######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0000176 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن علي بن عبد القادر، أبو العباس الحسيني العبيدي، تقي الدين المقريزي (المتوفى: 845هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 845 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 3 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0000176 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-176 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/176 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - لجنة إحياء التراث الإسلامي #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم ### | عونك اللهم # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم كما ذكره ~~الذاكرون، وكما غفل عن ذكره الغافلون. # الحمد لله الذي برأ سماوات طباقا رفيعات، ولما دونها محيطات، وجعلها في ~~الأقدار متفاوتات، وبالحركة متباينات، وفي التركيب مختلفات، ذات بروج ~~معدودة، وأقسام مقدرة محدودة، وكواكب نيرة موارة، في أفلاك بها دوارة، ~~تتحرك لنفسها تارة فتردها أفلاكها بقدرته تعالى مقسورة؛ كل ذلك يجري على ما ~~قدر له من إسراع وتأثير، وإبطاء وتدبير، وإنماء وتغيير، بأمر الحكيم ~~القدير، وتقدير العليم الخبير؛ ودحا الأرض فسطحها مهادا، وأرسى عليها ~~الجبال فصارت أوتادا. # ثم خلق الإنسان من طين، وأنشأ منه البشر من سلالة من ماء مهين، واستعمرهم ~~في الأرض لينظر كيف يعملون، وسخر لهم ما في السموات وما في الأرض لعلهم ~~يشكرون، ومكنهم من النعماء، وتبسطوا في فنون الأفضال والآلاء، وأثاروا ~~الأرض وعمروها، واتخذوا المدائن واستوطنوها، وقهروا الأعداء ممن ناوأهم، ~~وخضدوا بالقهر شوكة من عاندهم أو شانأهم. # حتى إذا كفروا النعم، ولم يخشوا العقوبة والنقم، أبادهم الله الذي أيدهم ~~وأهلكهم القادر الذي مكنهم، وجزاء بما اكتسبوا من السيئات، وعقوبة لهم على ~~اجتراح الخطيئات، وسيعيدهم أجمعين إليه، ويوقفهم كلهم للحساب بين يديه. PageV01P003 # أحمده حمدا يليق بجلاله، وينبغي لعظمته وكماله، وأشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له ولا ظهير، ولا معاون له فيما يريده ولا وزير، شهادة تعبر ~~عن قلب قد عمر بالإخلاص، وذخيرة للنجاء من النار والخلاص. # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ونبيه وخليله، الذي أنقذ الله به العباد من ~~الهلاك، وخلصهم به من أشراك الإشراك، حتى قاموا لله سبحانه بما شرع له من ~~طاعته، وأنزل عليه من أحكام عبادته. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ~~وأوليائه ومتبعيه وأحبابه، وشرف وكرم. # وبعد: فإني لما أعانني الله جلت قدرته، وتعالت عظمته، على إكمال كتاب: ~~عقد جواهر الأسفاط في أخبار مدينة الفسطاط. وضمنته ما وقفت عليه، وأرشدني ~~الله سبحانه إليه من أحوال مدينة الفسطاط. منذ افتتح أرض مصر أصحاب رسول ~~الله ms001 صلى الله عليه وسلم وصارت دار إسلام، إلى أن قدمت جيوش الإمام المعز ~~لدين الله أبي تميم معد من بلاد المغرب مع عبده وقائده وكاتبه أبي الحسين ~~جوهر القائد الصقلي في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، ونزلت في شمال الفسطاط ~~بالمناخ، وأسس مدينة القاهرة وحل بها، أحببت أن أضع لمن ملك القاهرة من ~~الخلفاء ديوانا يشتمل على جمل خبرهم، ويعرب عن أكثر سيرهم، فجمعت هذا ~~الكتاب وسميته كتاب: # إتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا # والله تعالى أسأل أن يحفظني فيه، وفيما خولني من دنيا ودين، ويجعلني يوم ~~الفزع الأكبر من الآمنين بمنه وكرمه. PageV01P004 ### | ذكر أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه # اعلم أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قتل ليلة الجمعة ~~لإحدى عشرة، وقيل لثلاث عشرة، وقيل لثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ~~أربعين من سني الهجرة بالكوفة. # وولد له من الأولاد الذكور: الحسن، والحسين أمهما فاطمة بنت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. PageV01P005 # ومحمد الأكبر المعروف بابن الحنفية أمه خولة بنت قيس بن جعفر الحنفي. ~~والعباس الأكبر، وعبد الله، وعثمان الأكبر وجعفر الأكبر أمهم أم البنين بنت ~~المحل بن الديان بن حرام الكلابي، وقتل هؤلاء الأربعة مع الحسين بن علي ~~عليه السلام بالطف. PageV01P006 # وعمر الأصغر أمه الصهباء أم حبيبة بنت ربيعة التغلبي. # وعبد الرحمن الذي يكنى أبا بكر، وعبيد الله. أمهما ليلى بنت مسعود بن ~~خالد التميمي. # ويحيى وعون أمهما أسماء بنت عميس الخثعمية. # ومحمد الأصغر أمه أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد ~~شمس، وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وجعفر الأصغر من أم ولد. # ومحمد الأوسط، وعباس الأصغر أمهما أم ولد. # وعمر الأصغر وعثمان الأصغر. # فهؤلاء هم الذكور من ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، منهم من مات في ~~حياة أبيه وهو طفل صغير، ومنهم من قتل ولا عقب له. PageV01P007 # وولد له أيضا إناث. # ولم يعقب من أولاده الذكور سوى خمسة، ms002 هم: الحسن، والحسين، ومحمد بن ~~الحنفية، والعباس، وعمر؛ وسائرهم لم يعقب. # فولد للحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام: زيد من أم ولد. # والحسن بن الحسن من أم ولد. # والقاسم، وأبو بكر، وعبد الله، لا عقب لهم، قتلوا مع عمهم الإمام الحسين ~~بن علي عليه السلام بالطف. # وعمرو بن الحسن، وعبد الرحمن بن الحسن، والحسين، ومحمد، ويعقوب، وإسماعيل ~~بنو الحسن. # فهؤلاء هم الذكور من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام. # ولم يعقب من ولد الحسن بن علي سوى رجلين: هما الحسن بن الحسن وزيد بن ~~الحسن، وسائر ولد الحسن بن علي لا عقب لهم. PageV01P008 # فولد الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب محمدا، وبه كان يكنى، وعبد الله ~~أعقب، وحسنا، وإبراهيم، وجعفر، وداود وهذه الخمسة قد أعقبوا، ولم يعقب محمد ~~بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ولدا ذكرا. # فولد عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب محمدا وهو الذي قتل ~~بمدينة رسول اله صلى الله عليه وسلم، وإبراهيم المقتول بالبصرة، قتلا في ~~الحرب أيام الخليفة أبي جعفر المنصور سنة خمس وأربعين ومائة. # وموسى بن عبد الله. # ويحيى بن عبد الله وهو الذي كان بالديلم، ونزل بالأمان على يد الفضل بن ~~يحيى PageV01P009 # ابن خالد بن برمك، ثم حبسه الخليفة هرون الرشيد، ومات في حبسه، ويقال إنه ~~قتل عند سندى بن شاهك. # وسليمان الذي قتل في وقعة فخ وإدريس الأصغر الذي صار إلى بلاد المغرب، ~~وبه عقبه وعقب أخيه سليمان فولد محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ~~بن أبي طالب المقتول بالمدينة عبد الله الأشتر وهو المعقب من ولده، قتل ~~بكابل، وعليا أخذ بمصر، وحبس في سجن المهدي حتى مات، والحسين بن محمد قتل ~~بفخ، وطاهر وإبراهيم ابنا محمد، لا عقب لهما. # وولد إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي وهو المقتول بالبصرة ~~حسنا، فولد حسن بن إبراهيم عبد الله ومات متغيبا، ومحمدا، ms003 وإبراهيم. # وولد يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي محمدا. PageV01P010 # وولد سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي المقتول بفخ محمدا، فر ~~إلى المغرب، وولده هناك. # وولد إدريس الأصغر بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي وهو الذي صار ~~إلى المغرب، وغلب على موضع منه في أيام المنصور، فدس إليه المنصور بمتطبب ~~فسقاه فقتله إدريس بن إدريس، ولد بالمغرب وأمه بربرية، وعقبه بالمغرب. # وولد الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي أبا جعفر عبد الله، وعليا مات في ~~حبس المنصور مع أبيه، وحسنا درج ولا عقب له، والعباس، وطلحة ابنا الحسن بن ~~الحسن بن الحسن بن علي انقرضا. # وولد إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي إسماعيل أعقب، وإسحق أعقب ثم ~~انقرض، ويعقوب لا عقب له، ومحمدا الذي يسمى الديباج الأصغر، لا عقب له، ~~وعليا أعقب الحسن، وولد الحسن محمدا وإبراهيم. # وولد إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي حسنا وإبراهيم أعقبا. # وولد جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي الحسن، فولد الحسن بن جعفر عبد الله، ~~وولد عبد الله عبيد الله ولاه المأمون الكوفة ثم مكة، وإبراهيم بن جعفر؛ ~~فولد إبراهيم عبد الله كان له بنات. # وولد داود بن الحسن بن الحسن بن علي سليمان وعبد الله، كان عبد اله من ~~أهل الفضل والورع؛ وقد أعقب سليمان وعبد الله ابنا داود. # وولد زيد بن الحسن بن علي الحسن لا عقب له إلا منه، وكان فاضلا، ولاه ~~المنصور المدينة. # فولد الحسن بن زيد بن الحسن بن علي إسماعيل والقاسم، وعبد الله، ~~وإبراهيم، وزيدا، وعليا، وإسحق. PageV01P011 # فمن بيوت بني الحسن بن علي بن أبي طالب: بنو طباطبا. # والرسيون. # وبنو المطوق. # وبنو تج واسمه الحسن. # وولد الهادي باليمن الذي له الإمارة. # وبنو الأذرع. # وولد الداعي إلى الحق بطبرستان. PageV01P012 # وولد الحسن بن زيد الذي له الإمارة بالديلم. # وولد الناصر الحسنى الذي كان باليمن. # وغير ذلك من بيوتات ولد الحسن بن علي بن أبي ms004 طالب رضي الله عنهم. # وأما ولد الحسين بن علي بن أبي طالب فإن الحسين: ولد عليا الأكبر وقتل ~~بالطف، ولا عقب له؛ وعليا الأصغر وفيه البقية، وجعفرا لا عقب له؛ وعبد ~~الله، قتل صغيرا بالطف، ولا عقب له. # هؤلاء هم الذكور من ولد الحسن بن علي، وهم لأمهات شتى. # فولد علي الأصغر بن الحسين حسنا، وحسسينا لا عقب لهما؛ وأبا جعفر محمدا؛ ~~وعبد الله، أمهما أم ولد. # وزيدا؛ وعمر؛ وعليا، ومحمدا الأوسط ولا عقب له؛ وعبد الرحمن، وحسينا ~~الأصغر؛ وسليمان؛ والقاسم ولا عقب له. PageV01P013 # وهؤلاء هم الذكور من ولد علي بن الحسين بن علي؛ وعدتهم ثلاثة عشر ذكرا، ~~أعقب منهم ستة وهم: محمد المكنى بأبي جعفر. # وعبد الله. # وزيد. # وعمر. # وعلي. # والحسين الأصغر. # فولد أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي جعفرا الصادق؛ وعبد الله ~~أمهما أم ولد، وإبراهيم، وعبيد الله لا بقية لهما، درجا، وأمهما أم ولد؛ ~~وعليا لا عقب له، وأمه أم ولد. # فولد جعفر بن محمد الصادق إسماعيل أعقب؛ وعبد الله لا عقب له، أمهما ~~فاطمة ابنة الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب؛ وموسى، وإسحق، ومحمدا لأم PageV01P014 # ولد؛ والعباس لا عقب له، وأمه أم ولد وعليا المعروف بالعريضي وأمه أم ~~ولد. # وحيث انتهينا إلى ذكر إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين ~~بن علي ابن أبي طالب فإنه الغرض، وإليه ينسب الخلفاء الفاطميون بناة ~~القاهرة، فنقول: إن إسماعيل بن جعفر الصادق مات في حياة أبيه جعفر سنة ثمان ~~وثلاثين ومائة، وخلف من الأولاد محمدا، وعليا، وفاطمة. # فأما محمد بن إسماعيل فإنه الذي إليه الدعوى؛ وكان له من الولد جعفر، ~~وإسماعيل فقط، أمهما أم ولد: فولد جعفر بن محمد بن إسماعيل محمدا، وأحمد؛ ~~أما أحمد فلا عقب له. # وأما محمد فولد جعفرا، وإسماعيل، وأحمد، والحسن. # قال أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم # وولد إسماعيل بن جعفر: علي، ومحمد فقط؛ وإمامة محمد هذا تدعى القرامطة ~~والغلاة بعد أبيه إسماعيل. ms005 # فولد محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد جعفر، وإسماعيل، منهم بنو جعفر ~~البغيض بن الحسن بن محمد الحبيب بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~الصادق. PageV01P015 # وادعى عبيد الله القائم بالمغرب أنه أخو حسن بن محمد هذا، وشهد له بذلك ~~رجل من بني البغيض، وشهد له أيضا بذلك جعفر بن محمد بن الحسين بن أبي الجن ~~علي بن محمد الشاعر بن علي بن إسماعيل بن جعفر، ومرة ادعى أنه ولد الحسين ~~بن محمد بن إسماعيل بن جعفر؛ وكل هذه دعوى مفتضحة، لأن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر لم يكن له قط ولد اسمه الحسين. # وهذا كذب فاحش، لأن مثل هذا النسب لا يخفى على من له أقل علم بالنسب، ولا ~~يجهل أهله إلا جاهل. # قلت: وأما ما ذكره أبو محمد من انتسابهم إلى الحسين بن محمد بن إسماعيل ~~قول افتعله معاديهم، فقد كان أبو محمد بقرطبة، وملوكها بنو أمية، وهم أعدى ~~أعادي القوم، فنقل ما أشاعه هناك ملوك بلده، حتى اشتهر كما هي عادة ~~الأعداء. # والذي يقوله أهل هذا البيت ويذهبون إليه: أن الإمام من ولد جعفر الصادق ~~هو إسماعيل ابنه من بعده، وأن الإمام بعد إسماعيل بن جعفر هو ابنه محمد، ~~ويلقبونه بالمكتوم، وبعد المكتوم ابنه جعفر بن محمد بن إسماعيل، ويلقبون ~~جعفرا هذا بالمصدق، وبعد جعفر المصدق ابنه محمد الحبيب بن جعفر المصدق بن ~~محمد المكتوم بن إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق. # قالوا: فولد محمد الحبيب عبيد الله بن محمد بن جعفر الصادق بن محمد ~~المكتوم بن الإمام إسماعيل. PageV01P016 # وعبيد الله هذا هو القائم بالمغرب، الملقب بالمهدي، المنسوب إليه سائر ~~الخلفاء الفاطميين بالمغرب وبمصر. # هذا هو الثابت في درج نسبهم. # قال الشريف الجواني النقيب # محمد بن أسعد بن علي الحسيني # وأما إسماعيل بن جعفر يعين الصادق، فعقبه من ابنيه: محمد وعلي. # فأما علي فمن ولده أبو الجن بن الحسين بن علي بن محمد بن علي بن إسماعيل ~~بن جعفر وهم بدمشق ويقال لهم: بنو أبي الجن ms006 بجيم ونون. # وأما محمد بن إسماعيل فينسب إليه الذين تغلبوا على إفريقية الغرب، ثم ~~تغلبوا على مصر والشام. # ففي النسابين من أثبتهم، وفيهم من نفاهم، وفيهم من أمسك. # سألت الشريف النسابة جمال الدين أبا جعفر محمد بن عبد العزيز بن أبي ~~القاسم الإدريسي الحسني بمدينة القاهرة عن هؤلاء، فقال: المثبتون لأنساب ~~أهل القصر بالقاهرة هم: شيخ الشرف العبيدلي، وابن ملقطة العمري، وأبو عبد ~~الله البخاري. # والنافون لأنسابهم هم: الشريف ابن العابد، وابن وكيع من أصحاب سحنون، ~~وابن حزم الأندلس صاحب كتاب الجماهير في أنساب المشاهير. # والمتوقفون في أنسابهم هم: محمد المبرقع، وأخوه الحسن الزيديان، في جماعة ~~كثيرة من النسابين، كابن خداع، وشبل بن تكين، وغيرهم. # والذي قاله شيخ الشرف: PageV01P017 # وبنو عبد الله بالمغرب في نسب القطع. # هذا ما أملاه علي الإدريسي، وكان من العلماء بالنسب والتاريخ. # قال: ووجدت في كتاب أبي الغنائم عبد الله النسابة الزيدي الحسيني في ذكره ~~ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر: المعقب من جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~رجل واحد هو محمد، أمه فاطمة بنت علي بن جعفر بن عمر بن علي بن الحسين بن ~~علي، وأمها أروى ابنة الهيثم ابن العريان بن الهيثم بن الأسود الجشمي؛ ~~والمعقب من محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل رجل واحد، وهو الحسن الحبيب ~~لأم ولد، وكان له: جعفر، وإسماعيل، وأحمد، وعبيد الله، وعلي اغتربوا فلم ~~يعلم كيف جرى أمرهم، وهل اعقبوا أم لا؟. # ويقال إن ولد عبد الله بالمغرب؛ وآخر من ذكره من عقب محمد بن إسماعيل: ~~الحسين ابن أبي طالب، علي بن الحسين، أبي القاسم بن الحسين بن الحسن بن ~~محمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق؟. # وأما غيرهم فيقول: إن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ~~ولد جعفرا، وإسماعيل، وأحمد، والحسن. # وولد الحسن جعفرا توفي بمصر سنة ثلاث وتسعين ومائتين. # فولد جعفر بن الحسين بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ms007 ~~أبا جعفر محمدا. # فولد محمد أبا عبد الله جعفرا، وعليا، وأحمد، والحسن، ويحيى. # هؤلاء الذكور من ولد الحسن بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~الصادق وكانوا بمصر. # وولد إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن ~~علي ابن أبي طالب أحمد، ويحيى، ومحمدا، وعليا، درج ولا عقب له. # فولد أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق إسماعيل توفي ~~بمصر في ذي القعدة سنة أربع وسبعين ومائتين. # ومحمدا لا عقب له. PageV01P018 # وزيدا، وعليا، والحسين لأم ولد. # فولد إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق أبا ~~عبد الله أحمد توفي سنة خمس وعشرين وثلاثمائة بمصر. # وأبا جعفر محمدا توفي سنة اثنتين وثلاثمائة بمصر. # وأبا القاسم جعفرا توفي سنة أربع وسبعين ومائتين بمصر، وحمزة درج في سنة ~~خمس وسبعين ومائتين ولا عقب له. # وأبا عبد الله الحسين توفي سنة أربع وتسعين ومائتين. # وأبا الحسن عليا توفي في طريق مكة سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة. # فولد أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~الصادق أبا محمد إسماعيل، وأبا الحسن عليا، وأبا القاسم جعفرا، وتوفي سنة ~~ثلاثمائة، وموسى ولا عقب له. # فولد إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ~~بن جعفر الصادق أبا الحسن عليا، وأبا عبد الله الحسين، والحسن. # وولد علي بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر الصادق بنتا لم يلد غيرها. # وولد جعفر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر الصادق أبا عبد الله الحسين، وأبا إبراهيم إسماعيل، وأبا جعفر محمدا، ~~وأبا الحسين محمدا. # هؤلاء هم بنو أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر الصادق وهم بمصر. # وولد محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~الصادق عليا، ms008 والحسين، وموسى. PageV01P019 # وولد علي بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر الصادق الحسن، وتوفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة ولا عقب له. # وولد الحسين بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ~~بن جعفر زيدا ولا عقب له، ومحمدا وجعفرا، وأحمد، وإسماعيل ولد بالمغرب ولا ~~عقب له. # وولد موسى بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر يحيى، وجعفرا، وعليا، وإبراهيم، وإسماعيل ولا عقب له. # فهؤلاء بنو محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر وهم بمصر. # وولد الحسين بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~الصادق محمدا أبا الحسين، ومحمدا أبا عبد الله وهم بمصر. # وولد جعفر بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~زينب لم يلد غيرها. # وولد علي بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~الصادق إسماعيل، ومحمدا، والحسين، والحسن، وجعفرا. # وولد إسماعيل بن علي بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ~~بن جعفر محمدا ولا عقب له، وعبد الله. # وولد محمد بن علي بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر إبراهيم، وزيدا، وعبد الله، ومحسنا، وعليا. # وولد الحسين بن علي بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر الصادق حمزة وجعفرا وهم بمصر. # وولد زيد بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق موسى ولا ~~عقب له. # وولد علي بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر فاطمة ماتت ~~بدمشق. PageV01P020 # وولد الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر زيدا مات ~~ببغداد، ومحمدا، وإسماعيل النقيب بدمشق، وأحمد، والحسن، وعليا، وجعفرا ولا ~~عقب له. # فولد زيد بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~الحسين ولا عقب ms009 له، وأم سلمة، وخديجة وكان لها ولد ببغداد، وموسى لا عقب ~~له. # وولد محمد بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~فاطمة لم يخلف غيرها. # وولد إسماعيل بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~الصادق محمدا، وموسى، وإبراهيم، والحسين، وطاهرا. # فولد محمد بن إسماعيل بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ~~ابن جعفر أحمد. # وولد أحمد بن الحسين حمزة، ومحمدا وقد انقرضا ولا عقب لهما من الذكور. # وولد الحسن بن الحسين بن أحمد محمدا، وعقيلا، وإبراهيم ولا عقب له، وعبيد ~~الله، ومحسنا ولا بقية لهما. # وولد علي بن الحسين بن أحمد المحسن، وأحمد، ومحمدا المعروف بأخي محسن، ~~كان سكن دمشق، ولا عقب لأحمد ومحمد هذين. # وولد يحيى بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر أحمد وفاطمة درجا. # وولد محمد إسماعيل، بن محمد بن إسماعيل بن جعفر محمدا. # فولد محمد هذا الحسن، والحسين، ومحمدا. # وولد الحسن بن محمد الحسين، وأحمد وهم بالكوفة. # فهؤلاء جميع ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق. # وأما بقية أولاد إسماعيل بن جعفر الصادق فلا حاجة بنا إلى ذكرهم هنا. PageV01P021 ### | ذكر ما قيل في أنساب خلفاء الفاطميين # قال مؤلفه رحمة الله تعالى عليه # وقد وقفت على مجلد يشتمل على بضع وعشرين كراسة في الطعن على أنساب ~~الخلفاء الفاطميين، تأليف الشريف العابد المعروف بأخي محسن، وهو محمد بن ~~علي بن الحسين ابن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ~~ويكنى بأبي الحسين؛ وهو كتاب مفيد. # وقد غبرت زمانا أظن أنه قائل ما أنا حاكية حتى رأيت محمد بن إسحق النديم ~~في كتاب الفهرست ذكر هذا الكلام بنصه، وعزاه إلى أبي عبد الله بن رزام، ~~وأنه PageV01P022 # ذكره في كتابه الذي رد فيه على الإسماعيلية، قال وأنا بريء من قوله: ~~هؤلاء القوم من ولد ديصان الثنوي، الذي ينسب إليه الثنوية وهو مذهب يعتقدون ~~فيه خالقين، أحدهما يخلق النور، والآخر يخلق الظلمة فولد ديصان ms010 هذا ابنا ~~يقال له ميمون القداح. PageV01P023 # وإليه تنسب الميمونية، وكان له مذهب في الغلو؛ فولد لميمون هذا ابن يقال ~~له عبد الله كان أخبث من أبيه، وأعلم بالحيل، فعمل أبوابا عظيمة من المكر ~~والخديعة على بطلان الإسلام؛ وكان عارفا عالما بجميع الشرائع والسنن، وجميع ~~علوم المذاهب كلها، فرتب ما جعله من المكر في سبع دعوات، يتدرج الإنسان من ~~واحدة إلى أخرى، حتى ينتهي إلى الأخيرة، فيبقى معرا عن جميع الأديان، لا ~~يعتقد غير التعطيل والإباحة، ولا يرجو ثوابا، ولا يخشى عقابا، ويقول إنه ~~على هدى هو وأهل مذهبه، وغيرهم ضال مغفل. PageV01P024 # وكان عبد الله بن ميمون يريد بهذا في الباطن أن يجعل المخدوعين أمة له ~~يستمد من أموالهم بالمكر والخديعة، وأما في الظاهر فإنه يدعو إلى الإمام من ~~آل البيت: محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ليجمع الناس بهذه الحيلة. # وكان عبد الله بن ميمون هذا أراد أن يتنبأ فلم يتم له، وأصله من موضع ~~بالأهواز يعرف بقورج العباس، ثم نزل عسكر مكرم وسكن ساباط أبي نوح فنال ~~بدعوته مالا، وكان يتستر بالتشيع والعلم، وصار له دعاة، فظهر ما هو عليه من ~~التعطيل والإباحة والمكر والخديعة، فثارت به الشيعة والمعتزلة، وكسروا ~~داره، ففر إلى البصرة ومعه رجل من أصحابه يعرف بالحسين الأهوازي، فادعى أنه ~~من ولد عقيل بن أبي PageV01P025 # طالب، وأنه يدعو إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ثم اشتهر خبره، ~~فطلبه العسكريون، فهرب هو والحسين الأهوازي إلى سلمية ليخفى أمره بها، فولد ~~بها ابن يقال له أحمد، ومات عبد الله بن ميمون، فقام من بعده ابنه أحمد هذا ~~في ترتيب الدعوة، وبعث الحسين الأهوازي داعية إلى العراق، فلقي حمدان بن ~~الأشعت قرمط بسواد الكوفة. # وولد لأحمد بن عبد الله بن ميمون القداح ولدان، هما: الحسين ومحمد ~~المعروف بأبي الشلعلع، ثم هلك أحمد، فخلفه ابنه الحسين في الدعوة؛ فلما هلك ~~الحسين بن أحمد خلفه أخوه محمد بن أحمد المعروف بأبي الشلعلع. # وكان للحسين ابن اسمه سعيد، فبقيت الدعوة له ms011 حتى كبر، وكان قد بعث محمد ~~هذا داعيين إلى المغرب، وهما؛ أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد، وأخوه ~~أبو العباس محمد بن أحمد بن محمد؛ فنزلا في قبيلتين من البربر، وأخذا على ~~أهلها. PageV01P026 # وقد كان اشتهر أمرهم بسلمية، وأيسروا، وصار لهم أملاك كثيرة، فبلغ خبرهم ~~السلطان، فبعث في طلبهم، ففر سعيد من سلمية يريد المغرب، وكان على مصر ~~يومئذ عيسى النوشري، فدخل سعيد على النوشري ونادمه، فبلغ السلطان خبره، ~~وكان يتقصى عنه، فبعث إلى النوشري بالقبض عليه، فقرىء الكتاب وفي المجلس ~~ابن المدبر، وكان مؤاخيا لسعيد، فبعث إليه يحذره، فهرب سعيد، وكبس النوشري ~~داره فلم يوجد، وسار إلى الاسكندرية، فبعث النوشري إلى والي الاسكندرية ~~بالقبض على سعيد، وكان رجلا ديلميا يقال له علي بن وهسودان. # وكان سعيد خداعا، فلما قبض عليه ابن وهسودان قال: إني رجل من آل رسول ~~الله. # فرق له، وأخذ بعض ما كان معه وخلاه، فسار حتى نزل سجلماسة وهو في زي PageV01P027 # التجار فتقرب إلى واليها وخدمه، وأقام عنده مدة، فبلغ المعتضد خبره، فبعث ~~في طلبه، فلم يقبض عليه والي سجلماسة؛ فورد عليه كتاب آخر، فقبض عليه ~~وحبسه؛ وكان خبره قد اتصل بأبي عبد الله الداعي الذي تقدم ذكر خروجه هو ~~وأخوه إلى البربر، فسار حينئذ بالبربر إلى سجلماسة، وقتل واليها، وأخذ ~~سعيدا، وصار صاحب الأمر، وتسمى بعبيد الله، وتكنى بأبي محمد، وتلقب ~~بالمهدي؛ وصار إماما علويا من ولد محمد بن إسماعيل ابن جعفر الصادق؛ ولم ~~يلبث إلا يسيرا حتى قتل أبا عبد الله الداعي، وتملك البربر، وقلع بني ~~الأغلب ولاة المغرب. # قال: فعبيد الله الملقب بالمهدي: هو سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله ~~ابن ميمون القداح بن ديصان الثنوي الأهوازي، وأصلهم من المجوس. # قال: أما سعيد هذا الذي استولى على المغرب، وتسمى بعبيد الله، فإنه كان ~~بعد أبيه يتيما في PageV01P028 # حجر عمه الملقب بأبي الشلعلع، وكان على ترتيب الدعوة بعد أخيه، فرتب ~~أمرها لسعيد، فلما هلك وكبر سعيد، وصار على الدعوة، وترتيب ms012 الدعاة ~~والرياسة، ظهر أمره، وطلبه المعتضد، فهرب إلى المغرب من سلمية. # ويقال إنه ترسم بالتعليم كي يخفي أمره، وكان يقول عن محمد أنه ربيب في ~~حجره، وأنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر، وذلك لضعف أمره في مبدئه، ~~ولذلك يقال عن محمد ابن عبيد الله يتيم المعلم. # وزعم آخر أن عبيد الله كان ربيبا في حجر بعض الأشراف، وكان يطلب الإمامة، ~~فلما مات ادعى عبيد الله أنه ابنه؛ وقيل بل كان عبيد الله من أبناء السوقة ~~صاحب علم. # انتهى ما ذكره الشريف. # قال: ولم يدع سعيد هذا المسمى عبيد الله نسبا إلى علي بن أبي طالب إلا من ~~بعد هربه من سلمية، وآباؤه من قبله لم يدعوا هذا النسب؛ وإنما كانوا يظهرون ~~التشيع والعلم، وأنهم يدعون إلى الإمام محمد بن إسماعيل بن جعفر، وأنه حي ~~لم يمت. # وهذا القول باطل، وباطنهم غير ظاهرهم، وليس يعرف هذا القول إلا لهم؛ وهم ~~أهل تعطيل وإباحة، وإنما جعلوا علاقتهم بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بابا للخديعة والمكر. # ولم يتم لسعيد أمر بالمغرب إلا أن قال: أنا من آل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فتم له بذلك الحيلة والخديعة، وشاع بين الناس أنه علوي فاطمي من ~~ولد إسماعيل بن جعفر، فاستعبدهم بهذا القول، وخفي أمر مذهبه عليهم إلا من ~~كشف له من خاصته ودعاته في تعطيل البارىء، والطعن على جميع الأنبياء، ~~وإباحة أنفس أممهم وأموالهم وحريمهم، ومع ما كانوا يظهرون لم يكن لهم جسارة ~~أن يذكروا لهم نسبا على منبر، ولا في مجمع بين الناس، سوى ما يشيعون أنهم ~~من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير نسب ينتسبونه، تمويها على العامة. PageV01P029 # ولم يكن أحد من السلاطين المتقدمين كاشفهم في أمر نسبهم احتقارا منه بهم ~~وببلدهم، ولبعد ما بينهم من المسافة، فجرى أمرهم على ما ذكرنا منذ ملك سعيد ~~المسمى بعبيد الله المغرب إلى أن جلس نزار بن معد يعني العزيز بمصر. # ثم ملك فنا خسرو بن الحسن الديلمي ms013 بغداد، فقرب ما بينهما من المسافة، ~~فجمع العلويين ببغداد، وقال لهم: هذا الذي بمصر يقول إنه علوي منكم. # فقالوا: ليس هو منا. # فقال لهم. # ضعوا خطوطكم. # فوضعوا خطوطهم أنه ليس بعلوي، ولا من ولد أبي طالب. # ثم أنفذ إلى نزار بن معد رسولا يقول له: نريد نعرف ممن أنت؟. PageV01P030 # فعظم ذلك عليه، فذكر أن قاضيه ابن النعمان ساس الأمر، لأنه كان يلي أمر ~~الدعوة والمكاتبة في أمرها، فنسب نزارا إلى آبائه، وكتب نسبه، وأمر به أن ~~يقرأ على المنابر، فقرىء على منبر جامع دمشق صدر الكتاب، ثم قال: نزار ~~العزيز بالله بن معد المعز لدين الله، بن إسماعيل المنصور بالله، بن محمد ~~القائم بأمر الله، ابن عبيد الله المهدي، بن الأئمة الممتحنين أو قال ~~المستضعفين وقطع. # ثم إن رسول فنا خسرو سار راجعا، فقتل بالسم في طرابلس، فلم يأتهم من بعده ~~رسول، وهلك فنا خسرو. # وذكر أبو الحسين هلال بن المحسن بن إبراهيم بن هلال الصابي، وابنه غرس ~~الدولة PageV01P031 # محمد في تاريخهما أن القادر بالله عقد مجلسا أحضر فيه الطاهر أبا أحمد ~~الحسين ابن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق، وابنه أبو ~~القاسم عليا المرتضى، وجماعة من القضاة والشهود والفقهاء، وأبرز إليهم ~~أبيات الشريف الرضي أبي الحسن محمد بن أحمد الحسين التي أولها: # ما مقامي على الهوان وعندي ... مقول صارم، وأنف حمي # وإباء محلق بي عن الضيم، ... كما راغ طائر وحشي # أي عذر له إلى المجد إن ذل ... غلام في غمده المشرفي # أحمل الضيم في بلاد الأعادي، ... وبمصر الخليفة العلوي PageV01P032 # من أبوه أبي، ومولاه مولا ... ي، إذا ضامني البعيد القصي # لف عرقي بعرقه سيدا النا ... س جميعا: محمد وعلي # إن جوعي بذلك الربع شبع ... وأوامي بذلك الظل ري # مثل من يركب الظلام وقد أس ... رى ومن خلفه هلال مضي # وقال الحاجب للنقيب أبي أحمد: قل لولدك محمد: أي هوان قد أقام فيه عندنا؟ ~~وأي ضيم لقي من جهتنا؟ وأي ذلك أصابه في مملكتنا؟ وما الذي يعمل ms014 معه صاحب ~~مصر لو مضى إليه؟ أكان يصنع إليه أكثر من صنيعنا؟ ألم نوله النقابة؟ ألم ~~نوله المظالم؟ ألم نستخلفه على الحرمين والحجاز وجعلناه أمير الحجيج؟ فهل ~~كان يحصل له من صاحب مصر أكثر من هذا؟ ما نظنه كان يكون لو حصل عنده إلا ~~واحدا من أبناء الطالبيين بمصر. # فقال النقيب أبو أحمد: أما هذا الشعر فمما لم نسمعه منه، ولا رأيناه ~~بخطه، ولا يبعد أن يكون بعض أعدائه نحله إياه، وعزاه إليه. # فقال القادر: إن كان كذلك فليكتب الآن محضر يتضمن القدح في أنساب ولاة ~~مصر، ويكتب محمد خطه فيه. # فكتب محضر بذلك، شهد فيه جميع من حضر المجلس، منهم: النقيب أبو أحمد، ~~وابنه المرتضى. # وحمل المحضر إلى الرضى ليكتب فيه خطه، حمله أبوه وأخوه، فامتنع، وقال: لا ~~أكتب، وأخاف دعاة صاحب مصر. PageV01P033 # وأنكر الشعر، وكتب بخطه أنه ليس بشعره، ولا يعرفه؛ فأجبره أبوه على أن ~~يسطر خطه في المحضر، فلم يفعل، وقال: أخاف دعاة المصريين وغلبتهم، فإنهم ~~معروفون بذلك. # فقال أبوه: يا عجبا! أتخاف من بينك وبينه ستمائة فرسخ، ولا تخاف من بينك ~~وبينه مائة ذراع؟ # وحلف أن لا يكلمه، وكذلك المرتضى، فعلا ذلك تقية وخوفا من القادر، ~~وتسكينا له. # فلما انتهى الأمر إلى القادر سكت على سوء أضمره له، وبعد ذلك بأيام صرفه ~~عن النقابة، وولاها محمد بن عمر النهرسابسي. PageV01P034 # وقال الإمام علي بن محمد بن عبد الكريم بن الأثير الجزري في كتاب الكامل ~~في التاريخ! ### | ذكر ابتداء الدولة العلوية بافريقية # هذه الدولة اتسعت أكناف مملكتها، وطالت مدتها، فنحتاج نستقصي ذكرها، ~~فنقول: أول من ولى منهم: أبو محمد عبيد الله، فقيل هو محمد بن عبد الله بن ~~ميمون بن محمد ابن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي ~~طالب؛ ومن ينسبه هذا النسب يجعله: عبد الله بن ميمون القداح الذي ينسب إليه ~~القداحيه. # وقيل هو عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل الثاني بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~يعني الصادق، وقد ms015 اختلف العلماء في صحة نسبه. # فقال: هو وأصحابه القائلون بإمامته إن نسبه صحيح، ولم يرتابوا فيه. وذهب ~~كثير من العلماء بالأنساب إلى موافقتهم أيضا، وشهد بصحة هذا القول ما قاله ~~الشريف الرضي. # ما مقامي على الهوان؟ وعندي ... مقول صارم، وأنف حمي # ألبس الذل في بلاد الأعادي! ... وبمصر الخليفة العلوي؟ # من أبوه أبي، ومولاه مولا ... ي إذا ضامني البعيد القصي # لف عرقي بعرقه سيدا النا ... س جميعا: محمد وعلي # إن ذلي بذلك الحي عز، ... وأوامي بذلك الربع ري PageV01P035 # قال أي ابن الأثير: إنما لم يودعها ديوانه خوفا، ولا حجة فيما كتبه في ~~المحضر المتضمن القدح في أنسابهم، فإن الخوف يحمل على أكثر من هذا، على أنه ~~قد ورد ما يصدق ما ذكرته، وهو أن القادر بالله لما بلغته هذه الأبيات أحضر ~~القاضي أبا بكر الباقلاني، وأرسله إلى الشريف أبي أحمد الموسوي والد الشريف ~~الرضي يقول له: قد عرفت منزلك منا، وما لا نزال عليه من صدق الموالاة، وما ~~تقدم لك في الدولة من مواقف محمودة، ولا يجوز أن تكون أنت على خليفة ~~نرضاها، ويكون ولدك على ما يضادها؛ ولقد بلغنا أنه قال شعرا، وهو كذا وكذا، ~~فيا ليت شعري على أي مقام ذل أقام؟ وهو ناظر في النقابة والحج وهما من أشرف ~~الأعمال ولو كان في مصر لكان كبعض الرعايا. # وأطال القول. # فحلف أبو أحمد أنه ما علم بذلك، وأحضر ولده، فقال له في المعنى، فأنكر ~~الشعر، فقال له: اكتب خطك إلى الخليفة بالاعتذار، واذكر فيه أن نسب المصري ~~مدخول، وأنه مدع في نسبه. # فقال: لا أفعل. # فقال أبوه: أتكذبني في قولي؟ PageV01P036 # فقال: ما أكذبك، ولكن أخاف الديلم، وأخاف من المصري، ومن الدعاة التي له ~~في البلاد. # فقال أبوه: أتخاف من هو بعيد منك وتراقبه، وتسخط من أنت بمرأى منه ومسمع، ~~وهو قادر عليك وعلى أهل بيتك؟. # وتردد القول بينهما، ولم يكتب الرضي خطه، فحرد عليه أبوه وغضب، وحلف أن ~~لا يقيم معه في بلد، فآل الأمر إلى أن حلف الرضي ms016 أنه ما قال هذا الشعر. # واندرجت القصة على هذا. # ففي امتناع الرضي من الاعتذار، ومن أن يكتب طعنا في نسبهم دليل قوي على ~~صحة نسبهم. # وسألت أنا جماعة من أعيان العلويين عن نسبه فلم يرتابوا في صحته. # وذهب غيرهم إلى أن نسبه مدخول ليس بصحيح، وغلا طائفة منهم إلى أن جعلوا ~~نسبه يهوديا. # وقد كتب في الأيام القادرية محضر يتضمن القدح في نسبه ونسب أولاده، وكتب ~~فيه جماعة من العلويين وغيرهم: أن نسبه إلى أمير المؤمنين علي كرم الله ~~وجهه غير صحيح. # وزعم القائلون بصحة نسبه أن العلماء ممن كتب في المحضر إنما كتبوا خوفا ~~وتقية، ومن لا علم عنده بالأنساب فلا احتجاج بقوله. # وزعم الأمير عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن شداد بن تميم بن المعز بن ~~باديس صاحب تاريخ إفريقية والغرب أن نسبه معرق في اليهودية، ونقل فيه عن ~~جماعة من العلماء، وقد استقصى ذلك في ابتداء دولتهم وبالغ. PageV01P037 # وأنا أذكر معنى ما قاله مع البراءة من عهدة طعنه في نسبه، وما عداه فقد ~~أحسن فيما ذكر، قال: # لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم عظم ذلك على اليهود والنصارى ~~والروم والفرس وسائر العرب، لأنه سفه أحلامهم، وعاب أديانهم، فاجتمعوا يدا ~~واحدة عليه، فكفاه الله كيدهم، وأسلم منهم من هداه الله، فلما قبض صلى الله ~~عليه وسلم نجم النفاق، وارتدت العرب، وظنوا أن أصحابه يضعفون بعده، فجاهد ~~أبو بكر رضي الله عنه في سبيل الله، فقتل مسيلمة وأهل الرده، ووطأ جزيرة ~~العرب، وغزا فارس والروم، فلما حضرته الوفاة ظنوا أن بوفاته ينتقض الإسلام، ~~فاستخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأذل فارس والروم، وغلب على ممالكهما، ~~فدس عليه المنافقون أبا لؤلؤة فقتله، ظنا منهم أن بقتله ينطفىء نور ~~الإسلام، فولى عثمان رضي الله عنه، فزاد في الفتوح، فلما قتل وولى علي رضي ~~الله عنه قام بالأم أحسن قيام، فلما يئس أعداء الإسلام من استئصاله بالقوة ~~أخذوا في وضع الأحاديث الكاذبة، وتشكيك ضعفة العقول في دينهم، بأمور ms017 قد ~~ضبطها المحدثون، وأفسدوا الصحيح بالتأويل والطعن عليه. # وكان أول من فعل ذلك أبو الخطاب محمد بن أبي زينب مولى بني أسيد، وأبو ~~شاكر، ميمون بن ديصان، وغيرهما، فألقوا إلى كل من وثقوا به أن لكل شيء من ~~العبادات باطنا، وأن الله لم يوجب على أوليائه ومن عرف من الأئمة والأبواب ~~صلاة ولا زكاة ولا غير ذلك، ولا حرم عليهم شيئا، وأباحوا لهم نكاح الأمهات ~~والأخوات، وقالوا: هذه قيود للعامة، وهي ساقطة عن الخاصة، وكانوا يظهرون ~~التشيع لآل النبي صلى الله عليه وسلم ليستروا أمرهم، ويستميلوا العامة. PageV01P038 # وتفرق أصحابهم في البلاد، وأظهروا الزهد والعبادة، يغرون الناس بذلك وهم ~~على خلافه، فقتل أبو الخطاب وجماعة من أصحابه بالكوفة، وكان أصحابه قالوا ~~له: إنا نخاف الجند فقال لهم: إن أسلحتهم لا تعمل فيكم. # فلما ابتدأوا في ضرب أعناقهم، قال له أصحابه: ألم تقل إن سيوفهم لا تعمل ~~فينا؟ فقال: إذا كان قد بدا الله فما حيلتي؟ وتفرقت هذه الطائفة في البلاد، ~~وتعلموا الشعبذة، والنأرنجيات، والنجوم، والكيمياء، فهم يحتالون على كل قوم ~~بما ينفق عليهم، وعلى العامة بإظهار الزهد. # ونشأ لابن ديصان ابن يقال له أبو عبد الله القداح علمه الحيل، وأطلعه على ~~أسرار هذه النحلة، فحذق وتقدم. # وكان بنواحي أصبهان رجل يعرف بمحمد بن الحسين، ويلقب بدندان، يتولى PageV01P039 # تلك المواضع، وكان يبغض العرب، ويجمع مساويهم، فسار إليه القداح، وعرفه ~~من ذلك ما زاد به محله، وأشار إليه أن لا يظهر ما في نفسه ويكتمه، ويظهر ~~التشيع والطعن على الصحابة، فاستحسن قوله، وأعطاه مالا ينفقه على الدعاة ~~إلى هذا المذهب، فسير دعاته إلى كور الأهواز، والبصرة، والكوفة، والطالقان، ~~وخراسان، وسلمية من أرض حمص. # وتوفي القداح ودندان، فقام من بعد القداح ابنه أحمد، وصحبه انسان يقال له ~~أبو القاسم رستم بن الحسين بن فرج بن حوشب بن زاذان النجار، من أهل الكوفة، ~~وألقى إليه مذهبه فقبله، وسيره إلى اليمن، وأمره بلزوم العبادة والزهد، ~~ودعا الناس إلى المهدي، وأنه خارج PageV01P040 # في هذا الزمان، فنزل بعد، ms018 بقرب قوم من الشيعة يعرفون ببني موسى، فأظهر ~~أمره، وقرب أمر المهدي، وأمرهم بالاستكثار من الخيل والسلاح. # واتصلت أخباره بالشيعة الذين بالعراق، فساروا إليه، وكثر جمعهم، وعظم ~~بأسهم، وأغاروا على من جاورهم، وسبوا، وجبوا الأموال، وأرسل إلى من بالكوفة ~~من ولد القداح هدايا عظيمة. # وأوفدوا إلى المغرب رجلين: أحدهما الحلواني، والآخر أبو سفيان، وقالوا ~~لهما: إن المغرب أرض بور، فاذهبا فأحرثا حتى يجيء صاحب البذر. # فسارا، ونزل أحدهما بأرض كتامة، فمالت قلوب أهل تلك النواحي إليهما، ~~وحملوا إليهما الأموال والتحف، فأقاما سنين كثيرة وماتا، وكان من إرسال أبي ~~عبد الله الشيعي إلى المغرب ما كان. # فلما توفي عبد الله بن ميمون القداح ادعى ولده أنه من ولد عقيل بن أبي ~~طالب، وهم مع هذا يسترون أمرهم، ويخفون أشخاصهم. # وكان ولده أحمد هو المشار إليه منهم، فتوفي وخلف ولده محمدا، ثم توفي ~~محمد وخلف أحمد والحسين، فسار الحسين إلى سلمية، وله بها ودائع من جهة جده ~~عبد الله القداح، ووكلاء وغلمان. # وبقي ببغداد من أولاد القداح أبو الشلعلع، وكان الحسين يدعى أنه الوصي ~~وصاحب الأمر، والدعاة باليمن المغرب يكاتبونه، واتفق أنه جرى بحضرته حديث ~~النساء بسلمية، PageV01P041 # فوصفوا له امرأة رجل يهودي حداد مات عنها زوجها وهي في غاية الحسن ولها ~~ولد من الحداد يماثلها في الجمال، فأحبها وحسن موقعها منه، وأحب ولدها، ~~وأدبه وعلمه، فتعلم العلم، وصارت له نفس عظيمة، وهمة كبيرة، فمن العلماء من ~~أهل هذه الدعوة من يقول إن الإمام الذي كان بسلمية وهو الحسين مات ولم يكن ~~له ولد، فعهد إلى ابن اليهودي الحداد PageV01P042 # وهو عبيد الله، وعلمه أسرار الدعوة من قول وفعل، وأين الدعاة، وأعطاه ~~الأموال والعلامات، وتقدم إلى أصحابه بطاعته وخدمته، وأنه الإمام والوصي، ~~وزوجه ابنة عمه أبي الشلعلع، وجعل لنفسه نسبا، وهو: عبيد الله بن الحسين بن ~~علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ~~أبي طالب. # وبعض الناس يقول: إن عبيد الله هذا من ms019 ولد القداح. # وقال أي ابن الأثير: هذه الأقوال فيها ما فيها، فيا ليت شعري، ما الذي ~~حمل أبا عبد الله الشيعي وغيره ممن قام في إظهار هذه الدعوة حتى يخرجوا ~~الأمر من أنفسهم ويسلموه إلى ولد يهودي؟! وهل يسامح نفسه بهذا الأمر من ~~يعتقده دينا يثاب عليه؟! قال: فلما عهد الحسين إلى عبيد الله قال له: إنك ~~ستهاجر بعدي هجرة بعيدة، وتلقى محنا شديدة فتوفي الحسين، وقام بعده عبيد ~~الله، وانتشرت دعوته، وأرسل إليه أبو عبد الله رجالا من كتامة من المغرب ~~ليخبروه بما فتح الله عليه، وأنهم ينتظرونه. # وشاع خبر عند الناس أيام المكتفي، فطلب، فهرب هو وولده أبو القاسم الذي ~~ولي بعده وتلقب بالقائم وهو يومئذ غلام، وخرج معه خاصته ومواليه يريد ~~المغرب، وذلك أيام زيادة الله بن الأغلب. # انتهى ما ذكره ابن الأثير. # قال المؤلف رحمة الله عليه وأما المحضر فنسخته # هذا ما شهد به الشهود PageV01P043 # أن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد ينسب إلى ديصان بن سعيد الذي ~~تنسب إليه الديصانية. # وأن هذا الناجم بمصر هو منصور بن نزار المتلقب بالحاكم حكم الله عليه ~~بالبوار والخزي والدمار ابن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد لا أسعده ~~الله. # وأن من تقدمه من سلفه من الأرجاس الأنجاس عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين ~~أدعياء خوارج، لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه: وأن ما ~~ادعوه من الانتساب إليه زور وباطل. # وأن هذا الناجم في مصر هو وسلفه كفار، فساق، زنادقة، ملحدون، معطلون، ~~وللإسلام جاحدون، أباحوا الفروج، وأحلوا الخمور، وسبوا الأنبياء، وادعوا ~~الربوبية. # وفي آخره: وكتب في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة. # وقال ابن خلدون في كتاب العبر # وديوان المبتدأ والخبر # ومن الأخبار الواهية ما يذهب إليه الكثير من المؤرخين في العبيديين خلفاء ~~الشيعة بالقيروان والقاهرة، من نفيهم عن أهل البيت صلوات الله عليهم والطعن ~~في نسبهم إلى إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق، يعتمدون في ذلك على أحاديث ~~لفقت للمستضعفين ms020 من خلفاء بني العباس، تزلفا إليهم بالقدح فيمن ناصبهم، ~~وتفننا في الشمات بعدوهم، حسب ما تذكر بعض هذه الأحاديث في أخبارهم؛ ~~ويغفلون عن التفطن لشواهد الواقعات، وأدلة الأحوال التي اقتضت PageV01P044 # خلاف ذلك من تكذيب دعواهم، والرد عليهم، فإنهم متفقون في حديثهم عن مبدأ ~~دولة الشيعة أن أبا عبد الله المحتسب لما دعا بكتامة للرضى من آل محمد، ~~واشتهر خبره، وعلم تحويمه على عبيد الله المهدي، وابنه أبي القاسم خشيا على ~~أنفسهما، فهرا من المشرق محل الخلافة، واجتازا بمصر. # وأنهما خرجا من الاسكندرية في زي التجار، ونمى خبرهما إلى عيسى النوشري ~~عامل مصر فسرح في طلبهما الخيالة، حتى إذا أدركا خفي حالهما على تابعهما ~~بما لبسوا من الشارة والزي، فأقبلوا إلى المغرب. # وأن المعتضد أوعز إلى الأغالبة أمراء إفريقية بالقيروان، وبني مدرار ~~أمراء سجلماسة بأخذ الآفاق عليهما، وإذكاء العيون في طلبهما، فعثر اليسع ~~صاحب سجلماسة ابن آل مدرار على خفي مكانهما ببلده، واعتقلهما مرضاة ~~للخليفة. # هذا قبل أن تظهر الشيعة على الأغالبة بالقيروان. # ثم كان بعد ذلك ما كان من ظهور دعوتهم بإفريقية والمغرب، ثم باليمن، ثم ~~بالاسكندرية، ثم بمصر والشام والحجاز؛ وقاسموا بني العباس في ممالك الإسلام ~~شق الأبلمة، وكادوا يلجون عليهم مواطنهم، ويديلون من أمرهم. PageV01P045 # ولقد أظهر دعوتهم ببغداد وعراقها الأمير البساسيري من موالي الديلم ~~المتغلبين على خلفاء بني العباس في مغاضبة جرت بينه وبين أمراء العجم، وخطب ~~لهم على منابرها حولا كاملا. # وما زال بنو العباس يغصون بمكانهم ودولتهم، وملوك بني أميه وراء البحر ~~ينادون بالويل والحرب منهم. # وكيف يقع هذا كله لدعي في النسب، يكذب في انتحال الأمر؟! واعتبر حال ~~القرمطي إذ كان دعيا في انتسابه، كيف تلاشت دعوته، وتفرق اتباعه، وظهر ~~سريعا على خبثهم ومكرهم، فساءت عاقبتهم، وذاقوا وبال أمرهم، ولو كان أمر ~~العبيدين كذلك لعرف ولو بعد مهلة. # فمهما تكن عند امرىء من خليفة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم # فقد اتصلت دولتهم نحوا من مائتين وسبعين سنة، وملكوا مقام إبراهيم ~~ومصلاه، وموطن الرسول ومدفنه، ms021 وموقف الحجيج، ومهبط الملائكة، ثم انقرض ~~أمرهم وشيعتهم في ذلك كله على أتم ما كانوا عليه من الطاعة لهم، والحب ~~فيهم، واعتقادهم بنسب الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق. # ولقد خرجوا مرارا بعد ذهاب الدولة ودروس أثرها داعين إلى بدعتهم، هاتفين ~~بأسماء صبيان من أعقابهم، يزعمون استحقاقهم للخلافة، ويذهبون إلى تعيينهم ~~بالوصية ممن سلف قبلهم من الأئمة، ولو ارتابوا في نسبهم لما ركبوا أعناق ~~الأخطار في الانتصار لهم، فصاحب البدعة لا يلبس في أمره، ولا يشبه في ~~بدعته، ولا يكذب نفسه فيما ينتحله. PageV01P046 # والعجب في القاضي أبي بكر الباقلاني شيخ النظار من المتكلمين يجنح إلى ~~هذه المقالة المرجوحة، ويرى هذا الرأي الضعيف، فإن كان ذلك لما كانوا عليه ~~من الإلحاد في الدين، والتعمق في الرافضية، فليس ذلك بدافع في صدد بدعتهم، ~~وليس إثبات منتسبهم بالذي يغنى عنهم من الله شيئا في كفرهم، وقد قال تعالى ~~لنوح عليه السلام في شأن ابنه: " إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح، فلا ~~تسألن ما ليس لك به علم " وقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة يعظها: يا فاطمة: ~~اعملي: فلن أغنى عنك من الله شيئا. # ومتى عرف أمرؤ قضية، أو استيقن أمرا، وجب عليه أن يصدع به " والله يقول ~~الحق وهو يهدى السبيل ". # والقوم كانوا في مجال لظنون الدول بهم، وتحت رقبة من الطغاة لتوفر ~~شيعتهم، وانتشارهم في القاصية بدعوتهم، وتكرر خروجهم مرة بعد أخرى، فلاذت ~~رجالاتهم بالاختفاء، ولم يكادوا يعرفون. كما قيل: # فلو تسأل الأيام ما أسمى ما درت ... وأين مكاني؟ ما اعرفن مكاني # حتى لقد سمى محمد بن إسماعيل الإمام جد عبيد الله المهدي بالمكتوم، سمته ~~بذلك شيعتهم لما اتفقوا عليه من اخفائه حذرا من المتغلبين عليهم، فتوصل ~~شيعة آل العباس بذلك عند ظهورهم إلى الطعن في نسبهم، وازدلفوا بهذا الرأي ~~القائل إلى المستضعفين من خلفائهم، وأعجب به أولياؤهم وأمراء دولتهم، ~~المتولون لحروبهم مع الأعداء، يدفعون به عن أنفسهم وسلطانهم معرة العجز عن ~~المقاومة والمدافعة لمن غلبهم على الشام ومصر والحجاز من ms022 البربر الكتاميين ~~شيعة العبيديين وأهل دعوتهم، حتى لقد أسجل القضاة ببغداد بنفيهم من هذا ~~النسب، وشهد بذلك من أعلام الناس جماعة، منهم: PageV01P047 # الشريف الرضي. # وأخوه المرتضى. # وابن البطحاوي. # ومن العلماء: أبو حامد الاسفراييني. # والقدوري. # والصيمري. PageV01P048 # وابن الاكفاني. # والأبيوردي. # وأبو عبد الله بن النعمان فقيه الشيعة. # وغيرهم من أعلام الأئمة ببغداد، في يوم مشهود وذلك سنة اثنتين وأربعمائة ~~في أيام القادر؛ وكانت شهادتهم في ذلك على السماع لما اشتهر وعرف بين الناس ~~ببغداد، وغالبها شيعة بني العباس، الطاعنون في هذا النسب، فنقله الأخباريون ~~كما سمعوه، وروه حسبما وعوه، والحق من ورائه. # وفي كتاب المعتضد في شأن عبيد الله إلى ابن الأغلب بالقيروان، وابن مدرار ~~بسجلماسة أصدق شاهد، وأوضح دليل على صحة نسبهم، فالمعتضد أقعد بنسب أهل ~~البيت من كل أحد، والدولة والسلطان سوق للعالم تجلب إليه بضائع العلوم ~~والصنائع، وتلتمس فيه ضوال الحكم، وتحدى إليه ركائب الروايات والأخبار، وما ~~نفق فيها نفق عند الكافة، فإن تنزهت الدولة عن التعسف والميل والإفن ~~والشقشقة، وسلكت النهج الأمم، ولم تجر عن قصد السبيل، نفق بأسواقها الإبريز ~~الخالص، واللجين المصفى، وإن ذهبت مع الأغراض والحقود، وماجت PageV01P049 # بسماسرة البغي والباطل، نفق البهرج والزائف، والناقد البصير قسطاس نظره، ~~وميزان بحثه وملتمسه. # قال أي ابن خلدون: وكان الإسماعيلية من الشيعة يذهبون إلى أن الإمام من ~~ولد جعفر الصادق هو إسماعيل ابنه من بعده، وأن الإمام بعده ابنه محمد ~~المكتوم، وبعده ابنه جعفر المصدق، وبعده ابنه محمد الحبيب، وكانوا أهل غلو ~~في دعاويهم في هؤلاء الأئمة. # وكان محمد بن جعفر هذا يؤمل ظهور أمره والظفر بدولته. # وكان باليمن من هذا المذهب كثير بعدن في قوم يعرفون ببني موسى؛ وكذلك كان ~~بإفريقية من لدن جعفر الصادق بمرجانة، وفي كتامة، وفي نفزة وسماتة، تلقوا ~~ذلك من الحلواني وابن بكار داعيتي جعفر الصادق، وقدم على جعفر بن محمد والد ~~عبيد الله PageV01P050 # من أهل اليمن رجل من أولئك الشيعة، يعرف بعلي بن الفضل، فأخبره بأخبار ~~اليمن، فبعث معه أبا القسم رستم بن الحسين ms023 بن فرج بن حوشب الكوفي من رجالات ~~الشيعة، وقال له: ليس لليمن إلا أنت، فخرجا من القادسية سنة ثمان وستين ~~ومائتين، ودخلا اليمن، على حين انخلع محمد بن يعفر من الملك، وأظهر التوبة، ~~فدعوا للرضى من آل محمد، وظهرت الدعوة سنة سبعين، وتسمى أبو القاسم ~~بالمنصور، وابتنى حصنا بجبل لاعة، وزحف بالجيوش، وفتح مدائن اليمن، وملك ~~صنعاء، وأخرج بني يعفر، وفرق الدعاة في اليمن والبحرين، واليمامة، والسند، ~~والهند، ومصر والمغرب. # وكان أبو عبد الله المحتسب داعي المغرب، وأصله من الكوفة، واسمه الحسين ~~بن أحمد ابن محمد بن زكريا، من رام هرمز وكان محتسبا بسوق الغزل من البصرة، ~~وقيل إنما المحتسب أخوه أبو العباس محمد. # ويعرف أبو عبد الله بالمعلم، كان يعلم الناس مذهب الإمامية الباطنية، ~~واتصل بالإمام محمد بن جعفر، ورأى أهليته، فأرسله إلى ابن حوشب صاحب اليمن، ~~وأمره بامتثال أمره، والاقتداء بسيرته، ثم يذهب بعدها إلى المغرب، ويقصد ~~بلد كتامة، فلما بلغ إلى ابن حوشب لزمه، وشهد مجالسه، وأفاد علمه، ثم خرج ~~مع حاج اليمن إلى مكة حتى أتى الموسم، ولقي به رجالات كتامة واختلط بهم، ~~ووجد لديهم بذار من ذلك المذهب كما قدمنا، فاشتملوا عليه، وسألوه الرحلة ~~فارتحل معهم إلى بلدهم، ونزل بها، وجاهر PageV01P051 # بمذهبه، وأعلن إمامة أهل البيت، ودعا للرضى من آل محمد على عادة الشيعة، ~~وأطاعته قبائل كتامة بعد فتن وحروب، ثم اجتمعوا على تلك الدعوة. # ثم هلك الإمام محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق بعد أن ~~عهد لابنه عبيد الله المهدي، وشاع خبر دعاته باليمن وإفريقية، وطلبه ~~المكتفي، وكان يسكن عسكر مكرم، فانتقل إلى الشام، ثم طلب ففر بنفسه وبابنه ~~أبي القاسم وكان غلاما حدثا، وبلغ مصر، وأراد قصد اليمن، فبلغه أن علي بن ~~المفضل أحدث فيها الأحداث من بعد ابن حوشب، وأساء السيرة، فكره دخول اليمن، ~~واتصل به شأن أبي عبد الله، وما فتح الله عليه بالمغرب، فاعتزم على اللحاق ~~به؛ وسرح عيسى النوشري عامل مصر في طلبه، وكانوا خرجوا ms024 من الإسكندرية في زي ~~التجار، فلما أدركت الرفقة خفي حالهم، بما اشتبه من الزي، فافلتوا إلى ~~المغرب. # انتهى كلام ابن خلدون رحمه الله قال المؤلف رحمة الله عليه: وأنت إذا ~~سلمت من العصبية والهوى، وتأملت ما قد مر ذكره من أقوال الطاعنين في أنساب ~~القوم علمت ما فيها من التعسف والحمل مع ظهور التلفيق في الأخبار، وتبين لك ~~منه ما تأبى الطباع السليمة قبوله، ويشهد الحس السليم بكذبه، فإنه قد ثبت ~~أن الله تعالى لا يمد الكذاب المفتعل بما يكون سببا لانحراف الناس إليه، ~~وطاعتهم له على كذبه. # قال تعالى عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم؛ " ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ". # وقال تعالى في الدلالة على صدقه: " أفلا يرون أنا نأتى الأرض ننقصها من ~~أطرافها أفهم الغالبون ". # وقد علم أن الكذب على الله تعالى، والافتراء عليه في دعوى استحقاق ~~الخلافة النبوية على الأمة، والإمامة لهم شرعا بكونه من ذرية رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وآل بيته، من PageV01P052 # أعظم الجنايات، وأكبر الكبائر، فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يظهر من ~~تعاطى ذلك واجترأ عليه، ثم يمده في ظهوره بمعونته، ويؤيده بنصره حتى يملك ~~أكثر مدائن الإسلام، ويورثها بنيه من بعده، وهو تعالى يراه يستظهر بهذه ~~النعم الجليلة على كذبه، ويفتن بمخرقته العباد، ويحدث بباطله الفتن العظيمة ~~والحروب المبيدة في البلاد، ثم يخليه تعالى وما تولى من ذلك بباطله من غير ~~أن يشعره شعار الكذابين، ويحل به ما من عادته تعالى أن يحل بالمفسدين، ~~فيدمره وقومه أجمعين. # كما لا يليق بحكمته تعالى أن يخذل من دعا إلى دينه، وحمل الكافة على ~~عبادته، ولا يؤيده على إعلاء كلمته، بل يسلمه في أيدي أعداء دينه المجاهرين ~~بكفرهم وطغيانهم، حتى يزيدهم ذلك كفرا إلى كفرهم، وضلالا إلى ضلالهم، فإن ~~فعله هذا بالصادق في دعائه إليه تعالى كتأييده الكاذب فيها سواء، بل الحكمة ~~الإلهية والعادة الربانية، وسنة الله التي قد خلت في عباده، اقتضت أنه ~~تعالى إذا ms025 رأى الكذاب يستظهر بالمحافظة على التنمس بالباطل، ويتوصل إلى ~~إقامة دولته بالكذب، ويحيلها بالزور في ادعائه نسبا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم غير صحيح، وصرفه الناس عن طاعة بني العباس الثابتة أنسابهم، ~~المرضية سيرتهم، العادلة بزعمهم أحكامهم ومذاهبهم أن يحول بينه وبين همه ~~بذلك، ويسلبه الأسباب التي يتمكن بها من الاحتراز، ويعرضه لما يوقعه في ~~المهلك، ويسلك به سبيل أهل البغي والفساد. # فلما لم يفعل ذلك بعبيد الله المهدي، بل كتب تعالى له النصر على من ~~ناوأه، والتأييد بمعونته على من خالفه وعاداه، حتى مكن له في الأرض، وجعله ~~وبينه من بعده أئمة، وأورثهم أكثر البسيطة، وملكهم من حد منتهى العمارة في ~~مغرب الشمس إلى آخر ملك مصر، والشام، والحجاز، وعمان، والبحرين، واليمن، ~~وملكهم بغداد وديار بكر مدة، ونشر دعوتهم إلى خراسان، ونصرهم على عدوهم أي ~~نصر، تبين أن دعواهم الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحة، ~~وهذا دليل يجب التسليم له. # وقد روى موسى بن عقبة أن هرقل لما سأل أبا سفيان بن حرب عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان مما قاله له: أتراه كاذبا أو صادقا؟ قال أبو سفيان: بل ~~هو PageV01P053 # كاذب، قال هرقل: لا تقولوا ذلك، فإن الكذب لا يظهر به أحد، " والله يقول ~~الحق وهو يهدي السبيل ". # وقد نقل عن أئمة أهل البيت عليهم السلام الإشارة إلى أمر عبيد الله ~~المهدي، فمن ذلك: أن موسى الكاظم بن جعفر الصادق سئل عن ظهور القائم متى ~~يكون؟ فقال: إن ظهور القائم مثله كمثل عمود من نور سقط من السماء إلى ~~الأرض، رأسه بالمغرب، وأسفله بالمشرق. # وكذلك كان بداية أمر المهدي عبيد الله، فإنه ابتدأ من المغرب، وانتهى ~~أمره على يد بنيه إلى المشرق، فإنه ظهر بسجلماسة في ذي الحجة سنة تسعين ~~ومائتين، وهي أقصى مسكون المغرب، ودعي للمستنصر ببغداد في سنة إحدى وخمسين ~~وأربعمائة. # وكان علي بن محمد بن علي بن موسى الكاظم يقول: في سنة أربع وخمسين ~~ومائتين ستكشف عنكم الشدة، ms026 ويزول عنكم كثير مما تجدون إذا مضت عنكم سنة ~~اثنتين وأربعين؛ يشير بذلك إلى أن البداية من تاريخ وقته، فيكون المراد سنة ~~ست وتسعين ومائتين، وفي ذي الحجة منها كان ظهور الإمام المهدي بالله رحمة ~~الله عليه. PageV01P054 ### | ذكر ما كان من ابتداء الدولة الفاطمية إلى أن بنيت القاهرة # وذلك أن أبا عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الشعيي، سار إلى ~~أبي القاسم رستم بن الحسن بن فرج بن حوشب بن ذاذان الكوفي باليمن، وصحبه ~~وصار من كبار أصحابه، وكان له علم وفهم ودهاء ومكر، فلما ورد على ابن حوشب ~~موت الحلواني ورفيقه بالمغرب، قال لأبي عبد الله الشعيي: # إن أرض كتامة من المغرب قد حرثها الحلواني وأبو سفيان، وقد ماتا، وليس ~~لها غيرك، فبادر فإنها موطأة ممهدة لك. # فخرج أبو عبد الله إلى مكة، وقد أعطاه ابن حوشب مالا، فلما قدم سأل عن ~~حجاج كتامة، فأرشد إليهم، واجتمع بهم، ولم يعرفهم قصده، وذلك أنه جلس قريبا ~~منهم، فسمعهم يتحدثون بفضائل آل البيت، فاستحسن ذلك، وحدثهم في معناه، فلما ~~أراد القيام سألوه أن يأذن لهم في زيارته، فأذن لهم، وسألوه أين مقصده؟ ~~فقال: مصر، ففرحوا بصحبته، فرحلوا، وهو لا يخبرهم بغرضه، وأظهر العبادة ~~والزهد، فازدادوا فيه رغبة، وخدموه. # وكان يسألهم عن بلادهم وأحوالهم وقبائلهم، وعن طاعتهم لسلطان إفريقية؛ ~~فقالوا: ماله علينا طاعة، وبيننا وبينه عشرة أيام. PageV01P055 # قال: أتحلمون السلاح؟ قالوا: هو شغلنا ولم يزل يتعرف أحوالهم حتى وصلوا ~~إلى مصر، فلما أراد وداعهم قالوا له: أي شيء تطلب بمصر؟ قال: أطلب التعليم ~~بها قالوا: إذا كنت تقصد هذا، فبلادنا أنفع لك، ونحن أعرف بحقك ولم يزالوا ~~به حتى أجابهم إلى المسير معهم. # فلما قاربوا بلادهم رجال من الشيعة فأخبروهم بخبره، فرغبوا في نزوله ~~عندهم، وأقرعوا فيمن يضيفه منهم. # ثم ارتحلوا حتى وصلوا إلى أرض كتامة منتصف ربيع الأول سنة ثمان وثمانين ~~ومائتين، فسأله قوم أن ينزل عندهم حتى يقاتلوا دونه، فقال لهم: أين يكون فج ~~الأخيار؟ فعجبوا من ms027 ذلك، ولم يكونوا ذكروه له، فقالوا له: عند بني سليمان. # فقال: إليه نقصد، ثم نأتي كل قوم منكم في ديارهم، ونزورهم في بيوتهم ~~فأرضى بذلك الجميع. PageV01P056 # وسار إلى جبل يقال له إيكجان، وفيه فج الأخيار، فقال: هذا فج الأخيار، ~~وما سمى إلا بكم، ولقد جاء في الآثار: للمهدي هجرة تنبو عن الأوطان، ينصره ~~فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان، قوم اسمهم مشتق من الكتمان، وبخروجكم في ~~هذا الفج سمى فج الأخيار. # فتسامعت القبائل، وأتاه البرابر من كل مكان، فعظم أمره إلى أن تقاتلت ~~كتامة عليه مع قبائل البربر، وهو لا يذكر في ذلك اسم المهدي، فاجتمع أهل ~~العلم على مناظرته وقتله، فمنعه الكتاميون من المناظرة، وكان اسمه عندهم ~~أبا عبد الله المشرقي. # وبلغ خبره إلى إبراهيم بن أحمد بن الأغلب أمير إفريقية، فأرسل إلى عامله ~~على مدينة ميلة ليسأله عن أمره، فصغره عنده، وذكر أنه يلبس الخشن، ويأمر ~~بالخير والعبادة، فسكت عنه. # ثم إن أبا عبد الله قال للكتاميين. # أنا صاحب البذر الذي ذكر لكم أبو سفيان والحلواني. # فازدادت محبتهم له، وتعظيمهم لأمره، فلما ظهر لأهل المغرب علمه وفضله، ~~قال أحد الأولياء لأصحابه: لولا واحدة كان الحلواني يقولها ما تخالجني الشك ~~في أن هذا الرجل هو الذي كان الحلواني يبشر به. PageV01P057 # قالوا: وما هي؟ قال: كان إذا وصفه قال: في فيه إصبع فبلغ ذلك أبا عبد ~~الله فتبسم وقال: هذا لا يكون فلما أخذ العهد بعد ذلك على من سمع هذا ~~القول، واشترط عليهم الكتمان، وضع إصبعه على فيه وقال: هذا هو الإصبع الذي ~~كان يقوله الحلواني، أمركم بالصمت والكتمان، فأما أن يكون في فم رجل إصبع ~~فلا فقالوا كذلك والله هو # وتفرقت البرابر وكتامة بسببه، وأراد بعضهم قتله، فاختفى، ووقع بينهم قتال ~~شديد، واتصل الخبر بالحسن بن هرون من أكابر كتامة فأخذ أبا عبد الله إليه، ~~ودافع عنه، ومضى به إلى مدينة تاصروت، فأتته القبائل من كل مكان، وعظم ~~شأنه، وصارت الرئاسة للحسن بن هرون، وسلم إليه أبو عبد ms028 الله أعنة الخيل، ~~وظهر من الاستتار، وشهد الحروب، فكان الظفر له، وغنم الأموال، وخندق على ~~مدينة تاصروت، وقد زحفت إليه قبائل المغرب، فاقتتلوا عدة مرار، كان له فيها ~~الظفر، وصار إليه أموالهم، فاستقام له أمر البربر وعامة كتامة، وزحف إلى ~~مدينة ميلة، وقاتل أهلها قتالا شديدا، وأخذ الأرباض، ثم ملك البلد بأمان، ~~فبعث إليه إبراهيم بن الأغلب ابنه الأحول في إثنى عشر ألفا، وأتبعه بمثلهم، ~~فالتقى مع أبي عبد الله، فانهزم أبو عبد الله، وقتل كثير من أصحابه، وتبعه ~~الأحول، فحال بينهما الثلج، ولحق أبو عبد الله بجبل إيكجان، وملك الأحول ~~مدينة تاصروت، وأحرقها وأحرق مدينة ميلة، فبنى أبو عبد الله دار هجرة ~~بإيكجان، وقصده أصحابه، وعاد الأحول إلى إفريقية، PageV01P058 # فمات إبراهيم بن الأغلب، وقتل ابنه أبو العباس، وولى زيادة الله بن ~~الأغلب، واشتغل باللهو واللعب، فاشتد سرور أبي عبد الله. # ثم إن أبا مضر زيادة الله قتل الأحول، فانتشرت حينئذ جنود أبي عبد الله ~~في البلاد، وصار يقول: المهدي يخرج في هذه الأيام، ويملك الأرض، فيا طوبى ~~لمن هاجر إلي، وأطاعني. # وأخذ يغري الناس بزيادة الله ويعيبه، وكان أكثر من عند زيادة الله من ~~الوزراء شيعة، فلم يكن يسوءهم ظفر أبي عبد الله، خصوصا وقد كان يذكر لهم من ~~كرامات المهدي، وأنه يحيي الموتى، ويرد الشمس من مغربها، ويملك الأرض ~~بأسرها، وهو مع ذلك يبعث إلى الوزراء، ويعدهم، وبعث أبو عبد الله برجال. PageV01P059 ### | ذكر خروج عبيد الله المهدي إلى المغرب # وكان من خبر ذلك أن أبا عبد الله سير إلى عبيد الله رجالا من كتامة ~~يخبرونه بما فتح الله عليه، وأنهم ينتظرونه، فوافوه بسلمية من أرض حمص، قد ~~كان اشتهر خبر عبيد الله عند الناس، فطلبه المكتفي، ففر من سلمية ومعه ابنه ~~أبو القاسم نزار الذي قام بالأمر من بعده، وخرج معهما خاصته ومواليه. # فلما انتهى إلى مصر أقام مستترا بزي التجار، فأتت الكتب إلى عيسى التوشري ~~أمير مصر من المعتضد بالله العباسي بصفة عبيد الله وحليته، وأنه يأخذ ms029 عليه ~~الطرق ويقبضه وكل من يشبهه؛ فلما قرئت الكتب كان في المجلس ابن المدير ~~الكاتب، فبلغ ذلك عبيد الله، فسار من مصر مع أصحابه ومعه أموال كثيرة، ~~فأوسع في النفقة على من صحبه، وفرق النوشري الأعوان في طلب عبيد الله، وخرج ~~بنفسه، فلما رآه لم يشك فيه، وقبض عليه، ووكل به وقد نزل في بستان، ثم ~~استدعاه ليأكل معه، فأعلمه أنه صائم، فرق له، وقال: أعلمني حقيقة أمرك حتى ~~أطلقك. # فخوفه الله تعالى وأنكر حاله، وما زال يتلطف به حتى أطلقه وخلى سبيله، ~~وأراد أن يرسل معه من يوصله إلى رفقته، فقال: لا حاجة إلى ذلك، ودعا له. # وقيل إنه أعطاه مالا في الباطن حتى أطلقه، فرجع بعض أصحاب النوشري عليه ~~باللوم، فندم على إطلاقه، وأراد أن يبعث الجيش وراءه ليرده. # وكان عبيد الله قد لحق بأصحابه، فإذا ابنه أبو القاسم قد ضيع كلبا كان ~~يصيد به، PageV01P060 # وهو يبكي عليه، فعرفه عبيده أنهم تركوه في البستان الذي كانوا فيه، فرجع ~~عبيد الله بسبب الكلب حتى دخل البستان ومعه عبيده، فلما رآه النوشري سأل عن ~~خبره، فقيل إنه عاد بسبب كلب لولده، فقال النوشري لأصحابه: قبحكم الله، ~~أردتم أن تحملوني على هذا الرجل حتى آخذه، فلو كان يطلب ما يقال أو لو كان ~~مريبا لكان يطوى المراحل ويخفى نفسه، ولا كان يرجع في طلب كلب وتركه، ولم ~~يعرض له. # فسار عبيد الله وخرج عليه عدة من اللصوص بموضع يقال له: الطاحونة، فأخذوا ~~بعض متاعه، منه كتب وملاحم كانت لآبائه، فعظم أمرها عليه، فيقال إنه لما ~~خرج ابنه أبو القاسم في المرة الأولى إلى الديار المصرية أخذها من ذلك ~~المكان. # ثم إن عبيد الله انتهى هو وولده إلى مدينة طرابلس، ففارق التجار، وكان في ~~صحبته أبو العباس أخو أبي عبد الله، فقدمه عبيد الله إلى القيروان، فسار ~~إليها، فوجد خبر عبيد الله قد سبق إلى زيادة الله بن الأغلب، فقبض على أبي ~~العباس وقرره، فأنكر، وقال: أنا رجل تاجر صحبت رجلا في ms030 القفل، فحبس. # وبلغ الخبر إلى عبيد الله، فسار إلى قسنطينة. # ووصل كتاب زيادة الله إلى ناظر طرابلس بأخذ عبيد الله، فلم يدركه، ووافى ~~عبيد الله قسطنطينة، فلم يقصد أبا عبد الله، لأن أخاه أبا العباس كان قد ~~أخذ، وسار إلى سجلماسة، فوافت الرسل في طلبه، وقد سار فلم يوجد، ووصل إلى ~~سجلماسة فأقام بها، وقد أقيمت له المراصد بالطرقات. PageV01P061 # وكان على سجلماسة اليسع بن مدرار، فأهدى إليه عبيد الله وواصله، فقربه ~~اليسع وأحيه، فأتاه كتاب زيادة الله يعرفه أن الرجل الذي يدعو إليه أبو عبد ~~الله الشيعي عنده، فلم يجد بدا من القبض على عبيد الله وحبسه. # وأخذ زيادة الله في جمع العساكر، فقدم إبراهيم بن حنيش من أقاربه على ~~أربعين ألفا، وسلم إليه الأموال والعدد، وسار وقد انضاف إليه مثل جيشه، ~~فنزل مدينة قسنطينية، وأتاه كثير من كتامة الذين لم يطيعوا أبا عبد الله، ~~وقتل في طريقه خلقا كثيرا من أصحاب أبي عبد الله هذا، وأبو عبد الله متحصن ~~بالجبل، فأقام إبراهيم بقسنطينية ستة أشهر، فلما رأى أن أبا عبد الله لا ~~يتقدم إليه زحف بعساكره، فأخرج إليه أبو عبد الله خيلا، فلما رآها إبراهيم ~~قصد إليها بنفسه، والأثقال على ظهور الدواب لم تحط، فقاتلهم قتالا كثيرا، ~~وأدركهم أبو عبد الله، فانهزم إبراهيم بمن معه وجرح، فغنم أبو عبد الله ~~جميع ما معهم، وقتل منهم خلقا كثيرا، فسار إبراهيم إلى القيروان، وعظم أمر ~~أبي عبد الله، واستقرت دولته. # وكتب كتابا إلى عبيد الله وهو بسجن سجلماسة يبشره، وسير الكتاب مع بعض ~~ثقاته، فدخل عليه السجن في زي قصاب يبيع اللحم، فاجتمع به وعرفه. # ونازل أبو عبد الله عدة مدائن فأخذها بالسيف، وضايق زيادة الله، فحشد ~~وجمع عساكره، وبعث إليه هرون الطيبي في خلق كثير، فقتل هرون في خلائق لا ~~تحصى. فاشتد الأمر على زيادة الله، وخرج بنفسه، فوصل إلى الأربس في سنة خمس ~~وتسعين ومائتين، وسير جيشا مع ابن عمه إبراهيم بن الأغلب. # واشتغل زيادة الله بلهوه ولعبه، وأبو ms031 عبد الله يأخذ المدائن شيئا بعد شيء ~~عنوة وصلحا، فأخذ مجانة، وتيفاش، ومسكيانة وتبسة، وسار إلى إبراهيم، فقتل ~~من أصحابه، وعاد إلى جبل إيكجان. PageV01P062 # فلما دخل فصل الربيع، وطاب الزمان، جمع أبو عبد الله عسكره فبلغت مائة ~~ألف فارس وراجل، وجمع زيادة الله ما لا يحصى، وسار أول جمادى الآخرة سنة ست ~~وتسعين ومائتين، فالتقوا مع أبي عبد الله، واقتتلوا أشد قتال، وطال زمنه، ~~وظهر أصحاب زيادة الله، ثم إن أبا عبد الله كادهم بخيل بعثها من خلفهم، ~~فانهزم أصحاب زيادة الله، وأوقع فيهم القتل، وغنم أموالهم، وكان ذلك في آخر ~~جمادى الآخرة، ففر زيادة الله إلى ديار مصر، فدخل إبراهيم بن الأغلب إلى ~~القيروان، فقصد قصر الإمارة، ونادى بالأمان، وتسكين الناس، وذكر زيادة الله ~~وذمه، وصغر أمر أبي عبد الله، ووعد الناس بقتاله، وطلب منهم الأموال، ~~فقالوا: إنما نحن فقهاء وعامة التجار، وما في أموالنا ما يبلغ غرضك، ثم ~~إنهم ثارا به ورجموه. فخرج عنهم. # ودخل أبو عبد الله إلى مدينة رقادة، فأمن الناس، ومنع من النهب، وخرج ~~الفقهاء ووجوه أهل القيروان إلى لقاء أبي عبد الله، وسلموا عليه، وهنوه ~~بالفتح، فرد عليهم ردا حسنا، وأمنهم، وقد أعجبوا به وسرهم، فأخذوا في ذم ~~زيادة الله وذكر مساوئه، فقال لهم: ما كان إلا قويا وله منعة ودولة شامخة، ~~وما قصر في مدافعته، ولكن أمر الله لا يعاند ولا يدافع. # فامسكوا عن الكلام. # وكان دخول أبي عبد الله رقادة يوم السبت مستهل رجب سنة ست وتسعين ~~ومائتين، فنزل ببعض قصورها، وفرق دورها على كتامة، ونادى بالأمان، فرجع ~~الناس إلى أوطانهم، وأخرج العمال إلى البلاد، وطلب أهل الشر فقتلهم، وأمر ~~بجمع ما كان لزيادة الله من الأموال والسلاح وغيره، فاجتمع منه كثير، وكان ~~له دعة من الجواري لهن حظ من الجمال، فلم ينظر إلى واحدة منهن، وأمر لهن ~~بما يصلحهن. # فلما كان يوم الجمعة أمر الخطباء بالقيروان ورقادة فخطبوا ولم يذكروا ~~أحدا، وأمر PageV01P063 # بضرب السكة وألا يتسم عليها اسم، وجعل في الوجه ms032 الواحد: بلغت حجة الله، ~~وفي الآخر: تفرق أعداء الله. # ونقش على السلاح: عدة في سبيل الله. # ووسم الخيل على أفخاذها: الملك لله. # وأقام على ما كان عليه من لباس الخشن الدون، والقليل من الطعام الغليظ. # ولما استقرت الأمور لأبي عبد الله في رقادة وسائر بلاد إفريقية أتاه أخوه ~~أبو العباس أحمد المخطوم، ففرح به، وكان هو الكبير. PageV01P064 ### | ذكر ظهور عبيد الله المهدي من سجلماسة # وذلك أن أبا عبد الله الشيعي لما دخل شهر رمضان سنة ست وتسعين ومائتين ~~سار من رقادة وقد استخلف أخاه أبا العباس على إفريقية في جيوش عظيمة، فاهتز ~~المغرب لخروجه، وخافته زناتة، وزالت القبائل عن طريقه، وأتته رسلهم فدخلوا ~~في طاعته، فلما قرب من سجلماسة بعث اليسع بن مدرار صاحبها إلى عبيد الله ~~وهو في جيشه يسأله عن نسبه وحاله، وهل أبو عبد الله قصد إليه؟ فحلف به أنه ~~ما رأى أبا عبد الله، وإنما أنا رجل تاجر، فأفرده معتقلا بدار وحده، وأفرد ~~ابنه أيضا، فجعل عليهما الحرس، وقرر ولده، فما حال عن كلام أبيه، وقرر ~~رجالا كانوا معه وضربهم، فلم يقروا بشيء. # وبلغ ذلك أبا عبد الله، فشق عليه، وأرسل إلى اليسع يتلطف به وأنه لم ~~يقصده للحرب، وإنما له حاجة مهمة عنده، فرمى الكتب وقتل الرسل، فعاوده ~~بالملاطفة خوفا على عبيد الله، ولم يذكره، فقتل الرسول ثانيا، فأسرع أبو ~~عبد الله في السير، ونزل عليه، فخرج إليه اليسع وقاتله يومه كله، فلما جنه ~~الليل فرق أصحابه من أهله وبني عمه، وبات أبو عبد الله في غم عظيم خوفا على ~~عبيد الله. # فلما أصبح خرج إليه أهل البلد، وأعلموه بهرب اليسع، فدخل هو وأصحابه ~~البلد، وأتوا مكان عبيد الله وأخرجوه وأخرجوا ابنه في يوم الأحد لسبع خلون ~~من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائتين، وقد انتشر في الناس سرور عظيم كادت ~~تذهب منه عقولهم؛ فأركبهما أبو عبد الله، ومشى هو ورؤساء القبائل بين ~~أيديهما، وأبو عبد الله يقول للناس: هذا مولاكم، وهو يبكي من شدة ms033 الفرح، ~~حتى وصل إلى فسطاط ضربه له فنزل فيه، وبعث الخيل في طلب اليسع، فأدرك وأخذ، ~~فضرب بالسياط وقتل. PageV01P065 # وأقام عبيد الله المهدي بسجلماسة أربعين يوما، ثم سار إلى إفريقية، وأحضر ~~الأموال من إيكجان فجعلها أحالا، وصار بها إلى رقادة في العشر الأخير من ~~ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين. # وزال مالك بني الأغلب من إفريقية، وملك بني مدرار من سجلماسة، وملك بني ~~رستم من تاهرت. # وملك المهدي جميع ذلك، فلما قرب من رقادة تلقاه أهلها وأهل القيروان وأبو ~~عبد الله ورؤساء كتامة مشاة بين يديه، وابنه خلفه، فسلموا عليه، فرد عليهم ~~ردا جميلا، وأمرهم بالانصراف، ونزل بقصر من قصور رقادة. # وأمر يوم الجمعة أن يذكر اسمه في الخطبة، ويلقب بالمهدي أمير المؤمنين في ~~جميع البلاد، فما كان بعد صلاة الجمعة جلس رجل يعرف بالشريف ومعه الدعاة، ~~وأحضروا الناس، ودعوهم إلى مذهبهم، وقتل من لم يوافق. # وعرض المهدي جواري زيادة الله فاختار منهن لنفسه ولولده، وفرق ما بقي على ~~وجوه كتامة، وقسم عليهم أعمال إفريقية، ودون الدواوين، وجبا الأموال، ~~واستقرت قدمه، ودانت له أهل البلاد، واستعمل العمال عليها: PageV01P066 ### | ذكر قتل أبي عبد الله الشيعي # وكان سبب قتله أن المهدي لما استقامت له البلاد باشر الأمور بنفسه، وكف ~~يد أبي عبد الله ويد أخيه أبي العباس، فداخل أبا العباس الحسد، وعظم عليه ~~الفطام عن الأمر والنهي، والأخذ والعطاء، فأقبل يزري على المهدي في مجلس ~~أخيه، ويتكلم فيه، وأخوه ينهاه، ولا يزيده ذلك إلا لجاجا، ولام أخاه وقال ~~له: ملكت أمرا، فجئت بمن أزالك عنه، وكان الواجب عليه أن لا يسقط حقك. # وما زال به حتى أثر في قلب أبي عبد الله، وقال للمهدي: لو كنت تجلس في ~~قصرك وتتركني مع كتامة آمرهم وأنهاهم، لأني عارف بعاداتهم لكان ذلك أهيب لك ~~في أعين الناس. # وكان قد بلغ المهدي ما يجهر به أبو العباس، فرد ردا لطيفا، وأسر ذلك في ~~نفسه. # وأخذ أبو العباس يسر إلى المقدمين بما في نفسه، ويقول. # ما جازاكم ms034 على ما فعلتم، بل أخذ هو الأموال من إيكجان، ولم يقسمها فيكم. # وكل ذلك يبلغ المهدي وهو يتغافل، فزاد أبو العباس في القول، حتى قال: إن ~~هذا ليس بالذي كنا نعتقد طاعته وندعو إليه، لأن المهدي يأتي بالآيات ~~الباهرة. # فأثر ذلك في قلوب كثير من الناس، حتى إن بعضهم من كتامة واجه المهدي بذلك ~~وقال: إن كنت المهدي فأظهر لنا آية، فقد شككنا فيك. # فقتله المهدي. # وخافه أبو عبد الله، وعلم أن المهدي قد تغير عليه، فاتفق مع أخيه بجماعة ~~من كتامة على المهدي، ودخلوا عليه مرارا، فلم يجسروا على قتله، ونقل ذلك ~~إلى المهدي من رجل PageV01P067 # كان يوافقهم على ما هم فيه، ثم يأتي المهدي فيخبره، فأخذ المهدي في تفريق ~~القوم في البلاد، وكان كبيرهم أبو زاكي تمام بن معارك الإيكجاني، فسيره ~~واليا على طرابلس، وكتب إلى عاملها سرا بقتله عند وصوله، فلما وصل أبو زاكي ~~قتله العامل، وأرسل برأسه إلى المهدي، فأمر حينئذ بقتل جماعة، وأعد رجالا ~~لأبي عبد الله وأخيه أبي العباس، فلما وصلا إلى قرب القصر حمل القوم على ~~أبي عبد الله، فقال: لا تفعلوا فقالوا له: إن الذي أمرتنا بطاعته أمرنا ~~بقتلك، فقتل هو وأخوه في اليوم الذي قتل فيه أبو زاكي، وذلك يوم الاثنين ~~للنصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين بمدينة رقادة، وصلى عليه ~~المهدي، وقال: رحمك الله أبا عبد الله وجزاك خيرا بجميل سعيك. # وثارت فتنة بسبب قتلهما، وجرد أصحابها السيوف، فركب المهدي وأمن الناس ~~فسكنوا ثم تتبعهم حتى قتلهم. # وثارت فتنة ثانية بين كتامة وأهل القيروان قتل فيها خلق كثير، فخرج ~~المهدي وسكن الفتنة، وكف الدعاة عن طلب التشيع من العامة. # وكان أبو عبد الله من الرجال الدهاة الخبيرين بما يصنعون، أحد رجالات ~~العالم القائمين بنقض الدول وإقامة الممالك العظيمة من غير مال ولا رجال. # ولما قتل أبو عبد الله واستقام أمر المهدي عهد إلى ولده أبي القاسم ~~بالخلافة، ورجعت كتامة إلى بلادهم فأقاموا طفلا، وقالوا: هذا هو المهدي، ثم ms035 ~~زعموا أنه يوحى إليه، وزعموا أن أبا عبد الله لم يمت، فبعث إليهم المهدي ~~ابنه أبا القاسم، فقاتلهم حتى هزمهم، واتبعهم إلى البحر، وقتل منهم خلقا ~~كثيرا، وقتل الطفل الذي أقاموه. # ثم إن أهل صقلية خالفوا على المهدي، فأنفذ إليها، وقتل من أهلها. # وخالف عليه أهل تاهرت، فغزاها، وقتل أهل الخلاف، وتتبع بني الأغلب، فقتل ~~منهم جماعة برقادة. # فلما كان سنة إحدى وثلاثمائة جهز المهدي العساكر من إفريقية مع ولده أبي ~~القاسم إلى مصر، فساروا إلى برقة، واستولوا عليها في ذي الحجة، وساروا إلى ~~الاسكندرية والفيوم PageV01P068 # فضيق على أهلهما، وبعث المقتدر بالله مؤنسا الخادم في جيش كثيف، فحاربهم ~~وأجلاهم عن مصر إلى المغرب. # وكان سبب تحرك أبي القاسم بن المهدي إلى حرب أهل مصر أنه وجه إلى بغداد ~~قصيدة يفخر فيها بنسبه، وبما فتح من البلاد، فأجابه الصولي بقصيدة على ~~وزنها ورويها، فمنها: # فلو كانت الدنيا مثالا لطائر ... لكان لكم منها بما حزتم الذنب # فحرك همته هذا البيت، وقال: والله لا أزال حتى أملك صدر الطائر ورأسه إن ~~قدرت، وإلا أهلك دونه. # وكابد على ديار مصر من الحروب أهوالا، ومات ولم يظفر بها، وأوصى ابنه ~~المنصور بما كان في عزمه، فشغلته الفتن، وكان الظافر بها المعز. # فلما كان في سنة اثنتين وثلاثمائة أنفذ المهدي جيشا مع قائد من قواده ~~يقال له حباسة في البحر، فغلب على الاسكندرية، ثم سار منها يريد مصر، فأرسل ~~المقتدر بالله مؤنسا في عسكر إلى مصر، وأمده بالسلاح والأموال، فالتقى ~~بحباسة في جمادى الأولى، فكانت بينهما حروب كثيرة، قتل فيها من الفريقين ~~جمع عظيم، وانهزم حباسة في سلخ جمادى الآخرة، ويقال إنه قتل في هذه الواقعة ~~سبعة آلاف ولما صار حباسة إلى المغرب قتله المهدي. # وفيها، خالف عليه عروبة بن سيف الكتامي بالقيروان، واجتمع عليه خلق كثير ~~من كتامة والبرابر، فأخرج إليهم المهدي موالاه غالبا، فاقتتلوا، فقتل غالب ~~في عالم لا يحصى، وجيء بعدة رءوس إلى المهدي في قفة، فقال: PageV01P069 # ما أعجب أمور الدنيا، قد جمعت ms036 هذه القفة رؤوس هؤلاء، وقد كان يضيق بهم ~~فضاء المغرب. # ثم إن المهدي خرج بنفسه يرتاج موضعا على ساحل البحر يتخذ فيه مدينة، وكان ~~يجد في الكتب خروج أبي يزيد النكاري على دولته، فلم يجد موضعا أحسن ولا ~~أحصن من موضع المهدية، وهي جزيرة متصلة بالبر كهيئة كف متصلة بزند، فبناها، ~~وجعلها دار ملكه، وجعل لها سورا محكما، وأبوابا عظيمة، زنة كل مصراع مائة ~~قنطار. # وكان ابتداء بنائها في يوم السبت لخمس خلون من ذي القعدة سنة ثلاث ~~وثلاثمائة، فلما ارتفع السور أمر راميا بالقوس يرمى سهما إلى ناحية المغرب، ~~فرمى بسهم فانتهى موضع المصلى، فقال: إلى موضع هذا يصل صاحب الحمار يعني ~~أبا يزيد الخارجي فإنه كان يركب حمارا. # وكان يأمر الصناع بما يعملون، وأمر أن تنقر دار صناعة في الجبل تسع مائة ~~شينى، PageV01P070 # وعليها باب مغلق، ونقر في أرضها أهراء للطعام، ومصانع للماء، وبنى فيها ~~القصور والدور، فلما فرغ منها قال: اليوم آمنت على الفاطميات يعني بناته، ~~وارتحل عنها. # ولما رأى إعجاب الناس بها وبحصانتها قال: هذه بنيتها لتعتصم بها الفواطم ~~ساعة من نهار، فكان كذلك، لأن أبا يزيد وصل إلى موضع السهم ووقف فيه ساعة ~~وعاد ولم يظفر. # فلما كان في سنة ست وثلاثمائة جهز المهدي جيشا كثيفا مع ابنه أبي القاسم ~~إلى مصر، وهي المرة الثانية، فوصل الاسكندرية في ربيع الآخر، ودخلها ~~القاسم، ثم سار منها، وملك الأشمونين وكثيرا من الصعيد، وكتب إلى أهل مكة ~~يدعوهم إلى طاعته، فلم يقبلوا منه، فبعث المقتدر مؤنسا الخادم في شعبان، ~~فوصل إلى مصر، وكانت بينه وبين القائم عدة وقعات. # ووصل من إفريقية ثمانون مركبا نجدة للقائم من أبيه، فأرست بالاسكندرية، ~~وعليها سليمان الخادم، ويعقوب الكتامي، وكانا شجاعين. فأمر المقتدر أن تسير ~~مراكب طرسوس، فسار إليهم خمس وعشرون مركبا، فيها النفط والعدد، فالتقت ~~المراكب على رشيد، فظفرت مراكب المقتدر، وأحرقوا كثيرا من مراكب إفريقية، ~~وأهلك أكثر أهلها وأسر منها كثير، فيهم سليمان ويعقوب، فمات سليمان بمصر في ~~الحبس، وحمل يعقوب ms037 إلى بغداد، فهرب منها، وعاد إلى إفريقية. # وغلب مؤنس عساكر القائم، ووقع فيهم الغلاء والوباء، فمات كثير منهم، ورجع ~~من بقي إلى PageV01P071 # إفريقية، وفيهم القائم، وتلقب مؤنس الخادم من حينئذ بالمظفر، لغلبته ~~عساكر المغرب غير مرة. # فلما كانت سنة خمس عشرة وثلاثمائة سير المهدي ابنه أبا القاسم من المهدية ~~إلى المغرب في جيش كثير، في صفر، بسبب خارجي خرج عليه، وقتل خلقا، فوصل إلى ~~ما وراء تاهرت. # وعاد فخط برمحه في الأرض صفة مدينة سماها المحمدية، وكانت خطة لبني ~~كملان، فأخرجهم منها إلى فحص القيروان، كالمتوقع منهم أمرا، فلذلك أحب أن ~~يكونوا قريبا منه، وهم كانوا أصحاب أبي يزيد الخارجي. # وكان المهدي يشبه في خلفاء بني العباس بالسفاح، فإن السفاح خرج من ~~الحميمة بالشام، يطلب الخلافة والسيف يقطر دما، والطلب مراصد، وأبو سلمة ~~الخلال يؤسس له الأمر، ويبث دعوته؛ وعبيد الله خرج من سلمية في الشام، وقد ~~أذكيت العيون عليه، وأبو عبد الله الشيعي ساع في تمهيد دولته، وكلاهما تم ~~له الأمر، وقتل من قام بدعوته. # وانتقل كثير من الناس إلى المحمدية، وأمر عاملها أن يكثر من الطعام، ~~ويخزنه ويحتفظ به، ففعل ذلك، فلم يزل مخزونا حتى خرج أبو يزيد، ولقيه ~~المنصور بن القائم بن المهدي، ومن المحمدية كان يمتار ما يريد إذ ليس ~~بالموضع مدينة سواها. # فلما كان يوم الاثنين الرابع عشر، وقيل وقت صلاة المغرب ليلة الثلاثاء ~~النصف من ربيع الأول، سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة توفي أبو محمد عبيد الله ~~المهدي بالمهدية، وأخفى ابنه أبو القاسم موته سنة لتدبير كان له، فإنه كان ~~يخاف الناس إذا علموا بموت المهدي. PageV01P072 # وكان عمر المهدي لما توفى ثلاثا وستين سنة لم تكمل. # وكانت ولايته منذ دخل رقادة ودعى له بالإقامة إلى أن توفي أربعا وعشرين ~~سنة، وعشرة أشهر، وعشرين يوما. # وقيل: كانت ولادته بسلمية من أرض الشام في سنة تسع وخمسين، وقيل سنة ستين ~~ومائتين؛ وقيل: ولد بالكوفة. # ودعى له على منابر رقادة والقيروان يوم الجمعة لسبع بقين من ربيع الآخر ms038 ~~سنة سبع وتسعين ومائتين. # وتوفي ليلة الثلاثاء منتصف ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. # ونقش خاتمة: بنصر الإله الممجد، ينتصر الإمام أبو محمد. # وقال فيه سعدون الورجيلي: # كفي عن التثبيط إني زائر ... من أهل بيت الوحي خير مزور # هذا أمير المؤمنين تضعضعت ... لقدومه أركان كل أمير # هذا الإمام الفاطمي ومن به ... أمنت مغاربها من المحذور # والشرق ليس لشامه وعراقه ... من مهرب من جيشه المنصور # حتى يفوز من الخلافة بالغ ... ويفاز منه بعدله المنشور PageV01P073 ### | القائم بأمر الله أبو القاسم محمد وقيل عبد الرحمن بن المهدي عبيد الله # ولد بسلمية في المحرم سنة ثمانين وقيل سبع وسبعين ومائتين، ورحل مع أبيه ~~إلى المغرب، وعهد إليه من بعده. # فلما مات أبوه، وفرغ من جميع ما يريده، وتمكن، أظهر موت أبيه، وتبع سنة ~~أبيه، وثار عليه جماعة، فتمكن منهم. # وخرج عليه ابن طالوت في ناحية طرابلس، فبعث إليه وقتله، وجهز جيشا كثيرا ~~إلى المغرب، فهزم خارجيا هناك. # وسير جيشا في البحر إلى بلد الروم، فسبى وغنم في بلد جنوه. # وسير جيشا بالغ في النفقة عليهم إلى مصر، فدخلوا الاسكندرية، فبعث ~~الأخشيد فهزمهم. PageV01P074 ### | ذكر أبي يزيد مخلد بن كيداد الخارجي # وحروبه # وذلك أنه لما كان سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة خرج أبو يزيد بن كيداد ~~النكاري الخارجي بإفريقية، واشتدت شوكته، وكثرت أتباعه، وهزم الجيوش. # وكان ابتداء أمره أنه من زناة من مدينة توزر، وكان أبوه يختلف إلى بلاد ~~السودان للتجارة، فولد بها أبو يزيد من جارية صفراء هوارية، فأتى به إلى ~~توزر، فنشأ بها، وتعلم القرآن، وخالط جماعة من النكارية، فمالت نفسه إلى ~~مذهبهم، ثم سافر إلى تاهرت، فأقام بها يعلم الصبيان إلى أن خرج أبو عبد ~~الله الشيعي إلى سجلماسة في طلب عبيد الله المهدي، فانتقل إلى تقيوس، ~~واشترى ضيعة، وأقام يعلم الناس فيها. # وكان مذهبه تكفير أهل الملة، واستباحة الأموال والدماء، والخروج على ~~السلطان، فابتدأ يحتسب على الناس في أفعالهم، وصار له جماعة يعظمونه، وذلك ~~في أيام المهدي سنة ست عشرة وثلاثمائة. # وتزايدت شوكته، ms039 وكثرت أتباعه في أيام القائم، وحاصر باغاية، وهزم الجيوش ~~الكثيرة، ثم حاصر قسطيلية سنة ثلاث وثلاثين، وفتح تبسة ومجانة، وهدم سورها، ~~ودخل مدينة مرمجنة، فلقيه رجل من أهلها، وأهدى له حمارا أشهب مليح الصورة، PageV01P075 # فركبه من ذلك اليوم، وصار يعرف براكب الحمار، وكان قصيرا أعرج يلبس جبة ~~صوف قصيرة، وكان قبيح الصورة. # ثم إنه هزم كتامة، وافتتح سبتية، وصلب عاملها، وفتح مدينة الأربس، ~~وأحرقها ونهبها، والتجأ الناس إلى الجامع فقتلهم فيه، وبلغ ذلك أهل المهدية ~~فاستعظموه، وقالوا للقائم: الأربس باب إفريقية، ولما أخذت زالت دولة بني ~~الأغلب، فقال: لا بد أن يبلغ أبو يزيد المصلى، وهي أقصى غايته. # وأخرج القائم الجيوش لضبط البلاد، وجمع العساكر، وبعث جيشا مع فتاه ~~ميسور، وجيشا مع فتاه بشرى، فسار أبو يزيد وواقع بشرى على باجة، فانهزم أبو ~~يزيد، وصار في أربعمائة، فمال إلى خيام بشرى وانتهبها، فانهزم بشرى إلى ~~تونس وقتل كثير من عسكره، وملك أبو يزيد باجة، وحرقها، ونهبها، وقتل ~~الأطفال، وأخذ النساء، وكتب إلى القبائل يدعوهم إلى نفسه فأتوه، وعمل ~~الأخبية والبنود وآلات الحرب. # وجمع بشرى جيشا وأنفذه إلى أبي يزيد، فسير إليهم أبو يزيد جيشا، والتقوا، ~~وانهزم أصحاب أبي يزيد. # وكانت فتنة بتونس، وهرب عاملها، وكاتبوا أبا يزيد فأمنهم، وولى عليهم ~~رجلا منهم، فخافه الناس، وانتقلوا إلى القيروان، وأتاه كثير منهم، ثم لقيه ~~بشرى، فانهزم عسكر أبي يزيد، وقتل منهم أربعة آلاف، وأسر خمسمائة، وبعث بهم ~~إلى المهدية في السلاسل، فقتلهم العامة. # فغضب لذلك أبو يزيد، وجمع الجموع. PageV01P076 # وسار إلى قتال الكتاميين فتلاقى مع طلائعهم، فانهزمت الطلائع، وتبعهم ~~البربر إلى رقادة، فنزل أبو يزيد بالقرب من القيروان في مائة ألف مقاتل، ~~وقاتل أهل رقادة، فقتل من أهل القيروان خلقا كثيرا، ودخل القيروان عسكره في ~~أواخر صفر، فانتهبوا البلد وقتلوا، وأخذ عامل القيروان فحمل إلى أبي يزيد ~~فقتله. # وخرج شيوخ القيروان إلى أبي يزيد وهو برقادة فطلبوا الأمان فماطلهم، ~~وأصحابه يقتلون وينهبون، فعادوا إلى الشكوى وقالوا: خربت المدينة. # فقال: وما تكون؟ خربت ms040 مكة والبيت المقدس؟! # ثم قدم ميسور في عساكر عظيمة، فالتقى بأبي يزيد، واشتد القتال بينهما، ~~وقتل ميسور، وحمل رأسه إلى أبي يزيد، فانهزم عامة عسكره. # وسير أبو يزيد الكتب إلى عامة البلاد يخبر بهذا الظفر فخاف القائم ومن ~~معه بالمدينة، وانتقل الناس من أرباضها، فاحتموا بالسور، فمنعهم القائم، ~~ووعدهم الظفر، فعادوا إلى زويلة واستعدوا، وأقام أبو يزيد شهرين وثمانية ~~أيام في خيم ميسور، وهو يبعث السرايا إلى كل ناحية، فيغنمون ويعودون؛ وفتح ~~سوسة بالسيف، وقتل الرجال، وسبى النساء، وأحرق البلد، وشق أصحابه فروج ~~النساء، وبقروا البطون، حتى لم يبق موضع في إفريقية معمور، ولا سقف مرفوع، ~~ومضى جميع من بقى إلى القيروان حفاة عراة، فمات أكثرهم جوعا وعطشا. PageV01P077 # وفي أواخر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة حفر القائم الخنادق حول ~~أرباض المهدية، وكتب إلى زيرى بن مناد سيد صنهاجة، وإلى سادات كتامة ~~والقبائل بحثهم على الاجتماع بالمهدية، فتأهبوا للمسير إليه. # ورحل أبو يزيد نحو المهدية، فنزل على خمسة عشر ميلا منها، وبث سراياه ~~فانتهبوا ما وجدوا، وقتلوا من أصابوا. # فلما كان يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الأولى من السنة خرجت كتامة ~~وأصحاب القائم إلى أبي يزيد، فالتقوا على ستة أميال من المهدية، واقتتلوا ~~مع أصحاب أبي يزيد، وأدركهم أبو يزيد وقد انهزم أصحابه وقتل كثير منهم، ~~فلما رآه الكتاميون انهزموا من غير قتال، وأبو يزيد في أثرهم إلى باب ~~الفتح. # واقتحم قوم من البربر باب الفتح، وأشرف أبو يزيد على المهدية، ثم رجع إلى ~~منزله، وعاد إلى المهدية، ووقف على الخندق المحدث، وقاتل عليه حتى وصل إلى ~~باب المهدية عند المصلى الذي للعيد وبينه وبين المهدية رمية سهم، وتفرق ~~أصحابه في زويلة ينهبون ويقتلون، وهم لا يعلمون ما صنع أبو يزيد في ذلك ~~الجانب، فحمل الكتاميون على البربر، وهزموهم وقتلوا منهم. # ووصل زيرى بن مناد فعظم القتال، وتحير أبو يزيد، وقد مالوا عليه ليقتلوه، ~~فتخلص إلى منزله بعد المغرب، ورحل إلى ترنوطة، وحفر على عسكره خندقا، ~~واجتمع PageV01P078 # إليه خلق ms041 عظيم من إفريقية والبربر ونفوسة، والزاب، وأقاصي المغرب، فحصر ~~المهدية حصارا شديدا، ومنع الناس من الدخول إليها والخروج منها. # ثم زحف إليها لسبع بقين من جمادى الآخرة، فجرى قتال عظيم قتل فيه جماعة ~~من وجوه عسكر القائم، واقتحم أبو يزيد بنفسه حتى وصل قرب الباب، فعرفه بعض ~~العبيد فقبض على لجامه وصاح: هذا أبو يزيد فاقتلوه. # فأتاه بعض أصحابه وقطع يد العبد وخلص أبو يزيد؛ وكتب إلى عامل القيروان ~~بإرسال مقاتلة أهلها إليه، ففعل ذلك، وزحف بهم آخر رجب، فجرى قتال شديد، ~~وانهزم أبو يزيد هزيمة منكرة، وقتل جماعة من أصحابه وأكثر أهل القيروان. # ثم زحف الزحفة الرابعة في العشر الآخر من شوال، فجرى قتال عظيم، وانصرف ~~إلى منزله، وكثر خروج الناس إليه من الجوع والغلاء، ففتح عند ذلك القائم ~~الأهراء التي عملها أبوه المهدي، وفرق ما فيها على رجاله، وعظم البلاء على ~~الرعية، حتى أكلوا الدواب الميتة، وخرج من المهدية أكثر السوقة والتجار، ~~ولم يبق بها سوى الجند، فكان البربر يأخذون من خرج، ويشقون بطونهم طلبا ~~للذهب. # ثم وصلت كتامة فنزلت بقسطنطينة، فخاف أبو يزيد، وكان البربر يأتون إلى ~~أبي يزيد من كل ناحية فينهبون ويرجعون إلى منازلهم، حتى أفنوا ما كان في ~~إفريقية، فلما لم يبق مع أبي يزيد سوى أهل أوراس وبني كملان أخرج عسكره، ~~فكان بينهم قتال شديد لست خلون من ذي القعدة، ثم صبحوهم من الغد فلم يخرج ~~إليهم أحد. # ثم زحفت عساكر القائم إليه، فخرج من خندقه، واشتد بينهم القتال، ثم عادوا ~~إلى PageV01P079 # القتال، فانهزم عسكر القائم، وعاد الحصار على ما كان عليه، وهرب كثير من ~~أهل المهدية إلى جزيرة صقلية، وطرابلس، ومصر، وبلد الروم. # فلما كان آخر ذي القعدة اجتمع لأبي يزيد جمع عظيم، وتقدم إلى المهدية، ~~فقاتل عليها، وكاد أن يؤخذ، ثم خلص. # ودخلت سنة أربع وثلاثين # وهو مقيم على المهدية وفي المحرم منها ظهر بإفريقية رجل يدعو إلى نفسه، ~~فأجابه كثير من الناس، وادعى أنه رجل عباسي ورد من بغداد، ومعه ms042 أعلام سود، ~~فظفر به أصحاب أبي يزيد وساقوه إليه فقتله. # وفر بعض أصحاب أبي يزيد إلى المهدية، وخرجوا مع أصحاب القائم، فقاتلوا ~~أبا يزيد فظفروا، وتفرق عند ذلك أصحاب أبي يزيد، ولم يبق معه غير هوارة ~~وبني كملان وكان اعتماده عليهم. # ورحل بقية أصحابه إلى القيروان، ولم يشاوروا أبا يزيد، فرحل مسرعا في ~~طائفة، وترك جميع أثقاله، وذلك في سادس صفر، فنزل مصلى القيروان، فخرج أهل ~~المهدية إلى أثقاله، فغنموا طعاما كثيرا وخياما، فحسنت حالهم، ورخصت ~~الأسعار، وبعث القائم إلى البلاد عمالا يطردون عمال أبي يزيد. # ثم إن أبا يزيد بعث عسكرا إلى تونس فدخلوها بالسيف في العشرين من صفر، ~~فنهبوا جميع ما فيها، وسبوا النساء والأطفال، وقتلوا الرجال، وهدموا ~~المساجد، والتجأ كثير من الناس إلى البحر فغرقوا. فسير القائم عسكرا لقتال ~~أصحاب أبي يزيد في تونس، فانهزم عسكر القائم، وتبعهم أصحاب أبي يزيد، فكر ~~عليهم عسكر القائم وصبروا، فانهزم أصحاب أبي يزيد، وقتل منهم خلق كثير. PageV01P080 # ودخلوا إلى تونس خامس ربيع الأول، فأخرجوا من فيها من أصحاب أبي يزيد، ~~فبعث أبو يزيد ابنه فقتل أهل البلد، وأحرق ما بقي فيه، وتوجه إلى باجة، ~~فقتل من بها من أصحاب القائم، ودخلها بالسيف وأحرقها؛ وكان في هذه المدة من ~~القتل والسبي والتخريب ما لا يوصف. # وهم جماعة من أصحاب أبي يزيد بقتله، وكاتبوا القائم بذلك، فظفر بهم أبو ~~يزيد فقتلهم، وكثر النهب والسبي في القيروان. # وكان القائم قد بعث يجمع العساكر من المسيلة وغيرها، فاجتمع له خلق كثير، ~~فطرقهم أيوب بن أبي يزيد على حين غفلة فقتل منهم، وغنم أثقالهم، وسير جريدة ~~إلى تونس، فأوقعوا بعسكر القائم، وتكررت الحرب بينهم، فانهزم أصحاب أبي ~~يزيد، وقتلوا قتلا ذريعا، وأخذت أثقالهم، وانهزم أيوب إلى القيروان في ربيع ~~الأول، فعظم على أبي يزيد، وجمع على ابنه أيوب فسار؟، وتوالت بينه وبين ~~أصحاب القائم الحروب إلى أن هزمت أصحاب القائم من عسكر أبي يزيد، ثم تجمعت ~~عسكر القائم، وواقعت أصحاب أبي يزيد على قسنطينة، فانهزمت ms043 أصحاب أبي يزيد. # فجد حينئذ أبو يزيد في أمره، وجمع العساكر، وسار إلى سوسة سادس جمادى ~~الآخرة، وبها جيش القائم، فحصرها حصرا شديدا، وعمل عليها الدبابات PageV01P081 # والمنجنيقات، وقتل من أهلها خلق كثير. # فلما كان في شهر رمضان مات القائم، وقام من بعده ابنه المنصور، فكتم موت ~~أبيه خوفا من أي يزيد، وعمل المراكب وشحنها بالرجال، وسيرها إلى سوسة، وسار ~~بنفسه إليها، ثم عاد، وقدمت المراكب فواقعت أبا يزيد حتى انهزم هو وأصحابه، ~~وأحرقوا خيامه، فدخل أبو يزيد إلى القيروان، وفر البربر على وجوههم، فمات ~~أكثرهم جوعا وعطشا. # ومنع أهل القيروان أبا يزيد من دخول البلد، وحصروا عامله بها، فالتحق به، ~~وأخذ أبو يزيد امرأته أم أيوب، وتبعه أصحابه بعيالاتهم على سبيبة، وهي على ~~يومين من القيروان فنزلوها. # وسار المنصور إلى مدينة سوسة لسبع بقين من شوال، وبعث فنادى في الناس ~~بالأمان، ورحل إلى القيروان لست بقين من شوال، فخرج إليه الناس فأمنهم، ~~ووجد بالقيروان حرما وأولاد لأبي يزيد، فحملهم إلى المهدية وأجرى عليهم ~~الأرزاق. # وجمع أبو زيد العساكر، وبعث سرية يتخبرون له، فأرسل إليهم المنصور سرية، ~~فالتقوا واقتتلوا، وهزموا أصحاب المنصور، وبلغ الناس، ذلك فتسرعوا إلى أبي ~~يزيد وكثر جمعه، وزحف إلى القيروان، فواقعه المنصور حتى ظفر، وباشر بنفسه ~~القتال، وجعل يحمل يمينا وشمالا، والمظلة على رأسه كالعلم، ومعه نحو ~~خمسمائة فارس، وأبو يزيد في قدر PageV01P082 # ثلاثين ألفا، فانهزم أصحاب المنصور هزيمة عظيمة حتى دخلوا الخندق، وبقي ~~المنصور في نحو عشرين فارسا وقصده أبو يزيد، فلما رآه شهر سيفه، وثبت ~~مكانه، وحمل بنفسه على أبي يزيد، حتى كاد يقتله، فولى أبو يزيد هاربا، وقتل ~~المنصور من أدرك منهم، وتلاحقت به العساكر، فقتل من أصحاب أبي يزيد خلقا ~~كثيرا. # وكان يوما من الأيام المشهودة التي لم يكن فيما مضى من الأيام مثله، ~~وعاين الناس من شجاعة المنصور ما لم يظنوه، فزادت مهابته في قلوبهم. # ورحل أبو يزيد عن القيروان أواخر ذي القعدة، ثم عاد إليها غير مرة، فلم ~~يخرج إليه أحد، ms044 ونادى المنصور: من أتى برأس أبي يزيد فله عشرة آلاف دينار. # وأذن للناس في قتال أبي زيد، فجرى قتال شديد انهزم فيه أصحاب المنصور حتى ~~دخلوا الخندق، ثم عادوا فهزموا أصحاب أبي يزيد، وافترقوا وقد انتصف بعضهم ~~من بعض، وكثرت القتلى من الفريقين، وعادت الحرب بينهما غير مرة، وأبو يزيد ~~يبعث السرايا فيقطع الطريق بين المهدية والقيروان وسوسة. # ثم إنه بعث إلى المنصور يسأل حرمه وعياله الذين خلفهم بالقيروان وأخذهم ~~المنصور، ليدخل في طاعته، على أن يؤمنه وأصحابه، وحلف على ذلك بأغلظ ~~الأيمان، فسير إليه المنصور عياله مكرمين، بعد أن وصلهم وكساهم، فلما وصلوا ~~إليه نكث، وقال: إنما وجههم خوفا مني. # وانقضت سنة أربع وثلاثين وهم على حالهم. # ففي خامس المحرم سنة خمس وثلاثين زحف أبو يزيد، وركب المنصور، وكان ~~بينهما قتال ما سمع بمثله، وحملت البربر على المنصور، وحمل عليها، وجعل ~~يضرب فيهم، فانهزموا بعد أن قتل خلق كثير. # فلما انتصف المحرم عبى المنصور عسكره، فجعل على ميمنته أهل إفريقية، وعلى ~~ميسرته كتامة، وركب في القلب ومعه عبيده وخاصته، فوقع بين الفريقين قتال ~~شديد، PageV01P083 # وحمل أبو يزيد على ميمنة المنصور فهزمها، ثم حمل على القلب فوقع إليه ~~المنصور، وقال: هذا يوم الفتح إن شاء الله تعالى. # وحمل فيمن معه حملة رجل واحد، فانهزم أبو يزيد، وأخذت السيوف أصحابه، ~~فولوا منهزمين، وأسلموا أثقالهم، وفر أبو يزيد على وجهه، وقد قتل من أصحابه ~~ما لا يحصى كثرة، حتى أن الذي أخذه أطفال أهل القيروان خاصة من رؤوس القتلى ~~عشرة آلاف رأس. # وأقام المنصور يتجهز، ثم رحل أواخر ربيع الأول، فأدرك أبا يزيد، ففر منه ~~فتبعه، وصار كلما قصد أبو يزيد موضعا يتحصن فيه يسبقه المنصور إليه، ~~واستأمن بعض أصحابه فأمنه المنصور، واستمر الهرب بأبي يزيد حتى وصل إلى جبل ~~البربر وأهله على مذهبه، وسلك الرمال، فاجتمع معه خلق كثير، وواقع عسكره ~~المنصور، فهزم الميمنة، وحمل عليه المنصور بنفسه فانهزم، وتبعه المنصور إلى ~~جبال وعرة، وأودية عميقة خشنة الأرض، فمنعت الأدلاء المنصور ms045 من سلوك تلك ~~الأرض، وقالوا إنه لم يسلكها جيش قط. # واشتد الأمر على عسكر المنصور، فبلغ عليق كل دابة دينارا ونصفا، وبلغت ~~قربة الماء دينارا، هذا وما وراء ذلك رمال وقفار وبلاد السودان التي ليس ~~فيها عمارة، وقيل للمنصور: إن أبا يزيد اختار الموت جوعا وعطشا على القتل ~~بالسيف. # فلما سمع المنصور ذلك رجع إلى بلاد صنهاجة، فاتصل به الأمير زيرى بن مناد ~~الصنهاجي، بعساكر صنهاجة، فأكرمه المنصور، وأتته الأخبار بموضع أبي يزيد من ~~الرمال. # ونزل بالمنصور مرض شديد أشفى منه، فلما أفاق من مرضه رحل إلى المسيلة ~~ثاني رجب، فإذا أبو يزيد قد سبقه إليها لما سمع بمرض المنصور وهو يحاصرها، ~~فلما علم بالمنصور هرب منه يريد بلاد السودان، فخدعه بنو كملان هم وهوارة ~~ومنعوه من ذلك، وأصعدوه إلى جبال كتامة وغيرهم فتحصن بها، واجتمع إليه ~~أهلها، وصاروا ينزلون ويتخطفون الناس، فسار المنصور عاشر شعبان إليه، فلم ~~ينزل أبو يزيد، فلما أخذ المنصور في العود، نزل أبو يزيد إلى ساقة العسكر، ~~فرجع المنصور، ووقعت الحرب، فانهزم أبو يزيد، وأسلم أصحابه وأولاده، وأدركه ~~فارسان فعقرا فرسه، فسقط عنه، فأركبه بعض أصحابه، PageV01P084 # وأدركه الأمير زيرى فطعنه وألقاه، وكثر عليه القتال حتى خلصه أصحابه، ~~وخلصوا به، وتبعهم المنصور فقتل منهم ما يزيد على عشرة آلاف. # وسار المنصور في أثره أول رمضان، فاقتتلوا أشد قتال، ولم يقدر أحد ~~الفريقين على الهزيمة لضيق المكان وخشونته، ثم انهزم أبو يزيد، وطلع أصحابه ~~على رؤوس الجبال يرمون بالصخر، واشتد الأمر حتى تواخذوا بالأيدي، وكثر ~~القتل حتى ظنوا أنه الفناء، وافترقوا على السواء. # والتجأ أبو يزيد إلى قلعة كتامة وهي منيعة فاحتمى بها، وأقبلت هواره ~~وأكثر من مع أبي يزيد يطلبون الأمان، فأمنهم المنصور، وسار فحصر القلعة، ~~وفرق جنده حولها، فناشبه أبو يزيد القتال، وزحف إليها المنصور غير مرة حتى ~~ملك بعض أصحابه مكانا من القلعة، وألقوا فيها النيران، فانهزم أصحاب أبي ~~يزيد، وقتلوا قتيلا ذريعا، وامتنع أبو يزيد وأولاده في قصر بالقلعة ومعه ~~أعيان أصحابه، فاجتمع ms046 أصحاب المنصور، وأحرقوا شعارى الجبل حتى لا يهرب أبو ~~يزيد فصار الليل كالنهار. # فلما كان آخر الليل خرج أصحاب أبي يزيد وهم يحملونه على أيديهم، وحملوا ~~على الناس حملة منكرة، فأفرجوا له، ونجوا به، ونزل من القلعة خلق كثير، ~~فأخذوا وأخبروا بخروج أبي يزيد، فأمر المنصور بطلبه، وقال: ما أظنه إلا ~~قريبا منا. # فبينما هم كذلك إذ جاء الخبر أن ثلاثة من أصحاب أبي يزيد حملوه من ~~المعركة لقبح عرجه، فذهب لينزل من الوعر فسقط في مكان صعب، فأخذ وحمل إلى ~~المنصور يوم الأحد لخمس بقين من المحرم، وبه جراحات، فلما رآه سجد شكرا ~~لله. وقدم به والناس يكبرون حوله، فأقام عنده إلى سلخ المحرم من سنة ست ~~وثلاثين وثلاثمائة؛ فمات من جراح كانت به، فأمر المنصور بادخاله في قفص عمل ~~له، وجعل معه قردين يلعبان عليه، وأمر بسلخ جلده، وحشاه تبنا، وكتب إلى ~~سائر البلاد بالبشارة. PageV01P085 # وخرج عليه بعد أبي يزيد عدة خوارج، فظفر بهم المنصور. # ثم عاد المنصور إلى المهديلة في شهر رمضان سنة ست وثلاثين. # وكانت وفاة القائم بأمر الله أبو القاسم محمد بن عبيد الله المهدي لثلاث ~~عشرة خلت من شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. # وقام بالأمر من بعده ابنه أبو طاهر إسماعيل المنصور بنصر الله، وكتم موته ~~خوفا أن يعلم أبو يزيد، فإنه كان على سوسة قريبا منه، فأبقى الأمور على ~~حالها، ولم يتسم بالخليفة، ولا غير السكة ولا الخطبة ولا البنود، وبقى كذلك ~~حتى فرغ من أمر أبي يزيد، فلما فرغ منه أظهر موت أبيه، وتسمى بالخلافة، ~~وعمل آلات الحرب. # ويقال إن القائم لم يرق سريرا، ولا ركب دابة صيد منذ أفضى إليه الأمر حتى ~~مات، وإنه صلى مرة على جنازة، وصلى مرة العيد بالناس. # وكانت مدة خلافته اثنتى عشرة سنة، وسبعة أشهر، واثنى عشر يوما. # وعمره ثمانيا وخمسين سنة، وقيل أربعا وخمسين سنة، وتسعة أشهر، وستة أيام. # وأولاده: أبو الطاهر إسماعيل. # وأبو عبد الله جعفر ومات في أيام المعز وحمزة، وعدنان، وأبو كنانة ms047 قبضوا ~~بالمغرب ويوسف مات ببرقة سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وعبد الجبار توفي بمصر ~~سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وأربع بنات. # وترك سبع سرارى. PageV01P086 # وكانت قضاته: إسحاق بن أبي المنهال، ثم مات، فولى أحمد بن يحيى وقتله أبو ~~يزيد لما فتح إفريقية في صفر سنة ثلاث وثلاثين، ثم أحمد بن الوليد. # ونقش خاتمه: بنصر الدائم، ينتصر الإمام أبو القاسم. # وقال فيه أيوب بن إبراهيم: # يا ابن الإمام المرتضى، وابن الو ... صي المصطفى، وابن النبي المرسل # الله أعطاك الخلافة واهبا ... ورآك للإسلام أمنع معقل # نلت الخلافة، وهي أعظم رتبة ... نيلت، وليست من علاك بأفضل # فمنعت حوزتها، وحطت حريمها ... بالمشرفية والوشيج الذبل # وقال خليل بن إسحاق لما بعثه لقتال أبي يزيد: # وما ودعت خير الخلق طرا ... ولا فارقته عن طيب نفس # ولكني طلب به رضاه ... وعفو الله يوم حلول رمس # فعاش مملكا ما لاح نجم ... على الثقلين من جن وإنس PageV01P087 ### | المنصور بنصر الله أبو الطاهر إسماعيل ابن محمد القائم بن عبيد الله المهدي # ولد بالمهدية في أول ليلة من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثمائة، وقيل ولد ~~بالقيروان في سنة اثنتين وثلاثمائة، وقيل بل في سنة إحدى وثلاثمائة. # وبويع له في شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. # وتوفي يوم الأحد الثالث وعشرين من شوال، وقيل يوم الجمعة مع الظهر سلخ ~~شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وسترت وفاته إلى يوم الأحد سابع ذي الحجة ~~منها. # وكان له من العمر إحدى وأربعين سنة وخمسة أشهر. # وكانت ولايته الخلافة بعد أبيه ثماني سنين، وقيل: سبع سنين وعشرة أيام، ~~وقيل: كان عمره تسعا وثلاثين سنة. # وكان فصيحا بليغا خطيبا حاد الذهن، حاضر الجواب، بعيد الغور، جيد الحدس، ~~يخترع الخطبة لوقته؛ وأحواله التي تقدم ذكرها مع أبي يزيد وغيره تدل على ~~شجاعته وعقله. # قال أبو جعفر أحمد بن محمد المرورذي: # كنت مع المنصور في اليوم الذي أظهره الله بمخلد بن كيداد أبي يزيد، ~~وهزمه، فتقدمت إليه، وسلمت عليه، وقبلت يده، ودعوت له بالنصر والظفر، ~~فأمرني بالركوب وقد جمع عليه سلاحه وآلة ms048 حربه، وتقلد سيف جده ذا الفقار، ~~وأخذ بيده رمحين فحدثته ساعة، فجال به الفرس، ورد أحدهما إلى يده اليسرى، ~~فسقط إحدى الرمحين من يده إلى الأرض، PageV01P088 # فتفاءلت له بالظفر، ونزلت مسرعا، فرفعت الرمح من الأرض، ومسحته بكمي، ~~فرفعته إليه، وقبلت يده، وقلت: # فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر # فأخذ المنصور الرمح من يدي وقال: هلا قلت ما هو خير من هذا وأصدق؟. # قال، قلت: وما هو؟. # قال: قال الله عز وجل: " وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما ~~يأفكون؛ فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ". # قال: فقلت: يا مولانا: أنت ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإمام ~~الأمة، عليكم نزل القرآن، ومن بيتكم درجت الحكم، فقلت أنت بما عندك من نور ~~النبوة، وقال عبدك بما بلغه من علمه ومعرفته بكلام العرب وأهل الشعر. # وكان الأمر كما قال، فما هو إلا أن أشرف على عسكر أبي يزيد حتى ضرب الله ~~في وجوههم، فقتلوا، وأحرق عسكرهم وخيامهم بالنار، وولى أبو يزيد في بقية ~~أصحابه خائبين إلى داخل المغرب. # ولما صارت الخلافة إلى المنصور في الشهر الذي توفى أبوه فيه، لم يغير ~~السكة ولا البنود، وأقام على ذلك إلى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة فأظهر موت ~~أبيه بعد أن ظفر بأبي يزيد. # وكان سبب موته: أنه خرج إلى سفاقس وتونس، ثم إلى قابس، وبعث يدعو PageV01P089 # أهل جربة إلى الطاعة فأجابوه، وأخذ منهم رجالا وعاد، وكانت سفرته شهرا. # وعهد إلى ابنه معد وجعله ولى عهده. # فلما كان شهر رمضان سنة إحدى وأربعين خرج متنزها إلى مدينة جلولاء وهو ~~موضع كثير الثمار، وفيه من الأترج ما لا يحمل الجمل منه غير أربع أترجات ~~لعظمه فحمل منه إلى قصره، وكانت له حظية يحبها، فلما رأت الأترج استحسنته، ~~وأحبت أن تراه في أغصانه، فأجابها إلى ذلك، ورحل بها في خاصته، وأقام بها ~~أياما ثم عاد إلى المنصورية، فأصابه في الطريق ريح شديد، وبرد ومطر أقام ~~أياما، ms049 وكثر الثلج، فمات جماعة ممن معه. # واعتل المنصور علة شديدة، ووصل المنصورية، فأراد عبور الحمام فنهاه طبيبه ~~إسحاق ابن سليمان الإسرائيلي عن ذلك، فلم يقبل، ودخل الحمام ففنيت الحرارة ~~الغريزية منه، ولازمه السهر، فأخذ طبيبه يعالج المرض دون السهر، فاشتد ذلك ~~على المنصور وقال لبعض خواصه: أما في القيروان طبيب غير إسحاق؟ فأحضر إليه ~~شاب من الأطباء يقال له: أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد بن الجزار، ~~فجمع له أشياء مخدرة، وكلفه شمها، فنام، وخرج وهو مسرور بما فعله، فجاء ~~إسحاق ليدخل على المنصور، فقيل له إنه نائم، فقال: إن كان صنع له شيء ينام ~~منه فقد مات، فدخلوا عليه فإذا هو ميت، فدفن في قصره. # وأرادوا قتل ابن الجزار الذي صنع له المنوم، فقام معه إسحاق، وقال: PageV01P090 # لا ذنب له، إنما داواه بما ذكره الأطباء، غير أنه جهل أصل المرض، وما ~~عرفتموه، وذلك أنني في معالجته أقصد تقوية الحرارة الغريزية، وبها يكون ~~النوم، فلما عولج بما يطفئها علمت أنه قد مات. # وكان نقش خاتمه: بنصر الباطن الظاهر، ينتصر الإمام أبو الطاهر. # وكان يشبه بأبي جعفر المنصور من خلفاء بني العباس لأن كلا منهما اختلت ~~عليه الدولة، وأصفقت عليه الحروب، وكاد يسل من الخلافة، فهب له ريح النصر، ~~وتراجع له أمره حتى لم يبق مخالف. # وأولاده: أبو تميم المعز لدين الله: وحيدرة مات بمصر في جمادى الآخرة سنة ~~اثنتين وسبعين وثلاثمائة، وصلى عليه العزيز بالله. # وهاشم مات بمصر في ربيع الأول سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وصلى عليه ~~العزيز بالله. # وطاهر مات في المحرم سنة تسع وخمسين وثلاثمائة بالمغرب. # وأبو عبد الله الحسين مات بالمغرب. # وخمس بنات: هبة، وأروى، وأسماء متن بمصر أيام المعز لدين الله. # وأم سلمة ماتت بمصر أيام العزيز بالله. # ومنصورة ماتت بالمغرب. # وكان له أمهات أولاد ثلاث. # وقضاته: أحمد بن محمد بن أبي الوليد. PageV01P091 # ثم محمد بن أبي المنصور. # ثم عبد الله بن قاسم. # ثم علي بن أبي سفيان. # ثم أبو محمد زرارة. # ثم أبو ms050 حنيفة النعمان بن محمد التميمي. # وحاجبه: جعفر بن علي. PageV01P092 ### | المعز لدين الله أبو تميم معد ابن المنصور أبي الطاهر بن القائم أبي القاسم محمد ابن عبيد الله المهدي # قال: ولى الأمر بعد أبيه سلخ شوال وقيل يوم الجمعة سابع عشر سنة إحدى ~~وأربعين وثلاثمائة. # وأقام في تدبير الأمور إلى سابع ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، ~~وأذن للناس فدخلوا عليه وقد جلس لهم، فسلموا عليه بالخلافة، وكان عمره ~~أربعا وعشرين سنة. # ومولده بالمحمدية على أربع ساعات وأربع أخماس ساعة من يوم الاثنين الحادي ~~عشر من رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة. # ومدة أيامه ثلاث وعشرون سنة، وخمسة أشهر، وسبع عشر يوما. # فلما كان في سنة اثنتين وأربعين جالت عساكره في جبل أوراس، وكان ملجأ كل ~~منافق على الملوك، يسكنه بنو كملان ومليلة وبعض هوارة، ولم يدخلوا في طاعة ~~من تقدمه، فأطاعوا المعز، ودخلوا معه البلاد، وتقدم إلى نوابه بالإحسان إلى ~~البربر، فلم يبق منهم إلا من أتاه وشمله إحسان المعز، فعظم أمره. # وفي سنة سبع وأربعين عظم أمر أبي الحسين جوهر عند المعز، وعلا محله، وصار ~~في رتبة الوزارة، فسيره في صفر منها على جيش كثيف، فيهم الأمير زيرى بن ~~مناد الصنهاجي PageV01P093 # وغيره، فسار إلى تاهرت، وحارب قوما، وافتتح مدنا، ونهب وأحرق، وسار إلى ~~فارس فنازلها مدة، وسار إلى سجلماسة، وقد قام بها رجل وتلقب بالشاكر لله، ~~وخوطب بأمير المؤمنين، ففر من جوهر فتبعه حتى أخذه أسيرا. # ومضى جوهر إلى البحر المحيط، فأمر أن يصاد من سمكه، وبعثه في قلال الماء ~~إلى المعز، وسلك ما هنالك من البلاد فافتتحها، ثم عاد فقاتل أهل فاس حتى ~~افتتحها عنوة، وقبض على صاحبها، وجعله مع صاحب سجلماسة في قفصين، وحملهما ~~إلى المعز بالمهدية، وعاد في أخريات السنة. # وفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة كان إعذار المعز لدين الله الأمراء بنيه: ~~عبد الله، وتزار، وعقيل؛ فحين عزم على طهورهم كاتب عماله وولاته من لدن ~~برقة إلى أقصى سجلماسة، وما بين ذلك، وما حوته مملكته إلى جزيرة ms051 صقلية وما ~~والاها، في حضر وبدو، وبحر وبر، وسهل وجبل، بطهور من وجد من أولاد سائر ~~الخلق، حرهم وعبدهم، وأبيضهم وأسودهم، ودنيئهم وشريفهم، ومليهم وذميهم، ~~الذين حوتهم مملكته، لمدة شهر، وتوعد على ترك ذلك، وأمرهم بالقيام بجميع ~~نفقاتهم وكسوتهم، وما يصلح أحوالهم من مطعم ومشرب وملبس وطيب وغيره بمقدار ~~رتبهم وأحوالهم، فكان من جملة المنفق في ذلك مما حمل إلى جزيرة صقلية وحدها ~~من المال سوى الخلع والثياب خمسون حملا من الدنانير، كل حمل عشرة آلاف ~~دينار، ومثل ذلك إلى كل عامل من عمال مملكته ليفرقه على أهل عمله. # وابتدىء بالختان في مستهل ربيع الأول منها، فكان المعز يطهر في اليوم من ~~أيام الشهر PageV01P094 # بحضرته اثنا عشر ألف صبي وفوقها ودونها، وختن من أهل صقلية وحدها خمسة ~~عشر ألف صبي، وكان وزن خرق الأكياس المفرغة مما أنفق في هذا الإعذار مائة ~~وسبعين قنطارا بالبغدادي. # واستدعى المعز وهو بالمنصورية في يوم شات باردة الريح عدة شيوخ من شيوخ ~~كتامة، وأمر بادخالهم إليه من غير الباب الذي جرى الرسم به، فإذا هو في ~~مجلس مربع كبير مفروش باللبود على مطارح، وحوله كساء، وعليه جبة، وحواليه ~~أبواب مفتحة تفضى إلى خزائن كتب، وبين يديه مرفع ودواة، وكتب حواليه، فقال: ~~يا إخواننا: أصبحت اليوم في مثل هذا الشتاء والبرد، فقلت لأم الأمراء وإنها ~~الآن بحيث تسمع كلامي: أترى إخواننا يظنون أنا في مثل هذا اليوم نأكل ونشرب ~~ونتقلب في المثقل والديباج والحرير والفنك والسمور والمسك والخمر والغناء ~~كما يفعل أرباب الدنيا؟! ثم رأيت أن أنفذ إليكم فأحضركم لتشاهدوا حالي إذا ~~خلوت دونكم واحتجبت عنكم، وأني لا أفضلكم في أحوالكم إلا فيما لا بد لي منه ~~من دنياكم، وبما خصني الله به من إمامتكم، وأني مشغول بكتب ترد على من ~~المشرق والمغرب أجيب عنها بخطى، وأني لا أشتغل بشيء من ملاذ الدنيا إلا بما ~~صان أرواحكم، وعمر بلادكم، وأذل أعداءكم، وقمع أضدادكم. PageV01P095 # فافعلوا يا شيوخ في خلوتكم مثل ما أفعله، ولا تظهروا التجبر والتكبر، ~~فينزع ms052 الله النعمة عنكم، وينقلها إلى غيركم، وتحننوا على من وراءكم ممن لا ~~يصل إلي كتحنني عليكم، ليتصل في الناس الجميل، ويكثر الخير، وينتشر العدل. # وأقبلوا بعدها على نسائكم، والزموا الواحدة التي تكون لكم، ولا تشرهوا ~~إلى التكثير منهن، والرغبة فيهن، فيتنغص عيشكم، وتعود المضرة عليكم، ~~وتنهكوا أبدانكم، وتذهب قوتكم، وتضعف نحايزكم؛ فحسب الرجل الواحد الواحدة، ~~ونحن محتاجون إلى نصرتكم بأبدانكم وعقولكم. # واعلموا أنكم إذا لزمتم ما آمركم به رجوت أن يقرب الله علينا أمر المشرق ~~كما قرب أمر المغرب بكم. انهضوا رحمكم الله ونصركم. # وفي سنة خمس وخمسين وثلاثمائة أمر المعز بحفر الآبار في طريق مصر، وأن ~~يبنى له في كل منزلة قصر، ففعل ذلك. # وفي يوم الجمعة لثلاث بقين من جمادى الآخرة من السنة وردت النجب من مصر ~~بموت كافور الأخشيدي يوم الأربعاء لعشر بقين من جمادى الأولى. # واستدعى المعز يوما أبا جعفر بن حسين بن مهذب صاحب بيت المال وهو ~~بالمغرب، فوجده في وسط القصر جالسا على صندوق، وبين يديه ألوف صناديق مبددة ~~في صحن القصر، فقال له: هذه صناديق مال، وقد شذ عني ترتيبها، فانظرها ~~ورتبها. # قال: فأخذت أجمعها إلى أن صارت مرتبة، وبين يدي جماعة من خدام بيت المال ~~والفراشين، وأنفذت إليه أعلمه، فأمر برفعها في الخزائن على ترتيبها، وأن ~~يغلق عليها، وتختم بخاتمه، وقال: قد خرجت عن خاتمنا وصارت إليك ففعل. PageV01P096 # وكانت جملتها أربعة وعشرين ألف ألف دينار، وذلك في سنة سبع وخمسين ~~وثلاثمائة، فأنفقها أجمع على العساكر التي سيرها إلى مصر في سنتي ثمان وتسع ~~وخمسين مع القائد جوهر. # وكان رحيله في رابع عشر ربيع الأول منها، ومعه ألف حمل مال، ومن السلاح ~~والخيل والعدد ما لا يوصف، فقدم جوهر إلى مصر، ووصلت البشارة بفتحها في نصف ~~رمضان سنة ثمان وخمسين، فسر المعز سرورا كثيرا وأنشده ابن هانىء قصيدة ~~أولها: # يقول بنو العباس: هل فتحت مصر؟ ... فقل لبني العباس: قد قضي الأمر # ولما وصلت البشارة من الشام بكسر عسكر أبي عبد الله الحسن بن ms053 أحمد ~~القرمطي المعروف بالأعصم أنشده ابن هانىء قصيدة منها: # ما شئت لا ما شاءت الأقدار، ... فاحكم فأنت الواحد القهار # وأنشد أيضا أخرى أولها: # وعلى أمير المؤمنين مظلة ... زاحمت تحت لوائها جبريلا # وفي سنتي ستين وإحدى وستين قال: ولقد وصلنا إلى برقة ومعنا خمسون ألف ~~دينار. # ولما أنفذ جوهر إلى مصر، وبرز يريد المسير إلى مصر، بعث المعز خفيفا ~~الصقلبي صاحب الستر إلى شيوخ كتامة، يقول: PageV01P097 # يا إخواننا: قد رأينا أن ننفذ رجالا من بلدان كتامة، يقيمون بينهم، ~~ويأخذون صدقاتهم ومراعيهم، ويحفظونها علينا في بلادهم، فإذا احتجنا إليها ~~أنفذنا خلفها فاستعنا بها على ما نحن بسبيله. # فقال بعض شيوخهم لخفيف وقد بلغهم ذلك: قل لمولانا: والله لا فعلنا هذا ~~أبدا. كيف تؤدي كتامة الجزية، ويصير عليها في الديوان ضريبة؟؟ وقد أعزها ~~الله قديما بالإسلام، وحديثا معكم بالإيمان، وسيوفنا بطاعتكم في المشرق ~~والمغرب؟. # فعاد خفيف بذلك إلى المعز، فأمر بإحضار جماعة كتامة، فدخلوا عليه وهو ~~راكب فرسه، فقال: ما هذا الجواب الذي صدر عنكم؟. # فقالوا: نعم هو جواب جماعتنا، ما كنا يا مولانا بالذي يؤدي جزية تبقى ~~علينا. # فقام المعز في ركابه، وقال: بارك الله فيكم، فهكذا أريد أن تكونوا، وإنما ~~أردت أن أجربكم، فانظروا كيف أنتم بعدى إذا سرنا عنكم إلى مصر، هل تقبلون ~~هذا أو تفعلونه وتدخلون تحته ممن يرومه منكم؟ والآن سررتموني بارك الله ~~فيكم. # وكتب إلى جوهر وهو بمصر من الغرب: # وأما ما ذكرت يا جوهر من أن جماعة من بني حمدان وصلت إليك كتبهم، يبذلون ~~الطاعة، ويعدون بالمسارعة في المسير إليك، فاسمع لما أذكره لك: احذر أن ~~تبتدىء أحدا من بني حمدان بمكاتبة ترهيبا له ولا ترغيبا، ومن كتب إليك منهم ~~فأجبه بالحسن الجميل، ولا تستدعه إليك؛ ومن ورد إليك منهم فأحسن إليه، ولا ~~تمكن أحدا منهم من قيادة جيش ولا ملك طرف، فبنو حمدان يتظاهرون بثلاثة ~~أشياء، عليها مدار العالم، وليس لهم فيها نصيب: يتظاهرون بالدين، وليس لهم ~~فيه نصيب؛ ويتظاهرون بالكرم وليس لواحد منهم كرم ms054 في الله؛ ويتظاهرون ~~بالشجاعة، وشجاعتهم للدنيا لا للآخرة؛ فاحذر كل الحذر من الاستنامة إلى أحد ~~منهم PageV01P098 # ولما عزم المعز على المسير إلى مصر أجال فكره فيمن يخلفه بالمغرب، فوقع ~~اختياره على أبي أحمد جعفر بن عبد الأمير، فاستدعاه، وأسر إليه أنه يريد ~~استخلافه بالمغرب، فقال: تترك معي أحد أولادك أو أخوتك جالسا في القصر وأنا ~~أدبر، ولا تسألني عن شيء من الأموال إن كان ما أجبيه بازاء ما أنفقه؛ وإذا ~~أردت أمرا فعلته ولم أنتظر ورود الأمر فيه، لبعد ما بين مصر والمغرب، ويكون ~~تقليد القضاء والخراج وغيره من قبل نفسي. # فغضب المعز وقال: يا جعفر: عزلتني عن ملكي، وأردت أن تجعل لي شريكا في ~~أمري، واستبددت بالأموال والأعمال دوني، قم فقد أخطأت حظك، وما أصبت رشدك. # فخرج. # واستدعى المعز يوسف بن زيرى الصنهاجي، وقال له: تأهب لخلافة المغرب فأكبر ~~ذلك وقال: يا مولانا: أنت وآباؤك الأئمة من ولد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما صفا لكم المغرب، فكيف يصفوا لي وأنا صنهاجي بربري؟ قتلتني يا مولاي ~~بلا سيف ولا رمح. # ولم يزل به حتى أجاب وقال: يا مولانا: بشريطة أن تولي القضاء والخراج لمن ~~تراه وتختاره، والخبر لمن تثق به، وتجعلني أنا قائما بين أيديهم، فمن ~~استعصى عليهم أمروني به حتى أعمل فيه ما يجب، ويكون الأمر لهم وأنا خادم ~~بين ذلك. # فحسن هذا من المعز وشكره، فلما انصرف قال له عم أبيه أبو طالب أحمد بن ~~المهدي عبيد الله: يا مولانا: وتثق بهذا القول من يوسف أنه يفي بما ذكره؟ ~~فقال المعز: يا عمنا: كم بين قول يوسف وقول جعفر؟ واعلم يا عم أن الأمر ~~الذي طلبه PageV01P099 # جعفر ابتداء هو آخر ما يصير إليه أمر يوسف، فإذا تطاولت المدة سينفرد ~~بالأمر، ولكن هذا أولى وأحسن وأجود عند ذوي العقل، وهو نهاية ما يفعله من ~~يترك دياره. # ووجهت أم الأمراء من المغرب بصبية ربتها لتباع في مصرن فطلب الوكيل فيها ~~ألف دينار، فجاءت امرأة شابة على حمار، فلم ms055 تزل حتى اشترتها منه بستمائة ~~دينار، وقيل له يا مغربي: هذه بنت الأخشيد اشترت الجارية تتمتع بها، وهي ست ~~كافور. # فلما عاد أخبر المعز بذلك، فأمر بإحضار الشيوخ، وأمر الرجل فحدثهم بخبر ~~الجارية، ثم قال: يا إخواننا: انهضوا إليهم، فلن يحول بينكم وبينهم شيء، ~~وإذا كان قد بلغ بهم الترف إلى أن صارت امرأة من بنات ملوكهم تخرج وتشتري ~~لنفسها جارية تتمتع بها فقد ضعفت نفوس رجالهم، وذهبت الغيرة منهم، فانهضوا ~~بنا إليهم. # فقالوا: السمع والطاعة. # فقال: خذوا في حوائجكم، فنحن نقدم الاختيار لمسيرنا إن شاء الله. # ولما عزم المعز على الرحيل إلى مصر أتاه بلكين بن زيرى بألفي جمل من إبل ~~زناتة، وحمل ما له بالقصور من الذخائر، وسبك الدنانير على شكل الطواحين، ~~جعل على كل جمل قطعتين، في وسط كل قطعة ثقبا تجمع به القطعة إلى الأخرى، ~~فاستعظم ذلك الجند والرعية، وصاروا يقفون في الطرق لرؤية بيت المال ~~المحمول. # وخرج المعز من المغرب يوم الإثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين ~~وثلاثمائة، وخرج من المنصورية ومعه بلكين واسمه يوسف إلى سردانية من بلاد ~~إفريقية، فسلم إليه إفريقية والمغرب يوم الأربعاء لتسع بقين من ذي الحجة، ~~وأمر سائر الناس له بالسمع والطاعة، وفوض PageV01P100 # إليه أمور البلاد، ما خلا جزيرة صقلية فإنه ترك أمرها لحسن بن علي بن أبي ~~الحسين، وطرابلس وأعمالها. # وقال له: إن نسيت، ما وصيناك به فلا تنس ثلاثة أشياء: إياك أن ترفع ~~الجباية عن أهل البادية، ولا ترفع السيف عن البربر، ولا تول أحدا من أخوتك ~~وبني عمك، فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك؛ وافعل مع أهل الحاضرة خيرا. # وفارقه. # وكان قيصر ومظفر الصقلبيان قد بلغا رتبة عظيمة عند المنصور والمعز، وكان ~~المظفر يدل على المعز لأنه علمه الخط وهو صغير، فاتفق أنه حرد يوما، فسمعه ~~المعز يتكلم بكلمة صقلبية استراب بها، فأخذ المعز نفسه بحفظ اللغات، فابتدأ ~~بالبربرية فأحكمها، ثم بالرومية، ثم بالسودانية، ثم استدعى الصقلبية فمرت ~~به تلك الكلمة فيها، فإذا هي ms056 شتمة، فبقيت في نفسه حتى قتلهما. # وبلغه وهو بالمغرب أمر الحرب من بني حسن وبني جعفر بن أبي طالب بالحجاز، ~~وأنه قتل من بني الحسن أكثر ممن قتل بنو حسن من بني جعفر، فأنفذ مالا ~~ورجالا سرا سعوا بين الطائفتين حتى اصطلحوا، وتحملوا الحمالات عنهما. # وكان فاضل القتلى لبني حسن عند بني جعفر سبعين قتيلا، فأدى القوم ذلك ~~إليهم، وعقدوا بينهم في المسجد الحرام صلحا، وتحملوا دياتهم من مال المعز، ~~وذلك في سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، فصار ذلك جميلا عند بني حسن للمعز، ~~فلما دخل جوهر مصر بادر حسن بن جعفر الحسني فملك مكة ودعا للمعز، وكتب إلى ~~جوهر بذلك، فبعث بالخبر إلى المعز، فأنفذ من المغرب إليه بتقليد الحرم ~~وأعماله. PageV01P101 ### | ذكر بناء القاهرة # قال أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق المصري في كتاب إتمام أخبار ~~أمراء مصر للكندي رحمهما الله: وفي جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ~~صحت الأخبار بمسير عساكر المعز لدين الله من المغرب إلى مصر، عليها عبده ~~جوهر، وكانت بمصر للمعز دعاة استدعوا خلقا في البلد، وكانوا يقولون: إذا ~~زال الحجر الأسود ملك مولانا المعز لدين الله الأرض كلها، وبيننا وبينكم ~~الحجر الأسود يعنون كافور الإخشيدي، فلما مات كافور أنفذ المعز إلى دعاته ~~بنودا، وقال: فرقوها على من يبايع من الجند، وأمرهم إذا قربت العساكر ~~ينشرونها، فلما قربت العساكر من الإسكندرية جمع الوزير أبو الفضل جعفر بن ~~الفضل بن جعفر بن محمد ابن موسى بن الحسن بن الفرات الناس وشاورهم، فاتفقوا ~~على مراسلة جوهر، وأن يشترطوا PageV01P102 # عليه شروطا، وأنهم يسمعون له ويطيعونه، ثم اجتمعوا على محاربته، ثم انحل ~~ذلك، وعادوا إلى المراسلة بالصلح. # وكانت رسل جوهر ترد سرا إلى ابن الفرات، ثم اتفقوا على خروج أبي جعفر ~~مسلم الحسيني، وأبي إسماعيل الرسي، ومعهما القاضي أبو طاهر، وجماعة، فبرزوا ~~إلى الجيزة لاثنتي عشرة بقيت من رجب، ولم يتأخر عن تشييعهم قائد، ولا كاتب، ~~ولا عالم، ولا شاهد، ولا تاجر، وساروا فلقوا جوهر بتروجة ووافقوه، واشترطوا ~~عليه، ms057 فأجابهم إلى ما التمسوه، وكتب لهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب ~~من جوهر الكاتب عبد أمير المؤمنين المعز لدين الله صلوات الله عليه لجماعة ~~أهل مصر الساكنين بها، من أهلها ومن غيرهم: أنه قد ورد من سألتموه الترسل ~~والاجتماع معي، وهم: أبو جعفر مسلم الشريف أطال الله بقاءه وأبو إسماعيل ~~الرسي أيده الله وأبو الطيب الهاشمي أيده الله. # وأبو جعفر أحمد بن نصر أعزه الله والقاضي أعزه الله. # وذكروا عنكم أنكم التمستم كتابا يشتمل على أمانكم في أنفسكم وأموالكم ~~وبلادكم وجميع أحوالكم، فعرفتم ما تقدم به أمر مولانا وسيدنا أمير المؤمنين ~~صلوات الله عليه وحسن نظره لكم. # فلتحمدوا الله على ما أولاكم، وتشكروه على ما حماكم، وتدأبوا فيما ~~يلزمكم، وتسارعوا إلى طاعته العاصمة لكم، العائدة بالسلامة لكم، وبالسعادة ~~عليكم، وهو أنه صلوات الله عليه PageV01P103 # لم يكن إخراجه للعساكر المنصورة، والجيوش المظفرة إلا لما فيه إعزازكم ~~وحمايتكم والجهاد عنكم، إذ قد تخطفتكم الأيدي، واستطال عليكم المستذل ~~وأطمعته نفسه بالاقتدار على بلدكم في هذه السنة، والتغلب عليه وأسر من فيه، ~~والاحتواء على نعمكم وأموالكم حسب ما فعله في غيركم من أهل بلدان المشرق، ~~وتأكد عزمه، واشتد كلبه، فعاجله مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله ~~عليه بإخراج العساكر المنصورة، وبادره بانفاذ الجيوش المظفرة دونكم، ~~ومجاهدته عنكم وعن كافة المسلمين ببلدان المشرق، الذين عمهم الخزي، وشملتهم ~~الذلة، واكتنفتهم المصائب وتتابعت الرزايا، واتصل عندهم الخوف وكثرت ~~استغاثتهم، وعظم ضجيجهم، وعلا صراخهم، فلم يغثهم إلا من أرمضه أمرهم، ومضه ~~حالهم، وأبكى عينه ما نالهم، وأسهرها ما حل بهم، وهو مولانا وسيدنا أمير ~~المؤمنين صلوات الله عليه، فرجا بفضل الله، وإحسانه لديه، وما عوده وأجراه ~~عليه استنقاذ من أصبح منهم في ذل مقيم، وعذاب أليم، وأن يؤمن من استولى ~~عليه الوهل، ويفرخ روع من لم يزل في خوف ووجل، وآثر إقامة الحج الذي تعطل ~~وأهمل العباد فروضه وحقوقه لخوف المستولى عليهم، وإذ لا يأمنون على أنفسهم ~~ولا على أموالهم، وإذ قد أوقع بهم مرة بعد أخرى، ms058 فسفكت دماؤهم، وابتزت ~~أموالهم، مع اعتماد ما جرت به عادته من صلاح الطرقات، وقطع عبث العابثين ~~فيها، ليتطرق الناس آمنين، ويسيروا مطمئنين، ويتحفوا بالأطعمة والأقوات، إذ ~~كان قد انتهى إليه صلوات الله عليه انقطاع طرقاتها، لخوف مادتها، إذ لا ~~زاجر للمعتدين، ولا دافع للظالمين. # ثم تجديد السكة، وصرفها إلى العيار الذي عليه السكة الميمونة المنصورية ~~المباركة، وقطع الغش منها، إذ كانت هذه الثلاث خصال هي التي لا يتسع لمن ~~ينظر في أمور المسلمين إلا إصلاحها، واستفراغ الوسع فيما يلزمه منها. PageV01P104 # وما أوعز به مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه إلى عبده من ~~نشر العدل، وبسط الحق، وحسم الظلم، وقطع العدوان، ونفى الأذى، ورفع المؤن، ~~والقيام في الحق، وإعانة المظلوم مع الشفقة والإحسان، وجميل النظر، وكرم ~~الصحبة، ولطف العشرة، وافتقاد الأحوال، وحياطة أهل البلد في ليلهم ونهارهم، ~~وحين تصرفهم في أوان ابتغاء معاشهم، حتى لا تجري أمورهم إلا على ما لم ~~شعثهم، وأقام أودهم، وأصلح بالهم، وجمع قلوبهم، وألف كلمتهم، على طاعة وليه ~~ومولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وما أمر به مولاه من إسقاط ~~الرسوم الجائرة التي لا يرتضي صلوات الله عليه بإثباتها عليكم. # وأن أجريكم في المواريث على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأضع ~~ما كان يؤخذ من تركات موتاكم لبيت المال من غير وصية من المتوفى بها، فلا ~~استحقاق لمصيرها لبيت المال. # وأن أتقدم في رم مساجدكم، وتزيينها بالفر والإيقاد، وأن أعطى مؤذنيها ~~وقومتها ومن يؤم الناس فيها أرزاقهم، وأدرها عليهم، ولا أقطعها عنهم، ولا ~~أدفعها إلا من بيت المال، لا بإحالة على من يقبض منهم. # وغير ما ذكره مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه مما ضمنه ~~كتابه هذا ما ذكره من ترسل عنكم أيدهم الله، وصانكم أجمعين بطاعة مولانا ~~وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه من أنكم ذكرتم وجوها التمستم ذكرها ~~في كتاب أمانكم، فذكرتها إجابة لكم، وتطمينا لأنفسكم. # وإلا فلم يكن لذكرها معنى، ولا في نشرها فائدة، إذ كان الإسلام ms059 سنة ~~واحدة، وشريعة متبعة، وهي إقامتكم على مذهبكم، وأن تتركوا على ما كنتم عليه ~~من أداء الفروض في العلم، والاجتماع عليه في جوامعكم ومساجدكم، وثباتكم على ~~ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين بعدهم، وفقهاء ~~الأمصار الذين جرت الأحكام بمذاهبكم وفتواهم، وأن يجرى الأذان، والصلاة، ~~وصيام شهر رمضان وفطره، وقيام لياليه، والزكاة، والحج، والجهاد على أمر ~~الله وكتابه، وما نصه نبيه صلى الله عليه وسلم في سنته، واجراء أهل الذمة ~~على ما كانوا عليه. PageV01P105 # ولكم علي أمان الله التام العام، الدائم المتصل، الشامل الكامل، المتجدد ~~المتأكد على الأيام وكرور الأعوام، في أنفسكم، وأموالكم، وأهليكم، ونعمكم، ~~وضياعكم، ورباعكم، وقليلكم وكثيركم. # وعلى أنه لا يعترض عليكم معترض، ولا يتجنى عليكم متجن، ولا يتعقب عليكم ~~متعقب. # وعلى أنكم تصانون وتحفظون وتحرسون، ويذب عنكم، ويمنع منكم، فلا يتعرض إلى ~~أذاكم، ولا يسارع أحد في الاعتداء عليكم، ولا في الاستطالة على قويكم فضلا ~~عن ضعيفكم. # وعلى أن لا أزال مجتهدا فيما يعمكم صلاحه، ويشملكم نفعه، ويصل إليكم ~~خيره، وتتعرفون بركته، وتغتبطون معه بطاعة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين ~~صلوات الله عليه. # ولكم علي الوفاء بما التزمته، وأعطيتكم إياه، عهد الله، وغليظ ميثاقه ~~وذمته، وذمة أنبيائه ورسله، وذمة الأئمة موالينا أمراء المؤمنين قدس الله ~~أرواحهم، وذمة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين المعز لدين الله صلوات الله ~~عليه فتصرحون بها وتعلنون بالانصراف إليها، وتخرجون إلي وتسلمون علي، ~~وتكونون بين يدي، إلى أن أعبر الجسر، وأنزل في المناخ المبارك، وتحافظون من ~~بعد على الطاعة، وتثابرون عليها، وتسارعون إلى فروضها، ولا تخذلون وليا ~~لمولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وتلزمون ما أمرتم به، وفقكم الله ~~وأرشدكم أجمعين. # وكتب القائد جوهر الأمان بخطه في شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. # وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين الأخيار. PageV01P106 # وكتب بخطه في هذا الكتاب: قال جوهر الكاتب عبد أمير المؤمنين صلوات الله ~~عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين: كتبت هذا الأمان على ما تقدم ~~به أمر مولانا وسيدنا ms060 أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وعلى الوفاء بجميعه ~~لمن أجاب من أهل البلد وغيرهم على ما شرطت فيه. # والحمد لله رب العالمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا ~~محمد وعلى آله الطيبين. # وكتب جوهر بخطه في التاريخ المذكور: وأشهد جوهر على نفسه جماعة الحاضرين ~~وهم: أبو جعفر مسلم بن محمد بن عبيد الله الحسيني. # وأبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد الرسي الحسني. # وأبو الطيب العباس بن أحمد الهاشمي. # والقاضي أبو الطاهر محمد بن أحمد. # وابنه أبو يعلى محمد بن محمد. # ومحمد بن مهلب بن محمد. # وعمرو بن الحرث بن محمد. # وأخذ منه أبو جعفر مسلم كتابا إلى أبي الفضل جعفر بن الفرات الوزير ~~وجماعة وجوه الدولة، وخاطب ابن الفرات في كتابه بالوزير بعد مراجعة، وكان ~~قد توقف في مخاطبته بالوزير، وقال: ما كان وزير خليفة، وأجاز الجماعة ~~وحملهم، ولم يقبل أبو جعفر مسلم شيئا منه، وأكلت الجماعة معه، وودعوه ~~وانصرفوا، فوافوا لثمان خلون من شعبان. # قال ابن زولاق: سألت أبا جعفر مسلم عند رجوعه عن مقدار العسكر، فقال: هو ~~مثل جمع عرفات كثرة وعدة؛ وسألته عن سن القائد جوهر، فقال لي: نيف وخمسون ~~سنة. PageV01P107 # فلما قدم الجماعة انتقض الإخشيدية والكافورية، وكان قد بلغهم ذلك وهم عند ~~القائد جوهر، فتسرعوا في الانصراف من عنده، وبلغ جوهر بعد انصرافهم انتقاض ~~الصلح، فأدرك الجماعة، وأعلمهم بأن القوم قد نقضوا الصلح، وطلب إعادة أمانه ~~إليه، فرفقوا به، فقال للقاضي أبي طاهر: ما تقول يا قاضي في هذه المسألة؟ ~~فقال: ما هي؟ فقال: ما تقول فيمن أراد العبور إلى مصر ليمضي إلى الجهاد ~~لقتال الروم فمنع، أليس له قتالهم؟ فقال له القاضي: نعم. # فقال: وحلال قتالهم؟ قال: نعم. # ولما وافى أبو جعفر مسلم ومن معه من عند جوهر جاءه الناس، وركب إليه ابن ~~الفرات في موكب عظيم، وعنده جماعة الوجوه، فقرأ عليهم كتاب جوهر بالأمان ~~والشرط، وأوصل كتاب ابن الفرات وكتب الجماعة، فامتنع القوم من قبول ذلك، ~~وقال فرح البجكمي للشريف مسلم: لو جاءنا ms061 جدك بهذا ضربنا وجهه بالسيف. # فلامهم ابن الفرات على ذلك، وقال: أنتم سألتم الشريف هذه المسألة، فلم ~~يقنع حتى أخذ معه أبا إسماعيل وهو رجل حسني، وأخذ معه قاضي المسلمين، وأخذ ~~معه رجلا عباسيا. # وسكت الشريف مسلم، فلم يزد على أن قال: خار الله لكم. # واشتغل ابن الفرات يسارر الشريف مسلم، والإخشيدية والكافورية في خوض، ~~فقالوا كلهم: ما بيننا وبين جوهر إلا السيف: PageV01P108 # فسلموا على تحرير شويزان بالإماره، وخرجوا يحجبونه إلى داره، وبقي أحمد ~~بن علي بن الإخشيد لا يفكر فيه. # واستعدوا للحرب، وساروا لعشر خلون من شعبان، فنزلوا الجزيرة بالرجال ~~والسلاح، ووافى جوهر الجزيرة، فلما شاهد ما فعلوه عاد إلى منية شلقان، وعبر ~~إلى مصر من ذلك الموضع، وأرسل فاستقبل المراكب الواردة من تنيس ودمياط ~~وأسفل الأرض فأخذها، وتولى العبور إليهم جعفر بن قلاح عريانا في سراويل مع ~~جمع من المغاربة، وبلغ الإخشيدية، فأنفذوا تحرير الأرغلي، ويمن الطويل ~~ومبشر الإخشيدي في خلق، فساروا إلى الموضع، وكانوا قد وكلوا به مزاحم بن ~~محمد بن رائق فلقوه راجعا، ووقع القتال فقتل خلق من المصريين. # وانصرف الناس عشية الأحد النصف من شعبان، فلما كان نصف الليل انصرف من ~~كان بالجزيرة إلى دورهم، وأصبحوا غادين إلى الشام، وقد قتل جماعة، منهم: ~~تحرير الأرغلي، ومبشر الإخشيدي، ويمن الطويل، وخلق كثير. # وأصبح الناس على خطة عظيمة، فبكروا في يوم الاثنين إلى دار الشريف مسلم ~~يسألونه الكتاب إلى جوهر في إعادة أمانهم، فكتب إليه، وجلس الناس عنده، وقد ~~طاف علي بن PageV01P109 # الحسين بن لؤلؤ صاحب الشرطة السفلي ومعه رسول جوهر، وبند عليه اسم المعز ~~لدين الله، وبين أيديهما الأجراس بأن لا مؤونة ولا كلفة وأمن الناس، وفرقت ~~البنود، فنشر كل من عنده بند بنده في درب حارته. # وجاء الجواب إلى الشريف وقت العصر، ونسخته بعد البسملة: وصل كتاب الشريف ~~الجليل أطال الله بقاءه، وأدام عزه وتأييده وعلوه وهو المهنأ بما هنأ به من ~~الفتح الميمون؛ فوقفت على ما سأل من إعادة الأمان الأول، وقد أعدته على ms062 ~~حاله. # وجعلت إلى الشريف أعزه الله أن يؤمن كيف رأى وكيف أحب، ويزيد على ما ~~كتبته كيف يشاء، فهو أماني، وعن إذني وإذن مولانا وسيدنا أمير المؤمنين ~~صلوات الله عليه. # وقد كتبت إلى الوزير أيده الله بالاحتياط على دور الهاربين إلى أن يرجعوا ~~إلى الطاعة، ويدخلوا فيما دخلت فيه الجماعة، ويعمل الشريف أيده الله تعالى ~~على لقائي في يوم الثلاثاء لسبع عشرة تخلو من شعبان. # فاستبشرت الجماعة وابتهجوا، وعملوا على الغدو إلى الجزيرة للقاء جوهر مع ~~الشريف مسلم، وبات الناس على هدوء وطمأنينة. # فلما كان غداة يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان خرج الشريف أبو جعفر ~~مسلم، وجعفر بن الفضل بن الفرات، وسائر الأشراف والقضاة والعلماء والشهود ~~ووجوه التجار والرعية إلى الجيزة، فلما تكامل الناس أقبل القائد جوهر في ~~عساكره، فصاح بعض حجابه: PageV01P110 # الأرض، إلا الشريف والوزير. # وتقدم الناس واحدا واحدا، فلما فرغوا من السلام عليه عاد الناس إلى ~~الفسطاط. # فلما زالت الشمس أقبلت العساكر، فعبرت الجسر، ودخلت أفواجا أفواجا، ومعهم ~~صناديق المال على البغال، ويقال إن المال كان في ألف وخمسمائة صندوق، ~~وأقبلت القباب، وأقبل جوهر في حلة مذهبة مثقل في فرسانه ورجالته، وقاد ~~العسكر بأسره إلى المناخ الذي رسم له المعز موضع القاهرة، واختط موضع ~~القصر، وأقام عسكره سبعة أيام يدخل من يوم الثلاثاء إلى آخر يوم الاثنين، ~~واستقرت به الدار. # وجاءته الألطاف والهدايا فلم يقبل من أحد طعاما إلا من الشريف مسلم، ~~ويقال: لما أناخ جوهر في موضع القاهرة الآن اختط القصر، فأصبح المصريون ~~ليهنئوه، فوجدوه قد حفر أساس القصر في الليل. # ويقال إن جوهر لما بنى القصر، وأدار عليها السور سماها: المنصورية، فلما ~~قدم المعز لدين الله إلى الديار المصرية سماها القاهرة. PageV01P111 # ويقال في سبب تسميتها القاهرة أن القائد جوهر لما أراد بناء القاهرة أحضر ~~المنجمين، وعرفهم أنه يريد عمارة بلد ظاهر مصر ليقيم بها الجند، وأمرهم ~~باختيار طالع لوضع الأساس، بحيث لا يخرج البلد عن نسلهم، فاختاروا طالعا ~~لحفر السور، وطالعا لابتداء وضع الحجارة ms063 في الأساس، وجعلوا بدائر السور ~~قوائم من خشب، بين كل قائمتين حبل فيه أجراس، وقالوا للعمال: إذا تحركت ~~الأجراس أرموا ما بأيديكم من الطين والحجارة. # فوقفوا ينتظرون الوقت الصالح لذلك، فاتفق أن غرابا وقع على حبل من تلك ~~الحبال المعلق فيها الأجراس، فتحركت الأجراس كلها، وظن العمال أن المنجمين ~~حركوها، فألقوا ما بأيديهم من الطين والحجارة وبنوا، فصاح المنجمون: القاهر ~~في الطالع. # فمضى ذلك وفاتهم ما قصدوه. # ويقال إن المريخ كان في الطالع عند ابتداء وضع أساس القاهرة، وهو قاهر ~~الفلك، فسموها القاهرة، فحكموا لذلك أن القاهرة لا تزال تحت حكم الأتراك. # وأدار السور اللبن احول بئر العظام، وجعلها في القصر، وجعل القاهرة حارات ~~للواصلين صحبته وصحبة مولاه المعز، وعمل القصر بترتيب ألقاه إليه المعز. # ويقال إن المعز لما رأى القاهرة لم يعجبه مكانها في البرية بغير ساحل، ~~وقال لجوهر: يا جوهر فاتتك عمارتك ها هنا يعني المقس بشاطىء النيل. PageV01P112 # فلما رأى سطح الجرف المعروف اليوم بالرصد، قال: يا جوهر: لما فاتك الساحل ~~كان ينبغي عمارة القاهرة بهذا الجبل على هذا السطح، وتكون قلعة لمصر. # حكاه ابن الطوير. # قال: وكان المعز عارفا بالأمور، مطلعا على الأحوال بالذكاء، وكان يضرب في ~~فنون منها النجامة، فرتب في القصر ما يحتاج إليه الملوك بل الخلفاء، بحيث ~~لا يراهم العيان في النقلة من مكان إلى مكان، وجعل لهم في ساحاته البحر ~~والميدان والبستان، وتقدم بعمارة المصلى ظاهر القاهرة لأهلها، لخطبتهم فيها ~~والصلاة في عيدي الفطر والنحر، والآخر بالقرافة لأهل مصر. # وقال ابن الظاهر: فلما تحقق المعز وفاة كافور جهز جوهر وصحبته العساكر، ~~ثم نزل بموضع يعرف برقادة، وخرج في أكثر من مائة ألف فارس، وبين يديه أكثر ~~من ألف صندوق من المال PageV01P113 # وكان المعز يخرج إلى جوهر في كل يوم ويخلو به، وأمره أن يأخذ من بيوت ~~الأموال ما يريد زيادة على ما أعطاه. # وركب إليه المعز يوما فجلس وقام جوهر بين يديه، فالتفت المعز إلى المشايخ ~~الذين وجههم معه وقال: والله لو خرج ms064 جوهر هذا وحده لفتح مصر، وليدخلن إلى ~~مصر بالأردية من غير حرب، ولينزلن في خرابات ابن طولون، وتبنى مدينة تسمى ~~القاهرة تقهر الدنيا. # قال: ونزل جوهر مناخه موضع القاهرة الآن في يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت ~~من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، واختط القصر، وبات الناس، فلما أصبحوا ~~حضروا للهناء فوجدوه قد حفر أساس القصر بالليل، وكانت فيه زورات غير ~~معتدلة، فلما شاهد ذلك جوهر لم يعجبه، ثم قال: قد حفر في ليلة مباركة وساعة ~~سعيدة فتركه على حاله. # وقال ابن زولاق: ولما أصبح أنفذ علي بن الوليد القاضي لعسكره، وبين يديه ~~أحمال مال ومناد ينادي: من أراد الصدقة فليصر إلى دار أبي جعفر. فاجتمع خلق ~~من المستورين والفقراء، فصاروا بهم إلى الجامع العتيق ففرق فيهم. # ولما كان يوم الجمعة لعشر بقين من شعبان نزل جوهر في عسكر إلى الجامع ~~العتيق لصلاة الجمعة، وخطب بهم هبة الله بن أحمد خليفة عبد السميع بن عمر ~~العباسي ببياض، فلما بلغ إلى الدعاء قرأه من رقعة وهو: اللهم صل على عبدك ~~ووليك، ثمرة النبوة، وسليل العترة الهادية المهدية، عبد الله الإمام معد ~~أبي تميم المعز لدين الله، أمير المؤمنين، كما صليت على آبائه الطاهرين ~~وأسلافه الأئمة الراشدين. PageV01P114 # اللهم ارفع درجته وأعل كلمته، وأوضح حجته، واجمع الأمة على طاعته، ~~والقلوب على موالاته وصحبته، واجعل الرشاد في موافقته، وورثه مشارق الأرض ~~ومغاربها، وأحمده مبادىء الأمور وعواقبها، فإنك تقول وقولك الحق: " ولقد ~~كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ". # فقد امتعض لدينك، ولما انتهك من حرمتك، ودرس من الجهاد في سبيلك، وانقطع ~~من الحج إلى بيتك وزيارة قبر رسولك صلى الله عليه وسلم؛ فأعد للجهاد عدته، ~~وأخذ لكل خطب أهبته، فسير الجيوش لنصرتك، وأنفق الأموال في طاعتك، وبذل ~~المجهود في رضاك، فارتدع الجاهل، وقصر المتطاول، وظهر الحق وزهق الباطل، ~~فانصر اللهم في جيوشه التي سيرها، وسراياه التي انتدبها، لقتال المشركين، ~~وجهاد الملحدين، والذب عن المسلمين، وعمارة الثغور والحرم، وإزالة الظلم ~~والتهم والنهم، ms065 وبسط العدل في الأمم. # اللهم اجعل راياته عالية مشهورة، وعساكره غالبة منصورة، وأصلح به وعلى ~~يديه، واجعل لنا منك واقية علية. # وأمر جوهر بفتح دار الضرب، وضرب السكة الحمراء، وعليها: PageV01P115 # دعا الإمام معد بتوحيد الإله الصمد في سطر. # وفي السطر الآخر: المعز لدين الله أمير المؤمنين. # وفي سطر آخر: بسم الله. ضرب هذا الدينار بمصر سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، ~~وفي الوجه الآخر: # لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على ~~الدين كله ولو كره المشركون. علي أفضل الوصيين وزير خير المرسلين. # ورجع مزاحم بن رائق وكان قد سار مع الإخشيدية ومعه جيش كبير. # وأفطر جوهر يوم الفطر على عدد بغير رؤية، وصلى صلاة العيد بالقاهرة، صلى ~~به على بن وليد الإشبيلي وخطب، ولم يصل أهل مصر، وصلوا من الغد في الجامع ~~العتيق، وخطب لهم رجل هاشمي. وكان أبو طاهر القاضي قد التمس الهلال على ~~رسمه في سطح الجامع فلم يره، وبلغ ذلك جوهر فأنكره وتهدد عليه. PageV01P116 # وجلس جوهر للمظالم في كل يوم سبت، ثم رد المظالم إلى أن أبي عيسى مرشد. # وفي شوال صرف علي بن لؤلؤ عن الشرطة السفلى، ورد شبل المعرضي، وولى عدة ~~من جهات الخراج، وعلى الضياع. # وفي ذي الحجة قدم ستة آلاف من الإخشيدية والكافورية، فأنزلوا خارج ~~القاهرة وزيد في الخطبة: اللهم صل على محمد النبي المصطفى، وعلى علي ~~المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطى الرسول، الذين أذهبت ~~عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا، اللهم صل على الأئمة الراشدين آباء أمير ~~المؤمنين، الهادين المهديين. # ونودي برفع البراطيل، وقائم الشرطتين، وسائر رسوم البلد. # وورد الخبر بدخول القرامطة الرملة. # وورد كتاب المعز من المغرب بوصول رأس نحرير ومبشر ويمن وبلال. # وتولى الحسبة رجل يعرف بأبي جعفر الخراساني. # وفي نصف ذي الحجة تكاملت الإخشيدية والكافورية المستأمنة بمصر، وهم أربعة ~~عشر رئيسا، في عسكر عدته خمسة آلاف كانوا في معسكر لهم عند مصلى العيد ~~بالقاهرة، فهرب PageV01P117 # منه فاتك الهيكلي إلى الشام، فلم يدركه الطلب، وبلغ ms066 جوهر أن المستأمنة من ~~الإخشيدية والكافورية اتفقوا على فساد. # وتوفي ابن لجعفر بن فلاح، فحضر جوهر الجنازة، وحضر الناس وفيهم الإخشيدية ~~والكافورية، وانصرفوا معه، فقال لهم في طريقه: قد حضر كتاب مولانا ومولاكم ~~بما تسروا به، فسيروا حتى تقفوا عليه. # فساروا معه إلى مضاربة بالقاهرة، ودخلوا معه، فقبض على ثلاثة عشر من ~~وجوههم، وهم: نحرير شويزان، وقنك الخادم الأسود، ودرى الصقلي، وحكل ~~الإخشيدي، ولؤلؤ الطويل، ومفلح الوهباني؛ وقيلق التركي، وفرح اليحكمي؛ ~~واعتقلهم ستة أشهر حتى سيرهم مع الهدية إلى المعز، ومعهم الحسن بن عبيد ~~الله بن طغج، وقبض على ضياع نحرير الأرغلي وأمواله، وقبض من يحيى بن مكي بن ~~رجاء ثمانين ألف دينار عينا؛ وصاريين من عود رطب. # وورد كتاب المعز إلى جوهر، وإلى أبي جعفر مسلم، وإلى أبي إسماعيل الرسي، ~~وإلى الوزير جعفر بن الفرات. # وولى جوهر مزاحم بن محمد بن رائق الحوف والفرما. # ودخل جوهر والغلاء شديد، فزاد في أيامه حتى بلغ القمح تسعة أقداح بدينار. PageV01P118 # وكان عامل الخراج علي بن يحيى بن العرمرم، فأقره جوهر شهرا، ثم أشرك معه ~~رجاء ابن صولان. # وأقر ابن الفرات على وزارته. # وأزال جوهر من مصر السواد. # ومنع من قراءة سبح اسم ربك في صلاة الجمعة. # وأزال التكبير بعد صلاة الجمعة. # ولم يدع عملا إلا جعل فيه مغربيا شريكا لمن فيه. # وكان القاع ثلاثة أذرع وتسعة عشر إصبعا، وبلغ الماء سبعة عشر ذراعا وتسعة ~~عشر إصبعا؛ وخلع جوهر علي ابن أبي الرداد، وحمله فأجازه. PageV01P119 ### || ودخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمائة # وفي المحرم أنفذ بشير الإخشيدي من تنيس نحو مائة وخمسين رجلا طيف بهم. # وكثر الفساد في الطرق فضرب جوهر أعناق جماعة وصلبهم في السكك. # ولاثنتي عشرة بقيت منه سار جعفر بن فلاح بن أبي مرزوق إلى الشام، وقاتل ~~القرامطة بالرملة وهزمهم، وأسر الحسين بن عبيد الله بن طغج وجماعة، وبعثهم ~~في القيود إلى جوهر. # وسير جوهر إلى الصعيد في البر والبحر. # وفي ربيع الأول قبض على دواب الإخشيدية والكافورية، وصرفهم مشاة، وأمرهم ~~بطلب ms067 المعيشة. # وسير الهدية جعفر بن الفضل بن الفرات مع ابنه أحمد في ربيع الآخر. # وفي سلخ ربيع الآخر زاد الغلاء، ونزعت الأسعار؛ وتوفي أبو جعفر المحتسب، ~~فرد جوهر أمر الحسبة إلى سليمان بن عزة. فضبط الساحل، وجمع القماحين في ~~موضع واحد؛ ولم يدع كف قمح يجمع إلا بحضرته؛ وضرب أحد عشر رجلا من الطحانين ~~وطيف بهم. # وفي يوم الجمعة لثمان خلون من جمادى الأولى صلى جوهر الجمعة في جامع ابن ~~طولون، وأذن المؤذنون بحي على خير العمل، وهو أول ما أذن به بمصر، وصلى به ~~عبد السميع الجمعة فقرأ سورة الجمعة: وإذا جاءك المنافقون وقنت في الركعة ~~الثانية، وانحط إلى PageV01P120 # السجود، ونسي الركوع، فصاح به على بن الوليد قاضي عسكر جوهر: بطلت ~~الصلاة، أعد ظهرا أربعا. # ثم أذن بحي على خير العمل في سائر مساجد العسكر، وأنكر جوهر على عبد ~~السميع أنه لم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في كل سورة، ولا قرأها في ~~الخطبة، فصلى به الجمعة الأخرى وفعل ذلك، وكان قد دعا لجوهر في الجمعة ~~الأولى في الخطبة، فأنكر ذلك ومنعه. # وقبض جوهر الأحباس من القاضي أبي طاهر، وردها إلى غيره. # ولأربع بقين منه أذن في الجامع العتيق بحي على خير العمل، وجهر فيه ~~بالبسملة في الصلاة ولسبع عشرة خلت من جمادى الآخرة أنفذ جوهر هديته إلى ~~المعز ومعها المعتقلون في القيود، فكان فيما أهداه تسع وتسعون بختية، وإحدى ~~وعشرون قبة عليها الديباج المنسوج بالذهب، ولها مناطق من ذهب مكللة ~~بالجوهر، ومائة وعشرون ناقة بأجلة الديباج، وأعنة محلاة بالفضة، وخمسمائة ~~جمل عرابا، وستة وخمسون جلا، وثمانية وأربعون دابة منها بغلة واحدة، وسبعة ~~وأربعون فرسا بأجلة حرير منقوش، وسروج كلها ما بين ذهب وفضة، ولجمها كذلك؛ ~~وعودان كأطول ما يكون العود الذي يتبخر به. # وكان الأسرى: الحسن بن عبيد الله بن طغج، وابن غزوان صاحب القرامطة وفاتك ~~الهنكري، والحسن بن جابر الرياحي كاتب الحسن بن عبيد الله بن طغج، ونحرير ~~شويزان، ومفلح الرهباني، ودرى الخازن، وفرقيك، وقيلغ التركي الكافوري، ms068 وأبو ~~منحل، PageV01P121 # وحكل الإخشيدي، وفرح اليحكمي، ولؤلؤ الطويل، وقنك الطويل الخادم، فحملوا ~~في المراكب إلى الإسكندرية، وساروا منها إلى القيروان في البر. # ونافق بشير الإخشيدي بأسفل الأرض، فاستعطفه جوهر، فلم يجب، فسير إليه ~~العساكر، فحاربها بصهرجت ونهبها، ومضى منهزما إلى الشام في البحر، فأخذ ~~بصور، وأدخل به على فيل ومعه جماعة، وبعث به جعفر بن فلاح. # وفي رمضان حفر جوهر سوارى الجامع العتيق الخشب. # وفي ذي القعدة ردت الحسبة إلى سليمان بن عزة المغربي، فجمع سماسرة الغلات ~~في مكان. وسد الطرق إلا طريقا واحدا، فكان البيع كله هناك، ولا يخرج قدح ~~غلة حتى يقف عليه. # ومنع جوهر من الدينار الأبيض، وكان بعشرة دراهم، فأمر أن يكون الراضي ~~بخمسة عشر درهما، والمعزى بخمسة وعشرين درهما ونصف، فلم يفعل الناس ذلك، ~~فرد الأبيض إلى ستة دراهم، فتلف وافتقر خلق. # وضربت أعناق عدة من أصحاب تبر والإخشيدية، وصلبوا حتى دخل المعز من ~~المغرب. # وأنفذ المعز عسكرا وأحمال مال عدتها عشرون حملا للحرمين، وعدة أحمال ~~متاع. # وورد الخبر بفتح جعفر بن فلاح دمشق ودخولها، وكان من خبر جعفر بن فلاح: ~~أنه لما سار من القاهرة في عسكره كان على الرملة ودمشق الحسن بن عبيد الله ~~بن طغج، فلما بلغه دخول جوهر القائد إلى مصر بعساكر المعز سار عن دمشق في ~~شهر رمضان، واستخلف PageV01P122 # عليه شمول الإخشيدي، وكان شمول يحقد في نفسه منه، ويكاتب جوهر القائد، ~~فنزل ابن طغج الرملة، وتأهب لحرب من يسير إليه من مصر، فوردت عليه الأخبار ~~بمسير القرامطة إليه، ووافوه بالرملة، فلقيهم وحاربهم، فانهزم منهم، ثم ~~صالحهم وصاهرهم في ذي الحجة. # ورحل عنه القرمطي بعد ما أقام بظاهر الرملة ثلاثين يوما، فبعث إلى شمول ~~بالمسير إليه لمحاربة من تقدم من مصر، وأنفذ إلى الصباحي وإلى بيت المقدس ~~بالقدوم عليه، فتقاعد عنه شمول، وقرب منه جعفر بن فلاح، وقد انتشرت كتبه ~~إلى ولاة الأعمال بعدهم الإحسان، ويدعوهم إلى طاعة المعز، فالتقى مع ابن ~~طغج وحاربه، فانهزم منه واحتوى على عسكره، فقتل كثيرا ms069 من أصحابه، وأخذه ~~أسيرا في النصف من رجب سنة تسع، فأقام بالرمة يتبع ما كان لابن طغج ~~ولأصحابه، وسار إلى طبرية فبنى قصرا عند الجسر ليحارب فاتك غلام ملهم وكان ~~عليها من قبل كافور الإخشيدي فلم يعرض له ملهم، وملك جعفر طبرية. # وكان بحوران والبثنية بنو عقيل من قبل الإخشيد وهم: شبيب، وظالم بن ~~موهوب، وملهم بن ... قد ملكوا تلك الديار، فأخذ جعفر بن فلاح يستميل إليه ~~من العرب فزارة ومرة، وباطنهم على قتل ملهم، فرتبوا له رجالا قتلوه على حين ~~غفلة، وأظهر جعفر أن ذلك من غير علمه. وقبض على من قتله وبعث بهم إلى ملهم، ~~فعفا عنهم. # وسار من دمشق مشايخ أهلها إلى طبرية للقاء جعفر، فاتفق وصولهم إليها يوم ~~قتل فاتك، قد ثارت بها فتنة، فأخذوا وسلبوا ما عليهم، فلقوا جعفر بن فلاح، ~~وعادوا إلى دمشق وهم غير شاكرين ولا راضين، فبسطوا ألسنتهم بذم المغاربة ~~حتى استوحش أهل دمشق منهم. PageV01P123 # وكان شمول قد خرج منها إلى جعفر، فلقيه بطبرية، وصار البلد خاليا من ~~السلطان، فطمع الطامع، وكثر الذعار وحمال السلاح به وجهز جعفر من طبرية من ~~استمالهم من مرة وفزارة لحرب بني عقيل بحوران والبثنية، وأردفهم بعسكر من ~~أصحابه، فواقعو بني عقيل، وهزموهم إلى أرض حمص وهم خلفهم؛ ثم رجعوا إلى ~~الغوطة، وامتدت أيديهم إلى أخذ الأموال وهم سائرون حتى نزلوا بظاهر دمشق، ~~فثار عليهم أهل البلد، وقاتلوهم وقتلوا منهم كثيرا من العرب، فانهزموا ~~عنها، وذلك لثمان خلون من ذي الحجة، فلحقوا بطلائع جعفر، فساروا معها إلى ~~دمشق، وخرج إليهم الناس مستعدين لمحاربتهم في خيل ورجل فاقتتلوا يومهم ثم ~~انصرفوا، وأصبحوا يوم الجمعة فاقتتلوا، وصاح الناس في الجامع بعد الصلاة: ~~النفير، فخرج النفير، واشتد القتال إلى آخر النهار. # ونزل جعفر يوم السبت لعشر خلون منه بالشماسية، وأصبح الناس للقتال، ولم ~~يصلوا ذلك اليوم في المصلى صلاة العيد، فاستمروا طول النهار ومعهم الجند ~~الذين كانوا مع شمول، فكلوا، وحملت معهم المغاربة فانهزموا، وتمكن السيف ~~منهم وهم منهزمون إلى ms070 أرض عاتكة وقصر حجاج، فقتل خلق كثير؛ وكان رئيس أهل ~~الشام في هذه الحروب أبو القاسم ابن أبي يعلى العباسي، ومحمد بن عصودا ~~وصدقة الشوا. # فلما ملك المغاربة ظاهر البلد طرحوا النار فيما هنالك من الأسواق وغيرها، ~~وصاروا إلى باب الجابية، وأصبحوا وقد ضبط الرعية أبواب البلد، فاستمرت ~~الحرب طول النهار مما يلي المصلى، ثم كفوا عن القتال وباتوا؛ فلما أصبح ~~النهار خرج قوم من مشايخ البلد لمخاطبة جعفر وهو بالشماسية في إصلاح أمر ~~البلد، فأخذهم قوم من المغاربة، وسلبوهم PageV01P124 # ثيابهم، وقتلوا منهم وجرحوا عدة، وعلم بذلك أهل البلد، فصاحوا من أعلى ~~المواذن بالناس يعلمونهم الخبر، ثم قدم المأخوذون فارتاع الناس واشتد خوفهم ~~وتحيروا، ثم جرت بينهم بعد ذلك وبين جعفر مراسلة، فخرجوا إليه، فاشتد عليهم ~~وخوفهم بالنار والسيف، فعادوا وقد ملئوا رعبا، فبلغوا قوله للناس وقد ~~تحيروا، فاقتضى رأيهم معاودة جعفر في طلب العفو، فرجع المشايخ إليه، وما ~~زالوا يتضرعون إليه حتى قال: ما أعفو عنكم حتى تخرجوا إلي ومعكم نساؤكم ~~مكشوفات الشعور فيتمرغن في التراب بين يدي لطلب العفو. # فقالوا له: نفعل ما يقول القائد. # وما برحوا يذلون له حتى انبسط معهم في الكلام، وتقرر الأمر على أنه يدخل ~~يوم الجمعة إلى الصلاة في الجامع. # فلما كان يوم الجمعة ركب في عسكره، ودخل البلد فصلى بالجامع وخرج، فوضع ~~أصحابه أيديهم ينهبون الناس، فثاروا عليهم، وقتلوا منهم كثيرا؛ وخرج إليه ~~المشايخ فأنكر عليهم، وقال لهم: دخل رجال أمير المؤمنين للصلاة فقتلتموهم ~~وهددهم، فلطفوا معه القول وداروه، فأومأ إلى مال يأخذه من البلد دية من قتل ~~من رجال أمير المؤمنين، فأجابوه، وكان في الجماعة أبو القاسم أحمد المعروف ~~بالعقيقي العلوي وهو أحمد بن الحسن الأشل بن أحمد بن علي الرئيس بالمدينة ~~كان بن محمد العقيقي بن جعفر بن عبد الله ابن الحسين بن علي بن الحسين بن ~~علي بن أبي طالب عليهم السلام فانصرفوا من عنده، وفرضوا له المال، فعم ~~الناس البلاء في جبايته. # ونزل بظاهر سور دمشق فوق نهر ms071 يزيد أصحاب جعفر فبنوا المساكن، وأقاموا بها ~~الأسواق، وصارت شبه المدينة، واتخذ لنفسه قصرا عجيبا من الحجارة، وجعله ~~عظيما PageV01P125 # شاهقا في الهواء غريب البناء، وتطلب حمال السلاح فظفر بقوم منهم، وضرب ~~أعناقهم، وصلب جثثهم، وعلق رءوسهم على الأبواب، وفيها رأس إسحاق بن عصودا. # وكان ابن أبي يعلى لما انهزم خرج إلى الغوطة يريد بغداد، فقبض عليه ابن ~~عليان العدوي عند تدمر، وجاء به إلى جعفر بن فلاح، فشهره على جمل، وفوق ~~رأسه قلنسوة وفي لحيته ريش وبيده قصبة، ثم بعث به إلى مصر. # وأما محمد بن عصودا فإنه لحق بالقرامطة في الأحساء هو وظالم بن موهوب ~~العقيلي لما انهزم بنو عقيل عن حوران والبثنية، فحثوهم على المسير إلى ~~دمشق. # فلما كان في ربيع الأول سنة ستين أنفذ جعفر غلامه فتوح على عسكر إلى ~~أنطاكية، وكان لها في أيدي الروم نحو من ثلاث سنين، وسير إلى أعمال دمشق ~~وطبرية وفلسطين فجمع منها الرجال، وبعث عسكرا بعد عسكر إلى أنطاكية، وكان ~~الوقت شتاء، فنازلوها حتى انصرم الشتاء، وسارت القوافل وهم ملحون في ~~القتال، فأردفهم جعفر بعساكر في نحو أربعة آلاف مددا لهم فظفروا بنحو مائتي ~~بغل تحمل علوفة لأهل أنطاكية فأخذوها وقد أشرفوا على اسنكدرونة وعليها ~~عساكر الروم فواقعوهم، فانهزم العسكر، وقتلوا منهم كثيرا. # وورد على ابن فلاح خبر هزيمة عسكره، وخبر مسير القرامطة إلى الشام، وأنهم ~~وردوا الكوفة. فأمدهم صاحب بغداد بالسلاح، وكتب لهم بأربعمائة ألف درهم على ~~أبي تغلب ابن حمدان، تقوية لهم على حرب المغاربة، فبعث إلى غلامه فتوح ~~برحيله عن أنطاكية ومصيره إليه، فوافاه ذلك أول رمضان، فسار بمن معه، ~~وتركوا كثيرا من العلف والطعام، وأتوه إلى دمشق، فصار كل قوم منهم إلى ~~أماكنهم. PageV01P126 # وقدم القرمطي إلى الرحبة، فأمده أبو تغلب بالمال، وبمن كان عنده من ~~الإخشيدية الذين كانوا بمصر وفلسطين، صاروا إليه لما انهزموا من المغاربة، ~~وصار بهم القرمطي حتى قرب من دمشق، فخرج إليهم جعفر بن فلاح وقد استهان بهم ~~وواقعهم، فانهزم منهم، وأخذ السيف أصحابه، ms072 وقتل فلم يدر قاتله لست خلون من ~~ذي القعدة سنة ستين، ووجد مطروحا على الطريق خارج دمشق، فجاءه محمد بن ~~عصودا فقطع رأسه، وصلبه على حائط داره؛ أراد بذلك أخذ ثأر أخيه إسحاق لما ~~قتله جعفر وصلبه. وملك القرامطة دمشق، وأمنوا أهلها، ثم ساروا إلى الرملة ~~فملكوها، واجتمع إليهم كثير من الإخشيدية. # وفيها اصطلح قرعويه مولى سيف الدولة بن حمدان متولى حلب، وأبو المعالي ~~شريف ابن سيف الدولة، فخطب له قرعويه بحلب، وخطبا جميعا في معاملتيهما ~~للإمام المعز بحلب وحمص. PageV01P127 ### || ودخلت سنة ستين وثلاثمائة @YY360 # ففي المحرم اشتدت الأمراض والوباء بالقاهرة، وورد جماعة من الوافدين إلى ~~المغرب بجوائز وخلع. # وفي صفر ضرب تبر بالسياط، وقبضت ودائعه. # وفي ربيع الآخر جرح تبر القائد أبو الحسن نفسه، ومات بعد أيام، فسلخ بعد ~~موته وصلب حتى مزقته الرياح عند المنظر. # وفي جمادى الأولى منع جوهر من بيع الشوىء مسموطا، وأن يسلخ من جلده. # وفي جمادى الآخرة نقل جوهر مجلس المظالم إلى يوم الأحد، وأطلق لأصحاب ~~الراتب ألف دينار فرقت فيهم؛ وورد شمول من الشام مستأمنا، فخلع عليه سبع ~~خلع، وحمل على فرسين، وأعطى إثنا عش كيسا عينا وورقا؛ وقدم سعادة بن حيان ~~من المغرب في جيش كبير، فتلقاه جوهر فترجل له سعادة. # وفي شعبان وردت الرسل من المغرب برأس محمد بن خزر، ومعه ثلاثة آلاف رأس، ~~فقرأ عبد السميع يوم الجمعة كتاب المعز بخبر المذكور، وكان محمد بن الخير ~~بن محمد بن خزر الزناتي أكبر ملوك المغرب سلطانا على زناتة وغيرهم، هجم ~~عليه أبو الفتوح يوسف بن زيرى ابن مناد وهو في قليل من أصحابه يشرب، فلما ~~أحيط به قتل نفسه بسيفه في سابع عشر ربيع الآخر سنة ستين وثلاثمائة، فقدم ~~رأسه على المعز لثلاث بقين منه. # وفي شوال أنفذ جوهر سعاة بن حيان إلى الرملة واليا عليها، وقد كثر ~~الإرجاف بالقرامطة، PageV01P128 # وأن جعفر بن فلاح قتل منهم، وملكوا دمشق، فتأهب جوهر لقتالهم، وعمل ~~الخندق، ونصب عليه البابين الحديد اللذين كانا على ميدان الإخشيدي، ms073 وبني ~~القنطرة على الخليج، وفرق السلاح على المغاربة والمصريين؛ ووكل بابن الفرات ~~خادما يبيت معه في داره، ويركب معه حيث سار؛ ووثب أهل تنيس على واليهم ~~وقتلوا جماعة منهم الإمام في القبلة ووجدت رقاع في الجامع العتيق فيها ~~التحذير من جوهر، فجمع الناس ووبخهم فاعتذروا. # وفي ذي الحجة كبست القرامطة مدينة القلزم، وأخذوا واليها عبد العزيز بن ~~يوسف، وما كان له من خيل وإبل. # وكان القاع خمسة أذرع، وبلغ ماء النيل سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع، وخلع ~~جوهر على ابن أبي الرداد، وأجازه وحمله. # وفيها مات أبو سعيد يانس أحد قواد الإخشيدية في المحرم. # وقتل تبر القائد أبو الحسن نفسه بسكين الدواة في شهر ربيع الآخر، فسلخه ~~القائد جوهر، وصلبه عند المنظر حتى مزقته الرياح. PageV01P129 ### || ودخلت سنة إحدى وستين وثلاثمائة @YY361 # وفي المحرم دخل برءوس من بني هلال. # وفيه كبست الفرما، وعصى أهل تنيس، وغيروا الدعوة وسودوا، فحاربهم العسكر، ~~ودخل بعض المنهزمين من القرامطة، وتبعهم القرامطة إلى عين شمس، فاستعد جوهر ~~لقتالهم، وغلق أبواب الطابية، وضبط الداخل والخارج، وقبض على أربعة من ~~الجند المصريين، وضرب أعناقهم وصلبهم، وبعث فأخرج ابن الفرات من داره ~~وأسكنه بالقاهرة. # وفي مستهل ربيع الأول التحم القتال مع القرامطة على باب القاهرة. # وكان يوم جمعة، فقتل من الفريقين جماعة، وأسر عدة، وأصبحوا يوم السبت ~~متكافئين، وغدوا يوم الأحد للقتال، فسار الحسن بن أحمد بهرام الذي يقال له ~~الأعسم زعيم عسكر القرامطة بجميع عسكره على الخندق، والباب مغلق، فلما زالت ~~الشمس فتح جوهر الباب، واقتتلوا قتالا شديدا قتل فيه خلق كثير، وانهزم ~~الأعسم ونهب سواده بالجب، وأخذت صناديقه وكتبه، وهو في الليل على طريق ~~القلزم، فنهبت بنو عقيل وبنو طي كثيرا من مواده، ونادى جوهر في المدينة: من ~~جاء بالقرمطي أو برأسه فله ثلاث مائة ألف درهم، وخمسون خلعة، وخمسون سرجا ~~بحلى على دوابها. # فلما كان الغد من وقعة القرمطي ورد أبو محمد الحسن بن عمار من المغرب؛ ~~وسار عسكر لقتال أهل تنيس، وقبض على تسعمائة من جند ms074 مصر في ساعة واحدة ~~وقيدوا؛ ورد جوهر تدبير الأموال إلى جعفر بن الفرات، وخرج سعادة بن حيان في ~~عسكر إلى الرملة بسبب القرامطة فدخلها، ثم قدم عليه الأعسم القرمطي، فعاد ~~سعادة بمن معه إلى مصر. # وفي شهر رمضان قبض على عجوز عمياء تنشد في الطريق وحبست، ففرح جماعة من ~~الرعية، ونادوا بذكر الصحابة، وصاحوا: PageV01P130 # معاوية خال المؤمنين، وخال علي. # فبعث جوهر ونادى في الجامع العتيق: أيها الناس: أقلوا القول، ودعوا ~~الفضول، فإننا حبسنا العجوز صيانة لها، فلا ينطقن أحد إلا حلت عليه العقوبة ~~الموجعة. # ثم أطلقت العجوز. # وخرج عبد العزيز بن إبراهيم الكلابي بالصعيد، وسود، ودعا لبني العباس، ~~فبعث إليه جوهر في البحر أربعين مركبا عليها بشارة النوبى، وأنفذ بأزرق في ~~البر على عسكر، فأخذ وأدخل به في قفص مغلولا، وطيف به وبمن معه. # ووافى الأسطول من المغرب، وسار إلى الشام فأسر وغنم. # وأمر جوهر برفع الدنانير البيض. # وفي آخر ذي الحجة نهبت المغاربة مواضع بمصر، فثارت الرعية، فاقتتلوا ~~قتالا شديدا، وركب إليهم سعادة بن حيان، وغرم جوهر للناس ما نهب لهم، وقبل ~~قولهم في ذلك. PageV01P131 ### || ودخلت سنة اثنتين وستين وثلاثمائة @YY362 # ففي المحرم قدر جوهر قيمة الدنانير، فجعل الأبيض بثمانية دراهم. # ولخمس بقين منه توفى سعادة بن حيان، فحضر جوهر جنازته، وصلى عليه الشريف ~~مسلم. # وفي ربيع الأول عزل سليمان بن عزة المحتسب جماعة من الصيارفة، فشغب طائفة ~~منهم، وصاحوا: معاوية خال علي بن أبي طالب. # فهم جوهر بإحراق رحبة الصيارفة، لولا خوفه على الجامع. # وفيه أمر ألا يظهر يهودي إلا بالغيار. # ودخل الحسن بن عمار ببضع وتسعين أسيرا، وشهروا. # ودخل عبد الله بن طاهر الحسيني على جوهر بطيلسان كحلي وفي مجلسه القضاة ~~والعلماء والشهود فأنكر الطيلسان الكحلي، ومد يده فشقه، فغضب ابن طاهر ~~وتكلم، فأمر جوهر بتمزيقه فمزق، وجوهر يضحك، وبقى حاسرا بغير رداء، فقام ~~جوهر وأخرج له عمامة، ورداء أخضر، وألبسه وعممه بيده. # وفي يوم الثلاثاء رابع المحرم المذكور زلزلت دمشق وأعمالها زلزلة عظيمة ~~وقتا من الزمان، ثم ms075 هدأ وانهدم بها من أنطاكية عدة أبرجة. PageV01P132 # وفي شهر ربيع الآخر تواترت الأخبار بمسير المعز إلى مصر، وورد كتابه من ~~قابس فتأهب جوهر لذلك، وأخذ في عمارة القصر والزيادة فيه. # وفي النصف من جمادى الأولى مات عبد العزيز بن هيج فسلخ وصلب. # وفي أول رجب كد جوهر الناس للقاء المعز، فتأهبوا لذلك، وخرج أبو طاهر ~~القاضي، وسائر الشهود والفقهاء ووجوه التجار إلى الجيزة مبرزين للقاء ~~المعز، فأقاموا بها أربعين يوما حتى ورد الكتاب بوصول المعز إلى برقة، فسار ~~القاضي ومن معه. # وسار الحسن بن عمار إلى الحوف في عشرة آلاف فواقعوا القرامطة هناك. # ولخمس بقين من شعبان ورد الخبر بوصول المعز إلى الاسكندرية، ولقيه أبو ~~طاهر القاضي ومن معه، فخاطبهم بخطاب طويل، وأخبرهم أنه لم يسر لازدياد في ~~ملك ولا رجال، ولا سار إلا رغبة في الجهاد ونصرة للمسلمين؛ وخلع على القاضي ~~وأجازه وحمله. # ولقيه أبو جعفر مسلم في جماعة الأشراف، ومعهم وجوه البلد بنواحي محلة ~~حفص، وترجلوا له كلهم وكان سائرا فوقف، وتقدم إليه أولا أبو جعفر مسلم، ثم ~~الناس على طبقاتهم، وقبلوا له الأرض وهو واقف، حتى فرغ الناس من السلام ~~عليه، ثم سار وسايره أبو جعفر مسلم وهو يحادثه وسأل عن الأشراف، فتقدم إليه ~~أكابرهم: أبو الحسن محمد بن أحمد الأدرع. # وأبو إسماعيل الرسي. # وعيسى أخو مسلم. # وعبد الله بن يحيى بن طاهر بن السويح ثم عزم على الشريف مسلم، وأمره ~~بركوب قبة لأن الحر كان شديدا وكان الصوم، فقدمت إليه قبة محلاة على ناقة، ~~وعادله غلام له، ونزل المعز إلى الجيزة، فكانت مدة القائد أبي الحسن جوهر ~~أربع سنين وتسعة عشر يوما. PageV01P133 ### | ذكر قدوم المعز لدين الله ابي تميم معد إلى مصر إلى مصر وحلوله بالقصر من القاهرة المعزية # وما كان من ولاية الخلفاء من بعده حتى انقضت أيامهم وأناخ بهم حمامهم. # في يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة دخل المعز ~~لدين الله إفريقية. # وفي يوم الاثنين رابع عشرين جمادى الأولى سنة ms076 ثنتي وستين نزل بقصره خارج ~~برقة. # ووصل إلى الإسكندرية يوم الجمعة لست بقين من شعبان، ونزل تحت منارتها ثم ~~سار. # ونزل المعز إلى الجيزة فخرج إليه جماعة من بقى، وعقد جوهر جسر الجيزة، ~~وعقد جسرا آخر عند المختار بالجزيرة حتى سار عليه إلى الفسطاط، ثم إلى ~~القاهرة. وزينت له الفسطاط فلم يشقها، ودخل معه جميع من كان وفد إليه، ~~وجميع أولاده وأخوته وعمومته، وسائر ولد المهدي، وأدخل معه توابيت آبائه: ~~المهدي والقائم والمنصور. وكان دخوله إلى القاهرة، وحصوله في قصره يوم ~~الثلاثاء لسبع خلون من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، فصارت مصر ~~دار خلافة بعد أن كانت دار إمارة. # قال الفقيه الحسن بن إبراهيم بن زولاق رحمه الله ومن خطه نقلت: PageV01P134 # حدثني أحمد بن جعفر قال: كان القائم بأمر الله عليه السلام يوما في مجلس ~~أبيه المهدي جالسا بين يديه، وكان ابنه المنصور قائما بين يدي جده، فقال ~~المهدي لابن ابنه المنصور: ايتني بابنك يعني المعز لدين الله، فجاءت به ~~دايته وله سنة أو فوقها، فأخذه المهدي في حجره وقبله، وقال لابنه القائم ~~بأمر الله: يا أبا القاسم: ما على ظهر الأرض مجلس أشرف من هذا المجلس، ~~اجتمع فيه أربعة أئمة، يعني المهدي نفسه، وابنه القائم، وابن ابنه المنصور، ~~وابن ابنه المعز لدين الله؛ وزادني أبو الفضل ريدان صاحب المظلة في هذا ~~الخبر أن المهدي جمعهم في دواج وقال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ~~ثلاث أئمة في كساء سوى نفسه، وقد جمع هذا الدواج أربعة أئمة. # قال ابن زولاق: ولما وصل المعز إلى قصره خر ساجدا، ثم صلى ركعتين، وصلى ~~بصلاته كل من دخل معه، واستقر في قصره بأولاده وحشمه وخواصه عبيده، والقصر ~~يومئذ مشتمل على ما فيه من عين وورق وجوهر وحلي وفرش وأوان وثياب وسلاح ~~وأسفاط وأعدال وسروج ولجم؛ وبيت المال بحاله بما فيه، وفيه جميع ما يكون ~~للملوك. # وخرج غد هذا اليوم وهو يوم الأربعاء جماعة الأشراف والقضاة والعلماء ~~والشهود ووجوه أهل البلد ms077 وسائر الرعية لتهنئة المعز. # ولعشر خلون من رمضان أمر المعز بالكتاب على المشايخ في سائر مدينة مصر: ~~خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~عليه السلام، وأثبت اسم المعز لدين الله، واسم ابنه عبد الله الأمير. # ووقع المعز بيده إلى محمد بن الحسين بن مهذب صاحب بيت المال: PageV01P135 # تقدم يا محمد بابتياع لنا ولمولاك عبد الله في كل يوم من الفاكهة الرطبة ~~واليابسة كذا وكذا بسعر الناس، ولا تعرف الرسول لئلا تقع محاباة ولا ~~مسامحة، وكذلك حوائج المطبخ. # وللنصف منه جلس المعز في قصره على السرير الذهب الذي عمله جوهر في ~~الإيوان الجديد، وأذن بدخول الأشراف أولا، ثم بعدهم الأولياء وسائر وجوه ~~الناس، وجوهر قائم بين يديه يقدم الناس قوما بعد قوم؛ ثم مضى جوهر وأقبل ~~بهديته ظاهرة يراها الناس، وهي: من الخيل: مائة وخمسون فرسا مسرجة ملجمة، ~~منها مذهب، ومنها مرصع، ومنها بعنبر. # وإحدى وثلاثون قبة على بخاتي بالديباج والمناطق والفرش، منها تسعة بديباج ~~مثقل. # وتسع نوق مجنوبة مزينة بمثقل. # وثلاثة وثلاثون بغلا، منها سبعة مسرجة ملجمة. # ومائة وثلاثون بغلا للنقل. # وتسعون نجيبا. # وأربعة صناديق مشبكة يرى ما فيها، وفيها أواني الذهب والفضة. # ومائة سيف محلى بالذهب والفضة. # ودرجان من فضة مخرقة فيها جوهر. # وشاشية مرصعة في غلاف. # وتسعمائة ما بين سفط وتخت فيها سائر ما أعده له من ذخائر مصر. PageV01P136 # وأذن المعز لابنه عبد الله في الجلوس في مجلسه. # وحمل أبو جعفر مسلم بن عبيد الله الحسيني هديته، وهي: أحد عشر سفطا من ~~متاع تونة وتنيس ودمياط. # وخيلا وبغالا. # وقال: كنت أشتهي أن يلبس منها المعز لدين الله ثوبا أو ينعم بالعمامة ~~التي فيها، فما عمل لخليفة قط مثلها. # وأذن المعز لجماعة بالجلوس في مجلسه، وأطلق جماعة المعتقلين من الإخشيدية ~~والكافورية الذين اعتقلهم جوهر، وعدتهم نحو الألف. # وقال للقاضي أبي طاهر: كم رأيت من خليفة؟ فقال: ما رأيت خليفة غير مولانا ~~المعز لدين الله صلوات الله عليه. # فاستحسن ذلك منه ms078 على البديهة، مع علم المعز أن أبا طاهر رأى المعتضد، ~~والمكتفي، والمقتدر، والقاهر، والراضي، والمتقي، والمستكفي، والمطيع؛ فشكره ~~وأعجب بقوله. # وركب المعز يوم الفطر لصلاة العيد إلى مصلى القاهرة الذي بناه جوهر، وكان ~~محمد بن أحمد بن الأدرع الحسيني قد بكر وجلس في المصلى تحت القبة، فجاء ~~الخدم وأقاموه وأقعدوا موضعه أبا جعفر مسلم، وأقعدوه دونه، فكان أبو جعفر ~~مسلم خلف المعز عن يمينه وهو يصلي. # وأقبل المعز في زيه وبنوده وقبابه، وصلى بالناس صلاة العيد صلاة تامة ~~طويلة، قرأ في الأولى بأم الكتاب، وهل أتاك حديث الغاشية؛ ثم كبر بعد ~~القراءة، وركع فأطال، وسجد فأطال. PageV01P137 # قال ابن زولاق: أنا سبحت خلفه في كل ركعة وفي كل سجدة نيفا وثلاثين ~~تسبيحة، وكان القاضي النعمان بن محمد يبلغ عنه التكبير؛ وقرأ في الثانية ~~بأم الكتاب وسورة والضحى، ثم كبر أيضا بعد القراءة؛ وهي صلاة جده علي بن ~~أبي طالب، وأطال أيضا في الثانية الركوع والسجود، وأنا سبحت خلفه نيفا ~~وثلاثين تسبيحة في كل ركعة وفي كل سجدة؛ وجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في ~~كل سورة، وأنكر جماعة يترسمون بالعلم قراءته قبل التكبير، لقلة علمهم ~~وتقصيرهم في العلوم. # فلما فرغ من الصلاة صعد المنبر، وسلم على الناس يمينا وشمالا، ثم نشر ~~البندين اللذين كانا على المنبر فخطب وراءهما، وكان في أعلى درجة من المنبر ~~وسادة ديباج مثقل، فجلس عليها بين الخطبتين، واستفتح الخطبة ببسم الله ~~الرحمن الرحيم. # وكان معه على المنبر جوهر، وعمار بن جعفر، وشفيع صاحب المظلة، ثم قال: ~~الله أكبر الله أكبر، استفتح بذلك وخطب وأبلغ وأبكى الناس، وكانت خطبته ~~بخضوع وخشوع. # فلما فرغ من خطبته انصرف في عساكره، وخلفه أولاده الأربعة بالجواشن ~~والخوذ على الخيل بأحسن زي، وساروا بين يديه بالفيلين. فلما حصل في قصره ~~أحضر الناس فأكلوا ونشطهم إلى الطعام، وعتب على من تأخر، وتهدد من بلغه عنه ~~صيام العيد. # ورد إلى أبي سعيد عبد الله بن أبي ثوبان أحكام المغاربة ومظالمهم. # وتحاكم إليه جماعة من المصريين فحكم ms079 بينهم وسجل، فكان شهود مصر يشهدون ~~عنده ويشهدون على أحكامه، ولم ير هذا بمصر قبل ذلك؛ واستخلف أبو سعيد أحمد ~~بن محمد الدوادي. # ومنع المعز من النداء بزيادة النيل، وألا يكتب بذلك إلا إليه وإلى جوهر، ~~فلما تم أباح النداء يعني لما تم ست عشرة ذراعا. PageV01P138 # وخلع على جوهر خلعة مذهبة، وعمامة حمراء، وقلده سيفا، وقاد بين يديه ~~عشرين فرسا مسرجة ملجمة، وحمل بين يديه خمسين ألف دينار، ومائتي ألف درهم، ~~وثمانين تختا من ثياب. # وركب المعز إلى المقس، وأشرف على أسطوله، وقرأ عليه وعوذه، وخلفه جوهر ~~والقاضي النعمان ووجوه أهل البلد، ثم عاد إلى قصره. # وضربت أعناق جماعة عاثوا بنواحي القرافة. # وفي ذي القعدة احترق سوق القاهرة، وأعيد. # وركب المعز لكسر خليج القاهرة، فكسر بين يديه، وسار على شط النيل، ومر ~~على سطح الجرف، وعطف على بركة الحبش، ثم على الصحراء إلى الخندق الذي حفره ~~جوهر في موكب عظيم، وخلفه وجوه أهل البلد، وأبو جعفر أحمد بن نصر يعرفه ~~بالمواضع، وبلغ المعز أن محمدا أخا أبي إسماعيل الرسي يريد الفرار إلى ~~الشام، فقبض عليه وسجن مقيدا. PageV01P139 # وفي يوم عرفة نصب المعز الشمسة التي عملها للكعبة على إيوان قصره، وسعتها ~~اثنا عشر PageV01P140 # شبرا في مثلها، وأرضها ديباج أحمر، ودورها اثنا عشر هلال ذهب، وفي كل ~~هلال أترجة ذهب مشبك، جوف كل أترجة خمسون درة كبيض الحمام، وفيها الياقوت ~~الأحمر والأصفر والأزرق، وفي دورها مكتوب آيات الحج بزمرد أخضر، وحشو ~~الكتابة در كبار لم ير مثله، وحشو الشمسة المسك المسحوق؛ فرآها الناس في ~~القصر ومن خارجه لعلو موضعها؛ ونصبها عدة فراشين، وجروها لثقل وزنها. # وأول من عمل الشمسة للكعبة أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله، فبعث ~~سلسلة من ذهب كانت تعلق مع الياقوتة التي بعثها المأمون، وصارت تعلق كل سنة ~~في وجه الكعبة، وكان يؤتى بهذه السلسلة في كل موسم وفيها شمسة مكللة بالدر ~~والياقوت والجوهر قيمتها شيء كثير، فيقدم بها قائد يبعث من العراق، فتدفع ~~إلى حجبة الكعبة، ويشهد عليهم ms080 بقبضها، فيعلقونها يوم سادس الثمان، فتكون ~~على الكعبة، ثم تنزع يوم التروية. # وغدا المعز لصلاة عيد النحر في عساكره، وصلى كما ذكر في صلاة الفطر من ~~القراءة والتكبير وطول الركوع والسجود، وخطب وانصرف في زيه، فلما وصل إلى ~~القصر أذن للناس عامة فدخلوا والشمسة منصوبة على حالها، فلم يبق أحد حتى ~~دخل من أهل مصر والشام والعراق فذكر أهل العراق وأهل خراسان، ومن يواصل ~~الحج أنهم لم يرو قط مثل هذه PageV01P141 # الشمسة؛ وذكر أصحاب الجوهر ووجوه التجار أنه لا قيمة لما فيها، وأن شمسة ~~بني العباس كان أكثرها مصنوعا ومن شبه، وأن مساحتها مثل ربع هذه. # وكذلك كانت شمسة كافور التي عملها لمولاه أونوجور بن الإخشيد، وكان يسير ~~بها إلى الحرم جعفر بن محمد الموسوي، ثم ابنه أبو الحسين، ثم بعده ابنه ~~مسلم، ثم أبو تراب بعد أخيه، إلى أن أخذها القائد جوهر من أبي تراب. # وأمر المعز للناس بالطعام فأكلوا. # وورد الخبر بوصول أسطول القرامطة إلى تنيس في البحر، فكانت بينهم وبين ~~أهل تنيس حرب انهزم فيها أصحاب القرامطة، وأخذ منهم عدة مراكب، وأسر طائفة ~~منهم، وأن أسكر؟ نهبت، فعظم ذلك على المعز، واشتد خوف الناس في المقابر حتى ~~كانوا يصلون على الجنائز ولا يتبعونها، ويمضي بها الحفارون؛ فأنكر المعز ~~ذلك، وأمن الناس. # ولثماني عشرة من ذي الحجة، وهو يوم غدير خم، تجمع خلق من أهل مصر ~~والمغاربة للدعاء، فأعجب المعز ذلك، وكان هذا أول ما عمل عيد الغدير بمصر. # وقدم من تنيس مائة وثلاثة وسبعون رجلا أسارى، وعدة رءوس، ومعهم أعلام ~~القرامطة PageV01P142 # منكوسة، وسلاح لهم، فشهر ذلك في البلد، وجلس المعز حتى مروا بين يديه وهو ~~في علو باب قصره. # وكانت فتنة في البلد نهبت المغاربة فيها جماعة من الرعية، فركب جوهر في ~~طلب النهابة، وأخذهم وجلدهم. # وفي سلخ ذي الحجة سلخ إمام جامع القرافة محمد بن عبد السميع في طريق ~~القرافة، وانصرف الناس من جامع القرافة من غير جمعة. # وأحضر جوهر جماعة من أهل تنيس، وطالبهم بديات ms081 المغاربة الذين قتلوا ~~عندهم، وألزموا بمائتي ألف دينار، ثم استقر أمرهم على ألف ألف درهم. # وانتهى النيل في نقصانه إلى ست أذرع وإصبعين، وبلغ زيادة الماء الجديد ~~سبع عشرة ذراعا وإصبعين، وأطلق المعز لمتولى المقياس الجائزة والخلع ~~والحملان، فزاده على رسمه. # وفيها مات أبو عمرو محمد بن عبد الله السهمي قاضي مكة، ومات الإشبيلي ~~قاضي المغاربة بمصر PageV01P143 ### || ثم دخلت سنة ثلاث وستين وثلاثمائة @YY363 # وأمير المؤمنين المعز لدين الله. # وخليفته القائد جوهر. # والقاضي أبو طاهر محمد بن أحمد. # والخراج نصفين: إلى علي بن محمد بن طباطبا، وعبد الله بن عطاء الله؛ ~~والنصف الآخر إلى الحسن بن عبد الله، والحسين بن أحمد الروذباري. # وصاحب بيت المال محمد بن الحسين بن مهذب. # وصاحب المظلة شفيع الصقلي. # وطبيبه موسى بن العازار. # والشرطة السفلى إلى عروبة بن إبراهيم، وشبل المعرضي. # والشرطة العليا إلى خير بن القاسم. # وإمام الجامع العتيق والخطبة إلى عبد السميع بن عمر العباسي. # وإمام الصلوات الخمس الحسن بن موسى الخياط. # ولست عشرة بقيت من المحرم قلد المعز الخراج، ووجوه الأموال جميعها، ~~والحسبة، والسواحل، والجوالى، والأحباس، والمواريث، والشرطتين، وجميع ما ~~ينضاف إلى ذلك، وما يطوى في مصر وسائر الأعمال أبا الفرج يعقوب بن يوسف ~~الوزير، وعسلوج بن الحسن، PageV01P144 # وكتب لهما بذلك سجلا. قرىء يوم الجمعة على منبر جامع أحمد بن طولون؛ ~~وقبضت أيدي سائر العمال والمتضمنين. # وجلسا غد هذا اليوم في دار الإمارة في جامع أحمد بن طولون للنداء على ~~الضياع وسائر وجوه الأموال، وحضر الناس للقبالات، وطالبوا بالبقايا من ~~الأموال مما على المالكين والمتقبلين والعمال، واستقصيا في الطلب، ونظرا في ~~المظالم. # وفيه تبسطت المغاربة في نواحي القرافة والمعافر، فنزلوا في الدور، ~~وأخرجوا الناس من دورهم، ونقلوا السكان وشرعوا في السكنى في المدينة، وكان ~~المعز أمرهم أن يسكنوا في أطراف المدينة، فخرج الناس واستغاثوا إلى المعز، ~~فأمر أن يسكنوا نواحي عين شمس، وركب المعز بنفسه حتى شاهد المواضع التي ~~ينزلون فيها، وأمر لهم بما يبنون به، وهو الموضع الذي يعرف اليوم بالخندق، ~~وخندق ms082 العبيد؛ وجعل لهم واليا وقاضيا؛ وأسكن أكثرهم في المدينة مخالطين ~~لأهل مصر، ولم يكن جوهر يبيحهم سكنى المدينة ولا المبيت فيهان وحظر ذلك ~~عليهم، وكان مناديه ينادي كل عشية: لا يبينم في المدينة أحد من المغاربة. # وفي يوم عاشوراء انصرف خلق من الشيعة وأتباعهم من المشاهد من قبر كلثم ~~بنت محمد بن جعفر بن محمد الصادق، ونفيسة، ومعهم جماعة من فرسان المغاربة ~~ورجالتهم بالنياحة والبكاء على الحسين، وكسروا أواني السقائين في الأسواق، ~~وشققوا الروايا، وسبوا من ينفق في هذا PageV01P145 # اليوم، وثارت إليهم جماعة، فخرج إليهم أبو محمد الحسن بن عمار، ومنع ~~الفريقين، ولولا ذلك لعظمت الفتنة، لأن الناس كانوا غلقوا الدكاكين وعطلوا ~~الأسواق، وقويت أنفس الشيعة بكون المعز بمصر. # وكانت مصر لا تخلو من الفتن في يوم عاشوراء عند قبر كلثم وقبر نفيسة بنت ~~الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب في الأيام الإخشيدية والكافورية، ~~وكان سودان كافور يتعصبون على الشيعة، ويتعلق السودان في الطرق بالناس ~~ويقولون للرجل: من خالك؟ فإن قال: معاوية أكرموه، وإن سكت لقي المكروه، ~~وأخذت ثيابه وما معه، حتى كان كافور يوكل بأبواب الصحراء، ويمنع الناس من ~~الخروج. # ولما جلس يعقوب بن كلس وعسلوج بن الحسن الونهاجي لعقد الضياع توفرت ~~الأموال، وزيد في الضياع، وتكاشف الناس. # وفي صفر طيف بنحو مائتي رأس قدم بها من المغرب. # ومات ابن عم للمعز، فصلى عليه المعز، وكبر سبعا، وكبر على غيره خمسا، ~~وهذا مذهب علي بن أبي طالب: أنه يكبر على الميت على قدر منزلته. # ومات إسحاق بن موسى طبيب المعز، فجعل موضعه أخاه إسماعيل بن موسى. # وامتنع يعقوب وعسلوج أن يأخذ في الاستخراج إلا دينارا معزيا، فاتضع ~~الدينار الراضي وانحط، ونقص من صرفه أكثر من ربع دينار، فخسر الناس من ~~أموالهم، وكان صرف المعزى خمسة عشر درهما ونصف. # واشتد الاستخراج، وأكد المعز فيه ليرد ما أنفقه من أمواله على مصر، لأنه ~~قدم مصر يظن أن الأموال مجتمعة، فوجدها قد فرقتها مؤن مصر وكثرة عساكرها، ~~وكان ms083 الذي أنفقه المعز على مصر ما لا يضبط أو يعرفه إلا هو أو خزانه. # وحدثني بعض كتاب بيت ماله قال: PageV01P146 # حملنا إلى مصر أكياسا فارغة أنفق ما كان فيها في أربعة أعدال على جملين. # وكد يعقوب وعسلوج أنفسهما في الاستخراج، فاستخرج في يوم نيف وخمسون ألف ~~دينار معزية، وكان استخراجا بغير براءة ولا خرج ولا حوالة؛ واستخرج في يوم ~~مائة وعشرون ألف دينار معزية، وفي يوم آخر من مال تنيس ودمياط والأشمونين ~~أكثر من مائتي ألف وعشرين ألف دينار، وهذا لم يسمع بمثله قط في بلد، إلا أن ~~في أيام العزيز استخرج خير بن القاسم، وعلي بن عمر العداس، وعبد الله بن ~~خلف المرصدي في ثلاثة أيام مائتي ألف دينار وعشرين ألف دينار عزيزية، منها ~~في أول يوم أربعة وسبعين ألف دينار والباقي في يومين، وذلك في سنة أربع ~~وسبعين وثلاثمائة. # وفي شهر ربيع الآخر كثر الإرجاف بالقرامطة وانتشارهم في أعمال الشام، ~~وكان معهم عبد الله بن عبيد الله أخو أبي جعفر مسلم، فكتب إليه المعز بعد ~~ما شكاه إليه أخيه مسلم. # وفيه دخل الناس إلى قصر المعز وفيهم: الأشراف، والعمال، والقواد، وسائر ~~الأولياء من كتامة وغيرهم، فقال إنسان لبعض الأشراف: اجلس يا شريف، فقال ~~بعض الكتاميين: وفي الدنيا شريف غير مولانا؟! لو ادعى هذا غيره قتلناه. # خرج الإذن للناس، وبلغ المعز هذا، فلما جلس على سريره وأذن للناس بالجلوس ~~قال: يا معشر الأهل وبني العم من ولد فاطمة: أنتم الأهل، وأنتم العدة، وما ~~نرضى بما بلغنا من القول، وقد أخطأ من تكلم بما قيل لنا، لكم بحمد الله ~~الشرف العالي، والرحم القريبة، ولئن عاود أحد لمثل ما بلغنا لننكلن به ~~نكالا مشهورا. # فقبلت الجماعة الأرض، ودعوا وشكروا، وكان المتكلم حاضرا فانقمع وندم. # وحدث المعز أنه رأى في منامه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا ~~وبين يديه سيوف منها ذو الفقار، فأخذ علي بن أبي طالب ذا الفقار فضرب به ~~عنق القرمطي الأعسم، وضرب حمزة عنق أخي الأعسم، ms084 وضرب جعفر عنق آخر؛ وانكب ~~المعز يقبل رجل النبي صلى الله عليه وسلم، فنسخ الناس هذه الرؤيا. PageV01P147 # وحمل مال الأحباس من المودع إلى بيت المال الذي لوجوه البر، وطولب أصحاب ~~الأحباس بالشرائط ليحملوا عليها. # ولما وقف على حبس عمرو بن العاص، وأن محمد بن أبي بكر كان قبضه وضرب عليه ~~صافية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب أهل الحق، وأن عمرو بن العاص إنما ~~حبسه لما دعا إلى مصر في أيام معاوية، أخرج ذلك من كتاب أبي عمر الكندي ~~القاضي النعمان بن محمد، فحمله إلى المعز فقال: هذا مال لنا، فليحمل إلينا ~~مفردا من مال الأحباس، ففعل ذلك. # وفي ربيع الآخر ثارت المغاربة في صحراء المقابر، ونهبوا الناس، فأنكر ~~المعز ذلك، وقبض على جماعة. # وفيه اعتل المعز واحتجب، فاضطربت الرعية، ولم يره أحد. # وفي جمادى الأولى أرجف بالقرامطة، وقوى الاستخراج، ومنع الناس من الحضور ~~في الديوان لئلا يقفوا على مبلغه؛ وجلس المعز للناس، فسروا بسلامته. # وحمل أبو جعفر مسلم إلى المعز المصحف الكبير الذي كان يذكر أنه كان ليحيى ~~بن خالد ابن برمك، وكان شراؤه أربعمائة دينار على مسلم، فلما رآه المعز ~~قال: أراك معجبا به، وهو يستحق الإعجاب، ولكن نفاخرك نحن أيضا. PageV01P148 # فدعا بمصحف نصفين ما رؤى أحسن منهما خطا وإذهابا وتجليدا، فقال: هذا خط ~~المنصور، وإذهابه وتجليده بيده. # فقال له مسلم: فثم مصحف بخط مولانا المعز لدين الله عليه السلام؟. # فقال: نعم. # وأخرج له نصفين. # فقال: ما رأيت أصبح من هذا الخط. # فقال المعز: بعد مشاهدتك لخط المنصور تقول: ما رأيت أصبح من هذا الخط، ~~ولكنه أصبح من خطك. # ثم ضحك وقال: أردت مداعبتك. # وكان أبو جعفر مسلم إذا ذكر المعز يقول: وددت أن أبي وجدي شاهداه ليفتخرا ~~به، فلما أقدر أن أقرن به أحدا من خلفاء بني أمية ولا بني العباس. # وتوفي محمد بن الحسين بن أبي الحسين أحد خواص المعز، فخرج المعز وهو في ~~بقايا علته، وتقدم إلى القاضي النعمان بن محمد بغسله وبكفنه، وصلى عليه ms085 ~~المغرب، وفتح تابوته وأضجعه. # وبعد تسعة عشر يوما توفي القاضي النعمان بن محمد أول رجب، فخرج المعز ~~يبين الحزن عليه، وصلى عليه، وأضجعه في التابوت، ودفن في داره بالقاهرة. # وفي شعبان دخل أبو جعفر مسلم علي المعز، فلما توسط صحن الإيوان قال له ~~أخوه عيسى: إن الأمير عبد الله في المجلس فسلم عليه. # وكان في المجلس جماعة، فدخل أبو جعفر على المعز وقبل الأرض، وقام قائما، ~~وقال: # يا أمير المؤمنين: حدثني أبي عن أبيه عن جده عن إسحاق بن موسى بن جعفر بن ~~محمد قال: دخلت أنا وأخي عبد الله على يعقوب بن صالح بن المنصور وهو يومئذ PageV01P149 # أمير المدينة فقال: من أين أقبل الشيخان؟ فقالا: من عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، سلمنا عليه وأتيناك، فقال: سلمتما على صاحبيه؟ فقلنا: لا، ~~فقال سبحان الله، كيف لم تسلما على صاحبيه؛ فقال له أخي عبد الله: سألتك ~~بالله أيها الأمير أيهما أقرب؟ ابنك هذا منك أو صاحبي رسول الله من رسول ~~الله؟ فقال: ابني هذا، فقال: ما سلمنا على ابنك في مجلسك إجلالا لك، فنسلم ~~على صحابي رسول الله بحضرة رسول الله؟ فقال: والله ما قصرتما، ثم قال مسلم: ~~تأذن يا أمير المؤمنين في السلام على الأمير عبد الله؟ فأذن له، قال عيسى: ~~وكان المعز لمسلم مكرما. # وفيه كثر الإرجاف بالقرامطة ودخول مقدمتهم أرياف مصر وأطراف المحلة، ~~وأنهم ونهبوا واستخرجوا الخراج ثم رجعوا إلى أعمال الشام. # وأمر المعز المغاربة بالخروج من مصر والسكنى بالقاهرة ففعلوا. # ورد المعز الشرطة العليا إلى خير بن القاسم فاستقصى على المغاربة في ~~الخروج إلى القاهرة. # وعاودت المعز العلة فاحتجب أياما لا يراه أحد، ثم جلس للناس فهنوه، ~~وعرضوا أنفسهم للقتال، فشكرهم على ذلك. # ووصلت سرية القرامطة إلى أطراف الحوف، وأنفذ القرمطي عبد الله بن عبيد ~~الله أخا مسلم إلى الصعيد، فنزل في نواحي أسيوط وإخميم، وحارب العمال، ~~واستخرج الأموال، فثقل ذلك على المعز، وعاتب أبا جعفر مسلم، فاعتذر إليه، ~~وتبرأ من أفعاله، ونزل الأعسم القرمطي ms086 بعسكره بلبيس، وتأهب المعز لمنعه ~~ورده. # وقد أحببت أن أورد هنا جملة من أخبار القرامطة لتكرر دخولهم إلى مصر: PageV01P150 ### | ذكر طرف من أخبار القرامطة # وذلك أن الحسين الأهوازي لما خرج داعية إلى العراق لقي حمدان بن الأشعث ~~قرمط بسواد الكوفة، ومعه ثور ينقل عليه، فتماشيا ساعة، فقال حمدان للحسين: ~~إني أراك جئت من سفر بعيد، وأنت معي فاركب ثوري هذا. # فقال الحسين: لم أومر بذلك. # فقال له حمدان: كأنك تعمل بأمر أمر لك؟. # قال: نعم. # قال: ومن يأمرك وينهاك؟. # قال: مالكي ومالكك، ومن له الدنيا والآخرة. # فبهت حمدان قرمط يفكر، ثم قال له: يا هذا: ما يملك ما ذكرته إلا الله. # قال: صدقت، والله يهب ملكه لمن يشاء. # قال حمدان: فما تريد في القرية التي سألتني عنها؟. # وكان الحسين لما رأى قرمط في الطريق سأله: وكيف الطريق إلى قس بهرام. # فعرفه قرمط أنه سائر إليه، فسأله عن قرية تعرف بباتنورا في السواد، فذكر ~~أنها PageV01P151 # قريبة من قريته، وكان قرمط من قرية تعرف بالدور على نهر هد من رستاق ~~مهروسا من طسوج فرات بادفلي. # وإنما قيل له قرمط لأنه كان قصيرا ورجلاه قصيرتين، وخطوه متقاربا، فسمى ~~لذلك قرمطا. # فلما قال للحسين: ما تريد في القرية التي سألتني عنها؟ قال له: رفع إلى ~~جراب فيه علم وسر من أسرار الله، وأمرت أن أشفي هذه القرية، وأغني أهلها ~~وأستنقذهم، وأملكهم أملاك أصحابهم. # وابتدأ يدعوه، فقال له حمدان قرمط: يا هذا: نشدتك الله، ألا رفعت إلي من ~~هذا العلم الذي معك، وأنقذتني ينقذك الله؟. # قال له: لا يجوز ذلك أو آخذ عليك عهدا وميثاقا أخذه الله على النبيين ~~والمرسلين، وألقى إليك ما ينفعك. # فما زال يضرع إليه حتى جلسا في بعض الطريق، وأخذ عليه العهد، ثم قال له: ~~ما اسمك؟. # قال له قرمط: قم معي إلى منزلي حتى تجلس فيه، فإن لي إخوانا أصير بهم ~~إليك لتأخذ عليهم العهد للمهدي. # فصار معه إلى منزله، وأخذ على الناس العهد، وأقام بمنزل حمدان قرمط، ~~فأعجبه أمره، ms087 وعظمه؛ وكان الحسين على غاية ما يكون من الخشوع صائما نهاره، ~~قائما ليله، فكان المغبوط من أخذه إلى منزله ليلة؛ وكان يخيط لهم الثياب ~~ويكتسب بذلك، فكانوا يتبركون به وبخياطته. PageV01P152 # وأدرك الثمر، فاحتاج أبو عبد الله محمد بن عمر بن شهاب العدوي وكان أحد ~~وجوه الكوفة ومن أهل العلم والفضل إلى عمل ثمره، فوصف له الحسين الأهوازي، ~~فنصبه لحفظ ثمره، والقيام في حظيرته، فأحسن حفظها، واحتاط في أداء الأمانة، ~~وظهر منه من التشدد في ذلك ما خرج به عن أحوال الناس في تساهلهم في كثير من ~~الأمور، وذلك في سنة أربع وستين ومائتين # واستحكمت ثقة الناس به، وثقته هو بحمدان قرمط، وسكونه إليه، فأظهر له ~~أمره، وكان مما دعا إليه أنه جاء بكتاب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: يقول ~~الفرج بن عثمان إنه داعية المسيح، وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهدي، وهو ~~أحمد بن محمد بن الحنفية، وهو جبريل؛ وأن المسيح تصور في جسم إنسان، وقال ~~إنك الداعية، وإنك الحجة، وإنك الناقة، وإنك الدابة، وإنك يحيى بن زكريا، ~~وإنك روح القدس؛ وعرفه أن الصلاة أربع ركعات: ركعتان قبل طلوع الشمس، ~~وركعتان قبل غروبها؛ وأن الأذان في كل صلاة أن يقول المؤذن: الله أكبر ثلاث ~~مرات. # أشهد ألا إله إلا الله. مرتين. # أشهد أن آدم رسول الله. # أشهد أن نوحا رسول الله. # أشهد أن إبراهيم رسول الله. # أشهد أن موسى رسول الله. # أشهد أن عيسى رسول الله. # أشهد أن محمدا رسول الله. # أشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفية رسول الله. PageV01P153 # والقراءة في الصلاة: الحمد لله بكلمته، وتعالى باسمه، المنجد لأوليائه ~~بأوليائه، " قل إن الأهلة مواقيت للناس ظاهرها ليعلموا عدد السنين والحساب ~~والشهور والأيام، وباطنها لأوليائي الذين عرفوا عبادي وسيلتي، فاتقوني يا ~~أولى الألباب، وأنا الذي لا أسأل عما أفعل وأنا العليم الحكيم، وأنا الذي ~~أبلو عبادي وأمتحن خلقي، فمن صبر على بلائي ومحنتي واختباري أدخلته في ~~جنتي، وأخلدته في نعيمي؛ ومن زال عن أمري، وكذب رسلي أخلدته مهانا في ~~عذابي، ms088 وأتممت أجلي، وأظهرت أمري على ألسنة رسلي، وأنا الذي لم يعل جبار ~~إلا وضعته، ولا عزيز إلا أذللته، وليس الذي أصر على أمره، وداوم على ~~جهالته، وقال إن نبرح عليه عاكفين وبه موقنين، أولئك هم الكافرون ". # ثم يركع. # ومن شرائعه: صيام يومين في السنة هما: المهرجان، والنوروز. # وأن الخمر حلال. # ولا غسل من جنابة، ولكن الوضوء كوضوء الصلاة. PageV01P154 # وأن لا يؤكل ماله ناب ولا مخلب. # ولا يشرب النبيذ. # وأن القبلة إلى بيت المقدس، والحج إليه. # وأن الجمعة يوم الاثنين لا يعمل فيه شغل. # ولما حضرته الوفاة جعل مكانه حمدان بن الأشعث قرمط، وأخذ على أكثر أهل ~~السواد، وكان ذكيا داهية. # فكان ممن أجابه: مهرويه بن زكرويه السلماني، وجلندي الرازي، وعكرمة ~~البابلي، وإسحاق السوراني، وعطيف النيلي، وغيرهم، وبث دعاته في السواد ~~يأخذون على الناس. # وكان أكبر دعاته عبدان، وكان فطنا خبيثا، خارجا عن طبقة نظرائه من أهل ~~السواد، ذا فهم وحذق، وكان يعمل عند نفسه على نصب له من غير أن يتجاوز به ~~إلى غيره، ولا يظهر غير التشيع والعلم، ويدعو إلى الإمام من آل رسول الله ت ~~صلى الله عليه وسلم محمد ابن إسماعيل بن جعفر. # فكان أحد من تبع عبدان زكرويه بن مهرويه، وكان شابا ذكيا فطنا من قرية ~~بسواد الكوفة على نهر هد، فنصبه عبدان على إقليم نهر هد وما والاه، ومن ~~قبله جماعة دعاة متفرقون في عمله. # وكان داعية عبدان على فرات بادفلي: الحسن بن أيمن؛ وداعيته على طسوج ~~تستر: المعروف بالبوراني وإليه نسب البورانية؛ وداعيته على جهة أخرى: ~~المعروف بوليد؛ وفي أخرى: أبو الفوارس. وهؤلاء رؤساء دعاة عبدان، ولهم دعاة ~~تحت أيديهم؛ فكان كل داع يدور في عمله ويتعاهده في كل شهر مرة، وكل ذلك ~~بسواد الكوفة. PageV01P155 # ودخل في دعوته من العرب طائفة، فنصب فيهم دعاة، فلم يتخلف عنه رفاعي ولا ~~ضبعي، ولم يبق من البطون المتصلة بسواد الكوفة بطن إلا دخل في الدعوة منه ~~ناس كثيرا أو قليل: من بني عباس، وذهل، وعنزة، وتيم الله، ms089 وبني ثعل، وغيرهم ~~من بني شيبان؛ فقوى قرمط، وزاد طمعه، فأخذ في جمع الأموال من قومه: فابتدأ ~~يفرض عليهم أن يؤدوا درهما عن كل واحد، وسمى ذلك: الفطرة، على كل أحد من ~~الرجال والنساء، فسارعوا إلى ذلك. # فتركهم مديدة، ثم فرض الهجرة، وهو دينار على كل رأس أدرك، وتلا قوله ~~تعالى: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم، إن صلواتك سكن ~~لهم، والله سميع عليم ". # وقال: هذا تأويل هذا. # فدفعوا ذلك إليه، وتعاونوا عليه، فمن كان فقيرا أسعفوه. # فتركهم مديدة، ثم فرض عليهم البلغة وهي سبعة دنانير، وزعم أن ذلك هو ~~البرهان الذي أراد الله بقوله: " قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ". # وزعم أن ذلك بلاغ من يريد الإيمان، والدخول في السابقتين المذكورين في ~~قوله تعالى: " والسابقون السابقون أولئك المقربون ". # وصنع طعاما طيبا حلوا لذيذا، وجعله على قدر البنادق، يطعم كل من أدى إليه ~~سبعة دنانير منها واحدة، وزعم أنه طعام أهل الجنة نزل إلى الإمام، فكان ~~ينفذ إلى كل داع منها مائة بلغة، ويطالبه بسبعمائة دينار، لكل واحدة منها ~~سبعة دنانير. PageV01P156 # فلما توطأ له الأمر فرض عليهم أخماس ما يملكون وما يتكسبون، وتلا عليهم: ~~" واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسة الآية "، فقوموا جميع ما يملكونه ~~من ثوب وغيره وأدوا ذلك إليه، فكانت المرأة تخرج خمس ما تغزل، والرجل يخرج ~~خمس ما يكسبه. # فلما تم ذلك فرض عليهم الألفة، وهو أن يجمعوا أموالهم في موضع واحد، وأن ~~يكونوا فيه أسوة واحدة لا يفضل أحد منهم صاحبه وأخاه في ملك يملكه، وتلا ~~عليهم: " واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا " الآية، وقوله تعالى: " لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت ~~بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ". # وعرفهم أنه لا حاجة بهم إلى أموال تكون معهم، لأن الأرض بأسرها ستكون لهم ~~دون غيرهم، وقال: هذه محنتكم التي امتحنتم بها ليعلم كيف تعملون. # وطالبهم بشراء السلاح وإعداده. # وذلك كله ms090 في سنة ست وسبعين ومائتين. # وأقام الدعاة في كل قرية: رجلا مختارا من ثقاتها يجمع عنده أموال أهل ~~قريته من بقر وغنم وحلى ومتاع وغيره، وكان يكسو عاريهم، وينفق على سائرهم ~~ما يكفيهم، ولا يدع فقيرا بينهم ولا محتاجا ولا ضعيفا؛ وأخذ كل رجل منهم ~~بالانكماش في صناعته والكسب بجهده، ليكون له الفضل في رتبته؛ وجمعت المرأة ~~كسبها من مغزلها، والصبي أجرة نظارته للطير، وأتوه به، فلم يتملك أحد منهم ~~إلا سيفه وسلاحه. # فلما استقام له ذلك أمر الدعاة أن يجمعوا النساء ليلة معروفة، ويختلطن ~~بالرجال، ويتراكبن ولا يتنافرن، فإن ذلك من صحة الود والألفة بينهم. PageV01P157 # فلما تمكن من أمورهم، ووثق بطاعتهم، وتبين مقدار عقولهم، أخذ في تدريجهم، ~~وأتاهم بحجج من مذهب الثنوية، فسلكوا معه في ذلك حتى يقضي ما كان يأمرهم به ~~في مبدأ أمرهم من الخشوع والورع والتقوى، وظهر منهم بعد تدين كثير إباحة ~~الأموال والفروج، والغناء عن الصوم والصلاة والفرائض، وأخبرهم أن ذلك كله ~~موضوع عنهم وأن أموال المخالفين ودماءهم حلال لهم، وأن معرفة صاحب الحق ~~تغني عن كل شيء، ولا يخاف معه إثم ولا عذاب يعني إمامه الذي يدعو إليه، وهو ~~محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وأنه الإمام المهدي الذي يظهر في آخر ~~الزمان ويقيم الحق، وأن البيعة له، وأن الداعي إنما يأخذها على الناس له، ~~وأن ما يجمع من الأموال مخزون له إلى أن يظهر، وأنه حي لم يمت، وأنه يظهر ~~في آخر الزمان، وأنه مهدي الأمة. # فلما أظهر هذه الأمور كلها بعد تعلقه بذكر الأئمة والرسل والحجة والإمام، ~~وأنه المعول والمقصد والمراد، وبه اتسقت هذه الأمور، ولولا هذه لهلك الخلق ~~وعدم الهدى والعلم، ظهر في كثير منهم الفجور، وبسط بعضهم أيديهم بسفك ~~الدماء، وقتلوا جماعة ممن خالفهم، فخافهم الناس واستوحشوا من ظهور؛ السلاح ~~بينهم، فأظهر موافقتهم كثير من مجاوريهم جزعا منهم. # ثم إن الدعاة اجتمعوا واتفقوا على أن يجعلوا لهم موضعا يكون وطنا ودار ~~هجرة يهاجرون إليها، ويجتمعون بها، فاختاروا من سواد الكوفة ms091 في طسوج الفرات ~~من ضياع السلطان المعروفة بالقاسميات قرية تعرف بمهتماباد، فحاذوا إليها ~~صخرا عظيما، ثم بنوا حولها سورا منيعا عرضه ثماني أذرع، ومن ورائه خندق ~~عظيم، وفرغوا من ذلك في أسرع وقت، وبنوا فيها البناء العظيم، وانتقل إليها ~~الرجال والنساء من كل مكان، وسميت دار الهجرة، وذلك في سنة سبع وتسعين ~~ومائتين؛ فلم يبق حينئذ أحد إلا خافهم، ولا بقي أحد يخافونه لقوتهم وتمكنهم ~~في البلاد. PageV01P158 # وكان الذي أعانهم على ذلك تشاغل الخليفة بفتنة الخوارج، وصاحب الزنج ~~بالبصرة، وقصريد السلطان، وخراب العراق، وتركه لتدبيره، وركوب الأعراب ~~واللصوص بعد السبعين ومائتين بالقفر، وتلاف الرجال، وفساد البلدان، فتمكن ~~هؤلاء، وبسطوا أيديهم في البلاد، وعلت كلمتهم. # وكان منهم مهرويه أحد الدعاة في مبدأ أمره ينطر النخل ويأخذ أجرته تمرا ~~فيفرغ منه النوا ويتصدق به، ويبيع النوا ويتقوت به، فعظم في أعين الناس ~~قدره، وصارت له مرتبة في الثقة والدين، فصار إلى صاحب الزنج لما ظهر على ~~السلطان وقال له. # ورائي مائة ألف ضارب سيف أعينك بهم. # فلم يلتفت إلى قوله، ولم يجد فيه مطمعا، فرجع وعظم بعد ذلك في السواد، ~~وانقاد إليه خلق كثير، فادعى أنه من ولد عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر، فقيل له: لم يكن لمحمد بن إسماعيل ابن يقال له عبد الله. # فكف عن هذه الدعوى، وصار بعد ذلك في قبة على جمل، ودعى بالسيد، وظهر ~~بسواد الكوفة؛ وسيأتي ذكر ابنه زكرويه، وابن ابنه الحسين بن زكرويه إن شاء ~~الله. # وكان رجل من أهل قرية جنابة يعمل الفراء، يقال له أبو سعيد الحسن بن ~~بهرام الجنابي، أصله من الفرس، سافر إلى سواد الكوفة، وتزوج من قوم يقال ~~لهم: بنو PageV01P159 # القصار كانوا من أصول هذه الدعوة، فأخذ عن عبدان، وقيل بل أخذ عن حمدان ~~قرمط، وسار داعية، فنزل القطيف وهي حينئذ مدينة عظيمة فجلس بها يبيع ~~الرقيق، فلزم الوفاء والصدق، وكان أول من أجابه الحسين بن سنبر، وعلي بن ~~سنبر، وحمدان بن سنبر، في قوم ضعفاء، ما ms092 بين قصاب وحمال وأمثال ذلك، فبلغه ~~أن بناحيته داعيا يقال له أبو زكريا، أنفذه عبدان قبل أبي سعيد وكان قد أخذ ~~على بني سنبر من قبل، فعظم أمره على أبي سعيد وقبض عليه وقتله، فحقد عليه ~~بنو سنبر قتله. # واتفق أن البلد كان واسعا، ولأهله عادة بالحروب، وهم رجال شداد جهال، ~~فظفر أبو سعيد باشتهار دعوته في تلك الديار، فقاتل بمن أطاعه من عصاه، حتى ~~اشتدت شوكته. # وكان لا يظفر بقرية إلا قتل أهلها ونهبها، فهابه الناس، وأجابه كثير ~~منهم، وفر منه خلق كثير إلى بلدان شتى خوفا من شره، ولم يمتنع عليه إلا هجر ~~وهي مدينة البحرين ومنزل سلطانها، وبها التجار والوجوه فنازلها شهورا يقاتل ~~أهلها، ثم وكل بها رجلا. # وارتفع فنزل الأحساء وبينها وبين هجر ميلان فابتنى بها دارا، وجعلها ~~منزلا، وتقدم في زراعة الأرض وعمارتها، وكان يركب إلى هجر، ويحارب أهلها، ~~ويعقب قومه على حصارها. # ودعا العرب فأجابه بنو الأضبط من كلاب، وساروا إليه بحرمهم وأموالهم، ~~فأنزلهم الأحساء، وأطمعوه في بني كلاب، وسائر من يقرب منه من العرب فضم ~~إليهم رجالا، وساروا فأكثروا من القتل، وأقبلوا بالحريم والأموال والأمتعة ~~إلى الأحساء، فدخل الناس في طاعته، فوجه جيشا إلى بني عقيل فظفر بهم، ~~ودخلوا في طاعته. PageV01P160 # فلما اجتمع إليه العرب مناهم ملك الأرض كلها، ورد إلى من أجابه من العرب ~~ما كان أخذ منهم من أهل وولد، ولم يرد عبدا ولا أمة ولا إبلا ولا صبيا إلا ~~أن يكون دون الأربع سنين. # وجمع الصبيان في دور وأقام عليهم قوما، وأجرى عليهم ما يحتاجون إليه، ~~ووسمهم لئلا يختلطون بغيرهم، ونصب لهم عرفاء، وأخذ يعلمهم ركوب الخيل ~~والطعان، فنشأوا لا يعرفون غير الحرب، وقد صارت دعوته طبعا لهم. # وقبض كل مال في البلد، والثمار، والحنطة، والشعير. # وأقام رعاة للإبل والغنم، ومعهم قوم لحفظها، والتنقل معها على نوب ~~معروفة. # وأجرى على أصحابه جرايات فلم يكن يصل لأحد غير ما يطعمه. # هذا وهو لا يغفل عن هجر، وطال حصاره لهم على نيف ms093 وعشرين شهرا حتى أكلوا ~~الكلاب، فجمع أصحابه، وعمل دبابات، ومشى بها الرجال إلى السور، فاقتتلوا ~~يومهم، وكثر بينهم القتلى، ثم انصرف عنهم إلى الأحساء، وباكرهم فناشوه، ~~فانصرف إلى قرب الأحساء، ثم عاد في خيل، فدار حول هجر يفكر فيما يكيدهم به، ~~فإذا لهجر عين عظيمة كثيرة الماء، تخرج من نشز من الأرض غير بعيد منها، ~~فيجتمع ماؤها في نهر يستقيم حتى يمر بجانب هجر، ثم ينزل إلى النخل فيسقيه، ~~فكانوا لا يفقدون الماء في حصارهم. # فلما تبين له أمر العين انصرف إلى الأحساء، ثم غدا فأوقف على باب المدينة ~~رجالا كثيرا، ورجع إلى الأحساء، وجمع الناس كلهم، وسار في آخر الليل فورد ~~العين بكرة بالمعاول والرمل وأوقار الثياب الخلقان ووبر وصوف، وأمر بجمع ~~الحجارة ونقلها إلى العين، وأعد الرمل والحصى والتراب، ثم أمر بطرح الوبر ~~والصوف وأوقار الثياب في العين، وطرح فوقها الرمل والحصى والتراب والحجارة، ~~فقذفته العين، ولم يعن ما فعله شيئا، فانصرف إلى الأحساء بمن معه. PageV01P161 # وغدا في خيل فضرب البر حتى عرف أن منتهى العين بساحل البحر، وأنها تنخفض ~~كلما نزلت، فرد جميع من كان معه، وانحدر على النهر نحوا من ميلين، ثم أمر ~~بحفر نهر هنك، وأقبل يركب هو وجمعه في كل يوم والعمال يعملون حتى حفره إلى ~~السباخ، ومضى الماء كله فصب في البحر ثم سار فنزل على هجر وقد انقطع الماء ~~عنهم ففر بعضهم فركب البحر، ودخل بعضهم في دعوته، وخرجوا إليه فنقلهم إلى ~~الأحساء، وبقيت طائفة لم يفروا لعجزهم، ولم يدخلوا في دعوته فقتلهم، وأخذ ~~ما في المدينة، وأخربها فبقيت خرابا، وصارت مدينة البحرين هي الأحساء. # ثم أنفذ سرية إلى عمان في ستمائة، وأردفهم بستمائة أخرى، فقاتلهم أهل ~~عمان حتى تفانوا، وبقي من أهل عمان خمسة نفر، ومن القرامطة ستة نفر، فلحقوا ~~بأبي سعيد، فأمر بهم فقتلوا، وقال: هؤلاء خاسوا بعهدي ولم يواسلوا أصحابهم ~~الذين قتلوا. # وتطير بهلاك السرية، وكف عن أهل عمان. # واتصل بالمعتضد بالله خبره، فخاف منه على البصرة، فأنفذ العباس ms094 بن عمرو ~~الغنوي في ألفي رجل، وولاه البحرين، فخرج في سنة تسع وثمانين ومائتين ~~والتقى مع أبي سعيد، فانهزم أصحابه، وأسر العباس في نحو من سبعمائة رجل من ~~أصحابه، واحتووا على عسكره، وقتل من غده جميع الأسرى، ثم أحرقهم وترك ~~العباس؛ ومضى المنهزمون فتاه أكثرهم في البر، وتلف كثير منهم عطشا، وورج ~~بعضهم إلى البصرة، فارتاع الناس وأخذوا في الرحيل عن البصرة. # ثم لما كان بعد الوقعة بأيام أحضر أبو سعيد العباس بن عمرو وقال له. PageV01P162 # أتحب أن أطلقك؟ قال: نعم. # قال: على أن تبلغ عني ما أقول صاحبك. # قال: أفعل. # قال: تقول له: الذي أنزل بجيشك ما أنزل بغيك، هذا بلد خارج عن يدك، غلبت ~~عليه، وقمت به، وكان بي من الفضل ما آخذ به غيره، فما عرضت لما كان في يدك، ~~ولا هممت به، ولا أخفت لك سبيلا، ولا نلت أحدا من رعيتك بسوء؛ فتوجيهك إلي ~~الجيوش لأي سبب؟ اعلم أني لا أخرج عن هذا البلد، ولا توصل إليه وفي هذه ~~العصابة التي معي روح، فأكفني نفسك، ولا تتعرض لما ليس لك فيه فائدة، ولا ~~تصل إلى مرادك منه إلا ببلوغ القلوب الحناجر. # وأطلقه، وبعث معه من يرده إلى مأمنه، فوصل إلى بغداد في شهر رمضان، وقد ~~كان الناس يعظمون أمره ويكثرون ذكره، ويسمونه قائد الشهداء، فلما وصل إلى ~~المعتضد عاتبه على تركه التحرز فاعتذر، ولم يبرح حتى رضى عنه. # وسأله عن خبره، فعرفه جميعه، وبلغه ما قال القرمطي، فقال: صدق، ما أخذ ~~شيئا كان في أيدينا. # وأطرق مفكرا، ثم رفع رأسه وقال: كذب عدو الله الكافر، المسلمون رعيتي حيث ~~كانوا من بلاد الله، والله لئن طال بي عمري لأشخصن بنفسي إلى البصرة وجميع ~~غلماني، ولأوجهن إليه جيشا كثيفا، فإن هزمه وجهت جيشا، فإنه هزمه خرجت في ~~جميع قوادي وجيشي إليه حتى يحكم الله بيني وبينه. # فشغل المعتضد عن القرمطي بأمر وصيف غلام أبي الساج. # ثم توفي في ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين، وما يزال يذكر أبا ms095 سعيد ~~الجنابي في مرضه، ويتلهف ويقول: PageV01P163 # حسرة في نفسي كنت أحب أن أبلغها قبل موتي، والله لقد كنت وضعت عند نفسي ~~أن أركب ثم أخرج نحو البحرين، ثم لا ألقى أحدا أطول من سيفي إلا ضربت عنقه، ~~وإني أخاف أن يكون من هناك حوادث عظيمة. # وأقبل أبو سعيد بعد إطلاق العباس على جمع الخيل، وإعداد السلاح، ونسج ~~الدروع والمغافر، واتخاذ الإبل، وإصلاح الرجال، وضرب السيوف والأسنة، ~~واتخاذ الروايا والمزاد والقرب، وتعليم الصبيان الفروسية، وطرد الأعراب من ~~قريته، وسد الوجوه التي يتعرف منها أمر بلده وأحواله بالرجال، وإصلاح أراضي ~~المزارع وأصول النخل، وإصلاح مثل هذه الأمور وتفقدها، ونصب الأمناء على ~~ذلك، وأقام العرفاء على الرجال، واحتاط على ذلك كله، حتى بلغ من تفقده أن ~~الشاة إذا ذبحت يتسلم العرفاء اللحم ليفرقوه على من ترسم لهم، ويدفع الرأس ~~والأكارع والبطن إلى العبيد والإماء، ويجز الصوف والشعر من الغنم ويفرقه ~~على من يغزله، ثم يدفعه إلى من ينسجه عبيا وأكسية وغرائر وجوالقات، ويفتل ~~منه حبال، ويسلم الجلد إلى الدباغ، ثم إلى خرازى القرب والروايا، والمزاد؛ ~~وما كان من الجلود يصلح نعالا وخفا فأعمل منه، ثم يجمع ذلك كله إلى خزائن. # فكان ذلك دأبه لا يغفله، ويوجه كل قليل خيلا إلى ناحية البصرة، فتأخذ من ~~وجدت، وتصير بهم إليه ويستعبدهم، فزادت بلاده، وعظمت هيبته في صدور الناس. # وواقع بني ضبة وقائع مشهورة فظفر بهم، وأخذ منهم خلقا، وبنى لهم حبسا ~~عظيما جمعهم فيه، وسده عليهم، ومنعهم الطعام والشراب، فصاحوا فلم يغثهم، ~~فمكثوا على ذلك شهرا، ثم فتح عليهم فوجد أكثرهم موتى، ويسيرا بحال الموتى ~~وقد تغذوا بلحوم الموتى، فحصاهم وخلاهم فمات أكثرهم. # وكان قد أخذ من عسكر العباس خادما له جعله على طعامه وشرابه، فمكث مدة ~~طويلة لا يرى أبا سعيد فيها مصليا صلاة واحدة، ولا يصوم في شهر رمضان ولا ~~في غيره، فأضمر الخادم قتله، حتى إذا دخل الحمام معه وكانت الحمام في داره ~~فأعد الخادم خنجرا ماضيا PageV01P164 # والحمام خال فلما تمكن منه ms096 ذبحه، ثم خرج فقال: يدعى فلان، لبعض بني سنبر ~~فأحضر، فلما دخل قبضه وذبحه، فلم يزل ذلك دأبه حتى قتل جماعة من الرؤساء ~~والوجوه، فدخل آخرهم فإذا في البيت الأول دم جار، فارتاب وخرج مبادرا، ~~وأعلم الناس، فحصروا الخادم حتى دخلوه، فوجدوا الجماعة صرعى، وذلك في سنة ~~إحدى وثلاثمائة، وقيل اثنتين وثلاثمائة، وكان قتله بأحساء من البحرين. # وكانت سنه يوم قتله نيفا وستين سنة. # وترك أبو سعيد من الأولاد: أبا القاسم سعيدا. # وأبا طاهر سليمان. # وأبا منصور أحمد. # وأبا إسحاق إبراهيم. # وأبا العباس محمدا. # وأبا يعقوب يوسف. # وكان أبو سعيد قد جمع رؤساء دولته، وأوصى إن حدث به موت يكون القيم ~~بأمرهم سعيد ابنه إلى أن يكبر أبو طاهر، وكان أبو طاهر أصغر سنا من سعيد، ~~فإذا كبر أبو طاهر كان المدبر؛ فلما قتل جرى الأمر على ذلك. # وكان قد قال لهم سيكون الفتوح له، فجلس سعيد يدبر الأمر بعد قتل أبيه، ~~وأمر فشد الخادم بحبال، وقرض لحمه بالمقاريض حتى مات؛ فلما كان في سنة خمس ~~وثلاثمائة سلم سعيد إلى أخيه أبي طاهر سليمان الأمر، فعظموا أمره. # وكان ابتداء أمر أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي بالقطيف وما والاها في ~~سنة ست وثمانين ومائتين؛ فكانت مدته نحو خمس عشرة سنة. PageV01P165 ### | الصناديقي # وفيها استولى النجار أبو القاسم الحسن بن فرج الصناديقي على اليمن، وكانت ~~جيوشه بالمذيخرة وسهفنة، وكان ابن أبي الفوارس أحد دعاة عبدان أنفذه داعيا ~~إلى اليمن، وكان من أهل النرس موضع يعمل فيه الثياب النرسي، وكان يعمل من ~~الكتان فصار إلى اليمن، ودخل في دعوته خلق كثير، فأظهر العظائم وقتل ~~الأطفال، وسبا النساء، وتسمى برب العزة، وكان يكاتب بذلك، وأعلن سب النبي ~~صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء، واتخذ دارا خاصة سماها دار الصفوة ~~يجتمع فيها النساء ويأمر الرجال بمخالطتهن ووطئهن، ويحفظ من تحبل منهن في ~~تلك الليلة ومن تلد من ذلك، ويتخذ تلك الأولاد لنفسه خولا، ويسميهم أولاد ~~الصفوة. # قال بعضهم: دخلت إليها لأنظر فسمعت امرأة تقول: يا ms097 بني، فقال: يا أمة ~~نريد أن نمضي أمر ولي الله فينا. # وكان يقول: إذا فعلتم هذا لم يتميز مال من مال، ولا ولد من ولد، فتكونوا ~~كنفس واحدة. # فعظمت فتنته باليمن، وأجلى أكثر أهله عنه، وأجلى السلطان، وقاتل أبا ~~القاسم محمدا PageV01P166 # ابن يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم الحسني الهادي، وأزاله عن عمله ~~من صعدة ففر منه بعياله إلى الرس، ثم أظفره الله به فهزمه بأمر إلهي، وهو ~~أن الله جلت قدرته ألقى على عسكره وقد بايته بردا وثلجا قتل به أكثر أصحابه ~~في ليلة واحدة، وقلما عرف مثل ذلك في تلك الناحية. # وسلط الله عليه الأكلة، وذلك أن القاسم أنفذ إليه طبيبا بمبضع مسموم فصده ~~به فقتله؛ وأنزل الله بالبلدان التي غلب عليها بثرا يخرج في كتف الرجل منهم ~~بثرة فيموت سريعا، فسمى ذلك البثر بتلك البلاد حبة القرمطي مدة من الزمان. # وأخرب الله أكثر تلك البلاد التي ملكها، وأفنى أهلها بموت ذريع، فاعتصم ~~ابنه بجبال وأقام بها، وكاتب أهل دعوتهم، وعنون كتبه: من ابن رب العزة. # فأهلكه الله، وبقي منهم بقية، فاستأمنوا إلى القاسم بن أحمد الهادي، ولم ~~يبق للنجار لعنه الله ولا لمن كان على دعوته بقية. # وكان قرمط يكاتب من بسلمية، فلما مات من كان في وقته، وخلفه ابنه من بعده ~~كتب إلى قرمط فأنكر منه أشياء، فاستراب وبعث ابن مليح أحد دعاته ليعرف ~~الخبر فامتنع، فأنفذ عبدان، وعرف موت الذي كانوا يكاتبونه، فسأل ابنه عن ~~الحجة، ومن الإمام الذي يدعو إليه، فقال الابن: ومن الإمام؟ فقال عبدان: ~~محمد بن إسماعيل بن جعفر صاحب الزمان. # فأنكر ذلك وقال: لم يكن إمام غير أبي، وأنا أقوم مقامه. PageV01P167 # فرجع عبدان إلى قرمط؛ وعرفه الخبر، فجمع الدعاة وأمرهم بقطع الدعوة حنقا ~~من قول صاحب سلمية: لا حق لمحمد بن إسماعيل في هذا الأمر ولا إمامة. # وكان قرمط إنما يدعو إلى إمامة محمد بن إسماعيل، فلما قطعوها من ديارهم ~~لم يمكنهم قطعها من غير ديارهم، لأنها امتدت في سائر ms098 الأقطار، ومن حينئذ ~~قطع الدعاة مكاتبة الذين كانوا بسلمية. # وكان رجل منهم قد نفذ إلى الطالقان يبث الدعوة، فلما انقطعت المكاتبة طال ~~انتظاره، فشخص يسأل عن قرمط، فنزل على عبدان بسواد الكوفة، فعتبه وعتب ~~الدعاة في انقطاع كتبهم، فعرفه عبدان قطعهم الدعوة، وأنهم لا يعودون فيها، ~~وأنه تاب من هذه الدعوة حقيقة، فانصرف عنه إلى زكرويه بن مهرويه ليدعو كما ~~كان أبوه، ويجمع الرجال، فقال زكرويه: إن هذا لا يتم مع عبدان لأنه داعي ~~البلد كله والدعاة من قبله، والوجه أن نحتال على عبدان حتى نقتله. # وباطن على ذلك جماعة من قرابته وثقاته، وقال لهم: إن عبدان قد نافق وعصى ~~وخرج من الملة. # فبيتوه ليلا وقتلوه، فشاع ذلك، وطلب الدعاة وأصحاب قرمط زكرويه بن مهرويه ~~ليقتلوه فاستتر، وخالفه القوم كلهم إلا أصل دعوته، وتنقل في القرى وذلك في ~~سنة ست وثمانين والقرامطة تطلبه إلى سنة ثمان وثمانين فأنفذ ابنه الحسن إلى ~~الشام، ومعه من القرامطة رجل يقال له أبو الحسين القاسم بن أحمد، وأمره أن ~~يقصد بني كلاب، وينتسب إلى محمد بن إسماعيل، ويدعوهم إلى الإمام من ولده، ~~فاستجاب له فخذ من بني العليص ومواليهم وبايعوه، فبعث إلى زكرويه يخبر بمن ~~استجاب له بالشام، فضم إليه PageV01P168 # ابن أخيه فتسمى بالمدثر لقبا، وبعبد الله اسما، وتأول أنه المذكور في ~~القرآن بالمدثر ويقال إن المدثر هذا اسمه عيسى بن مهدي، وأنه تسمى عبد الله ~~بن أحمد بن محمد بن إسماعيل ابن جعفر الصادق، وعهد إليه صاحب الخال من ~~بعده، وغلاما من بني مهرويه يتلقب بالمطوق وكان سيافا وكتب إلى ابنه الحسن ~~يعرفه أنه ابن الحجة، ويأمره بالسمع والطاعة له، وابن الحجة هذا ادعى أنه ~~محمد بن عبد الله، وقيل علي بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~الصادق، وأنكر قوم هذا النسب، وقالوا إنما اسمه يحيى بن زكرويه بن مهرويه، ~~وكنيته أبو القاسم، ويلقب بالشيخ ويعرف بصاحب الناقة، وبصاحب الجمل، وهو ~~أخو صاحب الخال، القائم من بعده، فسار حتى نزل ms099 في بني كليب، فلقيه الحسن بن ~~زكرويه، وسر به، وجمع له الجمع، وقال: هذا صاحب الإمام، فامتثلوا أمره، ~~وسروا به، فأمرهم بالاستعداد للحرب، وقال: قد أظلكم النصر، ففعلوا ذلك. # واتصلت أخبارهم بشبل الديلمي مولى المعتضد في سنة تسع وثمانين، فقصدهم، ~~فحاربوه وقتلوه في عدة من أصحابه بالرصافة من غربي الفرات، ودخلوها فأحرقوا ~~مسجدها ونهبوا. # وساروا نحو الشام يقتلون ويحرقون القرى وينهبونها إلى أن وردوا أطراف ~~دمشق، وكان عليها طغج بن جف من قبل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون فبرز ~~إليهم فهزموه وقتل كثير من أصحابه، والتجأ إلى دمشق فحصروه وقاتلوه. # وكان القرمطي يحضر الحرب على ناقة، ويقول لأصحابه: لا تسيروا من مصافكم ~~حتى تنبعث بين أيديكم، فإذا سارت فاحملوا، فإنه لا ترد لكم راية، إذ كانت ~~مأمورة. PageV01P169 # فسمى بذلك: صاحب الناقة فأقام طغج سبعة أشهر محصورا بدمشق، فكتب إلى مصر ~~بأنه محصور وقد قتل أكثر أصحابه وضرب البلد، فأنفذ إليه بدر الكبير غلام ~~ابن طولون المعروف بالحمامي فسار حتى قرب من دمشق، فاجتمع هو وطغج على ~~محاربة القرمطي بقرب دمشق، فقتل القرمطي واحتمى أصحابه وانحازوا، فمضوا، ~~وكان القرمطي قد ضرب دراهم ودنانير وكتب عليها: قل جاء الحق وزهق الباطل. # وفي الوجه الآخر: لا إله إلا الله، قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى. # فلما انصرف القرامطة عن دمشق وقد قتل محمد بن عبد الله صاحب الناقة ~~بايعوا الحسن بن زكرويه وهو الذي يقال له أحمد بن عبد الله، ويقال عبد الله ~~بن أحمد بن محمد ابن إسماعيل بن جعفر الصادق، ويعرف بصاحب الخال، فسار بهم، ~~وافتتح عدة مدن من الشام، وظهر على حمص، وقتل خلقا، وتسمى بأمير المؤمنين ~~المهدي على المنابر وفي كتبه، وذلك في سنة تسع وثمانين وبعض سنة تسعين. # ثم صاروا إلى الرقة، فخرج إليهم مولى المكتفي وواقعهم فهزموه وقتلوه، ~~واستباحوا عسكره، ورجعوا إلى دمشق وهم ينهبون جميع ما يمرون به من القرى، ~~ويقتلون ويسبون، فخرج إليهم جيش كثيف عليه بشير غلام طغج وقاتلهم ms100 حتى قتل ~~في خلق من أصحابه. # واتصل ذلك بالمكتفي بالله فندب أبا الأغر السلمى في عشرة آلاف وخلع عليه ~~لثلاث عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة تسعين، فسار حتى نزل حلب، ثم خرج فوافاه ~~جيش القرامطة غفلة يقدمهم المطوق، فانهزم أبو الأغر، وركبت القرامطة أكتاف ~~الناس يقتلون ويأسرون حتى حجز بينهم الليل وقد أتوا على عامة العسكر، ولحق ~~أبو الأغر بطائفة من PageV01P170 # أصحابه، فالتجأوا بحلب، وصار في نحو الألف، فنازله القرامطة، فلم يقدروا ~~منه على شيء فانصرفوا. # وجمع الحسن بن زكرويه بن مهرويه أصحابه، وسار بهم إلى حمص، فخطب له على ~~منابرها. # ثم سار إلى حماة والمعرة، فقتل الرجال والنساء والأطفال، ورجع إلى بعلبك ~~فقتل عامة أهلها. # ثم سار إلى سلمية فحارب أهلها وامتنعوا منه فأمنهم، ودخلها فبدأ بمن فيها ~~من بني هاشم وكانوا جماعة فقتلهم. # ثم كر على أهلها فقتلهم أجمعين، وخربها، وخرج عنها وما بها عين تطرف، فلم ~~يمر بقرية إلا أخربها، ولم يدع فيها أحدا، فخرب البلاد وقتل الناس، ولم ~~يقاومه أحد، وفنيت رجال طغج، وبقي في عدة يسيرة، فكانت القرامطة تقصد دمشق ~~فلا يقاتلهم إلا العامة وقد أشرفوا على الهلكة، فكثر الضجيج ببغداد، ~~واجتمعت العامة إلى يوسف بن يعقوب القاضي، وسألوه إنهاء الخبر إلى السلطان. # ووردت الكتب من مصر إلى المكتفي بخبر قتل عسكرهم الذي خرج إلى الشام بيد ~~القرامطة، وخراب الشام، فأمر المكتفي الجيش بالاستعداد، وخرج إلى مضربه في ~~القواد والجند لاثنتي عشرة خلت من رمضان، ومضى نحو الرقة بالجيوش حتى ~~نزلها، وانبثت الجيوش بين حلب وحمص، وقلد محمد بن سليمان حرب الحسن بن ~~زكرويه، واختار له جيشا كثيفا وكان صاحب ديوان العطاء. # وعارض الجيش فسار إليهم والتقاهم لست خلون من المحرم سنة إحدى وتسعين ~~ومائتين بموضع بينه وبين حماة اثنا عشر ميلا، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى حجز ~~الليل بينهم، وقتل عامة رجال القرامطة فولوا مدبرين. PageV01P171 # وكان الحسن بن زكرويه لما أحس بالجيوش اصطفى مقاتلة ممن معه، ورتب ~~أحوالهم، فلما انهزم أصحابه رحل من وقته، ms101 وتلاحق به من أفلت، فقال لهم: ~~أتيتم من قبل أنفسكم وذنوبكم وأنكم لم تصدقوا الله؛ وحرضهم على المعاودة ~~إلى الحرب، فاعتلوا بفناء الرجال وكثرة الجراح فيهم، فقال لهم: قد كاتبني ~~خلق من أهل بغداد بالبيعة لي ودعاتي بها ينتظرون أمري، وقد خلت من السلطان ~~الآن، وأنا شاخص نحوها لأظهر بها، ومستخلف عليكم أبا الحسين القاسم بن أحمد ~~صاحبي، وكتبي ترد عليه بما يعمل، فاسمعوا وأطيعوا. # فضمنوا ذلك له، وشخص معه قريبه عيسى ابن أخت مهرويه المسمى بالمدثر، ~~وصاحبه المعروف بالمطوق، وغلام له رومى، وأخذ دليلا يرشدهم إلى الطريق، ~~فساروا يريدون سواد الكوفة، وسلك البر، وتجنب القرى والمدن حتى صار قريبا ~~من الرحبة بموضع يقال له الدالية، فأمر الدليل فمال بهم إليها، ونزل بالقرب ~~منها خلف رابية، ووجه بعض من معه لابتياع ما يصلحه، فدخل القرية فأنكر بعض ~~أهلها زيه، وسأله عن أمره، فورى وتلجلج، فارتاب به وقبض عليه، وأتى به ~~واليها ويقال له أبو خبزة يخلف أحمد بن كشمرد صاحب الحرب بطريق الفرات، ~~والدالية قرية من عمل الفرات فسأله أبو خبزة ورهب عليه، فعرفه أن القرمطي ~~الذي خرج الخليفة المكتفي في طلبه خلف رابية أشار إليها، فسار الوالي مع ~~جماعة بالسلاح فأخذوهم وشدوهم وثاقا، وتوجه بهم إلى ابن كشمرد، فصار بهم ~~إلى المكتفي وهو بالرقة، فشهرهم بالرقة، وعلى الحسن بن زكرويه دراعة ديباج ~~وبرنس حرير، وعلى المدثر دراعة وبرنس حرير، وذلك لأربع بقين من المحرم. PageV01P172 # وقدم محمد بن سليمان بجيوشه إلى الرقة ومعه الأسرى فخلف المكتفي عساكره ~~مع محمد ابن سليمان بالرقة، وشخص في خاصته وغلمانه، وتبعه وزيره القاسم بن ~~عبيد الله إلى بغداد، ومعه القرمطي وأصحابه. # فلما صار إلى بغداد عمل له كرسي سمكه ذراعان ونصف، وركب على فيل وأركب ~~عليه، ودخل المكتفي وهو بين يده مع أصحابه الأسرى، وذلك ثالث ربيع الأول، ~~ثم سجنوا. # فلما وصل محمد بن سليمان ببقية القرامطة لاثنتي عشرة خلت منه أمر المكتفي ~~القواد بتلقيه والدخول معه، فدخل في زي حسن وبين يديه نيف ms102 وسبعون أسيرا، ~~فخلع عليه، وطوق بطوق من ذهب، وسور سوارين من ذهب، وخلع على جميع من كان ~~معه القواد وطوقوا وسوروا. # وأمر المكتفي ببناء دكة في الجانب الشرقي من مربعة، ذرعها عشرون ذراعا في ~~مثلها، وارتفاعها عشرة أذرع، يصعد إليها بدرج، فلما كان لأربع بقين منه خرج ~~القواد والعامة، وحمل القرامطة على الجمال إلى الدكة، وقتلوا جميعا وعدتهم ~~ثلاثمائة وستون، وقيل دون ذلك. # وقدم الحسن بن زكرويه، وعيسى ابن أخت مهرويه إلى أعلى الدكة ومعهما أربعة ~~وثلاثون إنسانا من قبل وجوه القرامطة ممن عرف بالنكاية، وكان الواحد منهم ~~يبطح على وجهه، وتقطع يده اليمنى، فيرمى بها إلى أسفل ليراها الناس، ثم ~~تقطع رجله اليسرى، ثم رجله اليمنى ويرمى بهما، ثم يضرب عنقه ويرمى بها. # ثم قدم المدثر ففعل به كذلك بعد ما كوى ليعذب، وضربت عنقه. # ثم قدم الحسن بن زكرويه فضرب مائتي سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه، وكوى، ~~وضربت عنقه، ورفع رأسه على خشبة، وكبر من على الدكة، فكبر الناس وانصرفوا. # وحملت الرءوس فصلبت على الجسر وصلب بدن القرمطي فمكث نحو سنة. PageV01P173 # ومن كتب الحسن بن زكرويه إلى عماله ما هذه نسخته بعد البسملة: من عند ~~المهدي، المنصور بالله، الناصر لدين الله، القائم بأمر الله الحاكم بحكم ~~الله، الداعي إلى كتاب الله، الذاب عن حرم الله، المختار من ولد رسول الله، ~~أمير المؤمنين، وإمام المسلمين، ومذل المنافقين، وخليفة الله على العالمين، ~~وحاصد الظالمين، وقاصم المعتدين، ومبيد الملحدين، وقاتل القاسطين، ومهلك ~~المفسدين، وسراج المستبصرين وضياء المستضيئين، ومشتت المخالفين، والقيم ~~بسنة سيد المرسلين، وولد خير الوصيين صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم ~~كثيرا. # كتاب إلى فلان: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ~~وأسأله أن يصلي على محمد جدي رسول الله. # أما بعد: فقد أنهى إلينا ما حدث قبلك من أخبار أعداء الله الكفرة، وما ~~فعلوه بناحيتك من الظلم والعبث والفساد في الأرض، فأعظمنا ذلك، ورأينا أن ~~ننفذ إلى ما هنالك من جيوشنا من ينتقم الله ms103 به من أعدائه الظالمين الذين ~~يسعون في الأرض فسادا؛ فأنقذنا عطيرا داعيتنا وجماعة من المؤمنين إلى مدينة ~~حمص وأمددناهم بالعساكر، ونحن في أثرهم، وقد أوعزنا إليهم في المصير إلى ~~ناحيتك لطلب أعداء الله حيث كانوا، ونحن نرجو أن يجزينا الله فيهم على أحسن ~~عوائده عندنا في أمثالهم. # فينبغي أن تشد قلبك وقلوب من اتبعك من أوليائنا، وتثق بالله وبنصره الذي ~~لم يزل PageV01P174 # يعودنا في كل من مرق عن الطاعة، وانحرف عن الإيمان، وتبادر إلينا بأخبار ~~الناحية وما يحدث فيها، ولا تخف عنا شيئا من أمرها إن شاء الله. # سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، ~~وصلى الله على جدي محمد رسوله، وعلى أهل بيته وسلم كثيرا. # وكانت عماله تكاتبه بمثل هذا الصدد. # وسلم القاسم بن أحمد أبو الحسين خليفة الحسن بن زكرويه فقدم سواد الكوفة ~~إلى زكرويه بن مهرويه، فأخبره بخبر القوم الذين استخلفهم ابنه عليهم، وأنهم ~~اضطربوا فخافهم وتركهم، فلامه زكرويه على قدومه لوما شديدا، وقال له: ألا ~~كاتبتني قبل انصرافك إلي؟. # ووجده مع ذلك على خوف شديد من طلب السلطان ومن طلب أصحاب عبدان. # ثم إنه أعرض عن أبي الحسين، وأنفذ إلى القوم في سنة ثلاث وتسعين رجلا من ~~أصحابه كان معلما يقال له محمد بن عبد الله بن سعيد، ويكنى بأبي غانم، ~~فتسمى نصرا ليعمى أمره، وأمره أن يدور أحياء كلب ويدعوهم، فدار ودعاهم، ~~فاستجاب له طوائف من الأصبغيين، ومن بني العليص، فسار بهم نحو الشام، وعامل ~~المكتفي بالله يومئذ على دمشق والأردن أحمد بن كيغلغ، وهو بمصر في حرب ابن ~~الخليج، فاغتنم ذلك محمد ابن عبد الله المعلم، وسار إلى بصرى وأذرعات فحارب ~~أهلها، وسبى ذراريهم وأخذ جميع أموالهم، وقتل مقاتلنهم، وسار يريد دمشق، ~~فخرج إليه جيش مع صالح بن الفضل خليفة أحمد بن كيغلغ، فظهروا عليه، وقتلوا ~~عسكره، وأسروه فقتلوه، وهموا بدخول دمشق فدافعهم أهلها، فمضوا إلى طبرية، ~~فكانت لهم وقعة على الأردن غلبوا فيها، ونهبوا طبرية، وقتلوا وسبوا النساء. ms104 PageV01P175 # فبعث المكتفي بالحسين بن حمدان في طلبهم مع وجوه من القواد، فدخل دمشق ~~وهم بطبرية، فساروا نحو السماوة، وتبعهم ابن حمدان في البرية، فأخذوا ~~يغورون ما يرتحلون عنه من الماء، فانقطع ابن حمدان عنهم لعدم الماء، ومال ~~نحو رحبة مالك بن طوق، فأسرى القرامطة إلى هيت، وأغاروا عليها لتسع بقين من ~~شعبان سنة ثلاث وتسعين، ونهبوا الربض والسفن التي في الفرات، وقتلوا نحو ~~مائتي إنسان. # ثم رحلوا بعد يومين بما غنموه، فأنفذ المكتفي إلى هيت محمد بن إسحاق بن ~~كنداج في جماعة من القواد بجيش كثيف، وأتبعه بمؤنس، فإذا هم قد غوروا ~~المياه، فأنفذ إليهم من بغداد بالروايا والزاد، وكتب إلى ابن حمدان بالنفوذ ~~إليهم من الرحبة. # فلما أحسوا بذلك ائتمروا بصاحبهم المعلم، ووثب عليه رجل من أصحابه يقال ~~له الذئب بن القائم فقتله، وشخص إلى بغداد متقربا بذلك، فأسنيت له الجائزة، ~~وكف عن طلب قومه، وحملت رأس القائم المسمى بنصر المعلم إلى بغداد. # ثم إن قوما من بني كلب أنكروا فعل الذئب وقتله المعلم، ورضيه آخرون، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا، وافترقوا فرقتين، فصارت الفرقة التي رضيت قتل المعلم ~~إلى عين التمر، وتخلفت الأخرى؛ وبلغ ذلك زكرويه وأحمد بن القاسم عنده فرده ~~إليهم، فلما قدم عليهم جمعهم ووعظهم وقال: أنا رسول وليكم، وهو عاتب عليكم ~~فيما أقدم عليه الذئب بن القائم، وأنكم قد ارتددتم عن الدين. # فاعتذروا، وحلفوا ما كان ذلك بمحبتهم، وأعلموه بما كان بينهم من الخلف ~~والحرب، فقال لهم: قد جئتكم الآن بما لم يأتكم به أحد تقدمني، يقول لكم ~~وليكم: قد حضر أمركم، وقرب ظهوركم، وقد بايع له من أهل الكوفة أربعون ألفا، ~~ومن أهل سوادها أكثر، وموعدكم اليوم PageV01P176 # الذي ذكره الله في شأن موسى صلى الله عليه وسلم وعدوه فرعون إذ يقول: ~~موعدكم يوم الزينة، وأن يحشر الناس ضحى فأجمعوا أمركم، وسيروا إلى الكوفة، ~~فإنه لا دافع لكم عنها، ومنجز وعدي الذي جائتكم به رسلي. # فسروا بذلك، وارتحلوا نحو الكوفة، فنزلوا دونها بستة وثلاثين ميلا قبل ~~يوم ms105 عرفة بيوم من سنة ثلاث وتسعين، فخلفوا هناك الخدم والأموال، وأمرهم أن ~~يلحقوا به على ستة أميال من القادسية. # ثم شاور الوجوه من أصحابه في طروق الكوفة أي وقت، فاتفقوا على أن يكمنوا ~~في النجف، فيريحوا الخيل والدواب، ثم يركبوا عمود الصبح فيشنوها غارة ~~والناس في صلاة العيد. # فركبوا وساروا، ثم نزلوا فناموا، فلم يوقظهم إلا الشمس يوم العيد لطفا من ~~الله بالناس، فلم يصلوا إلى الكوفة إلا وقد انقضت الصلاة، وانصرف الناس وهم ~~متبددون في ظاهر الكوفة، ولأمير البلد طلائع تتفقد، وكان قد أرجف في البلد ~~بحدوث فتن فأقبلوا ودخلت خيل منهم الكوفة، فوضعوا السيف وقتلوا كثيرا من ~~الناس وأحرقوا، فارتجت الكوفة، وخرج الناس بالسلاح، وتكاثروا عليهم ~~يقذفونهم بالحجارة، فقتلوا منهم عدة، وأقبل بقيتهم فخرج إليهم إسحق بن ~~عمران في يسير من الجند، وتلاحق به الناس، فاقتتلوا قتالا شديدا في يوم ~~صائف شديد الحر، فانصرف القرامطة مكدودين، فنزلوا على ميلين من الكوفة، ثم ~~ارتحلوا عشاء نحو سوادهم، واجتازوا بالقادسية وقد تأهبوا لحربهم، فانصرفوا ~~عنها، وبعث أمير الكوفة بخبر ذلك إلى بغداد. # وسار القرامطة إلى سواد الكوفة، فاجتمع أحمد بن القاسم بزكرويه بن مهرويه ~~وكان مستترا فقال للعسكر: هذا صاحبكم وسيدكم ووليكم الذي تنتظرونه. # فترجل الجميع وألصقوا خدودهم بالأرض، وضربوا لزكرويه مضربا عظيما، وطافوا ~~به، وسروا سرورا عظيما، واجتمع إليهم أهل دعوته من السواد، فعظم الجيش جدا. PageV01P177 # وسير المكتفي جيشا عظيما، فساروا بالأثقال والبنود والبزاة على غير تعبئة ~~مستخفين بالقوم، فوصلوا وقد تعب ظهرهم وقل نشاطهم، فلقيهم القرامطة ~~وقاتلوهم وهزموهم، ووضعوا فيهم السيوف، فقتل الأكثر، ونجا الأقل إلى ~~القادسية، فأقاموا في جمع الغنائم ثلاثا، فكان من قتل من الجيش نحو الألف ~~وخمسمائة، فقويت القرامطة بما غنموا، وبلغ المكتفي فخاف على الحاج، وبعث ~~محمد ابن إسحاق بن كنداج لحفظ الحاج، وطلب القرامطة، وضم إليه خلقا عظيما. # فسار القرامطة وأدركوا الحاج، فأخذوا الخراسانية لإحدى عشرة خلت من ~~المحرم سنة أربع وتسعين، ووضعوا فيهم السيف وقتلوا خلقا عظيما، واستولى ~~زكرويه على الأموال. # وقدم ms106 ابن كنداج فأقام بالقادسية وقد أدركه من هرب من حاج خراسان وقال: لا ~~أغدر بجيش السلطان. # وقدمت قافلة الحاج الثانية والثالثة، فقاتلوا القرامطة قتالا شديدا حتى ~~غلبوا، وقتل كثير من الحاج، واستولوا على جميع ما في القافلة، وأخذوا ~~النساء ولم يطلقوا منهم إلا من لا حاجة لهم فيها، ومات كثير من الحاج عطشا، ~~ويقال إنه هلك نحو من عشرين ألفا، فارتجت بغداد لذلك. # وأخرج المكتفي الأموال لإنفاذ الجيوش من الكوفة لإحدى عشرة بقيت من ~~المحرم. وخزائن السلاح. # ورحل زكرويه فلم يدع ماء إلا طرح فيه جيف القتلى، وبث الطلائع فوافته ~~القافلة التي فيها القواد والشمسة وكان المعتضد جعل فيها جوهرا نفيسا، ~~ومعهم الخزانة ووجوه الناس والرؤساء ومياسير التجار، وفيها من أنواع المال ~~ما يخرج عن الوصف، فناهضهم زكرويه بالهبير، وقاتلهم يومه، فأدركتهم قافلة ~~العمرة، وكان المعتمرون يتخلفون للعمرة PageV01P178 # بعد خروج الحاج، ويخرجون إذا دخل المحرم، ويتفردون قافلة، وانقطع ذلك من ~~تلك السنة، فاجتمع الناس وقاتلوا يومهم وقد نفد الماء، فملك القافلة، وقتل ~~الناس، وأخذ ما فيها من حريم ومال وغيره، وأفلت ناس فمات أكثرهم عطشا، وسار ~~فأخذ أهل فيد. # وأما بغداد فإنه حصل بها وبالكوفة وجميع العراق مصاب بحيث لم يبق دار إلا ~~وفيها مصيبة، وعبرة سائلة، وضجيج وعويل، واعتزل المكتفي النساء هما وغما، ~~وتقدم بالمسير خلف زكرويه، وأنفذ الجيوش فالتقوا مع زكرويه لسبع بقين من ~~ربيع الأول، فاقتتلوا قتالا شديدا صبر فيه الفريقان حتى انهزم زكرويه وقتل ~~أكثر من معه، وأسر منهم خلق كثير، وطرحت النار في قبته، فخرج من ظهرها، ~~وأدركه رجل فضربه حتى سقط إلى الأرض، فأدركه رجل يعرفه. فأركبه نجيبا ~~فارها، وسار به إلى نحو بغداد، فمات من جراحا كانت به، وصبر وأدخل به إلى ~~بغداد ميتا فشهر كذلك، ومه حرمه وحرم أصحابه وأولادهم أسرى ورءوس من قتل ~~بين يديه في الجوالقات، ومات خبر القرامطة بموت زكرويه. # ودعوتهم ذكرها شائع. # فلما دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين # خرج رجل من السواد من الظط يعرف بأبي حاتم الظطي، ms107 فقصد أصحاب البوراني ~~داعيا وهم يعرفون بالبورانية وحرم عليها الثوم والبصل والكرات والفجل، وحرم ~~عليهم إراقة الدم من جميع الحيوان، وأمرهم أن يتمسكوا بمذهب البوراني، ~~وأمرهم بما لا يقبله إلا أحمق، وأقام فيهم نحو سنة، ثم زال، فاختلفوا بعده، ~~فقالت طائفة: زكرويه بن مهرويه حي، وإنما شبه على الناس به. # وقالت فرقة: الحجة لله محمد بن إسماعيل. PageV01P179 # ثم خرج رجل من بني عجل قرمطي يقال له محمد بن قطبة، فاجتمع عليه نحو مائة ~~رجل، فمضى بهم نحو واسط، فنهب وأفسد فخرج إليه آمر الناحية، فقتلهم وأسرهم. # ثم خمدت أحوال القرامطة إلى أن تحرك أبو طاهر بن أبي سعيد الجنابي، وعمل ~~على أخذ البصرة سنة عشر وثلاثمائة، فعمل سلالم عراضا يصعد على كل مرقاة ~~اثنان سورافيت، إذا احتيج إليها نصبت، وتخلع إذا حملت، فرحل يريد البصرة، ~~فلما قاربها فرق السلاح، وحشى الغرائر بالرمل، وحملها على الجمال، فسار إلى ~~السور قبل الفجر، فوضع السلالم، وصعد عليها قوم، ونزلوا فوضعوا السيف ~~وكسروا الأقفال، فدخل الجيش، فأول ما عملوا أن طرحوا الرمل المحمول في ~~الأبواب ليمنع من غلقها، وبدر لهم الناس ومعهم الأمير، فقاتلوا وقتل ~~الأمير، فأقاموا النهار يقتتلون حتى حجز بينهم الظلام، فخرجوا وقد قتل من ~~الناس مقتلة عظيمة، فباتوا ثم باكروا البلد فقاتلوا ونهبوا. # ثم رحلوا إلى الأحساء، فأنفذ السلطان عسكرا وكان أبو الهيجاء عبد الله بن ~~حمدان قد قلد أعمال الكوفة والسواد وطريق مكة فدخل في أثرهم وأسر منهم ~~وعاد. # فلما قدمت قوافل الحاج اعترضها أبو طاهر القرمطي فقتل منهم؛ وأدركهم أبو ~~الهيجاء ابن حمدان بجيوش كثيرة، فحملت القرامطة عليهم فهزموهم، وأخذ أبو ~~الهيجاء أسيرا، فلما رآه أبو طاهر تضاحك وقال له: جئناك عبد الله، ولم ~~نكلفك قصدنا. # فتلطف له أبو الهيجاء حتى استأمنه، وأمر بتمييز الحاج، وعزل الجمالين ~~والصناع ناحية، فأخذوا ما مع الحاج وخلوهم، فردوا بشر حال في صورة الموتى، ~~ورحل من الغد من بعد أن أخذ من أبي الهيجاء وحده نحو عشرين ألف دينار مع ~~أموال لا تحصى ms108 كثرة، ثم أطلق أبا الهيجاء بعد أشهر، فورد بغداد. # فلما كان في سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة خرج من بغداد جيش كثيف لحفظ الحاج، ~~فلقي أبو طاهر القرمطي الحاج بالعقبة، فرجع الحاج إلى الكوفة، فتبعهم ~~القرمطي حتى نزل بظاهرها PageV01P180 # لثلاث عشرة خلت من ذي القعدة، فناوشه الناس وانكفأ راجعا، ثم باكرهم ~~بالقتال وخرجت إليه جيوش السلطان، فقاتلهم وهزمهم، وقتل قوادهم وكثيرا من ~~العامة، ونهب البلد إلى العشرين منه، فرحل عن البلد. # فلما كان في سنة خمس عشرة وثلاثمائة خرج القرمطي من بلده لقتال ابن أبي ~~الساج، وقد كان السلطان أنزله في جيش كثير بواسط ليسير إلى بلد القرمطي، ~~فاستصعب مسيره لكثرة من معه، وثقل عليه سيره في أرض قفر، فاحتال على ~~القرمطي، وكاتبه باظهار المواطأة، وأطمعه في أخذ بغداد ومعاضدته، فاغتر ~~بذلك، ورحل بعيال وحشم وأتباع، وجيشه على أقوى ما يمكنه، وأقبل يريد ~~الكوفة. # ورحل ابن أبي الساج بجيشه عن واسط إلى الكوفة، وقد سبقه القرمطي، ودخلها ~~لسبع خلون من شوال، فاستولى عليها، وأخذ منها الميرة، وأعد ما يحتاج إليه؛ ~~وأقبل ابن أبي الساج على غير تعبئة، وعبر مستهينا بأمر القرمطي مستحقرا له، ~~ثم واقعه وهو في جيش يضيق عنه موضعه، ولا يملك تدبيره، وقد تفرق عنه عسكره، ~~وركبوا من نهب القرى وأذى الناس وإظهار الفجور شيئا كثيرا، فأقبل إليه ~~القرمطي وقاتله، فانهزمت عساكر ابن أبي الساج بعد ما كثرت بينهما القتلى ~~والجراح، فقتلوا الناس قتلا ذريعا حتى صاروا في بساط واحد نحو فرسخين أو ~~أربع، واحتوى على عسكره، ونهب الأكرة من أهل السواد ما قدروا عليه، وأقام ~~أربعين يوما؛ وخرج بعد أن يئس من مجيء عسكر إليه، فقصد بغداد، ونزل بسواد ~~الأنبار، وعبر الفرات إلى الجانب الغربي، وتوجه بين الفرات ودجلة يريد ~~بغداد، فجيش الجيش إليه؛ وسار مؤنس حتى نازله على نحو ثلاثة فراسخ من ~~بغداد، وقاتل القرامطة قتالا شديدا، وورد كتاب المقتدر يأمر مؤنسا بمعاجلته ~~القتال، ويذكر ما لزم من صرف الأموال إلى وقت وصوله. # فكتب إليه: إن في ms109 مقامنا أطال الله بقاء مولانا نفقة المال، وفي لقائنا ~~نفقة الرجال؛ ونحن أحرياء باختيار نفقة المال على نفقة الرجال. PageV01P181 # ثم أنفذ إلى القرمطي يقول له: ويلك، ظننتني كمن لقيك أبرز لك رجالي، ~~والله ما يسرني أن أظفر بك بقتل رجل مسلم من أصحابي، ولكني أطاولك وأمنعك ~~مأكولا ومشروبا حتى آخذك أخذا بيدي إن شاء الله. # وأنفذ يلبق في جيش للإيقاع بمن في قصر ابن هبيرة، فعظم ذلك على القرمطي ~~فاضطرب، وأخذ أصحابه يحتالون في الهرب، وتركوا مضاربهم، فنهب مؤنس ما ~~خلفوه، وسار جيش القرمطي من غربي الفرات، وسار مؤنس من شرقيه، إلى أن وافى ~~القرمطي الرحبة، ومؤنس يحتال في إرسال زواريق فيها فاكهة مسمومة، فكان ~~القرامطة يأخذونها، فكثرت الميتة فيهم، وكثر بهم الذرب، وظهر جهدهم، فكروا ~~راجعين وقد قل الظهر معهم، فقاتلوا أهل هيت وانصرفوا مفلولين، فدخل الكوفة ~~على حال ضعف وجراحات وعلل لثلاث خلون من رمضان سنة ست عشرة وثلاثمائة فأقام ~~بها إلى مستهل ذي الحجة، ولم يقتل ولا نهب، ثم رحل. # فلما كان في سنة سبع عشرة رحل بجيشه، فوافى مكة لثمان خلون من ذي الحجة، ~~فقتل الناس في المسجد قتلا ذريعا، ونهب الكعبة، وأخذ كسوتها وحليها، ونزع ~~الباب وستائره، وأظهر الاستخفاف به، وقلع الحجر الأسود وأخذه معه وظن أنه ~~مغناطيس القلوب، وأخذ الميزاب أيضا. # وعاد إلى بلده في المحرم سنة ثماني عشرة وقد أصابه كد شديد، وقد أخذ ستة ~~وعشرين ألف حمل خفا، وضرب آلاتهم وأثقالهم بالنار، واستملك من النساء ~~والغلمان والصبيان ما ضاق بهم الفضاء كثرة، وحاصرته هذيل فأشرف على الهلكة ~~حتى عدل به دليل إلى غير الطريق المعروف إلى بلده. # فلما كان في شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة سار إلى الكوفة، فعاث ~~عسكره في PageV01P182 # السواد، وأسروا خلقا، واشتروا أمتعة، ورجعوا بعد خمسين ليلة أقاموا بها ~~إلى بلدهم. # وبعث أبو طاهر سرية في البحر نحو أربعين مركبا فوضعوا السيف في أهل ~~الساحل، ولم يلقوا أحدا إلا قتلوه من رجل وامرأة وصبي فما نجا منهم إلا ms110 من ~~لحق بالجبال، وسبوا النساء، واجتمع الناس، فقتلوا منهم في الحرب معهم خلقا ~~كثيرا، وأسروا جماعة، ثم تحاملوا عليهم، وتبادوا بالشهادة، وجدوا فقتلوا ~~أكثرهم، وأخذوا جميع من بقى أسرا بحيث لم يفلت منهم أحد، وحملت الأسرى إلى ~~بغداد مع الرءوس وهم نحو المائة رجل ومائة رأس فحبسوا ببغداد. # ثم خلصوا وصاروا إلى أبي طاهر فكانوا يتحدثون بعد خلاصهم إلى أبي طاهر أن ~~كثيرا من الكبراء وغيرهم كانوا يرسلون إليهم بما يتقربون به إليهم، وكان ~~سبب خلاصهم مكاتبة جرت بينهم بالمهادنة على أن يردوا الحجر الأسود، ويطلق ~~الأسرى، ولا يعترضوا الحاج، فجرى الأمر على ذلك. # ودخل القرمطي في سنة ثلاث وعشرين إلى الكوفة والحاج قد خرج في ذي القعدة، ~~وعاد الحاج إلى الكوفة، ولم يقدر على مقاومتهم، فظفر بمن ظفر منهم، فلم ~~يكثر القتل، وأخذ ما وجد. # وبلغ القرمطي أن رجلا من أصحابه قال: والله ما ندري ما عند سيدنا أبي ~~طاهر من تمزيق هؤلاء الذين من شرق الأرض وغربها، واتخاذهم ومن وراءهم ~~أعداء، وما يفوز بأكثر أموالكم إلا الأعراب والشذاذ من الناس، فلو أنه حين ~~ظفر بهم دعاهم إلى أن يؤدي كل رجل منهم دينارا ويطلقهم ويؤمنهم لم يكره ذلك ~~منهم أحد، وخف عليهم وسهل، وحج الناس من كل بلد، لأنهم ظمأى إلى ذلك جدا، ~~ولم يبق ملك إلا كاتبه وهاداه واحتاج إليه في حفظ أهل بلده وخاصته، وجاء في ~~كل سنة من المال ما لا يصير لسلطان مثله من الخراج، واستولى على الأرض ~~وانقاد له الناس؛ وإن منع من ذلك سلطان اكتسب المذمة، وصار عند الناس هو ~~المانع من الحج. # فاستصوب القرمطي هذا الرأي، ونادى من وقته في الناس بالأمان، وأحضر ~~الخراسانية، PageV01P183 # فوطأ أمرهم على أنهم يحجوا ويؤدوا إليه المال في كل سنة، ويكونوا آمنين ~~على أنفسهم وأموالهم؛ وأخرج أهل مصر أيضا عن الحاج ضرائب من مال السلطان؛ ~~ثم ولى تدبير العراق من لم ير ذلك دناءة ولا منقصة، فصار لهم على الحاج ~~رسما بالكوفة. # فلما كان سنة خمس ms111 وعشرين كبس أبو طاهر الكوفة، وقبض على شفي اللؤلؤي ~~أميرها بأمان، فبعثه إلى السلطان يعرفه أنهم صعاليك لا بد لهم من أموال، ~~فإن أعطاهم مالا لم يفسدوا عليه، وخدموه فيما يلتمسه، وإلا فلا يجدوا بدا ~~من أن يأكلوا بأسيافهم، وبر أبو طاهر شفيعا ووصله، فوصل شفيع إلى السلطان ~~وعرفه، فبعث إليهم رجلا فناظر القرمطي، وملأ صدره من السلطان وأتباعه، ~~فزاده انكسارا، وسار عن البلد، فابتلاه الله بالجدري وقتله؛ فملك التدبير ~~بعده أخوته وابن سنبر. # فلما كان في سنة تسع وثلاثين أرادوا أن يستميلوا الناس فحملوا الحجر ~~الأسود إلى الكوفة، ونصبوه فيها على الاسطوانة بالجامع. # وكان قد جاء عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الملقب زين ~~العابدين: أن الحجر الأسود يعلق في مسجد الجامع بالكوفة في آخر الزمان. # ثم قدم به سنبر بن الحسن بن سنبر إلى مكة وأمير مكة معه فلما صار بفناء ~~البيت أظهر الحجر من سفط كان به مصونا، وعلى الحجر ضباب فضة قد عملت عليه، ~~تأخذه طولا وعرضا، تضبط شقوقا حدثت فيه بعد انقلاعه؛ وكان قد أحضر له صانع ~~معه جص يشد به الحجر، وحضر جماعة من حجبة البيت، فوضع سنبر بن الحسن بن ~~سنبر الحجر بيده في موضعه ومعه الحجبة وشده الصانع الجص بعد وضعه وقال لما ~~رده: أخذناه بقدرة الله، ورددناه بمشيئته. PageV01P184 # ونظر الناس إليه وقبلوه والتمسوه، وطاف سنبر بالبيت. # وكان قلع الحجر من ركن البيت يوم الإثنين لأربع عشرة خلت من ذي القعدة ~~سنة سبع عشرة وثلاثمائة. # وكان رده يوم الثلاثاء لعشر خلون من ذي الحجة يوم النحر سنة تسع وثلاثين ~~وثلاثمائة. فكانت مدة كينونته عند الجنابي وأصحابه اثنين وعشرين سنة إلا ~~أربعة أيام. # وكان في سنة ست عشرة وثلاثمائة قد تحركت القرامطة بسواد الكوفة عند ~~انصراف أبي طاهر القرمطي عن بغداد إلى نحو الشام، وتداعوا إلى الاجتماع في ~~دار هجرتهم فكثروا، وكبسوا نواحي الوسط، وقتلوا خلقا كثيرا، وملكوا ما حواه ~~العسكر هناك من سلاح وغيره، فقوى أمرهم، وسار ms112 بهم عيسى بن موسى والحجازي ~~وهما داعيان وكان الحجازي بالكوفة يبيع الخبز، فصحب يزيد النقاش، واجتمع ~~عليهما غلمان، وساروا فنهبوا وأخافوا، والبلد ضعيف لاتصال الفتن وتخريب ~~البوراني لسواده وضعف يد السلطان، وطالبوا جميع أهل السواد بالرحيل إليهم، ~~فاجتمعوا نحو العشرة آلاف، وفرقوا العمال، ورحلوا إلى الكوفة فدخلوها عنوة، ~~وهرب واليها، وولوا على خراجها وعلى حربها، وأحدثوا في الأذان ما لم يكن ~~فيه، فأنفذ السلطان إليهم جيشا فواقعهم فانهزموا، وقتل منهم ما لا يحصى، ~~وغرق منهم وهرب الباقون، وحملت الأسرى إلى بغداد فقتلوا وصلبوا، وحبس عيسى ~~بن موسى مدة، ثم تخلص بغفلة السلطان وحدوث الفتن آخر أيام المقتدر، فأقام ~~ببغداد يدعو الناس، ووضع كتبا نسبها إلى عبدان الداعي، نسبه فيها إلى ~~الفلسفة، وأنه يعلم ما يكون قبل كونه، فصار له أتباع، وأفسد فسادا عظيما، ~~وصار له خلفاء من بعده مدة. PageV01P185 # وأما خراسان فقدم إليها بالدعوة أبو عبد الله الخادم فأول ما ظهرت ~~بنيسابور، فاستخلف عند موته أبا سعيد الشعراني، وصار منهم خلق كثير هناك من ~~الرؤساء وأصحاب السلاح. # وانتشرت في الري من رجل يعرف بخلف الحلاج، وكان يحلج القطن، فصرف بها ~~طائفة الخلفية، وهم خلق كثير، ومال إليهم قوم من الديلم وغيرهم، وكان منهم ~~أسفار فلما قتل مرداويج أسفار عظمت شوكة القرامطة في أيامه بالري وأخذوا ~~يقتلون الناس غيلة حتى أفنوا خلقا كثيرا. # ثم خرج مرداويج إلى جرجان لقتال نصر بن أحمد الساماني، فنفر عليهم وقتلهم ~~مع صبيانهم ونسائهم حتى لم يبق منهم أحد، وصار بعضهم إلى مفلح غلام ابن أبي ~~الساج فاستجاب له، ودخل في دعوته. # فلما كان في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وقد استعد الحسن بن عبيد الله بن ~~طغج بالرملة لقتال من يرد عليه من قبل جوهر القائد، فورد عليه الخبر بأن ~~القرامطة تقصده، ووافت الرملة فهزموا الحسن بن عبيد الله، ثم جرى بينهم ~~صلح، وصاهر إليهم في ذي الحجة منها، فأقام القرمطي بظاهر الرملة ثلاثين ~~يوما ورحل. # وسار جعفر بن فلاح من مصر فهزم الحسن بن عبيد ms113 الله بن طغج، وقتل رجاله، ~~وأخذه أسيرا، فسار إلى دمشق فنزل بظاهرها، فمنعه أهل البلد وقاتلوه قتالا ~~شديدا، ثم إنه دخلها بعد حروب، وفر منه جماعة منهم ظالم بن موهوب العقيلي، ~~ومحمد بن عصودا فلحقا بالأحساء إلى القرامطة، وحثوهم على المسير إلى الشام، ~~فوقع ذلك منهم بالموافقة، لأن الإخشيدية PageV01P186 # كانت تحمل إليهم في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، فلما صارت عساكر المعز ~~إلى مصر مع جوهر، وزالت الدولة الاخشيدية انقطع المال عن القرامطة، فسارت .... بعد أن بعثوا عرفاءهم لجمع العرب، فنزلوا الكوفة وراسلوا السلطان ببغداد، ~~فأنفذ إليهم خزانة سلاح، وكتب لهم بأربعمائة ألف درهم على أبي تغلب بن ناصر ~~الدولة بن حمدان، ورحلوا إلى الرحبة وعليها أبو تغلب فحمل إليهم العلوفة ~~والمال الذي كتبا به لهم. # وجمع جعفر بن فلاح أصحابه واستعد لحربهم، فتفرق الناس عنه إلى مواضعهم، ~~ولم يفكروا بالموكلين على الطرق، وكان رئيس القرامطة الحسن بن أحمد بن أبي ~~سعيد الجنابي، فبعث إليه أبو تغلب يقول: هذا شيء أردت أن أسير أنا فيه ~~بنفسي وأنا مقيم في هذا الموضع إلى أن يرد علي خبرك، فإن احتجت إلى مسيري ~~سرت إليك. # ونادى في عسكره: من أراد المسير من الجند الإخشيدية وغيرهم إلى الشام مع ~~الحسن بن أحمد فلا اعتراض لنا عليه؛ فقد أذنا له في المسير، والعسكران ~~واحد. # فخرج إلى عسكر القرمطي جماعة من عسكر أبي تغلب، وفيهم كثي من الإخشيدية ~~الذين كانوا بمصر، صاروا إليه لما دخل جوهر من مصر وفلسطين؛ وكان سبب هذا ~~الفعل من أبي تغلب أن جعفر بن فلاح كان قد أنفذ إليه من طبرية داعيا يقال ~~له أبو طالب التنوخي من أهل الرملة يقول له: إني سائر إليك فنقيم الدعوة، ~~فقال له أبو تغلب وكان بالموصل: هذا ما لا يتم لأنا في دهليز بغداد، ~~والعساكر قريبة منا، ولكن إذا قربت عساكركم من هذه الديار أمكن ما ذكرتم. # فانصرف من عنده على غير شيء. # وبلغ ذلك القرمطي فسره وزاده قوة، وسار عن الرحبة، فأشار أصحاب ms114 جعفر لما ~~قارب PageV01P187 # القرامطة دمشق أن يقاتلهم بطرف البرية، فخرج إليهم وواقعهم، فانهزم، وقتل ~~لست خلون من ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة. # ونزل القرمطي ظاهرة المزة فجبى مالا، وسار يريد الرملة وعليها سعادة ابن ~~حيان فالتجأ إلى يافا، ونزل عليه القرمطي، وقد اجتمعت إليه عرب الشام ~~وأتباع من الجند، فناصبها القتال حتى أكل أهلها الميتة، وهلك أكثرهم جوعا ~~ثم سار عنها، وترك على حصارها ظالم العقيلي وأبا الهيجا بن منجا، وأقام ~~القرامطة الدعوة للمطيع لله العباسي في كل بلد فتحوه، وسودوا أعلامهم، ~~ورجعوا عما كانوا يمخرقون به، وأظهروا أنهم كأمراء النواحي الذين من قبل ~~الخليفة العباسي. # ونزل على مصر أول ربيع الأول سنة إحدى وستين وثلاثمائة، فقاتله جوهر على ~~الخندق وهزمه، فرحل إلى الأحساء. # وأنفذ جوهر جيشا نحو يافا فملكوها، ورحل المحاصرون لها إلى دمشق، ونزلوا ~~بظاهرها، فاختلف ظالم العقيلي وأبو الهيجا بسبب الخراج، فكان كل منهما يريد ~~أخذه للنفقة في رجاله، وكان أبو الهيجا أثيرا عند القرمطي يولج إليه أموره، ~~ويستخلفه على تدبيره. # ورجع الحسن بن أحمد القرمطي من الأحساء فنزل الرملة ولقيه أبو الهيجا ~~وظالم، وبلغه ما جرى بينهما من الاختلاف، فقبض على ظالم واعتقله مدة ثم خلى ~~عنه. # وطرح القرمطي مراكب في البحر، وشحنها بالمقاتلة، وسيرها إلى تنيس وغيرها ~~من سواحل PageV01P188 # مصر، وجمع من قدر عليه من العرب وغيرهم، وتأهب للمسير إلى مصر، هذا بعد ~~أن كان القرامطة أولا يمخرقون بالمهدي، ويوهمون أنه صاحب المغرب، وأن ~~دعوتهم إليه، ويراسلون الإمام المنصور إسماعيل بن محمد القائم بن عبيد الله ~~المهدي، ويخرجون إلى أكابر أصحابهم أنهم من أصحابه إلى أن افتضح كذبهم ~~بمحاربة القائد جوهر لهم، وقتله كثيرا منهم، وكسره القبة التي كانت لهم. # فلما نزل المعز لدين الله القاهرة عند ما قدم من المغرب وقد تيقن أخبار ~~القرامطة كتب إلى الحسن بن أحمد القرمطي كتابا عنوانه: من عبد الله ووليه، ~~وخيرته وصفيه، معد أبي تميم المعز لدين الله، أمير المؤمنين، وسلالة خيبر ~~النبيين، ونجل على أفضل الوصيين إلى ms115 الحسن بن أحمد: بسم الله الرحمن الرحيم # رسوم النطقاء، ومذاهب الأئمة والأنبياء، ومسالك الرسل والأوصياء، السالف ~~والآنف منا، صلوات الله علينا وعلى آبائنا، أولى الأيدي والأبصار، في متقدم ~~الدهور والأكوار، وسالف الأزمان والأعصار، عند قيامهم بأحكام الله، ~~وانتصابهم لأمر الله، الابتداء بالإعذار، والانتهاء بالإنذار، قبل إنفاذ ~~الأقدار، في أهل الشقاق والأصار لتكون الحجة على من خالف وعصى، والعقوبة ~~على من باين وغوى، حسب ما قال الله جل وعز: " وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا ". # و" وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ". # وقوله سبحانه: " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، ~~وسبحان الله وما أنا من المشركين ". PageV01P189 # فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق ". # أما بعد، أيها الناس فإنا نحمد الله بجميع محامده، ونمجده بأحسن مماجده، ~~حمدا دائما أبدا، ومجدا عاليا سرمدا، على سبوغ نعمائه، وحسن بلائه، ونبتغي ~~إليه الوسيلة بالتوفيق والمعونة على طاعته، والتسديد في نصرته، ونستكفيه ~~ممايلة الهوى والزيغ عن قصد الهدى، ونستزيد منه إتمام الصلوات، وإفاضات ~~البركات، وطيب التحيات، على أوليائه الماضين، وخلفائه التالين، منا ومن ~~آبائنا الراشدين المهديين المنتخبين، الذين قضوا بالحق وكانوا به يعدلون. # أيها الناس: " قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها " ~~ليذكر من يذكر، وينذر من أبصر واعتبر. # أيها الناس: إن الله جل وعز إذا أراد أمرا قضاه، وإذا قضاه أمضاه، وكان ~~من قضائه فينا قبل التكوين أن خلقنا أشباحا، وأبرزنا أرواحا، بالقدرة ~~مالكين، وبالقدوة قادرين، حين لاسماء مبنية، ولا أرض مدحية، ولا شمس تضيء، ~~ولا قمر يسري، ولا كوكب يجري، ولا ليل يجن، ولا أفق يكن، ولا لسان ينطق، ~~ولا جناح يخفق، ولا ليل ولا نهار، ولا فلك دوار، ولا كوكب سيار. # فنحن أول الفكرة وآخر العمل، بقدر مقدور، وأمر في القدم مبرور، فعند ~~تكامل الأمر وصحة العزم، وإنشاء الله جل وعز المنشآت، وإبداء الأمهات من ~~الهيولات، طبعنا أنوارا وظلما، وحركة وسكونا. # وكان من حكمه السابق في ms116 علمه ما ترون من فلك دوار، وكوكب سيار، وليل ~~ونهار، وما في الآفاق من آثار معجزات، وأقدار باهرات، وما في الأقطار من ~~الآثار، وما في النفوس من الأجناس والصور والأنواع، من كثيف ولطيف، وموجود ~~ومعدوم، وظاهر وباطن، ومحسوس وملموس، ودان وشاسع، وهابط وطالع. PageV01P190 # كل ذلك لنا ومن أجلنا، دلالة علينا، وإشارة إلينا، يهدي به الله من كان ~~له لب سجيح، ورأى صحيح، قد سبقت له منا الحسنى، فدان بالمعنى. # ثم إنه جل وعلا أبرز من مكنون العلم ومخزون الحكم، آدم وحوا أبوين ذكرا ~~وأنثى، سببا لإنشاء البشرية، ودلالة لإظهار القدرة القوية؛ وزاوج بينهما ~~فتوالدا الأولاد، وتكاثرت الأعداد، ونحن ننتقل في الأصلاب الزكية، والأرحام ~~الطاهرة المرضية، كلما ضمنا صلب ورحم أظهر منا قدرة وعلم، وهلم جرا إلى آخر ~~الجد الأول، والأب الأفضل، سيد المرسلين، وإمام النبيين، أحمد ومحمد صلوات ~~الله عليه وعلى آله في كل ناد ومشهد، فحسن آلاؤه، وبان غناؤه، وأباد ~~المشركين، وقصم الظالمين، وأظهر الحق، واستعمل الصدق، وظهر بالأحدية، ودان ~~بالصمدية؛ فعندها سقطت الأصنام، وانعقد الإسلام، وانتشر الإيمان، وبطل ~~السحر والقربان، وهبرت الأوثان، وأتى بالقرآن، شاهدا بالحق والبرهان، فيه ~~خبر ما كان وما يكون إلى يوم الوقت المعلوم، منبئا عن كتب تقدمت، في صحف قد ~~تنزلت، تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة ونورا وسراجا منيرا. # وكل ذلك دلالات لنا، ومقدمات بين أيدينا، وأسباب لإظهار أمرنا، هدايات ~~وآيات وشهادات، وسعادات قدسيات، إلاهيات أزليات، كائنات منشآت، مبدئات ~~معيدات # فما من ناطق نطق، ولا نبي بعث، ولا وصي ظهر، إلا وقد أشار إلينا، ولوح ~~بنا، ودل علينا في كتابه وخطابه، ومنار أعلامه، ومرموز كلامه، فيما هو ~~موجود غير معدوم، وظاهر وباطن، يعمله من سمع الندا، وشاهد ورأى، من الملأ ~~الأعلى؛ فمن أغفل منكم أو نسى، أو ضل أو غوى، فلينظر في الكتب الأولى، ~~والصحف المنزلة، وليتأمل آي القرآن، وما فيه من البيان، وليسأل أهل الذكر ~~إن كان لا يعلم، فقد أمر الله عز وجل بالسؤال، فقال: " فاسئلوا أهل الذكر ~~إن كنتم لا تعلمون ms117 ". PageV01P191 # وقال سبحانه وتعالى: " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ". # ألا تسمعون قول الله حيث يقول: " وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون ~~" وقوله تقدست أسماؤه: " ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ". # وقوله له العزة: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك ~~وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه ". # ومثل ذلك في كتاب الله تعالى جده كثير، ولولا الإطالة لأتينا على كثير ~~منه ومما دل به علينا، وأنبأ به عنا، قوله عز وجل: " كمشكاة فيها مصباح ~~المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب درى، يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا ~~شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضىء ولولم تمسسه نار، نور على نور يهدى الله ~~لنوره من يشاء، ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شىء عليم ". # وقوله في تفضيل الجد الفاضل والأب الكامل محمد صلى الله عليه، وعليه ~~السلام إعلاما بجليل قدرنا، وعلو أمرنا: " ولقد آتيناك سبعا من المثانى ~~والقرآن العظيم ". # هذا مع ما أشار ولوح، وأبان وأوضح، في السر والإعلان، من كل مثل مضروب، ~~وآية وخبر وإشارة ودلالة، حيث يقول: " وتلك الأمثال نضربها للناس وما ~~يعقلها إلا العالمون ". PageV01P192 # وقال سبحانه وتعالى: " إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~لآيات لأولى الألباب ". # وقوله جل وعز: " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق ". # فإن اعتبر معتبر، وقام وتدبر ما في الأرض وما في الأقطار والآثار، وما في ~~النفس من الصور المختلفات، والأعضاء المؤتلفات، والآيات والعلامات، ~~والاتفاقات والاختراعات، والأجناس والأنواع، وما في كون الإبداع من الصور ~~البشرية، والآثار العلوية، وما يشهد به حروف المعجم، والحساب المقوم، وما ~~جمعته الفرائض والسنن، وما جمعته السنون من فصل وشهر ويوم، وتصنيف القرآن ~~من تحزيبه وأسباعه، ومعانيه وأرباعه، وموضع الشرائع المتقدمة، والسنن ~~المحكمة، وما جمعته كلمة الإخلاص في تقاطيعها وحروفها وفصولها، وما في ~~الأرض من إقليم وجزيرة، ms118 وبر وبحر، وسهل وجبل، وطول وعرض، وفوق وتحت، إلى ما ~~اتفق عليه في جميع الحروف من أسماء المدبرات السبعة النطقا، والأوصيا ~~والخلفا، وما صدرت به الشرائع من فرض وسنة وحدوثة، وما في الحساب من أحاد ~~وأفراد، وأزواج وأعداد، تثاليثه وترابيعه واثنى عشريته وتسابيعه، وأبواب ~~العشرات والمئين والألوف، وكيف تجتمع وتشتمل على ما اجتمع عليه ما تقدم من ~~شاهد عدل وقول صدق، وحكمة حكيم وترتيب عليم. # فلا إله إلا هو له الأسماء الحسنى والأمثال العلى. # " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ". # " وفوق كل ذى علم عليم ". PageV01P193 # ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت ~~كلمات الله ". # وليعلم من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أنا كلمات الله الأزليات، ~~وأسماؤه التامات، وأنواره الشعشعانيات، وأعلامه النيرات، ومصابيحه البينات، ~~وبدائعه المنشآت، وآياته الباهرات، وأقداره النافذات، لا يخرج منا أمر، ولا ~~يخلو منا عصر. # وإنا لكما قال الله سبحانه وتعالى: " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ~~ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شىء عليم ". # فاستشعروا النظر فقد نقر في الناقور، وفار التنور، وأتى النذير بين يدي ~~عذاب شديد، فمن شاء فلينظر، ومن شاء فليتدبر، وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين. # وكتابنا هذا من فسطاط مصر، وقد جئناها على قدر مقدور، ووقت مذكور، فلا ~~نرفع قدما ولا نضع قدما إلا بعلم موضوع، وحكم مجموع، وأجل معلوم، وأمر قد ~~سبق، وقضاء قد تحقق. # فلما دخلنا وقد قدر المرجفون من أهلها أن الرجفة تنالهم، والصعقة تحل ~~بهم، تبادروا وتعادوا شاردين، وجلوا عن الأهل والحريم والأولاد والرسوم، ~~وإنا لنار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، فلم أكشف لهم خبرا، ولا ~~قصصت لهم أثرا، ولكني أمرت بالنداء، وأذنت بالأمان، لكل باد وحاضر، ومنافق ~~ومشاقق، وعاص ومارق، ومعاند ومسابق، ومن أظهر صفحته وأبدى لي سوءته، فاجتمع ~~الموافق والمخالف، والباين ms119 والمنافق، فقابلت الولي بالإحسان، والمسيء ~~بالغفران، حتى رجع الناد والشارد، وتساوى الفريقان، واتفق الجمعان، وانبسط ~~القطوب، وزال الشحوب، جريا على العادة بالإحسان، والصفح والامتنان، والرأفة ~~والغفران، فتكاثرت الخيرات، وانتشرت البركات. PageV01P194 # كل ذلك بقدرة ربانية، وأمرة برهانية، فأقمت الحدود، بالبينة والشهود، في ~~العرب والعبيد، والخاص والعام، والبادي والحاضر، بأحكام الله عز وجل ~~وآدابه، وحقه وصوابه، فالولي آمن جذلن والعدو خائف وجل. # فأما أنت الغادر الخائن، الناكث البائن، عن هدى آبائه وأجداده، المنسلخ ~~عن دين أسلافه وأنداده، والموقد لنار الفتنة، والخارج عن الجماعة والسنة، ~~فلم أغفل أمرك، ولا خفي عني خبرك، ولا استتر دوني أثرك، وإني منى لبمنظر ~~ومسمع، كما قال الله جل وعز: " إنني معكما أسمع وأرى "، " ما كان أبوك امرأ ~~سوء وما كانت أمك بغيا ". # فعرفنا على أي رأي أصلت، وأي طريق سلكت: أما كان لك بجدك أبي سعيد أسوة، ~~وبعمل أبي طاهر قدوة؟ أما نظرت في كتبهم وأخبارهم ولا قرأت وصاياهم ~~وأشارهم؟ أكنت غائبا عن ديارهم وما كان من آثارهم؟ ألم تعلم أنهم كانوا ~~عبادا لنا أولى بأس شديد، وعزم سديد، وأمر رشيد وفعل حميد، يفيض إليهم ~~موادنا، وينشر عليهم بركاتنا، حتى ظهروا على الأعمال، ودان لهم كل أمير ~~ووال، ولقبوا بالسادة فسادوا، منحة منا واسما من أسمائنا، فعلت أسماؤهم، ~~واستعلت هممهم، واشتد عزمهم، فسارت إليهم وفود الآفاق، وامتدت نحوهم ~~الأحداق، وخضعت لهيبتهم الأعناق، وخيف منهم الفساد والعناد، وأن يكونوا ~~لبني العباس أضداد، فعبئت الديوش، وسار إليهم كل خميس بالرجال المنتجبة، ~~والعدد المهذبة، والعساكر الموكبة، فلم يلقهم جيش إلا كسروه، ولا رئيس إلا ~~أسروه، ولا عسكر إلا كسروه، وألحاظنا ترمقهم، ونصرنا يلحقهم، كما قال الله ~~جل وعز: " إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا "، " وإن جندنا ~~لهم الغالبون "، وإن حزبنا لهم المنصورون. PageV01P195 # فلم يزل ذلك دأبهم، وعين الله ترمقهم، إلى أن اختار لهم ما اختاروه من ~~نقلهم من دار الفناء، إلى دار البقاء، ومن نعيم يزول إلى نعيم لا يزول، ~~فعاشوا محمودين، وانتقلوا مفقودين، إلى روح وريحان وجنات ms120 النعيم، فطوبى لهم ~~وحسن مآب. # ومع هذا فما من جزيرة في الأرض ولا إقليم إلا ولنا فيه حجج ودعاة يدعون ~~إلينا، ويدلون علينا، ويأخذون بيعتنا، ويذكرون رجعتنا، وينشرون علمنا، ~~وينذرون بأسنا، ويبشرون بأيامنا، بتصاريف اللغات واختلاف الألسن، وفي كل ~~جزيرة وإقليم رجال منهم يفقهون، وعنهم يأخذون، وهو قول الله عز وجل. # " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ". # وأنت عارف بذلك. # فيأيها الناكث الحانث ما الذي أرداك وصدك؟ أشيء شككت فيه؛ أم أمر استربت ~~به، أم كنت خليا من الحكمة، وخارجا عن الكلمة، فأزلك وصدك، وعن السبيل ردك؟ ~~إن هي إلا فتنة لكم ومتاع إلى حين. # وأيم لله لقد كان الأعلى لجدك، والأرفع لقدرك، والأفضل لمجدك، والأوسع ~~لوفدك، والأنضر لعودك، والأحسن لعذرك، الكشف عن أحوال سلفك وإن خفيت عليك، ~~والقفو لآثارهم وإن عميت لديك، لتجري على سننهم، وتدخل في زمرهم، وتسلك في ~~مذهبهم، أخذا بأمورهم في وقتهم، وزيهم في عصرهم، فتكون خلفا قفا سلفا بجد ~~وعزم مؤتلف، وأمر غير مختلف. # لكن غلب الران على قلبك، والصدى على لبك، فأزالك عن الهدى وأزاغك عن ~~البصيرة والضيا، وأمالك عن مناهج الأوليا، وكنت من بعدهم كما قال الله عز ~~وجل: " فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ". PageV01P196 # ثم لم تقنع في انتكاسك، وترديتك في ارتكاسك، وارتباكك وانعكاسك، من خلافك ~~الآباء ومشيك القهقرى، والنكوص على الأعقاب، والتسمي بالألقاب، بئس الإسم ~~الفسوق بعد الإيمان، وعصيانك مولاك، وجحدك ولاك، حتى انقلبت على الأدبار، ~~وتحملت عظيم الأوزار، لتقيم دعوة قد درست، ودولة قد طمست، إنك لمن الغاوين، ~~وإنك لفي ضلال مبين. # أم تريد أن ترد القرون السالفة، والأشخاص الغابرة؟ أما قرأت كتاب السفر، ~~وما فيه من نص وخبر؟ فأين يذهبون إن هي إلا حياتكم الدنيا، تموتون وتظنون ~~أنكم لستم بمبعوثين، " قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على ~~الله يسير ". # أما علمت أن المطيع آخر ولد العباس، وآخر المترايس في الناس؟ أما تراهم " ~~كأنهم أعجاز نخل خاوية، فهل ترى ms121 لهم من باقية "؟ ختم والله الحساب، وطوى ~~الكتاب، وعاد الأمر إلى أهله، والزمان إلى أوله، وأزفت الآزفة، ووقعت ~~الواقعة، وقرعت القارعة، وطلعت الشمس من مغربها، والآية من وطنها، وجيء ~~بالملائكة والنبيين وخسر هنالك المبطلون، هنالك الولاية لله الحق ينصر الله ~~من يشاء، " يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها ~~وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ". # فقد ضل عملك، وخاب سعيك، وطلع نحسك، وغاب سعدك، حين آثرت الحياة PageV01P197 # الدنيا على الآخرة، ومال بك الهوى، فأزالك عن الهدى، فإن تكفر أنت ومن في ~~الأرض جميعا فإن الله هو الغنى الحميد. # ثم لم يكفك ذلك مع بلائك وطول شقائك حتى جمعت أرجاسك وأنجاسك، وحشدت ~~أوباشك وأقلاسك، وسرت قاصدا إلى دمشق وبها جعفر بن فلاح في فئة قليلة من ~~كتامة وزويلة، فتلته وقتلتهم، جرأة على الله وردا لأمره، واستبحت أموالهم، ~~وسبيت نساءهم، وليس بينك وبينهم ترة ولا ثأر، ولا حقد ولا أضرار، فعل بني ~~الأصفر والترك والخزر؛ ثم سرت أمامك ولم ترجع، وأقمت على كفرك ولم تقلع، ~~حتى أتيت الرملة وفيها سعادة بن حيان في زمرة قليلة وفرقة يسيرة، فاعتزل ~~عنك إلى يافا، مستكفيا شرك، وتاركا حربك، فلم تزل ماكثا على نكثك باكرا ~~وصابحا، وغاديا ورائحا، تقعد لهم بكل مقعد، وتأخذ عليهم بكل مرصد، وتقعدهم ~~بكل مقصد، كأنهم ترك وروم وخزر، لا ينهك عن سفك الدماء دين، ولا يردعك عهد ~~ولا يقين، قد استوعب من الردي حيزومك، وانقسم على الشقاء خرطومك. # أما كان لك مذكر، وفي بعض أفعالك مزدجر؛ أو ما كان لك في كتاب الله عز ~~وجل معتبر حيث يقول: " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب ~~الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما "؟ فحسبك بها فعلة تلقاك يوم ورودك ~~وحشرك حين لا مناص، ولا لك من الله خلاص، ولم تستقبلها، وكيف تستقبلها وأنى ~~لك مقيلها؟ هيهات، هيهات، هلك الضالون، وخسر هنالك المبطلون، وقل النصير، ~~وزال العشير؛ ومن بعد ذلك تماديك في ms122 غيك، ومقامك في بغيك، عداوة الله ~~ولأوليائه، وكفرا لهم وطغيانا، وعمى وبهتانا. # أتراك تحسب أنك مخلد أم لأمر الله راد؟ PageV01P198 # أم " يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو ~~كره الكافرون ". # هيهات لا خلود لمذكور، ولا مرد لمقدور، ولا طافىء لنور، ولا مقر لمولود، ~~ولا قرار لموعود، لقد خاب منك الأمل، وحان لك الأجل، فإن شئت فاستعد للتوبة ~~بابا، وللنقلة جلبابا، فقد بلغ الكتاب أجله، والوالي أمله، وقد رفع الله ~~قبضته عن أفواه حكمته، ونطق من كان بالأمس صامتا، ونهض من كان هناك خائفا، ~~ونحن أشباح فوق الأمر والنفس، دون العقل وأرواح في القدس، نسبة ذاتية، ~~وآيات لدنية، نسمع ونرى، " ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه ~~نورا نهدى به من نشاء من عبادنا "، " وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ". # ونحن معرضون ثلاث خصال والرابعة أردى لك، وأشقى لبالك، وما أحسبك تحصل ~~إلا عليها فاختر: إما قدت نفسك لجعفر بن فلاح، وأتباعك بأنفس المستشهدين ~~معه بدمشق والرملة من رجاله ورجال سعادة بن حيان، ورد جميع ما كان لهم من ~~رجال وكراع ومتاع إلى آخر حبة من عقال ناقة وخطام بعير وهي أسله ما يرد ~~عليك. # وإما أن تردهم أحياء في صورهم وأعيانهم وأموالهم وأحوالهم ولا سبيل لك ~~إلى ذلك ولا اقتدار. # وإما سرت ومن معك بغير زمام ولا أمان فأحكم فيك وفيهم بما حكمت، وأجريك ~~على إحدى ثلاث: إما قصاص، وإما منا بعد؟ وإما فدى، فعسى أن يكون تمحيصا ~~لذنوبك، وإقالة لعشرتك. PageV01P199 # وإن أبيت إلا فعل اللعين: " فاخرج منها فإنك رجيم، وإن عليك اللعنة إلى ~~يوم الدين ". # أخرج منها فما يكون لك أن تتكبر فيها، وقيل اخسئوا فيها ولا تكلمون، فما ~~أنت إلا كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، فلا سماء تظلك ولا ~~أرض تقلك، ولا ليل يجنك، ولا نهار يكنك، ولا علم يسترك، ولا فئة تنصرك؛ قد ~~تقطعت بكم الأسباب، وأعجزكم الذهاب، فأنتم كما قال الله عز وجل: ms123 " مذبذبين ~~بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ". # فلا ملجأ لكم من الله يومئذ ولا منجى منه؛ وحنود الله في طلبك قافية، لا ~~تزال ذو أحقاد، وثوار أهجاد، ورجال أنجاد، فلا تجد في السماء مصعدا، ولا في ~~الأرض مقعدا، ولا في البر ولا في البحر منهجا، ولا في الجبال مسلكا، ولا ~~إلى الهواء سلما، ولا إلى مخلوق ملتجا. # حينئذ يفارقك أصحابك، ويتخلى عنك أحبابك، ويخذلك أترابك، فتبقى وحيدا ~~فريدا، وخائفا طريدا، وهائما شريدا، قد ألجمك العرق، وكظك القلق، وأسلمتك ~~ذنوبك، وازدراك خزيك، " كلا لا وزر، إلى ربك يومئذ المستقر "، " هذا يوم لا ~~ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون "، " وجوه يومئذ عليها غبرة، ترهقها قترة ~~أولئك هم الكفرة الفجرة ". # واعلم أنا لسنا بممهليك ولا مهمليك إلا ريثما يرد كتابك، ونقف على فحوى PageV01P200 # خطابك، فانظر لنفسك يا شقي ليومك ومعادك قبل انغلاق باب التوبة، وحلول ~~وقت النوبة، حينئذ لا ينفع نفسا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ~~إيمانها خيرا. # وإن كنت على ثقة من أمرك، ومهل في أمر عصرك وعمرك، فاستقر بمركزك، وأربع ~~على ضلعك، فلينالنك ما نال من كان قبلك من عاد وثمود، " وأصحاب الأيكة وقوم ~~تبع، كل كذب الرسل فحق وعيد "، فلنأتينكم بجنود لا قبل لكم بها ولنخرجنكم ~~منها أذلة وأنتم صاغرون بأولى بأس شديد، وعزم سديد، أذلة على المؤمنين، ~~أعزة على الكافرين، بقلوب نقية، وأرواح تقية، ونفوس أبية، يقدمهم النصر، ~~ويشملهم الظفر، تمدهم ملائكة غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ~~ما يؤمرون. # فما أنت وقومك إلا كمناخ نعم، أو كمراح غنم؛ فإما نرينك الذي وعدناهم ~~فإنا عليهم مقتدرون، وأنت في القفص مصفودا، ونتوفنيك فإلينا مرجعهم فعندها ~~تخسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين، " فأنذرتكم نارا تلظى، لا ~~يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى "، " كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا ~~إلا ساعة من نهار، بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ". # فليتدبر من كان ذا تدبر، وليتفكر من كان ذا تفكر، وليحذر يوم القيامة من ms124 ~~الحسرة والندامة، " أن تقول نفس يحسرتي على ما فرطت في جنب الله "، ويا ~~حسرتنا على ما فرطنا، ويا ليتنا نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل، هيهات غلبت ~~عليكم شقاوتكم وكنتم قوما بورا. # والسلام على من اتبع الهدى، وسلم من عواقب الردى، وانتمى إلى الملأ ~~الأعلى، وحسبنا الله وكفى، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم ~~النصير. # الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا النبي الأمى والطيبين من ~~عترته، وسلم تسليما. # فأجاب الحسن بن الأعصم بما نصه: من الحسن بن أحمد القرمطي الأعصم: PageV01P201 # بسم الله الرحمن الرحيم وصل إلينا كتابك الذي كثر تفصيله، وقل تحصيله، ~~ونحن سائرون على إثره، والسلام، وحسبنا الله ونعم الوكيل. # وسار الحسن بن أحمد القرمطي بعد ذلك إلى مصر، فنزل بعسكره بلبيس، وبعث ~~إلى الصعيد بعبد الله بن عبيد الله أخي الشريف مسلم، وانبثت سراياه في أرض ~~مصر، فتأهب المعز وعرض عساكره في ثالث رجب سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وأمر ~~بتفرقة السلاح على الرجال، ووسع عليهم في الأرزاق، وسير معهم الأشراف ~~والعرب. # وسير معهم المعز ابنه الأمير عبد الله، فسار بمظلته وبين يديه الرجال ~~والسلاح والكراع والبنود وصناديق الأموال والخلع، وسير معه أولاده وجميع ~~أهله وجمعا من جند المصريين خلا الشريف مسلم، فإنه أعفاه من ذلك. # وانبسطت سرية القرمطي في نواحي أسفل الأرض، فأنفذ المعز عبده ريان ~~الصقلبي في أربعة آلاف، فأزال القرامطة عن المحلة ونواحيها وقتل وأسر. # ولثمان خلون منه قدمت سرية القرامطة إلى الخندق، فبرز إليهم المغاربة ~~فهزموهم، ثم كروا على المغاربة فقتلوا منهم جماعة وأسروا؛ وفر إليهم علي بن ~~محمد الخازن فالتحق بالقرامطة. # وورد الخبر بأن عبد الله بن عبيد الله أخا مسلم أوغل في الصعيد، وقتل، ~~واستخرج الأموال، وأسرف في قتل المغاربة وأسرهم، ثم كر راجعا إلى خميم. # ولست عشرة خلت منه جمع المعز أولاد الإخشيدية وغيرهم من الجند واعتقلهم. # وفي سلخه طيف بتسعة من القرامطة على الإبل بالبرانس ومعهم ثلاث رؤوس؟ PageV01P202 # وفيه سار عسكر المعز مع ابنه عبد الله فنزل جب ms125 عميرة، ونزلت عسكر القرمطي ~~نصفين: نصف مع النعمان أخي الحسن بن أحمد الأعصم مواجهة لعبد الله بن ~~المعز، ونصف مع الحسن بسطح الجب. # فبعث عبد الله العساكر، فأحاطت بالحسن بن أحمد، وعسكر وزحف إلى النعمان ~~فقاتله فانهزم، وقتل مع أصحابه، وواقع الآخرون الحسن حتى كاد أن يؤخذ، ~~فإنهم أحاطوا به، وصار في وسطهم؛ فاغتنم فرجة مضى على وجهه؛ ونهب سواده ~~وأخذت قبته، وأسر رجاله، وأخذ من عسكره وعسكر أخيه خلق كثير، وأخذ جماعة ~~ممن كان مع المصريين. # ووصل الكتاب مع الطائر إلى عبد الله بن عبيد الله أخي مسلم بهزيمة ~~القرامطة وهو بالصعيد، فعدى إلى الجانب الشرقي لينقلب إلى الشام، فبلغه ~~مسير عساكر المعز فعاد إلى الجانب الغربي. PageV01P203 # وورد كتاب الطائر إلى المعز من الأمير عبد الله ابنه أن عبد الله أخا ~~مسلم قد أخذ، فأرسل المعز إلى أخيه أبي جعفر مسلم يخبره، فخلع على البشير. # وكانت في البرية سرية للمعز قد أخذوا الطريق على عبد الله أخي مسلم، فوقع ~~في أيديهم في الليل رجل بدوي، فقال: أنا عبد الله أخو مسلم فجاء إلى الأمير ~~عبد الله، فكتب إلى الطائر يأخذ عبد الله، فلما جيء بالبدوي من الغد إلى ~~الأمير عبد الله وهو في معسكره وكان في مجلسه عبد الله بن الشويخ فقال ~~للأمير عبد الله: ما هذا عمي عبد الله. # فبطل القول. # وكان خبر هذا البدوي أنه كان مع عبد الله أخي مسلم بالصعيد، وعبر معه ~~يريد الشام، فأراد أن يسقي دوابه، فقال له البدوي: ما نأمن أن يكون على ~~الماء طلب، فدعني أتقدمك، فإن لم أجد أحدا جئتك، وإن أبطأت عليك فاعلم أني ~~أخذت. # فلما وافى البدوي البئر أخذ فقال لهم: أنا عبد الله أخو مسلم ليشغلهم عن ~~طلبه، فلما أبطأ البدوي على عبد الله علم أن الطلب قد أخذوه، فكر راجعا ~~وعاد إلى الجانب الغربي، وركب البحر إلى عينونا، ومضى إلى الحجاز. # وكان هاروق على عسكر للمعز، فرأى أصحابه عبد الله، فأفلت منهم على فرس ~~دهماء عربية ms126 بعد ما حط قبته وقطعها بسيفه، فظفر هاروق بنوقه، ووصل عبد الله ~~إلى المدينة النبوية، وجلس يتحدث في المسجد، فقبل له: إن الكتب قد سبقتك، ~~وبذل فيك مال عظيم. # فنهض لوقته، وتوجه إلى الأحساء، فاستنهض القرامطة، فلم يكن فيهم نهضة، ~~فوبخهم لما رأى من عجزهم، وقال: أروني ما عندكم من القوة التي تقاومون بها ~~صاحب مصر. # فأوقفوه على ما عندهم من المال والسلاح والكراع، فاستقله وقال: PageV01P204 # بهذا تقاومون صاحب مصر والشامات والمغرب؟. # وانصرف عنهم إلى العراق، فأتبعوه برجل يقال إنه من بني سنبر، فسمه في لبن ~~بموضع يقال له النصيرية على ميلين من البصرة فقام مائتي مجلس في ليلة ومات ~~بموضعه، فغسل وكفن وأدخل البصرة، فصلى عليه ودفن بها إلى أن جاء حسن بن ~~طاهر بن أحمد فحمله إلى المدينة. # وورد الخبر بذلك إلى المعز، فأخبر الناس بموته وموت المطيع، فإن ابنه سمه ~~أيضا، كما سمت القرامطة عبد الله أخا مسلم. # وأما أخبار القرامطة ففي كتب المؤرخين من المشارقة المتعصبين على الدولة ~~الفاطمية أن سبب انهزام الحسن بن أحمد القرمطي من عساكر المعز أن العرب لما ~~أنكت بمسير سراياها أرض مصر رأى المعز أن يفل عساكر القرامطة وجموعهم ~~بمخادعة حسان بن الجارح الطائي أمير العرب ببلاد الشام، وكان قدم مع ~~القرمطي في جمع عظيم قوى به عسكر القرمطي؛ فبعث المعز إلى ابن الجارح وبذل ~~له مائة ألف دينا على أن يفل عسكر القرمطي، فأجاب إلى ذلك، وأن المعز ~~استكثر المال، فعمل دنانير من نحاس وطلاها بالذهب، وجعلها في أكياس، ووضع ~~على رأس كل كيس منها دنانير يسيرة من الذهب ليغطي ما تحتها، وشدت الأكياس ~~وحملت إلى ثقة من ثقات ابن الجراح بعد ما كانوا استوثقوا منه وعاهدوه أنه ~~لا يغدر بهم، فلما وصل إليه المال تقدم إلى كبراء أصحابه بأن يتبعوه إذا ~~تواقف العسكران وقامت الحرب، فلما اشتد القتال ولي ابن الجراح منهزما ~~واتبعه أصحابه وكان في جمع كبير فلما رآه القرمطي وقد انهزم تحير، فكان ~~جهده أن قاتل بمن ms127 معه حتى تخلص، PageV01P205 # وكانوا قد أحاطوا به من كل جانب، فخشى على نفسه وانهزم، واتبعوه ودخلوا ~~عسكره، فظفروا منه بنحو من ألف وخمسمائة رجل، فأخذوهم أسرى، وانتهبوا ~~العسكر. # ولما كان لخمس بقين من شعبان أنفذ المعز أبا محمود إبراهيم بن جعفر إلى ~~الشام خلف القرمطي في عسكر يقال مبلغه عشرون ألفا، فظفر في طريقه بجماعة من ~~أصحاب القرمطي، فبعث بهم إلى مصر. # وسار الحسن بن أحمد القرمطي فنزل أذرعات، وأنفذ أبا الهيجا في طائفة إلى ~~دمشق. # وبعث المعز إلى ظالم بن موهوب العقيلي لما بلغه ما وقع بينه وبين ~~القرمطي، فاستماله ليكون عونا على القرمطي، فسار يريد بعلبك، فوافاه الخبر ~~بهزيمة القرمطي ونزول أبي الهيجا دمشق، فسار القرمطي ودخل البرية يريد بلده ~~وفي نيته العود. # وكان للحسن بن أحمد القرمطي هذا شعر، فمنه في أصحاب المعز لدين الله: # زعمت رجال الغرب أنى هبتها ... فدمى إذا ما بينهم مطلول # يا مصر إن لم أسق أرضك من دم ... يروى ثراك، فلا سقاك النيل # ولما كان في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة ورد إسحق وجعفر الهجريان من ~~القرامطة فملكا الكوفة، وخطبا لشرف الدولة، فانزعج الناس لذلك لما في ~~النفوس من هيبتهم وبأسهم، وكان من الهيبة ما أن عضد الدولة بن بويه وبختيار ~~أقطعاهم الكثير، وكان لهم ببغداد نائب يعرف بأبي بكر بن ساهويه يتحكم تحكم ~~الوزراء، فقبض عليه صمصام الدولة بن عضد الدولة، فلما ورد القرامطة الكوفة ~~كتب إليهما صمصام الدولة يتلطفهما ويسألهما عن سبب حركتهما، PageV01P206 # فذكرا أن قبض نائبهم هو السبب في قصدهم البلاد، وبثا أصحابهما فجبوا ~~المال، فأرسل صمصام الدولة العساكر ومعهم العرب، فعبروا الفرات إليه ~~وقاتلوه وأسروا، فانجلت الوقائع بينهم وبين العساكر عن هزيمة القرامطة، ~~وقتل مقدمتهم في جماعة، وأسر عدة، ونهب سوادهم، فرحل من بقي منهم من ~~الكوفة، وتبعهم العساكر إلى القادسية فلم يدركوهم، وزال من حينئذ بأسهم. # وفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة جمع شخص يعرف بالأصفر من بني المنفق جمعا ~~كثيرا وكان بينه وبين جمع من القرامطة وقعة شديدة ms128 قتل في مقدم القرامطة، ~~وانهزم أصحابه وقد قتل منهم وأسر كثير، فسار الأصفر إلى الأحساء وقد تحصن ~~منه القرامطة بها، فعدى إلى القطيف وأخذ ما كان فيها من مال وعبيد ومواشي، ~~وسار بها إلى البصرة ...... PageV01P207 # ولنرجع إلى بقية أخبار المعز لدين الله أبي تميم معد الفاطمي باني ~~القاهرة فنقول: لما انهزم الحسن بن أحمد القرمطي خرج في شعبان من سنة ثلاث ~~وستين وثلاثمائة الأشراف والقاضي أبو طاهر، والفقهاء، والشهود، ووجوه ~~التجار، وكثير من الرعية إلى المعسكر لتهنئة الأمير عبد الله بن المعز ~~بالفتح، وكان معسكره بظاهر مشتول، فأكرمهم وأضافهم، وانصرفوا من الغد. # وللنصف من شعبان صرف المعز الحسن بن عبد الله عن الأحباس بمحمد بن أبي ~~طاهر القاضي، ومحمد بن إقريطش ضمانا بألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم في كل ~~سنة، تدفع إلى المستحقين حقوقهم، ويحمل الباقي إلى بيت المال. # وطيف بأربين رأسا جيء بها من الصعيد من أصحاب أخي مسلم. # وفي أول شهر رمضان دخل الأمير عبد الله بعساكره إلى القاهرة بعد فراغه من ~~قتال القرامطة بالأسارى والرؤوس وهو بمظلته فجلس له أبوه المعز في القبة ~~على باب قصره لينظره، فلما عاين الأمير عبد الله مجلس أبيه المعز ترجل وقبل ~~الأرض، ونزل أهل العسكر كلهم بنزوله، ومشى إلى القصر والناس معه مشاة. # وورد الخبر بدخول أبي محمود إلى الرملة بغير قتال، وأنه استأمن إليه ~~جماعة من عسكر القرامطة. # وفيه قبض المعز على جماعة من السعاة والعيارين الذين يؤذون الناس وسجنهم. # ووافى رسول ملك الروم برسالة، فاجتمع الناس للنظر إليه، وجلس له المعز ~~على السرير الذهب، فدخل إليه، وقبل الأرض مرارا، وأذن له بالجلوس على ~~وسادة، وكان علي بن الحسين قاضي أذنة حاضرا فقال: يا أمير المؤمنين صلى ~~الله عليك، هذا وأشار إلى الرسول آفة على الإسلام، والمؤذي للمسلمين ~~والأسارى. PageV01P208 # فنظر إليه المعز منكرا عليه وأخرج؛ وتكلم الرسول في الهدنة، وأخذ المعز ~~كتابه، وأنزل في دار. # وفيه أطلق المعز طنجمية؟، وهم عشرة لكل واحد ثمانمائة رباعى ذهبا، وزنها ~~مائتي مثقال. ms129 # ووردت الأخبار بأن القرمطي فر على وجهه، وتمزقت عساكره، فلم يفلحوا إلى ~~اليوم. # وطيف بأسارى من القرامطة على الإبل بالبرانس، وعدتهم ألف وثلاثمائة، ~~مقدمهم مفلح المنجمي ببرنس كبير على جمل بثوب مشهر مكتوب على ظهره اسمه وما ~~عمل، وخلفه جماعة من وجوه القرامطة، وبين أيديهم الرؤوس على الحراب وعدتها ~~آلاف، وكان يوما عظيما واجتماعا كثيرا؛ فلما فرغوا من التطواف أعتقلوا ~~بالقاهرة. # وفيه خرج المعز على فرس، وقد اجتمع الناس من الأشراف والقواد والعمال ~~والكتاب والمغاربة، فوقفوا بين يديه، فقال لهم: قد أنعم الله عز وجل وتفضل ~~وخول، ومكن، ونريد الحج وزيارة قبر جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والجهاد، فايش يقصر عن هذا؟ إن قلت ليس عندي مال، إني لكاذب؛ وإن قلت ليس ~~عندي كراع وسلاح، إني لكاذب؛ وإن قلت ليس عندي رجال، إني لكاذب؛ اللهم أعني ~~بنية أقوى من نيتي. # وفيه خرج الأمر بقتل الأسارى الذين في الاعتقال، فقتلوا عن آخرهم، وحفرت ~~لهم أخاديد ودفنوا، فلما بلغ المعز ذلك قال: والله ما أمرت بقتلهم، ولقد ~~أمرت بإطلاقهم، ويدفع لكل منهم ثلاثة دنانير. # واغتم لذلك وتصدق وأعتق. # وورد الخبر بقتل علي بن أحمد العقيقي من الأشراف، وابنه ذا من يح كذا ~~الحسيني وأن البادية قتلهم بالصعيد، وكانوا من أصحاب أخي مسلم. # وفيه قبض أبو إسماعيل الرسي على ابنه علي بن إبراهيم، وأخبر المعز، فقال ~~له المعز: يكون عندك محتفظا به، وكان أيضا من أصحاب أخي مسلم الذين ظاهروا ~~مع القرمطي. PageV01P209 # وبعث أبو محمود بعمال الشام، فجاسوا في بستان الإخشيد بالقاهرة. # وفي يوم عيد الفطر ركب المعز وصلى بالناس على رسمه وخطب. # وفيه ورد الخبر بدخول أبي محمود إبراهيم بن جعفر إلى دمشق، وتمكن سلطانه ~~بها وقوته، وأنه قبض على جماعة أبي الهيجاء القرمطي وابنه، واستأمن إليه ~~جماعة من الإخشيدية والكافورية، وأخذ محمد بن أحمد بن سهل النابلسي، وسيره ~~مع الجماعة إلى المعز. # وكان من خبر أبي محمود إبراهيم بن جعفر أنه سار من الرملة، ونزل على ~~أذرعات، وقد سار ms130 ظالم بن موهوب العقيلي نحو دمشق بمراسلة أبي محمود ليتفقا ~~على أبي الهيجاء القرمطي، وكان أبو الهيجاء بن منجا القرمطي بدمشق في نحو ~~الألفي رجل، وقد طلب منه الجند مالا، فقال: ما معي مال، ووافى ظالم بن ~~موهوب العقيلي عقبة دمر، فخرج إليه أبو الهيجاء وابنه بمن معه، ففر عدة من ~~الجند، ولحقوا بظالم مستأمنين إليه، فقوى بهم، وسار بهم فأحاط بأبي ~~الهيجاء، فلم يقدر على الفرار، فأخذه وابنه، بعد أن وقعت فيه ضربة، وانقلب ~~العسكر كله مع ظالم، فملك دمشق لعشر خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وستين، ~~فحبس أبا الهيجاء وابنه، وقبض على جماعة من أصحابه، وأخذ أموالهم. # ثم إنه طلب شيخا من أهل الرملة يقال له أبو بكر محمد بن أحمد النابلسي ~~كان يرى قتال المغاربة وبغضهم ويرى أن ذلك واجب ويقول: لو أن معي عشرة أسهم ~~لرميت تسعة في المغاربة وواحدا في الروم. # وكان الحسن بن أحمد القرمطي لما انهزم عن مصر، سار أبو بكر النابلسي إلى ~~دمشق، فأخذه ظالم بن موهوب وحبسه، ونزل أبو محمود على دمشق لثمان بقين من ~~رمضان، فتلقاه ظالم، فأنس به أبو محمود، فأخرج إليه أبا الهيجاء بن منجا ~~القرمطي وابنه وأبا بكر بن النابلسي، فعلم لكل واحد منهم قفصا من خشب، ~~وحملهم إلى مصر، فدخلوا إلى القاهرة في شوال، فطيف بهم على الإبل بالبرانس ~~والقيود، وابن النابلسي ببرنس على جمل وهو مقيد، والناس يسبونه ويشتمونه ~~ويجرون برجله من فوق الجمل. PageV01P210 # وكان معهم بضع وعشرون رجلا من القرامطة على الإبل، فلما فرغوا من ~~التطواف، ردوا إلى القصر، فعدل بأبي الهيجا وابنه وبقية القرامطة إلى ~~الاعتقال، وسيق ابن النابلسي إلى المنظر ليسلخ، فلما علم بذلك رمى بنفسه ~~على حجارة ليموت، فرد على الجمل، فعاد ورمى نفسه ثانيا، فرد وشد وأسرع به ~~إلى المنظر، فسلخ وحشى جلده تبنا، ونصبت جثته وجلده على الخشب عند المنظر. # وأقام أبو محمود بدمشق وهي مضطربة قد كثر فيها الغوغاء وحمال السلاح، ~~وعظم النهب في القرى، وأخذت القوافل، ms131 فلم يقدر أبو محمود على ضبط أصحابه ~~لقلة ماله، فلم يكونوا يفكرون فيه ولا يرجعون عن شيء ينهاهم عنه، وأخذوا في ~~النهب، وظالم بن موهوب يأخذ أموال السلطان من البلد ولا يدفع إلى أبي محمود ~~شيئا منها، ويحتج أنه أخذ البلد من أبي الهيجاء وسار إليه بمكاتبة المعز ~~له. # هذا وكل من الفريقين يخاف الآخر، وقد علم ظالم أن أهل دمشق تكره ~~المغاربة، فكان يدارى الأمر، وكثر قطع المغاربة للطريق، فامتنع الناس من ~~الذهاب والمجيء، وهرب أهل القرى إلى المدينة، وأوحش ظاهر البلد، فوقع بين ~~المغاربة وبين أهل البلد الحرب أياما كثيرة، قام فيها ظالم مع أهل البلد ~~وقاتل المغاربة، فانهزم وسار إلى بعلبك، ووقع الحريق في البلد، واشتد ~~القتال، فخرج وجوه أهل البلد إلى أبي محمود ولطفوا به، فقال لهم: ما نزلت ~~لقتالكم، وإنما نزلت لأرد هؤلاء الكلاب عنكم يعني أصحابه. # ففرح الناس واستبشروا وجاءوا إلى خيمته، واختلطت الرعية بأصحابه، وزال ~~عنهم الخوف، ودخل المغاربة فيما يحتاجون إليه، فولى أبو محمود الشرطة ~~لرجلين: أحدهما مغربي، والآخر من الإخشيدية، فدخلا في جمع عظيم إلى المدينة ~~بالزمر، فجلسوا في الشرطة، وكان يطوف لهم طوف في الليل، ومع ذلك فلم ينكسر ~~حمال السلاح ممن يطلب الفتنة، فرهب أبو محمود على مشايخ البلد وتهددهم، ~~فثار أهل الشر من الدماشقة، ورأس الشطار فيهم ابن الماورد بسبب منازعة أهل ~~البلد مع مغربي بسبب صبي، فأراد المغربي أخذه، فرفع البلدي السيف وقتل ~~المغربي في السوق، فعادت الفتنة، وشهروا السلاح، فاضطرب البلد، وغلقت PageV01P211 # الأسواق، وثار العسكر من جهة المقتول، وصاح الناس في البلد بالنفير، ~~وكبروا على الأسطحة، وخرج ابن الماورد في جماعة، فاشتد القتال بين ~~الفريقين، وألقى المغاربة النار في الدور، فخرج وجوه البلد ومشايخهم إلى ~~أبي محمود، وما زالوا به حتى بعث إلى العسكر وقد كادوا يغلبون أهل البلد ~~فكفهم عن القتال؛ وكان ذلك في آخر ذي الحج، فسكن الأمر، وخرج الناس إلى أبي ~~محمود، ودخل صاحب الشرطة المغربي، إلا أن أهل الغوطة كانوا قد أووا ms132 إلى ~~البلد خوفا من النهب، وكان فيهم ذعار، وفي المدينة قوم من أهل الشر، ~~فاجتمعوا يأخذون المستضعفين، ويجبون مستغلات الأسواق، ويكبسون المواضع ~~وينتهبونها، فحسنت أحوالهم، وكانوا يكرهون تمكن السلطان، فهلك لذلك كثير من ~~الناس. # ومر صاحب الشرطة في الليل وهو يطوف البلد برجل معه سيف، فأخذه وقتله، ~~فأصبح أهل الشر وقد خشوا من تنديد؟ السلطان لهم، فثاروا بالسلاح إلى صاحب ~~الشرطة، ففر منهم هو وأصحابه إلى معسكرهم، وصعد العامة إلى المآذن، فصيحوا: ~~النفير إلى الجامع. # فثار الناس بالسلاح، وركب عسكر أبي محمود وطرحوا النار فيما بقى، واشتد ~~القتال، وكثر القتل والحريق، وعظم الخوف على البلد، وعلا الضجيج، وذلك ~~لثلاث خلون من المحرم سنة أربع وستين. # فبات الناس على ذلك، وأصبحوا وقد اشتدت الحرب وقويت الدماشقة ونشأ فيهم ~~من أهل الشر غلام يقال له ابن شرارة وقد ترأس، وآخر يقال له ابن بوشرات ~~وابن المغنية، وقسم لكل واحد منهم حزب بأعلام وأبواق، فأظهرت المغاربة ~~قوتها وبذلوا سيوفهم في كل من قدروا عليه من الرعية ممن وجدوه بظاهر البلد. # واستمر القتال أكثر من المحرم، فخرج قوم المستورين إلى أبي محمود وما ~~زالوا به حتى أجابهم إلى الصلح، وصرف صاحبي شرطته، وولى أبا الثريا من ~~بانياس أميرا كان على الأكراد، فعبر البلد أول صفر وقد أكمن له عدة من أهل ~~الشر، فثاروا به، ووضعوا السلاح في أصحابه، فقتل من أصحابه، وانهزم إلى أبي ~~محمود، فركب العسكر وأخذوا كثيرا من PageV01P212 # الناس، ووقع النفير في البلد، واستمر القتال بين الفريقين صفر وربي ~~الأول، ثم وقع الصلح في أثناء ربيع الآخر. # وولى محمود جيش بن الصمصامة البلد، فأقام أياما؛ ثم إن الناس ثاروا ~~وقتلوا عدة من المغاربة، وساروا يريدون جيشا، ففر منهم، ونهبوا ما كان له، ~~فعادت الحرب وطرح النار في المواضع. # وأمر أبو محمود بأن تقصد أهل الشر دون غيرهم من الناس، غير أن الرعية ~~كانت تقاتل معهم، فاشتد القتال إلى أول جمادى الأولى، ونصبوا الحرب يوما ~~بعد يوم من بكرة النهار إلى آخره، والبلد ms133 ممتنع في جميع هذه الحروب، ~~والقتال من ظاهره، ومعظمه على باب كيسان إلى باب شرقي، وباب الصغير إلى باب ~~الجابية. # وكان عسكر أبي محمود من المغاربة عشرة آلاف سوى من تبعهم من غيرهم ومن ~~حضروا من الساحل، فكانت الحرب مستمرة، تارة تظهر المغاربة على الدماشقة، ~~وتارة تهزم الدماشقة المغاربة، وكانت المغاربة لا تظفر بأحد إلا قطعوا ~~رأسه، فقتلوا خلقا كثيرا. # وخلت الغوطة بحيث لم يبق فيها أحد، وانحصر البلد فلم يقو واحد يدخل إليه ~~بشيء البتة، فغلت الأسعار، وبطل البيع والشراء، وقطع الماء عن البلد، فعدم ~~الناس القنى والحمامات، فكانت الأسواق مغلقة، والنساء جلوس على الطرق، ~~والرجال تصيح: النفير، فساءت حال كثير من الناس في هذه الفتنة، وماتوا على ~~الطرق من القر والبرد، وهم مع ذلك مجتهدون في القتال، ونصبوا العرادات على ~~أبواب البلد، فلم تبطل الحرب يوما من الأيام، وفي الليل تضرب الأبواق فيثور ~~الناس من فرشهم، ويسيرون بالمشاعل فيقيمون إلى الصباح. # فلما تفاقم الأمر، واشتد البلاء، وقوى أهل الشر من أهل البلد، وأكلوا ~~أموال الناس، كتب مشايخ البلد إلى محمود في الصلح، وأحضروا ابن الماورد ~~وابن شرارة وزجروهم، وانصرفوا على أن أحدا لا يعارض السلطان في البلد، وقد ~~فتح المسلمون المصاحف، والنصارى الإنجيل، واليهود التوراة، واجتمعوا ~~بالجامع، وضجوا بالدعاء، وداروا المدينة وهي منشورة على رؤوسهم. PageV01P213 # وبلغ المعز ما وقع بدمشق من الحروب، وما صارت إليه من الخراب، فكتب إلى ~~ريان الخادم وهو بطرابلس أن يسير إلى دمشق، وينظر في أمر الرعية، ويصرف أبا ~~محمود عن البلد؛ فقدم ريان إلى دمشق، وأمر أبا محمود بالرحيل، فسار في عدد ~~قليل من عسكره، وتأخر أكثرهم مع ريان، ونزل أبو محمود في الرملة، وورد عليه ~~كتاب المعز يوبخه؛ وكان صرف أبي محمود عن دمشق في شعبان سنة أربع وستين. # هذا ما كان من خبر دمشق. # وأما القاهرة فإنه طيف فيها في ذي القعدة سنة ثلاث وستين بنيف وأربعين ~~رأسا جيء بها من الصعيد. # وفي ذي الحجة نودى أن لا تلبس امرأة سراويل ms134 كبارا، ووجد سراويل فيه خمس ~~شقاق، وآخر قطع من ثماني شقاق دبيقي. # وفيه هلك رسول ملك الروم، فسيره المعز في تابوت إلى بلد الروم. # وركب المعز لكسر الخليج. # وفيها منع المعز من وقود النيران ليلة النيروز في السكك ومن صب الماء يوم ~~النوروز. # وكثر الإرجاف بمسير الروم إلى أنطاكية. # وفي يوم عرفة نصبت الشمسة في القصر. PageV01P214 # وصلى المعز صلاة العيد، وخطب على الرسم الذي تقدم ذكره، وانصرف إلى ~~القصر، فأطعم على الناس. # وانتهت زيادة ماء النيل إلى سبع عشرة ذراعا، وجرى الرسم في الجائزة ~~والخلع والحملان لابن أبي الرداد على العادة. # وفيها حدث وباء بمصر فمات خلق كثير. # ومات القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون. PageV01P215 # ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمائة # والخليفة أمير المؤمنين المعز لدين الله معد. # والخراج ووجوه الأموال إلى يعقوب بن كلس وعسلوج. # والقاضي أبو طاهر محمد بن أحمد. # والشرطة السفلى إلى جبر بن القاسم. # والشرطة العليا إلى جبر المسالمي. # وصاحب المظلة شفيع الخادم الصقلبي. # والطبيب موسى بن العازار. # وإمام الجمعة عبد السميع بن عمر العباسي. # وصاحب بيت المال محمد بن الحسين بن مهذب. # وإمام الخمس الحسن بن موسى الخياط. # والمحتسب عبد الله بن ذلال. # وفي المحرم قدم أفلح الناشب من برقة، فخرج إليه بالجيزة وجوه الدولة ~~والقاضي والرعية وأنزل بمكان. # وورد الخبر بخلع نفسه وبيعة ابنه الطائع. # وأطلق أبو الهيجاء بن منجا القرمطي وابنه، وخلع عليه وحمل، وأطلق معه ~~بضعة عشر من القرامطة. # ولست بقين من ربيع الآخر توفيت أم المعز. # وفي جمادى الأولى أطلق المعز الجائزة لوفد الحجاز من الأشراف وغيرهم، ~~ومبلغها أربعمائة ألف درهم. PageV01P216 # وقلد أبا الحسن محمد بن محمد بن عبيد الله بن الحسن الحسيني الكوفي قضاء ~~الشامات، ودار الضرب، والحسبة، وحمل على بغلة وبرذون ومعه ثلاثة عشر تخت، ~~وستة آلاف درهم، وكتب له سجل. # وضمن أبو عبد الله الحسن بن إبراهيم الرسي، وأبو طاهر سهل بن قمامة خرج ~~الأشمونين وحربها، وخلع عليهما، وسارا بالبنود والطبول. # وضمن ms135 أبو الحسن على بن عمر العداس كورة بوصير وأعمالها، وخلع عليه وحمل، ~~وسار بالبنود والطبول. # واعتل الأمير عبد الله بن المعز، ومات لسبع بقين منه بعد جدته بتسعة عشر ~~يوما فجلس المعز للعزاء، ودخل الناس بغير عمائم، وفيهم من شوه نفسه وأظهر ~~الجزع الشديد، فكان المعز يسكنهم ويقول: اتقوا الله، وارجعو إلى الله. # وغلقت الأسواق، ثم جلس الناس بزيهم، ومنهم قيام، فأمر القاضي محمد بن ~~النعمان بغسله، والمعز يتحدث، ويسأل عن آي من القرآن، وعن معانيها، لأن ~~القراء كانوا يقرءون، ووصف ابنه عبد الله بالفضل والبر، فقال له أبو جعفر ~~مسلم: أعوذ بالله من فقد الولد البار فقال له المعز: فما تقول في الولد ~~العاق والأخ العاق؟ يعرض له بابنه جعفر وبأخيه عبد الله، وكونهما مع ~~القرامطة. # فقال له أبو جعفر مسلم: إذا بليت بالولد العاق والأخ العاق كان في الله ~~وفي بقاء مولانا منهما عوض. # فقال له المعز: لا صان الله من لا يصونك، ولا أكرم من لا يكرمك، ولا أعز ~~من لا يعزك، ولا أجل من لا يجلك. PageV01P217 # فقام أبو جعفر وقبل الأرض هو وجماعة من في المجلس، وشكروه على قوله. # ثم خرج تابوت عبد الله، وحوله أهل الكوفة بالصراخ والبكاء، فصلى عليه ~~المعز، ودخل معه حتى واراه في القصر. # وفي جمادى الآخرة ورد الخبر بموت عبد الله أخي مسلم بظاهر البصرة كما ~~تقدم، وبموت المطيع ببغداد، وأن موته كان في المحرم، وأن ابنه الطائع سمه، ~~وأن فتنة وقعت ببغداد بين الترك والديلم، وبين الرعية والشيعة، وغلا السعر، ~~ونهبت الأسواق والدور، وأن أبا تغلب بن حمدان رحل إلى بغداد متوسطا بين ~~الطائع وبختيار. # وفيه سار نصير الخادم الصقلبي عبد المعز إلى الشام في عسكر كثير، ودخل ~~بيروت. # وفي أول رجب أصلح جسر القسطاط، ومنع الناس من ركوبه، وقد كان أقام ستين ~~معطلا. # وركب المعز إلى المقس، وسار على شط النيل، ومعه أبو طاهر القاضي يحدثه، ~~حتى عبر الجسر إلى الجزيرة، فمضى إلى المختار. # وفيه وردت رؤوس من المغرب ms136 عدتها ثلاثة آلاف، فطيف بها، وذلك أن خلف بن ~~جبر صعد في بني هواس إلى قلعه منيعة، فاجتمع عليه كثير من البربر، فزحف ~~إليه يوسف ابن زيرى، فكانت بينه وبينهم حروب عظيمة قتل فيها خلائق كثيرة ~~حتى أخذ القلعة في عاشر شعبان، ففر خلف، وقتل بها آلافا كثيرة، بعث منها ~~سبعة آلاف رأس إلى القيروان، فطيف بها، ثم حمل منها إلى مصر ما ذكر. # وفيه وقع الجدري في كثير من الناس، وأقام شهورا. # وكانت وقعة مع الروم بطرابلس. # وفي شعبان وصل أفتكين بعسكر من الأتراك إلى دمشق، وورد كتابه على المعز ~~وهو يستأذن في المسير، فشاور المعز أبا جعفر مسلم، فقال: PageV01P218 # هم قول غدر، فإن تأذن لهم غلبوا على دمشق. # فشرع المعز في تعبئة العساكر وإنفاذها لقتاله. # وكان من خبر أفتكين أن الديلم والأتراك اختلفوا ببغداد، فأراد عز الدولة ~~أبو منصور بختيار بن معز الدولة أبي الحسين أحمد بن بويه الديلمي سلطان ~~العراق أن يقبض على سبكتكين التركي، وكانت الأتراك تتعصب معه وهم في أربعة ~~آلاف هو أميرهم، فغلبوا بختيار وخرج عن بغداد، وغلب سبكتكين التركي عليها، ~~وكان في قوة من المال والسلاح والرجال، فلم تطل مدته بعد غلبته على بغداد ~~وهلك، فاستخلف من بعده على الأتراك أفتكين الشرابي مولى معز الدولة بن ~~بويه، وكان شجاعا ثابتا في الحرب، فسار بالأتراك من بغداد لحرب الديلم، ~~فجرى بينهم قتال عظيم. # وقاتل أفتكين حتى تفرق من حوله إلا يسيرا، وانهزم صاحب رايته، فلحقه ~~وضربه باللت وأخذها من يده، وحمل على الديلم فقتل منهم كثيرا باللتوت، ثم ~~حمل عليهم الديلم فانهزموا وأفتكين في نحوا الأربعمائة من الأتراك، فأخذ ~~على الفرات حتى نزل الرحبة، ثم أخذ في البر وقد أظهر من المهابة ما لم ~~يتجاسر العرب على نهبه، فنزل جوشية من قرى الشام، فجمع له ظلم بن موهوب ~~العقيلي وهو حينئذ على بعلبك من قدر عليه من العرب، وأنفذ إلى أبي محمود ~~قبل أن يسير عن دمشق يطلب منه عسكرا، فأنفذ إليه جماعة، وخرج ms137 يريد أفتكين ~~وهو في ألفين فسار يريد جوشية. # وبعث أبو المعالي ابن حمدان بشارة الخادم من حمص في ثلاثمائة رجل إلى ~~جوشية مددا لأفتكين على ظالم، فبعث بشارة إلى ظالم فصرفه عن محاربة أفتكين ~~وعاد إلى بعلبك، وسار بشارة بأفتكين، فنزل بأفتكين بظاهر حمص، ووعده عن ~~مولاه أبي المعالي بكل جميل، وحمل إليه أبو المعالي وأكرمه، فسار إلى أبي ~~المعالي، فأجلسه على كرسي. # وسأله أفتكين أن يوليه كفر طاب ويكون تبعا له، فما هو إلا أن ورد عليه ~~رسول بن الماورد الشاطر من دمشق بأن يسير إلى دمشق، وأنه يخرج إليه بأهل ~~البلد، ويقاتلوا عسكر المغاربة، ويملكوه عليهم، فوقع ذلك منه بموقع، فبعث ~~إلى أبي حمدان يقول: PageV01P219 # إني نظرت في الذي وليتني فإذا هو لا يقوم بمن معي من الغلمان، وإني أريد ~~أن أرجع إلى بغداد. # فقال: افعل ما تراه. # فسار كأنه يريد أن يأخذ طريق البلد إلى بغداد، وأخذ نحو دمشق، وقد نزل ~~ريان عليها، وجاءته أخبار طرابلس: بأن العدو قد خرج، ونحن نخاف علي البلد ~~أن يؤخذ، فانزعج وخاف على طرابلس، وإذا بالخبر ورد عليه بأن أفتكين قد توجه ~~نحوه بموافقة أهل البلد، فعرض عساكره، وبرز يريد عقبة دمر. # وأصبح أفتكين على ثنية العقاب، ولم يعلم بأن ريان الخادم قد ارتحل عن ~~البلد بجميع أصحابه حتى لم يبق منهم أحد، فوصل إلى البلد وقد أجهده وأصحابه ~~التعب لأيام بقيت من شعبان. # ونزل بظاهر البلد، فخرج الناس إليه، واستبشروا به، وسألوه أن يملكهم ~~ويزيل المصريين ويكف عن الأحداث، فأجابهم، واستحلف على الطاعة والمساعدة، ~~وحلف لهم على الحماية وكف الأذى عنهم منه ومن غيره. # وقطع خطبة المعز وخطب للطائع، وقمع أهل العبث، فهابته الكافة، وصلح به ~~كثير من أمر البلد، وأقام أياما، وشاع خبر العدو أنه قد أقبل في جيش عظيم، ~~فاستعدوا لقتاله، ونزل العدو على حمص، فلم يعرض لأحد بأرض حمص، لهدنة كانت ~~بينه وبين أبي المعالي ابن حمدان. # وسار أفتكين إلى بعلبك في طلب ظالم، ففر منه، فنزل ms138 أفتكين بعلبك، وكانت ~~العرب قد استولت على ما خرج عن سور دمشق، فأوقع بهم أفتكين، وقتل كثيرا ~~منهم، وظهر منه حسن تدبيره وقوة نفس وشجاعة، فأذعن الناس له، وأقطع البلاد، ~~فكثر جمعه، وتوفرت أمواله، وثبت قدمه، وملك بعلبك من ظالم بن موهوب، فقصده ~~الروم وعليهم الدمستق، فقاتلهم أشد قتال، ثم كثروا عليه فانهزم. PageV01P220 # ودخل الروم بعلبك، فأخذوا منها ومما حولها سلبا كثيرا، وأحرقوا؛ وذلك في ~~شهر رمضان، وانتشرت خيلهم وسراياهم في أعمال بعلبك والبقاع تحرق وتسبى، ~~وامتدوا إلى الزبداني، فأخذ الناس عليم المضايق، ومنعوهم من الدخول إلى ~~الوادي. # وخرج من دمشق قوم فخاطبوا كبير الروم في الهدنة، فطلب منهم مالا لينصرف ~~عن البلد، فخرج إليه أفتكين ليخاطبه عن البلد، وأهدى إليه من كل ما كان معه ~~من بغداد، فأكرمه وقربه، فخاطبه أفتكين في أمر البلد، وأعلمه بأنه خراب ليس ~~فيه غير حمال السلاح ولا مال فيه، فقال له: ما جئنا لنأخذ مالا، وإنما جئنا ~~لنأخذ الديار بأسيافنا، وقد جئتنا بهدية، وقد أجبناك إلى ما طلبت، وغرضنا ~~فيما نأخذه من المال أن يقال بلد ملكناه فأخذنا هديته. # فقال أفتكين: هذا بلد ليس لي فيه إلا أيام يسيرة، ولم آمر فيه ولم أنه، ~~وقد خرج معي إليك رجل له يد في البلد، يمنعني من كل ما أفعله. # وقد كان خرج معه علاء بن الماورد، فقال: ومن يدفعك عما تريد؟ قال: هذا ~~وأصحابه. # فأمر بالقبض على بن الماورد، فقبض وقيد، وجرت الموافقة مع أفتكين على أنه ~~يجبي المال ويكون على سبيل الهدنة، ويكف عن دمشق وأعمالها، فعاهده ملك ~~الروم على ذلك، وعاد أفتكين إلى دمشق، افثار أصحاب ابن الماورد بالسلاح ~~يريدون أفتكين، فمنعهم الناس. # وكان أبو محمود إبراهيم بن جعفر حينئذ بطبرية، فبلغه خروج أفتكين إلى ~~الروم، فسير جيش بن الصمصامة في نحو الألفين ليأخذ دمشق، فسرى من طبرية، ~~وكان شبل بن معروف العقيلي على شينيه وليس لجيش به علم، فركب إليه شبل في ~~جمع من العرب فواقعوه فانهزم، وأتى الخبر إلى أفتكين ms139 وقد خرج من عند ملك ~~الروم، فخرج الأتراك وأدركوهم فقتلوا منهم PageV01P221 # كثيرا، وأخذ جيش أسيرا، فبعث به أفتكين إلى الروم وهو مقيم على عين الجر ~~ينتظر المال. # وجبى له أفتكين من دمشق ثلاثين ألف دينار بالعنف، ورحل فنزل على بيروت ~~وبها نصير الخادم من قبل المعز، فلم يزول الرومي يراسل أهل بيروت: إني لا ~~أريد خراب بلدكم، وإنما أريد أن تسلموا إلي هذا الخادم ومن معه، وأجعل ~~عندكم من قبلي من يدفع عن بلدكم. # حتى خرج إليه نصير ومن معه، فأخذهم، وولى على بيروت من قبله شخصا في ~~مائتي رجل. # وسار فنزل على طرابلس وفيها ريان الخادم الذي كان على دمشق في خلق من ~~المغاربة، فقاتلوه أشد قتال. # ونزل بالرومى مرض فرحل إلى بلده، وهلك في الطريق. # وتمكن أفتكين من دمشق، فأنفذ شبل بن معروف العقيلي إلى طبرية، ففر عنها ~~أبو محمود بمن معه إلى الرملة. # وقدمت جيوش المعز، وفيها كثر مخافتهم العرب، واقتتلوا بجوار بيت المقدس ~~مع العرب، فظهر العرب عليهم وهزموهم، وقتلوا كثيرا منهم وسيروا عدة منهم ~~إلى دمشق، فطيف بهم في الأسواق على الجمال، وملأوا بهم الحبوس، فأقاموا في ~~ضر، ثم ضربوا أعناقهم؛ وكان مع ذلك أفتكين طوال مقامه بدمشق يكاتب القرامطة ~~ويكاتبونه. # وركب المعز يوم عيد الفطر، فصلى وخطب على رسمه المعتاد، وورد عليه الخبر ~~بوقعة ريان بالرومى وهزيمة الروم وقد أسر ريان منهم وقتل وغنم فسر المعز ~~بذلك وتصدق، ودخل الناس عليه فهنأوه، وقال الشعراء في ذلك، وفي خلع المطيع ~~شعرا كثيرا. # وبعث إلى الحجاز بالأموال والنفقة وكسوة الكعبة. # ووردت رؤوس من المغرب فطيف بها. # وقدم إليه من المغرب ماء للشرب من العين التي أجراها. # وأنفذ رسولا إلى القرامطة برسالة إلى الأحساء. PageV01P222 # وفيه ثارت فتنة بين المصريين والمغاربة، فقبض على جماعة وضربوا. # وفي ذي القعدة نودي لخمس خلون منه في الجامع العتيق: الحج في البر. # وكان قد انقطع منذ سنين. # وفيه مات عبد الله بن أبي ثوبان، وكان قد نصبه المعز للنظر في مظالم ~~المغاربة، ms140 فتبسط في الأحكام بين المصريين، وقال في كتبه: قاضي مصر ~~والاسكندرية، وشهدت عنده شهود مصر من المعدلين. # وفيه خاطب المعز علي بن النعمان بالقضاء، وأذن له في النظر في الأحكام، ~~فجلس في داره ومسجده ونظر في الأحكام. # وطيف برؤوس من الأعراب والروم وردت من الشام ومن الصعيد. # وقدم للنصف منه جواب القرامطة من الأحساء، فخلع على الرسول وعلى جماعة ~~معه، وحملوا. # وفيه طلع نجم الذنب عند الفجر وله شعاع كبير، فأقام أياما، واضطرب الناس، ~~ولما رآه المعز استعاذ منه. # وطلبت العبيد الصقالبة من جميع الناس، وأخذوا بالثمن. # وانفرد عسلوج بن الحسن بالديوان والنظر في أبواب المال كلها. # وفي مستهل ذي الحجة طيف برؤوس على رماح يقال عدتها إثنا عشر ألف رأس، ~~وردت من المغرب، فيها رأس خلف بن جبر، وقد ثار بالمغرب واجتمع عليه البربر، ~~فظفر به يوسف ابن زيرى، وقتل لخمس خلون من رمضان هو وجماعة من أهله. # واعتقل جماعة من الإخشيدية والكافورية وطولبوا ببيع عقارهم ورد ما باعوا ~~منه. # ووردت هدية أبي محمود من الشام، وهي مائة فارس، وأحمال مال. # وبرز ركب المعز يوم عيد النحر على رسمه، فصلى وخطب، وأطعم الناس بالقصر. # وكسر الخليج، ولم يركب إليه المعز. PageV01P223 # وفي يوم النوروز زاد اللعب بالماء ووقود النيران، وطاف أهل الأسواق ~~وعملوا فيلة، وخرجوا إلى القاهرة بلعبهم، فأقاموا على ذلك ثلاثة أيام، ~~وأظهروا السماجات في اللعب بالأسواق، فأمر بالنداء أن يكف عن اللعب، وأخذ ~~قوم فطيف بهم وحبسوا. # وأمر أن يكون في الشرطة السفلى فقيهان يجلسان، ثم صرفا. # وورد الخبر بوقعة كانت لأبي محمود مع ابن الجراح الطائي بناحية طبرية. # وأمر المعز بتغيير المكاييل والموازين، وجعلت الأرطال من رصاص. # وأمر المعز القاضي أبا طاهر وشهوده أن يرفعوا إليه أخبار البلد ولا ~~يكتموه شيئا، ونصبوا لذلك رجلا فامتنع. # وبلغ النيل بزيادة الجديد سبع عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا، فأمر لابن أبي ~~الرداد بالجائزة والخلع والحملان على عادته. # ومات في هذه السنة: أبو جعفر أحمد بن القاضي النعمان بن محمد بمصر ms141 يوم ~~الثلاثاء خامس ربيع الأول. # وحسن بن سعيد الأفرنجي بالقاهرة، فصلى عليه المعز ودفن بها. # وإسماعيل بن لبون الدنهاجي، وصلى عليه المعز. # وعلي بن الحرسي صاحب الخراج. # ومات حسن بن رستق الدنهاجي. # ومات أيضا أبو الفرج محمد بن إبراهيم بن سكرة في ربيع الآخر PageV01P224 ### || ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمائة @YY365 # والأمر على حاله إلا أن القضاء بيد أبي طاهر محمد بن أحمد، واشترك معه ~~القاضي علي بن النعمان، فكان كل منهما ينظر في داره. # وتثاقل يعقوب بن كلس عن حضور الديوان، وانفرد بالنظر في أمور المعز في ~~قصره. # وفي المحرم عمرت كنيسة بقصر الشمع. # وورد سابق الحاج فأخبر بإقامة الدعوة بمكة ومسجد إبراهيم يوم عرفة ومدينة ~~الرسول، وسائر أعمال مكة، وبتمام الحج. # وكان هذا أول موسم دعى فيه للمعز بمكة ومدينة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فسر المعز بذلك، وتصدق شكرا لله. # وورد كتاب أمير مكة جعفر بن محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن عبد الله ~~بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكتاب أخيه ~~الحسن بن محمد الحسني وهو أخو صفية امرأة عبد الله بن عبيد الله أخي مسلم ~~يسأل الإحسان إلى أخته صفية وكانت مستترة فأمر برد ضياعها وريعها وتسليم ~~ذلك إليها، فأحضر يعقوب بن كلس القاضي أبا طاهر وشهوده، وأشهدهم في كتاب عن ~~المعز أنه أمره برد ضياعها ورياعها إليها، فظهرت وأمنت. # وكتب جعفر بن محمد الحسني أمير مكة يسأله في بني جمح أن يرد حبسهم إليهم ~~الذي بمصر، وفي ولد عمر وبني العاص أن يرد حبسهم بمصر إليهم، فأطلق المعز ~~ذلك لبني جمح. # وورد رسول ملك الروم، فغلقت الحوانيت، وخرج الناس تنظر إليه. PageV01P225 # قال ابن الأثير وكان سبب موت المعز أن ملك الروم بالقسطنطينية أرسل إليه ~~رسولا كان يتردد إليه بإفريقية، فخلا به المعز بعض الأيام، وقال له: أتذكر ~~إذ أتيتني رسولا وأنا بالمهدية، فقلت لك: لتدخلن علي وأنا بمصر مالكا لها؟ ~~قال: نعم قال: وأنا ms142 أقول لك لتدخلن علي ببغداد وأنا خليفة. # فقال له الرسول: إن أمنتني ولم تغضب، قلت لك ما عندي. # فقال له المعز: قل وأنت آمن. # فقال: بعثني إليك الملك ذلك العام، فرأيت من عظمتك في عيني وكثرة أصحابك ~~ما كدت أموت منه، ووصلت إلى قصرك فرأيت عليه نورا غطى بصري، ثم دخلت عليك ~~فرأيتك على سريرك فظننتك خالقا، فلو قلت لي إنك تعرج إلى السماء لتحققت ~~ذلك، ثم جئت إليك الآن فما رأيت من ذلك شيئا، أشرفت على مدينتك فرأيتها في ~~عيني سوداء مظلمة، ثم دخلت عليك فما وجدت من المهابة ما وجدته ذلك العام، ~~فقلت إن ذلك كان أمرا مقبلا، وإنه الآن بضد ما كان عليه. # فأطرق المعز، وخرج الرسول من عنده، وأخذت المعز الحمى لشدة ما وجد، واتصل ~~مرضه حتى مات. PageV01P226 # وقال ابن سعيد في كتاب المغرب: إن المعز أنفذ إلى ابن السوادكي فقال: من ~~لك بالحجاز من التجار تكاتبه، اكتب إلى من تراه منهم بأن يكتب إلى عدن بحمل ~~ما يقدر عليه من خشب الأبنوس الحسن التلميع التام الطول، الغليظ مما لا ~~غاية وراءه. # فكتب إلى تاجر بمكة، وأكد عليه، فما كان إلا نحو شهرين حتى عاد جوابه أنه ~~وجد منه ما ليس له في الدنيا نظير، وحمله في مركب، فسر بذلك، وبكر إلى ~~المعز فأخبره الخبر، وأنه في القلزم، فأطرق وتغير لونه، فقال له: يا مولانا ~~هذا يوم فرح وسرور بأن تطلب أمرا يكون بعد مدة فيسهله الله في أقرب وقت. # فقال: يا محمد ليس يدري إلى حيث خرجت. # ثم سار خارجا إلى ظاهر القاهرة وهو يقرأ سورة الفتح إلى آخرها، ويرددها ~~كلما فرغ منها، ورجع فاعتل بعد جمعة، وترددت به العلة، فمات في الشهر ~~الخامس، وما طلبه منى، ولا أذكرته به، وكان قد تأول أن أجله نعى إليه حين ~~رأى الأشياء منقادة له. # قال ابن زولاق: ولأربع خلون من صفر ورد حاج البر، وقد كان البر أقام سنين ~~لم يسلك. # وفيه حضر على بن النعمان القاضي ms143 جامع القاهرة، وأملى مختصر أبيه في الفقه ~~عن أهل البيت، ويعرف هذا المختصر بالاقتصار، وكان جمعا عظيما. # وفي ربيع الآخر وردت رسالة القرامطة بأنهم في الطاعة. # وفيه أذن المعز لجماعة المصريين فدخلوا عليه وخاطبهم وهو على سرير الملك، ~~فصاح به رجل منهم: PageV01P227 # يا أمير المؤمنين، قال الله عز وجل: " ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ~~ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين. ~~ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ". يا أمير المؤمنين ~~لننظر كيف تعملون. # وقال: صدق الله، كذا قال عز وجل، ونسأل الله التوفيق. # واعتل المعز لثمان خلون من ربيع الأول، فأقام ثمانيا وثلاثين يوما، ووصف ~~له البطيخ البرلسي يؤخذ ماؤه، فطلب بمصر فلم يوجد سوى واحدة اشتريت بخمسة ~~دنانير، ثم وجد منها ثماني عشرة بطيخة اشتريت بثمانية عشر دينارا، وكان ~~الناس يغدون إلى القصر ويروحون، والذي يمرضه طبيبه موسى بن العازار وعبده ~~جوهر. # فلما كان لأربع عشرة بقيت من ربيع الآخر اشتدت العلة. وعرف باجتماع الناس ~~وكثرة الرقاع في الظلامات والحوائج، وسئل فيمن ينظر في ذلك، فأمر أن ينظر ~~فيه ولي عهده نزار فاستخلفه، وخرج السلام إلى الناس فانصرفوا. # وخرج القائد جوهر وموسى بن العازار الطبيب بالعزيز فأجلسوه، وخرج إليه ~~إخوته وعمومته وسائر أهله فبايعوه، ثم أدخل إليه أكثر الأولياء فبايعوه ~~وسلموا عليه بالإمرة وولاية العهد، فابتهج الناس بذلك. # ودخل عليه من الغد القاضي أبو طاهر وجماعة الشهود والفقهاء فسلموا عليه ~~بولاية العهد، وقبلوا له الأرض، فرد عليهم أحسن رد، وأخبرهم بأن المعز ~~بخير، قال: مولانا صلوات الله عليه في كل عافية وسلامة في أحواله، وفي رأيه ~~لكم وانصرفوا. # وكان يوم جمعة، فدعا له عبد العزيز بن عمر العباسي على منبر الجامع ~~العتيق بعد أن دعا للمعز، فقال: اللهم صل على عبدك ووليك، ثمرة النبوة، ~~ومعدن الفضل والإمامة، عبد الله معد أبي تميم الإمام المعز لدين الله، كما ~~صليت على آبائه الطاهرين، وأسلافه المنتخبين من قبله. PageV01P228 # اللهم أعنه على ما وليته، ms144 وأنجز له ما وعدته، وملكه مشارق الأرض ~~ومغاربها. # واشدد اللهم أزره، وأعز نصره بالأمير نزار أبي المنصور ولي عهد المسلمين، ~~ابن أمير المؤمنين، الذي جعلته القائم بدعوته، والقائم بحجته. # اللهم أصلح به العباد، ومهد لديه البلاد، وأنجز له به ما وعدته، إنك لا ~~تخلف الميعاد. # وتوفي المعز لدين الله عشية هذا اليوم ليلة السبت السادس عشر من شهر ربيع ~~الآخر، وقيل يوم الجمعة حادي عشر، وقيل ثالث عشر، ولم يظهر ذلك ولا نطق به ~~أحد مدة ثمانية أشهر. # وقيل إن السيدة لما اشتدت علة المعز أحضرت القائد جوهر وهو ملتف في برد ~~من ... # وحضر يعقوب بن يوسف بن كلس وعسلوج القائد وأفلح الناشب، وطارق الصقلبي، ~~فقالوا للمعز: نريد أن تبصرنا رشدنا وتعلمنا لمن الأمر. # فلم يجبهم، فقال له جوهر: قد كنت سمعت منك قولا في هذا استغنيت به عن ~~إعادة السؤال، غير أنهم أكرهوني على الدخول. # وقال لهم: قابلتموني بما لا يجب وبكى. # فخرجوا، فلما كان اليوم الثالث مات، فصار العزيز إذا رفعت إليه الأمور ~~يدخل كأنه يشاوره ويخرج بالأمر. # قال ابن زولاق: وكان يعني المعز في غاية الفضل والاستحقاق للإمامة، وحسن ~~السياسة. PageV01P229 # وكان مولده سنة تسع عشرة وثلاثمائة، أدرك من أيام المهدي جد أبيه أربع ~~سنين، وتوفي القائم وللمعز ست عشرة سنة. # واجتمع للمعز بمصر ما لا يجتمع لآبائه، وذلك أنه حصل له بالمغرب أربعة ~~وعشرون بيتا من المال: منها أربعة عشر خلفها المهدي، ولم يخلف القائم عليها ~~شيئا، وخلف المنصور بيتا واحدا وكسوة، وأضاف إليها المعز تسعة، فصارت أربعة ~~وعشرين بيتا، أنفق أكثرها على مصر إلى أن فتحت ودخلها، وحصل له من مال مصر ~~أربعة بيوت سوى ما أنفقه وسوى ما قدم به معه. # واجتمع له أن خلفاءه بمصر استخرجوا له ما لم يستخرج لأحد بمصر، فاستخرج ~~له في يوم واحد مائة ألف دينار وعشرون ألف دينار. # وهزمت القرامطة في أيامه أربع مرار: مرتين في البر على باب مصر، ومرتين ~~في البحر، وما تم عليهم هذا قط منذ ms145 ظهر أمرهم. # وأقيمت له الدعوة يوم عرفة في مسجد إبراهيم عليه السلام وبمكة والمدينة ~~وسائر أعمال الحرمين، ولم ترد له راية. # وسار ابن السميسق ملك الروم إلى ريان عبد المعز وهو بطرابلس فانهزم وأخذت ~~غنائمه وأسر رجاله. # وكتب اسمه على الطرز بتنيس ودمياط والقيس والبهنسي قبل أن يملك مصر. # وتتابعت له الفتوح. # ودعى لفاطمة ولعلي عليهما السلام في أيامه على المنابر في سائر أعماله ~~وفي كثير من أعمال العراق. # ونصبت الستائر على الكعبة وعليها اسمه. # ونصبت له المحاريب الذهب والفضة داخل الكعبة وعليها اسمه. PageV01P230 # وكاتب أهل العراق وأهل اليمن وأهل خراسان وأهل الحرمين والترك بالخلافة. # وكان على التجهز للمسير للحج ثم إلى قسطنطينية للجهاد. # وكان مقامه بمصر سنتين وسبعة أشهر وعشرة أيام. # قال ابن الأثير: وأمه أم ولد. # وولد بالمهدية من إفريقية حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة. # ومات وعمره خمس وأربعون سنة وستة أشهر تقريبا. # وكانت ولايته الأمر ثلاثا وعشرين سنة وعشرة أيام. # وهو أول الخلفاء العلويين، ملك مصر وخرج إليها. # وكان مغرى بالنجوم. ويعمل بأقوال المنجمين، قال له منجم إن عليه قطعا في ~~وقت كذا، وأشار عليه بعمل سرداب يختفي فيه إلى أن يجوز ذلك الوقت، ففعل ما ~~أمره، وأحضر قواده وقال لهم: إن بيني وبين الله عهدا أنا ماض إليه، وقد ~~استخلفت عليكم ابني نزار، فاسمعوا له وأطيعوا. # ونزل السرداب، فكان أحد المغاربة إذا رأى سحابا، نزل وأومي إليه بالسلام ~~ظنا منه أن المعز فيه، فغاب سنة ثم ظهر، وبقي مدة ومرض وتوفى، فستر ابنه ~~نزار العزيز موته إلى عيد النحر من السنة، فصلى بالناس وخطبهم، ودعا لنفسه، ~~وعزى بأبيه. # وذكر القاضي عبد الجبار بن عبد الجبار البصري في كتاب تثبيت نبوة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم المعز لدين الله، وقال: واحتجب عن الناس مدة، ثم ظهر ~~وجلس في حرير فائق أخضر مذهب، وعلى وجهه الجواهر واليواقيت، وأوهم أنه كان ~~غائبا، وأن الله رفعه إليه، وكان يتحدث بما يأتيه أهل الأخبار في حال ~~غيبته، وتوهم ms146 أن الله أطلعه على تلك الغيوب. # وتعرض بالجمل دون التفصل. PageV01P231 # قال مصنفه رحمة الله عليه: ليس الأمر كما قال ابن الأثير، فقد حكى الفقيه ~~الفاضل المؤرخ أبو الحسن بن إبراهيم بن زولاق المصري في كتاب سيرة المعز ~~وقد وقفت عليها بخطه رحمه الله أخبار المعز منذ دخل مصر إلى أن مات يوما ~~يوما، وأن المعز إنما عهد لابنه يوم الخميس لأربع عشرة بقيت من شهر ربيع ~~الآخر قبل موته بيومين؛ وذكر أن سبب العهد إليه اجتماع الناس بباب القصر ~~وكثرة الرقاع، وأنه سئل فيمن ينظر في ذلك، فأمر ابنه نزار العزيز أن ينظر ~~فيه فاستخلفه؛ وقد ذكرت ملخص هذه السيرة فيما مر من أخبار المعز؛ وأن ابن ~~زولاق أعرف بأحوال مصر من ابن الأثير خصوصا المعز، فإنه كان حاضرا ذلك ~~ومشاهدا له، وممن يدخل إليه ويسلم مع الفقهاء عليه، ويروى في هذه السيرة ~~أشياء بالمشاهدة، وأشياء مدته بها ثقات الدولة وأكابرها، كما هو مذكور ~~فيها؛ إلا أن ابن الأثير تبع مؤرخي العراق والشام فيما نقلوه، وغير خاف على ~~من تبحر في علم الأخبار كثرة تحاملهم على الخلفاء الفاطميين وشنيع قولهم ~~فيهم، ومع ذلك فمعرفتهم بأحوال مصر قاصرة عن الرتبة العلية، فكثيرا ما ~~رأيتهم يحكون في تواريخهم من أخبار مصر ما لا يرتضيه جهابذة العلماء، ويرده ~~الحذاق العالمون بأخبار مصر؛ وأهل كل قطر أعرف بأخباره، ومؤرخو مصر أدرى ~~بماجرياته، وفوق كل ذى علم عليم. # قال ابن الأثير: وكان المعز عالما فاضلا جوادا جاريا على منهاج أبيه، حسن ~~السيرة وإنصاف الرعية، وستر ما يدعون إليه إلا عن الخاصة، ثم أظهره، وأمر ~~الدعاة بإظهاره، إلا أنه لم يخرج فيه إلى حد يذم به. # وقال ابن سعيد في كتاب المغرب: إن جوهر القائد لما كان على عسقلان، وهجم ~~عليه العدو، وأحرقوا خيمته وما قدروا عليه، وقاتل الناس إلى أن كشفوا العدو ~~وعادوا إلى مكانهم، ترجل جوهر وقبل الأرض وقال: PageV01P232 # حذرني مولانا المعز بالمغرب، وقال لي: احذر النار في عسكرك ببرقة فلما ~~جزت بها تحفظت ms147 من النار، فلما صرت في مصر: قلت الحق ما يقول مولانا، وما هو ~~إلا أن أعود إلى المغرب، فيكون ذلك فيها، فلما نزلت هذا المنزل عرفت أنه ~~يقال له برقة، وكنت والله خائفا من قول مولانا حتى رأيته عيانا. # قال: ولما بلغ المعز أن يوسف بن زيرى خليفته على المغرب قبض على صاحب ~~خراجه بالمغرب غضب واستدعى إسماعيل بن اسباط، ودفع إليه كتابا مختوما، وقال ~~له: أنت عندي موثوق به، غير مستراب بك، قل له يا يوسف، تغير ما أمرتك به، ~~وتنسب ما فعلته لي؟ والله لئن هممت بالعود إليك لآتينك، ولئن أتيتك لا تركت ~~من آل مناد أحدا، بل من بلكانه، لا بل من صنهاجة؛ أخرج ابن الأديم فاردده ~~إلى النظر في الخراج على رسمه، وامتثل جميع ما أمرتك به، ولا تخالف شيئا ~~منه. # قال: فسرت بأحسن حال حتى دخلت القيروان فلم أجده، فسرت إليه، فلما رآني ~~نزل وقبل الأرض لما ترجلت له، وقيل بين عيني، وقال: هذه العين الذي رأت ~~مولانا. # وأوصلت إليه السجل، فقرأه سرا مع كاتبه وترجمانه، وأديت إليه الرسالة ~~بيني وبينه، فعهدي به يرتعد وينتفخ ويسود، ويقول: نفعل والله، وكتب برد ~~زيادة الله بن الأديم إلى نظره، وأقمنا مدة. # قال ابن سباط: فأنا راكب معه ذات يوم إذ ورد إليه نجاب بكتاب لطيف، فقرأه ~~عليه راكبا الترجمان، فرأيته ضرب الفرس وحركه فأقامه وأقعده، وهز رمحه في ~~وجوه رجاله يمينا وشمالا، وجعل يقول: أبلكين، أمليح اسم أمه؟ أزيرى، أمليح ~~اسم أبيه؟ أمناد، أمليح اسم جده؟. # قال: فقلت في نفسي: خبر ورد إليه سره، وأدرت فكري فوقف في أن مولانا ~~المعز مات. PageV01P233 # فنظر إلى وجهي متغيرا، فأخذني ونزل إلى دار إمارته، فأدار إلى وجهه، ~~وقال: مالك تغير وجهك؟. # فقلت له: مات مولانا المعز، فأحسن الله عزاك عنه. # فقال: من أخبرك؟. # قلت: أنت أخبرتني. # قال: وكيف!. # قلت: رأيتك قد عملت بعد قراءة الكتاب عليك ما لا أعرفه منك. # فقال: قد صدقت، قد مات مولانا المعز. # قلت له: فيقدر ms148 أن أحدا لا يقوى من بعده في مجلسه. # فقال: لا بد من ذلك. # فقلت له: ينبغي أن تنتظر كتاب ولده الذي أتى من بعده، فسيأتيك ما تحب. # قال: صدقت، واكتم ما جرى، ولكن يا ابن اسباط بعدت مصر من المغرب، وقد صار ~~المغرب والله في أيدينا إلى دهر طويل. PageV01P234 # وأقمت، فورد كتاب العزيز إليه يعزيه ويوليه، فسر وخلع علي، وسيرني. # قال ابن سعيد عن كتاب سيرة الأئمة لابن العلاء عبد العزيز بن عبد الرحمن ~~بن حسين بن مهذب. # وأورد ليوسف بن زيرى خطبة كتب بها إلى العزيز بن المعز جوابا عن كتابه ~~يقول فيها: وأعوذ بالله أن أقول ما شنعه أهل الزور والجحود، بل أنا عبد من ~~عبيده، أيدني بنور هدايته، وألبسني قميص حكمته، وتوجني بعز سلطانه، وحملني ~~أثقال علم ربوبيته، واختصني بنفس كلايته، وذكر أنه ولى عهده بعد ابنه ~~الشاعر تميما ثم عزله، وولى ابنه عبد الله إفريقية، ثم ولى ابنه بمصر ~~العزيز الذي صحت له الخلافة بعده. # قال ابن سعيد: وهذا أعجب ما سمعته في تولية العهد، لا أعلم لهذه الكائنة ~~نظيرا. # وقال ابن الطوير: لما دخل المعز قرأ أحد القراء عند دخوله وكان منجما: ~~وحمله وفصاله ثلاثون شهرا. # فقال المعز: العاقبة. # فقال حميدة. # قال المعز: الحمد لله. # ومن أحسن ما مدح به المعز قول الحسن بن هانىء فيه: # إذا أنت لم تعلم حقيقة فضله ... فسائل عليه الوحي المنزل تعلم # فأقسم لو لم يأخذ الناس فضله ... عن الله، لم يعلم ولم يتوهم # وأي قوافي الشعر فيك أجولها ... وهل ترك القرآن من يترنم # وكان نقش خاتمه: بنصر العزيز العلم ينتصر الإمام أبو تميم. # وكان يشبه في بني العباس بالمأمون في سفره من القيروان. PageV01P235 ### | العزيز بالله أبو المنصور ابن المعز لدين الله أبي تميم معد ابن المنصور بنصر الله أبي الطاهر إسماعيل ابن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد ابن المهدي عبيد الله # أمه أم ولد، واسمها درزان. # ولد بالمهدية يوم الخميس الرابع عشر من المحرم سنة أربع وأربعين ~~وثلاثمائة. ms149 # وولى العهد بمصر وبويع لسبع بقين من ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمائة. # ومن كتاب ابن مهذب: سمعت مولانا العزيز يقول: خرج مولانا المعز يوما بمصر ~~يمشي في قصره، وأنا، وأخي تميم، وعبد الله، وعقيل، نمشي خلفه، فخطر ببالي ~~أن قلت: ترى بصير هذا الأمر إلي، أو إلى أخي عبد الله، أو إلى أخي تميم؛ ~~وإن صار إلي، ترى أمشي هكذا وهؤلاء حولي؟. # قال: وانتهى مولانا المعز إلى حيث أراد، ووقفنا بين يديه، وانصرفت ~~الجماعة، وأراد PageV01P236 # لانصراف، فقال: لا تبرح يا نزار، فوقفت حتى إذا لم يبق أحد بين يديه غيري ~~استدناني وقال: بحياتي يا نزار إذا سألتك عن شيء تصدقني؟. # قلت: نعم يا مولانا. # قال: التفت إليك فرأيتك وقد أعجبتك نفسك، وأنت تنظر إلي وإلى نفسك وإلى ~~أخوتك، وأنا أسارقك النظر وأنت لا تعلم،، فقلت في نفسك: ترى هذا الأمر بصير ~~إلي وإخوتي حولي؟. # قال: فاحمر وجهي، ودنوت منه فقبلت بين يديه، وقلت وقد غلبني البكاء: يجعل ~~الله جميعنا فداك. # فقال: دع عنك هذا؛ كان كذا؟. # قلت: نعم يا مولانا، فكيف عرفته؟. # قال: حزرته عليك، ثم لم أجد نفسي تسامحني في إعجابك بنفسك على شيء سوى ~~هذا الأمر، فهو صائر إليك، فأحسن إلى إخوتك وأهلك، خار الله لك ووفقك. # وقد تقدم أن المعز لما مات كتم موته إلى يوم النحر فأظهرت وفاته، فركب ~~العزيز بالمظلة، وخطب بنفسه، وعزى نفسه، والناس تسلم عليه بالخلافة، وركب ~~إلى قصره فسلم عليه عماه: حيدرة وهاشم، وعم أبيه: أبو الفرات، وعم جده: ~~أحمد بن عبيد الله. # وقال ابن الأثير: لما استقر العزيز في الملك أطاعه العسكر واجتمعوا عليه، ~~وكان هو يدبر الأمر منذ مات والده إلى أن أظهره؛ ثم سير إلى المغرب دنانير ~~عليها اسمها فرقت في الناس؛ وأقر يوسف ابن بلكين على ولاية إفريقية، وأضاف ~~إليه ما كان أبوه استعمل عليه غير يوسف، وهي PageV01P237 # طرابلس وغيرها، فاستعمل عليها يوسف عماله، وعظم أمره، وأمن ناحية العزيز، ~~واستبد بالملك، وكان يظهر الطاعة مجاملة لا طائل ms150 تحتها. # وخطب للعزيز بمكة بعد أن أرسل إليها جيشا فحصرها، وضيقوا على أهلها ~~ومنعوهم الميرة، فغلت الأسعار بها، ولقى أهلها شدة شديدة. # وأما أخبار الشام: فإن أفتكين لم يزل طول مقامه بدمشق يكاتب القرامطة ~~ويكاتبونه بأنهم سائرون إلى الشام، إلى أن وافوا دمشق بعد موت المعز في هذه ~~السنة، وكان الذي وافى منهم: إسحاق، وكسرى، وجعفر، فنزلوا على ظاهر دمشق، ~~ومعهم كثير من العجم أصحاب أفتكين الذين تشتتوا في البلاد وقت وقعته مع ~~الديلم، لقوهم بالكوفة في الموقعات، فأركبوهم الإبل، وساروا بهم إلى دمشق، ~~فكساهم أفتكين وأركبهم الجبل؛ فقوى عسكره بهم وتلقى أفتكين القرامطة وحمل ~~إليهم وأكرمهم وفرح بهم، وأمن من الخوف؛ فأقاموا على دمشق أياما ثم ساروا ~~إلى الرملة وبها أبو محمود إبراهيم بن جعفر فالتجأ إلى يافا، ونزل القرامطة ~~الرملة، ونصبوا القتال على يافا حتى مل كل من الفريقين القتال، وصار يحدث ~~بعضهم بعضا. # وجبى القرامطة المال فأمن أفتكين من مصر، وظن أن القرامطة قد كفوه ذلك ~~الوجه، وعمل على أخذ الساحل، فسار بمن اجتمع إليه، ونزل على صيدا، وبها ابن ~~الشيخ، ورؤساء المغاربة، ومعهم ظالم بن موهوب العقيلي، فقاتلوه قتالا ~~شديدا، فانهزم عنهم أميالا، PageV01P238 # فخرجوا إليه، فواقعهم وهزمهم وقتل منهم، وصار ظالم إلى صور؛ فيقال إنه ~~قتل يومئذ أربعة آلاف من عساكر المغاربة، قطعت أيمانهم وحملت إلى دمشق، ~~فطيف بها. # ونزل أفتكين على عكا، وبها جمع من المغاربة، فقاتلوه، فسير العزيز القائد ~~جوهر بخزائن السلاح والأموال إلى بلاد الشام في عسكر عظيم لم يخرج قبله ~~مثله إلى الشام من كثرة الكراع والسلاح والمال والرجال، بلغت عدتهم عشرين ~~ألفا بين فارس وراجل، فبلغ ذلك أفتكين وهو على عكا، والقرامطة بالرملة، ~~فسار أفتكين من عكا ونزل طبرية، وخرج القرامطة من الرملة، ونزلها جوهر. # وسار إسحق وكسرى من القرامطة بمن معهم إلى الأحساء، لقلة من معهم من ~~الرجال الذين يلقون بها جوهر، وتأخر جعفر من القرامطة فلحق بأفتكين وهو ~~بطبرية، وقد بعث فجمع في حوران والبثنية؛ وسار جوهر من الرملة ms151 يريد طبرية، ~~فرحل أفتكين، واستحث الناس في حمل الغلة من حوران والبثنية إلى دمشق، وصار ~~أفتكين إلى دمشق، ومعه جعفر القرمطي، فنزل جوهر على دمشق لثمان بقين من ذي ~~القعدة فيما بين داريا والشماسية، فجمع أفتكين أحداث البلد، وأمن من كان قد ~~فزع منه، فاجتمع حمال السلاح والذعار إليه، ورئيسهم قسام. PageV01P239 # وأخذ جوهر في حفر خندق عظيم على عسكره، وجعل له أبوابا، وكان ظالم بن ~~موهوب معه، فأنزله بعسكره خارج الخندق، وصار أفتكين فيمن جمع من الذعار، ~~وأجرى لكبيرهم قسام رزقا. # ووقع النفي على قبة الجامع والمنابر، وساروا فجرى بينهم وبين جوهر وقائع ~~وحروب شديدة وقتال عظيم، وقتل بينهم خلق كثير من يوم عرفة، فجرى بينهم ~~إثنتا عشرة وقيعة إلى سلخ ذي الحجة. # ولم يزل إلى الحادي عشر من ربيع الأول سنة ست وستين فكانت بين الفريقين ~~وقعة عظيمة، انهزم فيها أفتكين بمن معه، وهم بالهرب إلى أنطاكية، ثم إنه ~~استظهر. # ورأى جوهر أن الأموال قد تلفت، والرجال قد قتلت والشتاء قد هجم، فأرسل في ~~الصلح، فلم يجب أفتكين، وذلك أن الحسين بن أحمد الأعصم القرمطي بعث إلى ابن ~~عمه جعفر المقيم عند أفتكين بدمشق: إني سائر إلى الشام، وبلغ ذلك جوهر، ~~فترددت الرسل بينه وبين أفتكين حتى تقرر الأمر أن جوهر يرحل، ولا يتبع ~~عسكره أحد، فسر أفتكين بذلك، وبعث إلى جوهر بجمال ليحمل عليها ثقله لقلة ~~الظهر عنده؛ وبقي من السلاح والخزائن ما لم يقدر جوهر على حمله فأحرقه، ~~ورحل عن دمشق في ثالث جمادى الأولى. # وقدم البشير من الحسن بن أحمد القرمطي إلى عمه جعفر بمجيئه، وبلغ ذلك ~~جوهر، فجد في السير، وكان قد هلك من عسكره ناس كثير من الثلج، فأسرع ~~بالمسير من طبرية، PageV01P240 # ووافى الحسن بن أحمد من البرية إلى طبرية، فوجد جوهر قد سار عنها، فبعث ~~خلفه سرية أدركه، فقابلهم جوهر، وقتل منهم جماعة، وسار فنزل ظاهر الرملة، ~~وتبعه القرمطي، وقد لحقه أفتكين، فسارا إلى الرملة؛ ودخل جوهر زيتون ~~الرملة، فتحصن به، فلما نزل ms152 الحسن بن أحمد القرمطي الرملة هلك فيها، وقام ~~من بعده بأمر القرامطة ابن عمه أبو جعفر، فكانت بينه وبين جوهر حروب كثيرة. # ثم إن أفتكين فسد ما بينه وبين أبي جعفر القرمطي، فرجع عنه إلى الأحساء، ~~وكان حسان ابن علي بن مفرج بن دغفل بن الجراح الطائي أيضا مع أفتكين على ~~محاربة جوهر، فلم ير منه ما يحب، وراسله العزيز فانصرف عن أفتكين، وقدم ~~القاهرة على العزيز، واشتد الأمر على جوهر، وخاف على رجاله، فسار يريد ~~عسقلان، فتبعه أفتكين. # واستولى قسام على دمشق وخطب للعزيز، فسار أبو تغلب بن حمدان إلى دمشق، ~~فقاتله قسام ومنعه، فسار إلى طبرية. # وأدرك أفتكين جوهر، فكانت بينهما وقعة امتدت ثلاثة أيام انهزم في آخرها ~~جوهر، وأخذ أصحابه السيف، فجلوا عما معهم، والتحقوا بعسقلان، فظفر أفتكين ~~من عسكر جوهر بما يعظم قدره، واستغنى به ناس كثيرون. # ونزل أفتكين على عسقلان، فجد جوهر حتى بلغ من الضر والجهد مبلغا عظيما، ~~وغلت عنده الأسعار، فبلغ قفيز القمح أربعين دينارا، وأخذت كتامة تسب جوهر ~~وتنتقصه، وكانوا قد كايدوه في قتالهم، فراسل أفتكين يسأله: ماذا يريد بهذا ~~الحصار، فبعث إليه: لا يزول هذا الحصار إلا بمال تؤديه إلي عن أنفسكم. # فأجابه إلى ذلك؛ وكان المال قد بقى منه شيء يسير، فجمع من كان معه من ~~كتامة، وجمع منهم مالا؛ وبعث إليه أفتكين يقول: إذا أمنتكم لا بد أن تخرجوا ~~من هذا الحصن من تحت السيف وأمنهم، وعلق السيف على باب عسقلان، فخرجوا من ~~تحته. PageV01P241 # وسار جوهر إلى مصر، فكان مدة قتالهم على الزيتون وقفلتهم إلى عسقلان حتى ~~خرجوا منها نحوا من سبعة عشر شهرا بقية سنة ست إلى أن دنا خروج سنة سبع ~~وستين. # وقدم جوهر على العزيز، فأخبره بتخاذل كتامة، فغضب غضبا شديدا، وعذر جوهر ~~في باطنه، وأظهر التنكير له، وعزله عن الوزارة، وولى يعقوب بن كلس عوضه في ~~المحرم سنة ثمان وستين. # وخرج العزيز فضربت له خيمة ديباج رومى عليها صفرية فضة، فخرج إليه أهل ~~البلد كلهم ms153 حتى غلقت الأبواب، وسألوه في التوقف عن السفر، فقال: إنما أخرج ~~للذب عنكم، وما أريد ازديادا في مال ولا رجال. # وصرفهم. # ومنع العزيز في هذه السنة وهي سنة سبع وستين النصارى من إظهار ما كانوا ~~يفعلونه في الغطاس: من الاجتماع، ونزول الماء، وإظهار الملاهي، وحذر من ~~ذلك. # وسار العزيز، وعلى مقدمته حسان بن علي بن مفرج بن دغفل بن الجراح الطائي، ~~فتنحى أفتكين عن الرملة، ونزل طبرية. # واتفق أن عضد الدولة أبا شجاع فناخسرو بن ركن الدين أبي يحيى الحسن بن ~~بويه أخذ بغداد من ابن عمه بختيار بن أحمد بن بويه، فسار بختيار إلى ~~الموصل، واتفق مع أبي تغلب الغضنفر بن ناصر الدولة ابن حمدان على قتال ~~فناخسرو، فسار إليهم فناخسرو وأوقع بهم، فانهزموا، وأسر بختيار وقتله، وفر ~~حينئذ من أولاد بختيار إعزاز الدولة المرزبان، وأبو كاليجار وعماه: عمدة ~~الدولة أبو إسحاق، وأبو طاهر محمد، ابنا معز الدولة أحمد بن بويه، وساروا PageV01P242 # إلى دمشق في عسكر، فأكرمهم خليفة أفتكين، وأنفق فيهم، وحملهم وصيرهم إلى ~~أفتكين بطبرية، فقوى بهم، وصار في اثنى عشر ألفا، فسار بهم إلى الرملة، ~~ووافى بها طليعة العزيز، فحمل عليها أفتكين مرارا، وقتل منها نحو مائة رجل، ~~فأقبل عسكر العزيز زهاء سبعين ألفا، فلم يكن غير ساعة حتى أحيط بعسكر ~~أفتكين، وأخذوا رجاله، فصاح الديلم الذين كانوا معه: زنهار، زنهار، يريدون: ~~الأمان، الأمان. # واستأمن إليه أبو إسحق إبراهيم بن معز الدولة، وابن أخيه إعزاز الدولة، ~~والمرزبان بن بختيار؛ وقتل أبو طاهر محمد بن معز الدولة، وأخذ أكثرهم أسرى، ~~ولم يكن فيهم كبير قتلى، وأخذ هفتكين نحو القدس، فأخذ وجيء به إلى حسان بن ~~علي بن مفرج ابن دغفل بن الجراح، فشد عمامته في عنقه، وساقه إلى العزيز، ~~فشهر في العسكر، وأسنيت الجائزة لابن الجراح. PageV01P243 # وكانت هذه الوقعة لسبع بقين من المحرم سنة ثمان وستين. # فورد كتاب العزيز إلى مصر بنصرته على أفتكين، وقتل عدة من أصحابه وأسره، ~~فقرىء على أهل مصر فاستبشروا وفرحوا. # وكتب أبو إسماعيل ms154 الرسي إلى العزيز يقول: يا مولانا: لقد استحق هذا ~~الكافر كل عذاب، والعجب من الإحسان إليه. # فلم يرد عليه جوابا. # وسار العزيز ومعه أفتكين مكرما من الرملة، وبقية الأسرى إلى مصر. # قال المسبحي: فخرج الناس إلى لقائه وفيهم أبو إسماعيل الرسي، فلما رآه ~~العزيز قال: يا إبراهيم: قرأت كتابك في أمر أفتكين، وفيما ذكرته، وأنا ~~أخبرك: اعلم أنا وعدناه الإحسان والولاية فما قبل، وجاء إلينا فنصب فازاته ~~وخيامه حذاءنا، وأردنا منه الانصراف فلج وقاتل، فلما ولى منهزما وسرت إلى ~~فازاته ودخلتها سجدت لله الكريم شكرا، وسألته أن يفتح لي بالظفر به، فجيء ~~به بعد ساعة أسيرا؛ ترى يليق بي غير الوفاء؟!. # فقبل أبو إسماعيل رجله. # ودخل العزيز إلى القاهرة ومعه أفتكين والأسرى، وعليه تاج مرصع بالجوهر، ~~فأنزل أفتكين في دار، وأوصله بالعطاء والخلع حتى قال: لقد احتشمت من ركوبي ~~مع مولانا العزيز بالله ونظري إليه مما غمرني من فضله وإحسانه، فلما بلغ ~~العزيز ذلك، قال لعمه حيدرة: PageV01P244 # يا عم: أحب أن أرى النعم عند الناس ظاهرة، وأرى عليهم الذهب والفضة ~~والجوهرة ولهم الخيل واللباس والضياع والعقار، وأن يكون ذلك كله من عندي. # وبلغ العزيز أن الناس من العامة يقولون: ما هذا التركي؟ فأمر به فشهر في ~~أجمل حال، فلما رجع من تطوافه وهب له مالا جزيلا، وخلع عليه، وأمر الأولياء ~~بأن يدعوه إلى دورهم، فما منهم إلا من أضافه، وقاد إليه، وقاد: يديه دوابا. # ثم سأله العزيز بعد ذلك: كيف رأيت دعوات أصحابنا فقال: يا مولاي: حسنة في ~~الغاية، وما فيهم إلا من أنعم وأكرم. # وكان الذي أنفق العزيز على هفتكين حتى أسره ألف ألف دينار وقال العزيز ~~عند خروجه إلى حربه لحسين الرابض: كم عدد ما تحت يدك من الدواب؟ فقال: عشرة ~~آلاف رأس. # فقال العزيز: لقد أوجلتني يا حسين. # وفيها نافق حمزة بن نعله الكتامي متولى أسوان، فخرج إليه جعفر بن محمد PageV01P245 # ابن أبي الحسين الصقلي، وأخذه وأتى به وبأمواله، فأنعم بها العزيز على ~~هفتكين، ودفعه إليه فقتله ms155 شر قتلة. # وفيها قدم حسان بن علي بن مفرج بن دغفل بن الجراح الطائي على العزيز، ~~فخلع عليه، وحمل على خمسة أرؤس من الخيل، وقاد إليه بين يديه خمسة أحمال ~~مال، وأنزله دارا. # وفيها جهز الفضل بن صالح على جيش إلى الشام، وقلد الشام كله، ولقب ~~بالقائد، وخلع عليه ثوب مذهب، ومنديل مذهب، وقلد بسيف محلى بذهب، وحمل على ~~فرس، وبين يديه أربعة أفراس بمراكبها، ومائة ألف درهم، وخمسون قطعة من ~~الثياب الملونة؛ فركب بالطبول والبنود، وسار. # وخرجت قافلة الحاج في ذي القعدة، وفيها صلات الأشراف، والقمح والشعير ~~والدقيق والزيت، وسائر الحبوب والزيت، ومحراب من ذهب للكعبة. # وفيها كان بمصر وباء عظيم، مات في خلائق، فحكى بعض من سمع نواب السلطان ~~يقول: الذي قبر من الديوان سبعة آلاف وسبعمائة وستون، سوى من لم يعلم ~~بموته، أما من دفن بلا كفن فكثير. PageV01P246 # وكان الماء في المقياس خمسة أذرع وثلاثا وعشرين إصبعا، وبلغ خمسة عشر ~~ذراعا وتسعة عشر إصبعا. # وأما بلاد المغرب فإن الأمير أبا الفتوح يوسف بن زيرى كتب إلى العزيز في ~~سنة سبع وستين يسأله في طرابلس وسرت وأجدابيه، وكان عليها عبد الله بن خلف، ~~فأنعم له بها، فرحل عنها عبد الله، وتسلمها أبو الفتوح. # وفي سنة ثمان كتب أبو طالب أحمد بن أبي القاسم محمد بن أبي المنهال قاضي ~~المنصورية إلى العزيز يسأله في القدوم، فأجابه إلى ذلك، فسار بأهله وأولاده ~~في آخر شوال، وقدم القاهرة، فأجرى له العزيز في كل سنة ألف دينار. # وكتب أبو الفتوح إلى العزيز يشاوره من يولى القضاء؟ فكتب إليه: قد رددت ~~هذا الأمر إليك، فول من شئت. # فاختار محمد بن إسحق الكوفي، وولاه آخر ذي الحجة سنة ثمان وستين، وكتب ~~إلى العزيز يخبره بذلك، فأجاز فعله، وبعث إليه سجلا بالقضاء. # وفي يوم الاثنين لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة خمس وستين سير الأمير أبو ~~الفتوح الهدية من رقادة، ومعها المال مع محمد بن صالح صاحب بيت المال، ~~وعيسى بن خلف المرصدي، وقائد المهدية ms156 زروال بن نصر، فقدموا إلى القاهرة ~~والعزيز آخذ في حركة السير لحرب هفتكين، فأمر برد المال الذي أحضره الأمير ~~زيرى مع الهدية، وذلك أن عبد الله بن محمد الكاتب لما وصل إليه السجل من ~~العزيز بموت أبيه المعز وقيامه بعده في الخلافة، قرأه على الناس بالمنصورية ~~من القيروان، وفرق ما بعثه العزيز من الدنانير والدراهم التي ضربت باسمه ~~على رجال الدولة، ثم بسط رداءه، وألقى فيه دنانير، وقال: PageV01P247 # ليلق كل واحد فيه ما يستطيع من التقرب. # ثم جمع أهل القيروان وصادرهم، فأخذ من عشرة آلاف دينار إلى دينار واحد، ~~حتى عم أكثر أهل البلد وسائر أعمال إفريقية، فجبى زيادة على أربعمائة ألف ~~دينار عينا. # فلما بلغ ذلك العزيز كتب برد المال لأربابه، فرأى عبد الله بن محمد برد ~~المال نقضا عليه وحمله إلى العزيز مع الهدية، وجعل مال الهدية خاصة في صرر، ~~وكتب على كل صرة اسم صاحبها، فرد العزيز صررا نفسية إلى أصحابها، وهم يومئذ ~~بمصر، وأمر برد باقي المال إلى المغرب ليفرق على أربابه، فقال له الوزير ~~يعقوب بن كلس: هذه أموال عظيمة، ونحن محتاجون إليها للنفقة على هذه ~~العساكر، وإن رجعت أمرت يردها إليهم من بيت المال. # فقبل منه، وأنفقها على العسكر. PageV01P248 ### || ثم دخلت سنة تسع وستين وثلاثمائة @YY369 # في أول ......... # وفيها استحضر أخويه وعميه وجماعة من أهله، ورسم لهم الأكل معه على ~~مائدته. # وفيها أرسل فلح أمير برقة للعزيز هدية، فيها مائتا فرس مجللة، ومائة بغل ~~مجللة، ومائة وخمسون بغلا بأكف، وخمسمائة جمل، ومائة نجيب، ومائة صندوق ~~فيها المال. # وفيها سار ناصر الدول أبو تغلب من طبرية إلى الرملة في المحرم وبها الفضل ~~بن صالح، وقد انضم إليه دغفل بن مفرج بن الجراح، فقاتلا أبا تغلب قتالا ~~كثيرا حتى لم يبق معه إلا نحو سبعمائة من غلمانه وغلمان أبيه، فولى منهزما، ~~وأتبعوه، فأخذ وقتل، وبعث الفضل ابن صالح برأس أبي تغلب بن ناصر الدولة بن ~~حمدان، وعدة أسارى، فأمر العزيز بإطلاق الأسرى، وقدم هديته وهي: أحمال ~~محزومة، ms157 ومائتا فرس، وخمسون بختيا، ومائة بغل، ومائة ناقة، فخلع عليه، ~~وأركب على فرس، وقيد بين يديه خمسة أفراس، ومائة قطعة من الثياب، وعشرون ~~ألف دينار. # وكان من خبر الفضل بن صالح أن العزيز لما سار من الرملة بأفتكين إلى مصر ~~جعل بلد فلسطين لمفرج بن دغفل بن الجراح الطائي، فأنفذ إلى دمشق واليا من ~~المغرب، يقال له حميدان بن جواس العقيلي في نحو مائتي رجل، وقد غلب عليها ~~قسام التراب السقاط عندما وردت عليه كتب العزيز عند مسيره إلى محاربة ~~أفتكين ...... من ورائه فأظهر PageV01P249 # سام الكتب وقرأها في الجامع، ووعد الرعية بالإحسان، وبترك الخراج لهم إن ~~منعوا أفتكين من دخول البلد فقصدت يد الرياشي نائب أفتكين عنه، لقوة قسام، ~~وكثرة أصحابه، ودالتهم بأنهم قاتلوا جوهرا القائد ومنعوه من البلد، فأخذ ~~الخفارة من القرى وأنفق سوق الرياشي، فتمكن وأمن، وكثر الطامع في البلد، ~~فولى أفتكين رجلا يقال له تكين من الأتراك، فلم تنبسط يده لكثرة من غلب على ~~دمشق من أهل الشر، فلما نزل أخوا بختيار دمشق قوى تكين، وأراد أن يقهر ~~قساما، فأوقع بطائفة من أصحابه بالغوطة، ثم اصطلحا. # وكان من مجيء القرامطة ما ذكر، فنزلوا على دمشق، فمنعهم قسام من البلد، ~~وعمل على قتالهم، فصار له بذلك يد عند العزيز، فلما رحلوا إلى بلادهم، ~~وتمكن ابن الجراح من فلسطين إلى طبرية، استولت فزارة ومرة على حوران ~~والبثنية وخربتها حتى بطل الزرع منها، وجلا أهلها، فهلكوا من الضر، وصار ~~كثير منهم إلى حمص وحماة وشيزر وأعمال حلب، فعمرت بهم البلاد. # ثم إن قساما وقع بينه وبين حميدان العقيلي، فثار به ونهبه، ففر منه، وقوى ~~قسام، وكثرت رجاله، وزاد ماله، فولى دمشق بعد حميدان أبو محمود في نفر ~~يسير، فكان تحت يد قسام، لا أمر له ولا نهى. # واتفق في هذه السنة أن ولي دمشق ظالم بن موهوب العقيلي، والقرمطي، ووشاح، ~~وحميدان، وأبو محمود. # وكانت واقعة فناخسرو مع بختيار بالعراق، فكان ممن انهزم أبو تغلب فضل ~~الله بن ناصر الدولة ابن ms158 حمدان، فسارت خلفه عساكر فناخسرو، وكتب فيه إلى ~~الأكراد والروم أن لا يجيره أحد، ففر أبو تغلب إلى آمد، وسار منها إلى ~~الرحبة، وكتب إلى العزيز أن يقيم في عمله، وسار في البر إلى حوران، فنزل ~~على دمشق، وكتب العزيز إلى قسام يمنعه من البلد، فمنعه، ثم أذن أن يتسوق ~~أصحابه من المدينة. # وطمع أبو تغلب في ولاية دمشق من قبل العزيز، فخافه قسام، وأشير على ~~العزيز في مصر PageV01P250 # أن لا يمكن ابن حمدان من دمشق، فإنه إن مكن عظم شره، فكوتب بكل ما يحب، ~~وكتب إلى قسام بأن لا يمكنه. # هذا وأبو تغلب بن حمدان نازل بظاهر المزة، فأقام شهورا، وثقل على قسام ~~مقامه، وخاف أن يلي البلد، فأكمن لأصحابه في البلد، وأخذ منهم سبعين، وقتل ~~جماعة، وسلب الباقي؛ فلحقوا بأبي تغلب، فلم يطق فعل شيء، وكتب إلى العزيز، ~~وكتب قسام أيضا: بأن أبا تغلب قد حاصر البلد، ومد يده إلى الغوطة، وقتل ~~رجالي، ونحن على الحرب معه، فخرج الفضل بن صالح كما تقدم ونزل الرملة، وبعث ~~إلى ابن الجراح من مصر بسجل فيه ولايته على الرملة. # وكان أبو تغلب قد سار عن دمشق، وسار الفضل، فنزل طبرية، واجتمع به أبو ~~تغلب بمكاتبة، وقرر معه أن يكون على الرملة، وقدم الفضل دمشق. # فجبى الخراج، وزاد في العطاء، واستكثر من الرجال، وخرج عنها، فأخذ طريق ~~الساحل. # وكان أبو تغلب قد استولى على أهراء كانت بحوران والبثنية، فاجتمعت إليه ~~العرب من بني عقيل، فيهم شبل بن معروف العقيلي، فسار بهم إلى الرملة فخرج ~~منها ابن الجراح، وأخذ في جمع العرب، وهو واثق بأن الفضل معه على أبي تغلب، ~~وفي ذهن أبي تغلب أن الفضل معه على ابن الجراح، ونزل الفضل عسقلان، فواقع ~~ابن الجراح بجموعه أبا تغلب، وأدركه الفضل، فاجتمع العسكران، وفر من كان مع ~~أبي تغلب، فلحقوا بالفضل، ووقع القتال، فانهزم أبو تغلب، وأدركه القوم، ~~فأخذ وحمل إلى ابن الجراح، فأركبه جملا، وشهر بالرملة، ونزع جميع ما عليه ~~حتى بقي ms159 بثوب رقيق، وحبسه، فطلب شيئا يتوسد عليه، فقال ابن الجراح: PageV01P251 # اجعلوا تحته شوكا يتوسده. # فحمل إليه، وقالوا له: توسد بهذا. # فأغلظ في القول، وشتم ابن الجراح، فبلغه ذلك، فغضب، وأمر بقتله، فقتل، ~~وأحرق ليومين بقيا من صفر سنة تسع وستين، وبعث برأسه إلى العزيز مع الفضل، ~~وخلة الديار لابن الجراح، فأتت طي عليها فتعطلت الزروع من القرى. # وكان فناخسرو البويهي قد عزم على إرسال العساكر إلى مصر، فخالف عليه أخ ~~له، واستنجد بصاحب خراسان، فأمده بعساكر عظيمة، فسير إليه فناخسرو العساكر ~~من بغداد، فشغل بذلك عن مصر. # وفيها ولد للوزير يعقوب بن كلس ولد ذكر فأرسل إليه العزيز مهدا من صندل ~~مرصعا وثلاثمائة ثوب، وعشرة آلاف دينار عزيزية، وخمسة عشر فرسا بسروجها ~~ولجمها، منها اثنان ذهب، وطيب كثير، فكان مقدار ذلك مائة ألف دينار. # وعقد العزيز على امرأة فأصدقها مائتي ألف دينار، وأعطى الذي كتب الكتاب ~~ألف دينار، وخلع على القاضي والشهود، وحملهم على البغال، فطافوا البلد ~~بالطبول والبوقات. # وبعث متولى برقة هدية، وهي: أربعون فرسا بتجافيف، وأربعون بغلا بسروجها ~~ولجمها، وستة عشر حملا من المال، ومائة بغلة، وأربعمائة جمل. # وجهز الحاج وكسوة الكعبة، وصلات الأشراف، والطيب والشمع والزيت فبلغ ~~مصروف ذلك مائة ألف دينار PageV01P252 # وكثر حلف الناس برأس أمير المؤمنين، فنودي: برئت الذمة من أحد قال هذا، ~~وحلت به العقوبة، فلا يحلفن إلا بالله وحده. # فانتهى الناس. # وفيها قدم كتاب ومغنين ابنا زيرى بن مناد إلى القاهرة فارين من سجن ~~أخيهما الأمير أبي الفتوح يوسف بن زيرى، فأكرمهما العزيز، وخلع عليهما، ~~ووصلهما. # وفيها أخرج العزيز باديس بن زيرى من القاهرة في خيل كثيرة إلى مكة مع ~~الحاج، فلما وصل إلى مكة أنا الطرارون فقالوا: نتقبل هذا الموسم بخمسين ألف ~~درهم. # فقال لهم: اجمعوا أصحابكم حتى أعقد هذا على جميعهم. # فلما اجتمعوا أمر بقطع أيديهم، وكانوا نيفا وثلاثين رجلا، فقطعوا أجمعين. # وأما الشام فإن العزيز بعث سلمان بن جعفر بن فلاح في أربعة آلاف، فنزل ~~الرملة وبها ابن الجراح فتباعد، ms160 وقد استوحش كل منهما من صاحبه، فأقام ~~أياما، ورحل إلى دمشق، فوجد قساما قد غلب عليها، فنزل بظاهر البلد، وقد ثقل ~~على قسام، وأراد سلمان يأمر وينهي في البلد فلم يقدر على ذلك، وطال مقامه ~~في غير شيء، وقل المال عنده، وأراد إقامة الحرمة فأمر قساما ألا يحمل أحد ~~السلاح، فأبوا عليه، وبعث إلى الغوطة ينهاهم عن حمل السلاح: وأن لا يعارضوا ~~السلطان في بلده، ومن وجدناه بعد هذا يحمل السلاح ويأخذ الخفارة ضربنا ~~عنقه. # فقال لهم قسام: لا نفكر فيه، كونوا على ما أنتم عليه، وطاف العسكر ~~الغوطة، فوجدوا قوما يحملون السلاح، ويأخذون الخفارة، فقطعوا رءوسهم، فثار ~~قسام ومن معه إلى PageV01P253 # الجامع، وثار الغوغاء، وأخرج إلى سلمان قوما فقاتلوه، وأقام بالجامع ومعه ~~شيوخ البلد، وكتب محضرا أشهد فيه على نفسه أنه متى جاء عسكرا من قبل ~~فناخسرو، وأغلق البلد وقاتلهم، وكتب بما جرى، وسير ذلك إلى العزيز، فبعث ~~إلى سلمان أن يرحل عن دمشق، فرحل بعد ما أقام شهورا. # وقدم أبو محمود من طبرية بعد مسير ابن فلاح في نفر، وخرج الفضل بن صالح ~~من عند العزيز ليحتال على ابن الجراح وعلى قسام، وأظهر أنه يريد حمص وحلب، ~~ليأخذ تلك البلاد، فنزل على دمشق، وفطن ابن الجراح لما يريده، فأخذ حذره، ~~وسار عن الفضل، فرحل في طلبه، ومعه شبل بن معروف، فكانت بينه وبين ابن ~~الجراح وقعة في صفر سنة سبعين، فأوقع ببني سنبس، فقتل شبل بن معروف، طعنه ~~بعض بني سنبس، فمات. # وبعث ابن الجراح إلى العزيز يتلطف به، ويسأله العفو، فأرسل إلى الفضل ~~يأمره بالكف عن ابن الجراح، وأن لا يعرض له، فوافاه ذلك وهو يجهز العساكر ~~خلف ابن الجراح، فكف عن قتاله، وعاد إلى مصر. # ورجع ابن الجراح إلى بلاد فلسطين على ما كان، فأهلك العمل حتى كان ~~الإنسان يدخل الرملة لطلب شيء يأكله فلا يجده وهلك الفلاحون وغيرهم من ~~الضر، ومات أكثرهم. # هذا ودمشق تمتار من حمص، وكان عليها بكجور من قبل أبي المعالي شريف ms161 بن ~~سيف الدولة ابن حمدان، وقد عمر حمص بعد خرابها من الروم لما دخلوها في سنة ~~ثمان وخمسين وثلاثمائة. # واتفق خراب دمشق كما تقدم، فرحل أهل القوافل من حمص إلى دمشق، ودمشق قد ~~طمع في عملها العرب حتى كانت مواشيهم تدخل الغوطة، وأبو محمود إبراهيم بن PageV01P254 # جعفر واليا عليها تحت مذلة قسام، فهلك في صفر سنة سبعين، فكاتب بكجور ~~العزيز، فوعده بولاية دمشق، فورد الخبر بموت فناخسرو، فأمن العزيز مما كان ~~يخاف، وجهز عسكرا عليه رشيق المصطنع. # وكان بشارة الخادم الإخشيدي قد فسد أمره مع أبي المعالي بحلب، ففر منه في ~~مائة رجل إلى مصر، فأكرمه العزيز، وولاه طبرية، فاستمال رجالا من أهل حلب، ~~وضبط البلد وعمره فقوى أمره، وابن الجراح بفلسطين يخرب ويأخذ الأموال. # وقدم أيضا على العزيز رخا الصقلي في ثلاثمائة غلام من الحمدانية، فولاه ~~عكا، وقدم رخا في عدة منهم، فولاه أيضا قيسارية. PageV01P255 ### || فلما كان في سنة اثنتين وسبعين @YY372 # خرج عسكر من مصر إلى الشام عليه بلتكين التركي أحد أصحاب أفتكين ليكون ~~على دمشق بدل رشيق، وكوتب بشارة بمعاونة العسكر على حرب ابن الجراح، ونزل ~~العسكر الرملة، وسار بشارة من طبرية، واجتمعت العرب من قيس إليهم، فكانت ~~الحرب بينهم وبين ابن الجراح، فانهزم، وقتل كثير من أصحابه؛ وصار إلى ~~أنطاكية مستجيرا بصاحبها. # وكان الروم قد خرجوا من القسطنطينية في عسكر عظيم يريدون أرض الشام، فخاف ~~ابن الجراح، فكاتب بكجور، وسار بلتكين فنزل على دمشق في ذي الحجة، فجمع ~~قسام الرجال من الغوطة وغيرها، ورم شعث السور وضبط الأبواب بالرجال، ونصب .... # وكان مع قسام في البلد منشا اليهودي على عطاء العسكر وتدبيره، وجيش بن ~~الصمصامة شبه وال في طائفة من المغاربة، قد ولى بعد خاله أبي محمود، فخرج ~~إلى بلتكين بمن معه، وقد صار معه أيضا بشارة بعسكره، فبعث إلى قسام أن يسلم ~~البلد، ويكون آمنا هو ومن معه، فأبى. PageV01P256 ### || فلما كان التاسع عشر من المحرم سنة ثلاث وسبعين.@YY373 # ابتدأ القتال مع قسام، ووقع النفير في ~~البلد، فلم يخرج ms162 مع قسام إلا حزبه من العيارين، وقوم من أهل القرى كانوا ~~يأخذون الخفارة، ويطلبون الباطل، وقد كره جمهور الناس قساما وأصحابه، فلما ~~تقاصر عنه أهل البلد انكسر قلبه، وأصحابه ثابتون على القتال، وقتلوا جماعة ~~من الجند، وكثر فيهم الجراح من نشاب أصحاب بلتكين، وتبين الانكسار على قسام ~~لتقصير الرعية عن معاونته ومقتهم إياه، وقوة أمر السلطان، وكان قد كثر عليه ~~الصلب من أصحابه للمال وقت الحرب، فأمسك عنهم، وشح بماله، فقالوا: على أي ~~شيء نقتل أنفسنا؟ فتفرقوا عنه إلا وجوه أصحابه وخاصته. # واستمر القتال أياما، فاجتمع الخلق إلى قسام في أن يخرج إلى بلتكين ~~ويصلحوا الأمر معه، فلان وذل بعد تجبره، وقال: افعلوا ما شئتم. # وكان العسكر قد قارب أن يأخذ البلد فخرجوا إلى بلتكين وكلموه في ذلك، ~~فأمر بكف العسكر عن القتال، وأمر قساما وأصحابه فعاد القوم إليه وأخبروه ~~وهو ساكت حائر قد تبين الذل في وجهه، واجتمع أكثر الناس، فصاح من كان قد ~~احترقت داره وهم كثير بقسام: انتقم الله ممن أذلنا وأحرق دورنا، وشتتنا، ~~وتركنا مطرحين على الطرق. # فعجب قلبه من سماع صياحهم، وقال: أسلم البلد. # فولى بلتكين حاجبا يقال له خطلخ، فدخل المدينة في خيل ورجل، فلم يعرض ~~لقسام ولا لمن معه، فتفرق عن قسام أصحابه، فمنهم من استأمن، ومنهم من هرب، ~~ومنهم من أخذ، واختفى قسام بعد يومين، فأصبح القوم أول صفر وقد علموا ~~باختفائه، فأحاطوا PageV01P257 # بداره، وأخذوا ما فيها، ونزلوها وما حولها من دور أصحابه، وبعثوا الخيل ~~في طلبه فلم يوقف له على خبر، ونودي في البلد. # من دل على قسام فله خمسون ألف درهم، ومن دل على أولاده فله عشرون ألف ~~درهم. # وكان له من الأولاد: أحمد، ومحمد، وبنت. # فظفروا بامرأته وابن لها معها، فحبسا. # فلما مضى لقسام جمعة وهو مختف قلق وجاء في الليل إلى منشا بن الغرار ~~اليهودي، فأوصله إلى بلتكين، فقيده وحمله إلى مصر، فعفا عنه العزيز. # وكان قسام من بطن من العرب يقال لهم الحارثيون، من قرى الشام، فنشأ ms163 بدمشق ~~وكان يعمل على الدواب في التراب، ثم إنه صحب رجلا يقال له ابن الجسطار، ممن ~~يطلب الباطل ويحمل السلاح، فصار من حزبه، وترقى إلى ما تقدم ذكره. # وكتب بكجور إلى العزيز يسأله في إرسال جيش ليأخذ به حلب، فأنفذ إليه ~~عسكرا من دمشق، وجمع بني كلاب فسار بهم إلى حلب وحاصرها، فقدم دمشق الروم ~~إلى أنطاكية، وقصد أن يكبس بكجور، فكتب إليه ابن الجراح يحذره، فارتحل عن ~~حلب، فسار عسكر الروم خلفه، ونزلت حمص، وبعث بأمواله إلى بعلبك، وارتحل إلى ~~جوسية. PageV01P258 # ودخل ملك الروم إلى حمص فلم يعرض لأحد، ورحل يريد طرابلس، وسير يريد مالا ~~من حمص، فامتنع أهلها، فرجع ونهب، وسبا، وأحرق الجامع وغيره، فاحترق كثير ~~من الناس، وذلك في تاسع عشر جمادى الأولى، وهي دخلة الروم الثانية حمص. # ويقال أن أبا المعالي بن حمدان لخوفه من بكجور سير إلى برديس ملك الروم ~~أن يخرب حمص، وفارق أصحاب بلتكين بكجور، وصاروا إلى دمشق، فبعث بكجور إلى ~~العزيز يسأله ولاية دمشق، فورد جوابه: إنا قد وليناك، فبعث إلى بعلبك ~~واليا، وإلى بعلبك غلامه وصيف، فأبى عليه بلتكين، لكتاب ورد عليه من الوزير ~~يعقوب بن كلس، فتحير بكجور، وما زال بشارة والي طبرية يتوسط لبكجور في ~~ولاية دمشق حتى أمسك عنه الوزير، فسار إلى القابون، ثم تسلم البلد بعد ~~أمور. # ورحل بلتكين أول رجب وفي نفسه حقد على الوزير يعقوب بن كلس لمعارضته له ~~في ولاية دمشق، فعمل على كاتبه ابن أبي اليهودي حتى قتله بعض الأحداث الذين ~~كانوا مع قسام في غيبته عن دمشق ببلاد حوران، فعظم ذلك على الوزير، وأخذ ~~بكجور في ظلم الناس، وجمع الأموال، ومخالفة ما يأمر به من مصر، وبعث غلامه ~~وصيف فأخذ الرقة في سنة ست وسبعين، فعصى عليه بها. # وأخذ الوزير في قتل بكجور فبعث إلى دمشق فهموا به، فلم يتم لهم، وظفر بهم ~~بكجور، وقبض على من أراد ذلك، وقتلهم في شهر رمضان سنة سبع وسبعين، فازداد ~~حنق الوزير، وعلم بكجور بما ms164 دبره الوزير، فأخذ يعارضه في ضياعه، ويهين ~~عماله، وتحزق بابن أبي العود الصغير، وكان قد ولى بعد قتل أخيه. # واشتد جور بكجور وكثر قتله وصلبه للناس والبناء عليهم، وكثرت مخالفته لما ~~يرد عليه من العزيز، فخرج إليه منير الخادم من مصر في سنة ثمان وسبعين ~~بعسكر كبير، وكتب إلى أهل الأعمال بالمسير معه إلى دمشق لحرب ابن الجراح، ~~فنزل الرملة وقد اختلف بكجور مع بشارة والي طبرية، وأنزل ابن الجراح السواد ~~وأطمعه في ضياع الوزير، وجعله ضد البشارة، وكاشف بالعصيان PageV01P259 # فجمع منير العرب من قيس وعقيل وفزارة، وسار إلى عمان، فسار إليه منير، ~~وصاروا جميعا إلى عمل دمشق، فجمع بكجور بني كلاب، وبعث منير سرية إلى ابن ~~الجراح وهو في طرف عمل دمشق، فأوقعوا بقومه، وغنموهم، فانهزم. # وكتب منير إلى بكجور: إنا لم نجيء لقتالك، وإنما جئنا لنخرج ابن الجراح ~~من العمل، لأنه أفسد وعصى، فتكون معينا لنا في هذا الأمر، لنسير إلى حلب ~~وأنطاكية. # فعلم أن هذا خداع، وقد اشتد خوفه وقلقه من أهل البلد لكثرة إساءته لهم، ~~وجوره وتعديه لئلا يثوروا به، فجمع عسكره وبعثهم إلى قتال منير، وأقام ~~بالبلد، فكانت بينهم وقعة انهزموا فيها، فخاف وبعث إلى منير: أني أسلم ~~البلد وأرحل عنه، فأجيب إلى ذلك. # ورحل للنصف من رجب ومعه ابن الجراح يريد الرقة، وتسلم منير دمشق، وسير ~~إلى مصر بذلك، وبثلاثمائة من أصحاب بكجور استأمنوا، فبعث العزيز إلى بكجور ~~على لسان الوزير يقول: ما أردنا أن تبرح عن البلد، وإنما بعثنا إلى ابن ~~الجراح من يخرجه عن العمل لما أفسد فيه، وما كان لك من الغلات والضياع فهو ~~على رسمه، أفعل فيه ما أحببت، فما لنا فيه من حاجة. # فأقام بكجور على ما كان له بدمشق من الضياع والأهراء من يتولى أمرها، ~~وبقى بالرقة يقيم الدعوة للعزيز ويراسله، ويراسل كرديا قد غلب على ~~ميافارقين يقال له باد، ويكاتب أبا المعالي سعد الدولة، واسمه شريف بن سيف ~~الدولة علي بن حمدان بحلب أن يرده إلى حمص، ms165 فولاه حمص، فبعث من يتسلمها، ~~فقلق لذلك الوزير يعقوب بن كلس، فبعث إلى ناصح الطباخ وهو بعمان أن يسير ~~إلى حمص ويأخذ من بها من أصحاب بكجور، فأسرى إليها وقد حذروا منه، وخرجوا ~~قادمين بأموالهم، فأخذهم وسار إلى دمشق، فبعث بكجور إلى صاحب بغداد فلم ير ~~منه ما يحب، ووقع بينه وبين أبي المعالي. PageV01P260 ### || سنة سبعين وثلاثمائة @YY370 # فيها تمكنت حال يعقوب بن كلس مع العزيز، فأذل كتامة وقهرهم، وقدم ~~الأتراك، عزل القائد جوهر عن الوزارة، وكان العزيز يستشيره في الباطن. ### || سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة @YY371 # فيها تقدم العزيز إلى بعض من فيه جرأة وشهامة بالتوجه إلى بغداد، ليسرق ~~السبع الفضة الذي على صدر زبزب عضد الدولة فسار إلى بغداد وسرقه، فعجب ~~الناس من ذلك. PageV01P261 ### || سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة@YY373 # في يوم الاثنين لثلاث خلت من شوال قبض العزيز بالله على الوزير يعقوب بن ~~كلس وعلى الفضل بن صالح وأخوته، وحمل ما في دورهم إلى القصر، فكان ما حمل ~~من دار الوزير يعقوب مائة ألف دينار، واعتقل كل واحد بمفرده، فارتجت ~~المدينة، ونهبت الأسواق، وكانت الدواوين تجلس في دار الوزير، فنقلوا إلى ~~القصر. # وعملت أوراق ما كان للوزير من أنواع البر فبلغت ألف دينار كل شهر، فأمر ~~العزيز باجرائها على أربابها، ثم أفرج عنهم بعد شهرين، وأعيد موجودهم، ~~وأعيد الوزير إلى وزارته، ورد إليه المائة ألف دينار التي أخذت له، وأعيد ~~اسمه إلى الطراز بعد ما محى. # وفيها كان غلاء عظيم عم بلاد الشام والعراق. # وفيها مات هفتكين، فاتهم الوزير يعقوب بأنه سمه، فقبض عليه. # ومات القاضي محمد بن الحسن بن أبي الربس. # ومات أبو العباس بن سبك من الإخشيدية. PageV01P262 # وأما المغرب فإن العزيز بالله بعث في سنة ست وسبعين أبا الفهم حسن الداعي ~~الخراساني إلى القيروان، فأكرم إكراما كثيرا، ثم توجه إلى بلاد كتامة، ~~فدعاهم، وعظم عندهم، حتى ضرب السكة، وركب في عساكر عظيمة. # ثم بعث العزيز في سنة سبع وسبعين أبا العزم ومحمد بن ميمون الوزان، فلقيا ~~الأمير أبا الفتح منصور بن ms166 يوسف بن زيرى، فسبهما وأهانهما لسبب ما فعله أبو ~~الفهم، ووكل بهما، ثم خرج وهما معه في طلب أبي الفهم، حتى أخذه وقتله شر ~~قتلة، وأخذه العبيد فشرحوا لحمه وأكلوا كله، وأمر أبا العزم ورفيقه أن ~~يمضيا إلى مصر، ويخبرا العزيز بما شاهداه، فقدما عليه وقالا: رأينا شيئا ............... # ومن خط ابن الصيرفي: كان رجل من التجار الغرباء ينزل في قيسارية الإخشيد ~~التي PageV01P263 # يسكنها البزازون خلف الجامع العتيق، فقتل في منزله، وأخذ ماله، فأصبح ~~رشيق PageV01P264 # غلام ميمون دبة صاحب الشرطة السفلى فاعتقل جماعة من أولاد التجار ومن كان ~~ساكنا حول قيسارية الإخشيد، فشنع الناس عن رشيق أنه دس على الرجل من قتله ~~وأخذ ماله، ورفع إلى العزيز ذلك، وأنه اعتقل أبرياء مستورين، فوقع على ظهر ~~الرقعة إلى الوزير يعقوب بن يوسف في ذي الحجة سنة سبع وسبعين وثلاثمائة: ~~سلم الله الوزير، وأبقى نعمته عليه. # هذه رقعة رفعت إلينا بالأمس، الوزير سلمه الله يطلع عليها ويتدبرها، ~~والأمر والله فظيع، يسوء الأولياء، ويسر الأعداء، وبالأمس كنا نضحك من ~~فناخسرو، واليوم ألجمنا بعار منى علينا في بلد نحن ساكنوه، والأخبار تسير ~~به في البلدان، وحسبك بقتل الأنفس في مواضع الأمن والطمأنينة في وسط عمارة ~~المسلمين وتؤخذ الأموال، وقد وكل الأمر إلى رجلين لا يخافان الله عز وجل ~~ولا يتقيانه، والدنيا فانية، والاجال متقاربة، وإن أصبح الناس فما يدري أنه ~~يمسي .... الله عز وجل .... هذه الجرائم .... عليه منها يحرم أجره .... في .... المتغافل عنه، فوالله لو جرى مثل هذا في بلد يبعد عنا لوجب الاحتساب لله ~~فيه، فكيف تحت كنفنا وفي بلدنا؟! فليستقص الوزير سلمه الله عن هذه القصة، ~~ويوتر الله ويوترنا، ويغسل هذا العار عن الدولة ولا يغمها به. فوالله الذي ~~لا إله إلا هو، وحق جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كتبت إلى الوزير ~~سلمه الله هذه الرقعة إلا وأنا خائف من نقم الله جل اسمه، لكثرة تغافلنا ~~وإهمالنا، إلى أن صارت المعاملة في الدماء وقتل الأنفس، فليس على هذا صبر، ~~ولا ms167 بد لك من PageV01P265 # الاستقصاء على هذه القصة، فأوثق الناس إلى أن تنكشف، فينتقم من فاعلها، ~~وتبرأ إلى الله تعالى منه. # فليعمل الوزير سلمه الله في ذلك عملا يأجره الله عليها ونشكره، ولا ~~يتوانى عنه، فليس ما نغسله عن أنفسنا بانكشاف هذه القصة قليلا عند الله جل ~~وعلا، وعند عبيده من بعد. # وأنا أقسم على الوزير بحياتي ألا يتوانى عن هذا الأمر، وليسرع بالفراغ ~~منه، وخلاص هؤلاء الرجال المساكين من مد يد من يطلب أموالهم وأنفسهم ظلما ~~وعدوانا، والشرط والولاية قد صارت إرثا، فلينظر الوزير سلمه الله أن يولى ~~الشرطتين إنسانين يخافان الله عز وجل ويتقيانه، فلا جمع الله ما لهما، ولا ~~ما يجيء منهما بتقلد، فقدم ما أمرناك به في الوجوه، وأظهره في الناس لتطيب ~~أنفسهم، وليعلموا أنا لا نغفل عن شيء يبلغنا الله فيه رضى، ولهم فيه صيانة. # والله حسبي، وعليه توكلي. # والسلام على الوزير ورحمة الله. # قال ابن الصيرفي: فنسخ أهل مصر كافة هذا التوقيع، وصار الصبيان في ~~المكاتب يعلمونه كما يعلمون الحمد. # وصرف الوزير ..... ورشيقا عن الشرطتين. PageV01P266 ### || سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة @YY378 # في سابع عشر ذي الحجة حدث بالقاهرة ومصر رعد شديد ورياح عاصفة، فاشتدت ~~الظلمة حتى شنعت، وظهر في السماء عمود نار، ثم احمرت السماء والأرض حمرة ~~زائدة، وظهرت الشمس متغيرة إلى يوم الثلاثاء ثاني المحرم سنة تسع وسبعين، ~~وظهر كوكب له ذؤابة فأقام اثنين وعشرين يوما. # وفيها مات أبو الحسين أحمد أخو طغج في المحرم. ### || وفي رجب سنة ثمانين # خرج الناس في لياليه على رسمهم في الليل، ليالي الجمعة وليالي النصف إلى ~~جامع القاهرة عوضا عن القرافة، فزيد في الوقيد. # وفي يوم الجمعة عشرة شهر رمضان ركب العزيز إلى جامع القاهرة بالمظلة فخطب ~~وصلى. # وفيه خط أساس الجامع الجديد مما يلي باب الفتوح وبدىء بالبناء فيه، وتحلق ~~الفقهاء الذين يتحلقون بجامع القاهرة فيه، وخطب به العزيز وصلى يوم الجمعة ~~النصف منه، وحمل يانس الصقلي صاحب الشرطة السفلى السماط، وبنيت مصاطب ما ~~بين القصر والمصلى ظاهر باب ms168 النصر يكون عليها المؤذنون والفقهاء، حتى يصل ~~التكبير من المصلى إلى القصر، وتقدم أمر القاضي محمد بن النعمان بإحضار ~~المتفقهة والمؤمنين، وأمرهم بالجلوس يوم العيد عليها، وركب العزيز فصلى ~~وخطب. # وفي ذي القعدة ورد من دمشق مال الموسم وهو ستون حملا. # وفي النصف منه سارت قافلة الحاج في البر بالكسوة للكعبة والطيب والصلات، ~~فجلس العزيز للنظر إليهم، وكانت قافلة عظيمة. PageV01P267 # وفيها مات الوزير يعقوب بن كلس يوم الخامس من ذي الحجة، فكفن في خمسين ~~ثوبا ما بين وشى، ومثقل، وشرب ديبقي مذهب، وجفت كافور، وقارورتين من مسك، ~~وخمسين منا ماء ورد، وصلى عليه العزيز، فكان ما كفن به وحنط به عشرة آلاف ~~دينار. PageV01P268 # وحزن عليه العزيز حزنا شديدا، ولم يأكل ذلك اليوم على مائدة، ولا حضر أحد ~~للخدمة وأقام كذلك ثلاثا، وأقيم العزاء على قبره مدة شهر، وأوفى العزيز عنه ~~دينه، وهو ستة عشر ألف دينار. # وكان إقطاعه في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، سوى الرباع. # واشتملت تركته على أربعة آلاف ألف دينار، سوى ما سوى لابنته، وهو مائتا ~~ألف دينار. # وفي يوم عرفة حمل يانس السماط، وصلى العزيز، وخطب يوم النحر، ونحر النوق ~~بيده، ومضى إلى القصر، ونصب له السماط والموائد، وفرق الضحايا على أهل ~~الدولة. # وطمع بكجور في أخذ حلب، فسار، وجمع له أبو المعالي ابن حمدان، وواقعه أول ~~صفر، فانهزم بكجور، فبعث إليه وسيق له، فضرب عنقه ثاني صفر وصلبه، وسار ~~فملك الرقة، وأخذ ما كان فيها، وملك الرحبة وعاد. # وبلغ العزيز أن منير يكاتب صاحب بغداد، فجهز عسكرا عليه منجوتكين فيمن ~~اصطنعه من الأتراك، وأعطاه مالا وسلاحا، وولاه الشام، فبرز إلى منية الأصبع ~~في صفر سنة إحدى وثمانين، وخلع عليه، وحمل إليه مائة ألف دينار ومائة قطعة ~~من الثياب الملونة، وعشر قباب بأغشية، ومناطق مثقلة، وأهلة وفرش، وخمسين ~~بندا، وعشر منجوقات، وعشرة أفراس، فأقام بمنية الأصبغ شهرين وسبعة عشر يوما ~~يخرج إليه العزيز في كل غدوة وعشية، وينفذ إليه في كل يوم الجوائز والخلع، ~~ورفع من ms169 منية الأصبغ في رابع عشرين جمادى الأولى، وخلع على ابن الجراح ~~وحمل، وسار مع منجوتكين فلم يزل بالقصور إلى ثالث شعبان، فسار وودعه ~~العزيز، وجد في السير، وكان ما أنفق عليه العزيز ألف ألف دينار ونيف، وقدم ~~قبل مسير ابن أبي العود الصغير، وكان على الخراج بدمشق، وكاشف بالعصيان، ~~فسار العسكر إلى الرملة، ولقيه بشارة والي طبرية، وكتب إلى والي طرابلس ~~نزال، وجمع منير رجاله، PageV01P269 # واعتد للحرب، وسار إليه، فالتقى مع منير بمرج عذرا، وكانت الحرب، فانهزم ~~منير في تاسع عشر رمضان، وأخذ فحمل إلى منجوتكين، فشهره على جمل ومعه قرد ~~يصفعه في مائة من أصحابه، وقائل ينادي: هذا منير لعنه الله، أصبحت دياره ~~خالية، وكلابه عاوية، ونساؤه صائحة، طاعنته الرماة، ونازلته الحماة، هذا ~~جزاء من نافق على الله عز وجل، وعلى مولانا العزيز بالله. # وأقام منجوتكين في دمشق ومعه ثلاثة عشر ألفا فساءت سيرتهم في الناس. # ومات أبو المعالي بن حمدان في رمضان، فسار منجوتكين يريد أخذ حلب من ~~الحمدانية، ونزل عليها وبها أبو الفضل بن أبي المعالي، فقاتله أشد قتال، ~~وأقام نحو الشهرين، ثم عاد إلى دمشق، وترك معضاد على حمص. # سنة ثمانين وثلاثمائة # فيها طمع باد صاحب ديار بكر في أبي طاهر إبراهيم وأبي عبد الله الحسين ~~ابني ناصر الدولة بن حمدان، وقاتلهما، فقتل باذ، فسار بن أخته أبو علي بن ~~مروان إلى حصن كيفا، وبه امرأة خاله باد وأهله، فخدعها حتى صعد إليها، وملك ~~الحصن وغيره من بلاد خاله، وجرت بينه وبين ابني ناصر الدولة عدة حروب، وقدم ~~القاهرة على العزيز بالله، فقلده تلك النواحي، وعاد إليها حتى ثار به عبد ~~البر شيخ آمد، وقتله عند خروجه بالسكاكين شخص يقال له ابن دمنة، واستولى ~~عبد البر على ما بيده، وزوج ابن دمنة بابنته، فوثب ابن دمنة على عبد البر ~~وقتله، وملك آمد. # وكان ممهد الدولة أخو أبي علي بن مروان لما قتل أخوه أبو علي سار إلى ~~ميافارقين وملكها في عدة من بلاد أخيه، فثار عليه ms170 سروة أحد أكابر أصحابه ~~وقتله، وقتل غالب بني مروان، وذلك في سنة اثنتين وأربعمائة. PageV01P270 ### || ودخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة @YY381 # فورد سابق الحاج أول محرم، فأخبر بتمام الحج، وإقامة الدعوة للعزيز، فخلع ~~عليه، وطيف به المدينة. # ووصل مفرج بن دغفل بن الجراح، فخلع عليه. # وأمر العزيز بازالة المنكرات، وهدم مواضعها، فكسر لرجل واحد خمسون ألف ~~جرة وردت من الصعيد. # وولد لأبي القاسم علي بن القائد الفضل بن صالح ولد، فبعث إليه العزيز ~~ثلاثين ثوبا فاخرة، وعشرة أردية، وعشر عمائم، وثوبا مثقلا، ومنديلا طوله ~~مائة ذراع، ومنديلا دونه، وخمسمائة دينار، وحملت إليه السيدة العزيزية مائة ~~ثوب صحاحا من كل فن، وثلاثمائة دينار، ومهدين، أحدهما أبنوس محلى بذهب، ~~والآخر صندل محلى بفضة مخرقة، ولهما أغشية ومخاد وثياب وفرش مثقلة. # وركب العزيز لفتح الخليج. # وفي جمادى الآخرة زفت أخت كاتب السيدة العزيزية إلى زوجها بلتكين التركي، ~~ومعها جهاز بمائة ألف دينار، سوى صناديق محملة على ثلاثين بغلا، وعمل له ~~صنيع ذبح فيه عشرون ألف حيوان، ما بين كبش وخروف وجدي وأوزة ودجاجة وفروج، ~~ونزلت إليه في عشرين قبة، وخلع عليه وحمل، وأقامت عنده خمسة أشهر وأحد عشر ~~يوما، ومات. PageV01P271 # وفي رجب كان عيد الصليب، فمنع العزيز من الخروج إلى بني وائل، وضبط ~~الطرقات والدروب، فإنه كان يظهر فيه من المنكرات والفسوق ما يتجاوز الوصف. # وبعث العزيز إلى منجوتكين إنعاما بمائة ألف دينار، وكان المهرجان، فسير ~~إليه أيضا هدايا، وأهدى خواص الدولة إلى العزيز في المهرجان. # وفي ليلة النصف من شعبان كان الاجتماع بجامع القاهرة. # وفي رمضان صلى العزيز الجمع وخطب بجامعه، وعليه طيلسان وبيده القضيب، وفي ~~رجله الحذاء، وصلى أيضا بجامع القاهرة وخطب. # واعتل منصور بن العزيز، فتصدق العزيز على الفقراء بعشرة آلاف دينار، وحمل ~~السماط للعيد على العادة. # وصلى العزيز صلاة عيد الفطر، وخطب على رسمه. # وأهدت إليه امرأة من البلدة سبعا قد ربته، فكانت ترضعه ولا يصرعها، وهو ~~في قدر الكبش الكبير. # وسارت قافلة الحاج في رابع عشر ذي القعدة بكسورة الكعبة ms171 والصلات. # واعتل القائد جوهر، فركب العزيز إليه، وبعث له خمسة آلاف دينار، ومزينة ~~بمثقل، وبعث إليه منصور بن العزيز خمسة آلاف دينار؛ وتوفي لسبع بقين من ذي ~~القعدة، فكفن في سبعين ثوبا ما بين مثقل ووشى مذهب، وصلى عليه العزيز؛ وخلع ~~على ابنه الحسين، وجعله في رتبة أبيه، ولقبه القائد ابن القائد، ولم يعرض ~~لشيء مما تركه. # ومن بديع توقيعات القائد جوهر ما حكاه أبو حيان التوحيدي في كتاب بصائر ~~القدماء قال: كتب جوهر عبد الفاطمي بمصر موقعا في قصة رفعها أهلها إليه: PageV01P272 # سوء الاجترام، أوقع بكم حلول الانتقام، وكفر الإنعام، أخرجكم من حفظ ~~الذمام، فاللازم فيكم ترك الإنجاب؟ واللازم لكم ملازمة الاجتناب، لأنكم ~~بدأتم فأسأتم، وعدتم فتعديتم، فابتداؤكم ملوم، وعودكم مذموم، وليس بينهما ~~فرجة تقتضي إلا التبرم بكم، والإعراض عنكم، ليرى أمير المؤمنين صلوات الله ~~عليه رأيه فيكم. # وحملت أسمطة عيد النحر على العادة، وصلى العزيز بالناس صلاة العيد، وخطب، ~~ثم نحر بالقصر ثلاثة أيام، وفرق الضحايا. # وفي غد يوم النحر وصل منير الخادم من دمشق، فشهر على جمل بطرطور طويل، ~~فخرجت الكافة للنظر إليه، ومعه سبعمائة رأس على رماح فطيف به، ثم خلع عليه ~~وعفى عنه. # وعمل عيد الغدير على رسمه. # وضرب رجل وطيف به المدينة، من أجل أنه وجد عنده موطأ مالك رضي الله عنه. # وفي تاسع عشره جلس علي بن عمر العداس بالقصر، فأمر ونهى، ونظر في ~~الأموال، ورتب العمال، وتقدم أن لا يطلق لأحد شيء إلا بتوقيعه، ولا ينفذ ~~إلا ما قدره وأمر به ألا يرتفق ولا يرتزق ولا تقبل هدية ولا يضيع دينار ولا ~~درهم. # وفيها كان بدمشق زلزلة عظيمة سقط منها ألف دار، وهلك خلق كثير، وخسف ~~بقرية من قرى بعلبك، وخرج الناس إلى الصحارى؛ وكان ابتداؤها في ليلة السبت ~~سابع عشر المحرم، وخرج الناس إلى الصحراء؛ ولم تزل الزلازل تتابع إلى يوم ~~الجمعة سابع عشر صفر بلاء. PageV01P273 ### || ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة @YY382 # فورد سابق الحاج بتمام الحج، وإقامة الدعوة للعزيز بالموصل ms172 واليمن، وضربت ~~السكة باسمه في هذه البلاد. # وقدم رسول القرامطة بأنهم في دعوة العزيز ونصرته. # وفي صفر سير إلى منجوتكين خمسون حملا من المال، وأربعون حملا من ثياب ~~محزومة، وخزانة سلاح، وخمسمائة فارس. # وقدمت قافلة الحجاج في سابع عشره. # وجرى في الأسعار ما يعجب منه، وهو أن اللحم أبيع في أول ربيع الأول رطل ~~ونصف بدرهم، ثم أبيع في سادسه عشر أواقى بدرهم، ثم أبيع أربعة أرطال بدرهم، ~~ولحم البقر ستة أرطال بدرهم، والخبز السميذ اثنا عشر رطلا بدرهم، وما دونه ~~سبعة عشر رطلا بدرهم، والدراهم كل خمسة عشر درهما ونصف بدينار، وبلغت القطع ~~الدراهم سبعة وسبعين درهما بدينار، ثم وصلت كل مائة درهم منها بدينار، ~~واضطربت الأسعار والصرف، فضربت دراهم جدد، وبيعت القطع المسبك كل خمسة ~~دراهم منها بدرهم جديد، وكان على الدرهم الجديد: الواحد الله الغفور. PageV01P274 # وفي الوجه الآخر الإمام أبو المنصور. # وفي ربيع الآخر ورد الخبر بفتح منجوتكين حمص وحماة وشيزر، وأنه محاصر ~~لحلب، فجعل الطائر الذي قدم بالخبر في قفص عليه ثوب ديباج وطيف به القاهرة ~~ومصر. # وسعى بعض النصارى بالكتاب إلى العزيز فانكف عيه وهدد، فقيل إنه جائع، ~~فرتب في كل شهر عشرون دينارا، ونهى عن العود لمثل ذلك، فخاف السعاة ~~وانكفوا. # وخلع القاضي محمد بن النعمان على مالك بن سعيد الفارقي، وقلده قضاء ~~القاهرة، فركب بالخلع وشق الشارع إلى القاهرة. # وفي جمادى الأولى ورد الخبر على جناح الطائر بأن سعد الدولة شريف بن سيف ~~الدولة على بن حمدان بذل لمنجوتكين ألف ألف درهم، وألف ثوب ديباج، ومائة ~~فرس مسرجة، ليرحل عنه، فامتنع، وقدم الروم فواقعهم منجوتكين، وقد استخلف ~~على قتال حلب عسكرا، وكان منجوتكين في خمسة وثلاثين ألفا، والروم في سبعين ~~ألفا، وانهزم الروم عند جسر الجديد، وأخذ سوادهم، وقتل منهم وأسر كثير، ~~فقرأ العزيز الكتاب بنفسه على الناس، ونزل القاضي محمد بن النعمان فقرأه ~~على الكافة فوق المنبر بالجامع العتيق، وقال في كلامه: فاحمدوا الله أيها ~~الناس، فإن الله تعالى قد صانكم وصان ms173 أموالكم بمولانا وسيدنا الإمام العزيز ~~بالله عليه السلام، فما بالعراق تاجر معه عشرة دنانير أو أكثر إلا وتؤخذ ~~منه. # وسقط الطائر بعده بأن منجوتكين غنم غنيمة عظيمة من الأموال والرجال ~~والدواب، وأنه ظفر بعشرة آلاف أسير فأخذهم، وأنهم قاتلوا معه وهو محاصر ~~للروم في أنطاكية، فقرأ القاضي الكتاب على المنبر، وتصدق العزيز بصدقات ~~كثيرة. # وسقط الطائر بوصول منجوتكين إلى مرعش، وعاد إلى حلب. # وركب العزيز لفتح الخليج بالمظلة، وعليه قميص ديباج مثقل، وتاج مرصع ~~بالجوهر. PageV01P275 # ولأربع عشرة خلت من رجب كان عيد الصليب، فجرى الناس في الاجتماع فيه للهو ~~على ما كانوا عليه. # وسقط الطائر بعود منجوتكين عن حلب إلى دمشق ليشتى بها. # وردت الحسبة إلى حميد بن المفلح، وخلع عليه، فطاف البلد بالطبول والبنود، ~~وضمن ضياعا بمبلغ ثلاثمائة ألف دينار ليقوم بالعلف. # وخطب العزيز في رمضان في جامع القاهرة، وصلى، وركب يوم الفطر فصلى ~~بالناس، وخطب على الرسم. # وسارت قافلة الحاج للنصف من ذي القعدة. # ونودي في السقائين أن يغطوا روايا الجمال والبغال كي لا يدنسوا ثياب ~~الناس. # وعمل سماط عيد نحر، وركب العزيز فصلى بالناس صلاة عيد النحر، وخطب على ~~رسمه، ونحر، وفرق الضحايا. # وعمل عيد الغدير على العادة. # وفيها سار بكجور من الرقة إلى قتال سعد الدولة أبي المعالي شريف بن سيف ~~الدولة على بن حمدان بحلب، فاقتتلا، وانهزم بكجور، ثم قبض عليه، وحمل إلى ~~سعد الدولة أسيرا فقتله. # وفيها كتب العزيز سجلا بولاية العهد بالمغرب لأبي مناد باديس بن منصور بن ~~زيرى بعد أبيه، فسر بذلك أبوه. PageV01P276 ### || ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة @YY383 # في المحرم ردت الحسبة إلى الوبرة النصراني ضمانا مع السواحل، فأمر أبو ~~محمد الحسن ابن عمار بالنظر في الظلامات وحوائج الناس، وتدبير الأموال، ~~ومحاسبة أرباب الدواوين، فجلس لذلك، ثم أعفي منه، وأمر القائد الفضل بن ~~صالح بالجلوس لذلك، فجلس بالقصر ومعه القاضي محمد بن النعمان. # وقدم سابق الحاج فخلع عليه، وطيف به. # ومحرج العزيز إلى الجيزة لصيد سبع، وعاد وهو بين يديه على ms174 بغل وظهر بمصر ~~جراد لم يعهد مثله، فبيع بالأسواق منه شيء يجل عن الوصف، وكان يباع أربعة ~~أرطال بدرهم. # ووصلت قافلة الحاج لأربع بقين من صفر. # وعرض على العزيز عمل الخراج ووجوه الأعمال وتقدير ذلك، وابتدىء فيه ~~بمصروف مؤونته ومطابخه وموائده فحذفه، ولعن من عمله، وقال: أشبع أنا وتجوع ~~الناس، أطلقوا أرزاق الناس على الأدوار، فقد كدت أن أعطل المائدة وفي أول ~~ربيع الأول أمر العزيز الكتاب كلهم أن يمتثلوا ما يأمر هو به أبو الفضل ~~جعفر ابن الفرات، فركبوا إليه، وأمر ونهى، وتكلم في الدواوين. # وكانت وقعة في البحر مع الروم بنواحي الإسكندرية، وأسر فيها من الروم ~~سبعون. # وأمر بنصب أزيار الماء على الحوانيت مملوءة ماء؛ ووقود المصابيح على ~~الدور وفي الأسواق وقرىء سجل بألا يؤخذ على الموازين والأرطال حق طبع، وألا ~~يأخذ أعوان المحتسب من أحد شيئا. PageV01P277 # ووردت مراكب الروم إلى الإسكندرية، فسار إليها العسكر في البر، والأسطول ~~في البحر، فولوا من غير حرب إلى الشام، فسار الأسطول إليهم، وزيد فيه ~~ثمانية عشر مركبا، مشحونة بالسلاح والمقاتلة. # وذكر عند العزيز كتاب العين في اللغة، فأخرج منه نيفا وثلاثين نسخة من ~~خزانته، منها واحد بخط الخليل بن أحمد مؤلفها. # وحملت إليه نسخة من تاريخ الطبري اشتراها بمائة دينار، فأمر الخزان ~~فأخرجوا من خزائنه عشرين نسخة، منها نسخة بخط محمد بن جرير جامعه. # وذكرت عنده جمهرة ابن دريد فأخرج منها مائة نسخة وفيها ركب العزيز لفتح ~~الخليج بزيه. # وظهر رجل من الرسيين يقال له القاسم بن علي يطلب الخلافة بأعمال الحجاز. # وفي جمادى وردت هدية منصور بن يوسف بن زيرى من المغرب، وهي: مائة وخمسون ~~فرسا. # وخمس عشرة بغلة مسرجة. # ومائة وثمانون فرسا ذكورا. # وخمسون حجرة. # وخمسون بغلة بأجلة. # وثلاثمائة بغل بأكف، منها مائة بغل تحمل صناديق المال. # وخمسمائة وخمسة وثلاثون جملا تحمل البر وغيره، وثلاثمائة عليها أحمال ~~المال. PageV01P278 # وكلاب الصيد. # وخمسة أفراس بسروجها لولد العزيز، وعشرون فرسا بأجله. # وخمسة عشر خادما صقالبة. # وجلس العزيز عند المصلى وعلى رأسه المظلة، ms175 وسارت العساكر بين يديه قبيلة ~~قبيلة، وعرضت عليه الخيول والرجال على الرسم في كل سنة. # وحضر الفقهاء وغيرهم في رجب بجامع القاهرة في ليالي الجمع، وفي ليلة ~~النصف على العادة. # وفي تاسع عشر شعبان ركب العزيز فوقف على فرسه تحت شراع نصب له، ومرت ~~العساكر بالخيل والجواشن والخوذ، فمروا قائدا قائدا، كل واحد بعسكره في ~~حجابه وشاكريته وبنوده، وكانوا مائة وستين قائدا، فيهم من عسكره ثلاثة آلاف ~~إلى ألفين، وكان الغرض بهذا العرض أن يرى رسول منصور بن زيرى العساكر. # واستعفى جعفر بن الفرات من النظر في الأموال، فأعفى وحوسب، وضمن عدة من ~~الكتاب القيام بوجوه الأموال، وألزم ابن الفرات بمال. # وخطب العزيز في رمضان بجامعه، وصلى بالناس صلاة الجمعة، ومعه ابنه منصور، ~~فجعلت المظلة على الأمير منصور بن العزيز، وصار العزيز بغير مظلة، وصلى ~~أيضا صلاة عيد الفطر، ومعه ابنه على الرسم. # وسارت قافلة الحاج للنصف من ذي القعدة بالكسوة للكعبة والصلات، فخرج حاج ~~كبير، وخرج معهم ثلاثة آلاف وخمسمائة مقاتل، وبلغت النفقة على الكسوة ~~والصلات ثلاثمائة ألف دينار. # ووصل البقط من النوبة إلى العادة، ومعهم فيل وزرافة. PageV01P279 # وفيها كثر بخس الباعة في البيع من المكاييل والموازين، فكتب سجل في ~~الأسواق بالنهي عن ذلك، وخوفوا بأن من وجدت عنده صنجة أو كيل أو ميزان بعد ~~ثلاث وفيها عيب حلت به العقوبة، كائنا من كان من ساكن في عقار الدواوين ~~الخاصة والأملاك أو في رباع أحد من خواص الدولة، أو ظهر عليه بأنه بخس ~~الناس أو غش. # وحمل سماط العيد، وخطب العزيز بالمصلى بعد ما صلى صلاة عيد النحر بزيه، ~~وفرق الضحايا ونحر. # وخرج على جعفر بن الفرات خراج ضياعه بالشام مبلغ خمسة وخمسون ألف دينار، ~~فألزم بذلك، وتسلمت ضياعه المذكورة حتى استوفى ذلك منها، فأصابه عنت عظيم. # وعمل عيد الغدير على العادة. # وفي هذه السنة كسفت الشمس بأجمعها في سلخ جمادى الآخرة، فأظلمت الدنيا ~~وظهرت النجوم حتى لم ير الإنسان كفه، ثم انجلى الكسوف آخر النهار. # وفيها حمل من ms176 تنيس صبي يعرف بحسين بن عمر إلى القاهرة لم يبل قط، فاعتبر ~~حاله بها فكان كذلك، وسقي أدوية مدرة للبول فلم يبل، فأحسن غليه، وأعيد إلى ~~تنيس، وأقام بها مدة حتى مات. PageV01P280 ### || سنة أربع وثمانين وثلاثمائة @YY384 # في المحرم قدم عيسى بن جعفر الحسني أمير مكة بالقاسم بن علي الرسي الثائر ~~بالحجاز، فأكرمهما العزيز، وأحسن إليهما. # ووصلت قافلة الحاج لست عشرة خلت من صفر. # ونزل منصور بن مقشر طبيب العزيز لتعهده وبين يديه الجنائب، وعلى الصبي ~~شاشية مرصعة، وبين يديه أسطال فضة، وثلاثون شمعة موكبيه، وشمع معنبر، فشق ~~الشارع نهارا إلى الكنيسة. # وفي ربيع الأول جلس منصور بن العزيز في المكتب. # وورد صندل عامل برقة بالهدية من المال والخيل والبغال والأحمال المحزومة، ~~والجمال، فخلع عليه وحمل. # وفيه حمل إلى القصر بستان من فضلة فيه أنواع الأشجار المثمرة وجميع ~~الأزهار، كل ذلك من فضة. # وفي ربيع الآخر سار منجوتكين من دمشق في ثلاثين ألفا لقتال ابن حمدان ~~بحلب، وقد اجتمعت عساكر الروم بأنطاكية، فأقام بفامية، وسير إلى ما حول ~~أنطاكية من القرى فأخربها. # ثم رحل عنها لكثرة الحر والذباب إلى جبلة، فأخذها وما حولها، فنال منها ~~شيئا كثيرا. # وسار إلى حلب، فحاصرها نحوا من شهرين، فعزم الروم على نجدة ابن حمدان ~~بحلب، وقد أتتهم أمدادهم وجموع كثيرة وساروا يريدون حلب، فبرز إليهم ~~منجوتكين، وواقعهم فهزمهم، وقتل منهم نحو خمسة آلاف، ومضى من بقي منهم إلى ~~إنطاكية، وذلك في شعبان. PageV01P281 # فلما انقضى أمر الوقعة عاد منجوتكين، فنزل على حلب، وضايق أهلها بالحصار ~~والقتال: حتى أكلوا الميتة من الجوع، وخرج منها خلق كثير إلى منجوتكين، ~~وأقام على حصارها بقية السنة. # وفي جمادى الأولى وصل غزاة البحر إلى القاهرة بمائة أسير، فزينت القاهرة ~~ومصر أعظم زينة، وركب العزيز وابنه منصور، وشقا الشوارع، ثم ركب في عشاري، ~~ومعه العشاريات سائرة إلى المقس، ثم ركب من المقس إلى القصر فكان يوما ~~عظيما لم ير بمصر مثله، وقال فيه الشعراء. # وفي جمادى الآخرة سار عيسى بن جعفر أمير ms177 مكة بالجوائز والخلع ومعه القاسم ~~الثائر. # واشتدت المطالبة على ابن الفرات، وأحيل عليه بمال، فأعنته المحتالون ~~عليه، ولحقه منهم مكروه، وألقوه عن فرسه فكسرت إصبعه، وامتدت أيديهم إليه، ~~فالتجأ إلى دار القائد أبي عبد الله الحسين بن البازيار، فأصلح قضيته. # وجهزت هدية إلى ابن زيري بالمغرب، وهي: فيل. # ومائة فرس مسرجة ملجمة. PageV01P282 # وبغال ونوق، وبخاتى. # وثلاثون قبة مثقلة. # وأحمال محزومة، فيها بز وكسوة من عمل تنيس ودمياط وغيره. # وبلور، وصيني، وغرائب. # وعشر خلع مذهبة بمناديلها. # وعشرة أفراس من خاص العزيز بمراكب ذهب. # وركب العزيز بابنه لفتح الخليج وأمر ألا تباع دار بما فوق مائتي دينار ~~إلا بعد عرضها على من يلي ديوان الأملاك. # وورد سبكتكين من صقلية، فخلع عليه؛ ووردت هدية متولي صقلية، وهي: خيل، ~~وجمال، وصناديق مال. # وصلى العزيز بالناس الجمعة بعد ما خطب بجامع القاهرة وبجامعه، ومعه ابنه ~~في أيام الجمع من شهر رمضان، وعمل في آخره سماطا للعيد، وصلى العزيز بالناس ~~صلاة عيد الفطر، وخطب على الرسم. # وتسلم عيسى بن نسطورس سائر الدواوين، ونظر في جميعها، وأمر ونهى، وخاطب ~~سائر الكتاب عن العزيز، وخاطبه سائر الأولياء وكافة الناس في مهماتهم ~~وتوقيعاتهم. # وقدم يحيى بن النعمان من تنيس ودمياط والفرما بأسفاط وتخوت وصناديق مال، ~~وخيل وبغال وحمير، وثلاث مظلات وكسوتين للكعبة. # ولاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة عرض العزيز العساكر بظاهر القاهرة، فنصب ~~له مضرب ديباج رومي فيه ألف ثوب بصفرية فضة، وفازة مثقل، وقبة مثقل ~~بالجوهر، PageV01P283 # وضرب لابنه منصور مضرب آخر، وعرضت العساكر، فكانت مائة عسكر، وأحضرت ~~أسارى الروم، وهم مائتان وخمسون، منهم ثماني بطارقة، وثمانية عشر من أصحاب ~~ابن حمدان: وطيف بهم؛ وخلع على الحمدانية، فكان يوما عظيما. # وسارت قافلة الحاج لأربع عشرة بقيت منه بالكسوة والصلات. # وصلى العزيز صلاة عيد النحر وخطب بالمصلى على رسمه، ونحر وفرق الضحايا. # وجرى الرسم في عيد الغدير على العادة. PageV01P284 ### || سنة خمس وثمانين وثلاثمائة @YY385 # في المحرم ورد سابق الحاج، وأخبر أنه لم يحج سوى أهل مصر واليمن. # وحضر العزيز لمنجوتكين ms178 مائة ألف دينار وعسكرا يتبع بعضه بعضا. # وورد البقط من النوبة. # ووصل الحاج في ثامن صفر. # وجلس في ربيع الأول القاضي محمد بن النعمان على كرسي بالقصر لقراءة علوم ~~آل البيت، وحضره الناس، فمات في الزحام أحد عشر رجلا. # ووردت من منجوتكين أسرى من الروم والحمدانية، وعدة رءوس، فعفا عن ~~الحمدانية، وطيف بمن عداهم. # وورد من برقة أربعة وأربعون صندوقا على اثنين وعشرين جملا فيها المال. # وبعث مفرج بن دغفل الجراح برجل من أعمال الشام، زعم أنه السفياتي، فشهر ~~على جمل وهو يصفع. # وفي ربيع الآخر ورد الخبر بوصول الروم إلى أنطاكية، فأخرجت مضارب العزيز ~~إلى منية الأصبغ، وذلك أن منجوتكين لم يزل محاصرا لابن حمدان بحلب من شعبان ~~سنة أربع إلى ربيع الأول من هذه السنة، حتى أشرف على أخذ البلد، وراسل ابن ~~حمدان يرد على ملك الروم بما هو فيه. # وكانت في هدنة الروم وبني حمدان أنه إن جاء إلى حلب عدو يدفعه ملك الروم، ~~فخاف بسيل ملك الروم من العزيز أن يتمكن عساكره من حلب، فيأخذ أنطاكية من ~~الروم، فجمع نحو أربعين ألفا، وسار من قسطنطينية، فكد أصحابه في السير، ~~والجنائب والبغال تتقطع، حتى وصل إلى أعزاز في سبعة عشر يوما، وهي مسافة ~~شهرين لسير الاتصال، وقد تقطع PageV01P285 # أصحابه حتى بقى في سبعة عشر ألفا، فأنفذ إلى ابن حمدان يعلمه بنزوله ~~أعزاز، وكان قد وكل بالدروب والمضائق، ومنع أن يخرج أحد من بلاده حتى يخفى ~~خبر مسيره على منجوتكين، فيأخذه على غفلة، فلما بعث إلى ابن حمدان يعلمه ~~بأنه قد نزل بنفسه أعزاز فأقيموا الحروب مع منجوتكين من الغد حتى .... وهو في الحروب. # وكانت هذه الرسالة مع رجلين من قبله، فلقيهما رجل من أصحاب منجوتكين في ~~الليل فسألهما: من أين جئتما؟. # فظناه من الحمدانية، فأخبراه، فقبض عليهما، وأتى بهما إلى منجوتكين، ~~فأخبراه أن بسيل ملك الروم على أعزاز، فلما أصبح طرح النار في خزائن ~~السلاح، وفي بيوت وحوانيت كان قد بناها عسكره، فاحترقت؛ ورحل في آخر ربيع ms179 ~~الأول إلى دمشق، ووقع الصارخ في الناس بأن منجوتكين قد انهزم عن حلب، وأن ~~عسكر الروم يطلبه، فهرب الناس من المدن والقرى، من دمشق إلى حلب، وغلت ~~الأسعار، وكانت أيام الحصاد، فترك الناس غلالهم ودورهم. # وسار ملك الروم، فنزل إلى حلب، واجتمع بابن حمدان، ثم سار عنها إلى ~~فامية، وبها طائفة من عسكر منجوتكين، فقاتلهم يوما واحدا، ثم سار فنزل على ~~طرابلس، وراسل أهلها، ووعدهم بالإحسان إن يثبتوا على ما يكون بينهم وبينه ~~من العهد، فخرج إليه ابن نزال والي البلد ليوافقه على أمر، فاجتمع أهل ~~البلد على أن ينصبوا أخاه مكانه، ويمنعونه من الدخول، ولا يسلموا البلد إلى ~~الروم، فلما رجع منعوه من الدخول، فصار إلى ملك الروم. # وصار ملك الروم عن طرابلس، فنزل على انطرسوس وهي خراب، فعمر حصنها، وجعل ~~فيه أربعة آلاف، وسار إلى انطاكية، فكثرت فيه الاعلال، فسار بمن معه إلى ~~القسطنطينية. PageV01P286 # وخرج منجوتكين من دمشق في شوال، فنزل على انطرسوس، فأقام يقاتل من فيها ~~نحوا من شهر، ثم عاد إلى دمشق. # وأخذ العزيز لما بلغه مسير ملك الروم إلى بلاد الشام في التأهب للمسير، ~~وأطلق خمسين ألف دينار لابتياع ما يحتاج إليه، وأخرج للكتاميين أربعة آلاف ~~فرس، وأمر أن يشتري لهم ألف فرس أخرى، وأخرج الفازة الكبيرة وهي بعمود واحد ~~طوله أربعة وأربعون ذراعا، وفتح الفلكة التي على رأسه سبعة عشر شبرا، وطول ~~ثيابها خمسون ذراعا، وفي رأسها صفرية فضة زنتها سبعة عشر ألف درهم، ويحمل ~~هذه الفازة سبعون بختيا. # وقرئ سجل في الأسواق بالنفير فاضطربت البلد. # ووصلت هدية من الهند فيها شجرة عود رطب. # وظهر بمصر من الوطواط شيء كثير. # واجتمع من الرعية وطوائف الناس بالسلاح للسفر مع العزيز ألوف كثيرة، وخرج ~~جيش ابن الصمصامة في عسكر كبير إلى الشام، وسير لابن الجراح خمسون ألف ~~دينار، ولمنجوتكين مائة ألف وخمسون ألف دينار. # وخرج العزيز بسائر العساكر إلى منية الأصبغ في عاشر رجب، فأقام شهرا ثم ~~رجع إلى منا جعفر، وقتل هناك الذي زعم أنه ms180 السفياني. # وأحصيت الخيول التي سارت مع العزيز في اسطبلاته فكانت اثني عشر ألفا، ~~والجمال PageV01P287 # المحملة للعزيز ولوجوه خاصته فكانت ثلاثين ألفا، سوى ما هو مع وجوه ~~الدولة، وحملت الخزانة السائرة على عشرين جملا سوى خزائن الوجوه والخاصة، ~~وكان معه من المال خمسة آلاف جمل، على كل جمل صندوقان كبيران مملوءان مالا، ~~وألف وثمانمائة بختية وبختي، على كل واحد صندوقان في كل منهما مثل ما في ~~الصندوقين المحمولين على الجمل. # وخرج خلق من التجار ووجوه الرعية مرتين إلى العزيز يسألونه المقام، وأن ~~لا يخرج من مصر ويسير العساكر، فشكرهم، وقال: إنما أسير لنصرة الإسلام ~~والذب عن بلدانه، وصيانة أهله. # فقدم رسول ملك الروم يخبر بوصوله إلى بلده، ويعتذر عن مسيره، ويسأل ~~الهدنة، فأجيب إلى الصلح. # وورد كتاب ابن حمدان يسأل فيه العفو وأن يقر على عمله، فأجيب بالعفو عنه، ~~وخلع على رسوله، وحمل. # ونودي في رمضان بالقاهرة ومصر: من كان من أهل السلاح فليخرج ليأخذ الرزق ~~الكثير. # وأنفذت العساكر لحفظ الأطراف. # وسير إلى الإسكندرية والصعيد بالعساكر. # وصلى منصور بن العزيز بالناس صلاة عيد الفطر، وخطب بمنا جعفر على رسم ~~أبيه وزيه، وعليه المظلة والجوهر. # وفي نصف شوال ماتت أم ولد العزيز وزوجته بمنا جعفر فحملت إلى القصر، وصلى ~~عليها العزيز، وكفنها بما مبلغه عشرة آلاف دينار، وأخذت الغاسلة ما كان ~~تحتها من الفرش وعليها PageV01P288 # من الثياب، فكان مبلغ ما نالها ستة آلاف دينار، ودفع إلى الفقراء ألفا ~~دينار، وللقراء الذين قرأوا على قبرها ثلاثة آلاف دينار. # ورثاها جماعة من الشعراء فأجيزوا، ففيهم من كانت جائزته خمسمائة دينار. # ورجع العزيز إلى مضاربه، وأقامت ابنتها على قبرها شهرا تقيم العزاء، ~~والعزيز يأتيها كل يوم، والناس تطعم كل ليلة أصناف الأطعمة والحلوى، وفرق ~~في الشعراء ألفي دينار. # وسارت قافلة الحاج بالكسوة والصلات في سادس عشر ذي القعدة. # وتوفيت أم العزيز، فرجع العزيز إلى القاهرة، وصلى عليها، وأمر بالصدقة، ~~ورجع إلى مضاربه. # وصلى العزيز بالناس صلاة عيد النحر وخطب في مضاربه ونحر PageV01P289 ### || سنة ست وثمانين ms181 وثلاثمائة @YY836 # في محرم ورد سابق الحاج، فخلع عليه بالمخيم، وقدم الحاج لثمان بقين من ~~صفر. # وفي ربيع الأول جهزت المراكب الحربية، وأشحنت بالمقاتلة. # وفي العشرين منه رفع العزيز إلى غيفة فنزل بالعقارية بعد أن أقام في ~~مناخه أربعة أشهر وخمسة وعشرين يوما، فأقام بها ليلة، ورفع إلى بلبيس فنزل ~~بظاهرها. # ونودي في البلد لا يتأخر أحد عن المسير في الأسطول، فوقعت في الأسطول ~~نار، فاحترق وقت صلاة الجمعة لست بقين من ربيع الآخر، فأتت على ما فيه من ~~عدة وسلاح، حتى لم يبق منه غير ست مراكب، لا شيء فيها، فاتهم بذلك الروم ~~الأسارى، وكانوا في دار بجوار الصناعة بالمقس، فنهبتهم العامة، وقتلوا منهم ~~مائة وسبعة أنفس. # وحضر عيسى بن نسطورس ويانس الصقلبي متولي الشرطة إلى الروم، فاعترفوا ~~بأنهم أحرقوا الأسطول، فكان ما ذهب في النهب نحو تسعين ألف دينار، فنودي ~~برد النهب، وتوعد عليه. # وشرع عيسى بن نسطورس في إنشاء اسطول جديد، وظفر بعدة من النهابة، فقتل ~~بعضهم، وحبس بعضهم بعد الضرب الشديد، فأحضر كثير مما نهب. # ووردت غزاة البحر بمائتي أسير وعشرين أسيرا طيف بهم البلد. # ووصل من برقة ستون فرسا، منها عشرة بسروجها ولجمها، وعشرون بغلة عليها ~~صناديق المال، وخمسمائة جمل عليها قطران وغيره، وعدة من صبيان وعلوج من ~~السبر؟ PageV01P290 # ونزع السعر، فمنع من بيع القمح لغير الطحانين ولخمس بقين من رجب ابتدأ ~~بالعزيز المرض، فأقام به إلى ثامن عشرين رمضان، فاستدعى القاضي محمد بن ~~النعمان والحسين بن عمار لليلتين بقيتا منه، وخاطبهما في أمر ولده، ثم ~~استدعى ولده وخاطبه. # ثم توفي من يومه بين صلاتي الظهر والعصر من مرض القولنج والحصاة في مسلخ ~~الحماد ببلبيس، فلم يكتم موته. # ورحلت سيدة الملك ابنة العزيز في الليل، وسار بمسيرها القيصرية لأنهم ~~كانوا برسمها، ومعهم القاضي محمد بن النعمان، وريدان صاحب المظلة، وأبو ~~سعيدا ميمون دبة، فوافوا القاهرة، وأقيم المأتم والصياح بالقصر، وضبط الناس ~~أحسن ضبط، فلم يتحرك أحد، ولم يبق شارع ولا زقاق. إلا وفيه صراخ ونحيب. # وبادر ms182 برجوان إلى أبي علي منصور بن العزيز فإذا هو على شجرة جميز يلعب في ~~دار ببلبيس، فقال له: بسك تلعب؟ انزل. # فقال له: ما أنزل والله الساعة. # فقال له: انزل، ويحك! الله فينا وفيك، وأنزله، ووضع على رأسه العمامة ~~بالجوهر وقبل له الأرض، وقال: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله ~~وبركاته. # وأخرج به إلى الناس، فقبل جميعهم له الأرض، وسلموا عليه بالخلافة. # وخرج الناس من الغد للقائه، فدخل إلى القاهرة، وبين يديه البنود والبوقات ~~بالمظلة يحملها ريدان، والعساكر كلها معه، والعزيز بين يديه على عمارية، ~~وقد خرج قدماه منها ونودي في البلد: PageV01P291 # لا مؤنة ولا كلفة، وقد أمنكم الله على أنفسكم، فمن عارضكم أو خاطبكم فقد ~~حل دمه وماله. # وتولى القاضي ابن النعمان غسل العزيز، ودفن مع آبائه في تربة القصر بعد ~~عشاء الأخيرة. # وأصبح الناس والأحوال مستقيمة. # وقد لقب أبو علي المنصور الحاكم بأمر الله. فاتفق كل المغاربة واشترطوا ~~أن لا ينظر في أموالهم إلا ابن عمار. # وباتوا ليلة العيد وأصبحوا يوم الفطر، فصلى بالناس القاضي محمد بن ~~النعمان، وهو متقلد للسيف، فعندما صعد المنبر قبل موضع جلوس العزيز وبكى، ~~فضج الناس بالبكاء والنحيب، وخطب فندب العزيز وبكاه، ودعا للمحاكم، وعاد ~~إلى القصر، والعساكر صفين من المصلى إلى باب القصر، فحضر الحاكم اسماط. # وكانت مدة العزيز في الخلافة بعد أبيه المعز إحدى وعشرون سنة وخمسة أشهر ~~ونصف، ومات وعمره اثنتان وأربعون سنة، وثمانية أشهر وأربعة عشر يوما. # وكان نقض خاتمه: بنصر العزيز الجبار، ينتصر الإمام نزار. # وخلف من الولد: ابنه منصورا، وسيدة الملك وولدت بالمغرب في ذي القعدة سنة ~~تسع وخمسين وثلاثمائة. # وكان أسمر طوالا، أصهب الشعر، أعين، أشهل، عريض المنكبين، شجاعا، حسن ~~العفو والقدرة، لا يعرف سفك الدماء، حسن الخلق، قريبا من الناس، بصيرا ~~بالخيل وجوارح الطير، محبا للصيد، مغرى به، حريصا على صيد السباع خاصة. # ووزر له: يعقوب بن كلس اثنتي عشرة سنة وشهرين وتسعة عشر يوما. PageV01P292 # ثم أبو الحسن علي بن عمر العداس بعد ابن كلس ms183 سنة واحدة ثم أبو الفضل جعفر ~~بن الفرات سنة. # ثم أبو عبد الله الحسين بن الحسن البازيار سنة وثلاثة أشهر. # ثم أبو محمد بن عمار شهرين. # ثم الفضل بن صالح أياما. # ثم عيسى بن نسطورس سنة وعشرة أشهر. # وكانت قضاته: أبو طاهر محمد بن أحمد. # ثم أبو الحسن علي بن النعمان. # وكانت خرجاته إلى السفر: أولها ثامن صفر سنة سبع وستين، ثم عاد من ~~العباسة. # والثانية سار إلى الرملة، وظفر بأفتكين التركي. # والثالثة سار إلى مضربه بعين شمس في صفر سنة اثنتين وسبعين، ورجع منه بعد ~~شهر والرابعة نزل منية الأصبغ في ربيع الأول سنة أربع وسبعين، ثم عاد بعد ~~ثمانية أشهر واثني عشر يوما. # والخامسة برز في عاشر شهر ربيع الآخر سنة خمس وثمانين، فأقام مبرزا أربعة ~~عشر شهرا وعشرين يوما، وفيه مات. # وهو أول من اتخذ من أهل بيته وزيرا أثبت اسمه على الطرز، وقرنه باسمه. # وأول من لبس منهم الخفتان والمنطقة. PageV01P293 # وأول من اتخذ منهم الأتراك، واصطنعهم، وجعل منهم القواد. # وأول من رمى منهم بالنشاب. # وأول من ركب منهم بالذؤابة الطويلة والحنك، وضرب بالصوالجة، ولعب بالرمح. # وأول من عمل مائدة في الشرطة السفلى في شهر رمضان، يفطر عليها أهل الجامع ~~العتيق. # وأقام طعاما في جامع القاهرة لمن يحضر في رجب وشعبان ورمضان واتخذ الحمير ~~لركوبه إياها. # وتجدد في أيامه من العمائر: قصر الذهب بالقاهرة. # وجامع القرافة. # وجامع القاهرة. المعروف بجامع الحاكم وبستان سردوس. # والفوارة بالجامع العتيق. PageV01P294 # والقصور بعين شمس. # والمصلى الجديد بالقاهرة. # وحصن الرسيين. # والمنظرة على الخليج. # وقنطرة الخليج القديمة التي بناها عبد العزيز بن مروان وقنطرة بني وائل. # والحمامات التي بالقاهرة. # ودار الصناعة التي بالمقس. # والمراكب مما لم ير مثله قبله كبرا ووثاقة وحسنا. # وهو أول من ركب في الجمع شهر رمضان وصلى بالناس. # وأول من بنى دار الفطرة، وقرر فيها ما يحمل إلى الناس في العيد. # وبلغت عدة جواريه عشرة آلاف جارية. # وبلغ راتب مطبخه ومائدته في كل يوم مالا عظيما، فلم يكن أحد من ms184 الأتراك ~~والعبيد إلا وله وظيفة راتبة كل يوم. PageV01P295 # وكان يعلف له من الخيل في كل يوم والبغال والحمير والجمال عشرون ألف رأس، ~~منها لركوبه ألف فرس، سوى البغال. # وقال ابن سعيد عن كتاب سيرة الأئمة لابن مهذب: قال: كتب أبو جعفر محمد ~~ابن حسين بن مهذب صاحب بيت المال إلى العزيز: يا مولانا صلى الله عليك: ~~ربما سألني أهلي وكتابي وبعض الكتاب المتصرفين من عبيد الدولة الموثوق بهم ~~في قرض مال، ومالي لا يحتمل ذلك، ومال مولانا فلا تبسط فيه يدي إلا بإذنه، ~~وقد كتبت هذه الرقعة إلى مولانا أستأذنه فيما أعول عليه. # فوقع العزيز عليها: يا محمد: سلمك الله، من أتاك من أهلك وكتابك وخزانك ~~والمتصرفين معك، ومن سائر عبيدنا والمتمسكين بأذيالنا يطلب منك سلفا، ورأيت ~~منه ما يدل على صحة ما شكاه من ضرورته، وعلمت صدقه في ديانته، فادفع إليه ~~ما رأيته، وخذ منه خطه، ولا تطلب منه؛ فإن رده إليك عفوا من ذات نفسه، فخذ ~~منه؛ وإن لم يرده إليك، وعلمت أن يده لا تصل إلى رده، فاعذره في تأخير ما ~~قبضه؛ وإن طلب زيادة زدته على شرطه، واسكت عن طلبه؛ ومن عرفت أنه قادر على ~~رد ما قبضه، ولم يعده إليك، فأمسك عن طلبه، وامنعه من مثله. # وأنفذ العزيز إلى أبي عبد الله حسين بن البازيار ببلبيس وقد اشتد به ~~الوجع، فبكى رأه، فقال له العزيز: تبكي يا حسين؟! لا تبك علي الساعة، ولكن ~~إذا ضرب مولاك الأمير ابني بيده على لحيته فابك البكاء الطويل إن قدرت. # فلما كان في سنة أربع وتسعين قتل الحاكم ابن البازيار عند خروج لحيته. # وكان رشيق الحمداني يقول عن الحاكم: هذا يقتلني. # فسئل عن ذلك، فقال: PageV01P296 # دخلت على العزيز وهو مطرق كأنه يخاطب نفسه، فبعد وقت رفع رأسه، وقال: أي ~~وقت جئت؟ فقلت: من ساعة. # فقال: كنت مفكرا في قوم أشجو صدري، وملأوا بالغيظ قلبي، ولا أدري ما ~~أعمل. # فقلت: يا مولانا ابعث إليهم فاقتلهم. # فقال: ما هذا يكون بيدي، ms185 ولكنه والله سوف يجيء من يقتلهم ويقتلك معهم. # وأرى الحاكم قد قتل جماعة ولا بد له مني. وكذا كان. # وقال القرطي: كان المثل يضرب بأيام العزيز في مصر، لأنها كانت كلها ~~أعيادا وأعراسا. # وقال ابن الأثير: قيل إنه ولي عيسى بن نسطورس النصراني كتابته، واستناب ~~بالشام يهوديا اسمه منشا إبراهيم بن القزاز، فاعتز بهما النصارى واليهود، ~~وآذوا المسلمين، فعمد أهل مصر وكتبوا قصة وجعلوها في يد صورة عملوها من ~~قراطيس، فيها: بالذي أعز اليهود بمنشا، والنصارى بعيسى بن نسطورس، وأذل ~~المسلمين بك، إلا كشفت ظلامتي. # وأقعدوا تلك الصورة على طريق العزيز، والرقعة بيدها؛ فلما رآها أمر ~~بأخذها، فإذا الصورة من قراطيس، فعلم ما أريد بذلك، فقبض عليهما، وأخذ من ~~عيسى بن نسطورس ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليهودي شيئا كثيرا. # وكان يحب العفو ويستعمله، فمن حلمه: PageV01P297 # أنه كان بمصر شاعر اسمه الحسن بن بشر الدمشقي، وكان كثير الهجاء، فهجا ~~يعقوب بن كلس وزير العزيز، وكاتب الإنشاء من جهته أبا نصر عبد الله بن ~~الحسين القيرواني، فقال: # قل لأبي نصر كاتب القصر ... والمتأتي لنقض ذلك الأمر # انقض عرى الملك الوزير ... تفز منه بحسن الثنا والذكر # واعط وامنع، ولا تخف أحدا، ... فصاحب القصر ليس في القصر # وليس يدري ماذا يراد به، ... وهو إذا درى فما يدري # فشكاه ابن كلس إلى العزيز، وأنشده الشعر، فقال: هذا شيء اشتركنا فيه في ~~الهجاء فشاركني في العفو عنه. # ثم قال هذا الشاعر أيضا وعرض بالفضل القائد: # تنصر، فالتنصر دين حق، ... عليه زماننا هذا يدل # وقل بثلاثة عزوا وجلوا، ... وعطل ما سواهم فهو عطل # فيعقوب الوزير أب، وهذا ... العزيز ابن، وروح القدس فضل # فشكاه الوزير إلى العزيز، فامتعض منه، إلا أنه قال: اعف عنه. # فعفا عنه. # ثم دخل الوزير على العزيز، فقال: لم يبق للعفو عن هذا معنى، وفيه غض من ~~السياسة، ونقص لهيبة الملك، فإنه قد ذكرك وذكرني وذكر ابن رباح نديمك، وسبك ~~بقوله: # زيارجي نديم، وكليسي وزير ... نعم، على قدر الكلب يصلح الساجور # فغضب الوزير، وأمر ms186 بالقبض عليه، فقبض عليه لوقته، ثم بدا للعزيز إطلاقه، ~~فأرسل إليه يستدعيه، وكان للوزير عين في القصر فأخبره بذلك، فأمر بقتله ~~فقتل، فلما وصل رسول العزيز في طلبه أراه رأسه مقطوعا، فعاد إليه وأخبره، ~~فاغتم له. PageV01P298 # وقال ابن الأثير: أبو الفتيان محمد بن حيوس: لما مات العزيز وحضر الناس ~~للتعزية بالقصر، واجتمع الناس على اختلاف طبقاتهم افحم الناس بأجمعهم عن أن ~~يوردوا في ذلك المقام شيئا مما يليق بالوقت، ومكثوا مطرقين، فقام صبي من ~~أولاد الأمراء الكتاميين. وأنشد: # انظر إلى العلياء كيف تضام، ... ومآتم الأحساب كيف تقام # خبرتني ركب الركاب ولم يدع ... للسفر وجه ترحل فأقاموا # فاستحسن الناس من إيراد الصبي لذلك، وطرق الناس إلى إيراد المراثي، ونهض ~~الشعراء والخطباء فعزوا، وأنشد كل إنسان ما عمل في التعزية. # وكان الصبي هو الذريعة إلى إيراد ما أوردوه، وكشف ما نزل بهم من المهابة ~~والمخافة. PageV01P299 # الجزء الثاني # بسم الله الرحمن الرحيم ### | الحكم بأمر الله أبو علي منصور ابن العزيز بالله أبي المنصور نزار ابن المعز لدين الله أبي تميم معد # ولد في القصر بالقاهرة ليلة الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول ~~سنة خمس وسبعين وثلثمائة، في الساعة التاسعة، الموافق صبيحتها الثالث عشر ~~من شهر آب. والطالع من السرطان سبع وعشرون درجة، والشمس في برج الأسد على ~~خمس وعشرين درجة، والقمر بالجوزاء على إحدى عشرة درجة، وزحل بالعقرب على ~~أربع وعشرين درجة، والمشتري بالميزان على ثمان درج، والمريخ بالميزان على ~~ثلاث عشرة درجة، والزهرة بالميزان على تسع عشرة درجة، وعطارد بالأسد على ~~عشر درج، والرأس بالدلو على خمس درج. # وسلم عليه بالخلافة في الجيش بعد الظهر من يوم الثلاثاء ثامن عشري شهر ~~رمضان سنة ست وثمانين وثلثمائة. وسار إلى قصره في يوم الأربعاء بسائر أهل ~~الدولة، والعزيز في قبة على ناقة بين يديه، وعلى الحاكم دراعة مصمتة وعمامة ~~فيها الجوهر، وبيده رمح وقد تقلد السيف؛ فوصل إلى القصر ولم يفقد من جميع ~~ما كان مع العساكر شيء، ودخله قبل صلاة المغرب؛ وأخذ ms187 في جهاز أبيه العزيز ~~ودفنه. PageV02P003 # ثم بكر سائر أهل الدولة إلى القصر يوم الخميس، وقد نصب للحاكم سرير من ~~ذهب عليه مرتبة مذهبة في الإيوان الكبير. وخرج من قصره راكبا وعليه معممة ~~الجوهر؛ فوقف الناس بصحن الإيوان وقبلوا الأرض ومشوا بين يديه، حتى جلس على ~~السرير، فوقف من مهمته الوقوف، وجلس من له عادة الجلوس. فسلم عليه الجماعة ~~بالإمامة واللقب الذي اختير له، وهو الحاكم بأمر الله. وكان سنه يومئذ إحدى ~~عشرة سنة وخمسة أشهر وستة أيام. # وكان جماعة من شيوخ كتامة تخلفوا عن الحضور وتجمعوا نحو المصلى. فخرج ~~إليهم أبو محمد بن الحسن بن عمار في طائفة من شيوخهم، وما زالوا بهم حتى ~~أحضروهم بعد امتناعهم من الحضور، وشكوا من قيس بن نسطورس وسألوا صرفه وأن ~~تكون الوساطة لرجل منهم فندب لذلك أبو محمد الحسن بن عمار. فقرر أحوالهم ~~فيما يطلق لهم من الرزق بعد خطاب طويل، على أن يطلق لهم ثماني إطلاقات في ~~كل سنة، وأن يكون لكل واحد ثمانية دنانير؛ وأن يطلق هذا الفض في يومهم ~~بحضرة أمير المؤمنين. فأحضر المال ودفع إليهم بحضرة الحاكم الفضل، وهو ~~عشرون دينارا لكل واحد منهم. وحلفهم ابن عمار بعد ما حلف. PageV02P004 # وخلع على أبي الحسن يانس الخادم الصقلبي وحمل على فرسخين، وقال: يتولى ~~القصور. # وفي أول شوال فرش على سرير الذهب في الإيوان مرتبة نسيج فضة، وخرج الحاكم ~~على فرس أدهم بمعممة الجوهر وقد تقلد السيف، وفي ركابه الايمن حسين بن عبد ~~الرحمن الرابض، وفي ركابه الأيسر برجوان، والناس قيام؛ فقبلوا له الأرض، ~~ودعوا. فقال ابن عمار للقاضي محمد بن النعمان: مولانا يأمرك بالخوارج إلى ~~المصلى للصلاة بالناس وإقامة الدعوة لأمير المؤمنين. فنهض قائما، وقلده ~~برجوان بسيف محلى بذهب من سيوف العزيز، ومضى فصلى وأقام الدعوة، ثم قدم. # ونصب السرير الذهب في صفة الإيوان، ونصب السماط الفضة؛ وخرج الحاكم من ~~القصر، وكان قد دخل إليه، وهو على فرس أشقر، فجلس على السماط، وحضر من له ~~رسم، فأكلوا وانصرفوا. # وفي ثالثه ms188 خلع علي ابن عمار، وقلد بسيف من سيوف العزيز، وحمل على فرس ~~بسرج ذهب، وكناه الحاكم، ولقبه بأمين الدولة وقال له: أنت أميني على دولتي ~~ورجالي. وقاد بين الخيل، وعمل خمسين ثوبا ملونة من البز الرفيع. ومضى في ~~موكب عظيم إلى داره. # وكتب سجل من إنشاء أبي منصور بن سيرين وبخطه، قرأه القاضي محمد بن ~~النعمان PageV02P005 # بالجامع يتضمن وراثة الحاكم الملك من أبيه، ويعد الرعية فيه بحسن النظر ~~لهم؛ وأمر فيه بإسقاط مكوس كانت بالساحل. ففرح الناس. # وكانت عدة ممن قتلهم ابن نسطورس لما احترق الأسطول على الخشبة، فأمر ~~بتسليمهم إلى أهليهم، وأطلق لكل واحد عشرة دنانير من أجل كفنه، فكثر الدعاء ~~من الرعية للحاكم. وأمر بقلع الالواح التي على دور الأخباز وسلمت لأربابها ~~ومستحقيها، فبلغت شيئا كثيرا. # وخلع على القائد أبي عبد الله الحسين بن جوهر القائد، ورد إليه البريد ~~والإنشاء، فكان يخلفه ابن سورين؛ وحمل بين يديه كثير من الخيل والثياب، ~~وحمل على فرس بمركبين. # واستكتب أمين الدولة ابن عمار أبا عبد الله الموصلي، واستخلفه على أخذ ~~رقاع الناس وتوقيعاتهم. # وأقر عيسى بن نسطورس على ديوان الخاص. وخلع على جماعة بولايات عديدة ~~وقرىء سجل، قرأه القاضي بالجامع، يتضمن ولاية ابن عمار الوساطة، وتلقيبه ~~بأمين الدولة، وأمر الناس كلهم أن يترجلوا لابن عمار، فترجلوا بأسرهم له. # وفي ثاني ذي القعدة تجمع الكتاميون عند المصلى، فأنفذ إليهم واستحضرهم، ~~وتقرر أمرهم على النفقة فيهم، فأنفق عليهم. وحمل راجلهم على الخيل؛ وكانوا ~~نحو الألف رجل، وأركبت شيوخ كتامة بأسرهم على الخيول بالمراكب الحسنة. PageV02P006 # وفي ثاني عشره، خلع على أبي تميم سلمان بن جعفر بن فلاح، وقلد السيف، ~~وحمل على فرس بمركب ذهب؛ وقيد بين يديه بأربعة أفراس مسرجة ملجمة؛ وحمل بين ~~يديه ثياب كثيرة من كل نوع؛ وجرد معه عسكر ليسير إلى الشام. # وسارت قافلة الحاج بكسوة الكعبة والصلات والنفقة على الرسم المعتاد في ~~النصف منه. # وركب الحاكم يوم الأضحى فصلى بالناس صلاة العيد بالمصلى وخطب، وأصعد معه ~~المنبر القاضي محمد بن ms189 النعمان وبرجوان وابن عمار وجماعة. PageV02P007 ### || سنة سبع وثمانين وثلثمائة @YY387 # في المحرم ورد سابق الحاج، فأخبر بتمام الحج والدعاء للحاكم في الحرمين. # وفيه نزع سعر القمح وغيره، وعز وجوده، واشتد الغلاء، ووقع في البلد خوف ~~شديد من طرف رجل من اللصوص في الليل وكبسه دور الناس فتحارسوا في الليل، ~~وأخذت نساء من الطرقات، وعظم الأمر في ذلك. # وفيه ضربت رقبة عيسى بن نسطورس. # ووصل الحاج في رابع عشر صفر؛ فخلع على سبكتكين، مقدم القافلة، وحمل على ~~عدد من الخيل. # ووقف سعر الخبز على أربعة أرطال بدرهم. # وسار أبو تميم سلمان بن جعفر بن فلاح بعد أن خلع عليه وقيد بين يديه عدة ~~خيول، وحمل معه شيء كثير من الثياب، وأنفق في أهل عسكره؛ فنزل مسجد تبر، ~~فأقام إلى تاسع عشر ربيع الأول؛ فخرج إليه الحاكم وحلفه ومن معه، وعاد. ~~فرحل ابن فلاح إلى القصور فأقام بها. وقرىء سجل يوم الجمعة للنصف منه بمدح ~~كتامة ولعن منجوتكين PageV02P008 # على سائر منابر مصر وفي القصر. وخلع على جماعة من الحمدانية وجهزوا إلى ~~ابن فلاح، فساروا معه. # وفي آخره أخرج ابن عمار إلى سلمان بن جعفر بن فلاح بخزانة مال، على ~~ثمانية وستين بغلا، في صناديق، فيها أربعمائة ألف دينار وسبعمائة ألف درهم؛ ~~وستة وأربعين حملا من السلاح؛ وعشر جمازات عليها دروع؛ وست قباب بفرشها ~~وأهلتها ومناطقها وجميع آلاتها، منها قبتان قرقرى مثقل وباقيها ديباج؛ وست ~~جمازات تجنب بآلة الديباج الملون؛ وثلاثين جمازة بأجلتها؛ وعشرة أفراس ~~وثلاث بغلات بمراكبها، ومنديل حمله خادم فيه ثياب مشرف، بها من ثياب العزيز ~~وسيف من سيوفه. # وفي ثالث ربيع الآخر ركب الحاكم وابن عمار إلى القصور فودعا ابن فلاح، ~~وسار في ثلاثة من كتامة وسبعمائة فارس من الغلمان، وانضم إليه من عرب ~~الرملة ثمانية آلاف. # وفي النصف منه شق الحاكم المدينة وقد زينت زينة عظيمة، وزيدان يحمل مظلة ~~عن يمينه، وابن عمار عن يساره، ويرجوان وحده خلفه، فدخل الصناعة. PageV02P009 # وأما منجوتكين فإنه لما بلغه ما فعله ابن عمار من ms190 إكرام كتامة وحطه من ~~مراتب المصطنعين الذين اصطنعهم العزيز من الأتراك خاف. فلم يكن غير قليل ~~حتى بلغه خروج سلمان بن جعفر بن فلاح إلى الشام بالكتاميين، فسار إلى ~~الرملة مستعد القتال من يجيئه من مصر؛ فالتقيا برفح. وكانت الوقعة بين ~~الطوالع، فانهزم أصحاب منجوتكين؛ وسار ابن فلاح إلى منجوتكين، فلقيه بظاهر ~~عسقلان وقد انضم إليه ابن الجراح في كثير من العرب؛ فاستأمن إلى ابن فلاح ~~عدة من أصحاب منجوتكين. واقتتلا يوم الجمعة، رابع جمادى الأولى، فقتل كثير ~~من أصحاب منجوتكين وأسر عدة منهم؛ وانهزم منجوتكين بمن بقى معه، فقطع من ~~عسقلان إلى دمشق في ثلاثة أيام، وأهلها في مجاعة من غلاء الأسعار وقلة ~~الطعام وقد راجت الغلال. فاجتمع أهل البلد إلى الجامع وهم كثير، فيهم حمال ~~السلاح ومن يطلب الفتن. فقال الناس: نرح منجوتكين عنا؛ وقال طلاب الفتن: ~~لا، ما نقاتل معه، وساروا إلى داره ومعهم قوم من المرج يقال لهم الهياجنة، ~~أهل شر وفساد، فنهبوها وما حولها من دور أمرائها. وخرج منهزما في يسير من ~~الجند فراسخ، فنزل على ابن الجراح. # وبلغ ذلك ابن فلاح فأرسل بأخيه علي بن جعفر بن فلاح في ألفي رجل؛ فنزل ~~بظاهر دمشق، لست بقين منه، وبعث إلى ابن الجراح رسولا بأن ينفذ منجوتكين ~~إلى مولانا PageV02P010 # فإنا لا نريد به سوءا، وهو آمن، وبذل له مالا. فسار منجوتكين ودخل ~~القاهرة في ثاني عشري رجب، فأنزله ابن عمار في دار، وكان يركب في خدمته، ~~وإذا لقيه وهو راكب ترجل له. وكان ابن عمار ينزله أدون المراتب، وغير رسومه ~~كلها. # وأما علي بن جعفر بن فلاح فإنه لما قدم من عند أخيه ولى البلد لرجل من ~~المغاربة لم يكن عنده ما رآه، بل كان فظا غليظا، فشاق العامة وواجههم، ~~فثاروا عليه بالسلاح، وركب المغاربة، وكانت بينهم حروب. ثم إن شيوخ البلد ~~خرجوا إليه وأصلحوا الأمر. # وسار علي من الرملة فنزل على دمشق في عسكر عظيم يوم الاثنين لست بقين من ~~رجب، وأقام لا يأمر بخير ms191 ولا شر. # وأما ابن عمار فإنه لما نظر في الأمر كان ينزل على باب الحجرة التي فيها ~~الحاكم، ويدخل القصر راكبا، فيشق قاعة الدواوين، ويدخل من الباب الذي يجلس ~~فيه خدم الخاصة، ثم يعدل منه إلى باب الحجرة، فينزل ويركب منه. وكان الناس ~~من الشيوخ والرؤساء على سائر طبقاتهم يبكرون إلى داره والباب مغلق فيفتح ~~بعد وقت، فيدخل إليه الوجوه فيجلسون في قاعة الدار على حصير وهو في مجلسه ~~لا يدخل إليه أحد، فإذا مضت لهم ساعة أذن للوجوه فالقاضي، وبعده كتامة ~~والقواد، فيدخل أعيانهم؛ ثم يأذن لسائر الناس فلا يقدر أحد على الوصول ~~إليه، فمنهم من يومى إلى تقبيل الأرض، ومنهم من يقبل الركاب، ومنهم من يقبل ~~ركبته. # وتسلم النظر والإسطبلات عامرة؛ فأخرج لرجال كتامة وأحداثهم ألفا وخمسمائة ~~فرس، PageV02P011 # ولم يبق من شيوخهم إلا من قاد إليه الفرسين والثلاثة بمراكبها. وحمل ~~لسلمان بن جعفر ابن فلاح ما يتجاوز ألف رأس، وجل رحل العزيز وأمتعته. وباع ~~من الخيل والبغال والنجب والحمر ما يتجاوز الألوف؛ حتى بيعت الناقة بستة ~~دنانير، والحمار الذي قيمته أربعون دينارا بأربعة دنانير. وقطع أكثر الرسوم ~~التي كانت لأولياء الدولة من الأتراك والعبيد، وقطع أكثر ما كان في ~~المطابخ. وقطع أرزاق جماعة أرباب الراتب، وفرق كثيرا من الجواري طلبا ~~للتوفير. # واصطنع أحداث المغاربة، فكثر عبث أشرارهم وامتدت أيديهم إلى أخذ الحرم في ~~الطرقات؛ وعروا جماعة من الناس، فكثرت الشكاية منهم ولم يبد كبير نكير؛ ~~فأفرط الأمر حتى تعرضوا إلى الأتراك يريدون أخذ ثيابهم، فثار لذلك شر قتل ~~فيه واحد من المغاربة وغلام تركي؛ فسار أولياء الكتامى ليأخذوا التركي ~~قاتله ويأتوا به إلى قبر المقتول فيعتقوه هناك؛ فلما أخذوه قتلوه على قبر ~~الكتامي. فاجتمعت أكابر الطائفتين وتحزبوا، فوقعت الحرب بينهما وقتل جماعة، ~~وانطلقت ألسن كل منهما في الآخرين بالقبيح. وأقاموا على مصافهم يومين ~~آخرهما تاسع شعبان، فركب ابن عمار في عاشره بآلة الحرب وقد حفت به ~~المغاربة؛ وتبادر إليه الاتراك؛ فاقتتل الفريقان وقتل منهما جماعة وجرح ~~كثير. وجيء ms192 لابن عمار بعدة رؤوس طرحت بين يديه، فأنكر ذلك وظهر له الخطأ في ~~ركوبه، فعاد إلى داره. # وجاء برجوان ليصلح الأمر، فثار الغلمان وركبوا دار ابن عمار للفتك به، ~~فأركب PageV02P012 # برجوان إلى القصر وانبسطت أيدي المغاربة وأحداث الغلمان والنهابة، ~~فانتهبوا دار ابن عمار واسطبلاته، ودار رشا غلامه، وأخذوا ما لا يحصى كثرة. # وانعزل لثلاث بقين منه، وتحول من القاهرة إلى داره بمصر. فكانت أيام نظره ~~أحد عشر شهرا غير خمسة أيام. فأقام بمصر سبعة وعشرين يوما، ثم عاد إلى ~~القاهرة بأمر الحاكم فأقام بها لا يركب ولا يجتمع به سوى خدمه؛ وأطلقت له ~~رسومه وجراياته وجرايات حشمه على رتبه في أيام نظره. # وتقدم الحاكم إلى برجوان أن ينظر في التدبير على ما كان ابن عمار، فنظر ~~في ذلك لثلاث بقين من رمضان، وسار إلى القصر وجمع الغلمان الأتراك ونهاهم ~~عن التعرض لأحد من الكتاميين والمغاربة. وقبض على عريف الباطلية، فإنهم ~~كانوا قد نهبوا شيئا كثيرا لابن عمار، وألزمه بإحضار ما نهب أصحابه. وأجرى ~~الرسوم والرواتب التي قطعها ابن عمار، وأجرى لابن عمار ما كان يجري له في ~~أيام العزيز، ولآله وحرمه؛ ومبلغ ذلك من اللحم والتوابل والفاكهة خمسمائة ~~دينار في كل شهر، يزيد على ذلك تارة وينقص أخرى على قدر الأسعار، مع ما كان ~~له من الفاكهة، وهو في كل يوم سلة بدينار، وعشرة أرطال شمع كل يوم، وحمل ~~ثلج عن يومين؛ فأجرى له ذلك مدة حياته. PageV02P013 # وجعل برجوان أبا العلا، فهد بن إبراهيم النصراني؛ كاتبه، يوقع عنه، فنظر ~~في قصص الرافعين وظلاماتهم، وطالعه بما يحتاج إليه، فرتب الغلمان في القصر ~~وأكد عليهم في ملازمة الخدمة، وتفقد أحوالهم. وأزاح علل أولياء الدولة، ~~وتفقد أمور الناس وأزال ضروراتهم، ومنع من الترجل له. وكان الناس يلقونه في ~~داره، فإذا تكاملوا ركب وهم بين يديه إلى القصر. ولقب كاتبه فهد بن إبراهيم ~~بالرئيس، فكان يخاطب بذلك ويكاتب به، ويركب أكثر الناس إلى داره حتى يخرج ~~برجوان إلى القصر فيجلس فيه في آخر دهاليزه، ms193 ويجلس فهد في الدهليز الأول ~~يوقع وينظر ويطالع برجوان بما يحتاج له، فيخرج الأمر بما يكون. فلم يزل ~~الأمر على ذلك حتى انتهت مدتهما. # وكان الحاكم يركب كل يوم إلى الميدان، فيجلس على سريره بالطارمة فتعرض ~~عليه الخيل، والقراء بين يديه، وربما أنشده الشعراء؛ ثم ينصرف إلى القصر ~~فيجلس برجوان وكاتبه لأخذ رقاع المتظلمين وأرباب الحاجات، فلا يزالان حتى ~~لا يبقى منهم أحد، ثم يدخلان. فإذا فرغ الحاكم من غدائه ورفعت المائدة تقدم ~~أبو العلا فجلس بين يديه وبرجوان قائم على رأسه، حتى يقرأ جميع تلك الرقاع ~~ويوقع عليها الحاكم في أعلاها بما يراه، ثم يخرج بها فتفرق كلها ويمضى بها ~~إلى الديوان، فتنفذ من غير مراجعة. # وكان الحاكم إذا جلس في الطارمة وأنشده الشعراء تناول برجوان قصائدهم ~~فجعلها في كمه؛ PageV02P014 # فإذا عرض رقاع الناس وفرغ من التوقيع قرأ القصائد وقد حضر من له تمييز ~~ومعرفة بالشعر. وكان الحاكم له من الحذق بذلك ما ليس لغيره، فإذا أنشده ~~الشاعر أو أنشد له أبو الحسن لا ينشد ويمر بالبيت النادر أو المعنى الحسن ~~إلا نبه برجوان عليه واستعاده مرارا، ثم يوقع لكل واحد منهم بقدر استحقاقه ~~ومبلغه من صناعته، فتخرج صلاتهم بحسب ذلك. # وفي يوم الثلاثاء تاسع شعبان أهدت ست الملوك إلى أخيها الحاكم بأمر الله ~~ثلاثين فرسا مسرجة، أحدها مرصع وآخر بلور، وبقيتها ذهب؛ وعشرين بغلة مسرجة ~~ملجمة؛ وخمسين خادما منها عشرة صقالبة، ومائة تخت ثياب، وتاجا مرصعا، ~~وشاشية مرصعة وأسفاطا كثيرة من طيب، وبستانا من الفضة مزروعا من أنواع ~~الشجر. # وفي رمضان سومح أهل القلزم بما عليهم من مكوس المراكب. # وصلى الحاكم بالناس صلاة عيد الفطر بالمصلى وخطب، وأصعد معه المنبر ~~الحسين بن جوهر والقاضي والأستاذ برجوان وجماعة. # وسارت قافلة الحاج من بركة الجب بالكسوة للكعبة، والزيت والدقيق والقمح ~~والشمع والطيب لمكة والمدينة، في تاسع ذي القعدة. وفيه خرج جيش بن الصمصامة ~~إلى الشام مكان سلمان بن جعفر بن فلاح، فرحل ابن فلاح عن دمشق في يوم ~~الثلاثاء سابع ms194 عشر ذي الحجة بعسكره وسار إلى الرملة. PageV02P015 # وفيها صلى الحاكم بالمصلى صلاة العيد يوم النحر بالناس وخطب على رسمه. # وورد الخبر من مدينة قوص بأن شدة نزلت بهم من برق ورعد ومطر وحجارة نزلت ~~من السماء، منها ما لم يسمع بمثله، وأنهم زلزلوا زلزلة شديدة قصفت النخل ~~والجميز، واقتلعت خمسمائة نخلة من أصولها. وانبثق بقوص وأعمالها زرقة خضراء ~~على ظهر الأرض، وغرقت عدة مراكب مشحونة بغلال تساوى أموالا كثيرة. # وفيها كتب الحاكم بأمر الله مع الشريف الداعي علي بن عبد الله سجلين لأبي ~~مناد باديس ابن يوسف بن زيرى، أحدهما بولايته المغرب وتلقيبه نصير دولة ~~الحاكم، والثاني بوفاة العزيز بالله وخلافة الحاكم وأخذه العهد على بني ~~مناد. فأنزل وأكرم وأخذ العهد على جميع قبائل صنهاجة وعمومهم بالبيعة ~~للحاكم في جمادى الآخرة، ثم عاد، فقدم إلى القاهرة يوم الخميس لليلتين خلتا ~~من جمادى الآخرة بعد أن وصله نصير الدولة بمال جليل وثياب وخيول. PageV02P016 ### || ودخلت سنة ثمان وثمانين وثلثمائة. @YY388 # في المحرم كان غطاس النصارى؛ فضربت الخيام والمضارب والأشرعة في عدة ~~مواضع من شاطىء النيل؛ ونصبت أسرة للرئيس فهد بن إبراهيم وأوقدت له الشموع ~~والمشاعل؛ وحضر المغنون والملهون، وجلس مع أهله يشرب إلى أن جاء وقت الغطاس ~~فغطس وانصرف. # وورد سابق الحاج لثمان خلون منه. # وخلع على أبي الحارث فحل بن إسماعيل بن تميم بن فحل الكتامي، وقيد بين ~~يديه، وحمل إليه، وقلد صور وخلع على أبي سعيد، وقلد الحسبة. وخلع على أبي ~~الحسن يانس الخادم الصقلبي، وقلد بسيف ودفع إليه رمح وحمل على فرس بمركب ~~ذهب ثقيل، وحمل إليه خمسة آلاف دينار وعدة من الخيل والثياب ومائة غلام، ~~وسار لولاية برقة. # وخلع على خود الصقلبي وقلد بسيف، وحمل، وقيد بين يديه فرس، وحمل إليه ~~ثياب، وقلد الشرطة السفلى. وخلع على قيد الخادم الأسود بشرطة القاهرة PageV02P017 # ووصلت قافلة الحاج سابع عشر صفر. وسار ميسور الخادم الصقلبي والباعلي ~~طرابلس وخلع على فائق الخادم الصقلبي وجعل على الأسطول. # وفي سادس عشر ربيع الأول كان نوروز ms195 الفرس، فأهدى الأتراك وقوادهم وجماعة ~~الأولياء إلى الحاكم الخيل والسلاح الكثير، فقبل يسيرا منه وشكر ذلك لهم، ~~ورد الباقي إليهم. # وفي أول ربيع الآخر قدم سلمان بن فلاح وأخوه من الرملة. # وفي سادس عشر كان فصح النصارى، فخلع على فهد بن إبراهيم خلعة حملت إلى ~~داره ومعها بغلتان بمركبيهما وألف دينار. وخلع على أبي سعادة أيمن الخادم، ~~أخي برجوان، وقلد غزة وعسقلان في سادس جمادى الأولى. # وورد الخبر بفتح صور. وذلك أن أهل صور ثاروا على من عندهم من المغاربة ~~وقتلوا منهم جماعة، وقتلوا من بقى؛ وغلب على البلد رجل من البجوية يقال له ~~العلاقة وأرسل إلى الروم، فسيروا إليه بمراكب فيها رجال، فخرج إليهم عسكره، ~~وسارت إليها المراكب من مصر فقاتلوا من بها من الروم فانهزموا عنها في ~~مراكبهم، وبدت أهل البلد فألح القتال عليهم حتى ملكت منهم. وامتنع العلاقة ~~ومعه طائفة في بعض الأبرجة؛ ثم طلبوا الأمان. فانتهبت المدينة وأخذ منها ما ~~لا يعرف قدره كثرة في الرابع عشر من جمادى الآخرة. وحمل PageV02P018 # العلاقة مقيدا، وسيق في جماعة معهم إلى القاهرة فشهروا، وقد ألبس العلاقة ~~طرطورا من رصاص له عظم وثقل على رأسه، وكاد أن يغوص على رقبته؛ ثم قتل وصلب ~~وقتلت أصحابه. # وفي شعبان ورد الخبر من جيش بمواقعة الروم على فامية وأنطاكية. وذلك أن ~~جيشا نزل على دمشق، ونزل بشارة إلى طبرية أيضا، لأربع خلون من رجب؛ وكتب ~~إلى بشارة بولاية دمشق فأقر عليا واليا من قبله؛ وسار بعساكره، هو جيش، في ~~رابع عشره إلى فامية وبها الروم. فاشتد القتال بينهم وبين الروم، فانهزم ~~المسلمون وملك الروم سوادهم. ثم غلبوا وعادوا إلى محاربة الروم، فواقعوهم، ~~فانهزم الروم وقتل منهم نحو خمسة آلاف وقتل مقدمهم؛ وذلك لتسع بقين من رجب. ~~ورجع المنهزمون إلى جيش ابن الصمصامة وقد خافوه، فسار بهم إلى نحو مرعش، ~~فأحرقوا، وهدموا ولم يلقهم أحد ونزل على أنطاكية فقاتل أهلها أياما؛ ثم رحل ~~عنها إلى شيزر. # وسار بشارة إلى دمشق، فنزلها للنصف من شوال ms196 على أنه قد ولى البلد؛ فأقبل ~~إليه جيش فنزل ظاهر المزة، لسبع بقين من ذي القعدة، وقد هجم الشتاء؛ فوافى ~~الكتاب PageV02P019 # من مصر بعزل بشارة عن دمشق وولايته طبرية، واستقرار جيش على ولاية دمشق، ~~فدخلها واستقر بها. # وفي شهر رمضان صلى الحاكم بجامع القاهرة بالناس بعد ما خطب وعليه رداء، ~~وهو متقلد سيفا وبيده قضيب، وزرر عليه جلال القبة لما خطب، وقال خطبة ~~مختصرة سمعها من قرب منه. وهي أول جمعة صلاها؛ ثم صلى جمعة أخرى؛ وصلى صلاة ~~عيد الفطر في المصلى، وخطب على الرسم المعتاد، وحضر السماط. # وأحضرت امرأة من الشام في علبة طولها ذراع واحد من غير زيادة، وافت من ~~خراسان، ومعها أخ لها في قد الرجال، فأنزلت بالقصر وأقيم لها ولمن معها ~~الأنزال، وكانوا عدة، وقطع لها في وقت واحد مائة ثوب مثقل وحرير. وكانت ~~مليحة الكلام نظيفة، ولبثت بضعة وثلاثين يوما وماتت، فكانت لها جنازة ~~عظيمة. # وسارت قافلة الحاج في ثالث عشر ذي القعدة بالكسوة والصلات على العادة. ~~وصلى الحاكم يوم عيد النحر بالمصلى وخطب. # ووصل خود من قبل جيش بن الصمصامة في عشري ذي القعدة ومعه عدة أسارى ورءوس ~~كثيرة، فطيف بهم في البلد، ثم عفى عن الأسرى وأطلقوا PageV02P020 ### || سنة ثمان وثمانين وثلثمائة @YY388 # في حادي عشر المحرم ورد سابق الحاج فأخبر أن ~~عدن احترقت كلها وتلف فيها من المال ما لا يعرف له قيمة لكثرته. # وفي ليلة الرابع من صفر مات قاضي القضاة محمد بن النعمان فركب الحاكم ~~وصلى عليه. وله من العمر تسع وأربعون سنة إلا يوما؛ ومولده لثلاث خلون من ~~صفر سنة أربعين وثلثمائة؛ وكانت مدة ولايته القضاء بمصر وأعمالها أربع عشرة ~~سنة وستة أشهر وعشرة أيام. ودفن بداره ثم نقل إلى القرافة؛ وقيدت دوابه إلى ~~الاصطبل. وترك عليه دينا للأيتام وغيرهم عشرين ألف دينار، وقيل ستة وثلاثين ~~ألف دينار؛ فبعث برجوان كاتبه أبا العلاء فهد بن ابراهيم فختم على جميع ما ~~ترك القاضي، ولم يمكن ورثته من شيء، وباع ذلك كله. وطالب ms197 الأمناء والعدول ~~بأموال اليتامى المتبقية عليهم في ديوان القضاء، فزعموا أن القاضي قبضها، ~~وأقام بعضهم بينة على ذلك وعجز بعضهم، فأغرم من لم يقم بينة ما ثبت عليه. ~~فاجتمع من البيع والأمناء ثمانية عشر ألف دينار، أخذها الغرماء بحق النصف ~~مما لهم. وأمر الحاكم ألا يودع عند عدل ولا أمين شيء من أموال اليتامى، وأن ~~يكتروا مخزنا في زقاق القناديل وتودع فيه أموال اليتامى، فإذا أرادوا دفع ~~أموال اليتامى حضر أربعة من ثقات القاضي، وجاء كل أمين فأطلق لمن يلي عليه ~~رزقه بعد مشورة القاضي في ذلك، فكتب على الأمين وثيقة بما بقبضه من المال ~~لمن يلي عليه. # ورجم في ولايته رجلا زنى في ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة. ~~وكان أكثر أيامه PageV02P021 # عليلا بالنقرس والقولنج؛ وكان برجوان، على كلالته يعوده إذا مرض فمن ~~دونه. وكان يكاتب بقاضي القضاة. وعلت منزلته حتى جاز حد القضاة، وكانت ~~النعمة تليق به؛ وعم إحسانه سائر أصحابه وأتباعه. وكان حسن الخلق، ندي ~~الوجه، فاخر الزي يلبس الدراعة والعمامة بغير طيلسان، كثير الاستعمال للطيب ~~والبخور في مجلسه؛ وإن أعطى أعطى كثيرا وافرا. # ولما مرض رأى كأن الحق تعالى نزل من السماء، فلما بلغ باب داره مات؛ فقال ~~له ابن قديد عابر الرؤيا موت الحق إبطاله، والله هو الحق، ولا يزال الحق ~~حيا حتى يصير إلى بابك فيموت، فمات هو بعد ذلك بقليل. # ومن شعره: # أيا مشبه البدر بدر السماء ... لسبع وخمس مضت واثنتين # ويا كامل الحسن في نعته ... شغلت فؤادي وأنهرت عيني # فهل لي من مطمع أرتجيه ... وإلا انصرفت بخفى حنين # ويشمت بي شامت في هواك ... صفر اليديين # فإما مننت وإما قتلت ... فأنت القدير على الحالتين # ومنه: # تأمل لذى الدنيا، تجدها مشوبة ... سرورا بحزن في تقلب أحوال # وقد قسمت أشياؤها بين أهلها ... فمال بلا أمن، وأمن بلا مال PageV02P022 # وأقامت البلد بعد موته تسع عشرة ليلة بغير قاض. # وفي ثالث عشر منه استدعى برجوان أبا عبد الله الحسين بن علي، ابن ~~النعمان، إلى حضرة الحاكم بأمر ms198 الله، وأضعف له أرزاق عمه وصلاته وإقطاعاته، ~~وقال له: قد أرحت عليك، فلا توجد لي سبيلا إليك بتعرضك لدرهم من أموال ~~المسلمين فقد أغنيتك عنها. ثم خلع عليه ثيابا بيضا ورداء محشى مذهبا وعمامة ~~مذهبة، وقلده سيفا وحمله على بغلة، وقاد بين يديه بغلتين بسروجهما ولجمهما، ~~وحمل معه ثيابا كثيرة صحاحا؛ ورد إليه القضاء بمصر وأعمالها؛ ولم يظن ذلك ~~أحد لضعف حاله وكان الناس يتخيلون ولاية عبد العزيز بن محمد بن النعمان بعد ~~أبيه لأنه كان يخلف أباه فنزل إلى الجامع العتيق، وقرئ سجله على منبره. ~~فنظر بين الناس، وأوقف شهادة جماعة من الشهود، وندب أربعة لكشف أحوال ~~الشهود؛ وألزم ولاة أمور الأيتام برفع حسابهم. وطالب عبد العزيز بن النعمان ~~بما على أبيه من أموال الأيتام. وجعل موضعا بزقاق القناديل يكون مودعا ~~لأموال الأيتام، وجعل خمسة من الشهود يضبطون ما يرد إليه وما يخرج منه بحجج ~~يكتب فيها خطوطهم؛ فاستحسن ذلك من فعله. وهو أول من اتخذ مودعا للأيتام من ~~القضاة. # واستخلف بمصر أبا عبد الله الحسين بن محمد بن طاهر، وبالقاهرة أبا الحسن ~~مالك ابن سعيد الفارقي؛ وعلى العرض والنظر بين المتحاكمين إذا غاب، الحسن ~~بن طاهر وأبا العباس أحمد بن محمد بن عبيد الله بن العوام. واستكتب أبا ~~طاهر زيد بن أحمد بن السندي وأبا القاسم علي بن عبد الرزاق؛ وجعل إلى أخيه ~~أبي النعمان المنذر بن علي النظر في العيار ودار الضرب. واستخلف على ~~الإسكندرية وأعمالها. PageV02P023 # وقوى أمره، وتشدد في الأحكام، وقبل شهادة من أوقف شهادته وعزل آخرين؛ ~~واتخذ حاجبا. وتولى أمر الدعوة وقراءة ما يقرأ في القصر من مجالس الدعوة ~~وكتبها؛ وعلت منزلته. # وفي خامس عشري صفر وصل حاج البيت. وصلى الحاكم في رمضان بالناس جمعتين؛ ~~وخطب وصلى صلاة عيد الفطر، وخطب، وأصعد القاضي معه في جماعة، وجلس على ~~السماط. # وسارت قافلة الحاج أول ذي القعدة بالكسوة والصلات على العادة. وصلى ~~الحاكم صلاة عيد النحر وخطب على الرسم؛ وأجرى الناس في أضاحيهم على ~~عوائدهم. وعمل عيد ms199 الغدير على العادة، وطاف الناس بالقصر على رسمهم. PageV02P024 ### || سنة تسعين وثلثمائة @YY389 # في أول يوم من المحرم ظهر الحاكم ودخل الناس فهنئوه بالعام. # كان سعر الخبز ستة عشر رطلا بدرهم. وسقط إصطبل فهد بن ابراهيم فمات له ~~نحو ستين بغلة. # وفي حادي عشر صفر وصلت قافلة الحاج من غير أن يدخلوا إلى المدينة ~~النبوية. # وفي سادس عشر من ربيع الآخر أنهد الحاكم إلى برجوان عشية يستدعيه للركوب ~~معه إلى المقس، فجاء بعد بطء وقد ضاق الوقت إلى القصر، ودخل بالموكب ورؤساء ~~الدولة والكتاب إلى الباب الذي يخرج منه الحاكم إلى المقس؛ فلم يكن بأسرع ~~من خروج عقيق الخادم وهو يصيح: قتل مولاي؛ وكان عقيق عينا لبرجوان في القصر ~~وقد جعله على خزاناته الخاصة. فاضطرب الناس وبادروا إلى باب القصر الكبير ~~فوقفوا عنده؛ وأشرف عليهم الحاكم. وقام زيدان، صاحب المظلة، فصاح بهم: من ~~كان في الطاعة فلينصرف إلى منزله ويبكر إلى القصر المعمور؛ فانصرف الجميع. ~~وكان قتل برجوان في بستان يعرف بدويرة التين والعناب كان الحاكم فيه مع ~~زيدان فجاء برجوان ووقف مع زيدان. فسار الحاكم حتى خرج من باب الدويرة، ~~فعاجل زيدان وضرب برجوان بسكين كانت في خفه، PageV02P025 # وابتدره قوم، وقد أعدوا له السكاكين والخناجر، فقتل مكانه، وحزت رأسه ~~وطرح عليه حائط. # وسبب ذلك أن برجوان لما بلغ النهاية قصر في الخدمة، واستقل بلذاته وأقبل ~~على سماع الغناء؛ وكان كثير الطرب شديد الشغف به، فكان يجمع المغنين من ~~الرجال والنساء بداره فيكون معهم كأحدهم، ولا يخرج من داره حتى يمضى صدر من ~~النهار ويتكامل الناس على بابه، فيركب إلى القصر، ولا يمضى إلا ما يختار من ~~غير مشاورة؛ فلما استبد بالأمر تجرد الحاكم للنظر. # وكان برجوان من استبداده يكثر من الدالة على الحاكم، فحقد عليه أمورا، ~~منها أنه قال بعد قتله إنه كان سيىء الأدب جدا، والله إني لأذكر وقد ~~استدعيته يوما ونحن ركبان فصار إلي ورجله على عنق دابته وبطن خفه قبالة ~~وجهي، فشاغلته بالحديث ولم أره فكرة في ذلك. ms200 وغير ذلك مما يطول شرحه. # وأنهد الحاكم بعد قتل برجوان فأحضر كاتبه فهد بن إبراهيم في الليل وأمنه، ~~وقال: أنت كاتبي وصاحبك عبدي، وهو كان الواسطة بيني وبينك؛ وجرت منه أشياء ~~أنكرتها عليه فجازيته عليها بما استوجبه؛ فكن أنت على رسمك في كتابك آمنا ~~على نفسك ومالك. # فكانت مدة نظر برجوان سنتين وثمانية أشهر غير يوم واحد. وبرجوان بفتح ~~الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الجيم والواو وبعد الألف نون. PageV02P026 # وبكر الناس إلى القصر فوقفوا بالباب، ونزل القائد أبو عبد الله الحسين بن ~~جوهر القائد وحده إلى القصر وأذن للناس، فدخلوا إلى الحضرة، وخرج الحاكم ~~على فرس أشقر، فوقف في صحن القصر قائما، وزيدان عن يمينه وأبو القاسم ~~الفارقي عن يساره، والناس قيام بين يديه؛ فقال لهم بنفسه من غير واسطة: إن ~~برجوان عبدي، استخدمته فنصح فأحسنت إليه؛ ثم أساء في أشياء عملها فقتلته؛ ~~والآن فأنتم شيوخ دولتي وأشار إلى كتامة وأنتم عندي الآن أفضل مما كنتم فيه ~~مما تقدم. والتفت إلى الأتراك وقال لهم: أنتم تربية العزيز بالله وفي مقام ~~الأولاد، وما لكل أحد عنيد إلا ما يؤثره ويحبه، فكونوا على رسومكم، وامضوا ~~إلى منازلكم، وخذوا على أيدي سفهائكم. فدعوا جميعا وقبلوا الأرض، وانصرفوا. # وأمر بكتابة سجل أنشأه أبو منصور بن سورين كاتب الإنشاء، قرىء بسائر ~~الجوامع في مصر والقاهرة والجيزة والجزيرة، نصه بعد البسملة: # من عبد الله ووليه، المنصور أبي علي، الإمام الحاكم بأمر الله، أمير ~~المؤمنين، إلى سائر من شهد الصلاة الجامعة في مساجد القاهرة المعزية ومصر ~~والجزيرة: سلام عليكم معاشر المسلمين المصلين في يومنا هذا في الجوامع، ~~وسائر الناس كافة أجمعين، فإن أمير المؤمنين يحمد إليكم الله الذي لا إله ~~إلا هو، ويسأله أن يصلي على جده محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين وعلى أهل ~~بيته الطاهرين. أما بعد؛ فالحمد لله الذي قال، وقوله الحق المبين: " لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فسبحان الله رب العرش عما يصفون لا يسأل عما PageV02P027 # يفعل، وهم يسألون " يحمده أمير المؤمنين ms201 على ما أعطاه من خلافته، وجعل ~~إليه فيها دون بريته من الضبط والقبض، والإبرام والنقض. معاشر الناس، إن ~~برجوان كان فيما مضى عبدا ناصحا، أرضى أمير المؤمنين حينا، فاستخدمهم كما ~~يشاء فيما يشاء، وفعل به ما شاء كما سبق في العلوم وجاز عليه في المختوم. ~~قال الله عز وجل: " ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض، ولكن ينزل ~~بقدر ما يشاء، إنه بعباده خبير بصير " ولقد كان أمير المؤمنين ملكه، فلما ~~أساء ألبسه النقم، لقول الله تعالى: " فلما آسفونا انتقمنا منهم " وقوله عز ~~وجل: " إن الإنسان ليطغى "، أن رآه استغنى فحظره أمير المؤمنين عما صبا ~~إليه، ونزعه ما كان فيه؛ وتمت مشيئة الله عز وجل، ونفذ قضاؤه وتقديره فيه. ~~" وكان ذلك في الكتاب مسطورا " فأقبلوا معاشر التجار والرعية على معايشكم ~~واشتغلوا بأشغالكم، فهو أعود لشأنكم؛ ولا تطغوا في أمر أنفسكم فلأمير ~~المؤمنين الرأي فيه وفيكم. فمن كانت له منكم مطالبة أو حاجة فليمض إلى أمير ~~المؤمنين بها، فإنه مباشر ذلك لكم بنفسه، وبابه مفتوح بينكم وبينه. والله " ~~يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم وأنتم رعايا أمير المؤمنين ~~المفتحة لها أبواب عدله وإحسانه وفضله. والله يريده فيما يريده ويعتمده من ~~الخير لمن أطاعه من الأنام، والحماية لحمى الإسلام؛ " عليه توكلت وإليه ~~أنيب " والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكتب يوم الجمعة لثلاث بقين من PageV02P028 # شهر ربيع الآخر سنة تسعين وثلثمائة. وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~الطيبين الأخيار وسلم تسليما. # وكتبت سجلات على نسخة واحدة، وأنفذت إلى سائر النواحي والأعمال. # ولثلاث خلون من جمادى الأولى خلع على القائد الحسين بن جوهر ثوب ديباج ~~أحمر، ومنديل أزرق مذهب، وتقلد سيفا عليه ذهب، وحمل على فرس بسرج ولجام ~~ذهب، وبين يديه ثلاثة أفراس بمراكبها، وخمسون ثوبا من كل فن. ورد إليه ~~الحاكم التوقيعات والنظر في أمور الناس وتدبير المملكة وإنصاف المظلوم. ~~وخلع على فهد بن إبراهيم، وحمل على بغلة وبين يديه بغلة أخرى وعشرون ثوبا. ~~فانصرف القائد، وخلفه فهد وسائر الناس ms202 بين يديه، إلى داره. وتقدم إلى فهد ~~بالتوقيعات في رقاع الرافعين على رسمه، وأن يعاضد القائد حسينا في النظر ~~ويعاونه ويخلفه إذا غاب. فكان القائد يبكر إلى القصر ومعه الرئيس فهد، ~~فينظران في أمور الناس وينهيان الأمور إلى الحاكم، والقائد متقدم وفهد ~~يتبعه، فإذا دخلا إلى حضرة الحاكم جلس القائد وقام فهد خلفه فيعرضان الكتب ~~والرقاع عليه. وأمر القائد ألا يلقاه أحد من الناس على طريق ولا يركب إليه ~~إلى داره أحد لقضاء حق ولا سؤال في مصلحة، ومن كان له حاجة يلقاه في القصر. ~~ونهى الناس أن يخاطبوه في الرقاع التي تكتب إليه بسيدنا ومولانا، ولا ~~يخاطبونه ويكاتبونه إلا بالقائد فقط، ولا يخاطب فهد ويكاتب إلا بالرئيس ~~فقط. # وحمل فهد إلى الحاكم هدية، منها ثلاثون بغلة بألوان من الأجلة، وعشرون ~~فرسا منها عشرة مسرجة ملجمة وعشرة بجلال ملونة، وعشرون ألف دينار، وسفط فيه ~~حلة دبيقية مذهبة لم ير مثلها، ودرج فيه جوهر، وأسفاط كثيرة فيها البز ~~الرفيع، وخزانة مدهونة. PageV02P029 # وأمر أبو جعفر محمد بن حسين بن مهذب، صاحب بيت المال، بإحضار تركة برجوان ~~فوجد فيها مائة منديل شرب ملونة معممة كلها على مائة شاشية، وألف سروال ~~دبيقي بألف تكة حرير أرمني، ومن الثياب المخيطة والصحاح والحلى والمصاغ ~~والطيب والفرش ما لا يحصى كثرة، ومن العين ثلاثة وثلاثون ألف دينار، ومائة ~~وخمسون فرسا لركابه، وخمسون بغلة، وثلثمائة رأس من بغال النقل ودواب ~~الغلمان، ومائة وخمسون سرجا منها عشرون من ذهب، ومن الكتب شيء كثير. # لما ركب القائد حسين رأى جماعة من قواد الأتراك قياما على الطريق ~~ينتظرونه فوقف وقال: كلنا عبيد مولانا صلوات الله عليه ومماليكه، وليس ~~والله أبرح من موضعي أو تنصرفوا عني، ولا يلقاني أحد إلا في القصر. ~~فانصرفوا. وأقام خدما من الصقالبة بنوب على الطريق يمنعون الناس من المصير ~~إلى داره ومن لقائه إلا في القصر؛ وجلس في موضع رسم له بالجلوس فيه. # وتقدم حسين بن جوهر إلى أبي الفتوح مسعود الصقلبي صاحب الستر بأن يوصل ~~الناس ms203 بأسرهم إلى الحاكم ولا يمنع أحدا، وأن يعرف رسم كل من يحضر من يجلس ~~للتوقيع إذا وقع له. فدخل الناس ليأخذ رقاعهم وقصصهم، ووقع فيها، والحاكم ~~في مكانه جالس يدخل إليه أرباب الحوائج ويشاور في الأمور المهمة. # ووصل إلى الحاكم جماعة ممن كان يدخل في الليل إلى العزيز، وأمروا بملازمة ~~القصر وقت جلوسه ودوام الجلوس بالعشايا؛ فدخل أول ليلة، وهي ليلة الأربعاء ~~سابع جمادى الأولى، القائد الحسين والقائد فضل بن صالح والحسين بن الحسن ~~البازيار. فجلس حسين بن جوهر من اليمين، وإلى جانبه فضل بن صالح ودونه ابن ~~البازيار، وبعده أبو الحسن علي بن PageV02P030 # إبراهيم المرسي، ويليه القاضي عبد العزيز بن محمد بن النعمان؛ وجلس من ~~اليسار رجاء ومسعود ابنا أبي الحسين، ودونهما أبو الفتح منصور بن معشر ~~الطبيب، وأبو الحسين بن المغربي الكاتب وأخوه. ووقف عنده عدة من الأقارب ~~وجماعة من القواد، منهم منجوتكين وغيره، ثم دخل بعد ذلك جماعة منهم ابن ~~طاهر الوزان. فجرى الرسم على ذلك إلى اثني عشر جمادى الآخرة. ثم صار السلام ~~يخرج فينصرفون إلا ابن البازيار وابن معشر الطبيب وعبد الأعلى بن هاشم من ~~القرابة، فإنهم يجلسون فربما أطالوا الجلوس وربما خدموا. # وركب الحاكم عدة مرار إلى ناحية سردوس وإلى بركة الجب وإلى عين شمس ~~وحلوان للصيد وغيره. وفي سابع عشري جمادى الآخرة قرئ سجل على سائر منابر ~~المساجد الجامعة بأن يلقب القائد حسين بن جوهر بقائد القواد. وخلع على جابر ~~بن منصور الجودري جبة مثقلة ومنديل بذهب، وحمل بين يديه ثياب كثيرة وقلد ~~بسيف، وندب ناظرا في السواحل والحسبة بمصر. # وأما الشام فإن جيش بن الصمصامة لما استقر بدمشق، وقد خرب البلد وضعف وقل ~~ناسه وطمعت رعيته، فكان فيهم جهال يأخذون الخفارة ويطمعون في أموال أهل ~~السلامة، فصارت لهم أموال وخيول ومشى بين أيديهم الرجال، وقويت نفوسهم، ~~وصاروا يوالون خروجهم مع جيش في وقائع الروم؛ فوعدهم جيش بالأرزاق فاطمأنوا ~~إليه. ثم إنه رتب جماعة وقبض على المذكورين وقيدهم، وأمر بهم فحبسوا، وأفاض ~~عليهم ms204 العذاب حتى سلبهم PageV02P031 # جميع أموالهم، وتتبع من استتر منهم فضرب أعناقهم وصلبهم على أبواب البلد ~~فلم يبق منهم أحد. # فلما خلا له البلد من حمال السلاح طمع في أهل القرى، فعم كثيرا من الناس ~~البلاء منه، وشمل أهل المدينة والقرى ضرره، حتى غلق أكثر الأسواق، وضج ~~الناس إلى الله بالدعاء وهو يعدهم بحريق البلد وبذل السيف فيهم، فهرب كثير ~~من الناس عن البلد. # ووصل الخبر بقدوم عسكر الروم، فأخذ جيش في جمع العرب؛ ونزل ملك الروم على ~~شيزر وفيها عسكر من قبل الحاكم، فقاتلهم حتى ملكهم بأمان. ونزلت العرب ~~الذين جمعهم جيش فيما بين حرستا والقابول؛ وانتقل الروم من شيزر إلى حمص ~~فأخذوها وسبوا أهلها وأحرقوا؛ وذلك في ذي الحجة سنة تسع وثمانين، وهي دخلة ~~الروم الثالثة إلى حمص، فأقاموا بها وقد اشتد البرد وغلت عليهم الأسعار حتى ~~بيعت العليقة عندهم بدينار فرحلوا، وقد مات أكثر دوابهم، إلى طرابلس، ~~فنزلوا عليها وهم في ضيق؛ ثم رحلوا عنها إلى ميافارقين وآمد، وهادنوهم. ثم ~~ساروا إلى أرمينية. # وزاد جور جيش وأسرف في الظلم، وكان به طرف جذام فاشتد به، وسقط شعر بدنه، ~~ورشح جسمه واسود حتى انمحت سحنة وجهه وزاد وأروح سائر بدنه؛ فكان يصيح: PageV02P032 # ويحكم! اقتلوني، أريحوني!! إلى أن هلك يوم الأحد لسبع خلون من ربيع ~~الآخر. فكان مقامه بدمشق ستة عشر شهرا وستة عشر يوما. ووصل ابنه أبو عبد ~~الله بتركته إلى القاهرة فخلع عليه الحاكم وحمله. ورفع زيدان إلى الحاكم ~~درجا بخط جيش وفيه وصية وثبت بما خلف مفصلا مشروحا، وأن ذلك جميعه لأمير ~~المؤمنين الحاكم بأمر الله لا يستحق أحد من أولاده منه درهما؛ وكان ذلك ~~يبلغ نحو مائتي ألف دينار، ما بين عين ورحل ومتاع. وقد قال فيه جيش: لو ~~زيدان يتسلم ذلك فإنه على بغال تحت القصر بظاهر والقاهرة. فأخذ الحاكم ~~الدرج وأوصله لابني جيش، وخلع عليهما، وقال لهما بحضرة أولياء الدولة ~~ووجوهها: قد وقفت على وصية أبيكما، رحمه الله، من عين ومتاع فيما وصى به، ms205 ~~فخذوه هنيئا مباركا لكما فيه. فانصرفا بجميع التركة. # وأقطعت سيدة الملك على عبرة سنة تسع وثمانين الخراجية إقطاعا مبلغه مائة ~~ألف دينار، منها ضياع في الصعيد وأسفل الأرض ثمانية وستون ألفا وأربعمائة ~~وخمسون دينارا؛ منها بوتيج ستة آلاف وسبعمائة وخمسون دينارا، وصهرشت سبعة ~~عشر ألف دينار، ودمنهور خمسة آلاف دينار؛ وباقي ذلك، وهو أحد وثلاثون ألف ~~دينار وخمسمائة وخمسون دينارا، من دور وبساتين ورسوم. PageV02P033 # وأما المغرب فإن الأستاذ برجوان لما ولى تدبير الدولة ثقل عليه أبو الحسن ~~يانس الصقلبي العزيزي، فإنه كان ينافسه في الرئاسة، فتحيل حتى أخرجه إلى ~~برقة كما تقدم، فتوالت كتب تموصلت بن بكار يسأله أن يأتيه أحد ليسلمه مدينة ~~أطرابلس، وتقدم إلى الحضرة. فقصد برجوان إبعاد يانس، فكتب إليه حتى سار ~~إليها وقدم إليها للنصف من جمادى الأولى سنة سبعين، فسلمه تموصلت البلد ~~ومضى إلى القاهرة وقد تأخر أكثر عسكره مع يانس، فاختلفوا مع أصحابه حتى ~~اقتتلوا وخرجوا أقبح خروج إلى إفريقية، وشكوا ما نزل بهم إلى نصير الدولة ~~أبي مناد باديس. فبعث القائد جعفر بن حبيب على عسكر، فقاتل يانس، فقتل في ~~رابع ذي القعدة. وبادر فتوح بن علي بن عقيان من أصحاب يانس إلى أطرابلس، ~~فدخلها، وانضم إليه بقية أصحابه وقاتل بها جعفر بن حبيب سنة إحدى وتسعين، ~~واستمد الحاكم، فأمده بيحيى بن علي بن الأندلسي على عسكر، فاختلف عليه ~~أصحابه وعاد أقبح عود إلى القاهرة. فأراد الحاكم قتله، فأظهر كتاب زيدان ~~صاحب المظلة بخطه أن يدفع إليه المال من برقة، وأنه قبض ذلك من مال الحضرة، ~~فلم يجد ببرقة مالا ينفقه على العساكر؛ فقبل هذا العذر وقتل زيدان على ما ~~فعل. # وكان مع يحيى بن علي عند خروجه من المغرب جماعة من بني قرة، فكسروا عسكره ~~ورجعوا إلى موضعهم؛ فبعث الحاكم يستدعيهم إلى القاهرة، فخافوا وامتنعوا؛ ~~فأعرض عنهم مدة ثم كتب إليهم أمانا، فبعثوا رهائن منهم؛ فأمرهم بالوصول إلى ~~الإسكندرية ليقفوا على ما يأمرهم به، فحذر أكثرهم، وقدمت طائفة إلى ~~الإسكندرية فقتلوا وحملت ms206 PageV02P034 # رؤوسهم إلى القاهرة، وقتل من كان بها من رهائنهم؛ فنفرت عنه بنو قرة، ~~وكان منهم ما يأتي ذكره من قيامهم مع أبي ركوة. # وفي ثالث رجب خلع على أبي القاسم عبد العزيز بن محمد بن النعمان، ونزل ~~إلى الجامع العتيق وبين يديه ثياب صحاح، وحمل على بغلتين مسرجتين ملجمتين؛ ~~وقرئ له سجل بالنظر في المظالم وسماع البينة فيها. # وحمل رحل برجوان إلى القصر على ثمانين حمارا. وقرئ سجل بالقصر نصه بعد ~~البسملة: معاشر من يسمع هذا النداء من الناس أجمعين: إن الله وله الكبرياء ~~والعظمة أوجب اختصاص الأئمة بما لا يشركها فيه أحد من الأمة. فمن أقدم بعد ~~قراءة هذا المنشور على مخاطبة أو مكاتبة لغير الحضرة المقدسة بسيدنا أو ~~مولانا فقد أحل أمير المؤمنين دمه. # فليبلغ الشاهد الغائب إن شاء الله. # وأفطر في رمضان مع الحاكم جماعة رتبوا عن يمينه ويساره؛ وصلى فيه جمعتين ~~بالناس، وركب لفتح الخليج. # ووصل تموصلت بن بكار الأسود، عبد ابن زيرى، وكان قد ولاه طرابلس المغرب، ~~فجار على أهلها وأخذ منها مالا كثيرا وفر خوفا من مولاه؛ فسار من طرابلس ~~المغرب، ومعه نيف وستون ولدا ما بين ذكر وأنثى، في عسكر كبير، بعد أن مر ~~ببرقة، ودفع ليانس العزيزي متوليها ثلاثين ألف دينار لخاصة نفقته، وأنفق في ~~عسكره ورجاله مالا كثيرا، وسلم إليه مخازن فيها العسل والسمن والقمح ~~والشعير والزيت وغيره. فجلس له الحاكم وأجلسه، فكان من كلامه للحاكم: قد ~~وصلت إلى حضرة مولانا بالأهل والمال PageV02P035 # والولد ومعي ما يكفيني ويكفي عقب عقبي؛ ولكن الرجال الذين معي رجال ~~مولانا، وهو يحسن إليهم على ما يراه. # وأهدى إلى الحاكم مائة ألف دينار ومائة ألف درهم، ونيفا وخمسين حملا من ~~البز والطرف، وثمانين فرسا منها أربعون بسرجها ولجمها؛ وأربعين بغلا؛ ~~وخمسين بختيا بأكوارها؛ ومائتي جمل. فخلع عليه وعلى من حضر من أولاده، وسار ~~إلى دار قد أعدت له فيها خمس وثلاثون حجرة، في كل حجرة آلاتها وفرشها؛ ~~فبلغت النفقة على هذه الدار خمسة آلاف دينار. # وفي ms207 يوم عيد الفطر صلى الحاكم بالناس بالمصلى، وخطب على رسمه، وأصعد ابن ~~النعمان وعدة من القواد معه المنبر، فجلس على الدرج. # ولخمس خلون من شوال أذن لابن عمار في الركوب إلى القصر، فركب ونزل حيث ~~ينزل سائر الناس، وواصل الركوب إلى الرابع عشر منه، فأحضر عشية إلى القصر، ~~فجلس إلى بعد العشاء الآخرة ثم أذن له في الانصراف؛ فلما انصرف ابتدره ~~جماعة من الأتراك قد أوقفوا لقتله، فقتلوه واحتزوا رأسه ودفنوه هنالك، ثم ~~نقل إلى تربته بالقرافة؛ فكانت مدة حياته بعد عزله ثلاث سنين وشهرا واحدا ~~وثمانية عشر يوما. # وسارت قافلة الحاج لاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة. وعزل خود عن الشرطة ~~السفلى، وجمعت الشرطتان لمسعود الصقلبي، فنزل بالخلع والطبول والبنود إلى ~~الجامع العتيق حتى قرئ سجله على المنبر. PageV02P036 # وفي ثالث ذي الحجة أمر الناس بتعليق القنادل على سائر الحوانيت وأبواب ~~الدور كلها، وفي جميع المحال والسكك الشارعة وغير الشارعة، ففعلوا. # وصلى الحاكم صلاة عيد النحر بالمصلى، وخطب، ونحر في القصر على رسمه، وجلس ~~على السماط. وكان الناس بين عبد العزيز بن النعمان وبين قاضي القضاة الحسين ~~بن النعمان في شرور وبلاء؛ وذلك أن عبد العزيز قبل شهادة جماعة اختارهم؛ ~~فكان من حاكم خصمه إلى الحسين اختار خصمه بالمرافعة إلى عبد العزيز ~~وبالعكس. وكان عبد العزيز إذا جلس للنظر في المظالم حضر شهوده عنده وسمع ~~شهادتهم وأشهدهم فيما يقول ويمضى؛ ولا يحضر أحد منهم عند الحسين ولا يقرب ~~داره، ويقيد الشهود القدماء يشهدون عنده، غير أنهم لا يحضرون مجلس عبد ~~العزيز مواصلين لذلك ولا يركبون معه. # وفيها عقد ليانس الصقلبي على ولاية أطرابلس الغرب بعد موت المنصور من ~~بلكين، فوصل إليها في ألف وخمسمائة فارس وملكها. فبعث باديس بن جعفر بن ~~حبيب على عسكر فلقيه على زنزوير، واقتتلا يومين، فانهزم عسكر يانس وقتل. PageV02P037 ### || سنة إحدى وتسعين وثلثمائة @YY391 # في المحرم واصل الحاكم الركوب في الليل في كل ليلة؛ وكان يركب إلى موضع ~~موضع وإلى شارع شارع وإلى زقاق زقاق. وأمر الناس ms208 بالوقيد، فتزايدوا فيه ~~بالشوارع والأزقة، وزينت الأسواق والقياسر بأنواع الزينة، وباعوا واشتروا، ~~وأوقدوا الشموع الكبيرة طول الليل؛ وأنفقوا الأموال الكثيرة في المآكل ~~والمشارب والغناء واللهو. ومنع الرجال المشاة بين يدي الحاكم أن يقرب أحد ~~من الناس الحاكم، فزجرهم، وقال لا تمنعوا أحدا، فأحدق الناس به وأكثروا من ~~الدعاء له. وزينت الصناعة، وخرج سائر الناس بالليل للتفرج وغلب النساء ~~الرجال على الخروج في الليل، وتزايد الزحام في الشوارع والطرقات؛ وتجاهروا ~~بكثير من المسكرات، وأفرط الأمر من ليلة التاسع عشر إلى ليلة الرابع ~~والعشرين فلما خرج الناس عن الحد أمر الحاكم ألا تخرج امرأة من العشاء، فإن ~~ظهرت نكل بها. ومنع الناس من الجلوس في الحوانيت. # وهبت في أول يوم من طوبة سموم لم يعهد مثله. # وورد سابق الحاج، ثم قدمت قافلة الحاج في سادس عشر صفر. PageV02P038 # وفي خامس ربيع الأول أعتق الحاكم زيدان، صاحب المظلة، وأمر أن يكتب على ~~مكاتباته من زيدان مولى أمير المؤمنين. # وخلع على القاضي حسين بن النعمان وقيد بين يديه بغلتان بسروجهما ولجمهما، ~~وحمل إليه عدة ثياب لحضوره العتاقة. # وكثر وقود المصابيح في الشوارع والطرقات، وأمر الناس بالاستكثار منها ~~وبكنس الطرقات وحفر الموارد وتنظيفها. # وخلع على فتح، غلام ابن فلاح، وندب إلى الخروج على الأسطول. # وقبض على رجل شامي قال: لا أعرف علي بن أبي طالب، وأقول إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مرسل، غير أني لا أعرف علي بن أبي طالب. فحبس وروجع؛ فأصر ~~على أنه لا يعرف عليا؛ فرفق به القائد حسين فلم يعترف بمعرفة علي رضي الله ~~عنه، فخرج الأمر بقتله، فضرب عنقه وصلب. # وفي سادس عشر جمادى الآخرة وصل رسول ملك الروم، فحشدت له العساكر من سائر ~~الأعمال، ووقفوا صفين والحاكم واقف ليراهم. وسار الرسول بين العساكر إلى ~~باب الفتوح، ونزل، ومشى إلى القصر يقبل الأرض في طول المسافة حتى وصل إلى ~~حضرة PageV02P039 # الحاكم بالقصر، وقد فرش إيوان القصر وعلق فيه تعاليق غريبة، يقال إنه أمر ~~بتفتيش خزائن الفرش إلى أن وجد فيها ms209 أحدا وعشرين عدلا ذكرت السيدة رشيدة ~~بنت المعز أنها كانت في قطار الفرش المحمولة من القيروان إلى مصر مع المعز ~~في جملة أعدال، وأن كتاب خزائن الفرش وجدوا على بعضها مكتوبا الحادي ~~والثلاثون والثلثمائة من عمل العبيد، ديباج خز ومذهب؛ ففرش منه جميع ~~الإيوان وستر جميع حيطانه بالتعاليق، فكان جميع أرضه وحيطانه رفيعا دليلا ~~على عظمته وسعته. وعلقت بصدر الإيوان العسجدة، وهي درقة مطعمة بفاخر الجوهر ~~النفيس من كل أصنافه، فأضاء لها ما حوله، ووقعت عليها الشمس فلم تطق ~~الأبصار تأملها كلالا. فدخل الرسول وقبل الأرض، ودفع الكتب وعرض الهدية. # وأنفذ الحاكم لأبي الحسن علي بن إبراهيم النرسي ألف دينار وأربعة وعشرين ~~قطعة ثياب مختارة، وسومح بمبلغ ثلاثة آلاف دينار كانت عليه. # وجرى الرسم في الفطر طول شهر رمضان على مائدة الحاكم كما تقدم. # ولما كثر النزاع بين عبد العزيز بن النعمان والقاضي حسين بن النعمان كتب ~~الحاكم بخطه ورقة إلى الحسين، نصها بعد البسملة: يا حسين أحسن الله عليك. ~~اتصل بنا ما جرى من شناعات العوام ومن لا خير فيه، وإرجافهم، وأنكرنا أن ~~يجري مثله فيمن يحل محلك من خدمتنا، إذ أنت قاضينا وداعينا وثقتنا. ونحن ~~نتقدم بما يزيل ذلك، ولم نجعل لأحد غيرك نظرا في شيء من القضايا والحكم، ~~ولا في شيء مما استخدمناك فيه، ولا مكاتبة أحد من خلفائك بالحضرة وغيرها ~~وسائر النواحي، ولا أن نكاتب أحدا منهم غيرك؛ ومن تسمى غيرك بالقضاء فذلك ~~على المجاز في اللفظ لا على الحقيقة. وقد منعنا غيرك أن يسجل في شيء فيتقدم ~~إلى جميع الشهود والعدول بألا يشهدوا في سجل لأحد سواك. وإن تشاجر خصمان ~~فدعى أحدهما إليك ودعى الآخر إلى غيرك كان الداعي PageV02P040 # إلى غيرك عليه الرجوع إليك طائعا مكرها فاجر على ما أنت عليه من تنفيذ ~~القضايا والأحكام مستعينا بالله عز وجل، ثم بنا؛ ولك من جميل رأينا فيك ما ~~يسعدك في الدنيا والآخرة. وقد أذنا لك أن يكاتب جميع من يكاتب القاضي بقاضي ~~القضاة كما جعلناك، وتكاتب ms210 من تكاتبه بذلك وتكتب به في سجلاتك. فاعلم ذلك، ~~وأشهر أمرنا بجميع ما يقتضيه هذا التوقيع ليمتثل ولا يتجاوز. وفقك الله ~~لرضاه ورضانا، وأيدك على ذلك وأعانك عليه إن شاء الله تعالى. وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وسلم تسليما. # فقرأه القاضي على سائر الشهود، وأمر أن يكتب في سجلاته قاضي القضاة، ~~وكوتب بذلك وكتب عليه. # وجرى الرسم في ركوب الحاكم لفتح الخليج وفي يوم العيد إلى المصلى على ~~العادات. # وسارت قافلة الحاج للنصف من ذي القعدة بالكسوة والشمع والصلات، وزينت ~~البلد مرة في شوال ثلاثة أيام ومرة في ذي القعدة يوما. وجرى الرسم في صلاة ~~عيد النحر على ما تقدم، ثم انصرف فنحر ودخل تربة القصر وحضر السماط. # وفيها توفي أبو الفضل جعفر بن الفرات، في ثالث ربيع الأول، عن اثنتين ~~وثمانين سنة PageV02P041 # وثلاثة أشهر وخمسة أيام؛ فصلى عليه القاضي حسين بن النعمان، ودفن في ~~داره. وكان من الفضل والعلم والدين بمنزلة؛ وحدث وأسمع وأملى مجالس، وكتب ~~على الصحيحين مستخرجا وكان كثير البرد والصلات والصدقة، شديد الغيرة حتى ~~إنه ليحجب أولاده الأكابر عن حرمه وأهله وعن أمهاتم. فإنه بلغه عن بعض ~~أولاده أنه واقع أختا له وأحبلها. وكان يتنسك منذ تجاوز أربعين سنة. ثم حمل ~~من مصر ودفن بالمدينة النبوية. # وفيها قتل الحاكم مؤدبه أبا القاسم سعيد بن سعيد الفارقي يوم السبت لثمان ~~بقين من جمادى الأولى وهو يسايره، بأن أشار إلى الأتراك بعينيه بعد أن بيت ~~معهم قتله، فأخذته السيوف؛ وكان قد داخل الحاكم في أمور الدولة وقرأ عليه ~~الرقاع واستأذنه في الأمور كهيئة الوزراء. PageV02P042 ### || سنة إحدى وتسعين وثلثمائة @YY391 # في المحرم قتل الحاكم ابن أبي نجدة؛ وكان بقالا ~~فترقت أحواله حتى ولى الحسبة ودخل فيما لا يليق به، وأساء في معاملة الناس، ~~فاعتقل، ثم قطعت يده ولسانه وشهر على جمل وضربت عنقه. # وفي شعبان سارت هدية إلى المغرب فيها ثلثمائة فرس بجلال وعشرة بمراكب، ~~وخمسة وأربعون بغلا تحمل السلاح والكسوة، وعشرون بغلا تحمل صناديق فيها ذهب ~~وفضة. # وفي ms211 شهر رمضان خلع على تموصلت بن بكار وقلد بسيف، وحمل على عشرة أفراس ~~بمراكبها، وقلد إمارة الشام. # وجرى الرسم في سماط رمضان وصلاتي العيدين وخروج قافلة الحاج على ما تقدم. # وفيها توفي أبو تميم سلمان بن جعفر بن فلاح في ثامن جمادى الآخرة. وقتل ~~عدة أناس PageV02P043 ### || سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة @YY392 # في نصف صفر قدم الحاج. # وفي ربيع الأول قرئ سجل برفع المنكرات وإبطالها وبمنع ذلك، فختم على عدة ~~مواضع فيها المسكرات لتراق. # وابتدئ في عمارة جامع راشدة، وكان مكانه كنيسة فبنى جامعا، وأقيمت فيه ~~الجمعة، وفي ثامن جمادى الآخرة ضربت رقبة فهد بن إبراهيم، وله منذ نظر في ~~الرئاسة خمس سنين وتسعة أشهر واثنا عشر يوما. فحمل أخوه أبو غالب إلى سقيفة ~~القصر من مال أخيه فهد جرايات فيها خمسمائة ألف دينار. فلما خرج الحاكم سأل ~~عنها فعرف خبرها، فأعرض عنا؛ وبقيت هناك مدة ثم أمر بها فردت إلى أولاد ~~فهد، وقال إنا لم نقتله على مال؛ فحملت إليهم، ثم رفع أصحاب الأخبار عن أبي ~~غالب كلمة تكلم بها، فقتل وأحرق بالنار. # وخلع على أبي الحسن علي بن عمر بن العداس مكانه، وخلع على ابنه محمد بن ~~علي، وعلى الحسين بن طاهر الوزان، وحملوا في رابع عشره. # وسار الأمير ياروخ متقلدا طبرية وأعمالها. # وقبضت أموال من قبض عليه من النصارى الكتاب. PageV02P044 # وأمر بإتمام بناء الجامع الذي ابتدأ بعمارته العزيز على يد وزيره يعقوب ~~بن كلس خارج باب الفتوح من القاهرة، فقدرت النفقة عليه أربعين ألف دينار، ~~فابتدى بعمله. # وفي خامس عشر من شهر رجب ضرب عنق أبي طاهر محمود بن النحوي الناظر في ~~أعمال الشام لكثرة تجبره وعسفه بالناس. # وفي غرة شعبان جمع في الجامع الجديد بظاهر باب الفتوح. # وقطع الحاكم الركوب في الليل. # ورد إلى أولاد فهد بن ابراهيم سروجهم المحلاة وأمروا بالركوب بها. وأطلق ~~من اعتقل من الكتاب النصارى. # وصلى الحاكم في رمضان بالناس أجمعين بعد ما خطب؛ وصلى صلاة عيد الفطر ~~وخطب على الرسم. وأكثر من الحركة ms212 في شهري رمضان وشوال إلى دمنهور والأهرام ~~وغيرهما. # وسافر الحاج للنصف من ذي القعدة. # وأما الشام فإنه لما مات جيش بن الصمصامة في شهر ربيع الآخر سنة تسعين ~~ولي دمشق شيخ من المغاربة يقال له فحل بن تميم، فلبث شهورا ومات؛ فقدم عند ~~الحاكم على ابن جعفر بن فلاح فنزل على دمشق ليومين بقيا من شوال، وأقام بها ~~غير منبسط اليد PageV02P045 # في ماله. فلما كان في شهر رمضان، سنة اثنتين وتسعين، قدم من جهة الحاكم ~~داع يقال له ختكين الملقب بالضيف إلى دمشق، فبرز ابن فلاح وأقام بظاهر ~~دمشق. فأراد الضيف أن ينقص الجند من أرزاقهم، فشغبوا وساروا يريدون ابن ~~عبدون النصراني، وكان على تدبير المال وعطاء الأرزاق، فمنعهم الضيف وأغلظ ~~في القول لهم، وكان قليل المداراة، فرجعوا إليه وقتلوه، وانتهبوا دور ~~الكتاب والكنائس. وتحالف المغاربة والمشارقة من العسكر على أن يكونوا يدا ~~واحدة في طلب الأرزاق، وأنهم يمتنعون ممن يطالبهم بما فعلوه؛ وحلف لهم علي ~~بن جعفر بن فلاح أنه معهم على ما اجتمعوا عليه. فبلغ ذلك الحاكم فقال: هذا ~~قد عمى. فبعث يعزله عن دمشق، فسار عنها في يسير من أصحابه؛ وذلك في شوال ~~منها. وتأخر العسكر بدمشق، فقدم إليها تموصلت بن بكار من قبل الحاكم، فلم ~~يزل عليها إلى أن ولي مفلح اللحياني دمشق في ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين. وكان خادما وفي وجهه شعر، فسار إليها. # وفيها قتل أبو علي الحسن بن عسلوج في المحرم وأحرق. # وقتل علي بن عمر بن العداس في شعبان وأحرق. PageV02P046 # وقتل الأستاذ أبو الفضل زيدان، صاحب المظلة لعشر بقين من ذي الحجة؛ ضرب ~~عنقه. # وفيها استأذن عبد الأعلى بن الأمير هاشم بن المنصور أن يخرج إلى بعض ~~ضياعه، فأذن له الحاكم؛ فخرج بجماعة من ندمائه؛ فبعث الحاكم عينا يأتيه ~~بخبرهم، فصاروا إلى متنزههم فأكلوا وشربوا، وجرى من حديثهم أن قال أحد ~~أولاد المغازلي المنجم لابن هاشم: لا بد لك من الخلافة، فأنت إمام العصر. ~~فلما عادوا ودخل ابن هاشم على الحاكم ms213 وجلس أخرج الحاكم من تحت فراشه سيفا ~~مجردا وضربه به، فحمل من داره وكتب يعتذر عن ذنبه إن كان قيل عنه، ويحلف ~~ويذكر أن ضربته سالمة، ويسأل الإذن في طبيب يعالجه؛ فأجيب إلى ذلك. # فلما أفاق استأذن في الدخول إلى الحمام، فأذن له؛ فبعث الحاكم إلى الحمام ~~من ذبحه فيه وأتاه برأسه. وبعث إلى من حضر المجلس فقتلوا وأحرقوا بالنار، ~~وفيهم أولاد المغازلي وابن خريطة وأولاد أبي الفضل بن الفرات وفتيان من ~~كتامة. وتتابع القتل في الناس من الجند والرعية بضروب مختلفة. PageV02P047 ### || سنة أربع وتسعين وثلثمائة @YY394 # في محرم خلع على مظفر الخادم الصقلبي، وحمل على ثلاث بغلات بمراكبها، ~~ومعه ثياب كثيرة؛ وندب لحمل المظلة. وخلع على متولي الأسود وحمل لواؤه ~~ببرقة. وقبض على أبي داود بن المطيع. وخلع على صاحب ديوان النفقات وضرب ~~عنقه بسبب أنه سرق مائتي ألف دينار ذهب. # وقدم مفلح اللحياني إلى دمشق في المحرم، فسار عنها تموصلت يريد مصر، ونزل ~~بداريا فمات بها في ثاني صفر. فلما ورد خبر موته إلى الحاكم خلع على ولديه ~~وحملهما. # وقدم الحاج في رابع عشريه. # وفي ربيع الأول ألزم الناس بوقود القناديل بالليل في سائر الشوارع ~~والأزقة بمصر. # وخلع على أبي يعقوب بن نسطاس المتطبب وحمله على بغلتين ومعه ثياب كثيرة؛ ~~ومنحت لها دار بالقاهرة وفرشت، وألزم بالخدمة، وكان قد هلك منصور بن معشر ~~الطبيب. # وهدمت كنيستان بجانب جامع راشدة. # وفي جمادى الآخرة حمل إلى الشريف أبي الحسن علي