاتب بكجور ، وسار بلتكين فنزل على دمشق في ذي الحجة ، ~~فجمع قسام الرجال من الغوطة وغيرها ، ورم شعث السور وضبط الأبواب بالرجال ، ~~ونصب . . . . # وكان مع قسام في البلد منشا اليهودي على عطاء العسكر وتدبيره ، وجيش بن ~~الصمصامة شبه وال في طائفة من المغاربة ، قد ولى بعد خاله أبي محمود ، فخرج ~~إلى بلتكين بمن معه ، وقد صار معه أيضا بشارة بعسكره ، فبعث إلى قسام أن ~~يسلم البلد ، ويكون آمنا هو ومن معه ، فأبى . PageV01P256 # | فلما كان التاسع عشر من المحرم سنة ثلاث وسبعين # . # ابتدأ القتال مع قسام ms162 ، ووقع النفير في البلد ، فلم يخرج مع قسام إلا ~~حزبه من العيارين ، وقوم من أهل القرى كانوا يأخذون الخفارة ، ويطلبون ~~الباطل ، وقد كره جمهور الناس قساما وأصحابه ، فلما تقاصر عنه أهل البلد ~~انكسر قلبه ، وأصحابه ثابتون على القتال ، وقتلوا جماعة من الجند ، وكثر ~~فيهم الجراح من نشاب أصحاب بلتكين ، وتبين الانكسار على قسام لتقصير الرعية ~~عن معاونته ومقتهم إياه ، وقوة أمر السلطان ، وكان قد كثر عليه الصلب من ~~أصحابه للمال وقت الحرب ، فأمسك عنهم ، وشح بماله ، فقالوا : على أي شيء ~~نقتل أنفسنا ؟ فتفرقوا عنه إلا وجوه أصحابه وخاصته . # واستمر القتال أياما ، فاجتمع الخلق إلى قسام في أن يخرج إلى بلتكين ~~ويصلحوا الأمر معه ، فلان وذل بعد تجبره ، وقال : افعلوا ما شئتم . # وكان العسكر قد قارب أن يأخذ البلد فخرجوا إلى بلتكين وكلموه في ذلك ، ~~فأمر بكف العسكر عن القتال ، وأمر قساما وأصحابه فعاد القوم إليه وأخبروه ~~وهو ساكت حائر قد تبين الذل في وجهه ، واجتمع أكثر الناس ، فصاح من كان قد ~~احترقت داره وهم كثير بقسام : انتقم الله ممن أذلنا وأحرق دورنا ، وشتتنا ، ~~وتركنا مطرحين على الطرق . # فعجب قلبه من سماع صياحهم ، وقال : أسلم البلد . # فولى بلتكين حاجبا يقال له خطلخ ، فدخل المدينة في خيل ورجل ، فلم يعرض ~~لقسام ولا لمن معه ، فتفرق عن قسام أصحابه ، فمنهم من استأمن ، ومنهم من ~~هرب ، ومنهم من أخذ ، واختفى قسام بعد يومين ، فأصبح القوم أول صفر وقد ~~علموا باختفائه ، فأحاطوا PageV01P257 بداره ، وأخذوا ما فيها ، ونزلوها ~~وما حولها من دور أصحابه ، وبعثوا الخيل في طلبه فلم يوقف له على خبر ، ~~ونودي في البلد . # من دل على قسام فله خمسون ألف درهم ، ومن دل على أولاده فله عشرون ألف ~~درهم . # وكان له من الأولاد : أحمد ، ومحمد ، وبنت . # فظفروا بامرأته وابن لها معها ، فحبسا . # فلما مضى لقسام جمعة وهو مختف قلق وجاء في الليل إلى منشا بن الغرار ~~اليهودي ، فأوصله إلى بلتكين ، فقيده وحمله إلى مصر ، فعفا عنه العزيز . # وكان قسام من بطن من العرب يقال ms163 لهم الحارثيون ، من قرى الشام ، فنشأ ~~بدمشق وكان يعمل على الدواب في التراب ، ثم إنه صحب رجلا يقال له ابن ~~الجسطار ، ممن يطلب الباطل ويحمل السلاح ، فصار من حزبه ، وترقى إلى ما ~~تقدم ذكره . # وكتب بكجور إلى العزيز يسأله في إرسال جيش ليأخذ به حلب ، فأنفذ إليه ~~عسكرا من دمشق ، وجمع بني كلاب فسار بهم إلى حلب وحاصرها ، فقدم دمشق الروم ~~إلى أنطاكية ، وقصد أن يكبس بكجور ، فكتب إليه ابن الجراح يحذره ، فارتحل ~~عن حلب ، فسار عسكر الروم خلفه ، ونزلت حمص ، وبعث بأمواله إلى بعلبك ، ~~وارتحل إلى جوسية . PageV01P258 ودخل ملك الروم إلى حمص فلم يعرض لأحد ، ~~ورحل يريد طرابلس ، وسير يريد مالا من حمص ، فامتنع أهلها ، فرجع ونهب ، ~~وسبا ، وأحرق الجامع وغيره ، فاحترق كثير من الناس ، وذلك في تاسع عشر ~~جمادى الأولى ، وهي دخلة الروم الثانية حمص . # ويقال أن أبا المعالي بن حمدان لخوفه من بكجور سير إلى برديس ملك الروم ~~أن يخرب حمص ، وفارق أصحاب بلتكين بكجور ، وصاروا إلى دمشق ، فبعث بكجور ~~إلى العزيز يسأله ولاية دمشق ، فورد جوابه : إنا قد وليناك ، فبعث إلى ~~بعلبك واليا ، وإلى بعلبك غلامه وصيف ، فأبى عليه بلتكين ، لكتاب ورد عليه ~~من الوزير يعقوب بن كلس ، فتحير بكجور ، وما زال بشارة والي طبرية يتوسط ~~لبكجور في ولاية دمشق حتى أمسك عنه الوزير ، فسار إلى القابون ، ثم تسلم ~~البلد بعد أمور . # ورحل بلتكين أول رجب وفي نفسه حقد على الوزير يعقوب بن كلس لمعارضته له ~~في ولاية دمشق ، فعمل على كاتبه ابن أبي اليهودي حتى قتله بعض الأحداث ~~الذين كانوا مع قسام في غيبته عن دمشق ببلاد حوران ، فعظم ذلك على الوزير ، ~~وأخذ بكجور في ظلم الناس ، وجمع الأموال ، ومخالفة ما يأمر به من مصر ، ~~وبعث غلامه وصيف فأخذ الرقة في سنة ست وسبعين ، فعصى عليه بها . # وأخذ الوزير في قتل بكجور فبعث إلى دمشق فهموا به ، فلم يتم لهم ، وظفر ~~بهم بكجور ، وقبض على من أراد ذلك ، وقتلهم في شهر رمضان سنة سبع وسبعين ms164 ، ~~فازداد حنق الوزير ، وعلم بكجور بما دبره الوزير ، فأخذ يعارضه في ضياعه ، ~~ويهين عماله ، وتحزق بابن أبي العود الصغير ، وكان قد ولى بعد قتل أخيه . # واشتد جور بكجور وكثر قتله وصلبه للناس والبناء عليهم ، وكثرت مخالفته ~~لما يرد عليه من العزيز ، فخرج إليه منير الخادم من مصر في سنة ثمان وسبعين ~~بعسكر كبير ، وكتب إلى أهل الأعمال بالمسير معه إلى دمشق لحرب ابن الجراح ، ~~فنزل الرملة وقد اختلف بكجور مع بشارة والي طبرية ، وأنزل ابن الجراح ~~السواد وأطمعه في ضياع الوزير ، وجعله ضد البشارة ، وكاشف بالعصيان ~~PageV01P259 فجمع منير العرب من قيس وعقيل وفزارة ، وسار إلى عمان ، فسار ~~إليه منير ، وصاروا جميعا إلى عمل دمشق ، فجمع بكجور بني كلاب ، وبعث منير ~~سرية إلى ابن الجراح وهو في طرف عمل دمشق ، فأوقعوا بقومه ، وغنموهم ، ~~فانهزم . # وكتب منير إلى بكجور : إنا لم نجيء لقتالك ، وإنما جئنا لنخرج ابن الجراح ~~من العمل ، لأنه أفسد وعصى ، فتكون معينا لنا في هذا الأمر ، لنسير إلى حلب ~~وأنطاكية . # فعلم أن هذا خداع ، وقد اشتد خوفه وقلقه من أهل البلد لكثرة إساءته لهم ، ~~وجوره وتعديه لئلا يثوروا به ، فجمع عسكره وبعثهم إلى قتال منير ، وأقام ~~بالبلد ، فكانت بينهم وقعة انهزموا فيها ، فخاف وبعث إلى منير : أني أسلم ~~البلد وأرحل عنه ، فأجيب إلى ذلك . # ورحل للنصف من رجب ومعه ابن الجراح يريد الرقة ، وتسلم منير دمشق ، وسير ~~إلى مصر بذلك ، وبثلاثمائة من أصحاب بكجور استأمنوا ، فبعث العزيز إلى ~~بكجور على لسان الوزير يقول : ما أردنا أن تبرح عن البلد ، وإنما بعثنا إلى ~~ابن الجراح من يخرجه عن العمل لما أفسد فيه ، وما كان لك من الغلات والضياع ~~فهو على رسمه ، أفعل فيه ما أحببت ، فما لنا فيه من حاجة . # فأقام بكجور على ما كان له بدمشق من الضياع والأهراء من يتولى أمرها ، ~~وبقى بالرقة يقيم الدعوة للعزيز ويراسله ، ويراسل كرديا قد غلب على ~~ميافارقين يقال له باد ، ويكاتب أبا المعالي سعد الدولة ، واسمه شريف بن ~~سيف الدولة علي بن ms165 حمدان بحلب أن يرده إلى حمص ، فولاه حمص ، فبعث من ~~يتسلمها ، فقلق لذلك الوزير يعقوب بن كلس ، فبعث إلى ناصح الطباخ وهو بعمان ~~أن يسير إلى حمص ويأخذ من بها من أصحاب بكجور ، فأسرى إليها وقد حذروا منه ~~، وخرجوا قادمين بأموالهم ، فأخذهم وسار إلى دمشق ، فبعث بكجور إلى صاحب ~~بغداد فلم ير منه ما يحب ، ووقع بينه وبين أبي المعالي . PageV01P260 # | سنة سبعين وثلاثمائة # فيها تمكنت حال يعقوب بن كلس مع العزيز ، فأذل كتامة وقهرهم ، وقدم ~~الأتراك ، عزل القائد جوهر عن الوزارة ، وكان العزيز يستشيره في الباطن . # | سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة # فيها تقدم العزيز إلى بعض من فيه جرأة وشهامة بالتوجه إلى بغداد ، ليسرق ~~السبع الفضة الذي على صدر زبزب عضد الدولة فسار إلى بغداد وسرقه ، فعجب ~~الناس من ذلك . PageV01P261 # | سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة # في يوم الاثنين لثلاث خلت من شوال قبض العزيز بالله على الوزير يعقوب بن ~~كلس وعلى الفضل بن صالح وأخوته ، وحمل ما في دورهم إلى القصر ، فكان ما حمل ~~من دار الوزير يعقوب مائة ألف دينار ، واعتقل كل واحد بمفرده ، فارتجت ~~المدينة ، ونهبت الأسواق ، وكانت الدواوين تجلس في دار الوزير ، فنقلوا إلى ~~القصر . # وعملت أوراق ما كان للوزير من أنواع البر فبلغت ألف دينار كل شهر ، فأمر ~~العزيز باجرائها على أربابها ، ثم أفرج عنهم بعد شهرين ، وأعيد موجودهم ، ~~وأعيد الوزير إلى وزارته ، ورد إليه المائة ألف دينار التي أخذت له ، وأعيد ~~اسمه إلى الطراز بعد ما محى . # وفيها كان غلاء عظيم عم بلاد الشام والعراق . # وفيها مات هفتكين ، فاتهم الوزير يعقوب بأنه سمه ، فقبض عليه . # ومات القاضي محمد بن الحسن بن أبي الربس . # ومات أبو العباس بن سبك من الإخشيدية . PageV01P262 # وأما المغرب فإن العزيز بالله بعث في سنة ست وسبعين أبا الفهم حسن الداعي ~~الخراساني إلى القيروان ، فأكرم إكراما كثيرا ، ثم توجه إلى بلاد كتامة ، ~~فدعاهم ، وعظم عندهم ، حتى ضرب السكة ، وركب في عساكر عظيمة . # ثم بعث العزيز في سنة سبع وسبعين أبا العزم ومحمد بن ميمون ms166 الوزان ، ~~فلقيا الأمير أبا الفتح منصور بن يوسف بن زيرى ، فسبهما وأهانهما لسبب ما ~~فعله أبو الفهم ، ووكل بهما ، ثم خرج وهما معه في طلب أبي الفهم ، حتى أخذه ~~وقتله شر قتلة ، وأخذه العبيد فشرحوا لحمه وأكلوا كله ، وأمر أبا العزم ~~ورفيقه أن يمضيا إلى مصر ، ويخبرا العزيز بما شاهداه ، فقدما عليه وقالا : ~~رأينا شيئا . . . . . . . . . . . . . . . # ومن خط ابن الصيرفي : كان رجل من التجار الغرباء ينزل في قيسارية الإخشيد ~~التي PageV01P263 يسكنها البزازون خلف الجامع العتيق ، فقتل في منزله ، ~~وأخذ ماله ، فأصبح رشيق PageV01P264 غلام ميمون دبة صاحب الشرطة السفلى ~~فاعتقل جماعة من أولاد التجار ومن كان ساكنا حول قيسارية الإخشيد ، فشنع ~~الناس عن رشيق أنه دس على الرجل من قتله وأخذ ماله ، ورفع إلى العزيز ذلك ، ~~وأنه اعتقل أبرياء مستورين ، فوقع على ظهر الرقعة إلى الوزير يعقوب بن يوسف ~~في ذي الحجة سنة سبع وسبعين وثلاثمائة : سلم الله الوزير ، وأبقى نعمته ~~عليه . # هذه رقعة رفعت إلينا بالأمس ، الوزير سلمه الله يطلع عليها ويتدبرها ، ~~والأمر والله فظيع ، يسوء الأولياء ، ويسر الأعداء ، وبالأمس كنا نضحك من ~~فناخسرو ، واليوم ألجمنا بعار منى علينا في بلد نحن ساكنوه ، والأخبار تسير ~~به في البلدان ، وحسبك بقتل الأنفس في مواضع الأمن والطمأنينة في وسط عمارة ~~المسلمين وتؤخذ الأموال ، وقد وكل الأمر إلى رجلين لا يخافان الله عز وجل ~~ولا يتقيانه ، والدنيا فانية ، والاجال متقاربة ، وإن أصبح الناس فما يدري ~~أنه يمسي . . . . الله عز وجل . . . . هذه الجرائم . . . . عليه منها يحرم ~~أجره . . . . في . . . . المتغافل عنه ، فوالله لو جرى مثل هذا في بلد يبعد ~~عنا لوجب الاحتساب لله فيه ، فكيف تحت كنفنا وفي بلدنا ؟ ! فليستقص الوزير ~~سلمه الله عن هذه القصة ، ويوتر الله ويوترنا ، ويغسل هذا العار عن الدولة ~~ولا يغمها به . فوالله الذي لا إله إلا هو ، وحق جدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما كتبت إلى الوزير سلمه الله هذه الرقعة إلا وأنا خائف من نقم ~~الله جل اسمه ، لكثرة تغافلنا وإهمالنا ، إلى أن صارت المعاملة في الدماء ms167 ~~وقتل الأنفس ، فليس على هذا صبر ، ولا بد لك من PageV01P265 الاستقصاء على ~~هذه القصة ، فأوثق الناس إلى أن تنكشف ، فينتقم من فاعلها ، وتبرأ إلى الله ~~تعالى منه . # فليعمل الوزير سلمه الله في ذلك عملا يأجره الله عليها ونشكره ، ولا ~~يتوانى عنه ، فليس ما نغسله عن أنفسنا بانكشاف هذه القصة قليلا عند الله جل ~~وعلا ، وعند عبيده من بعد . # وأنا أقسم على الوزير بحياتي ألا يتوانى عن هذا الأمر ، وليسرع بالفراغ ~~منه ، وخلاص هؤلاء الرجال المساكين من مد يد من يطلب أموالهم وأنفسهم ظلما ~~وعدوانا ، والشرط والولاية قد صارت إرثا ، فلينظر الوزير سلمه الله أن يولى ~~الشرطتين إنسانين يخافان الله عز وجل ويتقيانه ، فلا جمع الله ما لهما ، ~~ولا ما يجيء منهما بتقلد ، فقدم ما أمرناك به في الوجوه ، وأظهره في الناس ~~لتطيب أنفسهم ، وليعلموا أنا لا نغفل عن شيء يبلغنا الله فيه رضى ، ولهم ~~فيه صيانة . # والله حسبي ، وعليه توكلي . # والسلام على الوزير ورحمة الله . قال ابن الصيرفي : فنسخ أهل مصر كافة ~~هذا التوقيع ، وصار الصبيان في المكاتب يعلمونه كما يعلمون الحمد . # وصرف الوزير . . . . . ورشيقا عن الشرطتين . PageV01P266 # | سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة # في سبع عشر ذي الحجة حدث بالقاهرة ومصر رعد شديد ورياح عاصفة ، فاشتدت ~~الظلمة حتى شنعت ، وظهر في السماء عمود نار ، ثم احمرت السماء والأرض حمرة ~~زائدة ، وظهرت الشمس متغيرة إلى يوم الثلاثاء ثاني المحرم سنة تسع وسبعين ، ~~وظهر كوكب له ذؤابة فأقام اثنين وعشرين يوما . # وفيها مات أبو الحسين أحمد أخو طغج في المحرم . # | وفي رجب سنة ثمانين # خرج الناس في لياليه على رسمهم في الليل ، ليالي الجمعة وليالي النصف إلى ~~جامع القاهرة عوضا عن القرافة ، فزيد في الوقيد . # وفي يوم الجمعة عشرة شهر رمضان ركب العزيز إلى جامع القاهرة بالمظلة فخطب ~~وصلى . # وفيه خط أساس الجامع الجديد مما يلي باب الفتوح وبدىء بالبناء فيه ، ~~وتحلق الفقهاء الذين يتحلقون بجامع القاهرة فيه ، وخطب به العزيز وصلى يوم ~~الجمعة النصف منه ، وحمل يانس الصقلي صاحب الشرطة السفلى السماط ، وبنيت ms168 ~~مصاطب ما بين القصر والمصلى ظاهر باب النصر يكون عليها المؤذنون والفقهاء ، ~~حتى يصل التكبير من المصلى إلى القصر ، وتقدم أمر القاضي محمد بن النعمان ~~بإحضار المتفقهة والمؤمنين ، وأمرهم بالجلوس يوم العيد عليها ، وركب العزيز ~~فصلى وخطب . # وفي ذي القعدة ورد من دمشق مال الموسم وهو ستون حملا . # وفي النصف منه سارت قافلة الحاج في البر بالكسوة للكعبة والطيب والصلات ، ~~فجلس العزيز للنظر إليهم ، وكانت قافلة عظيمة . PageV01P267 # وفيها مات الوزير يعقوب بن كلس يوم الخامس من ذي الحجة ، فكفن في خمسين ~~ثوبا ما بين وشى ، ومثقل ، وشرب ديبقي مذهب ، وجفت كافور ، وقارورتين من ~~مسك ، وخمسين منا ماء ورد ، وصلى عليه العزيز ، فكان ما كفن به وحنط به ~~عشرة آلاف دينار . PageV01P268 # وحزن عليه العزيز حزنا شديدا ، ولم يأكل ذلك اليوم على مائدة ، ولا حضر ~~أحد للخدمة وأقام كذلك ثلاثا ، وأقيم العزاء على قبره مدة شهر ، وأوفى ~~العزيز عنه دينه ، وهو ستة عشر ألف دينار . # وكان إقطاعه في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار ، سوى الرباع . # واشتملت تركته على أربعة آلاف ألف دينار ، سوى ما سوى لابنته ، وهو مائتا ~~ألف دينار . # وفي يوم عرفة حمل يانس السماط ، وصلى العزيز ، وخطب يوم النحر ، ونحر ~~النوق بيده ، ومضى إلى القصر ، ونصب له السماط والموائد ، وفرق الضحايا على ~~أهل الدولة . # وطمع بكجور في أخذ حلب ، فسار ، وجمع له أبو المعالي ابن حمدان ، وواقعه ~~أول صفر ، فانهزم بكجور ، فبعث إليه وسيق له ، فضرب عنقه ثاني صفر وصلبه ، ~~وسار فملك الرقة ، وأخذ ما كان فيها ، وملك الرحبة وعاد . # وبلغ العزيز أن منير يكاتب صاحب بغداد ، فجهز عسكرا عليه منجوتكين فيمن ~~اصطنعه من الأتراك ، وأعطاه مالا وسلاحا ، وولاه الشام ، فبرز إلى منية ~~الأصبع في صفر سنة إحدى وثمانين ، وخلع عليه ، وحمل إليه مائة ألف دينار ~~ومائة قطعة من الثياب الملونة ، وعشر قباب بأغشية ، ومناطق مثقلة ، وأهلة ~~وفرش ، وخمسين بندا ، وعشر منجوقات ، وعشرة أفراس ، فأقام بمنية الأصبغ ~~شهرين وسبعة عشر يوما يخرج إليه العزيز في كل غدوة وعشية ، وينفذ إليه ms169 في ~~كل يوم الجوائز والخلع ، ورفع من منية الأصبغ في رابع عشرين جمادى الأولى ، ~~وخلع على ابن الجراح وحمل ، وسار مع منجوتكين فلم يزل بالقصور إلى ثالث ~~شعبان ، فسار وودعه العزيز ، وجد في السير ، وكان ما أنفق عليه العزيز ألف ~~ألف دينار ونيف ، وقدم قبل مسير ابن أبي العود الصغير ، وكان على الخراج ~~بدمشق ، وكاشف بالعصيان ، فسار العسكر إلى الرملة ، ولقيه بشارة والي طبرية ~~، وكتب إلى والي طرابلس نزال ، وجمع منير رجاله ، PageV01P269 واعتد للحرب ~~، وسار إليه ، فالتقى مع منير بمرج عذرا ، وكانت الحرب ، فانهزم منير في ~~تاسع عشر رمضان ، وأخذ فحمل إلى منجوتكين ، فشهره على جمل ومعه قرد يصفعه ~~في مائة من أصحابه ، وقائل ينادي : هذا منير لعنه الله ، أصبحت دياره خالية ~~، وكلابه عاوية ، ونساؤه صائحة ، طاعنته الرماة ، ونازلته الحماة ، هذا ~~جزاء من نافق على الله عز وجل ، وعلى مولانا العزيز بالله . # وأقام منجوتكين في دمشق ومعه ثلاثة عشر ألفا فساءت سيرتهم في الناس . ~~ومات أبو المعالي بن حمدان في رمضان ، فسار منجوتكين يريد أخذ حلب من ~~الحمدانية ، ونزل عليها وبها أبو الفضل بن أبي المعالي ، فقاتله أشد قتال ، ~~وأقام نحو الشهرين ، ثم عاد إلى دمشق ، وترك معضاد على حمص . # سنة ثمانين وثلاثمائة # فيها طمع باد صاحب ديار بكر في أبي طاهر إبراهيم وأبي عبد الله الحسين ~~ابني ناصر الدولة بن حمدان ، وقاتلهما ، فقتل باذ ، فسار بن أخته أبو علي ~~بن مروان إلى حصن كيفا ، وبه امرأة خاله باد وأهله ، فخدعها حتى صعد إليها ~~، وملك الحصن وغيره من بلاد خاله ، وجرت بينه وبين ابني ناصر الدولة عدة ~~حروب ، وقدم القاهرة على العزيز بالله ، فقلده تلك النواحي ، وعاد إليها ~~حتى ثار به عبد البر شيخ آمد ، وقتله عند خروجه بالسكاكين شخص يقال له ابن ~~دمنة ، واستولى عبد البر على ما بيده ، وزوج ابن دمنة بابنته ، فوثب ابن ~~دمنة على عبد البر وقتله ، وملك آمد . # وكان ممهد الدولة أخو أبي علي بن مروان لما قتل أخوه أبو علي سار إلى ~~ميافارقين وملكها ms170 في عدة من بلاد أخيه ، فثار عليه سروة أحد أكابر أصحابه ~~وقتله ، وقتل غالب بني مروان ، وذلك في سنة اثنتين وأربعمائة . PageV01P270 # | ودخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة # فورد سابق الحاج أول محرم ، فأخبر بتمام الحج ، وإقامة الدعوة للعزيز ، ~~فخلع عليه ، وطيف به المدينة . # ووصل مفرج بن دغفل بن الجراح ، فخلع عليه . # وأمر العزيز بازالة المنكرات ، وهدم مواضعها ، فكسر لرجل واحد خمسون ألف ~~جرة وردت من الصعيد . # وولد لأبي القاسم علي بن القائد الفضل بن صالح ولد ، فبعث إليه العزيز ~~ثلاثين ثوبا فاخرة ، وعشرة أردية ، وعشر عمائم ، وثوبا مثقلا ، ومنديلا ~~طوله مائة ذراع ، ومنديلا دونه ، وخمسمائة دينار ، وحملت إليه السيدة ~~العزيزية مائة ثوب صحاحا من كل فن ، وثلاثمائة دينار ، ومهدين ، أحدهما ~~أبنوس محلى بذهب ، والآخر صندل محلى بفضة مخرقة ، ولهما أغشية ومخاد وثياب ~~وفرش مثقلة . # وركب العزيز لفتح الخليج . # وفي جمادى الآخرة زفت أخت كاتب السيدة العزيزية إلى زوجها بلتكين التركي ~~، ومعها جهاز بمائة ألف دينار ، سوى صناديق محملة على ثلاثين بغلا ، وعمل ~~له صنيع ذبح فيه عشرون ألف حيوان ، ما بين كبش وخروف وجدي وأوزة ودجاجة ~~وفروج ، ونزلت إليه في عشرين قبة ، وخلع عليه وحمل ، وأقامت عنده خمسة أشهر ~~وأحد عشر يوما ، ومات . PageV01P271 # وفي رجب كان عيد الصليب ، فمنع العزيز من الخروج إلى بني وائل ، وضبط ~~الطرقات والدروب ، فإنه كان يظهر فيه من المنكرات والفسوق ما يتجاوز الوصف ~~. # وبعث العزيز إلى منجوتكين إنعاما بمائة ألف دينار ، وكان المهرجان ، فسير ~~إليه أيضا هدايا ، وأهدى خواص الدولة إلى العزيز في المهرجان . # وفي ليلة النصف من شعبان كان الاجتماع بجامع القاهرة . # وفي رمضان صلى العزيز الجمع وخطب بجامعه ، وعليه طيلسان وبيده القضيب ، ~~وفي رجله الحذاء ، وصلى أيضا بجامع القاهرة وخطب . # واعتل منصور بن العزيز ، فتصدق العزيز على الفقراء بعشرة آلاف دينار ، ~~وحمل السماط للعيد على العادة . # وصلى العزيز صلاة عيد الفطر ، وخطب على رسمه . # وأهدت إليه امرأة من البلدة سبعا قد ربته ، فكانت ترضعه ولا يصرعها ، وهو ~~في قدر الكبش الكبير . # وسارت قافلة الحاج ms171 في رابع عشر ذي القعدة بكسورة الكعبة والصلات . # واعتل القائد جوهر ، فركب العزيز إليه ، وبعث له خمسة آلاف دينار ، ~~ومزينة بمثقل ، وبعث إليه منصور بن العزيز خمسة آلاف دينار ؛ وتوفي لسبع ~~بقين من ذي القعدة ، فكفن في سبعين ثوبا ما بين مثقل ووشى مذهب ، وصلى عليه ~~العزيز ؛ وخلع على ابنه الحسين ، وجعله في رتبة أبيه ، ولقبه القائد ابن ~~القائد ، ولم يعرض لشيء مما تركه . # ومن بديع توقيعات القائد جوهر ما حكاه أبو حيان التوحيدي في كتاب بصائر ~~القدماء قال : كتب جوهر عبد الفاطمي بمصر موقعا في قصة رفعها أهلها إليه : ~~PageV01P272 سوء الاجترام ، أوقع بكم حلول الانتقام ، وكفر الإنعام ، ~~أخرجكم من حفظ الذمام ، فاللازم فيكم ترك الإنجاب ؟ واللازم لكم ملازمة ~~الاجتناب ، لأنكم بدأتم فأسأتم ، وعدتم فتعديتم ، فابتداؤكم ملوم ، وعودكم ~~مذموم ، وليس بينهما فرجة تقتضي إلا التبرم بكم ، والإعراض عنكم ، ليرى ~~أمير المؤمنين صلوات الله عليه رأيه فيكم . # وحملت أسمطة عيد النحر على العادة ، وصلى العزيز بالناس صلاة العيد ، ~~وخطب ، ثم نحر بالقصر ثلاثة أيام ، وفرق الضحايا . وفي غد يوم النحر وصل ~~منير الخادم من دمشق ، فشهر على جمل بطرطور طويل ، فخرجت الكافة للنظر إليه ~~، ومعه سبعمائة رأس على رماح فطيف به ، ثم خلع عليه وعفى عنه . # وعمل عيد الغدير على رسمه . # وضرب رجل وطيف به المدينة ، من أجل أنه وجد عنده موطأ مالك رضي الله عنه ~~. # وفي تاسع عشره جلس علي بن عمر العداس بالقصر ، فأمر ونهى ، ونظر في ~~الأموال ، ورتب العمال ، وتقدم أن لا يطلق لأحد شيء إلا بتوقيعه ، ولا ينفذ ~~إلا ما قدره وأمر به ألا يرتفق ولا يرتزق ولا تقبل هدية ولا يضيع دينار ولا ~~درهم . # وفيها كان بدمشق زلزلة عظيمة سقط منها ألف دار ، وهلك خلق كثير ، وخسف ~~بقرية من قرى بعلبك ، وخرج الناس إلى الصحارى ؛ وكان ابتداؤها في ليلة ~~السبت سابع عشر المحرم ، وخرج الناس إلى الصحراء ؛ ولم تزل الزلازل تتابع ~~إلى يوم الجمعة سابع عشر صفر بلاء . PageV01P273 # | ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة # فورد سابق ms172 الحاج بتمام الحج ، وإقامة الدعوة للعزيز بالموصل واليمن ، ~~وضربت السكة باسمه في هذه البلاد . # وقدم رسول القرامطة بأنهم في دعوة العزيز ونصرته . # وفي صفر سير إلى منجوتكين خمسون حملا من المال ، وأربعون حملا من ثياب ~~محزومة ، وخزانة سلاح ، وخمسمائة فارس . # وقدمت قافلة الحجاج في سابع عشره . # وجرى في الأسعار ما يعجب منه ، وهو أن اللحم أبيع في أول ربيع الأول رطل ~~ونصف بدرهم ، ثم أبيع في سادسه عشر أواقى بدرهم ، ثم أبيع أربعة أرطال ~~بدرهم ، ولحم البقر ستة أرطال بدرهم ، والخبز السميذ اثنا عشر رطلا بدرهم ، ~~وما دونه سبعة عشر رطلا بدرهم ، والدراهم كل خمسة عشر درهما ونصف بدينار ، ~~وبلغت القطع الدراهم سبعة وسبعين درهما بدينار ، ثم وصلت كل مائة درهم منها ~~بدينار ، واضطربت الأسعار والصرف ، فضربت دراهم جدد ، وبيعت القطع المسبك ~~كل خمسة دراهم منها بدرهم جديد ، وكان على الدرهم الجديد : الواحد الله ~~الغفور . PageV01P274 # وفي الوجه الآخر الإمام أبو المنصور . # وفي ربيع الآخر ورد الخبر بفتح منجوتكين حمص وحماة وشيزر ، وأنه محاصر ~~لحلب ، فجعل الطائر الذي قدم بالخبر في قفص عليه ثوب ديباج وطيف به القاهرة ~~ومصر . # وسعى بعض النصارى بالكتاب إلى العزيز فانكف عيه وهدد ، فقيل إنه جائع ، ~~فرتب في كل شهر عشرون دينارا ، ونهى عن العود لمثل ذلك ، فخاف السعاة ~~وانكفوا . # وخلع القاضي محمد بن النعمان على مالك بن سعيد الفارقي ، وقلده قضاء ~~القاهرة ، فركب بالخلع وشق الشارع إلى القاهرة . # وفي جمادى الأولى ورد الخبر على جناح الطائر بأن سعد الدولة شريف بن سيف ~~الدولة على بن حمدان بذل لمنجوتكين ألف ألف درهم ، وألف ثوب ديباج ، ومائة ~~فرس مسرجة ، ليرحل عنه ، فامتنع ، وقدم الروم فواقعهم منجوتكين ، وقد ~~استخلف على قتال حلب عسكرا ، وكان منجوتكين في خمسة وثلاثين ألفا ، والروم ~~في سبعين ألفا ، وانهزم الروم عند جسر الجديد ، وأخذ سوادهم ، وقتل منهم ~~وأسر كثير ، فقرأ العزيز الكتاب بنفسه على الناس ، ونزل القاضي محمد بن ~~النعمان فقرأه على الكافة فوق المنبر بالجامع العتيق ، وقال في كلامه : ~~فاحمدوا الله أيها ms173 الناس ، فإن الله تعالى قد صانكم وصان أموالكم بمولانا ~~وسيدنا الإمام العزيز بالله عليه السلام ، فما بالعراق تاجر معه عشرة ~~دنانير أو أكثر إلا وتؤخذ منه . # وسقط الطائر بعده بأن منجوتكين غنم غنيمة عظيمة من الأموال والرجال ~~والدواب ، وأنه ظفر بعشرة آلاف أسير فأخذهم ، وأنهم قاتلوا معه وهو محاصر ~~للروم في أنطاكية ، فقرأ القاضي الكتاب على المنبر ، وتصدق العزيز بصدقات ~~كثيرة . # وسقط الطائر بوصول منجوتكين إلى مرعش ، وعاد إلى حلب . # وركب العزيز لفتح الخليج بالمظلة ، وعليه قميص ديباج مثقل ، وتاج مرصع ~~بالجوهر . PageV01P275 # ولأربع عشرة خلت من رجب كان عيد الصليب ، فجرى الناس في الاجتماع فيه ~~للهو على ما كانوا عليه . # وسقط الطائر بعود منجوتكين عن حلب إلى دمشق ليشتى بها . # وردت الحسبة إلى حميد بن المفلح ، وخلع عليه ، فطاف البلد بالطبول ~~والبنود ، وضمن ضياعا بمبلغ ثلاثمائة ألف دينار ليقوم بالعلف . # وخطب العزيز في رمضان في جامع القاهرة ، وصلى ، وركب يوم الفطر فصلى ~~بالناس ، وخطب على الرسم . # وسارت قافلة الحاج للنصف من ذي القعدة . # ونودي في السقائين أن يغطوا روايا الجمال والبغال كي لا يدنسوا ثياب ~~الناس . وعمل سماط عيد نحر ، وركب العزيز فصلى بالناس صلاة عيد النحر ، ~~وخطب على رسمه ، ونحر ، وفرق الضحايا . # وعمل عيد الغدير على العادة . # وفيها سار بكجور من الرقة إلى قتال سعد الدولة أبي المعالي شريف بن سيف ~~الدولة على بن حمدان بحلب ، فاقتتلا ، وانهزم بكجور ، ثم قبض عليه ، وحمل ~~إلى سعد الدولة أسيرا فقتله . # وفيها كتب العزيز سجلا بولاية العهد بالمغرب لأبي مناد باديس بن منصور بن ~~زيرى بعد أبيه ، فسر بذلك أبوه . PageV01P276 # | ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة # في المحرم ردت الحسبة إلى الوبرة النصراني ضمانا مع السواحل ، فأمر أبو ~~محمد الحسن ابن عمار بالنظر في الظلامات وحوائج الناس ، وتدبير الأموال ، ~~ومحاسبة أرباب الدواوين ، فجلس لذلك ، ثم أعفي منه ، وأمر القائد الفضل بن ~~صالح بالجلوس لذلك ، فجلس بالقصر ومعه القاضي محمد بن النعمان . # وقدم سابق الحاج فخلع عليه ، وطيف به . # ومحرج العزيز إلى الجيزة ms174 لصيد سبع ، وعاد وهو بين يديه على بغل وظهر بمصر ~~جراد لم يعهد مثله ، فبيع بالأسواق منه شيء يجل عن الوصف ، وكان يباع أربعة ~~أرطال بدرهم . # ووصلت قافلة الحاج لأربع بقين من صفر . # وعرض على العزيز عمل الخراج ووجوه الأعمال وتقدير ذلك ، وابتدىء فيه ~~بمصروف مؤونته ومطابخه وموائده فحذفه ، ولعن من عمله ، وقال : أشبع أنا ~~وتجوع الناس ، أطلقوا أرزاق الناس على الأدوار ، فقد كدت أن أعطل المائدة ~~وفي أول ربيع الأول أمر العزيز الكتاب كلهم أن يمتثلوا ما يأمر هو به أبو ~~الفضل جعفر ابن الفرات ، فركبوا إليه ، وأمر ونهى ، وتكلم في الدواوين . # وكانت وقعة في البحر مع الروم بنواحي الإسكندرية ، وأسر فيها من الروم ~~سبعون . # وأمر بنصب أزيار الماء على الحوانيت مملوءة ماء ؛ ووقود المصابيح على ~~الدور وفي الأسواق وقرىء سجل بألا يؤخذ على الموازين والأرطال حق طبع ، ~~وألا يأخذ أعوان المحتسب من أحد شيئا . PageV01P277 # ووردت مراكب الروم إلى الإسكندرية ، فسار إليها العسكر في البر ، ~~والأسطول في البحر ، فولوا من غير حرب إلى الشام ، فسار الأسطول إليهم ، ~~وزيد فيه ثمانية عشر مركبا ، مشحونة بالسلاح والمقاتلة . # وذكر عند العزيز كتاب العين في اللغة ، فأخرج منه نيفا وثلاثين نسخة من ~~خزانته ، منها واحد بخط الخليل بن أحمد مؤلفها . # وحملت إليه نسخة من تاريخ الطبري اشتراها بمائة دينار ، فأمر الخزان ~~فأخرجوا من خزائنه عشرين نسخة ، منها نسخة بخط محمد بن جرير جامعه . # وذكرت عنده جمهرة ابن دريد فأخرج منها مائة نسخة وفيها ركب العزيز لفتح ~~الخليج بزيه . # وظهر رجل من الرسيين يقال له القاسم بن علي يطلب الخلافة بأعمال الحجاز . # وفي جمادى وردت هدية منصور بن يوسف بن زيرى من المغرب ، وهي : مائة ~~وخمسون فرسا . # وخمس عشرة بغلة مسرجة . # ومائة وثمانون فرسا ذكورا . # وخمسون حجرة . # وخمسون بغلة بأجلة . # وثلاثمائة بغل بأكف ، منها مائة بغل تحمل صناديق المال . # وخمسمائة وخمسة وثلاثون جملا تحمل البر وغيره ، وثلاثمائة عليها أحمال ~~المال . PageV01P278 # وكلاب الصيد . # وخمسة أفراس بسروجها لولد العزيز ، وعشرون فرسا بأجله . # وخمسة عشر خادما صقالبة ms175 . # وجلس العزيز عند المصلى وعلى رأسه المظلة ، وسارت العساكر بين يديه قبيلة ~~قبيلة ، وعرضت عليه الخيول والرجال على الرسم في كل سنة . # وحضر الفقهاء وغيرهم في رجب بجامع القاهرة في ليالي الجمع ، وفي ليلة ~~النصف على العادة . # وفي تاسع عشر شعبان ركب العزيز فوقف على فرسه تحت شراع نصب له ، ومرت ~~العساكر بالخيل والجواشن والخوذ ، فمروا قائدا قائدا ، كل واحد بعسكره في ~~حجابه وشاكريته وبنوده ، وكانوا مائة وستين قائدا ، فيهم من عسكره ثلاثة ~~آلاف إلى ألفين ، وكان الغرض بهذا العرض أن يرى رسول منصور بن زيرى العساكر ~~. # واستعفى جعفر بن الفرات من النظر في الأموال ، فأعفى وحوسب ، وضمن عدة من ~~الكتاب القيام بوجوه الأموال ، وألزم ابن الفرات بمال . # وخطب العزيز في رمضان بجامعه ، وصلى بالناس صلاة الجمعة ، ومعه ابنه ~~منصور ، فجعلت المظلة على الأمير منصور بن العزيز ، وصار العزيز بغير مظلة ~~، وصلى أيضا صلاة عيد الفطر ، ومعه ابنه على الرسم . # وسارت قافلة الحاج للنصف من ذي القعدة بالكسوة للكعبة والصلات ، فخرج حاج ~~كبير ، وخرج معهم ثلاثة آلاف وخمسمائة مقاتل ، وبلغت النفقة على الكسوة ~~والصلات ثلاثمائة ألف دينار . ووصل البقط من النوبة إلى العادة ، ومعهم فيل ~~وزرافة . PageV01P279 # وفيها كثر بخس الباعة في البيع من المكاييل والموازين ، فكتب سجل في ~~الأسواق بالنهي عن ذلك ، وخوفوا بأن من وجدت عنده صنجة أو كيل أو ميزان بعد ~~ثلاث وفيها عيب حلت به العقوبة ، كائنا من كان من ساكن في عقار الدواوين ~~الخاصة والأملاك أو في رباع أحد من خواص الدولة ، أو ظهر عليه بأنه بخس ~~الناس أو غش . # وحمل سماط العيد ، وخطب العزيز بالمصلى بعد ما صلى صلاة عيد النحر بزيه ، ~~وفرق الضحايا ونحر . # وخرج على جعفر بن الفرات خراج ضياعه بالشام مبلغ خمسة وخمسون ألف دينار ، ~~فألزم بذلك ، وتسلمت ضياعه المذكورة حتى استوفى ذلك منها ، فأصابه عنت عظيم ~~. # وعمل عيد الغدير على العادة . # وفي هذه السنة كسفت الشمس بأجمعها في سلخ جمادى الآخرة ، فأظلمت الدنيا ~~وظهرت النجوم حتى لم ير الإنسان كفه ، ثم ms176 انجلى الكسوف آخر النهار . # وفيها حمل من تنيس صبي يعرف بحسين بن عمر إلى القاهرة لم يبل قط ، فاعتبر ~~حاله بها فكان كذلك ، وسقي أدوية مدرة للبول فلم يبل ، فأحسن غليه ، وأعيد ~~إلى تنيس ، وأقام بها مدة حتى مات . PageV01P280 # | سنة أربع وثمانين وثلاثمائة # في المحرم قدم عيسى بن جعفر الحسني أمير مكة بالقاسم بن علي الرسي الثائر ~~بالحجاز ، فأكرمهما العزيز ، وأحسن إليهما . # ووصلت قافلة الحاج لست عشرة خلت من صفر . # ونزل منصور بن مقشر طبيب العزيز لتعهده وبين يديه الجنائب ، وعلى الصبي ~~شاشية مرصعة ، وبين يديه أسطال فضة ، وثلاثون شمعة موكبيه ، وشمع معنبر ، ~~فشق الشارع نهارا إلى الكنيسة . # وفي ربيع الأول جلس منصور بن العزيز في المكتب . # وورد صندل عامل برقة بالهدية من المال والخيل والبغال والأحمال المحزومة ~~، والجمال ، فخلع عليه وحمل . # وفيه حمل إلى القصر بستان من فضلة فيه أنواع الأشجار المثمرة وجميع ~~الأزهار ، كل ذلك من فضة . # وفي ربيع الآخر سار منجوتكين من دمشق في ثلاثين ألفا لقتال ابن حمدان ~~بحلب ، وقد اجتمعت عساكر الروم بأنطاكية ، فأقام بفامية ، وسير إلى ما حول ~~أنطاكية من القرى فأخربها . # ثم رحل عنها لكثرة الحر والذباب إلى جبلة ، فأخذها وما حولها ، فنال منها ~~شيئا كثيرا . # وسار إلى حلب ، فحاصرها نحوا من شهرين ، فعزم الروم على نجدة ابن حمدان ~~بحلب ، وقد أتتهم أمدادهم وجموع كثيرة وساروا يريدون حلب ، فبرز إليهم ~~منجوتكين ، وواقعهم فهزمهم ، وقتل منهم نحو خمسة آلاف ، ومضى من بقي منهم ~~إلى إنطاكية ، وذلك في شعبان . PageV01P281 # فلما انقضى أمر الوقعة عاد منجوتكين ، فنزل على حلب ، وضايق أهلها ~~بالحصار والقتال : حتى أكلوا الميتة من الجوع ، وخرج منها خلق كثير إلى ~~منجوتكين ، وأقام على حصارها بقية السنة . # وفي جمادى الأولى وصل غزاة البحر إلى القاهرة بمائة أسير ، فزينت القاهرة ~~ومصر أعظم زينة ، وركب العزيز وابنه منصور ، وشقا الشوارع ، ثم ركب في ~~عشاري ، ومعه العشاريات سائرة إلى المقس ، ثم ركب من المقس إلى القصر فكان ~~يوما عظيما لم ير بمصر مثله ، وقال فيه الشعراء . # وفي ms177 جمادى الآخرة سار عيسى بن جعفر أمير مكة بالجوائز والخلع ومعه القاسم ~~الثائر . # واشتدت المطالبة على ابن الفرات ، وأحيل عليه بمال ، فأعنته المحتالون ~~عليه ، ولحقه منهم مكروه ، وألقوه عن فرسه فكسرت إصبعه ، وامتدت أيديهم ~~إليه ، فالتجأ إلى دار القائد أبي عبد الله الحسين بن البازيار ، فأصلح ~~قضيته . # وجهزت هدية إلى ابن زيري بالمغرب ، وهي : فيل . # ومائة فرس مسرجة ملجمة . PageV01P282 # وبغال ونوق ، وبخاتى . # وثلاثون قبة مثقلة . # وأحمال محزومة ، فيها بز وكسوة من عمل تنيس ودمياط وغيره . # وبلور ، وصيني ، وغرائب . # وعشر خلع مذهبة بمناديلها . # وعشرة أفراس من خاص العزيز بمراكب ذهب . # وركب العزيز بابنه لفتح الخليج وأمر ألا تباع دار بما فوق مائتي دينار ~~إلا بعد عرضها على من يلي ديوان الأملاك . # وورد سبكتكين من صقلية ، فخلع عليه ؛ ووردت هدية متولي صقلية ، وهي : خيل ~~، وجمال ، وصناديق مال . # وصلى العزيز بالناس الجمعة بعد ما خطب بجامع القاهرة وبجامعه ، ومعه ابنه ~~في أيام الجمع من شهر رمضان ، وعمل في آخره سماطا للعيد ، وصلى العزيز ~~بالناس صلاة عيد الفطر ، وخطب على الرسم . # وتسلم عيسى بن نسطورس سائر الدواوين ، ونظر في جميعها ، وأمر ونهى ، ~~وخاطب سائر الكتاب عن العزيز ، وخاطبه سائر الأولياء وكافة الناس في ~~مهماتهم وتوقيعاتهم . وقدم يحيى بن النعمان من تنيس ودمياط والفرما بأسفاط ~~وتخوت وصناديق مال ، وخيل وبغال وحمير ، وثلاث مظلات وكسوتين للكعبة . # ولاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة عرض العزيز العساكر بظاهر القاهرة ، فنصب ~~له مضرب ديباج رومي فيه ألف ثوب بصفرية فضة ، وفازة مثقل ، وقبة مثقل ~~بالجوهر ، PageV01P283 وضرب لابنه منصور مضرب آخر ، وعرضت العساكر ، فكانت ~~مائة عسكر ، وأحضرت أسارى الروم ، وهم مائتان وخمسون ، منهم ثماني بطارقة ، ~~وثمانية عشر من أصحاب ابن حمدان : وطيف بهم ؛ وخلع على الحمدانية ، فكان ~~يوما عظيما . # وسارت قافلة الحاج لأربع عشرة بقيت منه بالكسوة والصلات . # وصلى العزيز صلاة عيد النحر وخطب بالمصلى على رسمه ، ونحر وفرق الضحايا . # وجرى الرسم في عيد الغدير على العادة . PageV01P284 # | سنة خمس وثمانين وثلاثمائة # في المحرم ورد سابق الحاج ، وأخبر أنه لم يحج ms178 سوى أهل مصر واليمن . # وحضر العزيز لمنجوتكين مائة ألف دينار وعسكرا يتبع بعضه بعضا . # وورد البقط من النوبة . # ووصل الحاج في ثامن صفر . # وجلس في ربيع الأول القاضي محمد بن النعمان على كرسي بالقصر لقراءة علوم ~~آل البيت ، وحضره الناس ، فمات في الزحام أحد عشر رجلا . # ووردت من منجوتكين أسرى من الروم والحمدانية ، وعدة رءوس ، فعفا عن ~~الحمدانية ، وطيف بمن عداهم . # وورد من برقة أربعة وأربعون صندوقا على اثنين وعشرين جملا فيها المال . # وبعث مفرج بن دغفل الجراح برجل من أعمال الشام ، زعم أنه السفياتي ، فشهر ~~على جمل وهو يصفع . # وفي ربيع الآخر ورد الخبر بوصول الروم إلى أنطاكية ، فأخرجت مضارب العزيز ~~إلى منية الأصبغ ، وذلك أن منجوتكين لم يزل محاصرا لابن حمدان بحلب من ~~شعبان سنة أربع إلى ربيع الأول من هذه السنة ، حتى أشرف على أخذ البلد ، ~~وراسل ابن حمدان يرد على ملك الروم بما هو فيه . # وكانت في هدنة الروم وبني حمدان أنه إن جاء إلى حلب عدو يدفعه ملك الروم ~~، فخاف بسيل ملك الروم من العزيز أن يتمكن عساكره من حلب ، فيأخذ أنطاكية ~~من الروم ، فجمع نحو أربعين ألفا ، وسار من قسطنطينية ، فكد أصحابه في ~~السير ، والجنائب والبغال تتقطع ، حتى وصل إلى أعزاز في سبعة عشر يوما ، ~~وهي مسافة شهرين لسير الاتصال ، وقد تقطع PageV01P285 أصحابه حتى بقى في ~~سبعة عشر ألفا ، فأنفذ إلى ابن حمدان يعلمه بنزوله أعزاز ، وكان قد وكل ~~بالدروب والمضائق ، ومنع أن يخرج أحد من بلاده حتى يخفى خبر مسيره على ~~منجوتكين ، فيأخذه على غفلة ، فلما بعث إلى ابن حمدان يعلمه بأنه قد نزل ~~بنفسه أعزاز فأقيموا الحروب مع منجوتكين من الغد حتى . . . . وهو في الحروب ~~. # وكانت هذه الرسالة مع رجلين من قبله ، فلقيهما رجل من أصحاب منجوتكين في ~~الليل فسألهما : من أين جئتما ؟ . # فظناه من الحمدانية ، فأخبراه ، فقبض عليهما ، وأتى بهما إلى منجوتكين ، ~~فأخبراه أن بسيل ملك الروم على أعزاز ، فلما أصبح طرح النار في خزائن ~~السلاح ، وفي بيوت وحوانيت كان قد ms179 بناها عسكره ، فاحترقت ؛ ورحل في آخر ~~ربيع الأول إلى دمشق ، ووقع الصارخ في الناس بأن منجوتكين قد انهزم عن حلب ~~، وأن عسكر الروم يطلبه ، فهرب الناس من المدن والقرى ، من دمشق إلى حلب ، ~~وغلت الأسعار ، وكانت أيام الحصاد ، فترك الناس غلالهم ودورهم . # وسار ملك الروم ، فنزل إلى حلب ، واجتمع بابن حمدان ، ثم سار عنها إلى ~~فامية ، وبها طائفة من عسكر منجوتكين ، فقاتلهم يوما واحدا ، ثم سار فنزل ~~على طرابلس ، وراسل أهلها ، ووعدهم بالإحسان إن يثبتوا على ما يكون بينهم ~~وبينه من العهد ، فخرج إليه ابن نزال والي البلد ليوافقه على أمر ، فاجتمع ~~أهل البلد على أن ينصبوا أخاه مكانه ، ويمنعونه من الدخول ، ولا يسلموا ~~البلد إلى الروم ، فلما رجع منعوه من الدخول ، فصار إلى ملك الروم . # وصار ملك الروم عن طرابلس ، فنزل على انطرسوس وهي خراب ، فعمر حصنها ، ~~وجعل فيه أربعة آلاف ، وسار إلى انطاكية ، فكثرت فيه الاعلال ، فسار بمن ~~معه إلى القسطنطينية . PageV01P286 # وخرج منجوتكين من دمشق في شوال ، فنزل على انطرسوس ، فأقام يقاتل من فيها ~~نحوا من شهر ، ثم عاد إلى دمشق . وأخذ العزيز لما بلغه مسير ملك الروم إلى ~~بلاد الشام في التأهب للمسير ، وأطلق خمسين ألف دينار لابتياع ما يحتاج ~~إليه ، وأخرج للكتاميين أربعة آلاف فرس ، وأمر أن يشتري لهم ألف فرس أخرى ، ~~وأخرج الفازة الكبيرة وهي بعمود واحد طوله أربعة وأربعون ذراعا ، وفتح ~~الفلكة التي على رأسه سبعة عشر شبرا ، وطول ثيابها خمسون ذراعا ، وفي رأسها ~~صفرية فضة زنتها سبعة عشر ألف درهم ، ويحمل هذه الفازة سبعون بختيا . # وقرئ سجل في الأسواق بالنفير فاضطربت البلد . # ووصلت هدية من الهند فيها شجرة عود رطب . # وظهر بمصر من الوطواط شيء كثير . # واجتمع من الرعية وطوائف الناس بالسلاح للسفر مع العزيز ألوف كثيرة ، ~~وخرج جيش ابن الصمصامة في عسكر كبير إلى الشام ، وسير لابن الجراح خمسون ~~ألف دينار ، ولمنجوتكين مائة ألف وخمسون ألف دينار . # وخرج العزيز بسائر العساكر إلى منية الأصبغ في عاشر رجب ، فأقام شهرا ثم ~~رجع إلى ms180 منا جعفر ، وقتل هناك الذي زعم أنه السفياني . # وأحصيت الخيول التي سارت مع العزيز في اسطبلاته فكانت اثني عشر ألفا ، ~~والجمال PageV01P287 المحملة للعزيز ولوجوه خاصته فكانت ثلاثين ألفا ، سوى ~~ما هو مع وجوه الدولة ، وحملت الخزانة السائرة على عشرين جملا سوى خزائن ~~الوجوه والخاصة ، وكان معه من المال خمسة آلاف جمل ، على كل جمل صندوقان ~~كبيران مملوءان مالا ، وألف وثمانمائة بختية وبختي ، على كل واحد صندوقان ~~في كل منهما مثل ما في الصندوقين المحمولين على الجمل . # وخرج خلق من التجار ووجوه الرعية مرتين إلى العزيز يسألونه المقام ، وأن ~~لا يخرج من مصر ويسير العساكر ، فشكرهم ، وقال : إنما أسير لنصرة الإسلام ~~والذب عن بلدانه ، وصيانة أهله . # فقدم رسول ملك الروم يخبر بوصوله إلى بلده ، ويعتذر عن مسيره ، ويسأل ~~الهدنة ، فأجيب إلى الصلح . # وورد كتاب ابن حمدان يسأل فيه العفو وأن يقر على عمله ، فأجيب بالعفو عنه ~~، وخلع على رسوله ، وحمل . # ونودي في رمضان بالقاهرة ومصر : من كان من أهل السلاح فليخرج ليأخذ الرزق ~~الكثير . # وأنفذت العساكر لحفظ الأطراف . # وسير إلى الإسكندرية والصعيد بالعساكر . # وصلى منصور بن العزيز بالناس صلاة عيد الفطر ، وخطب بمنا جعفر على رسم ~~أبيه وزيه ، وعليه المظلة والجوهر . # وفي نصف شوال ماتت أم ولد العزيز وزوجته بمنا جعفر فحملت إلى القصر ، ~~وصلى عليها العزيز ، وكفنها بما مبلغه عشرة آلاف دينار ، وأخذت الغاسلة ما ~~كان تحتها من الفرش وعليها PageV01P288 من الثياب ، فكان مبلغ ما نالها ستة ~~آلاف دينار ، ودفع إلى الفقراء ألفا دينار ، وللقراء الذين قرأوا على قبرها ~~ثلاثة آلاف دينار . # ورثاها جماعة من الشعراء فأجيزوا ، ففيهم من كانت جائزته خمسمائة دينار . # ورجع العزيز إلى مضاربه ، وأقامت ابنتها على قبرها شهرا تقيم العزاء ، ~~والعزيز يأتيها كل يوم ، والناس تطعم كل ليلة أصناف الأطعمة والحلوى ، وفرق ~~في الشعراء ألفي دينار . # وسارت قافلة الحاج بالكسوة والصلات في سادس عشر ذي القعدة . # وتوفيت أم العزيز ، فرجع العزيز إلى القاهرة ، وصلى عليها ، وأمر بالصدقة ~~، ورجع إلى مضاربه . # وصلى العزيز بالناس صلاة عيد النحر ms181 وخطب في مضاربه ونحر PageV01P289 # | سنة ست وثمانين وثلاثمائة # في محرم ورد سابق الحاج ، فخلع عليه بالمخيم ، وقدم الحاج لثمان بقين من ~~صفر . # وفي ربيع الأول جهزت المراكب الحربية ، وأشحنت بالمقاتلة . # وفي العشرين منه رفع العزيز إلى غيفة فنزل بالعقارية بعد أن أقام في ~~مناخه أربعة أشهر وخمسة وعشرين يوما ، فأقام بها ليلة ، ورفع إلى بلبيس ~~فنزل بظاهرها . # ونودي في البلد لا يتأخر أحد عن المسير في الأسطول ، فوقعت في الأسطول ~~نار ، فاحترق وقت صلاة الجمعة لست بقين من ربيع الآخر ، فأتت على ما فيه من ~~عدة وسلاح ، حتى لم يبق منه غير ست مراكب ، لا شيء فيها ، فاتهم بذلك الروم ~~الأسارى ، وكانوا في دار بجوار الصناعة بالمقس ، فنهبتهم العامة ، وقتلوا ~~منهم مائة وسبعة أنفس . # وحضر عيسى بن نسطورس ويانس الصقلبي متولي الشرطة إلى الروم ، فاعترفوا ~~بأنهم أحرقوا الأسطول ، فكان ما ذهب في النهب نحو تسعين ألف دينار ، فنودي ~~برد النهب ، وتوعد عليه . # وشرع عيسى بن نسطورس في إنشاء اسطول جديد ، وظفر بعدة من النهابة ، فقتل ~~بعضهم ، وحبس بعضهم بعد الضرب الشديد ، فأحضر كثير مما نهب . # ووردت غزاة البحر بمائتي أسير وعشرين أسيرا طيف بهم البلد . ووصل من برقة ~~ستون فرسا ، منها عشرة بسروجها ولجمها ، وعشرون بغلة عليها صناديق المال ، ~~وخمسمائة جمل عليها قطران وغيره ، وعدة من صبيان وعلوج من السبر ؟ ~~PageV01P290 ونزع السعر ، فمنع من بيع القمح لغير الطحانين ولخمس بقين من ~~رجب ابتدأ بالعزيز المرض ، فأقام به إلى ثامن عشرين رمضان ، فاستدعى القاضي ~~محمد بن النعمان والحسين بن عمار لليلتين بقيتا منه ، وخاطبهما في أمر ولده ~~، ثم استدعى ولده وخاطبه . # ثم توفي من يومه بين صلاتي الظهر والعصر من مرض القولنج والحصاة في مسلخ ~~الحماد ببلبيس ، فلم يكتم موته . # ورحلت سيدة الملك ابنة العزيز في الليل ، وسار بمسيرها القيصرية لأنهم ~~كانوا برسمها ، ومعهم القاضي محمد بن النعمان ، وريدان صاحب المظلة ، وأبو ~~سعيدا ميمون دبة ، فوافوا القاهرة ، وأقيم المأتم والصياح بالقصر ، وضبط ~~الناس أحسن ضبط ، فلم يتحرك أحد ، ولم يبق شارع ms182 ولا زقاق . إلا وفيه صراخ ~~ونحيب . # وبادر برجوان إلى أبي علي منصور بن العزيز فإذا هو على شجرة جميز يلعب في ~~دار ببلبيس ، فقال له : بسك تلعب ؟ انزل . # فقال له : ما أنزل والله الساعة . # فقال له : انزل ، ويحك ! الله فينا وفيك ، وأنزله ، ووضع على رأسه ~~العمامة بالجوهر وقبل له الأرض ، وقال : السلام على أمير المؤمنين ورحمة ~~الله وبركاته . # وأخرج به إلى الناس ، فقبل جميعهم له الأرض ، وسلموا عليه بالخلافة . # وخرج الناس من الغد للقائه ، فدخل إلى القاهرة ، وبين يديه البنود ~~والبوقات بالمظلة يحملها ريدان ، والعساكر كلها معه ، والعزيز بين يديه على ~~عمارية ، وقد خرج قدماه منها ونودي في البلد : PageV01P291 لا مؤنة ولا ~~كلفة ، وقد أمنكم الله على أنفسكم ، فمن عارضكم أو خاطبكم فقد حل دمه وماله ~~. # وتولى القاضي ابن النعمان غسل العزيز ، ودفن مع آبائه في تربة القصر بعد ~~عشاء الأخيرة . # وأصبح الناس والأحوال مستقيمة . # وقد لقب أبو علي المنصور الحاكم بأمر الله . فاتفق كل المغاربة واشترطوا ~~أن لا ينظر في أموالهم إلا ابن عمار . # وباتوا ليلة العيد وأصبحوا يوم الفطر ، فصلى بالناس القاضي محمد بن ~~النعمان ، وهو متقلد للسيف ، فعندما صعد المنبر قبل موضع جلوس العزيز وبكى ~~، فضج الناس بالبكاء والنحيب ، وخطب فندب العزيز وبكاه ، ودعا للمحاكم ، ~~وعاد إلى القصر ، والعساكر صفين من المصلى إلى باب القصر ، فحضر الحاكم ~~اسماط . # وكانت مدة العزيز في الخلافة بعد أبيه المعز إحدى وعشرون سنة وخمسة أشهر ~~ونصف ، ومات وعمره اثنتان وأربعون سنة ، وثمانية أشهر وأربعة عشر يوما . # وكان نقض خاتمه : بنصر العزيز الجبار ، ينتصر الإمام نزار . # وخلف من الولد : ابنه منصورا ، وسيدة الملك وولدت بالمغرب في ذي القعدة ~~سنة تسع وخمسين وثلاثمائة . # وكان أسمر طوالا ، أصهب الشعر ، أعين ، أشهل ، عريض المنكبين ، شجاعا ، ~~حسن العفو والقدرة ، لا يعرف سفك الدماء ، حسن الخلق ، قريبا من الناس ، ~~بصيرا بالخيل وجوارح الطير ، محبا للصيد ، مغرى به ، حريصا على صيد السباع ~~خاصة . # ووزر له : يعقوب بن كلس اثنتي عشرة سنة وشهرين وتسعة عشر يوما . ~~PageV01P292 # ثم أبو الحسن ms183 علي بن عمر العداس بعد ابن كلس سنة واحدة ثم أبو الفضل جعفر ~~بن الفرات سنة . # ثم أبو عبد الله الحسين بن الحسن البازيار سنة وثلاثة أشهر . # ثم أبو محمد بن عمار شهرين . # ثم الفضل بن صالح أياما . # ثم عيسى بن نسطورس سنة وعشرة أشهر . # وكانت قضاته : أبو طاهر محمد بن أحمد . # ثم أبو الحسن علي بن النعمان . # وكانت خرجاته إلى السفر : أولها ثامن صفر سنة سبع وستين ، ثم عاد من ~~العباسة . # والثانية سار إلى الرملة ، وظفر بأفتكين التركي . # والثالثة سار إلى مضربه بعين شمس في صفر سنة اثنتين وسبعين ، ورجع منه ~~بعد شهر والرابعة نزل منية الأصبغ في ربيع الأول سنة أربع وسبعين ، ثم عاد ~~بعد ثمانية أشهر واثني عشر يوما . # والخامسة برز في عاشر شهر ربيع الآخر سنة خمس وثمانين ، فأقام مبرزا ~~أربعة عشر شهرا وعشرين يوما ، وفيه مات . # وهو أول من اتخذ من أهل بيته وزيرا أثبت اسمه على الطرز ، وقرنه باسمه . # وأول من لبس منهم الخفتان والمنطقة . PageV01P293 # وأول من اتخذ منهم الأتراك ، واصطنعهم ، وجعل منهم القواد . # وأول من رمى منهم بالنشاب . # وأول من ركب منهم بالذؤابة الطويلة والحنك ، وضرب بالصوالجة ، ولعب ~~بالرمح . وأول من عمل مائدة في الشرطة السفلى في شهر رمضان ، يفطر عليها ~~أهل الجامع العتيق . # وأقام طعاما في جامع القاهرة لمن يحضر في رجب وشعبان ورمضان واتخذ الحمير ~~لركوبه إياها . # وتجدد في أيامه من العمائر : قصر الذهب بالقاهرة . # وجامع القرافة . # وجامع القاهرة . المعروف بجامع الحاكم وبستان سردوس . # والفوارة بالجامع العتيق . PageV01P294 # والقصور بعين شمس . # والمصلى الجديد بالقاهرة . # وحصن الرسيين . # والمنظرة على الخليج . # وقنطرة الخليج القديمة التي بناها عبد العزيز بن مروان وقنطرة بني وائل . # والحمامات التي بالقاهرة . # ودار الصناعة التي بالمقس . # والمراكب مما لم ير مثله قبله كبرا ووثاقة وحسنا . # وهو أول من ركب في الجمع شهر رمضان وصلى بالناس . # وأول من بنى دار الفطرة ، وقرر فيها ما يحمل إلى الناس في العيد . # وبلغت عدة جواريه عشرة آلاف جارية . # وبلغ راتب مطبخه ومائدته في كل ms184 يوم مالا عظيما ، فلم يكن أحد من الأتراك ~~والعبيد إلا وله وظيفة راتبة كل يوم . PageV01P295 # وكان يعلف له من الخيل في كل يوم والبغال والحمير والجمال عشرون ألف رأس ~~، منها لركوبه ألف فرس ، سوى البغال . # وقال ابن سعيد عن كتاب سيرة الأئمة لابن مهذب : قال : كتب أبو جعفر محمد ~~ابن حسين بن مهذب صاحب بيت المال إلى العزيز : يا مولانا صلى الله عليك : ~~ربما سألني أهلي وكتابي وبعض الكتاب المتصرفين من عبيد الدولة الموثوق بهم ~~في قرض مال ، ومالي لا يحتمل ذلك ، ومال مولانا فلا تبسط فيه يدي إلا بإذنه ~~، وقد كتبت هذه الرقعة إلى مولانا أستأذنه فيما أعول عليه . # فوقع العزيز عليها : يا محمد : سلمك الله ، من أتاك من أهلك وكتابك ~~وخزانك والمتصرفين معك ، ومن سائر عبيدنا والمتمسكين بأذيالنا يطلب منك ~~سلفا ، ورأيت منه ما يدل على صحة ما شكاه من ضرورته ، وعلمت صدقه في ديانته ~~، فادفع إليه ما رأيته ، وخذ منه خطه ، ولا تطلب منه ؛ فإن رده إليك عفوا ~~من ذات نفسه ، فخذ منه ؛ وإن لم يرده إليك ، وعلمت أن يده لا تصل إلى رده ، ~~فاعذره في تأخير ما قبضه ؛ وإن طلب زيادة زدته على شرطه ، واسكت عن طلبه ؛ ~~ومن عرفت أنه قادر على رد ما قبضه ، ولم يعده إليك ، فأمسك عن طلبه ، ~~وامنعه من مثله . # وأنفذ العزيز إلى أبي عبد الله حسين بن البازيار ببلبيس وقد اشتد به ~~الوجع ، فبكى رأه ، فقال له العزيز : تبكي يا حسين ؟ ! لا تبك علي الساعة ، ~~ولكن إذا ضرب مولاك الأمير ابني بيده على لحيته فابك البكاء الطويل إن قدرت ~~. # فلما كان في سنة أربع وتسعين قتل الحاكم ابن البازيار عند خروج لحيته . # وكان رشيق الحمداني يقول عن الحاكم : هذا يقتلني . # فسئل عن ذلك ، فقال : PageV01P296 دخلت على العزيز وهو مطرق كأنه يخاطب ~~نفسه ، فبعد وقت رفع رأسه ، وقال : أي وقت جئت ؟ فقلت : من ساعة . # فقال : كنت مفكرا في قوم أشجو صدري ، وملأوا بالغيظ قلبي ، ولا أدري ما ~~أعمل . # فقلت : يا مولانا ابعث ms185 إليهم فاقتلهم . # فقال : ما هذا يكون بيدي ، ولكنه والله سوف يجيء من يقتلهم ويقتلك معهم . # وأرى الحاكم قد قتل جماعة ولا بد له مني . وكذا كان . # وقال القرطي : كان المثل يضرب بأيام العزيز في مصر ، لأنها كانت كلها ~~أعيادا وأعراسا . # وقال ابن الأثير : قيل إنه ولي عيسى بن نسطورس النصراني كتابته ، واستناب ~~بالشام يهوديا اسمه منشا إبراهيم بن القزاز ، فاعتز بهما النصارى واليهود ، ~~وآذوا المسلمين ، فعمد أهل مصر وكتبوا قصة وجعلوها في يد صورة عملوها من ~~قراطيس ، فيها : بالذي أعز اليهود بمنشا ، والنصارى بعيسى بن نسطورس ، وأذل ~~المسلمين بك ، إلا كشفت ظلامتي . # وأقعدوا تلك الصورة على طريق العزيز ، والرقعة بيدها ؛ فلما رآها أمر ~~بأخذها ، فإذا الصورة من قراطيس ، فعلم ما أريد بذلك ، فقبض عليهما ، وأخذ ~~من عيسى بن نسطورس ثلاثمائة ألف دينار ، ومن اليهودي شيئا كثيرا . # وكان يحب العفو ويستعمله ، فمن حلمه : PageV01P297 أنه كان بمصر شاعر ~~اسمه الحسن بن بشر الدمشقي ، وكان كثير الهجاء ، فهجا يعقوب بن كلس وزير ~~العزيز ، وكاتب الإنشاء من جهته أبا نصر عبد الله بن الحسين القيرواني ، ~~فقال : # قل لأبي نصر كاتب القصر . . . والمتأتي لنقض ذلك الأمر # انقض عرى الملك الوزير . . . تفز منه بحسن الثنا والذكر # واعط وامنع ، ولا تخف أحدا ، . . . فصاحب القصر ليس في القصر وليس يدري ~~ماذا يراد به ، . . . وهو إذا درى فما يدري # فشكاه ابن كلس إلى العزيز ، وأنشده الشعر ، فقال : هذا شيء اشتركنا فيه ~~في الهجاء فشاركني في العفو عنه . # ثم قال هذا الشاعر أيضا وعرض بالفضل القائد : # تنصر ، فالتنصر دين حق ، . . . عليه زماننا هذا يدل # وقل بثلاثة عزوا وجلوا ، . . . وعطل ما سواهم فهو عطل # فيعقوب الوزير أب ، وهذا . . . العزيز ابن ، وروح القدس فضل # فشكاه الوزير إلى العزيز ، فامتعض منه ، إلا أنه قال : اعف عنه . # فعفا عنه . # ثم دخل الوزير على العزيز ، فقال : لم يبق للعفو عن هذا معنى ، وفيه غض ~~من السياسة ، ونقص لهيبة الملك ، فإنه قد ذكرك وذكرني وذكر ابن رباح نديمك ~~، وسبك بقوله : # زيارجي نديم ، وكليسي وزير . . . نعم ، على ms186 قدر الكلب يصلح الساجور # فغضب الوزير ، وأمر بالقبض عليه ، فقبض عليه لوقته ، ثم بدا للعزيز ~~إطلاقه ، فأرسل إليه يستدعيه ، وكان للوزير عين في القصر فأخبره بذلك ، ~~فأمر بقتله فقتل ، فلما وصل رسول العزيز في طلبه أراه رأسه مقطوعا ، فعاد ~~إليه وأخبره ، فاغتم له . PageV01P298 # وقال ابن الأثير : أبو الفتيان محمد بن حيوس : لما مات العزيز وحضر الناس ~~للتعزية بالقصر ، واجتمع الناس على اختلاف طبقاتهم افحم الناس بأجمعهم عن ~~أن يوردوا في ذلك المقام شيئا مما يليق بالوقت ، ومكثوا مطرقين ، فقام صبي ~~من أولاد الأمراء الكتاميين . وأنشد : # انظر إلى العلياء كيف تضام ، . . . ومآتم الأحساب كيف تقام # خبرتني ركب الركاب ولم يدع . . . للسفر وجه ترحل فأقاموا # فاستحسن الناس من إيراد الصبي لذلك ، وطرق الناس إلى إيراد المراثي ، ~~ونهض الشعراء والخطباء فعزوا ، وأنشد كل إنسان ما عمل في التعزية . # وكان الصبي هو الذريعة إلى إيراد ما أوردوه ، وكشف ما نزل بهم من المهابة ~~والمخافة . | PageV01P299 # اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا لتقي الدين أحمد بن على ~~المقريزي | # الجزء الثاني PageV02P001 صفحة فارغة PageV02P002 # | بسم الله الرحمن الرحيم الحاكم بأمر الله أبو علي منصور ابن العزيز ~~بالله أبي المنصور نزار ابن المعز لدين الله أبي تميم معد # ولد في القصر بالقاهرة ليلة الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول ~~سنة خمس وسبعين وثلثمائة ، في الساعة التاسعة ، الموافق صبيحتها الثالث عشر ~~من شهر آب . والطالع من السرطان سبع وعشرون درجة ، والشمس في برج الأسد على ~~خمس وعشرين درجة ، والقمر بالجوزاء على إحدى عشرة درجة ، وزحل بالعقرب على ~~أربع وعشرين درجة ، والمشتري بالميزان على ثمان درج ، والمريخ بالميزان على ~~ثلاث عشرة درجة ، والزهرة بالميزان على تسع عشرة درجة ، وعطارد بالأسد على ~~عشر درج ، والرأس بالدلو على خمس درج . # وسلم عليه بالخلافة في الجيش بعد الظهر من يوم الثلاثاء ثامن عشري شهر ~~رمضان سنة ست وثمانين وثلثمائة . وسار إلى قصره في يوم الأربعاء بسائر أهل ~~الدولة ، والعزيز في قبة على ناقة بين يديه ، وعلى الحاكم دراعة مصمتة ~~وعمامة فيها الجوهر ، وبيده ms187 رمح وقد تقلد السيف ؛ فوصل إلى القصر ولم يفقد ~~من جميع ما كان مع العساكر شيء ، ودخله قبل صلاة المغرب ؛ وأخذ في جهاز ~~أبيه العزيز ودفنه . PageV02P003 # ثم بكر سائر أهل الدولة إلى القصر يوم الخميس ، وقد نصب للحاكم سرير من ~~ذهب عليه مرتبة مذهبة في الإيوان الكبير . وخرج من قصره راكبا وعليه معممة ~~الجوهر ؛ فوقف الناس بصحن الإيوان وقبلوا الأرض ومشوا بين يديه ، حتى جلس ~~على السرير ، فوقف من مهمته الوقوف ، وجلس من له عادة الجلوس . فسلم عليه ~~الجماعة بالإمامة واللقب الذي اختير له ، وهو الحاكم بأمر الله . وكان سنه ~~يومئذ إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وستة أيام . وكان جماعة من شيوخ كتامة ~~تخلفوا عن الحضور وتجمعوا نحو المصلى . فخرج إليهم أبو محمد بن الحسن بن ~~عمار في طائفة من شيوخهم ، وما زالوا بهم حتى أحضروهم بعد امتناعهم من ~~الحضور ، وشكوا من قيس بن نسطورس وسألوا صرفه وأن تكون الوساطة لرجل منهم ~~فندب لذلك أبو محمد الحسن بن عمار . فقرر أحوالهم فيما يطلق لهم من الرزق ~~بعد خطاب طويل ، على أن يطلق لهم ثماني إطلاقات في كل سنة ، وأن يكون لكل ~~واحد ثمانية دنانير ؛ وأن يطلق هذا الفض في يومهم بحضرة أمير المؤمنين . ~~فأحضر المال ودفع إليهم بحضرة الحاكم الفضل ، وهو عشرون دينارا لكل واحد ~~منهم . وحلفهم ابن عمار بعد ما حلف . PageV02P004 # وخلع على أبي الحسن يانس الخادم الصقلبي وحمل على فرسخين ، وقال : يتولى ~~القصور . # وفي أول شوال فرش على سرير الذهب في الإيوان مرتبة نسيج فضة ، وخرج ~~الحاكم على فرس أدهم بمعممة الجوهر وقد تقلد السيف ، وفي ركابه الايمن حسين ~~بن عبد الرحمن الرابض ، وفي ركابه الأيسر برجوان ، والناس قيام ؛ فقبلوا له ~~الأرض ، ودعوا . فقال ابن عمار للقاضي محمد بن النعمان : مولانا يأمرك ~~بالخوارج إلى المصلى للصلاة بالناس وإقامة الدعوة لأمير المؤمنين . فنهض ~~قائما ، وقلده برجوان بسيف محلى بذهب من سيوف العزيز ، ومضى فصلى وأقام ~~الدعوة ، ثم قدم . # ونصب السرير الذهب في صفة الإيوان ، ونصب السماط الفضة ؛ وخرج الحاكم ms188 من ~~القصر ، وكان قد دخل إليه ، وهو على فرس أشقر ، فجلس على السماط ، وحضر من ~~له رسم ، فأكلوا وانصرفوا . # وفي ثالثه خلع علي ابن عمار ، وقلد بسيف من سيوف العزيز ، وحمل على فرس ~~بسرج ذهب ، وكناه الحاكم ، ولقبه بأمين الدولة وقال له : أنت أميني على ~~دولتي ورجالي . وقاد بين الخيل ، وعمل خمسين ثوبا ملونة من البز الرفيع . ~~ومضى في موكب عظيم إلى داره . # وكتب سجل من إنشاء أبي منصور بن سيرين وبخطه ، قرأه القاضي محمد بن ~~النعمان PageV02P005 بالجامع يتضمن وراثة الحاكم الملك من أبيه ، ويعد ~~الرعية فيه بحسن النظر لهم ؛ وأمر فيه بإسقاط مكوس كانت بالساحل . ففرح ~~الناس . # وكانت عدة ممن قتلهم ابن نسطورس لما احترق الأسطول على الخشبة ، فأمر ~~بتسليمهم إلى أهليهم ، وأطلق لكل واحد عشرة دنانير من أجل كفنه ، فكثر ~~الدعاء من الرعية للحاكم . وأمر بقلع الالواح التي على دور الأخباز وسلمت ~~لأربابها ومستحقيها ، فبلغت شيئا كثيرا . # وخلع على القائد أبي عبد الله الحسين بن جوهر القائد ، ورد إليه البريد ~~والإنشاء ، فكان يخلفه ابن سورين ؛ وحمل بين يديه كثير من الخيل والثياب ، ~~وحمل على فرس بمركبين . # واستكتب أمين الدولة ابن عمار أبا عبد الله الموصلي ، واستخلفه على أخذ ~~رقاع الناس وتوقيعاتهم . # وأقر عيسى بن نسطورس على ديوان الخاص . وخلع على جماعة بولايات عديدة ~~وقرىء سجل ، قرأه القاضي بالجامع ، يتضمن ولاية ابن عمار الوساطة ، وتلقيبه ~~بأمين الدولة ، وأمر الناس كلهم أن يترجلوا لابن عمار ، فترجلوا بأسرهم له ~~. # وفي ثاني ذي القعدة تجمع الكتاميون عند المصلى ، فأنفذ إليهم واستحضرهم ، ~~وتقرر أمرهم على النفقة فيهم ، فأنفق عليهم . وحمل راجلهم على الخيل ؛ ~~وكانوا نحو الألف رجل ، وأركبت شيوخ كتامة بأسرهم على الخيول بالمراكب ~~الحسنة . PageV02P006 # وفي ثاني عشره ، خلع على أبي تميم سلمان بن جعفر بن فلاح ، وقلد السيف ، ~~وحمل على فرس بمركب ذهب ؛ وقيد بين يديه بأربعة أفراس مسرجة ملجمة ؛ وحمل ~~بين يديه ثياب كثيرة من كل نوع ؛ وجرد معه عسكر ليسير إلى الشام . # وسارت قافلة الحاج بكسوة الكعبة والصلات والنفقة على ms189 الرسم المعتاد في ~~النصف منه . # وركب الحاكم يوم الأضحى فصلى بالناس صلاة العيد بالمصلى وخطب ، وأصعد معه ~~المنبر القاضي محمد بن النعمان وبرجوان وابن عمار وجماعة . PageV02P007 # | سنة سبع وثمانين وثلثمائة # في المحرم ورد سابق الحاج ، فأخبر بتمام الحج والدعاء للحاكم في الحرمين ~~. # وفيه نزع سعر القمح وغيره ، وعز وجوده ، واشتد الغلاء ، ووقع في البلد ~~خوف شديد من طرف رجل من اللصوص في الليل وكبسه دور الناس فتحارسوا في الليل ~~، وأخذت نساء من الطرقات ، وعظم الأمر في ذلك . # وفيه ضربت رقبة عيسى بن نسطورس . # ووصل الحاج في رابع عشر صفر ؛ فخلع على سبكتكين ، مقدم القافلة ، وحمل ~~على عدد من الخيل . # ووقف سعر الخبز على أربعة أرطال بدرهم . وسار أبو تميم سلمان بن جعفر بن ~~فلاح بعد أن خلع عليه وقيد بين يديه عدة خيول ، وحمل معه شيء كثير من ~~الثياب ، وأنفق في أهل عسكره ؛ فنزل مسجد تبر ، فأقام إلى تاسع عشر ربيع ~~الأول ؛ فخرج إليه الحاكم وحلفه ومن معه ، وعاد . فرحل ابن فلاح إلى القصور ~~فأقام بها . وقرىء سجل يوم الجمعة للنصف منه بمدح كتامة ولعن منجوتكين ~~PageV02P008 على سائر منابر مصر وفي القصر . وخلع على جماعة من الحمدانية ~~وجهزوا إلى ابن فلاح ، فساروا معه . # وفي آخره أخرج ابن عمار إلى سلمان بن جعفر بن فلاح بخزانة مال ، على ~~ثمانية وستين بغلا ، في صناديق ، فيها أربعمائة ألف دينار وسبعمائة ألف ~~درهم ؛ وستة وأربعين حملا من السلاح ؛ وعشر جمازات عليها دروع ؛ وست قباب ~~بفرشها وأهلتها ومناطقها وجميع آلاتها ، منها قبتان قرقرى مثقل وباقيها ~~ديباج ؛ وست جمازات تجنب بآلة الديباج الملون ؛ وثلاثين جمازة بأجلتها ؛ ~~وعشرة أفراس وثلاث بغلات بمراكبها ، ومنديل حمله خادم فيه ثياب مشرف ، بها ~~من ثياب العزيز وسيف من سيوفه . # وفي ثالث ربيع الآخر ركب الحاكم وابن عمار إلى القصور فودعا ابن فلاح ، ~~وسار في ثلاثة من كتامة وسبعمائة فارس من الغلمان ، وانضم إليه من عرب ~~الرملة ثمانية آلاف . # وفي النصف منه شق الحاكم المدينة وقد زينت زينة عظيمة ، وزيدان يحمل مظلة ms190 ~~عن يمينه ، وابن عمار عن يساره ، ويرجوان وحده خلفه ، فدخل الصناعة . ~~PageV02P009 # وأما منجوتكين فإنه لما بلغه ما فعله ابن عمار من إكرام كتامة وحطه من ~~مراتب المصطنعين الذين اصطنعهم العزيز من الأتراك خاف . فلم يكن غير قليل ~~حتى بلغه خروج سلمان بن جعفر بن فلاح إلى الشام بالكتاميين ، فسار إلى ~~الرملة مستعد القتال من يجيئه من مصر ؛ فالتقيا برفح . وكانت الوقعة بين ~~الطوالع ، فانهزم أصحاب منجوتكين ؛ وسار ابن فلاح إلى منجوتكين ، فلقيه ~~بظاهر عسقلان وقد انضم إليه ابن الجراح في كثير من العرب ؛ فاستأمن إلى ابن ~~فلاح عدة من أصحاب منجوتكين . واقتتلا يوم الجمعة ، رابع جمادى الأولى ، ~~فقتل كثير من أصحاب منجوتكين وأسر عدة منهم ؛ وانهزم منجوتكين بمن بقى معه ~~، فقطع من عسقلان إلى دمشق في ثلاثة أيام ، وأهلها في مجاعة من غلاء ~~الأسعار وقلة الطعام وقد راجت الغلال . فاجتمع أهل البلد إلى الجامع وهم ~~كثير ، فيهم حمال السلاح ومن يطلب الفتن . فقال الناس : نرح منجوتكين عنا ؛ ~~وقال طلاب الفتن : لا ، ما نقاتل معه ، وساروا إلى داره ومعهم قوم من المرج ~~يقال لهم الهياجنة ، أهل شر وفساد ، فنهبوها وما حولها من دور أمرائها . ~~وخرج منهزما في يسير من الجند فراسخ ، فنزل على ابن الجراح . # وبلغ ذلك ابن فلاح فأرسل بأخيه علي بن جعفر بن فلاح في ألفي رجل ؛ فنزل ~~بظاهر دمشق ، لست بقين منه ، وبعث إلى ابن الجراح رسولا بأن ينفذ منجوتكين ~~إلى مولانا PageV02P010 فإنا لا نريد به سوءا ، وهو آمن ، وبذل له مالا . ~~فسار منجوتكين ودخل القاهرة في ثاني عشري رجب ، فأنزله ابن عمار في دار ، ~~وكان يركب في خدمته ، وإذا لقيه وهو راكب ترجل له . وكان ابن عمار ينزله ~~أدون المراتب ، وغير رسومه كلها . # وأما علي بن جعفر بن فلاح فإنه لما قدم من عند أخيه ولى البلد لرجل من ~~المغاربة لم يكن عنده ما رآه ، بل كان فظا غليظا ، فشاق العامة وواجههم ، ~~فثاروا عليه بالسلاح ، وركب المغاربة ، وكانت بينهم حروب . ثم إن شيوخ ~~البلد خرجوا إليه وأصلحوا ms191 الأمر . # وسار علي من الرملة فنزل على دمشق في عسكر عظيم يوم الاثنين لست بقين من ~~رجب ، وأقام لا يأمر بخير ولا شر . # وأما ابن عمار فإنه لما نظر في الأمر كان ينزل على باب الحجرة التي فيها ~~الحاكم ، ويدخل القصر راكبا ، فيشق قاعة الدواوين ، ويدخل من الباب الذي ~~يجلس فيه خدم الخاصة ، ثم يعدل منه إلى باب الحجرة ، فينزل ويركب منه . ~~وكان الناس من الشيوخ والرؤساء على سائر طبقاتهم يبكرون إلى داره والباب ~~مغلق فيفتح بعد وقت ، فيدخل إليه الوجوه فيجلسون في قاعة الدار على حصير ~~وهو في مجلسه لا يدخل إليه أحد ، فإذا مضت لهم ساعة أذن للوجوه فالقاضي ، ~~وبعده كتامة والقواد ، فيدخل أعيانهم ؛ ثم يأذن لسائر الناس فلا يقدر أحد ~~على الوصول إليه ، فمنهم من يومى إلى تقبيل الأرض ، ومنهم من يقبل الركاب ، ~~ومنهم من يقبل ركبته . وتسلم النظر والإسطبلات عامرة ؛ فأخرج لرجال كتامة ~~وأحداثهم ألفا وخمسمائة فرس ، PageV02P011 ولم يبق من شيوخهم إلا من قاد ~~إليه الفرسين والثلاثة بمراكبها . وحمل لسلمان بن جعفر ابن فلاح ما يتجاوز ~~ألف رأس ، وجل رحل العزيز وأمتعته . وباع من الخيل والبغال والنجب والحمر ~~ما يتجاوز الألوف ؛ حتى بيعت الناقة بستة دنانير ، والحمار الذي قيمته ~~أربعون دينارا بأربعة دنانير . وقطع أكثر الرسوم التي كانت لأولياء الدولة ~~من الأتراك والعبيد ، وقطع أكثر ما كان في المطابخ . وقطع أرزاق جماعة ~~أرباب الراتب ، وفرق كثيرا من الجواري طلبا للتوفير . # واصطنع أحداث المغاربة ، فكثر عبث أشرارهم وامتدت أيديهم إلى أخذ الحرم ~~في الطرقات ؛ وعروا جماعة من الناس ، فكثرت الشكاية منهم ولم يبد كبير نكير ~~؛ فأفرط الأمر حتى تعرضوا إلى الأتراك يريدون أخذ ثيابهم ، فثار لذلك شر ~~قتل فيه واحد من المغاربة وغلام تركي ؛ فسار أولياء الكتامى ليأخذوا التركي ~~قاتله ويأتوا به إلى قبر المقتول فيعتقوه هناك ؛ فلما أخذوه قتلوه على قبر ~~الكتامي . فاجتمعت أكابر الطائفتين وتحزبوا ، فوقعت الحرب بينهما وقتل ~~جماعة ، وانطلقت ألسن كل منهما في الآخرين بالقبيح . وأقاموا على مصافهم ~~يومين آخرهما تاسع شعبان ، فركب ms192 ابن عمار في عاشره بآلة الحرب وقد حفت به ~~المغاربة ؛ وتبادر إليه الاتراك ؛ فاقتتل الفريقان وقتل منهما جماعة وجرح ~~كثير . وجيء لابن عمار بعدة رؤوس طرحت بين يديه ، فأنكر ذلك وظهر له الخطأ ~~في ركوبه ، فعاد إلى داره . # وجاء برجوان ليصلح الأمر ، فثار الغلمان وركبوا دار ابن عمار للفتك به ، ~~فأركب PageV02P012 برجوان إلى القصر وانبسطت أيدي المغاربة وأحداث الغلمان ~~والنهابة ، فانتهبوا دار ابن عمار واسطبلاته ، ودار رشا غلامه ، وأخذوا ما ~~لا يحصى كثرة . # وانعزل لثلاث بقين منه ، وتحول من القاهرة إلى داره بمصر . فكانت أيام ~~نظره أحد عشر شهرا غير خمسة أيام . فأقام بمصر سبعة وعشرين يوما ، ثم عاد ~~إلى القاهرة بأمر الحاكم فأقام بها لا يركب ولا يجتمع به سوى خدمه ؛ وأطلقت ~~له رسومه وجراياته وجرايات حشمه على رتبه في أيام نظره . # وتقدم الحاكم إلى برجوان أن ينظر في التدبير على ما كان ابن عمار ، فنظر ~~في ذلك لثلاث بقين من رمضان ، وسار إلى القصر وجمع الغلمان الأتراك ونهاهم ~~عن التعرض لأحد من الكتاميين والمغاربة . وقبض على عريف الباطلية ، فإنهم ~~كانوا قد نهبوا شيئا كثيرا لابن عمار ، وألزمه بإحضار ما نهب أصحابه . ~~وأجرى الرسوم والرواتب التي قطعها ابن عمار ، وأجرى لابن عمار ما كان يجري ~~له في أيام العزيز ، ولآله وحرمه ؛ ومبلغ ذلك من اللحم والتوابل والفاكهة ~~خمسمائة دينار في كل شهر ، يزيد على ذلك تارة وينقص أخرى على قدر الأسعار ، ~~مع ما كان له من الفاكهة ، وهو في كل يوم سلة بدينار ، وعشرة أرطال شمع كل ~~يوم ، وحمل ثلج عن يومين ؛ فأجرى له ذلك مدة حياته . PageV02P013 # وجعل برجوان أبا العلا ، فهد بن إبراهيم النصراني ؛ كاتبه ، يوقع عنه ، ~~فنظر في قصص الرافعين وظلاماتهم ، وطالعه بما يحتاج إليه ، فرتب الغلمان في ~~القصر وأكد عليهم في ملازمة الخدمة ، وتفقد أحوالهم . وأزاح علل أولياء ~~الدولة ، وتفقد أمور الناس وأزال ضروراتهم ، ومنع من الترجل له . وكان ~~الناس يلقونه في داره ، فإذا تكاملوا ركب وهم بين يديه إلى القصر . ولقب ~~كاتبه فهد بن إبراهيم ms193 بالرئيس ، فكان يخاطب بذلك ويكاتب به ، ويركب أكثر ~~الناس إلى داره حتى يخرج برجوان إلى القصر فيجلس فيه في آخر دهاليزه ، ~~ويجلس فهد في الدهليز الأول يوقع وينظر ويطالع برجوان بما يحتاج له ، فيخرج ~~الأمر بما يكون . فلم يزل الأمر على ذلك حتى انتهت مدتهما . # وكان الحاكم يركب كل يوم إلى الميدان ، فيجلس على سريره بالطارمة فتعرض ~~عليه الخيل ، والقراء بين يديه ، وربما أنشده الشعراء ؛ ثم ينصرف إلى القصر ~~فيجلس برجوان وكاتبه لأخذ رقاع المتظلمين وأرباب الحاجات ، فلا يزالان حتى ~~لا يبقى منهم أحد ، ثم يدخلان . فإذا فرغ الحاكم من غدائه ورفعت المائدة ~~تقدم أبو العلا فجلس بين يديه وبرجوان قائم على رأسه ، حتى يقرأ جميع تلك ~~الرقاع ويوقع عليها الحاكم في أعلاها بما يراه ، ثم يخرج بها فتفرق كلها ~~ويمضى بها إلى الديوان ، فتنفذ من غير مراجعة . وكان الحاكم إذا جلس في ~~الطارمة وأنشده الشعراء تناول برجوان قصائدهم فجعلها في كمه ؛ PageV02P014 ~~فإذا عرض رقاع الناس وفرغ من التوقيع قرأ القصائد وقد حضر من له تمييز ~~ومعرفة بالشعر . وكان الحاكم له من الحذق بذلك ما ليس لغيره ، فإذا أنشده ~~الشاعر أو أنشد له أبو الحسن لا ينشد ويمر بالبيت النادر أو المعنى الحسن ~~إلا نبه برجوان عليه واستعاده مرارا ، ثم يوقع لكل واحد منهم بقدر استحقاقه ~~ومبلغه من صناعته ، فتخرج صلاتهم بحسب ذلك . # وفي يوم الثلاثاء تاسع شعبان أهدت ست الملوك إلى أخيها الحاكم بأمر الله ~~ثلاثين فرسا مسرجة ، أحدها مرصع وآخر بلور ، وبقيتها ذهب ؛ وعشرين بغلة ~~مسرجة ملجمة ؛ وخمسين خادما منها عشرة صقالبة ، ومائة تخت ثياب ، وتاجا ~~مرصعا ، وشاشية مرصعة وأسفاطا كثيرة من طيب ، وبستانا من الفضة مزروعا من ~~أنواع الشجر . # وفي رمضان سومح أهل القلزم بما عليهم من مكوس المراكب . # وصلى الحاكم بالناس صلاة عيد الفطر بالمصلى وخطب ، وأصعد معه المنبر ~~الحسين بن جوهر والقاضي والأستاذ برجوان وجماعة . # وسارت قافلة الحاج من بركة الجب بالكسوة للكعبة ، والزيت والدقيق والقمح ~~والشمع والطيب لمكة والمدينة ، في تاسع ذي القعدة . وفيه ms194 خرج جيش بن ~~الصمصامة إلى الشام مكان سلمان بن جعفر بن فلاح ، فرحل ابن فلاح عن دمشق في ~~يوم الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة بعسكره وسار إلى الرملة . PageV02P015 # وفيها صلى الحاكم بالمصلى صلاة العيد يوم النحر بالناس وخطب على رسمه . # وورد الخبر من مدينة قوص بأن شدة نزلت بهم من برق ورعد ومطر وحجارة نزلت ~~من السماء ، منها ما لم يسمع بمثله ، وأنهم زلزلوا زلزلة شديدة قصفت النخل ~~والجميز ، واقتلعت خمسمائة نخلة من أصولها . وانبثق بقوص وأعمالها زرقة ~~خضراء على ظهر الأرض ، وغرقت عدة مراكب مشحونة بغلال تساوى أموالا كثيرة . # وفيها كتب الحاكم بأمر الله مع الشريف الداعي علي بن عبد الله سجلين لأبي ~~مناد باديس ابن يوسف بن زيرى ، أحدهما بولايته المغرب وتلقيبه نصير دولة ~~الحاكم ، والثاني بوفاة العزيز بالله وخلافة الحاكم وأخذه العهد على بني ~~مناد . فأنزل وأكرم وأخذ العهد على جميع قبائل صنهاجة وعمومهم بالبيعة ~~للحاكم في جمادى الآخرة ، ثم عاد ، فقدم إلى القاهرة يوم الخميس لليلتين ~~خلتا من جمادى الآخرة بعد أن وصله نصير الدولة بمال جليل وثياب وخيول . ~~PageV02P016 # | ودخلت سنة ثمان وثمانين وثلثمائة # . # في المحرم كان غطاس النصارى ؛ فضربت الخيام والمضارب والأشرعة في عدة ~~مواضع من شاطىء النيل ؛ ونصبت أسرة للرئيس فهد بن إبراهيم وأوقدت له الشموع ~~والمشاعل ؛ وحضر المغنون والملهون ، وجلس مع أهله يشرب إلى أن جاء وقت ~~الغطاس فغطس وانصرف . # وورد سابق الحاج لثمان خلون منه . # وخلع على أبي الحارث فحل بن إسماعيل بن تميم بن فحل الكتامي ، وقيد بين ~~يديه ، وحمل إليه ، وقلد صور وخلع على أبي سعيد ، وقلد الحسبة . وخلع على ~~أبي الحسن يانس الخادم الصقلبي ، وقلد بسيف ودفع إليه رمح وحمل على فرس ~~بمركب ذهب ثقيل ، وحمل إليه خمسة آلاف دينار وعدة من الخيل والثياب ومائة ~~غلام ، وسار لولاية برقة . # وخلع على خود الصقلبي وقلد بسيف ، وحمل ، وقيد بين يديه فرس ، وحمل إليه ~~ثياب ، وقلد الشرطة السفلى . وخلع على قيد الخادم الأسود بشرطة القاهرة ~~PageV02P017 ووصلت قافلة الحاج سابع عشر صفر ms195 . وسار ميسور الخادم الصقلبي ~~والباعلي طرابلس وخلع على فائق الخادم الصقلبي وجعل على الأسطول . # وفي سادس عشر ربيع الأول كان نوروز الفرس ، فأهدى الأتراك وقوادهم وجماعة ~~الأولياء إلى الحاكم الخيل والسلاح الكثير ، فقبل يسيرا منه وشكر ذلك لهم ، ~~ورد الباقي إليهم . # وفي أول ربيع الآخر قدم سلمان بن فلاح وأخوه من الرملة . # وفي سادس عشر كان فصح النصارى ، فخلع على فهد بن إبراهيم خلعة حملت إلى ~~داره ومعها بغلتان بمركبيهما وألف دينار . وخلع على أبي سعادة أيمن الخادم ~~، أخي برجوان ، وقلد غزة وعسقلان في سادس جمادى الأولى . وورد الخبر بفتح ~~صور . وذلك أن أهل صور ثاروا على من عندهم من المغاربة وقتلوا منهم جماعة ، ~~وقتلوا من بقى ؛ وغلب على البلد رجل من البجوية يقال له العلاقة وأرسل إلى ~~الروم ، فسيروا إليه بمراكب فيها رجال ، فخرج إليهم عسكره ، وسارت إليها ~~المراكب من مصر فقاتلوا من بها من الروم فانهزموا عنها في مراكبهم ، وبدت ~~أهل البلد فألح القتال عليهم حتى ملكت منهم . وامتنع العلاقة ومعه طائفة في ~~بعض الأبرجة ؛ ثم طلبوا الأمان . فانتهبت المدينة وأخذ منها ما لا يعرف ~~قدره كثرة في الرابع عشر من جمادى الآخرة . وحمل PageV02P018 العلاقة مقيدا ~~، وسيق في جماعة معهم إلى القاهرة فشهروا ، وقد ألبس العلاقة طرطورا من ~~رصاص له عظم وثقل على رأسه ، وكاد أن يغوص على رقبته ؛ ثم قتل وصلب وقتلت ~~أصحابه . # وفي شعبان ورد الخبر من جيش بمواقعة الروم على فامية وأنطاكية . وذلك أن ~~جيشا نزل على دمشق ، ونزل بشارة إلى طبرية أيضا ، لأربع خلون من رجب ؛ وكتب ~~إلى بشارة بولاية دمشق فأقر عليا واليا من قبله ؛ وسار بعساكره ، هو جيش ، ~~في رابع عشره إلى فامية وبها الروم . فاشتد القتال بينهم وبين الروم ، ~~فانهزم المسلمون وملك الروم سوادهم . ثم غلبوا وعادوا إلى محاربة الروم ، ~~فواقعوهم ، فانهزم الروم وقتل منهم نحو خمسة آلاف وقتل مقدمهم ؛ وذلك لتسع ~~بقين من رجب . ورجع المنهزمون إلى جيش ابن الصمصامة وقد خافوه ، فسار بهم ~~إلى نحو مرعش ، فأحرقوا ، وهدموا ولم ms196 يلقهم أحد ونزل على أنطاكية فقاتل ~~أهلها أياما ؛ ثم رحل عنها إلى شيزر . # وسار بشارة إلى دمشق ، فنزلها للنصف من شوال على أنه قد ولى البلد ؛ ~~فأقبل إليه جيش فنزل ظاهر المزة ، لسبع بقين من ذي القعدة ، وقد هجم الشتاء ~~؛ فوافى الكتاب PageV02P019 من مصر بعزل بشارة عن دمشق وولايته طبرية ، ~~واستقرار جيش على ولاية دمشق ، فدخلها واستقر بها . # وفي شهر رمضان صلى الحاكم بجامع القاهرة بالناس بعد ما خطب وعليه رداء ، ~~وهو متقلد سيفا وبيده قضيب ، وزرر عليه جلال القبة لما خطب ، وقال خطبة ~~مختصرة سمعها من قرب منه . وهي أول جمعة صلاها ؛ ثم صلى جمعة أخرى ؛ وصلى ~~صلاة عيد الفطر في المصلى ، وخطب على الرسم المعتاد ، وحضر السماط . # وأحضرت امرأة من الشام في علبة طولها ذراع واحد من غير زيادة ، وافت من ~~خراسان ، ومعها أخ لها في قد الرجال ، فأنزلت بالقصر وأقيم لها ولمن معها ~~الأنزال ، وكانوا عدة ، وقطع لها في وقت واحد مائة ثوب مثقل وحرير . وكانت ~~مليحة الكلام نظيفة ، ولبثت بضعة وثلاثين يوما وماتت ، فكانت لها جنازة ~~عظيمة . # وسارت قافلة الحاج في ثالث عشر ذي القعدة بالكسوة والصلات على العادة . ~~وصلى الحاكم يوم عيد النحر بالمصلى وخطب . # ووصل خود من قبل جيش بن الصمصامة في عشري ذي القعدة ومعه عدة أسارى ورءوس ~~كثيرة ، فطيف بهم في البلد ، ثم عفى عن الأسرى وأطلقوا PageV02P020 # | سنة ثمان وثمانين وثلثمائة # في حادي عشر المحرم ورد سابق الحاج فأخبر أن عدن احترقت كلها وتلف فيها ~~من المال ما لا يعرف له قيمة لكثرته . # وفي ليلة الرابع من صفر مات قاضي القضاة محمد بن النعمان فركب الحاكم ~~وصلى عليه . وله من العمر تسع وأربعون سنة إلا يوما ؛ ومولده لثلاث خلون من ~~صفر سنة أربعين وثلثمائة ؛ وكانت مدة ولايته القضاء بمصر وأعمالها أربع ~~عشرة سنة وستة أشهر وعشرة أيام . ودفن بداره ثم نقل إلى القرافة ؛ وقيدت ~~دوابه إلى الاصطبل . وترك عليه دينا للأيتام وغيرهم عشرين ألف دينار ، وقيل ~~ستة وثلاثين ألف دينار ؛ فبعث برجوان ms197 كاتبه أبا العلاء فهد بن إبراهيم فختم ~~على جميع ما ترك القاضي ، ولم يمكن ورثته من شيء ، وباع ذلك كله . وطالب ~~الأمناء والعدول بأموال اليتامى المتبقية عليهم في ديوان القضاء ، فزعموا ~~أن القاضي قبضها ، وأقام بعضهم بينة على ذلك وعجز بعضهم ، فأغرم من لم يقم ~~بينة ما ثبت عليه . فاجتمع من البيع والأمناء ثمانية عشر ألف دينار ، أخذها ~~الغرماء بحق النصف مما لهم . وأمر الحاكم ألا يودع عند عدل ولا أمين شيء من ~~أموال اليتامى ، وأن يكتروا مخزنا في زقاق القناديل وتودع فيه أموال ~~اليتامى ، فإذا أرادوا دفع أموال اليتامى حضر أربعة من ثقات القاضي ، وجاء ~~كل أمين فأطلق لمن يلي عليه رزقه بعد مشورة القاضي في ذلك ، فكتب على ~~الأمين وثيقة بما بقبضه من المال لمن يلي عليه . ورجم في ولايته رجلا زنى ~~في ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة . وكان أكثر أيامه PageV02P021 ~~عليلا بالنقرس والقولنج ؛ وكان برجوان ، على كلالته يعوده إذا مرض فمن دونه ~~. وكان يكاتب بقاضي القضاة . وعلت منزلته حتى جاز حد القضاة ، وكانت النعمة ~~تليق به ؛ وعم إحسانه سائر أصحابه وأتباعه . وكان حسن الخلق ، ندي الوجه ، ~~فاخر الزي يلبس الدراعة والعمامة بغير طيلسان ، كثير الاستعمال للطيب ~~والبخور في مجلسه ؛ وإن أعطى أعطى كثيرا وافرا . # ولما مرض رأى كأن الحق تعالى نزل من السماء ، فلما بلغ باب داره مات ؛ ~~فقال له ابن قديد عابر الرؤيا موت الحق إبطاله ، والله هو الحق ، ولا يزال ~~الحق حيا حتى يصير إلى بابك فيموت ، فمات هو بعد ذلك بقليل . # ومن شعره : # أيا مشبه البدر بدر السماء . . . لسبع وخمس مضت واثنتين # ويا كامل الحسن في نعته . . . شغلت فؤادي وأنهرت عيني # فهل لي من مطمع أرتجيه . . . وإلا انصرفت بخفى حنين # ويشمت بي شامت في هواك . . . صفر اليديين # فإما مننت وإما قتلت . . . فأنت القدير على الحالتين # ومنه : # تأمل لذى الدنيا ، تجدها مشوبة . . . سرورا بحزن في تقلب أحوال # وقد قسمت أشياؤها بين أهلها . . . فمال بلا أمن ، وأمن بلا مال ~~PageV02P022 # وأقامت البلد بعد موته تسع عشرة ms198 ليلة بغير قاض . # وفي ثالث عشر منه استدعى برجوان أبا عبد الله الحسين بن علي ، ابن ~~النعمان ، إلى حضرة الحاكم بأمر الله ، وأضعف له أرزاق عمه وصلاته ~~وإقطاعاته ، وقال له : قد أرحت عليك ، فلا توجد لي سبيلا إليك بتعرضك لدرهم ~~من أموال المسلمين فقد أغنيتك عنها . ثم خلع عليه ثيابا بيضا ورداء محشى ~~مذهبا وعمامة مذهبة ، وقلده سيفا وحمله على بغلة ، وقاد بين يديه بغلتين ~~بسروجهما ولجمهما ، وحمل معه ثيابا كثيرة صحاحا ؛ ورد إليه القضاء بمصر ~~وأعمالها ؛ ولم يظن ذلك أحد لضعف حاله وكان الناس يتخيلون ولاية عبد العزيز ~~بن محمد بن النعمان بعد أبيه لأنه كان يخلف أباه فنزل إلى الجامع العتيق ، ~~وقرئ سجله على منبره . فنظر بين الناس ، وأوقف شهادة جماعة من الشهود ، ~~وندب أربعة لكشف أحوال الشهود ؛ وألزم ولاة أمور الأيتام برفع حسابهم . ~~وطالب عبد العزيز بن النعمان بما على أبيه من أموال الأيتام . وجعل موضعا ~~بزقاق القناديل يكون مودعا لأموال الأيتام ، وجعل خمسة من الشهود يضبطون ما ~~يرد إليه وما يخرج منه بحجج يكتب فيها خطوطهم ؛ فاستحسن ذلك من فعله . وهو ~~أول من اتخذ مودعا للأيتام من القضاة . # واستخلف بمصر أبا عبد الله الحسين بن محمد بن طاهر ، وبالقاهرة أبا الحسن ~~مالك ابن سعيد الفارقي ؛ وعلى العرض والنظر بين المتحاكمين إذا غاب ، الحسن ~~بن طاهر وأبا العباس أحمد بن محمد بن عبيد الله بن العوام . واستكتب أبا ~~طاهر زيد بن أحمد بن السندي وأبا القاسم علي بن عبد الرزاق ؛ وجعل إلى أخيه ~~أبي النعمان المنذر بن علي النظر في العيار ودار الضرب . واستخلف على ~~الإسكندرية وأعمالها . PageV02P023 # وقوى أمره ، وتشدد في الأحكام ، وقبل شهادة من أوقف شهادته وعزل آخرين ؛ ~~واتخذ حاجبا . وتولى أمر الدعوة وقراءة ما يقرأ في القصر من مجالس الدعوة ~~وكتبها ؛ وعلت منزلته . # وفي خامس عشري صفر وصل حاج البيت . وصلى الحاكم في رمضان بالناس جمعتين ؛ ~~وخطب وصلى صلاة عيد الفطر ، وخطب ، وأصعد القاضي معه في جماعة ، وجلس على ~~السماط . # وسارت قافلة الحاج أول ذي ms199 القعدة بالكسوة والصلات على العادة . وصلى ~~الحاكم صلاة عيد النحر وخطب على الرسم ؛ وأجرى الناس في أضاحيهم على ~~عوائدهم . وعمل عيد الغدير على العادة ، وطاف الناس بالقصر على رسمهم . ~~PageV02P024 # | سنة تسعين وثلثمائة # في أول يوم من المحرم ظهر الحاكم ودخل الناس فهنئوه بالعام . # كان سعر الخبز ستة عشر رطلا بدرهم . وسقط إصطبل فهد بن إبراهيم فمات له ~~نحو ستين بغلة . # وفي حادي عشر صفر وصلت قافلة الحاج من غير أن يدخلوا إلى المدينة النبوية ~~. وفي سادس عشر من ربيع الآخر أنهد الحاكم إلى برجوان عشية يستدعيه للركوب ~~معه إلى المقس ، فجاء بعد بطء وقد ضاق الوقت إلى القصر ، ودخل بالموكب ~~ورؤساء الدولة والكتاب إلى الباب الذي يخرج منه الحاكم إلى المقس ؛ فلم يكن ~~بأسرع من خروج عقيق الخادم وهو يصيح : قتل مولاي ؛ وكان عقيق عينا لبرجوان ~~في القصر وقد جعله على خزاناته الخاصة . فاضطرب الناس وبادروا إلى باب ~~القصر الكبير فوقفوا عنده ؛ وأشرف عليهم الحاكم . وقام زيدان ، صاحب المظلة ~~، فصاح بهم : من كان في الطاعة فلينصرف إلى منزله ويبكر إلى القصر المعمور ~~؛ فانصرف الجميع . وكان قتل برجوان في بستان يعرف بدويرة التين والعناب كان ~~الحاكم فيه مع زيدان فجاء برجوان ووقف مع زيدان . فسار الحاكم حتى خرج من ~~باب الدويرة ، فعاجل زيدان وضرب برجوان بسكين كانت في خفه ، PageV02P025 ~~وابتدره قوم ، وقد أعدوا له السكاكين والخناجر ، فقتل مكانه ، وحزت رأسه ~~وطرح عليه حائط . # وسبب ذلك أن برجوان لما بلغ النهاية قصر في الخدمة ، واستقل بلذاته وأقبل ~~على سماع الغناء ؛ وكان كثير الطرب شديد الشغف به ، فكان يجمع المغنين من ~~الرجال والنساء بداره فيكون معهم كأحدهم ، ولا يخرج من داره حتى يمضى صدر ~~من النهار ويتكامل الناس على بابه ، فيركب إلى القصر ، ولا يمضى إلا ما ~~يختار من غير مشاورة ؛ فلما استبد بالأمر تجرد الحاكم للنظر . # وكان برجوان من استبداده يكثر من الدالة على الحاكم ، فحقد عليه أمورا ، ~~منها أنه قال بعد قتله إنه كان سيىء الأدب جدا ، والله إني لأذكر وقد ms200 ~~استدعيته يوما ونحن ركبان فصار إلي ورجله على عنق دابته وبطن خفه قبالة ~~وجهي ، فشاغلته بالحديث ولم أره فكرة في ذلك . وغير ذلك مما يطول شرحه . # وأنهد الحاكم بعد قتل برجوان فأحضر كاتبه فهد بن إبراهيم في الليل وأمنه ~~، وقال : أنت كاتبي وصاحبك عبدي ، وهو كان الواسطة بيني وبينك ؛ وجرت منه ~~أشياء أنكرتها عليه فجازيته عليها بما استوجبه ؛ فكن أنت على رسمك في كتابك ~~آمنا على نفسك ومالك . # فكانت مدة نظر برجوان سنتين وثمانية أشهر غير يوم واحد . وبرجوان بفتح ~~الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الجيم والواو وبعد الألف نون . PageV02P026 # وبكر الناس إلى القصر فوقفوا بالباب ، ونزل القائد أبو عبد الله الحسين ~~بن جوهر القائد وحده إلى القصر وأذن للناس ، فدخلوا إلى الحضرة ، وخرج ~~الحاكم على فرس أشقر ، فوقف في صحن القصر قائما ، وزيدان عن يمينه وأبو ~~القاسم الفارقي عن يساره ، والناس قيام بين يديه ؛ فقال لهم بنفسه من غير ~~واسطة : إن برجوان عبدي ، استخدمته فنصح فأحسنت إليه ؛ ثم أساء في أشياء ~~عملها فقتلته ؛ والآن فأنتم شيوخ دولتي وأشار إلى كتامة وأنتم عندي الآن ~~أفضل مما كنتم فيه مما تقدم . والتفت إلى الأتراك وقال لهم : أنتم تربية ~~العزيز بالله وفي مقام الأولاد ، وما لكل أحد عنيد إلا ما يؤثره ويحبه ، ~~فكونوا على رسومكم ، وامضوا إلى منازلكم ، وخذوا على أيدي سفهائكم . فدعوا ~~جميعا وقبلوا الأرض ، وانصرفوا . # وأمر بكتابة سجل أنشأه أبو منصور بن سورين كاتب الإنشاء ، قرىء بسائر ~~الجوامع في مصر والقاهرة والجيزة والجزيرة ، نصه بعد البسملة : من عبد الله ~~ووليه ، المنصور أبي علي ، الإمام الحاكم بأمر الله ، أمير المؤمنين ، إلى ~~سائر من شهد الصلاة الجامعة في مساجد القاهرة المعزية ومصر والجزيرة : سلام ~~عليكم معاشر المسلمين المصلين في يومنا هذا في الجوامع ، وسائر الناس كافة ~~أجمعين ، فإن أمير المؤمنين يحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، ويسأله ~~أن يصلي على جده محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين وعلى أهل بيته الطاهرين . ~~أما بعد ؛ فالحمد لله الذي قال ، وقوله الحق المبين : ' لو ms201 كان فيهما آلهة ~~إلا الله لفسدتا ، فسبحان الله رب العرش عما يصفون لا يسأل عما PageV02P027 ~~يفعل ، وهم يسألون ' يحمده أمير المؤمنين على ما أعطاه من خلافته ، وجعل ~~إليه فيها دون بريته من الضبط والقبض ، والإبرام والنقض . معاشر الناس ، إن ~~برجوان كان فيما مضى عبدا ناصحا ، أرضى أمير المؤمنين حينا ، فاستخدمهم كما ~~يشاء فيما يشاء ، وفعل به ما شاء كما سبق في العلوم وجاز عليه في المختوم . ~~قال الله عز وجل : ' ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ، ولكن ينزل ~~بقدر ما يشاء ، إنه بعباده خبير بصير ' ولقد كان أمير المؤمنين ملكه ، فلما ~~أساء ألبسه النقم ، لقول الله تعالى : ' فلما آسفونا انتقمنا منهم ' وقوله ~~عز وجل : ' إن الإنسان ليطغى ' ، أن رآه استغنى فحظره أمير المؤمنين عما ~~صبا إليه ، ونزعه ما كان فيه ؛ وتمت مشيئة الله عز وجل ، ونفذ قضاؤه ~~وتقديره فيه . ' وكان ذلك في الكتاب مسطورا ' فأقبلوا معاشر التجار والرعية ~~على معايشكم واشتغلوا بأشغالكم ، فهو أعود لشأنكم ؛ ولا تطغوا في أمر ~~أنفسكم فلأمير المؤمنين الرأي فيه وفيكم . فمن كانت له منكم مطالبة أو حاجة ~~فليمض إلى أمير المؤمنين بها ، فإنه مباشر ذلك لكم بنفسه ، وبابه مفتوح ~~بينكم وبينه . والله ' يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم وأنتم ~~رعايا أمير المؤمنين المفتحة لها أبواب عدله وإحسانه وفضله . والله يريده ~~فيما يريده ويعتمده من الخير لمن أطاعه من الأنام ، والحماية لحمى الإسلام ~~؛ ' عليه توكلت وإليه أنيب ' والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وكتب يوم ~~الجمعة لثلاث بقين من PageV02P028 شهر ربيع الآخر سنة تسعين وثلثمائة . ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الأخيار وسلم تسليما . # وكتبت سجلات على نسخة واحدة ، وأنفذت إلى سائر النواحي والأعمال . # ولثلاث خلون من جمادى الأولى خلع على القائد الحسين بن جوهر ثوب ديباج ~~أحمر ، ومنديل أزرق مذهب ، وتقلد سيفا عليه ذهب ، وحمل على فرس بسرج ولجام ~~ذهب ، وبين يديه ثلاثة أفراس بمراكبها ، وخمسون ثوبا من كل فن . ورد إليه ~~الحاكم التوقيعات والنظر في أمور الناس وتدبير المملكة وإنصاف ms202 المظلوم . ~~وخلع على فهد بن إبراهيم ، وحمل على بغلة وبين يديه بغلة أخرى وعشرون ثوبا ~~. فانصرف القائد ، وخلفه فهد وسائر الناس بين يديه ، إلى داره . وتقدم إلى ~~فهد بالتوقيعات في رقاع الرافعين على رسمه ، وأن يعاضد القائد حسينا في ~~النظر ويعاونه ويخلفه إذا غاب . فكان القائد يبكر إلى القصر ومعه الرئيس ~~فهد ، فينظران في أمور الناس وينهيان الأمور إلى الحاكم ، والقائد متقدم ~~وفهد يتبعه ، فإذا دخلا إلى حضرة الحاكم جلس القائد وقام فهد خلفه فيعرضان ~~الكتب والرقاع عليه . وأمر القائد ألا يلقاه أحد من الناس على طريق ولا ~~يركب إليه إلى داره أحد لقضاء حق ولا سؤال في مصلحة ، ومن كان له حاجة ~~يلقاه في القصر . ونهى الناس أن يخاطبوه في الرقاع التي تكتب إليه بسيدنا ~~ومولانا ، ولا يخاطبونه ويكاتبونه إلا بالقائد فقط ، ولا يخاطب فهد ويكاتب ~~إلا بالرئيس فقط . # وحمل فهد إلى الحاكم هدية ، منها ثلاثون بغلة بألوان من الأجلة ، وعشرون ~~فرسا منها عشرة مسرجة ملجمة وعشرة بجلال ملونة ، وعشرون ألف دينار ، وسفط ~~فيه حلة دبيقية مذهبة لم ير مثلها ، ودرج فيه جوهر ، وأسفاط كثيرة فيها ~~البز الرفيع ، وخزانة مدهونة . PageV02P029 وأمر أبو جعفر محمد بن حسين بن ~~مهذب ، صاحب بيت المال ، بإحضار تركة برجوان فوجد فيها مائة منديل شرب ~~ملونة معممة كلها على مائة شاشية ، وألف سروال دبيقي بألف تكة حرير أرمني ، ~~ومن الثياب المخيطة والصحاح والحلى والمصاغ والطيب والفرش ما لا يحصى كثرة ~~، ومن العين ثلاثة وثلاثون ألف دينار ، ومائة وخمسون فرسا لركابه ، وخمسون ~~بغلة ، وثلثمائة رأس من بغال النقل ودواب الغلمان ، ومائة وخمسون سرجا منها ~~عشرون من ذهب ، ومن الكتب شيء كثير . # لما ركب القائد حسين رأى جماعة من قواد الأتراك قياما على الطريق ~~ينتظرونه فوقف وقال : كلنا عبيد مولانا صلوات الله عليه ومماليكه ، وليس ~~والله أبرح من موضعي أو تنصرفوا عني ، ولا يلقاني أحد إلا في القصر . ~~فانصرفوا . وأقام خدما من الصقالبة بنوب على الطريق يمنعون الناس من المصير ~~إلى داره ومن لقائه إلا في القصر ms203 ؛ وجلس في موضع رسم له بالجلوس فيه . # وتقدم حسين بن جوهر إلى أبي الفتوح مسعود الصقلبي صاحب الستر بأن يوصل ~~الناس بأسرهم إلى الحاكم ولا يمنع أحدا ، وأن يعرف رسم كل من يحضر من يجلس ~~للتوقيع إذا وقع له . فدخل الناس ليأخذ رقاعهم وقصصهم ، ووقع فيها ، ~~والحاكم في مكانه جالس يدخل إليه أرباب الحوائج ويشاور في الأمور المهمة . # ووصل إلى الحاكم جماعة ممن كان يدخل في الليل إلى العزيز ، وأمروا ~~بملازمة القصر وقت جلوسه ودوام الجلوس بالعشايا ؛ فدخل أول ليلة ، وهي ليلة ~~الأربعاء سابع جمادى الأولى ، القائد الحسين والقائد فضل بن صالح والحسين ~~بن الحسن البازيار . فجلس حسين بن جوهر من اليمين ، وإلى جانبه فضل بن صالح ~~ودونه ابن البازيار ، وبعده أبو الحسن علي بن PageV02P030 إبراهيم المرسي ، ~~ويليه القاضي عبد العزيز بن محمد بن النعمان ؛ وجلس من اليسار رجاء ومسعود ~~ابنا أبي الحسين ، ودونهما أبو الفتح منصور بن معشر الطبيب ، وأبو الحسين ~~بن المغربي الكاتب وأخوه . ووقف عنده عدة من الأقارب وجماعة من القواد ، ~~منهم منجوتكين وغيره ، ثم دخل بعد ذلك جماعة منهم ابن طاهر الوزان . فجرى ~~الرسم على ذلك إلى اثني عشر جمادى الآخرة . ثم صار السلام يخرج فينصرفون ~~إلا ابن البازيار وابن معشر الطبيب وعبد الأعلى بن هاشم من القرابة ، فإنهم ~~يجلسون فربما أطالوا الجلوس وربما خدموا . # وركب الحاكم عدة مرار إلى ناحية سردوس وإلى بركة الجب وإلى عين شمس ~~وحلوان للصيد وغيره . وفي سابع عشري جمادى الآخرة قرئ سجل على سائر منابر ~~المساجد الجامعة بأن يلقب القائد حسين بن جوهر بقائد القواد . وخلع على ~~جابر بن منصور الجودري جبة مثقلة ومنديل بذهب ، وحمل بين يديه ثياب كثيرة ~~وقلد بسيف ، وندب ناظرا في السواحل والحسبة بمصر . # وأما الشام فإن جيش بن الصمصامة لما استقر بدمشق ، وقد خرب البلد وضعف ~~وقل ناسه وطمعت رعيته ، فكان فيهم جهال يأخذون الخفارة ويطمعون في أموال ~~أهل السلامة ، فصارت لهم أموال وخيول ومشى بين أيديهم الرجال ، وقويت ~~نفوسهم ، وصاروا يوالون خروجهم مع جيش ms204 في وقائع الروم ؛ فوعدهم جيش ~~بالأرزاق فاطمأنوا إليه . ثم إنه رتب جماعة وقبض على المذكورين وقيدهم ، ~~وأمر بهم فحبسوا ، وأفاض عليهم العذاب حتى سلبهم PageV02P031 جميع أموالهم ~~، وتتبع من استتر منهم فضرب أعناقهم وصلبهم على أبواب البلد فلم يبق منهم ~~أحد . # فلما خلا له البلد من حمال السلاح طمع في أهل القرى ، فعم كثيرا من الناس ~~البلاء منه ، وشمل أهل المدينة والقرى ضرره ، حتى غلق أكثر الأسواق ، وضج ~~الناس إلى الله بالدعاء وهو يعدهم بحريق البلد وبذل السيف فيهم ، فهرب كثير ~~من الناس عن البلد . # ووصل الخبر بقدوم عسكر الروم ، فأخذ جيش في جمع العرب ؛ ونزل ملك الروم ~~على شيزر وفيها عسكر من قبل الحاكم ، فقاتلهم حتى ملكهم بأمان . ونزلت ~~العرب الذين جمعهم جيش فيما بين حرستا والقابول ؛ وانتقل الروم من شيزر إلى ~~حمص فأخذوها وسبوا أهلها وأحرقوا ؛ وذلك في ذي الحجة سنة تسع وثمانين ، وهي ~~دخلة الروم الثالثة إلى حمص ، فأقاموا بها وقد اشتد البرد وغلت عليهم ~~الأسعار حتى بيعت العليقة عندهم بدينار فرحلوا ، وقد مات أكثر دوابهم ، إلى ~~طرابلس ، فنزلوا عليها وهم في ضيق ؛ ثم رحلوا عنها إلى ميافارقين وآمد ، ~~وهادنوهم . ثم ساروا إلى أرمينية . وزاد جور جيش وأسرف في الظلم ، وكان به ~~طرف جذام فاشتد به ، وسقط شعر بدنه ، ورشح جسمه واسود حتى انمحت سحنة وجهه ~~وزاد وأروح سائر بدنه ؛ فكان يصيح : PageV02P032 ويحكم ! اقتلوني ، أريحوني ~~! ! إلى أن هلك يوم الأحد لسبع خلون من ربيع الآخر . فكان مقامه بدمشق ستة ~~عشر شهرا وستة عشر يوما . ووصل ابنه أبو عبد الله بتركته إلى القاهرة فخلع ~~عليه الحاكم وحمله . ورفع زيدان إلى الحاكم درجا بخط جيش وفيه وصية وثبت ~~بما خلف مفصلا مشروحا ، وأن ذلك جميعه لأمير المؤمنين الحاكم بأمر الله لا ~~يستحق أحد من أولاده منه درهما ؛ وكان ذلك يبلغ نحو مائتي ألف دينار ، ما ~~بين عين ورحل ومتاع . وقد قال فيه جيش : لو زيدان يتسلم ذلك فإنه على بغال ~~تحت القصر بظاهر والقاهرة . فأخذ الحاكم الدرج وأوصله لابني جيش ms205 ، وخلع ~~عليهما ، وقال لهما بحضرة أولياء الدولة ووجوهها : قد وقفت على وصية أبيكما ~~، رحمه الله ، من عين ومتاع فيما وصى به ، فخذوه هنيئا مباركا لكما فيه . ~~فانصرفا بجميع التركة . # وأقطعت سيدة الملك على عبرة سنة تسع وثمانين الخراجية إقطاعا مبلغه مائة ~~ألف دينار ، منها ضياع في الصعيد وأسفل الأرض ثمانية وستون ألفا وأربعمائة ~~وخمسون دينارا ؛ منها بوتيج ستة آلاف وسبعمائة وخمسون دينارا ، وصهرشت سبعة ~~عشر ألف دينار ، ودمنهور خمسة آلاف دينار ؛ وباقي ذلك ، وهو أحد وثلاثون ~~ألف دينار وخمسمائة وخمسون دينارا ، من دور وبساتين ورسوم . PageV02P033 # وأما المغرب فإن الأستاذ برجوان لما ولى تدبير الدولة ثقل عليه أبو الحسن ~~يانس الصقلبي العزيزي ، فإنه كان ينافسه في الرئاسة ، فتحيل حتى أخرجه إلى ~~برقة كما تقدم ، فتوالت كتب تموصلت بن بكار يسأله أن يأتيه أحد ليسلمه ~~مدينة أطرابلس ، وتقدم إلى الحضرة . فقصد برجوان إبعاد يانس ، فكتب إليه ~~حتى سار إليها وقدم إليها للنصف من جمادى الأولى سنة سبعين ، فسلمه تموصلت ~~البلد ومضى إلى القاهرة وقد تأخر أكثر عسكره مع يانس ، فاختلفوا مع أصحابه ~~حتى اقتتلوا وخرجوا أقبح خروج إلى إفريقية ، وشكوا ما نزل بهم إلى نصير ~~الدولة أبي مناد باديس . فبعث القائد جعفر بن حبيب على عسكر ، فقاتل يانس ، ~~فقتل في رابع ذي القعدة . وبادر فتوح بن علي بن عقيان من أصحاب يانس إلى ~~أطرابلس ، فدخلها ، وانضم إليه بقية أصحابه وقاتل بها جعفر بن حبيب سنة ~~إحدى وتسعين ، واستمد الحاكم ، فأمده بيحيى بن علي بن الأندلسي على عسكر ، ~~فاختلف عليه أصحابه وعاد أقبح عود إلى القاهرة . فأراد الحاكم قتله ، فأظهر ~~كتاب زيدان صاحب المظلة بخطه أن يدفع إليه المال من برقة ، وأنه قبض ذلك من ~~مال الحضرة ، فلم يجد ببرقة مالا ينفقه على العساكر ؛ فقبل هذا العذر وقتل ~~زيدان على ما فعل . # وكان مع يحيى بن علي عند خروجه من المغرب جماعة من بني قرة ، فكسروا ~~عسكره ورجعوا إلى موضعهم ؛ فبعث الحاكم يستدعيهم إلى القاهرة ، فخافوا ~~وامتنعوا ؛ فأعرض عنهم مدة ثم كتب إليهم ms206 أمانا ، فبعثوا رهائن منهم ؛ ~~فأمرهم بالوصول إلى الإسكندرية ليقفوا على ما يأمرهم به ، فحذر أكثرهم ، ~~وقدمت طائفة إلى الإسكندرية فقتلوا وحملت PageV02P034 رؤوسهم إلى القاهرة ، ~~وقتل من كان بها من رهائنهم ؛ فنفرت عنه بنو قرة ، وكان منهم ما يأتي ذكره ~~من قيامهم مع أبي ركوة . # وفي ثالث رجب خلع على أبي القاسم عبد العزيز بن محمد بن النعمان ، ونزل ~~إلى الجامع العتيق وبين يديه ثياب صحاح ، وحمل على بغلتين مسرجتين ملجمتين ~~؛ وقرئ له سجل بالنظر في المظالم وسماع البينة فيها . # وحمل رحل برجوان إلى القصر على ثمانين حمارا . وقرئ سجل بالقصر نصه بعد ~~البسملة : معاشر من يسمع هذا النداء من الناس أجمعين : إن الله وله ~~الكبرياء والعظمة أوجب اختصاص الأئمة بما لا يشركها فيه أحد من الأمة . فمن ~~أقدم بعد قراءة هذا المنشور على مخاطبة أو مكاتبة لغير الحضرة المقدسة ~~بسيدنا أو مولانا فقد أحل أمير المؤمنين دمه . # فليبلغ الشاهد الغائب إن شاء الله . # وأفطر في رمضان مع الحاكم جماعة رتبوا عن يمينه ويساره ؛ وصلى فيه جمعتين ~~بالناس ، وركب لفتح الخليج . ووصل تموصلت بن بكار الأسود ، عبد ابن زيرى ، ~~وكان قد ولاه طرابلس المغرب ، فجار على أهلها وأخذ منها مالا كثيرا وفر ~~خوفا من مولاه ؛ فسار من طرابلس المغرب ، ومعه نيف وستون ولدا ما بين ذكر ~~وأنثى ، في عسكر كبير ، بعد أن مر ببرقة ، ودفع ليانس العزيزي متوليها ~~ثلاثين ألف دينار لخاصة نفقته ، وأنفق في عسكره ورجاله مالا كثيرا ، وسلم ~~إليه مخازن فيها العسل والسمن والقمح والشعير والزيت وغيره . فجلس له ~~الحاكم وأجلسه ، فكان من كلامه للحاكم : قد وصلت إلى حضرة مولانا بالأهل ~~والمال PageV02P035 والولد ومعي ما يكفيني ويكفي عقب عقبي ؛ ولكن الرجال ~~الذين معي رجال مولانا ، وهو يحسن إليهم على ما يراه . # وأهدى إلى الحاكم مائة ألف دينار ومائة ألف درهم ، ونيفا وخمسين حملا من ~~البز والطرف ، وثمانين فرسا منها أربعون بسرجها ولجمها ؛ وأربعين بغلا ؛ ~~وخمسين بختيا بأكوارها ؛ ومائتي جمل . فخلع عليه وعلى من حضر من أولاده ، ~~وسار إلى دار ms207 قد أعدت له فيها خمس وثلاثون حجرة ، في كل حجرة آلاتها وفرشها ~~؛ فبلغت النفقة على هذه الدار خمسة آلاف دينار . # وفي يوم عيد الفطر صلى الحاكم بالناس بالمصلى ، وخطب على رسمه ، وأصعد ~~ابن النعمان وعدة من القواد معه المنبر ، فجلس على الدرج . # ولخمس خلون من شوال أذن لابن عمار في الركوب إلى القصر ، فركب ونزل حيث ~~ينزل سائر الناس ، وواصل الركوب إلى الرابع عشر منه ، فأحضر عشية إلى القصر ~~، فجلس إلى بعد العشاء الآخرة ثم أذن له في الانصراف ؛ فلما انصرف ابتدره ~~جماعة من الأتراك قد أوقفوا لقتله ، فقتلوه واحتزوا رأسه ودفنوه هنالك ، ثم ~~نقل إلى تربته بالقرافة ؛ فكانت مدة حياته بعد عزله ثلاث سنين وشهرا واحدا ~~وثمانية عشر يوما . # وسارت قافلة الحاج لاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة . وعزل خود عن الشرطة ~~السفلى ، وجمعت الشرطتان لمسعود الصقلبي ، فنزل بالخلع والطبول والبنود إلى ~~الجامع العتيق حتى قرئ سجله على المنبر . PageV02P036 # وفي ثالث ذي الحجة أمر الناس بتعليق القنادل على سائر الحوانيت وأبواب ~~الدور كلها ، وفي جميع المحال والسكك الشارعة وغير الشارعة ، ففعلوا . # وصلى الحاكم صلاة عيد النحر بالمصلى ، وخطب ، ونحر في القصر على رسمه ، ~~وجلس على السماط . وكان الناس بين عبد العزيز بن النعمان وبين قاضي القضاة ~~الحسين بن النعمان في شرور وبلاء ؛ وذلك أن عبد العزيز قبل شهادة جماعة ~~اختارهم ؛ فكان من حاكم خصمه إلى الحسين اختار خصمه بالمرافعة إلى عبد ~~العزيز وبالعكس . وكان عبد العزيز إذا جلس للنظر في المظالم حضر شهوده عنده ~~وسمع شهادتهم وأشهدهم فيما يقول ويمضى ؛ ولا يحضر أحد منهم عند الحسين ولا ~~يقرب داره ، ويقيد الشهود القدماء يشهدون عنده ، غير أنهم لا يحضرون مجلس ~~عبد العزيز مواصلين لذلك ولا يركبون معه . # وفيها عقد ليانس الصقلبي على ولاية أطرابلس الغرب بعد موت المنصور من ~~بلكين ، فوصل إليها في ألف وخمسمائة فارس وملكها . فبعث باديس بن جعفر بن ~~حبيب على عسكر فلقيه على زنزوير ، واقتتلا يومين ، فانهزم عسكر يانس وقتل . ~~PageV02P037 # | سنة إحدى وتسعين وثلثمائة # في المحرم ms208 واصل الحاكم الركوب في الليل في كل ليلة ؛ وكان يركب إلى موضع ~~موضع وإلى شارع شارع وإلى زقاق زقاق . وأمر الناس بالوقيد ، فتزايدوا فيه ~~بالشوارع والأزقة ، وزينت الأسواق والقياسر بأنواع الزينة ، وباعوا واشتروا ~~، وأوقدوا الشموع الكبيرة طول الليل ؛ وأنفقوا الأموال الكثيرة في المآكل ~~والمشارب والغناء واللهو . ومنع الرجال المشاة بين يدي الحاكم أن يقرب أحد ~~من الناس الحاكم ، فزجرهم ، وقال لا تمنعوا أحدا ، فأحدق الناس به وأكثروا ~~من الدعاء له . وزينت الصناعة ، وخرج سائر الناس بالليل للتفرج وغلب النساء ~~الرجال على الخروج في الليل ، وتزايد الزحام في الشوارع والطرقات ؛ ~~وتجاهروا بكثير من المسكرات ، وأفرط الأمر من ليلة التاسع عشر إلى ليلة ~~الرابع والعشرين فلما خرج الناس عن الحد أمر الحاكم ألا تخرج امرأة من ~~العشاء ، فإن ظهرت نكل بها . ومنع الناس من الجلوس في الحوانيت . # وهبت في أول يوم من طوبة سموم لم يعهد مثله . # وورد سابق الحاج ، ثم قدمت قافلة الحاج في سادس عشر صفر . PageV02P038 # وفي خامس ربيع الأول أعتق الحاكم زيدان ، صاحب المظلة ، وأمر أن يكتب على ~~مكاتباته من زيدان مولى أمير المؤمنين . وخلع على القاضي حسين بن النعمان ~~وقيد بين يديه بغلتان بسروجهما ولجمهما ، وحمل إليه عدة ثياب لحضوره ~~العتاقة . # وكثر وقود المصابيح في الشوارع والطرقات ، وأمر الناس بالاستكثار منها ~~وبكنس الطرقات وحفر الموارد وتنظيفها . # وخلع على فتح ، غلام ابن فلاح ، وندب إلى الخروج على الأسطول . # وقبض على رجل شامي قال : لا أعرف علي بن أبي طالب ، وأقول إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مرسل ، غير أني لا أعرف علي بن أبي طالب . فحبس وروجع ؛ ~~فأصر على أنه لا يعرف عليا ؛ فرفق به القائد حسين فلم يعترف بمعرفة علي رضي ~~الله عنه ، فخرج الأمر بقتله ، فضرب عنقه وصلب . # وفي سادس عشر جمادى الآخرة وصل رسول ملك الروم ، فحشدت له العساكر من ~~سائر الأعمال ، ووقفوا صفين والحاكم واقف ليراهم . وسار الرسول بين العساكر ~~إلى باب الفتوح ، ونزل ، ومشى إلى القصر يقبل الأرض في طول المسافة حتى وصل ~~إلى ms209 حضرة PageV02P039 الحاكم بالقصر ، وقد فرش إيوان القصر وعلق فيه تعاليق ~~غريبة ، يقال إنه أمر بتفتيش خزائن الفرش إلى أن وجد فيها أحدا وعشرين عدلا ~~ذكرت السيدة رشيدة بنت المعز أنها كانت في قطار الفرش المحمولة من القيروان ~~إلى مصر مع المعز في جملة أعدال ، وأن كتاب خزائن الفرش وجدوا على بعضها ~~مكتوبا الحادي والثلاثون والثلثمائة من عمل العبيد ، ديباج خز ومذهب ؛ ففرش ~~منه جميع الإيوان وستر جميع حيطانه بالتعاليق ، فكان جميع أرضه وحيطانه ~~رفيعا دليلا على عظمته وسعته . وعلقت بصدر الإيوان العسجدة ، وهي درقة ~~مطعمة بفاخر الجوهر النفيس من كل أصنافه ، فأضاء لها ما حوله ، ووقعت عليها ~~الشمس فلم تطق الأبصار تأملها كلالا . فدخل الرسول وقبل الأرض ، ودفع الكتب ~~وعرض الهدية . # وأنفذ الحاكم لأبي الحسن علي بن إبراهيم النرسي ألف دينار وأربعة وعشرين ~~قطعة ثياب مختارة ، وسومح بمبلغ ثلاثة آلاف دينار كانت عليه . # وجرى الرسم في الفطر طول شهر رمضان على مائدة الحاكم كما تقدم . # ولما كثر النزاع بين عبد العزيز بن النعمان والقاضي حسين بن النعمان كتب ~~الحاكم بخطه ورقة إلى الحسين ، نصها بعد البسملة : يا حسين أحسن الله عليك ~~. اتصل بنا ما جرى من شناعات العوام ومن لا خير فيه ، وإرجافهم ، وأنكرنا ~~أن يجري مثله فيمن يحل محلك من خدمتنا ، إذ أنت قاضينا وداعينا وثقتنا . ~~ونحن نتقدم بما يزيل ذلك ، ولم نجعل لأحد غيرك نظرا في شيء من القضايا ~~والحكم ، ولا في شيء مما استخدمناك فيه ، ولا مكاتبة أحد من خلفائك بالحضرة ~~وغيرها وسائر النواحي ، ولا أن نكاتب أحدا منهم غيرك ؛ ومن تسمى غيرك ~~بالقضاء فذلك على المجاز في اللفظ لا على الحقيقة . وقد منعنا غيرك أن يسجل ~~في شيء فيتقدم إلى جميع الشهود والعدول بألا يشهدوا في سجل لأحد سواك . وإن ~~تشاجر خصمان فدعى أحدهما إليك ودعى الآخر إلى غيرك كان الداعي PageV02P040 ~~إلى غيرك عليه الرجوع إليك طائعا مكرها فاجر على ما أنت عليه من تنفيذ ~~القضايا والأحكام مستعينا بالله عز وجل ، ثم بنا ؛ ولك من جميل ms210 رأينا فيك ~~ما يسعدك في الدنيا والآخرة . وقد أذنا لك أن يكاتب جميع من يكاتب القاضي ~~بقاضي القضاة كما جعلناك ، وتكاتب من تكاتبه بذلك وتكتب به في سجلاتك . ~~فاعلم ذلك ، وأشهر أمرنا بجميع ما يقتضيه هذا التوقيع ليمتثل ولا يتجاوز . ~~وفقك الله لرضاه ورضانا ، وأيدك على ذلك وأعانك عليه إن شاء الله تعالى . ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما . # فقرأه القاضي على سائر الشهود ، وأمر أن يكتب في سجلاته قاضي القضاة ، ~~وكوتب بذلك وكتب عليه . # وجرى الرسم في ركوب الحاكم لفتح الخليج وفي يوم العيد إلى المصلى على ~~العادات . # وسارت قافلة الحاج للنصف من ذي القعدة بالكسوة والشمع والصلات ، وزينت ~~البلد مرة في شوال ثلاثة أيام ومرة في ذي القعدة يوما . وجرى الرسم في صلاة ~~عيد النحر على ما تقدم ، ثم انصرف فنحر ودخل تربة القصر وحضر السماط . ~~وفيها توفي أبو الفضل جعفر بن الفرات ، في ثالث ربيع الأول ، عن اثنتين ~~وثمانين سنة PageV02P041 وثلاثة أشهر وخمسة أيام ؛ فصلى عليه القاضي حسين ~~بن النعمان ، ودفن في داره . وكان من الفضل والعلم والدين بمنزلة ؛ وحدث ~~وأسمع وأملى مجالس ، وكتب على الصحيحين مستخرجا وكان كثير البرد والصلات ~~والصدقة ، شديد الغيرة حتى إنه ليحجب أولاده الأكابر عن حرمه وأهله وعن ~~أمهاتم . فإنه بلغه عن بعض أولاده أنه واقع أختا له وأحبلها . وكان يتنسك ~~منذ تجاوز أربعين سنة . ثم حمل من مصر ودفن بالمدينة النبوية . # وفيها قتل الحاكم مؤدبه أبا القاسم سعيد بن سعيد الفارقي يوم السبت لثمان ~~بقين من جمادى الأولى وهو يسايره ، بأن أشار إلى الأتراك بعينيه بعد أن بيت ~~معهم قتله ، فأخذته السيوف ؛ وكان قد داخل الحاكم في أمور الدولة وقرأ عليه ~~الرقاع واستأذنه في الأمور كهيئة الوزراء . PageV02P042 # | سنة إحدى وتسعين وثلثمائة # في المحرم قتل الحاكم ابن أبي نجدة ؛ وكان بقالا فترقت أحواله حتى ولى ~~الحسبة ودخل فيما لا يليق به ، وأساء في معاملة الناس ، فاعتقل ، ثم قطعت ~~يده ولسانه وشهر على جمل وضربت عنقه . # وفي شعبان سارت هدية إلى ms211 المغرب فيها ثلثمائة فرس بجلال وعشرة بمراكب ، ~~وخمسة وأربعون بغلا تحمل السلاح والكسوة ، وعشرون بغلا تحمل صناديق فيها ~~ذهب وفضة . # وفي شهر رمضان خلع على تموصلت بن بكار وقلد بسيف ، وحمل على عشرة أفراس ~~بمراكبها ، وقلد إمارة الشام . # وجرى الرسم في سماط رمضان وصلاتي العيدين وخروج قافلة الحاج على ما تقدم ~~. # وفيها توفي أبو تميم سلمان بن جعفر بن فلاح في ثامن جمادى الآخرة . وقتل ~~عدة أناس PageV02P043 # | سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة # في نصف صفر قدم الحاج . # وفي ربيع الأول قرئ سجل برفع المنكرات وإبطالها وبمنع ذلك ، فختم على عدة ~~مواضع فيها المسكرات لتراق . # وابتدئ في عمارة جامع راشدة ، وكان مكانه كنيسة فبنى جامعا ، وأقيمت فيه ~~الجمعة ، وفي ثامن جمادى الآخرة ضربت رقبة فهد بن إبراهيم ، وله منذ نظر في ~~الرئاسة خمس سنين وتسعة أشهر واثنا عشر يوما . فحمل أخوه أبو غالب إلى ~~سقيفة القصر من مال أخيه فهد جرايات فيها خمسمائة ألف دينار . فلما خرج ~~الحاكم سأل عنها فعرف خبرها ، فأعرض عنا ؛ وبقيت هناك مدة ثم أمر بها فردت ~~إلى أولاد فهد ، وقال إنا لم نقتله على مال ؛ فحملت إليهم ، ثم رفع أصحاب ~~الأخبار عن أبي غالب كلمة تكلم بها ، فقتل وأحرق بالنار . # وخلع على أبي الحسن علي بن عمر بن العداس مكانه ، وخلع على ابنه محمد بن ~~علي ، وعلى الحسين بن طاهر الوزان ، وحملوا في رابع عشره . # وسار الأمير ياروخ متقلدا طبرية وأعمالها . # وقبضت أموال من قبض عليه من النصارى الكتاب . PageV02P044 # وأمر بإتمام بناء الجامع الذي ابتدأ بعمارته العزيز على يد وزيره يعقوب ~~بن كلس خارج باب الفتوح من القاهرة ، فقدرت النفقة عليه أربعين ألف دينار ، ~~فابتدى بعمله . # وفي خامس عشر من شهر رجب ضرب عنق أبي طاهر محمود بن النحوي الناظر في ~~أعمال الشام لكثرة تجبره وعسفه بالناس . # وفي غرة شعبان جمع في الجامع الجديد بظاهر باب الفتوح . # وقطع الحاكم الركوب في الليل . # ورد إلى أولاد فهد بن إبراهيم سروجهم المحلاة وأمروا بالركوب بها . وأطلق ~~من اعتقل من ms212 الكتاب النصارى . # وصلى الحاكم في رمضان بالناس أجمعين بعد ما خطب ؛ وصلى صلاة عيد الفطر ~~وخطب على الرسم . وأكثر من الحركة في شهري رمضان وشوال إلى دمنهور والأهرام ~~وغيرهما . # وسافر الحاج للنصف من ذي القعدة . وأما الشام فإنه لما مات جيش بن ~~الصمصامة في شهر ربيع الآخر سنة تسعين ولي دمشق شيخ من المغاربة يقال له ~~فحل بن تميم ، فلبث شهورا ومات ؛ فقدم عند الحاكم على ابن جعفر بن فلاح ~~فنزل على دمشق ليومين بقيا من شوال ، وأقام بها غير منبسط اليد PageV02P045 ~~في ماله . فلما كان في شهر رمضان ، سنة اثنتين وتسعين ، قدم من جهة الحاكم ~~داع يقال له ختكين الملقب بالضيف إلى دمشق ، فبرز ابن فلاح وأقام بظاهر ~~دمشق . فأراد الضيف أن ينقص الجند من أرزاقهم ، فشغبوا وساروا يريدون ابن ~~عبدون النصراني ، وكان على تدبير المال وعطاء الأرزاق ، فمنعهم الضيف وأغلظ ~~في القول لهم ، وكان قليل المداراة ، فرجعوا إليه وقتلوه ، وانتهبوا دور ~~الكتاب والكنائس . وتحالف المغاربة والمشارقة من العسكر على أن يكونوا يدا ~~واحدة في طلب الأرزاق ، وأنهم يمتنعون ممن يطالبهم بما فعلوه ؛ وحلف لهم ~~علي بن جعفر بن فلاح أنه معهم على ما اجتمعوا عليه . فبلغ ذلك الحاكم فقال ~~: هذا قد عمى . فبعث يعزله عن دمشق ، فسار عنها في يسير من أصحابه ؛ وذلك ~~في شوال منها . وتأخر العسكر بدمشق ، فقدم إليها تموصلت بن بكار من قبل ~~الحاكم ، فلم يزل عليها إلى أن ولي مفلح اللحياني دمشق في ذي الحجة سنة ~~ثلاث وتسعين . وكان خادما وفي وجهه شعر ، فسار إليها . # سنة ثلاث وتسعين # وفيها قتل أبو علي الحسن بن عسلوج في المحرم وأحرق . # وقتل علي بن عمر بن العداس في شعبان وأحرق . PageV02P046 # وقتل الأستاذ أبو الفضل زيدان ، صاحب المظلة لعشر بقين من ذي الحجة ؛ ضرب ~~عنقه . # وفيها استأذن عبد الأعلى بن الأمير هاشم بن المنصور أن يخرج إلى بعض ~~ضياعه ، فأذن له الحاكم ؛ فخرج بجماعة من ندمائه ؛ فبعث الحاكم عينا يأتيه ~~بخبرهم ، فصاروا إلى متنزههم فأكلوا وشربوا ، وجرى من ms213 حديثهم أن قال أحد ~~أولاد المغازلي المنجم لابن هاشم : لا بد لك من الخلافة ، فأنت إمام العصر ~~. فلما عادوا ودخل ابن هاشم على الحاكم وجلس أخرج الحاكم من تحت فراشه سيفا ~~مجردا وضربه به ، فحمل من داره وكتب يعتذر عن ذنبه إن كان قيل عنه ، ويحلف ~~ويذكر أن ضربته سالمة ، ويسأل الإذن في طبيب يعالجه ؛ فأجيب إلى ذلك . # فلما أفاق استأذن في الدخول إلى الحمام ، فأذن له ؛ فبعث الحاكم إلى ~~الحمام من ذبحه فيه وأتاه برأسه . وبعث إلى من حضر المجلس فقتلوا وأحرقوا ~~بالنار ، وفيهم أولاد المغازلي وابن خريطة وأولاد أبي الفضل بن الفرات ~~وفتيان من كتامة . وتتابع القتل في الناس من الجند والرعية بضروب مختلفة . ~~PageV02P047 # سنة أربع وتسعين وثلثمائة # في محرم خلع على مظفر الخادم الصقلبي ، وحمل على ثلاث بغلات بمراكبها ، ~~ومعه ثياب كثيرة ؛ وندب لحمل المظلة . وخلع على متولي الأسود وحمل لواؤه ~~ببرقة . وقبض على أبي داود بن المطيع . وخلع على صاحب ديوان النفقات وضرب ~~عنقه بسبب أنه سرق مائتي ألف دينار ذهب . # وقدم مفلح اللحياني إلى دمشق في المحرم ، فسار عنها تموصلت يريد مصر ، ~~ونزل بداريا فمات بها في ثاني صفر . فلما ورد خبر موته إلى الحاكم خلع على ~~ولديه وحملهما . # وقدم الحاج في رابع عشريه . # وفي ربيع الأول ألزم الناس بوقود القناديل بالليل في سائر الشوارع ~~والأزقة بمصر . # وخلع على أبي يعقوب بن نسطاس المتطبب وحمله على بغلتين ومعه ثياب كثيرة ؛ ~~ومنحت لها دار بالقاهرة وفرشت ، وألزم بالخدمة ، وكان قد هلك منصور بن معشر ~~الطبيب . # وهدمت كنيستان بجانب جامع راشدة . # وفي جمادى الآخرة حمل إلى الشريف أبي الحسن علي النرسي رسمه يجاري به ~~العادة في كل سنة ، وهو من الثياب عشرون قطعة بنحو خمسمائة دينار . # وفي رجب قرئ سجلان ؛ أحدهما فيه إنكار الحاكم على من يخاطبه في المكاتبة ~~بمولى الخلق أجمعين ؛ والآخر بمسير الحاج أول ذي القعدة . PageV02P048 # وقبض على ثلاثة عشر رجلا ضربوا وشهروا على الجمال وحبسوا ثلاثة أيام بسبب ~~أنهم صلوا صلاة الضحى وفي شعبان ms214 خرج الكتاميون إلى باب الفتوح ، فترجلوا ~~وكشفوا رؤوسهم ، واستغاثوا بعفو أمير المؤمنين فأوصل إلى الحاكم جماعة منهم ~~، فوعدهم ، وكتب لهم سجل قرئ بالقصر والجوامع بالرضا عنهم وإعادتهم إلى ~~رسومهم في التكرمة . # وأمر بهدم جامع عمرو بن العاص بالإسكندرية . # وصلى الحاكم بالناس في رمضان صلاة الجمعة مرتين وخطب . وفي سادس عشره صرف ~~الحسين بن النعمان عن القضاء . وكان قد ضرب في الجامع فندب الحاكم جماعة من ~~شيوخ الأضياف يركبون معه إلى كل مجلس فيه جماعة من الخاصة وأمر أصحاب سيوف ~~الحلي بالمشي بين يديه في كل يوم . فكان إذا حضر إلى الجامع العتيق وقام ~~يصلي وقف جماعة الأضياف صفا خلفه يسترونه ، ولا يصلي أحد منهم حتى يفرغ من ~~صلاته ويعود إلى مجلسه ؛ فإذا جلس في مجلسه كانوا قياما عن يمينه وشماله . ~~وهو أول قاض فعل ذلك معه ، وأول قاض كتب في سجلاته قاضي القضاة ؛ وعلت ~~منزلته عند الحاكم وتخصص به . وكان له عند الحاكم جماعة يمدحونه ويبالغون ~~في الثناء عليه ، منهم ريحان اللحياني وزيدان ومصلح اللحياني ، فانبسطت يده ~~وعظم شأنه ؛ ولا عن بين رجل وامرأته ؛ وتشدد على الناس ؛ فكان إذا أبطأ ~~شاهد يوم جلوسه في الجامع عن الحضور إلى داره والركوب معه رسم عليه وأغرمه ~~مالا ليأخذه . وألزم كتابه بملازمة داره دائما . وكانت PageV02P049 إليه ~~الدعوة أيضا . وكان قاضي القضاة وداعي الدعاة ، وقد أفضل على جماعة من أهل ~~العلم والأدب والبيوتات . # فكانت مدة نظره في القضاء خمس سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوما . ~~ومولده لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين . وهو أول قاض أحرق بعد ~~قتله ، فإن الحاكم أحرقه بعد ما قتله في سادس محرم الآتي ذكره . # وفي سادس عشر رمضان قلد أبو القاسم عبد العزيز بن محمد بن النعمان القضاء ~~إلى ما بيده من النظر في المظالم ، وخلع عليه ، وقلد سيفا محلى بذهب ، وحمل ~~على بغلة وبين يديه سفط ثياب . فنزل في موكب عظيم إلى الجامع العتيق ، فجلس ~~تحت المنبر ورقى أبو علي أحمد بن عبد السميع وقرأ سجله ms215 . وانصرف إلى داره ~~فنزلها وحكم ، واستخلف على الحكم أبا الحسن مالك بن سعيد الفارقي مضافا إلى ~~ما كان مستخلفا عليه من الحكم في القاهرة . واستكتب أبا يوسف منال لحضرته ~~والتوقيعات عنه ؛ ثم كتب له سجل بأخذ الفطرة والنجوى وحضور المجلس بالقصر ~~وأخذ الدعوة على الناس ، وقراءة ما يقرأ على من دخل الدعوة . # فحضر يوم الخميس الثاني عشر منه ، وقرأ ما جرى الرسم بقراءته في القصر ، ~~وأخذ النجوى والفطرة ، وأوقف سائر الشهود الذين قبلهم حسين في أيامه ؛ وصرف ~~عدة من المستخلفين بالأعمال ؛ واستكتب أبا طالب ابن السندي فوقع بين يديه ؛ ~~واستكتب أبا القاسم علي ابن عمر الوراق ؛ وكتب السجلات وكتب القضايا ~~والأحكام . ولزم حسين داره وقد استبد خوفه ؛ وحملت كتب ديوان الحكم من داره ~~إلى دار عبد العزيز . PageV02P050 # وفيه قرئ سجل بالإنكار على الكتاب ومن يجري مجراهم في أخذ شيء من ~~البراطيل ونحوها . # وركب الحاكم لصلاة العيد بالمصلى ، فصلى وخطب وحضر السماط بالقصر على ~~رسمه في ذلك . # وبرزت قافلة الحاج في ثامن ذي القعدة بالكسوة والصلات على العادة . # وصلى الحاكم بالناس صلاة عيد النحر ، ونحر في الملعب . # وفيها قتل سهل بن يوسف ، أخو يعقوب بن يوسف بن كلس الوزير ، بسبب قوة ~~طمعه وكثرة شرهه ، وعندما قدم للقتل سأل أن يدفع الساعة ثلثمائة ألف دينار ~~عينا يفدى بها نفسه ، فلم يجب . # وقتل أيضا القائد أبو عبد الله الحسين بن الحسن البازيار ، من أجل أنه ~~كان إذا دخل من باب البحر تكون رجله على عنق دابته ويكون الحاكم في المنظرة ~~التي على بابه ، فتصير رجله إلى وجه الحاكم ؛ وكان ابن البازيار قد اعتراه ~~وجع النقرس ، فعد ذلك الحاكم عليه دينا قتله به في شوال لسوء التوفيق . # وفيها قدم من برقة عدة من بني قرة إلى الإسكندرية ، فقتلوا عن آخرهم . ~~وذلك أن يانس لما قتل وصل عسكره إلى طرابلس ، فنازلهم القائد جعفر بن حبيب ~~فزحف إليه فلفول PageV02P051 ابن خزرون ففر منه ؛ وخرج فتوح بن علي ومن معه ~~من أصحاب يانس إلى فلفول وملكوه عليهم ms216 ؛ فقام بدعوة الحاكم ، وعقد الحاكم ~~ليحيى بن علي بن حمدون الأندلسي على أطرابلس وكتب لبني قرة أن يسيروا معه ، ~~فمضوا من برقة معه وخذلوه ؛ فعاد إلى القاهرة ورجع بنو قرة إلى برقة ~~وأظهروا الخلاف ، فأمنهم الحاكم حتى قدموا وحدهم إلى إسكندرية فقتلوا . ~~واستقرت أطرابلس بيد فلفول وتداولها بنوه . PageV02P052 # | سنة خمس وتسعين وثلثمائة # في سابع محرم قرئ سجل في الجوامع يأمر اليهود والنصارى بشد الزنار ولبس ~~الغيار ، وشعارهم بالسواد شعار الغاصبين العباسيين . # وفيه فحش كثير وقدح في حق الشيخين رضي الله عنهما . وقرئ سجل في الأطعمة ~~بالمنع من أكل الملوخية المحببة كانت لمعاوية بن أبي سفيان ، والبقلة ~~المسماة بالجرجير المنسوبة إلى عائشة رضي الله عنها ، والمتوكلية المنسوبة ~~إلى المتوكل . وفيه المنع من عجن الخبز بالرجل ، والمنع من أكل الدلنيس ، ~~والمنع من ذبح البقر التي لا عاقبة لها إلا في أيام الأضاحي ، وما سواها من ~~الأيام لا يذبح منها إلا ما لا يصلح للحرث . # وفيه التنكير على النخاسين والتشديد عليهم في المنع من بيع العبيد ~~والإماء لأهل الذمة . # وقرئ سجل آخر بأن يؤذن لصلاة الظهر في أول الساعة السابعة ، ويؤذن لصلاة ~~العصر في أول الساعة التاسعة . وإصلاح المكاييل والموازين والنهي عن البخس ~~فيهما ، والمنع من بيع الفقاع وعمله ألبتة لما يؤثر عن علي رضي الله عنه من ~~كراهة شرب الفقاع . # وضرب في الطرقات بالأجراس ونودي ألا يدخل الحمام أحد إلا بمئزر ؛ وألا ~~تكشف امرأة وجهها في طريق ولا خلف جنازة ، ولا تتبرج . ولا يباع شيء من ~~السمك بغير قشر ، PageV02P053 ولا يصطاده أحد من الصيادين . وتتبعت ~~الحمامات وقبض على جماعة وجدوا بغير مئزر فضربوا وشهروا . # وفيه برزت العساكر لقتال بني قرة وسارت . # وكتب في صفر على سائر المساجد ، وعلى الجامع العتيق من ظاهره وباطنه في ~~جميع جوانبه ، وعلى أبواب الحوانيت والحجر والمقابر والصحراء بسب السلف ~~ولعنهم ، ونقش ذلك ولون بالأصباغ والذهب ؛ وعمل كذلك على أبواب القياسر ~~وأبواب الدور ، وأكره على عمل ذلك . وأقبل الناس من النواحي والضياع فدخلوا ~~في الدعوة ، وجعل لهم يوم ms217 وللنساء يوم ؛ فكثر الازدحام ومات في الزحمة عدة ~~. # ولما دخل الحاج نالهم من العامة سب وبطش ؛ فإنهم طلبوا منهم سب السلف ~~ولعنهم ، فامتنعوا . # ونودي في القاهرة : لا يخرج أحد بعد المغرب إلى الطريق ولا يظهر بها لبيع ~~ولا شراء فامتثل الناس لذلك . # وفي ربيع الأول تتبعت الدور ومن يعرف بعمل المسكرات ، وكسر من أوعيتها ~~شيء كثير . # وفيه أمر الحاكم بشونة تحت الجبل ملئت بالسنط والبوص والحلفاء ؛ فتخوف ~~الناس كافة ، من يتعلق بخدمة الدولة من الأولياء والقواد والكتاب ، وسائر ~~الرعية من العوام . وقويت الشفاعات وكثر الاضطراب ، فاجتمع سائر الكتاب ~~والمتصرفين من المسلمين والنصارى ، وخرجوا بأجمعهم في خامسة إلى الرياحين ~~بالقاهرة ؛ وما زالوا يقبلون الأرض PageV02P054 حتى وصلوا إلى القصر ، ~~فوقفوا على بابه يدعون ويتضرعون ، ويضجون ويسألون العفو عنهم ، ومعهم رقعة ~~قد كتبت عن الجميع . ثم دخلوا باب القصر وهم يسألون أن يعفى عنهم ولا يسأل ~~فيهم قول ساع يسعى فيهم . وسلموا رقعتهم لقائد القواد ، فأوصلها إلى الحاكم ~~، فعفا عنهم وأمرهم على لسان قائد القواد بالانصراف والبكور لقراءة سجل ~~بالعفو عنهم ؛ فانصرفوا بعد العصر . وقرئ من الغد سجل كتب نسخة للمسلمين ~~ونسخة للنصارى ونسخة لليهود بالأمان والعفو عنهم . # وفي ليلة التاسع منه ولد للحاكم ولد ، فجلس في صبيحتها للهناء ، وأمر ~~بإحراق الشونة فأحرقت . وكان سابع المولود ، فأخرج على يد خادم إلى قائد ~~القواد ، فتسلمه حتى أعد المزين شعره ؛ وذبح عنه الشريف أبو الحسن النرسي ~~العقيقة بيده ، وحمل عثمان الحاجب الدم والعقيقة ، فأمر له بألف دينار وفرس ~~ملجم وعدة ثياب من أجل حمل الدم والعقيقة ؛ ودفع إلى المزين مائتا دينار ~~وفرس . وسمى المولود بالحارث وكنى بأبي الأشبال . # وخرج قائد القواد إلى سائر الأتراك والديلم والعرفاء وقال : مولانا يقرأ ~~عليكم السلام ويقول قد سميت مولاكم الأمير الحارث وكنيته أبا الأشبال . ~~فقبل الجميع الأرض وأكثروا الدعاء ، وانصرفوا . وزينت البلد أربعة أيام . # وفيه رسم الحاكم لجماعة من الأحداث أن يتقافزوا من موضع عال في القصر ، ~~ورسم لكل منهم بصلة ؛ فحضر جماعة وتقافزوا ، فمات منهم نحو ثلاثين إنسانا ms218 ~~من أجل سقوطهم خارجا عن الماء على صخر هناك ؛ ووضع لمن قفز ماله . وفي ربيع ~~الآخر اشتد خوف كافة الناس من الحاكم ، فكتب ما شاء الله من الأمانات ~~للغلمان الأتراك الخاصة وزمامهم ومن معهم من الحمدانية ، والبكجورية ، ~~والغلمان العرفاء ، PageV02P055 والمماليك ، وصبيان الدار ، وأصحاب ~~الإقطاعات ، والمرتزقة ، والغلمان الحاكمية القدم . وكتب أمان لجماعة من ~~خدم القصر الموسومين بخدمة الحضرة بعد ما تجمعوا وساروا إلى تربة العزيز ~~وضجوا بالبكاء وكشفوا رؤوسهم . وكتبت عدة سجلات بأمانات للديلم والخيل ~~والغلمان الشرابية ، والغلمان المرتاحية ، والغلمان البشارية ، والغلمان ~~المفرقة العجم وغيرهم ، والنقباء ، والروم المرتزقة . وكتبت عدة أخرى بأمان ~~الزويلين ، والمنادين ، والبطالين ، والبرقيين ، والعطوفية ، والجوانية ، ~~والجودرية ، والمظفرية ، والصنهاجيين ، وعبيد الشراء بالحسينية ، ~~والميمونية ، والفرجية . وكتب أمان لمؤذني أبواب القصر ، وأمانات لسائر ~~البيازرة والفهادين والحجالين ، وأمانات أخر لعدة أقوام ، كل ذلك بعد ~~سؤالهم وتقربهم . # وفيه أمر بقتل الكلاب ، فقتل منها ما لا يحصى حتى لم يبق منها بالأزقة ~~والشوارع شيء ، وطرحت بالصحراء وبشاطىء النيل ؛ وأمر بكنس الأزقة والشوارع ~~وأبواب الدور في كل مكان ، ففعل ذلك . # وفي جمادى الآخرة فتحت دار الحكمة بالقاهرة ، وجلس الفقهاء فيها ، وحملت ~~الكتب إليها ، ودخلها الناس للنسخ من كتبها وللقراءة . وانتصب فيها الفقراء ~~والقراء والنحاة وغيرهم من أرباب العلوم ، وفرشت ، وأقيم فيها خدام لخدمتها ~~، وأجريت الأرزاق على من بها من فقيه وغيره ؛ وجعل فيها ما يحتاج إليه من ~~الحبر والأوراق والأقلام . PageV02P056 # وفيه اشتد الطلب على الركابية المستخدمين في الركاب بعد أن قتل منهم في ~~يومين أكثر من خمسين نفسا فتغيبوا ؛ وامتنع أحد من الناس أن يمشي بين يديه ~~غلام أو شاكري ، فكانت القواد ومن جرى رسمه أن يكونوا بين يديه يسيرون ~~وحدهم ، وإذا نزل أحدهم للسلام أمسك خادمه الدابة ؛ ثم عفى عنهم وكتب لهم ~~أمان . وكتب لعدة من الناس عدة أمانات . # وفيه منع كل أحد ممن يركب أن يدخل من باب القاهرة راكبا ؛ ومنع المكاريون ~~أن يدخلوا بحميرهم ؛ ومنع الناس من الجلوس على باب الزهومة من التجار ~~وغيرهم ؛ ومنع كل أحد أن يمشي ملاصق القصر من ms219 باب الزهومة إلى باب الزمرد . ~~ثم أذن للمكاريين في الدخول وكتب لهم أمان . وتخوف الناس ، فخرج أهل ~~الأسواق على طبقاتهم ، كل طائفة تسأل كتابة أمان ، فكتب ما ينيف عن المائة ~~أمان لأهل الأسواق خاصة ، قرئت كلها في القصر ودفعت لأربابها ، وكلها على ~~نسخة واحدة . وهي بعد البسملة : هذا كتاب من عبد الله ووليه المنصور أبي ~~علي الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين ، لأهل مشهد عبد الله إنكم من ~~الآمنين بأمان الله الملك الحق المبين ، وأمان سيدنا محمد خاتم النبيين ، ~~وأبينا علي خير الوصيين ، وذرية النبوة المهديين آبائنا ، صلى الله على ~~الرسول ووصيه وعليهم أجمعين . وأمان أمير المؤمنين على النفس والأهل والدم ~~والمال . لا خوف عليكم ، ولا تهديد بسوء إليكم ، إلا في حد يقام بواجبه ، ~~وحق يوجد لمستوجبه . فليوثق PageV02P057 بذلك وليعول بأمان الله . وكتب في ~~جمادى الآخرة سنة خمسين وتسعين وثلثمائة . والحمد لله وصلى الله على محمد ~~سيد المرسلين ، وعلى خير الوصيين ، وعلى الأئمة المهديين ذرية النبوة ، ~~وسلم تسليما . # وفي يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان ولد للحاكم ولد ذكر ، فجلس الحاكم ~~يوم الخميس للهناء . وكان السابع يوم الثلاثاء ، فحمله شكر الخادم ، وحضر ~~أبو الحسن علي ابن إبراهيم النرسي وعق عنه ، وحضر المزين فحلق شعره وتناول ~~ماله من الرسم . وسماه الحاكم عليا وكناه أبا الحسن ؛ وهو الذي ولي الخلافة ~~وتلقب بالظاهر . # وفيه فرش جامع راشدة . وركب الحاكم يوم عيد الفطر وعليه ثوب مصمت أصفر ، ~~وعلى رأسه منديل منكر ، وهو محنك بذؤابة والجوهر بين عينيه . وقيد بين يديه ~~ستة أفراس بسروج مرصعة بالجوهر ، وست فيلة ، وخمس زرافات ؛ فصلى بالناس ~~صلاة العيد وخطبهم ، فلعن في خطبته ظالمه حقه والمرجفين به ؛ وأصعد معه ~~قائد القواد وقاضي القضاة عز الدين . # وفيه اضطرب السعر واختلف الناس في الدراهم والصرف ، فكانت المعاملة ~~بالدراهم الزائدة والقطع ، واستقر سعرها على ستة وعشرين درهما بدينار . ~~PageV02P058 وفي أول ذي القعدة برزت قافلة الحاج إلى مصلى القاهرة ، ثم ~~رفعت إلى جب عميرة في سابعه ، وسارت ليلة العاشر منه بالكسوة للكعبة ~~والرسوم على ms220 العادة . # وفيه كسر الخليج والماء على خمسة عشر ذراعا وسبعة أصابع ، وهو آخر يوم من ~~مسرى . وحضر الحاكم وعلى رأسه تاج مكلل بالجواهر . ونودي في الناس بأن ~~يلعبوا بالماء في النوروز على عادتهم ، ففعلوا . # ونزل الحاكم يوم النحر إلى المصلى ، فصلى بالناس وخطب ، ونحر بها ثلاث ~~بدن ، وعاد إلى القصر فحضر السماط ، ثم نحر في الملعب إحدى وعشرين بدنة ؛ ~~وواصل النحر أياما . # وفيها قتل القاضي حسين بن النعمان ؛ ضربت رقبته ثم أحرق بالنار . وذلك أن ~~متظلما رفع رقعة إلى الحاكم يذكر فيها أن أباه توفي وترك له عشرين ألف ~~دينار . وأنها في ديوان القاضي ، وقد أخذ منها رزق أوقاف معلومة ، وأن ~~القاضي حسين بن النعمان عرفه أن ماله قد نجز . فدعا به وأوقفه على الرقعة ، ~~فقال كقوله للرجل من أنه قد استوفى ماله من أجرة . وأمر بإحضار ديوان ~~القاضي ، فأحضر من ساعته ، فوجد أن الذي وصل إلى الرجل أيسر ماله . فعدد ~~على القاضي حسين ما أقطعه وأجرى له وما أزاح من علله لئلا يتعرض إلى ما ~~نهاه عنه من هذا وأمثاله . فقال : العفو والتوبة ؛ فأمر به فضربت عنقه ~~وأحرق . # وقتل عدة أناس يزيد عددهم على مائة نفس ؛ ضربت أعناقهم وصلبوا ، وقتل عبد ~~الأعلى بن هاشم من القرابة ، لأنه كان يتحدث بأنه يلي الخلافة ، وأنه كان ~~يجمع قوما ويعدهم بولاية الأعمال . وقد تقدم خبره . PageV02P059 # | سنة ست وتسعين وثلثمائة # فيها ذكر المسبحي خبر أبي ركوة الوليد بن هشام بن عبد الملك بن عبد ~~الرحمن الأموي ولد بالأندلس وقدم القيروان ، فانتصب يعلم الصبيان بها ~~القرآن ، ثم دخل إلى مصر فأقام بها وبأريافها يعلم الصبيان مدة ، ثم خرج ~~إلى الإسكندرية وقد أكثر الحاكم من الإيقاع ببني قرة وأكثر من قتلهم ~~وتحريقهم بالنار ، فخلعوا طاعته . وسبب ذلك أن بني قرة كان شيخهم مختار بن ~~القاسم ، فلما بعث الحاكم يحيى بن علي الأندلسي يخرج فلفول بن سعيد بن ~~خزرون بطرابلس على صنهاجة ساروا معه إلى طرابلس ، وجرت الهزيمة عليه ورجعوا ~~إلى برقة . فتنكر لهم الحاكم ، فامتنعوا ms221 عليه ، فبعث لهم بالأمان ؛ فقدم ~~وفدهم إلى الإسكندرية فقتلهم عن آخرهم سنة أربع وتسعين . وكان عندهم معلم ~~القرآن واسمه الوليد بن هشام ، ينسب إلى المغيرة بن عبد الرحمن من بني أمية ~~؛ وكان يزعم أن له أثارة من علم ، ويخبر بأنه سيملك ما ملكه آباؤه ، وكان ~~يقال له أبو ركوة . فدعاهم إلى نفسه فبايعوه ، وتلقب بأمير المؤمنين الناصر ~~لدين الله . # ثم بعث إلى لواتة ومزانة وزناتة فاستجابوا له ؛ ورحل إلى برقة ، والناس ~~يباركونه في كل يوم فيسلمون عليه بالخلافة ويقبلون له الأرض ، فيجلس في ~~وسطهم ويقول : أنا واحد منكم وما أريد شيئا من هذه الدنيا : ولا أطلبها إلا ~~لكم ، وليس معي مال أعطيكم PageV02P060 وإنما لي عليكم طاعة ، وإن نصرتموني ~~نصرتم أنفسكم ، وإن قاتلتم معي أخذتم حقكم بأيديكم فيقولون له : يا أمير ~~المؤمنين نحن مبايعون لأمرك مطيعون لك ، فمرنا بأمرك . # فلم يزل معهم يطوف قرى برقة ويأخذ البيعة ، إلى أن عظم أمره وهو فيما بين ~~الإسكندرية وبرقة . فبعث إليه الحاكم جيشا عليه ينال الطويل التركي في نصف ~~شعبان سنة خمس وتسعين ، فواقعه أبو ركوة وقتله ومعظم عسكره ، وظفر من ~~الأموال والخيل والسلاح والنعم الجليلة بما قوى به ، واشتد بأسه . # وكان في ظهور أبي ركوة طلع كوكب الذؤابة ، فكان يضئ كالقمر وله بريق ~~ولمعان ، ويقوى ويكثر نوره وأمر أبي ركوة يشتد ويعظم . فأقام هذا الكوكب ~~شهورا ، ثم اضمحل نوره وضعف لمعانه وأخذ أمر أبي ركوة ينقص ويضعف إلى أن ~~أخذ أسيرا ، فغاب الكوكب ولم ير بعد ذلك ؛ فكان شأن هذا الكوكب في دلالته ~~على أبي ركوة من أعجب العجب . وابتدأ الحاكم في تجريد العساكر شيئا بعد شيء ~~، ونزل أبو ركوة بعد ظفره على برقة فحاصرها ، وصندل الحاكم أميرها يقاتله ، ~~حتى اشتد الحصار ومنع أهل برقة من الميرة ، ففر صندل ، ومعه شيوخ البلد ، ~~إلى الحاكم ، وحثه على بعث الجيوش ، وأعلمه بقوة أبي ركوة واستفحال أمره . ~~ودخل أبو ركوة إلى مدينة برقة واستخرج الأموال ، وأقطع بني قرة أعمال مصر ، ~~مثل دمياط وتنيس والمحلة وغيرها ، وكتب ms222 خطه بذلك ؛ وأقطع دور القواد ~~والأكابر التي بالقاهرة ومصر ؛ وجدد البيعة لنفسه . فندب الحاكم لقتاله ~~القائد أبا الفتوح فضل بن صالح في ربيع الأول سنة ست وتسعين ، وأتبعه ~~بالعساكر فاجتمعت PageV02P061 بالإسكندرية ، وسار بها ، فلقيه أبو ركوة ~~بذات الحمام . وكانت بينهما حروب آلت إلى هزيمة العسكر والاحتواء على ما ~~فيه من مال وسلاح ؛ فعظم شأن أبي ركوة . # ووردت الجند على الحاكم بذلك للنصف من رمضان ، فكان من تدبير الحاكم أن ~~دعا بوجوه رجاله وقواده ، فأمرهم أن يكاتبوا أبا ركوة ويعرفوه أنهم على ~~مذهبه ورأيه ، وانه إن توجه إليهم وقرب منهم صاروا في جملته وقاتلوا معه ؛ ~~وذكروا ما يقاسونه من قتل وجوههم وأكابرهم ، وأنهم لا يأمنون في ليلهم ولا ~~نهارهم ، مع ما يسمعونه من انتقاص الشرف ونحو هذا . فكتبوا بذلك وأنفذوا ~~إليه عدة كتب من كل واحد منهم كتابا مع رسوله . # فلما تواتر ذلك عليه وثق به ولم يشك فيه ، وحشد جموعه ووعدهم بأموال مصر ~~ونعمها ، وسار . فخلع الحاكم على أبي الحسن علي بن فلاح ، وسيره إلى ضبط ~~بركة الحبش في عسكر ، فأقام بها أياما ؛ ثم عدى إلى الجيزة ، وتلاحقت به ~~العساكر برا وبحرا . واضطربت الأسعار بمصر ، وعدم الخبز وبيع مبلولا ستة ~~أرطال بدرهم ، وكان يباع عشرة أرطال بدرهم ، وأنفق في العساكر المتوجهة لكل ~~واحد أربعة وعشرين دينارا . # وكوتب على بن صفوح بن دغفل بن الجراح الطائي ، فحضر في سابع عشر شوال ، ~~وخلع عليه ، وطرق بطوق من ذهب ، وحمل . # وتزايد سعر الدقيق والخبز وروايا الماء ، وازدحم الناس عليها . # وخلع على القائد فضل بن صالح ثوب ديباج مثقل طميم أحمر ومنديل ذهب ، وقلد ~~بسيف وحمل على فرس بمركب ذهب ، وبين يديه تسعة من الخيل وثلاثون بندا مذهبة ~~PageV02P062 وأربعة عشر سفطا فيها أنواع الثياب . وسار إلى الجيزة ، وأكمل ~~لكل واحد من العساكر السائرة خمسون دينارا . ونزلت إليه خزانة السلاح . # وورد الخبر بنهب الفيوم ؛ فجهزت إليها سرية ، فأوقعوا بأصحاب أبي ركوة ~~وبعثوا إلى القاهرة بعدة رؤوس طيف بها . # وسار القائد فضل من الجيزة في رابع ms223 ذي القعدة والغلاء بالعسكر ، فبيعت ~~الويبة من الشعير بخمسة دراهم والخبز ثلاثة أرطال بدرهم . # وأقام على بن فلاح في مضاربه بالجيزة ، وحمل إليه خيمة وخمسة أفراس ~~بمراكبها ، وسيف ، وألفا دينار وثلاثون ثوبا ، فأنفق في أصحابه . فلما كان ~~في ثامن عشر ذي القعدة وقع في الناس خوف في الليل وضجيج ، فنزلت العساكر ~~طائفة بعد طائفة ، والناس جلوس في الشوارع وعلى أبواب الدور ليلهم كله ، ~~يبتهلون بالدعاء بالنصر ، فلحقت هذه العساكر بابن فلاح وهو بالجيزة ؛ فسير ~~عسكرا إلى الفيوم ، وأقام على خوف ووجل . فبلغ أبا ركوة إقامة علي بن فلاح ~~بالجيزة ، فأسرع إليه وكبس عسكره ونهب سواده ؛ وأخذت خزائن السلاح ؛ ووقع ~~القتال الشديد فقتل خلق كثير من أصحابه وجرح خلق لا يحصى . ولما نزلت خزائن ~~السلاح من عند الحاكم مع قائد القواد ، وعظم البكاء والضجيج على شاطىء ~~النيل لكثرة القتلى في العسكر ، منع ابن فلاح من حمل الموتى إلى مصر ، وأمر ~~بدفنهم في الجيزة . وافتقد كثير من العسكر فلم يعلم لهم خبر ، ولم يسلم من ~~العسكر إلا القليل ؛ فغلقت الأسواق ، وجلس الناس بالشوارع PageV02P063 غما ~~لما جرى على العسكر ؛ وتزايد البكاء من الناس على فقد آبائهم ومعارفهم . ~~وباتوا وأصبحوا يوم السبت العشرين منه ، فورد الخبر بدخول أبي ركوة في ~~جموعه إلى الفيوم ؛ وسار فضل بن صالح لقتاله ، فالتقى معه في ثالث ذي الحجة ~~وحاربه ، فكانت وقعة عظيمة قتل فيها ما لا يحصى كثرة . وانهزم أبو ركوة ، ~~واستأمن بنو كلاب وغيرهم من العرب . فسارت العساكر في طلب أبي ركوة ، وحضرت ~~الرؤوس من الفيوم ومعها الأسرى ، وهي تجاوز ستة آلاف ومائة أسير ، فطيف بها ~~بالبلد ، وقتل الأسرى بالسيوف بع ما لحقهم أنواع البلاء بيد العامة ، ~~يصفعون أقفيتهم وينتفون لحاهم ، ويضربونهم ، حتى تفتحت أكتاف كثير منهم ، ~~فكان أمرا مهولا . وتواتر مجيء من أخذ من عسكر أبي ركوة فجيء بخلق كثير ~~وعدة رؤوس . # ودخل ابن فلاح من الجيزة فخلع عليه . واستمر القائد فضل في طلب أبي ركوة ~~هو يبعث بمن قبض عليه من الرجال وبرؤوس من يقتلهم ms224 شيئا بعد شيء . وعاد علي ~~بن الجراح من عند القائد فضل فخلع عليه . # وفي الثاني من جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ورد الخبر من القائد الفضل بن ~~صالح بحصول أبي ركوة ووقوعه في يده ، فابتهج الناس لذلك ؛ وخلع على قائد ~~القواد وعلى أولاده وعلى البدوي الذي خرج في طلب أبي ركوة حتى أدركه ببلد ~~النوبة ؛ وعلى أبي القاسم علي بن القائد فضل ، وعلى ابنه . وذلك أن أبا ~~ركوة دخل بعد هزيمته إلى بلد النوبة ، فتبعه القائد فضل وبعث إلى ملك ~~النوبة بالقبض على أبي ركوة ، وسير إليه عسكرا مع الكتاب . فلما بلغوا ~~أطراف النوبة وجدوا أبا ركوة قد اختفى بدير هناك وله فيه أربعة عشر يوما ؛ ~~فدلهم عليه رجل من العرب ، فقبضوا عليه في ربيع الأول منها PageV02P064 ~~وأتوا به إلى القائد فضل . فسار به إلى مصر ونزل بركة الحبش يوم الجمعة ~~للنصف من جمادى الآخرة ، فخرج إليه قائد القواد بسائر رجال الدولة ، وسلم ~~عليه ، وأبو ركوة في مضرب ومعه القائد فضل ؛ فأقام هناك إلى بكرة يوم الأحد ~~سابع عشره ؛ فصار من بركة الحبش بعساكره وأبو ركوة على حمل فوق سرير ، ~~وعليه ثوب مشهر ، وفوق رأسه طرطور طويل ومعه رجل يمسكه . وذلك أنه لما ألبس ~~الطرطور صاح : يا فضل ، يا أبا الفتوح ، ما كذا ضمنت لي . فصفع صفعة منكرة ~~وأمسك يديه هذا القائد خلفه ، وقد اجتمع الناس من كل جهة ، فكان جمعا لم ير ~~مثله كثرة ، وأوجرت الدور والحوانيت بحمله وبات الناس على الطرقات حتى وصل ~~به إلى القصر ، فأوقف ساعة على باب القصر وهو يشير بأصبعه ويطلب العفو ، ~~والصفع في قفاه ؛ ويقال له قبل الأرض فيقبل ؛ ثم سير به إلى مسجد تبر . ~~فلما خرج من باب القاهرة أشار إلى الناس يرجمونه بالحجر والاجر ، ويصفعونه ~~وينتفون لحيته ، حتى عاين الموت مرارا ، إلى أن بلغ مسجد تبر ، فضرب عنقه ~~وصلب جسده ؛ وحل رأسه إلى الحاكم ؛ فخلع على القائد فضل وغيره من القواد ~~والعرفاء الذين كانوا معه ، وخلع على قائد القواد . فكان يوما ms225 عظيما مهولا ~~لكثرة اجتماع الناس . PageV02P065 وأقاموا ليلتين في الحوانيت والشوارع ~~وعلى أبواب الدور يظهرون المسرة والفرح . وأظهر أبو ركوة في مواقف الألم ~~صبرا وتجلدا ؛ وكان لا يخاطب القائد الفضل إلا باسمه أو بكنيته . ولما أقام ~~في بركة الحبش ، وخرج الناس ورأوه ، كان يسأل من يلقاه عن اسمه وكان يتلو ~~القرآن ويترحم على السلف . وكان شابا أسمر تعلوه حمرة ، مستن الوجه طويل ~~الجبهة ، أشهل بزرقة ، أقنى ، صغير اللحية ، أصهب إلى الشقرة ظاهر القلوب ~~تبين فيه الجد ، لا يكاد يتجاوز ثلاثين سنة يوم قتل . ويقال إنه ولد رجل من ~~موالي بني أمية . # ولما قتل أبو ركوة نفذت الكتب إلى الأعمال كلها بخبر الفتح . فلما كان في ~~رجب ورد شيوخ كل ناحية وقضاتها ، وقضاة الشام وشيوخه ، لتهنئة الحاكم ~~بالظفر وأخذ أبي ركوة . وقدم أبو الفتوح حسن بن جعفر الحسني أمير مكة في ~~شعبان لتهنئته ، فخلع عليه وأكرمه ، وأنزل بدار برجوان . # وفيه أرجف الناس بأن القائد فضل بن صالح ينظر في أمور الدولة وتدبيرها ~~بدل قائد القواد حسين بن جوهر ؛ وكان بينهما في الباطن تباعد من جهة الرتبة ~~والحسد عليها : وكان القائد فضل قد تفاقم وعظم تيهه وترفعه على قائد القواد ~~في قوله وفعله : قال المسبحي : قال لي الحاكم بأمر الله وقد جرى حديث أبي ~~ركوة : ما أردت قتله ولكن جرى في أمره PageV02P066 ما لم يكن عن اختياري ، ~~فقلت له : يا أمير المؤمنين ، ما قصر عبدك الفضل بن صالح في خدمته ، قال : ~~وإيش تظن أن فضل أخذ ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، هذا قول الناس . فقال ~~: والله العظيم ما أفلح فضل في حركته تلك ، ولا أنجح ميزاننا . أنفقنا ألف ~~ألف دينار ذهبا صناعا ، وإنما أخذه ملك النوبة وأنفذ به إلي . فقلت صدقت يا ~~أمير المؤمنين وعلمت أن هذا مما قرر قائد القواد الحسين بن جوهر في نفسه ~~ليبطل فعل فضل وخدمته ، فاستقر . # وأما خبر القاهرة فإنه جرى الأمر في يوم عاشوراء على العادة من تعطيل ~~الأسواق وخروج المنشدين والناحة إلى جامع القاهرة ، فتظاهروا فيه ms226 بسب السلف ~~، فقبض على رجل ونودي عليه : هذا جزاء من سب عائشة وزوجها ؛ وضربت عنقه . ~~وتقدم الأمر إلى أصحاب الشرطة ألا يتعرض أحد لسب السلف ، ومن فعل ذلك قبض ~~عليه ، فانكف الرعاع عن السب والتعرض للحاج . # وللنصف من صفر وردت قافلة الحاج . # وفي نصف ربيع الأول جمع الحاكم نحو ألفي باقة نرجس وأتحف بها الأولياء . # واستهل رجب بيوم الأربعاء ، فخرج أمر الحاكم إلى أصحاب الدواوين بأن ~~يؤرخوه بيوم الثلاثاء . # وفيه هبت ريح عاصفة ، ثم أرعدت ونزل المطر وفيه برد كهيئة الصفائح إذا ~~سقط إلى الأرض تكسر ، فكان فيه ما يبلغ وزنه زيادة على أوقيتين ، وفيه ما ~~هو قدر البيضة ، فغطى الأرض ؛ وأقام الناس أياما يتبعونه في الأسواق . ولم ~~يعهد مثل ذلك بمصر . PageV02P067 # وجرى الرسم في شهر رمضان كل ليلة على العادة ، وصلى الحاكم فيه بالناس ~~صلاة الجمعة وخطب ثلاث مرات . وصلى يوم عيد الفطر بالناس وخطب بالمصلى على ~~عادته . # وللنصف من ذي القعدة سارت قافلة الحاج بكسوة الكعبة وصلات الأشراف وغيرها ~~على ما جرى به الرسم . # وفتح الخليج في السابع والعشرين من مسرى والماء على خمس عشرة ذراعا ~~وأصابع ، فلم يركب الحاكم لفتحه ؛ ولم يوف ست عشرة ذراعا إلى ثامن توت ؛ ~~فخلع على ابن أبي الرداد ، وحمل . # واجتمع الناس الذين جرت عادتهم بحضور القصر لسماع ما يقرأ من كتب مجالس ~~الدعوة ، فضربوا بأجمعهم ، ولم يقرأ عليهم شيء . # وفيها رجل بنو قرة من البحيرة بأرض مصر إلى ناحية من عمل برقة مع كبيرهم ~~مختار بن قاسم . PageV02P068 # | سنة سبع وتسعين وثلثمائة # في شهر ربيع الأول تزايد أمر الدراهم القطع المتزايدة ، فبلغت أربعة ~~وثلاثين درهما بدينار ؛ ونزع السعر واضطربت أمور الناس . فرفعت هذه الدراهم ~~، وأنزل من بيت المال بعشرين صندوقا فيها الدراهم الجدد لتفرق على الصيارفة ~~. وقرئ سجل يرفع تلك الدراهم والمنع من المعاملة بها ؛ وأنظر من في يده ~~منها شيء ثلاثة أيام ، وأمر الناس بحمل ما كان مها إلى دار الضرب ؛ فقلق ~~الناس ، وبلغ كل درهم من الجدد أربعة دراهم من القطع ms227 . وبيع الخبز كل ثلاثة ~~أرطال بدرهم ، فنودي أن يكون الخبز كل اثني عشر رطلا بدرهم جديد ، واللحم ~~رطلين بدرهم ؛ وسعر أكثر الأشياء ؛ واستقر كل دينار بثمانين درهما من الجدد ~~. وسكن أمر الناس بعد ما ضرب كثير من الباعة بالسياط وشهروا . وقبض على ~~جماعة من أصحاب الفقاع والسماكين ، وكبست الحمامات ، وضرب جماعة لمخالفتهم ~~ما نهو عنه وشهروا . وفي تاسع ربيع الآخر أمر الحاكم بمحو ما هو مكتوب على ~~المساجد والأبواب وغيرها من سب السلف ، فمحي بأسره ، وطاف متولي الشرطة حتى ~~أزال سائر ما كان منه . # وقرئ سجل بترك الخوض فيما لا يعنى ، واشتغال كل أحد بمعيشته عن الخوض في ~~أعمال أمير المؤمنين وأوامره . # وجرى الأمر في الفطر على السماط ليالي رمضان ، وفي صلاة الحاكم بالناس ~~يوم الجمعة على ما تقدم . PageV02P069 # وركب الحاكم لفتح الخليج في ذي القعدة والماء على أربعة عشر ذراعا وأصابع ~~، وهو تاسع توت ، فانتهى بعد فتح الخليج ماء النيل إلى ستة عشر أصبعا من ~~خمسة عشر ذراعا ، ثم نقص ، فتحرك السعر وازدحم الناس على شراء الغلال ~~وابتدأت الشدة . # وفيها مات يعقوب بن نسطاس النصراني ، طبيب الحاكم ، سكران في بركة ماء ، ~~فحمل إلى الكنيسة في تابوت ، وشق به البلد ، ثم أعيد إلى داره فدفن بها ، ~~وسائر أهل الدولة في جنازته ومعه شموع كثيرة تتقد ، ومداخن عدة فيها بخور . ~~وكان طبيب وقته ، عارفا بالطب ، آية في الحفظ ، ما يغنى له قط صوت إلا حفظه ~~. ولو غناه مائة مغن في مجلس واحد لحفظ سائر ما غنوه به وتكلم على ألحانها ~~وأشعارها . وكانت له يد في الموسيقا ، وانفرد بخدمة الحاكم في الطب فأثرى ، ~~وترك زيادة على عشرين ألف دينار عينا ، سوى الثياب وغيرها . # وتوفى الأمير منجوتكين لأربع خلون من ذي الحجة ، فصلى عليه الحاكم . ~~PageV02P070 # سنة ثمان وتسعين وثلثمائة # في المحرم ابتدأ نقص ماء النيل من ثامن عشر توت ، فاشتد الأمر ، وبيع ~~الخبز مبلولا ؛ وضرب جماعة من الخبازين وشهروا لتعذر وجود الخبز بالعشايا . # ووصل الحاج لثمان بقين من صفر . # وفي ربيع الأول خلع ms228 على علي بن جعفر بن فلاح بولاية دمشق حربا وخراجا . # واشتد الغلاء . فلما كان ليلة عيد الشعانين منع النصارى من تزيين كنائسهم ~~على ما هي عادتهم ، وقبض على جماعة منهم في رجب ، وأمر باحضار ما هو معلق ~~على الكنائس وإثباته في دواوين السلطان ؛ وكتب إلى سائر الأعمال بذلك . ~~وأحرق صلبان كثيرة على باب الجامع وفي الشرطة . # وفي يوم الجمعة سادس عشر رجب ولي مالك بن سعيد الفارقي القضاء وخلع عليه ~~في بيت المال قميص مصمت وعمامة مذهبة وطيلسان محشى مذهب ، وقلد بسيف . وقرأ ~~سجله أحمد بن عبد السميع وهو قائم ، فخرج وبين يديه سفط ثياب ، وحمل على ~~بغلة وبين يديه بغلتان ، وكان مالك بن سعيد لما قرئ سجله قائما على قدميه ، ~~وكلما مر ذكر PageV02P071 أمير المؤمنين قبل الأرض . ثم سار من القصر إلى ~~الجامع العتيق ، وكلما مر بباب من أبواب القصر نزل عن بغلته وقبل الباب . ~~فلما وصل إلى الجامع وقف خلف المنبر قائما حتى انتهت قراءة السجل ، وقبل ~~الأرض كلما ذكر أمير المؤمنين . ثم عاد إلى داره بالقاهرة وتسلم كتب الدعوة ~~التي تقرأ بالقصر على الأولياء . # وفي يوم الجمعة سابع شعبان اجتمع أهل الدولة في القصر بعد ما طلبوا لذلك ~~، وأمروا ألا يقام لأحد ، فخرج خادم وأسر إلى صاحب الستر كلاما ، فصاح : ~~صالح بن علي ؛ فقام صالح بن علي الروزباري ، فأخذ بيده ولا يعلم أحد ما ~~يراد به . فأدخل إلى بيت المال ، ثم خرج وعليه دراعة مصمتة وعمامة مذهبة ، ~~ومعه مسعود صاحب الستر ، فجلس بحضرة قائد القواد ، وأخرج سجلا قرأه ابن عبد ~~السميع ، فإذا فيه رد سائر الأمور التي ينظر فيها قائد القواد حسين بن جوهر ~~إليه . فعندما سمع في السجل صالح ذكر قام وقبل الأرض . ولما انتهى ابن عبد ~~السميع من القراءة قام قائد القواد وقبل خد صالح وهنأه وانصرف . فخرج صالح ~~وبين يديه عدة أسفاط وثلاث بغلات بسروجها ولجمها . قال المسبحي : قال لي ~~الحاكم بأمر الله ، أحضرت ابن سورين وحلفته على الإنجيل أن يكتب سجل صالح ~~بن ms229 علي ولا يطلع عليه أحدا من ابن جوهر ولا غيره ، وقلت له إنك تعرف ما ~~أجازي به من يخالف أمري فكن منه على يقين . فوالله ما اطلع عليه أحد غيري ~~وغيره ، حتى كان . # وجلس صالح في مجلس قائد القواد من القصر ، ووقع عن الحاكم : ورفع إليه ~~الأولياء وسائر المتصرفين قصصهم وأحوالهم ؛ ونفذ أوامر الحاكم ، وطالع بما ~~تجب مطالعته به . وقلد ديوان الشام ، الذي كان يتولاه ، لأبي عبد الله ~~الموصلي الكاتب . وخلع علي الشريف PageV02P072 أبي الحسن علي بن إبراهيم ~~النرسي لنقابة الطالبيين وحمل على فرسين ، وقرئ سجله في القصر والجامع . ~~وخلع على صقر اليهودي وحمل على بغلة ، وقيد إليه ثلاث بغلات بسروج ولجم ~~ثقال وحمل معه عشرون سفط ثياب ؛ وأنزل في دار فرشت وزينت ، وعلق على ~~أبوابها وحجرها الستور ، وأعطى فيها جميع ما يحتاج إليه ، وقيل له هذه دارك ~~؛ فحصل له في ساعة واحدة ما قيمته عشرة آلاف دينار . واستقر طبيب الحاكم ~~عوضا عن ابن نسطاس . # وورد الخبر بأن ابن الجراح فر بعد قتل جماعة من أصحابه . وخلع على ياروخ ~~وسار إلى دمشق وتبعه عسكر كثير . # واستهل رمضان ، فحضر الأسماط مع الحاكم القائد صالح قائد القواد ، ~~والقاضي مالك بن سعيد ، وجلس فوق القاضي عبد العزيز بن النعمان . وقد صلى ~~الحاكم بالناس صلاة الجمعة في جامع راشدة ؛ وصلى صلاة عيد الفطر وخطب على ~~ما جرت عادته به ، وأصعد معه المنبر وقت الخطبة قائد القواد صالح بن علي ~~ومالك بن سعيد القاضي والشريف النرسي وجماعة . # وفي ثالث شوال أمر الحاكم قائد القواد السابق حسين بن جوهر والقاضي عبد ~~العزيز بن النعمان بأن يلزما داريهما ، ومنعا من الركوب وسائر أولادهما ، ~~فلبسوا الصوف وامتنع الداخل إليهم ، وجلسوا على الحصر . # وفي ذي القعدة ولي غالب بن مالك الشرطتين والحسبة والنظر في البلد ، وقرئ ~~سجله بالجامع العتيق وجامع ابن طولون ؛ وصرف خود ومسعود . PageV02P073 # وفي ثالث عشرة سارت قافلة الحاج . # وفي تاسع عشره عفا الحاكم عن قائد القواد والقاضي عبد العزيز ، وأذن لهما ~~في الركوب فركبا إلى القصر ms230 بزيهما من غير حلق شعر ولا تغيير حال . # وتوقفت زيادة النيل ؛ فاستسقى الناس ، وخرجوا معهم النساء والصبيان مرتين ~~. # وقرئ سجل بإبطال المكوس والمؤن التي تؤخذ من المسافرين عن الغلال والأرز ~~. # وصلى الحاكم صلاة عيد النحر ، وخطب ونحر في المصلى والملعب على عادته ~~ورسمه وبيع الخبز ثلاثة أرطال بدرهم . وتعذر وجوده . وجرى الرسم في عيد ~~الغدير على عادته . واشتد تكالب الناس على الخبز ، فاجتمعوا وضجوا من قلته ~~وسواده ؛ ورفعوا للحاكم قصة مع رغيفة ، وكانت الحملة الدقيق قد بلغت ستة ~~دنانير . # وفتح الخليج في رابع توت والماء على خمسة عشر ذراعا ، فبلغ التليس أربعة ~~دنانير والويبة من الأرز بدينار ، واللحم كل رطلين بدرهم ، ولحم البقر ~~رطلين ونصفا بدرهم ، والبصل عشرة أرطال بدرهم والخبز ثمان أواق بدرهم ، ~~وزيت الوقود الرطل بدرهم . # وفيها خرج النصارى من مصر إلى القدس لحضور الفصح بقمامة على عادتهم في كل ~~PageV02P074 سنة بتجمل عظيم كما يخرج المسلمون إلى الحج ، فسأل الحاكم ~~ختكين الضيف العضدي ، أحد قواده ، عن ذلك لمعرفته بأمر قمامة ، فقال هذه ~~بيعة تعظمها النصارى ويحج إليها من جميع البلاد ، وتأتيها الملوك ، وتحمل ~~إليها الأموال العظيمة ، والثياب والستور والفرش والقناديل ، والصلبان ~~المصوغة من الذهب والفضة ، والأواني من ذلك ؛ وبها من ذلك شيء عظيم . فإذا ~~كان يوم الفصح واجتمع النصارى بقمامة ، ونصبت الصلبان ، وعلقت القناديل في ~~المذبح ، تحيلوا في إيصال النار إليه بدهن البيلسان مع دهن الزئبق ، فيحدث ~~له ضياء ساطع يظن من يراه أنها نار نزلت من السماء . فأنكر الحاكم ذلك ، ~~وتقدم إلى بشر بن سورين كاتب الإنشاء ، فكتب إلى أحمد بن يعقوب الداعي أن ~~يقصد القدس ويهدم قمامة وينهبها الناس حتى يعفى أثرها . ففعل ذلك . ثم أمر ~~بهدم ما في أعمال مملكته من البيع والكنائس ، فخوف أن تهدم النصارى ما في ~~بلادها من مساجد المسلمين فأمسك عن ذلك . PageV02P075 # | سنة تسع وتسعين وثلثمائة # في ثالث المحرم نظر أبو نصر بن عبدون الكاتب النصراني في ديوان الخراج ~~بانفراده من غير شريك . # وفي تاسعه ، وهو نصف توت ، أشيع وفاء النيل ms231 ، وخلع على ابن أبي الرداد ، ~~فابتدأ في النقص قبل أن يوفى ستة عشر ذراعا من تاسع عشر توت ؛ فأمر الناس ~~كافة بألا يتظاهر أحد منهم على شاطىء النيل بشيء من الغناء ، ولا يسمع في ~~دار ولا يشرب في المراكب . وكبست عدة دور ، وقبض على جماعة . # وقدم الحاج في حادي عشري صفر . # ونودي ألا يدخل أحد الحمام إلا بمئزر ، ولا يمشي اليهود والنصارى إلا ~~بالغيار ، وضربوا على ترك ذلك . وكسبت الحمامات وأخذ منها جماعة وشهروا من ~~أجل أنهم وجدوا بغير مئزر . PageV02P076 # ومنع أن يدخل أحد إلى سوق الرقيق إلا أن يكون بائعا أو مشتريا ؛ وأفرد ~~الجواري من الغلمان ، وجعل لكل منهم يوم . ومنع من نصب الشراعات التي كانت ~~النساء تنصبها في المقابر أيام الزيارة . وأشيع بين الناس بأن النبيذ يمنع ~~من بيعه ، فازدحموا على شرائه ، وبيع منه شيء كثير ، فعز حتى بيع كل عشر ~~جرار بدينار ، ولم يوجد لكثرة طلابه . # ومنع كل أحد من الناس أن يخرج من منزله قبل صلاة الصبح وبعد صلاة العشاء ~~، واشتد الأمر في هذا ، واعتقل جماعة خالفوا ما أمر به . # وقرئ سجل بترك الخوض فيما لا عيني ، والاشتغال بالصلوات في أوقاتها ، ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وألا يخوض أحد في أحوال السلطان ~~وأوامره وأسرار الملك . # وقرئ سجل في ربيع الأول بالمنع من حمل النبيذ والموز ، وحذر من التظاهر ~~بشيء منه أو من الفقاع ، والدلينس ، والسمك الذي لا قشر له ، والترمس ~~المعفن . # وقرئ آخر في سائر الجوامع بتسكين قلوب الناس وتطمينهم ، لكثرة ما اشتهر ~~عندهم وداخلهم من الخوف بما يجري من أوامر الحضرة في البلد . # وفي حادي عشر جمادى الآخرة قبض على عبد العزيز بن النعمان ؛ وطلب حسين بن ~~جوهر ففر هو وابناه وجماعة . وكثر الصياح في دار عبد العزيز ؛ وغلقت حوانيت ~~القاهرة وأسواقها . فأفرج عن عبد العزيز ونودي في القاهرة بألا يغلق أحد . ~~ثم رد حسين بعد ثلاثة أيام بابنيه ، وصاروا إلى الحاكم فأمرهم بالانصراف ~~إلى دورهم ؛ وخلع عليه وعلى عبد العزيز وعلى أولادهما ، وكتب لهما ms232 أمانان . # وفي رجب كثرت الأمراض في الناس ، وفشا الموت . وتخوف الناس من الحاكم ~~فكتب عدة أمانات لأناس شتى . وأقطع مالك بن سعيد ناحية برنشت . PageV02P077 # وفي شعبان تراخت الأسعار . # وفي رمضان قرئ سجل فيه يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون ، ولا يعارض أهل ~~الرؤية فيما هم عليه صائمون ، ويفطرون ؛ وصلاة الخمسين للذين بما جاءهم ~~فيها يصلون وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها ولاهم عنها يدفعون ~~؛ ويخمس في التكبير على الجنائز المخمسون ، ولا يمنع من التربيع عليها ~~المربعون ؛ يؤذن بحي على خير العمل المؤذنون ، ولا يؤذى من بها لا يؤذنون ؛ ~~لا يسب أحد من السلف ، ولا يحتسب على الواصف فيهم بما يصف ، والحالف منهم ~~بما حلف ؛ لكل مسلم مجتهد في دينه اجتهاد . # وفيه ركب سائر العرائف والأولياء وأكثر أهل البلد إلى القصر وقد عظمت ~~الزحمة ، واصطفت العساكر حول القصر بالسلاح ، ولم يعرف أحد ما هذا الاجتماع ~~؛ فخرج صالح ابن علي بالخلع على فرس بسرج ولجام ذهب ، وبين يديه فرسان وسفط ~~ثياب ، وسجل يتضمن أنه لقب بثقة ثقات السيف والقلم . # وأعيد عبد العزيز بن النعمان إلى النظر في المظالم . # وتزايدت الأمراض وكثر موت الناس ، وعزت الأدوية ؛ فبلغ السكر أربعة دراهم ~~للرطل ، وبذر الرمان كل أوقية بدرهم ، ودهن البنفسج كل أوقية بدينار ، ~~والعناب والإجاص كل أوقيتين بدرهم وباقة لينوفر بدينار ، والبطيخة بثلاثة ~~دنانير . PageV02P078 # ولم يركب الحاكم لصلاة عيد الفطر وصلى القاضي مالك بن سعيد بالناس في ~~المصلى وخطب . # وفي ذي القعدة أعيدت المكوس التي كانت رفعت . # وسارت قافلة الحاج في النصف منه . # وحمل سماط عيد النحر يوم التاسع من ذي الحجة على عادته ، غير أنه أبطل ~~منه الملاهي والخيال واللعب الذي كان يعمل في كل سنة . # وصلى القاضي بالناس صلاة عيد النحر وخطب . # وفي يوم عيد الغدير منع الناس من عمله . ودرست كنائس كانت بطريق المكس ~~وكنيسة بحارة الروم من القاهرة ونهب ما فيها . وقتل في هذه الليلة كثير من ~~الخدم والصقالبة والكتاب بعد أن قطعت أيديهم بالساطور على خشبة من وسط ~~الذراع ms233 . # وفيها مات أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس المنجم لثلاث ~~خلون من جمادى الأولى ، وقتل القائد فضل بن صالح ، ضربت رقبته لتسع بقين من ~~ذي القعدة . PageV02P079 # وقتل أبو أسامة جنادة أسامة بن محمد اللغوي لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة ، ~~ومعه الحسن بن سليمان الأنطاكي النحوي ؛ واستتر عبد الغني بن سعيد ؛ وكان ~~ذلك بسبب اجتماعهم بدار العلم وجلوسهم فيها . # وقتل رجاء بن أبي الحسين من أجل أنه صلى صلاة التراويح في شهر رمضان . # وقتل أصحاب الأخبار عن آخرهم لكثرة أذيتهم الناس بالكذب عليهم وأخذهم ~~الأموال من الناس . # وفيها قتل أبو علي بن ثمال الخفاجي متولي الرحبة من قبل الحاكم ، وملكها ~~بعده صالح بن مرداس الكلابي متملك حلب . PageV02P080 # | سنة أربعمائة # في حادي عشر صفر صرف أبو الفضل صالح بن علي الروزباري ثقة ثقات السيف ~~والقلم ، وقرر مكانه أبو نصر بن عبدون الكاتب النصراني ؛ فوقع من الحاكم ~~فيما كان يوقع فيه صالح ، ونظر فيما كان ينظر فيه ، وأذن لصالح في الركوب ~~إلى القصر . # وسار ابن عبدون في الموكب مع الشيوخ في المنتهى وقال مثلي لا يساير أمير ~~المؤمنين بأعلى من ذلك . # وكتب من إنشاء ابن سورين لخدم قمامة بالقدس . # وأحدث الحاكم ديوانا سماه الديوان المفرد برسم من يقبض ماله من المقتولين ~~وغيرهم . # ووصل الحاج في حادي عشر منه . # وفي ربيع الأول كثرت الأمراض والموت ، وعزت الأدوية المطلوبة للمرضى . # وشهر جماعة وجد عندهم فقاع وملوخية وترمس ودلينس بعد ضربهم . # وهدم دير القصير ونهب . # ولقب ابن عبدون بالقاضي ، وكتب له سجل بذلك ، وحمل على بغلتين . # واشتد الأمر على اليهود والنصارى في إلزامهم لبس الغيار . # ورد إقطاع حسين بن جوهر إليه وإلى أولاده وصهره عبد العزيز بن النعمان ، ~~وقرئ لهم بذلك سجل . PageV02P081 # وصلى القاضي بالناس صلاة عيد الفطر على الرسم . # وقرئ سجل بإبطال ما كان يؤخذ على أيدي القضاة من الخمس والفطرة والنجوى . # في تاسع ذي القعدة فر حسين بن جوهر وأولاده وصهره عبد العزيز بن النعمان ~~وأولاده بجماعة منهم في ms234 أموال وسلاح ، وخرجوا ليلا ، فلما أصبحوا سير ~~الحاكم خيلا في طلبهم نحو وجرة فلم يدركوهم . وأحيط بدورهم ، فأخذت للديون ~~المفرد . وفر أبو القاسم الحسين بن المغربي في زي حمال إلى حسان بن علي بن ~~مفرج بن دغفل بن الجراح . # وفيه قرىء عدة أمانات بالقصر للكتاميين من جند إفريقية ، والأتراك ، ~~والقضاة ، والشهود ، وسائر الأولياء والأمناء ، والرعية ، والكتاب ، ~~والأطباء ، والخدام السود ، والخدام الصقالبة ؛ لكل طائفة أمان . # وحمل سائر ما في دور حسين بن جوهر وعبد العزيز بن النعمان إلى القصر بعد ~~أن احصاه القاضي ملك بن سعيد وضبطه . # وقرئ سجل بقطع مجالس الحكمة التي كانت تقرأ على الأولياء في يومي الخميس ~~والجمعة . # وقرئ سجل في الجامع العتيق بإقبال الناس على شأنهم وتركهم الخوض فيما لا ~~يعنيهم وسجل آخر برد التثويب في الأذان ، والإذن للناس في صلاة الضحى وصلاة ~~القنوت . ثم جمع في سائر الجوامع وقرئ عليهم سجل بأن يتركوا الأذان بحي على ~~خير العمل ، ويزاد في أذان الفجر : الصلاة خير من النوم ؛ وأن يكون ذلك من ~~مؤذني القصر عند قولهم : السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله ؛ فامتثل ~~الناس وعمل . PageV02P082 # وسار محمد بن نزال بعسكر إلى الشام . # وقرئ سجل مندد فيه بشرب النبيذ وجميع أنواع المسكر . # وصلى الحاكم بالناس في المصلى صلاة عيد النحر ، وخطب ونحر ، وحضر السماط ~~على رسمه . # وقرئت عدة أمانات بالقصر . # وفيه سارت العساكر بعدة مواضع تطلب قائد القواد حسين بن جوهر وصهره عبد ~~العزيز ، وشاع الخبر بأنه عند بني قرة . # وقرئ سجل في الجوامع بالرخصة فيما كان يشدد فيه في الجمعة الماضية من أمر ~~النبيذ . # وقتل في هذه السنة عدة كثيرة من الخدام والفراشين والكتاب وغيرهم . # ومات أبو منصور بشر بن عبيد الله بن سورين كاتب السجلات في صفر . وتوفي ~~صقر اليهودي ، طبيب الحاكم في ربيع الآخر . وتوفي أبو عبد الله اليمنى ~~المؤرخ ، وله تاريخ النحاة ، وسيرة جوهر القائد . وقتل أبو الفضل صالح بن ~~علي الروزباري ليلة الثاني عشر من شوال . وقتل غالب بن هلال متولي الشرطتين ~~والحسبة في ms235 شوال . PageV02P083 # | سنة احدى وأربعمائة # في رابع المحرم صرف ابن عبدون النصراني ، وخلع على أحمد بن محمد القشوري ~~الكاتب ، وقرئ سجله في القصر بأنه تقلد الوساطة والسفارة بين أولياء أمير ~~المؤمنين الحاكم وبينه ، وأمر الرعايا ، وفوضت له الأمور وعول عليه فيها . ~~وكان سبب صرف ابن عبدون عن الوساطة والسفارة أن كتب الحاكم تكررت إلى قائد ~~القواد حسين بن جوهر وإلى صهره عبد العزيز بن النعمان بأمانهم وعودهم ، ~~فأبى ابن جوهر أن يدخل وابن عبدون واسطة ، وقال : أنا أحسنت إليه نظري فسعى ~~في إلى أمير المؤمنين ونال مني كل منال ؛ لا أعود أبدا وهو وزير . فصرف ~~لذلك ، وحضر حسين وعبد العزيز ومن خرج معهما ، فنزل سائر أهل الدولة إلى ~~لقائه ، وتلقته الخلع ، وأفيضت عليه وعلى أولاده وصهره عبد العزيز ؛ وقيد ~~بين أيديهم الدواب . فعندما وصلوا إلى باب القاهرة ترجلوا ومشوا ، ومشى ~~معهم سائر الناس إلى القصر ؛ فمثلوا بحضرة الحاكم ، ثم خرجوا وقد عفى عنهم ~~. وأذن للحسين أن يكاتب بقائد القواد ، ويكون اسمه تاليا للقبه ، وأن يخاطب ~~بذلك ؛ فانصرف إلى داره ؛ فكان يوما عظيما . وحمل إليه جميع ما قبض له من ~~مال وغيره ، وأنعم عليه . وواصل هو وعبد العزيز الركوب إلى القصر . # وكتب لابن عبدون أمان خطه الحاكم بيده ؛ وكان يقول عنه : ما خدمني أحد ~~ولا بلغ في خدمته ما بلغه ابن عبدون . ولقد جمع لي من الأموال ما هو خارج ~~في أموال الدواوين ثلثمائة ألف دينار . PageV02P084 # وأقام ابن القشوري على رسمه ينظر عشرة أيام ، إلى ثالث عشره ؛ فبينا هو ~~يوقع إذ قبض عليه وضربت رقبته من أجل أنه بلغ الحاكم عنه أنه يبالغ في ~~تعظيم حسين بن جوهر ، وأكثر من السؤال في حوائجه . # وفي يومه أجلس أبو الخير بن زرعة بن عيسى بن نسطورس الكاتب النصراني في ~~مكان ابن القشوري ؛ وأمر أن يوقع عن الحاكم في أوامره ، فجلس ونظر في ~~الوساطة والسفارة بغير خلع . ومنع من الركوب في المراكب بالخليج ؛ وسدت ~~أبواب القاهرة التي مما يلي الخليج ، وأبواب الدور والطاقات المطلة عليه ms236 ~~والخوخ . # وخلع على قاضي القضاة مالك ، وقلد النظر في المظالم مع القضاء ؛ وقرئ ~~سجله بالجامع . # وكتب سجل بإعادة مجالس الحكمة . وأخذ النحوي . وشدد على النصارى في لبس ~~الغيار بالعمائم الشديدة السواد ، دون ما عداها من الألوان . # وفيه قبض على حسين بن جوهر وعبد العزيز بن النعمان ، واعتقلا ثلاثة أيام ~~، ثم حلفا أنهما لا يغيبان عن الحضرة وأشهدا على أنفسهما بذلك ، وأفرج ~~عنهما ؛ وحلف لهما الحاكم في أمان كتبه لهما . # واعتقل ابن عبدون ، وأمر بعمل حسابه ؛ ثم ضربت عنقه وقبض ماله . ~~PageV02P085 # وفي سابع عشر صفر وصل الحاج من غير زيارة المدينة النبوية ، فأمر أن يكون ~~مسير الحاج للنصف من شوال وأن يبدءوا بزيارة المدينة ؛ وكتب بذلك إلى سائر ~~الأعمال . # وفي سابع ربيع الآخر خلع على زرعة بن عيسى بن نسطورس ، وحمل ، وقرئ له ~~سجل في القصر لقب فيه بالشافي . # وخلع على أبي القاسم علي بن أحمد الزيدي ، وقرئ له سجل بنقابة الطالبيين ~~. # وقرئ سجل في سائر الجوامع ، فيه النهي عن معارضة الإمام فيما يفعله ، ~~وترك الخوض فيما لا يعنى ؛ وأن يؤذن بحي على خير العمل ، ويترك من أذان ~~الصبح قول : الصلاة خير من النوم ؛ والمنع من صلاة الضحى وصلاة التراويح ؛ ~~وإعادة الدعوة والمجلس على الرسم . فكان بين المنع من ذلك والإذن به خمسة ~~أشهر . # وضرب جماعة وشهروا لبيعهم الملوخية والسمك الذي لا قشر له . وقبض على ~~جماعة بسبب بيع النبيذ واعتقلوا ، وكبست مواضع ذلك . ومنع النصارى من ~~الغطاس فلم يتظاهروا على شاطىء البحر بما جرت عادتهم به . # وفي ثاني عشر جمادى الآخرة ركب حسين بن جوهر وعبد العزيز بن النعمان على ~~رسمهما إلى القصر ، فلما خرج المتسلم قيل لحسين وعبد العزيز وأبي علي أخي ~~الفضل ، PageV02P086 أطيعوا لأمر تريده الحضرة منكم . فجلس الثلاثة وانصرف ~~الناس ، فقبض على ثلاثتهم وقتلوا في وقت واحد ، وأحيط بأموالهم وضياعهم ~~ودورهم ؛ فوجد لحسين بن جوهر في جملة ما وجد سبعة آلاف مبطنة حريرا من سائر ~~أنواع الديباج والعتابي وغيره ، وتسع متارد صيني مملؤة حب كافور قنصوري وزن ms237 ~~الحبة الواحدة ثلاثة مثاقيل . وأخذت الأمانات والسجلات التي كتبت لهم . ~~واستدعي أولاد حسين وأولاد عبد العزيز ووعدوا بالجميل وخلع عليهم ، وحملوا ~~على دواب . # وفيه ذبحت نعجة فوجد في بطنها حمل وجهه كوجه إنسان . # وفي شعبان وقع قاضي القضاة مالك إلى سائر الشهود بخروج الأمر العالي ~~المعظم أن يكون الصوم يوم الجمعة والعيد يوم الأحد . واشتد الأمر في منع ~~المسكرات ، وتتبع مواضعها . وأبطلت عدة جهات من جهات المكوس والرسوم . ومنع ~~الغناء واللهو ، وأمر الاتباع مغنية ؛ وألا يجتمع الناس في الصحراء ومنع ~~النساء من الحمام . وأن يكون الخروج للحج في سابع شوال . # وركب الحاكم لصلاة العيد على رسمه . # وفي ثاني شوال سار على بن جعفر بن فلاح بالعساكر لقتال حسان بن علي بن ~~مفرج بن دغفل بن الجراح عند هزيمته ياروخ وقبضه عليه وعلى أصحابه بالرملة ؛ ~~فقاتلهم في ثالث عشره وقتل منهم وظهر عليهم ؛ وخلع طاعة الحاكم ، وأقام ~~الدعوة لأبي الفتوح حسين بن جعفر بن محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن عبد ~~الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الحسني ، ~~أمير مكة . وقتل ياروخ . PageV02P087 # وفيه تأخر الحاج إلى نصف ذي القعدة ، فخرجوا في سابع عشره ، ورجعوا في ~~ثالث عشريه من القلزم ؛ فلم يحج أحد من مصر في هذه السنة . # وصلى مالك بن سعيد بالناس صلاة عيد النحر ، وخطب ، ونحر في المصلى ~~والملعب مدة أيام النحر . ولم يركب الحاكم ولا نحر . # وفيها مات أبو الحسن علي بن إبراهيم النرسي نقيب الطالبيين في رابع ربيع ~~الآخر وقد أناف على السبعين . # وقتل فيها من الكتاب والرؤساء والخدام والعامة والنساء عدد كثير جدا ؛ ~~قتلهم الحاكم . # وفيها خطب قرواش بن المقلد بن المسيب ، أمير بني عقيل ، للحاكم بالموصل ~~والأنبار والمدائن والكوفة وغيرها ؛ فكان أول الخطبة : الحمد لله الذي ~~انجلت بنوره غمرات الغضب ، وانهدت بعظمته أركان النصب ، وأطلع بقدرته شمس ~~الحق من المغرب . ثم بطلت الخطبة بعد شهر وأعيدت لبني العباس . PageV02P088 # | سنة اثنتين وأربعمائة # في المحرم قلدت الشرطتان ms238 لمحمد بن نزال ، وأمر بتتبع المنكرات والمنع ~~منها ، وألا يباع زبيب أكثر من خمسة أرطال ، ولا تباع الجرار . ومنع ~~النصارى من الاجتماع في عيد الصليب ، وأن يظهروا في المضي إلى الكنائس . # وأوفى النيل ستة عشر ذراعا في رابع عشر صفر ، وهو سادس عشر توت . # وفي تاسع ربيع الآخر خلع على غين الخادم وقلد بسيف ، وقرئ سجله بأنه لقب ~~بقائد القواد فليكاتب بذلك ويكاتب به ؛ وقيد معه عشرة أفراس بسروجها ولجمها ~~. وهدمت اللؤلؤة . # وفي جمادى الآخرة منع بيع قليل الزبيب وكثيره ، وكوتب بالمنع من حمله ، ~~وألقى في النيل منه شيء كثير . # وفي رجب قطع الرسم الجاري من الخبز والحلوى الذي كان يقام في الثلاثة ~~أشهر لمن يبيت بجامع القاهرة في ليالي الجمع والأنصاف . وحضر القاضي مالك ~~إلى جامع القاهرة في ليلة النصف من رجب . واجتمع الناس بالقرافة على عادتهم ~~في كثرة اللعب والمزاح . PageV02P089 # وقرئ سجل في القصر بأن أحدا لا يلتمس من أمير المؤمنين زيادة رزق ولا صلة ~~ولا إقطاع ولا غير ذلك من المنافع . # واستهل شعبان يوم الاثنين ، فأمر أن يجعل أوله يوم الثلاثاء ؛ وأخذ جميع ~~ما عند التجار من السلاح بثمنه للخزانة . ومنع النساء من الخروج بعد العشاء ~~الآخرة . # وفي ليلة النصف من شعبان كثر إيقاد القناديل في المساجد ، وتنافس الناس ~~في ذلك . # وصلى مالك بن سعيد بالناس صلاة العيد . # وتشدد الأمر في الإنكار على بيع الفقاع والملوخية والسمك الذي لا قشر له ~~. ومنع الناس من الاجتماع في المآتم ومن اتباع الجنائز . وأحرق زبيب كثير ~~كان في محارق التجار . وجمع الشطرنج من أماكن متعددة وأحرق . وجمع الصيادون ~~وحلفوا أنهم لا يصطادون سمكا بغير قشر ، ومن فعل ذلك ضربت رقبته ، وتوالى ~~إحراق الزبيب عدة أيام بحضرة الشهود ؛ وتولى مؤنة الإنفاق على حمله وإحراقه ~~متولى ديوان النفقات ؛ فأحرق منه ألفان وثمانمائة وأربعون قطعة بلغت مؤنة ~~الإنفاق عليها خمسة آلاف دينار في مدة خمسة عشر يوما . # وقرئ سجل بمنع الناس من السفر إلى مكة في البر والبحر ، ومن حمل الأمتعة ~~والأقوات إليها ms239 ؛ فرد قوم خرجوا إلى الحج من الطريق . PageV02P090 # ومرض غين الخادم ، فركب الحاكم لعيادته ، وسير إليه خمسة آلاف دينار ~~وخمسة وعشرين فرسا مسرجة ملجمة ؛ وقلد الشرطة والحسبة بمصر والقاهرة ~~والجزيرة ، والنظر في جميع الأموال والأحوال . ونزل إلى الجامع العتيق ومعه ~~سائر العسكر بخلعه ، وقرئ سجله وفيه تشدده في المسكرات والمنع من بيع ~~الفقاع والملوخية والسمك الذي لا قشر له ، والمنع من الملاهي ومن اجتماع ~~الناس في المآتم واتباع الجنائز ، والمنع من بيع العسل إلا أن يكون ثلاثة ~~أرطال فما دونها . وفي ذي الحجة وردت هدية تنيس على العادة في كل سنة . # ولم يركب الحاكم لصلاة عيد النحر ، فصلى بالناس مالك بن سعيد وخطب . ولم ~~يخرج من النساء إلى الصحراء فلم تر امرأة على قبر . # ومنع من الاجتماع على شاطىء النيل ، ومن ركوب النساء المراكب مع الرجال ~~وخروجهن إلى مواضع الحرج مع الرجال . وفيه عمل عيد الغدير على رسمه وفرقت ~~فيه دراهم كثيرة . # ومنع من بيع العنب وألا يتجاوز في بيعة أربعة أرطال ، ومنع من اعتصاره ، ~~فبيع كل ثمانية أرطال بدرهم ، وطرح كثير منه في الطرقات ، وأمر بدوسه ؛ ~~ومنع من بيعه ألبتة ، وغرق ما حمل منه في النيل . وبعث شاهدين إلى الجيزة ~~فأخذ جميع ما على الكروم من الأعناب وطرحت تحت أرجل البقر لدوسه ، وبعث ~~بذلك إلى عدة جهات . وتتبع من يبيع العنب ، واشتد الأمر فيه بحيث لم يستطع ~~أحد بيعه ؛ فاتفق أن شيخا حمل خمرا له على حمار وهرب ، فصدفه الحاكم عند ~~قائلة النهار على جسر ضيق ، فقال له : من أين أقبلت ؟ قال من أرض الله ~~الضيقة . فقال : يا شيخ ، أرض الله ضيقة ؟ فقال : لو لم تكن ضيقة ما جمعتني ~~وإياك على هذا الجسر . فضحك منه وتركه . PageV02P091 # وفيها أخذ بنو قرجه هدية باديس بن المنصور صاحب إفريقية وزحفوا إلى برقة ~~، ففر عاملها في البحر وفتحوها . وفيه نزع السعر . # وفيها مات أبو القاسم ولى الدولة ابن خيران الكاتب في شهر رمضان . # وانتهى ماء النيل في زيادته إلى ستة عشر ذراعا ونصف ذراع ms240 . PageV02P092 # # | سنة ثلاث وأربعمائة # في محرم ختم على مخازن العسل وجميع ما عند التجار والباعة منه ؛ ورفعت ~~مكوس الساحل . ومنع الناس من عمل حزن عاشوراء . وغرق في أربعة أيام خمسة ~~آلاف وواحد وخمسون زيرا من أزيال العسل . ونزع السعر ، وكثر الازدحام على ~~الخبز ، ففرق الحاكم مالا على الفقراء . وكثر ابتياع الناس للسيوف ~~والسكاكين والسلاح ، وحمله من لم يحمله قط من العوام والصناع ، وكثر الكلام ~~فيه ، فقرئ سجل على منابر الجوامع بتطمين الناس وإعراضهم عن سماع أقوال ~~المرجفين . # وفي ثاني ربيع الأول خلع على أبي الحسن علي بن جعفر بن فلاح ولقب قطب ~~الدولة ، وقرئ له سجل بالتقدم على سائر الكتاميين والنظر في أحوالهم ، ~~والسفارة بينهم وبين أمير المؤمنين . وحمل على فرس وبين يديه ثياب . # وهلك زرعة بن عيسى بن نسطورس من علته في ثاني عشره ؛ فكانت مدة نظره في ~~الوساطة سنتين وشهرا ؛ فتأسف الحاكم على فقده من غير قتل ، وقال ما أسفت ~~على شيء قط أسفي على خلاص ابن نسطورس من سيفي ، وكنت أود ضرب عنقه ، لأنه ~~أفسد دولتي ، وخانني ونافق علي ، وكتب إلى حسان بن الجراح في المداجاة علي ~~وأنه يبعث من يهرب به إليه . # وخلع على إخوته الثلاثة وأقروا على ما بأيديهم من الدواوين . وأمر ~~النصارى إلا الحبابرة بلبس العمائم السود والطيالسة السود ، وأن يعلق ~~النصارى في أعناقهم صلبان الخشب ، ويكون ركب سروجهم من خشب ، ولا يركب أحد ~~منهم خيلا ، وأنهم يركبون البغال PageV02P093 والحمير ، وألا يركبوا السروج ~~واللجم محلاة ، وأن تكون سروجهم ولجمهم بسيور سود ، وأنهم يشدون الزنانير ~~على أوساطهم ، ولا يستعملون مسلما ، ولا يشترون عبدا ولا أمة ؛ وأذن للناس ~~في البحث عنهم وتتبع آثارهم في ذلك ؛ فأسلم عدة من النصارى الكتاب وغيرهم . ~~وشدد الأمر عليهم ، ومنع المكاريون من تركيبهم ، وأخذوا بتسوية السروج ~~والخفاف ومنعوا من ركوب النيل مع نواتية مسلمين . # واستدعى الحاكم حسين بن طاهر الوزان وكان منقطعا إلى غين الخادم الأسود ~~وعرض عليه الوساطة فأجاب بشريطة أن يكون لكل قبيل من طوائف العسكر زمام ~~عليهم يرجعون إليه ms241 ، ويكون نظره على الأزمة ، فيجعل لكل طائفة يوما ينظر في ~~أمورهم وخاصة زمامهم فقط ؛ ففعل ذلك ، وخلع عليه . وفوض في الوساطة ~~والتوقيع ، وقرئ سجله بالقصر في تاسع عشر ربيع الأول . وأمر الحاكم فنقش ~~على خاتمه : بنصر الله العظيم الولي ينتصر الإمام أبو علي . # وفيه أمر النصارى بعمل ركب السروج من خشب الجميز . # وقبض على جماعة بسبب اللعب بالشطرنج وضربوا وحبسوا . وألزم النصارى أن ~~يكون الصليب الذي في أعناقهم طوله ذراع في مثله ، وكثرت إهاناتهم وضيق ~~عليهم ؛ وأمروا أن تكون زنة الصليب خمسة أرطال وأن يكون فوق الثياب مكشوفا ~~، ففعلوا ذلك . ولما اشتدت عليهم الأمور تظاهر كثير منهم بالإسلام ، فوقع ~~الأمر بهدم الكنائس ، وأقطعت بجميع مبانيها وبمالها من رباع وأراض لجماعة ، ~~وعملت مساجد وأذن في بعضها وبيعت أوانيها . ووجد في المعلقة بمصر وفي كنيسة ~~PageV02P094 بو شنوده مال جزيل من مصاغ وثياب وغيره . وتتابع هدم الكنائس ؛ ~~وكتب إلى الأعمال بهدمها فهدمت . # وأشيع سير أبي الفتوح أمير مكة من الرملة إلى الحجاز ، وكان قد قدم إليها ~~فبايعه ابن الجراح ولقبه بالراشد بالله أمير المؤمنين ، ودعا له بالرملة . # وفي جمادى الأولى لقب الحسين بن طاهر الوزان بأمين الأمناء وكتب له سجل ~~بذلك . وظهر لحسين بن جوهر مال عظيم ، فأنعم به الحاكم على ورثته ولم يعرض ~~لشيء منه . # وفي ذلك الحين كان وصول أبي الفتوح إلى مكة إقامته الدعوة للحاكم بها ، ~~وضربت السكة باسمه . وابتدأ مالك بن سعيد بعمل رصد فلم يتم . # وفي جمادى الآخرة اشتد الإنكار بسبب الفقاع والزبيب والسمك . وقبض على ~~جماعة فاعتقلوا وأمر بضرب أعناقهم ، ثم أطلقوا . وتشدد في منع ذبح الأبقار ~~السالمة من العيب ومنع النساء من الغناء والنشيد . وأقطعت الكنائس ~~والديارات بنواحي بمصر لكل من التمسها . PageV02P095 # وفي رجب قرئ سجل بمنع الناس من تقبيل الأرض للحاكم ، وبمنعهم من تقبيل ~~ركابه ويده عند السلام عليه في المواكب ، والانتهاء عن التخلق بأخلاق أهل ~~الشرك من الانحناء إلى الأرض فإنه صنيع الروم ؛ وأمروا أن يكون للسلام عليه ~~: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله ms242 وبركاته . ونهوا عن الصلاة عليه في ~~المكاتبة والمخاطبة ، وأن تكون مكاتبتهم في رقاعهم ومراسلاتهم بإنهاء الحال ~~، ويقتصر في الدعاء على سلام الله وتحياته وتوالى بركاته على أمير المؤمنين ~~، ويدعى له بما سبق من الدعاء لا غير . فلما كان يوم الجمعة لم يقل الخطيب ~~سوى : اللهم صل على محمد المصطفى وسلم على أمير المؤمنين علي المرتضى ، ~~اللهم وسلم على أمراء المؤمنين آباء أمير المؤمنين ، اللهم اجعل أفضل سلامك ~~على سرك وخليفتك . # وأنزل من القصر سبع صناديق فيها ألف ومائتان وتسعون مصحفا إلى الجامع ~~العتيق ليقرأ فيها الناس . وأحصيت المساجد التي لا غلة لها فكانت ثمانمائة ~~مسجد ونيف ، فأطلق لها في كل شهر تسعة آلاف ومائتا درهم وعشرون درهما ، لكل ~~مسجد اثنا عشر درهما . # ومنع من ضرب الطبول والأبواق التي كانت تضرب حول القصر في الليل ، فصاروا ~~يطوفون بغير طبل ولا بوق . وأنزل إلى جامع ابن طولون ثمانمائة مصحف وأربعة ~~عشر مصحفا . وأبطلت مكوس الحسبة ، وأذن للناس بالتأهب للحج في البر والبحر ~~. # وفي رمضان صلى الحاكم بالناس مرة في جامعه براشدة ، ومرة بجامعه خارج باب ~~الفتوح وفيه ظهر جراد كثير حتى أبيع في الأسواق . وصلى بالجامع العتيق بمصر ~~جمعة ، وهو أول من صلى فيه من الخلفاء الفاطميين . ومنع النساء من الجلوس ~~في الطرقات للنظر إليه . وأخذ القصص بيده ووقف لأهلها وسمع كلامهم ؛ وخالطه ~~العوام وحالوا بينه وبين PageV02P096 موكبه . واستماحه قوم فوصلهم بصلات ~~كثيرة ؛ وأهدى إليه قوم مصاحف فقبلها وأجازهم عليها . ووقف عليه اثنان من ~~تربة عمرو بن العاص وشكوا أن حبسهما قبض عليه للديوان من أيام العزيز ، ~~فخلع عليهما ووصلهما بألف دينار . وكثرت في هذا الشهر إنعاماته ، فتوقف ~~أمين الأمناء حسين بن طاهر الوزان في ذلك ، فكتب إليه الحاكم بخطه بعد ~~البسملة : الحمد لله كما هو أهله . # أصبحت لا أرجو ولا أتقي . . . سوى إلهي ، وله الفضل # جدي نبيي ، وإمامي أبي . . . وديني الإخلاص والعدل # المال مال الله عز وجل ، والخلق عباد الله ، ونحن أمناؤه في الأرض . أطلق ~~أرزاق الناس ولا تقطعها . والسلام . # وركب ms243 في يوم الفطر إلى المصلى بغير شيء مما كان يظهر في هذا اليوم من ~~الزينة والجنائب ونحوها ، فكان في عشرة أفراس جياد بين يديه بسروج ولجم ~~محلاة بالفضة البيضاء الخفيفة ، ومظلة بيضاء بغير ذهب ، وعليه بياض بغير ~~طرز ولا ذهب ولا جوهر في عمامته ، ولم يفرش المنبر . # وفيه وقعت فتنة بين طوائف العسكر شهروا فيها السلاح ، فركب الحاكم وأصلح ~~بينهم . وولد لعبد الرحيم بن إلياس ابن عم الحاكم مولود فبعث إليه ثلاثة ~~أفراس مسرجة PageV02P097 ملجمة ومائة قطعة من الثياب وخمسة آلاف دينار عينا ~~وسائر ما كان لأبيه أبي الأشبال المتوفي ، وكان شيخا جليلا . # ومنع الناس من سب السلف وضرب في ذلك رجل وشهر ، ونودي عليه : هذا جزاء من ~~سب أبا بكر وعمر ، وتبرأ الناس . فشق هذا على كثير من الناس ، وتجمعوا ~~يستغيثون وهم يستغيثون في الطرقات . فقرئ سجل بالقصر فيه الترحم على السلف ~~من الصحابة والنهي عن الخوض في مثل ذلك . ورأى في طريقه وقد ركب لوحا فيه ~~سب على السلف فأنكره ووقف حتى قلع . وتتبع الألواح التي فيها شيء من ذلك ، ~~فقلعت كلها ، ومحى ما كان على الحيطان منها حتى لم يبق لها أثر . وشدد في ~~الإنكار على من خالف ذلك ، ووعد عليه بالعقوبة . # وسارت قافلة الحاج في رابع عشر ذي القعدة إلى بركة الجب ثم رجعوا من ~~ليلتهم . # وخلع على قطب الدولة أبي الحسن على بن فلاح وسار في عسكر لقتال ابن ~~الجراح . وأملك ابنا عبد الرحيم بن إلياس بزوجتي حسين بن جوهر ، وقرئ ~~كتابهما في القصر ، وقد كتبا في ثوب مصمت وفي رأس كل منهما بخط الحاكم : ~~يعقد هذا النكاح بمشيئة الله وعونه ، والحمد لله رب العالمين ، وحسبنا الله ~~ونعم الوكيل . وخلع على ابني عبد الرحيم وحمل عنهما المهر وهو ألفا دينار . # وصلى الحاكم بالناس صلاة عيد النحر كهيئته في عيد الفطر ؛ ونحر عنه عبد ~~الرحيم والمؤذنون يكبرون خلفه كما يفعلون بين يدي الحاكم ، والقاضي مالك ~~إلى جنبه ومعه الرمح ، PageV02P098 وكلما رمى الرمح لينحر به قبله قبل ms244 أن ~~ينحر به ؛ فعل ذلك ثمانية أيام ، فعبث إليه الحاكم ثيابا جليلة وجواهر ~~ثمينة ، وحمله على فرس بسرج مرصع بالجوهر . # وواصل الحاكم الركوب إلى الصحراء بحذاء في رجله ، وعلى رأسه فوطة . وكان ~~يركب كل ليلة بعد المغرب . ووقف إليه خراساني يذكر أنه أخذ منه متاع برسم ~~الخزانة ولم يدفع إليه ثمنه ، فدفع إليه جميع ما كان له وهو نحو خمسة آلاف ~~دينار ، فشق به البلد ، وكثر الدعاء للحاكم . وحمل إلى عبد الرحيم عشرة ~~ألاف دينار في أكياس مكتوب عليها : لابن عمنا وأعز الخلق علينا عبد الرحيم ~~بن إلياس بن أحمد بن المهدي بالله ، سلمه الله وبلغنا فيه ما نؤمله . # وبعث إلى ملك الروم هدية مبلغ سبعة آلاف دينار . # وفيها وصلت هدية الحاكم إلى نصير الدولة أبي مناد مع عبد العزيز بن أبي ~~كدينة لثلاث عشرة خلت من المحرم ، ومعه سجل بإضافة برقة وأعمالها إليه ؛ ~~فخرج إلى لقائه ومعه القضاة والأعيان ، فكان يوما مشهودا . # وفي أواخر رجب فلج أبو الفتوح يوسف بن عبد الله بن أبي الحسين أمير صقلية ~~، فتعطل جانبه الأيسر ، فقام بالأمر ابنه أبو محمد جعفر بن يوسف وكان بيده ~~سجل الحاكم بولايته بعد أبيه ؛ ثم وصل إليه سجل لقب فيه تاج الدولة وسيف ~~الملك . ثم أنفذ إليه تشريف ، وعقد له لواء ، وزيد في لقبه الملك . # وفي ذي القعدة مات مفرج بن دغفل بن الجراح برملة لد ، من فلسطين . ~~PageV02P099 # سنة أربع وأربعمائة # في محرم أمر ألا يدخل يهودي ولا نصراني الحمام إلا ويكون مع اليهودي جرس ~~ومع النصارى صليب . ونهى عن الكلام في النجوم ، فتغيب عدة من المنجمين وبقي ~~منهم جماعة وطردوا ؛ وحذر الناس أن يخفوا أحدا منهم ، فأظهر جماعة منهم ~~التوبة فعفى عنهم ، وحلفوا ألا ينظروا في النجوم . # وأمر بغلق سائر الدواوين وجميع الأماكن التي تباع فيها الغلال والفواكه ~~وغيرها ثلاثة أيام من آخر حزن عاشوراء ؛ فلما كان يوم عاشوراء أغلقت سائر ~~حوانيت مصر والقاهرة بأسرها إلا حوانيت الخبازين . ونزل الذين عادتهم ~~النزول في يوم عاشوراء إلى القاهرة ms245 من المنشدين وغيرهم أفرادا غير مجتمعين ~~ولا متكلمين ، فما اجتمع اثنان في موضع . وخرج الحاكم في أمره وبذيله ~~القاضي إلى بلبيس ، فنظر إلى العسكر المجهز مع علي بن فلاح ، وعاد من الغد ~~، ورحل العسكر . # وأكثر الحاكم في هذا الشهر من الصدقات وإعطاء الأموال الكثيرة جدا . ~~وأعتق سائر مماليكه وجواريه . وفتح فيه الخليج يوم السابع عشر من مسرى ~~والماء على أربعة عشر ذراعا وثمانية أصابع . وفي أول صفر صرف القائد غين عن ~~الشرطتين والحسبة ، وتقلدها مظفر الصقلبي حامل المظلة . وأذن لليهود ~~والنصارى في مسيرهم إلى حيث ساروا من بلاد الروم . وورد الخبر بوصول عساكر ~~مصر ودمشق إلى الرملة وخروج العرب منها . وأمر ببناء جامع الإسكندرية وأطلق ~~مالا كثيرا للصدقة والتفرقة . # وفيه جمع سائر الناس على اختلافهم بالقصر وقرئ عليهم سجل بأن أبا القاسم ~~PageV02P100 عبد الرحيم بن إلياس بن أبي علي بن المهدي بالله أبي محمد عبيد ~~الله قد جعله الحاكم بأمر الله ولي عهد المسلمين في حياته والخليفة بعد ~~وفاته ، وأمر الناس بالسلام عليه وأن يقولوا له في سلامهم عليه : السلام ~~على ابن عم أمير المؤمنين وولي عهد المسلمين ؛ وتعين له محل يجلس فيه من ~~القصر . ثم قرئ السجل على منابر البلد وبالإسكندرية ؛ وبعث بذلك سجلا إلى ~~إفريقية ، فقرئ بجامع القيروان وغيره ، وأثبت اسمه مع اسم الحاكم في البنود ~~والسكة والطراز . فعظم ذلك على نصير الدولة أبي مناد باديس وقال : لولا أن ~~الإمام لا يعترض عليه في تدبير لكاتبته ألا يصرف هذا الأمر عن ولده إلى بني ~~عمه . # وخلع على عبد الغني بن سعيد ودفع له ألف وخمسمائة دينار وخمس عشرة قطعة ~~ثياب ، وحمل على بغلة ولرفيقه مثل ذاك . وسير مع رسول متملك الروم بهدية ~~عظيمة . # وبلغ الحاكم أن أبا القاسم علي بن أحمد الزيدي النقيب عليه عشرون ألف ~~دينار ، فوقع له بها مما عليه من الخراج ، وبعث له بثلاثة آلاف دينار أخرى ~~. # وكثر ركوب الحاكم وهو بدراعة صوف وبيضاء وعمامة فوطة ، وفي رجله حذاء ~~عربي بقبالين ؛ فأقبل الناس إليه بالرقاع ms246 ما بين متظلم أو مستمنح ؛ فأجزل ~~في الصلات والعطايا ما بين دور ودراهم وثياب ، فلم يرد أحد خائبا . ورد ما ~~كان في الديوان من الضياع والأملاك المأخوذة لأربابها ، وأقطع كثيرا من ~~الناس عدة آدر . وفي ربيع الأول بسط الحاكم يده بالعطاء . # وفي ثامن عشر ربيع الآخر أمر الحاكم بقطع يدي أبي القاسم أحمد بن علي ~~الجرجرائي ، فقطعتا جميعا ؛ وهو يومئذ كاتب قائد القواد غين . وسبب ذلك أنه ~~كان في خدمة ست PageV02P101 الملك ، أخت الحاكم ، فانفصل عنها وهي غير ~~راضية عنه ، وخدم عند غين ؛ ثم بعث إليها رقعة يستعطفها ، فارتابت منه ~~وسيرتها في طي درجها إلى الحاكم ، فأمر بقطع يديه وقد اشتد غيظه . ويقال بل ~~كان عقيل صاحب الخبر يحمل الرقاع بالخبر إلى القائد غين ليوصلها إلى الحاكم ~~وهي مختومة ؛ فجاءه في يوم بالرقاع على عادته فدفعها غين إلى كاتبه أبي ~~القاسم الجرجرائي حتى يجد فراغا فيحملها إلى الحاكم ، ففك الجرجرائي الختم ~~وقرأها ، فإذا في بعضها طعن على غين وذكره بسوء ، فقطع ذلك الموضع من ~~الرقعة وحكه وأصلحه ، وأعاد الختم . فبلغ ذلك عقيلا فأوصله إلى الحاكم فأمر ~~بقطع يديه . # وفي ثالث جمادى الأولى قطعت يد غين بعد قطع يد كاتبه الجرجرائي بخمسة عشر ~~يوما ، وكانت يده الأخرى قد قطعت قبل ذلك بثلاث سنين وشهر ، فصار مقطوع ~~اليدين . ثم إن الحاكم بعث إليه بآلاف من الذهب وعدة أسفاط من الثياب وأمر ~~بمداواته . وأبطل عدة مكوس من جهات كثيرة . فلما كان في ثالث عشره أمر بقطع ~~لسان غين فقطع . # وفي رجب أمر برفع ما يؤخذ من الشرطتين ؛ وقتل الكلاب ، فقتلت بأجمعها ؛ ~~وأبطل مكس الرطب ومكس دار الصابون ، ومبلغه ستة عشر ألف دينار ؛ وأطلق ~~أموالا جزيلة للصدقة . وأكثر من الركوب في الليل . ونزل ليلة النصف من ~~شعبان إلى القرافة ومشى فيها وتصدق بشيء كثير ، وأبطل عدة جهات من جهات ~~المكس . ومنع النساء أن يخرجن إلى PageV02P102 الطرقات في ليل أو نهار سواء ~~أكانت المرأة شابة أم عجوزا ، فاحتبسن في بيوتهن ولم تر امرأة في طريق ms247 ، ~~وأغلقت حماماتهن ، وامتنع الأساكفة من عمل خفاف النساء وتعطلت حوانيتهم . # وفي سادس عشره وقع في الناس خوف وفزع من شناعة القول وكثرة إشاعته بأن ~~السيف قد وقع في الناس ، فتهارب الناس وغلقت الحوانيت فلم يكن سوى القلب . ~~وضرب قوم خالفوا النهي عن بيع الملوخية والسمك الذي لا قشر له وشهروا . ~~وضرب كثير من النساء من أجل خروجهن من البيوت وحبسن . وقرئ سجل بالمنع من ~~تفتيش المسافرين في البحر والبر وانهي عن التعرض . وفي رمضان صلى بالناس في ~~الجوامع الأربعة : جامع القاهرة ، والجامع خارج باب الفتوح ، وجامع عمرو ، ~~وجامع راشدة ؛ وتصدق بأموال كثيرة ؛ ودعا فوق المنابر بنفسه لعبد الرحيم بن ~~إلياس ، فقال : اللهم استجب منى في ابن عمي وولي عهدي والخليفة من بعدي ، ~~عبد الرحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدي بالله أمير المؤمنين ، كما استجبت ~~من موسى في أخيه هرون . # وفيه ركب قائد القواد غين إلى القصر في موكب عظيم ، فخلع عليه . وضرب على ~~السكة اسم عبد الرحيم ولي عهد المسلمين . ومنع من عادته الطواف في الأعياد ~~بالأسواق لأخذ الهبات من الرجالة والبواقين . واجتمع الأولياء وغيرهم ~~بالقصر في يوم الخميس ثامن عشريه لسماع ما يقرؤه القاضي من كتب مجالس الحكم ~~، فمنعوا من ذلك . PageV02P103 # وركب لصلاة الجمعة بجامع القاهرة ، فازدحم الناس عليه بعد ركوبه من ~~الجامع إلى القصر ، فوقف لهم وأخذ رقاعهم ، وحادثهم ، وضاحكهم ، فلم يرجع ~~إلى القصر من كثرة وقوفه ومحادثته العوام إلى غروب الشمس ، ووقع صلات كثيرة ~~. وركب لصلاة العيد بغير زي الخلافة ، ومظلته بيضاء ، وعبد الرحيم يسايره ~~وهو حامل الرمح الذي من عادة الخليفة حمله ، وأصعده معه المنبر ودعا له . ~~ولم يعمل في القصر سماط ، ولا رؤيت امرأة ، ولا أبيع شيء مما عادته يباع في ~~الأعياد من اللعب والتماثيل . واشتد الأمر في منع النساء من الخروج ، وحبس ~~عدة عجائز وخدم وجدن في الطرقات . # وواصل الركوب في الليل . وأطلق لخليج الإسكندرية خمسة عشر ألف دينار . # وقرئ سجل بأن كل من كانت له مظلمة فليرفعها إلى ولي العهد ؛ فجلس عبد ms248 ~~الرحيم ورفعت إليه الرقاع فوقع عليها . وللنصف من ذي القعدة سار الحاج . ~~وفي يوم النحر ركب عبد الرحيم بالعساكر إلى المصلى فصلى بالناس وخطب ، ونحر ~~بالمصلى وبالملعب ، ولم يعمل سماط بالقصر . # وواصل الحاكم الركوب في العشايا . واصطنع خادما وكاتبا أسود كناه بأبي ~~الرضا سعد ، وأعطاه من الجواهر والأموال ما يجل وصفها ، وأقطعه إقطاعات ~~كثيرة ؛ فقصده الناس لحوائجهم ولزموا بابه لمهماتهم ، فتكلم لهم مع الحاكم ~~فلم يرد سؤاله في شيء . وكان مما يسأل فيه إقطاعات للناس تتجاوز خمسين ألف ~~دينار . # وفيه بعث أبو مناد باديس ، أمير إفريقية ، حميد بن تموصلت على عسكر إلى ~~برقة ، فخرج منها خود الصقلبي إلى مصر فتسلمها حميد . PageV02P104 # | سنة خمس وأربعمائة # في المحرم تزايد وقوع النار وكثر الحرق في الأماكن ، فأمر الناس باتخاذ ~~القناديل على الحوانيت وعلى أريافها ؛ وطرحت السقائف والرواشن وأمر بقتل ~~الكلاب ، فقتل منها كثير . وعظم الحريق ، ووقعت في أمره شناعات من القول ، ~~فقرئ سجل في الجوامع بزجر السفهاء والكف عن أحوال تفعل ، وأن يدخل الناس ~~إلى دورهم من بعد صلاة العشاء . فأغلقت الدور والحوانيت والدروب من بعد ~~صلاة المغرب وكثر الكلام وعظم الترحم في الليل . # وفيه وصل علي بن جعفر بن فلاح من الشام . ووصلت قافلة الحاج في تاسع صفر ~~من غير زيارة المدينة ، وقد أصابهم خوف شديد ، وهلك منهم خلق كثير من الجوع ~~والعطش . # وفيه ركب الحاكم مرتين ، فرفعت إليه الرقاع ، فأمر برافعيها فحبسوا . # وحبس عدة قياسر وأملاك مع سبع ضياع بإطفيح وطوخ على القراء والمؤذنين ~~PageV02P105 بالجوامع وعلى ملء المصانع والمارستان وثمن الأكفان . # وفي ربيع الأول واصل الركوب وأخذ الرقاع ووقف مع الناس طويلا ، ثم امتنع ~~من أخذ الرقاع وأمر أن ترفع إلى عبد الرحيم وإلى القاضي مالك ، وإلى أمين ~~الأمناء ، فتناولوا الرقاع . وأكثر من الهبات والصلات والإقطاع والخلع . ~~فلما كان يوم السبت سادس عشري ربيع الآخر ركب في الليل على رسمه إلى الجب ~~وتلاحق به الناس وفيهم قاضي القضاة مالك بن سعيد ، فلما أقبل على الحاكم ~~أعرض عنه فتأخر ، وإذا بصقلبي يقال ms249 له غادى ، يتولى الستر والحجية ، أخذه ~~وسار به إلى القصور وألقاه مطروحا بالأرض ، فمر به الحاكم وأمر بمواراته ، ~~فدفن هناك بثيابه وخفيه . وكانت مدة نظره في الأحكام عشرين سنة ، منها ست ~~سنين وتسعة أشهر قاضي القضاة وباقيها خلافة لبني النعمان . وكان ينظر في ~~القضاء والمظالم والأحباس ، والدعوة ، ودار الضرب ، ودار العيار ، وأمر ~~الأضياف ؛ فعلت منزلته وقصده الناس في حوائجهم لكثرة اختصاصه بالحاكم ~~وتزايد إقطاعاته من الدور بفرشها والضياع العديدة ، ومواصلة الركوب مع ليلا ~~ونهارا ، ومشاورته في أمور الدولة ونظره في أمور الدواوين كلها . وكان سخيا ~~جوادا PageV02P106 فصيحا بليغا ، لم يضبط عليه قط صياح ولا حدة ، ولا سمعت ~~منه في خطاباته أبدا كلمة فيها فحش ولا قذع ولا قبح . # وكان سبب قتله أنه اتهم بموالاة سيدة الملك ومراعاتها ، وكان الحاكم قد ~~انفلق منها فلما قتل استدعى الحاكم أولاده وخاطبهم ، ولم يتعرض لشيء من ~~تركة أبيهم ؛ وأمر ابنه أبا الفرج أن يركب في الموكب ، وأقره على إقطاعه ، ~~ومبلغه في السنة خمسة عشر ألف دينار . # وفي جمادى الأولى رد الحاكم على بني عمرو بن العاص حبس جدهم عمرو بن ~~العاص ، ومبلغه في الشهر نحو مائتي دينار . # وتزايد ركوب الحاكم حتى كان يركب في اليوم الواحد عدة مرات ، وعظمت هباته ~~وعطياته . ثم أمر بابتياع الحمير ، وصار يركبها من تحت السرداب إلى باب ~~البستان إلى المقس ، ويغلق الأبواب التي يتوصل منها إلى المقس وقت ركوبه ، ~~ومنع الناس من الخروج إلى هذه المواضع . # وفي جمادى الآخرة قدم رسول ملك الروم ، فاصطفت العساكر من باب القصر إلى ~~سقاية ريدان بعددها وأسلحتها ، وركب الحاكم بصوف أبيض وعمامة مفوطة بمظلة ~~مثلها ، وولي العهد يسايره وعليه ثوب مثقل ، ومعهم الجواهر . وأحضر الرسول ~~ومعه PageV02P107 عبد الغني بن سعيد بهدية إلى القصر ، فخلع على عبد الغني ~~، وأنزل الرسول في دار بالقاهرة وبلغ الحاكم أن ثلاثة من الركابية أخذوا ~~هبة من الرسول ، فأمر بقتلهم ، فقتلوا من أجل ذلك . # وفي جمادى الآخرة ركب الحاكم ومعه أمين الأمناء ، الحسين بن طاهر الوزان ~~، على رسمه ؛ فلما ms250 انتهى إلى حارة كتامة خارج باب القاهرة أمر فضربت رقبة ~~ابن الوزان ودفن مكانه . فكانت مدة نظره في الوساطة سنتين وشهرين وعشرين ~~يوما ؛ وكان توقيعه عن الحاكم : الحمد لله وعليه توكلي . وتقدم الأمر لسائر ~~أرباب الدواوين بلزوم دواوينهم . # واعتل الحاكم أياما فركب على حمار بشاشية مكشوفة ، وأكثر من الحركة في ~~العشيات إلى المقس والتعدية إلى الجيزة وهو على الحمار . وأكثر من الركوب ~~في النيل . # وفي حادي عشر شعبان أمر أصحاب الدواوين بأن يمتثلوا ما يرسم به عبد ~~الرحيم بن أبي السيد الكاتب ، متولي ديوان النفقات ، وأخوه أبو عبد الله ~~الحسين ، وجعلا في الوساطة والسفارة ، ثم قرئ لهما سجل بذلك ، وخلع عليهما ~~وحملا ؛ فوقعا ، وكان توقيعهما : الحمد لله حمدا يرضاه . # وفي حادي عشريه خلع على أبي العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي ~~العوام ، وأعطى سجلا بتقليده قضاء القضاة ، وحمل على بغلة بسرج ولجام مصفح ~~بالذهب ، وقيد بين يديه بغلة أخرى ، ونزل إلى الجامع فقرئ سجله على المنبر ~~، وفيه : فقلدك أمير المؤمنين القضاة والصلاة والخطابة بحضرته ، والحكم ~~فيها وراء حجابه من القاهرة المعزية ، PageV02P108 ومصر وأعمالها ، ~~والإسكندرية ، والحرمين ، وبرقة ، والمغرب ، وصقلية ؛ مع الإشراف على دور ~~الضرب بهذه الأعمال ، والنظر في أحباس الجوامع والمساجد ، وأرزاق المرتزقة ~~ووجوه البر ؛ وتستخلف على الحكم . ونقل ديوان الحكم من بيت مالك بن سعيد ~~إلى بيت المال بالجامع العتيق ، وهو أول من فعل ذلك من القضاة . وكانت ~~دواوين الحكام في دورهم فجعلها بالجامع ، وجعل جلوسه بالجامع العتيق يومي ~~الاثنين والخميس ، وبالقاهرة يوم الثلاثاء ، ولحضور القصر يوم السبت . وفي ~~يوم الجمعة رابع رمضان ركب ولي العهد ، فصلى بالجامع الأنور الجديد بباب ~~الفتوح في موكب الخلافة ، ثم صلى جمعة أخرى بجامع القاهرة ثم جمعتين ~~بالجامع الجديد . وفيه كثرت صلات الحاكم ومواهبه وإقطاعاته للناس حتى خرج ~~في ذلك عن الحد . وركب ولي العهد يوم الفطر في موكب الخلافة ، وصلى بالناس ~~في المصلى ، وخطب . وخرج الحاكم عن المعهود في العطاء والإقطاعات حتى أقطع ~~النواتية الذين يجدفون به في العشاري ، وأقطع ms251 المشاعلية ، وكثيرا من الوجوه ~~والأقارب ، وبني قرة ؛ فكان مما أقطع الإسكندرية والبحيرة ونواحيها . # وفي نصفه قتل ابنا أبي السيد ، حسين وعبد الرحيم ، ضربت أعناقهما بالقصر ~~؛ فكانت مدة نظرهما اثنين وتسعين يوما . # وواصل الركوب في كل غداة وهو على الحمار . وقرئ سجل بأن يكون ما يرفعه ~~الناس من حوائجهم في ثلاثة أيام ، يوم السبت للكتاميين والمغاربة ، ويوم ~~الاثنين PageV02P109 للمشارقة ، ويوم الخميس لسائر الناس كافة ؛ وأن ~~يتجنبوا لقاء أمير المؤمنين ليلا ونهارا بالرقاع ، فما يتعلق بالمظالم فإلى ~~ولي العهد ، وما يتعلق بالدعاوى فإلى قاضي القضاة ، وما استصعب من ذلك ~~ينتهي إلى أمير المؤمنين . # وفي سابع عشره تقلد أبو العباس فضل بن جعفر بن الفرات الوساطة ، ولم يخلع ~~عليه ؛ فجلس ووقع ، ثم قتل في اليوم الخامس من جلوسه . # وتشدد الأمر في منع النساء من الخروج في الطرقات ومن التطلع في الطيقان ، ~~بأسرهن ، شبابهن وعجائزهن . ومنع مؤذنو القصر وجامع القاهرة من قولهم بعد ~~الأذان : السلام على أمير المؤمنين ، وأن يقولوا بعد الأذان : السلام من ~~الله . # وفيه غلب بنو قرة على الإسكندرية وأعمالهما . وأقطع القاضي ابن أبي ~~العوام ناحية تلبانة عدي . وأكثر الحاكم فيه من الركوب ، فركب في يوم واحد ~~ست مرات ، تارة على فرس ، وأخرى على حمار ، ومرة في محفة تحمل على الأعناق ~~، ومرة في عشارى في النيل بشاشية لا عمامة عليها . وأكثر من إقطاع ~~الإقطاعات للجند وعبيد الشراء . واستمر على مواصلة الركوب إلى ليلة النحر ~~قرب العشاء ، وشق البلد والطرادون يفرقون الناس عنه . وصلى ولي العهد صلاة ~~عيد النحر ، ولم يضح بشيء ؛ ونهى الناس عن ذبح البقر . # وفيه قلد ذو الرياستين قطب الدولة أبو الحسن علي بن جعفر بن فلاح الوساطة ~~والسفارة . وفيها بعث نصير الدولة أبو مناد باديس من إفريقية هدية عظيمة ~~إلى الغاية للحاكم بأمر الله ، فوصلت إلى مدينة برقة لأربع عشرة بقيت من ~~رجب ، وسارت منها في PageV02P110 سابع رمضان حتى ولت لك فأخذها بنو قرة عن ~~آخرها . وكانوا قد انتجعوا مع كبيرهم مختار بن قاسم من البحيرة ، ومعهم ~~مواشيهم ، وقصدوا ms252 مدينة برقة ، ففر منها حميد بن تموصلت إلى إفريقية ، فملك ~~برقة مختار بن قاسم . # وفيها بعث الحاكم عبد العزيز بن أبي كدينة ، ومعه أبو القاسم بن حسن ، ~~إلى إفريقية بخلع وسيول وتشريف لمنصور بن نصير الدولة أبي مناد باديس ~~لولاية ما يتولاه أبوه في حياته وبعد وفاته ، ولقبه عزيز الدولة . ~~PageV02P111 # | سنة ست وأربعمائة # فيها عرض الاستيمار على الحاكم بأسماء الفقهاء والقراء والمؤذنين ~~بالقاهرة ومصر ، فكانت جملته في كل سنة واحدا وسبعين ألفا وسبعمائة وثلاثة ~~وثلاثين دينارا وثلثي وربع دينار ؛ فأمضى جميع ذلك . # وفيها زاد ماء النيل وغرق الضياع ، وغلت الأسعار ، وهلكت البساتين ، ~~وامتلأ كل مكان من المدينة ، وغرق المقياس وانتهت الزيادة إلى ثلاث أصابع ~~من إحدى وعشرين ذراعا ؛ وبلغ الماء إلى نصف النخل مما يلي بركة الحبش ، ~~وغرق المعتوق ! . ولم يبق طريق يسلك إلى القاهرة إلا من الشارع والصحراء . ~~PageV02P112 # | سنة ثمان وأربعمائة # قدم مصر داع عجمي اسمه محمد بن اسماعيل الدرزي واتصل بالحاكم فأنعم عليه ~~. ودعا الناس إلى القول بإلهية الحاكم ، فأنكر الناس عليه ذلك ، ووثب به ~~أحد الأتراك ومحمد في موكب الحاكم فقتله ، وثارت الفتنة ، فنهبت داره وغلقت ~~أبواب القاهرة . واستمرت الفتنة ثلاثة أيام قتل فيها جماعة من الدرزية ، ~~وقبض على التركي قاتل الدرزي وحبس ثم قتل . ثم ظهر داع آخر اسمه حمزة بن ~~أحمد ، وتلقب بالهادي ، وأقام بمسجد تبر خارج القاهرة ، ودعا إلى مقالة ~~الدرزي ، وبث دعاته في أعمال مصر والشام ، وترخص في أعمال الشريعة ، وأباح ~~الأمهات والبنات ونحوهن ؛ وأسقط جميع التكاليف في الصلاة والصوم ونحو ذلك . ~~فاستجاب له خلق كثير ، فظهر من حينئذ مذهب الدرزية ببلاد صيدا وبيروت وساحل ~~الشام PageV02P113 # | سنة تسع وأربعمائة # في آخر شوال ركب الوزير علي بن جعفر بن فلاح إلى البرك التي قبل الخليج ~~خارج القاهرة ، فثار عليه فارسان ، فأخذه أحدهما فألقاه ، وفرا ، فلم يعرف ~~خبرهما ، وحمل إلى داره فمات من الأخذ . وولى الوزارة بعده الظهير صاعد بن ~~عيسى بن نسطورس فأقام إلى رابع ذي الحجة . وقيل تولى بعده شمس الملك مسعود ~~بن ms253 طاهر الوزان . # وفيها عزل الحاكم سديد الدولة عن دمشق ، ووليها عبد الرحيم بن إلياس ، ~~وسار إليها لعشرين من جمادى الآخرة ، فبينما هو قصره إذ هجم عليه قوم ~~ملثمون فقتلوا جماعة من غلمانه ، ثم أخذوه ووضعوه في صندوق وحملوه إلى مصر ~~. فلم يكن بها أكثر من شهرين ، ثم أعيد إلى دمشق فأقام بها ليلة العيد . ~~وورد من مصر رجل يقال له أبو الداود المغربي ومعه جماعة ، وأخرجوا عبد ~~الرحيم وضربوا وجهه ؛ وأصبح الناس يوم العيد وليس لهم من يصلي بهم . وعجب ~~الناس من هذه الأمور . # وفيها سومح ضامن الصعيد الأعلى بما عليه وهو أربعة وستون ألف دينار ~~وسبعمائة وخمسة وستون دينارا . PageV02P114 # | سنة عشر وأربعمائة # فيها اشتد الغلاء بديار مصر حتى أبيع الدقيق رطلا بدرهم واللحم أربع أواق ~~بدرهم ، ومات كثير من الناس بالجوع . وبلغت عدة من مات في مدة رمضان وشوال ~~وذي القعدة ، مائتي ألف وسبعين ألفا سوى الغرباء وهم أكثر من ذلك وفي سنة ~~عشر وأربعمائة سير الحاكم بأمر الله أبا القاسم بن اليزيد إلى شرف الدولة ~~الحاكمية أبي تميم المعز بن نصير الدولة أبي مناد باديس ، ومعه سيف مكلل ~~بنفيس الجوهر وخلعة من لباسه ، # سنة إحدى عشرة وأربعمائة # فقدم المنصورية لست بقين من صفر سنة إحدى عشرة . وتلقاه شرف الدولة ونزل ~~إليه فقرأ عليه سجلا عظيما ؛ فكانت أيام فرح . ثم ورد بعده محمد بن عبد ~~العزيز بن أبي كدينة بسجل آخر ومعه خمسة عشر علما منسوجة بالذهب ، فخلع على ~~أبي القاسم ومحمد ، وحملا ، وطيف بهما في القيروان والأعلام المذكورة بين ~~أيديهما . # ولليلتين بقيتا من شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة فقد الحاكم . وسبب فقده ~~أن أخته ست الكل سلطانة كانت امرأة حازمة ، وكانت أسن منه ، فدار بينها ~~وبينه يوما كلام ، فرماها بالفجور وقال لها : أنت حامل . فراسلت سيف الدين ~~حسين بن علي بن دواس ؛ من مقدمي كتامة ، وكان قد تخوف من الحاكم ، وتواعدا ~~على قتل الحاكم وتحالفا عليه . فأحضرت ست الكل عبدين وحلفتهما على كتمان ~~الأمر ، ودفعت إليهما ألف دينار ms254 ليقتلا الحاكم . فأصعد إلى الجبل في الليل ~~، وكان الحاكم قد رأى أن عليه قطعا ؛ PageV02P115 فلما كان في الليلة التي ~~فيها قال لأمه : علي قطع في هذه الليلة وعلامة ذلك ظهور كوكب الذنابة ؛ ~~ودفع إليهما خمسمائة ألف دينار ذخيرة لها ، فمنعته من الركوب ، ونام . ثم ~~انتبه آخر الليل وقام ليركب ، فتعلقت به ، فامتنع ومضى ، وركب الحمار إلى ~~باب القاهرة ، ففتح له أبو عروس صاحب الشرطة الباب وأغلقه خلفه ، وخرج ~~متبعا له . قال : فسمعته يقول : ظهر والله الكوكب ؛ ولم يكن معه سوى ركابي ~~وصبي يحمل دواته . فعارضه وسط الجبل سبع فوارس من بني قرة ، فخدموه وسألوه ~~الأمان وأن يسعفهم بما يصلح شأنهم ، فأمنهم ، وأمر الركابي أن يحملهم إلى ~~الخازن يدفع إليهم عشرة آلاف درهم . ودخل الشعب الذي كان يدخله وقد وقف ~~العبدان له ، فضرباه حتى مات ، وطرحاه ، وشقا جوفه ولفاه في كساء ، وقتلا ~~الصبي وغرقا حماره ؛ وحملا الحاكم في كساء إلى أخته فدفنته . وأقامت مدة ، ~~وأحضرت الوزير خطير الملك وعرفته الحال ، وأمرته أن يكاتب عبد الرحيم بن ~~إلياس يستدعيه من دمشق . فكتب إليه على لسان الحاكم يأمره بالمبادرة ، ~~واستدعت ألف ألف دينار فرقتها في الأولياء وبعثت قائد السواحل . فلما قدم ~~عبد الرحيم عدل به إلى تنيس فقتل بها . واضطرب الناس لغيبة الحاكم ، فأرسلت ~~إليهم : إنه أخبرني أنه يغيب سبعة أيام ، وإنه يواصلني بأوامره . ورتبت ~~رسلا يمضون عنها إلى الحاكم ويجيئون منه PageV02P116 إليها . ففي أثناء ذلك ~~اشتدت شوكتها ، وكف الناس عن الاستقصاء في المسألة . وأحضرت ابن دواس ~~وواطأته على أخذ البيعة للظاهر لإعزاز دين الله بن الحاكم ، وأظهرته وعلى ~~رأسه تاج جده العزيز . وقام ابن دواس فقال لمن حضر من أهل الدولة ، تقول ~~لكم مولاتنا هذا مولاكم فسلموا عليه . وقبل ابن دواس الأرض ، فبايع الناس ~~إلا غلاما تركيا كان عمل ليلا بين يدي الحاكم فإنه قال : لا أبايع حتى أعرف ~~خبر مولاي . فقتل ، وقام ابن دواس بتدبير الأمر . ثم إن ست الملك دست عليه ~~وقتلته وقتلت جميع من اطلع على سرها ، وقتلت جماعة ms255 خافتهم . ثم لم تطل ~~أيامها وماتت بعد أيام . # قال ابن أبي طي لما ذكر هذا الخبر في كيفية قتل الحاكم : وكان الحاكم ~~شديد السطوة ، عظيم الهيبة جريئا على سفك الدماء . خطب له على منابر مصر ~~والشام وإفريقية . وكان يتشبه بالمأمون ويقصد مقاصده واشتغل بعلوم الأوائل ~~، واعتد بعلوم النجوم ، وعمل له رصدا ، ووقف الكواكب ، واتخذ بيتا بالمقطم ~~فيه عن الناس ويخلو لمخاطبة الكواكب . وكان يركب الحمار وعليه ثياب الرهبان ~~، ووراءه غلام اسمه مفلح يحمل الدواة والسيف والورق في كيس معلق في كتفه ~~وهو يمشي وراءه ؛ فإذا مر بسوق انهزم الناس واستتروا عنه ، ويطرق أبواب ~~الحوانيت فلا ينظرون إليه ، إلا أن يكون لأحد منهم حاجة فإنه يقف عليه ~~ويكتب العبد بين يديه ما يأمره به في رقعة إلى الوزير . # وكان لا يحضره الجيش إلا في الأعياد ، فيركب في ذلك اليوم بثيابه على ~~الفرس . وكان مهابا عند أهل مملكته ، وكان لا يحضر مجالس الجدل ويحتجب ~~أياما كثيرة مشتغلا بما هو فيه ، وكان له سعي في إظهار كلمته ، فبعث دعاته ~~إلى خراسان وأقام فيها مذهب الشيعة ، واستجاب له عالم عظيم ؛ فبعث إلى ~~البلاد بالأموال في استمالة الرجال إلى ما يريد . PageV02P117 # وكان أبو عبد الله أنوشتكين النجري الدرزي أول رجل تكلم بدعوته ، وأمر ~~برفع ما جاء به السرع ، وسير مذهبه إلى بلاد الشام والساحل ، ولهم مذهب في ~~كتمان السر لا يطلعون عليه من ليس منهم . وكان الدرزي يبيح البنات والأمهات ~~والأخوات . فقام الناس عليه بمصر وقتلوه ، فقتل الحاكم به سبعين رجلا . ~~وأنفذ الدرزي إلى الحجر الأسود برجل ضربه وكسره ؛ وادعى الربوبية . وقدم ~~رجل يقال له يحيى اللباد ، ويعرف بالزوزني الأخرم ، فساعده على ذلك ، ونشط ~~جماعة على الخروج عن الشريعة . # وركب يوما من القاهرة في خمسين رجلا من أصحابه إلى مصر ، ودخل الجامع ~~بدابته ، وأصحابه كذلك ، فسلم إلى القاضي رقعة فيها : باسم الحاكم الرحمن ~~الرحيم ، فأنكر القاضي ذلك ، وثار الناس بهم وقتلوهم ، وشاع هذا في الناس ~~فلعنوه . ويقال إنه خرج يوما وعليه قباء أطلس وفي وسطه ms256 سيف ، فخلع القباء ~~وقال : هذا الظاهر قد خلعته ، ثم جرد السيف وقال : هذا الباطن قد سللته . # قال : وفي السنة التي قتل فيها الحاكم أشاع أنه يريد أن ينزل في أول ~~رمضان إلى الجامع ومعه الطعام ، فمن أبى الأكل قتله . وكان دعاته إذا ركب ~~يقولون : السلام عليك يا واحد يا أحد ، ويغلون فيه الغلو المفرط . وادعى ~~أنه حصل له كتاب الجفر . ولما غلب على الحرمين وعد العلويين أهل المدينة ~~إذا هم مكنوه من فتح دار جعفر بن محمد الصادق بوعود كثيرة ، ففتحها ، وكانت ~~مغلقة ، فإذا فيها قعب خشب ومصحف وسرير سعف وقدره ؛ ولم تكن PageV02P118 ~~فتحت قبل ذلك ، فرأى بالسرير وأخذ أعداءه وهدم بيعة ثمامة في سنة ثمان ~~وثمانين وثلثمائة ؛ وخرج رسمه إلى الوزير على لسان خادم أن يتب : أمرت حضرة ~~الإمامة بهدم قمامة ، وأن يجعل علوها خفضا ، وسماؤها أرضا . وبلغه أن ~~المغاربة تلعنه ، فقرب الفقهاء المالكية وأمرهم بتدريس مذهب مالك بن أنس في ~~الجامع . وكان يحب العلماء ويقدم ما يرد فيه ، وإذا رأى رأيا عزم عليه ~~وأمضاه . وكتب إليه رجل : إن فلانا مات وخلف مالا ، فوقع بخطه على ظهر ~~الرقعة : السعاية قبيحة إن كانت صحيحة . وكتب إليه آخر : إن فلانا مات وخلف ~~بنتا ، وقد أخذت جميع مال أبيها ، فوقع على ظهر الرقعة : المال مال الله ، ~~واليتيم جبره الله ، والساعي لعنه الله ، وعلى مذهبنا يجوز أن ترث البنت ~~جميع مال أبيها . ومنع النساء الخروج من البيوت ، فقيل إن فيهن من لا تجد ~~من يقوم بشأنها فتموت جوعا ، فأمر الباعة بالتطواف في السكك وأن يبيعوهن من ~~خلف الأبواب ويناولوهن بمغارف طوال السواعد . وكان أمر ألا يكشف مغطى ، ~~فسكر رجل ونام في قارعة الطريق وغطى نفسه بمنديل ، فصار الناس يمرون به ولا ~~يقدر أحد أن يكشف عنه . فمر به الحاكم وهو كذلك ، فوقف عليه وقال له : ما ~~أنت ؟ فقال : أنا مغطى ، وقد أمر أمير المؤمنين ألا يكشف مغطى . فضحك وطرح ~~عنده مالا ، وقال : استعن بهذا على ستر أمرك . وقرر الحاكم بعد ابن الفرات ~~ذا ms257 الرياستين قطب الدولة أبا الحسن علي بن جعفر بن فلاح ، واستمر إلى أن ~~قتل الحاكم . # انتهى ما ذكره ابن أبي طي ، وفيه تحامل شعر به واحد من مؤرخي مصر ذكره . # وقال الروحي على ما حكاه عنه ابن سعيد : ولم يزل الحاكم خليفة إلى سنة ~~إحدى عشرة وأربعمائة ، فخرج ليلة الاثنين السابع والعشرين من شوال ، فطاف ~~ليلته كلها على رسمه PageV02P119 وأصبح عند قبر الفقاعي ، ثم توجه إلى شرقي ~~حلوان ، وتبعه ركابيان ، فأعادهما . وبقي الناس على رسومهم يخرجون يلتمسون ~~رجوعه إلى يوم الخميس سلخ الشهر المذكور ، ثم خرج خواص من بطانته فبلغوا ~~دير القصير ، ثم أمعنوا في الدخول في الجبل ؛ فبينما هم كذلك إذ بصروا ~~بالحمار الذي كان راكبه على قنة الجبل وقد ضربت يداه بسيف فأثر فيهما وعليه ~~سرجه ولجامه . وتتبع الأثر فقاد إلى أثر الحمار في الأرض وأثر راجل خلفه ~~وراجل قدامه ؛ فلم يزالوا يقصون هذا القص حتى انتهوا إلى البركة التي في ~~شرقي حلوان ، فنزل فيها رجل فوجد فيها ثيابه وهي سبع جباب ، ووجدت مزررة ~~فيها آثار السكاكين ، فلم يشك في قتله . فكانت مدته ستا وثلاثين سنة وسبعة ~~أشهر ، وكانت ولايته خمسا وعشرين سنة وشهرا . وكسفت الشمس يوم موته . وكان ~~جوادا بالمال سفاكا للدماء قتل عددا كثيرا من أماثل دولته وغيرهم صبرا ، ~~وكانت سيرته من أعجب السير . # قال : ومنع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلا ونهارا ، ومنع الأساكفة من ~~عمل الخفاف المنجة لهن ؛ فأقمن على ذلك سبع سنين وسبعة أشهر إلى خلافة ~~الظاهر . # قال أحمد بن الحسين بن أحمد الروذباري في كتاب الأدباء على ما نقله ابن ~~سعيد : وقتل الحاكم ركابيا له بحربة في يده على باب جامع عمرو بن العاص وشق ~~بطنه بيده . وعم بالقتل بين وزير وكاتب وقاض وطبيب وشاعر ونحوي ومغن ومختار ~~وصاحب ستر PageV02P120 وحمامي وطباخ وابن عم وصاحب حرب وصاحب خبر ويهودي ~~ونصراني ، وقطع حتى أيدي الجواري في قصره . وكان في مدته القتل والغيلة حتى ~~على الوزراء وأعيان الدولة يخرج عليهم من يقتلهم ويجرحهم . وخطفت ms258 العمائم ~~جهارا بالنهار ، وكان لعبيد الشراء في مدته مصائب وخطوب في الناس . وكان ~~المقتول ربما جر في الأسواق ، فأوقع ذلك فتنة عظيمة . # قال : كان الحاكم يركب حمارا يسمى القمر ويعبر به على الناس . وكان له ~~صوفية يرقصون بين يديه ولهم عليه جار مستمر . ووقف رجل للحاكم فصاح عليه ، ~~فمات لوقته . وكانت غيبته إلى يوم جلوس ولده الظاهر ثلاثة وأربعين يوما . ~~قال ابن سعيد عن مجموع وقف عليه : وواصل الحاكم في ركوبه الوقوف على ~~المعروف بابن الأرزق الشواء ومحادثته بدار فرح ، وخلع عليه وأجازه . وفي ~~يوم استدعى الحاكم أحد الركابية السودان المصطنعة ليحضر إلى حانوت ابن ~~الأزرق الشواء ، فوقفه بين اثنين ورماه برمح ، ثم أضجعه ، واستدعى سكينا ~~فذبحه بيده ، ثم استدعى شاطورا ففرق بين رأسه وجسده ، ثم استدعى ماء فغسل ~~يده بأشنان ثم ركب . وحمل المقتول إلى الشرطة فأقام ليلة ثم دفن بالصحراء . ~~ثم بعث المؤتمن بعد ثلاثة أيام فنبشه وغسله وأنفذ إليه أكفانا كفن بها ، ثم ~~أمر قاضي القضاة بالصلاة عليه ، وأمر ألا يتخلف أحد فحضر الشهود وأهل السوق ~~، وصلى عليه قاضي القضاة ، ودفن بالقرافة ، وواراه قاضي القضاة وجعل التراب ~~تحت خده ، وأمر ببناء قبره وتبيضه في وقته ؛ ففعل ذلك . وتظلم إليه رجل في ~~ركوبه إلى مصر في ناصح الركابي ، فوقف عليه وسأل ناصحا عن دعواه فظهر أنها ~~صحيحة ، فأمر أن يدفع ماله إليه ، فلم يجد معه في الوقت ذلك القدر ، فألزمه ~~ببيع فرسه الذي كان راكبا عليه ، فباعه ووفى الرجل ما كان له عليه ، كل ذلك ~~بحضرته وهو واقف على ظهر دابته ، ثم سار . PageV02P121 # وقال الفوطي : كان الحاكم أجود الخلفاء بماله ، وبه تفشت حاله فيما سفكه ~~من الدماء التي لا يحصيها إلا الله . وكان الأمر في مدة العزيز فيه انحلال ~~وعفو كبير عن الناس ، وظنوا أن ذلك يجوز في مدة الحاكم وجروا على رسمهم ، ~~فتجرد له منهم مطلع على جميع أمورهم غير مطرح لعقوبة ، فهلك الجم الغفير ~~منهم . وكان في مدة أبيه العزيز بالله قد تكشف على أقوام ممن ms259 يطعن في ~~الدولة ويسىء المقالة فيها ، فلما صارت له الخلافة انتقم منهم أشد انتقام ~~وعمهم بالعقوبة . # قال : ومن حكايته المشهورة في العدل أن رجلا عربيا ورد على مصر من ~~سجلماسة يريد الحج ، فأودع ماله عند رجل في السوق ، فلما عاد من الحج طل ~~ماله فأبى أن يدفعه إليه . فتوصل إلى أن أطلع الحاكم على أمره ، فقال له ~~اجلس في دكان مقابلا لدكانه ، فإذا جزت في ذلك السوق فاعمل كأنك تعرفني ~~وكأني أعرفك . فلما مر الحاكم وقف على الرجل وسأل عن حاله وأكثر معه الوقوف ~~، وانصرف فجاء الرجل الذي عنده الوديعة إلى الرجل وأكب عليه وسأله الصفح ~~عما سلف منه ، وأحضر إليه جميع ماله . فعرف الحاكم بذلك ، فأصبح الذي أنكر ~~الوديعة مقتولا معلقا برجله . # وكان نقش خاتمه : بنصر الولي العلي ينتصر الإمام أبو علي . PageV02P122 # وخطب له معتمد الدولة ، أبو المنيع قرواش بن المقلد بالموصل والأنبار ~~وقصر ابن هبيرة والمدائن . # ومن خط ابن الصيرفي يروي أن الإمام الحاكم بأمر الله قال لبعض الأعيان ~~الذين شرفهم بمجالسته وميزهم بمحاورته ، فقال : أكلت حتى شبعت ، وشربت حتى ~~رويت ، والشبع والري غايتا الأكل والشرب ؛ فإذا قلت ونمت ، فنقول : حتى إذا ~~أي شيء جعلته غاية النوم ؟ فلم يحر جوابا ورغب إلى كرمه في الإفادة ، فقال ~~نمت حتى ريثت ، والروث غاية النوم ، وأنشد : # فأما تميم بن مر فألفاهم القوم روثا نياما PageV02P123 # | الظاهر لإعزاز دين الله أبو الحسن علي ابن الحاكم بأمر الله أبي علي ~~منصور # أمه أم ولد تدعى رقية ، ويقال اسمها آمنة بنت الأمير عبد الله بن المعز ، ~~وإن ست الملك سلطانة ، أخت الحاكم ، كانت تعادي آمنة هذه . ومولده بالقصر ~~من القاهرة على مضي ثلاث ساعات من ليلة الأربعاء عاشر شهر رمضان ، سنة خمس ~~وتسعين وثلمثائة ؛ وبويع بالخلافة في يوم عيد الأضحى سنة إحدى عشرة ~~وأربعمائة ، وله من العمر ست عشرة سنة وثلاثة أشهر واتفق في هذا اليوم أن ~~صلى للحاكم في خطبة العيد ، ثم بويع الظاهر بعد عودة القاضي من المصلى ، ~~فكان بين الدعاء في الخطبة ms260 للحاكم وبين أخذ البيعة للظاهر ثلاث ساعات ، ولم ~~يتفق مثل ذلك . # وتوفي ببستان الدكة خارج القاهرة ، في ليلة الأحد النصف من شعبان سنة سبع ~~PageV02P124 وعشرين وأربعمائة ، وعمره إحدى وثلاثون سنة وأحد عشر شهرا ~~وخمسة أيام . ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام ، كانت ~~فيها قصص وأنباء . ذلك أنه لما فقد الحاكم استدعت السيدة ست الملك سيف ~~الدولة حسين بن علي بن دواس الكتامي إلى حيث كانت جالسة وقالت له : المعول ~~في قيام هذه الدعوة عليك ، وهذا الصبي ولدك ، وينبغي أن تتولى الخدمة إلى ~~غاية وسعك وتبذل فيها كل ما عندك . فقبل الأرض وشكر ودعا ، ووعد بالإخلاص ~~في الطاعة ، وبلوغ ما في القدرة والاستطاعة . فأخرجت علي بن الحاكم بأمر ~~الله ولقبته الظاهر لإعزاز دين الله ؛ وألبسته تاج المعز جد أبيه ، وهو تاج ~~مرصع بالجواهر الفاخرة ، وجعلت على رأسه مظلة مرصعة . وأركبته فرسا رائعا ~~بمركب ذهب مرصع ، وأخرجت بين يديه الأمير الوزير رئيس الرؤساء خطير الملك ~~أبا الحسن عمار بن محمد ونسيما صاحب السيف ، في عدة من الأستاذين تخدم . ~~فلما برز وشوهد تقدم الوزير وصاح : يا عبيد الدولة ، مولاتنا تقول لكم هذا ~~مولاكم أمير المؤمنين فسلموا عليه ، فقبل ابن دواس الأرض ومرغ خديه بين ~~يديه ، وفعل ما يتلوه من سائر طبقات العسكر مثل ذلك ؛ وضربت البوقات ~~والطبول ، وعلا الصياح بالتكبير والتهليل ، والظاهر يسلم على الناس يمينا ~~وشمالا . وفتحت أبواب القصر ، وأدخل الناس على العموم حتى سلموا ومدحوا ؛ ~~ولم يزل واقفا لهم إلى الظهر . ثم صرفوا وجمعوا من غد وأخذت البيعة عليهم ، ~~ووضع العطاء ، وأطلق مال الفضل للجند كافة ؛ ولم يجر خلاف من أحد ، إلا أن ~~غلاما تركيا كان يحمل الرمح بين يدي الحاكم قال لا أبايع حتى أعرف خبر ~~مولاي ؛ فأخذ وسحب على وجهه وغرق في النيل ؛ وقامت الهيبة . PageV02P125 # وكتب إلى بلاد الشام والمغرب بوفاة الحاكم وقيام الظاهر ، ورسم لهم أخذ ~~البيعة على نفوسهم ومن عندهم من سائر طبقات الناس . وأقيمت المآتم على ~~الحاكم في القصور والقاهرة ثلاثة أيام . وجمعت ms261 السيدة عامة أهل مصر ~~وخاطبتهم بالجميل والملاطفة ، ووعدتهم حسن السيرة والمعاملة ، وأمرتهم بذكر ~~حوائجهم ومصالحهم في كل وقت ، والمطالعة بحيف إن لحقهم من عامل أو ناظر ~~ليفعل في ذلك ما توجبه السياسة العادلة . وأطلقت للنساء الخروج من منازلهن ~~والتصرف في أمورهن . وارتجعت جواهر كان الحاكم وهبها ، وحلت إقطاعا ، ~~أقطعها ورتبت الأمور ترتيبا أصلحها وهذبها . # وزارت ابن دواس في منزله ، وجعلت مصادر التدبير على يده . فلما أحكمت ما ~~أحكمته وأكدت ما أكدته ، أحضرت ابن دواس وقالت له : قد علمت ما بيني وبينك ~~من المواثيق والعهود ، وأنا امرأة ، وإنما أريد هذا الملك لهذا الصبي ؛ وقد ~~أحسن الله المعونة ، وأجرى الأمور على المحبة ، وأنت زعيم الدولة فيها ~~والمنظور إليه منها ؛ وقد رأيت أن أنجز وعدك وأظهره ، وأرد إليك أمر ~~السيادتين ، مضافا إلى الشرطتين ، وأجعل أمرك في الأمور والخزائن نافذا ، ~~ورأيك في التقريرات والتدبيرات معتمدا ، إذ كنت المولى المخلص والشريك ~~المخالط ؛ وأشرفك بخلع وحملان يظهر للخاص والعام بها موضعك ومحلك ، وتخصصك ~~وتحققك . فادخل الخزائن واختر كل ما تريد لفخامته ولجلالته ، واطلب يوما ~~تختار لتفاض فيه عليك الخلع ويقرأ العهد بتقليدك . فلما سمع من ذلك ما سمع ~~سر به وقبل الأرض شكرا عليه . وشاع هذا الحديث فركب الناس إليه وهنئوه ~~بالنعم المتجردة له . وأحضرت السيدة بعد ذلك كاتب ابن دواس وقالت له : قد ~~تقدمنا إلى سيف الدولة بما عرفته ، وبما اعتمد التخفيف فيما أطعمه أو وقف ~~فيه دون الغاية التي نريدها ، وينبغي لك أن تعمل أنت تذكرة بجميع ما يستوفي ~~فيه شروط المنزلة التي قدمناه إليها ، والحال PageV02P126 التي أهلناه لها ~~، وتستظهر له لا عليه في ذلك ، وتحضرها لنقف عليها وننجز ما فيها . فقبل ~~الأرض وقال : السمع والطاعة . فقالت له واكتب أيضا رقعة واذكر فيها مبلغ ~~جاريك لنوقع بإضعافه ، وقد أمرنا عاجلا باعطائك ألف دينار وعشرين قطعة ~~ثيابا وبغلين بمركبين . فأعاد الشكر والدعاء ، وصار إلى ابن دواس فأعلمه ما ~~خوطب به وعومل به من حسن الإعتقاد فيه ؛ فتضاعف سروره بذلك ، ووافقه على ما ~~كتب به التذكرة ms262 من الثياب ، والسيوف المحلاة ، والمناطق المرصعة ، والدواب ~~والمراكب الذهب الثقيلة ، وغير ذلك من أسباب التشريفات الزائدة ؛ وعاد ~~الكاتب بها فعرضها ، وتقدم باعداد جميع ما فيها ، وكتب له العهد . وأحضر ~~ابن دواس وبنو عمه وكاتبه ، وامتلأ القصر بالخاصة والعامة ، وخرج معضاد ~~الخادم ، وكان قريبا من السيدة ، وهو أستاذ الظاهر ، فحمل ابن دواس إلى ~~الخزانة حتى يشاهد ما أعد له ، وكان عظيما جليلا ، وقال له : السيدة تقول ~~لك إن أردت مزيدا فاطلبه ، فقبل الأرض ودعا ، وعاد فجلس في صفة على باب ~~الستر ووجوه الدولة بين يديه ، وكل منهم يتطأطأ له ويعطيه من نفسه كل ما ~~يتقرب إليه به . # فلما تعالى النهار خرج نسيم الصقلبي صاحب الستر والسيف ، وبين يديه مائة ~~رجل تعرف بالسعدية ، يختصون بركاب السلطان ويحملون سيوفا محلاة بين يديه ، ~~ويعرفون لأجلها بأصحاب سيوف الحلي ؛ وقد جرت عادتهم في أيام الحاكم بأن ~~يتولوا قتل من يؤمر بقتله . وقال لابن دواس : أمير المؤمنين يسلم عليك . ~~فقام وقبل الأرض ، وفعل الناس مثل ما فعله ؛ وقال : قد جعل هؤلاء القوم ~~يعني أصحاب السيوف برسمك إكراما لك وتنويها بك . فقبل الأرض ثلاثا ومرغ ~~خديه ، ودعا هو والحاضرون للظاهر بما يدعى لمثله به ؛ ووقف القوم قياما بين ~~يديه . فعاد نسيم فألقى ما جرى ، فرسمت له السيدة أن يخرج ويضبط أبواب ~~القصر بالخدم والصقالبة ، ففعل . وقالت له بعد ذلك ، اخرج وقف بين يدي ابن ~~دواس وقل : يا عبيد مولانا ، أمير المؤمنين يقول لكم هذا قاتل مولانا ~~PageV02P127 الحاكم . واعله بالسيف وأمر العبيد السعدية بأن يقتلوه . فخرج ~~نسيم ومعه جماعة من الصقالبة وفعل ما أمر به ، وأخذ رأس ابن دواس ودخل به ~~إلى حضرة السيدة فوضعه بين يديها . # فأمرته بإيفاد الصقالبة إلى دوره والتوكيل به والقبض على جميع أسبابه ، ~~وقتل كاتبه ، وإخراج جثته ورميها على باب القصر ، ففعل جميع ذلك . ولم ~~يعترض فيه معترض ؛ وتفرق الناس . # وأحضر موجود ابن دواس فوجدت في بعض صناديقه السكين التي كان يحملها ~~الحاكم في كمه أخذت عند قتله . وأقامت جثة ابن دواس ثلاثة ms263 أيام ، ومناد ~~ينادي عليها : هذا جزاء من غدر بمواليه ؛ ثم دفع إلى عبيده فدفنوه . # وقبضت السيدة بعد هذا على خطير الملك عمار بن محمد . وكان يتولى ديوان ~~الإنشاء وإليه زم المشارقة والأتراك ، وهو الواسطة بين الحضرة وبين هذه ~~الطوائف ؛ ثم خلع عليه في جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وأربعمائة ؛ ووقع عن ~~حضرة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله على ما يوقع عليه الحاكم ، فجعل ~~توقيعه : الحمد لله رب العالمين ، ثم قام بعد الحاكم بالبيعة لأمير ~~المؤمنين الظاهر كما تقدم . # سنة اثني عشرة وأربعمائة # فيها خلع عليه للوساطة وكتب سجله بذلك ؛ وزال أمره في ذي القعدة من السنة ~~المذكورة ، فكانت مدة سبعة أشهر وأياما ؛ وقتل في الحج . # وولى بعده بدر الدولة أبو الفتوح موسى بن الحسن ، وكان يتولى الشرطة ~~السفلى ثم خلع عليه أولا بالصعيد في جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة ؛ ثم ولى ~~ديوان الإنشاء PageV02P128 عوضا عن ابن خيران ؛ وخلع عليه للوساطة في محرم ~~سنة ثلاث عشرة عوضا عن خطير الملك ؛ # سنة ثلاث عشرة وأربعمائة # ثم قبض عليه في العشرين من شوال منها في القصر ، فاعتقل وزال أمره ؛ ~~وكانت مدة وساطته تسعة أشهر . ثم أخرج في يومه مسحوبا ، وسجن ، ثم أخرج من ~~الغد وقتل في الفج ؛ فوجد له من العين ستمائة وعشرون ألف دينار . # وقتلت السيدة جماعة ممن كان اطلع على سرها في قتل الحاكم ، وعظمت هيبتها ~~في نفوس الأباعد والأقارب . وفي سنة ثمان عشرة شرب الظاهر الخمر وترخص فيه ~~للناس وفي سماع الغناء وشرب الفقاع ، وأكل الملوخية وسائر أصناف السمك ، ~~فأقبل الناس على اللهو . # وكان قد ولى حلب غلام يعرف بأمير الأمراء عزيز الدولة أبي شجاع فاتك ~~الوحيدي ، غلام منجوتكين ، في شهر رمضان سنة سبع وأربعمائة ، وكان أرمنيا ~~دينا عاقلا ؛ فولاه الحاكم بأمر الله حلب وأعمالها ، ولقبه أمير الأمراء ~~وعزيز الدولة تاج الملة . ودخل حلب يوم الأحد ثاني شهر رمضان منها ؛ وتمكن ~~من البلد واستفحل أمره وعظم شأنه ، فعصى الحاكم ، ودعا لنفسه على المنبر ، ~~وضرب السكة باسمه . فمات الحاكم عقب ذلك ms264 . فلاطفته السيدة وآنسته ، وواصلته ~~بما مال إليه من حمل الخلع والخيول بالمراكب في سنة اثنتي عشرة حتى استمالت ~~قلبه . ولم تزل تعمل الحيلة حتى أفسدت عليه غلاما له يعرف ببدر ، كان يملك ~~أمره وغلمانه تحت يده ، وبذلت له العطاء الجزيل على الفتك به ، ووعدته أن ~~تقيمه مقامه في موضعه . وكان لعزيز الدولة غلام هندي يهواه ويحبه حبا شديدا ~~؛ فاستغواه بدر وقال له : قد عرفت من مولاك ملالا لك وتغيرا منه فيك ، ~~واطلعت منه على عزمة في قتلك ، ودفعته دفعات عنك لأنني لا أشتهي أن يتم ~~مكروه عليك . PageV02P129 وتركه مدة ووهب له دنانير وثيابا ، وأظهر له ~~المحبة ، وتوصل إلى أن خلابه ثم قال له : إن علم نبأ التعير عزيز الدولة ~~قتلنا ، وما إشفاقي على نفسي وإنما إشفاقي عليك . فقال له الصبي : فأي شيء ~~أعمل يا مولاي ؟ قال : قد عرفت محبتي لك ، وإن ساعدتني اصطنعتك وأعطيتك ، ~~وعشنا جميعا في خفض وأمن . قال له : فارسم ما شئت حتى أفعله ؛ قال : تحلف ~~لي حتى أقول لك ؛ فاستحلفه وخدعه ، ووافقه على قتل عزيز الدولة . فقال له ~~الصبي كيف أقتله ؟ قال : الليلة يشرب ، وسأزيد في سقيه حتى أسكره ؛ فإذا ~~استدعاك على الرسم لغمزه ونام فقم كأنك تهريق ماء ، فخذ سيفه واضربه حتى ~~تفرغ منه . فقبل الصبي وصيته . وكان عزيز الدولة في الصيد ؛ فلما عاد دخل ~~الحمام وخرج منه فأكل ثم انتقل إلى مجلس الشراب ؛ وحضر من جرت العادة ~~بحضوره من ندمائه ، ثم قام في آخر وقت وقد تبين فيه السكر ، والصبي بين ~~يديه يحمل سيفه حتى وافى إلى مرقده واستلقى على فراشه ؛ وأمر الغلام أن ~~يغمزه . فلما مضى هزيل من الليل وثقل عزيز الدولة في النوم وتحقق الصبي ذلك ~~سل السيف وضربه به ، وكان سيفا ماضيا ، ففلق رأسه ، وأتبع الضربة بأخرى ~~فقتله . ودخل بدر وشاهده ميتا ، فصاح ، واستدعى غلمان الدولة وأمرهم بقتل ~~الصبي ، فقتلوه ؛ وحوط الخزائن والقلعة . # وشاع قتل عزيز الدولة ؛ وكان ذلك في ليلة السبت الرابع من شهر ربيع الآخر ~~سنة ثلاث عشرة . وكتب بدر ms265 إلى السيدة بقتله ، فأجابته ، وأظهرت الوجد على ~~عزيز الدولة ، وشكرت بدرا على ما كان منه في ضبط الأمر وحراسة الخزائن ؛ ~~ولقبته وفي الدولة ، وقلدته موضع مولاه ، ووهبت له جميع ما حازه . ~~PageV02P130 # وكان سديد الدولة علي بن أحمد الضيف ناظرا بالشام ، فتلطف ببدر غلام عزيز ~~الدولة حتى تسلم البلد منه والقلعة ، وولاها أصحاب الظاهر . وسبب ذلك أن ~~كتابا وصل إليه من الظاهر بخطه يطيب نفسه ، وأظهر هذا الكتاب في حلب في ~~أيام الملك رضوان أخذه من بعض أهلها ؛ وكان في ورق إبريسم أسم عريض ، فيه ~~ثلاثون سطرا بخط وسط . وكان صدر الكتاب : عرض بحضرتنا يا بدر سلمك الله ما ~~كتبت على يد كاتبك ابن مدبر ، وعرفنا ما قصدته ، ولم نسىء ظنا بك لقول فيك ~~ولا شناعة ذكر . وقد بعثنا بأحد ثقاتنا إليك وهو علي بن أحمد الضيف ليجدد ~~الأخذ عليك . فلما دخل ابن الضيف على بدر بالكتاب استرسل إليه وطرح القيد ~~في رجليه ، فقبض عليه وأنزله من القلعة . وأقام بحلب سنة . وسلمها موصوف ~~الخادم إلى أصحاب الظاهر وثقاته . # وفي سنة ثمان عشرة وأربعمائة في ذي الحجة والناس يطوفون بالكعبة قصد رجل ~~ديلمي من الباطنية الحجر الأسود فضربه بدبوس فكسره ، وقتل في الحال ، وقتل ~~معه جماعة ذكر أنهم كانوا معه وعلى اعتقاده الخبيث . # سنة أربع عشرة وأربعمائة ولما تسلم بدر مدينة حلب من عزيز الدولة فاتك ~~بقي بها سنتين ، ثم ملكها موصوف PageV02P131 الخادم . واستدعى منتخب الدولة ~~أنوشتكين الدزبري من قيسارية ؛ فلما كان في الرملة خرج إليه توقيع بولاية ~~فلسطين ، فدخلها في المحرم سنة أربع عشرة ؛ فخافه حسان بن مفرج بن دغفل بن ~~الجراح ؛ وجرت له معه وقائع وحروب انتصر فيها الدزبري على حسان وعظم أمره . ~~فسعى إلى به الوزير فقبض عليه بعسقلان . # وكان قد ولى الوزارة الأمير شمس الملك المكين الأمين أبو الفتح مسعود بن ~~طاهر الوزان بعد قتل بدر الدولة أبي الفتوح موسى بن الحسن في المحرم سنة ~~أربع عشرة ، ورد إليه النظر في الرجال والأموال . فجرى له معه نجيب الدولة ms266 ~~على رسمه فيما يتولاه من ديوان تنيس ودمياط ، والجيش الحاكمي ، ودواوين ~~السيدة ست الملك ، ولا يكون لشمس الملك في ذلك نظر . # وبعث الظاهر رسولا إلى بلاد إفريقية ، فقدم مدينة المنصورية لأربع بقين ~~من جمادى الأولى ، ومعه تشريف جليل لشريف الدولة أبي تميم المعز بن باديس ، ~~وثلاثة أفراس بسروج ثقيلة ، وخلعة ومنجوقان قد نسجا بالذهب على قصب من ~~الفضة ، وعشرون بندا مذهبة ، وسجل لقب فيه بشرف الدولة وعضدها . فتلقاه شرف ~~الدولة ، وقرئ السجل بجامع القيروان . PageV02P132 # وأهل جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وأربعمائة بيوم الثلاثاء ، ففيه خلع على ~~أبي الفرج بن مالك بن سعيد ثوب وعمامة مذهبان ، ورداء محشى مذهب ، وحمل على ~~بغلة بسرج ولجام محلى ؛ وقلد قضاء تنيس وسار إليها . وخلع على أحد أولاد ~~ابن جراح ثوب مثقف مذهب وعمامة طائرة ، وحمل على فرسين بسرجين ولجامين ~~مذهبين . وفي غده ركب الظاهر إلى نواحي القصور وعاد . # وفي ثالثه وصلت نحو المائة رأس من جهة ابن البازيار وشهرت . # وهلك محمد بن عبد الله بن المدبر بأخذ الخطير عمار في القصر . وفي رابعه ~~وكل بدكاكين الرواسين في جميع الأسواق ، وأخذ ما فيها من الرؤوس ؛ وكان قد ~~طلب خمسمائة رأس وألف رطل رقاقا . # وفي سادسه جلس الظاهر للسلام ، ودخل الناس على رسومهم ، وانصرفوا . وفي ~~ثامنه جمع الناس كافة إلى صحن الإيوان بالقصر ، وخرج رفق الخادم ومعه منشور ~~وسجل ، فسلم المنشور إلى أبي طالب علي بن عبد السميع العباسي الخطيب ، فرقى ~~المنبر وقرأه على الكافة . فتضمن أن جماعة من أوغاد الأرياف يرتكبون ~~الجرائم ويحتمون بأهل الدولة من الولاة . فنهوا عن حمايتهم . فلما فرغ من ~~قراءته استدعى أبو عبد الله محمد بن علي بن إبراهيم النرسي ، نقيب ~~الطالبيين إلى الخزانة الخاصة ، فخلع عليه ثوب دبيقي مذهب مصفف بأطواق ، ~~ومن تحته ثوب مصمت مذهب وغلالة مذهبة ، وعلى رأسه عمامة شرب مذهبة . وخرج ~~وفي يده سجل يتضمن استمراره في النقابة على عادته ، وكان قد أرجف بصرفه ~~عنها . PageV02P133 # وفي تاسعه ركب الظاهر في عساكره إلى عين شمس ، وعاد . وفي يوم ms267 الجمعة ~~حادي عشره كان نوروز القبط ؛ وانتهت زيادة النيل فيه إلى أربعة عشر ذراعا ~~وأصبع واحد . # وفيه خطب بجامع راشدة على منبره خطبتان في وقت واحد . وذلك أن أبا طالب ~~علي ابن عبد السميع خطب بهذا الجامع بعد سفر العفيف البخاري إلى الشام بأمر ~~قاضي القضاة ، فسعى ابن عصفورة ببعض الخدام حتى خرج له الأمر بأن يخطب ، ~~فخطبا معا أحدهما دون الآخر . ثم استقر أبو طالب في الخطاب وأن يخلفه ابن ~~عصفورة . # وفي ثالث عشره ركب الظاهر لفتح الخليج وسد البلد إلى الصناعة ، فطرح بين ~~يديه عشارى . ثم سار على شارع الحمر إلى سد الخليج ، ففتح بين يديه ولعبت ~~العشاريات فيه ؛ وكان يوما حسنا . وكان عليه وقت نزوله إلى مصر قميص طميم ~~مذهب ، وعلى رأسه شاشية مرصعة ؛ وعاد وعليه ثياب بيض دبيقية مذهبة وعمامة ~~شرب مسكى مذهبة . # وفي ثاني عشريه وصلت هدية من المحدث بأسوان ، وهي عشرون فرسا ، وثمانون ~~بختيا وعدة عبيد وإماء سودان ، وفهد ، وغنم نوبية ، وطيور ، ونسانس ، ~~وأنياب فيلة . # وفي ثلاثة أيام ، آخرها سلخه ، انصرف ماء النيل انصرافا فاحشا ولم ترو ~~منه الضياع ، وكثر ضجيج الناس واستغاثتهم ، وخرج أكثرهم بالمصاحف منشورة ~~إلى الجبل يدعون الله PageV02P134 فلم يغاثوا . وتعذر وجود الخبز ، وازدحم ~~الناس على شراء الغلال ، ووقف سعر التليس على دينار إلا أنه لا يوجد إذا ~~طلب ؛ وأبيع سرا التليس القمح بدينارين ، والحملة الدقيق بدينارين وربع ، ~~والخبز أربعة أرطال بدرهم ، وثمن الحمل الدقيق بعشرين درهما وأهل شهر رجب ~~بيوم الأربعاء . وفي ثالثه توجه أبو القاسم بن رزق البغدادي في الرسالة إلى ~~الحجاز . وفي خامسه خلع على داوود بن يعقوب الكتامي ثوب مثقل وعمامة ، وقلد ~~الحسبة والأسواق والسواحل ؛ فنزل في موكب عظيم وبين يديه اثنتا عشرة نجيبة ~~تحيط به إلى مجلس الحسبة بمصر ، فنظر في الأسعار عوضا عن ابن غرة فاستقامت ~~الأحوال . وقلد ذو القرنين أبو المطاع بن الحسن بن حمدان الإسكندرية ~~وأعمالها غربا وأمر ولده فاضل ولقب عظيم الدولة ، واستقر عوضه والي البلد . # وفيه قرىء بالإشراق سجل برفع المناكر ms268 وترك التظاهر بشيء منها ، وألا يخرج ~~النساء من بعد العصر إلى الطرقات بالقرافة ؛ وأن تنزه هذه الأشهر الشريفة ~~عن المناكير ؛ وألا يجتمع الناس كما كانوا يجتمعون بالجزيرة والجيزة ~~وبالقرافة على شيء منها ومن المحظورات ؛ وأن يمنع الغناء ظاهرا إلا بالقضيب ~~فإنه مباح . # وفي ثامن قلد محمد بن عبد الله بن مدبر ديوان الخراج شركة . وركب الظاهر ~~إلى مسجد تبر ؛ وعاد . وفي غده تعذر وجود الخبز ، وأمر ببله في الماء في ~~القصارى ؛ قيل وبيع ثلاثة أرطال بدرهم ، ثم وجد . وفتحت مخازن جماعة من أهل ~~الدولة . PageV02P135 # | سنة خمس عشرة وأربعمائة # أهل المحرم بيوم السبت . وفي تاسعه أخذ رجل يقال له أبو زكريا ، كان ~~نصرانيا فأسلم ، وكتب الحديث وقرأ القرآن ، وحج ، ثم ارتد إلى النصرانية ~~وقال : ما عمل في سحر نبيكم ؛ فضرب عنقه بعد ما ثبت عليه هذا . وفي ثالث ~~عشره أخذ كتابي يعرف بأحمد بن طاطوا وعليه أثر السفر ، فزعم أنه ورد من ~~الكوفة ، وأنه كان مع الحاكم بأمر الله ، أرسله إلى الناس لينتهوا عما هم ~~عليه ؛ فضرب عنقه . # ولسبع عشرة بقيت منه سار أبو القاسم بن رزق البغدادي إلى صقلية بسجل ~~وهدية فيها مغنيات من القصر . وفيه ركب الظاهر إلى نواحي عين شمس وعليه ثوب ~~بنكي أحمر معلم مذهب ، على رأسه عمامة شرب بنكي مذهب ؛ وعاد . # ولعشر بقين منه امتنع شمس الملك الأمين المكين أبو الفتح مسعود بن طاهر ~~الوزان من النظر في الوساطة حنقا من الشريفين العجميين . لأنهما يتوليان ~~الأمر دونه ، ومكاتبة أعمال الشام وغيره ، وقراءة التخريج ، وعرض كتب ~~البريد وكتب المطلقات ؛ وأقام في داره ثلاثة أيام . فاستدعاه الظاهر وأمره ~~بالعود إلى خدمته ، فعاد إلى النظر ، وجلس على رسمه على باب الذهب يأمر ~~وينهي . PageV02P136 # ولخمس بقين منه كان ثالث فصح النصارى ، فاجتمع بقنطرة المقس من النصارى ~~والمسلمين في الخيام المنصوبة وغيرها خلق كثير طول نهارهم في لهو وتهتك ~~قبيح ، واختلط الرجال بالنساء وهم يعاقرون الخمر ، حتى حملت النساء في قفاف ~~الحمالين من شدة السكر ؛ فكان المنكر شديدا في هذا اليوم ms269 . # وركب الظاهر في موكب إلى المقس بعمامة شرب مفوطة بسواد ، وثوب دبيقي مدير ~~بسواد ، فدار هناك طويلا وعاد . # ولثلاث بقين منه ورد من أهل الريف زيادة على خمسة آلاف رجل فارين من عدة ~~الدولة وعمادها ، رفق الخادم ، متولى السيارة بأسفل الأرض لعسفه . وقدم ~~الخبر باجتماع العرب الهلاليين والكلابيين وبني قرة وجهينة على الخارجي ~~بالصعيد ؛ وبعث حيدرة بن نقيايان ، متولى الصعيد ، يطلب عسكرا ، فسير إليه ~~خلق من العبيد ، والباطلية ، والبرقية ، وغيرهم . وأهل صفر وأوله الاثنين . ~~في ثلاث قدم الحاج وفيه خلائق من أهل خراسان ، معهم أمتعة ، ورسول صاحب ~~خراسان بهدية إلى الظاهر ؛ فأكرم وأنزل . وكان من خبرهم أن حاج خراسان تأخر ~~عن الحج في سنتي عشرة وإحدى عشرة ، فاستغاث الناس بالسلطان يمين الدولة أبي ~~القاسم محمود بن سبكتكين ، فتقدم إلى قاضي مملكته أبي محمد الناصحي في الحج ~~، ونادى بذلك في أعمال خراسان ، وأطلق للعريان ثلاثين ألف دينار سوى ما ~~سيره للصدقات ؛ فساروا وحجوا ، وعادوا سالمين . ثم حجوا بعد ذلك في سنة ~~PageV02P137 أربع عشرة ، ومنهم أبو علي الحسن بن محمد المعروف بحسنك ، صاحب ~~عين الدولة والخصيص به ، وفي مهمته ما يدفع إلى العرب في طريق مكة وغيرها ~~من رسومهم ؛ فدفع كل من استضعفه ، ووعد من قوي جانبه وخيفت أذيته بإزاحة ~~علتهم عند مرجعه ، واحتج عليهم بالوقت وضيقه وخيفة الفوت ؛ فأخروا مطالبته ~~. فلما قضي الحج وعاد ممن معه إلى المدينة النبوية اجتمع هو وأبو الحسن ~~محمد بن الحسن الأقساسي العلوي ، أمير الحاج البغدادي ، وعدة من وجوه الناس ~~، للنظر في أمر العرب ، فاستقر رأيهم على السير إلى الرملة من وادي القرى ~~والمضي على الشام إلى بغداد . فساروا إلى الرملة ، وقدم الخبر بقدومهم ~~إليها على الظاهر في ثاني عشر صفر ، وقالوا إنهم في ستين ألف جمل ومائتي ~~ألف إنسان بكتاب بعث به إليه الأقساسي يستأذنه فيه على عبور بلاد الشام . ~~فسر بذلك وكتب إلى جميع ولاة الشام بتلقيهم وإنزالهم ، وإكرام مقدمهم ، ~~وعمارة البلاد لهم بالطعام والعلف ، وإطلاق الصلات للفقهاء والقراء وإقامة ~~الأنزال الكثيرة لحسنك ، صاحب ms270 عين الدولة ، والتناهي في إكرامه . وتقدم إلى ~~مقدمي عساكر الشام بحفظهم والمسير في صحبتهم ، وأن يتسلمهم صالح بن مرداس ~~من دمشق ويوصلهم الرحبة ، ويدفع إلى الأقساسي ألف دينار وعدة كثيرة من ~~الثياب ، وإلى حسنك مثل ذلك ؛ وقيد إليه فرس بمركب ذهب . فساروا من الرملة ~~موقورين مجبورين شاكرين حتى وصلوا إلى بغداد ، وعرج حسنك عنها خوفا من ~~الإنكار عليه . فاشتد ما فعله الظاهر على الخليفة القادر بالله ، وأنكر ~~عودتهم على الشام ، وصرف الأقساسي عما كان إليه وقبضه ؛ وأنكر على حسنك ، ~~وكتب فيه إلى عين الدولة ، واستدعى منه الفرس والقماش والخلع الواصلة إلى ~~حسنك PageV02P138 لتحرق ببغداد ؛ فبعث بها في جمادى الآخرة سنة ست عشرة ؛ ~~فأحرقت بمحضر من الناس وسبك الذهب وفرق على الفقراء ، وغنم الظاهر حسن ~~الثناء عليه من حاج خراسان وما وراء النهر ، لما كان من إحسانه إليهم ~~وزيارتهم بيت المقدس . # وفي ثاني عشره وافى عماد الدولة رفق من السيارة بعدة عظيمة وثلاثمائة رأس ~~من الخيل والبغال فإنه أخذ كل فرس وجده ، وبين يديه سبعون بندا مذهبة ، ~~وعشرون منجوقا ، فتلقاه جميع أهل الدولة . وكانت عدة من قتله في هذه السفرة ~~، وهي خمسة وثلاثون يوما ، مائتين وثلاثة أنفس . وقدم زين الملك إبراهيم بن ~~علي بن مسعود مصروفا عن مدينة منور ، فتلقى وأكرم . # وفي سادس عشره ركب الظاهر إلى ناحية عين شمس وعاد . وقدم الخبر من حسن بن ~~جعفر الحسني أنه أقام الدعوة للظاهر بعرفات وغيرها ، ومنع أهل خراسان من ~~الدعوة لصاحبهم . ولثلاث عشرة بقيت منه ركب الظاهر إلى المشتهى ، ودخل حمام ~~نجاح الطولوني ، ثم ركب العشاريات في النيل إلى المعتوق بالكوم الأحمر ، ~~وقطع له الجسر حتى عبره ، ثم عاد إلى القصر . # وفي يوم الجمعة لإحدى عشرة بقيت منه جمع الناس كافة إلى الإيوان بالقصر ، ~~فلما اجتمع الناس في صحن الإيوان خرج القائد أبو الفوارس معضاد ، الخادم ~~الأسود ، وعليه ثوب طميم حسن وعلى رأسه عمامة شرب ، طائرة كثيرا ، بالذهب ~~محرق اللون ، ومعه سجل قرىء على العامة والخاصة بتلقيبه بالقائد عز الدولة ~~وسنانها أبي ms271 الفوارس معضاد الظاهري ، PageV02P139 وأن أمير المؤمنين لقبه ~~وكناه ؛ وهو سجل بليغ . ثم حمل بعد قراءته على أربعة من الخيل بسروج مصفحة ~~ثقال ، وعليه سيف ذهب تقلد به ؛ وخرج جميع المصطنعة وسائر القواد والناس ~~معه إلى داره ؛ فكان يوما حسنا . وفيه ورد الخبر بأن الثائر الذي قام ~~بالصعيد الأعلى أنزل حيدرة بن نقيايان حتى حصل في يده ، وكان شريفا حسنيا ، ~~فأقر أنه قتل الحاكم بأمر الله في جملة أربعة أنفس تفرقوا في البلاد ، ~~فمنهم من مضى إلى برقة ومنهم من مضى إلى العراق ، وأنه أظهر له قطعة من جلد ~~رأسه وقطعة من الفوطة التي كانت عليه . فقال له حيدرة ولم قتلته ؟ فقال : ~~غرت لله وللإسلام ؛ فقال : وكيف قتلته ؟ فأخرج سكينا فضرب بها فؤاد نفسه ، ~~فمات بعدما قال هكذا قتلته . فقطع حيدرة رأسه وأنفذه إلى الحضرة مع ما وجده ~~معه . # وقدم الخبر بوقوع الحرب بين بني قرة ببرقة . # ولعشر بقين منه جلس الظاهر في قصر الذهب بعد أن زين وبسط وعلقت فيه ~~الستائر الديباج والستور المذهبة ، وعلق جميع السقائف كلها بالستور وفرشت ~~بالفروش . وحضر أمراء الأتراك وقد لبسوا أفخر ثياب من المثقل والطميم ، ~~وحضر جميع الكتاميين وسائر الجند ؛ ودخل الناس أجمعون ؛ ووقف شمس الملك ~~مسعود بن طاهر الوزان على يمين السرير ، وبقية الناس وكافة عبيد الدولة ~~قيام ، فلم يجلس أحد . وجي بالرسول الوارد من خراسان ومعه ابن له صغير فقبل ~~التراب للظاهر ، ثم أمر أن يطوف به القصر كله ، فطاف جميع القصور المعمورة ~~؛ وقام الظاهر وانصرف الناس . ولثمان بقين منه أهدى PageV02P140 هذا الرسول ~~إلى الحضرة المطهرة نحو خمس عشرة ناقة محملة ورقا طلحا وإهليلجا وغير ذلك ، ~~فقبل منه . # ولسبع بقين منه تسلم ديوان الكتاميين من الأمير شمس الملك مسعود بن طاهر ~~الوزان ، ورد النظر فيه إلى القائد عز الدولة معضاد ، فاستخدم في تدبير ~~أمواله أبا اليسر اصطخر بن مينا الأسيوطي شركة بينه وبين صدقة بن يوسف ~~الفلاحي اليهودي الوافد ، ونظر هو في أمر رجاله وفي التوقيع في أيامهم . ثم ~~بعد أيام أخذ ms272 من شمس الملك بعض إقطاعه ، وقبض منه ، ورد إلى يمين الدولة ~~سعادة وبقيت في يده بقية الأعمال . وفي هذا الشهر سار ذو القرنين ابن حمدان ~~إلى دمشق . # شهر ربيع الأول ؛ أوله الثلاثاء . في خامسه وصلت هدية والي الفيوم ، وهي ~~مائة وخمسون فرسا بأجلة . وفي سادسه خرج الأمر لابن خالد الغرابيلي ، متولى ~~ديوان البريد ، بأن يسلم إلى صاحب ديوان الشام جميع ما يرد من حساب الشام ، ~~ورفعت يد شمس الملك عنه . ورسم أن يكون الشيخ العميد محسن بن بدواس زماما ~~على أبي عبد الله محمد بن أحمد الجرجرائي في ديوان الشام ، مفردا عن نظر ~~شمس الملك ؛ كما أفرد ديوان الكتاميين عن نظره . فصارت هذه العصبة منفردة ~~بمعضاد في التدبير والتقرير ، وهم الشريفان العجميان PageV02P141 ~~والجرجرائيان عصب الدولة أبو القاسم علي بن أحمد وأخوه أبو عبد الله محمد ~~بن أحمد ، ومحسن بن بدواس وابن خيران . وفي رابع عشره خلع على جناح بن يزيد ~~الكتامي ، وحمل على فرسين ، وقلد طبرية . # وفي سابع عشره ركب الظاهر وعاد . وفي هذا الشهر اشتد غلاء القمح ، وبيع ~~التليس بثلاثة دنانير ، والشعير بأربع ويبات بدينار ، والخبز رطلين ونصفا ~~بدرهم . وعز وجود التبن فأبيع الحمل بدينار ؛ وغلت أصناف الحبوب وعامة ما ~~يؤكل . ولم ير النيل فيما تقدم من السنين أقل نقصانا منه في هذه السنة . # وفي ثالث عشريه ركب الظاهر إلى مسجد تبر ، وعاد . وفيه نزل القائد الأجل ~~معضاد والشيخ العميد أبو القاسم الجرجرائي ومحسن بن بدواس صاحب بيت المال ~~إلى مصر ، فأثبتوا تركة بنت أبي عبد الله بن نصر امرأة أبي جعفر بن قائد ~~القواد الحسين بن جوهر ، فوجد فيها وبرادات مكللة بالجوهر ، وأمر جليل من ~~المال والجوهر لأن للسلطان منها الثلث . # وفي هذا الشهر أمر ببناء حظير دائر على مقياس النيل بالجزيرة ، ووكل به ~~الشريف أبو طالب محمد بن العجمي متولى الصناعة ، فبناه بالحجر الأبيض ، ~~وأنفق عليه مالا كثيرا . ونقل إليه الحجر من حظير كبير كان مبنيا على ~~الشاطىء بناحية طرا . PageV02P142 # وفيه دخل كلب إلى الجامع العتيق بمصر ms273 فطاف بالجامع بأسره ، فقام إليه ~~الناس وقتلوه في الصحن ، فجرى دمه على الحصر فغسلت بعد إخراجه من الجامع . # وقد وصلت هدية من بلد النوبة فيها عبيد وإماء ، وخشب أبنوس ، وفيلة ، ~~وزرافات شهر ربيع الآخر ، أوله الخميس . في رابعه ورد الخبر بأن عبد الله ~~ابن إدريس الجعفري ومعه أحد بني جراح طرق أيلة ونهبها ، وأخذ منها نحو ~~الثلاثة آلاف دينار وغلالا ، وسبى النساء والأطفال . وسبب ذلك أنه سأل حسان ~~بن جراح أن يرد إلى ولايته على وادي القرى ، ورغب أن يتوسط له مع الظاهر ، ~~فلم يجبه ، ففعل ما فعل . فخرجت سرية من القاهرة لحربه . # وفيه نزل الظاهر إلى البيمارستان متنكرا في عبيده ، فطافه ، وأطلق لكل من ~~المجانين خمسين درهما ، وللقيم عليهم خمسمائة درهم ؛ ورسم بعمارته وإجراء ~~الماء إليه على رسمه ، وأن يطبخ للمجانين كل يوم ما يأكلونه بعد أدويتهم . ~~وفي ثامنه قدم الخبر بنهب عبد الله بن إدريس بلد العريش وإحراقه وأخذ جميع ~~ما كان فيه بمعاونة بعض أولاد ابن جراح . وفيه اجتمع في قافلة المغرب خلق ~~من التجار ومعهم من الأموال قريب من مائتي ألف دينار بالجيزة ، فأنذروا ~~بطائفة من العبيد والجوالة والقيصرية قد تجمعوا لنهبهم فبعث معهم نحو ~~ثلثمائة فارس وأربعمائة راجل ، وساروا إلى المغرب . PageV02P143 # وفي ثامن عشره جلس الظاهر للناس في المجلس الذي كان يجلس فيه أبوه بقصر ~~الذهب ، ودخل الناس إليه من باب العيد على طبقاتهم . ودخل ناصر الدولة حسين ~~بن الحسن ابن حمدان ، متولى طرابلس ، وقد صرف عنها ، فتلقى بالبنود وعدتها ~~أربعون بندا ملونة ، وخمس بنود مذهبة ، وعدة من الطبول ؛ فقبل التراب ، ثم ~~قبل يد الظاهر ، هو والشريف الحسني ابن موسى المقيم بدمشق ؛ ووقفا ؛ فأمرا ~~بالجلوس على يسار القائد معضاد فجلسا . ثم انقضى السلام وانصرف الناس . ~~فلما كان وسط النهار نزلت طائفة من جواري القصر في طائفة من الخدم إلى دار ~~الجوهر ودار الصرف ودار الأنماط ، فابتاعوا ما أحبوا . وعادوا . # ولسبع بقين منه ركب الظاهر بغير مظلة في عساكره ومراكبه إلى مسجد تبر ، ~~وعاد ؛ ثم نزل ms274 عقب ذلك مختفيا إلى الجزيرة والبساتين . وركب من الغد في ~~العشاريات إلى الجيزة وما والاها ، وعاد . وفي عشية السبت ، لست بقين منه ، ~~غرق حدث في النيل ، فطرده الماء إلى الشط ، وأراد أهله حمله ، فمنعهم أصحاب ~~الشريف أبي طالب العجمي ، متولى الصناعة ، من ذلك ، وطالبوهم عنه بدينارين ~~وقيراطين ، واجب الصناعة من حق من غرق في النيل ، فدفع إليهم ذلك ، وحمل ~~الرجل حتى غسل ودفن في يوم الأربعاء . # ولليلتين بقيتا منه جلس الظاهر في قصر أبيه بباب الذهب على سريره المصقول ~~المذهب ، وعليه ثوب دبيقي معلم ، وعمامة شرب مثقل مذهبة ، وتحته فرش دبيقي ~~مذهب ، ودخل الناس من باب العيد فسلموا ، وجلس من عادته الجلوس ساعة ؛ ثم ~~انصرفوا . # وفي هذا الشهر ارتفع السعر من أجل أن المراكب الواصلة بالقمح أخذت كلها ~~ورفعت إلى القصر من المقس . وفيه طاف العامة والسوقة أسواق مصر بالطبول ~~والأبواق يجمعون من التجار والباعة ما ينفقونه في مضيهم إلى سجن يوسف ، ~~فقيل لهم شغلنا بعدم الأقوات يمنعنا عن هذا . فأنهوا حالهم إلى الظاهر ، ~~فرسم لشافي الدولة أبي طاهر بن PageV02P144 كافي ، متولي الشرطة السفلى ، ~~بتقرير الرسم على التجار حتى يدفعوا إلى العامة ما جرت به رسومهم ؛ وأذن ~~لهم في الخروج إلى سجن يوسف ، ووعدوا أن يطلق لهم الظاهر ضعف ما أطلق لهم ~~في السنة الماضية من الهبة ، فخرجوا . # شهر جمادى الأولى ؛ أوله الجمعة . فيه ركب الظاهر مبكرا مع حرمه وخدمه ~~إلى المشتهى فأقام يومه . وفي ثالثه ركب بعساكره إلى عين شمس وعاد . # وكان الشريف أبو طالب بن العجمي صاحب الصناعة قد تنكر على ابن أبي الرداد ~~، وأهانه ، وتقابحا في الخطاب ، فضربه الشريف واعتقله . فأقام قاضي القضاة ~~أبو العباس أحمد بن أبي العوام مشارفين على ابن أبي الرداد ، لسؤاله القاضي ~~في ذلك ، وهما أبو الحسن سليمان بن رستم ، والخليل بن أحمد بن خليل لينهيا ~~إليه ما يصح من أمر المقياس ، فوجدا مجاري الماء مسددة ، ووجدا ابن الرداد ~~يتناول في كل سنة خمسين دينارا لكنس المجاري ، ووجدا الماء قد انتهى إلى حد ms275 ~~، فلما فتحت المجاري طلع الماء إلى حد أكثر من الحد الذي كان عليه وفي ~~رابعه نزل صقلبي من صقالبة القصر بمنشور معظم إلى قاضي القضاة ، وهو ~~بالجامع العتيق ، فأمره بقراءته على المنبر ، فأراد أبو طالب علي بن عبد ~~السميع العباسي أن يتولى قراءته دون أخيه أبي جعفر ، وهو الأكبر ، وقد صرف ~~عن قراءة السجلات وليس له إلا خطابة الجامع العتيق . فقال له أبو جعفر : ~~ويحك : ما تحتشم مني لسني ولأنني أخوك الأكبر ، ولأنني هرعت لمولانا الحاكم ~~بأمر الله ، قدس الله روحه ، وقدهم بضرب عنقك حتى خلصتك من القتل وضمنت له ~~عنك التوبة والإنابة ! ! فدفع القاضي السجل إلى أبي جعفر ، فقرأه فوق ~~المنبر على كافة الناس . ومضمونه أنه انتهى إلى أمير المؤمنين أن ~~المستخدمين في الصناعة يعتمدون تعويق من ينزل البحر من الناس ، ويمنعون ~~القوارب PageV02P145 من إنقاذ من يلتمس الخلاص منهم ليأخذوا على ذلك واجبا ~~قد أقامه متولى الصناعة ، محمد الحسيني العجمي ، على كل غريق دينارين ونصفا ~~؛ وأن ذلك لما أنهى إلى حضرة أمير المؤمنين أنكره وأكبره ، ومنع من أخذ ~~درهم واحد فما فوقه عما هذا سببه ، والمنع منه . فكثر الدعاء للظاهر . # وفي ثامنه ركب الظاهر في خاصته وخدمه إلى الرميلة بظاهر المقس ، فطاف ~~طويلا ثم عاد . # وفي تاسعه ركب القائد الأجل عز الدولة ومصطفاها معضاد الخادم الأسود في ~~جميع الأتراك ووجوه القواد ، وشق مدينة مصر إلى الصناعة ، ثم خرج منها وعدى ~~بمن معه إلى الجيزة ، حتى رتب للظاهر عسكرا يقيم معه هناك ، وأخذ في يوم ~~الاثنين حادي عشره أربع عشاريات وأربعة عشر بغلا من بغال النقل ، ومعه ~~خاصته وحرمه إلى سجن يوسف . وعاد منه يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت منه . ~~وركب فيه إلى مسجد تبر وعاد . # وأقام أهل الأسواق نحو الأسبوعين يطوفون الشوارع بالخيال والسماجات ~~والتماثيل ، ويطلعون إلى القاهرة بذلك يرسم أمير المؤمنين ، ويعودون ومعهم ~~سجل قد كتب لهم بألا يعارض أحد منهم في ذهابه وعودته . ولم يزالوا على ذلك ~~إلى أن تكامل جميعهم . وكان دخولهم من سجن يوسف في ms276 سادس عشره ، فشقوا ~~الشارع بالخيال والسماجات والتماثيل ، وتعطل الناس في ذلك اليوم عن أشغالهم ~~ومعايشهم ، واجتمع خلق لنظرهم . وظل الناس أكثر هذا اليوم على ذلك ، وأطلق ~~لهم ثمانية آلاف درهم وكانوا في اثني عشر سوقا . # وفي عشريه قتل طائفة من القيصرية غلاما من الأتراك ، فركب الأتراك ~~بالسلاح وقاتلوا القيصرية ، فتكافوا ، ولم يجسر أحد منهم على الإيقاع ~~بصاحبه . وفي ثاني عشريه ركب الظاهر النيل ومضى إلى بستان السيدة العمة ، ~~ثم إلى خيمة وردان لأنهم مقيمون PageV02P146 في الجزيرة للتنزه هناك . ولم ~~تزل العشاريات تلعب في البحر الليل كله والمسرة متصلة بينهم ؛ فقدم في آخر ~~النهار مركب يحمل حطبا من الصعيد ، فقلب نوتيته وقطع الجسر ، وغرق مركبان ~~منه ، وقطع ثلاث قطع ، وغرق عشاريان بمن فيهما . # وفي هذا الشهر كوتب أبو الحارث نقيان بن محمد بن نقيان الخيملي ، متولى ~~حرب تنيس ودمياط ، بالمسير إلى حلب ليتسلمها عوضا عن محمد سند الدولة أبي ~~محمد الحسن ابن محمد بن نقيان الكتامي عند وصول هديته إلى الحضرة ؛ فسار . ~~وكان من خبر مدينة حلب أن عزيز الدولة فاتكا لما قتل وأقيم من بعده غلامه ~~بدر مكانه ، ثم قبض عليه علي بن الضيف ، وأقام بحلب سنة ، وولى سند الدولة ~~أبو محمد الحسن بن نقيان فنزل صالح بن مرداس الكلابي على حلب ونازلها ؛ وقد ~~كره الناس ابن نقيان وموصوفا الخادم لسوء سيرتهما ، فسلموا البلد إلى صالح ~~. والتجأ ابن نقيان وموصوف إلى القلعة وتحصنا بها ؛ فاستخلف صالح على مدينة ~~حلب أبا منصور سليمان بن طوق ، ومضى إلى بعلبك فملك قلعتها بعد حرب ، وقتل ~~جماعة من أصحاب الظاهر . واجتمع هو وحسان بن جراح وإخوته ، وسنان ابن عليان ~~على فلسطين وتحالفوا على اجتماع كلمتهم ومحاربة الظاهر ، وتقاسموا البلاد ~~كما سيأتي ذكره إن شاء الله . # وأما ابن طوق فإنه حصر قلعة حلب حتى أخذها بمباطنة من أهلها وأمسك ابن ~~نقيان وموصوفا ، فقتل ابن نقيان في يوم الخميس لثمان بقين من ربيع الآخر من ~~هذه السنة ، واعتقل موصوفا . فركب أبو الحارث بن نقيان البحر من ms277 تنيس إلى ~~طرابلس ، ودخل حلب يوم الأحد سابع عشري جمادى الأولى هذا ، وملكها ، وسمى ~~سابق الدولة أبو طاهر بن كافي متولي الشرطة السفلى بمصر من قبل بدر الدولة ~~بأخذ تنيس ودمياط ، واستخلف أخاه جلال الدين على الشرطتين العليا والسفلى ~~من قبل بدر الدولة . PageV02P147 وفي رابع عشريه ركب الظاهر إلى طرف الخندق ~~وعاد ؛ ثم ركب من الغد إلى مسجد تبر وعاد . # شهر جمادى الآخرة ؛ أوله الأحد . فيه جلس الظاهر للناس للسلام عليه ، ~~فدخلوا على رسومهم ، فسلموا وانصرفوا . وفي رابعه ركب إلى مسجد تبر في ~~عساكره ، وعاد ، فطلب الببغاء من الطيور فحمل إليهم منها شيء كثير ، فابتاع ~~ما أحب بأوفر الأثمان . وفي ثامنه جلس للسلام ، فدخل الناس فسلموا وانصرفوا ~~؛ ثم ركب إلى المشتهى . وركب في ثاني عشره إلى مسجد تبر في مواكبه ، فلقيه ~~عند سقاية ريدان خادم أسود يقال له عنبر ، كان مقربا للحاكم بأمر الله ، ~~كثر كلامه فطردته السيدة ، فقال : يا أمير المؤمنين خذ لنفسك ، فوحق ما في ~~هذا المصحف وأخرج مصحفا إن أباك باق ، وبعد قليل يجيء إلى قصره ، وقد نصحتك ~~. فقبض عليه واعتقل ، وقيل إنه اختل عقله . # وفيه قرر الشريف الكبير أبو طالب الحسني العجمي القزويني والشيخ نجيب ~~الدولة أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي والشيخ العميد محسن بن بدواس مع ~~القائد الأجل معضاد أن يكون دخولهم على الظاهر الأخير في كل خلوة ، وأنهم ~~يكفونه أمر الاهتمام بالدولة ليتوفر على لذاته ، وينفردوا بالتدبير . ~~واستقر أمر الثلاثة على الدخول في كل يوم على الانفراد وألا يستدعي معهم ~~أحد . وصار شمس الملك مسعود بن طاهر الوزان ، ومظفر صاحب المظلة ، وولى ~~الدولة ابن خيران ، وداعي الدعاة ، ونقيب نقباء الطالبيين ، وقاضي القضاة ~~ربما دخلوا في كل عشرين يوما مرة ، وهؤلاء الثلاثة الذين يقضون ويمضون ~~ويشيرون ويفعلون في أمر الدولة ما يرونه ، مع اجتماعهم بمعضاد دون كل أحد . # وفي سابع عشره ركب الظاهر في العساكر ورجال الدولة بأحسن زي وأكمل عدة ، ~~وركب عبيد الدولة بالآلات والسلاح والطريقة الحسنة والعدة الكاملة . وشق ~~شارع مصر PageV02P148 إلى ms278 صناعة الجسر ، وعليه ثوب طميم مثقل وعمامة مذهبة ~~طميم ، وعلى رأسه مظلة حمراء مثقلة مذهبة ؛ فغير ولبس ثوبا دبيقيا أبيض ~~مذهبا وعمامة شرب بيضاء مذهبة ، وركب فرسا كميتا وقف عند الصناعة ووجد الجد ~~في طرح مركب حربي جديد ، فتعذر طرحه ، فتركه وسار لفتح الخليج . فورد الخبر ~~بأن سيار الضيف متولى سد الخليج أمر بتخفيضه ليقرب أمره عند حضور أمير ~~المؤمنين لفتحه ، فغلبه الماء وانكسر السد . فلما وصل الظاهر إلى السد وقف ~~بجانبه الشرقي ، وعبرت العشاريات مزينة على العادة ، ولعبت ، ثم عاد إلى ~~قصره ، فكان من الأيام المشهودة . # وفي تاسع عشره نودي في مدينة مصر بألا يتعرض أحد لذبح شيء من الأبقار ~~بوجه ولا سبب ، فإن من تعرض لذلك حل دمه وماله ، لأن الناس عدموا العوامل ~~في هذه السنة ، وكانوا على عادتهم في ابتياع الفواكه والخمور والحيوانات ، ~~إلا أن أمرهم في ذلك كان أقل للغلاء وتعذر الأصناف . وضرب فيه بالأجراس في ~~آخر النهار ألا يلعب أحد بالماء ببلد مصر في يوم النوروز ، ولا في القاهرة ~~. فطلع الجزارون يستغيثون في منعهم من ذبح الأبقار ، وأن عندهم منها ما ~~ابتاعوه وأنفقوا عليه في علفه حمل الدنانير ، وليس هو ما يعمل ولا يصلح ~~للزراعة ، فإن الرأس من البقر يقوم عليهم بمائة دينار وأكثر . وسألوا الإذن ~~في ذبح ما عندهم ، فأجيبوا إلى ذلك . وذبحوا في هذه الثلاثة الأيام ما لا ~~يحصى كثرة ، وبيع بطن البقر ولحمه رطلا بدرهم ، وازدحم الناس في طلبه . ~~فلما كان آخر PageV02P149 نهار الثلاثاء رابع عشريه ، وهو رابع النوروز ، ~~أحضر المحتسب الجزارين والهراسين ومنعهم من ذبح الأبقار ، فانقطع بيع لحمها ~~من الأسواق . # وفي خامس عشريه ركب الظاهر إلى مسجد تبر في عساكره ، وعاد . # شهر رجب ؛ أوله الاثنين . في ثانيه ركب الظاهر إلى نواحي القصور وعليه ~~عمامة ياقوتية مذهبة وثوب دبيقي بياض مذهب بغير مظلة ؛ وعاد . # وفيه قدم الخبر بأن منتخب الدولة أنوشتكين الدزبري متولى حرب فلسطين ، ~~أنفذ إلى بيت جبرين ، إقطاع حسان بن جراح ، من قبض على أمواله ؛ فبعث إلى ~~أعوان الدزبري ms279 وأخذهم وضرب أعناقهم . فلما بلغ ذلك الدزبري قبض بالرملة على ~~أبي الغول الحسن بن فيروز ، صاحب حسان ، وعلى كاتبه وسجنهما في حصن يافا ~~مقيدين . وفي رابعه زين العامة أسواق البلد ، وخلقوا وجوه الصبيان ، ونادوا ~~بوفاء النيل ستة عشرة ذراعا ، فخلع على ابن أبي الرداد خلعا دبيقية مذهبة ~~ورداء محشوا مذهبا وعمامة شرب مذهبة ، وحمل على بغلين بسرجين ولجامين ~~مذهبين ، أحد السرجين مصفح ؛ وأعطى ست عشرة قطعة ثياب وثلاثة آلاف درهم . ~~وبلغ الماء اصبعين من سبعة عشر ذراعا ، فكان يوما حسنا كثر فيه سرور الناس ~~. # وفيه خلع على بقي الخادم الأسود ، غلام بدر الدولة نافذ ، ثوب مثقل طميم ~~وعمامة قاضي مذهبة ، وسيف ذهب ؛ وقلد الشرطتين بمصر ؛ وحمل على فرس بسرج ~~ولجام مذهب ، PageV02P150 عوضا عن جلال الدولة ابن كافي . ونزل إلى الشرطة ~~السفلى في جمع كثير ، فنظر في الحسبة مضافا إلى الشرطتين ، وأمر أن يباع ~~الخبز الجشكار كل خمسة أرطال بدرهم ، والحواري أربعة أرطال بدرهم . فغلقت ~~الطواحين والحوانيت جميعها ، وأصبح البلد يوم الجمعة ، خامسه ، على حال ~~صعبة من تعذر الأخبار وعدم الدقيق . فلما كان غداة يوم السبت ، سادسه ، ~~أعيد دواس بن يعقوب الكتامي للحسبة وصرف بقي عن الحسبة والشرطة ؛ فأقام ~~يوما واحدا وانصرف . ونودي أن يكون الخبز الذي يباع في الأفران خمسة أرطال ~~بدرهم ، وتباع بقية الأخباز بغير تسعير ، فظهرت الأخباز بالأسواق ، وبيع ~~الخبز السميد رطلين ونصفا بدرهم ، وما دونه ثلاثة أرطال بدرهم . # وفي عاشره ركب الظاهر إلى نواحي القصور بغير مظلة ، وعاد . # وكانت ليلة النصف من رجب ليلة مشهودة ، حضرها الظاهر والسيدات وخدم ~~الخاصة والمصطنعة وغيرهم ، وسائر العوام والرعايا ، وكان مجمعا لم يشهد ~~مثله من أيام العزيز بالله . وأوقدت المساجد كلها أحسن وقيد . # وفيه ورد الخبر بأن حسان بن جراح خرج عن الطاعة . وكان سبب ذلك أنه فسد ~~ما بينه وبين الدزبري ، واستوحش كل واحد من الآخر ؛ فكتب الدزبري إلى ~~الظاهر يذكر له تغير حسان في خدمته ، وفساد نيته في طاعته ؛ ويستأذنه في ~~حربه ؛ فكان ما تقدم PageV02P151 ذكره . ثم اتفق أن ms280 اعتل حسان علة أشفى ~~منها ، وكثر الإرجاف به فيها ، وكتب أصحاب الأخبار بذكرها إلى الظاهر ؛ ~~فكاتب الدزبري بقصده وانتهاز الفرصة في أمره ؛ فسار إليه وهو بناحية نابلس ~~. فبلغ حسان عن سيره ، وقد أبل من مرضه فاستنهض أهله وأصحابه ، وجمع نحوا ~~من ثلاثة آلاف فارس ، وتلقى الدزبري ، فعاد إلى الرملة وحسان في إثره ، ~~فحصره واستدعى رجاله من الجبال والشراة إليه ، فصار إليه منهم عدد كثير . ~~وقاتله الدزبري على باب الرملة ثلاثة أيام بلياليها بعد ما كبس حسان طبرية ~~، ونهبها ، وقتل من بها ، وفر منها متوليها مجد الدولة فتاح بن بويه ~~الكتامي إلى عكا . فبلغ حسان ، عن أخيه ثابت ، أنه انتهى إلى الدزبري ، ~~فبعث جريدة كبست حلة ثابت ونهبتها . # وفيه أفرد صدقة بن يوسف الفلاحي بالنظر في ديوان الكتاميين . وأقام ~~الظاهر أياما لم يركب ولم يدخل إليه أحد . # وفي حادي عشريه ورد الخبر بأن حسان بن جراح اجتمع مع سنان بن عليان بن ~~البنا ، وانضم إليه سائر إخوته ، وساروا جميعا بظاهر فلسطين ؛ فقابلهم ~~الدزبري كما تقدم ، إلى أن فارقه ثابت بن جراح ولحق بأخيه حسان . وقدمت ~~نجدة من صالح بن مرداس لحسان ، فبعث الدزبري يطلب من الظاهر نجدة بألف فارس ~~وألف راجل ، فجردت جماعة يسيرة ، ودفع إلى كل فارس أربعون دينارا ؛ فاشتملت ~~الجريدة على ألفي فارس وراجل ، تولى النفقة فيهم معضاد الخادم والشريف ~~العجمي ونجيب الدولة الجرجرائي . فلم يخرج من الجريدة إلا طائفة يسيرة مضوا ~~إلى العريش ؛ وبطل أمر من تجرد بعد ذلك . # وسعي بمحسن بن بدواس بأنه كاتب حسان بن جراح يحرضه على الفتنة ، وكاتب ~~ملك الروم يطمعه في الدولة . وانتصب له الطائفة التي تحضر عند الظاهر في ~~المعاملة . PageV02P152 وفي ثاني عشريه ورد الخبر بأن الدزبري غلب عن ~~مقاومة حسان ، ففر من الرملة آخر الليل في عشرة من الغلمان الأتراك ، وسار ~~في ليلته إلى قيسارية . وذلك أن حسانا هجم برجاله على بعض حوانيت الرملة ، ~~وطرح النار ووضع السيف ، ثم دخل بجموعه ، بعد فرار الدزبري ، إلى المدينة ، ~~فنهبوا الأموال ، واستباحوا الحرم ، وقتلوا ms281 القتل الذريع . وعندما دخل حسان ~~إلى المدينة ترجل من باب البلد وقبل التراب من باب المدينة إلى دار الإمارة ~~؛ ثم أحضر القاضي وشيوخ فلسطين وأشهدهم أنه عبد الدولة وخادمها وصنيعتها ، ~~وداخل تحت طاعتها ، وأنه لا يبدأ أحدا من أهل البلد بسوء ، وإنما كره مقام ~~الدزبري في الرملة ، وذكر سوء ما عامله به وأن ذلك أوجب قتاله ؛ وأن البلد ~~لأمير المؤمنين يولي فيه من رغب فيه من عبيده ، فيسمع له ويطيع ، ويخدمه ~~طاعة لله ولمولانا صلوات الله عليه . وأقام نصر الدين نزال واليا على ~~الرملة ، وقال هذا عبد أمير المؤمنين وابن عبده ، يضبط البلد إلى أن يصل ~~أمر أمير المؤمنين . فخلع على القادم بهذا الخبر وكثر السرور به . # وفي ثالث عشريه خلع على سني الدولة حمد ، ابن أخي الباهر ، وقلد سيارات ~~أسفل الأرض عوضا عن عدة الدولة بقي الخادم الأسود ، وحمل على فرس بسرج مصفح ~~مغموس ، وألبس عمامة مذهبة وثوبا طميما . # وفي آخره ورد الخبر بأن حسان بن جراح إنما أظهر ما تقدم ذكره حيلة وخديعة ~~. وذلك أنه أحضر العسكرية بالرملة ، وقرأ عليهم ملطفا وصل إليه من الحضرة ~~يعتذر إليه فيه ، ويعلم أن اعتقال أبي الغول وكاتبه لم يكن عن رأي أمير ~~المؤمنين ، وإنما جرى من الدزبري برأيه . فلما أوقف العسكرية على الملطف ~~قبلوا خط أمير المؤمنين وعرفوه ، أمرهم أن يسيروا به إلى عسقلان ويوقفوا ~~أهلها عليه ، فإن كانوا تحت السمع والطاعة لأمر أمير المؤمنين فليسلم الحسن ~~بن سرور الأنصاري الكاتب إلي ، وإلا سرت إلى عسقلان ونقضتها حجرا حجرا ~~ونهبتها وقتلت أهلها . فمضى العسكرية بالملطف إلى عسقلان ، PageV02P153 ~~وأوقفوا عليه الوالي والعسكر ، فسلم إليهم أبو الغول ورفيقه . فلما وصلا ~~إلى حسان ركب لوقته وخشب سبعين رجلا من العسكرية ، وقتل طائفة من الحمدانية ~~وغيرهم ، ووضع السيف والنهب في الرملة ، وأضرم النار في الدور والحوانيت ~~حتى جعلها دكا ، وسبى النساء والأولاد ، وقبض على نحرير الوحيدي وأخذ منه ~~أربعين ألف دينار . وأخذ من مبارك الدولة فتح ، المقيم بالقدس ، ثلاثين ألف ~~دينار ، وأخذ جميع ما جمع ms282 الدزبري . # وأرجف بمصر أن خمسمائة فارس بعثها حسان إلى العريش ، ثم لم يعلم أين قصدت ~~، فخاف الناس أن يطرقهم في القرافة ، فانتقل أهل القرافة إلى مصر ، وانتقل ~~جماعة من بلبيس إلى مصر . فسار بديع الصقلبي في الرسالة إلى حسان . وتحرك ~~السعر بمصر ، واضطربت العامة . وندب مائة فارس من القيصرية للإقامة ~~بالقرافة لحفظ الناس ، فإن الخوف اشتد حتى لم يطلع أحد إلى القرافة ، ~~وتحملوا منها ، فمنعوا من النقلة وأعيدوا إليها . # وجرت الأمور في هذه الشهور المباركة على ما كان الرسم جرى به من عمارة ~~المساجد والجوامع وتكثير القناديل والزيت وكثرة الوقيد . وقد دخل الشريف ~~العجمي إلى الظاهر ، فأظهر أنه يراعي أمر الدولة ويتخوف ما يجري من الفساد ~~، فأمر الظاهر بأن يجتمع مع الشيخ نجيب الدولة أبي القاسم الجرجرائي والشيخ ~~العميد محسن بن بدواس ، صاحب بيت المال ، وأن يدبر الأمراء بما يراه . ~~فاستدعى المذكورين وقال لابن بدواس : احمل المال الذي عندك لينفق في الرجال ~~. قال : ما عندي إلا يسير ، ووالله لو طلبتم مني ينارا واحدا ما مكنتكم منه ~~لأنه موفور لخواص مهمات مولانا صلوات الله عليه . فقال الشريف : فتقترض من ~~التجار وتصادر من تجب مصادرته ، فقال الجرجرائي : وأي مال مع التجار وتجار ~~مصر هلكي من الغلاء ؛ لكن إن أردتم المال فمن أم الحاكم بأمر الله ، قدس ~~الله روحه ، وعمته ؛ وبالجملة فقد أغنى الله مولانا ، صلوات الله عليه ، ~~بتوافر أمواله وتراث آبائه الأئمة الطاهرين عما نراه نحن أو نقوله بآرائنا ~~. فأمسك الشريف عن غير رضا . PageV02P154 # وفيه سير جماعة من المجردين في المراكب الحربية لحفظ حصون الشام إلى تنيس ~~ودمياط ، ومضوا إلى صور وطرابلس وغيرها . وجردت طائفة إلى بلبيس لحفظها . ~~شهر شعبان ؛ أوله الأربعاء . فيه قدم أحد إخوة حسان بن جراح ، فتلقى وأكرم ~~وأنزل في دار حسين بن جوهر ، وحمل إليه الفرش والآلات الفضة ، ونحو ذلك مما ~~يصلح لمثله ، وأقيمت له الجراية . وضمن أنه يخرج من العسكر إلى الرملة ، ~~فخلع عليه ، وحمل على فرسين ، وقلد بسيف ومنطقه ذهب . # وفي خامسه جلس الظاهر في قصره ms283 للسلام ، ودخل الناس . فقال الكتاميون : يا ~~مولانا ، صلوات الله عليك ، بلغنا شغل قلب مولانا بأمر ابن جراح ، ومن هذا ~~الكلب حتى يشغل قلب مولانا ، صلوات الله عليه ، به وما مقداره ؟ ! والله يا ~~مولانا إن لك من العبيد ما لو أطلق مولانا سبيلهم عليه لقلعوه شعرة شعرة ، ~~من عبيدك الكتاميين ، وعبيدك القيصرية ، والعبيد والباطلية والأتراك ، ~~وسائر العرائف والقبائل . غير أننا قد هلكنا والله يا مولانا فقرا وجوعا ، ~~وليس لواحد منا مال يرجع إليه ؛ ولو كانت لنا أموال لكفينا هذا الأمر وغيره ~~. فقال لهم : نسيم صاحب الستر : حسبكم يا شيوخ ، حسبكم ! فأمسكوا ، ولم يكن ~~من الظاهر جواب . # وفيه ورد الخبر بأن حسان بن جراح كتب إلى صالح بن مرداس يستدنيه ليقع ~~الاجتماع على ما يدبران أمرهما ، فسار صالح ونزل على حلب ونازلها وأخذها ، ~~كما تقدم ، وأخذ بعلبك ، وعظم أمره . واجتمع هو وصمصام الدولة سنان بن ~~عليان بن البنا على حسان بفلسطين ، وتحالفوا على اجتماع الكلمة وأن يكونوا ~~يدا واحدة على صاحب مصر ؛ وقسموا البلاد بينهم ؛ فصار لحسان الرملة إلى باب ~~مصر ، ولمحمود أخيه طبرية وما يتصل بها PageV02P155 من الساحل ؛ ولسنان بن ~~عليان دمشق وسوادها ؛ ولصالح ما بقى من الشام إلى عانة . فاجتمع سنان مع ~~صالح ومعهما حشود العرب ، وحصروا دمشق ونهبوا الغوطة وسائر السواد ، وقتلوا ~~فلاحي الضياع وانتهبوا أموالها ؛ وألحوا في قتال أهل دمشق . فاجتمع الناس ~~بدمشق إلى ذي القرنين ابن حمدان ، متوليها ، وقرروا أن يكون القتال يوما ~~يكون أمره إليهم ويوما يقاتل فيه عسكر السلطان . فاتصلت الحرب كل يوم ، ~~وقتل من العسكر ومن أهل دمشق ومن العرب خلائق . ونهبت مواشي الناس من ~~الضياع وغلاتهم وأموالهم ؛ فأخذ لمعتمد الدولة . من ضياعه عشرة آلاف غرارة ~~من القمح . وبعث حسان نجدة من رجاله إلى سنان ، وكان الشام بأسره قد اضطربت ~~أحواله . وتغلبت العربان على البلاد ، ونهبوا عامة أموال أهلها . # وفيه قدم صاعد بن مسعود ، عامل الصعيد الأعلى ، باستدعاء ، فغدا في سادسه ~~شريكا لصدقة الفلاحي في ديوان الكتاميين . # وفي ثامنه قدم الخبر من دمشق بأن ms284 سنان بن عليان بن البنا لما وصلت إليه ~~سرية حسان ابن جارح ، وهي نحو الثلاثة آلاف فارس ، طلب من أهل دمشق ثلاثين ~~ألف دينار يقومون له بها معجلة ومؤجلة ، فمنعهم القاضي الشريف فخر الدولة ~~أبو يعلى حمزة ابن الحسن بن العباس بن الحسن بن أبي الجن الحسين بن علي بن ~~محمد بن علي بن إسماعيل ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي ~~طالب ، ورأى أن يجمع ذلك PageV02P156 وينفقه في قتال العرب ؛ فوافقوه على ~~ذلك وحلف الناس . وهدم دروب البلد وحملها إلى الجامع حتى لا يمتنع أهل ~~البلد بالدروب ويخلوا بين العسكر والعرب . ورجف بالناس ، فاشتد القتال ~~بينهم وبين العرب ، وقتل من العرب نحو المائتي فارس ، وأصيب سنان بسهم ، ~~فطلب من الناس الصلح على ترك الحرب أربعين يوما . فلما تقرر ذلك خرج إليه ~~الشريف ابن أبي الجن وشيوخ دمشق ووجوه الجند ، وحلفوا سنانا ووجوه العرب ، ~~فاستقر الأمر بينهم على هذا . # وورد الخبر بأني بني قرة أقاموا إنسانا دعوه بأمير المؤمنين ببرقة ، ~~وحملوا على رأسه المظلة . وفيه ظهر في النيل بأعمال أسفل الأرض فرس البحر . # وفيه ورد الخبر بأن التجريدة التي توجهت إلى تنيس طلبوا أرزاقهم وضيقوا ~~على العامل ففر منهم إلى دمياط ، فعاثوا في البلد وأفسدوا ، وقطعوا من يد ~~عامل السلطان خمسة وعشرين قطعة ، وأخذوا من المودع ألفا وخمسمائة دينار . ~~فخرج إليهم عنبر ، الزمام ، في خمسين فارسا من عرفائهم للقبض على الجناة ~~وتأديبهم واسترجاع ما أخذوه . وقدم الخبر بأن حسان بن الجراح كتب إلى سنان ~~يوبخه على ما فعل ويحثه على معاودة الحرب ، ويعده بالمدد ؛ فعاد إلى قتال ~~أهل دمشق بعد ما كان قد انصرف عنها . فإن حسانا بعد ما نهب الرملة وحمل ~~منها أربعمائة جمل موقرة مالا وثيابا ومصاغا وغير ذلك ، بعثها إلى حلله ~~وأضرم النار في شوارعها ، وكسر الأمتعة ، حتى كان الناس يمشون في بحار من ~~الصابون والزيت في أسواق مدينة الرملة ، ثم وصل كتابه يسأل فيه إضافة القدس ~~ونابلس إلى إقطاعه مصانعة له ms285 على الكف عن القتال ؛ وأن ينفذ إلى أبي الغول ~~ثياب من ثياب الظاهر التي يلبسها وشاشية من شواشيه . فأنفذ إليه ذلك وأجيب ~~إلى إقطاع نابلس مضافا إلى إقطاعه ، ولم يجب إلى القدس . # وفي يوم السبت ثامن عشره دخل نسيم صاحب الستر بطائفة من الصقالبة إلى بيت ~~المال PageV02P157 والشيخ العميد محسن بن بدواس جالس وبين يديه حسباناته ، ~~فقال له : اجمع يا شيخ هذه القراطيس واختمها . فجمعها وختمها بخاتمه ، ثم ~~أقامه وختم الخزائن ، وأخرجه راجلا ، فاعتقله بحجرة من القصر . وركب رفق ~~فختم بيت المال والخزانة الخاصة ودار ابن بدواس وسائر ما يتعلق به . فلما ~~كان العشاء أخرج ابن بدواس فضربت عنقه وهو يصيح : والله ما خنت ولا سرقت ~~ولا غششت ، وهذه منصوبة نصبت علي . وقيل إنه وجد عنده خط حسان بن جراح ، ~~وخطه عند حسان يحثه على الإيقاع بالدولة . وقيل إن هذا صنع عليه من أعمال ~~الشريف العجمي . وقيل في سبب قتله معاندته لمعضاد وعدوله عنه إلى رفق ~~الخادم وأنه كان استشار خليل الدولة محمد بن علي بن العداس صديقه لما عاداه ~~هذه الطائفة ، فأشار عليه أن يباينهم بالعداوة ويكاشفهم بها . واستشار أيضا ~~شمس الملك مسعود بن الوزان ، مع ما بينه وبينه من العداوة ، فأشار عليه مثل ~~ذلك . وقيل إن الظاهر أخرج كتاما مختوما إلى الشريف العجمي فنظره ، ثم رفعه ~~إلى أبي القاسم الجرجرائي فنظره ثم قال : هذا خط ابن بدواس ، فقرئ ، فإذا ~~فيه طعن على الدولة ، وبآخره : إذا وافيت بالعساكر لم تجد أحدا تلقاك ولا ~~يمانعك ، وإذا كاتبتني فلا تنفذ كتبك إلا على أيدي الرهبان فإنهم الثقات ~~المأمونون . فقال الظاهر : أي شيء يستحق هذا ؟ فقال الجرجرائي : مولانا ~~مالك العفو والسيف . فقال : انصرفوا . فلما خرجوا أمر بضرب عنقه . وقيل إنه ~~وجد أغلف لأنه كان نصرانيا . ومن العجب أنه كان في غاية التحفظ والتحرز ، ~~وكان يخاف أن يقتله الحاكم بأمر الله فنجا منه ، ثم لما أمن واطمأن كان ~~حتفه . # في يوم الثلاثاء لليلة بقيت منه أحضر عز الدولة معضاد الكتاميين وأمرهم ~~بالبكور من ms286 الغد ، وأمر الأتراك وجميع العسكر بلبس السلاح ، وأن يتسلموا من ~~الخزانة ما يخرج لهم من ذلك ، ويقف الجميع حول القصر حتى يؤمروا بما ~~يفعلونه . فوقفوا من الغد بأجمعهم حول القصر إلى ضحوة النهار ، فجاءهم ~~الأمر بأن مولانا صلوات الله عليه يركب PageV02P158 في غد ، فليحضر من ليس ~~له منكم سلاح ليدفع إليه من الخزانة ؛ فقال الكتاميون قد شغلنا الجوع وطلب ~~الخبز عن هذا . فلما كان آخر النهار حمل قوم من متر جلة الكتاميين على ~~سبعين فرسا ، وفرق فيهم وفي غيرهم السلاح . # شهر رمضان ؛ أوله الخميس . فيه ركب الظاهر في عساكره وعليه قميص مدير ~~مذهب دبيقي وعمامة مثله ، وعلى رأسه المظلة المذهبة يحملها بهاء الدولة ~~مظفر الصقلبي ، وخلفه ابن فتوح الكتامي يحمل الرمح ، وبين يديه الأتراك ~~والكتاميون والقيصرية والعبيد والباطلية والديلم وسائر الطوائف ؛ وركب رجال ~~الدولة خلفه مع نسيم الصقلبي ، وسار إلى مسجد تبر ، وعاد . وكان يوما حسنا ~~من توافر الناس وكثرة الجمع والزي الحسن . # وفي يوم الجمعة ثانيه ركب أيضا إلى صلاة الجمعة في الجامع الأزهر ، وعليه ~~طيلسان شرب مفوط بعمامة بياض مذهبة ، وثياب دبيقية ، والمظلة دبيقية مذهبة ~~، وطلع معه المنبر قاضي القضاة أحمد بن أبي العوام وإبراهيم الصانع المؤدب ~~المعروف بالجليس ، فأرخيا عليه سجف القبة التي في أعلا المنبر ، وهي مغشاة ~~بمصمت بياض ، والعنبر يبخر بين يديه في المباخر الذهب والفضة والجوهر . ~~فخطب ، ثم كشف عنه القاضي ونزل ، فصلى وعاد إلى قصره . # في رابعه ورد الخبر بانصراف صالح بن مرداس عن دمشق إلى حلب ، وأن كاتبه ~~باع جميع ما كان له بحلب من غلة ودار وآلة ، وخرج فجمع العرب وقصد حصار ~~المدينة . في خامسه ولي طيب الخازن بيت المال ، وخلع عليه ، وحمل على بغلة ~~بسرج ولجام ، وخلع على ميسرة الخازن وحمل على فرس بسرج ولجام مذهب ؛ وولى ~~خزانة الخاصة وجعل عدة الدولة رفق الخادم الأسود ، يخرج إليهما بالأوامر ~~ويدخل . وخلع على ثلاثة من أولاد ابن الجراح وحملوا على ستة أفراس . ~~PageV02P159 # وفي ثاني عشره أخذ ديوان الشام من محمد بن أحمد ms287 الجرجرائي ورد إلى أبي ~~طالب الغرابيلي . # وفي يوم الجمعة سادس عشره ركب الظاهر إلى الجامع الأنور خارج باب الفتوح ~~وعليه رداء بياض محشى قصبا ، وثياب بياض دبيقية ، وعمامة بيضا مذهبة ، وفي ~~يده القضيب الجوهر ، وعلى رأسه مظلة مديرة فخطب ، ثم صلى ، وعاد . # وقدم الخبر بأن أهل دمشق هادنوا سنان بن علوان إلى آخر الكوانين . وقدم ~~كتاب حسان بن جراح بأنه تحت الطاعة ، فلا يجب أن يشغل السلطان قلبه بأمر ~~الشام ، وأنه يقوم بأمر فلسطين ويجبي خراجه وينفقه في رجاله ، ودمشق فيها ~~ابن عمه سنان ، صمصام الدولة ، وحلب مردود تدبيرها إلى صالح بن مرداس أسد ~~الدولة ؛ وأنه قد كفى السلطان أمر الشام كله . فطرد رسوله ولم يكتب له جواب ~~. # وفي خامس عشريه زيد في لقب منتخب الدولة أنوشتكين الدزبري أمير الأمراء . ~~وفي سابع عشريه هرب ابنا جراح ولحقا بحسان بن جراح ، وأخذا جميع ما كان في ~~الدار التي أنزلا فيها ، وتركا أخا لهما مريضا ، فوكل به . # في سلخه حمل نجيب الدولة أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي سماط العيد ~~على العادة ، وفيه مائتا قطعة من التماثيل السكر ، وسبعة قصور كبار من ~~السكر ، وشق البلد بالخيال والطبالين والفرحية . PageV02P160 # شهر شوال ؛ أوله السبت . فيه ركب الظاهر في عساكره ، وبين يديه فيل ~~وزرافات وبنود مذهبة بقصب وفضة ، والطبول تضرب والجنائب تقاد أمامه ؛ وجميع ~~قواد الأتراك والمصطنعة في السلاح ، وعليه ثوب خز بعمامة نظيره ، وفي يده ~~القضيب ، وعليه السيف ومعه الرمح ، وعلى رأسه المظلة المذهبة يحملها مظفر ، ~~وبين يديه الخدم السودان وعليهم أصناف المذهبات إلى المصلى . فصلى ورقى ~~المنبر ، واستدعى قاضي القضاة ، فطلع ؛ ثم استدعى إبراهيم الجليس المؤدب ، ~~فطلع ؛ ثم استدعى شمس الملك أبا الفتح مسعود بن طاهر الوزان ، فطلع ، ثم ~~استدعى تاج الدولة ابن أبي الحسين ، صاحب صقلية كان ، ثم استدعى زين الملك ~~على بن مسعود بن أبي الحسين ، ثم استدعى علي بن فضل ، ثم عبد الله بن ~~الحاجب ؛ ثم جدل بالبندين المنصوبين على المنبر ؛ وخطب ؛ ثم نزل وعاد إلى ~~قصره . وأحضر السماط فحضر ms288 أهل الدولة ، ولم يحضر الظاهر ، وكان في منظرة ~~يشاهدونه . وفي ثامنه صرف نجيب الدولة مجلى بن نسطورس عن ديوان الأحباس ~~بأبي غالب الصيفي النصراني كاتب ديوان الخراج . فيه ضربت خيمة بظاهر باب ~~الفتوح ؛ ووقع الاهتمام بتجريد العساكر إلى الشام . # وفي هذا الشهر تحرك السعر ، وبلغ التليس القمح دينارين وثلثين ، والتليس ~~الشعير دينارا واحدا ، والخبز رطلين بدرهم . وقدم الخبر بأن الحرب بمكة ~~قامت بين الحسنيين والصليحيين ، فخرج منها أبو الفتوح حسن بن جعفر ؛ وأن ~~الغلاء بها شديد . PageV02P161 # وقدم الخبر بمحاربة الدزبري لأصحاب حسان بن جراح على عسقلان ، وأن عدة ~~جند الدزبري خمسة آلاف قد نهكتهم الحرب والغارات . وقبض على رجل قدمه حسان ~~بن جراح إلى بني قرة بالبحيرة يدعوهم إلى نصرته ويعدهم مواعيد كثيرة ، ~~فأجابوه بالموافقة ؛ وأخذت منه الكتب وحبس . # وكانت ليلة الميلاد في يوم الخميس عشريه ، فاشتغل الناس عما كانوا ~~يبتاعونه فيها من الفواكه والحلوى بما هم فيها من الأمراض ؛ وتواتر الموت ، ~~بحيث لم تخل دار أحد من عدة مرضى من الدم وأوجاع الحلق ؛ وبلغت الرمانة ~~ثلاثة دراهم ، والبطيخة البرلسي ثلاثين درهما ، والأوقية الشراب بدرهم ، ~~والقمح ثلاثة دنانير التليس ، والأردب الشعير بدينار ، والرطل اللحم ثمانية ~~دراهم . وعز وجود شيء من الحيوان مثل الدجاج والفراريج ؛ وبلغت راوية الماء ~~ثلاثة دراهم . فتهالك الناس من كل جهة ، وكسرت الأسواق ، فكانت الثياب ~~والأمتعة ينادي عليها فلا يوجد من يدفع درهما فما فوقه . # وفيه قطع على حاج المغاربة الخارجين في البر عند تعذر أمر الحج ، فتقدمت ~~جماعة من المغاربة القادمين من بلاد المغرب بغير أمير ، فلما جاوزوا بركة ~~الجب قطع عليهم الطريق وأخذت أموالهم ، فهلك منهم عدة وعاد من بقى . ذو ~~القعدة ؛ أوله الأحد . فيه اشتدت عقوبة جواري محسن بن بدواس في طلب المال . ~~وكانت ليلة الغطاس في ليلة الأربعاء رابعه ، فجرى من هو صحيح على العادة في ~~شراء PageV02P162 الفواكه والحملان وغير ذلك . ونزل الظاهر إلى قصر جده ~~العزيز بالله بمصر لنظر الغطاس ، شكرا ، مع حرمه ، بعد ما نزل القائد عدة ~~الدولة رفق بأصناف الفرش ms289 لبسطه ، ونقل جميع المجاورين له ممن يسكن على ~~النيل بالقرب منه ، وأزال المراكب المرساة هناك . وضرب بدر الدولة نافذ ~~الخادم الأسود متولي الشرطتين ، خيمة عند رأس الجسر ، وجلس على مرتبة مثقلة ~~ومرتبة ديباج ؛ ووقف ابن كافي متولي الشرطة السفلى بين يديه . ونودي في ~~الناس ألا يختلط المسلمون مع النصارى عند نزولهم في البحر بالليل . وأمر ~~الظاهر القائد نافذا أن يزيد في وقيد النار والمشاعل في الليل ، ففعل ، ~~وكان وقيدا طويى . وحضر القسيسون والشماسة بالصلبان والنيران فقسسوا طويلا ~~وانصرفوا إلى حيث يغطسون . فمات في هذه الليلة للظاهر طفلة سنها ثلاث سنين ~~وشهور ، وهي آخر ولد بقي له ، فعاد من آخر الليل إلى قصره بالقاهرة ، فشاهد ~~في طريقه عدة أموات على الطرقات ، فأمر لهم بخمسمائة شقة لأكفانهم ، ~~والنفقة عليهم حتى يدفنوا . # وفي ثامنه حنك ثلاثة من الخدم وألبسوا العمائم الشرب البيض ، فتشبهوا ممن ~~تقدم من مقدمي قواد الخدم كميمون وبدر ونصر العزيزي ونظرائهم . وهؤلاء ~~المقودن هم معضاد ومناد ورفق ، وأضيف إليهم فاتك ورجاء وسرور النصارى ، ~~ونامق ؛ فجلسوا بحضرة الظاهر وهنأهم الناس بذلك . # وفيه اجتمع وفد الحجاز بباب القصر واستغاثوا ، وقالوا : يا قوم قد جئناكم ~~PageV02P163 وفارقنا أهلينا وقد هلكنا من الجوع ، فإن لم يكن لكم حاجة ~~بإقامة الدعوة بمكة والمدينة فاصرفونا فإنا قد بذل لنا الرغائب في إقامة ~~الدعوة لغير إمامكم فلم نأخذها ، ونريد إنسانا يكلمنا . فلم يجابوا بشيء . ~~وكانوا قد مضوا قبل ذلك إلى رجال الدولة ، كمعضاد وغيره ، فصار يدفعهم هذا ~~إلى هذا . فلما انصرفوا عن باب القصر خائبين بعث إليهم جمال الدولة مظفر ~~الصقلبي ، صاحب المظلة ، ألف دينار من ماله ، فقالوا : لا نأخذ إلا ما ~~يصلنا به أمير المؤمنين ، وهذه الصلة قد قبلناها ، والله مجازيك عليها ، ~~ونحن نفرقها على ضعفائنا وعبيدنا ؛ ففرقوها على خمسمائة نفس ، لكل واحد ~~ديناران . # واشتد الغلاء والقحط بمصر ، فبيع الخبز السميد رطلين بدرهم ، والحملة ~~الدقيق بأربعة دنانير وثلثين ، والتليس القمح بثلاثة دنانير ، واللحم أربع ~~أواق بدرهم . وعظم الموت سيما في الفقراء ؛ وبلغ الناس الجهد حتى إن جزارا ms290 ~~طرح عظما لكلب فطرد رجل الكلب وأخذ العظم منه وابتلعه نيئا ؛ وأكل المساكين ~~الصماليخ من القنبيط واقتاتوا باليسير من كسب الوز وكسب السمسم ، وغلت عامة ~~الحبوب . وغلا الماء لتعذر علف الدواب وعدم من يستقي عليها ؛ وبيعت راوية ~~الجمل بثلاثة دراهم ، وراوية البغل بدرهمين ؛ واشتدت المسغبة . وقدم الخبر ~~بشدة الموت بدمشق ، فمات من أهلها ألوف . # وفي نصفه ركب الظاهر وشق مدينة مصر ، وخلفه المقودون والمصطنعة ، وبين ~~يديه الرقاصون ، فاستغاث الناس بضجة واحدة : الجوع يا أمير المؤمنين ، ~~الجوع ؛ لم يصنع بنا هكذا أبوك ولا جدك ؛ فالله الله في أمرنا . فارتجت ~~البلد بالضجيج حتى نزل إلى قصر العزيز على البحر ، فحضر أبو عبد الله محمد ~~بن جيش بن الصمصامة الكتامي وقد اختل PageV02P164 عقله وحاله ، فوقف تحت ~~القصر وشتمه أقبح شتم ، وبالغ فيما شتم به ، فضربه الرقاصون حتى سقط ، ~~وجروه برجله وسحبوه إلى السجن بالشرطة ، فضربه متوليها ثلاثين درة واعتقله ~~. # وتزايد أمر الغلاء ؛ ونزل دواس المحتسب برجاله ومعه السعدية ، وكتب مائة ~~وخمسين مخزنا قمحا وختم عليها ؛ فأصبح الناس يوم الاثنين سادس عشره على ~~أقبح صورة ، وكثر الصياح : الجوع الجوع ؛ ولم يظهر خبز ولا دقيق . وبيع ~~الدقيق رطلا ونصفا بدرهم ، والخبز الأسود رطلين بدرهم وربع . # وفيه خرج حاج المغاربة إلى مكة ، فلم يصحبهم أحد من أهل مصر ؛ وعندما ~~عدوا بركة الجب خرج عليهم طائفة من القيصرية والعبيد ، وكانت بينهم وقعة ~~هزمهم فيها المغاربة وجرحوا كثيرا منهم . وفيه طلب المحتسب إلى القصر ، ~~وهدد ، وقيل له : قد قتلت الناس جوعا وخربت البلاد على مولانا ، وهذا خطك ~~بضمانك عمارة البلد بالأخباز والقمح إلى حين إدراك الغلة . فوعد بتلافي ~~الأمر ، ونزل ؛ وأطلق القمح من المخازن للطحانين ، وسعر عليهم دينارين ~~ونصفا للتليس ، وأمرهم ببيع الحملة الدقيق بأربعة دنانير ، والخبز رطلين ~~ونصفا بدرهم ، فسكن الحال قليلا . # وفيه أفرج عن محمد بن جيش بن الصمصامة . # وفي عشريه ركب الظاهر إلى الصيد بسردوس ، وعاد . وفي ثالث عشريه عاد ~~PageV02P165 من خرج من حاج المغاربة بعدما نهبوا وجرحوا وسلبوا ، فلم يحج ~~أحد في هذه السنة ms291 من مصر . # وفيه قرئ سجل بحطيطة جميع مكوس الغلة المباعة بساحل مصر ، وأن يبيع الناس ~~بغير تسعير . وكثرت الأخباز ، وبيع القمح بدينارين ونصف وربع للتليس ، ~~والخبز السميد رطلان بدرهم وربع ، والخبز الحواري رطلان بدرهم . وضرب عدة ~~من الخبازين على خلطهم الطفل المسحوق في الأخباز . # وقدم الخبر أن حسان بن جراح أنفذ ألفي فارس فلم يعلم جهة قصدهم ، فاضطرب ~~الناس لذلك ؛ ثم تبين أنها وردت إلى الفرما مع أبي الغول ، ففر الناس في ~~المراكب إلى تنيس ؛ وأخذ الناس بمصر في إحراز أموالهم ، وفقد الخبز القمح ~~والدقيق . ونفذت الكتب إلى الحوف بدخول الرجال الجوالة إلى الحضرة لتجدد ~~عسكرا لحفظ البلاد ؛ ثم أبطل ذلك خوفا من نهبهم المدينة وكثرة كلفتهم . # ذو الحجة ؛ وأوله الثلاثاء . في رابعه ركب الظاهر في خاصته إلى عين شمس ~~وعاد . وفي خامسه أطلق لوفد مكة ألف دينار يرتفقون بها وأمرت لهم أم الظاهر ~~أيضا بشيء من عندها . وكثرت نقل الناس خوفا من النهب في يوم الأضحى . وعمل ~~سماط العيد السكر من عند نجيب الدولة على بن أحمد الجرجرائي ، وعدد قطعه ~~وتماثيله مائة وسبع وخمسون قطعة وسبعة قصور كبار ، كلها من السكر ، وحمل في ~~تاسعه إلى القصر ومعه الفرحية الطبالون ، وأفراس الخيل ، والسودان ~~والصقالبة على العادة . PageV02P166 # وفي عشية النهار تهارب الناس من دب عظيم سقط من الجبل إلى المقابر ، ~~فانجفل الناس في درب الصحراء ظنا أن العبيد كبستهم ؛ فكان خوف شديد . # وفي يوم الخميس عاشره كان عيد النحر ، فركب الظاهر إلى المصلى من باب ~~الفتوح على عادته بعد أن رسم لسائر العرائف أن تلزم كل عرافة مكانها ~~وحارتها ، وتكون صلاة العسكر بأجمعهم في حاراتهم مع أزمتهم ؛ فامتثلوا ذلك ~~. وصلى وخطب بعد أن استدعى داعي الدعاة قاسم بن عبد العزيز بن النعمان ~~وسلمه الثبت بأسماء من جرت عادته بطلوع المنبر ، فاستدعى شمس الملك ، وبهاء ~~الدولة مظفر صاحب المظلة ، وعلي بن مسعود ، وحسن ابن رجاء بن أبي الحسين ، ~~وعلي بن فضل ، وابراهيم الجليس ، وعبد الله بن الحاجب ؛ وتأخر القاضي وغيره ~~لمرضهم فلم ms292 يشهدوا صلاة العيد . فلما انقضت الخطبة نزل الظاهر إلى المنحر ~~بالمصلى ، فنحر ناقة وعاد إلى قصره ؛ ومشى إلى المنحر بصحن القصر تجاه ~~ديوان الخراج فنحر تسعا من النوق ثم انصرف . فحضر أبو الحسن على بن محمد ~~الطريقي ، كاتب قاضي القضاة ، لتفرقة لحم الأضاحي على أرباب الرسم ، فنهبته ~~العسكر وجرى عليه كل قبيح . ومد السماط بحضرة الظاهر ، فلما جلس أهل الدولة ~~عليه للأكل كبس العبيد القصر وهم يصيحون : الجوع ، نحن أحق بسماط مولانا ~~عليه السلام ؛ ونهبوا جميع ما على السماط وضرب بعضهم بعضا والصقالبة تضربهم ~~فلا يبالون . فكان أمرا صعبا وحسب الحاضرين أن نجوا سالمين . # فلما كان الغد ركب الظاهر إلى الرحبة في القصر تجاه ديوان الخراج ، فنحر ~~ثلاث عشرة ناقة ، وعاد ، ففرقها الطريقي . وشد من الغد ، ثالث عيد النحر ، ~~في مكان النحر خمس عشرة ناقة لتنحر ، فلم يخرج الظاهر ، فخلى عنها ، ثم شد ~~خمس نوق غيرها نحرها الطريقي وفرقها . PageV02P167 # وقدم الخبر بنهب العبيد الجوالة بلدا بالأشمونين ؛ حصل لرجل واحد تسعمائة ~~رأس من البقر وثلاثة آلاف رأس من الضأن . وفي ثالث عشره ورد الخبر بأن ~~الدزبري أسرى من عسقلان وكبس حلة لحسان بن جراح ، فقتل ثلاثين أسيرا وعدة ~~من الناس يبلغون آلافا ، ونهب نساء العرب ؛ وطلب نجدة ولو بألف فرس ؛ وأخبر ~~أنه نزل فلسطين وصلى بها العيد وهو خائف من اجتماع العرب لحربه . فأخرج ~~مضرب ظاهر باب الفتوح لتجرد العساكر ؛ فدافع أهل الدولة عن إمضاء ذلك . ~~فورد الخبر بأن الدزبري بعد ما صلى العيد بمدينة الرملة انتقل إلى لد بعد ~~ما أوقع بحلة فيها ولد لأبي الغول فقتله ، وضرب أعناق أربعين رجلا من ~~الغمازين الذين كانوا يدلون حسان بن جراح على الناس ، وأنه ينتظر النجدة ~~بلد ، فلم يخرج إليه أحد . # وفيه يوم عيد الغدير ورد الخبر بإقامة الدعوة الظاهرية بالبصرة والكوفة ~~والموصل وعدة من بلاد المشرق ، وذلك لغلبة الأتراك على بغداد وإخراج الديلم ~~عنها إلى البصرة ؛ فدعا الديلم للظاهر بها وبالكرخ ، ودعا الأتراك ببغداد ~~للقادر . وفيه جرى الناس بمصر في عيد ms293 الغدير على رسمهم ، وتزيوا بأفخر زيهم ~~، وطلع المنشدون إلى القصر يدعون وينشدون . وفيه نصبت خيمة خارج باب الفتوح ~~ليخرج تجريدة الدزبري . PageV02P168 # وفي حادي عشريه نهبت الدواب بسفط ونهيا من ثلاثين رجلا من بني قرة ، ~~وقتلوا قاضي سفط ، واستاقوا مائة وخمسين فرسا لأهل الدولة ، وساقوا ~~ثلاثمائة مكة لمعضاد وأربعة آلاف رأس من الضأن ؛ فلم يخرج أحد لطلبهم ، ولا ~~أنكر شيء من ذلك . وفي ثاني عشريه خرج معضاد والشريفان وابن حماد الغرابيلي ~~ونجيب الدولة الجرجرائي إلى الخيمة خارج باب الفتوح ، وحضر الكتاميون ، ~~فطلب منهم مائة فارس لينفق فيهم ، فلم يحضروهم ، ونزعت الخيمة فعادوا أقبح ~~عود . # وفي خامس عشريه سار وفد مكة وقد دفع إليهم نصف واجبهم ، ولم يرسل إلى أبي ~~الفتوح بشيء ، فمضوا غير راضين . وفيه حمل مظفر صاحب المظلة إلى الحضرة ~~عشرة آلاف دينار قرضا ؛ واستدعى من الشريف أبي طالب العجمي متولي الصناعة ~~عشرة آلاف قرضا ، فدافع ثم أجاب إلى حمل خمسة آلاف بعد أن يضمن له أمر ~~عادتها إليه ، فضمن له الشيخ نجيب الدولة أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي ~~ذلك ، فحملها . # واشتد الغلاء ؛ فبيع القمح بأربعة دنانير وثلث التليس والحملة الدقيق ~~بستة دنانير ، والخبز رطل وربع بدرهم ؛ ونزل بالناس مسغبة شديدة . وفي ثالث ~~عشريه تجمع العبيد ومعهم عدة من النهابة ، فبلغوا نحو الألفين ، يريدون نهب ~~مدينة مصر ، فركب إليهم بدر الدولة نافذ في عسكر بالسلاح ، وأذن للناس عامة ~~بأن من تعرض لهم من العبيد فليقتلوه ؛ فتحفظ الناس واستعدوا . ثم ركب معضاد ~~ونسيم إلى حيث تجمع العبيد ، وأحضروا PageV02P169 أزمتهم وألزموهم بعود ~~العبيد إلى حارتهم ؛ فقالوا : ما أردنا النهب ، ولا نريد إلا ما نأكله من ~~الجوع فإن الجوع قد اشتد بنا وأكلنا الكلاب . فوعدوا بالنفقة من الغد ؛ ~~فعاد الجميع إلى حاراتهم . واجتمعوا من الغد وقصدوا الساحل ، ونهبوا دورا ~~وطرحوا فيها النار ، وأخذوا ما وجدوه في الساحل من القمح والشعير وغير ذلك ~~مما في الحوانيت ؛ ودخلوا إلى منازل أهل السلاح فنهبوا ما وجدوا . فركب ~~إليهم نافذ وقاتلهم ، فجرح له فرس وقتل فارس ms294 من غلمانه ، فانصرف عنهم . ~~وخرج إليهم عامة المصريين بالسلاح فقاتلوهم ؛ ورماهم النساء من أعلا الدور ~~بالحجارة والطوب والجرار ، حتى هزموهم ؛ وأغلق الناس دورهم ، وحفروا دونها ~~خنادق . وركب معضاد وجميع الصقالبة والقواد ، فطردوا العبيد عن البلد إلى ~~المقس ، ولقوا في طريقهم قوما معهم كثير من أمتعة الناس التي نهبت ، فقبضوا ~~عليهم ، وضرب معضاد رقاب تسعة أنفس منهم ورمى جثثهم إلى الكلاب عند الحمراء ~~والمشتهى . ثم لقي ستة نفر منهم فضرب رقابهم بالقاهرة . # وتعذر وجود الخبز فلم يقدر عليه ، وبيع رطلا بدرهم . وبات الناس ليلة ~~الجمعة على حرس ، وأصبحوا يترقبون المكروه ، فطاف النهابة أسواق القاهرة ~~والسويقة التي عند باب زويلة ، فخرج إليهم حظي الصقلبي ومعه سيف من الحضرة ~~، فقبض على طائفة منهم ، ضرب رقابهم ورمى جثثهم إلى الكلاب على باب زويلة ~~وعلى باب الفتوح وفي سوق السلاح وعند شرطة القاهرة ؛ وعدتهم اثنا عشر رجلا ~~. ووجد كتاميا يقال له سليمان ، قد أخذ حمارا محملا دقيقا ، فضرب عنقه . ~~وأحضر عرفاء العبيد إلى القصر وشدد عليهم في إحضار الجناة من العبيد ، ~~ووعدهم بالنفقة في العبيد . وأصبح الناس يوم الأحد سابع عشريه يستغيثون إلى ~~متولي الشرطة السفلى من العامة التي نهبتهم ، فقبض على طائفة منهم بكوم ~~دينار ، وعوقبوا حتى أقروا بما عندهم من النهب ، فسيقوا حتى أخرجوه من كوم ~~دينار وأخذه أربابه . PageV02P170 # وقدم الخبر من حلب بأن صالح بن مرداس حاصر حلب ، وما زال بأهل البلد حتى ~~فتحوا له أبوابها ، فدخل أصحابه وشرعوا في هدم أبراج السور ، فظن الناس أنه ~~يريد بذلك أن يسلم حلب إلى الروم ، فاجتمعوا بمن في القلعة ، وقد تحصن بها ~~موصوف الصقلبي ، وحاربوا أصحاب صالح حتى أخرجوهم وقتلوا منهم مائتين وخمسين ~~رجلا ، وامتنعوا منهم بالمدينة . ومن خبر ذلك أن صالح بن مرداس نزل على ~~مدينة حلب في جمع كثير من بني كلاب وغيرهم ، فحصرها أشد حصر حتى أخذ ~~المدينة صلحا من أهلها ، ودخلها في رابع عشر ذي القعدة سنة خمس عشرة هذه ، ~~وتلقب بأسد الدولة . وامتنع موصوف الصقلبي بالقلعة ، فاستخلف صالح على ms295 ~~مدينة حلب كاتبه أبو منصور سليمان بن طوق ، ومضى إلى بلعبك فأخذه عنوة ، ~~وقتل بها خلائق . واشتدت محاصرة سليمان بن طوق لقلعة حلب ، وصعد قلعتها حتى ~~قل الماء والزاد بها ، فطلب موصوف منه أشياء اشترطها عليه وسلمه القلعة ؛ ~~فأتى صالح حلب وصعد قلعتها ، وقتل موصوفا ، ورتب أموره ، وصار بيده من ~~بعلبك إلى عانة . # وقدم الخبر بأن حسان بن جراح جمع من العرب خلائق وقصد الرملة ، فمضى ~~الدزبري إلى عسقلان وتحصن بها ، فقبض حسان على جماعة من أهل الرملة ممن سعى ~~به وبأصحابه إلى الدزبري ، وضرب أعناقهم ، وملك المدينة . فاجتمع الدزبري ~~مع مبارك الدولة فتح ، متولي القدس ، وفتاح بن بويه الكتامي ، وصار إليهم ~~نحو الخمسة آلاف مقاتل ، وأوقعوا بحلة كبيرة لإخوة حسان ، وقتلوا ولدا لعلي ~~بن جراح ، وهزموا من بها . # وقال ابن الرقيق : وكان بمصر من الغلاء والشدة وعدم الأقوات ما لم ير ~~مثله من زمن PageV02P171 بعيد . بلغ الخبز ، إذا وجد ، رطلا بدرهم ، واللحم ~~أربع أواق بدرهم ، والرمانة الواحدة بدينار . وكان الناس في كل ناحية ~~يصيحون بالجوع حتى يموتوا ؛ ويكون مع الرجل جملة من الدنانير فيطلب من ~~يشبعه خبزا فلا يجده ؛ هذا مع الموت الذريع والوباء الفظيع . وورد كتاب بعض ~~ثقات التجار يصف أنه أحصى من مات ممن عرف وكفن ودفن من آخر شهر رمضان إلى ~~بعض ذي القعدة فكانوا مائة ألف وسبعين ألف نفس ؛ وأما الغريب ومن لا يعرف ~~ومن يلقى في النيل ولا يجد من يقبره فأكثر من هذه العدة أضعافا لا تحصى . # وبلغ ماء النيل ستة عشر ذراعا وثمان أصابع . # ومات في هذه السنة ممن له ذكر أبو جعفر بن الوزير أبي الفضل جعفر بن ~~الفضل بن الفرات المعروف بابن حنزابة ، يوم الخميس سادس المحرم ؛ وكان يعمل ~~بيده أعمالا متقنة . وفي يوم الأربعاء عاشر صفر توفى مفضل بن أبي أحمد ~~المهلبي بعد ما ساءت حاله ؛ وكان أديبا جم الأدب غير منكور السيرة . وفي ~~سابع عشره توفي أبو محمد بن يحيى الدقاق من شيوخ الحديث ومؤرخي أخبار مصر . ~~وفي ms296 يوم الأربعاء ثالث عشري ربيع الأول توفى ابن أبي الحسين بن زولاق ، ~~وكان أديبا ، ذيل على تاريخ أبيه المعروف بأبي الحسين . وفي يوم الخميس ~~ثاني عشري ربيع الآخر توفى أبو الحسن بن نحرير الشويزاني ، وهو أكبر من بقي ~~من عرفاء الإخشيذية ، فبعث الظاهر لكفنه مائتي دينار وعدة ثياب وطيبا كثيرا ~~. وفي يوم الأحد عاشر جمادى الأولى توفي النمل الشاعر ، واسمه : ومن شعره : ~~وتوفى سند الدولة أبو محمد حسن بن محمد بن محمد بن نقيان الكتامي ، متولي ~~مدينة حلب ، بها ، في يوم الخميس لثمان بقين من ربيع الآخر . وفي يوم ~~الاثنين سادس PageV02P172 شعبان توفى عصب الدولة الحسين بن مفلح ابن أبي ~~صالح القلعي ، وقد ساءت حاله وغلبه الدين . وفي ليلة الأحد تاسع عشره قتل ~~الشيخ العميد محسن بن بدواس متولى بيت المال وجابي الضرائب . وفي يوم ~~الاثنين ثاني عشر شهر رمضان توفى نزار بن حسين بن يمن الكتامي ، متولى ~~الشرطة السفلى بمصر ، بعدما ساءت حاله . وفي رابع عشره توفى الشريف العباسي ~~الرابض لدواب الحاكم بأمر الله ، وكان شريرا ، فلم يشهد أحد جنازته بغضا له ~~. وفي يوم الخميس سادس شوال توفى أبو عيسى ملامان بن محساس بن بيوط الكتامي ~~، فصلى عليه الظاهر . وفي تاسعه توفى مخلص الدولة منصور البكجوري ، أحد ~~وجوه القواد الحمدانية القادمين من الشام ، وترك ستين ألف دينار ورثها ابنه ~~، فدفن في مقابر القاهرة . وفي ثالث عشريه توفى الأمير أبو هاشم العباس بن ~~شعيب بن داود بن عبيد الله المهدي ، ولي عهد المؤمنين كان ، فدفن في تربة ~~القصر ، وترك ولدا اسمه مسلم . وفيه توفيت عائشة جارية الأمير عبد الله بن ~~المعز لدين الله ؛ وكانت من وجوه عجائز القصر ؛ وخلفت أربعمائة ألف دينار . ~~وفي يوم السبت رابع عشر ذي القعدة توفى جعفر بن أبي فروخ الكتامي الذي كان ~~يتولى الشرطة بمصر . وفي سابع عشريه توفى أبو الفتح منصور المعروف بالتيني ~~الشاعر ، ودفن بمقابر القاهرة . ومن شعره : # شديد من الدنيا على الحر حاجة . . . يؤم بها من ليس من نظرانه # وقال من أبيات ms297 : # وما الناس إلا كالنبات : مصوح . . . ليذوي ، ومخضر لينمى ، ومعشب # يسربله ماء الشباب نضارة . . . ويفرغ عنه حسنه حين ينضب # ومنها : # تفرق أنواع المذمات في الورى . . . ويجمعها خلق الفتى حين يكذب # إذا كان للإنسان عقل ، فحيثما . . . توجه لاقاه صديق ومكسب PageV02P173 # ينال الفتى بالخفض بلغة عيشه . . . فيسعى إلى شيء سواها ، وينصب # يخرب من أخراه ما ليس فانيا . . . ويعمر من دنياه ما يتخرب # على أن في الأيام للمرء واعظا . . . بليغا ، وفي صرف الزمان مؤدب # وماتت السيدة العزيزة ست الملك ابنة العزيز بالله أبي منصور نزار بن ~~المعز لدين الله أبي تميم معد ، مستهل جمادى الآخرة ، بعلة الذرب . وقد ~~دبرت أمور الدولة بعد فقد أخيها الحاكم بأمر الله خمس سنين وثمانية أشهر ، ~~أعادت فيها للملك غضارته ، واستردت بهجته ، وملأت الخزائن بأصناف الأموال ، ~~وقلدت الأكفاء جلائل الأعمال ، واصطنعت الرجال . PageV02P174 # | سنة ست عشرة وأربعمائة # فيها أمر الظاهر بنفي من وجد من الفقهاء المالكية وغيرهم . وأمر الدعاة ~~أن يحفظوا الناس كتاب دعائم الإسلام وكتاب الوزير يعقوب بن كلس في الفقه ~~على مذهب آل البيت ؛ وفرض المظاهر لن يحفظ ذلك مالا . وجلس الدعاة بالجامع ~~للمناظرة . # | سنة سبع عشرة وأربعمائة # فيها ثار بالناس في مصر رعاف عظيم . وزاد النيل فوق المعتاد حتى غرقت ~~القرى . # وفيها سقط الظاهر عن فرس ، وأرجف بموته ، ثم عوفي ، فتصدق بمائة ألف ~~دينار ، حمل منها إلى مكة والمدينة أربعون ألف دينار ، وإلى بلاد الشام ~~عشرون ألف دينار ، وإلى بلاد المغرب عشرون ألف دينار ، وفرق بمصر عشرون ألف ~~دينار . PageV02P175 # | سنة ثمان عشرة وأربعمائة # فيها وقعت الهدنة بين متملك الروم وبين الظاهر عن ديار مصر والشام ، وكتب ~~بينهما كتاب ؛ وتفردت الخطبة للظاهر ببلاد الروم . وفتح الجامع الذي ~~بقسطنطينية ، وعمل له الحصر والقناديل ، وأقيم به مؤذن ؛ وعند ذلك أذن ~~الظاهر في فتح كنيسة القمامة التي بالقدس ، فحمل إليها ملوك النصارى ~~الأموال والآلات ، وأعادوها ، وارتد إلى دين النصرانية كثير ممن أسلم كرها ~~في أيام الحاكم بأمر الله . # وفيها عزل الظاهر عميد الدولة وناصحها أبا محمد الحسن بن صالح الروذباري ~~، وولى ms298 عوضه الوزير الأجل الكامل أوحد أمير المؤمنين وخالصته أبو القاسم ~~علي بن أحمد الجرجرائي . وفيها اجتمع عسكر مصر ، ورافع بن أبي الليل مقدم ~~طائفة الكلبيين ، وأنوشتكين الدزبري لحرب حسان بن جراح ؛ فالتقوا لخمس بقين ~~من ربيع الآخر على الأقحوانة ؛ فقتل صالح بن مرداس ، وانهزم حسان ، وقتل ~~عدة ممن معه ، واستولى الدزبري على البلاد فقدم شبل الدولة نصر ، ومعز ~~الدولة ثمال بعد أبيهما صالح بن مرداس ، وملكا أيضا الرحبة إلى بالس ومنبج ~~. PageV02P176 # | سنة عشرين وأربعمائة # فيها كانت فتنة بمصر بين المغاربة والأتراك ، قتل فيها جماعة ، وكان ~~الظفر للأتراك ؛ ثم استظهرت المغاربة بمعاونة العامة لهم ، فقتلوا عدة ~~كثيرة من الأتراك ، وأخرجوا من بقي منهم عن مصر . وكان خبط عظيم ، فأخرج ~~الظاهر رأسه من المنظرة وأشار إلى الناس ، فقبلوا الأرض ؛ ثم بعث إليهم ~~بالصلح ، فمشى الدعاة بينهم حتى اصطلحوا . # وفيه بعث المعز بن المنصور بن بلكين بن زيرى هدية فيها عشرون جارية لم ير ~~كحسنهن ، وعى نهودهن حقاق الفضة ؛ وثلاثة أفراس ، فيها كميت بسرج ذهب زنته ~~قنطار ذهب ، وأشقر بسرج لؤلؤ ، وأدهم بسرج فضة زنتها قنطار ؛ وثلاثة آلاف ~~منا زعفرانا ؛ وخمسون درقة بأغشية ديباج ، واثنا عشر صقلبيا ؛ وعشرون خادما ~~سودا ؛ وألف وخمسمائة ثوب خز وأربعمائة غفارة ؛ ورماح كثيرة جدا ؛ وألف ~~قنطار شمعا ؛ وثياب سوسية وصقلية ؛ وعمائم عدة ألوف . فجلس الظاهر في ~~الإيوان على السرير الذهب ، وقرئ عليه كتابه ، وعرضت هديته في يوم الأحد ~~PageV02P177 ثامن شوال . وبعث إليه بهدية من دق تنيس ودمياط وطرائف الهند ~~واليمن ، وزرافة ، وبختا خراسانية تحمل قبابا فيها جواري ، وأشياء عظيمة . # وفيها جهز الظاهر أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري لقتال صالح بن مرداس ؛ ~~فالتقيا بالأقحوانة من عمل طبرية على نهر الأردن ، واقتتلا أشد قتال ؛ فقتل ~~صالح وولده الأصغر في جمادى الأولى من سنة عشرين هذه ، وحمل رأساهما إلى ~~القاهرة . ونجا شبل الدولة أبو كامل نصر بن صالح ، وأخوه أبو علوان عز ~~الدولة ثمال إلى حلب ، فملكاها شركة بينهما . فكانت مدة ملك صالح لحلب أربع ~~سنين وأشهرا . PageV02P178 # | سنة إحدى وعشرين وأربعمائة # بايع ms299 الناس بولاية العهد للمستنصر بن الظاهر ، وعمره ثمانية أشهر ؛ فخلع ~~على كافة أهل الدولة وعمل من الطعام ما كفى أهل القاهرة ومصر والطارئين من ~~البلاد ، ونثر مال عظيم ؛ فلم يبق أحد حتى وصل إليه من خير هذه البيعة . ~~واجتمعت العامة تحت المنظرة من القصر ، واستغاثوا أن يشرفوا برؤية أمير ~~المؤمنين ، فأشرف عليهم الظاهر من المنظرة ، فقبلوا الأرض وانصرفوا . # وكان مرتضى الدولة أبو نصر منصور بن لؤلؤ قد طمع في حلب بعد تملك صالح بن ~~مرداس لها ، فكاتب متملك الروم يرغبه في حلب ويعده ، إلى أن خرج من ~~القسطنطينية في هذه السنة ومعه ثلثمائة ألف ، حتى لم يبق بينه وبين حلب سوى ~~يوم واحد اعتزل عنه ابن لؤلؤ ومعه رجل جليل من الروم يقال له ابن الدوقس في ~~عشرة آلاف ؛ فخاف متملك الروم ورحل ، ثم قبض على ابن لؤلؤ وابن الدوقس في ~~جماعة وولى منهزما لا يلوى على شيء . وتبعه من عرب كلاب ونمير نحو الألفي ~~فارس في طائفة الأرمن ، ونهبوا الروم ، فاخذوا من خاص الملك أربعمائة بغلة ~~تحمل المال والثياب ، سوى ما ظفروا به لعامتهم ، بحيث أبيع البغل في حلب ~~بدينارين ؛ ولولا أن العرب تشاغلت بالغنيمة لما أفلت أحد من الروم . ووجد ~~من الروم آلاف كثيرة موتى عطشا . وكانت هذه الهزيمة يوم السبت خامس شعبان . ~~PageV02P179 # | سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة # فيه نقص النيل نقصانا فاحشا ، فتحرك السعر ، وحملت غلال كثيرة من الشام ~~إلى مصر ؛ ثم زاد النيل بعد أوان الزيادة بأربعة أشهر ، فكثر العجب من ذلك ~~. # وكان الدزبري لما استرجع البلاد الشامية من أيدي المتغلبين عليها ، إلا ~~حلب فإنها بقيت بيد بني صالح بن مرداس ، انهزم حسان بن جراح وإخوته من ~~الدزبري ، ولم يجدوا ملجأ ، فحملهم ذلك على أن دخل حسان في طاعة ملك الروم ~~، وحمل على رأسه صليبا وصار في جملته . ثم سار في هذه السنة بعسكر الروم ~~وعلى رأسه الصليب ، ووصل إلى أفامية ، وهي من عمل الدزبري ، فهزمها وسبى ~~كثيرا منها . فنادى الدزبري بالغزاة ، وخرج ؛ فخافه نصر بن صالح ms300 وقرر لملك ~~الروم على نفسه خمسمائة ألف درهم ، صرف ستين درهما بدينار ، على أن يحميه ، ~~وذلك في جمادى الأولى ؛ فاتفق مرض الدزبري بدمشق ، وأرجف به ، ثم عوفى . # | سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة # فيها أمر الظاهر بقتل دعاته ، فاضطربت الرعية وكثير من الجند لذلك ، وأخذ ~~الدعاة في إفساد أمره والتحدث بخلعه ؛ فأنفق أموالا جمة حتى استقر أمره . ~~PageV02P180 # | سنة أربع وعشرين وأربعمائة # ركب ولي العهد ، ابن الظاهر ، من القاهرة إلى مصر وقد زينت ، فكان إذا ~~أقبل على الناس قبلوا له الأرض . ونثر يومئذ على العامة خمسة آلاف دينار ، ~~ونثر على الخاصة عشرون ألف دينار ؛ فكان يوما عظيما . # وفي يوم الأحد ثامن عشر ذي القعدة قدمت هدية المعز بن باديس ، وهي جليلة ~~القدر . # | سنة خمس وعشرين وأربعمائة # فيها قدم الخبر باستيلاء الأتراك على الأمر ببغداد ، وقلت بها الأموال ~~والرجال ؛ فبث الظاهر دعاته فنشروا دعوته ببغداد في الناس . # وفيها ظهرت الطائفة الدرزية بجبل السماق من الشام يدعون إلى الحاكم بأمر ~~الله . # فيها ظهرت الزلازل ببلاد الشام ، فخربت ريحا ، ونصف الرملة وأكثر عكا في ~~قرى كثيرة ، وبعد الماء من سواحل البحر المالح ساعتين ، ثم عاد كما كان . ~~PageV02P181 # | سنة ست وعشرين وأربعمائة # فيها كثر الفأر بأراضي مصر وأكل زروعا كثيرة . وفيها كثر الوباء بمصر . # وفيها قتل الدزبري شبل الدولة ثمال بن صالح بن مرداس ، في شعبان ، وملك ~~حلب ، وبعث إلى الظاهر بهدايا جليلة . # | سنة سبع وعشرين وأربعمائة # فيها انعقدت الهدنة بين الظاهر وبين ميخائيل ملك الروم عشر سنين متوالية ~~. # وفيها توفي الظاهر عن استسقاء طال به من نيف وعشرين سنة ، في يوم الأحد ~~النصف من شعبان ؛ فكانت مدته خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وسبعة عشر يوما . ~~وكانت أيامه كلها سكونا ولينا ، وهو مشغول بملاذه ونزهه وسماع المغنى ، ~~وأمور الدولة بيد عمته السيدة العزيز ست الملك ، وهي التي عدلت بالخلافة ~~إليه عن ولي العهد أبي هاشم العباس بن دواد ابن عبيد الله المهدي ، وجيء ~~بأبي هاشم فبايع والسيف على رأسه ، ثم جلس فكان آخر PageV02P182 العهد به . ~~وكان يشار ms301 بالخلافة إلى عبد الرحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدي ، فأدخل ~~عليه الشهود وهو يتشحط في دمه ، فأشهد أنه فعل ذلك بنفسه ، ثم قضى نحبه . ~~وأقامت سيدة الملك سيف الدين الحسين بن دواس والوزير عمار بن محمد في تدبير ~~الدولة عن رأيها ، حتى قتلت ابن دواس ، فانفرد عمار بالأمور إلى أن رتبت له ~~في دهليز القصر من قتله . فتحدث حسن بن موسى الكاتب ، والأمر لست الملك ، ~~ولسانها ويدها أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي . فلما ماتت السيدة ست ~~الملك استقل الجرجرائي بالتدبير . PageV02P183 # | المستنصر بالله أبو تميم معد بن الظاهر لإعزاز دين الله أبي الحسن علي ~~بن الحاكم بأمر الله أبي علي منصور # أمه السيدة رصد . ولد يوم الثلاثاء السادس عشر من جمادى الأولى سنة عشرين ~~وأربعمائة بالقاهرة ؛ والطالع عند ولادته من برج السلطان ثمان درج ؛ والشمس ~~فيه على خمس عشرة درجة ، والمشتري فيه على ست درج ، وعطارد فيه على اثنتي ~~عشرة درجة ؛ والقمر في الدلو على ثلاث عشرة درجة ؛ وزحل في برج الثور على ~~تسع وعشرين درجة ؛ والمريخ فيه أيضا على إحدى عشرة درجة ؛ والزهرة في برج ~~الجوزاء على ثلاث عشرة درجة ؛ والجوزهر ؟ في برج السنبلة على خمس وعشرين ~~درجة . وبويع بالخلافة يوم الأحد للنصف من شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة ~~؛ والطالع عند ولادته من برج السنبلة إحدى وعشرون درجة ، وزحل في برج ~~السنبلة على اثنتين وعشرين درجة ؛ والمشتري في برج الدلو على ثماني درج ، ~~والمريخ فيه أيضا على اثنتي عشرة درجة ؛ والشمس في برج الجوزاء على ثمان ~~وعشرين درجة ؛ والزهرة في برج السرطان على ثلاث درج ، وعطارد في برج ~~الجوزاء على ست عشرة درجة ؛ والقمر في برج الجدي على ثماني عشرة درجة ~~والجوزهر في برج الثور على إحدى وعشرين درجة . وأقام في الخلافة ستين سنة ~~وأربعة أشهر وثلاثة أيام . # وقام بأمره الوزير أبو القاسم الجرجرائي ؛ وأخذ له البيعة على الناس ؛ ~~وأطلق للجند PageV02P184 أرزاقهم وشيئا آخر على سبيل الصلة ؛ وسكنت الأمور ~~واستقامت الأحوال ؛ وكتب له المستنصر سجلا بإقراره على الوزارة ms302 . وفيها سير ~~من القاهرة مبلغ ألفي دينار على يد بدوي لعمارة قنطرة الجاروفة التي منها ~~شرب الكوفة ، وقد خربت وفسدت الجهات التي تحتها بفسادها . وكانت تلك الجهات ~~جارية في إقطاع العربان بالعراق ، فأريد بذلك استمالة من هناك إلى الطاعة ؛ ~~فقام بنو خفاجة مع البدوي في الإنفاق على عمارة القنطرة . فبلغ ذلك الخليفة ~~القادر بالله أبا العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر ، فلم يجد مالا يبعثه ~~عوضا من المال المذكور ، ولم يمكنه الرد ، فدعته الضرورة إلى التغاضي . ~~فشرع البدوي في العمل ، ثم منع بعد ما تم منه جانب كبير . PageV02P185 # | سنة ثمان وعشرين وأربعمائة # فيها فسد ما بين نصر بن صالح بن مرداس وبين المستنصر ، فكاتب ملك الروم ، ~~وبعث إليه بما عليه من القطيعة مع هدية ؛ فأشار عليه بالدخول في طاعة ~~المستنصر ، فقبل منه . وبعث بهدية جليلة إلى القاهرة مع وفد كبير ؛ فحصل ~~الرضا عنه ، وأضيف إليه أعمال حمص ، ولقب بمختص الأمراء خاصة الإمام ، شمس ~~الدولة ومجدها ، ذي العزمتين . فشق ذلك على الدزبري متولى دمشق ، وأخذ في ~~مناكدة أصحاب نصر بن صالح . PageV02P186 # | سنة تسع وعشرين وأربعمائة # فيها بعث الدزبري عساكره إلى حماة ، فأخذها . وخرج شبل الدولة نصر بن ~~صالح لدفعه ، فالتقيا بلطمين من عمل كفرطاب ، فانكسر وقتل في يوم الاثنين ~~نصف شعبان ، وحمل رأسه إلى دمشق . فبادر أخوه معز الدولة ثمال بن صالح إلى ~~حلب وملكها من الغد ، وأخذ قلعتها ، واستخلف فيها ابن عمه مقلد بن كامل بن ~~مرداس ، وفي المدينة خليفة بن جابر الكعبي . وشرق بأهله ليستنجد بأخواله ~~بني خفاجة ، فنزلت عساكر الدزبري على حلب وأخذت المدينة ؛ ثم قدم إليها ~~الدزبري وتسلم القلعة في يوم الثلاثاء ثامن رمضان ، وأخرج منها إلى درباس ، ~~واستولى على بالس ومنبج ؛ وولى قلعة لغلاميه فاتك وسبكتكين . وعاد إلى دمشق ~~يوم الخميس تاسع عشر ذي الحجة . وعمل في طريقه على أخذ جبلة فلم يطق . # وفيها ثار علي بن محمد بن علي الصليحي في اليمن في ستين رجلا على رأس جبل ~~، وأقام دعوة المستنصر ؛ وما زال أمره يزيد ms303 حتى استولى على ممالك اليمن . # وفيها هادن المستنصر ملك الروم على أن يطلق خمسة آلاف أسير ليمكن من ~~عمارة قمامة التي فر بها الحاكم ، فأطلق الأسرى ، وعمر قمامة ، وأطلق عيها ~~مالا جل وصفه . PageV02P187 # | سنة ثلاثين وأربعمائة # # | سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة # فيها أقيمت دعوة المستنصر بحران : # | سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة # فيها نقض ملك الروم الهدنة وأغار على بلاد حلب وعلى بلاد أفامية ، وكسر ~~عسكر الدزبري المقيم هناك ؛ فخرج إليه عسكر حلب فكسرهم على أرمناز . وكان ~~ثمال بن صالح وعمه المقلد بالرقة مالكين لها ، فبعثنا إلى متملك الروم بمال ~~وثياب ، فطلب منهما ابتياع الرقة كما ابتيعت الرها ؛ فضاق الدزبري ذرعا ~~بذلك وكتب إليهما يرغبهما ويرهبهما ، فأجاباه بالاعتذار . # وكان قد مضى قوم من بني جعفر بن كلاب إلى مضيق أفامية وعاثوا في أعمال ~~الروم ، فمكن لهم الروم ثم أوقعوا بهم . فبعث الدزبري عسكرا ، فلقي الروم ~~فيها حماة وأفامية ، فظهر المسلمون عليهم وقتلوا منهم عدة كبيرة ؛ فأجمع ~~الدزبري على النهوض إليهم ، فهادنوه وما زالوا به حتى سكنت الحرب بينهم ~~وبينه . ثم إن الجند طمعوا في الدزبري وهموا به فساروا له إلى حماة ، فقضى ~~عليه أهلها ؛ فكاتب مقلد بن منقذ ، فحضر إليه من كفرطاب في ألفي راجل ~~واجتمع به ؛ ومضى إلى حلب فأقام بها مريضا إلى أن مات يوم الأحد نصف جمادى ~~الآخرة . PageV02P188 # | سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة # وبعد ما أقام بحلب اثنين وأربعين يوما قدم إليها ثمال بن صالح وعمه ~~المقلد ، وحصرا القلعة سبعة أشهر ، وتسلماها في صفر سنة خمس وثلاثين ~~وأربعمائة ، وقتلا من بها . فلما بلغ ذلك المستنصر بعث إلى ثمال الخلع ~~والتحف وسجلا بتوليته ؛ وكان بقلعة حلب مائتا ألف دينار فأخذها ثمال . # وفيها توفى شهم الدولة ميمون ، صاحب السيارة في أسفل الأرض ، في شهر ربيع ~~الآخر ، وحمل إلى مصر ، فوصلوا به يوم الثلاثاء تاسعه ، ودفن بتربته ~~بالقرافة . وكان من أهل الخير ؛ وحج بالناس من مصر في سنة ست وعشرين ~~وأربعمائة . # | سنة أربع وثلاثين وأربعمائة # فيها خرج بالقاهرة في شهر رجب شخص اسمه سليمان ms304 كان يشبه الحاكم بأمر الله ~~، وأدعى أنه الحاكم ، وبث دعاته سرا في البلاد ، وقصد القصر وقت خلوه من ~~العساكر ، وقال للخدام : قولوا هذا الحاكم . فارتاع من كان في باب القصر ~~وثارت ضجة ؛ فقبض عليه ، وصلب ، وأخذت أصحابه فقتلوا ، ومن جملتهم محمد بن ~~عاني الكتامي أحد دعاته . PageV02P189 # | سنة خمس وثلاثين وأربعمائة # فيها قطع المعز بن باديس الخطبة للمستنصر ، ودعا ببلاد إفريقية للخليفة ~~القائم بأمر الله العباسي ، فبعث إليه الخلع من بغداد على طريق القسطنطينية ~~. # | سنة ست وثلاثين وأربعمائة # فيها توفى الوزير الأجل أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي ، يوم الأربعاء ~~سادس شهر رمضان . والحاصل يومئذ في بيت المال البراني ، تحت يد أمين الدولة ~~مسرة الرومي ، برسم النفقات ، ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار وستمائة ~~دينار وواحد وعشرون دينارا ونصف وثمن دينار . ووجد له سبعمائة صينية من ذهب ~~وفضة ، ومائة ألف مثقال من العنبر ، وغير ذلك . وكان عالما فطنا نحريرا ؛ ~~وقع مرة بين يدي الظاهر لإعزاز دين الله على مائة كتاب ، فلم تتشابه فيها ~~لفظة بلفظة . وكانت مدة ولايته للظاهر والمستنصر سبع عشرة سنة وثمانية أشهر ~~وثمانية عشر يوما . # ووزر بعده أبو علي الحسن بن علي الأنباري ، فانفسد أمره بسبب أبي سعيد ~~سهل بن PageV02P190 هرون التستري وأخيه أبي ثمر إبراهيم ، اليهوديين . وكان ~~من أمرهما أن أبا سعيد هذا كان قد استخدمه الظاهر لبيوعه ، فباع عليه في ~~جملة ما باع جارية سوداء تحظاها الظاهر ، فولدت له المستنصر ؛ فراعت ذلك ~~لأبي سعيد وقدمته عند ولدها المستنصر لما صارت الخلافة إليه ورتبته فيما ~~يخصها ؛ فعظم شأنه إلى أن صار ناظرا في جميع أمور الدولة . فلما وزر ~~الأنباري قصده أبو ثمر إبراهيم ، فجبهه غلام له ، فأحفظه ، وأعلم أخاه أبا ~~سعيد ؛ فثنى رأى المستنصر عن ابن الأنباري لهذا السبب ، وأشار عليه أن ~~يستوزر أبا نصر صدقة بن يوسف الفلاحي ، وكان يهوديا قد أسلم ، فاستوزره بعد ~~الجرجرائي في يوم الثلاثاء حادي عشر شهر رمضان ، ولقب بالوزير الأجل ، تاج ~~الرئاسة ، فخر الملك ، مصطفى أمير المؤمنين . وكان يهوديا موصوفا بالبراعة ms305 ~~في ضروب الكتابة . ولى أولا نظر الشم ؛ ثم خاف أمير الجيوش أنوشتكين ~~الدزبري ففر منه ؛ وقد اجتهد في طلبه فلم يظفر به . وقدم إلى القاهرة ، ~~فرعى له الجرجرائي حرمة انفصاله عن الدزبري ، ورقاه ، وأشار في مرضه بأن ~~يستوزر من بعده . فلما تقررت له الوزارة أملى سجل تقليده ليلة اليوم الذي ~~خلع عليه فيه . وتولى أبو سعيد التستري الإشراف عليه . وقبض على ابن ~~الأنباري ، وصودر ، حتى هلك تحت العقوبة ، ودفن بخزانة البنود وكان مسجونا ~~بها . وصار الفلاحي لا يعمل إلا بما يحده له أبو سعيد ويمثله . # وكان المستنصر قد بث دعاته سرا إلى الآفاق يدعون إليه ، ويستميلون من تصل ~~القدرة إلى استمالته . فلما كان في هذه السنة دفع جماعة منهم إلى ما وراء ~~النهر ، ودعوا هناك بعد أن PageV02P191 دعوا بخراسان ؛ فاستجاب لهم طوائف ~~من الناس . وحصلوا عند بغراخان ، أخي رسلان خان صاحب ما وراء النهر . فلما ~~علم بهم تلطف في الكشف عنهم بأن استمالهم وقربهم ، وأطمعهم أنه يريد الدخول ~~فيما هم فيه ؛ فأنس به طائفة منهم ، وأرادوا أن يأخذوا عليه العهود ~~والمواثيق ، فخدعهم بإطلاق المال ، واستخبر به ما عندهم ، حيث إنه أنفق ~~عليهم في مدة سنتين ثلثمائة ألف درهم ، حتى اطلع على عددهم ، وعرف مواضعهم ~~؛ وهم يطالبونه باليمين والعهد إلى أن أجابهم على شرط أن يكتبوا أيمانهم ، ~~ويطلعوه على باطنهم . فكتبوا ذلك ودفعوه إليه ليتفكر به ، وقد كتب كتابا ~~على قدر كتابهم وشكله ، يقسم فيه بالأيمان المغلظة أنه متى انكشف له من ~~أمرهم ما يدل على الإلحاد والخروج عن تشريع الإسلام ذبحهم بيده تقربا إلى ~~الله تعالى . ثم استدعاهم وأعلمهم استجابته إلى ما دعوه إليه ، ورد إليهم ~~الكتاب حتى شاهدوه وعرفوه ، واستعاده ليحلف به . فلما حصل في يده أخرج ~~الكتاب الذي كتبه وحلف أنه يفي بجميع ما تضمنه ولا يعدل عنه ؛ فوثقوا بذلك ~~، وخفى عليهم فرق ما بين الكتابين . ثم جمعهم وقال لهم ما أتمكن من إظهار ~~نفسي والمبادرة بنصرتكم إلا في عدد قوي ، فإن بلاد الترك تشتمل على ثلثمائة ~~ألف ms306 سيف مشهور تخالف هذا المذهب ؛ فإن كنتم في عدد قويت به . فذكروا له ~~دعاتهم ببلاد المشرق وسموهم له ، وأفضوا إليه بجميع سرهم ، ودفعوا إليه ~~كتبهم إلى جميع أصحابهم بما استقر العزم عليه . ثم جمعهم وأحضر فقهاء بلده ~~لمناظرتهم ، وفيهم عبد الملك بن محمد البلخي الفقيه بن محمد شيخ البلد ، ~~ونصر بن عطاء ، وجعلهما PageV02P192 من وراء ستر ؛ فذكر الدعاة أسرار ~~مذهبهم على غرة منهم وغفلة بما دبر عليهم ، وبغراخان يستخبرهم حتى صرحوا ~~بعقائدهم . فأخرج حينئذ عبد الملك ونصرا ، وقبض على الدعاة وقيدهم ، ونادى ~~في الناس ليجتمعوا ، وقد نصب جذعا ، وصلب عليه الدعاة واحدا بعد واحد ، ~~ورماهم بالنشاب ، فقتل منهم ستة عشر رجلا ، وذبح منهم واحدا بين يديه ، ~~ذبحه بعض عبيده فأعتقه ؛ وتصدق بمائة ألف درهم . وتتبع كل من في أعماله من ~~الدعاة ، فقبض على مائة وثلاثة وثلاثين رجلا ، وأوثقهم بالحديد ، وألقاهم ~~في جب مظلم ؛ وكتب إلى جميع بلاد ما وراء النهر بقتل من عندهم من هذه ~~الطائفة . وكتب إلى بغداد بما فعله ، فقدم رسوله في هذه السنة ، فأجيب ~~بالشكر والثناء . # وفيها سير المستنصر إلى قرواش بن المقلد أعلاما وخلعا ، فلبسها ؛ فأنفذ ~~إليه الخليفة القائم من بغداد يعاتبه على ذلك ؛ فاعتذر ، ولبس السواد ، ~~ورجع عن دعوة المستنصر . PageV02P193 # | سنة سبع وثلاثين وأربعمائة # اشتهر انتقاض الهدنة التي قررها الظاهر لإعزاز دين الله بين وبين متملك ~~الروم ، وسعى الرسل في تقريرها بين المستنصر وبينه ؛ وكان انتقاضها على ~~الحقيقة من مدة أربع سنين مضين . فلما كان في ثامن ذي الحجة وردت هدية ~~متملك الروم من القسطنطينية إلى القاهرة ، وقيمتها ثلاثون قنطارا من الذهب ~~، والقنطار عندهم سبعة آلاف دينار ومائتا دينار . وكان من جملتها بغل وحصان ~~من أحسن الدواب وأعلاها قيمة ، كل منهما عليه ثوب ديباج رومي منقوش ثقيل ؛ ~~وخمسون بغلا عليها مائة صندوق مصفحة بالفضة ، فيها آنية الذهب والفضة ، ~~منها مائة قطعة بميناء ؛ وفيها من الديباج والسندس والإبريسم والعمائم ~~المعلمة ما لا يقدر على مثله . فعوض عن هديته بمثلها من حق مصر ومن الجوهر ~~والمسك والعود ms307 والطراز ، عمل تنيس ودمياط ، ما هو أكثر قيمة مما بعثه . # | سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة # في سادس عشر المحرم قتل أبو علي الحسن بن علي الأنباري في خزانة البنود ~~بالقاهرة . PageV02P194 # | سنة تسع وثلاثين وأربعمائة # فيها عمل الوزير أبو منصور الفلاحي على أبي سعيد سهل بن هرون التستري ~~اليهودي وقتله عند خان العبيد . وذلك أن أم المستنصر كانت جارية أبي سعيد ~~هذا ، فأخذها منه الظاهر وتسراها ، فولدت له ابنه المستنصر ، فرقت أبا سعيد ~~درجة عليه بعد وفاة الظاهر . وكان يخاف الوزير الجرجرائي ، فلم يظهر ما في ~~نفسه . فلما مات الجرجرائي وتولى الفلاحي انبسطت كلمة أبي سعيد في الدولة ، ~~بحيث لم يبق للفلاحي معه في الوزارة أمر ولا نهي ، سوى الاسم فقط وبعض ~~التنفيذ لا غير ، وأبو سعيد يتولى ديوان أم الخليفة المستنصر . فغض الفلاحي ~~بأبي سعيد وشغب عليه الجند حتى قتلوه . وذلك أن بني قرة ، عرب البحيرة ، ~~أفسدوا في الأعمال ، فخرج إليهم الخادم عزيز الدولة ريحان ، وأوقع بهم وقتل ~~منهم ، وعاد وقد عظم في نفسه لمعالجة النصر على بني قرة والظفر بهم . فثقل ~~على أبي سعيد أمره واستمال المغاربة وزاد في واجباتهم ، ونقص من أرزاق ~~الأتراك ومن ينضاف إليهم ؛ فجرى بين الطائفتين حرب بباب زويلة . واتفق مرض ~~ريحان وموته ، فاتهم أبو سعيد أنه سمه ؛ وتجمع الطوائف المنحرفة عنه على ~~قتله . فركب من داره على العادة يريد القصر ، في يوم الأحد لثلاث خلون من ~~جمادى الأولى ، في موكب عظيم ؛ فلما قرب من القصر اعترضه ثلاثة من الأتراك ~~وضربوه حتى مات . فأمر المستنصر بإحضار من قتله ، فاجتمع الطوائف وقالوا ~~نحن قتلناه . فلم يجد المستنصر بدا من الإغضاء . وقطع الأتراك أبا سعيد ~~قطعا ، وتناولت الأيدي أعضاءه فتمزقت ؛ واشترى أهله ما قدروا على تحصيله من ~~جثته بمال . وجمع الأتراك ما قدروا عليه من أعضائه ورمته ، وحرقوا ذلك ~~بالنار ، وألقوا عليه من التراب PageV02P195 ما صار به تلا مرتفعا . وضم ~~أهله ما وصل إليهم منه في تابوت وأسدلوا عليه سترا ، وتركوه في بيت مؤزر ~~بالستور وأوقدوا الشموع ، وأقاموا ms308 عزاءه . فتعلقت من بعض الشموع شرارة في ~~الستور التي هناك ومضت فيها ، فاحترق التابوت بما فيه . # وكان مقدار ما حصل في بيت المال البراني على يدي أبي نصر صدقة الوزير ~~وأبي سعيد إبراهيم التستري من يوم مات الوزير علي بن أحمد الجرجرائي وإلى ~~أن قتل أبو سعيد سبعمائة ألف دينار . والذي مات عنه الجرجرائي ، وهو حاصل ~~بيت المال المذكور برسم النفقات ، ألف وسبعمائة ألف وستمائة وواحد وعشرون ~~دينارا ونصف ونصف ثمن دينار . فصار حاصل بيت المال برسم النفقات إلى أن قتل ~~أبو سعيد ألقى ألف دينار وأربعمائة ألف دينار وستمائة دينار وواحد وعشرون ~~دينارا ونصف ونصف ثمن دينار . # ورد المستنصر لأبي نصر ، أخي أبي سعيد ، خزانة الخاص ، ولولدي أبي سعيد ~~النظر في بعض الدواوين . وحقدت أم المستنصر على الوزير أبي منصور صدقة بن ~~يوسف الفلاحي بسبب قتل أبي سعيد ، وما زالت به حتى صرفته عن الوزارة ~~واعتقلته بخزانة البنود . وقيل كان صرفه في سادس المحرم سنة أربعين . # واتفق أنه لما قبض عليه وسجن بخزانة البنود وأمر بقتله بها ، حفرت له ~~حفيرة ليوارى فيها ، فظهر للفعلة عند الحفر رأس ، فلما رفع سئل عنه الفلاحي ~~، فقال هذا رأس ابن الأنباري ، وأنا قتلته ودفن في هذا الموضع ؛ وأنشد : # رب لحد قد صار لحدا مرارا . . . ضاحك من تزاحم الأضداد # وكان أبوه أحد الكتاب البلغاء ؛ وتولى ديوان دمشق . PageV02P196 # ومن أحسن ما قيل في أبي سعيد ، وقد كره أذاه للمسلمين أنه كان يحلف : وحق ~~النعمة على بني إسرائيل ، قول الرضي فيه : # يهود هذا الزمان قد بلغوا . . . غاية آمالهم ، وقد ملكوا # العز فيهم والمال عندهم . . . ومنهم المستشار والملك # يأهل مصر إني قد نصحت لكم . . . تهودوا قد تهود الفلك # وفيها استقر في الوزارة بعد الفلاحي أبو البركات الحسين بن عماد الدولة ~~بن محمد بن أحمد الجرجرائي ، ابن أخي الوزير صفي الدين ، ولقب بالوزير ~~الأجل الكامل الأوحد ، علم الكفاة ، سيد الوزراء ، ظهير الأئمة ، عماد ~~الرؤساء ، فخر الأمة ، ذي الرئاستين ، صفى أمير المؤمنين . وفيها ابتدأ أمر ~~أبي محمد الحسن بن ms309 علي بن عبد الرحمن اليازوري . وكان من خبره أن أباه علي ~~بن عبد الرحمن كانت له حال واسعة ببلد يعرف بيازور ، من ضياع فلسطين ، وكان ~~مقدما فيها ؛ فلما كبرت حاله انتقل إلى الرملة واستوطنها ، وصارت له وكلاء ~~في الضياع . فاشتهر هناك وعرف بالعفة والصدق وسماح النفس ، فرد إليه قضاء ~~بعض أعمال الرملة . ونشأ له ابنان نجيبان ، ولي أحدهما الحكم بعد أبيه إلى ~~أن توفى ، ثم خلفه أخوه عبد الرحمن هذا من بعده ، فعرف بسعة النفس وسعة ~~الأخلاق ؛ فاتصل بخدمة الوزير الجرجرائي ، فصر بذلك ممنوعا ممن يريده بسوء ~~. # واتفق أنه حج قبل قدومه إلى مصر ، فلما زار قبر رسول الله نام في الحجرة ~~الشريفة ، فسقط عليه خلوق من الزعفران الملطخ في حوائط الحجرة ، فجاء بعض ~~الخدام وأيقظه من نومه وقال : أيها الرجل ، إنك تلي ولاية عظيمة وقد بشرتك ~~، فلي منك الحباء والكرامة . PageV02P197 ثم انتقل بتلطفه وكثرة مداخلته ~~إلى خدمة السيدة أم المستنصر ، فتقرب بخدمتها ، ولازم بابها عندما صرف عن ~~الحكم بفلسطين يسأل عوده إلى وطنه وخدمته فيها ؛ وهو مع ذلك يواصل الوزير ~~الفلاحي ويؤانسه ، فيبدأه بما في نفسه من أبي سعيد التستري ، فيفاوضه في ~~التدبير على المذكور ، ويفتح له من العمل عليه ما يظهر له صوابه . فثقل ~~مكانه على أبي منذر لقربه من أم المستنصر ولمما لأنه الوزير الفلاحي ؛ وهم ~~به ، ثم تراخى عنه ، حتى كان من أمره ما كان ؛ وأمر اليازوري في كل يوم ~~يتزايد وحاله يقوى . إلا أن قاضي القضاة وداعي الدعاة قاسم بن تاميلا كان ~~يمتنع من رد الحكم إليه ببلده ، لما يعلم من سوء رأي أبي سعيد فيه ، وأنه ~~يريد القبض عليه ؛ فكان ينحرف عنه ولا يلتفت إليه . # واتفق أن حضر قاضي القضاة ذات يوم بباب البحر من القصر ، على عادته في كل ~~يوم اثنين ، لتقبيل الأرض والسلام أو خروج السلام عليه ، ويجلس معه من ~~الشهود من جرى رسمه بذلك . فلما جلس بباب البحر وخليفتاه القضاعي وابن أبي ~~زكرى والشهود دخل أبو محمد اليازوري وجلس معهم ؛ فقال ms310 له قاضي القضاة : ~~بأمر من جلست ههنا ! أتظن أن المجالس كلها مبذولة لكل أحد أن يجلس فيها ؟ ~~هذا مجلس لا يجلس فيه إلا من أذنت له حضرة الإمامة وشرفته به ؛ اخرج ، ~~فوالله لا تضرفت على أيامي أبدا . فخرج ورجلاه لا تكادان تحملانه ، فوقف ~~بباب البحر إلى أن خرج قاضي القضاة ، فسار وخليفتاه والشهود معه ، فسار في ~~أعقابهم ، وسبقهم ووقف بباب دار القاضي ؛ فلما نزل صنع له استعطافا ، فلم ~~يعره طرفه وانصرف . فلقيه القضاعي وقال : يا أبا محمد ، كان يجب ألا تريه ~~وجهك عقب ما جرى لك معه . وفارقه . فلقيه ابن زكرى وخطابه بجفاء . فرد إلى ~~داره مغموما ، فوجد ثلاثين حملا من تفاح قد وصلت إليه من ضياعه لتباع بمصر ~~، فأنفذ منها خمسة أحمال إلى الوزير ، ولقاضي القضاة خمسة أحمال ، وللقائد ~~الأجل عدة الدولة رفق خمسة أحمال ، ولمعز الدولة معضاد خمسة أحمال ، ولابن ~~أبي زكريا ثلاثة أحمال ، وللقضاعي PageV02P198 خمسة أحمال ، وفرق حملين على ~~حراسهم . فلم يلتفت أحد منهم إليه ، ولا عطف عليه ، ما خلا القائد الأجل ~~عدة الدولة رفق فإنه شكره وأثنى عليه . وهو مع ذلك يقف بباب البحر ، فإذا ~~أقبل عدة الدولة رفق يريد القصر تلقاه وسلم عليه ، فيكرمه ويسأل عن حاله ، ~~ثم يدخل إلى القصر ؛ فإذا خرج وجده واقفا على حاله فيسلم عليه ويتبعه إلى ~~داره ؛ فإذا دخل انصرف عنه . فأقام على ذلك أياما ، فخف على قلبه ورغب في ~~اصطناعه ؛ فصار إذا وصل إلى داره أمره بالنزول معه ، فينزل ، ويتحدثان وكان ~~حلو الحديث فيطيل عنده ، ثم ينصرف . فصار يشتاقه إذا غاب ، ويمسكه إذا أراد ~~الانصراف حتى تحضر المائدة . وكانت أم المستنصر لما هلك أبو سعيد توقفت ~~أمور خدمتها ، فأحضرت أخاه وأمرته بخدمتها ، فامتنع خوفا من الوزير ~~والأتراك ؛ واستمرت ثلاثة أشهر تسأله وهو يمتنع . فحضر أبو محمد اليازوري ~~يوما ، فجلس عدة الدولة رفق ، وجرى بينهما امتناع أبي نصر ، أخي أبي سعيد ، ~~من خدمة أم المستنصر ، فقال له رفق : أرى أن تكتب رقعة تلتمس خدمتها وتعرض ~~نفسك عليها . فقال أبو محمد ms311 : قد كنت أظن جميل رأيك في وإيثارك مصلحة حالي ~~، وأكذبني ظني . فقال : بماذا ؟ فقال : الهزء بي ، فإني قد أجهدت في العود ~~إلى قرية كنت فيها فبخل علي بها . فكيف أتعرض لهذا الأمر الكبير ومناوأة ~~الوزراء ! فقال له : أما ترضاني سفيرا لك في هذا الأمر ، وعلي استفراغ ~~الوسع فيه ، لوجوب حقك علي ، فإن قضت الأقدار ببلوغ الغرض في ذلك فقد ~~أدركنا ما نؤثره ، وإن تكن الأخرى فقد أكثر من العطلة ما تحصل . فأجاب إلى ~~ذلك ، وكتب إلى السيدة رقعة يعرض نفسه وماله عليها ، ويخطب خدمتها ، ويبذل ~~الاجتهاد فيها ؛ وأخذها منه رفق . # فلما كان من الغد ركب إلى القصر ، ودخل إلى السيدة وقد أحضر أبو نصر ، ~~وعاودته الخطاب في خدمتها وهو يمتنع ؛ حتى أضجرها ؛ فانتهز عز الدولة رفق ~~الفرصة بضجرها وقال : يا مولاتنا ، قط طال غلق بابك ووقف خدمتك في امتناع ~~الشيخ أبي نصر PageV02P199 مما نريده منه ؛ وههنا من أنت تعرفينه ، وهو رجل ~~مسلم وقاض ، وكبير المروءة ، وهو مستغن بماله وأملاكه عن التعرض لما لك ، ~~وهو ثقة ناهض كاف فقالت : من هو ؟ فقال القاضي أبو محمد اليازوري ، وهذه ~~رقعته . فأمرته بتسليمها إلى أبي نصر ، وقالت : ما تقول فيه ؟ فلم يصدق ~~بذلك . فقال يا مولاتنا ، هو والله الثقة الأمين الناهض الذي يصلح لخدمتك ، ~~وفيه لها جمال ، وما تظفرين بمثله . فوقع ذاك منها بالموافقة . فقال لرفق : ~~قل له يجلس في داره غدا حتى أنفذ إليه ؛ فسر بذلك وخرج ، فإذا أبو محمد في ~~انتظاره على عادته ، فسار ، ولحق به أبو محمد ، فقال له : أقمح أم شعير ؟ ~~فقال : بل بر يوسفي ، وقص عليه الخبر . فلما كان الغد جاء الرسول مستدعيا ~~له ، فركب إلى بابها ، فأحضرته وأدخلته وراء المقطع وردت إليه أمر بابها ~~والنظر في ديوانها ، الذي هو باب الريح ، وجميع أحوالها ؛ ونزل . فبلغ ذلك ~~الوزير ، فكبر عليه وأقلقه أن تم على غير يده ، وأنه لا يقبل قوله عند ~~السيدة لما في نفسها منه لقتل أبي سعيد . # وأقبل الأمراء الأتراك إلى القاضي أبي محمد ، فهنئوه بما صار ms312 إليه ؛ فقام ~~إليهم وتلقاهم ، وأعظم سعيهم إليه وشكرهم ، وقال : ما أنا إلا خادم ونائب ~~لموالي الأمر ، أسأل في تشريفي بما يعين لهم من خدمة لأنهض فيها . ثم لما ~~قاموا نهض قائما لوداعهم . وأخذ الوزير الفلاحي في العمل عليه ، فلم يمض ~~إلا أيام حتى قبض عليه وقتل . PageV02P200 # | سنة أربعين وأربعمائة # فيها سار ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن الحسين بن الحسن بن حمدان ، أمير ~~دمشق ، وشجاع الدولة جعفر بن كليد ، والي حمص ، بالعساكر وقبائل العربان ~~إلى حلب لقتال أميرها ثمال بن صالح بن مرداس . وذلك أن ثمال بن صالح كان قد ~~قرر على نفسه في وزارة الفلاحي أن يحمل كل سنة عشرين ألفا ، فأخل الحمل ~~سنتين ؛ وأخذ شجاع الدولة يغرى الوزير على ثمال ويسهل أمر حلب . فخرج الأمر ~~إلى ابن حمدان أن يسير هو ووالي حمص بجموع العرب ؛ فنزل بمن معه على حماة ~~وفتحها ، وأخذ المعرة ، وأقدم فنزل على حلب لخمس بقين من ربيع الآخر . ~~وحارب ابن مرداس حروبا آلت إلى رحيل ابن حمدان بغير طائل ، في سادس عشر ~~جمادى الأولى . ففي عوده أصابه سيل هلك فيه أكثر ما معه من الخيل والرجال ~~والأمتعة ، وعاد إلى دمشق . فبعث ثمال إلى المستنصر يسأل عفوه ، وكان ~~المتوسط بينهما أبو نصر إبراهيم ، أخو سعيد التستري ، فأجيب إلى ذلك ؛ ~~وانفصل رسول من الحضرة . فورد الخبر بأن ثمال بعث واليا إلى معرة النعمان ، ~~وأنه أساء التدبير ، فانحرف عنه الناس ، وفر منهم إلى حلب ؛ وأن جعفرا ، ~~أمير حمص ، بادر إلى المعرة ، فلقيه مقلد بن كامل بن مرداس وحاربه ، فقتل ~~في الوقعة PageV02P201 لست بقين من شعبان ، وحملت رأسه وشهرت بحلب ، وأسر ~~كثير من عسكره ؛ فبعث المستنصر إلى رسول ثمال ورده ، وأفهمه ما ورد من ~~المكاتبة . ووجد الوزير أبو البركات السبيل إلى الإغراء بأبي نصر إبراهيم ، ~~فما زال يبلغ المستنصر بأنه حمله الحقد لقتل أخيه على السعي فيما يضر ~~الدولة من التوسط بين ثمال والحضرة ، وأن ابن حمدان أساء التدبير في رجوعه ~~عن حلب . فقبض على أبي نصر ، وأخذت ms313 عامة أمواله ، وعوقب حتى مات . # وولي دمشق بهاء الدولة مظفر الخادم الصقلبي ، وخرج إليها على جرائد الخيل ~~، فدخلها على حين غفلة ، وقبض على ناصر الدولة ابن حمدان وحمله إلى صور ، ~~ونقله إلى الرملة وصودر ، وأقام مظفر الخدمة بدمشق . وقبض على راشد بن سنان ~~بن عليان ، أمير بني كلاب ، واعتقله بصور . # وخرج أمير الأمراء المظفر ، فخر الملك ، عدة الدولة وعمادها ، رفق الخادم ~~، في ثامن عشر ذي القعدة بتجمل كثير وأبهة عظيمة ، وقوة قوية ، وعدة وافرة ~~، وآلات طبله ، وعساكر تبلغ عدتهم ثلاثين ألفا ؛ وكان المنفق فيه عينا مع ~~قيمة العروض أربعمائة ألف دينار . فبرز ظاهر القاهرة يريد حلب ، وخرج ~~المستنصر لتشييعه ، وكتب لجميع أمراء الشام بالانقياد له والطاعة لأمره ، ~~وأن يترجلوا له إذا لقوه . وسار فوافى الرملة وقد وصل رسول صاحب ~~القسطنطينية بالصلح بين المستنصر وبين بني مرداس ، ففشل رفق وانخرقت حرمته ~~، وجرت بالرملة وبدمشق أمور آلت إلى حرب بين العسكر عدة أيام ، فبات يوما ~~ظاهر دمشق . PageV02P202 # وفيها قتل الوزير صدقة بن يوسف الفلاحي يوم الاثنين ، النصف من المحرم ، ~~بخزانة البنود ودفن فيها . واتفق في وفاته عجب ، وهو أنه لما ولى الوزارة ~~سعى في اعتقال أبي علي الحسن بن علي الأنباري ، واعتقله بخزانة البنود ، ثم ~~قتله ، في سنة ست وثلاثين وأربعمائة ، ودفنه بخزانة البنود . فلما قبض عليه ~~بعد صرفه عن الوزارة سجن في المكان الذي كان فيه ابن الأنباري من خزانة ~~البنود ، وقتل فيها ، ودفن معه . وكان ابن الأنباري من جماعة الوزير ~~الجرجرائي ورفيقا للفلاحي وصاحبه ، ولما ولي الوزارة تخوف منه ، وما زال ~~يعمل عليه حتى قتله ، كما تقدم . # وفيها أقبلت حال أبي محمد اليازوري تزيد ، ومنزلته ترتفع ، وخلع عليه ~~ثانيا ، وأمر ألا يقوم لأحد إذا دخل عليه ولو عظم قدره ؛ فكان يعتذر إلى من ~~يغشاه من الجلة والرؤساء الأكابر ، وأنه ملك اختياره لبالغ في تكرمتهم بما ~~يستحقونه ؛ خلا القائد عدة الدولة الذي كان سفيره ، فإنه كان إذا أقبل وثب ~~إليه قائما . فبلغ السيدة ذلك ، فقالت له : لا تتحرك لأحد بالجملة ، فكان ms314 ~~إذا جاءه اعتذار إليه . ولقب بالمكين عمدة أمير المؤمنين ؛ وترقت أحواله ~~حتى صار يحضر بحضرة الخليفة إذا أراد أن يستدعي الوزير كما كان أبو سعيد مع ~~الفلاحي . فعظم ذلك على الوزير ، لأنه كان إذا حضر القاضي أبو محمد ~~اليازوري تحدث طويلا والسيدة من وراء المقطع ، ثم يستدعي الوزير فيعرض ما ~~يريد من أمر الدولة ، ولا يكون المجيب له إلا القاضي أبو محمد ، فإذا أجابه ~~التفت إلى المستنصر وقال أليس هذا الصواب ؟ فيقول المستنصر نعم ؛ ثم يخرج ~~الرسول من وراء المقطع ويقول هذا الصواب . فكان الوزير كأنه يعرض على ~~اليازوري الأمور دون الخليفة ، فيشق عليه ذلك ، ولا يتمكن من مخالفته ، ولا ~~يستطيع الصبر على ما به . وكان من جملة أصحاب الدواوين رجل يعرف بالشيخ ~~الأجل عبد الملك زين الكفاة أبي المفضل صاعد بن مسعود ، وإليه ديوان الشام ~~يومئذ ، وهو شيخ خود ؛ وكان الوزراء PageV02P203 يعتمدون عليه ويرجعون إلى ~~رأيه . فأحضره الوزير ، وفاوضه في أمر اليازوري ، وأخذ رأيه فيما يعمل مع ؛ ~~فأشار عليه بأن يحسن للخليفة أن يقلده القضاء ، ظنا منه أنه إذا تقلد ~~القضاء فإنه يقع في أمر كبير ، ويشغله ذلك عن ملازمة السيدة ، فيجد الوزير ~~سبيلا إلى استخدام ولده مكانه ، ويتقوى له الأمر فيه ، ويملك جهة الخليفة ~~والسيدة . وكان قد تكلم في قاضي القضاة من أيام أبي سعيد ، وذكر أن أمور ~~الناس ناقصة في حكوماته ، وأن له غلمانا قد استحوذوا على الحكم ، وهم الذين ~~يوقفون أمور الناس ؛ فاستخدم أبو سعيد شاهدا يعرف بابن عبدون ، خليفة ~~القاهرة ، وتقدم إلى قاضي القضاة ألا يفصل حكما بين اثنين إلا بحضوره . ~~وضبط ابن عبدون أمر الحكم ضبطا شديدا ؛ وكان الخصوم يجتمعون بباب القاضي ~~والشهود بين يديه ، فلا يمضي حكما إلا في دعوى بين اثنين ، وما يحتاج إليه ~~من إقامة بينة ، أو منازعة أمرأة مع بعل لها في فرض ، وما يجري هذا المجرى ~~. وأما في تثبيت أو قصص مستعجمة الحكم ، وما يحتاج فيه إلى مناظرات ~~ومنازعات فلا يتكلم في شيء من ذلك إلا عند حضور ابن ms315 عبدون ؛ وحجج الناس ~~يحتاط عليها في قمطر ، وتحمل بين يدي القاضي ؛ فإذا حضر ابن عبدون أحضرت ~~وفصل الحكم فيما بين أصحابها . وما زال كذلك حتى حضر إليه خصم في مرات ، ~~فخاف عليه وتشفع إليه بأصدقائه ، فلم يعره فرضة يوما حتى خرج من مجلس قاضي ~~القضاة وركب ، فتقدم إليه وقبل ركابه ، وخضع له وتلطف في أمره ، فلم يلتفت ~~إليه ؛ فعاد إلى من خرج إليه من الشهود وسألهم سؤاله ، فانتهره . فلما أيس ~~منه وثب عليه بخنجر وخرق به بطنه ، فخر إلى الأرض ميتا . وأخذ الرجل إلى ~~أبي سعيد ، فنكل به وقطع يديه ورجليه ، وضرب عنقه . ثم استخدم أبو سعيد بعد ~~ابن عبدون القضاعي وابن أبي زكرى وأقامهما خليفتي قاضي القضاة ، وأمرهما ~~بسلوك طريق ابن عبدون في الأحكام ؛ فلم يقوما مقامه ، وكانا يجاملان القاضي ~~؛ فعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل ابن عبدون ، إلا في فصل الأحكام فإنها ~~كانت لا تنفصل إلا بحضورهما . فثقل ذلك على القاضي لاستيلاء غلمانه عليه ، ~~واتهامه أن أمور الناس واقفة ، وأنه لا ينفذ له حكم ولا أمر ولا نهي . ~~PageV02P204 # وكان يحضر مجلس الوزير يوم الخميس في القصر بعد قضاء خدمة المجالس ، ثم ~~في الدار يوم الاثنين مسلما عليه . فحضر دار الوزارة يوم الاثنين على رغمه ~~، فقربه الوزير وسأل عن حاله ؛ فأجاب بأنه لا حكم له ولا أمر ، والأحكام ~~مردودة إلى خليفته ولهما الحكم دونه ، فإذا حضرا فتح باب الحكم ، وإذا غابا ~~أغلق بابه . فقال له : كفيت يا قاضي القضاة . وخرج من عنده وحضر بعده ~~القضاعي وابن أبي زكرى ، فقال لهما الوزير : ما لقاضي القضاة يتضرر منكما ~~ويشكو استيلاءكما على الحكم دونه ، وأنه لا تنفذ أوامره معكما ؟ فقالا : ~~وأي أمر لنا دونه ، هل أوقفنا أمر أحكامه ، أولنا غلمان يمسكون حجج الناس ~~حتى يصانعوهم عليها ؟ يعرضان بغلمان القاضي ! إنما نحن في حضورنا كبعض ~~الشهود والأمر إليه في إمضاء الأحكام ؛ وإنا لنشاهد ما لا يتسع لنا الكلام ~~فيه . فقال : كفيتما أيها القضاة . وانصرفا وقد انفتح له باب الحيلة في صرف ~~القاضي ms316 وتولية أبي محمد اليازوري . واتفق مع ذلك توعك أبي محمد وانقطاعه ~~أياما في داره عن مجلس الخليفة ، فخلا له وجه السلطان وأعاد عليه النوبة ، ~~ثم قال له : أنت يا أمير المؤمنين لسان الشرع ، ومقيم مناره ، ومنفذ أحكامه ~~؛ وقاضي القضاة إنما ينطق بلسانك ، وينفذ الأحكام عنك ؛ فإذا اشتهر في ~~الأقطار ما يتم على الناس في أحكامهم كان سوء السمعة في ذلك على الدولة ، ~~وإثارة الشناعة القبيحة عليها ؛ وفي الخصوم من هو من المشرق والمغرب واليمن ~~وما وراءه ، والروم ؛ وفي استفاضة ذلك غضاضة على الدولة . ونحن إنما نطول ~~على الممالك والدول بإقامة سنن الشريعة وإظهار العدل الذي عفت آثاره في ~~غيرها من الدول ؛ وقد كبر قاضي القضاة واستولى عليه غلمانه وغلبوا على أمره ~~. فقال المستنصر : نحن نحفظ فيه خدمة سلفه لنا ومهاجرتهم معنا . فقال : يا ~~أمير المؤمنين ، حفظك الله وشكرك ؛ أما كان من كرامة سلفه أن يستتر حتى لا ~~يشيع هذا عنه ؟ وما زال حتى قال الخليفة : من في الدولة يجري مجراه ؟ فقال ~~: يا أمير المؤمنين : عبيدك كثير ، ومع ذلك فبين يديك من يتحمل PageV02P205 ~~الحكم به مع ثقته وأمانته وقربه من خدمتك ، القاضي أبو محمد . فقال : ذلك ~~في خدمة مولاتنا الوالدة ، ولا يفسح له في ذلك . فقال : يا أمير المؤمنين ، ~~هي خلد الله ملكها أغير على دولتك وأحسن نظرا لها من أن تحول بينها وبين ما ~~يجملها ؛ ومع ذلك ، فلم ينقل مما هو فيه إلى ما هو دونه ، بل إلى ما هو ~~أوفى منه . فأجاب إلى ذلك ، وقام ، فشرع في كتب سجله وإعداد الخلع له . ~~وسمع هذه النوبة القائد عدة الدولة ، فأوفد إلى أبي محمد يخبره ، وقال له ~~تلطف في أمرك كما تريد . فعظم ذلك عليه ، وخاف من بعده عن خدمة السيدة إذ ~~كانت أجل الخدم ، فإن كل من في الدولة من وزير وأمير وغيرهما محتاج . # فلما كان عشاء الآخرة حمل على نفسه وهو محموم وركب إلى باب الريح ، ودخل ~~، وأنفذ يعلم السيدة مكانه ؛ فخرجت وراء المقطع وسألته عن حال مرضه ، وما ms317 ~~الذي دعاه للعناء في هذا الوقت . فقص عليها القصة وقال : إنما الغرض إبعادي ~~عن خدمتك ليقع التمكن مني . فقالت : وما الذي تكره من ذلك ؟ فقال : يا ~~مولاتنا هوى الحكم واسع ، وأحوال قاضي القضاة ابن النعمان فيه مشهورة ، ولو ~~كانت جارية على النظام المستقيم لشغلت عن خدمتك ، فكيف والحاجة داعية إلى ~~إصلاحه وإحكام نظامه ؛ وفي هذا شغل كبير . فقالت : لا يضيق صدرك بهذا الأمر ~~، فبابي لك ، وخدمتي موفورة عليك ، ولا أستبدل بك أبدا . فقال : يا مولاتنا ~~قد قدمت القول أن هوى الحكم كبير واسع ، وانشغالي به يحول بيني وبين ملازمة ~~بابك . فقالت : خليفتاك في الحكم ، القضاعي وابن أبي زكرى ، هما ينفذان من ~~الأحكام ما يجوز تنفيذه ، فإذا تحررت إلى فصل الأحكام نزلت ففصلت ~~PageV02P206 ذلك ، وقررت لنزولك يومين في الجمعة لفصل الأحكام ؛ وإذا نزلت ~~كان ولداك ينوبان عنك في تنفيذ أمور خدمتي ؛ وهذا التقرير لا يغلبك فعله . ~~فقبل الأرض ، ودعا ، وشكر ، وانصرف . # وكانت إذا قالت قولا وفت به وثبتت عليه ، فإنها كانت وثيقة العقد ، حافظة ~~العهد ، غير ناقضة له ، ولا متغيرة عنه مع من تطلع من أمره على ما يقتضي ~~التغيير عليه ، فكيف بمن ترتضي طريقته ، وتحمد خلائقه . # وفيها ولي القائد بهاء الدولة وصارمها ، طارق الصقلبي المستنصري ، دمشق ، ~~فقدمها صبيحة يوم الجمعة مستهل شهر رجب ، وساعة وصوله دخل القصر وقبض على ~~ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن الحسين بن حمدان . PageV02P207 # | سنة إحدى وأربعين وأربعمائة # في ثاني المحرم صرف قاضي القضاة أحمد بن عبد العزيز بن النعمان عن القضاء ~~. وكانت هذه ولايته الثانية ، وله فيه ثلاث عشرة سنة وشهر وأربعة أيام . ~~واستدعي إلى حضرة المستنصر القاضي أبو محمد اليازوري وخلع عليه مكانه في ~~رابع عشره ، وقرئ سجله في الديوان ؛ وخرج والدولة بأسرها بين يديه . ~~واستناب ابنه الأكبر أبا الحسن محمدا ولقب بالقاضي الأجل خطير الملك ؛ ~~وأقام ابنه الآخر في جهات السيدة . # وشرع الوزير في الإرسال إلى السيدة بأن يستقر ابنه في بابها ؛ فامتنعت من ~~ذلك وقالت ما كنت بالذي يستبدل به بوجه ولا ms318 سبب . فسقط في يده وقال : أردنا ~~وضعه والله تعالى يريد رفعه . فقال له أبو الفضل : أما إذ جرى الأمر بخلاف ~~ما ظنناه فليس إلا مجاملة الرجل . وكان أبو محمد اليازوري لا يسلم على ~~الوزير ، ولا يجتمعان إلا يوما في الشهر ، يحضر إلى دار الوزير ، فإذا حضر ~~إليه احتجب عن كل أحد ، وتلقاه قائما ، وأجلسه على مخدة ، وأعطه من ~~المجاملة فوق ما يؤثره منه ؛ وهو مع ذلك يبطن له السوء ، ويعمل في التدبير ~~عليه . # وكانت أيام الوزير كلها رديئة لكثرة القبض على الناس ، والمصادرات ، ~~واصطفاء الأموال ، والنفي ، ونحو ذلك ؛ فكثر الذام له . وكان أيضا يبطش بمن ~~يبطش به من غير علم الخليفة ولا استئذانه ، فتغير خاطر الخليفة عليه ، ~~وتكثر منه تغيظه . إلا أن العادة جرت بألا يعترض الوزير فيما يفعله ، ويمد ~~له في النفس ، ويصبر على ما يكون منه . PageV02P208 # وفيها قبض على أبي نصر إبراهيم بن سهل ، واتهم أنه مالأ ثمال بن صالح حتى ~~قتل جعفر بن كليد صاحب حمص ؛ وسلم إلى الوزير أبي البركات الجرجرائي فضيق ~~عليه وصادره حتى مات تحت العقوبة . وكان هو الذي سعى به إلى المستنصر فقال ~~إنه عين لثمال . # واتفق وصول الخادم رفق إلى دمشق وخروجه منها في سادس صفر يريد حلب ، فوصل ~~إلى جبل جوشن في ثاني عشري ربيع الأول ، وأقام هناك ؛ ثم بدا له فبعث بما ~~معه من الأثقال إلى المعرة ، فظن من معه من العساكر أنه يريد أن ينهزم ، ~~فأجدوا في الرحيل وقد حاصر قلوبهم الوجل وداخلهم الخوف ؛ فأمر بردهم إليه ، ~~فأبوا ذلك عليه . وفطن أهل حلب لهم . فتبعوهم ونهبوا ما قدروا عليه منهم ؛ ~~وكانت بينهما حرب جرح فيها رفق في عدة مواضع من رأسه وبدنه ، وأسر ، وانهزم ~~العسكر بأسره . وحمل رفق على بغل وهو مكشوف الرأس ، ومعه جماعة من وجوه ~~عسكره ، فلم يحتمل ما أصابه ، واختلط عقله ، ومات بقلعة حلب بعد ثلاثة أيام ~~، في مستهل ربيع الآخر ؛ واعتقل عامة من كان معه من القواد والكتاب بحلب . # فلما ورد الخبر بذلك على المستنصر ms319 أمر بالإفراج عن ناصر الدولة أبي محمد ~~الحسن بن الحسين بن حمدان من الاعتقال ، وقلد إمارة دمشق الأمير المؤيد ~~مصطفى الملك معز الدولة ، ذا الرئاستين ، حيدرة بن الأمير عصب الدولة حسين ~~بن مفلح ، في رجب ، وخرج معه ناظرا في أعمال الشام أبو محمد الحسين بن حسن ~~الماسكي . PageV02P209 # ووجد أعداء الوزير أبي البركات الحسين بن محمد الجرجرائي سبيلا إلى إغراء ~~المستنصر به ، وأنه تسرع فيما عادت مضرته على الدولة من تجهيز العساكر إلى ~~حلب . فحركت هذه الأقوال وما يشبهها عليه ما يحقده الخليفة من استبداده ~~بأمور من غير أمر ولا استئذان ، فأمر به فقبض عليه ونفى إلى صور في منتصف ~~شوال ، فاعتقل بصور . فكانت وزارته سنة وتسعة أشهر وعشرة أيام . ثم أفرج ~~عنه ومضى إلى دمشق . # وبقي الأمر في الوزارة عدة أيام والخليفة يعرض لقاضي القضاة أبي محمد ~~اليازوري بالوزارة وهو يمتنع عليه ؛ فأسند إلى أبي الفضل صاعد بن مسعود ، ~~من الأمراء ، وأقيم واسطة لا وزيرا ، وخلع عليه ولقب بعميد الملك زين ~~الكفاة ، وجعل يرسم عليه عرض ما يختص بالرجال دون الأموال . وكان إذا أراد ~~الاستئذان على ما يفعل جلس اليازوري بحضرة الخليفة واستدعى أبو الفضل ، ~~فعرض ما يحتاج إليه ؛ فيتقدم إليه اليازوري بما يفعله . ويخرج في نفسه من ~~اليازوري ما كان يدور بينه وبين الوزراء في معناه . فأخذ يحمل عليه الرجال ~~ويوهمهم أنه إذا سأل لهم في زيادة أو ولاية يعترضه اليازوري ويفسد عليه . ~~فلما كان في بعض الأيام قال ناصر الدولة حسن بن حسين بن حمدان لبعض ثقاته : ~~اعلم أن القاضي له الثناء الجميل الكثير ، ونحن شاكرون له ، مقيدون بجميله ~~، مفتقرون PageV02P210 إلى جاهه في جميع أمورنا ؛ واعتفاؤه من هذا الأمر لا ~~يبرئه من ذمنا إن وقفت حوائجنا ، ويكون الشكر فيه لغيره إن قضيت ؛ وهذا ~~الرجل عميد الملك هوذا يحمل الرجال عليه ويشعرهم أنه يجتهد في قضاء حوائجهم ~~، وأنه يعترضه بما يبطلها عليهم ؛ وفي هذا الأمر ما تعلمه . فقل أنت له عني ~~: يا سيدنا ، إما أن تزيد شكر الرجال وسلامة ms320 صدورهم لك وخلاص نياتهم في ~~طاعتك ، فادخل في هذا الأمر ، فإن أحسنت عرفوا ذلك لك ، وشكروه منك وإن ~~أسأت كان عليك ضرره وشره ؛ وإلا فاعتزل جانبا ولا تلعب بروحك مع الرجال ، ~~وإلا أبلغك أبو الفضل . فبلغه الرجل ذلك ؛ فقال : أمهلني الليلة ثم بكر إلي ~~. فلما كان في السحر بكر إليه ؛ فقال : أعد علي قول ناصر الدولة ؛ فأعاده . ~~فقال : أقره عني السلام ، وقل له : والله إلا أدخل فيه ويكون لي خيره وشره ~~. وأبلغ ناصر الدولة رسالته ؛ فقال : هذا هو الصواب . PageV02P211 # | سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة # في سابع المحرم قرىء سجل القاضي أبي محمد اليازوري بالوزارة ، ولقب ~~بالوزير الأجل المكين ، سيد الوزراء ، تاج الأصفياء ، قاضي القضاة ، وداعي ~~الدعاة ، علم المجد ، خالصة أمير المؤمنين ؛ وخلع عليه . فنظر في الوزارة ~~وليس من أهلها ، ولا من أرباب الكتابة ، فمضى فيها مضي الجواد ، ونهض مسرعا ~~نهوضا عز به في وجوه من تقدمه ، مع ما بيده من قضاء القضاء ، والدعوة ، ~~والنظر في ديوان السيدة . وكاتب ملوك الأطراف ، فأجابوه ، بوفور حقه ، إلا ~~معز الدولة بن باديس الصنهاجي صاحب إفريقية ، فإنه قصر في المكاتبة عما كان ~~يكاتب به من تقدم من الوزراء ، فإنه كان يكاتب كلا منهم بعبده فجعل مكاتبته ~~صنيعته . فاستدعى الوزير أبا القاسم ابن الإخوة ، وكيل ابن باديس بمصر ، ~~وعتب صاحبه عنده ، وقال : أن معزا ينقصني عمن تقدمني ؛ إذا لم أكن من أهل ~~صناعة الكتابة ، وإن لم أكن أوفى منهم فما أنا دونهم ؛ ومن رفعه السلطان ~~ارتفع وإن كان خاملا ، ومن وضع اتضع وإن كان جليلا نبيلا ؛ فاكتب إليه بما ~~يرجعه إلى الصواب . فكتب إليه بذلك ؛ وقد أذكى الوزير عليه عيونا يطالعونه ~~بأنفاسه . فلما وقف على كتاب ابن الإخوة قال : ما الذي يريد مني هذا الفلاح ~~؛ لا كنت عبده ولا كان ؛ هذا PageV02P212 لا يكون أبدا ، وما كتبت إليه ~~فكثير . فطالعه عيونه بقوله ؛ فأحضر ابن الإخوة وقال له : قد جرى صاحبك على ~~عادته في الجهل ، فاكتب إليه بما يردعه فيه ، وإلا عرفته بنفسي إذ لم ~~يعرفني . فكتب إليه بذلك ms321 ، فأجاب بما هو أقبح من الأول . فدس إليه الوزير ~~من تلطف في أخذ سكين دواته ؛ فلما وصلت إليه أحضر ابن الإخوة وقال له : كنت ~~أظن بصاحبك أن الذي حمله على ما كان منه ثروة الشبيبة ، وقلة خبره بما تقضي ~~به الأقدار ، وأنه إذا نبه تنبه ، فإذا الجهل مستول عليه ، وظنه أن بعد ~~المسافة بيننا وبينه يمنع من الانتصاف منه والوصول إليه بما يكره ؛ وقد ~~تلطفنا في أخذ سكين دواته ، وها هي ذي ، فأنفذها إليه وأعلمه أنا كما ~~تلطفنا في أخذها أنا نتلطف في ذبحه بها . ودفعها إليه . فكتب ابن الإخوة ~~بذلك ، فازداد شرا وبطرا . فدس عليه من أخذ نعله ، وكان يمشي في الأحذية ~~السندية ، فلما وصلت إليه أحضر ابن الإخوة وقال له : اكتب إلى هذا البربري ~~الأحمق ، وقل له إن عقلت وأحسنت أدبك ، وإلا جعلنا تأديبك بهذه . فجرى على ~~عادته في القول القبيح . # وفيها توسل ثمال بن صالح في الصفح عنه وأطلق المأسورين ، وسعى في ذلك علي ~~ين عياض قاضي صور ؛ وسير ثمال زوجته علية بنت وثاب بن جعفر النميري وولده ~~وثابا إلى القاهرة ، ومعهما مال سنتين ، أربعون ألف دينار . فقام اليازوري ~~بأمرهم ، فقبلهم المستنصر ، وبالغ في الإحسان إليهم ، وزاد في ألقاب ثمال ~~وألقاب مقلد ابن عمه ، ولقب قاضي صور عين الدولة . # وفيها ملك المستنصر حصن المنيعة بالشام . PageV02P213 # | سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة # فيها أظهر المعز بن باديس صاحب إفريقية ، الخلاف على المستنصر ، وسير ~~رسولا إلى بغداد ليقيم الدعوة العباسية ، واستدعى منهم الخلع ؛ فأجيب إلى ~~ذلك . وجهزت الخلع على يد رسول يقال له أبو غالب الشيزري ، ومعه العهد ~~واللواء الأسود ؛ فمر ببلاد الروم ليعدى منها إلى إفريقية ، فقبض عليه صاحب ~~الروم . وبلغ ذلك المعز بن باديس ، فأرسل إلى قسطنطين ملك الروم في أمره ، ~~فلم يجبه رعاية لحق المستنصر . واتفق قدوم رسول طغرلبك يستأذنه في مسيره ~~إلى مصر ؛ فأظهر المودة التي بينه وبين المستنصر ، وأنه لا يرخص في أذيته . ~~واتفق قدوم رسول المستنصر إليه بهدية عظيمة ، فبعث معه برسول القائم بما ~~على ms322 يده ، فدخل إلى القاهرة على جمل ، وأحرق العهد واللواء والهدية في حفرة ~~بين القصرين ؛ وكان القادر قد فعل مع الظاهر والد المستنصر مثل ذلك بالخلعة ~~التي سيرها إلى محمود بن سبكتكين . ثم أقر المستنصر رد الرسول إلى صاحب ~~القسطنطينية . # وكان سبب عصيان ابن باديس ما تقدم من تقصيره في مكاتبة الوزير اليازوري ~~وما دار في ذلك . PageV02P214 وكان بطرابلس الغرب وما والاها زغبة ورياح ، ~~وهما قبيلتان من العرب ، وبينهما حروب وعداوة ، فأحضر الوزير مكين الدولة ~~أبا علي الحسن بن علي بن ملهم بن دينار العقيلي ، أحد أمراء الدولة ، وكان ~~رجلا عاقلا ، وسيره إلى زغبة ورياح بخلع سنية وأنعام كثيرة ، وأمره أن يصلح ~~ذات بينهما ، ويتحمل ما بينهما من ديات ، ويفديه بالزيادة في إقطاعاتهما . ~~فلما تم له ذلك أمرهم بالمسير إلى المعز بن باديس ، وأباحهم دياره ، وتشدد ~~في هذا الأمر حتى توجه المذكورون إلى ديار ابن باديس وملكوها ، وجمعوا ~~ذيوله عليه ، وقلموا أظفاره ، وضيقوا خناقه حتى لم يتمكن من قتالهم إلا ~~مستندا إلى حيطان إفريقية . وذلك أنهم ملكوا برقة ، فسار إليهم المعز ~~فهزموه ، وتبعوه إلى إفريقية ، وحصروا المدن ، فنزل بأهل إفريقية بلاء لا ~~يوصف ، فخرج إليهم المعز في أربعين ألفا وقاتلهم ، فهزموه إلى القيروان . ~~ثم جمع ثمانين ألفا وقاتلهم ، فهزموه ، وأكثروا من القتل في أصحابه ، ~~وحصروه بالقيروان . وأقاموا يحاصرون البلاد وينهبون إلى سنة تسع وأربعين ، ~~فانتقل المعز إلى المهدية في شهر رمضان منها ، حتى نفدت أمواله ، وقلت عدده ~~، وتفلت منه رجاله ، وأشرف على التلف ؛ فلم يجد سبيلا غير إعمال الحيلة في ~~خلاصه . فخرج متخفيا في زي امرأة حتى انتهى إلى المهدية ، فاستولت العربان ~~على حرمه وداره وغلمانه ، وقتلوا الرجال وسبوا النساء ، وانتهبوا ما كان في ~~دوره وقصوره ؛ وعاثوا في البلد ينهبون ويأسرون ويقتلون ، فخربت القيروان ~~حينئذ إلى اليوم . ووصل كثير مما نهب من قصور بني باديس من الأسلحة والعدد ~~والآلات والخيام وغيرها إلى القاهرة ، فكان ليوم دخولها إلى القاهرة أمر ~~عظيم من اجتماع الناس واعتبار أهل البصائر بتقلب الأحوال . # وكان من خبر ms323 دخول العرب إلى المغرب أن بطون هلال وسليم من مضر لم يزالوا ~~في البادية ، ونجعوا من نجد إلى الحجاز ؛ فنزل بنو سليم مما يلي المدينة ~~النبوية ، ونزل بنو PageV02P215 هلال في جبل غزوان عند الطائف ؛ وكانوا ~~يطرقون العراق في رحلة الشتاء والصيف فيغيرون على أطراف الشام والعراق ؛ ~~وكانت بنو سليم تغير على الحاج أيام الموسم وزيارتهم المدينة . ثم تجهز بنو ~~سليم وكثير من ربيعة بن عامر إلى القرامطة عند ظهورهم ، وصاروا جندا لهم ~~بالبحرين وعمان ، وقدموا معهم إلى الشام . فلما غلبت القرامطة في أيام ~~المعز لدين الله أبي تميم معد ، ثم في أيام ابنه العزيز بالله أبي منصور ~~نزار ، وانهزموا من الشام إلى البحرين نقل العزيز بالله من كان معهم من بني ~~هلال وسليم إلى مصر ، وأنزلهم بالجانب الشرقي من بلاد الصعيد . وأقاموا ~~هنالك وأضروا بالبلاد إلى أن ملك المعز بن باديس القيروان في سنة صمان ~~وأربعمائة ، وهو ابن ثماني سنين ، من قبل الظاهر لإعزاز دين الله علي بن ~~الحاكم بأمر الله ، فامتدت أيامه حتى قام في الخلافة المستنصر بالله أبو ~~تميم معد بن الظاهر ، واستوزر أبا محمد اليازوري ، فأنف من مكاتبته بالمولى ~~؛ وكان ما تقدم ذكره . # فحلف المعز بن باديس ليحلون الدعوة إلى بني العباس ، ولج في ذلك ، وقطع ~~الدعاء للمستنصر ، وأزال اسمه من الطرز والرايات ، ودعا للقائم أبي جعفر بن ~~القادر في سنة أربعين وأربعمائة ، وكتب إليه بذلك . فكتب إليه بالعهد صحبة ~~أبي الفضل بن عبد الواحد التميمي ، فقرأ كتابه بجامع القيروان ، ونشر ~~الرايات السود ، وهدم دار الإسماعيلية . ووصل الخبر بذلك إلى القاهرة ؛ ~~فأشار اليازوري بتجهيز أحياء هلال بن جشم . والأشروزينية ورياح وعدي وربيعة ~~إلى المغرب ، وتولية مشايخهم أعمال إفريقية . فقبلت مشورته . وأرسل إليهم ~~في سنة إحدى وأربعين ، وحمل إلى مشايخهم الأموال ، وأنعم على سائرهم بفرو ~~ودينار لكل أحد ، وأبيح لهم حمى المغرب . # وكتب اليازوري إلى المعز بن باديس : أما بعد ؛ فقد أنفذنا إليكم خيولا ~~فحولا ، وأرسلنا عليها رجالا كهولا ليقتضي الله أمرا كان مفعولا . ~~PageV02P216 فسارت العرب إلى برقة ms324 ، وفتحوا أمصارها ؛ وكتبوا لإخوانهم ~~الذين بشرقي الصعيد يرغبونهم في البلاد ؛ فأعطوا من الدولة دينارين لكل ~~واحد ، ومضوا إلى أصحابهم ؛ فتصارعوا على البلاد ، فحصل لسليم الشرق ، ~~ولهلال المغرب . وخربوا المدينة الحمراء وأجدابية وسرت . وأقامت بطون من ~~سليم وأحلافها بأرض برقة ، وسارت قبائل دياب وعرق وزغب وجميع بطون هلال إلى ~~إفريقية كالجراد المنتشر ، لا يمرون بشيء إلا أتوا عليه ، حتى وصلوا إلى ~~إفريقية سنة ثلاث وأربعين . وكان أول من وصل منهم أمير رياح مؤنس بن يحيى ~~العنزي ؛ فاستماله المعز بن باديس ، وكثر عيثهم في البلاد ، ونادوا بشعار ~~المستنصر . فبعث إليهم المعز العسار فأوقعوا بها ؛ فخرج إليهم في ثلاثين ~~ألفا فهزموه ؛ وفر بنفسه وخاصته إلى القيروان ، فنهبوا جميع ما كان معه ، ~~وقتلوا خلقا كثيرا ، وحصروه بالقيروان حتى هلكت الضواحي والقرى . # واقتسم العرب بلاد إفريقية في سنة ست وأربعين ؛ وكان لزغبة طرابلس وما ~~يليها ، ولمرداس بن رياح باجة وما يليها . ثم اقتسموا البلاد ثانيا ، وكان ~~لهلال من قابس إلى المغرب ، وهم رياح وزغبة والمعقل وجشم وترنجة والأسيح ~~وشداد والخلط وسفيان . # ونصوح الملك من المعز بن باديس فركب البحر في سنة تسع وأربعين ؛ فدخل ~~العرب القيروان واستباحوه وخربوا مبانيه ، فتفرق أهله في البلاد . ثم أخذوا ~~المهدية وحاربوا PageV02P217 زناتة من بعد صنهاجة ، وغلبوهم على الضواحي ~~واتصلت الفتنة بينهم فخربت إفريقية بأسرها ، وصيروا البربر لهم خولا . ومات ~~المعز بن باديس سنة أربع وخمسين وأربعمائة . # وكان المستنصر لما بعثهم إلى إفريقية جعل المؤنس بن يحيى المرداسي ولاية ~~القيروان وباجة ، وأعطى زغبة طرابلس وقابس ، وجعل الحسن بن مسرة في ولاية ~~قسنطينة ؛ فلما غلبوا صنهاجة ملك كل منهم ما عقد عليه ، فاشتد عيثهم ~~وإفسادهم . # وفيها كانت وقعة البحيرة . وذلك أنها في إقطاع بني قرة وقد ملكوها وعمروا ~~ضياعها ، وكثرت فيها أموالهم واشتدت شوكتهم ، وخشن جانبهم ، وكثر المقدمون ~~فيهم حتى انتشر ذكرهم ، وذل لهم عددهم ؛ وثقل أمرهم على الولاية ~~بالإسكندرية ؛ فجاورهم الطلحيون واستذموا منهم ، وكانت لهم واجبات على ~~الدولة من غير إقطاع ، وهم يأخذون واجباتهم محمولة مع واجبات العسكر ~~بالإسكندرية عندما ms325 تحمل إليها . فاتفق أن ناصر الدولة ابن حمدان أبا نصر ~~الدولة حسين كان واليا بالإسكندرية . فاستحق الطلحيون على الدولة ، عن ~~واجباتهم المذكورة ، ثلاثة آلاف دينار ، فواصلوا اقتضاء ناصر الدولة ~~إنفاقهم فيهم ، فوعدهم ؛ وكتب إلى الحضرة يلتمس ذلك ؛ فوعده الوزير أنه إذا ~~حمل إلى رجال العسكر استحقاقهم حمل ذلك في جملته . وكان قد بقى على حمل ~~المال شهران ، فاستبعدوا الصبر إلى ذلك الوقت وواصلوا مطالبته ؛ وحملوا ~~القريين على معونتهم PageV02P218 عليه ، فاضطروه إلى المسير معهم إلى ~~الحضرة لالتماس ذلك ، فسار إلى الجيزة ، وطلع إلى الوزير وعرفه الحال ؛ ~~فقال ما أخرنا ذلك عنهم إلا أن السنة كثيرة النفقات والطوارئ ، وهذه ألف ~~دينار أنفقها فيهم إلى أن تحمل باق مالهم مع مال العسكر . فأخذ الألف ~~وعرفهم ما قال الوزير . فامتنعوا عن الأخذ ، وأبوا إلا قبض الثلاثة آلاف ، ~~وألزموه بالعود . فعاد ، وعرف الوزير ؛ فاغتاظ ، وأمر لهم بألف أخرى . فنزل ~~إليهم ، فأبوا إلا أخذ الجميع ، وجفوا في الخطاب ؛ فعاد إلى الوزير ، وعرفه ~~؛ فغضب وقال : إجابتهم إلى ما التمسوه دفعة بعد أخرى طمعهم طمعهم ؛ والله ~~لا أطلق لهم درهما واحدا . واستعاد الألفي دينار ، وتقدم بتجريد العسكر لهم ~~؛ فتسرع يزحف مع ليث الدولة كافور الشرابي ، ونزل إليهم ؛ فإذا هم قد ~~تأهبوا للقائهم . فجرت بينهم وقفة قتل فيها اثنان من العسكر وحجز بينهما ~~الليل . # وبلغ الوزير ذلك ، فشق عليه إقدامهم على المحاربة ، سيما بنو قرة فإنهم ~~صلوا الحرب وكانوا فيها أشد من الطلحيين . فأخذ الوزير يجرد إليهم العساكر ~~، فانطردوا وجمعوا حشودهم ، والتقوا بكوم شريك ، وكانت الدائرة عليهم وقتل ~~منهم خلق كثير . وأنهزموا والعساكر تتبعهم ، فأحاطت بأموالهم من كل ما ~~يملكونه ؛ وفر بنو قرة على وجوههم إلى برقة ومعهم الطلحيون ، فانقطع أثرهم ~~من البحيرة إلى اليوم ، وصاروا مطردين في قبائل العرب نحوا من أربعين سنة . ~~وكان كل من بالحضرة يفند رأى الوزير في تجهيز العساكر إليهم ويحكمون بأنهم ~~لا يفارقون إلى البحيرة ، فجاء الأمر بخلاف ظنهم . PageV02P219 # ثم إن الوزير رأى أن في إقامة العساكر في أعمال البحيرة كلفة كبيرة ، ~~فأرسل ms326 إلى بني سنبس ، وكانوا بالداروم وفلسطين ، وقد ثقلت وطأتهم هنالك ~~وصعب أمرهم ؛ فعدى بهم إلى البحيرة ، وهم أعداء قيس ، وأوطأهم ديارهم ، ~~وأقطعهم أرضهم ، فمحى اسم بني قرة من هناك . # وكان تجهيزه للعسكر في شهر رمضان ، وتسييره لهم إلى بني قرة في مستله ~~شوال ، فخطأه الناس في فعله ، وقالوا لم يجرد عسكر قط في شوال ، فظنوا أنه ~~لا يؤمن على العسكر أن ينهزم وينكسر . وكان شمس الدولة زمام الأتراك ~~والقيصرية ، وإليه زم القصور والخدمة في الرسالة ، وليس أحد في الدولة يجري ~~مجراه جلالة وتقدما ، بينه وبين الوزير مباينة شديدة ويتربص به الدوائر ، ~~ويغتال له الغوائل ؛ فكان ينتظر إنهزام العسكر ليقبض عليه . فلما أراد ~~العسكر أن يسير من الجيزة ، ومقدمه ناصر الدولة ، قرر معه لقاءهم في اليوم ~~الخامس من شوال بطالع يخبره به ؛ وسير معه عدة طيور من الحمام ليطالعه بما ~~يكون يوما بيوم . # فلما كان في ذلك اليوم ، وهو يوم خميس جلس في داره وقد اشتد قلقه وكثر ~~اهتمامه بما يكون من العسكر ؛ واحتجب عن الناس لشغل سره ، وجلس ينتظر ~~الطائر . فلم يزل كذلك إلى الساعة الخامسة من نهاره ، فقام ليجدد طهارة ، ~~فعبر البستان وقد أطلق الماء في مجاريه ، فرأى ورقة تمر على وجه الماء ، ~~فأخذها متفائلا بها ، فوجدها أول كتاب كان قد وصل من القائد فضل إلى الحاكم ~~بأمر الله ، قد ذهبت طرته وعنوانه وبقى صدره ، وهو : كتب عبد مولانا الإمام ~~الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين من المخيم المنصور في الساعة PageV02P220 ~~الخامسة من نهار الخميس الخامس من شوال ، وقد أظفره الله عز وجل بعدو الله ~~تعالى وعدو الحضرة المطهرة ، أبي ركوة المخذول ، وهو في قبضة الأسارى ~~والحمد لله رب العالمين . فلما وقف على ذلك سجد شكرا لله تعالى ، وعجب من ~~موافقة اليوم وعدة الأيام من شوال والأعلام بالظفر . ثم تجهز للصلاة ، فما ~~فرغ حتى سقط الطائر بانكسار بني قرة وانهزامهم ، وما من الله تعالى به من ~~الظفر بهم . فأخذ الكتاب والطائر وركب إلى القصر ، ودخل إلى المستنصر ~~وأوقفه على الكتاب ms327 ؛ فسر بذلك ؛ وأراه الطير وقال : هذا أعجب يا أمير ~~المؤمنين ؛ وحدثه بحديثه ، فعجب من هذا الاتفاق . # ثم تواصلت رسل ناصر الدولة بالبشرى وشرح الحال في الظفر وانهزام القوم ، ~~فخلع على الوزير ، وزيد في ألقابه للدين ، غياث الدين ؛ فتم له النظر وقوى ~~أمره ، وذلك من كان يعاديه ؛ فجرى على عادته في العفو والمجاملة . # وكان أهل جزيرة صقلية قد خالفوا الدولة غير مرة ، لما فيهم من الشر ~~والغلظة ، وطردوا الولاة . وصار إليهم المعز ابن باديس ، فملكوه عليهم وقد ~~خرج عن طاعة الدولة ، فأساء السيرة فيهم ، وثقل عليهم ، فوثبوا عليه ~~وأخرجوه منها . وكاتبوا ملك الروم ، فسار إليهم بطريق كبير ، فولوه أمرهم ~~مدة ثم وثبوا به وأخرجوه عنهم . وبعثوا إلى الحضرة يسألون إقالة عثرتهم ~~والعفو عنهم ويسألون إيفاد وال . وكان بصقلية بنو أبي الحسين ، لهم رئاسة ~~وفيهم من يؤهل نفسه لولايتها ؛ فسارت الخلع إلى رجل منهم يعرف بمستخلص ~~الدولة ؛ فمكث فيهم زمانا ، ثم نفروا منه ، وبعثوا يسألون تغييره عنهم . ~~فسير الوزير PageV02P221 رجلا من أمراء الدولة يعرف بصمصام الدولة ابن لؤلؤ ~~، وأسر إليه أن يتلطف في إخراج بني أبي الحسين من صقلية ويسيرهم إلى الحضرة ~~. فدخل إليها ، وساس أمره ، حتى بعث بجميع من كان فيها من بني أبي الحسين . ~~واستقام الأمر في صقلية بخروجهم عنها . # وقام ببلاد اليمن رجل يعرف بعلي بن محمد الصليحي يتشيع ، فحسن له الدعاة ~~الدخول في نصرة خلفاء مصر ، فأعلن ذلك بها ، ودعا أهل اليمن إليها ، وحمل ~~تجارتهم مع هدية جليلة القدر تبلغ زهاء عشرة آلاف دينار إلى المستنصر . ~~وكان أبوه قاضيا باليمن سني المذهب ، وزوجته أسماء ابنة عمه شهاب ، وكانت ~~أجمل خلق الله ، وهي أم الدعاة باليمن ، وعرفت بالحرة . وكانت ذات عز وكرم ~~، وتفاخر بنوها بها ، ومدحت . وكان باليمن الداعي عامر بن عبد الله الرواحي ~~، فاستمال أبا الحسن علي بن محمد بن علي الصليحي ، وهو صغير ، حتى مال إليه ~~، فلما مات عامر أوصى له بكتبه وعلومه ، فدرسها حتى تضلع من معارفه وصار من ~~فقهاء الشيعة ، وحج بالناس دليلا خمس عشرة ms328 سنة . ثم ثار في سنة تسع وعشرين ~~وأربعمائة ، وتزايد أمره ، ودعا للمستنصر ، وكتب إليه بما هو عليه ، ~~واستأذنه في المسير إلى تهامة ، فأذن له . ولم تخرج سنة خمسين وأربعمائة ~~حتى ملك السهل والجبل الوعر من بلاد اليمن . # وجهز الوزير إلى النوبة ، فأضعف عليهم البقط ، وحملوه ؛ واستقر الأمر على ~~ذلك . PageV02P222 # | سنة أربع وأربعين وأربعمائة # فيها كتبت بغداد محاضر تتضمن القدح في نسب الخلفاء المصريين ونفيهم من ~~الالتحاق بعلي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ؛ وجمع سائر أعيان الفقهاء ~~ببغداد وأشرافها وقضاتها ، وعزوا نسبهم في الديصانية من المجوس . وسيرت ~~المحاضر إلى البلاد ، وشنع عليهم تشنيع كبير . وسبب ذلك الغضب ما عمل مع ~~الرسول المرسل من المعز بن باديس ، فإنه لما شهر بالقاهرة على جمل مقلوب ، ~~وكتاب العقد في عنقه والهدية بين يديه ، ثم أحرقت الخلع والتقليد ، أعيد ~~الرسول إلى ملك الروم ؛ فعز عليه ما فعل واعتذر إليه منه ؛ فإنه كان قد ضمن ~~له من مصر إعادته إليه سالما بعد ما جرت مخاطبة في طلبه . ثم أعاده ملك ~~الروم إلى بغداد ، فوصل في سنة أربع وأربعين هذه . # وسبب عوده أن المعز بن باديس بعث رسوله أبا القاسم بن عبد الرحمن إلى ~~بغداد في ذلكن فبعث معه الملك طغرلبك ، أبا علي بن كبير ليخاطب ملك الروم ~~في رد أبي غالب ، وكتب معه كتابا عنوانه : من ركن الدين وغياث المسلمين ، ~~بهاء دين الله وسلطان بلاد الله ، ومغيث عباد الله ، أبي طالب يمين الخليفة ~~أمير المؤمنين ، إلى عظيم الروم . ومضمونه بعد البسملة : الحمد لله القاهر ~~سلطانه ، الباهر برهانه ، العلي شأنه ، السابغ إحسانه ؛ ثم مر فيه إلى أن ~~قال : وقد نجم بمصر منذ سنين ناجم ضلالة يدعو إلى نفسه ، ويغتر بمن أغواه ~~من حزبه ، ويعتقد من الدين ما لا يستجيزه أحد من أهل العلم في الأئمة الأول ~~وهذا العصر ، ولا يستحسنه عاقل من أهل الإسلام والكفر . ثم ذكر رسول أبا ~~غالب وعاتب في أمره ، وطلب تسييره مخفورا إلى المعز بن باديس . فقدم إلى ~~قسطنطين . متملك PageV02P223 الروم بالقسطنطينية ms329 في صفر من هذه السنة ، ~~فتلقاه الملك وأدخله عليه ، وسأله عن السلطان طغرلبك ؛ فذكر له الرسالة ، ~~وطلب منه مقاطعة صاحب مصر ، وإطلاق أبي غالب ، وإرسال رسول المعز إليه . ~~فقال له : صاحب مصر مجاور لنا ، وبيننا وبينه عهود وهدنة ، وقد بقي منها ~~سنتان ، ولا يمكن فسخها ؛ وأما رسل المعز والرسل إليه فهم قوم يسعون في ~~الفساد . وتردد القول إلى أن أطلق أبا غالب وأجازه إلى المعز ، وعاد أبو ~~علي ورفيقه إلى بغداد في بقية السنة . وفيها قصر مد النيل ، ولم يكن في ~~المخازن السلطانية شيء من الغلال ، فاشتدت المسغبة بمصر . وكان لخلو ~~المخازن السلطانية من الغلال سبب ، وهو أن الوزير اليازوري لما تقلد وظيفة ~~قضاء القضاة في وزارة أبي البركات الجرجرائي كان ينزل إلى الجامع بمصر في ~~يومي السبت والثلاثاء من كل جمعة ، فيجلس في الزيادة منه للحكم ، على رسم ~~من تقدمه من القضاة ، وإذا أقبل العصر طلع إلى القاهرة . وكان في كل سوق من ~~أسواق مصر على أرباب كل صنعة من الصنائع عريف يتولى أمورهم ؛ وكانت عادة ~~أخباز مصر في أزمنة المساغبة متى بردت لا يرجع منها إلى شيء لكثرة ما تغش ~~به . وكان لعريف الخبازين دكان وكان يبيع الخبز ، وبحذانها دكان لصعلوك ~~يبيع الخبز أيضا ، وكان سعره يومئذ أربعة PageV02P224 أرطال بدرهم وثمن . ~~فرأى الصعلوك أن خبزه قد كاد يبرد ، فخاف من كساده ، فنادى عليه أربعة ~~أرطال بدرهم ليرغب الناس فيه ؛ فمال إليه الزبون فاشتروا خبزه لأجل تسمحه ~~بثمن درهم ؛ وبار خبز العريف ، فغضب ووكل به عونين من الحسبة أغرماه دراهم ~~. ووافق ذلك نزول قاضي القضاة إلى الجامع ، فاستغاث به ، فأمر بإحضار ~~المحتسب وأنكر ما فعله ؛ واعتذر بأن هذا من العريف وأنه لم يتحقق باطن ~~الحال . فأمر القاضي بصرف ذلك العريف وأن يغرم ما أخذ من الخباز ؛ والتفت ~~إلى صاحب ديوانه ، وقال : ما معك فادفعه إلى هذا الخباز . فناوله قرطاسا ~~فيه ثلاثون رباعيان ، فكاد عقله يطير فرحا . وعاد فنادى على الخبز خمسة ~~أرطال بدرهم ، فمال إليه الناس ، وهو ينادي بزيادة ms330 رطل برطل ، إلى أن بلغ ~~عشرة أرطال بدرهم . وانتشر ذلك في البلد جميعه ، وتسامح الناس به فتسارعوا ~~إليه ، فلم يبق في البلد خباز حتى باع عشرة أرطال بدرهم . # وكانت العادة أن يبتاع في كل سنة غلة للسلطان بمائة ألف دينار ويمحل ~~متجرا . فلما عاد القاضي إلى القاهرة مثل بحضرة الخليفة وعرفه ما مر به في ~~يومه من إرخاص السعر بغير موجب ؛ وقال : يا مولانا ، إن المتجر الذي يقام ~~بالغلة فيه مضرة كبيرة على المسلمين ، وربما انحط السعر عن مشتراها فلا ~~يمكن بيعها ، فتتغير في المخازن وتتلف ، وأنه يقام متجر لا كلفة على الناس ~~فيه ، ويفيد أضعاف فائدة الغلة ، ولا يخشى عليه من تغير في المخازن ولا ~~انحطاط سعر ؛ وهو الخشب والصابون والحديد والرصاص والعسل وما أشبه ذلك . ~~فأمضى الخليفة ما رآه ، وبطل المتجر في الغلة وتوسع الناس بذلك . ~~PageV02P225 # | سنة خمس وأربعين وأربعمائة # سنة ست وأربعين وأربعمائة # فيها أيضا قصر مد النيل ؛ ونزع السعر ؛ ووقع الوباء . ولم يكن في المخازن ~~السلطانية إلا ما ينصرف في جرايات من في القصور ومطبخ الخليفة وحواشيه لا ~~غير ، فورد على الوزير من ذلك ما أهمه . وصار سعر التليس ثمانية دنانير ، ~~واشتد الأمر على الناس . وكان التجار بين نار المعاملين وضيق الحال عليهم ~~في القيام للديوان بما يجب عليهم من الخراج ، ومطالبة الفلاحين بالقيام به ~~، يبتاعون منهم غلاتهم على أن يصبروا عليهم إلى حين إدراكه بسعر يربحون فيه ~~. فإذا استقرت مبايعتهم لهم حضروا معهم للديوان ، وقاموا عنهم للجند بما ~~يجب عليهم ، وكتب ذلك في روزنامج الجند مع مبلغ الغلة ؛ فإذا أدركت الغلة ~~وصارت الأجران يكتالونها ويحملونها إلى مخازنهم . فمنعهم الوزير من ذلك ، ~~وكتب إلى العمال بجميع النواحي أن يستعرضوا روزنامجات الجهابذة ، ويحضروا ~~منها ما قام به التجار من المعاملين ، ومبلغ الغلة الذي رفع الإيقاع إليه ، ~~وأن يقدموا للتجار ما وزنوه للديوان ويربحوهم في كل دينار ثمن دينار ؛ ~~ويضعوا ختومهم على المخازن ويطالعوا ما يحصل تحت أيديهم بها . فلما تحصلت ~~بالنواحي جهز المراك بحمل العلات ، وأودعها المخازن ms331 السلطانية بمصر ، وقرر ~~ثمن كل تليس ثلاثة دنانير بعد أن كان ثمانية دنانير . وسلم إلى الخبازين ما ~~يبتاعونه لعمارة الأسواق ووظف ما تحتاج إليه القاهرة ومصر ، فكان ألف تليس ~~في كل يوم ، لمصر سبعمائة وللقاهرة ثلثمائة . فقام بالتدبير أحسن قيام مدة ~~عشرين شهرا ، حتى أدركت الغلة فتوسع الناس بها ، وزال عنهم الغلاء . ~~PageV02P226 وكان عند استقرار الهدنة مع قسطنطين ملك الروم ، في أيام وزارة ~~أبي نصر الفلاحي ، قد وصل رسولان أحدهما هو المتكلم المترجم ، وكان داهية ~~أديبا شاعرا نحويا فيلسوفا ولد بالروم ونشأ بأنطاكية ، ودخل العراق ، ولقن ~~من العلوم والآداب ما بعد به صيته ، وكان يعرف بابن أصطفانوس ؛ والآخر ~~متحمل الهدية ، وهو صاحب حرب يعرف بميخائيل . فرأيا من حسن زي الدولة وجميل ~~سيرتها ما أعجبا به ، لا سيما ميخائيل ، فإنه أطربه ما رأى وحسن موقعه في ~~نفسه . وساروا وقد امتلأت قلوبهما بمحبة ما شاهداه . فاتفق ملك الروم ~~وتمليك ميخائيل هذا ، فبلغه ما بمصر من الغلاء ، فحمل إليها مائة ألف قفيز ~~قمحا ، وقدم كتابه أمامها يعين الغلة والكيل الذي تستوفي به إذا وصلت ؛ ~~فانتهت إلى أنطاكية . وأعد هدية الهدنة على ما جرت به العادة ، وهدية من ~~ماله . فلما رأى الروم ذلك ظنوا به الميل إلى الإسلام ، فقتلوه في ثامن ~~شوال ؛ فكانت مدة ملكه اثنتي عشرة سنة سبعة أشهر ، وعمره أربع وخمسون سنة ~~وشهر واحد . وأقاموا رجلا يعرف بابن سقلاروس من أهل أنطاكية ، وكان لجوجا ~~خبيثا حديدا ، فاعترض الهديتين وأخذهما ، وقال : أنا أنتفع بهما وأنفق ~~ثمنهما على قتال المسلمين . # وكانت للوزير بالقسطنطينية عيون ، فكتبوا إليه بذلك ، فسير مكين الدولة ~~الحسن ابن علي بن ملهم الكتامي إلى اللاذقية في عسكر لحصارها والتضييق على ~~من فيها ؛ فحاصرها حتى اشتد على من فيها الأمر . فكتب ابن سقلاروس ، متملك ~~الروم ، إلى الحضرة يستوضح ما الذي أوجب ذلك ؛ فأجيب أن الذي أوجبه ما كان ~~فعله في نقض ما استقر مع من تقدمه من الهدنة ، وقبض الهدية ، والهدية التي ~~ليست من ماله . فأجاب بأنه يحمل الهدية ؛ فاشترط عليه إطلاق ms332 من في بلاد ~~الروم الأسرى . فأجاب بأنه إذا أطلق من لهم في بلاد الإسلام من أسرى الروم ~~أطلق من في بلاد الروم من أسرى المسلمين . فأجيب بأنه PageV02P227 لا يصح ~~التماسه لذلك ، لأن من أسر من بلاد الروم تفرقوا في الممالك بالعراق ~~والدولة الفاطمية والمغرب واليمن وغير ذلك ، ولا حكم للحضرة على جميع ~~الممالك ، ويرتجع منها ما صار في أيدي أهلها ؛ وبلاد الروم بخلاف ذلك ؛ ومن ~~حصل فيها من المسلمين كمن هو معتقل في دار واحدة لا يمكنه الخروج منها إلا ~~بإذن أهلها ؛ وبين الحالين فرق كبير . فأجاب بأنه لا يطلق من في بلاده من ~~أسرى المسلمين . فاشترط عليه النزول عما صار في أيدي الروم من الحصون ~~الإسلامية ؛ فامتنع من ذلك وقال إذا سلم إلينا ما صار في أيدي المسلمين من ~~حصون المسلمين من حصون الروم سلم ما في أيديهم من حصون المسلمين . فبدل ~~الجيش بجيش آخر ، وخرج مع مقدمه الأمير السعيد ليث الدولة ، فنازل اللاذقية ~~حتى فتحها ، ووقع العنف فيها . وأجيب بأنه لا يصح أن يسلم إليهم ما صار في ~~أيدي المسلمين من الحصون لأنهم قد أنبتوا فيها العقارات وأنشئوا فيها ~~البساتين . فقال : يدفع لهم عن أملاكهم وما أنشئوه من البساتين وغيرها ، ~~وما أنفقوه فيها ، وينتقلون عنها إلى غيرها من بلاد المسلمين . فأجابوا إلى ~~أن يسلموا ما في أيديهم من الحصون الإسلامية . # وكانت العادة جارية بأنه إذا وصلت هدية من الروم إلى الحضرة تقوم ويحمل ~~إليهم هدية موضعها بثلثي قيمتها ، ليكون للإسلام مزية عليهم بالثلث ؛ ~~فاشترط أن يكون فيمة ما يحمل إليهم من الهدية عوضا عن قيمة هديتهم النصف ؛ ~~فأجابوا إلى ذلك أيضا . فاشترط عليهم أن يردوا كل من تضمه دار البلاد ، ~~التي هي دار الملك ومحله ؛ فامتنع من ذلك . فأمد الجيش بجيش ثالث وعليه ~~أميران ، هما موفق الدولة حفاظ بن فاتك وأبو الجيش عسكر بن الحلي ، ومقاد ~~جميع الجيش إلى الأمير مكين الدولة وأمينها ابن ملهم . فأوغلوا في بلاد ~~الروم ينهبون ويقتلون ويأسرون حتى أعظموا النكاية فيها ، والرسل والمكاتبات ms333 ~~تتردد ، إلى أن استقر القيام بالجزية التي التمسها أمراء البلاط ، وجهزت ~~الهدية . وبلغت الجزية المذكورة نيفا وثلاثين ألف دينار . PageV02P228 # وحمل ذلك إلى أنطاكية ؛ فبلغهم قتل الوزير ، فأعيدت إلى القسطنطينية . ~~وزينت بلاد الروم لموته ، وكثر ابتهاجهم بما صرف عنهم من خشونة جانبه عليهم ~~، وشدة شكيمته . وأما ابن ملهم فإنه لما أوغل في بلاد الروم وقارب أفامية ~~وجال في أعمال أنطاكية نهب وسبى ، فقدمت من القسطنطينية قطائع يقال إن ~~عدتها ثمانون قطعة ، فكانت بينها وبين ابن ملهم حروب آلت إلى أن أسر هو ~~وجماعة من أعيان العرب في آخر ربيع الآخر . # وفيها استدعى راشد بن عليان بن سنان ، أمير الكلبيين ، فاعتقل بالقاهرة ، ~~وردت إمارة بني كليب لنبهان القريطي . وقبض على إقطاع راشد وأخيه مسمار ، ~~وهو مقيم بظاهر دمشق ، ففر إلى غالب بن صالح . فكتب المستنصر إلى ثمال ينكر ~~عليه تسيير هدية إلى ملك الروم ، فتحير في أمره واعتذر . PageV02P229 # | سنة سبع وأربعين وأربعمائة # فيها سير المستنصر إلى كنيسة قمامة ، فأحتاط بجميع ما فيها . وذلك أن ~~القاضي أبا عبد الله القضاعي كان قد توجه من عند الخليفة برسالة إلى متملك ~~الروم ، فقدم وهو بالقسطنطينية رسول السلطان طغرلبك بن سلجوق يلتمس من ~~الملكة تيودورا أن تمكن رسوله من الصلاة في جامع قسطنطينية ، فأذنت له في ~~ذلك ؛ فدخل إليه وصلى به ، وخطب للخليفة القائم بأمر الله العباسي . فبعث ~~القضاعي بذلك إلى المستنصر ، فأحاط بما في قمامة وأخذه ، وأخرج البطرك منها ~~إلى دار مفردة ؛ وأغلق أبواب كنائس مصر والشام ، وطالب الرهبان بالجزية ~~لأربع سنين ، وزاد على النصارى في الجزية . وكان هذا ابتداء فساد ما بين ~~الروم والمصريين . # وفيها تجمع كثير من التركمان بحلب وغيرها ، وأفسدوا في أعمال الشام . # وفيها تزايد الغلاء ، وكثر الوباء ، وعم الموتان بديار مصر . # وفيها سار مكين الدولة الحسن بن علي بن ملهم من القاهرة بالعساكر ؛ ونودي ~~في بلاد الشام بالغزو والجهاد . واستدعى راشد بن عليان بن سنان إلى القاهرة ~~، وقرر معه أن يسير في قومه الكلبيين مع ابن ملهم ، ثم قبض عليه . وعقدت ms334 ~~إمارة الكلبيين لنبهان ، وقيل لسنان ، فنزل ابن ملهم أفامية ، ثم سار إلى ~~حسن قسطول فحصره عشرين يوما حتى أخذه PageV02P230 بالأمان ، في ثامن ربيع ~~الأول سنة سبع وأربعين . وعاد إلى أفامية فحصرها ورماها بالمجانيق ، فطلبوا ~~الأمان على أن يرحل عنهم ؛ فلما رحل أحرقوا القلعة وانهزموا ، فلحقهم ~~وقتلهم ، وأطفأ النار من القلعة ، وأغار على البلاد ؛ فلم يكن بأنطاكية من ~~يذب عنها ، وجمع كل طامع في النهب بحجة ابن ملهم . وتوسط ثمال بن صالح ~~للصلح ، فلم يتم . وسيرت الملكة تيودورا أسطولا إلى أنطاكية ، فوصل ~~اللاذقية ثمانون قطعة ، وخرج دوقس أنطاكية وبطركها في جماعة ، فظفروا ~~بشينيين للمسلمين معهما الغنائم ؛ فسار ابن مهلم نحوهم ، وكشف الروم إلى ~~طرف أنطاكية ، واستنقذ الأسرى منهم وقتل منهم خلقا كثيرا . فدار الأسطول ~~إلى طرابلس وقاتلوا أهلها ، فقتل من الفريقين خلائق . وعاد الأسطول الرومي ~~إلى اللاذقية ، فماتت الملكة تيودورا بعد سبع سنين من ملكها وتسعة أشهر ~~واثنتي عشرة ليلة ؛ وملك بعدها ميخائيل . PageV02P231 # | سنة ثمان وأربعين وأربعمائة # فيها جهزت الأموال لأبي الحارث البساسيري ، فخرج بها المؤيد في الله عبد ~~الله بن موسى ، وجملتها ألفا ألف وثلثمائة ألف دينار ، العين ألف ألف ~~وتسعمائة ألف دينار ، والعروض أربعمائة ألف دينار . # وكان من خبره أنه كان من جملة المماليك الأتراك فصار إلى بهاء الدولة بن ~~عضد الدولة بن بويه ، رجل من أهل فسا ، إحدى مدائن فارس ، فلذلك قيل له ~~البساسيري ؛ وتنقل في الخدم حتى صار مقدم الأتراك ببغداد في أيام الخليفة ~~القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن أحمد القادر ، وتلقب بالمظفر . وكان ~~القائم لا يقطع أمرا دونه . فطار اسمه وتهيبته أمراء العرب والعجم ، ودعى ~~له على منابر العراق والأهواز ، وتجبر . وأراد في سنة ست وأربعين من ~~الخليفة أن يسلم إليه أبا الغنائم وأبا سعد ابني المحلبنا ، صاحبي قريش ابن ~~بدران صاحب الموصل ، فلم يمكنه من ذلك . فسار إلى الأنبار ونصب عليها ~~المجانيق ، وهدم سورها وأخذها قهرا ، وأسر أبا الغنائم ابن المحلبان ومائة ~~رجل من بني خفاجة ، وكثيرا من أهل الأنبار . ورجع إلى ms335 بغداد وأبو الغنائم ~~بين يديه على جمل في رجليه قيد ؛ فصلب كثيرا من الأسرى . PageV02P232 واتفق ~~في شهر ربيع الآخر من سنة سبع وصول زورق فيه ثمر للبساسيري ، فخرج إليه ابن ~~سكرة الهاشمي في جماعة ، فأراقوه ونهبوا دوره وأخذوا دوابه ؛ وكان هو إذ ~~ذاك في نواحي واسط . فلما بلغه ذلك نسبه إلى الوزير رئيس الرؤساء أبي ~~القاسم بن المسلمة ، فعظمت الوحشة بين وبين الوزير . وسار إلى دبيس بن ~~بدران وهو مستوحش ، فوافت رسل طغرلبك بن ميكال بن سلجوق إلى الخليفة القائم ~~بإظهار الطاعة ، فتقرر الأمر مع الملك الرحيم خسرو فيروز بن أبي كاليجار ~~المرزبان ابن سلطان الدولة أبي شجاع ، على أن يخطب لطغرلبك ببغداد ؛ فخطب ~~له لثمان بقين من شهر رمضان منها . # ثم إنه قدم إلى بغداد وقبض على الملك الرحيم وعلى جماعة ، ثم بعث به إلى ~~قلعة السيروان ، وفر منه قريش ، ثم إنه خلع عليه ورده إلى أهله ، وأخذ ~~أموال الاجناد البغداديين وأمرهم بالسعي في طلب الرزق ؛ فسار أكثرهم إلى ~~البساسيري . وبعث طغرلبك إلى الأمير نور الدين دبيس بن بدران أن يحضر إليه ~~البساسيري ، فالتزم له بذلك . وبلغ البساسيري الخبر ، فسار إلى رحبة مالك ~~بن طوق ، وكاتب المستنصر يطلب منه الإذن له في الدخول إلى حضرته ؛ فأشير ~~على المستنصر بألا يمكنه من الحضور ، وأن يعده بما يرضيه ، وسير إليه الخلع ~~. فبعث يسأل في النجدة ، ويلتزم بأخذ بغداد وإقامة الخطبة بها للمستنصر ~~وإزالة دولة بني العباس ، وأنه يكفي في رد طغرلبك عن قصده البلاد الشامية . ~~فجهزت إليه خزائن الأموال العظيمة على يد المؤيد في الدين أبي نصر هبة الله ~~بن موسى في سنة ثمان وأربعين ، حيث لم يترك في خزائن أموال القصر شيء ألبتة ~~. # وخرج خطير الملك محمد بن الوزير من القاهرة في تجمل عظيم ، ومعه من كل ما ~~يريد ، PageV02P233 حتى أخذ أحواض الخشب وفيها الطين المزروع فيه سائر ~~البقول برسم مائدته . ومعه من خزائن الأموال والأسلحة والآلات والأمتعة ما ~~يجل وصفه . فسار إلى القدس ، ورحل منها إلى اللاذقية يريد فتحها ms336 . فلما كان ~~في شوال منها واقع البساسيري ودبيس قريش ابن بدران العقيلي صاحب الموصل ~~وقتلمش ابن عم طغرلبك ، وكان طغرلبك قد سيره إلى سنجار في ألفين وخمسمائة ~~فارس . فكانت الوقعة المشهورة التي لم يفلت منها إلا مائتا فارس أو دونها . ~~وانهزم قريش وقتلمش ، واستولى البساسيري ودبيس على الموصل وأقاما بها ~~الدعوة للمستنصر ، وكتبا إليه بذلك ؛ فسيرت إليهما الخلع ولجماعة أمراء ~~العرب . # وعمل الشعر في هذه الواقعة . فمن مليح ما قيل لابن حيوس : # عجبت لمدعى الآفاق ملكا . . . وغايته ببغداد الركود # ومن مستخلف ، بالهون يرضى . . . يذاد عن الحياض ولا يذود # وأعجب منهما شعب بمصر . . . تقام له بسنجار الحدود # وبلغ ذلك طغرلبك ، فسار يريد الموصل حتى بلغ نصيبين ، فأوقع بالعرب ~~وألقاهم بين يدي الفيلة ، فقتلهم شر قتلة . وبعث إليه دبيس وقريش بالطاعة ~~فقبل منهما . وسار إلى دياربكر ؛ وجهز أخاه داود إلى الموصل ، فتسلمها وعاد ~~إلى بغداد . PageV02P234 # | سنة تسع وأربعين وأربعمائة # فيها تسلم مكين الدولة ابن ملهم من ثمال بن صالح مدينة حلب في آخر ذي ~~القعدة ، وانكفت أيدي التركمان عنها ، وأقيمت خطبة المستنصر فيها وقطعت ~~خطبة القائم ؛ وذلك بعد حروب عظيمة . وكان دخول ابن ملهم حلب يوم الخميس ~~لثلاث بقين من ذي القعدة ، فبقي على ملكها أربع سنين . وفيها قدم كتاب من ~~بخارى أنه وقع بها وباء عظيم حتى هلك من ذلك الإقليم ألف ألف وستمائة ألف ~~وخمسون ألف إنسان ، وخلت الأسواق ، وأغلقت الأبواب . وتعدى الوباء إلى ~~آذربيجان فالأهواز والبصرة وواسط ، وعامة تلك الأعمال ، فكانت الحفيرة تحفر ~~ويلقى فيها العشرون والثلاثون من الأموات . وكان سببه قلة القوت والجوع ، ~~فنبشت الأموات وأكلهم الناس . وكان الموت إذا وقع في دار مات جميع من فيها ~~، وكان المريض ينشق قلبه عن دم المهجة ، فيخرج من فمه قطرة فيموت ، أو يخرج ~~من في دود فيموت . وكل دار كان فيها خمر مات أهلها كلهم في ليلة واحدة ، ~~ومن كانت امرأته حراما ماتا معا ، ومات قيم مسجد وله خمسون ألف درهم فلم ~~يقبلها أحد ، ووضعت في المسجد تسعة أيام ، فدخل ms337 أربعة من الشلوح إليها ليلا ~~ليأخذوها فمات الأربعة عليها . وكان يموت الوصي قبل الموصى ، وكل مسلمين ~~كان بينهما تفاخر ولم يصطلحا ماتا . وابتدأ هذا الوباء من تركستان ، ودب ~~منها إلى كاشغر والشاش وفرغانة ، وعم النساء والصبيان ، فمات الصبيان ~~والكهول والفتيان من سائر الناس إلا الملوك والعساكر ، فإنه لم يمت منهم ~~ولا من الشيوخ والعجائز إلا القليل ! ! PageV02P235 # | سنة خمسين وأربعمائة # في أول المحرم قبض المستنصر على وزيره الناصر للدين ، غياث المسلمين ، ~~أبي محمد اليازوري ، وكان قد جمع له ما لم يجتمع لغيره من تقليد الوزارة ~~وقضاء القضاء وداعي الدعاة . وكان للقبض عليه أسباب ، منها أن طغرلبك لما ~~ملك بغداد كان بها لليازوري عيون كثيرة يطالعونه بدفين الأمور وجليلها ، ~~فوصلت كتبهم بوصوله ، وأنهم سمعوه يذكر إزماعه على التوجه نحو الشام ليملكه ~~. فقل لذلك ورأى أن الحيلة أبلغ من الاستعداد له ، فكتب إليه يهنئه بوصوله ~~إلى العراق ، ويبذل له من الخدمة ما يوفى على أمله ، وأن مصر وأعمالها ~~بحكمه ، وأنه وإن كان مستخدما لدولة ويدعو إليها فإنه يعلم كثرة الاختلاف ، ~~فمن تجاوزها في نسبها ، واتفاق الكلمة ووقوع الإجماع على الرضا بالخليفة ~~الصحيح النسب ، الصريح الحسب ، الهاشمي العباسي ، وأنه لا يمتنع عن الإقرار ~~له بذلك . وأعطاه صفقة يده على مبايعته ، وتسليم الدولة له . وأنه قد اتصل ~~به إزماع حضرته على التوجه إلى الشام ، وأنه أشفق من تسليمها إليه فتطأها ~~عساكره مع كثرتها وتجمعها فيخربها ويعفى آثارها ، ولا يقع بملكها انتفاع ، ~~ولا يرجى لها ارتفاع ؛ فإن رأى أعفاها من وطء العساكر لها ، ووصول ركابها ~~إليها ، على وجه الفرجة والنظر إلى دمشق وحصنها ، فلها عالي رأيها . # فلما وقف طغرلبك على كتابه قال هذا كتاب رجل عاقل ، ويجب أن يعتمد ما ~~أشار به بالإذن للعسكر في عودتهم إلى بلادهم ؛ فمضى كل منهم لوجهه . ثم أمر ~~فضرب فساطيطه في الجانب الغربي من بغداد ؛ فكتب بذلك عيون اليازوري إليه ، ~~فقلق ، ثم كتب إليه : لا تغرنك الأماني والخدع بأن أسلم إليك أعمال الدولة ~~، وأخون أمانتي لمن غذاني فضله وغمرني إحسانه ms338 ، وتتعين علي طاعته وموالاته ~~. فإن كنت تسلم إلي ما في يدك لصاحبك من العراق وأعماله سلمت إليك ما في ~~يدي لصاحبي ، بل الواجب أن تكون كلمة الإسلام مجموعة PageV02P236 لابن بنت ~~النبي الذي هو أولى بمكانه من غيره . وإن رغبت في المهادنة والموادعة ~~انتظمت الحال بين الدولتين ، وأمن الناس بينهما . فإن أبيت إلا الخلاف ، ~~ونزع الهوى بك إلى الظنون الفاسدة ، والأطماع الكاذبة فليس لك عندي إلا ~~السيف . فإن شئت فأقم ، وإن شئت فسر . فغاظ ذلك طغرلبك وقال : خدعني هذا ~~الفلاح وسخر مني . وكتب إلى إبراهيم بن ينال ، أخي طغرلبك لأمه ، برد ~~العسكر مسرعا ، فلم يتأت له اجتماعهم . وكان اليازوري قد بث عيونه وجواشيه ~~في عسكر طغرلبك واستفسد أعيانهم بكثرة الأماني والمواعيد ، مثل خاتون زوج ~~طغرلبك ، والكندري وزيره ، وابراهيم ينال أخيه وصاحب جيشه ؛ فمالوا إليه ~~وقعدوا عن صاحبهم . وحمل خاتون على قتله ، فامتنعت من ذلك وواعدته أنها ~~تتحيز بغلمانها ، وهم نحو اثني عشر ألفا ، عنه ؛ فاعتزلت بهم . وكان ذلك ~~ظفر البساسيري بعسكر طغرلبك ، وظفر كثير منهم ، ورجوع طغرلبك من بغداد ~~طالبا لجمع عسكره الذي تفرق عنه . وهو أنه سار في هذه السنة ملك البساسيري ~~وقريش الموصل بعد حصار شديد نحو أربعة أشهر حتى هدم قلعتها . فخرج طغرلبك ~~يريدهما ، فسارا عن الموصل ، وهو يتبعهما ، إلى نصيبين ؛ ففارقه إبراهيم ~~ينال وقصد همذان ، ولحقه الأتراك الذين كانوا ببغداد . ففت ذلك في عضد ~~طغرلبك وترك ما هو فيه ، ورجع ليضم إليه من تفرق عنه ، وترك بغداد . فقوى ~~أبو الحارث البساسيري ، وكثف جمعه ، وقصد أعمال العراق ، ففتح بلدا بلدا ، ~~وتملك الأعمال والرساتيق طوعا وكرها ، والدولة المصرية تمده بما يستعين به ~~على ذلك ؛ وهو لا ينفذ في أمر من الأمور إلا بما يقرره اليازوري . فكثرت ~~حساده على ما يتوالى من سعادته في كل يوم ، وما يتجدد له من رئاسة يقتضيها ~~حسن آثاره في الدولة ، وتأثيراته في جميع الأطراف والممالك بلطف السياسة ~~ومحكم PageV02P237 التدبير الذي يبلغ به غاية آماله ، بحيث لا يبلغ غيره ~~بعضها إلا بإنفاق الجمل العظيمة ، وتفريغ ms339 بيوت الأموال ؛ ثم لا يكاد يظفر ~~ببلوغ أمل في جهة من الجهات إلا دوخها وثبتت آثاره فيها الدهر الطويل . ~~وصار أعداؤه يتعجبون مما يتأتى له من السعادة وتعينه عليه الأقدار . ~~واستطالوا مدته ، فابتغوا له الغوائل ، ونصبوا له الحبائل ، وركبوا عليه ~~المناصب حتى كان هلاكه بأقل الناس وأحقرهم ، وأدناهم منزلة ، وأضعفهم قدرة ~~، وهم من أطراف الخدام . فأقاموا رجلين ، أحدهما خادم يعرف بمفرج المغربي ~~كان في حاشيته ، والآخر خازن يتولى خزانة الفرش يعرف بتنا ؟ . وحكوا أنه ~~نقل الأموال إلى الشام في التوابيت وفي شمع سبكه وأعده إلى القدس وإلى ~~الخليل ، وأنه قد عول على الهرب إلى بغداد ؛ واستظهروا بكتابه الذي ذكر إلى ~~طغرلبك ؛ مع ما في طبيعة الملك من الحسد والملل ، والأنفة من الاستبداد ~~عليهم ومحبة الانفراد بالمجد . وكان من أسباب الخذلان أن المستنصر التمس من ~~صفي الملك ، ولد اليازوري ، عمل دعوة يدعوه إليها ، فدافعه عن ذلك استعظاما ~~لحضوره عنده ؛ فأقام مدة حتى بعثه والده الوزير على تكلف عملها له ؛ فتهمم ~~لذلك ، واصطنع ما يجب إعداده ، وتقرر الحال على يوم يحضر فيه . فلما كان ~~قبل ذلك بيوم حضر صفي الملك عند الوزير وأعلمه بإنجاز ما يحتاج إليه ، فصار ~~معه إلى الدار واستصحب خواصه ، فرأى ما يقصر عنه الوصف . وفرش مجلسين ~~بديباج بياض كله ، وفيه جامات كبار وحمر منقوش ، كل مجلس بثلاث مراتب وبساط ~~ملء المجلس ؛ وسراديق وحجلين للصدر والباب كله جديد كما حمل من الأعدال ؛ ~~فقدر ذلك بخمسة آلاف دينار . فأقبل كل من حضر يبالغ في صفته ويدعو ، وشخص ~~منهم ساكت . فلحظ الوزير وأمسك حتى فرغ من تطواف المجالس وعرض كل ما أعده ، ~~وعدل إلى بيت الطهارة وقد أعد في دهليزه من الفرش والآلات والطيب ، وداخله ~~من الفواكه والمشمومات كل مستحسن . ودعا الوزير الرجل الذي سكت عند مبالغة ~~من حضر في الوصف ، وقال : يا عمدة الملك ، مالي لم أسمعك تؤمن على ما قال ~~الجماعة ؟ فقال له بد ما سأله الإعفاء عنه وتركه من القول ، فأبى إلا أن ~~يقول : سيدنا فيما أعده من ms340 هذا الجمال بين أحد رأيين ، إما أن يأمر بإزالته ~~ونصب غيره مما قد PageV02P238 استعمل ، وإما يحمل إلى الخليفة إذا انقضى ~~جلوسه عليه . فقال : وما هو هذا ؟ أليس هو مما أنعم به وصار إلي من فضله ؛ ~~وما قدره حتى تمتد عينه إليه أو تتطلع له نفسه ! واما إزالته ونصب غيره فما ~~كنت أكسر في نفس هذا الصب شهوة ، فإني متى أمرت بإزالته حزن لذلك . وافترقا ~~. فلما كان الغد جاء المستنصر وأقام يومه ذلك في الدار ، وأحضر إليه الطعام ~~مما حوله من الطرف ؛ ثم عاد آخر النهار . وحضر عند الوزير أصدقاؤه ، فانفرد ~~بذلك الرجل ، وقال : يا عمدة الدولة ، والله ما أخطأ حزرك فيما قلته بالأمس ~~؛ منذ دخل الخليفة إلى الدار إلى أن خرج لم يطرف طرفة عن تأمل الفرش ، فإذا ~~وجهت طرفي نحوه أطرق وتشاغل . فقال له : يا سيدنا أما إذ فات الأمر الأول ~~فلا يفوت الثاني . فقال : والله لا فعلت ولا غممت صفي الملك . # واتفق أنه خرج يوما وعليه ثوب بديع ، فلما عاد قال لصديقه : يا عمدة ~~الدولة ، لحظتك اليوم تنظر الثوب الذي كان علي فعجبت من ذلك ، فلما مثلت ~~بحضرة مولانا أقبل يتأمل الثوب ولم يزل يزحف من الدست حتى مد يده إلى الثوب ~~وتلمسه ، فزال عجبي منك إذ كان الخليفة يتأمله ؛ والملوك إذا أنعموا على ~~أحد استحال التظاهر بإحسانهم حسدا ومللا . # وكان راتب مائدته في كل يوم كوائد الملوك في الأعياد والولائم . وكان لا ~~يبتاع لمطبخه من الطير ما هو معرق ولا مصدر ؛ وكان سعر المعرق ستة بدينار ~~والمصدر أربعة بدينار ، والمسمن ثلاثة بدينار ، والفائق اثنان بدينار ؛ ~~وكان يعمل لداره ومن فيها المسمن ، وأما مائدته فلا يقدم عليها إلا الفائق ~~. PageV02P239 # فلما كان في سنة سبع وأربعين وقصر النيل نزع السعر وغلا حتى بلغ التليس ~~ثمانية دنانير وصار الخبز طرفة . وكان المستنصر يحضر دار اليازوري كل يوم ~~ثلاثاء على عادته ، فتقدم إليه المائدة ، فإذا هي على ما يعهد لم يخل منها ~~بشيء حتى الدجاج الفائق ؛ فقال لصاحب مطبخه : ويلك ، يكون ms341 راتب مائدة ~~الوزير الدجاج الفائق ومائدتي دون ذلك ! فقال : يا مولانا ما ذنبي إذا قصر ~~بك أصحاب دواوينك ولم يطلقوا لمائدتك ما ألتمسه منهم ، والوزير فلا تتجاسر ~~وكلاؤه أن يقصروا في شيء مما جرت العادة به في راتب مائدته وغيرها ، مع ~~تقدمه إليهم في كل يوم بالزيادة فيها وفي راتب داره . # فلما تظافر عداه عليه لم يشعر إلا في ساعة القبض ، فكتب إلى أبي الفرج ~~البابلي وكان قد قدمه وأحسن إليه ورفعه على جميع أصحاب الدواوين ، واستخلصه ~~دونهم ، كما يأتي إن شاء الله عند ذكر وفاته بعد البسملة : عرفنا يا أبا ~~الفرج أطال الله بقاءك وأدام عزك تغير الرأي فينا ، وسوء النية والطوية ؛ ~~فإن يكن هذا الأمر صائرا إليك فاحفظ الصحبة ، وارع واجب الحرمة ؛ وإن يكن ~~صائرا إلى غيرك فابتغ لنفسك نفقا في الأرض . على أنا نشير عليك : إن دعيت ~~إليه فأبى عنه فإنه أصلح لك وأعود علينا . والسلام . ودعى البابلي للأمر ، ~~ووزر ، لأنه لم يكن في الدولة من يتقدمه لما وطأة اليازوري وأمله من تقديمه ~~وتمييزه . وكان اعتزاله يغطي على عيوبه ، فلما ولي الوزارة بان للناس من ~~رقاعته وحدته وكثرة شره ما افتضح به ؛ وتجرد لمقابلة إحسان اليازوري بكل ~~قبيح وذكره بما لا يستحق من الغض . وكانت الرقعة التي كتبها إليه من أعظم ~~ذنوبه عنده فكان يقول ؛ يخاطبني وهو على شفير القبر بنون العظمة ! ولا ~~يذكره إلا بالسفاهة واللغو ، فسقط قدره من أعين الكافة وحذره كل أحد . ثم ~~لم يقنعه كون اليازري في PageV02P240 الاعتقال بمصر حتى نفاه إلى تنيس ، في ~~صفر ، ومعه نساؤه وأولاده وحاشيته ، فاعتقلوا بها . # ثم شرع البابلي في التدبير على قتله . قال الشريف فخر الدولة ومجدها ، ~~نقيب نقباء الطالبيين : قال لي مولانا يعني المستنصر يا فخر الدولة ؛ ما ~~رأيت أوقع من البابلي ؛ وذلك أن اليازوري لم ينته إلى ما صار إليه من عظيم ~~المنزلة إلا بعد أن تقدم له من المآثر والآثار في الدولة وما فتح على يديه ~~ما هو معلوم مشهور ، وكان يرتقي بذلك درجة ms342 بعد درجة إلى أن انتهى إلى ما ~~انتهى إليه ؛ والبابلي فمن أول يوم استخدمناه استدعى المنزلة التي لم يصر ~~ذلك إليها إلا بعد عدة سنين ، فأجبته إليها ، وقلت ترى تساعده الأقدار بأن ~~يكون مثل ما كان ذلك الرجل . ومنها أنه كان إذا حضر بين يدي يكثر التثريب ~~على اليازوري ويذكره بالقبيح ظنا منه تطلعنا إلى عوده إلى الأمر ، وليثبت ~~في نفوسنا سوء الرأي فيه . ولم نعلم أن غرضه قتله إلى أن كان اليوم الذي ~~سقت عليه الأتراك ووطئوا دراعته ، فإنه لما دخل إلي قال : يا أمير المؤمنين ~~، إنه لا ينفذ لك أمر ولا يتم لي نظر وهذا الكليب في قيد الحياة . فقلت : ~~ومن هو ذلك الكليب ؟ فقال : علي ابن عبد الرحمن اليازوري . فقلت : أيها ~~الوزير ، اعلم أني لم أصرف الوزير عن خدمتنا ولنا في إعادته رغبة ، فطب ~~نفسا ودع ذكره ، فأنت آمن مما تخافه من جهته . فقال : والله إن هذا لعجب من ~~حسن مقامك يا أمير المؤمنين عنه مع قبيح فعله ، وما هم به من قتلك ، حتى إن ~~السقية أقامت تدور في قصرك أسبوعا كاملا . فقلت : أيها الوزير ، أقامت ~~السقية تدور علي في قصري أسبوعا كاملا ؟ فقال : نعم . فأطرقت متعجبا ، ~~وبقيت ، PageV02P241 متفكرا في ذلك ، أصرف الظن بين تصديقه وتكذيبه ، ثم ~~أقول ، لو لم يطلع على ذلك لم يذكره . فأمسكت ، فظن بإمساكي أنني راض بما ~~يفعله معه ؛ وخرج فاستدعى طاهرا كاتب السر وسيره لقتله . ونمى الخبر إلى ~~مولاتنا الوالدة ، فأنكرت ذلك ودخلت إلي ، فقالت : أنت يا مولانا أمرت ~~البابلي بقتل اليازوري ! فقلت : لا . فقالت : قد سير طاهر ابن غلام لقتله . ~~فاستدعيت سعيد السعداء وأنفذته إليه ، وقلت له : قل له لم يأمرك بقتله ، ~~فأنفذ من يعيد طاهرا ويمنعه من النفوذ . فألفاه صاحب الرسالة في الحمام ، ~~فاعتذر إليه ، فقال : لا بد من الدخول ؛ ودخل وأدى الرسالة إليه ؛ فقال : ~~أخرج وأسير من يعيده . وطول في الحمام ثم خرج ، فإلى أن كتب الكتاب وسير به ~~النجاب سبقه ذلك إلى تنيس ، فلم يصل حتى نفذ الحكم ms343 فيه . ولما وصل طاهر إلى ~~تنيس أوصل كتاب البابلي إلى جمال الدين صبح يذكر فيه : إنا قد سيرنا طاهرا ~~فيما أنت تقف عليه من جهته ، فتثبت منه ، وتحضر معه لإنجازه وتحذر من ~~تأخيره من اليوم إلى الغد . فقال : وما الذي وصلت فيه ؟ فأخرج تذكرة بخط ~~البابلي فيها : إذا وصلت يا طاهر أعزك الله إلى تنيس وقد سغبت ولهثت من ~~العطش ، فلا تبل ريقك بقطرة دون أن يحضر علي بن حسن بن عبد الرحمن اليازوري ~~إلى دار الخدمة ، وتمضى حكم السيف فيه ؛ فد كتبنا إلى الأمير جمال الدولة ~~بمعونتك على ما يستدعيه ذلك ؛ فقدمه ولا تؤخره إن شاء أحد . فقال له : أنت ~~خليفة صاحب الستر ومرسل من جهة السلطان ، والأمر الذي وصلت فيه ممتثل ، ~~فأمض الحكم فيه . وأنفذ من يحضر اليازوري من معتقله ، والصقالبة والسعدية ~~خدام الستر وقوف ، والسياف قائم . فقال له طاهر : يا حسن ، يقول لك مولانا ~~أين PageV02P242 أموالي ؟ فلم يجبه ولم يرفع طرفه إليه . فقال له : إياك ~~أخاطب يا حسن بن علي بن عبد الرحمن ، يقول لك أمير المؤمنين أين أموالي ؟ ~~فلم تجبه . فرفع طرفه ونظر إليه وإلى الجماعة وفيهم حيدرة السياف ، وقال ~~لطاهر : يا كلب تجيء وهذا معك ، وأشار بيده إلى السياف ، وتسألني بعد ذلك ؛ ~~ولكن قل له يا مولانا قبض علي وأنا آمن على نفسي ، فإن يكن عندي مال ، فقد ~~وجدته في داري ، وكنت داعيك وثقتك المؤيد في الدين . في القمطرة الفلانية ~~ما يشهد بذكر مالك أين هو . فأشار طاهر إلى أولئك ، فأخذوه ، وضربت عنقه في ~~ليلة الثاني والعشرين من صفر ؛ وحملت رأسه مع طاهر إلى القاهرة ، وطرحت ~~جثته على مزبلة ثلاثة أيام . ثم ورد الأمر بتكفينه ، فكفن بعد أن غسل ، ~~وحنط بحنوط كثير ، وحمل ليلا ودفن وقد وضع رأسه مع جثته . # وكان له من المآثر المرضية ، والخلال الحميدة ، والأفعال الجميلة ، ~~والخلائق الرضية ما يتجمل الملوك بذكره . منها أنه كنت له مائدة يحضرها كل ~~قاض فقيه وأديب جليل القدر ، فإذا قدمت فكأنها الرياض من حسنها وسعة نفسه ms344 . ~~وكان الملازمون لمائدته نحو العشرين نسمة ، فيكون عليها كأحدهم . وقال عميد ~~الدولة : أقمت معه خمس عشرة سنة قبل وزارته ملازما له في المبيت والصباح ، ~~فكنت أراعيه في حالاته كلها ليلا ونهارا ، فلا أرى يتغير علي منها شيء ولا ~~يتبين لي منه غضب من رضا ؛ فأقبلت أدقق التأمل له في حالتي غضبه ورضاه ~~شهورا حتى تبين لي ، فكان إذ رضى توردت وجنتاه بحمرة ، وإذا غضب اصفرت ~~محاجر عينيه ، فعرفت أبي بذلك ؛ فقال : يا بني هذا غاية في سكون النفس وصحة ~~الطباع واعتدال المزاج . # وكانت طبائعه الأربعة على السواء ، فإذا أخل عمل طبيعة منها عهده أخذ ~~بإصلاحها حتى يعود إلى ما يعهده من استقامتها . وكان لا يعطل شرب الدواء ~~يوما واحدا فيشرب السكنجيين والورد أسبوعا ثم يريح نفسه ثلاثة أيام ؛ ثم ~~يشرب النقوع المغلى في PageV02P243 الشتاء والمنجم منه في الصيف أسبوعا لكل ~~منهما ؛ ويشرب ماء البذور أسبوعا ؛ ويشرب ماء الجين ثمانية أيام ؛ ويشرب ~~ماء البقل أسبوعا ثم يشرب الراوند المنقوع كذلك ؛ ويريح نفسه بين كل دوائين ~~ثلاثة أيام ، لا يخل بذلك في صيف ولا في شتاء . وكان ندي الوجه كثير الحياء ~~لا يكاد يرفع طرفا إلا لضرورة ؛ ولم يسمع منه قط في سؤال لفظة لا . بل كان ~~إذا سئل فما يرى إجابة سؤاله إليه يقول نعم ، بانخفاض من طرفه وخفوت من ~~صوته ، فإذا سئل فما يرى الإجابة إليه يطرف ولا يرفع طرفه ؛ وعرف هذا منه ~~فلا يراجع فيه إلا بعد مدة . وكان كل من يحضر مائدته يستدعى منه الحضور بين ~~يديه لئلا يستمروا عنده ؛ وكان فيهم من يشرب السكر ، فإذا حضروا عرفوا ~~مجالسهم وما قرره لهم ، فكان من لا يشرب النبيذ يجلس عن يمينهن ومن يستعمله ~~يجلس عن يساره ؛ وبين يدي كل منهم الفواكه الرطبة واليابسة والحلاوة ، ~~وستارة الغناء مضروبة ؛ فيجلسون وهو مشغول يوقع ، وهم يتحدثون همسا وإشارة ~~وإيماء ، إلى أن ينقضي أربه من التواقيع فيستند وينشطهم بالحديث ويقول : قد ~~تجدد اليوم كذا وكذا ، فما عندكم فيه . فيقول كل أحد ما يراه ms345 وهو يسمع لهم ~~، حتى يستكمل الجماعة الذين عن يمينه ثم يعطف على شماله فيقول : من هناك ~~قولوا ، فيقولون وهو يسمع ولا يرد على أحد شيئا فلا يصوب المصوب ولا يخطىء ~~المخطىء ، ويبيت يضرب الآراء بعضها ببعض حتى يمحض له الصواب ، ويصبح يرمي ~~فلا يخطىء . فكانت أفعاله هكذا طول مدته ، لا يستبد قط برأيه ولا يأنف من ~~المشورة ، بل يقول : المستبد برأيه واقف على مداحض الزلل ، وفي الاستشارة ~~كل عقول الرجال . وبهذا تم له ما كان يدبره حتى ترك فيما رامه من الطرز ~~الآثار الباقي ذكرها . # وجاء ارتفاع الدولة في أيامه ألفي ألف دينار ، يقف منها ويسكن ، وينصرف ~~للرجال وللقصور وللعمائر وغيرها ، ويبقى بعد ذلك مائتا ألف دينار حاصلة ، ~~يحملها كل سنة PageV02P244 إلى بيت المال . فحظى بذلك عند سلطانه ، وتمكن ~~منه ، وارتفع قدره حتى سأل أن يكتب على سكة نقش عليها : ضربت في دولة آل ~~الهدى من آل طه وياسين ، مستنصر بالله جل اسمه ، وعبده الناصر للدين سنة ~~كذا ، وطبعت عليها الدنانير مدة شهر ثم أمر المستنصر بمنعها ، ونهى أن تسطر ~~في السير . # وكانت أيام نظره حوامل لتوالي الفتوحات وعمارة الأعمال . وكان شريف ~~الأخلاق ، عالي الهمة كريم الطباع ، وطىء الأكناف ، مستحكم الحلم ، واسع ~~الصدر ، ندي الوجه ، يستقل الكثير ، ويستصغر كل كبير . وكان إذا أعطى أهنأ ~~، وإذا أنعم على إنسان أسبغ ، وإذا اصطنع أحدا رفعه إلى ما تقصر الآمال ~~والأماني عنه ؛ مع عظيم الصدقة ، وجزيل البر الذي عم به أهل البيوتات مما ~~جعله لهم من المشاهرات على مقاديرهم . وكذلك الأشراف والفقراء وأهل الستر ~~بالقرافة ، فكان يجري عليهم البر والكساء على يد بعض اليهود ، ويعرف بابن ~~عصفورة ، وكيل السيدة أم المستنصر ، فكانوا يظنون أنه من إنعامها ؛ فلما ~~زالت أيامه انقطع عنهم ما كان يصل إليهم من البر ، فخاطبوا ابن عصفورة ~~وقالوا : قد جفينا من مولانا ومولاتنا ، فلو أدركتهما بنا فقال لهم : ما ~~ترون ما كان يجيئكم حتى يتولى الله ناصر الدين أخي . فقالوا : نحن التمسنا ~~من مولانا المستنصر ومولاتنا السيدة الوالدة ولم نلتمس ms346 من ناصر الدين . ~~فقال : ما كان يجيئكم ذاك إلا من الوزير . فعجبوا من ذاك وأكثروا من الترحم ~~عليه . # ومما يذكر عنه أنه كتب : العالي بالله إدريس بن المعتلى بالله يحيى بن ~~الناصر لدين الله علي بن حمود من خالقه إلى مصر مكاتبة يقول فيها : من أمير ~~PageV02P245 المؤمنين العالي بالله إلى أمير المؤمنين المستنصر بالله . ~~فعيب عليه بمصر قلة تصوره ومعرفته بأنه لا يجوز أن يكون أمير المؤمنين في ~~زمان واحد اثنان . ثم ألجأت الضرورة إلى مكاتبته بنحو مما كتب ، وكان ~~اليازوري إذ ذاك وزيرا ، فقال أنا أخلص هذه القضية وأعلقها بمعنى دقيق لا ~~يبين للمكاتب ، وكان صاحب حيل ؛ يكتب إليه : من أمير المؤمنين المستنصر ~~بالله معد إلى العالي بالله أمير المؤمنين خالقه ؛ وهذا من طريف التخلصات ~~التي تميز بها . وحكى عظيم الدولة متولى السر ، قال : كنت في جملة الموكلين ~~على الناصر ثم على البابلي بعده ، فكنت أرى من رئاسة الوزير الأول يعني ~~اليازوري على شبيبته ورجاحته وسكون حاشيته ، ومن طيش البابلي وخفته ونقصه ~~ما أعجب منه ؛ وهو أني لما كنت موكلا باليازوري كنت أراه ملازما لعتبة باب ~~المجلس في القاعة لا يتغير مكانه منها . وكان البابلي يراسله بما يمضى ~~ويوصينا إذا مضينا إليه بالإزعاج عند فتح الباب وإكثار قلقلته لنزعجه ~~ونروعه بذلك ؛ فوالله ما كان يكترث ولا ينزعج . وإذا دخل متولى الستر يكون ~~جلوسه منه في الاعتقال كجلوسه منه في حال نظره ، ويخاطب بما يرضى فيجيب ~~بسكون وهدوء وكأنه في الدست جالس . فدخل إليه في أكثر من ثلاثين صقلبيا ~~وبلغهما أوصاه البابلي ، فأجابه ، ثم نهض وقال : يا سيدي صرفتني من الستر ~~بغير ذنب ثم أعدتني إليه بغير مسألة ، فما كان سبب ذلك ؟ فرفع طرفه إليه ~~كأنه يخاطبه من دست الوزارة وقال له : كان صرفك في الأول برأيي واختياري ثم ~~أعدتك لما عرفت من ميل مولانا إلى استخدامك . فخرج متولي الستر وهو يعجب من ~~سكون حاله وقلة احتفاله في الجواب ، مع حاجته إليه في مثل ذلك الوقت الذي ~~يقدر فيه على ms347 الإحسان إليه وعلى الإساءة ؛ وكان يظن أنه يعتذر إليه ، فلم ~~يكن منه غير ما تقدم ذكره . PageV02P246 # وكان أكثر وقته صائما وهو يتلو القرآن ولا يسأل عن طعام ولا شراب . وكان ~~في حال وزارته كثير الصمت مواصل الإطراق ، ساكن النفس هادئ الطباع ، فكان ~~يظن أن ذلك من تيه وصلف وإعجاب وقلة احتفال بالناس ؛ فلما صار في الاعتقال ~~بعد القبض عليه كان حاله على ما كان مما ذكر . ومن عجيب ما وقع أن خطير ~~الملك محمد بن الوزير اليازوري كان ينوب عن أبيه في قضاء القضاة ، فلما سار ~~إلى الشام بالعساكر الكثيرة معه كان في حال من البذخ والتجمل في حال لا ~~يمكن شرحها ؛ فلما نكب أبوه آل حاله إلى أن يرى في مسجد بمدينة فوة يخيط ~~للناس بالأجرة ، وقد نزل به من الفقر والبلاء شدائد وهو يبالغ في مطالبة ~~شخص بأجرة ما خاطه له ، والرجل يماطله . فلما ألح في المطالبة قال له : يا ~~سيدنا اجعل هذا القدر اليسير من جملة ما ذهب منك في السفرة الشامية . فقال ~~: دع ذكر ما مضى . فسأله رجل عن ذلك فلم يجبه ، فسأل عبده ، فقال الذي ذهب ~~منه في تلك السفرة على نفقات سماطه مقدار ستة عشر ألف دينار . فسبحان من لا ~~يزول ملكه . # وفيها ولي الوزارة بع اليازوري أبو الفرج عبد الله بن محمد البابلي ، ~~وكان أولا من جملة أصحاب الدواوين فقبض عليه الوزير أبو البركات ابن ~~الجرجرائي ، وصادره على عشرة آلاف دينار أخذ خطه بها ؛ فباع موجوده بستة ~~آلاف دينار وبقي عليه أربعة آلاف دينار ، فانطرح على اليازوري وسأله ~~الشفاعة له ، وكان يومئذ ينظر لأم الخليفة ؛ فسأل الخليفة له في ذلك ، فوقع ~~بمسامحته منها بألفي دينار ، فلما صرف الوزير أبو البركات وتولى اليازوري ~~الوزارة وقع بمسامحة البابلي بالألفين الباقية ، واستخدمه في التوقيع ، ورد ~~إليه ديوان تنيس ودمياط ، وديوان الخاص وغيره من الدواوين ، حتى كان في يده ~~ستة PageV02P247 دواوين . وكان رسم لأصحاب الدواوين أن يحضروا كل يوم بين ~~يدي الوزير ، فرفع منزلة البابلي عن ذلك ms348 وميزه عن أصحاب الدواوين ، فكان لا ~~يحضر عنده إلا في كل ثلاثة من الجمعة ؛ فإذا حضر حجب كل أحد من الرؤساء ، ~~فلا يدخل إلى الوزير أحد ما دام عنده . فمهما قرره مع الوزير لا ينتقض . ~~وإذا عرض له في باقي الجمعة أمر كتب رقعة إلى الوزير فيجيبه في تضاعيف ~~سطوره ، فعل الأكفاء بالأكفاء . وبلغ جاريه على ما بيده من الدواوين ~~والتوقيع في كل سنة عشرة آلاف دينار . وكتب مرة إلى الوزير اليازوري رقعة ~~يذكر فيها أنه ليس له دار يسكنها ، وأن بجوار داره حماما سلطانيا من جملة ~~المقبوض عن تركة أمير الأمراء رفق ، بذل فيها خمسمائة دينار ؛ وسأل التوقيع ~~بمبايعته منه على أن يقتطع ثمنه من جاريه ، مائة دينار في الشهر ؛ فوقع له ~~بذلك ، ثم تقدم إلى متولي بيت المال بأن يكتب له منه رصدا بخمسمائة دينار ، ~~ووهبها له . فكتب رقعة ثانية أنه لما شرع في بناء الدار احتاج إلى ما يكمل ~~به عمارتها ، وأن في المقبوض من أمير الأمراء أيضا من الأخشاب والرخام ما ~~يسأل الإنعام عليه منه بما يعمرها به ؛ فوقع بتسليم جميع ذلك إليه . فعمر ~~الدار ، وخدمه فيها جميع من في الدولة ؛ فجاءت تضاهي القصور . واتفق أنه ~~مرض في بعض السنين مرضة أشفى فيها على التلف ، فكتب إلى الوزير اليازوري ~~رقعة يذكر فيها ما انتهت حاله إليه ، وأنه على آخر رمق ؛ وأن عليه من الدين ~~ثلاثة آلاف دينار ، ويخاف إن حدث به حادث الموت أن يعنت الغرماء ولديه ؛ ~~ويسأل تمام الاصطناع بالمنع منهما ، وأن يقرر حالهما في القيام للعرفاء بما ~~تصل قدرتهما إليه وينجم الباقي عليهما . فلما وقف الوزير عليها استرجع ~~وتغمم له ، وقال : ما ظننا إلا أنا قد أغنينا أبا الفرج ، وأن حاله لم تصل ~~إلى هذا الحد ! ثم رفع رأسه إلى أبي العلاء عبد الغني بن الضيف ، وكان يحمل ~~دواة الوزير ، ولقبه بالصادق المأمون ، وقال : PageV02P248 أسرع إلى أبي ~~العباس الشاشي ، وكان يتولى ديوانه ؛ فلما حضر قال : ما في حاصلك من ~~إقطاعنا ؟ فقال : ثلاثة آلاف دينار ms349 وكسر ، فأحضرها ، وقال لأبي العلاء : خذ ~~هذه الثلاثة آلاف دينار وامض بها إلى البابلي وخصه بسلامنا ، وقل له : قد ~~سوأتنا بما ذكرته من مرضك وما انتهت إليه حالك ، والله تعالى يهب عافيتك ~~ولا يغمنا بك . فأما ما سألت من مراعاتك في ولديك والمنع منهما ، فلو لم ~~تسأل في ذلك حفظناك فيهما وراعيناهما لك . وأما ما ذكرته من دينك فقد ~~أنفذنا إليك ما تقضيه به . فلما أخذ المال وخرج من القبة قال ارجع يا عبد ~~الغني ، فعاد إليه فأخذ درجا ووقع إلى ديوان الخاص بثلاثة آلاف دينار ، ~~وكان له فيه إقطاع ، وقال امض إلى الجهبذ بهذا التوقيع فإن كان في حاصله ~~هذا القدر ، وإلا قل له يقترض من بيت المال إلى أن يستخرج شيئا فيحمله إليه ~~به عوضا عنها ؛ واحمل الجميع إلى البابلي . فلم يحتمل أبو العلاء الصبر عن ~~الكلام وقال : يا سيدنا ، ما يقنعك تحمل إليه ثلاثة آلاف دينار حتى تضيف ~~إليها مثلها فتصير ستة ! فقال : يا وحش إذا قضى دينه بهذه الثلاثة الآلاف ~~ما يحتاج أن يستدين بعدها ، فينفق من هذه الأخرى ولا يستدين . فقال له : ~~والله يا سيدنا إنك لأكرم نفسا من البرامكة ، لأن أولئك كانوا يجودون من ~~سعة وأنت تجود من ضيق ، ولا نسبة بين ما تنظر فيه وما كانوا ينظرون فيه . ~~وخرج فأوصلها إليه . فلما قبض على اليازوري كان أعدى العالم له ، وكفر ~~نعمته وإحسانه ، وتجرد له حتى قتله . وحكى فخر الدولة قال : استدعاني ~~مولانا المستنصر وقال لي يا فخر الدولة ، هل PageV02P249 يكون في اختيار ~~الإنسان إلى من تطمح إليه الأبصار أو تتطلع إليه النفوس أوفى من شخص ~~البابلي ، مع شيبته وظاهر سمته وهيبته ؟ فقلت : لا يا أمير المؤمنين . فقال ~~: والله لقد ظننت أن الدولة تتضاعف قدرتها بنظره ، وينضاف إليها مثلها بحسن ~~تدبيره وأن من وراء هذا الشخص ما وفى عليه ؛ فإذا ثيابه لا تسع رقاعته ~~وغمته ، والحية قد نشفت قرعته . وذلك أن اليازوري أقام في خدمتنا عشر سنين ~~عددنا عليه ثمانية عشر ذنبا ، وأقام البابلي ms350 اثنين وسبعين يوما نقمنا عليه ~~تسعة عشر ذنبا ، مع ظاهر كذبه وقلة احتشامه عندي ؛ وذلك أنه ذكر لي من حال ~~السقية ما كثر تعجبي منه وأنا بين تصديق الحكاية وتكذيبها ، واحتشمت أن أرد ~~عليه فيتحقق تكذيبي له . وكان من إقدامه على قتل اليازوري ما كان ، وساء ~~لنا ذلك إذ لم نكن نريد قتله . فلما كان بعد ذلك بأيام يسيرة أمرته بشيء ~~فعارضني وضرب الأمثال بما يصدني عن ذلك الأمر ؛ فقلت له أيها الوزير ، اعلم ~~أن اليازوري لم تطل مدته معنا وتثبت قدمه إلا أنا كنا إذا أمرناه بشيء ~~انتهى إليه ولم يتجاوزه . فقال لي مجيبا : يا مولانا وكأن اليازوري كان ~~ينقط نقطة إلا ما أمثله له وأوقفه عليه ! يريد أنه كان يدبر اليازوري ~~ويعلمه ويفهمه ؛ فلم يتأمل ما عليه فيه ، ولا ذكر ما كان قاله من حال ~~السقية ؛ وأذكرني قوله هذا حال السقية ، فقلت له وقد اغتظت منه : يخرس الله ~~الوزير ، فإذا كانت السقية برأيه ! فلما سمع ذلك مني دهش وقال : أعوذ بالله ~~يا مولانا ولكنني كنت أبصره صواب الرأي ، وأشير عيه بما فيه حميد العاقبة . ~~فعند ذلك تحققت من كذبه على الرجل ما كنت شاكا فيه . ووجه كذبه فيما حكاه ~~من ذلك أن الرئيس الجليل القدر إذا أراد أن يهم بمثل هذا الأمر في سائسه أو ~~من يجري مجراه لم يكد يعلم ولده بما يريده منه ، فكيف إذا عزم على فعل ذلك ~~مع مثلى ، هل يسوغ أن يطلع أحدا عليه ؟ ومع هذا فما الذي يدعوه أن يخرج ~~بذلك إلى غيره ، وربما نم عليه وتقرب إلي بإطلاعي عليه ؛ وإلا تولى بنفسه ~~مع إكثاري كان من زيارته وسكوني إليه ، وأني لم أتهمه بذلك فط فآخذ حذري ~~منه ، وكان بهذا الحكم يتمكن من بلوغ غرضه مني بحيث PageV02P250 لا يعلم به ~~أحد . فتحقق لي كذبه فيما حكاه ؛ وهذا أقوى الأسباب في صرفه ، لأن من ليس ~~له عقل يميز به ما يخرج من فمه ، لا سيما في مثل هذا الأمر الخطر الكبير ، ~~لم يجز ms351 أن يوثق به في تدبير مزبلة ، والخوف من جنايته على الدولة برقاعته ~~ونقص عقله أكثر من الطمع في الانتفاع بنظره . # وكان صرف البابلي على الوزارة في شهر ربيع الأول وله في الوزارة اثنان ~~وسبعون يوما ؛ فلما صرف قبض عليه واعتقل . وكان النهار لا يكاد يرتفع ~~ويتأخر ما يحمل إليه من الطعام إلا ويتسغيث ويقول : ما يتم حبس وجوع . وكان ~~يبدو منه في محبسه من القول ما يعرب به عن مستحكم الرقاعة والجهل ، فكان ~~الموكلون به يتعجبون من فرق ما بينه وبين اليازوري ، فإن ذاك كان ساكن ~~الطباع كثير الصمت شريف النفس مع حداثة سنه ، وهذا شيخ يظهر منه من الخفة ~~والطيش والجهل مع الشيخوخة ما يضحك منه . # فيها تولى الوزارة بعد البابلي أبو الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن الحسين ~~بن المغربي . وفيها تولى قضاء القضاة عوضا عن اليازوري أبو علي أحمد بن عبد ~~الحكم بن سعيد ، إلى ذي القعدة ، وصرف بأبي القاسم عبد الحاكم بن وهب بن ~~عبد الرحمن المليجي . وتولى المؤيد في الدين أبو نصر هبة الله بن موسى داعي ~~الدعاة . PageV02P251 فيها قصد الأمير أبو الحارث أرسلان البساسيري الموصل ~~ومعه قريش بن بدران بن المقلد بن المسيب العقيلي أمير الغرب فملكها . وخرج ~~إليه السلطان ركن الدين أبو طالب طغرلبك بن ميكائيل بن سلجوق ، ففارقها ؛ ~~واتجه طغرلبك إلى نصيبين فخالف عليه أخوه لأمه إبراهيم بن ينال وسار إلى ~~همذان ، فرجع في إثره ؛ وتلاحقت الأتراك ، فاستدعى الخليفة القائم دبيس من ~~مزيد ، فوصل إليه وقد أرجف بمسير البساسيري إلى بغداد فعظم الخوف منه ، ~~فرجع دبيس إلى بلاده . فلما كان يوم الأحد الثامن من ذي القعدة من هذه ~~السنة وصل البساسيري إلى بغداد ومعه قريش بن بدران ، وخطب في جامع المنصور ~~للمستنصر بالله الفاطمي وقطع الخطبة لبني العباس ، وعقد الجسر وعبر عسكره . ~~فلما كانت الجمعة الثانية خطب بجامع الرصافة للمستنصر . وكانت بينه وبين ~~أهل بغداد حروب آلت إلى هزيمة رئيس الرؤساء وزير القائم والعسكر ، وقتل ~~جماعة من الأعيان . ووقع النهب في ms352 البلد ، ودخل أصحاب البساسيري إلى البلد ~~، ووصلوا إلى باب النوبي الشريف ؛ فركب القائم بسواده وعلى كتفه البردة ، ~~وبيده السيف وعلى رأسه اللواء ، وحوله جماعة بني العباس والخدم بالسيوف ~~المسللة ، فرأى الأمر شديدا ، فعاد وأبعد المنظرة ، PageV02P252 ونادى رئيس ~~الرؤساء : يا علم الدين قريش ، أمير المؤمنين يستدنيك . فدنا منه ؛ فقال ~~رئيس الرؤساء له : قد آتاك الله منزلة لم ينلها أمثالك ؛ وطلب منه الأمان ~~للخليفة القائم ، فأمنه . ونزل إليه الخليفة والوزير رئيس الرؤساء ، وصاروا ~~معه . فبعث إليه البساسيري : تخالف ما استقر بيننا ! فقال قريش : لا . ~~وكانا قد تعاهدا على المشاركة في جميع ما يحصل لهما ؛ فاستقر الأمر على أن ~~البساسيري يتسلم الوزير رئيس الرؤساء وأن قريش ابن بدران يتسلم الخليفة ~~القائم فيكون عنده . فبعث حينئذ قريش بالوزير إلى البساسيري ؛ فلما مثل بين ~~يديه قال له : العفو عند المقدرة . فقال البساسيري : أنت صاحب الطيلسان ما ~~عفوت عن داري وحرمى وأطفالي ، فكيف أعفو وأنا صاحب سيف . # ثم إن قريش بن بدران سار في خدمة الخليفة ، وهو راكب بالصفة التي تقدم ~~ذكرها إلى معسكره ، فأنزله في خيمة وهيأ له ما يقوم به ، ووقع النهب في دار ~~الخلافة مدة أيام ، وأخذ منها ما لا يحصى كثرة ، وبعث منها إلى مصر منديل ~~القائم الذي عممه بيده ، قد جعل في قالب رخام لكيلا ينحل ، مع ردائه ، ~~والشباك الذي كان يتوكأ عليه ؛ فعمل في دار الوزارة بالقاهرة . وأما ~~العمامة والرداء فبعثهما السلطان صلاح الدين يوسف ، لما استولى على القصر ، ~~إلى الخليفة المستضيء ببغداد مع الكتاب الذي كتبه على نفسه القائم وأشهد ~~على نفسه العدول فيه أنه لا حق لبني العباس في الخلافة مع وجود فاطمة ~~الزهراء . وحمل أيضا إلى القاهرة الذخائر والكتب والقضيب والبردة . وسلم ~~قريش الخليفة إلى ابن عمه مهارس بن المجلى ، وكان رجلا متدينا ، فحمله في ~~هودج إلى مدينة عانة وأنزله بها ؛ وفر أصحاب الخليفة القائم إلى طغرلبك ~~فصاروا في جملته PageV02P253 فلما كان يوم عيد النحر ركب البساسيري إلى ~~المصلى وعلى رأسه ألوية المستنصر ، وقد استمال الناس بكثرة ms353 الإحسان وإجراء ~~الأرزاق ، وكسر منبر المسجد الجامع ببغداد وقال : هذا منبر نحس أعلن عله ~~بغض آل محمد عليهم السلام ؛ وأنشأ منبرا آخر وخطب عليه باسم المستنصر . ثم ~~أخرج الوزير رئيس الرؤساء أبا القاسم علي بن المسلمة وهو مقيد وعليه جبة ~~صوف وطرطور أحمر من لبد وفي عنقه مخنقة ، فشهره ثم أعاده إلى المعسكر وقد ~~نصبت له خشبة ، فألبس جلد ثور طري ، وجعل في فكيه كلابين من حديد وعلقه ~~بهما ؛ فبقي يضطرب إلى آخر النهار حتى مات ، وعمره نحو من ثلاث وخمسين سنة ~~، وكان حسن التلاوة للقرآن جيد المعرفة بالأدب . # ولما ورد الخبر بذلك إلى المستنصر سر سرورا كثيرا ، وزينت القاهرة ومصر ~~وجاءت نسب الطبالة ، فغنت بالطبل في القصر بين يدي المستنصر : # يا بني العباس ردوا . . . ملك الأمر معد # ملككم ملك معار . . . والعوارى تسترد فقال لها المستنصر : تمنى ، فلك ~~حكمك ؛ فسألت الأرض المجاورة للمقس ، فأقطعها إياها ، فعرفت بها وقيل لها ~~إلى اليوم أرض الطبالة . وأمر المستنصر في أن يحمل إلى مهارش PageV02P254 ~~عشرة آلاف دينار ليسير إليه الخليفة القائم على حال جميلة ؛ وعزم على أنه ~~إذا وصل تلقاه أحسن لقاء وبالغ في إكرامه . ويقال إنه بنى القصر الغربي ~~لينزله فيه ، ويحمل إليه ما ينسيه به ما كان فيه من إقامة الرواتب السنية ، ~~وأن يقرر له في كل يوم مائة دينار ؛ وأنه إذا ركب المستنصر في أوقات ركوبه ~~قدمه بين يديه يحجبه . فإذا أقام على ذلك مدة ، وبات وانتشر في الأقطار خبر ~~ذلك خلع عليه وعقد له ألوية الولاية للعراق ، وكتب عهده بتقليده إياه ، ~~وسيره إليه ، وأعاده إلى مملكته وخلافته من قبله . فمنعه حادث القدر قبل ~~إدراك ذلك . وكان من جملة أسباب فوات هذا أن البساسيري لما بعث الكتب إلى ~~المستنصر يعرفه بإقامة الخطبة له ببغداد كان الوزير حينئذ أبو الفرج محمد ~~بن المغربي ، وهو ممن فر من البساسيري وصار إلى القاهرة ، فحذر المستنصر من ~~البساسيري وخوفه عاقبته ؛ فتركت أجوبته مدة ، ثم عادت الأجوبة بخلاف ما ~~أمله البساسيري ؛ ثم قدم طغرلبك فانتصر عليه ms354 . # وفيها بنيت القبة التي بصحن جامع دمشق ، شرقي الجامع على باب مشهد علي ، ~~وكتب عليها اسم المستنصر . # وفيها ولى المستنصر ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان دمشق في شهر ~~رجب PageV02P255 # | سنة إحدى وخمسين وأربعمائة # فيها سار الأمير أبو الحارث البساسيري من بغداد فملك البصرة وواسط ، ~~وأقام بهما الدعوة للمستنصر ، وخطب له في عامة تلك الأعمال . وبلغ طغرلبك ~~ما كان من أخذ بغداد وقطع الخطبة العباسية منها ، فكاتب ألب أرسلان بن داود ~~أخيه ، فقدم عليه في إخوته بعسكر كبير ، واجتمعوا على محاربة إبراهيم بن ~~ينال ، فكانت الغلبة لطغرلبك ، فأخذه أسيرا وقتله في تاسع جمادى الآخرة . ~~وتوجه يريد بغداد ، وبعث إلى البساسيري وإلى قريش بن بدران يأمرهما برد ~~الخليفة القائم إلى بغداد ، وإقامة الخطبة له على عادته ، ورده إلى تخت ~~خلافته ، ويعدهما أنهما إن فعلا ذلك رجع عن العراق ولم يدخل بغداد ، وأنه ~~يقنع بأن يخطب له فيها وتضرب السكة باسمه . فامتنع البساسيري أولاده وحرمه ~~من بغداد إلى واسط ونوى العود . وعند ما قارب طغرلبك بغداد بعث إلى قريش ~~يشكر ما كان من صنيعه مع الخليفة القائم ، وجهز إلى بكر بن فورك لإحضار ~~الخليفة ؛ فوافى حلة بدر بن مهلهل وقد وصل الخليفة وابن مهارش في تلك ~~الساعة ، فركب هو وابن فورك وأركبا الخليفة وخدماه ؛ وأتته هدايا بدر . # وبعث طغرلبك بوزيره عميد الملك أبي نصر منصور الكندري والأمراء والحجاب ~~PageV02P256 بالخيام الكثيرة والسرادقات العظيمة ، والخيول العدة بالمراكب ~~الذهب ، إلى الخليفة القائم ، فرحل وهم في خدمته ، وقد خرج طغرلبك إلى ~~لقائه ؛ فعندما شاهده وقع إلى الأرض يقبلها ، ثم قام وهنأه بالسلامة ، ~~وأظهر السرور الزائد والابتهاج الكبير ؛ واعتذر عن تأخره بما كان من عصيان ~~إبراهيم ينال . فقال الخليفة بسيف كان قد تأخر عنه ، وسار معه طغرلبك إلى ~~بغداد وجلس على باب النوبى الشريف مكان حاجب الباب حتى وصل الخليفة ، ~~فعندما شاهده مثل قائما وأخذ بلجام بغلته حتى انتهى إلى باب الحجرة الشريفة ~~؛ وذلك في يوم الاثنين لخمس بقين من ذي الحجة . # ثم عاد طغرلبك ms355 إلى معسكره وسير العساكر لمحاربة البساسيري وخرج في إثره ؛ ~~فوافت العساكر البساسيري ودبيس بن مزيد ، فكانت بينهم حروب آلت إلى انهزام ~~دبيس ووقوع ضربة في وجه البساسيري سقط منها عن فرسه ، فأخذ ، وقتل ، وحملت ~~رأسه إلى طغرلبك فبعث بها إلى الخليفة القائم ، فطيف بها على قناة في بغداد ~~للنصف من ذي الحجة ، وعلقت على باب النوبى . وأحيط بأموال البساسيري ونسائه ~~وأمواله ، وجميع حواشيه وأسبابه ؛ وقتل في هذه الوقائع من الخلائق ما لا ~~يحصى لهم عدد ؛ وفر دبيس إلى البطيحة . # وقطعت الخطبة من بلاد العراق للمستنصر بعد أن خطب له ببغداد أربعين جمعة ~~؛ وعادت للقائم كما كانت . وهذه الحادثة كانت آخر سعادة الدولة الفاطمية ، ~~فإن الشام خرج من أيديهم بعدها بقليل لاستيلاء الترك عليه ، ولم يبق بيدهم ~~غير ملك مصر خاصة PageV02P257 ويقال إن الخليفة القائم بأمر الله كتب لما ~~نكب كتابا يشكو فيه ما يلقاه من البساسيري ونسخته بعد البسملة : إلى الله ~~العظيم من عبده المسكين . اللهم إنك عالم بالسرائر ، مطلع على مكنونات ~~الضمائر ؛ اللهم إنك غني بعلمك واطلاعك على أمور خلقك عن إعلامي لك ؛ وهذا ~~عبد من عبيدك قد كفر نعمتك وما شكرها ، وألغى العواقب وما ذكرها ، أطغاه ~~حلمك ، وسخر بأناتك ، حتى تعدى علينا بغيا ، وأساء إلينا عتوا وعدوا . ~~اللهم قل الناصر ، واغتر الظالم ، وأنت المطلع العالم ، والمنصف الحاكم ، ~~بك نستعين عليه ، وإليك نهرب من بين يديه ، وقد تعزر بالمخلوقين ، ونحن ~~نستعين بالله رب العالمين . اللهم إنا حاكمناه إليك ، وتوكلنا في إنصافنا ~~منه عليك ، ورفعنا ظلامتنا إلى حكمك ، ووثقنا في كشفها بكرمك فاحكم بيننا ~~بالحق وأنت خير الحاكمين ، وأظهر قدرتك فيه قدر ما نرتجيه ، فقد أخذته ~~العزة بالإثم . اللهم فاستلبه عزته ، وملكنا بقدرتك ناصيته ، يا أرحم ~~الراحمين . وصلى الله على محمد خاتم النبين ، وعلى آله الطيبين وسلم تسليما ~~. وبعث به إلى باب الكعبة ، وعلق بباب الكعبة ودعي بما فيه ؛ فقتل ~~البساسيري في ذلك اليوم . PageV02P258 # | سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة # فيها سارت العساكر من مصر إلى دمشق ، وكتب لناصر الدولة أبي علي ms356 الحسين ~~بن حمدان أن يكون قائد الجيش ؛ فسار من دمشق بعسكر كبير في سادس ربيع الأول ~~يريد محاربة أهل حلب . وكانت مدينة حلب قد أقيمت فيها الدعوة الفاطمية ، ~~وأسقطت بها دعوة بني العباس إلى أيام الظاهر بن الحاكم ، فتغلب عليها صالح ~~بن مرداس ، أحد أمراء الكلابيين ، وكثف أمره بها حتى استولى على دمشق أمير ~~الجيوش أنوشتكين الدزبري ، أحد الغلمان الأتراك ، فساس الأمور ، وأطاعه كل ~~مارق ؛ وراسل الملوك . فنابذه صالح بن مرداس وجمع له العرب ، وفيهم عدة ~~الدولة حسان بن جراح ، وسار لمحاربته ، فكانت بينهما وقائع انهزم فيها حسان ~~إلى بلاد الروم ، وتفرق الجمع . ثم مات صالح وقام من بعده ابنه شبل الدول ~~نصر بن صالح في حلب ، فقام بمنابذة أمير الجيوش كما كان أبوه ، وسار لقتاله ~~، فقتل ، وملك أمير الجيوش حلب فأقام بها رضي الدولة منجوتكين ، أحد غلمانه ~~، فأقام بها سنين . ومات أمير الجيوش فغلب على حلب ثمال بن صالح بن مرداس ~~وملكها ؛ ولم يقم أحد بعد أمير الجيوش مقامه . # فلما كانت وزارة الجرجرائي غمض طرفه عن ثمال ، ورأى أن موادعته أخف من ~~إنفاق الأموال في محاربته ، فكتب بولايته وقرر عليه الحمل في كل سنة . ~~وتمادى ذلك إلى أيام وزارة اليازوري فلم يرض بهذا ، ورأى أن الحيلة أبلغ ~~فيما يؤثره ، لأنه إن رام صرفه لم يطق ذلك ، وإن نابذه ألزم كلفا كثيرة . ~~فاستعمل السياسة والتدبير الخفي ، وندب لذلك رجلا من أهل صور له بها رئاسة ~~ووجاهة ، يقال له عين الدولة علي بن عياض ، قاضي صور ، فساس الأمر وأحكم ~~التدبير فيما قرره مع كاتب ثمال بن صالح وما وعده به ، حتى PageV02P259 نزل ~~من قلعة حلب وسلمها إلى مكين الدولة الحسن بن علي بن ملهم والي الخليفة ~~المستنصر . وسار من حلب يريد مصر للقاء الحضرة ؛ فلما بلغ رفح اتصل به خبر ~~القبض على اليازوري ، فقال والله إني أموت بحسرة ونظرة إلى من استلبني من ~~ذلك الملك ، وأخرجني بلا رغبة ولا رهبة إلا بحسن السياسة ، وإن رام ذلك مني ~~فليس يتعذر عليه . # ورجع ms357 ثمال إلى حلب ، فاتفق في غيبته قيام أهل حلب وتسليم البلد إلى عز ~~الدولة محمود بن نصر بن صالح بن مرداس ، في مستهل جمادى الآخرة من هذه ~~السنة ، فحضر ابن ملهم بالقلعة إلى أن سار إليه ناصر الدولة بن حمدان ، ~~فكانت بينهما حروب كبيرة على قنسرين آلت إلى أن انكسر ناصر الدولة كسرة ~~عنيفة ، فأصابته ضربة شلت منها يده ؛ ورجع منهزما في مستهل شعبان . فقال ~~عبد العزيز العكيك الحلبي وقد مدح ناصر الدولة فلم يجزه . # ولئن غلطت بأن مدحتك ، طالبا . . . جدواك ، مع علمي بأنك باخل # فالدولة الزهراء قد غلطت ، بأن . . . نعتتك ناصرها ، وأنت الخاذل # إن تم أمرك مع يد لك أصبحت . . . شلاء فالأمثال عندي باطل # وأما ابن ملهم فإنه بعث إلى أسد الدولة أبي ذؤابة عطية بن صالح فسلمه حلب ~~، ودخلها في عاشر شعبان هذا ، وأقام بها يوم ثم خرج عجزا عنها ؛ فوصل محمود ~~في ثاني عشره وملكها . PageV02P260 وفي تاسع رمضان صرف أبو الفرج ابن ~~المغربي عن الوزارة ، وأعيد إليها أبو الفرج عبد الله بن محمد البابلي . ~~وصرف عن قضاء القضاة عبد الحاكم بن وهب في جمادى الآخرة ، واستقر عوضه أبو ~~عبد الله أحمد بن محمد بن أبي ذكرى ، في حادي عشري رجب . # وفيها قدمت هدية المعز بن باديس ، فقومت بأربعين ألف دينار . منها درقة ~~مرصعة بالجوهر كانت للمهدي . # وفيها قدم كتاب علي بن محمد الصليحي بما هو عليه من القوة وإقامة الدعوة ~~؛ واستأذن في المسير إلى تهامة وأخذها ؛ فأجيب بذلك ؛ فسار إليها وأخذها . # وفيها نزل محمود بن شبل الدولة ثمال بن صالح بن مرداس على حلب ، ومعه ~~منيع بن سيف الدولة ، سبعة أيام ثم رحل ، وعاد إليها وأخذها يوم الاثنين ~~ثاني جمادى الآخرة ، وحصر القلعة إلى سادس رجب ورحل ؛ فملكها أصحاب ~~المستنصر . وفيها التقى ناصر الدولة بن حمدان مع محمود بن شبل الدولة على ~~الفنيدق ، فانكسر ابن حمدان ؛ ودخل عطية حلب وخرج منها ؛ وتسلمها محمود يوم ~~السبت ثاني شعبان ؛ ثم وصل عمه معز الدولة فحاصر حلب مدة . # وفي هذه ms358 السنة سقط تنور قبة صخرة بيت المقدس وفيه خمسمائة قنديل ، فتطير ~~الناس وقالوا ليكونن في الإسلام حادث عظيم . PageV02P261 # | سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة # في ثالث محرم صرف البابلي عن الوزارة ؛ واستقر عبد الله بن يحيى بن ~~المدبر . وفي صفر توفى قاضي القضاة ابن أبي ذكرى فاستقر في الحكم بعده أبو ~~علي أحمد بن قاضي القضاة عبد الحاكم بن سعيد في رابع عشره ، وصرف في خامس ~~صفر . واستقر عوضه أبو القاسم عبد الحاكم بن وهيب المليجي ، ثم صرف في حادي ~~عشر رمضان . واستقر عوضه أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعد بن مالك ~~بن سعيد الفارقي ، واستخلف ابنه عميد الملك أبا الحسن . وصرف ابن المدبر عن ~~الوزارة واستقر بعده أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم ، أخو قاضي القضاة ~~. # وكان السبب في سرعة العزل وكثرة الولايات أنه لما قتل اليازوري كثر ~~السعاة في الوزارة ، فما هو إلا أن يستخدم الوزير فيجعل نصب الأعين ، وتركب ~~عليه المناصب ، ويكثر الطعن عليه حتى يعزل ولم تطل مدته ولا اتسع وقته ؛ ~~فيلي بعده من يتفق له مثل ذلك ، لمخالطة الناس الخليفة ومداخلتهم الرقاع ~~والمكاتبات الكثيرة إليه ؛ وكان لا ينكر على أحد مكاتبته . فأحب الناس ~~مخالطة الخليفة وجعلوه سوقا لهم ؛ فتقدم كل سفساف ، وحظي أوغاد عدة ، ~~وكثروا ، حتى كانت رقاعهم أوقع من رقاع الصدور والرؤساء والجلة ؛ وتنقلوا ~~في المكاتبة إلى كل فن ، حتى إنه كان يصل إلى المستنصر في كل يوم ثمانمائة ~~رقعة ؛ فتشابهت عليه الأمور وتناقضت الأحوال . ووقع الاختلاف بين عبيد ~~الدولة ، وضعفت قوى الوزراء عن التدبير لقصر مدة كل منهم ، فإن الوزير منذ ~~يخلع عليه ويستقر إلى أن ينصرف لا يفيق من التحرر ، فمن ابتغى به يؤذيه عند ~~الخليفة ، وسعت عليه الرجال ، فما يصير فيه فضل عن الدفاع عن نفسه . فخربت ~~الأعمال وقل ارتفاعها ، وتقلب الرجال PageV02P262 على معظمها واستنضوا راخي ~~ارتفاعها ، فاتضع الارتفاع ، وعظمت النفقات . ووقع اصطراع الأضداد على ~~السلطان ، وواصلوه باقتضاء مالهم من المقررات ، ولازموا بابه ، ومنعوه من ~~لذاته . وتجرءوا على الوزراء ms359 واستخفوا بهم ، وجعلوهم غرضا لمساءتهم ، فكانت ~~الفترات بعد صرف من ينصرف منهم أطول من مدة نظر أحدهم ؛ والمستنصر يوسعهم ~~حلما واحتمالا . فأطغى الرجال ذلك وجرأهم عليه ، حتى خرجوا من طلب واجباتهم ~~إلى التصارع ، فاستنفدوا أمواله وأخلوا منها خزائنه ، وأحوجوه إلى بيع ما ~~عنده من العروض ، فكان يخرجها لهم لتباع ويشتريها الناس فيعترضونها ، ويأخذ ~~من له درهم واحد ما يساوي عشرة ولا يمكن مطالبته . ثم عادوا إلى تقويم ما ~~يخرج ، فإذا حضر المقومون أخافوهم ، فيقومون ما يساوي ألفا بمائة فما دونها ~~، ولا يتمكن الخليفة من استيفاء ذلك ؛ فتلاشت الأمور واضمحل الملك . ثم لما ~~علموا أنه لم يبق ما يخرج لهم تقاسموا الأعمال وتشاحنوا على ما زاد من ~~الارتفاع ؛ وكانوا يتنقلون فيها بحكم غلبة من يغلب صاحبه عليها . ودام ذلك ~~بينهم سنوات نحوا من ست ؛ ثم قصر النيل وغلت الأسعار غلاء بدد شمل الناس ~~بأسرهم ، وفرق ألفتهم ، وشتت كلمتهم وأوقع العداوة والبغضاء بينهم ، فقتل ~~بعضهم بعضا حتى ناء عصب الإقليم وعفت آثاره ، كما ستقف عليه فيما يأتي إن ~~شاء الله . وفيها اصطلح معز الدولة وابن أخيه محمود بن شبل الدولة ، ودخل ~~حلب في رابع عشري ربيع الأول . فلما كان يوم الجمعة لسبع بقين من ذي القعدة ~~توفي ودفن بالقلعة بعد أن حاصر ابن أخيه ، فملك بعده أخوه عطية ، أبو ذؤابة ~~. # وفيها مات بمصر مؤتمن الدولة أبو طاهر مسلم بن علي بن ثعلب ، فكتب أبو ~~محمد بن سعد ، الشاعر الخفاجي ، من القسطنطينية إلى أهله بحلب يرثيه من ~~أبيات : # أتاني وعرض الرمل بيني وبينه . . . حديث لأسرار الدموع مذيع # ومات المعز بن باديس ، وملك بعده ابنه تميم ؛ فطمع أصحاب البلاد بسبب ~~العرب وتغلبهم على بلاد إفريقية . PageV02P263 # | سنة أربع وخمسين وأربعمائة # في ثالث المحرم توفي أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم في وزارته . وكان ~~أبوه قاضي طرابلس فانتقل أبو محمد إلى مصر ، وكان فاضلا ؛ فردت الوزارة ~~بعده إلى أخيه أبي علي أحمد بن عبد الحاكم بن سعيد . ثم صرف عن القضاء في ~~صفر بأبي القاسم ms360 عبد الحاكم بن وهيب بن عبد الرحمن ؛ ثم صرف أبو علي عن ~~الوزارة ، واستخدم سديد الدولة أبو عبد الله الحسين بن سديد الدولة ذي ~~الكفايتين بن أبي الحسن علي بن محمد بن الحسن ابن عيسى العقيلي ؛ وكان أولا ~~ناظرا على دواوين الشام ، فأقام في الوزارة إلى شوال ؛ وصرف عنها بأبي ~~الفرج البابلي المقدم ذكره وفيها تولى مكين الدولة بن ملهم طبرية وعكا ، ~~وإمرة بني سليم وبني فزارة ، فسار إليها وتسلمها في صفر . PageV02P264 # | ذكر ابتداء الفتنة التي آلت إلى خراب ديار مصر # وفي هذه السنة ابتدأت الفتنة التي كانت سببا لخراب الإقليم . وذلك أن ~~المستنصر كان من عادته في كل سنة أن يركب على النجب ومعه النساء والحشم إلى ~~جب عميرة ، وهو موضع نزهة ، ويغير هيئته ، كأنه خارج يريد الحج على سبيل ~~الهزر والمجانة ، ومعه الخمر محمول في الروايا عوضا عن الماء ، ويدور به ~~سقاته عليه وعلى من معه كأنه بطريق الحجاز أو كأنه ماء زمزم . وقد أنشد ~~الشريف أبو الحسين علي بن الحسين بن حيدرة العقيلي المستنصر في ذلك صبيحة ~~يوم عرفة : # قم فانحر الراح يوم النحر بالماء . . . ولا تضح ضحى إلا بصهباء # وادرك حجيج الندامى قبل نفرهم . . . إلى منى ، فصفهم مع كل هيفاء # وعج على مكة الروحاء مبتكرا . . . فطف بها حول ركن العود والناء # فلما كان في جمادى الآخرة خرج على عادته ؛ واتفق أن بعض الأتراك جرد سيفا ~~في سكرة منه على بعض عبيد الشراء ، فاجتمع عليه عدة من العبيد وقتلوه . ~~فغضب لذلك جماعة الأتراك واجتمعوا بأسرهم ودخلوا على المستنصر ، وقالوا ، ~~إن كان هذا الذي قتل منا على رضاك فالسمع والطاعة ، وإن كان قتله عن غير ~~رضا أمير المؤمنين فلا صبر لنا على ذلك وأنكر المستنصر أن قتله برضاه أو ~~أمره ؛ فخرج الأتراك واشتدوا على العبيد يريدون PageV02P265 محاربتهم ، ~~فبرزت العبيد إليهم ؛ وكانت بين الفريقين حروب بناحية كوم شريك قتل فيها ~~عدة ، وانهزم العبيد وقويت الأتراك ؛ هذا والسيدة أم المستنصر تمد العبيد ~~بالأموال والسلاح . # فاتفق في بعض الأيام أن بعض ms361 الأتراك وقف على شيء مما تبعث به أم المستنصر ~~إلى العبيد لتعينهم به على محاربة الأتراك ، فأنكر ذلك وأعلم أصحابه ، ~~فاجتمعوا وصاروا إلى المستنصر وتجرءوا عليه بالقول وأغلظوا في المخاطبة ؛ ~~فأنكر أن يكون عنده من ذلك خبر ، وصار السيف قائما . فدخل على أمه وأنكر ~~عليها ما تعتمده من تقوية العبيد وإعانتهم على محارة الأتراك . ثم انتدب ~~أبا الفرج ابن المغربي ، الذي كان وزيرا ؛ فخرج ؛ ولم يزل يسعى بين الأتراك ~~والعبيد حتى أوقع الصلح بين الفريقين . فاجتمع العبيد وساروا إلى ناحية ~~شبرا دمنهور . فكانت هذه الكائنة أول الاختلاف بين طوائف العسكر . وكانت ~~السبب في كثرة السودان بالقصر أن أم المستنصر كانت جارية سوداء قدم بها أبو ~~سعيد التستري المقدم ذكره ، فأخذها منه الظاهر واستولدها المستنصر . فلما ~~أفضت الخلافة إلى ابنها المستنصر ، ومات الوزير صفي الدين الجرجرائي في سنة ~~ست وثلاثين وأربعمائة استطالت أم المستنصر وقويت شوكتها ، وتحكمت في الدولة ~~، واستوزرت مولاها أبا سعيد . وتوقفت أحوال الوزير الفلاحي معه ، فاستمال ~~الأتراك وزاد في PageV02P266 واجباتهم حتى قتلوا أبا سعيد ، فحنقت أم ~~المستنصر من قته على الفلاحي ، ولم تزل به حتى كان من أمره ما تقدم ذكره . # وأخذت في شراء العبيد السود وجعلتهم طائفة لها ، واستكثرت منهم وخصتهم ~~بالنظر ، وبسطت لهم في الرزق ووسعت عليهم حتى أمطرتهم بالنعم ؛ وسار العبد ~~بمصر بحكم حكم الولاة . وشرعت تغض من الأتراك وتظهر كراهتهم وانتقاصهم . # وتقدمت إلى الوزير أبي البركات الجرجرائي أن يغري العبيد بالأتراك ويوقع ~~بينهم ، فخاف سوء العاقبة في ذلك ولم يوافقها عليه ؛ فلم تزل به حتى صرف من ~~الوزارة . واستقر وزيرها أبو محمد اليازوري في الوزارة ، فأوعزت إليه بذلك ~~، فساس الأمور سياسة جميلة إلى أن انقضت أيامه . ووزر البابلي ، فأمرته ~~بذلك ، فشرع فيه . وتغيرت النيات ، وصارت قلوب كل من الطائفتين تضمر السوء ~~للأخرى ، حتى كان من الحرب ما قد ذكر ، ولم يزل ذلك حتى خرب الإقليم كله ~~وهلك أهله كما سيأتي . # وفيها توفي الشريف أبو الحسن إبراهيم بن العباس بن الحسن بن الحسين بن ~~علي ms362 بن محمد بن علي بن إسماعيل بن جعفر الصادق ، وكان قد ولي قضاء دمشق ~~مرتين . وفي سابع عشر ذي القعدة توفى القاضي الفقيه أبو عبد الله محمد بن ~~سلامة بن جعفر بن علي بن حكمول بن إبراهيم بن محمد بن مسلم القضاعي ؛ وكان ~~يخلف القضاة في الحكم بمصر . وكان إماما محدثا ، وله كتاب الشهاب ، وكتاب ~~الخطط ، وكتاب أنباء الأنبياء ، وغير ذلك من المصنفات . وفيها توفى الرئيس ~~أبو الحسن علي بن رضوان بن علي بن جعفر الطبيب . وتوفي المعز بن باديس ~~بالقيروان في رابع شعبان . PageV02P267 # | سنة خمس وخمسين وأربعمائة # فيها ردت الوزارة والحكم معا إلى أبي علي أحمد بن قاضي القضاة عبد الكريم ~~بن عبد الحاكم في ثالث عشر المحرم ، ثم صرف عنهما في سابع صفر ؛ وأعيدت ~~الوزارة لأبي الفضل عبد الله بن يحيى بن المدبر ، والحكم إلى أبي القاسم ~~عبد الحاكم بن وهيب . وفي تاسع عشر جمادى الأولى توفي الوزير أبو المفضل ~~عبد الله بن المدبر ، وقد تكررت ولايته للوزارة ؛ وسمع الحديث ، وكان فاضلا ~~أديبا ؛ وهو من ولد ابن المدبر متولي خراج مصر في أيام ابن طولون . واستقر ~~في الوزارة أبو غالب عبد الطاهر بن الفضل بن الموفق في الدين المعروف بابن ~~العجمي ، ثم صرف وقبض عليه في السابع والعشرين من شعبان . وأعيد إلى القضاء ~~والوزارة جميعا أبو محمد الحسن بن مجلي بن أسد بن أبي كدينة ، واستمر فيهما ~~إلى خامس ذي الحجة ، فرتب مكانه جلال الملك أحمد بن عبد الكريم ابن عبد ~~الحاكم بن سعيد ، فاستخلف أخاه أبا الحسن عليا على القضاء . # وفيها ندب أمير الجيوش بدر الجمالي لولاية دمشق ؛ وندب معه على الخراج ~~الشريف أبو الحسن يحيى بن زيد الحسني الزيدي . # وفيها قدم الصليحي مكة بعد ما ملك اليمن كله سهله وجبله ، وبره وبحره ، ~~PageV02P268 وأقام بها وبمكة دعوة المستنصر ، وكسا الكعبة حريرا أبيض ، ورد ~~حلية البيت إليه ؛ وكان بنو حسن قد أخذوها ومضوا بها إلى اليمن ، فاشتراها ~~منهم ، وأعادها في هذه السنة . واستخلف على مكة محمد بن أبي ms363 هاشم ، وعاد ~~إلى اليمن . PageV02P269 # | سنة ست وخمسين وأربعمائة # في ثالث عشري المحرم صرف أحمد بن عبد الحاكم عن القضاء والوزارة . وتقلد ~~الوزارة أبو المكارم المشرف بن أسعد بن مقبل ، وفوض قضاء القضاء لأبي محمد ~~الحسن بن مجلى بن أبي كدينة ؛ ثم صرف ، وأعيدت الوزارة لأبي غالب عبد ~~الطاهر بن الفضل ، وفوض القضاء لأبي الحسن علي بن عبد الحاكم في سابع عشري ~~ربيع الآخر ، ثم صرف عن القضاء في خامس جمادى الأولى بأبي القاسم عبد ~~الحاكم بن وهيب . ثم صرف أبو غالب عن الوزارة واستدعى أبو البركات حسين بن ~~عماد الدولة الجرجرائي من صور فحضر إلى مصر ووليها في مستهل رجب ، فأقام ~~إلى العشر الأخر من رمضان وصرف عنها ؛ وصرف أيضا عن القضاء عبد الحاكم . ~~وجمعا معا ، الوزارة والقضاء ، لابن أبي كدينة ، فباشرهما إلى رابع ذي ~~الحجة ، فصرف عن الوزارة وقرر فيها أبو علي الحسن بن أبي سعيد التستري ؛ ~~وقرر في القضاء أحمد بن عبد الحاكم . # وفيها فارق أمير الجيوش بدر ولاية دمشق فرارا من أهلها لثورتهم به ؛ فقرر ~~المستنصر بدله الأمير حصن الدولة أبا الحسن معلى بن حيدرة بن منزو بن ~~النعمان الكناني . وفيها قتل قطلمش بن إسرائيل بن سلجوق ، صاحب قونية ~~وأقصرا ، فقام بعده ابنه سليمان ابن قطلمش وفتح أنطاكية . PageV02P270 # سنة سبع وخمسين وأربعمائة # في النصف من المحرم صرف عن الوزارة أبو علي بن أبي سعيد ؛ وصرف عن القضاء ~~أبو أحمد بن عبد الحاكم . وتولى الوزارة أبو شجاع محمد بن الأشرف بن أبي ~~غالب محمد ابن علي بن خلف ، وكان أبوه أحد وزراء بني بويه ببغداد ؛ ثم صرف ~~عنها ثاني يوم ، واستقر في القضاء والوزارة جميعا أبو محمد بن أبي كدينة في ~~حادي عشريه ، فلم يقم غير أربعة أيام وصرف عنها في سادس عشريه . وأعيد أبو ~~شجاع محمد بن الأشرف إلى الوزارة ، وتقلد القضاء جلال الملك أبو أحمد بن ~~عبد الكريم . فأقام ابن الأشرف في الوزارة إلى نصف ربيع الأول ، وصرف ، ~~وقرر في الوزارة سديد الدولة أبو القاسم هبة ms364 الله بن محمد الرعباني الرحبي ~~، ثم صرف في آخره . واستوزر ابن أبي كدينة ، وأضيف إليه القضاء أيضا في نصف ~~جمادى الآخرة ، فباشرهما إلى نصف رجب ، وصرف عن الوزارة بأبي المكارم رئيس ~~الرؤساء الشرف بن أسعد ، وعن القضاء بعبد الحاكم بن وهيب . ثم قبض على ~~الوزير أبي المكارم في العشر الأخير من شوال ، وتولى الوزارة بعده الأثير ~~أبو الحسن علي بن الأنباري فأقام شهرا ، وصرف في ذي الحجة عن الوزارة ، ولم ~~يعد إليها . PageV02P271 # | سنة ثمان وخمسين وأربعمائة # في سادس عشرين منه صرف ابن أبي كدينة عن القضاء واستقر عوضه جلال الملك ~~أبو أحمد ، ونعت بقاضي القضاة الأعظم . وفي تاسع ربيع الآخر أعيد إلى ~~الوزارة أبو القاسم هبة الله محمد الرعباني ، وصرف عنها في السادس عشر منه ~~. # وفي جمادى الأولى ولى المستنصر أمير الجيوش بدرا الشام بأسره ، فخرج ~~إليها بعد ما أنفق عليه ألف ألف دينار . وفي جمادى الآخرة جمع القضاء ~~والوزارة لأبي أحمد جلال الملك ، ثم صرف بعد أيام عن الوزارة بأبي الحسن ~~طاهر بن وزير ، فباشر أياما يسيرة ؛ وصرف بأبي عبد الله محمد بن حامد ~~التنيسي ، وأقام يوما واحدا ، ثم صرف وقتل . فاستوزر أبو سعد منصور بن ~~زنبور ، فلم يقم في الوزارة غير أيام قليلة وهرب ؛ فأقيم بعده أبو العلاء ~~عبد الغني بن نصر بن سعيد الضيف ، فباشر أياما يسيرة وصرف . # وكان دخول أمير الجيوش إلى دمشق في سادس شعبان ، وبلغ ما بلغت نفقة ~~المستنصر عليه ألف ألف دينار . PageV02P272 # | سنة تسع وخمسين وأربعمائة # فيها قويت شوكة الأتراك واشتد بأسهم وطلبوا الزيادات في واجباتهم ~~ورواتبهم ؛ وساءت أحوال العبيد وكثر ضررهم وهم يتزايدون ، حتى صار منهم ~~بالقاهرة ومصر وما في ظواهرهما من القرى نحو الخمسين ألف عبد ، ما بين فارس ~~وراجل . وخلت خزائن أموال المستنصر وضعفت الدولة . فبعثت السيدة أم الخليفة ~~المستنصر إلى قواد العبيد تغريهم بالأتراك ، وتحثهم على الإيقاع بهم ~~ومحاربتهم وإخراجهم من مصر ؛ فجمع قواد العبيد وحشدوا طوائفهم ، وصاروا إلى ~~شبرا دمنهور ، وساروا إلى الجيزة ؛ فخرج إليهم الأتراك يريدون محاربتهم ms365 ؛ ~~وقد بلغت النفقة في تعديتهم إلى الجيزة ألف ألف دينار . فالتقى الفريقان ، ~~وكانت بينها حروب انجلت عن كسرة السودان وهزيمتهم إلى الصعيد . وكان مقدم ~~طوائف الأتراك يومئذ ناصر الدولة أبو علي الحسن بن الأمير أبي الهيجاء ابن ~~حمدان ؛ فرجع بالأتراك إلى القاهرة وقد قويت نفسه وعظم قدره ، واشتدت شوكته ~~، وثقلت وطأته . وتلاحق العبيد بعضهم ببعض واجتمعوا في بلاد الصعيد وهم في ~~عدد يتجاوز الخمسة عشر ألف ما بين فارس وراجل ؛ فساء ذلك الأتراك وأقلقهم ، ~~فصار أكابرهم إلى المستنصر وشكوا إليه أمر العبيد . فأمرت أم المستنصر ~~جماعة ممن كان عندها من العبيد أن يقتحموا على الأتراك فهاجموهم على حين ~~غفلة وقتلوا منهم جماعة . ففر ابن حمدان حينئذ إلى ظاهر القاهرة ، وتسارع ~~إليه الأتراك وقد استعدوا لمحاربة العبيد ؛ فخرج إليهم عدة من العبيد الذين ~~كانا بالقاهرة ومصر . فكانت بين الطائفتين حروب شديدة مدة أيام ، فحلف منذ ~~ذلك ابن حمدان أنه لا ينزل عن فرسه حتى ينفصل إما له أو عليه . وثبت كل ~~منهما ، فكانت الكرة لابن حمدان على العبيد ، فوضع السيف فيهم وتجاوز الحد ~~في كثرة PageV02P273 قتلهم ، وتتبعهم في كل مكان حتى لم يدع في القاهرة ~~ومصر منهم إلا قليلا ، وهم مقيمون بالصعيد والاسكندرية . فرأى ابن حمدان أن ~~يبدأ محاربة من في الاسكندرية منهم ، فسار إليها ونازلها مدة ، وحصر العبيد ~~بها ، وألح في مقاتلتهم حتى طلبوا منه الأمان ، فأقام على ولايتها رجلا من ~~ثقاته . وانقضت هذه السنة كلها في قتال العبيد والأتراك . # وفي يوم عيد الفطر أفرج عن حميد بن محمود بن الجراح وحازم بن علي بن ~~الجراح ، الطائيين ، من خزانة البنود بعد ما أقاما محبوسين مدة طويلة . # وفيها قطعت دعوة المستنصر من اليمن بقتل الصليحي وأعيدت دعوة بني العباس ~~. # وأما الوزراء فإن ابن أبي كدينة صرف في ثامن المحرم ، وولى أبو القاسم ~~عبد الحاكم المليحي ، فأقام إلى سابع جمادى الآخرة ، وصرف ؛ وأعيد ابن أبي ~~كدينة ، فأقام أياما وصرف ؛ وأعيد المليحي فلم يقم سوى ليالي يسيرة وصرف ؛ ~~وأعيد ابن أبي كدينة فأقام ms366 إلى ثامن عشري ذي القعدة ، وصرف بجلال الملك بن ~~عبد الحاكم . # وفيها قتل فتوح الشامي أحد قواد العبيد ، وكان المنفق حين قتل خمسمائة ~~ألف دينار . PageV02P274 # | سنة ستين وأربعمائة # في المحرم خرج الأتراك مبرزين إلى الرملة حين قتل شهاب الدولة ، وقد بلغت ~~نفقه المستنصر فيهم ألف ألف دينار . # وفيه اشتد البلاء على المستنصر بقوة الأتراك عليه وطمعهم فيه ، فانخرق ~~ناموسه ، وتناقصت حرمته ، وقلت مهابته ؛ وتعنتوا به في زيادة واجباتهم . ~~وكانت مقرراتهم في كل شهر ثمانية وعشرين ألف دينار ، فبلغت في هذه السنة ~~إلى أربعمائة ألف دينار في كل شهر ، فطالبوا المستنصر بالأموال . # وركب ناصر الدولة الحسين بن حمدان ومعه جماعة من قواد الأتراك ، وحصروا ~~المستنصر وأخذوا جميع الأموال ، ثم اقتسموا الأعمال ؛ وركبوا إلى دار ~~الوزير ابن أبي كدينة يريدون الأموال ، فقال : وأي مال بقى ؟ الريف في يد ~~فلان والصعيد في يد فلان والشام في يد فلان . فقالوا : لا بد أن تنفذ إلى ~~مولانا وتطلب منه وتعلمه بحضورنا . فكتب الوزير إلى المستنصر رقعة يذكر ~~فيها حضورهم بألقابهم وما يطلبون ؛ فخرجت الرقعة بخط المستنصر فيها مكتوب : # أصبحت لا أرجو ولا أتقي . . . إلا إلهي ، وله الفضل # جدي نبيي ، وإمامي أبي . . . وقولي التوحيد والعدل # المال إلى الله ، والعبد عبد الله ، والإعطاء خير من المنع . ' وسيعلم ~~الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ' . واعتذر بأنه لم يبق عنده شيء . فاضطروه ~~إلى إخراج ذخائره وذخائر PageV02P275 آبائه وبيعها ، فأخذ يخرج ذلك شيئا ~~بعد شيء ، وهم يأخذونها لأنفسهم بأيديهم ويثمنونها بأقل القيم وأبخس ~~الأثمان . وسار ابن حمدان بجماعة الأتراك إلى الصعيد يريد محاربة العبيد ، ~~وكان قد كثر شرهم وتزايد ضررهم ، وعم الكافة أذاهم وإفسادهم ؛ فاجتمعوا ~~لحربه واستعدوا للغاية . فسار إليهم في شهر رمضان وقد بلغت النفقة عليه ~~وعلى من معه ألف ألف دينار ؛ وكانت بينهما حروب عظيمة ووقائع عديدة انجلت ~~عن كسرة الأتراك وهزيمتهم إلى الجيزة . فتلاقى بعضهم ببعض وصاروا يدا واحدة ~~على المستنصر ، وألبوا عليه ، واتهموه بأنه بعث إلى العبيد بالأموال في ~~السر ليقويهم على محاربة الأتراك ، وجهروا له بالسوء ms367 من القول فقال لهم إنه ~~لم يبعث إليهم بشيء ولا أمدهم بمعونة . وأخذ الأتراك في لم شعثهم والتأهب ~~لمحاربة العبيد ، حتى تهيأ أمرهم بعد أن أنفق المستنصر فيهم عوضا عما نهب ~~السودان لهم وضاع من أموالهم ألف ألف دينار . وساروا إلى قتالهم مرة ثانية ~~، فالتقوا بهم وصابروهم القتال ووالوا عليهم الكرات حتى انهزم العبيد منهم ~~، وقتل كثر من أعدادهم ، بحيث لم ينج منهم إلا القليل ، وزالت حينئذ دولتهم ~~. # وعظم أمر ناصر الدولة واستبد بالأمور ، فصرف ابن أبي كدينة من الوزارة ~~وأعاد المليجي فلم يبق غير خمسة وصرف : وأعيد ابن أبي كدينة ، وجمع له بين ~~الوزارة والقضاء معا في ربيع الأول ، فأقام فيهما إلى جمادى الأولى ؛ وصرف ~~عن القضاء بجلال الملك ، فأقيم في منصب القضاء إلى سلخ رمضان ، فصرف عن ~~القضاء بالمليجي . فأقام المليجي قاضيا إلى يوم عيد النحر ، وصرف ، وتولى ~~ابن أبي كدينة . PageV02P276 # وفيها كانت بدمشق حروب بين أمير الجيوش بدر وبين عسكريته ، فكانت الحروب ~~طول السنة في بلاد الشام وديار مصر قائمة لا تهدأ . # وسار الأمير قطب الدولة باز طغان إلى ولاية دمشق ، ومعه أبو الطاهر حيدرة ~~بن مختص الدولة أبي الحسين ، ناظرا في أعمالها . # وفيها زلزلت مصر زلزلة عظيمة ، حتى طلع الماء من الآبار وهلك عالم عظيم ~~تحت الردم . وزال البحر بفلسطين من الزلازل وبعد عن الساحل مسيرة يوم ، ثم ~~رجع فوق عالم كبير خرجوا يلتقطون من أرضه . وخربت الرملة خرابا لم تعمر ~~بعده . # وفيها أنفق في غير استحقاق لمدة خمسة عشر شهرا ، أولها عاشر صفر سنة ستين ~~، مبلغ ثلاثين ألف ألف دينار . PageV02P277 # | سنة إحدى وستين وأربعمائة # فيها قوى تغلب المارقين على المستنصر واستباحوا ما وجدوا في بيوت أمواله ~~، واشتدت مطالباتهم بالواجبات المقررة لهم ، وسألوا الزيادات في الرسوم . ~~واقتسم مقدموهم دور المكوس والجبايات ، وتغلب كل من بقي منهم على ناحية ؛ ~~ولم يبق للدولة ارتفاع يعول عليه ، ولا مال في القياصر يرجع إليه . وأخرج ~~من الذخائر مالا شوهد فيما بعده من الدول مثله نفاسة وغرابة ، وجلالة وكثرة ~~، وحسنا وملاحة ms368 ، وجودة وسناء قيمة وعلو ثمن ؛ ونقل منه التجار إلى الأمصار ~~شيئا كثيرا ، سوى ما أحرق بالنار بعد ما امتلأت قياسر مصر وأسواقها من ~~الأمتعة المخرجة من القصر المبيعة على الناس ، التي أنفق منها في أعطيات ~~الأتراك وغيرهم لسنة ستين وأربعمائة . فأهلت سنة إحدى وستين هذه وقد اشتد ~~الخوف بمصر ، وكثر التشليح في الطرقات نهارا والخطف والقتل . وصار الجند ~~فرقتين ، فرقة مع الخليفة المستنصر وفرقة عليه . # وذلك أن الوحشة ابتدأت بين الأتراك وبين ناصر الدولة ابن حمدان ، لقوة ~~بأسه وتفرده بالأمور دونهم ، واستبداده بالدولة عليهم ، فنافسوه وحسدوه ، ~~وصاروا إلى الوزير خطير الملك وقالوا له : كل ما خرج من الخليفة من مال ~~أخذه ناصر الدولة وتفرق أكثره في حاشيته ، ولا ينالنا منه إلا الشيء القليل ~~. فقال لهم إنما وصل ناصر الدولة إلى هذا وغيره مما هو فيه بكم ، ولولا ~~أنتم لما كان له من الأمر شيء ، ولو أنكم فارقتموه لا نحل أمره . واتفقوا ~~على أن يكونوا جميعا عليه ، ويحاربوا حتى يظفروا به ويخرجوه من مصر . ~~ودخلوا إلى الخليفة المستنصر وسألوه أن يبعث إلى ناصر الدولة بالخروج من ~~البلاد ، وتهديده إن لم يخرج ؛ فبعث إليه يأمره بالخروج عن بلاده ؛ فسارع ~~إلى الخروج عن PageV02P278 القاهرة ونزل بالجيزة . فامتدت الأيدي عند خروجه ~~إلى دوره ودور حواشيه وأصحابه ، وانتهبتها وأفسدتها . فلما كان في الليلة ~~التي خرج قبلها دخل في خفاء واجتمع بالقائد تاج الملوك شادي وترامي عليه ~~وقبل رجله ، وقال له : اصطنعني وانصرني على الوزير الخطير وعلى إلدكز ، بأن ~~تركب أنت وأصحابك وتسير بين القصرين ، فإذا أمكنتك الفرصة فاقتلهما ؛ ~~فوافقه على ذلك وأجابه إليه ورجع ناصر الدولة إلى مخيمه بالجيزة . فلما طلع ~~النهار شرع تاج الملوك في عمل ما تقرر بينه وبين ناصر الدولة ، فأحس إلدكز ~~بالمكيدة فسارع إلى اللحوق بالقصر ، واستجار بالمستنصر . وأقبل الوزير في ~~موكبه وليس له شعور بما بيت في الليل ، فصادفه تاج الملوك على غرة منه ، ~~فأوقع به وقتله ؛ وسير في الحال إلى ناصر الدولة ، فحضر . وحسن إلدكز ~~للمستنصر أن يركب لمحاربة ms369 ناصر الدولة ، فلبس سلاحه وألبس من معه وركب ، ~~ونزل ، فصار معه من الجند والعامة ما لا يحصى عددهم كثرة . ووقف ناصر ~~الدولة بمن معه ؛ ونشبت الحرب بينهما ، فكانت الكسرة على ناصر الدولة ، ~~فانهزم وقد قتل كثير من أصحابه ؛ فمر على وجهه لا يلوى على شيء في يسير من ~~أصحابه ، حتى انتهى إلى بني سنبس بالبحيرة فنزل عليهم ، وأقام فيهم ~~واستجارهم ، وتزوج منهم . # واشتد الغلاء بمصر ، وقلت الأقوات في الأعمال ، وعظم الفساد والضرر ، ~~وكثر الجوع حتى أكل الناس الجيف والميتات ، ووقفوا في الطرقات يخطفون من ~~يمر من الناس فيسلبونه ما عليه ، مع ما نزل بالناس من الحروب والفتن التي ~~هلك فيها من الخلق ما لا يحصيهم PageV02P279 إلا خالقهم . وخاف الناس من ~~النهب ، فعاد التجار إلى ما ابتاعوه من المخرج من القصر يحرقونه بالنار ~~ليخلص لهم ما فيه من الذهب والفضة . فحرقوا من الثياب المنسوجة بالذهب ~~والأمتعة من الستور والكلل والفرش ، والمظال والبنود والعماريات ، ~~والمنجوقات والأجلة ومن السروج الذهب والفضة والآلات المجراة بالميناء ~~والمرصعة بالجوهر ، شيء لا يمكن وصفه ، مما عمل في دول الإسلام وغيرها . # وفي سادس صفر وهب لسعد الدولة ، المعروف بسلام عليك ، ما في خزانة البنود ~~من الآلات والأمتعة وغيرها ، فوجد فيها ألفا وتسعمائة درقة لمطية ، سوى ما ~~كان فيها من آلات الحرب والقضب الفضة والذهب والبنود ، فسقطت شرارة فيما ~~هنالك فاحترق جميعه ؛ وكانت لذلك غلبة وخوف شدائد . فمما احترق فيها عشرات ~~ألوف من السيوف إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة ، بحيث إن السلطان بعد ذلك ~~بمدة احتاج إلى سلاح ، فأخرج من خزانة واحدة مما بقى وسلم من الحريق خمسة ~~عشر ألف سيف مجوهرة سوى غيرها . وأخرج من القصر صندوق كيل منه سبعة أمداد ~~زمرد ، ذكر الجوهري أن قيمتها على الأقل ثلثمائة ألف دينار . وكان في ~~المجلس فخر العرب ابن حمدان وابن سنان وأبو محمد الحسن بن علي بن أسد بن ~~أبي كدينة ، وغيرهم من المخالفين ؛ فقال بعضهم لمن أحضر من الجوهريين : كم ~~قيمة هذا ؟ فقالوا إنما تعرف قيمة ms370 الشيء إذا كان مثله موجودا ، ومثل هذا لا ~~قيمة له . فاغتاظ ؛ وقال ابن أبي كدينة : فخر العرب كثير المؤونة وعليه خرج ~~؛ والتفت إلى كتاب الجيش ، فقالوا : يحسب عليه بخمسمائة دينار ؛ فكتب بذلك ~~وقبضه . PageV02P280 # وأخرج عقد جوهر قيمته على الأقل ثمانون ألف دينار فكتب بألفي دينار ؛ ~~وتشاغل الحاضرون بنظر ما سواه فانقطع سلكه وتناثر حبه ، فأخذ واحد حبة ~~فجعلها في جيبه ، وأخذ ابن أبي كدينة حبة ، وأخذ فخر العرب شيئا ، وتفرق ~~الباقون سائره ، فذهب كأن لم يكن . وأخرج ما أنفذه الصليحي من نفيس الدر ~~وكيل ، فجاء سبع ويبات . وأخرج ألفان ومائتا خاتم ما بين ذهب وفضة بفصوص من ~~بين سائر أنواع الجواهر ، مما كان للخلفاء ، شوهد منها ثلاثة خواتيم من ذهب ~~أحدها فصه زمرد واثنان ياقوت غشيم صاف ورماني ، كان شراء الفصوص اثني عشر ~~ألف دينار . وأخرج من خزائن القصر ما يزيد على خمسين ألف قطعة من الثياب ~~الخسروانية أكثرها مذهب . # وقال ابن عبد العزيز أخرج من الخزائن على يدي أكثر من مائة ألف قطعة ولما ~~اشتد على المستنصر أمر الأتراك وطالبوه بجراياتهم بعث إلى العميد ابن أبي ~~سعد في إحضار جوهر كان عنده ، فأحضر خريطة فيها نحو من ويبة ، فأحضر أرباب ~~الخبرة من الجوهريين ليقوموه ، فذكروا أنه لا قيمة له ولا يشتري مثله إلا ~~الملوك ؛ فقومت بعشرين ألف دينار وكان مشتراه على حده سبعمائة ألف دينار ~~ففرق في الأتراك وقبض كل منهم جزءا بقيمة الوقت . وقسمت خزائن السيوف وآلات ~~السلاح بين عشرة ، وهم ناصر الدولة ابن حمدان ، وأخواه فخر الدولة علي ، ~~ويلدكوش ، وأمير الأمراء الحسين بن سبكتكين ، وسلام عليك ، وشاور بن حسين ، ~~وتاج الملوك شادي ، والأعز ابن سنان ، ورضى الدولة بن رضي الدولة ، وأمير ~~العرب ابن كيغلغ . فكان من جملتها ذو الفقار ، وصمصامة عمرو بن معدي كرب ، ~~وسيف عبد الله بن وهب الراسبي ، وسيف PageV02P281 كافور الإخشيذي ، وسيف ~~المعز لدين الله ، ودرع المعز وكانت تساوي ألف دينار بيعت منها كواكب بمائة ~~دينار ، وسيف الحسين بن علي ، عليه السلام ، وكان وزنه ثلثمائة ms371 وستين ~~مثقالا ، وسيف الأشتر النخعي ، ودرقة حمزة بن عبد المطلب ، وسيف جعفر بن ~~محمد الصادق . # ودخل في بعض الأيام من باب الديلم ، أحد أبواب القصر ، تاج الملوك شادي ، ~~وفخر العرب علي بن ناصر الدولة ابن حمدان ، ورضي الدولة بن رضي الدولة ، ~~وأمير الأمراء أبجتكين بن سبكتكين ، وأمي العرب ابن كيغلغ ، والأعز بن سنان ~~، وعدة من الأمراء البغداديين ، وصاروا في الإيوان ومعهم أحد الفراشين ~~وفعلة ، فانتهوا إلى حائط مجير ، فأمروا الفعلة بكشف الجير ، فظهر باب فهدم ~~، فإذا خزانة ذكر أنها من أيام العزيزي بالله ؛ فوجدوا فيها من السلاح ما ~~زادت قيمته على عشرين ألف دينار ، فحملوا جميع ذلك وتفرقوه . وصارت حواشيهم ~~وركابياتهم يكسرون الرماح ويتلفون أعوادها ليأخذوا المهارك الفضة . وبيع من ~~الرماح الخطية السمر الجياد شيء كثير مما كسره الغلمان للمغازليين وصناع ~~موادن الغزل حتى كثر هذا الصنف بالقاهرة ، ولم يعترضهم أحد من أهل الدولة . # وأخذ ما في خزائن البنود ومن المحكم والمينا المجرى بالذهب والمجرود ~~والبغدادي والمذهب والخلنج والصيني ما لا يحصى . وأخذ أيضا ما في خزائن ~~الفرش من البسط والستور PageV02P282 والنفائس من الحرير وغيره ، ما لا يعرف ~~له قيمة لكثرته . وأخرج في يوم من خزائن من القصر عدة صناديق ، فوجد في ~~أحدها أمثال كيزان الفقاع من صافي البللور المنقوش والمجرود شيء كثير ، ~~وإذا جميعها مملوءة من ذلك وغيره . # وبيعت في تركة عماد الدولة بن الفضل من المحترق ، بعد قتله ، مما كان قد ~~صار إليه من مخرج القصر مرتبة خسروانية حمراء بثلاثة آلاف وخمسمائة دينار ، ~~ومرتبة قلمونية بألفين وأربعمائة دينار ، وثلاثون سندسية كل واحدة بثلاثين ~~دينارا ، وقدح بللور بمائتين وعشرين دينارا ، وخردادي بللور بثلثمائة وستين ~~دينارا ، وكوز بللور بمائتين وعشرة دنانير وكلة بثمانمائة دينار ، وعدة ~~صحون ميناء بيع كل منها بمائة دينار فما دونها . وخرج من القصر خردادي ~~وباطية من بللور في غاية النقاء وحسن الصنعة ، مكتوب عليهما اسم العزيز تسع ~~الباطية سبعة أرطال ماء ويسع الخردادي تسعة أرطال ، دفع فيهما ابن عمار ~~بطرابلس ثمانمائة دينار فامتنع صاحبهما . # وقال المعتمد ms372 أبو سعد النهاوندي أحد الأمناء ، وحده دون غيره من أمناء ~~القصر ؛ مما أخرج بيع ثماني عشرة ألف فقعة بللور ومحكم ، منها يساوي الألف ~~دينار وإلى عشرة دنانير ؛ ونيف وعشرون ألف قطعة خسروانية ، إلى غير ذلك من ~~الفرش والتعاليق ما بين مذهبة وغير مذهبة . وبيع في مدة خمسة عشر شهرا ، ~~أولها عاشر صفر سنة ستين وأربعمائة ، سوى ما نهب وسرق ، مما خرج من القصر ~~ما تحصل من ثمنه ثلاثون ألف ألف دينار ، على أنه بيع بأقل القيم وأنزر ~~الأثمان ؛ وقبض الجند والأتراك جميعها من غير أن يستحق أحد منهم درهما ~~واحدا منها . PageV02P283 ودخلوا إلى خزانة الرفوف ، وكانت خزانة عظيمة ~~بالقصر من جملة خزائن الفرش ، فيها رفوف كبيرة بعضها فوق بعض ، ولكل منها ~~سلم منفرد ، فأخرجوا منها ألفي عدل شققا طميما بهدبها من سائر أنواع ~~الخسرواني وغيره لم تستعمل ، وكلها مذهب معمول بسائر الأشكال والصور . وجد ~~في عدل منها أجلة للفيلة من خسرواني أحمر مذهب كأحسن ما يكون ، وموضع نزول ~~أفخاذ الفيال ورجليه سارج بغير ذهب . وأخرج من بعض الخزائن ثلاثة آلاف قطعة ~~من خسرواني أحمر مطرز بأبيض لم تفصل ، برسم كسوة البيوت ، كل بيت منها كامل ~~بجميع آلاته ومسانده ومخاده ومراتبه وبسطه وعتبه ومقاطعه وستوره ، وجميع ما ~~يحتاج إليه فيه . # وأخرج من الحصر السامانية المطرزة بالذهب والفضة وغير المطرزة مما هي ~~مجومة ومطيرة وطفيلة ، ومصورة بسائر الصور ، ما لا يحصى كثرة . وأخرج من ~~صواني الذهب المجراة بالميناء وغير المجراة ، المنقوشة بسائر أنواع النقوش ~~، المملوء جميعها جواهر من سائر أنواعه شيء كثير جدا ؛ ونيف وعشرون ألف ~~قطعة طميم من سائر الأمتعة . والتمس بعض الأتراك من المستنصر مقرمة سندس ~~أخضر مذهبة اقتراحا عليه لعدمها وقلة وجود مثلها ، فأخرج منها عدل كان ~~العدد المكتوب عليه مائة وثمانية وثمانين من جملة أعداد أعدال فيها من ~~المتاع . # وأخرج في يوم صناديق سروج محلاة بفضة ، وجد فيها صندوق مكتوب عليه : ~~الثامن والتسعون والثلثمائة ، وعدة ما فيها زيادة على أربعة آلاف سرج . ~~ووجد غلف خيزران مبطنة بالحرير محلاة ms373 بالذهب خالية من الأواني ، كانت تسعة ~~عشر ألف غلاف ، كان في كل غلاف قطعة من بللور أو مجروداء محكم أو ما شاكل ~~ذلك . PageV02P284 # ووجود مائة كأن بازهر على أكثرها اسم هارون الرشيد ، ووجد ستور حريرية ~~منسوجة بالذهب ، تقارب الألف ، مختلفة الألوان والأطوال ، فيها صور الدول ~~وملوكها والمشاهير فيها ، مكتوب على صورة كل واحد منهم اسمه ومدة أيامه ~~وشرح حاله . ووجد في خزانة عدة صناديق كثيرة مملوءة سكاكين مذهبة ومفضضة ~~بنسب مختلفة من سائر الجواهر . ووجد عدة صناديق كبيرة مملوءة من أنواع ~~الدوى المربعة والمدورة والصغار والكبار المعمولة من الذهب والفضة والصندل ~~والعود والأبنوس والعاج وسائر أنواع الخشب المحلاة بالجوهر والفضة والذهب ، ~~وسائر أنواع الحلى الغريبة ، والصنعة المعجزة الدقيقة ، بجميع آلاتها ؛ ~~فيها ما يساوي الألف دينار وما فوقها سوى ما عليها من الجواهر ، وصناديق ~~مملوءة مشارب ذهبا وفضة محرقة بالسواد ، صغارا وكبارا ، بأحسن ما يكون من ~~الصناعة . وصناديق مملوءة أقلاما مبرية من سائر أنواع القصب ، فيها ما هو ~~من براية أبي علي محمد ابن مقلة ، وابن البواب ومن يجري مجراهما ، وعدة ~~مصاحف بخطيهما وخط نظرائهما فيها ما هو مكتوب بالذهب المكحل باللازورد . ~~وعدة أزيار صيني كبار مملوءة كافورا قنصوريا ؛ وعدة كبيرة من جماجم العنبر ~~الشجري ؛ وكثير من قوارير المسك ؛ ومن شجر العود مقطعة شيء كثير . # ووجدت عدة خزائن مملوءة من سائر أنواع الصيني ، منها أجاجين كبار ، ~~محمولة PageV02P285 كل إجانة منها على ثلاثة أرجل على صور الوحوش والسباع ~~والناس والبهائم ، قيمة كل قطعة منها ألف دينار ، معمولة لغسل الثياب . ~~ووجدت له خزائن مملوءة من سائر أنواع الصواني المدهونة ، سعة كل واحدة منها ~~من العشرة أشبار إلى ما دونها ، شيء في جوف شيء ، حتى تكون أصغرها سعة ~~الدرهم . ومن سائر أنواع الأطباق الخلنج الذي بهذه الصفة . ومن الموائد ~~الخلنج الكبار والصغار ألوف ؛ ومن موائد الكرم الجفان الجور الواسعة بمقابض ~~الفضة التي لا يقدر الجمل القوي على حمل جفنتين منها لعظمتها منها ما يساوي ~~المائة دينار وما فوقها . ووجد من الدكك والمحاريب والأسرة العود ms374 والصندل ~~والأبنوس والعاج وغيره شيء كثير . وعدة أقفاص مملوءة من بيض صيني معمول على ~~هيئة البيض في خامته وبياضه يعمل فيها ما في البيض اليشم سبت يوم الفصاد ؛ ~~وكيزان من صيني صغار وكبار على خلقة كيزان الفقاع يشرب فيها الفقاع . ووجد ~~كثير من الأعدال مملوءة عقالا من اليمن مما أهداه الصليحي . وأخرجت حصير من ~~ذهب زنتها ثمانية عشر رطلا ذكر أنها الحصير التي جلبت عليها بوران بنت ~~الحسن علي المأمون . وأخرج ثمان وعشرون صينية ميناء مجرى بالذهب ، لها كعوب ~~تعلو بها عن الأرض مما بعثه ملك الروم للعزيز بالله ، قومت كل صينية بثلاثة ~~آلاف دينار ، فأخذها كلها ناصر الدولة ابن حمدان . ووجد عدة صناديق مملوءة ~~مرايا حديد صيني وغيره من الزجاج الميناء ما لا يحصى كثرة ، وجميعها محلاة ~~بالذهب المشبك والفضة ، ومنها ما هو مكلل بالجوهر في غلف الكهمخت وغيره من ~~أنواع الحرير والخيزران كلها PageV02P286 مضببة بالذهب والفضة ، ومقابض ~~المرايا ما بين عقيق وجزع وصندل وعود وأبنوس وغيره . # وأخرج عدة أعدال من الخيام والمضارب والمنارات والخركاوات وغير ذلك من ~~أنواع الخيام المعمولة من الدبيقي والمخمل وسائر أنواع الحرير المثقل وغير ~~المثقل ، مما هو منقوش ومصور بسائر الصور العجيبة الصنعة ، وسائر أعمدتها ~~مكسوة بالفضة المذهبة ، ولها الصفريات الفضة والحبال القطنية والحريرية . ~~فكان منها ما تحمل الخيمة منه على عشرين بعيرا وأكثر . # وأخرجت المدورة الكبيرة ؛ وكانت تقوم على خرط عمود طوله خمسة وستون ذراعا ~~بالكبير ، ودور مكللته عشرون ذراعا ، وسعة قطرها ستة أذرع وثلثا ذراع ، ~~ودور المدورة خمسمائة ذراع ، وعدة قطع خرقها أربع وستون قطعة ، كل قطعة ~~منها تحزم في عدل ، وتحمل على مائة جمل ، وفي صفرتها ثلاثة قناطير فضة ~~يحملها من داخلها قضبان حديد تسع راوية ماء من روايا الجمال ، وفي زخرفتها ~~صور سائر الحيوانات ، ولها بادهنج طوله ثلاثون ذراعا . كان عملها لليازوري ~~في وزارته ، فأقام يعمل فيها مائة وخمسون صانعا نحو تسع سنين ، وصرف عليها ~~ثلاثون ألف دينار ؛ أراد بها محاكاة القاتول الذي عمله العزيز بالله فجاء ~~أعظم منه وأحسن ms375 . وبعث إلى متملك الروم في طلب عودين للفسطاط طول كل منهما ~~سبعون ذراعا ، فأنفذهما إليه ؛ وقد بلغت النفقة عليهما حتى وصلا ألف دينار ~~؛ فعمل أحدهما في الفسطاط بعد أن قطع منه خمسة أذرع ، وأخذ الآخر ناصر ~~الدولة ابن حمدان لما خرج إلى الإسكندرية . PageV02P287 # وقد قطعت هذه الخيام الكبار خرقا وقومت على المذكورين من المارقين بأقل ~~القيم ، فتمزقت وأخرج مسطح من قلمون ، عمل بتنيس للعزيز وسمى دار البطيخ ، ~~يقوم على ستة أعمدة ، وفيه أربع قباب بين كل قبتين رواق يقوم كل منها على ~~أربعة أعمدة ، وطول كل عمود ثمانية عشر ذراعا . ومسطح عمله الظاهر في تنيس ~~، كله ذهب طميم بستر صفارى بللور وستة أعمدة من فضة أنفق عليها أربعة عشر ~~ألف دينار . إلى غير ذلك من القصور والخيام المخمل وغيره من سائر أنواع ~~الحرير ، وعدة من الحمامات المعمولة من البللور والطالقاني ومن الأدم ~~المذهبة المنقوشة بحياضها ودككها ، ومساطبها وقدورها ، وزجاجها وسائر عددها ~~وأخرجت المدورة الكبيرة التي عملت بحلب في سني بضع وأربعين وأربعمائة ، ~~فبلغت النفقة عليها ثلاثين ألف دينار ، وكان طول عمودها أربعين ذراعا ، ~~ودور فلكه أربعة وعشرين شبرا ، وزنة صفرتيه قنطارين من فضة سوى أنابيب ~~الحديد ، ويحملها سبعون جملا ، ولا ينصبها إلا نحو المائتي رجل ، وهو شبه ~~القاتول العزيزي . وأخرج من المظال وقصبها الفضة والذهب شيء له قدر جليل . ~~وأخرج من الصناديق ، والقمطرات والأدراج والموازين وغلف الأمشاط والمرايا ~~والمداخن من الكيمخت والأبنوس والعاج وسائر الخشب والبقم المحلى جميعها ~~بالذهب والفضة المغشاة بأغشية الأدم والحرير ما لا يحد كثرة . # ومن صناديق الطعام وخزائنه والمجامع ما لا يدركه الإحصاء لكثرته . وأخرج ~~من خزائن الفضة ما ينيف على ألف ألف درهم ، كلها آلات مصوغة مجراة بالذهب ، ~~فيها ما يبلغ زنة القطعة منها خمسة آلاف درهم مما هو غريب الصنعة ، فبيع ~~جميعه عشرون PageV02P288 درهما بدينار ، وكانت قيمته خمسة دراهم بدينار . ~~وأخرج غير ذلك عشاريات موكبية وأعمدة الخيام وقصب المظال ، ومنجوقات وأعلام ~~وقناديل وصناديق وبوقات وزواريق وقمطرات ، وسروج ولجم ومناطق العماريات ~~وغير ذلك ما يجاوز ms376 ألف ألف فضة ، بيعت كما بيع غيرها . وأخرج من الشطرنج ~~والنرد المعمولة من أنواع الجواهر والأحجار ومن الذهب والفضة والعاج ~~والأبنوس برقاع الحرير المذهب وغيره ما لا يحد كثرة ونفاسة ؛ ومن دسوت ~~الفصاد مثل ذلك ؛ ومن خرق المنجوقات والمطارد والمظال والأعلام ما لا يمكن ~~وصفه لكثرته مما هو مخمل وحرير ساذج ومذهب ؛ فقطع جميع ذلك وبيع . وأخرج ~~مرة من خزائن السروج خمسة آلاف سرج كان أبو سعيد إبراهيم بن سهل التستري قد ~~عملها ، فيها ما يساوي السرج الواحد منها سبعة آلاف دينار إلى ألف دينار ، ~~شبك جميعها وفرق في الأتراك ، كان منها أربعة آلاف سرج برسم ركاب الخليفة . # وأخرج من خزانة السيدة أم المستنصر أربعة آلاف مثلها ودونها ، صنع بها ~~مثل ذلك . وأخذ منها آلات فضية وزنها ثلثمائة ألف وأربعون ألف درهم ، تساوي ~~ستة دراهم بدينار . وأخرج من القصر أقفاص مملوءة آلات مصوغة مجراة بالذهب ~~معدومة المثل صنعة وحسنا ، عدتها أربعمائة قفص كبار ، شبكت كلها في إيوان ~~القصر وفرقت . ومعظم ذلك كان في وزارة جلال الملك بن عبد الحاكم في هذه ~~السنة . كان من جملة ما في الأقفاص ستة عشر ألف قطعة برسم العواري خاصة . ~~وأخرج في بعض أسابيع المولد ألفان وخمسمائة إناء من فضة PageV02P289 برسم ~~الخيم . وأخرج مرة عند ورود بعض رسل ملوك الروم فيما أخرج عدة كثيرة من ~~صواني الذهب والفضة المجراة بالميناء الغريبة الصنعة ، ملئت كلها جوهرا ~~فاخرا ، وأربعة آلاف نرجسية فضة محرقة بالذهب عمل فيها النرجس ، وألفا ~~بنفسجية كذلك . وأخرج من خزائن الطريف ستة وثلاثون ألف قطعة ما بين بللور ~~وغيره . وكان مبلغ ما قوم من نصب سكاكين ، بأقل القيم ، ستة وثلاثين ألف ~~دينار . وأخرج من تماثيل العنبر اثنان وعشرون ألف قطعة ، أقل تمثال منها ~~وزنه اثنا عشر منا وأكبره يتجاوز ذلك بكثير ؛ ومن تماثيل الكافور ما لا يحد ~~كثرة ، منها ثمانمائة بطيخة كافور ، إلى غير ذلك من تماثيل الفاكهة . # وأخرج من خزائن الفرش أربعة آلاف رزمة خسروانية مذهبة ، في كل رزمة فرش ~~مجلس ببسطه وتعاليقه ms377 وسائر آلاته . وأخرج من خزائن الكسوات من التخوت ~~والأسفاط والصناديق المملوءة بفاخر الملابس المستعملة بتنيس ودمياط وبرقة ~~وصقلية وسائر أقطار الأرض ما لا يحد كثرة ولا يعرف له قيمة . # وفي هذه السنة بعث ناصر الدولة ابن حمدان عماد الدولة ، المعروف بالمخنوق ~~، هو والوزير أبا محمد بن أبي كدينة إلى المستنصر يطالبه معهما بما بقي ~~لغلمانه ، فذكر أنه لم يبق عنده شيء إلا ملابسه ، وقال فابعث من يقوم ذلك ~~ويقبضه ؛ فأخرج إليهما ثمانمائة بذلة من ثيابه بجميع آلاتها كاملة ، قومت ~~وحملت إليه في حادي عشر صفر . # وفيها وهب المستنصر لفخر العرب وتاج الملوك الكلوتة المرصعة بالجوهر ، ~~وكانت من غريب ما في القصر ونفيسه ، وكانت قيمتها مائة وثلاثين ألف دينار ، ~~وقومت عليهما بثمانين ألف دينار ، وقسمت بينهما بالسوية ، فجاء وزن ما فيها ~~من الجوهر سبعة عشر رطلا PageV02P290 بالمصري . فصار إلى فخر العرب من جملة ~~ما وقع في سهمه منها قطعة بلخش زنتها ثلاثة وعشرون مثقالا ، فأنفذها مع ~~باقي ما حصل له منها إلى الفخرية ، وكانت بثغر الإسكندرية ، فحملت بعد ذلك ~~إلى تنيس مع غيره من رجالاتهم ، فصار جميعه عند أمير الجيوش بالشام . وصار ~~إلى تاج الملوك منها حبات در ، زنة كل حبة ثلاثة مثاقيل وعدتها مائة حبة ؛ ~~فلما انهزم من مصر أخذها بعض غلمانه مع غيرها من نفيس الجوهر وهرب إلى ~~الصعيد ، فقتل وأخذ منه . وأخرج من خزائن الطيب مما أخرج خمسة صواري عود ~~هندي ، طول كل واحد منها ما بين تسعة أذرع إلى عشرة أذرع ؛ وكافور قنصوري ~~زنة كل حصاة منه من خمسة مثاقيل إلى ما دونها ؛ وقطع عنبر تزن القطعة ثلاثة ~~آلاف مثقال ، فوهب ذلك لناصر الدولة ، فحاز منه ما لا حد له ولا قيمة . ~~وحمل إليه من القصر متارد صيني ، يقوم كل مترد منها على ثلاثة أرجل على ~~صورة السباع وغيرها ، يسع كل منها مائتي رطل وما فوقها ؛ وعدة قطع يشب ~~وبازهر ، منها جام سعته ثلاثة أشبار ونصف وعمقه شبر ، مليح الصورة . وأخرج ~~من القصر منديل نسيج من زغب ms378 ريش بدائر يسمى السمندل ، طوله تسعة أشبار ، لا ~~يحترق بالنار ، فاشتراه بعض المسافرين التجار بثمن يسير طلب فلم يقدر عليه ~~. وصار إلى ناصر الدولة قطرميز بللور فيه صور ناتئة عن ضبته يسع سبعة عشر ~~رطلا ، ودكوجة بللور تسع عشرين رطلا ؛ وقصرية يصب كبيرة جدا ؛ وعدة كاسات ~~يصب ؛ وطابع ند فيه ألف مثقال عمله فخر الدولة أبو الحسن علي بن ركن الدولة ~~ابن بويه الديلمي وكتب عليه فخر الدولة شمس الدولة ، وكتب عليه أبياتا ، ~~منها : PageV02P291 # ومن يكن شمس أهل الأرض قاطبة . . . فنده طابع من ألف مثقال # فاقتسمه ناصر الدولة وفخر العرب وتاج الملوك أمير الأمراء . # وصار لناصر الدولة أيضا طائر من ذهب مرصع بنفيس الجوهر وعيناه من ياقوت ~~أحمر وريشه من الميناء المجري بالذهب كهيئة ريش الطاووس . وديك من ذهب له ~~عرف كأكبر أعراف الديكة من الياقوت الأحمر ، مرصع كله بسائر الدر والجوهر ، ~~وعيناه من ياقوت أحمر ، كان يحيره ناظره كيفية تركيبه لالتئام الصنعة فيه ~~وملاحتها . وغزال مرصع بنفيس الدر والجوهر ، بطنه أبيض منطور من در رائع ~~يخاله الناظر حيوانا . ومجمع سكارج مخروط من بللور فظ ، وفيه سكارج من ~~بللور يخرج منه ويعود إليه فتحته أربعة أشبار في مثلها ، محكم الصنعة في ~~غلاف من خيزران مذهب ، فسمح به لفخر العرب . وأخرج بطيخة من كافور في شباك ~~من ذهب مرصع ، وزن كافورها سبعون منا سوى الذهب ، اقتسمها فخر العرب وتاج ~~الملوك ، فخص فخر العرب منها ثلاثة آلاف مثقال من ذهب ؛ وقطعة عنبر تسمى ~~الخروف زنتها سوى ما يمسكها من الذهب ثمانون منا ؛ وعدة قطارميز بللور فيها ~~صور مجسمة بارزة ، يسع كل منها عشرين رطلا . # وطلب الأتراك من المستنصر نفقة ، فماطلهم بها ، فهجموا على التربة التي ~~للقصر وأخذوا ما فيها من قناديل الذهب ومن الآلات كالمداخن والمجامر وحلي ~~المحاريب ، فجاء منه خمسون ألف دينار . وصار إلى فخر العرب مقطع حرير أزرق ~~رقيق بديع الصنعة منسوج بالذهب وسائر أنواع الحرير تنبيتا ، عمله المعز ، ~~فيه صورة أقاليم الأرض بمدنها وجبالها وبحارها وأنهارها وسعة حصونها ، وفيه ms379 ~~صورة مكة والمدينة ، وفي آخره : مما أمر بعمله المعز لدين الله PageV02P292 ~~شوقا إلى حرم الله ، وإشهارا لمعالم رسول الله ، في سنة ثلاث وخمسين ~~وثلثمائة ، والنفقة عليه اثنان وعشرون ألف دينار . # وصار إلى فخر العرب ما لا يحصى كثرة ؛ من ذلك مائدة يصب كبيرة قوائمها ~~منها ؛ وبيضة كبيرة بلخشن زنتها سبعة وعشرون مثقالا أشد صفاء من الياقوت ~~الأحمر ؛ وبيت أرمني منسوج بالذهب عمل للمتوكل على الله العباسي لا مثل له ~~ولا قيمة ؛ وقطرميز بللور يسع مروقتين نبيذا مليح التقدير ، قوم عليه مما ~~خرج من القصر ثمانمائة دينار فدفع إليه بعد ذلك فيه ألف دينار فأبى ، وبساط ~~خسرواني دفع إليه بالإسكندرية ألف دينار فامتنع من بيعه ؛ ومائدة جزع يقعد ~~عليها جماعة ، قوائمها مخروطة منها ما لا قدر لها ولا قيمة . سوى ما قبضة ~~شاور بن حسين لناصر الدولة ولفخر العرب من آلات الذهب والفضة ، وآنية ~~الجوهر وعقوده ، وفاخر الثياب والفرش والآلات والسلاح ، مما قوم بمئين ~~ألوفا وكانت قيمته ألوف ألوف دينارا . وصار إلى ناصر الجيوش ما قيمته ألف ~~ألف دينار من جملته نخلة من ذهب مكللة بجوهر بديع ودر رائع ، في إجانة من ~~ذهب ، تجمع الطلع والبلح وسائر ألوان البسر والرطب ، بشكله ولونه ، وصفته ~~وهيئته من ألوان الجوهر ، لا قيمة لها . وكوز على مثال كوز الزير من بللور ~~يسع عشرة أرطال ماء مرصع بنفيس الجوهر لا قيمة له ، وصورة مكللة بحب لؤلؤ ~~نفيس ، فيها ما وزن الجبة منه مثقال ، ومنه ما يزن مثقالين مرصعة بياقوت . ~~وأخرج فيه العشارى المعروف بالمقدم ، ونجارته وكسوة رحله التي عملها الوزير ~~علي بن أحمد الجرجرائي في سنة ست وثلاثين وأربعمائة ، كان فيها مائة ألف ~~وسبعة وستون ألفا وسبعمائة درهم فضة نقرة ، غير ما أطلق للصناع من أجرة ~~صياغة وثمن ذهب لطلائه ، وهو ألفان وتسعمائة دينار ؛ وكان سعر الفضة في ذلك ~~الوقت كل مائة درهم بستة دنانير وربع ، بسعر ستة عشر درهما بدينار . وأخرج ~~حلي العشارى الفضي الذي عمله أبو سعيد إبراهيم بن سهل التستري لما ولي ~~الوساطة ms380 في سنة ست وثلاثين وأربعمائة لوالدة PageV02P293 المستنصر ، وكان ~~الحلي مائة ألف وثلاثين ألف درهم فضة ، وإلى ذلك أجر الصباغة ولطلاء بعضه ~~ألفان وأربعمائة ، غير ما استعمل كسوة برسمه مال جليل . فأخرج عدة ~~العشاريات التي برسم القوة البحرية ، وعدتها ستة وثلاثون عشاريا ، وكان قد ~~انصرف عليها في حلاها من مناطق ورؤوس منجوقات وأهلة وصفريات وكساها ~~أربعمائة ألف دينار . # وأخرج ما على سرير الملك الكبير من الذهب الإبريز الخالص فكان مائة ألف ~~مثقال وعشرة آلاف مثقال . وأخرج الستر الذي أنشأه أبو محمد اليازوري فجاء ~~فيه من الذهب ثلاثون ألف مثقال ، وكان مرصعا بألف وخمسمائة وستين قطعة جوهر ~~من سائر الألوان . وأخرجت الشمسة الكبيرة وكان فيها ثلاثون ألف مثقال ذهبا ~~وعشرون ألف درهم فضة وثلاثة آلاف وستمائة قطعة جوهر ، وأخرجت الشمسة التي ~~لم تتم فوجد فيها من الذهب سبعة عشر ألف مثقال . وأخرج من خزانة عدة مناكين ~~فضة ، منها ما زنته مائة وتسعة أرطال إلى ما دونها . وأخرج بستان أرضه فضة ~~محرقة مذهبة ، وطينه ند معجون ، وأشجاره فضة مصنوعة ، وأثماره عنبروند ، ~~زنته ثلثمائة وستة أرطال بالمصري . وبطيخة كافور مشبكة بذهب وزنها عشرة ~~آلاف مثقال ؛ ومنقلتا كافور مشبكتان بذهب زنتهما ستة آلاف مثقال ؛ ومنقلتا ~~عنبر وزنهما عشرة آلاف مثقال ؛ ومنقلتا عنبر مدورتان وزنهما ستة آلاف مثقال ~~. وأثواب مصمتة ، منها أربعة يفصل كل ثوب منها اثنين ، وثلاثون قميصا تاما ~~، ومدهن ياقوت أحمر زنته سبعة وثلاثون درهما ونصف ، أخذ من موجود اليازوري ~~وكان قد صار إليه من السيدة عبدة بنت المعز لدين الله . وأخرج لؤلؤ زنة كل ~~حبة منه مثقالان ؛ ومن الياقوت الأزرق ما زنة كل قطعة منه سبعون درهما ؛ ~~ومن الزمرد ما وزن كل قطعة منه ثمانون درهما ؛ ونصاب مرآة طويل ثخين من ~~زمرد لا قيمة له . # وأخرج من خزائن الكتب ثمانية عشر ألف كتاب في العلوم القديمة ، وألفان ~~وأربعمائة ختمة في ربعات بخطوط منسوبة محلاة بذهب وفضة . وأخذ جميع ذلك ~~الأتراك ببعض قيمته . وأخرج في المحرم منها في يوم واحد خمسة وعشرون جملا ~~موقرة ms381 كتبا صارت إلى دار الوزير أبي الفرج محمد بن جعفر بن المعز ، ~~واقتسمها هو والخطير ابن الموفق في الدارين PageV02P294 بخدمات وجبت لهما ~~عما يستحقانه وغلمانهما من ديوان الحلبيين ؛ وأن حصة الوزير أبي الفرج قومت ~~عليه بخمسة آلاف دينار ، وكانت تساوي أكثر من مائة ألف دينار ، نهبت ~~بأجمعها من داره يوم انهزم ناصر الدولة من مصر في صفر ، مع غيرها مما نهب ~~من دور من سار معه من الوزير أبي الفرج وابن أبي كدينة وغيرهما . # وأخرج ما في خزائن دار العلم بالقاهرة . وصار إلى عماد الدولة أبي الفضل ~~بن المحترف بالإسكندرية كثير من الكتب ، ثم انتقل منها كثير ، بعد مقتله ، ~~إلى المغرب وأخذته لواتة ، فيما صار إليها بالابتياع أو الغصب من الكتب ~~الجليلة المقدار ما لا يعد ولا يوصف ، فجعل عبيدهم وإماؤهم جلودها نعالا في ~~أرجلهم ، وأحرق ورقها تأولا منهم أنها خرجت من القصر وأن فيها كلام ~~المشارقة الذي يخالف مذهبهم ، فصار رمادها تلالا عرفت في نواحي أبيار بتلال ~~الكتب ، وغرق منها وتلف ، ووصل إلى الأمصار ما يتجاوز الوصف . وأخرج من بعض ~~الخزائن التي بالقصر بيضة كبيرة كأكبر ما يكون من بيض النعام محلاة بذهب ، ~~فأخذها المستنصر دون ما أخرج من تلك الخزانة مما له خطر وقدر ؛ فقال بعض ~~الحاضرين هذه بيضة نعامة ، فتغافل بعض من حضر من الأتراك عنها ، وأخذوا ~~النفائس من الذخائر وانصرفوا . فسئلا المستنصر من بعض الخدم عن هذه البيضة ~~، فقال : هي بيضة حية أهداها بعض الملوك إلى جدي القائم بأمر الله ، وكان ~~يحتفظ بها ، وهذه الرقعة بخط القائم بأمر الله باسم مهديها والسنة التي ~~أهديت فيها . # وأخرج من القصر في ثلاثة أيام من المحرم ما قيمته من العين اثنان وعشرون ~~ألف دينار وستمائة وستة وسبعون دينارا وثمن دينار ، منها قيمة متاع ثلاثة ~~عشر ألفا وثمانمائة وثلاثون دينارا وثلت وثمن ، وقيمة جوهر ثمانية آلاف ~~وثمانمائة وخمسة وأربعون دينارا وثلثان ؛ هذا على أن ما يساوي ألف دينار ~~يقوم بمائة دينار وما دونها . فإذا كان هذا في ثلاثة أيام فكيف ms382 يكون في مدة ~~سنتين ليلا ونهارا ! PageV02P295 وتسلم جلال الدولة بن بويه من العين ، له ~~ولمن يجري مجراه وعدتهم عشرة نفر ، من عطية واحدة مبلغ أربعة وأربعين ألف ~~دينار ومائة وثلاثين دينارا . ووصل إلى بغداد على يد التجار مما خرج من ~~القصر ، على ما وقفت في تاريخ بعض البغداديين ، أحد عشر ألف درع وعشرون ألف ~~سيف محلى ، وثمانون ألف قطعة بللور وخمسة وسبعون ألف قطعة من الديباج . ~~وبيع طشت وإبريق من بللور باثني عشر ألف دينار ؛ وبيع نحو السبعين ألف قطعة ~~من الثياب ، وعشر حبات زنتها عشرة مثاقيل بأربعمائة دينار . # قال ابن ميسر : رأيت مجلدة تجيء نحو العشرين كراسة ، فيها ذكر ما خرج من ~~القصر من التحف والأثاث والثياب والذهب وغير ذلك . # وفيها صرف الوزير محمد بن جعفر ابن المغربي عن الوزارة في رمضان ، وتقرر ~~جلال الملك أبو أحمد ، أحمد بن عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد الفارقي . ~~وفيها قتل أمير الجيوش بدر بساحل الشام الشريف أبا طاهر حيدرة ، ناظر دمشق ~~، لإحن كانت في نفسه منه ، وكان يعد من الأجواد . وفيها تغلب الأمير حصن ~~الدولة معلى بن حيدرة الكتامي على دمشق واقتحمها قهرا بالسيف في شوال ، ~~فأساء السيرة في الناس . # وفيها عظم الغلاء بمصر واشتد جوع الناس لقلة الأقوات في الأعمال وكثرة ~~الفساد ، وأكل الناس الجيفة والميتات ، ووقفوا في الطرقات فقتلوا من ظفروا ~~به ؛ وبيعت البيضة من بيض الدجاج بعشرة قراريط ، وبلغت رواية الماء دينارا ~~، وبيع دار ثمنها تسعمائة PageV02P296 دينار بتسعين دينارا اشترى بها دون ~~تليس دقيق . وعم مع الغلاء وباء شديد ؛ وشمل الخوف من العسكرية وفساد ~~العبيد . فانقطعت الطرقات برا وبحرا إلا بالخفارة الكبيرة مع ركوب الغرر . ~~وبيع رغيف من الخبز زنته رطل في زقاق القناديل كما تباع التحف والطرق في ~~النداء : خراج ! خراج ! فبلغ أربعة عشر درهما ؛ وبيع أردب قمح بثمانين ~~دينارا . ثم عدم ذلك كله ، وأكلت الكلاب والقطط ، فبيع كلب ليؤكل بخمسة ~~دنانير . وأبيعت حارة بمصر بطبق خبز ، حسابا عن كل دار رغيف ، فعرفت تلك ~~الحارة بعد ms383 ذلك بحارة طبق ، وما زالت تعرف بذلك حتى دثرت فيما دثر من خطط ~~مصر . وأكل الناس نحاتة النخل ؛ ثم تزايد الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضا . ~~وكان بمصر طوائف من أهل الفساد قد سكنوا بيوتا قصيرة السقوف قريبة ممن يسعى ~~في الطرقات ، فأعدوا سلبا وخطاطيف ، فإذا مر بهم أحد شالوه في أقرب وقت ، ~~ثم ضربوه بالأخشاب وشرحوا لحمه وأكلوه . قال الشريف أبو عبد الله محمد ~~الجواني في كتاب النقط : حدثني بعض نسائنا الصالحات قالت : كانت لنا من ~~الجارات امرأة ترينا أفخاذها وفيها كالحفر ، فتقول : أنا ممن خطفني أكلة ~~الناس في الشدة ، فأخذني إنسان ، وكنت ذات جسم وسمن ، فأدخلني بيتا فيه ~~سكاكين وآثار الدماء وزفرة القتيل ، فأضجعني على وجهي وربط في يدي ورجلي ~~سلبا إلى أوتاد حديد ، عريانة ، ثم شرح من أفخاذي وأنا أستغيث ولا أحد ~~يجيبني ، ثم أضرم الفحم وأسوى من لحمي وأكل أكلا كثيرا ؛ ثم سكر حتى وقع ~~على جنبيه لا يعرف أين هو ؛ فأخذت في الحركة إلى أن تخلى أحد الأوتاد ، ~~وأعان الله على الخلاص ، وخلصت ، وحللت الرباط ، وأخذت خروقا من داره ~~PageV02P297 ولففت بها أفخاذي ، وزحفت إلى باب الدار وخرجت أزحف إلى أن ~~وقعت إلى الناس ، فحملت إلى بيتي ، وعرفتهم بموضعه ، فمضوا إلى الوالي فكبس ~~عليه وضرب عنقه ؛ وأقامت الدماء في أفخاذي سنة إلى أن ختم الجرح ، وبقي ~~هكذا حفرا . # وآل أمر الخليفة المستنصر إلى أن صار يجلس على نخ أو حصير ؛ وتعطلت ~~دواوينه وذهب وقاره ، وخرج من نساء قصوره ناشرات شعورهن يصحن : الجوع الجوع ~~، وهن يردن المسير إلى العراق ، فتساقطن عند المصلى بظاهر باب النصر من ~~القاهرة ، ومتن جوعا . جاء الوزير يوما على بغلة فأكلها العامة ، فأمر بهم ~~فشنقوا ، فاجتمع الناس على المشنقين وأكلوهم . وعدم المستنصر القوت جملة ~~حتى كانت الشريفة بنت صاحب السبيل تبعث إليه كل يوم بقعب من فتيت من جملة ~~ما كان لها من البر والصدقات في سني هذا الغلاء ، حتى أنفقت مالها كله ، ~~وكان يجل عن الإحصاء ، في سبيل البر ؛ فلم يكن للمستنصر ms384 قوت سوى ما كانت ~~تبعث به إليه ، وهو مرة واحدة في اليوم ، لا يجد غيره . وبعث بأولاده إلى ~~الأطراف لعدم القوت ، فسير الأمير عبد الله إلى عكا فنزل عند أمير الجيوش ، ~~وأرسل الأمير أبا علي معه ؛ وبعث الأمير أبا القاسم والد الحافظ إلى عسقلان ~~، وسيره أولا إلى دمياط ؛ ولم يترك عنده سوى ابنه أبي القاسم أحمد . # وبعث المستنصر يوما إلى أبي الفضل عبد الله بن حسين بن شورى بن الجوهري ~~الواعظ ، فدخل القاهرة من باب البرقية ، فلم يلق أحدا إلى القصر ؛ فجاء من ~~باب البحر ، فوجد عليه شيخا ، فقال استأذن علي ؛ فقال : ادخل فهو وحده ؛ ~~فدخل ، فلم ير أحدا في الدهاليز ولا القلعة ، فأنشد : PageV02P298 # يا منزلا ، لم تبل أطلاله . . . حاشا لأطلالك أن تبلى # لم أبك أطلالك ، لكنني . . . بكيت عيشي فيك إذ ولى # والعيش أولى ما بكاه الفتى . . . لا بد للمحزون أن يسلى # فإذا هو خلف باب المجلس ، فبكى وبكيت طويلا ، وحادثته ساعة ؛ ثم ناوله ~~الخليفة قرطاسا فيه سبعون دينارا . # ومن عجيب ما وقع أن امرأة من أرباب البيوت عرضت عقدا لها قيمته ألف دينار ~~على جماعة ليعطوها به دقيقا وهم يعتذرون إليها ويدفعونها ، إلى أن رق لها ~~رجل وباعها به تليس دقيق ، فحملته من مصر واكترت معها من يحفظه من النهابة ~~، وسارت تريد منزلها بالقاهرة ، فسلمه الحملة إليها عند بابي زويلة ، فلم ~~تمش به غير قليل حتى تكاثر الناس عليها ، وانتهبوه منها فانتهبت هي أيضا ~~منه مع النهابة ، فصار إليها ملء يديها دقيقا لم ينبها منه غيره ، فعجنته ~~وشوته ، ثم مضت إلى باب القصر ووقفت على موضع مرتفع ، ورفعت القرصة في يدها ~~حتى يراها الناس ، ونادت بأعلى صوتها : يأهل القاهرة ، ادعوا لمولانا ~~المستنصر الذي أسعد الله الناس بأيامه وأعاد عليهم بركات حسن نظره ، حتى ~~تقومت علي هذه القرصة بألف دينار . ووقف مرة بعض المياسير بباب القصر وصرح ~~إلى أن أحضر المستنصر ، فلما وقف بين يديه قال : يا مولانا هذه سبعون قمحة ~~وقفت علي بسبعين دينارا كل حبة قمح بدينار ، في ms385 أيامك ، وهو ، أني اشتريت ~~إردبا بسبعين دينارا فنهب مني ولم يبق في منه سوى ما وقع بيدي وانتهابي منه ~~مع من نهب ، فعددت ما في يدي فجاء سبعين حبة من قمح ، وإذا كل حبة بدينار . ~~فقال المستنصر : الآن فرج الله على الناس فإن أيامي حكم لها أنه يباع فيها ~~القمحة بدينار . ولم يكن هذا الغلاء عن قصور مد النيل فقط ، وإنما كان من ~~اختلاف الكلمة ومحاربة الأجناد بعضهم مع بعض . وكان الجند عدة طوائف مختلفة ~~الأجناس ، فتغلبت لواتة والمغاربة على الوجه البحري ، وتغلب العبيد السودان ~~على أرض الصعيد ، وتغلب PageV02P299 الملثمة والأتراك بمصر والقاهرة ، ~~وتحاربوا . وكان قد حصل ذلك من بعد قتل اليازوري في سنة خمسين كما تقدم ؛ ~~فما زالت أمور الدولة تضطرب وأحوالها تختل ، ورسومها تتغير ، من سنة خمسين ~~إلى سنة سبع وخمسين ، فابتدأت الشدة منها تتزايد إلى سنتي ستين وإحدى وستين ~~، فتفاقم الأمر وعظم الخطب واشتد البلاء والكرب . وما برح المصاب يعظم إلى ~~سنة ست وستين ، وكان أشدها مدة سبع سنين ، من سنة تسع وخمسين إلى سنة أربع ~~وستين أخصبت كل شر ، وهلك فيها معظم أهل الإقليم . ثم أخذ البلاء ينجلي من ~~سنة أربع وستين إلى أن قدم أمير الجيوش بدر في سنة ست وستين ، كما سيأتي ~~ذكره إن شاء الله . فكانت السبع سنين المذكورة يمد فيها النيل ويطلع وينزل ~~في أوقاته ، فلا يوجد في الإقليم من يزرع الأراضي ولا من يقيم جسوره ، من ~~كثرة الاختلاف وتواتر الحروب ، وانقطاع الطرقات في البر والبحر إلا ~~بالخفارة الثقيلة وارتكاب الخطر ؛ ولم يوجد ما يبذر في الأراضي للزراعة ، ~~فإن القمح ارتفع الأردب منه من ثمانين دينارا إلى مائتي دينار ، ثم فقد فلم ~~يقدر عليه ولا الخليفة . # وفيها صرف ابن أبي كدينة عن القضاء في ثالث عشر صفر ، وتولى المليحي ؛ ~~وصرف جلال الملك عن الوزارة ، وصرف معه أيضا المليحي عن القضاء في يوم واحد ~~، وجمعا معا لخطير الملك محمد بن اليازوري فباشرهما إلى شوال ، ثم صرف ~~عنهما . فاستقر فيهما بعده ابن أبي كدينة ms386 إلى ذي القعد ؛ وأعيد المليحي ~~بعده . # وفيها احترق جامع دمشق ليلة الاثنين ، النصف من شعبان ، بعد العصر ، ~~وسببه فتنة PageV02P300 بين العسكرية وأهل البلد ، فأضرموا النار في بعض ~~الأسواق واتصل بالجامع ، فاحترق الجانب الغربي جميعه من الرواق الباقلاني ~~والقبة الكبيرة ، وزالت آثار الوليد بن عبد الملك التي لم يكن في الإسلام ~~مثلها . PageV02P301 # | سنة اثنتين وستين وأربعمائة # فيها بعث ناصر الدولة حسين بن حمدان الفقيه أبا جعفر محمد بن أحمد بن ~~البخاري رسولا منه إلى السلطان ألب أرسلان ، ملك العراق ، يسأله أن يسير ~~إليه العساكر ليقيم الدعوة العباسية بديار مصر ، وتكون مصر له . فتجهز ألب ~~أرسلان من خراسان في عساكر عظيمة ، وبعث إلى محمود بن ثمال بن صالح بن ~~مرداس ، صاحب حلب ، أن يقطع دعوة المستنصر ويقيم الدعوة العباسية ، فقطعت ~~دعوة المستنصر من حلب ولم تعد بعد ذلك . وانتهى ألب أرسلان إلى حلب في ~~جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وحاصرها شهرا ، فخرج إليه صاحبها محمود بن ~~ثمال بن صالح بن مرداس ، فأكرمه وأقره على ولايته . وأخذ يريد المسير إلى ~~دمشق ليمر منها إلى مصر ، وإذا بالخبر قد طرقه أن متملك الروم قد قطع بلاد ~~أرمينية يريد أخذ خراسان ، فشغله ذلك عن الشام ومصر ورجع إلى بلاده ؛ فواقع ~~جمائع الروم على خلاط وهزمهم . وكان قد ترك طائفة من عسكره الأتراك ببلاد ~~الشام فامتدت أيديهم إليها وملكتها كلها ، فخرجت عن أيدي المصريين ولم تعد ~~إليهم . وبلغ المستنصر إرسال ناصر الدولة إلى ألب أرسلان ، فجهز إليه ثلاث ~~عساكر من الأتراك وغيرهم ، وتقدم أحد العساكر إليه وهو في أهل البحيرة ، ~~فجمع له ابن حمدان وأوقع به وقعة انكشفت عن أسر مقدم العسكر ، وقتل كثير من ~~أصحابه ، وانهزام من بقي ، والاستيلاء على ما بقي معهم ؛ فتقوى به . ووافاه ~~العسكر الثاني ولا علم عندهم بما اتفق على من تقدم ، فكانت الدائرة لابن ~~حمدان عليهم أيضا ؛ فسار وهجم على العسكر الثالث وقتل منهم وأسر ، ~~PageV02P302 وانتهب عامة ما كان معهم ، فكثرت أمواله ، وكبرت نفسه ، ~~واستأسد على المستنصر واستخف به وبمن ms387 معه ، فقطع الميرة عن القاهرة ومصر ، ~~وعاث في البلاد ؛ ونهب أكثر الوجه البحري . وقطع خطبة المستنصر من ~~الإسكندرية ودمياط وجميع الوجه البحري ، وخطب للخليفة القائم بأمر الله ~~العباسي . وامتدت الحرب بين الأتراك وعبيد الشراء ثمانية أشهر يتحاربون ~~ليلا ونهارا ، فامتنع الناس من الحركة ؛ وجاء النيل ووفى فلم يقدروا على ~~الزرع ، فتفاقم البلاء بالناس واشتد جوعهم وعظمت رزاياهم . وفشا مع ذلك ~~الموت في الناس فكان يموت الواحد من أهل البيت في القاهرة أو مصر ، فلا ~~يمضي ذلك اليوم أو تلك الليلة حتى يموت سائر من في ذلك البيت . وعجز الناس ~~عن مواراة الأموات فكفنوهم في الأنخاخ ؛ ثم عظمت شناعة الموت وتضاعف العجز ~~، فصاروا يحفرون الحفائر الكبار ويلقون فيها الأموات بعضهم على بعض ، حتى ~~تمتلئ الحفيرة بالرمم من الرجال والنساء والصغار والكبار ، ثم يهال عليها ~~التراب . ومع هذا تكاثر انتهاب الجند للعامة واختطافهم من الطرقات فخرج أهل ~~القوة من القاهرة ومصر يريدون بلاد الشام والعراق هربا من الجوع والفتن ، ~~فصار إلى تلك البلاد عامة التجار وأصحاب القوة ، ومعهم ثياب المستنصر ~~وذخائره وآلاته التي تقدم ذكر طرف منها . # وفيها حاصر أمير الجيوش بدر مدينة صور وبها عين الدولة أبو الحسن علي ، ~~الملقب بالناصح ، ثقة الثقات ذي الرئاستين ، ابن عبد الله بن علي بن عياض ~~بن أحمد بن أبي عقيل القاضي ، وضايقها ؛ فسير عين الدولة إلى الأمير لواء ~~مقدم الأتراك الواردين من العراق إلى بلاد الشام لينجده ؛ واتصل ذلك بأمير ~~الجيوش ، فخاف من الأتراك ، فرحل عن صور . ثم لما اطمأن عاد إلى صور ~~ونازلها فلم يظفر منها بشيء . # وفيها قطعت دعوة المستنصر من مكة ودعي بها للقائم العباسي وللسلطان عضد ~~الدولة ألب أرسلان بن داود بن ميكال بن مسلجوق بن دقاق . وكان سبب انقطاع ~~دعوة المستنصر بها أنه كان ينفق في كل سنة على القافلة المجهزة إلى مكة في ~~الموسم مائة ألف وعشرون ألف دينار ، منها عن الطيب والخلوق والشمع راتبا في ~~كل سنة عشرة آلاف دينار ، ونفقة الوفد الواصلين إلى الحضرة أربعون ألف ms388 ~~دينار ، وعن الجرايات والصدقات وأجرة الجمال PageV02P303 ومعونة من يسير من ~~العسكرية وأمير الموسم وخدم القافلة والضعفاء وحفر الآبار ونفقات العربان ~~ستون ألف دينار . ثم زادت النفقة في وزارة اليازوري حتى بلغت إلى مائتي ألف ~~دينار في السنة ؛ ولم تبلغ النفقة على موسم الحج مثل ذلك في دولة من دول ~~الإسلام قط . فلما ضعفت الدولة في هذه السنين وزحف عضد الدولة من خراسان ~~إلى حلب بعث إلى محمد ابن أبي القاسم الحسني أمير مكة بثلاثين ألف دينار ~~وبخلع سنية وأجرى له في كل سنة عشرة آلاف دينار ؛ وبعث إلى صاحب المدينة ~~عشرين ألف دينار ؛ فقطع خطبة المستنصر بعدما قامت الدعوة والخطبة للمستنصر ~~ولآبائه بمكة والمدينة مائة سنة ، ودعا للقائم العباسي ولعضد الدولة ؛ وقرر ~~عضد الدولة ما يحمل إلى الحرمين على ارتفاع واسط . PageV02P304 # | سنة ثلاث وستين وأربعمائة # فيها اصطلح الأتراك بمصر مع ناصر الدولة ابن حمدان وهو مقيم بالوجه ~~البحري ، وذلك لشدة ما نالهم من قطعه الميرة عنهم ؛ فوقع الاتفاق بينهم ~~وبينه على أن يكون مقيما بمكانه وتحمل إليه الأموال التي تقرر له ، وأن ~~يكون تاج الملوك شادي نائبا عنه بالقاهرة . فتقرر الحال على ذلك ودخلت ~~الغلال إلى البلد ، فطابت قلوب الناس ، وانجلى الأمر نحو شهر ؛ ثم وقع ~~الخلاف بين الأتراك وبينه ، فرحل من البحيرة بعساكر كثيرة ونازل البلد ~~وحاصرها محاصرة شديدة في ذي القعدة ؛ وامتدت أيدي أصحابه فانتهبوا الناس في ~~الدور وأخذوهم من الطرقات ، وأحرقوا كثيرا من دور الساحل . ثم عاد إلى ~~البحيرة . PageV02P305 # | سنة أربع وستين وأربعمائة # وفيها كانت الحرب بين تاج الملوك شادي وبين ناصر الدولة ابن حمدان ، ~~وعادت الفتنة بالقاهرة ومصر . وكان سبب محاربتهما أن تاج الملوك لما دخل ~~إلى القاهرة نائبا عن ناصر الدولة تغير عما كان قد تقرر بينهما ، واستبد ~~بالأمور فضن بالمال عليه ، ولم يصل ابن حمدان منه إلا دون ما كان يؤمله . ~~فقلق لذلك ابن حمدان ، واتفق هو وجمائع العربان على المسير إلى القاهرة ~~وأخذها . فسار بهم ، ونزل إلى الجيزة ، فاستدعى تاج الملوك وغيره من ms389 أكابر ~~المقدمين ، فخرجوا إليه مطمئنين لأنه واحد منهم يهوى هواهم ؛ فما هو إلا أن ~~صاروا إليه حتى قبض عليهم ، وزحف بجموعه ، وألقى النار في دور السادة ، ~~وانبثت أصحابه ينتهبون ما قدروا عليه . فجهز المستنصر إليه عسكرا كانت فيه ~~طائفة لهم قوة وفيهم منعة ؛ فوافقوه . وكانت بينهم وبينه حرب انجلت عن ~~هزيمته ، ففر على وجهه وتلاحق به أصحابه ، وصاروا إلى البحيرة ، فقطع خطبة ~~المستنصر من جميع الوجه البحري ، وكتب إلى الخليفة القائم ببغداد يسأله أن ~~يجهز إليه الخلع والألوية السود ، فاضمحل قدر المستنصر وتلاشى أمره . ~~وتعاظمت الشدائد بمصر ، وجلت رزايا الناس . # فلما كان في شعبان سار ناصر الدولة بعساكره وقد تيقن عجز المستنصر عن ~~مقاومته لضعف أمره وممالاة كثير من الأتراك له . وموافقتهم لما قرره معهم ~~من محبة ؛ فدخل إلى مصر فاستولى على الأمر ؛ وبعث إلى المستنصر يطلب منه ~~المال ، فدخل عليه قاصد ابن حمدان وهو جالس على حصير بغير فرش ولا أبهة ، ~~وليس عنده غير ثلاثة من الخدم ، وقد زال ما كان يعهده من شارة المملكة ~~وعظمة الخلافة . فلما أدى إليه الرسالة . قال له المستنصر : أما يكفي ناصر ~~الدولة أن أجلس في مثل هذا البيت على هذه الحال ؟ ! فلما سمع بذلك قاصد بن ~~حمدان بكى وخرج ، فأعلم ناصر الدولة ما شاهده من هيئة المستنصر ، ~~PageV02P306 وعرفه بما صار إليه من سوء الحال ؛ فرق له وكف عنه ، وأطلق له ~~في كل شهر مائة دينار . واستبد بسائر أمور الدولة ، وبالغ في إهانة ~~المستنصر في الإعتقاد ، وزاد في إيصال الضرر إليه وإلى سائر حواشيه وأسبابه ~~، حتى قبض على أم المستنصر وعاقبها بعقوبات متعددة ، واستخلص منها أموالا ~~جمة . فتفرق عن المستنصر جميع أهله ، وسائر أقاربه وأولاده وحواشيه ، فمنهم ~~من سار إلى المغرب ومنهم من خرج إلى العراق ؛ وبقي فقيرا وحيدا خائفا يترقب ~~. وقيل إن أم المستنصر فرت أيضا إلى العراق . # وفي شهر ربيع الأول استقر ابن أبي كدينة في الوزارة والدعوة والقضاء . ~~واستمر الحال على ما وصفنا جميع سنة أربع وستين . # وفيها فقد الطعام ، فسارت ms390 التجار من صقلية والمهدية في الطعام والمرتب . ~~فبيع القمح كل كيل قروي زنته تسعة أرطال بدينار نزاري ، ثم بيع بمثقالين ، ~~ثم بثلاثة ، ثم فقد . وطبخ الناس جلود البقر وباعوها رطلا بدرهمين ، وبلغ ~~الزيت أوقية بدرهمين ، وأوقية اللحم بدرهم ، وبيعت الأمتعة بأبخس ثمن ، ~~وباع الناس أملاكهم . ووقع الوباء فألقى الناس موتاهم في النيل بغير أكفان ~~. # وفيها مات القاضي الأجل أمين الدولة أبو طالب عبد الله بن عمار بن الحسين ~~بن قندس بن عبد الله بن إدريس بن أبي يوسف الطائي بطرابلس الشام ، ليلة ~~السبت نصف PageV02P307 رجب . وفيها ملك القمص رجار بن تنقرد صاحب مدينة ~~قلبريو ، وهي مقابل مدينة جربة ، جزيرة صقلية . PageV02P308 # | سنة خمس وستين وأربعمائة # فيها قتل ناصر الدين الحسين بن ناصر الدولة الحسن بن الحسين بن عبد الله ~~أبي الهيجاء بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن لقمان بن الرشيد بن المثنى بن ~~رافع بن الحارث ابن غطيف بن مجربة بن حارثة بن مالك بن جشم ، أحد الأراقم ، ~~بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن ثعلب بن وائل بن قاسط بن فيد بن أقصى بن ~~داغمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة الفرس بن نزار بن معد بن عدنان التغلبي . ~~وكان سبب فنائه أنه لما استولى على أمور الدولة وبالغ في إهانة المستنصر ~~وتتبع أقاربه وحواشيه ، وأخذ من قدر عليه منهم ، وفر من وجد سبيلا إلى ~~الفرار ، كان يولي الرجل بعض الأعمال ويسيره إليه فلا يتمكن من ذلك العمل ~~حتى يكتب إليه بأن يعود ، ويبعث غيره . وشرع في قطع دعوة المستنصر وإعمال ~~الرأي في إقامة الخطب للخليفة القائم بمصر والقاهرة ، وأن يزيل من البلاد ~~دولة الفاطميين ويمحو آثارها ، فلم يستطع ذلك ولا قدر عليه لكثرة الأعوان ~~والأتباع . وكان من جملة رجال الدولة إلدكز ، وهو أحد الأمراء ، ففطن لما ~~يريده ناصر الدولة من قطع خطبة المستنصر وإقامة دعوة بني العباس ، فتشاور ~~هو والأمير يلدكوز ، وكانا من أكابر الأتراك ، وأنكرا ، ما يتفق من ناصر ~~الدولة وتخوفا من عاقبة ذلك . وصارا ms391 إلى بقية الأتراك وأعلماهم أنه إن تم ~~لناصر الدولة ما يحاوله لم يبق منهم أحدا ، والرأي مبادرته قبل أن يستفحل ~~أمره ؛ فتقرر الأمر على القيام عليه وقتله . # وكان ناصر الدولة قد اغتر بقوته ، وظن أنه قد أمن ، وأن أعداءه قد تلاشوا ~~وتلفوا ، فأتاه الله من حيث لم يحتسب ، وأناخ به عواقب بغيه ، فلم يشعر إلا ~~وقد ركب الأتراك بأجمعهم PageV02P309 على حين غفلة من ليلة من رجب ، ووافوا ~~داره بمصر سحرا ، وكان يسكن في منازل العز ، فهجموا عليه من غير دستوره ولا ~~طلب إذن ، فإذا هو في صحن داره وعليه رداء ، فبادره أحدهم بسيفه وأتبعه ~~إلدكز فحز رأسه . وخرج كوكب الدولة مسرعا إلى فخر الدولة أخيه في عدة ، ~~فطرقه وهو آمن وقتله واحتمل رأسه ، وأخذ سيفه وجارية من جواريه . وامتدت ~~الأيدي إلى من بقي منهم ، فقتل أخوهما تاج المعالي وجماعة من بني حمدان ؛ ~~وتتبعوا أسبابهم وحواشيهم حتى لم يبق منهم أحد بديار مصر ، وأصبحوا لا ترى ~~إلا مساكنهم وما أصدق قول أبي على الفكيك إذ يقول هجاء لناصر الدولة هذا : # ولئن غلطت بأن مدحتك ، طالبا . . . جدواك ، مع علمي بأنك باخل # فالدولة الغراء قد غلطت بأن . . . سمتك ناصرها وأنت الخاذل # وقتل في هذه النوبة الوزير أبو غالب عبد الطاهر بن فضل بن الموفق بن ~~الدين ، ابن العجمي . # وفيها قطعت خطبة المستنصر من بيت المقدس . PageV02P310 # | سنة ست وستين وأربعمائة # فيها تشدد الأتراك وكبيرهم سلطان الجيش يلدكوش التركي ، والأمير إلدكز ~~والوزير يومئذ ابن أبي كدينة ، فضاق خناقه وعظم روعه وساءت حاله ، وكان ~~المستنصر بالله يظن أن في قتل ابن حمدان راحة له ، فاستطال إلدكز وابن أبي ~~كدينة عليه وناكداه . فتحير في أمره وكتب إلى أمير الجيوش بدر الجمالي ، ~~وهو يومئذ بعكا ، يستدعيه للقدوم لنجدته وإعانته ويعده بتملك البلاد ~~والاستيلاء عليها . فاشترط عليه أنه يقدم بعسكر معه ، وأنه لا يبقى أحدا من ~~عساكر مصر ولا وزرائهم ؛ فأجابه المستنصر إلى ذلك . فأخذ في الاستعداد ~~للمسير إلى مصر ؛ واستخدم معه عدة من العساكر ، وركب بحر الملح من ms392 عكا ، ~~وكان الوقت في كانون وهو أشد ما يكون من البلاء ، ومن العادة أن البحر لا ~~يركب في الشتاء . فسار في مائة مركب وقد حذر من ركوبه وخوف من سوء العاقبة ~~فلم يصغ لذلك ؛ وكأن الله سبحانه قد صنع له ومكن له في الأرض ، وقضى بأن ~~يصلح على يديه ، ما قد فسد من إقليم مصر . فترحل بعساكره في المراكب ، ~~وأضحت السماء ، وواتتهم ريح طيبة سارت بهم إلى دمياط ولم يمسسهم سوء ؛ فكان ~~يقال إنه لم ير في البحر قط صحوة تمادت أربعين يوما إلا في هذا الوقت ، ~~فكان هذا ابتداء سعادته وأول عظيم جده . فنزل بدمياط ، وطلب إليه التجار من ~~تنيس وافترض عليهم مالا . PageV02P311 وقدم عليه سليمان اللواتي ، وهو ~~يومئذ كبير أهل البحيرة وأكثرهم مالا ، وأوسعهم حالا ، وقدم إليه وأضافه ، ~~وأمده بالطرقات حتى قدم قليوب فنزل بها . وبعث إلى المستنصر سرا بأني لا ~~يمكنني القدوم إلى الحضرة ما لم يقدم على يلدكوش ؛ فبادر المستنصر إلى ~~إجابته وقبض عليه . ودخل بدر عشية يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى ~~الأولى فتلقاه أهل الدولة وأنزلوه ، وبالغوا في إكرامه ؛ فأظهر أنه ما جاء ~~إلا شوقا إليهم ، وخدعهم بما أبداه من المحبة لهم وكثرة التملق ، وأعرض عن ~~المستنصر ولم يذكره إلا بالسوء ؛ وصار من معه يدخلون إلى القاهرة وحدانا ~~ورجالا في الخفية حتى تكامل منهم تسعمائة . ثم أخذ مع الأمراء في الأكل ~~والشرب واللذات ، إلى أن اشتد تآنسهم به ، فاستدعاه كل منهم إلى ضيافته ، ~~وقدموا إليه ، وهو آخذ في أسباب ما دعى إليه . # فلما انقضت أيام ضيافتهم له استدعى أمراء الدولة ومقدميها في صنيع أعد ~~لهم ، فمضوا إليه ، وقضوا نهارهم عنده ، وباتوا في أطيب عيش وأنعم بال ؛ ~~وقد رتب أصحابه ليقتل كل واحد أميرا من الأمراء ويكون له جميع ما بيده . ~~فلما سكروا وامتد عليهم رواق الليل صار يخرج كل واحد من باب ويسلمه إلى ~~غلام من غلمانه ، ويمضي إلى داره فيتسلمها بما فيها من الخدم والأموال . ~~فلم يصبح الصباح إلا ورؤوس الجميع بين يديه ms393 ، وقد استولى كل رجل من أصحابه ~~على دار أمير من الأمراء وأحاط بجميع ما كان له . # وأخذ في القبض على الأتراك وتتبعهم حتى لم يدع منهم أحدا يشار إليه ، ~~فقويت شوكته واشتدت وطأته وعظم أمره ؛ فحسر عن ساعد الجد ، وشمر ساعد ~~الاجتهاد ، والتقط المفسدين فلم يبق على أحد منهم ، وتطلبهم في القاهرة ~~ومصر حتى أتى على جميعهم القتل . وفر ناصر الجيوش أبو الملوك ، وكان شاه بن ~~يلدكوش ، إلى الشام . PageV02P312 # وخلع عليه المستنصر بالطيلسان المقور ، وصار جميع أهل الدولة في حكمه ، ~~والدعاة نوابا عنه ، وكذلك القضاة إنما يتولون منه . فقلد أبا يعلى حمزة بن ~~الحسين بن أحمد الفارقي قضاء القضاة . وزيد في ألقاب أمير الجيوش على ألقاب ~~من تقدمه من الوزراء : كافل قضاة المسلمين . # واتفق أنه لما لبس خلع الوزارة حضر إليه المتصدرون بالجوامع ، فقرأ ابن ~~العجمي : ' ولقد نصركم الله ببدر ' ، وسكت عن تمام الآية ، فقال له أمير ~~الجيوش بدر : والله لقد جاءت في مكانها وجاء سكوتك عن تمام الآية أحسن ؛ ~~وأمر له بصلة . # فيها قتل أمير الجيوش من أماثل المصريين وقضاتهم ووزرائهم عدة كثيرة ، ~~منهم الوزير أبو محمد الحسن بن ثقة الدولة علي بن أحمد المعروف بابن أبي ~~كدينة ، وكان عندما قدم بدر إلى مصر هو الوزير ، وهو من ولد عبد الرحمن بن ~~ملجم ، وتردد في القضاء والوزارة سبع مرات ؛ وكان قاسي القلب جبارا ، فلما ~~قبض عليه سير إلى دمياط ، ودخل عليه السياف ليضرب عنقه ، فكان سيفه ثليلا ، ~~فضربه سبع ضربات بعدد ولايته القضاء والوزارة . # وقتل أيضا الوزير أبو المكارم أسعد ، والوزير أبو شجاع محمد بن الأشرف ~~أبي غالب محمد بن علي ؛ والوزير عبد الغني بن نصر بن سعيد الضيف . ~~PageV02P313 # | سنة سبع وستين وأربعمائة # فيها سار أمير الجيوش بدر إلى الوجه البحري فأوقع بلواتة وقتل مقدمهم ~~سليم اللواتي وابنه ، واستصفى جميع ما كان له ولقومه من أنواع الأموال ، ~~وأسرف في قتلهم حتى يقال إنه قتل منهم عشرين ألفا . وسار إلى دمياط وقتل ~~كثيرا ممن كان فيها من المفسدين ، وخرب وحرق ms394 ، وأصلح عامة أحوال الثغر . ~~ولم يدع بالبر الشرقي وجميع أسفل الأرض مفسدا إلا وقتله أو قمعه . ثم عدى ~~إلى البر الغربي فقتل كثيرا من الطائفة الملحية وأتباعهم ؛ وأقام على ~~محاصرة الإسكندرية أياما حتى أخذها قهرا ؛ فقتل كثيرا من أهلها المفسدين ، ~~وعفا عن أهل البلد فلم يعرض لهم . # وفيها حاصر شكل التركي ، أحد الأتراك الواصلين من العراق إلى الشام ، ثغر ~~عكا وأخذه بالسيف ، وكان فيه أولاد أمير الجيوش بدر وأهله وحرمه ، فأحسن ~~إليهم وأكرمهم وقتل والي عكا . ثم سار منها فنزل على طبرية وأخذها . # وفيها مات الخليفة القائم بأمر الله ببغداد ، يوم الخميس ثالث عشر شعبان ~~، وله من الخلافة أربع وأربعون سنة وتسعة أشهر وأيام ؛ وجلس بعده ابن ابنه ~~أبو القاسم عبد الله ابن ذخيرة الدين ولقب بالمقتدي . # وفيها أعيدت الخطبة للمستنصر بمكة بعد أن خطب فيها للقائم بأمر الله ~~العباسي أربع سنين . # وفيها قتل أمير الجيوش كثيرا من جند مصر وغيرهم ممن يومي إليه بفساد . ~~PageV02P314 # | سنة ثمان وستين وأربعمائة # فيها حاصر أطسز بن أرتق ، المعروف بالأقسيس ، دمشق وألح على قتال من بها ~~من عساكر المستنصر حتى ملكها بعد أن أقام يحاصرها نحو ثلاث سنين . وكان ~~عليها من قبل المستنصر حيدرة بن ميرزا الكتامي ، وقد كرهته الرعية لسوء ~~سيرته فيهم وكثرة مصادرته للناس ، ففر منهزما إلى بانياس ، ثم خرج عنها إلى ~~صور فأقام بها مدة ، ثم حمل إلى مصر فقتل بها . وكان قد التحق بأطسز عدة ~~ممن فر من مصر عند قدوم أمير الجيوش ، فتقوى بهم وبمن صار إليه من أهل دمشق ~~فرارا من حيدرة لسوء سيرته . فلما ملك دمشق دعا للمقتدي من خلفاء بني ~~العباس وأبطل الخطبة للمستنصر ، فانقطعت دعوة الخلفاء الفاطميين منها ولم ~~تعد بعد ذلك . وقطعت دعوة المستنصر من مكة أيضا ودعي فيها للمقتدي . # فيها مات القاضي الشريف جلال الدولة أبو الحسين أحمد بن أبي القاسم علي ~~بن محمد ابن الحسين بن إبراهيم بن علي بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن ~~الحسين بن علي ابن أبي ms395 طالب الحسيني النصيبيني ، قاضي دمشق ، وهو يومئذ ~~متولي القضاء بها ، في يوم الجمعة الرابع من ذي القعدة ؛ وهو آخر قضاة ~~الخلفاء الفاطميين بدمشق ، وسمع الحديث وحدث ، وله فيه مقال . PageV02P315 # | سنة تسع وستين وأربعمائة # فيها اجتمع بمدينة طوخ من صعيد مصر عدد كبير من عرب جهينة والثعالبة ~~والجعافرة لمحاربة أمير الجيوش ، فسار إليهم حتى قرب منهم ، فنزل ، ثم ~~ارتحل بالليل وأمر بضرب الطبول وزعقت البوقات ، واشتعلت المشاعل وقد تزايد ~~وقود النيران . وجد في السير والعساكر لها صرخات وصيحات متتابعة في دفعة ~~واحدة ، حتى طرقهم بغتة ووضع فيهم السيف فأفنى أكثرهم قتلا ، وفر منهم ~~طوائف فغرقوا ، ولم ينج منهم إلا القليل . وأحاط بأموالهم فحاز منها ما ~~يتجاوز الوصف كثرة ، وسيرها إلى المستنصر . # وثار كنز الدولة محمد بأسوان وتغلب عليها وعلى نواحيها ، وكثرت أتباعه ~~ونجم أمره ؛ فسار إليه أمير الجيوش بعساكره ، فالتقى معهم وحاربهم محاربة ~~طويلة أسفرت عن قتله وهزيمة أصحابه بعد أن قتل منهم جم غفير ، فكانت هذه ~~الواقعة آخر الوقائع التي قطع فيها دابر المفسدين ، وخمدت جمرتهم . ~~PageV02P316 # وفيها جمع أطسز صاحب دمشق العساكر وسار يريد تملك الديار المصرية وإزالة ~~الدولة الفاطمية منها وإقامة الدعوة العباسية كما فعل في بلاد الشام . وكان ~~أكثر الأسباب الحاملة له على ذلك أن ابن يلدكوش لما فر من أمير الجيوش وصار ~~إلى بلاد الشام اتصل بأطسز ، وقدم إليه ستين حبة لؤلؤ مدحرج ، زنة كل حبة ~~منها ينيف على مثقال ، وحجر ياقوت زنته سبعة عشر مثقالا ، وتحفا كثيرة مما ~~كان قد وصل إلى أبيه من خزائن المستنصر في سني الشدة ، وأغراه بأهل مصر ~~وحثه على قصد البلاد ، وهونها عنده . فقوي طمعه وسار وقد حصل في قوة بمن ~~صار إليه من عساكر مصر ومن انضاف إليه من أهل الشام . # وكان أمير الجيوش ببلاد الصعيد قد انتهى إلى بلاد أسوان ، فوصل الخبر ~~بمسير أطسز إلى مصر ، فكتب بذلك إلى أمير الجيوش ، وكان عند موافاة الخبر ~~إليه في شغل عن ذلك ، فقدم أطسز إلى أطراف مصر في جمادى الأولى ، وقد ms396 أشار ~~عليه ابن يلدكوش بألا تشتغل بالقاهرة ولكن تملك الريف . وقال له : إذا ملكت ~~الريف فقد ملكت مصر . فأقام بالريف جمادى الأولى وجمادى الآخرة وبعض رجب ~~وأمير الجيوش في إصلاح الصعيد وتدبير أموره ، وقد حضر إليه أكثر أهل أسوان ~~وبدر بن حازم بجمائع طي . فلما استوثق أمره وجمع إليه العساكر عاد إلى ~~القاهرة وخرج يريد محاربة أطسز في جمع تبلغ عدته ما ينيف على ثلاثين ألفا ~~ما بين فارس وراجل ، وذلك في يوم الخميس لثلاث عشرة بقيت من رجب بعد ما جهز ~~عدة مراكب قد شحنها بالعلوفات والأزواد . فجمع أطسز إليه أصحابه واستشارهم ~~، فاختلفوا عليه في الرأي ، فقال بعضهم أن ترجع فإنك قد دست بلاد مصر وليس ~~معك غير خمسة آلاف ، والقوم في كثرة ، وعواقب الأمور غير معلومة . وقال له ~~أخوه وابن يلدكوش لا يهولنك ما تسمع به من كثرتهم فإنما هم سوقة وأخلاط ، ~~لو سمعوا صيحة لفروا عن آخرهم ؛ فإياك والرجوع عن هذا الملك قد أشرفت على ~~أخذه ولم يبق إلا تملكه . وأشار عليه شكل ، أمير طبرية ، بموافقة القوم ~~والدخول إلى مصر . فتقرر الرأي على ملاقاة العساكر المصرية . فلما كان يوم ~~الثلاثاء لثمان بقين منه تلاقى الفريقان وتحاربا ، فكانت بينهما عدة وقائع ~~كانت الغلبة فيها للمصريين ، فانهزم أطسز ، وقتل أخوه وعدة من أصحابه ، ~~وعاد PageV02P317 في قليل ممن معه وأقام بالرملة حتى تلاحقت به عساكره . ثم ~~رحل إلى القدس ففتحها وقتل من فيها من المسلمين ولم يترك من استجار بالأقصى ~~. # ثم سار إلى دمشق ، فدخلها لعشر بقين من شعبان ؛ وقد احتوى أمير الجيوش ~~على كثير مما كان معهم ، ورجع إلى القاهرة مؤيدا مظفرا . وكان المتولي ~~لكسرة أطسز بدر بن حازم ابن علي بن دغفل بن جراح . فلما جلس أمير الجيوش ~~بدر الجمالي للهناء بنصرته قرأ ابن لفتة ، أحد القراء ، ' ولقد نصركم الله ~~ببدر ' ، ولم يتم الآية ، يعني بدر بن حازم . فبينا أمير الجيوش بدر في ذلك ~~إذ بلغه اجتماع عرب قيس وسليم وفزارة ، فخرج إليهم وأوقع بهم ، وأكثر من ~~القتل ms397 فيهم ، وفر من بقي منهم إلى برقة . # وفيها سقط أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي من سطح جامع عمرو بن ~~العاص بمصر ، فمات في عشية اليوم الثالث من رجب ؛ وكان له على الدولة ~~الفاطمية في كل شهر ثلاثون دينارا وغلة لإصلاح ما يكتب في ديوان الإنشاء ، ~~فكان يعرض عليه جميع ما يكتب منه ، وإذا حرره أمر به فدفع لأربابه . ثم إنه ~~تخلى عن الخدم السلطانية وانقطع للعبادة حتى مات ؛ وكان أبوه واعظا بمصر . ~~PageV02P318 # | سنة سبعين وأربعمائة # فيها سير أمير الجيوش عسكرا مقدمه ناصر الدولة الجيوشي ، فانتهى إلى دمشق ~~وأقام محاصرا لها مدة ؛ ثم ارتحل عنها وعاد بغير طائل . # وفيها فوض لأمير الجيوش قضاء القضاة ، وزيد في نعوته : كافل قضاة ~~المسلمين ، وهادي دعاة المؤمنين . # وفيها وصل إلى مكة من بغداد منبر كبير في شهر رمضان منقوش عليه بالذهب : ~~لا إله إلا الله ، محمد رسول الله . الإمام المقتدي بأمر الله أمير ~~المؤمنين . مما أمر بعمله محمد بن محمد بن جهير . فاتفق وصوله وقد أعيدت ~~الخطبة للمستنصر ، فكسر المنبر المذكور وأحرق . # ولم يكن بمصر في سنة إحدى وسبعين كبير شيء . PageV02P319 # | سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة # فيها سير أمير الجيوش عسكرا كبيرا ، فانتهى إلى دمشق وحاصرها حتى أشرف ~~على أخذها ، فسير أطسز صاحب دمشق إلى تاج الدولة تتش بن السلطان ألب أرسلان ~~وكان قد أقطعه أخوه ملكشاه الشام وأخذ حلب بعد ما حاصرها حتى اشتد الجوع ~~بأهلها وملكها يستحثه على نصرته وتقويته على المصريين ، ويعده أنه يسلم ~~إليه ملك دمشق . فأجابه إلى سؤاله وسار إليه بعسكره ؛ فبلغ ذلك عسكر أمير ~~الجيوش ، فارتحل وعاد إلى مصر . وقدم تتش فملك دمشق ، ودبر على أطسز وقتله ~~بحيلة في ربيع الأول ؛ وجهز عسكرا في إثر العسكر المصري فلم يدركه . # وفيها خرج ملك النوبة من بلاده وصار إلى أسوان يريد زيادة كنيسة لهم بها ~~، فبعث والي قوص من قبض عليه وحمله إلى القاهرة ، فأكرمه أمير الجيوش وأفاض ~~عليه النعم ، وأتحفه بالهدايا الجليلة ؛ فأدركه أجله ومات قبل أن يعود ms398 إلى ~~بلاده . # وفيها قطعت خطبة المستنصر من مكة وأعيدت خطبة بني العباس . PageV02P320 # | سنة سبع وسبعين وأربعمائة # فيها خرج الأوحد بن أمير الجيوش على أبيه ، وانضم إليه جماعة من العسكر ~~والعربان وتحصن بالإسكندرية ؛ فسار إليه أمير الجيوش وحصره ، وألح عليه ~~القتال حتى دخل البلد وأخذ ابنه قهرا . وأمر ببناء الجامع المعروف في ~~الإسكندرية بجامع العطارين من أموال أخذها من أهل البلد ، وفرغ منه في شهر ~~ربيع الأول ؛ وأقيمت فيه الجمعة واستمرت إلى أن زالت دولة الفاطميين على يد ~~السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ، فأمر ببناء جامع ، ونقل الخطبة من جامع ~~العطارين إليه . # وفي جمادى الأولى استناب أمير الجيوش ولده الأفضل ، وجعله ولي عهده في ~~السلطنة . # وفيها ابتدأ أمير الجيوش في بناء سور القاهرة . PageV02P321 # | سنة ثمان وسبعين وأربعمائة # فيها قطعت الخطبة من مكة للمستنصر وخطب بها للمقتدي العباسي . فيها مات ~~أبو الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن علي الحسين المغربي الملقب بالكامل ؛ ~~وكان قد ولي الوزارة بعد أن صار إلى بلاد المغرب وخدم بها ، ثم عاد واتصل ~~بالوزير أبي محمد اليازوري ، فأحسن إليه واستخدمه وعني به ، فماقته أبو ~~الفرج البابلي . فلما صارت إليه الوزارة بعد اليازوري قبض عليه في جملة من ~~قبض عليه من أصحاب اليازوري ، واعتقله ، فلم يزل معتقلا إلى أن تقررت له ~~الوزارة وهو في السجن ، فأخرج وخلع عليه خلع الوزراة عوضا عن أبي الفرج ~~البابلي ، فلم يؤاخذه بما كان منه في حقه ، بل قابله بالجميل وأحسن إليه ~~إحسانا كبيرا . ولما صرف عن الوزارة اقترح أن يولي ديوان الإنشاء ، فقرر في ~~هذه الرتبة التي يقال لها في زمننا اليوم كتاب السر ، فاستقرت من بعده ~~وظيفة ورتبة يتقلدها الأكابر . # وفيها مات سليمان بن قطلمش بن إسرائيل بن سلجوق ، صاحب قونية وأقصرا من ~~بلاد الروم ، وقام من بعده ابنه قليج أرسلان بن سليمان ؛ فاسترد منه الفرنج ~~مدينة أنطاكية . PageV02P322 # | سنة تسع وسبعين وأربعمائة # فيها قدم الحسن بن الصباح ، رئيس الطائفة الباطنية من الإسماعيلية ، إلى ~~مصر في زي تاجر ، واتصل بالمستنصر واختص ms399 به ، والتزم أن يقيم له الدعوة في ~~بلاد خراسان وغيرها من بلاد المشرق . وكان الحسن هذا كاتبا للرئيس عبد ~~الرزاق بن بهرام بالري ، فكاتب المستنصر ، ثم قدم عليه . ثم إن المستنصر ~~بلغه عنه كلام ، فاعتقله ، ثم أطلقه . وسأله ابن الصباح عن عدة مسائل من ~~مسائل الإسماعيلية فأجاب عنها بخطه . ويقال إنه قال له : يا أمير المؤمنين ~~، من الإمام من بعدك ، فقال له ولدي نزار . # ثم إنه سار من مصر بعد ما أقام عند المستنصر مدة وأنعم عليه بنعم وافية . ~~فلما وصل إلى بلاده نشر بها دعوة المستنصر وبثها في تلك الأقطار ، وحدث منه ~~من البلاء بالخلق ما لا يوصف مما قد ذكر في أخبار المشرق . ثم قام من بعد ~~المستنصر بدعوة ابنه نزار ، وكان بسبب ذلك في مصر من الانقلاب ما نهتم به ~~إن شاء الله تعالى . وأخذ ابن الصباح أصحابه بجمع الأسلحة ومواعدتهم ، حتى ~~اجتمعوا له في شعبان سنة ثلاث وثمانين ، ووثب بهم فأخذ قلعة ألموت ، وكانت ~~لملوك الديلم من قبل ظهور الإسلام ، وهي من الحصانة في غاية . # واجتمع الباطنية بأصبهان مع رئيسهم وكبير دعاتهم أحمد بن عبد الملك بن ~~عطاش ، وملكوا قلعتين عظيمتين ؛ إحداهما يقال لها قلعة الدر . وكانت لأبي ~~القاسم دلف العجلي ، PageV02P323 وجددها وسماها ساهور ؛ والقلعة الأخرى ~~تعرف بقلعة جان ، وهما على جبل أصبهان . وبث الحسن بن الصباح دعاته ، وألقى ~~عليهم مسائل الباطنية التي ذكرتها في هذا الكتاب عند ذكر داعي الدعاة في ~~أخبار بناء سور القاهرة ، عند ذكر خطط المعزية القاهرة . فساروا من قلعة ~~ألموت ، وأكثروا من القتل في الناس غيلة . # وكان إذ ذاك ملك العراقين السلطان ملكشاه الملقب جلال الدين بن ألب ~~أرسلان ، فاستدعى الإمام أبا يوسف الخازن لمناظرة أصحاب ابن الصباح ؛ ~~فناظرهم ؛ وألف كتابه المسمى بالمستظهري ، وأجاب عن مسائلهم . واجتهد ملك ~~شاه في أخذ قلعتهم فأعياه المرض وعجز عن نيلها . # وفيها خلع اسم المستنصر وآبائه من مكة والمدينة وكتب اسم المقتدي . ~~PageV02P324 # | سنة ثمانين وأربعمائة # فيها مات أبو الفضل عبد الله بن الحسين بن بشرى ms400 ، المعروف بابن الجوهري ، ~~الواعظ المصري في العشر الأواخر من شوال ؛ وهو أحد أكابر شيوخ مصر ، وتصدى ~~سنين للوعظ بجامع عمرو بن العاص . حدث عن جماعة ؛ وله كلام في الزهد ~~والمواعظ ؛ وهو من بيت علم وأسرة وعظ . ولما كانت أيام الشدة والغلاء بمصر ~~اجتمع إليه الناس في بعض الأيام وسألوه عقد المجلس للوعظ بالجامع العتيق ، ~~فقال : من يحضر عندي ومن بقي ؟ فقالوا : لا بد من ذلك ؛ فجلس ، وكان من ~~كلامه : أبشروا هذه سنة ثلاث ، وأشار بيده ، وهي متعلقة كلها ، وسنة حل سنة ~~أربع ويفتح الله ، ورفع بنصره ؛ وبعدها سنة خمس ويفتح الله ؛ ورفع خنصره . ~~فكان كما قال . وأنشد مرة في بعض مجالسه : # ما يصنع الليل والنهار . . . ويستر الثوب والجدار # على كرام بني كرام . . . تخيروا في القضا وخاروا # ومن كلامه : قد اختل امر الدين والدنيا ، وتعذر الوصول إليهما ، فمن طلب ~~الآخرة لم يجد معينا علينا ، ومن طلب الدنيا وجد فاجرا قد سبقه إليها . # وأنشد مرة الخليفة المستنصر : عساكر الشكر قد جاءت مهنئة . . . وللملوك ~~ارتياب في تأتيها # بالباب قوم ذوو ضعف ومسكنة . . . يستصغرون لك الدنيا بما فيها # وفيها بعث بردويل ملك الفرنج الذين يقال لهم الإفرنسيس عسكرا عليه أجار ~~إلى صقلية فملكها من المسلمين . PageV02P325 # | سنة إحدى وثمانين وأربعمائة # # | سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة # فيها ندب أمير الجيوش عسكرا إلى بلاد الشام وقدم عليه ناصر الدولة ~~الجيوشي ؛ فسار وفتح ثغري صور وصيدا ، ثم فتح جبيل وعكا . وكان تتش قد ~~ملكها ، فاستولى عليها ناصر الدولة الجيوشي ، وقتل جماعة من أصحاب تتش ، ~~وأخذ كثيرا من ذخائره . ومضى إلى بعلبك ، فوفد عليه خلف بن ملاعب صاحب حمص ~~، ودخل في الطاعة ، وبعث ابن حمدان إلى أمير الجيوش ، فسير إليه الخلع ~~والطوق . # | سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة # فيها توفى الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن سعد بن عبد الله الخيال المصري ~~الإمام ، صاحب التاريخ ، في سادس ذي القعدة ، ومولده في سنة إحدى وسبعين ~~وثلثمائة ؛ ودفن بالقرافة . # وفيها صعد الحسن بن الصباح إلى قلعة ألموت في شعبان ، وأظهر دعوة ~~المستنصر بالله . PageV02P326 # | سنة خمس ms401 وثمانين وأربعمائة # فيها نقل أمير الجيوش بابي زويلة وزاد من ورائهما قطعة ، وبنى باب زويلة ~~الكبير الموجود الآن ، ورفع أبراجه على ما هي عليه ، ولم يجعل له باشورة ~~كما هي عادة أبواب الحصون أن يكون في أبوابها عطفة تمنع العساكر من الهجوم ~~على الحصن عند الحصار ، بل عمل في بابه زلاقة من حجارة صوان ، حتى إذا هجم ~~العسكر لم تثبت قوائم الخيل على الصوان لملاسته . فلم تزل هذه الزلاقة ~~باقية إلى أيام الملك الكامل محمد بن العادل ، فأمر بنقضها لما زلت به فرسه ~~وسقط عنها . PageV02P327 # | سنة ست وثمانين وأربعمائة # فيها جرد أمير الجيوش عسكرا إلى ثغر صور ، وكان المتولي به قد خرج عن ~~الطاعة . فسار العسكر ونزل على الثغر ، فخاف أهل البلد من سطوة أمير الجيوش ~~، فلم يعرضوا لقتال فهجم العسكر البلد وانتهبوا أهله ، وقبضوا على أميرها ~~وعلى جماعة من الناس وسيروهم إلى أمير الجيوش فقتلهم ؛ وبعث بفريضة ستين ~~ألف دينار على أهل صور ؛ وكان ذلك في رابع عشر جمادى الآخرة . # وفيها نمى قتل أبي علي حسن بن عبد الصمد بن أبي الشحناء العسقلاني صاحب ~~الرسائل والشعر ، وكان بديوان الإنشاء ، وشعره ورسائله مشهورة . ويقال إن ~~القاضي الفاضل عبد الرحيم كان جل اعتماده على رسائله . ومن شعره : # أصبحت تخرجني بغير جريمة . . . من دار إكرام لدار هوان # كدم الفصد يراق أرذل موضع . . . أبدا ، ويخرج من أعز مكان # ثقلت موازين العباد بفضلهم . . . وفضيلتي قد خففت ميزاني PageV02P328 # | سنة سبع وثمانين وأربعمائة # في شهر ربيع ، وقيل في جمادى الأولى ، توفي أمير الجيوش بدر الجمالي من ~~مرض نزل به من أول السنة حتى أسكت فلم يقدر على الكلام إلى أن مات وقد ناهز ~~ثمانين سنة ؛ وجنسه أرمني ؛ وكان مملوكا لجمال الدولة ابن عمار ، فلذلك قيل ~~له بدر الجمالي . وما زال يأخذ نفسه بالجد من شبيبته فيما يباشره ، ويوطن ~~نفسه على قوة العزم فيما يرومه ، ويتنقل في الرتب العلية ، حتى ولي بلاد ~~الشام وتقلد إمارة دمشق من قبل المستنصر مرتين ، وثار عليه أهلها ، وكانت ~~في إمارته الفتنة ms402 العظيمة التي احترق فيها قصر الإمارة وجامع بني أمية . ثم ~~إنه رحل عن دمشق إلى مصر ، وقلده المستنصر عكا . فلما فسدت أحوال مصر ~~وتغيرت أمورها وخربت كان يبلغه ذلك فيتحسر لما يبلغه ويتلهف لكونه بعيدا عن ~~مصر . فلما كاتبه المستنصر ودخل إلى القاهرة تحكم في بلاد مصر تحكم الملوك ~~، ولم يبق للمستنصر من أمر ، وألقى إليه مقاليد مملكته ، وسلم إليه أمور ~~خلافته ، فضبطها أحسن ضبط . فاشتدت مهابته في قلوب الخاصة والعامة ، وخاف ~~سطوته كل جليل وكبير ، لعظم بأسه وكثرة بطشه ، وقتله من الخلائق ما لا يمكن ~~ضبطهم ولا يعلم عدتهم إلا إلههم سبحانه . وبقتله أكابر المصريين من الأمراء ~~والقواد والوزراء والأعيان ، من أهل القاهرة ومصر وبلاد الصعيد وأسفل الأرض ~~وثغر دمياط وتنيس والإسكندرية ، الذين كانوا قد تمرنوا على الفساد ، ونشأوا ~~في الفتن واعتادوا مضرة الخلق ، ولصلاح أحوالهم من ذلك صلحت الديار المصرية ~~بعد فسادها ، وعمرت بعد خرابها ، وزال عكس المستنصر وابتدأت سعادته . ~~PageV02P329 # وكان من جميل أفعاله أنه لما قتل المفسدين من الأجناد والعربان وغيرهم ~~أطلق الخراج للمزارعين ، ولم يأخذ منهم شيئا ثلاث سنين ، حتى صلحت أحوال ~~الفلاحين . واستغنى أهل مصر في أيامه ، ودرت عليهم أخلاف النعم بعد توالي ~~الشدائد الكبيرة ، ومقاساة الألم . وكثر ترداد التجار في أيامه إلى مصر بعد ~~نزوحهم عنها ، وخروجهم لشدة البلاء والجور فيها . # وكانت مدة تحكمه بالديار المصرية إحدى وعشرين سنة . وكان عزوف النفس شديد ~~البطش ، عالي الهمة عظيم الهيبة ، حسن التأتي جميل السياسة ، مظفرا ، سعيد ~~الجد ، سخيا ، مفضالا . قصده علقمة بن عبد الرزاق العليمي ، فلما وافى بابه ~~شاهد أشراف الناس وكبراءهم وشعراءهم وعلماءهم على بابه وقد طال وقوفهم ~~ومقامهم ، ولا يصلون إليه . فبينا هو كذلك إذ خرج أمير الجيوش يريد الصيد ، ~~فخرج في أثره وأقام معه حتى رجع من صيده ؛ فعندما قاربه وقف على تل من رمل ~~، ورمى برقعة كانت في يده ، وأنشد : # نحن التجار ، وهذه أعلاقنا . . . در ، وجود يمينك المبتاع # قلب ، وفتشها بسمعك ، إنما . . . هي جوهر تختاره الأسماع # كسدت علينا بالشآم ، وكلما . . . قل النفاق ms403 تعطل الصناع # فأتاك يحملها إليك تجارها . . . ومطيها الآمال والأطماع # حتى أناخوها ببابك ، والرجا . . . من دونك السمسار والبياع # فوهبت ما لم يعطه في دهره . . . هرم ، ولا كعب ، ولا القعقاع # وسبقت هذا الناس في طلب العلا . . . والناس بعدك كلهم أتباع # يا بدر ، أقسم ، لو بك اعتصم الورى . . . ولجوا إليك ، جميعهم ، ما ضاعوا # وكان بيد بدر باز ، فدفعه لأحد مماليكه وجعل يستعيد الأبيات ، وهو معه ، ~~إلى أن استقر في مجلسه . فلما اطمأن قال للحاضرين عنده ؛ من أحبني فليخلع ~~عليه . فبادر حينئذ الحاضرون ، ولم يبق منهم إلا من ألقى له ما قدر عليه ، ~~حتى صار إليه منهم ما حمله على سبعين بغلا عندما خرج من المجلس ؛ ومع ذلك ~~أمر له أمير الجيوش من ماله بعشرة ألاف درهم . PageV02P330 # قال قاضي الرشيد أحمد بن الزبير في كتاب العجائب والطرف والهدايا والتحف ~~: ولما مات أمير الجيوش بدر المستنصري خلف سبعمائة غلام ، كل غلام له من ~~المال ما ينيف عن المائة ألف غلام . وخلف من المال بعد عمارة سور القاهرة ~~ستة آلاف ألف دينار وأربعمائة ألف ألف درهم في دار الوزارة ؛ ومن الجوهر ~~والياقوت أربعة صناديق ومن القضب الفضة والذهب والمراتب ، ومن السروج ~~المحلاة ، ما يعجز عن وصفه . وخلف ألف قصبة زمرد ، لأنه كان له به غرام ~~عظيم ، جمعت له من جميع الأقطار . ولما مات أمير الجيوش كان أجل غلمانه من ~~الأمراء نصر الدولة أفتكين ، ويليه في الرتبة أمين الدولة صافي ، ويقال ~~لاون ، فبعث لاون لكل جماعة من الأمراء الجيوشية مالا والتمس منهم الرضا به ~~أن يلي الوزارة مكان أستاذه أمير الجيوش ، فوافقوه على ذلك فأقر أمره مع ~~المستنصر ؛ فطلبه بعد موت أمير الجيوش وأفاض عليه خلع الوزارة وجلس في ~~الشباك عند الخليفة ليتولى على العادة . وكان نصر الدولة أفتكين قد بلغه ~~ذلك من قبل ، فركب وطاف على الأمراء ، كل واحد بمفرده ، وغلطه فيما عزم ~~عليه ، وقبح أن يكون أحد خشدا شيته يتحكم عليه مع وجود أولاد أستاذهم ؛ مع ~~ما قد عرف من بخل لاون ، ونحو ذلك من ms404 القول ، حتى رجعوا عن لاون . فعندما ~~طلبه المستنصر وخلع عليه ركب نصر الدولة في جميع الأمراء بالسلاح وصاروا ~~إلى القصر ، ووقفوا في الصحن ؛ فشق ذلك على المستنصر وعلى من بحضرته من ~~خواصه . وشرع الأمراء في مخاطبة المستنصر في إبطال وزارة لاون ، وهو يأبى ~~عليهم ، حتى طال الخطاب . فقال المستنصر إذا أقمنا قصبة قبل أمرنا . فقال ~~الأمراء ، إذا أقمت هذه القصبة قطعناها بهذه السيوف ؛ وجردوا سيوفهم ، ~~PageV02P331 ولم يبق إلا وقوع الشر . فقال المستنصر لهم خيرا ، وأمر بإحضار ~~الأفضل بن أمير الجيوش ، وقرر في الوزارة مكان أبيه ، وبطل أمر لاون ، ~~فاستمر إلى ليلة الخميس الثامن عشر من ذي الحجة . # وفيها مات الخليفة المستنصر بالله أبو تميم معد ، فلما كان عند موته حصل ~~رعد عظيم وبرق كثير ومطر غزير ؛ وعمره يومئذ سبع وستون سنة وخمسة أشهر ؛ ~~منها في خلافته ستون سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام ، مرت به فيها أهوال ~~عظيمة ، وشدائد آلت به إلى أن جلس على نخ ، لا يجد من القوت إلا ما تتصدق ~~به عليه الشريفة ابنة صاحب السبيل في كل يوم ، فلا يأكل غير مرة واحدة في ~~اليوم من قعب فتيت تبعث بها إليه ، كما قد تقدم ذلك . # وكان قد قوي أمره وقام بتدبير وزارته عند إقامته في الخلافة وزير أبيه ~~علي بن أحمد الجرجرائي ، فمشت الأحوال على سداد إلى أن مات ، فحكمت أمه في ~~الدولة وولت أبا سعيد إبراهيم اليهودي التستري وزارتها ، فصار هو الذي يلي ~~الوساطة ويدبر الأموال إلى أن قتل . فلما كانت سنة اثنتين وستين اختلطت ~~الأمور وتعاظم الأمر ، فكان من الغلاء والفتن والبلاء والنهب ما تقدم ذكره ~~. وولي وزارته أربعة وعشرون وزيرا ، وهم : أبو القاسم الجرجرائي إلى أن مات ~~وزيرا في سنة ست وثلاثين ؛ فولي أبو منصور صدقة بن يوسف الفلاحي إلى أن قتل ~~في سنة تسع وثلاثين ؛ فولي عماد الدولة أبو البركات الحسين بن محمد ~~الجرجرائي مرتين إلى أن عزل في سنة أربعين ؛ فولي صاعد بن مسعود أبو الفضل ~~وصرف في سنة اثنتين وأربعين ؛ فاستقر ms405 أبو محمد اليازوري مضافا إلى القضاء ~~والتقدمة على الدعاة ، ولم يجمع ذلك لأحد قبله ، إلى أن قبض عليه في محرم ~~سنة خمسين ؛ فاستوزر أبو الفرج عبد الله بن محمد البابلي ثم صرف بعد شهرين ~~وأربعة عشر يوما . واستقر أبو الفرج محمد بن جعفر بن PageV02P332 محمد بن ~~علي بن الحسين المغربي ثم صرف في سنة اثنتين وخمسين ؛ وأعيد البابلي ثم صرف ~~بعد أربعة أشهر . وتولى عبد الله بن يحيى بن المدبر في صفر سنة ثلاث وخمسين ~~وصرف بعد شهرين ؛ وتولى عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد الفارقي في رمضان ~~منها إلى أن توفي في محرم سنة أربع وخمسين ؛ فتولى بعده أخوه أبو علي أحمد ~~سبعة عشر يوما وصرف ؛ فأعيد البابلي كرة ثالثة في ربيع الأول ، فأقام خمسة ~~أشهر واستعفى فوزر أبو عبد الله الحسين بن سديد الدولة الماسكي ؛ ثم صرف ~~بأبي أحمد بن عبد الكريم ابن عبد الحاكم ، فكان ينقل من القضاء إلى الوزارة ~~ثم يعود إلى القضاء ؛ وصرف بابن المدبر ، فأقام إلى أن توفي ؛ فأعيد أبو ~~أحمد بن عبد الحاكم في ذي الحجة سنة خمس وخمسين فأقام خمسة وأربعين يوما ؛ ~~وصرف بأبي غالب عبد الطاهر بن فضل العجمي ، فتولى غير مرة ، وكان جده من ~~دعاة الدولة ؛ فولي مرة في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وصرف بعد ثلاثة ~~أشهر ، وولي أخرى في ربيع الآخر سنة ست وخمسين وصرف بعد ثلاثة وأربعين يوما ~~، وفي ثالثة في أيام الفتنة وقتله تاج الملوك شاذي بالقاهرة في سنة خمس ~~وستين . وولي الوزارة أيضا الحسن بن ثقة الدولة بن أبي كدينة ، وجمع له بين ~~القضاء والوزارة سبع مرات ، ووصل أمير الجيوش وهو وزير فقبض عليه وقتل ~~بدمياط . وولي أبو المكارم سعد وتنقلت به الأحوال حتى قتله أمير الجيوش ؛ ~~ثم وزر بعده أبو علي الحسن ابن أبي سعيد التستري عشرة أيام ثم استعفى ، ~~وكان يهوديا فأسلم . ثم استوزر أبو القاسم عبد الله بن محمد الرعباني مرتين ~~، كل منهما عشرة أيام ؛ ثم ولي الأمير أبو الحسن بن ms406 الأنباري أياما وصرف . ~~فتولى أبو علي الحسن بن سديد الدولة الماسكي أياما ، وهذه وزارته الثانية ؛ ~~ثم صرف بأبي شجاع محمد بن الأشرف بن فخر الملوك وصرف ، فسار إلى الشام ~~ولقيه أمير الجيوش فقتله ؛ وأبو غالب جده كان وزيرا لبهاء الدولة بن عضد ~~الدولة ملك العراق . ثم ولي بعده أبو الحسن طاهر بن وزير الطرابلسي ثم صرف ~~، وكان أحد الكتاب بديوان الإنشاء ؛ فولي بعده أبو عبد الله محمد بن أبي ~~حامد التنيسي يوما واحدا وقتل ، PageV02P333 فوجد له مال كثير . ثم ولي أبو ~~سعد منصور بن أبي أيمن سورس بن مكرواه بن زنبور ، وكان نصرانيا فأسلم ، ~~ويقال إنه لم يسلم ؛ ثم ولي بعده أبو العلاء عبد الغني بن نصر بن سعيد ~~الضيف وصرف . فلما قدم أمير الجيوش تسلمها . # ولما قدم أمير الجيوش من عكا صار وزير السيف والقلم ، وولي القضاء أيضا ، ~~وزيد في ألقابه كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين . ثم لما مات وزر ~~من بعده ابنه الأفضل . # وأما قضاته ، فقد تقدم من جمع له القضاء مع الوزارة . والذين أفردوا ~~بوظيفة القضاء عبد الحاكم بن سعيد الفارقي في أول خلافته ؛ ثم تقلد القضاء ~~القاسم بن عبد العزيز ابن النعمان ؛ ثم أبو يعلى ، ويقال أبو الحسن ، أحمد ~~بن حمزة بن أحمد العرقي ومات ؛ فولي أبو الفضل القضاعي ؛ ثم جلال الدولة ~~أبو القاسم علي بن أحمد بن عمار . وولي الفضل ابن نباتة ، ثم أبو الفضل بن ~~عتيق ، ثم أبو الحسن علي بن يوسف بن الكحال ، ثم فخر الأحكام أبو الفضل ~~محمد بن عبد الحاكم ، وكان في أيامه ما قد تقدم ذكره من الرزايا . # وكان نقش خاتمه : بنصر السميع العليم ينتصر المستنصر أبو تميم . # ومما رثى به المستنصر قول حظي الدولة أبي المناقب عبد الباقي بن علي ~~التنوخي الشاعر ، من أبيات : # وليس ردى المستنصر اليوم كالردى . . . ولا قدره أمر يقاس به أمر # لقد هاب ملك الموت إتيانه ضحى . . . ففاجأه ليلا وما طلع الفجر فأجرى ~~عليه ، حين مات ، دموعنا . . . سماء ، فقال الناس : لا ؛ بل هو القطر ms407 # وقد بكت الخنساء صخرا ، وإنه . . . ليبكيه من فرط المصاب به الصخر # وقلدنا المستعلى الطهر حسب ما . . . عليه قديما نص والده الطهر | ~~PageV02P334 # | الجزء الثالث # بسم الله الرحمن الرحيم # # | المستعلى بالله أبو القاسم أحمد بن المستنصر بالله أبي تميم معد بن ~~الظاهر لإعزاز دين الله أبي الحسن علي ابن الحاكم بأمر الله أبي علي منصور # PageV03P009 فارغة PageV03P010 ولد في ثامن عشر المحرم ، وقيل في العشرين ~~من المحرم ، سنة ثمان وستين وأربعمائة ، وبويع له في يوم الخميس الثامن عشر ~~من ذي الحجة ، سنة سبع وثمانين وأربعمائة ، حين مات أبوه المستنصر . وذلك ~~أن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي عندما مات المستنصر بادر إلى ~~القصر وأجلسه ولقبه بالمستعلى ، وبعث فأحضر إليه نزارا وعبد الله وإسماعيل ~~، أولاد المستنصر ؛ فلما حضروا وشاهدوا أخاهم أحمد وكان أصغرهم ، قد جلس ~~على تخت الخلافة أنفوا من ذلك ، فأمرهم الأفضل بتقبيل الأرض وقال لهم : ~~تقدموا وقبلوا الأرض لله تعالى ولمولانا المستعلى بالله وبايعوه ، فهو الذي ~~نص عليه الإمام المستنصر ، قبل وفاته ، للخلافة من بعده . فامتنعوا من ذلك ~~، وقال كل منهم إن والده وعده بالخلافة ؛ وقال نزار : إن قطعت ما بايعت من ~~هو أصغر سنا مني وخط والدي عندي بأني ولي عهده وأنا أحضره ؛ وخرج مسرعا ~~ليحضر الخط ، فمضى من حيث لا يشعر به أحد وتوجه في خفية إلى الإسكندرية . ~~فلما أبطأ أرسل الأفضل من يستعجله بالحضور ، فلم يوجد ، وفتش عليه في القصر ~~فلم يوقف له على خبر ولا عرف كيف توجه فاضطرب الأفضل لذلك وانزعج انزعاجا ~~شديدا . # وقوم يذكرون أن المستنصر كان قد أجلس ابنه أبا المنصور نزارا ، لأنه أكبر ~~أولاده ، وجعل إليه ولاية العهد من بعده ، فلما قربت وفاته أراد أن يأخذ له ~~البيعة على رجال الدولة ، PageV03P011 فتقاعد له الأفضل ودافع حتى مات ؛ ~~وذلك أنه كانت بينه وبين نزار مباينة ، وكان في نفس كل منهما مباينة من ~~الآخر لأمور ، منها أن نزارا خرج ذات يوم من بعض أماكن القصر فوجد الأفضل ~~قد دخل من أحد أبواب القصر وهو راكب ms408 ، فصاح به : انزل يا أرمني يا نجس ؛ ~~فحقدها الأفضل عليه ، وظهرت كراهة أحدهما الآخر . ومنها أن الأفضل كان ~~يعارض نزارا في أموره أيام حياة أبيه ويرد شفاعاته ويضع من قدره ، ولا يرفع ~~رأسا لأحد من غلمانه وحاشيته ، بل يحتقرهم ويقصدهم بالأذى والضرر . فلما ~~عزم المستنصر على أخذ البيعة لنزار اجتمع الأفضل بالأمراء الجيوشية وخوفهم ~~من نزار ، وحذرهم من مبايعته ، وأشار عليهم بولاية أخيه أحمد فإنه صغير لا ~~يخاف منه ، ويؤمن جانبه ؛ فرضوا بذلك وتقرر أمرهم عليه بأجمعهم ما خلا ~~محمود بن مصال اللكي ، من قرية يقال لها لك برقة ، فإنه لم يوافق لأنه كان ~~قد وعده نزار بأن يوليه الوزارة والتقدمة على الجيوش مكان الأفضل ؛ فلما ~~اطلع على ما قرره الأفضل من ولاية أبي القاسم أحمد مع الأمراء وأنهم قد ~~وافقوه على ترك مبايعة نزار طالعه بجميع ذلك . # وبادر الأفضل فأجلس أبا القاسم ولقب بالمستعلى بالله . وأصبح في بكرة يوم ~~الخميس لاثنتي عشرة بقيت من ذي الحجة فأخرجه إلى الإيوان ، وأجلسه على سرير ~~الملك ، وجلس هو على دكة الوزارة ؛ وحضر قاضي القضاة المؤيد بنصر الإمام ~~علي بن نافع بن الكحال ، والشهود ، فأخذ البيعة على مقدمي الدولة وأمرائها ~~ورؤسائها وجميع الأعيان ؛ ثم مضى إلى عبد الله وإسماعيل ولدي المستنصر ، ~~وكانا في مسجد من مساجد القصر وقد وكل بهما الأفضل جماعة يحفظونهما ، فقال ~~لهما : إن البيعة قد تمت لمولانا المستعلى بالله ، وهو يقرئكما السلام ~~ويقول لكما تبايعاني أم لا ؟ فقالا : السمع والطاعة ، إن الله اختاره علينا ~~؛ ووقفا قائمين على أرجلهما وبايعاه ؛ وكتب كتاب البيعة وأخرج ، فقرأه ~~الشريف PageV03P012 سناء الملك محمد بن محمد الحسيني الكاتب بديوان الإنشاء ~~، على عادة الأمراء وجميع أهل الدولة . وكانت الدعاة عندما بلغهم موت ~~المستنصر اختلفوا فيمن يبايعونه من بعده ، فدعا بركات ، وهو أمين الدعاة ، ~~لعبد الله المستنصر ونعته بالموفق ؛ فقبض الأفضل عليه وقتله هو وابن الكحال ~~. ووصل الخبر بلحاق نزار ومعه محمود بن مصال اللكي بنصر الدولة ، وأن نصر ~~الدولة أفتكين التركي ، أحد مماليك أمير الجيوش وكان على ms409 ولاية الإسكندرية ~~، قد بايعة والقاضي أبو عبد الله محمد بن عمار واهل الاسكندرية قد بايعه ، ~~والقاضي أبو عبد الله محمد بن عمار ، وأهل الإسكندرية ، وأنه تلقب بالمصطفى ~~لدين الله . فأهم الأفضل ذلك وأخذ في التأهب لمحاربتهم . # وفيها توفى أبو عبد الحسين بن سديد الدولة ، ذي الكفايتين ، محمد الماسكي ~~؛ وكان ممن وزر للمستنصر في سنة أربع وخمسين ، فلما صرف عن الوزارة سار إلى ~~مدينة صور من الشام فأقام بها عدة سنين ؛ ثم إنه رجع إلى مصر وخدم مشارفا ~~بالإسكندرية بعد الوزارة ، ثم صرف عن المشارقة . وكان من أماثل الكتاب وأحد ~~الأدباء الفضلاء . ومن شعره : # توصل إلى رد كيد العدو . . . توصل ذي الحيلة الحازم # وصانع ببعض الذي حزته . . . تعش عيشة الآمن الغانم # ودع ما نعمت به في القدي . . . م ، واعمل لذا الزمن القادم # لعلك تسلم مما تخاف . . . ولست ، إخالك ، بالسالم # وله عدة مصنفات ورسائل . PageV03P013 # | سنة ثمان وثمانين وأربعمائة # في آخر المحرم خرج الأفضل بعساكره من القاهرة فسار إلى الإسكندرية ~~لمحاربة نزار وأفتكين ، فخرجا إليه في عدة كبيرة وحارباه ؛ فكانت بينهما ~~عدة وقائع بظاهر الإسكندرية انكسر فيها الأفضل ورجع بمن معه منهزما يريد ~~القاهرة ؛ فنهب نزار بمن معه من العرب أكثر بلاد الوجه البحري . # ووصل الأفضل إلى القاهرة ، وشرع يتجهز ثانيا لمسيره . ودس إلى أكابر من ~~انتمى إلى نزار من العرب يدعوهم إلى التخلي عنه ، واستمالهم بما حمله إليهم ~~من الأموال وما وعدهم به من الإقطاعات وغيرها . وخرج وقد أعد واستعد . فسار ~~إلى الإسكندرية وقد برزوا إليه ؛ فكانت بينهما حروب آلت إلى هزيمة نزار ~~والتجائه إلى المدينة ؛ فنزل الأفضل عليها ، وحاصرها ، ونصب عليها المجانيق ~~وألح عليها بالقتال ، ومنع عنها الميرة . # فلما كان في ذي القعدة وقد اشتد الأمر على من بالإسكندرية جمع ابن مصال ~~ماله وفر إلى جهة المغرب في ثلاثين قطعة ، يريد بلده لك برقة من أجل رؤيا ~~رآها ، وهي أنه رأى في منامه كأنه قد ركب فرسا وسار والأفضل يمشي في ركابه ~~؛ فقص هذه الرؤيا على عابر له فطانة وتمكن في ms410 علم التعبير ، فقال له الماشي ~~على الأرض أملك لها من الراكب وهذا يدل على أن الأفضل يملك البلاد . # وكانت الأنفس قد ملت طول الحصار . فلما فر ابن مصال ضعفت نفس نزار ~~وأفتكين وتخوفا ممن حولهما ؛ فبعثا إلى الأفضل يسألان الأمان ، فأمنهما ، ~~وتمكن من البلد . وقبض على نزار وأفتكين ، وسير بهما إلى مصر ؛ فيقال إنه ~~سلم نزارا لأهل القصر من أصحاب المستعلى ، وأنه بنى عليه حائط ومات ؛ وقيل ~~إنه قتل بالإسكندرية ؛ والأول أصح . PageV03P014 # وكان مولده يوم الخميس العاشر من ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وأربعمائة . ~~والاسماعيلية وملاحدة العجم وملاحدة الشام تعتقد إمامته وتزعم أن المستنصر ~~كان قد عهد إليه وكتب اسمه على الدينار والطرز ، وأن المستنصر قال للحسن بن ~~صباح إنه الخليفة من بعده . # وكان للمستنصر أولاد فروا إلى المغرب ، منهم محمد وإسماعيل وطاهر ، وعاد ~~منهم في خلافة الحافظ واحد إلى مصر ولا عقب له . # وأما أفتكين فإنه قتل بعد قدوم الأفضل إلى مصر . أما ابن مصال فإنه وصل ~~لك ولقيه أهلها ، وكان قد خرج منها صبيا فقيرا ، فأقام عندهم أياما . واتفق ~~أن رأى عجوزا عرفته ، فقالت له : كبرت يا محمود ! فقال لها : نعم . فقالت ~~له : لعلك جئت مع صاحب هذه المراكب . فقال : أنا صاحبها . فقالت : ماذا ~~يعمل عدم الرجال . ولم يزل يبعث إليه الأفضل بالأمان حتى قدم عليه ، فلزم ~~داره مدة ، ثم رضي عنه الأفضل وأكرمه . وكان الأفضل لما قبض من نزار وتمكن ~~من الإسكندرية تتبع جميع من كان معه ومن مالأه أو أعانه ، فقبض على كثير من ~~وجوه البلد ، منهم قاضي الثغر أبو عبد الله محمد بن عمار واعتقله مدة ثم ~~قتله ؛ وكان حسنة من حسنات الدهر ونخبة من نخب العقد ؛ وحظى عنده بنو حارثة ~~، وكانوا من عدول البلد ، لأنهم لم يبايعوا نزارا ولم يدخلوا في شيء من ذلك ~~، وكانوا يهادون الأفضل سرا . ولى قضاء الإسكندرية عوضا عنه القاضي أبا ~~الحسن زيد بن الحسن بن حديد ، وبالغ في إكرامه وإكرام أهل بيته . # وكان الأفضل وهو على حصار الإسكندرية يخرج ms411 أمه فتطوف في كل يوم ، وهي ~~متنكرة ، بالأسواق ، وتدخل يوم الجمعة إلى الجوامع وتزور المشاهد والمساجد ~~والربط تستعلم خبر ولدها وتعرف من يحبه ومن يبغضه ؛ فدخلت يوما إلى مسجد ~~أبي طاهر وجاءت إلى ابن سعد الإطفيحي وقالت له : يا سيدي ، ولدي في العسكر ~~مع الأفضل ، الله تعالى يأخذ PageV03P015 لي منه الحق ، ما فعل خيرا ، وأنا ~~ما أنام خوفا على ابني ، ادع الله أن يسلم ولدي . فقال لها : يا أمة الله ، ~~أما تستحين ، تدعين على سلطان الله في أرضه ، المجاهد عن دين الله تعالى ، ~~الله ينصره ويظفره ويسلمه ويسلم ولدك ، ما هو إن شاء الله تعالى إلا منه ~~وهو مؤيد مظفر ، كأنك به وقد فتح الإسكندرية وأسر أعداءه ، وأتى على أحسن ~~قضية وأجمل طوية ، فلا يشغل لك سر ، فما يكون إلا الخير إن شاء الله . ثم ~~اجتازت بالفار الصيرفي بالسراجين من القاهرة ، فوقفت عليه تصرف منه دينارا ~~وكان إسماعيليا متغاليا فقالت له : ولدي مع الأفضل وما أدري ما خبره . فقال ~~لها : لعن الله المذكور الأرمني الكلب العبد السوء بن العبد السوء ، مضى ~~يقاتل مولانا ومولى الخلق ؟ كأنك والله يا عجوز برأسه جائزا من هنا على رمح ~~قدام مولانا نزار ومولاي ناصر الدولة إن شاء الله تعالى ، والله يلطف بولدك ~~؛ من قال لك تخلينه يمضي مع هذا الكلب المنافق . ثم وقفت يوما آخر على ابن ~~بابان الحلبي ، وكان بزازا بسوق القاهرة ، تشتري منه شيئا وكان نزاريا ~~فقالت له كقولها للفار الصيرفي ، فقال لها كما قال أيضا ، وبالغ في لعن ~~الأفضل وسبه . # فلما أخذ الأفضل نزار وناصر الدولة ، وفتح الإسكندرية ، وقدم إلى القاهرة ~~في يوم حدثته أمه الحديث بنصه . فلما خلع عليه في القصر بين يدي الخليفة ~~المستعلى في يوم وعاد إلى مصر اجتاز بالبزازين وهو بالخلع ، ونظر إلى ابن ~~بابان الحلبي وقال : أنزلوا هذا . فنزلوا به ، فضربت عنقه تحت دكانه ، ثم ~~قال لعبد علي ، أحد مقدمي ركابه ، قف هنا لا يضيع له شيء من دكانه إلى أن ~~يأتي أهله فيتسلموا قماشه . ثم ms412 وصل إلى السراجين ، فلما تجاوز دكان الفار ~~الصيرفي التفت إلى جهته وقال : انزلوا بهذا . فنزلوا به ؛ فقال : رأسه . ~~فضربت عنقه ، وقال ليوسف الأصفر أحد مقدمي الركاب : احتط على حانوته ~~PageV03P016 إلى أن يأتي أهله وتسلموا موجوده ، وإياك ماله وصندوقه ، وإن ~~ضاع منه درهم ضربت عنقك مكانه ؛ كان لنا خصما أخذناه وفعلنا به ما نردع به ~~غيره عن فعله ، ومالنا في ماله ولا في فقر أهله حاجة . ثم أتى إلى الشيخ ~~أبي طاهر الإطفيحي وقربه وتخصص به ، وأطلعه على أغراضه وأكثر من التردد ~~إليه ، وأجرى الماء إلى مسجده ، وبنى له فيه حماما وبستانا وغير ذلك من ~~المباني . فعظم قدر الإطفيحي به ، وكثر غشيان الناس مسجده ، وطار ذكره ، ~~وشاع خبره ، وكثرت حاشيته ، وصار المشار إليه بالديار المصرية حتى مات . # وفيها قام ببغداد تاجر يعرف بحامد الأصفهاني فتكلم بأن نسب الخلفاء ~~الفاطميين صحيح ، فقبض عليه واعتقل حتى مات . وخرج الأمر بجمع الناس إلى ~~بيت النوبة ببغداد ، فجمعوا في تاسع ربيع الآخر ، وحضر بنو هاشم وغيرهم إلى ~~الديوان ؛ وقرئ توقيع أوله خطبة تشتمل على حمد الله تعالى والثناء عليه ، ~~وتذكر طاعة الأئمة وفضل العباس وما جاء فيه من الأخبار ، ثم قال : أما بعد ~~، فإنه لم يخل وقت ولا زمان من مارق على الدين ، وشاع تفرق كلمة المسلمين ~~ليبلوا الله المجاهدين فيهم والصابرين ، ويصلي أكثر العاكفين نار جهنم التي ~~أعدت للكافرين . وهذه الطائفة المارقة من الباطنية الملحدين ، والكفرة ~~المستسلمين ، انتهكوا المحارم ، واستحلوا الكبائر ، وأراقوا الدماء ، ~~وكذبوا بالذكر ، وأنكروا الآخرة ، وجحدوا الحسنات والجزاء ، وفصلوا أعضاء ~~المسلمين ، وسملوا أعين الموحدين ؛ فكادوا الدين وفقهاءه ، وأعلنوا بالشرك ~~ونداءه . ثم رماهم بالفسوق والإهمال والانحلال ؛ وقال : شاعرهم يقول : # حل برقادة المسيح . . . حل بها آدم ونوح PageV03P017 # | سنة تسع وثمانين وأربعمائة # فيها خرج خلف بن ملاعب من عند الأفضل لولاية فامية ، فسار إليها وتسلمها ~~. وكان سبب ذلك أن أهلها كانوا إسماعيلية ، فقدموا إلى القاهرة وسألوا أن ~~يجهز إليهم من يلي أمرهم ، فوقع الإختيار على خلف بن ملاعب ، وكان قد ولي ~~مدينة حمص وساءت سيرته ms413 في أهلها ، فبعث إليه السلطان ملك شاه من العراق من ~~قبض عليه وحمله إليه بأصفهان ، فاعتقله بها إلى أن مات ، فأطلق وسار إلى ~~مصر فأقام بها حتى خرج إلى فامية . PageV03P018 # | سنة تسعين وأربعمائة # فيها وقع بمصر غلاء ومجاعة . # في سادس عشر صفر قدم على الأفضل رسول فخر الدولة رضوان بن تتش صاحب حلب ~~وأنطاكية وهم بن الهلال بن كاتب عز الدولة ابن منقذ ، صحبة رسول الأفضل ~~الشريف شجاع الدولة ابن صارم الدولة ابن أبي وقدم معهم شرف الدولة الباهلي ~~الشاعر ، وكان قد قدم مصر ومدح أمير الجيوش بدر الجمالي ، ثم في نوبة ~~أفتكين ؛ وهو يبذل الطاعة في إقامة الخطبة للإمام المستعلى بالله في بلاد ~~الشام ، فأجيب بالشكر والثناء وخطب بها للمستعلى بالله في يوم الجمعة سابع ~~عشر رمضان . وكان سبب هذا الفعل من رضوان أنه قصد أن يستعين بعساكر مصر على ~~أخذ دمشق من أخيه دقاق . فاتفق أن الأمير سكمان بن أرتق أنكر على رضوان ذلك ~~، فقطع خطبة المستعلى ، وأعاد الخطبة لبني العباس ، فكان مدة الخطبة ~~للمستعلى أربعة أشهر . PageV03P019 # وفي ربيع الأول جهز الأفضل عسكرا في عدة وافرة لأخذ صور فسار إليها ~~وحاصرها حصارا شديدا حتى أخذت بالسيف ، فدخلها العسكر وقتلوا منها بالسيف ~~خلقا كثيرا ؛ وقبض على واليها وحمل إلى الأفضل فقتله لأنه كان قد خرج عن ~~الطاعة وعصى على الأفضل . # وفيها كان ابتداء خروج الإفرنج من بلاد القسطنطينية لأخذ بلاد الساحل من ~~أيدي المسلمين ، فوصلوا إلى مدينة أنطاكية ونازلوها حتى ملكوها . ومنها ~~دبوا إلى بلاد الساحل . # وفيها تجمع الرعاع والعامة في يوم عاشوراء بمشهد السيدة نفيسة وجهروا بسب ~~PageV03P020 الصحابة ، وهدموا عدة قبور ؛ فسير الأفضل إليهم ومنعهم من ذلك ~~؛ وأدب ذخيرة الملك ابن علوان ، والي القاهرة ، جماعة وضربهم . # وفيها حرر الأفضل في المحرم عيار الدينار وزاد فيه . PageV03P021 # | سنة إحدى وتسعين وأربعمائة # فيها خرج الأفضل في عساكر جمة ، ورحل من القاهرة في شعبان ، وسار يريد ~~أخذ بيت المقدس من الأمير سكمان وإيلغازي ، ابني أرتق ، وكانا به في كثير ~~من أصحابهما ؛ فبعث ms414 إليهما يلتمس منهما أن يسلما البلد ولا يحوجاه إلى ~~الحرب ، فأبيا عليه ، فنزل على البلد ونصب عليها من المجانيق نيفا وأربعين ~~منجنيقا ، وأقام عليها يحاصرها نيفا وأربعين يوما حتى هدم جانبا من السور ، ~~ولم يبق إلا أخذها ، فسير إليه من بها ومكناه من البلد . فخلع على ولدي ~~أرتق وأكرمهما ، وأخلى عنهما ، فمضيا بمن معهما . وملك البلد في شهر رمضان ~~لخمس بقين منه ، وولى فيه من قبله ، ثم رحل عنه إلى عسقلان ؛ وكان فيها ~~مكان قد دفن فيه رأس الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، فأخرجه وعطره ~~وحمله في سفط إلى أجل دار بها ، وعمر مشهدا مليح البناء . فلما تكامل حمل ~~الرأس في صدره وسعى به ماشيا من الموضع الذي كان فيه إلى أن أحله في مقره . ~~ويقال إن أمير الجيوش هو الذي أنشأ المشهد على الرأس بثغر عسقلان ، وأن ~~ابنه الأفضل شاهنشاه كمله . ثم حمل هذا الرأس إلى القاهرة ، فوصل إليها يوم ~~الأحد ثامن جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة . # وفيها حدثت بمصر ظلمة عظيمة عشت بأبصار الناس حتى لم يبق أحد يعرف أين ~~يتوجه ، ثم هبت ريح سوداء شديدة ، فظن الناس أن الساعة قد قامت . واستمرت ~~الريح سبع ساعات وانجلت الظلمة قليلا قليلا وسكنت الريح . ولم يصل في ذلك ~~اليوم أحد صلاة الظهر ولا العصر ، ولا أذن في القاهرة ولا مصر . ~~PageV03P022 # | سنة اثنين وتسعين وأربعمائة # فيها سار الفرنج لأخذ سواحل البلاد الشامية من أيدي المسلمين ؛ فملكوا ~~مدينة أنطاكية وساروا إلى المعرة فملكوها ؛ ثم رحلوا عنها إلى جبل لبنان ~~فقتلوا من به ؛ ووصلوا عرقة فحاصروها أربعة أشهر فلم يقدروا عليها . ونزلوا ~~على حمص ، فهادنهم جناح الدولة حسين ؛ وخرجوا على طريق النواقير إلى عكا . ~~ثم أخذوا الرملة في ربيع الآخر ، وزحفوا منها إلى بيت المقدس فحاصروا ~~المدينة ؛ وبلغ ذلك الأفضل فخرج بعساكر كثيرة لمحاربتهم ؛ فجد الفرنج عندما ~~بلغهم مسيره إليها في حصار المدينة ، وكان نزولهم عليها في شهر ربيع الآخر ~~، حتى ملكوها يوم الجمعة الثاني والعشرين من شعبان بعد ms415 أربعين يوما . ~~وهدموا المشاهد وقبر الخليل عليه السلام ، وقتلوا عامة من كان في البلد ؛ ~~وكان فيه من العباد والصلحاء والعلماء والقراء وغيرهم خلائق لا يقع عليهم ~~حصر ، فوضعوا السيف فيهم وأفنوهم عن آخرهم ، ولم يفلت منهم إلا اليسير . ~~وانحازت عدة من المسلمين إلى محراب داود عليه السلام فحاصرهم الفرنج نيفا ~~وأربعين يوما حتى تسلموه بالأمان في يوم الجمعة ثاني عشريه . وأحرقوا ما ~~كان ببيت المقدس من المصاحف والكتب ، وأخذوا ما كان بالصخرة من قناديل ~~الذهب والفضة والآلات ، وكان مبلغا عظيما . ويقال إنه قتل في المسجد الأقصى ~~ما يزيد على سبعين ألفا ، وأنهم لحقوا من فر من المسلمين مسيرة أسبوع ~~يقتلون من أدركوه منهم . PageV03P023 # ووصل الأفضل إلى عسقلان في الرابع عشر من شهر رمضان ، فبعث إلى الفرنج ~~فوبخهم على ما كان منهم ؛ فردوا إليه الجواب ، وركبوا في إثر الرسل فصدفوه ~~على غرة وأوقعوا بعساكره وقتلوا منهم كثيرا . وانهزم منهم بمن خف معه فتحصن ~~بعسقلان وتعلق أكثر أصحابه هنالك في شجر الجميز ، فأضرموا النار حتى احترقت ~~بمن تعلق فيها ، فهلك خلق كثير وحاز الفرنج من أموال المسلمين ما جل قدره ، ~~ولا يمكن لكثرته حصره . # ونازلوا عسقلان ، وحصروا الأفضل فيها حتى كادوا يأخذونه ، إلا أن الله ~~سبحانه أوقع فيهم الخلف فاضطروا إلى الرحيل عن عسقلان ؛ فاغتنم الأفضل ~~رحيلهم عنه فركب البحر وقد ساءت حاله ، وذهبت أمواله ، وقتلت رجاله ، وسار ~~إلى القاهرة . ولم يعد بعد هذه الحركة إلى الخروج بنفسه في حرب ألبتة . # وكان ملك الفرنج بالقدس كند فرى . # وفيها توفى أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين بن محمد الموصلي الحنفي ~~المحدث ، في ثامن عشر ذي الحجة . PageV03P024 # | سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة # فيها رحل عالم لا يحصى عددهم من البلاد الشامية فرارا من الفرنج والغلاء ~~. # وفيها عم الغلاء أكثر البلاد ؛ ومات من أهل مصر خلق كثير . # وفيها مات قاضي القضاة أبو الطاهر محمد بن رجاء ، وتولى بعده أبو الفرج ~~محمد ابن جوهر بن ذكا النابلسي . ومات علي بن محمد بن علي الصليحي ، قتله ~~سعد ms416 بن نجاح الأحول ، وقتل أخاه عبد الله وجميع بني الصليحي بمكة في ذي ~~القعدة . # وولى الحسن بن علي بن أحمد الكرخي الحكم شهرا واحدا وثلاثة أيام ، وصرف ~~وصودر من أجل أنه أخذ عصابة من القصر في أيام الشدة لها قيمة فظهرت عليه . ~~PageV03P025 # | سنة أربع وتسعين وأربعمائة # في شعبان جهز الأفضل عسكرا كثيفا لغزو الفرنج ؛ فساروا إلى عسقلان ، ~~ووصلوا إليها في أول رمضان ، فأقاموا بها إلى ذي الحجة ؛ فنهض إليهم من ~~الفرنج ألف فارس وعشرة آلاف راجل ؛ فخرج إليهم المسلمون وحاربوهم . فكانت ~~بين الفريقين عدة وقائع آلت إلى كسر الميمنة والميسرة وثبات سعد الدولة ~~الطواشي ، مقدم العسكر ، في القلب ، وقاتل قتالا شديدا ؛ فتراجع المسلمون ~~عند ثبات المذكور وقاتلوا الفرنج حتى هزموهم إلى يافا ، وقتلوا منهم عدة ~~وأسروا كثيرا . وقتل كند فرى ملك الفرنج بالقدس ، فجاء أخوه بغدوين من ~~القدس وملك بعده ، وسار بالفرنج إلى أرسوف . # وفيها مات القمص رجار بن تنقرد ، صاحب جزيرة صقلية ، فقام من بعده ابنه ~~رجار بن رجار . # وفيها نزل الفرنج على حيفا وقتلوا أهلها ؛ وتسلموا أرسوف بالأمان ؛ ~~وملكوا قيسارية عنوة في آخر شهر رجب وقتلوا من بها ؛ وملكوا مع ذلك يافا ، ~~مع ما بأيديهم من أعمال الأردن وفلسطين . PageV03P026 # # | سنة خمس وتسعين وأربعمائة # فيها مات الخليفة أبو القاسم أحمد المستعلى بالله بن المستنصر في ليلة ~~السابع عشر من صفر ، وعمره سبع وعشرون سنة وشهر واحد وتسعة وعشرون يوما ، ~~ومدة خلافته سبع سنين وشهر واحد وعشرون يوما . # نقش خاتمه الإمام المستعلى بالله . # وفي أيامه اختلت دولتهم وضعف أمرهم ، وانقطعت من أكثر مدن الشام دعوتهم ؛ ~~وانقسمت البلاد الشامية بين الأتراك الواصلين من العراق وبين الفرنج ؛ ~~فإنهم ، خذلهم الله ، دخلوا بلاد الشام ، ونزلوا على أنطاكية في ذي القعدة ~~سنة تسعين وأربعمائة وتسلموها في سادس عشر رجب سنة إحدى وتسعين ؛ وأخذ ~~وامعرة النعمان في سنة اثنتين وتسعين ؛ وأخذوا الرملة ثم بيت المقدس في ~~شعبان ؛ ثم استولوا على كثير من بلاد الساحل ، فملكوا قيسارية في سنة أربع ~~وتسعين بعد ما ملكوا عدة بلاد ms417 . # وفي أيامه أيضا افترقت الإسماعيلية فصاروا فرقتين : نزارية ، تعتقد إمامة ~~نزار وتطعن في إمامة المستعلى ، وترى أن ولد نزار هم الأئمة من بعده ~~يتوارثونها بالنص ؛ والفرقة المستعلوية ، ويرون صحة إمامة المستعلى ومن قام ~~بعده من الخلفاء بمصر . وبسبب ذلك حدثت فتن وقتل الأفضل فيما يقال وقتل ~~الآمر ، كما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى . # ولم يكن للمستعلى سيرة فتذكر ، فإن الأفضل كان يدبر أمر الدولة تدبير ~~سلطنة وملك لا تدبير وزارة . PageV03P027 # وخلف المستعلى من الأولاد ثلاثة ، هم الأمير أبو علي المنصور ، والأمير ~~جعفر ، والأمير عبد الصمد . # وكانت قضاة مصر في خلافته أبو الحسن ابن الكحال ، ثم عزل بابن عبد الحاكم ~~المليجي ، ثم ولى أبو الطاهر محمد بن رجاء ، ثم أبو الفرج محمد بن جوهر بن ~~ذكا ، ومات المستعلى وهو قاض . # وقيل إن المستعلى مات مسموما ، وقيل بل قتل سرا . # وكان المستنصر قد عقد نكاحه على ست الملك ابنة أمير الجيوش بدر ، فمات ~~قبل أن يبني عليها ، وكان أمير الجيوش قد جهزها جهازا عظيما وأكثر من شراء ~~الجواهر العظيمة القدر لها ، فلما مات انتهب أولاده ذلك وتفرقوه . # وفيها أخذ صنجيل ، أحد ملوك الفرنج ، طرابلس ، فصار للفرنج القدس وفلسطين ~~إلا عسقلان ؛ ولهم من بلاد الشام يافا ، وأرسوف ، وقيسارية ، وحيفا ، ~~وطبرية ، والأردن ، ولاذقية ، وأنطاكية ؛ ولهم من الجزيرة الرها ، وسروج . ~~ثم ملكوا جبيل ، ومدينة عكا ، وأفامية ، وسرمين من أعمال حلب ؛ وبيروت ، ~~وصيدا ، وبانياس ، وحصن الأثارب . PageV03P028 # | الآمر بأحكام الله أبو علي المنصور بن المستعلى بالله أبي القاسم أحمد ~~بن المستنصر بالله أبي تميم معد # PageV03P029 فارغة PageV03P030 ولد ضحى يوم الثلاثاء الثالث عشر من ~~المحرم سنة تسعين وأربعمائة ، وبويع له بالخلافة في اليوم الذي مات فيه ~~أبوه وهو طفل له من العمر خمس سنين وشهر أيام ، في يوم الثلاثاء سابع عشر ~~صفر سنة خمس وتسعين . أحضره الأفضل وبايع له ، ونصبه مكان أبيه ، ونعته ~~بالآمر بأحكام الله . وكتب ابن الصيرفي سجلا عظيما ، أبدع فيه ما شاء ، ~~بانتقال الإمام المستعلى إلى رحمة الله وولاية ابنه الآمر ، وقرئ على رءوس ms418 ~~الكافة من الأمراء والأجناد وغيرهم . # وأنشد ابن مؤمن الشاعر قصيدة طنانة يمدح الآمر . وركب الأفضل فرسا وجعل ~~في السرج شيئا أركب الآمر عليه لينموا شخص الآمر وصار ظهره في حجر الأفضل . ~~PageV03P031 # | سنة ست وتسعين وأربعمائة # فيها ندب الأفضل مملوك أبيه سعد الدولة ويعرف بالطواشي على عسكر لقتال ~~الفرنج ، فلقيهم بغدوين على تبنا ، فكسرت عساكر الأفضل وتقنطر سعد الدولة ~~فمات ، وأخذ الفرنج خيمه فانهزم أصحابه . وبلغ الأفضل ذلك فجرد في أول شهر ~~رمضان عسكرا قدم عليه ابنه شف المعالي سماء الملك حسينا ، وسير الأسطول في ~~البحر ، فاجتمعت العساكر بيازور ، من بلاد الرملة ؛ وخرج إليهم الفرنج ، ~~فكانت بينهما حروب هزمهم الله فيها بعد مقتلة عظيمة . ونزل شرف المعالي على ~~قصر كان قد بناه الفرنج قريبا من الرملة وسبعمائة قومص من وجوه الفرنج ، ~~فقاتلوه خمسة عشر يوما ، فملكهم وضرب رقاب أربعمائة وبعث إلى القاهرة ~~ثلثمائة . # وكان أصحاب شرف المعالي قد رأى بعضهم أن يمضوا إلى يافا ويملكوها ، ورأى ~~بعضهم أن يسيروا إلى القدس . فبينا هم في ذلك وصل مركب من الفرنج لزيارة ~~قمامة ، فندبهم بغدوين للغزو معه ؛ فساروا إلى عسقلان وقد نزلها شرف ~~المعالي وامتنع بها ، وكانت حصينة ؛ فتركها الفرنج ومضوا إلى يافا . وعاد ~~شرف المعالي إلى القاهرة بعد ما كتب إلى شمس الملوك دقاق ، صاحب دمشق ، ~~يستنجده لقتال الفرنج ، فتقاعد عن المسير واعتذر . PageV03P032 فجرد الأفضل ~~أربعة آلاف فارس وعليهم تاج العجم بمن معه عسقلان ، ونزل ابن قادوس على ~~يافا ؛ وبعث يستدعي تاج العجم ليتفقا على الحرب ، فلم يجبه ، وتنافرا . ~~فلما بلغ ذلك الأفضل بعث يقبض على تاج العجم وولى تاج الملك رضوان تقدمة ~~العسكر وسيره إلى عسقلان ، فأقام عليها إلى آخر سنة سبع وتسعين حتى قدم شرف ~~المعالي بعساكر مصر . # وفيها مات تنكري ملك الفرنج بالساحل ، فقام بعده سرجار ابن أخيه . ~~PageV03P033 # | سنة سبع وتسعين وأربعمائة # فيها نازل بغدوين ملك الفرنج وصاحب القدس ، ثغر عكا وحاصر أهله وألح ~~عليهم حتى ملكه . وكان فيه من قبل الأفضل يومئذ زهر الدولة بنا الجيوشي ، ~~ففر إلى ms419 دمشق ؛ وصار إلى ظهير الدين أتابك ، فأكرمه وأحسن إليه ، ثم جهزه ~~إلى الأفضل فأنكر عليه وهدده على تضييع الثغر . ولم تعد بعدها عكا إلى ~~المسلمين . PageV03P034 # | سنة ثمان وتسعين وأربعمائة # فيها جمع الأفضل جموعا كثيرة من العربان وأنفق فيهم أموالا عظيمة ، ~~وجهزهم صحبة العساكر مع ابنه شرف المعالي ؛ وكتب لظهير الدين أتابك ، صاحب ~~دمشق ، بمعاونته ومعاضدته على محاربة الفرنج ؛ فاعتذر عن حضوره بما هو ~~مشغول به من مضايقة بصرى ، فإن أرتاش بن تاج الدولة صاحب بصرى كاتب الفرنج ~~وأغراهم بقتال المسلمين وأطمعهم في البلاد . فسار أتابك من دمشق وحاصر بصرى ~~؛ وجهز عسكرا إلى شرف المعالي تقوية له على الفرنج ، وقدم عليه إصبهبذ صبا ~~وجهارتكين ، وعدته ألف وثلثمائة فارس من الأتراك ، وعدة عسكر مصر خمسة آلاف ~~فارس . # وأتاهم بغدوين في ألف وثلثمائة فارس وثمانية آلاف راجل . فاجتمعت عساكر ~~المسلمين بظاهر عسقلان ، ودارت بينهم وبين الفرنج حروب كان ابتداؤها في ~~الرابع عشر من ذي الحجة فيما بين عسقلان ويافا ؛ فانكسرت عساكر المسلمين ~~واستشهد فوق الألف من المسلمين منهم جمال الملك صنيع الإسلام والي عسقلان ، ~~وأخذ الفرنج رايته ؛ وأسر الفرنج زهر الدولة بنا الجيوشي . وقتل ألف ~~ومائتان من الفرنج ، ورجعوا وقد كانت الكرة لهم على المسلمين . وعاد عسكر ~~دمشق إلى أتابك وهو على بصرى . # وفيها مات كنز الدولة محمد في ثامن شعبان ، وقام من بعده أخوه فخر العرب ~~هبة الله . PageV03P035 # | سنة تسع وتسعين وأربعمائة # في سادس عشر رجب قتل خلف بن ملاعب صاحب فامية ، قتله طائفة من الباطنية ~~وملك الفرنج عكا عنوة في سلخ شعبان من زهور الدولة بنا الجيوشي فسار إلى ~~دمشق ثم قدم مصر . PageV03P036 # | سنة خمسمائة # أهلت والخليفة بمصر الآمر بأحكام الله ، ومدبر سلطنة مصر الأفضل شاهنشاه ~~بن أمير الجيوش بدر الجمالي ، وليس للآمر معه حل ولا ربط وليس له من الأمر ~~سوى اسم الخلافة ، والذي في مملكته ديار مصر وغزة وعسقلان وصور وطرابلس لا ~~غير . وفيها بنى الأفضل دار الملك بشاطىء النيل من لدن مصر . # وفيها سار متولى صور فأوقع بالفرنج ms420 على تبنين ، فقتل واسر جماعة ، وعاد ~~إلى صور ؛ فسار بغدوين إليه من طبرية ؛ فركب طغتكين من دمشق ، وأخذ الفرنج ~~حصنا بالقرب من طبرية وأسر من كان فيه منهم . # وفيها ملك قلج بن أرسلان بن سليمان بن قطلمش بن أرسلان بيغو بن سلجوق ، ~~صاحب قونية ، الموصل في شهر رجب ، فقتل في ذي القعدة منها ، وقام بعده ~~بقونية وأقصرا ابنه مسعود . PageV03P037 # | سنة إحدى وخمسمائة # فيها نزل بغدوين على ثغر صور وعمر حصنا مقابل حصن صور على تل المعشوقة . ~~وكان على ولاية صور من قبل الأفضل سعد الملك كمشتكين ، أحد المماليك ~~الأفضلية ، فصانع بغدوين على سبعة آلاف دينار وخرج من صور . # وفيها أحضر إلى القاهرة أهل فخر الدولة أبي علي عمار بن محمد بن عمار من ~~طرابلس وكثير من أمواله وذخائره . وذلك أن فخر الدولة حاصره الفرنج وأطالوا ~~منازلته حتى ضاق ذرعه وعجز عن مقاومتهم ، فخرج من طرابلس في سنة خمسمائة ~~ومعه هدايا جليلة ؛ فلقى ظهير الدين طغتكين أتابك بدمشق ، فأكرمه ووافقه ~~على السير معه إلى بغداد ليستنجد بالسلطان غياث الدين محمد بن ملكشاه ؛ ~~فسارا . ثم إن أتابك تركه وعاد إلى دمشق ، فثار في هذه المدة أبو المناقب ~~ابن عمار على ابن عمه فخر الدولة ، ونادى بشعار الأفضل ، وأرسل يطلب منه من ~~يتسلم منه طرابلس . فبعث إليه الأفضل بالأمير مشير الدولة ابن أبي الطيب ، ~~فدخل إلى طرابلس ونقل منها حريم فخر الدولة وأمواله ؛ ففت ذلك في عضد فخر ~~الدولة . # وفيها اتصل أبو عبد الله محمد بن الأمير نور الدين أبي شجاع فاتك بن ~~الأمير مجد الدولة أبي الحسن مختار بن الأمير أمين الدولة أبي علي حسن بن ~~تمام المستنصري الأحول الإمامي الشيعي المعروف بالمأمون ابن البطائحي ، ~~بخدمة الأفضل أبي القاسم شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر المستنصري . وسبب ذلك ~~تغير الأفضل على تاج المعالي مختار الذي كان اصطنعه وفخم أمره وسلم إليه ~~خزائن أمواله وكسواته ، فسلم لأخويه ما يتولاه واستعان بهما فيه ، ~~PageV03P038 فحصل لهم من الإدلال على الأفضل ما حملهم على مد أيديهم إلى ms421 ~~أمواله وذخائره ، وشاع أمرهم وكتب إلى الأفضل بسببهم ، فتغير عليهم ، وأخرج ~~مختارا إلى الولاية الغربية وخلع عليه . فلما انحدروا إليها سير صاحب بابه ~~سيف الملك خطلخ ، ويعرف بالبغل ، وكان من غلمان أبيه ، فقبض عليه وعلى ~~إخوته من العشارى ، وكبل بالحديد ورمى بالاعتقال ؛ وأشيع أن مختارا كاتب ~~الفرنج ؛ وجعل هذا هو العذر في القبض عليه ، وأنه كان أراد قتل الأفضل . # فلما جرى لمختار وإخوته ما جرى ألزم الأفضل أبا عبد الله بن فاتك يتسلم ~~ما كان بيد مختار من الخدمة ، فتصرف فيها . وقرر له الأفضل ما كان باسم ~~مختار من العين خاصة دون الإقطاع ، وهو مائة دينار في كل شهر وثلاثون ~~دينارا عن جارى الخزائن ، مضافا إلى الأصناف الراتبة مياومة ومشاهرة ~~ومسانهة ، وحسن عند الأفضل موقع خدمته ، فسلم له جميع أموره ، وصرفه في كل ~~أحواله . ولما كثر الشغل عليه استعان بأخويه ، أبي تراب حيدرة وأبي الفضل ~~جعفر ؛ فأطلق لهما الأفضل ما وسع به عليهما ؛ ونعت الأفضل أبا محمد ابن ~~فاتك بالقائد . # فيها فتح ديوان سمي بديوان التحقيق ، تولاه أبو البركات يوحنا بن أبي ~~الليث النصراني . وكان يتولى ديوان المجلس رجل يعرف بابن الأسقف ، وكان قد ~~كبر وضعف فتحدث ابن أبي الليث مع القائد أبي عبد الله في الدواوين والأموال ~~والمصالح ، وفاوض في ذلك الأفضل . واتفق موت ابن الأسقف ، فتسلم ابن أبي ~~الليث الدواوين واستمر فيها حتى قتل في سنة ثمان عشرة وخمسمائة . ~~PageV03P039 وفيها تحدث ابن أبي الليث في نقل السنة الشمسية إلى العربية ، ~~وكان قد حصل بينهما تفاوت أربع سنين ، فأجاب الأفضل إليه ، وخرج أمره إلى ~~الشيخ أبي القاسم ابن الصيرفي بإنشاء سجل به ، ثم رأى اختلال أحوال الرجال ~~العسكرية والمقطعين ، وتضررهم من حسبة ارتفاع إقطاعاتهم وسوء حالهم ، لقلة ~~المتحصل منها ، ولأن إقطاعات الأمراء قد تضاعف ارتفاعها وزادت عن غيرها ؛ ~~وصار في كل ناحية للديوان جملة تجبى بالعسف وتتردد الرسل بين الديوان ~~بسببها . فحملت الإقطاعات كلها على أملاك البلاد ، وامر ضعفاء الجند ~~بلزيادة في الاقطاعات التي للاقوياء فتزايد والى ان انتهت ms422 الزيارة فكتبت ~~السجلات بأنها باقية في أيديهم مدة ثلاثين سنة ما يقبل منهم فيها زائد . ~~وأمر الأقوياء أن يبذلوا في الإقطاعات التي كانت بيد الأجناد ما تحتمله كل ~~ناحية ، فتزايدوا فيها حتى بلغت إلى الحد الذي رغب كل منهم فيه فكتبت لهم ~~السجلات على الحكم المتقدم ؛ فشملت المصلحة الفريقين وطابت نفوسهم ، وحصل ~~للديوان بلاد مفردة بما كان مفرقا في الإقطاعات بما مبلغه خمسون ألف دينار ~~. # وفيها فرغ بناء دار الملك ؛ وكان الأفضل يسكن القاهرة فتحول إلى مصر ، ~~وسكن دار الملك على النيل واستقر بها ، فقال الشعراء فيها عدة قصائد . # وفيها بانت كراهة الأفضل لأولاده واحتجب عنهم أكثر الأوقات ، فانقطعوا ~~عنه واستقروا بالقاهرة في دار القباب التي كانت سكن أبيهم الأفضل ، وهي ~~الدار التي عرفت بدار الوزارة ؛ ولم يبق من أولاده من يتردد إليه سوى سماء ~~الملك فإنه كان يؤثره ويميل إليه . # وأفرد الأفضل للقائد أبي عبد الله بن فاتك الموضع المعروف باللؤلؤة . ~~PageV03P040 # وفيها وردت الأخبار بأن متملك النوبة قد تجهز برا وبحرا وعول على قصد ~~البلاد القبلية ؛ فسير الأفضل عسكرا إلى قوص ، وتقدم إلى والي قوص بأن يسير ~~بنفسه إلى أطراف بلاد النوبة ؛ فورد الخبر بوثوب أخير الملك عليه وقتله . ~~واشتدت الفتنة بينهم حتى باد أهل بيت المملكة وأجلس صبي في الملك ، فأرسلت ~~أمه تستجير بعفو الأفضل وتسأله ألا يسير إليهم من يغزوهم . فكتب لوالي ~~الصعيد الأعلى بأن يسير عسكرا إلى أطراف بلاد النوبة ويبعث إليهم رسولا ~~يجدد عليهم القطيعة الجاري بها العادة ، وهي كل سنة ثلثمائة وستون رأسا ~~رقيقا بعد أن يستخلص منهم ما يجب عليهم في السنين المتقدمة . فلما دخلت ~~العساكر نحوهم دخلوا تحت الطاعة ، وكتبوا المواضعات ، وسألوا في الإعفاء ~~عما يخص السنين ، وحملوا ما تيسر لهم ؛ وعادت العساكر كاسبة . # وفيها كثر خوض الناس في القرآن ، هل هو محدث أو قديم ، وتفاقم الأمر ؛ ~~فعرف الأفضل ، فأمر بإنشاء سجل بالتحذير من الخوض في ذلك ؛ وركب بنفسه إلى ~~الجامع بمصر ، وجلس في المحراب بجوار المنبر ، وصعد الخطيب أربع درجات منه ms423 ~~وقرأ السجل على الناس . # وفيها مات مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان صاحب قونية وأقصرا ، فقام بعده ~~ابنه قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان ، وقسم أعماله بين أولاده . ~~PageV03P041 # | سنة اثنتين وخمسمائة # في رمضان ورد الخبر بأن أهل مدينة طرابلس الشام نادوا بشعار الدولة عند ~~خروج فخر الملك أبي علي عمار بن محمد بن الحسين بن قندس بن عبد الله بن ~~إدريس بن أبي يوسف الطائي منها وقصده بغداد لطلب النجدة لما اشتد حصار ~~الفرنج لها ، وغلا السعر بها . وكان سماء الملك حسين بن الأفضل عند ما كان ~~بالشام في السنة التي كسر الفرنج فيها قد سام ابن عمار تسليمها إليه ، ~~فامتنع وغلق الباب في وجهه ؛ وأقام سماء الملك عليها مدة بالعساكر إلى أن ~~نازلها الفرنج ورحلوه عنها إلى عسقلان . فلما سمع الأفضل أن أهل الثغر ~~نادوا بشعاره سير إليهم شرف الدولة ابن أبي الطيب ومقدم الأسطول ، وأمره ~~يأخذ المراكب التي على دمياط وعسقلان وصور معه إلى الثغر المذكور نصرة ~~للمسلمين . # فلما وصل إليه وجد الفرنج قد ملكوا الجوسق وأمهلوا المسلمين ، فأنفذ من ~~كان بها وحمل في المراكب من أراد الخروج منهم بأهاليهم وأموالهم ، وفيهم ~~صالح بن علاق الطائر بعد هروبه من الأفضل ، وحمل من دار ابن عمار ذخائره ~~ومصاغه ، وكان بقيمة كبيرة . PageV03P042 # وحمل أخا ابن عمار المعروف بفخر الدولة وأهله إلى مصر ، فأكرمهم الأفضل ، ~~واعتقل صالح بن علاق بخزانة البنود . # وفي العشرين من شوال كانت ريح سوداء من صلاة العصر إلى المغرب . وفيها ~~جدد حفر خليج القاهرة ، فإن المراكب كانت لا تدخل فيه إلا بمشقة ، وجعل ~~حفره بأبقار البساتين التي عليه ، فيحفر بأبقار كل بستان ما يحاذيه ، فإذا ~~أنتهى أمر البساتين عمل في البلاد كذلك ؛ وأقيم له وال مفرد بجامكية ؛ ومنع ~~الناس أن يطرحوا فيه شيئا . # ولما تكاثرت الأموال عند ابن أبي الليث صاحب الديوان ، وحدث أن تبجح على ~~الأفضل بخدمته ، وكان سبعمائة ألف دينار ، خارجا عما أنفق في الرجال ، فجعل ~~في صناديق بمجلس الجلوس . فلما شاهد الأفضل المال ms424 قال : يا شيخ تفرحني ~~بالمال وتريد أمير الجيوش أن يلقى بئرا معطلة أو أرضا بائرة أو بلدا خرابا ~~، لأضربن رقبتك . فقال : وحق نعمتك لقد حاشا الله أيامك فيها بلد خراب أو ~~بئر معطلة . فتوسط القائد له بخلع ؛ فقال : لا والله حتى أكشف عما ذكر . # وفيها وصل بغدوين إلى صيدا ونصب عليها البرج الخشب ؛ فوصل الأسطول من مصر ~~للدفع عنهم ، وقاتلوا الفرنج ، فظهروا في مراكب الجنوية ، فبلغهم أن عسكر ~~دمشق خارج في نجدة صيدا ، فرحل الأسطول عائدا إلى مصر . # وفي شعبان منها نزل الفرنج على طرابلس وقاتلوا أهلها من أول شعبان إلى ~~حادي عشر ذي الحجة ، ومقدمهم ريمند بن صنجيل ؛ وأسندوا أبراجهم إلى السور ؛ ~~فضعفت نفوس PageV03P043 المسلمين لتأخر أسطول مصر عنهم ، فكان قد سار من ~~مصر إليها بالميرة والنجدة فردته الريح لأمر قدره الله . فشد الفرنج في ~~قتالهم وهجموا من الأبراج ، فملكوها بالسيف في يوم الاثنين الحادي والعشرين ~~من ذي الحجة ، ونهبوا ما فيها ، وأسروا رجالها ، وسبوا نساءها وأطفالها ؛ ~~فحازوا من الأمتعة والذخائر ودفاتر دار العلم وما كان في خزائن أربابها ما ~~لا يحد عدده ولا يحصى فيذكر . وسلم الوالي لها في جماعة من جندها كانوا قد ~~طلبوا الأمان قبل ذلك ؛ وعوقب أهلها واستصفيت أموالهم واستقهرت ذخائرهم ، ~~ونزل بهم أشد العذاب . وتقرر بين الفرنج والجنويين الثلث من البلد وما نهب ~~منه للجنويين والثلثان لريمند ابن صنجيل ؛ وأفردوا للملك بغدوين ما رضى به ~~. # ثم وصل أسطول مصر ولم يكن خرج فيما تقدم معه كثرة رحال ومراكب وعدد وغلال ~~لحماية طرابلس فأرسى على صور في اليوم الثامن من أخذ طرابلس وقد فات الأمر ~~فيها ، فأقام مدة ، وفرقت الغلة في جهاتها . وتمسك أهل صور وصيدا وبيروت به ~~لضعفهم عن مقاومة الفرنج ، فلم تمكنه الإقامة ، وعاد إلى مصر . PageV03P044 # | سنة ثلاث وخمسمائة # فيها سار الفرنج نحو بيروت ، وعملوا عليها برجا من الخشب ، وزحفوا ، ~~فكسره أهل بيروت . وقدم الخبر بذلك على الأفضل ، فجهز تسعة عشر مركبا حربية ~~، فوصلت سالمة إلى بيروت وقويت على مراكب الفرنج ، وغنيمت ، ودخلت ms425 إلى ~~بيروت بالميرة والنجدة ، فقوي أهلها بذلك . وبلغ بغدوين الخبر ، فاستنجد ~~بالجنوبية ، فأتاهم منهم أربعون مركبا مشحونة بالمقاتلة ؛ فزحف على بيروت ~~في البر والبحر ، ونصب عليها برجين ، وقاتل أهلها في يوم الجمعة الحادي ~~والعشرين من شوال ؛ فعظمت الحرب ، وقتل مقدم الأسطول وكثير من المسلمين ، ~~ولم ير للفرنج فيما تقدم أشد من حرب هذا اليوم . فانخذل المسلمون في البلد ~~، وهجم الفرنج من آخر النهار فملكوه بالسيف قهرا ؛ وخرج متولى بيروت في ~~أصحابه وحمل في الفرنج ، فقتل من كان معه ، وغنم الفرنج ما معهم من المال ~~ونهبوا البلد ، وسبوا من فيه وأسروا ، واستصفوا الأموال والذخائر . فوصل ~~عقب ذلك من مصر نجدة فيها ثلثمائة فارس إلى الأردن تريد بيروت ، فخرج عليها ~~طائفة من الفرنج ، فانهزموا إلى الجبال ، فهلك منهم جماعة . # وفيها سار الأسطول من مصر إلى صور ليقيم بها ، فاتفق وصول ابن كند ملك ~~الفرنج في عدة مراكب لزيارة القدس والجهاد في المسلمين ؛ فزار القدس ، وسار ~~هو وبغدوين إلى صيدا ، فنازلاها بجمعهما وعملا عليها برجا من خشب ، وزحفا ~~عليها ؛ فلم يتمكن الأسطول من الوصول إليها . PageV03P045 # | سنة أربع وخمسمائة # في ثالث ربيع الآخر اشتد الحصار على أهل صيدا ويئسوا من النجدة ، فبعثوا ~~قاضي البلد في عدة من شيوخها إلى بغدوين يطلبون الأمان ، فأجابهم وأمنهم ~~على أنفسهم وأموالهم ، وإطلاق من أراد الخروج منها إلى دمشق ، وحلف على ذلك ~~. فخرج الوالي والزمام وجميع الأجناد والعسكرية وخلق كثير من الناس ، ~~وتوجهوا إلى دمشق ، لعشر بقين من جمادى الآخرة . وكانت مدة الحصار سبعة ~~وأربعين يوما . وفيها خرج جماعة من التجار والمسافرين من تنيس ودمياط ومصر ~~وأقلعوا في البحر ، فأخذهم الفرنج وغنموا منهم ما يزيد على مائة ألف دينار ~~، وعاقبوهم حتى افتدوا أنفسهم بما بقي لهم من الذخائر في دمشق وغيرها . # وفيها أغار بغدوين بعد عوده من صيدا على عسقلان ، فراسله أميرها شمس ~~الخلافة أسد حتى استقر الحال على مال يحمله إليه ويرحل عنه . وقرر على أهل ~~صور سبعة آلاف دينار تحمل إليه في مدة سنة وثلاثة أشهر . فقدم ms426 الخبر بذلك ~~في شوال على الأفضل ، فأنكر ذلك وكتمه عن كل أحد ، وجهز عسكرا كثيفا إلى ~~عسقلان ، وقدم إليه عز الملك الأعز ليكون مكان شمس الخلافة ، وندب معه مؤيد ~~الملك رزيق ، وأظهر أن هذا العسكر سار بدلا . فسار إلى قريب عسقلان ، وبلغ ~~ذلك شمس الخلافة فأظهر الخلاف على الأفضل وكتب إلى بغدوين يطلب منه أن يمده ~~بالرجال ويعده بتسليم عسقلان وأن يعوضه عنها . فبلغ ذلك الأفضل . فكتب إليه ~~يطيب قلبه ويغالطه ، وأقطعه عسقلان ، وأقر عليه إقطاعه PageV03P046 بمصر ، ~~وأزال الإعتراض عما له بمصر من خيل وتجارة وأثاث . فخاف شمس الخلافة على ~~نفسه ولم يطمئن إلى أهل البلد ، واستدعى جماعة من الأرمن وأقرهم عنده . # وفي يوم الأحد العشرين من شوال حدثت ريح حمراء بالقاهرة . # وفيها أمر أمير المؤمنين الآمر بأحكام الله أن يبعث جليسه أبو الفتح عبد ~~الجبار ابن إسماعيل ، المعروف بابن عبد القوي لعماد الدولة زيادة على إخوته ~~. # وفيها هبت بمصر وأعمالها في هذه الأيام ريح سوداء مظلمة ، وطلع سحاب أسود ~~أظلمت منه الدنيا حتى لم يبصر أحد يده ، وسفت رمادا حتى ظن الناس أنها ~~القيامة ، ويئسوا من الحياة وأيقنوا بالبوار لهول ما عاينوه ؛ ولم يزل ذلك ~~من وقت العصر إلى غروب الشمس . ثم انجلى ذلك السواد وعاد إلى الصفرة والريح ~~بحالها ؛ ثم انجلت الصفرة ، وظهرت الكواكب وقد خرج الناس من الأسواق والدور ~~إلى الصحراء . ثم ركدت الريح وأقلع السحاب ، فعاد الناس إلى منازلهم . ~~PageV03P047 # | سنة خمس وخمسمائة # في يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الآخر نزل بغدوين على صور وبها عز الملك ~~أنوشتكين الأفضلي وبنى عليها أبرجة خشب ، طول البرج سبعون ذراعا ، يسع كل ~~برج ألف رجل ، وهو موضوع على شيء يسمى اسقلوس وهو فخذان ملقيان على الأرض ، ~~وفي كل برج من أسفله عشرون فرنجيا يصيح أحدهم بالفرنجية : صند ماريا ، ~~فيصيح الباقون كذلك ، ويدفعونه بأجمعهم ، فيسبح على ألواح عظيمة تجعل بين ~~يديه ؛ وكانت ستائر كل برج ومناجيقه كأنها بلد يزحف . # فخرج من أهل صور ألف رجل وحملوا على البرج وطرحوا فيه النار ms427 ، فعلقت ~~بالخشب ، فلم يتمكن الفرنج من إطفائه وهربوا منه ، واحترق ؛ فتناول ~~المسلمون بالكلاليب ما قدروا عليه من سلاحهم ، فوصل إليهم ثلاثمائة درع . ~~وكان هذا البرج كبشا من حديد وزنة رأسه مائة وخمسون رطلا ؛ فظفر به ~~المسلمون . وكانت الريح على المسلمين ثم صارت معهم ، وملأوا جرارا بالعذرة ~~ورموها على الفرنج ، فصاحوا وذلوا ورحلوا ، فعاثوا ؛ ثم عادوا وقد قطعوا ~~النخل أنابيب ورموا بها في الخندق . PageV03P048 # وسار طغتكين من دمشق لإعانة أهل صور ، فنزل على يوم منهم لجولة بانياس ، ~~وأنفذ إليهم مائتي غلام تركي عليهم جليل من الأتراك ؛ فقاتل الفرنج وقتل ~~منهم ألفا وخمسمائة ، وأكثر النكاية فيهم . وأغار طغتكين على بلاد الفرنج ، ~~فأخذ لهم موضعا ، فرجعوا عن صور بغير شيء . وخرج أهل صور إلى أصحاب طغتكين ~~، فخلعوا عليهم وأعادوهم إليه في أحسن زي ، وأخذ أهل صور في رم ما شعثه ~~الفرنج في البلد . # وفيها حدث بمصر وباء مفرط ، هلك به تقدير ستين ألف نفس . PageV03P049 # | سنة ست وخمسمائة # فيها حفر البحر المعروف ببحر أبي المنجا ، فابتدئ في حفره في يوم ~~الثلاثاء السادس من شعبان ، وأقام الحفر فيه سنتين . وكان أبو المنجا ~~يهوديا وكان يشارف على الأعمال الشرقية ؛ فلما عرض على الأفضل ما أنفقه فيه ~~استعظمه وقال : غرمنا هذا المال جميعه والاسم لأبي المنجا . فغير اسمه ودعي ~~بالبحر الأفضلي ، فلم يتم ذلك ولا عرف إلا بأبي المنجا . وفيها أعلن شمس ~~الخلافة أسد ، والي عسقلان ، بالخلاف ، فعهد إلى صاحب الترتيب والقاضي ~~فأخرجهما على أنه يرسلهما إلى الباب في خدمة عرضت له ؛ وإلى العسكر الذي ~~كان يخاف شوكته ؛ فأوهمهم أنه يسيرهم إلى بلاد العدو . فلما حصلوا خارج ~~الثغر أمرهم بالمسير إلى باب سلطانهم ؛ وكان قد سير قبل ذلك العسكر من ~~الباب على جهة البدل . فلما علم أسد المذكور بوصولهم إلى مدينة الفرما أنفذ ~~إليهم يخيفهم ويشعرهم أن العدو قد تعداهم ، فامتنعوا من التوجه إلى عسقلان ~~. # فلما بلغ الأفضل ذلك عزم على أن يسير بنفسه إليه . ثم رأى أن إعمال ~~الحيلة أنجع ؛ فخادعه وأنفذ الكتب إليه يطمئنه ويصوب ms428 رأيه فيما فعله في ~~صاحب الترتيب والبدل ، ولم يغير مكاتبته عن حالها ، ولا تعرض لإقطاعاته ~~ورسومه وأصحابه ؛ وسير في الباطن من يستفسد الكنانية والرجال المذكورة ~~ويبذل لهم الأموال في أخذه . ولم يزل يدبر عليه حتى اقتنصت المنية مهجته ؛ ~~وذلك أن أهل بيروت أنكروا أمره ، فوثب عليه طائفة وهو راكب ، فجرحوه ، ~~وانهزم إلى داره فتبعوه وأجهزوا عليه ، ونهبوا داره وماله ، وتخطفوا ~~PageV03P050 بعض دور الشهود والعامة . فبادر صاحب السيارة إلى البلد وملكه ~~، وبعث برأس شمس الخلافة إلى الأفضل ، فسر بذلك وأحسن إلى القادمين به . # وكان قدوم الرأس في يوم الأربعاء رابع المحرم ، صحبة ثلاثة من الكنانية ، ~~فخلع عليهم ؛ وطيف بالرأس ، وزينت البلد سبعة أيام . # وفيه خلع على ولده مختار ولقب شمس الخلافة ، وأنعم عليه بجميع مال أبيه . ~~وسير بدله مؤيد الملك خطلخ ، المعروف برزيق ، واليا على الثغر . # وفيها وصل يانس الناسخ من الشام ، فاستخدم في خزانة الكتب الأفضلية بعشرة ~~دنانير في الشهر وثلاث رزم كسوة في السنة ، والهبات والرسوم . # وفيها كتب إلى عسقلان بمطالبة من نهب دار شمس الخلافة وماله بما أخذه ، ~~فقبض على جماعة وحملوا إلى مصر فاعتقلوا بها . # وفيها تسلم نواب طغتكين صور من عز الملك أنوشتكين الأفضلي خوفا من بغدوين ~~أن يأخذها ، وقام بأمرها مسعود ؛ فاستقرت بيد الأتراك وأقروا بها الدعوة ~~المصرية والسكة على حالها . وكتب طغتكين إلى الأفضل بأن بغدوين قد جمع ~~لينزل على صور ، وأن أهلها استنجدوني ، فبادرت لحمايتها ، ومتى وصل من مصر ~~أحد سلمتها إليه . فكتب يشكره على ما فعل . وتقدم بتجهيز الأسطول إلى صور ~~بالغلة معونة لها . PageV03P051 # | سنة سبع وخمسمائة # في أولها خرج الأسطول من مصر بالغلات والرجال إلى صور ، وعليه شرف الدولة ~~بدر بن أبي طالب الدمشقي وكان متولى طرابلس عند أخذ الفرنج لها ، فوصل إلى ~~صور سالما ؛ ورخصت بها الأسعار ، واستقام أمرها . وأنفذ معه بخلع جليلة إلى ~~ظهير الدين طغتكين وولده تاج الملوك وخواصه ، ولمسعود متولى صور . ثم أقلع ~~في آخر شهر ربيع الأول . فبعث بغدوين يطلب المهادنة من مسعود ، فأجابه ، ~~وانعقد الأمر ms429 بينهما . PageV03P052 # | سنة تسع وخمسمائة # في ذي القعدة قفز على الأفضل عند باب الزهومة من دكان صيرفي يعرف بالغار ~~وسلم ، فأخرجت الصدقات بسبب سلامته وقتل الصيرفي وصلب على دكانه . # وورد الخبر بأن بغدوين ملك الفرنج وصل إلى الفرما ، فسير الراجل من ~~العطوفية ، وسير إلى والي الشرقية بأن يسير المركزية والمقطعين إليها ، ~~ويتقدم إلى العربان بأسرهم أن يكونوا في الطوالع ويطاردوا الفرنج ويشارفوهم ~~بالليل قبل وصول العساكر ، وأن يسير بنفسه ؛ فاعتد ذلك ؛ ثم أمر بإخراج ~~الخيام وتجهيز الأصحاب والحواشي . فوصلت العربان والعساكر فطاردوا الفرنج ؛ ~~فخاف بغدوين من يلاحق العساكر ، فنهب الفرما وأخربها وألقى فيها النيران ، ~~وهدم المساجد ، وعزم على الرجوع ، فأدركته المنية ومات . فأخفى أصحابه موته ~~، وساروا وقد شقوا بطنه وحشوه ملحا ، وشنت العساكر الإسلامية الغارات على ~~بلاد العدو ، وخيموا على ظاهر عسقلان ثم عادوا . وكانت الكتب قد نفذت من ~~الأفضل إلى الأمير ظهير الدين طغتكين ، صاحب دمشق ، بعتبه ويقول له : لا في ~~حق الإسلام ولا في حق الدولة التي ترغب في خدمتها والانحياز PageV03P053 ~~إليها أن يتوجه الفرنج بجملتها إلى الديار المصرية ولا يتبين لك فيها أثر ~~ولا تتبعهم ، ولو كان وراءهم مثل ما كان أمامهم ما عاد منهم أحد . فلما وصل ~~إليه الكتاب سار بعسكره إلى عسقلان ، فتلقاه المقدمون ، ونزل أعظم منزل ، ~~وحملت إليه الضيافات . وحمل إليه من مصر الخيام وعدة وافرة من الخيل ~~والكسوات والبنود والأعلام ، وسيف ذهب ، ومنطقة ذهب ، وطوق ذهب ، وبدنة ~~طميم ، وخيمة كبيرة معلمة ، ومرتبة ملوكية ، وفرشها وجميع آلاتها وسائر ما ~~تحتاج إليه من آلات الفضة . وجهز لشمس الخواص ، وهو مقدم كبير كان معه على ~~عدة كثيرة من العسكر ، خلعه مذهبة ومنطقة ذهب وسيف ذهب ؛ وجهز برسم ~~المتميزين من الواصلين خلع مذهبة وحريرية ، وسيوف مغموسة بالذهب . فتواصلت ~~الغارات على بلاد العدو ، وقتل منهم وأسر عدد كبير . # فلما دخل الشتاء وتفرق العسكر والعربان ، استأذن ظهير الدين على الإنصراف ~~، فأذن له ، وسيرت إليه وإلى من معه الخلع ثانيا ؛ فحصل لشمس الخواص خاصة ~~في هذه السفرة ما مقداره عشرة آلاف ms430 دينار ؛ وتسلم الأمير ظهير الدين الخيمة ~~الكبيرة بفرشها وجميع آلاتها ؛ وكان مقدار ما حصل له ولأصحابه ثلاثين ألف ~~دينار . وذكر أن المنفق في هذه الحركة على ركاب بغدوين مائة ألف دينار . # ورعشت يد الأفضل ، وصعب عليه إمساك القلم والعلامة على الكتب ، فأقر أخاه ~~أبا محمد جعفر المظفر في العلامة ، وجعل له خمسمائة دينار في الشهر مضافا ~~إلى رسمه ، فعلم عنه . # واستهل شهر رمضان ، فجرى الأمر في نيابة الأجل سماء الملك ، ولد الأفضل ، ~~عنه في جلوسه بمحل الشباك ، وقرر له على هذه النيابة في هذا الشهر خمسمائة ~~دينار ، وبذلة مذهبة ، ورزمة كسوة فيها شقق حرير وغيرها . ولم يزل هذا ~~الرسم مستقرا إلى أن أخذه PageV03P054 عباس بن تميم في سنة ثلاث وأربعين ~~وخمسمائة عند توليته حجبة بابه . والبذلة وحدها تساوي خمسمائة دينار . # وفيها استخدم ذخيرة الملك جعفر في ولاية القاهرة والحسبة ، فظلم وعسف ، ~~وبنى مسجدا عرف بمسجد لا بالله . PageV03P055 # | سنة عشر وخمسمائة # # | سنة إحدى عشرة وخمسمائة # في ذي الحجة خرج أمر الآمر بأحكام الله بنفي بني عبد القوى ، فنفوا إلى ~~الأندلس بأهاليهم . # وفيها وصل بغدوين إلى الفرما وأحرق جامعها وأبواب المدينة ومساجدها ، ~~وقتل بها رجلا مقعدا وابنة له ذبحها على صدره ، ورحل وهو مثخن مرضا ، فمات ~~قبل العريش ، فشق بطنه ورمى ما فيه هناك ، فهو يرجم إلى اليوم ، ويعرف ~~مكانه بسبخة بردويل ؛ ودفنت رمته بقمامة من القدس . # وقام من بعده بملك القدس القمص صاحب الرها بعهده إليه . # ونزل الفرنج حوران ، وملكوا من أعمال حلب بزاعة وخرتبرت ؛ وملكوا مدينة ~~صور . # وفيها خرج محمد بن تومرت من مصر في زي الفقهاء ومضى إلى بجاية ~~PageV03P056 # | سنة اثنتي عشرة وخمسمائة # فيها مات الأمير نور الدولة أبو شجاع فاتك ، والد القائد أبي عبد الله بن ~~فاتك ، فأخرج له الأفضل من ثيابه بذلة حريرية وقارورة كافور وشققا مزيدي ~~دبيقي ونصافي ، وطيبا وبخورا وشمعا ، وحمل له من القصر أضعاف ذلك . وخرج ~~الأفضل والأمراء ، وجميع حاشية القصر ، إلى الإيوان ، فخرج الخليفة وصلى ~~عليه ؛ ثم أخرج فدفن . وتردد الناس إلى التربة ms431 . وفرقت الصدقات إلى تمام ~~الشهر . # وكان بيد نور الدين زمر الضاحكية والفراشين وصبيان الركاب والسلاح الخاص ~~بجار ثقيل ورسوم كثيرة . وهؤلاء الضاحكية كانوا يعرفون بهذه الرسوم قديما ~~عند وصولهم مع المعز إلى مصر ، وهم يلبسون المناديل ويرخون العذب ويلبسون ~~الثياب بالأكمام الواسعة ، وفي أرجلهم الصاجات ؛ وفي الأعياد يشدون أوساطهم ~~بالعراضى الدبيقي ، ولا يتقدمهم أحد إلى الخليفة على ما جرت به عادتهم في ~~المغرب . # وفيها قفز على الأفضل ثانيا ، وخرج عليه ثلاثة نفر بالسكاكين ، فقتلوا ، ~~وعاد سالما ؛ فاتهم أولاده ، وصرح بالقول فيهم ، وأخذ دوابهم ، وأبعد ~~حواشيهم ، ومنعهم من التصرف ؛ وبالغ في الاحتراز والتحفظ . PageV03P057 ~~وفيها وردت التجار من عيذاب ذاكرين أنه خرج عليهم في مراكب شنها قاسم بن ~~أبي هاشم ، صاحب مكة ، فقطعت عليهم الطريق وأخذ جميع ما كان معهم . فغضب ~~الأفضل وقال : صاحب مكة يأخذ تجارا من بلادي ، أنا أسير إليه بنفسي بأسطول ~~أوله عيذاب وآخره جدة . ثم تقرر الحال على مكاتبة الأشراف بمكة وإعلامهم ما ~~فعله أمير مكة ، وأقسم فيه أنه لا يصل إلى مكة من أعمال الدولة تاجر ولا ~~حاج إلى أن يقوم بجميع ما أخذه من أموال التجار . وكتب إلى والي قوص بأن ~~يسير بنفسه أو من يقوم مقامه ، إلى عيذاب ، ومهما وصل من جدة من الجلاب لا ~~يمكن أحدا من الركوب فيها ، وأن يتشوف ما يدخل عيذاب من الشواني والحراريق ~~، فمهما كان يحتاج إلى إصلاح ومرمة ينجز الأمر فيه ؛ ويشعر أهل البلاد ~~بوصول الرجال والأموال لغزو البلاد الحجازية . وتقدم إلى المستخدمين بصناعة ~~مصر بتقديم خمسة حراريق وتكميلها ليسيروا إلى الحجاز . # فلما وردت المكاتبة على الأشراف بمكة ولم يصل إليها أحد اشتد الأمر عندهم ~~وتحرك السعر ، فبعثوا رسولا من أميرهم ، فلما وصل ساحل مصر لم يؤبه له ولا ~~أجرى عليه ضيافة ، وقيل له : ما يقرأ لك الكتاب ، ولا يسمع منك خطاب دون ~~إعادة المأخوذ من التجار إليهم . وشاهد مع ذلك الجد والاهتمام بأمر ~~الأساطيل وتجهيز العساكر إلى صاحبه ، فالتزم بإحضار جميع أموال التجار ، ~~وسأل التوقف قبل الإسراع بما ms432 عول عليه من قصد صاحبه ؛ وأجل لعوده أجلا ~~قريبا . فأجيب إلى ذلك ، وسار . فلم ينقض الأجل حتى عاد وصحبته جميع ~~PageV03P058 ما أخذ من التجار من البضائع والأموال ؛ فحملت إلى الجامع ~~العتيق بمصر بمحضر من الرعايا ، وهم يعلنون بالشكر والدعاء . واحتاط متولى ~~الحكم عليه إلى أن تحضر جماعة التجار ويجري الأمر على ما توجبه الشريعة . ~~وخلع على الرسول وأحسن إليه ووصل . # ومرض الأفضل بحمى حادة ثم عوفي ، فدفع للطبيب ثلثمائة دينار PageV03P059 # | سنة خمس عشرة وخمسمائة # فيها قتل الأفضل بن أمير الجيوش يوم الأحد سلخ شهر رمضان وعمره سبع ~~وخمسون سنة ، لأن مولده بعكا سنة ثمان وخمسين وأربعمائة . وكان سبب ذلك أنه ~~لما كان ليلة عيد الفطر جهز ما جرت العادة بتجهيزه من الدواب والآلات لركوب ~~الخليفة ، وجلس بين يديه إلى أن عرضت الطبول على العادة كل سنة والدواب ~~والسلاح ؛ ثم عاد وأدى ما يجب من سلام الخليفة فتقدم إلى القائد أبي عبد ~~الله بن فاتك بأن يأمر صاحب السير أن يصف العساكر إلى صوب باب الخوخة . ~~وركب الأفضل من مكانه والناس على طبقاتهم ، وخرج من باب الخوخة قاصدا دار ~~الذهب ، فلما حصل بها وقع التعجب من الناس في نزوله ليلة الموسم ، ولم يعلم ~~أحد ما قصد ؛ وكان قصده أن يكمل تعليق المجلس الذي يجلس فيه . فصلى بدار ~~الذهب الظهر ، فلما قرب العصر ركب منها وقد انصرف أكثر المستخدمين ظنا منهم ~~أنه يبيت فيها . فسار إلى الزهري فإذا الأمراء والأجناد والمستخدمون ~~والرهجية قد اتجهوا لخدمته ، وكان قد ضجر وتغير خلقه ولا سيما في الصيام . ~~فلما رأى اجتماع الناس وكثرتهم أبعدهم ، فتقدموا ووقفوا عند باب الساحل ، ~~فأنفذ أيضا يخرج من أبعدهم ، وبقى في عدة يسيرة ، وأبعد صبيان السلاح من ~~ورائه ؛ فوثب عليه من دكان دقاق بالملاحين أربعة نفر متتابعين كلما اشتغل ~~من حوله واحد خرج PageV03P060 غيره ؛ فرمى من الفرس إلى الأرض ، وضربوه ~~ثمان ضربات . وكان القائد بعيدا منه لأخذ رقاع الناس وسماع تظلمهم وتفريق ~~الصدقات على الفقراء بالطريق ؛ فلما سمع الضوضاء أسرع إليه ms433 ورمى نفسه إلى ~~الأرض عليه ، فوجده قد قضى نحبه . وحمل على أيدي مقدمي ركابه والقائد راجل ~~، وهم يبشرون الناس بالسلامة . وقتل من الذين خرجوا عليه ثلاثة وقطعوا ~~وأحرقوا ، وسلم الرابع ، وكان اسمه سالما ، ولم يعلم به إلا لما ظفر به مع ~~غيره بعد مدة . ولم يزل الأفضل محمولا ولا يمكن أحد من الوصول إليه إلى أن ~~دخل به على مرتبته التي كان يجلس عليها أو يمطى . وقال القائد للخليفة ~~أدركني وتسلم ملكك لئلا أغلب عليه . وصار أي من لقيه يهنئه بسلامة السلطان ~~ويوهم أهله أن الطبيب عنده ، ويأمرهم بتهيئة الفراريج والفواكه . وعاد إلى ~~قاعة الجلوس فوجدها قد غصت بالناس ، فرد عليهم السلام وهنأهم ، وأظهر قوة ~~عزم ؛ ثم عاد إلى القاعة الكبيرة وقد حضر إليه متولى المائدة الأفضلية ~~واستأذنه على السماط المختص بالعيد فقال له اذبح ووسع ، فالسلطان بكل نعمة ~~وهو الذي يجلس على السماط في غد ؛ ومع ذلك فكان في قلق وخوف شديد من أن ~~يبلغ أولاد الأفضل فيجري عنهم ما لا يستدرك وتنهب الدار . # فلما أصبح الصباح وركب الخليفة ودخل إلى الدهليز الذي كان يركب منه ~~الأفضل ومعه الأستاذون المحنكون قال القائد أبو عبد الله للخليفة : عن إذن ~~مولانا أفتح الباب ؛ وكان قد منع من الدخول إلى الدار ؛ فقال الخليفة : نعم ~~ففتح على الأفضل وقال له القائد : الله يطيل عمر أمير المؤمنين ويفسح في ~~مدته ويورثه أعمار مماليكه ؛ هذا وزيره قد صار إلى الله تعالى ، وهذا ملكه ~~يتسلمه . ثم ضربت للوقت المقرمة على الأفضل ؛ وأمر الخليفة بإحضار من ~~بالقاعة من الأمراء والأجناد ، فدخل الناس على غير طبقاتهم إلى أن مثلوا ~~بين PageV03P061 يدي الخليفة وهو قاعد على الحصير عند المقرمة ، فقال ~~الخليفة للأمراء : هذا وزيري قد صار إلى الله تعالى ، ومنكم إلي ومني إليكم ~~، وقد كان القائد واسطته إليكم وهو اليوم واسطتي إليكم . فشكر الحاضرون ذلك ~~؛ هذا والقائد وولده مشدودو الأوساط بالمناطق وصاحب الباب على ما كانوا ~~عليه . وتقدم إلى الشيخ أبي الحسن بن أبي أسامة أن يكتب إلى الأعمال ms434 بذلكن ~~وأمر الأمراء بالانصراف . # ثم قال القائد : يا مولانا ؛ الأموال والجواهر على اختلافها في الخزائن ~~الكبار عنده ، وهي مقفلة ومفاتيحها عندي ، وختم عليها وهي في بيت المال ~~المصون ؛ وكذلك المفضض التي عند المستخدمين برسم الاستعمال والميناء الذهب ~~المرصعة والتي بغير ترصيع ، والبلور التي برسم استعماله ؛ جميع ذلك مثبت ~~عند متولي دفتر المجلس إلا خزانة الكسوة التي برسم ملبوسه ما عندي منها خبر ~~، فأمر من يدخل ويختم عليها . فأمر متولي الخزائن الخاص ، وكان سيف ~~الأستاذين ، ومتولي بيت المال ومتولي الدفتر ، وهم كبار الأستاذين المحنكين ~~بأن يدخلوا ويجتمعوا ، ولا يعترض غيرها لا لولده ولا لجهته ولا لبناته ولا ~~لأحد من عياله . # فتوجهوا وقرعوا الباب . فلما شاهدهم النساء تحققوا الوفاة ، وقام الصراخ ~~من جميع جوانب المواضع ؛ وكانت ساعة أزعجت كل من بمصر والجيزة والجزيرة ؛ ~~ثم أسكتوا . وأنفذت الرسل لختم الخزائن التي بمصر . فبينما هم على ذلك في ~~الليل إذ وصل إلى الخليفة رقعتان على يد أستاذ من القاهرة ، من رجلين من ~~جملة الحاشية ، يذكران فيها أن أولاد الأفضل قد جمعوا عدة وشنعت حاشيتهم أن ~~في بكرة هذه الليلة يستنصرون بالبساطية والأرمن ويثورون في طلب الوزارة ~~لأخيهم الأكبر فامتعض الخليفة لذلك ، وهم بالإرسال إليهم وقتلهم ؛ ثم تقرر ~~الأمر على أن يودعوا الخزانة من غير إهانة ولا قيود ؛ فتوجه إليهم ، فإذا ~~جميع حاشيتهم وغيرها عندهم ، والخيل قد شدت ، فأودعوا الخزانة . ~~PageV03P062 # فلما أصبح الصباح كان قد حمل من القصر في الليل طوافير فيها عدة موائد ~~للفطر في يوم العيد ، وحمل برسم فطر الخليفة الصواني الذهب وعليها اللفائف ~~الشرب المذهبة . وكان قد هيئ للخليفة من الليل موضع للمبيت بحيث يبعد عن ~~الأفضل ، وعين من وقع الاختيار عليه لقراءة القرآن عند الأفضل . # فلما كان السحر من عيد الفطر جئ بين يدي الخليفة بما أحضر من قصوره في ~~مواعينه الذهب المرصعة ، وعليها المناديل المذهبة من التمر المحشو ~~والجوارشيات بأنواع الطيب وغير ذلك ؛ فاستدعى الخليفة القائد وأمره بالمضي ~~إلى باب الحرم لإحضار الأجل المرتضى ابن الأفضل ؛ فمضى لذلك ، فأبت أمه ms435 من ~~تمكنهم منه ؛ فما زال بها حتى أسلمته إليه بعد جهد . فأتى به الخليفة فسلم ~~به ، وضمه الخليفة إليه وقبله بين عينيه ، وأجلسه عن يمينه والقائد عن ~~شماله ، وبقية الخواص على مراتبهم . ثم كبر مؤذنو القصر ، فسمى الخليفة ~~وأخذ تمرة وأكل بعضها وناولها للقائد ، ثم ناول الثانية لولد الأفضل ؛ فقام ~~كل منهما وقبل الأرض ولم يجلس . وتقدم كل من الحاضرين فأخذ من يد الخليفة ~~من التمر ووقف . فاستدعى القائد الفراش الذي معه الصينيتان النحاس ، وأمر ~~فراشي الأسمطة بنقل ما في الأواني التي بين يدي الخليفة في الصواني لتفرق ~~في الأمراء الذين بالقاعة والدهاليز ، فنقلت إليها وحملت إلى المقرمة التي ~~الأفضل وراءها وختم المقرئون . # ثم أظهر الخليفة الحزن على فقد وزيره ، فتلثم وتلثم جميع المحنكين ~~والحاشية ، وجلس الخليفة على المخدة عند المقرمة ، وأمر حسام الملك ، حاجب ~~الباب ، بإحضار القاضي والداعي والأمراء ، فدخل الناس على طبقاتهم . فلما ~~رأوا زي الخليفة اشتد البكاء والعويل ، وخرق كل أحد ما عليه ، ورميت ~~المناديل ، يعني العمائم ، إلى الأرض ، وبكى الخليفة وحاشيته ساعة . ثم سأل ~~القائد الخليفة أن يفطر على ثمرة بحيث يشاهده جميع من حضر ، ففعل ذلك . # ثم أشار الخليفة إلى القائد أن يكلم الناس عنه : فقال : أمير المؤمنين ~~يرد السلام PageV03P063 عليكم ، وقد شاهدتم فعله وكونه لم يشغله مصابه ~~بوزيره ومدبر دولته ودولة آبائه عن قضاء فرض هذا اليوم ، وقد أفطر ~~بمشاهدتكم ، وأمركم بالإفطار . فمسح الخليفة بيده على الصواني ، وتقدم ~~القائد إلى الخليفة وصار يناوله من الصواني بيده ؛ فأول ما مد إلى القاضي ~~ثم الداعي ، ونزل الناس للأكل . ورفعت الصواني ، فأخذ القائد يد الداعي ~~وقربه من الخليفة ، فناوله الخليفة الخطبة ، وكانت على يساره ملفوفة في ~~منديل شرب بياض مذهب ، فقبلها الداعي وجعلها على رأسه ، وضمها إلى صدره . ~~وتقدم القائد لحسام الملك بأن يأخذ الأمراء جميعهم ويطلعون إلى المصلى ~~بالقاهرة لقضاء الصلاة ، فتوجهوا في زي الحزن والمؤذنون بين أيديهم . فصلى ~~الداعي بالناس ، ثم صعد المنبر فوقف على الدرجة الثالثة منه ، وخطب . وكانت ~~الخطبة مبيتة فيها الدعاء للأفضل ms436 والترحم عليه وعندما توجه الناس إلى ~~المصلى أمر ولد الأفضل بالمضي إلى أمه وإخوته وجهات أبيه ليرد عليهم السلام ~~من أمير المؤمنين ويفطرهم . # وخلا الخليفة بالقائد وأمره بإخراج جميع الجواهر ؛ فقام إلى خزانة كانت ~~قد بنيت برسم الأفضل ، فوجد بها خيمة ، ففتحها وأخرج قمطرين عليهما حلية ~~ذهب مملوءين جواهر ما بين عقود مفصلة بياقوت وزمرد وسبح ؛ وقمطرا فيه إحدى ~~عشرة شرابة طول كل شرابة شبران بجواهر ما يقع عليها نظر ؛ وصناديق فضة ~~مملوءة مضافات ما بين عصائب وتيجان ذهب مرصعة بجواهر نفيسة . ففتحت كلها ، ~~فشاهد الخليفة منها ما لا يوصف ؛ فسر بذلك سرورا كبيرا ، وشكر القائد وقال ~~: والله إنك المأمون حقا مالك في هذا النعت شريك . فقبل الأرض ويديه . # ولهذا النعت قضية . وذلك أنه لما كان في الأيام المستنصرية ، وعمر القائد ~~يومئذ اثنتا عشرة سنة ، وكان من جملة خاصة المستنصر يرسله إلى بيت المال ~~وخزانة الصاغة في مهماته ، فيجد منه النهضة والأمانة ، فيقول هذا المأمون ~~دون الجماعة . ودرجت PageV03P064 السنون ، فذكرها الخليفة الآمر في ذلك ~~الوقت فقال له : أنت المأمون على الحقيقة لأجل ذلك . # ثم عاد حسام الملك أفتكين صاحب الباب ، والداعي وجميع الأمراء من المصلى ~~، ومثلوا بين يدي الخليفة . ووقع حينئذ الاهتمام بتجهيز الأفضل ؛ وتقدم إلى ~~زمام القصور بإخراج ما قد مازجه عرف الأئمة ، وتقدم إلى ريحان متولى بيت ~~المال بإخراج ما يجب إخراجه برسم المأتم ؛ فمضيا . وتقدم إلى حسام الملك ~~بإعلام الأمراء والاجناد والشهود والقضاة والمتصدرين والمقربين وبنى ~~الجوهري الوعاظ وغيرهم لحضور الجنازة وتلاوة القرآن . فعاد زمام القصور ~~ومتولى بيت المال ومعهما عشرون صينية ملفوفة في عراض دبيقي بياض مملوءة ~~صندلا مطحونا ، ومسكا وكافورا وحنوطا وقطنا ، وفي صدر الآخر منديل ديباج ~~فيه ما رسم بإحضاره من ملابس الخلفاء وطيالسهم . ووصلت أيضا الموائد على ~~رءوس الفراشين ، وهي مائة شدة ، صحبة متولى المائدة الآمرية ؛ فمد السماط ~~بين يدي الخليفة ، ومد سماطان ، أحدهما بالقاعة وهو برسم الأمراء ، والآخر ~~برسم القاضي والداعي والشهود والمقربين والوعاظ والمؤمنين ، وحمل إلى ~~الجهات الأفضليات شيء كثير . فلما ms437 انقضى الأكل عاد الجميع بالقاعة ، وذكر ~~أنه ختم على الأفضل في هاتين الليلتين واليوم نيف وخمسون ختمة . فلما انقضى ~~معظم الليلة ، الثاني من شوال ، تقدم الخليفة بإحضار داعي الدعاة ، ولي ~~الدولة ابن عبد الحقيق ، وأمره بغسل الأفضل على ما يقتضيه مذهبه ، وكفن بما ~~حضر من القصر ، وأخرج للداعي بذلتان مكملتان ، مذهبة وحرير ، عوضا عما كان ~~على الأفضل من ثياب الدم ، فإنها لم تنزع عنه ، وعند كمال غسله دفع للداعي ~~ألف دينار . # فلما كان في الثالثة من نهار يوم الثلاثاء ثاني شوال خرج التابوت بالجمع ~~الذي لا يحصى ، PageV03P065 والناس بأجمعهم رجالة ، وليس وراءهم راكب إلا ~~الخليفة بمفرده وهو ملثم . فلما خرج التابوت من بلد مصر أمر الخليفة بركوب ~~القائد والمرتضى ولد الأفضل ، وذكر أن الشيخ أبا الحسن بن أبي أسامة ركب ~~حمارا ، فلما وصلت الجنازة إلى باب زويلة ترجل القائد والمرتضى ومشيا ؛ ~~وبعث الخليفة خواصه إلى أخويه أبي الفضل جعفر وأبي القاسم عبد الصمد ، ~~وأمرهما إذا وصل التابوت إلى باب الزهومة أن يخرجا بغير مناديل ، بعمائم ~~صغار وطيالس ؛ فإذا قضيا ما يجب من حق سلام الخليفة سلما على القائد أبي ~~عبد الله بمثل ما كانا يسلمان على الأفضل ، ويمشيان معه وراء التابوت . ~~فاعتمدا ذلك . فاستعظم الناس هذه الحالة والمكارمة ؛ ولم يزالا مع الناس ~~وراء التابوت إلى أن دخل من باب العيد . PageV03P066 # فلما صار التابوت في وسط الإيوان هم الخليفة بأن يترجل ، فسارع إليه ~~القائد والمرتضى ، وصاح الناس بأجمعهم : العفو يا أمير المؤمنين . عدة مرار ~~. فترجل الخليفة على الكرسي ، وصلى عليه ، ورفع التابوت فمشى وراءه ، وركب ~~الخليفة الفرس على ما كان عليه ؛ ونزل التربة ظاهر باب النصر ووقف على شفير ~~القبر إلى أن حضر التابوت . واستفتح ابن القارح المغربي وقرأ : ' ولقد ~~جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ' الآية ~~. فوقعت من الناس موقعا عظيما ، وبكوا ، وبكى الخليفة ، وهم بنزول القبر ~~ليلحده بيده ؛ ثم أمر الداعي فنزل وألحده والخليفة قائم إلى أن كملت ~~مواراته ، ثم ركب من التربة والناس ms438 بأجمعهم بين يديه إلى قصره . # وأخرج من قاعة الفضة بالقصر ثلاثون حسكة ، وثلاثون بخورا مكملة ، وخمسون ~~مثقال ند وعود ، وشمع كثير ، فأشعلت الشموع إلى أن صلى الصبح وأطلق البخور ~~، واستقر جلوس الناس ؛ فصلى القاضي بالناس ، وفتح باب مجلس الأفضل المعلق ~~بالستور الفرقوبي الذي لم يكن حظه منه إلا جوازه عليه قتيلا . ورفعت الستور ~~، وجلس الخليفة على المخاد الطرية التي عملت في وسطه ؛ وسلم الناس على ~~منازلهم ، وتلي القرآن العظيم . وتقدمت الشعراء في رثائه إلى أن استحق ~~الختم فختم . ثم خرج القائد والأمراء إلى التربة فكان بها مثل ما كان ~~بالدار من الآلات والبخور . وعمل في اليوم الثاني كذلك . # وكان عمر الأفضل يوم مات سبعا وخمسين سنة ، ومدة ولايته ثمانية وعشرون ~~عاما PageV03P067 ويقال إن الآمر وافق المأمون على قتله ، فرتب له من قتله ~~. # ثم أمر أن يكتب سجل بتعزية الكافة في الأفضل والثناء على خصائصه ومساعيه ~~، وإشعارهم بصرف العناية إليهم ومد رواق العدل عليهم ؛ وتفريقه على نسخ ~~تتلى على رءوس الأشهاد وبسائر البلاد . فكتب ما مثاله : هذا كتاب من عبد ~~الله ووليه المنصور أبي علي ، الإمام الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين بما ~~رآه وأمر به من تلاوة على كافة من بمدينة مصر حرسها الله تعالى من الأشراف ~~والأمراء ورجال العساكر المؤيدة على اختلاف طبقاتهم ، فارسهم ومترجلهم ~~وراجلهم ، والقضاة والشهود والأماثل ، وجميع الرعايا ، بأنكم قد علمتم ما ~~أحدثته الأيام بتصاريفها ، وجرت به الأقدار على عادتها ومألوفها من فقد ~~السيد الأجل الأفضل ونعوته قدس الله روحه ، ونور ضريحه ، وحشره مع مواليه ~~الطاهرين الذين جعلهم أعلام الهدى ومصابيحه الذي كان عماد دولة أمير ~~المؤمنين وحمال أثقالها ، وعلى يديه وحسن سيرته اعتمادها ومعولها ، وتخطى ~~الحمام إليه ، واخترام المنية إياه وتسلطها عليه ؛ وما تدارك الله الدولة ~~به من حفظ نظامها ، واستتار أمورها بعد هذا الفادح العظيم والتئامها ؛ وما ~~رآه أمير المؤمنين من تهذيبه الأمور بنظره السعيد ، ومباشرته إياها بعزمه ~~الشديد ورأيه السديد ، واهتمامه بمصالح الكافة ، وإسباغ ظل الإحسان عليهم ~~والرأفة ، حتى أصبحت الدولة الفاطمية بذلك ظليلة ms439 المناكب ، منيرة الكواكب ، ~~محروسة الأرجاء والجوانب . # ولما كانت همة أمير المؤمنين مصروفة إلى الاهتمام بكم ، والنظر في ~~مصالحكم ، والإحسان إليكم ، وتأمين سربكم ، وإعذاب شربكم ، ومد رواق العدل ~~عليكم ، وإنصاف مظلومكم من ظالمكم ، وضعيفكم من قويكم ، ومشروفكم من شريفكم ~~، وكف عوادي المضار بأسرها عنكم ، وتمكينكم من التصرف في أديانكم على ما ~~يعتقده كل منكم ، جارين على رسمكم وعادتكم ، من غير اعتراض عليكم رأى ما ~~خرج به عالي أمره من كتب هذا السجل وتلاوته على جميعكم ، لتثقوا به ، ~~وتسكنوا إليه ، وتتحققوا جميل رأى أمير المؤمنين فيكم ؛ وأنه لا يشغله عن ~~مصالح الكافة شاغل ، وأن باب رحمته مفتوح لمن قصده ، وإحسانه عميم شامل ، ~~وله إلى تأمل أحوال الصغير والكبير منكم عين ناظرة ، PageV03P068 وفي إحسان ~~سياستكم عزيمة حاضرة وأفعال ظاهرة . والله تعالى يمده بحسن الإرشاد ، ~~ويبلغه المراد في مصالح العباد والبلاد ، بمنه وعونه . فاعلموا هذا من أمير ~~المؤمنين ورسمه ، وانتهوا إلى موجبه وحكمه وليعتمد الأمير متولى المعونة ~~بمصر تلاوته على منبر الجامع العتيق بمصر ليعيه كل من سمعه ، ويصل علم ~~مضمونه إلى من لم يحضر قراءته ، ليتحققوا ما ذكر فيه وأودعه ؛ وليحمل الناس ~~على ما أمرتهم فيه ، وليحذر من مجاوزته وتعديه . وليقرأ بالجامع المذكور ~~ليقع التصفح والتأمل في اليوم وما يليه إن شاء الله تعالى . # ثم أمر الخليفة بإنشاء منشور يتلى ، مضمونه : خرج أمر أمير المؤمنين ، ~~صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين ، بإنشاء هذا ~~المنشور بأن يعتمد في ديوان التحقيق والمجلس وسائر دواوين الدولة ، قاصيها ~~ودانيها ، قريبها ونائيها ، إمضاء ما كان السيد الأجل الأفضل قرره ، وخرجت ~~به توقيعاته الثابتة عليها علامته في الأحكام والأموال بتصاريف الأحوال ، ~~إذ أمر أمير المؤمنين راض بأفعاله ، محقق لأقواله ، حامد لمقاصده ، ممض ~~لأحكامه ، عارف بسداد رأيه في نقضه وإبرامه ، على أوضاعها وأحكامها ، ~~وتقريراته في كل منها . فليحذر كافة الأمراء وسائر الولاة نصرهم الله ~~وأظفرهم وجميع النواب والمستخدمين ، والكتاب والمتصرفين بجميع الأعمال من ~~تأول فيه ، أو تعقيد بغير شيئا من أحكامها على ما قرره وأمر به . وليجلد ~~هذا ms440 المنشور في ديوان التحقيق والمجلس بعد ثبوته في جميع الدواوين ، وليصدر ~~الإعلان به إلى كافة الجهات بهذا المرسوم ، تثبيتا لهذا الأمر المذكور ~~المحتوم ، إن شاء الله تعالى وفي السادس والعشرين من شوال عمل تمام الشهر ~~على تربة الأفضل ، كما عملت الصبحة والثالث . فلما انقضى الختم وانصرف ~~الناس ركب الخليفة بموكبه . ونزل إلى التربة ، وترحم عليه وعاد . ذكر هذا ~~جمال الملك موسى بن المأمون البطائحي في تاريخه . # وقال ابن ميسر : وأقام الخليفة في دور الأفضل ، وفي دار الملك بمصر ودار ~~الوزارة بالقاهرة وغيرهما مدة أربعين يوما ، والكتاب بين يديه يكتبون ما ~~ينقل إلى القصور ؛ فوجد له من الذخائر النفيسة ما لا يحصى . PageV03P069 ~~فيما وجد له ستة آلاف ألف دينار عينا ، وفي بيت الخاصة ثلاثة آلاف ألف ~~دينار وفي البيت البراني ثلاثة آلاف ألف ومائتا ألف وخمسون ألف دينار ؛ ~~ومائتين وخمسين إردبا دراهم ورقا ؛ وثلاثين راحلة من الذهب العراقي المغزول ~~برسم الرقم ؛ وعشرة بيوت في كل بيت عشرة مسامير ذهب كل مسمار وزنه مائتا ~~مثقال عليها العمائم المختلفة الألوان ؛ وتسعمائة ثوب ديباج ملونة ؛ ~~وخمسمائة صندوق من دق دمياط وتنيس برسم كسوة بدنه ؛ ولعبة من عنبر على قدر ~~جسده برسم ما يعمل عليها من ثيابه لتكتسب الرائحة ؛ ومن الطيب والآلات ما ~~لا يحصى عدده ؛ ومن الأبقار والجاموس والأغنام والجمال ما بلغ ضمان ألبان ~~ونتاجه في سنة نحو أربعين ألف دينار ؛ ودواية يكتب منها مرصعة بالجواهر ، ~~قوم جوهرها باثني عشر ألف دينار ؛ وخمسمائة ألف مجلدة من الكتب العلمية . # قال : وأخذ الآسر في نقل ما بدار الأفضل إلى القصر ، وهو يرتب ما يحمل ~~بنفسه ، هو وأصحابه ؛ واستمر ذلك مدة شهرين وأيام ، والأموال تحمل على بغال ~~وجمال إلى القصر ، والآمر يطلع إلى القصر ويعود كل غداة ويقيم حتى يرتفع ~~النهار ويرتب ما يفعل . # وذكر متولي الخزابة بالقصر أن مما وجد في دار الأفضل ستة آلاف ألف ~~وأربعمائة ألف دينار ؛ وورق قيمته مائتا ألف وعشرون ألف دينار ؛ وسبعمائة ~~طوق ما بين ذهب وفضة ؛ ومن الأسطال والصحاف والشربات ms441 والأباريق والقدور ~~والزبادي الذهب والفضة المختلفة الأجناس ما لا يحصى كثرة ؛ ومن براني ~~الصيني الكبار المملوء بالجواهر التي بعضها منظوم كالسبح وبعضها منثور شيء ~~كثير . # وكان الأفضل في أوقات الشرب يصف في مجلسه صواني الذهب وبينها البراني ~~المملوءة بالجواهر ، فإذا أحب فرغب البرنية في الصينية فتكون ملئها . # ووجد له من أصناف الديباج وما يجري مجراه من عتابي ونحوه تسعون ألف ثوب ~~وثلاث خزائن كبار مملوءة صناديق كلها دبيقي وشرب عمل تنيس ودمياط ، ~~PageV03P070 على كل صندوق شرح ما فيه وجنسه . وخزانة الطيب مملوءة أسفاطا ، ~~فيها العود وغيره ، مكتوب على كل سفط وزنه وجنسه ؛ وبراني بها المسك ~~والكافور وشيء كثير من العنبر . ووجد مجلس يجلس فيه للشرب فيه ثمان جوار ~~متقابلات ، أربع منهن بيض من كافور وأربع سود من عنبر ، قيام في المجلس ، ~~عليهن أفخر الثياب وأثمن الحلى ، بأيديهن مذاب من أعظم الجوهر ؛ فإذا دخل ~~من باب المجلس ووطىء العتبة نكسن رءوسهن خدمة له بحركات قد أحكمت ؛ فإذا ~~جلس في صدر المجلس استوين قائمات . # ووجد له من المقاطع والستور والفرش والمطارح والمخاد والمساند الديباج ~~والدبيقي الحريري والذهب على اختلاف الأجناس أربع حجر ، كل حجرة مملوءة من ~~هذا الجنس . ووجد له عدة صناديق ملء خزانة فيها أحقاق ذهب عراقي برسم ~~الاستعمال . ووجد له منقلات عدة تزيد على المائة ، ملبسة بالذهب والفضة ، ~~مرصعة بالجوهر ؛ وثمانمائة جارية منها خمسة وستون حظية لكل واحدة حجرة ~~وخزائن مملوءة بالكسوة والآلات الذهب والفضة من كل صنف . # وكان في مخازنه تحت يد عماله والجباة وضمان النواحي من المال والغلال ~~والحبوب والقطن والكتان والشمع والحديد والخشب وغير ذلك ما يتعب شرحه . # وحمل من داره أربعة آلاف بساط ، وستون حملا طنافس ، وخمسمائة قطعة بلور ، ~~وخمسمائة قطعة محكم برسم النقل ، وألف عدل من متاع اليمن والمغرب ، وتسعة ~~آلاف سرج . # قال ابن ميسر : وكان الأفضل من العدل وحسن السيرة في الرعية والتجار على ~~صفة جميلة تجاوز ما سمع به قديما وشوهد أخيرا ، ولم يعرف أحد صودر ولا ضبط ~~عليه . ولما حصر الاسكندرية كان ms442 به يهودي يبالغ في سبه وشتمه ولعنه ، فلما ~~دخل الأفضل البلد قبض عليه وقدمه للقتل وقد عدد عليه ذنوبه ، فقال اليهودي ~~: إن معي خمسة آلاف دينار ، خذها مني وأعتقني واعف عني . فقال : والله لولا ~~خشية أن يقال قتله حتى يأخذ ماله لقتلتك ؛ وعفا عنه ولم يأخذ منه شيئا . ~~وكان إذا غضب على أحد اعتقله ولم يقتله ، فلما مات أطلق من سجنه عشرة آلاف ~~إنسان ، فإنه كان إذا اعتقل أحدا نسيه ولا يرى بإخرابه . PageV03P071 وكانت ~~محاسنه كثيرة . وهو أول من أفرد مال المواريث ومنع من أخذ شيء من التركات ~~على العادة القديمة ، وأمر بحفظها لأربابها ، فإذا حضر من يطلبها وطالعه ~~القاضي بثبوت استحقاقه أمره في الحال بإطلاق ما ثبت له . واجتمع بمودع ~~الحكم من مال المواريث التي تنتظر وصول مستحقها من شرق الدنيا وغربها مائة ~~ألف وثلاثون ألف دينار ، فرفع إليه قاضي القضاة ثقة الملك أبو الفتح مسلم ~~بن علي الرأس عيني لما ولى أن قد اعتبرت ما في مودع الحكم من مال المواريث ~~فكان مائة ألف دينار ، ورفعها إلى بيت المال أولى من تركها في المودع ، فإن ~~لها السيرة الطويلة لم يطلب شيء منها . فوقع رقعته : إنما قلدناك الحكم ولا ~~رأي لنا فيما لا نستحقه ، فاتركه على حاله لمستحقيه ولا تراجع فيه . فأخذها ~~هذا القاضي غرفا . # وبلغ ارتفاع خراج مصر في أيامه لسنة خمسة آلاف ألف دينار ، ومتحصل ~~الأهراء ألف ألف إردب . وبنى في أيامه من المساجد والجوامع جامع الفيلة ~~بالجرف المعروف بالرصد والمسجد المعروف بالجيوشي على سطح الجبل . وبنى ~~مئذنة جامع عمرو بمصر الكبيرة والمئذنة السعيدة به أيضا والمئذنة المستجدة ~~وجامع الجيزة . وعمل خيمة الفرح التي سميت بالقاتول ، اشتملت على ألف ألف ~~وأربعمائة ألف ذراع من الثياب ، وقائم ارتفاع PageV03P072 العمود الذي لها ~~خمسون ذراعا بذراع العمل ، وبلغت النفقة عليها عشرة آلاف ألف دينار . ~~وللشعراء فيها عدة مدائح . # وكان الأفضل يقول الشعر . فمن شعره في غلامه تاج المعالي : # أقضيب يميس ، أم هو قد . . . أو شقيق يلوح ، أو هو خد # أنا ms443 مثل الهلال خوفا عليه . . . وهو كالبدر حين وافاه سعد # وكان شديد الغيرة على نسائه . اطلع من سطح داره فرأى جارية من جواريه ~~متطلعة إلى الطريق ، فأمر بضرب عنقها . فلما وضعت الرأس بين يديه أنشد : # نظرت إليها وهي تنظر ظلها . . . فنزهت نفسي عن شريك مقارب # أغار على أعطافها من ثيابها . . . . . . ومن مسك لها في الذوائب # ولي غيرة لو كان للبدر مثلها . . . لما كان يرضى باجتماع الكواكب # قال : وكان عدة الوعاظ والقراء والمنشدين في عزاء الأفضل أربعمائة وعشرين ~~شخصا ، فخرج أمر الخليفة أن يعطى كل واحد منهم ثمانين دينارا ، الصغير مثل ~~الكبير ؛ فقال ابن أبي قيراط : يا مولانا ، هذا مال كثير . فقال : إنفاذ ~~أمرنا هذا من بعض حقه علينا . فجاء مبلغ ما دفع نحوا من أربعة وثلاثين ألف ~~دينار . PageV03P073 # قال : والأفضل هو الذي أنشأ بستان البعل ، والمنتزه المعروف بالتاج ، ~~والخمس وجوه ، والبستان الكبير ، والبستان الخاص بقيلوب ؛ وجدد بستان ~~الأمير تميم ببركة الحبش ، وأنشأ الروضة بحرى الجزيرة ، وكان يمضي إليها في ~~العشاريات الموكبية ؛ رحمه الله . # في مستهل ذي القعدة خلع على القائد أبي عبد الله بن فاتك بذلة مذهبة بشدة ~~الخليفة الداعية ، وحلت المنطقة من وسطه ؛ وخلع على ولده بذلة مذهبة وحلت ~~منطقته أيضا ؛ وعلى جميع إخوته بمثل ذلك . # واستمر ينفذ الأمور لا يخرج شيء عن نظره إلى مستهل ذي الحجة ؛ ففي يوم ~~الجمعة ثانيه خلع عليه من ملابس الخاص الشريف في فرد كم مجلس العيد ، وطوق ~~بطوق ذهب مرصع ، وسيف ذهب مرصع ؛ وسلم على الخليفة ، فأمر الخليفة الأمراء ~~وكافة الأستاذين المحنكين بالخروج بين يديه ، وأن يركب من المكان الذي كان ~~الأفضل يركب منه . PageV03P074 ومشى في ركابه القواد على عادة من تقدمه ، ~~وخرج بتشريف الوزارة ، ودخل على باب العيد راكبا ، ووصل إلى داره ، فضاعف ~~الرسوم وأطلق الهبات . وفي خامسه اجتمع الأمراء واستدعى الشيخ أبو الحسن بن ~~أبي أسامة ، فحضر بالسجل في لفافة خاص مذهبة فسلمه الخليفة إلى الأجل ~~المأمون من يده ، فقبله وسلمه لزمام القصر ، وأمر الخليفة المأمون فجلس عن ~~يمينه ، وقرئ السجل ms444 على باب المجلس ؛ وهو أول سجل قرئ بهذا المكان ، وكانت ~~سجلات الوزراء قبل ذلك تقرأ بالإيوان . ورسم للشيخ أبي الحسن أن ينقل نسبة ~~الأمراء والمحنكين والناس جميعهم من الآمري إلى المأموني ، ولم يكن أحد قبل ~~ذلك ينتسب للأفضل ولا لأمير الجيوش . وقدمت للمأمون الدواة فعلم في مجلس ~~الخليفة ؛ وتقدم للأمراء والأجناد فقبلوا الأرض وشكروا هذا الإحسان . ~~وأحضرت الخلع ؛ فخلع على حاجب الحجاب حسام الملك وطوق بطوق ذهب وسيف ذهب ~~ومنطقة ذهب ؛ وخلع على الشيخ أبي الحسن بن أبي أسامة كاتب الدست ، وعلى ~~الشيخ أبي البركات بن أبي الليث ، وعلى أبي الرضا سالم بن الشيخ أبي الحسن ~~، وعلى أبي المكارم أخيه ، وعلى أبي محمد أخيهما ، وعلى أبي الفضل يحيى بن ~~سعيد الميمذي ووصل بدنانير كثيرة بحكم أنه قرأ السجل . وخلع على أبي ~~الفضائل بن أبي الليث صاحب مغفر المجلس . ثم استدعى غذى الملك سعيد ابن ~~عمار الضيف متولى أمور الضيافات والرسل الواصلين الحضرة من جميع الجهات ~~وأخذ أقلامه على التوقيعات فخلع عليه . وفي الأيام الأفضلية لم يكن أحد ~~يدخل مجلسه ولا يصل لعتبته لا من الحجاب ولا غيرهم سوى غذى الملك هذا فإنه ~~كان يقف من داخل العتبة ؛ وكانت هذه الخدمة إذ ذاك من أجل الخدم وأكبرها . # وقال أبو الفتح ابن قادوس في مدح المأمون ، وقد زيد في نعوته : # قالوا أتاه النعت ، وهو السيد ال . . . أمون حقا ، والأجل الأشرف ~~PageV03P075 # ومغيث أمة أحمد ، ومجيرها . . . ما زادنا شيئا على ما نعرف # وذلك أنه نعت في سجله المقروء على الكافة بالأجل المأمون ، تاج الخلافة ، ~~وجيه الملك ، فخر الصنائع ، ذخر أمير المؤمنين . ثم تجدد له في نعوته بعد ~~ذلك الأجل المأمون ، تاج الخلافة ، عز الإسلام ، فخر الأنام ، نظام الدين ~~والدنيا . ثم نعت بما كان ينعت به الأفضل ، وهو السيد الأجل المأمون ، أمير ~~الجيوش ، سيف الإسلام ، ناصر الإمام ، كافل قضاة المسلمين ، وهادي رعاة ~~المؤمنين . # ولما استمر نظر المأمون للدولة بالغ الخليفة في شكره ، فقال له المأمون : ~~ثم كلام يحتاج إلى خلوة . فأمر بخلو المجلس . فقال : يا ms445 مولانا امتثال ~~الأمر متعب ، ومخالفته أصعب ؛ وما تتسع خلافة قدام آمر الدولة وهو في دست ~~خلافته ومنصب آبائه وأجداده ، وما في قواي ما يرومه ، ويكفيني هذا المقدار ~~، وهيهات أن أقوم به والأمر كبير . فتغير الخليفة وأقسم : إن كان لي وزير ~~غيرك ! فقال المأمون : لي شروط ؛ وقد كنت مع الأفضل وكان اجتهد في النعوت ~~وحل المنطقة فلم أفعل ؛ وكان أولاده يكتبون إليه بكوني قد خنته في المال ~~والأهل ، وما كان والله العظيم ذلك مني يوما قط ، ومع ذلك معاداة الأهل ~~جميعهم ، والأجناد ، وأرباب الطيالس والأقلام ، وهو يعطيني كل ورقة تصل ~~إليه منهم وما يسمع كلامهم . فقال الخليفة : فإذا كان فعل الأفضل معك ما ~~ذكرته ، إيش يكون فعلي أنا ؟ فقال : يعرفني المولى ما يأمر به فأمتثله بشرط ~~ألا يكون عليه زائدا . فأول ما ابتدأ به أن قال : أريد الأموال لا تبقى إلا ~~بالقصر ولا تصل الكسوات من الطراز PageV03P076 والثغور إلا إليه ولا تفرق ~~إلا منه ، وتكون أسمطة الأعياد فيه ؛ وتوسع في رواتب القصور من كل صنف ؛ ~~وزيادة رسم منديل الكم . فقال المأمون : سمعا وطاعة ؛ أما الكسوات ~~والجبايات والأسمطة فما تكون إلا بالقصور ، وأما توسعة الرواتب فما ثم من ~~يخالف الأمر ، وأما منديل الكم فقد كان الرسم في كل يوم ثلاثين دينارا يكون ~~في كل يوم مائة دينار ؛ ومولانا ، سلام الله عليه ، يشاهد ما يعمل بعد ذلك ~~في الركوبات وأسمطة الأعياد وغيرها . ففرح الخليفة . وقال المأمون : أريد ~~بهذا مسطورا بخط أمير المؤمنين ، ويقسم لي فيه ألا يلتفت لحاسد ولا ينقبض ؛ ~~ومهما ذكر عني يطلعني عليه ، ولا يأمر في بأمر سرا ولا جهرا يكون فيه ذهاب ~~نفسي وانحطاط قدري ، وتكون هذه الأيمان باقية إلى وقت وفاتي ، فإذا توفيت ~~تكون لأولادي ولمن أخلفه بعدي . فحضرت الدواة ، وكتب ذلك جميعه ، وأشهد ~~الله في آخرها على نفسه . فعندما حصل الخط بيد المأمون وقف وقبل الأرض ~~وجعله على رأسه ، وكان الخط نسختين ، فلما قبض على المأمون في رمضان سنة ~~تسع عشرة وخمسمائة ، كما سيأتي إن شاء الله ، أنفذ ms446 الخليفة طلب الأمان ، ~~فأنفد إليه نسخة منهما فحرقها وبقيت النسخة الأخرى فأعدمت . # وفيها أنشأ المأمون الجامع الأقمر بالقاهرة ، وكان مكانه دكاكين علافين . # في هذه السنة هبت بمصر ريح سوداء ثلاثة أيام ، فأهلكت شيئا كثيرا من ~~الناس والحيوان . PageV03P077 # | سنة ست عشرة وخمسمائة # في المحرم كان المولد الآمري . وتقرر السلام على الخليفة في يومي الاثنين ~~والخميس فأما في يومي السبت والثلاثاء فيركب الوزير بالرهجية إلى القصر ~~ويركب الخليفة إلى ضواحي القاهرة للنزهة ؛ وأما الأحد والأربعاء فيجلس ~~الوزير المأمون في داره على سبيل الراحة . # في صفر سب أحد صبيان الخاص الآمري صاحب الشرع وشهد عليه ، فضربت عنقه ~~وصلب . # فيه وصل فخر الملك أبو علي عمار بن محمد بن عمار ، صاحب طرابلس . وكانت ~~الدولة ، قد حولت الثغر في أيديهم على سبيل الولاية ، فلما جاءت الشدائد ~~تغلبوا عليه ؛ ثم جاءت الدولة الجيوشية فخافوا مما قدموه فلم يرموا أيديهم ~~في يدها ولا وثقوا بما بذل لهم من الصفح عن ولاتهم . ومضى ذلك السلف ، ~~وخلفهم القاضي فخر الملك هذا في الأيام الأفضلية فجرى على تلك الوتيرة ، ~~ودفع إلى محاصرة الفرنج له مدة سبع سنين ، PageV03P078 فضاق خناقه ، وأيس ؛ ~~فخرج من طرابلس إلى العراق مستنجدا فلم يجد ناصرا . واختلت أحواله ، وعاد ~~إلى دمشق وقد ملك الفرنج طرابلس فسار إلى مصر . وقال في : كتابه والمملوك ~~لم يصل إلى هذه الوجهة إلا وقد علم أن له من الذنوب السالفة ما يستحق به ~~القتل ، وقتله بسيوف هذه الدولة عدل وإحياء له وتشريف ، وفخر يكفر عنه بعض ~~ذنوبه من كفر نعمتها ؛ فإن خرج الأمر بذلك فمنة كريمة ، وإن خفف عنه ~~فتخليده في السجن أحب إليه من رجوعه إلى تأميل غير هذه الدوله . # فلما عرض هذا بالحضرة أدركته الرأفة بعد أن استفظع كل من الحاضرين أمره ~~وأشير بإيقاع الحوطة عليه وإيداعه خزانة البنود . فقال المأمون للخليفة : ~~قد أجل الله عواطف مولانا ورحمته من أن يهاجر أحد إلى أبوابه ويلجأ إلى ~~عفوه فيخيب أمله ويؤاخذ بذنبه ؛ وما بعد استسلامه إلا الشكر لله والعفو عن ~~جرمه ms447 ، فإن العفو زكاة القدرة عليه ؛ ويشمله ما شمل أمثاله . فأعجب الخليفة ~~الآمر ذلك ، وخرج الأمر بأن تعدد على ابن عمار ذنوبه وذنوب أسلافه ويقال له ~~: قد أذهبت مهاجرتك ما كان يجب من عقوبتك . فإذا اعترف بذنوبه وذنوب أسلافه ~~يقال له : قد غفر ذنبك وأنت مخير بين أمرين ؛ إما أن تعود فيصل إليك من ~~الإنعام ما يبلغك إلى حيث تريد ويصحبك من يوصلك إلى مأمنك ، وإما أن تؤثر ~~الإقامة بفناء الدولة فتقيم على أنك تلزم ما يعنيك وتقنع بما ينعم به عليك ~~وتقبل على شأنك وتترك التعرض للمخالطات وتتجنب جميع المكروهات . # فلما خوطب بذلك قبل الأرض وأبى أن يرفع رأسه ووجهه ، وكلما خوطب في رفعه ~~قال لست أرفعه حتى أتلقى كلمات العفو عن إمام زماني وتمتلئ مسامعي بألفاظ ~~مغفرته . فبلغته الحضرة النبوية ما تمناه ، وحصل له الأمن ؛ وأمر به إلى ~~دار أعدت له وجعل فيها شهوات السمع والبصر ، وحملت إليه الضيافات الكثيرة ، ~~وجرد برسم خدمته حاجب معه عدة مستخدمين . فأقام أياما يسيرة ثم حملت إليه ~~الكسوات التي لا نظير لها ، ووصله من المواهب ما أربى على أمله . وقرر له ، ~~راتبا في كل شهر ، ستون دينارا مع مياومة الدقيق واللحم والحيوان . وصار ~~يتعهد ما يفتقد به أعيان الضيوف من بواكير الفاكهة المستغربة وأنواع التحف ~~المستظرفة ورسوم المواسم ، ورفع عنه الحاجب والمستخدمون ، وجعل له ~~PageV03P079 في المواسم والأعياد من الكسوات الفاخرة ما يميزه عن أمثاله . ~~ولزم طريقة حمدت منه ، فاستمر إليه الإحسان ؛ وصار يركب في يومي الركوب ~~ويومي السلام وغيرهما . # وفيه أفرج عن الأمير عضب الدولة عز الملك أبي منصور بنا ، وكان له في ~~الاعتقال ثلاث عشرة سنة ، لأنه كان والي عكا وسلمها إلى الفرنج ، فلما وصل ~~رماه الأفضل في الاعتقال ، فلما أفرج عنه أعيد عليه نظير ما كان قبض عنه ~~للاصطبلات والخزائن ، وولي البحيرة . وأفرج عن جماعة أمراء كانوا معتقلين ؛ ~~منهم أبو المصطفى جوهر ، ودخل السجن وهو شاب فخرج منه وهو شيخ ، وكانت مدة ~~اعتقاله خمس عشرة سنة . # فيه وصل رسول الشريف قاسم ms448 أمير مكة ، الذي حضر في الأيام الأفضلية بسبب ~~أموال التجار ، ومعه كتاب بتهنئة المأمون ، فجهز إلى الأعمال القوصية ~~بالاهتمام بالجناب الديوانية وترميم ما يحتاج إلى المرمة ، وتجديد عوض ما ~~تلف ؛ وأطلق له ثمانية آلاف وتسعمائة وأربعون إردبا برسم مكة وتخوت ثياب ~~وخلع ومال وبخور . # وفيه غلا الزيت الطيب والسيرج ؛ فكتب المستخدمون في الخزائن ومشارفة ~~الجوامع بأن يكون المطلق برسم الوقود وفي المشاهد عوضا عن الزيت الطيب ~~الزيت الحار ، فخرج الجواب بالتحذير من ذلك وبألا يطل إلا الزيت الطيب ، ~~ولا يلتفت إلى غلو السعر في الخدم التي هي من حق الله تعالى فلا يجب الرخصة ~~فيه ولا بنقص من المطلق شيء . وبلغ المأمون أن مشارف الجوامع والمساجد ~~اشترى من ماله صبرا وخلطه بالزيت لمنع القومة من التعرض لشيء منه ، فأنكر ~~ذلك وأمر بإحضاره وأن يقوم من ماله بثمن الزيت الذي فيه الصبر ، ويطلق ~~الزيت المستقر إطلاقه على تمامه . وقيل له : قومة الكنائس والمقيمون بها ~~والطارقون لها لا يقتاتون إلا من فضلات وقود كنائسهم ، ونحن نبيح لهؤلاء ~~الأكل ونحرم عليهم البيع . # وتقدم الأمر بعمل حساب الدولة من الهلالي والخراجي على جملتين ، إحداهما ~~إلى سنة عشر وخمسمائة والثانية إلى آخر سنة خمس عشرة وخمسمائة ؛ فانعقدت ~~على جملة كثيرة من عين وأصناف ، وشرحت بأسماء أربابها وتعيين بلادها . فلما ~~حضرت أمر بكتابة سجل PageV03P080 بالمسامحة إلى آخر سنة عشر وخمسمائة ؛ ~~ومبلغ ما سومح به من البواقي ألفا ألف وسبعمائة ألف وعشرون ألفا وسبعمائة ~~وسبعة وستون دينارا ، ومن الورق سبعة وستون ألفا وخمسة دراهم ، ومن الغلة ~~ثلاثة آلاف الف وثمانمائة ألف وعشرة آلاف ومائتان وتسعة وثلاثون إردبا ، ~~ومن الأرز والكتان وحرق الصباغ وزريعة الوسمة والصباغ والفود والحديد ~~والزفت والقطران والثياب والمآزر والغرادلي شيء كثير ؛ ومن الأغنام مائتا ~~ألف وخمسة وثلاثون ألفا وثلثمائة وخمسة رءوس ؛ ومن البسر والنخيل والجريد ~~والسلب والأطراف والملح والأشنان والرمان وعسل النحل والشمع وعسل القصب شيء ~~كثير ؛ ومن الأبقار اثنان وعشرون ألفا ومائة وأربعة وستون رأسا ؛ ومن ~~الدواب والسمن والجبن والصوف والشعر شيء كثير ms449 . # وقد تقدم ذكر نسخة هذا السجل عند ذكر الخراج من هذا الكتاب . # وقرئ منشور بالجامع الأزهر وجامع عمرو بمصر بالمنع مما يعتمد في الدواوين ~~من قبول الزيادة وفسخ عقود الضمانات وإعفاء الكافة من المعاملين والضمناء ~~من قبول الزيادة فيما يتصرفون فيه ما داموا قائمين بأقساطهم . # فيه تحول الخليفة الآمر إلى اللؤلؤة وأقام فيها مدة النيل على الحكم ~~الأول وأزال ما أحدث من البناء بالقرب منها ، وتحول معه الوزير المأمون بن ~~البطائحي والشيخ أبو الحسن ابن أبي أسامة كاتب الدست وحاجب الحجاب وحسام ~~الملك ، ورتبت الرهجية والحرس ، وأطلق لهم ما يقوم بهم . وصار الخليفة يمضي ~~في السراديب من اللؤلؤة إلى القصر في يومي السلام ، فلا يراه أحد سوى ~~الأستاذين والخواص ، ويحضر الوزير على عادته ويحمل الأسمطة ويحضر الناس على ~~العادة ، ويركب في يومي الثلاثاء والسبت إلى المتنزهات . # فيه تقدم الوزير بتجديد المشاهد التسعة التي بين القرافة والجبل . ~~PageV03P081 # وكانت العادة جارية من الأيام الأفضلية في آخر جمادى الآخرة من كل سنة أن ~~تغلق جميع قاعات الخمارين بالقاهرة ومصر وتختم ، ويحذر من بيع الخمر ؛ فرأى ~~الوزير أن يكون ذلك في سائر الأعمال ، فكتب إلى ولاة الأعمال وأن ينادي بأن ~~من تعرض لبيع شيء من هذين الصنفين أو لشرائهما سرا وجهرا فقد عرض نفسه ~~لتلافها وبرئت الذمة من هلاكها . # لما كان مستهل رجب عملت الأسمطة على العادة ، فقال الخليفة الآمر لوزيره ~~المأمون : قد أعدت لدولتي بهجتها ، وقد أخذت الأيام نصيبها من ذلك ، وبقيت ~~الليالي وقد كان بها مواسم وقد زال حكمها ؛ وهي ليالي الوقود الأربع . ~~فامتثل الأمر ، وعملت . # واستجد في كل ليلة على الاستمرار برسم الخاصين الآمري والمأموني قنطار ~~سكر ومثقالا مسك وديناران برسم المؤن ليعمل خشكنان ، وتشد في قعاب وسلال ~~صفصاف ، وكان يسمى بالقعبة ، ويحمل ثلثا ذلك إلى القصر والثلث إلى دار ~~المأمون . ووصلت كسوة الشتاء ، فكانت أربعة آلاف قطعة وثلثمائة وخمس قطع . ~~ووصلت PageV03P082 كسوة عيد الفطر وتشتمل على نحو عشرين ألف دينار ، وكان ~~عندهم الموسم الكبير ، ويسمى بعيد الحلل لأن الحلل فيه ms450 تعم الجميع وفي غيره ~~للأعيان خاصة . # وعمل الختم في آخر شهر رمضان بالقصر ، وعبئ سماط الفطرة في مجلس الملك ~~بقاعة الذهب من القصر ، فكان سماطا جميعه من حلاوة الموسم . وصلى الخليفة ~~الآمر بالناس صلاة العيد في المصلى ظاهر باب النصر وخطب ، وكان ذلك قد بطل ~~في الأيام الجيوشية والأفضلية . # وكان الذي أنفق في أسمطة شهر رمضان عن تسع وعشرين ليلة ، خارجا عن ~~التوسعة المطلقة أصنافا برسم الخليفة وجهاته ، وخارجا عن العطية ، وخارجا ~~عن رسم القراء والمسحرين وخارجا عن الأشربة والحلاوات من ألعاب ، ستة عشر ~~ألف دينار وأربعمائة وستة وثلاثين دينارا . وجملة ما قدر على المنفق في شهر ~~رمضان ، بما تقدم شرحه ، والتوسعة والصدقات والفطرة وكسوة الغرة والعيد ، ~~مائة ألف دينار عينا . وضرب في خميس العدس ألف دينار عملت عشرين ألف خروبة ~~، وكانت العادة أن يضرب في كل سنة خمسمائة دينار . # وفي شوال هذا وصل شاور من أسر الفرنج ، وكان مأسورا من الأيام الأفضلية ~~وطالت مدة أسره ، وبذلت عشيرته في افتكاكه جملة كبيرة ، فلم يقبل منهم ، ~~وطلب فيه أسير من الفرنج ، فلم يجبهم الأفضل إليه لأنه كان لا يطلق أسيرا ~~أبدا . فلما ولي المأمون الوزارة وميز رديني ، مقدم العربان الجذاميين ، ~~وقبيلته وشاور من بني سعد ، فخذ من جذام وقف مجير ، أخو شاور ، وإخوته ~~للمأمون ، وما زالوا به حتى أطلق الأسير فأطلق الفرنج شاورا في شوال ، ~~وأثبت في الطائفة المأمونية ؛ وكان هذا ابتداء حديث شاور . PageV03P083 # وفيه تنبه ذكر الطائف النزارية ، وقرر بين يدي الخليفة بأن يسير رسولا ~~إلى صاحب ألموت بعد أن جمعت فقهاء الإسماعيلية والإمامية ، وهم لي الدولة ~~أبو البركات بن عبد الحقيق داعي الدعاة ، وجميع دعاة الإسماعيلية ، وأبو ~~محمد بن آدم متولى دار العلم ، وأبو الثريا ابن مختار فقيه الإسماعيلية ، ~~ورفيقه أبو الفخر ، والشريف ابن عقيل ، وشيوخ الشرفاء ، وقاضي القضاة ، ~~وأولاد المستنصر ، وجماعة من بني عم الخليفة ، وأبو الحسن بن أبي أسامة ~~كاتب الدست ، وجماعة من الأمراء ؛ وقال لهم المأمون : ما لكم من الحجة في ~~الرد على هؤلاء الخارجين على ms451 الإسماعيلية ، فقال كل منهم : لم يكن لنزار ~~إمامة ، ومن اعتقد هذا خرج عن المذهب وحل ووجب قتله ؛ وإن كان والده ~~المستنصر نعته ولي عهد المسلمين ونعت إخوته ، منهم أبو القاسم أحمد بولي ~~عهد المؤمنين ، وكل مؤمن مسلم وما كل مسلم مؤمن ، وقد نطق بذلك الكتاب ~~العزيز . # وذكر حسين بن محمد الموصلي أن اليازوري لم يزل يسأل المستنصر إلى أن كتب ~~اسمه على الدينار وهو ما مثاله : # ضربت في دولة آل الهدى . . . ومن آل طه وآل ياسين # مستنصرا بالله جل اسمه . . . وعبده الناصر للدين # في سنة كذا ؛ ولم يقم بعد ذلك إلا دون الشهر ، فاستعيدت وأمر ألا تسطر . # ودليل يعضد ذلك أنه لما جرت تلك الشدائد على الإمام المستنصر وسير أولاده ~~، وهم : الأمير عبد الله إلى عكا إلى أمير الجيوش ، ثم أتبعه أبي علي ~~والأمير أبي القاسم ، والد الحافظ ، PageV03P084 إلى عسقلان ، وسير نزارا ~~إلى ثغر دمياط سير الأعلى إلى ، ولم يسمح بسفر الإمام المستعلى ولا خروجه ~~من القصر لما أهله له من الخلافة ، ولا أبعده خوفا من حضور المنية ، فلما ~~وصل أمير الجيوش إلى البلاد بعد تهيئتها وتأمينها ورغب الإمام المستنصر في ~~عقد نكاح ولده الإمام المستعلى على ابنته ، أخت الأفضل ، وعقد النكاح بنفسه ~~، سماه في كتاب الصداق مولى عهد أمير المؤمنين ؛ وعلم عليه بخطه . ثم عند ~~وفاة المستنصر بايع نزار الإمام المستعلى بما شاهده كل حاضر ، وبما ذكرته ~~السيدة ابنة الإمام الظاهر شقيقه الإمام المستنصر في صحة إمامته . فكتب ~~الكتاب بجميع ذلك إلى صاحب ألموت مضنا بشهادة الجماعة بذلك . ثم وصل في ~~أثناء ذلك كتب من خواص الدولة تتضمن أن القوم قد قويت شوكتهم واشتدت في ~~البلاد طمعتهم ، وأنهم يسيرون المال مع التجار إلى قوم يخبرون أسماءهم ، ~~وأنهم سيروا لهم الآن ثلاثة آلاف دينار برسم النجوى وبرسم المؤمنين الذين ~~ينزل الرسل عندهم ويختفون في محلهم ، فتقدم المأمون بالفحص عنهم والاحتراز ~~التام على الآمر في ركوبه ومتنزهاته ، وحفظ الدور غيرها . # ولم يزل البحث التام في طلبهم إلى أن وجدوا عند قوم ms452 من أهل البلد ، ~~فاعترفوا بأن خمسة منهم هم الرسل الواصلون بالمال من البلاد المشرقية ، ~~فراموا قتلهم ، فأشار المأمون بتركهم . وأحضر الشيخ أبو القاسم بن الصيرفي ~~، وأمر بكتب سجل يقرأ على رءوس الأشهاد وتفرغ منه النسخ إلى البلاد بمعنى ~~ما ذكر من نفي نزار عن الإمامة وشهر الجماعة المقبوض عليهم وصلبوا ، وامتنع ~~الآمر من قبض الألفي دينار الواصلة للنجوى وأمر بحملها إلى بيت المال ، وأن ~~تنفق في السودان عبيد الشراء خاصة . وأمر بأن يحضر من بيت المال نظير ~~المبلغ ، وتقدم بأن يصاغ قنديلين ذهبا وقنديلين فضة ؛ وأن يحمل قنديلان ، ~~ذهبا وفضة ، إلى مشهد الحسين بعسقلان ، وقنديلان كذلك إلى التربة . وأطلق ~~PageV03P085 المأمون من ماله ألفي دينار ، وتقدم بأن يصاغ بها قنديل ذهب ~~وسلسلة فضة برسمه على قياس أحضر من عسقلان ، وأن يصاغ على المصحف الذي بخط ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمصر من فوق الفضة ذهب . # وأطلق من حاصل الصناديق التي تشتمل على مال النجاري برسم الصدقات عشرة ~~آلاف درهم تفرق في الجوامع الثلاثة : الأزهر بالقاهرة والعتيق بمصر وجامع ~~القرافة ، وعلى فقراء المؤمنين وعلى أرباب القصور . وأطلق من الأهراء ألفا ~~إردب قمحا وتصدق عدة من الجهات بجملة كثيرة . واشتريت عدة جوار من الحجر ~~وكتب عتقهن وأطلق سراحهن . # قال ابن ميسر ، وقد ذكر هذا المجلس : وقد كانت أخت نزار في قاعة بجانب ~~الإيوان من القصر ، وعلى الباب ستر ، وعلى الستر إخوتها وبنو عمها وكبار ~~الأستاذين . فلما جرى هذا الفصل قام المأمون من مكانه ووقف بإزاء الستر ~~وقال : من وراء هذا الستر ؟ فعرف بها إخوتها وبنو عمها ، وأنه ليس غيرها ~~وراء الستر . فلما تحقق الحاضرون ذلك قالت : اشهدوا علي يا جماعة الحاضرين ~~، وبلغوا عني جماعة المسلمين بأن أخي شقيقي نزارا لم يكن له إمامة ، وأنني ~~بريئة من إمامته جاحدة لها لا عنة لمن يعتقدها ، لما علمته من والدي وسمعته ~~من والدتي ، لما أمر المستنصر بمضيها هي والجهة المعظمة والدة عبد الله أخي ~~إلى المنظرتين اللتين على القناطر المعروفتين بالحرارة والبرياصة ؟ للنزهة ~~أيام ms453 النيل جرى بينهما مشاجرة في ولديهما ، فأحضرهما المستنصرين يديه وأنكر ~~عليهما ، وقال : ما يصل أحد من ولديكما إلى الأمر ، صاحبه معروف في وقته . ~~وشاهدت والدي المستنصر في مرضته التي توفى فيها وقد أحضر المستعلى وأخذه ~~معه في فراشه ، وقبل بين عينيه ، وأسر إليه طويلا وقد دمعت عيناه ؛ وفي ~~اليوم الذي انتقل والدي في ليلته استدعى عمتي بنت الظاهر فأسر إليها من ~~بيننا ، ومد يده إليها فقبلها وعاهدها ، وأشهد الله تعالى معلنا ومظهرا . ~~فلما انتقل في تلك PageV03P086 الليلة حضر صبيحتها الأفضل ومعه الداعي ~~والأمراء والأجناد ، ووقف بظاهر المقرمة ، ثم جلس وكلهم قيام ، وأخذ في ~~التعزية ، ثم قال : يا مولاتنا من ارتضاه للخلافة ؟ فقالت : هي أمانة قد ~~عاهدني عليها ، وأوصاني بأن الخليفة من بعده ولده أبو القاسم أحمد . فحضر ~~وبايعته عمتي ، وبايعه أخوه الأكبر عبد الله فأشار الأفضل إلى نزار فبايعه ~~، وأمر بالتوكيل على نزار وتأخيره ، فأخر إلى مكان لا يصلح له . واستدعى ~~الأفضل الداعي وأمره بأخذ البيعة من نفسه ومن الموالي والأستاذين . وسألت ~~عمتي الأفضل في نزار فرفع عنه التوكيل عليه بعد أن كلمه بكلام فيه غلظة ؛ ~~ووالله ما مضى أخي نزار إلى ناصر الدولة أفتكين بالإسكندرية لطلب إمامة ولا ~~لادعاء حق ، ولكن طالب بالزوال للأفضل وإبطال أمره لما فعله معه . والله ~~يلعن من يخالف ظاهره باطنه . فشكرها الناس على ذلك . وكان سبب حضور أخت ~~نزار في هذا المجلس أن المأمون قال للآمر : قد كشفت الغطاء وفعلت ما لا ~~يقدر أحد على فعله ، وأما القصر فما لي فيه حيلة . ولوح أن أخت نزار ~~وأولادها لا يمكنني كشف أمرهم . فلما بلغ أخت نزار ذلك حضرت إلى الخليفة ~~الآمر لتبرئ نفسها ، ورغبت أن تخرج للناس لتقول ما سمعته من والدها وشاهدته ~~ليكون قولها حجة على من يدعي لأخيها ما ليس له . فاستحسن الآمر ذلك منها ؛ ~~وأحضر المأمون وأخاه شقيقه أبا الفضل جعفر بن المستعلى ، واتفقوا على يوم ~~يجتمعون فيه . فلما كان في شوال عمل المجلس المذكور . # وأما النزارية فإنها تقول إن المستنصرمات والأفضل ms454 صاحب الأمر والمستحوذ ~~على المملكة والجند جنده ، وغلمان أبيه لا يعرفون سواه ؛ وكان نزار ، لما ~~يرى من غلبة الأفضل على الدولة ، يتكلم بما بلغه ، فينكره ، فلما مات ~~المستنصر والأفضل متخوف من شر نزار أقام أحمد ابنه ، المستعلى ، لأنه زوج ~~أخته ولأنه صغير . # وفيها أراد الآمر أن يحضر إلى دار الملك في يوم النوروز الكائن في جمادى ~~الآخرة ويركب إليها في المراكب على ما كان عليه الأفضل ، فمنعه المأمون من ~~ذلك ، وقال : PageV03P087 يا مولانا ، الأفضل لا يجري مجرى أمير المؤمنين . ~~وحمل إليه من الثياب الفاخرة برسم جهاته ماله قيمة جليلة . # وفي شوال بلغ المأمون أن جزيرة قويسنا ومنية زفتى ليس فيهما جامع ، فتقدم ~~إلى بعض خواصه وخلع عليه ، فسار وبنى جامعا على شاطىء النيل بمنية زفتى ، ~~وقرر فيه خطيبا وإماما ومؤذنين ، وفرش ، وأطلق برسمه نظير ما للجوامع . # وفيه وصل الفقيه أبو بكر محمد بن محمد الفهري الطرطوشي من الإسكندرية ~~بالكتاب الذي حمله : سراج الملوك ، فأكرمه وأمر بإنزاله في المجلس المهيأ ~~للإخوة ، وتقدم برفع أدوية الكتاب وأوطئة الحساب وسلام الأمراء ، وعمل ~~السماط ، وسارع إلى البادهنج ، واستدعى بالفقيه . فلما شاهده وقف ، ونزل عن ~~المرتبة ، وجلس بين يديه ؛ ثم انصرف ، ومعه أخو المأمون ، إلى مكان أعد له ~~، وحمل إليه ما يحتاج له وأمر مشارف الجوالي أن يحمل له في كل يوم خمسة ~~دنانير بمقتضى توقيع مقتضب ، فامتنع الفقيه وأبي أن يقبل غير الدينارين ~~اللذين كانا له في الأيام الأفضلية . وصار المأمون يستدعيه في يومي راحته ، ~~ويبالغ في كرامته ، ويقضي شفاعاته . # وكان السبب في حضوره أنه تكلم في الأيام الأفضلية في أمور المواريث وما ~~يأخذه أمناء الحكم من أموال الأيتام ، وهو ربع العشر ، وأمر توريث الابنة ~~النصف ، PageV03P088 فلم يقبل ذلك ، ففاوض المأمون فيه وقال : هذه قضية ~~وجدتها وما أحدثتها وهي تسمى بالمذهب الدارج ، ويقال إن أمير الجيوش بدر هو ~~الذي استجدها ، وهي أن كل من مات يعمل في ميراثه على حكم مذهبه ، وقد مر ~~على ذلك سنون وصار أمرا مشروعا ، فكيف يجوز تغييره . فقال له ms455 الفقيه : إذا ~~علمت ما يخلصك من الله غيرها فلك أجرها . فقال أنا نائب الخليفة ، ومذهبه ~~ومذهب جميع الشيعة من الزيدي ، والإمامي والإسماعيلي أن الإرث جميعه للابنة ~~خاصة بلا عصبة ولا بيت مال ، ويتمسكون بأنه من كتاب الله كما يتمسك غيرهم ، ~~وأبو حنيفة ، رحمه الله ، يوافقهم في القضية . فقال الفقيه : أنا مع وجود ~~العصبة فلا بد من عدتها . فقال المأمون أنا لا أقدر أن أرد على الجماعة ~~مذهبهم ، والخليفة لا يرى به وينقضه على من أمر به ؛ بل أرى بشفاعة الفقيه ~~أن أرد الجميع على رأى الدولة فيرجع كل أحد على حكم رأيه في مذهبه فيما ~~يخلصه من الله ، ويبطل حكم بيت المال الذي لم يذكره الله في كتابه ولا أمر ~~به الرسول عليه السلام . فأجاب إلى ذلك . وأمر الوزير أن يكتب به وأن يكتب ~~بتعويض أمناء الحكم عما يقتضونه من ربع العشر بتقرير جار لهم في كل شهر من ~~مال الديوان على المواريث الحشرية وأخذ الفقيه في ذكر بقية حوائج أصحابه ؛ ~~وكتب منه توقيع فرغت منه نسخ منها ما سير إلى الثغور وكبار الأعمال ، ~~وشملته العلامة الآمرية وبعدها العلامة المأمونية . ونسخته بعد البسملة : ~~خرج أمر أمير المؤمنين بإنشاء هذا المنشور عندما طالعه السيد الأجل المأمون ~~أمير الجيوش ونعوته والدعاء وهو الخالصة أفعاله في حياطة المسلمين وذو ~~المقاصد المصروفة إلى النظر في مصالح الدنيا والدين ، والهمة الموقوفة على ~~الترقي إلى درجات المتقين ، والعزائم الكافلة بتشديد أحوال الكافة أجمعين ؛ ~~شيمة خصه الله بفضيلتها جبلة أسعد بجلالها وشريف مزيتها . والله سبحانه ~~يجعل آراءه للتوفيق مقارنة ، وأنحاء PageV03P089 الميامن كافلة ضامنة ، من ~~أمر المواريث وما أجراها عليه الحكام الدارجون بتغاير نظرهم ، وقرروه من ~~تغيير عما كان يعهد بتغلب آرائهم ، وما دخل عليها منهم من الفساد ، والخروج ~~بها عن المعهود المعتاد ؛ وهو أن لكل دارج من الناس على اختلاف طبقاتهم ~~وتباين مذاهبهم واعتقاداتهم تحمل ما يترك من موجوده على حكم مذهبه في حياته ~~والمشهور من اعتقاده إلى حين وفاته ؛ فيخلص لحرم ذوي التشيع الوارثات جميع ~~موروثهم ms456 ؛ وهو المنهج القويم لقول الله سبحانه : ' وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم ' . ويحمل من سواهن على مذهب ~~مخلفيهن ، ويشركهم بيت مال المسلمين في موجودهم ، ويحمل إليه جزء من ~~أموالهم التي أحلها الله لهن بعدهم ، عدولا عن محجة الدولة ، وخروجا عما ~~جاء به العباد من الأئمة الذين نزل في بيتهم الكتاب والحكمة ، فهم قراء ~~القرآن ، وموضحو غوامضه ومشكلاته بأوضح البيان ، وإليهم سلم المؤمنون ، ~~وعلى هديهم وإرشادهم يعول الموقنون ؛ فلم يرض أمير المؤمنين الاستمرار في ~~ذلك على قاعدة واهية الأصول ، بعيدة من التحقيق خالية من المحصول ، ولم ير ~~إلا العود فيه إلى عادة آبائه المطهرين ، وأسلافه العلماء المهديين ، صلوات ~~الله عليهم أجمعين . وخرج أمره إلى السيد الأجل المأمون بالإيعاز إلى ~~القاضي ثقة الملك النائب في الحكم عنه ، بتحذيره ، والأمر له بتحذير جميع ~~النواب في الأحكام بالمعزية القاهرة ومصر وسائر الأعمال ، دانيها وقاصيها ، ~~قريبها ونائيها ، من الاستمرار على تلك السنة المتجددة ، ورفض تلك القوانين ~~التي كانت معتمدة واستئناف العمل في ذلك بما يراه الأئمة المطهرة ، وأسلافه ~~الكرام البررة ، وإعادة جميع مواريث الناس على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم إلى ~~المعهود من رأي الدولة فيها ، والإفراج عنها برمتها لمستحقيها ، من غير ~~اعتراض عليهم في قليلها ولا كثيرها ؛ وأن يضربوا عما تقدم صفحا ، ويطووا ~~دونه كشحا ، منذ تاريخ هذا التوقيع ، وفيما يأتي بعده مستمرا غير مستدرك ~~لما فات ومضى ، ولا متعقب لما ذهب وانقضى . # وليوف الأجل المأمون ، عضد الله به الدين ، بامتثال هذا المأمور ، ~~والاعتماد على مضمون هذا المسطور ؛ وليحذر كلا من القضاة والنواب ، ~~والمستخدمين في الباب ، وسائر PageV03P090 الأعمال ، من اعتراض موجود أحد ~~ممن يسقط الوفاة وله وارث بالغ رشيد ، حاضر أو غائب ، ذكرا كان أو أنثى ، ~~من سائر الناس على اختلاف الأديان بشيء من التأولات أو تعقب ورثته بنوع من ~~أنواع التعقبات ، إلا ما أوجبته بينهم المحاكمات والقوانين الشرعيات ~~الواجبات ، نظرا إلى مصالح الكافة ، ومدا لجناح العاطفة عليهم والرأفة ، ~~ومضاعفة للأنام وإبانة عن شريف القصد إليهم والاهتمام . # فأما من ms457 يموت حشريا ولا وارث له حاضر ولا غائب ، فموجوده لبيت المال ~~بأجمعه على الأوضاع السليمة ، والقوانين المعلومة القويمة ، إلا ما يستحقه ~~خرج إن كان له أو دين عليه يثبت في جهته . وإن سقط متوفى وله وارث غائب ~~فليحفظ الحكام والمستخدمون على تركته احتياطا حكميا ، وقانونا شرعيا مصونا ~~من الاصطلام ، محروسا من التفريط والاخترام ؛ فإن حضر وأثبت استحقاقه ذلك ~~في مجلس الحكم بالباب ، على الأوضاع الشرعية الخالصة من الشبه والارتياب ، ~~طولع بذلك ليخرج الأمر بتسليمه إليه والإشهاد يقبضه عليه . وكذلك نمى إلى ~~حضرة أمير المؤمنين أن شهود الحكم بالباب وجميع الأعمال إذا شارف أحد منهم ~~بيع شيء مما يجري في المواريث من الترك التي يتولاها الحكام يأخذون ربع ~~العشر من ثمن المبيع ، فيعود ذلك بالنقيصة في أموال الأيتام ، والتعرض إلى ~~الممنوع الحرام ، اصطلاحا استمروا على فعله ، واعتمادا لم يجر الأمر فيه ~~على حكمه ؛ فكره ذلك وأنكره . واستفظعه وأكبره ، واقتضى حسن نظره في ~~الفريقين ، ما خرج به أمره من توفير مال الأيتام ، وتعويض من يباشر ذلك من ~~الشهود جاريا يقام لكل منهم من الإنعام ؛ وأمر بوضع هذا الرسم وتعفيته ، ~~وإبطاله وحسم مادته . فليعتمد القاضي ثقة الملك ذلك بالباب ، وليصدر ~~الإعلام إلى سائر النواب ، سلوكا لمحجة الدين ، وعملا بأعمال الفائزين ~~السعداء المتقين ، بعد تلاوة هذا التوقيع في المسجدين الجامعين بالمعزية ~~القاهرة المحروسة ومدينة مصر على رءوس الأشهاد ، ليتساوى في معرفة مضمونه ~~كل PageV03P091 قريب وبعيد وحاضر وباد ؛ ولتفرغ منه النسخ إلى جميع النواب ~~عنه في الأعمال ، وليجلد في مجلس الحكم بعد ثبوته في ديواني المجلس والخاص ~~الآمري ، وحيث يثبت مثله إن شاء الله تعالى حجة مودعة في اليوم وما بعده . ~~وكتب لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ست عشرة وخمسمائة . # ثم حضر الفقيه أبو بكر لوداع الوزير ، وعرفه ما عزم عليه من إنشاء مسجد ~~بظاهر الثغر على البحر ، فكتب إلى ابن حديد بموافقة الفقيه على موضع يتخيره ~~، وأن يبالغ في إتقانه وسرعة إنجازه ، وتكون النفقة عليه من مال ديوانه دون ~~مال الدولة . وتوجه فبنى ms458 المسجد المذكور على باب البحر . وأما المسجد الذي ~~بالمحجة فإن المؤتمن عند مقامه بالثغر بناه . # وذكر للمأمون أيضا أن واحات البهنسا ليس بها جمعة تقام ، فأمر ببناء جامع ~~بها ، ففرغ منه وأقيم فيه خطيب وإمام وقومة ومؤذنون ، وأطلق لهم ما هي عادة ~~أمثالهم . # وقيل إن الذي أنشأه المأمون في وزارته وفي أيام الأفضل أحد وأربعون مسجدا ~~، مع ما أمر بتجديده ، بعد وزارته ، بالقاهرة ومصر وأعمالهما ما يناهز ~~مائتي مسجد . # فيه بنيت دار ضرب بالقاهرة ودار وكالة . PageV03P092 # وفي ذي القعدة مات الأمير السعيد محمود بن ظفر ، والي قوص . وركب المأمون ~~إلى الجامع الأزهر ، فلما كان وقت صلاة الصبح تقدم قاضي القضاة ثقة الملك ~~أبو الفتح مسلم بن علي الراسعيني وصلى ؛ فلما قرأ الفاتحة لحقه زمع شديد ~~وارتعد ، فلحن في الفاتحة ؛ وقرأ : ' والشمس وضحاها ' ، فلما قال : ' ناقة ~~الله وسقياها ' أرتج عليه ، فرد المؤتمن حيدرة ، أخو المأمون ، عليه ، ~~فاشتد زمعه ، فكرر عليه الرد ، فلم يهتد وقال : ' وسقناها ' بالنون : فقرأ ~~المأمون بقية السورة وسجد الناس . وقام في الركعة الثانية وقد دهش فلم يفتح ~~عليه بشيء ؛ فقرأ المأمون الفاتحة ' وقل هو الله أحد ' ، وقنت وهو معه ~~يلقنه . فلما انقضت الصلاة اشتد غضب المأمون وأمر متولى الباب بأن يختم ~~المقرئون . وتخيل المقام وخرج من الجامع ، فوكل بالقاضي من يمضي به إلى ~~داره ويأمره بالمقام بها من غير تصرف حتى يحفظ القرآن ؛ وقرر له راتبا فيما ~~بعد ؛ ولزم داره . # وأنفذ للوقت إلى القاضي أبي الحجاج يوسف بن أيوب المغربي ، من قضاة ~~الغربية ، فأحضره وخلع عليه في القصر بذلة مذهبة ، وسلم به على الخليفة ، ~~وسلم إليه السجل في لفافة مذهبة بنيابته في الكم العزيز والخطابة والصلاة ~~وديوان الأحباس ودور الضرب بسائر أعمال المملكة ؛ ونعت فيه بالقاضي جلال ~~الملك تاج الأحكام ؛ فقبله ووضعه على رأسه . وتلى على منابر القاهرة ومصر . # وكان يحضر في يومي الاثنين والخميس إلى مجلس المظالم بين يدي المأمون ، ~~ويستعرض القصص ويناقش فيها ، ويباحث مباحثة الفقهاء العلماء ، فزاد المأمون ~~في إكرامه ، ورد إليه وكالة الخليفة ؛ وكتبت ms459 له الوكالة ، وشرف بالخلع . # وتولى قوص الأمير مؤيد الملك وخلع عليه ؛ وأمر أن يبنى بقوص دار ضرب ، ~~وجهز معه مهندسين وضرابين وسكك العين والورق ، وعشرين ألف دينار وعشرين ألف ~~درهم PageV03P093 فضة ؛ فضربت هناك دنانير ودراهم ؛ وصار كل ما يصل من ~~اليمن والحجاز من الدنانير العدنية وغيرها يضرب بها . # وصار ما يضرب باسم الآمر في ستة مواضع : القاهرة ، ومصر ، وقوص ، وعسقلان ~~، وصور ، والإسكندرية . وقرر للشيخ أبي جعفر يوسف بن أحمد بن حسديه بن يوسف ~~، الإسرائيلي الأصل ، لما قدم من الأندلس وصار ضيف الدولة ، جار وكسوة ~~شتوية وعيدية ورسوم ، وأقطع دارا بالقاهرة ، وكتب له منشور نسخته بعد ~~البسملة . # ولما كان من أشرف ما طرزت السيرة بقدره ، وأنفس ما وشحت الدول بجميل أثره ~~، تخليد الفضائل وإبداء ذكرها ، وإظهار المعارف وإيضاح سرها ، لا سيما ~~صناعة الطب التي هي غاية الجدوى والنفع ، وورود الخبر بأنها قرينة إلى ~~الشرع . لقوله صلى الله عليه وسلم : العلم علمان علم الأديان وعلم الأبدان ~~خرج أمر سيدنا ومولانا لما يؤثره بعلو همته من إنماء العلوم وإشهارها ، ~~واختصاص الدولة الفاطمية بإحياء الفضائل وتجديد آثارها ، ليبقى جمال ذلك ~~شاهدا لها على مر الأيام ، متسقا بما أفشاه لها من المآثر الجمة والمفاخر ~~الجسام ، لشيخنا أبي جعفر يوسف بن أحمد بن حسديه ، أيده الله ، لصرف رعايته ~~إلى شرح كتب أبقراط التي هي أشرف كتب الطب وأوفاها ، وأكثرها إغماضا ~~وأبقاها ، وإلى التصنيف في غير ذلك من أنحاء العلوم ، مما يكون منسوبا إلى ~~الأوامر العالية ، ورسم التوفر على ذلك والانتصاب له ، وحمل ما يكمل أولا ~~أولا إلى خزائن الكتب ، وإقراء جميع من يحضر إليه من أهل هذه الصناعة ، ~~وعرض من يدعيها واستشفافه فيما يعانيه ؛ فمن كملت عنده صناعته فليجره على ~~رسمه ، ومن كان مقصرا فليستنهضه . واعتمدنا عليه في ذلك لكونه مميزا في ~~البراعة في العلوم متصرفا في فنونها ، مقدما في بسطها وإظهار مكنونها ، ~~ولأنه يبلغ الغرض المقصود في شرح هذه الكتب ويوفى عليه ، ويسلك أوضح السبل ~~وأسدها إليه ، وفي جميع ما شرع له . فليشرع في ذلك ms460 مستعينا بالله ، منفسح ~~الأمل PageV03P094 بإنهاضنا له ، وجميل رأينا فيه ، بعد ثبوته في الدواوين ~~إن شاء الله تعالى . وكتب في ذي القعدة سنة ست عشرة وخمسمائة . # فانتصب لطالبي علم الطب وأقبل أطباء البلدين إليه ، واجتمع في أيدي الناس ~~من أماليه كثير ، وجعل له يومين في الجمعة يشتغل فيهما ، ويتوفر في بقية ~~الأسبوع على التصنيف ، وحمل ذلك إلى الخزائن ؛ واستخدم كاتبين لتبييض ما ~~يؤلفه . # ولما أهل ذو الحجة جرى الحال في الهناء ومدائح الشعراء في القصر بين يدي ~~الخليفة وبالدار المأمونية على الحال المستقرة ، واستقبله المأمون بالصيام ~~، وأخرج من ماله ما زاد عن المستقر في كل عام ، برسم الأطفال من الفقراء ~~والأيتام ، من أهل البلدين وغيرهم ؛ ولم يتعرض لطلب ذلك من المميزين بحكم ~~ما يعملونه من السنين المتقادمة . ومما ابتكره ولم يسبقه إليه أحد أن ~~استعمل ميقاط حرير فيه ثلاث جلاجل ، وفتح باب طاقة في الروشن من سور داره ؛ ~~فصار إذا مضى شطر الليل وانقطع المشي طرت السلسلة ودلى الميقاط من الطاق ، ~~وعلى هذا المكان جماعة مبيتون بحقه من المغاربة ؛ فمن حضر من الرجال ~~والنساء بتظلمه سدد قصة في الميقاط بيده ويحركه بعد أن يقف من حضره على ~~مضمون الرقعة ؛ فإن كانت مرافعة لم يمكنوه من رفعها ، وإن كانت ظلامة مكنوه ~~من ذلك ويعوق صاحبها إلى أن يخرج الجواب . # وكان القصد بعمل ذلك أنه من حدث به ضرر من أهل الستر ، أو كانت امرأة من ~~غير ذات البروز ولا تحب أن تظهر ، أو كانت مظلمة في الليل تتعجل مضرتها قبل ~~النهار فلتأت لهذا الميقاط . # وحضرت كسوة عيد النحر ، وفرقت الرسوم على من جرت عادته بها ، خارجا عما ~~أمر به من تفرقة العين المختص بهذا العيد وأضحيته ، فكان منها سبعة عشر ~~ألفا وستمائة دينار برسم القصور جميعها ، وجملة ما نحر وذبح الخليفة خاصة ، ~~دون الوزير ، في ثلاثة أيام النحر ألف وتسعمائة وستة وأربعون رأسا ؛ منها ~~نوق مائة وثلاثة عشر ، وبقر ثمانية عشر رأسا ، وجاموس خمسة عشر ، والبقية ~~كباش ، ومبلغ المصروف على أسمطة الثلاثة ms461 PageV03P095 أيام ، خارجا عن أسمطة ~~الوزير ، ألف وثلثمائة وستة وعشرون دينارا ، ومن السكر ثمانية وأربعون ~~دينارا . # وعمل عيد الغدير على رسمه . وركب الخليفة إلى قليوب ، ونزل بالبستان ~~العزيزي لمشاهدة قصر الورد ، على العادة المستقرة والسنة المتقدمة ، وفرقت ~~الصدقات في مسافة الطريق ، وضربت الخيم ، وقدمت الأسمطة . ثم عاد في آخر ~~النهار إلى قصره . # وفي هذه السنة سير المأمون وحشي بن طلائع إلى صور ، فقبض على مسعود بن ~~سلار ، واليها لمخالفته ، وأحضره . وفيها تجهز الأسطول وسارت المراكب ، ~~فيها خمسة عشر ألف أردب قمحا وأقوات كثيرة ، إلى صور . فلما وصل خرج إليه ~~سيف الدولة مسعود واليها من جهة طغتكين ، فلما سلم عليهم سألوه النزول ~~إليهم ؛ فلما حصل في المركب اعتقل ، وأقلع الأسطول به إلى مصر ، فأكرم ~~وأنزل في دار ، وأطلق له ما يحتاج إليه وسبب القبض عليه كثرة شكوى أهل صور ~~منه . # وفيها وصل البدل من ثغر عسقلان على العادة . PageV03P096 # | سنة سبع عشرة وخمسمائة # في غرتها عمل برسم أول العام ؛ ثم حزن عاشوراء ، فالمولد الآمري على ما ~~جرى به الرسم . وخلع على المؤتمن سلطان الملوك نظام الدين أبي تراب حيدرة ، ~~أخي الوزير المأمون ، بدلة مذهبة خاص من لباس الخليفة ، وطوق ذهب ، وسيف ~~ذهب بغير منطقة ، وشرف بتقبيل يد الخليفة في مجلسه ؛ وسلم إليه تقليد في ~~لفافة مذهبة بولاية الإسكندرية والأعمال البحرية ؛ وشدت له الأعلام القصب ~~والفضة والعماريات ، وحمل بين يديه الأكياس برسم التفرقة . وحجبه الأمراء ~~والأستاذون ، وقبل أبواب القصر ، ومضى إلى داره ؛ وأطلق له من ارتفاع ثغر ~~الإسكندرية على الولايتين في الشهر خمسمائة دينار . # وثار اللواتيون وغيرهم بالصعيد الأدنى ، وقتلوا زين الدولة علي بن تراب ~~الوالي ، وعاثوا في البلاد وأفسدوا . فخرج إليهم المؤتمن أخو الوزير وتاج ~~الدولة بهرام زنان الأرمن في عدة وافرة ، فانهزموا بين يديه ، وأحاط بما ~~خلفوه من المواشي . PageV03P097 # وبلغه نزول مراكب الروم والبنادقة ، وهي بضع وعشرون مركبا ، على ~~الإسكندرية ، فبادر إليها المؤتمن ؛ فلما شاهده العدو أقلع ، فأخذ منهم عدة ~~قطع . وقدم على المؤتمن مشايخ اللواتيين والتزموا بحمل ثلاثين ألف دينار في ms462 ~~نظير جنايتهم ، وأن يعفى عنهم ؛ فأجابهم الوزير إلى ذلك ؛ وحمل المال مع ~~الرهائن . # وكان المؤتمن لما قدم إلى الثغر خيم بظاهره ، وقبل من القاضي مكين الدولة ~~أبي طالب أحمد بن الحسن بن حديد بن أحمد بن محمد بن حمدون ، المعروف بابن ~~حديد ، متولى الأحكام والإشراف بها ، ما حمله إليه على حكم الضيافة ثلاثة ~~أيام ، ثم أمره بإنفاقها بعد ذلك إلا ما يقتضيه رسمه خاصة . وأظهر كتاب ~~أخيه الوزير بأن الغلال بالثغر وأعمال البحيرة كثيرة ، وكذلك الأغنام مع ~~قطيعة العربان ؛ فمهما دعت الحاجة إليه برسم أسمطة العساكر يحمل ويساق ، ~~وتكتب به الوصول على ما جرت به العادة . وأمره ألا يقبل من أحد من التجار ~~ضيافة ولا هدية . # وأظهر كتابا آخر إلى مكين الدولة بأن يطلق في كل يوم من ارتفاع الثغر من ~~العين ما يبتاع به جميع ما يحتاج إليه من الأصناف برسم الأسمطة للعساكر . ~~وكان يستخدم عليها من يراه من الشهود . # وكان تجار الثغر قد حملوا ثلاثة آلاف دينار فأبى المؤتمن قبولها ، وأمر ~~بإعادتها إلى أربابها ؛ فأخذ مكين الدولة يتلطف في أن يكون عوض ذلك طرفا ~~وطيبا ؛ فأقسم أنه لا يقبل منهم شيئا . واستمرت الأسمطة في كل يوم ؛ ولم ~~يقبل لأحد هدية . # واتفق أن المؤتمن وصف له الطبيب دهن شمع والقاضي مكين الدولة حاضر ، فأمر ~~في الحال بعض غلمانه بالمضي إلى داره ليحضر الدهن المذكور ، فلم يكن أكثر ~~من مسافة الطريق حتى أحضر صرا مختوما فك عنه ، فوجد فيه منديل لطيف مجاوم ~~مذهب على مداف بللور فيه ثلاث بيوت كل بيت عليه قتد ذهب مشبكة مرصعة بياقوت ~~وجوهر ؛ PageV03P098 بيت دهن بمسك ، وبيت دهن بكافور ، وبيت دهن بغير طيب ، ~~ولم يكن فيه شيء مصنوع لوقته . فلما رآه المؤتمن والحاضرون عجبوا من علو ~~قيمة القاضي وجليل رئاسته وسعة نفسه ؛ وحلف القاضي الحرام إن عاد إلى ملكه ~~. فقال المؤتمن ؛ قد قبلته منك ليس لحاجة إليه ، ولا نظر في قيمته ، بل ~~لإظهار هذه الهمة وإذاعتها . وذكر أن قيمة المداف المذكور خمسمائة دينار . # وخلع المؤتمن ms463 على القاضي بذلة مذهبة بطيلسان مقور وثياب حرير ، وقدم له ~~دابة بمركب حلى ثقيل ؛ ثم خلع عليه في اليوم الثاني والثالث كذلك . وخلع ~~على أخيه حلتين مكللتين مذهبتين ورزمة فيها شقق حريرية مما يختص بالنساء . ~~وأنعم على كل من حواشيه وأصحابه . # وعاد إلى القاهرة ، فمدحه عدة من الشعراء . وورد رسل ظهير الدين طغتكين ، ~~صاحب دمشق ، وآق سنقر ، صاحب حلب ، بالحث على غزو الفرنج ، وكبيرهم علي بن ~~حامد ، الحاجب . فلما وصلا باب الفتوح ترجلا وقبلاه ، ومشيا إلى أبواب ~~القصور ففعلا مثل ذلك ؛ وأوقفا عند باب البحر PageV03P099 قدر ما جلس ~~الخليفة . فجهز عسكر في البر مقدمه حسام الملك النرسي ، وسار الأسطول في ~~أربعين شينيا فوصلوا إلى عسقلان ؛ وخرجت الغارات وعادت بالغنيمة . # فاجتمعت طوائف الفرنج ، وكتب إلى حسام الملك أن يقيم بالثغر ، ويلقى ~~الفرنج عليه ولا يتعداه ، فخالف ذلك ، وتوجه مخفا بغير ثقل ونزل على يافا ~~فقتل وأسر . فعندما قصده الفرنج رحل وهم يتبعونه حتى وافى تبنى فلقيهم هناك ~~، فانهزم العسكر من غير قتال ، وقتل الراجل بأسره ، وعاد من بقي مهزوما إلى ~~عسقلان . # ووصل الخبر بذلك فأهم الآمر والمأمون ، واشتد الحنق على حسام الملك لسوء ~~تدبيره ؛ فآل أمره بعد أمور إلى أن قتل . # فيها خرج أمر المأمون إلى الواليين بمصر والقاهرة بإحضار عرفاء السقائين ~~وإلزام المتعيشين منهم بالقاهرة بحضورهم متى دعت الحاجة إليهم ليلا ونهارا ~~. ولذلك ألزم أصحاب القرب وتقرر أن يبيتوا على باب المعونة ومعهم عدة من ~~الفعلة بالطواري والمساحي ، وأن يقوما لهم بالعشاء من أموالهما . # وعمل بعض التجار لابنته فرحا في إحدى الآدر المعروفة بالأفراح ، فتسور ~~ملاك الدار على النساء وأشرفوا عليهن والعروس في المجلى ، فأنكر عليهم ذلك ~~، فأساءوا وأفسدوا على الرجل ما صنعه ؛ فخرج مستغيثا ، فخشوا عاقبة فعلهم ؛ ~~فما زالوا به حتى كف عن شكواهم . فلما حضر والي مصر بالمطالعة في الصباح ~~إلى الوزير على عادته ، قيل له : لم لا ذكرت في مطالعتك ما جرى للتاجر الذي ~~عمل فرح ابنته ؟ فاعتذر بأن المرسوم له ألا يذكر ما يخرج عن السلامة ms464 ~~والعافية ولم يتصل به ما جرى في الفرح . فأسمعه ما أمضه ، وبين عجزه ~~وتقصيره ، وقال له ، والسلامة والعافية أن يخرج بالرجل ويهان وتنتهك حرمته ~~ولا يجد ناصرا ! ! . PageV03P100 # فرسم بإحضار شاهدين ومهندسين ، وتوجهوا إلى سائر الدور المختصة بالأفراح ~~وإحضار ملاكها ، فمن رغب في استمرار ملكه على حاله فليزل التطرق إليه ويكتب ~~عليه حجة بالقسامة بذلك . ومن لم يرغب فلتؤخذ عليه الحجة بألا يوجد ملكه ~~للأفراح ويتصرف فيه على ما يريد . فامتثل ذلك . # وجرى الرسم في عمل المولد الكريم النبوي في ربيع الأول على العادة . # وكتب لجميع الأعمال ، خلا قوص وصور وعسقلان ، بمطالعة كل وال منهم في ~~مستهل كل شهر بمن حواه السجن والموجب لاعتقاله ، ويبين كل منهم ذلك ويعتمد ~~فيه الحق . وسبب ذلك أنه رفع إلى المأمون أن بعض الولاة يعتقل من لا يجب ~~عليه اعتقال ، لطلب رشوة ، فتطول مدته . # وفيه قرر برسم رش ما بين البلدين ، مصر والقاهرة ، في كل يوم من اليومين ~~اللذين يركب فيهما الخليفة مما يصرف للسقائين دينار واحد ؛ فاستمر ذلك يطلق ~~لهم إلى الأيام الحافظية . وكان سبب إطلاق هذا القدر أنه رفع للوزير ~~المأمون أن واليي القاهرة ومصر يأخذان جميع السقائين أرباب الجمال والدواب ~~لرش ما بين البلدين سخرة بغير أجرة . # وفي جمادى الآخرة أعيد ثغر صور إلى ظهير الدين طغتكين ، صاحب دمشق ، وكتب ~~له بذلك ، وفخم فيه وعظم ، ونعت بسيف امير المؤمنين ؛ وجهزت إليه الخلعة ، ~~وهي بدلة طميم منديلها طوله مائة ذراع شرب ، فيه ثمانية وعشرون ذراعا ~~مرقومة بذهب عراقي ، وثوب طميم جميعه برقم ذهب عراقي ، سلف المنديل والثوب ~~ألف دينار ، وثوب دبيقي وسطاني ، PageV03P101 وثوب سقلاطون داري ، وثوب ~~عتابي ، وشاشية دبيقي ، ولفافة ؛ وجميع ذلك في تخت مبطن عليه لفافة دبيقي ؛ ~~وغير ذلك من الكساوى برسم نسائه وأصحابه . وجهز الأمين الدولة جمشتكين ، ~~صاحب صلخد ، بذلة مذهبة ومنديلها ، وعدة ثياب ، وغيرها . # في شعبان وصلت الأساطيل بمن فيها سالمين ، وقد غنموا شينيين من شواني ~~الفرنج وبطشة كبرى ، وعدة من النساء والرجال . وذكر للمأمون أن الأسرى ~~المذكورين يؤخذ منهم ms465 في الفداء ما يزيد عن عشرين ألف دينار عينا ؛ فقال : ~~والله لا أبقي منهم أحدا ؛ قد قتل لنا خمسمائة رجل يساوون مائة ألف ، وقد ~~أظفر الله بما يكون دية عنهم ؛ لا يشاع عنا أنا بعنا الفرنج وربحنا أثمانهم ~~عوضا عن رجالنا . # وركب الخليفة بما جرت به العادة ، واصطفت العساكر بالعدد والأسلحة ؛ وعاد ~~، وخلع على الأمراء وعلى زمام الأسطول والرؤساء . وحضرت الحجاب ، المندوبين ~~لقتل الفرنج ، بأنهم لما شاهدوا الحال بذلوا في خلاص أنفسهم ثلاثين ألف ~~دينار ، وأنه يرجى منهم أكثر من ذلك ؛ فكتب الجواب بالإنكار وإمضاء السيف ~~فيهم ؛ فقتل الرجال بأسرهم وقد اجتمع الناس وضجوا بالتهليل والتكبير عند ~~قتلهم ، فكان أمرا مهولا . وقد ذكر هذا اليوم عدة من الشعراء . # وجرى الرسم في أسمطة شهر رمضان ، والركوب إلى الجمع ، وفي كسوة غرة شهر ~~رمضان على العادة . PageV03P102 # وفيه سير هلال الدولة سوارا رسولا إلى حرة اليمن وصحبته برسمها من ~~التشريف مما لبسه الخليفة وما زج عرقه من الحلل المذهبات والملاءات الشرب ~~المذهبة والشقق النفوسى والمغربي المقصور والإسكندراني المطرز جملة كثيرة ~~في تخوت مدهونة مبطنة ، وسلال مملوءة من لحم الناقة التي نحرت بالمصلى ، ~~واثنى عشر مجلسا من المساطير التي تقرأ كل خميس وعليها علامة الخليفة ، ~~وكثير من النحاس القضيب والمرجان . وكتب إليها كتابا في قطع الثلثين أوله : ~~من عبد الله ووليه المنصور أبي علي الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين ، ابن ~~الإمام المستعلى بالله أمير المؤمنين ، صلى الله عليهما ، إلى الحرة الملكة ~~السيدة الرضية ، الطاهرة الزكية ، وحيدة الزمن ، سيدة ملوك اليمن ، عدة ~~الإسلام ، خالصة الإمام ، نصيرة الدين ، عصمة المسترشدين ، كهف المستجيرين ~~، ولية أمير المؤمنين وكافية أوليائه الميامين ، أدام الله تمكينها ونعمتها ~~، وأحسن توفيقها ومعونتها . # وفي آخره : وأمير المؤمنين متطلع إلى علم أخبارك ، ومعرفة أنبائك ، ~~فتواصلى بإنهاء المتجدد منها إن شاء الله . والسلام عليك ورحمة الله ~~وبركاته . ويطوى مدورا ويختم بحرير وأشرطة ذهب وعنبر ويجعل في خريطة . # فيه قرئ بالجامع العتيق منشور ، نسخته بعد التصدير : PageV03P103 بأننا ~~لم نزل منذ ناطت بنا الحضرة المطهرة ، صلوات الله عليها ms466 ، الأمور ، وعولت ~~على كفايتنا في سياسة الجمهور ، وردت إلينا النظر فيما وراء سرير خلافتها ، ~~وفوضت إلى إيالتنا من مصالح دولتها ، وعبيدها ورعيتها ، في محاسن الأقعال ~~ناظرين ، وعلى بسط العدل والإحسان على الكافة متوفرين ، وبحسن توفيق الله ~~تعالى لنا واثقين ، وبمراشده الهادية مسترشدين ، فلا ندع وجها من دعوة البر ~~إلا قصدناه ، ولا بابا من أبواب الخير إلا ولجناه ، ولا نعلم أمرا فيه قربى ~~إلى الله سبحانه إلا وتقع المرتبة إلا أتيناه ولا شيئا يعود بثواب الله ~~وحسن الأحدوثة إلا اعتمدناه ؛ شيمة خصنا الله تعالى بميزتها ، وسجية أسبغ ~~علينا جلاليب أمنها وسعادتها ؛ وعملا في ذلك بشريف آراء الحضرة المطهرة ، ~~صلوات الله عليها ، وجميل سيرتها ، واستمرارا على منهج الدولة الزاهرة ، ~~خلد الله ملكها ، وكريم عادتها ، وذهابا في ذلك مع سجيتها الحسنى ، ونشرا ~~لأرج ذكرها في الأبعد والأدنى . والله تعالى المسئول أن يعيننا على مصالح ~~الدنيا والدين ، ويقضى لنا بالفوز المبين ، ويصلح لنا وبنا كل فاسد ، وينظم ~~لنا عقود السعود والمحامد بمنه . ولما كان أحسن ما تطرز به محاسن السير ، ~~وتتناقل ذكره ألسنة البدو والحضر ، وتجنى ثمرته في الدنيا والآخرة ، وتحمد ~~مغبته في العاجلة والآجلة ، التقرب إلى الله تعالى في كل أوان ، وابتغاء ~~ثوابه في كل زمان ، لا سيما شهر رمضان ، الذي تزكوا فيه أفعال البر والصلاح ~~، وتتضاعف فيه الحسنات في الغدو والرواح ؛ رأينا ما خرج به أمرنا من كتب ~~هذا المنشور بمسامحة كافة سكان الرباع السلطانية بالقاهرة ومصر من الأدر ~~والحمامات والموانيت والمعاصر والأخونة والطواحين والعرس ، وجميع ما يجري ~~في الرباع خارجا من ريع الأحباس وريع المواريث المنصرف مستخرج ارتفاعها ~~فيما يجري هذا المجرى من وجوه البر ، بأجرة شهر رمضان من كل سنة ، لاستقبال ~~رمضان سنة سبع عشرة وخمسمائة وما بعدها ، إحسانا يسير ذكره كل مسير ، ~~وتعظيما . لحرمة هذا الشهر العظيم الخطير ، الذي فضله الله على جميع الشهور ~~، وأنزل فيه قرآنه المجيد ، وفرض صيامه على أهل التوحيد ؛ وحضهم فيه على ~~الأفعال المزلفة لديه ، PageV03P104 ووعد من عمل فيه خيرا بمضاعفة الجزاء ~~عليه . فليعتمد العمل ms467 بما تضمته هذا المنشور ، وحطيطة أمره شهر رمضان عن ~~جميع سكان الربع المذكور لاستقبال التاريخ المقدم منسوبا ذلك إلى القرب ~~الصالحة والتجارة الرابحة ، ويفسح في جميع الدواوين حجة بمودعه ، وليجلد ~~بالمسجد الجامع العتيق بمدينة مصر ، منعا لمن يروم المطول فيه ، أو يفض ~~شيئا من وصفه ، إن شاء الله . # فلما قرئ هذا المنشور ضج العامة بالدعاء ونظم فيه عدة من الشعراء وجرى ~~الرسم في وصول كسوة العيد ، وهي العدة الكثيرة ، وتفريقها على العادة . ~~وعمل الختم في آخر الشهر بالقصر والجوامع والمساجد ؛ وحصل الاهتمام بالعيد ~~؛ وركب الخليفة إلى المصلى على العادة ، وصلى بالناس صلاة العيد ، وخطب ، ~~وحضر السماط . # وجرى الحال في يوم عاشوراء ، وفي المولد الآمري ، على المألوف . # فيه كان المولد العيسوي ، ففرق ما جرت به العادة من الجامعات القاهرية ~~والجامات السميذ ، وقرابات الجلاب وطيافير الزلابية ، والبورى ، على أصحاب ~~الرسوم . وعمل في شهر ربيع الأول المولد الكريم ، وفرق المال على الرسم . # وفيها وصل رسول الأمير تاج الخلافة أبي منصور حسن بن علي بن يحيى بن تميم ~~بن معز ابن باديس ، صاحب المهدية ، يخبر بانحيازه للدولة ، وأن رجار بن ~~رجار ، صاحب صقلية تواصلت أذيته وقد استعد لمحاربته ؛ وسأل أن يسير لرجار ~~يمنعه من ذلك . فسير إليه مصطنع الدولة علي بن أحمد بن زين الخد ، فأصلح ~~بينهما . # وفيها نقل المأمون الرصد من الجبل المطل على راشدة إلى علو باب النصر ~~بالقاهرة . # وفيها توفى ولي الدولة أبو البركات بن عبد الحقيق داعي الدعاة ، فاستقر ~~عوضه أبو محمد PageV03P105 حسن بن آدم ، وكان يدعى بالقاضي لأبوته وسنه ~~واشتهاره بالعلم . فبعث الآمر بأحكام الله إلى الوزير المأمون أن يستخدم ~~أبا الفخر صالحا ، فذكر المأمون أن أكثر المجالس التي كانت تعمل في أيام ~~النعمان بخط أبيه ، وأن أبا الفخر حدث السن ولا يماثل المذكور في العلم ؛ ~~وأضيف إليه الخطابة بالجامع الأزهر مع قراءته الكتب . وورد الخبر بأن ~~الفرنج افتدوا بغدوين رويس الملك بثمانين ألف دينار وثلاثين أسيرا من ~~المسلمين . وكان صاحب حلب قد أسره في وقعة له مع الفرنج ms468 . # وعمل ما جرى به الرسم في مواسم السنة . # وفيها جرت عمارة سور الإسكندرية . # وفيها حمل إلى عسقلان ثلاثة وعشرون ألفا وستمائة وأحد وثلاثون إردبا من ~~الغلال . PageV03P106 # | سنة ثمان عشرة وخمسمائة # فيها ملك الفرنج مدينة صور ، واستمرت بأيديهم حتى زالت الدولة الفاطمية . ~~وكان أخذهم إياها بعد محاصرتها مدة ، وتقاصر المأمون عن نجدتهم ، وأعانهم ~~طغتكين صاحب دمشق ، ووصل إلى بانياس وراسل الفرنج ؛ فاستقر الأمر على أن ~~الفرنج تستولي عليها بالأمان ، فخرج أهلها بما خف حمله ، وتفرقوا في البلاد ~~. وكان تملكهم لها في يوم الاثنين ثالث عشري جمادى الآخرة . # وفيها أمر ببناء دار واسعة ليتفرج الناس فيها عند كسر خليج القاهرة ~~بالكراء . وذلك أن الناس عند كسر الخليج كانوا يصنعون أخشابا متراكبة بعضها ~~على بعض ، يجلسون فوقها للتفرج يوم كسر الخليج ، ولم يكن هناك غير دار ~~الأمير أبي عبد الله محمد بن المستنصر ودار ابن معشر . ولم تزل هذه الأدر ~~الثلاثة إلى أن احترقت في نوبة شاور . PageV03P107 # فيها مات بألموت الحسن بن صباح كبير الإسماعيلية ، وقد تقدم أنه ورد مصر ~~في أيام المستنصر وسار إلى المشرق بدعوته ، واستولى على قلعة ألموت واعتقد ~~إمامه نزار بن المستنصر ، وأنكر إمامة المستعلى وإمامة الآمر . وانتدب عدة ~~لقتل الأفضل ابن أمير الجيوش فلما تقلد المأمون البطائحي وزارة الآمر بعد ~~قتل الأفضل بلغه أن ابن صباح والباطنية فرحوا بموت الأفضل ، وأنهم تطاولوا ~~لقتل الآمر والمأمون ، وأنهم بعثوا طائفة لأصحابهم بمصر بأموال . فتقدم ~~المأمون إلى والي عسقلان بصرفه وإقامة غيره ، وأمره بعرض أرباب الخدم بها ، ~~وألا يترك فيها إلا من هو معروف من أهل البلاد ؛ وأكد عليه في الاجتهاد ~~والكشف عن أحوال الواصلين من التجار وغيرهم ، وأنه لا يثق بما يذكرونه من ~~أسمائهم وكناهم وبلادهم ، بل يكشف من بعضهم عن بعض ويفرق بينهم ويبالغ في ~~الاستقصاء . ومن يصل ممن لم تجر عادته بالمجيء إلى البلاد فليعوقه بالثغر ~~ويطالع بحاله وما معه من البضائع ، ولا يمكن جمالا من دخول مصر إلا أن يكون ~~معروفا مترددا إلى البلاد ؛ ولا يسير قافلة ms469 إلا بعد أن يتقدم كتابه إلى ~~الديوان بعدة من فيها وأسمائهم وأسماء غلمانهم وأسماء الجمالين وذكر أصناف ~~البضائع ، ليقابل بها في مدينة بلبيس وعند وصولهم إلى الباب ، وأنه يكرم ~~التجار ويكف الأذى والضرر عنهم . # ثم تقدم المأمون إلى والي مصر ووالي القاهرة بأن يصقعا البلدين شارعا ~~شارعا وحارة حارة وزقاقا زقاقا وخطا خطا ، ويكتبا أسماء سكانها ، ولا مكنا ~~أحدا من النقلة من منزل إلى منزل حتى يستأذناه ويخرج أمره ، بما يعتمد في ~~ذلك . فمضيا لذلك ، وحررا الأوراق بأسماء جميع سكان القاهرة ومصر وذكر ~~خططهما ، والتعريف بكنية كل واحد وشهرته وصناعته وبلده ، ومن يصل إلى كل خط ~~وحارة من الغرباء . # فلما عرف ذلك المأمون انتدب نساء من أهل الخبرة والمعرفة للدخول إلى جميع ~~المساكن والاطلاع على أحوال ساكنيها الباطنية ومطالعته بجميع ما يشاهدنه ~~فيها ؛ فكانت أحوال كافة الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين أجناسهم من ساكني ~~مصر والقاهرة تعرض عليه ، ولا يكاد يخفى عنه منها شيء ألبتة . فامتنع لذلك ~~الباطنية مما كانوا قد عزموا عليه من الفتك بالآمر وبالمأمون لكفهم عن دخول ~~البلد . PageV03P108 ثم إنه مع ذلك أركب العسكرية وفرقهم في جهات البلدين ، ~~وأمرهم بالقبض على جماعة عينهم ، فقبض على جماعة كثيرة ، منهم رجل كان يقرئ ~~أولاد الخليفة الآمر ، ومنهم رسل كان ابن صباح قد سيرهم بمال لينفق على من ~~بمصر ممن يرى رأيهم . فكان هذا معدودا من عظيم الحزم ، وقوة التدبير . ومع ~~ذلك كان له القصاد والجواسيس وأصحاب الخبر في كل قطر ، فإذا خرج الباطني من ~~قلاع ألموت لا تزال أخباره ترد عليه شيئا بعد شيء منذ يخرج من مكانه حتى ~~يرد بلبيس ، فيسير إليه من ينقض عليه في مكانه الذي نزل فيه ويأتيه به ~~فيقتله . وصار من أجل ذلك وبسببه يرد عليه أخبار كل جليل وحقير من سائر ~~مملكته ، حتى كان يرى ويسمع كل ما يتفق في ليل أو نهار . وامتنع من ~~الباطنية إلى أن مات رئيسهم الحسن بن صباح بعد ما ملك من الشام جبل عاملة ، ~~وحصن العليق ، والكهف ms470 ، ومصياث ، والخوابي ، وحصن الأكمة ، وقلعة العيدين ؛ ~~ثم امتدت مملكته بعد موته إلى حد شرقي آذربيجان وبحر طبرستان وجرجان . ~~PageV03P109 # | سنة تسع عشرة وخمسمائة # فيها قبض الخليفة الآمر على وزيره المأمون في ليلة السبت لأربع خلون من ~~شهر رمضان ، وقبض على إخوته الخمسة مع ثلاثين رجلا من أهله وخواصه ، ~~واعتقله . فوجد له سبعون سرجا من ذهب مرضع ومائتا صندوق مملوءة كسوة بدنه . ~~ووجد لأخيه المؤتمن أربعون سرجا بحلى ذهب وثلثمائة صندوق فيها كسوة بدنه ، ~~ومائتا سلة ما بين بلور محكم وصيني لا يقدر على مثلها ، ومائة برنية مملوءة ~~كافور قنصوري ؛ ومائة سفط مملوءة عودا ؛ ومن ملابس النساء ما لا يحد . حمل ~~جميع ذلك إلى القصر ، وصلبه مع إخوته في سنة اثنتين وعشرين . # ويقال إن سبب القبض عليه أنه بعث إلى الأمير جعفر بن المستعلى ، أخي ~~الآمر ، يعزيه بقتل أخيه الخليفة ووعده أنه يعتمد مكانه في الخلافة ؛ فلما ~~تعذر ذلك بينهما بلغ الشيخ الأجل ، أبا الحسن علي بن أبي أسامة ، كاتب ~~الدست ، وكان خصيصا بالآمر قريبا منه ، وكان المأمون يؤذيه كثيرا . فبلغ ~~الخليفة الحال ، وبلغه أيضا أن بلغ نجيب الدولة أبا الحسن إلى اليمن وأمره ~~أن يضرب السكة ويكتب عليها : الإمام المختار محمد بن نزار . # ويقال إنه سم مبضعا ودفعه لفصاد الخليفة ، فأعلم الفصاد الخليفة بالمبضع ~~. # ومولده في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ، وقيل في سنة تسع . وكان من ذوي ~~الآراء والمعرفة التامة بتدبير الدول ، كريما ، واسع الصدر ، سفاكا للدماء ~~، شديد التحرز ، كثير التطلع إلى أحوال الناس من الجند والعامة ؛ فكثر ~~الواشون والسعاة بالناس في أيامه PageV03P110 ويقال إن أباه كان من جواسيس ~~الأفضل بالعراق ، وأنه مات ولم يخلف شيئا ، فتزوجت أمه وتركته فقيرا ، ~~فاتصل بإنسان يعلم البناء بمصر ، ثم صار يحمل الأمتعة بالسوق بمصر ، وأنه ~~دخل مع الحمالين يوما إلى دار الأفضل فرآه خفيفا رشيقا حسن الحركة حلو ~~الكلام ، فأعجب به ، فاستخدمه مع الفراشين بعد ما عرف بأنه ابن فلان ، فلم ~~يزل يتقدم عنده حتى كبرت منزلته ، وعلت درجته . # وهذا ليس بصحيح فإنه من ms471 أجناد المشارقة ، وقد تقدم أن أباه مات في زمن ~~الأفضل بعد ما ترقت أحول ولده ، وأنه كان ممن يعد من أماثل أهل الدولة . ~~ورثى بعدة قصائد . وتقدم أن المأمون كان ممن يخدم المستنصر وأنه الذي لقبه ~~بالمأمون . على أن المشارقة زادوا في التشنيع وذكروا أنه كان يرش الماء بين ~~القصرين ، وكل ذلك غير صحيح . # وكان المأمون شديد المهابة في النفوس وعنده فطنة تامة وتحرز وبحث عن ~~أخبار الناس وأحوالهم ، حتى إنه لا يتحدث أحد من سكان القاهرة ومصر بحديث ~~في ليل أو نهار إلا ويبيت خبره عند المأمون ، ولا سيما أخبار الولاة ~~وعمالهم . ومشت في أيامه أحوال البلاد وعمرت ، وساس الرعايا والأجناد وأحسن ~~سياسته ، إلا أنه اتهم بأنه هو أقام أولئك الذين قتلوا الأفضل وأعدهم له ~~وأمرهم بقتله ليجعل له بذلك يدا عند الخليفة الآمر ، ولأنه كان يخاف أن ~~يموت الأفضل فيلقى من الآمر ما يكرهه لأنه كان أكبر الناس منزلة عند الأفضل ~~ومتحكما في جميع أموره . وكان مع ذلك محببا إلى الناس لكثرة ما يقضيه من ~~حوائجهم ويتقرب به من الإحسان إليهم ، ويأخذ نفسه بالتدبير الجيد والسيرة ~~الحسنة ، بحيث لو قدر موته لزار الناس قبره تبركا به . واتهم أيضا بأنه هو ~~الذي قتل أولاد الأفضل وأولاد أخيه الأوحد وأولاد أخيه المظفر ، وكانوا نحو ~~مائة ذكر ما بين كبير وصغير ، فقتلوا بأجمعهم ، ولم يبق منهم سوى صغير ~~PageV03P111 نحيف يسمى أحمد أبا علي ويلقب بكتفيات ، فيقال إنه احتقره لما ~~كان يرى فيه من العي والانقطاع ؛ فكان منه ما يأتي خبره إن شاء الله تعالى ~~. # واتهم أيضا بقتل الأمير حسام الملك أفتكين ، صاحب الباب ، في أيام الأفضل ~~لتخوفه منه ؛ وذلك أن حسام الملك دخل مرة على الآمر للسلام ، فلما خرج قال ~~الآمر : والله إنك لأمير حسن ؛ فإنه كان جميلا تام القامة وفيه عجب وتيه . ~~فبلغ ذلك المأمون فقامت قيامته وأخذ في العمل عليه حتى أخرجه في العساكر ~~التي يقال إن عدتها عشرون ألفا ، فكان من خبره على عسقلان مع الفرنج ما كان ms472 ~~، وقتل من أصحابه يومئذ ما يزيد على عشرة آلاف ، وعاد حسام الملك فبعثه إلى ~~الإسكندرية ودس عليه من قتله . # قال ابن الطوير : ولما دفن الأفضل استعمل الآمر هذا الرجل ، وكان يخاطب ~~بالقائد من خدمة الأفضل في الوساطة دون الوزارة ، ونعته بجلال الإسلام . ~~واستمر على ذلك ، ثم كمل له الوزارة وخلع عليه خلعة الوزارة إلا الطيلسان ~~المقور ، فباشرها ، وكان متيقظا قد حذق الأمور ودربها من صحبة الأفضل وطول ~~خدمته إياه . وكان بالدار التي بالسيوفيين بالقاهرة ، وهي اليوم مدرسة ~~للحنفية ، وأخذ يصب على تغلب الأفضل مع الآمر ، فصار يتغلب على الآمر في ~~واحدة بعد واحدة من الجفاء والإقدام ، والآمر يملى له ويحتمله ، حتى استوحش ~~كل منهما من الآخر . # وكان له أخ ينعت بالمؤتمن أبي تراب حيدرة ، فرأى من الرأي أن يولي أخاه ~~جانبا عظيما من ديار مصر ويجعل معه عسكر النجدة ردءا إذا قصده الخليفة بضرر ~~، فإنهما دام أخوه يكون حاميا له ، فيكون هو من داخل وأخوه من خارج . وجرد ~~معه مائة فارس من شدة الأجناد وكبرائهم ، وأضاف إليهم أمثالهم ، مثل علي بن ~~السلار وتاج الملوك قايماز وسيف الملك الجمل ودرى الحرون وحسام الملك بسيل ~~، وكل واحد من هؤلاء جيش بمفرده ؛ والخليفة يعلم ذلك ولا يرده عليه . وزاد ~~في معناه حتى قيل إن الخليفة اطلع على أنه ادعى الخلافة وأنه من ولد نزار ~~من جارية خرجت من القصر وهي حامل عندما خرج نزار PageV03P112 إلى ~~الإسكندرية فانزعج الخليفة لذلك . ثم إنه سير إلى اليمن الموفق علي بن نجيب ~~الدولة ، وكان من أهل الأدب فصيحا داهية ، ليحقق لنسبه هناك ويدعو الناس ~~إلى بيعته ، فلما قيل للآمر هذا ، ما شك فيه ، وأخذ يتحيل في الإيقاع به ~~بعد عود أخيه من ولايات الإسكندرية والغربية والبحيرة والجزيرتين والدقهلية ~~والمرتاحية ؛ فاختلق الآمر قضية يلتمسها من الإسكندرية وهو مقيم بها ، فسير ~~أستاذا من ثقاته ، ظاهره فيما ندبه إليه وباطنه في العلم على المأمون وأخيه ~~، وقال له : أحرص على اجتماعك بعلي ابن السلار في المسايرة وسلم عليه عنا ، ~~وقل له ms473 وقل له إننا ما زلنا نلتفت إليه وندخره لمهماتنا ونتحقق فيه ~~الموافاة لنا ، وإنا بحمد الله قادرون على المكافأة بالخير أكثر من غيرنا ، ~~وقد تلونت أحوال المأمون وبالغ في عقوقنا بأشياء لا يتسع لها ذكرنا . ~~ومقصودنا أن تكتم عنا ما نقول لك . # فلما بلغه الأستاذ ذلك عن الآمر قال : السمع والطاعة لمولانا ، وأنا ~~مملوكه وأذل نفسي في خدمته . فقال الأستاذ : هكذا والله قال عنك . قال ابن ~~السلار : فما يأمر به ؟ قال : تحد رجالك بأجمعهم في الانفصال عن المؤتمن ، ~~أنت ومن تثق به . # فلما تقرر ذلك اتفق علي بن السلار وهو وقايماز ودرى الحرون ، وكانوا ~~أمراء الجماعة فتفرقوا عنه وتبعهم الباقون ، فانفرد المؤتمن واستوحش وكاتب ~~أخاه المأمون بذلك ؛ PageV03P113 فما اتسع له أن يتتبع الأمراء ولا ينكر ~~عليهم ليرجعوا إلى أخيه ، لعلمه بتغير الخليفة عليه ، مخافة أن يفسد أمره ~~ظاهرا وباطنا . فحضر إلى الخليفة يوم سلام ، على عادة الوزراء ، وتقدم وقال ~~: يا مولانا ، صلوات الله عليك ، وصل كتاب أخي يتذمم من طول مقامه خارج ~~القاهرة وأسفه على ما يفوته من خدمة مولانا بالمباشرة ، ويسأل الفسحة له في ~~العودة إلى بابه الكريم فقال : مرحبا وأهلا ، وهذا كان رأينا ، ونحن ~~مشتاقون إليه ، وإنما قصدنا رضاك فيما رتبته له . يقدم على بركة الله . ~~فكوتب عن الخليفة بالعود وأن يرتب في ولاياته من يرضاه . فامتثل ذلك . ودخل ~~القاهرة ؛ فجلس الخليفة له في غير وقت الجلوس ، فمثل بين يديه ، وأكرمه ~~وأدناه ، وخلع عليه بالتشريف المفخم . # فلما دخل شهر رمضان ، وفيه السماط كل ليلة بقاعة الذهب ، ويحضر الوزير ~~وإخوته وأصحابه ؛ فحضر المأمون وأخوه المؤتمن السماط أول ليلة ، فأكرمهما ~~الآمر بما أخرجه لهما مما كانت يده فيه ، وأرسل رسالة إلى المؤتمن ليستأنس ~~بحضوره السماط مع أخيه ؛ فلم يتسع لهما مع هذه المكارمة الانقطاع . # وحضرا ثاني ليلة فزاد في إكرامهما ، ثم أمر بأن يدخل المأمون لمؤاكلته ~~خاصة دون أخيه ، فدخل إليه ؛ ولم يتقدمه أحد من الوزراء بمثل ذلك ، يعنى ~~بهذه المنزلة . وخرج هو وأخوه وأكد عليهما ألا ينقطعا ، وخلع عليهما ms474 من ~~داخل الدار من الثياب الدارية . ثم حضرا ثالث ليلة ، فاستدعى المأمون إلى ~~الخليفة ، فلما جلس معه على المائدة قال قد جفونا المؤتمن ، واستدعاه ، ~~فدخل ، وصارا في قبضته . وكان قد رتب لهما من يأخذهما ؛ فعند خروجهما للمضي ~~قبض عليهما واعتقلهما عنده في خزانة ، وسير بالحوطة على دورهما . ثم أمر ~~بإحضار الشيخ الأجل أبي الحسن بن أبي أسامة ، كاتب الدست ، لينشيء شيئا في ~~شأنهما يقرؤه على المنبر غدا ، فوجد الشيخ أبو الحسن بمصر لعيادة مريض ؛ ~~فتقدم إلى والي القاهرة في الليل بأن يمضي إلى مصر لإحضاره . فظن والي ~~القاهرة أنه طلب لغير ذلك ، وكان يقال له سعد الدولة الأحدب ، فمضى إليه ~~وأزعجه من مكانه ، وسبه أقبح سب ، وأراد إحضاره إلى القاهرة ماشيا . فأحضره ~~إلى الخليفة وهو ميت لا حراك به ، PageV03P114 فقال له ما هذا ؟ فأخبره ~~بقضيته مع الوالي ، فغضب على الوالي وأمر بخلع أخفافه من رجليه وصفعه بهما ~~، حتى تقطعا على قفاه ، وصرفه من الولاية . وأطلع الشيخ أبا الحسن على قضية ~~المأمون وأخيه ؛ فقال يا مولانا : هما نشو أيامك ومماليك دولتك . فقال لبعض ~~الأستاذين خذ هذا الشيخ وصوبه إلى المذكورين لينظرهما في اعتقالهما وينقطع ~~رجاؤه منهما . فأدخله إليهما ، فرآهما مكبلين في الحديد ، وعليهما احتياط ~~عظيم ، فأنشأ للوقت سجلا كان من استفتاحه : أما بعد ؛ فإن محمد بن فاتك ~~استنجح فما نجح ، واستصلح فما صلح ؛ وجهل رفع قدره فغدا لهبوط ، وقابل ~~الإحسان إليه بدواعي القنوط . وكل ذلك في تلك الليلة . # فلما أصبح الصباح جلس الخليفة في الشباك بالإيوان ، ونصب كرسي الدعوة ~~أمامه ، وطلع قاضي القضاة عليه وقرأه بعد اجتماع الأمراء وأرباب الرتب ~~والعوام ؛ فلم ينتطح فيها عنزان . # ويقال إن الخليفة كان يقول : أعظم ذنوبه عندي ما جرى منه في حق صور ~~وإخراجها من يد الإسلام إلى الكفر . # وبقيا في الاعتقال ، هما وأميران اتهما ، في خزانة البنود . وسير لإحضار ~~الذي كان أنفذه المأمون إلى اليمن ليقتلهم جميعا . وتفرغ الآمر لنفسه ، ولم ~~يبق له فعل ولا مزاج ، وبقي بغير وزير . # وأقيم صاحبا ديوان الاستخراج بما ms475 يجب من زكاة ومقس أحدهما مسلم يقال له ~~PageV03P115 جعفر بن عبد المنعم بن أبي قيراط والآخر سامري يقال له أبو ~~يعقوب إبراهيم ، وأقيم معهما مستوف لهاتين المعاملتين وكان راهبا ؛ فكانوا ~~يستخرجون ذلك من أربابه ، ويدخل صاحبا الديوان إلى الآمر في كل وقت ومعهما ~~المصحف والتوراة فيحلفان له أنهما لا يتعرضان إلا لمن يجب عليه لبيت المال ~~حق . فيحملها في ذلك على الصدق ، وربما اشتطا على الناس وزاد عليهم ما لا ~~يجب زيادته ، فتأذى بسببهما جماعة والآمر لا يطلع على ذلك ولا أشاربه . ~~واستمرا على ذلك مديدة . PageV03P116 # | سنة عشرين وخمسمائة # فيها جهز الآمر المنتضى بن مسافر الغنوي بخلع سنية وتحف مصرية وثلاثين ~~ألف دينار للأمير البرسقي ، صاحب الموصل ؛ فلما كان في أثناء الطريق سمع ~~بموته ، فرجع بما معه إلى الآمر . # وفيها قدم الأمير الرئيس مهران بن عبد الرحيم ، مصنف سيرة الفرنج ~~الخارجين على بلاد الإسلام في هذه السنين ، برسالة من صاحب حلب . # وفي شوال كان بدء أمر الراهب . وذلك أن راهبا من النصارى ، يعرف بأبي ~~نجاح ابن فنا ، كتب إلى الآمر رقعة في الكتاب النصارى من الأقباط يذكر أنهم ~~قد أخذوا أموال الدولة واستولوا عليها ، وضمن أنه يحقق في جهاتهم ما يملأ ~~بيوت الأموال . فتقدم الخليفة بأن يمكن من الدواوين ويساعد على ما يخرجه من ~~الحسبانات ، ولقب بالأب القديس الروحاني النفيس أبي الآباء سيد الرؤساء ~~مقدم دين النصرانية ، وسيد البطريركية ، ثالث عشر الحواريين . وكان الآمر ~~لما انفرد بالأمر بعد القبض على وزيره المأمون وبقي بغير وزير دانت له ~~الدنيا . وكان معظما كثير الجود إلى الحد الذي لا مزيد عليه ؛ فكثر الخير ~~في تلك الأيام ، وفرح الناس بالفوائد ، وتردد المسافرون والتجار ، وجلبت ~~البضائع ، وزاد الحاصل في الخزائن من كل صنف مضافا إلى ما كان فيها ، وحسنت ~~السيرة في الرعية ؛ وأباح للناس PageV03P117 والجنود ما كان الأفضل حظره ~~عليهم من الملبوس والتجمل ؛ فما برح الناس في خيرات دارة ونعم متزايدة إلى ~~أن تمكن الراهب من الدواوين واشتد في مطالبة النصارى وضمن في جهاتهم ~~الأموال ms476 ، وحملها أولا فأولا ؛ وكان قد حصل لهم في أيام الأفضل والمأمون ما ~~يزيد عن الوصف . فلما تمكن الراهب من النصارى واستطاب ما تحصل منهم ابتدأ ~~يعمل في المسلمين معاملي الديوان من المشارفين والضمناء والعمال . # فيها ركب الآمر لينظر جوسق البغدادي أبي الحسن علي بن محمد بن سعدون ~~بالقرافة ، فإنه كان من أحسن جواسق القرافة وأفخرها بناء ؛ فلما قرب منه ~~سقط عن فرسه إلى الأرض فهنئ بالسلامة ، وقيل في ذلك عدة أشعار . ~~PageV03P118 # | سنة إحدى وعشرين وخمسمائة # فيها أحضر الموفق في الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم بن نجيب الدولة ، ~~داعي اليمن ، الذي سيره الوزير المأمون بن البطائحي ، فدخل في يوم عاشوراء ~~على جمل بطرطور ، ومعه مشاعلية بهيئة ملائكة ، وخلفه قرد يصفعه ، وهو يقول ~~بقوة نفس : والله لا ألتفت . فأدخل خزانة البنود وسجن مع المأمون . # فيها كثرت مصادر الراهب للكتاب والعمال ، وتسلسل الأمر إلى التجار وأرباب ~~الأموال ، وندب معه مقداد والي مصر وسعد الدولة والي القاهرة للشد منه ؛ ~~فتنكد الناس وخرج كثير من أهل مصر إلى الآفاق . وأخذ الراهب يحسن للآمر أن ~~يحمل إليه مال الأيتام من مودع الحكم . # وفيها مات قاضي القضاة جلال الملك تاج الأحكام ، أبو الحجاج يوسف بن أيوب ~~ابن إسماعيل المغربي الأندلسي ؛ وكان أولا قد أقرأ المؤتمن أخا المأمون ~~القرآن والنحو ، فولاه قضاء الغربية ، ثم نقل منها إلى قضاء القضاة بعد ~~واقعة ابن الرسعني بوساطة المؤتمن . واستقر بعد وفاته في قضاء القضاة أبو ~~عبد الله محمد بن هبة الله بن الميسر القيسراني . # وكان أبو الحجاج عاقلا . عرض عليه الآمر أن يلي الدواوين مضافا إلى ما ~~يتولاه PageV03P119 من قضاء القضاة والمظالم ، فاستشار في ذلك بعض أصحابه ~~فأشار بالقبول ، فقال : إني لا أحسن صنعة الكتابة ؛ فقال له : تجعل بين ~~يديك من يوضح لك الأمر والتدبير ويدلك على سر الصناعة . فقال : ألا ترى إلا ~~أني قد رضيت أن أكون من الأسماء النواقص التي لا تتم إلا بصلة وعائد ، ~~واستحضرت من يدلني على ما أجهل ، فكيف أصنع بين يدي السلطان ؟ لقد حكمت ms477 إذا ~~على نفسي بحكم حيف وأوردتها خطة خسف . وحمد الله . PageV03P120 # | سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة # فيها وصلت رأس بهرام الباطني . وكان طغتكين أتابك ، الملقب ظهير الدين ، ~~قد وهب له بانياس خوفا من شره ، فأفسد جماعة بالشام ، وجرت له خطوب آلت إلى ~~قتله ، وحملت رأسه إلى الآمر . # وفيها رتب قاضي القضاة أبا عبيد الله محمد بن ميسر مشارفا على ثقة الدولة ~~ابن أبي الرداد في قياس الماء وعمارة المقياس ، وعمل مصالحة ؛ فاستمر إلى ~~أن قتل ابن ميسر ثم بطل ، فلم ينظر أحد في هذه المشارفة . # وفي رجب عمل للآمر في الخاقانية ، وكانت من خاص الخليفة ، قصر من ورد ~~فسار إليها وحده بضيافة عظيمة . فلما استقر هناك خرج إليه أمير يقال له ~~حسام الملك أحد الأمراء الذين كانوا مع المؤتمن ، أخي المأمون ، في سفره في ~~البلاد التي كان يتولاها وتخاذل مع ابن السلار عنه وهو لابس لأمة حربه ، ~~والتمس المثول بين يدي الخليفة . فاستثقل ما جاء به في ذلك الوقت لأنه مناف ~~لما فيه الخليفة من الراحة والنزهة ، فمنع من ذلك وصد عنه ؛ فقال لجماعة من ~~حواشي الخليفة : أنتم منافقون على الخليفة إن لم أصل PageV03P121 إليه وهو ~~يطالبكم بذلك ويعاقبكم عليه . فأطلعوا الخليفة على أمره ، فأمر بإحضاره . ~~فقال : يا مولانا ، لمن تركت أعداءك يعني المأمون وأخاه هذا والعهد قريب ؛ ~~أأمنت الغدر ؟ فما أجابه إلا وهو على ظهور الرهاويج من الخيل ، فلم تمض ~~ساعة إلا وهو بالقصر يمضي إلى مكان إعتقال المأمون أخيه ، فوجدهما على ~~حالهما ، فزادهما وثاقا وحراسة . فلما كان في ليلة العشرين منه قتل المأمون ~~وصالح بن الضيف ، وكان من نشو المأمون وقد سجن معه ، وعلي بن إبراهيم بن ~~نجيب الدولة ، المحضر من اليمن ، وأخرجوا إلى سقاية ريدان في الرمل قبالة ~~البستان الكبير خارج باب الفتوح ، فصلب أبدانهم بغير رءوس وفي صدر كل واحد ~~رقعة فيها اسمه . فبلغ الأمر الناس فشكوا فيهم ، وقالوا : هم غير المذكورين ~~. فأمر بإخراج رءوسهم وأقيمت على أبدانهم . # فيها كانت ولاية ابن ميسر القضاء في ذي الحجة على ms478 ما ذكر بعضهم ؛ وقيل بل ~~كانت كما تقدم ؛ ولقب بثقة الدولة القاضي الأمين سناء الملك ، شرف الأحكام ~~، قاضي القضاة ، عمدة أمير المؤمنين ، أبي عبد الله محمد بن القاضي أبي ~~الفرج هبة الله بن ميسر . فلازم الانتصاب والجلوس ، واعتمد التثبت في ~~الأحكام ، وعدل جماعة ، فبلغت عدة الشهود في أيامه مائة وعشرين شاهدا ، ~~وكانوا دون الثلاثين . # ثم وردت إليه المظالم ؛ فاستوضح أحوال المعتقلين وطالع بهم الآمر ، وكان ~~فيهم عدة قد يئسوا من الفرج ، فاستأذن الخليفة وأفرج عنهم . وتكلم مع الآمر ~~في أمر التجار وما نزل بهم من المصادرات ، فأمر الخليفة بكتابة منشورهم في ~~معناهم قرئ على المنابر . # فيها كثرت وقائع أهل القسر على الناس ، وتقرب كثير من الكتاب PageV03P122 ~~الظلمة بعورات الناس إلى الخليفة ، فاشتدت مطالبات الناس بالأموال ، وقبل ~~قول كل رافع شيئا على أحد ، وأخذ الناس بما رموا به ، وضمن عدة من الناس ~~أشياء لم تجر عادة بضمانها ، وأحدثت رسوم لم تكن فيما تقدم . وذلك أنهم لم ~~يقدروا على تصريح القول بالمصادرة ، فعملوا ما ذكر ؛ فحصلت الشناعة ، وخرج ~~من بالبلد من التجار . # وكثرت مصادرات القاطنين بمصر والقاهرة ، وعظم قدر ما حمل من أموال هذه ~~الجهات . فاتسع عطاء الخليفة حتى وهب يوما لغلامه برغش ، المنعوت بالعادل ، ~~ثمانين ألف دينار ، ثم سأله بعد مدة يسيرة عما فعله فيما وهبه ، فقال : يا ~~مولانا تصدقت ووهبت أكثر . فأعجب ذلك الآمر ، وفرح ، وشكره على فعله . ووهب ~~مرة لغلامة هزار الملك جوامرد ، المنعوت بالأفضل ، مثل ذلك . وكانا أخص ~~غلمانه وأقربهم منه ، وأشرفهم عنده منزلة ؛ وكانا أسمح خلق الله ؛ وكان ~~الناس في أيامهما لا يوجد فيهم من يشكو الفقر ، لا بمصر ولا بالقاهرة ، فإن ~~هزار الملوك كانت صدقته في كل يوم جمعة راتبا قد قرره بالقرافة أربعة آلاف ~~درهم في ألف كاغدة ، على يد الثقة ابن الصعيدي وغزال الوكيل ، وكانت عطاياه ~~من يده لا تنقص عن عشرة دنانير أبدا ؛ ولا يخلو ركوبه إلى القصر وعوده منه ~~من أحد يقف له ويطلب منه . وكان برغش يعطي الجمل الكبار التي يغني ms479 بها ~~الطالب ، من المائة دينار إلى المائتين وأكثر . # وبلغ علم التي يقال لها جمعة ، مكنون الآمرية ، أن الآمر سيدها قد وهب ~~لكل من غلاميه المذكورين ثمانين ألف دينار ، وكان الآمر يحبها ، وأصدقها ~~أربعة عشر ألف دينار ، وولدت منه ابنة سماها ست القصور ؛ فلما دخل عليها ~~عشية اليوم الذي وهبهما فيه هذا المال قامت وأغلقت عليها مقصورتها ، وقالت ~~: ما تدخل إلي أو تهب لي ما وهبت لكل منهما . فقال : الساعة . وأحضر ~~الفراشين ، وحمل كل عشرة كيسا فيه عشرة آلاف دينار PageV03P123 عينا . فلما ~~صار إليها هذا المال ، ومبلغه مائتا ألف دينار ذهبا ، فتحت الباب له ودخل . ~~PageV03P124 # | سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة # فيها عم البلاء بمصر جميع الرؤساء والقضاة والكتاب والسوقة من الراهب ، ~~بحيث لم يبق أحد إلا وناله مه مكروه ، إما من ضرب أو نهب أو أخذ مال . وكان ~~يجلس في قاعة الخطابة من جامع عمرو بن العاص ، ويستدعي الناس للمصادرة . ~~فطلب في بعض الأيام رجلا يعرف بابن الفرس من العدول المميزين المبجلين في ~~الناس فأهانه وأخرق به ، فخرج إلى الجامع في يوم جمعة وقام على رجليه وقال ~~: يأهل مصر ، انظروا عدل مولانا الآمر في تمكينه النصراني من المسلمين . ~~فارتج الناس لكلامه وكادت تكون فتنة ؛ فاتصل ذلك بخواص الخليفة ، فأبلغوه ~~إياه وخوفوه عاقبة ذلك ، وطالعوه بما حل بالخلق . وكان الراهب قد أخذ من ~~شخص خادم يقال له جديحو سبعين ألف دينار بخرج من مائة ألف دينار ، فصار ~~يشكو ، وكان كثير البضائع والتجارات والمقارضين ، فتظلم واشتهر أمره إلى أن ~~بلغ خبره إلى أستاذ من أستاذى القصر له من العمر نحو مائة وعشرين سنة ، ~~يقال له لامع وكان قد انقطع في منزله بالقصر بعد ما حج غير مرة ، وأنشأ ~~جلبة بعيذاب يقال لها اللامعية تحمل الحاج فاتفق جواز الآمر على مكانه فسأل ~~عنه ، فقيل له : إنه لا يستطيع النهوض إلى خدمتك . فدخل إليه وسأله عن حاله ~~، فقال : شغلي بسمعة مولانا أشد علي من نفسي . فقال له الآمر : لأي شيء ؟ ~~فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الناس ms480 قد تم عليهم من الشدة ما لا أحسن أصفه ~~وربما نسب ذلك إليك . وشرح له أمر الراهب ابن أبي نجاح وصاحبي الديوان جعفر ~~بن عبد المنعم المعروف بابن أبي قيراط وأبي يعقوب إبراهيم السامري الكاتب ، ~~وما أخذوه من هذا الخادم . فحلف الآمر إنه ما علم أنهم بلغوا بالناس إلى ~~هذا المبلغ ، وأنه يستدعي صاحبي الديوان في كل وقت ويحلفهما على المصحف ~~وعلى التوراة ، وأن الراهب لم يجعل إلا مستوفيا لما يستخرج من الأموال وليس ~~له PageV03P125 معهما حديث ألبتة . فقال له الخادم : يا أمير المؤمنين ، ~~إنهم قد اتفقوا على أذى الناس ، وقد جعلك الله خليفة في الأرض واسترعاك على ~~عباده ، وكل راع مسئول عن رعيته . فشق على الخليفة ، وعمل فيه كلام الأستاذ ~~، وخرج ؛ فمات بات حتى صرف صاحبي الديوان واعتقلهما ، ليستعيد منهما ما ~~أخذاه للناس ظلما ؛ واستدعى الراهب ، وكان بحضرته رجل من الأشراف ، فلما ~~حضر الراهب أنشد : # إن الذي شرفت من أجله . . . يزعم هذا أنه كاذب # فقال الآمر للراهب : يا راهب ، ماذا تقول ؟ فسكت . فأمر حينئذ والي مصر ~~بأخذه إلى الشرطة وضربه بالنعال حتى يموت . فمضى به إلى شرطة مصر ، وما زال ~~يضرب بالنعال حتى مات ، فجر بكعبه إلى عند كرسي الجسر مسحوبا ، وسمر على ~~لوح ، وطرح في بحر النيل ؛ فكان كلما وصل إلى ساحل من سواحل مصر وهو منحدر ~~دفعوه إلى البحر ؛ فلم يزل حتى خرج إلى البحر الملح ، واشتهر ذكره ، وسارت ~~الركبان بهلاكه . # وكان هذا الراهب أولا من أشمون طناح ، وترهب على يد أبي إسحاق بن أبي ~~اليمن ، وزير ابن عبد المسيح متولى ديوان أسفل الأرض ، ثم قدم إلى القاهرة ~~واتصل بخدمة ولي الدولة أبي البركات يحنا بن أبي الليث ، كاتب المجلس . ~~فلما قتل الوزير المأمون PageV03P126 اتصل بالخليفة الآمر ، وبذل له في ~~مصادرة الكتاب النصارى مائة ألف دينار ، فأطلق يده فيهم ؛ واسترسل أذاه حتى ~~شملت مضرته كل أحد . # وكان يعمل له في تنيس ودمياط ملابس مخصوصة به من الصوف الأبيض المنسوج ~~بالذهب ، فيلبسها ومن فوقها غفارة ديباج ، ويتطيب بعدة ms481 مثاقيل مسك في كل ~~يوم فكانت رائحته تشتم من مسافة بعيدة . وكان يركب الحمر الفارهة بالسروج ~~المحلاة بالذهب والفضة ، ويجلس بقاعة الخطابة من جامع مصر . # ولما قتل وجد له في مقطع ثلثمائة طراحة سامان محشوة جددا لم تستعمل ، قد ~~رصت إلى قرب السقف ، وهذا من نوع واحد ، فكيف ما عداه ! ولما قتل وعرف ~~الآمر ما كان يعمل في الناس من أنواع الأذى خشي من الله واستحيا من الناس ؛ ~~وكره مساءلة الفقهاء من الإسماعيلية عن ذلك وعن كفارة هذا الذنب لأنه إمام ~~، وشرط الإمام أن يكون معصوما . فسير إلى الفقيه سلطان بن رشا شيخ الفقيه ~~مجلى ، وكان خليفة الحكم ، مع من يثق به يستفتيه في أمر الراهب وما يكفر ~~عنه ، فقال : يرد ما صار إليه من الأموال إلى أربابها . فرد عليه : إني ~~والله ما أعرفهم ولا أقدر على ذلك ؛ ولكن أعتق الرقاب وأتصدق . فقال الفقيه ~~: الخليفة قادر على أن يعتق ويتصدق ولا يتأثر لذلك ، ولكن يصوم فإنه عبادة ~~شاقة على مثله . فقال : أصوم الدهر . فقال : لا ؛ ولكن الصوم الذي وصفه ~~رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، صوم يوم وفطر يوم . فقال : لا أقدر على ~~ذلك . فقال : يصوم رجب وشعبان ورمضان . ففعل ذلك ، وتحرم في صومه وبره هذه ~~الأشهر من كل ما ينكر في الديانة . PageV03P127 # | سنة أربع وعشرين وخمسمائة # في ربيع الأول ولد للآمر ولد سماه أبا القاسم الطيب ، فجعل ولي عهده ؛ ~~وأمر فزينت القاهرة ومصر ، وعملت الملاهي في الإيوانات وأبواب القصور ، ~~وكسيت العساكر ، وزينت القصور . وأخرج الآمر من خزائنه وذخائره قماشا ~~ومصاغا ما بين آلات وأواني من ذهب وفضة وجوهر ، فزين بها ؛ وعلق الإيوان ~~جميعه بالستور والسلاح . واستمر الحال على هذا أربعة عشر يوما . # وأحضر الكبش الذي يعق به عن المولود ، وعليه جل من ديباج ، وفي عنقه ~~قلائد الفضة ، فذبح بحضرة الخليفة الآمر . وجيء بالمولود فشرف قاضي القضاة ~~ابن ميسر بحمله ؛ ونثرت الدنانير على رءوس الناس . ومدت الأسمطة العظيمة ~~بعد ما كتب إلى الفيوم والقيلوبية والشرقية فأحضرت منها الفواكه ، وملئ ~~القصر ms482 منها ومن غيرها من ملاذ النفوس ، وبخر بالعنبر والعود والند حتى ~~امتلأ الجو من دخانه . # فيها تواترت الأخبار بتخويف الآمر من اغتيال النزارية وتحذيره منهم ؛ ~~وإعلامه بأنه قد خرج منهم قوم من المشرق يريدون قتله ؛ فتحرز احترازا كبيرا ~~بحيث إنه كان لا يصل أحد من قطر من الأقطار إلا ويفتش ويستقصى عنه . وأقام ~~عدة من ثقاته يتلقون القوافل ليتعرفوا أحوال الواصلين ويكشفوا عنهم كشفا ~~جليا . وكلما اشتد الأمر كثر الخوف . واتصل به أن جماعة من النزارية حصلوا ~~بالقاهرة ومصر ، فاحترز وتحيل في قبضهم فلم يقدر لما أراده الله ؛ وفشا في ~~الناس أمرهم ، وكانوا عشرة فخافوا أن يظفر بهم ، فاجتمعوا في بيت وقالوا ~~إنه قد فشا أمرنا ولا نأمن أن يظفر بنا ؛ واشتوروا . فقال أحدهم : الرأي أن ~~تقتلوا رجلا منكم وتلقوا برأسه بين القصرين لتنظروا إن عرفها الآمر ~~PageV03P128 وكان عمره يوم قتل أربعا وثلاثين سنة وتسعة أشهر واثنين وعشرين ~~يوما ، ومدة خلافته تسع وعشرون سنة وثمانية أشهر وخمسة عشر يوما ؛ وما زال ~~محكوما عليه حتى قتل الأفضل ، فتزايد أمره عما كان عليه أيام الأفضل . فلما ~~قبض على وزيره المأمون استبد بالأمور ، وتصرف في سائر أحوال المملكة ، ~~وأكثر من الركوب ، ورتب لركوبه ثلاثة أيام من كل أسبوع وهي يوم الجمعة ويوم ~~السبت ويوم الثلاثاء ، فإذا لم يتهيأ له الركوب في أحد هذه الأيام ركب في ~~يوم غيره . فكان يمضي أبدا في يومي الثلاثاء والسبت إلى النزهة في بستان ~~البعل والتاج والخمس وجوه وقبة الهواء ، من ظاهر القاهرة ، أو إلى دار ~~الملك بمصر ، أو بالهودج الذي أنشأه بجزيرة مصر التي يقال لها اليوم الروضة ~~. # وكان يتجول في أيام النيل في القصر بخدمه ويسكن في اللؤلؤة المطلة على ~~خليج القاهرة . وكان الناس يوم ركوبه يخرجون من القاهرة ومصر بمعايشهم ~~ويجلسون للنظر إليه ، فيكون كيوم العيد . وصار الناس مدة أيامه التي استبد ~~فيها في لهو وعيش رغد لكثرة عطائه وعطاء حواشيه وأستاذيه ، لا سيما غلامه ~~بزغش ورفيقه هزار الملوك جوامرد ، حتى إنه لا يكاد يوجد ms483 في مصر والقاهرة من ~~يشكو زمانه لبسطهم الرزق بين الناس وتوسعهم في العطاء . ثم تنكد عيش الناس ~~بقيام الراهب وكثرة مصادراته ، وشره حينئذ الآمر في أخذ أموال الناس ، ~~فقبحت سيرته ، وكثر ظلمه واغتصابه لأملاك كثيرة من أملاك الناس ، مع ما فيه ~~من التجرؤ على سفك الدماء وارتكاب المحذورات واستحسان القبائح . # وفي أيامه ملك الفرنج كثيرا من المعاقل والحصون بسواحل البلاد الشامية ؛ ~~فملكت عكا في شعبان سنة سبع وتسعين ، وعرقة في رجب سنة اثنتين وخمسمائة ؛ ~~واستولوا على مدينة طرابلس الشام بالسيف في يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من ~~ذي الحجة سنة اثنتين PageV03P129 فتتيقنوا أن حلاكم قد ذكرت له ، فتعملوا ~~الحيلة في فراركم من مصر ؛ وإن لم يعرفها فتطمئنوا حينئذ وتعرفوا أن القوم ~~في غفلة . فقالوا : ما يتسع لنا قتل واحد منا ينقص عددنا وما بذاك أمرنا . ~~فقال : أليس هذا من مصلحتنا ومصلحة من تلزمنا طاعته ؛ وما دللتكم إلا على ~~نفسي . وأسرع بسكين فذبح بها نفسه فمات ، وأخذوا رأسه ورموها في الليل بين ~~القصرين ، وأصبحوا ينظرون ما سبق ، فلما رئيت الرأس واجتمع الناس عليها لم ~~يقل أحد إنه عرفها ، فحملت إلى الوالي ، فأحضر عرفاء الأسواق على أرباب ~~المعايش وأوقفهم عليها فلم يعرفها أحد . فأحضر أصحاب الأرباع بالحارات فلم ~~يعرفوها . ففرح النزارية واطمأنوا بالإقاقة في مصر لقضاء مرادهم . وكان ~~الآمر كثير الفرج محبا للهو ؛ فركب في يوم الثلاثاء الرابع من ذي القعدة ~~يريد أن يجيء إلى الهودج الذي بناه بجزيرة مصر لمحبوبته البدرية ؛ ومن ~~العادة في الركوب أن يشاع في أرباب الخدم بالموكب جهة قصد الخليفة حتى لا ~~يتفرقوا عنه ، فعلم النزارية أين يقصد فجاءوا إلى الجزيرة المذكورة ودخلوا ~~فرنا قبالة الطالع من الجسر إلى البر ، ودفعوا إلى الفران دراهم ليعمل لهم ~~فطيرا بسمن وعسل ، فبينما هم في أكله وإذا بالخليفة الآمر قد عبر من كرسي ~~الجسر بمصر وجاز عليه وقد تفرق عنه الركابية ومن يصونه بسبب ضيق الجسر . ~~فلما طلع من ذا الجسر يريد العبور إلى الجزيرة وثبوا عليه وثبة رجل واحد ms484 ~~وضربوه بالسكاكين ، وواحد منهم صار خلفه على كفل الدابة وضربه عدة ضربات . ~~فأدركهم الناس وقتلوهم ، وكانوا تسعة ، وحمل الآمر في عشاري إلى اللؤلؤة ، ~~وكانت أيام النيل ، فمات من يومه ؛ وحمل من اللؤلؤة وهو ميت إلى القصر . ~~PageV03P130 # وخمسمائة ؛ وملكوا بانياس وجبيل بالأمان لثمان بقين من ذي الحجة منها . ~~وملكوا قلعة تبنين في سنة إحدى عشرة وخمسمائة ؛ وتسلموا مدينة صور في سنة ~~ثمان عشرة وخمسمائة . # وكثرت المرافعات في أيامه . واستخدم عدة من الكتاب الظلمة الأشرار ؛ وضمن ~~أشياء لم تجر العادة بتضمينها ، وأخذ رسوما لم تكن فيما تقدم . # وعمل دكة عليها خركاة في بركة الحبش ؛ وعمر في بركة الحبش مكانا سماه ~~تنيس وموضعا آخر سماه دمياط . وجدد قصر القرافة ، وعمل تحته مصطبة للصوفية ~~، فكان يجلس في أعلاه ويرقص أهل الطريقة قدامه ، والشمع موقود والمجامر ~~تعبق بالبخور ، والأسمطة تمد بكل صنف لذيذ من الأطعمة والحلوى . وفرق في ~~ليلة عند تواجد ابن الجوهري الواعظ وتمزيق رقعته على من حضر وعلى الفقراء ~~ألف نصفية ، ونثر عليهم من الطاق ألف دينار تخاطفوها . # وبنى الهودج لمحبوبته العالية البدرية في جزيرة الروضة . ولهذه البدرية ~~وابن مياح ، من بني عمها ، مع الآمر أحاديث صارت كأحاديث البطال وشبهها قد ~~ذكرتها عند جزيرة الروضة من هذا الكتاب . # وكان المنفق في مطابخه وأسمطته شيء كثير ، فكان عدة ما يذبح له في كل شهر ~~خمسة آلاف رأس من الضأن خاصة ، سوى ما يذبح مما سوى ذلك ، وثمن الرأس منها ~~ثلاثة دنانير . # وكان أسمر شديد السمرة ؛ يحفظ القرآن ، وخطه ضعيفا . وكانت نفسه تحدثه ~~PageV03P131 بالسفر إلى الشرق والغارة على بغداد ، وأعد لذلك سروجا مجوفة ~~القرابيص وبطنها بصفائح من قصدير ليحمل فيها الماء ، وعمل لها فما فيه ~~صفارة فإذا دعت الحاجة إلى الماء شرب منه الفارس ، فكان كل سرج منها سبعة ~~أرطال من ماء ، وعمل عدة من حجال الخيل من الديباج ؛ وقال في ذلك : # دع اللوم عني ، لست مني بموثق . . . فلا بد لي من صدمة المتحقق # وأسقى جيادي من فرات ودجلة . . . وأجمع شمل الدين بعد التفرق # ومن ms485 شعره أيضا : # أما والذي حجت إلى ركن بيته . . . جراهيم ركبان مقلدة شهبا # لأقتحمن الحرب حتى يقال لي . . . ملكت زمام الحرب ، فاعتزل الحربا # وينزل روح الله عيسى بن مريم . . . فيرضى بنا صحبا ونرضى به صحبا # وكانت وزارة الأفضل بن أمير الجيوش ، وكان حاجرا عليه ليس له معه أمر ولا ~~نهي ، ولا تعود له كلمة إلى أن قتل ، ثم وزر له المأمون محمد بن فاتك ~~البطائحي ، فصار له في وزارته أمر ونهي ، وعادت الأسمطة على ما كانت عليه ~~قديما ؛ وكان الأفضل قد نقلها فصارت تعمل أيام الأعياد والمواسم في دار ~~الملك بمصر حيث كان يسكن . فلما قتل المأمون استبد ولم يستوزر أحدا ، ودامت ~~له الدنيا . # وقضاته : ابن ذكا النابلسي ؛ تم ولى أبو الفضل الجليس نعمة بن بشير ، ~~فطلب الإقامة ؛ فولى بعده الرشيد أبو عبد الله محمد بن قاسم بن زيد الصقلي ~~، ومات ؛ فاستقر بعده الجليس نعمة بن بشير النابلسي مرة ثانية ؛ ثم صرف ~~بأبي الفتح مسلم بن PageV03P132 الرسعني ؛ وعزل بأبي الحجاج يوسف بن أبي ~~أيوب المغربي ؛ فلما مات استقر من بعده أبو عبد الله محمد بن هبة الله بن ~~ميسر القيسراني ، وقتل الآمر وهو قاض . # وكتاب الإنشاء في أيامه : سناء الملك أبو محمد بن محمد الزيدي الحسيني ؛ ~~والشيخ الأجل أبو الحسن بن أبي أسامة الحلبي ؛ والشيخ تاج الرئاسة أبو ~~القاسم ابن الصيرفي ؛ وابن أبي الدم اليهودي . # وكان نقش خاتمه : الإمام الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين . وفي أيامه ~~نزع السعر ، فبلغ القمح كل أردب بدينار . وكان الناس قد ألفوا الرخاء في ~~أيام الأفضل والمأمون ، وبعد عهدهم بالغلاء ، فقلقوا لذلك . # ومن نوادر الآمر أنه عاشر الخلفاء الفاطميين وهو العاشر في النسب أيضا ، ~~ولم يل عشرة على نسق واحد ليس بينه أخ ولا عم ولا ابن عم غير الآمر . # وعرض عليه فصل في التوحيد من جملته : وهو المحذر بقوارع التهديد ، من يوم ~~الوعد والوعيد ؛ فقال : إذا حذر من الوعد كما يحذر من الوعيد ، فما الفرق ~~بينهما ؟ وأمر أن يقال : المحذر بقوارع التهديد من هول يوم ms486 الوعيد . ~~واستدرك في فصل آخر في ذكر علي ، رضي الله عنه ، قوله : وهو السابق إلى ~~دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإجابته ؛ فقال : إن قوله السابق غير ~~مستقيم ، لأنه إن أراد التخصيص فذلك غير صحيح ، إذ كانت خديجة سبقت إلى ~~الإسلام ، والسابق منهم جائز أن يكون واحدا وأن يكون جماعة ؛ والله تعالى ~~يقول : ' والسابقون السابقون ' ؛ وليس في ذلك دليل على تخصيص واحد بالتقدم ~~على الباقين ؛ وذكر مثالا فقال : خيل الحلبة إذا أقبلت منها عشرة لا يخرج ~~فيها واحد عن واحد قيل لها السبق ، وقيل لكل واحد منها سابق . وأمر أن يقال ~~: أول سابق إلى دعوة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وإجابته . ~~PageV03P133 فارغة PageV03P134 # | الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمد بن ~~المستنصر بالله أبي تميم معد # PageV03P135 فارغة PageV03P136 ولد بعسقلان في المحرم سنة سبع ، وقيل سنة ~~ثمان ، وستين وأربعمائة لما أخرج المستنصر ابنه أبا القاسم مع بقية أولاده ~~في أيام الشدة ؛ فكان يقال له الأمير عبد المجيد العسقلاني ، ابن عم مولانا ~~. # ولما قتل النزارية الآمر كان كبار غلمانه العادل بزغش وهزار الملوك ~~جوامرد ، وينعت بالأفضل ، فعمدا إلى الأمير أبي الميمون عبد المجيد ، وكان ~~أكبر الجماعة الأقارب سنا ، وقالا : إن الخليفة المنتقل قال قبل وفاته ~~بأسبوع عن نفسه : المسكين المقتول بالسكين ؛ وأشار إلى أن الجهة الفلانية ~~حامل منه ، وأنه رأى رؤيا تدل أنها ستلد ولدا ذكرا وهو الخليفة من بعده وأن ~~كفالته للأمير عبد المجيد أبي الميمون . فجلس المذكور كفيلا ، ونعت بالحافظ ~~لدين الله ، في يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة ، ~~يوم قتل الآمر بأحكام الله ؛ وتقرر أن يكون هزار الملوك وزيرا ، وأن يكون ~~الأمير السعيد أبو الفتح يانس الحافظي ، متولى الباب أسفهسلارا ، وقرئ سجل ~~في الإيوان بهذا التقرير والحافظ في الشباك جالس ؛ تولى قراءته قاضي القضاة ~~ابن ميسر على كرسي نصب له أمام الحافظ ، بحضور أرباب الدولة . # وخلع على هزار الملوك خلع الوزارة ، وقد اجتمع في بين القصرين خمسة آلاف ~~فارس وراجل ms487 ، وفيهم رضوان بن ولخشي ، أحد الأمراء المميزين أرباب الشجاعة ، ~~وهو رأس PageV03P137 الجمع ؛ وفي داخل القاعة بالقصر أيضا جماعة فيهم بزغش ~~وقد شق عليه تقدم هزار الملوك وتقلده الوزارة ؛ فنظر إلى أبي علي أحمد بن ~~الأفضل ، الملقب كتيفات ، وهو جالس ، فقال : يا مولاي الأجل ، أنا أشح عليك ~~أن تطيل الجلوس حتى يخرج هذا الفاعل الضانع وزيرا فتخدمه ويسومك المشي في ~~ركابه ؛ اخرج إلى دارك ، وإذا قضى الله مضيت منها لهنائه . # وكان ظاهر هذا القول مكارمة أبي علي وباطنه أنه علم أن أكثر العسكر ~~الواقفين بين القصرين لا يرغبون وزارة هزار الملوك ؛ فدبر أنهم إذا وقعت ~~أعينهم على أبي علي تعلقوا به وأقاموه وزيرا ، فيفسد أمر هزار الملوك . ~~فقام أبو علي ليخرج ، فمنعه طغج ، أحد نواب الباب ، وكان فطنا ذكيا ؛ فقال ~~له بزغش : لم تمنع هذا المولى من الخروج ؟ فقال : كيف لا أمنعه من الخروج ~~إلى هذا الجمع ولا يؤمن تعلق العسكرية فيقع له ما وقع للآخر . فهزه بزغش ~~وقال له : دع عنك الفضول . وقام بنفسه وأخرجه إلى آخر دهاليز القصر ؛ فما ~~هو إلا أن خرج من باب القصر ورآه رضوان بن ولخشي والجماعة ، وقد علموا أن ~~هزار الملوك قد خلع عليه للوزارة وأنه سيخرج إليهم ، فتواثبوا إلى أبي علي ~~وقالوا هو الوزير بن الوزير بن الوزير . وأراد أن ينفلت منهم واعتذر أنه ~~شرب دواء ، فلم يقبل منه ؛ وطلب له في الحال خيمة وبيت صدار ، فضربت في ~~جانب من بين القصرين ، وأدخلوه فيها . وقام الصالح وثار العسكر بموافقتهم ~~على وزارته والرضا به ، وصاحوا أن لا سبيل أن يلي علينا هذا الصانع الفاعل ~~، وأعلنوا بشتمه . فغلقت أبواب القصر كلها واشتد الأمر ؛ فأحضر ضرغام ~~وأصحابه سلالم وأقاموها إلى طاقات المنظرة ، وأطلقوا عليها أميرا يقال له ~~ابن شاهنشاه ، فلما أشرف على طاق المنظرة جاء أستاذو الخليفة وأنكروا عليه ~~فعله ؛ فقال هذه فتنة تقوم ما تسر ، فما الذي خلعتم عليه ! ويحصل من ذلك ~~على الخليفة من العوام وسوء أدب جهال العسكر ما لا يتلافى ؛ وما هذا ms488 شيء ~~والله إلا نصيحة لمولانا ، فإنني قد علمت من رأى القوم ما لا علمتم . ~~أخبروا مولانا عني بهذا . # فمضى الأستاذون إلى الحافظ وأبلغوه ما قال ابن شاهنشاه وهزار الملوك بين ~~يديه بخلع الوزارة يسمع القول ؛ فقال له الحافظ : ها أنت ذا تسمع ما يقال . ~~فقال : يا مولانا ، أنا في PageV03P138 مجلسك ووزارتي بوصية خليفة قبلك ، ~~فاتركني أخرج لهؤلاء الفعلة الصنعة . فقال : لا سبيل لفتح باب القصر في مثل ~~هذا الوقت ، وقد فعلنا في أمرك ما رتب لك ، وهذه الخلع عليك ؛ ولكن قد قال ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : لا رأى لمن لا يطاع . # واشتد الأمر وكثر تموير العسكر . فقيل لابن شاهنشاه : قد أجبتم إلى وزارة ~~أبي علي وما نحن له كارهون . فأعاد ذلك على رضوان وأصحابه ، فقالوا : قل له ~~يسلم لنا هزار الملوك . فامتنع من ذلك وقد تكاثر القوم على سور القصر ~~وعزموا على طلب المذكور ولا بد . فقال الحافظ له . قم واحتجب في مكان عسى ~~ندبر في قضيتك أمرا نصرف به هذا الجمع عنا وعنك . # فنزعت الخلع عنه وأحيط به ، فصار إلى مكان قتل فيه قتلة مستورة وألقيت ~~رأسه إلى القوم فسكنوا . # واستدعي بالخلع لأبي علي ، فأفيضت عليه في يوم الأربعاء خامسه ، وركب إلى ~~دار الوزارة والجماعة مشاة في ركابه . فكانت وزارة هزار الملك نصف يوم بغير ~~تصرف . وكان قد اصطفاه الآمر لنفسه هو وبزغش قبل موته بمدة ورد له المظالم ~~والنظر في أحوال الجند ، وهو نوع من الوزارة ؛ وكان ينعت بالأفضل . # ووقع النهب في القاهرة من باب الفتوح إلى باب زويلة ، ونهبت القيسارية ~~وكان فيها أكثب ما يملكه أهل القاهرة لأنها كانت مخزنهم ، ومذ بنيت لم يكن ~~فيها أمر يكره ، فكان هذا أول حادث حدث على القاهرة من النهب والطمع . # وطيف برأس هزار الملوك على رمح . واستقرت الوزارة لأبي علي أحمد بن ~~الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي ، وكان يلقب بكتيفات ، في يوم ~~الخميس سادس PageV03P139 عشر ذي القعدة . فأول ما بدأ به أنه أحاط بالحافظ ms489 ~~وسجنه في خزانة فيما بين الإيوان وباب العيد . ويقال إن رضوان بن ولخشي دخل ~~إليه وقيده ؛ فقال له الحافظ : أنت فحل الأمراء . فنعت بذلك . # وتمكن أبو علي واستولى على جميع ما في القصر من الأموال والذخائر ، وحمل ~~الجميع إلى دار الوزارة بعد أن فرق أكثر ما كان الآمر جمعه من الغلال في ~~الناس على سبيل الإنعام . وكان السعر غاليا ، يباع القمح بنحو الدينار كل ~~إردب ، فأراد أبو علي أن يحسن سمعته ، فأمر أن تفتح المخازن وأطلق أكثر ما ~~كان فيها ، وكانت مئي ألوف أرادب . ورد على الناس الأموال التي فضلت في بيت ~~المال من مال المصادرة التي كان قد أخذها الآمر في أيام مباشرة الراهب وما ~~كتبت به الخطوط قبل ذلك ؛ وكان الذي وجد خمسين ألف دينار . فاستبشر الناس ~~به وفرحوا فرحا ما ثبتت منه عقولهم ، وضجوا بالدعاء له في سائر أعمال ~~الديار المصرية ؛ وأعلنوا بذكر معايب الآمر ومثالبه ، وأقطع الحجرية البلاد ~~، وظهر فرح الناس وابتهاجهم . # وأكرم بزغش العادل الذي أشار عليه بالخروج من القصر إكراما كثيرا . وكانت ~~قد ضربت ألواح على عدة أملاك في أيام الآمر فأعيدت إلى أربابها . # وكان إماميا متشددا ، فالتفت عليه الإمامية ولعبوا به حتى أظهر المذهب ~~الإمامي ، وتزايد الأمر فيه إلى التأذين فانفعل بهم ، وحسنوا له الدعوة ~~للقائم المنتظر ، فضرب الدراهم PageV03P140 باسمه ونقش عليها : الله الصمد ~~الإمام محمد . وخطب بنفسه في يوم الجمعة ، وكان أكثر خلق الله تخلفا وأقلهم ~~علما ، فغلط في الخطبة غلطة فاحشة صحفها فلم ينكر عليه أحد . واشتد ضرره ~~على أهل القصر من الإرعاد والإبراق ، وأكثر من إزعاجهم والتفتيش على ولد ~~الآمر وعلى يانس ، صاحب الباب ، وعلى صبيان الخاص الآمرية . وأراد أن يخلع ~~الحافظ ويقتله بمن قتله الآمر من إخوته . وكان الآمر لما احتاط على موجود ~~الأفضل بعد قتله بلغه عن أولاد الأفضل كلام في حقه يستقبح ذكره ، فأقام ~~عليهم الحجة عندما مثلوا بحضرته ، وقال : أبوكم الأفضل غلامي ولا مال له . ~~فسفه عليه أحدهم ؛ فغضب وقتلهم . فأراد أبو علي بتفتيشه على الحمل ms490 الذي ذكر ~~أنه من الآمر أن يظفر به ليقتله بإخوته ؛ فلم يظهر الحمل ، ولا قدر أيضا ~~على قتل الحافظ ولا خلعه ، فاعتقله كما تقدم ، وخطب للقائم المنتظر تمويها ~~. فنفرت قلوب أهل الدولة منه ، وقامت نفسوهم منه . وتعصب قوم من الأجناد من ~~خاص الخليفة ، بترتيب يانس لهم ، وتحالفوا سرا على قتله ، وكانوا أربعين ~~رجلا ، وصاروا يرتقبون فرصة ينتهزونها . # وفيها قبض على جعفر بن عبد المنعم بن أبي قيراط وعلى أبي يعقوب إبراهيم ~~السامري ، ونهب الجند دورهما ؛ وحبسا في حبس المعونة ، ثم أخرجا ميتين . ~~PageV03P141 # | سنة خمس وعشرين وخمسمائة # فيها رتب أبو علي بن الأفضل في الحكم أربعة قضاة ، فصار كل قاض يحكم ~~بمذهبه ويورث بمذهبه ؛ فكان قاضي الشافعية سلطان بن إبراهيم بن المسلم بن ~~رشا ، وقاضي المالكية أبو عبد الله محمد بن أبي محمد عبد المولى بن أبي عبد ~~الله محمد بن عبد الله اللبني المغربي ، وقاضي الإسماعيلية أبو الفضائل هبة ~~الله بن عبد الله بن حسن بن محمد القاضي فخر الأمناء الأنصاري المعروف بابن ~~الأزرق ، وقاضي الإمامية القاضي المفضل أبو القاسم ابن هبة الله بن عبد ~~الله بن الحسن بن محمد بن أبي كامل . ولم يسمع بمثله هنا في الملة ~~الإسلامية قبل ذلك . PageV03P142 # | سنة ست وعشرين وخمسمائة # في يوم الثلاثاء سادس عشر المحرم ركب أبو علي أحمد بن الأفضل إلى رأس ~~الطابية ليعرق فرسا في الميدان بالبستان الكبير خارج باب الفتوح من القاهرة ~~، وللعب بالكرة على عادته ؛ فجاء وهو هناك عشرة من صبيان الخاص الذين ~~تحالفوا على قتله متى ظفروا به جميعا أو فرادى ، فصاح أبو علي ، عادة من ~~يسابق بخيل : راحت ، فقال العشرة : عليك ، وحملوا عليه وطعنوه حتى قتل . ~~فأدركه أستاذ من أستاذيه وألقى نفسه عليه فقتلوه معه . # واجتمع الأربعون عنانا واحدا وجاءوا إلى القصر وفيهم يانس ، وكان مستوحشا ~~من أبي علي ، فخرجوا الحافظ من الخزانة التي كان معتقلا بها ، وفكوا عنه ~~القيد وأجلسوه في الشباك على منصة الخلافة ، وقالوا : ما حركنا على هذا إلا ~~الأمير يانس . فاجتمع الناس ، وأخذ ms491 له العهد على أنه ولي عهد كفيل لمن لم ~~يذكر اسمه . # ونهب في هذا اليوم كثير من الأسواق والدور والحوانيت ؛ وصار ذلك عادة ~~مستقرة وشيئا معهودا في كل فتنة . # وحمل رأس أبي علي إلى القصر . وكان قد أسقط منذ أقامه الجند ذكر إسماعيل ~~بن جعفر الصادق الذي تنسب إليه الطائفة الإسماعيلية . وأزال من الأذان ~~قولهم فيه : حي على خير العمل ، محمد وعلي خير البشر ؛ وأسقط ذكر الحافظ من ~~الخطبة ؛ واخترع لنفسه دعاء يدعى به على المنابر وهو : السيد الأجل الأفضل ~~، سيد ممالك أرباب PageV03P143 الدول ، المحامي عن حوزة الدين ، وناشر جناح ~~العدل على المسلمين ، الأقربين والأبعدين ، ناصر إمام الحق في حالي غيبته ~~وحضوره ، والقائم في نصرته بماضي سيفه وصائب رأيه وتدبيره ، أمين الله على ~~عباده ، وهادي القضاة إلى اتباع شرع الحق واعتماده ، ومرشد دعاته المؤمنين ~~إلى واضح بيانه وإرشاده ، مولى النعم ، رافع الجور عن الأمم ، مالك فضيلتي ~~السيف والقلم ؛ أبو علي أحمد بن السيد الأجل الأفضل أبي القاسم شاهنشاه ~~أمير الجيوش . # وكانت مدة تحكه سنة وشهرا وعشرة أيام ؛ ثم حمل بعد قتله ودفن بتربة أمير ~~الجيوش ، ظاهر باب النصر . # وخلع على السعيد أبي الفتح يانس الأرمني ، صاحب الباب ، خلع الوزارة ؛ ~~وكان من غلمان الأفضل بن أمير الجيوش العقلاء ، وله هيبة ، وعنده تماسك في ~~الأمور وحفظ للقوانين . فهدأت الدهماء وصلحت الأحوال ؛ واستقرت الخلافة ~~للحافظ ؛ وحمل جميع ما كان قد نقل إلى دار الوزارة من الأموال والآلات ~~وأعيد إلى القصر . # ولم يحدث يانس شيئا ؛ إلا أنه تخوف من صبيان الخاص ، وحدثته نفسه أنهم قد ~~جسروا على الملوك ، وأنه ربما غضبوا منه ففعلوا به ما فعلوه بغيره ؛ وأحسوا ~~منه بذلك فتفرقوا عنه . فلما تأكدت الوحشة بينهم وبينه ركب في خاصته ~~وغلمانه وأركب العسكر ، والتقوا قبالة باب التبانين بين القصرين ، فقتل ما ~~يزيد عن ثلثمائة فارس من أعيانهم ، فيهم قتلة أبي علي أحمد بن الأفضل . ~~وكانوا نحو خمسمائة فارس ، فكسر شوكتهم وأضعفهم فلم يبق منهم من يؤبه له ~~ولا يعتد به ، فقوي أمر يانس وعظم ms492 شأنه . # وكانت له في النفوس مكانة ، فثقل على الحافظ وتخيل منه ، فأحس بذلك ، ~~وصار PageV03P144 كل منهما يدبر على الآخر . فبدأ الوزير يانس بحاشية ~~الخليفة ، فقبض على قاضي القضاة وداعي الدعاة أبي الفخر صالح بن عبد الله ~~بن رجاء وأبي الفتوح بن قادوس فقتلهما . وبلغه شيء يكرهه عن أستاذ من خاص ~~الخليفة ، فقبض عليه من غير مشاورة الحافظ ، واعتقله بخزانة البنود ، وضرب ~~عنقه من ليلته . فاستبدت الوحشة بينه وبين الحافظ ، وخشى من زيادة معناه ، ~~فقال الحافظ لطبيبه : اكفني أمره بمأكل أو مشرب . فأبى الطبيب ذلك خوفا من ~~سوء العاقبة . ويقال إن الحافظ توصل إلى أن سم يانس في ماء المستراح ، ~~فانفتح دبره واتسع حتى ما بقي بقدر على الجلوس . فقال الطبيب : يا أمير ~~المؤمنين ، قد أمكنت الفرصة وبلغت مقصودك ، فلو أن مولانا عاده في هذه ~~المرضة اكتسبت حسن الأحدوثة ؛ وهذا المرض ليس دواؤه إلا السكون ولا شيء أضر ~~عليه من الحركة والانزعاج ، وهو كما يسمع بقصد مولانا تحرك واهتم بلقائه ~~وانزعج ، وفي ذلك تلاف نفسه . فقبل ذلك وجاء لعيادته . فلما رآه يانس قام ~~للقائه وخرج عن فراشه ؛ فأطال الحافظ جلوسه عنده ومحادثته ، فلم يقم حتى ~~سقطت أمعاؤه ، ومات من ليلته ، في سادس عشري ذي الحجة . # وكانت وزارته تسعة أشهر وأياما . وترك ولدين كفلهما الحافظ . # وكان يانس هذا قد أهداه باديس جد عباس الوزير الآتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى إلى الأفضل بن أمير الجيوش فترقى في الخدم إلى أن تأمر وتقدم وولى ~~الباب ، وهي أعظم رتب الأمراء ، وكنى بأبي الفتح ولقب بالسعيد ؛ ثم نعت في ~~وزارته بناصر الجيوش سيف الإسلام . وكان عظيم الهمة بعيد الغور ، كثير الشر ~~، شديد الهيبة . PageV03P145 # وفيها استقرت حال الحافظ لدين الله وبويع له بيعة ثانية لما عمل الحمل . ~~قال الشريف محمد بن أسعد الجواني : رأيت صغيرا في القرافة الكبرى ، ويسمى ~~قفيفة ، سألت عنه ، قيل هذا ولد الآمر : لما ولى الحافظ ولي عهده من يولد ، ~~استولى على الأمر ، وولد هذا الولد فكتم حاله ، وأخرج في قفة على وجهها ms493 سلق ~~وكرات ، وستر أمره إلى أن ركب بعد ذلك ووشى به فأخذ وقتل . # ولما تمكن الحافظ قرئ سجل بإمامته ، وركب من باب العيد إلى باب الذهب بزي ~~الخلفاء ، في ثالث ربيع الأول ؛ ورفع عن الناس بواقي مكس الغلة . # وأمر بأن يدعى له على المنابر بهذا الدعاء ، وهو : اللهم صل على الذي ~~شيدت به الدين بعد أن رام الأعداء دثوره ، وأعززت الإسلام بأن جعلت طلوعه ~~على الأمة وظهوره ، وجعلته آية لمن تدبر الحقائق بباطن البصيرة ، مولانا ~~وسيدنا ، وإمام عصرنا وزماننا ، عبد المجيد أبي الميمون ، وعلى آبائه ~~الطاهرين وأبنائه الأكرمين ، صلاة دائمة إلى يوم الدين . # وفيها صرف أبو عبد الله محمد بن هبة الله بن ميسر عن قضاء القضاة ، في ~~أول ربيع الأول ، وقرر مكانه سراج الدين أبو الثريا نجم بن جعفر ، وأضيفت ~~إليه الدعوة ، فقيل له قاضي القضاة وداعي الدعاة ، وذلك وقت العشاء الآخرة ~~من ليلة الخميس لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة . # ولما مات يانس تولى الحافظ الأمر بنفسه ولم يستوزر أحدا وأحسن السيرة . # ويقال إن يانس لما قتل القاضي أبا الفخر سلم الحكم إلى سراج الدين أبي ~~الثريا نجم بن جعفر . # وفيها جهز الحافظ الأمير المنتضى أبا الفوارس وثاب بن مسافر الغنوي رسولا ~~في الرابع من ذي القعدة بجواب شمس الملوك ، صاحب دمشق ، وأصحبه الخلع ~~السنية وأسفاط PageV03P146 الثياب والخيل المسومة ومالا متوفرا . فوصل إلى ~~دمشق وتلقى أحسن تلق ، وقبلت الألطاف منه ، وقرئ كتابه . وأقام إلى أن أعيد ~~من القابلة . # وفيها خرج أبو عبد الله الحسين بن نزار بن المستنصر ، وكان قد توجه إلى ~~المغرب مستخفيا وجمع هناك جموعا كثيرة وعاد . فبعث الحافظ إلى مقدمي عسكره ~~يستميلهم . فلما وصل دير الزجاج والحمام اغتالوه وقتلوه فانفض جمعه . ~~PageV03P147 # | سنة سبع وعشرين وخمسمائة # فيها حشد جماعة من العبيد بالأعمال الشرقية ، فخرج إليهم عسكر كانت بينهم ~~وبينه حروب . وفيها سلم الحافظ أمر الديوان إلى الشريف معتمد الدولة علي بن ~~جعفر بن غسان ، المعروف بابن العساف ، وصرف يوحنا بن أبي الليث لأشياء ~~نقمها عليه ، وسعوا ms494 فيه عنده بأنه كان سببا فيما عمله أبو علي أحمد بن ~~الأفضل من تفريق ما فرقه من الأموال لأهله وأقاربه . واستخدم الحافظ أيضا ~~أخا معتمد الدولة في نقابة الأشراف وجعله جليسا ؛ وكان عنده أدب ومعرفة ~~بعلم الفلك ، وكان الحافظ يحب هذا العلم . # وفيها قبض على ابن عبد الكريم ، تربية الآمر ، فوجد له ثلثمائة وستون ~~منديلا مذهبة ، وعلى مثالها ثلثمائة وستون بذلة مذهبة ؛ فكان يلبس كل يوم ~~بذلة . وكل منديل ، وهي العمامة ، على مسمار فضة . ووجد له خمسمائة نرجسية ~~ذهبا وفضة ؛ ومائتا صندوق فيها ثياب ملونات ؛ ومائة حسكة ذهبا وفضة ؛ ومن ~~الجوهر ما يعجز عن وصفه . PageV03P148 # | سنة ثمان وعشرين وخمسمائة # فيها عهد الحافظ إلى ولده سليمان ، وكان أسن أولاده وأحبهم إليه ، وأقامه ~~ليسد مكان الوزير ويستريح من مقاساة الوزراء وجفائهم عليه ومضايقتهم إياه ~~في أوامره ونواهيه ، فمات بعد ولاية العهد بشهرين ، فحزن عليه مدة . ثم جعل ~~ابنه حيدرة ولي عهده ونصبه للنظر في المظالم ، فشق ذلك على أخيه حسن لأنه ~~كان يروم ذلك لكثرة أمواله وتلاده وحواشيه وموكبه ، بحيث كان له ديوان مفرد ~~. وما زالت عقارب العداوة تدب بينهما حتى وقعت الفتنة بين الطائفية ~~الجيوشية والطائفة الريحانية ، وكانت شوكة الريحانية قوية والجند يشنئونهم ~~خوفا منهم فاشتعلت نيران الحرب بين الفريقين ؛ وصاح الجند : يا حسن يا ~~منصور ، يا للحسنية . # والتقى العسكران ؛ فقتل بينهم ما يزيد على خمسة آلاف رجل . فكانت أول ~~مصيبة نزلت بالدولة من فقد رجالها ونقص عدد عساكرها ؛ ولم يسلم من ~~الريحانية إلا من ألقى نفسه في بحر النيل من ناحية المقس . واستظهر حسن ~~وصار الأمر إليه ، فانضم له أوباش العسكر وزعارهم ، وفرق فيهم الزرد وسماهم ~~صبيان الزرد ، وصاروا لا يفارقونه ويحفون به إذا ركب ، ويلازمون داره إذا ~~نزل . # فقامت قيامة الناس ، وقبض على ابن العساف وقتله واختفى منه الحافظ وحيدرة ~~؛ PageV03P149 وجد في طلب حيدرة . وهتك بالأوباش الذين اختارهم حرمة القصر ~~وخرق ناموسه من كونه نغص على أبيه وأخيه ، وصاروا يحسنون له كل رذيلة ، ~~ويحرونه على أذى الناس . # فأخذ الحافظ ms495 في تلافي الأمر مع حسن لينصلح ؛ وعهد إليه بالخلافة في يوم ~~الخميس لأربع بقين من شهر رمضان ، وأركبه بالشعار ، ونعت بولي عهد المؤمنين ~~. وكتب له بذلك سجلا قرئ على المنابر ، فكان يقال على المنابر : اللهم شيد ~~ببقاء ولي عهد المؤمنين أركان خلافته ، وذلل سيوف الاقتدار في نصره وكفايته ~~، وأعنه على مصالح بلاده ورعيته ، واجمع شمله به وبكافة السادة إخوته ، ~~الذين أطلعتهم في سماء مملكته بدورا لا يغيرها المحاق ، وقمعت ببأسهم كل ~~مرتد من أهل الشقاق والنفاق ، وشددت بهم أزر الإمامة ، وجعلت الخلافة فيهم ~~إلى يوم القيامة . # فلم يزده ذلك إلا شرا وتعديا ؛ فضيق على أبيه وبالغ في مضرته . فسير ~~الحافظ وفي الدولة إسحاق ، أحد الأستاذين المحنكين ، إلى الصعيد ليجمع ما ~~قدر عليه من الريحانية فمضى واستصرخ على حسن ، وجمع من الأمم ما لا يعلمه ~~إلا الله ؛ وسار بهم . فبلغ ذلك حسنا ، فجهز إليه عسكرا عرمرما وخرج ؛ ~~فالتقى الجمعان . وهبت ريح سوداء في وجوه الواصلين ، وركبهم عسكر حسن ، فلم ~~يفلت منهم إلا القليل ، وغرق أكثرهم في البحر وقتلوا ؛ وأخذ الأستاذ إسحاق ~~وأدخل إلى القاهرة على جمل برأسه طرطور لبد أحمر . فلما وصل بين القصرين ~~رمى بالنشاب حتى مات ، ورمي إليهم من القصر الغربي أستاذ آخر فقتلوه ، وقتل ~~الأمير شرف الأمراء . # فلما اشتد الأمر على الحافظ عمل حيلة وكتب ورقة ورماها إلى ولده حسن ، ~~فيها : يا ولدي ، أنت على كل حال ولدي ، ولو عمل كل منا لصاحبه ما يكره ~~الآخر ما أراد أن يصيبه مكروه . ولا يحملني قلبين وقد انتهى الأمر إلي أن ~~أمراء الدولة فلانا وفلانا وسماهم له وأنك قد شددت وطأتك عليهم وخافوك ، ~~وأنهم معولون على الفتك بك ؛ فخذ حذرك يا ولدي . PageV03P150 فلما وقف حسن ~~على الورقة قامت قيامته . فلما اجتمع أولئك الأمراء في داره للسلام عليه ~~أمر صبيان الزرد الذين اختارهم وصار يثق بهم فقتلوهم بأجمعهم ، وأخذ ما في ~~دورهم . فاشتدت مصيبة الدولة بفقد من قتل من الأمراء الذين كانوا أركان ~~الدولة ، وهم أصحاب الرأي والمعرفة ، فوهت واختلت لقلة ms496 الرجال وعدم الكفاة ~~. # ومن حين قتل حسن الأمراء تخوفه باقي الجند ونفرت نفوسهم منه فإنه كان ~~جريئا عنيفا بحاثا عن الناس يريد إقلاب الدولة وتغييرها لتقدم أصحابه ، ~~فأكثر من مصادرة الناس ، وقتل سراج الدين أبا الثريا نجما في يوم الخميس ~~ثامن شوال . وكان أبو الثريا في أول أمره خاملا في الناس ، ثم سمع قوله في ~~العدالة أيام الآمر . فلما قبض أحمد بن الأفضل علي أبي الفخر وسجنه عنده ~~بدار الوزارة ، وقد كان الداعي أيام الآمر ، طلب من يكون داعيا ، فاستخدم ~~نجما هذا داعيا ولم يقف على ما كان عنده من الدهاء . فلما كان في وزارة ~~يانس جمع إليه الحكم مع الدعوة ؛ فلما مات يانس وانفرد الحافظ بالأمر بعده ~~حظي نجم عنده ورقاه إلى أعلى المراتب ، وصار يدبر الدولة . وحسن عنده نصرة ~~طائفة الإسماعيلية والانتقام ممن كان يؤذيهم في أيام أحمد بن الأفضل ، ~~فتأذى بهذا خلق كثير ، وأثبت طائفة سماهم المؤمنين وجعل لهم زماما قتله حسن ~~بن الحافظ . ولما قتل الشريف بن العباس وأخذ نجم يعادي أمراء الدولة ~~ورؤساءها ولا ينظر في عاقبة وكانوا قد حسدوه على قربه من الحافظ وتمكنه منه ~~ومطاوعته له بحيث لا يعمل شيئا إلا برأيه فلما تمكن حسن بن الحافظ أغروه به ~~فقتله وقتل معه جماعة . ورد القضاء لابن ميسر وخلع عليه في يوم الخميس ثاني ~~ذي القعدة . # وفيها مات القاضي المكين أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسين ~~بن حديد بن حمدون الكناني قاضي الإسكندرية بثغر رشيد ، وقد عاد من القاهرة ~~في جمادى الآخرة ؛ ومولده سنة اثنتين وستين وأربعمائة . وكانت له مدة في ~~القضاء ؛ وهو الذي كان سببا في اغتيال أبي الصلت أمية الأندلس . وقد ذكره ~~السلفي وأثنى عليه ، ورثى بعدة قصائد . # وفيها مات أبو عبد الله الحسين بن أبي الفضل بن الحسين الزاهد الناطق ~~بالحكم ، المعروف بابن بشرى الجوهري ، الواعظ ابن الواعظ ابن الواعظ ابن ~~الواعظ ، في جمادى PageV03P151 الأولى . وكان حلو الوعظ ، إلا أنه تعرض في ~~آخر عمره لما لا يعنيه ms497 ، فنفاه الحافظ إلى دمياط ؛ وذلك أن الآمر لما مات ~~ترك جارية حاملا ، فقام الحافظ بعده في الخلافة على أن يكون كفيلا للحمل ~~حتى يكبر ، فاتفق أنه ولد وخافت أمه عليه من الحافظ ، فجعلته في قفة من خوص ~~وجعلت فوقه بصلا وكراثا وجزرا حتى لا يفطن به ، وبعثته في قماطه تحت ~~الحوائج في القفة إلى القرافة ، وأدخل به إلى مسجد أبي تراب الصواف ، ~~وأرضعته المرضعة ، وخفي أمره عن الحافظ حتى كبر ، وكان يعرف بين الصبيان ~~بقفيفة . فلما حان نفعه نم عليه ابن الجوهري هذا إلى الحافظ ، فأخذ الصبي ~~وفصده ، فمات ، وخلع على ابن الجوهري ثم نفاه إلى دمياط فمات بها . ~~PageV03P152 # | سنة تسع وعشرين وخمسمائة # فيها عظم أمر حسن بن الحافظ وقويت شوكته ، وتأكدت العداوة بينه وبين من ~~بقي من الأمراء والأجناد واشتد خوفهم منه ، وعزموا على خلع الحافظ من ~~الخلافة وخلع ابنه حسن من ولاية العهد وعزله عن الأمر . فاجتمعوا بين ~~القصرين ، وهم نحو العشرة آلاف ما بين فارس وراجل ، وبعثوا إلى الحافظ ~~فشكوا ما فيه من ابنه حسن وأرادوا إزالته عنهم . فعجز حسن عن مقاومتهم ولم ~~يبق معه سوى الراجل من الجيوشية ومن يقول بقولهم من العسكر الغرباء . فتحير ~~ولم يجد بدا من الفرار منهم إلى أبيه ، فصار إليه ، وكان قد نزل بالقصر ~~الغربي ، ففتح سردابا بين القصرين ووصل إلى أبيه بالقصر الشرقي من تحت ~~الأرض ، وتحصن بالقصر . فبادر الحافظ بالقبض عليه وقيده ، وأرسل إلى ~~الأمراء يخبرهم بالقبض على حسن ؛ فأجمعوا على طلبه ليقتلوه . فبعث إليهم ~~يقبح مرادهم منه أن يقتل ولده ، وأنه قد أزال عنهم أمره ، وضمن لهم أنه لا ~~يتصرف أبدا ؛ ووعدهم بالزيادة في الأرزاق والإقطاعات . فلم يقبلوا ذلك ، ~~وقالوا : إما نحن وإما هو . وأحضروا الأحطاب والنيران لإحراق القصر ؛ ~~وبالغوا في الجرأة على الحافظ . فلم يجد من ينتصر به عليهم لأنهم أنصاره ~~وجنده الذين يستطيل بهم على غيرهم ، فألجأته الضرورة إلى أن استمهلهم ثلاثة ~~أيام ليتروى فيما يعمل . فرأى أنه لا ينفك من هذه النازلة العظيمة إلا بقتل ms498 ~~ابنه لتنحسم المباينة بينه وبين العسكر التي لا يأمن إن استمرت أن تأتي على ~~نفسه هو ، فإنهم لم يبرحوا من بين القصرين . فاستدعى طبيبيه ، أبا منصور ~~وابن قرقة ، فبدأ بأبي منصور اليهودي وفاوضه في عمل سقية لابنه ، فتحرج من ~~ذلك وأنكر معرفته كل الإنكار ، وحلف برأس الخليفة وعلى PageV03P153 التوراة ~~أنه لم يقف على شيء من هذا . فتركه وأحضر ابن قرقة ، وكان يلي الاستعمالات ~~بدار الديباج وخزائن السلاح والسروج ، وفاوضه في ذلك ؛ فقال : الساعة ، ولا ~~يتقطع منها الجسد بل تفيض النفس لا غير . فأحضرها من يومه ، وألزم الحافظ ~~ابنه حسنا بمن ندبه من الصقالبة ، فأكرهوه على شربها ، فمات في يوم ~~الثلاثاء ثالث عشري جمادى الآخرة . # ونقل للقوم سرا : قد كان ما أردتم فامضوا إلى دوركم . فلم يثقوا بذلك ، ~~وقالوا لا بد أن يشاهده منا من نثق به ؛ وندبوا منهم امرأ يعرف بالجرأة ~~والصر يقال له المعظم جلال الدولة محمد ، ويعرف بجلب راغب الآمري ، فدخل ~~إلى حيث حسن بن PageV03P154 الحافظ ، فإذا هو مسجى بثوب ملاءة ، فكشف عن ~~وجهه وأخرج من وسطه سكينا وغرزه في عدة مواضع من بدنه حتى تيقن أنه ميت ، ~~وانصرف إلى أصحابه وأخبرهم فتفرقوا . # وكان تاج الدولة بهرا الأرمني قد انفلت من حسن بن الحافظ وولي الغربية ؛ ~~فلما علم أن النفوس جميعها من البدو والحضر قد انحرفت عن حسن جمع مقطعي ~~الغربية والأرمن والعربان وطلب القاهرة ، ويقال كان ذلك بمباطنة من الحافظ ~~، فما وصل إلى القاهرة حتى غابت حشوده في القرى والضياع ونهبوها . # وعندما وصل إلى القاهرة ، يوم الخميس وقت العصر ، الحادي عشر من جمادى ~~الآخرة التف عليه من بها من الأمراء والأجناد وأبادوا أكثر الجيوشية ~~والإسكندرية والفرحية ومن يقول بقولهم من الغز الغرباء . ونهب أوباش الناس ~~ما قدروا عليه . # ولما قتل حسن وسكنت الدهماء قبض الحافظ على الطبيب ابن قرقة وقتله بخزانة ~~البنود ، وارتجع جمع أملاكه وموجوده ، وكان يلي الاستعمالات بدار الديباج ~~وخزائن السلاح والسروج . وأنعم على أبي منصور الطبيب وجعله رئيسا على ~~اليهود وصارت له نعم جليلة ms499 . # وفيها كانت وزارة بهرام الأرمني النصراني الملقب تاج الدولة . وكان السبب ~~في ولايته الوزارة أنه جرت فتنة بين الأجناد والسودان عندما قتل حسن بن ~~الحافظ قوي فيها السودان على الأجناد وأخرجوهم من القاهرة ، فإن السودان ~~كانوا مع حسن دون الأجناد ، فإنهم PageV03P155 الذين حملوا أباه الحافظ على ~~قتله . وقدم بهرام بالحشد كما تقدم ، فوجد حسنا قد مات ، فمسكه الأجناد ~~بظاهر القاهرة وأدخلوه على الحافظ لدين الله في يوم الخميس ، بعد العصر ، ~~الحادي عشر من جمادى الآخرة ، لتولية الوزارة ؛ فخلع عليه في يوم الأحد ، ~~رابع عشره ، ثم خلع عليه ثانيا يوم الخميس ثامن عشره ، خلع الوزارة ، ونعت ~~بسيف الإسلام تاج الخلافة ، وهو نصراني ، مع كراهة الحافظ لذلك ، لتسكن ~~الفتنة ، ولم يرد إليه شيئا من الأمور الشرعية . فلم يدخل في مشكل لأنه كان ~~عاقلا سيوسا حسن التدبير . # وتقدم كثير من حواشي الحافظ إليه ينكرون عليه ولاية بهرام مع كونه ~~نصرانيا ، وقالوا : لا يرضى المسلمون بهذا ، ومن شرط الوزير أن يرقى مع ~~الإمام المنبر في الأعياد ليزرر عليه المزررة الحاجزة بينه وبين الناس ، ~~والقضاة نواب الوزير من زمن أمير الجيوش ، ويذكرون دائما النيابة عنه في ~~الكتب الحكمية النافذة إلى الآفاق وكتب الأنكحة . فقال : إذا رضينا نحن فمن ~~يخالفنا ؛ وهو وزير السيف ؛ وأما صعود المنبر فيستنيب عنه قاضي القضاة ؛ ~~وأما ذكره في الكتب الحكمية فلا حاجة إلى ذلك ويفعل فيها ما كان يفعل قبل ~~أمير الجيوش . # فشق على الناس وزارته ، وتطاول النصارى في أيامه على المسلمين . وكان هو ~~قد أحسن السيرة وساس الرعية ، وأدى الطاعة للخليفة ، وأنفق في الجند جملة ~~من الأموال ، ودبر الأمور فاستقامت له الأحوال ، وراسله الملوك ، وزال ما ~~كان في البلد من الفتن ؛ فلم ينكر عليه سوى أنه نصراني . وكان يقعد يوم ~~الجمعة عن الصلاة فلا يحضر ، بل يعدل إلى دكان بمفرده حتى يصلي الخليفة ~~بالناس . وأقبل الأرمن يردون إلى القاهرة ومصر من كل جهة حتى صار بها منهم ~~عالم عظيم . ووصل إليه ابن أخيه ، وكان يعرف بالسبع الأحمر ، فكثر القيل ~~والقال ms500 ؛ وأطلق أسيرا من الفرنج كان من أكابرهم ، فأنكر الناس ذلك ورفعوا ~~فيه النصائح للحافظ ، وأكثروا من الإنكار . PageV03P156 # وكان رضوان بن ولخشى حينئذ صاحب الباب ، وهو شجاع كاتب ، فبلغ بهرام أنه ~~يهزأ به في قوله وفعله ، فثقل عليه وأخذ يعمل على إخراجه من القاهرة ، وولى ~~أخاه الباساك قوص وفيها توفى الأديب أبو نصر ظافر بن القاسم بن منصور بن ~~عبد الله الجروي الجذامي الإسكندراني ، المعروف بالحداد . بمصر . ~~PageV03P157 # | سنة ثلاثين وخمسمائة # فيها أخرج بهرام الأمير رضوان بن ولخشى من القاهرة لولاية عسقلان ؛ وقيل ~~بل كان خروجه في سلخ رجب من السنة الماضية . فلما وصل إليها وجد فيها جماعة ~~من الأرمن قد وصلوا في البحر يريدون القاهرة ، فناكدهم ومنع كثيرا منهم ؛ ~~فبلغ ذلك الوزير بهرام ، فشق عليه ، وصرفه عن عسقلان واستدعاه ؛ فقدم إلى ~~القاهرة . وشكره الناس على منعه الأرمن من الوصول إلى القاهرة ، فلم يطق ~~بهرام إقامته معه ، فولاه الغربية في صفر إبعادا له عنه . # وفيها ملك رجار بن رجار ملك صقلية جربة ؛ ونازل طرابلس الغرب فانهزم عنها ~~PageV03P158 # | سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة # فيها تكاثر حضور أقارب بهرام وإخوته ، وأهله وقومه ؛ ومجيئهم من ناحية تل ~~باشر وكانوا مقيمين بها ، ولهم فيها كبير منهم يتولى أمرهم ؛ وقدموا أيضا ~~بلاد الأرمن ، حتى صار منهم بديار مصر نحو الثلاثين ألف إنسان . فعظم ضررهم ~~بالمسلمين وكثرت استطالتهم ، واشتد جورهم ، وتظاهروا بدين النصرانية ، ~~وأكثروا من بناء الكنائس والديارات ، وصار كل رئيس منهم يبني له كنيسة ~~بجوار داره . # وتفاقم الأمر . فخاف الناس منهم أن يغيروا الملة الإسلامية ويغلبوا على ~~البلاد فيردوها دار كفر ؛ فتتابعوا في الشكاية من أهل بهرام وأقاربه . # ووردت الأخبار من قوص بأن الباساك ، أخا بهرام ، قد جار على الناس ~~واستباح أموالهم ، وبالغ في أذيتهم وظلمهم ، فاشتد ذلك على الناس ، وعظم ~~على الأمراء ما نزل بالمسلمين ؛ فبعثوا إلى أبي الفتح رضوان بن ولخشى وكان ~~مقدما فيهم لكثرة نعوته بفحل الأمراء وهو يومئذ يتولى بالغربية يشكون إليه ~~ما حل بالمسلمين ويستحثونه على المصير وإنقاذهم مما نزل بهم . # فلما وصلت ms501 إليه كتب الأمراء تشمر لطلب الوزارة ، ورقى المنبر خطيبا بنفسه ~~فخطب خطبة بليغة حرض فيها الناس على الجهاد في سبيل الله والاجتماع لقتال ~~بهرام وشيعته النصارى من الأرمن . وكان حينئذ بمدينة سخا ، ثم نزل وحشد ~~الناس من العربان وغيرهم حتى استجاب له نحو من ثلاثين ألفا ، فأخرج لهم كتب ~~الخليفة الحافظ إليه PageV03P159 بالتقدم بالمسير ونزع الوزارة من يد بهرام ~~إذ تبين أن ليس من أهل الملة . وسار بهم إلى دجوة ، وبهرام لا ينزعج . # فلما قرب رضوان جمع بهرام الأرمن إليه وقال لهم : اعلموا أننا قوم غرباء ~~لم نزل نخدم هذه الدولة ؛ والآن فقد كثر بغضهم لأيامنا ، وما كنت بالذي ~~أكون عبد قوم وأخدمهم من حال الصبا فلما بلغني الكبر أقاتلهم ؛ لا ضربت في ~~وجوههم بسيف أبدا . سيروا . وأخذ أمراء الدولة وعساكرها يخرجون شيئا بعد ~~شيء إلى رضوان . # واجتمع بهرام بالخليفة وفاوضه في أمره ؛ فقال تحلبني الإسلام عليك . فأيس ~~حينئذ ، وجمع الأرمن ، وكانوا كلهم منقادين إليه لا يخالفونه في شيء من ~~الأشياء ، وسار بهم نحو بلاد الصعيد يريد أخاه الباساك بقوص ، قاصدا أنه ~~يجتمع به ويمضون إلى أسوان فيتملكونهما ويتقوون بالنوبة أهل دينهم . وقد ~~ذكر أن بهرام خرج يريد محاربة رضوان في عساكر مصر . فلما وصل بعسكر القاهرة ~~إلى رضوان رأوا المصاحف قد رفعها رضوان فوق الرماح ، فصاروا بأجمعهم إلى ~~رضوان باتفاق كان بينهم وبينه من قبل ذلك ؛ فعاد بهرام إلى القاهرة وأخذ ما ~~خف حمله ، وخرج من باب البرقية يوم الأربعاء ، وقت العصر ، حادي عشر جمادى ~~الأولى ، وسار يريد الصعيد وقد أوسق المراكب بما يحتاج إليه . فعندما رحل ~~اقتحم رعاع الناس وأوباشهم إلى دار الوزارة فنهبوها وهتكوا حرمتها ، وعملوا ~~كل مكروه ؛ فكان هذا أول نهب وقع في دار الوزارة . وامتدت الأيدي إلى دور ~~الأرمن التي PageV03P160 كانوا قد عمروها بالحسينية خارج باب الفتوح ، ~~فنهبوها ، ونهبوا كنيسة الزهري ، ونبشوا قبر البطرك ، أخي بهرام . # وطار خبر انهزام بهرام في سائر إقليم مصر ، فوصل الخبر بذلك إلى قوص قبل ~~وصول بهرام ، فثار المسلمون بها ms502 على الباساك وقتلوه ومثلوا به ، وجعلوا في ~~رجله كلبا ميتا ، وألقوه على مزبلة . فلما كان بعد قتله بيومين قدم بهرام ~~في طائفة الأرمن ، وهم نحو الألفي فارس ، رماة ، فرأى أخاه على المزبلة كما ~~ذكر ، فقتل جماعة من أهل قوص ونهبها . وسار عنها إلى أسوان ، فنزل بالأديرة ~~البيض ، وهي أماكن حصينة في غربي أخميم ، فتفرق عنه عدة من الأرمن وساروا ~~يريدون بلادهم . # وأما رضوان فإنه لما وصل إلى القاهرة وقف بين القصرين ، واستأذن الحافظ ~~فيما يفعله ، فأشار بنزوله في دار الوزارة ، فنزلها ، وخلع عليه خلع ~~الوزارة يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الأولى ، ونعت بالسيد الأجل الملك ~~الأفضل . فاستدعى بالأموال من الخليفة ، وأنفق في الجند ، ومهد الأمر . ~~ورضوان أول وزير لقب بالملك . # فلما كن في اليوم الثالث من استقراره في الوزارة سير أخاه الأوحد إبراهيم ~~ومعه العسكر شرقا وغربا ، والأسطول بحرا ، في طلب بهرام ، وبيده أمان له ~~ليعود مكرما وطائفته على إقطاعاتهم . فسار إلى الأديرة ، وتقرر الحال من ~~غير قتال على إقامة بهرام بها ؛ وذلك أن أسوان امتنعت عليه بكنز الدولة ~~وأهلها ، فاضطر إلى الإقامة بالأديرة وقد فارقه PageV03P161 أكثر الأرمن ، ~~فمنهم من سار إلى بلاده ومنهم من أقام بأرض مصر ليكونوا فلاحين ، فسأل لهم ~~مواضع يسكنونها ، فأفردت لهم جهات ، منها سمالوط وإبوان وأقلوسنا والبرجين ~~في صعيد مصر ، وضيعة أخرى بأعمال المحلة . وأقام بهرام بالأديرة البيض ومعه ~~أهله وولده . # وفيها صرف أبو عبد الله محمد بن ميسر عن قضاء القضاة في يوم الأحد لسبع ~~خلون من المحرم ، والوزير إذ ذاك بهرام ، ونفي إلى تنيس ، فأقام بها إلى ~~يوم الاثنين ثاني ربيع الأول ، وقتل . وهو من قيسارية ، وقدم منها مع أبيه ~~وهو صغير في وزارة أمير الجيوش بدر الجمالي عند حضوره إلى المستنصر في سني ~~الشدة ، وبعثه إلى البلاد الشامية لإحضار أرباب الأموال واليسار ؛ وكان من ~~جملة من أحضر والد القاضي ، وكان له مال جزيل ، ففوض إليه خطابة الجامع ~~بمصر ؛ وفتح دار وكالة ، وأقام بها مدة حتى مات . فترقى ولده إلى أن ولي ~~القضاء ms503 عدة مرار ؛ وكان له أفضال ومكارم ، وحصلت له وجاهة ورتبة جليلة ، ~~وضرب دنانير كثيرة كان اقترحها على الخليفة الآمر . وهو الذي أخرج الفستق ~~الملبس بالحلوى ، فإنه بلغه أن أبا بكر محمد بن علي المادرائي عمل الكعك ~~الذي يقال له افطن له ، وعمل عوضا من حشو السكر دنانير ، فلما مد السماط في ~~يوم العيد قال أحد الخدام لصديق له كان على السماط : افطن له ؛ ففهم عنه ~~وتناول من ذلك ، وصار يخرج الذهب من فمه ويخفيه حتى تنبه الناس لذلك ، ~~فتناولوا بأجمعهم منه . فأرادوا القاضي ابن ميسر PageV03P162 أن تشبه بأبي ~~بكر المادرائي في ذلك ، فعمل صحنا منه لكن جعل فستقا قد لبس حلوى وذلك ~~الفستق من ذهب ، وأباحه أهل مجلسه ؛ ولم يقدر على علم ذلك سوى مرة واحدة . # ثم إنه لما تناهت مدته عاداه رجل يعرف بابن الزعفراني ، فنم عليه عند ~~الحافظ بأن أحمد بن الأفضل لما كان قد اعتقل الحافظ وجلس للهناء ودخل عليه ~~الشعراء كان فيهم علي بن عباد الإسكندري ، وأنه أنشد قصيدة يذم فيه خلفاء ~~مصر ويذكر سوء اعتقادهم ، منها في ذم الحافظ : # هذا سليمانكم قد رد خاتمه . . . واسترجع الملك من صخر بن إبليس # فعندما قال هذا البيت قام ابن ميسر وألقى عرضيته طربا بهذا البيت . فأمر ~~الحافظ بإحضار هذا الشاعر ، وقال : أنشدني قصيدتك : فأنشدها إلى أن بلغ ~~فيها إلى قوله : ولا ترضوا عن الخمس المناحيس . يعني الحافظ وابنيه وأباه ~~وجده ؛ فأمر الغلمان بلكمه ، فلكموه حتى مات بين يديه . وقبض على ابن ميسر ~~ونفي ثم قتل . وكان ينعت بجلال الملك ، وكانت علامته الحمد لله على نعمه . # وفيها مات أبو البركات بن بشرى الواعظ المعروف بابن الجوهري في جمادى ~~الأولى عن إحدى وتسعين سنة . # وفيها ولي قضاء القضاة أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي عقيل ، ونعت ~~بقاضي القضاة الأعز أبي المكارم . # وفيها ثار بناحية برقة رجل من بني سليم وادعى النبوة ، فاستجاب له خلق ~~كثير ، وأملى عليهم قرآنا منه : إنما الناس بالناس ولولا الناس لم يكن ~~الناس ، والجميع ms504 رب الناس . ثم تلاشى أمره وانحل عنه الناس . # وفيها جلس الوزير رضوان في ذي القعدة لاستخدام المسلمين في المناصب التي ~~كانت بأيدي النصارى . واستجد ديوان الجهاد ، واهتم بتقوية الثغور واستعد ~~لتعمير عسقلان PageV03P163 بالعدد والآلات ، وأشاع الخروج إلى الشام لغزو ~~الفرنج ، وأظهر من الاعتناء بذلك ما لا يوصف . وكان قد مهد الأمور ، وأعاد ~~الناس إلى ما كانوا عليه من الطمأنينة بحسن سيرته ، وكثرة عدله وعمارته ~~البلاد ، وقوة نفسه وشجاعته . وأحضر جميع الدواوين وكتبها ورثبها ، ورتب ~~الأمور أحسن تدبير . # وكان من جملة الضمان في أموال الدولة هبة الله بن عبد المحسن الشاعر ؛ ~~فلما عرض حسابه وجد قد انكسر عليه مال في ضمانه ، فكتب له في المجلس : # أنا شاعر وصناعتي الأدب . . . وضمان مثلي المال لا يجب # أنا مستميحكم ، وليس علي . . . من جاء يطلب رفدكم طلب # وإذا الباقي علي فما . . . من حاصل ، ورق ولا ذهب # فسامحه فيما عليه من الباقي . # وفيها أحضر من الصعيد الأعلى في رمضان جماعة تقدمهم رجل . بجاوي يدعى فيه ~~أصحابه أنه إله ، فصلبوا . PageV03P164 # | سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة # فيها أفرج الوزير رضوان عن شمس الخلافة مختار الأفضلي ، صاحب باب بهرام ، ~~من الاعتقال وولاه الإسكندرية . # فيها تشدد رضوا على الأنصاري من أصحاب بهرام وصادره ، وقتلهم بالسيف ، ~~وأباد أكثرهم . وتطلع إلى تقديم أرباب المعارف من أرباب السيوف والأقلام ، ~~وأحسن إليهم ، وزاد في أرزاقهم . # ووجد نصرانيا قد توصل في أيام بهرام إلى ديوان النظر ، يعرف بالأخرم ، ~~وبذل في كل يوم ألف دينار سوى المؤن والغرامات ؛ فآذى المسلمين وشق عليهم ، ~~فصرفه رضوا واستخدم بدله رجلا يقال له المرتضى المحنك بغير ضمان . # وتقدم إلى ديوان الإنشاء بانشاء سجل في الوضع من النصارى واليهود ؛ ~~فأنشأه أبو القاسم ابن الصيرفي ، منعوا فيه من إرخاء الذوائب وركوب البغلات ~~ولبس الطيالسة ، وأمر النصارى بشد الزنانير المخالفة لألوان ثيابهم ، وألا ~~يجوزوا على معابد المسلمين ركبانا ؛ فما رئي في أيامه يهودي ولا نصراني ~~يجوز على الجامع راكبا ، لكنه ينزل ويقود دابته . وأمر أن يؤخذ الجزية من ~~فوق مساطب وهم وقوف أسفلها . ومنعهم ms505 من التكني بأبي الحسن وأبي الحسين وأبي ~~الطاهر ، وأن يبيضوا قبورهم . وضمن ذلك كله السجل ؛ فعمل به . # وفيها نزع السعر لتوقف النيل ، فنال الناس مجاعة ؛ فأمر الحافظ بفتح ~~PageV03P165 الأهراء والبيع منها على الناس بأوساط الأثمان ، فلم يمض ~~الوزير بذلك ، وأخذ يهين حواشي الخليفة إذا حضروا إليه ويقدح في مذاهبه ، ~~لأنه كان سنيا ، وكان أخوه الأوحد إبراهيم إماميا . # فلما كثر ذلك منه انزعج الخليفة ولم يظهر تغيرا ، وأخذ يعمل في الخلاص ~~منه ؛ فتنافر كل منهما من الآخر . وكان رضوان خفيفا طائشا لا يثبت ، فهم ~~بخلع الحافظ وقال ما هو بخليفة ولا إمام ، وإنما هو كفيل لغيره ، وذلك ~~الغير لم يصح . وأحضر الفقيه أبا الطاهر ابن عوف وابن أبي كامل فقيه ~~الإمامية وابن سلامة داعي الدعاة ، وفاوضهم في الخلع واستخلاف شخص عينه لهم ~~؛ وألزم كلا منهم أن يقول ما عنده . فقال ابن عوف : الخلع لا يجوز إلا ~~بشروط تثبت شرعا . وقال ابن أبي كامل : السلطان ، أبقاه الله ، يحملني على ~~أن أتكلم على غير مذهبي في الإمامة . قال : لأجل عمل مذهبك ؟ فقال : مذهبي ~~معلوم ، يعني أن الإمامية للحاضر من إخوته ، ولأنه لا ينبغي لمن لم تكن له ~~إمامة أن يخلع . فخلص من هذا وقال الداعي : أنا داعي ومولى لهم ، وما يصح ~~لي خلعه ، فإني أصير فيما مضى كأني أدعو لغير مستحق ، فأكون قد كذبت نفسي ~~فلا أقبل الآن وأستخصم بذلك ، ولا يؤثر قولي فيما تريدون ؛ ولم تجر العادة ~~على الفاطميين بخلع حتى نأتي به . # فقابله على هذا القول بالسب وإقامته أقبح قيام . فقال الفقيه النحاس ، ~~وكان حاضرا ، PageV03P166 كل عظيمة ، وحمله على خلع الحافظ فبلغ ذلك المجلس ~~الحافظ . # وفيها أحضرت من تنيس امرأة بغير ثديين في موضع ثدييها مثل الحلمتين ، ~~فصارت إلى مجلس الوزير رضوان وأخبرته أنها تصنع برجليها جميع ما يعمل ~~باليدين من رقم وخط وغير ذلك . فجاء لها في المجلس بدواة فتناولت برجلها ~~اليسرى الأقلام قلما قلما ، ثم تناولت السكين برجليها وبرت قلما ، واستدعت ~~ورقة وأمسكتها برجلها اليمنى وكتبت بالرجل اليسرى رقعة ms506 بأحسن خط تكتبه ~~النساء ، وحمدت الله في آخرها ، وناولتها الوزير ، فإذا فيها سؤال بأن يزاد ~~في راتبها . فوقع لها خلف الرقعة بما تسأل وأعادها إلى بلدها . # وفيها بنى الوزير رضوان المدرسة المعروفة به في ثغر الإسكندرية ، وجعل في ~~تدريسها الفقيه أبا طاهر بن عوف . PageV03P167 # | سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة # فيها زاد السعر وبلغ القمح ثلاثة دنانير للإردب ، فبيعت الغلال التي كان ~~الأفضل خزنها ، وقد تغيرت وأرادوا رميها في النيل ، فكانت تقطع بالفئوس ~~وتباع بأربعين دينارا كل مائة إردب ، وكذلك الأرز الذي كان مخزونا بمصر ~~فإنه أبيع بعشرة دنانير المائة ؛ فوجد الناس بذلك رفقا . # فيها كثر سعي الوشاة بين الحافظ والوزير فتخوف كل منهما من الآخر ، وقبض ~~الوزير على عدة من خواص الحافظ ، منهم أبو المعالي بن قادوس ، وابن شيبان ~~المنجم ، ورئيس اليهود ، وجماعة ؛ فقتلهم . فسير الحافظ من أحضر إليه بهرام ~~في رمضان ؛ فلما حضر أسكنه عنده بالقصر وأكرمه ، وشق ذلك على رضوان . وكان ~~الحافظ قد تلطف برضوان في أمر بهرام وقرر معه أ ، يستدعيه وينزله في القصر ~~، وحلف له أنه لا يوليه أمرا ولا يمكنه من تصرف ؛ فتسامح رضوان في أمره . ~~واستدعى فحضر بأهله وأنزل في دار بالقصر قريبة من المحول ، وهو قريب من سكن ~~الحافظ ، فكان يستحضره في غالب الليالي ويستشيره ويعمل برأيه . # ولما كان يوم عيد الفطر ركب الوزير مع الحافظ وعليه من الملابس ما لم ~~يلبسه أحد من الوزراء في مثل ذلك اليوم ، وعاد إلى القصر وفي نفس الحافظ ~~منه أشياء تبينها رضوان PageV03P168 في وجه الحافظ وعلمها منه ، فاشمأزت ~~نفسه مع ما كان فيه من الطيش ، فركب في تاسع شوال وزحف إلى القصر ؛ فكلمه ~~الخليفة من بعض طاقات المنظرة التي تطل على باب الذهب ، وجرى بينهما كلام ~~اجترأ فيه على الخليفة . وعاد إلى داره بعد أن احتاط بالقصر واحتفظ ~~بالأبواب ، فانتفض الناس لذلك بالقاهرة ومصر ، وكثرت الأراجيف . # وفي تلك الحالة نزل بعض أولاد الحافظ من القصر هاربا إلى رضوان ، وكان ~~شيخا ومعه ولد له ، ليقيمه خليفة ، فلم يكترث ms507 به ، وأحضر إسماعيل بن سلامة ~~الداعي ، وقال له : ما تقول في هذا الرجل ، هل يصلح لما التمسه ؟ فقال : ~~الخلافة لها شروط ونواميس ما في هذا منها شيء ، وتحتاج إلى نصوص ، ولولا ~~أنم مولانا الآمر نص على مولانا الحافظ وأودعه سر الخلافة لما ثبتت فيه ولا ~~استجاب له الناس . فلم يحصل سوى أنه كان مشئوما على نفسه وأهله ، فإن ~~الحافظ لما بلغه ذلك قتله وقتل جماعة منهم كثيرة . ثم إن الحافظ لما رأى ~~فعل رضوان وتعديه وكثرة من انضم إليه من العسكر عمل في التدبير عليه وأرسل ~~إلى صبي من الجند يعرف بشومان ، وكانت فيه شهامة وجرأة وهو من صبيان الخاص ~~، فأحضره إليه من أحد السراديب سرا وأرسله إلى علي بن السلار ، أحد أمراء ~~الدولة ، يأمره بالتدبير على رضوان ، وأنفذ معه مالا إليه ليستعين به على ~~ذلك . وكان علي بن السلار عاقلا صاحب حزم ويقظة وحسن تأت مع قوة وصرامة . # فلما جاءه القاصد بالمال وبلغه عن الخليفة ما قال انتهز الفرصة وأرسل إلى ~~جماعة من صبيان الخاص وقرر معهم أن يجتمعوا ويدخلوا من باب زويلة كردوسا ~~واحدا وهم يصيحون : الحافظ يا منصور ؛ وفرق فيهم ما أرسله إليه الخليفة . ~~PageV03P169 # فلما كان يوم الاثنين ، الثالث عشر من شوال ، اجتمع بظاهر القاهرة منهم ~~نحو العشرين وأقبلوا من باب زويلة يصيحون : يا للحافظ ، الحافظ يا منصور ؛ ~~فما وصلوا إلى الشرايحيين الذي يعرف اليوم بالشوايين ، حتى صاروا نحو ~~الخمسمائة ، وما وصلوا بين القصرين إلا والعسكر جميعه من فارس وراجل معهم ، ~~ولم يبق من الصبيان والعوام أحد حتى خرج النساء ، وأشرف النساء من الطاقات ~~، وصاروا بأجمعهم يصيحون : يا للحافظية . # فلما سمع رضوان الضجيج أراد أن يركب ، فمنعه بعض غلمانه فأبى عليه لأنه ~~كان واثقا بنفسه وبمن معه ؛ وخرج وحده بغير سلاح ليس معه سوى سيف ، فلقي ~~الناس بنفسه وطردهم يمينا وشمالا ، وظهر منه شجاعة تعجب منه من شاهدها ، ~~فإنه لقي ألوفا من الناس بمفرده ولم يزل يحمل عليهم حملة بعد حملة إلى أن ~~قتل منهم عدة . وكان ms508 أخوه إبراهيم قد بلغه الخبر ، فركب من داره وأمسك عنه ~~من يجيئه من ناحية قصر الشوك ، وشدت الريحانية ورجعوا إليه من ناحية زيادة ~~الجامع الحاكمي ودرب الفرنجية . # فلما طال عليه وتيقن أن القوم بأجمعهم قد تمالئوا على حربه ، وكان قد ~~انقضى من النهار أربع ساعات ، وأشرف عليه الأستاذون من ناحية باب الريح من ~~أعالي القصر يرشقونه بالنشاب ويرمونه بالطوب ، تحير . وكان ابن أخته والي ~~مصر ، فبلغه الخبر ، فقام بجميع غلمانه وسار لنجدة خاله ، فوجد عند باب ~~زويلة من بلغه الخبر بأنه لا يقدر على الوصول إليه ؛ فسار من ناحية باب ~~البرقية ومعه بوقات وطبول ، فسمع إبراهيم ، أخو رضوان ، أصوات البوقات ~~والطبول من جهة باب البرقية ، فأنفذ إلى أخيه رضوان يقول له : قد تفرق ~~علينا العسكر وجاء من ناحية قصر الشوك ، وقد قاطع الراجل علينا من ناحية ~~باب النصر . PageV03P170 # فلما بلغ رضوان ذلك أيقن بالهلاك إن وقف ، فما زال يتأخر قليلا قليلا حتى ~~صار في رحبة باب العيد عند دار سعيد السعداء ، وبعث إلى داره ، التي هي دار ~~الوزارة من أخذ له شيئا منها على سبيل الخطف ، وأوصى إلى أخيه ، فانضم إليه ~~هو ومن معه من أصحابه وفيهم أبي الفوارس وقدارة بن أبي عزة وشاور بن مجير ~~السعدي ، وجماعة من خواصه ، وخرجوا من باب النصر . فما هو إلا أن صار بظاهر ~~القاهرة اقتحم الناس دار الوزارة ونهبوها حتى لم يتركوا فيها شيئا . # وما وصل رضوان إلى تربة أمير الجيوش إلا وقد تلاحق كثير من المغافرة ، ~~وكان قد أسلف عند العرب أيادي وأفاض عليهم نعما وأحسن إليهم إحسانا كثيرا ~~في مدة وزارته ، فأدركه رجل من العرب يقال له سالم بن المحجل ، أحد شياطين ~~الإنس ، وحسن له المسير إلى الشام . # واشتغل الناس بنهب دار الوزارة ، وكان قد جمع فيها رضوان أكثر أموال ديار ~~مصر وشحنها بالذخائر وأنواع السلاح والعدد والآلات والغلال ، فانتهب جميع ~~ذلك ، وأحرقت أخشاب تعب الملوك في تحصيلها . وكان نهب دار الوزارة أول ضرر ~~دخل على الدولة . # وطلب رضوان الشام ، فدخل ms509 عسقلان وملكها وجعلها معقله ، وتوجه أخوه إلى ~~الحجاز وأقام بها حتى مات ؛ وسار ابن أخته إلى بغداد فأكرمه أصحاب الخليفة ~~هناك ولم يزل عندهم إلى أن مات . # وخرج رضوان من عسقلان ولحق بصلخد ، فنزل على أمين الدولة كمشتكين صاحبها ~~PageV03P171 فأكرمه وأبره ، وأقام عنده ثلاثة أشهر . ثم أنفذ إلى دمشق ، ~~واستفسد من الأتراك بها من قدر عليه . # وفيها خربت الأثارب من زلزلة ؛ وزلزلت دمشق أيضا . وفيها مات الأعز قاضي ~~القضاة أبو المكارم أحمد بن عبد الرحمن بن أبي عقيل ، في شعبان ، فأقام ~~منصب القضاء بغير قاض ثلاثة أشهر ؛ ثم اختير الفقيه أبو العباس أحمد ابن ~~الحطيئة في ذي القعدة ، فاشترط ألا يحكم بمذهب الدولة ، فلم يمكن من ذلك . ~~وكان الوزير رشوان قد تقدم إلى الفقيه أبي عبد الله محمد بن عبد المولى بن ~~عبد الله محمد بن عقبة اللخمي ، المعروف بابن اللبني ، المغربي المالكي ، ~~أن يعقد الأنكحة . فلما كان في الحادي عشر من ذي القعدة قرر الحافظ في قضاء ~~القضاة القاضي فخر الأمناء أبا الفضائل هبة الله بن عبد الله بن الحسين بن ~~محمد الأنصاري الأوسي ، المعروف بابن الأزرق . PageV03P172 # | سنة أربع وثلاثين وخمسمائة # فيها عاد الأفضل رضوان بن ولخشي من صلخد في جمع فيه نحو الألف فارس ، ~~وكان الناس في مدة غيبته يهتفون بعوده ، فبرزت له العساكر ودافعوه عند باب ~~الفتوح ، فلم يطق مقابلتهم ؛ فمضى إلى مصر ونزل على سطح الجرف المعروف ~~اليوم بالرصد ، وذلك يوم الثلاثاء مستهل صفر . فاهتم الحافظ بأمره ، وبعث ~~إليه بعسكر من الحافظية والآمرية وصبيان الخاص ، عدتهم خمسة عشر ألف فارس ؛ ~~مقدم القلب تاج الملوك قايماز ، ومقدم الآمرية فرج غلام الحافظ . فلقيهم ~~رضوان في قريب ثلثمائة فارس ، فانكسروا ، وقتل كثير منهم ، وغنم معظمهم ؛ ~~وركب أقفيتهم إلى قريب القاهرة . وعاد شاور إلى موضعه فلم يثبت ، وأراد ~~العود إلى صلخد فلم يقدر ، لقلة الزاد وتعذر الطريق ، فتوجه بمن معه من ~~العربان إلى الصعيد . فأنفذ إليه الحافظ الأمير المفضل أبا الفتح نجم الدين ~~سليم بن مصال في عسكر ومعه أمان ms510 ، فسار خلفه ، وما زال به حتى أخذه وأحضره ~~إلى القصر آخر نهار الاثنين رابع ربيع الآخر ، فعفا عنه الحافظ ، ولم يؤاخذ ~~أحدا من الأتراك الذين حضروا معه من الشام . واعتقله عنده بالقصر قريبا من ~~الدار التي فيها بهرام . # وفيها أضيف لقاضي القضاة هبة الله بن حسن الأنصاري ، في سابع عشر جمادى ~~الآخرة ، تدريس دار العلم بالقاهرة ، فمضى إليها ؛ وكان مدرسها أبو الحسن ~~علي بن إسماعيل ، فجرت بينهما مفاوضات أدت إلى الخصام الشنيع ؛ فخرج القاضي ~~إلى القصر ماشيا وقد تخرقت ثيابه وسقطت عمامته . فعظم على الحافظ خروجه في ~~الأسواق على هذه الهيئة ، وغضب لذلك ؛ فصرفه ورسم عليه ، وغرمه مائتي دينار ~~، وألزمه داره . وأمر بطلب أبي الطاهر إسماعيل بن سلامة الأنصاري ، فخلع ~~عليه وقرره مكانه ، ونعته الموفق في الدين ، ولم يكتب له سجل ؛ فأقام إلى ~~آخر ذي الحجة ، ولم يتناول على القضاء معلوما ؛ وكان PageV03P173 جاري ~~الحكم في كل شهر أربعين دينارا ؛ وقنع بجاري التقدمة على الدعاة وهو ثلاثون ~~دينارا في الشهر . # وفيها ولي الحافظ لدين الله الأمير المفضل نجم الدين أبو الفتح سليم بن ~~مصال المالكي تدبير الأمور . PageV03P174 # | سنة خمس وثلاثين وخمسمائة # فيها هلك بهرام الأرمني بالقصر ، وكان الحافظ لما أقدمه من الصعيد إلى ~~عنده أنزله في القصر ولم يمكنه من التصرف ، وكان يشاوره في تدبير أمور ~~الدولة فيعجبه رأيه وحزمه وعقله . فلما مات في العشرين من ربيع الآخر حزن ~~عليه حزنا كثيرا ظهر بسببه على القص غمة ، وهم أن يغلق الدواوين ولا يفتحها ~~ثلاثة أيام . وأحضر بطرك الملكية وأمره أن يجهز بهرام ، فقام بتجهيزه . ~~وأخرج نصف النهار في تابوت وعليه ثوب ديباج أحمر ، ومن حوله النصارى يبخرون ~~باللبان والصبار وسن العود ، وجميع الناس مشاة ، فلم يتأخر أحد من أعيان ~~الوقت عن جنازته . # وخرج الخليفة علة بغلة شهباء وعليه عمامة خضراء وثوب أخضر بغير طيلسان ؛ ~~فسار خلف التابوت ، وسار والناس تبكي والأقساء يعلنون بقراءتهم ، والخليفة ~~سائر ؛ إلى دير الخندق من ظاهر القاهرة . فنزل الخليفة عن بغلته وجلس على ~~شفير القبر وبكى بكاء ms511 شديدا . # وكان عاقلا مقداما في الحرب ، حسن السياسة ، جيد التدبير ؛ وكان أولا ~~يقوم بأمر الأرمن ، وسكناهم يومئذ في ناحية تل باشر ، فتعصب عليه جماعة ~~منهم وولوا غيره ؛ فخرج مغضبا وقدم إلى القاهرة ، فترقى في الخدم إلى أن ~~ولي المحلة فقام بولايتها . ومنها سار في زي حسن إلى القاهرة ومعه من ~~الأرمن نحو الألفين يقولون بقوله ، فاستوزره الحافظ . # وفيها مات الفقيه أبو الفتح سلطان بن إبراهيم بن رشا المقدسي في آخر ~~جمادى الآخرة . PageV03P175 # | سنة ست وثلاثين وخمسمائة # في ليلة الثلاثاء الثاني عشر من ربيع الأول سقطت صاعقة أحرقت ركن منارة ~~الجامع العتيق . # في شعبان غلت الأسعار وعدم القمح والشعير ، فبلغ القمح كل إردب إلى تسعين ~~درهما والدقيق إلى مائة وخمسين للحملة ، والخبز إلى ثلاثة أرطال بدرهم ، ~~والويبة من الشعير إلى سبعة دراهم ، والزيت الطيب إلى سبعة دراهم للرطل ، ~~والجبن إلى درهمين للرطل والبيض إلى عشرين درهما للمائة ، والزيت الحار إلى ~~درهم ونصف للرطل ، والقلقاس كل رطلين بدرهم ؛ وعدم الفرخ والدجاج فلم يقدر ~~على شيء منه . وعم الوباء ، وكثر الموتان . # وفيها مات أحمد بن مفرج بن أحمد بن أبي الخليل الصقلي الشاعر ، المعروف ~~بتلميذ ابن سابق ؛ وكان فاضلا ذكيا يتصرف في عدة فنون ، وله رسائل حسنة ~~وشعر جيد . # وكان الشعراء في أيام الحافظ قد أطنبوا في المديح وتناهوا في إطالة ~~القصائد حتى صار الإنشاد يؤدى إلى قصر الوقت الذي جرت العادة باستماع ~~أشعارهم فيه ، لطول مثولهم بالخدمة ؛ فخرج الأمر إليهم بالاختصار فيما ~~ينشدونه من الأشعار . فقال أحمد بن مفرج يخاطب الخليفة : # أمرتنا أن نصوغ المدح مختصرا . . . لم لا أمرت ندى كفيك يختصر # والله لا بد أن تجرى سوابقنا . . . حتى يبين لنا في مدحك الأثر # فأمروا بالاستمرار على ما هم عليه من الإطالة في الإنشاد . PageV03P176 # | سنة سبع وثلاثين وخمسمائة # فيها عظم الوباء بديار مصر ، فهلك فيه عالم لا يحصى عدده كثرة . # وفيها بعث الحافظ الأمير النجيب رسولا إلى رجار ملك صقلية لمحاربته أهل ~~صقلية ؛ وكان رجار فيه فضيلة وأمر ، فصنفت له تصانيف ، وكان ms512 عنده محبة ~~للأدب ؛ ومدحه ابن قلاقس الشاعر وغيره . PageV03P177 # | سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة # فيها خرج محمد بن رافع اللواتي بنواحي البحيرة ، فاجتمع له عدد كثير من ~~الناس ، فخرج إليه طلائع بن رزيك ، وهو يومئذ والي البحيرة ، فكانت بينهما ~~حروب قتل فيها . # وفيها غلت الأسعار بمصر . PageV03P178 # | سنة تسع وثلاثين وخمسمائة # فيها سير الحافظ الرشيد أبا الحسين أحمد بن الزبير رسولا إلى اليمن بسجل ~~يقرؤه عليهم ، فخرج في ربيع الأول . # وفيها خرج أبو الحسين ابن المستنصر إلى الأمير خمارتاش الحافظي صاحب ~~الباب وقال له : اجعلني خليفة وأنا أوليك الوزارة ، فطالع الحافظ بذلك ، ~~فأمر القبض عليه ، فقبض واعتقل . # وفيها قدم ، في جمادى الآخرة ، من دمشق الأمير مؤيد الدولة أسامة بن منقذ ~~وإخوته وأهله ، ومعهم نظام الدين أبو الكرام محسن وزير صاحب دمشق ، معاضدين ~~له ، فأكرم مثواهم وأنزلوا ، وأفيضت عليهم العطايا ، وتواترت الإنعامات . ~~PageV03P179 # | سنة أربعين وخمسمائة # فيها أعيد نظر الدواوين والأتراك والخزائن إلى القاضي الموفق أبي الكرم ~~محمد بن معصوم التنيسي في جمادى الأولى . PageV03P180 # | سنة إحدى وأربعين وخمسمائة # فيها خرج على الحافظ أمير من المماليك يعرف ببختار ، يطلب الوزارة ، بأرض ~~الصعيد ، فندب إليه عسكرا عليه سلمان مؤنس اللواتي ، فمضى إليه وحاربه ، ~~فانهزم وهو من ورائه ، حتى أدركه وأخذه أسيرا وقتله . # وفيها قدم صافي الخادم ، أحد خدام المتقي ، من بغداد فارا ، في ثالث عشري ~~جمادى الأولى ، خوفا ؛ فأكرمه الحافظ . # وفيها منع من التعرض لصرف شيء من المال الحاضر من الأعمال في جرائد ~~المستخدمين وأن يكون ما نسب منها على البواقي والفاضل في هذه السنة . # وفيها ملك نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر حلب بعد أبيه . # وفيها ملك رجار بن رجار ملك صقلية مدينة طرابلس الغرب وولى عليها رجلا من ~~بني مطروح . PageV03P181 # | سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة # فيها صرف أبو الكرم التنيسي في ربيع الآخر ، وأعيد نظر الدواوين للقاضي ~~المرتضى المحنك . # وفيها سير الحفاظ لظهير الدين صاحب دمشق هدايا وخلعا وتحفا . وفيها خرج ~~رضوان من ثقب نقبه بالقصر . وذلك أن الحافظ لما اعتقله بالقصر أرسل ms513 يسأله ~~في أشياء ، من جملتها زيارة نجم الدين بن مصال له في الوقت بعد الوقت ، ~~فأجابه إلى ذلك لثقته بابن مصال . فحضر في يوم من الأيام ابن مصال لخدمة ~~الخليفة ، وبدأ بزيارة رضوان ، فدخل إليه ومعه مشدة فيها رقاع بجوائج الناس ~~ليعرضها على الحافظ ، وكانت عادته ذلك ؛ فاحتاج إلى الخلاء ، فترك مشدته ~~عند رشوان ودخل الخلاء . فأخذ رضوان الرقاع ووقع بخطه عليها كلها بما يسوغ ~~التوقيع به ، وأتر بها وطواها في المشدة . وخرج ابن مصال فأخذها ودخل على ~~الحافظ ، وقد علم أنه كان عند رضوان ، فقال له : كيف ضيفنا ؟ فقال : على ~~غاية من الشكر لنعمة مولانا وجواره . وأخرج رقة من تلك الرقاع ليعرضها على ~~الخليفة فوجد عليها التوقيع بخط رضوان ، فأمسكها وأخرج غيرها ، فإذا هي ~~موقع عليها أيضا . وكان الحافظ يراه ، فقال : ما هذا ؟ فاستحيا ابن مصال ~~عندما تداول الخليفة الرقاع وعليها توقيع رضوان . فقال له الحافظ : يا نجم ~~الدين ، ما زلت مباركا علينا والله يشكر لك ذلك ؛ لقد فرجت عنا غمة . فقال ~~: كيف يا مولانا قال : PageV03P182 رأيت البارحة رؤيا مقتضاها أنه ربما ~~يشركنا في كثير من أمرنا ؛ فالحمد لله إذ كان هذا . وكتب على الرقاع أمضاها ~~بخطه ، وخلع على ابن مصال . # فلما طال اعتقال رضوان أخذ ينقب بحيث لا يعلم به إلى أن انتهى النقب من ~~موضعه الذي هو فيه إلى تجاه فندق أبي الهيجاء ، وخرج النقب عن سور القصر . ~~وكان قياس ما نقبه خمسة وثلاثين ذراعا ، فظهر منه بكرة يوم الثلاثاء ، ثالث ~~عشري ذي القعدة ، في الجيزة ، فالتف عليه جماعة من لواتة وعدة من الأجناد ؛ ~~وسمع به الطماعون ، وكان للناس فيه أهوية . فندم الحافظ على تركه بغير حارس ~~؛ وأخذ في العمل . # فلما كان ثالث يوم عدي رضوان من اللوق وسار إلى القاهرة ؛ فخرج إليه عسكر ~~الحافظ وتحاربوا معه عند جامع ابن طولون ، فهزمهم ، وسار في إثرهم إلى ~~القاهرة ، فدخلها في الرابعة من نهار الجمعة سادس عشريه ، ونزل بالجامع ~~الأقمر . فغلق الحافظ أبواب القصر وامتنع به . فأحضر رضوان أرباب ms514 الدولة ~~والدواوين ، وأمر ديوان الجيش بعرض الأجناد ، وأخذ أموالا كانت خارجة من ~~القصر ، وأنفق في طوائف العسكر . وأرسل إلى الحافظ يطلب منه مالا ؛ فسير ~~إليه صندوقا فيه مال وقال له : هذا الحد الذي أراده الله ، فاسترض على نفسك ~~. PageV03P183 # وأتت هتافات الناس إلى رضوان ؛ فاستدعى الحافظ أحد مقدمي السودان سرا ~~وقال له : إني بكم واثق . فقال : ما ادخرنا هذا إلا لمولانا . فقال : كم ~~أصحابك ؟ قال : عشرة . قال : لكم عشرة آلاف دينار واقتلوا هذا الخارجي ~~علينا وعليكم ، فأنتم تعلمون إحساننا إليه وإساءته إلينا . فقالوا : يا ~~مولانا السمع والطاعة . ورتبوا أنهم يصيحون حول الجامع الأقمر : الحافظ يا ~~منصور . فلما فعلوا ذلك قلق وقال لمن حلوه : ما كل مرة يصح لهؤلاء الكلاب ~~مرادهم . فحسنوا له الركوب ظنا منهم أنه إذا ركب إلى بين القصرين لم يجسر ~~أحد عليه . فعندما ركب ضربه واحد من السودان في فخذه ضربة شديدة ، وتداركه ~~آخر بضربة ، وتوالت عليه الضربات ؛ فقتل في الساعة الحادية عشرة من نهار ~~الجمعة المذكور ؛ وقطعت رأسه وحملت إلى الخليفة الحافظ . فسكنت الفتنة ، ~~وهدأت الغوغاء . # ثم إن الحافظ بعث بالرأس إلى امرأة رضوان ، فلما وضعت في حجرها قالت : ~~هكذا يكون الرجال . # وكان رضوان سنيا حسن الإعتقاد ، شجاعا ، مقداما ، قوي الغلب ، شديد البأس ~~. ولد ليلة عيد الغدير من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة ، وترقى في ~~الخدم إلى أن ولي قوص وإخميم في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة . إلا أنه كان مع ~~حسن عبارته وغزارة أدبه طائش العقل قليل الثبات ، لا يحسن التدبير ، ولا ~~يتأتى له سياسة الأمور لعجلته وجرأته ؛ وكان أخوه الأوحد أثبت عقلا منه . # ومن جملة ما كتب له في تقليد الوزارة بعد بهرام من إنشاء أبي القاسم ابن ~~الصيرفي : . . . لأنك أذهبت عن الدولة عارها ، وأمطت من طرق الهداية ~~أوعارها ، واستعدت ملابس سيادة كان قد دنسها من استعارها . ولم يستوزر ~~الحافظ بعد رضوان أحدا ؛ وأعاد النصراني المعروف بالأخرم إلى ضمان الدولة ، ~~على ما تقدم ، ثم نقم عليه لكثرة المرافعين واعتقله ، وطلب منه المال فلم ~~يسمح بشيء ms515 . فركب الحافظ يوما ووقف على باب السجن الذي هو فيه من القصر ، ~~وأمر به ، فأحضر إليه . وقال له : كم تتجالد ؟ أريد منك مالي على لسان صاحب ~~الستر . فبينا الخليفة PageV03P184 يخاطبه إذ أخذ كفا من تراب وجعله في فيه ~~؛ فقال له الحافظ : ما هذا ؟ مالا ينبغي نقله إلى مولانا ، صلوات الله عليه ~~. فغضب عليه ، وأمر بإحضار أبيه وأخيه ، وكانا معتقلين ، فأخرجا ؛ وقتل ~~الأخرم وأخاه ، وأبوهما ينظر قتلهما ، ثم قتل الأب . وأحاط بأموالهم فحصل ~~منهم ما يزيد على عشرين ألف دينار عينا . # فيها مات الشيخ تاج الرياسة أبو القاسم على بن منجب بن سليمان ، المعروف ~~بابن الصيرفي الكاتب ، في يوم الأحد لعشر بقين من صفر ؛ ومولده في يوم ~~السبت الثاني والعشرين من شعبان سنة ثلاث وستين وأربعمائة . وكان أبوه ~~صيرفيا وجده كاتبا ؛ وأخذ صناعة الترسل عن ثقة الملك أبي العلاء صاعد بن ~~مفرج ؛ وتنقل حتى صار صاحب ديوان الجيش . ثم انتقل معه إلى ديوان الإنشاء . ~~ومات الشريف سناء الملك أبو محمد الزيدي الحسيني ؛ ثم تفرد بالديوان فصار ~~فيه بمفرده . وله الإنشاء البديع والشعر الرائع ، والتصانيف المفيدة في ~~التاريخ والأدب . PageV03P185 # | سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة # فيها توجه العسكر ، في ثالث صفر ، لقتال لواتة وقد تجمعوا وعقدوا الأمر ~~لرجل قدم من المغرب وادعى أنه ولد نزار بن المستنصر . فسار إليهم العسكر ~~وواقعهم على الحمامات وانهزم منهم العسكر ؛ فجهز الحافظ عسكرا آخر ، ودس ~~إلى مقدمي لواتة مالا جزيلا ، ووعدهم بالإقطاعات ؛ فغدروا بابن نزار وقتلوه ~~، وبعثوا برأسه إلى الحافظ . ورجعت العساكر في ربيع الأول . # وفيها صرف القاضي المكين الموفق في الدين أبو الطاهر إسماعيل بن سلامة ~~الأنصاري عن القضاء ، لسبع خلون من المحرم ؛ واستقر على الدعوة الموفق ~~الأمير كمال الدين ، واستخدم في وظيفة القضاء ؛ وكان كريم الأخلاق ، حليما ~~، عليه سكينة ووقار ، مليح الشيبة ، ظريف الهيئة . # وفيها توفى أبو الفضائل يونس بن محمد بن الحسن المقدسي القرشي ، المعروف ~~بجوامرد ، خطيب القدس . # وفيها بلغ النيل تسعة عشر ذراعا وأربعة أصابع ، ففاض الماء حتى ~~PageV03P186 بلغ إلى الباب الجديد أول الشارع ms516 ، خارج باب زويلة ، فكان ~~الناس يتوجهون من مصر إلى القاهرة على ناحية المقابر لامتلاء الطريق ~~بالمياه . فلما بلغ الحافظ ذلك أظهر له الحزن والانقطاع ، فسأله بعض خواصه ~~عن ذلك ، فأخرج له كتابا وقال : انظر هذا السطر ، فإذا فيه : إذا وصل الماء ~~الباب الجديد انتقل الإمام عبد المجيد . ثم قال : هذا الكتاب الذي نعلم منه ~~أحوالنا وأحوال دولتنا ، وما يأتي بعدها . فاتفق أنه لم تنسلخ هذه السنة ~~حتى مرض الحافظ مرضة الموت . # وفيها انقرضت دولة بني باديس . وذلك أن الغلاء اشتد بإفريقية من سنة سبع ~~وثلاثين وخمسمائة إلى سنة اثنتين وأربعين حتى أكل الناس بعضهم بعضا ، وخلت ~~القرى ، ولحق كثير من الناس بجزيرة صقلية . فاغتنم رجار متملكها الفرصة ~~وبعث جرج ، مقدم أسطوله ، على نحو مائتين وخمسين شينيا ، فنزل على المهدية ~~ثامن صفر سنة اثنتين وأربعين ، وبها الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز ~~بن باديس ؛ ففر بأخف حمله وتبعه الناس . فدخل جرج المهدية بغير مانع ، ~~واستولى على قصر الأمير حسن ، وأخذ منه ذخائر نفيسة وحظايا بديعات . ~~PageV03P187 # وعزم حسن على المجيء إلى مصر ، فقبض عليه يحيى بن العزيز ، صاحب بجاية ، ~~ووكل به وبأولاده ، وأنزله في بعض الجزائر ، فبقى حتى ملك عبد المؤمن بن ~~علي بجاية في سنة سبع وأربعين ، فأحسن إلى الأمير حسن وأقره في خدمته . ~~فلما ملك المهدية تقدم إلى نائبه بها أن يقتدي برأي حسن ويرجع إلى قوله . # فكانت عدة من ملك من بني باديس بن زيرى بن مناد تسعة ، ومدتهم ، من سنة ~~إحدى وستين وثلثمائة إلى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ، مائة واثنتان وثمانون ~~سنة . # وفيها بعث رجار بن رجار ملك جزيرة صقلية إلى المهدية أسطوله ، مائتين ~~وخمسين من الشواني ، مع جرجي بن ميخائيل ، فجد في حصارها حتى أخذها في صفر ~~منها ، وملك سوسة وصفاقس ؛ وملك رجار بونة . PageV03P188 # | سنة أربع وأربعين وخمسمائة # فيها وقع الاختلاف بين الطائفة الجيوشية والطائفة الريحانية ، فكانت ~~بينهما حروب شديدة قتل فيها عدة من الفريقين ؛ وامتنع الناس من المضي إلى ~~القاهرة ومن الذهاب إلى ms517 مصر . وابتدأت الحرب بينهم في يوم الخميس ثامن عشر ~~جمادى الأولى ؛ وتوالت في يوم السبت رابع جمادى الآخرة ؛ فانهزمت الريحانية ~~إلى الجيزة . # وهم العسكر بخلع الحافظ من الخلافة ، فمات بقصر اللؤلؤة ، وقد نقل إليه ~~وهو مريض ، بكرة يوم الأحد ، وقيل ليلة الاثنين ، لخمس خلون من جمادى ~~الآخرة ؛ واشتغل الناس بموته . # وكان له من العمر يوم مات ست وسبعون سنة وثلاثة أشهر وأيام ، منها مدة ~~خلافته من يوم بويع بعد أحمد بن الأفضل ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر وتسعة ~~عشر يوما . # وأصابته في ولايته شدائد ، واعتقل ، ثم لما أعيد تحكم عليه الوزراء حتى ~~قبض على رضوان . فلم يستوزر بعده أحدا ، وإنما أقام كتابا على سنة الوزراء ~~أرباب العمائم ولم يسم أحدا منه وزيرا ؛ وهم : أبو عبد الله محمد بن ~~الأنصاري ، وخلع عليه بالحنك والدواة فتصرف تصرف وزراء الأقلام ، وصعد ~~المنبر مع الخليفة في الأعياد والجمع ؛ والقاضي الموفق محمد بن معصوم ~~التنيسي ؛ وصنيعة الخلافة أبو الكرم الأخرم النصراني . # وكان الحافظ حازم الرأي ، جماعا للأموال ، كثير المداراة ، سيوسا عارفا . ~~ولم يكن أحد ممن ولي قبله أبوه غيره خليفة سواه . وكان يميل إلى علم النجوم ~~؛ وكان له من المنجمين سبعة ، منهم ؛ المحقوف ، وابن الملاح ، وأبو محمد بن ~~القلعي ، وابن موسى النصراني . PageV03P189 # وفي أيامه عملت الطبلة التي كانت إذا ضرب بها من به قولنج خرج عنه الريح ~~؛ وما زالت بالقصر إلى أن كسرت في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب . # وترك من الأولاد أبا الأمانة جبريل ، ويوسف ، وأبا المنصور إسماعيل . ~~وكان مطعونا عليه ، فإنه ولي بغير عهد وإنما أقيم كفيلا عن منتظر في بطن ~~أمه ، فلم يظهر للحمل خبر . # ومن محاسن ما يحكى عنه أنه كان يخرج في كل ستة أشهر عسكر من القاهرة إلى ~~عسقلان لأجل الفرنج تقوية لمن بها من المركزية الكنانية وغيرهم . ويقدم على ~~العسكر عدة ، فيجعل على كل مائة فارس أمير ، ويقدم على الجميع أمير تسلم ~~إليه الخريطة فيكون أمير المقدمين ؛ وتشتمل الخريطة على أوراق العرض من ~~الديون بالحضرة ليتفق ms518 مع والي عسقلان على عرض العسكر بمقتضاها . ويصدر ~~التعريف من كاتب الجيش هناك إلى الديوان بالحضرة بذلك ، ويسلم إليه مبلغ من ~~المال لنفقته معونة لمن فاتته النفقة من العسكر ، فإن النقباء الذين ~~للطوائف يجردون من كان من الطوائف حاضرا ومن كان مسافرا في إقطاعه ، فيأخذ ~~صاحب الخريطة أوراقا بمن سافر وهو في إقطاعه ليوصل إليه نفقته . # وكانت نفقة الأمراء مائة دينار لكل أمير ، وللأجناد ثلاثون دينارا لكل ~~جندي . # واتفق مرة خروج العسكر إلى عسقلان وفيهم خمس أمراء من جملتهم جلب راغب ، ~~PageV03P190 الذي اتفق منه في حسن بن الحافظ بعد موته ما تقدم ذكره ؛ فلما ~~سير إليه مائة دينار ، نفقته ، تجهز للسفر في جملة الناس ، وسلمت الخريطة ~~لأميرهم . فلما دخلوا على الحافظ ليودعوه ويدعو لهم بالنصر والسلامة على ~~العادة ، قضوا حق الخلافة وانصرفوا إلا جلب راغب فإنه وقف ؛ فقال الحافظ : ~~قولوا للأمير ما وقوفك دون أصحابك ، ألك حاجة ؟ فقال : يأمرني مولانا ~~بالكلام . قال : قل . فقال ؛ يا مولانا ليس على وجه الأرض خليفة ابن بنت ~~رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، غيرك ؛ وقد كان السلطان استزلني فسفهت ~~نفسي وأذنبت ذنبا عظيما عفوا مولانا أوسع منه وأعظم . فقال له الحافظ : قل ~~ما تريد غير هذا فإنا غير مؤاخذيك به . فقال : يا مولانا قد توهمت أنك ~~تحققت أني ماض في حالة السخط ، وقد آليت على نفسي أن أبذلها في الجهاد ~~فلعلي أموت شهيدا ، قد صنع ذلك سخط مولانا علي . فقال له الحافظ : انته عن ~~هذا الكلام ، وقد قلنا لك إنا ما واخذناك ، فأي شيء تقصد ؟ فقال : لا ~~يسيرني مولانا تبعا لغيري ، فقد صرت مرارا كثيرة مقدما ، وأخشى أن يظن أن ~~هذا التأخير للذنب الذي أنا متعرف . قال : لا ، بل مقدما وصاحب الخريطة . ~~وأمر بنقل الحال عن المقدم الذي تقرر للتقدم والخريطة إلى جلب راغب ، وأعطى ~~مائتي دينار وقال : له استعن بهذه . فعد هذا من الحلم الذي ما سمع بمثله . ~~وكان الغالب على أخلاقه الحلم . وكان مقدم المطالبين يجيء إلى الخليفة ~~الحافظ ويخبره بغرائب ما ms519 يظهر ؛ فجاء يوما وأخبر أنه وجد حوضا لطيفا قريبا ~~من معلف الجمال ، فلم يتعرض له . فندب الخليفة معه شاهدين حتى أتوا به ، ~~فإذا حوض مطبق بغطاء كشف عنه فإذا فيه صنم من رخام أبيض على هيئة الإنسان ~~وهو واضع أصبعا في فيه وأصبعا أخرى في دبره فأمر الحافظ أحد الشاهدين أن ~~يناوله ذلك ؛ فلما أخذ الصنم ضرط ضرطة عظيمة ، فألقاه من يده وقد اشتد خجله ~~. فقام موفق ، أحد الأستاذين المحنكين ، ليناوله إياه فضرط أيضا . فأمر ~~الحافظ بتركه وعلم أنه طلسم القولنج . # ووجد في مقطع الرخام سرب تحت الأرض فيه حبوة ممدودة أحضرت إلى الأستاذ ~~مفضل ، PageV03P191 المعروف بصدر الباز ، فإذا فيها حنش من ذهب زنته ستة ~~مثاقيل ونصف مثقال ، وعيناه من ياقوت أحمر ، وفي فمه جرس من ذهب . فأعلم به ~~الحافظ ، فلم يزل يبحث عن خبره حتى أحضرت له عدة أحناش كبار ، وأخرج ذلك ~~الحنش المذكور فجعلت الأحناش الكبار تخرج رءوسها ثم تحركها مرة أو مرتين ~~وتسقط ميتة . # وكان الحافظ حريصا على علم السيميا . فظهر في أيامه الشيخ أبو عبد الله ~~الأندلسي ، شيخ بني الأنصاري أوحد زمانه في علم السيمياء ، فسأله الحافظ أن ~~يريه شيئا من ذلك ؛ فأراه ساحة القصر قد صارت لجة ماء ، فيها سفينة متعلقة ~~وشواني حرببات قد خرجت على تلك السفينة وقاتلت أهلها ؛ والحافظ يرى لمعان ~~السيوف ومرور السهام وخفقان البنود ، ورءوس الرجال وهي تسقط عن كواهلها ، ~~والدماء تسيل ؛ حتى سلم أصحاب السفينة لأصحاب الشواني فساروا بها والأبواق ~~تزعق والطبول تضرب ، إلى أن غابت عن الأبصار في لجج البحار . ثم كشف عن ~~الحافظ فإذا هو قصره . ثم أمره أن يريه شيئا آخر : فقال : لنخرج من في مجلس ~~أمير المؤمنين إلى منزله ؛ فأمرهم ؛ فخرجوا حتى صاروا إلى حيث خيولهم واقفة ~~بباب القصر ، فلما قدمت إليهم ليركبوا فما منهم إلا ن رأى فرسه كأنه ثور ~~وقرناه كأعظم ما يكون من القرون ؛ فعادوا إلى الحافظ وأعلموه بما رأوا ، ~~فضحك وقال : افدوا دوابكم منه . فقطع كل واحد منهم على نفسه شيئا فأمر ms520 له ~~به . وما زال مقيما بمصر حتى مات . # وكان في أيام الحافظ أيضا ابن محفوظ ، سأله أن يريه شيئا من أعماله ؛ ~~فأمر بأربعة أطباق فضة أن تحضر ، فلما وضعت بين يديه امتلأت ياسمينا في غير ~~أوانه ، وصار يعلو على كل طبق وهو مرصوص متماسك بعضه فوق بعض ، إلى أن صار ~~كأربعة أعمدة من رخام متقابلة PageV03P192 # | الظافر بأمر الله أبو المنصور إسماعيل بن الحافظ لدين الله أبي الميمون ~~عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمد ابن المستنصر بالله # ولد يوم الأحد ، النصف من ربيع الآخر ، سنة سبع وعشرين وخمسمائة ؛ وبويع ~~في اليوم الذي مات فيه الحافظ لدين الله ، وهو كما تقدم يوم الأحد الخامس ~~من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة ، وعمره سبع عشرة سنة وأربعة ~~أشهر وعشرة أيام ؛ بوصية من أبيه له بالخلافة . وكان أصغر أولاده وفيهم أبو ~~الحجاج يوسف وأبو الأمانة جبريل ، وهما أسن منه ؛ وركب بزي الخلافة . ~~واستوزر الأمير نجم الدين أبا الفتح سليم بن محمد بن مصال ، بوصية الحافظ ~~بذلك أيضا ، ونعت بالسيد الأجل الأفضل أمير الجيوش وخلع عليه خلع الوزارة ؛ ~~وهو يومئذ من أكابر الأمراء ، وهو شيخ لين متواضع . فسكن دار المأمون ~~البطائحي . وصار أبو الكرم التنيسي من ذوي رأيه . # وأول ما بدأ به الظافر أنه ركب بعد صلاة العشاء الآخرة بالشمع في القصر ، ~~ووقف بباب الملك بالإيوان المجاور للشباك ؛ وأحضر ابني الأنصاري ، وهما أبو ~~عبد الله وأبو واستدعى متولى الستر ، وهو صاحب العذاب ، وأحضرت آلات ~~العقوبة ؛ وضرب الأكبر PageV03P193 بحضوره بالسياط إلى أن قارب الهلاك ، ~~وثنى بأخيه كذلك ، ثم أخرجا وقطعت أيديهما وسلت ألسنتهما من أقفيتهما ، ~~وصلبا على بابي زويلة الأول والثاني فأقاما زمانا ثم وضعا . وكان سبب قلتها ~~أنهما كانا من الكتاب فنبغا وتوصلا بالحافظ ، فاستخدمهما في ديوان الجيش ، ~~فوثبا على رؤساء الدولة وأعيان كتابها وخواص الخليفة من الأستاذين المحنكين ~~، مثل الأجل الموفق كاتب الدست وكان موضع سر الخليفة ومحل مشورته في الأمور ~~العظام من أحوال الممالك ومن يليه ، كالقاضي المرتضى المحنك ، والخطير ابن ~~البواب ms521 ، وتجرآ على المذكورين وغيرهم مع قلة دربة . فكثر حسادهما وعمل ~~عليهما فيما يخرج للأمراء والمقطعين من الخروجات في كل سنة ، ويشتمل الخرج ~~على نعوت ذلك الأمير ، فيصير ذلك الخرج إلى عالم الإقطاعات ، وهو تحته . ~~فذكرا في أحد الخروجات كلاما طريفا ليؤخذ عليه خطهما ليوقف عليه الخليفة ~~حتى يتبين له جهلهما ، وهو : حبطست حبطست ، وفي النهر قد غطست ، بغلالة ~~أرجوان ، صفراء بزعفران . فمشى عليهما ذلك وترجما الخرج بخطهما ؛ وخرج من ~~أيديهما ، فأحضر إلى الأجل الموفق ابن الحجاج ، كاتب الدست ؛ فأخذه ودخل به ~~إلى الخليفة الحافظ ، وقال : يا مولانا ، الأمثال مضروبة بحفظ ديوان هذه ~~الدولة ومن يتولاها ، فكيف لو ظفر بهذا الخرج مخالف لها ، يقصد التشنيع ~~عليها . فقال له الحافظ : يا مولاي الموفق ، هبهما لي . فقال : يا مولانا ، ~~كلنا مماليكك . وخرج ؛ ولم يبلغ الأعداء منهما ما أرادوا ؛ فزاد أمرهما في ~~الدولة على الخليفة والاستعلاء على الناس . # وأراد الأكبر منهما أن يدخل على الخليفة ويخرج ظاهرا ليراه الناس ، فجدد ~~له ديوانا سماه PageV03P194 ديوان الترتيب ، وجمع فيه من يخدم في ترتيب ~~الأعمال صفقة صفقة ، وأن يكون أميرهم بجار يقرر له وهذا الترتيب يقال له في ~~غير هذه الدولة صاحب البريد فكان يكاتب متولى هذا الديوان بالأخبار ~~بمطالعات تصل إليه مترجمة بمقام الخليفة فيعرضها من يده ويجاوب عنها بخطه . ~~فورد كتاب بعض أصحاب الترتيب بقضية ، فأجابه بكلام ، وأراد الاستشهاد بآية ~~من كتاب الله تعالى ، فحرفها وقالها على غير ما أنزلت ؛ ووقع الجواب للموفق ~~، فأخذ في كمه مصحفا ودخل إلى الخليفة ومعه جواب ابن الأنصاري ، وقال : يا ~~مولانا ، هذا كتاب الله تعالى قد حضر إلى مقامك ، وهو المنزل على جدك رسول ~~الله ، صلى الله عليه وسلم ، يشكو إليك جناية ابن الأنصاري عليه ، فخذ بحقه ~~لهذه الجنايات ، والحمد لله إذ وقع هذا الكتاب إلى المملوك دون غيره ، فإن ~~المملوك لم يزل يتتبع هذه الأمور لئلا يقع عليها أعداء الدولة فيشيعوا ذلك ~~في الدول المخالفة لها . فقال له الحافظ : أنا أعلم منك هذا وأعلم من ~~المذكورين ما ذكرت ms522 ؛ وقد كنت سألتك فيهما مرة ، وهذه الثانية ، فإن لهما ~~علينا خدمة . فقال : العفو يا مولانا . وانصرف ولم ينل منهما غرضا . فأمر ~~الحافظ ابن الأنصاري الأكبر أن يمضى إلى الأجل الموفق ويخدمه في داره . # وكان يومئذ ديوان المكاتبات مقسوما بين أبي المكارم ابن أسامة وبين ~~الموفق ، إلا أن ابن أسامة لا يلتفت لأمر الديوان لكثرة شغله بدنياه ، ~~فاستناب ابنه أبا المنصور عنه ، وكان يحلق بأبيه في الاشتغال بأمر دنياه عن ~~النيابة ، فصار اعتماد الخليفة في الديوان بأجمعه على الأجل الموفق ؛ وكان ~~ينفذه ولا يشق ابن أسامة لما أسلفه من الخدم السابقة . ثم لما مات أبو ~~المكارم أسامة ، وكان في الظن أن ابنه أبا المنصور يستخدم مكانه ، سبق ابن ~~الأنصاري وسأل الحافظ فاستخدمه في النصف من ديوان المكاتبات فقط شريكا ~~للموفق فيه ؛ وانفرد الموفق بالإنشاء . ونعت ابن الأنصاري بالقاضي الأجل ~~سناء الملك ، وأمره الحافظ بخدمة الموفق وأن يقنع معه بمجرد الرتبة . فشق ~~ذلك على الموفق وصبر على ضر . وقرر أبو المنصور بن أسامة في ديوان الترتيب ~~مكان ابن الأنصاري . # وتجند ابن الأنصاري الأصغر وتأمر في يوم واحد ، وخلع عليه بالطوق ، ورتب ~~في زم PageV03P195 الإمرية ، وهي إمرة طوائف الأجناد . فكثر الأعداء وتعددت ~~الحساد ؛ واشتغل الناس بهما وأطلقوا الألسنة بذمهما ، فكان يقال : هذا ~~الأمير الطاوي ، ابن الأنصاري . ولج الناس بالكلام فيهم وهم عاجزون عنهم ، ~~حتى مات الحافظ فكان من أمرهما مع ابنه الظافر ما تقدم ذكره . # وفي يوم الثلاثاء رابع شعبان اجتمع كثير من السودان وعدة من المفسدين ~~ببعض القرى ، فخرج إليهم الوزير ابن مصال فنازلهم حتى كسرهم . وكان الأمير ~~المظفر سيف الدين معد الملك ليث الدولة علي بن إسحاق بن السلار واليا على ~~البحيرة والإسكندرية وكان ابن زوجه ركن الإسلام عباس والي الغربية . فلم ~~يرض ابن السلار بوزارة ابن مصال ، وخرج من الإسكندرية إلى ربيبه ، بالغربية ~~واتفقا على القيام وإزالة ابن مصال . فبلغه ذلك ، فأعلم به الخليفة الظافر ~~؛ فجمع الأمراء في مجلس الوزارة وبعث إليهم زمام القصور يقول : هذا نجم ~~الدين وزيري ونائبي ms523 فمن كان يطيعني فليطعه ويمتثل أمره . فقال الأمراء : ~~نحن مماليك مولانا سامعون مطيعون فرجع الزمام بهذا الجواب . فقال أمير من ~~الأمراء ، شيخ يقال له درى الحرون ، وهو أحد أشرار القوم ومن رفقة ابن ~~السلار : إن سمع مني ما أقول قلت . فقال له الوزير : : قل . قال : مولانا ، ~~صلوات الله عليه ، يعلم وأنت تعلم أن ما في الجماعة من يضرب في وجه ابن ~~السلار بسيف ، وأولهم أنا ؛ فإن كان مولانا يقتل جميع أمرائه وأجناده ~~فالأمر لله وله . فلما سمع الجماعة ذلك قاموا وخرجوا من القصر ، وشدوا على ~~خيولهم ، وساروا يريدون ابن السلار . PageV03P196 # فلما غلب الظافر عن دفعه أعطى ابن مصال مالا كثيرا ، وأمره أن يعمل لنفسه ~~ما يرى فيه الخيرة وهو يساعده . وسار ابن السلار فرأى ابن مصال أنه لا طاقة ~~له به ، فخرج إلى جهة الصعيد ، وعدي إلى الجيزة ليلة الثلاثاء رابع عشر ~~شعبان ، عندما سمع بوصول المظفر . وقدم ابن السلار إلى القاهرة في يوم ~~الأربعاء خامس عشر شعبان ، فوقف على القصر وسير إلى الظافر وإلى من يدبره ~~من النساء يعلم بحاله . فجرت بينه وبين أهل القصر مراجعات كثيرة آخرها أنه ~~فتح له أبواب القصر وخلع عليه خلع الوزارة ؛ ونعت بالسيد الأجل أمير الجيوش ~~، شرف الإسلام ، كافل قضاة المسلمين ، وهادي دعاة المؤمنين . # وبقي يحقد على الظافر ميله مع ابن مصال ؛ وفي نفس الخليفة نفور منه أيضا ~~. وسكن دار الوزارة . # وجمع ابن مصال كثيرا من السودان ومن العربان ولواتة وغيرهم ، وانضم إليه ~~بدر بن رافع ، مقدم العربان ، وسار بهم . فندب ابن السلار ربيبه المظفر أبا ~~منصور ركن الدين عباس بن أبي الفتوح بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس في ~~عسكر ، فنزل بركة الحبش . وقدم ابن مصال أمامه الماجد في عسكر ، فطرق عباسا ~~على حين غفلة وقتل من عسكره كثيرا ، وانهزم جماعة ؛ وثبت عباس حتى أتته ~~النجدة من الغد فكر على أصحاب ابن مصال وقاتلهم ، فلم يفلت منهم إلا من ~~سبحت به فرسه في النيل ؛ وأخذ الأمير الماجد نسيب ابن مصال ms524 وضربت عنقه . ~~فسار ابن مصال إلى بلاد الصعيد بجميع الأجناد والعربان . # وشرع ابن السلار يجهز عباسا فجهزه في جيش كثيف وبادر بالخروج خوفا من ~~الاجتماع على ابن مصال ؛ فسار إلى دلاص ومعه طلائع بن رزيك ، وهو أحد ~~المقدمين ، فبرز إليه ابن مصال وواقعه عدة وجوه ؛ فانجلت الوقائع عن قتل ~~ابن مصال وبدر بن رافع مقدم العربان في يوم الأحد التاسع عشر من شوال . ~~ويقال إنه بلغت عدة PageV03P197 القتلى سبعة عشر ألفا . فعاد عباس وقد قوي ~~ومعه رأس ابن مصال إلى القاهرة ، فطيف بها على قناة القاهرة ومصر يوم ~~الخميس ثالث عشري ذي القعدة ، وحمل أهله وولده إلى القصر وأخليت لهم قاعة ؛ ~~وخلع على ابن السلار . # وكان ابن مصال من أهل برقة . وخدم أولا في البيدرة والصيد هو وأبوه ، ~~فتقدم في الخدم حتى نال الوزارة . واتفق أنه مر في وزارته مرة فقالت له ~~امرأة كانت تعرفه في حال فقره : سليم ووزرت ؟ فقال لها : نعم . قالت : ~~والله ما وزرت وبقي أحد . فضحك وأمر لها بصلة . # وكان العادل ابن السلام منذ استقر في الوزارة أخذ ينظر في أمر الأجناد ~~المعروفين بالنهضة والعزم وزاد في أرزاقهم ، وتفقد خزائن السلاح ، وحفظ ~~النواميس ، وشد من مذهب أهل السنة ، فقدم عليه الحافظ أبو طاهر أحمد بن ~~محمد السلفي ، فأكرمه وبنى له مدرسة بالإسكندرية . وقدم عليه مؤيد الدولة ~~أسامة بن مرشد بن علي بن منقذ ، فأكرمه . إلا أنه كان يستوحش من الظافر ~~وخائفا على نفسه فأخبر بأن ينتدب رجالا يمشون في ركابه بالزرد والخوذ نحو ~~الستمائة ويجعلهم نوبتين بزمامين في كل يوم نوبة ؛ وأوهم أن الخليفة خبأ له ~~قوما يغتالونه بالقصر . فنقل جلوس الخليفة من القاعة التي يدخل إليها من ~~الدهاليز المظلمة إلى الإيوان في البراح والسعة . فكان إذا دخل إلى الخليفة ~~يدخل ومعه أولئك الذين انتدبهم كلهم ، فيجلس الخليفة في الشباك بالإيوان ~~ويجلس هو من خارجه ومع هذا يبالغ في الخدمة ويظهر الطاعة ، ولا يخل بها في ~~قول ولا فعل . # وكان للخليفة غلمان نحو الخمسمائة رجل يقال ms525 لهم صبيان الخاص وفيهم ~~PageV03P198 من هو أمير ؛ فبلغ ابن السلار أنهم قد تحالفوا وتعاقدوا على أن ~~يهجموا عليه وهو في داره ليلا ويقتلوه . فلما كان في سادس عشري رمضان أغلق ~~القاهرة والقصور وأحاط بصبيان الخاص وقتلهم ؛ وفر منهم عدة ، فكتب إلى ~~الولاة بقتل من ظفر به منهم . وأخذ يتبعهم حتى أتى على أكثرهم . # وأصل هذه الطائفة التي كانت تعرف بصبيان الخاص أن من مات من الأمراء ~~والأجناد وعبيد الدولة وله ولد فإنه يحمل إلى حضرة الخليفة ويودع في أماكن ~~مخصوصة ويؤخذ في تعليمه أنواع الفروسية من الرمي وغيره ؛ ويقال لهم صبيان ~~الخاص . # وأخذ ابن السلار في الاحتفال بأمر عسقلان وسد خللها ، وحمل إليها من ~~الغلال والأسلحة شيئا كثيرا . # وولي عضد الدولة ناصر الدين نصر بن عباس ربيبه مصر بشفاعة جدته أم عباس ، ~~وكان فيه جرأة ، فاستدناه الخليفة الظافر وقربه واختص به . # وفيها قتل الموفق أبو الكرم محمد بن معصوم التنيسي في يوم الجمعة الرابع ~~من شوال وكان يتولى نظر الديوان . وذلك أن ابن السلار لما كان في بداية ~~أمره من جملة الصبيان الحجرية دخل يوما على الموفق بن معصوم برسالة وأعادها ~~عليه مرارا وأغلظ له في القول فنفرت منه نفس ابن معصوم . فكتب له مرة منشور ~~بإقطاع وجاء به إلى ابن معصوم ليثبته . فلما رآه تغافل عنه وأهمل أمره ~~إهانة له وكراهة فيه ؛ فقال له ابن السلار وقد تكرر سؤاله وهو يعرض عنه : ~~ما تسمع ؟ فقال له الموفق : كلامك ما يدخل في أذني أصلا . فولى ابن السلار ~~وخرج من غير أن يكتب له . وصرف الدهر ضرباته ، وصار ابن السلار وزيرا وابن ~~معصوم ناظر الدواوين ؛ فلما دخل عليه قال له : يا قاضي ، ما أظن كلامي يدخل ~~أذنك ، فتلجلج وقال : عفو السلطان . فقال : قد استعملت العفو بخروجي ~~PageV03P199 من عندك . وأشار لبعض خدمه فأحضر مسمارا حديدا عظيم الخلقة ، ~~وقال : والله هذا أعددته لك من ذلك الوقت . وأمر به فجر وضرب المسمار في ~~أذنه حتى نفذ من الأخرى ، وحمل إلى باب زويلة الأوسط ودق ms526 المسمار في خشبة ~~وعلق عليها ميتا ، ثم أنزل بعد أيام . # وفيها رمي برأس سعيد السعداء الخادم من القصر في سابع عشر شعبان ، ثم ~~أخرج وصلب بباب زويلة من ناحية الخرق . وهو هذا الذي تنسب إليه دويرة سعيد ~~السعداء التي هي اليوم خانقاه برحبة باب العيد . # وفيها قتل تاج الرئاسة ابن . . . المأمون البطائحي في رابع عشر صفر . # وفيها مات أبو الحسن علي بن الحسن البيساني ، والد القاضي الفاضل عبد ~~الرحيم ابن علي ، وكان قاضي بيسان والناظر فيها ؛ ومولده في ثاني عشر جمادى ~~الآخرة سنة إحدى وخمسمائة ، ومولد أبيه الحسن يوم عيد الغدير من ذي الحجة ~~سنة ستين وأربعمائة PageV03P200 # | سنة خمس وأربعين وخمسمائة # فيها أغار جمع كثير من الفرنج على الفرما ونهبوها ، وحرقوها وأخربوها ، ~~في رجب PageV03P201 # | سنة ست وأربعين وخمسمائة # فيها جهز أبو منصور علي بن إسحاق ، المعروف بالعادل ابن السلار ، المراكب ~~الحربية بالرجال والعدد ، وسيرها في ربيع الأول إلى يافا ، فأسرت عدة من ~~مراكب الفرنج ، وأحرقوا ما عجزوا عن أخذه ، وقتلوا خلقا كثيرا من الفرنج ~~بها . ثم توجهوا إلى ثغر عكا فأنكوا فيهم ؛ وساروا منه إلى صيدا وبيروت ~~وطرابلس فأبلوا بلاء حسنا ، وظفروا بجماعة من حجاج الفرنج فقتلوهم عن آخرهم ~~. # وبلغ ذلك الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ، ملك الشام ، فعزم على ~~قصد الفرنج ومحاربتهم في البر ، ولو قدر ذلك لقطع الله دابر الفرنج ، لكنه ~~اشتغل بإصلاح أمور دمشق . # وعاد الأسطول مظفرا بعد ما أنفق عليه العادل ثلثمائة ألف دينار . وسبب ~~مسير الأسطول تخريب الفرنج للفرما . وفيها قطع العادل بن السلار جميع ~~الكسوات المقررة للناس في الدولة فعم ذلك الأمراء والدواوين وغيرهم . ~~PageV03P202 # | سنة سبع وأربعين وخمسمائة # فيها صرف ابن السلار أبا الفضائل يونس عن القضاء ، وكان من الأعيان ~~النزهين الأنفس ، الكبيرين الهمم ، العظيمين القدر ، لم يشرب قط ماء النيل ~~بل ماء الآبار ، ولم يأكل خبز السلطان . وقرر عبد المحسن بن محمد بن مكرم ~~من بعده ؛ ثم صرفه وولى بعده بدر بن ثمال بن نصير ، وقيل بل الذي تولى بعده ~~أبو ms527 المعالي محمد بن جميع ابن نجا الدسوقي الشافعي . PageV03P203 # | سنة ثمان وأربعين وخمسمائة # فيها خرج العسكر من القاهرة لحفظ ثغر عسقلان من الفرنج ، وكانوا قد نزلوا ~~عليها في السنة الخالية . وكانت العادة أن يخرج في كل ستة أشهر عسكر بدلا ~~من العسكر الذي بالثغر . فلما قدم البدل كانت النوبة لركن الدين المظفر أبي ~~منصور عباس بن تميم ربيب العادل . فخرج ومعه من الأمراء ابنه نصر بن عباس ~~والأمير ملهم والضرغام وأسامة ابن منقذ وغيره ، وكان لأسامة بعباس اختصاص ~~كبير . فلما نزلوا بعد رحيلهم من القاهرة على بلبيس تذكر عباس وأسامة مصر ~~وطيبها وما هم خارجون إليه من مقاساة السفر ولقاء العدو ، فتأوه عباس أسفا ~~على مفارقته لذاته بمصر ، وأخذ يلوم العادل ويثرب عليه من أجل كونه أخرجه . ~~فقال له أسامة : لو أردت كنت أنت سلطان مصر . فقال : وكيف لي بذلك ؟ فقال : ~~هذا ولدك ناصر الدين بينه وبين الخليفة مودة عظيمة ، فخاطبه على لسانه أن ~~تكون سلطان مصر موضع عمك ، فإنه يحبك ويكره عمك ؛ فإذا أجابك فاقتل عمك . ~~فوقع هذا الكلام من عباس بموقع وقبله ، فاستدعى ابنه وأسر إليه بما تقرر ~~بينه وبين أسامة وسيره سرا إلى القاهرة . # وكان العادل قد كره تخصيص نصر بن عباس بالخليفة الظافر ، وقال لعباس وأمه ~~والله ما ينبغي اجتماع نصر بالخليفة ؛ قولا له يقصر من اجتماعه فربما نتج ~~من شابين ما لا ينبغي . وقال لأم عباس : لا يدخل ابنك داري إلا بإذني . ~~فكأنه يوحي بأنه قاتله . # فلما سار نصر من عند أبيه ودخل إلى القاهرة كان وقت غفلة من العادل ~~أمكنته فيها الفرصة ، فاجتمع بالظافر وأعلمه بالحال التي قدم من أجلها ، ~~فأعجبه ذلك وأذن فيه ، لما كان في نفسه من قتل ابن السلار لصبيان الخاص ~~وغير ذلك . ففارق نصر PageV03P204 الخليفة وقد قوى عزمه ، وأتى إلى دار ~~جدته السيدة بلارة بنت القاسم زوجة العادل ، وأخبر العادل بأن أباه سمح له ~~بالعود إلى القاهرة شفقة عليه وخوفا من وعشاء السفر فقبل ذلك ومشى عليه . ~~فلما أصبح العادل يوم ms528 الخميس سادس المحرم مضى من أول النهار إلى مصر لتجهيز ~~المراكب الحربية والنفقة في رجالها وعرضها ؛ فظل نهاره في تهيئة ذلك ليلحق ~~عباسا ، وعاد في أثناء النهار إلى داره بالقاهرة وقد لحقته مشقة وتعب تعبا ~~كثيرا . فلما استلقى على الفراش لينام ، وكانت امرأته جدة نصر قد توجهت إلى ~~الحمام وخلا له البيت ؛ فجاء إلى باب السر ودخل منه ومعه سيف ، فإذا العادل ~~قد نام وقت القائلة ، فاخترط سيفه وضربه وهو خائف ، فوقعت الضربة على رجله ~~، فثار من فراشه وأبصره ، فقال : إلى أين يا كليب ! وخرج نصر يعدو ، وكان ~~قد أعسته جماعة من أصحابه ، فلما صار إليهم وأعلمهم بما وقع قالوا له : قد ~~قتلت نفسك وقتلتنا ! ودخلوا وهو معهم ، فإذا به قد جاء أستاذ من خدامه وهو ~~يحدثه فقتلوه وأخذوا رأسه ، فطلع بها نصر إلى الظافر . وماج الناس في ~~القاهرة . # وسرح الطائر للوقت بطلب عباس من بلبيس ، فقام من فوره وصار إلى القاهرة ، ~~فدخلها بكرة يوم الجمعة سادس المحرم ، ثاني يوم قتلة العادل ؛ فوجد جماعة ~~من الأتراك كان العادل اصطفاهم واختصهم قد نفروا وتوحشت قلوبهم مما وقع ؛ ~~فأخذ يسكن أمرهم ، فلم يثقوا به ولا اطمأنوا إليه . وخرجوا يدا واحدة ~~فساروا إلى دمشق . # وكانت قتلة العادل في يوم الخميس وقت الظهر السادس من المحرم ، وله في ~~الوزارة ثلاث سنين وستة أشهر . # ولما حملت رأسه إلى الظافر أشرف من باب الذهب ، ونصبت الرأس ليراها الناس ~~، ثم حملت إلى خزانة الرءوس من بيت المال وجعلت فيها مع الرءوس ، وما تحرك ~~لها ساكن ، ولا تكلم أحد . إلا أن نائحة كانت تسمى خسروان كانت قد مهرت في ~~صناعة النياحة على الأموات ، وصارت تنشىء في نواحها الروائع ، فقالت فيه ~~ترثيه سطرين أعجب بهما أدباء العصر من جملة قطعة : # ما تقبل الغفلة يا شهيد الدار يا شبيه ذي النورين صاحب المختار ~~PageV03P205 # وبطل مسير العساكر إلى عسقلان . فسر الفرنج ما جرى ، وكانوا محاصرين ~~لعسقلان فقالوا لأهلها قتله ابنه وأنتم تقاتلون لمن ؟ فلما صح الخبر لهم ~~وهنوا لانقطاع المدد عنهم ms529 حتى أخذها الفرنج وتقووا بأخذها . واستعرضوا كل ~~جارية ومملوك بدمشق من النصارى ، وأطلقوا قهرا من أراد منهم الخروج من دمشق ~~إلى وطنه شاء صاحبه أو أبى . # ولما وصل عباس خلع عليه الظافر خلع الوزارة في يوم الجمعة المذكور ، ونعت ~~بالأفضل ركن الإسلام ، فباشر وضبط الأمور ، وأكرم الأمراء وأحسن إلى ~~الأجناد لينسيهم العادل . # واستمر ولده نصر على مخافطة الخليفة ، عن كل أحد ، وأبوه لا يعجبه ذلك . ~~وواصل الخليفة الطافر نصر بن عباس بن تميم بالعطاء الجزيل ، فأرسل إليه في ~~يوم عشرين صينية فضة فيها عشرون ألف دينار ؛ ثم أغفله أياما وحمل إليه كسوة ~~من كل نوع ؛ وأغفله أياما وبعث إليه خمسين صينية فضة فيها خمسون ألف دينار ~~؛ وأغفله أياما وبعث إليه ثلاثون بغل رحل وأربعين جملا بعددها وغرائرها ~~وحبالها . وكان يتردد بينهما مرتفع بن فحل في قتل نصر لابنه عباس كما قتل ~~زوج جدته العادل ابن السلار ، فبلغ ذلك أباه على لسان أساة بن منقذ فلاطفه ~~واستماله . وزاد الأمر حتى كان الخليفة يخرج من قصره إلى دار نصر بن عباس ، ~~التي هي اليوم المدرسة المعروفة بالسيوفية . فخاف عباس من جرأة ابنه وخشى ~~أن يحمل الخليفة على قتله فيقتله كما قتل ابن السلار ، فعتبه سرا ونهاه عن ~~ملازمة الخليفة وابنه ، فلم يفد فيه القول . PageV03P206 # وفيها وصلت مراكب من صقلية ، فملكوا مدينة تنيس . # وفيها مات رجار بن رجار صاحب جزيرة صقلية ، وقام من بعده ابنه وليالم بن ~~رجار بن رجار ، فاسترد المسلمون سواحل إفريقية والمهدية . PageV03P207 # | سنة تسع وأربعين وخمسمائة # فيها استدعى الظافر ناصر الدولة نصر بن عباس وأخرج له صينية من ذهب فيها ~~ألف حبة ما بين لؤلؤ وياقوت أحمر وأصفر وزمرد أخضر ذبابي ، وأمر له من بيت ~~المال بعشرة آلاف دينار مصرية ، فقتله بعد هذه الهدية بستة أيام . وذلك أنه ~~خرج الخليفة الظافر متنكرا من قصره في ليلة الخميس سلخ المحرم ومعه خادمان ~~، وسار على عودته إلى دار نصر بن عباس ، فقتله نصر ، وحفر له تحت لوح رخام ~~ودفنه ؛ وقتل سعد الدولة ms530 ، أحد الخادمين اللذين خرجا معه من القصر ، وفر ~~الآخر . # وكان سبب قتله أن الأمراء استوحشوا من أسامة بن منقذ عندما علموا أنه هو ~~الذي حسن لعباس قتل ابن السلار وتحدثوا بقتله ، وقيل للظافر عنه إنه غريب ~~ومن دولة أخرى وإن في تركه وقوع ما لا يمكن تداركه . فلما بلغ أسامة ذلك ~~أخذ يغري عباسا بابنه نصر ويبالغ في القصة حتى قال له يوما : كيف تصبر على ~~ما يقول الناس في حق ولدك واتهامهم الخليفة أنه يفعل به ما يفعل بالنساء . ~~فشق على عباس ولام ابنه ، فلم يصغ إلى لومه . فلما أنعم الظافر على نصر ~~بناحية قليوب وحضر إلى أبيه ليعلمه بذلك قال أسامة ، وكان PageV03P208 ~~حاضرا ، ما هي بمهرك غالية . فامتعض لذلك عباس وقال لأسامة : كيف الحيلة في ~~الخلاص مما بلينا به ؟ ! فقال : هين ؛ هذا الخليفة في كل وقت يأتي إلى عند ~~ولدك في داره خفية ، فمره إذا جاء أن يقتله . فاستدعى عباس ابنه وقال : يا ~~بني قد أكثرت من ملازمة الخليفة وتحدث الناس في حقك بما أوجع باطني ، وقد ~~يصل من هذا إلى أعدائنا ما لا يزول . فاحتد نصر وقال له : أيرضيك قتله ؟ ~~فقال : أزل التهمة عنك كيف شئت . فأخذ نصر يعمل الحيلة في قتل الظافر وسأله ~~أن يخرج إلى داره ليلا في سر من الخدم ليتفسحا في منزله ليلة واحدة ؛ وكان ~~منزله دار المأمون البطائحي . فخرج إليه في عدة يسيرة من الخدم ؛ فلما تحصل ~~عنده اغتاله ، وقتل الخدم الذين معه بالجماعة الذين قتل بهم العادل ابن ~~السلار ، ورمى بهم في جب عنده ، وغطى رأس الجب بقطعة رخام بيضاء فصارت من ~~جملة رخام المجلس ، فخفى أمره . ثم مضى نصر إلى أبيه وعرفه قتل الظافر . # وكان الظافر من أحسن الناس صورة ، وقتل وله من العمر إحدى وعشرون سنة ~~وتسعة أشهر وخمسة عشر يوما ، منها مدة خلافته أربع سنين وسبعة أشهر وأربعة ~~عشر يوما . وكان محكوما عليه من الوزراء . وفي أيامه أخذ الفرنج عسقلان ~~واستولوا عليها ، وظهر الوهن والخلل في الدولة ، فإنه ms531 كان كثير اللهو ~~واللعب مع جواريه ، مقبلا على سماع المغنى . وهو الذي أنشأ الجامع المعروف ~~الآن بجامع الفكاهين في خط الشوايين من القاهرة . PageV03P209 # وفيها ملك نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر دمشق من مجير ~~الدين أبق بن محمد بن بوري بن طغتكين ، فسار أبق إلى بغداد ، وبها مات . # وكان عند الإمام الظافر في قصر الروض ببغاء بيضاء تقرأ المعوذتين وتستدعي ~~كثيرا من الأستاذين بأسمائهم ونعوتهم . PageV03P210 # | الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى بن الظافر بأمر الله أبي المنصور ~~وإسماعيل بن الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد # PageV03P211 فارغة PageV03P212 يقال في اسم أمه ست الكمال ، ويقال إحسان ~~. ولد يوم الجمعة حادي عشر المحرم ، وقيل لتسع بقين من المحرم ، سنة أربع ~~وأربعين وخمسمائة ؛ وبويع له عند قتل أبيه يوم الخميس سلخ المحرم سنة تسع ~~وأربعين وخمسمائة ، وعمره يومئذ خمس سنين وعشرون يوما وكان من خبره أنه ما ~~قتل نصر بن عباس الخليفة الظافر في ليلة الخميس أصبح الوزير عباس متوجها ~~إلى القصر في يوم الخميس على العادة ، فلما صار إلى مقطع الوزارة وطال ~~جلوسه والخليفة لم يجلس استدعى زمام القصر مفلحا وقال له : إن كان مولانا ~~ما يشغله عنا في هذا اليوم عدنا إليه في الغد . فمضى الزمام وهو حائر لا ~~يدري ما يعمل وأعلم أخوي الظافر ، يوسف وجبريل ، وكانا رجلين وأحدهما مكتهل ~~، فأخبرهما بالقصة ، ولم يكن عندهما من خروج أخيهما إلى دار نصر بن عباس ~~خبر ولا علما إلا في تلك الساعة ؛ فلم يشكا حينئذ أنه قتل ، وقالا للزمام : ~~هبك اعتذرت اليوم هل يتم لك هذا مع الزمان ؟ فقال : فما تأمراني ؟ فقالا : ~~اصدقه وحاققه . فعاد إليه وقال : ثم سر ألقيه إليك بحضور الأمراء الأستاذين ~~. فقال : ما ثم إلا الجهر . فقال : إن الخليفة خرج البارحة لزيارة ولد لك ~~فلم يعد بغير العادة . فقال : تكذب يا عبد السوء ، وإنما أنت مبايع أخويه ~~يوسف وجبريل اللذين حسداه على الخلافة واغتالاه فاتفقتم على هذا القول . ~~فقال : معاذ الله . قال : فأين هما ؟ فخرجا ms532 إليه ومعهما ابن عم لهما يقال ~~له أبو التقى صالح بن حسن بن عبد المجيد ابن محمد بن المستنصر ، فقال : ~~حضرا . فقال لهما : أين الخليفة ؟ فقال الثلاثة : هو بحيث يعلم ابنك ناصر ~~الدين ، قال : لا ، وإنما أنتما قتلتماه حسدا له . قالا : هذا بهتان ~~PageV03P213 منك لأن بيعة أخينا في أعناقنا وهؤلاء الأمراء الحاضرون يعلمون ~~ذلك ، وإننا لفي طاعته بوصية أبينا . فكذبهما ، وأمر غلمانه يقتلونهم ، ~~الثلاثة . # وكان في القصر ألف سيف مجردة ، فشوهد أمر قبيح لم ير أشنع منه لما جرى ~~فيه من البغي الذي ينكره الله تعالى وجميع الخلق . # وقال لزمام القصر : أين ابن مولانا ؟ فقال : حاضر . قال : فدلني إلى ~~مكانه . فدخل بنفسه إليه ، وكان عند جدته لأمه ، فحمله على كتفه وأخرجه ~~للناس قبل أن يرفع القتلى ، وبويع بالخلافة ، ولقب بالفائز بنصر الله ؛ ~~وعمره يومئذ خمس سنين وعشرون يوما ؛ وصار يشاهد القتلى فحصل له فزع واضطراب ~~، وما زال مدة خلافته لم يطب له عيش لأنه كان يصرع كل قليل . PageV03P214 # ومن طريف ما وقع في هذا اليوم أن الوزير عباسا لما أراد الدخول إلى ~~المجلس وجد بابه قد قفل من داخل ، وكان متولى فتح المجلس وغلقه أستاذ شيخ ~~يقال له أمين الملك ؛ فاحتالوا في الباب حتى فتحوه ودخلوا ، فإذا أمين ~~الملك خلف الباب وهو ميت وفي يده المفتاح . # وفي أثناء ذلك حضر الخادم الذي أفلت من نصر إلى القصر وحدثهم بكيفية قتلة ~~الظافر ، فكثرت النياحة عليه بالقصور . وظن عباس أن الأمر قد استقام له ، ~~فجاء خلاف ما أمل . وأخذ أهل القصور في إعمال الحيلة عليه ؛ وكان الأمراء ~~والسودان قد نافروه واستوحشوا منه لما فعله بأولاد الحافظ ، وأضمروا له ~~العداوة والبغضاء . فاختلفت عليه الكلمة ، وهاجت الفتنة ، وصار العسكر ~~أحزابا ولبسوا السلاح . فخرج إليهم عباس في يوم الاثنين العاشر من ربيع ~~الأول ، فكانت بينه وبينهم محاربة انكسروا فيها منه ، وقتل منهم جماعة . ~~هذا وأهل القصر في تدبير العمل عليه ، فبعثت عة الفائز إلى فارس المسلمين ~~أبي الغارات طلائع بن رزيك ، وكان واليا على الأشمونين ms533 والبهنسا ، بالكتب ~~وفي طيها PageV03P215 شعور النساء تستصرخ به على عباس ؛ وكتب إليه أيضا ~~الجليس بن الحباب . فامتعض عند وقوفه على الكتب ورؤية شعور النساء ، وجمع ~~العربان والأجناد مقطعي البلاد . # وبلغ ذلك عباسا ، فخرج من القاهرة بالعساكر في عاشر صفر ، وجعل ابنه ناصر ~~الدين بالقاهرة ، وأنفذ إلى طلائع بحسين بن أبي الهيجاء ، زوج ابنته ، ~~ليرده عما عزم عليه . فلما خلا به قال له : تقاتل عباسا وله خمسة آلاف ~~مملوك ! ! قال : أقتاله بنفسي ونفسك . قال : أما الآن فنعم . ففت ذلك في ~~عضد عباس لشهرة حسين وشجاعته . # وعندما نزل عباس إلى إطفيح في بكرة يوم الثلاثاء ، خامس عشره ، لحق أعراب ~~إطفيح بابن رزيك ، فوافوه على أبويط ، فسار بهم ونزل دهشور ، فاضطرب عباس ~~ورجع إلى القاهرة ، وتفرق عنه الناس إلى طلائع بن رزيك ، وصار من أهل البلد ~~في مناكدة . وغلقوا أبواب القاهرة ووقع القتال في الشوارع ، فاستظهر عليهم ~~عباس وفتحوا الأبواب وقد تحقق عداوة الأمراء والجند له . # واتفق أنه مر يوما فرمى من طاق ببعض الشوارع بهاون ، ورمى مرة بقدر ~~مملوءة طعاما حارا ؛ فقال : ما بقي بعد هذا شيء . وعزم على الفرار فلم يقدر ~~، وغلقت أبواب القاهرة . # واشتغل الناس بهذا الحادث وهو يدبر في الخروج من القاهرة ، فأشار عليه ~~بعض خواسه بتحريق القاهرة فأبى وقال : يكفي ما جرى . فلما عدى طلائع بن ~~رزيك إلى حمول عول PageV03P216 عباس وولده نصر على المسير من مصر بكل ما ~~يملكانه من مال وسلاح وما قدرا عليه من حواصل الدولة وكان له مائتا حصان ~~وحجرة مجنوبة على أيدي الرجال ، ومائتا بغل رحل ، وأربعمائة جمل تحمل ~~أثقاله في يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول بعد ما حلف الأمراء ألا يخونوه . ~~وأحضر مقدمي العرب من رزيق وجذام وسنبس وطلحة وجعفر ولواتة ، وحلفهم . # فلما كان يوم الجمعة ركبوا عليه بكرة وتبعهما أسامة بن منقذ وجماعة ؛ ~~وبلغ ذلك طلائع فسار ونزل قبالة المقس في عشية نهاره ، وخرج الناس إلى ~~المقابر . وبات في عشاري ، وأصبح ، فأقام إلى يوم الأربعاء تاسع عشره ، ~~فركب يريد القصر ms534 وقد خرج الأمراء إليه ، منهم من قاتله ومنهم من انضم إليه ~~؛ فلم يكن غير ساعة حتى انجلى الأمر عن فرار عباس وولده وابن منقذ ؛ فنهب ~~الناس دورهم . # ودخل طلائع إلى القاهرة وشقها بعساكره في يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع ~~الأول ، وهو لابس ثيابا سوداء ، وأعلامه وبنوده كلها سود ، وشعور النساء ~~التي أرسلت إليه من القصر على رءوس الرماح . فكان هذا من الفأل العجيب ، ~~فإن الأعلام العباسية السود دخلت إلى القاهرة وأزالت الأعلام العلوية البيض ~~بعد خمس عشرة سنة . # ونزل طلائع بدار المأمون التي كان يسكنها نصر بن عباس . وأحضر الخادم ~~الذي كان مع الظافر لما قتل ، فأعلمه بالحال ، فمضى راجلا من القصر إلى دار ~~نصر بن عباس ، واستخرج الظافر والأستاذ الذي كان معه ، وغسلهما وكفنهما ؛ ~~وحمل الظافر في تابوت مغشى الأستاذون والأمراء ومشى طلائع وهو حاف قد شق ~~ثيابه ومعه الناس بأجمعهم حتى PageV03P217 وصل إلى القصر ، فصلى عليه ~~الخليفة الفائز ، ودفن في تربة القصر مع آبائه . # وجلس الفائز بقية النهار وخلع على طلائع بن رزيك بالموشح والعقد الجوهر ، ~~وخلع على ولديه ، ونعت بالأجل الناصر ، سند الإمام ، زعيم الأنام ، مجير ~~الإسلام ، خدن أمير المؤمنين . وخلع على أخيه ونعت بنعوت الصالح قبل ~~الوزارة ؛ وخلع على حواشيه . وأجرى في الخلع مجرى الأفضل بالطيلسان المقور ~~، وأنشىء له سجل عظيم نعت فيه بالملك الصالح ، ولم يلقب أحد من الوزراء ~~قبله بالملك ، وذلك يوم الخميس الرابع من شهر ربيع الآخر . وكتب في سجله ، ~~على طرفه ، بخط الفائز : لوزيرنا السيد الأجل الملك الصالح ، ناصر الأئمة ، ~~كاشف الغمة ، أمير الجيوش ، سيف الإسلام ، غياث الأنام ، كافل قضاة ~~المسلمين ، هادي دعاة المؤمنين ، أبي الغارات طلائع بن رزيك الفائزي ؛ عضد ~~الله بن الدين ، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين ، وأدام قدرته ، وأعلى ~~أبدا كلمته ، من جلالة القدر ، وعظيم الأمر ، وفخامة الشان ، وعلو المكان ، ~~واستيجاب التفضيل ، واستحقاق غايات المن الجزيل ، ومزية الولاء الذي بعثه ~~على بذل النفس في نصرتنا ، ودعاه دون الخلائق إلى القيام بحق مشايعتنا ~~وطاعتنا ، مما يبعثنا على التبرع له ببذلك ms535 كل مصون ، والابتداء من ذاتنا ~~بالاقتراح له بكل شيء يسر النفوس ويقر العيون ؛ والذي يعمله هذا السجل من ~~تقريظه وأوصافه ، فالذي تشتمل عليه ضمائرنا أضعاف أضعافه ، ولذلك شرفناه ~~بجميع التدبير والإنالة ، ورفعناه إلى أعلى رتب الأصفياء بما جعلناه له من ~~الكفالة . والله تعالى يعضد به دولتنا ، ويحوط به حوزتنا ، ويمده بمواد ~~التوفيق والتأييد ، ويجعل أيامه في وزارتنا ممنوحة غاية الاستمرار والتأبيد ~~إن شاء الله تعالى . PageV03P218 # وكان سجلا في غاية الطول والكبر ، من إنشاء الآجل الموفق أبي الحجاج يوسف ~~ابن علي بن الخلال . # ونزل الملك الصالح بالخلع والأمراء وغيرهم من أهل الدولة مشاة في ركابه ~~إلى دار الوزارة ، فجلس للهناء ، وتقدم الشعراء فأنشدوا عدة مدائح ذكروا ~~فيها هذه الحالة والواقعة . وكانوا عدة ، منهم عبد الرحيم بن علي البيساني ~~، والقاضي الأجل الرشيد أحمد بن الزبير ، PageV03P219 والقاضي الجليس عبد ~~العزيز بن الحسنين بن الحباب ، والقاضي السعيد جلال الملك الأشرف ضياء ~~الدين أبو علي الحسن بن محمد بن محمد بن إسماعيل بن كاسيبويه ، وأبو محمد ~~يحيى ابن خير ، الملقب ديك الكرم الشاعر ، وغيرهم وأما عباس فإنه سار بمن ~~معه يريد أيلة ليسير منها إلى بلاد الشام ، فأرسلت أخت الظافر إلى الفرنج ~~بعسقلان رسلا على البريد تعلمهم الحال وتبذل لهم الأموال في الخروج إلى ~~عباس ، وأباحتهم جميع ما معه ، وأن يعبثوا به إلى القاهرة ، فأجابوا إلى ~~ذلك ، وخرجوا إليه . فلما أدركوه ثبت لهم ودافعهم عن نفسه ، فخذله أصحابه ~~وفروا عنه مع أسامة بن منقذ إلى الشام ، فقاتل الفرنج حتى قتل ؛ وأسر ابنه ~~نصر فعمل في قفص حديد وحمل إلى القاهرة ، فدخل به إلى القصر يوم الاثنين ~~سابع عشري ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة ، وأخرج من يوم الاثنين الثامن ~~عشر من ربيع الآخر قتيلا مقطوع اليد اليمنى ، وصلب سحرا على باب زويلة ، ~~فكان يوم عظيما عند الناس . واستولى الفرنج على جميع ما كان معهم . # ولما سير الفرنج بنصر بن عباس إلى القاهرة أنشد عندما عاين البلد : # بلى ؛ نحن كنا أهلها ، فأبادنا . . . صروف الليالي والجدود العواثر # وخرج ms536 الناس عند قدومه إلى القاهرة ليروه فبالغوا في سبه ولعنه ، وبصقوا ~~عليه ، حتى دخل القصر ؛ وعرض في القفص وقتل ؛ قتله الجواري نخسا بالمسال ~~وصفعا بالنعال PageV03P220 وقطعوا لحمه واشتووه وأطعموه إياه حتى مات ، ثم ~~أخرج وصلب على باب زويلة ، وأحرق بعد ذلك . # وتتبع الصالح من كان مع نصر بن عباس في قتل الظافر ، فقتل قايماز وفتوح ~~الأخرس وابن غالب صبرا بين يديه في جماعة معهم . وثبتت أموره فنعت نفسه ~~بفارس المسلمين نصير الدين ، الصالح ؛ ومدحه الشعراء بذلك . # وشرع الصالح في الميل على المستخدمين وأخذ أموالهم ؛ وتتبع أرباب ~~البيوتات والنعم والأعيان فسلبهم نعمهم . وقبض على عدة من الأمراء وقتلهم ~~في ثالث عشر ربيع الأول ، وعلى عدة من أرباب العمائم ، منهم أبو الحسن علي ~~بن سليم بن البواب ناظر الدواوين ، وكان عارفا بالحساب والمنطق والهندسة ، ~~مليح الشعر والترسل ، جيد الكتابة . # وأخذ يعمل على الأمراء المتقدمين في الدولة ، مثل ناصر الدين ياقوت ، ~~صاحب الباب ، وكان قد ناب عن الحافظ مرة في مرضة مرضها مدة ثلاثة أشهر وكاد ~~يوليه الوزارة ؛ ومثل الأوحد بن تميم ، والي دمياط وتنيس ، فإنه كان قد ~~تحرك لما سمع قضية عباس وسار يريد القاهرة ، فسبقه طلائع بن رزيك بيوم ، ~~فصار يحقد عليه كونه هم بأمر ربما نال به الوزارة ، غير أنه لم يسعه إلا ~~إعادته إلى ولايته وأضاف إليها الدقهلية والمرتاحية وهو يسر له المكر . ~~وكان من أمراء الدولة تاج الملوك قايماز ، وهو من أكابر الأمراء ، ويليه ~~ابن غالب ؛ فحمل الأجناد عليهما حتى قتلا ونهبت دورهما . # ثم إنه قلق من قرب الأوحد منه وأراد إبعاده عنه ، فنقله من ولاية دمياط ~~وتنيس PageV03P221 إلى ولاية سيوط وأخميم ؛ فخلت له القاهرة . وأظهر مذهب ~~الإمامية وباع الولايات للأمراء وجعل لكل ولاية سعرا ومدة ستة أشهر فقط ؛ ~~فتضرر الناس من كثرة ترداد الولاة عليهم . # وضيق مع ذلك على أهل القصر طمعا في صغر سنة الخليفة . وجعل له مجلسا ~~يحضره أهل الأدب في الليل وطارحهم فيه الشعر فهرع إليه الناس ودونوا ما ~~ينظمه من الشعر ، وكان ابن ms537 الزبير يعنه على إصلاحه وتنميقه . PageV03P222 # فيها صرف الصالح عن قضاء القضاة أبا المعالي مجلى بن جميع ، الفقيه ~~الشافعي ، وولى القاضي المفضل أبا القاسم هبة الله بن عبد الله بن كامل بن ~~عبد الكريم في أخريات شعبان . # فيها بلغ التليس ستة دنانير . # فيها مات القاضي المرتضى أبو عبد الله محمد بن الحسين الطرابلسي ، ~~المعروف بالمحنك ، وكان قد ولي نظر الدواوين والخزائن ؛ وله تاريخ خلفاء ~~مصر قطع فيه على الحافظ . # ومات ركن الخلافة أبو الفضل جعفر فاتك بن مختار بن حسن بن تمام ، أخو ~~الوزير المأمون بن البطائحي ، وصلى عليه الصالح . # وفيها كتب المقتفي لأمر الله العباسي عهدا لنور الدين محمود بن زنكي ، ~~صاحب دمشق بولاية مصر والساحل ، وبعثه إليه بمراكب زحف وأمره بالمسير إليها ~~لما بلغه قتل الظافر وإقامة الفائز من بعده وهو صغير ، وقيل له قد اختلت ~~أحوال الدولة بمصر . PageV03P223 # | سنة خمسين وخمسمائة # فيها مضى الأسطول إلى ميناء صور فملكها وأخربها وأحرقها ، وعاد مظفرا ~~بعدة مراكب فيها حجاج من النصارى وغيرهم ، وبعدة كبيرة من الأسرى وبغنائم ~~جزيلة . # وفيها خرج على الصالح الأمير الأوحد بن تميم ، والي إخميم وأسيوط ، وجمع ~~جمعا موفورا ، فسير إليه الصالح عدة من العسكر ، فكانت بينهما عدة وقائع ~~أسفرت عن قتله الأوحد في يوم الأربعاء سابع عشر رجب . # وفيها قدم الفقيه نجم الدين عمارة بن أبي الحسن علي ، اليماني الحكمي في ~~شهر PageV03P224 ربيع الأول ، برسالة قاسم بن فليتة أمير الحرمين ؛ فأحضر ~~في قاعة الذهب من القصر يوم السلام ، وقد جلس الخليفة الفائز وحضر الوزير ~~الملك الصالح طلائع بن رزيك والأمراء ، على العادة ؛ فأدى الرسالة وأنشد : # الحمد للعيس بعد العزم والهمم . . . حمدا يقوم بما أولت من النعم # لا أجحد الحق ، عندي للركاب يد . . . تمنت اللجم فيها رؤية الخطم # قربن بعد مزار العز من نظري . . . حتى رأيت إمام العصر من أمم # ورحن من كعبة البطحاء والحرم . . . وفدا إلى كعبة المعروف والنعم # فهل درى البيت أني بعد فرقته . . . ما سرت من حرم إلا إلى حرم # حيث الخلافة مضروب سرادقها . . . بين ms538 النقيضين من عفو ومن نقم # وللإمامة أنوار مقدسة . . . تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم # وللنبوة آيات تنص لنا . . . على الخفيين من حكم ومن حكم # وللمكارم أعلام تعلمنا . . . مدح الجزيلين من بأس ومن كرم # وللعلا ألسن تثنى محامدها . . . على الحميدين من فعل ومن شيم # وراية الشرف البذاخ ترفعها . . . يد الرفيعين : من مجد ومن همم # أقسمت بالفائز المعصوم معتقدا . . . فوز النجاة وأجر البر في القسم # لقد حمى الدين والدنيا وأهلهما . . . وزيره الصالح الفراج للغم # اللابس الفخر لم تنسج غلائله . . . إلا يد الصنعين : السيف والقلم ~~PageV03P225 # وجوده أوجد الأيام ما اقترحت . . . وجوده أعدم الشاكين للعدم # قد ملكته العوالي رق مملكة . . . تعير أنف الثريا عزة الشمم # أرى مقاما عظيم الشأن أوهمني . . . في يقظتي أنها من جملة الحلم # يوم من العمر لم يخطر على أملى . . . ولا ترقت إليه رغبة الهمم # ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها . . . عقود مدح فما أرضى لكم كلمى ترى ~~الوزارة فيه وهي باذلة . . . عند الخلافة نصحا غير متهم # عواطف علمتنا أن بينهما . . . قرابة من جميل الرأي لا الرحم # خليفة ووزير مد عدلهما . . . ظلا على مفرق الإسلام والأمم # زيادة النيل نقص عند فيضهما . . . فما عسى يتعاطى منة الديم # فكان الصالح يستعيد أبياتها في حال الإنشاد مرارا ، والأمراء والأستاذون ~~يذهبون في الاستحسان كل مذهب . ثم أفيضت عليه خلع الخليفة المذهبة ، ومنح ~~له الصالح خمسمائة دينار ، وأخرجت إليه السيدة الشريفة بنت الحافظ مع ~~الأستاذين خمسمائة دينار أخرى ؛ وحمل المال معه إلى منزله ، وأطلقت له من ~~دار الضيافة رسوم جليلة ؛ وتهادته أمراء الدولة إلى منازلهم للولائم . # واستحضره الصالح للمجالسة ، ونظمه في سلك أهل المؤانسة ، وانثالت عليه ~~صلاته ، وعمره ببره . وصار يحضر في الليل عنده مع الشيخ الجليل أبي المعالي ~~ابن الحباب ، والشيخ الموفق ابن الخلال ، وأبى الفتح محمود بن قادوس ، ~~والمهذب أبي محمد الحسن بن PageV03P226 الزبير ، وولد الصالح مجد الإسلام ~~رزيك ، وصهره ، الأجل المظفر الأمين ، سيف الدين حصن المسلمين ، ذي الفضائل ~~والمناقب ، يمين أمير المؤمنين ، أبي عبد الله الحسين بن الأمير فارس ~~الدولة أبي الهيجاء الفائزي الصالحي ms539 ، وأخيه فارس المسلمين بدر بن رزيك ؛ ~~وقريبه عز الدين حسام ، وضرغام ، وعلي بن الزبرد ، ويحيى بن الخياط ، ~~ورضوان بن جلب راغب ، وعلي هوشات ، ومحمد بن شمس الخلافة . وهؤلاء أهل مجلس ~~الليل . # وأنشده يوما وهو في القبو من دار الوزارة قصيدة منها : # دعوا كل شمتم غير بارق . . . يلوح على الفسطاط صادق نشره # وزوروا المقام الصالحي ، فكل من . . . على الأرض ينسى ذكره عند ذكره # ولا تجعلوا مقصودكم طلب الغنى . . . فتجنوا على مجد المقام وفخره # ولكن سلوا منه العلا تظفروا بها . . . فكل امرئ يرجى على قدر قدره # فرمى إليه الخريطة فوجد فيها خمسمائة دينار وخمسين رباعيا . ومدحه في ~~شعبان بقصيدة فدفع إليه الخريطة ، فإذا فيها ثلاثة وسبعون دينارا . ~~PageV03P227 # ثم لما عزم على الرجوع ودع الخليفة والصالح بن رزيك بقصيدة ، فأوسعاه ~~إكراما وإنعاما ، ورسم أن يكون تسفيره خمسمائة دينار كما كانت وفادته ، ~~وبعثت إليه السيدة مثل ذلك ؛ وخلع عليه للسفر ، ودفع له الصالح مائة دينار ~~. وكتب له إلى ناصر الدولة والي قوص بمائة إردب من القمح وحملها من مال ~~الديوان إلى مكة . وكتب له كتاب إلى محمد بن عمران ، صاحب عدن ، ببراءته من ~~ثلاثة آلاف دينار وإسقاطها عنه . # وسار في شوال إلى مكة فتسلم القمح من قوص وحمل معه إلى مكة من مال ~~الديوان . ولما وقف صاحب عدن على الكتاب أبرأه من الثلاثة آلاف دينار ~~وأسقطها عنه ، فسير إلى الصالح بقصيدة من عدن يشكره على ذلك ؛ فلما وقف ~~عليها قال : قد فرطنا فيه حين تركناه يخرج من عندنا ، ولقد كان إمساكه ~~للخدمة والصحبة أولى . # ثم عاد بعد ذلك بمدة ، واستقر بعد ذلك من جملة خدام الدولة وخواصها . # فيها مات الفقيه أبو المعالي مجلى بن جميع بن نجا المخزومي القرشي ~~الأرسوفي الشافعي ، صاحب كتاب الذخيرة في الفقه . PageV03P228 # | سنة إحدى وخمسين وخمسمائة # فيها نزع السعر ووقع الغلاء بديار مصر ، فلحق الناس منه شدة PageV03P229 # | سنة اثنين وخمسين وخمسمائة # فيها كان انفساخ الهدنة بين الفرنج وبين المصريين ، فشرع الصالح في ~~النفقة على العساكر وعربان البلاد للغارة على بلاد ms540 الفرنج . فأخرج سرية في ~~سابع عشر جمادى الأولى وأتبعها بأخرى في رابع عشر جمادى الآخرة ؛ فوصلت ~~الأولى إلى غزة ونهبت أطرافها ، ثم سارت إلى عسقلان فأسرت وغنمت وعادت ~~مظفرة غانمة . ثم ندب سرية ثالثة ، فمضت إلى الشريعة فأبلت بلاء حسنا وعادت ~~ومؤيدة . وسير المراكب الحربية فانتهت إلى بيروت وأوقعت بمراكب الفرنج ~~وأسرت منهم وغنمت . وسير عسكرا في البر إلى بلاد الشوبك فعاثوا فيها وغاروا ~~ورجعوا بالغنائم في رجب ومعهم كثير من الأسرى . ثم سير الأسطول إلى عكا ~~فأسروا نحوا من سبعمائة نفس بعد حروب كثيرة ، وعاد الأسطول في رمضان . وجهز ~~سرية فغارت على بلاد الفرنج وعادت بالغنائم في رمضان . ثم بدأت سرية في أول ~~ذي القعدة وأردفها بأخرى في خامسه فوصلت غاراتهم إلى أعمال دمشق وعادوا ~~غانمين . # وفيها قدم رسول نور الدين محمود صاحب دمشق . PageV03P230 # وفيها كسرت مراكب للفرنج فيها الحجاج منهم على ثغر الإسكندرية ، فقبض ~~عليهم نائب الثغر وجهزهم . # وفي سلخ ذي الحجة قبض الصالح على الأمير ناصر الدولة ياقوت والي قوص وعلى ~~أولاده واعتقلهم من أجل أنه بلغه عنه أنه كاتب أخت الظافر وقصد القيام على ~~الصالح وأخذ الوزارة . وكان ناصر الدولة في ولاية قوص من أيام عباس ، ولما ~~استدعى أهل القصر طلائع من الأشمونين لم يجسر على الحركة حتى كتب إلى ناصر ~~الدولة يعلمه بذلك ويستدعيه ليكون له الأمر ، فأعاد جوابه يظهر الزهد في ~~ذلك وأنه تركه من أيام الخليفة عن قدرة ، ظنا منه أن طلائع لا يصلح ولا يتم ~~له ما يريد من مقاومة عباس ؛ فخاب رجاؤه . ولم يزل به الصالح حتى أودعه ~~السجن ، ولم يزل به حتى مات فيه في رجب من الآتية . # وفيها أحضر إلى القاهرة رجل كامل الأعضاء سريع الحركة ، طوله من رأسه إلى ~~قدمه أربعة أشبار ، وله عدة أولاد ؛ فدخل على الصالح حتى رآه . # في هذه السنة زلزلت الشام زلازل عظيمة أخربت حصن شيزر ، وأكثر حماة وبعض ~~كفر طاب وأفامية ؛ وزلزلت في حلب وغيرها من البلاد ؛ وكانت بدمشق خفيفة لم ~~تخرب شيئا ms541 ، ودامت مدة بأرض الشمال . PageV03P231 # وفيها سقطت دار بخط سوق وردان من مدينة مصر هلك بها جماعة من سكانها ، من ~~جملتهم امرأة ترضع ولدا أخرجت من تحت الردم ميتة ، وأخرج الطفل ابنها في ~~ثاني يوم وهو حي ، فسلم إلى من ترضعه ، وعاش حتى بلغ مبالغ الرجال . # واتفق أيضا في هذه السنة أن السديد أبا النقباء صالحا كان يخدم في عمالة ~~الرباع السلطانية بمصر ، ومما يجري فيها دار ابن معشر عند فم السد الذي ~~يفتح كل سنة عند كسر الخليج إذا كان وفاء النيل ، فإذا كان قرب الوفاء رسم ~~بمرمة هذا الدار ، فرممت وأسكنت في موسم الخليج ، فيتحصل من أجرتها في يوم ~~وليلة ما يتحصل من أجرة سنة كاملة . فرمها في هذه السنة وأسكنها على العادة ~~، وسكن في بيت تحتاني منها ، فامتلأت جميعها حتى لم يبق فيها ما يسع أحدا ، ~~فسقطت وهلك جميع من فيها إلا هو ، فإنه أخرج بعد يومين من تحت الردم فيه ~~رمق فبرأ وعاش مدة طويلة ، ثم طلع يوما وهو عجل إلى منزل سكناه بحارة الروم ~~من القاهرة اندقت ساقه في درجة وحدث بها خدش يسير فمات منه . PageV03P232 # | سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة # في المحرم جهز الصالح أربعة آلاف وأمر عليهم شمس الخلافة أبا الأشبال ~~ضرغاما للغارة على بلاد الفرنج ، فساروا في صفر إلى تل العجول وحاربوا ~~الفرنج في النصف منه ، فانهزموا من المسلمين هزيمة قبيحة عليهم . وسير ~~عسكرا في آخر في شعبان ، فواقعوا الفرنج على العريش وعادوا ظافرين بعدة ~~غنائم ما بين خيول وأموال . # وفيها قدم رسول الملك العادل محمود بن زنكي ؛ وقدمت رسل الفرنج يسألون في ~~الصلح ؛ ورسول صاحب قسطنطينية يسأل إسعافه بمراكب نجدة له على صاحب صقلية . # وفيها خرجت من القاهرة سرية إلى بيت جبرين وعادت غانمة . وسار الأسطول في ~~يوم الجمعة ثالث عشري ربيع الآخر فانثنى إلى تنيس في الثامن من شعبان وأقعل ~~منه إلى بلاد الفرنج . # وفي سادس عشري ربيع الآخر قدم أسطول الاسكندرية وقد امتلأت أيدي الغزاة ~~بالغنائم . وفي ربيع الآخر سار عسكر ms542 إلى وادي موسى فنزل على حصن الدميرة ~~وحاصره ثمانية أيام ، وتوجه إلى الشوبك وأغار على ما هنالك ؛ وأقام أميران ~~على الحصار وعاد بقية العسكر . PageV03P233 وفي التاسع من جمادى الأولى سار ~~عسكر إلى القدس فخرب وعاد بالغنائم . وورد الخبر بوقعة كانت على طبرية كسر ~~فيها الفرنج وانهزموا ، فأخذ الصالح في النفقة على طوائف العسكر ، وكان ~~جملة ما أنفقه فيها مائة ألف دينار . فلما تكامل تجهيزهم سير خمس شوال في ~~الخامس من شعبان ، فتوجهت لسواحل الشام ، وظفرت بمراكب من مراكب الفرنج ~~وعادت بكثير من الغنائم والأسرى في الثاني والعشرين من رمضان . وخرج العسكر ~~في البر وقد ورد الخبر بحركة متملك العريش يريد الغارة على أطراف البلاد ، ~~فلما بلغه سير العسكر لم يتحرك ، ورجع العسكر . # وجهز رسول محمود بن زنكي بجواب رسالته ومعه هدية فيها من الأسلحة وغيرها ~~ما قيمته ثلاثون ألف دينار ، ومن العين ما مبلغه سبعون ألف دينار تقوية له ~~على جهاد الفرنج . وكتب إلى الصالح كتابا ضمنه قصيدة يحرضه فيها على قتال ~~الفرنج ، فوصلت إليه في سادس عشر من شهر رمضان ، ولبس نور الدين خلعة الملك ~~الصالح طلائع ؛ وانقضت السنة في تجهيز العساكر في البر والبحر ومسيرها ~~وعودها بالغنائم الكثيرة والأسارى العديدة ، منهم أخو القمص صاحب قبرص ، ~~فأكرمه الصالح وبعث به إلى ملك القسطنطينية . وكثرت الغنائم من الفرنج ~~بالقاهرة حتى امتلأت الأيدي بها . # وقال الصالح في هذه الغزوات عدة قصائد مطولة . PageV03P234 # وفيها مات القاضي المفضل كافي الكفاة محمود بن القاضي الموفق إسماعيل بن ~~حميد القاضي ، المعروف بابن قادوس ، في سابع المحرم ؛ فحضر الصالح إلى داره ~~بمصر ومشى في جنازته حتى صلى عليه ، ومضى إلى تربته عند مسجد الأقدام ~~بالقرافة . وكان من أماثل المصريين وأعيان كتابهم ، مقدما عند الملوك . وله ~~ديوان شعر . PageV03P235 # | سنة أربع وخمسين وخمسمائة # في شهر ربيع الأول ، في خامسه ، قدم رسول الفرنج بهدية لطلب الهدنة . # وقدم رسول نور الدين يخبر بأنه متوجه نحو بلاد الفرنج ، وأشار بإخراج ~~عسكر نحوهم ؛ فخرجت سرية إلى غزة . وعاد رسول نور الدين ، وهو ms543 الحاجب محمود ~~المسترشدي ، وصحبته الأمير عز الدين أبو الفضل غسان بن محمد بن جلب راغب ~~الآمري ؛ وكانا قد توجها إلى نور الدين في السنة الخالية وخرجا من دمشق في ~~نصف صفر . فندب الصالح العساكر للغارة ، وأنفق في ستة آلاف وخمسمائة فارس ، ~~فساروا في سادس جمادى الأولى . وتوجه الأسطول في البحر ، وذلك أن ملك ~~القسطنطينية أراد غزو بلاد ابن لاون ، صاحب أرمينية فبعث يعلم نور الدين ~~بذلك ، فكتب نور الدين يستنجد الملك الصالح على الفرنج ، فأنجده بذلك . وفي ~~سلخ جمادى الآخرة عاد العسكر غانما . # وفي هذه السنة خرج الأمير عز الدين أبو المهند حسام ابن الأمير الأسد ~~جلال الدين فضة ، وهو ابن أخت الملك الصالح ، على عسكر لقتال طرخان بن سليط ~~بن طريف والي الإسكندرية وقد جمع العربان وغيرهم وخلع طاعة الصالح . # فيها بنى الصالح على بلبيس حصنا من لبن . # فيها توفى أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن الفضل بن منصور بن أحمد بن ~~يونس ابن عبد الرحمن بن الليث بن المغيرة بن عبد الرحمن بن العلاء بن ~~الحضرمي PageV03P236 في شهر رمضان بالإسكندرية . وقد حدث فسمع منه السلفي ؛ ~~وهو آخر من حدث عن الخيال . ومولده لست بقين من ربيع الآخر سنة ست وستين ~~وأربعمائة . # وتوفى الفقيه أبو الحسن وحشي بن عبد الغالب العادلي السعدي بمنية زفتى ؛ ~~وأخذ عن الطرطوشي وغيره . # وتوفى بمصر أبو القاسم عبد السلام بن مختار اللغوي ؛ سمع من بركات وغيره ~~؛ وقرأ على العقبى . وله مدائح في الصالح بن رزيك وكان متصدرا بالجامع ~~العتيق . PageV03P237 # | سنة خمس وخمسين وخمسمائة # فيها خرج إسماعيل ، المعروف بروق ، من القاهرة في ليلة الخميس حادي عشر ~~المحرم ، ولحق بأخيه طرخان والي الإسكندرية وقد جمع لحرب الصالح ، فخرج ~~إليه المظفر عز الدين حسام والأمير مجد الخلافة أسد الدين ورد على عسكر ، ~~ولحقهم المظفر سيف الدين حسين . # وقد برز إسماعيل من الإسكندرية في جموعه وخيم على دمنهور ، وتلقب بالملك ~~الهادي ؛ فطرقه العسكر ، فهرب واختفى بالجيزة ، فقبض عليه في سابع عشره . ~~وعاد العسكر في ثالث عشريه ، فهرب ms544 طرخان من معتقله في رابع ربيع الآخر ، ~~وظفر به في سادسه ، فصلب على باب زويلة . ثم ضربت رقبة إسماعيل في ثامنه ، ~~وصلب إلى جانب أخيه . # وكان أبو طرخان فرانا ، فترقى طرخان في أيام الفتن حتى ولاه الصالح ~~الإسكندرية في سنة ثلاث وخمسين . وقال الشعراء في صلبه عدة قصائد . وفيها ~~مات الخليفة الفائز بنصر الله ليلة الجمعة لثلاث عشرة بقيت من رجب ؛ ومولده ~~يوم الجمعة لتسع بقين من المحرم سنة أربع وأربعين وخمسمائة ، فكان عمره ~~إحدى عشرة سنة وستة أشهر وستة أيام ، منها مدة خلافته ست سنين وخمسة أشهر ~~وستة عشر يوما . PageV03P238 # ولم يلتذ بالخلافة ولا رأى فيها خيرا ؛ فإن أباه لما قتل وبكر عباس إلى ~~القصر وفحص عن الخليفة الظافر وقتل أخويه وابن عمه لينفي عن نفسه وابنه ~~التهمة ، دعي إلى القصر واستدعى ابن الظافر هذا وحمله على كتفه وله من ~~العمر نحو الخمس سنين ، ووقف به في صحن القاعة وأمر الأمراء فدخلوا عليه . ~~فلما مثلوا بالقاعة قال لهم : هذا ولد مولاكم وقد قتل أبوه وعماه ، والواجب ~~إخلاص الطاعة لهذا الطفل . فقالوا بأجمعهم : سمعنا وأطعنا ، وصاحوا صيحة ~~اضطرب منها الطفل وداخله من تلك الصيحة ، مع ما شاهده من رؤية عمه والخدام ~~وهم في دمائهم ، ما خبل عقله ، وبال على كتف عباس ، فسيروه إلى أمه ؛ وأقام ~~مختلا يصرع وجدته تكفله . # وركب في الأعياد مغررا به ؛ وخطب عنه قاضي القضاة وهو معه على المنبر . ~~وقطع الخليج في أيامه في الليل واعتذر عن ذلك بأن النيل عدا وقطع الجسر ، ~~إلى غير ذلك من التحويزات . # ثم وزر الصالح بعد عباس واستبد بجميع الأمور وليس له معه أمر ولا نهي ، ~~ولا تعود كلمة . فدبرت عمة الفائز في قتل الصالح ، وفرقت في ذلك نحو خمسين ~~ألف دينار . فبلغ ذلك الصالح ، فأمسكها وقتلها بالأستاذين والصقالبة سرا ، ~~والفائز في واد آخر من الاضطراب والاختلال . ونقل كفالته إلى عمته الصغرى ، ~~وطيب قلبها ، وراسلها . PageV03P239 فارغة PageV03P240 # | العاضد لدين الله أبو محمد عبد الله بن الأمير يوسف ابن الحافظ لدين ~~الله أبي ms545 الميمون عبد المجيد # PageV03P241 فارغة PageV03P242 ولد يوم الثلاثاء لعشر بقين من المحرم سنة ~~ست وأربعين وخمسمائة ؛ وبويع عند انتقال الفائز يوم الجمعة قبل الصلاة ~~لثلاث عشرة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة ، وعمره يومئذ تسع سنين ~~وستة أشهر وسبعة أيام . # وذلك أنه لما مات الخليفة الفائز ركب الصالح بن رزيك إلى القصر بثياب ~~الحزن ، واستدعى زمام القصر ، وسأله عمن يصلح في القصر للخلافة ؛ فقال : ~~ههنا جماعة . فقال : عرفني بأكبرهم . فسمى له واحدا ، فأمر بإحضاره . فتقدم ~~إليه أمير يقال له على ابن مزيد وقال له سرا : لا يكن عباس أحزم منك رأيا ~~حيث اختار الصغير وترك الكبير واستبد بالأمر . فمال إلى قوله ، وقال للزمام ~~: أريد منك صغيرا . فقال : عندي ولد الأمير يوسف بن الحافظ واسمه عبد الله ~~، وهو دون البلوغ . فقال : علي به . فأحضر إليه بعمامة لطيف وثوب مفرط ، ~~وهو مثل الوحش ، أسمر ، كبير العينين ، عريض الحاجبين PageV03P243 أخنس ~~الأنف ، منتشر المنخرين ، كبير الشفتين . فأجلسه الصالح في البادهنج ، وكان ~~عمره إحدى عشرة سنة . ثم أمر صاحب خزانة الكسوة أن يحضر بذلة ساذجة خضراء ، ~~وهي لبس ولي العهد إذا حزن على من تقدمه ، وقام وألبسه إياها . # وأخذوا في تجهيز الفائز ؛ فلما أخرج تابوته صلى عليه وحمل إلى التربة . ~~وأخذ الصالح بيد عبد الله وأجلسه إلى جانبه ، وأمر أن تحمل إليه ثياب ~~الخلافة ، فألبسها ؛ وبايعه ، ثم بايعه الناس ؛ ونعته بالعاضد لدين الله . ~~وذلك يوم الجمعة الثامن عشر من شهر رجب سنة خمس وخمسين . وأبوه أحد الأخوين ~~اللذين قتلهما الوزير عباس . # ولما بويع العاضد ركب وحملت على رأسه المظلة ؛ وركب الصالح بين يديه ، ~~وخرج من التربة قاصدا قصره . وكانت عادة الخلفاء أنه إذا ورد البشير إلى ~~أخص أهل من يبايع يعطى ألف دينار ؛ فلما بويع العاضد حضر المبشر إلى عمته ~~فأعطته نزرا ، فلما راجعها في الزيادة أبت عليه ؛ فسئلت في السبب فقالت : ~~هذا قاطع الخلفاء . وهكذا كان . # واستقر العاضد اسما والصالح معنى ، فتمكن وقويت حرمته ، واستولى على ~~الدولة وتمكن منها ، ونقل جميع أموال القصر إلى ms546 دار الوزارة ، وأساء السيرة ~~باحتكار الغلات ، فوقع الغلاء وارتفعت الأسعار ؛ وأكثر من قتل أمراء الدولة ~~. PageV03P244 # وفيها ولي الصالح شاور بن مجير بن سوار بن عشائر بن شاس السعدي الصعيد ، ~~فظهرت كفايته واستمال الرعية . # وفيها بعث العاضد بالخلع إلى نور الدين محمود صاحب دمشق ، فلبسها . # وفيها توفى بمصر أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن عمر بن قاسم ، المعروف ~~بنفطويه الحضرمي ، المقرئ الأديب ؛ رحل فسمع ببغداد وميافارقين وبمصر . ~~وتوفي بعيذاب الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الحباب السعدي ، ~~أخو القاضي الجليس ؛ رحل فسمع ببغداد وغيرها ، وصنف كتاب مساوئ الخمر ؛ ~~وكتاب الحجة لسلف هذه الأمة في تسمية الصديق وارد على من أنكر ذلك ؛ وكتاب ~~تهذيب المقتبس في أنباء أهل الأندلس . وكان من الصالحين . # وتوفي أبو جعفر أحمد بن محمد بن كوار بن المختار بن الغرناطي بمصر ، وكان ~~من أعيان غرناطة ، وله معرفة جيدة بالنحو ؛ وكتب عن السلفي . PageV03P245 # | سنة ست وخمسين وخمسمائة # فيها عقد العاضد على ابنة الصالح ابن رزيك في مستهله بعدما امتنع من ذلك ~~فحبسه الصالح حتى أجاب . وقصد الصالح بزواجه ابنته أن يرزق منه ولدا فيجتمع ~~لبني رزيك الخلافة مع الملك . # وفيها قدم حسين بن نزار بن المستنصر إلى برقة من بلاد المغرب ، ودعا إلى ~~نفسه ، فاجتمع عليه قوم كثير وتلقب بالمستنصر ؛ وعزم على المسير إلى أذخ ~~القاهرة ، فخدعه الأمير عز الدين حسام بن فضة بن رزيك ووعده بالقيام بدعوته ~~، وما زال يتلطف به حتى صار عنده في خيمته ، فقبض عليه وحمله إلى القاهرة ، ~~فقتل في شهر رمضان . # وفيها قتل الملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين ، أبو الغارات طلائع بن ~~رزيك . وذلك أنه لما ثقلت وطأته وكثرت مضايقته لأهل القصر ، أخذت السيدة ~~العمة ست القصور ، وهي أخت الظافر الصغرى ، في العمل على قتله ، ورتبت مع ~~قوم من السودان الأقوياء أن يقيموا منهم في باب السرداب من الدهليز المظلم ~~الذي يدخل منه إلى القاعة جماعة ، ويقيموا آخرين في خزانة هناك وأرسلت إلى ~~ابن الراعي ، وإلى الأمير المعظم بن قوام ms547 الدولة صاحب الباب وقررت معه أن ~~يخلى الدهاليز من الناس PageV03P246 حتى لا يبقى بها أحد . فأعدوا في حجرة ~~في دهليز القصر ، وردوا عليهم طرف الضبة . # فلما كان في يوم الاثنين التاسع عشر من شهر رمضان ركب الصالح على عادته ~~للسلام على الخليفة ، فلما انفصل من خدمة السلام بقاعة الذهب وخرج إلى ~~الدهاليز عرض له أستاذ يقال له عنبر الريفي ، وأوقفه ، وذكر له حديثا طويلا ~~؛ فتقدم رزيك ابن الصالح ، فخرج رجلان وثبا على الصلاح ، ووقعت الصيحة ، ~~فعثر الصالح بأذياله ، فتقدم إليه ابن الراعي وطعنه بسيف قطع أحد وريديه ، ~~وضربه العبيد بالسيوف فقطعوا عذيته ونزلت في لحمه وشلت سلسلة ظهره . فوضع ~~يده على جرحه وأنشد : # إن كان عندك يا زمان بقية . . . مما تهين به الكرام فهاتها # وضرب رزيك بن طلائع في عضده الأيمن . وتكاثروا على الصالح فسقط على وجهه ~~منكبا واستفرغ بالدم فأدركه الأمير ابن الزبد وألبسه منديل ضرغام بن سوار ، ~~وكان PageV03P247 قد نزع منديله عن رأسه ، وحمل حتى أركب على فرسه ، وهو لا ~~يفيق . وبقي حسين ابن أبي الهيجاء في القصر يقاتل السودان حتى قتل منهم ~~خمسين رجلا . # ولما ركب الصالح وشدوا جرحه تطلعت السيدة العمة من القصور فرأته راكبا ، ~~فقالت : رحنا والله . فلما صار إلى داره كان إذا أفاق يقول : رحمك الله يا ~~عباس ، وبعث إلى العاضد يعتب عليه كيف رضي بقتله مع حسن أثره في إقامته ~~خليفة ؛ فأقسم أنه لم يعلم بذلك ولا رضى به . وأنشد عند موته : # وما ظفروا لما قتلت بطائل . . . فعشت شهيدا ثم مت شهيدا # فلما كان ثلث ليلة الثلاثاء ، العشرين من شهر رمضان ، مات ودفن بالقاهرة ~~، ثم نقل منها بعد ذلك إلى القرافة ، والعاضد راكب والجند يمشون خلف تابوته ~~. # ومولده في سنة خمس وتسعين . وكانت وزارته سبع سنين وستة أشهر تنقص أياما ~~. وكان فاضلا . سمحا في العطاء ، سهلا في اللقاء ، محبا لأهل الفضائل ، جيد ~~الشعر وخطه دون شعره . ويقال إنه من المغرب ، وقد قصد أبوه زيارة قبر علي ~~بن أبي طالب بالنجف فرأى أمام المشهد ms548 عليا وأخبره عن طلائع أنه يلي مصر ، ~~فقدمها ، وما يزال يترقى في الخدم حتى نال ما نال . PageV03P248 # وأنشد له ابن خلكان : # كم ذا يرينا الدهر من أحداثه . . . غيرا وفينا الصد والإعراض # ننسى الممات وليس يجري ذكره . . . فينا ، فتذكرنا به الأمراض # وكان لأهل العلم عنده نفاق ويرسل إليهم العطايا الكثيرة . بلغه أن أبا ~~محمد ابن الدهان النحوي البغدادي المقيم بالموصل قد شرح بيتا من شعره وهو : # تجنب سمعي ما يقول العواذل . . . وأصبح لي شغل من الغزو شاغل فجهز له ~~هدية سنية ليرسلها إليه ، فقتل قبل إرسالها . وبلغه أن إنسانا من أعيان ~~الموصل قد أثنى عليه فأرسل إليه كتابا يشكره ومعه هدية . # وكان وافر العقل رضي النفس ، بصيرا بالتجارب عالما بأيام الناس ، بصيرا ~~بالعلوم الأدبية ، محببا إلى الناس لإظهاره الفضل والدين وإنكاره الظلم ~~والفساد . إلا أنه كان من غلاة الإمامية مخالفا لما عليه مذهب العاضد وأهل ~~الدولة . فلما بايع للعاضد وركب من القصر سمح ضجة عظيمة ، فقال : ما الخبر ~~؟ فقيل إنهم يفرحون بالخليفة . فقال : كأني بهؤلاء الجهلاء وهم يقولون ما ~~مات الأول حتى استخلف هذا ؛ وما علموا أنني كنت من ساعة أستعرضهم استعراض ~~الغنم . # وجرى من بعض الأمراء في مجلس السمر عنده انتقاص بعض السلف ، وكان الفقيه ~~عمارة جالسا فقام وخرج معتذرا بحصاة تعتاده ، وانقطع في منزله ثلاثة أيام ، ~~ورسول الصالح يرد إليه كل يوم بالطبيب ، ثم ركب إليه بعد ذلك وهو في بستان ~~مع جلسائه PageV03P249 في خلوة ، فاستوحش من غيبته ، فأعلمه أن لم يكن به ~~وجع ولكنه كره ما جرى في حق السلف ، فإن أمر السلطان فقطع ذلك حضرت وإلا ~~كان في الأرض سعة وفي الملوك كثرة . فعجب الصالح من ذلك . وقال : سألتك ~~بالله ما تعتقد في أبي بكر وعمر ؟ فقال : أعتقد أنه لولاهما لم يكن سبق ~~للإسلام حرمة ولا علا له راية ، وما من مسلم إلا ومحبتهما واجبة عليه . ثم ~~قرأ : ' ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ' فضحك الصالح ، وكان هذا ~~من رياضته ، فإنه مخالف لمذهبه مخالفة ms549 لا يحتملها مثله إلا أنه مرتاضا ~~حصيفا قد لقي الفقهاء وسمع كلامهم . # وبعث يوما إلى عمارة ثلاثة أكياس من مال ورقعة بخطه فيها هذه الأبيات ~~يدعوه فيها إلى مذهبه : # قل للفقيه عمارة : يا خير من . . . أضحى يؤلف خطبة وكتابا # اسمع نصيحة من دعاك إلى الهدى . . . قل حطة ، وادخل إلينا البابا # تلق الأئمة شافعين ، ولا تجد . . . إلا لدينا سنة وكتابا # وعلى أن يعلو محلك في الورى . . . وإذا شفعت إلي كنت مجابا # وتعجل الآلاف ، وهي ثلاثة . . . صلة ، وحقك لا تعد ثوابا # فأجابه عمارة : # حاشاك من هذا الخطاب خطابا . . . يا خير أملاك الزمان نصابا # لكن إذا ما أفسدت علماؤكم . . . معمور معتقدي وصار خرابا # ودعوتم فكري إلى أقوالكم . . . من بعد ذاك ، أطاعكم وأجابا PageV03P250 # فاشدد يديك على صفاء محبتي . . . وامنن علي ، وسد هذا البابا # وهو الذي بنى الجامع خارج باب زويلة ؛ ووقف ثلثي المقس على الأشراف ، ~~وتسعة قراريط على أشراف المدينة ، وقيراطا على بني معصوم إمام مشهد علي ~~الذي بشره بالمنام . ويقال إنه من ولد جبلة بن الأيهم الغساني . # وكان أبوه يسمى أسد رزيك وقدم مع أمير الجيوش بدر إلى مصر ؛ وتوفى سنة ~~إحدى وثلاثين وخمسمائة . # ومن العجب أنه ولي الوزارة في التاسع عشر ، وقتل في التاسع عشر ، وزالت ~~دولتهم في التاسع عشر . وهو أول من خوطب بالملك في ديار مصر ونعت به . # ومن عجيب الاتفاق أن عمارة أنشد مجد الإسلام رزيك بن الصالح بدار سعيد ~~السعداء في ليلة السادس عشر من شهر رمضان أبياتا منها : # أبوك الذي تسطو الليالي بحده . . . وأنت يمين إن سطا ، وشمال # لرتبته العظمى ، وإن طال عمره . . . إليك مصير واجب ومآل # تخالسك اللحظ المصون ، ودونها . . . حجاب شريف لا انقضى وحجال ~~PageV03P251 # فانتقل الملك إليه بعد ثلاثة أيام . # قال عمارة : ودخلت على الصالح قبل قتله بثلاثة أيام ، فناولني رقعة فيها ~~بيتان من شعره وهما : # نحن في غفلة ونوم وللمو . . . ت عيون يقظانة لا تنام # قد رحلنا إلى الحمام سنينا . . . ليت شعري ، متى يكون الحمام ! # فكان آخر عهدي به . # ومما رثاه عمارة به قوله ms550 : # أفي أهل ذا النادي عليم أسائله . . . فإني ، لما بي ، ذاهب العقل ذاهله # سمعت حديثا أحسد الصم عنده . . . ويذهل واعيه ، ويخرس قائله # فقد رابني من شاهد الحال أنني . . . أرى الدست منصوبا وما فيه كافله وأنى ~~أرى فوق الوجوه كآبة . . . تدل على أن الوجوه ثواكله # دعوني ، فما هذا بوقت بكائه . . . سيأتيكم طل البكاء ووابله # ولم لا نبكيه ونندب فقده . . . وأولادنا أيتامه وأرامله # أيكرم مثوى ضيفكم وغريبكم . . . فيسكن ، أم تطوى ببين مراحله # فيا ليت شعري بعد حسن فعاله . . . وقد غاب عنا ، ما بنا الدهر فاعله ! # قال عمارة : وكانت أحوال الصالح تارة له وتارة عليه ؛ فما هو عليه فرط ~~العصبية في المذهب ، وجمع المال واحتجانه ، والميل على الجند وإضعافهم ~~والقص من أطرافهم . وأما التي له فلم تكن مجالس أنسه تنقضي إلا بالمذاكرة ~~في أنواع العلوم الشرعية والأدبية ، وفي مذاكرة وقائع الحروب مع أمراء ~~دولته . وكان مرتاضا قد سمر أطراف المعالي وتميز عن أخلاق الملوك الذين ليس ~~عندهم إلا خشونة مجردة . PageV03P252 # وكان شاعرا يحب الأدب وأهله ، ويكثر من جليسه ، ويبسط من أنيسه . وكان ~~كرمه أقرب من الجزيل منه إلى الهزيل وصنف كتابا سماه : الاعتماد في الرد ~~على أهل العناد . وله قصيدة سماها : الجوهرية في الرد على القدرية ولما مات ~~الصالح خرج ولده المنصور وهو مجروح وجلس في مرتبة أبيه ، وبعث إلى العمة ست ~~القصور من أهل القصور فسلمت إليه ، فخنقها بمنديل ورميت قدامه ، فبعثت ~~السيدة العمة أختها إلى سيف الدين حسين بن أبي الهيجاء ، صهر الصالح ، ~~وحلفت له أنها لم تدر ما جرى على الصالح وأن فاعل ذلك أصحاب أختها المقتولة ~~. وحضر إليها مجد الإسلام أبو شجاع رزيك بن الصالح فخلع عليه الوزارة ، فإن ~~الصالح أوصى بها إليه وجعل من حسين بن أبي الهيجاء الكردي مدبر أمره ، ونعت ~~بالسيد الأجل مجد الإسلام الملك العادل الناصر أمير الجيوش ؛ وفسح له في ~~أخذ من ارتاب به في قتل أبي ، فأخذ ابن قوام الدولة وقتله وولده والأستاذ ~~الذي شغل الصالح بالحديث . # واستحسن الناس سيرته ، وسامح الناس بما عليهم ms551 من البواقي الثابتة في ~~الدواوين . وأسقط من رسوم الظلم مبالغ عظيمة ، وقام عن الحاج بما يستأديه ~~منهم أمير الحرمين ؛ وسير على يد الأمير محمد بن شمس الخلافة نحوا من خمسة ~~عشر ألف دينار إلى قاسم ابن هاشم ، أمير الحرمين ، برسم إطلاق الحاج . وظفر ~~بقتلة أبيه ظفرا عجيبا بعد تشتتهم في البلاد . PageV03P253 # وكان زفاف أخته إلى العاضد في وزارته فحمل معها بيوت الأموال . ونقل ~~تابوت أبيه إلى القرافة . # وسير إلى والي الإسكندرية بحمل عبد الرحيم بن علي البيساني ، الملقب ~~بالقاضي الفاضل ، واستخدمه بين يديه في ديوان الجيش . # وترامت الحال في أيامه بالأمير عز الدين حسام ، قريبه ، وعظم صيته ، ~~واستولى على تدبير كثير من أموره ، وعظم غلمان أبيه . وكان فارسا شجاعا ، ~~له مواقف معروفة . # وكان أبوه الصالح قد ولى شاور بن مجير بن نزار السعدي قوص ، ثم ندم على ~~ولايته وأراد عوده من الطريق ، ففاته ، وحصل بها ؛ وطلب منه في كل شهر ~~أربعمائة دينار ، وقال لا بد لقوص من وال ، وأنا ذلك ؛ والله لا أدخل ~~القاهرة ، ومتى صرفني دخلت النوبة . فتركه . # ولما جرح وأشرف على الوفاة كان يعد لنفسه ثلاث غلطات ، إحداها ولاية شاور ~~الصعيد الأعلى ، والثانية بناء الجامع على باب زويلة ، فإنه مضرة على ~~القاهرة ، والثالثة خروجي بالعساكر إلى بلبيس وتأخيري إرسالها إلى بلاد ~~الفرنج ؛ وكان قد أنفق على هذه العساكر مائتي ألف دينار . # وأوصى ابنه رزيك ألا يتعرض لشاور بمساءة ولا يغير عليه حاله فإنه لا تأمن ~~عصيانه والخروج عليك . فلما استمر رزيك بن الصالح في الوزارة حسنت له ~~بطانته صرف شاور عن قوص ليتم الأمر له ، وأشار عليه سيف الدين حسين بن أبي ~~الهيجاء بإبقائه ، فقال ما أنا آبي ولا لي طمع فيما آخذه منه ولكن أريده ~~يطأ بساطي . فقيل له : ما يدخل أبدا . فلم يقبل ، وخلع على الأمير نصير ~~الدين شيخ الدولة ابن الرفعة بولاية قوص . PageV03P254 # فيما خرج ملك النوبة إلى أسوان في اثنى عشر ألف فارس وقتل من المسلمين ~~عالما عظيما . فيها مات بالقاهرة ، في يوم الأربعاء ms552 لاثنتي عشرة خلت من رجب ~~، القاضي أبو الحجاج يوسف بن عبد الجبار بن شبل بن علي الصويبي ؛ وصويب ~~قبيلة بن جذام . ولد بالقدس يوم الجمعة تاسع ذي القعدة سنة ثلاث وثمانين ~~وأربعمائة ، وقدم مصر بعد أخذ الفرنج القدس فنشأ بها واشتغل بالعلم ، وتولى ~~خزانة الكتب في سنة أربع وعشرين وخمسمائة ، وولي قضاء فوة وعملها في محرم ~~سنة سبع وأربعين . # ومات بالصعيد كنز الدولة أبو الطليق يوسف ، وولى بعده رئاسة قبائله أخوه ~~أبو العز فتوح في حادي عشر محرم . PageV03P255 # | سنة سبع وخسمين وخمسمائة # في عاشر المحرم أفرج العادل رزيك عن الأمراء الذين اعتقلهم أبوه الصالح ~~ابن رزيك في ثالث عشري ربيع الأول سنة تسع وأربعين ، وهم صبح بن شاهنشاه ، ~~وأسد الغاوي ومرتفع الظهير . # وفيها أنشأ الأمير أبو الأشبال ضرغام بن سوار البرج عند باب البحر ~~بالإسكندرية فعرف ببرج ضرغام . # وفي آخر ذي القعدة ورد الخبر بخروج شاور عن طاعة العادل رزيك . وذلك أن ~~الأمير نصير الدين لما خلع عليه بولاية قوص كتب على يده كتابا إلى شاور ~~بتسليم البلاد إليه وحضوره إلى القاهرة . فلما وصل إلى إخميم كتب كتابا إلى ~~شاور وفي طيه كتاب رزيك ، فلما وقف عليه بعث إليه أن ارجع ولا تحضر ، قولا ~~واحدا ، فرجع إلى القاهرة وجهر شاور بالعصيان . PageV03P256 # | سنة ثمان وخمسين وخمسمائة # فيها زالت دولة بني رزيك . وذلك أن مماليك الصالح وغلمانه ، مثل يانس ~~وورد وسعادة الأسود وبختيار ، اشتد ظلمهم ؛ وكان الصالح قد قدمهم حتى صار ~~لكل منهم نحو المائتي مملوك ، وطغوا في أيام رزيك حتى ضج الناس منهم . وقال ~~بعضهم : # أمنتم يا بني رزيك جهلا . . . فذاك الأمر يتبعه الأماني # أباد الله دولتكم سريعا . . . فقد ثقلت على كتف الزمان # وكان شاور بن مجير السعدي لما بلغه أن الناصر رزيك بن الصالح طلائع بن ~~رزيك عزله عن ولاية قوص وولي غيره اضطرب وخرج من قوص في جماعة قليلة ، فسار ~~على طريق الواحات في البراري حتى صار في تروجة ، فاجتمع عليه الناس وقوي ~~أمره وتزايد . فاهتم لذلك رزيك ورأى ms553 في منامه وكأنه قد صار رواسا في حانوت ~~؛ فلما قص هذه الرؤيا على حسين بن أبي الهيجاء نظر عابرا ، كان تاجرا حاذقا ~~، يعرف بابن الأرتاحي ، وأخبره بما رأى ، فغالطه في التفسير ، وفهم ذلك ~~حسين . فلما خرج ألزمه أن يصدقه بتأويله ما رآه رزيك ، فقال يا مولاي القمر ~~عندنا هو الوزير كما أن الشمس الخليفة ، والحنش المستدير عليه جيش مصحف ، ~~وكونه رواسا أقلبها تجدها شاورا مصحفا ؛ وما وقع لي غير هذا . فقال اكتم ~~هذا عن الناس . وأخذ حسين يحتاط لنفسه ، وتجهز إلى الحجاز . PageV03P257 ~~فكثر الإرجاف بمسير شاور إلى أن قرب من القاهرة . فوقع الصائح في بني رزيك ~~، وكانوا أكثر من ثلاثة آلاف فارس ، فأسرع ضرغام ونظراؤه من وجوه الأمراء ، ~~وهم إخوته ملهم وحسام وهمام ، ويحيى بن الخياط وبنو الحاجب ونظراؤهم ، ~~وصاروا إلى شاور . فأسقط في أيدي العسكر الباقي مع بني رزيك . # وكان أول من نجا بنفسه حسين بن أبي الهيجاء ، خرج فارا ومعه حسام إلى ~~الحوف واستجار بطريف بن مكنون أحد أمراء جذام ، فأجاره وحمله من أيلة في ~~البحر إلى المدينة النبوية ؛ فجاور بها مدة ومات ، فدفن بالبقيع . # ولما فر حسين فت ذلك في عضد رزيك ولم يثبت ، وخرج رزيك من القاهرة في نصف ~~المحرم ومعه جماعة من غلمانه وعدة بغال موقرة من المال والجواهر والثياب ~~الخاص . وتحير فلم يدر أين يذهب ، فوقع بظاهر إطفيح عند مقدم العرب سليمان ~~بن الفيض ، فأخذه وكل ما معه . # ودخل أبو شجاع شاور إلى القاهرة ومعه خلق كثير ، ومعه أولاده طي وشجاع ~~والطاري ، فنزل دار سعيد السعداء ، وأحضر إليه ابن الفيض رزيك مكبلا ، ~~فاعتقله وأخاه جلال الإسلام . فبعث جلال الإسلام إلى من أعلم شاورا أن أخاه ~~طلب مبردا من بعض غلمان أبيه وبرد القيد الذي في رجليه ليهرب ، فدخلوا إليه ~~وقتلوه . ومولده في ذي القعدة سنة ثلاث ، أو اثنتين ، وخمسمائة . وأنفقوا ~~على أخيه لهذه النصيحة ، وبقي من جملة أرباب الإقطاع إلى أن مات . وقيل إن ~~هذا كان من فعلات طي بن شاور وحشمه حتى قتل ms554 العادل . وكان سليمان بن الفيض ~~من لخم ؛ وهو ممن أنشأه الملك الصالح طلائع بن رزيك وخوله في نعم جمة ، فلم ~~يرع يدا ، وقبض على ابنه العادل وأسلمه لشاور ، ونهب أصحابه ماله . فلما ~~قدم به عليه قال يا سليمان ، لقد خبأك الصالح ذخيرة لولده حين استجار بك ~~PageV03P258 فأسلمته لي ، وأنا الآخر أخبئك ذخيرة لولدي . ثم أمر به فشنق . # وانقطع بنو رزيك ؛ وبزوالهم زالت الدولة . فكانت مدة بني رزيك في الوزارة ~~تسع سنين وشهرا وأياما . # وكان دخول شاور إلى القاهرة ووزارته في يوم الأحد ثاني عشري المحرم . ~~ولما استقر في الوزارة تلقب بأمير الجيوش . وانثالت عليه على ولده طي أموال ~~بني رزيك وودائعهم من عند الناس ، حتى كان في الناس من يتبرع بما عنده ، ~~فظفر هو من أموالهم سوى السلاح والكراع وغيره ، وسوى ما أخذه أولاده ، بما ~~ينيف عن خمسمائة ألف دينار عينا . فبعث بذلك كله مع جميع ما أدخل إليه إلى ~~العربان ، وأودعه عندهم وأنعم عليهم حتى كثرت أموالهم وصاروا يكيلونها كيلا ~~ويقولون : لفلان قدحان ذهبا ولفلان ثلاثة أقداح . وزاد تمكنهم له حتى لم ~~يكونوا يفارقون باب الفتوح وباب النصر ؛ ونهبوا غلات الحوف ، واستخفوا ~~المقطعين ؛ فلم ينكر عليهم وأراد أن يكونوا له عضدا ورداء . # وكان الصالح بن رزيك قد قرر للفرنج في كل سنة على مصر ثلاثة وثلاثين ألف ~~دينار يحملها إليهم ، فوافت رسلهم تطلب ذلك . ولما قتل رزيك بن الصالح في ~~رمضان قدمت رأسه في طشت إلى شاور وهو بدار الوزارة ، فقال في ذلك الفقيه ~~عمارة : # أعزز علي أبا شجاع أن أرى . . . ذاك الجبين مضرجا بدمائه # ما قلبته سوى رجال قلبوا . . . أيديهم من قبل في نعمائه # وجلس شاور بعد قتل الناصر رزيك بن الصالح بدار الذهب ، وقام الشعراء ~~والخطباء ولفيف الناس إلا الأقل ينالون من بني رزيك ، وفيهم ضرغام نائب ~~الباب ويحيى بن الخياط أسفهسلار العسكر ، وغيرهما ؛ فقال عمارة : ~~PageV03P259 # زالت ليالي بني رزيك وانصرمت . . . والحمد والذم فيها غير منصرم # كأن صالحهم يوما وعادلهم . . . في صدر ذا الدست لم يقعد ولم ms555 يقم # هم حركوها عليهم وهي ساكنة . . . والسلم قد تنبت الأوراق في السلم # كنا نظن ، وبعض الظن مأثمة . . . بأن ذلك جمع غير منهزم # فمذ وقعت وقوع النسر خانهم . . . من كان مجتمعا من ذلك الرخم # ولم يكونوا عدوا ذل جانبه . . . وإنما غرقوا من سيلك العرم # وما قصدت بتعظيمي عداك سوى . . . تعظيم شأنك ، فاعذرني ولا تلم # ولو شكرت لياليهم محافظة . . . لعهدها لم يكن بالعهد من قدم # ولو فتحت فمي يوما بذمهم . . . لم يرض فضلك إلا أن يسد فمي # والله يأمر بالاحسان عارفة . . . منه وينهى عن الفحشاء في الكلم # فشكر شاور عمارة على الوفاء لبني رزيك ، ونقم عليه ضرغام قوله : فمذ وقعت ~~. . . البيت ، وكان يقول له : نحن عندك من الرخم . # ثم إن شاور جهز الخلع إلى العادل نور الدين بالشام ، فلبسها يوم الاثنين ~~ثاني عشري رمضان ، وقبض المال المسير إليه . # وكتب للأجناد والعرب وحواشي القصر من الرواتب والزيادات نظير مالهم عشر ~~مرات ، وهو غير ظاهر للناس والأبواب مغلقة عليه خيفة . وذلك أن الصالح بن ~~رزيك كان قد أنشأ أمراء يقال لهم البرقية ، وجعل ضرغام بن عامر بن سوار ~~المذكور الملقب أبا الأشبال فارس المسلمين مقدمهم ، ثم صار صاحب الباب ؛ ~~فطمع في شاور ، وكان فارسا كاتبا ، فجمع رفقته ؛ وتخوف منه شاور . وصار ~~العسكر فرقتين : ضرغام ومن معه فرقة ، وحرب ومن معه حزب . فأما ضرغام فأظهر ~~المباينة ، وأما نظراؤه فاختصوا بطي بن شاور وعاشروه ولازموه . PageV03P260 # فلما كان بعد تسعة أشهر من وزارته ثار به ضرغام يوم الجمعة ثامن عشري ~~رمضان وقد جمع له ، وكانت بينهما وقعة قتل فيها طي بن شاور ، وهو أكبر ~~أولاده ، وقتل أخوه سليمان الطاري وهو الأصغر ، وأسر الكامل فاعتقله ملهم ~~ومنع منه أخاه ضرغاما ليد كانت له عنده . وكان بين قتل طي بن شاور وقتل ~~العادل رزيك نيف وثلاثون يوما . وخرج شاور من القاهرة يريد الشام كما فعل ~~رضوان بن ولخشي ، وقد كان رفيقا له إذ ذاك ، وذلك أول شوال ، فنهبت داره ~~ودور أولاده وحواشيه ، وذهب جميع ما نالوه من مال بني ms556 رزيك . وقتل الكامل ~~علي بين القصرين وتركت جثته يومين ملقاة ومعه ابن أخته وحسان تربية شاور . ~~فكانت وزارته تسعة أشهر . # وكانت أخلاق شاور في وزارته هذه مستورة باستمرار العافية والسلامة ، ولم ~~يكن فيها أقبح من قتل رزيك بن الصالح فإنها أعربت عن ضيق عطنه وحرج صدره . ~~وكان كرمه إليه المنتهى ، وشدة بأسه في مواطن الحرب شهيرة ؛ وكان شديد ~~الثبات كثير الوثبات . ومما نقم عليه أن ابنه الكامل عمل مظلة كانت تحمل ~~على رأسه ، وتحكم على أبيه ، وترفع على الأمراء وعسفهم . # ولما فر شاور ونزل بفاقوس عند بني منصور استولى ضرغام على الوزارة وتلقب ~~بالملك المنصور ، في سابع عشري رمضان ، فشكر الناس سيرته ، فإنه كان فارس ~~عصره ، كاتبا ، جميل الصورة ، فكه المحاضرة ، عاقلا كريما ، لا يضع كرمه ~~إلا في سمعة ترفعه أو مداراة تتبعه . إلا أنه كان أذنا متخيلا على أصحابه ، ~~وإذا ظن بإنسان شرا جعل الشك يقينا . وكان في وزارته مغلوبا مع أخويه ناصر ~~الدين همام وفخر الدين حسام . # وقيل إن ملهما وضرغاما لما علما تغير الناس على شاور وأولاده أخذا في ~~مراسلة رزيك في سجنه وإفساد الناس له ؛ فبلغ الخبر طي بن شاور ، فدخل إليه ~~وقال : بلغني أن ملهما PageV03P261 وضرغاما قد تحدثا لرزيك في الأمر وقد ~~حلفا له جماعة من الأمراء ، وأنت غافل عن هذا الأمر . فقال له شاور : اسكن ~~ولا تعجل ؛ أنا أكشف عن هذا ، فإذا تحققته حكمته . فقال : لا غنى بي عن قتل ~~رزيك فإني إذا قتلته أمنت . فقال له شاور : لا يمكن قتله فإنه أولاني جميلا ~~بسببه صرت في هذا المحل . فمضى طي إلى رزيك وقتله ؛ فقامت قيامة شاور . ~~وبلغ ذلك ضرغاما فثار وأثار من خلفه وقرر معهم أمر رزيك وزحف بهم ، فانهزم ~~شاور . فكان في هذه السنة ثلاثة من الوزراء هم : رزيك بن الصالح بن رزيك ، ~~وأمير الجيوش شاور والمنصور ضرغام بن عامر بن سوار المنذري اللخمي أبو ~~الأشبال . # وفيها اختلت الدولة وضعفت بذهاب أمرائها وأولي الرأي فيها . # فيها سار الفرنج إلى ديار مصر فوصلوا ms557 إلى السدير . وورد الخبر في ثاني ~~شوال بوصولهم إلى فاقوس ؛ فأخرج إليهم ضرغام أخاه ناصر المسلمين هماما ، ~~وكان شجاعا ، فالتقى معهم وحاربهم ، فهزموه بعد أن قتل منهم خلقا . وكان ~~شاور قد انضم إلى بني منصور لأنه من فخذهم ، وكان قائما على كوم عال . ثم ~~إن الفرنج صاروا إلى حصن بلبيس في شوال وملكوا بعض السور فردهم عنه همام ~~وبنو كنانة . وتفرق العسكر إلى الحوف فقاتل العرب هؤلاء وقد انهزموا من ~~الفرنج فقتلوا كل من ظفروا به . وعاد العسكر وقد قتل منهم العرب عدة ، ورجع ~~الفرنج إلى بلاد الساحل بمن أسروه من المسلمين وفيهم القطوري من أكابر ~~الأمراء . # فلما صار همام بالقاهرة صار كأنه مشارك لأخيه في الوزارة ، كل منهما يوقع ~~ويقطع ، ولم يظفر ضرغام من المال بكبير شيء فإنه نهب . # وفيها ولي الوزير ضرغام الأمير مرتفع الخلواص الإسكندرية برجاء إبعاده ~~عنه ، فلما صار إليها ظفر بقوم رتبهم ضرغام لقتاله ، فتأكدت الوحشة بينهما ~~، وجمع لمحاربة ضرغام وخرج من الإسكندرية فكتم ذلك . # وفيها قدم شاور دمشق في ذي القعدة وترامى على نور الدين ، فبعث الوزير ~~ضرغام إليه PageV03P262 بعلم الملك ابن النحاس بأن يقبض على شاور ، فأجاب ~~في الظاهر وأضمر غير ذلك . # وفيها قتل ضرغام عدة من الأمراء في دعوة جمعهم فيها ، وأعد لهم من خرج ~~على الجميع وقتلهم في داره . # وكان قاع النيل خمس أذرع وثلاث عشرة إصبعا ، وبلغ أربع عشرة ذراعا وثماني ~~أصابع . PageV03P263 # | سنة تسع وخمسين وخمسمائة # فيها وصل رسل الفرنج في طلب مال الهدنة فماطلهم به ضرغام ودافعهم حتى شغل ~~عنهم بقدوم شاور . # وفي ثامن عشر ربيع الأول قبض ضرغام على صبح بن شاهنشاه عين الزمان وأسد ~~الغاوي وعلي بن الزبد في عدة تبلغ نحو السبعين من الأمراء سوى أتباعهم ؛ ~~وذلك أنه بلغه عنهم أنهم قد حسدوه واحتقروه وكاتبوا شاورا ووعدوه القيام ~~معه . ثم أخرجهم ليلا وضرب أعناقهم ؛ فاختلت الدولة بقتل رجالها وذهاب ~~فرسانها . وفيها وجه ضرغام بأخيه ناصر الدين همام على طائفة من العسكر ~~لقتال الأمير مرتفع ابن مجلي ms558 المعروف بالخلواص ، متولي الإسكندرية ، وقد ~~جمع وسار ؛ فعندما بلغ من معه من العربان قتل الأمراء البرقية فتروا عن ~~القيام معه وطمعوا فيه ، ووثب به قوم من بني سنبس وقبضوا عليه ، وأتوا به ~~إلى همام ، فقدم به إلى القاهرة ، فضرب ضرغام عنقه يوم الجمعة ثامن ربيع ~~الآخر وصلبه على باب زويلة ؛ فنفرت القلوب من ضرغام . # وكان شاور قد وصل في ثالث عشري ذي القعدة من السنة الماضية إلى دمشق ~~متراميا على السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ، مستجيرا به ~~على ضرغام ، فأكرم مثواه وأحسن إليه ، فتحدث مع السلطان في أن يرسل معه ~~العساكر إلى مصر ليعود إلى منصبه ويكون لنور الدين ثلث دخل البلاد بعد ~~إقطاعات العساكر ، ويكون معه من أمراء الشام من يقيم معه في مصر ، ويتصرف ~~هو بأوامر نور الدين واختياره . فبقي نور الدين يقدم إلى هذا الغرض رجلا ~~ويؤخر أخرى ، فتارة يقصد رعاية شاور لكونه التجأ إليه وكون ما قاله زيادة ~~في ملكه وتقوية له على الفرنج ؛ وتارة يخشى خطر الطريق وكون الفرنج فيه ، ~~PageV03P264 ويخاف من شاور أنه إذا استقرت قدمه في مصر خاس في قوله ويخلف ~~بما وعد . ثم قوي عزمه على إرسال الجيوش ، فتقدم بتجهيزها وإزاحة عللها . # واتفق أن الواعظ زين الدين بن نجا الأنصاري سمع بسعة أرزاق مصر فقدم ~~إليها في وزارة الصالح ابن رزيك فأقبل عليه وحصل له من إنعامه ومما أخذه له ~~من العاضد في ثلاث سنين ما يناهز عشرين ألف دينار ، وسوغه عدة دور بتوقيع . ~~فسمع بالزاهد أبي عمرو ابن مرزوق يتحدث الناس عنه بأنه مهما قاله لهم وقع ، ~~وأنه يركب كل سنة في نصف شعبان حمارا له ويأتي معه جماعة إلى ذيل الجبل ~~ويودعونه ويمضون ، فيطلع أبو عمرو إلى الجبل ؛ ويلقاه الناس في الليلة ~~الثانية ويجتمعون كاجتماعهم للعيد ، ويركب حماره ، والناس تحته ، وينتظر ، ~~وينزل بعد صلاة المغرب إلى مسجده بقصد زيارته وقد تجمع الناس في الأسطحة ~~والدكاكين والطرقات ، والشيخ يعمل الختمات . فوصل إليه وأقام حتى انفض ~~الناس ، فخلا به ms559 وتعرف إليه ؛ فكان مما قال له : أتعرف بالشام أحدا يقال له ~~شيركوه . فقال : نعم ، أمير من أمراء نور الدين . فقال : هذا يأتي إلى هذه ~~البلاد ويملكها ، وكل ما تراه من هذه الدولة يزول حتى لا يبقى له أثر عن ~~قرب . وانصرف ابن نجا عن الشيخ أبي عمرو وقد تعجب من قوله . # فلما قضى أربه من القاهرة وعاد إلى دمشق اجتمع بالملك العادل نور الدين ~~وحكى له قول الشيخ أبي عمرو ؛ فقال له : لا تخبر أحدا بذلك . ومضى اليوم ~~وما بعده ، إلى أن قدم شاور على السلطان نور الدين وقوي عزمه على تجهيز ~~العساكر معه ؛ فوقع اختيار السلطان على الأمير أسد الدين شيركوه بن شاذي بن ~~مروان ، أحد أمرائه ، فاستدعاه من حلب ، فوصل إلى دمشق مستهل رجب منها ، ~~وأمره بالمسير إلى مصر مع العساكر صحبة شاور ، PageV03P265 فامتنع وقال : ~~لا ، أمشي بألف فارس ، إلى إقليم فيه عشرة آلاف فارس ومائة شيني فيها عشرة ~~آلاف مقاتل وعندهم أربعون ألف عبد لخمس خلفاء ، وهم مستوطنون في أوطانهم ~~قريبة منهم خزائنهم ، ونأتي نحن من تعب السفر بهذه العدة القليلة . فتركه ~~وأرسل إلى ابن نجا ، فلما جاء قال له : حديث الرجل الزاهد الذي بمصر أخبرت ~~به أحدا ؟ فقال : معاذ الله ؛ والله ما سمعه مني أحد سوى السلطان . فقال : ~~امض إلى أسد الدين شيركوه واحك له الخبر . فمضى إلى شيركوه وقص عليه الحديث ~~بنصه ، فطابت نفسه للسفر . # وسار العسكر وصحبته شاور يوم الاثنين خامس عشر جمادى الأولى ، وقد أقر ~~نور الدين شيركوه أن يعيد شاور إلى منصبه وينتقم له ممن ثار عليه . وخرج ~~نور الدين إلى أطراف بلاد الفرنج مما يلي دمشق بعساكر ليمنع الفرنج من ~~التعرض لأسد الدين ؛ فكان قصارى أمر الفرنج أن يمتنعوا من نور الدين ~~ويحفظوا بلادهم . وأخذ شيركوه في سيره إلى مصر على شرقي الشوبك حتى نزل ~~أيلة ، وسار منها إلى السويس ؛ فلم يدر ضرغام ، وقد وصل إليه رسل الفرنج في ~~طلب مال الهدنة المقرر لهم في كل سنة على أهل مصر وهو ms560 ثلاثة وثلاثون ألف ~~دينار وهو يدافعهم ويماطلون ، إلا بطيور البطائق قد سقطت من عند أخيه ~~الأمير حسام الدين ، متولي بلبيس ، في يوم الأحد PageV03P266 خامس عشري ~~جمادى الأولى ، يخبر فيها بوصول شاور وأسد الدين شيركوة ومعهما من الأتراك ~~خلق كثير ؛ فانزعج وتأهب لتسيير العسكر . وأصبح الناس يوم الاثنين السادس ~~والعشرين من جمادى الأولى وقد شاع ذلك بينهم ، فخافوا على أنفسهم وأموالهم ~~وانتقلوا من مكان إلى مكان على عادتهم وجمعوا عندهم الأقوات والماء . # وخرج الأمير ناصر المسلمين همام بالعساكر أول يوم من جمادى الآخرة ، وهم ~~نحو ستة آلاف فارس بالخيول المسرجة والدروع الثمينة والسلاح العجيب ، وقد ~~أعجبوا بأنفسهم واطمأنوا بأنهم ظافرون . فوصلوا إلى بلبيس يوم الأحد ثانيه ~~، فوافاهم شاور بالعسكر الشامي يوم الاثنين ، فباتوا ليلة الثلاثاء ، ~~وأصبحوا وقد توهم منهم أسد الدين شيركوه وقال لشاور : يا هذا لقد غررتنا ~~وقلت إنه ليس بمصر عساكر حتى جئنا بهذه الشرذمة . فقال : لا يهولنك ما ~~تشاهد من هذه الجموع فأكثرها حاكة وفلاحون يجمعهم الطبل وتفرقهم العصا ؛ ~~فما ظنك بهم إذا حمى الوطيس وكلبت الحرب . وأما الأمراء فإن كتبهم وعهودهم ~~معي ؛ وسترى إذا التقينا ، لكني أريد منك أن تأمر العساكر بالاستعداد . # فلما ترتبوا نهاهم عن القتال ، فتحرك المصريون وتأهبوا وأقاموا حتى حمى ~~النهار ، فسخن عليهم الحديد ولم يروا أحدا يسير إليهم فنزلوا عن خيولهم ~~وأقاموا الخيم ، وألقى بعضهم السلاح . فلما عاين ذلك شاور أمر بالحملة ~~عليهم ، فثار المصريون وحمل ناصر المسلمين همام والأمير فارس المسلمين على ~~العسكر الشامي ؛ فجرح همام والتفت فلم ير أحدا من عسكره ، فكان أشجعهم من ~~يصير على ظهر فرسه . وانهزموا بأجمعهم إلى بلبيس ، وغنم العسكر الشامي جميع ~~ما كان معهم ، فقووا به ، وتبعوهم وأسروا منهم جماعة الأمراء وغيرهم ، ثم ~~منوا عليهم وسيروهم في جمعهم . # ولحق الأمير همام بالقاهرة سحر يوم الأربعاء خامسه وهو مجروح ، واختفى ~~الأمير حسام في مدينة بلبيس فدل عليه بعض الكنانية فأسر وقيد . PageV03P267 # وسار العسكر فوصلوا إلى القاهرة بكرة يوم الخميس سادسه ، فنزلوا عند ~~التاج بظاهر القاهرة ، وانتشر العسكر ms561 في بلاد يريدون الأكل والعلف . # وكان ضرغام قد كاتب أهل الأعمال فوصلوا إليه لخوفهم من الترك ، فضمهم ~~إليه ومعهم الريحانية والجيوشية وجعلهم في داخل القاهرة ؛ فأقام شاور بمن ~~معه على التاج حتى استراحت خيولهم . ثم إنه استحلف شيركوه ومن معه أنهم لا ~~يغدرون به ولا يسلمونه ، ولا ينهزمون إلا عن غلبة . ومع هذا فإن طوائف من ~~العربان كانت تطارد عسكر ضرغام بأرض الطبالة ، وخرج أهل منية السيرج فقتلوا ~~من الترك جماعة ، فمالوا عليهم وانتهبوا المنية وأذاقوا أهلها نكالا شديدا ~~. وأقام شاور بمن معه في ناحية الخرقانية وشبرا دمنهور ، ثم سار من ناحية ~~المقس يريد القاهرة ؛ فخرج إليه عسكر ضرغام وحملوا PageV03P268 عليه ، فخاف ~~من كان معه من الأمراء الذين كانوا مع همام أخي ضرغام ولحقوا بالقاهرة ~~فانهزم هزيمة قبيحة . فسر بذلك ضرغام ، وأحضر قاضي القضاة وأمره بحمل ما في ~~مودع الحكم من مال الأيتام ؛ فحملها إليه . # وكان شاور لما انهزم سار إلى بركة الحبش وصار إلى الرصد فملك ما هنالك ، ~~وأخذ مدينة مصر وأقام بها أياما ، ولم يبق مع شاور وشيركوه من الأمراء ~~الذين كانوا مع همام سوى شمس الخلافة محمد وأولاد سيف الملك الجمل وابن ~~ناصر الدولة وأولاد حسن ؛ فقيد شيركوه ابن شمس الخلافة دون الناس كلهم . # وكره الناس من ضرغام أخذه أموال الأيتام مع ما سبق منه من قتل الأمراء ~~وغيرهم ، وعلموا عجزه عن شاور . وكان شاور يركب كل يوم في مصر ويؤمن أهلها ~~ويمنع الأتراك من التعرض إليهم ، فمال الناس إليه . وبلغهم عن ضرغام أنه ~~يتوعدهم إذا ظفر بشاور أنه يحرق مصر على أهلها من أجل أنهم أمكنوا شاورا من ~~دخول البلد وباعوا عليه وعلى من معه . فتحول شاور عن مصر ونزل اللوق ، ~~وطارد خيل ضرغام وقد خلت المنصورة والهلالية وثبت أهل اليانسية فقاتل الناس ~~قتالا خفيفا . وصار شاور وشيركوه إلى باب سعادة وباب القنطرة من أبواب ~~القاهرة ، وطرحوا النار في اللؤلؤة وما حولها من الدور . وكانت وقعة عظيمة ~~بين الفريقين قتل فيها من العسكرين خلق كثير . # فلما ms562 كان الليل اجتمع مقدموا الريحانية وفد فني منهم كثير ، وأرسلوا إلى ~~شاور يطلبون الأمان وكان قبل ذلك يبعث إليهم ويستميلهم فأمنهم . # ولما رأى الخليفة العاضد انحلال أمر ضرغام بعث يأمر الرماة بالكف عن ~~الرمي ، فخرج الرجال إلى شاور في الصباح ، فسر بهم . وفترت همة أهل القاهرة ~~، وأعمل كل منهم الحيلة في الخروج ؛ وخرج ضرغام ومعه جماعة إلى خارج ~~القاهرة ، وجعلوا يترددون من باب إلى باب ، وفيهم ابن ملهم وابن فرج الله ~~وصارم بن أبي الخليل وجماعة مذكورون ، فكانوا يطاردون من طاردهم . وأمر ~~ضرغام بضرب البوقات والطبل على الأسوار PageV03P269 ليجتمع الناس ؛ فلم ~~يخرج إليه أحد وانفل الناس عنه . فعاد إلى القاهرة وصار إلى باب الرحبة من ~~أبواب النصر ولم يبق معه سوى خمسمائة فارس ، فوقف وطلب الخليفة أن يشرف ~~عليهم من الطاق . فبلغ ذلك شاورا فسرح في الحال ابنه سليمان الطاري إلى باب ~~القنطرة ليملكه ويقف . # فلما طال وقوف ضرغام نادى : أريد أمير المؤمنين يكلمني لأسأله عما أفعل . ~~فلم يجبه أحد . فصاح : يا مولانا كلمني ، يا مولانا أرني وجهك الكريم يا ~~مولانا بحرمة أجدادك على الله ؛ وهو يبكي فلم يجبه أحد . وقويت الشمس فصار ~~إلى الظل حتى قرب الظهر ، فأمر بعض غلمانه أن يركض في قصبة القاهرة ويقول ~~بصوت عال : ما كانت إلا مكيدة على الرجال ، قد قتل الترك أصحاب شاور ~~الريحانية . فما هو إلا أن سمع الناس ذلك وكانوا قد صاروا إلى بيوتهم ~~فأسرعوا إلى خيولهم وعادوا من كل جانب مثل السيل ، فرأوا ضرغاما على تلك ~~الهيئة ، والطاق لم يفتح له والخليفة لم يكلمه ، فسقط في أيديهم وقالوا ~~ارجعوا فهي كناية والغلبة لشاور ؛ ورجعوا من حيث أتوا . # فوقف ضرغام إلى العصر ولم يبق معه غير ثلاثين فارسا ، ووردت إليه رقعة ~~فيها : خذ لنفسك وانج بها . فأيس من الظفر . # وبعث شاور إلى الخليفة العاضد يستأذنه في الدخول إلى القاهرة ؛ فأذن له . ~~فبعث شاور يأمر ابنه أن يدخل القاهرة ، وهو عند القنطرة ، فدخل وضربت ~~أبواقه ، وكانت من أبواق الترك التي لم تعهد ms563 بمصر ، فما هو إلا أن علم به ~~ضرغام ، فمر على وجهه إلى باب زويلة ، فتخطف الناس من معه ، وعطعطوا عليه ~~ولعنوه . فأدركه بعض الشاميين في غلمان شاور وطعنه فأرداه ، ونزل إليه ~~واحتز رأسه بالقرب من مشهد السيدة نفيسة ، وذلك قريبا من الجسر الأعظم ، في ~~يوم الجمعة الثامن والعشرين من جمادى الآخرة . وفر ملهم إلى مسجد تبر ، ~~فقتل هناك وترك مطروحا ، وأتى برأسه إلى عند شاور . وقتل ناصر الدين ~~PageV03P270 أخو ضرغام عند بركة الفيل ؛ وقتل فارس المسلمين . وبقى جسد ~~ضرغام ملقى يومين ثم حمل إلى القرافة فدفن بها . # وكان من الاتفاق العجيب أن ابن شاور قتل في يوم الجمعة حادي عشري رمضان ~~سنة ثمان وخمسين ، فقتل ضرغام يوم الجمعة ثامن عشري جمادى الآخرة سنة تسع ؛ ~~وقتل مع ابن شاور حسان ابن عمته فقتل مع ضرغام . . وكانت وزارة شاور الأولى ~~تسعة أشهر ووزارة ضرغام بعده تسعة أشهر . # وكان من أعيان الأمراء وأحلى الفرسان ، يجيد اللعب بالكرة والرمي بالسهام ~~، ويكتب كتابة ابن مقلة ، وينظم الموشحات الجيدة ، كريما عاقلا ، يحب ~~العلماء والأدباء ويقربهم ، إلا أنه سريع الاستمالة يميل مع من يستميله ولا ~~يكذب خبرا عن عدو بل يعاقب سريعا . PageV03P271 # ولما جيء برأسه إلى شاور رفعت على قناة وطيف بها ؛ فقال الفقيه عمارة : # أرى حنك الوزارة صار سيفا . . . يحد بحده صيد الرقاب # كأنك رائد البلوى ، وإلا . . . بشير بالمنية والمصاب # فكان كما قال عمارة . وأقام شاور وشيركوه بعد قتل ضرغام في مخيمهما ~~بناحية المقس يومي السبت والأحد . فلما كان يوم الاثنين طلع الوزارة في ~~ثالث شهر رجب ، وخرج الكامل بن شاور من دار ملهم ، أخي ضرغام ، وكان معتقلا ~~بها ؛ وخرج معه القاضي الفاضل ، وكان معه في الاعتقال ، وقد تأكدت بينهما ~~مودة ، فأدخله إلى أبيه ومدحه عنده وأثنى عليه ، فسماه حينئذ بالقاضي ~~الفاضل وكان قبل ذلك ينعت بالقاضي الأسعد . # وفرح العاضد بدخول شاور . ولما خلع عليه سار من القصر إلى باب زويلة ، ~~وخرج منه إلى باب القنطرة فنزل بدار الوزارة . وركب شيركوه إلى مصر ورآها ، ~~وقصد الفقهاء ms564 مثل الكيزاني وابن حطيه ، واجتمع بالشيخ أبي عمرو بن مرزوق ~~وأخبره PageV03P272 كما أخبر ابن نجا أنه يملك الديار المصرية ويزيل هذه ~~الدولة ، لكنه لا يملكها إلا بعد أن يرجع إلى الشام ويأتيها ثانيا ، ثم ~~يرجع ويعود إليها ثالث مرة وحينئذ يملكها . وسأله عن بيت المقدس فقال : لا ~~يكون فتحه على يدك وإنما يكون فتحه على يد بعض من في خدمتك من أقاربك . ~~وهكذا جرى ؛ فإن شيركوه لم يملك مصر إلا في مجيئه إلى القاهرة المرة ~~الثالثة ، ولم يفتح بيت المقدس إلا على يد صلاح الدين يوسف بن أخي شيركوه . # وفي رابع رجب قرئ سجل شاور بالوزارة . # واستمر شيركوه في مخيمه ويخرج إليه في كل يوم عشرون طبقا من سائر الأطعمة ~~ومائتا قنطار خبزا ومائتا إردب شعيرا . وأعد له العاضد ملبوسا وسريرا مرصعا ~~بالجوهر له قيمة عظيمة كان الآمر قد عمله ، وأمره بالدخول ليخلع عليه ، ~~فامتنع . وأرسل إلى شاور يقول : قد طال مقامنا في الخيم وضجر العسكر من ~~الحر والغبار ؛ ويستنجز منه ما وعد به السلطان نور الدين . فأرسل إليه ~~ثلاثين ألف دينار وقال : ترحل الآن في أمن الله وحفظه . فبعث يقول له : إن ~~الملك العادل نور الدين أوصاني عند انفصالي عنه إذا ملك شاور تكون مقيما ~~عنده ، ويكون لك ثلث مغل البلاد ، والثلث الآخر لشاور والعسكر ، والثلث ~~الثالث PageV03P273 لصاحب القصر يصرفه في مصالحه . فأنكر شاور ذلك وقال : ~~إنما طلبت نجدة وإذا انقضى شغلي عادوا ؛ وقد سيرت إليكم نفقة فخذوها ~~وانصرفوا وأنا أرضي نور الدين . فقال شيركوه : لا يمكنني مخالفة نور الدين ~~ولا أنصرف إلا بإمضاء أمره . # فأخذ شاور عند ذلك يستعد لمحاربة شيركوه ، واستعد أيضا شيركوه ، وبعث ~~بابن أخيه صلاح الدين بطائفة من الجيش يجمع الغلال والأتبان وغير ذلك ~~ببلبيس . فغلق شاور أبواب القاهرة ، وتغلب صلاح الدين على الحوف ، وبث خيله ~~، وحاز الأموال والغلال . وتقدم إلى جزيرة قويسنا ، فخرج ثلاثة من ~~الأستاذين بأمر الخليفة إلى استنفار الناس من الصعيد ؛ وثار ابن شاس ، والي ~~جزيرة قويسنا ، على الترك وقاتلهم حتى هزمهم ms565 وغرق منهم جماعة . فعاد صلاح ~~الدين إلى عمه شيركوه ، فتجهز ونزل بحري التاج . # وأخرج شاور خيمه وضربها في أرض الطبالة . فلما كان يوم الأربعاء الثالث ~~والعشرون من شعبان التقى شاور وشيركوه في كوم الريش ، فانكسر شاور إلى باب ~~القنطرة ونهبت خيمه ، وأسر أخوه صبح وجوهر المأموني ؛ ودخل القاهرة فرمى ~~بحجر من باب القنطرة PageV03P274 فدخل الكافوري مغشيا عليه . # وفي ذلك اليوم أحرق صف الخليج ، وكاد شيركوه أن يدخل القاهرة ؛ وبقي ~~الحصار إلى يوم الخميس تاسع رمضان . وورد الخبر إلى شاور بأن الفرنج قاربوا ~~مدينة بلبيس يوم السبت حادي عشر رمضان فأقام عليها وشيركوه بها . ولما كان ~~في خامس عشر ذي الحجة تقرر الحال مع شيركوه على أن يدفع إليه شاور خمسين ~~ألف دينار ورهائن على صبح ، أخي شاور ، وعاد إلى دمشق . ورجع الفرنج . # وقدم شاور إلى القاهرة في سادس عشر ذي الحجة . فكان مقامه على بلبيس نيفا ~~وتسعين يوما . # وأخرج شاور العساكر والحشود مما يلي البستان الكبير خارج باب الفتوح ، ~~وزحف شاور ، فخرج إليه شيركوه وحاربه ، فخرج أكثر عسكر شاور وغورت أعينهم ، ~~ووقعت نشابة في عين الطاري ، ابن شاور ، اليمني ، فبقي معه النصل مدة إلى ~~أن قلعت وخرج منها بكلفة . فانهزم شاور ودخل القاهرة وأغلق أبوابها ، ~~وحاصره شيركوه طول النهار . PageV03P275 فلما كان الليل أحرق من باب سعادة ~~إلى ناحية اللؤلؤة ، كما فعل أولا ، واشتد الأمر ، وصار كل من يخرج من عسكر ~~مصر يقتل . فركب شاور وخرج ثم عاد وقد ازدحم الناس على السور لتنظر إلى ~~الحرب ، فسقطت شرفة من شرفات السور على ابن شاور وغشى عليه ، ودخلوا به إلى ~~الكافوري وقد أيس منه ؛ فجاء رئيس الأطباء وعصر في أذنه حصرما فأفاق . ~~وأتاه الشراب من عند الخليفة فشربه وركب إلى داره وقد ورم وجهه . # واشتد قتال شيركوه على باب القنطرة وأحرق وجه الخليج جميعه ، واحترقت ~~الدور التي بجانبه من حارة زويلة . وانضم إليه بنو كنانة وكثير من عسكر ~~المصريين . وبعث طائفة إلى حارة الريحانية وفتحوا ثغرة ، فكان هناك قتال ~~شديد . فجلس العاضد ms566 على باب الذهب وأمر بالخروج ، فتسارع الصبيان وغيرهم ~~إلى الثغرة وقاتلوا الترك والكنانية حتى أوصلوهم إلى منازلهم ، وسدوا ~~الثغرة . # وكان ضرغام عند قدوم شاور وشيركوه أرسل إلى الفرنج يستنجد بهم ويعدهم ~~بزيادة القطيعة التي لهم ، فامتنع ملكهم وقال لا يأتي إلا بأمر الخليفة ~~وأما من الوزراء فلا يقبل فلما تحقق شاور أنه لا قبل له بشيركوه كتب إلى ~~مري ملك الفرنج بالساحل يستنجده ويخوفه من تمكن عسكر نور الدين من مصر ، ~~ويقول له متى استقروا في البلاد قلعوك كما يريدون أن يفعلوا ؛ وضمن له مالا ~~وعلفا ، ويقال إنه جعل له عن كل مرحلة يسيرها ألف دينار ؛ وسير إليه بذلك ~~مع ظهير الدين بدران . فسر الفرنج بذلك وطمعوا في ملك مصر . PageV03P276 # وخرج مري من عسقلان بجموعه فقبض عن مسيره سبعة وعشرين ألف دينار . # فلما بلغ شيركوه ارتحل عن القاهرة إلى بلبيس وبها ما أعد له ابن أخيه من ~~الغلال وغيرها ، وانضم معه الكنانية ، فخرج شاور في عسكر مصر ، فاجتمع ~~بالفرنج وخيم على بلبيس وأحاط بها ، فكانوا يغادون القتال ويراوحونه ثلاثة ~~أشهر . وانقطعت الأخبار عن نور الدين ، وبلغه سير الفرنج إلى مصر . # وسار ملك القدس بجمع كثير ممن وصل لزيارة القدس مستعينا بهم . فبينا ~~الفرنج في محاصرة شيركوه إذ ورد عليهم أخذ نور الدين لحارم ومسيره إلى ~~بانياس ، فسقط في أيديهم وعولوا على الرجوع إلى بلادهم . فراسلوا شيركوه في ~~طلب الصلح وعوده إلى الشام وتسليم ما بيده إلى المصريين . فأجاب إلى ذلك . ~~وندب شاور الأمير شمس الخلافة محمد ابن مختار إلى شيركوه ، فقرر معه الصلح ~~على ثلاثين ألفا فحملها إليه . وكانت الأقوات قد قلت عنده ، وقتل من أصحابه ~~جماعة . وأبطأت نجدة نور الدين فلم يأته منه أحد . وخرج من بلبيس أول ذي ~~الحجة . PageV03P277 # وممن قتل معه من أصحابه على بلبيس سيف الدين محمد بن برجوان ، صاحب صرخد ~~، بسهم أصابه ، فأنشد وهو يجود بنفسه : # يا مصر ، ما كنت في بالي ولا خلدي . . . ولا خطرت بأوهامي وأفكاري # لكن إذا قالت الأقدار كان لها . . . قوى ms567 تؤلف بين الماء والنار # وقتل من الكنانية عالم عظيم . وحصل للفرنج من شاور أموال جمة ، فإنه كان ~~يعطيهم عن كل يوم ألف دينار . # وأقام شيركوه بظاهر بلبيس ثلاثة أيام وسار إلى دمشق ، فدخلها يوم ~~الأربعاء ثالث عشري ذي الحجة . # فيها عزل شاور أبا القاسم هبة الله بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن أبي ~~كامل ، المعروف بالقاضي المفضل ضياء الدين بن كامل الصوري ، عن قضاء القضاة ~~، وولي مكانه القاضي الأعز أبا محمد الحسن بن علي بن سلامة ، المعروف ~~بالعوريس . PageV03P278 # | سنة ستين وخمسمائة # فيها ركب البرنس أرناط ، صاحب الكرك والشوبك ، البحر إلى عسقلان وخرج ~~منها إلى الكرك ، وجمع عسكره وأقام ينتظر شيركوه ؛ فعلم بذلك شيركوه ، فمر ~~من خلف الموضع الذي فيه أرناط ، فلم يعلم به ونجا وأمن منه . ووصل إلى دمشق ~~فضعف أمر عسكر مصر عند نور الدين وهون عليه أمرهم ، وحرضه على قصدهم ، ~~وأكثر من التحدث في أمر مصر . # وفيها عاد شاور إلى القاهرة ؛ وخرج يحيى بن الخياط على شاور وحشد ونزل ~~الجيزة يوم الأربعاء بعد أن حاصر الكامل بن شاور في طنبدي ، ورحل عن الجيزة ~~، فكسروا يوم السبت سابع عشر صفر . وقبض شاور على ابن فحل ابن أبي كامل ~~وقتلا ليلة الاثنين تاسع عشره . وتتبع من كان يكاتب شيركوه أو يواده ؛ ~~وتشدد في طلب أصحاب ضرغام . وكان قد استفسد جماعة من أصحاب شيركوه ، منهم ~~خشترين الكردي فأقطعه شطنوف . PageV03P279 وفيها فر الشريف المحنك من شاور ~~ولحق بنور الدين . وذلك أنه كان بعثه ضرغام إلى نور الدين في صرف رأيه عن ~~نجدة شاور فوجد نور الدين مائلا معه لأمور ، منها : أنه تقرب إليه بذم مذهب ~~الفاطميين ، ووعده ملك مصر ، وعرض له الأموال الكثيرة ؛ فبالغ الشريف في ~~الحط على شاور مع نور الدين ، فأنفذه إليه . فلما اجتمعا عتبه شاور على ما ~~كان منه ، وقال له : أنت تعلم أيها الشريف أن سبب قيامي على آل رزيك إنما ~~كان لأجل ضرغام وإخوته من الأمراء واتبعت غرضهم فيما نقموه على ابن الصالح ~~؛ ولما حصلت ms568 بالقاهرة رفعت من أقدارهم وزدت في أرزاقهم ، وبلغتهم أمانيهم ، ~~فلم يكن لهم إلا إزالتي ثم قتلهم أولادي ونهب أموالي وتشتت جماعتي ، وما ~~زال السيف في خاصتي وغلماني ؛ فهل تعلم لي دينا إليهم ؟ فقال له الشريف : ~~أنت تعلم أيها الأمير أن ابنك طيا كان قد تعدى طوره وتجاوز حده حتى تعاظم ~~عليك ونفذ أمره دون أمرك ؛ وأنه بعد قتل رزيك بن الصالح أطلق لسانه في ~~الأمراء ومد يده إلى أموالهم ونسائهم ، وبهتهم في المجالس ، وصاح عليهم في ~~المواكب حتى حقدوا عليه ، وشكوه إليك فلم تشكهم ؛ وعامل أصحابك وغلمانك ~~الناس بكل قبيح فمالت عنك قلوب الخاصة والعامة . فسكت عنه ، وما زال في ~~نفسه منه حتى تمكن من البلاد فأخذ يتطلبه ، ففر منه . PageV03P280 # | سنة احدى وستين وخمسمائة # في أول المحرم مات الأمير هوشات . وفي ثالثه مات القاضي الجليس عبد ~~العزيز ابن الحباب . PageV03P281 # | سنة اثنتين وستين وخمسمائة # فيها جهز الملك العادل نور الدين الأمير أسد الدين شيركوه من دمشق لقصد ~~ديار مصر في جيش قوي ، ومعه جماعة من الأمراء ، وكان كارها لمسير شيركوه ~~لكثرة ما رأى من حرصه على السفر . فرحل يوم الجمعة العشرين من شهر ربيع ~~الأول ، وشيعه السلطان إلى أطراف البلاد خوفا من مضرة الفرنج ، فسار على ~~ميمنة بلاد الفرنج . وبعث مري ملك الفرنج إلى شاور يخبره بمسير شيركوه ~~بالعسكر إلى مصر ، فأجابه يلتمس منه نجدته ، وأن المقرر من المال يحمل إليه ~~على ما كان يحمل في السنة الماضية . # فسار مري بعساكره ، وقد طمع في البلاد ، على الساحل حتى نزل بلبيس ، فخرج ~~إليه شاور ، وأقاموا في انتظار شيركوه . فبلغه ذلك ، فنكب عن الطريق وهبط ~~في يوم السبت خامس ربيع الآخر من وادي الغزلان إلى أسكر ، وخرج إلى إطفيح ~~قبلي مصر فشن الغارة هناك . # واتصل الخبر بشاور ، فرحل هو والفرنج يريدونه . ونزل شاور والفرنج بركة ~~الحبش PageV03P282 في يوم الأحد سادس جمادى الآخرة ، وتوجه في يوم الثلاثاء ~~منه إلى دير الجميزة ، فاندفع سائرا في بلاد الصعيد حتى بلغ شرونه ، وعدى ~~منها إلى البر الغربي ms569 . وأدرك شاور ساقته فأوقع بهم ، وعدى بعساكره وجموع ~~الفرنج . ونزل شيركوه بالجيزة في يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة تجاه ~~مدينة مصر وأقام بها بضعا وخمسين يوما . وبعث الشريف أبا عبد الله الملقب ~~بالرضي ، ابن الشريف المحنك إلى الطلحيين والقرشيين يستفزهم ويدعوهم إليه ، ~~وكان قد بلغه أن شاورا أساء إليهم ، فأتوه مسرعين . # وبعث إلى شاور بأني أحلف لك أني لا أقيم ببلاد مصر ولا يؤذيك أحد من ~~أصحابي ، وأكون أنا وأنت على الفرنج وننتهز فيهم فرصة قد أمكنت وما أظن أن ~~يتفق للإسلام مثلها كثيرا . فأبى شاور من قبول ذلك . والتجأ شيركوه إلى ~~دلجة ، ونزل شاور في اللوق والمقس ظاهر القاهرة ، وأنشأ الجسر بين الجيزة ~~والجزيرة ، وشحن المراكب والرجال لتسير من خلف عسكر شيركوه . # وكتب شيركوه إلى الإسكندرية يستنجد بها على الفرنج وشاور ، فقاموا معه ~~وأمروا عليهم رجلا يعرف بنجم الدين بن مصال ، من ولد الوزير ؛ فكتبوا إليه ~~أنهم يمدونه بالسلاح والحديد ، وجهزوا إليه خزانة من السلاح مع ابن أخت ~~الفقيه ابن عوف . فأتاه الخبر بقرب شاور فلم يثبت ، وترك خيامه وأثقاله ، ~~وسار سيرا حثيثا ونزل قدر ما أطعم دوابه ، ورحل من الليل فسار غير بعيد ، ~~ثم نادى في عسكره بالرجوع ، فعاد إلى دلجة . # وسار شاور والفرنج في طلب شيركوه ، فنزلوا الأشمونين وتبعوا شيركوه ، ~~فأمر شيركوه أصحابه بالتعبئة . فما طلع ضوء الصباح حتى أشرفت عساكر شاور ~~وجموع الفرنج في عدد كبير ، فقدم شاور طائفة فحملت على أصحاب شيركوه ، ~~وانهزم منها عز الدين PageV03P283 الجاولي من أصحابه فلم ينزل إلا ~~بالإسكندرية ، وتفرق منهم عدد ؛ فولي شيركوه وقد قتل من أصحابه جماعة وقتل ~~من أهل الإسكندرية كثير . وكان سبب الخلل في عسكر شيركوه أنه فرق أصحابه ~~فرقتين ، فرقة معه وفرقة مع ابن أخيه صلاح الدين يوسف . # ثم إنهم تجمعوا وقت الظهر ووطنوا أنفسهم على الموت ، وحملوا على شاور ومن ~~معه فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وأبلى يومئذ صلاح الدين يوسف بلاء حسنا وحمل ~~حملات فرق بها الجموع وبدد شملها . وحمل شاور على عسكر شيركوه ms570 فكسر القلب ، ~~فتلاحقت الميمنة بمن كان في القلب ؛ واستمر القتال حتى حال بين الفريقين ~~الليل ، فانهزم كثير من الفرنج وقتل منهم كثير ، وكاد ملكهم أن يؤخذ ، ووقع ~~في قبضة شيركوه وأصحابه نحو السبعين أسرا . # وبات الفريقات وقد تبين الوهن في الفرنج ، فسار شاور بمن معه إلى منية ~~بني خصيب . # وكانت هذه الواقعة في موضع يعرف بالبابين ، بالقرب من الأشمونين ، في يوم ~~السبت الخامس والعشرين من جمادى الآخرة . # ثم إن شيركوه سار بأصحابه على طريق الفيوم إلى الإسكندرية وانتهب البحيرة ~~، وأخذ عسكره غلالها ومواشيها ؛ فخدمه ابن الزبير ، متولي ديوان الإسكندرية ~~، وحمل إليه الأموال وقواه بالسلاح ؛ وأقام متخوفا من مسير شاور إليه ، ~~فترك بالإسكندرية صلاح الدين يوسف وخرج إلى الصعيد وجبى أموال البلاد . ~~فخرج شاور ونزل على الإسكندرية وحاصرها أشد حصار مدة ثلاثة أشهر ، ومنع ~~عنها الميرة ، فقلت بها الأقوات . هذا وشيركوه في جباية أموال الصعيد وأخذ ~~غلاله . PageV03P284 # ودخل عليه شهر رمضان ، فلما أتمه وأهل شوال بلغه ما نزل بالإسكندرية ~~وأهلها من البلاء وقلة الأقوات ، وأنها قد قاربت أن تؤخذ ، فسار من قوص ~~ونزل على مصر يوم الخميس ثامن شوال . فبلغ شاور أن شيركوه حاصر مصر ، فرحل ~~من الإسكندرية ، وأرسل شيركوه إلى صلاح الدين يأمره بتقرير الصلح ؛ ورحل عن ~~مصر إلى الشام . فبعث إلى ملك الفرنج يلتمس منه ذلك ، فأجابه إليه ، وقرر ~~مع شاور أنه يحمل إلى شيركوه جميع ما غرم في هذه السفرة ، ويعطي الفرنج ~~ثلاثين ألف دينار ، ويعود كل منهم إلى بلاده . ووقع الحلف بالأيمان المؤكدة ~~على ذلك . # فلما تقرر الصلح أرسل صلاح الدين إلى ملك الفرنج يقول إن لي أصحابا منهم ~~القوي ومنهم الضعيف ، فأما القوي فإنه يتبعنا في البر ، وأما الضعيف فإنه ~~يسير في البحر فنريد لهم مراكب . فأنفذ إليه عدة مراكب خرج فيها أصحابه . # وخرج صلاح الدين من الإسكندرية واجتمع بعمه أسد الدين شيركوه . ودخل شاور ~~البلد ، وجاءه مشايخ البلد للسلام عليه ، ومري ملك الفرنج جالس معه ، فلم ~~ينظر شاور إلى الجماعة ولا أكرمهم ، ولا أذن لهم ms571 في الجلوس ، لأنهم كانوا ~~قاتلوه قتالا شديدا ، فنقم عليهم ذلك . فقال له مري : أكرم قسسك . فأذن لهم ~~في الجلوس وعاتبهم على ما فعلوا من القتال وإظهار المخالفة . فسكتوا . وكان ~~فيهم الفقيه شمس الإسلام أبو القاسم مخلوف بن علي PageV03P285 المالكي ، ~~المعروف بابن جاره ، شيخ الصاحب صفي الدين عبد الله بن علي بن شكر ، فقال ~~له : نحن نقاتل كل من جاء تحت الصليب كائنا من كان . فقال له مري : وحق ~~ديني لقد صدقك هذا الشيخ . فسكت شاور وأكرمهم بعد ذلك اليوم . # وفر نجم الدين بن مصال والي الثغر إلى الشام ، وقبض شاور على الأشرف بن ~~الحباب قاضي الثغر وعاقبه ، وأخذ منه مالا جزيلا ؛ ولم يقنع بالرشيد ابن ~~الزين الناظر فولي القاضي الأشرف أبا القاسم عبد الرحمن بن منصور بن نجا ~~النظر عوضه ؛ فبعث شاور وقبض على جميع من كان مع صلاح الدين من أهل مصر ، ~~وعلي ابن مصال . فشق ذلك على صلاح الدين ، واجتمع بملك الفرنج في ذلك ، ~~فأرسل إلى شاور وما زال به حتى أفرج عنهم . فخافوا من شاور وعزموا على ~~الرحيل إلى الشام ، فخرج إليهم شاور بنفسه وجمع وجوههم وطمأنهم ، وحلف لهم ~~أنه يضاعف لهم الإحسان ولا يتعرض لهم بسوء . فمنهم من اطمأن وأقام ، ومنهم ~~من رحل إلى الشام . # ووصل الذين ساروا من ضعاف أصحاب صلاح الدين في المراكب إلى عكا ، وأحاط ~~بهم الفرنج واعتقلوهم بمعصرة القصب حتى عاد ملك الفرنج فأطلقهم . # وتسلم شاور الإسكندرية في نصف شوال . وسار شيركوه ومن معه وقد استمال ~~شاور منهم جماعة ومعه مري ملك الفرنج حتى نزل الجيزة وعدى إلى القاهرة من ~~المقس . فأقام مري أياما ورحل عائدا إلى بلاده ، فخرج شاور يودعه إلى بلبيس ~~وعاد إلى القاهرة أول ذي القعدة ، فخرج إليه العاضد يتلقاه إلى الطابية ، ~~وخلع عليه . PageV03P286 واستقر الأمر بينه وبين الفرنج أن يكون لهم ~~بالقاهرة شحنة ؛ وأن تكون أسوارها بيد فرسانهم ليمتنع نور الدين من إرسال ~~عسكر إليها ؛ وأن يكون لهم من دخل ديار مصر في كل سنة مائة ألف دينار ms572 . قرر ~~لهم شاور ذلك من غير علم العاضد ولا مشاورته ، فإنه كان ممنوعا من التصرف ~~وشاور يستبد بأمور الدولة . فرحل الفرنج إلى بلادهم وتركوا بالقاهرة عدة من ~~مشاهير فرسانهم ، ورتبوا بها ابن بارزاني واليا . # ووصل شيركوه إلى دمشق في ثامن عشر ذي القعدة وفي نفسه من مصر ما لا ينفصل ~~، لأنه خبر متحصلها ، وعرف بلادها واستخف بأهلها . # واستقر شحنة الفرنج أولا بالقاهرة في الموضع المعروف اليوم بقصر بيسرى من ~~الخرنشف . وبعث الكامل شجاع بن شاور إلى نور الدين مع بعض الأمراء ينهي ~~محبته وولاءه ، ويسأل الدخول في طاعته ، وضمن له عن نفسه أنه يفعل هذا ~~ويجمع الكلمة على طاعته ، وبذل له مالا يحمله إليه كل سنة ، فأجابه ، وحمل ~~إلى نور الدين مالا جزيلا . # وأخذ شاور بعد عوده من الإسكندرية في الإكثار من سفك الدماء بغير حق ، ~~فكان يأمر بضرب الرقاب بين يديه في قاعة البستان من دار الوزارة ثم تسحب ~~القتلى إلى خارج الدار . واشتد ظلم إخوته وأولاده وغلمانه ومن يلوذ به ، ~~وكثر تضرر الناس بهم . فكان PageV03P287 من تأمل أحوال الوزراء يجد الصالح ~~بن رزيك ربى رجال الدولة ، وجاء الضرغام فأفناهم ، ثم جاء شاور فأتلف أموال ~~مصر وأطمع الغز في البلاد وجرأ الفرنج علنا حتى كان ما كان مما يأتي ذكره ~~إن شاء الله . # وفيها أحضر القاضي رشيد الدين أبو الحسين أحمد بن القاضي رشيد الدين أبي ~~الحسن علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسين بن الزبير الأسواني ، وقد فر إلى ~~قريب برقة ، فدخل على حالة سيئة ، فأمر به شاور فضربت عنقه ، وصلب عند مسجد ~~الزيني على الخليج ، بالقرب من قبو الكرماني ، في يوم الأربعاء العشرين من ~~ذي العقدة . PageV03P288 # # | سنة ثلاث وستين وخمسمائة # فيها بعث شاور إلى نور الدين رسالة مع شهاب الدين محمود ، خال صلاح الدين ~~يوسف ، تتضمن أنه يحمل إليه مالا في كل سنة من مصر مصانعة ليصرف عنه أسد ~~الدين شيركوه . فأجاب نور الدين إلى ذلك ، وأعطى شيركوه مدينة حمص وأعمالها ~~زيادة على ما كان بيده ، وذلك ms573 في شعبان ، وأمره بترك ذكر مصر . فأرسل شاور ~~إليه كتابا يشكر صنيعه . # وفيها قتل شاور القاضي الرشيد أبا الحسين أحمد بن علي بن إبراهيم بن محمد ~~بن الحسين بن الزبير الغساني الأسواني ، صاحب كتاب الجنان ورياض الأذهان ؛ ~~وكان من أهل العلم والأدب ؛ وله رسالة أودعها من كل علم مشكلة ومن كل فن ~~أفضله . وسار إلى اليمن رسولا وكان أسود في أيام الحافظ ، وتلقب بعلم ~~المهتدين ؛ فقال فيه شاعر من أهل اليمن من قصيدة بعث بها إلى الحافظ : # بعثت لنا علم المهتدين . . . ولكنه علم أسود # وولي نظر الإسكندرية . فقتله شاور في المحرم ، بسبب أنه داخل شيركوه ~~وصلاح الدين وخدمهما ، بعد أن عذبه عذابا شديدا ، ثم ضرب عنقه . ~~PageV03P289 # فيها خرج يحيى بن الخياط يريد الوزارة ، فبعث إليه شاور عسكرا هزموه حتى ~~لحق بالفرنج . # وفيها ولي خطابة الجامع العتيق بمصر نتاج الشرف حسن بن أبي الفتوح ناصر ~~ابن إسماعيل الحسني بعد موت أبيه يوم عيد الفطر . PageV03P290 # | سنة أربع وستين وخمسمائة # فيها تمكن الفرنج من ديار مصر وحكموا فيها حكما جائرا ، وركبوا المسلمين ~~بالأذى العظيم وقد تيقنوا أنه لا حامي للبلاد ، وتبين لهم ضعف الدولة ~~وانكشفت لهم عورات الناس . فجمع مري جموعه واستشارهم في قصد ديار مصر ، ~~فقووا عزمه على المسير إليها فأجمع أمره على الرحيل واستدعى وزيره وأمره ~~بإقطاع بلاد مصر لأصحابه ، ففرق قراها عليهم بعد ما كتب جميع قراها وارتفاع ~~كل ناحية ؛ واستنجد عسكرا قوي به جنده . # فورد الخبر إلى شاور بمسير الفرنج إلى مصر في نصف المحرم ، فبعث إلى ملك ~~الفرنج الأمير ظهير الدين بدران وقيس بن طي بن شاور . # وكان نور الدين بحلب ، فأسرع مري إلى المجيء إلى مصر ظنا أن نور الدين ~~بعيد منه وعساكره متفرقة عنه . فبلغ ذلك نور الدين ، فأخذ في جمع عساكره . ~~PageV03P291 ووصل مري إلى الداروم . فبلغ شاورا فارتاع وبعث أميرا يعرف ~~ببدران لكشف الخبر ، فلما اجتمع بمري خدعه ووعده بعدة من قرى مصر ، نحو ~~الثلاث عشرة قرية ، وأمره أن يخبر شاور أنهم إنما قصدوا البلد ms574 لخدمة . فلما ~~عاد إلى شاور جهز إلى مري شمس الخلافة محمد بن مختار ، فعندما دخل عليه قال ~~له : مرحبا بشمس الخلافة . فقال : فمرحبا بالملك الغدار ، وإلا ما أقدمك ~~إلينا ؟ قال : اتصل بنا أن الفقيه عيسى وصل إليكم ليزوج أختا للكامل بن ~~شاور بصلاح الدين يوسف ويتزوج الكامل بأخت صلاح الدين ، فحسبنا أن هذا عمل ~~علينا . فقال ما لهذا صحة ، ولو فعل لما كان ناقضا للهدنة . فقال : الصحيح ~~أن قوما من وراء البحر انتهوا إلينا وغلبوا على رأينا وخرجوا طامعين في ~~بلادكم ؛ فخفنا من ذلك ، فخرجت لتوسط الأمر بينهم وبينكم . فقال له : فكم ~~تريد أن يكون مبلغ القطيعة التي نقوم بها ؟ قال : ألفي ألف دينار . فقال : ~~حتى أعود إلى شاور بهذا الخبر وأرجع إليكم بالجواب ، فلا تبرحوا من مكانكم ~~. فقال مري : بل ننزل على بلبيس حتى تعود . # وكان قد كتب إلى شاور : إني قد قصدت الخدمة على ما قررته لي من العطاء في ~~كل عام ، فكتب إليه شاور : إن الذي قررته إنما جعلته لك متى احتجت إلى ~~نجدتك أو إذا قدم علي عدو ، فأما مع خلو بالي من الأعداء فلا حاجة لي إليك ~~ولا لك عندي مقرر . فأجابه : لا بد من حضوري وأخذي المقرر . فعلم شاور أنه ~~قد غدر وخان الأيمان ، ونقض العهود ، وطمع في البلاد . فجمع الأجناد وحشد ~~العساكر إلى القاهرة ؛ وسير إلى بلبيس حفنة من العسكر ، ونقل إليها ما ~~تحتاج إليه من الأقوات والغلات . # فنزل مري على بلبيس أول يوم من صفر ، وكتب عدة من أعيان المصريين كتبا ~~إلى مري يعدونه المساعدة ، لكراهتهم في شاور ، منهم علم الملك ابن النحاس ، ~~ويحيى PageV03P292 ابن الخياط ، وابن قرجلة ، وجماعة ؛ فقوي الفرنج . ~~وعندما قدم مري إلى بلبيس أرسل إلى طي بن شاور ، وكان ببلبيس ، أين ينزل ؟ ~~فقال لرسوله : قل له ينزل على أسنة الرماح . فغضب من هذا وجعله سببا لنقض ~~ما قرره مع شمس الخلافة ، وحاصر البلد حتى افتتحها قهرا بالسيف يوم ~~الثلاثاء ثاني صفر ، وأخذ الطاري والناصر ، ابني شاور أسيرين ، وقتل جميع ms575 ~~من كان فيها وأسرهم وسباهم ، ونهب سائر ما تحتوي عليه ؛ وأسر المعظم سليمان ~~بن شاور وقيس بن طي بن شاور . # وأرسل إلى شاور يقول له : إن ابنك قال أيحسب مري أن بلبيس جبنة يأكلها ! ~~نعم بلبيس جبنة والقاهرة زبدة . فصعد شاور إلى العاضد وسأله مكاتبة نور ~~الدين وطلب معونته فإن الفرنج قد ملكوا بلبيس والمسلمون يضعفون عن وقفهم ، ~~وأنه متى حصل التقاعد أخذت مصر وأسر الفرنج من فيها من المسلمين ؛ ويحثه ~~على إرسال من يتدارك هذا الأمر . فكتب العاضد إلى نور الدين برأي شمس ~~الخلافة ، فإنه اجتمع بالكامل ابن شاور وقال له : عندي أمر لا يمكنني أن ~~أفضي به إليك إلا بعد أن تحلف لي أنك لا تطلع أباك عليه . فلما حلف له قال ~~: إن أباك قد وطن نفسه على المصابرة ، وآخر أمره يسلم البلد إلى الفرنج ولا ~~يكاتب نور الدين ؛ وهذا عين الفساد ؛ فاصعد أنت إلى العاضد وألزمه أن يكتب ~~إلى نور الدين فليس لهذا الأمر غيره . فصعد الكامل إلى الخليفة العاضد ~~وكتبا الكتاب وأرسلاه إلى نور الدين . فقيل للعاضد لم لا أطلعت وزيرك على ~~ذلك ؛ فقال أعرف أنه لا يوافقني عليه لكراهته في الغز وأنا أعلم من أي باب ~~أدخل عليه . PageV03P293 وأرسل إلى شاور يقول أين استدعائي الغز من ~~المسلمين لنصرة الإسلام من استدعائك الفرنج للإعانة على المسلمين . فقال ~~للرسول : قل لمولانا عني أنت مغرور بالغز والله لئن يثبت لهم رجل بديار مصر ~~لا كانت عاقبته وخيمة إلا عليك . فلما بلغه ذلك قال : رضيت أن تكون إسلامية ~~وأكون فداء المسلمين . # فوافت كتب العاضد وكتب جماعة من الأعيان إلى نور الدين بحلب ، فانزعج ~~لذلك وجمع الأمراء للمشورة فأشاروا بإرسال أسد الدين شيركوه . وكان بحمص ~~وقد وصلت إليه الكتب من مصر باستدعائه لإنجازهم وإنقاذهم مما نزل بهم ، ~~فخرج منها يريد السلطان بحلب ، وخرج رسول السلطان من حلب بطلبه ، فتلاقيا ~~بباب مدينة حلب ، وعادا . فلما رآه السلطان عجب من سرعة مجيئه ، فأعلمه ~~بموافاة الكتب إليه تستدعيه إلى مصر ؛ فسر بذلك وتفاءل ms576 به ، وأعطاه مائتي ~~ألف دينار وثيابا وسلاحا ودواب ، وحكمه في العسكر فاختار ألفي فارس وجمع ~~فسار في ستة آلاف فارس . وخرج معه نور الدين إلى دمشق ، فوصل إليها في سلخ ~~صفر ، وجهز أسد الدين وأعطى نور الدين كل فارس ممن معه عشرين دينارا مصرية ~~غير محسوبة عليه من جامكيته وأضاف إليه جماعة من الأمراء ، منهم عز الدين ~~جرديك ، وغرس الدين قلج ، وشرف الدين بزغش ، وعين الدولة الياروقي ، وقطب ~~الدين ينال المنبجي ، وصلاح الدين يوسف بن أيوب . وكان صلاح الدين كارها ~~مسيره إلى مصر كأنما يساق PageV03P294 إلى الموت فأخرجه نور الدين كرها ~~ليحق قول الله سبحانه إذ يقول : ' وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ، وعسى ~~أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ' . فإن نور الدين أحب مسير صلاح الدين إلى مصر ~~فكان مسيره إليها لخروج الملك عن أولاده ، وكره صلاح الدين مسيره إلى مصر ~~فكان في مسيره إليها تملكه إياها وغيرها من الأقاليم . # وسار شيركوه من دمشق في ثاني عشر ربيع الأول وتقدم الفقيه عيسى الهكاري ~~إلى العاضد سرا وخفية من شاور ليحلفه على أشياء . # وأما مري فإنه كثرت أمراء الفرنج عنده لقصد سبي بلبيس ، فغزاها برجاله ، ~~وأمر بإخراج الأسرى من أهل بلبيس إلى ظاهر البلد ؛ وركب وقد اعتقل رمحه ~~وحمل على الأسرى حتى فرقهم فرقتين ، فجعل لنفسه الفرقة التي وقعت عن يمينه ~~، وأنعم بالفرقة اليسرى على أهل عسكره ؛ وقال لمن صار إليه من الأسرى : قد ~~أطلقتكم شكرا لله على ما أولاني من فتح مصر فإني ملكتها بلا شك . وما زال ~~واقفا حتى عدى أكثرهم النيل إلى جهة منية حمل ، وأخذ عسكره أسراهم ~~فاقتسموهم ، فبقوا في أيدي الفرنج بعد ذلك نحو الأربعين سنة وهلك كثير منهم ~~هنالك ، وأفلت بعضهم . # وكان شمس الخلافة قد صار إلى مري قبل أخذه مدينة بلبيس بإجابته إلى ~~القطيعة التي طلبها ، فعاقه عنده حتى أخذ بلبيس ، كما تقدم ذكره ثم أذن له ~~في الانصراف إلى القاهرة ، واعتذر بأنه بلغه عن قيس بن طي أشياء أمضته حتى ~~فعل ms577 ما فعل ، PageV03P295 وأنه باق على ما تقرر معه بقاء شمس الخلافة وأشار ~~على شاور بالاحتراز وقال إن الرجل مخاتل . وأنفذت الكتب إلى نور الدين . # وكان شاور قد شرع في بناء سور على مدينة مصر واستعمل فيه الناس فلم يبق ~~أحد من المصريين إلا وعمل فيه ؛ وحفر من ورائه خندقا ، فلم يكمل من ناحية ~~النيل . وعمل في السور ثمانية أبواب أحدها بدار النحاس على ساحل البحر ، ~~هدم في سنة وخمسين وستمائة وآخر بجانب كوم البواصين ، وثالث على سكة سوق ~~وردان سقط سنة إحدى وستين وستمائة ، وباب في طريق زين العابدين ، وباب عرف ~~بباب الصفاء ، وباب بحري مصلي الأموات سقط قبيل سنة خمسين وستمائة ، وباب ~~عند أقمنة الجير مما يلي درب السرية ، وباب لقنطرة بني وائل وتحته قنطرة ~~بني وائل التي تصب في بركة الشعيبية ، التي كانت قديما بستان الأمير تميم ~~بن المعز ، وكان الماء يدخل إليها من خليج مصر . # وسار مري بعقيب مسير شمس الخلافة عنه يريد منازلة القاهرة بعد ما أقام ~~ببلبيس خمسة أيام ، فداخل الناس منه رعب شديد وخوف عظيم ، فاجتمعوا ~~بالقاهرة ووطنوا أنفسهم على الموت . وكان هذا من لطف الله فإنه لو قدر أن ~~الفرنج أحسنوا السيرة في أهل بلبيس لكان الناس لا يدافعونهم عن القاهرة ~~ألبتة لما في قلوبهم من كراهة شاور . فما هو إلا أن قصد مري القاهرة وإذا ~~بشاور قد قام في حريق مصر ، وأمر شاور الناس بالانتقال منها إلى القاهرة ، ~~وحثهم على الخروج منها . فتركوا أموالهم وأثقالهم ونجوا بأنفسهم وأولادهم ~~وحرمهم ؛ وقد ماج الناس واضطربوا اضطرابا عظيما . PageV03P296 # ووقعت النار في الأسطول فخرج العبيد إلى مصر وقد انطلقت النار في مساكنها ~~فانتهبوا سائر ما كان بمصر . وبلغ بالناس الحال أن كانت الدابة تكري من مصر ~~إلى القاهرة ببضعة عشر دينارا والجمل بثلاثين دينارا . ونزلوا بمساجد ~~القاهرة وحماماتها ، وملأوا جميع الشوارع والأزقة ، وصاروا مطروحين بعيالهم ~~وأولادهم على الطرق وقد ذهبت أموالهم وسلبت عامة أحوالهم ؛ وهم مع ذلك ~~ينتظرون هجوم الفرنج على القاهرة وقتل رجالها وسبي من ms578 بها من الحريم ~~والصبيان . # وكان ابتداء الحريق بمصر في يوم الثلاثاء التاسع من صفر الموافق له ثامن ~~عشر هاتور ؛ واستمرت النار في المساكن أربعة وخمسين يوما ، والنهابة تهد ما ~~هنالك وتحفر لطلب الخبايا . ونزل مري بعساكره على بركة الحبش في يوم ~~الأربعاء العاشر من صفر ، فخرج إليه شمس الخلافة . فلما دخل إليه سأله أن ~~يخرج معه إلى باب الخيمة ، فخرج ؛ فأراه شمس الخلافة جهة مصر وقال له أترى ~~دخانا في السماء ؟ قال : نعم . قال : هذا دخان مصر ما أتيتك إلا وقد احترقت ~~بعشرين ألف قارورة نفط وفرق فيها عشرة آلاف مشعل ، وما بقي فيها ما يؤمل ~~بقاؤه ونفعه ؛ فخل الآن عنك . فقال مري : لا بد من النزول على القاهرة ومعي ~~فرنج من هذا البحر قد طمعوا في أخذها . # ثم رحل فنزل على القاهرة في عاشر صفر مما يلي باب البرقية نزولا قارب به ~~البلد حتى صارت سهام الجرخ تقع في خيمه . وقاتل أهل القاهرة قتالا شديدا ~~وحفظوها PageV03P297 وبذلوا جهدهم . واشتد الفرنج في محاصرة القاهرة وضيقوا ~~على أهلها حتى تزلزل الناس زلزالا شديدا وضعفت قواهم ، وشاور هو القائم ~~بتدبير الأمور ، فتبين له العجز عن مقاومة الفرنج وأنه يضعف عن ردهم . وخاف ~~من غلبتهم فرجع عن مقاومتهم إلى مخادعتهم وإعمال الحيلة ؛ فأرسل شمس ~~الخلافة إلى مري يطلب منه الصلح على أن يحمل إليه أربعمائة ألف دينار معجلة ~~. فأجاب إلى ذلك . ويقال إنه خوفه من نور الدين واعتذر بأنه لولا الخوف من ~~العاضد ومن معه من المسلمين وإلا سلمه البلد ؛ وإنه تقدم له بألف ألف دينار ~~. فتقرر الصلح . # على أن مري قال لا أسمع من كلام شاور فإنه غدار ، ولا بد من كلام الخليفة ~~العاضد . فمشى أبو الفتح عبد الجبار بن عبد الجبار بن إسماعيل بن عبد القوي ~~، المعروف بالجليس قاضي القضاة وداعي الدعاة ، ومعه الأستاذ صنيعة الملك ~~جوهر ، بين الفرنج وبين الناس حتى تقرر الأمر على تعجيل مائة ألف دينار ~~وحمل الباقي بعد ذلك مع القطيعة المقررة كل سنة ، وزيادة عشرة آلاف ms579 دينار ~~وعشرة آلاف إردب غلة على ما يقترح من أصنافها . فأرسل العاضد القاضي الفاضل ~~عبد الرحيم إلى الشيخ الموفق ابن الخلال كاتب الدست ، وكان مريضا والفاضل ~~ينوب عنه بتعيين الكامل بن شاور ، وقال له : استشره في هذا الأمر . فمضى ~~الفاضل إليه ، وعرض ما تقرر عليه ، وبلغه عن العاضد ما أشار به من أخذ رأيه ~~في ذلك . فقال : قبل الأرض عني لمولانا وقل له عن مملوكه إن وعد المشتري ~~وصبر البائع فليست بعالية ، وبين قيل وقال يتصرم الوقت . # وشرع شاور في حمل المال ، فلم يجد في حاصل الخبايا بالقصر سوى مائتي ألف ~~دينار مدفونة في أحد كمي المجلس من ذخائر الحافظ ، أطلعهم عليها أستاذ من ~~أستاذي القصر ؛ فأخرجت وحمل إلى الفرنج منها على يد ابن عبد القوي مائة ألف ~~دينار ، فأخذوها بعد امتناع . ووقع الطلب من أهل القاهرة ومصر ، فلم يتحصل ~~من الناس إلا نحو الخمسة PageV03P298 آلاف دينار ، لفقر أهل مصر وسوء حالهم ~~وذهاب أموالهم في الحرق والنهب بحيث صاروا لا يجدون القوت عجزا عنه ، ولأن ~~أهل القاهرة أكثرهم الجند وأهل الدولة وأتباعهم فقال الفقيه عمارة : # يا رب إني أرى مصرا قد انتبهت . . . لها عيون الليالي بعد رقدتها # فاجعل بها ملة الإسلام باقية . . . واحرس عقود الهدى من حل عقدتها # وهب لنا منك عونا نستجير به . . . من فتنة يتلظى جمر وقدتها # فبينما الفرنج في استحثاث أهل القاهرة في حمل المال إذ وصل إليهم في ~~مستهل ربيع الآخر خبر قدوم أسد الدين بالعساكر فأزعجهم ذلك ورحلوا عن ~~القاهرة يوم السبت ، ثالث ربيع الآخر ، ومعهم من الأسرى اثنا عشر ألفا ما ~~بين رجل وصبي وامرأة . فنزلوا على بلبيس ، وساروا منها إلى فاقوس . # ونزل أسد الدين بالمقس إلى اللوق خارج القاهرة يوم الأربعاء سابع ربيع ~~الآخر ، فخرج إليه العاضد وتلقاه . وكان شاور لما بلغه وصول شيركوه إلى صدر ~~أخرج شمس الخلافة إلى مري وقال له : قد وقف المال علينا ، وقد جئت إليك ~~أستوهب منك بعض ما قطعت علينا . فقال مري : اطلب ما شئت . قال : تهب ms580 لي من ~~الألفي ألف ألف ألف . قال : قد فعلت فقال شمس الخلافة : ما بلغني أن ملكا ~~وهب مثل هذا لقوم هم في مثل حالنا . . فقال مري : أنا أعلم أنك رجل عاقل ~~وأن شاورا ملك ، وأنكما ما سألتماني أن أهب لكما هذا المال العظيم إلا لأمر ~~قد حدث . فقال : صدقت ؛ هذا أسد الدين قد وصل إلى صدر نصرة لنا وما بقي لك ~~مقام ؛ وشاور يقول لك أرى أن ترحل ونحن باقون على الهدنة فإنه أوفق لنا ولك ~~، PageV03P299 وإذا حصل هذا الرجل عندنا أرضيناه من هذه الألف ألف بشيء ~~وحملنا الباقي إليك متى قدرنا ، وإن نحن أخرجنا في رضاهم أكثر من هذا المال ~~عدنا عليك بما يبقى علينا من المقدار . فقال مري : أنا راض بذلك . فقال : ~~وأن تطلق ابن طي بن شاور وجميع من في عسكرك من الأسارى ، ولا تأخذ من بلبيس ~~بعد انصرافك شيئا . فأجاب إلى ذلك ، وأطلق ابن شاور ورحل . # ولما قارب شيركوه القاهرة خرج شاور إلى لقائه وقابله بالاحترام والإكرام ~~، وأشار عليه باتباع الفرنج . فلم ير ذلك واعتذر بما هم فيه من التعب . # ونزل أسد الدين بظاهر القاهرة ، ودخل على العاضد فخلع عليه في تاسعة ~~بالإيوان ، وعاد إلى مخيمه ، وقد فرح الناس بقدومه . وأجريت عليه وعلى ~~عساكره الجرايات الكبيرة والإقامات الوافرة . وثقل ذلك على شاور ولم يقدر ~~على عمل شيء لما عرفه من ميل العاضد إلى شيركوه ؛ وشرع يماطل بما تقرر ~~لشيركوه ولنور الدين وهو يركب كل يوم إليه ويسير معه ، ويعده ويمنيه . # وعزم على أن يعمل دعوة ويحضر شيركوه وجميع أمرائه ، فإذا صاروا إليه قبض ~~عليهم واستخدم من معهم من الجند يمنع بهم الفرنج . فنهاه ابنه شجاع عن ذلك ~~وقال : والله لئن عزمت على هذا لأعرفن شيركوه . فقال : يا بني ، والله لئن ~~لم نفعل هذا لنقتلن جميعا . قال : صدقت ؛ ولأن نقتل ونحن مسلمون خير من أن ~~نقتل وقد ملكها الفرنج ؛ فإنه ليس بينك وبين عود الفرند إلا أن يسمعوا ~~بالقبض على شيركوه ، وحينئذ لو مشى العاضد إلى نور ms581 الدين لم يرسل معه فارسا ~~واحدا . فترك شاور ما عزم عليه . # ولما طال مطال شاور على الغز اتفق صلاح الدين يوسف وعز الدين جرديك على ~~قتل شاور . # واتفق أن شاورا رأى في منامه كأنه دخل دار الوزارة فوجد على سرير ملكه ~~رجلا وبين يديه دواته وهو يوقع ، والحاجب بين يديه يتناول منه التوقيع ؛ ~~فقال : من هذا الذي جلس في مجلسي ووقع من دواتي ، فقيل له : هذا محمد رسول ~~الله ، صلى الله عليه وسلم ؛ فقال : وما يصنع محمد عندي ؛ أما كان له في ~~مملكة غيري مصنع . ثم إنه قام إليه وضربه PageV03P300 بسيفه حتى قتله ~~وألقاه بظاهر الدار . فلما استيقظ هاله ما رآه ، واستدعى أبا الحسن علي بن ~~نصر الأرتاحي العابد ، وكان نادرا في علمه ، وقص عليه ما رأى . فقال له : ~~هؤلاء الذين في القصر من نسل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ويكون ~~هلاكهم على يدك . فأمره بكتمانه ؛ فلم يظهر حتى قتل شاور . # ويقال إن العاضد خرج متنكرا إلى شيركوه وأمره بقتل شاور ؛ فركب على عادته ~~إلى شيركوه ومعه الطبل والبوق وخرج من باب القنطرة . فلما صار في مخيم الغز ~~تلقاه صلاح الدين وجرديك في جماعتهم وأعلموه أن أسد الدين توجه إلى القرافة ~~، فقال نمضي إليه . فساروا جميعا وصلاح الدين وجرديك عن يمينه وشماله ، ~~وكان اليوم كثير الضباب ، فتناول صلاح الدين شاور على غرة هو وجرديك ~~وألقياه عن فرسه إلى الأرض ، وأحاط أصحابهما بمن مع شاور فانتهبوهم وفروا ~~عنه . وأخذ أسيرا إلى المخيم ، وأرسلوا إلى شيركوه ، فحضر . وبلغ ذلك ~~العاضد فأنفذ في الحال إلى شيركوه أحد الأستاذين بسيف وقال : هذا غلامنا ~~ولا خير فيه لك ولا لنا ، فأمض حكم الله فيه . فقتل في يوم السبت السابع ~~عشر من ربيع الآخر ، وحملت رأسه إلى العاضد . # وفر الكامل شجاع بن شاور هو وأولاد أخيه إلى القصر ، فكان آخر العهد بهم ~~، وأحضرت رءوسهم يوم الاثنين رابع جمادى الأولى . وبعث شيركوه يطلبهم ، ~~فأرسل إليه العاضد طبقا من فضة مغطى ؛ فلما كشف عنه وجد فيه رأس ms582 شجاع ورءوس ~~أولاد أخيه ، فتأسف على قتل شجاع لما كان يبلغه عنه من منعه أباه من عزمه ~~على الفتك بهم . وكانت وزارة شاور هذه كثيرة الوقائع والنوازل فإنه أطمع ~~الغز والفرنج في البلاد وجرهم إليها ؛ فأحرق مصر وأزال نعم أهلها وأذهب ~~أموالهم ؛ وكان السبب في إزالة الدولة الفاطمية من ديار مصر وتملك الغز لها ~~. # وكان مع ذلك منقادا لولده الكامل قد أطلقه وسلم الأمر إليه بحيث إنه كان ~~يأتي PageV03P301 إلى داره فيحتجب عنه . وكان ضيق العطن ، لا يصبر على شيء ~~مما ينقل إليه من الاخبار . وكان إذا سئل وهو في الخدمة لا يرد سائلا في ~~شيء . وكان شديد النكال إذا عاقب ، فتكشفت في وزارته الثانية التي قتل فيها ~~صفحاته ، وأحرقت كافة أهل مصر لفحاته ، وأغرقتهم نفحاته فغصه الدهر وعضه ، ~~وأوجعه الثكل وأمضه . وكان عاقبة أمره القتل والعار ، وسوء المنقلب والدمار ~~. # ثم إن أسد الدين ركب بعد قتل شاور بجموعه ودخل إلى القاهرة في يوم ~~الاثنين تاسع عشر ربيع الآخر يريد لقاء الخليفة العاضد ، فهاله ما رأى من ~~كثرة اجتماع الناس وتخوف منهم ، فأراد أن يفرقهم ، فقال لهم : إن أمير ~~المؤمنين قد أمركم بنهب دار شاور ؛ فتسارعوا إليها وانتهبوا سائر ما كان ~~فيها . فصعد شيركوه إلى القصر ، وخلع عليه العاضد خلع الوزارة ولقبه بالملك ~~المنصور أمير الجيوش . ونزل إلى دار الوزارة حيث كان ينزل شاور ومن قبله من ~~الوزراء ، فلم يجد ما يجلس عليه لما شملها من النهب . فجلس للهناء وغلب على ~~الأمر . # وخرج إليه التوقيع بخط القاضي الفاضل وإنشائه ، فقرأه الجليس ابن عبد ~~القوي قاضي القضاة ، على رءوس الأشهاد ، وفي أعلاه بخط العاضد : هذا عهد لا ~~عهد لوزير بمثله ، وتقلي طوق أمانة رآك الله وأمير المؤمنين أهلا بحمله ؛ ~~والحجة عليك عند الله بما أوضحه لك من مراشد سبله . فخذ كتاب أمير المؤمنين ~~بقوة ، واسحب ذيل الفخار بأن خدمتك اعتزت بأن اعتزت إلى بنوة النبوة ؛ ~~واتخذ أمير المؤمنين للفوز سبيلا ، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد ~~جعلتم الله عليكم كفيلا ' . وهو ms583 توقيع كبير . PageV03P302 # وكتب القاضي الفاضل إلى نور الدين محمود بن زنكي كتابا بأن يقر شيركوه ~~عنده بمصر وأنه فوض إليه الوزارة وأمر الجيوش ، تاريخه سابع عشري ربيع ~~الآخر ، وكتب العاضد علامته بين سطريه الأولين بخطه الله ربي ؛ فعاد الجواب ~~بالامتثال . # وسلك أسد الدين مع العاضد مسالك الأدب حتى أعجب به ، ومال إليه . وركب ~~إلى مصر فرآها مشوهة بالحريق وقد تلفت فيها أماكن وسلمت أماكن ، وتشعث ~~الجامع ؛ فشق عليه ، وعاد . وقد حضر إليه الأمير ابن مماتي والقاضي الفاضل ~~، فأمر بإحضار أعيان المصريين الذين جلوا عن مصر في الفتنة وصاروا بالقاهرة ~~، فتغمم لما نزل بهم وسفه رأي شاور فيما فعله ، وأمرهم بالعود إلى مصر . ~~فشكوا ما حل بهم من الفقر وذهاب الأحوال وخراب المنازل ، وقالوا : إلى أي ~~موضع نرجع وفي أي مكان نأوى . فقال : لا تقولوا هذا ، وعلي بإذن الله ~~حراستكم وإعادتها إليكم بما كانت عليه وأحسن ؛ فاستدعوا مني كل مالكم فيه ~~راحة ، فهي بلدي وربما أسكن فيها بينكم . فشكروا له ودعوا . # وأمر فنودي على الناس بالرجوع إلى مصر ، فتراجعوا إليها شيئا بعد شيء . # وجعل أسد الدين اجتماعه بالخليفة العاضد في الشباك على العادة . فأول ما ~~اجتمع به قال له الأستاذ صنيعة الملك جوهر ، وكان أكبر الأستاذين وأفصحهم ~~لسانا ، وهو قائم على رأس العاضد : يقول لك مولانا لقد كنا نؤثر مقامك ~~عندنا أول طروقك بلادنا ، ولكن أنت تعلم الموانع عنه ؛ ولقد تيقنا أن الله ~~عز وجل ادخرك لنا نصرة على أعدائنا . فقال أسد الدين شيركوه : يا مولانا ~~بإمالة اللام والله لأنصحنك في الخدمة ولأجعلن PageV03P303 دولتك بعون الله ~~قاهرة . فقال الأستاذ : يقول لك مولانا الأمل فيك هذا وأكثر . ثم جددت له ~~الخلع وأفيضت عليه ، ونزل إلى داره . # وحسن عنده موقع الجليس ابن عبد القوى ، قاضي القضاة وداعي الدعاة ، وأثنى ~~عليه وشكره ، وقال لولا مذهبه ! فقال : إنه ولد بالمغرب وله دالة على ~~الخليفة ، ولولا ضبطه حواصل القصر لخرجت كلها لكرم العاضد ؛ لكنه يحترمه ~~ويقبل مشورته . فازدادت مكانته عند أسد الدين وأقره على حاله . # واستبد ms584 أسد الدين بأمور المملكة ، وغلب على الدولة ، واستعمل أصحابه ~~وثقاته على الأعمال ، وأقطع البلاد لعساكره . ولما أكب الناس عليه ~~بالتواقيع قلق من كثرة ما يوقع وقال : أظن مولانا استخدمني كاتبا . في رابع ~~جمادى الأولى قتل الكامل شجاع بن شاور ، والمعظم سليمان بن شاور ، وركن ~~الإسلام نجم أخو شاور ، وأحضرت رءوسهم إلى أسد الدين شيركوه . # ولما بلغ نور الدين وزارة شيركوه للعاضد واستبداده بالأمر كره ذلك وأمضه ~~، وظهر ذلك على صفحات وجهه وفلتات لسانه ، وأخذ يتحدث في ذلك ، وأفضى به ~~إلى الأمير مجد الدين ابن الداية . وأخذ يعمل الحيلة في إفساد أمر أسد ~~الدين وابن أخيه صلاح الدين ، وكاتب العاضد في ذلك غير مرة ، ويلتمس منه أن ~~يبعث إليه أسد الدين ، يريد بذلك إخراجه عن مصر . فلم يسمح العاضد بإرساله ~~لأنه دبر الأمور وقام بحمل أعباء المملكة من غير أن يغير على أصحاب العاضد ~~شيئا من أحوالهم ، ولا أنكر عليهم أمرا من أمورهم ، بل أقرهم على عوائدهم ~~سوى أنه أقطع البلاد لأصحابه . # وتولى عنه التدبير ابن أخيه صلاح الدين وقام بمباشرتها ، فصار إليه الأمر ~~والنهي حتى مات أسد الدين ، بعد أن استقر في الوزارة ثلاثة وستين يوما ، ~~يوم الأحد الثالث PageV03P304 والعشرين من جمادى الآخرة بخناق تولد له من ~~إكثاره أكل اللحوم الغليظة ، ودفن في الدار فلم تخرج له جنازة . # وكان شجاعا قويا ، جلدا عفيفا ، متألها ، يحب أهل الخير ، وله إيثار ، ~~وفيه ضبط وإمساك . وأصله من دوين ، بليدة من عمل أذربيجان من جهة أران ~~وبلاد الكرج ، وهو من قبيل الروادية إحدى بطون الهذبانية من قبائل الأكراد ~~. وقدم هو وأخوه نجم الدين أيوب ، وكان أسن منه ، إلى بغداد واتصلا بخدمة ~~مجاهد الدين بهروز شحنة العراق من قبل السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه ~~السلجوقي ولازماه . فبعث بأيوب إلى تكريت ، وكانت إقطاعه ، فأقره فيها ~~دزدارا ، ومعناه حافظ القلعة ، فإن دز بالفارسي القلعة ، ودار الحافظ . ~~فأقام بها ومعه أخوه شيركوه ، وله به إقطاع ، PageV03P305 إلى أن انهزم ~~عماد الدين زنكي من العراق من قراجا الساقي ووصل ms585 إلى تكريت ، فأمكنه أيوب ~~من قلعتها ورفعه إليها بالحبال ، وخدمه هو وأخوه شيركوه ، فاعتدها يدا لهما ~~. ثم أقام له السفن حتى عبر دجلة ؛ وتبعه أصحابه فأحسن إليهم وسيرهم إليه . # فبلغ ذلك الأمير مجاهد الدين بهروز فأنكر عليه وأخرجه من قلعة تكريت ، ~~فسار هو وشيركوه إلى عماد الدين زنكي ، وهو يومئذ صاحب الموصل ، فأكرمهما ~~وأقطعهما إقطاعا ، وتقدما عنده . فلما ملك بعلبك جعل نجم الدين دزدارها ، ~~فأقام بها إلى أن قتل عماد الدين زنكي وحصر عسكر دمشق بعلبك لأخذها لصاحب ~~دمشق ، مجير الدين أبق بن محمد بن بوري بن ظهير الدين طغتكين الأتابك . ~~فبعث إلى سيف الدين غازي بن عماد الدين زنكي بالموصل يعرفه ويطلب منه عسكرا ~~فلم يجبه ؛ فسلم بعلبك لصاحب دمشق على إقطاع ، وصار أحد أمراء دمشق . # وأما شيركوه فإنه لما خدم عماد الدين زنكي تمكن منه ، بواسطة الوزير جمال ~~الدين الأصفهاني ، إلى أن قتل ، فتعلق بخدمة ابنه نور الدين محمود بن زنكي ~~وتخصص PageV03P306 به ، حتى عظمت منزلته عنده . وصار معه إلى حلب فأقطعه ~~وأنعم عليه ، ثم أعطاه مدينة الرحبة وتدمر إلى أن جهزه إلى مصر وعاد منها ~~وهو كثير الذكر لها ، فخافه نور الدين وصرفه عنه وأعطاه مدينة حمص ، وجعله ~~مقدم عسكره إلى أن قدم مصر وملكها كما تقدم إلى أن مات ؛ فدفن بالقاهرة ، ~~ثم نقل منها إلى المدينة النبوية بعد مدة . # ولما احتضر قال : من ههنا ؟ فقال الطواشي بهاء الدين قراقوش : عبدك ~~قراقوش . فقال : بارك الله فيك ، الحمد لله الذي بلغنا من هذه الديار ما ~~أردنا ، ومتنا وأهلها راضون عنا . أوصيكم لا تفارقوا سور القاهرة حتى تطير ~~رءوسكم ، واحذروا من التفريط في الأسطول . # ولما توفي أسد الدين افترق أهل القصر وحواشي الخليفة العاضد من الأستاذين ~~وغيرهم فرقتين . فأما إحداهما وكبيرهم الأستاذ صنيعة الملك مؤتمن الخلافة ~~جوهر فإنهم قالوا قد مات أسد الدين المهدد به في الشرق والغرب ولم يحدث إلا ~~خير ، ومن الرأي أن نمسك مخلفته ونضيف إليها من جياد فرسان الغز ما تكون ~~جملته ثلاثة آلاف فارس ms586 ، ونقدم عليهم بهاء الدين قراقواش ، وننزلهم ~~بالشرقية ، ونجعلها بأجمعها إقطاعا لهم يسكنون بها ، فيصيرون بيننا وبين ~~الفرنج الذين طمعوا في البلاد ، يقاتلون عن حرمهم PageV03P307 وإقطاعاتهم . ~~ويرتب مولانا من أجناد الديار المصرية من ينتفع به ، ولا يقيم وزيرا تثقل ~~وطأته ويشارك الخليفة في أمره ، بل يجعل صاحب وساطة بين الناس وبين الخليفة ~~. وقالت الطائفة الأخرى لا وحق الله ، ما يكون وزير مولانا إلا ابن أخي ~~وزيره الذي هو منه وإليه ، يعنون صلاح الدين ، وإذا بقي المذكور أقام معه ~~قراقوش وغيره من المعتبرين . # وكذلك وقع في عسكر أسد الدين ، فإن شهاب الدين محمود الحارمي ، خال صلاح ~~الدين ، والأمير عبد الدولة ياروق الياروقي وأخاه الأمير بهاء الدولة ~~والأمير قطب الدين خسرو بن تليل ، والأمير سيف الدين علي بن أحمد الهكاري ~~المشطوب طلب كل منهم الوزارة لنفسه وجمع أصحابه ليغالب عليها . # واجتمع مماليك أسد الدين ، وهم خمسمائة ، على صلاح الدين وطلبوا وزارته ، ~~وتحدثوا بأن أسد الدين أوصى إليه ، فبعث العاضد إليهم وسأل الأمراء من يصلح ~~للوزارة ؛ فسار إليه شهاب الدين محمود الحارمي وأرشده إلى تولية صلاح الدين ~~. وكان العاضد قد مال إليه وقال لأصحابه من الأستاذين وغيرهم لما اختلفوا ، ~~كما تقدم ذكره ، والله إني لأستحي من تسريح صلاح الدين وما بلغت غرضا في ~~حقه لقرب عهد مقام عمه . فأرسل إليه وخلع عليه خلع الوزارة بالعقد والجوهر ~~، وحنكه ، ونعته بالملك الناصر ، وذلك في يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من ~~جمادى الآخرة . PageV03P308 # وصفة الخلعة ثوب أبيض دبيقي بطرازين ذهبا ، وطيلسان مقور بطراز ذهب دقيق ~~، وعمامة بيضاء مذهبة ، وفي عنقه العقد الجوهر وقيمته عشرة آلاف دينار ؛ ~~وقد تقلد سيف الوزارة وقيمته خمسة آلاف دينار . وركب فرسا حجرة صفراء من ~~مراكب العاضد قيمتها ثمانية آلاف دينار ، وعليها سرفسار ذهب مجوهر ، ~~وأعلاقها من سبتة ، وفي عنقها مشدة بيضاء برأسها مائتا حبة جوهرا وفي أربع ~~قوائمها أربعة عقود من جوهر ، وعلى رأسه قصبة ذهب في رأسها طلعة مجوهرة ~~ومشدة بيضاء بأعلام ذهب . وحمل بين يديه عدة بقج فيها أنواع من الثياب ms587 ، ~~وقيد معه أيضا عدة خيول ؛ ومنشور الوزارة ملفوف في ثوب أطلس أبيض بخط ~~القاضي الفاضل ومن إنشائه ؛ وقرأه الجليس ابن عبد القوي . وهو كبير جدا ~~وعلى رأسه بخط العاضد : هذا عهد أمير المؤمنين إليك ، وحجته عند الله ~~سبحانه عليك ؛ فأوف بعهدك ويمينك ، وخذ كتاب أمير المؤمنين ناهضا بيمينك ، ~~ولمن مضى بجدنا رسول الله أحسن أسوة ، ولمن بقى بقربنا أعظم سلوة . ' تلك ~~الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة ~~للمتقين ' . فكان آخر منشور كتب عن العاضد . # ولما نزل صلاح الدين إلى دار الوزارة لم يطعه أحد من الأمراء النورية ولا ~~خدموه ، فسعى الفقيه عيسى الهكاري في الإصلاح بينه وبينهم ، وبدأ بالمشطوب ~~فقال له : هذا الأمر لا يصل إليك مع وجود عين الدولة والحارمي وابن تليل . ~~ثم قصد الحارمي PageV03P309 وقال له : هذا صلاح الدين ابن أختك ، وعزه ~~وملكه لك ، وقد استقام له الأمر ، فلا تكن أول من يسعى في إخراجه عنه ولا ~~يصل إليك . وما زال بهم حتى مالوا إليه وأطاعوا بأجمعهم إلا عين الدولة ~~فإنه قال لا أخدم يوسف أبدا ، وخرج من القاهرة بجماعة وصار إلى نور الدين ~~بالشام . # فلما بلغ نور الدين استيلاء صلاح الدين أقام ثلاثة أيام لا يقدر أحد أن ~~يراه من شدة ما عظم عليه ذلك وأغضبه . # واستمال صلاح الدين قلوب الناس ، وساس الأمور وكاتب الأطراف ، وأقبل على ~~الجد ، وتاب عن الخمر ، وأعرض عن اللهو ، وتقرب إلى الخليفة العاضد بما ~~يرضيه فأحبه وأدناه حتى كان يدخله إليه القصر راكبا ويقيم عنده بالقصر عدة ~~أيام . وعظم في الدولة حتى حسده الأمراء وباينه جماعة منهم وتوجهوا إلى ~~الشام . وشرع في استمالة قلوب الناس إليه فبذل فيهم المال وأخرج ما كان في ~~خزائن عمه أسد الدين ؛ واستدعى من العاضد فأمده بشيء كثير من المال ، فكان ~~أمره في زيادة وقوة وأمر العامة في نقص وضعف . # وركب العاضد ومعه الملك الناصر صلاح الدين يوسف في غرة شهر رمضان ، وحمل ~~العادل أبو بكر السيف . ثم ركب أيضا جمعتين ms588 في شهر رمضان إلى الجامع الأزهر ~~والجامع الأنور على العادة ، وركب في عيد الفطر . # وأرسل إلى نور الدين يسأله في إرسال أبيه وأخيه فلم يجبه إلى ذلك . ~~PageV03P310 وصارت الخطبة بديار مصر للعاضد ومن بعده للملك العادل نور ~~الدين ، وهو في الظاهر ملك الديار المصرية وصلاح الدين لا يتصرف إلا عن ~~أمره كالنائب في الأمر عنه ؛ ونور الدين لا يفرده بكتاب ، بل يكتب : الأمير ~~الأسفهلار صلاح الدين وكافة الأمراء بالديار المصرية يفعلون كذا ؛ ويجعل ~~علامته على رأس الكتاب تعظيما لنفسه وترفعا عن أن يكتب اسمه . # وعندما بلغه وفاة أسد الدين شق عليه استيلاء صلاح الدين ، وتتبع أصحابه ~~وأصحاب أسد الدين ، وأخذ إقطاع صلاح الدين وإقطاع أسد الدين ، ومنع نوابه ~~من التصرف في حمص ، وأبعد أهاليهم واستثقلهم وطردهم عنه . وكتب إلى الأمراء ~~بمصر بمفارقته وتركه بمصر وحيدا ليوهن أمره . وشرع يذمه ويذكره بالسوء ~~ويعنته في الطلب بحمل الأموال إليه ، وصار كثيرا ما يقول : ملك ابن أيوب ~~ويستعظم ذلك احتقارا له . # وثقل ذلك على أهل الدولة وحواشي الخليفة العاضد ، فإنه أقطع أصحابه أجل ~~البلاد وآواهم ، وأبعد أهل مصر وأضعفهم ، واستبد بجميع الأمور ومنع العاضد ~~من التصرف ؛ ففطن العاضد لما يريد من إزالة الدولة . فثار الأستاذ مؤتمن ~~الخلافة ، وهو يومئذ من أكابر خدام القصر ، وبعث بمكاتبة إلى الفرنج يستنجد ~~بهم على الغز ، ويحثهم على قصد البلاد ليخرج إليهم صلاح الدين بعساكره ~~فيثور عند ذلك بصعيد مصر وطوائف العسكر ، PageV03P311 ويصير صلاح الدين ~~محصورا بين الفرنج وبينهم فيأخذونه ويتلفون من معه . ووافقه على ذلك جماعة ~~. # وبعث رجلا بالكتاب إلى الفرنج بعد ما جعله في نعل كي لا يعثر عليه . فلما ~~وصل الرجل إلى البئر البيضاء قريبا من بلبيس ، ظفر به بعض أصحاب صلاح الدين ~~ومعه نعلان جديدان في يده ، فارتاب لما رآه من سوء حاله وحسن النعلين ، ~~وعلم أنهما لا يليقان به ، ولو كانا من ملابسه لكان تبين فيهما أثر ~~الاستعمال . فأخذهما منه وفتحهما فوجد فيهما الكتب إلى الفرنج ، فتقرب بذلك ~~إلى صلاح الدين ، وحضر بالرجل ms589 والكتب إليه ؛ فكتم ذلك ، وتتبع من كتب الكتب ~~حتى أحضر إليه برجل يهودي ، فلما خاف منه أسلم وأخبره الخبر . # فبلغ ذلك مؤتمن الخلافة وخشي على نفسه ، فلزم القصر وامتنع من الخروج مدة ~~وصلاح الدين لا يلتفت إليه ، فاغتر بإعراضه عنه وخرج إلى منظرة له على ~~النيل ، بستان بناحية الخرقانية قريبا من قليوب . فأرسل إليه صلاح الدين ~~بجماعة من أصحابه هاجموه وقتلوه ، وصاروا إليه برأسه ، وذلك في يوم ~~الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة ؛ وجعل زمام القصور عوضه الطواشي بهاء ~~الدين قراقوش الأسدي . فغضب لقتله السودان وحرك منهم ما كانوا يتكتمونه ؛ ~~فاجتمعوا لحرب صلاح الدين في سادس عشريه ، صبيحة قتل مؤتمن الخلافة ، وقد ~~صاروا في جمع كثير من الأمراء المصريين وعوام البلد يزيد على الخمسين ألفا ~~، وزحفوا إلى دار الوزارة . # فبدر إليهم فخر الدين شمس الدولة توران شاه ، وركب صلاح الدين بعساكره ~~وقد تجمعت الريحانية والجيوشية والفرجية ومن انصاف إليها في بين القصرين ، ~~وخرجت إليهم الأرمن ؛ فوقع بين الفريقين قتال عظيم استظهر فيه العبيد على ~~الغز ، والعاضد PageV03P312 في المنظرة يشرف على الوقعة . فلما تبين الغلب ~~للعبيد وكادوا أن يهزموا الغز رمى أهل القصر بالنشاب والحجارة حتى امتنعوا ~~عن مقاتلة العبيد ، فنادى شمس الدولة النفاطين وأمرهم بإحراق المنظرة التي ~~فيها العاضد فطيب قارورة وصوب على المنظرة بها ، فإذا بباب الطاق قد فتح ~~وخرج منه زعيم الخلافة ، أحد الأستاذين الخواص ، وقال : أمير المؤمنين يسلم ~~على شمس الدولة ويقول دونكم والعبيد الكلاب أخرجوهم من بلادكم . فلما سمع ~~العبيد ذلك ، وكان قد قتل أحد مقدميهم ، وبعث صلاح الدين في أثناء محاربته ~~لهم إلى حارة السودان خارج باب زويلة ، المعروفة بالمنصورة ، فأحرقها وتلفت ~~أموالهم وهلكت أولادهم وحرمهم ؛ ضعفت لهذه الأمور أنفس العبيد ، وانهزموا ~~بعد ما ثبتوا يومين ، وتعين لهم الفل . فركب الغز أقفيتهم يقتلون ويأسرون ، ~~إلى أن وصوا إلى السيوفية وثبتوا هنالك ، فألقى شمس الدولة النيران في ~~المواضع التي امتنعوا بها . وأحرق أيضا دار الأرمن التي كانت بين القصرين ، ~~وكان بها خلق كثير من الأرمن كلهم ms590 رماة لهم جار ، وكانوا في هذه الحروب قد ~~أنكوا الغز بشدة رميهم ومنعوهم أن يتجاوزوا من موضعهم إلى محاربة العبيد ، ~~فلما احترقت عليهم الدار لم يكد يفلت منهم أحد . فالتجأ العبيد إلى عدة ~~أماكن ، وكلما امتنعوا بموضع ألقى فيه الغز النار وقاتلوهم ، حتى صاروا إلى ~~باب زويلة وأخذت عليهم أفواه السكك وقد وهنوا ولم يجدوا لهم ملجأ . فصاحوا ~~وطلبوا الأمان ، فأمنوا على ألا يبقى منهم أحد بالقاهرة ؛ فخرجوا بأجمعهم ~~إلى الجيزة . ومال الغز على أموالهم وديارهم واستباحوا جميع ما فيها ؛ وذلك ~~يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة . فما هو إلا أن صاروا بالجيزة حتى ~~عدى إليهم شمس الدولة بالعسكر فأبادهم حصدا بالسيف ، ولم ينج منهم إلا ~~الشريد . وأمر صلاح الدين بتخريب المنصورة وصيرها بستانا ؛ فمضى العبيد ~~وذهبت آثارهم من مصر . PageV03P313 # وقوي صلاح الدين ، وتلاشى العاضد وانحل أمره ، ولم يبق له سوى إقامة ذكره ~~في الخطبة . ووالي صلاح الدين الطلب من العاضد في كل يوم ليضعفه ، فأتى على ~~المال والخيل والرقيق وغير ذلك ، حتى ان العاضد كان في بعض الأيام بالبستان ~~الكافوري وإذا بقاصد صلاح الدين قد وافاه يطلب منه فرسا وهو راكب ، فقال ما ~~عندي إلا الفرس الذي أنا راكبه ، ونزل عنه ، وشق خفيه ورمى بهما وسلم إلى ~~القاصد الفرس وعاد إلى قصره ماشيا ، فلزم مجلسه ولم يعد بعدها يركب حتى مات ~~. # وأخرج صلاح الدين خاله الأمير شهاب الدين الحارمي إلى الصعيد يتبع من فر ~~من العبيد فأفناهم ، ولم يبق منهم بديار مصر إلا من اختفى ، بعد أن كانت ~~البلاد كلها لا تخلو مدينة ولا محلة من أن يكون فيها مكان معد للعبيد ، ~~محمي لا يدخله وال ولا غيره . وكان منهم ضرر على الناس . # وأخذ صلاح الدين في القبص على دور العبيد والأرمن والأمراء ، وأسكن فيها ~~أصحابه معه بالقاهرة . # وكان قاع النيل في هذه السنة ست أذرع وثماني أصابع ، وبلغ ثمان عشرة ~~ذراعا . PageV03P314 # | سنة خمس وستين وخمسمائة # فيها قدم من الشام إخوة صلاح الدين يوسف وعياله ؛ وقيل كان قدومهم ms591 في سنة ~~أربع . # فيها تحرك الفرنج لغزو ديار مصر خوفا من صلاح الدين ونور الدين عندما ~~بلغهم تمكنه من ديار مصر وقطع آثار جند المصريين . فكاتبوا فرنج صقلية ~~وغيرهم واستنجدوا بهم ، فأمدوهم بالمال والسلاح والرجال ، وساروا بالدبابات ~~والمنجنيقات إلى دمياط ، فنزلوا عليها في مستهل صفر بألف ومائة مركب ، ما ~~بين شين ومسطح وشلندي وطريدة ، وأحاطوا بها برا وبحرا . # فبعث صلاح الدين بالأمير تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب ، ابن أخي ~~صلاح الدين ، وأتبعه بالأمير شهاب الدين الحارمي ، في عساكر إلى دمياط ، ~~وأمدهم بالمال والميرة والسلاح . # وألح الفرنج على أهل دمياط وضايقوهم ، والناس فيها صابرون في محاربتهم . ~~وبعث صلاح الدين إلى نور الدين يستنجده ويعلم أنه لا يمكنه الخروج من ~~القاهرة إلى لقاء الفرنج خوفا من قيام المصريين عليه ؛ فجهز إليه نور الدين ~~العساكر شيئا بعد شيء ، وخرج بنفسه إلى بلاد الفرنج بالساحل وأغار عليها ~~واستباحها . PageV03P315 # واستمر الفرنج على دمياط أحدا وخمسين يوما ، ثم رحلوا عنها في الحادي ~~والعشرين ، وقيل في الثالث والعشرين ، من ربيع الآخر ، خوفا على بلادهم من ~~نور الدين ولفناء وقع فيهم ؛ وغرق من مراكبهم نحو الثلثمائة مركب . فأحرقوا ~~ما ثقل عليهم حمله من المنجنيقات وغيرها . # وبلغت النفقة من صلاح الدين على هذه النوبة ألف ألف دينار مصرية . وكان ~~يقول ما رأيت أكرم من العاضد ؛ أرسل إلى مدة مقام الفرنج على دمياط ألف ألف ~~دينار سوى الثياب وغيرها . # وورد كتاب نور الدين إلى العاضد يهنئه برحيل الفرنج عن دمياط ، وكان صلاح ~~الدين سير إليه يبشره برحيلهم ، وسير إليه العاضد يستقيله من الأتراك خوفا ~~منهم ويطلب الاقتصار على الملك الناصر صلاح الدين ، فتضمن كتابه مدح ~~الأتراك والثناء عليهم . وفيها أرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يبعث ~~إليه بأبيه نجم الدين أيوب ابن شاذي ، فأرسله إليه في عسكر ، وسار معه كثير ~~من التجار ممن له هوى في مصر وغرض في صلاح الدين . فخرج ابنه صلاح الدين ~~إلى لقائه ومعه الخليفة العاضد إلى صحراء الإهليلج خارج باب الفتوح ms592 ولقيه ~~هناك ؛ ولم تجر العادة بخروج الخليفة إلى لقاء أحد ؛ وذلك في رابع عشر شهر ~~رجب . ولقبه العاضد بالملك الأوحد ، وزينت القاهرة ومصر لقدومه فكان من ~~الأيام المذكورة ؛ وبالغ العاضد في احترامه والإقبال عليه . ونزل اللؤلؤة . # وكان سبب تجهيز الملك العادل نور الدين لنجم الدين أيوب كثرة ورود مكاتبة ~~الخليفة المستنجد بالله العباسي عليه من بغداد يعاتبه على تأخير إقامة ~~الخطبة العباسية بمصر ، فوالي نور الدين كتابة الملاطفات إلى صلاح الدين ~~يأمره بذلك ، وهو يعتذر إليه PageV03P316 عن ترك الخطبة بما يخافه من ~~المصريين . فوردت رسل المستنجد إلى دمشق بالاستحثاث والعزم على إقامة ~~الخطبة بمصر ولا بد ؛ فرأى نور الدين أن مثل هذا المهم لا يقوم به إلا نجم ~~الدين أيوب ، وكان يتولى قلعة بعلبك ، فأرسل إليه وقرر معه الأمر وسيره . # وكان وصوله إلى القاهرة لست بقين من رجب ، وقيل في جمادى الآخرة ، فقررت ~~له ولاية الإسكندرية وولاية دمياط والبحيرة . وأقطع الأمير فخر الدين شمس ~~الدولة توران شاه ، ابن والد الملوك الملك الأفضل نجم الدين أيوب ، قوص ~~وأسوان وعيذاب ، وكانت عبرتها يومئذ في تلك السنة مائتي ألف دينار وستة ~~وستين ألف دينار ؛ فاستناب عنه في قوص الأمير شمس الخلافة محمد بن مختار . # فيها ثار الأمير عباس بن شاذي بمرج بني هميم ، من أعمال قوص ، ومنع رسلان ~~دعمش المتوجه لجباية خراج قوص من التوجه ، واستباح عسكره . # وفيها أبطل صلاح الدين الأذان بحي على خير العمل محمد وعلي خير البشر ، ~~فكانت أول وصمة دخلت على الدولة . ثم أمر أن يذكر في الخطبة يوم الجمعة ~~الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان ثم علي ، وذلك يوم الجمعة لعشر مضين ~~من ذي الحجة . PageV03P317 ثم أمر أن يذكر العاضد في الخطبة بكلام يحتمل ~~التلبيس على الشيعة ، فكان الخطيب يقول : اللهم أصلح العاضد لدينك . لا غير ~~. # وفي يوم الاثنين ، بعد طلوع الشمس ، الثاني عشر من شوال حدثت زلزلة عظيمة ~~مهولة بدمشق سقط منها بعض شرف الجامع الأموي وتشقق رأسا المنارتين الشرقية ~~والغربية ، وكانت المنارة الشمالية تهتز اهتزاز السعفة ms593 في الريح العاصفة . ~~ثم جاءت زلزلة أخرى بعد ساعة ، ثم جاءت زلزلة ثالثة بعد العصر . وأثرت هذه ~~الزلزلة آثارا شنيعة بحلب وبعلبك وحمص وحماة وشيزر وكفر طاب وتل بارين ~~والمعرة وتل باشر وعزاز وأفامية وأبو قبيس والمنيطرة وحصون الباطنية بأسرها ~~. وامتدت إلى الجزيرة والموصل ونصيبين وسنجار ودنيسر وماردين والرها وحران ~~ورأس العين والرقة وقلعة جعبر وقلعة نجم وبالس ومنبج وبزاعا وعين تاب وحارم ~~وأنطاكية وما خلفها من الثغور وبيروت وأطرابلس وعرقة وطرسوس وجبلة والمرقب ~~واللاذقية وعكا وصور وغيرها ؛ فمنها ما دمر بأسره ومنها ما ذهب أكثره ومنها ~~ما ذهب بعضه ومنها ما تشعث . وهلك بحلب عدد كثير من الناس وببعلبك ، ولم ~~يهلك بدمشق غير واحد أصابته قطعة من حجر فسقط على درج جيرون فمات . وجاءت ~~بدمشق زلازل في عدة ليالي وأيام إلى يوم الجمعة عاشر ذي القعدة . # فيها ولي القاضي المفضل أبو القاسم هبة الله بن كامل قضاء القضاة في ذي ~~الحجة ؛ فرتب صلاح الدين الفقيه عيسى الهكاري بحكم القاهرة وابن كامل بحكم ~~مصر . PageV03P318 # | سنة ست وستين وخمسمائة # فيها رفع صلاح الدين جميع المكوس بديار مصر وأبطلها . # وفيها أمر بهدم المعونة بمصر فهدمت ، وعمرها مدرسة للشافعية ؛ ولم يكن ~~قبل ذلك بديار مصر مدرسة لأحد من الفقهاء فإن الدولة كانت إسماعيلية . وهذه ~~المدرسة بجوار جامع عمرو بن العاص وعرفت أخيرا بالمدرسة الشريفية ؛ وهي أول ~~مدرسة عمرت بمصر لإلقاء العلم . وأنشأ دار الغزل به مدرسة للمالكية بجوار ~~الجامع أيضا ، وتعرف اليوم هذه المدرسة بالقمحية . وفيها عزل صلاح الدين ~~قضاء مصر من الشيعة ، وولي قاضي القضاة صدر الدين عبد الملك بن درباس ~~الهدباني الشافعي ، وجعل إليه الحكم في جميع بلاد مصر بعدما أحضره من ~~المحلة ، وخلع عليه في يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة ؛ فعزل من كان بها ~~من القضاة واستناب عنه قضاة شافعية . ومن حينئذ اشتهر مذهب الشافعي ومذهب ~~مالك بديار PageV03P319 مصر وتظاهر الناس بهما ، واختفى مذهب الشيعة من ~~الإمامية الإسماعيلية . وبطل من حينئذ مجلس الدعوة بالجامع الأزهر وغيره . # وفيها ابتدأ صلاح ms594 الدين في غزو الفرنج ، فجمع الجنود والعساكر ، وخرج في ~~أحسن زي إلى بلاد عسقلان والرملة فشن الغارات عليها ، وهجم ربض مدينة غزة ، ~~وواقع ملك الفرنج على الداروم ففل جمعه وقتل منه كثيرا من الفرنج ، ونجا ~~ملكهم بحشاشته . وعاد صلاح الدين مظفرا غانما . # ثم خرج في النصف من ربيع الأول ومعه مراكب مفصلة على الجمال ، فسار إلى ~~أيلة ، وكان بها قلعة منيعة قد ملكها الفرنج ، فألقى المراكب المحمولة معه ~~بعد إقامتها وإصلاحها في البحر ، وشحنها بالرجال والسلاح ، وضايق قلعة أيلة ~~في البر والبحر حتى افتتحها في العشرين من ربيع الآخر ، وقتل من بها من ~~الفرنج ، وسلمها لثقات من أصحابه أقامهم فيها وقواهم بالسلاح والميرة ونحو ~~ذلك . # ووردت عليه قافلة أهله فسار بهم إلى القاهرة ودخل في سادس عشري جمادى ~~الأولى . ثم سار إلى الإسكندرية لمشاهدة سورها وترتيب أمورها ، فدخلها وأمر ~~بإصلاح السور والأبراج ؛ فعمر ما تهدم منه . # وفيها اشترى الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب منازل العز ~~بمصر ، في النصف من شعبان ، وجعلها مدرسة للشافعية ، وأوقف عليها عدة أماكن ~~، منها الروضة تجاه مصر . PageV03P320 # وفيها خرج الأمير شمس الدولة توران شاه إلى بلاد الصعيد ، وأوقع بالعربان ~~، وغنم منها غنائم تجل عن الوصف ، وعاد إلى القاهرة . # وفيها ابتدأ صلاح الدين بعمارة السور الجديد على القاهرة . # وفيها كثر بمصر عسكر صلاح الدين وأقاربه وأصحابه ، وانكفت أمراء المصريين ~~عن التصرف ومنعوا من كل شيء ، فبسطوا ألسنتهم بالقول ضد ما عليه صلاح الدين ~~وأصحابه من الفعل في محو آثار الدولة الفاطمية وإزالة رسومها ، وخلع العاضد ~~وقتله . والدعاء للخليفة العباسي . فلما رأى أمره قد قوي وأوتاد دولته قد ~~تمكنت من البلاد عزم على إظهار ما يخفيه ؛ فواعد أمراء النشابين على أن ~~يمضوا إلى بيوت الأمراء المصريين في الليل ، ويقف كل أمير منهم بجنده على ~~باب أمير من أمراء مصر ، فإذا خرج للخدمة قبض عليه واحتاط على داره وما ~~فيها وأخذها لنفسه . # فأصبحوا واقفين على منازل الأمراء المصريين بأجنادهم ، فما هو إلا أن ~~يخرج الأمير ms595 من منزله ليصير إلى الخدمة على عادته فإذا بالأمير الشامي الذي ~~قد عين له وقد قبض عليه وأوثقه ، وهجم بمن معه على داره فملكها بجميع ما ~~تحتوي عليه ، وما يتعلق بصاحبها وينسب إليه من أهل ومال وخيول وعبيد وجوار ~~، وماله من إقطاع . فلم ينتشر الضوء حتى علت الأصوات وارتفعت الضجات وثار ~~الصياح من كل جانب ، وصار الأمراء الشاميون في سائر نعم أمراء مصر ، وأصبح ~~الأمراء المصريون أسرى معتقلين في أيدي أعاديهم . فال أمرهم إلى أن صار ~~الأمير منهم بوابا على الدار التي كان يسكنها ، وصار آخر منهم سائس فرس كان ~~يركبها ، وصار آخر وكيل القبض في بلد كانت إقطاعا له ؛ ونحو ذلك من أنواع ~~الهوان . # وبلغ ذلك العاضد فشق عليه وأرسل إلى صلاح الدين يسأله عن سبب القبض على ~~الأمراء ، فبعث إليه بأن هؤلاء الأمراء كانوا عصاة لأمرك والمصلحة قتلهم ~~وإقامة غيرهم ممن يمتثل أمرك . فسكت . PageV03P321 # وتقوى صلاح الدين وعظم أمره ، وذهب من كان يخشاه ويخافه ، وأخرج أكثر ~~إقطاعات الأجناد بمصر ، وزاد الأمير شمس الدولة على إقطاعه ناحية بوش ~~ودهشور والمنوفية وغير ذلك . وانحل أمر العاضد . # فيها قبض صلاح الدين على جميع بلاد العاضد ومنع عنه سائر مواده ، بحيث لم ~~يبق له شيئا ؛ وقبض على القصور وسلمها إلى الطواشي بهاء الدين قراقوش ~~الأسدي ، وهو يومئذ زمام القصور من بعد قتل مؤتمن الخلافة ، وصار له في ~~القصر موضع ، فلا يدخل شيء من الأشياء إلى القصر ولا يخرج منه إلا بمرأى ~~منه ومسمع . وضيق على أهل القصر حتى قبض في هذه الأيام على جميع ما فيها ، ~~وصار العاضد معتقلا تحت أيديهم . وفيها أمر صلاح الدين بتغيير شعار ~~الفاطميين ، وأبطل ذكر العاضد من الخطبة . وكان الخطيب يدعو للإمام أبي ~~محمد ، فتخاله العامة والروافض العاضد وهو يريد أبا محمد الحسن المستضئ ~~بأمر الله أمير المؤمنين الخليفة . ثم أعلن بالعزم على إقامة الخطبة ~~العباسية . # وفيها مات الشيخ الموفق يوسف بن محمد أبو الحجاج ، ابن الخلال ، كاتب ~~الدست PageV03P322 وفي يوم الجمعة سلخ ذي الحجة عزم صلاح ms596 الدين على الإعلان ~~بالأمر وكشف الغطاء فأحجم الخطباء عن ذلك تقية وحذرا ، فانتدب لذلك رجل من ~~أهل المغرب يقال له اليسع ابن عيسى بن حزم بن عبد الله بن اليسع أبو يحيى ~~الغافقي الأندلسي ، فقصد المنبر مستعدا من الحديد بما يدفع عن نفسه إن ~~أراده أحد بسوء ؛ فخطب ودعا للخليفة أبي محمد الحسن المستضئ بأمر الله أمير ~~المؤمنين ، وذكر نسبه إلى العباس . وقيل بل كان ذلك في السنة الآتية . ~~PageV03P323 # | سنة سبع وستين وخمسمائة # في أول المحرم نسخ منشور بنقل السنة الخراجية إلى السنة الهلالية لخلو ~~هذه السنة من نوروز . ومنذ نقلت السنة في أيام الأفضل أمير الجيوش ، كما ~~تقدم ذكره ، لم تنقل ، وانسحب الأمر حتى تداخلت السنون ، وصار التفاوت بين ~~العربية والقبطية سنتين . # وفي رابعه جلس العاضد بعد الإرجاف بأنه أثخن في رمضه ، فشوهد على ما حقق ~~الإرجاف من ضعف القوى وتخاذل الأعضاء وظهور الحمى ؛ وقيل إنها تفشت بأعضائه ~~. PageV03P324 وأمسك طبيبه المعروف بابن السديد عن الحضور إليه ، وامتنع من ~~مداواته ، وخذله مساعدة عليه للزمان ، وميلا مع الأيام . # وفيها نزل نجم الدين أيوب بجماعة معه إلى الجامع وأمر الخطيب ألا يذكر ~~العاضد ، وقال إن ذكرته ضربت عنقك . فقال لمن أخطب ؟ فقال للخليفة المستضيء ~~بأمر الله العباسي . فلما خطب لم يذكر العاضد ولا غيره ، بل دعا للأئمة ~~المهديين والملك الناصر . فقيل له في ذلك ، فقال : ما علمت اسم المستضيء ~~ولا نعوته ، وفي الجمعة الثانية أفعل ما يجب فعله وأذكره . فلما بلغ العاضد ~~ذلك قال في الجمعة الأخرى يعينون اسم الرجل المخطوب له . فلما كانت الجمعة ~~الثانية ، وهي سابعه ، خطب باسم الخليفة المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن ~~بن المستنجد بالله أبي المظفر يوسف بن المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد ~~ابن المستظهر بالله . وقطعت الخطبة للعاضد لدين الله فانقطعت ولم تعد بعدها ~~إلى اليوم الخطبة للفاطميين . # وذلك أنه لما ثبتت قدم صلاح الدين بالديار المصرية وأزال المخالفين له ، ~~وضعف أمر الخليفة العاضد بقتل رجاله وذهاب أمواله ، وصار الحكم على قصره ~~قراقوش ms597 ، طواشي أسد الدين ، نيابة عن صلاح الدين ، وتمكنت عساكر نور الدين ~~من مصر طمع في أخذها . وكتب إلى صلاح الدين وفي ظنه وظن جميع عساكره أن ~~صلاح الدين إنما هو نائب عنه في مصر متى أراد سحبه بإذنه لا يمتنع عليه ~~يأمره بقطع خطبة العاضد وإقامتها للمستضيء العباسي . فاعتذر بالخوف من قيام ~~المصريين عليه وعلى من معه لميلهم كان إلى الفاطميين ، ولأنه خاف من قطع ~~خطبة العاضد وإقامة الخطبة للمستضيء أن يسير PageV03P325 نور الدين إلى مصر ~~وينزعه منها . فلم يقبل منه نور الدين وألح عليه وألزمه إلزاما لم يجد ~~مندوحة عن مخالفته ، وساعدته الأقدار بمرض العاضد المرض الذي غلب على الظن ~~أنه لا يعيش منه . فجمع صلاح الدين أصحابه إليه واستشارهم في ذلك ، ~~فاختلفوا ، فمنهم من أشار بقطع خطبة العاضد ، ومنهم لم يشر بها . # وكان قد دخل إلى مصر رجل عجمي يعرف بالأمير العالم ، يزعم أنه عباسي ~~فاطمي من أيام الصالح بن رزيك ، وما زال ينتقل في قوالب الانتساب وأساليب ~~الاكتساب . فلما رأى ما هم فيه من الإحجام وأن أحدا لا يتجاسر ويخطب ~~للمستضيء قبل الخطيب ، فلم ينكر أحد عليه ولا تحرك له . فتيقن حينئذ صلاح ~~الدين ذهاب قوة القوم من وال يغريهم . فتقدم إلى جميع الخطباء بأن يخطبوا ~~في الجمعة الآتية للمستضيء ، وكتب بذلك إلى سائر أعمال مصر . فكان الذي ~~ابتدأ بالخطبة للمستضيء في الجامع العتيق بمصر أبو عبد الله محمد ابن الحسن ~~بن الحسين بن أبي المضاء الدمشقي . وكان قدم به أبوه إلى مصر فنشأ بها وقرأ ~~الأدب ، ورحل إلى دمشق وبغداد وتفقه ، وعاد إلى مصر ، واتصل بخدمة السلطان ~~صلاح الدين فولاه الخطابة بمصر ثم بعثه رسولا إلى بغداد ، فمات بدمشق . ~~وولي الخطابة بعده الشيخ أبو إسحاق العراقي . فكتم أهل العاضد ذلك عنه لشدة ~~ما به من المرض . وكان ذلك من أعجب ما يؤرخ ، فإن الخطبة بديار مصر أول ما ~~خطب بها للمعز لدين الله ، أول خلائف الفاطميين بمصر ، PageV03P326 عمر بن ~~عبد السميع العباسي الخطيب بجامع عمرو ، كما ms598 تقدم ذكره ، وكان الذي قطع ~~خطبة العاضد ، آخر خلائفهم ، رجل عباسي . ومثله في الغرابة أن الفاطميين لم ~~يتمكنوا من الديار المصرية حتى قصدوها بعساكرهم مرتين مع القائم بن المهدي ~~ولم يفتح ، وفتحوها في الثالثة على يد جوهر ؛ وكذا حصل في زوالهم من مصر ~~فإن شيركوه قصد مصر مرتين ورجع ، ثم قصدها في المرة الثالثة واستقر بها حتى ~~أزالت عساكره الدولة . # في ثامنه أمر صلاح الدين بركوب عساكره كلها قديمها وجديدها ، بعد أن ~~تكامل سلاحهم وخيولهم ، وخرج لعرضهم ، وهي تمر عليه موكبا بعد موكب وطلبا ~~بعد طلب . والطلب بلغة الغز هو الأمير المقدم الذي له علم معقود وبوق مضروب ~~وعدة من الجند ما بين مائتي فارس إلى مائة فارس إلى سبعين فارسا . واستمر ~~طول النهار في عرضهم . وكانت العدة الحاضرة مائة وسبعة وأربعين طلبا ~~والغائب منها عشرون طبا ، وتقدير العدة أربعة عشر ألف فارس . # في يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من المحرم ، عشية يوم عاشوراء ، نفذ حكم ~~الله المقدور ، وقضاؤه الذي يستوي فيه الآمر والمأمور ، في العاضد لدين ~~الله ، في الثلث الأول من ليلة الاثنين يوم عاشوراء ، وقامت عليه الواعبة ، ~~وعظمت ضوضاء الأصوات النادبة ، حتى كأن القيامة قد قامت . وكان بين وضع ~~اسمه من أعواد المنابر ورفع جسمه على أعواد النعش ثلاثة أيام . فاعتني به ~~صلاح الدين عن أن يبتذل أو يهان بعد الموت ، وكان من معه من الأمراء يريدون ~~ذلك ؛ وأمر بكف الأيدي واعتقال الألسنة عن التعرض إليه بسوء ؛ وركب معزيا ~~لأهل القصر . وأمر بتجهيزه وقد أظهر الكآبة والحزن وأجرى دمعه ، ووعد أهله ~~بحسن الخلافة على أيتام العاضد وهم ثلاثة عشر ولدا : أبو الحسن ، وأبو ~~سليمان داود ، وأبو الحجاج يوسف ، وأبو الفتوح ، وأبو إسحاق إبراهيم ، وأبو ~~الفضل PageV03P327 جعفر ، وأبو داود موسى ، وأبو زكريا يحيى ، وعبد القوي ، ~~وعبد الكريم ، وعبد الصمد ، وأبو اليسر ، وأبو القاسم عيسى . # وأمر بإنشاء الكتب إلى البلاد بذكر وفاة العاضد وأن الخطبة استقرت ~~للمستضيء بأمر الله أمير المؤمنين العباسي ، وألا يخوض أحد في شأن العاضد ~~ولا يطعن ms599 في سلطان . وكتب إلى نور الدين بموت العاضد وإقامة الخطبة ~~للمستضيء كما أشار به مع ابن أبي عصرون . # وفي حادي عشره عمل الباقي بالإيوان ، وحضر السلطان صلاح الدين ؛ وكان ~~محفلا حافلا وجمعا حاشدا ، فيه خلق من الزوايا وأهل التصوف وغيرهم . واهتم ~~بما يحمل من أطعمة العزاء . # وكانت النفوس متطلعة إلى إقامة خليفة بعد العاضد من أهله يشار إليه ~~بالأمر ، فلم يرض ذلك صلاح الدين . # ومات العاضد وعمره إحدى وعشرون سنة غير عشرة أيام ، منها في الخلافة إلى ~~أن أعيدت دولة بني العباس في مستهل المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة إحدى ~~عشرة سنة وخمسة أشهر وسبعة عشر يوما . وكان كريما سمحا لطيفا ، لين الجانب ~~، يغلب عليه الخير وينقاد إليه . وكان أسمر حلو السمرة كبير العينين أزج ~~الحاجبين ، في أنفه حلس وفي منخريه انتشار ، وفي شفتيه غلظ . PageV03P328 # وترك العاضد من الولد الأمير داود ، والأمير عليا ويقال أبو علي ، ~~والأمير عبد الكريم ، وتميما ، وموسى ، وعبد القوي ، وجعفر ، وعبد اصمد ، ~~وأبا الفتوح ، وحيدرة ، وإبراهيم ، ويحيى ، وجبريل ، وعيسى ، وسليمان ، ~~ويوسف غير أن أيامه كانت ذات مخاوف وتهديدات ، وقاسى شاورا وتلوناته ~~ومخايلاته ، ثم محاصرة الفرنج ومضايقته . وفي أيامه احترقت مصر وذهبت أموال ~~أهلها وزالت نعمتهم بالحريق والنهب . وكان متغاليا في مذهبه شديدا على من ~~خالفه . ولم يكن فيمن ولي من أبائه من أبوه غير خليفة سواه ومن قبله الحافظ ~~، وما عداهما فلم يل منهم أحد الخلافة إلا من كان أبوه خليفة . # وقال ابن خلكان : سمعت جماعة من المصريين يقولون إن هؤلاء القوم في أوائل ~~دولتهم قالوا لبعض العلماء اكتب لنا ورقة تذكر فيها ألقابا تصلح للخلفاء ~~حتى إذا تولى واحد لقبوه ببعض تلك الألقاب ، فكتب لهم ألقابا كثيرة ، وآخر ~~ما كتب في الورقة العاضد ، فاتفق أن آخر من ولي منهم تلقب بالعاضد ؛ وهذا ~~من عجيب الاتفاق . قال : وأخبرني أحد علماء المصريين أيضا أن العاضد رأى في ~~آخر دولته في منامه كأنه بمدينة مصر وقد خرجت إليه عقرب من مسجد معروف بها ~~فلدغته ، فلما استيقظ ارتاع لذلك ms600 وطلب بعض معبري الرؤيا وقص عليه المنام ، ~~فقال ينالك مكروه من شخص هو مقيم في هذا المسجد ، فطلب والي مصر وأمره يكشف ~~عمن هو مقيم في المسجد المذكور ، وكان العاضد يعرفه . فمضى الوالي إلى ~~المسجد فرأى فيه رجلا صوفيا ، فأخذه ودخل به على العاضد ، فلما رآه سأله من ~~أين هو ، ومتى قدم البلاد ، وفي أي شيء قدم ، وهو يجاوبه عن كل سؤال . فلما ~~ظهر له منه ضعف الحال والصدق والعجز عن إيصال المكروه إليه أعطاه شيئا وقال ~~له : يا شيخ ادع لنا ، وأطلق سبيله ؛ فنهض من عنده وعاد إلى المسجد . فلما ~~استولى صلاح الدين وعزم على القبض على العاضد واستفتى الفقهاء أفتوه بجواز ~~ذلك PageV03P329 لما كان عليه العاضد وأشياعه من انحلال العقيدة وفساد ~~الإعتقاد وكثرة الوقوع في الصحابة ، وكان أكثرهم مبالغة في الفتيا الصوفي ~~المقيم في المسجد وهو نجم الدين الخبوشاني فإنه عدد مساوئ القوم وسلب عنهم ~~الإيمان ، وأطال الكلام في ذلك ؛ فصحت بذلك رؤيا العاضد . # وحكى الشريف الجليس أن العاضد طلبه يوما ، فلما دخل عليه رأى عنده ~~مملوكين من الترك عليهما أقبية ، فسأله عنهما ، فقال له : هذه هيئة الذين ~~يملكون ديارنا ويأخذون أموالنا ؛ فلما دخل الغز كانت هيئتهم كهيئة هذين ~~المملوكين . # ومن العجيب أنه لم يمت بالقصر منهم إلا المعز أولهم بمصر والعاضد آخرهم ، ~~وعدتهم أربعة عشر دفنوا كلهم بالتربة في المجلس ؛ فلو اتفق أنه مات آخر لم ~~يوجد له عندهم مكان يدفن فيه لامتلائه بقور الأربعة عشر ، وهذا أيضا من ~~عجيب أمرهم . # ولما مات العاضد استولى صلاح الدين على جميع ما كان في القصر ، فإن ~~قراقوش قام بحفظه ، فلم يجد فيه كثير مال ، لكنه وجد فيه من الفرش والسلاح ~~والذخائر والتحف ما يخرج عن الإحصاء ، ووجد فيه من الأعلاق النفيسة ~~والأشياء الغريبة ما تخلو الدنيا من مثله ، ومن الجواهر ما لا يوجد عند ~~غيرهم مثله . منها حبل ياقوت زنته سبعة عشر درهما أو سبعة عشر مثقالا ، ~~ونصاب زمرد طوله أربعة أصابع في عرض كبير ، ولؤلؤ كثير ، PageV03P330 ~~وإبريق من ms601 حجر مانع يسع مائه رطل ماء ، وسبعمائة يتيمة بزهر ، والطبل الذي ~~صنع لإزالة القولنج ، وكان بالقرب من موضع العاضد ، فلما احتاطوا بالقصر ~~ظنوه عمل للعب فسخروا من العاضد ، وضرب عليه إنسان فضرط فتضاحك من حضر منهم ~~، ثم ضرب عليه آخر فضرط ، ثم آخر من بعد فضرط ، حتى كثر ذلك فألقاه من يده ~~فتكسر ؛ وقيل للسلطان عليه وأنه عمل للقولنج فندم على كسره . # ووجد من الكتب النفيسة ما لا يعد ؛ ويقال إنها كانت ألف ألف وستمائة ألف ~~كتاب ، منها مائة ألف مجلد بخط منسوب ، وألف ومائتان وعشرون نسخة من تاريخ ~~الطبري ؛ فباع السلطان جميع ذلك ، وقام البيع فيها عشر سنين . # ونقل أهل العاضد وأقاربه إلى مكان بالقصر ووكل بهم من يحفظهم . وأخرج ~~سائر ما في القصر من العبيد والإماء فباع بعضهم وأعتق بعضهم ووهب منهم . ~~وخلا القصر من ساكنه كأن لم يغن بالأمس . # وكانت مدة الدولة الفاطمية بالمغرب ومصر منذ دعي للمهدي عبيد الله برقادة ~~من القيروان إلى حين قطعت من ديار مصر مائتي سنة وتسعا وستين سنة وسبعة ~~أشهر وأياما ، أولها لإحدى عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين ~~وآخرها سلخ ذي الحجة سنة ست وستين وخمسمائة . منها بالمغرب إلى حين قدوم ~~القائد جوهر إلى مصر أحد وستون سنة وشهران وأيام ؛ ومنها بالقاهرة ومصر ~~مائتا سنة وثماني سنين . وما أعجب قول المهدي ابن الزبير في مدح العاضد : ~~PageV03P331 # بل عاد للدنيا الجمال . . . وبدا على الدين الجلال # أصبحت في الخلفاء را . . . بع عشرهم ، وهو الكمال # فإن الشيء إذا كمل بدأ نقصه ، وبالعاضد تم ملك الفاطميين وزال بموته . # قال ابن سعيد : ولم يسمع فيما بكيت به دولة بعد انقراضها أحسن من قصيدة ~~عمارة ابن علي اليمني الذي قتله صلاح الدين ، وهي : # رميت يا دهر كف المجد بالشلل . . . وجيده بعد حسن الحلي بالعطل # سعيت في منهج الرأي العثور ، فإن . . . قدرت من عثرات الدهر فاستقل # جدعت مارنك الأقني ، فأنفك لا . . . ينفك ما بين قرع السن والحجل هدمت ~~قاعدة المعروف عن عجل . . . سقيت مهلا ms602 ، أما تمشي على مهل ! # لهفي ولهف بني الآمال قاطبة . . . على فجيعتنا في أكرم الدول # قدمت مصر ، فأولتني خلائفها . . . من المكارم ما أربى على الأمل # قوم عرفت بهم كسب الألوف ، ومن . . . كمالها أنها جاءت ولم أسل # وكنت من وزراء الدست حين سما . . . رأس الحصان بهاديه على الكفل # ونلت من عظماء الجيش مكرمة . . . وخلة حرست من عارض الخلل # يا عاذلي في هوى أبناء فاطمة . . . لك الملامة إن قصرت في عذلي # بالله زر ساحة القصرين ، وابك معي . . . عليهما ، لا على صفين والجمل # وقل لأهلهما : والله ما التحمت . . . فيكم جراحي ، ولا قرحي بمندمل ~~PageV03P332 # ماذا عسى كانت الإفرنج فاعلة . . . في نسل آل أمير المؤمنين علي # هل كان في الأمر شيء غير قسمة ما . . . ملكتم بين حكم السبي والنفل # وقد حصلتم عليها ، واسم جدكم . . . محمد ، وأبوكم غير منتقل # مررت بالقصر والأركان خالية . . . من الوفود ، وكانت قبلة القبل # فملت عنها بوجهي خوف منتقد . . . من الأعادي ، ووجه الود لم يمل # أسبلت من أسف دمعي غداة خلت . . . رحابكم وغدت مهجورة السبل # أبكى على مأثرات من مكارمكم . . . حال الزمان عليها وهي لم تحل # دار الضيافة كانت أنس وافدكم . . . واليوم أوحش من رسم ومن طلل # وفطرة الصوم إن أضحت مكارمكم . . . تشكو من الدهر ضيما غير محتمل # وكسوة الناس في الفصلين قد درست . . . ورث منها جديد عندهم وبلي # وموسم كان في يوم الخليج لكم . . . يأتي تجملكم فيه على الجمل # وأول العام والعيدين كم لكم . . . فيهن من وبل جود ليس بالوشل # والأرض تهتز في يوم الغدير كما . . . يهتز ما بين قصريكم من الأسل # والخيل تعرض في وشي وفي شية . . . مثل الطواويس في حلي وفي حلل # ولا حملتم قرى الأضياف من سعة ال . . . أطباق إلا على الأكتاف والعجل # وما خصصتم ببر أهل ملتكم . . . حتى عممتم به الأقصى من الملل # كانت رواتبكم للذمتين وللضم . . . يف المقيم ، وللطاري من الرسل ~~PageV03P333 # ثم الطراز بتنيس الذي عظمت . . . منه الصلات لأهل الأرض والدول # وللجوامع من أحباسكم نعم . . . لمن تصدر في علم وفي عمل # وربما عادت الدنيا لمعقلها . . . منكم فأضحت ms603 بكم محلولة العقل # والله لا فاز يوم الحشر مبغضكم . . . ولا نجا من عذاب الله غير ولي # ولا سقى الماء من حر ومن ظمإ . . . من كف خير البرايا خاتم الرسل # ولا رأى جنة الله التي خلقت . . . من خان عهد الإمام العاضد بن علي # أئمتي ، وهداتي ، والذخيرة لي . . . إذا ارتهنت بما قدمت من عملي # تالله لم أوفهم في المدح حقهم . . . لأن فضلهم كالوابل الهطل # ولو تضاعفت الأقوال واستبقت . . . ما كنت فيهم بحمد الله بالخجل # باب النجاة هم ، دنيا وآخرة . . . وحبهم فهو أصل الدين والعمل # نور الهدى ، ومصابيح الدجا ، ومحلم . . . الغيث إن ونت الأنواء في المحل # أئمة خلقوا نورا ، فنورهم . . . من نور خالص نور الله لم يفل # والله لا زلت عن حبي لهم أبدا . . . ما أخر الله لي في مده الأجل # عمارة قالها المسكين ، وهو علي . . . خوف من القتل ، لا خوف من الزلل # ووجد على بعض جدران القصر مكتوبا : يا هذه الدنيا عجبت لمولع . . . بك ~~كيف أضحى في هواك يقاد # ما صح منك لآل أحمد موعد . . . فكيف منك لغيرهم ميعاد # أما نعيمك فهو ظل زائل . . . وصلاح ما تأتيه فهو فساد PageV03P334 # | ذكر طرف من ترتيب الدولة الفاطمية # اعلم أن الدولة كانت إذا خلت من وزير صاحب سيف يتغلب عليها فإنه يجلس ~~صاحب الباب في باب القصر المعروف بباب الذهب ، وهو أحد أبواب القصر ، ويقف ~~بين يديه الحجاب والنقباء ، وينادي مناد : يا أرباب الظلامات ؛ فيحضر إليه ~~أرباب الحوائج . فمن كان أمره مما يشاقة به نظر في أمره بمن يتعلق من ~~القضاة أو الولاة ، فيسير إلى ذلك كتابا بكشف ظلامته . فإن كان مع المتظلم ~~قصة أخذها منه الحاجب ، فإذا اجتمع معه عدة دفعها إلى الموقع بالقلم بالقلم ~~الدقيق فيوقع عليها ، ثم تحمل منه إلى الموقع بالقلم الجليل ليبسط ما أشار ~~إليه الموقع بالقلم الدقيق . فإذا تكاملت حملت في خريطة إلى الخليفة فوقع ~~عليها ، ثم أخرجت في الخريطة إلى الحاجب فيقف بها على باب القصر ويسلم لكل ~~أحد توقيعه . # فإن كان في الدولة وزير صاحب سيف فإنه ms604 يجلس يومين في كل أسبوع في مكان ~~معد له في القصر ، ويجلس قبالته قاضي القضاة وعن جانبيه شاهدان معتبران ، ~~ويجلس في جانب الوزير الموقع بالقلم ويليه صاحب ديوان المال ، وبين يديه ~~صاحب المال وأسفهسلار العساكر ، وبين أيديهما النواب والحجاب على طبقاتهم ~~PageV03P335 وكان أجل الخدم صاحب الباب ، وهو من الأمراء المطوقين ؛ ثم ~~الأسفهسلار ، وهو زمام كل زمام وإليه أمور الأجناد ، ثم حامل سيف الخليفة ~~أيام الركوب ؛ ثم زمام الحافظية والآمرية ، وهما أجل الأجناد . # وكانت ولاية الأعمال أجلها ولاية عسقلان ، ثم ولاية قوص ، ثم ولاية ~~الشرقية ، ثم ولاية الغربية ، ثم ولاية الإسكندرية . # وكان قاضي القضاة ينظر في الأحكام الشرعية ، فلما صارت الوزارة إلى أرباب ~~السيوف كان يقلد القضاة نيابة عنه . والقاضي أجل أرباب العمائم رتبة ؛ ~~وتارة يكون داعي الدعاة ، وتارة تفرد الدعوة عنه . ويجلس في يومي الثلاثاء ~~والسبت بزيادة جامع عمرو بن العاص ، وله طراحة ومسند حرير والشهود حوله ؛ ~~وله خمسة من الحجاب اثنان منهما بين يديه واثنان على باب المقصورة واحد ~~ينفذ الخصوم إليه . وله أربعة من الموقعين ، ودواته بين يديه على كرسي محلى ~~بفضة يحمل إليه من الخزائن ولها حامل بجار سلطاني في كل شهر . ويخرج إليه ~~من إصطبل الخليفة بغلة شهباء ، وهي مختصة به دون غيرها ، ويكون عليها سرج ~~محلى ثقيل وراويتان من فضة ، ومكان الجلد حرير . PageV03P336 وتخلع عليه ~~الخلع المذهبة ، فيسير من غير طبل ولا بوق إلا أن يضاف إليه الدعوة فإنه ~~يسير حينئذ بالطبل والبوق ، فإن ذلك من رسوم الداعي مع البنود . فإن كان ~~إنما خلع عليه لوظيفة القضاة فقط فإنه يسير بالعز أرجالا حوله وبين يديه ~~المؤذنون يعلنون بذكر الخليفة ، أو الخليفة والوزير إن كان ثم وزير صاحب ~~سيف ؛ ويركب معه يومئذ نواب الباب والحجاب ولا يجلس أحد فوقه ألبتة ، ولا ~~يمكنه حضور جنازة ولا عقد نكاح إلا بإذن ، ولا يقوم لأحد من الناس إذا كان ~~في مجلس الحكم ، ولا ينشئ عدالة ألبتة إلا بإذن ، فلا تثبت إذا أذن له في ~~إنشائها لأحد حتى يركيه عشرون ms605 عدلا من عدول البلد بين مصر والقاهرة ويرضاه ~~الشهود كلهم . # فإن كان في الدولة وزير سيف لا يخاطب حينئذ من يتولى الحكم بقاضي القضاة ~~فإنه من نعوت الوزير . # ويصعد القاضي إلى القصر في يومي الخميس والاثنين بكرة للسلام على الخليفة ~~؛ وله النواب ، وإليه النظر في دار الضرب لتحرير العيار . ولا يصرف القاضي ~~إلا بجنحة . وكان في الدولة داعي الدعاة ، ورتبته تلي رتبة قاضي القضاة ، ~~ويتزيا بزيه ، ولا بد أن يكون عالما بمذاهب أهل البيت ، عليهم السلام ، وله ~~أخذ العهد على من ينتقل إلى مذهبه ؛ وبين يديه اثنا عشر نقيبا ؛ وله نواب ~~في سائر البلاد . ويحضر إليه فقهاء الشيعة بدار العلم ويتفقون على دفتر ~~يقال له مجلس الحكمة يقرأ في كل يوم اثنين وخميس بعد أن تحضر مبيضته إلى ~~داعي الدعاة ويتصفحه ويدخل به إلى الخليفة فيتلوه عليه إن امكن ، ويأخذ خطه ~~عليه في طاهره . ثم يخرج فيجلس على كرسي الدعوة بالإيوان من القصر ، فيقرؤه ~~على الرجال ؛ ثم يخرج ليقرأه على النساء . وله أخذ النجوى من المؤمنين ~~بالأعمال كلها ، ومبلغها ثلاثة دراهم وثلث ، فيحملها إلى الخليفة . # كان متولي ديوان الإنشاء يخاطب بالأجل ، ويقال له كاتب الدست ، وهو الذي ~~يتسلم PageV03P337 الكتب الواردة ويعرضها على الخليفة من يده ثم يأمر ~~بتنزيلها والجواب عنها . والخليفة يستشيره في أكثر أموره ولا يحجب عنه شيء ~~متى جاء ، وهذا أمر لا يصل إليه غيره ، وربما بات عنده . وجارية في كل شهر ~~مائة وعشرون دينارا ، مع الكسوة والرسوم ؛ ولا يدخل إلى ديوانه ولا يجتمع ~~بكتابه إلا الخواص ، وله حاجب من الأمراء وفراشون ومرتبة هائلة ، ومخاد ~~ومسند ، ودواة بغير كرسي وهي من أنفس الدوي ، ولها أستاذ من خدام الخليفة ~~برسم حملها . # ولا بد للخليفة من جليس يذاكره ما يحتاج إلى علمه من كتابات وتجويد الخط ~~ومعرفة الأحاديث وسير الخلفاء ونحو ذلك ، يجتمع به أكثر أيام الأسبوع ، ~~وبرسمه أستاذ محنك يحضر فيكون ثالثهما ، فيقرأ ملخص السير ويكرر عليه ذكر ~~مكارم الأخلاق . ورتبته عظيمة تلحق برتبة كاتب الدست ، ويكون صحبته دواة ms606 ~~محلاة . فإذا فرغ من المجالسة ألقى في الدواة كاغدة فيها عشرة دنانير ~~وقرطاسا فيه ثلاثة مثاقيل ند مثلث خاص ليتبخر به عند دخوله على الخليفة ~~ثاني مرة . وله منصب التوقيع بالقلم الدقيق ، كما تقدم ، ويجلس حال التوقيع ~~على طراحة ومسند ، وله فراشون من فراشي الخاص تقدم له ما يوقع عليه . ويختص ~~به موضع من ديوان المكاتبات لا يدخل إليه أحد إلا بإذن . # ورأس أصحاب دواوين المال من يلي النظر على الدواوين وله العزل والولاية ، ~~وهو الذي يعرض الأوراق على الخليفة أو الوزير ، ويعتقل من شاء بكل مكان ؛ ~~ويجلس بالمرتبة والمسند وبين يديه حاجب من أمراء الدولة ، وتخرج له الدواة ~~بغير كرسي ويندب من يطلب الحساب ، ويحث في طلب المال ومطالبة أرباب ~~الضمانات . # وكان لهم ديوان التحقيق ، ومقتضاه المقابلة على الدواوين ولمتوليه الخلع ~~والرتبة والحاجب ، ويلحق بناظر الدواوين . # وديوان المجلس ، وفيه علوم الدولة ، وهو أصل الدواوين ، وفيه عدة كتاب ~~لكل منهم PageV03P338 مجلس معد ومعتاد . وصاحب هذا الديوان هو الذي يتحدث ~~في الإقطاعات ، ويخلع عليه ، وهو لاحق بديوان النظر ، ويجلس بالمرتبة ~~والمسند والدواة والحاجب . # والتوقيع بالقلم الجليل يسمى الخدمة الصغرى ، ولمتوليها الطراحة والمسند ~~بغير حاجب ، بل ويندب له فراش لترتيب ما يوقع عليه ، ولا يوقع الخليفة عليه ~~بيده إذا كان وزيره صاحب سيف إلا في أربعة مواضع : إذا رفعت إليه قصة وقع ~~عليها يعتمد ذلك إن شاء ، أو كتب بجانبها الأيمن يوقع بذلك ، فيخرج إلى ~~صاحب ديوان المجلس دون غيره فيوقع جليلا ، ويدخل بها إلى الخليفة ثانيا ~~فيضع علامته عليها . وكانت علامتهم كلهم الحمد لله رب العالمين ؛ ثم يخرج ~~بها فتثبت في الدواوين . أو يوقع في مسامحة ، أو تسويغ ، أو تحبيس ما مثاله ~~: قد أنعمنا بذلك ، أو قد أمضينا ذلك . فإذا أراد الخليفة الاطلاع على شيء ~~وقع ليخرج الحال في ذلك ، فإذا خرج الحال عاد إليه ليعلم عليه ، فإن كان ~~الوزير صاحب سيف وقع الخليفة بخطه : وزيرنا السيد الأجل ، واللقب المعروف ~~به ، أمتعنا الله ببقائه ، يتقدم بإنجاز ذلك إن شاء الله . فيكتب ms607 الوزير ~~تحت خطه . يمتثل أمر مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، ثم يثبت في ~~الدواوين . # ولديوان الجيش مستوف مسلم له غيرة ، ويجلس بطراحة لحركة العرض والحلي ~~والشيات . وفي هذا الديوان خازنان برسم رفع الشواهد ، فإذا عرض الجندي حلي ~~وذكرت صفات فرسه ، ولا يثبت له إلا الفرس الجيد ، ولا يثبت له برذون ولا ~~بغل ، ويقف بين يدي هذا المستوفي نقباء الأجناد لإنهاء أمور الأجناد ، وفسح ~~للأجناد في آخر الدولة أن يقابض بعضهم بعضا . وديوان الرواتب فيه أسماء كل ~~مرتزق في الدولة ضمن له جار وجراية ، وكاتبه يجلس بطراحة وتحت يده عشرة ~~كتاب ، وترد إليه التعريفات من سائر الأعمال باستمرار ما هو مستمر ومباشرة ~~من يستجد وموت من مات ليوجب استحقاقه . PageV03P339 # وفي هذا الديوان عدة عروض . أولها : راتب الوزير وهو في الشهر خمسة آلاف ~~دينار ، ولكل من أولاده وإخوته من ثلثمائة دينار إلى مائتي دينار . وقرر ~~لشجاع بن شاور خمسمائة دينار ، ولكل من حواشي من خمسمائة دينار إلى ثلثمائة ~~، وذلك سوى الإقطاعات . # وثانيها : حواشي الخليفة ، وأولهم الأستاذون المحنكون ؛ وهم : زمام القصر ~~، وصاحب بيت المال ، وحامل الرسالة ، وصاحب الدفتر ، وشاد التاج الشريف ، ~~وزمام الأشراف الأقارب ، وصاحب المجلس ؛ ولكل منهم مائة دينار في الشهر . ~~ولمن يلي هؤلاء يتناقص عشرة ، وهكذا إلى من يكون جاريه عشرة دنانير . وعدة ~~هؤلاء ألف فما فوقها ، وهم خصيصون ؛ وللطبيب الخاص مائة دينار في الشهر ، ~~ولعدة من الأطباء برسم أهل القصر كل منهم عشرة دنانير . # ثالثها : أرباب الرتب بحضرة الخليفة ، وأولهم كاتب الدست الشريف ، وجاريه ~~في الشهر مائة وخمسون دينارا ، ولكل من كتابه ثلاثون دينارا ؛ ولمتولي ~~مجالسة الخليفة والتوقيع بالقلم الدقيق في المظالم مائة دينار ؛ ولصاحب ~~الباب مائة وعشرون دينارا ، ولكل من حامل السيف وحامل الرمح سبعون دينارا ؛ ~~ولكل من أزمة العساكر والسودان مائتان وخمسون دينارا إلى أربعين دينارا إلى ~~ثلاثين دينارا . # رابعها : قاضي القضاة ، وله في الشهر مائة دينار ؛ ولداعي الدعاة مائة ~~دينار ؛ وكل من قرأ الحضرة من عشرين دينارا إلى خمسة عشر إلى عشرة دنانير ؛ ~~ولكل من خطباء ms608 الجوامع من عشرين دينارا إلى عشرة دنانير ؛ ولكل من الشعراء ~~من عشرين دينارا إلى عشرة دنانير . # خامسها : أرباب الدواوين ، وأولهم متولي ديوان النظر ، وله في الشهر ~~سبعون دينارا ؛ ولمتولي ديوان التحقيق خمسون دينارا ؛ ولمتولي ديوان المجلس ~~أربعون دينارا ؛ ولصاحب دفتر المجلس خمسة وثلاثون دينارا ، ولكاتبه خمسة ~~دنانير ؛ ولمتولي ديوان الجيش أربعون PageV03P340 دينارا ، وللموقع بالقلم ~~الجليل ثلاثون دينارا ؛ ولكل من أصحاب دواوين المعاملات عشرون دينارا ؛ ~~ولكل معين عشرة دنانير وفيهم من له سبعة وخمسة . # سادسها : المستخدمون بالقاهرة ومصر في خدمة الواليين ، لكل منهم خمسون ~~دينارا ؛ ولحماة الأهراء والمناخات والجوالي والبساتين والأملاك لكل منهم ~~من عشرين دينارا إلى خمسة عشر إلى عشرة إلى خمسة . # سابعها : الفراشون برسم خدمة القصور ؛ ومنهم برسم خدمة الخليفة خمسة عشر ~~، منهم صاحب المائدة وحامي المطابخ ؛ وجاريهم من ثلاثين دينارا إلى ما ~~حولها سوى الرسوم ؛ ويليهم الرشاشون ونحوهم ، وعدتهم ثلثمائة فراش مولاهم ~~أستاذ ، وجاري كل منهم من عشرة دنانير إلى خمسة . # ثامنها : صبيان الركاب وهم ينيفون على ألفي رجل ، ولهم اثنا عشر مقدما ~~أكبرهم مقدمو الركاب ، ومقدم المقدمين منهم هو صاحب ركاب الخليفة الأيمن ؛ ~~ولكل من المقدمين في الشهر خمسون دينارا . وصبيان الركاب أربع جوق ، جوقة ~~لكل منهم في الشهر عشرون PageV03P341 دينارا ، ويليهم من له خمسة عشر ثم ~~عشرة ثم خمسة دنانير ، وهم يندبون إلى الأعمال ويحملون المخلفات لركوب ~~الخليفة في الأعياد والمواسم . # وكان لنقيب الأشراف اثنا عشر نقيبا ، ويخلع عليه فيسير بالطبل والبوق ~~والبنود مثل الأمراء ، وله ديوان ومشارف وعامل ونائبه ؛ وجاريه في الشهر ~~عشرون دينارا ، ولمشارف ديوانه عشرة دنانير ، ولنائبه في النقابة ثمانية ~~دنانير ، وللعامل خمسة دنانير . # وللمحتسب عدة نواب بالقاهرة ومصر وسائر الأعمال ، ويجلس بجامع القاهرة ~~ومصر يوما بعد يوم ، وتطوف نوابه على أرباب المعايش . ويخلع على المحتسب ~~ويقرأ سجله على منبر جامع عمرو بن العاص . # وكانت لهم خدمة يقال لها النيابة ، ومتوليها يتلقى الرسل الواردين من ~~الملوك ؛ وكانت خدمة جليلة لمتوليها نائب ، ومن خواصه أنه ينعت أبدا كل من ~~يليها بغذي الملك ، وله النظر ms609 في دار الضيافة ، ويعرف هذا اليوم بالمهمندار ~~. وكان له في الشهر خمسون دينارا وفي كل يوم نصف قنطار خبز مع بقية الرسوم ~~. وللخدمة في ديوان الصعيد عدة كتاب ؛ ولأسفل الأرض ديوان ؛ وللثغور ديوان ~~؛ وللجوالي ديوان ، وللمواريث ديوان ، ولديوان الخراجي والهلالي عدة دواوين ~~، منها ديوان الرباع ، وديوان المكوس ، وديوان الصناعة ، وديوان الكراع ~~وفيه معاملات الإصطبلات وما فيها ، وديوان الأهراء ، وديوان المناخات ، ~~وديوان العمائر ومحله بصناعة مصر لإنشاء الأسطول ومراكب الغلات السلطانية ~~والأحطاب ، وكانت تزيد على خمسين عشاريا وعشرين PageV03P342 ديماسا ، منها ~~عشرة خاصة برسم ركوب الخليفة أيام الخليج والبقية برسم ولاة الأعمال تجرد ~~إليهم وينفق عليها من الديوان ؛ وديوان الأحباس . # وكانت عادتهم إذا انقضى عيد النحر عمل الاستيمار ويثبت فيه جميع ما يشتمل ~~عليه مصروف تلك السنة من عين وورق وغلة وغيرها مفصلا بالأسماء ، وأولهم ~~الوزير حتى ينتهي إلى أرباب الضوء ، ثم يعمل في ملف حريري يشد له جوهر يشده ~~؛ وكان يبلغ في السنة ما يزيد على مائة ألف دينار عينا ومائتي ألف درهم فضة ~~وعشرة آلاف إردب غلة ؛ ويعرض على الخليفة ، فيستوعبه ، ويشطب على بعضه ~~وينقص قوما ويزيد قوما ويستجد آخرين بحسب ما يعن له . فيحمل الأمر على ~~الشطب . وعمل مرة في أيام المستنصر بالله ، فوقع بظاهره : الفقر مر المذاق ~~، والحاجة تذل الأعناق ، وحراسة النعم بإدرار الأرزاق ؛ فليجروا على رسومهم ~~في الإطلاق . ' ما عندكم ينفد وما عند الله باق ' . # وكان من عادتهم إخراج الكسوة في كل سنة لجميع أهل الدولة من صغير وكبير ~~في أوقات معروفة ؛ فبلغت كسوة الصيف والشتاء في السنة ستمائة ألف دينار ~~ونيف . # وكانوا يتأنقون في المآكل ، حتى إن الخادم والسائس من غلمانهم ينفق في كل ~~يوم على طعامه العشرة دنانير والعشرين دينارا لسعة أحوالهم . # وكانوا يفرقون في أول كل سنة دنانير يسمونها دنانير الغرة تبلغ خمسمائة ~~دينار في السنة ، فيتبرك بها من يأتيه منها برسوم مقررة لكل أحد . # وإذا أهل رمضان لا يبقى أمير ولا مقدم إلا ويأتيه طبق لنفسه ، ولكل واحد ~~من أولاده ونسائه طبق فيه ms610 أنواع الحلوى العجيبة الفاخرة . # وكانت خلعهم ثمينة جدا بحيث يبلغ طراز الخلعة خمسمائة دينار ذهبا ، ويختص ~~الأمراء في الخلع بالأطواق والأساورة الذهب مع السيوف المحلاة ؛ ويتشرف ~~الوزير عوضا عن الطوق بعقد جوهر فكاكه خمسة آلاف دينار يحمل إليه ، ويختص ~~بلبس الطيلسان المقور . PageV03P343 # ولا يركب الخليفة إلا بمظلة منسوجة بالذهب مرصعة بالجوهر . # وسيأتي من إيراد خربات ترتيبهم وحكاية أمور دولتهم عند ذكر خطط القاهرة ~~إن شاء الله ما يعرفك مقدار ما كانوا فيه من أمور الدنيا وحقارة من جاء ~~بعدهم . فلله عاقبة الأمور . PageV03P344 # | ذكر ما عيب عليهم # لا شك في أن القوم كانوا شيعة يرون تفضيل علي بن أبي طالب على من عداه من ~~الصحابة ، وكانوا ينتحلون من مذاهب الشيعة مذهب الإسماعيلية وهم القائلون ~~بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق وتنقلها في أولاده الأئمة المستورين إلى ~~عبيد الله المهدي ، أول من قام منهم بالمغرب . وبقية الشيعة لا يقولون ~~بإمامة إسماعيل ، وينكرون عليهم ذلك أشد الإنكار . # وكانوا مع انتحالهم مذهب التشيع غلاة في الرفض ؛ إلا أن أولهم كانوا ~~أكابر صانوا أنفسهم عما تحرف به آخرهم . ثم إن الحاكم بأمر الله أكثر من ~~النظر في العقائد ، وكان قليل الثبات سريع الاستمالة ، إذا مال إلى اعتقاد ~~شيء أظهره وحمل الناس عليه ، ثم لا يلبث أن يرجع عنه إلى غيره فيريد من ~~الناس ترك ما كان قد أهم به والمصير إلى ما استحدثه ومال إليه . واقترن به ~~رجل يعرف باللباد والزوزني فأظهر مذاهب الباطنية ، وقد كان عند أولهم منها ~~طرف ، فأنكر الناس هذا المذهب لما يشتمل عليه مما لم يعرف عند سلف الأمة ~~وتابعيهم ولما فيه من مخالفة الشرائع . # فلما كانت أيام المستنصر وفد إليه الحسن بن الصباح ، فأشاع هذا المذهب في ~~الأقطار ودعا الكافة إليه ، واستباح الدماء بمخالفته ؛ فاشتد النكير ، وكثر ~~الصائح عليهم من كل ناحية حتى أخرجوهم عن الإسلام ونفوهم عن الملة . # ووجد بنو العباس السبيل إلى الغض منهم لما مكنوا من البغض فيهم وقاسوه من ~~الألم بأخذه ما كان بأيديهم من ممالك القيروان ms611 وديار مصر والشام والحجاز ~~واليمن وبغداد أيضا ، فنفوهم عن الانتساب إلى علي بن أبي طالب ، بل وقالوا ~~إنما هم من أولاد اليهود ؛ وتناولت الألسنة ذلك ، فملئوا به كتب الأخبار . ~~ثم لما اتصل بهم الغز ووزر لهم أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين ، ~~وهم من صنائع دولة بني العباس الذين ربوا في أبوابها وغذوا بنعمها ونشئوا ~~على اعتقاد موالاتها PageV03P345 ومعاداة أعدائها ، لم يزدهم قربهم من ~~الدولة الفاطمية إلا نفورا ، ولا ملأهم إحسانها إليهم إلا حقدا وعداوة لها ~~، حتى قووا بنعمتها على زوالها ، واقتدروا بها على محوها . # وكانت أساسات دولتهم راسخة في التخوم ، وسيادة شرفهم قد أنافت على النجوم ~~، وأتباعهم وأولياؤهم لا يحصى لهم عدد ، وأنصارهم وأعوانهم قد ملئوا كل قطر ~~وبلد ؛ فأحبوا طمس أنوارهم ، وتغيير منارهم ، وإلصاق الفساد والقبيح بهم ، ~~شأن العدو وعادته في عدوه . # فتفطن ، رحمك الله ، إلى أسرار الوجود ، وميز الأخبار كتمييزك الجيد من ~~النقود ، تعثر إن سلمت من الهوى بالصواب . ومما يدلك على كثرة الحمل عليهم ~~أن الأخبار الشنيعة ، لا سيما التي فيها إخراجهم من ملة الإسلام ، لا تكاد ~~تجدها إلا في كتب المشارقة من البغداديين والشاميين ، كالمنتظم لابن الجوزي ~~، والكامل لابن الأثير ، وتاريخ حلب لابن أبي طي ، وتاريخ العماد لابن كثير ~~، وكتاب ابن واصل الحموي ، وكتاب ابن شداد ، وكتاب العماد الأصفهاني ، ونحو ~~هؤلاء . أما كتب المصريين الذين اعتنوا بتدوين أخبارها فلا تكاد تجد في شيء ~~منها ذلك ألبتة . فحكم العقل ، واهزم جيوش الهوى ، وأعط كل ذي حق حقه ، ~~ترشد إن شاء الله تعالى . PageV03P346 # | ذكر ما صار إليه أولادهم # ولما مات العاضد غسله ابنه داود وصلى عليه ، وجلس على الشدة ، واستدعى ~~صلاح الدين ليبايعه ، فامتنع ، وبعث إليه : أنا نائب عن أبيك في الخلافة ~~ولم يوص بأنك ولي عهده . وقبض عليه وعلى بقية أولاد العاضد وأقاربه في سادس ~~شعبان سنة تسع وستين وخمسمائة ، ونقله هو وجميع أقاربه وأهله إلى دار ~~المظفر من حارة برجوان في العشر الأخير من شهر رمضان ، ووكل عليهم وعلى ~~جميع ذخائر القصر ، وفرق بين ms612 الرجال والنساء حتى لا يحصل منهم نسل . وأغلقت ~~القصور وتملكت الأملاك التي كانت لهم ، وضربت الألواح على رباعهم وفرقت على ~~خواص صلاح الدين كثير منها وبيع بعضها . وأعطى القصر الكبير لأمرائه فسكنوا ~~فيه . وأسكن أباه نجم الدين أيوب في اللؤلؤة على الخليج ، وصار كل من ~~استحسن من الغز دارا أخرج صاحبها منها وسكنها . # ونقلوا إلى قلعة الجبل ، وهم ثلاثة وستون نفرا ، في يوم الخميس ثاني عشري ~~رمضان سنة ثمان وستمائة ، فمات منهم إلى ربيع الأول سنة أربع وعشرين ~~وستمائة ثلاثة وعشرون . وتولى وضع القيود في أرجلهم الأمير فخر الدين ~~الطبنا أبو شعرة بن الدويك والي القاهرة . قال المهدي أبو طالب محمد بن علي ~~، ابن الخيمي : وفي سنة ثلاث وعشرين وستمائة عوقبت بالقلعة ، فوجدت بها من ~~الأشراف أربعين شريفا وهم : الأمير سليمان بن داود ابن العاضد ، وأبو ~~الفتوح بن العاضد ، وحيدرة بن العاضد ، وجبريل بن العاضد ، وعلي بن ~~PageV03P347 العاضد ، وعبد القاهر بن حيدرة بن العاضد ، وإسماعيل بن عيسى ~~بن العاضد ، وعبد الوهاب ابن إبراهيم بن العاضد ، وأبو القاسم بن أبي ~~الفتوح ابن العاضد ، وقمر بن علي بن العاضد ، ويحيى بن جبريل بن الحافظ ، ~~وسليمان بن يحيى المذكور ، وتميم بن يحيى المذكور ، وعبد الله ابن أبي ~~الطاهر بن جبريل ، وسليمان بن أبي الطاهر بن جبريل ، وأبو جعفر بن أبي ~~الطاهر ، وعبد الظاهر بن أبي الفتوح بن جبريل ، وأبو الحسن بن أبي اليسر بن ~~جبريل ، وأحمد ابن أبي اليسر بن جبريل ، وأبو الحسن بن أبي العباس حسن بن ~~الحافظ ، وإبراهيم ابن عبد المحسن بن عبد الوهاب بن أبي الحسن بن أبي ~~القاسم بن المستنصر ، ويونس ابن سليمان بن عبد الخالق بن أبي الحسن بن أبي ~~القاسم ، وأبو اليسر بشارة بن عبد المحسن ابن أبي محمد بن أبي الحسن بن أبي ~~القاسم بن المستنصر ، وجعفر بن موسى بن محسن ابن داود بن المستنصر ، وعلي ~~بن سليمان بن أبي عبد الله بن داود بن المستنصر ، وأبو الفضل ابن عبد ~~المجيد بن أبي الحسن بن جعفر ms613 بن المستنصر ، ويحيى بن صدقة بن شبل بن عبد ~~المجيد بن أبي الحسن بن جعفر بن المستنصر ، وعبد الله كمال بن داود بن داود ~~ابن يحيى بن أبي علي بن جعفر بن المستنصر ، وأبو علي بن عبد الرحمن بن يحيى ~~بن أبي علي بن جعفر بن المستنصر ، وسليمان بن عبد الصمد بن أبي عبد الله بن ~~عبد الكريم بن أبي ايسر بن جعفر بن المستنصر ، وأبو علي بن عبد الصمد ، ~~أخوه ، وعبد الكريم ابن إبراهيم بن أبي الحسن بن عبد الله بن المستنصر ، ~~وعبد الغني بن أبي الرضا بن أبي الحسن بن عبد الله بن المستنصر ، وعبد ~~الصمد بن سليمان بن محمد بن حيدرة بن عقيل ابن المستنصر ، وإسماعيل بن صدقة ~~بن أبي اليسر بن إسحاق بن المستنصر ، وأبو محمد ابن موسى بن عبد القادر بن ~~أبي الحسن بن إسحاق بن المستنصر ، وعبد الصمد بن حسن ابن أبي الحسن من ~~أولاد المستنصر . # ولم يزالوا معتقلين بقلعة الجبل إلى أن حولوا منها سنة إحدى وسبعين ~~وستمائة . PageV03P348 # هذا آخر ما وجد بخط مؤلفه عفا الله عنه آخر كتاب اتعاظ الحنفا بأخبار ~~الأئمة الفاطميين الخلفا للمقريزي . # من كتابة فقير رحمة الله محمد بن أحمد الجيزي الأزهري الشافعي ، لطف الله ~~تعالى به وغفر ذنوبه وستر عيوبه والمسلمين أجمعين . # في سنة أربع وثمانين وثمانمائة . | PageV03P349 ms614