النرسي رسمه يجاري به ~~العادة في كل سنة، وهو من الثياب عشرون قطعة بنحو خمسمائة دينار. # وفي رجب قرئ سجلان؛ أحدهما فيه إنكار الحاكم على من يخاطبه في المكاتبة ~~بمولى الخلق أجمعين؛ والآخر بمسير الحاج أول ذي القعدة. PageV02P048 # وقبض على ثلاثة عشر رجلا ضربوا وشهروا على الجمال وحبسوا ثلاثة أيام بسبب ~~أنهم صلوا صلاة الضحى وفي شعبان خرج الكتاميون إلى باب الفتوح، فترجلوا ~~وكشفوا رؤوسهم، واستغاثوا بعفو أمير المؤمنين فأوصل إلى الحاكم جماعة منهم، ~~فوعدهم، وكتب لهم سجل قرئ بالقصر والجوامع ms214 بالرضا عنهم وإعادتهم إلى رسومهم ~~في التكرمة. # وأمر بهدم جامع عمرو بن العاص بالإسكندرية. # وصلى الحاكم بالناس في رمضان صلاة الجمعة مرتين وخطب. # وفي سادس عشره صرف الحسين بن النعمان عن القضاء. وكان قد ضرب في الجامع ~~فندب الحاكم جماعة من شيوخ الأضياف يركبون معه إلى كل مجلس فيه جماعة من ~~الخاصة وأمر أصحاب سيوف الحلي بالمشي بين يديه في كل يوم. فكان إذا حضر إلى ~~الجامع العتيق وقام يصلي وقف جماعة الأضياف صفا خلفه يسترونه، ولا يصلي أحد ~~منهم حتى يفرغ من صلاته ويعود إلى مجلسه؛ فإذا جلس في مجلسه كانوا قياما عن ~~يمينه وشماله. وهو أول قاض فعل ذلك معه، وأول قاض كتب في سجلاته قاضي ~~القضاة؛ وعلت منزلته عند الحاكم وتخصص به. وكان له عند الحاكم جماعة ~~يمدحونه ويبالغون في الثناء عليه، منهم ريحان اللحياني وزيدان ومصلح ~~اللحياني، فانبسطت يده وعظم شأنه؛ ولا عن بين رجل وامرأته؛ وتشدد على ~~الناس؛ فكان إذا أبطأ شاهد يوم جلوسه في الجامع عن الحضور إلى داره والركوب ~~معه رسم عليه وأغرمه مالا ليأخذه. وألزم كتابه بملازمة داره دائما. وكانت PageV02P049 # إليه الدعوة أيضا. وكان قاضي القضاة وداعي الدعاة، وقد أفضل على جماعة من ~~أهل العلم والأدب والبيوتات. # فكانت مدة نظره في القضاء خمس سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوما. ومولده ~~لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين. وهو أول قاض أحرق بعد قتله، ~~فإن الحاكم أحرقه بعد ما قتله في سادس محرم الآتي ذكره. # وفي سادس عشر رمضان قلد أبو القاسم عبد العزيز بن محمد بن النعمان القضاء ~~إلى ما بيده من النظر في المظالم، وخلع عليه، وقلد سيفا محلى بذهب، وحمل ~~على بغلة وبين يديه سفط ثياب. فنزل في موكب عظيم إلى الجامع العتيق، فجلس ~~تحت المنبر ورقى أبو علي أحمد بن عبد السميع وقرأ سجله. وانصرف إلى داره ~~فنزلها وحكم، واستخلف على الحكم أبا الحسن مالك بن سعيد الفارقي مضافا إلى ~~ما كان مستخلفا عليه من الحكم في القاهرة. ms215 واستكتب أبا يوسف منال لحضرته ~~والتوقيعات عنه؛ ثم كتب له سجل بأخذ الفطرة والنجوى وحضور المجلس بالقصر ~~وأخذ الدعوة على الناس، وقراءة ما يقرأ على من دخل الدعوة. # فحضر يوم الخميس الثاني عشر منه، وقرأ ما جرى الرسم بقراءته في القصر، ~~وأخذ النجوى والفطرة، وأوقف سائر الشهود الذين قبلهم حسين في أيامه؛ وصرف ~~عدة من المستخلفين بالأعمال؛ واستكتب أبا طالب ابن السندي فوقع بين يديه؛ ~~واستكتب أبا القاسم علي ابن عمر الوراق؛ وكتب السجلات وكتب القضايا ~~والأحكام. ولزم حسين داره وقد استبد خوفه؛ وحملت كتب ديوان الحكم من داره ~~إلى دار عبد العزيز. PageV02P050 # وفيه قرئ سجل بالإنكار على الكتاب ومن يجري مجراهم في أخذ شيء من ~~البراطيل ونحوها. # وركب الحاكم لصلاة العيد بالمصلى، فصلى وخطب وحضر السماط بالقصر على رسمه ~~في ذلك. # وبرزت قافلة الحاج في ثامن ذي القعدة بالكسوة والصلات على العادة. # وصلى الحاكم بالناس صلاة عيد النحر، ونحر في الملعب. # وفيها قتل سهل بن يوسف، أخو يعقوب بن يوسف بن كلس الوزير، بسبب قوة طمعه ~~وكثرة شرهه، وعندما قدم للقتل سأل أن يدفع الساعة ثلثمائة ألف دينار عينا ~~يفدى بها نفسه، فلم يجب. # وقتل أيضا القائد أبو عبد الله الحسين بن الحسن البازيار، من أجل أنه كان ~~إذا دخل من باب البحر تكون رجله على عنق دابته ويكون الحاكم في المنظرة ~~التي على بابه، فتصير رجله إلى وجه الحاكم؛ وكان ابن البازيار قد اعتراه ~~وجع النقرس، فعد ذلك الحاكم عليه دينا قتله به في شوال لسوء التوفيق. # وفيها قدم من برقة عدة من بني قرة إلى الإسكندرية، فقتلوا عن آخرهم. وذلك ~~أن يانس لما قتل وصل عسكره إلى طرابلس، فنازلهم القائد جعفر بن حبيب فزحف ~~إليه فلفول PageV02P051 # ابن خزرون ففر منه؛ وخرج فتوح بن علي ومن معه من أصحاب يانس إلى فلفول ~~وملكوه عليهم؛ فقام بدعوة الحاكم، وعقد الحاكم ليحيى بن علي بن حمدون ~~الأندلسي على أطرابلس وكتب لبني قرة أن يسيروا معه، فمضوا من برقة معه ~~وخذلوه؛ ms216 فعاد إلى القاهرة ورجع بنو قرة إلى برقة وأظهروا الخلاف، فأمنهم ~~الحاكم حتى قدموا وحدهم إلى إسكندرية فقتلوا. واستقرت أطرابلس بيد فلفول ~~وتداولها بنوه. PageV02P052 ### || سنة خمس وتسعين وثلثمائة @YY395 # في سابع محرم قرئ سجل في الجوامع يأمر اليهود والنصارى بشد الزنار ولبس ~~الغيار، وشعارهم بالسواد شعار الغاصبين العباسيين. # وفيه فحش كثير وقدح في حق الشيخين رضي الله عنهما. # وقرئ سجل في الأطعمة بالمنع من أكل الملوخية المحببة كانت لمعاوية بن أبي ~~سفيان، والبقلة المسماة بالجرجير المنسوبة إلى عائشة رضي الله عنها، ~~والمتوكلية المنسوبة إلى المتوكل. وفيه المنع من عجن الخبز بالرجل، والمنع ~~من أكل الدلنيس، والمنع من ذبح البقر التي لا عاقبة لها إلا في أيام ~~الأضاحي، وما سواها من الأيام لا يذبح منها إلا ما لا يصلح للحرث. # وفيه التنكير على النخاسين والتشديد عليهم في المنع من بيع العبيد ~~والإماء لأهل الذمة. # وقرئ سجل آخر بأن يؤذن لصلاة الظهر في أول الساعة السابعة، ويؤذن لصلاة ~~العصر في أول الساعة التاسعة. وإصلاح المكاييل والموازين والنهي عن البخس ~~فيهما، والمنع من بيع الفقاع وعمله ألبتة لما يؤثر عن علي رضي الله عنه من ~~كراهة شرب الفقاع. # وضرب في الطرقات بالأجراس ونودي ألا يدخل الحمام أحد إلا بمئزر؛ وألا ~~تكشف امرأة وجهها في طريق ولا خلف جنازة، ولا تتبرج. ولا يباع شيء من السمك ~~بغير قشر، PageV02P053 # ولا يصطاده أحد من الصيادين. وتتبعت الحمامات وقبض على جماعة وجدوا بغير ~~مئزر فضربوا وشهروا. # وفيه برزت العساكر لقتال بني قرة وسارت. # وكتب في صفر على سائر المساجد، وعلى الجامع العتيق من ظاهره وباطنه في ~~جميع جوانبه، وعلى أبواب الحوانيت والحجر والمقابر والصحراء بسب السلف ~~ولعنهم، ونقش ذلك ولون بالأصباغ والذهب؛ وعمل كذلك على أبواب القياسر ~~وأبواب الدور، وأكره على عمل ذلك. وأقبل الناس من النواحي والضياع فدخلوا ~~في الدعوة، وجعل لهم يوم وللنساء يوم؛ فكثر الازدحام ومات في الزحمة عدة. # ولما دخل الحاج نالهم من العامة سب وبطش؛ فإنهم طلبوا منهم سب السلف ~~ولعنهم، فامتنعوا. # ونودي ms217 في القاهرة: لا يخرج أحد بعد المغرب إلى الطريق ولا يظهر بها لبيع ~~ولا شراء فامتثل الناس لذلك. # وفي ربيع الأول تتبعت الدور ومن يعرف بعمل المسكرات، وكسر من أوعيتها شيء ~~كثير. # وفيه أمر الحاكم بشونة تحت الجبل ملئت بالسنط والبوص والحلفاء؛ فتخوف ~~الناس كافة، من يتعلق بخدمة الدولة من الأولياء والقواد والكتاب، وسائر ~~الرعية من العوام. وقويت الشفاعات وكثر الاضطراب، فاجتمع سائر الكتاب ~~والمتصرفين من المسلمين والنصارى، وخرجوا بأجمعهم في خامسة إلى الرياحين ~~بالقاهرة؛ وما زالوا يقبلون الأرض PageV02P054 # حتى وصلوا إلى القصر، فوقفوا على بابه يدعون ويتضرعون، ويضجون ويسألون ~~العفو عنهم، ومعهم رقعة قد كتبت عن الجميع. ثم دخلوا باب القصر وهم يسألون ~~أن يعفى عنهم ولا يسأل فيهم قول ساع يسعى فيهم. وسلموا رقعتهم لقائد ~~القواد، فأوصلها إلى الحاكم، فعفا عنهم وأمرهم على لسان قائد القواد ~~بالانصراف والبكور لقراءة سجل بالعفو عنهم؛ فانصرفوا بعد العصر. وقرئ من ~~الغد سجل كتب نسخة للمسلمين ونسخة للنصارى ونسخة لليهود بالأمان والعفو ~~عنهم. # وفي ليلة التاسع منه ولد للحاكم ولد، فجلس في صبيحتها للهناء، وأمر ~~بإحراق الشونة فأحرقت. وكان سابع المولود، فأخرج على يد خادم إلى قائد ~~القواد، فتسلمه حتى أعد المزين شعره؛ وذبح عنه الشريف أبو الحسن النرسي ~~العقيقة بيده، وحمل عثمان الحاجب الدم والعقيقة، فأمر له بألف دينار وفرس ~~ملجم وعدة ثياب من أجل حمل الدم والعقيقة؛ ودفع إلى المزين مائتا دينار ~~وفرس. وسمى المولود بالحارث وكنى بأبي الأشبال. # وخرج قائد القواد إلى سائر الأتراك والديلم والعرفاء وقال: مولانا يقرأ ~~عليكم السلام ويقول قد سميت مولاكم الأمير الحارث وكنيته أبا الأشبال. فقبل ~~الجميع الأرض وأكثروا الدعاء، وانصرفوا. وزينت البلد أربعة أيام. # وفيه رسم الحاكم لجماعة من الأحداث أن يتقافزوا من موضع عال في القصر، ~~ورسم لكل منهم بصلة؛ فحضر جماعة وتقافزوا، فمات منهم نحو ثلاثين إنسانا من ~~أجل سقوطهم خارجا عن الماء على صخر هناك؛ ووضع لمن قفز ماله. # وفي ربيع الآخر اشتد خوف كافة الناس من الحاكم، فكتب ما ms218 شاء الله من ~~الأمانات للغلمان الأتراك الخاصة وزمامهم ومن معهم من الحمدانية، ~~والبكجورية، والغلمان العرفاء، PageV02P055 # والمماليك، وصبيان الدار، وأصحاب الإقطاعات، والمرتزقة، والغلمان ~~الحاكمية القدم. وكتب أمان لجماعة من خدم القصر الموسومين بخدمة الحضرة بعد ~~ما تجمعوا وساروا إلى تربة العزيز وضجوا بالبكاء وكشفوا رؤوسهم. وكتبت عدة ~~سجلات بأمانات للديلم والخيل والغلمان الشرابية، والغلمان المرتاحية، ~~والغلمان البشارية، والغلمان المفرقة العجم وغيرهم، والنقباء، والروم ~~المرتزقة. وكتبت عدة أخرى بأمان الزويلين، والمنادين، والبطالين، ~~والبرقيين، والعطوفية، والجوانية، والجودرية، والمظفرية، والصنهاجيين، ~~وعبيد الشراء بالحسينية، والميمونية، والفرجية. وكتب أمان لمؤذني أبواب ~~القصر، وأمانات لسائر البيازرة والفهادين والحجالين، وأمانات أخر لعدة ~~أقوام، كل ذلك بعد سؤالهم وتقربهم. # وفيه أمر بقتل الكلاب، فقتل منها ما لا يحصى حتى لم يبق منها بالأزقة ~~والشوارع شيء، وطرحت بالصحراء وبشاطىء النيل؛ وأمر بكنس الأزقة والشوارع ~~وأبواب الدور في كل مكان، ففعل ذلك. # وفي جمادى الآخرة فتحت دار الحكمة بالقاهرة، وجلس الفقهاء فيها، وحملت ~~الكتب إليها، ودخلها الناس للنسخ من كتبها وللقراءة. وانتصب فيها الفقراء ~~والقراء والنحاة وغيرهم من أرباب العلوم، وفرشت، وأقيم فيها خدام لخدمتها، ~~وأجريت الأرزاق على من بها من فقيه وغيره؛ وجعل فيها ما يحتاج إليه من ~~الحبر والأوراق والأقلام. PageV02P056 # وفيه اشتد الطلب على الركابية المستخدمين في الركاب بعد أن قتل منهم في ~~يومين أكثر من خمسين نفسا فتغيبوا؛ وامتنع أحد من الناس أن يمشي بين يديه ~~غلام أو شاكري، فكانت القواد ومن جرى رسمه أن يكونوا بين يديه يسيرون ~~وحدهم، وإذا نزل أحدهم للسلام أمسك خادمه الدابة؛ ثم عفى عنهم وكتب لهم ~~أمان. وكتب لعدة من الناس عدة أمانات. # وفيه منع كل أحد ممن يركب أن يدخل من باب القاهرة راكبا؛ ومنع المكاريون ~~أن يدخلوا بحميرهم؛ ومنع الناس من الجلوس على باب الزهومة من التجار ~~وغيرهم؛ ومنع كل أحد أن يمشي ملاصق القصر من باب الزهومة إلى باب الزمرد. ~~ثم أذن للمكاريين في الدخول وكتب لهم أمان. وتخوف الناس، فخرج أهل الأسواق ~~على طبقاتهم، كل طائفة تسأل كتابة ms219 أمان، فكتب ما ينيف عن المائة أمان لأهل ~~الأسواق خاصة، قرئت كلها في القصر ودفعت لأربابها، وكلها على نسخة واحدة. ~~وهي بعد البسملة: هذا كتاب من عبد الله ووليه المنصور أبي علي الإمام ~~الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين، لأهل مشهد عبد الله إنكم من الآمنين بأمان ~~الله الملك الحق المبين، وأمان سيدنا محمد خاتم النبيين، وأبينا علي خير ~~الوصيين، وذرية النبوة المهديين آبائنا، صلى الله على الرسول ووصيه وعليهم ~~أجمعين. وأمان أمير المؤمنين على النفس والأهل والدم والمال. لا خوف عليكم، ~~ولا تهديد بسوء إليكم، إلا في حد يقام بواجبه، وحق يوجد لمستوجبه. فليوثق PageV02P057 # بذلك وليعول بأمان الله. وكتب في جمادى الآخرة سنة خمسين وتسعين ~~وثلثمائة. والحمد لله وصلى الله على محمد سيد المرسلين، وعلى خير الوصيين، ~~وعلى الأئمة المهديين ذرية النبوة، وسلم تسليما. # وفي يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان ولد للحاكم ولد ذكر، فجلس الحاكم ~~يوم الخميس للهناء. وكان السابع يوم الثلاثاء، فحمله شكر الخادم، وحضر أبو ~~الحسن علي ابن إبراهيم النرسي وعق عنه، وحضر المزين فحلق شعره وتناول ماله ~~من الرسم. وسماه الحاكم عليا وكناه أبا الحسن؛ وهو الذي ولي الخلافة وتلقب ~~بالظاهر. # وفيه فرش جامع راشدة. وركب الحاكم يوم عيد الفطر وعليه ثوب مصمت أصفر، ~~وعلى رأسه منديل منكر، وهو محنك بذؤابة والجوهر بين عينيه. وقيد بين يديه ~~ستة أفراس بسروج مرصعة بالجوهر، وست فيلة، وخمس زرافات؛ فصلى بالناس صلاة ~~العيد وخطبهم، فلعن في خطبته ظالمه حقه والمرجفين به؛ وأصعد معه قائد ~~القواد وقاضي القضاة عز الدين. # وفيه اضطرب السعر واختلف الناس في الدراهم والصرف، فكانت المعاملة ~~بالدراهم الزائدة والقطع، واستقر سعرها على ستة وعشرين درهما بدينار. PageV02P058 # وفي أول ذي القعدة برزت قافلة الحاج إلى مصلى القاهرة، ثم رفعت إلى جب ~~عميرة في سابعه، وسارت ليلة العاشر منه بالكسوة للكعبة والرسوم على العادة. # وفيه كسر الخليج والماء على خمسة عشر ذراعا وسبعة أصابع، وهو آخر يوم من ~~مسرى. وحضر الحاكم وعلى رأسه تاج مكلل بالجواهر. ونودي ms220 في الناس بأن يلعبوا ~~بالماء في النوروز على عادتهم، ففعلوا. # ونزل الحاكم يوم النحر إلى المصلى، فصلى بالناس وخطب، ونحر بها ثلاث بدن، ~~وعاد إلى القصر فحضر السماط، ثم نحر في الملعب إحدى وعشرين بدنة؛ وواصل ~~النحر أياما. # وفيها قتل القاضي حسين بن النعمان؛ ضربت رقبته ثم أحرق بالنار. وذلك أن ~~متظلما رفع رقعة إلى الحاكم يذكر فيها أن أباه توفي وترك له عشرين ألف ~~دينار. وأنها في ديوان القاضي، وقد أخذ منها رزق أوقاف معلومة، وأن القاضي ~~حسين بن النعمان عرفه أن ماله قد نجز. فدعا به وأوقفه على الرقعة، فقال ~~كقوله للرجل من أنه قد استوفى ماله من أجرة. وأمر بإحضار ديوان القاضي، ~~فأحضر من ساعته، فوجد أن الذي وصل إلى الرجل أيسر ماله. فعدد على القاضي ~~حسين ما أقطعه وأجرى له وما أزاح من علله لئلا يتعرض إلى ما نهاه عنه من ~~هذا وأمثاله. فقال: العفو والتوبة؛ فأمر به فضربت عنقه وأحرق. # وقتل عدة أناس يزيد عددهم على مائة نفس؛ ضربت أعناقهم وصلبوا، وقتل عبد ~~الأعلى بن هاشم من القرابة، لأنه كان يتحدث بأنه يلي الخلافة، وأنه كان ~~يجمع قوما ويعدهم بولاية الأعمال. وقد تقدم خبره. PageV02P059 ### || سنة ست وتسعين وثلثمائة @YY396 # فيها ذكر المسبحي خبر أبي ركوة الوليد بن هشام بن عبد الملك بن عبد ~~الرحمن الأموي ولد بالأندلس وقدم القيروان، فانتصب يعلم الصبيان بها ~~القرآن، ثم دخل إلى مصر فأقام بها وبأريافها يعلم الصبيان مدة، ثم خرج إلى ~~الإسكندرية وقد أكثر الحاكم من الإيقاع ببني قرة وأكثر من قتلهم وتحريقهم ~~بالنار، فخلعوا طاعته. وسبب ذلك أن بني قرة كان شيخهم مختار بن القاسم، ~~فلما بعث الحاكم يحيى بن علي الأندلسي يخرج فلفول بن سعيد بن خزرون بطرابلس ~~على صنهاجة ساروا معه إلى طرابلس، وجرت الهزيمة عليه ورجعوا إلى برقة. ~~فتنكر لهم الحاكم، فامتنعوا عليه، فبعث لهم بالأمان؛ فقدم وفدهم إلى ~~الإسكندرية فقتلهم عن آخرهم سنة أربع وتسعين. وكان عندهم معلم القرآن واسمه ~~الوليد بن هشام، ينسب إلى ms221 المغيرة بن عبد الرحمن من بني أمية؛ وكان يزعم أن ~~له أثارة من علم، ويخبر بأنه سيملك ما ملكه آباؤه، وكان يقال له أبو ركوة. ~~فدعاهم إلى نفسه فبايعوه، وتلقب بأمير المؤمنين الناصر لدين الله. # ثم بعث إلى لواتة ومزانة وزناتة فاستجابوا له؛ ورحل إلى برقة، والناس ~~يباركونه في كل يوم فيسلمون عليه بالخلافة ويقبلون له الأرض، فيجلس في ~~وسطهم ويقول: أنا واحد منكم وما أريد شيئا من هذه الدنيا: ولا أطلبها إلا ~~لكم، وليس معي مال أعطيكم PageV02P060 # وإنما لي عليكم طاعة، وإن نصرتموني نصرتم أنفسكم، وإن قاتلتم معي أخذتم ~~حقكم بأيديكم فيقولون له: يا أمير المؤمنين نحن مبايعون لأمرك مطيعون لك، ~~فمرنا بأمرك. # فلم يزل معهم يطوف قرى برقة ويأخذ البيعة، إلى أن عظم أمره وهو فيما بين ~~الإسكندرية وبرقة. فبعث إليه الحاكم جيشا عليه ينال الطويل التركي في نصف ~~شعبان سنة خمس وتسعين، فواقعه أبو ركوة وقتله ومعظم عسكره، وظفر من الأموال ~~والخيل والسلاح والنعم الجليلة بما قوى به، واشتد بأسه. # وكان في ظهور أبي ركوة طلع كوكب الذؤابة، فكان يضئ كالقمر وله بريق ~~ولمعان، ويقوى ويكثر نوره وأمر أبي ركوة يشتد ويعظم. فأقام هذا الكوكب ~~شهورا، ثم اضمحل نوره وضعف لمعانه وأخذ أمر أبي ركوة ينقص ويضعف إلى أن أخذ ~~أسيرا، فغاب الكوكب ولم ير بعد ذلك؛ فكان شأن هذا الكوكب في دلالته على أبي ~~ركوة من أعجب العجب. # وابتدأ الحاكم في تجريد العساكر شيئا بعد شيء، ونزل أبو ركوة بعد ظفره ~~على برقة فحاصرها، وصندل الحاكم أميرها يقاتله، حتى اشتد الحصار ومنع أهل ~~برقة من الميرة، ففر صندل، ومعه شيوخ البلد، إلى الحاكم، وحثه على بعث ~~الجيوش، وأعلمه بقوة أبي ركوة واستفحال أمره. ودخل أبو ركوة إلى مدينة برقة ~~واستخرج الأموال، وأقطع بني قرة أعمال مصر، مثل دمياط وتنيس والمحلة ~~وغيرها، وكتب خطه بذلك؛ وأقطع دور القواد والأكابر التي بالقاهرة ومصر؛ ~~وجدد البيعة لنفسه. فندب الحاكم لقتاله القائد أبا الفتوح فضل بن صالح في ~~ربيع الأول ms222 سنة ست وتسعين، وأتبعه بالعساكر فاجتمعت PageV02P061 # بالإسكندرية، وسار بها، فلقيه أبو ركوة بذات الحمام. وكانت بينهما حروب ~~آلت إلى هزيمة العسكر والاحتواء على ما فيه من مال وسلاح؛ فعظم شأن أبي ~~ركوة. # ووردت الجند على الحاكم بذلك للنصف من رمضان، فكان من تدبير الحاكم أن ~~دعا بوجوه رجاله وقواده، فأمرهم أن يكاتبوا أبا ركوة ويعرفوه أنهم على ~~مذهبه ورأيه، وانه إن توجه إليهم وقرب منهم صاروا في جملته وقاتلوا معه؛ ~~وذكروا ما يقاسونه من قتل وجوههم وأكابرهم، وأنهم لا يأمنون في ليلهم ولا ~~نهارهم، مع ما يسمعونه من انتقاص الشرف ونحو هذا. فكتبوا بذلك وأنفذوا إليه ~~عدة كتب من كل واحد منهم كتابا مع رسوله. # فلما تواتر ذلك عليه وثق به ولم يشك فيه، وحشد جموعه ووعدهم بأموال مصر ~~ونعمها، وسار. فخلع الحاكم على أبي الحسن علي بن فلاح، وسيره إلى ضبط بركة ~~الحبش في عسكر، فأقام بها أياما؛ ثم عدى إلى الجيزة، وتلاحقت به العساكر ~~برا وبحرا. واضطربت الأسعار بمصر، وعدم الخبز وبيع مبلولا ستة أرطال بدرهم، ~~وكان يباع عشرة أرطال بدرهم، وأنفق في العساكر المتوجهة لكل واحد أربعة ~~وعشرين دينارا. # وكوتب على بن صفوح بن دغفل بن الجراح الطائي، فحضر في سابع عشر شوال، ~~وخلع عليه، وطرق بطوق من ذهب، وحمل. # وتزايد سعر الدقيق والخبز وروايا الماء، وازدحم الناس عليها. # وخلع على القائد فضل بن صالح ثوب ديباج مثقل طميم أحمر ومنديل ذهب، وقلد ~~بسيف وحمل على فرس بمركب ذهب، وبين يديه تسعة من الخيل وثلاثون بندا مذهبة PageV02P062 # وأربعة عشر سفطا فيها أنواع الثياب. وسار إلى الجيزة، وأكمل لكل واحد من ~~العساكر السائرة خمسون دينارا. ونزلت إليه خزانة السلاح. # وورد الخبر بنهب الفيوم؛ فجهزت إليها سرية، فأوقعوا بأصحاب أبي ركوة ~~وبعثوا إلى القاهرة بعدة رؤوس طيف بها. # وسار القائد فضل من الجيزة في رابع ذي القعدة والغلاء بالعسكر، فبيعت ~~الويبة من الشعير بخمسة دراهم والخبز ثلاثة أرطال بدرهم. # وأقام على بن فلاح في مضاربه بالجيزة، وحمل إليه خيمة ms223 وخمسة أفراس ~~بمراكبها، وسيف، وألفا دينار وثلاثون ثوبا، فأنفق في أصحابه. # فلما كان في ثامن عشر ذي القعدة وقع في الناس خوف في الليل وضجيج، فنزلت ~~العساكر طائفة بعد طائفة، والناس جلوس في الشوارع وعلى أبواب الدور ليلهم ~~كله، يبتهلون بالدعاء بالنصر، فلحقت هذه العساكر بابن فلاح وهو بالجيزة؛ ~~فسير عسكرا إلى الفيوم، وأقام على خوف ووجل. فبلغ أبا ركوة إقامة علي بن ~~فلاح بالجيزة، فأسرع إليه وكبس عسكره ونهب سواده؛ وأخذت خزائن السلاح؛ ووقع ~~القتال الشديد فقتل خلق كثير من أصحابه وجرح خلق لا يحصى. ولما نزلت خزائن ~~السلاح من عند الحاكم مع قائد القواد، وعظم البكاء والضجيج على شاطىء النيل ~~لكثرة القتلى في العسكر، منع ابن فلاح من حمل الموتى إلى مصر، وأمر بدفنهم ~~في الجيزة. وافتقد كثير من العسكر فلم يعلم لهم خبر، ولم يسلم من العسكر ~~إلا القليل؛ فغلقت الأسواق، وجلس الناس بالشوارع PageV02P063 # غما لما جرى على العسكر؛ وتزايد البكاء من الناس على فقد آبائهم ~~ومعارفهم. وباتوا وأصبحوا يوم السبت العشرين منه، فورد الخبر بدخول أبي ~~ركوة في جموعه إلى الفيوم؛ وسار فضل بن صالح لقتاله، فالتقى معه في ثالث ذي ~~الحجة وحاربه، فكانت وقعة عظيمة قتل فيها ما لا يحصى كثرة. وانهزم أبو ~~ركوة، واستأمن بنو كلاب وغيرهم من العرب. فسارت العساكر في طلب أبي ركوة، ~~وحضرت الرؤوس من الفيوم ومعها الأسرى، وهي تجاوز ستة آلاف ومائة أسير، فطيف ~~بها بالبلد، وقتل الأسرى بالسيوف بع ما لحقهم أنواع البلاء بيد العامة، ~~يصفعون أقفيتهم وينتفون لحاهم، ويضربونهم، حتى تفتحت أكتاف كثير منهم، فكان ~~أمرا مهولا. وتواتر مجيء من أخذ من عسكر أبي ركوة فجيء بخلق كثير وعدة ~~رؤوس. # ودخل ابن فلاح من الجيزة فخلع عليه. واستمر القائد فضل في طلب أبي ركوة ~~هو يبعث بمن قبض عليه من الرجال وبرؤوس من يقتلهم شيئا بعد شيء. وعاد علي ~~بن الجراح من عند القائد فضل فخلع عليه. # وفي الثاني من جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ورد الخبر من ms224 القائد الفضل بن ~~صالح بحصول أبي ركوة ووقوعه في يده، فابتهج الناس لذلك؛ وخلع على قائد ~~القواد وعلى أولاده وعلى البدوي الذي خرج في طلب أبي ركوة حتى أدركه ببلد ~~النوبة؛ وعلى أبي القاسم علي بن القائد فضل، وعلى ابنه. وذلك أن أبا ركوة ~~دخل بعد هزيمته إلى بلد النوبة، فتبعه القائد فضل وبعث إلى ملك النوبة ~~بالقبض على أبي ركوة، وسير إليه عسكرا مع الكتاب. فلما بلغوا أطراف النوبة ~~وجدوا أبا ركوة قد اختفى بدير هناك وله فيه أربعة عشر يوما؛ فدلهم عليه رجل ~~من العرب، فقبضوا عليه في ربيع الأول منها PageV02P064 # وأتوا به إلى القائد فضل. فسار به إلى مصر ونزل بركة الحبش يوم الجمعة ~~للنصف من جمادى الآخرة، فخرج إليه قائد القواد بسائر رجال الدولة، وسلم ~~عليه، وأبو ركوة في مضرب ومعه القائد فضل؛ فأقام هناك إلى بكرة يوم الأحد ~~سابع عشره؛ فصار من بركة الحبش بعساكره وأبو ركوة على حمل فوق سرير، وعليه ~~ثوب مشهر، وفوق رأسه طرطور طويل ومعه رجل يمسكه. وذلك أنه لما ألبس الطرطور ~~صاح: يا فضل، يا أبا الفتوح، ما كذا ضمنت لي. فصفع صفعة منكرة وأمسك يديه ~~هذا القائد خلفه، وقد اجتمع الناس من كل جهة، فكان جمعا لم ير مثله كثرة، ~~وأوجرت الدور والحوانيت بحمله وبات الناس على الطرقات حتى وصل به إلى ~~القصر، فأوقف ساعة على باب القصر وهو يشير بأصبعه ويطلب العفو، والصفع في ~~قفاه؛ ويقال له قبل الأرض فيقبل؛ ثم سير به إلى مسجد تبر. فلما خرج من باب ~~القاهرة أشار إلى الناس يرجمونه بالحجر والاجر، ويصفعونه وينتفون لحيته، ~~حتى عاين الموت مرارا، إلى أن بلغ مسجد تبر، فضرب عنقه وصلب جسده؛ وحل رأسه ~~إلى الحاكم؛ فخلع على القائد فضل وغيره من القواد والعرفاء الذين كانوا ~~معه، وخلع على قائد القواد. فكان يوما عظيما مهولا لكثرة اجتماع الناس. PageV02P065 # وأقاموا ليلتين في الحوانيت والشوارع وعلى أبواب الدور يظهرون المسرة ~~والفرح. # وأظهر أبو ركوة في مواقف الألم صبرا وتجلدا؛ ms225 وكان لا يخاطب القائد الفضل ~~إلا باسمه أو بكنيته. ولما أقام في بركة الحبش، وخرج الناس ورأوه، كان يسأل ~~من يلقاه عن اسمه وكان يتلو القرآن ويترحم على السلف. وكان شابا أسمر تعلوه ~~حمرة، مستن الوجه طويل الجبهة، أشهل بزرقة، أقنى، صغير اللحية، أصهب إلى ~~الشقرة ظاهر القلوب تبين فيه الجد، لا يكاد يتجاوز ثلاثين سنة يوم قتل. ~~ويقال إنه ولد رجل من موالي بني أمية. # ولما قتل أبو ركوة نفذت الكتب إلى الأعمال كلها بخبر الفتح. فلما كان في ~~رجب ورد شيوخ كل ناحية وقضاتها، وقضاة الشام وشيوخه، لتهنئة الحاكم بالظفر ~~وأخذ أبي ركوة. وقدم أبو الفتوح حسن بن جعفر الحسني أمير مكة في شعبان ~~لتهنئته، فخلع عليه وأكرمه، وأنزل بدار برجوان. # وفيه أرجف الناس بأن القائد فضل بن صالح ينظر في أمور الدولة وتدبيرها ~~بدل قائد القواد حسين بن جوهر؛ وكان بينهما في الباطن تباعد من جهة الرتبة ~~والحسد عليها: وكان القائد فضل قد تفاقم وعظم تيهه وترفعه على قائد القواد ~~في قوله وفعله: قال المسبحي: قال لي الحاكم بأمر الله وقد جرى حديث أبي ~~ركوة: ما أردت قتله ولكن جرى في أمره PageV02P066 # ما لم يكن عن اختياري، فقلت له: يا أمير المؤمنين، ما قصر عبدك الفضل بن ~~صالح في خدمته، قال: وإيش تظن أن فضل أخذ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، هذا ~~قول الناس. فقال: والله العظيم ما أفلح فضل في حركته تلك، ولا أنجح ~~ميزاننا. أنفقنا ألف ألف دينار ذهبا صناعا، وإنما أخذه ملك النوبة وأنفذ به ~~إلي. فقلت صدقت يا أمير المؤمنين وعلمت أن هذا مما قرر قائد القواد الحسين ~~بن جوهر في نفسه ليبطل فعل فضل وخدمته، فاستقر. # وأما خبر القاهرة فإنه جرى الأمر في يوم عاشوراء على العادة من تعطيل ~~الأسواق وخروج المنشدين والناحة إلى جامع القاهرة، فتظاهروا فيه بسب السلف، ~~فقبض على رجل ونودي عليه: هذا جزاء من سب عائشة وزوجها؛ وضربت عنقه. وتقدم ~~الأمر إلى أصحاب الشرطة ألا يتعرض أحد لسب ms226 السلف، ومن فعل ذلك قبض عليه، ~~فانكف الرعاع عن السب والتعرض للحاج. # وللنصف من صفر وردت قافلة الحاج. # وفي نصف ربيع الأول جمع الحاكم نحو ألفي باقة نرجس وأتحف بها الأولياء. # واستهل رجب بيوم الأربعاء، فخرج أمر الحاكم إلى أصحاب الدواوين بأن ~~يؤرخوه بيوم الثلاثاء. # وفيه هبت ريح عاصفة، ثم أرعدت ونزل المطر وفيه برد كهيئة الصفائح إذا سقط ~~إلى الأرض تكسر، فكان فيه ما يبلغ وزنه زيادة على أوقيتين، وفيه ما هو قدر ~~البيضة، فغطى الأرض؛ وأقام الناس أياما يتبعونه في الأسواق. ولم يعهد مثل ~~ذلك بمصر. PageV02P067 # وجرى الرسم في شهر رمضان كل ليلة على العادة، وصلى الحاكم فيه بالناس ~~صلاة الجمعة وخطب ثلاث مرات. وصلى يوم عيد الفطر بالناس وخطب بالمصلى على ~~عادته. # وللنصف من ذي القعدة سارت قافلة الحاج بكسوة الكعبة وصلات الأشراف وغيرها ~~على ما جرى به الرسم. # وفتح الخليج في السابع والعشرين من مسرى والماء على خمس عشرة ذراعا ~~وأصابع، فلم يركب الحاكم لفتحه؛ ولم يوف ست عشرة ذراعا إلى ثامن توت؛ فخلع ~~على ابن أبي الرداد، وحمل. # واجتمع الناس الذين جرت عادتهم بحضور القصر لسماع ما يقرأ من كتب مجالس ~~الدعوة، فضربوا بأجمعهم، ولم يقرأ عليهم شيء. # وفيها رجل بنو قرة من البحيرة بأرض مصر إلى ناحية من عمل برقة مع كبيرهم ~~مختار بن قاسم. PageV02P068 ### || سنة سبع وتسعين وثلثمائة @YY397 # في شهر ربيع الأول تزايد أمر الدراهم القطع المتزايدة، فبلغت أربعة ~~وثلاثين درهما بدينار؛ ونزع السعر واضطربت أمور الناس. فرفعت هذه الدراهم، ~~وأنزل من بيت المال بعشرين صندوقا فيها الدراهم الجدد لتفرق على الصيارفة. ~~وقرئ سجل يرفع تلك الدراهم والمنع من المعاملة بها؛ وأنظر من في يده منها ~~شيء ثلاثة أيام، وأمر الناس بحمل ما كان مها إلى دار الضرب؛ فقلق الناس، ~~وبلغ كل درهم من الجدد أربعة دراهم من القطع. وبيع الخبز كل ثلاثة أرطال ~~بدرهم، فنودي أن يكون الخبز كل اثني عشر رطلا بدرهم جديد، واللحم رطلين ~~بدرهم؛ وسعر أكثر الأشياء؛ واستقر كل ms227 دينار بثمانين درهما من الجدد. وسكن ~~أمر الناس بعد ما ضرب كثير من الباعة بالسياط وشهروا. وقبض على جماعة من ~~أصحاب الفقاع والسماكين، وكبست الحمامات، وضرب جماعة لمخالفتهم ما نهو عنه ~~وشهروا. # وفي تاسع ربيع الآخر أمر الحاكم بمحو ما هو مكتوب على المساجد والأبواب ~~وغيرها من سب السلف، فمحي بأسره، وطاف متولي الشرطة حتى أزال سائر ما كان ~~منه. # وقرئ سجل بترك الخوض فيما لا يعنى، واشتغال كل أحد بمعيشته عن الخوض في ~~أعمال أمير المؤمنين وأوامره. # وجرى الأمر في الفطر على السماط ليالي رمضان، وفي صلاة الحاكم بالناس يوم ~~الجمعة على ما تقدم. PageV02P069 # وركب الحاكم لفتح الخليج في ذي القعدة والماء على أربعة عشر ذراعا ~~وأصابع، وهو تاسع توت، فانتهى بعد فتح الخليج ماء النيل إلى ستة عشر أصبعا ~~من خمسة عشر ذراعا، ثم نقص، فتحرك السعر وازدحم الناس على شراء الغلال ~~وابتدأت الشدة. # وفيها مات يعقوب بن نسطاس النصراني، طبيب الحاكم، سكران في بركة ماء، ~~فحمل إلى الكنيسة في تابوت، وشق به البلد، ثم أعيد إلى داره فدفن بها، ~~وسائر أهل الدولة في جنازته ومعه شموع كثيرة تتقد، ومداخن عدة فيها بخور. ~~وكان طبيب وقته، عارفا بالطب، آية في الحفظ، ما يغنى له قط صوت إلا حفظه. ~~ولو غناه مائة مغن في مجلس واحد لحفظ سائر ما غنوه به وتكلم على ألحانها ~~وأشعارها. وكانت له يد في الموسيقا، وانفرد بخدمة الحاكم في الطب فأثرى، ~~وترك زيادة على عشرين ألف دينار عينا، سوى الثياب وغيرها. # وتوفى الأمير منجوتكين لأربع خلون من ذي الحجة، فصلى عليه الحاكم. PageV02P070 ### || سنة ثمان وتسعين وثلثمائة @YY398 # في المحرم ابتدأ نقص ماء النيل من ثامن عشر توت، فاشتد الأمر، وبيع الخبز ~~مبلولا؛ وضرب جماعة من الخبازين وشهروا لتعذر وجود الخبز بالعشايا. # ووصل الحاج لثمان بقين من صفر. # وفي ربيع الأول خلع على علي بن جعفر بن فلاح بولاية دمشق حربا وخراجا. # واشتد الغلاء. فلما كان ليلة عيد الشعانين منع النصارى من تزيين كنائسهم ~~على ما ms228 هي عادتهم، وقبض على جماعة منهم في رجب، وأمر باحضار ما هو معلق على ~~الكنائس وإثباته في دواوين السلطان؛ وكتب إلى سائر الأعمال بذلك. وأحرق ~~صلبان كثيرة على باب الجامع وفي الشرطة. # وفي يوم الجمعة سادس عشر رجب ولي مالك بن سعيد الفارقي القضاء وخلع عليه ~~في بيت المال قميص مصمت وعمامة مذهبة وطيلسان محشى مذهب، وقلد بسيف. وقرأ ~~سجله أحمد بن عبد السميع وهو قائم، فخرج وبين يديه سفط ثياب، وحمل على بغلة ~~وبين يديه بغلتان، وكان مالك بن سعيد لما قرئ سجله قائما على قدميه، وكلما ~~مر ذكر PageV02P071 # أمير المؤمنين قبل الأرض. ثم سار من القصر إلى الجامع العتيق، وكلما مر ~~بباب من أبواب القصر نزل عن بغلته وقبل الباب. فلما وصل إلى الجامع وقف خلف ~~المنبر قائما حتى انتهت قراءة السجل، وقبل الأرض كلما ذكر أمير المؤمنين. ~~ثم عاد إلى داره بالقاهرة وتسلم كتب الدعوة التي تقرأ بالقصر على الأولياء. # وفي يوم الجمعة سابع شعبان اجتمع أهل الدولة في القصر بعد ما طلبوا لذلك، ~~وأمروا ألا يقام لأحد، فخرج خادم وأسر إلى صاحب الستر كلاما، فصاح: صالح بن ~~علي؛ فقام صالح بن علي الروزباري، فأخذ بيده ولا يعلم أحد ما يراد به. ~~فأدخل إلى بيت المال، ثم خرج وعليه دراعة مصمتة وعمامة مذهبة، ومعه مسعود ~~صاحب الستر، فجلس بحضرة قائد القواد، وأخرج سجلا قرأه ابن عبد السميع، فإذا ~~فيه رد سائر الأمور التي ينظر فيها قائد القواد حسين بن جوهر إليه. فعندما ~~سمع في السجل صالح ذكر قام وقبل الأرض. ولما انتهى ابن عبد السميع من ~~القراءة قام قائد القواد وقبل خد صالح وهنأه وانصرف. فخرج صالح وبين يديه ~~عدة أسفاط وثلاث بغلات بسروجها ولجمها. قال المسبحي: قال لي الحاكم بأمر ~~الله، أحضرت ابن سورين وحلفته على الإنجيل أن يكتب سجل صالح بن علي ولا ~~يطلع عليه أحدا من ابن جوهر ولا غيره، وقلت له إنك تعرف ما أجازي به من ~~يخالف أمري فكن منه على يقين. ms229 فوالله ما اطلع عليه أحد غيري وغيره، حتى ~~كان. # وجلس صالح في مجلس قائد القواد من القصر، ووقع عن الحاكم: ورفع إليه ~~الأولياء وسائر المتصرفين قصصهم وأحوالهم؛ ونفذ أوامر الحاكم، وطالع بما ~~تجب مطالعته به. وقلد ديوان الشام، الذي كان يتولاه، لأبي عبد الله الموصلي ~~الكاتب. وخلع علي الشريف PageV02P072 # أبي الحسن علي بن إبراهيم النرسي لنقابة الطالبيين وحمل على فرسين، وقرئ ~~سجله في القصر والجامع. # وخلع على صقر اليهودي وحمل على بغلة، وقيد إليه ثلاث بغلات بسروج ولجم ~~ثقال وحمل معه عشرون سفط ثياب؛ وأنزل في دار فرشت وزينت، وعلق على أبوابها ~~وحجرها الستور، وأعطى فيها جميع ما يحتاج إليه، وقيل له هذه دارك؛ فحصل له ~~في ساعة واحدة ما قيمته عشرة آلاف دينار. واستقر طبيب الحاكم عوضا عن ابن ~~نسطاس. # وورد الخبر بأن ابن الجراح فر بعد قتل جماعة من أصحابه. وخلع على ياروخ ~~وسار إلى دمشق وتبعه عسكر كثير. # واستهل رمضان، فحضر الأسماط مع الحاكم القائد صالح قائد القواد، والقاضي ~~مالك بن سعيد، وجلس فوق القاضي عبد العزيز بن النعمان. وقد صلى الحاكم ~~بالناس صلاة الجمعة في جامع راشدة؛ وصلى صلاة عيد الفطر وخطب على ما جرت ~~عادته به، وأصعد معه المنبر وقت الخطبة قائد القواد صالح بن علي ومالك بن ~~سعيد القاضي والشريف النرسي وجماعة. # وفي ثالث شوال أمر الحاكم قائد القواد السابق حسين بن جوهر والقاضي عبد ~~العزيز بن النعمان بأن يلزما داريهما، ومنعا من الركوب وسائر أولادهما، ~~فلبسوا الصوف وامتنع الداخل إليهم، وجلسوا على الحصر. # وفي ذي القعدة ولي غالب بن مالك الشرطتين والحسبة والنظر في البلد، وقرئ ~~سجله بالجامع العتيق وجامع ابن طولون؛ وصرف خود ومسعود. PageV02P073 # وفي ثالث عشرة سارت قافلة الحاج. # وفي تاسع عشره عفا الحاكم عن قائد القواد والقاضي عبد العزيز، وأذن لهما ~~في الركوب فركبا إلى القصر بزيهما من غير حلق شعر ولا تغيير حال. # وتوقفت زيادة النيل؛ فاستسقى الناس، وخرجوا معهم النساء والصبيان مرتين. # وقرئ سجل بإبطال المكوس والمؤن التي ms230 تؤخذ من المسافرين عن الغلال والأرز. # وصلى الحاكم صلاة عيد النحر، وخطب ونحر في المصلى والملعب على عادته ~~ورسمه وبيع الخبز ثلاثة أرطال بدرهم. وتعذر وجوده. وجرى الرسم في عيد ~~الغدير على عادته. واشتد تكالب الناس على الخبز، فاجتمعوا وضجوا من قلته ~~وسواده؛ ورفعوا للحاكم قصة مع رغيفة، وكانت الحملة الدقيق قد بلغت ستة ~~دنانير. # وفتح الخليج في رابع توت والماء على خمسة عشر ذراعا، فبلغ التليس أربعة ~~دنانير والويبة من الأرز بدينار، واللحم كل رطلين بدرهم، ولحم البقر رطلين ~~ونصفا بدرهم، والبصل عشرة أرطال بدرهم والخبز ثمان أواق بدرهم، وزيت الوقود ~~الرطل بدرهم. # وفيها خرج النصارى من مصر إلى القدس لحضور الفصح بقمامة على عادتهم في كل PageV02P074 # سنة بتجمل عظيم كما يخرج المسلمون إلى الحج، فسأل الحاكم ختكين الضيف ~~العضدي، أحد قواده، عن ذلك لمعرفته بأمر قمامة، فقال هذه بيعة تعظمها ~~النصارى ويحج إليها من جميع البلاد، وتأتيها الملوك، وتحمل إليها الأموال ~~العظيمة، والثياب والستور والفرش والقناديل، والصلبان المصوغة من الذهب ~~والفضة، والأواني من ذلك؛ وبها من ذلك شيء عظيم. فإذا كان يوم الفصح واجتمع ~~النصارى بقمامة، ونصبت الصلبان، وعلقت القناديل في المذبح، تحيلوا في إيصال ~~النار إليه بدهن البيلسان مع دهن الزئبق، فيحدث له ضياء ساطع يظن من يراه ~~أنها نار نزلت من السماء. فأنكر الحاكم ذلك، وتقدم إلى بشر بن سورين كاتب ~~الإنشاء، فكتب إلى أحمد بن يعقوب الداعي أن يقصد القدس ويهدم قمامة وينهبها ~~الناس حتى يعفى أثرها. ففعل ذلك. ثم أمر بهدم ما في أعمال مملكته من البيع ~~والكنائس، فخوف أن تهدم النصارى ما في بلادها من مساجد المسلمين فأمسك عن ~~ذلك. PageV02P075 ### || سنة تسع وتسعين وثلثمائة @YY399 # في ثالث المحرم نظر أبو نصر بن عبدون الكاتب النصراني في ديوان الخراج ~~بانفراده من غير شريك. # وفي تاسعه، وهو نصف توت، أشيع وفاء النيل، وخلع على ابن أبي الرداد، ~~فابتدأ في النقص قبل أن يوفى ستة عشر ذراعا من تاسع عشر توت؛ فأمر الناس ~~كافة بألا يتظاهر أحد ms231 منهم على شاطىء النيل بشيء من الغناء، ولا يسمع في ~~دار ولا يشرب في المراكب. وكبست عدة دور، وقبض على جماعة. # وقدم الحاج في حادي عشري صفر. # ونودي ألا يدخل أحد الحمام إلا بمئزر، ولا يمشي اليهود والنصارى إلا ~~بالغيار، وضربوا على ترك ذلك. وكسبت الحمامات وأخذ منها جماعة وشهروا من ~~أجل أنهم وجدوا بغير مئزر. # ومنع أن يدخل أحد إلى سوق الرقيق إلا أن يكون بائعا أو مشتريا؛ وأفرد ~~الجواري من الغلمان، وجعل لكل منهم يوم. # ومنع من نصب الشراعات التي كانت النساء تنصبها في المقابر أيام الزيارة. ~~وأشيع بين الناس بأن النبيذ يمنع من بيعه، فازدحموا على شرائه، وبيع منه ~~شيء كثير، فعز حتى بيع كل عشر جرار بدينار، ولم يوجد لكثرة طلابه. PageV02P076 # ومنع كل أحد من الناس أن يخرج من منزله قبل صلاة الصبح وبعد صلاة العشاء، ~~واشتد الأمر في هذا، واعتقل جماعة خالفوا ما أمر به. # وقرئ سجل بترك الخوض فيما لا عيني، والاشتغال بالصلوات في أوقاتها، ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألا يخوض أحد في أحوال السلطان وأوامره ~~وأسرار الملك. # وقرئ سجل في ربيع الأول بالمنع من حمل النبيذ والموز، وحذر من التظاهر ~~بشيء منه أو من الفقاع، والدلينس، والسمك الذي لا قشر له، والترمس المعفن. # وقرئ آخر في سائر الجوامع بتسكين قلوب الناس وتطمينهم، لكثرة ما اشتهر ~~عندهم وداخلهم من الخوف بما يجري من أوامر الحضرة في البلد. # وفي حادي عشر جمادى الآخرة قبض على عبد العزيز بن النعمان؛ وطلب حسين بن ~~جوهر ففر هو وابناه وجماعة. وكثر الصياح في دار عبد العزيز؛ وغلقت حوانيت ~~القاهرة وأسواقها. فأفرج عن عبد العزيز ونودي في القاهرة بألا يغلق أحد. ثم ~~رد حسين بعد ثلاثة أيام بابنيه، وصاروا إلى الحاكم فأمرهم بالانصراف إلى ~~دورهم؛ وخلع عليه وعلى عبد العزيز وعلى أولادهما، وكتب لهما أمانان. # وفي رجب كثرت الأمراض في الناس، وفشا الموت. وتخوف الناس من الحاكم فكتب ~~عدة أمانات لأناس شتى. وأقطع مالك بن سعيد ناحية برنشت. ms232 PageV02P077 # وفي شعبان تراخت الأسعار. # وفي رمضان قرئ سجل فيه يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون، ولا يعارض أهل ~~الرؤية فيما هم عليه صائمون، ويفطرون؛ وصلاة الخمسين للذين بما جاءهم فيها ~~يصلون وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها ولاهم عنها يدفعون؛ ~~ويخمس في التكبير على الجنائز المخمسون، ولا يمنع من التربيع عليها ~~المربعون؛ يؤذن بحي على خير العمل المؤذنون، ولا يؤذى من بها لا يؤذنون؛ لا ~~يسب أحد من السلف، ولا يحتسب على الواصف فيهم بما يصف، والحالف منهم بما ~~حلف؛ لكل مسلم مجتهد في دينه اجتهاد. # وفيه ركب سائر العرائف والأولياء وأكثر أهل البلد إلى القصر وقد عظمت ~~الزحمة، واصطفت العساكر حول القصر بالسلاح، ولم يعرف أحد ما هذا الاجتماع؛ ~~فخرج صالح ابن علي بالخلع على فرس بسرج ولجام ذهب، وبين يديه فرسان وسفط ~~ثياب، وسجل يتضمن أنه لقب بثقة ثقات السيف والقلم. # وأعيد عبد العزيز بن النعمان إلى النظر في المظالم. # وتزايدت الأمراض وكثر موت الناس، وعزت الأدوية؛ فبلغ السكر أربعة دراهم ~~للرطل، وبذر الرمان كل أوقية بدرهم، ودهن البنفسج كل أوقية بدينار، والعناب ~~والإجاص كل أوقيتين بدرهم وباقة لينوفر بدينار، والبطيخة بثلاثة دنانير. PageV02P078 # ولم يركب الحاكم لصلاة عيد الفطر وصلى القاضي مالك بن سعيد بالناس في ~~المصلى وخطب. # وفي ذي القعدة أعيدت المكوس التي كانت رفعت. # وسارت قافلة الحاج في النصف منه. # وحمل سماط عيد النحر يوم التاسع من ذي الحجة على عادته، غير أنه أبطل منه ~~الملاهي والخيال واللعب الذي كان يعمل في كل سنة. # وصلى القاضي بالناس صلاة عيد النحر وخطب. # وفي يوم عيد الغدير منع الناس من عمله. ودرست كنائس كانت بطريق المكس ~~وكنيسة بحارة الروم من القاهرة ونهب ما فيها. وقتل في هذه الليلة كثير من ~~الخدم والصقالبة والكتاب بعد أن قطعت أيديهم بالساطور على خشبة من وسط ~~الذراع. # وفيها مات أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس المنجم لثلاث ~~خلون من جمادى الأولى، وقتل القائد فضل بن صالح، ضربت ms233 رقبته لتسع بقين من ~~ذي القعدة. PageV02P079 # وقتل أبو أسامة جنادة أسامة بن محمد اللغوي لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة، ~~ومعه الحسن بن سليمان الأنطاكي النحوي؛ واستتر عبد الغني بن سعيد؛ وكان ذلك ~~بسبب اجتماعهم بدار العلم وجلوسهم فيها. # وقتل رجاء بن أبي الحسين من أجل أنه صلى صلاة التراويح في شهر رمضان. # وقتل أصحاب الأخبار عن آخرهم لكثرة أذيتهم الناس بالكذب عليهم وأخذهم ~~الأموال من الناس. # وفيها قتل أبو علي بن ثمال الخفاجي متولي الرحبة من قبل الحاكم، وملكها ~~بعده صالح بن مرداس الكلابي متملك حلب. PageV02P080 ### || سنة أربعمائة @YY400 # في حادي عشر صفر صرف أبو الفضل صالح بن علي الروزباري ثقة ثقات السيف ~~والقلم، وقرر مكانه أبو نصر بن عبدون الكاتب النصراني؛ فوقع من الحاكم فيما ~~كان يوقع فيه صالح، ونظر فيما كان ينظر فيه، وأذن لصالح في الركوب إلى ~~القصر. # وسار ابن عبدون في الموكب مع الشيوخ في المنتهى وقال مثلي لا يساير أمير ~~المؤمنين بأعلى من ذلك. # وكتب من إنشاء ابن سورين لخدم قمامة بالقدس. # وأحدث الحاكم ديوانا سماه الديوان المفرد برسم من يقبض ماله من المقتولين ~~وغيرهم. # ووصل الحاج في حادي عشر منه. # وفي ربيع الأول كثرت الأمراض والموت، وعزت الأدوية المطلوبة للمرضى. # وشهر جماعة وجد عندهم فقاع وملوخية وترمس ودلينس بعد ضربهم. # وهدم دير القصير ونهب. # ولقب ابن عبدون بالقاضي، وكتب له سجل بذلك، وحمل على بغلتين. # واشتد الأمر على اليهود والنصارى في إلزامهم لبس الغيار. # ورد إقطاع حسين بن جوهر إليه وإلى أولاده وصهره عبد العزيز بن النعمان، ~~وقرئ لهم بذلك سجل. PageV02P081 # وصلى القاضي بالناس صلاة عيد الفطر على الرسم. # وقرئ سجل بإبطال ما كان يؤخذ على أيدي القضاة من الخمس والفطرة والنجوى. # في تاسع ذي القعدة فر حسين بن جوهر وأولاده وصهره عبد العزيز بن النعمان ~~وأولاده بجماعة منهم في أموال وسلاح، وخرجوا ليلا، فلما أصبحوا سير الحاكم ~~خيلا في طلبهم نحو وجرة فلم يدركوهم. وأحيط بدورهم، فأخذت للديون المفرد. ~~وفر أبو القاسم الحسين ms234 بن المغربي في زي حمال إلى حسان بن علي بن مفرج بن ~~دغفل بن الجراح. # وفيه قرىء عدة أمانات بالقصر للكتاميين من جند إفريقية، والأتراك، ~~والقضاة، والشهود، وسائر الأولياء والأمناء، والرعية، والكتاب، والأطباء، ~~والخدام السود، والخدام الصقالبة؛ لكل طائفة أمان. # وحمل سائر ما في دور حسين بن جوهر وعبد العزيز بن النعمان إلى القصر بعد ~~أن احصاه القاضي ملك بن سعيد وضبطه. # وقرئ سجل بقطع مجالس الحكمة التي كانت تقرأ على الأولياء في يومي الخميس ~~والجمعة. # وقرئ سجل في الجامع العتيق بإقبال الناس على شأنهم وتركهم الخوض فيما لا ~~يعنيهم وسجل آخر برد التثويب في الأذان، والإذن للناس في صلاة الضحى وصلاة ~~القنوت. ثم جمع في سائر الجوامع وقرئ عليهم سجل بأن يتركوا الأذان بحي على ~~خير العمل، ويزاد في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم؛ وأن يكون ذلك من ~~مؤذني القصر عند قولهم: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله؛ فامتثل الناس ~~وعمل. PageV02P082 # وسار محمد بن نزال بعسكر إلى الشام. # وقرئ سجل مندد فيه بشرب النبيذ وجميع أنواع المسكر. # وصلى الحاكم بالناس في المصلى صلاة عيد النحر، وخطب ونحر، وحضر السماط ~~على رسمه. # وقرئت عدة أمانات بالقصر. # وفيه سارت العساكر بعدة مواضع تطلب قائد القواد حسين بن جوهر وصهره عبد ~~العزيز، وشاع الخبر بأنه عند بني قرة. # وقرئ سجل في الجوامع بالرخصة فيما كان يشدد فيه في الجمعة الماضية من أمر ~~النبيذ. # وقتل في هذه السنة عدة كثيرة من الخدام والفراشين والكتاب وغيرهم. # ومات أبو منصور بشر بن عبيد الله بن سورين كاتب السجلات في صفر. وتوفي ~~صقر اليهودي، طبيب الحاكم في ربيع الآخر. وتوفي أبو عبد الله اليمنى ~~المؤرخ، وله تاريخ النحاة، وسيرة جوهر القائد. وقتل أبو الفضل صالح بن علي ~~الروزباري ليلة الثاني عشر من شوال. وقتل غالب بن هلال متولي الشرطتين ~~والحسبة في شوال. PageV02P083 ### || سنة احدى وأربعمائة @YY401 # في رابع المحرم صرف ابن عبدون النصراني، وخلع على أحمد بن محمد القشوري ~~الكاتب، وقرئ سجله في القصر بأنه تقلد ms235 الوساطة والسفارة بين أولياء أمير ~~المؤمنين الحاكم وبينه، وأمر الرعايا، وفوضت له الأمور وعول عليه فيها. # وكان سبب صرف ابن عبدون عن الوساطة والسفارة أن كتب الحاكم تكررت إلى ~~قائد القواد حسين بن جوهر وإلى صهره عبد العزيز بن النعمان بأمانهم وعودهم، ~~فأبى ابن جوهر أن يدخل وابن عبدون واسطة، وقال: أنا أحسنت إليه نظري فسعى ~~في إلى أمير المؤمنين ونال مني كل منال؛ لا أعود أبدا وهو وزير. فصرف لذلك، ~~وحضر حسين وعبد العزيز ومن خرج معهما، فنزل سائر أهل الدولة إلى لقائه، ~~وتلقته الخلع، وأفيضت عليه وعلى أولاده وصهره عبد العزيز؛ وقيد بين أيديهم ~~الدواب. فعندما وصلوا إلى باب القاهرة ترجلوا ومشوا، ومشى معهم سائر الناس ~~إلى القصر؛ فمثلوا بحضرة الحاكم، ثم خرجوا وقد عفى عنهم. وأذن للحسين أن ~~يكاتب بقائد القواد، ويكون اسمه تاليا للقبه، وأن يخاطب بذلك؛ فانصرف إلى ~~داره؛ فكان يوما عظيما. وحمل إليه جميع ما قبض له من مال وغيره، وأنعم ~~عليه. وواصل هو وعبد العزيز الركوب إلى القصر. # وكتب لابن عبدون أمان خطه الحاكم بيده؛ وكان يقول عنه: ما خدمني أحد ولا ~~بلغ في خدمته ما بلغه ابن عبدون. ولقد جمع لي من الأموال ما هو خارج في ~~أموال الدواوين ثلثمائة ألف دينار. PageV02P084 # وأقام ابن القشوري على رسمه ينظر عشرة أيام، إلى ثالث عشره؛ فبينا هو ~~يوقع إذ قبض عليه وضربت رقبته من أجل أنه بلغ الحاكم عنه أنه يبالغ في ~~تعظيم حسين بن جوهر، وأكثر من السؤال في حوائجه. # وفي يومه أجلس أبو الخير بن زرعة بن عيسى بن نسطورس الكاتب النصراني في ~~مكان ابن القشوري؛ وأمر أن يوقع عن الحاكم في أوامره، فجلس ونظر في الوساطة ~~والسفارة بغير خلع. ومنع من الركوب في المراكب بالخليج؛ وسدت أبواب القاهرة ~~التي مما يلي الخليج، وأبواب الدور والطاقات المطلة عليه والخوخ. # وخلع على قاضي القضاة مالك، وقلد النظر في المظالم مع القضاء؛ وقرئ سجله ~~بالجامع. # وكتب سجل بإعادة مجالس الحكمة. وأخذ النحوي. وشدد على ms236 النصارى في لبس ~~الغيار بالعمائم الشديدة السواد، دون ما عداها من الألوان. # وفيه قبض على حسين بن جوهر وعبد العزيز بن النعمان، واعتقلا ثلاثة أيام، ~~ثم حلفا أنهما لا يغيبان عن الحضرة وأشهدا على أنفسهما بذلك، وأفرج عنهما؛ ~~وحلف لهما الحاكم في أمان كتبه لهما. # واعتقل ابن عبدون، وأمر بعمل حسابه؛ ثم ضربت عنقه وقبض ماله. PageV02P085 # وفي سابع عشر صفر وصل الحاج من غير زيارة المدينة النبوية، فأمر أن يكون ~~مسير الحاج للنصف من شوال وأن يبدءوا بزيارة المدينة؛ وكتب بذلك إلى سائر ~~الأعمال. # وفي سابع ربيع الآخر خلع على زرعة بن عيسى بن نسطورس، وحمل، وقرئ له سجل ~~في القصر لقب فيه بالشافي. # وخلع على أبي القاسم علي بن أحمد الزيدي، وقرئ له سجل بنقابة الطالبيين. # وقرئ سجل في سائر الجوامع، فيه النهي عن معارضة الإمام فيما يفعله، وترك ~~الخوض فيما لا يعنى؛ وأن يؤذن بحي على خير العمل، ويترك من أذان الصبح قول: ~~الصلاة خير من النوم؛ والمنع من صلاة الضحى وصلاة التراويح؛ وإعادة الدعوة ~~والمجلس على الرسم. فكان بين المنع من ذلك والإذن به خمسة أشهر. # وضرب جماعة وشهروا لبيعهم الملوخية والسمك الذي لا قشر له. وقبض على ~~جماعة بسبب بيع النبيذ واعتقلوا، وكبست مواضع ذلك. ومنع النصارى من الغطاس ~~فلم يتظاهروا على شاطىء البحر بما جرت عادتهم به. # وفي ثاني عشر جمادى الآخرة ركب حسين بن جوهر وعبد العزيز بن النعمان على ~~رسمهما إلى القصر، فلما خرج المتسلم قيل لحسين وعبد العزيز وأبي علي أخي ~~الفضل، PageV02P086 # أطيعوا لأمر تريده الحضرة منكم. فجلس الثلاثة وانصرف الناس، فقبض على ~~ثلاثتهم وقتلوا في وقت واحد، وأحيط بأموالهم وضياعهم ودورهم؛ فوجد لحسين بن ~~جوهر في جملة ما وجد سبعة آلاف مبطنة حريرا من سائر أنواع الديباج والعتابي ~~وغيره، وتسع متارد صيني مملؤة حب كافور قنصوري وزن الحبة الواحدة ثلاثة ~~مثاقيل. وأخذت الأمانات والسجلات التي كتبت لهم. واستدعي أولاد حسين وأولاد ~~عبد العزيز ووعدوا بالجميل وخلع عليهم، وحملوا على دواب. # وفيه ms237 ذبحت نعجة فوجد في بطنها حمل وجهه كوجه إنسان. # وفي شعبان وقع قاضي القضاة مالك إلى سائر الشهود بخروج الأمر العالي ~~المعظم أن يكون الصوم يوم الجمعة والعيد يوم الأحد. # واشتد الأمر في منع المسكرات، وتتبع مواضعها. وأبطلت عدة جهات من جهات ~~المكوس والرسوم. ومنع الغناء واللهو، وأمر الاتباع مغنية؛ وألا يجتمع الناس ~~في الصحراء ومنع النساء من الحمام. وأن يكون الخروج للحج في سابع شوال. # وركب الحاكم لصلاة العيد على رسمه. # وفي ثاني شوال سار على بن جعفر بن فلاح بالعساكر لقتال حسان بن علي بن ~~مفرج بن دغفل بن الجراح عند هزيمته ياروخ وقبضه عليه وعلى أصحابه بالرملة؛ ~~فقاتلهم في ثالث عشره وقتل منهم وظهر عليهم؛ وخلع طاعة الحاكم، وأقام ~~الدعوة لأبي الفتوح حسين بن جعفر بن محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن عبد ~~الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الحسني، ~~أمير مكة. وقتل ياروخ. PageV02P087 # وفيه تأخر الحاج إلى نصف ذي القعدة، فخرجوا في سابع عشره، ورجعوا في ثالث ~~عشريه من القلزم؛ فلم يحج أحد من مصر في هذه السنة. # وصلى مالك بن سعيد بالناس صلاة عيد النحر، وخطب، ونحر في المصلى والملعب ~~مدة أيام النحر. ولم يركب الحاكم ولا نحر. # وفيها مات أبو الحسن علي بن ابراهيم النرسي نقيب الطالبيين في رابع ربيع ~~الآخر وقد أناف على السبعين. # وقتل فيها من الكتاب والرؤساء والخدام والعامة والنساء عدد كثير جدا؛ ~~قتلهم الحاكم. # وفيها خطب قرواش بن المقلد بن المسيب، أمير بني عقيل، للحاكم بالموصل ~~والأنبار والمدائن والكوفة وغيرها؛ فكان أول الخطبة: الحمد لله الذي انجلت ~~بنوره غمرات الغضب، وانهدت بعظمته أركان النصب، وأطلع بقدرته شمس الحق من ~~المغرب. ثم بطلت الخطبة بعد شهر وأعيدت لبني العباس. PageV02P088 ### || سنة اثنتين وأربعمائة @YY402 # في المحرم قلدت الشرطتان لمحمد بن نزال، وأمر بتتبع المنكرات والمنع ~~منها، وألا يباع زبيب أكثر من خمسة أرطال، ولا تباع الجرار. ومنع النصارى ~~من الاجتماع في عيد ms238 الصليب، وأن يظهروا في المضي إلى الكنائس. # وأوفى النيل ستة عشر ذراعا في رابع عشر صفر، وهو سادس عشر توت. # وفي تاسع ربيع الآخر خلع على غين الخادم وقلد بسيف، وقرئ سجله بأنه لقب ~~بقائد القواد فليكاتب بذلك ويكاتب به؛ وقيد معه عشرة أفراس بسروجها ولجمها. ~~وهدمت اللؤلؤة. # وفي جمادى الآخرة منع بيع قليل الزبيب وكثيره، وكوتب بالمنع من حمله، ~~وألقى في النيل منه شيء كثير. # وفي رجب قطع الرسم الجاري من الخبز والحلوى الذي كان يقام في الثلاثة ~~أشهر لمن يبيت بجامع القاهرة في ليالي الجمع والأنصاف. وحضر القاضي مالك ~~إلى جامع القاهرة في ليلة النصف من رجب. واجتمع الناس بالقرافة على عادتهم ~~في كثرة اللعب والمزاح. PageV02P089 # وقرئ سجل في القصر بأن أحدا لا يلتمس من أمير المؤمنين زيادة رزق ولا صلة ~~ولا إقطاع ولا غير ذلك من المنافع. # واستهل شعبان يوم الاثنين، فأمر أن يجعل أوله يوم الثلاثاء؛ وأخذ جميع ما ~~عند التجار من السلاح بثمنه للخزانة. ومنع النساء من الخروج بعد العشاء ~~الآخرة. # وفي ليلة النصف من شعبان كثر إيقاد القناديل في المساجد، وتنافس الناس في ~~ذلك. # وصلى مالك بن سعيد بالناس صلاة العيد. # وتشدد الأمر في الإنكار على بيع الفقاع والملوخية والسمك الذي لا قشر له. ~~ومنع الناس من الاجتماع في المآتم ومن اتباع الجنائز. وأحرق زبيب كثير كان ~~في محارق التجار. وجمع الشطرنج من أماكن متعددة وأحرق. وجمع الصيادون ~~وحلفوا أنهم لا يصطادون سمكا بغير قشر، ومن فعل ذلك ضربت رقبته، وتوالى ~~إحراق الزبيب عدة أيام بحضرة الشهود؛ وتولى مؤنة الإنفاق على حمله وإحراقه ~~متولى ديوان النفقات؛ فأحرق منه ألفان وثمانمائة وأربعون قطعة بلغت مؤنة ~~الإنفاق عليها خمسة آلاف دينار في مدة خمسة عشر يوما. # وقرئ سجل بمنع الناس من السفر إلى مكة في البر والبحر، ومن حمل الأمتعة ~~والأقوات إليها؛ فرد قوم خرجوا إلى الحج من الطريق. PageV02P090 # ومرض غين الخادم، فركب الحاكم لعيادته، وسير إليه خمسة آلاف دينار وخمسة ~~وعشرين فرسا مسرجة ملجمة؛ وقلد ms239 الشرطة والحسبة بمصر والقاهرة والجزيرة، ~~والنظر في جميع الأموال والأحوال. ونزل إلى الجامع العتيق ومعه سائر العسكر ~~بخلعه، وقرئ سجله وفيه تشدده في المسكرات والمنع من بيع الفقاع والملوخية ~~والسمك الذي لا قشر له، والمنع من الملاهي ومن اجتماع الناس في المآتم ~~واتباع الجنائز، والمنع من بيع العسل إلا أن يكون ثلاثة أرطال فما دونها. # وفي ذي الحجة وردت هدية تنيس على العادة في كل سنة. # ولم يركب الحاكم لصلاة عيد النحر، فصلى بالناس مالك بن سعيد وخطب. ولم ~~يخرج من النساء إلى الصحراء فلم تر امرأة على قبر. # ومنع من الاجتماع على شاطىء النيل، ومن ركوب النساء المراكب مع الرجال ~~وخروجهن إلى مواضع الحرج مع الرجال. وفيه عمل عيد الغدير على رسمه وفرقت ~~فيه دراهم كثيرة. # ومنع من بيع العنب وألا يتجاوز في بيعة أربعة أرطال، ومنع من اعتصاره، ~~فبيع كل ثمانية أرطال بدرهم، وطرح كثير منه في الطرقات، وأمر بدوسه؛ ومنع ~~من بيعه ألبتة، وغرق ما حمل منه في النيل. وبعث شاهدين إلى الجيزة فأخذ ~~جميع ما على الكروم من الأعناب وطرحت تحت أرجل البقر لدوسه، وبعث بذلك إلى ~~عدة جهات. وتتبع من يبيع العنب، واشتد الأمر فيه بحيث لم يستطع أحد بيعه؛ ~~فاتفق أن شيخا حمل خمرا له على حمار وهرب، فصدفه الحاكم عند قائلة النهار ~~على جسر ضيق، فقال له: من أين أقبلت؟ قال من أرض الله الضيقة. فقال: يا ~~شيخ، أرض الله ضيقة؟ فقال: لو لم تكن ضيقة ما جمعتني وإياك على هذا الجسر. ~~فضحك منه وتركه. PageV02P091 # وفيها أخذ بنو قرجه هدية باديس بن المنصور صاحب إفريقية وزحفوا إلى برقة، ~~ففر عاملها في البحر وفتحوها. وفيه نزع السعر. # وفيها مات أبو القاسم ولى الدولة ابن خيران الكاتب في شهر رمضان. # وانتهى ماء النيل في زيادته إلى ستة عشر ذراعا ونصف ذراع. PageV02P092 ### || سنة ثلاث وأربعمائة @YY403 # في محرم ختم على مخازن العسل وجميع ما عند التجار والباعة منه؛ ورفعت ~~مكوس الساحل. ومنع الناس من عمل حزن عاشوراء. ms240 وغرق في أربعة أيام خمسة آلاف ~~وواحد وخمسون زيرا من أزيال العسل. ونزع السعر، وكثر الازدحام على الخبز، ~~ففرق الحاكم مالا على الفقراء. وكثر ابتياع الناس للسيوف والسكاكين ~~والسلاح، وحمله من لم يحمله قط من العوام والصناع، وكثر الكلام فيه، فقرئ ~~سجل على منابر الجوامع بتطمين الناس وإعراضهم عن سماع أقوال المرجفين. # وفي ثاني ربيع الأول خلع على أبي الحسن علي بن جعفر بن فلاح ولقب قطب ~~الدولة، وقرئ له سجل بالتقدم على سائر الكتاميين والنظر في أحوالهم، ~~والسفارة بينهم وبين أمير المؤمنين. وحمل على فرس وبين يديه ثياب. # وهلك زرعة بن عيسى بن نسطورس من علته في ثاني عشره؛ فكانت مدة نظره في ~~الوساطة سنتين وشهرا؛ فتأسف الحاكم على فقده من غير قتل، وقال ما أسفت على ~~شيء قط أسفي على خلاص ابن نسطورس من سيفي، وكنت أود ضرب عنقه، لأنه أفسد ~~دولتي، وخانني ونافق علي، وكتب إلى حسان بن الجراح في المداجاة علي وأنه ~~يبعث من يهرب به إليه. # وخلع على إخوته الثلاثة وأقروا على ما بأيديهم من الدواوين. وأمر النصارى ~~إلا الحبابرة بلبس العمائم السود والطيالسة السود، وأن يعلق النصارى في ~~أعناقهم صلبان الخشب، ويكون ركب سروجهم من خشب، ولا يركب أحد منهم خيلا، ~~وأنهم يركبون البغال PageV02P093 # والحمير، وألا يركبوا السروج واللجم محلاة، وأن تكون سروجهم ولجمهم بسيور ~~سود، وأنهم يشدون الزنانير على أوساطهم، ولا يستعملون مسلما، ولا يشترون ~~عبدا ولا أمة؛ وأذن للناس في البحث عنهم وتتبع آثارهم في ذلك؛ فأسلم عدة من ~~النصارى الكتاب وغيرهم. وشدد الأمر عليهم، ومنع المكاريون من تركيبهم، ~~وأخذوا بتسوية السروج والخفاف ومنعوا من ركوب النيل مع نواتية مسلمين. # واستدعى الحاكم حسين بن طاهر الوزان وكان منقطعا إلى غين الخادم الأسود ~~وعرض عليه الوساطة فأجاب بشريطة أن يكون لكل قبيل من طوائف العسكر زمام ~~عليهم يرجعون إليه، ويكون نظره على الأزمة، فيجعل لكل طائفة يوما ينظر في ~~أمورهم وخاصة زمامهم فقط؛ ففعل ذلك، وخلع عليه. وفوض في الوساطة والتوقيع، ~~وقرئ سجله ms241 بالقصر في تاسع عشر ربيع الأول. وأمر الحاكم فنقش على خاتمه: ~~بنصر الله العظيم الولي ينتصر الإمام أبو علي. # وفيه أمر النصارى بعمل ركب السروج من خشب الجميز. # وقبض على جماعة بسبب اللعب بالشطرنج وضربوا وحبسوا. # وألزم النصارى أن يكون الصليب الذي في أعناقهم طوله ذراع في مثله، وكثرت ~~إهاناتهم وضيق عليهم؛ وأمروا أن تكون زنة الصليب خمسة أرطال وأن يكون فوق ~~الثياب مكشوفا، ففعلوا ذلك. ولما اشتدت عليهم الأمور تظاهر كثير منهم ~~بالإسلام، فوقع الأمر بهدم الكنائس، وأقطعت بجميع مبانيها وبمالها من رباع ~~وأراض لجماعة، وعملت مساجد وأذن في بعضها وبيعت أوانيها. ووجد في المعلقة ~~بمصر وفي كنيسة PageV02P094 # بو شنوده مال جزيل من مصاغ وثياب وغيره. وتتابع هدم الكنائس؛ وكتب إلى ~~الأعمال بهدمها فهدمت. # وأشيع سير أبي الفتوح أمير مكة من الرملة إلى الحجاز، وكان قد قدم إليها ~~فبايعه ابن الجراح ولقبه بالراشد بالله أمير المؤمنين، ودعا له بالرملة. # وفي جمادى الأولى لقب الحسين بن طاهر الوزان بأمين الأمناء وكتب له سجل ~~بذلك. وظهر لحسين بن جوهر مال عظيم، فأنعم به الحاكم على ورثته ولم يعرض ~~لشيء منه. # وفي ذلك الحين كان وصول أبي الفتوح إلى مكة إقامته الدعوة للحاكم بها، ~~وضربت السكة باسمه. وابتدأ مالك بن سعيد بعمل رصد فلم يتم. # وفي جمادى الآخرة اشتد الإنكار بسبب الفقاع والزبيب والسمك. وقبض على ~~جماعة فاعتقلوا وأمر بضرب أعناقهم، ثم أطلقوا. وتشدد في منع ذبح الأبقار ~~السالمة من العيب ومنع النساء من الغناء والنشيد. وأقطعت الكنائس والديارات ~~بنواحي بمصر لكل من التمسها. PageV02P095 # وفي رجب قرئ سجل بمنع الناس من تقبيل الأرض للحاكم، وبمنعهم من تقبيل ~~ركابه ويده عند السلام عليه في المواكب، والانتهاء عن التخلق بأخلاق أهل ~~الشرك من الانحناء إلى الأرض فإنه صنيع الروم؛ وأمروا أن يكون للسلام عليه: ~~السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. ونهوا عن الصلاة عليه في ~~المكاتبة والمخاطبة، وأن تكون مكاتبتهم في رقاعهم ومراسلاتهم بإنهاء الحال، ~~ويقتصر في الدعاء على سلام الله وتحياته وتوالى ms242 بركاته على أمير المؤمنين، ~~ويدعى له بما سبق من الدعاء لا غير. فلما كان يوم الجمعة لم يقل الخطيب ~~سوى: اللهم صل على محمد المصطفى وسلم على أمير المؤمنين علي المرتضى، اللهم ~~وسلم على أمراء المؤمنين آباء أمير المؤمنين، اللهم اجعل أفضل سلامك على ~~سرك وخليفتك. # وأنزل من القصر سبع صناديق فيها ألف ومائتان وتسعون مصحفا إلى الجامع ~~العتيق ليقرأ فيها الناس. وأحصيت المساجد التي لا غلة لها فكانت ثمانمائة ~~مسجد ونيف، فأطلق لها في كل شهر تسعة آلاف ومائتا درهم وعشرون درهما، لكل ~~مسجد اثنا عشر درهما. # ومنع من ضرب الطبول والأبواق التي كانت تضرب حول القصر في الليل، فصاروا ~~يطوفون بغير طبل ولا بوق. وأنزل إلى جامع ابن طولون ثمانمائة مصحف وأربعة ~~عشر مصحفا. وأبطلت مكوس الحسبة، وأذن للناس بالتأهب للحج في البر والبحر. # وفي رمضان صلى الحاكم بالناس مرة في جامعه براشدة، ومرة بجامعه خارج باب ~~الفتوح وفيه ظهر جراد كثير حتى أبيع في الأسواق. وصلى بالجامع العتيق بمصر ~~جمعة، وهو أول من صلى فيه من الخلفاء الفاطميين. ومنع النساء من الجلوس في ~~الطرقات للنظر إليه. وأخذ القصص بيده ووقف لأهلها وسمع كلامهم؛ وخالطه ~~العوام وحالوا بينه وبين PageV02P096 # موكبه. واستماحه قوم فوصلهم بصلات كثيرة؛ وأهدى إليه قوم مصاحف فقبلها ~~وأجازهم عليها. ووقف عليه اثنان من تربة عمرو بن العاص وشكوا أن حبسهما قبض ~~عليه للديوان من أيام العزيز، فخلع عليهما ووصلهما بألف دينار. وكثرت في ~~هذا الشهر إنعاماته، فتوقف أمين الأمناء حسين بن طاهر الوزان في ذلك، فكتب ~~إليه الحاكم بخطه بعد البسملة: الحمد لله كما هو أهله. # أصبحت لا أرجو ولا أتقي ... سوى إلهي، وله الفضل # جدي نبيي، وإمامي أبي ... وديني الإخلاص والعدل # المال مال الله عز وجل، والخلق عباد الله، ونحن أمناؤه في الأرض. أطلق ~~أرزاق الناس ولا تقطعها. والسلام. # وركب في يوم الفطر إلى المصلى بغير شيء مما كان يظهر في هذا اليوم من ~~الزينة والجنائب ونحوها، فكان في عشرة أفراس جياد بين يديه ms243 بسروج ولجم ~~محلاة بالفضة البيضاء الخفيفة، ومظلة بيضاء بغير ذهب، وعليه بياض بغير طرز ~~ولا ذهب ولا جوهر في عمامته، ولم يفرش المنبر. # وفيه وقعت فتنة بين طوائف العسكر شهروا فيها السلاح، فركب الحاكم وأصلح ~~بينهم. # وولد لعبد الرحيم بن إلياس ابن عم الحاكم مولود فبعث إليه ثلاثة أفراس ~~مسرجة PageV02P097 # ملجمة ومائة قطعة من الثياب وخمسة آلاف دينار عينا وسائر ما كان لأبيه ~~أبي الأشبال المتوفي، وكان شيخا جليلا. # ومنع الناس من سب السلف وضرب في ذلك رجل وشهر، ونودي عليه: هذا جزاء من ~~سب أبا بكر وعمر، وتبرأ الناس. فشق هذا على كثير من الناس، وتجمعوا ~~يستغيثون وهم يستغيثون في الطرقات. فقرئ سجل بالقصر فيه الترحم على السلف ~~من الصحابة والنهي عن الخوض في مثل ذلك. ورأى في طريقه وقد ركب لوحا فيه سب ~~على السلف فأنكره ووقف حتى قلع. وتتبع الألواح التي فيها شيء من ذلك، فقلعت ~~كلها، ومحى ما كان على الحيطان منها حتى لم يبق لها أثر. وشدد في الإنكار ~~على من خالف ذلك، ووعد عليه بالعقوبة. # وسارت قافلة الحاج في رابع عشر ذي القعدة إلى بركة الجب ثم رجعوا من ~~ليلتهم. # وخلع على قطب الدولة أبي الحسن على بن فلاح وسار في عسكر لقتال ابن ~~الجراح. وأملك ابنا عبد الرحيم بن إلياس بزوجتي حسين بن جوهر، وقرئ كتابهما ~~في القصر، وقد كتبا في ثوب مصمت وفي رأس كل منهما بخط الحاكم: يعقد هذا ~~النكاح بمشيئة الله وعونه، والحمد لله رب العالمين، وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل. وخلع على ابني عبد الرحيم وحمل عنهما المهر وهو ألفا دينار. # وصلى الحاكم بالناس صلاة عيد النحر كهيئته في عيد الفطر؛ ونحر عنه عبد ~~الرحيم والمؤذنون يكبرون خلفه كما يفعلون بين يدي الحاكم، والقاضي مالك إلى ~~جنبه ومعه الرمح، PageV02P098 # وكلما رمى الرمح لينحر به قبله قبل أن ينحر به؛ فعل ذلك ثمانية أيام، ~~فعبث إليه الحاكم ثيابا جليلة وجواهر ثمينة، وحمله على فرس بسرج مرصع ~~بالجوهر. # وواصل الحاكم الركوب إلى ms244 الصحراء بحذاء في رجله، وعلى رأسه فوطة. وكان ~~يركب كل ليلة بعد المغرب. ووقف إليه خراساني يذكر أنه أخذ منه متاع برسم ~~الخزانة ولم يدفع إليه ثمنه، فدفع إليه جميع ما كان له وهو نحو خمسة آلاف ~~دينار، فشق به البلد، وكثر الدعاء للحاكم. وحمل إلى عبد الرحيم عشرة ألاف ~~دينار في أكياس مكتوب عليها: لابن عمنا وأعز الخلق علينا عبد الرحيم بن ~~إلياس بن أحمد بن المهدي بالله، سلمه الله وبلغنا فيه ما نؤمله. # وبعث إلى ملك الروم هدية مبلغ سبعة آلاف دينار. # وفيها وصلت هدية الحاكم إلى نصير الدولة أبي مناد مع عبد العزيز بن أبي ~~كدينة لثلاث عشرة خلت من المحرم، ومعه سجل بإضافة برقة وأعمالها إليه؛ فخرج ~~إلى لقائه ومعه القضاة والأعيان، فكان يوما مشهودا. # وفي أواخر رجب فلج أبو الفتوح يوسف بن عبد الله بن أبي الحسين أمير ~~صقلية، فتعطل جانبه الأيسر، فقام بالأمر ابنه أبو محمد جعفر بن يوسف وكان ~~بيده سجل الحاكم بولايته بعد أبيه؛ ثم وصل إليه سجل لقب فيه تاج الدولة ~~وسيف الملك. ثم أنفذ إليه تشريف، وعقد له لواء، وزيد في لقبه الملك. # وفي ذي القعدة مات مفرج بن دغفل بن الجراح برملة لد، من فلسطين. PageV02P099 ### || سنة أربع وأربعمائة @YY404 # في محرم أمر ألا يدخل يهودي ولا نصراني الحمام إلا ويكون مع اليهودي جرس ~~ومع النصارى صليب. ونهى عن الكلام في النجوم، فتغيب عدة من المنجمين وبقي ~~منهم جماعة وطردوا؛ وحذر الناس أن يخفوا أحدا منهم، فأظهر جماعة منهم ~~التوبة فعفى عنهم، وحلفوا ألا ينظروا في النجوم. # وأمر بغلق سائر الدواوين وجميع الأماكن التي تباع فيها الغلال والفواكه ~~وغيرها ثلاثة أيام من آخر حزن عاشوراء؛ فلما كان يوم عاشوراء أغلقت سائر ~~حوانيت مصر والقاهرة بأسرها إلا حوانيت الخبازين. ونزل الذين عادتهم النزول ~~في يوم عاشوراء إلى القاهرة من المنشدين وغيرهم أفرادا غير مجتمعين ولا ~~متكلمين، فما اجتمع اثنان في موضع. وخرج الحاكم في أمره وبذيله القاضي إلى ~~بلبيس، فنظر إلى العسكر ms245 المجهز مع علي بن فلاح، وعاد من الغد، ورحل العسكر. # وأكثر الحاكم في هذا الشهر من الصدقات وإعطاء الأموال الكثيرة جدا. وأعتق ~~سائر مماليكه وجواريه. وفتح فيه الخليج يوم السابع عشر من مسرى والماء على ~~أربعة عشر ذراعا وثمانية أصابع. # وفي أول صفر صرف القائد غين عن الشرطتين والحسبة، وتقلدها مظفر الصقلبي ~~حامل المظلة. وأذن لليهود والنصارى في مسيرهم إلى حيث ساروا من بلاد الروم. ~~وورد الخبر بوصول عساكر مصر ودمشق إلى الرملة وخروج العرب منها. وأمر ببناء ~~جامع الإسكندرية وأطلق مالا كثيرا للصدقة والتفرقة. # وفيه جمع سائر الناس على اختلافهم بالقصر وقرئ عليهم سجل بأن أبا القاسم PageV02P100 # عبد الرحيم بن إلياس بن أبي علي بن المهدي بالله أبي محمد عبيد الله قد ~~جعله الحاكم بأمر الله ولي عهد المسلمين في حياته والخليفة بعد وفاته، وأمر ~~الناس بالسلام عليه وأن يقولوا له في سلامهم عليه: السلام على ابن عم أمير ~~المؤمنين وولي عهد المسلمين؛ وتعين له محل يجلس فيه من القصر. ثم قرئ السجل ~~على منابر البلد وبالإسكندرية؛ وبعث بذلك سجلا إلى إفريقية، فقرئ بجامع ~~القيروان وغيره، وأثبت اسمه مع اسم الحاكم في البنود والسكة والطراز. فعظم ~~ذلك على نصير الدولة أبي مناد باديس وقال: لولا أن الإمام لا يعترض عليه في ~~تدبير لكاتبته ألا يصرف هذا الأمر عن ولده إلى بني عمه. # وخلع على عبد الغني بن سعيد ودفع له ألف وخمسمائة دينار وخمس عشرة قطعة ~~ثياب، وحمل على بغلة ولرفيقه مثل ذاك. وسير مع رسول متملك الروم بهدية ~~عظيمة. # وبلغ الحاكم أن أبا القاسم علي بن أحمد الزيدي النقيب عليه عشرون ألف ~~دينار، فوقع له بها مما عليه من الخراج، وبعث له بثلاثة آلاف دينار أخرى. # وكثر ركوب الحاكم وهو بدراعة صوف وبيضاء وعمامة فوطة، وفي رجله حذاء عربي ~~بقبالين؛ فأقبل الناس إليه بالرقاع ما بين متظلم أو مستمنح؛ فأجزل في ~~الصلات والعطايا ما بين دور ودراهم وثياب، فلم يرد أحد خائبا. ورد ما كان ~~في الديوان من ms246 الضياع والأملاك المأخوذة لأربابها، وأقطع كثيرا من الناس ~~عدة آدر. وفي ربيع الأول بسط الحاكم يده بالعطاء. # وفي ثامن عشر ربيع الآخر أمر الحاكم بقطع يدي أبي القاسم أحمد بن علي ~~الجرجرائي، فقطعتا جميعا؛ وهو يومئذ كاتب قائد القواد غين. وسبب ذلك أنه ~~كان في خدمة ست PageV02P101 # الملك، أخت الحاكم، فانفصل عنها وهي غير راضية عنه، وخدم عند غين؛ ثم بعث ~~إليها رقعة يستعطفها، فارتابت منه وسيرتها في طي درجها إلى الحاكم، فأمر ~~بقطع يديه وقد اشتد غيظه. ويقال بل كان عقيل صاحب الخبر يحمل الرقاع بالخبر ~~إلى القائد غين ليوصلها إلى الحاكم وهي مختومة؛ فجاءه في يوم بالرقاع على ~~عادته فدفعها غين إلى كاتبه أبي القاسم الجرجرائي حتى يجد فراغا فيحملها ~~إلى الحاكم، ففك الجرجرائي الختم وقرأها، فإذا في بعضها طعن على غين وذكره ~~بسوء، فقطع ذلك الموضع من الرقعة وحكه وأصلحه، وأعاد الختم. فبلغ ذلك عقيلا ~~فأوصله إلى الحاكم فأمر بقطع يديه. # وفي ثالث جمادى الأولى قطعت يد غين بعد قطع يد كاتبه الجرجرائي بخمسة عشر ~~يوما، وكانت يده الأخرى قد قطعت قبل ذلك بثلاث سنين وشهر، فصار مقطوع ~~اليدين. ثم إن الحاكم بعث إليه بآلاف من الذهب وعدة أسفاط من الثياب وأمر ~~بمداواته. وأبطل عدة مكوس من جهات كثيرة. فلما كان في ثالث عشره أمر بقطع ~~لسان غين فقطع. # وفي رجب أمر برفع ما يؤخذ من الشرطتين؛ وقتل الكلاب، فقتلت بأجمعها؛ ~~وأبطل مكس الرطب ومكس دار الصابون، ومبلغه ستة عشر ألف دينار؛ وأطلق أموالا ~~جزيلة للصدقة. وأكثر من الركوب في الليل. ونزل ليلة النصف من شعبان إلى ~~القرافة ومشى فيها وتصدق بشيء كثير، وأبطل عدة جهات من جهات المكس. ومنع ~~النساء أن يخرجن إلى PageV02P102 # الطرقات في ليل أو نهار سواء أكانت المرأة شابة أم عجوزا، فاحتبسن في ~~بيوتهن ولم تر امرأة في طريق، وأغلقت حماماتهن، وامتنع الأساكفة من عمل ~~خفاف النساء وتعطلت حوانيتهم. # وفي سادس عشره وقع في الناس خوف وفزع من شناعة القول وكثرة إشاعته بأن ms247 ~~السيف قد وقع في الناس، فتهارب الناس وغلقت الحوانيت فلم يكن سوى القلب. ~~وضرب قوم خالفوا النهي عن بيع الملوخية والسمك الذي لا قشر له وشهروا. وضرب ~~كثير من النساء من أجل خروجهن من البيوت وحبسن. وقرئ سجل بالمنع من تفتيش ~~المسافرين في البحر والبر وانهي عن التعرض. # وفي رمضان صلى بالناس في الجوامع الأربعة: جامع القاهرة، والجامع خارج ~~باب الفتوح، وجامع عمرو، وجامع راشدة؛ وتصدق بأموال كثيرة؛ ودعا فوق ~~المنابر بنفسه لعبد الرحيم بن إلياس، فقال: اللهم استجب منى في ابن عمي ~~وولي عهدي والخليفة من بعدي، عبد الرحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدي بالله ~~أمير المؤمنين، كما استجبت من موسى في أخيه هرون. # وفيه ركب قائد القواد غين إلى القصر في موكب عظيم، فخلع عليه. وضرب على ~~السكة اسم عبد الرحيم ولي عهد المسلمين. ومنع من عادته الطواف في الأعياد ~~بالأسواق لأخذ الهبات من الرجالة والبواقين. واجتمع الأولياء وغيرهم بالقصر ~~في يوم الخميس ثامن عشريه لسماع ما يقرؤه القاضي من كتب مجالس الحكم، ~~فمنعوا من ذلك. PageV02P103 # وركب لصلاة الجمعة بجامع القاهرة، فازدحم الناس عليه بعد ركوبه من الجامع ~~إلى القصر، فوقف لهم وأخذ رقاعهم، وحادثهم، وضاحكهم، فلم يرجع إلى القصر من ~~كثرة وقوفه ومحادثته العوام إلى غروب الشمس، ووقع صلات كثيرة. وركب لصلاة ~~العيد بغير زي الخلافة، ومظلته بيضاء، وعبد الرحيم يسايره وهو حامل الرمح ~~الذي من عادة الخليفة حمله، وأصعده معه المنبر ودعا له. ولم يعمل في القصر ~~سماط، ولا رؤيت امرأة، ولا أبيع شيء مما عادته يباع في الأعياد من اللعب ~~والتماثيل. واشتد الأمر في منع النساء من الخروج، وحبس عدة عجائز وخدم وجدن ~~في الطرقات. # وواصل الركوب في الليل. وأطلق لخليج الإسكندرية خمسة عشر ألف دينار. # وقرئ سجل بأن كل من كانت له مظلمة فليرفعها إلى ولي العهد؛ فجلس عبد ~~الرحيم ورفعت إليه الرقاع فوقع عليها. وللنصف من ذي القعدة سار الحاج. وفي ~~يوم النحر ركب عبد الرحيم بالعساكر إلى المصلى فصلى بالناس وخطب، ms248 ونحر ~~بالمصلى وبالملعب، ولم يعمل سماط بالقصر. # وواصل الحاكم الركوب في العشايا. واصطنع خادما وكاتبا أسود كناه بأبي ~~الرضا سعد، وأعطاه من الجواهر والأموال ما يجل وصفها، وأقطعه إقطاعات ~~كثيرة؛ فقصده الناس لحوائجهم ولزموا بابه لمهماتهم، فتكلم لهم مع الحاكم ~~فلم يرد سؤاله في شيء. وكان مما يسأل فيه إقطاعات للناس تتجاوز خمسين ألف ~~دينار. # وفيه بعث أبو مناد باديس، أمير إفريقية، حميد بن تموصلت على عسكر إلى ~~برقة، فخرج منها خود الصقلبي إلى مصر فتسلمها حميد. PageV02P104 ### || سنة خمس وأربعمائة @YY405 # في المحرم تزايد وقوع النار وكثر الحرق في الأماكن، فأمر الناس باتخاذ ~~القناديل على الحوانيت وعلى أريافها؛ وطرحت السقائف والرواشن وأمر بقتل ~~الكلاب، فقتل منها كثير. وعظم الحريق، ووقعت في أمره شناعات من القول، فقرئ ~~سجل في الجوامع بزجر السفهاء والكف عن أحوال تفعل، وأن يدخل الناس إلى ~~دورهم من بعد صلاة العشاء. فأغلقت الدور والحوانيت والدروب من بعد صلاة ~~المغرب وكثر الكلام وعظم الترحم في الليل. # وفيه وصل علي بن جعفر بن فلاح من الشام. ووصلت قافلة الحاج في تاسع صفر ~~من غير زيارة المدينة، وقد أصابهم خوف شديد، وهلك منهم خلق كثير من الجوع ~~والعطش. # وفيه ركب الحاكم مرتين، فرفعت إليه الرقاع، فأمر برافعيها فحبسوا. # وحبس عدة قياسر وأملاك مع سبع ضياع بإطفيح وطوخ على القراء والمؤذنين PageV02P105 # بالجوامع وعلى ملء المصانع والمارستان وثمن الأكفان. # وفي ربيع الأول واصل الركوب وأخذ الرقاع ووقف مع الناس طويلا، ثم امتنع ~~من أخذ الرقاع وأمر أن ترفع إلى عبد الرحيم وإلى القاضي مالك، وإلى أمين ~~الأمناء، فتناولوا الرقاع. وأكثر من الهبات والصلات والإقطاع والخلع. # فلما كان يوم السبت سادس عشري ربيع الآخر ركب في الليل على رسمه إلى الجب ~~وتلاحق به الناس وفيهم قاضي القضاة مالك بن سعيد، فلما أقبل على الحاكم ~~أعرض عنه فتأخر، وإذا بصقلبي يقال له غادى، يتولى الستر والحجية، أخذه وسار ~~به إلى القصور وألقاه مطروحا بالأرض، فمر به الحاكم وأمر بمواراته، فدفن ~~هناك بثيابه وخفيه. وكانت مدة ms249 نظره في الأحكام عشرين سنة، منها ست سنين ~~وتسعة أشهر قاضي القضاة وباقيها خلافة لبني النعمان. وكان ينظر في القضاء ~~والمظالم والأحباس، والدعوة، ودار الضرب، ودار العيار، وأمر الأضياف؛ فعلت ~~منزلته وقصده الناس في حوائجهم لكثرة اختصاصه بالحاكم وتزايد إقطاعاته من ~~الدور بفرشها والضياع العديدة، ومواصلة الركوب مع ليلا ونهارا، ومشاورته في ~~أمور الدولة ونظره في أمور الدواوين كلها. وكان سخيا جوادا PageV02P106 # فصيحا بليغا، لم يضبط عليه قط صياح ولا حدة، ولا سمعت منه في خطاباته ~~أبدا كلمة فيها فحش ولا قذع ولا قبح. # وكان سبب قتله أنه اتهم بموالاة سيدة الملك ومراعاتها، وكان الحاكم قد ~~انفلق منها فلما قتل استدعى الحاكم أولاده وخاطبهم، ولم يتعرض لشيء من تركة ~~أبيهم؛ وأمر ابنه أبا الفرج أن يركب في الموكب، وأقره على إقطاعه، ومبلغه ~~في السنة خمسة عشر ألف دينار. # وفي جمادى الأولى رد الحاكم على بني عمرو بن العاص حبس جدهم عمرو بن ~~العاص، ومبلغه في الشهر نحو مائتي دينار. # وتزايد ركوب الحاكم حتى كان يركب في اليوم الواحد عدة مرات، وعظمت هباته ~~وعطياته. ثم أمر بابتياع الحمير، وصار يركبها من تحت السرداب إلى باب ~~البستان إلى المقس، ويغلق الأبواب التي يتوصل منها إلى المقس وقت ركوبه، ~~ومنع الناس من الخروج إلى هذه المواضع. # وفي جمادى الآخرة قدم رسول ملك الروم، فاصطفت العساكر من باب القصر إلى ~~سقاية ريدان بعددها وأسلحتها، وركب الحاكم بصوف أبيض وعمامة مفوطة بمظلة ~~مثلها، وولي العهد يسايره وعليه ثوب مثقل، ومعهم الجواهر. وأحضر الرسول ~~ومعه PageV02P107 # عبد الغني بن سعيد بهدية إلى القصر، فخلع على عبد الغني، وأنزل الرسول في ~~دار بالقاهرة وبلغ الحاكم أن ثلاثة من الركابية أخذوا هبة من الرسول، فأمر ~~بقتلهم، فقتلوا من أجل ذلك. # وفي جمادى الآخرة ركب الحاكم ومعه أمين الأمناء، الحسين بن طاهر الوزان، ~~على رسمه؛ فلما انتهى إلى حارة كتامة خارج باب القاهرة أمر فضربت رقبة ابن ~~الوزان ودفن مكانه. فكانت مدة نظره في الوساطة سنتين وشهرين وعشرين يوما؛ ~~وكان ms250 توقيعه عن الحاكم: الحمد لله وعليه توكلي. وتقدم الأمر لسائر أرباب ~~الدواوين بلزوم دواوينهم. # واعتل الحاكم أياما فركب على حمار بشاشية مكشوفة، وأكثر من الحركة في ~~العشيات إلى المقس والتعدية إلى الجيزة وهو على الحمار. وأكثر من الركوب في ~~النيل. # وفي حادي عشر شعبان أمر أصحاب الدواوين بأن يمتثلوا ما يرسم به عبد ~~الرحيم بن أبي السيد الكاتب، متولي ديوان النفقات، وأخوه أبو عبد الله ~~الحسين، وجعلا في الوساطة والسفارة، ثم قرئ لهما سجل بذلك، وخلع عليهما ~~وحملا؛ فوقعا، وكان توقيعهما: الحمد لله حمدا يرضاه. # وفي حادي عشريه خلع على أبي العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي ~~العوام، وأعطى سجلا بتقليده قضاء القضاة، وحمل على بغلة بسرج ولجام مصفح ~~بالذهب، وقيد بين يديه بغلة أخرى، ونزل إلى الجامع فقرئ سجله على المنبر، ~~وفيه: فقلدك أمير المؤمنين القضاة والصلاة والخطابة بحضرته، والحكم فيها ~~وراء حجابه من القاهرة المعزية، PageV02P108 # ومصر وأعمالها، والإسكندرية، والحرمين، وبرقة، والمغرب، وصقلية؛ مع ~~الإشراف على دور الضرب بهذه الأعمال، والنظر في أحباس الجوامع والمساجد، ~~وأرزاق المرتزقة ووجوه البر؛ وتستخلف على الحكم. ونقل ديوان الحكم من بيت ~~مالك بن سعيد إلى بيت المال بالجامع العتيق، وهو أول من فعل ذلك من القضاة. ~~وكانت دواوين الحكام في دورهم فجعلها بالجامع، وجعل جلوسه بالجامع العتيق ~~يومي الاثنين والخميس، وبالقاهرة يوم الثلاثاء، ولحضور القصر يوم السبت. # وفي يوم الجمعة رابع رمضان ركب ولي العهد، فصلى بالجامع الأنور الجديد ~~بباب الفتوح في موكب الخلافة، ثم صلى جمعة أخرى بجامع القاهرة ثم جمعتين ~~بالجامع الجديد. وفيه كثرت صلات الحاكم ومواهبه وإقطاعاته للناس حتى خرج في ~~ذلك عن الحد. وركب ولي العهد يوم الفطر في موكب الخلافة، وصلى بالناس في ~~المصلى، وخطب. وخرج الحاكم عن المعهود في العطاء والإقطاعات حتى أقطع ~~النواتية الذين يجدفون به في العشاري، وأقطع المشاعلية، وكثيرا من الوجوه ~~والأقارب، وبني قرة؛ فكان مما أقطع الإسكندرية والبحيرة ونواحيها. # وفي نصفه قتل ابنا أبي السيد، حسين وعبد الرحيم، ضربت أعناقهما ms251 بالقصر؛ ~~فكانت مدة نظرهما اثنين وتسعين يوما. # وواصل الركوب في كل غداة وهو على الحمار. وقرئ سجل بأن يكون ما يرفعه ~~الناس من حوائجهم في ثلاثة أيام، يوم السبت للكتاميين والمغاربة، ويوم ~~الاثنين PageV02P109 # للمشارقة، ويوم الخميس لسائر الناس كافة؛ وأن يتجنبوا لقاء أمير المؤمنين ~~ليلا ونهارا بالرقاع، فما يتعلق بالمظالم فإلى ولي العهد، وما يتعلق ~~بالدعاوى فإلى قاضي القضاة، وما استصعب من ذلك ينتهي إلى أمير المؤمنين. # وفي سابع عشره تقلد أبو العباس فضل بن جعفر بن الفرات الوساطة، ولم يخلع ~~عليه؛ فجلس ووقع، ثم قتل في اليوم الخامس من جلوسه. # وتشدد الأمر في منع النساء من الخروج في الطرقات ومن التطلع في الطيقان، ~~بأسرهن، شبابهن وعجائزهن. ومنع مؤذنو القصر وجامع القاهرة من قولهم بعد ~~الأذان: السلام على أمير المؤمنين، وأن يقولوا بعد الأذان: السلام من الله. # وفيه غلب بنو قرة على الإسكندرية وأعمالهما. وأقطع القاضي ابن أبي العوام ~~ناحية تلبانة عدي. وأكثر الحاكم فيه من الركوب، فركب في يوم واحد ست مرات، ~~تارة على فرس، وأخرى على حمار، ومرة في محفة تحمل على الأعناق، ومرة في ~~عشارى في النيل بشاشية لا عمامة عليها. وأكثر من إقطاع الإقطاعات للجند ~~وعبيد الشراء. واستمر على مواصلة الركوب إلى ليلة النحر قرب العشاء، وشق ~~البلد والطرادون يفرقون الناس عنه. وصلى ولي العهد صلاة عيد النحر، ولم يضح ~~بشيء؛ ونهى الناس عن ذبح البقر. # وفيه قلد ذو الرياستين قطب الدولة أبو الحسن علي بن جعفر بن فلاح الوساطة ~~والسفارة. وفيها بعث نصير الدولة أبو مناد باديس من إفريقية هدية عظيمة إلى ~~الغاية للحاكم بأمر الله، فوصلت إلى مدينة برقة لأربع عشرة بقيت من رجب، ~~وسارت منها في PageV02P110 # سابع رمضان حتى ولت لك فأخذها بنو قرة عن آخرها. وكانوا قد انتجعوا مع ~~كبيرهم مختار بن قاسم من البحيرة، ومعهم مواشيهم، وقصدوا مدينة برقة، ففر ~~منها حميد بن تموصلت إلى إفريقية، فملك برقة مختار بن قاسم. # وفيها بعث الحاكم عبد العزيز بن أبي كدينة، ومعه أبو ms252 القاسم بن حسن، إلى ~~إفريقية بخلع وسيول وتشريف لمنصور بن نصير الدولة أبي مناد باديس لولاية ما ~~يتولاه أبوه في حياته وبعد وفاته، ولقبه عزيز الدولة. PageV02P111 ### || سنة ست وأربعمائة @YY406 # فيها عرض الاستيمار على الحاكم بأسماء الفقهاء والقراء والمؤذنين ~~بالقاهرة ومصر، فكانت جملته في كل سنة واحدا وسبعين ألفا وسبعمائة وثلاثة ~~وثلاثين دينارا وثلثي وربع دينار؛ فأمضى جميع ذلك. # وفيها زاد ماء النيل وغرق الضياع، وغلت الأسعار، وهلكت البساتين، وامتلأ ~~كل مكان من المدينة، وغرق المقياس وانتهت الزيادة إلى ثلاث أصابع من إحدى ~~وعشرين ذراعا؛ وبلغ الماء إلى نصف النخل مما يلي بركة الحبش، وغرق ~~المعتوق!. ولم يبق طريق يسلك إلى القاهرة إلا من الشارع والصحراء. PageV02P112 ### || سنة ثمان وأربعمائة @YY408 # قدم مصر داع عجمي اسمه محمد بن اسماعيل الدرزي واتصل بالحاكم فأنعم عليه. ~~ودعا الناس إلى القول بإلهية الحاكم، فأنكر الناس عليه ذلك، ووثب به أحد ~~الأتراك ومحمد في موكب الحاكم فقتله، وثارت الفتنة، فنهبت داره وغلقت أبواب ~~القاهرة. واستمرت الفتنة ثلاثة أيام قتل فيها جماعة من الدرزية، وقبض على ~~التركي قاتل الدرزي وحبس ثم قتل. # ثم ظهر داع آخر اسمه حمزة بن أحمد، وتلقب بالهادي، وأقام بمسجد تبر خارج ~~القاهرة، ودعا إلى مقالة الدرزي، وبث دعاته في أعمال مصر والشام، وترخص في ~~أعمال الشريعة، وأباح الأمهات والبنات ونحوهن؛ وأسقط جميع التكاليف في ~~الصلاة والصوم ونحو ذلك. فاستجاب له خلق كثير، فظهر من حينئذ مذهب الدرزية ~~ببلاد صيدا وبيروت وساحل الشام PageV02P113 ### || سنة تسع وأربعمائة @YY409 # في آخر شوال ركب الوزير علي بن جعفر بن فلاح إلى البرك التي قبل الخليج ~~خارج القاهرة، فثار عليه فارسان، فأخذه أحدهما فألقاه، وفرا، فلم يعرف ~~خبرهما، وحمل إلى داره فمات من الأخذ. وولى الوزارة بعده الظهير صاعد بن ~~عيسى بن نسطورس فأقام إلى رابع ذي الحجة. وقيل تولى بعده شمس الملك مسعود ~~بن طاهر الوزان. # وفيها عزل الحاكم سديد الدولة عن دمشق، ووليها عبد الرحيم بن إلياس، وسار ~~إليها لعشرين من جمادى الآخرة، فبينما هو قصره إذ ms253 هجم عليه قوم ملثمون ~~فقتلوا جماعة من غلمانه، ثم أخذوه ووضعوه في صندوق وحملوه إلى مصر. فلم يكن ~~بها أكثر من شهرين، ثم أعيد إلى دمشق فأقام بها ليلة العيد. وورد من مصر ~~رجل يقال له أبو الداود المغربي ومعه جماعة، وأخرجوا عبد الرحيم وضربوا ~~وجهه؛ وأصبح الناس يوم العيد وليس لهم من يصلي بهم. وعجب الناس من هذه ~~الأمور. # وفيها سومح ضامن الصعيد الأعلى بما عليه وهو أربعة وستون ألف دينار ~~وسبعمائة وخمسة وستون دينارا. PageV02P114 ### || سنة عشر وأربعمائة @YY410 # فيها اشتد الغلاء بديار مصر حتى أبيع الدقيق رطلا بدرهم واللحم أربع أواق ~~بدرهم، ومات كثير من الناس بالجوع. وبلغت عدة من مات في مدة رمضان وشوال ~~وذي القعدة، مائتي ألف وسبعين ألفا سوى الغرباء وهم أكثر من ذلك # وفي سنة عشر وأربعمائة سير الحاكم بأمر الله أبا القاسم بن اليزيد إلى شرف الدولة ~~الحاكمية أبي تميم المعز بن نصير الدولة أبي مناد باديس، ومعه سيف مكلل ~~بنفيس الجوهر وخلعة من لباسه، فقدم المنصورية لست بقين من صفر سنة إحدى عشرة. وتلقاه شرف الدولة ونزل ~~إليه فقرأ عليه سجلا عظيما؛ فكانت أيام فرح. ثم ورد بعده محمد بن عبد ~~العزيز بن أبي كدينة بسجل آخر ومعه خمسة عشر علما منسوجة بالذهب، فخلع على ~~أبي القاسم ومحمد، وحملا، وطيف بهما في القيروان والأعلام المذكورة بين ~~أيديهما. # ولليلتين بقيتا من شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة فقد الحاكم. وسبب فقده ~~أن أخته ست الكل سلطانة كانت امرأة حازمة، وكانت أسن منه، فدار بينها وبينه ~~يوما كلام، فرماها بالفجور وقال لها: أنت حامل. فراسلت سيف الدين حسين بن ~~علي بن دواس؛ من مقدمي كتامة، وكان قد تخوف من الحاكم، وتواعدا على قتل ~~الحاكم وتحالفا عليه. فأحضرت ست الكل عبدين وحلفتهما على كتمان الأمر، ~~ودفعت إليهما ألف دينار ليقتلا الحاكم. فأصعد إلى الجبل في الليل، وكان ~~الحاكم قد رأى أن عليه قطعا؛ PageV02P115 # فلما كان في الليلة التي فيها قال لأمه: علي قطع في هذه الليلة وعلامة ms254 ~~ذلك ظهور كوكب الذنابة؛ ودفع إليهما خمسمائة ألف دينار ذخيرة لها، فمنعته ~~من الركوب، ونام. ثم انتبه آخر الليل وقام ليركب، فتعلقت به، فامتنع ومضى، ~~وركب الحمار إلى باب القاهرة، ففتح له أبو عروس صاحب الشرطة الباب وأغلقه ~~خلفه، وخرج متبعا له. قال: فسمعته يقول: ظهر والله الكوكب؛ ولم يكن معه سوى ~~ركابي وصبي يحمل دواته. فعارضه وسط الجبل سبع فوارس من بني قرة، فخدموه ~~وسألوه الأمان وأن يسعفهم بما يصلح شأنهم، فأمنهم، وأمر الركابي أن يحملهم ~~إلى الخازن يدفع إليهم عشرة آلاف درهم. ودخل الشعب الذي كان يدخله وقد وقف ~~العبدان له، فضرباه حتى مات، وطرحاه، وشقا جوفه ولفاه في كساء، وقتلا الصبي ~~وغرقا حماره؛ وحملا الحاكم في كساء إلى أخته فدفنته. وأقامت مدة، وأحضرت ~~الوزير خطير الملك وعرفته الحال، وأمرته أن يكاتب عبد الرحيم بن إلياس ~~يستدعيه من دمشق. فكتب إليه على لسان الحاكم يأمره بالمبادرة، واستدعت ألف ~~ألف دينار فرقتها في الأولياء وبعثت قائد السواحل. فلما قدم عبد الرحيم عدل ~~به إلى تنيس فقتل بها. # واضطرب الناس لغيبة الحاكم، فأرسلت إليهم: إنه أخبرني أنه يغيب سبعة ~~أيام، وإنه يواصلني بأوامره. ورتبت رسلا يمضون عنها إلى الحاكم ويجيئون منه PageV02P116 # إليها. ففي أثناء ذلك اشتدت شوكتها، وكف الناس عن الاستقصاء في المسألة. ~~وأحضرت ابن دواس وواطأته على أخذ البيعة للظاهر لإعزاز دين الله بن الحاكم، ~~وأظهرته وعلى رأسه تاج جده العزيز. وقام ابن دواس فقال لمن حضر من أهل ~~الدولة، تقول لكم مولاتنا هذا مولاكم فسلموا عليه. وقبل ابن دواس الأرض، ~~فبايع الناس إلا غلاما تركيا كان عمل ليلا بين يدي الحاكم فإنه قال: لا ~~أبايع حتى أعرف خبر مولاي. فقتل، وقام ابن دواس بتدبير الأمر. ثم إن ست ~~الملك دست عليه وقتلته وقتلت جميع من اطلع على سرها، وقتلت جماعة خافتهم. ~~ثم لم تطل أيامها وماتت بعد أيام. # قال ابن أبي طي لما ذكر هذا الخبر في كيفية قتل الحاكم: وكان الحاكم شديد ~~السطوة، عظيم الهيبة جريئا على ms255 سفك الدماء. خطب له على منابر مصر والشام ~~وإفريقية. وكان يتشبه بالمأمون ويقصد مقاصده واشتغل بعلوم الأوائل، واعتد ~~بعلوم النجوم، وعمل له رصدا، ووقف الكواكب، واتخذ بيتا بالمقطم فيه عن ~~الناس ويخلو لمخاطبة الكواكب. وكان يركب الحمار وعليه ثياب الرهبان، ووراءه ~~غلام اسمه مفلح يحمل الدواة والسيف والورق في كيس معلق في كتفه وهو يمشي ~~وراءه؛ فإذا مر بسوق انهزم الناس واستتروا عنه، ويطرق أبواب الحوانيت فلا ~~ينظرون إليه، إلا أن يكون لأحد منهم حاجة فإنه يقف عليه ويكتب العبد بين ~~يديه ما يأمره به في رقعة إلى الوزير. # وكان لا يحضره الجيش إلا في الأعياد، فيركب في ذلك اليوم بثيابه على ~~الفرس. وكان مهابا عند أهل مملكته، وكان لا يحضر مجالس الجدل ويحتجب أياما ~~كثيرة مشتغلا بما هو فيه، وكان له سعي في إظهار كلمته، فبعث دعاته إلى ~~خراسان وأقام فيها مذهب الشيعة، واستجاب له عالم عظيم؛ فبعث إلى البلاد ~~بالأموال في استمالة الرجال إلى ما يريد. PageV02P117 # وكان أبو عبد الله أنوشتكين النجري الدرزي أول رجل تكلم بدعوته، وأمر ~~برفع ما جاء به السرع، وسير مذهبه إلى بلاد الشام والساحل، ولهم مذهب في ~~كتمان السر لا يطلعون عليه من ليس منهم. وكان الدرزي يبيح البنات والأمهات ~~والأخوات. فقام الناس عليه بمصر وقتلوه، فقتل الحاكم به سبعين رجلا. وأنفذ ~~الدرزي إلى الحجر الأسود برجل ضربه وكسره؛ وادعى الربوبية. وقدم رجل يقال ~~له يحيى اللباد، ويعرف بالزوزني الأخرم، فساعده على ذلك، ونشط جماعة على ~~الخروج عن الشريعة. # وركب يوما من القاهرة في خمسين رجلا من أصحابه إلى مصر، ودخل الجامع ~~بدابته، وأصحابه كذلك، فسلم إلى القاضي رقعة فيها: باسم الحاكم الرحمن ~~الرحيم، فأنكر القاضي ذلك، وثار الناس بهم وقتلوهم، وشاع هذا في الناس ~~فلعنوه. ويقال إنه خرج يوما وعليه قباء أطلس وفي وسطه سيف، فخلع القباء ~~وقال: هذا الظاهر قد خلعته، ثم جرد السيف وقال: هذا الباطن قد سللته. # قال: وفي السنة التي قتل فيها الحاكم أشاع أنه يريد أن ينزل ms256 في أول رمضان ~~إلى الجامع ومعه الطعام، فمن أبى الأكل قتله. وكان دعاته إذا ركب يقولون: ~~السلام عليك يا واحد يا أحد، ويغلون فيه الغلو المفرط. وادعى أنه حصل له ~~كتاب الجفر. ولما غلب على الحرمين وعد العلويين أهل المدينة إذا هم مكنوه ~~من فتح دار جعفر بن محمد الصادق بوعود كثيرة، ففتحها، وكانت مغلقة، فإذا ~~فيها قعب خشب ومصحف وسرير سعف وقدره؛ ولم تكن PageV02P118 # فتحت قبل ذلك، فرأى بالسرير وأخذ أعداءه وهدم بيعة ثمامة في سنة ثمان ~~وثمانين وثلثمائة؛ وخرج رسمه إلى الوزير على لسان خادم أن يتب: أمرت حضرة ~~الإمامة بهدم قمامة، وأن يجعل علوها خفضا، وسماؤها أرضا. # وبلغه أن المغاربة تلعنه، فقرب الفقهاء المالكية وأمرهم بتدريس مذهب مالك ~~بن أنس في الجامع. وكان يحب العلماء ويقدم ما يرد فيه، وإذا رأى رأيا عزم ~~عليه وأمضاه. وكتب إليه رجل: إن فلانا مات وخلف مالا، فوقع بخطه على ظهر ~~الرقعة: السعاية قبيحة إن كانت صحيحة. وكتب إليه آخر: إن فلانا مات وخلف ~~بنتا، وقد أخذت جميع مال أبيها، فوقع على ظهر الرقعة: المال مال الله، ~~واليتيم جبره الله، والساعي لعنه الله، وعلى مذهبنا يجوز أن ترث البنت جميع ~~مال أبيها. ومنع النساء الخروج من البيوت، فقيل إن فيهن من لا تجد من يقوم ~~بشأنها فتموت جوعا، فأمر الباعة بالتطواف في السكك وأن يبيعوهن من خلف ~~الأبواب ويناولوهن بمغارف طوال السواعد. وكان أمر ألا يكشف مغطى، فسكر رجل ~~ونام في قارعة الطريق وغطى نفسه بمنديل، فصار الناس يمرون به ولا يقدر أحد ~~أن يكشف عنه. فمر به الحاكم وهو كذلك، فوقف عليه وقال له: ما أنت؟ فقال: ~~أنا مغطى، وقد أمر أمير المؤمنين ألا يكشف مغطى. فضحك وطرح عنده مالا، ~~وقال: استعن بهذا على ستر أمرك. وقرر الحاكم بعد ابن الفرات ذا الرياستين ~~قطب الدولة أبا الحسن علي بن جعفر بن فلاح، واستمر إلى أن قتل الحاكم. # انتهى ما ذكره ابن أبي طي، وفيه تحامل شعر به واحد من مؤرخي ms257 مصر ذكره. # وقال الروحي على ما حكاه عنه ابن سعيد: ولم يزل الحاكم خليفة إلى سنة ~~إحدى عشرة وأربعمائة، فخرج ليلة الاثنين السابع والعشرين من شوال، فطاف ~~ليلته كلها على رسمه PageV02P119 # وأصبح عند قبر الفقاعي، ثم توجه إلى شرقي حلوان، وتبعه ركابيان، ~~فأعادهما. وبقي الناس على رسومهم يخرجون يلتمسون رجوعه إلى يوم الخميس سلخ ~~الشهر المذكور، ثم خرج خواص من بطانته فبلغوا دير القصير، ثم أمعنوا في ~~الدخول في الجبل؛ فبينما هم كذلك إذ بصروا بالحمار الذي كان راكبه على قنة ~~الجبل وقد ضربت يداه بسيف فأثر فيهما وعليه سرجه ولجامه. وتتبع الأثر فقاد ~~إلى أثر الحمار في الأرض وأثر راجل خلفه وراجل قدامه؛ فلم يزالوا يقصون هذا ~~القص حتى انتهوا إلى البركة التي في شرقي حلوان، فنزل فيها رجل فوجد فيها ~~ثيابه وهي سبع جباب، ووجدت مزررة فيها آثار السكاكين، فلم يشك في قتله. ~~فكانت مدته ستا وثلاثين سنة وسبعة أشهر، وكانت ولايته خمسا وعشرين سنة ~~وشهرا. وكسفت الشمس يوم موته. وكان جوادا بالمال سفاكا للدماء قتل عددا ~~كثيرا من أماثل دولته وغيرهم صبرا، وكانت سيرته من أعجب السير. # قال: ومنع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلا ونهارا، ومنع الأساكفة من ~~عمل الخفاف المنجة لهن؛ فأقمن على ذلك سبع سنين وسبعة أشهر إلى خلافة ~~الظاهر. # قال أحمد بن الحسين بن أحمد الروذباري في كتاب الأدباء على ما نقله ابن ~~سعيد: وقتل الحاكم ركابيا له بحربة في يده على باب جامع عمرو بن العاص وشق ~~بطنه بيده. وعم بالقتل بين وزير وكاتب وقاض وطبيب وشاعر ونحوي ومغن ومختار ~~وصاحب ستر PageV02P120 # وحمامي وطباخ وابن عم وصاحب حرب وصاحب خبر ويهودي ونصراني، وقطع حتى أيدي ~~الجواري في قصره. وكان في مدته القتل والغيلة حتى على الوزراء وأعيان ~~الدولة يخرج عليهم من يقتلهم ويجرحهم. وخطفت العمائم جهارا بالنهار، وكان ~~لعبيد الشراء في مدته مصائب وخطوب في الناس. وكان المقتول ربما جر في ~~الأسواق، فأوقع ذلك فتنة عظيمة. # قال: كان الحاكم يركب حمارا يسمى ms258 القمر ويعبر به على الناس. وكان له ~~صوفية يرقصون بين يديه ولهم عليه جار مستمر. ووقف رجل للحاكم فصاح عليه، ~~فمات لوقته. وكانت غيبته إلى يوم جلوس ولده الظاهر ثلاثة وأربعين يوما. # قال ابن سعيد عن مجموع وقف عليه: وواصل الحاكم في ركوبه الوقوف على ~~المعروف بابن الأرزق الشواء ومحادثته بدار فرح، وخلع عليه وأجازه. وفي يوم ~~استدعى الحاكم أحد الركابية السودان المصطنعة ليحضر إلى حانوت ابن الأزرق ~~الشواء، فوقفه بين اثنين ورماه برمح، ثم أضجعه، واستدعى سكينا فذبحه بيده، ~~ثم استدعى شاطورا ففرق بين رأسه وجسده، ثم استدعى ماء فغسل يده بأشنان ثم ~~ركب. وحمل المقتول إلى الشرطة فأقام ليلة ثم دفن بالصحراء. ثم بعث المؤتمن ~~بعد ثلاثة أيام فنبشه وغسله وأنفذ إليه أكفانا كفن بها، ثم أمر قاضي القضاة ~~بالصلاة عليه، وأمر ألا يتخلف أحد فحضر الشهود وأهل السوق، وصلى عليه قاضي ~~القضاة، ودفن بالقرافة، وواراه قاضي القضاة وجعل التراب تحت خده، وأمر ~~ببناء قبره وتبيضه في وقته؛ ففعل ذلك. وتظلم إليه رجل في ركوبه إلى مصر في ~~ناصح الركابي، فوقف عليه وسأل ناصحا عن دعواه فظهر أنها صحيحة، فأمر أن ~~يدفع ماله إليه، فلم يجد معه في الوقت ذلك القدر، فألزمه ببيع فرسه الذي ~~كان راكبا عليه، فباعه ووفى الرجل ما كان له عليه، كل ذلك بحضرته وهو واقف ~~على ظهر دابته، ثم سار. PageV02P121 # وقال الفوطي: كان الحاكم أجود الخلفاء بماله، وبه تفشت حاله فيما سفكه من ~~الدماء التي لا يحصيها إلا الله. وكان الأمر في مدة العزيز فيه انحلال وعفو ~~كبير عن الناس، وظنوا أن ذلك يجوز في مدة الحاكم وجروا على رسمهم، فتجرد له ~~منهم مطلع على جميع أمورهم غير مطرح لعقوبة، فهلك الجم الغفير منهم. وكان ~~في مدة أبيه العزيز بالله قد تكشف على أقوام ممن يطعن في الدولة ويسىء ~~المقالة فيها، فلما صارت له الخلافة انتقم منهم أشد انتقام وعمهم بالعقوبة. # قال: ومن حكايته المشهورة في العدل أن رجلا عربيا ورد على مصر ms259 من سجلماسة ~~يريد الحج، فأودع ماله عند رجل في السوق، فلما عاد من الحج طل ماله فأبى أن ~~يدفعه إليه. فتوصل إلى أن أطلع الحاكم على أمره، فقال له اجلس في دكان ~~مقابلا لدكانه، فإذا جزت في ذلك السوق فاعمل كأنك تعرفني وكأني أعرفك. فلما ~~مر الحاكم وقف على الرجل وسأل عن حاله وأكثر معه الوقوف، وانصرف فجاء الرجل ~~الذي عنده الوديعة إلى الرجل وأكب عليه وسأله الصفح عما سلف منه، وأحضر ~~إليه جميع ماله. فعرف الحاكم بذلك، فأصبح الذي أنكر الوديعة مقتولا معلقا ~~برجله. # وكان نقش خاتمه: بنصر الولي العلي ينتصر الإمام أبو علي. PageV02P122 # وخطب له معتمد الدولة، أبو المنيع قرواش بن المقلد بالموصل والأنبار وقصر ~~ابن هبيرة والمدائن. # ومن خط ابن الصيرفي يروي أن الإمام الحاكم بأمر الله قال لبعض الأعيان ~~الذين شرفهم بمجالسته وميزهم بمحاورته، فقال: أكلت حتى شبعت، وشربت حتى ~~رويت، والشبع والري غايتا الأكل والشرب؛ فإذا قلت ونمت، فنقول: حتى إذا أي ~~شيء جعلته غاية النوم؟ فلم يحر جوابا ورغب إلى كرمه في الإفادة، فقال نمت ~~حتى ريثت، والروث غاية النوم، وأنشد: # فأما تميم بن مر فألفاهم القوم روثا نياما PageV02P123 ### | الظاهر لإعزاز دين الله أبو الحسن علي ابن الحاكم بأمر الله أبي علي منصور # أمه أم ولد تدعى رقية، ويقال اسمها آمنة بنت الأمير عبد الله بن المعز، ~~وإن ست الملك سلطانة، أخت الحاكم، كانت تعادي آمنة هذه. ومولده بالقصر من ~~القاهرة على مضي ثلاث ساعات من ليلة الأربعاء عاشر شهر رمضان، سنة خمس ~~وتسعين وثلمثائة؛ وبويع بالخلافة في يوم عيد الأضحى سنة إحدى عشرة ~~وأربعمائة، وله من العمر ست عشرة سنة وثلاثة أشهر واتفق في هذا اليوم أن ~~صلى للحاكم في خطبة العيد، ثم بويع الظاهر بعد عودة القاضي من المصلى، فكان ~~بين الدعاء في الخطبة للحاكم وبين أخذ البيعة للظاهر ثلاث ساعات، ولم يتفق ~~مثل ذلك. # وتوفي ببستان الدكة خارج القاهرة، في ليلة الأحد النصف من شعبان سنة سبع PageV02P124 # وعشرين وأربعمائة، وعمره إحدى ms260 وثلاثون سنة وأحد عشر شهرا وخمسة أيام. ~~ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام، كانت فيها قصص وأنباء. # ذلك أنه لما فقد الحاكم استدعت السيدة ست الملك سيف الدولة حسين بن علي ~~بن دواس الكتامي إلى حيث كانت جالسة وقالت له: المعول في قيام هذه الدعوة ~~عليك، وهذا الصبي ولدك، وينبغي أن تتولى الخدمة إلى غاية وسعك وتبذل فيها ~~كل ما عندك. فقبل الأرض وشكر ودعا، ووعد بالإخلاص في الطاعة، وبلوغ ما في ~~القدرة والاستطاعة. فأخرجت علي بن الحاكم بأمر الله ولقبته الظاهر لإعزاز ~~دين الله؛ وألبسته تاج المعز جد أبيه، وهو تاج مرصع بالجواهر الفاخرة، ~~وجعلت على رأسه مظلة مرصعة. وأركبته فرسا رائعا بمركب ذهب مرصع، وأخرجت بين ~~يديه الأمير الوزير رئيس الرؤساء خطير الملك أبا الحسن عمار بن محمد ونسيما ~~صاحب السيف، في عدة من الأستاذين تخدم. فلما برز وشوهد تقدم الوزير وصاح: ~~يا عبيد الدولة، مولاتنا تقول لكم هذا مولاكم أمير المؤمنين فسلموا عليه، ~~فقبل ابن دواس الأرض ومرغ خديه بين يديه، وفعل ما يتلوه من سائر طبقات ~~العسكر مثل ذلك؛ وضربت البوقات والطبول، وعلا الصياح بالتكبير والتهليل، ~~والظاهر يسلم على الناس يمينا وشمالا. وفتحت أبواب القصر، وأدخل الناس على ~~العموم حتى سلموا ومدحوا؛ ولم يزل واقفا لهم إلى الظهر. ثم صرفوا وجمعوا من ~~غد وأخذت البيعة عليهم، ووضع العطاء، وأطلق مال الفضل للجند كافة؛ ولم يجر ~~خلاف من أحد، إلا أن غلاما تركيا كان يحمل الرمح بين يدي الحاكم قال لا ~~أبايع حتى أعرف خبر مولاي؛ فأخذ وسحب على وجهه وغرق في النيل؛ وقامت ~~الهيبة. PageV02P125 # وكتب إلى بلاد الشام والمغرب بوفاة الحاكم وقيام الظاهر، ورسم لهم أخذ ~~البيعة على نفوسهم ومن عندهم من سائر طبقات الناس. وأقيمت المآتم على ~~الحاكم في القصور والقاهرة ثلاثة أيام. وجمعت السيدة عامة أهل مصر وخاطبتهم ~~بالجميل والملاطفة، ووعدتهم حسن السيرة والمعاملة، وأمرتهم بذكر حوائجهم ~~ومصالحهم في كل وقت، والمطالعة بحيف إن لحقهم من عامل أو ناظر ليفعل في ms261 ذلك ~~ما توجبه السياسة العادلة. وأطلقت للنساء الخروج من منازلهن والتصرف في ~~أمورهن. وارتجعت جواهر كان الحاكم وهبها، وحلت إقطاعا، أقطعها ورتبت الأمور ~~ترتيبا أصلحها وهذبها. # وزارت ابن دواس في منزله، وجعلت مصادر التدبير على يده. فلما أحكمت ما ~~أحكمته وأكدت ما أكدته، أحضرت ابن دواس وقالت له: قد علمت ما بيني وبينك من ~~المواثيق والعهود، وأنا امرأة، وإنما أريد هذا الملك لهذا الصبي؛ وقد أحسن ~~الله المعونة، وأجرى الأمور على المحبة، وأنت زعيم الدولة فيها والمنظور ~~إليه منها؛ وقد رأيت أن أنجز وعدك وأظهره، وأرد إليك أمر السيادتين، مضافا ~~إلى الشرطتين، وأجعل أمرك في الأمور والخزائن نافذا، ورأيك في التقريرات ~~والتدبيرات معتمدا، إذ كنت المولى المخلص والشريك المخالط؛ وأشرفك بخلع ~~وحملان يظهر للخاص والعام بها موضعك ومحلك، وتخصصك وتحققك. فادخل الخزائن ~~واختر كل ما تريد لفخامته ولجلالته، واطلب يوما تختار لتفاض فيه عليك الخلع ~~ويقرأ العهد بتقليدك. فلما سمع من ذلك ما سمع سر به وقبل الأرض شكرا عليه. ~~وشاع هذا الحديث فركب الناس إليه وهنئوه بالنعم المتجردة له. # وأحضرت السيدة بعد ذلك كاتب ابن دواس وقالت له: قد تقدمنا إلى سيف الدولة ~~بما عرفته، وبما اعتمد التخفيف فيما أطعمه أو وقف فيه دون الغاية التي ~~نريدها، وينبغي لك أن تعمل أنت تذكرة بجميع ما يستوفي فيه شروط المنزلة ~~التي قدمناه إليها، والحال PageV02P126 # التي أهلناه لها، وتستظهر له لا عليه في ذلك، وتحضرها لنقف عليها وننجز ~~ما فيها. فقبل الأرض وقال: السمع والطاعة. فقالت له واكتب أيضا رقعة واذكر ~~فيها مبلغ جاريك لنوقع بإضعافه، وقد أمرنا عاجلا باعطائك ألف دينار وعشرين ~~قطعة ثيابا وبغلين بمركبين. فأعاد الشكر والدعاء، وصار إلى ابن دواس فأعلمه ~~ما خوطب به وعومل به من حسن الاعتقاد فيه؛ فتضاعف سروره بذلك، ووافقه على ~~ما كتب به التذكرة من الثياب، والسيوف المحلاة، والمناطق المرصعة، والدواب ~~والمراكب الذهب الثقيلة، وغير ذلك من أسباب التشريفات الزائدة؛ وعاد الكاتب ~~بها فعرضها، وتقدم باعداد جميع ما فيها، وكتب له العهد. ms262 وأحضر ابن دواس ~~وبنو عمه وكاتبه، وامتلأ القصر بالخاصة والعامة، وخرج معضاد الخادم، وكان ~~قريبا من السيدة، وهو أستاذ الظاهر، فحمل ابن دواس إلى الخزانة حتى يشاهد ~~ما أعد له، وكان عظيما جليلا، وقال له: السيدة تقول لك إن أردت مزيدا ~~فاطلبه، فقبل الأرض ودعا، وعاد فجلس في صفة على باب الستر ووجوه الدولة بين ~~يديه، وكل منهم يتطأطأ له ويعطيه من نفسه كل ما يتقرب إليه به. # فلما تعالى النهار خرج نسيم الصقلبي صاحب الستر والسيف، وبين يديه مائة ~~رجل تعرف بالسعدية، يختصون بركاب السلطان ويحملون سيوفا محلاة بين يديه، ~~ويعرفون لأجلها بأصحاب سيوف الحلي؛ وقد جرت عادتهم في أيام الحاكم بأن ~~يتولوا قتل من يؤمر بقتله. وقال لابن دواس: أمير المؤمنين يسلم عليك. فقام ~~وقبل الأرض، وفعل الناس مثل ما فعله؛ وقال: قد جعل هؤلاء القوم يعني أصحاب ~~السيوف برسمك إكراما لك وتنويها بك. فقبل الأرض ثلاثا ومرغ خديه، ودعا هو ~~والحاضرون للظاهر بما يدعى لمثله به؛ ووقف القوم قياما بين يديه. فعاد نسيم ~~فألقى ما جرى، فرسمت له السيدة أن يخرج ويضبط أبواب القصر بالخدم ~~والصقالبة، ففعل. وقالت له بعد ذلك، اخرج وقف بين يدي ابن دواس وقل: يا ~~عبيد مولانا، أمير المؤمنين يقول لكم هذا قاتل مولانا PageV02P127 # الحاكم. واعله بالسيف وأمر العبيد السعدية بأن يقتلوه. فخرج نسيم ومعه ~~جماعة من الصقالبة وفعل ما أمر به، وأخذ رأس ابن دواس ودخل به إلى حضرة ~~السيدة فوضعه بين يديها. # فأمرته بإيفاد الصقالبة إلى دوره والتوكيل به والقبض على جميع أسبابه، ~~وقتل كاتبه، وإخراج جثته ورميها على باب القصر، ففعل جميع ذلك. ولم يعترض ~~فيه معترض؛ وتفرق الناس. # وأحضر موجود ابن دواس فوجدت في بعض صناديقه السكين التي كان يحملها ~~الحاكم في كمه أخذت عند قتله. وأقامت جثة ابن دواس ثلاثة أيام، ومناد ينادي ~~عليها: هذا جزاء من غدر بمواليه؛ ثم دفع إلى عبيده فدفنوه. # وقبضت السيدة بعد هذا على خطير الملك عمار بن محمد. وكان يتولى ديوان ~~الإنشاء ms263 وإليه زم المشارقة والأتراك، وهو الواسطة بين الحضرة وبين هذه ~~الطوائف؛ ثم خلع عليه في جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وأربعمائة؛ ووقع عن ~~حضرة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله على ما يوقع عليه الحاكم، فجعل ~~توقيعه: الحمد لله رب العالمين، ثم قام بعد الحاكم بالبيعة لأمير المؤمنين ~~الظاهر كما تقدم. وفي سنة اثني عشرة خلع عليه للوساطة وكتب سجله بذلك؛ وزال أمره في ذي القعدة من السنة ~~المذكورة، فكانت مدة سبعة أشهر وأياما؛ وقتل في الحج. # وولى بعده بدر الدولة أبو الفتوح موسى بن الحسن، وكان يتولى الشرطة ~~السفلى ثم خلع عليه أولا بالصعيد في جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة؛ ثم ولى ~~ديوان الإنشاء PageV02P128 # عوضا عن ابن خيران؛ وخلع عليه للوساطة في محرم سنة ثلاث عشرة عوضا عن ~~خطير الملك؛ ثم قبض عليه في العشرين من شوال منها في القصر، فاعتقل وزال أمره؛ وكانت ~~مدة وساطته تسعة أشهر. ثم أخرج في يومه مسحوبا، وسجن، ثم أخرج من الغد وقتل ~~في الفج؛ فوجد له من العين ستمائة وعشرون ألف دينار. # وقتلت السيدة جماعة ممن كان اطلع على سرها في قتل الحاكم، وعظمت هيبتها ~~في نفوس الأباعد والأقارب. # وفي سنة ثمان عشرة شرب الظاهر الخمر وترخص فيه للناس وفي سماع الغناء ~~وشرب الفقاع، وأكل الملوخية وسائر أصناف السمك، فأقبل الناس على اللهو. # وكان قد ولى حلب غلام يعرف بأمير الأمراء عزيز الدولة أبي شجاع فاتك ~~الوحيدي، غلام منجوتكين، في شهر رمضان سنة سبع وأربعمائة، وكان أرمنيا دينا ~~عاقلا؛ فولاه الحاكم بأمر الله حلب وأعمالها، ولقبه أمير الأمراء وعزيز ~~الدولة تاج الملة. ودخل حلب يوم الأحد ثاني شهر رمضان منها؛ وتمكن من البلد ~~واستفحل أمره وعظم شأنه، فعصى الحاكم، ودعا لنفسه على المنبر، وضرب السكة ~~باسمه. فمات الحاكم عقب ذلك. فلاطفته السيدة وآنسته، وواصلته بما مال إليه ~~من حمل الخلع والخيول بالمراكب في سنة اثنتي عشرة حتى استمالت قلبه. ولم ~~تزل تعمل الحيلة حتى أفسدت عليه غلاما له يعرف ببدر، كان يملك أمره ms264 وغلمانه ~~تحت يده، وبذلت له العطاء الجزيل على الفتك به، ووعدته أن تقيمه مقامه في ~~موضعه. وكان لعزيز الدولة غلام هندي يهواه ويحبه حبا شديدا؛ فاستغواه بدر ~~وقال له: قد عرفت من مولاك ملالا لك وتغيرا منه فيك، واطلعت منه على عزمة ~~في قتلك، ودفعته دفعات عنك لأنني لا أشتهي أن يتم مكروه عليك. PageV02P129 # وتركه مدة ووهب له دنانير وثيابا، وأظهر له المحبة، وتوصل إلى أن خلابه ~~ثم قال له: إن علم نبأ التعير عزيز الدولة قتلنا، وما إشفاقي على نفسي ~~وإنما إشفاقي عليك. فقال له الصبي: فأي شيء أعمل يا مولاي؟ قال: قد عرفت ~~محبتي لك، وإن ساعدتني اصطنعتك وأعطيتك، وعشنا جميعا في خفض وأمن. قال له: ~~فارسم ما شئت حتى أفعله؛ قال: تحلف لي حتى أقول لك؛ فاستحلفه وخدعه، ووافقه ~~على قتل عزيز الدولة. فقال له الصبي كيف أقتله؟ قال: الليلة يشرب، وسأزيد ~~في سقيه حتى أسكره؛ فإذا استدعاك على الرسم لغمزه ونام فقم كأنك تهريق ماء، ~~فخذ سيفه واضربه حتى تفرغ منه. فقبل الصبي وصيته. وكان عزيز الدولة في ~~الصيد؛ فلما عاد دخل الحمام وخرج منه فأكل ثم انتقل إلى مجلس الشراب؛ وحضر ~~من جرت العادة بحضوره من ندمائه، ثم قام في آخر وقت وقد تبين فيه السكر، ~~والصبي بين يديه يحمل سيفه حتى وافى إلى مرقده واستلقى على فراشه؛ وأمر ~~الغلام أن يغمزه. فلما مضى هزيل من الليل وثقل عزيز الدولة في النوم وتحقق ~~الصبي ذلك سل السيف وضربه به، وكان سيفا ماضيا، ففلق رأسه، وأتبع الضربة ~~بأخرى فقتله. ودخل بدر وشاهده ميتا، فصاح، واستدعى غلمان الدولة وأمرهم ~~بقتل الصبي، فقتلوه؛ وحوط الخزائن والقلعة. # وشاع قتل عزيز الدولة؛ وكان ذلك في ليلة السبت الرابع من شهر ربيع الآخر ~~سنة ثلاث عشرة. وكتب بدر إلى السيدة بقتله، فأجابته، وأظهرت الوجد على عزيز ~~الدولة، وشكرت بدرا على ما كان منه في ضبط الأمر وحراسة الخزائن؛ ولقبته ~~وفي الدولة، وقلدته موضع مولاه، ووهبت له جميع ما حازه. PageV02P130 # وكان سديد ms265 الدولة علي بن أحمد الضيف ناظرا بالشام، فتلطف ببدر غلام عزيز ~~الدولة حتى تسلم البلد منه والقلعة، وولاها أصحاب الظاهر. وسبب ذلك أن ~~كتابا وصل إليه من الظاهر بخطه يطيب نفسه، وأظهر هذا الكتاب في حلب في أيام ~~الملك رضوان أخذه من بعض أهلها؛ وكان في ورق إبريسم أسم عريض، فيه ثلاثون ~~سطرا بخط وسط. وكان صدر الكتاب: عرض بحضرتنا يا بدر سلمك الله ما كتبت على ~~يد كاتبك ابن مدبر، وعرفنا ما قصدته، ولم نسىء ظنا بك لقول فيك ولا شناعة ~~ذكر. وقد بعثنا بأحد ثقاتنا إليك وهو علي بن أحمد الضيف ليجدد الأخذ عليك. ~~فلما دخل ابن الضيف على بدر بالكتاب استرسل إليه وطرح القيد في رجليه، فقبض ~~عليه وأنزله من القلعة. وأقام بحلب سنة. وسلمها موصوف الخادم إلى أصحاب ~~الظاهر وثقاته. # وفي سنة ثمان عشرة وأربعمائة في ذي الحجة والناس يطوفون بالكعبة قصد رجل ~~ديلمي من الباطنية الحجر الأسود فضربه بدبوس فكسره، وقتل في الحال، وقتل ~~معه جماعة ذكر أنهم كانوا معه وعلى اعتقاده الخبيث. # ولما تسلم بدر مدينة حلب من عزيز الدولة فاتك بقي بها سنتين، ثم ملكها ~~موصوف PageV02P131 # الخادم. واستدعى منتخب الدولة أنوشتكين الدزبري من قيسارية؛ فلما كان في ~~الرملة خرج إليه توقيع بولاية فلسطين، فدخلها في المحرم سنة أربع عشرة؛ ~~فخافه حسان بن مفرج بن دغفل بن الجراح؛ وجرت له معه وقائع وحروب انتصر فيها ~~الدزبري على حسان وعظم أمره. فسعى إلى به الوزير فقبض عليه بعسقلان. # وكان قد ولى الوزارة الأمير شمس الملك المكين الأمين أبو الفتح مسعود بن ~~طاهر الوزان بعد قتل بدر الدولة أبي الفتوح موسى بن الحسن في المحرم سنة ~~أربع عشرة، ورد إليه النظر في الرجال والأموال. فجرى له معه نجيب الدولة ~~على رسمه فيما يتولاه من ديوان تنيس ودمياط، والجيش الحاكمي، ودواوين ~~السيدة ست الملك، ولا يكون لشمس الملك في ذلك نظر. # وبعث الظاهر رسولا إلى بلاد إفريقية، فقدم مدينة المنصورية لأربع بقين من ~~جمادى الأولى، ومعه تشريف ms266 جليل لشريف الدولة أبي تميم المعز بن باديس، ~~وثلاثة أفراس بسروج ثقيلة، وخلعة ومنجوقان قد نسجا بالذهب على قصب من ~~الفضة، وعشرون بندا مذهبة، وسجل لقب فيه بشرف الدولة وعضدها. فتلقاه شرف ~~الدولة، وقرئ السجل بجامع القيروان. PageV02P132 # وأهل جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وأربعمائة بيوم الثلاثاء، ففيه خلع على ~~أبي الفرج بن مالك بن سعيد ثوب وعمامة مذهبان، ورداء محشى مذهب، وحمل على ~~بغلة بسرج ولجام محلى؛ وقلد قضاء تنيس وسار إليها. وخلع على أحد أولاد ابن ~~جراح ثوب مثقف مذهب وعمامة طائرة، وحمل على فرسين بسرجين ولجامين مذهبين. ~~وفي غده ركب الظاهر إلى نواحي القصور وعاد. # وفي ثالثه وصلت نحو المائة رأس من جهة ابن البازيار وشهرت. # وهلك محمد بن عبد الله بن المدبر بأخذ الخطير عمار في القصر. وفي رابعه ~~وكل بدكاكين الرواسين في جميع الأسواق، وأخذ ما فيها من الرؤوس؛ وكان قد ~~طلب خمسمائة رأس وألف رطل رقاقا. # وفي سادسه جلس الظاهر للسلام، ودخل الناس على رسومهم، وانصرفوا. وفي ~~ثامنه جمع الناس كافة إلى صحن الإيوان بالقصر، وخرج رفق الخادم ومعه منشور ~~وسجل، فسلم المنشور إلى أبي طالب علي بن عبد السميع العباسي الخطيب، فرقى ~~المنبر وقرأه على الكافة. فتضمن أن جماعة من أوغاد الأرياف يرتكبون الجرائم ~~ويحتمون بأهل الدولة من الولاة. فنهوا عن حمايتهم. فلما فرغ من قراءته ~~استدعى أبو عبد الله محمد بن علي بن ابراهيم النرسي، نقيب الطالبيين إلى ~~الخزانة الخاصة، فخلع عليه ثوب دبيقي مذهب مصفف بأطواق، ومن تحته ثوب مصمت ~~مذهب وغلالة مذهبة، وعلى رأسه عمامة شرب مذهبة. وخرج وفي يده سجل يتضمن ~~استمراره في النقابة على عادته، وكان قد أرجف بصرفه عنها. PageV02P133 # وفي تاسعه ركب الظاهر في عساكره إلى عين شمس، وعاد. وفي يوم الجمعة حادي ~~عشره كان نوروز القبط؛ وانتهت زيادة النيل فيه إلى أربعة عشر ذراعا وأصبع ~~واحد. # وفيه خطب بجامع راشدة على منبره خطبتان في وقت واحد. وذلك أن أبا طالب ~~علي ابن عبد السميع خطب بهذا الجامع ms267 بعد سفر العفيف البخاري إلى الشام بأمر ~~قاضي القضاة، فسعى ابن عصفورة ببعض الخدام حتى خرج له الأمر بأن يخطب، ~~فخطبا معا أحدهما دون الآخر. ثم استقر أبو طالب في الخطاب وأن يخلفه ابن ~~عصفورة. # وفي ثالث عشره ركب الظاهر لفتح الخليج وسد البلد إلى الصناعة، فطرح بين ~~يديه عشارى. ثم سار على شارع الحمر إلى سد الخليج، ففتح بين يديه ولعبت ~~العشاريات فيه؛ وكان يوما حسنا. وكان عليه وقت نزوله إلى مصر قميص طميم ~~مذهب، وعلى رأسه شاشية مرصعة؛ وعاد وعليه ثياب بيض دبيقية مذهبة وعمامة شرب ~~مسكى مذهبة. # وفي ثاني عشريه وصلت هدية من المحدث بأسوان، وهي عشرون فرسا، وثمانون ~~بختيا وعدة عبيد وإماء سودان، وفهد، وغنم نوبية، وطيور، ونسانس، وأنياب ~~فيلة. # وفي ثلاثة أيام، آخرها سلخه، انصرف ماء النيل انصرافا فاحشا ولم ترو منه ~~الضياع، وكثر ضجيج الناس واستغاثتهم، وخرج أكثرهم بالمصاحف منشورة إلى ~~الجبل يدعون الله PageV02P134 # فلم يغاثوا. وتعذر وجود الخبز، وازدحم الناس على شراء الغلال، ووقف سعر ~~التليس على دينار إلا أنه لا يوجد إذا طلب؛ وأبيع سرا التليس القمح ~~بدينارين، والحملة الدقيق بدينارين وربع، والخبز أربعة أرطال بدرهم، وثمن ~~الحمل الدقيق بعشرين درهما # وأهل شهر رجب بيوم الأربعاء. وفي ثالثه توجه أبو القاسم بن رزق البغدادي ~~في الرسالة إلى الحجاز. وفي خامسه خلع على داوود بن يعقوب الكتامي ثوب مثقل ~~وعمامة، وقلد الحسبة والأسواق والسواحل؛ فنزل في موكب عظيم وبين يديه اثنتا ~~عشرة نجيبة تحيط به إلى مجلس الحسبة بمصر، فنظر في الأسعار عوضا عن ابن غرة ~~فاستقامت الأحوال. وقلد ذو القرنين أبو المطاع بن الحسن بن حمدان ~~الإسكندرية وأعمالها غربا وأمر ولده فاضل ولقب عظيم الدولة، واستقر عوضه ~~والي البلد. # وفيه قرىء بالإشراق سجل برفع المناكر وترك التظاهر بشيء منها، وألا يخرج ~~النساء من بعد العصر إلى الطرقات بالقرافة؛ وأن تنزه هذه الأشهر الشريفة عن ~~المناكير؛ وألا يجتمع الناس كما كانوا يجتمعون بالجزيرة والجيزة وبالقرافة ~~على شيء منها ومن المحظورات؛ وأن يمنع الغناء ms268 ظاهرا إلا بالقضيب فإنه مباح. # وفي ثامن قلد محمد بن عبد الله بن مدبر ديوان الخراج شركة. وركب الظاهر ~~إلى مسجد تبر؛ وعاد. وفي غده تعذر وجود الخبز، وأمر ببله في الماء في ~~القصارى؛ قيل وبيع ثلاثة أرطال بدرهم، ثم وجد. وفتحت مخازن جماعة من أهل ~~الدولة. PageV02P135 ### || سنة خمس عشرة وأربعمائة @YY415 # أهل المحرم بيوم السبت. وفي تاسعه أخذ رجل يقال له أبو زكريا، كان ~~نصرانيا فأسلم، وكتب الحديث وقرأ القرآن، وحج، ثم ارتد إلى النصرانية وقال: ~~ما عمل في سحر نبيكم؛ فضرب عنقه بعد ما ثبت عليه هذا. وفي ثالث عشره أخذ ~~كتابي يعرف بأحمد بن طاطوا وعليه أثر السفر، فزعم أنه ورد من الكوفة، وأنه ~~كان مع الحاكم بأمر الله، أرسله إلى الناس لينتهوا عما هم عليه؛ فضرب عنقه. # ولسبع عشرة بقيت منه سار أبو القاسم بن رزق البغدادي إلى صقلية بسجل ~~وهدية فيها مغنيات من القصر. وفيه ركب الظاهر إلى نواحي عين شمس وعليه ثوب ~~بنكي أحمر معلم مذهب، على رأسه عمامة شرب بنكي مذهب؛ وعاد. # ولعشر بقين منه امتنع شمس الملك الأمين المكين أبو الفتح مسعود بن طاهر ~~الوزان من النظر في الوساطة حنقا من الشريفين العجميين. لأنهما يتوليان ~~الأمر دونه، ومكاتبة أعمال الشام وغيره، وقراءة التخريج، وعرض كتب البريد ~~وكتب المطلقات؛ وأقام في داره ثلاثة أيام. فاستدعاه الظاهر وأمره بالعود ~~إلى خدمته، فعاد إلى النظر، وجلس على رسمه على باب الذهب يأمر وينهي. PageV02P136 # ولخمس بقين منه كان ثالث فصح النصارى، فاجتمع بقنطرة المقس من النصارى ~~والمسلمين في الخيام المنصوبة وغيرها خلق كثير طول نهارهم في لهو وتهتك ~~قبيح، واختلط الرجال بالنساء وهم يعاقرون الخمر، حتى حملت النساء في قفاف ~~الحمالين من شدة السكر؛ فكان المنكر شديدا في هذا اليوم. # وركب الظاهر في موكب إلى المقس بعمامة شرب مفوطة بسواد، وثوب دبيقي مدير ~~بسواد، فدار هناك طويلا وعاد. # ولثلاث بقين منه ورد من أهل الريف زيادة على خمسة آلاف رجل فارين من عدة ~~الدولة وعمادها، رفق الخادم، ms269 متولى السيارة بأسفل الأرض لعسفه. وقدم الخبر ~~باجتماع العرب الهلاليين والكلابيين وبني قرة وجهينة على الخارجي بالصعيد؛ ~~وبعث حيدرة بن نقيايان، متولى الصعيد، يطلب عسكرا، فسير إليه خلق من ~~العبيد، والباطلية، والبرقية، وغيرهم. # وأهل صفر وأوله الاثنين. في ثلاث قدم الحاج وفيه خلائق من أهل خراسان، ~~معهم أمتعة، ورسول صاحب خراسان بهدية إلى الظاهر؛ فأكرم وأنزل. وكان من ~~خبرهم أن حاج خراسان تأخر عن الحج في سنتي عشرة وإحدى عشرة، فاستغاث الناس ~~بالسلطان يمين الدولة أبي القاسم محمود بن سبكتكين، فتقدم إلى قاضي مملكته ~~أبي محمد الناصحي في الحج، ونادى بذلك في أعمال خراسان، وأطلق للعريان ~~ثلاثين ألف دينار سوى ما سيره للصدقات؛ فساروا وحجوا، وعادوا سالمين. ثم ~~حجوا بعد ذلك في سنة PageV02P137 # أربع عشرة، ومنهم أبو علي الحسن بن محمد المعروف بحسنك، صاحب عين الدولة ~~والخصيص به، وفي مهمته ما يدفع إلى العرب في طريق مكة وغيرها من رسومهم؛ ~~فدفع كل من استضعفه، ووعد من قوي جانبه وخيفت أذيته بإزاحة علتهم عند ~~مرجعه، واحتج عليهم بالوقت وضيقه وخيفة الفوت؛ فأخروا مطالبته. فلما قضي ~~الحج وعاد ممن معه إلى المدينة النبوية اجتمع هو وأبو الحسن محمد بن الحسن ~~الأقساسي العلوي، أمير الحاج البغدادي، وعدة من وجوه الناس، للنظر في أمر ~~العرب، فاستقر رأيهم على السير إلى الرملة من وادي القرى والمضي على الشام ~~إلى بغداد. فساروا إلى الرملة، وقدم الخبر بقدومهم إليها على الظاهر في ~~ثاني عشر صفر، وقالوا إنهم في ستين ألف جمل ومائتي ألف إنسان بكتاب بعث به ~~إليه الأقساسي يستأذنه فيه على عبور بلاد الشام. فسر بذلك وكتب إلى جميع ~~ولاة الشام بتلقيهم وإنزالهم، وإكرام مقدمهم، وعمارة البلاد لهم بالطعام ~~والعلف، وإطلاق الصلات للفقهاء والقراء وإقامة الأنزال الكثيرة لحسنك، صاحب ~~عين الدولة، والتناهي في إكرامه. وتقدم إلى مقدمي عساكر الشام بحفظهم ~~والمسير في صحبتهم، وأن يتسلمهم صالح بن مرداس من دمشق ويوصلهم الرحبة، ~~ويدفع إلى الأقساسي ألف دينار وعدة كثيرة من الثياب، وإلى حسنك مثل ذلك؛ ~~وقيد ms270 إليه فرس بمركب ذهب. فساروا من الرملة موقورين مجبورين شاكرين حتى ~~وصلوا إلى بغداد، وعرج حسنك عنها خوفا من الإنكار عليه. فاشتد ما فعله ~~الظاهر على الخليفة القادر بالله، وأنكر عودتهم على الشام، وصرف الأقساسي ~~عما كان إليه وقبضه؛ وأنكر على حسنك، وكتب فيه إلى عين الدولة، واستدعى منه ~~الفرس والقماش والخلع الواصلة إلى حسنك PageV02P138 # لتحرق ببغداد؛ فبعث بها في جمادى الآخرة سنة ست عشرة؛ فأحرقت بمحضر من ~~الناس وسبك الذهب وفرق على الفقراء، وغنم الظاهر حسن الثناء عليه من حاج ~~خراسان وما وراء النهر، لما كان من إحسانه إليهم وزيارتهم بيت المقدس. # وفي ثاني عشره وافى عماد الدولة رفق من السيارة بعدة عظيمة وثلاثمائة رأس ~~من الخيل والبغال فإنه أخذ كل فرس وجده، وبين يديه سبعون بندا مذهبة، ~~وعشرون منجوقا، فتلقاه جميع أهل الدولة. وكانت عدة من قتله في هذه السفرة، ~~وهي خمسة وثلاثون يوما، مائتين وثلاثة أنفس. وقدم زين الملك إبراهيم بن علي ~~بن مسعود مصروفا عن مدينة منور، فتلقى وأكرم. # وفي سادس عشره ركب الظاهر إلى ناحية عين شمس وعاد. وقدم الخبر من حسن بن ~~جعفر الحسني أنه أقام الدعوة للظاهر بعرفات وغيرها، ومنع أهل خراسان من ~~الدعوة لصاحبهم. ولثلاث عشرة بقيت منه ركب الظاهر إلى المشتهى، ودخل حمام ~~نجاح الطولوني، ثم ركب العشاريات في النيل إلى المعتوق بالكوم الأحمر، وقطع ~~له الجسر حتى عبره، ثم عاد إلى القصر. # وفي يوم الجمعة لإحدى عشرة بقيت منه جمع الناس كافة إلى الإيوان بالقصر، ~~فلما اجتمع الناس في صحن الإيوان خرج القائد أبو الفوارس معضاد، الخادم ~~الأسود، وعليه ثوب طميم حسن وعلى رأسه عمامة شرب، طائرة كثيرا، بالذهب محرق ~~اللون، ومعه سجل قرىء على العامة والخاصة بتلقيبه بالقائد عز الدولة ~~وسنانها أبي الفوارس معضاد الظاهري، PageV02P139 # وأن أمير المؤمنين لقبه وكناه؛ وهو سجل بليغ. ثم حمل بعد قراءته على ~~أربعة من الخيل بسروج مصفحة ثقال، وعليه سيف ذهب تقلد به؛ وخرج جميع ~~المصطنعة وسائر القواد والناس معه إلى داره؛ فكان ms271 يوما حسنا. # وفيه ورد الخبر بأن الثائر الذي قام بالصعيد الأعلى أنزل حيدرة بن ~~نقيايان حتى حصل في يده، وكان شريفا حسنيا، فأقر أنه قتل الحاكم بأمر الله ~~في جملة أربعة أنفس تفرقوا في البلاد، فمنهم من مضى إلى برقة ومنهم من مضى ~~إلى العراق، وأنه أظهر له قطعة من جلد رأسه وقطعة من الفوطة التي كانت ~~عليه. فقال له حيدرة ولم قتلته؟ فقال: غرت لله وللإسلام؛ فقال: وكيف قتلته؟ ~~فأخرج سكينا فضرب بها فؤاد نفسه، فمات بعدما قال هكذا قتلته. فقطع حيدرة ~~رأسه وأنفذه إلى الحضرة مع ما وجده معه. # وقدم الخبر بوقوع الحرب بين بني قرة ببرقة. # ولعشر بقين منه جلس الظاهر في قصر الذهب بعد أن زين وبسط وعلقت فيه ~~الستائر الديباج والستور المذهبة، وعلق جميع السقائف كلها بالستور وفرشت ~~بالفروش. وحضر أمراء الأتراك وقد لبسوا أفخر ثياب من المثقل والطميم، وحضر ~~جميع الكتاميين وسائر الجند؛ ودخل الناس أجمعون؛ ووقف شمس الملك مسعود بن ~~طاهر الوزان على يمين السرير، وبقية الناس وكافة عبيد الدولة قيام، فلم ~~يجلس أحد. وجي بالرسول الوارد من خراسان ومعه ابن له صغير فقبل التراب ~~للظاهر، ثم أمر أن يطوف به القصر كله، فطاف جميع القصور المعمورة؛ وقام ~~الظاهر وانصرف الناس. ولثمان بقين منه أهدى PageV02P140 # هذا الرسول إلى الحضرة المطهرة نحو خمس عشرة ناقة محملة ورقا طلحا ~~وإهليلجا وغير ذلك، فقبل منه. # ولسبع بقين منه تسلم ديوان الكتاميين من الأمير شمس الملك مسعود بن طاهر ~~الوزان، ورد النظر فيه إلى القائد عز الدولة معضاد، فاستخدم في تدبير ~~أمواله أبا اليسر اصطخر بن مينا الأسيوطي شركة بينه وبين صدقة بن يوسف ~~الفلاحي اليهودي الوافد، ونظر هو في أمر رجاله وفي التوقيع في أيامهم. ثم ~~بعد أيام أخذ من شمس الملك بعض إقطاعه، وقبض منه، ورد إلى يمين الدولة ~~سعادة وبقيت في يده بقية الأعمال. وفي هذا الشهر سار ذو القرنين ابن حمدان ~~إلى دمشق. # شهر ربيع الأول؛ أوله الثلاثاء. في خامسه وصلت هدية والي ms272 الفيوم، وهي ~~مائة وخمسون فرسا بأجلة. وفي سادسه خرج الأمر لابن خالد الغرابيلي، متولى ~~ديوان البريد، بأن يسلم إلى صاحب ديوان الشام جميع ما يرد من حساب الشام، ~~ورفعت يد شمس الملك عنه. ورسم أن يكون الشيخ العميد محسن بن بدواس زماما ~~على أبي عبد الله محمد بن أحمد الجرجرائي في ديوان الشام، مفردا عن نظر شمس ~~الملك؛ كما أفرد ديوان الكتاميين عن نظره. فصارت هذه العصبة منفردة بمعضاد ~~في التدبير والتقرير، وهم الشريفان العجميان PageV02P141 # والجرجرائيان عصب الدولة أبو القاسم علي بن أحمد وأخوه أبو عبد الله محمد ~~بن أحمد، ومحسن بن بدواس وابن خيران. وفي رابع عشره خلع على جناح بن يزيد ~~الكتامي، وحمل على فرسين، وقلد طبرية. # وفي سابع عشره ركب الظاهر وعاد. وفي هذا الشهر اشتد غلاء القمح، وبيع ~~التليس بثلاثة دنانير، والشعير بأربع ويبات بدينار، والخبز رطلين ونصفا ~~بدرهم. وعز وجود التبن فأبيع الحمل بدينار؛ وغلت أصناف الحبوب وعامة ما ~~يؤكل. ولم ير النيل فيما تقدم من السنين أقل نقصانا منه في هذه السنة. # وفي ثالث عشريه ركب الظاهر إلى مسجد تبر، وعاد. وفيه نزل القائد الأجل ~~معضاد والشيخ العميد أبو القاسم الجرجرائي ومحسن بن بدواس صاحب بيت المال ~~إلى مصر، فأثبتوا تركة بنت أبي عبد الله بن نصر امرأة أبي جعفر بن قائد ~~القواد الحسين بن جوهر، فوجد فيها وبرادات مكللة بالجوهر، وأمر جليل من ~~المال والجوهر لأن للسلطان منها الثلث. # وفي هذا الشهر أمر ببناء حظير دائر على مقياس النيل بالجزيرة، ووكل به ~~الشريف أبو طالب محمد بن العجمي متولى الصناعة، فبناه بالحجر الأبيض، وأنفق ~~عليه مالا كثيرا. ونقل إليه الحجر من حظير كبير كان مبنيا على الشاطىء ~~بناحية طرا. PageV02P142 # وفيه دخل كلب إلى الجامع العتيق بمصر فطاف بالجامع بأسره، فقام إليه ~~الناس وقتلوه في الصحن، فجرى دمه على الحصر فغسلت بعد إخراجه من الجامع. # وقد وصلت هدية من بلد النوبة فيها عبيد وإماء، وخشب أبنوس، وفيلة، ~~وزرافات # شهر ربيع الآخر، أوله الخميس. في ms273 رابعه ورد الخبر بأن عبد الله ابن إدريس ~~الجعفري ومعه أحد بني جراح طرق أيلة ونهبها، وأخذ منها نحو الثلاثة آلاف ~~دينار وغلالا، وسبى النساء والأطفال. وسبب ذلك أنه سأل حسان بن جراح أن يرد ~~إلى ولايته على وادي القرى، ورغب أن يتوسط له مع الظاهر، فلم يجبه، ففعل ما ~~فعل. فخرجت سرية من القاهرة لحربه. # وفيه نزل الظاهر إلى البيمارستان متنكرا في عبيده، فطافه، وأطلق لكل من ~~المجانين خمسين درهما، وللقيم عليهم خمسمائة درهم؛ ورسم بعمارته وإجراء ~~الماء إليه على رسمه، وأن يطبخ للمجانين كل يوم ما يأكلونه بعد أدويتهم. ~~وفي ثامنه قدم الخبر بنهب عبد الله بن إدريس بلد العريش وإحراقه وأخذ جميع ~~ما كان فيه بمعاونة بعض أولاد ابن جراح. وفيه اجتمع في قافلة المغرب خلق من ~~التجار ومعهم من الأموال قريب من مائتي ألف دينار بالجيزة، فأنذروا بطائفة ~~من العبيد والجوالة والقيصرية قد تجمعوا لنهبهم فبعث معهم نحو ثلثمائة فارس ~~وأربعمائة راجل، وساروا إلى المغرب. PageV02P143 # وفي ثامن عشره جلس الظاهر للناس في المجلس الذي كان يجلس فيه أبوه بقصر ~~الذهب، ودخل الناس إليه من باب العيد على طبقاتهم. ودخل ناصر الدولة حسين ~~بن الحسن ابن حمدان، متولى طرابلس، وقد صرف عنها، فتلقى بالبنود وعدتها ~~أربعون بندا ملونة، وخمس بنود مذهبة، وعدة من الطبول؛ فقبل التراب، ثم قبل ~~يد الظاهر، هو والشريف الحسني ابن موسى المقيم بدمشق؛ ووقفا؛ فأمرا بالجلوس ~~على يسار القائد معضاد فجلسا. ثم انقضى السلام وانصرف الناس. فلما كان وسط ~~النهار نزلت طائفة من جواري القصر في طائفة من الخدم إلى دار الجوهر ودار ~~الصرف ودار الأنماط، فابتاعوا ما أحبوا. وعادوا. # ولسبع بقين منه ركب الظاهر بغير مظلة في عساكره ومراكبه إلى مسجد تبر، ~~وعاد؛ ثم نزل عقب ذلك مختفيا إلى الجزيرة والبساتين. وركب من الغد في ~~العشاريات إلى الجيزة وما والاها، وعاد. وفي عشية السبت، لست بقين منه، غرق ~~حدث في النيل، فطرده الماء إلى الشط، وأراد أهله حمله، فمنعهم أصحاب الشريف ~~أبي ms274 طالب العجمي، متولى الصناعة، من ذلك، وطالبوهم عنه بدينارين وقيراطين، ~~واجب الصناعة من حق من غرق في النيل، فدفع إليهم ذلك، وحمل الرجل حتى غسل ~~ودفن في يوم الأربعاء. # ولليلتين بقيتا منه جلس الظاهر في قصر أبيه بباب الذهب على سريره المصقول ~~المذهب، وعليه ثوب دبيقي معلم، وعمامة شرب مثقل مذهبة، وتحته فرش دبيقي ~~مذهب، ودخل الناس من باب العيد فسلموا، وجلس من عادته الجلوس ساعة؛ ثم ~~انصرفوا. # وفي هذا الشهر ارتفع السعر من أجل أن المراكب الواصلة بالقمح أخذت كلها ~~ورفعت إلى القصر من المقس. وفيه طاف العامة والسوقة أسواق مصر بالطبول ~~والأبواق يجمعون من التجار والباعة ما ينفقونه في مضيهم إلى سجن يوسف، فقيل ~~لهم شغلنا بعدم الأقوات يمنعنا عن هذا. فأنهوا حالهم إلى الظاهر، فرسم ~~لشافي الدولة أبي طاهر بن PageV02P144 # كافي، متولي الشرطة السفلى، بتقرير الرسم على التجار حتى يدفعوا إلى ~~العامة ما جرت به رسومهم؛ وأذن لهم في الخروج إلى سجن يوسف، ووعدوا أن يطلق ~~لهم الظاهر ضعف ما أطلق لهم في السنة الماضية من الهبة، فخرجوا. # شهر جمادى الأولى؛ أوله الجمعة. فيه ركب الظاهر مبكرا مع حرمه وخدمه إلى ~~المشتهى فأقام يومه. وفي ثالثه ركب بعساكره إلى عين شمس وعاد. # وكان الشريف أبو طالب بن العجمي صاحب الصناعة قد تنكر على ابن أبي ~~الرداد، وأهانه، وتقابحا في الخطاب، فضربه الشريف واعتقله. فأقام قاضي ~~القضاة أبو العباس أحمد بن أبي العوام مشارفين على ابن أبي الرداد، لسؤاله ~~القاضي في ذلك، وهما أبو الحسن سليمان بن رستم، والخليل بن أحمد بن خليل ~~لينهيا إليه ما يصح من أمر المقياس، فوجدا مجاري الماء مسددة، ووجدا ابن ~~الرداد يتناول في كل سنة خمسين دينارا لكنس المجاري، ووجدا الماء قد انتهى ~~إلى حد، فلما فتحت المجاري طلع الماء إلى حد أكثر من الحد الذي كان عليه # وفي رابعه نزل صقلبي من صقالبة القصر بمنشور معظم إلى قاضي القضاة، وهو ~~بالجامع العتيق، فأمره بقراءته على المنبر، فأراد أبو طالب علي بن ms275 عبد ~~السميع العباسي أن يتولى قراءته دون أخيه أبي جعفر، وهو الأكبر، وقد صرف عن ~~قراءة السجلات وليس له إلا خطابة الجامع العتيق. فقال له أبو جعفر: ويحك: ~~ما تحتشم مني لسني ولأنني أخوك الأكبر، ولأنني هرعت لمولانا الحاكم بأمر ~~الله، قدس الله روحه، وقدهم بضرب عنقك حتى خلصتك من القتل وضمنت له عنك ~~التوبة والإنابة!! فدفع القاضي السجل إلى أبي جعفر، فقرأه فوق المنبر على ~~كافة الناس. ومضمونه أنه انتهى إلى أمير المؤمنين أن المستخدمين في الصناعة ~~يعتمدون تعويق من ينزل البحر من الناس، ويمنعون القوارب PageV02P145 # من إنقاذ من يلتمس الخلاص منهم ليأخذوا على ذلك واجبا قد أقامه متولى ~~الصناعة، محمد الحسيني العجمي، على كل غريق دينارين ونصفا؛ وأن ذلك لما ~~أنهى إلى حضرة أمير المؤمنين أنكره وأكبره، ومنع من أخذ درهم واحد فما فوقه ~~عما هذا سببه، والمنع منه. فكثر الدعاء للظاهر. # وفي ثامنه ركب الظاهر في خاصته وخدمه إلى الرميلة بظاهر المقس، فطاف ~~طويلا ثم عاد. # وفي تاسعه ركب القائد الأجل عز الدولة ومصطفاها معضاد الخادم الأسود في ~~جميع الأتراك ووجوه القواد، وشق مدينة مصر إلى الصناعة، ثم خرج منها وعدى ~~بمن معه إلى الجيزة، حتى رتب للظاهر عسكرا يقيم معه هناك، وأخذ في يوم ~~الاثنين حادي عشره أربع عشاريات وأربعة عشر بغلا من بغال النقل، ومعه خاصته ~~وحرمه إلى سجن يوسف. وعاد منه يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت منه. وركب فيه ~~إلى مسجد تبر وعاد. # وأقام أهل الأسواق نحو الأسبوعين يطوفون الشوارع بالخيال والسماجات ~~والتماثيل، ويطلعون إلى القاهرة بذلك يرسم أمير المؤمنين، ويعودون ومعهم ~~سجل قد كتب لهم بألا يعارض أحد منهم في ذهابه وعودته. ولم يزالوا على ذلك ~~إلى أن تكامل جميعهم. وكان دخولهم من سجن يوسف في سادس عشره، فشقوا الشارع ~~بالخيال والسماجات والتماثيل، وتعطل الناس في ذلك اليوم عن أشغالهم ~~ومعايشهم، واجتمع خلق لنظرهم. وظل الناس أكثر هذا اليوم على ذلك، وأطلق لهم ~~ثمانية آلاف درهم وكانوا في اثني عشر سوقا. # وفي عشريه ms276 قتل طائفة من القيصرية غلاما من الأتراك، فركب الأتراك بالسلاح ~~وقاتلوا القيصرية، فتكافوا، ولم يجسر أحد منهم على الإيقاع بصاحبه. وفي ~~ثاني عشريه ركب الظاهر النيل ومضى إلى بستان السيدة العمة، ثم إلى خيمة ~~وردان لأنهم مقيمون PageV02P146 # في الجزيرة للتنزه هناك. ولم تزل العشاريات تلعب في البحر الليل كله ~~والمسرة متصلة بينهم؛ فقدم في آخر النهار مركب يحمل حطبا من الصعيد، فقلب ~~نوتيته وقطع الجسر، وغرق مركبان منه، وقطع ثلاث قطع، وغرق عشاريان بمن ~~فيهما. # وفي هذا الشهر كوتب أبو الحارث نقيان بن محمد بن نقيان الخيملي، متولى ~~حرب تنيس ودمياط، بالمسير إلى حلب ليتسلمها عوضا عن محمد سند الدولة أبي ~~محمد الحسن ابن محمد بن نقيان الكتامي عند وصول هديته إلى الحضرة؛ فسار. ~~وكان من خبر مدينة حلب أن عزيز الدولة فاتكا لما قتل وأقيم من بعده غلامه ~~بدر مكانه، ثم قبض عليه علي بن الضيف، وأقام بحلب سنة، وولى سند الدولة أبو ~~محمد الحسن بن نقيان فنزل صالح بن مرداس الكلابي على حلب ونازلها؛ وقد كره ~~الناس ابن نقيان وموصوفا الخادم لسوء سيرتهما، فسلموا البلد إلى صالح. ~~والتجأ ابن نقيان وموصوف إلى القلعة وتحصنا بها؛ فاستخلف صالح على مدينة ~~حلب أبا منصور سليمان بن طوق، ومضى إلى بعلبك فملك قلعتها بعد حرب، وقتل ~~جماعة من أصحاب الظاهر. واجتمع هو وحسان بن جراح وإخوته، وسنان ابن عليان ~~على فلسطين وتحالفوا على اجتماع كلمتهم ومحاربة الظاهر، وتقاسموا البلاد ~~كما سيأتي ذكره إن شاء الله. # وأما ابن طوق فإنه حصر قلعة حلب حتى أخذها بمباطنة من أهلها وأمسك ابن ~~نقيان وموصوفا، فقتل ابن نقيان في يوم الخميس لثمان بقين من ربيع الآخر من ~~هذه السنة، واعتقل موصوفا. فركب أبو الحارث بن نقيان البحر من تنيس إلى ~~طرابلس، ودخل حلب يوم الأحد سابع عشري جمادى الأولى هذا، وملكها، وسمى سابق ~~الدولة أبو طاهر بن كافي متولي الشرطة السفلى بمصر من قبل بدر الدولة بأخذ ~~تنيس ودمياط، واستخلف أخاه جلال الدين على الشرطتين ms277 العليا والسفلى من قبل ~~بدر الدولة. PageV02P147 # وفي رابع عشريه ركب الظاهر إلى طرف الخندق وعاد؛ ثم ركب من الغد إلى مسجد ~~تبر وعاد. # شهر جمادى الآخرة؛ أوله الأحد. فيه جلس الظاهر للناس للسلام عليه، فدخلوا ~~على رسومهم، فسلموا وانصرفوا. وفي رابعه ركب إلى مسجد تبر في عساكره، وعاد، ~~فطلب الببغاء من الطيور فحمل إليهم منها شيء كثير، فابتاع ما أحب بأوفر ~~الأثمان. وفي ثامنه جلس للسلام، فدخل الناس فسلموا وانصرفوا؛ ثم ركب إلى ~~المشتهى. وركب في ثاني عشره إلى مسجد تبر في مواكبه، فلقيه عند سقاية ريدان ~~خادم أسود يقال له عنبر، كان مقربا للحاكم بأمر الله، كثر كلامه فطردته ~~السيدة، فقال: يا أمير المؤمنين خذ لنفسك، فوحق ما في هذا المصحف وأخرج ~~مصحفا إن أباك باق، وبعد قليل يجيء إلى قصره، وقد نصحتك. فقبض عليه واعتقل، ~~وقيل إنه اختل عقله. # وفيه قرر الشريف الكبير أبو طالب الحسني العجمي القزويني والشيخ نجيب ~~الدولة أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي والشيخ العميد محسن بن بدواس مع ~~القائد الأجل معضاد أن يكون دخولهم على الظاهر الأخير في كل خلوة، وأنهم ~~يكفونه أمر الاهتمام بالدولة ليتوفر على لذاته، وينفردوا بالتدبير. واستقر ~~أمر الثلاثة على الدخول في كل يوم على الانفراد وألا يستدعي معهم أحد. وصار ~~شمس الملك مسعود بن طاهر الوزان، ومظفر صاحب المظلة، وولى الدولة ابن ~~خيران، وداعي الدعاة، ونقيب نقباء الطالبيين، وقاضي القضاة ربما دخلوا في ~~كل عشرين يوما مرة، وهؤلاء الثلاثة الذين يقضون ويمضون ويشيرون ويفعلون في ~~أمر الدولة ما يرونه، مع اجتماعهم بمعضاد دون كل أحد. # وفي سابع عشره ركب الظاهر في العساكر ورجال الدولة بأحسن زي وأكمل عدة، ~~وركب عبيد الدولة بالآلات والسلاح والطريقة الحسنة والعدة الكاملة. وشق ~~شارع مصر PageV02P148 # إلى صناعة الجسر، وعليه ثوب طميم مثقل وعمامة مذهبة طميم، وعلى رأسه مظلة ~~حمراء مثقلة مذهبة؛ فغير ولبس ثوبا دبيقيا أبيض مذهبا وعمامة شرب بيضاء ~~مذهبة، وركب فرسا كميتا وقف عند الصناعة ووجد الجد في طرح مركب حربي ms278 جديد، ~~فتعذر طرحه، فتركه وسار لفتح الخليج. فورد الخبر بأن سيار الضيف متولى سد ~~الخليج أمر بتخفيضه ليقرب أمره عند حضور أمير المؤمنين لفتحه، فغلبه الماء ~~وانكسر السد. فلما وصل الظاهر إلى السد وقف بجانبه الشرقي، وعبرت العشاريات ~~مزينة على العادة، ولعبت، ثم عاد إلى قصره، فكان من الأيام المشهودة. # وفي تاسع عشره نودي في مدينة مصر بألا يتعرض أحد لذبح شيء من الأبقار ~~بوجه ولا سبب، فإن من تعرض لذلك حل دمه وماله، لأن الناس عدموا العوامل في ~~هذه السنة، وكانوا على عادتهم في ابتياع الفواكه والخمور والحيوانات، إلا ~~أن أمرهم في ذلك كان أقل للغلاء وتعذر الأصناف. وضرب فيه بالأجراس في آخر ~~النهار ألا يلعب أحد بالماء ببلد مصر في يوم النوروز، ولا في القاهرة. فطلع ~~الجزارون يستغيثون في منعهم من ذبح الأبقار، وأن عندهم منها ما ابتاعوه ~~وأنفقوا عليه في علفه حمل الدنانير، وليس هو ما يعمل ولا يصلح للزراعة، فإن ~~الرأس من البقر يقوم عليهم بمائة دينار وأكثر. وسألوا الإذن في ذبح ما ~~عندهم، فأجيبوا إلى ذلك. وذبحوا في هذه الثلاثة الأيام ما لا يحصى كثرة، ~~وبيع بطن البقر ولحمه رطلا بدرهم، وازدحم الناس في طلبه. فلما كان آخر PageV02P149 # نهار الثلاثاء رابع عشريه، وهو رابع النوروز، أحضر المحتسب الجزارين ~~والهراسين ومنعهم من ذبح الأبقار، فانقطع بيع لحمها من الأسواق. # وفي خامس عشريه ركب الظاهر إلى مسجد تبر في عساكره، وعاد. # شهر رجب؛ أوله الاثنين. في ثانيه ركب الظاهر إلى نواحي القصور وعليه ~~عمامة ياقوتية مذهبة وثوب دبيقي بياض مذهب بغير مظلة؛ وعاد. # وفيه قدم الخبر بأن منتخب الدولة أنوشتكين الدزبري متولى حرب فلسطين، ~~أنفذ إلى بيت جبرين، إقطاع حسان بن جراح، من قبض على أمواله؛ فبعث إلى ~~أعوان الدزبري وأخذهم وضرب أعناقهم. فلما بلغ ذلك الدزبري قبض بالرملة على ~~أبي الغول الحسن بن فيروز، صاحب حسان، وعلى كاتبه وسجنهما في حصن يافا ~~مقيدين. # وفي رابعه زين العامة أسواق البلد، وخلقوا وجوه الصبيان، ونادوا بوفاء ~~النيل ستة ms279 عشرة ذراعا، فخلع على ابن أبي الرداد خلعا دبيقية مذهبة ورداء ~~محشوا مذهبا وعمامة شرب مذهبة، وحمل على بغلين بسرجين ولجامين مذهبين، أحد ~~السرجين مصفح؛ وأعطى ست عشرة قطعة ثياب وثلاثة آلاف درهم. وبلغ الماء ~~اصبعين من سبعة عشر ذراعا، فكان يوما حسنا كثر فيه سرور الناس. # وفيه خلع على بقي الخادم الأسود، غلام بدر الدولة نافذ، ثوب مثقل طميم ~~وعمامة قاضي مذهبة، وسيف ذهب؛ وقلد الشرطتين بمصر؛ وحمل على فرس بسرج ولجام ~~مذهب، PageV02P150 # عوضا عن جلال الدولة ابن كافي. ونزل إلى الشرطة السفلى في جمع كثير، فنظر ~~في الحسبة مضافا إلى الشرطتين، وأمر أن يباع الخبز الجشكار كل خمسة أرطال ~~بدرهم، والحواري أربعة أرطال بدرهم. فغلقت الطواحين والحوانيت جميعها، ~~وأصبح البلد يوم الجمعة، خامسه، على حال صعبة من تعذر الأخبار وعدم الدقيق. ~~فلما كان غداة يوم السبت، سادسه، أعيد دواس بن يعقوب الكتامي للحسبة وصرف ~~بقي عن الحسبة والشرطة؛ فأقام يوما واحدا وانصرف. ونودي أن يكون الخبز الذي ~~يباع في الأفران خمسة أرطال بدرهم، وتباع بقية الأخباز بغير تسعير، فظهرت ~~الأخباز بالأسواق، وبيع الخبز السميد رطلين ونصفا بدرهم، وما دونه ثلاثة ~~أرطال بدرهم. # وفي عاشره ركب الظاهر إلى نواحي القصور بغير مظلة، وعاد. # وكانت ليلة النصف من رجب ليلة مشهودة، حضرها الظاهر والسيدات وخدم الخاصة ~~والمصطنعة وغيرهم، وسائر العوام والرعايا، وكان مجمعا لم يشهد مثله من أيام ~~العزيز بالله. وأوقدت المساجد كلها أحسن وقيد. # وفيه ورد الخبر بأن حسان بن جراح خرج عن الطاعة. وكان سبب ذلك أنه فسد ما ~~بينه وبين الدزبري، واستوحش كل واحد من الآخر؛ فكتب الدزبري إلى الظاهر ~~يذكر له تغير حسان في خدمته، وفساد نيته في طاعته؛ ويستأذنه في حربه؛ فكان ~~ما تقدم PageV02P151 # ذكره. ثم اتفق أن اعتل حسان علة أشفى منها، وكثر الإرجاف به فيها، وكتب ~~أصحاب الأخبار بذكرها إلى الظاهر؛ فكاتب الدزبري بقصده وانتهاز الفرصة في ~~أمره؛ فسار إليه وهو بناحية نابلس. فبلغ حسان عن سيره، وقد أبل من مرضه ~~فاستنهض أهله ms280 وأصحابه، وجمع نحوا من ثلاثة آلاف فارس، وتلقى الدزبري، فعاد ~~إلى الرملة وحسان في إثره، فحصره واستدعى رجاله من الجبال والشراة إليه، ~~فصار إليه منهم عدد كثير. وقاتله الدزبري على باب الرملة ثلاثة أيام ~~بلياليها بعد ما كبس حسان طبرية، ونهبها، وقتل من بها، وفر منها متوليها ~~مجد الدولة فتاح بن بويه الكتامي إلى عكا. فبلغ حسان، عن أخيه ثابت، أنه ~~انتهى إلى الدزبري، فبعث جريدة كبست حلة ثابت ونهبتها. # وفيه أفرد صدقة بن يوسف الفلاحي بالنظر في ديوان الكتاميين. وأقام الظاهر ~~أياما لم يركب ولم يدخل إليه أحد. # وفي حادي عشريه ورد الخبر بأن حسان بن جراح اجتمع مع سنان بن عليان بن ~~البنا، وانضم إليه سائر إخوته، وساروا جميعا بظاهر فلسطين؛ فقابلهم الدزبري ~~كما تقدم، إلى أن فارقه ثابت بن جراح ولحق بأخيه حسان. وقدمت نجدة من صالح ~~بن مرداس لحسان، فبعث الدزبري يطلب من الظاهر نجدة بألف فارس وألف راجل، ~~فجردت جماعة يسيرة، ودفع إلى كل فارس أربعون دينارا؛ فاشتملت الجريدة على ~~ألفي فارس وراجل، تولى النفقة فيهم معضاد الخادم والشريف العجمي ونجيب ~~الدولة الجرجرائي. فلم يخرج من الجريدة إلا طائفة يسيرة مضوا إلى العريش؛ ~~وبطل أمر من تجرد بعد ذلك. # وسعي بمحسن بن بدواس بأنه كاتب حسان بن جراح يحرضه على الفتنة، وكاتب ملك ~~الروم يطمعه في الدولة. وانتصب له الطائفة التي تحضر عند الظاهر في ~~المعاملة. PageV02P152 # وفي ثاني عشريه ورد الخبر بأن الدزبري غلب عن مقاومة حسان، ففر من الرملة ~~آخر الليل في عشرة من الغلمان الأتراك، وسار في ليلته إلى قيسارية. وذلك أن ~~حسانا هجم برجاله على بعض حوانيت الرملة، وطرح النار ووضع السيف، ثم دخل ~~بجموعه، بعد فرار الدزبري، إلى المدينة، فنهبوا الأموال، واستباحوا الحرم، ~~وقتلوا القتل الذريع. وعندما دخل حسان إلى المدينة ترجل من باب البلد وقبل ~~التراب من باب المدينة إلى دار الإمارة؛ ثم أحضر القاضي وشيوخ فلسطين ~~وأشهدهم أنه عبد الدولة وخادمها وصنيعتها، وداخل تحت طاعتها، وأنه لا يبدأ ~~أحدا ms281 من أهل البلد بسوء، وإنما كره مقام الدزبري في الرملة، وذكر سوء ما ~~عامله به وأن ذلك أوجب قتاله؛ وأن البلد لأمير المؤمنين يولي فيه من رغب ~~فيه من عبيده، فيسمع له ويطيع، ويخدمه طاعة لله ولمولانا صلوات الله عليه. ~~وأقام نصر الدين نزال واليا على الرملة، وقال هذا عبد أمير المؤمنين وابن ~~عبده، يضبط البلد إلى أن يصل أمر أمير المؤمنين. فخلع على القادم بهذا ~~الخبر وكثر السرور به. # وفي ثالث عشريه خلع على سني الدولة حمد، ابن أخي الباهر، وقلد سيارات ~~أسفل الأرض عوضا عن عدة الدولة بقي الخادم الأسود، وحمل على فرس بسرج مصفح ~~مغموس، وألبس عمامة مذهبة وثوبا طميما. # وفي آخره ورد الخبر بأن حسان بن جراح إنما أظهر ما تقدم ذكره حيلة ~~وخديعة. وذلك أنه أحضر العسكرية بالرملة، وقرأ عليهم ملطفا وصل إليه من ~~الحضرة يعتذر إليه فيه، ويعلم أن اعتقال أبي الغول وكاتبه لم يكن عن رأي ~~أمير المؤمنين، وإنما جرى من الدزبري برأيه. فلما أوقف العسكرية على الملطف ~~قبلوا خط أمير المؤمنين وعرفوه، أمرهم أن يسيروا به إلى عسقلان ويوقفوا ~~أهلها عليه، فإن كانوا تحت السمع والطاعة لأمر أمير المؤمنين فليسلم الحسن ~~بن سرور الأنصاري الكاتب إلي، وإلا سرت إلى عسقلان ونقضتها حجرا حجرا ~~ونهبتها وقتلت أهلها. فمضى العسكرية بالملطف إلى عسقلان، PageV02P153 # وأوقفوا عليه الوالي والعسكر، فسلم إليهم أبو الغول ورفيقه. فلما وصلا ~~إلى حسان ركب لوقته وخشب سبعين رجلا من العسكرية، وقتل طائفة من الحمدانية ~~وغيرهم، ووضع السيف والنهب في الرملة، وأضرم النار في الدور والحوانيت حتى ~~جعلها دكا، وسبى النساء والأولاد، وقبض على نحرير الوحيدي وأخذ منه أربعين ~~ألف دينار. وأخذ من مبارك الدولة فتح، المقيم بالقدس، ثلاثين ألف دينار، ~~وأخذ جميع ما جمع الدزبري. # وأرجف بمصر أن خمسمائة فارس بعثها حسان إلى العريش، ثم لم يعلم أين قصدت، ~~فخاف الناس أن يطرقهم في القرافة، فانتقل أهل القرافة إلى مصر، وانتقل ~~جماعة من بلبيس إلى مصر. فسار بديع الصقلبي في الرسالة ms282 إلى حسان. وتحرك ~~السعر بمصر، واضطربت العامة. وندب مائة فارس من القيصرية للإقامة بالقرافة ~~لحفظ الناس، فإن الخوف اشتد حتى لم يطلع أحد إلى القرافة، وتحملوا منها، ~~فمنعوا من النقلة وأعيدوا إليها. # وجرت الأمور في هذه الشهور المباركة على ما كان الرسم جرى به من عمارة ~~المساجد والجوامع وتكثير القناديل والزيت وكثرة الوقيد. وقد دخل الشريف ~~العجمي إلى الظاهر، فأظهر أنه يراعي أمر الدولة ويتخوف ما يجري من الفساد، ~~فأمر الظاهر بأن يجتمع مع الشيخ نجيب الدولة أبي القاسم الجرجرائي والشيخ ~~العميد محسن بن بدواس، صاحب بيت المال، وأن يدبر الأمراء بما يراه. فاستدعى ~~المذكورين وقال لابن بدواس: احمل المال الذي عندك لينفق في الرجال. قال: ما ~~عندي إلا يسير، ووالله لو طلبتم مني ينارا واحدا ما مكنتكم منه لأنه موفور ~~لخواص مهمات مولانا صلوات الله عليه. فقال الشريف: فتقترض من التجار وتصادر ~~من تجب مصادرته، فقال الجرجرائي: وأي مال مع التجار وتجار مصر هلكي من ~~الغلاء؛ لكن إن أردتم المال فمن أم الحاكم بأمر الله، قدس الله روحه، ~~وعمته؛ وبالجملة فقد أغنى الله مولانا، صلوات الله عليه، بتوافر أمواله ~~وتراث آبائه الأئمة الطاهرين عما نراه نحن أو نقوله بآرائنا. فأمسك الشريف ~~عن غير رضا. PageV02P154 # وفيه سير جماعة من المجردين في المراكب الحربية لحفظ حصون الشام إلى تنيس ~~ودمياط، ومضوا إلى صور وطرابلس وغيرها. وجردت طائفة إلى بلبيس لحفظها. # شهر شعبان؛ أوله الأربعاء. فيه قدم أحد إخوة حسان بن جراح، فتلقى وأكرم ~~وأنزل في دار حسين بن جوهر، وحمل إليه الفرش والآلات الفضة، ونحو ذلك مما ~~يصلح لمثله، وأقيمت له الجراية. وضمن أنه يخرج من العسكر إلى الرملة، فخلع ~~عليه، وحمل على فرسين، وقلد بسيف ومنطقه ذهب. # وفي خامسه جلس الظاهر في قصره للسلام، ودخل الناس. فقال الكتاميون: يا ~~مولانا، صلوات الله عليك، بلغنا شغل قلب مولانا بأمر ابن جراح، ومن هذا ~~الكلب حتى يشغل قلب مولانا، صلوات الله عليه، به وما مقداره؟! والله يا ~~مولانا إن لك من العبيد ms283 ما لو أطلق مولانا سبيلهم عليه لقلعوه شعرة شعرة، ~~من عبيدك الكتاميين، وعبيدك القيصرية، والعبيد والباطلية والأتراك، وسائر ~~العرائف والقبائل. غير أننا قد هلكنا والله يا مولانا فقرا وجوعا، وليس ~~لواحد منا مال يرجع إليه؛ ولو كانت لنا أموال لكفينا هذا الأمر وغيره. فقال ~~لهم: نسيم صاحب الستر: حسبكم يا شيوخ، حسبكم! فأمسكوا، ولم يكن من الظاهر ~~جواب. # وفيه ورد الخبر بأن حسان بن جراح كتب إلى صالح بن مرداس يستدنيه ليقع ~~الاجتماع على ما يدبران أمرهما، فسار صالح ونزل على حلب ونازلها وأخذها، ~~كما تقدم، وأخذ بعلبك، وعظم أمره. واجتمع هو وصمصام الدولة سنان بن عليان ~~بن البنا على حسان بفلسطين، وتحالفوا على اجتماع الكلمة وأن يكونوا يدا ~~واحدة على صاحب مصر؛ وقسموا البلاد بينهم؛ فصار لحسان الرملة إلى باب مصر، ~~ولمحمود أخيه طبرية وما يتصل بها PageV02P155 # من الساحل؛ ولسان بن عليان دمشق وسوادها؛ ولصالح ما بقى من الشام إلى ~~عانة. فاجتمع سنان مع صالح ومعهما حشود العرب، وحصروا دمشق ونهبوا الغوطة ~~وسائر السواد، وقتلوا فلاحي الضياع وانتهبوا أموالها؛ وألحوا في قتال أهل ~~دمشق. فاجتمع الناس بدمشق إلى ذي القرنين ابن حمدان، متوليها، وقرروا أن ~~يكون القتال يوما يكون أمره إليهم ويوما يقاتل فيه عسكر السلطان. فاتصلت ~~الحرب كل يوم، وقتل من العسكر ومن أهل دمشق ومن العرب خلائق. ونهبت مواشي ~~الناس من الضياع وغلاتهم وأموالهم؛ فأخذ لمعتمد الدولة. من ضياعه عشرة آلاف ~~غرارة من القمح. وبعث حسان نجدة من رجاله إلى سنان، وكان الشام بأسره قد ~~اضطربت أحواله. وتغلبت العربان على البلاد، ونهبوا عامة أموال أهلها. # وفيه قدم صاعد بن مسعود، عامل الصعيد الأعلى، باستدعاء، فغدا في سادسه ~~شريكا لصدقة الفلاحي في ديوان الكتاميين. # وفي ثامنه قدم الخبر من دمشق بأن سنان بن عليان بن البنا لما وصلت إليه ~~سرية حسان ابن جارح، وهي نحو الثلاثة آلاف فارس، طلب من أهل دمشق ثلاثين ~~ألف دينار يقومون له بها معجلة ومؤجلة، فمنعهم القاضي الشريف فخر الدولة ~~أبو يعلى حمزة ms284 ابن الحسن بن العباس بن الحسن بن أبي الجن الحسين بن علي بن ~~محمد بن علي بن إسماعيل ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي ~~طالب، ورأى أن يجمع ذلك PageV02P156 # وينفقه في قتال العرب؛ فوافقوه على ذلك وحلف الناس. وهدم دروب البلد ~~وحملها إلى الجامع حتى لا يمتنع أهل البلد بالدروب ويخلوا بين العسكر ~~والعرب. ورجف بالناس، فاشتد القتال بينهم وبين العرب، وقتل من العرب نحو ~~المائتي فارس، وأصيب سنان بسهم، فطلب من الناس الصلح على ترك الحرب أربعين ~~يوما. فلما تقرر ذلك خرج إليه الشريف ابن أبي الجن وشيوخ دمشق ووجوه الجند، ~~وحلفوا سنانا ووجوه العرب، فاستقر الأمر بينهم على هذا. # وورد الخبر بأني بني قرة أقاموا إنسانا دعوه بأمير المؤمنين ببرقة، ~~وحملوا على رأسه المظلة. وفيه ظهر في النيل بأعمال أسفل الأرض فرس البحر. # وفيه ورد الخبر بأن التجريدة التي توجهت إلى تنيس طلبوا أرزاقهم وضيقوا ~~على العامل ففر منهم إلى دمياط، فعاثوا في البلد وأفسدوا، وقطعوا من يد ~~عامل السلطان خمسة وعشرين قطعة، وأخذوا من المودع ألفا وخمسمائة دينار. ~~فخرج إليهم عنبر، الزمام، في خمسين فارسا من عرفائهم للقبض على الجناة ~~وتأديبهم واسترجاع ما أخذوه. # وقدم الخبر بأن حسان بن الجراح كتب إلى سنان يوبخه على ما فعل ويحثه على ~~معاودة الحرب، ويعده بالمدد؛ فعاد إلى قتال أهل دمشق بعد ما كان قد انصرف ~~عنها. فإن حسانا بعد ما نهب الرملة وحمل منها أربعمائة جمل موقرة مالا ~~وثيابا ومصاغا وغير ذلك، بعثها إلى حلله وأضرم النار في شوارعها، وكسر ~~الأمتعة، حتى كان الناس يمشون في بحار من الصابون والزيت في أسواق مدينة ~~الرملة، ثم وصل كتابه يسأل فيه إضافة القدس ونابلس إلى إقطاعه مصانعة له ~~على الكف عن القتال؛ وأن ينفذ إلى أبي الغول ثياب من ثياب الظاهر التي ~~يلبسها وشاشية من شواشيه. فأنفذ إليه ذلك وأجيب إلى إقطاع نابلس مضافا إلى ~~إقطاعه، ولم يجب إلى القدس. # وفي يوم السبت ثامن عشره ms285 دخل نسيم صاحب الستر بطائفة من الصقالبة إلى بيت ~~المال PageV02P157 # والشيخ العميد محسن بن بدواس جالس وبين يديه حسباناته، فقال له: اجمع يا ~~شيخ هذه القراطيس واختمها. فجمعها وختمها بخاتمه، ثم أقامه وختم الخزائن، ~~وأخرجه راجلا، فاعتقله بحجرة من القصر. وركب رفق فختم بيت المال والخزانة ~~الخاصة ودار ابن بدواس وسائر ما يتعلق به. فلما كان العشاء أخرج ابن بدواس ~~فضربت عنقه وهو يصيح: والله ما خنت ولا سرقت ولا غششت، وهذه منصوبة نصبت ~~علي. وقيل إنه وجد عنده خط حسان بن جراح، وخطه عند حسان يحثه على الإيقاع ~~بالدولة. وقيل إن هذا صنع عليه من أعمال الشريف العجمي. وقيل في سبب قتله ~~معاندته لمعضاد وعدوله عنه إلى رفق الخادم وأنه كان استشار خليل الدولة ~~محمد بن علي بن العداس صديقه لما عاداه هذه الطائفة، فأشار عليه أن يباينهم ~~بالعداوة ويكاشفهم بها. واستشار أيضا شمس الملك مسعود بن الوزان، مع ما ~~بينه وبينه من العداوة، فأشار عليه مثل ذلك. وقيل إن الظاهر أخرج كتاما ~~مختوما إلى الشريف العجمي فنظره، ثم رفعه إلى أبي القاسم الجرجرائي فنظره ~~ثم قال: هذا خط ابن بدواس، فقرئ، فإذا فيه طعن على الدولة، وبآخره: إذا ~~وافيت بالعساكر لم تجد أحدا تلقاك ولا يمانعك، وإذا كاتبتني فلا تنفذ كتبك ~~إلا على أيدي الرهبان فإنهم الثقات المأمونون. فقال الظاهر: أي شيء يستحق ~~هذا؟ فقال الجرجرائي: مولانا مالك العفو والسيف. فقال: انصرفوا. فلما خرجوا ~~أمر بضرب عنقه. وقيل إنه وجد أغلف لأنه كان نصرانيا. ومن العجب أنه كان في ~~غاية التحفظ والتحرز، وكان يخاف أن يقتله الحاكم بأمر الله فنجا منه، ثم ~~لما أمن واطمأن كان حتفه. # في يوم الثلاثاء لليلة بقيت منه أحضر عز الدولة معضاد الكتاميين وأمرهم ~~بالبكور من الغد، وأمر الأتراك وجميع العسكر بلبس السلاح، وأن يتسلموا من ~~الخزانة ما يخرج لهم من ذلك، ويقف الجميع حول القصر حتى يؤمروا بما ~~يفعلونه. فوقفوا من الغد بأجمعهم حول القصر إلى ضحوة النهار، فجاءهم الأمر ~~بأن مولانا ms286 صلوات الله عليه يركب PageV02P158 # في غد، فليحضر من ليس له منكم سلاح ليدفع إليه من الخزانة؛ فقال ~~الكتاميون قد شغلنا الجوع وطلب الخبز عن هذا. فلما كان آخر النهار حمل قوم ~~من متر جلة الكتاميين على سبعين فرسا، وفرق فيهم وفي غيرهم السلاح. # شهر رمضان؛ أوله الخميس. فيه ركب الظاهر في عساكره وعليه قميص مدير مذهب ~~دبيقي وعمامة مثله، وعلى رأسه المظلة المذهبة يحملها بهاء الدولة مظفر ~~الصقلبي، وخلفه ابن فتوح الكتامي يحمل الرمح، وبين يديه الأتراك والكتاميون ~~والقيصرية والعبيد والباطلية والديلم وسائر الطوائف؛ وركب رجال الدولة خلفه ~~مع نسيم الصقلبي، وسار إلى مسجد تبر، وعاد. وكان يوما حسنا من توافر الناس ~~وكثرة الجمع والزي الحسن. # وفي يوم الجمعة ثانيه ركب أيضا إلى صلاة الجمعة في الجامع الأزهر، وعليه ~~طيلسان شرب مفوط بعمامة بياض مذهبة، وثياب دبيقية، والمظلة دبيقية مذهبة، ~~وطلع معه المنبر قاضي القضاة أحمد بن أبي العوام وإبراهيم الصانع المؤدب ~~المعروف بالجليس، فأرخيا عليه سجف القبة التي في أعلا المنبر، وهي مغشاة ~~بمصمت بياض، والعنبر يبخر بين يديه في المباخر الذهب والفضة والجوهر. فخطب، ~~ثم كشف عنه القاضي ونزل، فصلى وعاد إلى قصره. # في رابعه ورد الخبر بانصراف صالح بن مرداس عن دمشق إلى حلب، وأن كاتبه ~~باع جميع ما كان له بحلب من غلة ودار وآلة، وخرج فجمع العرب وقصد حصار ~~المدينة. # في خامسه ولي طيب الخازن بيت المال، وخلع عليه، وحمل على بغلة بسرج ~~ولجام، وخلع على ميسرة الخازن وحمل على فرس بسرج ولجام مذهب؛ وولى خزانة ~~الخاصة وجعل عدة الدولة رفق الخادم الأسود، يخرج إليهما بالأوامر ويدخل. ~~وخلع على ثلاثة من أولاد ابن الجراح وحملوا على ستة أفراس. PageV02P159 # وفي ثاني عشره أخذ ديوان الشام من محمد بن أحمد الجرجرائي ورد إلى أبي ~~طالب الغرابيلي. # وفي يوم الجمعة سادس عشره ركب الظاهر إلى الجامع الأنور خارج باب الفتوح ~~وعليه رداء بياض محشى قصبا، وثياب بياض دبيقية، وعمامة بيضا مذهبة، وفي يده ~~القضيب الجوهر، وعلى رأسه مظلة ms287 مديرة فخطب، ثم صلى، وعاد. # وقدم الخبر بأن أهل دمشق هادنوا سنان بن علوان إلى آخر الكوانين. وقدم ~~كتاب حسان بن جراح بأنه تحت الطاعة، فلا يجب أن يشغل السلطان قلبه بأمر ~~الشام، وأنه يقوم بأمر فلسطين ويجبي خراجه وينفقه في رجاله، ودمشق فيها ابن ~~عمه سنان، صمصام الدولة، وحلب مردود تدبيرها إلى صالح بن مرداس أسد الدولة؛ ~~وأنه قد كفى السلطان أمر الشام كله. فطرد رسوله ولم يكتب له جواب. # وفي خامس عشريه زيد في لقب منتخب الدولة أنوشتكين الدزبري أمير الأمراء. ~~وفي سابع عشريه هرب ابنا جراح ولحقا بحسان بن جراح، وأخذا جميع ما كان في ~~الدار التي أنزلا فيها، وتركا أخا لهما مريضا، فوكل به. # في سلخه حمل نجيب الدولة أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي سماط العيد ~~على العادة، وفيه مائتا قطعة من التماثيل السكر، وسبعة قصور كبار من السكر، ~~وشق البلد بالخيال والطبالين والفرحية. PageV02P160 # شهر شوال؛ أوله السبت. فيه ركب الظاهر في عساكره، وبين يديه فيل وزرافات ~~وبنود مذهبة بقصب وفضة، والطبول تضرب والجنائب تقاد أمامه؛ وجميع قواد ~~الأتراك والمصطنعة في السلاح، وعليه ثوب خز بعمامة نظيره، وفي يده القضيب، ~~وعليه السيف ومعه الرمح، وعلى رأسه المظلة المذهبة يحملها مظفر، وبين يديه ~~الخدم السودان وعليهم أصناف المذهبات إلى المصلى. فصلى ورقى المنبر، ~~واستدعى قاضي القضاة، فطلع؛ ثم استدعى إبراهيم الجليس المؤدب، فطلع؛ ثم ~~استدعى شمس الملك أبا الفتح مسعود بن طاهر الوزان، فطلع، ثم استدعى تاج ~~الدولة ابن أبي الحسين، صاحب صقلية كان، ثم استدعى زين الملك على بن مسعود ~~بن أبي الحسين، ثم استدعى علي بن فضل، ثم عبد الله بن الحاجب؛ ثم جدل ~~بالبندين المنصوبين على المنبر؛ وخطب؛ ثم نزل وعاد إلى قصره. وأحضر السماط ~~فحضر أهل الدولة، ولم يحضر الظاهر، وكان في منظرة يشاهدونه. وفي ثامنه صرف ~~نجيب الدولة مجلى بن نسطورس عن ديوان الأحباس بأبي غالب الصيفي النصراني ~~كاتب ديوان الخراج. فيه ضربت خيمة بظاهر باب الفتوح؛ ووقع الاهتمام بتجريد ~~العساكر ms288 إلى الشام. # وفي هذا الشهر تحرك السعر، وبلغ التليس القمح دينارين وثلثين، والتليس ~~الشعير دينارا واحدا، والخبز رطلين بدرهم. وقدم الخبر بأن الحرب بمكة قامت ~~بين الحسنيين والصليحيين، فخرج منها أبو الفتوح حسن بن جعفر؛ وأن الغلاء ~~بها شديد. PageV02P161 # وقدم الخبر بمحاربة الدزبري لأصحاب حسان بن جراح على عسقلان، وأن عدة جند ~~الدزبري خمسة آلاف قد نهكتهم الحرب والغارات. وقبض على رجل قدمه حسان بن ~~جراح إلى بني قرة بالبحيرة يدعوهم إلى نصرته ويعدهم مواعيد كثيرة، فأجابوه ~~بالموافقة؛ وأخذت منه الكتب وحبس. # وكانت ليلة الميلاد في يوم الخميس عشريه، فاشتغل الناس عما كانوا ~~يبتاعونه فيها من الفواكه والحلوى بما هم فيها من الأمراض؛ وتواتر الموت، ~~بحيث لم تخل دار أحد من عدة مرضى من الدم وأوجاع الحلق؛ وبلغت الرمانة ~~ثلاثة دراهم، والبطيخة البرلسي ثلاثين درهما، والأوقية الشراب بدرهم، ~~والقمح ثلاثة دنانير التليس، والأردب الشعير بدينار، والرطل اللحم ثمانية ~~دراهم. وعز وجود شيء من الحيوان مثل الدجاج والفراريج؛ وبلغت راوية الماء ~~ثلاثة دراهم. فتهالك الناس من كل جهة، وكسرت الأسواق، فكانت الثياب ~~والأمتعة ينادي عليها فلا يوجد من يدفع درهما فما فوقه. # وفيه قطع على حاج المغاربة الخارجين في البر عند تعذر أمر الحج، فتقدمت ~~جماعة من المغاربة القادمين من بلاد المغرب بغير أمير، فلما جاوزوا بركة ~~الجب قطع عليهم الطريق وأخذت أموالهم، فهلك منهم عدة وعاد من بقى. # ذو القعدة؛ أوله الأحد. فيه اشتدت عقوبة جواري محسن بن بدواس في طلب ~~المال. وكانت ليلة الغطاس في ليلة الأربعاء رابعه، فجرى من هو صحيح على ~~العادة في شراء PageV02P162 # الفواكه والحملان وغير ذلك. ونزل الظاهر إلى قصر جده العزيز بالله بمصر ~~لنظر الغطاس، شكرا، مع حرمه، بعد ما نزل القائد عدة الدولة رفق بأصناف ~~الفرش لبسطه، ونقل جميع المجاورين له ممن يسكن على النيل بالقرب منه، وأزال ~~المراكب المرساة هناك. وضرب بدر الدولة نافذ الخادم الأسود متولي الشرطتين، ~~خيمة عند رأس الجسر، وجلس على مرتبة مثقلة ومرتبة ديباج؛ ووقف ابن كافي ~~متولي ms289 الشرطة السفلى بين يديه. ونودي في الناس ألا يختلط المسلمون مع ~~النصارى عند نزولهم في البحر بالليل. وأمر الظاهر القائد نافذا أن يزيد في ~~وقيد النار والمشاعل في الليل، ففعل، وكان وقيدا طويى. وحضر القسيسون ~~والشماسة بالصلبان والنيران فقسسوا طويلا وانصرفوا إلى حيث يغطسون. فمات في ~~هذه الليلة للظاهر طفلة سنها ثلاث سنين وشهور، وهي آخر ولد بقي له، فعاد من ~~آخر الليل إلى قصره بالقاهرة، فشاهد في طريقه عدة أموات على الطرقات، فأمر ~~لهم بخمسمائة شقة لأكفانهم، والنفقة عليهم حتى يدفنوا. # وفي ثامنه حنك ثلاثة من الخدم وألبسوا العمائم الشرب البيض، فتشبهوا ممن ~~تقدم من مقدمي قواد الخدم كميمون وبدر ونصر العزيزي ونظرائهم. وهؤلاء ~~المقودن هم معضاد ومناد ورفق، وأضيف إليهم فاتك ورجاء وسرور النصارى، ~~ونامق؛ فجلسوا بحضرة الظاهر وهنأهم الناس بذلك. # وفيه اجتمع وفد الحجاز بباب القصر واستغاثوا، وقالوا: يا قوم قد جئناكم PageV02P163 # وفارقنا أهلينا وقد هلكنا من الجوع، فإن لم يكن لكم حاجة بإقامة الدعوة ~~بمكة والمدينة فاصرفونا فإنا قد بذل لنا الرغائب في إقامة الدعوة لغير ~~إمامكم فلم نأخذها، ونريد إنسانا يكلمنا. فلم يجابوا بشيء. وكانوا قد مضوا ~~قبل ذلك إلى رجال الدولة، كمعضاد وغيره، فصار يدفعهم هذا إلى هذا. فلما ~~انصرفوا عن باب القصر خائبين بعث إليهم جمال الدولة مظفر الصقلبي، صاحب ~~المظلة، ألف دينار من ماله، فقالوا: لا نأخذ إلا ما يصلنا به أمير ~~المؤمنين، وهذه الصلة قد قبلناها، والله مجازيك عليها، ونحن نفرقها على ~~ضعفائنا وعبيدنا؛ ففرقوها على خمسمائة نفس، لكل واحد ديناران. # واشتد الغلاء والقحط بمصر، فبيع الخبز السميد رطلين بدرهم، والحملة ~~الدقيق بأربعة دنانير وثلثين، والتليس القمح بثلاثة دنانير، واللحم أربع ~~أواق بدرهم. وعظم الموت سيما في الفقراء؛ وبلغ الناس الجهد حتى إن جزارا ~~طرح عظما لكلب فطرد رجل الكلب وأخذ العظم منه وابتلعه نيئا؛ وأكل المساكين ~~الصماليخ من القنبيط واقتاتوا باليسير من كسب الوز وكسب السمسم، وغلت عامة ~~الحبوب. وغلا الماء لتعذر علف الدواب وعدم من يستقي عليها؛ وبيعت راوية ms290 ~~الجمل بثلاثة دراهم، وراوية البغل بدرهمين؛ واشتدت المسغبة. وقدم الخبر ~~بشدة الموت بدمشق، فمات من أهلها ألوف. # وفي نصفه ركب الظاهر وشق مدينة مصر، وخلفه المقودون والمصطنعة، وبين يديه ~~الرقاصون، فاستغاث الناس بضجة واحدة: الجوع يا أمير المؤمنين، الجوع؛ لم ~~يصنع بنا هكذا أبوك ولا جدك؛ فالله الله في أمرنا. فارتجت البلد بالضجيج ~~حتى نزل إلى قصر العزيز على البحر، فحضر أبو عبد الله محمد بن جيش بن ~~الصمصامة الكتامي وقد اختل PageV02P164 # عقله وحاله، فوقف تحت القصر وشتمه أقبح شتم، وبالغ فيما شتم به، فضربه ~~الرقاصون حتى سقط، وجروه برجله وسحبوه إلى السجن بالشرطة، فضربه متوليها ~~ثلاثين درة واعتقله. # وتزايد أمر الغلاء؛ ونزل دواس المحتسب برجاله ومعه السعدية، وكتب مائة ~~وخمسين مخزنا قمحا وختم عليها؛ فأصبح الناس يوم الاثنين سادس عشره على أقبح ~~صورة، وكثر الصياح: الجوع الجوع؛ ولم يظهر خبز ولا دقيق. وبيع الدقيق رطلا ~~ونصفا بدرهم، والخبز الأسود رطلين بدرهم وربع. # وفيه خرج حاج المغاربة إلى مكة، فلم يصحبهم أحد من أهل مصر؛ وعندما عدوا ~~بركة الجب خرج عليهم طائفة من القيصرية والعبيد، وكانت بينهم وقعة هزمهم ~~فيها المغاربة وجرحوا كثيرا منهم. # وفيه طلب المحتسب إلى القصر، وهدد، وقيل له: قد قتلت الناس جوعا وخربت ~~البلاد على مولانا، وهذا خطك بضمانك عمارة البلد بالأخباز والقمح إلى حين ~~إدراك الغلة. فوعد بتلافي الأمر، ونزل؛ وأطلق القمح من المخازن للطحانين، ~~وسعر عليهم دينارين ونصفا للتليس، وأمرهم ببيع الحملة الدقيق بأربعة ~~دنانير، والخبز رطلين ونصفا بدرهم، فسكن الحال قليلا. # وفيه أفرج عن محمد بن جيش بن الصمصامة. # وفي عشريه ركب الظاهر إلى الصيد بسردوس، وعاد. وفي ثالث عشريه عاد PageV02P165 # من خرج من حاج المغاربة بعدما نهبوا وجرحوا وسلبوا، فلم يحج أحد في هذه ~~السنة من مصر. # وفيه قرئ سجل بحطيطة جميع مكوس الغلة المباعة بساحل مصر، وأن يبيع الناس ~~بغير تسعير. وكثرت الأخباز، وبيع القمح بدينارين ونصف وربع للتليس، والخبز ~~السميد رطلان بدرهم وربع، والخبز الحواري رطلان بدرهم. وضرب عدة من ms291 ~~الخبازين على خلطهم الطفل المسحوق في الأخباز. # وقدم الخبر أن حسان بن جراح أنفذ ألفي فارس فلم يعلم جهة قصدهم، فاضطرب ~~الناس لذلك؛ ثم تبين أنها وردت إلى الفرما مع أبي الغول، ففر الناس في ~~المراكب إلى تنيس؛ وأخذ الناس بمصر في إحراز أموالهم، وفقد الخبز القمح ~~والدقيق. ونفذت الكتب إلى الحوف بدخول الرجال الجوالة إلى الحضرة لتجدد ~~عسكرا لحفظ البلاد؛ ثم أبطل ذلك خوفا من نهبهم المدينة وكثرة كلفتهم. # ذو الحجة؛ وأوله الثلاثاء. في رابعه ركب الظاهر في خاصته إلى عين شمس ~~وعاد. وفي خامسه أطلق لوفد مكة ألف دينار يرتفقون بها وأمرت لهم أم الظاهر ~~أيضا بشيء من عندها. وكثرت نقل الناس خوفا من النهب في يوم الأضحى. وعمل ~~سماط العيد السكر من عند نجيب الدولة على بن أحمد الجرجرائي، وعدد قطعه ~~وتماثيله مائة وسبع وخمسون قطعة وسبعة قصور كبار، كلها من السكر، وحمل في ~~تاسعه إلى القصر ومعه الفرحية الطبالون، وأفراس الخيل، والسودان والصقالبة ~~على العادة. PageV02P166 # وفي عشية النهار تهارب الناس من دب عظيم سقط من الجبل إلى المقابر، ~~فانجفل الناس في درب الصحراء ظنا أن العبيد كبستهم؛ فكان خوف شديد. # وفي يوم الخميس عاشره كان عيد النحر، فركب الظاهر إلى المصلى من باب ~~الفتوح على عادته بعد أن رسم لسائر العرائف أن تلزم كل عرافة مكانها ~~وحارتها، وتكون صلاة العسكر بأجمعهم في حاراتهم مع أزمتهم؛ فامتثلوا ذلك. ~~وصلى وخطب بعد أن استدعى داعي الدعاة قاسم بن عبد العزيز بن النعمان وسلمه ~~الثبت بأسماء من جرت عادته بطلوع المنبر، فاستدعى شمس الملك، وبهاء الدولة ~~مظفر صاحب المظلة، وعلي بن مسعود، وحسن ابن رجاء بن أبي الحسين، وعلي بن ~~فضل، وابراهيم الجليس، وعبد الله بن الحاجب؛ وتأخر القاضي وغيره لمرضهم فلم ~~يشهدوا صلاة العيد. فلما انقضت الخطبة نزل الظاهر إلى المنحر بالمصلى، فنحر ~~ناقة وعاد إلى قصره؛ ومشى إلى المنحر بصحن القصر تجاه ديوان الخراج فنحر ~~تسعا من النوق ثم انصرف. فحضر أبو الحسن على بن محمد الطريقي، ms292 كاتب قاضي ~~القضاة، لتفرقة لحم الأضاحي على أرباب الرسم، فنهبته العسكر وجرى عليه كل ~~قبيح. ومد السماط بحضرة الظاهر، فلما جلس أهل الدولة عليه للأكل كبس العبيد ~~القصر وهم يصيحون: الجوع، نحن أحق بسماط مولانا عليه السلام؛ ونهبوا جميع ~~ما على السماط وضرب بعضهم بعضا والصقالبة تضربهم فلا يبالون. فكان أمرا ~~صعبا وحسب الحاضرين أن نجوا سالمين. # فلما كان الغد ركب الظاهر إلى الرحبة في القصر تجاه ديوان الخراج، فنحر ~~ثلاث عشرة ناقة، وعاد، ففرقها الطريقي. وشد من الغد، ثالث عيد النحر، في ~~مكان النحر خمس عشرة ناقة لتنحر، فلم يخرج الظاهر، فخلى عنها، ثم شد خمس ~~نوق غيرها نحرها الطريقي وفرقها. PageV02P167 # وقدم الخبر بنهب العبيد الجوالة بلدا بالأشمونين؛ حصل لرجل واحد تسعمائة ~~رأس من البقر وثلاثة آلاف رأس من الضأن. # وفي ثالث عشره ورد الخبر بأن الدزبري أسرى من عسقلان وكبس حلة لحسان بن ~~جراح، فقتل ثلاثين أسيرا وعدة من الناس يبلغون آلافا، ونهب نساء العرب؛ ~~وطلب نجدة ولو بألف فرس؛ وأخبر أنه نزل فلسطين وصلى بها العيد وهو خائف من ~~اجتماع العرب لحربه. فأخرج مضرب ظاهر باب الفتوح لتجرد العساكر؛ فدافع أهل ~~الدولة عن إمضاء ذلك. فورد الخبر بأن الدزبري بعد ما صلى العيد بمدينة ~~الرملة انتقل إلى لد بعد ما أوقع بحلة فيها ولد لأبي الغول فقتله، وضرب ~~أعناق أربعين رجلا من الغمازين الذين كانوا يدلون حسان بن جراح على الناس، ~~وأنه ينتظر النجدة بلد، فلم يخرج إليه أحد. # وفيه يوم عيد الغدير ورد الخبر بإقامة الدعوة الظاهرية بالبصرة والكوفة ~~والموصل وعدة من بلاد المشرق، وذلك لغلبة الأتراك على بغداد وإخراج الديلم ~~عنها إلى البصرة؛ فدعا الديلم للظاهر بها وبالكرخ، ودعا الأتراك ببغداد ~~للقادر. وفيه جرى الناس بمصر في عيد الغدير على رسمهم، وتزيوا بأفخر زيهم، ~~وطلع المنشدون إلى القصر يدعون وينشدون. وفيه نصبت خيمة خارج باب الفتوح ~~ليخرج تجريدة الدزبري. PageV02P168 # وفي حادي عشريه نهبت الدواب بسفط ونهيا من ثلاثين رجلا من بني قرة، ~~وقتلوا قاضي سفط، ms293 واستاقوا مائة وخمسين فرسا لأهل الدولة، وساقوا ثلاثمائة ~~مكة لمعضاد وأربعة آلاف رأس من الضأن؛ فلم يخرج أحد لطلبهم، ولا أنكر شيء ~~من ذلك. وفي ثاني عشريه خرج معضاد والشريفان وابن حماد الغرابيلي ونجيب ~~الدولة الجرجرائي إلى الخيمة خارج باب الفتوح، وحضر الكتاميون، فطلب منهم ~~مائة فارس لينفق فيهم، فلم يحضروهم، ونزعت الخيمة فعادوا أقبح عود. # وفي خامس عشريه سار وفد مكة وقد دفع إليهم نصف واجبهم، ولم يرسل إلى أبي ~~الفتوح بشيء، فمضوا غير راضين. وفيه حمل مظفر صاحب المظلة إلى الحضرة عشرة ~~آلاف دينار قرضا؛ واستدعى من الشريف أبي طالب العجمي متولي الصناعة عشرة ~~آلاف قرضا، فدافع ثم أجاب إلى حمل خمسة آلاف بعد أن يضمن له أمر عادتها ~~إليه، فضمن له الشيخ نجيب الدولة أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي ذلك، ~~فحملها. # واشتد الغلاء؛ فبيع القمح بأربعة دنانير وثلث التليس والحملة الدقيق بستة ~~دنانير، والخبز رطل وربع بدرهم؛ ونزل بالناس مسغبة شديدة. وفي ثالث عشريه ~~تجمع العبيد ومعهم عدة من النهابة، فبلغوا نحو الألفين، يريدون نهب مدينة ~~مصر، فركب إليهم بدر الدولة نافذ في عسكر بالسلاح، وأذن للناس عامة بأن من ~~تعرض لهم من العبيد فليقتلوه؛ فتحفظ الناس واستعدوا. ثم ركب معضاد ونسيم ~~إلى حيث تجمع العبيد، وأحضروا PageV02P169 # أزمتهم وألزموهم بعود العبيد إلى حارتهم؛ فقالوا: ما أردنا النهب، ولا ~~نريد إلا ما نأكله من الجوع فإن الجوع قد اشتد بنا وأكلنا الكلاب. فوعدوا ~~بالنفقة من الغد؛ فعاد الجميع إلى حاراتهم. واجتمعوا من الغد وقصدوا ~~الساحل، ونهبوا دورا وطرحوا فيها النار، وأخذوا ما وجدوه في الساحل من ~~القمح والشعير وغير ذلك مما في الحوانيت؛ ودخلوا إلى منازل أهل السلاح ~~فنهبوا ما وجدوا. فركب إليهم نافذ وقاتلهم، فجرح له فرس وقتل فارس من ~~غلمانه، فانصرف عنهم. وخرج إليهم عامة المصريين بالسلاح فقاتلوهم؛ ورماهم ~~النساء من أعلا الدور بالحجارة والطوب والجرار، حتى هزموهم؛ وأغلق الناس ~~دورهم، وحفروا دونها خنادق. وركب معضاد وجميع الصقالبة والقواد، فطردوا ~~العبيد عن البلد إلى المقس، ms294 ولقوا في طريقهم قوما معهم كثير من أمتعة الناس ~~التي نهبت، فقبضوا عليهم، وضرب معضاد رقاب تسعة أنفس منهم ورمى جثثهم إلى ~~الكلاب عند الحمراء والمشتهى. ثم لقي ستة نفر منهم فضرب رقابهم بالقاهرة. # وتعذر وجود الخبز فلم يقدر عليه، وبيع رطلا بدرهم. وبات الناس ليلة ~~الجمعة على حرس، وأصبحوا يترقبون المكروه، فطاف النهابة أسواق القاهرة ~~والسويقة التي عند باب زويلة، فخرج إليهم حظي الصقلبي ومعه سيف من الحضرة، ~~فقبض على طائفة منهم، ضرب رقابهم ورمى جثثهم إلى الكلاب على باب زويلة وعلى ~~باب الفتوح وفي سوق السلاح وعند شرطة القاهرة؛ وعدتهم اثنا عشر رجلا. ووجد ~~كتاميا يقال له سليمان، قد أخذ حمارا محملا دقيقا، فضرب عنقه. وأحضر عرفاء ~~العبيد إلى القصر وشدد عليهم في إحضار الجناة من العبيد، ووعدهم بالنفقة في ~~العبيد. # وأصبح الناس يوم الأحد سابع عشريه يستغيثون إلى متولي الشرطة السفلى من ~~العامة التي نهبتهم، فقبض على طائفة منهم بكوم دينار، وعوقبوا حتى أقروا ~~بما عندهم من النهب، فسيقوا حتى أخرجوه من كوم دينار وأخذه أربابه. PageV02P170 # وقدم الخبر من حلب بأن صالح بن مرداس حاصر حلب، وما زال بأهل البلد حتى ~~فتحوا له أبوابها، فدخل أصحابه وشرعوا في هدم أبراج السور، فظن الناس أنه ~~يريد بذلك أن يسلم حلب إلى الروم، فاجتمعوا بمن في القلعة، وقد تحصن بها ~~موصوف الصقلبي، وحاربوا أصحاب صالح حتى أخرجوهم وقتلوا منهم مائتين وخمسين ~~رجلا، وامتنعوا منهم بالمدينة. ومن خبر ذلك أن صالح بن مرداس نزل على مدينة ~~حلب في جمع كثير من بني كلاب وغيرهم، فحصرها أشد حصر حتى أخذ المدينة صلحا ~~من أهلها، ودخلها في رابع عشر ذي القعدة سنة خمس عشرة هذه، وتلقب بأسد ~~الدولة. وامتنع موصوف الصقلبي بالقلعة، فاستخلف صالح على مدينة حلب كاتبه ~~أبو منصور سليمان بن طوق، ومضى إلى بلعبك فأخذه عنوة، وقتل بها خلائق. ~~واشتدت محاصرة سليمان بن طوق لقلعة حلب، وصعد قلعتها حتى قل الماء والزاد ~~بها، فطلب موصوف منه أشياء اشترطها عليه وسلمه ms295 القلعة؛ فأتى صالح حلب وصعد ~~قلعتها، وقتل موصوفا، ورتب أموره، وصار بيده من بعلبك إلى عانة. # وقدم الخبر بأن حسان بن جراح جمع من العرب خلائق وقصد الرملة، فمضى ~~الدزبري إلى عسقلان وتحصن بها، فقبض حسان على جماعة من أهل الرملة ممن سعى ~~به وبأصحابه إلى الدزبري، وضرب أعناقهم، وملك المدينة. فاجتمع الدزبري مع ~~مبارك الدولة فتح، متولي القدس، وفتاح بن بويه الكتامي، وصار إليهم نحو ~~الخمسة آلاف مقاتل، وأوقعوا بحلة كبيرة لإخوة حسان، وقتلوا ولدا لعلي بن ~~جراح، وهزموا من بها. # وقال ابن الرقيق: وكان بمصر من الغلاء والشدة وعدم الأقوات ما لم ير مثله ~~من زمن PageV02P171 # بعيد. بلغ الخبز، إذا وجد، رطلا بدرهم، واللحم أربع أواق بدرهم، والرمانة ~~الواحدة بدينار. وكان الناس في كل ناحية يصيحون بالجوع حتى يموتوا؛ ويكون ~~مع الرجل جملة من الدنانير فيطلب من يشبعه خبزا فلا يجده؛ هذا مع الموت ~~الذريع والوباء الفظيع. وورد كتاب بعض ثقات التجار يصف أنه أحصى من مات ممن ~~عرف وكفن ودفن من آخر شهر رمضان إلى بعض ذي القعدة فكانوا مائة ألف وسبعين ~~ألف نفس؛ وأما الغريب ومن لا يعرف ومن يلقى في النيل ولا يجد من يقبره ~~فأكثر من هذه العدة أضعافا لا تحصى. # وبلغ ماء النيل ستة عشر ذراعا وثمان أصابع. # ومات في هذه السنة ممن له ذكر أبو جعفر بن الوزير أبي الفضل جعفر بن ~~الفضل بن الفرات المعروف بابن حنزابة، يوم الخميس سادس المحرم؛ وكان يعمل ~~بيده أعمالا متقنة. وفي يوم الأربعاء عاشر صفر توفى مفضل بن أبي أحمد ~~المهلبي بعد ما ساءت حاله؛ وكان أديبا جم الأدب غير منكور السيرة. وفي سابع ~~عشره توفي أبو محمد بن يحيى الدقاق من شيوخ الحديث ومؤرخي أخبار مصر. وفي ~~يوم الأربعاء ثالث عشري ربيع الأول توفى ابن أبي الحسين بن زولاق، وكان ~~أديبا، ذيل على تاريخ أبيه المعروف بأبي الحسين. وفي يوم الخميس ثاني عشري ~~ربيع الآخر توفى أبو الحسن بن نحرير الشويزاني، وهو أكبر من ms296 بقي من عرفاء ~~الإخشيذية، فبعث الظاهر لكفنه مائتي دينار وعدة ثياب وطيبا كثيرا. وفي يوم ~~الأحد عاشر جمادى الأولى توفي النمل الشاعر، واسمه: ومن شعره: # وتوفى سند الدولة أبو محمد حسن بن محمد بن محمد بن نقيان الكتامي، متولي ~~مدينة حلب، بها، في يوم الخميس لثمان بقين من ربيع الآخر. وفي يوم الاثنين ~~سادس PageV02P172 # شعبان توفى عصب الدولة الحسين بن مفلح ابن أبي صالح القلعي، وقد ساءت ~~حاله وغلبه الدين. وفي ليلة الأحد تاسع عشره قتل الشيخ العميد محسن بن ~~بدواس متولى بيت المال وجابي الضرائب. وفي يوم الاثنين ثاني عشر شهر رمضان ~~توفى نزار بن حسين بن يمن الكتامي، متولى الشرطة السفلى بمصر، بعدما ساءت ~~حاله. وفي رابع عشره توفى الشريف العباسي الرابض لدواب الحاكم بأمر الله، ~~وكان شريرا، فلم يشهد أحد جنازته بغضا له. وفي يوم الخميس سادس شوال توفى ~~أبو عيسى ملامان بن محساس بن بيوط الكتامي، فصلى عليه الظاهر. وفي تاسعه ~~توفى مخلص الدولة منصور البكجوري، أحد وجوه القواد الحمدانية القادمين من ~~الشام، وترك ستين ألف دينار ورثها ابنه، فدفن في مقابر القاهرة. وفي ثالث ~~عشريه توفى الأمير أبو هاشم العباس بن شعيب بن داود بن عبيد الله المهدي، ~~ولي عهد المؤمنين كان، فدفن في تربة القصر، وترك ولدا اسمه مسلم. وفيه ~~توفيت عائشة جارية الأمير عبد الله بن المعز لدين الله؛ وكانت من وجوه ~~عجائز القصر؛ وخلفت أربعمائة ألف دينار. وفي يوم السبت رابع عشر ذي القعدة ~~توفى جعفر بن أبي فروخ الكتامي الذي كان يتولى الشرطة بمصر. وفي سابع عشريه ~~توفى أبو الفتح منصور المعروف بالتيني الشاعر، ودفن بمقابر القاهرة. ومن ~~شعره: # شديد من الدنيا على الحر حاجة ... يؤم بها من ليس من نظرانه # وقال من أبيات: # وما الناس إلا كالنبات: مصوح ... ليذوي، ومخضر لينمى، ومعشب # يسربله ماء الشباب نضارة ... ويفرغ عنه حسنه حين ينضب # ومنها: # تفرق أنواع المذمات في الورى ... ويجمعها خلق الفتى حين يكذب # إذا كان للإنسان عقل، فحيثما ... توجه لاقاه صديق ms297 ومكسب PageV02P173 # ينال الفتى بالخفض بلغة عيشه ... فيسعى إلى شيء سواها، وينصب # يخرب من أخراه ما ليس فانيا ... ويعمر من دنياه ما يتخرب # على أن في الأيام للمرء واعظا ... بليغا، وفي صرف الزمان مؤدب # وماتت السيدة العزيزة ست الملك ابنة العزيز بالله أبي منصور نزار بن ~~المعز لدين الله أبي تميم معد، مستهل جمادى الآخرة، بعلة الذرب. وقد دبرت ~~أمور الدولة بعد فقد أخيها الحاكم بأمر الله خمس سنين وثمانية أشهر، أعادت ~~فيها للملك غضارته، واستردت بهجته، وملأت الخزائن بأصناف الأموال، وقلدت ~~الأكفاء جلائل الأعمال، واصطنعت الرجال. PageV02P174 ### || سنة ست عشرة وأربعمائة @YY416 # فيها أمر الظاهر بنفي من وجد من الفقهاء المالكية وغيرهم. وأمر الدعاة أن ~~يحفظوا الناس كتاب دعائم الإسلام وكتاب الوزير يعقوب بن كلس في الفقه على ~~مذهب آل البيت؛ وفرض المظاهر لن يحفظ ذلك مالا. وجلس الدعاة بالجامع ~~للمناظرة. ### || سنة سبع عشرة وأربعمائة @YY417 # فيها ثار بالناس في مصر رعاف عظيم. وزاد النيل فوق المعتاد حتى غرقت ~~القرى. # وفيها سقط الظاهر عن فرس، وأرجف بموته، ثم عوفي، فتصدق بمائة ألف دينار، ~~حمل منها إلى مكة والمدينة أربعون ألف دينار، وإلى بلاد الشام عشرون ألف ~~دينار، وإلى بلاد المغرب عشرون ألف دينار، وفرق بمصر عشرون ألف دينار. PageV02P175 ### || سنة ثمان عشرة وأربعمائة @YY418 # فيها وقعت الهدنة بين متملك الروم وبين الظاهر عن ديار مصر والشام، وكتب ~~بينهما كتاب؛ وتفردت الخطبة للظاهر ببلاد الروم. وفتح الجامع الذي ~~بقسطنطينية، وعمل له الحصر والقناديل، وأقيم به مؤذن؛ وعند ذلك أذن الظاهر ~~في فتح كنيسة القمامة التي بالقدس، فحمل إليها ملوك النصارى الأموال ~~والآلات، وأعادوها، وارتد إلى دين النصرانية كثير ممن أسلم كرها في أيام ~~الحاكم بأمر الله. # وفيها عزل الظاهر عميد الدولة وناصحها أبا محمد الحسن بن صالح الروذباري، ~~وولى عوضه الوزير الأجل الكامل أوحد أمير المؤمنين وخالصته أبو القاسم علي ~~بن أحمد الجرجرائي. # وفيها اجتمع عسكر مصر، ورافع بن أبي الليل مقدم طائفة الكلبيين، ~~وأنوشتكين الدزبري لحرب حسان بن جراح؛ فالتقوا لخمس بقين من ربيع الآخر ms298 على ~~الأقحوانة؛ فقتل صالح بن مرداس، وانهزم حسان، وقتل عدة ممن معه، واستولى ~~الدزبري على البلاد فقدم شبل الدولة نصر، ومعز الدولة ثمال بعد أبيهما صالح ~~بن مرداس، وملكا أيضا الرحبة إلى بالس ومنبج. PageV02P176 ### || سنة عشرين وأربعمائة @YY420 # فيها كانت فتنة بمصر بين المغاربة والأتراك، قتل فيها جماعة، وكان الظفر ~~للأتراك؛ ثم استظهرت المغاربة بمعاونة العامة لهم، فقتلوا عدة كثيرة من ~~الأتراك، وأخرجوا من بقي منهم عن مصر. وكان خبط عظيم، فأخرج الظاهر رأسه من ~~المنظرة وأشار إلى الناس، فقبلوا الأرض؛ ثم بعث إليهم بالصلح، فمشى الدعاة ~~بينهم حتى اصطلحوا. # وفيه بعث المعز بن المنصور بن بلكين بن زيرى هدية فيها عشرون جارية لم ير ~~كحسنهن، وعى نهودهن حقاق الفضة؛ وثلاثة أفراس، فيها كميت بسرج ذهب زنته ~~قنطار ذهب، وأشقر بسرج لؤلؤ، وأدهم بسرج فضة زنتها قنطار؛ وثلاثة آلاف منا ~~زعفرانا؛ وخمسون درقة بأغشية ديباج، واثنا عشر صقلبيا؛ وعشرون خادما سودا؛ ~~وألف وخمسمائة ثوب خز وأربعمائة غفارة؛ ورماح كثيرة جدا؛ وألف قنطار شمعا؛ ~~وثياب سوسية وصقلية؛ وعمائم عدة ألوف. فجلس الظاهر في الإيوان على السرير ~~الذهب، وقرئ عليه كتابه، وعرضت هديته في يوم الأحد PageV02P177 # ثامن شوال. وبعث إليه بهدية من دق تنيس ودمياط وطرائف الهند واليمن، ~~وزرافة، وبختا خراسانية تحمل قبابا فيها جواري، وأشياء عظيمة. # وفيها جهز الظاهر أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري لقتال صالح بن مرداس؛ ~~فالتقيا بالأقحوانة من عمل طبرية على نهر الأردن، واقتتلا أشد قتال؛ فقتل ~~صالح وولده الأصغر في جمادى الأولى من سنة عشرين هذه، وحمل رأساهما إلى ~~القاهرة. ونجا شبل الدولة أبو كامل نصر بن صالح، وأخوه أبو علوان عز الدولة ~~ثمال إلى حلب، فملكاها شركة بينهما. فكانت مدة ملك صالح لحلب أربع سنين ~~وأشهرا. PageV02P178 ### || سنة إحدى وعشرين وأربعمائة @YY421 # بايع الناس بولاية العهد للمستنصر بن الظاهر، وعمره ثمانية أشهر؛ فخلع ~~على كافة أهل الدولة وعمل من الطعام ما كفى أهل القاهرة ومصر والطارئين من ~~البلاد، ونثر مال عظيم؛ فلم يبق أحد حتى وصل إليه من خير هذه ms299 البيعة. ~~واجتمعت العامة تحت المنظرة من القصر، واستغاثوا أن يشرفوا برؤية أمير ~~المؤمنين، فأشرف عليهم الظاهر من المنظرة، فقبلوا الأرض وانصرفوا. # وكان مرتضى الدولة أبو نصر منصور بن لؤلؤ قد طمع في حلب بعد تملك صالح بن ~~مرداس لها، فكاتب متملك الروم يرغبه في حلب ويعده، إلى أن خرج من ~~القسطنطينية في هذه السنة ومعه ثلثمائة ألف، حتى لم يبق بينه وبين حلب سوى ~~يوم واحد اعتزل عنه ابن لؤلؤ ومعه رجل جليل من الروم يقال له ابن الدوقس في ~~عشرة آلاف؛ فخاف متملك الروم ورحل، ثم قبض على ابن لؤلؤ وابن الدوقس في ~~جماعة وولى منهزما لا يلوى على شيء. وتبعه من عرب كلاب ونمير نحو الألفي ~~فارس في طائفة الأرمن، ونهبوا الروم، فاخذوا من خاص الملك أربعمائة بغلة ~~تحمل المال والثياب، سوى ما ظفروا به لعامتهم، بحيث أبيع البغل في حلب ~~بدينارين؛ ولولا أن العرب تشاغلت بالغنيمة لما أفلت أحد من الروم. ووجد من ~~الروم آلاف كثيرة موتى عطشا. وكانت هذه الهزيمة يوم السبت خامس شعبان. PageV02P179 ### || سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة @YY422 # فيه نقص النيل نقصانا فاحشا، فتحرك السعر، وحملت غلال كثيرة من الشام إلى ~~مصر؛ ثم زاد النيل بعد أوان الزيادة بأربعة أشهر، فكثر العجب من ذلك. # وكان الدزبري لما استرجع البلاد الشامية من أيدي المتغلبين عليها، إلا ~~حلب فإنها بقيت بيد بني صالح بن مرداس، انهزم حسان بن جراح وإخوته من ~~الدزبري، ولم يجدوا ملجأ، فحملهم ذلك على أن دخل حسان في طاعة ملك الروم، ~~وحمل على رأسه صليبا وصار في جملته. ثم سار في هذه السنة بعسكر الروم وعلى ~~رأسه الصليب، ووصل إلى أفامية، وهي من عمل الدزبري، فهزمها وسبى كثيرا ~~منها. فنادى الدزبري بالغزاة، وخرج؛ فخافه نصر بن صالح وقرر لملك الروم على ~~نفسه خمسمائة ألف درهم، صرف ستين درهما بدينار، على أن يحميه، وذلك في ~~جمادى الأولى؛ فاتفق مرض الدزبري بدمشق، وأرجف به، ثم عوفى. ### || سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة @YY423 # فيها أمر الظاهر بقتل دعاته، فاضطربت ms300 الرعية وكثير من الجند لذلك، وأخذ ~~الدعاة في إفساد أمره والتحدث بخلعه؛ فأنفق أموالا جمة حتى استقر أمره. PageV02P180 ### || سنة أربع وعشرين وأربعمائة @YY424 # ركب ولي العهد، ابن الظاهر، من القاهرة إلى مصر وقد زينت، فكان إذا أقبل ~~على الناس قبلوا له الأرض. ونثر يومئذ على العامة خمسة آلاف دينار، ونثر ~~على الخاصة عشرون ألف دينار؛ فكان يوما عظيما. # وفي يوم الأحد ثامن عشر ذي القعدة قدمت هدية المعز بن باديس، وهي جليلة ~~القدر. ### || سنة خمس وعشرين وأربعمائة @YY425 # فيها قدم الخبر باستيلاء الأتراك على الأمر ببغداد، وقلت بها الأموال ~~والرجال؛ فبث الظاهر دعاته فنشروا دعوته ببغداد في الناس. # وفيها ظهرت الطائفة الدرزية بجبل السماق من الشام يدعون إلى الحاكم بأمر ~~الله. # فيها ظهرت الزلازل ببلاد الشام، فخربت ريحا، ونصف الرملة وأكثر عكا في ~~قرى كثيرة، وبعد الماء من سواحل البحر المالح ساعتين، ثم عاد كما كان. PageV02P181 ### || سنة ست وعشرين وأربعمائة @YY426 # فيها كثر الفأر بأراضي مصر وأكل زروعا كثيرة. وفيها كثر الوباء بمصر. # وفيها قتل الدزبري شبل الدولة ثمال بن صالح بن مرداس، في شعبان، وملك ~~حلب، وبعث إلى الظاهر بهدايا جليلة. ### || سنة سبع وعشرين وأربعمائة @YY427 # فيها انعقدت الهدنة بين الظاهر وبين ميخائيل ملك الروم عشر سنين متوالية. # وفيها توفي الظاهر عن استسقاء طال به من نيف وعشرين سنة، في يوم الأحد ~~النصف من شعبان؛ فكانت مدته خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وسبعة عشر يوما. وكانت ~~أيامه كلها سكونا ولينا، وهو مشغول بملاذه ونزهه وسماع المغنى، وأمور ~~الدولة بيد عمته السيدة العزيز ست الملك، وهي التي عدلت بالخلافة إليه عن ~~ولي العهد أبي هاشم العباس بن دواد ابن عبيد الله المهدي، وجيء بأبي هاشم ~~فبايع والسيف على رأسه، ثم جلس فكان آخر PageV02P182 # العهد به. وكان يشار بالخلافة إلى عبد الرحيم بن إلياس بن أحمد بن ~~المهدي، فأدخل عليه الشهود وهو يتشحط في دمه، فأشهد أنه فعل ذلك بنفسه، ثم ~~قضى نحبه. وأقامت سيدة الملك سيف الدين الحسين بن دواس والوزير عمار بن ~~محمد ms301 في تدبير الدولة عن رأيها، حتى قتلت ابن دواس، فانفرد عمار بالأمور ~~إلى أن رتبت له في دهليز القصر من قتله. فتحدث حسن بن موسى الكاتب، والأمر ~~لست الملك، ولسانها ويدها أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي. فلما ماتت ~~السيدة ست الملك استقل الجرجرائي بالتدبير. PageV02P183 ### | المستنصر بالله أبو تميم معد بن الظاهر لإعزاز دين الله أبي الحسن علي بن الحاكم بأمر الله أبي علي منصور # أمه السيدة رصد. ولد يوم الثلاثاء السادس عشر من جمادى الأولى سنة عشرين ~~وأربعمائة بالقاهرة؛ والطالع عند ولادته من برج السلطان ثمان درج؛ والشمس ~~فيه على خمس عشرة درجة، والمشتري فيه على ست درج، وعطارد فيه على اثنتي ~~عشرة درجة؛ والقمر في الدلو على ثلاث عشرة درجة؛ وزحل في برج الثور على تسع ~~وعشرين درجة؛ والمريخ فيه أيضا على إحدى عشرة درجة؛ والزهرة في برج الجوزاء ~~على ثلاث عشرة درجة؛ والجوزهر؟ في برج السنبلة على خمس وعشرين درجة. وبويع ~~بالخلافة يوم الأحد للنصف من شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة؛ والطالع عند ~~ولادته من برج السنبلة إحدى وعشرون درجة، وزحل في برج السنبلة على اثنتين ~~وعشرين درجة؛ والمشتري في برج الدلو على ثماني درج، والمريخ فيه أيضا على ~~اثنتي عشرة درجة؛ والشمس في برج الجوزاء على ثمان وعشرين درجة؛ والزهرة في ~~برج السرطان على ثلاث درج، وعطارد في برج الجوزاء على ست عشرة درجة؛ والقمر ~~في برج الجدي على ثماني عشرة درجة والجوزهر في برج الثور على إحدى وعشرين ~~درجة. وأقام في الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام. # وقام بأمره الوزير أبو القاسم الجرجرائي؛ وأخذ له البيعة على الناس؛ ~~وأطلق للجند PageV02P184 # أرزاقهم وشيئا آخر على سبيل الصلة؛ وسكنت الأمور واستقامت الأحوال؛ وكتب ~~له المستنصر سجلا بإقراره على الوزارة. # وفيها سير من القاهرة مبلغ ألفي دينار على يد بدوي لعمارة قنطرة الجاروفة ~~التي منها شرب الكوفة، وقد خربت وفسدت الجهات التي تحتها بفسادها. وكانت ~~تلك الجهات جارية في إقطاع العربان بالعراق، فأريد بذلك استمالة من هناك ms302 ~~إلى الطاعة؛ فقام بنو خفاجة مع البدوي في الإنفاق على عمارة القنطرة. فبلغ ~~ذلك الخليفة القادر بالله أبا العباس أحمد بن اسحق بن المقتدر، فلم يجد ~~مالا يبعثه عوضا من المال المذكور، ولم يمكنه الرد، فدعته الضرورة إلى ~~التغاضي. فشرع البدوي في العمل، ثم منع بعد ما تم منه جانب كبير. PageV02P185 ### || سنة ثمان وعشرين وأربعمائة @YY428 # فيها فسد ما بين نصر بن صالح بن مرداس وبين المستنصر، فكاتب ملك الروم، ~~وبعث إليه بما عليه من القطيعة مع هدية؛ فأشار عليه بالدخول في طاعة ~~المستنصر، فقبل منه. وبعث بهدية جليلة إلى القاهرة مع وفد كبير؛ فحصل الرضا ~~عنه، وأضيف إليه أعمال حمص، ولقب بمختص الأمراء خاصة الإمام، شمس الدولة ~~ومجدها، ذي العزمتين. فشق ذلك على الدزبري متولى دمشق، وأخذ في مناكدة ~~أصحاب نصر بن صالح. PageV02P186 ### || سنة تسع وعشرين وأربعمائة @YY429 # فيها بعث الدزبري عساكره إلى حماة، فأخذها. وخرج شبل الدولة نصر بن صالح ~~لدفعه، فالتقيا بلطمين من عمل كفرطاب، فانكسر وقتل في يوم الاثنين نصف ~~شعبان، وحمل رأسه إلى دمشق. فبادر أخوه معز الدولة ثمال بن صالح إلى حلب ~~وملكها من الغد، وأخذ قلعتها، واستخلف فيها ابن عمه مقلد بن كامل بن مرداس، ~~وفي المدينة خليفة بن جابر الكعبي. وشرق بأهله ليستنجد بأخواله بني خفاجة، ~~فنزلت عساكر الدزبري على حلب وأخذت المدينة؛ ثم قدم إليها الدزبري وتسلم ~~القلعة في يوم الثلاثاء ثامن رمضان، وأخرج منها إلى درباس، واستولى على ~~بالس ومنبج؛ وولى قلعة لغلاميه فاتك وسبكتكين. وعاد إلى دمشق يوم الخميس ~~تاسع عشر ذي الحجة. وعمل في طريقه على أخذ جبلة فلم يطق. # وفيها ثار علي بن محمد بن علي الصليحي في اليمن في ستين رجلا على رأس ~~جبل، وأقام دعوة المستنصر؛ وما زال أمره يزيد حتى استولى على ممالك اليمن. # وفيها هادن المستنصر ملك الروم على أن يطلق خمسة آلاف أسير ليمكن من ~~عمارة قمامة التي فر بها الحاكم، فأطلق الأسرى، وعمر قمامة، وأطلق عيها ~~مالا جل وصفه. PageV02P187 ### || سنة ثلاثين وأربعمائة@YY430 ### || سنة إحدى ms303 وثلاثين وأربعمائة @YY431 # فيها أقيمت دعوة المستنصر بحران: ### || سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة @YY432 # فيها نقض ملك الروم الهدنة وأغار على بلاد حلب وعلى بلاد أفامية، وكسر ~~عسكر الدزبري المقيم هناك؛ فخرج إليه عسكر حلب فكسرهم على أرمناز. وكان ~~ثمال بن صالح وعمه المقلد بالرقة مالكين لها، فبعثنا إلى متملك الروم بمال ~~وثياب، فطلب منهما ابتياع الرقة كما ابتيعت الرها؛ فضاق الدزبري ذرعا بذلك ~~وكتب إليهما يرغبهما ويرهبهما، فأجاباه بالاعتذار. # وكان قد مضى قوم من بني جعفر بن كلاب إلى مضيق أفامية وعاثوا في أعمال ~~الروم، فمكن لهم الروم ثم أوقعوا بهم. فبعث الدزبري عسكرا، فلقي الروم فيها ~~حماة وأفامية، فظهر المسلمون عليهم وقتلوا منهم عدة كبيرة؛ فأجمع الدزبري ~~على النهوض إليهم، فهادنوه وما زالوا به حتى سكنت الحرب بينهم وبينه. ثم إن ~~الجند طمعوا في الدزبري وهموا به فساروا له إلى حماة، فقضى عليه أهلها؛ ~~فكاتب مقلد بن منقذ، فحضر إليه من كفرطاب في ألفي راجل واجتمع به؛ ومضى إلى ~~حلب فأقام بها مريضا إلى أن مات يوم الأحد نصف جمادى الآخرة. PageV02P188 ### || سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة @YY433 # وبعد ما أقام بحلب اثنين وأربعين يوما قدم إليها ثمال بن صالح وعمه ~~المقلد، وحصرا القلعة سبعة أشهر، وتسلماها في صفر سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ، وقتلا من بها. فلما بلغ ذلك المستنصر بعث إلى ثمال الخلع والتحف وسجلا ~~بتوليته؛ وكان بقلعة حلب مائتا ألف دينار فأخذها ثمال. # وفيها توفى شهم الدولة ميمون، صاحب السيارة في أسفل الأرض، في شهر ربيع ~~الآخر، وحمل إلى مصر، فوصلوا به يوم الثلاثاء تاسعه، ودفن بتربته بالقرافة. ~~وكان من أهل الخير؛ وحج بالناس من مصر في سنة ست وعشرين وأربعمائة. ### || سنة أربع وثلاثين وأربعمائة @YY434 # فيها خرج بالقاهرة في شهر رجب شخص اسمه سليمان كان يشبه الحاكم بأمر ~~الله، وأدعى أنه الحاكم، وبث دعاته سرا في البلاد، وقصد القصر وقت خلوه من ~~العساكر، وقال للخدام: قولوا هذا الحاكم. فارتاع من كان في باب القصر وثارت ~~ضجة؛ فقبض عليه، وصلب، وأخذت أصحابه فقتلوا، ms304 ومن جملتهم محمد بن عاني ~~الكتامي أحد دعاته. PageV02P189 ### || سنة خمس وثلاثين وأربعمائة @YY435 # فيها قطع المعز بن باديس الخطبة للمستنصر، ودعا ببلاد إفريقية للخليفة ~~القائم بأمر الله العباسي، فبعث إليه الخلع من بغداد على طريق القسطنطينية. ### || سنة ست وثلاثين وأربعمائة @YY436 # فيها توفى الوزير الأجل أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي، يوم الأربعاء ~~سادس شهر رمضان. والحاصل يومئذ في بيت المال البراني، تحت يد أمين الدولة ~~مسرة الرومي، برسم النفقات، ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار وستمائة ~~دينار وواحد وعشرون دينارا ونصف وثمن دينار. ووجد له سبعمائة صينية من ذهب ~~وفضة، ومائة ألف مثقال من العنبر، وغير ذلك. وكان عالما فطنا نحريرا؛ وقع ~~مرة بين يدي الظاهر لإعزاز دين الله على مائة كتاب، فلم تتشابه فيها لفظة ~~بلفظة. وكانت مدة ولايته للظاهر والمستنصر سبع عشرة سنة وثمانية أشهر ~~وثمانية عشر يوما. # ووزر بعده أبو علي الحسن بن علي الأنباري، فانفسد أمره بسبب أبي سعيد سهل ~~بن PageV02P190 # هرون التستري وأخيه أبي ثمر إبراهيم، اليهوديين. وكان من أمرهما أن أبا ~~سعيد هذا كان قد استخدمه الظاهر لبيوعه، فباع عليه في جملة ما باع جارية ~~سوداء تحظاها الظاهر، فولدت له المستنصر؛ فراعت ذلك لأبي سعيد وقدمته عند ~~ولدها المستنصر لما صارت الخلافة إليه ورتبته فيما يخصها؛ فعظم شأنه إلى أن ~~صار ناظرا في جميع أمور الدولة. فلما وزر الأنباري قصده أبو ثمر إبراهيم، ~~فجبهه غلام له، فأحفظه، وأعلم أخاه أبا سعيد؛ فثنى رأى المستنصر عن ابن ~~الأنباري لهذا السبب، وأشار عليه أن يستوزر أبا نصر صدقة بن يوسف الفلاحي، ~~وكان يهوديا قد أسلم، فاستوزره بعد الجرجرائي في يوم الثلاثاء حادي عشر شهر ~~رمضان، ولقب بالوزير الأجل، تاج الرئاسة، فخر الملك، مصطفى أمير المؤمنين. ~~وكان يهوديا موصوفا بالبراعة في ضروب الكتابة. ولى أولا نظر الشم؛ ثم خاف ~~أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري ففر منه؛ وقد اجتهد في طلبه فلم يظفر به. ~~وقدم إلى القاهرة، فرعى له الجرجرائي حرمة انفصاله عن الدزبري، ورقاه، ~~وأشار في مرضه بأن يستوزر ms305 من بعده. فلما تقررت له الوزارة أملى سجل تقليده ~~ليلة اليوم الذي خلع عليه فيه. وتولى أبو سعيد التستري الإشراف عليه. وقبض ~~على ابن الأنباري، وصودر، حتى هلك تحت العقوبة، ودفن بخزانة البنود وكان ~~مسجونا بها. وصار الفلاحي لا يعمل إلا بما يحده له أبو سعيد ويمثله. # وكان المستنصر قد بث دعاته سرا إلى الآفاق يدعون إليه، ويستميلون من تصل ~~القدرة إلى استمالته. فلما كان في هذه السنة دفع جماعة منهم إلى ما وراء ~~النهر، ودعوا هناك بعد أن PageV02P191 # دعوا بخراسان؛ فاستجاب لهم طوائف من الناس. وحصلوا عند بغراخان، أخي ~~رسلان خان صاحب ما وراء النهر. فلما علم بهم تلطف في الكشف عنهم بأن ~~استمالهم وقربهم، وأطمعهم أنه يريد الدخول فيما هم فيه؛ فأنس به طائفة ~~منهم، وأرادوا أن يأخذوا عليه العهود والمواثيق، فخدعهم بإطلاق المال، ~~واستخبر به ما عندهم، حيث إنه أنفق عليهم في مدة سنتين ثلثمائة ألف درهم، ~~حتى اطلع على عددهم، وعرف مواضعهم؛ وهم يطالبونه باليمين والعهد إلى أن ~~أجابهم على شرط أن يكتبوا أيمانهم، ويطلعوه على باطنهم. فكتبوا ذلك ودفعوه ~~إليه ليتفكر به، وقد كتب كتابا على قدر كتابهم وشكله، يقسم فيه بالأيمان ~~المغلظة أنه متى انكشف له من أمرهم ما يدل على الإلحاد والخروج عن تشريع ~~الإسلام ذبحهم بيده تقربا إلى الله تعالى. ثم استدعاهم وأعلمهم استجابته ~~إلى ما دعوه إليه، ورد إليهم الكتاب حتى شاهدوه وعرفوه، واستعاده ليحلف به. ~~فلما حصل في يده أخرج الكتاب الذي كتبه وحلف أنه يفي بجميع ما تضمنه ولا ~~يعدل عنه؛ فوثقوا بذلك، وخفى عليهم فرق ما بين الكتابين. # ثم جمعهم وقال لهم ما أتمكن من إظهار نفسي والمبادرة بنصرتكم إلا في عدد ~~قوي، فإن بلاد الترك تشتمل على ثلثمائة ألف سيف مشهور تخالف هذا المذهب؛ ~~فإن كنتم في عدد قويت به. فذكروا له دعاتهم ببلاد المشرق وسموهم له، وأفضوا ~~إليه بجميع سرهم، ودفعوا إليه كتبهم إلى جميع أصحابهم بما استقر العزم ~~عليه. ثم جمعهم وأحضر فقهاء بلده لمناظرتهم، ms306 وفيهم عبد الملك بن محمد ~~البلخي الفقيه بن محمد شيخ البلد، ونصر بن عطاء، وجعلهما PageV02P192 # من وراء ستر؛ فذكر الدعاة أسرار مذهبهم على غرة منهم وغفلة بما دبر ~~عليهم، وبغراخان يستخبرهم حتى صرحوا بعقائدهم. فأخرج حينئذ عبد الملك ~~ونصرا، وقبض على الدعاة وقيدهم، ونادى في الناس ليجتمعوا، وقد نصب جذعا، ~~وصلب عليه الدعاة واحدا بعد واحد، ورماهم بالنشاب، فقتل منهم ستة عشر رجلا، ~~وذبح منهم واحدا بين يديه، ذبحه بعض عبيده فأعتقه؛ وتصدق بمائة ألف درهم. ~~وتتبع كل من في أعماله من الدعاة، فقبض على مائة وثلاثة وثلاثين رجلا، ~~وأوثقهم بالحديد، وألقاهم في جب مظلم؛ وكتب إلى جميع بلاد ما وراء النهر ~~بقتل من عندهم من هذه الطائفة. وكتب إلى بغداد بما فعله، فقدم رسوله في هذه ~~السنة، فأجيب بالشكر والثناء. # وفيها سير المستنصر إلى قرواش بن المقلد أعلاما وخلعا، فلبسها؛ فأنفذ ~~إليه الخليفة القائم من بغداد يعاتبه على ذلك؛ فاعتذر، ولبس السواد، ورجع ~~عن دعوة المستنصر. PageV02P193 ### || سنة سبع وثلاثين وأربعمائة @YY437 # اشتهر انتقاض الهدنة التي قررها الظاهر لإعزاز دين الله بين وبين متملك ~~الروم، وسعى الرسل في تقريرها بين المستنصر وبينه؛ وكان انتقاضها على ~~الحقيقة من مدة أربع سنين مضين. فلما كان في ثامن ذي الحجة وردت هدية متملك ~~الروم من القسطنطينية إلى القاهرة، وقيمتها ثلاثون قنطارا من الذهب، ~~والقنطار عندهم سبعة آلاف دينار ومائتا دينار. وكان من جملتها بغل وحصان من ~~أحسن الدواب وأعلاها قيمة، كل منهما عليه ثوب ديباج رومي منقوش ثقيل؛ ~~وخمسون بغلا عليها مائة صندوق مصفحة بالفضة، فيها آنية الذهب والفضة، منها ~~مائة قطعة بميناء؛ وفيها من الديباج والسندس والإبريسم والعمائم المعلمة ما ~~لا يقدر على مثله. فعوض عن هديته بمثلها من حق مصر ومن الجوهر والمسك ~~والعود والطراز، عمل تنيس ودمياط، ما هو أكثر قيمة مما بعثه. ### || سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة @YY438 # في سادس عشر المحرم قتل أبو علي الحسن بن علي الأنباري في خزانة البنود ~~بالقاهرة. PageV02P194 ### || سنة تسع وثلاثين وأربعمائة @YY439 # فيها عمل الوزير أبو منصور ms307 الفلاحي على أبي سعيد سهل بن هرون التستري ~~اليهودي وقتله عند خان العبيد. وذلك أن أم المستنصر كانت جارية أبي سعيد ~~هذا، فأخذها منه الظاهر وتسراها، فولدت له ابنه المستنصر، فرقت أبا سعيد ~~درجة عليه بعد وفاة الظاهر. وكان يخاف الوزير الجرجرائي، فلم يظهر ما في ~~نفسه. فلما مات الجرجرائي وتولى الفلاحي انبسطت كلمة أبي سعيد في الدولة، ~~بحيث لم يبق للفلاحي معه في الوزارة أمر ولا نهي، سوى الاسم فقط وبعض ~~التنفيذ لا غير، وأبو سعيد يتولى ديوان أم الخليفة المستنصر. فغض الفلاحي ~~بأبي سعيد وشغب عليه الجند حتى قتلوه. وذلك أن بني قرة، عرب البحيرة، ~~أفسدوا في الأعمال، فخرج إليهم الخادم عزيز الدولة ريحان، وأوقع بهم وقتل ~~منهم، وعاد وقد عظم في نفسه لمعالجة النصر على بني قرة والظفر بهم. فثقل ~~على أبي سعيد أمره واستمال المغاربة وزاد في واجباتهم، ونقص من أرزاق ~~الأتراك ومن ينضاف إليهم؛ فجرى بين الطائفتين حرب بباب زويلة. واتفق مرض ~~ريحان وموته، فاتهم أبو سعيد أنه سمه؛ وتجمع الطوائف المنحرفة عنه على ~~قتله. فركب من داره على العادة يريد القصر، في يوم الأحد لثلاث خلون من ~~جمادى الأولى، في موكب عظيم؛ فلما قرب من القصر اعترضه ثلاثة من الأتراك ~~وضربوه حتى مات. فأمر المستنصر بإحضار من قتله، فاجتمع الطوائف وقالوا نحن ~~قتلناه. فلم يجد المستنصر بدا من الإغضاء. وقطع الأتراك أبا سعيد قطعا، ~~وتناولت الأيدي أعضاءه فتمزقت؛ واشترى أهله ما قدروا على تحصيله من جثته ~~بمال. وجمع الأتراك ما قدروا عليه من أعضائه ورمته، وحرقوا ذلك بالنار، ~~وألقوا عليه من التراب PageV02P195 # ما صار به تلا مرتفعا. وضم أهله ما وصل إليهم منه في تابوت وأسدلوا عليه ~~سترا، وتركوه في بيت مؤزر بالستور وأوقدوا الشموع، وأقاموا عزاءه. فتعلقت ~~من بعض الشموع شرارة في الستور التي هناك ومضت فيها، فاحترق التابوت بما ~~فيه. # وكان مقدار ما حصل في بيت المال البراني على يدي أبي نصر صدقة الوزير ~~وأبي سعيد إبراهيم التستري من يوم مات الوزير ms308 علي بن أحمد الجرجرائي وإلى ~~أن قتل أبو سعيد سبعمائة ألف دينار. والذي مات عنه الجرجرائي، وهو حاصل بيت ~~المال المذكور برسم النفقات، ألف وسبعمائة ألف وستمائة وواحد وعشرون دينارا ~~ونصف ونصف ثمن دينار. فصار حاصل بيت المال برسم النفقات إلى أن قتل أبو ~~سعيد ألقى ألف دينار وأربعمائة ألف دينار وستمائة دينار وواحد وعشرون ~~دينارا ونصف ونصف ثمن دينار. # ورد المستنصر لأبي نصر، أخي أبي سعيد، خزانة الخاص، ولولدي أبي سعيد ~~النظر في بعض الدواوين. وحقدت أم المستنصر على الوزير أبي منصور صدقة بن ~~يوسف الفلاحي بسبب قتل أبي سعيد، وما زالت به حتى صرفته عن الوزارة ~~واعتقلته بخزانة البنود. وقيل كان صرفه في سادس المحرم سنة أربعين. # واتفق أنه لما قبض عليه وسجن بخزانة البنود وأمر بقتله بها، حفرت له ~~حفيرة ليوارى فيها، فظهر للفعلة عند الحفر رأس، فلما رفع سئل عنه الفلاحي، ~~فقال هذا رأس ابن الأنباري، وأنا قتلته ودفن في هذا الموضع؛ وأنشد: # رب لحد قد صار لحدا مرارا ... ضاحك من تزاحم الأضداد # وكان أبوه أحد الكتاب البلغاء؛ وتولى ديوان دمشق. PageV02P196 # ومن أحسن ما قيل في أبي سعيد، وقد كره أذاه للمسلمين أنه كان يحلف: وحق ~~النعمة على بني إسرائيل، قول الرضي فيه: # يهود هذا الزمان قد بلغوا ... غاية آمالهم، وقد ملكوا # العز فيهم والمال عندهم ... ومنهم المستشار والملك # يأهل مصر إني قد نصحت لكم ... تهودوا قد تهود الفلك # وفيها استقر في الوزارة بعد الفلاحي أبو البركات الحسين بن عماد الدولة ~~بن محمد بن أحمد الجرجرائي، ابن أخي الوزير صفي الدين، ولقب بالوزير الأجل ~~الكامل الأوحد، علم الكفاة، سيد الوزراء، ظهير الأئمة، عماد الرؤساء، فخر ~~الأمة، ذي الرئاستين، صفى أمير المؤمنين. # وفيها ابتدأ أمر أبي محمد الحسن بن علي بن عبد الرحمن اليازوري. وكان من ~~خبره أن أباه علي بن عبد الرحمن كانت له حال واسعة ببلد يعرف بيازور، من ~~ضياع فلسطين، وكان مقدما فيها؛ فلما كبرت حاله انتقل إلى الرملة واستوطنها، ~~وصارت له وكلاء في ms309 الضياع. فاشتهر هناك وعرف بالعفة والصدق وسماح النفس، ~~فرد إليه قضاء بعض أعمال الرملة. ونشأ له ابنان نجيبان، ولي أحدهما الحكم ~~بعد أبيه إلى أن توفى، ثم خلفه أخوه عبد الرحمن هذا من بعده، فعرف بسعة ~~النفس وسعة الأخلاق؛ فاتصل بخدمة الوزير الجرجرائي، فصر بذلك ممنوعا ممن ~~يريده بسوء. # واتفق أنه حج قبل قدومه إلى مصر، فلما زار قبر رسول الله نام في الحجرة ~~الشريفة، فسقط عليه خلوق من الزعفران الملطخ في حوائط الحجرة، فجاء بعض ~~الخدام وأيقظه من نومه وقال: أيها الرجل، إنك تلي ولاية عظيمة وقد بشرتك، ~~فلي منك الحباء والكرامة. PageV02P197 # ثم انتقل بتلطفه وكثرة مداخلته إلى خدمة السيدة أم المستنصر، فتقرب ~~بخدمتها، ولازم بابها عندما صرف عن الحكم بفلسطين يسأل عوده إلى وطنه ~~وخدمته فيها؛ وهو مع ذلك يواصل الوزير الفلاحي ويؤانسه، فيبدأه بما في نفسه ~~من أبي سعيد التستري، فيفاوضه في التدبير على المذكور، ويفتح له من العمل ~~عليه ما يظهر له صوابه. فثقل مكانه على أبي منذر لقربه من أم المستنصر ~~ولمما لأنه الوزير الفلاحي؛ وهم به، ثم تراخى عنه، حتى كان من أمره ما كان؛ ~~وأمر اليازوري في كل يوم يتزايد وحاله يقوى. إلا أن قاضي القضاة وداعي ~~الدعاة قاسم بن تاميلا كان يمتنع من رد الحكم إليه ببلده، لما يعلم من سوء ~~رأي أبي سعيد فيه، وأنه يريد القبض عليه؛ فكان ينحرف عنه ولا يلتفت إليه. # واتفق أن حضر قاضي القضاة ذات يوم بباب البحر من القصر، على عادته في كل ~~يوم اثنين، لتقبيل الأرض والسلام أو خروج السلام عليه، ويجلس معه من الشهود ~~من جرى رسمه بذلك. فلما جلس بباب البحر وخليفتاه القضاعي وابن أبي زكرى ~~والشهود دخل أبو محمد اليازوري وجلس معهم؛ فقال له قاضي القضاة: بأمر من ~~جلست ههنا! أتظن أن المجالس كلها مبذولة لكل أحد أن يجلس فيها؟ هذا مجلس لا ~~يجلس فيه إلا من أذنت له حضرة الإمامة وشرفته به؛ اخرج، فوالله لا تضرفت ~~على أيامي أبدا. فخرج ms310 ورجلاه لا تكادان تحملانه، فوقف بباب البحر إلى أن ~~خرج قاضي القضاة، فسار وخليفتاه والشهود معه، فسار في أعقابهم، وسبقهم ووقف ~~بباب دار القاضي؛ فلما نزل صنع له استعطافا، فلم يعره طرفه وانصرف. فلقيه ~~القضاعي وقال: يا أبا محمد، كان يجب ألا تريه وجهك عقب ما جرى لك معه. ~~وفارقه. فلقيه ابن زكرى وخطابه بجفاء. فرد إلى داره مغموما، فوجد ثلاثين ~~حملا من تفاح قد وصلت إليه من ضياعه لتباع بمصر، فأنفذ منها خمسة أحمال إلى ~~الوزير، ولقاضي القضاة خمسة أحمال، وللقائد الأجل عدة الدولة رفق خمسة ~~أحمال، ولمعز الدولة معضاد خمسة أحمال، ولابن أبي زكريا ثلاثة أحمال، ~~وللقضاعي PageV02P198 # خمسة أحمال، وفرق حملين على حراسهم. فلم يلتفت أحد منهم إليه، ولا عطف ~~عليه، ما خلا القائد الأجل عدة الدولة رفق فإنه شكره وأثنى عليه. وهو مع ~~ذلك يقف بباب البحر، فإذا أقبل عدة الدولة رفق يريد القصر تلقاه وسلم عليه، ~~فيكرمه ويسأل عن حاله، ثم يدخل إلى القصر؛ فإذا خرج وجده واقفا على حاله ~~فيسلم عليه ويتبعه إلى داره؛ فإذا دخل انصرف عنه. فأقام على ذلك أياما، فخف ~~على قلبه ورغب في اصطناعه؛ فصار إذا وصل إلى داره أمره بالنزول معه، فينزل، ~~ويتحدثان وكان حلو الحديث فيطيل عنده، ثم ينصرف. فصار يشتاقه إذا غاب، ~~ويمسكه إذا أراد الانصراف حتى تحضر المائدة. # وكانت أم المستنصر لما هلك أبو سعيد توقفت أمور خدمتها، فأحضرت أخاه ~~وأمرته بخدمتها، فامتنع خوفا من الوزير والأتراك؛ واستمرت ثلاثة أشهر تسأله ~~وهو يمتنع. فحضر أبو محمد اليازوري يوما، فجلس عدة الدولة رفق، وجرى بينهما ~~امتناع أبي نصر، أخي أبي سعيد، من خدمة أم المستنصر، فقال له رفق: أرى أن ~~تكتب رقعة تلتمس خدمتها وتعرض نفسك عليها. فقال أبو محمد: قد كنت أظن جميل ~~رأيك في وإيثارك مصلحة حالي، وأكذبني ظني. فقال: بماذا؟ فقال: الهزء بي، ~~فإني قد أجهدت في العود إلى قرية كنت فيها فبخل علي بها. فكيف أتعرض لهذا ~~الأمر الكبير ومناوأة الوزراء! فقال له: أما ms311 ترضاني سفيرا لك في هذا الأمر، ~~وعلي استفراغ الوسع فيه، لوجوب حقك علي، فإن قضت الأقدار ببلوغ الغرض في ~~ذلك فقد أدركنا ما نؤثره، وإن تكن الأخرى فقد أكثر من العطلة ما تحصل. ~~فأجاب إلى ذلك، وكتب إلى السيدة رقعة يعرض نفسه وماله عليها، ويخطب خدمتها، ~~ويبذل الاجتهاد فيها؛ وأخذها منه رفق. # فلما كان من الغد ركب إلى القصر، ودخل إلى السيدة وقد أحضر أبو نصر، ~~وعاودته الخطاب في خدمتها وهو يمتنع؛ حتى أضجرها؛ فانتهز عز الدولة رفق ~~الفرصة بضجرها وقال: يا مولاتنا، قط طال غلق بابك ووقف خدمتك في امتناع ~~الشيخ أبي نصر PageV02P199 # مما نريده منه؛ وههنا من أنت تعرفينه، وهو رجل مسلم وقاض، وكبير المروءة، ~~وهو مستغن بماله وأملاكه عن التعرض لما لك، وهو ثقة ناهض كاف فقالت: من هو؟ ~~فقال القاضي أبو محمد اليازوري، وهذه رقعته. فأمرته بتسليمها إلى أبي نصر، ~~وقالت: ما تقول فيه؟ فلم يصدق بذلك. فقال يا مولاتنا، هو والله الثقة ~~الأمين الناهض الذي يصلح لخدمتك، وفيه لها جمال، وما تظفرين بمثله. فوقع ~~ذاك منها بالموافقة. فقال لرفق: قل له يجلس في داره غدا حتى أنفذ إليه؛ فسر ~~بذلك وخرج، فإذا أبو محمد في انتظاره على عادته، فسار، ولحق به أبو محمد، ~~فقال له: أقمح أم شعير؟ فقال: بل بر يوسفي، وقص عليه الخبر. فلما كان الغد ~~جاء الرسول مستدعيا له، فركب إلى بابها، فأحضرته وأدخلته وراء المقطع وردت ~~إليه أمر بابها والنظر في ديوانها، الذي هو باب الريح، وجميع أحوالها؛ ~~ونزل. فبلغ ذلك الوزير، فكبر عليه وأقلقه أن تم على غير يده، وأنه لا يقبل ~~قوله عند السيدة لما في نفسها منه لقتل أبي سعيد. # وأقبل الأمراء الأتراك إلى القاضي أبي محمد، فهنئوه بما صار إليه؛ فقام ~~إليهم وتلقاهم، وأعظم سعيهم إليه وشكرهم، وقال: ما أنا إلا خادم ونائب ~~لموالي الأمر، أسأل في تشريفي بما يعين لهم من خدمة لأنهض فيها. ثم لما ~~قاموا نهض قائما لوداعهم. وأخذ الوزير الفلاحي في العمل عليه، ms312 فلم يمض إلا ~~أيام حتى قبض عليه وقتل. PageV02P200 ### || سنة أربعين وأربعمائة @YY440 # فيها سار ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن الحسين بن الحسن بن حمدان، أمير ~~دمشق، وشجاع الدولة جعفر بن كليد، والي حمص، بالعساكر وقبائل العربان إلى ~~حلب لقتال أميرها ثمال بن صالح بن مرداس. وذلك أن ثمال بن صالح كان قد قرر ~~على نفسه في وزارة الفلاحي أن يحمل كل سنة عشرين ألفا، فأخل الحمل سنتين؛ ~~وأخذ شجاع الدولة يغرى الوزير على ثمال ويسهل أمر حلب. فخرج الأمر إلى ابن ~~حمدان أن يسير هو ووالي حمص بجموع العرب؛ فنزل بمن معه على حماة وفتحها، ~~وأخذ المعرة، وأقدم فنزل على حلب لخمس بقين من ربيع الآخر. وحارب ابن مرداس ~~حروبا آلت إلى رحيل ابن حمدان بغير طائل، في سادس عشر جمادى الأولى. ففي ~~عوده أصابه سيل هلك فيه أكثر ما معه من الخيل والرجال والأمتعة، وعاد إلى ~~دمشق. فبعث ثمال إلى المستنصر يسأل عفوه، وكان المتوسط بينهما أبو نصر ~~إبراهيم، أخو سعيد التستري، فأجيب إلى ذلك؛ وانفصل رسول من الحضرة. فورد ~~الخبر بأن ثمال بعث واليا إلى معرة النعمان، وأنه أساء التدبير، فانحرف عنه ~~الناس، وفر منهم إلى حلب؛ وأن جعفرا، أمير حمص، بادر إلى المعرة، فلقيه ~~مقلد بن كامل بن مرداس وحاربه، فقتل في الوقعة PageV02P201 # لست بقين من شعبان، وحملت رأسه وشهرت بحلب، وأسر كثير من عسكره؛ فبعث ~~المستنصر إلى رسول ثمال ورده، وأفهمه ما ورد من المكاتبة. # ووجد الوزير أبو البركات السبيل إلى الإغراء بأبي نصر إبراهيم، فما زال ~~يبلغ المستنصر بأنه حمله الحقد لقتل أخيه على السعي فيما يضر الدولة من ~~التوسط بين ثمال والحضرة، وأن ابن حمدان أساء التدبير في رجوعه عن حلب. ~~فقبض على أبي نصر، وأخذت عامة أمواله، وعوقب حتى مات. # وولي دمشق بهاء الدولة مظفر الخادم الصقلبي، وخرج إليها على جرائد الخيل، ~~فدخلها على حين غفلة، وقبض على ناصر الدولة ابن حمدان وحمله إلى صور، ونقله ~~إلى الرملة وصودر، وأقام مظفر الخدمة بدمشق. ms313 وقبض على راشد بن سنان بن ~~عليان، أمير بني كلاب، واعتقله بصور. # وخرج أمير الأمراء المظفر، فخر الملك، عدة الدولة وعمادها، رفق الخادم، ~~في ثامن عشر ذي القعدة بتجمل كثير وأبهة عظيمة، وقوة قوية، وعدة وافرة، ~~وآلات طبله، وعساكر تبلغ عدتهم ثلاثين ألفا؛ وكان المنفق فيه عينا مع قيمة ~~العروض أربعمائة ألف دينار. فبرز ظاهر القاهرة يريد حلب، وخرج المستنصر ~~لتشييعه، وكتب لجميع أمراء الشام بالانقياد له والطاعة لأمره، وأن يترجلوا ~~له إذا لقوه. وسار فوافى الرملة وقد وصل رسول صاحب القسطنطينية بالصلح بين ~~المستنصر وبين بني مرداس، ففشل رفق وانخرقت حرمته، وجرت بالرملة وبدمشق ~~أمور آلت إلى حرب بين العسكر عدة أيام، فبات يوما ظاهر دمشق. PageV02P202 # وفيها قتل الوزير صدقة بن يوسف الفلاحي يوم الاثنين، النصف من المحرم، ~~بخزانة البنود ودفن فيها. واتفق في وفاته عجب، وهو أنه لما ولى الوزارة سعى ~~في اعتقال أبي علي الحسن بن علي الأنباري، واعتقله بخزانة البنود، ثم قتله، ~~في سنة ست وثلاثين وأربعمائة، ودفنه بخزانة البنود. فلما قبض عليه بعد صرفه ~~عن الوزارة سجن في المكان الذي كان فيه ابن الأنباري من خزانة البنود، وقتل ~~فيها، ودفن معه. وكان ابن الأنباري من جماعة الوزير الجرجرائي ورفيقا ~~للفلاحي وصاحبه، ولما ولي الوزارة تخوف منه، وما زال يعمل عليه حتى قتله، ~~كما تقدم. # وفيها أقبلت حال أبي محمد اليازوري تزيد، ومنزلته ترتفع، وخلع عليه ~~ثانيا، وأمر ألا يقوم لأحد إذا دخل عليه ولو عظم قدره؛ فكان يعتذر إلى من ~~يغشاه من الجلة والرؤساء الأكابر، وأنه ملك اختياره لبالغ في تكرمتهم بما ~~يستحقونه؛ خلا القائد عدة الدولة الذي كان سفيره، فإنه كان إذا أقبل وثب ~~إليه قائما. فبلغ السيدة ذلك، فقالت له: لا تتحرك لأحد بالجملة، فكان إذا ~~جاءه اعتذار إليه. ولقب بالمكين عمدة أمير المؤمنين؛ وترقت أحواله حتى صار ~~يحضر بحضرة الخليفة إذا أراد أن يستدعي الوزير كما كان أبو سعيد مع ~~الفلاحي. فعظم ذلك على الوزير، لأنه كان إذا حضر القاضي أبو محمد ms314 اليازوري ~~تحدث طويلا والسيدة من وراء المقطع، ثم يستدعي الوزير فيعرض ما يريد من أمر ~~الدولة، ولا يكون المجيب له إلا القاضي أبو محمد، فإذا أجابه التفت إلى ~~المستنصر وقال أليس هذا الصواب؟ فيقول المستنصر نعم؛ ثم يخرج الرسول من ~~وراء المقطع ويقول هذا الصواب. فكان الوزير كأنه يعرض على اليازوري الأمور ~~دون الخليفة، فيشق عليه ذلك، ولا يتمكن من مخالفته، ولا يستطيع الصبر على ~~ما به. # وكان من جملة أصحاب الدواوين رجل يعرف بالشيخ الأجل عبد الملك زين الكفاة ~~أبي المفضل صاعد بن مسعود، وإليه ديوان الشام يومئذ، وهو شيخ خود؛ وكان ~~الوزراء PageV02P203 # يعتمدون عليه ويرجعون إلى رأيه. فأحضره الوزير، وفاوضه في أمر اليازوري، ~~وأخذ رأيه فيما يعمل مع؛ فأشار عليه بأن يحسن للخليفة أن يقلده القضاء، ظنا ~~منه أنه إذا تقلد القضاء فإنه يقع في أمر كبير، ويشغله ذلك عن ملازمة ~~السيدة، فيجد الوزير سبيلا إلى استخدام ولده مكانه، ويتقوى له الأمر فيه، ~~ويملك جهة الخليفة والسيدة. وكان قد تكلم في قاضي القضاة من أيام أبي سعيد، ~~وذكر أن أمور الناس ناقصة في حكوماته، وأن له غلمانا قد استحوذوا على ~~الحكم، وهم الذين يوقفون أمور الناس؛ فاستخدم أبو سعيد شاهدا يعرف بابن ~~عبدون، خليفة القاهرة، وتقدم إلى قاضي القضاة ألا يفصل حكما بين اثنين إلا ~~بحضوره. وضبط ابن عبدون أمر الحكم ضبطا شديدا؛ وكان الخصوم يجتمعون بباب ~~القاضي والشهود بين يديه، فلا يمضي حكما إلا في دعوى بين اثنين، وما يحتاج ~~إليه من إقامة بينة، أو منازعة أمرأة مع بعل لها في فرض، وما يجري هذا ~~المجرى. وأما في تثبيت أو قصص مستعجمة الحكم، وما يحتاج فيه إلى مناظرات ~~ومنازعات فلا يتكلم في شيء من ذلك إلا عند حضور ابن عبدون؛ وحجج الناس ~~يحتاط عليها في قمطر، وتحمل بين يدي القاضي؛ فإذا حضر ابن عبدون أحضرت وفصل ~~الحكم فيما بين أصحابها. وما زال كذلك حتى حضر إليه خصم في مرات، فخاف عليه ~~وتشفع إليه بأصدقائه، فلم يعره فرضة ms315 يوما حتى خرج من مجلس قاضي القضاة ~~وركب، فتقدم إليه وقبل ركابه، وخضع له وتلطف في أمره، فلم يلتفت إليه؛ فعاد ~~إلى من خرج إليه من الشهود وسألهم سؤاله، فانتهره. فلما أيس منه وثب عليه ~~بخنجر وخرق به بطنه، فخر إلى الأرض ميتا. وأخذ الرجل إلى أبي سعيد، فنكل به ~~وقطع يديه ورجليه، وضرب عنقه. ثم استخدم أبو سعيد بعد ابن عبدون القضاعي ~~وابن أبي زكرى وأقامهما خليفتي قاضي القضاة، وأمرهما بسلوك طريق ابن عبدون ~~في الأحكام؛ فلم يقوما مقامه، وكانا يجاملان القاضي؛ فعاد الأمر إلى ما كان ~~عليه قبل ابن عبدون، إلا في فصل الأحكام فإنها كانت لا تنفصل إلا بحضورهما. ~~فثقل ذلك على القاضي لاستيلاء غلمانه عليه، واتهامه أن أمور الناس واقفة، ~~وأنه لا ينفذ له حكم ولا أمر ولا نهي. PageV02P204 # وكان يحضر مجلس الوزير يوم الخميس في القصر بعد قضاء خدمة المجالس، ثم في ~~الدار يوم الاثنين مسلما عليه. فحضر دار الوزارة يوم الاثنين على رغمه، ~~فقربه الوزير وسأل عن حاله؛ فأجاب بأنه لا حكم له ولا أمر، والأحكام مردودة ~~إلى خليفته ولهما الحكم دونه، فإذا حضرا فتح باب الحكم، وإذا غابا أغلق ~~بابه. فقال له: كفيت يا قاضي القضاة. وخرج من عنده وحضر بعده القضاعي وابن ~~أبي زكرى، فقال لهما الوزير: ما لقاضي القضاة يتضرر منكما ويشكو استيلاءكما ~~على الحكم دونه، وأنه لا تنفذ أوامره معكما؟ فقالا: وأي أمر لنا دونه، هل ~~أوقفنا أمر أحكامه، أولنا غلمان يمسكون حجج الناس حتى يصانعوهم عليها؟ ~~يعرضان بغلمان القاضي! إنما نحن في حضورنا كبعض الشهود والأمر إليه في ~~إمضاء الأحكام؛ وإنا لنشاهد ما لا يتسع لنا الكلام فيه. فقال: كفيتما أيها ~~القضاة. وانصرفا وقد انفتح له باب الحيلة في صرف القاضي وتولية أبي محمد ~~اليازوري. # واتفق مع ذلك توعك أبي محمد وانقطاعه أياما في داره عن مجلس الخليفة، ~~فخلا له وجه السلطان وأعاد عليه النوبة، ثم قال له: أنت يا أمير المؤمنين ~~لسان الشرع، ومقيم مناره، ومنفذ أحكامه؛ وقاضي ms316 القضاة إنما ينطق بلسانك، ~~وينفذ الأحكام عنك؛ فإذا اشتهر في الأقطار ما يتم على الناس في أحكامهم كان ~~سوء السمعة في ذلك على الدولة، وإثارة الشناعة القبيحة عليها؛ وفي الخصوم ~~من هو من المشرق والمغرب واليمن وما وراءه، والروم؛ وفي استفاضة ذلك غضاضة ~~على الدولة. ونحن إنما نطول على الممالك والدول بإقامة سنن الشريعة وإظهار ~~العدل الذي عفت آثاره في غيرها من الدول؛ وقد كبر قاضي القضاة واستولى عليه ~~غلمانه وغلبوا على أمره. فقال المستنصر: نحن نحفظ فيه خدمة سلفه لنا ~~ومهاجرتهم معنا. فقال: يا أمير المؤمنين، حفظك الله وشكرك؛ أما كان من ~~كرامة سلفه أن يستتر حتى لا يشيع هذا عنه؟ وما زال حتى قال الخليفة: من في ~~الدولة يجري مجراه؟ فقال: يا أمير المؤمنين: عبيدك كثير، ومع ذلك فبين يديك ~~من يتحمل PageV02P205 # الحكم به مع ثقته وأمانته وقربه من خدمتك، القاضي أبو محمد. فقال: ذلك في ~~خدمة مولاتنا الوالدة، ولا يفسح له في ذلك. فقال: يا أمير المؤمنين، هي خلد ~~الله ملكها أغير على دولتك وأحسن نظرا لها من أن تحول بينها وبين ما ~~يجملها؛ ومع ذلك، فلم ينقل مما هو فيه إلى ما هو دونه، بل إلى ما هو أوفى ~~منه. فأجاب إلى ذلك، وقام، فشرع في كتب سجله وإعداد الخلع له. وسمع هذه ~~النوبة القائد عدة الدولة، فأوفد إلى أبي محمد يخبره، وقال له تلطف في أمرك ~~كما تريد. فعظم ذلك عليه، وخاف من بعده عن خدمة السيدة إذ كانت أجل الخدم، ~~فإن كل من في الدولة من وزير وأمير وغيرهما محتاج. # فلما كان عشاء الآخرة حمل على نفسه وهو محموم وركب إلى باب الريح، ودخل، ~~وأنفذ يعلم السيدة مكانه؛ فخرجت وراء المقطع وسألته عن حال مرضه، وما الذي ~~دعاه للعناء في هذا الوقت. فقص عليها القصة وقال: إنما الغرض إبعادي عن ~~خدمتك ليقع التمكن مني. فقالت: وما الذي تكره من ذلك؟ فقال: يا مولاتنا هوى ~~الحكم واسع، وأحوال قاضي القضاة ابن النعمان فيه مشهورة، ولو ms317 كانت جارية ~~على النظام المستقيم لشغلت عن خدمتك، فكيف والحاجة داعية إلى إصلاحه وإحكام ~~نظامه؛ وفي هذا شغل كبير. فقالت: لا يضيق صدرك بهذا الأمر، فبابي لك، ~~وخدمتي موفورة عليك، ولا أستبدل بك أبدا. فقال: يا مولاتنا قد قدمت القول ~~أن هوى الحكم كبير واسع، وانشغالي به يحول بيني وبين ملازمة بابك. فقالت: ~~خليفتاك في الحكم، القضاعي وابن أبي زكرى، هما ينفذان من الأحكام ما يجوز ~~تنفيذه، فإذا تحررت إلى فصل الأحكام نزلت ففصلت PageV02P206 # ذلك، وقررت لنزولك يومين في الجمعة لفصل الأحكام؛ وإذا نزلت كان ولداك ~~ينوبان عنك في تنفيذ أمور خدمتي؛ وهذا التقرير لا يغلبك فعله. فقبل الأرض، ~~ودعا، وشكر، وانصرف. # وكانت إذا قالت قولا وفت به وثبتت عليه، فإنها كانت وثيقة العقد، حافظة ~~العهد، غير ناقضة له، ولا متغيرة عنه مع من تطلع من أمره على ما يقتضي ~~التغيير عليه، فكيف بمن ترتضي طريقته، وتحمد خلائقه. # وفيها ولي القائد بهاء الدولة وصارمها، طارق الصقلبي المستنصري، دمشق، ~~فقدمها صبيحة يوم الجمعة مستهل شهر رجب، وساعة وصوله دخل القصر وقبض على ~~ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن الحسين بن حمدان. PageV02P207 ### || سنة إحدى وأربعين وأربعمائة @YY441 # في ثاني المحرم صرف قاضي القضاة أحمد بن عبد العزيز بن النعمان عن ~~القضاء. وكانت هذه ولايته الثانية، وله فيه ثلاث عشرة سنة وشهر وأربعة ~~أيام. واستدعي إلى حضرة المستنصر القاضي أبو محمد اليازوري وخلع عليه مكانه ~~في رابع عشره، وقرئ سجله في الديوان؛ وخرج والدولة بأسرها بين يديه. ~~واستناب ابنه الأكبر أبا الحسن محمدا ولقب بالقاضي الأجل خطير الملك؛ وأقام ~~ابنه الآخر في جهات السيدة. # وشرع الوزير في الإرسال إلى السيدة بأن يستقر ابنه في بابها؛ فامتنعت من ~~ذلك وقالت ما كنت بالذي يستبدل به بوجه ولا سبب. فسقط في يده وقال: أردنا ~~وضعه والله تعالى يريد رفعه. فقال له أبو الفضل: أما إذ جرى الأمر بخلاف ما ~~ظنناه فليس إلا مجاملة الرجل. # وكان أبو محمد اليازوري لا يسلم على الوزير، ولا يجتمعان إلا يوما ms318 في ~~الشهر، يحضر إلى دار الوزير، فإذا حضر إليه احتجب عن كل أحد، وتلقاه قائما، ~~وأجلسه على مخدة، وأعطه من المجاملة فوق ما يؤثره منه؛ وهو مع ذلك يبطن له ~~السوء، ويعمل في التدبير عليه. # وكانت أيام الوزير كلها رديئة لكثرة القبض على الناس، والمصادرات، ~~واصطفاء الأموال، والنفي، ونحو ذلك؛ فكثر الذام له. وكان أيضا يبطش بمن ~~يبطش به من غير علم الخليفة ولا استئذانه، فتغير خاطر الخليفة عليه، وتكثر ~~منه تغيظه. إلا أن العادة جرت بألا يعترض الوزير فيما يفعله، ويمد له في ~~النفس، ويصبر على ما يكون منه. PageV02P208 # وفيها قبض على أبي نصر إبراهيم بن سهل، واتهم أنه مالأ ثمال بن صالح حتى ~~قتل جعفر بن كليد صاحب حمص؛ وسلم إلى الوزير أبي البركات الجرجرائي فضيق ~~عليه وصادره حتى مات تحت العقوبة. وكان هو الذي سعى به إلى المستنصر فقال ~~إنه عين لثمال. # واتفق وصول الخادم رفق إلى دمشق وخروجه منها في سادس صفر يريد حلب، فوصل ~~إلى جبل جوشن في ثاني عشري ربيع الأول، وأقام هناك؛ ثم بدا له فبعث بما معه ~~من الأثقال إلى المعرة، فظن من معه من العساكر أنه يريد أن ينهزم، فأجدوا ~~في الرحيل وقد حاصر قلوبهم الوجل وداخلهم الخوف؛ فأمر بردهم إليه، فأبوا ~~ذلك عليه. وفطن أهل حلب لهم. فتبعوهم ونهبوا ما قدروا عليه منهم؛ وكانت ~~بينهما حرب جرح فيها رفق في عدة مواضع من رأسه وبدنه، وأسر، وانهزم العسكر ~~بأسره. وحمل رفق على بغل وهو مكشوف الرأس، ومعه جماعة من وجوه عسكره، فلم ~~يحتمل ما أصابه، واختلط عقله، ومات بقلعة حلب بعد ثلاثة أيام، في مستهل ~~ربيع الآخر؛ واعتقل عامة من كان معه من القواد والكتاب بحلب. # فلما ورد الخبر بذلك على المستنصر أمر بالإفراج عن ناصر الدولة أبي محمد ~~الحسن بن الحسين بن حمدان من الاعتقال، وقلد إمارة دمشق الأمير المؤيد ~~مصطفى الملك معز الدولة، ذا الرئاستين، حيدرة بن الأمير عصب الدولة حسين بن ~~مفلح، في رجب، وخرج معه ناظرا ms319 في أعمال الشام أبو محمد الحسين بن حسن ~~الماسكي. PageV02P209 # ووجد أعداء الوزير أبي البركات الحسين بن محمد الجرجرائي سبيلا إلى إغراء ~~المستنصر به، وأنه تسرع فيما عادت مضرته على الدولة من تجهيز العساكر إلى ~~حلب. فحركت هذه الأقوال وما يشبهها عليه ما يحقده الخليفة من استبداده ~~بأمور من غير أمر ولا استئذان، فأمر به فقبض عليه ونفى إلى صور في منتصف ~~شوال، فاعتقل بصور. فكانت وزارته سنة وتسعة أشهر وعشرة أيام. ثم أفرج عنه ~~ومضى إلى دمشق. # وبقي الأمر في الوزارة عدة أيام والخليفة يعرض لقاضي القضاة أبي محمد ~~اليازوري بالوزارة وهو يمتنع عليه؛ فأسند إلى أبي الفضل صاعد بن مسعود، من ~~الأمراء، وأقيم واسطة لا وزيرا، وخلع عليه ولقب بعميد الملك زين الكفاة، ~~وجعل يرسم عليه عرض ما يختص بالرجال دون الأموال. وكان إذا أراد الاستئذان ~~على ما يفعل جلس اليازوري بحضرة الخليفة واستدعى أبو الفضل، فعرض ما يحتاج ~~إليه؛ فيتقدم إليه اليازوري بما يفعله. ويخرج في نفسه من اليازوري ما كان ~~يدور بينه وبين الوزراء في معناه. فأخذ يحمل عليه الرجال ويوهمهم أنه إذا ~~سأل لهم في زيادة أو ولاية يعترضه اليازوري ويفسد عليه. فلما كان في بعض ~~الأيام قال ناصر الدولة حسن بن حسين بن حمدان لبعض ثقاته: اعلم أن القاضي ~~له الثناء الجميل الكثير، ونحن شاكرون له، مقيدون بجميله، مفتقرون PageV02P210 # إلى جاهه في جميع أمورنا؛ واعتفاؤه من هذا الأمر لا يبرئه من ذمنا إن ~~وقفت حوائجنا، ويكون الشكر فيه لغيره إن قضيت؛ وهذا الرجل عميد الملك هوذا ~~يحمل الرجال عليه ويشعرهم أنه يجتهد في قضاء حوائجهم، وأنه يعترضه بما ~~يبطلها عليهم؛ وفي هذا الأمر ما تعلمه. فقل أنت له عني: يا سيدنا، إما أن ~~تزيد شكر الرجال وسلامة صدورهم لك وخلاص نياتهم في طاعتك، فادخل في هذا ~~الأمر، فإن أحسنت عرفوا ذلك لك، وشكروه منك وإن أسأت كان عليك ضرره وشره؛ ~~وإلا فاعتزل جانبا ولا تلعب بروحك مع الرجال، وإلا أبلغك أبو الفضل. فبلغه ~~الرجل ذلك؛ ms320 فقال: أمهلني الليلة ثم بكر إلي. فلما كان في السحر بكر إليه؛ ~~فقال: أعد علي قول ناصر الدولة؛ فأعاده. فقال: أقره عني السلام، وقل له: ~~والله إلا أدخل فيه ويكون لي خيره وشره. وأبلغ ناصر الدولة رسالته؛ فقال: ~~هذا هو الصواب. PageV02P211 ### || سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة @YY442 # في سابع المحرم قرىء سجل القاضي أبي محمد اليازوري بالوزارة، ولقب ~~بالوزير الأجل المكين، سيد الوزراء، تاج الأصفياء، قاضي القضاة، وداعي ~~الدعاة، علم المجد، خالصة أمير المؤمنين؛ وخلع عليه. فنظر في الوزارة وليس ~~من أهلها، ولا من أرباب الكتابة، فمضى فيها مضي الجواد، ونهض مسرعا نهوضا ~~عز به في وجوه من تقدمه، مع ما بيده من قضاء القضاء، والدعوة، والنظر في ~~ديوان السيدة. وكاتب ملوك الأطراف، فأجابوه، بوفور حقه، إلا معز الدولة بن ~~باديس الصنهاجي صاحب إفريقية، فإنه قصر في المكاتبة عما كان يكاتب به من ~~تقدم من الوزراء، فإنه كان يكاتب كلا منهم بعبده فجعل مكاتبته صنيعته. ~~فاستدعى الوزير أبا القاسم ابن الإخوة، وكيل ابن باديس بمصر، وعتب صاحبه ~~عنده، وقال: أن معزا ينقصني عمن تقدمني؛ إذا لم أكن من أهل صناعة الكتابة، ~~وإن لم أكن أوفى منهم فما أنا دونهم؛ ومن رفعه السلطان ارتفع وإن كان ~~خاملا، ومن وضع اتضع وإن كان جليلا نبيلا؛ فاكتب إليه بما يرجعه إلى ~~الصواب. فكتب إليه بذلك؛ وقد أذكى الوزير عليه عيونا يطالعونه بأنفاسه. ~~فلما وقف على كتاب ابن الإخوة قال: ما الذي يريد مني هذا الفلاح؛ لا كنت ~~عبده ولا كان؛ هذا PageV02P212 # لا يكون أبدا، وما كتبت إليه فكثير. فطالعه عيونه بقوله؛ فأحضر ابن ~~الإخوة وقال له: قد جرى صاحبك على عادته في الجهل، فاكتب إليه بما يردعه ~~فيه، وإلا عرفته بنفسي إذ لم يعرفني. فكتب إليه بذلك، فأجاب بما هو أقبح من ~~الأول. فدس إليه الوزير من تلطف في أخذ سكين دواته؛ فلما وصلت إليه أحضر ~~ابن الإخوة وقال له: كنت أظن بصاحبك أن الذي حمله على ما كان منه ثروة ~~الشبيبة، وقلة خبره بما ms321 تقضي به الأقدار، وأنه إذا نبه تنبه، فإذا الجهل ~~مستول عليه، وظنه أن بعد المسافة بيننا وبينه يمنع من الانتصاف منه والوصول ~~إليه بما يكره؛ وقد تلطفنا في أخذ سكين دواته، وها هي ذي، فأنفذها إليه ~~وأعلمه أنا كما تلطفنا في أخذها أنا نتلطف في ذبحه بها. ودفعها إليه. فكتب ~~ابن الإخوة بذلك، فازداد شرا وبطرا. فدس عليه من أخذ نعله، وكان يمشي في ~~الأحذية السندية، فلما وصلت إليه أحضر ابن الإخوة وقال له: اكتب إلى هذا ~~البربري الأحمق، وقل له إن عقلت وأحسنت أدبك، وإلا جعلنا تأديبك بهذه. فجرى ~~على عادته في القول القبيح. # وفيها توسل ثمال بن صالح في الصفح عنه وأطلق المأسورين، وسعى في ذلك علي ~~ين عياض قاضي صور؛ وسير ثمال زوجته علية بنت وثاب بن جعفر النميري وولده ~~وثابا إلى القاهرة، ومعهما مال سنتين، أربعون ألف دينار. فقام اليازوري ~~بأمرهم، فقبلهم المستنصر، وبالغ في الإحسان إليهم، وزاد في ألقاب ثمال ~~وألقاب مقلد ابن عمه، ولقب قاضي صور عين الدولة. # وفيها ملك المستنصر حصن المنيعة بالشام. PageV02P213 ### || سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة @YY443 # فيها أظهر المعز بن باديس صاحب إفريقية، الخلاف على المستنصر، وسير رسولا ~~إلى بغداد ليقيم الدعوة العباسية، واستدعى منهم الخلع؛ فأجيب إلى ذلك. ~~وجهزت الخلع على يد رسول يقال له أبو غالب الشيزري، ومعه العهد واللواء ~~الأسود؛ فمر ببلاد الروم ليعدى منها إلى إفريقية، فقبض عليه صاحب الروم. ~~وبلغ ذلك المعز بن باديس، فأرسل إلى قسطنطين ملك الروم في أمره، فلم يجبه ~~رعاية لحق المستنصر. واتفق قدوم رسول طغرلبك يستأذنه في مسيره إلى مصر؛ ~~فأظهر المودة التي بينه وبين المستنصر، وأنه لا يرخص في أذيته. واتفق قدوم ~~رسول المستنصر إليه بهدية عظيمة، فبعث معه برسول القائم بما على يده، فدخل ~~إلى القاهرة على جمل، وأحرق العهد واللواء والهدية في حفرة بين القصرين؛ ~~وكان القادر قد فعل مع الظاهر والد المستنصر مثل ذلك بالخلعة التي سيرها ~~إلى محمود بن سبكتكين. ثم أقر المستنصر رد الرسول إلى صاحب ms322 القسطنطينية. # وكان سبب عصيان ابن باديس ما تقدم من تقصيره في مكاتبة الوزير اليازوري ~~وما دار في ذلك. PageV02P214 # وكان بطرابلس الغرب وما والاها زغبة ورياح، وهما قبيلتان من العرب، ~~وبينهما حروب وعداوة، فأحضر الوزير مكين الدولة أبا علي الحسن بن علي بن ~~ملهم بن دينار العقيلي، أحد أمراء الدولة، وكان رجلا عاقلا، وسيره إلى زغبة ~~ورياح بخلع سنية وأنعام كثيرة، وأمره أن يصلح ذات بينهما، ويتحمل ما بينهما ~~من ديات، ويفديه بالزيادة في إقطاعاتهما. فلما تم له ذلك أمرهم بالمسير إلى ~~المعز بن باديس، وأباحهم دياره، وتشدد في هذا الأمر حتى توجه المذكورون إلى ~~ديار ابن باديس وملكوها، وجمعوا ذيوله عليه، وقلموا أظفاره، وضيقوا خناقه ~~حتى لم يتمكن من قتالهم إلا مستندا إلى حيطان إفريقية. وذلك أنهم ملكوا ~~برقة، فسار إليهم المعز فهزموه، وتبعوه إلى إفريقية، وحصروا المدن، فنزل ~~بأهل إفريقية بلاء لا يوصف، فخرج إليهم المعز في أربعين ألفا وقاتلهم، ~~فهزموه إلى القيروان. ثم جمع ثمانين ألفا وقاتلهم، فهزموه، وأكثروا من ~~القتل في أصحابه، وحصروه بالقيروان. وأقاموا يحاصرون البلاد وينهبون إلى ~~سنة تسع وأربعين، فانتقل المعز إلى المهدية في شهر رمضان منها، حتى نفدت ~~أمواله، وقلت عدده، وتفلت منه رجاله، وأشرف على التلف؛ فلم يجد سبيلا غير ~~إعمال الحيلة في خلاصه. فخرج متخفيا في زي امرأة حتى انتهى إلى المهدية، ~~فاستولت العربان على حرمه وداره وغلمانه، وقتلوا الرجال وسبوا النساء، ~~وانتهبوا ما كان في دوره وقصوره؛ وعاثوا في البلد ينهبون ويأسرون ويقتلون، ~~فخربت القيروان حينئذ إلى اليوم. ووصل كثير مما نهب من قصور بني باديس من ~~الأسلحة والعدد والآلات والخيام وغيرها إلى القاهرة، فكان ليوم دخولها إلى ~~القاهرة أمر عظيم من اجتماع الناس واعتبار أهل البصائر بتقلب الأحوال. # وكان من خبر دخول العرب إلى المغرب أن بطون هلال وسليم من مضر لم يزالوا ~~في البادية، ونجعوا من نجد إلى الحجاز؛ فنزل بنو سليم مما يلي المدينة ~~النبوية، ونزل بنو PageV02P215 # هلال في جبل غزوان عند الطائف؛ وكانوا يطرقون العراق في ms323 رحلة الشتاء ~~والصيف فيغيرون على أطراف الشام والعراق؛ وكانت بنو سليم تغير على الحاج ~~أيام الموسم وزيارتهم المدينة. ثم تجهز بنو سليم وكثير من ربيعة بن عامر ~~إلى القرامطة عند ظهورهم، وصاروا جندا لهم بالبحرين وعمان، وقدموا معهم إلى ~~الشام. فلما غلبت القرامطة في أيام المعز لدين الله أبي تميم معد، ثم في ~~أيام ابنه العزيز بالله أبي منصور نزار، وانهزموا من الشام إلى البحرين نقل ~~العزيز بالله من كان معهم من بني هلال وسليم إلى مصر، وأنزلهم بالجانب ~~الشرقي من بلاد الصعيد. وأقاموا هنالك وأضروا بالبلاد إلى أن ملك المعز بن ~~باديس القيروان في سنة صمان وأربعمائة، وهو ابن ثماني سنين، من قبل الظاهر ~~لإعزاز دين الله علي بن الحاكم بأمر الله، فامتدت أيامه حتى قام في الخلافة ~~المستنصر بالله أبو تميم معد بن الظاهر، واستوزر أبا محمد اليازوري، فأنف ~~من مكاتبته بالمولى؛ وكان ما تقدم ذكره. # فحلف المعز بن باديس ليحلون الدعوة إلى بني العباس، ولج في ذلك، وقطع ~~الدعاء للمستنصر، وأزال اسمه من الطرز والرايات، ودعا للقائم أبي جعفر بن ~~القادر في سنة أربعين وأربعمائة، وكتب إليه بذلك. فكتب إليه بالعهد صحبة ~~أبي الفضل بن عبد الواحد التميمي، فقرأ كتابه بجامع القيروان، ونشر الرايات ~~السود، وهدم دار الإسماعيلية. ووصل الخبر بذلك إلى القاهرة؛ فأشار اليازوري ~~بتجهيز أحياء هلال بن جشم. والأشروزينية ورياح وعدي وربيعة إلى المغرب، ~~وتولية مشايخهم أعمال إفريقية. فقبلت مشورته. وأرسل إليهم في سنة إحدى ~~وأربعين، وحمل إلى مشايخهم الأموال، وأنعم على سائرهم بفرو ودينار لكل أحد، ~~وأبيح لهم حمى المغرب. # وكتب اليازوري إلى المعز بن باديس: أما بعد؛ فقد أنفذنا إليكم خيولا ~~فحولا، وأرسلنا عليها رجالا كهولا ليقتضي الله أمرا كان مفعولا. PageV02P216 # فسارت العرب إلى برقة، وفتحوا أمصارها؛ وكتبوا لإخوانهم الذين بشرقي ~~الصعيد يرغبونهم في البلاد؛ فأعطوا من الدولة دينارين لكل واحد، ومضوا إلى ~~أصحابهم؛ فتصارعوا على البلاد، فحصل لسليم الشرق، ولهلال المغرب. وخربوا ~~المدينة الحمراء وأجدابية وسرت. وأقامت بطون من سليم وأحلافها بأرض ms324 برقة، ~~وسارت قبائل دياب وعرق وزغب وجميع بطون هلال إلى إفريقية كالجراد المنتشر، ~~لا يمرون بشيء إلا أتوا عليه، حتى وصلوا إلى إفريقية سنة ثلاث وأربعين. ~~وكان أول من وصل منهم أمير رياح مؤنس بن يحيى العنزي؛ فاستماله المعز بن ~~باديس، وكثر عيثهم في البلاد، ونادوا بشعار المستنصر. فبعث إليهم المعز ~~العسار فأوقعوا بها؛ فخرج إليهم في ثلاثين ألفا فهزموه؛ وفر بنفسه وخاصته ~~إلى القيروان، فنهبوا جميع ما كان معه، وقتلوا خلقا كثيرا، وحصروه ~~بالقيروان حتى هلكت الضواحي والقرى. # واقتسم العرب بلاد إفريقية في سنة ست وأربعين؛ وكان لزغبة طرابلس وما ~~يليها، ولمرداس بن رياح باجة وما يليها. ثم اقتسموا البلاد ثانيا، وكان ~~لهلال من قابس إلى المغرب، وهم رياح وزغبة والمعقل وجشم وترنجة والأسيح ~~وشداد والخلط وسفيان. # ونصوح الملك من المعز بن باديس فركب البحر في سنة تسع وأربعين؛ فدخل ~~العرب القيروان واستباحوه وخربوا مبانيه، فتفرق أهله في البلاد. ثم أخذوا ~~المهدية وحاربوا PageV02P217 # زناتة من بعد صنهاجة، وغلبوهم على الضواحي واتصلت الفتنة بينهم فخربت ~~إفريقية بأسرها، وصيروا البربر لهم خولا. ومات المعز بن باديس سنة أربع ~~وخمسين وأربعمائة. # وكان المستنصر لما بعثهم إلى إفريقية جعل المؤنس بن يحيى المرداسي ولاية ~~القيروان وباجة، وأعطى زغبة طرابلس وقابس، وجعل الحسن بن مسرة في ولاية ~~قسنطينة؛ فلما غلبوا صنهاجة ملك كل منهم ما عقد عليه، فاشتد عيثهم ~~وإفسادهم. # وفيها كانت وقعة البحيرة. وذلك أنها في إقطاع بني قرة وقد ملكوها وعمروا ~~ضياعها، وكثرت فيها أموالهم واشتدت شوكتهم، وخشن جانبهم، وكثر المقدمون ~~فيهم حتى انتشر ذكرهم، وذل لهم عددهم؛ وثقل أمرهم على الولاية بالإسكندرية؛ ~~فجاورهم الطلحيون واستذموا منهم، وكانت لهم واجبات على الدولة من غير ~~إقطاع، وهم يأخذون واجباتهم محمولة مع واجبات العسكر بالإسكندرية عندما ~~تحمل إليها. فاتفق أن ناصر الدولة ابن حمدان أبا نصر الدولة حسين كان واليا ~~بالإسكندرية. فاستحق الطلحيون على الدولة، عن واجباتهم المذكورة، ثلاثة ~~آلاف دينار، فواصلوا اقتضاء ناصر الدولة إنفاقهم فيهم، فوعدهم؛ وكتب إلى ~~الحضرة يلتمس ذلك؛ فوعده ms325 الوزير أنه إذا حمل إلى رجال العسكر استحقاقهم حمل ~~ذلك في جملته. وكان قد بقى على حمل المال شهران، فاستبعدوا الصبر إلى ذلك ~~الوقت وواصلوا مطالبته؛ وحملوا القريين على معونتهم PageV02P218 # عليه، فاضطروه إلى المسير معهم إلى الحضرة لالتماس ذلك، فسار إلى الجيزة، ~~وطلع إلى الوزير وعرفه الحال؛ فقال ما أخرنا ذلك عنهم إلا أن السنة كثيرة ~~النفقات والطوارئ، وهذه ألف دينار أنفقها فيهم إلى أن تحمل باق مالهم مع ~~مال العسكر. فأخذ الألف وعرفهم ما قال الوزير. فامتنعوا عن الأخذ، وأبوا ~~إلا قبض الثلاثة آلاف، وألزموه بالعود. فعاد، وعرف الوزير؛ فاغتاظ، وأمر ~~لهم بألف أخرى. فنزل إليهم، فأبوا إلا أخذ الجميع، وجفوا في الخطاب؛ فعاد ~~إلى الوزير، وعرفه؛ فغضب وقال: إجابتهم إلى ما التمسوه دفعة بعد أخرى طمعهم ~~طمعهم؛ والله لا أطلق لهم درهما واحدا. واستعاد الألفي دينار، وتقدم بتجريد ~~العسكر لهم؛ فتسرع يزحف مع ليث الدولة كافور الشرابي، ونزل إليهم؛ فإذا هم ~~قد تأهبوا للقائهم. فجرت بينهم وقفة قتل فيها اثنان من العسكر وحجز بينهما ~~الليل. # وبلغ الوزير ذلك، فشق عليه إقدامهم على المحاربة، سيما بنو قرة فإنهم ~~صلوا الحرب وكانوا فيها أشد من الطلحيين. فأخذ الوزير يجرد إليهم العساكر، ~~فانطردوا وجمعوا حشودهم، والتقوا بكوم شريك، وكانت الدائرة عليهم وقتل منهم ~~خلق كثير. وأنهزموا والعساكر تتبعهم، فأحاطت بأموالهم من كل ما يملكونه؛ ~~وفر بنو قرة على وجوههم إلى برقة ومعهم الطلحيون، فانقطع أثرهم من البحيرة ~~إلى اليوم، وصاروا مطردين في قبائل العرب نحوا من أربعين سنة. # وكان كل من بالحضرة يفند رأى الوزير في تجهيز العساكر إليهم ويحكمون ~~بأنهم لا يفارقون إلى البحيرة، فجاء الأمر بخلاف ظنهم. PageV02P219 # ثم إن الوزير رأى أن في إقامة العساكر في أعمال البحيرة كلفة كبيرة، ~~فأرسل إلى بني سنبس، وكانوا بالداروم وفلسطين، وقد ثقلت وطأتهم هنالك وصعب ~~أمرهم؛ فعدى بهم إلى البحيرة، وهم أعداء قيس، وأوطأهم ديارهم، وأقطعهم ~~أرضهم، فمحى اسم بني قرة من هناك. # وكان تجهيزه للعسكر في شهر رمضان، وتسييره لهم إلى ms326 بني قرة في مستله ~~شوال، فخطأه الناس في فعله، وقالوا لم يجرد عسكر قط في شوال، فظنوا أنه لا ~~يؤمن على العسكر أن ينهزم وينكسر. وكان شمس الدولة زمام الأتراك والقيصرية، ~~وإليه زم القصور والخدمة في الرسالة، وليس أحد في الدولة يجري مجراه جلالة ~~وتقدما، بينه وبين الوزير مباينة شديدة ويتربص به الدوائر، ويغتال له ~~الغوائل؛ فكان ينتظر إنهزام العسكر ليقبض عليه. فلما أراد العسكر أن يسير ~~من الجيزة، ومقدمه ناصر الدولة، قرر معه لقاءهم في اليوم الخامس من شوال ~~بطالع يخبره به؛ وسير معه عدة طيور من الحمام ليطالعه بما يكون يوما بيوم. # فلما كان في ذلك اليوم، وهو يوم خميس جلس في داره وقد اشتد قلقه وكثر ~~اهتمامه بما يكون من العسكر؛ واحتجب عن الناس لشغل سره، وجلس ينتظر الطائر. ~~فلم يزل كذلك إلى الساعة الخامسة من نهاره، فقام ليجدد طهارة، فعبر البستان ~~وقد أطلق الماء في مجاريه، فرأى ورقة تمر على وجه الماء، فأخذها متفائلا ~~بها، فوجدها أول كتاب كان قد وصل من القائد فضل إلى الحاكم بأمر الله، قد ~~ذهبت طرته وعنوانه وبقى صدره، وهو: كتب عبد مولانا الإمام الحاكم بأمر الله ~~أمير المؤمنين من المخيم المنصور في الساعة PageV02P220 # الخامسة من نهار الخميس الخامس من شوال، وقد أظفره الله عز وجل بعدو الله ~~تعالى وعدو الحضرة المطهرة، أبي ركوة المخذول، وهو في قبضة الأسارى والحمد ~~لله رب العالمين. فلما وقف على ذلك سجد شكرا لله تعالى، وعجب من موافقة ~~اليوم وعدة الأيام من شوال والأعلام بالظفر. ثم تجهز للصلاة، فما فرغ حتى ~~سقط الطائر بانكسار بني قرة وانهزامهم، وما من الله تعالى به من الظفر بهم. ~~فأخذ الكتاب والطائر وركب إلى القصر، ودخل إلى المستنصر وأوقفه على الكتاب؛ ~~فسر بذلك؛ وأراه الطير وقال: هذا أعجب يا أمير المؤمنين؛ وحدثه بحديثه، ~~فعجب من هذا الاتفاق. # ثم تواصلت رسل ناصر الدولة بالبشرى وشرح الحال في الظفر وانهزام القوم، ~~فخلع على الوزير، وزيد في ألقابه للدين، غياث الدين؛ فتم ms327 له النظر وقوى ~~أمره، وذلك من كان يعاديه؛ فجرى على عادته في العفو والمجاملة. # وكان أهل جزيرة صقلية قد خالفوا الدولة غير مرة، لما فيهم من الشر ~~والغلظة، وطردوا الولاة. وصار إليهم المعز ابن باديس، فملكوه عليهم وقد خرج ~~عن طاعة الدولة، فأساء السيرة فيهم، وثقل عليهم، فوثبوا عليه وأخرجوه منها. ~~وكاتبوا ملك الروم، فسار إليهم بطريق كبير، فولوه أمرهم مدة ثم وثبوا به ~~وأخرجوه عنهم. وبعثوا إلى الحضرة يسألون إقالة عثرتهم والعفو عنهم ويسألون ~~إيفاد وال. وكان بصقلية بنو أبي الحسين، لهم رئاسة وفيهم من يؤهل نفسه ~~لولايتها؛ فسارت الخلع إلى رجل منهم يعرف بمستخلص الدولة؛ فمكث فيهم زمانا، ~~ثم نفروا منه، وبعثوا يسألون تغييره عنهم. فسير الوزير PageV02P221 # رجلا من أمراء الدولة يعرف بصمصام الدولة ابن لؤلؤ، وأسر إليه أن يتلطف ~~في إخراج بني أبي الحسين من صقلية ويسيرهم إلى الحضرة. فدخل إليها، وساس ~~أمره، حتى بعث بجميع من كان فيها من بني أبي الحسين. واستقام الأمر في ~~صقلية بخروجهم عنها. # وقام ببلاد اليمن رجل يعرف بعلي بن محمد الصليحي يتشيع، فحسن له الدعاة ~~الدخول في نصرة خلفاء مصر، فأعلن ذلك بها، ودعا أهل اليمن إليها، وحمل ~~تجارتهم مع هدية جليلة القدر تبلغ زهاء عشرة آلاف دينار إلى المستنصر. وكان ~~أبوه قاضيا باليمن سني المذهب، وزوجته أسماء ابنة عمه شهاب، وكانت أجمل خلق ~~الله، وهي أم الدعاة باليمن، وعرفت بالحرة. وكانت ذات عز وكرم، وتفاخر ~~بنوها بها، ومدحت. # وكان باليمن الداعي عامر بن عبد الله الرواحي، فاستمال أبا الحسن علي بن ~~محمد بن علي الصليحي، وهو صغير، حتى مال إليه، فلما مات عامر أوصى له بكتبه ~~وعلومه، فدرسها حتى تضلع من معارفه وصار من فقهاء الشيعة، وحج بالناس دليلا ~~خمس عشرة سنة. ثم ثار في سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وتزايد أمره، ودعا ~~للمستنصر، وكتب إليه بما هو عليه، واستأذنه في المسير إلى تهامة، فأذن له. ~~ولم تخرج سنة خمسين وأربعمائة حتى ملك السهل والجبل الوعر من بلاد اليمن. # وجهز ms328 الوزير إلى النوبة، فأضعف عليهم البقط، وحملوه؛ واستقر الأمر على ~~ذلك. PageV02P222 ### || سنة أربع وأربعين وأربعمائة @YY444 # فيها كتبت بغداد محاضر تتضمن القدح في نسب الخلفاء المصريين ونفيهم من ~~الالتحاق بعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه؛ وجمع سائر أعيان الفقهاء ببغداد ~~وأشرافها وقضاتها، وعزوا نسبهم في الديصانية من المجوس. وسيرت المحاضر إلى ~~البلاد، وشنع عليهم تشنيع كبير. وسبب ذلك الغضب ما عمل مع الرسول المرسل من ~~المعز بن باديس، فإنه لما شهر بالقاهرة على جمل مقلوب، وكتاب العقد في عنقه ~~والهدية بين يديه، ثم أحرقت الخلع والتقليد، أعيد الرسول إلى ملك الروم؛ ~~فعز عليه ما فعل واعتذر إليه منه؛ فإنه كان قد ضمن له من مصر إعادته إليه ~~سالما بعد ما جرت مخاطبة في طلبه. ثم أعاده ملك الروم إلى بغداد، فوصل في ~~سنة أربع وأربعين هذه. # وسبب عوده أن المعز بن باديس بعث رسوله أبا القاسم بن عبد الرحمن إلى ~~بغداد في ذلكن فبعث معه الملك طغرلبك، أبا علي بن كبير ليخاطب ملك الروم في ~~رد أبي غالب، وكتب معه كتابا عنوانه: من ركن الدين وغياث المسلمين، بهاء ~~دين الله وسلطان بلاد الله، ومغيث عباد الله، أبي طالب يمين الخليفة أمير ~~المؤمنين، إلى عظيم الروم. ومضمونه بعد البسملة: الحمد لله القاهر سلطانه، ~~الباهر برهانه، العلي شأنه، السابغ إحسانه؛ ثم مر فيه إلى أن قال: وقد نجم ~~بمصر منذ سنين ناجم ضلالة يدعو إلى نفسه، ويغتر بمن أغواه من حزبه، ويعتقد ~~من الدين ما لا يستجيزه أحد من أهل العلم في الأئمة الأول وهذا العصر، ولا ~~يستحسنه عاقل من أهل الإسلام والكفر. ثم ذكر رسول أبا غالب وعاتب في أمره، ~~وطلب تسييره مخفورا إلى المعز بن باديس. فقدم إلى قسطنطين. متملك PageV02P223 # الروم بالقسطنطينية في صفر من هذه السنة، فتلقاه الملك وأدخله عليه، ~~وسأله عن السلطان طغرلبك؛ فذكر له الرسالة، وطلب منه مقاطعة صاحب مصر، ~~وإطلاق أبي غالب، وإرسال رسول المعز إليه. فقال له: صاحب مصر مجاور لنا، ~~وبيننا وبينه عهود وهدنة، ms329 وقد بقي منها سنتان، ولا يمكن فسخها؛ وأما رسل ~~المعز والرسل إليه فهم قوم يسعون في الفساد. وتردد القول إلى أن أطلق أبا ~~غالب وأجازه إلى المعز، وعاد أبو علي ورفيقه إلى بغداد في بقية السنة. # وفيها قصر مد النيل، ولم يكن في المخازن السلطانية شيء من الغلال، فاشتدت ~~المسغبة بمصر. وكان لخلو المخازن السلطانية من الغلال سبب، وهو أن الوزير ~~اليازوري لما تقلد وظيفة قضاء القضاة في وزارة أبي البركات الجرجرائي كان ~~ينزل إلى الجامع بمصر في يومي السبت والثلاثاء من كل جمعة، فيجلس في ~~الزيادة منه للحكم، على رسم من تقدمه من القضاة، وإذا أقبل العصر طلع إلى ~~القاهرة. وكان في كل سوق من أسواق مصر على أرباب كل صنعة من الصنائع عريف ~~يتولى أمورهم؛ وكانت عادة أخباز مصر في أزمنة المساغبة متى بردت لا يرجع ~~منها إلى شيء لكثرة ما تغش به. وكان لعريف الخبازين دكان وكان يبيع الخبز، ~~وبحذانها دكان لصعلوك يبيع الخبز أيضا، وكان سعره يومئذ أربعة PageV02P224 # أرطال بدرهم وثمن. فرأى الصعلوك أن خبزه قد كاد يبرد، فخاف من كساده، ~~فنادى عليه أربعة أرطال بدرهم ليرغب الناس فيه؛ فمال إليه الزبون فاشتروا ~~خبزه لأجل تسمحه بثمن درهم؛ وبار خبز العريف، فغضب ووكل به عونين من الحسبة ~~أغرماه دراهم. ووافق ذلك نزول قاضي القضاة إلى الجامع، فاستغاث به، فأمر ~~بإحضار المحتسب وأنكر ما فعله؛ واعتذر بأن هذا من العريف وأنه لم يتحقق ~~باطن الحال. فأمر القاضي بصرف ذلك العريف وأن يغرم ما أخذ من الخباز؛ ~~والتفت إلى صاحب ديوانه، وقال: ما معك فادفعه إلى هذا الخباز. فناوله ~~قرطاسا فيه ثلاثون رباعيان، فكاد عقله يطير فرحا. وعاد فنادى على الخبز ~~خمسة أرطال بدرهم، فمال إليه الناس، وهو ينادي بزيادة رطل برطل، إلى أن بلغ ~~عشرة أرطال بدرهم. وانتشر ذلك في البلد جميعه، وتسامح الناس به فتسارعوا ~~إليه، فلم يبق في البلد خباز حتى باع عشرة أرطال بدرهم. # وكانت العادة أن يبتاع في كل سنة غلة للسلطان بمائة ms330 ألف دينار ويمحل ~~متجرا. فلما عاد القاضي إلى القاهرة مثل بحضرة الخليفة وعرفه ما مر به في ~~يومه من إرخاص السعر بغير موجب؛ وقال: يا مولانا، إن المتجر الذي يقام ~~بالغلة فيه مضرة كبيرة على المسلمين، وربما انحط السعر عن مشتراها فلا يمكن ~~بيعها، فتتغير في المخازن وتتلف، وأنه يقام متجر لا كلفة على الناس فيه، ~~ويفيد أضعاف فائدة الغلة، ولا يخشى عليه من تغير في المخازن ولا انحطاط ~~سعر؛ وهو الخشب والصابون والحديد والرصاص والعسل وما أشبه ذلك. فأمضى ~~الخليفة ما رآه، وبطل المتجر في الغلة وتوسع الناس بذلك. PageV02P225 ### || سنة ست وأربعين وأربعمائة @YY446 # فيها أيضا قصر مد النيل؛ ونزع السعر؛ ووقع الوباء. ولم يكن في المخازن ~~السلطانية إلا ما ينصرف في جرايات من في القصور ومطبخ الخليفة وحواشيه لا ~~غير، فورد على الوزير من ذلك ما أهمه. وصار سعر التليس ثمانية دنانير، ~~واشتد الأمر على الناس. وكان التجار بين نار المعاملين وضيق الحال عليهم في ~~القيام للديوان بما يجب عليهم من الخراج، ومطالبة الفلاحين بالقيام به، ~~يبتاعون منهم غلاتهم على أن يصبروا عليهم إلى حين إدراكه بسعر يربحون فيه. ~~فإذا استقرت مبايعتهم لهم حضروا معهم للديوان، وقاموا عنهم للجند بما يجب ~~عليهم، وكتب ذلك في روزنامج الجند مع مبلغ الغلة؛ فإذا أدركت الغلة وصارت ~~الأجران يكتالونها ويحملونها إلى مخازنهم. فمنعهم الوزير من ذلك، وكتب إلى ~~العمال بجميع النواحي أن يستعرضوا روزنامجات الجهابذة، ويحضروا منها ما قام ~~به التجار من المعاملين، ومبلغ الغلة الذي رفع الإيقاع إليه، وأن يقدموا ~~للتجار ما وزنوه للديوان ويربحوهم في كل دينار ثمن دينار؛ ويضعوا ختومهم ~~على المخازن ويطالعوا ما يحصل تحت أيديهم بها. فلما تحصلت بالنواحي جهز ~~المراك بحمل العلات، وأودعها المخازن السلطانية بمصر، وقرر ثمن كل تليس ~~ثلاثة دنانير بعد أن كان ثمانية دنانير. وسلم إلى الخبازين ما يبتاعونه ~~لعمارة الأسواق ووظف ما تحتاج إليه القاهرة ومصر، فكان ألف تليس في كل يوم، ~~لمصر سبعمائة وللقاهرة ثلثمائة. فقام بالتدبير أحسن قيام مدة عشرين ms331 شهرا، ~~حتى أدركت الغلة فتوسع الناس بها، وزال عنهم الغلاء. PageV02P226 # وكان عند استقرار الهدنة مع قسطنطين ملك الروم، في أيام وزارة أبي نصر ~~الفلاحي، قد وصل رسولان أحدهما هو المتكلم المترجم، وكان داهية أديبا شاعرا ~~نحويا فيلسوفا ولد بالروم ونشأ بأنطاكية، ودخل العراق، ولقن من العلوم ~~والآداب ما بعد به صيته، وكان يعرف بابن أصطفانوس؛ والآخر متحمل الهدية، ~~وهو صاحب حرب يعرف بميخائيل. فرأيا من حسن زي الدولة وجميل سيرتها ما أعجبا ~~به، لا سيما ميخائيل، فإنه أطربه ما رأى وحسن موقعه في نفسه. وساروا وقد ~~امتلأت قلوبهما بمحبة ما شاهداه. فاتفق ملك الروم وتمليك ميخائيل هذا، ~~فبلغه ما بمصر من الغلاء، فحمل إليها مائة ألف قفيز قمحا، وقدم كتابه ~~أمامها يعين الغلة والكيل الذي تستوفي به إذا وصلت؛ فانتهت إلى أنطاكية. ~~وأعد هدية الهدنة على ما جرت به العادة، وهدية من ماله. فلما رأى الروم ذلك ~~ظنوا به الميل إلى الإسلام، فقتلوه في ثامن شوال؛ فكانت مدة ملكه اثنتي ~~عشرة سنة سبعة أشهر، وعمره أربع وخمسون سنة وشهر واحد. وأقاموا رجلا يعرف ~~بابن سقلاروس من أهل أنطاكية، وكان لجوجا خبيثا حديدا، فاعترض الهديتين ~~وأخذهما، وقال: أنا أنتفع بهما وأنفق ثمنهما على قتال المسلمين. # وكانت للوزير بالقسطنطينية عيون، فكتبوا إليه بذلك، فسير مكين الدولة ~~الحسن ابن علي بن ملهم الكتامي إلى اللاذقية في عسكر لحصارها والتضييق على ~~من فيها؛ فحاصرها حتى اشتد على من فيها الأمر. فكتب ابن سقلاروس، متملك ~~الروم، إلى الحضرة يستوضح ما الذي أوجب ذلك؛ فأجيب أن الذي أوجبه ما كان ~~فعله في نقض ما استقر مع من تقدمه من الهدنة، وقبض الهدية، والهدية التي ~~ليست من ماله. فأجاب بأنه يحمل الهدية؛ فاشترط عليه إطلاق من في بلاد الروم ~~الأسرى. فأجاب بأنه إذا أطلق من لهم في بلاد الإسلام من أسرى الروم أطلق من ~~في بلاد الروم من أسرى المسلمين. فأجيب بأنه PageV02P227 # لا يصح التماسه لذلك، لأن من أسر من بلاد الروم تفرقوا في الممالك ~~بالعراق والدولة ms332 الفاطمية والمغرب واليمن وغير ذلك، ولا حكم للحضرة على ~~جميع الممالك، ويرتجع منها ما صار في أيدي أهلها؛ وبلاد الروم بخلاف ذلك؛ ~~ومن حصل فيها من المسلمين كمن هو معتقل في دار واحدة لا يمكنه الخروج منها ~~إلا بإذن أهلها؛ وبين الحالين فرق كبير. فأجاب بأنه لا يطلق من في بلاده من ~~أسرى المسلمين. فاشترط عليه النزول عما صار في أيدي الروم من الحصون ~~الإسلامية؛ فامتنع من ذلك وقال إذا سلم إلينا ما صار في أيدي المسلمين من ~~حصون المسلمين من حصون الروم سلم ما في أيديهم من حصون المسلمين. فبدل ~~الجيش بجيش آخر، وخرج مع مقدمه الأمير السعيد ليث الدولة، فنازل اللاذقية ~~حتى فتحها، ووقع العنف فيها. وأجيب بأنه لا يصح أن يسلم إليهم ما صار في ~~أيدي المسلمين من الحصون لأنهم قد أنبتوا فيها العقارات وأنشئوا فيها ~~البساتين. فقال: يدفع لهم عن أملاكهم وما أنشئوه من البساتين وغيرها، وما ~~أنفقوه فيها، وينتقلون عنها إلى غيرها من بلاد المسلمين. فأجابوا إلى أن ~~يسلموا ما في أيديهم من الحصون الإسلامية. # وكانت العادة جارية بأنه إذا وصلت هدية من الروم إلى الحضرة تقوم ويحمل ~~إليهم هدية موضعها بثلثي قيمتها، ليكون للإسلام مزية عليهم بالثلث؛ فاشترط ~~أن يكون فيمة ما يحمل إليهم من الهدية عوضا عن قيمة هديتهم النصف؛ فأجابوا ~~إلى ذلك أيضا. فاشترط عليهم أن يردوا كل من تضمه دار البلاد، التي هي دار ~~الملك ومحله؛ فامتنع من ذلك. فأمد الجيش بجيش ثالث وعليه أميران، هما موفق ~~الدولة حفاظ بن فاتك وأبو الجيش عسكر بن الحلي، ومقاد جميع الجيش إلى ~~الأمير مكين الدولة وأمينها ابن ملهم. فأوغلوا في بلاد الروم ينهبون ~~ويقتلون ويأسرون حتى أعظموا النكاية فيها، والرسل والمكاتبات تتردد، إلى أن ~~استقر القيام بالجزية التي التمسها أمراء البلاط، وجهزت الهدية. وبلغت ~~الجزية المذكورة نيفا وثلاثين ألف دينار. PageV02P228 # وحمل ذلك إلى أنطاكية؛ فبلغهم قتل الوزير، فأعيدت إلى القسطنطينية. وزينت ~~بلاد الروم لموته، وكثر ابتهاجهم بما صرف عنهم من خشونة جانبه عليهم، ms333 وشدة ~~شكيمته. # وأما ابن ملهم فإنه لما أوغل في بلاد الروم وقارب أفامية وجال في أعمال ~~أنطاكية نهب وسبى، فقدمت من القسطنطينية قطائع يقال إن عدتها ثمانون قطعة، ~~فكانت بينها وبين ابن ملهم حروب آلت إلى أن أسر هو وجماعة من أعيان العرب ~~في آخر ربيع الآخر. # وفيها استدعى راشد بن عليان بن سنان، أمير الكلبيين، فاعتقل بالقاهرة، ~~وردت إمارة بني كليب لنبهان القريطي. وقبض على إقطاع راشد وأخيه مسمار، وهو ~~مقيم بظاهر دمشق، ففر إلى غالب بن صالح. فكتب المستنصر إلى ثمال ينكر عليه ~~تسيير هدية إلى ملك الروم، فتحير في أمره واعتذر. PageV02P229 ### || سنة سبع وأربعين وأربعمائة @YY447 # فيها سير المستنصر إلى كنيسة قمامة، فأحتاط بجميع ما فيها. وذلك أن ~~القاضي أبا عبد الله القضاعي كان قد توجه من عند الخليفة برسالة إلى متملك ~~الروم، فقدم وهو بالقسطنطينية رسول السلطان طغرلبك بن سلجوق يلتمس من ~~الملكة تيودورا أن تمكن رسوله من الصلاة في جامع قسطنطينية، فأذنت له في ~~ذلك؛ فدخل إليه وصلى به، وخطب للخليفة القائم بأمر الله العباسي. فبعث ~~القضاعي بذلك إلى المستنصر، فأحاط بما في قمامة وأخذه، وأخرج البطرك منها ~~إلى دار مفردة؛ وأغلق أبواب كنائس مصر والشام، وطالب الرهبان بالجزية لأربع ~~سنين، وزاد على النصارى في الجزية. وكان هذا ابتداء فساد ما بين الروم ~~والمصريين. # وفيها تجمع كثير من التركمان بحلب وغيرها، وأفسدوا في أعمال الشام. # وفيها تزايد الغلاء، وكثر الوباء، وعم الموتان بديار مصر. # وفيها سار مكين الدولة الحسن بن علي بن ملهم من القاهرة بالعساكر؛ ونودي ~~في بلاد الشام بالغزو والجهاد. واستدعى راشد بن عليان بن سنان إلى القاهرة، ~~وقرر معه أن يسير في قومه الكلبيين مع ابن ملهم، ثم قبض عليه. وعقدت إمارة ~~الكلبيين لنبهان، وقيل لسنان، فنزل ابن ملهم أفامية، ثم سار إلى حسن قسطول ~~فحصره عشرين يوما حتى أخذه PageV02P230 # بالأمان، في ثامن ربيع الأول سنة سبع وأربعين. وعاد إلى أفامية فحصرها ~~ورماها بالمجانيق، فطلبوا الأمان على أن يرحل عنهم؛ فلما رحل أحرقوا ms334 القلعة ~~وانهزموا، فلحقهم وقتلهم، وأطفأ النار من القلعة، وأغار على البلاد؛ فلم ~~يكن بأنطاكية من يذب عنها، وجمع كل طامع في النهب بحجة ابن ملهم. وتوسط ~~ثمال بن صالح للصلح، فلم يتم. وسيرت الملكة تيودورا أسطولا إلى أنطاكية، ~~فوصل اللاذقية ثمانون قطعة، وخرج دوقس أنطاكية وبطركها في جماعة، فظفروا ~~بشينيين للمسلمين معهما الغنائم؛ فسار ابن مهلم نحوهم، وكشف الروم إلى طرف ~~أنطاكية، واستنقذ الأسرى منهم وقتل منهم خلقا كثيرا. فدار الأسطول إلى ~~طرابلس وقاتلوا أهلها، فقتل من الفريقين خلائق. وعاد الأسطول الرومي إلى ~~اللاذقية، فماتت الملكة تيودورا بعد سبع سنين من ملكها وتسعة أشهر واثنتي ~~عشرة ليلة؛ وملك بعدها ميخائيل. PageV02P231 ### || سنة ثمان وأربعين وأربعمائة @YY448 # فيها جهزت الأموال لأبي الحارث البساسيري، فخرج بها المؤيد في الله عبد ~~الله بن موسى، وجملتها ألفا ألف وثلثمائة ألف دينار، العين ألف ألف ~~وتسعمائة ألف دينار، والعروض أربعمائة ألف دينار. # وكان من خبره أنه كان من جملة المماليك الأتراك فصار إلى بهاء الدولة بن ~~عضد الدولة بن بويه، رجل من أهل فسا، إحدى مدائن فارس، فلذلك قيل له ~~البساسيري؛ وتنقل في الخدم حتى صار مقدم الأتراك ببغداد في أيام الخليفة ~~القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن أحمد القادر، وتلقب بالمظفر. وكان ~~القائم لا يقطع أمرا دونه. فطار اسمه وتهيبته أمراء العرب والعجم، ودعى له ~~على منابر العراق والأهواز، وتجبر. وأراد في سنة ست وأربعين من الخليفة أن ~~يسلم إليه أبا الغنائم وأبا سعد ابني المحلبنا، صاحبي قريش ابن بدران صاحب ~~الموصل، فلم يمكنه من ذلك. فسار إلى الأنبار ونصب عليها المجانيق، وهدم ~~سورها وأخذها قهرا، وأسر أبا الغنائم ابن المحلبان ومائة رجل من بني خفاجة، ~~وكثيرا من أهل الأنبار. ورجع إلى بغداد وأبو الغنائم بين يديه على جمل في ~~رجليه قيد؛ فصلب كثيرا من الأسرى. PageV02P232 # واتفق في شهر ربيع الآخر من سنة سبع وصول زورق فيه ثمر للبساسيري، فخرج ~~إليه ابن سكرة الهاشمي في جماعة، فأراقوه ونهبوا دوره وأخذوا دوابه؛ وكان ~~هو إذ ms335 ذاك في نواحي واسط. فلما بلغه ذلك نسبه إلى الوزير رئيس الرؤساء أبي ~~القاسم بن المسلمة، فعظمت الوحشة بين وبين الوزير. وسار إلى دبيس بن بدران ~~وهو مستوحش، فوافت رسل طغرلبك بن ميكال بن سلجوق إلى الخليفة القائم بإظهار ~~الطاعة، فتقرر الأمر مع الملك الرحيم خسرو فيروز بن أبي كاليجار المرزبان ~~ابن سلطان الدولة أبي شجاع، على أن يخطب لطغرلبك ببغداد؛ فخطب له لثمان ~~بقين من شهر رمضان منها. # ثم إنه قدم إلى بغداد وقبض على الملك الرحيم وعلى جماعة، ثم بعث به إلى ~~قلعة السيروان، وفر منه قريش، ثم إنه خلع عليه ورده إلى أهله، وأخذ أموال ~~الاجناد البغداديين وأمرهم بالسعي في طلب الرزق؛ فسار أكثرهم إلى ~~البساسيري. وبعث طغرلبك إلى الأمير نور الدين دبيس بن بدران أن يحضر إليه ~~البساسيري، فالتزم له بذلك. وبلغ البساسيري الخبر، فسار إلى رحبة مالك بن ~~طوق، وكاتب المستنصر يطلب منه الإذن له في الدخول إلى حضرته؛ فأشير على ~~المستنصر بألا يمكنه من الحضور، وأن يعده بما يرضيه، وسير إليه الخلع. فبعث ~~يسأل في النجدة، ويلتزم بأخذ بغداد وإقامة الخطبة بها للمستنصر وإزالة دولة ~~بني العباس، وأنه يكفي في رد طغرلبك عن قصده البلاد الشامية. فجهزت إليه ~~خزائن الأموال العظيمة على يد المؤيد في الدين أبي نصر هبة الله بن موسى في ~~سنة ثمان وأربعين، حيث لم يترك في خزائن أموال القصر شيء ألبتة. # وخرج خطير الملك محمد بن الوزير من القاهرة في تجمل عظيم، ومعه من كل ما ~~يريد، PageV02P233 # حتى أخذ أحواض الخشب وفيها الطين المزروع فيه سائر البقول برسم مائدته. ~~ومعه من خزائن الأموال والأسلحة والآلات والأمتعة ما يجل وصفه. فسار إلى ~~القدس، ورحل منها إلى اللاذقية يريد فتحها. فلما كان في شوال منها واقع ~~البساسيري ودبيس قريش ابن بدران العقيلي صاحب الموصل وقتلمش ابن عم طغرلبك، ~~وكان طغرلبك قد سيره إلى سنجار في ألفين وخمسمائة فارس. فكانت الوقعة ~~المشهورة التي لم يفلت منها إلا مائتا فارس أو دونها. وانهزم قريش ms336 وقتلمش، ~~واستولى البساسيري ودبيس على الموصل وأقاما بها الدعوة للمستنصر، وكتبا ~~إليه بذلك؛ فسيرت إليهما الخلع ولجماعة أمراء العرب. # وعمل الشعر في هذه الواقعة. فمن مليح ما قيل لابن حيوس: # عجبت لمدعى الآفاق ملكا ... وغايته ببغداد الركود # ومن مستخلف، بالهون يرضى ... يذاد عن الحياض ولا يذود # وأعجب منهما شعب بمصر ... تقام له بسنجار الحدود # وبلغ ذلك طغرلبك، فسار يريد الموصل حتى بلغ نصيبين، فأوقع بالعرب وألقاهم ~~بين يدي الفيلة، فقتلهم شر قتلة. وبعث إليه دبيس وقريش بالطاعة فقبل منهما. ~~وسار إلى دياربكر؛ وجهز أخاه داود إلى الموصل، فتسلمها وعاد إلى بغداد. PageV02P234 ### || سنة تسع وأربعين وأربعمائة @YY449 # فيها تسلم مكين الدولة ابن ملهم من ثمال بن صالح مدينة حلب في آخر ذي ~~القعدة، وانكفت أيدي التركمان عنها، وأقيمت خطبة المستنصر فيها وقطعت خطبة ~~القائم؛ وذلك بعد حروب عظيمة. وكان دخول ابن ملهم حلب يوم الخميس لثلاث ~~بقين من ذي القعدة، فبقي على ملكها أربع سنين. # وفيها قدم كتاب من بخارى أنه وقع بها وباء عظيم حتى هلك من ذلك الإقليم ~~ألف ألف وستمائة ألف وخمسون ألف إنسان، وخلت الأسواق، وأغلقت الأبواب. ~~وتعدى الوباء إلى آذربيجان فالأهواز والبصرة وواسط، وعامة تلك الأعمال، ~~فكانت الحفيرة تحفر ويلقى فيها العشرون والثلاثون من الأموات. وكان سببه ~~قلة القوت والجوع، فنبشت الأموات وأكلهم الناس. وكان الموت إذا وقع في دار ~~مات جميع من فيها، وكان المريض ينشق قلبه عن دم المهجة، فيخرج من فمه قطرة ~~فيموت، أو يخرج من في دود فيموت. وكل دار كان فيها خمر مات أهلها كلهم في ~~ليلة واحدة، ومن كانت امرأته حراما ماتا معا، ومات قيم مسجد وله خمسون ألف ~~درهم فلم يقبلها أحد، ووضعت في المسجد تسعة أيام، فدخل أربعة من الشلوح ~~إليها ليلا ليأخذوها فمات الأربعة عليها. وكان يموت الوصي قبل الموصى، وكل ~~مسلمين كان بينهما تفاخر ولم يصطلحا ماتا. وابتدأ هذا الوباء من تركستان، ~~ودب منها إلى كاشغر والشاش وفرغانة، وعم النساء والصبيان، فمات الصبيان ~~والكهول والفتيان من سائر ms337 الناس إلا الملوك والعساكر، فإنه لم يمت منهم ولا ~~من الشيوخ والعجائز إلا القليل!! PageV02P235 ### || سنة خمسين وأربعمائة @YY450 # في أول المحرم قبض المستنصر على وزيره الناصر للدين، غياث المسلمين، أبي ~~محمد اليازوري، وكان قد جمع له ما لم يجتمع لغيره من تقليد الوزارة وقضاء ~~القضاء وداعي الدعاة. وكان للقبض عليه أسباب، منها أن طغرلبك لما ملك بغداد ~~كان بها لليازوري عيون كثيرة يطالعونه بدفين الأمور وجليلها، فوصلت كتبهم ~~بوصوله، وأنهم سمعوه يذكر إزماعه على التوجه نحو الشام ليملكه. فقل لذلك ~~ورأى أن الحيلة أبلغ من الاستعداد له، فكتب إليه يهنئه بوصوله إلى العراق، ~~ويبذل له من الخدمة ما يوفى على أمله، وأن مصر وأعمالها بحكمه، وأنه وإن ~~كان مستخدما لدولة ويدعو إليها فإنه يعلم كثرة الاختلاف، فمن تجاوزها في ~~نسبها، واتفاق الكلمة ووقوع الإجماع على الرضا بالخليفة الصحيح النسب، ~~الصريح الحسب، الهاشمي العباسي، وأنه لا يمتنع عن الإقرار له بذلك. وأعطاه ~~صفقة يده على مبايعته، وتسليم الدولة له. وأنه قد اتصل به إزماع حضرته على ~~التوجه إلى الشام، وأنه أشفق من تسليمها إليه فتطأها عساكره مع كثرتها ~~وتجمعها فيخربها ويعفى آثارها، ولا يقع بملكها انتفاع، ولا يرجى لها ~~ارتفاع؛ فإن رأى أعفاها من وطء العساكر لها، ووصول ركابها إليها، على وجه ~~الفرجة والنظر إلى دمشق وحصنها، فلها عالي رأيها. # فلما وقف طغرلبك على كتابه قال هذا كتاب رجل عاقل، ويجب أن يعتمد ما أشار ~~به بالإذن للعسكر في عودتهم إلى بلادهم؛ فمضى كل منهم لوجهه. ثم أمر فضرب ~~فساطيطه في الجانب الغربي من بغداد؛ فكتب بذلك عيون اليازوري إليه، فقلق، ~~ثم كتب إليه: لا تغرنك الأماني والخدع بأن أسلم إليك أعمال الدولة، وأخون ~~أمانتي لمن غذاني فضله وغمرني إحسانه، وتتعين علي طاعته وموالاته. فإن كنت ~~تسلم إلي ما في يدك لصاحبك من العراق وأعماله سلمت إليك ما في يدي لصاحبي، ~~بل الواجب أن تكون كلمة الإسلام مجموعة PageV02P236 # لابن بنت النبي الذي هو أولى بمكانه من غيره. وإن رغبت في المهادنة ~~والموادعة ms338 انتظمت الحال بين الدولتين، وأمن الناس بينهما. فإن أبيت إلا ~~الخلاف، ونزع الهوى بك إلى الظنون الفاسدة، والأطماع الكاذبة فليس لك عندي ~~إلا السيف. فإن شئت فأقم، وإن شئت فسر. # فغاظ ذلك طغرلبك وقال: خدعني هذا الفلاح وسخر مني. وكتب إلى إبراهيم بن ~~ينال، أخي طغرلبك لأمه، برد العسكر مسرعا، فلم يتأت له اجتماعهم. وكان ~~اليازوري قد بث عيونه وجواشيه في عسكر طغرلبك واستفسد أعيانهم بكثرة ~~الأماني والمواعيد، مثل خاتون زوج طغرلبك، والكندري وزيره، وابراهيم ينال ~~أخيه وصاحب جيشه؛ فمالوا إليه وقعدوا عن صاحبهم. وحمل خاتون على قتله، ~~فامتنعت من ذلك وواعدته أنها تتحيز بغلمانها، وهم نحو اثني عشر ألفا، عنه؛ ~~فاعتزلت بهم. وكان ذلك ظفر البساسيري بعسكر طغرلبك، وظفر كثير منهم، ورجوع ~~طغرلبك من بغداد طالبا لجمع عسكره الذي تفرق عنه. وهو أنه سار في هذه السنة ~~ملك البساسيري وقريش الموصل بعد حصار شديد نحو أربعة أشهر حتى هدم قلعتها. ~~فخرج طغرلبك يريدهما، فسارا عن الموصل، وهو يتبعهما، إلى نصيبين؛ ففارقه ~~إبراهيم ينال وقصد همذان، ولحقه الأتراك الذين كانوا ببغداد. ففت ذلك في ~~عضد طغرلبك وترك ما هو فيه، ورجع ليضم إليه من تفرق عنه، وترك بغداد. فقوى ~~أبو الحارث البساسيري، وكثف جمعه، وقصد أعمال العراق، ففتح بلدا بلدا، ~~وتملك الأعمال والرساتيق طوعا وكرها، والدولة المصرية تمده بما يستعين به ~~على ذلك؛ وهو لا ينفذ في أمر من الأمور إلا بما يقرره اليازوري. فكثرت ~~حساده على ما يتوالى من سعادته في كل يوم، وما يتجدد له من رئاسة يقتضيها ~~حسن آثاره في الدولة، وتأثيراته في جميع الأطراف والممالك بلطف السياسة ~~ومحكم PageV02P237 # التدبير الذي يبلغ به غاية آماله، بحيث لا يبلغ غيره بعضها إلا بإنفاق ~~الجمل العظيمة، وتفريغ بيوت الأموال؛ ثم لا يكاد يظفر ببلوغ أمل في جهة من ~~الجهات إلا دوخها وثبتت آثاره فيها الدهر الطويل. وصار أعداؤه يتعجبون مما ~~يتأتى له من السعادة وتعينه عليه الأقدار. واستطالوا مدته، فابتغوا له ~~الغوائل، ونصبوا له الحبائل، وركبوا عليه المناصب حتى ms339 كان هلاكه بأقل الناس ~~وأحقرهم، وأدناهم منزلة، وأضعفهم قدرة، وهم من أطراف الخدام. فأقاموا ~~رجلين، أحدهما خادم يعرف بمفرج المغربي كان في حاشيته، والآخر خازن يتولى ~~خزانة الفرش يعرف بتنا؟. وحكوا أنه نقل الأموال إلى الشام في التوابيت وفي ~~شمع سبكه وأعده إلى القدس وإلى الخليل، وأنه قد عول على الهرب إلى بغداد؛ ~~واستظهروا بكتابه الذي ذكر إلى طغرلبك؛ مع ما في طبيعة الملك من الحسد ~~والملل، والأنفة من الاستبداد عليهم ومحبة الانفراد بالمجد. # وكان من أسباب الخذلان أن المستنصر التمس من صفي الملك، ولد اليازوري، ~~عمل دعوة يدعوه إليها، فدافعه عن ذلك استعظاما لحضوره عنده؛ فأقام مدة حتى ~~بعثه والده الوزير على تكلف عملها له؛ فتهمم لذلك، واصطنع ما يجب إعداده، ~~وتقرر الحال على يوم يحضر فيه. فلما كان قبل ذلك بيوم حضر صفي الملك عند ~~الوزير وأعلمه بإنجاز ما يحتاج إليه، فصار معه إلى الدار واستصحب خواصه، ~~فرأى ما يقصر عنه الوصف. وفرش مجلسين بديباج بياض كله، وفيه جامات كبار ~~وحمر منقوش، كل مجلس بثلاث مراتب وبساط ملء المجلس؛ وسراديق وحجلين للصدر ~~والباب كله جديد كما حمل من الأعدال؛ فقدر ذلك بخمسة آلاف دينار. فأقبل كل ~~من حضر يبالغ في صفته ويدعو، وشخص منهم ساكت. فلحظ الوزير وأمسك حتى فرغ من ~~تطواف المجالس وعرض كل ما أعده، وعدل إلى بيت الطهارة وقد أعد في دهليزه من ~~الفرش والآلات والطيب، وداخله من الفواكه والمشمومات كل مستحسن. ودعا ~~الوزير الرجل الذي سكت عند مبالغة من حضر في الوصف، وقال: يا عمدة الملك، ~~مالي لم أسمعك تؤمن على ما قال الجماعة؟ فقال له بد ما سأله الإعفاء عنه ~~وتركه من القول، فأبى إلا أن يقول: سيدنا فيما أعده من هذا الجمال بين أحد ~~رأيين، إما أن يأمر بإزالته ونصب غيره مما قد PageV02P238 # استعمل، وإما يحمل إلى الخليفة إذا انقضى جلوسه عليه. فقال: وما هو هذا؟ ~~أليس هو مما أنعم به وصار إلي من فضله؛ وما قدره حتى تمتد عينه إليه أو ms340 ~~تتطلع له نفسه! واما إزالته ونصب غيره فما كنت أكسر في نفس هذا الصب شهوة، ~~فإني متى أمرت بإزالته حزن لذلك. وافترقا. فلما كان الغد جاء المستنصر ~~وأقام يومه ذلك في الدار، وأحضر إليه الطعام مما حوله من الطرف؛ ثم عاد آخر ~~النهار. وحضر عند الوزير أصدقاؤه، فانفرد بذلك الرجل، وقال: يا عمدة ~~الدولة، والله ما أخطأ حزرك فيما قلته بالأمس؛ منذ دخل الخليفة إلى الدار ~~إلى أن خرج لم يطرف طرفة عن تأمل الفرش، فإذا وجهت طرفي نحوه أطرق وتشاغل. ~~فقال له: يا سيدنا أما إذ فات الأمر الأول فلا يفوت الثاني. فقال: والله لا ~~فعلت ولا غممت صفي الملك. # واتفق أنه خرج يوما وعليه ثوب بديع، فلما عاد قال لصديقه: يا عمدة ~~الدولة، لحظتك اليوم تنظر الثوب الذي كان علي فعجبت من ذلك، فلما مثلت ~~بحضرة مولانا أقبل يتأمل الثوب ولم يزل يزحف من الدست حتى مد يده إلى الثوب ~~وتلمسه، فزال عجبي منك إذ كان الخليفة يتأمله؛ والملوك إذا أنعموا على أحد ~~استحال التظاهر بإحسانهم حسدا ومللا. # وكان راتب مائدته في كل يوم كوائد الملوك في الأعياد والولائم. وكان لا ~~يبتاع لمطبخه من الطير ما هو معرق ولا مصدر؛ وكان سعر المعرق ستة بدينار ~~والمصدر أربعة بدينار، والمسمن ثلاثة بدينار، والفائق اثنان بدينار؛ وكان ~~يعمل لداره ومن فيها المسمن، وأما مائدته فلا يقدم عليها إلا الفائق. PageV02P239 # فلما كان في سنة سبع وأربعين وقصر النيل نزع السعر وغلا حتى بلغ التليس ~~ثمانية دنانير وصار الخبز طرفة. وكان المستنصر يحضر دار اليازوري كل يوم ~~ثلاثاء على عادته، فتقدم إليه المائدة، فإذا هي على ما يعهد لم يخل منها ~~بشيء حتى الدجاج الفائق؛ فقال لصاحب مطبخه: ويلك، يكون راتب مائدة الوزير ~~الدجاج الفائق ومائدتي دون ذلك! فقال: يا مولانا ما ذنبي إذا قصر بك أصحاب ~~دواوينك ولم يطلقوا لمائدتك ما ألتمسه منهم، والوزير فلا تتجاسر وكلاؤه أن ~~يقصروا في شيء مما جرت العادة به في راتب مائدته وغيرها، مع تقدمه ms341 إليهم في ~~كل يوم بالزيادة فيها وفي راتب داره. # فلما تظافر عداه عليه لم يشعر إلا في ساعة القبض، فكتب إلى أبي الفرج ~~البابلي وكان قد قدمه وأحسن إليه ورفعه على جميع أصحاب الدواوين، واستخلصه ~~دونهم، كما يأتي إن شاء الله عند ذكر وفاته بعد البسملة: عرفنا يا أبا ~~الفرج أطال الله بقاءك وأدام عزك تغير الرأي فينا، وسوء النية والطوية؛ فإن ~~يكن هذا الأمر صائرا إليك فاحفظ الصحبة، وارع واجب الحرمة؛ وإن يكن صائرا ~~إلى غيرك فابتغ لنفسك نفقا في الأرض. على أنا نشير عليك: إن دعيت إليه فأبى ~~عنه فإنه أصلح لك وأعود علينا. والسلام. # ودعى البابلي للأمر، ووزر، لأنه لم يكن في الدولة من يتقدمه لما وطأة ~~اليازوري وأمله من تقديمه وتمييزه. وكان اعتزاله يغطي على عيوبه، فلما ولي ~~الوزارة بان للناس من رقاعته وحدته وكثرة شره ما افتضح به؛ وتجرد لمقابلة ~~إحسان اليازوري بكل قبيح وذكره بما لا يستحق من الغض. وكانت الرقعة التي ~~كتبها إليه من أعظم ذنوبه عنده فكان يقول؛ يخاطبني وهو على شفير القبر بنون ~~العظمة! ولا يذكره إلا بالسفاهة واللغو، فسقط قدره من أعين الكافة وحذره كل ~~أحد. ثم لم يقنعه كون اليازري في PageV02P240 # الاعتقال بمصر حتى نفاه إلى تنيس، في صفر، ومعه نساؤه وأولاده وحاشيته، ~~فاعتقلوا بها. # ثم شرع البابلي في التدبير على قتله. قال الشريف فخر الدولة ومجدها، نقيب ~~نقباء الطالبيين: قال لي مولانا يعني المستنصر يا فخر الدولة؛ ما رأيت أوقع ~~من البابلي؛ وذلك أن اليازوري لم ينته إلى ما صار إليه من عظيم المنزلة إلا ~~بعد أن تقدم له من المآثر والآثار في الدولة وما فتح على يديه ما هو معلوم ~~مشهور، وكان يرتقي بذلك درجة بعد درجة إلى أن انتهى إلى ما انتهى إليه؛ ~~والبابلي فمن أول يوم استخدمناه استدعى المنزلة التي لم يصر ذلك إليها إلا ~~بعد عدة سنين، فأجبته إليها، وقلت ترى تساعده الأقدار بأن يكون مثل ما كان ~~ذلك الرجل. ومنها أنه كان إذا ms342 حضر بين يدي يكثر التثريب على اليازوري ~~ويذكره بالقبيح ظنا منه تطلعنا إلى عوده إلى الأمر، وليثبت في نفوسنا سوء ~~الرأي فيه. ولم نعلم أن غرضه قتله إلى أن كان اليوم الذي سقت عليه الأتراك ~~ووطئوا دراعته، فإنه لما دخل إلي قال: يا أمير المؤمنين، إنه لا ينفذ لك ~~أمر ولا يتم لي نظر وهذا الكليب في قيد الحياة. فقلت: ومن هو ذلك الكليب؟ ~~فقال: علي ابن عبد الرحمن اليازوري. فقلت: أيها الوزير، اعلم أني لم أصرف ~~الوزير عن خدمتنا ولنا في إعادته رغبة، فطب نفسا ودع ذكره، فأنت آمن مما ~~تخافه من جهته. فقال: والله إن هذا لعجب من حسن مقامك يا أمير المؤمنين عنه ~~مع قبيح فعله، وما هم به من قتلك، حتى إن السقية أقامت تدور في قصرك أسبوعا ~~كاملا. فقلت: أيها الوزير، أقامت السقية تدور علي في قصري أسبوعا كاملا؟ ~~فقال: نعم. فأطرقت متعجبا، وبقيت، PageV02P241 # متفكرا في ذلك، أصرف الظن بين تصديقه وتكذيبه، ثم أقول، لو لم يطلع على ~~ذلك لم يذكره. فأمسكت، فظن بإمساكي أنني راض بما يفعله معه؛ وخرج فاستدعى ~~طاهرا كاتب السر وسيره لقتله. ونمى الخبر إلى مولاتنا الوالدة، فأنكرت ذلك ~~ودخلت إلي، فقالت: أنت يا مولانا أمرت البابلي بقتل اليازوري! فقلت: لا. ~~فقالت: قد سير طاهر ابن غلام لقتله. فاستدعيت سعيد السعداء وأنفذته إليه، ~~وقلت له: قل له لم يأمرك بقتله، فأنفذ من يعيد طاهرا ويمنعه من النفوذ. ~~فألفاه صاحب الرسالة في الحمام، فاعتذر إليه، فقال: لا بد من الدخول؛ ودخل ~~وأدى الرسالة إليه؛ فقال: أخرج وأسير من يعيده. وطول في الحمام ثم خرج، ~~فإلى أن كتب الكتاب وسير به النجاب سبقه ذلك إلى تنيس، فلم يصل حتى نفذ ~~الحكم فيه. # ولما وصل طاهر إلى تنيس أوصل كتاب البابلي إلى جمال الدين صبح يذكر فيه: ~~إنا قد سيرنا طاهرا فيما أنت تقف عليه من جهته، فتثبت منه، وتحضر معه ~~لإنجازه وتحذر من تأخيره من اليوم إلى الغد. فقال: وما الذي وصلت فيه؟ ms343 ~~فأخرج تذكرة بخط البابلي فيها: إذا وصلت يا طاهر أعزك الله إلى تنيس وقد ~~سغبت ولهثت من العطش، فلا تبل ريقك بقطرة دون أن يحضر علي بن حسن بن عبد ~~الرحمن اليازوري إلى دار الخدمة، وتمضى حكم السيف فيه؛ فد كتبنا إلى الأمير ~~جمال الدولة بمعونتك على ما يستدعيه ذلك؛ فقدمه ولا تؤخره إن شاء أحد. فقال ~~له: أنت خليفة صاحب الستر ومرسل من جهة السلطان، والأمر الذي وصلت فيه ~~ممتثل، فأمض الحكم فيه. وأنفذ من يحضر اليازوري من معتقله، والصقالبة ~~والسعدية خدام الستر وقوف، والسياف قائم. فقال له طاهر: يا حسن، يقول لك ~~مولانا أين أموالي؟ فلم يجبه ولم يرفع طرفه إليه. فقال له: إياك أخاطب يا ~~حسن بن علي بن عبد الرحمن، يقول لك أمير المؤمنين أين PageV02P242 # أموالي؟ فلم تجبه. فرفع طرفه ونظر إليه وإلى الجماعة وفيهم حيدرة السياف، ~~وقال لطاهر: يا كلب تجيء وهذا معك، وأشار بيده إلى السياف، وتسألني بعد ~~ذلك؛ ولكن قل له يا مولانا قبض علي وأنا آمن على نفسي، فإن يكن عندي مال، ~~فقد وجدته في داري، وكنت داعيك وثقتك المؤيد في الدين. في القمطرة الفلانية ~~ما يشهد بذكر مالك أين هو. فأشار طاهر إلى أولئك، فأخذوه، وضربت عنقه في ~~ليلة الثاني والعشرين من صفر؛ وحملت رأسه مع طاهر إلى القاهرة، وطرحت جثته ~~على مزبلة ثلاثة أيام. ثم ورد الأمر بتكفينه، فكفن بعد أن غسل، وحنط بحنوط ~~كثير، وحمل ليلا ودفن وقد وضع رأسه مع جثته. # وكان له من المآثر المرضية، والخلال الحميدة، والأفعال الجميلة، والخلائق ~~الرضية ما يتجمل الملوك بذكره. منها أنه كنت له مائدة يحضرها كل قاض فقيه ~~وأديب جليل القدر، فإذا قدمت فكأنها الرياض من حسنها وسعة نفسه. وكان ~~الملازمون لمائدته نحو العشرين نسمة، فيكون عليها كأحدهم. وقال عميد ~~الدولة: أقمت معه خمس عشرة سنة قبل وزارته ملازما له في المبيت والصباح، ~~فكنت أراعيه في حالاته كلها ليلا ونهارا، فلا أرى يتغير علي منها شيء ولا ~~يتبين لي منه غضب ms344 من رضا؛ فأقبلت أدقق التأمل له في حالتي غضبه ورضاه شهورا ~~حتى تبين لي، فكان إذ رضى توردت وجنتاه بحمرة، وإذا غضب اصفرت محاجر عينيه، ~~فعرفت أبي بذلك؛ فقال: يا بني هذا غاية في سكون النفس وصحة الطباع واعتدال ~~المزاج. # وكانت طبائعه الأربعة على السواء، فإذا أخل عمل طبيعة منها عهده أخذ ~~بإصلاحها حتى يعود إلى ما يعهده من استقامتها. وكان لا يعطل شرب الدواء ~~يوما واحدا فيشرب السكنجيين والورد أسبوعا ثم يريح نفسه ثلاثة أيام؛ ثم ~~يشرب النقوع المغلى في PageV02P243 # الشتاء والمنجم منه في الصيف أسبوعا لكل منهما؛ ويشرب ماء البذور أسبوعا؛ ~~ويشرب ماء الجين ثمانية أيام؛ ويشرب ماء البقل أسبوعا ثم يشرب الراوند ~~المنقوع كذلك؛ ويريح نفسه بين كل دوائين ثلاثة أيام، لا يخل بذلك في صيف ~~ولا في شتاء. # وكان ندي الوجه كثير الحياء لا يكاد يرفع طرفا إلا لضرورة؛ ولم يسمع منه ~~قط في سؤال لفظة لا. بل كان إذا سئل فما يرى إجابة سؤاله إليه يقول نعم، ~~بانخفاض من طرفه وخفوت من صوته، فإذا سئل فما يرى الإجابة إليه يطرف ولا ~~يرفع طرفه؛ وعرف هذا منه فلا يراجع فيه إلا بعد مدة. وكان كل من يحضر ~~مائدته يستدعى منه الحضور بين يديه لئلا يستمروا عنده؛ وكان فيهم من يشرب ~~السكر، فإذا حضروا عرفوا مجالسهم وما قرره لهم، فكان من لا يشرب النبيذ ~~يجلس عن يمينهن ومن يستعمله يجلس عن يساره؛ وبين يدي كل منهم الفواكه ~~الرطبة واليابسة والحلاوة، وستارة الغناء مضروبة؛ فيجلسون وهو مشغول يوقع، ~~وهم يتحدثون همسا وإشارة وإيماء، إلى أن ينقضي أربه من التواقيع فيستند ~~وينشطهم بالحديث ويقول: قد تجدد اليوم كذا وكذا، فما عندكم فيه. فيقول كل ~~أحد ما يراه وهو يسمع لهم، حتى يستكمل الجماعة الذين عن يمينه ثم يعطف على ~~شماله فيقول: من هناك قولوا، فيقولون وهو يسمع ولا يرد على أحد شيئا فلا ~~يصوب المصوب ولا يخطىء المخطىء، ويبيت يضرب الآراء بعضها ببعض حتى يمحض له ~~الصواب، ويصبح يرمي ms345 فلا يخطىء. فكانت أفعاله هكذا طول مدته، لا يستبد قط ~~برأيه ولا يأنف من المشورة، بل يقول: المستبد برأيه واقف على مداحض الزلل، ~~وفي الاستشارة كل عقول الرجال. وبهذا تم له ما كان يدبره حتى ترك فيما رامه ~~من الطرز الآثار الباقي ذكرها. # وجاء ارتفاع الدولة في أيامه ألفي ألف دينار، يقف منها ويسكن، وينصرف ~~للرجال وللقصور وللعمائر وغيرها، ويبقى بعد ذلك مائتا ألف دينار حاصلة، ~~يحملها كل سنة PageV02P244 # إلى بيت المال. فحظى بذلك عند سلطانه، وتمكن منه، وارتفع قدره حتى سأل أن ~~يكتب على سكة نقش عليها: ضربت في دولة آل الهدى من آل طه وياسين، مستنصر ~~بالله جل اسمه، وعبده الناصر للدين سنة كذا، وطبعت عليها الدنانير مدة شهر ~~ثم أمر المستنصر بمنعها، ونهى أن تسطر في السير. # وكانت أيام نظره حوامل لتوالي الفتوحات وعمارة الأعمال. وكان شريف ~~الأخلاق، عالي الهمة كريم الطباع، وطىء الأكناف، مستحكم الحلم، واسع الصدر، ~~ندي الوجه، يستقل الكثير، ويستصغر كل كبير. وكان إذا أعطى أهنأ، وإذا أنعم ~~على إنسان أسبغ، وإذا اصطنع أحدا رفعه إلى ما تقصر الآمال والأماني عنه؛ مع ~~عظيم الصدقة، وجزيل البر الذي عم به أهل البيوتات مما جعله لهم من ~~المشاهرات على مقاديرهم. وكذلك الأشراف والفقراء وأهل الستر بالقرافة، فكان ~~يجري عليهم البر والكساء على يد بعض اليهود، ويعرف بابن عصفورة، وكيل ~~السيدة أم المستنصر، فكانوا يظنون أنه من إنعامها؛ فلما زالت أيامه انقطع ~~عنهم ما كان يصل إليهم من البر، فخاطبوا ابن عصفورة وقالوا: قد جفينا من ~~مولانا ومولاتنا، فلو أدركتهما بنا فقال لهم: ما ترون ما كان يجيئكم حتى ~~يتولى الله ناصر الدين أخي. فقالوا: نحن التمسنا من مولانا المستنصر ~~ومولاتنا السيدة الوالدة ولم نلتمس من ناصر الدين. فقال: ما كان يجيئكم ذاك ~~إلا من الوزير. فعجبوا من ذاك وأكثروا من الترحم عليه. # ومما يذكر عنه أنه كتب: العالي بالله إدريس بن المعتلى بالله يحيى بن ~~الناصر لدين الله علي بن حمود من خالقه إلى مصر مكاتبة ms346 يقول فيها: من أمير PageV02P245 # المؤمنين العالي بالله إلى أمير المؤمنين المستنصر بالله. فعيب عليه بمصر ~~قلة تصوره ومعرفته بأنه لا يجوز أن يكون أمير المؤمنين في زمان واحد اثنان. ~~ثم ألجأت الضرورة إلى مكاتبته بنحو مما كتب، وكان اليازوري إذ ذاك وزيرا، ~~فقال أنا أخلص هذه القضية وأعلقها بمعنى دقيق لا يبين للمكاتب، وكان صاحب ~~حيل؛ يكتب إليه: من أمير المؤمنين المستنصر بالله معد إلى العالي بالله ~~أمير المؤمنين خالقه؛ وهذا من طريف التخلصات التي تميز بها. # وحكى عظيم الدولة متولى السر، قال: كنت في جملة الموكلين على الناصر ثم ~~على البابلي بعده، فكنت أرى من رئاسة الوزير الأول يعني اليازوري على ~~شبيبته ورجاحته وسكون حاشيته، ومن طيش البابلي وخفته ونقصه ما أعجب منه؛ ~~وهو أني لما كنت موكلا باليازوري كنت أراه ملازما لعتبة باب المجلس في ~~القاعة لا يتغير مكانه منها. وكان البابلي يراسله بما يمضى ويوصينا إذا ~~مضينا إليه بالإزعاج عند فتح الباب وإكثار قلقلته لنزعجه ونروعه بذلك؛ ~~فوالله ما كان يكترث ولا ينزعج. وإذا دخل متولى الستر يكون جلوسه منه في ~~الاعتقال كجلوسه منه في حال نظره، ويخاطب بما يرضى فيجيب بسكون وهدوء وكأنه ~~في الدست جالس. فدخل إليه في أكثر من ثلاثين صقلبيا وبلغهما أوصاه البابلي، ~~فأجابه، ثم نهض وقال: يا سيدي صرفتني من الستر بغير ذنب ثم أعدتني إليه ~~بغير مسألة، فما كان سبب ذلك؟ فرفع طرفه إليه كأنه يخاطبه من دست الوزارة ~~وقال له: كان صرفك في الأول برأيي واختياري ثم أعدتك لما عرفت من ميل ~~مولانا إلى استخدامك. فخرج متولي الستر وهو يعجب من سكون حاله وقلة احتفاله ~~في الجواب، مع حاجته إليه في مثل ذلك الوقت الذي يقدر فيه على الإحسان إليه ~~وعلى الإساءة؛ وكان يظن أنه يعتذر إليه، فلم يكن منه غير ما تقدم ذكره. PageV02P246 # وكان أكثر وقته صائما وهو يتلو القرآن ولا يسأل عن طعام ولا شراب. وكان ~~في حال وزارته كثير الصمت مواصل الإطراق، ساكن النفس هادئ الطباع، فكان ms347 يظن ~~أن ذلك من تيه وصلف وإعجاب وقلة احتفال بالناس؛ فلما صار في الاعتقال بعد ~~القبض عليه كان حاله على ما كان مما ذكر. ومن عجيب ما وقع أن خطير الملك ~~محمد بن الوزير اليازوري كان ينوب عن أبيه في قضاء القضاة، فلما سار إلى ~~الشام بالعساكر الكثيرة معه كان في حال من البذخ والتجمل في حال لا يمكن ~~شرحها؛ فلما نكب أبوه آل حاله إلى أن يرى في مسجد بمدينة فوة يخيط للناس ~~بالأجرة، وقد نزل به من الفقر والبلاء شدائد وهو يبالغ في مطالبة شخص بأجرة ~~ما خاطه له، والرجل يماطله. فلما ألح في المطالبة قال له: يا سيدنا اجعل ~~هذا القدر اليسير من جملة ما ذهب منك في السفرة الشامية. فقال: دع ذكر ما ~~مضى. فسأله رجل عن ذلك فلم يجبه، فسأل عبده، فقال الذي ذهب منه في تلك ~~السفرة على نفقات سماطه مقدار ستة عشر ألف دينار. فسبحان من لا يزول ملكه. # وفيها ولي الوزارة بع اليازوري أبو الفرج عبد الله بن محمد البابلي، وكان ~~أولا من جملة أصحاب الدواوين فقبض عليه الوزير أبو البركات ابن الجرجرائي، ~~وصادره على عشرة آلاف دينار أخذ خطه بها؛ فباع موجوده بستة آلاف دينار وبقي ~~عليه أربعة آلاف دينار، فانطرح على اليازوري وسأله الشفاعة له، وكان يومئذ ~~ينظر لأم الخليفة؛ فسأل الخليفة له في ذلك، فوقع بمسامحته منها بألفي ~~دينار، فلما صرف الوزير أبو البركات وتولى اليازوري الوزارة وقع بمسامحة ~~البابلي بالألفين الباقية، واستخدمه في التوقيع، ورد إليه ديوان تنيس ~~ودمياط، وديوان الخاص وغيره من الدواوين، حتى كان في يده ستة PageV02P247 # دواوين. وكان رسم لأصحاب الدواوين أن يحضروا كل يوم بين يدي الوزير، فرفع ~~منزلة البابلي عن ذلك وميزه عن أصحاب الدواوين، فكان لا يحضر عنده إلا في ~~كل ثلاثة من الجمعة؛ فإذا حضر حجب كل أحد من الرؤساء، فلا يدخل إلى الوزير ~~أحد ما دام عنده. فمهما قرره مع الوزير لا ينتقض. وإذا عرض له في باقي ~~الجمعة أمر ms348 كتب رقعة إلى الوزير فيجيبه في تضاعيف سطوره، فعل الأكفاء ~~بالأكفاء. وبلغ جاريه على ما بيده من الدواوين والتوقيع في كل سنة عشرة ~~آلاف دينار. وكتب مرة إلى الوزير اليازوري رقعة يذكر فيها أنه ليس له دار ~~يسكنها، وأن بجوار داره حماما سلطانيا من جملة المقبوض عن تركة أمير ~~الأمراء رفق، بذل فيها خمسمائة دينار؛ وسأل التوقيع بمبايعته منه على أن ~~يقتطع ثمنه من جاريه، مائة دينار في الشهر؛ فوقع له بذلك، ثم تقدم إلى ~~متولي بيت المال بأن يكتب له منه رصدا بخمسمائة دينار، ووهبها له. فكتب ~~رقعة ثانية أنه لما شرع في بناء الدار احتاج إلى ما يكمل به عمارتها، وأن ~~في المقبوض من أمير الأمراء أيضا من الأخشاب والرخام ما يسأل الإنعام عليه ~~منه بما يعمرها به؛ فوقع بتسليم جميع ذلك إليه. فعمر الدار، وخدمه فيها ~~جميع من في الدولة؛ فجاءت تضاهي القصور. # واتفق أنه مرض في بعض السنين مرضة أشفى فيها على التلف، فكتب إلى الوزير ~~اليازوري رقعة يذكر فيها ما انتهت حاله إليه، وأنه على آخر رمق؛ وأن عليه ~~من الدين ثلاثة آلاف دينار، ويخاف إن حدث به حادث الموت أن يعنت الغرماء ~~ولديه؛ ويسأل تمام الاصطناع بالمنع منهما، وأن يقرر حالهما في القيام ~~للعرفاء بما تصل قدرتهما إليه وينجم الباقي عليهما. فلما وقف الوزير عليها ~~استرجع وتغمم له، وقال: ما ظننا إلا أنا قد أغنينا أبا الفرج، وأن حاله لم ~~تصل إلى هذا الحد! ثم رفع رأسه إلى أبي العلاء عبد الغني بن الضيف، وكان ~~يحمل دواة الوزير، ولقبه بالصادق المأمون، وقال: PageV02P248 # أسرع إلى أبي العباس الشاشي، وكان يتولى ديوانه؛ فلما حضر قال: ما في ~~حاصلك من إقطاعنا؟ فقال: ثلاثة آلاف دينار وكسر، فأحضرها، وقال لأبي ~~العلاء: خذ هذه الثلاثة آلاف دينار وامض بها إلى البابلي وخصه بسلامنا، وقل ~~له: قد سوأتنا بما ذكرته من مرضك وما انتهت إليه حالك، والله تعالى يهب ~~عافيتك ولا يغمنا بك. فأما ما سألت من مراعاتك في ولديك ms349 والمنع منهما، فلو ~~لم تسأل في ذلك حفظناك فيهما وراعيناهما لك. وأما ما ذكرته من دينك فقد ~~أنفذنا إليك ما تقضيه به. فلما أخذ المال وخرج من القبة قال ارجع يا عبد ~~الغني، فعاد إليه فأخذ درجا ووقع إلى ديوان الخاص بثلاثة آلاف دينار، وكان ~~له فيه إقطاع، وقال امض إلى الجهبذ بهذا التوقيع فإن كان في حاصله هذا ~~القدر، وإلا قل له يقترض من بيت المال إلى أن يستخرج شيئا فيحمله إليه به ~~عوضا عنها؛ واحمل الجميع إلى البابلي. فلم يحتمل أبو العلاء الصبر عن ~~الكلام وقال: يا سيدنا، ما يقنعك تحمل إليه ثلاثة آلاف دينار حتى تضيف ~~إليها مثلها فتصير ستة! فقال: يا وحش إذا قضى دينه بهذه الثلاثة الآلاف ما ~~يحتاج أن يستدين بعدها، فينفق من هذه الأخرى ولا يستدين. فقال له: والله يا ~~سيدنا إنك لأكرم نفسا من البرامكة، لأن أولئك كانوا يجودون من سعة وأنت ~~تجود من ضيق، ولا نسبة بين ما تنظر فيه وما كانوا ينظرون فيه. وخرج فأوصلها ~~إليه. فلما قبض على اليازوري كان أعدى العالم له، وكفر نعمته وإحسانه، ~~وتجرد له حتى قتله. # وحكى فخر الدولة قال: استدعاني مولانا المستنصر وقال لي يا فخر الدولة، ~~هل PageV02P249 # يكون في اختيار الإنسان إلى من تطمح إليه الأبصار أو تتطلع إليه النفوس ~~أوفى من شخص البابلي، مع شيبته وظاهر سمته وهيبته؟ فقلت: لا يا أمير ~~المؤمنين. فقال: والله لقد ظننت أن الدولة تتضاعف قدرتها بنظره، وينضاف ~~إليها مثلها بحسن تدبيره وأن من وراء هذا الشخص ما وفى عليه؛ فإذا ثيابه لا ~~تسع رقاعته وغمته، والحية قد نشفت قرعته. وذلك أن اليازوري أقام في خدمتنا ~~عشر سنين عددنا عليه ثمانية عشر ذنبا، وأقام البابلي اثنين وسبعين يوما ~~نقمنا عليه تسعة عشر ذنبا، مع ظاهر كذبه وقلة احتشامه عندي؛ وذلك أنه ذكر ~~لي من حال السقية ما كثر تعجبي منه وأنا بين تصديق الحكاية وتكذيبها، ~~واحتشمت أن أرد عليه فيتحقق تكذيبي له. وكان من إقدامه على قتل ms350 اليازوري ما ~~كان، وساء لنا ذلك إذ لم نكن نريد قتله. فلما كان بعد ذلك بأيام يسيرة ~~أمرته بشيء فعارضني وضرب الأمثال بما يصدني عن ذلك الأمر؛ فقلت له أيها ~~الوزير، اعلم أن اليازوري لم تطل مدته معنا وتثبت قدمه إلا أنا كنا إذا ~~أمرناه بشيء انتهى إليه ولم يتجاوزه. فقال لي مجيبا: يا مولانا وكأن ~~اليازوري كان ينقط نقطة إلا ما أمثله له وأوقفه عليه! يريد أنه كان يدبر ~~اليازوري ويعلمه ويفهمه؛ فلم يتأمل ما عليه فيه، ولا ذكر ما كان قاله من ~~حال السقية؛ وأذكرني قوله هذا حال السقية، فقلت له وقد اغتظت منه: يخرس ~~الله الوزير، فإذا كانت السقية برأيه! فلما سمع ذلك مني دهش وقال: أعوذ ~~بالله يا مولانا ولكنني كنت أبصره صواب الرأي، وأشير عيه بما فيه حميد ~~العاقبة. فعند ذلك تحققت من كذبه على الرجل ما كنت شاكا فيه. ووجه كذبه ~~فيما حكاه من ذلك أن الرئيس الجليل القدر إذا أراد أن يهم بمثل هذا الأمر ~~في سائسه أو من يجري مجراه لم يكد يعلم ولده بما يريده منه، فكيف إذا عزم ~~على فعل ذلك مع مثلى، هل يسوغ أن يطلع أحدا عليه؟ ومع هذا فما الذي يدعوه ~~أن يخرج بذلك إلى غيره، وربما نم عليه وتقرب إلي بإطلاعي عليه؛ وإلا تولى ~~بنفسه مع إكثاري كان من زيارته وسكوني إليه، وأني لم أتهمه بذلك فط فآخذ ~~حذري منه، وكان بهذا الحكم يتمكن من بلوغ غرضه مني بحيث PageV02P250 # لا يعلم به أحد. فتحقق لي كذبه فيما حكاه؛ وهذا أقوى الأسباب في صرفه، ~~لأن من ليس له عقل يميز به ما يخرج من فمه، لا سيما في مثل هذا الأمر الخطر ~~الكبير، لم يجز أن يوثق به في تدبير مزبلة، والخوف من جنايته على الدولة ~~برقاعته ونقص عقله أكثر من الطمع في الانتفاع بنظره. # وكان صرف البابلي على الوزارة في شهر ربيع الأول وله في الوزارة اثنان ~~وسبعون يوما؛ فلما صرف قبض عليه واعتقل. وكان النهار ms351 لا يكاد يرتفع ويتأخر ~~ما يحمل إليه من الطعام إلا ويتسغيث ويقول: ما يتم حبس وجوع. وكان يبدو منه ~~في محبسه من القول ما يعرب به عن مستحكم الرقاعة والجهل، فكان الموكلون به ~~يتعجبون من فرق ما بينه وبين اليازوري، فإن ذاك كان ساكن الطباع كثير الصمت ~~شريف النفس مع حداثة سنه، وهذا شيخ يظهر منه من الخفة والطيش والجهل مع ~~الشيخوخة ما يضحك منه. # فيها تولى الوزارة بعد البابلي أبو الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن الحسين ~~بن المغربي. وفيها تولى قضاء القضاة عوضا عن اليازوري أبو علي أحمد بن عبد ~~الحكم بن سعيد، إلى ذي القعدة، وصرف بأبي القاسم عبد الحاكم بن وهب بن عبد ~~الرحمن المليجي. وتولى المؤيد في الدين أبو نصر هبة الله بن موسى داعي ~~الدعاة. PageV02P251 # فيها قصد الأمير أبو الحارث أرسلان البساسيري الموصل ومعه قريش بن بدران ~~بن المقلد بن المسيب العقيلي أمير الغرب فملكها. وخرج إليه السلطان ركن ~~الدين أبو طالب طغرلبك بن ميكائيل بن سلجوق، ففارقها؛ واتجه طغرلبك إلى ~~نصيبين فخالف عليه أخوه لأمه إبراهيم بن ينال وسار إلى همذان، فرجع في ~~إثره؛ وتلاحقت الأتراك، فاستدعى الخليفة القائم دبيس من مزيد، فوصل إليه ~~وقد أرجف بمسير البساسيري إلى بغداد فعظم الخوف منه، فرجع دبيس إلى بلاده. ~~فلما كان يوم الأحد الثامن من ذي القعدة من هذه السنة وصل البساسيري إلى ~~بغداد ومعه قريش بن بدران، وخطب في جامع المنصور للمستنصر بالله الفاطمي ~~وقطع الخطبة لبني العباس، وعقد الجسر وعبر عسكره. فلما كانت الجمعة الثانية ~~خطب بجامع الرصافة للمستنصر. وكانت بينه وبين أهل بغداد حروب آلت إلى هزيمة ~~رئيس الرؤساء وزير القائم والعسكر، وقتل جماعة من الأعيان. ووقع النهب في ~~البلد، ودخل أصحاب البساسيري إلى البلد، ووصلوا إلى باب النوبي الشريف؛ ~~فركب القائم بسواده وعلى كتفه البردة، وبيده السيف وعلى رأسه اللواء، وحوله ~~جماعة بني العباس والخدم بالسيوف المسللة، فرأى الأمر شديدا، فعاد وأبعد ~~المنظرة، PageV02P252 # ونادى رئيس الرؤساء: يا علم الدين قريش، ms352 أمير المؤمنين يستدنيك. فدنا ~~منه؛ فقال رئيس الرؤساء له: قد آتاك الله منزلة لم ينلها أمثالك؛ وطلب منه ~~الأمان للخليفة القائم، فأمنه. ونزل إليه الخليفة والوزير رئيس الرؤساء، ~~وصاروا معه. فبعث إليه البساسيري: تخالف ما استقر بيننا! فقال قريش: لا. ~~وكانا قد تعاهدا على المشاركة في جميع ما يحصل لهما؛ فاستقر الأمر على أن ~~البساسيري يتسلم الوزير رئيس الرؤساء وأن قريش ابن بدران يتسلم الخليفة ~~القائم فيكون عنده. فبعث حينئذ قريش بالوزير إلى البساسيري؛ فلما مثل بين ~~يديه قال له: العفو عند المقدرة. فقال البساسيري: أنت صاحب الطيلسان ما ~~عفوت عن داري وحرمى وأطفالي، فكيف أعفو وأنا صاحب سيف. # ثم إن قريش بن بدران سار في خدمة الخليفة، وهو راكب بالصفة التي تقدم ~~ذكرها إلى معسكره، فأنزله في خيمة وهيأ له ما يقوم به، ووقع النهب في دار ~~الخلافة مدة أيام، وأخذ منها ما لا يحصى كثرة، وبعث منها إلى مصر منديل ~~القائم الذي عممه بيده، قد جعل في قالب رخام لكيلا ينحل، مع ردائه، والشباك ~~الذي كان يتوكأ عليه؛ فعمل في دار الوزارة بالقاهرة. وأما العمامة والرداء ~~فبعثهما السلطان صلاح الدين يوسف، لما استولى على القصر، إلى الخليفة ~~المستضيء ببغداد مع الكتاب الذي كتبه على نفسه القائم وأشهد على نفسه ~~العدول فيه أنه لا حق لبني العباس في الخلافة مع وجود فاطمة الزهراء. وحمل ~~أيضا إلى القاهرة الذخائر والكتب والقضيب والبردة. وسلم قريش الخليفة إلى ~~ابن عمه مهارس بن المجلى، وكان رجلا متدينا، فحمله في هودج إلى مدينة عانة ~~وأنزله بها؛ وفر أصحاب الخليفة القائم إلى طغرلبك فصاروا في جملته PageV02P253 # فلما كان يوم عيد النحر ركب البساسيري إلى المصلى وعلى رأسه ألوية ~~المستنصر، وقد استمال الناس بكثرة الإحسان وإجراء الأرزاق، وكسر منبر ~~المسجد الجامع ببغداد وقال: هذا منبر نحس أعلن عله بغض آل محمد عليهم ~~السلام؛ وأنشأ منبرا آخر وخطب عليه باسم المستنصر. ثم أخرج الوزير رئيس ~~الرؤساء أبا القاسم علي بن المسلمة وهو مقيد وعليه جبة صوف وطرطور ms353 أحمر من ~~لبد وفي عنقه مخنقة، فشهره ثم أعاده إلى المعسكر وقد نصبت له خشبة، فألبس ~~جلد ثور طري، وجعل في فكيه كلابين من حديد وعلقه بهما؛ فبقي يضطرب إلى آخر ~~النهار حتى مات، وعمره نحو من ثلاث وخمسين سنة، وكان حسن التلاوة للقرآن ~~جيد المعرفة بالأدب. # ولما ورد الخبر بذلك إلى المستنصر سر سرورا كثيرا، وزينت القاهرة ومصر ~~وجاءت نسب الطبالة، فغنت بالطبل في القصر بين يدي المستنصر: # يا بني العباس ردوا ... ملك الأمر معد # ملككم ملك معار ... والعوارى تسترد # فقال لها المستنصر: تمنى، فلك حكمك؛ فسألت الأرض المجاورة للمقس، فأقطعها ~~إياها، فعرفت بها وقيل لها إلى اليوم أرض الطبالة. وأمر المستنصر في أن ~~يحمل إلى مهارش PageV02P254 # عشرة آلاف دينار ليسير إليه الخليفة القائم على حال جميلة؛ وعزم على أنه ~~إذا وصل تلقاه أحسن لقاء وبالغ في إكرامه. ويقال إنه بنى القصر الغربي ~~لينزله فيه، ويحمل إليه ما ينسيه به ما كان فيه من إقامة الرواتب السنية، ~~وأن يقرر له في كل يوم مائة دينار؛ وأنه إذا ركب المستنصر في أوقات ركوبه ~~قدمه بين يديه يحجبه. فإذا أقام على ذلك مدة، وبات وانتشر في الأقطار خبر ~~ذلك خلع عليه وعقد له ألوية الولاية للعراق، وكتب عهده بتقليده إياه، وسيره ~~إليه، وأعاده إلى مملكته وخلافته من قبله. فمنعه حادث القدر قبل إدراك ذلك. ~~وكان من جملة أسباب فوات هذا أن البساسيري لما بعث الكتب إلى المستنصر ~~يعرفه بإقامة الخطبة له ببغداد كان الوزير حينئذ أبو الفرج محمد بن ~~المغربي، وهو ممن فر من البساسيري وصار إلى القاهرة، فحذر المستنصر من ~~البساسيري وخوفه عاقبته؛ فتركت أجوبته مدة، ثم عادت الأجوبة بخلاف ما أمله ~~البساسيري؛ ثم قدم طغرلبك فانتصر عليه. # وفيها بنيت القبة التي بصحن جامع دمشق، شرقي الجامع على باب مشهد علي، ~~وكتب عليها اسم المستنصر. # وفيها ولى المستنصر ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان دمشق في شهر ~~رجب PageV02P255 ### || سنة إحدى وخمسين وأربعمائة @YY451 # فيها سار الأمير أبو الحارث البساسيري ms354 من بغداد فملك البصرة وواسط، وأقام ~~بهما الدعوة للمستنصر، وخطب له في عامة تلك الأعمال. وبلغ طغرلبك ما كان من ~~أخذ بغداد وقطع الخطبة العباسية منها، فكاتب ألب أرسلان بن داود أخيه، فقدم ~~عليه في إخوته بعسكر كبير، واجتمعوا على محاربة إبراهيم بن ينال، فكانت ~~الغلبة لطغرلبك، فأخذه أسيرا وقتله في تاسع جمادى الآخرة. وتوجه يريد ~~بغداد، وبعث إلى البساسيري وإلى قريش بن بدران يأمرهما برد الخليفة القائم ~~إلى بغداد، وإقامة الخطبة له على عادته، ورده إلى تخت خلافته، ويعدهما ~~أنهما إن فعلا ذلك رجع عن العراق ولم يدخل بغداد، وأنه يقنع بأن يخطب له ~~فيها وتضرب السكة باسمه. فامتنع البساسيري أولاده وحرمه من بغداد إلى واسط ~~ونوى العود. وعند ما قارب طغرلبك بغداد بعث إلى قريش يشكر ما كان من صنيعه ~~مع الخليفة القائم، وجهز إلى بكر بن فورك لإحضار الخليفة؛ فوافى حلة بدر بن ~~مهلهل وقد وصل الخليفة وابن مهارش في تلك الساعة، فركب هو وابن فورك وأركبا ~~الخليفة وخدماه؛ وأتته هدايا بدر. # وبعث طغرلبك بوزيره عميد الملك أبي نصر منصور الكندري والأمراء والحجاب PageV02P256 # بالخيام الكثيرة والسرادقات العظيمة، والخيول العدة بالمراكب الذهب، إلى ~~الخليفة القائم، فرحل وهم في خدمته، وقد خرج طغرلبك إلى لقائه؛ فعندما ~~شاهده وقع إلى الأرض يقبلها، ثم قام وهنأه بالسلامة، وأظهر السرور الزائد ~~والابتهاج الكبير؛ واعتذر عن تأخره بما كان من عصيان إبراهيم ينال. فقال ~~الخليفة بسيف كان قد تأخر عنه، وسار معه طغرلبك إلى بغداد وجلس على باب ~~النوبى الشريف مكان حاجب الباب حتى وصل الخليفة، فعندما شاهده مثل قائما ~~وأخذ بلجام بغلته حتى انتهى إلى باب الحجرة الشريفة؛ وذلك في يوم الاثنين ~~لخمس بقين من ذي الحجة. # ثم عاد طغرلبك إلى معسكره وسير العساكر لمحاربة البساسيري وخرج في إثره؛ ~~فوافت العساكر البساسيري ودبيس بن مزيد، فكانت بينهم حروب آلت إلى انهزام ~~دبيس ووقوع ضربة في وجه البساسيري سقط منها عن فرسه، فأخذ، وقتل، وحملت ~~رأسه إلى طغرلبك فبعث بها إلى الخليفة القائم، ms355 فطيف بها على قناة في بغداد ~~للنصف من ذي الحجة، وعلقت على باب النوبى. وأحيط بأموال البساسيري ونسائه ~~وأمواله، وجميع حواشيه وأسبابه؛ وقتل في هذه الوقائع من الخلائق ما لا يحصى ~~لهم عدد؛ وفر دبيس إلى البطيحة. # وقطعت الخطبة من بلاد العراق للمستنصر بعد أن خطب له ببغداد أربعين جمعة؛ ~~وعادت للقائم كما كانت. وهذه الحادثة كانت آخر سعادة الدولة الفاطمية، فإن ~~الشام خرج من أيديهم بعدها بقليل لاستيلاء الترك عليه، ولم يبق بيدهم غير ~~ملك مصر خاصة PageV02P257 # ويقال إن الخليفة القائم بأمر الله كتب لما نكب كتابا يشكو فيه ما يلقاه ~~من البساسيري ونسخته بعد البسملة: إلى الله العظيم من عبده المسكين. اللهم ~~إنك عالم بالسرائر، مطلع على مكنونات الضمائر؛ اللهم إنك غني بعلمك واطلاعك ~~على أمور خلقك عن إعلامي لك؛ وهذا عبد من عبيدك قد كفر نعمتك وما شكرها، ~~وألغى العواقب وما ذكرها، أطغاه حلمك، وسخر بأناتك، حتى تعدى علينا بغيا، ~~وأساء إلينا عتوا وعدوا. اللهم قل الناصر، واغتر الظالم، وأنت المطلع ~~العالم، والمنصف الحاكم، بك نستعين عليه، وإليك نهرب من بين يديه، وقد تعزر ~~بالمخلوقين، ونحن نستعين بالله رب العالمين. اللهم إنا حاكمناه إليك، ~~وتوكلنا في إنصافنا منه عليك، ورفعنا ظلامتنا إلى حكمك، ووثقنا في كشفها ~~بكرمك فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين، وأظهر قدرتك فيه قدر ما ~~نرتجيه، فقد أخذته العزة بالإثم. اللهم فاستلبه عزته، وملكنا بقدرتك ~~ناصيته، يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد خاتم النبين، وعلى آله ~~الطيبين وسلم تسليما. وبعث به إلى باب الكعبة، وعلق بباب الكعبة ودعي بما ~~فيه؛ فقتل البساسيري في ذلك اليوم. PageV02P258 ### || سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة @YY452 # فيها سارت العساكر من مصر إلى دمشق، وكتب لناصر الدولة أبي علي الحسين بن ~~حمدان أن يكون قائد الجيش؛ فسار من دمشق بعسكر كبير في سادس ربيع الأول ~~يريد محاربة أهل حلب. وكانت مدينة حلب قد أقيمت فيها الدعوة الفاطمية، ~~وأسقطت بها دعوة بني العباس إلى أيام الظاهر بن الحاكم، فتغلب عليها صالح ~~بن ms356 مرداس، أحد أمراء الكلابيين، وكثف أمره بها حتى استولى على دمشق أمير ~~الجيوش أنوشتكين الدزبري، أحد الغلمان الأتراك، فساس الأمور، وأطاعه كل ~~مارق؛ وراسل الملوك. فنابذه صالح بن مرداس وجمع له العرب، وفيهم عدة الدولة ~~حسان بن جراح، وسار لمحاربته، فكانت بينهما وقائع انهزم فيها حسان إلى بلاد ~~الروم، وتفرق الجمع. ثم مات صالح وقام من بعده ابنه شبل الدول نصر بن صالح ~~في حلب، فقام بمنابذة أمير الجيوش كما كان أبوه، وسار لقتاله، فقتل، وملك ~~أمير الجيوش حلب فأقام بها رضي الدولة منجوتكين، أحد غلمانه، فأقام بها ~~سنين. ومات أمير الجيوش فغلب على حلب ثمال بن صالح بن مرداس وملكها؛ ولم ~~يقم أحد بعد أمير الجيوش مقامه. # فلما كانت وزارة الجرجرائي غمض طرفه عن ثمال، ورأى أن موادعته أخف من ~~إنفاق الأموال في محاربته، فكتب بولايته وقرر عليه الحمل في كل سنة. وتمادى ~~ذلك إلى أيام وزارة اليازوري فلم يرض بهذا، ورأى أن الحيلة أبلغ فيما ~~يؤثره، لأنه إن رام صرفه لم يطق ذلك، وإن نابذه ألزم كلفا كثيرة. فاستعمل ~~السياسة والتدبير الخفي، وندب لذلك رجلا من أهل صور له بها رئاسة ووجاهة، ~~يقال له عين الدولة علي بن عياض، قاضي صور، فساس الأمر وأحكم التدبير فيما ~~قرره مع كاتب ثمال بن صالح وما وعده به، حتى PageV02P259 # نزل من قلعة حلب وسلمها إلى مكين الدولة الحسن بن علي بن ملهم والي ~~الخليفة المستنصر. وسار من حلب يريد مصر للقاء الحضرة؛ فلما بلغ رفح اتصل ~~به خبر القبض على اليازوري، فقال والله إني أموت بحسرة ونظرة إلى من ~~استلبني من ذلك الملك، وأخرجني بلا رغبة ولا رهبة إلا بحسن السياسة، وإن ~~رام ذلك مني فليس يتعذر عليه. # ورجع ثمال إلى حلب، فاتفق في غيبته قيام أهل حلب وتسليم البلد إلى عز ~~الدولة محمود بن نصر بن صالح بن مرداس، في مستهل جمادى الآخرة من هذه ~~السنة، فحضر ابن ملهم بالقلعة إلى أن سار إليه ناصر الدولة بن حمدان، فكانت ~~بينهما ms357 حروب كبيرة على قنسرين آلت إلى أن انكسر ناصر الدولة كسرة عنيفة، ~~فأصابته ضربة شلت منها يده؛ ورجع منهزما في مستهل شعبان. فقال عبد العزيز ~~العكيك الحلبي وقد مدح ناصر الدولة فلم يجزه. # ولئن غلطت بأن مدحتك، طالبا ... جدواك، مع علمي بأنك باخل # فالدولة الزهراء قد غلطت، بأن ... نعتتك ناصرها، وأنت الخاذل # إن تم أمرك مع يد لك أصبحت ... شلاء فالأمثال عندي باطل # وأما ابن ملهم فإنه بعث إلى أسد الدولة أبي ذؤابة عطية بن صالح فسلمه ~~حلب، ودخلها في عاشر شعبان هذا، وأقام بها يوم ثم خرج عجزا عنها؛ فوصل ~~محمود في ثاني عشره وملكها. PageV02P260 # وفي تاسع رمضان صرف أبو الفرج ابن المغربي عن الوزارة، وأعيد إليها أبو ~~الفرج عبد الله بن محمد البابلي. وصرف عن قضاء القضاة عبد الحاكم بن وهب في ~~جمادى الآخرة، واستقر عوضه أبو عبد الله أحمد بن محمد بن أبي ذكرى، في حادي ~~عشري رجب. # وفيها قدمت هدية المعز بن باديس، فقومت بأربعين ألف دينار. منها درقة ~~مرصعة بالجوهر كانت للمهدي. # وفيها قدم كتاب علي بن محمد الصليحي بما هو عليه من القوة وإقامة الدعوة؛ ~~واستأذن في المسير إلى تهامة وأخذها؛ فأجيب بذلك؛ فسار إليها وأخذها. # وفيها نزل محمود بن شبل الدولة ثمال بن صالح بن مرداس على حلب، ومعه منيع ~~بن سيف الدولة، سبعة أيام ثم رحل، وعاد إليها وأخذها يوم الاثنين ثاني ~~جمادى الآخرة، وحصر القلعة إلى سادس رجب ورحل؛ فملكها أصحاب المستنصر. ~~وفيها التقى ناصر الدولة بن حمدان مع محمود بن شبل الدولة على الفنيدق، ~~فانكسر ابن حمدان؛ ودخل عطية حلب وخرج منها؛ وتسلمها محمود يوم السبت ثاني ~~شعبان؛ ثم وصل عمه معز الدولة فحاصر حلب مدة. # وفي هذه السنة سقط تنور قبة صخرة بيت المقدس وفيه خمسمائة قنديل، فتطير ~~الناس وقالوا ليكونن في الإسلام حادث عظيم. PageV02P261 ### || سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة @YY453 # في ثالث محرم صرف البابلي عن الوزارة؛ واستقر عبد الله بن يحيى بن ~~المدبر. وفي صفر توفى قاضي القضاة ابن ms358 أبي ذكرى فاستقر في الحكم بعده أبو ~~علي أحمد بن قاضي القضاة عبد الحاكم بن سعيد في رابع عشره، وصرف في خامس ~~صفر. واستقر عوضه أبو القاسم عبد الحاكم بن وهيب المليجي، ثم صرف في حادي ~~عشر رمضان. واستقر عوضه أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعد بن مالك ~~بن سعيد الفارقي، واستخلف ابنه عميد الملك أبا الحسن. وصرف ابن المدبر عن ~~الوزارة واستقر بعده أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم، أخو قاضي القضاة. # وكان السبب في سرعة العزل وكثرة الولايات أنه لما قتل اليازوري كثر ~~السعاة في الوزارة، فما هو إلا أن يستخدم الوزير فيجعل نصب الأعين، وتركب ~~عليه المناصب، ويكثر الطعن عليه حتى يعزل ولم تطل مدته ولا اتسع وقته؛ فيلي ~~بعده من يتفق له مثل ذلك، لمخالطة الناس الخليفة ومداخلتهم الرقاع ~~والمكاتبات الكثيرة إليه؛ وكان لا ينكر على أحد مكاتبته. فأحب الناس مخالطة ~~الخليفة وجعلوه سوقا لهم؛ فتقدم كل سفساف، وحظي أوغاد عدة، وكثروا، حتى ~~كانت رقاعهم أوقع من رقاع الصدور والرؤساء والجلة؛ وتنقلوا في المكاتبة إلى ~~كل فن، حتى إنه كان يصل إلى المستنصر في كل يوم ثمانمائة رقعة؛ فتشابهت ~~عليه الأمور وتناقضت الأحوال. ووقع الاختلاف بين عبيد الدولة، وضعفت قوى ~~الوزراء عن التدبير لقصر مدة كل منهم، فإن الوزير منذ يخلع عليه ويستقر إلى ~~أن ينصرف لا يفيق من التحرر، فمن ابتغى به يؤذيه عند الخليفة، وسعت عليه ~~الرجال، فما يصير فيه فضل عن الدفاع عن نفسه. فخربت الأعمال وقل ارتفاعها، ~~وتقلب الرجال PageV02P262 # على معظمها واستنضوا راخي ارتفاعها، فاتضع الارتفاع، وعظمت النفقات. ووقع ~~اصطراع الأضداد على السلطان، وواصلوه باقتضاء مالهم من المقررات، ولازموا ~~بابه، ومنعوه من لذاته. وتجرءوا على الوزراء واستخفوا بهم، وجعلوهم غرضا ~~لمساءتهم، فكانت الفترات بعد صرف من ينصرف منهم أطول من مدة نظر أحدهم؛ ~~والمستنصر يوسعهم حلما واحتمالا. فأطغى الرجال ذلك وجرأهم عليه، حتى خرجوا ~~من طلب واجباتهم إلى التصارع، فاستنفدوا أمواله وأخلوا منها خزائنه، ~~وأحوجوه إلى بيع ما ms359 عنده من العروض، فكان يخرجها لهم لتباع ويشتريها الناس ~~فيعترضونها، ويأخذ من له درهم واحد ما يساوي عشرة ولا يمكن مطالبته. ثم ~~عادوا إلى تقويم ما يخرج، فإذا حضر المقومون أخافوهم، فيقومون ما يساوي ~~ألفا بمائة فما دونها، ولا يتمكن الخليفة من استيفاء ذلك؛ فتلاشت الأمور ~~واضمحل الملك. ثم لما علموا أنه لم يبق ما يخرج لهم تقاسموا الأعمال ~~وتشاحنوا على ما زاد من الارتفاع؛ وكانوا يتنقلون فيها بحكم غلبة من يغلب ~~صاحبه عليها. ودام ذلك بينهم سنوات نحوا من ست؛ ثم قصر النيل وغلت الأسعار ~~غلاء بدد شمل الناس بأسرهم، وفرق ألفتهم، وشتت كلمتهم وأوقع العداوة ~~والبغضاء بينهم، فقتل بعضهم بعضا حتى ناء عصب الإقليم وعفت آثاره، كما ستقف ~~عليه فيما يأتي إن شاء الله. # وفيها اصطلح معز الدولة وابن أخيه محمود بن شبل الدولة، ودخل حلب في رابع ~~عشري ربيع الأول. فلما كان يوم الجمعة لسبع بقين من ذي القعدة توفي ودفن ~~بالقلعة بعد أن حاصر ابن أخيه، فملك بعده أخوه عطية، أبو ذؤابة. # وفيها مات بمصر مؤتمن الدولة أبو طاهر مسلم بن علي بن ثعلب، فكتب أبو ~~محمد بن سعد، الشاعر الخفاجي، من القسطنطينية إلى أهله بحلب يرثيه من ~~أبيات: # أتاني وعرض الرمل بيني وبينه ... حديث لأسرار الدموع مذيع # ومات المعز بن باديس، وملك بعده ابنه تميم؛ فطمع أصحاب البلاد بسبب العرب ~~وتغلبهم على بلاد إفريقية. PageV02P263 ### || سنة أربع وخمسين وأربعمائة @YY454 # في ثالث المحرم توفي أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم في وزارته. وكان ~~أبوه قاضي طرابلس فانتقل أبو محمد إلى مصر، وكان فاضلا؛ فردت الوزارة بعده ~~إلى أخيه أبي علي أحمد بن عبد الحاكم بن سعيد. ثم صرف عن القضاء في صفر ~~بأبي القاسم عبد الحاكم بن وهيب بن عبد الرحمن؛ ثم صرف أبو علي عن الوزارة، ~~واستخدم سديد الدولة أبو عبد الله الحسين بن سديد الدولة ذي الكفايتين بن ~~أبي الحسن علي بن محمد بن الحسن ابن عيسى العقيلي؛ وكان أولا ناظرا على ~~دواوين الشام، ms360 فأقام في الوزارة إلى شوال؛ وصرف عنها بأبي الفرج البابلي ~~المقدم ذكره وفيها تولى مكين الدولة بن ملهم طبرية وعكا، وإمرة بني سليم ~~وبني فزارة، فسار إليها وتسلمها في صفر. PageV02P264 ### | ذكر ابتداء الفتنة التي آلت إلى خراب ديار مصر # وفي هذه السنة ابتدأت الفتنة التي كانت سببا لخراب الإقليم. وذلك أن المستنصر ~~كان من عادته في كل سنة أن يركب على النجب ومعه النساء والحشم إلى جب ~~عميرة، وهو موضع نزهة، ويغير هيئته، كأنه خارج يريد الحج على سبيل الهزر ~~والمجانة، ومعه الخمر محمول في الروايا عوضا عن الماء، ويدور به سقاته عليه ~~وعلى من معه كأنه بطريق الحجاز أو كأنه ماء زمزم. وقد أنشد الشريف أبو ~~الحسين علي بن الحسين بن حيدرة العقيلي المستنصر في ذلك صبيحة يوم عرفة: # قم فانحر الراح يوم النحر بالماء ... ولا تضح ضحى إلا بصهباء # وادرك حجيج الندامى قبل نفرهم ... إلى منى، فصفهم مع كل هيفاء # وعج على مكة الروحاء مبتكرا ... فطف بها حول ركن العود والناء # فلما كان في جمادى الآخرة خرج على عادته؛ واتفق أن بعض الأتراك جرد سيفا ~~في سكرة منه على بعض عبيد الشراء، فاجتمع عليه عدة من العبيد وقتلوه. فغضب ~~لذلك جماعة الأتراك واجتمعوا بأسرهم ودخلوا على المستنصر، وقالوا، إن كان ~~هذا الذي قتل منا على رضاك فالسمع والطاعة، وإن كان قتله عن غير رضا أمير ~~المؤمنين فلا صبر لنا على ذلك وأنكر المستنصر أن قتله برضاه أو أمره؛ فخرج ~~الأتراك واشتدوا على العبيد يريدون PageV02P265 # محاربتهم، فبرزت العبيد إليهم؛ وكانت بين الفريقين حروب بناحية كوم شريك ~~قتل فيها عدة، وانهزم العبيد وقويت الأتراك؛ هذا والسيدة أم المستنصر تمد ~~العبيد بالأموال والسلاح. # فاتفق في بعض الأيام أن بعض الأتراك وقف على شيء مما تبعث به أم المستنصر ~~إلى العبيد لتعينهم به على محاربة الأتراك، فأنكر ذلك وأعلم أصحابه، ~~فاجتمعوا وصاروا إلى المستنصر وتجرءوا عليه بالقول وأغلظوا في المخاطبة؛ ~~فأنكر أن يكون عنده من ذلك خبر، وصار السيف قائما. فدخل على ms361 أمه وأنكر ~~عليها ما تعتمده من تقوية العبيد وإعانتهم على محارة الأتراك. ثم انتدب أبا ~~الفرج ابن المغربي، الذي كان وزيرا؛ فخرج؛ ولم يزل يسعى بين الأتراك ~~والعبيد حتى أوقع الصلح بين الفريقين. فاجتمع العبيد وساروا إلى ناحية شبرا ~~دمنهور. فكانت هذه الكائنة أول الاختلاف بين طوائف العسكر. # وكانت السبب في كثرة السودان بالقصر أن أم المستنصر كانت جارية سوداء قدم ~~بها أبو سعيد التستري المقدم ذكره، فأخذها منه الظاهر واستولدها المستنصر. ~~فلما أفضت الخلافة إلى ابنها المستنصر، ومات الوزير صفي الدين الجرجرائي في ~~سنة ست وثلاثين وأربعمائة استطالت أم المستنصر وقويت شوكتها، وتحكمت في ~~الدولة، واستوزرت مولاها أبا سعيد. وتوقفت أحوال الوزير الفلاحي معه، ~~فاستمال الأتراك وزاد في PageV02P266 # واجباتهم حتى قتلوا أبا سعيد، فحنقت أم المستنصر من قته على الفلاحي، ولم ~~تزل به حتى كان من أمره ما تقدم ذكره. # وأخذت في شراء العبيد السود وجعلتهم طائفة لها، واستكثرت منهم وخصتهم ~~بالنظر، وبسطت لهم في الرزق ووسعت عليهم حتى أمطرتهم بالنعم؛ وسار العبد ~~بمصر بحكم حكم الولاة. وشرعت تغض من الأتراك وتظهر كراهتهم وانتقاصهم. # وتقدمت إلى الوزير أبي البركات الجرجرائي أن يغري العبيد بالأتراك ويوقع ~~بينهم، فخاف سوء العاقبة في ذلك ولم يوافقها عليه؛ فلم تزل به حتى صرف من ~~الوزارة. واستقر وزيرها أبو محمد اليازوري في الوزارة، فأوعزت إليه بذلك، ~~فساس الأمور سياسة جميلة إلى أن انقضت أيامه. ووزر البابلي، فأمرته بذلك، ~~فشرع فيه. وتغيرت النيات، وصارت قلوب كل من الطائفتين تضمر السوء للأخرى، ~~حتى كان من الحرب ما قد ذكر، ولم يزل ذلك حتى خرب الإقليم كله وهلك أهله ~~كما سيأتي. # وفيها توفي الشريف أبو الحسن إبراهيم بن العباس بن الحسن بن الحسين بن ~~علي بن محمد بن علي بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وكان قد ولي قضاء دمشق ~~مرتين. وفي سابع عشر ذي القعدة توفى القاضي الفقيه أبو عبد الله محمد بن ~~سلامة بن جعفر بن علي بن حكمول بن إبراهيم بن محمد بن مسلم القضاعي؛ ms362 وكان ~~يخلف القضاة في الحكم بمصر. وكان إماما محدثا، وله كتاب الشهاب، وكتاب ~~الخطط، وكتاب أنباء الأنبياء، وغير ذلك من المصنفات. وفيها توفى الرئيس أبو ~~الحسن علي بن رضوان بن علي بن جعفر الطبيب. وتوفي المعز بن باديس بالقيروان ~~في رابع شعبان. PageV02P267 ### || سنة خمس وخمسين وأربعمائة @YY455 # فيها ردت الوزارة والحكم معا إلى أبي علي أحمد بن قاضي القضاة عبد الكريم ~~بن عبد الحاكم في ثالث عشر المحرم، ثم صرف عنهما في سابع صفر؛ وأعيدت ~~الوزارة لأبي الفضل عبد الله بن يحيى بن المدبر، والحكم إلى أبي القاسم عبد ~~الحاكم بن وهيب. وفي تاسع عشر جمادى الأولى توفي الوزير أبو المفضل عبد ~~الله بن المدبر، وقد تكررت ولايته للوزارة؛ وسمع الحديث، وكان فاضلا أديبا؛ ~~وهو من ولد ابن المدبر متولي خراج مصر في أيام ابن طولون. واستقر في ~~الوزارة أبو غالب عبد الطاهر بن الفضل بن الموفق في الدين المعروف بابن ~~العجمي، ثم صرف وقبض عليه في السابع والعشرين من شعبان. وأعيد إلى القضاء ~~والوزارة جميعا أبو محمد الحسن بن مجلي بن أسد بن أبي كدينة، واستمر فيهما ~~إلى خامس ذي الحجة، فرتب مكانه جلال الملك أحمد بن عبد الكريم ابن عبد ~~الحاكم بن سعيد، فاستخلف أخاه أبا الحسن عليا على القضاء. # وفيها ندب أمير الجيوش بدر الجمالي لولاية دمشق؛ وندب معه على الخراج ~~الشريف أبو الحسن يحيى بن زيد الحسني الزيدي. # وفيها قدم الصليحي مكة بعد ما ملك اليمن كله سهله وجبله، وبره وبحره، PageV02P268 # وأقام بها وبمكة دعوة المستنصر، وكسا الكعبة حريرا أبيض، ورد حلية البيت ~~إليه؛ وكان بنو حسن قد أخذوها ومضوا بها إلى اليمن، فاشتراها منهم، وأعادها ~~في هذه السنة. واستخلف على مكة محمد بن أبي هاشم، وعاد إلى اليمن. PageV02P269 ### || سنة ست وخمسين وأربعمائة @YY456 # في ثالث عشري المحرم صرف أحمد بن عبد الحاكم عن القضاء والوزارة. وتقلد ~~الوزارة أبو المكارم المشرف بن أسعد بن مقبل، وفوض قضاء القضاء لأبي محمد ~~الحسن بن مجلى بن أبي كدينة؛ ثم صرف، ms363 وأعيدت الوزارة لأبي غالب عبد الطاهر ~~بن الفضل، وفوض القضاء لأبي الحسن علي بن عبد الحاكم في سابع عشري ربيع ~~الآخر، ثم صرف عن القضاء في خامس جمادى الأولى بأبي القاسم عبد الحاكم بن ~~وهيب. ثم صرف أبو غالب عن الوزارة واستدعى أبو البركات حسين بن عماد الدولة ~~الجرجرائي من صور فحضر إلى مصر ووليها في مستهل رجب، فأقام إلى العشر الأخر ~~من رمضان وصرف عنها؛ وصرف أيضا عن القضاء عبد الحاكم. وجمعا معا، الوزارة ~~والقضاء، لابن أبي كدينة، فباشرهما إلى رابع ذي الحجة، فصرف عن الوزارة ~~وقرر فيها أبو علي الحسن بن أبي سعيد التستري؛ وقرر في القضاء أحمد بن عبد ~~الحاكم. # وفيها فارق أمير الجيوش بدر ولاية دمشق فرارا من أهلها لثورتهم به؛ فقرر ~~المستنصر بدله الأمير حصن الدولة أبا الحسن معلى بن حيدرة بن منزو بن ~~النعمان الكناني. وفيها قتل قطلمش بن إسرائيل بن سلجوق، صاحب قونية وأقصرا، ~~فقام بعده ابنه سليمان ابن قطلمش وفتح أنطاكية. PageV02P270 ### || سنة سبع وخمسين وأربعمائة @YY457 # في النصف من المحرم صرف عن الوزارة أبو علي بن أبي سعيد؛ وصرف عن القضاء ~~أبو أحمد بن عبد الحاكم. وتولى الوزارة أبو شجاع محمد بن الأشرف بن أبي ~~غالب محمد ابن علي بن خلف، وكان أبوه أحد وزراء بني بويه ببغداد؛ ثم صرف ~~عنها ثاني يوم، واستقر في القضاء والوزارة جميعا أبو محمد بن أبي كدينة في ~~حادي عشريه، فلم يقم غير أربعة أيام وصرف عنها في سادس عشريه. وأعيد أبو ~~شجاع محمد بن الأشرف إلى الوزارة، وتقلد القضاء جلال الملك أبو أحمد بن عبد ~~الكريم. فأقام ابن الأشرف في الوزارة إلى نصف ربيع الأول، وصرف، وقرر في ~~الوزارة سديد الدولة أبو القاسم هبة الله بن محمد الرعباني الرحبي، ثم صرف ~~في آخره. واستوزر ابن أبي كدينة، وأضيف إليه القضاء أيضا في نصف جمادى ~~الآخرة، فباشرهما إلى نصف رجب، وصرف عن الوزارة بأبي المكارم رئيس الرؤساء ~~الشرف بن أسعد، وعن القضاء بعبد الحاكم بن وهيب. ثم ms364 قبض على الوزير أبي ~~المكارم في العشر الأخير من شوال، وتولى الوزارة بعده الأثير أبو الحسن علي ~~بن الأنباري فأقام شهرا، وصرف في ذي الحجة عن الوزارة، ولم يعد إليها. PageV02P271 ### || سنة ثمان وخمسين وأربعمائة @YY458 # في سادس عشرين منه صرف ابن أبي كدينة عن القضاء واستقر عوضه جلال الملك ~~أبو أحمد، ونعت بقاضي القضاة الأعظم. وفي تاسع ربيع الآخر أعيد إلى الوزارة ~~أبو القاسم هبة الله محمد الرعباني، وصرف عنها في السادس عشر منه. # وفي جمادى الأولى ولى المستنصر أمير الجيوش بدرا الشام بأسره، فخرج إليها ~~بعد ما أنفق عليه ألف ألف دينار. وفي جمادى الآخرة جمع القضاء والوزارة ~~لأبي أحمد جلال الملك، ثم صرف بعد أيام عن الوزارة بأبي الحسن طاهر بن ~~وزير، فباشر أياما يسيرة؛ وصرف بأبي عبد الله محمد بن حامد التنيسي، وأقام ~~يوما واحدا، ثم صرف وقتل. فاستوزر أبو سعد منصور بن زنبور، فلم يقم في ~~الوزارة غير أيام قليلة وهرب؛ فأقيم بعده أبو العلاء عبد الغني بن نصر بن ~~سعيد الضيف، فباشر أياما يسيرة وصرف. # وكان دخول أمير الجيوش إلى دمشق في سادس شعبان، وبلغ ما بلغت نفقة ~~المستنصر عليه ألف ألف دينار. PageV02P272 ### || سنة تسع وخمسين وأربعمائة @YY459 # فيها قويت شوكة الأتراك واشتد بأسهم وطلبوا الزيادات في واجباتهم ~~ورواتبهم؛ وساءت أحوال العبيد وكثر ضررهم وهم يتزايدون، حتى صار منهم ~~بالقاهرة ومصر وما في ظواهرهما من القرى نحو الخمسين ألف عبد، ما بين فارس ~~وراجل. وخلت خزائن أموال المستنصر وضعفت الدولة. فبعثت السيدة أم الخليفة ~~المستنصر إلى قواد العبيد تغريهم بالأتراك، وتحثهم على الإيقاع بهم ~~ومحاربتهم وإخراجهم من مصر؛ فجمع قواد العبيد وحشدوا طوائفهم، وصاروا إلى ~~شبرا دمنهور، وساروا إلى الجيزة؛ فخرج إليهم الأتراك يريدون محاربتهم؛ وقد ~~بلغت النفقة في تعديتهم إلى الجيزة ألف ألف دينار. فالتقى الفريقان، وكانت ~~بينها حروب انجلت عن كسرة السودان وهزيمتهم إلى الصعيد. # وكان مقدم طوائف الأتراك يومئذ ناصر الدولة أبو علي الحسن بن الأمير أبي ~~الهيجاء ابن حمدان؛ فرجع بالأتراك إلى القاهرة ms365 وقد قويت نفسه وعظم قدره، ~~واشتدت شوكته، وثقلت وطأته. وتلاحق العبيد بعضهم ببعض واجتمعوا في بلاد ~~الصعيد وهم في عدد يتجاوز الخمسة عشر ألف ما بين فارس وراجل؛ فساء ذلك ~~الأتراك وأقلقهم، فصار أكابرهم إلى المستنصر وشكوا إليه أمر العبيد. فأمرت ~~أم المستنصر جماعة ممن كان عندها من العبيد أن يقتحموا على الأتراك ~~فهاجموهم على حين غفلة وقتلوا منهم جماعة. ففر ابن حمدان حينئذ إلى ظاهر ~~القاهرة، وتسارع إليه الأتراك وقد استعدوا لمحاربة العبيد؛ فخرج إليهم عدة ~~من العبيد الذين كانا بالقاهرة ومصر. فكانت بين الطائفتين حروب شديدة مدة ~~أيام، فحلف منذ ذلك ابن حمدان أنه لا ينزل عن فرسه حتى ينفصل إما له أو ~~عليه. وثبت كل منهما، فكانت الكرة لابن حمدان على العبيد، فوضع السيف فيهم ~~وتجاوز الحد في كثرة PageV02P273 # قتلهم، وتتبعهم في كل مكان حتى لم يدع في القاهرة ومصر منهم إلا قليلا، ~~وهم مقيمون بالصعيد والاسكندرية. فرأى ابن حمدان أن يبدأ محاربة من في ~~الاسكندرية منهم، فسار إليها ونازلها مدة، وحصر العبيد بها، وألح في ~~مقاتلتهم حتى طلبوا منه الأمان، فأقام على ولايتها رجلا من ثقاته. وانقضت ~~هذه السنة كلها في قتال العبيد والأتراك. # وفي يوم عيد الفطر أفرج عن حميد بن محمود بن الجراح وحازم بن علي بن ~~الجراح، الطائيين، من خزانة البنود بعد ما أقاما محبوسين مدة طويلة. # وفيها قطعت دعوة المستنصر من اليمن بقتل الصليحي وأعيدت دعوة بني العباس. # وأما الوزراء فإن ابن أبي كدينة صرف في ثامن المحرم، وولى أبو القاسم عبد ~~الحاكم المليحي، فأقام إلى سابع جمادى الآخرة، وصرف؛ وأعيد ابن أبي كدينة، ~~فأقام أياما وصرف؛ وأعيد المليحي فلم يقم سوى ليالي يسيرة وصرف؛ وأعيد ابن ~~أبي كدينة فأقام إلى ثامن عشري ذي القعدة، وصرف بجلال الملك بن عبد الحاكم. # وفيها قتل فتوح الشامي أحد قواد العبيد، وكان المنفق حين قتل خمسمائة ألف ~~دينار. PageV02P274 ### || سنة ستين وأربعمائة @YY460 # في المحرم خرج الأتراك مبرزين إلى الرملة حين قتل شهاب الدولة، وقد بلغت ~~نفقه ms366 المستنصر فيهم ألف ألف دينار. # وفيه اشتد البلاء على المستنصر بقوة الأتراك عليه وطمعهم فيه، فانخرق ~~ناموسه، وتناقصت حرمته، وقلت مهابته؛ وتعنتوا به في زيادة واجباتهم. وكانت ~~مقرراتهم في كل شهر ثمانية وعشرين ألف دينار، فبلغت في هذه السنة إلى ~~أربعمائة ألف دينار في كل شهر، فطالبوا المستنصر بالأموال. # وركب ناصر الدولة الحسين بن حمدان ومعه جماعة من قواد الأتراك، وحصروا ~~المستنصر وأخذوا جميع الأموال، ثم اقتسموا الأعمال؛ وركبوا إلى دار الوزير ~~ابن أبي كدينة يريدون الأموال، فقال: وأي مال بقى؟ الريف في يد فلان ~~والصعيد في يد فلان والشام في يد فلان. فقالوا: لا بد أن تنفذ إلى مولانا ~~وتطلب منه وتعلمه بحضورنا. فكتب الوزير إلى المستنصر رقعة يذكر فيها حضورهم ~~بألقابهم وما يطلبون؛ فخرجت الرقعة بخط المستنصر فيها مكتوب: # أصبحت لا أرجو ولا أتقي ... إلا إلهي، وله الفضل # جدي نبيي، وإمامي أبي ... وقولي التوحيد والعدل # المال إلى الله، والعبد عبد الله، والإعطاء خير من المنع. " وسيعلم الذين ~~ظلموا أي منقلب ينقلبون ". واعتذر بأنه لم يبق عنده شيء. فاضطروه إلى إخراج ~~ذخائره وذخائر PageV02P275 # آبائه وبيعها، فأخذ يخرج ذلك شيئا بعد شيء، وهم يأخذونها لأنفسهم بأيديهم ~~ويثمنونها بأقل القيم وأبخس الأثمان. # وسار ابن حمدان بجماعة الأتراك إلى الصعيد يريد محاربة العبيد، وكان قد ~~كثر شرهم وتزايد ضررهم، وعم الكافة أذاهم وإفسادهم؛ فاجتمعوا لحربه ~~واستعدوا للغاية. فسار إليهم في شهر رمضان وقد بلغت النفقة عليه وعلى من ~~معه ألف ألف دينار؛ وكانت بينهما حروب عظيمة ووقائع عديدة انجلت عن كسرة ~~الأتراك وهزيمتهم إلى الجيزة. فتلاقى بعضهم ببعض وصاروا يدا واحدة على ~~المستنصر، وألبوا عليه، واتهموه بأنه بعث إلى العبيد بالأموال في السر ~~ليقويهم على محاربة الأتراك، وجهروا له بالسوء من القول فقال لهم إنه لم ~~يبعث إليهم بشيء ولا أمدهم بمعونة. وأخذ الأتراك في لم شعثهم والتأهب ~~لمحاربة العبيد، حتى تهيأ أمرهم بعد أن أنفق المستنصر فيهم عوضا عما نهب ~~السودان لهم وضاع من أموالهم ألف ألف دينار. وساروا إلى قتالهم ms367 مرة ثانية، ~~فالتقوا بهم وصابروهم القتال ووالوا عليهم الكرات حتى انهزم العبيد منهم، ~~وقتل كثر من أعدادهم، بحيث لم ينج منهم إلا القليل، وزالت حينئذ دولتهم. # وعظم أمر ناصر الدولة واستبد بالأمور، فصرف ابن أبي كدينة من الوزارة ~~وأعاد المليجي فلم يبق غير خمسة وصرف: وأعيد ابن أبي كدينة، وجمع له بين ~~الوزارة والقضاء معا في ربيع الأول، فأقام فيهما إلى جمادى الأولى؛ وصرف عن ~~القضاء بجلال الملك، فأقيم في منصب القضاء إلى سلخ رمضان، فصرف عن القضاء ~~بالمليجي. فأقام المليجي قاضيا إلى يوم عيد النحر، وصرف، وتولى ابن أبي ~~كدينة. PageV02P276 # وفيها كانت بدمشق حروب بين أمير الجيوش بدر وبين عسكريته، فكانت الحروب ~~طول السنة في بلاد الشام وديار مصر قائمة لا تهدأ. # وسار الأمير قطب الدولة باز طغان إلى ولاية دمشق، ومعه أبو الطاهر حيدرة ~~بن مختص الدولة أبي الحسين، ناظرا في أعمالها. # وفيها زلزلت مصر زلزلة عظيمة، حتى طلع الماء من الآبار وهلك عالم عظيم ~~تحت الردم. وزال البحر بفلسطين من الزلازل وبعد عن الساحل مسيرة يوم، ثم ~~رجع فوق عالم كبير خرجوا يلتقطون من أرضه. وخربت الرملة خرابا لم تعمر ~~بعده. # وفيها أنفق في غير استحقاق لمدة خمسة عشر شهرا، أولها عاشر صفر سنة ستين، ~~مبلغ ثلاثين ألف ألف دينار. PageV02P277 ### || سنة إحدى وستين وأربعمائة @YY461 # فيها قوى تغلب المارقين على المستنصر واستباحوا ما وجدوا في بيوت أمواله، ~~واشتدت مطالباتهم بالواجبات المقررة لهم، وسألوا الزيادات في الرسوم. ~~واقتسم مقدموهم دور المكوس والجبايات، وتغلب كل من بقي منهم على ناحية؛ ولم ~~يبق للدولة ارتفاع يعول عليه، ولا مال في القياصر يرجع إليه. وأخرج من ~~الذخائر مالا شوهد فيما بعده من الدول مثله نفاسة وغرابة، وجلالة وكثرة، ~~وحسنا وملاحة، وجودة وسناء قيمة وعلو ثمن؛ ونقل منه التجار إلى الأمصار ~~شيئا كثيرا، سوى ما أحرق بالنار بعد ما امتلأت قياسر مصر وأسواقها من ~~الأمتعة المخرجة من القصر المبيعة على الناس، التي أنفق منها في أعطيات ~~الأتراك وغيرهم لسنة ستين وأربعمائة. فأهلت سنة ms368 إحدى وستين هذه وقد اشتد ~~الخوف بمصر، وكثر التشليح في الطرقات نهارا والخطف والقتل. وصار الجند ~~فرقتين، فرقة مع الخليفة المستنصر وفرقة عليه. # وذلك أن الوحشة ابتدأت بين الأتراك وبين ناصر الدولة ابن حمدان، لقوة ~~بأسه وتفرده بالأمور دونهم، واستبداده بالدولة عليهم، فنافسوه وحسدوه، ~~وصاروا إلى الوزير خطير الملك وقالوا له: كل ما خرج من الخليفة من مال أخذه ~~ناصر الدولة وتفرق أكثره في حاشيته، ولا ينالنا منه إلا الشيء القليل. فقال ~~لهم إنما وصل ناصر الدولة إلى هذا وغيره مما هو فيه بكم، ولولا أنتم لما ~~كان له من الأمر شيء، ولو أنكم فارقتموه لا نحل أمره. واتفقوا على أن ~~يكونوا جميعا عليه، ويحاربوا حتى يظفروا به ويخرجوه من مصر. ودخلوا إلى ~~الخليفة المستنصر وسألوه أن يبعث إلى ناصر الدولة بالخروج من البلاد، ~~وتهديده إن لم يخرج؛ فبعث إليه يأمره بالخروج عن بلاده؛ فسارع إلى الخروج ~~عن PageV02P278 # القاهرة ونزل بالجيزة. فامتدت الأيدي عند خروجه إلى دوره ودور حواشيه ~~وأصحابه، وانتهبتها وأفسدتها. # فلما كان في الليلة التي خرج قبلها دخل في خفاء واجتمع بالقائد تاج ~~الملوك شادي وترامي عليه وقبل رجله، وقال له: اصطنعني وانصرني على الوزير ~~الخطير وعلى إلدكز، بأن تركب أنت وأصحابك وتسير بين القصرين، فإذا أمكنتك ~~الفرصة فاقتلهما؛ فوافقه على ذلك وأجابه إليه ورجع ناصر الدولة إلى مخيمه ~~بالجيزة. فلما طلع النهار شرع تاج الملوك في عمل ما تقرر بينه وبين ناصر ~~الدولة، فأحس إلدكز بالمكيدة فسارع إلى اللحوق بالقصر، واستجار بالمستنصر. ~~وأقبل الوزير في موكبه وليس له شعور بما بيت في الليل، فصادفه تاج الملوك ~~على غرة منه، فأوقع به وقتله؛ وسير في الحال إلى ناصر الدولة، فحضر. وحسن ~~إلدكز للمستنصر أن يركب لمحاربة ناصر الدولة، فلبس سلاحه وألبس من معه ~~وركب، ونزل، فصار معه من الجند والعامة ما لا يحصى عددهم كثرة. ووقف ناصر ~~الدولة بمن معه؛ ونشبت الحرب بينهما، فكانت الكسرة على ناصر الدولة، فانهزم ~~وقد قتل كثير من أصحابه؛ فمر على وجهه لا ms369 يلوى على شيء في يسير من أصحابه، ~~حتى انتهى إلى بني سنبس بالبحيرة فنزل عليهم، وأقام فيهم واستجارهم، وتزوج ~~منهم. # واشتد الغلاء بمصر، وقلت الأقوات في الأعمال، وعظم الفساد والضرر، وكثر ~~الجوع حتى أكل الناس الجيف والميتات، ووقفوا في الطرقات يخطفون من يمر من ~~الناس فيسلبونه ما عليه، مع ما نزل بالناس من الحروب والفتن التي هلك فيها ~~من الخلق ما لا يحصيهم PageV02P279 # إلا خالقهم. وخاف الناس من النهب، فعاد التجار إلى ما ابتاعوه من المخرج ~~من القصر يحرقونه بالنار ليخلص لهم ما فيه من الذهب والفضة. فحرقوا من ~~الثياب المنسوجة بالذهب والأمتعة من الستور والكلل والفرش، والمظال والبنود ~~والعماريات، والمنجوقات والأجلة ومن السروج الذهب والفضة والآلات المجراة ~~بالميناء والمرصعة بالجوهر، شيء لا يمكن وصفه، مما عمل في دول الإسلام ~~وغيرها. # وفي سادس صفر وهب لسعد الدولة، المعروف بسلام عليك، ما في خزانة البنود ~~من الآلات والأمتعة وغيرها، فوجد فيها ألفا وتسعمائة درقة لمطية، سوى ما ~~كان فيها من آلات الحرب والقضب الفضة والذهب والبنود، فسقطت شرارة فيما ~~هنالك فاحترق جميعه؛ وكانت لذلك غلبة وخوف شدائد. فمما احترق فيها عشرات ~~ألوف من السيوف إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة، بحيث إن السلطان بعد ذلك ~~بمدة احتاج إلى سلاح، فأخرج من خزانة واحدة مما بقى وسلم من الحريق خمسة ~~عشر ألف سيف مجوهرة سوى غيرها. وأخرج من القصر صندوق كيل منه سبعة أمداد ~~زمرد، ذكر الجوهري أن قيمتها على الأقل ثلثمائة ألف دينار. وكان في المجلس ~~فخر العرب ابن حمدان وابن سنان وأبو محمد الحسن بن علي بن أسد بن أبي ~~كدينة، وغيرهم من المخالفين؛ فقال بعضهم لمن أحضر من الجوهريين: كم قيمة ~~هذا؟ فقالوا إنما تعرف قيمة الشيء إذا كان مثله موجودا، ومثل هذا لا قيمة ~~له. فاغتاظ؛ وقال ابن أبي كدينة: فخر العرب كثير المؤونة وعليه خرج؛ والتفت ~~إلى كتاب الجيش، فقالوا: يحسب عليه بخمسمائة دينار؛ فكتب بذلك وقبضه. PageV02P280 # وأخرج عقد جوهر قيمته على الأقل ثمانون ألف دينار ms370 فكتب بألفي دينار؛ ~~وتشاغل الحاضرون بنظر ما سواه فانقطع سلكه وتناثر حبه، فأخذ واحد حبة ~~فجعلها في جيبه، وأخذ ابن أبي كدينة حبة، وأخذ فخر العرب شيئا، وتفرق ~~الباقون سائره، فذهب كأن لم يكن. وأخرج ما أنفذه الصليحي من نفيس الدر ~~وكيل، فجاء سبع ويبات. وأخرج ألفان ومائتا خاتم ما بين ذهب وفضة بفصوص من ~~بين سائر أنواع الجواهر، مما كان للخلفاء، شوهد منها ثلاثة خواتيم من ذهب ~~أحدها فصه زمرد واثنان ياقوت غشيم صاف ورماني، كان شراء الفصوص اثني عشر ~~ألف دينار. وأخرج من خزائن القصر ما يزيد على خمسين ألف قطعة من الثياب ~~الخسروانية أكثرها مذهب. # وقال ابن عبد العزيز أخرج من الخزائن على يدي أكثر من مائة ألف قطعة # ولما اشتد على المستنصر أمر الأتراك وطالبوه بجراياتهم بعث إلى العميد ~~ابن أبي سعد في إحضار جوهر كان عنده، فأحضر خريطة فيها نحو من ويبة، فأحضر ~~أرباب الخبرة من الجوهريين ليقوموه، فذكروا أنه لا قيمة له ولا يشتري مثله ~~إلا الملوك؛ فقومت بعشرين ألف دينار وكان مشتراه على حده سبعمائة ألف دينار ~~ففرق في الأتراك وقبض كل منهم جزءا بقيمة الوقت. وقسمت خزائن السيوف وآلات ~~السلاح بين عشرة، وهم ناصر الدولة ابن حمدان، وأخواه فخر الدولة علي، ~~ويلدكوش، وأمير الأمراء الحسين بن سبكتكين، وسلام عليك، وشاور بن حسين، ~~وتاج الملوك شادي، والأعز ابن سنان، ورضى الدولة بن رضي الدولة، وأمير ~~العرب ابن كيغلغ. فكان من جملتها ذو الفقار، وصمصامة عمرو بن معدي كرب، ~~وسيف عبد الله بن وهب الراسبي، وسيف PageV02P281 # كافور الإخشيذي، وسيف المعز لدين الله، ودرع المعز وكانت تساوي ألف دينار ~~بيعت منها كواكب بمائة دينار، وسيف الحسين بن علي، عليه السلام، وكان وزنه ~~ثلثمائة وستين مثقالا، وسيف الأشتر النخعي، ودرقة حمزة بن عبد المطلب، وسيف ~~جعفر بن محمد الصادق. # ودخل في بعض الأيام من باب الديلم، أحد أبواب القصر، تاج الملوك شادي، ~~وفخر العرب علي بن ناصر الدولة ابن حمدان، ورضي الدولة بن رضي الدولة، ~~وأمير ms371 الأمراء أبجتكين بن سبكتكين، وأمي العرب ابن كيغلغ، والأعز بن سنان، ~~وعدة من الأمراء البغداديين، وصاروا في الإيوان ومعهم أحد الفراشين وفعلة، ~~فانتهوا إلى حائط مجير، فأمروا الفعلة بكشف الجير، فظهر باب فهدم، فإذا ~~خزانة ذكر أنها من أيام العزيزي بالله؛ فوجدوا فيها من السلاح ما زادت ~~قيمته على عشرين ألف دينار، فحملوا جميع ذلك وتفرقوه. وصارت حواشيهم ~~وركابياتهم يكسرون الرماح ويتلفون أعوادها ليأخذوا المهارك الفضة. وبيع من ~~الرماح الخطية السمر الجياد شيء كثير مما كسره الغلمان للمغازليين وصناع ~~موادن الغزل حتى كثر هذا الصنف بالقاهرة، ولم يعترضهم أحد من أهل الدولة. # وأخذ ما في خزائن البنود ومن المحكم والمينا المجرى بالذهب والمجرود ~~والبغدادي والمذهب والخلنج والصيني ما لا يحصى. وأخذ أيضا ما في خزائن ~~الفرش من البسط والستور PageV02P282 # والنفائس من الحرير وغيره، ما لا يعرف له قيمة لكثرته. وأخرج في يوم من ~~خزائن من القصر عدة صناديق، فوجد في أحدها أمثال كيزان الفقاع من صافي ~~البللور المنقوش والمجرود شيء كثير، وإذا جميعها مملوءة من ذلك وغيره. # وبيعت في تركة عماد الدولة بن الفضل من المحترق، بعد قتله، مما كان قد ~~صار إليه من مخرج القصر مرتبة خسروانية حمراء بثلاثة آلاف وخمسمائة دينار، ~~ومرتبة قلمونية بألفين وأربعمائة دينار، وثلاثون سندسية كل واحدة بثلاثين ~~دينارا، وقدح بللور بمائتين وعشرين دينارا، وخردادي بللور بثلثمائة وستين ~~دينارا، وكوز بللور بمائتين وعشرة دنانير وكلة بثمانمائة دينار، وعدة صحون ~~ميناء بيع كل منها بمائة دينار فما دونها. وخرج من القصر خردادي وباطية من ~~بللور في غاية النقاء وحسن الصنعة، مكتوب عليهما اسم العزيز تسع الباطية ~~سبعة أرطال ماء ويسع الخردادي تسعة أرطال، دفع فيهما ابن عمار بطرابلس ~~ثمانمائة دينار فامتنع صاحبهما. # وقال المعتمد أبو سعد النهاوندي أحد الأمناء، وحده دون غيره من أمناء ~~القصر؛ مما أخرج بيع ثماني عشرة ألف فقعة بللور ومحكم، منها يساوي الألف ~~دينار وإلى عشرة دنانير؛ ونيف وعشرون ألف قطعة خسروانية، إلى غير ذلك من ~~الفرش والتعاليق ما بين مذهبة وغير ms372 مذهبة. وبيع في مدة خمسة عشر شهرا، ~~أولها عاشر صفر سنة ستين وأربعمائة، سوى ما نهب وسرق، مما خرج من القصر ما ~~تحصل من ثمنه ثلاثون ألف ألف دينار، على أنه بيع بأقل القيم وأنزر الأثمان؛ ~~وقبض الجند والأتراك جميعها من غير أن يستحق أحد منهم درهما واحدا منها. PageV02P283 # ودخلوا إلى خزانة الرفوف، وكانت خزانة عظيمة بالقصر من جملة خزائن الفرش، ~~فيها رفوف كبيرة بعضها فوق بعض، ولكل منها سلم منفرد، فأخرجوا منها ألفي ~~عدل شققا طميما بهدبها من سائر أنواع الخسرواني وغيره لم تستعمل، وكلها ~~مذهب معمول بسائر الأشكال والصور. وجد في عدل منها أجلة للفيلة من خسرواني ~~أحمر مذهب كأحسن ما يكون، وموضع نزول أفخاذ الفيال ورجليه سارج بغير ذهب. ~~وأخرج من بعض الخزائن ثلاثة آلاف قطعة من خسرواني أحمر مطرز بأبيض لم تفصل، ~~برسم كسوة البيوت، كل بيت منها كامل بجميع آلاته ومسانده ومخاده ومراتبه ~~وبسطه وعتبه ومقاطعه وستوره، وجميع ما يحتاج إليه فيه. # وأخرج من الحصر السامانية المطرزة بالذهب والفضة وغير المطرزة مما هي ~~مجومة ومطيرة وطفيلة، ومصورة بسائر الصور، ما لا يحصى كثرة. وأخرج من صواني ~~الذهب المجراة بالميناء وغير المجراة، المنقوشة بسائر أنواع النقوش، ~~المملوء جميعها جواهر من سائر أنواعه شيء كثير جدا؛ ونيف وعشرون ألف قطعة ~~طميم من سائر الأمتعة. والتمس بعض الأتراك من المستنصر مقرمة سندس أخضر ~~مذهبة اقتراحا عليه لعدمها وقلة وجود مثلها، فأخرج منها عدل كان العدد ~~المكتوب عليه مائة وثمانية وثمانين من جملة أعداد أعدال فيها من المتاع. # وأخرج في يوم صناديق سروج محلاة بفضة، وجد فيها صندوق مكتوب عليه: الثامن ~~والتسعون والثلثمائة، وعدة ما فيها زيادة على أربعة آلاف سرج. ووجد غلف ~~خيزران مبطنة بالحرير محلاة بالذهب خالية من الأواني، كانت تسعة عشر ألف ~~غلاف، كان في كل غلاف قطعة من بللور أو مجروداء محكم أو ما شاكل ذلك. PageV02P284 # ووجود مائة كأن بازهر على أكثرها اسم هارون الرشيد، ووجد ستور حريرية ~~منسوجة بالذهب، تقارب الألف، مختلفة الألوان والأطوال، ms373 فيها صور الدول ~~وملوكها والمشاهير فيها، مكتوب على صورة كل واحد منهم اسمه ومدة أيامه وشرح ~~حاله. ووجد في خزانة عدة صناديق كثيرة مملوءة سكاكين مذهبة ومفضضة بنسب ~~مختلفة من سائر الجواهر. ووجد عدة صناديق كبيرة مملوءة من أنواع الدوى ~~المربعة والمدورة والصغار والكبار المعمولة من الذهب والفضة والصندل والعود ~~والأبنوس والعاج وسائر أنواع الخشب المحلاة بالجوهر والفضة والذهب، وسائر ~~أنواع الحلى الغريبة، والصنعة المعجزة الدقيقة، بجميع آلاتها؛ فيها ما ~~يساوي الألف دينار وما فوقها سوى ما عليها من الجواهر، وصناديق مملوءة ~~مشارب ذهبا وفضة محرقة بالسواد، صغارا وكبارا، بأحسن ما يكون من الصناعة. ~~وصناديق مملوءة أقلاما مبرية من سائر أنواع القصب، فيها ما هو من براية أبي ~~علي محمد ابن مقلة، وابن البواب ومن يجري مجراهما، وعدة مصاحف بخطيهما وخط ~~نظرائهما فيها ما هو مكتوب بالذهب المكحل باللازورد. وعدة أزيار صيني كبار ~~مملوءة كافورا قنصوريا؛ وعدة كبيرة من جماجم العنبر الشجري؛ وكثير من ~~قوارير المسك؛ ومن شجر العود مقطعة شيء كثير. # ووجدت عدة خزائن مملوءة من سائر أنواع الصيني، منها أجاجين كبار، محمولة PageV02P285 # كل إجانة منها على ثلاثة أرجل على صور الوحوش والسباع والناس والبهائم، ~~قيمة كل قطعة منها ألف دينار، معمولة لغسل الثياب. ووجدت له خزائن مملوءة ~~من سائر أنواع الصواني المدهونة، سعة كل واحدة منها من العشرة أشبار إلى ما ~~دونها، شيء في جوف شيء، حتى تكون أصغرها سعة الدرهم. ومن سائر أنواع ~~الأطباق الخلنج الذي بهذه الصفة. ومن الموائد الخلنج الكبار والصغار ألوف؛ ~~ومن موائد الكرم الجفان الجور الواسعة بمقابض الفضة التي لا يقدر الجمل ~~القوي على حمل جفنتين منها لعظمتها منها ما يساوي المائة دينار وما فوقها. ~~ووجد من الدكك والمحاريب والأسرة العود والصندل والأبنوس والعاج وغيره شيء ~~كثير. وعدة أقفاص مملوءة من بيض صيني معمول على هيئة البيض في خامته وبياضه ~~يعمل فيها ما في البيض اليشم سبت يوم الفصاد؛ وكيزان من صيني صغار وكبار ~~على خلقة كيزان الفقاع يشرب فيها الفقاع. # ووجد كثير ms374 من الأعدال مملوءة عقالا من اليمن مما أهداه الصليحي. وأخرجت ~~حصير من ذهب زنتها ثمانية عشر رطلا ذكر أنها الحصير التي جلبت عليها بوران ~~بنت الحسن علي المأمون. وأخرج ثمان وعشرون صينية ميناء مجرى بالذهب، لها ~~كعوب تعلو بها عن الأرض مما بعثه ملك الروم للعزيز بالله، قومت كل صينية ~~بثلاثة آلاف دينار، فأخذها كلها ناصر الدولة ابن حمدان. ووجد عدة صناديق ~~مملوءة مرايا حديد صيني وغيره من الزجاج الميناء ما لا يحصى كثرة، وجميعها ~~محلاة بالذهب المشبك والفضة، ومنها ما هو مكلل بالجوهر في غلف الكهمخت ~~وغيره من أنواع الحرير والخيزران كلها PageV02P286 # مضببة بالذهب والفضة، ومقابض المرايا ما بين عقيق وجزع وصندل وعود وأبنوس ~~وغيره. # وأخرج عدة أعدال من الخيام والمضارب والمنارات والخركاوات وغير ذلك من ~~أنواع الخيام المعمولة من الدبيقي والمخمل وسائر أنواع الحرير المثقل وغير ~~المثقل، مما هو منقوش ومصور بسائر الصور العجيبة الصنعة، وسائر أعمدتها ~~مكسوة بالفضة المذهبة، ولها الصفريات الفضة والحبال القطنية والحريرية. ~~فكان منها ما تحمل الخيمة منه على عشرين بعيرا وأكثر. # وأخرجت المدورة الكبيرة؛ وكانت تقوم على خرط عمود طوله خمسة وستون ذراعا ~~بالكبير، ودور مكللته عشرون ذراعا، وسعة قطرها ستة أذرع وثلثا ذراع، ودور ~~المدورة خمسمائة ذراع، وعدة قطع خرقها أربع وستون قطعة، كل قطعة منها تحزم ~~في عدل، وتحمل على مائة جمل، وفي صفرتها ثلاثة قناطير فضة يحملها من داخلها ~~قضبان حديد تسع راوية ماء من روايا الجمال، وفي زخرفتها صور سائر ~~الحيوانات، ولها بادهنج طوله ثلاثون ذراعا. كان عملها لليازوري في وزارته، ~~فأقام يعمل فيها مائة وخمسون صانعا نحو تسع سنين، وصرف عليها ثلاثون ألف ~~دينار؛ أراد بها محاكاة القاتول الذي عمله العزيز بالله فجاء أعظم منه ~~وأحسن. وبعث إلى متملك الروم في طلب عودين للفسطاط طول كل منهما سبعون ~~ذراعا، فأنفذهما إليه؛ وقد بلغت النفقة عليهما حتى وصلا ألف دينار؛ فعمل ~~أحدهما في الفسطاط بعد أن قطع منه خمسة أذرع، وأخذ الآخر ناصر الدولة ابن ~~حمدان لما خرج إلى ms375 الإسكندرية. PageV02P287 # وقد قطعت هذه الخيام الكبار خرقا وقومت على المذكورين من المارقين بأقل ~~القيم، فتمزقت وأخرج مسطح من قلمون، عمل بتنيس للعزيز وسمى دار البطيخ، ~~يقوم على ستة أعمدة، وفيه أربع قباب بين كل قبتين رواق يقوم كل منها على ~~أربعة أعمدة، وطول كل عمود ثمانية عشر ذراعا. ومسطح عمله الظاهر في تنيس، ~~كله ذهب طميم بستر صفارى بللور وستة أعمدة من فضة أنفق عليها أربعة عشر ألف ~~دينار. إلى غير ذلك من القصور والخيام المخمل وغيره من سائر أنواع الحرير، ~~وعدة من الحمامات المعمولة من البللور والطالقاني ومن الأدم المذهبة ~~المنقوشة بحياضها ودككها، ومساطبها وقدورها، وزجاجها وسائر عددها وأخرجت ~~المدورة الكبيرة التي عملت بحلب في سني بضع وأربعين وأربعمائة، فبلغت ~~النفقة عليها ثلاثين ألف دينار، وكان طول عمودها أربعين ذراعا، ودور فلكه ~~أربعة وعشرين شبرا، وزنة صفرتيه قنطارين من فضة سوى أنابيب الحديد، ويحملها ~~سبعون جملا، ولا ينصبها إلا نحو المائتي رجل، وهو شبه القاتول العزيزي. ~~وأخرج من المظال وقصبها الفضة والذهب شيء له قدر جليل. وأخرج من الصناديق، ~~والقمطرات والأدراج والموازين وغلف الأمشاط والمرايا والمداخن من الكيمخت ~~والأبنوس والعاج وسائر الخشب والبقم المحلى جميعها بالذهب والفضة المغشاة ~~بأغشية الأدم والحرير ما لا يحد كثرة. # ومن صناديق الطعام وخزائنه والمجامع ما لا يدركه الإحصاء لكثرته. وأخرج ~~من خزائن الفضة ما ينيف على ألف ألف درهم، كلها آلات مصوغة مجراة بالذهب، ~~فيها ما يبلغ زنة القطعة منها خمسة آلاف درهم مما هو غريب الصنعة، فبيع ~~جميعه عشرون PageV02P288 # درهما بدينار، وكانت قيمته خمسة دراهم بدينار. وأخرج غير ذلك عشاريات ~~موكبية وأعمدة الخيام وقصب المظال، ومنجوقات وأعلام وقناديل وصناديق وبوقات ~~وزواريق وقمطرات، وسروج ولجم ومناطق العماريات وغير ذلك ما يجاوز ألف ألف ~~فضة، بيعت كما بيع غيرها. # وأخرج من الشطرنج والنرد المعمولة من أنواع الجواهر والأحجار ومن الذهب ~~والفضة والعاج والأبنوس برقاع الحرير المذهب وغيره ما لا يحد كثرة ونفاسة؛ ~~ومن دسوت الفصاد مثل ذلك؛ ومن خرق المنجوقات والمطارد والمظال والأعلام ما ms376 ~~لا يمكن وصفه لكثرته مما هو مخمل وحرير ساذج ومذهب؛ فقطع جميع ذلك وبيع. ~~وأخرج مرة من خزائن السروج خمسة آلاف سرج كان أبو سعيد إبراهيم بن سهل ~~التستري قد عملها، فيها ما يساوي السرج الواحد منها سبعة آلاف دينار إلى ~~ألف دينار، شبك جميعها وفرق في الأتراك، كان منها أربعة آلاف سرج برسم ركاب ~~الخليفة. # وأخرج من خزانة السيدة أم المستنصر أربعة آلاف مثلها ودونها، صنع بها مثل ~~ذلك. وأخذ منها آلات فضية وزنها ثلثمائة ألف وأربعون ألف درهم، تساوي ستة ~~دراهم بدينار. وأخرج من القصر أقفاص مملوءة آلات مصوغة مجراة بالذهب معدومة ~~المثل صنعة وحسنا، عدتها أربعمائة قفص كبار، شبكت كلها في إيوان القصر ~~وفرقت. ومعظم ذلك كان في وزارة جلال الملك بن عبد الحاكم في هذه السنة. كان ~~من جملة ما في الأقفاص ستة عشر ألف قطعة برسم العواري خاصة. وأخرج في بعض ~~أسابيع المولد ألفان وخمسمائة إناء من فضة PageV02P289 # برسم الخيم. وأخرج مرة عند ورود بعض رسل ملوك الروم فيما أخرج عدة كثيرة ~~من صواني الذهب والفضة المجراة بالميناء الغريبة الصنعة، ملئت كلها جوهرا ~~فاخرا، وأربعة آلاف نرجسية فضة محرقة بالذهب عمل فيها النرجس، وألفا ~~بنفسجية كذلك. وأخرج من خزائن الطريف ستة وثلاثون ألف قطعة ما بين بللور ~~وغيره. وكان مبلغ ما قوم من نصب سكاكين، بأقل القيم، ستة وثلاثين ألف ~~دينار. وأخرج من تماثيل العنبر اثنان وعشرون ألف قطعة، أقل تمثال منها وزنه ~~اثنا عشر منا وأكبره يتجاوز ذلك بكثير؛ ومن تماثيل الكافور ما لا يحد كثرة، ~~منها ثمانمائة بطيخة كافور، إلى غير ذلك من تماثيل الفاكهة. # وأخرج من خزائن الفرش أربعة آلاف رزمة خسروانية مذهبة، في كل رزمة فرش ~~مجلس ببسطه وتعاليقه وسائر آلاته. وأخرج من خزائن الكسوات من التخوت ~~والأسفاط والصناديق المملوءة بفاخر الملابس المستعملة بتنيس ودمياط وبرقة ~~وصقلية وسائر أقطار الأرض ما لا يحد كثرة ولا يعرف له قيمة. # وفي هذه السنة بعث ناصر الدولة ابن حمدان عماد الدولة، المعروف بالمخنوق، ~~هو ms377 والوزير أبا محمد بن أبي كدينة إلى المستنصر يطالبه معهما بما بقي ~~لغلمانه، فذكر أنه لم يبق عنده شيء إلا ملابسه، وقال فابعث من يقوم ذلك ~~ويقبضه؛ فأخرج إليهما ثمانمائة بذلة من ثيابه بجميع آلاتها كاملة، قومت ~~وحملت إليه في حادي عشر صفر. # وفيها وهب المستنصر لفخر العرب وتاج الملوك الكلوتة المرصعة بالجوهر، ~~وكانت من غريب ما في القصر ونفيسه، وكانت قيمتها مائة وثلاثين ألف دينار، ~~وقومت عليهما بثمانين ألف دينار، وقسمت بينهما بالسوية، فجاء وزن ما فيها ~~من الجوهر سبعة عشر رطلا PageV02P290 # بالمصري. فصار إلى فخر العرب من جملة ما وقع في سهمه منها قطعة بلخش ~~زنتها ثلاثة وعشرون مثقالا، فأنفذها مع باقي ما حصل له منها إلى الفخرية، ~~وكانت بثغر الإسكندرية، فحملت بعد ذلك إلى تنيس مع غيره من رجالاتهم، فصار ~~جميعه عند أمير الجيوش بالشام. وصار إلى تاج الملوك منها حبات در، زنة كل ~~حبة ثلاثة مثاقيل وعدتها مائة حبة؛ فلما انهزم من مصر أخذها بعض غلمانه مع ~~غيرها من نفيس الجوهر وهرب إلى الصعيد، فقتل وأخذ منه. # وأخرج من خزائن الطيب مما أخرج خمسة صواري عود هندي، طول كل واحد منها ما ~~بين تسعة أذرع إلى عشرة أذرع؛ وكافور قنصوري زنة كل حصاة منه من خمسة ~~مثاقيل إلى ما دونها؛ وقطع عنبر تزن القطعة ثلاثة آلاف مثقال، فوهب ذلك ~~لناصر الدولة، فحاز منه ما لا حد له ولا قيمة. وحمل إليه من القصر متارد ~~صيني، يقوم كل مترد منها على ثلاثة أرجل على صورة السباع وغيرها، يسع كل ~~منها مائتي رطل وما فوقها؛ وعدة قطع يشب وبازهر، منها جام سعته ثلاثة أشبار ~~ونصف وعمقه شبر، مليح الصورة. وأخرج من القصر منديل نسيج من زغب ريش بدائر ~~يسمى السمندل، طوله تسعة أشبار، لا يحترق بالنار، فاشتراه بعض المسافرين ~~التجار بثمن يسير طلب فلم يقدر عليه. وصار إلى ناصر الدولة قطرميز بللور ~~فيه صور ناتئة عن ضبته يسع سبعة عشر رطلا، ودكوجة بللور تسع عشرين رطلا؛ ~~وقصرية يصب ms378 كبيرة جدا؛ وعدة كاسات يصب؛ وطابع ند فيه ألف مثقال عمله فخر ~~الدولة أبو الحسن علي بن ركن الدولة ابن بويه الديلمي وكتب عليه فخر الدولة ~~شمس الدولة، وكتب عليه أبياتا، منها: PageV02P291 # ومن يكن شمس أهل الأرض قاطبة ... فنده طابع من ألف مثقال # فاقتسمه ناصر الدولة وفخر العرب وتاج الملوك أمير الأمراء. # وصار لناصر الدولة أيضا طائر من ذهب مرصع بنفيس الجوهر وعيناه من ياقوت ~~أحمر وريشه من الميناء المجري بالذهب كهيئة ريش الطاووس. وديك من ذهب له ~~عرف كأكبر أعراف الديكة من الياقوت الأحمر، مرصع كله بسائر الدر والجوهر، ~~وعيناه من ياقوت أحمر، كان يحيره ناظره كيفية تركيبه لالتئام الصنعة فيه ~~وملاحتها. وغزال مرصع بنفيس الدر والجوهر، بطنه أبيض منطور من در رائع ~~يخاله الناظر حيوانا. ومجمع سكارج مخروط من بللور فظ، وفيه سكارج من بللور ~~يخرج منه ويعود إليه فتحته أربعة أشبار في مثلها، محكم الصنعة في غلاف من ~~خيزران مذهب، فسمح به لفخر العرب. وأخرج بطيخة من كافور في شباك من ذهب ~~مرصع، وزن كافورها سبعون منا سوى الذهب، اقتسمها فخر العرب وتاج الملوك، ~~فخص فخر العرب منها ثلاثة آلاف مثقال من ذهب؛ وقطعة عنبر تسمى الخروف زنتها ~~سوى ما يمسكها من الذهب ثمانون منا؛ وعدة قطارميز بللور فيها صور مجسمة ~~بارزة، يسع كل منها عشرين رطلا. # وطلب الأتراك من المستنصر نفقة، فماطلهم بها، فهجموا على التربة التي ~~للقصر وأخذوا ما فيها من قناديل الذهب ومن الآلات كالمداخن والمجامر وحلي ~~المحاريب، فجاء منه خمسون ألف دينار. وصار إلى فخر العرب مقطع حرير أزرق ~~رقيق بديع الصنعة منسوج بالذهب وسائر أنواع الحرير تنبيتا، عمله المعز، فيه ~~صورة أقاليم الأرض بمدنها وجبالها وبحارها وأنهارها وسعة حصونها، وفيه صورة ~~مكة والمدينة، وفي آخره: مما أمر بعمله المعز لدين الله PageV02P292 # شوقا إلى حرم الله، وإشهارا لمعالم رسول الله، في سنة ثلاث وخمسين ~~وثلثمائة، والنفقة عليه اثنان وعشرون ألف دينار. # وصار إلى فخر العرب ما لا يحصى كثرة؛ من ذلك مائدة يصب ms379 كبيرة قوائمها ~~منها؛ وبيضة كبيرة بلخشن زنتها سبعة وعشرون مثقالا أشد صفاء من الياقوت ~~الأحمر؛ وبيت أرمني منسوج بالذهب عمل للمتوكل على الله العباسي لا مثل له ~~ولا قيمة؛ وقطرميز بللور يسع مروقتين نبيذا مليح التقدير، قوم عليه مما خرج ~~من القصر ثمانمائة دينار فدفع إليه بعد ذلك فيه ألف دينار فأبى، وبساط ~~خسرواني دفع إليه بالإسكندرية ألف دينار فامتنع من بيعه؛ ومائدة جزع يقعد ~~عليها جماعة، قوائمها مخروطة منها ما لا قدر لها ولا قيمة. سوى ما قبضة ~~شاور بن حسين لناصر الدولة ولفخر العرب من آلات الذهب والفضة، وآنية الجوهر ~~وعقوده، وفاخر الثياب والفرش والآلات والسلاح، مما قوم بمئين ألوفا وكانت ~~قيمته ألوف ألوف دينارا. # وصار إلى ناصر الجيوش ما قيمته ألف ألف دينار من جملته نخلة من ذهب مكللة ~~بجوهر بديع ودر رائع، في إجانة من ذهب، تجمع الطلع والبلح وسائر ألوان ~~البسر والرطب، بشكله ولونه، وصفته وهيئته من ألوان الجوهر، لا قيمة لها. ~~وكوز على مثال كوز الزير من بللور يسع عشرة أرطال ماء مرصع بنفيس الجوهر لا ~~قيمة له، وصورة مكللة بحب لؤلؤ نفيس، فيها ما وزن الجبة منه مثقال، ومنه ما ~~يزن مثقالين مرصعة بياقوت. وأخرج فيه العشارى المعروف بالمقدم، ونجارته ~~وكسوة رحله التي عملها الوزير علي بن أحمد الجرجرائي في سنة ست وثلاثين ~~وأربعمائة، كان فيها مائة ألف وسبعة وستون ألفا وسبعمائة درهم فضة نقرة، ~~غير ما أطلق للصناع من أجرة صياغة وثمن ذهب لطلائه، وهو ألفان وتسعمائة ~~دينار؛ وكان سعر الفضة في ذلك الوقت كل مائة درهم بستة دنانير وربع، بسعر ~~ستة عشر درهما بدينار. وأخرج حلي العشارى الفضي الذي عمله أبو سعيد إبراهيم ~~بن سهل التستري لما ولي الوساطة في سنة ست وثلاثين وأربعمائة لوالدة PageV02P293 # المستنصر، وكان الحلي مائة ألف وثلاثين ألف درهم فضة، وإلى ذلك أجر ~~الصباغة ولطلاء بعضه ألفان وأربعمائة، غير ما استعمل كسوة برسمه مال جليل. ~~فأخرج عدة العشاريات التي برسم القوة البحرية، وعدتها ستة وثلاثون عشاريا، ~~وكان ms380 قد انصرف عليها في حلاها من مناطق ورؤوس منجوقات وأهلة وصفريات وكساها ~~أربعمائة ألف دينار. # وأخرج ما على سرير الملك الكبير من الذهب الإبريز الخالص فكان مائة ألف ~~مثقال وعشرة آلاف مثقال. وأخرج الستر الذي أنشأه أبو محمد اليازوري فجاء ~~فيه من الذهب ثلاثون ألف مثقال، وكان مرصعا بألف وخمسمائة وستين قطعة جوهر ~~من سائر الألوان. وأخرجت الشمسة الكبيرة وكان فيها ثلاثون ألف مثقال ذهبا ~~وعشرون ألف درهم فضة وثلاثة آلاف وستمائة قطعة جوهر، وأخرجت الشمسة التي لم ~~تتم فوجد فيها من الذهب سبعة عشر ألف مثقال. وأخرج من خزانة عدة مناكين ~~فضة، منها ما زنته مائة وتسعة أرطال إلى ما دونها. وأخرج بستان أرضه فضة ~~محرقة مذهبة، وطينه ند معجون، وأشجاره فضة مصنوعة، وأثماره عنبروند، زنته ~~ثلثمائة وستة أرطال بالمصري. وبطيخة كافور مشبكة بذهب وزنها عشرة آلاف ~~مثقال؛ ومنقلتا كافور مشبكتان بذهب زنتهما ستة آلاف مثقال؛ ومنقلتا عنبر ~~وزنهما عشرة آلاف مثقال؛ ومنقلتا عنبر مدورتان وزنهما ستة آلاف مثقال. ~~وأثواب مصمتة، منها أربعة يفصل كل ثوب منها اثنين، وثلاثون قميصا تاما، ~~ومدهن ياقوت أحمر زنته سبعة وثلاثون درهما ونصف، أخذ من موجود اليازوري ~~وكان قد صار إليه من السيدة عبدة بنت المعز لدين الله. وأخرج لؤلؤ زنة كل ~~حبة منه مثقالان؛ ومن الياقوت الأزرق ما زنة كل قطعة منه سبعون درهما؛ ومن ~~الزمرد ما وزن كل قطعة منه ثمانون درهما؛ ونصاب مرآة طويل ثخين من زمرد لا ~~قيمة له. # وأخرج من خزائن الكتب ثمانية عشر ألف كتاب في العلوم القديمة، وألفان ~~وأربعمائة ختمة في ربعات بخطوط منسوبة محلاة بذهب وفضة. وأخذ جميع ذلك ~~الأتراك ببعض قيمته. وأخرج في المحرم منها في يوم واحد خمسة وعشرون جملا ~~موقرة كتبا صارت إلى دار الوزير أبي الفرج محمد بن جعفر بن المعز، واقتسمها ~~هو والخطير ابن الموفق في الدارين PageV02P294 # بخدمات وجبت لهما عما يستحقانه وغلمانهما من ديوان الحلبيين؛ وأن حصة ~~الوزير أبي الفرج قومت عليه بخمسة آلاف دينار، وكانت تساوي أكثر من ms381 مائة ~~ألف دينار، نهبت بأجمعها من داره يوم انهزم ناصر الدولة من مصر في صفر، مع ~~غيرها مما نهب من دور من سار معه من الوزير أبي الفرج وابن أبي كدينة ~~وغيرهما. # وأخرج ما في خزائن دار العلم بالقاهرة. وصار إلى عماد الدولة أبي الفضل ~~بن المحترف بالإسكندرية كثير من الكتب، ثم انتقل منها كثير، بعد مقتله، إلى ~~المغرب وأخذته لواتة، فيما صار إليها بالابتياع أو الغصب من الكتب الجليلة ~~المقدار ما لا يعد ولا يوصف، فجعل عبيدهم وإماؤهم جلودها نعالا في أرجلهم، ~~وأحرق ورقها تأولا منهم أنها خرجت من القصر وأن فيها كلام المشارقة الذي ~~يخالف مذهبهم، فصار رمادها تلالا عرفت في نواحي أبيار بتلال الكتب، وغرق ~~منها وتلف، ووصل إلى الأمصار ما يتجاوز الوصف. # وأخرج من بعض الخزائن التي بالقصر بيضة كبيرة كأكبر ما يكون من بيض ~~النعام محلاة بذهب، فأخذها المستنصر دون ما أخرج من تلك الخزانة مما له خطر ~~وقدر؛ فقال بعض الحاضرين هذه بيضة نعامة، فتغافل بعض من حضر من الأتراك ~~عنها، وأخذوا النفائس من الذخائر وانصرفوا. فسئلا المستنصر من بعض الخدم عن ~~هذه البيضة، فقال: هي بيضة حية أهداها بعض الملوك إلى جدي القائم بأمر ~~الله، وكان يحتفظ بها، وهذه الرقعة بخط القائم بأمر الله باسم مهديها ~~والسنة التي أهديت فيها. # وأخرج من القصر في ثلاثة أيام من المحرم ما قيمته من العين اثنان وعشرون ~~ألف دينار وستمائة وستة وسبعون دينارا وثمن دينار، منها قيمة متاع ثلاثة ~~عشر ألفا وثمانمائة وثلاثون دينارا وثلت وثمن، وقيمة جوهر ثمانية آلاف ~~وثمانمائة وخمسة وأربعون دينارا وثلثان؛ هذا على أن ما يساوي ألف دينار ~~يقوم بمائة دينار وما دونها. فإذا كان هذا في ثلاثة أيام فكيف يكون في مدة ~~سنتين ليلا ونهارا! PageV02P295 # وتسلم جلال الدولة بن بويه من العين، له ولمن يجري مجراه وعدتهم عشرة ~~نفر، من عطية واحدة مبلغ أربعة وأربعين ألف دينار ومائة وثلاثين دينارا. ~~ووصل إلى بغداد على يد التجار مما خرج من القصر، على ms382 ما وقفت في تاريخ بعض ~~البغداديين، أحد عشر ألف درع وعشرون ألف سيف محلى، وثمانون ألف قطعة بللور ~~وخمسة وسبعون ألف قطعة من الديباج. وبيع طشت وإبريق من بللور باثني عشر ألف ~~دينار؛ وبيع نحو السبعين ألف قطعة من الثياب، وعشر حبات زنتها عشرة مثاقيل ~~بأربعمائة دينار. # قال ابن ميسر: رأيت مجلدة تجيء نحو العشرين كراسة، فيها ذكر ما خرج من ~~القصر من التحف والأثاث والثياب والذهب وغير ذلك. # وفيها صرف الوزير محمد بن جعفر ابن المغربي عن الوزارة في رمضان، وتقرر ~~جلال الملك أبو أحمد، أحمد بن عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد الفارقي. ~~وفيها قتل أمير الجيوش بدر بساحل الشام الشريف أبا طاهر حيدرة، ناظر دمشق، ~~لإحن كانت في نفسه منه، وكان يعد من الأجواد. وفيها تغلب الأمير حصن الدولة ~~معلى بن حيدرة الكتامي على دمشق واقتحمها قهرا بالسيف في شوال، فأساء ~~السيرة في الناس. # وفيها عظم الغلاء بمصر واشتد جوع الناس لقلة الأقوات في الأعمال وكثرة ~~الفساد، وأكل الناس الجيفة والميتات، ووقفوا في الطرقات فقتلوا من ظفروا ~~به؛ وبيعت البيضة من بيض الدجاج بعشرة قراريط، وبلغت رواية الماء دينارا، ~~وبيع دار ثمنها تسعمائة PageV02P296 # دينار بتسعين دينارا اشترى بها دون تليس دقيق. وعم مع الغلاء وباء شديد؛ ~~وشمل الخوف من العسكرية وفساد العبيد. فانقطعت الطرقات برا وبحرا إلا ~~بالخفارة الكبيرة مع ركوب الغرر. وبيع رغيف من الخبز زنته رطل في زقاق ~~القناديل كما تباع التحف والطرق في النداء: خراج! خراج! فبلغ أربعة عشر ~~درهما؛ وبيع أردب قمح بثمانين دينارا. ثم عدم ذلك كله، وأكلت الكلاب ~~والقطط، فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير. وأبيعت حارة بمصر بطبق خبز، حسابا عن ~~كل دار رغيف، فعرفت تلك الحارة بعد ذلك بحارة طبق، وما زالت تعرف بذلك حتى ~~دثرت فيما دثر من خطط مصر. وأكل الناس نحاتة النخل؛ ثم تزايد الحال حتى أكل ~~الناس بعضهم بعضا. # وكان بمصر طوائف من أهل الفساد قد سكنوا بيوتا قصيرة السقوف قريبة ممن ~~يسعى في الطرقات، ms383 فأعدوا سلبا وخطاطيف، فإذا مر بهم أحد شالوه في أقرب وقت، ~~ثم ضربوه بالأخشاب وشرحوا لحمه وأكلوه. قال الشريف أبو عبد الله محمد ~~الجواني في كتاب النقط: حدثني بعض نسائنا الصالحات قالت: كانت لنا من ~~الجارات امرأة ترينا أفخاذها وفيها كالحفر، فتقول: أنا ممن خطفني أكلة ~~الناس في الشدة، فأخذني إنسان، وكنت ذات جسم وسمن، فأدخلني بيتا فيه سكاكين ~~وآثار الدماء وزفرة القتيل، فأضجعني على وجهي وربط في يدي ورجلي سلبا إلى ~~أوتاد حديد، عريانة، ثم شرح من أفخاذي وأنا أستغيث ولا أحد يجيبني، ثم أضرم ~~الفحم وأسوى من لحمي وأكل أكلا كثيرا؛ ثم سكر حتى وقع على جنبيه لا يعرف ~~أين هو؛ فأخذت في الحركة إلى أن تخلى أحد الأوتاد، وأعان الله على الخلاص، ~~وخلصت، وحللت الرباط، وأخذت خروقا من داره PageV02P297 # ولففت بها أفخاذي، وزحفت إلى باب الدار وخرجت أزحف إلى أن وقعت إلى ~~الناس، فحملت إلى بيتي، وعرفتهم بموضعه، فمضوا إلى الوالي فكبس عليه وضرب ~~عنقه؛ وأقامت الدماء في أفخاذي سنة إلى أن ختم الجرح، وبقي هكذا حفرا. # وآل أمر الخليفة المستنصر إلى أن صار يجلس على نخ أو حصير؛ وتعطلت ~~دواوينه وذهب وقاره، وخرج من نساء قصوره ناشرات شعورهن يصحن: الجوع الجوع، ~~وهن يردن المسير إلى العراق، فتساقطن عند المصلى بظاهر باب النصر من ~~القاهرة، ومتن جوعا. جاء الوزير يوما على بغلة فأكلها العامة، فأمر بهم ~~فشنقوا، فاجتمع الناس على المشنقين وأكلوهم. وعدم المستنصر القوت جملة حتى ~~كانت الشريفة بنت صاحب السبيل تبعث إليه كل يوم بقعب من فتيت من جملة ما ~~كان لها من البر والصدقات في سني هذا الغلاء، حتى أنفقت مالها كله، وكان ~~يجل عن الإحصاء، في سبيل البر؛ فلم يكن للمستنصر قوت سوى ما كانت تبعث به ~~إليه، وهو مرة واحدة في اليوم، لا يجد غيره. وبعث بأولاده إلى الأطراف لعدم ~~القوت، فسير الأمير عبد الله إلى عكا فنزل عند أمير الجيوش، وأرسل الأمير ~~أبا علي معه؛ وبعث الأمير أبا القاسم والد الحافظ ms384 إلى عسقلان، وسيره أولا ~~إلى دمياط؛ ولم يترك عنده سوى ابنه أبي القاسم أحمد. # وبعث المستنصر يوما إلى أبي الفضل عبد الله بن حسين بن شورى بن الجوهري ~~الواعظ، فدخل القاهرة من باب البرقية، فلم يلق أحدا إلى القصر؛ فجاء من باب ~~البحر، فوجد عليه شيخا، فقال استأذن علي؛ فقال: ادخل فهو وحده؛ فدخل، فلم ~~ير أحدا في الدهاليز ولا القلعة، فأنشد: PageV02P298 # يا منزلا، لم تبل أطلاله ... حاشا لأطلالك أن تبلى # لم أبك أطلالك، لكنني ... بكيت عيشي فيك إذ ولى # والعيش أولى ما بكاه الفتى ... لا بد للمحزون أن يسلى # فإذا هو خلف باب المجلس، فبكى وبكيت طويلا، وحادثته ساعة؛ ثم ناوله ~~الخليفة قرطاسا فيه سبعون دينارا. # ومن عجيب ما وقع أن امرأة من أرباب البيوت عرضت عقدا لها قيمته ألف دينار ~~على جماعة ليعطوها به دقيقا وهم يعتذرون إليها ويدفعونها، إلى أن رق لها ~~رجل وباعها به تليس دقيق، فحملته من مصر واكترت معها من يحفظه من النهابة، ~~وسارت تريد منزلها بالقاهرة، فسلمه الحملة إليها عند بابي زويلة، فلم تمش ~~به غير قليل حتى تكاثر الناس عليها، وانتهبوه منها فانتهبت هي أيضا منه مع ~~النهابة، فصار إليها ملء يديها دقيقا لم ينبها منه غيره، فعجنته وشوته، ثم ~~مضت إلى باب القصر ووقفت على موضع مرتفع، ورفعت القرصة في يدها حتى يراها ~~الناس، ونادت بأعلى صوتها: يأهل القاهرة، ادعوا لمولانا المستنصر الذي أسعد ~~الله الناس بأيامه وأعاد عليهم بركات حسن نظره، حتى تقومت علي هذه القرصة ~~بألف دينار. ووقف مرة بعض المياسير بباب القصر وصرح إلى أن أحضر المستنصر، ~~فلما وقف بين يديه قال: يا مولانا هذه سبعون قمحة وقفت علي بسبعين دينارا ~~كل حبة قمح بدينار، في أيامك، وهو، أني اشتريت إردبا بسبعين دينارا فنهب ~~مني ولم يبق في منه سوى ما وقع بيدي وانتهابي منه مع من نهب، فعددت ما في ~~يدي فجاء سبعين حبة من قمح، وإذا كل حبة بدينار. فقال المستنصر: الآن فرج ~~الله على الناس ms385 فإن أيامي حكم لها أنه يباع فيها القمحة بدينار. # ولم يكن هذا الغلاء عن قصور مد النيل فقط، وإنما كان من اختلاف الكلمة ~~ومحاربة الأجناد بعضهم مع بعض. وكان الجند عدة طوائف مختلفة الأجناس، ~~فتغلبت لواتة والمغاربة على الوجه البحري، وتغلب العبيد السودان على أرض ~~الصعيد، وتغلب PageV02P299 # الملثمة والأتراك بمصر والقاهرة، وتحاربوا. وكان قد حصل ذلك من بعد قتل ~~اليازوري في سنة خمسين كما تقدم؛ فما زالت أمور الدولة تضطرب وأحوالها ~~تختل، ورسومها تتغير، من سنة خمسين إلى سنة سبع وخمسين، فابتدأت الشدة منها ~~تتزايد إلى سنتي ستين وإحدى وستين، فتفاقم الأمر وعظم الخطب واشتد البلاء ~~والكرب. وما برح المصاب يعظم إلى سنة ست وستين، وكان أشدها مدة سبع سنين، ~~من سنة تسع وخمسين إلى سنة أربع وستين أخصبت كل شر، وهلك فيها معظم أهل ~~الإقليم. ثم أخذ البلاء ينجلي من سنة أربع وستين إلى أن قدم أمير الجيوش ~~بدر في سنة ست وستين، كما سيأتي ذكره إن شاء الله. فكانت السبع سنين ~~المذكورة يمد فيها النيل ويطلع وينزل في أوقاته، فلا يوجد في الإقليم من ~~يزرع الأراضي ولا من يقيم جسوره، من كثرة الاختلاف وتواتر الحروب، وانقطاع ~~الطرقات في البر والبحر إلا بالخفارة الثقيلة وارتكاب الخطر؛ ولم يوجد ما ~~يبذر في الأراضي للزراعة، فإن القمح ارتفع الأردب منه من ثمانين دينارا إلى ~~مائتي دينار، ثم فقد فلم يقدر عليه ولا الخليفة. # وفيها صرف ابن أبي كدينة عن القضاء في ثالث عشر صفر، وتولى المليحي؛ وصرف ~~جلال الملك عن الوزارة، وصرف معه أيضا المليحي عن القضاء في يوم واحد، ~~وجمعا معا لخطير الملك محمد بن اليازوري فباشرهما إلى شوال، ثم صرف عنهما. ~~فاستقر فيهما بعده ابن أبي كدينة إلى ذي القعد؛ وأعيد المليحي بعده. # وفيها احترق جامع دمشق ليلة الاثنين، النصف من شعبان، بعد العصر، وسببه ~~فتنة PageV02P300 # بين العسكرية وأهل البلد، فأضرموا النار في بعض الأسواق واتصل بالجامع، ~~فاحترق الجانب الغربي جميعه من الرواق الباقلاني والقبة الكبيرة، وزالت ~~آثار الوليد ms386 بن عبد الملك التي لم يكن في الإسلام مثلها. PageV02P301 ### || سنة اثنتين وستين وأربعمائة @YY462 # فيها بعث ناصر الدولة حسين بن حمدان الفقيه أبا جعفر محمد بن أحمد بن ~~البخاري رسولا منه إلى السلطان ألب أرسلان، ملك العراق، يسأله أن يسير إليه ~~العساكر ليقيم الدعوة العباسية بديار مصر، وتكون مصر له. فتجهز ألب أرسلان ~~من خراسان في عساكر عظيمة، وبعث إلى محمود بن ثمال بن صالح بن مرداس، صاحب ~~حلب، أن يقطع دعوة المستنصر ويقيم الدعوة العباسية، فقطعت دعوة المستنصر من ~~حلب ولم تعد بعد ذلك. وانتهى ألب أرسلان إلى حلب في جمادى الأولى سنة ثلاث ~~وستين وحاصرها شهرا، فخرج إليه صاحبها محمود بن ثمال بن صالح بن مرداس، ~~فأكرمه وأقره على ولايته. وأخذ يريد المسير إلى دمشق ليمر منها إلى مصر، ~~وإذا بالخبر قد طرقه أن متملك الروم قد قطع بلاد أرمينية يريد أخذ خراسان، ~~فشغله ذلك عن الشام ومصر ورجع إلى بلاده؛ فواقع جمائع الروم على خلاط ~~وهزمهم. وكان قد ترك طائفة من عسكره الأتراك ببلاد الشام فامتدت أيديهم ~~إليها وملكتها كلها، فخرجت عن أيدي المصريين ولم تعد إليهم. # وبلغ المستنصر إرسال ناصر الدولة إلى ألب أرسلان، فجهز إليه ثلاث عساكر ~~من الأتراك وغيرهم، وتقدم أحد العساكر إليه وهو في أهل البحيرة، فجمع له ~~ابن حمدان وأوقع به وقعة انكشفت عن أسر مقدم العسكر، وقتل كثير من أصحابه، ~~وانهزام من بقي، والاستيلاء على ما بقي معهم؛ فتقوى به. ووافاه العسكر ~~الثاني ولا علم عندهم بما اتفق على من تقدم، فكانت الدائرة لابن حمدان ~~عليهم أيضا؛ فسار وهجم على العسكر الثالث وقتل منهم وأسر، PageV02P302 # وانتهب عامة ما كان معهم، فكثرت أمواله، وكبرت نفسه، واستأسد على ~~المستنصر واستخف به وبمن معه، فقطع الميرة عن القاهرة ومصر، وعاث في ~~البلاد؛ ونهب أكثر الوجه البحري. وقطع خطبة المستنصر من الإسكندرية ودمياط ~~وجميع الوجه البحري، وخطب للخليفة القائم بأمر الله العباسي. وامتدت الحرب ~~بين الأتراك وعبيد الشراء ثمانية أشهر يتحاربون ليلا ونهارا، فامتنع الناس ~~من ms387 الحركة؛ وجاء النيل ووفى فلم يقدروا على الزرع، فتفاقم البلاء بالناس ~~واشتد جوعهم وعظمت رزاياهم. وفشا مع ذلك الموت في الناس فكان يموت الواحد ~~من أهل البيت في القاهرة أو مصر، فلا يمضي ذلك اليوم أو تلك الليلة حتى ~~يموت سائر من في ذلك البيت. وعجز الناس عن مواراة الأموات فكفنوهم في ~~الأنخاخ؛ ثم عظمت شناعة الموت وتضاعف العجز، فصاروا يحفرون الحفائر الكبار ~~ويلقون فيها الأموات بعضهم على بعض، حتى تمتلئ الحفيرة بالرمم من الرجال ~~والنساء والصغار والكبار، ثم يهال عليها التراب. ومع هذا تكاثر انتهاب ~~الجند للعامة واختطافهم من الطرقات فخرج أهل القوة من القاهرة ومصر يريدون ~~بلاد الشام والعراق هربا من الجوع والفتن، فصار إلى تلك البلاد عامة التجار ~~وأصحاب القوة، ومعهم ثياب المستنصر وذخائره وآلاته التي تقدم ذكر طرف منها. # وفيها حاصر أمير الجيوش بدر مدينة صور وبها عين الدولة أبو الحسن علي، ~~الملقب بالناصح، ثقة الثقات ذي الرئاستين، ابن عبد الله بن علي بن عياض بن ~~أحمد بن أبي عقيل القاضي، وضايقها؛ فسير عين الدولة إلى الأمير لواء مقدم ~~الأتراك الواردين من العراق إلى بلاد الشام لينجده؛ واتصل ذلك بأمير ~~الجيوش، فخاف من الأتراك، فرحل عن صور. ثم لما اطمأن عاد إلى صور ونازلها ~~فلم يظفر منها بشيء. # وفيها قطعت دعوة المستنصر من مكة ودعي بها للقائم العباسي وللسلطان عضد ~~الدولة ألب أرسلان بن داود بن ميكال بن مسلجوق بن دقاق. وكان سبب انقطاع ~~دعوة المستنصر بها أنه كان ينفق في كل سنة على القافلة المجهزة إلى مكة في ~~الموسم مائة ألف وعشرون ألف دينار، منها عن الطيب والخلوق والشمع راتبا في ~~كل سنة عشرة آلاف دينار، ونفقة الوفد الواصلين إلى الحضرة أربعون ألف ~~دينار، وعن الجرايات والصدقات وأجرة الجمال PageV02P303 # ومعونة من يسير من العسكرية وأمير الموسم وخدم القافلة والضعفاء وحفر ~~الآبار ونفقات العربان ستون ألف دينار. ثم زادت النفقة في وزارة اليازوري ~~حتى بلغت إلى مائتي ألف دينار في السنة؛ ولم تبلغ النفقة على موسم ms388 الحج مثل ~~ذلك في دولة من دول الإسلام قط. فلما ضعفت الدولة في هذه السنين وزحف عضد ~~الدولة من خراسان إلى حلب بعث إلى محمد ابن أبي القاسم الحسني أمير مكة ~~بثلاثين ألف دينار وبخلع سنية وأجرى له في كل سنة عشرة آلاف دينار؛ وبعث ~~إلى صاحب المدينة عشرين ألف دينار؛ فقطع خطبة المستنصر بعدما قامت الدعوة ~~والخطبة للمستنصر ولآبائه بمكة والمدينة مائة سنة، ودعا للقائم العباسي ~~ولعضد الدولة؛ وقرر عضد الدولة ما يحمل إلى الحرمين على ارتفاع واسط. PageV02P304 ### || سنة ثلاث وستين وأربعمائة @YY463 # فيها اصطلح الأتراك بمصر مع ناصر الدولة ابن حمدان وهو مقيم بالوجه ~~البحري، وذلك لشدة ما نالهم من قطعه الميرة عنهم؛ فوقع الاتفاق بينهم وبينه ~~على أن يكون مقيما بمكانه وتحمل إليه الأموال التي تقرر له، وأن يكون تاج ~~الملوك شادي نائبا عنه بالقاهرة. فتقرر الحال على ذلك ودخلت الغلال إلى ~~البلد، فطابت قلوب الناس، وانجلى الأمر نحو شهر؛ ثم وقع الخلاف بين الأتراك ~~وبينه، فرحل من البحيرة بعساكر كثيرة ونازل البلد وحاصرها محاصرة شديدة في ~~ذي القعدة؛ وامتدت أيدي أصحابه فانتهبوا الناس في الدور وأخذوهم من ~~الطرقات، وأحرقوا كثيرا من دور الساحل. ثم عاد إلى البحيرة. PageV02P305 ### || سنة أربع وستين وأربعمائة @YY464 # وفيها كانت الحرب بين تاج الملوك شادي وبين ناصر الدولة ابن حمدان، وعادت ~~الفتنة بالقاهرة ومصر. وكان سبب محاربتهما أن تاج الملوك لما دخل إلى ~~القاهرة نائبا عن ناصر الدولة تغير عما كان قد تقرر بينهما، واستبد بالأمور ~~فضن بالمال عليه، ولم يصل ابن حمدان منه إلا دون ما كان يؤمله. فقلق لذلك ~~ابن حمدان، واتفق هو وجمائع العربان على المسير إلى القاهرة وأخذها. فسار ~~بهم، ونزل إلى الجيزة، فاستدعى تاج الملوك وغيره من أكابر المقدمين، فخرجوا ~~إليه مطمئنين لأنه واحد منهم يهوى هواهم؛ فما هو إلا أن صاروا إليه حتى قبض ~~عليهم، وزحف بجموعه، وألقى النار في دور السادة، وانبثت أصحابه ينتهبون ما ~~قدروا عليه. فجهز المستنصر إليه عسكرا كانت فيه طائفة لهم قوة وفيهم ms389 منعة؛ ~~فوافقوه. وكانت بينهم وبينه حرب انجلت عن هزيمته، ففر على وجهه وتلاحق به ~~أصحابه، وصاروا إلى البحيرة، فقطع خطبة المستنصر من جميع الوجه البحري، ~~وكتب إلى الخليفة القائم ببغداد يسأله أن يجهز إليه الخلع والألوية السود، ~~فاضمحل قدر المستنصر وتلاشى أمره. وتعاظمت الشدائد بمصر، وجلت رزايا الناس. # فلما كان في شعبان سار ناصر الدولة بعساكره وقد تيقن عجز المستنصر عن ~~مقاومته لضعف أمره وممالاة كثير من الأتراك له. وموافقتهم لما قرره معهم من ~~محبة؛ فدخل إلى مصر فاستولى على الأمر؛ وبعث إلى المستنصر يطلب منه المال، ~~فدخل عليه قاصد ابن حمدان وهو جالس على حصير بغير فرش ولا أبهة، وليس عنده ~~غير ثلاثة من الخدم، وقد زال ما كان يعهده من شارة المملكة وعظمة الخلافة. ~~فلما أدى إليه الرسالة. قال له المستنصر: أما يكفي ناصر الدولة أن أجلس في ~~مثل هذا البيت على هذه الحال؟! فلما سمع بذلك قاصد بن حمدان بكى وخرج، ~~فأعلم ناصر الدولة ما شاهده من هيئة المستنصر، PageV02P306 # وعرفه بما صار إليه من سوء الحال؛ فرق له وكف عنه، وأطلق له في كل شهر ~~مائة دينار. واستبد بسائر أمور الدولة، وبالغ في إهانة المستنصر في ~~الاعتقاد، وزاد في إيصال الضرر إليه وإلى سائر حواشيه وأسبابه، حتى قبض على ~~أم المستنصر وعاقبها بعقوبات متعددة، واستخلص منها أموالا جمة. فتفرق عن ~~المستنصر جميع أهله، وسائر أقاربه وأولاده وحواشيه، فمنهم من سار إلى ~~المغرب ومنهم من خرج إلى العراق؛ وبقي فقيرا وحيدا خائفا يترقب. وقيل إن أم ~~المستنصر فرت أيضا إلى العراق. # وفي شهر ربيع الأول استقر ابن أبي كدينة في الوزارة والدعوة والقضاء. ~~واستمر الحال على ما وصفنا جميع سنة أربع وستين. # وفيها فقد الطعام، فسارت التجار من صقلية والمهدية في الطعام والمرتب. ~~فبيع القمح كل كيل قروي زنته تسعة أرطال بدينار نزاري، ثم بيع بمثقالين، ثم ~~بثلاثة، ثم فقد. وطبخ الناس جلود البقر وباعوها رطلا بدرهمين، وبلغ الزيت ~~أوقية بدرهمين، وأوقية اللحم بدرهم، وبيعت الأمتعة بأبخس ثمن، ms390 وباع الناس ~~أملاكهم. ووقع الوباء فألقى الناس موتاهم في النيل بغير أكفان. # وفيها مات القاضي الأجل أمين الدولة أبو طالب عبد الله بن عمار بن الحسين ~~بن قندس بن عبد الله بن إدريس بن أبي يوسف الطائي بطرابلس الشام، ليلة ~~السبت نصف PageV02P307 # رجب. وفيها ملك القمص رجار بن تنقرد صاحب مدينة قلبريو، وهي مقابل مدينة ~~جربة، جزيرة صقلية. PageV02P308 ### || سنة خمس وستين وأربعمائة @YY465 # فيها قتل ناصر الدين الحسين بن ناصر الدولة الحسن بن الحسين بن عبد الله ~~أبي الهيجاء بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن لقمان بن الرشيد بن المثنى بن ~~رافع بن الحارث ابن غطيف بن مجربة بن حارثة بن مالك بن جشم، أحد الأراقم، ~~بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن ثعلب بن وائل بن قاسط بن فيد بن أقصى بن ~~داغمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة الفرس بن نزار بن معد بن عدنان التغلبي. ~~وكان سبب فنائه أنه لما استولى على أمور الدولة وبالغ في إهانة المستنصر ~~وتتبع أقاربه وحواشيه، وأخذ من قدر عليه منهم، وفر من وجد سبيلا إلى ~~الفرار، كان يولي الرجل بعض الأعمال ويسيره إليه فلا يتمكن من ذلك العمل ~~حتى يكتب إليه بأن يعود، ويبعث غيره. وشرع في قطع دعوة المستنصر وإعمال ~~الرأي في إقامة الخطب للخليفة القائم بمصر والقاهرة، وأن يزيل من البلاد ~~دولة الفاطميين ويمحو آثارها، فلم يستطع ذلك ولا قدر عليه لكثرة الأعوان ~~والأتباع. وكان من جملة رجال الدولة إلدكز، وهو أحد الأمراء، ففطن لما ~~يريده ناصر الدولة من قطع خطبة المستنصر وإقامة دعوة بني العباس، فتشاور هو ~~والأمير يلدكوز، وكانا من أكابر الأتراك، وأنكرا، ما يتفق من ناصر الدولة ~~وتخوفا من عاقبة ذلك. وصارا إلى بقية الأتراك وأعلماهم أنه إن تم لناصر ~~الدولة ما يحاوله لم يبق منهم أحدا، والرأي مبادرته قبل أن يستفحل أمره؛ ~~فتقرر الأمر على القيام عليه وقتله. # وكان ناصر الدولة قد اغتر بقوته، وظن أنه قد أمن، وأن أعداءه قد تلاشوا ~~وتلفوا، ms391 فأتاه الله من حيث لم يحتسب، وأناخ به عواقب بغيه، فلم يشعر إلا ~~وقد ركب الأتراك بأجمعهم PageV02P309 # على حين غفلة من ليلة من رجب، ووافوا داره بمصر سحرا، وكان يسكن في منازل ~~العز، فهجموا عليه من غير دستوره ولا طلب إذن، فإذا هو في صحن داره وعليه ~~رداء، فبادره أحدهم بسيفه وأتبعه إلدكز فحز رأسه. وخرج كوكب الدولة مسرعا ~~إلى فخر الدولة أخيه في عدة، فطرقه وهو آمن وقتله واحتمل رأسه، وأخذ سيفه ~~وجارية من جواريه. وامتدت الأيدي إلى من بقي منهم، فقتل أخوهما تاج المعالي ~~وجماعة من بني حمدان؛ وتتبعوا أسبابهم وحواشيهم حتى لم يبق منهم أحد بديار ~~مصر، وأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم وما أصدق قول أبي على الفكيك إذ يقول هجاء ~~لناصر الدولة هذا: # ولئن غلطت بأن مدحتك، طالبا ... جدواك، مع علمي بأنك باخل # فالدولة الغراء قد غلطت بأن ... سمتك ناصرها وأنت الخاذل # وقتل في هذه النوبة الوزير أبو غالب عبد الطاهر بن فضل بن الموفق بن ~~الدين، ابن العجمي. # وفيها قطعت خطبة المستنصر من بيت المقدس. PageV02P310 ### || سنة ست وستين وأربعمائة @YY466 # فيها تشدد الأتراك وكبيرهم سلطان الجيش يلدكوش التركي، والأمير إلدكز ~~والوزير يومئذ ابن أبي كدينة، فضاق خناقه وعظم روعه وساءت حاله، وكان ~~المستنصر بالله يظن أن في قتل ابن حمدان راحة له، فاستطال إلدكز وابن أبي ~~كدينة عليه وناكداه. فتحير في أمره وكتب إلى أمير الجيوش بدر الجمالي، وهو ~~يومئذ بعكا، يستدعيه للقدوم لنجدته وإعانته ويعده بتملك البلاد والاستيلاء ~~عليها. فاشترط عليه أنه يقدم بعسكر معه، وأنه لا يبقى أحدا من عساكر مصر ~~ولا وزرائهم؛ فأجابه المستنصر إلى ذلك. فأخذ في الاستعداد للمسير إلى مصر؛ ~~واستخدم معه عدة من العساكر، وركب بحر الملح من عكا، وكان الوقت في كانون ~~وهو أشد ما يكون من البلاء، ومن العادة أن البحر لا يركب في الشتاء. فسار ~~في مائة مركب وقد حذر من ركوبه وخوف من سوء العاقبة فلم يصغ لذلك؛ وكأن ~~الله سبحانه قد صنع له ومكن له ms392 في الأرض، وقضى بأن يصلح على يديه، ما قد ~~فسد من إقليم مصر. فترحل بعساكره في المراكب، وأضحت السماء، وواتتهم ريح ~~طيبة سارت بهم إلى دمياط ولم يمسسهم سوء؛ فكان يقال إنه لم ير في البحر قط ~~صحوة تمادت أربعين يوما إلا في هذا الوقت، فكان هذا ابتداء سعادته وأول ~~عظيم جده. فنزل بدمياط، وطلب إليه التجار من تنيس وافترض عليهم مالا. PageV02P311 # وقدم عليه سليمان اللواتي، وهو يومئذ كبير أهل البحيرة وأكثرهم مالا، ~~وأوسعهم حالا، وقدم إليه وأضافه، وأمده بالطرقات حتى قدم قليوب فنزل بها. ~~وبعث إلى المستنصر سرا بأني لا يمكنني القدوم إلى الحضرة ما لم يقدم على ~~يلدكوش؛ فبادر المستنصر إلى إجابته وقبض عليه. # ودخل بدر عشية يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى فتلقاه أهل ~~الدولة وأنزلوه، وبالغوا في إكرامه؛ فأظهر أنه ما جاء إلا شوقا إليهم، ~~وخدعهم بما أبداه من المحبة لهم وكثرة التملق، وأعرض عن المستنصر ولم يذكره ~~إلا بالسوء؛ وصار من معه يدخلون إلى القاهرة وحدانا ورجالا في الخفية حتى ~~تكامل منهم تسعمائة. ثم أخذ مع الأمراء في الأكل والشرب واللذات، إلى أن ~~اشتد تآنسهم به، فاستدعاه كل منهم إلى ضيافته، وقدموا إليه، وهو آخذ في ~~أسباب ما دعى إليه. # فلما انقضت أيام ضيافتهم له استدعى أمراء الدولة ومقدميها في صنيع أعد ~~لهم، فمضوا إليه، وقضوا نهارهم عنده، وباتوا في أطيب عيش وأنعم بال؛ وقد ~~رتب أصحابه ليقتل كل واحد أميرا من الأمراء ويكون له جميع ما بيده. فلما ~~سكروا وامتد عليهم رواق الليل صار يخرج كل واحد من باب ويسلمه إلى غلام من ~~غلمانه، ويمضي إلى داره فيتسلمها بما فيها من الخدم والأموال. فلم يصبح ~~الصباح إلا ورؤوس الجميع بين يديه، وقد استولى كل رجل من أصحابه على دار ~~أمير من الأمراء وأحاط بجميع ما كان له. # وأخذ في القبض على الأتراك وتتبعهم حتى لم يدع منهم أحدا يشار إليه، ~~فقويت شوكته واشتدت وطأته وعظم أمره؛ فحسر عن ساعد الجد، وشمر ساعد ~~الاجتهاد، ms393 والتقط المفسدين فلم يبق على أحد منهم، وتطلبهم في القاهرة ومصر ~~حتى أتى على جميعهم القتل. وفر ناصر الجيوش أبو الملوك، وكان شاه بن ~~يلدكوش، إلى الشام. PageV02P312 # وخلع عليه المستنصر بالطيلسان المقور، وصار جميع أهل الدولة في حكمه، ~~والدعاة نوابا عنه، وكذلك القضاة إنما يتولون منه. فقلد أبا يعلى حمزة بن ~~الحسين بن أحمد الفارقي قضاء القضاة. وزيد في ألقاب أمير الجيوش على ألقاب ~~من تقدمه من الوزراء: كافل قضاة المسلمين. # واتفق أنه لما لبس خلع الوزارة حضر إليه المتصدرون بالجوامع، فقرأ ابن ~~العجمي: " ولقد نصركم الله ببدر "، وسكت عن تمام الآية، فقال له أمير ~~الجيوش بدر: والله لقد جاءت في مكانها وجاء سكوتك عن تمام الآية أحسن؛ وأمر ~~له بصلة. # فيها قتل أمير الجيوش من أماثل المصريين وقضاتهم ووزرائهم عدة كثيرة، ~~منهم الوزير أبو محمد الحسن بن ثقة الدولة علي بن أحمد المعروف بابن أبي ~~كدينة، وكان عندما قدم بدر إلى مصر هو الوزير، وهو من ولد عبد الرحمن بن ~~ملجم، وتردد في القضاء والوزارة سبع مرات؛ وكان قاسي القلب جبارا، فلما قبض ~~عليه سير إلى دمياط، ودخل عليه السياف ليضرب عنقه، فكان سيفه ثليلا، فضربه ~~سبع ضربات بعدد ولايته القضاء والوزارة. # وقتل أيضا الوزير أبو المكارم أسعد، والوزير أبو شجاع محمد بن الأشرف أبي ~~غالب محمد بن علي؛ والوزير عبد الغني بن نصر بن سعيد الضيف. PageV02P313 ### || سنة سبع وستين وأربعمائة @YY467 # فيها سار أمير الجيوش بدر إلى الوجه البحري فأوقع بلواتة وقتل مقدمهم ~~سليم اللواتي وابنه، واستصفى جميع ما كان له ولقومه من أنواع الأموال، ~~وأسرف في قتلهم حتى يقال إنه قتل منهم عشرين ألفا. وسار إلى دمياط وقتل ~~كثيرا ممن كان فيها من المفسدين، وخرب وحرق، وأصلح عامة أحوال الثغر. ولم ~~يدع بالبر الشرقي وجميع أسفل الأرض مفسدا إلا وقتله أو قمعه. ثم عدى إلى ~~البر الغربي فقتل كثيرا من الطائفة الملحية وأتباعهم؛ وأقام على محاصرة ~~الإسكندرية أياما حتى أخذها قهرا؛ فقتل كثيرا من أهلها المفسدين، وعفا عن ms394 ~~أهل البلد فلم يعرض لهم. # وفيها حاصر شكل التركي، أحد الأتراك الواصلين من العراق إلى الشام، ثغر ~~عكا وأخذه بالسيف، وكان فيه أولاد أمير الجيوش بدر وأهله وحرمه، فأحسن ~~إليهم وأكرمهم وقتل والي عكا. ثم سار منها فنزل على طبرية وأخذها. # وفيها مات الخليفة القائم بأمر الله ببغداد، يوم الخميس ثالث عشر شعبان، ~~وله من الخلافة أربع وأربعون سنة وتسعة أشهر وأيام؛ وجلس بعده ابن ابنه أبو ~~القاسم عبد الله ابن ذخيرة الدين ولقب بالمقتدي. # وفيها أعيدت الخطبة للمستنصر بمكة بعد أن خطب فيها للقائم بأمر الله ~~العباسي أربع سنين. # وفيها قتل أمير الجيوش كثيرا من جند مصر وغيرهم ممن يومي إليه بفساد. PageV02P314 ### || سنة ثمان وستين وأربعمائة @YY468 # فيها حاصر أطسز بن أرتق، المعروف بالأقسيس، دمشق وألح على قتال من بها من ~~عساكر المستنصر حتى ملكها بعد أن أقام يحاصرها نحو ثلاث سنين. وكان عليها ~~من قبل المستنصر حيدرة بن ميرزا الكتامي، وقد كرهته الرعية لسوء سيرته فيهم ~~وكثرة مصادرته للناس، ففر منهزما إلى بانياس، ثم خرج عنها إلى صور فأقام ~~بها مدة، ثم حمل إلى مصر فقتل بها. وكان قد التحق بأطسز عدة ممن فر من مصر ~~عند قدوم أمير الجيوش، فتقوى بهم وبمن صار إليه من أهل دمشق فرارا من حيدرة ~~لسوء سيرته. فلما ملك دمشق دعا للمقتدي من خلفاء بني العباس وأبطل الخطبة ~~للمستنصر، فانقطعت دعوة الخلفاء الفاطميين منها ولم تعد بعد ذلك. وقطعت ~~دعوة المستنصر من مكة أيضا ودعي فيها للمقتدي. # فيها مات القاضي الشريف جلال الدولة أبو الحسين أحمد بن أبي القاسم علي ~~بن محمد ابن الحسين بن إبراهيم بن علي بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن ~~الحسين بن علي ابن أبي طالب الحسيني النصيبيني، قاضي دمشق، وهو يومئذ متولي ~~القضاء بها، في يوم الجمعة الرابع من ذي القعدة؛ وهو آخر قضاة الخلفاء ~~الفاطميين بدمشق، وسمع الحديث وحدث، وله فيه مقال. PageV02P315 ### || سنة تسع وستين وأربعمائة @YY469 # فيها اجتمع بمدينة طوخ من صعيد مصر عدد كبير ms395 من عرب جهينة والثعالبة ~~والجعافرة لمحاربة أمير الجيوش، فسار إليهم حتى قرب منهم، فنزل، ثم ارتحل ~~بالليل وأمر بضرب الطبول وزعقت البوقات، واشتعلت المشاعل وقد تزايد وقود ~~النيران. وجد في السير والعساكر لها صرخات وصيحات متتابعة في دفعة واحدة، ~~حتى طرقهم بغتة ووضع فيهم السيف فأفنى أكثرهم قتلا، وفر منهم طوائف فغرقوا، ~~ولم ينج منهم إلا القليل. وأحاط بأموالهم فحاز منها ما يتجاوز الوصف كثرة، ~~وسيرها إلى المستنصر. # وثار كنز الدولة محمد بأسوان وتغلب عليها وعلى نواحيها، وكثرت أتباعه ~~ونجم أمره؛ فسار إليه أمير الجيوش بعساكره، فالتقى معهم وحاربهم محاربة ~~طويلة أسفرت عن قتله وهزيمة أصحابه بعد أن قتل منهم جم غفير، فكانت هذه ~~الواقعة آخر الوقائع التي قطع فيها دابر المفسدين، وخمدت جمرتهم. PageV02P316 # وفيها جمع أطسز صاحب دمشق العساكر وسار يريد تملك الديار المصرية وإزالة ~~الدولة الفاطمية منها وإقامة الدعوة العباسية كما فعل في بلاد الشام. وكان ~~أكثر الأسباب الحاملة له على ذلك أن ابن يلدكوش لما فر من أمير الجيوش وصار ~~إلى بلاد الشام اتصل بأطسز، وقدم إليه ستين حبة لؤلؤ مدحرج، زنة كل حبة ~~منها ينيف على مثقال، وحجر ياقوت زنته سبعة عشر مثقالا، وتحفا كثيرة مما ~~كان قد وصل إلى أبيه من خزائن المستنصر في سني الشدة، وأغراه بأهل مصر وحثه ~~على قصد البلاد، وهونها عنده. فقوي طمعه وسار وقد حصل في قوة بمن صار إليه ~~من عساكر مصر ومن انضاف إليه من أهل الشام. # وكان أمير الجيوش ببلاد الصعيد قد انتهى إلى بلاد أسوان، فوصل الخبر ~~بمسير أطسز إلى مصر، فكتب بذلك إلى أمير الجيوش، وكان عند موافاة الخبر ~~إليه في شغل عن ذلك، فقدم أطسز إلى أطراف مصر في جمادى الأولى، وقد أشار ~~عليه ابن يلدكوش بألا تشتغل بالقاهرة ولكن تملك الريف. وقال له: إذا ملكت ~~الريف فقد ملكت مصر. فأقام بالريف جمادى الأولى وجمادى الآخرة وبعض رجب ~~وأمير الجيوش في إصلاح الصعيد وتدبير أموره، وقد حضر إليه أكثر أهل أسوان ~~وبدر بن حازم ms396 بجمائع طي. فلما استوثق أمره وجمع إليه العساكر عاد إلى ~~القاهرة وخرج يريد محاربة أطسز في جمع تبلغ عدته ما ينيف على ثلاثين ألفا ~~ما بين فارس وراجل، وذلك في يوم الخميس لثلاث عشرة بقيت من رجب بعد ما جهز ~~عدة مراكب قد شحنها بالعلوفات والأزواد. فجمع أطسز إليه أصحابه واستشارهم، ~~فاختلفوا عليه في الرأي، فقال بعضهم أن ترجع فإنك قد دست بلاد مصر وليس معك ~~غير خمسة آلاف، والقوم في كثرة، وعواقب الأمور غير معلومة. وقال له أخوه ~~وابن يلدكوش لا يهولنك ما تسمع به من كثرتهم فإنما هم سوقة وأخلاط، لو ~~سمعوا صيحة لفروا عن آخرهم؛ فإياك والرجوع عن هذا الملك قد أشرفت على أخذه ~~ولم يبق إلا تملكه. وأشار عليه شكل، أمير طبرية، بموافقة القوم والدخول إلى ~~مصر. فتقرر الرأي على ملاقاة العساكر المصرية. # فلما كان يوم الثلاثاء لثمان بقين منه تلاقى الفريقان وتحاربا، فكانت ~~بينهما عدة وقائع كانت الغلبة فيها للمصريين، فانهزم أطسز، وقتل أخوه وعدة ~~من أصحابه، وعاد PageV02P317 # في قليل ممن معه وأقام بالرملة حتى تلاحقت به عساكره. ثم رحل إلى القدس ~~ففتحها وقتل من فيها من المسلمين ولم يترك من استجار بالأقصى. # ثم سار إلى دمشق، فدخلها لعشر بقين من شعبان؛ وقد احتوى أمير الجيوش على ~~كثير مما كان معهم، ورجع إلى القاهرة مؤيدا مظفرا. وكان المتولي لكسرة أطسز ~~بدر بن حازم ابن علي بن دغفل بن جراح. فلما جلس أمير الجيوش بدر الجمالي ~~للهناء بنصرته قرأ ابن لفتة، أحد القراء، " ولقد نصركم الله ببدر "، ولم ~~يتم الآية، يعني بدر بن حازم. فبينا أمير الجيوش بدر في ذلك إذ بلغه اجتماع ~~عرب قيس وسليم وفزارة، فخرج إليهم وأوقع بهم، وأكثر من القتل فيهم، وفر من ~~بقي منهم إلى برقة. # وفيها سقط أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي من سطح جامع عمرو بن ~~العاص بمصر، فمات في عشية اليوم الثالث من رجب؛ وكان له على الدولة ~~الفاطمية في كل شهر ثلاثون دينارا وغلة ms397 لإصلاح ما يكتب في ديوان الإنشاء، ~~فكان يعرض عليه جميع ما يكتب منه، وإذا حرره أمر به فدفع لأربابه. ثم إنه ~~تخلى عن الخدم السلطانية وانقطع للعبادة حتى مات؛ وكان أبوه واعظا بمصر. PageV02P318 ### || سنة سبعين وأربعمائة @YY470 # فيها سير أمير الجيوش عسكرا مقدمه ناصر الدولة الجيوشي، فانتهى إلى دمشق ~~وأقام محاصرا لها مدة؛ ثم ارتحل عنها وعاد بغير طائل. # وفيها فوض لأمير الجيوش قضاء القضاة، وزيد في نعوته: كافل قضاة المسلمين، ~~وهادي دعاة المؤمنين. # وفيها وصل إلى مكة من بغداد منبر كبير في شهر رمضان منقوش عليه بالذهب: ~~لا إله إلا الله، محمد رسول الله. الإمام المقتدي بأمر الله أمير المؤمنين. ~~مما أمر بعمله محمد بن محمد بن جهير. فاتفق وصوله وقد أعيدت الخطبة ~~للمستنصر، فكسر المنبر المذكور وأحرق. # ولم يكن بمصر في سنة إحدى وسبعين كبير شيء. PageV02P319 ### || سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة @YY472 # فيها سير أمير الجيوش عسكرا كبيرا، فانتهى إلى دمشق وحاصرها حتى أشرف على ~~أخذها، فسير أطسز صاحب دمشق إلى تاج الدولة تتش بن السلطان ألب أرسلان وكان ~~قد أقطعه أخوه ملكشاه الشام وأخذ حلب بعد ما حاصرها حتى اشتد الجوع بأهلها ~~وملكها يستحثه على نصرته وتقويته على المصريين، ويعده أنه يسلم إليه ملك ~~دمشق. فأجابه إلى سؤاله وسار إليه بعسكره؛ فبلغ ذلك عسكر أمير الجيوش، ~~فارتحل وعاد إلى مصر. وقدم تتش فملك دمشق، ودبر على أطسز وقتله بحيلة في ~~ربيع الأول؛ وجهز عسكرا في إثر العسكر المصري فلم يدركه. # وفيها خرج ملك النوبة من بلاده وصار إلى أسوان يريد زيادة كنيسة لهم بها، ~~فبعث والي قوص من قبض عليه وحمله إلى القاهرة، فأكرمه أمير الجيوش وأفاض ~~عليه النعم، وأتحفه بالهدايا الجليلة؛ فأدركه أجله ومات قبل أن يعود إلى ~~بلاده. # وفيها قطعت خطبة المستنصر من مكة وأعيدت خطبة بني العباس. PageV02P320 ### || سنة سبع وسبعين وأربعمائة @YY477 # فيها خرج الأوحد بن أمير الجيوش على أبيه، وانضم إليه جماعة من العسكر ~~والعربان وتحصن بالإسكندرية؛ فسار إليه أمير الجيوش وحصره، وألح عليه ~~القتال حتى دخل ms398 البلد وأخذ ابنه قهرا. وأمر ببناء الجامع المعروف في ~~الإسكندرية بجامع العطارين من أموال أخذها من أهل البلد، وفرغ منه في شهر ~~ربيع الأول؛ وأقيمت فيه الجمعة واستمرت إلى أن زالت دولة الفاطميين على يد ~~السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، فأمر ببناء جامع، ونقل الخطبة من جامع ~~العطارين إليه. # وفي جمادى الأولى استناب أمير الجيوش ولده الأفضل، وجعله ولي عهده في ~~السلطنة. # وفيها ابتدأ أمير الجيوش في بناء سور القاهرة. PageV02P321 ### || سنة ثمان وسبعين وأربعمائة @YY478 # فيها قطعت الخطبة من مكة للمستنصر وخطب بها للمقتدي العباسي. # فيها مات أبو الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن علي الحسين المغربي الملقب ~~بالكامل؛ وكان قد ولي الوزارة بعد أن صار إلى بلاد المغرب وخدم بها، ثم عاد ~~واتصل بالوزير أبي محمد اليازوري، فأحسن إليه واستخدمه وعني به، فماقته أبو ~~الفرج البابلي. فلما صارت إليه الوزارة بعد اليازوري قبض عليه في جملة من ~~قبض عليه من أصحاب اليازوري، واعتقله، فلم يزل معتقلا إلى أن تقررت له ~~الوزارة وهو في السجن، فأخرج وخلع عليه خلع الوزراة عوضا عن أبي الفرج ~~البابلي، فلم يؤاخذه بما كان منه في حقه، بل قابله بالجميل وأحسن إليه ~~إحسانا كبيرا. ولما صرف عن الوزارة اقترح أن يولي ديوان الإنشاء، فقرر في ~~هذه الرتبة التي يقال لها في زمننا اليوم كتاب السر، فاستقرت من بعده وظيفة ~~ورتبة يتقلدها الأكابر. # وفيها مات سليمان بن قطلمش بن إسرائيل بن سلجوق، صاحب قونية وأقصرا من ~~بلاد الروم، وقام من بعده ابنه قليج أرسلان بن سليمان؛ فاسترد منه الفرنج ~~مدينة أنطاكية. PageV02P322 ### || سنة تسع وسبعين وأربعمائة @YY479 # فيها قدم الحسن بن الصباح، رئيس الطائفة الباطنية من الإسماعيلية، إلى ~~مصر في زي تاجر، واتصل بالمستنصر واختص به، والتزم أن يقيم له الدعوة في ~~بلاد خراسان وغيرها من بلاد المشرق. وكان الحسن هذا كاتبا للرئيس عبد ~~الرزاق بن بهرام بالري، فكاتب المستنصر، ثم قدم عليه. ثم إن المستنصر بلغه ~~عنه كلام، فاعتقله، ثم أطلقه. وسأله ابن الصباح عن عدة ms399 مسائل من مسائل ~~الإسماعيلية فأجاب عنها بخطه. ويقال إنه قال له: يا أمير المؤمنين، من ~~الإمام من بعدك، فقال له ولدي نزار. # ثم إنه سار من مصر بعد ما أقام عند المستنصر مدة وأنعم عليه بنعم وافية. ~~فلما وصل إلى بلاده نشر بها دعوة المستنصر وبثها في تلك الأقطار، وحدث منه ~~من البلاء بالخلق ما لا يوصف مما قد ذكر في أخبار المشرق. ثم قام من بعد ~~المستنصر بدعوة ابنه نزار، وكان بسبب ذلك في مصر من الانقلاب ما نهتم به إن ~~شاء الله تعالى. وأخذ ابن الصباح أصحابه بجمع الأسلحة ومواعدتهم، حتى ~~اجتمعوا له في شعبان سنة ثلاث وثمانين، ووثب بهم فأخذ قلعة ألموت، وكانت ~~لملوك الديلم من قبل ظهور الإسلام، وهي من الحصانة في غاية. # واجتمع الباطنية بأصبهان مع رئيسهم وكبير دعاتهم أحمد بن عبد الملك بن ~~عطاش، وملكوا قلعتين عظيمتين؛ إحداهما يقال لها قلعة الدر. وكانت لأبي ~~القاسم دلف العجلي، PageV02P323 # وجددها وسماها ساهور؛ والقلعة الأخرى تعرف بقلعة جان، وهما على جبل ~~أصبهان. وبث الحسن بن الصباح دعاته، وألقى عليهم مسائل الباطنية التي ~~ذكرتها في هذا الكتاب عند ذكر داعي الدعاة في أخبار بناء سور القاهرة، عند ~~ذكر خطط المعزية القاهرة. فساروا من قلعة ألموت، وأكثروا من القتل في الناس ~~غيلة. # وكان إذ ذاك ملك العراقين السلطان ملكشاه الملقب جلال الدين بن ألب ~~أرسلان، فاستدعى الإمام أبا يوسف الخازن لمناظرة أصحاب ابن الصباح؛ ~~فناظرهم؛ وألف كتابه المسمى بالمستظهري، وأجاب عن مسائلهم. واجتهد ملك شاه ~~في أخذ قلعتهم فأعياه المرض وعجز عن نيلها. # وفيها خلع اسم المستنصر وآبائه من مكة والمدينة وكتب اسم المقتدي. PageV02P324 ### || سنة ثمانين وأربعمائة @YY480 # فيها مات أبو الفضل عبد الله بن الحسين بن بشرى، المعروف بابن الجوهري، ~~الواعظ المصري في العشر الأواخر من شوال؛ وهو أحد أكابر شيوخ مصر، وتصدى ~~سنين للوعظ بجامع عمرو بن العاص. حدث عن جماعة؛ وله كلام في الزهد ~~والمواعظ؛ وهو من بيت علم وأسرة وعظ. ولما كانت أيام الشدة والغلاء بمصر ms400 ~~اجتمع إليه الناس في بعض الأيام وسألوه عقد المجلس للوعظ بالجامع العتيق، ~~فقال: من يحضر عندي ومن بقي؟ فقالوا: لا بد من ذلك؛ فجلس، وكان من كلامه: ~~أبشروا هذه سنة ثلاث، وأشار بيده، وهي متعلقة كلها، وسنة حل سنة أربع ويفتح ~~الله، ورفع بنصره؛ وبعدها سنة خمس ويفتح الله؛ ورفع خنصره. فكان كما قال. ~~وأنشد مرة في بعض مجالسه: # ما يصنع الليل والنهار ... ويستر الثوب والجدار # على كرام بني كرام ... تخيروا في القضا وخاروا # ومن كلامه: قد اختل امر الدين والدنيا، وتعذر الوصول إليهما، فمن طلب ~~الآخرة لم يجد معينا علينا، ومن طلب الدنيا وجد فاجرا قد سبقه إليها. # وأنشد مرة الخليفة المستنصر: # عساكر الشكر قد جاءت مهنئة ... وللملوك ارتياب في تأتيها # بالباب قوم ذوو ضعف ومسكنة ... يستصغرون لك الدنيا بما فيها # وفيها بعث بردويل ملك الفرنج الذين يقال لهم الإفرنسيس عسكرا عليه أجار ~~إلى صقلية فملكها من المسلمين. PageV02P325 ### || سنة إحدى وثمانين وأربعمائة @YY481 ### || سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة @YY482 # فيها ندب أمير الجيوش عسكرا إلى بلاد الشام وقدم عليه ناصر الدولة ~~الجيوشي؛ فسار وفتح ثغري صور وصيدا، ثم فتح جبيل وعكا. وكان تتش قد ملكها، ~~فاستولى عليها ناصر الدولة الجيوشي، وقتل جماعة من أصحاب تتش، وأخذ كثيرا ~~من ذخائره. ومضى إلى بعلبك، فوفد عليه خلف بن ملاعب صاحب حمص، ودخل في ~~الطاعة، وبعث ابن حمدان إلى أمير الجيوش، فسير إليه الخلع والطوق. ### || سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة @YY483 # فيها توفى الحافظ أبو اسحق ابراهيم بن سعد بن عبد الله الخيال المصري ~~الإمام، صاحب التاريخ، في سادس ذي القعدة، ومولده في سنة إحدى وسبعين ~~وثلثمائة؛ ودفن بالقرافة. # وفيها صعد الحسن بن الصباح إلى قلعة ألموت في شعبان، وأظهر دعوة المستنصر ~~بالله. PageV02P326 ### || سنة خمس وثمانين وأربعمائة @YY485 # فيها نقل أمير الجيوش بابي زويلة وزاد من ورائهما قطعة، وبنى باب زويلة ~~الكبير الموجود الآن، ورفع أبراجه على ما هي عليه، ولم يجعل له باشورة كما ~~هي عادة أبواب الحصون أن يكون في أبوابها عطفة تمنع العساكر من الهجوم ms401 على ~~الحصن عند الحصار، بل عمل في بابه زلاقة من حجارة صوان، حتى إذا هجم العسكر ~~لم تثبت قوائم الخيل على الصوان لملاسته. فلم تزل هذه الزلاقة باقية إلى ~~أيام الملك الكامل محمد بن العادل، فأمر بنقضها لما زلت به فرسه وسقط عنها. PageV02P327 ### || سنة ست وثمانين وأربعمائة @YY486 # فيها جرد أمير الجيوش عسكرا إلى ثغر صور، وكان المتولي به قد خرج عن ~~الطاعة. فسار العسكر ونزل على الثغر، فخاف أهل البلد من سطوة أمير الجيوش، ~~فلم يعرضوا لقتال فهجم العسكر البلد وانتهبوا أهله، وقبضوا على أميرها وعلى ~~جماعة من الناس وسيروهم إلى أمير الجيوش فقتلهم؛ وبعث بفريضة ستين ألف ~~دينار على أهل صور؛ وكان ذلك في رابع عشر جمادى الآخرة. # وفيها نمى قتل أبي علي حسن بن عبد الصمد بن أبي الشحناء العسقلاني صاحب ~~الرسائل والشعر، وكان بديوان الإنشاء، وشعره ورسائله مشهورة. ويقال إن ~~القاضي الفاضل عبد الرحيم كان جل اعتماده على رسائله. ومن شعره: # أصبحت تخرجني بغير جريمة ... من دار إكرام لدار هوان # كدم الفصد يراق أرذل موضع ... أبدا، ويخرج من أعز مكان # ثقلت موازين العباد بفضلهم ... وفضيلتي قد خففت ميزاني PageV02P328 ### || سنة سبع وثمانين وأربعمائة @YY487 # في شهر ربيع، وقيل في جمادى الأولى، توفي أمير الجيوش بدر الجمالي من مرض ~~نزل به من أول السنة حتى أسكت فلم يقدر على الكلام إلى أن مات وقد ناهز ~~ثمانين سنة؛ وجنسه أرمني؛ وكان مملوكا لجمال الدولة ابن عمار، فلذلك قيل له ~~بدر الجمالي. وما زال يأخذ نفسه بالجد من شبيبته فيما يباشره، ويوطن نفسه ~~على قوة العزم فيما يرومه، ويتنقل في الرتب العلية، حتى ولي بلاد الشام ~~وتقلد إمارة دمشق من قبل المستنصر مرتين، وثار عليه أهلها، وكانت في إمارته ~~الفتنة العظيمة التي احترق فيها قصر الإمارة وجامع بني أمية. ثم إنه رحل عن ~~دمشق إلى مصر، وقلده المستنصر عكا. فلما فسدت أحوال مصر وتغيرت أمورها ~~وخربت كان يبلغه ذلك فيتحسر لما يبلغه ويتلهف لكونه بعيدا عن مصر. فلما ~~كاتبه المستنصر ودخل إلى ms402 القاهرة تحكم في بلاد مصر تحكم الملوك، ولم يبق ~~للمستنصر من أمر، وألقى إليه مقاليد مملكته، وسلم إليه أمور خلافته، فضبطها ~~أحسن ضبط. فاشتدت مهابته في قلوب الخاصة والعامة، وخاف سطوته كل جليل ~~وكبير، لعظم بأسه وكثرة بطشه، وقتله من الخلائق ما لا يمكن ضبطهم ولا يعلم ~~عدتهم إلا إلههم سبحانه. وبقتله أكابر المصريين من الأمراء والقواد ~~والوزراء والأعيان، من أهل القاهرة ومصر وبلاد الصعيد وأسفل الأرض وثغر ~~دمياط وتنيس والإسكندرية، الذين كانوا قد تمرنوا على الفساد، ونشأوا في ~~الفتن واعتادوا مضرة الخلق، ولصلاح أحوالهم من ذلك صلحت الديار المصرية بعد ~~فسادها، وعمرت بعد خرابها، وزال عكس المستنصر وابتدأت سعادته. PageV02P329 # وكان من جميل أفعاله أنه لما قتل المفسدين من الأجناد والعربان وغيرهم ~~أطلق الخراج للمزارعين، ولم يأخذ منهم شيئا ثلاث سنين، حتى صلحت أحوال ~~الفلاحين. واستغنى أهل مصر في أيامه، ودرت عليهم أخلاف النعم بعد توالي ~~الشدائد الكبيرة، ومقاساة الألم. وكثر ترداد التجار في أيامه إلى مصر بعد ~~نزوحهم عنها، وخروجهم لشدة البلاء والجور فيها. # وكانت مدة تحكمه بالديار المصرية إحدى وعشرين سنة. وكان عزوف النفس شديد ~~البطش، عالي الهمة عظيم الهيبة، حسن التأتي جميل السياسة، مظفرا، سعيد ~~الجد، سخيا، مفضالا. قصده علقمة بن عبد الرزاق العليمي، فلما وافى بابه ~~شاهد أشراف الناس وكبراءهم وشعراءهم وعلماءهم على بابه وقد طال وقوفهم ~~ومقامهم، ولا يصلون إليه. فبينا هو كذلك إذ خرج أمير الجيوش يريد الصيد، ~~فخرج في أثره وأقام معه حتى رجع من صيده؛ فعندما قاربه وقف على تل من رمل، ~~ورمى برقعة كانت في يده، وأنشد: # نحن التجار، وهذه أعلاقنا ... در، وجود يمينك المبتاع # قلب، وفتشها بسمعك، إنما ... هي جوهر تختاره الأسماع # كسدت علينا بالشآم، وكلما ... قل النفاق تعطل الصناع # فأتاك يحملها إليك تجارها ... ومطيها الآمال والأطماع # حتى أناخوها ببابك، والرجا ... من دونك السمسار والبياع # فوهبت ما لم يعطه في دهره ... هرم، ولا كعب، ولا القعقاع # وسبقت هذا الناس في طلب العلا ... والناس بعدك كلهم أتباع # يا بدر، أقسم، لو ms403 بك اعتصم الورى ... ولجوا إليك، جميعهم، ما ضاعوا # وكان بيد بدر باز، فدفعه لأحد مماليكه وجعل يستعيد الأبيات، وهو معه، إلى ~~أن استقر في مجلسه. فلما اطمأن قال للحاضرين عنده؛ من أحبني فليخلع عليه. ~~فبادر حينئذ الحاضرون، ولم يبق منهم إلا من ألقى له ما قدر عليه، حتى صار ~~إليه منهم ما حمله على سبعين بغلا عندما خرج من المجلس؛ ومع ذلك أمر له ~~أمير الجيوش من ماله بعشرة ألاف درهم. PageV02P330 # قال قاضي الرشيد أحمد بن الزبير في كتاب العجائب والطرف والهدايا والتحف: ~~ولما مات أمير الجيوش بدر المستنصري خلف سبعمائة غلام، كل غلام له من المال ~~ما ينيف عن المائة ألف غلام. وخلف من المال بعد عمارة سور القاهرة ستة آلاف ~~ألف دينار وأربعمائة ألف ألف درهم في دار الوزارة؛ ومن الجوهر والياقوت ~~أربعة صناديق ومن القضب الفضة والذهب والمراتب، ومن السروج المحلاة، ما ~~يعجز عن وصفه. وخلف ألف قصبة زمرد، لأنه كان له به غرام عظيم، جمعت له من ~~جميع الأقطار. # ولما مات أمير الجيوش كان أجل غلمانه من الأمراء نصر الدولة أفتكين، ~~ويليه في الرتبة أمين الدولة صافي، ويقال لاون، فبعث لاون لكل جماعة من ~~الأمراء الجيوشية مالا والتمس منهم الرضا به أن يلي الوزارة مكان أستاذه ~~أمير الجيوش، فوافقوه على ذلك فأقر أمره مع المستنصر؛ فطلبه بعد موت أمير ~~الجيوش وأفاض عليه خلع الوزارة وجلس في الشباك عند الخليفة ليتولى على ~~العادة. وكان نصر الدولة أفتكين قد بلغه ذلك من قبل، فركب وطاف على ~~الأمراء، كل واحد بمفرده، وغلطه فيما عزم عليه، وقبح أن يكون أحد خشدا شيته ~~يتحكم عليه مع وجود أولاد أستاذهم؛ مع ما قد عرف من بخل لاون، ونحو ذلك من ~~القول، حتى رجعوا عن لاون. فعندما طلبه المستنصر وخلع عليه ركب نصر الدولة ~~في جميع الأمراء بالسلاح وصاروا إلى القصر، ووقفوا في الصحن؛ فشق ذلك على ~~المستنصر وعلى من بحضرته من خواصه. وشرع الأمراء في مخاطبة المستنصر في ~~إبطال وزارة لاون، وهو ms404 يأبى عليهم، حتى طال الخطاب. فقال المستنصر إذا ~~أقمنا قصبة قبل أمرنا. فقال الأمراء، إذا أقمت هذه القصبة قطعناها بهذه ~~السيوف؛ وجردوا سيوفهم، PageV02P331 # ولم يبق إلا وقوع الشر. فقال المستنصر لهم خيرا، وأمر بإحضار الأفضل بن ~~أمير الجيوش، وقرر في الوزارة مكان أبيه، وبطل أمر لاون، فاستمر إلى ليلة ~~الخميس الثامن عشر من ذي الحجة. # وفيها مات الخليفة المستنصر بالله أبو تميم معد، فلما كان عند موته حصل ~~رعد عظيم وبرق كثير ومطر غزير؛ وعمره يومئذ سبع وستون سنة وخمسة أشهر؛ منها ~~في خلافته ستون سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام، مرت به فيها أهوال عظيمة، ~~وشدائد آلت به إلى أن جلس على نخ، لا يجد من القوت إلا ما تتصدق به عليه ~~الشريفة ابنة صاحب السبيل في كل يوم، فلا يأكل غير مرة واحدة في اليوم من ~~قعب فتيت تبعث بها إليه، كما قد تقدم ذلك. # وكان قد قوي أمره وقام بتدبير وزارته عند إقامته في الخلافة وزير أبيه ~~علي بن أحمد الجرجرائي، فمشت الأحوال على سداد إلى أن مات، فحكمت أمه في ~~الدولة وولت أبا سعيد ابراهيم اليهودي التستري وزارتها، فصار هو الذي يلي ~~الوساطة ويدبر الأموال إلى أن قتل. فلما كانت سنة اثنتين وستين اختلطت ~~الأمور وتعاظم الأمر، فكان من الغلاء والفتن والبلاء والنهب ما تقدم ذكره. # وولي وزارته أربعة وعشرون وزيرا، وهم: أبو القاسم الجرجرائي إلى أن مات ~~وزيرا في سنة ست وثلاثين؛ فولي أبو منصور صدقة بن يوسف الفلاحي إلى أن قتل ~~في سنة تسع وثلاثين؛ فولي عماد الدولة أبو البركات الحسين بن محمد ~~الجرجرائي مرتين إلى أن عزل في سنة أربعين؛ فولي صاعد بن مسعود أبو الفضل ~~وصرف في سنة اثنتين وأربعين؛ فاستقر أبو محمد اليازوري مضافا إلى القضاء ~~والتقدمة على الدعاة، ولم يجمع ذلك لأحد قبله، إلى أن قبض عليه في محرم سنة ~~خمسين؛ فاستوزر أبو الفرج عبد الله بن محمد البابلي ثم صرف بعد شهرين ~~وأربعة عشر يوما. واستقر أبو الفرج محمد بن ms405 جعفر بن PageV02P332 # محمد بن علي بن الحسين المغربي ثم صرف في سنة اثنتين وخمسين؛ وأعيد ~~البابلي ثم صرف بعد أربعة أشهر. وتولى عبد الله بن يحيى بن المدبر في صفر ~~سنة ثلاث وخمسين وصرف بعد شهرين؛ وتولى عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد ~~الفارقي في رمضان منها إلى أن توفي في محرم سنة أربع وخمسين؛ فتولى بعده ~~أخوه أبو علي أحمد سبعة عشر يوما وصرف؛ فأعيد البابلي كرة ثالثة في ربيع ~~الأول، فأقام خمسة أشهر واستعفى فوزر أبو عبد الله الحسين بن سديد الدولة ~~الماسكي؛ ثم صرف بأبي أحمد بن عبد الكريم ابن عبد الحاكم، فكان ينقل من ~~القضاء إلى الوزارة ثم يعود إلى القضاء؛ وصرف بابن المدبر، فأقام إلى أن ~~توفي؛ فأعيد أبو أحمد بن عبد الحاكم في ذي الحجة سنة خمس وخمسين فأقام خمسة ~~وأربعين يوما؛ وصرف بأبي غالب عبد الطاهر بن فضل العجمي، فتولى غير مرة، ~~وكان جده من دعاة الدولة؛ فولي مرة في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وصرف ~~بعد ثلاثة أشهر، وولي أخرى في ربيع الآخر سنة ست وخمسين وصرف بعد ثلاثة ~~وأربعين يوما، وفي ثالثة في أيام الفتنة وقتله تاج الملوك شاذي بالقاهرة في ~~سنة خمس وستين. وولي الوزارة أيضا الحسن بن ثقة الدولة بن أبي كدينة، وجمع ~~له بين القضاء والوزارة سبع مرات، ووصل أمير الجيوش وهو وزير فقبض عليه ~~وقتل بدمياط. وولي أبو المكارم سعد وتنقلت به الأحوال حتى قتله أمير ~~الجيوش؛ ثم وزر بعده أبو علي الحسن ابن أبي سعيد التستري عشرة أيام ثم ~~استعفى، وكان يهوديا فأسلم. ثم استوزر أبو القاسم عبد الله بن محمد ~~الرعباني مرتين، كل منهما عشرة أيام؛ ثم ولي الأمير أبو الحسن بن الأنباري ~~أياما وصرف. فتولى أبو علي الحسن بن سديد الدولة الماسكي أياما، وهذه ~~وزارته الثانية؛ ثم صرف بأبي شجاع محمد بن الأشرف بن فخر الملوك وصرف، فسار ~~إلى الشام ولقيه أمير الجيوش فقتله؛ وأبو غالب جده كان وزيرا لبهاء الدولة ~~بن عضد ms406 الدولة ملك العراق. ثم ولي بعده أبو الحسن طاهر بن وزير الطرابلسي ~~ثم صرف، وكان أحد الكتاب بديوان الإنشاء؛ فولي بعده أبو عبد الله محمد بن ~~أبي حامد التنيسي يوما واحدا وقتل، PageV02P333 # فوجد له مال كثير. ثم ولي أبو سعد منصور بن أبي أيمن سورس بن مكرواه بن ~~زنبور، وكان نصرانيا فأسلم، ويقال إنه لم يسلم؛ ثم ولي بعده أبو العلاء عبد ~~الغني بن نصر بن سعيد الضيف وصرف. فلما قدم أمير الجيوش تسلمها. # ولما قدم أمير الجيوش من عكا صار وزير السيف والقلم، وولي القضاء أيضا، ~~وزيد في ألقابه كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين. ثم لما مات وزر من ~~بعده ابنه الأفضل. # وأما قضاته، فقد تقدم من جمع له القضاء مع الوزارة. والذين أفردوا بوظيفة ~~القضاء عبد الحاكم بن سعيد الفارقي في أول خلافته؛ ثم تقلد القضاء القاسم ~~بن عبد العزيز ابن النعمان؛ ثم أبو يعلى، ويقال أبو الحسن، أحمد بن حمزة بن ~~أحمد العرقي ومات؛ فولي أبو الفضل القضاعي؛ ثم جلال الدولة أبو القاسم علي ~~بن أحمد بن عمار. وولي الفضل ابن نباتة، ثم أبو الفضل بن عتيق، ثم أبو ~~الحسن علي بن يوسف بن الكحال، ثم فخر الأحكام أبو الفضل محمد بن عبد ~~الحاكم، وكان في أيامه ما قد تقدم ذكره من الرزايا. # وكان نقش خاتمه: بنصر السميع العليم ينتصر المستنصر أبو تميم. # ومما رثى به المستنصر قول حظي الدولة أبي المناقب عبد الباقي بن علي ~~التنوخي الشاعر، من أبيات: # وليس ردى المستنصر اليوم كالردى ... ولا قدره أمر يقاس به أمر # لقد هاب ملك الموت إتيانه ضحى ... ففاجأه ليلا وما طلع الفجر # فأجرى عليه، حين مات، دموعنا ... سماء، فقال الناس: لا؛ بل هو القطر # وقد بكت الخنساء صخرا، وإنه ... ليبكيه من فرط المصاب به الصخر # وقلدنا المستعلى الطهر حسب ما ... عليه قديما نص والده الطهر PageV02P334 # الجزء الثالث # بسم الله الرحمن الرحيم ### | المستعلى بالله أبو القاسم أحمد بن المستنصر بالله أبي تميم معد بن الظاهر لإعزاز دين ms407 الله أبي الحسن علي ابن الحاكم بأمر الله أبي علي منصور PageV03P009 # ولد في ثامن عشر المحرم، وقيل في العشرين من المحرم، سنة ثمان وستين ~~وأربعمائة، وبويع له في يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة، سنة سبع ~~وثمانين وأربعمائة، حين مات أبوه المستنصر. وذلك أن الأفضل شاهنشاه بن أمير ~~الجيوش بدر الجمالي عندما مات المستنصر بادر إلى القصر وأجلسه ولقبه ~~بالمستعلى، وبعث فأحضر إليه نزارا وعبد الله وإسماعيل، أولاد المستنصر؛ ~~فلما حضروا وشاهدوا أخاهم أحمد وكان أصغرهم، قد جلس على تخت الخلافة أنفوا ~~من ذلك، فأمرهم الأفضل بتقبيل الأرض وقال لهم: تقدموا وقبلوا الأرض لله ~~تعالى ولمولانا المستعلى بالله وبايعوه، فهو الذي نص عليه الإمام المستنصر، ~~قبل وفاته، للخلافة من بعده. فامتنعوا من ذلك، وقال كل منهم إن والده وعده ~~بالخلافة؛ وقال نزار: إن قطعت ما بايعت من هو أصغر سنا مني وخط والدي عندي ~~بأني ولي عهده وأنا أحضره؛ وخرج مسرعا ليحضر الخط، فمضى من حيث لا يشعر به ~~أحد وتوجه في خفية إلى الإسكندرية. فلما أبطأ أرسل الأفضل من يستعجله ~~بالحضور، فلم يوجد، وفتش عليه في القصر فلم يوقف له على خبر ولا عرف كيف ~~توجه فاضطرب الأفضل لذلك وانزعج انزعاجا شديدا. # وقوم يذكرون أن المستنصر كان قد أجلس ابنه أبا المنصور نزارا، لأنه أكبر ~~أولاده، وجعل إليه ولاية العهد من بعده، فلما قربت وفاته أراد أن يأخذ له ~~البيعة على رجال الدولة، PageV03P011 # فتقاعد له الأفضل ودافع حتى مات؛ وذلك أنه كانت بينه وبين نزار مباينة، ~~وكان في نفس كل منهما مباينة من الآخر لأمور، منها أن نزارا خرج ذات يوم من ~~بعض أماكن القصر فوجد الأفضل قد دخل من أحد أبواب القصر وهو راكب، فصاح به: ~~انزل يا أرمني يا نجس؛ فحقدها الأفضل عليه، وظهرت كراهة أحدهما الآخر. ~~ومنها أن الأفضل كان يعارض نزارا في أموره أيام حياة أبيه ويرد شفاعاته ~~ويضع من قدره، ولا يرفع رأسا لأحد من غلمانه وحاشيته، بل يحتقرهم ويقصدهم ~~بالأذى والضرر. فلما ms408 عزم المستنصر على أخذ البيعة لنزار اجتمع الأفضل ~~بالأمراء الجيوشية وخوفهم من نزار، وحذرهم من مبايعته، وأشار عليهم بولاية ~~أخيه أحمد فإنه صغير لا يخاف منه، ويؤمن جانبه؛ فرضوا بذلك وتقرر أمرهم ~~عليه بأجمعهم ما خلا محمود بن مصال اللكي، من قرية يقال لها لك برقة، فإنه ~~لم يوافق لأنه كان قد وعده نزار بأن يوليه الوزارة والتقدمة على الجيوش ~~مكان الأفضل؛ فلما اطلع على ما قرره الأفضل من ولاية أبي القاسم أحمد مع ~~الأمراء وأنهم قد وافقوه على ترك مبايعة نزار طالعه بجميع ذلك. # وبادر الأفضل فأجلس أبا القاسم ولقب بالمستعلى بالله. وأصبح في بكرة يوم ~~الخميس لاثنتي عشرة بقيت من ذي الحجة فأخرجه إلى الإيوان، وأجلسه على سرير ~~الملك، وجلس هو على دكة الوزارة؛ وحضر قاضي القضاة المؤيد بنصر الإمام علي ~~بن نافع بن الكحال، والشهود، فأخذ البيعة على مقدمي الدولة وأمرائها ~~ورؤسائها وجميع الأعيان؛ ثم مضى إلى عبد الله وإسماعيل ولدي المستنصر، ~~وكانا في مسجد من مساجد القصر وقد وكل بهما الأفضل جماعة يحفظونهما، فقال ~~لهما: إن البيعة قد تمت لمولانا المستعلى بالله، وهو يقرئكما السلام ويقول ~~لكما تبايعاني أم لا؟ فقالا: السمع والطاعة، إن الله اختاره علينا؛ ووقفا ~~قائمين على أرجلهما وبايعاه؛ وكتب كتاب البيعة وأخرج، فقرأه الشريف PageV03P012 # سناء الملك محمد بن محمد الحسيني الكاتب بديوان الإنشاء، على عادة ~~الأمراء وجميع أهل الدولة. # وكانت الدعاة عندما بلغهم موت المستنصر اختلفوا فيمن يبايعونه من بعده، ~~فدعا بركات، وهو أمين الدعاة، لعبد الله المستنصر ونعته بالموفق؛ فقبض ~~الأفضل عليه وقتله هو وابن الكحال. ووصل الخبر بلحاق نزار ومعه محمود بن ~~مصال اللكي بنصر الدولة، وأن نصر الدولة أفتكين التركي، أحد مماليك أمير ~~الجيوش وكان على ولاية الإسكندرية، قد بايعة والقاضي ابو عبد الله محمد بن ~~عمار واهل الاسكندرية قد بايعه، والقاضي أبو عبد الله محمد بن عمار، وأهل ~~الإسكندرية، وأنه تلقب بالمصطفى لدين الله. فأهم الأفضل ذلك وأخذ في التأهب ~~لمحاربتهم. # وفيها توفى أبو عبد الحسين بن سديد ms409 الدولة، ذي الكفايتين، محمد الماسكي؛ ~~وكان ممن وزر للمستنصر في سنة أربع وخمسين، فلما صرف عن الوزارة سار إلى ~~مدينة صور من الشام فأقام بها عدة سنين؛ ثم إنه رجع إلى مصر وخدم مشارفا ~~بالإسكندرية بعد الوزارة، ثم صرف عن المشارقة. وكان من أماثل الكتاب وأحد ~~الأدباء الفضلاء. ومن شعره: # توصل إلى رد كيد العدو ... توصل ذي الحيلة الحازم # وصانع ببعض الذي حزته ... تعش عيشة الآمن الغانم # ودع ما نعمت به في القدي ... م، واعمل لذا الزمن القادم # لعلك تسلم مما تخاف ... ولست، إخالك، بالسالم # وله عدة مصنفات ورسائل. PageV03P013 ### || سنة ثمان وثمانين وأربعمائة @YY488 # في آخر المحرم خرج الأفضل بعساكره من القاهرة فسار إلى الإسكندرية ~~لمحاربة نزار وأفتكين، فخرجا إليه في عدة كبيرة وحارباه؛ فكانت بينهما عدة ~~وقائع بظاهر الإسكندرية انكسر فيها الأفضل ورجع بمن معه منهزما يريد ~~القاهرة؛ فنهب نزار بمن معه من العرب أكثر بلاد الوجه البحري. # ووصل الأفضل إلى القاهرة، وشرع يتجهز ثانيا لمسيره. ودس إلى أكابر من ~~انتمى إلى نزار من العرب يدعوهم إلى التخلي عنه، واستمالهم بما حمله إليهم ~~من الأموال وما وعدهم به من الإقطاعات وغيرها. وخرج وقد أعد واستعد. فسار ~~إلى الإسكندرية وقد برزوا إليه؛ فكانت بينهما حروب آلت إلى هزيمة نزار ~~والتجائه إلى المدينة؛ فنزل الأفضل عليها، وحاصرها، ونصب عليها المجانيق ~~وألح عليها بالقتال، ومنع عنها الميرة. # فلما كان في ذي القعدة وقد اشتد الأمر على من بالإسكندرية جمع ابن مصال ~~ماله وفر إلى جهة المغرب في ثلاثين قطعة، يريد بلده لك برقة من أجل رؤيا ~~رآها، وهي أنه رأى في منامه كأنه قد ركب فرسا وسار والأفضل يمشي في ركابه؛ ~~فقص هذه الرؤيا على عابر له فطانة وتمكن في علم التعبير، فقال له الماشي ~~على الأرض أملك لها من الراكب وهذا يدل على أن الأفضل يملك البلاد. # وكانت الأنفس قد ملت طول الحصار. فلما فر ابن مصال ضعفت نفس نزار وأفتكين ~~وتخوفا ممن حولهما؛ فبعثا إلى الأفضل يسألان الأمان، فأمنهما، وتمكن من ms410 ~~البلد. وقبض على نزار وأفتكين، وسير بهما إلى مصر؛ فيقال إنه سلم نزارا ~~لأهل القصر من أصحاب المستعلى، وأنه بنى عليه حائط ومات؛ وقيل إنه قتل ~~بالإسكندرية؛ والأول أصح. PageV03P014 # وكان مولده يوم الخميس العاشر من ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وأربعمائة. ~~والاسماعيلية وملاحدة العجم وملاحدة الشام تعتقد إمامته وتزعم أن المستنصر ~~كان قد عهد إليه وكتب اسمه على الدينار والطرز، وأن المستنصر قال للحسن بن ~~صباح إنه الخليفة من بعده. # وكان للمستنصر أولاد فروا إلى المغرب، منهم محمد وإسماعيل وطاهر، وعاد ~~منهم في خلافة الحافظ واحد إلى مصر ولا عقب له. # وأما أفتكين فإنه قتل بعد قدوم الأفضل إلى مصر. أما ابن مصال فإنه وصل لك ~~ولقيه أهلها، وكان قد خرج منها صبيا فقيرا، فأقام عندهم أياما. واتفق أن ~~رأى عجوزا عرفته، فقالت له: كبرت يا محمود! فقال لها: نعم. فقالت له: لعلك ~~جئت مع صاحب هذه المراكب. فقال: أنا صاحبها. فقالت: ماذا يعمل عدم الرجال. ~~ولم يزل يبعث إليه الأفضل بالأمان حتى قدم عليه، فلزم داره مدة، ثم رضي عنه ~~الأفضل وأكرمه. # وكان الأفضل لما قبض من نزار وتمكن من الإسكندرية تتبع جميع من كان معه ~~ومن مالأه أو أعانه، فقبض على كثير من وجوه البلد، منهم قاضي الثغر أبو عبد ~~الله محمد بن عمار واعتقله مدة ثم قتله؛ وكان حسنة من حسنات الدهر ونخبة من ~~نخب العقد؛ وحظى عنده بنو حارثة، وكانوا من عدول البلد، لأنهم لم يبايعوا ~~نزارا ولم يدخلوا في شيء من ذلك، وكانوا يهادون الأفضل سرا. ولى قضاء ~~الإسكندرية عوضا عنه القاضي أبا الحسن زيد بن الحسن بن حديد، وبالغ في ~~إكرامه وإكرام أهل بيته. # وكان الأفضل وهو على حصار الإسكندرية يخرج أمه فتطوف في كل يوم، وهي ~~متنكرة، بالأسواق، وتدخل يوم الجمعة إلى الجوامع وتزور المشاهد والمساجد ~~والربط تستعلم خبر ولدها وتعرف من يحبه ومن يبغضه؛ فدخلت يوما إلى مسجد أبي ~~طاهر وجاءت إلى ابن سعد الإطفيحي وقالت له: يا سيدي، ولدي في العسكر ms411 مع ~~الأفضل، الله تعالى يأخذ PageV03P015 # لي منه الحق، ما فعل خيرا، وأنا ما أنام خوفا على ابني، ادع الله أن يسلم ~~ولدي. فقال لها: يا أمة الله، أما تستحين، تدعين على سلطان الله في أرضه، ~~المجاهد عن دين الله تعالى، الله ينصره ويظفره ويسلمه ويسلم ولدك، ما هو إن ~~شاء الله تعالى إلا منه وهو مؤيد مظفر، كأنك به وقد فتح الإسكندرية وأسر ~~أعداءه، وأتى على أحسن قضية وأجمل طوية، فلا يشغل لك سر، فما يكون إلا ~~الخير إن شاء الله. ثم اجتازت بالفار الصيرفي بالسراجين من القاهرة، فوقفت ~~عليه تصرف منه دينارا وكان إسماعيليا متغاليا فقالت له: ولدي مع الأفضل وما ~~أدري ما خبره. فقال لها: لعن الله المذكور الأرمني الكلب العبد السوء بن ~~العبد السوء، مضى يقاتل مولانا ومولى الخلق؟ كأنك والله يا عجوز برأسه ~~جائزا من هنا على رمح قدام مولانا نزار ومولاي ناصر الدولة إن شاء الله ~~تعالى، والله يلطف بولدك؛ من قال لك تخلينه يمضي مع هذا الكلب المنافق. ثم ~~وقفت يوما آخر على ابن بابان الحلبي، وكان بزازا بسوق القاهرة، تشتري منه ~~شيئا وكان نزاريا فقالت له كقولها للفار الصيرفي، فقال لها كما قال أيضا، ~~وبالغ في لعن الأفضل وسبه. # فلما أخذ الأفضل نزار وناصر الدولة، وفتح الإسكندرية، وقدم إلى القاهرة ~~في يوم حدثته أمه الحديث بنصه. فلما خلع عليه في القصر بين يدي الخليفة ~~المستعلى في يوم وعاد إلى مصر اجتاز بالبزازين وهو بالخلع، ونظر إلى ابن ~~بابان الحلبي وقال: أنزلوا هذا. فنزلوا به، فضربت عنقه تحت دكانه، ثم قال ~~لعبد علي، أحد مقدمي ركابه، قف هنا لا يضيع له شيء من دكانه إلى أن يأتي ~~أهله فيتسلموا قماشه. ثم وصل إلى السراجين، فلما تجاوز دكان الفار الصيرفي ~~التفت إلى جهته وقال: انزلوا بهذا. فنزلوا به؛ فقال: رأسه. فضربت عنقه، ~~وقال ليوسف الأصفر أحد مقدمي الركاب: احتط على حانوته PageV03P016 # إلى أن يأتي أهله وتسلموا موجوده، وإياك ماله وصندوقه، وإن ضاع منه درهم ~~ضربت ms412 عنقك مكانه؛ كان لنا خصما أخذناه وفعلنا به ما نردع به غيره عن فعله، ~~ومالنا في ماله ولا في فقر أهله حاجة. ثم أتى إلى الشيخ أبي طاهر الإطفيحي ~~وقربه وتخصص به، وأطلعه على أغراضه وأكثر من التردد إليه، وأجرى الماء إلى ~~مسجده، وبنى له فيه حماما وبستانا وغير ذلك من المباني. فعظم قدر الإطفيحي ~~به، وكثر غشيان الناس مسجده، وطار ذكره، وشاع خبره، وكثرت حاشيته، وصار ~~المشار إليه بالديار المصرية حتى مات. # وفيها قام ببغداد تاجر يعرف بحامد الأصفهاني فتكلم بأن نسب الخلفاء ~~الفاطميين صحيح، فقبض عليه واعتقل حتى مات. # وخرج الأمر بجمع الناس إلى بيت النوبة ببغداد، فجمعوا في تاسع ربيع ~~الآخر، وحضر بنو هاشم وغيرهم إلى الديوان؛ وقرئ توقيع أوله خطبة تشتمل على ~~حمد الله تعالى والثناء عليه، وتذكر طاعة الأئمة وفضل العباس وما جاء فيه ~~من الأخبار، ثم قال: أما بعد، فإنه لم يخل وقت ولا زمان من مارق على الدين، ~~وشاع تفرق كلمة المسلمين ليبلوا الله المجاهدين فيهم والصابرين، ويصلي أكثر ~~العاكفين نار جهنم التي أعدت للكافرين. وهذه الطائفة المارقة من الباطنية ~~الملحدين، والكفرة المستسلمين، انتهكوا المحارم، واستحلوا الكبائر، وأراقوا ~~الدماء، وكذبوا بالذكر، وأنكروا الآخرة، وجحدوا الحسنات والجزاء، وفصلوا ~~أعضاء المسلمين، وسملوا أعين الموحدين؛ فكادوا الدين وفقهاءه، وأعلنوا ~~بالشرك ونداءه. ثم رماهم بالفسوق والإهمال والانحلال؛ وقال: شاعرهم يقول: # حل برقادة المسيح ... حل بها آدم ونوح PageV03P017 ### || سنة تسع وثمانين وأربعمائة @YY489 # فيها خرج خلف بن ملاعب من عند الأفضل لولاية فامية، فسار إليها وتسلمها. ~~وكان سبب ذلك أن أهلها كانوا إسماعيلية، فقدموا إلى القاهرة وسألوا أن يجهز ~~إليهم من يلي أمرهم، فوقع الإختيار على خلف بن ملاعب، وكان قد ولي مدينة ~~حمص وساءت سيرته في أهلها، فبعث إليه السلطان ملك شاه من العراق من قبض ~~عليه وحمله إليه بأصفهان، فاعتقله بها إلى أن مات، فأطلق وسار إلى مصر ~~فأقام بها حتى خرج إلى فامية. PageV03P018 ### || سنة تسعين وأربعمائة @YY490 # فيها وقع بمصر غلاء ومجاعة. # في سادس عشر صفر قدم ms413 على الأفضل رسول فخر الدولة رضوان بن تتش صاحب حلب ~~وأنطاكية وهم بن الهلال بن كاتب عز الدولة ابن منقذ، صحبة رسول الأفضل ~~الشريف شجاع الدولة ابن صارم الدولة ابن أبي وقدم معهم شرف الدولة الباهلي ~~الشاعر، وكان قد قدم مصر ومدح أمير الجيوش بدر الجمالي، ثم في نوبة أفتكين؛ ~~وهو يبذل الطاعة في إقامة الخطبة للإمام المستعلى بالله في بلاد الشام، ~~فأجيب بالشكر والثناء وخطب بها للمستعلى بالله في يوم الجمعة سابع عشر ~~رمضان. وكان سبب هذا الفعل من رضوان أنه قصد أن يستعين بعساكر مصر على أخذ ~~دمشق من أخيه دقاق. فاتفق أن الأمير سكمان بن أرتق أنكر على رضوان ذلك، ~~فقطع خطبة المستعلى، وأعاد الخطبة لبني العباس، فكان مدة الخطبة للمستعلى ~~أربعة أشهر. PageV03P019 # وفي ربيع الأول جهز الأفضل عسكرا في عدة وافرة لأخذ صور فسار إليها ~~وحاصرها حصارا شديدا حتى أخذت بالسيف، فدخلها العسكر وقتلوا منها بالسيف ~~خلقا كثيرا؛ وقبض على واليها وحمل إلى الأفضل فقتله لأنه كان قد خرج عن ~~الطاعة وعصى على الأفضل. # وفيها كان ابتداء خروج الإفرنج من بلاد القسطنطينية لأخذ بلاد الساحل من ~~أيدي المسلمين، فوصلوا إلى مدينة أنطاكية ونازلوها حتى ملكوها. ومنها دبوا ~~إلى بلاد الساحل. # وفيها تجمع الرعاع والعامة في يوم عاشوراء بمشهد السيدة نفيسة وجهروا بسب PageV03P020 # الصحابة، وهدموا عدة قبور؛ فسير الأفضل إليهم ومنعهم من ذلك؛ وأدب ذخيرة ~~الملك ابن علوان، والي القاهرة، جماعة وضربهم. # وفيها حرر الأفضل في المحرم عيار الدينار وزاد فيه. PageV03P021 ### || سنة إحدى وتسعين وأربعمائة @YY491 # فيها خرج الأفضل في عساكر جمة، ورحل من القاهرة في شعبان، وسار يريد أخذ ~~بيت المقدس من الأمير سكمان وإيلغازي، ابني أرتق، وكانا به في كثير من ~~أصحابهما؛ فبعث إليهما يلتمس منهما أن يسلما البلد ولا يحوجاه إلى الحرب، ~~فأبيا عليه، فنزل على البلد ونصب عليها من المجانيق نيفا وأربعين منجنيقا، ~~وأقام عليها يحاصرها نيفا وأربعين يوما حتى هدم جانبا من السور، ولم يبق ~~إلا أخذها، فسير إليه من بها ومكناه من ms414 البلد. فخلع على ولدي أرتق ~~وأكرمهما، وأخلى عنهما، فمضيا بمن معهما. وملك البلد في شهر رمضان لخمس ~~بقين منه، وولى فيه من قبله، ثم رحل عنه إلى عسقلان؛ وكان فيها مكان قد دفن ~~فيه رأس الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، فأخرجه وعطره وحمله في سفط ~~إلى أجل دار بها، وعمر مشهدا مليح البناء. فلما تكامل حمل الرأس في صدره ~~وسعى به ماشيا من الموضع الذي كان فيه إلى أن أحله في مقره. ويقال إن أمير ~~الجيوش هو الذي أنشأ المشهد على الرأس بثغر عسقلان، وأن ابنه الأفضل ~~شاهنشاه كمله. ثم حمل هذا الرأس إلى القاهرة، فوصل إليها يوم الأحد ثامن ~~جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. # وفيها حدثت بمصر ظلمة عظيمة عشت بأبصار الناس حتى لم يبق أحد يعرف أين ~~يتوجه، ثم هبت ريح سوداء شديدة، فظن الناس أن الساعة قد قامت. واستمرت ~~الريح سبع ساعات وانجلت الظلمة قليلا قليلا وسكنت الريح. ولم يصل في ذلك ~~اليوم أحد صلاة الظهر ولا العصر، ولا أذن في القاهرة ولا مصر. PageV03P022 ### || سنة اثنين وتسعين وأربعمائة @YY492 # فيها سار الفرنج لأخذ سواحل البلاد الشامية من أيدي المسلمين؛ فملكوا ~~مدينة أنطاكية وساروا إلى المعرة فملكوها؛ ثم رحلوا عنها إلى جبل لبنان ~~فقتلوا من به؛ ووصلوا عرقة فحاصروها أربعة أشهر فلم يقدروا عليها. ونزلوا ~~على حمص، فهادنهم جناح الدولة حسين؛ وخرجوا على طريق النواقير إلى عكا. ثم ~~أخذوا الرملة في ربيع الآخر، وزحفوا منها إلى بيت المقدس فحاصروا المدينة؛ ~~وبلغ ذلك الأفضل فخرج بعساكر كثيرة لمحاربتهم؛ فجد الفرنج عندما بلغهم ~~مسيره إليها في حصار المدينة، وكان نزولهم عليها في شهر ربيع الآخر، حتى ~~ملكوها يوم الجمعة الثاني والعشرين من شعبان بعد أربعين يوما. وهدموا ~~المشاهد وقبر الخليل عليه السلام، وقتلوا عامة من كان في البلد؛ وكان فيه ~~من العباد والصلحاء والعلماء والقراء وغيرهم خلائق لا يقع عليهم حصر، ~~فوضعوا السيف فيهم وأفنوهم عن آخرهم، ولم يفلت منهم إلا اليسير. وانحازت ~~عدة من المسلمين إلى ms415 محراب داود عليه السلام فحاصرهم الفرنج نيفا وأربعين ~~يوما حتى تسلموه بالأمان في يوم الجمعة ثاني عشريه. وأحرقوا ما كان ببيت ~~المقدس من المصاحف والكتب، وأخذوا ما كان بالصخرة من قناديل الذهب والفضة ~~والآلات، وكان مبلغا عظيما. ويقال إنه قتل في المسجد الأقصى ما يزيد على ~~سبعين ألفا، وأنهم لحقوا من فر من المسلمين مسيرة أسبوع يقتلون من أدركوه ~~منهم. PageV03P023 # ووصل الأفضل إلى عسقلان في الرابع عشر من شهر رمضان، فبعث إلى الفرنج ~~فوبخهم على ما كان منهم؛ فردوا إليه الجواب، وركبوا في إثر الرسل فصدفوه ~~على غرة وأوقعوا بعساكره وقتلوا منهم كثيرا. وانهزم منهم بمن خف معه فتحصن ~~بعسقلان وتعلق أكثر أصحابه هنالك في شجر الجميز، فأضرموا النار حتى احترقت ~~بمن تعلق فيها، فهلك خلق كثير وحاز الفرنج من أموال المسلمين ما جل قدره، ~~ولا يمكن لكثرته حصره. # ونازلوا عسقلان، وحصروا الأفضل فيها حتى كادوا يأخذونه، إلا أن الله ~~سبحانه أوقع فيهم الخلف فاضطروا إلى الرحيل عن عسقلان؛ فاغتنم الأفضل ~~رحيلهم عنه فركب البحر وقد ساءت حاله، وذهبت أمواله، وقتلت رجاله، وسار إلى ~~القاهرة. ولم يعد بعد هذه الحركة إلى الخروج بنفسه في حرب ألبتة. # وكان ملك الفرنج بالقدس كند فرى. # وفيها توفى أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين بن محمد الموصلي الحنفي ~~المحدث، في ثامن عشر ذي الحجة. PageV03P024 ### || سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة @YY493 # فيها رحل عالم لا يحصى عددهم من البلاد الشامية فرارا من الفرنج والغلاء. # وفيها عم الغلاء أكثر البلاد؛ ومات من أهل مصر خلق كثير. # وفيها مات قاضي القضاة أبو الطاهر محمد بن رجاء، وتولى بعده أبو الفرج ~~محمد ابن جوهر بن ذكا النابلسي. # ومات علي بن محمد بن علي الصليحي، قتله سعد بن نجاح الأحول، وقتل أخاه ~~عبد الله وجميع بني الصليحي بمكة في ذي القعدة. # وولى الحسن بن علي بن أحمد الكرخي الحكم شهرا واحدا وثلاثة أيام، وصرف ~~وصودر من أجل أنه أخذ عصابة من القصر في أيام الشدة لها قيمة فظهرت عليه. PageV03P025 ### || سنة ms416 أربع وتسعين وأربعمائة @YY494 # في شعبان جهز الأفضل عسكرا كثيفا لغزو الفرنج؛ فساروا إلى عسقلان، ووصلوا ~~إليها في أول رمضان، فأقاموا بها إلى ذي الحجة؛ فنهض إليهم من الفرنج ألف ~~فارس وعشرة آلاف راجل؛ فخرج إليهم المسلمون وحاربوهم. فكانت بين الفريقين ~~عدة وقائع آلت إلى كسر الميمنة والميسرة وثبات سعد الدولة الطواشي، مقدم ~~العسكر، في القلب، وقاتل قتالا شديدا؛ فتراجع المسلمون عند ثبات المذكور ~~وقاتلوا الفرنج حتى هزموهم إلى يافا، وقتلوا منهم عدة وأسروا كثيرا. وقتل ~~كند فرى ملك الفرنج بالقدس، فجاء أخوه بغدوين من القدس وملك بعده، وسار ~~بالفرنج إلى أرسوف. # وفيها مات القمص رجار بن تنقرد، صاحب جزيرة صقلية، فقام من بعده ابنه ~~رجار بن رجار. # وفيها نزل الفرنج على حيفا وقتلوا أهلها؛ وتسلموا أرسوف بالأمان؛ وملكوا ~~قيسارية عنوة في آخر شهر رجب وقتلوا من بها؛ وملكوا مع ذلك يافا، مع ما ~~بأيديهم من أعمال الأردن وفلسطين. PageV03P026 ### || سنة خمس وتسعين وأربعمائة @YY495 # فيها مات الخليفة أبو القاسم أحمد المستعلى بالله بن المستنصر في ليلة ~~السابع عشر من صفر، وعمره سبع وعشرون سنة وشهر واحد وتسعة وعشرون يوما، ~~ومدة خلافته سبع سنين وشهر واحد وعشرون يوما. # نقش خاتمه الإمام المستعلى بالله. # وفي أيامه اختلت دولتهم وضعف أمرهم، وانقطعت من أكثر مدن الشام دعوتهم؛ ~~وانقسمت البلاد الشامية بين الأتراك الواصلين من العراق وبين الفرنج؛ ~~فإنهم، خذلهم الله، دخلوا بلاد الشام، ونزلوا على أنطاكية في ذي القعدة سنة ~~تسعين وأربعمائة وتسلموها في سادس عشر رجب سنة إحدى وتسعين؛ وأخذ وامعرة ~~النعمان في سنة اثنتين وتسعين؛ وأخذوا الرملة ثم بيت المقدس في شعبان؛ ثم ~~استولوا على كثير من بلاد الساحل، فملكوا قيسارية في سنة أربع وتسعين بعد ~~ما ملكوا عدة بلاد. # وفي أيامه أيضا افترقت الإسماعيلية فصاروا فرقتين: نزارية، تعتقد إمامة ~~نزار وتطعن في إمامة المستعلى، وترى أن ولد نزار هم الأئمة من بعده ~~يتوارثونها بالنص؛ والفرقة المستعلوية، ويرون صحة إمامة المستعلى ومن قام ~~بعده من الخلفاء بمصر. وبسبب ذلك حدثت فتن وقتل الأفضل ms417 فيما يقال وقتل ~~الآمر، كما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. # ولم يكن للمستعلى سيرة فتذكر، فإن الأفضل كان يدبر أمر الدولة تدبير ~~سلطنة وملك لا تدبير وزارة. PageV03P027 # وخلف المستعلى من الأولاد ثلاثة، هم الأمير أبو علي المنصور، والأمير ~~جعفر، والأمير عبد الصمد. # وكانت قضاة مصر في خلافته أبو الحسن ابن الكحال، ثم عزل بابن عبد الحاكم ~~المليجي، ثم ولى أبو الطاهر محمد بن رجاء، ثم أبو الفرج محمد بن جوهر بن ~~ذكا، ومات المستعلى وهو قاض. # وقيل إن المستعلى مات مسموما، وقيل بل قتل سرا. # وكان المستنصر قد عقد نكاحه على ست الملك ابنة أمير الجيوش بدر، فمات قبل ~~أن يبني عليها، وكان أمير الجيوش قد جهزها جهازا عظيما وأكثر من شراء ~~الجواهر العظيمة القدر لها، فلما مات انتهب أولاده ذلك وتفرقوه. # وفيها أخذ صنجيل، أحد ملوك الفرنج، طرابلس، فصار للفرنج القدس وفلسطين ~~إلا عسقلان؛ ولهم من بلاد الشام يافا، وأرسوف، وقيسارية، وحيفا، وطبرية، ~~والأردن، ولاذقية، وأنطاكية؛ ولهم من الجزيرة الرها، وسروج. ثم ملكوا جبيل، ~~ومدينة عكا، وأفامية، وسرمين من أعمال حلب؛ وبيروت، وصيدا، وبانياس، وحصن ~~الأثارب. PageV03P028 ### | الآمر بأحكام الله أبو علي المنصور بن المستعلى بالله أبي القاسم أحمد بن المستنصر بالله أبي تميم معد PageV03P029 # ولد ضحى يوم الثلاثاء الثالث عشر من المحرم سنة تسعين وأربعمائة، وبويع ~~له بالخلافة في اليوم الذي مات فيه أبوه وهو طفل له من العمر خمس سنين وشهر ~~أيام، في يوم الثلاثاء سابع عشر صفر سنة خمس وتسعين. أحضره الأفضل وبايع ~~له، ونصبه مكان أبيه، ونعته بالآمر بأحكام الله. # وكتب ابن الصيرفي سجلا عظيما، أبدع فيه ما شاء، بانتقال الإمام المستعلى ~~إلى رحمة الله وولاية ابنه الآمر، وقرئ على رءوس الكافة من الأمراء ~~والأجناد وغيرهم. # وأنشد ابن مؤمن الشاعر قصيدة طنانة يمدح الآمر. وركب الأفضل فرسا وجعل في ~~السرج شيئا أركب الآمر عليه لينموا شخص الآمر وصار ظهره في حجر الأفضل. PageV03P031 ### || سنة ست وتسعين وأربعمائة @YY496 # فيها ندب الأفضل مملوك أبيه سعد الدولة ويعرف بالطواشي ms418 على عسكر لقتال ~~الفرنج، فلقيهم بغدوين على تبنا، فكسرت عساكر الأفضل وتقنطر سعد الدولة ~~فمات، وأخذ الفرنج خيمه فانهزم أصحابه. وبلغ الأفضل ذلك فجرد في أول شهر ~~رمضان عسكرا قدم عليه ابنه شف المعالي سماء الملك حسينا، وسير الأسطول في ~~البحر، فاجتمعت العساكر بيازور، من بلاد الرملة؛ وخرج إليهم الفرنج، فكانت ~~بينهما حروب هزمهم الله فيها بعد مقتلة عظيمة. ونزل شرف المعالي على قصر ~~كان قد بناه الفرنج قريبا من الرملة وسبعمائة قومص من وجوه الفرنج، فقاتلوه ~~خمسة عشر يوما، فملكهم وضرب رقاب أربعمائة وبعث إلى القاهرة ثلثمائة. # وكان أصحاب شرف المعالي قد رأى بعضهم أن يمضوا إلى يافا ويملكوها، ورأى ~~بعضهم أن يسيروا إلى القدس. فبينا هم في ذلك وصل مركب من الفرنج لزيارة ~~قمامة، فندبهم بغدوين للغزو معه؛ فساروا إلى عسقلان وقد نزلها شرف المعالي ~~وامتنع بها، وكانت حصينة؛ فتركها الفرنج ومضوا إلى يافا. وعاد شرف المعالي ~~إلى القاهرة بعد ما كتب إلى شمس الملوك دقاق، صاحب دمشق، يستنجده لقتال ~~الفرنج، فتقاعد عن المسير واعتذر. PageV03P032 # فجرد الأفضل أربعة آلاف فارس وعليهم تاج العجم بمن معه عسقلان، ونزل ابن ~~قادوس على يافا؛ وبعث يستدعي تاج العجم ليتفقا على الحرب، فلم يجبه، ~~وتنافرا. فلما بلغ ذلك الأفضل بعث يقبض على تاج العجم وولى تاج الملك رضوان ~~تقدمة العسكر وسيره إلى عسقلان، فأقام عليها إلى آخر سنة سبع وتسعين حتى ~~قدم شرف المعالي بعساكر مصر. # وفيها مات تنكري ملك الفرنج بالساحل، فقام بعده سرجار ابن أخيه. PageV03P033 ### || سنة سبع وتسعين وأربعمائة @YY497 # فيها نازل بغدوين ملك الفرنج وصاحب القدس، ثغر عكا وحاصر أهله وألح عليهم ~~حتى ملكه. وكان فيه من قبل الأفضل يومئذ زهر الدولة بنا الجيوشي، ففر إلى ~~دمشق؛ وصار إلى ظهير الدين أتابك، فأكرمه وأحسن إليه، ثم جهزه إلى الأفضل ~~فأنكر عليه وهدده على تضييع الثغر. ولم تعد بعدها عكا إلى المسلمين. PageV03P034 ### || سنة ثمان وتسعين وأربعمائة @YY498 # فيها جمع الأفضل جموعا كثيرة من العربان وأنفق فيهم أموالا عظيمة، وجهزهم ~~صحبة العساكر مع ms419 ابنه شرف المعالي؛ وكتب لظهير الدين أتابك، صاحب دمشق، ~~بمعاونته ومعاضدته على محاربة الفرنج؛ فاعتذر عن حضوره بما هو مشغول به من ~~مضايقة بصرى، فإن أرتاش بن تاج الدولة صاحب بصرى كاتب الفرنج وأغراهم بقتال ~~المسلمين وأطمعهم في البلاد. فسار أتابك من دمشق وحاصر بصرى؛ وجهز عسكرا ~~إلى شرف المعالي تقوية له على الفرنج، وقدم عليه إصبهبذ صبا وجهارتكين، ~~وعدته ألف وثلثمائة فارس من الأتراك، وعدة عسكر مصر خمسة آلاف فارس. # وأتاهم بغدوين في ألف وثلثمائة فارس وثمانية آلاف راجل. فاجتمعت عساكر ~~المسلمين بظاهر عسقلان، ودارت بينهم وبين الفرنج حروب كان ابتداؤها في ~~الرابع عشر من ذي الحجة فيما بين عسقلان ويافا؛ فانكسرت عساكر المسلمين ~~واستشهد فوق الألف من المسلمين منهم جمال الملك صنيع الإسلام والي عسقلان، ~~وأخذ الفرنج رايته؛ وأسر الفرنج زهر الدولة بنا الجيوشي. وقتل ألف ومائتان ~~من الفرنج، ورجعوا وقد كانت الكرة لهم على المسلمين. وعاد عسكر دمشق إلى ~~أتابك وهو على بصرى. # وفيها مات كنز الدولة محمد في ثامن شعبان، وقام من بعده أخوه فخر العرب ~~هبة الله. PageV03P035 ### || سنة تسع وتسعين وأربعمائة @YY499 # في سادس عشر رجب قتل خلف بن ملاعب صاحب فامية، قتله طائفة من الباطنية ~~وملك الفرنج عكا عنوة في سلخ شعبان من زهور الدولة بنا الجيوشي فسار إلى ~~دمشق ثم قدم مصر. PageV03P036 ### || سنة خمسمائة @YY500 # أهلت والخليفة بمصر الآمر بأحكام الله، ومدبر سلطنة مصر الأفضل شاهنشاه ~~بن أمير الجيوش بدر الجمالي، وليس للآمر معه حل ولا ربط وليس له من الأمر ~~سوى اسم الخلافة، والذي في مملكته ديار مصر وغزة وعسقلان وصور وطرابلس لا ~~غير. # وفيها بنى الأفضل دار الملك بشاطىء النيل من لدن مصر. # وفيها سار متولى صور فأوقع بالفرنج على تبنين، فقتل واسر جماعة، وعاد إلى ~~صور؛ فسار بغدوين إليه من طبرية؛ فركب طغتكين من دمشق، وأخذ الفرنج حصنا ~~بالقرب من طبرية وأسر من كان فيه منهم. # وفيها ملك قلج بن أرسلان بن سليمان بن قطلمش بن أرسلان بيغو بن سلجوق، ~~صاحب قونية، ms420 الموصل في شهر رجب، فقتل في ذي القعدة منها، وقام بعده بقونية ~~وأقصرا ابنه مسعود. PageV03P037 ### || سنة إحدى وخمسمائة @YY501 # فيها نزل بغدوين على ثغر صور وعمر حصنا مقابل حصن صور على تل المعشوقة. ~~وكان على ولاية صور من قبل الأفضل سعد الملك كمشتكين، أحد المماليك ~~الأفضلية، فصانع بغدوين على سبعة آلاف دينار وخرج من صور. # وفيها أحضر إلى القاهرة أهل فخر الدولة أبي علي عمار بن محمد بن عمار من ~~طرابلس وكثير من أمواله وذخائره. وذلك أن فخر الدولة حاصره الفرنج وأطالوا ~~منازلته حتى ضاق ذرعه وعجز عن مقاومتهم، فخرج من طرابلس في سنة خمسمائة ~~ومعه هدايا جليلة؛ فلقى ظهير الدين طغتكين أتابك بدمشق، فأكرمه ووافقه على ~~السير معه إلى بغداد ليستنجد بالسلطان غياث الدين محمد بن ملكشاه؛ فسارا. ~~ثم إن أتابك تركه وعاد إلى دمشق، فثار في هذه المدة أبو المناقب ابن عمار ~~على ابن عمه فخر الدولة، ونادى بشعار الأفضل، وأرسل يطلب منه من يتسلم منه ~~طرابلس. فبعث إليه الأفضل بالأمير مشير الدولة ابن أبي الطيب، فدخل إلى ~~طرابلس ونقل منها حريم فخر الدولة وأمواله؛ ففت ذلك في عضد فخر الدولة. # وفيها اتصل أبو عبد الله محمد بن الأمير نور الدين أبي شجاع فاتك بن ~~الأمير مجد الدولة أبي الحسن مختار بن الأمير أمين الدولة أبي علي حسن بن ~~تمام المستنصري الأحول الإمامي الشيعي المعروف بالمأمون ابن البطائحي، ~~بخدمة الأفضل أبي القاسم شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر المستنصري. وسبب ذلك ~~تغير الأفضل على تاج المعالي مختار الذي كان اصطنعه وفخم أمره وسلم إليه ~~خزائن أمواله وكسواته، فسلم لأخويه ما يتولاه واستعان بهما فيه، PageV03P038 # فحصل لهم من الإدلال على الأفضل ما حملهم على مد أيديهم إلى أمواله ~~وذخائره، وشاع أمرهم وكتب إلى الأفضل بسببهم، فتغير عليهم، وأخرج مختارا ~~إلى الولاية الغربية وخلع عليه. فلما انحدروا إليها سير صاحب بابه سيف ~~الملك خطلخ، ويعرف بالبغل، وكان من غلمان أبيه، فقبض عليه وعلى إخوته من ~~العشارى، وكبل بالحديد ورمى بالاعتقال؛ وأشيع أن ms421 مختارا كاتب الفرنج؛ وجعل ~~هذا هو العذر في القبض عليه، وأنه كان أراد قتل الأفضل. # فلما جرى لمختار وإخوته ما جرى ألزم الأفضل أبا عبد الله بن فاتك يتسلم ~~ما كان بيد مختار من الخدمة، فتصرف فيها. وقرر له الأفضل ما كان باسم مختار ~~من العين خاصة دون الإقطاع، وهو مائة دينار في كل شهر وثلاثون دينارا عن ~~جارى الخزائن، مضافا إلى الأصناف الراتبة مياومة ومشاهرة ومسانهة، وحسن عند ~~الأفضل موقع خدمته، فسلم له جميع أموره، وصرفه في كل أحواله. ولما كثر ~~الشغل عليه استعان بأخويه، أبي تراب حيدرة وأبي الفضل جعفر؛ فأطلق لهما ~~الأفضل ما وسع به عليهما؛ ونعت الأفضل أبا محمد ابن فاتك بالقائد. # فيها فتح ديوان سمي بديوان التحقيق، تولاه أبو البركات يوحنا بن أبي ~~الليث النصراني. وكان يتولى ديوان المجلس رجل يعرف بابن الأسقف، وكان قد ~~كبر وضعف فتحدث ابن أبي الليث مع القائد أبي عبد الله في الدواوين والأموال ~~والمصالح، وفاوض في ذلك الأفضل. واتفق موت ابن الأسقف، فتسلم ابن أبي الليث ~~الدواوين واستمر فيها حتى قتل في سنة ثمان عشرة وخمسمائة. PageV03P039 # وفيها تحدث ابن أبي الليث في نقل السنة الشمسية إلى العربية، وكان قد حصل ~~بينهما تفاوت أربع سنين، فأجاب الأفضل إليه، وخرج أمره إلى الشيخ أبي ~~القاسم ابن الصيرفي بإنشاء سجل به، ثم رأى اختلال أحوال الرجال العسكرية ~~والمقطعين، وتضررهم من حسبة ارتفاع إقطاعاتهم وسوء حالهم، لقلة المتحصل ~~منها، ولأن إقطاعات الأمراء قد تضاعف ارتفاعها وزادت عن غيرها؛ وصار في كل ~~ناحية للديوان جملة تجبى بالعسف وتتردد الرسل بين الديوان بسببها. فحملت ~~الإقطاعات كلها على أملاك البلاد، وامر ضعفاء الجند بلزيادة في الاقطاعات ~~التي للاقوياء فتزايد والى ان انتهت الزيارة فكتبت السجلات بأنها باقية في ~~أيديهم مدة ثلاثين سنة ما يقبل منهم فيها زائد. وأمر الأقوياء أن يبذلوا في ~~الإقطاعات التي كانت بيد الأجناد ما تحتمله كل ناحية، فتزايدوا فيها حتى ~~بلغت إلى الحد الذي رغب كل منهم فيه فكتبت لهم السجلات على ms422 الحكم المتقدم؛ ~~فشملت المصلحة الفريقين وطابت نفوسهم، وحصل للديوان بلاد مفردة بما كان ~~مفرقا في الإقطاعات بما مبلغه خمسون ألف دينار. # وفيها فرغ بناء دار الملك؛ وكان الأفضل يسكن القاهرة فتحول إلى مصر، وسكن ~~دار الملك على النيل واستقر بها، فقال الشعراء فيها عدة قصائد. # وفيها بانت كراهة الأفضل لأولاده واحتجب عنهم أكثر الأوقات، فانقطعوا عنه ~~واستقروا بالقاهرة في دار القباب التي كانت سكن أبيهم الأفضل، وهي الدار ~~التي عرفت بدار الوزارة؛ ولم يبق من أولاده من يتردد إليه سوى سماء الملك ~~فإنه كان يؤثره ويميل إليه. # وأفرد الأفضل للقائد أبي عبد الله بن فاتك الموضع المعروف باللؤلؤة. PageV03P040 # وفيها وردت الأخبار بأن متملك النوبة قد تجهز برا وبحرا وعول على قصد ~~البلاد القبلية؛ فسير الأفضل عسكرا إلى قوص، وتقدم إلى والي قوص بأن يسير ~~بنفسه إلى أطراف بلاد النوبة؛ فورد الخبر بوثوب أخير الملك عليه وقتله. ~~واشتدت الفتنة بينهم حتى باد أهل بيت المملكة وأجلس صبي في الملك، فأرسلت ~~أمه تستجير بعفو الأفضل وتسأله ألا يسير إليهم من يغزوهم. فكتب لوالي ~~الصعيد الأعلى بأن يسير عسكرا إلى أطراف بلاد النوبة ويبعث إليهم رسولا ~~يجدد عليهم القطيعة الجاري بها العادة، وهي كل سنة ثلثمائة وستون رأسا ~~رقيقا بعد أن يستخلص منهم ما يجب عليهم في السنين المتقدمة. فلما دخلت ~~العساكر نحوهم دخلوا تحت الطاعة، وكتبوا المواضعات، وسألوا في الإعفاء عما ~~يخص السنين، وحملوا ما تيسر لهم؛ وعادت العساكر كاسبة. # وفيها كثر خوض الناس في القرآن، هل هو محدث أو قديم، وتفاقم الأمر؛ فعرف ~~الأفضل، فأمر بإنشاء سجل بالتحذير من الخوض في ذلك؛ وركب بنفسه إلى الجامع ~~بمصر، وجلس في المحراب بجوار المنبر، وصعد الخطيب أربع درجات منه وقرأ ~~السجل على الناس. # وفيها مات مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان صاحب قونية وأقصرا، فقام بعده ~~ابنه قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان، وقسم أعماله بين أولاده. PageV03P041 ### || سنة اثنتين وخمسمائة @YY502 # في رمضان ورد الخبر بأن أهل مدينة طرابلس الشام نادوا بشعار الدولة ms423 عند ~~خروج فخر الملك أبي علي عمار بن محمد بن الحسين بن قندس بن عبد الله بن ~~إدريس بن أبي يوسف الطائي منها وقصده بغداد لطلب النجدة لما اشتد حصار ~~الفرنج لها، وغلا السعر بها. وكان سماء الملك حسين بن الأفضل عند ما كان ~~بالشام في السنة التي كسر الفرنج فيها قد سام ابن عمار تسليمها إليه، ~~فامتنع وغلق الباب في وجهه؛ وأقام سماء الملك عليها مدة بالعساكر إلى أن ~~نازلها الفرنج ورحلوه عنها إلى عسقلان. فلما سمع الأفضل أن أهل الثغر نادوا ~~بشعاره سير إليهم شرف الدولة ابن أبي الطيب ومقدم الأسطول، وأمره يأخذ ~~المراكب التي على دمياط وعسقلان وصور معه إلى الثغر المذكور نصرة للمسلمين. # فلما وصل إليه وجد الفرنج قد ملكوا الجوسق وأمهلوا المسلمين، فأنفذ من ~~كان بها وحمل في المراكب من أراد الخروج منهم بأهاليهم وأموالهم، وفيهم ~~صالح بن علاق الطائر بعد هروبه من الأفضل، وحمل من دار ابن عمار ذخائره ~~ومصاغه، وكان بقيمة كبيرة. PageV03P042 # وحمل أخا ابن عمار المعروف بفخر الدولة وأهله إلى مصر، فأكرمهم الأفضل، ~~واعتقل صالح بن علاق بخزانة البنود. # وفي العشرين من شوال كانت ريح سوداء من صلاة العصر إلى المغرب. # وفيها جدد حفر خليج القاهرة، فإن المراكب كانت لا تدخل فيه إلا بمشقة، ~~وجعل حفره بأبقار البساتين التي عليه، فيحفر بأبقار كل بستان ما يحاذيه، ~~فإذا أنتهى أمر البساتين عمل في البلاد كذلك؛ وأقيم له وال مفرد بجامكية؛ ~~ومنع الناس أن يطرحوا فيه شيئا. # ولما تكاثرت الأموال عند ابن أبي الليث صاحب الديوان، وحدث أن تبجح على ~~الأفضل بخدمته، وكان سبعمائة ألف دينار، خارجا عما أنفق في الرجال، فجعل في ~~صناديق بمجلس الجلوس. فلما شاهد الأفضل المال قال: يا شيخ تفرحني بالمال ~~وتريد أمير الجيوش أن يلقى بئرا معطلة أو أرضا بائرة أو بلدا خرابا، لأضربن ~~رقبتك. فقال: وحق نعمتك لقد حاشا الله أيامك فيها بلد خراب أو بئر معطلة. ~~فتوسط القائد له بخلع؛ فقال: لا والله حتى أكشف عما ذكر. ms424 # وفيها وصل بغدوين إلى صيدا ونصب عليها البرج الخشب؛ فوصل الأسطول من مصر ~~للدفع عنهم، وقاتلوا الفرنج، فظهروا في مراكب الجنوية، فبلغهم أن عسكر دمشق ~~خارج في نجدة صيدا، فرحل الأسطول عائدا إلى مصر. # وفي شعبان منها نزل الفرنج على طرابلس وقاتلوا أهلها من أول شعبان إلى ~~حادي عشر ذي الحجة، ومقدمهم ريمند بن صنجيل؛ وأسندوا أبراجهم إلى السور؛ ~~فضعفت نفوس PageV03P043 # المسلمين لتأخر أسطول مصر عنهم، فكان قد سار من مصر إليها بالميرة ~~والنجدة فردته الريح لأمر قدره الله. فشد الفرنج في قتالهم وهجموا من ~~الأبراج، فملكوها بالسيف في يوم الاثنين الحادي والعشرين من ذي الحجة، ~~ونهبوا ما فيها، وأسروا رجالها، وسبوا نساءها وأطفالها؛ فحازوا من الأمتعة ~~والذخائر ودفاتر دار العلم وما كان في خزائن أربابها ما لا يحد عدده ولا ~~يحصى فيذكر. وسلم الوالي لها في جماعة من جندها كانوا قد طلبوا الأمان قبل ~~ذلك؛ وعوقب أهلها واستصفيت أموالهم واستقهرت ذخائرهم، ونزل بهم أشد العذاب. ~~وتقرر بين الفرنج والجنويين الثلث من البلد وما نهب منه للجنويين والثلثان ~~لريمند ابن صنجيل؛ وأفردوا للملك بغدوين ما رضى به. # ثم وصل أسطول مصر ولم يكن خرج فيما تقدم معه كثرة رحال ومراكب وعدد وغلال ~~لحماية طرابلس فأرسى على صور في اليوم الثامن من أخذ طرابلس وقد فات الأمر ~~فيها، فأقام مدة، وفرقت الغلة في جهاتها. وتمسك أهل صور وصيدا وبيروت به ~~لضعفهم عن مقاومة الفرنج، فلم تمكنه الإقامة، وعاد إلى مصر. PageV03P044 ### || سنة ثلاث وخمسمائة @YY503 # فيها سار الفرنج نحو بيروت، وعملوا عليها برجا من الخشب، وزحفوا، فكسره ~~أهل بيروت. وقدم الخبر بذلك على الأفضل، فجهز تسعة عشر مركبا حربية، فوصلت ~~سالمة إلى بيروت وقويت على مراكب الفرنج، وغنيمت، ودخلت إلى بيروت بالميرة ~~والنجدة، فقوي أهلها بذلك. وبلغ بغدوين الخبر، فاستنجد بالجنوبية، فأتاهم ~~منهم أربعون مركبا مشحونة بالمقاتلة؛ فزحف على بيروت في البر والبحر، ونصب ~~عليها برجين، وقاتل أهلها في يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال؛ فعظمت ~~الحرب، وقتل مقدم الأسطول وكثير من المسلمين، ms425 ولم ير للفرنج فيما تقدم أشد ~~من حرب هذا اليوم. فانخذل المسلمون في البلد، وهجم الفرنج من آخر النهار ~~فملكوه بالسيف قهرا؛ وخرج متولى بيروت في أصحابه وحمل في الفرنج، فقتل من ~~كان معه، وغنم الفرنج ما معهم من المال ونهبوا البلد، وسبوا من فيه وأسروا، ~~واستصفوا الأموال والذخائر. فوصل عقب ذلك من مصر نجدة فيها ثلثمائة فارس ~~إلى الأردن تريد بيروت، فخرج عليها طائفة من الفرنج، فانهزموا إلى الجبال، ~~فهلك منهم جماعة. # وفيها سار الأسطول من مصر إلى صور ليقيم بها، فاتفق وصول ابن كند ملك ~~الفرنج في عدة مراكب لزيارة القدس والجهاد في المسلمين؛ فزار القدس، وسار ~~هو وبغدوين إلى صيدا، فنازلاها بجمعهما وعملا عليها برجا من خشب، وزحفا ~~عليها؛ فلم يتمكن الأسطول من الوصول إليها. PageV03P045 ### || سنة أربع وخمسمائة @YY504 # في ثالث ربيع الآخر اشتد الحصار على أهل صيدا ويئسوا من النجدة، فبعثوا ~~قاضي البلد في عدة من شيوخها إلى بغدوين يطلبون الأمان، فأجابهم وأمنهم على ~~أنفسهم وأموالهم، وإطلاق من أراد الخروج منها إلى دمشق، وحلف على ذلك. فخرج ~~الوالي والزمام وجميع الأجناد والعسكرية وخلق كثير من الناس، وتوجهوا إلى ~~دمشق، لعشر بقين من جمادى الآخرة. وكانت مدة الحصار سبعة وأربعين يوما. # وفيها خرج جماعة من التجار والمسافرين من تنيس ودمياط ومصر وأقلعوا في ~~البحر، فأخذهم الفرنج وغنموا منهم ما يزيد على مائة ألف دينار، وعاقبوهم ~~حتى افتدوا أنفسهم بما بقي لهم من الذخائر في دمشق وغيرها. # وفيها أغار بغدوين بعد عوده من صيدا على عسقلان، فراسله أميرها شمس ~~الخلافة أسد حتى استقر الحال على مال يحمله إليه ويرحل عنه. وقرر على أهل ~~صور سبعة آلاف دينار تحمل إليه في مدة سنة وثلاثة أشهر. فقدم الخبر بذلك في ~~شوال على الأفضل، فأنكر ذلك وكتمه عن كل أحد، وجهز عسكرا كثيفا إلى عسقلان، ~~وقدم إليه عز الملك الأعز ليكون مكان شمس الخلافة، وندب معه مؤيد الملك ~~رزيق، وأظهر أن هذا العسكر سار بدلا. فسار إلى قريب عسقلان، وبلغ ذلك شمس ms426 ~~الخلافة فأظهر الخلاف على الأفضل وكتب إلى بغدوين يطلب منه أن يمده بالرجال ~~ويعده بتسليم عسقلان وأن يعوضه عنها. فبلغ ذلك الأفضل. فكتب إليه يطيب قلبه ~~ويغالطه، وأقطعه عسقلان، وأقر عليه إقطاعه PageV03P046 # بمصر، وأزال الإعتراض عما له بمصر من خيل وتجارة وأثاث. فخاف شمس الخلافة ~~على نفسه ولم يطمئن إلى أهل البلد، واستدعى جماعة من الأرمن وأقرهم عنده. # وفي يوم الأحد العشرين من شوال حدثت ريح حمراء بالقاهرة. # وفيها أمر أمير المؤمنين الآمر بأحكام الله أن يبعث جليسه أبو الفتح عبد ~~الجبار ابن إسماعيل، المعروف بابن عبد القوي لعماد الدولة زيادة على إخوته. # وفيها هبت بمصر وأعمالها في هذه الأيام ريح سوداء مظلمة، وطلع سحاب أسود ~~أظلمت منه الدنيا حتى لم يبصر أحد يده، وسفت رمادا حتى ظن الناس أنها ~~القيامة، ويئسوا من الحياة وأيقنوا بالبوار لهول ما عاينوه؛ ولم يزل ذلك من ~~وقت العصر إلى غروب الشمس. ثم انجلى ذلك السواد وعاد إلى الصفرة والريح ~~بحالها؛ ثم انجلت الصفرة، وظهرت الكواكب وقد خرج الناس من الأسواق والدور ~~إلى الصحراء. ثم ركدت الريح وأقلع السحاب، فعاد الناس إلى منازلهم. PageV03P047 ### || سنة خمس وخمسمائة @YY505 # في يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الآخر نزل بغدوين على صور وبها عز الملك ~~أنوشتكين الأفضلي وبنى عليها أبرجة خشب، طول البرج سبعون ذراعا، يسع كل برج ~~ألف رجل، وهو موضوع على شيء يسمى اسقلوس وهو فخذان ملقيان على الأرض، وفي ~~كل برج من أسفله عشرون فرنجيا يصيح أحدهم بالفرنجية: صند ماريا، فيصيح ~~الباقون كذلك، ويدفعونه بأجمعهم، فيسبح على ألواح عظيمة تجعل بين يديه؛ ~~وكانت ستائر كل برج ومناجيقه كأنها بلد يزحف. # فخرج من أهل صور ألف رجل وحملوا على البرج وطرحوا فيه النار، فعلقت ~~بالخشب، فلم يتمكن الفرنج من إطفائه وهربوا منه، واحترق؛ فتناول المسلمون ~~بالكلاليب ما قدروا عليه من سلاحهم، فوصل إليهم ثلاثمائة درع. وكان هذا ~~البرج كبشا من حديد وزنة رأسه مائة وخمسون رطلا؛ فظفر به المسلمون. وكانت ~~الريح على المسلمين ثم صارت معهم، وملأوا ms427 جرارا بالعذرة ورموها على الفرنج، ~~فصاحوا وذلوا ورحلوا، فعاثوا؛ ثم عادوا وقد قطعوا النخل أنابيب ورموا بها ~~في الخندق. PageV03P048 # وسار طغتكين من دمشق لإعانة أهل صور، فنزل على يوم منهم لجولة بانياس، ~~وأنفذ إليهم مائتي غلام تركي عليهم جليل من الأتراك؛ فقاتل الفرنج وقتل ~~منهم ألفا وخمسمائة، وأكثر النكاية فيهم. وأغار طغتكين على بلاد الفرنج، ~~فأخذ لهم موضعا، فرجعوا عن صور بغير شيء. وخرج أهل صور إلى أصحاب طغتكين، ~~فخلعوا عليهم وأعادوهم إليه في أحسن زي، وأخذ أهل صور في رم ما شعثه الفرنج ~~في البلد. # وفيها حدث بمصر وباء مفرط، هلك به تقدير ستين ألف نفس. PageV03P049 ### || سنة ست وخمسمائة @YY506 # فيها حفر البحر المعروف ببحر أبي المنجا، فابتدئ في حفره في يوم الثلاثاء ~~السادس من شعبان، وأقام الحفر فيه سنتين. وكان أبو المنجا يهوديا وكان ~~يشارف على الأعمال الشرقية؛ فلما عرض على الأفضل ما أنفقه فيه استعظمه ~~وقال: غرمنا هذا المال جميعه والاسم لأبي المنجا. فغير اسمه ودعي بالبحر ~~الأفضلي، فلم يتم ذلك ولا عرف إلا بأبي المنجا. # وفيها أعلن شمس الخلافة أسد، والي عسقلان، بالخلاف، فعهد إلى صاحب ~~الترتيب والقاضي فأخرجهما على أنه يرسلهما إلى الباب في خدمة عرضت له؛ وإلى ~~العسكر الذي كان يخاف شوكته؛ فأوهمهم أنه يسيرهم إلى بلاد العدو. فلما ~~حصلوا خارج الثغر أمرهم بالمسير إلى باب سلطانهم؛ وكان قد سير قبل ذلك ~~العسكر من الباب على جهة البدل. فلما علم أسد المذكور بوصولهم إلى مدينة ~~الفرما أنفذ إليهم يخيفهم ويشعرهم أن العدو قد تعداهم، فامتنعوا من التوجه ~~إلى عسقلان. # فلما بلغ الأفضل ذلك عزم على أن يسير بنفسه إليه. ثم رأى أن إعمال الحيلة ~~أنجع؛ فخادعه وأنفذ الكتب إليه يطمئنه ويصوب رأيه فيما فعله في صاحب ~~الترتيب والبدل، ولم يغير مكاتبته عن حالها، ولا تعرض لإقطاعاته ورسومه ~~وأصحابه؛ وسير في الباطن من يستفسد الكنانية والرجال المذكورة ويبذل لهم ~~الأموال في أخذه. ولم يزل يدبر عليه حتى اقتنصت المنية مهجته؛ وذلك أن أهل ~~بيروت أنكروا أمره، ms428 فوثب عليه طائفة وهو راكب، فجرحوه، وانهزم إلى داره ~~فتبعوه وأجهزوا عليه، ونهبوا داره وماله، وتخطفوا PageV03P050 # بعض دور الشهود والعامة. فبادر صاحب السيارة إلى البلد وملكه، وبعث برأس ~~شمس الخلافة إلى الأفضل، فسر بذلك وأحسن إلى القادمين به. # وكان قدوم الرأس في يوم الأربعاء رابع المحرم، صحبة ثلاثة من الكنانية، ~~فخلع عليهم؛ وطيف بالرأس، وزينت البلد سبعة أيام. # وفيه خلع على ولده مختار ولقب شمس الخلافة، وأنعم عليه بجميع مال أبيه. ~~وسير بدله مؤيد الملك خطلخ، المعروف برزيق، واليا على الثغر. # وفيها وصل يانس الناسخ من الشام، فاستخدم في خزانة الكتب الأفضلية بعشرة ~~دنانير في الشهر وثلاث رزم كسوة في السنة، والهبات والرسوم. # وفيها كتب إلى عسقلان بمطالبة من نهب دار شمس الخلافة وماله بما أخذه، ~~فقبض على جماعة وحملوا إلى مصر فاعتقلوا بها. # وفيها تسلم نواب طغتكين صور من عز الملك أنوشتكين الأفضلي خوفا من بغدوين ~~أن يأخذها، وقام بأمرها مسعود؛ فاستقرت بيد الأتراك وأقروا بها الدعوة ~~المصرية والسكة على حالها. وكتب طغتكين إلى الأفضل بأن بغدوين قد جمع لينزل ~~على صور، وأن أهلها استنجدوني، فبادرت لحمايتها، ومتى وصل من مصر أحد ~~سلمتها إليه. فكتب يشكره على ما فعل. وتقدم بتجهيز الأسطول إلى صور بالغلة ~~معونة لها. PageV03P051 ### || سنة سبع وخمسمائة @YY507 # في أولها خرج الأسطول من مصر بالغلات والرجال إلى صور، وعليه شرف الدولة ~~بدر بن أبي طالب الدمشقي وكان متولى طرابلس عند أخذ الفرنج لها، فوصل إلى ~~صور سالما؛ ورخصت بها الأسعار، واستقام أمرها. وأنفذ معه بخلع جليلة إلى ~~ظهير الدين طغتكين وولده تاج الملوك وخواصه، ولمسعود متولى صور. ثم أقلع في ~~آخر شهر ربيع الأول. فبعث بغدوين يطلب المهادنة من مسعود، فأجابه، وانعقد ~~الأمر بينهما. PageV03P052 ### || سنة تسع وخمسمائة @YY509 # في ذي القعدة قفز على الأفضل عند باب الزهومة من دكان صيرفي يعرف بالغار ~~وسلم، فأخرجت الصدقات بسبب سلامته وقتل الصيرفي وصلب على دكانه. # وورد الخبر بأن بغدوين ملك الفرنج وصل إلى الفرما، فسير الراجل من ~~العطوفية، وسير إلى والي ms429 الشرقية بأن يسير المركزية والمقطعين إليها، ~~ويتقدم إلى العربان بأسرهم أن يكونوا في الطوالع ويطاردوا الفرنج ويشارفوهم ~~بالليل قبل وصول العساكر، وأن يسير بنفسه؛ فاعتد ذلك؛ ثم أمر بإخراج الخيام ~~وتجهيز الأصحاب والحواشي. فوصلت العربان والعساكر فطاردوا الفرنج؛ فخاف ~~بغدوين من يلاحق العساكر، فنهب الفرما وأخربها وألقى فيها النيران، وهدم ~~المساجد، وعزم على الرجوع، فأدركته المنية ومات. فأخفى أصحابه موته، وساروا ~~وقد شقوا بطنه وحشوه ملحا، وشنت العساكر الإسلامية الغارات على بلاد العدو، ~~وخيموا على ظاهر عسقلان ثم عادوا. # وكانت الكتب قد نفذت من الأفضل إلى الأمير ظهير الدين طغتكين، صاحب دمشق، ~~بعتبه ويقول له: لا في حق الإسلام ولا في حق الدولة التي ترغب في خدمتها ~~والانحياز PageV03P053 # إليها أن يتوجه الفرنج بجملتها إلى الديار المصرية ولا يتبين لك فيها أثر ~~ولا تتبعهم، ولو كان وراءهم مثل ما كان أمامهم ما عاد منهم أحد. فلما وصل ~~إليه الكتاب سار بعسكره إلى عسقلان، فتلقاه المقدمون، ونزل أعظم منزل، ~~وحملت إليه الضيافات. وحمل إليه من مصر الخيام وعدة وافرة من الخيل ~~والكسوات والبنود والأعلام، وسيف ذهب، ومنطقة ذهب، وطوق ذهب، وبدنة طميم، ~~وخيمة كبيرة معلمة، ومرتبة ملوكية، وفرشها وجميع آلاتها وسائر ما تحتاج ~~إليه من آلات الفضة. وجهز لشمس الخواص، وهو مقدم كبير كان معه على عدة ~~كثيرة من العسكر، خلعه مذهبة ومنطقة ذهب وسيف ذهب؛ وجهز برسم المتميزين من ~~الواصلين خلع مذهبة وحريرية، وسيوف مغموسة بالذهب. فتواصلت الغارات على ~~بلاد العدو، وقتل منهم وأسر عدد كبير. # فلما دخل الشتاء وتفرق العسكر والعربان، استأذن ظهير الدين على الإنصراف، ~~فأذن له، وسيرت إليه وإلى من معه الخلع ثانيا؛ فحصل لشمس الخواص خاصة في ~~هذه السفرة ما مقداره عشرة آلاف دينار؛ وتسلم الأمير ظهير الدين الخيمة ~~الكبيرة بفرشها وجميع آلاتها؛ وكان مقدار ما حصل له ولأصحابه ثلاثين ألف ~~دينار. وذكر أن المنفق في هذه الحركة على ركاب بغدوين مائة ألف دينار. # ورعشت يد الأفضل، وصعب عليه إمساك القلم والعلامة على الكتب، فأقر أخاه ~~أبا ms430 محمد جعفر المظفر في العلامة، وجعل له خمسمائة دينار في الشهر مضافا ~~إلى رسمه، فعلم عنه. # واستهل شهر رمضان، فجرى الأمر في نيابة الأجل سماء الملك، ولد الأفضل، ~~عنه في جلوسه بمحل الشباك، وقرر له على هذه النيابة في هذا الشهر خمسمائة ~~دينار، وبذلة مذهبة، ورزمة كسوة فيها شقق حرير وغيرها. ولم يزل هذا الرسم ~~مستقرا إلى أن أخذه PageV03P054 # عباس بن تميم في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة عند توليته حجبة بابه. ~~والبذلة وحدها تساوي خمسمائة دينار. # وفيها استخدم ذخيرة الملك جعفر في ولاية القاهرة والحسبة، فظلم وعسف، ~~وبنى مسجدا عرف بمسجد لا بالله. PageV03P055 ### || سنة عشر وخمسمائة @YY510 ### || سنة إحدى عشرة وخمسمائة @YY511 # في ذي الحجة خرج أمر الآمر بأحكام الله بنفي بني عبد القوى، فنفوا إلى ~~الأندلس بأهاليهم. # وفيها وصل بغدوين إلى الفرما وأحرق جامعها وأبواب المدينة ومساجدها، وقتل ~~بها رجلا مقعدا وابنة له ذبحها على صدره، ورحل وهو مثخن مرضا، فمات قبل ~~العريش، فشق بطنه ورمى ما فيه هناك، فهو يرجم إلى اليوم، ويعرف مكانه بسبخة ~~بردويل؛ ودفنت رمته بقمامة من القدس. # وقام من بعده بملك القدس القمص صاحب الرها بعهده إليه. # ونزل الفرنج حوران، وملكوا من أعمال حلب بزاعة وخرتبرت؛ وملكوا مدينة ~~صور. # وفيها خرج محمد بن تومرت من مصر في زي الفقهاء ومضى إلى بجاية PageV03P056 ### || سنة اثنتي عشرة وخمسمائة @YY512 # فيها مات الأمير نور الدولة أبو شجاع فاتك، والد القائد أبي عبد الله بن ~~فاتك، فأخرج له الأفضل من ثيابه بذلة حريرية وقارورة كافور وشققا مزيدي ~~دبيقي ونصافي، وطيبا وبخورا وشمعا، وحمل له من القصر أضعاف ذلك. وخرج ~~الأفضل والأمراء، وجميع حاشية القصر، إلى الإيوان، فخرج الخليفة وصلى عليه؛ ~~ثم أخرج فدفن. وتردد الناس إلى التربة. وفرقت الصدقات إلى تمام الشهر. # وكان بيد نور الدين زمر الضاحكية والفراشين وصبيان الركاب والسلاح الخاص ~~بجار ثقيل ورسوم كثيرة. وهؤلاء الضاحكية كانوا يعرفون بهذه الرسوم قديما ~~عند وصولهم مع المعز إلى مصر، وهم يلبسون المناديل ويرخون العذب ويلبسون ~~الثياب بالأكمام الواسعة، وفي أرجلهم ms431 الصاجات؛ وفي الأعياد يشدون أوساطهم ~~بالعراضى الدبيقي، ولا يتقدمهم أحد إلى الخليفة على ما جرت به عادتهم في ~~المغرب. # وفيها قفز على الأفضل ثانيا، وخرج عليه ثلاثة نفر بالسكاكين، فقتلوا، ~~وعاد سالما؛ فاتهم أولاده، وصرح بالقول فيهم، وأخذ دوابهم، وأبعد حواشيهم، ~~ومنعهم من التصرف؛ وبالغ في الاحتراز والتحفظ. PageV03P057 # وفيها وردت التجار من عيذاب ذاكرين أنه خرج عليهم في مراكب شنها قاسم بن ~~أبي هاشم، صاحب مكة، فقطعت عليهم الطريق وأخذ جميع ما كان معهم. فغضب ~~الأفضل وقال: صاحب مكة يأخذ تجارا من بلادي، أنا أسير إليه بنفسي بأسطول ~~أوله عيذاب وآخره جدة. ثم تقرر الحال على مكاتبة الأشراف بمكة وإعلامهم ما ~~فعله أمير مكة، وأقسم فيه أنه لا يصل إلى مكة من أعمال الدولة تاجر ولا حاج ~~إلى أن يقوم بجميع ما أخذه من أموال التجار. وكتب إلى والي قوص بأن يسير ~~بنفسه أو من يقوم مقامه، إلى عيذاب، ومهما وصل من جدة من الجلاب لا يمكن ~~أحدا من الركوب فيها، وأن يتشوف ما يدخل عيذاب من الشواني والحراريق، فمهما ~~كان يحتاج إلى إصلاح ومرمة ينجز الأمر فيه؛ ويشعر أهل البلاد بوصول الرجال ~~والأموال لغزو البلاد الحجازية. وتقدم إلى المستخدمين بصناعة مصر بتقديم ~~خمسة حراريق وتكميلها ليسيروا إلى الحجاز. # فلما وردت المكاتبة على الأشراف بمكة ولم يصل إليها أحد اشتد الأمر عندهم ~~وتحرك السعر، فبعثوا رسولا من أميرهم، فلما وصل ساحل مصر لم يؤبه له ولا ~~أجرى عليه ضيافة، وقيل له: ما يقرأ لك الكتاب، ولا يسمع منك خطاب دون إعادة ~~المأخوذ من التجار إليهم. وشاهد مع ذلك الجد والاهتمام بأمر الأساطيل ~~وتجهيز العساكر إلى صاحبه، فالتزم بإحضار جميع أموال التجار، وسأل التوقف ~~قبل الإسراع بما عول عليه من قصد صاحبه؛ وأجل لعوده أجلا قريبا. فأجيب إلى ~~ذلك، وسار. فلم ينقض الأجل حتى عاد وصحبته جميع PageV03P058 # ما أخذ من التجار من البضائع والأموال؛ فحملت إلى الجامع العتيق بمصر ~~بمحضر من الرعايا، وهم يعلنون بالشكر والدعاء. واحتاط متولى الحكم عليه إلى ms432 ~~أن تحضر جماعة التجار ويجري الأمر على ما توجبه الشريعة. وخلع على الرسول ~~وأحسن إليه ووصل. # ومرض الأفضل بحمى حادة ثم عوفي، فدفع للطبيب ثلثمائة دينار PageV03P059 ### || سنة خمس عشرة وخمسمائة @YY515 # فيها قتل الأفضل بن أمير الجيوش يوم الأحد سلخ شهر رمضان وعمره سبع ~~وخمسون سنة، لأن مولده بعكا سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. وكان سبب ذلك أنه ~~لما كان ليلة عيد الفطر جهز ما جرت العادة بتجهيزه من الدواب والآلات لركوب ~~الخليفة، وجلس بين يديه إلى أن عرضت الطبول على العادة كل سنة والدواب ~~والسلاح؛ ثم عاد وأدى ما يجب من سلام الخليفة فتقدم إلى القائد أبي عبد ~~الله بن فاتك بأن يأمر صاحب السير أن يصف العساكر إلى صوب باب الخوخة. وركب ~~الأفضل من مكانه والناس على طبقاتهم، وخرج من باب الخوخة قاصدا دار الذهب، ~~فلما حصل بها وقع التعجب من الناس في نزوله ليلة الموسم، ولم يعلم أحد ما ~~قصد؛ وكان قصده أن يكمل تعليق المجلس الذي يجلس فيه. فصلى بدار الذهب ~~الظهر، فلما قرب العصر ركب منها وقد انصرف أكثر المستخدمين ظنا منهم أنه ~~يبيت فيها. فسار إلى الزهري فإذا الأمراء والأجناد والمستخدمون والرهجية قد ~~اتجهوا لخدمته، وكان قد ضجر وتغير خلقه ولا سيما في الصيام. فلما رأى ~~اجتماع الناس وكثرتهم أبعدهم، فتقدموا ووقفوا عند باب الساحل، فأنفذ أيضا ~~يخرج من أبعدهم، وبقى في عدة يسيرة، وأبعد صبيان السلاح من ورائه؛ فوثب ~~عليه من دكان دقاق بالملاحين أربعة نفر متتابعين كلما اشتغل من حوله واحد ~~خرج PageV03P060 # غيره؛ فرمى من الفرس إلى الأرض، وضربوه ثمان ضربات. وكان القائد بعيدا ~~منه لأخذ رقاع الناس وسماع تظلمهم وتفريق الصدقات على الفقراء بالطريق؛ ~~فلما سمع الضوضاء أسرع إليه ورمى نفسه إلى الأرض عليه، فوجده قد قضى نحبه. ~~وحمل على أيدي مقدمي ركابه والقائد راجل، وهم يبشرون الناس بالسلامة. وقتل ~~من الذين خرجوا عليه ثلاثة وقطعوا وأحرقوا، وسلم الرابع، وكان اسمه سالما، ~~ولم يعلم به إلا لما ظفر به مع غيره بعد مدة. ms433 # ولم يزل الأفضل محمولا ولا يمكن أحد من الوصول إليه إلى أن دخل به على ~~مرتبته التي كان يجلس عليها أو يمطى. وقال القائد للخليفة أدركني وتسلم ~~ملكك لئلا أغلب عليه. وصار أي من لقيه يهنئه بسلامة السلطان ويوهم أهله أن ~~الطبيب عنده، ويأمرهم بتهيئة الفراريج والفواكه. وعاد إلى قاعة الجلوس ~~فوجدها قد غصت بالناس، فرد عليهم السلام وهنأهم، وأظهر قوة عزم؛ ثم عاد إلى ~~القاعة الكبيرة وقد حضر إليه متولى المائدة الأفضلية واستأذنه على السماط ~~المختص بالعيد فقال له اذبح ووسع، فالسلطان بكل نعمة وهو الذي يجلس على ~~السماط في غد؛ ومع ذلك فكان في قلق وخوف شديد من أن يبلغ أولاد الأفضل ~~فيجري عنهم ما لا يستدرك وتنهب الدار. # فلما أصبح الصباح وركب الخليفة ودخل إلى الدهليز الذي كان يركب منه ~~الأفضل ومعه الأستاذون المحنكون قال القائد أبو عبد الله للخليفة: عن إذن ~~مولانا أفتح الباب؛ وكان قد منع من الدخول إلى الدار؛ فقال الخليفة: نعم ~~ففتح على الأفضل وقال له القائد: الله يطيل عمر أمير المؤمنين ويفسح في ~~مدته ويورثه أعمار مماليكه؛ هذا وزيره قد صار إلى الله تعالى، وهذا ملكه ~~يتسلمه. ثم ضربت للوقت المقرمة على الأفضل؛ وأمر الخليفة بإحضار من بالقاعة ~~من الأمراء والأجناد، فدخل الناس على غير طبقاتهم إلى أن مثلوا بين PageV03P061 # يدي الخليفة وهو قاعد على الحصير عند المقرمة، فقال الخليفة للأمراء: هذا ~~وزيري قد صار إلى الله تعالى، ومنكم إلي ومني إليكم، وقد كان القائد واسطته ~~إليكم وهو اليوم واسطتي إليكم. فشكر الحاضرون ذلك؛ هذا والقائد وولده ~~مشدودو الأوساط بالمناطق وصاحب الباب على ما كانوا عليه. وتقدم إلى الشيخ ~~أبي الحسن بن أبي أسامة أن يكتب إلى الأعمال بذلكن وأمر الأمراء بالانصراف. # ثم قال القائد: يا مولانا؛ الأموال والجواهر على اختلافها في الخزائن ~~الكبار عنده، وهي مقفلة ومفاتيحها عندي، وختم عليها وهي في بيت المال ~~المصون؛ وكذلك المفضض التي عند المستخدمين برسم الاستعمال والميناء الذهب ~~المرصعة والتي بغير ترصيع، والبلور التي برسم ms434 استعماله؛ جميع ذلك مثبت عند ~~متولي دفتر المجلس إلا خزانة الكسوة التي برسم ملبوسه ما عندي منها خبر، ~~فأمر من يدخل ويختم عليها. فأمر متولي الخزائن الخاص، وكان سيف الأستاذين، ~~ومتولي بيت المال ومتولي الدفتر، وهم كبار الأستاذين المحنكين بأن يدخلوا ~~ويجتمعوا، ولا يعترض غيرها لا لولده ولا لجهته ولا لبناته ولا لأحد من ~~عياله. # فتوجهوا وقرعوا الباب. فلما شاهدهم النساء تحققوا الوفاة، وقام الصراخ من ~~جميع جوانب المواضع؛ وكانت ساعة أزعجت كل من بمصر والجيزة والجزيرة؛ ثم ~~أسكتوا. وأنفذت الرسل لختم الخزائن التي بمصر. فبينما هم على ذلك في الليل ~~إذ وصل إلى الخليفة رقعتان على يد أستاذ من القاهرة، من رجلين من جملة ~~الحاشية، يذكران فيها أن أولاد الأفضل قد جمعوا عدة وشنعت حاشيتهم أن في ~~بكرة هذه الليلة يستنصرون بالبساطية والأرمن ويثورون في طلب الوزارة لأخيهم ~~الأكبر فامتعض الخليفة لذلك، وهم بالإرسال إليهم وقتلهم؛ ثم تقرر الأمر على ~~أن يودعوا الخزانة من غير إهانة ولا قيود؛ فتوجه إليهم، فإذا جميع حاشيتهم ~~وغيرها عندهم، والخيل قد شدت، فأودعوا الخزانة. PageV03P062 # فلما أصبح الصباح كان قد حمل من القصر في الليل طوافير فيها عدة موائد ~~للفطر في يوم العيد، وحمل برسم فطر الخليفة الصواني الذهب وعليها اللفائف ~~الشرب المذهبة. وكان قد هيئ للخليفة من الليل موضع للمبيت بحيث يبعد عن ~~الأفضل، وعين من وقع الاختيار عليه لقراءة القرآن عند الأفضل. # فلما كان السحر من عيد الفطر جئ بين يدي الخليفة بما أحضر من قصوره في ~~مواعينه الذهب المرصعة، وعليها المناديل المذهبة من التمر المحشو ~~والجوارشيات بأنواع الطيب وغير ذلك؛ فاستدعى الخليفة القائد وأمره بالمضي ~~إلى باب الحرم لإحضار الأجل المرتضى ابن الأفضل؛ فمضى لذلك، فأبت أمه من ~~تمكنهم منه؛ فما زال بها حتى أسلمته إليه بعد جهد. فأتى به الخليفة فسلم ~~به، وضمه الخليفة إليه وقبله بين عينيه، وأجلسه عن يمينه والقائد عن شماله، ~~وبقية الخواص على مراتبهم. # ثم كبر مؤذنو القصر، فسمى الخليفة وأخذ تمرة وأكل بعضها وناولها للقائد، ms435 ~~ثم ناول الثانية لولد الأفضل؛ فقام كل منهما وقبل الأرض ولم يجلس. وتقدم كل ~~من الحاضرين فأخذ من يد الخليفة من التمر ووقف. فاستدعى القائد الفراش الذي ~~معه الصينيتان النحاس، وأمر فراشي الأسمطة بنقل ما في الأواني التي بين يدي ~~الخليفة في الصواني لتفرق في الأمراء الذين بالقاعة والدهاليز، فنقلت إليها ~~وحملت إلى المقرمة التي الأفضل وراءها وختم المقرئون. # ثم أظهر الخليفة الحزن على فقد وزيره، فتلثم وتلثم جميع المحنكين ~~والحاشية، وجلس الخليفة على المخدة عند المقرمة، وأمر حسام الملك، حاجب ~~الباب، بإحضار القاضي والداعي والأمراء، فدخل الناس على طبقاتهم. فلما رأوا ~~زي الخليفة اشتد البكاء والعويل، وخرق كل أحد ما عليه، ورميت المناديل، ~~يعني العمائم، إلى الأرض، وبكى الخليفة وحاشيته ساعة. ثم سأل القائد ~~الخليفة أن يفطر على ثمرة بحيث يشاهده جميع من حضر، ففعل ذلك. # ثم أشار الخليفة إلى القائد أن يكلم الناس عنه: فقال: أمير المؤمنين يرد ~~السلام PageV03P063 # عليكم، وقد شاهدتم فعله وكونه لم يشغله مصابه بوزيره ومدبر دولته ودولة ~~آبائه عن قضاء فرض هذا اليوم، وقد أفطر بمشاهدتكم، وأمركم بالإفطار. فمسح ~~الخليفة بيده على الصواني، وتقدم القائد إلى الخليفة وصار يناوله من ~~الصواني بيده؛ فأول ما مد إلى القاضي ثم الداعي، ونزل الناس للأكل. ورفعت ~~الصواني، فأخذ القائد يد الداعي وقربه من الخليفة، فناوله الخليفة الخطبة، ~~وكانت على يساره ملفوفة في منديل شرب بياض مذهب، فقبلها الداعي وجعلها على ~~رأسه، وضمها إلى صدره. وتقدم القائد لحسام الملك بأن يأخذ الأمراء جميعهم ~~ويطلعون إلى المصلى بالقاهرة لقضاء الصلاة، فتوجهوا في زي الحزن والمؤذنون ~~بين أيديهم. فصلى الداعي بالناس، ثم صعد المنبر فوقف على الدرجة الثالثة ~~منه، وخطب. وكانت الخطبة مبيتة فيها الدعاء للأفضل والترحم عليه وعندما ~~توجه الناس إلى المصلى أمر ولد الأفضل بالمضي إلى أمه وإخوته وجهات أبيه ~~ليرد عليهم السلام من أمير المؤمنين ويفطرهم. # وخلا الخليفة بالقائد وأمره بإخراج جميع الجواهر؛ فقام إلى خزانة كانت قد ~~بنيت برسم الأفضل، فوجد بها خيمة، ففتحها وأخرج قمطرين ms436 عليهما حلية ذهب ~~مملوءين جواهر ما بين عقود مفصلة بياقوت وزمرد وسبح؛ وقمطرا فيه إحدى عشرة ~~شرابة طول كل شرابة شبران بجواهر ما يقع عليها نظر؛ وصناديق فضة مملوءة ~~مضافات ما بين عصائب وتيجان ذهب مرصعة بجواهر نفيسة. ففتحت كلها، فشاهد ~~الخليفة منها ما لا يوصف؛ فسر بذلك سرورا كبيرا، وشكر القائد وقال: والله ~~إنك المأمون حقا مالك في هذا النعت شريك. فقبل الأرض ويديه. # ولهذا النعت قضية. وذلك أنه لما كان في الأيام المستنصرية، وعمر القائد ~~يومئذ اثنتا عشرة سنة، وكان من جملة خاصة المستنصر يرسله إلى بيت المال ~~وخزانة الصاغة في مهماته، فيجد منه النهضة والأمانة، فيقول هذا المأمون دون ~~الجماعة. ودرجت PageV03P064 # السنون، فذكرها الخليفة الآمر في ذلك الوقت فقال له: أنت المأمون على ~~الحقيقة لأجل ذلك. # ثم عاد حسام الملك أفتكين صاحب الباب، والداعي وجميع الأمراء من المصلى، ~~ومثلوا بين يدي الخليفة. ووقع حينئذ الاهتمام بتجهيز الأفضل؛ وتقدم إلى ~~زمام القصور بإخراج ما قد مازجه عرف الأئمة، وتقدم إلى ريحان متولى بيت ~~المال بإخراج ما يجب إخراجه برسم المأتم؛ فمضيا. وتقدم إلى حسام الملك ~~بإعلام الأمراء والاجناد والشهود والقضاة والمتصدرين والمقربين وبنى ~~الجوهري الوعاظ وغيرهم لحضور الجنازة وتلاوة القرآن. فعاد زمام القصور ~~ومتولى بيت المال ومعهما عشرون صينية ملفوفة في عراض دبيقي بياض مملوءة ~~صندلا مطحونا، ومسكا وكافورا وحنوطا وقطنا، وفي صدر الآخر منديل ديباج فيه ~~ما رسم بإحضاره من ملابس الخلفاء وطيالسهم. ووصلت أيضا الموائد على رءوس ~~الفراشين، وهي مائة شدة، صحبة متولى المائدة الآمرية؛ فمد السماط بين يدي ~~الخليفة، ومد سماطان، أحدهما بالقاعة وهو برسم الأمراء، والآخر برسم القاضي ~~والداعي والشهود والمقربين والوعاظ والمؤمنين، وحمل إلى الجهات الأفضليات ~~شيء كثير. # فلما انقضى الأكل عاد الجميع بالقاعة، وذكر أنه ختم على الأفضل في هاتين ~~الليلتين واليوم نيف وخمسون ختمة. فلما انقضى معظم الليلة، الثاني من شوال، ~~تقدم الخليفة بإحضار داعي الدعاة، ولي الدولة ابن عبد الحقيق، وأمره بغسل ~~الأفضل على ما يقتضيه مذهبه، وكفن بما حضر ms437 من القصر، وأخرج للداعي بذلتان ~~مكملتان، مذهبة وحرير، عوضا عما كان على الأفضل من ثياب الدم، فإنها لم ~~تنزع عنه، وعند كمال غسله دفع للداعي ألف دينار. # فلما كان في الثالثة من نهار يوم الثلاثاء ثاني شوال خرج التابوت بالجمع ~~الذي لا يحصى، PageV03P065 # والناس بأجمعهم رجالة، وليس وراءهم راكب إلا الخليفة بمفرده وهو ملثم. ~~فلما خرج التابوت من بلد مصر أمر الخليفة بركوب القائد والمرتضى ولد ~~الأفضل، وذكر أن الشيخ أبا الحسن بن أبي أسامة ركب حمارا، فلما وصلت ~~الجنازة إلى باب زويلة ترجل القائد والمرتضى ومشيا؛ وبعث الخليفة خواصه إلى ~~أخويه أبي الفضل جعفر وأبي القاسم عبد الصمد، وأمرهما إذا وصل التابوت إلى ~~باب الزهومة أن يخرجا بغير مناديل، بعمائم صغار وطيالس؛ فإذا قضيا ما يجب ~~من حق سلام الخليفة سلما على القائد أبي عبد الله بمثل ما كانا يسلمان على ~~الأفضل، ويمشيان معه وراء التابوت. فاعتمدا ذلك. فاستعظم الناس هذه الحالة ~~والمكارمة؛ ولم يزالا مع الناس وراء التابوت إلى أن دخل من باب العيد. PageV03P066 # فلما صار التابوت في وسط الإيوان هم الخليفة بأن يترجل، فسارع إليه ~~القائد والمرتضى، وصاح الناس بأجمعهم: العفو يا أمير المؤمنين. عدة مرار. ~~فترجل الخليفة على الكرسي، وصلى عليه، ورفع التابوت فمشى وراءه، وركب ~~الخليفة الفرس على ما كان عليه؛ ونزل التربة ظاهر باب النصر ووقف على شفير ~~القبر إلى أن حضر التابوت. واستفتح ابن القارح المغربي وقرأ: " ولقد ~~جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم " الآية. ~~فوقعت من الناس موقعا عظيما، وبكوا، وبكى الخليفة، وهم بنزول القبر ليلحده ~~بيده؛ ثم أمر الداعي فنزل وألحده والخليفة قائم إلى أن كملت مواراته، ثم ~~ركب من التربة والناس بأجمعهم بين يديه إلى قصره. # وأخرج من قاعة الفضة بالقصر ثلاثون حسكة، وثلاثون بخورا مكملة، وخمسون ~~مثقال ند وعود، وشمع كثير، فأشعلت الشموع إلى أن صلى الصبح وأطلق البخور، ~~واستقر جلوس الناس؛ فصلى القاضي بالناس، وفتح باب مجلس الأفضل المعلق ~~بالستور الفرقوبي الذي لم ms438 يكن حظه منه إلا جوازه عليه قتيلا. ورفعت الستور، ~~وجلس الخليفة على المخاد الطرية التي عملت في وسطه؛ وسلم الناس على ~~منازلهم، وتلي القرآن العظيم. وتقدمت الشعراء في رثائه إلى أن استحق الختم ~~فختم. ثم خرج القائد والأمراء إلى التربة فكان بها مثل ما كان بالدار من ~~الآلات والبخور. وعمل في اليوم الثاني كذلك. # وكان عمر الأفضل يوم مات سبعا وخمسين سنة، ومدة ولايته ثمانية وعشرون ~~عاما PageV03P067 # ويقال إن الآمر وافق المأمون على قتله، فرتب له من قتله. # ثم أمر أن يكتب سجل بتعزية الكافة في الأفضل والثناء على خصائصه ومساعيه، ~~وإشعارهم بصرف العناية إليهم ومد رواق العدل عليهم؛ وتفريقه على نسخ تتلى ~~على رءوس الأشهاد وبسائر البلاد. فكتب ما مثاله: # هذا كتاب من عبد الله ووليه المنصور أبي علي، الإمام الآمر بأحكام الله ~~أمير المؤمنين بما رآه وأمر به من تلاوة على كافة من بمدينة مصر حرسها الله ~~تعالى من الأشراف والأمراء ورجال العساكر المؤيدة على اختلاف طبقاتهم، ~~فارسهم ومترجلهم وراجلهم، والقضاة والشهود والأماثل، وجميع الرعايا، بأنكم ~~قد علمتم ما أحدثته الأيام بتصاريفها، وجرت به الأقدار على عادتها ومألوفها ~~من فقد السيد الأجل الأفضل ونعوته قدس الله روحه، ونور ضريحه، وحشره مع ~~مواليه الطاهرين الذين جعلهم أعلام الهدى ومصابيحه الذي كان عماد دولة أمير ~~المؤمنين وحمال أثقالها، وعلى يديه وحسن سيرته اعتمادها ومعولها، وتخطى ~~الحمام إليه، واخترام المنية إياه وتسلطها عليه؛ وما تدارك الله الدولة به ~~من حفظ نظامها، واستتار أمورها بعد هذا الفادح العظيم والتئامها؛ وما رآه ~~أمير المؤمنين من تهذيبه الأمور بنظره السعيد، ومباشرته إياها بعزمه الشديد ~~ورأيه السديد، واهتمامه بمصالح الكافة، وإسباغ ظل الإحسان عليهم والرأفة، ~~حتى أصبحت الدولة الفاطمية بذلك ظليلة المناكب، منيرة الكواكب، محروسة ~~الأرجاء والجوانب. # ولما كانت همة أمير المؤمنين مصروفة إلى الاهتمام بكم، والنظر في ~~مصالحكم، والإحسان إليكم، وتأمين سربكم، وإعذاب شربكم، ومد رواق العدل ~~عليكم، وإنصاف مظلومكم من ظالمكم، وضعيفكم من قويكم، ومشروفكم من شريفكم، ~~وكف عوادي المضار بأسرها عنكم، وتمكينكم ms439 من التصرف في أديانكم على ما ~~يعتقده كل منكم، جارين على رسمكم وعادتكم، من غير اعتراض عليكم رأى ما خرج ~~به عالي أمره من كتب هذا السجل وتلاوته على جميعكم، لتثقوا به، وتسكنوا ~~إليه، وتتحققوا جميل رأى أمير المؤمنين فيكم؛ وأنه لا يشغله عن مصالح ~~الكافة شاغل، وأن باب رحمته مفتوح لمن قصده، وإحسانه عميم شامل، وله إلى ~~تأمل أحوال الصغير والكبير منكم عين ناظرة، PageV03P068 # وفي إحسان سياستكم عزيمة حاضرة وأفعال ظاهرة. والله تعالى يمده بحسن ~~الإرشاد، ويبلغه المراد في مصالح العباد والبلاد، بمنه وعونه. فاعلموا هذا ~~من أمير المؤمنين ورسمه، وانتهوا إلى موجبه وحكمه وليعتمد الأمير متولى ~~المعونة بمصر تلاوته على منبر الجامع العتيق بمصر ليعيه كل من سمعه، ويصل ~~علم مضمونه إلى من لم يحضر قراءته، ليتحققوا ما ذكر فيه وأودعه؛ وليحمل ~~الناس على ما أمرتهم فيه، وليحذر من مجاوزته وتعديه. وليقرأ بالجامع ~~المذكور ليقع التصفح والتأمل في اليوم وما يليه إن شاء الله تعالى. # ثم أمر الخليفة بإنشاء منشور يتلى، مضمونه: خرج أمر أمير المؤمنين، صلوات ~~الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين، بإنشاء هذا المنشور بأن ~~يعتمد في ديوان التحقيق والمجلس وسائر دواوين الدولة، قاصيها ودانيها، ~~قريبها ونائيها، إمضاء ما كان السيد الأجل الأفضل قرره، وخرجت به توقيعاته ~~الثابتة عليها علامته في الأحكام والأموال بتصاريف الأحوال، إذ أمر أمير ~~المؤمنين راض بأفعاله، محقق لأقواله، حامد لمقاصده، ممض لأحكامه، عارف ~~بسداد رأيه في نقضه وإبرامه، على أوضاعها وأحكامها، وتقريراته في كل منها. ~~فليحذر كافة الأمراء وسائر الولاة نصرهم الله وأظفرهم وجميع النواب ~~والمستخدمين، والكتاب والمتصرفين بجميع الأعمال من تأول فيه، أو تعقيد بغير ~~شيئا من أحكامها على ما قرره وأمر به. وليجلد هذا المنشور في ديوان التحقيق ~~والمجلس بعد ثبوته في جميع الدواوين، وليصدر الإعلان به إلى كافة الجهات ~~بهذا المرسوم، تثبيتا لهذا الأمر المذكور المحتوم، إن شاء الله تعالى وفي ~~السادس والعشرين من شوال عمل تمام الشهر على تربة الأفضل، كما عملت الصبحة ~~والثالث. فلما انقضى ms440 الختم وانصرف الناس ركب الخليفة بموكبه. ونزل إلى ~~التربة، وترحم عليه وعاد. ذكر هذا جمال الملك موسى بن المأمون البطائحي في ~~تاريخه. # وقال ابن ميسر: وأقام الخليفة في دور الأفضل، وفي دار الملك بمصر ودار ~~الوزارة بالقاهرة وغيرهما مدة أربعين يوما، والكتاب بين يديه يكتبون ما ~~ينقل إلى القصور؛ فوجد له من الذخائر النفيسة ما لا يحصى. PageV03P069 # فيما وجد له ستة آلاف ألف دينار عينا، وفي بيت الخاصة ثلاثة آلاف ألف ~~دينار وفي البيت البراني ثلاثة آلاف ألف ومائتا ألف وخمسون ألف دينار؛ ~~ومائتين وخمسين إردبا دراهم ورقا؛ وثلاثين راحلة من الذهب العراقي المغزول ~~برسم الرقم؛ وعشرة بيوت في كل بيت عشرة مسامير ذهب كل مسمار وزنه مائتا ~~مثقال عليها العمائم المختلفة الألوان؛ وتسعمائة ثوب ديباج ملونة؛ وخمسمائة ~~صندوق من دق دمياط وتنيس برسم كسوة بدنه؛ ولعبة من عنبر على قدر جسده برسم ~~ما يعمل عليها من ثيابه لتكتسب الرائحة؛ ومن الطيب والآلات ما لا يحصى ~~عدده؛ ومن الأبقار والجاموس والأغنام والجمال ما بلغ ضمان ألبان ونتاجه في ~~سنة نحو أربعين ألف دينار؛ ودواية يكتب منها مرصعة بالجواهر، قوم جوهرها ~~باثني عشر ألف دينار؛ وخمسمائة ألف مجلدة من الكتب العلمية. # قال: وأخذ الآسر في نقل ما بدار الأفضل إلى القصر، وهو يرتب ما يحمل ~~بنفسه، هو وأصحابه؛ واستمر ذلك مدة شهرين وأيام، والأموال تحمل على بغال ~~وجمال إلى القصر، والآمر يطلع إلى القصر ويعود كل غداة ويقيم حتى يرتفع ~~النهار ويرتب ما يفعل. # وذكر متولي الخزابة بالقصر أن مما وجد في دار الأفضل ستة آلاف ألف ~~وأربعمائة ألف دينار؛ وورق قيمته مائتا ألف وعشرون ألف دينار؛ وسبعمائة طوق ~~ما بين ذهب وفضة؛ ومن الأسطال والصحاف والشربات والأباريق والقدور والزبادي ~~الذهب والفضة المختلفة الأجناس ما لا يحصى كثرة؛ ومن براني الصيني الكبار ~~المملوء بالجواهر التي بعضها منظوم كالسبح وبعضها منثور شيء كثير. # وكان الأفضل في أوقات الشرب يصف في مجلسه صواني الذهب وبينها البراني ~~المملوءة بالجواهر، فإذا أحب فرغب البرنية في ms441 الصينية فتكون ملئها. # ووجد له من أصناف الديباج وما يجري مجراه من عتابي ونحوه تسعون ألف ثوب ~~وثلاث خزائن كبار مملوءة صناديق كلها دبيقي وشرب عمل تنيس ودمياط، PageV03P070 # على كل صندوق شرح ما فيه وجنسه. وخزانة الطيب مملوءة أسفاطا، فيها العود ~~وغيره، مكتوب على كل سفط وزنه وجنسه؛ وبراني بها المسك والكافور وشيء كثير ~~من العنبر. ووجد مجلس يجلس فيه للشرب فيه ثمان جوار متقابلات، أربع منهن ~~بيض من كافور وأربع سود من عنبر، قيام في المجلس، عليهن أفخر الثياب وأثمن ~~الحلى، بأيديهن مذاب من أعظم الجوهر؛ فإذا دخل من باب المجلس ووطىء العتبة ~~نكسن رءوسهن خدمة له بحركات قد أحكمت؛ فإذا جلس في صدر المجلس استوين ~~قائمات. # ووجد له من المقاطع والستور والفرش والمطارح والمخاد والمساند الديباج ~~والدبيقي الحريري والذهب على اختلاف الأجناس أربع حجر، كل حجرة مملوءة من ~~هذا الجنس. ووجد له عدة صناديق ملء خزانة فيها أحقاق ذهب عراقي برسم ~~الاستعمال. ووجد له منقلات عدة تزيد على المائة، ملبسة بالذهب والفضة، ~~مرصعة بالجوهر؛ وثمانمائة جارية منها خمسة وستون حظية لكل واحدة حجرة ~~وخزائن مملوءة بالكسوة والآلات الذهب والفضة من كل صنف. # وكان في مخازنه تحت يد عماله والجباة وضمان النواحي من المال والغلال ~~والحبوب والقطن والكتان والشمع والحديد والخشب وغير ذلك ما يتعب شرحه. # وحمل من داره أربعة آلاف بساط، وستون حملا طنافس، وخمسمائة قطعة بلور، ~~وخمسمائة قطعة محكم برسم النقل، وألف عدل من متاع اليمن والمغرب، وتسعة ~~آلاف سرج. # قال ابن ميسر: وكان الأفضل من العدل وحسن السيرة في الرعية والتجار على ~~صفة جميلة تجاوز ما سمع به قديما وشوهد أخيرا، ولم يعرف أحد صودر ولا ضبط ~~عليه. ولما حصر الاسكندرية كان به يهودي يبالغ في سبه وشتمه ولعنه، فلما ~~دخل الأفضل البلد قبض عليه وقدمه للقتل وقد عدد عليه ذنوبه، فقال اليهودي: ~~إن معي خمسة آلاف دينار، خذها مني وأعتقني واعف عني. فقال: والله لولا خشية ~~أن يقال قتله حتى يأخذ ماله لقتلتك؛ وعفا عنه ms442 ولم يأخذ منه شيئا. وكان إذا ~~غضب على أحد اعتقله ولم يقتله، فلما مات أطلق من سجنه عشرة آلاف إنسان، ~~فإنه كان إذا اعتقل أحدا نسيه ولا يرى بإخرابه. PageV03P071 # وكانت محاسنه كثيرة. وهو أول من أفرد مال المواريث ومنع من أخذ شيء من ~~التركات على العادة القديمة، وأمر بحفظها لأربابها، فإذا حضر من يطلبها ~~وطالعه القاضي بثبوت استحقاقه أمره في الحال بإطلاق ما ثبت له. واجتمع ~~بمودع الحكم من مال المواريث التي تنتظر وصول مستحقها من شرق الدنيا وغربها ~~مائة ألف وثلاثون ألف دينار، فرفع إليه قاضي القضاة ثقة الملك أبو الفتح ~~مسلم بن علي الرأس عيني لما ولى أن قد اعتبرت ما في مودع الحكم من مال ~~المواريث فكان مائة ألف دينار، ورفعها إلى بيت المال أولى من تركها في ~~المودع، فإن لها السيرة الطويلة لم يطلب شيء منها. فوقع رقعته: إنما قلدناك ~~الحكم ولا رأي لنا فيما لا نستحقه، فاتركه على حاله لمستحقيه ولا تراجع ~~فيه. فأخذها هذا القاضي غرفا. # وبلغ ارتفاع خراج مصر في أيامه لسنة خمسة آلاف ألف دينار، ومتحصل الأهراء ~~ألف ألف إردب. وبنى في أيامه من المساجد والجوامع جامع الفيلة بالجرف ~~المعروف بالرصد والمسجد المعروف بالجيوشي على سطح الجبل. وبنى مئذنة جامع ~~عمرو بمصر الكبيرة والمئذنة السعيدة به أيضا والمئذنة المستجدة وجامع ~~الجيزة. وعمل خيمة الفرح التي سميت بالقاتول، اشتملت على ألف ألف وأربعمائة ~~ألف ذراع من الثياب، وقائم ارتفاع PageV03P072 # العمود الذي لها خمسون ذراعا بذراع العمل، وبلغت النفقة عليها عشرة آلاف ~~ألف دينار. وللشعراء فيها عدة مدائح. # وكان الأفضل يقول الشعر. فمن شعره في غلامه تاج المعالي: # أقضيب يميس، أم هو قد ... أو شقيق يلوح، أو هو خد # أنا مثل الهلال خوفا عليه ... وهو كالبدر حين وافاه سعد # وكان شديد الغيرة على نسائه. اطلع من سطح داره فرأى جارية من جواريه ~~متطلعة إلى الطريق، فأمر بضرب عنقها. فلما وضعت الرأس بين يديه أنشد: # نظرت إليها وهي تنظر ظلها ... فنزهت نفسي عن شريك مقارب ms443 # أغار على أعطافها من ثيابها ... ومن مسك لها في الذوائب # ولي غيرة لو كان للبدر مثلها ... لما كان يرضى باجتماع الكواكب # قال: وكان عدة الوعاظ والقراء والمنشدين في عزاء الأفضل أربعمائة وعشرين ~~شخصا، فخرج أمر الخليفة أن يعطى كل واحد منهم ثمانين دينارا، الصغير مثل ~~الكبير؛ فقال ابن أبي قيراط: يا مولانا، هذا مال كثير. فقال: إنفاذ أمرنا ~~هذا من بعض حقه علينا. فجاء مبلغ ما دفع نحوا من أربعة وثلاثين ألف دينار. PageV03P073 # قال: والأفضل هو الذي أنشأ بستان البعل، والمنتزه المعروف بالتاج، والخمس ~~وجوه، والبستان الكبير، والبستان الخاص بقيلوب؛ وجدد بستان الأمير تميم ~~ببركة الحبش، وأنشأ الروضة بحرى الجزيرة، وكان يمضي إليها في العشاريات ~~الموكبية؛ رحمه الله. # في مستهل ذي القعدة خلع على القائد أبي عبد الله بن فاتك بذلة مذهبة بشدة ~~الخليفة الداعية، وحلت المنطقة من وسطه؛ وخلع على ولده بذلة مذهبة وحلت ~~منطقته أيضا؛ وعلى جميع إخوته بمثل ذلك. # واستمر ينفذ الأمور لا يخرج شيء عن نظره إلى مستهل ذي الحجة؛ ففي يوم ~~الجمعة ثانيه خلع عليه من ملابس الخاص الشريف في فرد كم مجلس العيد، وطوق ~~بطوق ذهب مرصع، وسيف ذهب مرصع؛ وسلم على الخليفة، فأمر الخليفة الأمراء ~~وكافة الأستاذين المحنكين بالخروج بين يديه، وأن يركب من المكان الذي كان ~~الأفضل يركب منه. PageV03P074 # ومشى في ركابه القواد على عادة من تقدمه، وخرج بتشريف الوزارة، ودخل على ~~باب العيد راكبا، ووصل إلى داره، فضاعف الرسوم وأطلق الهبات. # وفي خامسه اجتمع الأمراء واستدعى الشيخ أبو الحسن بن أبي أسامة، فحضر ~~بالسجل في لفافة خاص مذهبة فسلمه الخليفة إلى الأجل المأمون من يده، فقبله ~~وسلمه لزمام القصر، وأمر الخليفة المأمون فجلس عن يمينه، وقرئ السجل على ~~باب المجلس؛ وهو أول سجل قرئ بهذا المكان، وكانت سجلات الوزراء قبل ذلك ~~تقرأ بالإيوان. ورسم للشيخ أبي الحسن أن ينقل نسبة الأمراء والمحنكين ~~والناس جميعهم من الآمري إلى المأموني، ولم يكن أحد قبل ذلك ينتسب للأفضل ~~ولا لأمير الجيوش. وقدمت للمأمون الدواة ms444 فعلم في مجلس الخليفة؛ وتقدم ~~للأمراء والأجناد فقبلوا الأرض وشكروا هذا الإحسان. وأحضرت الخلع؛ فخلع على ~~حاجب الحجاب حسام الملك وطوق بطوق ذهب وسيف ذهب ومنطقة ذهب؛ وخلع على الشيخ ~~أبي الحسن بن أبي أسامة كاتب الدست، وعلى الشيخ أبي البركات بن أبي الليث، ~~وعلى أبي الرضا سالم بن الشيخ أبي الحسن، وعلى أبي المكارم أخيه، وعلى أبي ~~محمد أخيهما، وعلى أبي الفضل يحيى بن سعيد الميمذي ووصل بدنانير كثيرة بحكم ~~أنه قرأ السجل. وخلع على أبي الفضائل بن أبي الليث صاحب مغفر المجلس. ثم ~~استدعى غذى الملك سعيد ابن عمار الضيف متولى أمور الضيافات والرسل الواصلين ~~الحضرة من جميع الجهات وأخذ أقلامه على التوقيعات فخلع عليه. وفي الأيام ~~الأفضلية لم يكن أحد يدخل مجلسه ولا يصل لعتبته لا من الحجاب ولا غيرهم سوى ~~غذى الملك هذا فإنه كان يقف من داخل العتبة؛ وكانت هذه الخدمة إذ ذاك من ~~أجل الخدم وأكبرها. # وقال أبو الفتح ابن قادوس في مدح المأمون، وقد زيد في نعوته: # قالوا أتاه النعت، وهو السيد ال ... أمون حقا، والأجل الأشرف PageV03P075 # ومغيث أمة أحمد، ومجيرها ... ما زادنا شيئا على ما نعرف # وذلك أنه نعت في سجله المقروء على الكافة بالأجل المأمون، تاج الخلافة، ~~وجيه الملك، فخر الصنائع، ذخر أمير المؤمنين. ثم تجدد له في نعوته بعد ذلك ~~الأجل المأمون، تاج الخلافة، عز الإسلام، فخر الأنام، نظام الدين والدنيا. ~~ثم نعت بما كان ينعت به الأفضل، وهو السيد الأجل المأمون، أمير الجيوش، سيف ~~الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي رعاة المؤمنين. # ولما استمر نظر المأمون للدولة بالغ الخليفة في شكره، فقال له المأمون: ~~ثم كلام يحتاج إلى خلوة. فأمر بخلو المجلس. فقال: يا مولانا امتثال الأمر ~~متعب، ومخالفته أصعب؛ وما تتسع خلافة قدام آمر الدولة وهو في دست خلافته ~~ومنصب آبائه وأجداده، وما في قواي ما يرومه، ويكفيني هذا المقدار، وهيهات ~~أن أقوم به والأمر كبير. فتغير الخليفة وأقسم: إن كان لي وزير غيرك! فقال ~~المأمون: لي ms445 شروط؛ وقد كنت مع الأفضل وكان اجتهد في النعوت وحل المنطقة فلم ~~أفعل؛ وكان أولاده يكتبون إليه بكوني قد خنته في المال والأهل، وما كان ~~والله العظيم ذلك مني يوما قط، ومع ذلك معاداة الأهل جميعهم، والأجناد، ~~وأرباب الطيالس والأقلام، وهو يعطيني كل ورقة تصل إليه منهم وما يسمع ~~كلامهم. فقال الخليفة: فإذا كان فعل الأفضل معك ما ذكرته، إيش يكون فعلي ~~أنا؟ فقال: يعرفني المولى ما يأمر به فأمتثله بشرط ألا يكون عليه زائدا. ~~فأول ما ابتدأ به أن قال: أريد الأموال لا تبقى إلا بالقصر ولا تصل الكسوات ~~من الطراز PageV03P076 # والثغور إلا إليه ولا تفرق إلا منه، وتكون أسمطة الأعياد فيه؛ وتوسع في ~~رواتب القصور من كل صنف؛ وزيادة رسم منديل الكم. فقال المأمون: سمعا وطاعة؛ ~~أما الكسوات والجبايات والأسمطة فما تكون إلا بالقصور، وأما توسعة الرواتب ~~فما ثم من يخالف الأمر، وأما منديل الكم فقد كان الرسم في كل يوم ثلاثين ~~دينارا يكون في كل يوم مائة دينار؛ ومولانا، سلام الله عليه، يشاهد ما يعمل ~~بعد ذلك في الركوبات وأسمطة الأعياد وغيرها. ففرح الخليفة. وقال المأمون: ~~أريد بهذا مسطورا بخط أمير المؤمنين، ويقسم لي فيه ألا يلتفت لحاسد ولا ~~ينقبض؛ ومهما ذكر عني يطلعني عليه، ولا يأمر في بأمر سرا ولا جهرا يكون فيه ~~ذهاب نفسي وانحطاط قدري، وتكون هذه الأيمان باقية إلى وقت وفاتي، فإذا ~~توفيت تكون لأولادي ولمن أخلفه بعدي. # فحضرت الدواة، وكتب ذلك جميعه، وأشهد الله في آخرها على نفسه. فعندما حصل ~~الخط بيد المأمون وقف وقبل الأرض وجعله على رأسه، وكان الخط نسختين، فلما ~~قبض على المأمون في رمضان سنة تسع عشرة وخمسمائة، كما سيأتي إن شاء الله، ~~أنفذ الخليفة طلب الأمان، فأنفد إليه نسخة منهما فحرقها وبقيت النسخة ~~الأخرى فأعدمت. # وفيها أنشأ المأمون الجامع الأقمر بالقاهرة، وكان مكانه دكاكين علافين. # في هذه السنة هبت بمصر ريح سوداء ثلاثة أيام، فأهلكت شيئا كثيرا من الناس ~~والحيوان. PageV03P077 ### || سنة ست عشرة وخمسمائة @YY516 # في المحرم كان ms446 المولد الآمري. وتقرر السلام على الخليفة في يومي الاثنين ~~والخميس فأما في يومي السبت والثلاثاء فيركب الوزير بالرهجية إلى القصر ~~ويركب الخليفة إلى ضواحي القاهرة للنزهة؛ وأما الأحد والأربعاء فيجلس ~~الوزير المأمون في داره على سبيل الراحة. # في صفر سب أحد صبيان الخاص الآمري صاحب الشرع وشهد عليه، فضربت عنقه ~~وصلب. # فيه وصل فخر الملك أبو علي عمار بن محمد بن عمار، صاحب طرابلس. وكانت ~~الدولة، قد حولت الثغر في أيديهم على سبيل الولاية، فلما جاءت الشدائد ~~تغلبوا عليه؛ ثم جاءت الدولة الجيوشية فخافوا مما قدموه فلم يرموا أيديهم ~~في يدها ولا وثقوا بما بذل لهم من الصفح عن ولاتهم. ومضى ذلك السلف، وخلفهم ~~القاضي فخر الملك هذا في الأيام الأفضلية فجرى على تلك الوتيرة، ودفع إلى ~~محاصرة الفرنج له مدة سبع سنين، PageV03P078 # فضاق خناقه، وأيس؛ فخرج من طرابلس إلى العراق مستنجدا فلم يجد ناصرا. ~~واختلت أحواله، وعاد إلى دمشق وقد ملك الفرنج طرابلس فسار إلى مصر. وقال ~~في: كتابه والمملوك لم يصل إلى هذه الوجهة إلا وقد علم أن له من الذنوب ~~السالفة ما يستحق به القتل، وقتله بسيوف هذه الدولة عدل وإحياء له وتشريف، ~~وفخر يكفر عنه بعض ذنوبه من كفر نعمتها؛ فإن خرج الأمر بذلك فمنة كريمة، ~~وإن خفف عنه فتخليده في السجن أحب إليه من رجوعه إلى تأميل غير هذه الدوله. # فلما عرض هذا بالحضرة أدركته الرأفة بعد أن استفظع كل من الحاضرين أمره ~~وأشير بإيقاع الحوطة عليه وإيداعه خزانة البنود. فقال المأمون للخليفة: قد ~~أجل الله عواطف مولانا ورحمته من أن يهاجر أحد إلى أبوابه ويلجأ إلى عفوه ~~فيخيب أمله ويؤاخذ بذنبه؛ وما بعد استسلامه إلا الشكر لله والعفو عن جرمه، ~~فإن العفو زكاة القدرة عليه؛ ويشمله ما شمل أمثاله. فأعجب الخليفة الآمر ~~ذلك، وخرج الأمر بأن تعدد على ابن عمار ذنوبه وذنوب أسلافه ويقال له: قد ~~أذهبت مهاجرتك ما كان يجب من عقوبتك. فإذا اعترف بذنوبه وذنوب أسلافه يقال ~~له: قد غفر ذنبك وأنت ms447 مخير بين أمرين؛ إما أن تعود فيصل إليك من الإنعام ما ~~يبلغك إلى حيث تريد ويصحبك من يوصلك إلى مأمنك، وإما أن تؤثر الإقامة بفناء ~~الدولة فتقيم على أنك تلزم ما يعنيك وتقنع بما ينعم به عليك وتقبل على شأنك ~~وتترك التعرض للمخالطات وتتجنب جميع المكروهات. # فلما خوطب بذلك قبل الأرض وأبى أن يرفع رأسه ووجهه، وكلما خوطب في رفعه ~~قال لست أرفعه حتى أتلقى كلمات العفو عن إمام زماني وتمتلئ مسامعي بألفاظ ~~مغفرته. فبلغته الحضرة النبوية ما تمناه، وحصل له الأمن؛ وأمر به إلى دار ~~أعدت له وجعل فيها شهوات السمع والبصر، وحملت إليه الضيافات الكثيرة، وجرد ~~برسم خدمته حاجب معه عدة مستخدمين. فأقام أياما يسيرة ثم حملت إليه الكسوات ~~التي لا نظير لها، ووصله من المواهب ما أربى على أمله. وقرر له، راتبا في ~~كل شهر، ستون دينارا مع مياومة الدقيق واللحم والحيوان. وصار يتعهد ما ~~يفتقد به أعيان الضيوف من بواكير الفاكهة المستغربة وأنواع التحف المستظرفة ~~ورسوم المواسم، ورفع عنه الحاجب والمستخدمون، وجعل له PageV03P079 # في المواسم والأعياد من الكسوات الفاخرة ما يميزه عن أمثاله. ولزم طريقة ~~حمدت منه، فاستمر إليه الإحسان؛ وصار يركب في يومي الركوب ويومي السلام ~~وغيرهما. # وفيه أفرج عن الأمير عضب الدولة عز الملك أبي منصور بنا، وكان له في ~~الاعتقال ثلاث عشرة سنة، لأنه كان والي عكا وسلمها إلى الفرنج، فلما وصل ~~رماه الأفضل في الاعتقال، فلما أفرج عنه أعيد عليه نظير ما كان قبض عنه ~~للاصطبلات والخزائن، وولي البحيرة. # وأفرج عن جماعة أمراء كانوا معتقلين؛ منهم أبو المصطفى جوهر، ودخل السجن ~~وهو شاب فخرج منه وهو شيخ، وكانت مدة اعتقاله خمس عشرة سنة. # فيه وصل رسول الشريف قاسم أمير مكة، الذي حضر في الأيام الأفضلية بسبب ~~أموال التجار، ومعه كتاب بتهنئة المأمون، فجهز إلى الأعمال القوصية ~~بالاهتمام بالجناب الديوانية وترميم ما يحتاج إلى المرمة، وتجديد عوض ما ~~تلف؛ وأطلق له ثمانية آلاف وتسعمائة وأربعون إردبا برسم مكة وتخوت ثياب ~~وخلع ومال وبخور. ms448 # وفيه غلا الزيت الطيب والسيرج؛ فكتب المستخدمون في الخزائن ومشارفة ~~الجوامع بأن يكون المطلق برسم الوقود وفي المشاهد عوضا عن الزيت الطيب ~~الزيت الحار، فخرج الجواب بالتحذير من ذلك وبألا يطل إلا الزيت الطيب، ولا ~~يلتفت إلى غلو السعر في الخدم التي هي من حق الله تعالى فلا يجب الرخصة فيه ~~ولا بنقص من المطلق شيء. وبلغ المأمون أن مشارف الجوامع والمساجد اشترى من ~~ماله صبرا وخلطه بالزيت لمنع القومة من التعرض لشيء منه، فأنكر ذلك وأمر ~~بإحضاره وأن يقوم من ماله بثمن الزيت الذي فيه الصبر، ويطلق الزيت المستقر ~~إطلاقه على تمامه. وقيل له: قومة الكنائس والمقيمون بها والطارقون لها لا ~~يقتاتون إلا من فضلات وقود كنائسهم، ونحن نبيح لهؤلاء الأكل ونحرم عليهم ~~البيع. # وتقدم الأمر بعمل حساب الدولة من الهلالي والخراجي على جملتين، إحداهما ~~إلى سنة عشر وخمسمائة والثانية إلى آخر سنة خمس عشرة وخمسمائة؛ فانعقدت على ~~جملة كثيرة من عين وأصناف، وشرحت بأسماء أربابها وتعيين بلادها. فلما حضرت ~~أمر بكتابة سجل PageV03P080 # بالمسامحة إلى آخر سنة عشر وخمسمائة؛ ومبلغ ما سومح به من البواقي ألفا ~~ألف وسبعمائة ألف وعشرون ألفا وسبعمائة وسبعة وستون دينارا، ومن الورق سبعة ~~وستون ألفا وخمسة دراهم، ومن الغلة ثلاثة آلاف الف وثمانمائة ألف وعشرة ~~آلاف ومائتان وتسعة وثلاثون إردبا، ومن الأرز والكتان وحرق الصباغ وزريعة ~~الوسمة والصباغ والفود والحديد والزفت والقطران والثياب والمآزر والغرادلي ~~شيء كثير؛ ومن الأغنام مائتا ألف وخمسة وثلاثون ألفا وثلثمائة وخمسة رءوس؛ ~~ومن البسر والنخيل والجريد والسلب والأطراف والملح والأشنان والرمان وعسل ~~النحل والشمع وعسل القصب شيء كثير؛ ومن الأبقار اثنان وعشرون ألفا ومائة ~~وأربعة وستون رأسا؛ ومن الدواب والسمن والجبن والصوف والشعر شيء كثير. # وقد تقدم ذكر نسخة هذا السجل عند ذكر الخراج من هذا الكتاب. # وقرئ منشور بالجامع الأزهر وجامع عمرو بمصر بالمنع مما يعتمد في الدواوين ~~من قبول الزيادة وفسخ عقود الضمانات وإعفاء الكافة من المعاملين والضمناء ~~من قبول الزيادة فيما يتصرفون فيه ما داموا قائمين ms449 بأقساطهم. # فيه تحول الخليفة الآمر إلى اللؤلؤة وأقام فيها مدة النيل على الحكم ~~الأول وأزال ما أحدث من البناء بالقرب منها، وتحول معه الوزير المأمون بن ~~البطائحي والشيخ أبو الحسن ابن أبي أسامة كاتب الدست وحاجب الحجاب وحسام ~~الملك، ورتبت الرهجية والحرس، وأطلق لهم ما يقوم بهم. وصار الخليفة يمضي في ~~السراديب من اللؤلؤة إلى القصر في يومي السلام، فلا يراه أحد سوى الأستاذين ~~والخواص، ويحضر الوزير على عادته ويحمل الأسمطة ويحضر الناس على العادة، ~~ويركب في يومي الثلاثاء والسبت إلى المتنزهات. # فيه تقدم الوزير بتجديد المشاهد التسعة التي بين القرافة والجبل. PageV03P081 # وكانت العادة جارية من الأيام الأفضلية في آخر جمادى الآخرة من كل سنة أن ~~تغلق جميع قاعات الخمارين بالقاهرة ومصر وتختم، ويحذر من بيع الخمر؛ فرأى ~~الوزير أن يكون ذلك في سائر الأعمال، فكتب إلى ولاة الأعمال وأن ينادي بأن ~~من تعرض لبيع شيء من هذين الصنفين أو لشرائهما سرا وجهرا فقد عرض نفسه ~~لتلافها وبرئت الذمة من هلاكها. # لما كان مستهل رجب عملت الأسمطة على العادة، فقال الخليفة الآمر لوزيره ~~المأمون: قد أعدت لدولتي بهجتها، وقد أخذت الأيام نصيبها من ذلك، وبقيت ~~الليالي وقد كان بها مواسم وقد زال حكمها؛ وهي ليالي الوقود الأربع. فامتثل ~~الأمر، وعملت. # واستجد في كل ليلة على الاستمرار برسم الخاصين الآمري والمأموني قنطار ~~سكر ومثقالا مسك وديناران برسم المؤن ليعمل خشكنان، وتشد في قعاب وسلال ~~صفصاف، وكان يسمى بالقعبة، ويحمل ثلثا ذلك إلى القصر والثلث إلى دار ~~المأمون. # ووصلت كسوة الشتاء، فكانت أربعة آلاف قطعة وثلثمائة وخمس قطع. ووصلت PageV03P082 # كسوة عيد الفطر وتشتمل على نحو عشرين ألف دينار، وكان عندهم الموسم ~~الكبير، ويسمى بعيد الحلل لأن الحلل فيه تعم الجميع وفي غيره للأعيان خاصة. # وعمل الختم في آخر شهر رمضان بالقصر، وعبئ سماط الفطرة في مجلس الملك ~~بقاعة الذهب من القصر، فكان سماطا جميعه من حلاوة الموسم. وصلى الخليفة ~~الآمر بالناس صلاة العيد في المصلى ظاهر باب النصر وخطب، وكان ذلك قد ms450 بطل ~~في الأيام الجيوشية والأفضلية. # وكان الذي أنفق في أسمطة شهر رمضان عن تسع وعشرين ليلة، خارجا عن التوسعة ~~المطلقة أصنافا برسم الخليفة وجهاته، وخارجا عن العطية، وخارجا عن رسم ~~القراء والمسحرين وخارجا عن الأشربة والحلاوات من ألعاب، ستة عشر ألف دينار ~~وأربعمائة وستة وثلاثين دينارا. وجملة ما قدر على المنفق في شهر رمضان، بما ~~تقدم شرحه، والتوسعة والصدقات والفطرة وكسوة الغرة والعيد، مائة ألف دينار ~~عينا. وضرب في خميس العدس ألف دينار عملت عشرين ألف خروبة، وكانت العادة أن ~~يضرب في كل سنة خمسمائة دينار. # وفي شوال هذا وصل شاور من أسر الفرنج، وكان مأسورا من الأيام الأفضلية ~~وطالت مدة أسره، وبذلت عشيرته في افتكاكه جملة كبيرة، فلم يقبل منهم، وطلب ~~فيه أسير من الفرنج، فلم يجبهم الأفضل إليه لأنه كان لا يطلق أسيرا أبدا. ~~فلما ولي المأمون الوزارة وميز رديني، مقدم العربان الجذاميين، وقبيلته ~~وشاور من بني سعد، فخذ من جذام وقف مجير، أخو شاور، وإخوته للمأمون، وما ~~زالوا به حتى أطلق الأسير فأطلق الفرنج شاورا في شوال، وأثبت في الطائفة ~~المأمونية؛ وكان هذا ابتداء حديث شاور. PageV03P083 # وفيه تنبه ذكر الطائف النزارية، وقرر بين يدي الخليفة بأن يسير رسولا إلى ~~صاحب ألموت بعد أن جمعت فقهاء الإسماعيلية والإمامية، وهم لي الدولة أبو ~~البركات بن عبد الحقيق داعي الدعاة، وجميع دعاة الإسماعيلية، وأبو محمد بن ~~آدم متولى دار العلم، وأبو الثريا ابن مختار فقيه الإسماعيلية، ورفيقه أبو ~~الفخر، والشريف ابن عقيل، وشيوخ الشرفاء، وقاضي القضاة، وأولاد المستنصر، ~~وجماعة من بني عم الخليفة، وأبو الحسن بن أبي أسامة كاتب الدست، وجماعة من ~~الأمراء؛ وقال لهم المأمون: ما لكم من الحجة في الرد على هؤلاء الخارجين ~~على الإسماعيلية، فقال كل منهم: لم يكن لنزار إمامة، ومن اعتقد هذا خرج عن ~~المذهب وحل ووجب قتله؛ وإن كان والده المستنصر نعته ولي عهد المسلمين ونعت ~~إخوته، منهم أبو القاسم أحمد بولي عهد المؤمنين، وكل مؤمن مسلم وما كل مسلم ~~مؤمن، وقد نطق بذلك ms451 الكتاب العزيز. # وذكر حسين بن محمد الموصلي أن اليازوري لم يزل يسأل المستنصر إلى أن كتب ~~اسمه على الدينار وهو ما مثاله: # ضربت في دولة آل الهدى ... ومن آل طه وآل ياسين # مستنصرا بالله جل اسمه ... وعبده الناصر للدين # في سنة كذا؛ ولم يقم بعد ذلك إلا دون الشهر، فاستعيدت وأمر ألا تسطر. # ودليل يعضد ذلك أنه لما جرت تلك الشدائد على الإمام المستنصر وسير ~~أولاده، وهم: الأمير عبد الله إلى عكا إلى أمير الجيوش، ثم أتبعه أبي علي ~~والأمير أبي القاسم، والد الحافظ، PageV03P084 # إلى عسقلان، وسير نزارا إلى ثغر دمياط سير الأعلى إلى، ولم يسمح بسفر ~~الإمام المستعلى ولا خروجه من القصر لما أهله له من الخلافة، ولا أبعده ~~خوفا من حضور المنية، فلما وصل أمير الجيوش إلى البلاد بعد تهيئتها ~~وتأمينها ورغب الإمام المستنصر في عقد نكاح ولده الإمام المستعلى على ~~ابنته، أخت الأفضل، وعقد النكاح بنفسه، سماه في كتاب الصداق مولى عهد أمير ~~المؤمنين؛ وعلم عليه بخطه. ثم عند وفاة المستنصر بايع نزار الإمام المستعلى ~~بما شاهده كل حاضر، وبما ذكرته السيدة ابنة الإمام الظاهر شقيقه الإمام ~~المستنصر في صحة إمامته. فكتب الكتاب بجميع ذلك إلى صاحب ألموت مضنا بشهادة ~~الجماعة بذلك. # ثم وصل في أثناء ذلك كتب من خواص الدولة تتضمن أن القوم قد قويت شوكتهم ~~واشتدت في البلاد طمعتهم، وأنهم يسيرون المال مع التجار إلى قوم يخبرون ~~أسماءهم، وأنهم سيروا لهم الآن ثلاثة آلاف دينار برسم النجوى وبرسم ~~المؤمنين الذين ينزل الرسل عندهم ويختفون في محلهم، فتقدم المأمون بالفحص ~~عنهم والاحتراز التام على الآمر في ركوبه ومتنزهاته، وحفظ الدور غيرها. # ولم يزل البحث التام في طلبهم إلى أن وجدوا عند قوم من أهل البلد، ~~فاعترفوا بأن خمسة منهم هم الرسل الواصلون بالمال من البلاد المشرقية، ~~فراموا قتلهم، فأشار المأمون بتركهم. وأحضر الشيخ أبو القاسم بن الصيرفي، ~~وأمر بكتب سجل يقرأ على رءوس الأشهاد وتفرغ منه النسخ إلى البلاد بمعنى ما ~~ذكر من نفي نزار عن ms452 الإمامة وشهر الجماعة المقبوض عليهم وصلبوا، وامتنع ~~الآمر من قبض الألفي دينار الواصلة للنجوى وأمر بحملها إلى بيت المال، وأن ~~تنفق في السودان عبيد الشراء خاصة. وأمر بأن يحضر من بيت المال نظير ~~المبلغ، وتقدم بأن يصاغ قنديلين ذهبا وقنديلين فضة؛ وأن يحمل قنديلان، ذهبا ~~وفضة، إلى مشهد الحسين بعسقلان، وقنديلان كذلك إلى التربة. وأطلق PageV03P085 # المأمون من ماله ألفي دينار، وتقدم بأن يصاغ بها قنديل ذهب وسلسلة فضة ~~برسمه على قياس أحضر من عسقلان، وأن يصاغ على المصحف الذي بخط علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه بمصر من فوق الفضة ذهب. # وأطلق من حاصل الصناديق التي تشتمل على مال النجاري برسم الصدقات عشرة ~~آلاف درهم تفرق في الجوامع الثلاثة: الأزهر بالقاهرة والعتيق بمصر وجامع ~~القرافة، وعلى فقراء المؤمنين وعلى أرباب القصور. وأطلق من الأهراء ألفا ~~إردب قمحا وتصدق عدة من الجهات بجملة كثيرة. واشتريت عدة جوار من الحجر ~~وكتب عتقهن وأطلق سراحهن. # قال ابن ميسر، وقد ذكر هذا المجلس: وقد كانت أخت نزار في قاعة بجانب ~~الإيوان من القصر، وعلى الباب ستر، وعلى الستر إخوتها وبنو عمها وكبار ~~الأستاذين. فلما جرى هذا الفصل قام المأمون من مكانه ووقف بإزاء الستر ~~وقال: من وراء هذا الستر؟ فعرف بها إخوتها وبنو عمها، وأنه ليس غيرها وراء ~~الستر. فلما تحقق الحاضرون ذلك قالت: اشهدوا علي يا جماعة الحاضرين، وبلغوا ~~عني جماعة المسلمين بأن أخي شقيقي نزارا لم يكن له إمامة، وأنني بريئة من ~~إمامته جاحدة لها لا عنة لمن يعتقدها، لما علمته من والدي وسمعته من ~~والدتي، لما أمر المستنصر بمضيها هي والجهة المعظمة والدة عبد الله أخي إلى ~~المنظرتين اللتين على القناطر المعروفتين بالحرارة والبرياصة؟ للنزهة أيام ~~النيل جرى بينهما مشاجرة في ولديهما، فأحضرهما المستنصرين يديه وأنكر ~~عليهما، وقال: ما يصل أحد من ولديكما إلى الأمر، صاحبه معروف في وقته. ~~وشاهدت والدي المستنصر في مرضته التي توفى فيها وقد أحضر المستعلى وأخذه ~~معه في فراشه، وقبل بين عينيه، وأسر إليه طويلا ms453 وقد دمعت عيناه؛ وفي اليوم ~~الذي انتقل والدي في ليلته استدعى عمتي بنت الظاهر فأسر إليها من بيننا، ~~ومد يده إليها فقبلها وعاهدها، وأشهد الله تعالى معلنا ومظهرا. فلما انتقل ~~في تلك PageV03P086 # الليلة حضر صبيحتها الأفضل ومعه الداعي والأمراء والأجناد، ووقف بظاهر ~~المقرمة، ثم جلس وكلهم قيام، وأخذ في التعزية، ثم قال: يا مولاتنا من ~~ارتضاه للخلافة؟ فقالت: هي أمانة قد عاهدني عليها، وأوصاني بأن الخليفة من ~~بعده ولده أبو القاسم أحمد. فحضر وبايعته عمتي، وبايعه أخوه الأكبر عبد ~~الله فأشار الأفضل إلى نزار فبايعه، وأمر بالتوكيل على نزار وتأخيره، فأخر ~~إلى مكان لا يصلح له. واستدعى الأفضل الداعي وأمره بأخذ البيعة من نفسه ومن ~~الموالي والأستاذين. وسألت عمتي الأفضل في نزار فرفع عنه التوكيل عليه بعد ~~أن كلمه بكلام فيه غلظة؛ ووالله ما مضى أخي نزار إلى ناصر الدولة أفتكين ~~بالإسكندرية لطلب إمامة ولا لادعاء حق، ولكن طالب بالزوال للأفضل وإبطال ~~أمره لما فعله معه. والله يلعن من يخالف ظاهره باطنه. فشكرها الناس على ~~ذلك. # وكان سبب حضور أخت نزار في هذا المجلس أن المأمون قال للآمر: قد كشفت ~~الغطاء وفعلت ما لا يقدر أحد على فعله، وأما القصر فما لي فيه حيلة. ولوح ~~أن أخت نزار وأولادها لا يمكنني كشف أمرهم. فلما بلغ أخت نزار ذلك حضرت إلى ~~الخليفة الآمر لتبرئ نفسها، ورغبت أن تخرج للناس لتقول ما سمعته من والدها ~~وشاهدته ليكون قولها حجة على من يدعي لأخيها ما ليس له. فاستحسن الآمر ذلك ~~منها؛ وأحضر المأمون وأخاه شقيقه أبا الفضل جعفر بن المستعلى، واتفقوا على ~~يوم يجتمعون فيه. فلما كان في شوال عمل المجلس المذكور. # وأما النزارية فإنها تقول إن المستنصرمات والأفضل صاحب الأمر والمستحوذ ~~على المملكة والجند جنده، وغلمان أبيه لا يعرفون سواه؛ وكان نزار، لما يرى ~~من غلبة الأفضل على الدولة، يتكلم بما بلغه، فينكره، فلما مات المستنصر ~~والأفضل متخوف من شر نزار أقام أحمد ابنه، المستعلى، لأنه زوج أخته ولأنه ~~صغير. # وفيها أراد ms454 الآمر أن يحضر إلى دار الملك في يوم النوروز الكائن في جمادى ~~الآخرة ويركب إليها في المراكب على ما كان عليه الأفضل، فمنعه المأمون من ~~ذلك، وقال: PageV03P087 # يا مولانا، الأفضل لا يجري مجرى أمير المؤمنين. وحمل إليه من الثياب ~~الفاخرة برسم جهاته ماله قيمة جليلة. # وفي شوال بلغ المأمون أن جزيرة قويسنا ومنية زفتى ليس فيهما جامع، فتقدم ~~إلى بعض خواصه وخلع عليه، فسار وبنى جامعا على شاطىء النيل بمنية زفتى، ~~وقرر فيه خطيبا وإماما ومؤذنين، وفرش، وأطلق برسمه نظير ما للجوامع. # وفيه وصل الفقيه أبو بكر محمد بن محمد الفهري الطرطوشي من الإسكندرية ~~بالكتاب الذي حمله: سراج الملوك، فأكرمه وأمر بإنزاله في المجلس المهيأ ~~للإخوة، وتقدم برفع أدوية الكتاب وأوطئة الحساب وسلام الأمراء، وعمل ~~السماط، وسارع إلى البادهنج، واستدعى بالفقيه. فلما شاهده وقف، ونزل عن ~~المرتبة، وجلس بين يديه؛ ثم انصرف، ومعه أخو المأمون، إلى مكان أعد له، ~~وحمل إليه ما يحتاج له وأمر مشارف الجوالي أن يحمل له في كل يوم خمسة ~~دنانير بمقتضى توقيع مقتضب، فامتنع الفقيه وأبي أن يقبل غير الدينارين ~~اللذين كانا له في الأيام الأفضلية. وصار المأمون يستدعيه في يومي راحته، ~~ويبالغ في كرامته، ويقضي شفاعاته. # وكان السبب في حضوره أنه تكلم في الأيام الأفضلية في أمور المواريث وما ~~يأخذه أمناء الحكم من أموال الأيتام، وهو ربع العشر، وأمر توريث الابنة ~~النصف، PageV03P088 # فلم يقبل ذلك، ففاوض المأمون فيه وقال: هذه قضية وجدتها وما أحدثتها وهي ~~تسمى بالمذهب الدارج، ويقال إن أمير الجيوش بدر هو الذي استجدها، وهي أن كل ~~من مات يعمل في ميراثه على حكم مذهبه، وقد مر على ذلك سنون وصار أمرا ~~مشروعا، فكيف يجوز تغييره. فقال له الفقيه: إذا علمت ما يخلصك من الله ~~غيرها فلك أجرها. فقال أنا نائب الخليفة، ومذهبه ومذهب جميع الشيعة من ~~الزيدي، والإمامي والإسماعيلي أن الإرث جميعه للابنة خاصة بلا عصبة ولا بيت ~~مال، ويتمسكون بأنه من كتاب الله كما يتمسك غيرهم، وأبو حنيفة، رحمه الله، ms455 ~~يوافقهم في القضية. فقال الفقيه: أنا مع وجود العصبة فلا بد من عدتها. فقال ~~المأمون أنا لا أقدر أن أرد على الجماعة مذهبهم، والخليفة لا يرى به وينقضه ~~على من أمر به؛ بل أرى بشفاعة الفقيه أن أرد الجميع على رأى الدولة فيرجع ~~كل أحد على حكم رأيه في مذهبه فيما يخلصه من الله، ويبطل حكم بيت المال ~~الذي لم يذكره الله في كتابه ولا أمر به الرسول عليه السلام. فأجاب إلى ~~ذلك. وأمر الوزير أن يكتب به وأن يكتب بتعويض أمناء الحكم عما يقتضونه من ~~ربع العشر بتقرير جار لهم في كل شهر من مال الديوان على المواريث الحشرية # وأخذ الفقيه في ذكر بقية حوائج أصحابه؛ وكتب منه توقيع فرغت منه نسخ منها ~~ما سير إلى الثغور وكبار الأعمال، وشملته العلامة الآمرية وبعدها العلامة ~~المأمونية. ونسخته بعد البسملة: خرج أمر أمير المؤمنين بإنشاء هذا المنشور ~~عندما طالعه السيد الأجل المأمون أمير الجيوش ونعوته والدعاء وهو الخالصة ~~أفعاله في حياطة المسلمين وذو المقاصد المصروفة إلى النظر في مصالح الدنيا ~~والدين، والهمة الموقوفة على الترقي إلى درجات المتقين، والعزائم الكافلة ~~بتشديد أحوال الكافة أجمعين؛ شيمة خصه الله بفضيلتها جبلة أسعد بجلالها ~~وشريف مزيتها. والله سبحانه يجعل آراءه للتوفيق مقارنة، وأنحاء PageV03P089 # الميامن كافلة ضامنة، من أمر المواريث وما أجراها عليه الحكام الدارجون ~~بتغاير نظرهم، وقرروه من تغيير عما كان يعهد بتغلب آرائهم، وما دخل عليها ~~منهم من الفساد، والخروج بها عن المعهود المعتاد؛ وهو أن لكل دارج من الناس ~~على اختلاف طبقاتهم وتباين مذاهبهم واعتقاداتهم تحمل ما يترك من موجوده على ~~حكم مذهبه في حياته والمشهور من اعتقاده إلى حين وفاته؛ فيخلص لحرم ذوي ~~التشيع الوارثات جميع موروثهم؛ وهو المنهج القويم لقول الله سبحانه: " ~~وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم ". ~~ويحمل من سواهن على مذهب مخلفيهن، ويشركهم بيت مال المسلمين في موجودهم، ~~ويحمل إليه جزء من أموالهم التي أحلها الله لهن بعدهم، عدولا عن محجة ms456 ~~الدولة، وخروجا عما جاء به العباد من الأئمة الذين نزل في بيتهم الكتاب ~~والحكمة، فهم قراء القرآن، وموضحو غوامضه ومشكلاته بأوضح البيان، وإليهم ~~سلم المؤمنون، وعلى هديهم وإرشادهم يعول الموقنون؛ فلم يرض أمير المؤمنين ~~الاستمرار في ذلك على قاعدة واهية الأصول، بعيدة من التحقيق خالية من ~~المحصول، ولم ير إلا العود فيه إلى عادة آبائه المطهرين، وأسلافه العلماء ~~المهديين، صلوات الله عليهم أجمعين. وخرج أمره إلى السيد الأجل المأمون ~~بالإيعاز إلى القاضي ثقة الملك النائب في الحكم عنه، بتحذيره، والأمر له ~~بتحذير جميع النواب في الأحكام بالمعزية القاهرة ومصر وسائر الأعمال، ~~دانيها وقاصيها، قريبها ونائيها، من الاستمرار على تلك السنة المتجددة، ~~ورفض تلك القوانين التي كانت معتمدة واستئناف العمل في ذلك بما يراه الأئمة ~~المطهرة، وأسلافه الكرام البررة، وإعادة جميع مواريث الناس على اختلاف ~~طبقاتهم ومذاهبهم إلى المعهود من رأي الدولة فيها، والإفراج عنها برمتها ~~لمستحقيها، من غير اعتراض عليهم في قليلها ولا كثيرها؛ وأن يضربوا عما تقدم ~~صفحا، ويطووا دونه كشحا، منذ تاريخ هذا التوقيع، وفيما يأتي بعده مستمرا ~~غير مستدرك لما فات ومضى، ولا متعقب لما ذهب وانقضى. # وليوف الأجل المأمون، عضد الله به الدين، بامتثال هذا المأمور، والاعتماد ~~على مضمون هذا المسطور؛ وليحذر كلا من القضاة والنواب، والمستخدمين في ~~الباب، وسائر PageV03P090 # الأعمال، من اعتراض موجود أحد ممن يسقط الوفاة وله وارث بالغ رشيد، حاضر ~~أو غائب، ذكرا كان أو أنثى، من سائر الناس على اختلاف الأديان بشيء من ~~التأولات أو تعقب ورثته بنوع من أنواع التعقبات، إلا ما أوجبته بينهم ~~المحاكمات والقوانين الشرعيات الواجبات، نظرا إلى مصالح الكافة، ومدا لجناح ~~العاطفة عليهم والرأفة، ومضاعفة للأنام وإبانة عن شريف القصد إليهم ~~والاهتمام. # فأما من يموت حشريا ولا وارث له حاضر ولا غائب، فموجوده لبيت المال ~~بأجمعه على الأوضاع السليمة، والقوانين المعلومة القويمة، إلا ما يستحقه ~~خرج إن كان له أو دين عليه يثبت في جهته. وإن سقط متوفى وله وارث غائب ~~فليحفظ الحكام والمستخدمون على تركته احتياطا حكميا، ms457 وقانونا شرعيا مصونا ~~من الاصطلام، محروسا من التفريط والاخترام؛ فإن حضر وأثبت استحقاقه ذلك في ~~مجلس الحكم بالباب، على الأوضاع الشرعية الخالصة من الشبه والارتياب، طولع ~~بذلك ليخرج الأمر بتسليمه إليه والإشهاد يقبضه عليه. # وكذلك نمى إلى حضرة أمير المؤمنين أن شهود الحكم بالباب وجميع الأعمال ~~إذا شارف أحد منهم بيع شيء مما يجري في المواريث من الترك التي يتولاها ~~الحكام يأخذون ربع العشر من ثمن المبيع، فيعود ذلك بالنقيصة في أموال ~~الأيتام، والتعرض إلى الممنوع الحرام، اصطلاحا استمروا على فعله، واعتمادا ~~لم يجر الأمر فيه على حكمه؛ فكره ذلك وأنكره. واستفظعه وأكبره، واقتضى حسن ~~نظره في الفريقين، ما خرج به أمره من توفير مال الأيتام، وتعويض من يباشر ~~ذلك من الشهود جاريا يقام لكل منهم من الإنعام؛ وأمر بوضع هذا الرسم ~~وتعفيته، وإبطاله وحسم مادته. فليعتمد القاضي ثقة الملك ذلك بالباب، وليصدر ~~الإعلام إلى سائر النواب، سلوكا لمحجة الدين، وعملا بأعمال الفائزين ~~السعداء المتقين، بعد تلاوة هذا التوقيع في المسجدين الجامعين بالمعزية ~~القاهرة المحروسة ومدينة مصر على رءوس الأشهاد، ليتساوى في معرفة مضمونه كل PageV03P091 # قريب وبعيد وحاضر وباد؛ ولتفرغ منه النسخ إلى جميع النواب عنه في ~~الأعمال، وليجلد في مجلس الحكم بعد ثبوته في ديواني المجلس والخاص الآمري، ~~وحيث يثبت مثله إن شاء الله تعالى حجة مودعة في اليوم وما بعده. وكتب ~~لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ست عشرة وخمسمائة. # ثم حضر الفقيه أبو بكر لوداع الوزير، وعرفه ما عزم عليه من إنشاء مسجد ~~بظاهر الثغر على البحر، فكتب إلى ابن حديد بموافقة الفقيه على موضع يتخيره، ~~وأن يبالغ في إتقانه وسرعة إنجازه، وتكون النفقة عليه من مال ديوانه دون ~~مال الدولة. وتوجه فبنى المسجد المذكور على باب البحر. وأما المسجد الذي ~~بالمحجة فإن المؤتمن عند مقامه بالثغر بناه. # وذكر للمأمون أيضا أن واحات البهنسا ليس بها جمعة تقام، فأمر ببناء جامع ~~بها، ففرغ منه وأقيم فيه خطيب وإمام وقومة ومؤذنون، وأطلق لهم ما هي عادة ~~أمثالهم. # وقيل ms458 إن الذي أنشأه المأمون في وزارته وفي أيام الأفضل أحد وأربعون ~~مسجدا، مع ما أمر بتجديده، بعد وزارته، بالقاهرة ومصر وأعمالهما ما يناهز ~~مائتي مسجد. # فيه بنيت دار ضرب بالقاهرة ودار وكالة. PageV03P092 # وفي ذي القعدة مات الأمير السعيد محمود بن ظفر، والي قوص. وركب المأمون ~~إلى الجامع الأزهر، فلما كان وقت صلاة الصبح تقدم قاضي القضاة ثقة الملك ~~أبو الفتح مسلم بن علي الراسعيني وصلى؛ فلما قرأ الفاتحة لحقه زمع شديد ~~وارتعد، فلحن في الفاتحة؛ وقرأ: " والشمس وضحاها "، فلما قال: " ناقة الله ~~وسقياها " أرتج عليه، فرد المؤتمن حيدرة، أخو المأمون، عليه، فاشتد زمعه، ~~فكرر عليه الرد، فلم يهتد وقال: " وسقناها " بالنون: فقرأ المأمون بقية ~~السورة وسجد الناس. وقام في الركعة الثانية وقد دهش فلم يفتح عليه بشيء؛ ~~فقرأ المأمون الفاتحة " وقل هو الله أحد "، وقنت وهو معه يلقنه. فلما انقضت ~~الصلاة اشتد غضب المأمون وأمر متولى الباب بأن يختم المقرئون. وتخيل المقام ~~وخرج من الجامع، فوكل بالقاضي من يمضي به إلى داره ويأمره بالمقام بها من ~~غير تصرف حتى يحفظ القرآن؛ وقرر له راتبا فيما بعد؛ ولزم داره. # وأنفذ للوقت إلى القاضي أبي الحجاج يوسف بن أيوب المغربي، من قضاة ~~الغربية، فأحضره وخلع عليه في القصر بذلة مذهبة، وسلم به على الخليفة، وسلم ~~إليه السجل في لفافة مذهبة بنيابته في الكم العزيز والخطابة والصلاة وديوان ~~الأحباس ودور الضرب بسائر أعمال المملكة؛ ونعت فيه بالقاضي جلال الملك تاج ~~الأحكام؛ فقبله ووضعه على رأسه. وتلى على منابر القاهرة ومصر. # وكان يحضر في يومي الاثنين والخميس إلى مجلس المظالم بين يدي المأمون، ~~ويستعرض القصص ويناقش فيها، ويباحث مباحثة الفقهاء العلماء، فزاد المأمون ~~في إكرامه، ورد إليه وكالة الخليفة؛ وكتبت له الوكالة، وشرف بالخلع. # وتولى قوص الأمير مؤيد الملك وخلع عليه؛ وأمر أن يبنى بقوص دار ضرب، وجهز ~~معه مهندسين وضرابين وسكك العين والورق، وعشرين ألف دينار وعشرين ألف درهم PageV03P093 # فضة؛ فضربت هناك دنانير ودراهم؛ وصار كل ما يصل من اليمن والحجاز من ~~الدنانير ms459 العدنية وغيرها يضرب بها. # وصار ما يضرب باسم الآمر في ستة مواضع: القاهرة، ومصر، وقوص، وعسقلان، ~~وصور، والإسكندرية. # وقرر للشيخ أبي جعفر يوسف بن أحمد بن حسديه بن يوسف، الإسرائيلي الأصل، ~~لما قدم من الأندلس وصار ضيف الدولة، جار وكسوة شتوية وعيدية ورسوم، وأقطع ~~دارا بالقاهرة، وكتب له منشور نسخته بعد البسملة. # ولما كان من أشرف ما طرزت السيرة بقدره، وأنفس ما وشحت الدول بجميل أثره، ~~تخليد الفضائل وإبداء ذكرها، وإظهار المعارف وإيضاح سرها، لا سيما صناعة ~~الطب التي هي غاية الجدوى والنفع، وورود الخبر بأنها قرينة إلى الشرع. ~~لقوله صلى الله عليه وسلم: العلم علمان علم الأديان وعلم الأبدان خرج أمر ~~سيدنا ومولانا لما يؤثره بعلو همته من إنماء العلوم وإشهارها، واختصاص ~~الدولة الفاطمية بإحياء الفضائل وتجديد آثارها، ليبقى جمال ذلك شاهدا لها ~~على مر الأيام، متسقا بما أفشاه لها من المآثر الجمة والمفاخر الجسام، ~~لشيخنا أبي جعفر يوسف بن أحمد بن حسديه، أيده الله، لصرف رعايته إلى شرح ~~كتب أبقراط التي هي أشرف كتب الطب وأوفاها، وأكثرها إغماضا وأبقاها، وإلى ~~التصنيف في غير ذلك من أنحاء العلوم، مما يكون منسوبا إلى الأوامر العالية، ~~ورسم التوفر على ذلك والانتصاب له، وحمل ما يكمل أولا أولا إلى خزائن ~~الكتب، وإقراء جميع من يحضر إليه من أهل هذه الصناعة، وعرض من يدعيها ~~واستشفافه فيما يعانيه؛ فمن كملت عنده صناعته فليجره على رسمه، ومن كان ~~مقصرا فليستنهضه. واعتمدنا عليه في ذلك لكونه مميزا في البراعة في العلوم ~~متصرفا في فنونها، مقدما في بسطها وإظهار مكنونها، ولأنه يبلغ الغرض ~~المقصود في شرح هذه الكتب ويوفى عليه، ويسلك أوضح السبل وأسدها إليه، وفي ~~جميع ما شرع له. فليشرع في ذلك مستعينا بالله، منفسح الأمل PageV03P094 # بإنهاضنا له، وجميل رأينا فيه، بعد ثبوته في الدواوين إن شاء الله تعالى. ~~وكتب في ذي القعدة سنة ست عشرة وخمسمائة. # فانتصب لطالبي علم الطب وأقبل أطباء البلدين إليه، واجتمع في أيدي الناس ~~من أماليه كثير، وجعل له يومين في ms460 الجمعة يشتغل فيهما، ويتوفر في بقية ~~الأسبوع على التصنيف، وحمل ذلك إلى الخزائن؛ واستخدم كاتبين لتبييض ما ~~يؤلفه. # ولما أهل ذو الحجة جرى الحال في الهناء ومدائح الشعراء في القصر بين يدي ~~الخليفة وبالدار المأمونية على الحال المستقرة، واستقبله المأمون بالصيام، ~~وأخرج من ماله ما زاد عن المستقر في كل عام، برسم الأطفال من الفقراء ~~والأيتام، من أهل البلدين وغيرهم؛ ولم يتعرض لطلب ذلك من المميزين بحكم ما ~~يعملونه من السنين المتقادمة. ومما ابتكره ولم يسبقه إليه أحد أن استعمل ~~ميقاط حرير فيه ثلاث جلاجل، وفتح باب طاقة في الروشن من سور داره؛ فصار إذا ~~مضى شطر الليل وانقطع المشي طرت السلسلة ودلى الميقاط من الطاق، وعلى هذا ~~المكان جماعة مبيتون بحقه من المغاربة؛ فمن حضر من الرجال والنساء بتظلمه ~~سدد قصة في الميقاط بيده ويحركه بعد أن يقف من حضره على مضمون الرقعة؛ فإن ~~كانت مرافعة لم يمكنوه من رفعها، وإن كانت ظلامة مكنوه من ذلك ويعوق صاحبها ~~إلى أن يخرج الجواب. # وكان القصد بعمل ذلك أنه من حدث به ضرر من أهل الستر، أو كانت امرأة من ~~غير ذات البروز ولا تحب أن تظهر، أو كانت مظلمة في الليل تتعجل مضرتها قبل ~~النهار فلتأت لهذا الميقاط. # وحضرت كسوة عيد النحر، وفرقت الرسوم على من جرت عادته بها، خارجا عما أمر ~~به من تفرقة العين المختص بهذا العيد وأضحيته، فكان منها سبعة عشر ألفا ~~وستمائة دينار برسم القصور جميعها، وجملة ما نحر وذبح الخليفة خاصة، دون ~~الوزير، في ثلاثة أيام النحر ألف وتسعمائة وستة وأربعون رأسا؛ منها نوق ~~مائة وثلاثة عشر، وبقر ثمانية عشر رأسا، وجاموس خمسة عشر، والبقية كباش، ~~ومبلغ المصروف على أسمطة الثلاثة PageV03P095 # أيام، خارجا عن أسمطة الوزير، ألف وثلثمائة وستة وعشرون دينارا، ومن ~~السكر ثمانية وأربعون دينارا. # وعمل عيد الغدير على رسمه. وركب الخليفة إلى قليوب، ونزل بالبستان ~~العزيزي لمشاهدة قصر الورد، على العادة المستقرة والسنة المتقدمة، وفرقت ~~الصدقات في مسافة الطريق، وضربت الخيم، وقدمت الأسمطة. ms461 ثم عاد في آخر ~~النهار إلى قصره. # وفي هذه السنة سير المأمون وحشي بن طلائع إلى صور، فقبض على مسعود بن ~~سلار، واليها لمخالفته، وأحضره. # وفيها تجهز الأسطول وسارت المراكب، فيها خمسة عشر ألف أردب قمحا وأقوات ~~كثيرة، إلى صور. فلما وصل خرج إليه سيف الدولة مسعود واليها من جهة طغتكين، ~~فلما سلم عليهم سألوه النزول إليهم؛ فلما حصل في المركب اعتقل، وأقلع ~~الأسطول به إلى مصر، فأكرم وأنزل في دار، وأطلق له ما يحتاج إليه وسبب ~~القبض عليه كثرة شكوى أهل صور منه. # وفيها وصل البدل من ثغر عسقلان على العادة. PageV03P096 ### || سنة سبع عشرة وخمسمائة @YY517 # في غرتها عمل برسم أول العام؛ ثم حزن عاشوراء، فالمولد الآمري على ما جرى ~~به الرسم. وخلع على المؤتمن سلطان الملوك نظام الدين أبي تراب حيدرة، أخي ~~الوزير المأمون، بدلة مذهبة خاص من لباس الخليفة، وطوق ذهب، وسيف ذهب بغير ~~منطقة، وشرف بتقبيل يد الخليفة في مجلسه؛ وسلم إليه تقليد في لفافة مذهبة ~~بولاية الإسكندرية والأعمال البحرية؛ وشدت له الأعلام القصب والفضة ~~والعماريات، وحمل بين يديه الأكياس برسم التفرقة. وحجبه الأمراء ~~والأستاذون، وقبل أبواب القصر، ومضى إلى داره؛ وأطلق له من ارتفاع ثغر ~~الإسكندرية على الولايتين في الشهر خمسمائة دينار. # وثار اللواتيون وغيرهم بالصعيد الأدنى، وقتلوا زين الدولة علي بن تراب ~~الوالي، وعاثوا في البلاد وأفسدوا. فخرج إليهم المؤتمن أخو الوزير وتاج ~~الدولة بهرام زنان الأرمن في عدة وافرة، فانهزموا بين يديه، وأحاط بما ~~خلفوه من المواشي. PageV03P097 # وبلغه نزول مراكب الروم والبنادقة، وهي بضع وعشرون مركبا، على ~~الإسكندرية، فبادر إليها المؤتمن؛ فلما شاهده العدو أقلع، فأخذ منهم عدة ~~قطع. وقدم على المؤتمن مشايخ اللواتيين والتزموا بحمل ثلاثين ألف دينار في ~~نظير جنايتهم، وأن يعفى عنهم؛ فأجابهم الوزير إلى ذلك؛ وحمل المال مع ~~الرهائن. # وكان المؤتمن لما قدم إلى الثغر خيم بظاهره، وقبل من القاضي مكين الدولة ~~أبي طالب أحمد بن الحسن بن حديد بن أحمد بن محمد بن حمدون، المعروف بابن ~~حديد، متولى الأحكام ms462 والإشراف بها، ما حمله إليه على حكم الضيافة ثلاثة ~~أيام، ثم أمره بإنفاقها بعد ذلك إلا ما يقتضيه رسمه خاصة. وأظهر كتاب أخيه ~~الوزير بأن الغلال بالثغر وأعمال البحيرة كثيرة، وكذلك الأغنام مع قطيعة ~~العربان؛ فمهما دعت الحاجة إليه برسم أسمطة العساكر يحمل ويساق، وتكتب به ~~الوصول على ما جرت به العادة. وأمره ألا يقبل من أحد من التجار ضيافة ولا ~~هدية. # وأظهر كتابا آخر إلى مكين الدولة بأن يطلق في كل يوم من ارتفاع الثغر من ~~العين ما يبتاع به جميع ما يحتاج إليه من الأصناف برسم الأسمطة للعساكر. ~~وكان يستخدم عليها من يراه من الشهود. # وكان تجار الثغر قد حملوا ثلاثة آلاف دينار فأبى المؤتمن قبولها، وأمر ~~بإعادتها إلى أربابها؛ فأخذ مكين الدولة يتلطف في أن يكون عوض ذلك طرفا ~~وطيبا؛ فأقسم أنه لا يقبل منهم شيئا. واستمرت الأسمطة في كل يوم؛ ولم يقبل ~~لأحد هدية. # واتفق أن المؤتمن وصف له الطبيب دهن شمع والقاضي مكين الدولة حاضر، فأمر ~~في الحال بعض غلمانه بالمضي إلى داره ليحضر الدهن المذكور، فلم يكن أكثر من ~~مسافة الطريق حتى أحضر صرا مختوما فك عنه، فوجد فيه منديل لطيف مجاوم مذهب ~~على مداف بللور فيه ثلاث بيوت كل بيت عليه قتد ذهب مشبكة مرصعة بياقوت ~~وجوهر؛ PageV03P098 # بيت دهن بمسك، وبيت دهن بكافور، وبيت دهن بغير طيب، ولم يكن فيه شيء ~~مصنوع لوقته. فلما رآه المؤتمن والحاضرون عجبوا من علو قيمة القاضي وجليل ~~رئاسته وسعة نفسه؛ وحلف القاضي الحرام إن عاد إلى ملكه. فقال المؤتمن؛ قد ~~قبلته منك ليس لحاجة إليه، ولا نظر في قيمته، بل لإظهار هذه الهمة ~~وإذاعتها. وذكر أن قيمة المداف المذكور خمسمائة دينار. # وخلع المؤتمن على القاضي بذلة مذهبة بطيلسان مقور وثياب حرير، وقدم له ~~دابة بمركب حلى ثقيل؛ ثم خلع عليه في اليوم الثاني والثالث كذلك. وخلع على ~~أخيه حلتين مكللتين مذهبتين ورزمة فيها شقق حريرية مما يختص بالنساء. وأنعم ~~على كل من حواشيه وأصحابه. # وعاد إلى القاهرة، ms463 فمدحه عدة من الشعراء. # وورد رسل ظهير الدين طغتكين، صاحب دمشق، وآق سنقر، صاحب حلب، بالحث على ~~غزو الفرنج، وكبيرهم علي بن حامد، الحاجب. فلما وصلا باب الفتوح ترجلا ~~وقبلاه، ومشيا إلى أبواب القصور ففعلا مثل ذلك؛ وأوقفا عند باب البحر PageV03P099 # قدر ما جلس الخليفة. فجهز عسكر في البر مقدمه حسام الملك النرسي، وسار ~~الأسطول في أربعين شينيا فوصلوا إلى عسقلان؛ وخرجت الغارات وعادت بالغنيمة. # فاجتمعت طوائف الفرنج، وكتب إلى حسام الملك أن يقيم بالثغر، ويلقى الفرنج ~~عليه ولا يتعداه، فخالف ذلك، وتوجه مخفا بغير ثقل ونزل على يافا فقتل وأسر. ~~فعندما قصده الفرنج رحل وهم يتبعونه حتى وافى تبنى فلقيهم هناك، فانهزم ~~العسكر من غير قتال، وقتل الراجل بأسره، وعاد من بقي مهزوما إلى عسقلان. # ووصل الخبر بذلك فأهم الآمر والمأمون، واشتد الحنق على حسام الملك لسوء ~~تدبيره؛ فآل أمره بعد أمور إلى أن قتل. # فيها خرج أمر المأمون إلى الواليين بمصر والقاهرة بإحضار عرفاء السقائين ~~وإلزام المتعيشين منهم بالقاهرة بحضورهم متى دعت الحاجة إليهم ليلا ونهارا. ~~ولذلك ألزم أصحاب القرب وتقرر أن يبيتوا على باب المعونة ومعهم عدة من ~~الفعلة بالطواري والمساحي، وأن يقوما لهم بالعشاء من أموالهما. # وعمل بعض التجار لابنته فرحا في إحدى الآدر المعروفة بالأفراح، فتسور ~~ملاك الدار على النساء وأشرفوا عليهن والعروس في المجلى، فأنكر عليهم ذلك، ~~فأساءوا وأفسدوا على الرجل ما صنعه؛ فخرج مستغيثا، فخشوا عاقبة فعلهم؛ فما ~~زالوا به حتى كف عن شكواهم. فلما حضر والي مصر بالمطالعة في الصباح إلى ~~الوزير على عادته، قيل له: لم لا ذكرت في مطالعتك ما جرى للتاجر الذي عمل ~~فرح ابنته؟ فاعتذر بأن المرسوم له ألا يذكر ما يخرج عن السلامة والعافية ~~ولم يتصل به ما جرى في الفرح. فأسمعه ما أمضه، وبين عجزه وتقصيره، وقال له، ~~والسلامة والعافية أن يخرج بالرجل ويهان وتنتهك حرمته ولا يجد ناصرا!!. PageV03P100 # فرسم بإحضار شاهدين ومهندسين، وتوجهوا إلى سائر الدور المختصة بالأفراح ~~وإحضار ملاكها، فمن رغب في استمرار ملكه ms464 على حاله فليزل التطرق إليه ويكتب ~~عليه حجة بالقسامة بذلك. ومن لم يرغب فلتؤخذ عليه الحجة بألا يوجد ملكه ~~للأفراح ويتصرف فيه على ما يريد. فامتثل ذلك. # وجرى الرسم في عمل المولد الكريم النبوي في ربيع الأول على العادة. # وكتب لجميع الأعمال، خلا قوص وصور وعسقلان، بمطالعة كل وال منهم في مستهل ~~كل شهر بمن حواه السجن والموجب لاعتقاله، ويبين كل منهم ذلك ويعتمد فيه ~~الحق. وسبب ذلك أنه رفع إلى المأمون أن بعض الولاة يعتقل من لا يجب عليه ~~اعتقال، لطلب رشوة، فتطول مدته. # وفيه قرر برسم رش ما بين البلدين، مصر والقاهرة، في كل يوم من اليومين ~~اللذين يركب فيهما الخليفة مما يصرف للسقائين دينار واحد؛ فاستمر ذلك يطلق ~~لهم إلى الأيام الحافظية. وكان سبب إطلاق هذا القدر أنه رفع للوزير المأمون ~~أن واليي القاهرة ومصر يأخذان جميع السقائين أرباب الجمال والدواب لرش ما ~~بين البلدين سخرة بغير أجرة. # وفي جمادى الآخرة أعيد ثغر صور إلى ظهير الدين طغتكين، صاحب دمشق، وكتب ~~له بذلك، وفخم فيه وعظم، ونعت بسيف امير المؤمنين؛ وجهزت إليه الخلعة، وهي ~~بدلة طميم منديلها طوله مائة ذراع شرب، فيه ثمانية وعشرون ذراعا مرقومة ~~بذهب عراقي، وثوب طميم جميعه برقم ذهب عراقي، سلف المنديل والثوب ألف ~~دينار، وثوب دبيقي وسطاني، PageV03P101 # وثوب سقلاطون داري، وثوب عتابي، وشاشية دبيقي، ولفافة؛ وجميع ذلك في تخت ~~مبطن عليه لفافة دبيقي؛ وغير ذلك من الكساوى برسم نسائه وأصحابه. وجهز ~~الأمين الدولة جمشتكين، صاحب صلخد، بذلة مذهبة ومنديلها، وعدة ثياب، ~~وغيرها. # في شعبان وصلت الأساطيل بمن فيها سالمين، وقد غنموا شينيين من شواني ~~الفرنج وبطشة كبرى، وعدة من النساء والرجال. وذكر للمأمون أن الأسرى ~~المذكورين يؤخذ منهم في الفداء ما يزيد عن عشرين ألف دينار عينا؛ فقال: ~~والله لا أبقي منهم أحدا؛ قد قتل لنا خمسمائة رجل يساوون مائة ألف، وقد ~~أظفر الله بما يكون دية عنهم؛ لا يشاع عنا أنا بعنا الفرنج وربحنا أثمانهم ~~عوضا عن رجالنا. # وركب الخليفة بما ms465 جرت به العادة، واصطفت العساكر بالعدد والأسلحة؛ وعاد، ~~وخلع على الأمراء وعلى زمام الأسطول والرؤساء. # وحضرت الحجاب، المندوبين لقتل الفرنج، بأنهم لما شاهدوا الحال بذلوا في ~~خلاص أنفسهم ثلاثين ألف دينار، وأنه يرجى منهم أكثر من ذلك؛ فكتب الجواب ~~بالإنكار وإمضاء السيف فيهم؛ فقتل الرجال بأسرهم وقد اجتمع الناس وضجوا ~~بالتهليل والتكبير عند قتلهم، فكان أمرا مهولا. وقد ذكر هذا اليوم عدة من ~~الشعراء. # وجرى الرسم في أسمطة شهر رمضان، والركوب إلى الجمع، وفي كسوة غرة شهر ~~رمضان على العادة. PageV03P102 # وفيه سير هلال الدولة سوارا رسولا إلى حرة اليمن وصحبته برسمها من ~~التشريف مما لبسه الخليفة وما زج عرقه من الحلل المذهبات والملاءات الشرب ~~المذهبة والشقق النفوسى والمغربي المقصور والإسكندراني المطرز جملة كثيرة ~~في تخوت مدهونة مبطنة، وسلال مملوءة من لحم الناقة التي نحرت بالمصلى، ~~واثنى عشر مجلسا من المساطير التي تقرأ كل خميس وعليها علامة الخليفة، ~~وكثير من النحاس القضيب والمرجان. وكتب إليها كتابا في قطع الثلثين أوله: ~~من عبد الله ووليه المنصور أبي علي الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين، ابن ~~الإمام المستعلى بالله أمير المؤمنين، صلى الله عليهما، إلى الحرة الملكة ~~السيدة الرضية، الطاهرة الزكية، وحيدة الزمن، سيدة ملوك اليمن، عدة ~~الإسلام، خالصة الإمام، نصيرة الدين، عصمة المسترشدين، كهف المستجيرين، ~~ولية أمير المؤمنين وكافية أوليائه الميامين، أدام الله تمكينها ونعمتها، ~~وأحسن توفيقها ومعونتها. # وفي آخره: وأمير المؤمنين متطلع إلى علم أخبارك، ومعرفة أنبائك، فتواصلى ~~بإنهاء المتجدد منها إن شاء الله. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. ويطوى ~~مدورا ويختم بحرير وأشرطة ذهب وعنبر ويجعل في خريطة. # فيه قرئ بالجامع العتيق منشور، نسخته بعد التصدير: PageV03P103 # بأننا لم نزل منذ ناطت بنا الحضرة المطهرة، صلوات الله عليها، الأمور، ~~وعولت على كفايتنا في سياسة الجمهور، وردت إلينا النظر فيما وراء سرير ~~خلافتها، وفوضت إلى إيالتنا من مصالح دولتها، وعبيدها ورعيتها، في محاسن ~~الأقعال ناظرين، وعلى بسط العدل والإحسان على الكافة متوفرين، وبحسن توفيق ~~الله تعالى لنا واثقين، وبمراشده الهادية مسترشدين، فلا ندع ms466 وجها من دعوة ~~البر إلا قصدناه، ولا بابا من أبواب الخير إلا ولجناه، ولا نعلم أمرا فيه ~~قربى إلى الله سبحانه إلا وتقع المرتبة إلا أتيناه ولا شيئا يعود بثواب ~~الله وحسن الأحدوثة إلا اعتمدناه؛ شيمة خصنا الله تعالى بميزتها، وسجية ~~أسبغ علينا جلاليب أمنها وسعادتها؛ وعملا في ذلك بشريف آراء الحضرة ~~المطهرة، صلوات الله عليها، وجميل سيرتها، واستمرارا على منهج الدولة ~~الزاهرة، خلد الله ملكها، وكريم عادتها، وذهابا في ذلك مع سجيتها الحسنى، ~~ونشرا لأرج ذكرها في الأبعد والأدنى. والله تعالى المسئول أن يعيننا على ~~مصالح الدنيا والدين، ويقضى لنا بالفوز المبين، ويصلح لنا وبنا كل فاسد، ~~وينظم لنا عقود السعود والمحامد بمنه. ولما كان أحسن ما تطرز به محاسن ~~السير، وتتناقل ذكره ألسنة البدو والحضر، وتجنى ثمرته في الدنيا والآخرة، ~~وتحمد مغبته في العاجلة والآجلة، التقرب إلى الله تعالى في كل أوان، ~~وابتغاء ثوابه في كل زمان، لا سيما شهر رمضان، الذي تزكوا فيه أفعال البر ~~والصلاح، وتتضاعف فيه الحسنات في الغدو والرواح؛ رأينا ما خرج به أمرنا من ~~كتب هذا المنشور بمسامحة كافة سكان الرباع السلطانية بالقاهرة ومصر من ~~الأدر والحمامات والموانيت والمعاصر والأخونة والطواحين والعرس، وجميع ما ~~يجري في الرباع خارجا من ريع الأحباس وريع المواريث المنصرف مستخرج ~~ارتفاعها فيما يجري هذا المجرى من وجوه البر، بأجرة شهر رمضان من كل سنة، ~~لاستقبال رمضان سنة سبع عشرة وخمسمائة وما بعدها، إحسانا يسير ذكره كل ~~مسير، وتعظيما. لحرمة هذا الشهر العظيم الخطير، الذي فضله الله على جميع ~~الشهور، وأنزل فيه قرآنه المجيد، وفرض صيامه على أهل التوحيد؛ وحضهم فيه ~~على الأفعال المزلفة لديه، PageV03P104 # ووعد من عمل فيه خيرا بمضاعفة الجزاء عليه. فليعتمد العمل بما تضمته هذا ~~المنشور، وحطيطة أمره شهر رمضان عن جميع سكان الربع المذكور لاستقبال ~~التاريخ المقدم منسوبا ذلك إلى القرب الصالحة والتجارة الرابحة، ويفسح في ~~جميع الدواوين حجة بمودعه، وليجلد بالمسجد الجامع العتيق بمدينة مصر، منعا ~~لمن يروم المطول فيه، أو يفض شيئا من ms467 وصفه، إن شاء الله. # فلما قرئ هذا المنشور ضج العامة بالدعاء ونظم فيه عدة من الشعراء وجرى ~~الرسم في وصول كسوة العيد، وهي العدة الكثيرة، وتفريقها على العادة. وعمل ~~الختم في آخر الشهر بالقصر والجوامع والمساجد؛ وحصل الاهتمام بالعيد؛ وركب ~~الخليفة إلى المصلى على العادة، وصلى بالناس صلاة العيد، وخطب، وحضر ~~السماط. # وجرى الحال في يوم عاشوراء، وفي المولد الآمري، على المألوف. # فيه كان المولد العيسوي، ففرق ما جرت به العادة من الجامعات القاهرية ~~والجامات السميذ، وقرابات الجلاب وطيافير الزلابية، والبورى، على أصحاب ~~الرسوم. وعمل في شهر ربيع الأول المولد الكريم، وفرق المال على الرسم. # وفيها وصل رسول الأمير تاج الخلافة أبي منصور حسن بن علي بن يحيى بن تميم ~~بن معز ابن باديس، صاحب المهدية، يخبر بانحيازه للدولة، وأن رجار بن رجار، ~~صاحب صقلية تواصلت أذيته وقد استعد لمحاربته؛ وسأل أن يسير لرجار يمنعه من ~~ذلك. فسير إليه مصطنع الدولة علي بن أحمد بن زين الخد، فأصلح بينهما. # وفيها نقل المأمون الرصد من الجبل المطل على راشدة إلى علو باب النصر ~~بالقاهرة. # وفيها توفى ولي الدولة أبو البركات بن عبد الحقيق داعي الدعاة، فاستقر ~~عوضه أبو محمد PageV03P105 # حسن بن آدم، وكان يدعى بالقاضي لأبوته وسنه واشتهاره بالعلم. فبعث الآمر ~~بأحكام الله إلى الوزير المأمون أن يستخدم أبا الفخر صالحا، فذكر المأمون ~~أن أكثر المجالس التي كانت تعمل في أيام النعمان بخط أبيه، وأن أبا الفخر ~~حدث السن ولا يماثل المذكور في العلم؛ وأضيف إليه الخطابة بالجامع الأزهر ~~مع قراءته الكتب. # وورد الخبر بأن الفرنج افتدوا بغدوين رويس الملك بثمانين ألف دينار ~~وثلاثين أسيرا من المسلمين. وكان صاحب حلب قد أسره في وقعة له مع الفرنج. # وعمل ما جرى به الرسم في مواسم السنة. # وفيها جرت عمارة سور الإسكندرية. # وفيها حمل إلى عسقلان ثلاثة وعشرون ألفا وستمائة وأحد وثلاثون إردبا من ~~الغلال. PageV03P106 ### || سنة ثمان عشرة وخمسمائة @YY518 # فيها ملك الفرنج مدينة صور، واستمرت بأيديهم حتى زالت الدولة الفاطمية. ~~وكان أخذهم إياها ms468 بعد محاصرتها مدة، وتقاصر المأمون عن نجدتهم، وأعانهم ~~طغتكين صاحب دمشق، ووصل إلى بانياس وراسل الفرنج؛ فاستقر الأمر على أن ~~الفرنج تستولي عليها بالأمان، فخرج أهلها بما خف حمله، وتفرقوا في البلاد. ~~وكان تملكهم لها في يوم الاثنين ثالث عشري جمادى الآخرة. # وفيها أمر ببناء دار واسعة ليتفرج الناس فيها عند كسر خليج القاهرة ~~بالكراء. وذلك أن الناس عند كسر الخليج كانوا يصنعون أخشابا متراكبة بعضها ~~على بعض، يجلسون فوقها للتفرج يوم كسر الخليج، ولم يكن هناك غير دار الأمير ~~أبي عبد الله محمد بن المستنصر ودار ابن معشر. ولم تزل هذه الأدر الثلاثة ~~إلى أن احترقت في نوبة شاور. PageV03P107 # فيها مات بألموت الحسن بن صباح كبير الإسماعيلية، وقد تقدم أنه ورد مصر ~~في أيام المستنصر وسار إلى المشرق بدعوته، واستولى على قلعة ألموت واعتقد ~~إمامه نزار بن المستنصر، وأنكر إمامة المستعلى وإمامة الآمر. وانتدب عدة ~~لقتل الأفضل ابن أمير الجيوش فلما تقلد المأمون البطائحي وزارة الآمر بعد ~~قتل الأفضل بلغه أن ابن صباح والباطنية فرحوا بموت الأفضل، وأنهم تطاولوا ~~لقتل الآمر والمأمون، وأنهم بعثوا طائفة لأصحابهم بمصر بأموال. فتقدم ~~المأمون إلى والي عسقلان بصرفه وإقامة غيره، وأمره بعرض أرباب الخدم بها، ~~وألا يترك فيها إلا من هو معروف من أهل البلاد؛ وأكد عليه في الاجتهاد ~~والكشف عن أحوال الواصلين من التجار وغيرهم، وأنه لا يثق بما يذكرونه من ~~أسمائهم وكناهم وبلادهم، بل يكشف من بعضهم عن بعض ويفرق بينهم ويبالغ في ~~الاستقصاء. ومن يصل ممن لم تجر عادته بالمجيء إلى البلاد فليعوقه بالثغر ~~ويطالع بحاله وما معه من البضائع، ولا يمكن جمالا من دخول مصر إلا أن يكون ~~معروفا مترددا إلى البلاد؛ ولا يسير قافلة إلا بعد أن يتقدم كتابه إلى ~~الديوان بعدة من فيها وأسمائهم وأسماء غلمانهم وأسماء الجمالين وذكر أصناف ~~البضائع، ليقابل بها في مدينة بلبيس وعند وصولهم إلى الباب، وأنه يكرم ~~التجار ويكف الأذى والضرر عنهم. # ثم تقدم المأمون إلى والي مصر ووالي القاهرة بأن يصقعا ms469 البلدين شارعا ~~شارعا وحارة حارة وزقاقا زقاقا وخطا خطا، ويكتبا أسماء سكانها، ولا مكنا ~~أحدا من النقلة من منزل إلى منزل حتى يستأذناه ويخرج أمره، بما يعتمد في ~~ذلك. فمضيا لذلك، وحررا الأوراق بأسماء جميع سكان القاهرة ومصر وذكر ~~خططهما، والتعريف بكنية كل واحد وشهرته وصناعته وبلده، ومن يصل إلى كل خط ~~وحارة من الغرباء. # فلما عرف ذلك المأمون انتدب نساء من أهل الخبرة والمعرفة للدخول إلى جميع ~~المساكن والاطلاع على أحوال ساكنيها الباطنية ومطالعته بجميع ما يشاهدنه ~~فيها؛ فكانت أحوال كافة الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين أجناسهم من ساكني ~~مصر والقاهرة تعرض عليه، ولا يكاد يخفى عنه منها شيء ألبتة. فامتنع لذلك ~~الباطنية مما كانوا قد عزموا عليه من الفتك بالآمر وبالمأمون لكفهم عن دخول ~~البلد. PageV03P108 # ثم إنه مع ذلك أركب العسكرية وفرقهم في جهات البلدين، وأمرهم بالقبض على ~~جماعة عينهم، فقبض على جماعة كثيرة، منهم رجل كان يقرئ أولاد الخليفة ~~الآمر، ومنهم رسل كان ابن صباح قد سيرهم بمال لينفق على من بمصر ممن يرى ~~رأيهم. فكان هذا معدودا من عظيم الحزم، وقوة التدبير. ومع ذلك كان له ~~القصاد والجواسيس وأصحاب الخبر في كل قطر، فإذا خرج الباطني من قلاع ألموت ~~لا تزال أخباره ترد عليه شيئا بعد شيء منذ يخرج من مكانه حتى يرد بلبيس، ~~فيسير إليه من ينقض عليه في مكانه الذي نزل فيه ويأتيه به فيقتله. وصار من ~~أجل ذلك وبسببه يرد عليه أخبار كل جليل وحقير من سائر مملكته، حتى كان يرى ~~ويسمع كل ما يتفق في ليل أو نهار. وامتنع من الباطنية إلى أن مات رئيسهم ~~الحسن بن صباح بعد ما ملك من الشام جبل عاملة، وحصن العليق، والكهف، ~~ومصياث، والخوابي، وحصن الأكمة، وقلعة العيدين؛ ثم امتدت مملكته بعد موته ~~إلى حد شرقي آذربيجان وبحر طبرستان وجرجان. PageV03P109 ### || سنة تسع عشرة وخمسمائة @YY519 # فيها قبض الخليفة الآمر على وزيره المأمون في ليلة السبت لأربع خلون من ~~شهر رمضان، وقبض على إخوته الخمسة مع ثلاثين رجلا ms470 من أهله وخواصه، واعتقله. ~~فوجد له سبعون سرجا من ذهب مرضع ومائتا صندوق مملوءة كسوة بدنه. ووجد لأخيه ~~المؤتمن أربعون سرجا بحلى ذهب وثلثمائة صندوق فيها كسوة بدنه، ومائتا سلة ~~ما بين بلور محكم وصيني لا يقدر على مثلها، ومائة برنية مملوءة كافور ~~قنصوري؛ ومائة سفط مملوءة عودا؛ ومن ملابس النساء ما لا يحد. حمل جميع ذلك ~~إلى القصر، وصلبه مع إخوته في سنة اثنتين وعشرين. # ويقال إن سبب القبض عليه أنه بعث إلى الأمير جعفر بن المستعلى، أخي ~~الآمر، يعزيه بقتل أخيه الخليفة ووعده أنه يعتمد مكانه في الخلافة؛ فلما ~~تعذر ذلك بينهما بلغ الشيخ الأجل، أبا الحسن علي بن أبي أسامة، كاتب الدست، ~~وكان خصيصا بالآمر قريبا منه، وكان المأمون يؤذيه كثيرا. فبلغ الخليفة ~~الحال، وبلغه أيضا أن بلغ نجيب الدولة أبا الحسن إلى اليمن وأمره أن يضرب ~~السكة ويكتب عليها: الإمام المختار محمد بن نزار. # ويقال إنه سم مبضعا ودفعه لفصاد الخليفة، فأعلم الفصاد الخليفة بالمبضع. # ومولده في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وقيل في سنة تسع. وكان من ذوي ~~الآراء والمعرفة التامة بتدبير الدول، كريما، واسع الصدر، سفاكا للدماء، ~~شديد التحرز، كثير التطلع إلى أحوال الناس من الجند والعامة؛ فكثر الواشون ~~والسعاة بالناس في أيامه PageV03P110 # ويقال إن أباه كان من جواسيس الأفضل بالعراق، وأنه مات ولم يخلف شيئا، ~~فتزوجت أمه وتركته فقيرا، فاتصل بإنسان يعلم البناء بمصر، ثم صار يحمل ~~الأمتعة بالسوق بمصر، وأنه دخل مع الحمالين يوما إلى دار الأفضل فرآه خفيفا ~~رشيقا حسن الحركة حلو الكلام، فأعجب به، فاستخدمه مع الفراشين بعد ما عرف ~~بأنه ابن فلان، فلم يزل يتقدم عنده حتى كبرت منزلته، وعلت درجته. # وهذا ليس بصحيح فإنه من أجناد المشارقة، وقد تقدم أن أباه مات في زمن ~~الأفضل بعد ما ترقت أحول ولده، وأنه كان ممن يعد من أماثل أهل الدولة. ورثى ~~بعدة قصائد. وتقدم أن المأمون كان ممن يخدم المستنصر وأنه الذي لقبه ~~بالمأمون. على أن المشارقة زادوا في التشنيع وذكروا ms471 أنه كان يرش الماء بين ~~القصرين، وكل ذلك غير صحيح. # وكان المأمون شديد المهابة في النفوس وعنده فطنة تامة وتحرز وبحث عن ~~أخبار الناس وأحوالهم، حتى إنه لا يتحدث أحد من سكان القاهرة ومصر بحديث في ~~ليل أو نهار إلا ويبيت خبره عند المأمون، ولا سيما أخبار الولاة وعمالهم. ~~ومشت في أيامه أحوال البلاد وعمرت، وساس الرعايا والأجناد وأحسن سياسته، ~~إلا أنه اتهم بأنه هو أقام أولئك الذين قتلوا الأفضل وأعدهم له وأمرهم ~~بقتله ليجعل له بذلك يدا عند الخليفة الآمر، ولأنه كان يخاف أن يموت الأفضل ~~فيلقى من الآمر ما يكرهه لأنه كان أكبر الناس منزلة عند الأفضل ومتحكما في ~~جميع أموره. وكان مع ذلك محببا إلى الناس لكثرة ما يقضيه من حوائجهم ويتقرب ~~به من الإحسان إليهم، ويأخذ نفسه بالتدبير الجيد والسيرة الحسنة، بحيث لو ~~قدر موته لزار الناس قبره تبركا به. # واتهم أيضا بأنه هو الذي قتل أولاد الأفضل وأولاد أخيه الأوحد وأولاد ~~أخيه المظفر، وكانوا نحو مائة ذكر ما بين كبير وصغير، فقتلوا بأجمعهم، ولم ~~يبق منهم سوى صغير PageV03P111 # نحيف يسمى أحمد أبا علي ويلقب بكتفيات، فيقال إنه احتقره لما كان يرى فيه ~~من العي والانقطاع؛ فكان منه ما يأتي خبره إن شاء الله تعالى. # واتهم أيضا بقتل الأمير حسام الملك أفتكين، صاحب الباب، في أيام الأفضل ~~لتخوفه منه؛ وذلك أن حسام الملك دخل مرة على الآمر للسلام، فلما خرج قال ~~الآمر: والله إنك لأمير حسن؛ فإنه كان جميلا تام القامة وفيه عجب وتيه. ~~فبلغ ذلك المأمون فقامت قيامته وأخذ في العمل عليه حتى أخرجه في العساكر ~~التي يقال إن عدتها عشرون ألفا، فكان من خبره على عسقلان مع الفرنج ما كان، ~~وقتل من أصحابه يومئذ ما يزيد على عشرة آلاف، وعاد حسام الملك فبعثه إلى ~~الإسكندرية ودس عليه من قتله. # قال ابن الطوير: ولما دفن الأفضل استعمل الآمر هذا الرجل، وكان يخاطب ~~بالقائد من خدمة الأفضل في الوساطة دون الوزارة، ونعته بجلال الإسلام. ~~واستمر على ms472 ذلك، ثم كمل له الوزارة وخلع عليه خلعة الوزارة إلا الطيلسان ~~المقور، فباشرها، وكان متيقظا قد حذق الأمور ودربها من صحبة الأفضل وطول ~~خدمته إياه. وكان بالدار التي بالسيوفيين بالقاهرة، وهي اليوم مدرسة ~~للحنفية، وأخذ يصب على تغلب الأفضل مع الآمر، فصار يتغلب على الآمر في ~~واحدة بعد واحدة من الجفاء والإقدام، والآمر يملى له ويحتمله، حتى استوحش ~~كل منهما من الآخر. # وكان له أخ ينعت بالمؤتمن أبي تراب حيدرة، فرأى من الرأي أن يولي أخاه ~~جانبا عظيما من ديار مصر ويجعل معه عسكر النجدة ردءا إذا قصده الخليفة ~~بضرر، فإنهما دام أخوه يكون حاميا له، فيكون هو من داخل وأخوه من خارج. ~~وجرد معه مائة فارس من شدة الأجناد وكبرائهم، وأضاف إليهم أمثالهم، مثل علي ~~بن السلار وتاج الملوك قايماز وسيف الملك الجمل ودرى الحرون وحسام الملك ~~بسيل، وكل واحد من هؤلاء جيش بمفرده؛ والخليفة يعلم ذلك ولا يرده عليه. ~~وزاد في معناه حتى قيل إن الخليفة اطلع على أنه ادعى الخلافة وأنه من ولد ~~نزار من جارية خرجت من القصر وهي حامل عندما خرج نزار PageV03P112 # إلى الإسكندرية فانزعج الخليفة لذلك. ثم إنه سير إلى اليمن الموفق علي بن ~~نجيب الدولة، وكان من أهل الأدب فصيحا داهية، ليحقق لنسبه هناك ويدعو الناس ~~إلى بيعته، فلما قيل للآمر هذا، ما شك فيه، وأخذ يتحيل في الإيقاع به بعد ~~عود أخيه من ولايات الإسكندرية والغربية والبحيرة والجزيرتين والدقهلية ~~والمرتاحية؛ فاختلق الآمر قضية يلتمسها من الإسكندرية وهو مقيم بها، فسير ~~أستاذا من ثقاته، ظاهره فيما ندبه إليه وباطنه في العلم على المأمون وأخيه، ~~وقال له: أحرص على اجتماعك بعلي ابن السلار في المسايرة وسلم عليه عنا، وقل ~~له وقل له إننا ما زلنا نلتفت إليه وندخره لمهماتنا ونتحقق فيه الموافاة ~~لنا، وإنا بحمد الله قادرون على المكافأة بالخير أكثر من غيرنا، وقد تلونت ~~أحوال المأمون وبالغ في عقوقنا بأشياء لا يتسع لها ذكرنا. ومقصودنا أن تكتم ~~عنا ما نقول لك. # فلما بلغه ms473 الأستاذ ذلك عن الآمر قال: السمع والطاعة لمولانا، وأنا مملوكه ~~وأذل نفسي في خدمته. فقال الأستاذ: هكذا والله قال عنك. قال ابن السلار: ~~فما يأمر به؟ قال: تحد رجالك بأجمعهم في الانفصال عن المؤتمن، أنت ومن تثق ~~به. # فلما تقرر ذلك اتفق علي بن السلار وهو وقايماز ودرى الحرون، وكانوا أمراء ~~الجماعة فتفرقوا عنه وتبعهم الباقون، فانفرد المؤتمن واستوحش وكاتب أخاه ~~المأمون بذلك؛ PageV03P113 # فما اتسع له أن يتتبع الأمراء ولا ينكر عليهم ليرجعوا إلى أخيه، لعلمه ~~بتغير الخليفة عليه، مخافة أن يفسد أمره ظاهرا وباطنا. فحضر إلى الخليفة ~~يوم سلام، على عادة الوزراء، وتقدم وقال: يا مولانا، صلوات الله عليك، وصل ~~كتاب أخي يتذمم من طول مقامه خارج القاهرة وأسفه على ما يفوته من خدمة ~~مولانا بالمباشرة، ويسأل الفسحة له في العودة إلى بابه الكريم فقال: مرحبا ~~وأهلا، وهذا كان رأينا، ونحن مشتاقون إليه، وإنما قصدنا رضاك فيما رتبته ~~له. يقدم على بركة الله. فكوتب عن الخليفة بالعود وأن يرتب في ولاياته من ~~يرضاه. فامتثل ذلك. # ودخل القاهرة؛ فجلس الخليفة له في غير وقت الجلوس، فمثل بين يديه، وأكرمه ~~وأدناه، وخلع عليه بالتشريف المفخم. # فلما دخل شهر رمضان، وفيه السماط كل ليلة بقاعة الذهب، ويحضر الوزير ~~وإخوته وأصحابه؛ فحضر المأمون وأخوه المؤتمن السماط أول ليلة، فأكرمهما ~~الآمر بما أخرجه لهما مما كانت يده فيه، وأرسل رسالة إلى المؤتمن ليستأنس ~~بحضوره السماط مع أخيه؛ فلم يتسع لهما مع هذه المكارمة الانقطاع. # وحضرا ثاني ليلة فزاد في إكرامهما، ثم أمر بأن يدخل المأمون لمؤاكلته ~~خاصة دون أخيه، فدخل إليه؛ ولم يتقدمه أحد من الوزراء بمثل ذلك، يعنى بهذه ~~المنزلة. وخرج هو وأخوه وأكد عليهما ألا ينقطعا، وخلع عليهما من داخل الدار ~~من الثياب الدارية. ثم حضرا ثالث ليلة، فاستدعى المأمون إلى الخليفة، فلما ~~جلس معه على المائدة قال قد جفونا المؤتمن، واستدعاه، فدخل، وصارا في ~~قبضته. وكان قد رتب لهما من يأخذهما؛ فعند خروجهما للمضي قبض عليهما ~~واعتقلهما عنده في خزانة، وسير ms474 بالحوطة على دورهما. ثم أمر بإحضار الشيخ ~~الأجل أبي الحسن بن أبي أسامة، كاتب الدست، لينشيء شيئا في شأنهما يقرؤه ~~على المنبر غدا، فوجد الشيخ أبو الحسن بمصر لعيادة مريض؛ فتقدم إلى والي ~~القاهرة في الليل بأن يمضي إلى مصر لإحضاره. فظن والي القاهرة أنه طلب لغير ~~ذلك، وكان يقال له سعد الدولة الأحدب، فمضى إليه وأزعجه من مكانه، وسبه ~~أقبح سب، وأراد إحضاره إلى القاهرة ماشيا. فأحضره إلى الخليفة وهو ميت لا ~~حراك به، PageV03P114 # فقال له ما هذا؟ فأخبره بقضيته مع الوالي، فغضب على الوالي وأمر بخلع ~~أخفافه من رجليه وصفعه بهما، حتى تقطعا على قفاه، وصرفه من الولاية. وأطلع ~~الشيخ أبا الحسن على قضية المأمون وأخيه؛ فقال يا مولانا: هما نشو أيامك ~~ومماليك دولتك. فقال لبعض الأستاذين خذ هذا الشيخ وصوبه إلى المذكورين ~~لينظرهما في اعتقالهما وينقطع رجاؤه منهما. فأدخله إليهما، فرآهما مكبلين ~~في الحديد، وعليهما احتياط عظيم، فأنشأ للوقت سجلا كان من استفتاحه: أما ~~بعد؛ فإن محمد بن فاتك استنجح فما نجح، واستصلح فما صلح؛ وجهل رفع قدره ~~فغدا لهبوط، وقابل الإحسان إليه بدواعي القنوط. وكل ذلك في تلك الليلة. # فلما أصبح الصباح جلس الخليفة في الشباك بالإيوان، ونصب كرسي الدعوة ~~أمامه، وطلع قاضي القضاة عليه وقرأه بعد اجتماع الأمراء وأرباب الرتب ~~والعوام؛ فلم ينتطح فيها عنزان. # ويقال إن الخليفة كان يقول: أعظم ذنوبه عندي ما جرى منه في حق صور ~~وإخراجها من يد الإسلام إلى الكفر. # وبقيا في الاعتقال، هما وأميران اتهما، في خزانة البنود. وسير لإحضار ~~الذي كان أنفذه المأمون إلى اليمن ليقتلهم جميعا. وتفرغ الآمر لنفسه، ولم ~~يبق له فعل ولا مزاج، وبقي بغير وزير. # وأقيم صاحبا ديوان الاستخراج بما يجب من زكاة ومقس أحدهما مسلم يقال له PageV03P115 # جعفر بن عبد المنعم بن أبي قيراط والآخر سامري يقال له أبو يعقوب ~~إبراهيم، وأقيم معهما مستوف لهاتين المعاملتين وكان راهبا؛ فكانوا يستخرجون ~~ذلك من أربابه، ويدخل صاحبا الديوان إلى الآمر في كل وقت ومعهما المصحف ms475 ~~والتوراة فيحلفان له أنهما لا يتعرضان إلا لمن يجب عليه لبيت المال حق. ~~فيحملها في ذلك على الصدق، وربما اشتطا على الناس وزاد عليهم ما لا يجب ~~زيادته، فتأذى بسببهما جماعة والآمر لا يطلع على ذلك ولا أشاربه. واستمرا ~~على ذلك مديدة. PageV03P116 ### || سنة عشرين وخمسمائة @YY520 # فيها جهز الآمر المنتضى بن مسافر الغنوي بخلع سنية وتحف مصرية وثلاثين ~~ألف دينار للأمير البرسقي، صاحب الموصل؛ فلما كان في أثناء الطريق سمع ~~بموته، فرجع بما معه إلى الآمر. # وفيها قدم الأمير الرئيس مهران بن عبد الرحيم، مصنف سيرة الفرنج الخارجين ~~على بلاد الإسلام في هذه السنين، برسالة من صاحب حلب. # وفي شوال كان بدء أمر الراهب. وذلك أن راهبا من النصارى، يعرف بأبي نجاح ~~ابن فنا، كتب إلى الآمر رقعة في الكتاب النصارى من الأقباط يذكر أنهم قد ~~أخذوا أموال الدولة واستولوا عليها، وضمن أنه يحقق في جهاتهم ما يملأ بيوت ~~الأموال. فتقدم الخليفة بأن يمكن من الدواوين ويساعد على ما يخرجه من ~~الحسبانات، ولقب بالأب القديس الروحاني النفيس أبي الآباء سيد الرؤساء مقدم ~~دين النصرانية، وسيد البطريركية، ثالث عشر الحواريين. # وكان الآمر لما انفرد بالأمر بعد القبض على وزيره المأمون وبقي بغير وزير ~~دانت له الدنيا. وكان معظما كثير الجود إلى الحد الذي لا مزيد عليه؛ فكثر ~~الخير في تلك الأيام، وفرح الناس بالفوائد، وتردد المسافرون والتجار، وجلبت ~~البضائع، وزاد الحاصل في الخزائن من كل صنف مضافا إلى ما كان فيها، وحسنت ~~السيرة في الرعية؛ وأباح للناس PageV03P117 # والجنود ما كان الأفضل حظره عليهم من الملبوس والتجمل؛ فما برح الناس في ~~خيرات دارة ونعم متزايدة إلى أن تمكن الراهب من الدواوين واشتد في مطالبة ~~النصارى وضمن في جهاتهم الأموال، وحملها أولا فأولا؛ وكان قد حصل لهم في ~~أيام الأفضل والمأمون ما يزيد عن الوصف. فلما تمكن الراهب من النصارى ~~واستطاب ما تحصل منهم ابتدأ يعمل في المسلمين معاملي الديوان من المشارفين ~~والضمناء والعمال. # فيها ركب الآمر لينظر جوسق البغدادي أبي الحسن علي بن ms476 محمد بن سعدون ~~بالقرافة، فإنه كان من أحسن جواسق القرافة وأفخرها بناء؛ فلما قرب منه سقط ~~عن فرسه إلى الأرض فهنئ بالسلامة، وقيل في ذلك عدة أشعار. PageV03P118 ### || سنة إحدى وعشرين وخمسمائة @YY521 # فيها أحضر الموفق في الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم بن نجيب الدولة، ~~داعي اليمن، الذي سيره الوزير المأمون بن البطائحي، فدخل في يوم عاشوراء ~~على جمل بطرطور، ومعه مشاعلية بهيئة ملائكة، وخلفه قرد يصفعه، وهو يقول ~~بقوة نفس: والله لا ألتفت. فأدخل خزانة البنود وسجن مع المأمون. # فيها كثرت مصادر الراهب للكتاب والعمال، وتسلسل الأمر إلى التجار وأرباب ~~الأموال، وندب معه مقداد والي مصر وسعد الدولة والي القاهرة للشد منه؛ ~~فتنكد الناس وخرج كثير من أهل مصر إلى الآفاق. وأخذ الراهب يحسن للآمر أن ~~يحمل إليه مال الأيتام من مودع الحكم. # وفيها مات قاضي القضاة جلال الملك تاج الأحكام، أبو الحجاج يوسف بن أيوب ~~ابن إسماعيل المغربي الأندلسي؛ وكان أولا قد أقرأ المؤتمن أخا المأمون ~~القرآن والنحو، فولاه قضاء الغربية، ثم نقل منها إلى قضاء القضاة بعد واقعة ~~ابن الرسعني بوساطة المؤتمن. واستقر بعد وفاته في قضاء القضاة أبو عبد الله ~~محمد بن هبة الله بن الميسر القيسراني. # وكان أبو الحجاج عاقلا. عرض عليه الآمر أن يلي الدواوين مضافا إلى ما ~~يتولاه PageV03P119 # من قضاء القضاة والمظالم، فاستشار في ذلك بعض أصحابه فأشار بالقبول، ~~فقال: إني لا أحسن صنعة الكتابة؛ فقال له: تجعل بين يديك من يوضح لك الأمر ~~والتدبير ويدلك على سر الصناعة. فقال: ألا ترى إلا أني قد رضيت أن أكون من ~~الأسماء النواقص التي لا تتم إلا بصلة وعائد، واستحضرت من يدلني على ما ~~أجهل، فكيف أصنع بين يدي السلطان؟ لقد حكمت إذا على نفسي بحكم حيف وأوردتها ~~خطة خسف. وحمد الله. PageV03P120 ### || سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة @YY522 # فيها وصلت رأس بهرام الباطني. وكان طغتكين أتابك، الملقب ظهير الدين، قد ~~وهب له بانياس خوفا من شره، فأفسد جماعة بالشام، وجرت له خطوب آلت إلى ~~قتله، وحملت رأسه إلى ms477 الآمر. # وفيها رتب قاضي القضاة أبا عبيد الله محمد بن ميسر مشارفا على ثقة الدولة ~~ابن أبي الرداد في قياس الماء وعمارة المقياس، وعمل مصالحة؛ فاستمر إلى أن ~~قتل ابن ميسر ثم بطل، فلم ينظر أحد في هذه المشارفة. # وفي رجب عمل للآمر في الخاقانية، وكانت من خاص الخليفة، قصر من ورد فسار ~~إليها وحده بضيافة عظيمة. فلما استقر هناك خرج إليه أمير يقال له حسام ~~الملك أحد الأمراء الذين كانوا مع المؤتمن، أخي المأمون، في سفره في البلاد ~~التي كان يتولاها وتخاذل مع ابن السلار عنه وهو لابس لأمة حربه، والتمس ~~المثول بين يدي الخليفة. فاستثقل ما جاء به في ذلك الوقت لأنه مناف لما فيه ~~الخليفة من الراحة والنزهة، فمنع من ذلك وصد عنه؛ فقال لجماعة من حواشي ~~الخليفة: أنتم منافقون على الخليفة إن لم أصل PageV03P121 # إليه وهو يطالبكم بذلك ويعاقبكم عليه. فأطلعوا الخليفة على أمره، فأمر ~~بإحضاره. فقال: يا مولانا، لمن تركت أعداءك يعني المأمون وأخاه هذا والعهد ~~قريب؛ أأمنت الغدر؟ فما أجابه إلا وهو على ظهور الرهاويج من الخيل، فلم تمض ~~ساعة إلا وهو بالقصر يمضي إلى مكان إعتقال المأمون أخيه، فوجدهما على ~~حالهما، فزادهما وثاقا وحراسة. # فلما كان في ليلة العشرين منه قتل المأمون وصالح بن الضيف، وكان من نشو ~~المأمون وقد سجن معه، وعلي بن إبراهيم بن نجيب الدولة، المحضر من اليمن، ~~وأخرجوا إلى سقاية ريدان في الرمل قبالة البستان الكبير خارج باب الفتوح، ~~فصلب أبدانهم بغير رءوس وفي صدر كل واحد رقعة فيها اسمه. فبلغ الأمر الناس ~~فشكوا فيهم، وقالوا: هم غير المذكورين. فأمر بإخراج رءوسهم وأقيمت على ~~أبدانهم. # فيها كانت ولاية ابن ميسر القضاء في ذي الحجة على ما ذكر بعضهم؛ وقيل بل ~~كانت كما تقدم؛ ولقب بثقة الدولة القاضي الأمين سناء الملك، شرف الأحكام، ~~قاضي القضاة، عمدة أمير المؤمنين، أبي عبد الله محمد بن القاضي أبي الفرج ~~هبة الله بن ميسر. فلازم الانتصاب والجلوس، واعتمد التثبت في الأحكام، وعدل ~~جماعة، فبلغت ms478 عدة الشهود في أيامه مائة وعشرين شاهدا، وكانوا دون الثلاثين. # ثم وردت إليه المظالم؛ فاستوضح أحوال المعتقلين وطالع بهم الآمر، وكان ~~فيهم عدة قد يئسوا من الفرج، فاستأذن الخليفة وأفرج عنهم. وتكلم مع الآمر ~~في أمر التجار وما نزل بهم من المصادرات، فأمر الخليفة بكتابة منشورهم في ~~معناهم قرئ على المنابر. # فيها كثرت وقائع أهل القسر على الناس، وتقرب كثير من الكتاب PageV03P122 # الظلمة بعورات الناس إلى الخليفة، فاشتدت مطالبات الناس بالأموال، وقبل ~~قول كل رافع شيئا على أحد، وأخذ الناس بما رموا به، وضمن عدة من الناس ~~أشياء لم تجر عادة بضمانها، وأحدثت رسوم لم تكن فيما تقدم. وذلك أنهم لم ~~يقدروا على تصريح القول بالمصادرة، فعملوا ما ذكر؛ فحصلت الشناعة، وخرج من ~~بالبلد من التجار. # وكثرت مصادرات القاطنين بمصر والقاهرة، وعظم قدر ما حمل من أموال هذه ~~الجهات. فاتسع عطاء الخليفة حتى وهب يوما لغلامه برغش، المنعوت بالعادل، ~~ثمانين ألف دينار، ثم سأله بعد مدة يسيرة عما فعله فيما وهبه، فقال: يا ~~مولانا تصدقت ووهبت أكثر. فأعجب ذلك الآمر، وفرح، وشكره على فعله. ووهب مرة ~~لغلامة هزار الملك جوامرد، المنعوت بالأفضل، مثل ذلك. وكانا أخص غلمانه ~~وأقربهم منه، وأشرفهم عنده منزلة؛ وكانا أسمح خلق الله؛ وكان الناس في ~~أيامهما لا يوجد فيهم من يشكو الفقر، لا بمصر ولا بالقاهرة، فإن هزار ~~الملوك كانت صدقته في كل يوم جمعة راتبا قد قرره بالقرافة أربعة آلاف درهم ~~في ألف كاغدة، على يد الثقة ابن الصعيدي وغزال الوكيل، وكانت عطاياه من يده ~~لا تنقص عن عشرة دنانير أبدا؛ ولا يخلو ركوبه إلى القصر وعوده منه من أحد ~~يقف له ويطلب منه. وكان برغش يعطي الجمل الكبار التي يغني بها الطالب، من ~~المائة دينار إلى المائتين وأكثر. # وبلغ علم التي يقال لها جمعة، مكنون الآمرية، أن الآمر سيدها قد وهب لكل ~~من غلاميه المذكورين ثمانين ألف دينار، وكان الآمر يحبها، وأصدقها أربعة ~~عشر ألف دينار، وولدت منه ابنة سماها ست القصور؛ فلما دخل ms479 عليها عشية اليوم ~~الذي وهبهما فيه هذا المال قامت وأغلقت عليها مقصورتها، وقالت: ما تدخل إلي ~~أو تهب لي ما وهبت لكل منهما. فقال: الساعة. وأحضر الفراشين، وحمل كل عشرة ~~كيسا فيه عشرة آلاف دينار PageV03P123 # عينا. فلما صار إليها هذا المال، ومبلغه مائتا ألف دينار ذهبا، فتحت ~~الباب له ودخل. PageV03P124 ### || سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة @YY523 # فيها عم البلاء بمصر جميع الرؤساء والقضاة والكتاب والسوقة من الراهب، ~~بحيث لم يبق أحد إلا وناله مه مكروه، إما من ضرب أو نهب أو أخذ مال. وكان ~~يجلس في قاعة الخطابة من جامع عمرو بن العاص، ويستدعي الناس للمصادرة. فطلب ~~في بعض الأيام رجلا يعرف بابن الفرس من العدول المميزين المبجلين في الناس ~~فأهانه وأخرق به، فخرج إلى الجامع في يوم جمعة وقام على رجليه وقال: يأهل ~~مصر، انظروا عدل مولانا الآمر في تمكينه النصراني من المسلمين. فارتج الناس ~~لكلامه وكادت تكون فتنة؛ فاتصل ذلك بخواص الخليفة، فأبلغوه إياه وخوفوه ~~عاقبة ذلك، وطالعوه بما حل بالخلق. # وكان الراهب قد أخذ من شخص خادم يقال له جديحو سبعين ألف دينار بخرج من ~~مائة ألف دينار، فصار يشكو، وكان كثير البضائع والتجارات والمقارضين، فتظلم ~~واشتهر أمره إلى أن بلغ خبره إلى أستاذ من أستاذى القصر له من العمر نحو ~~مائة وعشرين سنة، يقال له لامع وكان قد انقطع في منزله بالقصر بعد ما حج ~~غير مرة، وأنشأ جلبة بعيذاب يقال لها اللامعية تحمل الحاج فاتفق جواز الآمر ~~على مكانه فسأل عنه، فقيل له: إنه لا يستطيع النهوض إلى خدمتك. فدخل إليه ~~وسأله عن حاله، فقال: شغلي بسمعة مولانا أشد علي من نفسي. فقال له الآمر: ~~لأي شيء؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن الناس قد تم عليهم من الشدة ما لا ~~أحسن أصفه وربما نسب ذلك إليك. وشرح له أمر الراهب ابن أبي نجاح وصاحبي ~~الديوان جعفر بن عبد المنعم المعروف بابن أبي قيراط وأبي يعقوب إبراهيم ~~السامري الكاتب، وما أخذوه من هذا الخادم. فحلف الآمر إنه ما ms480 علم أنهم ~~بلغوا بالناس إلى هذا المبلغ، وأنه يستدعي صاحبي الديوان في كل وقت ~~ويحلفهما على المصحف وعلى التوراة، وأن الراهب لم يجعل إلا مستوفيا لما ~~يستخرج من الأموال وليس له PageV03P125 # معهما حديث ألبتة. فقال له الخادم: يا أمير المؤمنين، إنهم قد اتفقوا على ~~أذى الناس، وقد جعلك الله خليفة في الأرض واسترعاك على عباده، وكل راع ~~مسئول عن رعيته. فشق على الخليفة، وعمل فيه كلام الأستاذ، وخرج؛ فمات بات ~~حتى صرف صاحبي الديوان واعتقلهما، ليستعيد منهما ما أخذاه للناس ظلما؛ ~~واستدعى الراهب، وكان بحضرته رجل من الأشراف، فلما حضر الراهب أنشد: # إن الذي شرفت من أجله ... يزعم هذا أنه كاذب # فقال الآمر للراهب: يا راهب، ماذا تقول؟ فسكت. فأمر حينئذ والي مصر بأخذه ~~إلى الشرطة وضربه بالنعال حتى يموت. فمضى به إلى شرطة مصر، وما زال يضرب ~~بالنعال حتى مات، فجر بكعبه إلى عند كرسي الجسر مسحوبا، وسمر على لوح، وطرح ~~في بحر النيل؛ فكان كلما وصل إلى ساحل من سواحل مصر وهو منحدر دفعوه إلى ~~البحر؛ فلم يزل حتى خرج إلى البحر الملح، واشتهر ذكره، وسارت الركبان ~~بهلاكه. # وكان هذا الراهب أولا من أشمون طناح، وترهب على يد أبي إسحاق بن أبي ~~اليمن، وزير ابن عبد المسيح متولى ديوان أسفل الأرض، ثم قدم إلى القاهرة ~~واتصل بخدمة ولي الدولة أبي البركات يحنا بن أبي الليث، كاتب المجلس. فلما ~~قتل الوزير المأمون PageV03P126 # اتصل بالخليفة الآمر، وبذل له في مصادرة الكتاب النصارى مائة ألف دينار، ~~فأطلق يده فيهم؛ واسترسل أذاه حتى شملت مضرته كل أحد. # وكان يعمل له في تنيس ودمياط ملابس مخصوصة به من الصوف الأبيض المنسوج ~~بالذهب، فيلبسها ومن فوقها غفارة ديباج، ويتطيب بعدة مثاقيل مسك في كل يوم ~~فكانت رائحته تشتم من مسافة بعيدة. وكان يركب الحمر الفارهة بالسروج ~~المحلاة بالذهب والفضة، ويجلس بقاعة الخطابة من جامع مصر. # ولما قتل وجد له في مقطع ثلثمائة طراحة سامان محشوة جددا لم تستعمل، قد ~~رصت إلى قرب السقف، وهذا ms481 من نوع واحد، فكيف ما عداه! ولما قتل وعرف الآمر ~~ما كان يعمل في الناس من أنواع الأذى خشي من الله واستحيا من الناس؛ وكره ~~مساءلة الفقهاء من الإسماعيلية عن ذلك وعن كفارة هذا الذنب لأنه إمام، وشرط ~~الإمام أن يكون معصوما. فسير إلى الفقيه سلطان بن رشا شيخ الفقيه مجلى، ~~وكان خليفة الحكم، مع من يثق به يستفتيه في أمر الراهب وما يكفر عنه، فقال: ~~يرد ما صار إليه من الأموال إلى أربابها. فرد عليه: إني والله ما أعرفهم ~~ولا أقدر على ذلك؛ ولكن أعتق الرقاب وأتصدق. فقال الفقيه: الخليفة قادر على ~~أن يعتق ويتصدق ولا يتأثر لذلك، ولكن يصوم فإنه عبادة شاقة على مثله. فقال: ~~أصوم الدهر. فقال: لا؛ ولكن الصوم الذي وصفه رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، صوم يوم وفطر يوم. فقال: لا أقدر على ذلك. فقال: يصوم رجب وشعبان ~~ورمضان. ففعل ذلك، وتحرم في صومه وبره هذه الأشهر من كل ما ينكر في ~~الديانة. PageV03P127 ### || سنة أربع وعشرين وخمسمائة @YY524 # في ربيع الأول ولد للآمر ولد سماه أبا القاسم الطيب، فجعل ولي عهده؛ وأمر ~~فزينت القاهرة ومصر، وعملت الملاهي في الإيوانات وأبواب القصور، وكسيت ~~العساكر، وزينت القصور. وأخرج الآمر من خزائنه وذخائره قماشا ومصاغا ما بين ~~آلات وأواني من ذهب وفضة وجوهر، فزين بها؛ وعلق الإيوان جميعه بالستور ~~والسلاح. واستمر الحال على هذا أربعة عشر يوما. # وأحضر الكبش الذي يعق به عن المولود، وعليه جل من ديباج، وفي عنقه قلائد ~~الفضة، فذبح بحضرة الخليفة الآمر. وجيء بالمولود فشرف قاضي القضاة ابن ميسر ~~بحمله؛ ونثرت الدنانير على رءوس الناس. ومدت الأسمطة العظيمة بعد ما كتب ~~إلى الفيوم والقيلوبية والشرقية فأحضرت منها الفواكه، وملئ القصر منها ومن ~~غيرها من ملاذ النفوس، وبخر بالعنبر والعود والند حتى امتلأ الجو من دخانه. # فيها تواترت الأخبار بتخويف الآمر من اغتيال النزارية وتحذيره منهم؛ ~~وإعلامه بأنه قد خرج منهم قوم من المشرق يريدون قتله؛ فتحرز احترازا كبيرا ~~بحيث إنه كان لا يصل أحد ms482 من قطر من الأقطار إلا ويفتش ويستقصى عنه. وأقام ~~عدة من ثقاته يتلقون القوافل ليتعرفوا أحوال الواصلين ويكشفوا عنهم كشفا ~~جليا. وكلما اشتد الأمر كثر الخوف. واتصل به أن جماعة من النزارية حصلوا ~~بالقاهرة ومصر، فاحترز وتحيل في قبضهم فلم يقدر لما أراده الله؛ وفشا في ~~الناس أمرهم، وكانوا عشرة فخافوا أن يظفر بهم، فاجتمعوا في بيت وقالوا إنه ~~قد فشا أمرنا ولا نأمن أن يظفر بنا؛ واشتوروا. فقال أحدهم: الرأي أن تقتلوا ~~رجلا منكم وتلقوا برأسه بين القصرين لتنظروا إن عرفها الآمر PageV03P128 # وكان عمره يوم قتل أربعا وثلاثين سنة وتسعة أشهر واثنين وعشرين يوما، ~~ومدة خلافته تسع وعشرون سنة وثمانية أشهر وخمسة عشر يوما؛ وما زال محكوما ~~عليه حتى قتل الأفضل، فتزايد أمره عما كان عليه أيام الأفضل. فلما قبض على ~~وزيره المأمون استبد بالأمور، وتصرف في سائر أحوال المملكة، وأكثر من ~~الركوب، ورتب لركوبه ثلاثة أيام من كل أسبوع وهي يوم الجمعة ويوم السبت ~~ويوم الثلاثاء، فإذا لم يتهيأ له الركوب في أحد هذه الأيام ركب في يوم ~~غيره. فكان يمضي أبدا في يومي الثلاثاء والسبت إلى النزهة في بستان البعل ~~والتاج والخمس وجوه وقبة الهواء، من ظاهر القاهرة، أو إلى دار الملك بمصر، ~~أو بالهودج الذي أنشأه بجزيرة مصر التي يقال لها اليوم الروضة. # وكان يتجول في أيام النيل في القصر بخدمه ويسكن في اللؤلؤة المطلة على ~~خليج القاهرة. وكان الناس يوم ركوبه يخرجون من القاهرة ومصر بمعايشهم ~~ويجلسون للنظر إليه، فيكون كيوم العيد. وصار الناس مدة أيامه التي استبد ~~فيها في لهو وعيش رغد لكثرة عطائه وعطاء حواشيه وأستاذيه، لا سيما غلامه ~~بزغش ورفيقه هزار الملوك جوامرد، حتى إنه لا يكاد يوجد في مصر والقاهرة من ~~يشكو زمانه لبسطهم الرزق بين الناس وتوسعهم في العطاء. ثم تنكد عيش الناس ~~بقيام الراهب وكثرة مصادراته، وشره حينئذ الآمر في أخذ أموال الناس، فقبحت ~~سيرته، وكثر ظلمه واغتصابه لأملاك كثيرة من أملاك الناس، مع ما فيه من ~~التجرؤ على ms483 سفك الدماء وارتكاب المحذورات واستحسان القبائح. # وفي أيامه ملك الفرنج كثيرا من المعاقل والحصون بسواحل البلاد الشامية؛ ~~فملكت عكا في شعبان سنة سبع وتسعين، وعرقة في رجب سنة اثنتين وخمسمائة؛ ~~واستولوا على مدينة طرابلس الشام بالسيف في يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من ~~ذي الحجة سنة اثنتين PageV03P129 # فتتيقنوا أن حلاكم قد ذكرت له، فتعملوا الحيلة في فراركم من مصر؛ وإن لم ~~يعرفها فتطمئنوا حينئذ وتعرفوا أن القوم في غفلة. فقالوا: ما يتسع لنا قتل ~~واحد منا ينقص عددنا وما بذاك أمرنا. فقال: أليس هذا من مصلحتنا ومصلحة من ~~تلزمنا طاعته؛ وما دللتكم إلا على نفسي. وأسرع بسكين فذبح بها نفسه فمات، ~~وأخذوا رأسه ورموها في الليل بين القصرين، وأصبحوا ينظرون ما سبق، فلما ~~رئيت الرأس واجتمع الناس عليها لم يقل أحد إنه عرفها، فحملت إلى الوالي، ~~فأحضر عرفاء الأسواق على أرباب المعايش وأوقفهم عليها فلم يعرفها أحد. ~~فأحضر أصحاب الأرباع بالحارات فلم يعرفوها. ففرح النزارية واطمأنوا ~~بالإقاقة في مصر لقضاء مرادهم. # وكان الآمر كثير الفرج محبا للهو؛ فركب في يوم الثلاثاء الرابع من ذي ~~القعدة يريد أن يجيء إلى الهودج الذي بناه بجزيرة مصر لمحبوبته البدرية؛ ~~ومن العادة في الركوب أن يشاع في أرباب الخدم بالموكب جهة قصد الخليفة حتى ~~لا يتفرقوا عنه، فعلم النزارية أين يقصد فجاءوا إلى الجزيرة المذكورة ~~ودخلوا فرنا قبالة الطالع من الجسر إلى البر، ودفعوا إلى الفران دراهم ~~ليعمل لهم فطيرا بسمن وعسل، فبينما هم في أكله وإذا بالخليفة الآمر قد عبر ~~من كرسي الجسر بمصر وجاز عليه وقد تفرق عنه الركابية ومن يصونه بسبب ضيق ~~الجسر. فلما طلع من ذا الجسر يريد العبور إلى الجزيرة وثبوا عليه وثبة رجل ~~واحد وضربوه بالسكاكين، وواحد منهم صار خلفه على كفل الدابة وضربه عدة ~~ضربات. فأدركهم الناس وقتلوهم، وكانوا تسعة، وحمل الآمر في عشاري إلى ~~اللؤلؤة، وكانت أيام النيل، فمات من يومه؛ وحمل من اللؤلؤة وهو ميت إلى ~~القصر. PageV03P130 # وخمسمائة؛ وملكوا بانياس وجبيل بالأمان لثمان بقين من ms484 ذي الحجة منها. ~~وملكوا قلعة تبنين في سنة إحدى عشرة وخمسمائة؛ وتسلموا مدينة صور في سنة ~~ثمان عشرة وخمسمائة. # وكثرت المرافعات في أيامه. واستخدم عدة من الكتاب الظلمة الأشرار؛ وضمن ~~أشياء لم تجر العادة بتضمينها، وأخذ رسوما لم تكن فيما تقدم. # وعمل دكة عليها خركاة في بركة الحبش؛ وعمر في بركة الحبش مكانا سماه تنيس ~~وموضعا آخر سماه دمياط. وجدد قصر القرافة، وعمل تحته مصطبة للصوفية، فكان ~~يجلس في أعلاه ويرقص أهل الطريقة قدامه، والشمع موقود والمجامر تعبق ~~بالبخور، والأسمطة تمد بكل صنف لذيذ من الأطعمة والحلوى. وفرق في ليلة عند ~~تواجد ابن الجوهري الواعظ وتمزيق رقعته على من حضر وعلى الفقراء ألف نصفية، ~~ونثر عليهم من الطاق ألف دينار تخاطفوها. # وبنى الهودج لمحبوبته العالية البدرية في جزيرة الروضة. ولهذه البدرية ~~وابن مياح، من بني عمها، مع الآمر أحاديث صارت كأحاديث البطال وشبهها قد ~~ذكرتها عند جزيرة الروضة من هذا الكتاب. # وكان المنفق في مطابخه وأسمطته شيء كثير، فكان عدة ما يذبح له في كل شهر ~~خمسة آلاف رأس من الضأن خاصة، سوى ما يذبح مما سوى ذلك، وثمن الرأس منها ~~ثلاثة دنانير. # وكان أسمر شديد السمرة؛ يحفظ القرآن، وخطه ضعيفا. وكانت نفسه تحدثه PageV03P131 # بالسفر إلى الشرق والغارة على بغداد، وأعد لذلك سروجا مجوفة القرابيص ~~وبطنها بصفائح من قصدير ليحمل فيها الماء، وعمل لها فما فيه صفارة فإذا دعت ~~الحاجة إلى الماء شرب منه الفارس، فكان كل سرج منها سبعة أرطال من ماء، ~~وعمل عدة من حجال الخيل من الديباج؛ وقال في ذلك: # دع اللوم عني، لست مني بموثق ... فلا بد لي من صدمة المتحقق # وأسقى جيادي من فرات ودجلة ... وأجمع شمل الدين بعد التفرق # ومن شعره أيضا: # أما والذي حجت إلى ركن بيته ... جراهيم ركبان مقلدة شهبا # لأقتحمن الحرب حتى يقال لي ... ملكت زمام الحرب، فاعتزل الحربا # وينزل روح الله عيسى بن مريم ... فيرضى بنا صحبا ونرضى به صحبا # وكانت وزارة الأفضل بن أمير الجيوش، وكان حاجرا عليه ليس ms485 له معه أمر ولا ~~نهي، ولا تعود له كلمة إلى أن قتل، ثم وزر له المأمون محمد بن فاتك ~~البطائحي، فصار له في وزارته أمر ونهي، وعادت الأسمطة على ما كانت عليه ~~قديما؛ وكان الأفضل قد نقلها فصارت تعمل أيام الأعياد والمواسم في دار ~~الملك بمصر حيث كان يسكن. فلما قتل المأمون استبد ولم يستوزر أحدا، ودامت ~~له الدنيا. # وقضاته: ابن ذكا النابلسي؛ تم ولى أبو الفضل الجليس نعمة بن بشير، فطلب ~~الإقامة؛ فولى بعده الرشيد أبو عبد الله محمد بن قاسم بن زيد الصقلي، ومات؛ ~~فاستقر بعده الجليس نعمة بن بشير النابلسي مرة ثانية؛ ثم صرف بأبي الفتح ~~مسلم بن PageV03P132 # الرسعني؛ وعزل بأبي الحجاج يوسف بن أبي أيوب المغربي؛ فلما مات استقر من ~~بعده أبو عبد الله محمد بن هبة الله بن ميسر القيسراني، وقتل الآمر وهو ~~قاض. # وكتاب الإنشاء في أيامه: سناء الملك أبو محمد بن محمد الزيدي الحسيني؛ ~~والشيخ الأجل أبو الحسن بن أبي أسامة الحلبي؛ والشيخ تاج الرئاسة أبو ~~القاسم ابن الصيرفي؛ وابن أبي الدم اليهودي. # وكان نقش خاتمه: الإمام الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين. # وفي أيامه نزع السعر، فبلغ القمح كل أردب بدينار. وكان الناس قد ألفوا ~~الرخاء في أيام الأفضل والمأمون، وبعد عهدهم بالغلاء، فقلقوا لذلك. # ومن نوادر الآمر أنه عاشر الخلفاء الفاطميين وهو العاشر في النسب أيضا، ~~ولم يل عشرة على نسق واحد ليس بينه أخ ولا عم ولا ابن عم غير الآمر. # وعرض عليه فصل في التوحيد من جملته: وهو المحذر بقوارع التهديد، من يوم ~~الوعد والوعيد؛ فقال: إذا حذر من الوعد كما يحذر من الوعيد، فما الفرق ~~بينهما؟ وأمر أن يقال: المحذر بقوارع التهديد من هول يوم الوعيد. واستدرك ~~في فصل آخر في ذكر علي، رضي الله عنه، قوله: وهو السابق إلى دعوة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وإجابته؛ فقال: إن قوله السابق غير مستقيم، لأنه إن ~~أراد التخصيص فذلك غير صحيح، إذ كانت خديجة سبقت إلى الإسلام، والسابق منهم ms486 ~~جائز أن يكون واحدا وأن يكون جماعة؛ والله تعالى يقول: " والسابقون ~~السابقون "؛ وليس في ذلك دليل على تخصيص واحد بالتقدم على الباقين؛ وذكر ~~مثالا فقال: خيل الحلبة إذا أقبلت منها عشرة لا يخرج فيها واحد عن واحد قيل ~~لها السبق، وقيل لكل واحد منها سابق. وأمر أن يقال: أول سابق إلى دعوة رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، وإجابته. PageV03P133 ### | الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمد بن المستنصر بالله أبي تميم معد PageV03P135 # ولد بعسقلان في المحرم سنة سبع، وقيل سنة ثمان، وستين وأربعمائة لما أخرج ~~المستنصر ابنه أبا القاسم مع بقية أولاده في أيام الشدة؛ فكان يقال له ~~الأمير عبد المجيد العسقلاني، ابن عم مولانا. # ولما قتل النزارية الآمر كان كبار غلمانه العادل بزغش وهزار الملوك ~~جوامرد، وينعت بالأفضل، فعمدا إلى الأمير أبي الميمون عبد المجيد، وكان ~~أكبر الجماعة الأقارب سنا، وقالا: إن الخليفة المنتقل قال قبل وفاته بأسبوع ~~عن نفسه: المسكين المقتول بالسكين؛ وأشار إلى أن الجهة الفلانية حامل منه، ~~وأنه رأى رؤيا تدل أنها ستلد ولدا ذكرا وهو الخليفة من بعده وأن كفالته ~~للأمير عبد المجيد أبي الميمون. فجلس المذكور كفيلا، ونعت بالحافظ لدين ~~الله، في يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة، يوم قتل ~~الآمر بأحكام الله؛ وتقرر أن يكون هزار الملوك وزيرا، وأن يكون الأمير ~~السعيد أبو الفتح يانس الحافظي، متولى الباب أسفهسلارا، وقرئ سجل في ~~الإيوان بهذا التقرير والحافظ في الشباك جالس؛ تولى قراءته قاضي القضاة ابن ~~ميسر على كرسي نصب له أمام الحافظ، بحضور أرباب الدولة. # وخلع على هزار الملوك خلع الوزارة، وقد اجتمع في بين القصرين خمسة آلاف ~~فارس وراجل، وفيهم رضوان بن ولخشي، أحد الأمراء المميزين أرباب الشجاعة، ~~وهو رأس PageV03P137 # الجمع؛ وفي داخل القاعة بالقصر أيضا جماعة فيهم بزغش وقد شق عليه تقدم ~~هزار الملوك وتقلده الوزارة؛ فنظر إلى أبي علي أحمد بن الأفضل، الملقب ~~كتيفات، وهو جالس، فقال: يا مولاي الأجل، أنا أشح عليك ms487 أن تطيل الجلوس حتى ~~يخرج هذا الفاعل الضانع وزيرا فتخدمه ويسومك المشي في ركابه؛ اخرج إلى ~~دارك، وإذا قضى الله مضيت منها لهنائه. # وكان ظاهر هذا القول مكارمة أبي علي وباطنه أنه علم أن أكثر العسكر ~~الواقفين بين القصرين لا يرغبون وزارة هزار الملوك؛ فدبر أنهم إذا وقعت ~~أعينهم على أبي علي تعلقوا به وأقاموه وزيرا، فيفسد أمر هزار الملوك. فقام ~~أبو علي ليخرج، فمنعه طغج، أحد نواب الباب، وكان فطنا ذكيا؛ فقال له بزغش: ~~لم تمنع هذا المولى من الخروج؟ فقال: كيف لا أمنعه من الخروج إلى هذا الجمع ~~ولا يؤمن تعلق العسكرية فيقع له ما وقع للآخر. فهزه بزغش وقال له: دع عنك ~~الفضول. وقام بنفسه وأخرجه إلى آخر دهاليز القصر؛ فما هو إلا أن خرج من باب ~~القصر ورآه رضوان بن ولخشي والجماعة، وقد علموا أن هزار الملوك قد خلع عليه ~~للوزارة وأنه سيخرج إليهم، فتواثبوا إلى أبي علي وقالوا هو الوزير بن ~~الوزير بن الوزير. وأراد أن ينفلت منهم واعتذر أنه شرب دواء، فلم يقبل منه؛ ~~وطلب له في الحال خيمة وبيت صدار، فضربت في جانب من بين القصرين، وأدخلوه ~~فيها. # وقام الصالح وثار العسكر بموافقتهم على وزارته والرضا به، وصاحوا أن لا ~~سبيل أن يلي علينا هذا الصانع الفاعل، وأعلنوا بشتمه. فغلقت أبواب القصر ~~كلها واشتد الأمر؛ فأحضر ضرغام وأصحابه سلالم وأقاموها إلى طاقات المنظرة، ~~وأطلقوا عليها أميرا يقال له ابن شاهنشاه، فلما أشرف على طاق المنظرة جاء ~~أستاذو الخليفة وأنكروا عليه فعله؛ فقال هذه فتنة تقوم ما تسر، فما الذي ~~خلعتم عليه! ويحصل من ذلك على الخليفة من العوام وسوء أدب جهال العسكر ما ~~لا يتلافى؛ وما هذا شيء والله إلا نصيحة لمولانا، فإنني قد علمت من رأى ~~القوم ما لا علمتم. أخبروا مولانا عني بهذا. # فمضى الأستاذون إلى الحافظ وأبلغوه ما قال ابن شاهنشاه وهزار الملوك بين ~~يديه بخلع الوزارة يسمع القول؛ فقال له الحافظ: ها أنت ذا تسمع ما يقال. ~~فقال: يا ms488 مولانا، أنا في PageV03P138 # مجلسك ووزارتي بوصية خليفة قبلك، فاتركني أخرج لهؤلاء الفعلة الصنعة. ~~فقال: لا سبيل لفتح باب القصر في مثل هذا الوقت، وقد فعلنا في أمرك ما رتب ~~لك، وهذه الخلع عليك؛ ولكن قد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه ~~السلام: لا رأى لمن لا يطاع. # واشتد الأمر وكثر تموير العسكر. فقيل لابن شاهنشاه: قد أجبتم إلى وزارة ~~أبي علي وما نحن له كارهون. فأعاد ذلك على رضوان وأصحابه، فقالوا: قل له ~~يسلم لنا هزار الملوك. فامتنع من ذلك وقد تكاثر القوم على سور القصر وعزموا ~~على طلب المذكور ولا بد. فقال الحافظ له. قم واحتجب في مكان عسى ندبر في ~~قضيتك أمرا نصرف به هذا الجمع عنا وعنك. # فنزعت الخلع عنه وأحيط به، فصار إلى مكان قتل فيه قتلة مستورة وألقيت ~~رأسه إلى القوم فسكنوا. # واستدعي بالخلع لأبي علي، فأفيضت عليه في يوم الأربعاء خامسه، وركب إلى ~~دار الوزارة والجماعة مشاة في ركابه. فكانت وزارة هزار الملك نصف يوم بغير ~~تصرف. وكان قد اصطفاه الآمر لنفسه هو وبزغش قبل موته بمدة ورد له المظالم ~~والنظر في أحوال الجند، وهو نوع من الوزارة؛ وكان ينعت بالأفضل. # ووقع النهب في القاهرة من باب الفتوح إلى باب زويلة، ونهبت القيسارية ~~وكان فيها أكثب ما يملكه أهل القاهرة لأنها كانت مخزنهم، ومذ بنيت لم يكن ~~فيها أمر يكره، فكان هذا أول حادث حدث على القاهرة من النهب والطمع. # وطيف برأس هزار الملوك على رمح. واستقرت الوزارة لأبي علي أحمد بن الأفضل ~~شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي، وكان يلقب بكتيفات، في يوم الخميس ~~سادس PageV03P139 # عشر ذي القعدة. فأول ما بدأ به أنه أحاط بالحافظ وسجنه في خزانة فيما بين ~~الإيوان وباب العيد. ويقال إن رضوان بن ولخشي دخل إليه وقيده؛ فقال له ~~الحافظ: أنت فحل الأمراء. فنعت بذلك. # وتمكن أبو علي واستولى على جميع ما في القصر من الأموال والذخائر، وحمل ~~الجميع إلى دار الوزارة بعد أن فرق أكثر ما ms489 كان الآمر جمعه من الغلال في ~~الناس على سبيل الإنعام. وكان السعر غاليا، يباع القمح بنحو الدينار كل ~~إردب، فأراد أبو علي أن يحسن سمعته، فأمر أن تفتح المخازن وأطلق أكثر ما ~~كان فيها، وكانت مئي ألوف أرادب. ورد على الناس الأموال التي فضلت في بيت ~~المال من مال المصادرة التي كان قد أخذها الآمر في أيام مباشرة الراهب وما ~~كتبت به الخطوط قبل ذلك؛ وكان الذي وجد خمسين ألف دينار. فاستبشر الناس به ~~وفرحوا فرحا ما ثبتت منه عقولهم، وضجوا بالدعاء له في سائر أعمال الديار ~~المصرية؛ وأعلنوا بذكر معايب الآمر ومثالبه، وأقطع الحجرية البلاد، وظهر ~~فرح الناس وابتهاجهم. # وأكرم بزغش العادل الذي أشار عليه بالخروج من القصر إكراما كثيرا. وكانت ~~قد ضربت ألواح على عدة أملاك في أيام الآمر فأعيدت إلى أربابها. # وكان إماميا متشددا، فالتفت عليه الإمامية ولعبوا به حتى أظهر المذهب ~~الإمامي، وتزايد الأمر فيه إلى التأذين فانفعل بهم، وحسنوا له الدعوة ~~للقائم المنتظر، فضرب الدراهم PageV03P140 # باسمه ونقش عليها: الله الصمد الإمام محمد. وخطب بنفسه في يوم الجمعة، ~~وكان أكثر خلق الله تخلفا وأقلهم علما، فغلط في الخطبة غلطة فاحشة صحفها ~~فلم ينكر عليه أحد. # واشتد ضرره على أهل القصر من الإرعاد والإبراق، وأكثر من إزعاجهم ~~والتفتيش على ولد الآمر وعلى يانس، صاحب الباب، وعلى صبيان الخاص الآمرية. ~~وأراد أن يخلع الحافظ ويقتله بمن قتله الآمر من إخوته. وكان الآمر لما ~~احتاط على موجود الأفضل بعد قتله بلغه عن أولاد الأفضل كلام في حقه يستقبح ~~ذكره، فأقام عليهم الحجة عندما مثلوا بحضرته، وقال: أبوكم الأفضل غلامي ولا ~~مال له. فسفه عليه أحدهم؛ فغضب وقتلهم. فأراد أبو علي بتفتيشه على الحمل ~~الذي ذكر أنه من الآمر أن يظفر به ليقتله بإخوته؛ فلم يظهر الحمل، ولا قدر ~~أيضا على قتل الحافظ ولا خلعه، فاعتقله كما تقدم، وخطب للقائم المنتظر ~~تمويها. فنفرت قلوب أهل الدولة منه، وقامت نفسوهم منه. وتعصب قوم من ~~الأجناد من خاص الخليفة، بترتيب يانس لهم، ms490 وتحالفوا سرا على قتله، وكانوا ~~أربعين رجلا، وصاروا يرتقبون فرصة ينتهزونها. # وفيها قبض على جعفر بن عبد المنعم بن أبي قيراط وعلى أبي يعقوب ابراهيم ~~السامري، ونهب الجند دورهما؛ وحبسا في حبس المعونة، ثم أخرجا ميتين. PageV03P141 ### || سنة خمس وعشرين وخمسمائة @YY525 # فيها رتب أبو علي بن الأفضل في الحكم أربعة قضاة، فصار كل قاض يحكم ~~بمذهبه ويورث بمذهبه؛ فكان قاضي الشافعية سلطان بن إبراهيم بن المسلم بن ~~رشا، وقاضي المالكية أبو عبد الله محمد بن أبي محمد عبد المولى بن أبي عبد ~~الله محمد بن عبد الله اللبني المغربي، وقاضي الإسماعيلية أبو الفضائل هبة ~~الله بن عبد الله بن حسن بن محمد القاضي فخر الأمناء الأنصاري المعروف بابن ~~الأزرق، وقاضي الإمامية القاضي المفضل أبو القاسم ابن هبة الله بن عبد الله ~~بن الحسن بن محمد بن أبي كامل. ولم يسمع بمثله هنا في الملة الإسلامية قبل ~~ذلك. PageV03P142 ### || سنة ست وعشرين وخمسمائة @YY526 # في يوم الثلاثاء سادس عشر المحرم ركب أبو علي أحمد بن الأفضل إلى رأس ~~الطابية ليعرق فرسا في الميدان بالبستان الكبير خارج باب الفتوح من ~~القاهرة، وللعب بالكرة على عادته؛ فجاء وهو هناك عشرة من صبيان الخاص الذين ~~تحالفوا على قتله متى ظفروا به جميعا أو فرادى، فصاح أبو علي، عادة من ~~يسابق بخيل: راحت، فقال العشرة: عليك، وحملوا عليه وطعنوه حتى قتل. فأدركه ~~أستاذ من أستاذيه وألقى نفسه عليه فقتلوه معه. # واجتمع الأربعون عنانا واحدا وجاءوا إلى القصر وفيهم يانس، وكان مستوحشا ~~من أبي علي، فخرجوا الحافظ من الخزانة التي كان معتقلا بها، وفكوا عنه ~~القيد وأجلسوه في الشباك على منصة الخلافة، وقالوا: ما حركنا على هذا إلا ~~الأمير يانس. فاجتمع الناس، وأخذ له العهد على أنه ولي عهد كفيل لمن لم ~~يذكر اسمه. # ونهب في هذا اليوم كثير من الأسواق والدور والحوانيت؛ وصار ذلك عادة ~~مستقرة وشيئا معهودا في كل فتنة. # وحمل رأس أبي علي إلى القصر. وكان قد أسقط منذ أقامه الجند ذكر إسماعيل ~~بن جعفر الصادق ms491 الذي تنسب إليه الطائفة الإسماعيلية. وأزال من الأذان قولهم ~~فيه: حي على خير العمل، محمد وعلي خير البشر؛ وأسقط ذكر الحافظ من الخطبة؛ ~~واخترع لنفسه دعاء يدعى به على المنابر وهو: السيد الأجل الأفضل، سيد ممالك ~~أرباب PageV03P143 # الدول، المحامي عن حوزة الدين، وناشر جناح العدل على المسلمين، الأقربين ~~والأبعدين، ناصر إمام الحق في حالي غيبته وحضوره، والقائم في نصرته بماضي ~~سيفه وصائب رأيه وتدبيره، أمين الله على عباده، وهادي القضاة إلى اتباع شرع ~~الحق واعتماده، ومرشد دعاته المؤمنين إلى واضح بيانه وإرشاده، مولى النعم، ~~رافع الجور عن الأمم، مالك فضيلتي السيف والقلم؛ أبو علي أحمد بن السيد ~~الأجل الأفضل أبي القاسم شاهنشاه أمير الجيوش. # وكانت مدة تحكه سنة وشهرا وعشرة أيام؛ ثم حمل بعد قتله ودفن بتربة أمير ~~الجيوش، ظاهر باب النصر. # وخلع على السعيد أبي الفتح يانس الأرمني، صاحب الباب، خلع الوزارة؛ وكان ~~من غلمان الأفضل بن أمير الجيوش العقلاء، وله هيبة، وعنده تماسك في الأمور ~~وحفظ للقوانين. فهدأت الدهماء وصلحت الأحوال؛ واستقرت الخلافة للحافظ؛ وحمل ~~جميع ما كان قد نقل إلى دار الوزارة من الأموال والآلات وأعيد إلى القصر. # ولم يحدث يانس شيئا؛ إلا أنه تخوف من صبيان الخاص، وحدثته نفسه أنهم قد ~~جسروا على الملوك، وأنه ربما غضبوا منه ففعلوا به ما فعلوه بغيره؛ وأحسوا ~~منه بذلك فتفرقوا عنه. # فلما تأكدت الوحشة بينهم وبينه ركب في خاصته وغلمانه وأركب العسكر، ~~والتقوا قبالة باب التبانين بين القصرين، فقتل ما يزيد عن ثلثمائة فارس من ~~أعيانهم، فيهم قتلة أبي علي أحمد بن الأفضل. وكانوا نحو خمسمائة فارس، فكسر ~~شوكتهم وأضعفهم فلم يبق منهم من يؤبه له ولا يعتد به، فقوي أمر يانس وعظم ~~شأنه. # وكانت له في النفوس مكانة، فثقل على الحافظ وتخيل منه، فأحس بذلك، وصار PageV03P144 # كل منهما يدبر على الآخر. فبدأ الوزير يانس بحاشية الخليفة، فقبض على ~~قاضي القضاة وداعي الدعاة أبي الفخر صالح بن عبد الله بن رجاء وأبي الفتوح ~~بن قادوس فقتلهما. وبلغه شيء يكرهه ms492 عن أستاذ من خاص الخليفة، فقبض عليه من ~~غير مشاورة الحافظ، واعتقله بخزانة البنود، وضرب عنقه من ليلته. فاستبدت ~~الوحشة بينه وبين الحافظ، وخشى من زيادة معناه، فقال الحافظ لطبيبه: اكفني ~~أمره بمأكل أو مشرب. فأبى الطبيب ذلك خوفا من سوء العاقبة. ويقال إن الحافظ ~~توصل إلى أن سم يانس في ماء المستراح، فانفتح دبره واتسع حتى ما بقي بقدر ~~على الجلوس. فقال الطبيب: يا أمير المؤمنين، قد أمكنت الفرصة وبلغت مقصودك، ~~فلو أن مولانا عاده في هذه المرضة اكتسبت حسن الأحدوثة؛ وهذا المرض ليس ~~دواؤه إلا السكون ولا شيء أضر عليه من الحركة والانزعاج، وهو كما يسمع بقصد ~~مولانا تحرك واهتم بلقائه وانزعج، وفي ذلك تلاف نفسه. فقبل ذلك وجاء ~~لعيادته. فلما رآه يانس قام للقائه وخرج عن فراشه؛ فأطال الحافظ جلوسه عنده ~~ومحادثته، فلم يقم حتى سقطت أمعاؤه، ومات من ليلته، في سادس عشري ذي الحجة. # وكانت وزارته تسعة أشهر وأياما. وترك ولدين كفلهما الحافظ. # وكان يانس هذا قد أهداه باديس جد عباس الوزير الآتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى إلى الأفضل بن أمير الجيوش فترقى في الخدم إلى أن تأمر وتقدم وولى ~~الباب، وهي أعظم رتب الأمراء، وكنى بأبي الفتح ولقب بالسعيد؛ ثم نعت في ~~وزارته بناصر الجيوش سيف الإسلام. وكان عظيم الهمة بعيد الغور، كثير الشر، ~~شديد الهيبة. PageV03P145 # وفيها استقرت حال الحافظ لدين الله وبويع له بيعة ثانية لما عمل الحمل. ~~قال الشريف محمد بن أسعد الجواني: رأيت صغيرا في القرافة الكبرى، ويسمى ~~قفيفة، سألت عنه، قيل هذا ولد الآمر: لما ولى الحافظ ولي عهده من يولد، ~~استولى على الأمر، وولد هذا الولد فكتم حاله، وأخرج في قفة على وجهها سلق ~~وكرات، وستر أمره إلى أن ركب بعد ذلك ووشى به فأخذ وقتل. # ولما تمكن الحافظ قرئ سجل بإمامته، وركب من باب العيد إلى باب الذهب بزي ~~الخلفاء، في ثالث ربيع الأول؛ ورفع عن الناس بواقي مكس الغلة. # وأمر بأن يدعى له على المنابر بهذا الدعاء، ms493 وهو: اللهم صل على الذي شيدت ~~به الدين بعد أن رام الأعداء دثوره، وأعززت الإسلام بأن جعلت طلوعه على ~~الأمة وظهوره، وجعلته آية لمن تدبر الحقائق بباطن البصيرة، مولانا وسيدنا، ~~وإمام عصرنا وزماننا، عبد المجيد أبي الميمون، وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه ~~الأكرمين، صلاة دائمة إلى يوم الدين. # وفيها صرف أبو عبد الله محمد بن هبة الله بن ميسر عن قضاء القضاة، في أول ~~ربيع الأول، وقرر مكانه سراج الدين أبو الثريا نجم بن جعفر، وأضيفت إليه ~~الدعوة، فقيل له قاضي القضاة وداعي الدعاة، وذلك وقت العشاء الآخرة من ليلة ~~الخميس لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة. # ولما مات يانس تولى الحافظ الأمر بنفسه ولم يستوزر أحدا وأحسن السيرة. # ويقال إن يانس لما قتل القاضي أبا الفخر سلم الحكم إلى سراج الدين أبي ~~الثريا نجم بن جعفر. # وفيها جهز الحافظ الأمير المنتضى أبا الفوارس وثاب بن مسافر الغنوي رسولا ~~في الرابع من ذي القعدة بجواب شمس الملوك، صاحب دمشق، وأصحبه الخلع السنية ~~وأسفاط PageV03P146 # الثياب والخيل المسومة ومالا متوفرا. فوصل إلى دمشق وتلقى أحسن تلق، ~~وقبلت الألطاف منه، وقرئ كتابه. وأقام إلى أن أعيد من القابلة. # وفيها خرج أبو عبد الله الحسين بن نزار بن المستنصر، وكان قد توجه إلى ~~المغرب مستخفيا وجمع هناك جموعا كثيرة وعاد. فبعث الحافظ إلى مقدمي عسكره ~~يستميلهم. فلما وصل دير الزجاج والحمام اغتالوه وقتلوه فانفض جمعه. PageV03P147 ### || سنة سبع وعشرين وخمسمائة @YY527 # فيها حشد جماعة من العبيد بالأعمال الشرقية، فخرج إليهم عسكر كانت بينهم ~~وبينه حروب. # وفيها سلم الحافظ أمر الديوان إلى الشريف معتمد الدولة علي بن جعفر بن ~~غسان، المعروف بابن العساف، وصرف يوحنا بن أبي الليث لأشياء نقمها عليه، ~~وسعوا فيه عنده بأنه كان سببا فيما عمله أبو علي أحمد بن الأفضل من تفريق ~~ما فرقه من الأموال لأهله وأقاربه. واستخدم الحافظ أيضا أخا معتمد الدولة ~~في نقابة الأشراف وجعله جليسا؛ وكان عنده أدب ومعرفة بعلم الفلك، وكان ~~الحافظ يحب هذا العلم. # وفيها قبض على ابن ms494 عبد الكريم، تربية الآمر، فوجد له ثلثمائة وستون ~~منديلا مذهبة، وعلى مثالها ثلثمائة وستون بذلة مذهبة؛ فكان يلبس كل يوم ~~بذلة. وكل منديل، وهي العمامة، على مسمار فضة. ووجد له خمسمائة نرجسية ذهبا ~~وفضة؛ ومائتا صندوق فيها ثياب ملونات؛ ومائة حسكة ذهبا وفضة؛ ومن الجوهر ما ~~يعجز عن وصفه. PageV03P148 ### || سنة ثمان وعشرين وخمسمائة @YY528 # فيها عهد الحافظ إلى ولده سليمان، وكان أسن أولاده وأحبهم إليه، وأقامه ~~ليسد مكان الوزير ويستريح من مقاساة الوزراء وجفائهم عليه ومضايقتهم إياه ~~في أوامره ونواهيه، فمات بعد ولاية العهد بشهرين، فحزن عليه مدة. ثم جعل ~~ابنه حيدرة ولي عهده ونصبه للنظر في المظالم، فشق ذلك على أخيه حسن لأنه ~~كان يروم ذلك لكثرة أمواله وتلاده وحواشيه وموكبه، بحيث كان له ديوان مفرد. ~~وما زالت عقارب العداوة تدب بينهما حتى وقعت الفتنة بين الطائفية الجيوشية ~~والطائفة الريحانية، وكانت شوكة الريحانية قوية والجند يشنئونهم خوفا منهم ~~فاشتعلت نيران الحرب بين الفريقين؛ وصاح الجند: يا حسن يا منصور، يا ~~للحسنية. # والتقى العسكران؛ فقتل بينهم ما يزيد على خمسة آلاف رجل. فكانت أول مصيبة ~~نزلت بالدولة من فقد رجالها ونقص عدد عساكرها؛ ولم يسلم من الريحانية إلا ~~من ألقى نفسه في بحر النيل من ناحية المقس. واستظهر حسن وصار الأمر إليه، ~~فانضم له أوباش العسكر وزعارهم، وفرق فيهم الزرد وسماهم صبيان الزرد، ~~وصاروا لا يفارقونه ويحفون به إذا ركب، ويلازمون داره إذا نزل. # فقامت قيامة الناس، وقبض على ابن العساف وقتله واختفى منه الحافظ وحيدرة؛ PageV03P149 # وجد في طلب حيدرة. وهتك بالأوباش الذين اختارهم حرمة القصر وخرق ناموسه ~~من كونه نغص على أبيه وأخيه، وصاروا يحسنون له كل رذيلة، ويحرونه على أذى ~~الناس. # فأخذ الحافظ في تلافي الأمر مع حسن لينصلح؛ وعهد إليه بالخلافة في يوم ~~الخميس لأربع بقين من شهر رمضان، وأركبه بالشعار، ونعت بولي عهد المؤمنين. ~~وكتب له بذلك سجلا قرئ على المنابر، فكان يقال على المنابر: اللهم شيد ~~ببقاء ولي عهد المؤمنين أركان خلافته، وذلل سيوف الاقتدار في ms495 نصره وكفايته، ~~وأعنه على مصالح بلاده ورعيته، واجمع شمله به وبكافة السادة إخوته، الذين ~~أطلعتهم في سماء مملكته بدورا لا يغيرها المحاق، وقمعت ببأسهم كل مرتد من ~~أهل الشقاق والنفاق، وشددت بهم أزر الإمامة، وجعلت الخلافة فيهم إلى يوم ~~القيامة. # فلم يزده ذلك إلا شرا وتعديا؛ فضيق على أبيه وبالغ في مضرته. فسير الحافظ ~~وفي الدولة إسحاق، أحد الأستاذين المحنكين، إلى الصعيد ليجمع ما قدر عليه ~~من الريحانية فمضى واستصرخ على حسن، وجمع من الأمم ما لا يعلمه إلا الله؛ ~~وسار بهم. فبلغ ذلك حسنا، فجهز إليه عسكرا عرمرما وخرج؛ فالتقى الجمعان. ~~وهبت ريح سوداء في وجوه الواصلين، وركبهم عسكر حسن، فلم يفلت منهم إلا ~~القليل، وغرق أكثرهم في البحر وقتلوا؛ وأخذ الأستاذ إسحاق وأدخل إلى ~~القاهرة على جمل برأسه طرطور لبد أحمر. فلما وصل بين القصرين رمى بالنشاب ~~حتى مات، ورمي إليهم من القصر الغربي أستاذ آخر فقتلوه، وقتل الأمير شرف ~~الأمراء. # فلما اشتد الأمر على الحافظ عمل حيلة وكتب ورقة ورماها إلى ولده حسن، ~~فيها: يا ولدي، أنت على كل حال ولدي، ولو عمل كل منا لصاحبه ما يكره الآخر ~~ما أراد أن يصيبه مكروه. ولا يحملني قلبين وقد انتهى الأمر إلي أن أمراء ~~الدولة فلانا وفلانا وسماهم له وأنك قد شددت وطأتك عليهم وخافوك، وأنهم ~~معولون على الفتك بك؛ فخذ حذرك يا ولدي. PageV03P150 # فلما وقف حسن على الورقة قامت قيامته. فلما اجتمع أولئك الأمراء في داره ~~للسلام عليه أمر صبيان الزرد الذين اختارهم وصار يثق بهم فقتلوهم بأجمعهم، ~~وأخذ ما في دورهم. فاشتدت مصيبة الدولة بفقد من قتل من الأمراء الذين كانوا ~~أركان الدولة، وهم أصحاب الرأي والمعرفة، فوهت واختلت لقلة الرجال وعدم ~~الكفاة. # ومن حين قتل حسن الأمراء تخوفه باقي الجند ونفرت نفوسهم منه فإنه كان ~~جريئا عنيفا بحاثا عن الناس يريد إقلاب الدولة وتغييرها لتقدم أصحابه، ~~فأكثر من مصادرة الناس، وقتل سراج الدين أبا الثريا نجما في يوم الخميس ~~ثامن شوال. وكان أبو الثريا في ms496 أول أمره خاملا في الناس، ثم سمع قوله في ~~العدالة أيام الآمر. فلما قبض أحمد بن الأفضل علي أبي الفخر وسجنه عنده ~~بدار الوزارة، وقد كان الداعي أيام الآمر، طلب من يكون داعيا، فاستخدم نجما ~~هذا داعيا ولم يقف على ما كان عنده من الدهاء. فلما كان في وزارة يانس جمع ~~إليه الحكم مع الدعوة؛ فلما مات يانس وانفرد الحافظ بالأمر بعده حظي نجم ~~عنده ورقاه إلى أعلى المراتب، وصار يدبر الدولة. وحسن عنده نصرة طائفة ~~الإسماعيلية والانتقام ممن كان يؤذيهم في أيام أحمد بن الأفضل، فتأذى بهذا ~~خلق كثير، وأثبت طائفة سماهم المؤمنين وجعل لهم زماما قتله حسن بن الحافظ. ~~ولما قتل الشريف بن العباس وأخذ نجم يعادي أمراء الدولة ورؤساءها ولا ينظر ~~في عاقبة وكانوا قد حسدوه على قربه من الحافظ وتمكنه منه ومطاوعته له بحيث ~~لا يعمل شيئا إلا برأيه فلما تمكن حسن بن الحافظ أغروه به فقتله وقتل معه ~~جماعة. ورد القضاء لابن ميسر وخلع عليه في يوم الخميس ثاني ذي القعدة. # وفيها مات القاضي المكين أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسين ~~بن حديد بن حمدون الكناني قاضي الإسكندرية بثغر رشيد، وقد عاد من القاهرة ~~في جمادى الآخرة؛ ومولده سنة اثنتين وستين وأربعمائة. وكانت له مدة في ~~القضاء؛ وهو الذي كان سببا في اغتيال أبي الصلت أمية الأندلس. وقد ذكره ~~السلفي وأثنى عليه، ورثى بعدة قصائد. # وفيها مات أبو عبد الله الحسين بن أبي الفضل بن الحسين الزاهد الناطق ~~بالحكم، المعروف بابن بشرى الجوهري، الواعظ ابن الواعظ ابن الواعظ ابن ~~الواعظ، في جمادى PageV03P151 # الأولى. وكان حلو الوعظ، إلا أنه تعرض في آخر عمره لما لا يعنيه، فنفاه ~~الحافظ إلى دمياط؛ وذلك أن الآمر لما مات ترك جارية حاملا، فقام الحافظ ~~بعده في الخلافة على أن يكون كفيلا للحمل حتى يكبر، فاتفق أنه ولد وخافت ~~أمه عليه من الحافظ، فجعلته في قفة من خوص وجعلت فوقه بصلا وكراثا وجزرا ~~حتى لا يفطن به، ms497 وبعثته في قماطه تحت الحوائج في القفة إلى القرافة، وأدخل ~~به إلى مسجد أبي تراب الصواف، وأرضعته المرضعة، وخفي أمره عن الحافظ حتى ~~كبر، وكان يعرف بين الصبيان بقفيفة. فلما حان نفعه نم عليه ابن الجوهري هذا ~~إلى الحافظ، فأخذ الصبي وفصده، فمات، وخلع على ابن الجوهري ثم نفاه إلى ~~دمياط فمات بها. PageV03P152 ### || سنة تسع وعشرين وخمسمائة @YY529 # فيها عظم أمر حسن بن الحافظ وقويت شوكته، وتأكدت العداوة بينه وبين من ~~بقي من الأمراء والأجناد واشتد خوفهم منه، وعزموا على خلع الحافظ من ~~الخلافة وخلع ابنه حسن من ولاية العهد وعزله عن الأمر. فاجتمعوا بين ~~القصرين، وهم نحو العشرة آلاف ما بين فارس وراجل، وبعثوا إلى الحافظ فشكوا ~~ما فيه من ابنه حسن وأرادوا إزالته عنهم. فعجز حسن عن مقاومتهم ولم يبق معه ~~سوى الراجل من الجيوشية ومن يقول بقولهم من العسكر الغرباء. فتحير ولم يجد ~~بدا من الفرار منهم إلى أبيه، فصار إليه، وكان قد نزل بالقصر الغربي، ففتح ~~سردابا بين القصرين ووصل إلى أبيه بالقصر الشرقي من تحت الأرض، وتحصن ~~بالقصر. فبادر الحافظ بالقبض عليه وقيده، وأرسل إلى الأمراء يخبرهم بالقبض ~~على حسن؛ فأجمعوا على طلبه ليقتلوه. فبعث إليهم يقبح مرادهم منه أن يقتل ~~ولده، وأنه قد أزال عنهم أمره، وضمن لهم أنه لا يتصرف أبدا؛ ووعدهم ~~بالزيادة في الأرزاق والإقطاعات. فلم يقبلوا ذلك، وقالوا: إما نحن وإما هو. ~~وأحضروا الأحطاب والنيران لإحراق القصر؛ وبالغوا في الجرأة على الحافظ. فلم ~~يجد من ينتصر به عليهم لأنهم أنصاره وجنده الذين يستطيل بهم على غيرهم، ~~فألجأته الضرورة إلى أن استمهلهم ثلاثة أيام ليتروى فيما يعمل. # فرأى أنه لا ينفك من هذه النازلة العظيمة إلا بقتل ابنه لتنحسم المباينة ~~بينه وبين العسكر التي لا يأمن إن استمرت أن تأتي على نفسه هو، فإنهم لم ~~يبرحوا من بين القصرين. فاستدعى طبيبيه، أبا منصور وابن قرقة، فبدأ بأبي ~~منصور اليهودي وفاوضه في عمل سقية لابنه، فتحرج من ذلك وأنكر معرفته كل ~~الإنكار، وحلف برأس ms498 الخليفة وعلى PageV03P153 # التوراة أنه لم يقف على شيء من هذا. فتركه وأحضر ابن قرقة، وكان يلي ~~الاستعمالات بدار الديباج وخزائن السلاح والسروج، وفاوضه في ذلك؛ فقال: ~~الساعة، ولا يتقطع منها الجسد بل تفيض النفس لا غير. فأحضرها من يومه، ~~وألزم الحافظ ابنه حسنا بمن ندبه من الصقالبة، فأكرهوه على شربها، فمات في ~~يوم الثلاثاء ثالث عشري جمادى الآخرة. # ونقل للقوم سرا: قد كان ما أردتم فامضوا إلى دوركم. فلم يثقوا بذلك، ~~وقالوا لا بد أن يشاهده منا من نثق به؛ وندبوا منهم امرأ يعرف بالجرأة ~~والصر يقال له المعظم جلال الدولة محمد، ويعرف بجلب راغب الآمري، فدخل إلى ~~حيث حسن بن PageV03P154 # الحافظ، فإذا هو مسجى بثوب ملاءة، فكشف عن وجهه وأخرج من وسطه سكينا ~~وغرزه في عدة مواضع من بدنه حتى تيقن أنه ميت، وانصرف إلى أصحابه وأخبرهم ~~فتفرقوا. # وكان تاج الدولة بهرا الأرمني قد انفلت من حسن بن الحافظ وولي الغربية؛ ~~فلما علم أن النفوس جميعها من البدو والحضر قد انحرفت عن حسن جمع مقطعي ~~الغربية والأرمن والعربان وطلب القاهرة، ويقال كان ذلك بمباطنة من الحافظ، ~~فما وصل إلى القاهرة حتى غابت حشوده في القرى والضياع ونهبوها. # وعندما وصل إلى القاهرة، يوم الخميس وقت العصر، الحادي عشر من جمادى ~~الآخرة التف عليه من بها من الأمراء والأجناد وأبادوا أكثر الجيوشية ~~والإسكندرية والفرحية ومن يقول بقولهم من الغز الغرباء. ونهب أوباش الناس ~~ما قدروا عليه. # ولما قتل حسن وسكنت الدهماء قبض الحافظ على الطبيب ابن قرقة وقتله بخزانة ~~البنود، وارتجع جمع أملاكه وموجوده، وكان يلي الاستعمالات بدار الديباج ~~وخزائن السلاح والسروج. وأنعم على أبي منصور الطبيب وجعله رئيسا على اليهود ~~وصارت له نعم جليلة. # وفيها كانت وزارة بهرام الأرمني النصراني الملقب تاج الدولة. وكان السبب ~~في ولايته الوزارة أنه جرت فتنة بين الأجناد والسودان عندما قتل حسن بن ~~الحافظ قوي فيها السودان على الأجناد وأخرجوهم من القاهرة، فإن السودان ~~كانوا مع حسن دون الأجناد، فإنهم PageV03P155 # الذين حملوا أباه الحافظ على ms499 قتله. وقدم بهرام بالحشد كما تقدم، فوجد ~~حسنا قد مات، فمسكه الأجناد بظاهر القاهرة وأدخلوه على الحافظ لدين الله في ~~يوم الخميس، بعد العصر، الحادي عشر من جمادى الآخرة، لتولية الوزارة؛ فخلع ~~عليه في يوم الأحد، رابع عشره، ثم خلع عليه ثانيا يوم الخميس ثامن عشره، ~~خلع الوزارة، ونعت بسيف الإسلام تاج الخلافة، وهو نصراني، مع كراهة الحافظ ~~لذلك، لتسكن الفتنة، ولم يرد إليه شيئا من الأمور الشرعية. فلم يدخل في ~~مشكل لأنه كان عاقلا سيوسا حسن التدبير. # وتقدم كثير من حواشي الحافظ إليه ينكرون عليه ولاية بهرام مع كونه ~~نصرانيا، وقالوا: لا يرضى المسلمون بهذا، ومن شرط الوزير أن يرقى مع الإمام ~~المنبر في الأعياد ليزرر عليه المزررة الحاجزة بينه وبين الناس، والقضاة ~~نواب الوزير من زمن أمير الجيوش، ويذكرون دائما النيابة عنه في الكتب ~~الحكمية النافذة إلى الآفاق وكتب الأنكحة. فقال: إذا رضينا نحن فمن ~~يخالفنا؛ وهو وزير السيف؛ وأما صعود المنبر فيستنيب عنه قاضي القضاة؛ وأما ~~ذكره في الكتب الحكمية فلا حاجة إلى ذلك ويفعل فيها ما كان يفعل قبل أمير ~~الجيوش. # فشق على الناس وزارته، وتطاول النصارى في أيامه على المسلمين. وكان هو قد ~~أحسن السيرة وساس الرعية، وأدى الطاعة للخليفة، وأنفق في الجند جملة من ~~الأموال، ودبر الأمور فاستقامت له الأحوال، وراسله الملوك، وزال ما كان في ~~البلد من الفتن؛ فلم ينكر عليه سوى أنه نصراني. # وكان يقعد يوم الجمعة عن الصلاة فلا يحضر، بل يعدل إلى دكان بمفرده حتى ~~يصلي الخليفة بالناس. وأقبل الأرمن يردون إلى القاهرة ومصر من كل جهة حتى ~~صار بها منهم عالم عظيم. ووصل إليه ابن أخيه، وكان يعرف بالسبع الأحمر، ~~فكثر القيل والقال؛ وأطلق أسيرا من الفرنج كان من أكابرهم، فأنكر الناس ذلك ~~ورفعوا فيه النصائح للحافظ، وأكثروا من الإنكار. PageV03P156 # وكان رضوان بن ولخشى حينئذ صاحب الباب، وهو شجاع كاتب، فبلغ بهرام أنه ~~يهزأ به في قوله وفعله، فثقل عليه وأخذ يعمل على إخراجه من القاهرة، وولى ~~أخاه الباساك ms500 قوص وفيها توفى الأديب أبو نصر ظافر بن القاسم بن منصور بن ~~عبد الله الجروي الجذامي الإسكندراني، المعروف بالحداد. بمصر. PageV03P157 ### || سنة ثلاثين وخمسمائة @YY530 # فيها أخرج بهرام الأمير رضوان بن ولخشى من القاهرة لولاية عسقلان؛ وقيل ~~بل كان خروجه في سلخ رجب من السنة الماضية. فلما وصل إليها وجد فيها جماعة ~~من الأرمن قد وصلوا في البحر يريدون القاهرة، فناكدهم ومنع كثيرا منهم؛ ~~فبلغ ذلك الوزير بهرام، فشق عليه، وصرفه عن عسقلان واستدعاه؛ فقدم إلى ~~القاهرة. وشكره الناس على منعه الأرمن من الوصول إلى القاهرة، فلم يطق ~~بهرام إقامته معه، فولاه الغربية في صفر إبعادا له عنه. # وفيها ملك رجار بن رجار ملك صقلية جربة؛ ونازل طرابلس الغرب فانهزم عنها PageV03P158 ### || سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة @YY531 # فيها تكاثر حضور أقارب بهرام وإخوته، وأهله وقومه؛ ومجيئهم من ناحية تل ~~باشر وكانوا مقيمين بها، ولهم فيها كبير منهم يتولى أمرهم؛ وقدموا أيضا ~~بلاد الأرمن، حتى صار منهم بديار مصر نحو الثلاثين ألف إنسان. فعظم ضررهم ~~بالمسلمين وكثرت استطالتهم، واشتد جورهم، وتظاهروا بدين النصرانية، وأكثروا ~~من بناء الكنائس والديارات، وصار كل رئيس منهم يبني له كنيسة بجوار داره. # وتفاقم الأمر. فخاف الناس منهم أن يغيروا الملة الإسلامية ويغلبوا على ~~البلاد فيردوها دار كفر؛ فتتابعوا في الشكاية من أهل بهرام وأقاربه. # ووردت الأخبار من قوص بأن الباساك، أخا بهرام، قد جار على الناس واستباح ~~أموالهم، وبالغ في أذيتهم وظلمهم، فاشتد ذلك على الناس، وعظم على الأمراء ~~ما نزل بالمسلمين؛ فبعثوا إلى أبي الفتح رضوان بن ولخشى وكان مقدما فيهم ~~لكثرة نعوته بفحل الأمراء وهو يومئذ يتولى بالغربية يشكون إليه ما حل ~~بالمسلمين ويستحثونه على المصير وإنقاذهم مما نزل بهم. # فلما وصلت إليه كتب الأمراء تشمر لطلب الوزارة، ورقى المنبر خطيبا بنفسه ~~فخطب خطبة بليغة حرض فيها الناس على الجهاد في سبيل الله والاجتماع لقتال ~~بهرام وشيعته النصارى من الأرمن. وكان حينئذ بمدينة سخا، ثم نزل وحشد الناس ~~من العربان وغيرهم حتى استجاب له نحو من ثلاثين ألفا، ms501 فأخرج لهم كتب ~~الخليفة الحافظ إليه PageV03P159 # بالتقدم بالمسير ونزع الوزارة من يد بهرام إذ تبين أن ليس من أهل الملة. ~~وسار بهم إلى دجوة، وبهرام لا ينزعج. # فلما قرب رضوان جمع بهرام الأرمن إليه وقال لهم: اعلموا أننا قوم غرباء ~~لم نزل نخدم هذه الدولة؛ والآن فقد كثر بغضهم لأيامنا، وما كنت بالذي أكون ~~عبد قوم وأخدمهم من حال الصبا فلما بلغني الكبر أقاتلهم؛ لا ضربت في وجوههم ~~بسيف أبدا. سيروا. وأخذ أمراء الدولة وعساكرها يخرجون شيئا بعد شيء إلى ~~رضوان. # واجتمع بهرام بالخليفة وفاوضه في أمره؛ فقال تحلبني الإسلام عليك. فأيس ~~حينئذ، وجمع الأرمن، وكانوا كلهم منقادين إليه لا يخالفونه في شيء من ~~الأشياء، وسار بهم نحو بلاد الصعيد يريد أخاه الباساك بقوص، قاصدا أنه ~~يجتمع به ويمضون إلى أسوان فيتملكونهما ويتقوون بالنوبة أهل دينهم. وقد ذكر ~~أن بهرام خرج يريد محاربة رضوان في عساكر مصر. # فلما وصل بعسكر القاهرة إلى رضوان رأوا المصاحف قد رفعها رضوان فوق ~~الرماح، فصاروا بأجمعهم إلى رضوان باتفاق كان بينهم وبينه من قبل ذلك؛ فعاد ~~بهرام إلى القاهرة وأخذ ما خف حمله، وخرج من باب البرقية يوم الأربعاء، وقت ~~العصر، حادي عشر جمادى الأولى، وسار يريد الصعيد وقد أوسق المراكب بما ~~يحتاج إليه. فعندما رحل اقتحم رعاع الناس وأوباشهم إلى دار الوزارة فنهبوها ~~وهتكوا حرمتها، وعملوا كل مكروه؛ فكان هذا أول نهب وقع في دار الوزارة. ~~وامتدت الأيدي إلى دور الأرمن التي PageV03P160 # كانوا قد عمروها بالحسينية خارج باب الفتوح، فنهبوها، ونهبوا كنيسة ~~الزهري، ونبشوا قبر البطرك، أخي بهرام. # وطار خبر انهزام بهرام في سائر إقليم مصر، فوصل الخبر بذلك إلى قوص قبل ~~وصول بهرام، فثار المسلمون بها على الباساك وقتلوه ومثلوا به، وجعلوا في ~~رجله كلبا ميتا، وألقوه على مزبلة. فلما كان بعد قتله بيومين قدم بهرام في ~~طائفة الأرمن، وهم نحو الألفي فارس، رماة، فرأى أخاه على المزبلة كما ذكر، ~~فقتل جماعة من أهل قوص ونهبها. وسار عنها إلى أسوان، فنزل بالأديرة ms502 البيض، ~~وهي أماكن حصينة في غربي أخميم، فتفرق عنه عدة من الأرمن وساروا يريدون ~~بلادهم. # وأما رضوان فإنه لما وصل إلى القاهرة وقف بين القصرين، واستأذن الحافظ ~~فيما يفعله، فأشار بنزوله في دار الوزارة، فنزلها، وخلع عليه خلع الوزارة ~~يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الأولى، ونعت بالسيد الأجل الملك الأفضل. ~~فاستدعى بالأموال من الخليفة، وأنفق في الجند، ومهد الأمر. ورضوان أول وزير ~~لقب بالملك. # فلما كن في اليوم الثالث من استقراره في الوزارة سير أخاه الأوحد إبراهيم ~~ومعه العسكر شرقا وغربا، والأسطول بحرا، في طلب بهرام، وبيده أمان له ليعود ~~مكرما وطائفته على إقطاعاتهم. فسار إلى الأديرة، وتقرر الحال من غير قتال ~~على إقامة بهرام بها؛ وذلك أن أسوان امتنعت عليه بكنز الدولة وأهلها، فاضطر ~~إلى الإقامة بالأديرة وقد فارقه PageV03P161 # أكثر الأرمن، فمنهم من سار إلى بلاده ومنهم من أقام بأرض مصر ليكونوا ~~فلاحين، فسأل لهم مواضع يسكنونها، فأفردت لهم جهات، منها سمالوط وإبوان ~~وأقلوسنا والبرجين في صعيد مصر، وضيعة أخرى بأعمال المحلة. وأقام بهرام ~~بالأديرة البيض ومعه أهله وولده. # وفيها صرف أبو عبد الله محمد بن ميسر عن قضاء القضاة في يوم الأحد لسبع ~~خلون من المحرم، والوزير إذ ذاك بهرام، ونفي إلى تنيس، فأقام بها إلى يوم ~~الاثنين ثاني ربيع الأول، وقتل. وهو من قيسارية، وقدم منها مع أبيه وهو ~~صغير في وزارة أمير الجيوش بدر الجمالي عند حضوره إلى المستنصر في سني ~~الشدة، وبعثه إلى البلاد الشامية لإحضار أرباب الأموال واليسار؛ وكان من ~~جملة من أحضر والد القاضي، وكان له مال جزيل، ففوض إليه خطابة الجامع بمصر؛ ~~وفتح دار وكالة، وأقام بها مدة حتى مات. فترقى ولده إلى أن ولي القضاء عدة ~~مرار؛ وكان له أفضال ومكارم، وحصلت له وجاهة ورتبة جليلة، وضرب دنانير ~~كثيرة كان اقترحها على الخليفة الآمر. وهو الذي أخرج الفستق الملبس ~~بالحلوى، فإنه بلغه أن أبا بكر محمد بن علي المادرائي عمل الكعك الذي يقال ~~له افطن له، وعمل عوضا من حشو السكر ms503 دنانير، فلما مد السماط في يوم العيد ~~قال أحد الخدام لصديق له كان على السماط: افطن له؛ ففهم عنه وتناول من ذلك، ~~وصار يخرج الذهب من فمه ويخفيه حتى تنبه الناس لذلك، فتناولوا بأجمعهم منه. ~~فأرادوا القاضي ابن ميسر PageV03P162 # أن تشبه بأبي بكر المادرائي في ذلك، فعمل صحنا منه لكن جعل فستقا قد لبس ~~حلوى وذلك الفستق من ذهب، وأباحه أهل مجلسه؛ ولم يقدر على علم ذلك سوى مرة ~~واحدة. # ثم إنه لما تناهت مدته عاداه رجل يعرف بابن الزعفراني، فنم عليه عند ~~الحافظ بأن أحمد بن الأفضل لما كان قد اعتقل الحافظ وجلس للهناء ودخل عليه ~~الشعراء كان فيهم علي بن عباد الإسكندري، وأنه أنشد قصيدة يذم فيه خلفاء ~~مصر ويذكر سوء اعتقادهم، منها في ذم الحافظ: # هذا سليمانكم قد رد خاتمه ... واسترجع الملك من صخر بن إبليس # فعندما قال هذا البيت قام ابن ميسر وألقى عرضيته طربا بهذا البيت. فأمر ~~الحافظ بإحضار هذا الشاعر، وقال: أنشدني قصيدتك: فأنشدها إلى أن بلغ فيها ~~إلى قوله: # ولا ترضوا عن الخمس المناحيس. يعني الحافظ وابنيه وأباه وجده؛ فأمر ~~الغلمان بلكمه، فلكموه حتى مات بين يديه. وقبض على ابن ميسر ونفي ثم قتل. ~~وكان ينعت بجلال الملك، وكانت علامته الحمد لله على نعمه. # وفيها مات أبو البركات بن بشرى الواعظ المعروف بابن الجوهري في جمادى ~~الأولى عن إحدى وتسعين سنة. # وفيها ولي قضاء القضاة أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي عقيل، ونعت ~~بقاضي القضاة الأعز أبي المكارم. # وفيها ثار بناحية برقة رجل من بني سليم وادعى النبوة، فاستجاب له خلق ~~كثير، وأملى عليهم قرآنا منه: إنما الناس بالناس ولولا الناس لم يكن الناس، ~~والجميع رب الناس. ثم تلاشى أمره وانحل عنه الناس. # وفيها جلس الوزير رضوان في ذي القعدة لاستخدام المسلمين في المناصب التي ~~كانت بأيدي النصارى. واستجد ديوان الجهاد، واهتم بتقوية الثغور واستعد ~~لتعمير عسقلان PageV03P163 # بالعدد والآلات، وأشاع الخروج إلى الشام لغزو الفرنج، وأظهر من الاعتناء ~~بذلك ما لا ms504 يوصف. وكان قد مهد الأمور، وأعاد الناس إلى ما كانوا عليه من ~~الطمأنينة بحسن سيرته، وكثرة عدله وعمارته البلاد، وقوة نفسه وشجاعته. ~~وأحضر جميع الدواوين وكتبها ورثبها، ورتب الأمور أحسن تدبير. # وكان من جملة الضمان في أموال الدولة هبة الله بن عبد المحسن الشاعر؛ ~~فلما عرض حسابه وجد قد انكسر عليه مال في ضمانه، فكتب له في المجلس: # أنا شاعر وصناعتي الأدب ... وضمان مثلي المال لا يجب # أنا مستميحكم، وليس علي ... من جاء يطلب رفدكم طلب # وإذا الباقي علي فما ... من حاصل، ورق ولا ذهب # فسامحه فيما عليه من الباقي. # وفيها أحضر من الصعيد الأعلى في رمضان جماعة تقدمهم رجل. بجاوي يدعى فيه ~~أصحابه أنه إله، فصلبوا. PageV03P164 ### || سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة @YY532 # فيها أفرج الوزير رضوان عن شمس الخلافة مختار الأفضلي، صاحب باب بهرام، ~~من الاعتقال وولاه الإسكندرية. # فيها تشدد رضوا على الأنصاري من أصحاب بهرام وصادره، وقتلهم بالسيف، ~~وأباد أكثرهم. وتطلع إلى تقديم أرباب المعارف من أرباب السيوف والأقلام، ~~وأحسن إليهم، وزاد في أرزاقهم. # ووجد نصرانيا قد توصل في أيام بهرام إلى ديوان النظر، يعرف بالأخرم، وبذل ~~في كل يوم ألف دينار سوى المؤن والغرامات؛ فآذى المسلمين وشق عليهم، فصرفه ~~رضوا واستخدم بدله رجلا يقال له المرتضى المحنك بغير ضمان. # وتقدم إلى ديوان الإنشاء بانشاء سجل في الوضع من النصارى واليهود؛ فأنشأه ~~أبو القاسم ابن الصيرفي، منعوا فيه من إرخاء الذوائب وركوب البغلات ولبس ~~الطيالسة، وأمر النصارى بشد الزنانير المخالفة لألوان ثيابهم، وألا يجوزوا ~~على معابد المسلمين ركبانا؛ فما رئي في أيامه يهودي ولا نصراني يجوز على ~~الجامع راكبا، لكنه ينزل ويقود دابته. وأمر أن يؤخذ الجزية من فوق مساطب ~~وهم وقوف أسفلها. ومنعهم من التكني بأبي الحسن وأبي الحسين وأبي الطاهر، ~~وأن يبيضوا قبورهم. وضمن ذلك كله السجل؛ فعمل به. # وفيها نزع السعر لتوقف النيل، فنال الناس مجاعة؛ فأمر الحافظ بفتح PageV03P165 # الأهراء والبيع منها على الناس بأوساط الأثمان، فلم يمض الوزير بذلك، ~~وأخذ يهين حواشي الخليفة إذا حضروا إليه ms505 ويقدح في مذاهبه، لأنه كان سنيا، ~~وكان أخوه الأوحد إبراهيم إماميا. # فلما كثر ذلك منه انزعج الخليفة ولم يظهر تغيرا، وأخذ يعمل في الخلاص ~~منه؛ فتنافر كل منهما من الآخر. # وكان رضوان خفيفا طائشا لا يثبت، فهم بخلع الحافظ وقال ما هو بخليفة ولا ~~إمام، وإنما هو كفيل لغيره، وذلك الغير لم يصح. وأحضر الفقيه أبا الطاهر ~~ابن عوف وابن أبي كامل فقيه الإمامية وابن سلامة داعي الدعاة، وفاوضهم في ~~الخلع واستخلاف شخص عينه لهم؛ وألزم كلا منهم أن يقول ما عنده. فقال ابن ~~عوف: الخلع لا يجوز إلا بشروط تثبت شرعا. وقال ابن أبي كامل: السلطان، ~~أبقاه الله، يحملني على أن أتكلم على غير مذهبي في الإمامة. قال: لأجل عمل ~~مذهبك؟ فقال: مذهبي معلوم، يعني أن الإمامية للحاضر من إخوته، ولأنه لا ~~ينبغي لمن لم تكن له إمامة أن يخلع. فخلص من هذا وقال الداعي: أنا داعي ~~ومولى لهم، وما يصح لي خلعه، فإني أصير فيما مضى كأني أدعو لغير مستحق، ~~فأكون قد كذبت نفسي فلا أقبل الآن وأستخصم بذلك، ولا يؤثر قولي فيما ~~تريدون؛ ولم تجر العادة على الفاطميين بخلع حتى نأتي به. # فقابله على هذا القول بالسب وإقامته أقبح قيام. فقال الفقيه النحاس، وكان ~~حاضرا، PageV03P166 # كل عظيمة، وحمله على خلع الحافظ فبلغ ذلك المجلس الحافظ. # وفيها أحضرت من تنيس امرأة بغير ثديين في موضع ثدييها مثل الحلمتين، ~~فصارت إلى مجلس الوزير رضوان وأخبرته أنها تصنع برجليها جميع ما يعمل ~~باليدين من رقم وخط وغير ذلك. فجاء لها في المجلس بدواة فتناولت برجلها ~~اليسرى الأقلام قلما قلما، ثم تناولت السكين برجليها وبرت قلما، واستدعت ~~ورقة وأمسكتها برجلها اليمنى وكتبت بالرجل اليسرى رقعة بأحسن خط تكتبه ~~النساء، وحمدت الله في آخرها، وناولتها الوزير، فإذا فيها سؤال بأن يزاد في ~~راتبها. فوقع لها خلف الرقعة بما تسأل وأعادها إلى بلدها. # وفيها بنى الوزير رضوان المدرسة المعروفة به في ثغر الإسكندرية، وجعل في ~~تدريسها الفقيه أبا طاهر بن عوف. PageV03P167 ### || سنة ثلاث ms506 وثلاثين وخمسمائة @YY533 # فيها زاد السعر وبلغ القمح ثلاثة دنانير للإردب، فبيعت الغلال التي كان ~~الأفضل خزنها، وقد تغيرت وأرادوا رميها في النيل، فكانت تقطع بالفئوس وتباع ~~بأربعين دينارا كل مائة إردب، وكذلك الأرز الذي كان مخزونا بمصر فإنه أبيع ~~بعشرة دنانير المائة؛ فوجد الناس بذلك رفقا. # فيها كثر سعي الوشاة بين الحافظ والوزير فتخوف كل منهما من الآخر، وقبض ~~الوزير على عدة من خواص الحافظ، منهم أبو المعالي بن قادوس، وابن شيبان ~~المنجم، ورئيس اليهود، وجماعة؛ فقتلهم. فسير الحافظ من أحضر إليه بهرام في ~~رمضان؛ فلما حضر أسكنه عنده بالقصر وأكرمه، وشق ذلك على رضوان. وكان الحافظ ~~قد تلطف برضوان في أمر بهرام وقرر معه أ، يستدعيه وينزله في القصر، وحلف له ~~أنه لا يوليه أمرا ولا يمكنه من تصرف؛ فتسامح رضوان في أمره. واستدعى فحضر ~~بأهله وأنزل في دار بالقصر قريبة من المحول، وهو قريب من سكن الحافظ، فكان ~~يستحضره في غالب الليالي ويستشيره ويعمل برأيه. # ولما كان يوم عيد الفطر ركب الوزير مع الحافظ وعليه من الملابس ما لم ~~يلبسه أحد من الوزراء في مثل ذلك اليوم، وعاد إلى القصر وفي نفس الحافظ منه ~~أشياء تبينها رضوان PageV03P168 # في وجه الحافظ وعلمها منه، فاشمأزت نفسه مع ما كان فيه من الطيش، فركب في ~~تاسع شوال وزحف إلى القصر؛ فكلمه الخليفة من بعض طاقات المنظرة التي تطل ~~على باب الذهب، وجرى بينهما كلام اجترأ فيه على الخليفة. وعاد إلى داره بعد ~~أن احتاط بالقصر واحتفظ بالأبواب، فانتفض الناس لذلك بالقاهرة ومصر، وكثرت ~~الأراجيف. # وفي تلك الحالة نزل بعض أولاد الحافظ من القصر هاربا إلى رضوان، وكان ~~شيخا ومعه ولد له، ليقيمه خليفة، فلم يكترث به، وأحضر إسماعيل بن سلامة ~~الداعي، وقال له: ما تقول في هذا الرجل، هل يصلح لما التمسه؟ فقال: الخلافة ~~لها شروط ونواميس ما في هذا منها شيء، وتحتاج إلى نصوص، ولولا أنم مولانا ~~الآمر نص على مولانا الحافظ وأودعه سر الخلافة لما ثبتت فيه ولا استجاب ms507 له ~~الناس. فلم يحصل سوى أنه كان مشئوما على نفسه وأهله، فإن الحافظ لما بلغه ~~ذلك قتله وقتل جماعة منهم كثيرة. # ثم إن الحافظ لما رأى فعل رضوان وتعديه وكثرة من انضم إليه من العسكر عمل ~~في التدبير عليه وأرسل إلى صبي من الجند يعرف بشومان، وكانت فيه شهامة ~~وجرأة وهو من صبيان الخاص، فأحضره إليه من أحد السراديب سرا وأرسله إلى علي ~~بن السلار، أحد أمراء الدولة، يأمره بالتدبير على رضوان، وأنفذ معه مالا ~~إليه ليستعين به على ذلك. وكان علي بن السلار عاقلا صاحب حزم ويقظة وحسن ~~تأت مع قوة وصرامة. # فلما جاءه القاصد بالمال وبلغه عن الخليفة ما قال انتهز الفرصة وأرسل إلى ~~جماعة من صبيان الخاص وقرر معهم أن يجتمعوا ويدخلوا من باب زويلة كردوسا ~~واحدا وهم يصيحون: الحافظ يا منصور؛ وفرق فيهم ما أرسله إليه الخليفة. PageV03P169 # فلما كان يوم الاثنين، الثالث عشر من شوال، اجتمع بظاهر القاهرة منهم نحو ~~العشرين وأقبلوا من باب زويلة يصيحون: يا للحافظ، الحافظ يا منصور؛ فما ~~وصلوا إلى الشرايحيين الذي يعرف اليوم بالشوايين، حتى صاروا نحو الخمسمائة، ~~وما وصلوا بين القصرين إلا والعسكر جميعه من فارس وراجل معهم، ولم يبق من ~~الصبيان والعوام أحد حتى خرج النساء، وأشرف النساء من الطاقات، وصاروا ~~بأجمعهم يصيحون: يا للحافظية. # فلما سمع رضوان الضجيج أراد أن يركب، فمنعه بعض غلمانه فأبى عليه لأنه ~~كان واثقا بنفسه وبمن معه؛ وخرج وحده بغير سلاح ليس معه سوى سيف، فلقي ~~الناس بنفسه وطردهم يمينا وشمالا، وظهر منه شجاعة تعجب منه من شاهدها، فإنه ~~لقي ألوفا من الناس بمفرده ولم يزل يحمل عليهم حملة بعد حملة إلى أن قتل ~~منهم عدة. وكان أخوه إبراهيم قد بلغه الخبر، فركب من داره وأمسك عنه من ~~يجيئه من ناحية قصر الشوك، وشدت الريحانية ورجعوا إليه من ناحية زيادة ~~الجامع الحاكمي ودرب الفرنجية. # فلما طال عليه وتيقن أن القوم بأجمعهم قد تمالئوا على حربه، وكان قد ~~انقضى من النهار أربع ساعات، وأشرف ms508 عليه الأستاذون من ناحية باب الريح من ~~أعالي القصر يرشقونه بالنشاب ويرمونه بالطوب، تحير. وكان ابن أخته والي ~~مصر، فبلغه الخبر، فقام بجميع غلمانه وسار لنجدة خاله، فوجد عند باب زويلة ~~من بلغه الخبر بأنه لا يقدر على الوصول إليه؛ فسار من ناحية باب البرقية ~~ومعه بوقات وطبول، فسمع إبراهيم، أخو رضوان، أصوات البوقات والطبول من جهة ~~باب البرقية، فأنفذ إلى أخيه رضوان يقول له: قد تفرق علينا العسكر وجاء من ~~ناحية قصر الشوك، وقد قاطع الراجل علينا من ناحية باب النصر. PageV03P170 # فلما بلغ رضوان ذلك أيقن بالهلاك إن وقف، فما زال يتأخر قليلا قليلا حتى ~~صار في رحبة باب العيد عند دار سعيد السعداء، وبعث إلى داره، التي هي دار ~~الوزارة من أخذ له شيئا منها على سبيل الخطف، وأوصى إلى أخيه، فانضم إليه ~~هو ومن معه من أصحابه وفيهم أبي الفوارس وقدارة بن أبي عزة وشاور بن مجير ~~السعدي، وجماعة من خواصه، وخرجوا من باب النصر. فما هو إلا أن صار بظاهر ~~القاهرة اقتحم الناس دار الوزارة ونهبوها حتى لم يتركوا فيها شيئا. # وما وصل رضوان إلى تربة أمير الجيوش إلا وقد تلاحق كثير من المغافرة، ~~وكان قد أسلف عند العرب أيادي وأفاض عليهم نعما وأحسن إليهم إحسانا كثيرا ~~في مدة وزارته، فأدركه رجل من العرب يقال له سالم بن المحجل، أحد شياطين ~~الإنس، وحسن له المسير إلى الشام. # واشتغل الناس بنهب دار الوزارة، وكان قد جمع فيها رضوان أكثر أموال ديار ~~مصر وشحنها بالذخائر وأنواع السلاح والعدد والآلات والغلال، فانتهب جميع ~~ذلك، وأحرقت أخشاب تعب الملوك في تحصيلها. وكان نهب دار الوزارة أول ضرر ~~دخل على الدولة. # وطلب رضوان الشام، فدخل عسقلان وملكها وجعلها معقله، وتوجه أخوه إلى ~~الحجاز وأقام بها حتى مات؛ وسار ابن أخته إلى بغداد فأكرمه أصحاب الخليفة ~~هناك ولم يزل عندهم إلى أن مات. # وخرج رضوان من عسقلان ولحق بصلخد، فنزل على أمين الدولة كمشتكين صاحبها PageV03P171 # فأكرمه وأبره، وأقام عنده ثلاثة أشهر. ثم ms509 أنفذ إلى دمشق، واستفسد من ~~الأتراك بها من قدر عليه. # وفيها خربت الأثارب من زلزلة؛ وزلزلت دمشق أيضا. # وفيها مات الأعز قاضي القضاة أبو المكارم أحمد بن عبد الرحمن بن أبي ~~عقيل، في شعبان، فأقام منصب القضاء بغير قاض ثلاثة أشهر؛ ثم اختير الفقيه ~~أبو العباس أحمد ابن الحطيئة في ذي القعدة، فاشترط ألا يحكم بمذهب الدولة، ~~فلم يمكن من ذلك. وكان الوزير رشوان قد تقدم إلى الفقيه أبي عبد الله محمد ~~بن عبد المولى بن عبد الله محمد بن عقبة اللخمي، المعروف بابن اللبني، ~~المغربي المالكي، أن يعقد الأنكحة. فلما كان في الحادي عشر من ذي القعدة ~~قرر الحافظ في قضاء القضاة القاضي فخر الأمناء أبا الفضائل هبة الله بن عبد ~~الله بن الحسين بن محمد الأنصاري الأوسي، المعروف بابن الأزرق. PageV03P172 ### || سنة أربع وثلاثين وخمسمائة @YY534 # فيها عاد الأفضل رضوان بن ولخشي من صلخد في جمع فيه نحو الألف فارس، وكان ~~الناس في مدة غيبته يهتفون بعوده، فبرزت له العساكر ودافعوه عند باب ~~الفتوح، فلم يطق مقابلتهم؛ فمضى إلى مصر ونزل على سطح الجرف المعروف اليوم ~~بالرصد، وذلك يوم الثلاثاء مستهل صفر. فاهتم الحافظ بأمره، وبعث إليه بعسكر ~~من الحافظية والآمرية وصبيان الخاص، عدتهم خمسة عشر ألف فارس؛ مقدم القلب ~~تاج الملوك قايماز، ومقدم الآمرية فرج غلام الحافظ. فلقيهم رضوان في قريب ~~ثلثمائة فارس، فانكسروا، وقتل كثير منهم، وغنم معظمهم؛ وركب أقفيتهم إلى ~~قريب القاهرة. وعاد شاور إلى موضعه فلم يثبت، وأراد العود إلى صلخد فلم ~~يقدر، لقلة الزاد وتعذر الطريق، فتوجه بمن معه من العربان إلى الصعيد. ~~فأنفذ إليه الحافظ الأمير المفضل أبا الفتح نجم الدين سليم بن مصال في عسكر ~~ومعه أمان، فسار خلفه، وما زال به حتى أخذه وأحضره إلى القصر آخر نهار ~~الاثنين رابع ربيع الآخر، فعفا عنه الحافظ، ولم يؤاخذ أحدا من الأتراك ~~الذين حضروا معه من الشام. واعتقله عنده بالقصر قريبا من الدار التي فيها ~~بهرام. # وفيها أضيف لقاضي القضاة هبة الله بن حسن ms510 الأنصاري، في سابع عشر جمادى ~~الآخرة، تدريس دار العلم بالقاهرة، فمضى إليها؛ وكان مدرسها أبو الحسن علي ~~بن إسماعيل، فجرت بينهما مفاوضات أدت إلى الخصام الشنيع؛ فخرج القاضي إلى ~~القصر ماشيا وقد تخرقت ثيابه وسقطت عمامته. فعظم على الحافظ خروجه في ~~الأسواق على هذه الهيئة، وغضب لذلك؛ فصرفه ورسم عليه، وغرمه مائتي دينار، ~~وألزمه داره. وأمر بطلب أبي الطاهر إسماعيل بن سلامة الأنصاري، فخلع عليه ~~وقرره مكانه، ونعته الموفق في الدين، ولم يكتب له سجل؛ فأقام إلى آخر ذي ~~الحجة، ولم يتناول على القضاء معلوما؛ وكان PageV03P173 # جاري الحكم في كل شهر أربعين دينارا؛ وقنع بجاري التقدمة على الدعاة وهو ~~ثلاثون دينارا في الشهر. # وفيها ولي الحافظ لدين الله الأمير المفضل نجم الدين أبو الفتح سليم بن ~~مصال المالكي تدبير الأمور. PageV03P174 ### || سنة خمس وثلاثين وخمسمائة @YY535 # فيها هلك بهرام الأرمني بالقصر، وكان الحافظ لما أقدمه من الصعيد إلى ~~عنده أنزله في القصر ولم يمكنه من التصرف، وكان يشاوره في تدبير أمور ~~الدولة فيعجبه رأيه وحزمه وعقله. فلما مات في العشرين من ربيع الآخر حزن ~~عليه حزنا كثيرا ظهر بسببه على القص غمة، وهم أن يغلق الدواوين ولا يفتحها ~~ثلاثة أيام. وأحضر بطرك الملكية وأمره أن يجهز بهرام، فقام بتجهيزه. وأخرج ~~نصف النهار في تابوت وعليه ثوب ديباج أحمر، ومن حوله النصارى يبخرون ~~باللبان والصبار وسن العود، وجميع الناس مشاة، فلم يتأخر أحد من أعيان ~~الوقت عن جنازته. # وخرج الخليفة علة بغلة شهباء وعليه عمامة خضراء وثوب أخضر بغير طيلسان؛ ~~فسار خلف التابوت، وسار والناس تبكي والأقساء يعلنون بقراءتهم، والخليفة ~~سائر؛ إلى دير الخندق من ظاهر القاهرة. فنزل الخليفة عن بغلته وجلس على ~~شفير القبر وبكى بكاء شديدا. # وكان عاقلا مقداما في الحرب، حسن السياسة، جيد التدبير؛ وكان أولا يقوم ~~بأمر الأرمن، وسكناهم يومئذ في ناحية تل باشر، فتعصب عليه جماعة منهم وولوا ~~غيره؛ فخرج مغضبا وقدم إلى القاهرة، فترقى في الخدم إلى أن ولي المحلة فقام ~~بولايتها. ومنها سار في زي حسن ms511 إلى القاهرة ومعه من الأرمن نحو الألفين ~~يقولون بقوله، فاستوزره الحافظ. # وفيها مات الفقيه أبو الفتح سلطان بن إبراهيم بن رشا المقدسي في آخر ~~جمادى الآخرة. PageV03P175 ### || سنة ست وثلاثين وخمسمائة @YY536 # في ليلة الثلاثاء الثاني عشر من ربيع الأول سقطت صاعقة أحرقت ركن منارة ~~الجامع العتيق. # في شعبان غلت الأسعار وعدم القمح والشعير، فبلغ القمح كل إردب إلى تسعين ~~درهما والدقيق إلى مائة وخمسين للحملة، والخبز إلى ثلاثة أرطال بدرهم، ~~والويبة من الشعير إلى سبعة دراهم، والزيت الطيب إلى سبعة دراهم للرطل، ~~والجبن إلى درهمين للرطل والبيض إلى عشرين درهما للمائة، والزيت الحار إلى ~~درهم ونصف للرطل، والقلقاس كل رطلين بدرهم؛ وعدم الفرخ والدجاج فلم يقدر ~~على شيء منه. وعم الوباء، وكثر الموتان. # وفيها مات أحمد بن مفرج بن أحمد بن أبي الخليل الصقلي الشاعر، المعروف ~~بتلميذ ابن سابق؛ وكان فاضلا ذكيا يتصرف في عدة فنون، وله رسائل حسنة وشعر ~~جيد. # وكان الشعراء في أيام الحافظ قد أطنبوا في المديح وتناهوا في إطالة ~~القصائد حتى صار الإنشاد يؤدى إلى قصر الوقت الذي جرت العادة باستماع ~~أشعارهم فيه، لطول مثولهم بالخدمة؛ فخرج الأمر إليهم بالاختصار فيما ~~ينشدونه من الأشعار. فقال أحمد بن مفرج يخاطب الخليفة: # أمرتنا أن نصوغ المدح مختصرا ... لم لا أمرت ندى كفيك يختصر # والله لا بد أن تجرى سوابقنا ... حتى يبين لنا في مدحك الأثر # فأمروا بالاستمرار على ما هم عليه من الإطالة في الإنشاد. PageV03P176 ### || سنة سبع وثلاثين وخمسمائة @YY537 # فيها عظم الوباء بديار مصر، فهلك فيه عالم لا يحصى عدده كثرة. # وفيها بعث الحافظ الأمير النجيب رسولا إلى رجار ملك صقلية لمحاربته أهل ~~صقلية؛ وكان رجار فيه فضيلة وأمر، فصنفت له تصانيف، وكان عنده محبة للأدب؛ ~~ومدحه ابن قلاقس الشاعر وغيره. PageV03P177 ### || سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة @YY538 # فيها خرج محمد بن رافع اللواتي بنواحي البحيرة، فاجتمع له عدد كثير من ~~الناس، فخرج إليه طلائع بن رزيك، وهو يومئذ والي البحيرة، فكانت بينهما ~~حروب قتل فيها. # وفيها غلت الأسعار بمصر. PageV03P178 ### || سنة تسع ms512 وثلاثين وخمسمائة @YY539 # فيها سير الحافظ الرشيد أبا الحسين أحمد بن الزبير رسولا إلى اليمن بسجل ~~يقرؤه عليهم، فخرج في ربيع الأول. # وفيها خرج أبو الحسين ابن المستنصر إلى الأمير خمارتاش الحافظي صاحب ~~الباب وقال له: اجعلني خليفة وأنا أوليك الوزارة، فطالع الحافظ بذلك، فأمر ~~القبض عليه، فقبض واعتقل. # وفيها قدم، في جمادى الآخرة، من دمشق الأمير مؤيد الدولة أسامة بن منقذ ~~وإخوته وأهله، ومعهم نظام الدين أبو الكرام محسن وزير صاحب دمشق، معاضدين ~~له، فأكرم مثواهم وأنزلوا، وأفيضت عليهم العطايا، وتواترت الإنعامات. PageV03P179 ### || سنة أربعين وخمسمائة @YY540 # فيها أعيد نظر الدواوين والأتراك والخزائن إلى القاضي الموفق أبي الكرم ~~محمد بن معصوم التنيسي في جمادى الأولى. PageV03P180 ### || سنة إحدى وأربعين وخمسمائة @YY541 # فيها خرج على الحافظ أمير من المماليك يعرف ببختار، يطلب الوزارة، بأرض ~~الصعيد، فندب إليه عسكرا عليه سلمان مؤنس اللواتي، فمضى إليه وحاربه، ~~فانهزم وهو من ورائه، حتى أدركه وأخذه أسيرا وقتله. # وفيها قدم صافي الخادم، أحد خدام المتقي، من بغداد فارا، في ثالث عشري ~~جمادى الأولى، خوفا؛ فأكرمه الحافظ. # وفيها منع من التعرض لصرف شيء من المال الحاضر من الأعمال في جرائد ~~المستخدمين وأن يكون ما نسب منها على البواقي والفاضل في هذه السنة. # وفيها ملك نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر حلب بعد أبيه. # وفيها ملك رجار بن رجار ملك صقلية مدينة طرابلس الغرب وولى عليها رجلا من ~~بني مطروح. PageV03P181 ### || سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة @YY542 # فيها صرف أبو الكرم التنيسي في ربيع الآخر، وأعيد نظر الدواوين للقاضي ~~المرتضى المحنك. # وفيها سير الحفاظ لظهير الدين صاحب دمشق هدايا وخلعا وتحفا. # وفيها خرج رضوان من ثقب نقبه بالقصر. وذلك أن الحافظ لما اعتقله بالقصر ~~أرسل يسأله في أشياء، من جملتها زيارة نجم الدين بن مصال له في الوقت بعد ~~الوقت، فأجابه إلى ذلك لثقته بابن مصال. فحضر في يوم من الأيام ابن مصال ~~لخدمة الخليفة، وبدأ بزيارة رضوان، فدخل إليه ومعه مشدة فيها رقاع بجوائج ~~الناس ليعرضها على الحافظ، وكانت عادته ms513 ذلك؛ فاحتاج إلى الخلاء، فترك مشدته ~~عند رشوان ودخل الخلاء. فأخذ رضوان الرقاع ووقع بخطه عليها كلها بما يسوغ ~~التوقيع به، وأتر بها وطواها في المشدة. وخرج ابن مصال فأخذها ودخل على ~~الحافظ، وقد علم أنه كان عند رضوان، فقال له: كيف ضيفنا؟ فقال: على غاية من ~~الشكر لنعمة مولانا وجواره. وأخرج رقة من تلك الرقاع ليعرضها على الخليفة ~~فوجد عليها التوقيع بخط رضوان، فأمسكها وأخرج غيرها، فإذا هي موقع عليها ~~أيضا. وكان الحافظ يراه، فقال: ما هذا؟ فاستحيا ابن مصال عندما تداول ~~الخليفة الرقاع وعليها توقيع رضوان. فقال له الحافظ: يا نجم الدين، ما زلت ~~مباركا علينا والله يشكر لك ذلك؛ لقد فرجت عنا غمة. فقال: كيف يا مولانا ~~قال: PageV03P182 # رأيت البارحة رؤيا مقتضاها أنه ربما يشركنا في كثير من أمرنا؛ فالحمد لله ~~إذ كان هذا. وكتب على الرقاع أمضاها بخطه، وخلع على ابن مصال. # فلما طال اعتقال رضوان أخذ ينقب بحيث لا يعلم به إلى أن انتهى النقب من ~~موضعه الذي هو فيه إلى تجاه فندق أبي الهيجاء، وخرج النقب عن سور القصر. ~~وكان قياس ما نقبه خمسة وثلاثين ذراعا، فظهر منه بكرة يوم الثلاثاء، ثالث ~~عشري ذي القعدة، في الجيزة، فالتف عليه جماعة من لواتة وعدة من الأجناد؛ ~~وسمع به الطماعون، وكان للناس فيه أهوية. فندم الحافظ على تركه بغير حارس؛ ~~وأخذ في العمل. # فلما كان ثالث يوم عدي رضوان من اللوق وسار إلى القاهرة؛ فخرج إليه عسكر ~~الحافظ وتحاربوا معه عند جامع ابن طولون، فهزمهم، وسار في إثرهم إلى ~~القاهرة، فدخلها في الرابعة من نهار الجمعة سادس عشريه، ونزل بالجامع ~~الأقمر. فغلق الحافظ أبواب القصر وامتنع به. فأحضر رضوان أرباب الدولة ~~والدواوين، وأمر ديوان الجيش بعرض الأجناد، وأخذ أموالا كانت خارجة من ~~القصر، وأنفق في طوائف العسكر. وأرسل إلى الحافظ يطلب منه مالا؛ فسير إليه ~~صندوقا فيه مال وقال له: هذا الحد الذي أراده الله، فاسترض على نفسك. PageV03P183 # وأتت هتافات الناس إلى رضوان؛ فاستدعى الحافظ أحد ms514 مقدمي السودان سرا وقال ~~له: إني بكم واثق. فقال: ما ادخرنا هذا إلا لمولانا. فقال: كم أصحابك؟ قال: ~~عشرة. قال: لكم عشرة آلاف دينار واقتلوا هذا الخارجي علينا وعليكم، فأنتم ~~تعلمون إحساننا إليه وإساءته إلينا. فقالوا: يا مولانا السمع والطاعة. ~~ورتبوا أنهم يصيحون حول الجامع الأقمر: الحافظ يا منصور. فلما فعلوا ذلك ~~قلق وقال لمن حلوه: ما كل مرة يصح لهؤلاء الكلاب مرادهم. فحسنوا له الركوب ~~ظنا منهم أنه إذا ركب إلى بين القصرين لم يجسر أحد عليه. فعندما ركب ضربه ~~واحد من السودان في فخذه ضربة شديدة، وتداركه آخر بضربة، وتوالت عليه ~~الضربات؛ فقتل في الساعة الحادية عشرة من نهار الجمعة المذكور؛ وقطعت رأسه ~~وحملت إلى الخليفة الحافظ. فسكنت الفتنة، وهدأت الغوغاء. # ثم إن الحافظ بعث بالرأس إلى امرأة رضوان، فلما وضعت في حجرها قالت: هكذا ~~يكون الرجال. # وكان رضوان سنيا حسن الاعتقاد، شجاعا، مقداما، قوي الغلب، شديد البأس. ~~ولد ليلة عيد الغدير من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وترقى في ~~الخدم إلى أن ولي قوص وإخميم في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. إلا أنه كان مع ~~حسن عبارته وغزارة أدبه طائش العقل قليل الثبات، لا يحسن التدبير، ولا ~~يتأتى له سياسة الأمور لعجلته وجرأته؛ وكان أخوه الأوحد أثبت عقلا منه. # ومن جملة ما كتب له في تقليد الوزارة بعد بهرام من إنشاء أبي القاسم ابن ~~الصيرفي: ... لأنك أذهبت عن الدولة عارها، وأمطت من طرق الهداية أوعارها، ~~واستعدت ملابس سيادة كان قد دنسها من استعارها. # ولم يستوزر الحافظ بعد رضوان أحدا؛ وأعاد النصراني المعروف بالأخرم إلى ~~ضمان الدولة، على ما تقدم، ثم نقم عليه لكثرة المرافعين واعتقله، وطلب منه ~~المال فلم يسمح بشيء. فركب الحافظ يوما ووقف على باب السجن الذي هو فيه من ~~القصر، وأمر به، فأحضر إليه. وقال له: كم تتجالد؟ أريد منك مالي على لسان ~~صاحب الستر. فبينا الخليفة PageV03P184 # يخاطبه إذ أخذ كفا من تراب وجعله في فيه؛ فقال له الحافظ: ما هذا؟ مالا ~~ينبغي نقله ms515 إلى مولانا، صلوات الله عليه. فغضب عليه، وأمر بإحضار أبيه ~~وأخيه، وكانا معتقلين، فأخرجا؛ وقتل الأخرم وأخاه، وأبوهما ينظر قتلهما، ثم ~~قتل الأب. وأحاط بأموالهم فحصل منهم ما يزيد على عشرين ألف دينار عينا. # فيها مات الشيخ تاج الرياسة أبو القاسم على بن منجب بن سليمان، المعروف ~~بابن الصيرفي الكاتب، في يوم الأحد لعشر بقين من صفر؛ ومولده في يوم السبت ~~الثاني والعشرين من شعبان سنة ثلاث وستين وأربعمائة. وكان أبوه صيرفيا وجده ~~كاتبا؛ وأخذ صناعة الترسل عن ثقة الملك أبي العلاء صاعد بن مفرج؛ وتنقل حتى ~~صار صاحب ديوان الجيش. ثم انتقل معه إلى ديوان الإنشاء. ومات الشريف سناء ~~الملك أبو محمد الزيدي الحسيني؛ ثم تفرد بالديوان فصار فيه بمفرده. وله ~~الإنشاء البديع والشعر الرائع، والتصانيف المفيدة في التاريخ والأدب. PageV03P185 ### || سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة @YY543 # فيها توجه العسكر، في ثالث صفر، لقتال لواتة وقد تجمعوا وعقدوا الأمر ~~لرجل قدم من المغرب وادعى أنه ولد نزار بن المستنصر. فسار إليهم العسكر ~~وواقعهم على الحمامات وانهزم منهم العسكر؛ فجهز الحافظ عسكرا آخر، ودس إلى ~~مقدمي لواتة مالا جزيلا، ووعدهم بالإقطاعات؛ فغدروا بابن نزار وقتلوه، ~~وبعثوا برأسه إلى الحافظ. ورجعت العساكر في ربيع الأول. # وفيها صرف القاضي المكين الموفق في الدين أبو الطاهر إسماعيل بن سلامة ~~الأنصاري عن القضاء، لسبع خلون من المحرم؛ واستقر على الدعوة الموفق الأمير ~~كمال الدين، واستخدم في وظيفة القضاء؛ وكان كريم الأخلاق، حليما، عليه ~~سكينة ووقار، مليح الشيبة، ظريف الهيئة. # وفيها توفى أبو الفضائل يونس بن محمد بن الحسن المقدسي القرشي، المعروف ~~بجوامرد، خطيب القدس. # وفيها بلغ النيل تسعة عشر ذراعا وأربعة أصابع، ففاض الماء حتى PageV03P186 # بلغ إلى الباب الجديد أول الشارع، خارج باب زويلة، فكان الناس يتوجهون من ~~مصر إلى القاهرة على ناحية المقابر لامتلاء الطريق بالمياه. فلما بلغ ~~الحافظ ذلك أظهر له الحزن والانقطاع، فسأله بعض خواصه عن ذلك، فأخرج له ~~كتابا وقال: انظر هذا السطر، فإذا فيه: إذا وصل الماء الباب الجديد انتقل ~~الإمام عبد ms516 المجيد. ثم قال: هذا الكتاب الذي نعلم منه أحوالنا وأحوال ~~دولتنا، وما يأتي بعدها. فاتفق أنه لم تنسلخ هذه السنة حتى مرض الحافظ مرضة ~~الموت. # وفيها انقرضت دولة بني باديس. وذلك أن الغلاء اشتد بإفريقية من سنة سبع ~~وثلاثين وخمسمائة إلى سنة اثنتين وأربعين حتى أكل الناس بعضهم بعضا، وخلت ~~القرى، ولحق كثير من الناس بجزيرة صقلية. فاغتنم رجار متملكها الفرصة وبعث ~~جرج، مقدم أسطوله، على نحو مائتين وخمسين شينيا، فنزل على المهدية ثامن صفر ~~سنة اثنتين وأربعين، وبها الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس؛ ~~ففر بأخف حمله وتبعه الناس. فدخل جرج المهدية بغير مانع، واستولى على قصر ~~الأمير حسن، وأخذ منه ذخائر نفيسة وحظايا بديعات. PageV03P187 # وعزم حسن على المجيء إلى مصر، فقبض عليه يحيى بن العزيز، صاحب بجاية، ~~ووكل به وبأولاده، وأنزله في بعض الجزائر، فبقى حتى ملك عبد المؤمن بن علي ~~بجاية في سنة سبع وأربعين، فأحسن إلى الأمير حسن وأقره في خدمته. فلما ملك ~~المهدية تقدم إلى نائبه بها أن يقتدي برأي حسن ويرجع إلى قوله. # فكانت عدة من ملك من بني باديس بن زيرى بن مناد تسعة، ومدتهم، من سنة ~~إحدى وستين وثلثمائة إلى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، مائة واثنتان وثمانون ~~سنة. # وفيها بعث رجار بن رجار ملك جزيرة صقلية إلى المهدية أسطوله، مائتين ~~وخمسين من الشواني، مع جرجي بن ميخائيل، فجد في حصارها حتى أخذها في صفر ~~منها، وملك سوسة وصفاقس؛ وملك رجار بونة. PageV03P188 ### || سنة أربع وأربعين وخمسمائة @YY544 # فيها وقع الاختلاف بين الطائفة الجيوشية والطائفة الريحانية، فكانت ~~بينهما حروب شديدة قتل فيها عدة من الفريقين؛ وامتنع الناس من المضي إلى ~~القاهرة ومن الذهاب إلى مصر. وابتدأت الحرب بينهم في يوم الخميس ثامن عشر ~~جمادى الأولى؛ وتوالت في يوم السبت رابع جمادى الآخرة؛ فانهزمت الريحانية ~~إلى الجيزة. # وهم العسكر بخلع الحافظ من الخلافة، فمات بقصر اللؤلؤة، وقد نقل إليه وهو ~~مريض، بكرة يوم الأحد، وقيل ليلة الاثنين، لخمس خلون من جمادى ms517 الآخرة؛ ~~واشتغل الناس بموته. # وكان له من العمر يوم مات ست وسبعون سنة وثلاثة أشهر وأيام، منها مدة ~~خلافته من يوم بويع بعد أحمد بن الأفضل ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر وتسعة ~~عشر يوما. # وأصابته في ولايته شدائد، واعتقل، ثم لما أعيد تحكم عليه الوزراء حتى قبض ~~على رضوان. فلم يستوزر بعده أحدا، وإنما أقام كتابا على سنة الوزراء أرباب ~~العمائم ولم يسم أحدا منه وزيرا؛ وهم: أبو عبد الله محمد بن الأنصاري، وخلع ~~عليه بالحنك والدواة فتصرف تصرف وزراء الأقلام، وصعد المنبر مع الخليفة في ~~الأعياد والجمع؛ والقاضي الموفق محمد بن معصوم التنيسي؛ وصنيعة الخلافة أبو ~~الكرم الأخرم النصراني. # وكان الحافظ حازم الرأي، جماعا للأموال، كثير المداراة، سيوسا عارفا. ولم ~~يكن أحد ممن ولي قبله أبوه غيره خليفة سواه. وكان يميل إلى علم النجوم؛ ~~وكان له من المنجمين سبعة، منهم؛ المحقوف، وابن الملاح، وأبو محمد بن ~~القلعي، وابن موسى النصراني. PageV03P189 # وفي أيامه عملت الطبلة التي كانت إذا ضرب بها من به قولنج خرج عنه الريح؛ ~~وما زالت بالقصر إلى أن كسرت في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. # وترك من الأولاد أبا الأمانة جبريل، ويوسف، وأبا المنصور إسماعيل. وكان ~~مطعونا عليه، فإنه ولي بغير عهد وإنما أقيم كفيلا عن منتظر في بطن أمه، فلم ~~يظهر للحمل خبر. # ومن محاسن ما يحكى عنه أنه كان يخرج في كل ستة أشهر عسكر من القاهرة إلى ~~عسقلان لأجل الفرنج تقوية لمن بها من المركزية الكنانية وغيرهم. ويقدم على ~~العسكر عدة، فيجعل على كل مائة فارس أمير، ويقدم على الجميع أمير تسلم إليه ~~الخريطة فيكون أمير المقدمين؛ وتشتمل الخريطة على أوراق العرض من الديون ~~بالحضرة ليتفق مع والي عسقلان على عرض العسكر بمقتضاها. ويصدر التعريف من ~~كاتب الجيش هناك إلى الديوان بالحضرة بذلك، ويسلم إليه مبلغ من المال ~~لنفقته معونة لمن فاتته النفقة من العسكر، فإن النقباء الذين للطوائف ~~يجردون من كان من الطوائف حاضرا ومن كان مسافرا في إقطاعه، فيأخذ صاحب ms518 ~~الخريطة أوراقا بمن سافر وهو في إقطاعه ليوصل إليه نفقته. # وكانت نفقة الأمراء مائة دينار لكل أمير، وللأجناد ثلاثون دينارا لكل ~~جندي. # واتفق مرة خروج العسكر إلى عسقلان وفيهم خمس أمراء من جملتهم جلب راغب، PageV03P190 # الذي اتفق منه في حسن بن الحافظ بعد موته ما تقدم ذكره؛ فلما سير إليه ~~مائة دينار، نفقته، تجهز للسفر في جملة الناس، وسلمت الخريطة لأميرهم. فلما ~~دخلوا على الحافظ ليودعوه ويدعو لهم بالنصر والسلامة على العادة، قضوا حق ~~الخلافة وانصرفوا إلا جلب راغب فإنه وقف؛ فقال الحافظ: قولوا للأمير ما ~~وقوفك دون أصحابك، ألك حاجة؟ فقال: يأمرني مولانا بالكلام. قال: قل. فقال؛ ~~يا مولانا ليس على وجه الأرض خليفة ابن بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~غيرك؛ وقد كان السلطان استزلني فسفهت نفسي وأذنبت ذنبا عظيما عفوا مولانا ~~أوسع منه وأعظم. فقال له الحافظ: قل ما تريد غير هذا فإنا غير مؤاخذيك به. ~~فقال: يا مولانا قد توهمت أنك تحققت أني ماض في حالة السخط، وقد آليت على ~~نفسي أن أبذلها في الجهاد فلعلي أموت شهيدا، قد صنع ذلك سخط مولانا علي. ~~فقال له الحافظ: انته عن هذا الكلام، وقد قلنا لك إنا ما واخذناك، فأي شيء ~~تقصد؟ فقال: لا يسيرني مولانا تبعا لغيري، فقد صرت مرارا كثيرة مقدما، ~~وأخشى أن يظن أن هذا التأخير للذنب الذي أنا متعرف. قال: لا، بل مقدما ~~وصاحب الخريطة. وأمر بنقل الحال عن المقدم الذي تقرر للتقدم والخريطة إلى ~~جلب راغب، وأعطى مائتي دينار وقال: له استعن بهذه. فعد هذا من الحلم الذي ~~ما سمع بمثله. # وكان الغالب على أخلاقه الحلم. وكان مقدم المطالبين يجيء إلى الخليفة ~~الحافظ ويخبره بغرائب ما يظهر؛ فجاء يوما وأخبر أنه وجد حوضا لطيفا قريبا ~~من معلف الجمال، فلم يتعرض له. فندب الخليفة معه شاهدين حتى أتوا به، فإذا ~~حوض مطبق بغطاء كشف عنه فإذا فيه صنم من رخام أبيض على هيئة الإنسان وهو ~~واضع أصبعا في فيه وأصبعا أخرى في دبره ms519 فأمر الحافظ أحد الشاهدين أن يناوله ~~ذلك؛ فلما أخذ الصنم ضرط ضرطة عظيمة، فألقاه من يده وقد اشتد خجله. فقام ~~موفق، أحد الأستاذين المحنكين، ليناوله إياه فضرط أيضا. فأمر الحافظ بتركه ~~وعلم أنه طلسم القولنج. # ووجد في مقطع الرخام سرب تحت الأرض فيه حبوة ممدودة أحضرت إلى الأستاذ ~~مفضل، PageV03P191 # المعروف بصدر الباز، فإذا فيها حنش من ذهب زنته ستة مثاقيل ونصف مثقال، ~~وعيناه من ياقوت أحمر، وفي فمه جرس من ذهب. فأعلم به الحافظ، فلم يزل يبحث ~~عن خبره حتى أحضرت له عدة أحناش كبار، وأخرج ذلك الحنش المذكور فجعلت ~~الأحناش الكبار تخرج رءوسها ثم تحركها مرة أو مرتين وتسقط ميتة. # وكان الحافظ حريصا على علم السيميا. فظهر في أيامه الشيخ أبو عبد الله ~~الأندلسي، شيخ بني الأنصاري أوحد زمانه في علم السيمياء، فسأله الحافظ أن ~~يريه شيئا من ذلك؛ فأراه ساحة القصر قد صارت لجة ماء، فيها سفينة متعلقة ~~وشواني حرببات قد خرجت على تلك السفينة وقاتلت أهلها؛ والحافظ يرى لمعان ~~السيوف ومرور السهام وخفقان البنود، ورءوس الرجال وهي تسقط عن كواهلها، ~~والدماء تسيل؛ حتى سلم أصحاب السفينة لأصحاب الشواني فساروا بها والأبواق ~~تزعق والطبول تضرب، إلى أن غابت عن الأبصار في لجج البحار. ثم كشف عن ~~الحافظ فإذا هو قصره. ثم أمره أن يريه شيئا آخر: فقال: لنخرج من في مجلس ~~أمير المؤمنين إلى منزله؛ فأمرهم؛ فخرجوا حتى صاروا إلى حيث خيولهم واقفة ~~بباب القصر، فلما قدمت إليهم ليركبوا فما منهم إلا ن رأى فرسه كأنه ثور ~~وقرناه كأعظم ما يكون من القرون؛ فعادوا إلى الحافظ وأعلموه بما رأوا، فضحك ~~وقال: افدوا دوابكم منه. فقطع كل واحد منهم على نفسه شيئا فأمر له به. وما ~~زال مقيما بمصر حتى مات. # وكان في أيام الحافظ أيضا ابن محفوظ، سأله أن يريه شيئا من أعماله؛ فأمر ~~بأربعة أطباق فضة أن تحضر، فلما وضعت بين يديه امتلأت ياسمينا في غير ~~أوانه، وصار يعلو على كل طبق وهو مرصوص متماسك بعضه فوق ms520 بعض، إلى أن صار ~~كأربعة أعمدة من رخام متقابلة PageV03P192 ### | الظافر بأمر الله أبو المنصور إسماعيل بن الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمد ابن المستنصر بالله # ولد يوم الأحد، النصف من ربيع الآخر، سنة سبع وعشرين ~~وخمسمائة؛ وبويع في اليوم الذي مات فيه الحافظ لدين الله، وهو كما تقدم يوم ~~الأحد الخامس من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وعمره سبع عشرة ~~سنة وأربعة أشهر وعشرة أيام؛ بوصية من أبيه له بالخلافة. وكان أصغر أولاده ~~وفيهم أبو الحجاج يوسف وأبو الأمانة جبريل، وهما أسن منه؛ وركب بزي ~~الخلافة. واستوزر الأمير نجم الدين أبا الفتح سليم بن محمد بن مصال، بوصية ~~الحافظ بذلك أيضا، ونعت بالسيد الأجل الأفضل أمير الجيوش وخلع عليه خلع ~~الوزارة؛ وهو يومئذ من أكابر الأمراء، وهو شيخ لين متواضع. فسكن دار ~~المأمون البطائحي. وصار أبو الكرم التنيسي من ذوي رأيه. # وأول ما بدأ به الظافر أنه ركب بعد صلاة العشاء الآخرة بالشمع في القصر، ~~ووقف بباب الملك بالإيوان المجاور للشباك؛ وأحضر ابني الأنصاري، وهما أبو ~~عبد الله وأبو واستدعى متولى الستر، وهو صاحب العذاب، وأحضرت آلات العقوبة؛ ~~وضرب الأكبر PageV03P193 # بحضوره بالسياط إلى أن قارب الهلاك، وثنى بأخيه كذلك، ثم أخرجا وقطعت ~~أيديهما وسلت ألسنتهما من أقفيتهما، وصلبا على بابي زويلة الأول والثاني ~~فأقاما زمانا ثم وضعا. # وكان سبب قلتها أنهما كانا من الكتاب فنبغا وتوصلا بالحافظ، فاستخدمهما ~~في ديوان الجيش، فوثبا على رؤساء الدولة وأعيان كتابها وخواص الخليفة من ~~الأستاذين المحنكين، مثل الأجل الموفق كاتب الدست وكان موضع سر الخليفة ~~ومحل مشورته في الأمور العظام من أحوال الممالك ومن يليه، كالقاضي المرتضى ~~المحنك، والخطير ابن البواب، وتجرآ على المذكورين وغيرهم مع قلة دربة. فكثر ~~حسادهما وعمل عليهما فيما يخرج للأمراء والمقطعين من الخروجات في كل سنة، ~~ويشتمل الخرج على نعوت ذلك الأمير، فيصير ذلك الخرج إلى عالم الإقطاعات، ~~وهو تحته. فذكرا في أحد الخروجات كلاما طريفا ليؤخذ عليه خطهما ليوقف عليه ~~الخليفة ms521 حتى يتبين له جهلهما، وهو: حبطست حبطست، وفي النهر قد غطست، بغلالة ~~أرجوان، صفراء بزعفران. فمشى عليهما ذلك وترجما الخرج بخطهما؛ وخرج من ~~أيديهما، فأحضر إلى الأجل الموفق ابن الحجاج، كاتب الدست؛ فأخذه ودخل به ~~إلى الخليفة الحافظ، وقال: يا مولانا، الأمثال مضروبة بحفظ ديوان هذه ~~الدولة ومن يتولاها، فكيف لو ظفر بهذا الخرج مخالف لها، يقصد التشنيع ~~عليها. فقال له الحافظ: يا مولاي الموفق، هبهما لي. فقال: يا مولانا، كلنا ~~مماليكك. وخرج؛ ولم يبلغ الأعداء منهما ما أرادوا؛ فزاد أمرهما في الدولة ~~على الخليفة والاستعلاء على الناس. # وأراد الأكبر منهما أن يدخل على الخليفة ويخرج ظاهرا ليراه الناس، فجدد ~~له ديوانا سماه PageV03P194 # ديوان الترتيب، وجمع فيه من يخدم في ترتيب الأعمال صفقة صفقة، وأن يكون ~~أميرهم بجار يقرر له وهذا الترتيب يقال له في غير هذه الدولة صاحب البريد ~~فكان يكاتب متولى هذا الديوان بالأخبار بمطالعات تصل إليه مترجمة بمقام ~~الخليفة فيعرضها من يده ويجاوب عنها بخطه. فورد كتاب بعض أصحاب الترتيب ~~بقضية، فأجابه بكلام، وأراد الاستشهاد بآية من كتاب الله تعالى، فحرفها ~~وقالها على غير ما أنزلت؛ ووقع الجواب للموفق، فأخذ في كمه مصحفا ودخل إلى ~~الخليفة ومعه جواب ابن الأنصاري، وقال: يا مولانا، هذا كتاب الله تعالى قد ~~حضر إلى مقامك، وهو المنزل على جدك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يشكو ~~إليك جناية ابن الأنصاري عليه، فخذ بحقه لهذه الجنايات، والحمد لله إذ وقع ~~هذا الكتاب إلى المملوك دون غيره، فإن المملوك لم يزل يتتبع هذه الأمور ~~لئلا يقع عليها أعداء الدولة فيشيعوا ذلك في الدول المخالفة لها. فقال له ~~الحافظ: أنا أعلم منك هذا وأعلم من المذكورين ما ذكرت؛ وقد كنت سألتك فيهما ~~مرة، وهذه الثانية، فإن لهما علينا خدمة. فقال: العفو يا مولانا. وانصرف ~~ولم ينل منهما غرضا. فأمر الحافظ ابن الأنصاري الأكبر أن يمضى إلى الأجل ~~الموفق ويخدمه في داره. # وكان يومئذ ديوان المكاتبات مقسوما بين أبي المكارم ابن أسامة وبين ~~الموفق، إلا ms522 أن ابن أسامة لا يلتفت لأمر الديوان لكثرة شغله بدنياه، ~~فاستناب ابنه أبا المنصور عنه، وكان يحلق بأبيه في الاشتغال بأمر دنياه عن ~~النيابة، فصار اعتماد الخليفة في الديوان بأجمعه على الأجل الموفق؛ وكان ~~ينفذه ولا يشق ابن أسامة لما أسلفه من الخدم السابقة. ثم لما مات أبو ~~المكارم أسامة، وكان في الظن أن ابنه أبا المنصور يستخدم مكانه، سبق ابن ~~الأنصاري وسأل الحافظ فاستخدمه في النصف من ديوان المكاتبات فقط شريكا ~~للموفق فيه؛ وانفرد الموفق بالإنشاء. ونعت ابن الأنصاري بالقاضي الأجل سناء ~~الملك، وأمره الحافظ بخدمة الموفق وأن يقنع معه بمجرد الرتبة. فشق ذلك على ~~الموفق وصبر على ضر. وقرر أبو المنصور بن أسامة في ديوان الترتيب مكان ابن ~~الأنصاري. # وتجند ابن الأنصاري الأصغر وتأمر في يوم واحد، وخلع عليه بالطوق، ورتب في ~~زم PageV03P195 # الإمرية، وهي إمرة طوائف الأجناد. فكثر الأعداء وتعددت الحساد؛ واشتغل ~~الناس بهما وأطلقوا الألسنة بذمهما، فكان يقال: هذا الأمير الطاوي، ابن ~~الأنصاري. ولج الناس بالكلام فيهم وهم عاجزون عنهم، حتى مات الحافظ فكان من ~~أمرهما مع ابنه الظافر ما تقدم ذكره. # وفي يوم الثلاثاء رابع شعبان اجتمع كثير من السودان وعدة من المفسدين ~~ببعض القرى، فخرج إليهم الوزير ابن مصال فنازلهم حتى كسرهم. # وكان الأمير المظفر سيف الدين معد الملك ليث الدولة علي بن إسحاق بن ~~السلار واليا على البحيرة والإسكندرية وكان ابن زوجه ركن الإسلام عباس والي ~~الغربية. فلم يرض ابن السلار بوزارة ابن مصال، وخرج من الإسكندرية إلى ~~ربيبه، بالغربية واتفقا على القيام وإزالة ابن مصال. فبلغه ذلك، فأعلم به ~~الخليفة الظافر؛ فجمع الأمراء في مجلس الوزارة وبعث إليهم زمام القصور ~~يقول: هذا نجم الدين وزيري ونائبي فمن كان يطيعني فليطعه ويمتثل أمره. فقال ~~الأمراء: نحن مماليك مولانا سامعون مطيعون فرجع الزمام بهذا الجواب. فقال ~~أمير من الأمراء، شيخ يقال له درى الحرون، وهو أحد أشرار القوم ومن رفقة ~~ابن السلار: إن سمع مني ما أقول قلت. فقال له الوزير:: قل. قال: مولانا، ms523 ~~صلوات الله عليه، يعلم وأنت تعلم أن ما في الجماعة من يضرب في وجه ابن ~~السلار بسيف، وأولهم أنا؛ فإن كان مولانا يقتل جميع أمرائه وأجناده فالأمر ~~لله وله. فلما سمع الجماعة ذلك قاموا وخرجوا من القصر، وشدوا على خيولهم، ~~وساروا يريدون ابن السلار. PageV03P196 # فلما غلب الظافر عن دفعه أعطى ابن مصال مالا كثيرا، وأمره أن يعمل لنفسه ~~ما يرى فيه الخيرة وهو يساعده. وسار ابن السلار فرأى ابن مصال أنه لا طاقة ~~له به، فخرج إلى جهة الصعيد، وعدي إلى الجيزة ليلة الثلاثاء رابع عشر ~~شعبان، عندما سمع بوصول المظفر. وقدم ابن السلار إلى القاهرة في يوم ~~الأربعاء خامس عشر شعبان، فوقف على القصر وسير إلى الظافر وإلى من يدبره من ~~النساء يعلم بحاله. فجرت بينه وبين أهل القصر مراجعات كثيرة آخرها أنه فتح ~~له أبواب القصر وخلع عليه خلع الوزارة؛ ونعت بالسيد الأجل أمير الجيوش، شرف ~~الإسلام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين. # وبقي يحقد على الظافر ميله مع ابن مصال؛ وفي نفس الخليفة نفور منه أيضا. ~~وسكن دار الوزارة. # وجمع ابن مصال كثيرا من السودان ومن العربان ولواتة وغيرهم، وانضم إليه ~~بدر بن رافع، مقدم العربان، وسار بهم. فندب ابن السلار ربيبه المظفر أبا ~~منصور ركن الدين عباس بن أبي الفتوح بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس في ~~عسكر، فنزل بركة الحبش. وقدم ابن مصال أمامه الماجد في عسكر، فطرق عباسا ~~على حين غفلة وقتل من عسكره كثيرا، وانهزم جماعة؛ وثبت عباس حتى أتته ~~النجدة من الغد فكر على أصحاب ابن مصال وقاتلهم، فلم يفلت منهم إلا من سبحت ~~به فرسه في النيل؛ وأخذ الأمير الماجد نسيب ابن مصال وضربت عنقه. فسار ابن ~~مصال إلى بلاد الصعيد بجميع الأجناد والعربان. # وشرع ابن السلار يجهز عباسا فجهزه في جيش كثيف وبادر بالخروج خوفا من ~~الاجتماع على ابن مصال؛ فسار إلى دلاص ومعه طلائع بن رزيك، وهو أحد ~~المقدمين، فبرز إليه ابن مصال وواقعه عدة وجوه؛ فانجلت ms524 الوقائع عن قتل ابن ~~مصال وبدر بن رافع مقدم العربان في يوم الأحد التاسع عشر من شوال. ويقال ~~إنه بلغت عدة PageV03P197 # القتلى سبعة عشر ألفا. فعاد عباس وقد قوي ومعه رأس ابن مصال إلى القاهرة، ~~فطيف بها على قناة القاهرة ومصر يوم الخميس ثالث عشري ذي القعدة، وحمل أهله ~~وولده إلى القصر وأخليت لهم قاعة؛ وخلع على ابن السلار. # وكان ابن مصال من أهل برقة. وخدم أولا في البيدرة والصيد هو وأبوه، فتقدم ~~في الخدم حتى نال الوزارة. واتفق أنه مر في وزارته مرة فقالت له امرأة كانت ~~تعرفه في حال فقره: سليم ووزرت؟ فقال لها: نعم. قالت: والله ما وزرت وبقي ~~أحد. فضحك وأمر لها بصلة. # وكان العادل ابن السلام منذ استقر في الوزارة أخذ ينظر في أمر الأجناد ~~المعروفين بالنهضة والعزم وزاد في أرزاقهم، وتفقد خزائن السلاح، وحفظ ~~النواميس، وشد من مذهب أهل السنة، فقدم عليه الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد ~~السلفي، فأكرمه وبنى له مدرسة بالإسكندرية. # وقدم عليه مؤيد الدولة أسامة بن مرشد بن علي بن منقذ، فأكرمه. إلا أنه ~~كان يستوحش من الظافر وخائفا على نفسه فأخبر بأن ينتدب رجالا يمشون في ~~ركابه بالزرد والخوذ نحو الستمائة ويجعلهم نوبتين بزمامين في كل يوم نوبة؛ ~~وأوهم أن الخليفة خبأ له قوما يغتالونه بالقصر. فنقل جلوس الخليفة من ~~القاعة التي يدخل إليها من الدهاليز المظلمة إلى الإيوان في البراح والسعة. ~~فكان إذا دخل إلى الخليفة يدخل ومعه أولئك الذين انتدبهم كلهم، فيجلس ~~الخليفة في الشباك بالإيوان ويجلس هو من خارجه ومع هذا يبالغ في الخدمة ~~ويظهر الطاعة، ولا يخل بها في قول ولا فعل. # وكان للخليفة غلمان نحو الخمسمائة رجل يقال لهم صبيان الخاص وفيهم PageV03P198 # من هو أمير؛ فبلغ ابن السلار أنهم قد تحالفوا وتعاقدوا على أن يهجموا ~~عليه وهو في داره ليلا ويقتلوه. فلما كان في سادس عشري رمضان أغلق القاهرة ~~والقصور وأحاط بصبيان الخاص وقتلهم؛ وفر منهم عدة، فكتب إلى الولاة بقتل من ~~ظفر به ms525 منهم. وأخذ يتبعهم حتى أتى على أكثرهم. # وأصل هذه الطائفة التي كانت تعرف بصبيان الخاص أن من مات من الأمراء ~~والأجناد وعبيد الدولة وله ولد فإنه يحمل إلى حضرة الخليفة ويودع في أماكن ~~مخصوصة ويؤخذ في تعليمه أنواع الفروسية من الرمي وغيره؛ ويقال لهم صبيان ~~الخاص. # وأخذ ابن السلار في الاحتفال بأمر عسقلان وسد خللها، وحمل إليها من ~~الغلال والأسلحة شيئا كثيرا. # وولي عضد الدولة ناصر الدين نصر بن عباس ربيبه مصر بشفاعة جدته أم عباس، ~~وكان فيه جرأة، فاستدناه الخليفة الظافر وقربه واختص به. # وفيها قتل الموفق أبو الكرم محمد بن معصوم التنيسي في يوم الجمعة الرابع ~~من شوال وكان يتولى نظر الديوان. وذلك أن ابن السلار لما كان في بداية أمره ~~من جملة الصبيان الحجرية دخل يوما على الموفق بن معصوم برسالة وأعادها عليه ~~مرارا وأغلظ له في القول فنفرت منه نفس ابن معصوم. فكتب له مرة منشور ~~بإقطاع وجاء به إلى ابن معصوم ليثبته. فلما رآه تغافل عنه وأهمل أمره إهانة ~~له وكراهة فيه؛ فقال له ابن السلار وقد تكرر سؤاله وهو يعرض عنه: ما تسمع؟ ~~فقال له الموفق: كلامك ما يدخل في أذني أصلا. فولى ابن السلار وخرج من غير ~~أن يكتب له. وصرف الدهر ضرباته، وصار ابن السلار وزيرا وابن معصوم ناظر ~~الدواوين؛ فلما دخل عليه قال له: يا قاضي، ما أظن كلامي يدخل أذنك، فتلجلج ~~وقال: عفو السلطان. فقال: قد استعملت العفو بخروجي PageV03P199 # من عندك. وأشار لبعض خدمه فأحضر مسمارا حديدا عظيم الخلقة، وقال: والله ~~هذا أعددته لك من ذلك الوقت. وأمر به فجر وضرب المسمار في أذنه حتى نفذ من ~~الأخرى، وحمل إلى باب زويلة الأوسط ودق المسمار في خشبة وعلق عليها ميتا، ~~ثم أنزل بعد أيام. # وفيها رمي برأس سعيد السعداء الخادم من القصر في سابع عشر شعبان، ثم أخرج ~~وصلب بباب زويلة من ناحية الخرق. وهو هذا الذي تنسب إليه دويرة سعيد ~~السعداء التي هي اليوم خانقاه برحبة باب العيد. # وفيها ms526 قتل تاج الرئاسة ابن ... المأمون البطائحي في رابع عشر صفر. # وفيها مات أبو الحسن علي بن الحسن البيساني، والد القاضي الفاضل عبد ~~الرحيم ابن علي، وكان قاضي بيسان والناظر فيها؛ ومولده في ثاني عشر جمادى ~~الآخرة سنة إحدى وخمسمائة، ومولد أبيه الحسن يوم عيد الغدير من ذي الحجة ~~سنة ستين وأربعمائة PageV03P200 ### || سنة خمس وأربعين وخمسمائة @YY545 # فيها أغار جمع كثير من الفرنج على الفرما ونهبوها، وحرقوها وأخربوها، في ~~رجب PageV03P201 ### || سنة ست وأربعين وخمسمائة @YY546 # فيها جهز أبو منصور علي بن إسحاق، المعروف بالعادل ابن السلار، المراكب ~~الحربية بالرجال والعدد، وسيرها في ربيع الأول إلى يافا، فأسرت عدة من ~~مراكب الفرنج، وأحرقوا ما عجزوا عن أخذه، وقتلوا خلقا كثيرا من الفرنج بها. ~~ثم توجهوا إلى ثغر عكا فأنكوا فيهم؛ وساروا منه إلى صيدا وبيروت وطرابلس ~~فأبلوا بلاء حسنا، وظفروا بجماعة من حجاج الفرنج فقتلوهم عن آخرهم. # وبلغ ذلك الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، ملك الشام، فعزم على قصد ~~الفرنج ومحاربتهم في البر، ولو قدر ذلك لقطع الله دابر الفرنج، لكنه اشتغل ~~بإصلاح أمور دمشق. # وعاد الأسطول مظفرا بعد ما أنفق عليه العادل ثلثمائة ألف دينار. وسبب ~~مسير الأسطول تخريب الفرنج للفرما. # وفيها قطع العادل بن السلار جميع الكسوات المقررة للناس في الدولة فعم ~~ذلك الأمراء والدواوين وغيرهم. PageV03P202 ### || سنة سبع وأربعين وخمسمائة @YY547 # فيها صرف ابن السلار أبا الفضائل يونس عن القضاء، وكان من الأعيان ~~النزهين الأنفس، الكبيرين الهمم، العظيمين القدر، لم يشرب قط ماء النيل بل ~~ماء الآبار، ولم يأكل خبز السلطان. وقرر عبد المحسن بن محمد بن مكرم من ~~بعده؛ ثم صرفه وولى بعده بدر بن ثمال بن نصير، وقيل بل الذي تولى بعده أبو ~~المعالي محمد بن جميع ابن نجا الدسوقي الشافعي. PageV03P203 ### || سنة ثمان وأربعين وخمسمائة @YY548 # فيها خرج العسكر من القاهرة لحفظ ثغر عسقلان من الفرنج، وكانوا قد نزلوا ~~عليها في السنة الخالية. وكانت العادة أن يخرج في كل ستة أشهر عسكر بدلا من ~~العسكر الذي بالثغر. فلما قدم البدل ms527 كانت النوبة لركن الدين المظفر أبي ~~منصور عباس بن تميم ربيب العادل. فخرج ومعه من الأمراء ابنه نصر بن عباس ~~والأمير ملهم والضرغام وأسامة ابن منقذ وغيره، وكان لأسامة بعباس اختصاص ~~كبير. فلما نزلوا بعد رحيلهم من القاهرة على بلبيس تذكر عباس وأسامة مصر ~~وطيبها وما هم خارجون إليه من مقاساة السفر ولقاء العدو، فتأوه عباس أسفا ~~على مفارقته لذاته بمصر، وأخذ يلوم العادل ويثرب عليه من أجل كونه أخرجه. ~~فقال له أسامة: لو أردت كنت أنت سلطان مصر. فقال: وكيف لي بذلك؟ فقال: هذا ~~ولدك ناصر الدين بينه وبين الخليفة مودة عظيمة، فخاطبه على لسانه أن تكون ~~سلطان مصر موضع عمك، فإنه يحبك ويكره عمك؛ فإذا أجابك فاقتل عمك. فوقع هذا ~~الكلام من عباس بموقع وقبله، فاستدعى ابنه وأسر إليه بما تقرر بينه وبين ~~أسامة وسيره سرا إلى القاهرة. # وكان العادل قد كره تخصيص نصر بن عباس بالخليفة الظافر، وقال لعباس وأمه ~~والله ما ينبغي اجتماع نصر بالخليفة؛ قولا له يقصر من اجتماعه فربما نتج من ~~شابين ما لا ينبغي. وقال لأم عباس: لا يدخل ابنك داري إلا بإذني. فكأنه ~~يوحي بأنه قاتله. # فلما سار نصر من عند أبيه ودخل إلى القاهرة كان وقت غفلة من العادل ~~أمكنته فيها الفرصة، فاجتمع بالظافر وأعلمه بالحال التي قدم من أجلها، ~~فأعجبه ذلك وأذن فيه، لما كان في نفسه من قتل ابن السلار لصبيان الخاص وغير ~~ذلك. ففارق نصر PageV03P204 # الخليفة وقد قوى عزمه، وأتى إلى دار جدته السيدة بلارة بنت القاسم زوجة ~~العادل، وأخبر العادل بأن أباه سمح له بالعود إلى القاهرة شفقة عليه وخوفا ~~من وعشاء السفر فقبل ذلك ومشى عليه. فلما أصبح العادل يوم الخميس سادس ~~المحرم مضى من أول النهار إلى مصر لتجهيز المراكب الحربية والنفقة في ~~رجالها وعرضها؛ فظل نهاره في تهيئة ذلك ليلحق عباسا، وعاد في أثناء النهار ~~إلى داره بالقاهرة وقد لحقته مشقة وتعب تعبا كثيرا. فلما استلقى على الفراش ~~لينام، وكانت امرأته جدة نصر قد ms528 توجهت إلى الحمام وخلا له البيت؛ فجاء إلى ~~باب السر ودخل منه ومعه سيف، فإذا العادل قد نام وقت القائلة، فاخترط سيفه ~~وضربه وهو خائف، فوقعت الضربة على رجله، فثار من فراشه وأبصره، فقال: إلى ~~أين يا كليب! وخرج نصر يعدو، وكان قد أعسته جماعة من أصحابه، فلما صار ~~إليهم وأعلمهم بما وقع قالوا له: قد قتلت نفسك وقتلتنا! ودخلوا وهو معهم، ~~فإذا به قد جاء أستاذ من خدامه وهو يحدثه فقتلوه وأخذوا رأسه، فطلع بها نصر ~~إلى الظافر. وماج الناس في القاهرة. # وسرح الطائر للوقت بطلب عباس من بلبيس، فقام من فوره وصار إلى القاهرة، ~~فدخلها بكرة يوم الجمعة سادس المحرم، ثاني يوم قتلة العادل؛ فوجد جماعة من ~~الأتراك كان العادل اصطفاهم واختصهم قد نفروا وتوحشت قلوبهم مما وقع؛ فأخذ ~~يسكن أمرهم، فلم يثقوا به ولا اطمأنوا إليه. وخرجوا يدا واحدة فساروا إلى ~~دمشق. # وكانت قتلة العادل في يوم الخميس وقت الظهر السادس من المحرم، وله في ~~الوزارة ثلاث سنين وستة أشهر. # ولما حملت رأسه إلى الظافر أشرف من باب الذهب، ونصبت الرأس ليراها الناس، ~~ثم حملت إلى خزانة الرءوس من بيت المال وجعلت فيها مع الرءوس، وما تحرك لها ~~ساكن، ولا تكلم أحد. إلا أن نائحة كانت تسمى خسروان كانت قد مهرت في صناعة ~~النياحة على الأموات، وصارت تنشىء في نواحها الروائع، فقالت فيه ترثيه ~~سطرين أعجب بهما أدباء العصر من جملة قطعة: # ما تقبل الغفلة يا شهيد الدار # يا شبيه ذي النورين صاحب المختار PageV03P205 # وبطل مسير العساكر إلى عسقلان. فسر الفرنج ما جرى، وكانوا محاصرين ~~لعسقلان فقالوا لأهلها قتله ابنه وأنتم تقاتلون لمن؟ فلما صح الخبر لهم ~~وهنوا لانقطاع المدد عنهم حتى أخذها الفرنج وتقووا بأخذها. واستعرضوا كل ~~جارية ومملوك بدمشق من النصارى، وأطلقوا قهرا من أراد منهم الخروج من دمشق ~~إلى وطنه شاء صاحبه أو أبى. # ولما وصل عباس خلع عليه الظافر خلع الوزارة في يوم الجمعة المذكور، ونعت ~~بالأفضل ركن الإسلام، فباشر وضبط الأمور، وأكرم ms529 الأمراء وأحسن إلى الأجناد ~~لينسيهم العادل. # واستمر ولده نصر على مخافطة الخليفة، عن كل أحد، وأبوه لا يعجبه ذلك. ~~وواصل الخليفة الطافر نصر بن عباس بن تميم بالعطاء الجزيل، فأرسل إليه في ~~يوم عشرين صينية فضة فيها عشرون ألف دينار؛ ثم أغفله أياما وحمل إليه كسوة ~~من كل نوع؛ وأغفله أياما وبعث إليه خمسين صينية فضة فيها خمسون ألف دينار؛ ~~وأغفله أياما وبعث إليه ثلاثون بغل رحل وأربعين جملا بعددها وغرائرها ~~وحبالها. وكان يتردد بينهما مرتفع بن فحل في قتل نصر لابنه عباس كما قتل ~~زوج جدته العادل ابن السلار، فبلغ ذلك أباه على لسان أساة بن منقذ فلاطفه ~~واستماله. وزاد الأمر حتى كان الخليفة يخرج من قصره إلى دار نصر بن عباس، ~~التي هي اليوم المدرسة المعروفة بالسيوفية. فخاف عباس من جرأة ابنه وخشى أن ~~يحمل الخليفة على قتله فيقتله كما قتل ابن السلار، فعتبه سرا ونهاه عن ~~ملازمة الخليفة وابنه، فلم يفد فيه القول. PageV03P206 # وفيها وصلت مراكب من صقلية، فملكوا مدينة تنيس. # وفيها مات رجار بن رجار صاحب جزيرة صقلية، وقام من بعده ابنه وليالم بن ~~رجار بن رجار، فاسترد المسلمون سواحل إفريقية والمهدية. PageV03P207 ### || سنة تسع وأربعين وخمسمائة @YY549 # فيها استدعى الظافر ناصر الدولة نصر بن عباس وأخرج له صينية من ذهب فيها ~~ألف حبة ما بين لؤلؤ وياقوت أحمر وأصفر وزمرد أخضر ذبابي، وأمر له من بيت ~~المال بعشرة آلاف دينار مصرية، فقتله بعد هذه الهدية بستة أيام. وذلك أنه ~~خرج الخليفة الظافر متنكرا من قصره في ليلة الخميس سلخ المحرم ومعه خادمان، ~~وسار على عودته إلى دار نصر بن عباس، فقتله نصر، وحفر له تحت لوح رخام ~~ودفنه؛ وقتل سعد الدولة، أحد الخادمين اللذين خرجا معه من القصر، وفر ~~الآخر. # وكان سبب قتله أن الأمراء استوحشوا من أسامة بن منقذ عندما علموا أنه هو ~~الذي حسن لعباس قتل ابن السلار وتحدثوا بقتله، وقيل للظافر عنه إنه غريب ~~ومن دولة أخرى وإن في تركه وقوع ما لا يمكن ms530 تداركه. فلما بلغ أسامة ذلك أخذ ~~يغري عباسا بابنه نصر ويبالغ في القصة حتى قال له يوما: كيف تصبر على ما ~~يقول الناس في حق ولدك واتهامهم الخليفة أنه يفعل به ما يفعل بالنساء. فشق ~~على عباس ولام ابنه، فلم يصغ إلى لومه. فلما أنعم الظافر على نصر بناحية ~~قليوب وحضر إلى أبيه ليعلمه بذلك قال أسامة، وكان PageV03P208 # حاضرا، ما هي بمهرك غالية. فامتعض لذلك عباس وقال لأسامة: كيف الحيلة في ~~الخلاص مما بلينا به؟! فقال: هين؛ هذا الخليفة في كل وقت يأتي إلى عند ولدك ~~في داره خفية، فمره إذا جاء أن يقتله. فاستدعى عباس ابنه وقال: يا بني قد ~~أكثرت من ملازمة الخليفة وتحدث الناس في حقك بما أوجع باطني، وقد يصل من ~~هذا إلى أعدائنا ما لا يزول. فاحتد نصر وقال له: أيرضيك قتله؟ فقال: أزل ~~التهمة عنك كيف شئت. فأخذ نصر يعمل الحيلة في قتل الظافر وسأله أن يخرج إلى ~~داره ليلا في سر من الخدم ليتفسحا في منزله ليلة واحدة؛ وكان منزله دار ~~المأمون البطائحي. فخرج إليه في عدة يسيرة من الخدم؛ فلما تحصل عنده ~~اغتاله، وقتل الخدم الذين معه بالجماعة الذين قتل بهم العادل ابن السلار، ~~ورمى بهم في جب عنده، وغطى رأس الجب بقطعة رخام بيضاء فصارت من جملة رخام ~~المجلس، فخفى أمره. ثم مضى نصر إلى أبيه وعرفه قتل الظافر. # وكان الظافر من أحسن الناس صورة، وقتل وله من العمر إحدى وعشرون سنة ~~وتسعة أشهر وخمسة عشر يوما، منها مدة خلافته أربع سنين وسبعة أشهر وأربعة ~~عشر يوما. وكان محكوما عليه من الوزراء. # وفي أيامه أخذ الفرنج عسقلان واستولوا عليها، وظهر الوهن والخلل في ~~الدولة، فإنه كان كثير اللهو واللعب مع جواريه، مقبلا على سماع المغنى. وهو ~~الذي أنشأ الجامع المعروف الآن بجامع الفكاهين في خط الشوايين من القاهرة. PageV03P209 # وفيها ملك نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر دمشق من مجير ~~الدين أبق بن محمد بن بوري بن طغتكين، ms531 فسار أبق إلى بغداد، وبها مات. # وكان عند الإمام الظافر في قصر الروض ببغاء بيضاء تقرأ المعوذتين وتستدعي ~~كثيرا من الأستاذين بأسمائهم ونعوتهم. PageV03P210 ### | الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى بن الظافر بأمر الله أبي المنصور وإسماعيل بن الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد PageV03P211 # يقال في اسم أمه ست الكمال، ويقال إحسان. ولد يوم الجمعة حادي عشر ~~المحرم، وقيل لتسع بقين من المحرم، سنة أربع وأربعين وخمسمائة؛ وبويع له ~~عند قتل أبيه يوم الخميس سلخ المحرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وعمره يومئذ ~~خمس سنين وعشرون يوما وكان من خبره أنه ما قتل نصر بن عباس الخليفة الظافر ~~في ليلة الخميس أصبح الوزير عباس متوجها إلى القصر في يوم الخميس على ~~العادة، فلما صار إلى مقطع الوزارة وطال جلوسه والخليفة لم يجلس استدعى ~~زمام القصر مفلحا وقال له: إن كان مولانا ما يشغله عنا في هذا اليوم عدنا ~~إليه في الغد. فمضى الزمام وهو حائر لا يدري ما يعمل وأعلم أخوي الظافر، ~~يوسف وجبريل، وكانا رجلين وأحدهما مكتهل، فأخبرهما بالقصة، ولم يكن عندهما ~~من خروج أخيهما إلى دار نصر بن عباس خبر ولا علما إلا في تلك الساعة؛ فلم ~~يشكا حينئذ أنه قتل، وقالا للزمام: هبك اعتذرت اليوم هل يتم لك هذا مع ~~الزمان؟ فقال: فما تأمراني؟ فقالا: اصدقه وحاققه. فعاد إليه وقال: ثم سر ~~ألقيه إليك بحضور الأمراء الأستاذين. فقال: ما ثم إلا الجهر. فقال: إن ~~الخليفة خرج البارحة لزيارة ولد لك فلم يعد بغير العادة. فقال: تكذب يا عبد ~~السوء، وإنما أنت مبايع أخويه يوسف وجبريل اللذين حسداه على الخلافة ~~واغتالاه فاتفقتم على هذا القول. فقال: معاذ الله. قال: فأين هما؟ فخرجا ~~إليه ومعهما ابن عم لهما يقال له أبو التقى صالح بن حسن بن عبد المجيد ابن ~~محمد بن المستنصر، فقال: حضرا. فقال لهما: أين الخليفة؟ فقال الثلاثة: هو ~~بحيث يعلم ابنك ناصر الدين، قال: لا، وإنما أنتما قتلتماه حسدا له. قالا: ~~هذا بهتان PageV03P213 # منك لأن بيعة أخينا ms532 في أعناقنا وهؤلاء الأمراء الحاضرون يعلمون ذلك، ~~وإننا لفي طاعته بوصية أبينا. فكذبهما، وأمر غلمانه يقتلونهم، الثلاثة. # وكان في القصر ألف سيف مجردة، فشوهد أمر قبيح لم ير أشنع منه لما جرى فيه ~~من البغي الذي ينكره الله تعالى وجميع الخلق. # وقال لزمام القصر: أين ابن مولانا؟ فقال: حاضر. قال: فدلني إلى مكانه. ~~فدخل بنفسه إليه، وكان عند جدته لأمه، فحمله على كتفه وأخرجه للناس قبل أن ~~يرفع القتلى، وبويع بالخلافة، ولقب بالفائز بنصر الله؛ وعمره يومئذ خمس ~~سنين وعشرون يوما؛ وصار يشاهد القتلى فحصل له فزع واضطراب، وما زال مدة ~~خلافته لم يطب له عيش لأنه كان يصرع كل قليل. PageV03P214 # ومن طريف ما وقع في هذا اليوم أن الوزير عباسا لما أراد الدخول إلى ~~المجلس وجد بابه قد قفل من داخل، وكان متولى فتح المجلس وغلقه أستاذ شيخ ~~يقال له أمين الملك؛ فاحتالوا في الباب حتى فتحوه ودخلوا، فإذا أمين الملك ~~خلف الباب وهو ميت وفي يده المفتاح. # وفي أثناء ذلك حضر الخادم الذي أفلت من نصر إلى القصر وحدثهم بكيفية قتلة ~~الظافر، فكثرت النياحة عليه بالقصور. وظن عباس أن الأمر قد استقام له، فجاء ~~خلاف ما أمل. وأخذ أهل القصور في إعمال الحيلة عليه؛ وكان الأمراء والسودان ~~قد نافروه واستوحشوا منه لما فعله بأولاد الحافظ، وأضمروا له العداوة ~~والبغضاء. فاختلفت عليه الكلمة، وهاجت الفتنة، وصار العسكر أحزابا ولبسوا ~~السلاح. فخرج إليهم عباس في يوم الاثنين العاشر من ربيع الأول، فكانت بينه ~~وبينهم محاربة انكسروا فيها منه، وقتل منهم جماعة. # هذا وأهل القصر في تدبير العمل عليه، فبعثت عة الفائز إلى فارس المسلمين ~~أبي الغارات طلائع بن رزيك، وكان واليا على الأشمونين والبهنسا، بالكتب وفي ~~طيها PageV03P215 # شعور النساء تستصرخ به على عباس؛ وكتب إليه أيضا الجليس بن الحباب. ~~فامتعض عند وقوفه على الكتب ورؤية شعور النساء، وجمع العربان والأجناد ~~مقطعي البلاد. # وبلغ ذلك عباسا، فخرج من القاهرة بالعساكر في عاشر صفر، وجعل ابنه ناصر ~~الدين بالقاهرة، وأنفذ إلى طلائع ms533 بحسين بن أبي الهيجاء، زوج ابنته، ليرده ~~عما عزم عليه. فلما خلا به قال له: تقاتل عباسا وله خمسة آلاف مملوك!! قال: ~~أقتاله بنفسي ونفسك. قال: أما الآن فنعم. ففت ذلك في عضد عباس لشهرة حسين ~~وشجاعته. # وعندما نزل عباس إلى إطفيح في بكرة يوم الثلاثاء، خامس عشره، لحق أعراب ~~إطفيح بابن رزيك، فوافوه على أبويط، فسار بهم ونزل دهشور، فاضطرب عباس ورجع ~~إلى القاهرة، وتفرق عنه الناس إلى طلائع بن رزيك، وصار من أهل البلد في ~~مناكدة. وغلقوا أبواب القاهرة ووقع القتال في الشوارع، فاستظهر عليهم عباس ~~وفتحوا الأبواب وقد تحقق عداوة الأمراء والجند له. # واتفق أنه مر يوما فرمى من طاق ببعض الشوارع بهاون، ورمى مرة بقدر مملوءة ~~طعاما حارا؛ فقال: ما بقي بعد هذا شيء. وعزم على الفرار فلم يقدر، وغلقت ~~أبواب القاهرة. # واشتغل الناس بهذا الحادث وهو يدبر في الخروج من القاهرة، فأشار عليه بعض ~~خواسه بتحريق القاهرة فأبى وقال: يكفي ما جرى. فلما عدى طلائع بن رزيك إلى ~~حمول عول PageV03P216 # عباس وولده نصر على المسير من مصر بكل ما يملكانه من مال وسلاح وما قدرا ~~عليه من حواصل الدولة وكان له مائتا حصان وحجرة مجنوبة على أيدي الرجال، ~~ومائتا بغل رحل، وأربعمائة جمل تحمل أثقاله في يوم الجمعة ثاني عشر ربيع ~~الأول بعد ما حلف الأمراء ألا يخونوه. وأحضر مقدمي العرب من رزيق وجذام ~~وسنبس وطلحة وجعفر ولواتة، وحلفهم. # فلما كان يوم الجمعة ركبوا عليه بكرة وتبعهما أسامة بن منقذ وجماعة؛ وبلغ ~~ذلك طلائع فسار ونزل قبالة المقس في عشية نهاره، وخرج الناس إلى المقابر. ~~وبات في عشاري، وأصبح، فأقام إلى يوم الأربعاء تاسع عشره، فركب يريد القصر ~~وقد خرج الأمراء إليه، منهم من قاتله ومنهم من انضم إليه؛ فلم يكن غير ساعة ~~حتى انجلى الأمر عن فرار عباس وولده وابن منقذ؛ فنهب الناس دورهم. # ودخل طلائع إلى القاهرة وشقها بعساكره في يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع ~~الأول، وهو لابس ثيابا سوداء، وأعلامه وبنوده كلها ms534 سود، وشعور النساء التي ~~أرسلت إليه من القصر على رءوس الرماح. فكان هذا من الفأل العجيب، فإن ~~الأعلام العباسية السود دخلت إلى القاهرة وأزالت الأعلام العلوية البيض بعد ~~خمس عشرة سنة. # ونزل طلائع بدار المأمون التي كان يسكنها نصر بن عباس. وأحضر الخادم الذي ~~كان مع الظافر لما قتل، فأعلمه بالحال، فمضى راجلا من القصر إلى دار نصر بن ~~عباس، واستخرج الظافر والأستاذ الذي كان معه، وغسلهما وكفنهما؛ وحمل الظافر ~~في تابوت مغشى الأستاذون والأمراء ومشى طلائع وهو حاف قد شق ثيابه ومعه ~~الناس بأجمعهم حتى PageV03P217 # وصل إلى القصر، فصلى عليه الخليفة الفائز، ودفن في تربة القصر مع آبائه. # وجلس الفائز بقية النهار وخلع على طلائع بن رزيك بالموشح والعقد الجوهر، ~~وخلع على ولديه، ونعت بالأجل الناصر، سند الإمام، زعيم الأنام، مجير ~~الإسلام، خدن أمير المؤمنين. وخلع على أخيه ونعت بنعوت الصالح قبل الوزارة؛ ~~وخلع على حواشيه. وأجرى في الخلع مجرى الأفضل بالطيلسان المقور، وأنشىء له ~~سجل عظيم نعت فيه بالملك الصالح، ولم يلقب أحد من الوزراء قبله بالملك، ~~وذلك يوم الخميس الرابع من شهر ربيع الآخر. # وكتب في سجله، على طرفه، بخط الفائز: لوزيرنا السيد الأجل الملك الصالح، ~~ناصر الأئمة، كاشف الغمة، أمير الجيوش، سيف الإسلام، غياث الأنام، كافل ~~قضاة المسلمين، هادي دعاة المؤمنين، أبي الغارات طلائع بن رزيك الفائزي؛ ~~عضد الله بن الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى ~~أبدا كلمته، من جلالة القدر، وعظيم الأمر، وفخامة الشان، وعلو المكان، ~~واستيجاب التفضيل، واستحقاق غايات المن الجزيل، ومزية الولاء الذي بعثه على ~~بذل النفس في نصرتنا، ودعاه دون الخلائق إلى القيام بحق مشايعتنا وطاعتنا، ~~مما يبعثنا على التبرع له ببذلك كل مصون، والابتداء من ذاتنا بالاقتراح له ~~بكل شيء يسر النفوس ويقر العيون؛ والذي يعمله هذا السجل من تقريظه وأوصافه، ~~فالذي تشتمل عليه ضمائرنا أضعاف أضعافه، ولذلك شرفناه بجميع التدبير ~~والإنالة، ورفعناه إلى أعلى رتب الأصفياء بما جعلناه له من الكفالة. والله ~~تعالى يعضد به دولتنا، ويحوط ms535 به حوزتنا، ويمده بمواد التوفيق والتأييد، ~~ويجعل أيامه في وزارتنا ممنوحة غاية الاستمرار والتأبيد إن شاء الله تعالى. PageV03P218 # وكان سجلا في غاية الطول والكبر، من إنشاء الآجل الموفق أبي الحجاج يوسف ~~ابن علي بن الخلال. # ونزل الملك الصالح بالخلع والأمراء وغيرهم من أهل الدولة مشاة في ركابه ~~إلى دار الوزارة، فجلس للهناء، وتقدم الشعراء فأنشدوا عدة مدائح ذكروا فيها ~~هذه الحالة والواقعة. وكانوا عدة، منهم عبد الرحيم بن علي البيساني، ~~والقاضي الأجل الرشيد أحمد بن الزبير، PageV03P219 # والقاضي الجليس عبد العزيز بن الحسنين بن الحباب، والقاضي السعيد جلال ~~الملك الأشرف ضياء الدين أبو علي الحسن بن محمد بن محمد بن إسماعيل بن ~~كاسيبويه، وأبو محمد يحيى ابن خير، الملقب ديك الكرم الشاعر، وغيرهم وأما ~~عباس فإنه سار بمن معه يريد أيلة ليسير منها إلى بلاد الشام، فأرسلت أخت ~~الظافر إلى الفرنج بعسقلان رسلا على البريد تعلمهم الحال وتبذل لهم الأموال ~~في الخروج إلى عباس، وأباحتهم جميع ما معه، وأن يعبثوا به إلى القاهرة، ~~فأجابوا إلى ذلك، وخرجوا إليه. فلما أدركوه ثبت لهم ودافعهم عن نفسه، فخذله ~~أصحابه وفروا عنه مع أسامة بن منقذ إلى الشام، فقاتل الفرنج حتى قتل؛ وأسر ~~ابنه نصر فعمل في قفص حديد وحمل إلى القاهرة، فدخل به إلى القصر يوم ~~الاثنين سابع عشري ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة، وأخرج من يوم الاثنين ~~الثامن عشر من ربيع الآخر قتيلا مقطوع اليد اليمنى، وصلب سحرا على باب ~~زويلة، فكان يوم عظيما عند الناس. واستولى الفرنج على جميع ما كان معهم. # ولما سير الفرنج بنصر بن عباس إلى القاهرة أنشد عندما عاين البلد: # بلى؛ نحن كنا أهلها، فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر # وخرج الناس عند قدومه إلى القاهرة ليروه فبالغوا في سبه ولعنه، وبصقوا ~~عليه، حتى دخل القصر؛ وعرض في القفص وقتل؛ قتله الجواري نخسا بالمسال وصفعا ~~بالنعال PageV03P220 # وقطعوا لحمه واشتووه وأطعموه إياه حتى مات، ثم أخرج وصلب على باب زويلة، ~~وأحرق بعد ذلك. # وتتبع الصالح من كان مع نصر ms536 بن عباس في قتل الظافر، فقتل قايماز وفتوح ~~الأخرس وابن غالب صبرا بين يديه في جماعة معهم. وثبتت أموره فنعت نفسه ~~بفارس المسلمين نصير الدين، الصالح؛ ومدحه الشعراء بذلك. # وشرع الصالح في الميل على المستخدمين وأخذ أموالهم؛ وتتبع أرباب البيوتات ~~والنعم والأعيان فسلبهم نعمهم. وقبض على عدة من الأمراء وقتلهم في ثالث عشر ~~ربيع الأول، وعلى عدة من أرباب العمائم، منهم أبو الحسن علي بن سليم بن ~~البواب ناظر الدواوين، وكان عارفا بالحساب والمنطق والهندسة، مليح الشعر ~~والترسل، جيد الكتابة. # وأخذ يعمل على الأمراء المتقدمين في الدولة، مثل ناصر الدين ياقوت، صاحب ~~الباب، وكان قد ناب عن الحافظ مرة في مرضة مرضها مدة ثلاثة أشهر وكاد يوليه ~~الوزارة؛ ومثل الأوحد بن تميم، والي دمياط وتنيس، فإنه كان قد تحرك لما سمع ~~قضية عباس وسار يريد القاهرة، فسبقه طلائع بن رزيك بيوم، فصار يحقد عليه ~~كونه هم بأمر ربما نال به الوزارة، غير أنه لم يسعه إلا إعادته إلى ولايته ~~وأضاف إليها الدقهلية والمرتاحية وهو يسر له المكر. # وكان من أمراء الدولة تاج الملوك قايماز، وهو من أكابر الأمراء، ويليه ~~ابن غالب؛ فحمل الأجناد عليهما حتى قتلا ونهبت دورهما. # ثم إنه قلق من قرب الأوحد منه وأراد إبعاده عنه، فنقله من ولاية دمياط ~~وتنيس PageV03P221 # إلى ولاية سيوط وأخميم؛ فخلت له القاهرة. وأظهر مذهب الإمامية وباع ~~الولايات للأمراء وجعل لكل ولاية سعرا ومدة ستة أشهر فقط؛ فتضرر الناس من ~~كثرة ترداد الولاة عليهم. # وضيق مع ذلك على أهل القصر طمعا في صغر سنة الخليفة. وجعل له مجلسا يحضره ~~أهل الأدب في الليل وطارحهم فيه الشعر فهرع إليه الناس ودونوا ما ينظمه من ~~الشعر، وكان ابن الزبير يعنه على إصلاحه وتنميقه. PageV03P222 # فيها صرف الصالح عن قضاء القضاة أبا المعالي مجلى بن جميع، الفقيه ~~الشافعي، وولى القاضي المفضل أبا القاسم هبة الله بن عبد الله بن كامل بن ~~عبد الكريم في أخريات شعبان. # فيها بلغ التليس ستة دنانير. # فيها مات القاضي المرتضى أبو عبد ms537 الله محمد بن الحسين الطرابلسي، المعروف ~~بالمحنك، وكان قد ولي نظر الدواوين والخزائن؛ وله تاريخ خلفاء مصر قطع فيه ~~على الحافظ. # ومات ركن الخلافة أبو الفضل جعفر فاتك بن مختار بن حسن بن تمام، أخو ~~الوزير المأمون بن البطائحي، وصلى عليه الصالح. # وفيها كتب المقتفي لأمر الله العباسي عهدا لنور الدين محمود بن زنكي، ~~صاحب دمشق بولاية مصر والساحل، وبعثه إليه بمراكب زحف وأمره بالمسير إليها ~~لما بلغه قتل الظافر وإقامة الفائز من بعده وهو صغير، وقيل له قد اختلت ~~أحوال الدولة بمصر. PageV03P223 ### || سنة خمسين وخمسمائة @YY550 # فيها مضى الأسطول إلى ميناء صور فملكها وأخربها وأحرقها، وعاد مظفرا بعدة ~~مراكب فيها حجاج من النصارى وغيرهم، وبعدة كبيرة من الأسرى وبغنائم جزيلة. # وفيها خرج على الصالح الأمير الأوحد بن تميم، والي إخميم وأسيوط، وجمع ~~جمعا موفورا، فسير إليه الصالح عدة من العسكر، فكانت بينهما عدة وقائع ~~أسفرت عن قتله الأوحد في يوم الأربعاء سابع عشر رجب. # وفيها قدم الفقيه نجم الدين عمارة بن أبي الحسن علي، اليماني الحكمي في ~~شهر PageV03P224 # ربيع الأول، برسالة قاسم بن فليتة أمير الحرمين؛ فأحضر في قاعة الذهب من ~~القصر يوم السلام، وقد جلس الخليفة الفائز وحضر الوزير الملك الصالح طلائع ~~بن رزيك والأمراء، على العادة؛ فأدى الرسالة وأنشد: # الحمد للعيس بعد العزم والهمم ... حمدا يقوم بما أولت من النعم # لا أجحد الحق، عندي للركاب يد ... تمنت اللجم فيها رؤية الخطم # قربن بعد مزار العز من نظري ... حتى رأيت إمام العصر من أمم # ورحن من كعبة البطحاء والحرم ... وفدا إلى كعبة المعروف والنعم # فهل درى البيت أني بعد فرقته ... ما سرت من حرم إلا إلى حرم # حيث الخلافة مضروب سرادقها ... بين النقيضين من عفو ومن نقم # وللإمامة أنوار مقدسة ... تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم # وللنبوة آيات تنص لنا ... على الخفيين من حكم ومن حكم # وللمكارم أعلام تعلمنا ... مدح الجزيلين من بأس ومن كرم # وللعلا ألسن تثنى محامدها ... على الحميدين من فعل ومن شيم # وراية الشرف البذاخ ترفعها ms538 ... يد الرفيعين: من مجد ومن همم # أقسمت بالفائز المعصوم معتقدا ... فوز النجاة وأجر البر في القسم # لقد حمى الدين والدنيا وأهلهما ... وزيره الصالح الفراج للغم # اللابس الفخر لم تنسج غلائله ... إلا يد الصنعين: السيف والقلم PageV03P225 # وجوده أوجد الأيام ما اقترحت ... وجوده أعدم الشاكين للعدم # قد ملكته العوالي رق مملكة ... تعير أنف الثريا عزة الشمم # أرى مقاما عظيم الشأن أوهمني ... في يقظتي أنها من جملة الحلم # يوم من العمر لم يخطر على أملى ... ولا ترقت إليه رغبة الهمم # ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدح فما أرضى لكم كلمى # ترى الوزارة فيه وهي باذلة ... عند الخلافة نصحا غير متهم # عواطف علمتنا أن بينهما ... قرابة من جميل الرأي لا الرحم # خليفة ووزير مد عدلهما ... ظلا على مفرق الإسلام والأمم # زيادة النيل نقص عند فيضهما ... فما عسى يتعاطى منة الديم # فكان الصالح يستعيد أبياتها في حال الإنشاد مرارا، والأمراء والأستاذون ~~يذهبون في الاستحسان كل مذهب. ثم أفيضت عليه خلع الخليفة المذهبة، ومنح له ~~الصالح خمسمائة دينار، وأخرجت إليه السيدة الشريفة بنت الحافظ مع الأستاذين ~~خمسمائة دينار أخرى؛ وحمل المال معه إلى منزله، وأطلقت له من دار الضيافة ~~رسوم جليلة؛ وتهادته أمراء الدولة إلى منازلهم للولائم. # واستحضره الصالح للمجالسة، ونظمه في سلك أهل المؤانسة، وانثالت عليه ~~صلاته، وعمره ببره. وصار يحضر في الليل عنده مع الشيخ الجليل أبي المعالي ~~ابن الحباب، والشيخ الموفق ابن الخلال، وأبى الفتح محمود بن قادوس، والمهذب ~~أبي محمد الحسن بن PageV03P226 # الزبير، وولد الصالح مجد الإسلام رزيك، وصهره، الأجل المظفر الأمين، سيف ~~الدين حصن المسلمين، ذي الفضائل والمناقب، يمين أمير المؤمنين، أبي عبد ~~الله الحسين بن الأمير فارس الدولة أبي الهيجاء الفائزي الصالحي، وأخيه ~~فارس المسلمين بدر بن رزيك؛ وقريبه عز الدين حسام، وضرغام، وعلي بن الزبرد، ~~ويحيى بن الخياط، ورضوان بن جلب راغب، وعلي هوشات، ومحمد بن شمس الخلافة. ~~وهؤلاء أهل مجلس الليل. # وأنشده يوما وهو في القبو من دار الوزارة قصيدة منها: # دعوا كل شمتم غير بارق ... يلوح ms539 على الفسطاط صادق نشره # وزوروا المقام الصالحي، فكل من ... على الأرض ينسى ذكره عند ذكره # ولا تجعلوا مقصودكم طلب الغنى ... فتجنوا على مجد المقام وفخره # ولكن سلوا منه العلا تظفروا بها ... فكل امرئ يرجى على قدر قدره # فرمى إليه الخريطة فوجد فيها خمسمائة دينار وخمسين رباعيا. ومدحه في ~~شعبان بقصيدة فدفع إليه الخريطة، فإذا فيها ثلاثة وسبعون دينارا. PageV03P227 # ثم لما عزم على الرجوع ودع الخليفة والصالح بن رزيك بقصيدة، فأوسعاه ~~إكراما وإنعاما، ورسم أن يكون تسفيره خمسمائة دينار كما كانت وفادته، وبعثت ~~إليه السيدة مثل ذلك؛ وخلع عليه للسفر، ودفع له الصالح مائة دينار. وكتب له ~~إلى ناصر الدولة والي قوص بمائة إردب من القمح وحملها من مال الديوان إلى ~~مكة. وكتب له كتاب إلى محمد بن عمران، صاحب عدن، ببراءته من ثلاثة آلاف ~~دينار وإسقاطها عنه. # وسار في شوال إلى مكة فتسلم القمح من قوص وحمل معه إلى مكة من مال ~~الديوان. ولما وقف صاحب عدن على الكتاب أبرأه من الثلاثة آلاف دينار ~~وأسقطها عنه، فسير إلى الصالح بقصيدة من عدن يشكره على ذلك؛ فلما وقف عليها ~~قال: قد فرطنا فيه حين تركناه يخرج من عندنا، ولقد كان إمساكه للخدمة ~~والصحبة أولى. # ثم عاد بعد ذلك بمدة، واستقر بعد ذلك من جملة خدام الدولة وخواصها. # فيها مات الفقيه أبو المعالي مجلى بن جميع بن نجا المخزومي القرشي ~~الأرسوفي الشافعي، صاحب كتاب الذخيرة في الفقه. PageV03P228 ### || سنة إحدى وخمسين وخمسمائة @YY551 # فيها نزع السعر ووقع الغلاء بديار مصر، فلحق الناس منه شدة PageV03P229 ### || سنة اثنين وخمسين وخمسمائة @YY552 # فيها كان انفساخ الهدنة بين الفرنج وبين المصريين، فشرع الصالح في النفقة ~~على العساكر وعربان البلاد للغارة على بلاد الفرنج. فأخرج سرية في سابع عشر ~~جمادى الأولى وأتبعها بأخرى في رابع عشر جمادى الآخرة؛ فوصلت الأولى إلى ~~غزة ونهبت أطرافها، ثم سارت إلى عسقلان فأسرت وغنمت وعادت مظفرة غانمة. ثم ~~ندب سرية ثالثة، فمضت إلى الشريعة فأبلت بلاء حسنا وعادت ومؤيدة. وسير ~~المراكب الحربية فانتهت إلى ms540 بيروت وأوقعت بمراكب الفرنج وأسرت منهم وغنمت. ~~وسير عسكرا في البر إلى بلاد الشوبك فعاثوا فيها وغاروا ورجعوا بالغنائم في ~~رجب ومعهم كثير من الأسرى. ثم سير الأسطول إلى عكا فأسروا نحوا من سبعمائة ~~نفس بعد حروب كثيرة، وعاد الأسطول في رمضان. وجهز سرية فغارت على بلاد ~~الفرنج وعادت بالغنائم في رمضان. ثم بدأت سرية في أول ذي القعدة وأردفها ~~بأخرى في خامسه فوصلت غاراتهم إلى أعمال دمشق وعادوا غانمين. # وفيها قدم رسول نور الدين محمود صاحب دمشق. PageV03P230 # وفيها كسرت مراكب للفرنج فيها الحجاج منهم على ثغر الإسكندرية، فقبض ~~عليهم نائب الثغر وجهزهم. # وفي سلخ ذي الحجة قبض الصالح على الأمير ناصر الدولة ياقوت والي قوص وعلى ~~أولاده واعتقلهم من أجل أنه بلغه عنه أنه كاتب أخت الظافر وقصد القيام على ~~الصالح وأخذ الوزارة. وكان ناصر الدولة في ولاية قوص من أيام عباس، ولما ~~استدعى أهل القصر طلائع من الأشمونين لم يجسر على الحركة حتى كتب إلى ناصر ~~الدولة يعلمه بذلك ويستدعيه ليكون له الأمر، فأعاد جوابه يظهر الزهد في ذلك ~~وأنه تركه من أيام الخليفة عن قدرة، ظنا منه أن طلائع لا يصلح ولا يتم له ~~ما يريد من مقاومة عباس؛ فخاب رجاؤه. ولم يزل به الصالح حتى أودعه السجن، ~~ولم يزل به حتى مات فيه في رجب من الآتية. # وفيها أحضر إلى القاهرة رجل كامل الأعضاء سريع الحركة، طوله من رأسه إلى ~~قدمه أربعة أشبار، وله عدة أولاد؛ فدخل على الصالح حتى رآه. # في هذه السنة زلزلت الشام زلازل عظيمة أخربت حصن شيزر، وأكثر حماة وبعض ~~كفر طاب وأفامية؛ وزلزلت في حلب وغيرها من البلاد؛ وكانت بدمشق خفيفة لم ~~تخرب شيئا، ودامت مدة بأرض الشمال. PageV03P231 # وفيها سقطت دار بخط سوق وردان من مدينة مصر هلك بها جماعة من سكانها، من ~~جملتهم امرأة ترضع ولدا أخرجت من تحت الردم ميتة، وأخرج الطفل ابنها في ~~ثاني يوم وهو حي، فسلم إلى من ترضعه، وعاش حتى بلغ مبالغ الرجال. # واتفق أيضا ms541 في هذه السنة أن السديد أبا النقباء صالحا كان يخدم في عمالة ~~الرباع السلطانية بمصر، ومما يجري فيها دار ابن معشر عند فم السد الذي يفتح ~~كل سنة عند كسر الخليج إذا كان وفاء النيل، فإذا كان قرب الوفاء رسم بمرمة ~~هذا الدار، فرممت وأسكنت في موسم الخليج، فيتحصل من أجرتها في يوم وليلة ما ~~يتحصل من أجرة سنة كاملة. فرمها في هذه السنة وأسكنها على العادة، وسكن في ~~بيت تحتاني منها، فامتلأت جميعها حتى لم يبق فيها ما يسع أحدا، فسقطت وهلك ~~جميع من فيها إلا هو، فإنه أخرج بعد يومين من تحت الردم فيه رمق فبرأ وعاش ~~مدة طويلة، ثم طلع يوما وهو عجل إلى منزل سكناه بحارة الروم من القاهرة ~~اندقت ساقه في درجة وحدث بها خدش يسير فمات منه. PageV03P232 ### || سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة @YY553 # في المحرم جهز الصالح أربعة آلاف وأمر عليهم شمس الخلافة أبا الأشبال ~~ضرغاما للغارة على بلاد الفرنج، فساروا في صفر إلى تل العجول وحاربوا ~~الفرنج في النصف منه، فانهزموا من المسلمين هزيمة قبيحة عليهم. وسير عسكرا ~~في آخر في شعبان، فواقعوا الفرنج على العريش وعادوا ظافرين بعدة غنائم ما ~~بين خيول وأموال. # وفيها قدم رسول الملك العادل محمود بن زنكي؛ وقدمت رسل الفرنج يسألون في ~~الصلح؛ ورسول صاحب قسطنطينية يسأل إسعافه بمراكب نجدة له على صاحب صقلية. # وفيها خرجت من القاهرة سرية إلى بيت جبرين وعادت غانمة. وسار الأسطول في ~~يوم الجمعة ثالث عشري ربيع الآخر فانثنى إلى تنيس في الثامن من شعبان وأقعل ~~منه إلى بلاد الفرنج. # وفي سادس عشري ربيع الآخر قدم أسطول الاسكندرية وقد امتلأت أيدي الغزاة ~~بالغنائم. وفي ربيع الآخر سار عسكر إلى وادي موسى فنزل على حصن الدميرة ~~وحاصره ثمانية أيام، وتوجه إلى الشوبك وأغار على ما هنالك؛ وأقام أميران ~~على الحصار وعاد بقية العسكر. PageV03P233 # وفي التاسع من جمادى الأولى سار عسكر إلى القدس فخرب وعاد بالغنائم. وورد ~~الخبر بوقعة كانت على طبرية كسر فيها الفرنج وانهزموا، فأخذ ms542 الصالح في ~~النفقة على طوائف العسكر، وكان جملة ما أنفقه فيها مائة ألف دينار. فلما ~~تكامل تجهيزهم سير خمس شوال في الخامس من شعبان، فتوجهت لسواحل الشام، ~~وظفرت بمراكب من مراكب الفرنج وعادت بكثير من الغنائم والأسرى في الثاني ~~والعشرين من رمضان. وخرج العسكر في البر وقد ورد الخبر بحركة متملك العريش ~~يريد الغارة على أطراف البلاد، فلما بلغه سير العسكر لم يتحرك، ورجع ~~العسكر. # وجهز رسول محمود بن زنكي بجواب رسالته ومعه هدية فيها من الأسلحة وغيرها ~~ما قيمته ثلاثون ألف دينار، ومن العين ما مبلغه سبعون ألف دينار تقوية له ~~على جهاد الفرنج. وكتب إلى الصالح كتابا ضمنه قصيدة يحرضه فيها على قتال ~~الفرنج، فوصلت إليه في سادس عشر من شهر رمضان، ولبس نور الدين خلعة الملك ~~الصالح طلائع؛ وانقضت السنة في تجهيز العساكر في البر والبحر ومسيرها ~~وعودها بالغنائم الكثيرة والأسارى العديدة، منهم أخو القمص صاحب قبرص، ~~فأكرمه الصالح وبعث به إلى ملك القسطنطينية. وكثرت الغنائم من الفرنج ~~بالقاهرة حتى امتلأت الأيدي بها. # وقال الصالح في هذه الغزوات عدة قصائد مطولة. PageV03P234 # وفيها مات القاضي المفضل كافي الكفاة محمود بن القاضي الموفق إسماعيل بن ~~حميد القاضي، المعروف بابن قادوس، في سابع المحرم؛ فحضر الصالح إلى داره ~~بمصر ومشى في جنازته حتى صلى عليه، ومضى إلى تربته عند مسجد الأقدام ~~بالقرافة. وكان من أماثل المصريين وأعيان كتابهم، مقدما عند الملوك. وله ~~ديوان شعر. PageV03P235 ### || سنة أربع وخمسين وخمسمائة @YY554 # في شهر ربيع الأول، في خامسه، قدم رسول الفرنج بهدية لطلب الهدنة. # وقدم رسول نور الدين يخبر بأنه متوجه نحو بلاد الفرنج، وأشار بإخراج عسكر ~~نحوهم؛ فخرجت سرية إلى غزة. وعاد رسول نور الدين، وهو الحاجب محمود ~~المسترشدي، وصحبته الأمير عز الدين أبو الفضل غسان بن محمد بن جلب راغب ~~الآمري؛ وكانا قد توجها إلى نور الدين في السنة الخالية وخرجا من دمشق في ~~نصف صفر. فندب الصالح العساكر للغارة، وأنفق في ستة آلاف وخمسمائة فارس، ~~فساروا في سادس جمادى الأولى. وتوجه ms543 الأسطول في البحر، وذلك أن ملك ~~القسطنطينية أراد غزو بلاد ابن لاون، صاحب أرمينية فبعث يعلم نور الدين ~~بذلك، فكتب نور الدين يستنجد الملك الصالح على الفرنج، فأنجده بذلك. وفي ~~سلخ جمادى الآخرة عاد العسكر غانما. # وفي هذه السنة خرج الأمير عز الدين أبو المهند حسام ابن الأمير الأسد ~~جلال الدين فضة، وهو ابن أخت الملك الصالح، على عسكر لقتال طرخان بن سليط ~~بن طريف والي الإسكندرية وقد جمع العربان وغيرهم وخلع طاعة الصالح. # فيها بنى الصالح على بلبيس حصنا من لبن. # فيها توفى أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن الفضل بن منصور بن أحمد بن ~~يونس ابن عبد الرحمن بن الليث بن المغيرة بن عبد الرحمن بن العلاء بن ~~الحضرمي PageV03P236 # في شهر رمضان بالإسكندرية. وقد حدث فسمع منه السلفي؛ وهو آخر من حدث عن ~~الخيال. ومولده لست بقين من ربيع الآخر سنة ست وستين وأربعمائة. # وتوفى الفقيه أبو الحسن وحشي بن عبد الغالب العادلي السعدي بمنية زفتى؛ ~~وأخذ عن الطرطوشي وغيره. # وتوفى بمصر أبو القاسم عبد السلام بن مختار اللغوي؛ سمع من بركات وغيره؛ ~~وقرأ على العقبى. وله مدائح في الصالح بن رزيك وكان متصدرا بالجامع العتيق. PageV03P237 ### || سنة خمس وخمسين وخمسمائة @YY555 # فيها خرج إسماعيل، المعروف بروق، من القاهرة في ليلة الخميس حادي عشر ~~المحرم، ولحق بأخيه طرخان والي الإسكندرية وقد جمع لحرب الصالح، فخرج إليه ~~المظفر عز الدين حسام والأمير مجد الخلافة أسد الدين ورد على عسكر، ولحقهم ~~المظفر سيف الدين حسين. # وقد برز إسماعيل من الإسكندرية في جموعه وخيم على دمنهور، وتلقب بالملك ~~الهادي؛ فطرقه العسكر، فهرب واختفى بالجيزة، فقبض عليه في سابع عشره. وعاد ~~العسكر في ثالث عشريه، فهرب طرخان من معتقله في رابع ربيع الآخر، وظفر به ~~في سادسه، فصلب على باب زويلة. ثم ضربت رقبة إسماعيل في ثامنه، وصلب إلى ~~جانب أخيه. # وكان أبو طرخان فرانا، فترقى طرخان في أيام الفتن حتى ولاه الصالح ~~الإسكندرية في سنة ثلاث وخمسين. وقال الشعراء في صلبه عدة ms544 قصائد. # وفيها مات الخليفة الفائز بنصر الله ليلة الجمعة لثلاث عشرة بقيت من رجب؛ ~~ومولده يوم الجمعة لتسع بقين من المحرم سنة أربع وأربعين وخمسمائة، فكان ~~عمره إحدى عشرة سنة وستة أشهر وستة أيام، منها مدة خلافته ست سنين وخمسة ~~أشهر وستة عشر يوما. PageV03P238 # ولم يلتذ بالخلافة ولا رأى فيها خيرا؛ فإن أباه لما قتل وبكر عباس إلى ~~القصر وفحص عن الخليفة الظافر وقتل أخويه وابن عمه لينفي عن نفسه وابنه ~~التهمة، دعي إلى القصر واستدعى ابن الظافر هذا وحمله على كتفه وله من العمر ~~نحو الخمس سنين، ووقف به في صحن القاعة وأمر الأمراء فدخلوا عليه. فلما ~~مثلوا بالقاعة قال لهم: هذا ولد مولاكم وقد قتل أبوه وعماه، والواجب إخلاص ~~الطاعة لهذا الطفل. فقالوا بأجمعهم: سمعنا وأطعنا، وصاحوا صيحة اضطرب منها ~~الطفل وداخله من تلك الصيحة، مع ما شاهده من رؤية عمه والخدام وهم في ~~دمائهم، ما خبل عقله، وبال على كتف عباس، فسيروه إلى أمه؛ وأقام مختلا يصرع ~~وجدته تكفله. # وركب في الأعياد مغررا به؛ وخطب عنه قاضي القضاة وهو معه على المنبر. ~~وقطع الخليج في أيامه في الليل واعتذر عن ذلك بأن النيل عدا وقطع الجسر، ~~إلى غير ذلك من التحويزات. # ثم وزر الصالح بعد عباس واستبد بجميع الأمور وليس له معه أمر ولا نهي، ~~ولا تعود كلمة. فدبرت عمة الفائز في قتل الصالح، وفرقت في ذلك نحو خمسين ~~ألف دينار. فبلغ ذلك الصالح، فأمسكها وقتلها بالأستاذين والصقالبة سرا، ~~والفائز في واد آخر من الاضطراب والاختلال. ونقل كفالته إلى عمته الصغرى، ~~وطيب قلبها، وراسلها. PageV03P239 ### | العاضد لدين الله أبو محمد عبد الله بن الأمير يوسف ابن الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد PageV03P241 # ولد يوم الثلاثاء لعشر بقين من المحرم سنة ست وأربعين وخمسمائة؛ وبويع ~~عند انتقال الفائز يوم الجمعة قبل الصلاة لثلاث عشرة بقيت من رجب سنة خمس ~~وخمسين وخمسمائة، وعمره يومئذ تسع سنين وستة أشهر وسبعة أيام. # وذلك أنه لما مات الخليفة الفائز ركب الصالح بن ms545 رزيك إلى القصر بثياب ~~الحزن، واستدعى زمام القصر، وسأله عمن يصلح في القصر للخلافة؛ فقال: ههنا ~~جماعة. فقال: عرفني بأكبرهم. فسمى له واحدا، فأمر بإحضاره. فتقدم إليه أمير ~~يقال له على ابن مزيد وقال له سرا: لا يكن عباس أحزم منك رأيا حيث اختار ~~الصغير وترك الكبير واستبد بالأمر. فمال إلى قوله، وقال للزمام: أريد منك ~~صغيرا. فقال: عندي ولد الأمير يوسف بن الحافظ واسمه عبد الله، وهو دون ~~البلوغ. فقال: علي به. فأحضر إليه بعمامة لطيف وثوب مفرط، وهو مثل الوحش، ~~أسمر، كبير العينين، عريض الحاجبين PageV03P243 # أخنس الأنف، منتشر المنخرين، كبير الشفتين. فأجلسه الصالح في البادهنج، ~~وكان عمره إحدى عشرة سنة. ثم أمر صاحب خزانة الكسوة أن يحضر بذلة ساذجة ~~خضراء، وهي لبس ولي العهد إذا حزن على من تقدمه، وقام وألبسه إياها. # وأخذوا في تجهيز الفائز؛ فلما أخرج تابوته صلى عليه وحمل إلى التربة. ~~وأخذ الصالح بيد عبد الله وأجلسه إلى جانبه، وأمر أن تحمل إليه ثياب ~~الخلافة، فألبسها؛ وبايعه، ثم بايعه الناس؛ ونعته بالعاضد لدين الله. وذلك ~~يوم الجمعة الثامن عشر من شهر رجب سنة خمس وخمسين. وأبوه أحد الأخوين ~~اللذين قتلهما الوزير عباس. # ولما بويع العاضد ركب وحملت على رأسه المظلة؛ وركب الصالح بين يديه، وخرج ~~من التربة قاصدا قصره. وكانت عادة الخلفاء أنه إذا ورد البشير إلى أخص أهل ~~من يبايع يعطى ألف دينار؛ فلما بويع العاضد حضر المبشر إلى عمته فأعطته ~~نزرا، فلما راجعها في الزيادة أبت عليه؛ فسئلت في السبب فقالت: هذا قاطع ~~الخلفاء. وهكذا كان. # واستقر العاضد اسما والصالح معنى، فتمكن وقويت حرمته، واستولى على الدولة ~~وتمكن منها، ونقل جميع أموال القصر إلى دار الوزارة، وأساء السيرة باحتكار ~~الغلات، فوقع الغلاء وارتفعت الأسعار؛ وأكثر من قتل أمراء الدولة. PageV03P244 # وفيها ولي الصالح شاور بن مجير بن سوار بن عشائر بن شاس السعدي الصعيد، ~~فظهرت كفايته واستمال الرعية. # وفيها بعث العاضد بالخلع إلى نور الدين محمود صاحب دمشق، فلبسها. # وفيها توفى بمصر أبو الحسن ms546 علي بن عبد الرحمن بن عمر بن قاسم، المعروف ~~بنفطويه الحضرمي، المقرئ الأديب؛ رحل فسمع ببغداد وميافارقين وبمصر. # وتوفي بعيذاب الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الحباب السعدي، ~~أخو القاضي الجليس؛ رحل فسمع ببغداد وغيرها، وصنف كتاب مساوئ الخمر؛ وكتاب ~~الحجة لسلف هذه الأمة في تسمية الصديق وارد على من أنكر ذلك؛ وكتاب تهذيب ~~المقتبس في أنباء أهل الأندلس. وكان من الصالحين. # وتوفي أبو جعفر أحمد بن محمد بن كوار بن المختار بن الغرناطي بمصر، وكان ~~من أعيان غرناطة، وله معرفة جيدة بالنحو؛ وكتب عن السلفي. PageV03P245 ### || سنة ست وخمسين وخمسمائة @YY556 # فيها عقد العاضد على ابنة الصالح ابن رزيك في مستهله بعدما امتنع من ذلك ~~فحبسه الصالح حتى أجاب. وقصد الصالح بزواجه ابنته أن يرزق منه ولدا فيجتمع ~~لبني رزيك الخلافة مع الملك. # وفيها قدم حسين بن نزار بن المستنصر إلى برقة من بلاد المغرب، ودعا إلى ~~نفسه، فاجتمع عليه قوم كثير وتلقب بالمستنصر؛ وعزم على المسير إلى أذخ ~~القاهرة، فخدعه الأمير عز الدين حسام بن فضة بن رزيك ووعده بالقيام بدعوته، ~~وما زال يتلطف به حتى صار عنده في خيمته، فقبض عليه وحمله إلى القاهرة، ~~فقتل في شهر رمضان. # وفيها قتل الملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين، أبو الغارات طلائع بن ~~رزيك. وذلك أنه لما ثقلت وطأته وكثرت مضايقته لأهل القصر، أخذت السيدة ~~العمة ست القصور، وهي أخت الظافر الصغرى، في العمل على قتله، ورتبت مع قوم ~~من السودان الأقوياء أن يقيموا منهم في باب السرداب من الدهليز المظلم الذي ~~يدخل منه إلى القاعة جماعة، ويقيموا آخرين في خزانة هناك وأرسلت إلى ابن ~~الراعي، وإلى الأمير المعظم بن قوام الدولة صاحب الباب وقررت معه أن يخلى ~~الدهاليز من الناس PageV03P246 # حتى لا يبقى بها أحد. فأعدوا في حجرة في دهليز القصر، وردوا عليهم طرف ~~الضبة. # فلما كان في يوم الاثنين التاسع عشر من شهر رمضان ركب الصالح على عادته ~~للسلام على الخليفة، فلما انفصل من خدمة السلام بقاعة الذهب ms547 وخرج إلى ~~الدهاليز عرض له أستاذ يقال له عنبر الريفي، وأوقفه، وذكر له حديثا طويلا؛ ~~فتقدم رزيك ابن الصالح، فخرج رجلان وثبا على الصلاح، ووقعت الصيحة، فعثر ~~الصالح بأذياله، فتقدم إليه ابن الراعي وطعنه بسيف قطع أحد وريديه، وضربه ~~العبيد بالسيوف فقطعوا عذيته ونزلت في لحمه وشلت سلسلة ظهره. فوضع يده على ~~جرحه وأنشد: # إن كان عندك يا زمان بقية ... مما تهين به الكرام فهاتها # وضرب رزيك بن طلائع في عضده الأيمن. وتكاثروا على الصالح فسقط على وجهه ~~منكبا واستفرغ بالدم فأدركه الأمير ابن الزبد وألبسه منديل ضرغام بن سوار، ~~وكان PageV03P247 # قد نزع منديله عن رأسه، وحمل حتى أركب على فرسه، وهو لا يفيق. وبقي حسين ~~ابن أبي الهيجاء في القصر يقاتل السودان حتى قتل منهم خمسين رجلا. # ولما ركب الصالح وشدوا جرحه تطلعت السيدة العمة من القصور فرأته راكبا، ~~فقالت: رحنا والله. فلما صار إلى داره كان إذا أفاق يقول: رحمك الله يا ~~عباس، وبعث إلى العاضد يعتب عليه كيف رضي بقتله مع حسن أثره في إقامته ~~خليفة؛ فأقسم أنه لم يعلم بذلك ولا رضى به. وأنشد عند موته: # وما ظفروا لما قتلت بطائل ... فعشت شهيدا ثم مت شهيدا # فلما كان ثلث ليلة الثلاثاء، العشرين من شهر رمضان، مات ودفن بالقاهرة، ~~ثم نقل منها بعد ذلك إلى القرافة، والعاضد راكب والجند يمشون خلف تابوته. # ومولده في سنة خمس وتسعين. وكانت وزارته سبع سنين وستة أشهر تنقص أياما. ~~وكان فاضلا. سمحا في العطاء، سهلا في اللقاء، محبا لأهل الفضائل، جيد الشعر ~~وخطه دون شعره. ويقال إنه من المغرب، وقد قصد أبوه زيارة قبر علي بن أبي ~~طالب بالنجف فرأى أمام المشهد عليا وأخبره عن طلائع أنه يلي مصر، فقدمها، ~~وما يزال يترقى في الخدم حتى نال ما نال. PageV03P248 # وأنشد له ابن خلكان: # كم ذا يرينا الدهر من أحداثه ... غيرا وفينا الصد والإعراض # ننسى الممات وليس يجري ذكره ... فينا، فتذكرنا به الأمراض # وكان لأهل العلم عنده نفاق ويرسل إليهم العطايا الكثيرة. ms548 بلغه أن أبا ~~محمد ابن الدهان النحوي البغدادي المقيم بالموصل قد شرح بيتا من شعره وهو: # تجنب سمعي ما يقول العواذل ... وأصبح لي شغل من الغزو شاغل # فجهز له هدية سنية ليرسلها إليه، فقتل قبل إرسالها. وبلغه أن إنسانا من ~~أعيان الموصل قد أثنى عليه فأرسل إليه كتابا يشكره ومعه هدية. # وكان وافر العقل رضي النفس، بصيرا بالتجارب عالما بأيام الناس، بصيرا ~~بالعلوم الأدبية، محببا إلى الناس لإظهاره الفضل والدين وإنكاره الظلم ~~والفساد. إلا أنه كان من غلاة الإمامية مخالفا لما عليه مذهب العاضد وأهل ~~الدولة. فلما بايع للعاضد وركب من القصر سمح ضجة عظيمة، فقال: ما الخبر؟ ~~فقيل إنهم يفرحون بالخليفة. فقال: كأني بهؤلاء الجهلاء وهم يقولون ما مات ~~الأول حتى استخلف هذا؛ وما علموا أنني كنت من ساعة أستعرضهم استعراض الغنم. # وجرى من بعض الأمراء في مجلس السمر عنده انتقاص بعض السلف، وكان الفقيه ~~عمارة جالسا فقام وخرج معتذرا بحصاة تعتاده، وانقطع في منزله ثلاثة أيام، ~~ورسول الصالح يرد إليه كل يوم بالطبيب، ثم ركب إليه بعد ذلك وهو في بستان ~~مع جلسائه PageV03P249 # في خلوة، فاستوحش من غيبته، فأعلمه أن لم يكن به وجع ولكنه كره ما جرى في ~~حق السلف، فإن أمر السلطان فقطع ذلك حضرت وإلا كان في الأرض سعة وفي الملوك ~~كثرة. فعجب الصالح من ذلك. وقال: سألتك بالله ما تعتقد في أبي بكر وعمر؟ ~~فقال: أعتقد أنه لولاهما لم يكن سبق للإسلام حرمة ولا علا له راية، وما من ~~مسلم إلا ومحبتهما واجبة عليه. ثم قرأ: " ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من ~~سفه نفسه " فضحك الصالح، وكان هذا من رياضته، فإنه مخالف لمذهبه مخالفة لا ~~يحتملها مثله إلا أنه مرتاضا حصيفا قد لقي الفقهاء وسمع كلامهم. # وبعث يوما إلى عمارة ثلاثة أكياس من مال ورقعة بخطه فيها هذه الأبيات ~~يدعوه فيها إلى مذهبه: # قل للفقيه عمارة: يا خير من ... أضحى يؤلف خطبة وكتابا # اسمع نصيحة من دعاك إلى الهدى ... قل حطة، وادخل إلينا ms549 البابا # تلق الأئمة شافعين، ولا تجد ... إلا لدينا سنة وكتابا # وعلى أن يعلو محلك في الورى ... وإذا شفعت إلي كنت مجابا # وتعجل الآلاف، وهي ثلاثة ... صلة، وحقك لا تعد ثوابا # فأجابه عمارة: # حاشاك من هذا الخطاب خطابا ... يا خير أملاك الزمان نصابا # لكن إذا ما أفسدت علماؤكم ... معمور معتقدي وصار خرابا # ودعوتم فكري إلى أقوالكم ... من بعد ذاك، أطاعكم وأجابا PageV03P250 # فاشدد يديك على صفاء محبتي ... وامنن علي، وسد هذا البابا # وهو الذي بنى الجامع خارج باب زويلة؛ ووقف ثلثي المقس على الأشراف، وتسعة ~~قراريط على أشراف المدينة، وقيراطا على بني معصوم إمام مشهد علي الذي بشره ~~بالمنام. ويقال إنه من ولد جبلة بن الأيهم الغساني. # وكان أبوه يسمى أسد رزيك وقدم مع أمير الجيوش بدر إلى مصر؛ وتوفى سنة ~~إحدى وثلاثين وخمسمائة. # ومن العجب أنه ولي الوزارة في التاسع عشر، وقتل في التاسع عشر، وزالت ~~دولتهم في التاسع عشر. وهو أول من خوطب بالملك في ديار مصر ونعت به. # ومن عجيب الاتفاق أن عمارة أنشد مجد الإسلام رزيك بن الصالح بدار سعيد ~~السعداء في ليلة السادس عشر من شهر رمضان أبياتا منها: # أبوك الذي تسطو الليالي بحده ... وأنت يمين إن سطا، وشمال # لرتبته العظمى، وإن طال عمره ... إليك مصير واجب ومآل # تخالسك اللحظ المصون، ودونها ... حجاب شريف لا انقضى وحجال PageV03P251 # فانتقل الملك إليه بعد ثلاثة أيام. # قال عمارة: ودخلت على الصالح قبل قتله بثلاثة أيام، فناولني رقعة فيها ~~بيتان من شعره وهما: # نحن في غفلة ونوم وللمو ... ت عيون يقظانة لا تنام # قد رحلنا إلى الحمام سنينا ... ليت شعري، متى يكون الحمام! # فكان آخر عهدي به. # ومما رثاه عمارة به قوله: # أفي أهل ذا النادي عليم أسائله ... فإني، لما بي، ذاهب العقل ذاهله # سمعت حديثا أحسد الصم عنده ... ويذهل واعيه، ويخرس قائله # فقد رابني من شاهد الحال أنني ... أرى الدست منصوبا وما فيه كافله # وأنى أرى فوق الوجوه كآبة ... تدل على أن الوجوه ثواكله # دعوني، فما هذا بوقت بكائه ... سيأتيكم ms550 طل البكاء ووابله # ولم لا نبكيه ونندب فقده ... وأولادنا أيتامه وأرامله # أيكرم مثوى ضيفكم وغريبكم ... فيسكن، أم تطوى ببين مراحله # فيا ليت شعري بعد حسن فعاله ... وقد غاب عنا، ما بنا الدهر فاعله! # قال عمارة: وكانت أحوال الصالح تارة له وتارة عليه؛ فما هو عليه فرط ~~العصبية في المذهب، وجمع المال واحتجانه، والميل على الجند وإضعافهم والقص ~~من أطرافهم. وأما التي له فلم تكن مجالس أنسه تنقضي إلا بالمذاكرة في أنواع ~~العلوم الشرعية والأدبية، وفي مذاكرة وقائع الحروب مع أمراء دولته. وكان ~~مرتاضا قد سمر أطراف المعالي وتميز عن أخلاق الملوك الذين ليس عندهم إلا ~~خشونة مجردة. PageV03P252 # وكان شاعرا يحب الأدب وأهله، ويكثر من جليسه، ويبسط من أنيسه. وكان كرمه ~~أقرب من الجزيل منه إلى الهزيل وصنف كتابا سماه: الاعتماد في الرد على أهل ~~العناد. وله قصيدة سماها: الجوهرية في الرد على القدرية ولما مات الصالح ~~خرج ولده المنصور وهو مجروح وجلس في مرتبة أبيه، وبعث إلى العمة ست القصور ~~من أهل القصور فسلمت إليه، فخنقها بمنديل ورميت قدامه، فبعثت السيدة العمة ~~أختها إلى سيف الدين حسين بن أبي الهيجاء، صهر الصالح، وحلفت له أنها لم ~~تدر ما جرى على الصالح وأن فاعل ذلك أصحاب أختها المقتولة. وحضر إليها مجد ~~الإسلام أبو شجاع رزيك بن الصالح فخلع عليه الوزارة، فإن الصالح أوصى بها ~~إليه وجعل من حسين بن أبي الهيجاء الكردي مدبر أمره، ونعت بالسيد الأجل مجد ~~الإسلام الملك العادل الناصر أمير الجيوش؛ وفسح له في أخذ من ارتاب به في ~~قتل أبي، فأخذ ابن قوام الدولة وقتله وولده والأستاذ الذي شغل الصالح ~~بالحديث. # واستحسن الناس سيرته، وسامح الناس بما عليهم من البواقي الثابتة في ~~الدواوين. وأسقط من رسوم الظلم مبالغ عظيمة، وقام عن الحاج بما يستأديه ~~منهم أمير الحرمين؛ وسير على يد الأمير محمد بن شمس الخلافة نحوا من خمسة ~~عشر ألف دينار إلى قاسم ابن هاشم، أمير الحرمين، برسم إطلاق الحاج. وظفر ~~بقتلة أبيه ظفرا عجيبا بعد تشتتهم ms551 في البلاد. PageV03P253 # وكان زفاف أخته إلى العاضد في وزارته فحمل معها بيوت الأموال. ونقل تابوت ~~أبيه إلى القرافة. # وسير إلى والي الإسكندرية بحمل عبد الرحيم بن علي البيساني، الملقب ~~بالقاضي الفاضل، واستخدمه بين يديه في ديوان الجيش. # وترامت الحال في أيامه بالأمير عز الدين حسام، قريبه، وعظم صيته، واستولى ~~على تدبير كثير من أموره، وعظم غلمان أبيه. وكان فارسا شجاعا، له مواقف ~~معروفة. # وكان أبوه الصالح قد ولى شاور بن مجير بن نزار السعدي قوص، ثم ندم على ~~ولايته وأراد عوده من الطريق، ففاته، وحصل بها؛ وطلب منه في كل شهر ~~أربعمائة دينار، وقال لا بد لقوص من وال، وأنا ذلك؛ والله لا أدخل القاهرة، ~~ومتى صرفني دخلت النوبة. فتركه. # ولما جرح وأشرف على الوفاة كان يعد لنفسه ثلاث غلطات، إحداها ولاية شاور ~~الصعيد الأعلى، والثانية بناء الجامع على باب زويلة، فإنه مضرة على ~~القاهرة، والثالثة خروجي بالعساكر إلى بلبيس وتأخيري إرسالها إلى بلاد ~~الفرنج؛ وكان قد أنفق على هذه العساكر مائتي ألف دينار. # وأوصى ابنه رزيك ألا يتعرض لشاور بمساءة ولا يغير عليه حاله فإنه لا تأمن ~~عصيانه والخروج عليك. فلما استمر رزيك بن الصالح في الوزارة حسنت له بطانته ~~صرف شاور عن قوص ليتم الأمر له، وأشار عليه سيف الدين حسين بن أبي الهيجاء ~~بإبقائه، فقال ما أنا آبي ولا لي طمع فيما آخذه منه ولكن أريده يطأ بساطي. ~~فقيل له: ما يدخل أبدا. فلم يقبل، وخلع على الأمير نصير الدين شيخ الدولة ~~ابن الرفعة بولاية قوص. PageV03P254 # فيما خرج ملك النوبة إلى أسوان في اثنى عشر ألف فارس وقتل من المسلمين ~~عالما عظيما. # فيها مات بالقاهرة، في يوم الأربعاء لاثنتي عشرة خلت من رجب، القاضي أبو ~~الحجاج يوسف بن عبد الجبار بن شبل بن علي الصويبي؛ وصويب قبيلة بن جذام. ~~ولد بالقدس يوم الجمعة تاسع ذي القعدة سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، وقدم ~~مصر بعد أخذ الفرنج القدس فنشأ بها واشتغل بالعلم، وتولى خزانة الكتب في ~~سنة أربع وعشرين ms552 وخمسمائة، وولي قضاء فوة وعملها في محرم سنة سبع وأربعين. # ومات بالصعيد كنز الدولة أبو الطليق يوسف، وولى بعده رئاسة قبائله أخوه ~~أبو العز فتوح في حادي عشر محرم. PageV03P255 ### || سنة سبع وخسمين وخمسمائة @YY557 # في عاشر المحرم أفرج العادل رزيك عن الأمراء الذين اعتقلهم أبوه الصالح ~~ابن رزيك في ثالث عشري ربيع الأول سنة تسع وأربعين، وهم صبح بن شاهنشاه، ~~وأسد الغاوي ومرتفع الظهير. # وفيها أنشأ الأمير أبو الأشبال ضرغام بن سوار البرج عند باب البحر ~~بالإسكندرية فعرف ببرج ضرغام. # وفي آخر ذي القعدة ورد الخبر بخروج شاور عن طاعة العادل رزيك. وذلك أن ~~الأمير نصير الدين لما خلع عليه بولاية قوص كتب على يده كتابا إلى شاور ~~بتسليم البلاد إليه وحضوره إلى القاهرة. فلما وصل إلى إخميم كتب كتابا إلى ~~شاور وفي طيه كتاب رزيك، فلما وقف عليه بعث إليه أن ارجع ولا تحضر، قولا ~~واحدا، فرجع إلى القاهرة وجهر شاور بالعصيان. PageV03P256 ### || سنة ثمان وخمسين وخمسمائة @YY558 # فيها زالت دولة بني رزيك. وذلك أن مماليك الصالح وغلمانه، مثل يانس وورد ~~وسعادة الأسود وبختيار، اشتد ظلمهم؛ وكان الصالح قد قدمهم حتى صار لكل منهم ~~نحو المائتي مملوك، وطغوا في أيام رزيك حتى ضج الناس منهم. وقال بعضهم: # أمنتم يا بني رزيك جهلا ... فذاك الأمر يتبعه الأماني # أباد الله دولتكم سريعا ... فقد ثقلت على كتف الزمان # وكان شاور بن مجير السعدي لما بلغه أن الناصر رزيك بن الصالح طلائع بن ~~رزيك عزله عن ولاية قوص وولي غيره اضطرب وخرج من قوص في جماعة قليلة، فسار ~~على طريق الواحات في البراري حتى صار في تروجة، فاجتمع عليه الناس وقوي ~~أمره وتزايد. فاهتم لذلك رزيك ورأى في منامه وكأنه قد صار رواسا في حانوت؛ ~~فلما قص هذه الرؤيا على حسين بن أبي الهيجاء نظر عابرا، كان تاجرا حاذقا، ~~يعرف بابن الأرتاحي، وأخبره بما رأى، فغالطه في التفسير، وفهم ذلك حسين. ~~فلما خرج ألزمه أن يصدقه بتأويله ما رآه رزيك، فقال يا مولاي القمر عندنا ~~هو ms553 الوزير كما أن الشمس الخليفة، والحنش المستدير عليه جيش مصحف، وكونه ~~رواسا أقلبها تجدها شاورا مصحفا؛ وما وقع لي غير هذا. فقال اكتم هذا عن ~~الناس. وأخذ حسين يحتاط لنفسه، وتجهز إلى الحجاز. PageV03P257 # فكثر الإرجاف بمسير شاور إلى أن قرب من القاهرة. فوقع الصائح في بني ~~رزيك، وكانوا أكثر من ثلاثة آلاف فارس، فأسرع ضرغام ونظراؤه من وجوه ~~الأمراء، وهم إخوته ملهم وحسام وهمام، ويحيى بن الخياط وبنو الحاجب ~~ونظراؤهم، وصاروا إلى شاور. فأسقط في أيدي العسكر الباقي مع بني رزيك. # وكان أول من نجا بنفسه حسين بن أبي الهيجاء، خرج فارا ومعه حسام إلى ~~الحوف واستجار بطريف بن مكنون أحد أمراء جذام، فأجاره وحمله من أيلة في ~~البحر إلى المدينة النبوية؛ فجاور بها مدة ومات، فدفن بالبقيع. # ولما فر حسين فت ذلك في عضد رزيك ولم يثبت، وخرج رزيك من القاهرة في نصف ~~المحرم ومعه جماعة من غلمانه وعدة بغال موقرة من المال والجواهر والثياب ~~الخاص. وتحير فلم يدر أين يذهب، فوقع بظاهر إطفيح عند مقدم العرب سليمان بن ~~الفيض، فأخذه وكل ما معه. # ودخل أبو شجاع شاور إلى القاهرة ومعه خلق كثير، ومعه أولاده طي وشجاع ~~والطاري، فنزل دار سعيد السعداء، وأحضر إليه ابن الفيض رزيك مكبلا، فاعتقله ~~وأخاه جلال الإسلام. فبعث جلال الإسلام إلى من أعلم شاورا أن أخاه طلب ~~مبردا من بعض غلمان أبيه وبرد القيد الذي في رجليه ليهرب، فدخلوا إليه ~~وقتلوه. ومولده في ذي القعدة سنة ثلاث، أو اثنتين، وخمسمائة. وأنفقوا على ~~أخيه لهذه النصيحة، وبقي من جملة أرباب الإقطاع إلى أن مات. وقيل إن هذا ~~كان من فعلات طي بن شاور وحشمه حتى قتل العادل. # وكان سليمان بن الفيض من لخم؛ وهو ممن أنشأه الملك الصالح طلائع بن رزيك ~~وخوله في نعم جمة، فلم يرع يدا، وقبض على ابنه العادل وأسلمه لشاور، ونهب ~~أصحابه ماله. فلما قدم به عليه قال يا سليمان، لقد خبأك الصالح ذخيرة لولده ~~حين استجار بك PageV03P258 # فأسلمته لي، وأنا ms554 الآخر أخبئك ذخيرة لولدي. ثم أمر به فشنق. # وانقطع بنو رزيك؛ وبزوالهم زالت الدولة. فكانت مدة بني رزيك في الوزارة ~~تسع سنين وشهرا وأياما. # وكان دخول شاور إلى القاهرة ووزارته في يوم الأحد ثاني عشري المحرم. ولما ~~استقر في الوزارة تلقب بأمير الجيوش. وانثالت عليه على ولده طي أموال بني ~~رزيك وودائعهم من عند الناس، حتى كان في الناس من يتبرع بما عنده، فظفر هو ~~من أموالهم سوى السلاح والكراع وغيره، وسوى ما أخذه أولاده، بما ينيف عن ~~خمسمائة ألف دينار عينا. فبعث بذلك كله مع جميع ما أدخل إليه إلى العربان، ~~وأودعه عندهم وأنعم عليهم حتى كثرت أموالهم وصاروا يكيلونها كيلا ويقولون: ~~لفلان قدحان ذهبا ولفلان ثلاثة أقداح. وزاد تمكنهم له حتى لم يكونوا ~~يفارقون باب الفتوح وباب النصر؛ ونهبوا غلات الحوف، واستخفوا المقطعين؛ فلم ~~ينكر عليهم وأراد أن يكونوا له عضدا ورداء. # وكان الصالح بن رزيك قد قرر للفرنج في كل سنة على مصر ثلاثة وثلاثين ألف ~~دينار يحملها إليهم، فوافت رسلهم تطلب ذلك. ولما قتل رزيك بن الصالح في ~~رمضان قدمت رأسه في طشت إلى شاور وهو بدار الوزارة، فقال في ذلك الفقيه ~~عمارة: # أعزز علي أبا شجاع أن أرى ... ذاك الجبين مضرجا بدمائه # ما قلبته سوى رجال قلبوا ... أيديهم من قبل في نعمائه # وجلس شاور بعد قتل الناصر رزيك بن الصالح بدار الذهب، وقام الشعراء ~~والخطباء ولفيف الناس إلا الأقل ينالون من بني رزيك، وفيهم ضرغام نائب ~~الباب ويحيى بن الخياط أسفهسلار العسكر، وغيرهما؛ فقال عمارة: PageV03P259 # زالت ليالي بني رزيك وانصرمت ... والحمد والذم فيها غير منصرم # كأن صالحهم يوما وعادلهم ... في صدر ذا الدست لم يقعد ولم يقم # هم حركوها عليهم وهي ساكنة ... والسلم قد تنبت الأوراق في السلم # كنا نظن، وبعض الظن مأثمة ... بأن ذلك جمع غير منهزم # فمذ وقعت وقوع النسر خانهم ... من كان مجتمعا من ذلك الرخم # ولم يكونوا عدوا ذل جانبه ... وإنما غرقوا من سيلك العرم # وما قصدت بتعظيمي عداك سوى ... تعظيم ms555 شأنك، فاعذرني ولا تلم # ولو شكرت لياليهم محافظة ... لعهدها لم يكن بالعهد من قدم # ولو فتحت فمي يوما بذمهم ... لم يرض فضلك إلا أن يسد فمي # والله يأمر بالاحسان عارفة ... منه وينهى عن الفحشاء في الكلم # فشكر شاور عمارة على الوفاء لبني رزيك، ونقم عليه ضرغام قوله: فمذ وقعت ~~... البيت، وكان يقول له: نحن عندك من الرخم. # ثم إن شاور جهز الخلع إلى العادل نور الدين بالشام، فلبسها يوم الاثنين ~~ثاني عشري رمضان، وقبض المال المسير إليه. # وكتب للأجناد والعرب وحواشي القصر من الرواتب والزيادات نظير مالهم عشر ~~مرات، وهو غير ظاهر للناس والأبواب مغلقة عليه خيفة. وذلك أن الصالح بن ~~رزيك كان قد أنشأ أمراء يقال لهم البرقية، وجعل ضرغام بن عامر بن سوار ~~المذكور الملقب أبا الأشبال فارس المسلمين مقدمهم، ثم صار صاحب الباب؛ فطمع ~~في شاور، وكان فارسا كاتبا، فجمع رفقته؛ وتخوف منه شاور. وصار العسكر ~~فرقتين: ضرغام ومن معه فرقة، وحرب ومن معه حزب. فأما ضرغام فأظهر المباينة، ~~وأما نظراؤه فاختصوا بطي بن شاور وعاشروه ولازموه. PageV03P260 # فلما كان بعد تسعة أشهر من وزارته ثار به ضرغام يوم الجمعة ثامن عشري ~~رمضان وقد جمع له، وكانت بينهما وقعة قتل فيها طي بن شاور، وهو أكبر ~~أولاده، وقتل أخوه سليمان الطاري وهو الأصغر، وأسر الكامل فاعتقله ملهم ~~ومنع منه أخاه ضرغاما ليد كانت له عنده. وكان بين قتل طي بن شاور وقتل ~~العادل رزيك نيف وثلاثون يوما. # وخرج شاور من القاهرة يريد الشام كما فعل رضوان بن ولخشي، وقد كان رفيقا ~~له إذ ذاك، وذلك أول شوال، فنهبت داره ودور أولاده وحواشيه، وذهب جميع ما ~~نالوه من مال بني رزيك. وقتل الكامل علي بين القصرين وتركت جثته يومين ~~ملقاة ومعه ابن أخته وحسان تربية شاور. فكانت وزارته تسعة أشهر. # وكانت أخلاق شاور في وزارته هذه مستورة باستمرار العافية والسلامة، ولم ~~يكن فيها أقبح من قتل رزيك بن الصالح فإنها أعربت عن ضيق عطنه وحرج صدره. ~~وكان كرمه إليه ms556 المنتهى، وشدة بأسه في مواطن الحرب شهيرة؛ وكان شديد الثبات ~~كثير الوثبات. ومما نقم عليه أن ابنه الكامل عمل مظلة كانت تحمل على رأسه، ~~وتحكم على أبيه، وترفع على الأمراء وعسفهم. # ولما فر شاور ونزل بفاقوس عند بني منصور استولى ضرغام على الوزارة وتلقب ~~بالملك المنصور، في سابع عشري رمضان، فشكر الناس سيرته، فإنه كان فارس ~~عصره، كاتبا، جميل الصورة، فكه المحاضرة، عاقلا كريما، لا يضع كرمه إلا في ~~سمعة ترفعه أو مداراة تتبعه. إلا أنه كان أذنا متخيلا على أصحابه، وإذا ظن ~~بإنسان شرا جعل الشك يقينا. وكان في وزارته مغلوبا مع أخويه ناصر الدين ~~همام وفخر الدين حسام. # وقيل إن ملهما وضرغاما لما علما تغير الناس على شاور وأولاده أخذا في ~~مراسلة رزيك في سجنه وإفساد الناس له؛ فبلغ الخبر طي بن شاور، فدخل إليه ~~وقال: بلغني أن ملهما PageV03P261 # وضرغاما قد تحدثا لرزيك في الأمر وقد حلفا له جماعة من الأمراء، وأنت ~~غافل عن هذا الأمر. فقال له شاور: اسكن ولا تعجل؛ أنا أكشف عن هذا، فإذا ~~تحققته حكمته. فقال: لا غنى بي عن قتل رزيك فإني إذا قتلته أمنت. فقال له ~~شاور: لا يمكن قتله فإنه أولاني جميلا بسببه صرت في هذا المحل. فمضى طي إلى ~~رزيك وقتله؛ فقامت قيامة شاور. وبلغ ذلك ضرغاما فثار وأثار من خلفه وقرر ~~معهم أمر رزيك وزحف بهم، فانهزم شاور. فكان في هذه السنة ثلاثة من الوزراء ~~هم: رزيك بن الصالح بن رزيك، وأمير الجيوش شاور والمنصور ضرغام بن عامر بن ~~سوار المنذري اللخمي أبو الأشبال. # وفيها اختلت الدولة وضعفت بذهاب أمرائها وأولي الرأي فيها. # فيها سار الفرنج إلى ديار مصر فوصلوا إلى السدير. وورد الخبر في ثاني ~~شوال بوصولهم إلى فاقوس؛ فأخرج إليهم ضرغام أخاه ناصر المسلمين هماما، وكان ~~شجاعا، فالتقى معهم وحاربهم، فهزموه بعد أن قتل منهم خلقا. وكان شاور قد ~~انضم إلى بني منصور لأنه من فخذهم، وكان قائما على كوم عال. ثم إن الفرنج ~~صاروا إلى حصن ms557 بلبيس في شوال وملكوا بعض السور فردهم عنه همام وبنو كنانة. ~~وتفرق العسكر إلى الحوف فقاتل العرب هؤلاء وقد انهزموا من الفرنج فقتلوا كل ~~من ظفروا به. وعاد العسكر وقد قتل منهم العرب عدة، ورجع الفرنج إلى بلاد ~~الساحل بمن أسروه من المسلمين وفيهم القطوري من أكابر الأمراء. # فلما صار همام بالقاهرة صار كأنه مشارك لأخيه في الوزارة، كل منهما يوقع ~~ويقطع، ولم يظفر ضرغام من المال بكبير شيء فإنه نهب. # وفيها ولي الوزير ضرغام الأمير مرتفع الخلواص الإسكندرية برجاء إبعاده ~~عنه، فلما صار إليها ظفر بقوم رتبهم ضرغام لقتاله، فتأكدت الوحشة بينهما، ~~وجمع لمحاربة ضرغام وخرج من الإسكندرية فكتم ذلك. # وفيها قدم شاور دمشق في ذي القعدة وترامى على نور الدين، فبعث الوزير ~~ضرغام إليه PageV03P262 # بعلم الملك ابن النحاس بأن يقبض على شاور، فأجاب في الظاهر وأضمر غير ~~ذلك. # وفيها قتل ضرغام عدة من الأمراء في دعوة جمعهم فيها، وأعد لهم من خرج على ~~الجميع وقتلهم في داره. # وكان قاع النيل خمس أذرع وثلاث عشرة إصبعا، وبلغ أربع عشرة ذراعا وثماني ~~أصابع. PageV03P263 ### || سنة تسع وخمسين وخمسمائة @YY559 # فيها وصل رسل الفرنج في طلب مال الهدنة فماطلهم به ضرغام ودافعهم حتى شغل ~~عنهم بقدوم شاور. # وفي ثامن عشر ربيع الأول قبض ضرغام على صبح بن شاهنشاه عين الزمان وأسد ~~الغاوي وعلي بن الزبد في عدة تبلغ نحو السبعين من الأمراء سوى أتباعهم؛ ~~وذلك أنه بلغه عنهم أنهم قد حسدوه واحتقروه وكاتبوا شاورا ووعدوه القيام ~~معه. ثم أخرجهم ليلا وضرب أعناقهم؛ فاختلت الدولة بقتل رجالها وذهاب ~~فرسانها. # وفيها وجه ضرغام بأخيه ناصر الدين همام على طائفة من العسكر لقتال الأمير ~~مرتفع ابن مجلي المعروف بالخلواص، متولي الإسكندرية، وقد جمع وسار؛ فعندما ~~بلغ من معه من العربان قتل الأمراء البرقية فتروا عن القيام معه وطمعوا ~~فيه، ووثب به قوم من بني سنبس وقبضوا عليه، وأتوا به إلى همام، فقدم به إلى ~~القاهرة، فضرب ضرغام عنقه يوم الجمعة ثامن ربيع الآخر وصلبه على باب ms558 زويلة؛ ~~فنفرت القلوب من ضرغام. # وكان شاور قد وصل في ثالث عشري ذي القعدة من السنة الماضية إلى دمشق ~~متراميا على السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، مستجيرا به على ~~ضرغام، فأكرم مثواه وأحسن إليه، فتحدث مع السلطان في أن يرسل معه العساكر ~~إلى مصر ليعود إلى منصبه ويكون لنور الدين ثلث دخل البلاد بعد إقطاعات ~~العساكر، ويكون معه من أمراء الشام من يقيم معه في مصر، ويتصرف هو بأوامر ~~نور الدين واختياره. فبقي نور الدين يقدم إلى هذا الغرض رجلا ويؤخر أخرى، ~~فتارة يقصد رعاية شاور لكونه التجأ إليه وكون ما قاله زيادة في ملكه وتقوية ~~له على الفرنج؛ وتارة يخشى خطر الطريق وكون الفرنج فيه، PageV03P264 # ويخاف من شاور أنه إذا استقرت قدمه في مصر خاس في قوله ويخلف بما وعد. ثم ~~قوي عزمه على إرسال الجيوش، فتقدم بتجهيزها وإزاحة عللها. # واتفق أن الواعظ زين الدين بن نجا الأنصاري سمع بسعة أرزاق مصر فقدم ~~إليها في وزارة الصالح ابن رزيك فأقبل عليه وحصل له من إنعامه ومما أخذه له ~~من العاضد في ثلاث سنين ما يناهز عشرين ألف دينار، وسوغه عدة دور بتوقيع. ~~فسمع بالزاهد أبي عمرو ابن مرزوق يتحدث الناس عنه بأنه مهما قاله لهم وقع، ~~وأنه يركب كل سنة في نصف شعبان حمارا له ويأتي معه جماعة إلى ذيل الجبل ~~ويودعونه ويمضون، فيطلع أبو عمرو إلى الجبل؛ ويلقاه الناس في الليلة ~~الثانية ويجتمعون كاجتماعهم للعيد، ويركب حماره، والناس تحته، وينتظر، ~~وينزل بعد صلاة المغرب إلى مسجده بقصد زيارته وقد تجمع الناس في الأسطحة ~~والدكاكين والطرقات، والشيخ يعمل الختمات. فوصل إليه وأقام حتى انفض الناس، ~~فخلا به وتعرف إليه؛ فكان مما قال له: أتعرف بالشام أحدا يقال له شيركوه. ~~فقال: نعم، أمير من أمراء نور الدين. فقال: هذا يأتي إلى هذه البلاد ~~ويملكها، وكل ما تراه من هذه الدولة يزول حتى لا يبقى له أثر عن قرب. ~~وانصرف ابن نجا عن الشيخ أبي عمرو وقد تعجب ms559 من قوله. # فلما قضى أربه من القاهرة وعاد إلى دمشق اجتمع بالملك العادل نور الدين ~~وحكى له قول الشيخ أبي عمرو؛ فقال له: لا تخبر أحدا بذلك. ومضى اليوم وما ~~بعده، إلى أن قدم شاور على السلطان نور الدين وقوي عزمه على تجهيز العساكر ~~معه؛ فوقع اختيار السلطان على الأمير أسد الدين شيركوه بن شاذي بن مروان، ~~أحد أمرائه، فاستدعاه من حلب، فوصل إلى دمشق مستهل رجب منها، وأمره بالمسير ~~إلى مصر مع العساكر صحبة شاور، PageV03P265 # فامتنع وقال: لا، أمشي بألف فارس، إلى إقليم فيه عشرة آلاف فارس ومائة ~~شيني فيها عشرة آلاف مقاتل وعندهم أربعون ألف عبد لخمس خلفاء، وهم مستوطنون ~~في أوطانهم قريبة منهم خزائنهم، ونأتي نحن من تعب السفر بهذه العدة ~~القليلة. فتركه وأرسل إلى ابن نجا، فلما جاء قال له: حديث الرجل الزاهد ~~الذي بمصر أخبرت به أحدا؟ فقال: معاذ الله؛ والله ما سمعه مني أحد سوى ~~السلطان. فقال: امض إلى أسد الدين شيركوه واحك له الخبر. فمضى إلى شيركوه ~~وقص عليه الحديث بنصه، فطابت نفسه للسفر. # وسار العسكر وصحبته شاور يوم الاثنين خامس عشر جمادى الأولى، وقد أقر نور ~~الدين شيركوه أن يعيد شاور إلى منصبه وينتقم له ممن ثار عليه. وخرج نور ~~الدين إلى أطراف بلاد الفرنج مما يلي دمشق بعساكر ليمنع الفرنج من التعرض ~~لأسد الدين؛ فكان قصارى أمر الفرنج أن يمتنعوا من نور الدين ويحفظوا ~~بلادهم. # وأخذ شيركوه في سيره إلى مصر على شرقي الشوبك حتى نزل أيلة، وسار منها ~~إلى السويس؛ فلم يدر ضرغام، وقد وصل إليه رسل الفرنج في طلب مال الهدنة ~~المقرر لهم في كل سنة على أهل مصر وهو ثلاثة وثلاثون ألف دينار وهو يدافعهم ~~ويماطلون، إلا بطيور البطائق قد سقطت من عند أخيه الأمير حسام الدين، متولي ~~بلبيس، في يوم الأحد PageV03P266 # خامس عشري جمادى الأولى، يخبر فيها بوصول شاور وأسد الدين شيركوة ومعهما ~~من الأتراك خلق كثير؛ فانزعج وتأهب لتسيير العسكر. وأصبح الناس يوم الاثنين ~~السادس والعشرين ms560 من جمادى الأولى وقد شاع ذلك بينهم، فخافوا على أنفسهم ~~وأموالهم وانتقلوا من مكان إلى مكان على عادتهم وجمعوا عندهم الأقوات ~~والماء. # وخرج الأمير ناصر المسلمين همام بالعساكر أول يوم من جمادى الآخرة، وهم ~~نحو ستة آلاف فارس بالخيول المسرجة والدروع الثمينة والسلاح العجيب، وقد ~~أعجبوا بأنفسهم واطمأنوا بأنهم ظافرون. فوصلوا إلى بلبيس يوم الأحد ثانيه، ~~فوافاهم شاور بالعسكر الشامي يوم الاثنين، فباتوا ليلة الثلاثاء، وأصبحوا ~~وقد توهم منهم أسد الدين شيركوه وقال لشاور: يا هذا لقد غررتنا وقلت إنه ~~ليس بمصر عساكر حتى جئنا بهذه الشرذمة. فقال: لا يهولنك ما تشاهد من هذه ~~الجموع فأكثرها حاكة وفلاحون يجمعهم الطبل وتفرقهم العصا؛ فما ظنك بهم إذا ~~حمى الوطيس وكلبت الحرب. وأما الأمراء فإن كتبهم وعهودهم معي؛ وسترى إذا ~~التقينا، لكني أريد منك أن تأمر العساكر بالاستعداد. # فلما ترتبوا نهاهم عن القتال، فتحرك المصريون وتأهبوا وأقاموا حتى حمى ~~النهار، فسخن عليهم الحديد ولم يروا أحدا يسير إليهم فنزلوا عن خيولهم ~~وأقاموا الخيم، وألقى بعضهم السلاح. فلما عاين ذلك شاور أمر بالحملة عليهم، ~~فثار المصريون وحمل ناصر المسلمين همام والأمير فارس المسلمين على العسكر ~~الشامي؛ فجرح همام والتفت فلم ير أحدا من عسكره، فكان أشجعهم من يصير على ~~ظهر فرسه. وانهزموا بأجمعهم إلى بلبيس، وغنم العسكر الشامي جميع ما كان ~~معهم، فقووا به، وتبعوهم وأسروا منهم جماعة الأمراء وغيرهم، ثم منوا عليهم ~~وسيروهم في جمعهم. # ولحق الأمير همام بالقاهرة سحر يوم الأربعاء خامسه وهو مجروح، واختفى ~~الأمير حسام في مدينة بلبيس فدل عليه بعض الكنانية فأسر وقيد. PageV03P267 # وسار العسكر فوصلوا إلى القاهرة بكرة يوم الخميس سادسه، فنزلوا عند التاج ~~بظاهر القاهرة، وانتشر العسكر في بلاد يريدون الأكل والعلف. # وكان ضرغام قد كاتب أهل الأعمال فوصلوا إليه لخوفهم من الترك، فضمهم إليه ~~ومعهم الريحانية والجيوشية وجعلهم في داخل القاهرة؛ فأقام شاور بمن معه على ~~التاج حتى استراحت خيولهم. ثم إنه استحلف شيركوه ومن معه أنهم لا يغدرون به ~~ولا يسلمونه، ولا ينهزمون إلا ms561 عن غلبة. ومع هذا فإن طوائف من العربان كانت ~~تطارد عسكر ضرغام بأرض الطبالة، وخرج أهل منية السيرج فقتلوا من الترك ~~جماعة، فمالوا عليهم وانتهبوا المنية وأذاقوا أهلها نكالا شديدا. وأقام ~~شاور بمن معه في ناحية الخرقانية وشبرا دمنهور، ثم سار من ناحية المقس يريد ~~القاهرة؛ فخرج إليه عسكر ضرغام وحملوا PageV03P268 # عليه، فخاف من كان معه من الأمراء الذين كانوا مع همام أخي ضرغام ولحقوا ~~بالقاهرة فانهزم هزيمة قبيحة. فسر بذلك ضرغام، وأحضر قاضي القضاة وأمره ~~بحمل ما في مودع الحكم من مال الأيتام؛ فحملها إليه. # وكان شاور لما انهزم سار إلى بركة الحبش وصار إلى الرصد فملك ما هنالك، ~~وأخذ مدينة مصر وأقام بها أياما، ولم يبق مع شاور وشيركوه من الأمراء الذين ~~كانوا مع همام سوى شمس الخلافة محمد وأولاد سيف الملك الجمل وابن ناصر ~~الدولة وأولاد حسن؛ فقيد شيركوه ابن شمس الخلافة دون الناس كلهم. # وكره الناس من ضرغام أخذه أموال الأيتام مع ما سبق منه من قتل الأمراء ~~وغيرهم، وعلموا عجزه عن شاور. # وكان شاور يركب كل يوم في مصر ويؤمن أهلها ويمنع الأتراك من التعرض ~~إليهم، فمال الناس إليه. وبلغهم عن ضرغام أنه يتوعدهم إذا ظفر بشاور أنه ~~يحرق مصر على أهلها من أجل أنهم أمكنوا شاورا من دخول البلد وباعوا عليه ~~وعلى من معه. فتحول شاور عن مصر ونزل اللوق، وطارد خيل ضرغام وقد خلت ~~المنصورة والهلالية وثبت أهل اليانسية فقاتل الناس قتالا خفيفا. وصار شاور ~~وشيركوه إلى باب سعادة وباب القنطرة من أبواب القاهرة، وطرحوا النار في ~~اللؤلؤة وما حولها من الدور. وكانت وقعة عظيمة بين الفريقين قتل فيها من ~~العسكرين خلق كثير. # فلما كان الليل اجتمع مقدموا الريحانية وفد فني منهم كثير، وأرسلوا إلى ~~شاور يطلبون الأمان وكان قبل ذلك يبعث إليهم ويستميلهم فأمنهم. # ولما رأى الخليفة العاضد انحلال أمر ضرغام بعث يأمر الرماة بالكف عن ~~الرمي، فخرج الرجال إلى شاور في الصباح، فسر بهم. وفترت همة أهل القاهرة، ~~وأعمل كل منهم ms562 الحيلة في الخروج؛ وخرج ضرغام ومعه جماعة إلى خارج القاهرة، ~~وجعلوا يترددون من باب إلى باب، وفيهم ابن ملهم وابن فرج الله وصارم بن أبي ~~الخليل وجماعة مذكورون، فكانوا يطاردون من طاردهم. وأمر ضرغام بضرب البوقات ~~والطبل على الأسوار PageV03P269 # ليجتمع الناس؛ فلم يخرج إليه أحد وانفل الناس عنه. فعاد إلى القاهرة وصار ~~إلى باب الرحبة من أبواب النصر ولم يبق معه سوى خمسمائة فارس، فوقف وطلب ~~الخليفة أن يشرف عليهم من الطاق. فبلغ ذلك شاورا فسرح في الحال ابنه سليمان ~~الطاري إلى باب القنطرة ليملكه ويقف. # فلما طال وقوف ضرغام نادى: أريد أمير المؤمنين يكلمني لأسأله عما أفعل. ~~فلم يجبه أحد. فصاح: يا مولانا كلمني، يا مولانا أرني وجهك الكريم يا ~~مولانا بحرمة أجدادك على الله؛ وهو يبكي فلم يجبه أحد. وقويت الشمس فصار ~~إلى الظل حتى قرب الظهر، فأمر بعض غلمانه أن يركض في قصبة القاهرة ويقول ~~بصوت عال: ما كانت إلا مكيدة على الرجال، قد قتل الترك أصحاب شاور ~~الريحانية. فما هو إلا أن سمع الناس ذلك وكانوا قد صاروا إلى بيوتهم ~~فأسرعوا إلى خيولهم وعادوا من كل جانب مثل السيل، فرأوا ضرغاما على تلك ~~الهيئة، والطاق لم يفتح له والخليفة لم يكلمه، فسقط في أيديهم وقالوا ~~ارجعوا فهي كناية والغلبة لشاور؛ ورجعوا من حيث أتوا. # فوقف ضرغام إلى العصر ولم يبق معه غير ثلاثين فارسا، ووردت إليه رقعة ~~فيها: خذ لنفسك وانج بها. فأيس من الظفر. # وبعث شاور إلى الخليفة العاضد يستأذنه في الدخول إلى القاهرة؛ فأذن له. ~~فبعث شاور يأمر ابنه أن يدخل القاهرة، وهو عند القنطرة، فدخل وضربت أبواقه، ~~وكانت من أبواق الترك التي لم تعهد بمصر، فما هو إلا أن علم به ضرغام، فمر ~~على وجهه إلى باب زويلة، فتخطف الناس من معه، وعطعطوا عليه ولعنوه. فأدركه ~~بعض الشاميين في غلمان شاور وطعنه فأرداه، ونزل إليه واحتز رأسه بالقرب من ~~مشهد السيدة نفيسة، وذلك قريبا من الجسر الأعظم، في يوم الجمعة الثامن ~~والعشرين من ms563 جمادى الآخرة. وفر ملهم إلى مسجد تبر، فقتل هناك وترك مطروحا، ~~وأتى برأسه إلى عند شاور. وقتل ناصر الدين PageV03P270 # أخو ضرغام عند بركة الفيل؛ وقتل فارس المسلمين. وبقى جسد ضرغام ملقى ~~يومين ثم حمل إلى القرافة فدفن بها. # وكان من الاتفاق العجيب أن ابن شاور قتل في يوم الجمعة حادي عشري رمضان ~~سنة ثمان وخمسين، فقتل ضرغام يوم الجمعة ثامن عشري جمادى الآخرة سنة تسع؛ ~~وقتل مع ابن شاور حسان ابن عمته فقتل مع ضرغام.. وكانت وزارة شاور الأولى ~~تسعة أشهر ووزارة ضرغام بعده تسعة أشهر. # وكان من أعيان الأمراء وأحلى الفرسان، يجيد اللعب بالكرة والرمي بالسهام، ~~ويكتب كتابة ابن مقلة، وينظم الموشحات الجيدة، كريما عاقلا، يحب العلماء ~~والأدباء ويقربهم، إلا أنه سريع الاستمالة يميل مع من يستميله ولا يكذب ~~خبرا عن عدو بل يعاقب سريعا. PageV03P271 # ولما جيء برأسه إلى شاور رفعت على قناة وطيف بها؛ فقال الفقيه عمارة: # أرى حنك الوزارة صار سيفا ... يحد بحده صيد الرقاب # كأنك رائد البلوى، وإلا ... بشير بالمنية والمصاب # فكان كما قال عمارة. # وأقام شاور وشيركوه بعد قتل ضرغام في مخيمهما بناحية المقس يومي السبت ~~والأحد. فلما كان يوم الاثنين طلع الوزارة في ثالث شهر رجب، وخرج الكامل بن ~~شاور من دار ملهم، أخي ضرغام، وكان معتقلا بها؛ وخرج معه القاضي الفاضل، ~~وكان معه في الاعتقال، وقد تأكدت بينهما مودة، فأدخله إلى أبيه ومدحه عنده ~~وأثنى عليه، فسماه حينئذ بالقاضي الفاضل وكان قبل ذلك ينعت بالقاضي الأسعد. # وفرح العاضد بدخول شاور. ولما خلع عليه سار من القصر إلى باب زويلة، وخرج ~~منه إلى باب القنطرة فنزل بدار الوزارة. وركب شيركوه إلى مصر ورآها، وقصد ~~الفقهاء مثل الكيزاني وابن حطيه، واجتمع بالشيخ أبي عمرو بن مرزوق وأخبره PageV03P272 # كما أخبر ابن نجا أنه يملك الديار المصرية ويزيل هذه الدولة، لكنه لا ~~يملكها إلا بعد أن يرجع إلى الشام ويأتيها ثانيا، ثم يرجع ويعود إليها ثالث ~~مرة وحينئذ يملكها. وسأله عن بيت المقدس فقال: لا يكون فتحه ms564 على يدك وإنما ~~يكون فتحه على يد بعض من في خدمتك من أقاربك. وهكذا جرى؛ فإن شيركوه لم ~~يملك مصر إلا في مجيئه إلى القاهرة المرة الثالثة، ولم يفتح بيت المقدس إلا ~~على يد صلاح الدين يوسف بن أخي شيركوه. # وفي رابع رجب قرئ سجل شاور بالوزارة. # واستمر شيركوه في مخيمه ويخرج إليه في كل يوم عشرون طبقا من سائر الأطعمة ~~ومائتا قنطار خبزا ومائتا إردب شعيرا. وأعد له العاضد ملبوسا وسريرا مرصعا ~~بالجوهر له قيمة عظيمة كان الآمر قد عمله، وأمره بالدخول ليخلع عليه، ~~فامتنع. وأرسل إلى شاور يقول: قد طال مقامنا في الخيم وضجر العسكر من الحر ~~والغبار؛ ويستنجز منه ما وعد به السلطان نور الدين. فأرسل إليه ثلاثين ألف ~~دينار وقال: ترحل الآن في أمن الله وحفظه. فبعث يقول له: إن الملك العادل ~~نور الدين أوصاني عند انفصالي عنه إذا ملك شاور تكون مقيما عنده، ويكون لك ~~ثلث مغل البلاد، والثلث الآخر لشاور والعسكر، والثلث الثالث PageV03P273 # لصاحب القصر يصرفه في مصالحه. فأنكر شاور ذلك وقال: إنما طلبت نجدة وإذا ~~انقضى شغلي عادوا؛ وقد سيرت إليكم نفقة فخذوها وانصرفوا وأنا أرضي نور ~~الدين. فقال شيركوه: لا يمكنني مخالفة نور الدين ولا أنصرف إلا بإمضاء ~~أمره. # فأخذ شاور عند ذلك يستعد لمحاربة شيركوه، واستعد أيضا شيركوه، وبعث بابن ~~أخيه صلاح الدين بطائفة من الجيش يجمع الغلال والأتبان وغير ذلك ببلبيس. ~~فغلق شاور أبواب القاهرة، وتغلب صلاح الدين على الحوف، وبث خيله، وحاز ~~الأموال والغلال. وتقدم إلى جزيرة قويسنا، فخرج ثلاثة من الأستاذين بأمر ~~الخليفة إلى استنفار الناس من الصعيد؛ وثار ابن شاس، والي جزيرة قويسنا، ~~على الترك وقاتلهم حتى هزمهم وغرق منهم جماعة. فعاد صلاح الدين إلى عمه ~~شيركوه، فتجهز ونزل بحري التاج. # وأخرج شاور خيمه وضربها في أرض الطبالة. فلما كان يوم الأربعاء الثالث ~~والعشرون من شعبان التقى شاور وشيركوه في كوم الريش، فانكسر شاور إلى باب ~~القنطرة ونهبت خيمه، وأسر أخوه صبح وجوهر المأموني؛ ودخل القاهرة فرمى ms565 بحجر ~~من باب القنطرة PageV03P274 # فدخل الكافوري مغشيا عليه. # وفي ذلك اليوم أحرق صف الخليج، وكاد شيركوه أن يدخل القاهرة؛ وبقي الحصار ~~إلى يوم الخميس تاسع رمضان. وورد الخبر إلى شاور بأن الفرنج قاربوا مدينة ~~بلبيس يوم السبت حادي عشر رمضان فأقام عليها وشيركوه بها. ولما كان في خامس ~~عشر ذي الحجة تقرر الحال مع شيركوه على أن يدفع إليه شاور خمسين ألف دينار ~~ورهائن على صبح، أخي شاور، وعاد إلى دمشق. ورجع الفرنج. # وقدم شاور إلى القاهرة في سادس عشر ذي الحجة. فكان مقامه على بلبيس نيفا ~~وتسعين يوما. # وأخرج شاور العساكر والحشود مما يلي البستان الكبير خارج باب الفتوح، ~~وزحف شاور، فخرج إليه شيركوه وحاربه، فخرج أكثر عسكر شاور وغورت أعينهم، ~~ووقعت نشابة في عين الطاري، ابن شاور، اليمني، فبقي معه النصل مدة إلى أن ~~قلعت وخرج منها بكلفة. فانهزم شاور ودخل القاهرة وأغلق أبوابها، وحاصره ~~شيركوه طول النهار. PageV03P275 # فلما كان الليل أحرق من باب سعادة إلى ناحية اللؤلؤة، كما فعل أولا، ~~واشتد الأمر، وصار كل من يخرج من عسكر مصر يقتل. فركب شاور وخرج ثم عاد وقد ~~ازدحم الناس على السور لتنظر إلى الحرب، فسقطت شرفة من شرفات السور على ابن ~~شاور وغشى عليه، ودخلوا به إلى الكافوري وقد أيس منه؛ فجاء رئيس الأطباء ~~وعصر في أذنه حصرما فأفاق. وأتاه الشراب من عند الخليفة فشربه وركب إلى ~~داره وقد ورم وجهه. # واشتد قتال شيركوه على باب القنطرة وأحرق وجه الخليج جميعه، واحترقت ~~الدور التي بجانبه من حارة زويلة. وانضم إليه بنو كنانة وكثير من عسكر ~~المصريين. وبعث طائفة إلى حارة الريحانية وفتحوا ثغرة، فكان هناك قتال ~~شديد. فجلس العاضد على باب الذهب وأمر بالخروج، فتسارع الصبيان وغيرهم إلى ~~الثغرة وقاتلوا الترك والكنانية حتى أوصلوهم إلى منازلهم، وسدوا الثغرة. # وكان ضرغام عند قدوم شاور وشيركوه أرسل إلى الفرنج يستنجد بهم ويعدهم ~~بزيادة القطيعة التي لهم، فامتنع ملكهم وقال لا يأتي إلا بأمر الخليفة وأما ~~من الوزراء فلا يقبل فلما ms566 تحقق شاور أنه لا قبل له بشيركوه كتب إلى مري ملك ~~الفرنج بالساحل يستنجده ويخوفه من تمكن عسكر نور الدين من مصر، ويقول له ~~متى استقروا في البلاد قلعوك كما يريدون أن يفعلوا؛ وضمن له مالا وعلفا، ~~ويقال إنه جعل له عن كل مرحلة يسيرها ألف دينار؛ وسير إليه بذلك مع ظهير ~~الدين بدران. فسر الفرنج بذلك وطمعوا في ملك مصر. PageV03P276 # وخرج مري من عسقلان بجموعه فقبض عن مسيره سبعة وعشرين ألف دينار. # فلما بلغ شيركوه ارتحل عن القاهرة إلى بلبيس وبها ما أعد له ابن أخيه من ~~الغلال وغيرها، وانضم معه الكنانية، فخرج شاور في عسكر مصر، فاجتمع بالفرنج ~~وخيم على بلبيس وأحاط بها، فكانوا يغادون القتال ويراوحونه ثلاثة أشهر. ~~وانقطعت الأخبار عن نور الدين، وبلغه سير الفرنج إلى مصر. # وسار ملك القدس بجمع كثير ممن وصل لزيارة القدس مستعينا بهم. فبينا ~~الفرنج في محاصرة شيركوه إذ ورد عليهم أخذ نور الدين لحارم ومسيره إلى ~~بانياس، فسقط في أيديهم وعولوا على الرجوع إلى بلادهم. فراسلوا شيركوه في ~~طلب الصلح وعوده إلى الشام وتسليم ما بيده إلى المصريين. فأجاب إلى ذلك. ~~وندب شاور الأمير شمس الخلافة محمد ابن مختار إلى شيركوه، فقرر معه الصلح ~~على ثلاثين ألفا فحملها إليه. وكانت الأقوات قد قلت عنده، وقتل من أصحابه ~~جماعة. وأبطأت نجدة نور الدين فلم يأته منه أحد. وخرج من بلبيس أول ذي ~~الحجة. PageV03P277 # وممن قتل معه من أصحابه على بلبيس سيف الدين محمد بن برجوان، صاحب صرخد، ~~بسهم أصابه، فأنشد وهو يجود بنفسه: # يا مصر، ما كنت في بالي ولا خلدي ... ولا خطرت بأوهامي وأفكاري # لكن إذا قالت الأقدار كان لها ... قوى تؤلف بين الماء والنار # وقتل من الكنانية عالم عظيم. وحصل للفرنج من شاور أموال جمة، فإنه كان ~~يعطيهم عن كل يوم ألف دينار. # وأقام شيركوه بظاهر بلبيس ثلاثة أيام وسار إلى دمشق، فدخلها يوم الأربعاء ~~ثالث عشري ذي الحجة. # فيها عزل شاور أبا القاسم هبة الله بن عبد الله ms567 بن الحسن بن محمد بن أبي ~~كامل، المعروف بالقاضي المفضل ضياء الدين بن كامل الصوري، عن قضاء القضاة، ~~وولي مكانه القاضي الأعز أبا محمد الحسن بن علي بن سلامة، المعروف ~~بالعوريس. PageV03P278 ### || سنة ستين وخمسمائة @YY560 # فيها ركب البرنس أرناط، صاحب الكرك والشوبك، البحر إلى عسقلان وخرج منها ~~إلى الكرك، وجمع عسكره وأقام ينتظر شيركوه؛ فعلم بذلك شيركوه، فمر من خلف ~~الموضع الذي فيه أرناط، فلم يعلم به ونجا وأمن منه. ووصل إلى دمشق فضعف أمر ~~عسكر مصر عند نور الدين وهون عليه أمرهم، وحرضه على قصدهم، وأكثر من التحدث ~~في أمر مصر. # وفيها عاد شاور إلى القاهرة؛ وخرج يحيى بن الخياط على شاور وحشد ونزل ~~الجيزة يوم الأربعاء بعد أن حاصر الكامل بن شاور في طنبدي، ورحل عن الجيزة، ~~فكسروا يوم السبت سابع عشر صفر. وقبض شاور على ابن فحل ابن أبي كامل وقتلا ~~ليلة الاثنين تاسع عشره. وتتبع من كان يكاتب شيركوه أو يواده؛ وتشدد في طلب ~~أصحاب ضرغام. وكان قد استفسد جماعة من أصحاب شيركوه، منهم خشترين الكردي ~~فأقطعه شطنوف. PageV03P279 # وفيها فر الشريف المحنك من شاور ولحق بنور الدين. وذلك أنه كان بعثه ~~ضرغام إلى نور الدين في صرف رأيه عن نجدة شاور فوجد نور الدين مائلا معه ~~لأمور، منها: أنه تقرب إليه بذم مذهب الفاطميين، ووعده ملك مصر، وعرض له ~~الأموال الكثيرة؛ فبالغ الشريف في الحط على شاور مع نور الدين، فأنفذه ~~إليه. فلما اجتمعا عتبه شاور على ما كان منه، وقال له: أنت تعلم أيها ~~الشريف أن سبب قيامي على آل رزيك إنما كان لأجل ضرغام وإخوته من الأمراء ~~واتبعت غرضهم فيما نقموه على ابن الصالح؛ ولما حصلت بالقاهرة رفعت من ~~أقدارهم وزدت في أرزاقهم، وبلغتهم أمانيهم، فلم يكن لهم إلا إزالتي ثم ~~قتلهم أولادي ونهب أموالي وتشتت جماعتي، وما زال السيف في خاصتي وغلماني؛ ~~فهل تعلم لي دينا إليهم؟ فقال له الشريف: أنت تعلم أيها الأمير أن ابنك طيا ~~كان قد تعدى طوره وتجاوز حده حتى ms568 تعاظم عليك ونفذ أمره دون أمرك؛ وأنه بعد ~~قتل رزيك بن الصالح أطلق لسانه في الأمراء ومد يده إلى أموالهم ونسائهم، ~~وبهتهم في المجالس، وصاح عليهم في المواكب حتى حقدوا عليه، وشكوه إليك فلم ~~تشكهم؛ وعامل أصحابك وغلمانك الناس بكل قبيح فمالت عنك قلوب الخاصة ~~والعامة. فسكت عنه، وما زال في نفسه منه حتى تمكن من البلاد فأخذ يتطلبه، ~~ففر منه. PageV03P280 ### || سنة احدى وستين وخمسمائة @YY561 # في أول المحرم مات الأمير هوشات. وفي ثالثه مات القاضي الجليس عبد العزيز ~~ابن الحباب. PageV03P281 ### || سنة اثنتين وستين وخمسمائة @YY562 # فيها جهز الملك العادل نور الدين الأمير أسد الدين شيركوه من دمشق لقصد ~~ديار مصر في جيش قوي، ومعه جماعة من الأمراء، وكان كارها لمسير شيركوه ~~لكثرة ما رأى من حرصه على السفر. فرحل يوم الجمعة العشرين من شهر ربيع ~~الأول، وشيعه السلطان إلى أطراف البلاد خوفا من مضرة الفرنج، فسار على ~~ميمنة بلاد الفرنج. وبعث مري ملك الفرنج إلى شاور يخبره بمسير شيركوه ~~بالعسكر إلى مصر، فأجابه يلتمس منه نجدته، وأن المقرر من المال يحمل إليه ~~على ما كان يحمل في السنة الماضية. # فسار مري بعساكره، وقد طمع في البلاد، على الساحل حتى نزل بلبيس، فخرج ~~إليه شاور، وأقاموا في انتظار شيركوه. فبلغه ذلك، فنكب عن الطريق وهبط في ~~يوم السبت خامس ربيع الآخر من وادي الغزلان إلى أسكر، وخرج إلى إطفيح قبلي ~~مصر فشن الغارة هناك. # واتصل الخبر بشاور، فرحل هو والفرنج يريدونه. ونزل شاور والفرنج بركة ~~الحبش PageV03P282 # في يوم الأحد سادس جمادى الآخرة، وتوجه في يوم الثلاثاء منه إلى دير ~~الجميزة، فاندفع سائرا في بلاد الصعيد حتى بلغ شرونه، وعدى منها إلى البر ~~الغربي. وأدرك شاور ساقته فأوقع بهم، وعدى بعساكره وجموع الفرنج. ونزل ~~شيركوه بالجيزة في يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة تجاه مدينة مصر وأقام ~~بها بضعا وخمسين يوما. وبعث الشريف أبا عبد الله الملقب بالرضي، ابن الشريف ~~المحنك إلى الطلحيين والقرشيين يستفزهم ويدعوهم إليه، وكان قد بلغه أن ~~شاورا أساء ms569 إليهم، فأتوه مسرعين. # وبعث إلى شاور بأني أحلف لك أني لا أقيم ببلاد مصر ولا يؤذيك أحد من ~~أصحابي، وأكون أنا وأنت على الفرنج وننتهز فيهم فرصة قد أمكنت وما أظن أن ~~يتفق للإسلام مثلها كثيرا. فأبى شاور من قبول ذلك. والتجأ شيركوه إلى دلجة، ~~ونزل شاور في اللوق والمقس ظاهر القاهرة، وأنشأ الجسر بين الجيزة والجزيرة، ~~وشحن المراكب والرجال لتسير من خلف عسكر شيركوه. # وكتب شيركوه إلى الإسكندرية يستنجد بها على الفرنج وشاور، فقاموا معه ~~وأمروا عليهم رجلا يعرف بنجم الدين بن مصال، من ولد الوزير؛ فكتبوا إليه ~~أنهم يمدونه بالسلاح والحديد، وجهزوا إليه خزانة من السلاح مع ابن أخت ~~الفقيه ابن عوف. فأتاه الخبر بقرب شاور فلم يثبت، وترك خيامه وأثقاله، وسار ~~سيرا حثيثا ونزل قدر ما أطعم دوابه، ورحل من الليل فسار غير بعيد، ثم نادى ~~في عسكره بالرجوع، فعاد إلى دلجة. # وسار شاور والفرنج في طلب شيركوه، فنزلوا الأشمونين وتبعوا شيركوه، فأمر ~~شيركوه أصحابه بالتعبئة. فما طلع ضوء الصباح حتى أشرفت عساكر شاور وجموع ~~الفرنج في عدد كبير، فقدم شاور طائفة فحملت على أصحاب شيركوه، وانهزم منها ~~عز الدين PageV03P283 # الجاولي من أصحابه فلم ينزل إلا بالإسكندرية، وتفرق منهم عدد؛ فولي ~~شيركوه وقد قتل من أصحابه جماعة وقتل من أهل الإسكندرية كثير. # وكان سبب الخلل في عسكر شيركوه أنه فرق أصحابه فرقتين، فرقة معه وفرقة مع ~~ابن أخيه صلاح الدين يوسف. # ثم إنهم تجمعوا وقت الظهر ووطنوا أنفسهم على الموت، وحملوا على شاور ومن ~~معه فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأبلى يومئذ صلاح الدين يوسف بلاء حسنا وحمل ~~حملات فرق بها الجموع وبدد شملها. وحمل شاور على عسكر شيركوه فكسر القلب، ~~فتلاحقت الميمنة بمن كان في القلب؛ واستمر القتال حتى حال بين الفريقين ~~الليل، فانهزم كثير من الفرنج وقتل منهم كثير، وكاد ملكهم أن يؤخذ، ووقع في ~~قبضة شيركوه وأصحابه نحو السبعين أسرا. # وبات الفريقات وقد تبين الوهن في الفرنج، فسار شاور بمن معه إلى منية بني ~~خصيب. ms570 # وكانت هذه الواقعة في موضع يعرف بالبابين، بالقرب من الأشمونين، في يوم ~~السبت الخامس والعشرين من جمادى الآخرة. # ثم إن شيركوه سار بأصحابه على طريق الفيوم إلى الإسكندرية وانتهب ~~البحيرة، وأخذ عسكره غلالها ومواشيها؛ فخدمه ابن الزبير، متولي ديوان ~~الإسكندرية، وحمل إليه الأموال وقواه بالسلاح؛ وأقام متخوفا من مسير شاور ~~إليه، فترك بالإسكندرية صلاح الدين يوسف وخرج إلى الصعيد وجبى أموال ~~البلاد. فخرج شاور ونزل على الإسكندرية وحاصرها أشد حصار مدة ثلاثة أشهر، ~~ومنع عنها الميرة، فقلت بها الأقوات. هذا وشيركوه في جباية أموال الصعيد ~~وأخذ غلاله. PageV03P284 # ودخل عليه شهر رمضان، فلما أتمه وأهل شوال بلغه ما نزل بالإسكندرية ~~وأهلها من البلاء وقلة الأقوات، وأنها قد قاربت أن تؤخذ، فسار من قوص ونزل ~~على مصر يوم الخميس ثامن شوال. فبلغ شاور أن شيركوه حاصر مصر، فرحل من ~~الإسكندرية، وأرسل شيركوه إلى صلاح الدين يأمره بتقرير الصلح؛ ورحل عن مصر ~~إلى الشام. فبعث إلى ملك الفرنج يلتمس منه ذلك، فأجابه إليه، وقرر مع شاور ~~أنه يحمل إلى شيركوه جميع ما غرم في هذه السفرة، ويعطي الفرنج ثلاثين ألف ~~دينار، ويعود كل منهم إلى بلاده. ووقع الحلف بالأيمان المؤكدة على ذلك. # فلما تقرر الصلح أرسل صلاح الدين إلى ملك الفرنج يقول إن لي أصحابا منهم ~~القوي ومنهم الضعيف، فأما القوي فإنه يتبعنا في البر، وأما الضعيف فإنه ~~يسير في البحر فنريد لهم مراكب. فأنفذ إليه عدة مراكب خرج فيها أصحابه. # وخرج صلاح الدين من الإسكندرية واجتمع بعمه أسد الدين شيركوه. ودخل شاور ~~البلد، وجاءه مشايخ البلد للسلام عليه، ومري ملك الفرنج جالس معه، فلم ينظر ~~شاور إلى الجماعة ولا أكرمهم، ولا أذن لهم في الجلوس، لأنهم كانوا قاتلوه ~~قتالا شديدا، فنقم عليهم ذلك. فقال له مري: أكرم قسسك. فأذن لهم في الجلوس ~~وعاتبهم على ما فعلوا من القتال وإظهار المخالفة. فسكتوا. وكان فيهم الفقيه ~~شمس الإسلام أبو القاسم مخلوف بن علي PageV03P285 # المالكي، المعروف بابن جاره، شيخ الصاحب صفي الدين عبد الله بن ms571 علي بن ~~شكر، فقال له: نحن نقاتل كل من جاء تحت الصليب كائنا من كان. فقال له مري: ~~وحق ديني لقد صدقك هذا الشيخ. فسكت شاور وأكرمهم بعد ذلك اليوم. # وفر نجم الدين بن مصال والي الثغر إلى الشام، وقبض شاور على الأشرف بن ~~الحباب قاضي الثغر وعاقبه، وأخذ منه مالا جزيلا؛ ولم يقنع بالرشيد ابن ~~الزين الناظر فولي القاضي الأشرف أبا القاسم عبد الرحمن بن منصور بن نجا ~~النظر عوضه؛ فبعث شاور وقبض على جميع من كان مع صلاح الدين من أهل مصر، ~~وعلي ابن مصال. فشق ذلك على صلاح الدين، واجتمع بملك الفرنج في ذلك، فأرسل ~~إلى شاور وما زال به حتى أفرج عنهم. فخافوا من شاور وعزموا على الرحيل إلى ~~الشام، فخرج إليهم شاور بنفسه وجمع وجوههم وطمأنهم، وحلف لهم أنه يضاعف لهم ~~الإحسان ولا يتعرض لهم بسوء. فمنهم من اطمأن وأقام، ومنهم من رحل إلى ~~الشام. # ووصل الذين ساروا من ضعاف أصحاب صلاح الدين في المراكب إلى عكا، وأحاط ~~بهم الفرنج واعتقلوهم بمعصرة القصب حتى عاد ملك الفرنج فأطلقهم. # وتسلم شاور الإسكندرية في نصف شوال. وسار شيركوه ومن معه وقد استمال شاور ~~منهم جماعة ومعه مري ملك الفرنج حتى نزل الجيزة وعدى إلى القاهرة من المقس. ~~فأقام مري أياما ورحل عائدا إلى بلاده، فخرج شاور يودعه إلى بلبيس وعاد إلى ~~القاهرة أول ذي القعدة، فخرج إليه العاضد يتلقاه إلى الطابية، وخلع عليه. PageV03P286 # واستقر الأمر بينه وبين الفرنج أن يكون لهم بالقاهرة شحنة؛ وأن تكون ~~أسوارها بيد فرسانهم ليمتنع نور الدين من إرسال عسكر إليها؛ وأن يكون لهم ~~من دخل ديار مصر في كل سنة مائة ألف دينار. قرر لهم شاور ذلك من غير علم ~~العاضد ولا مشاورته، فإنه كان ممنوعا من التصرف وشاور يستبد بأمور الدولة. ~~فرحل الفرنج إلى بلادهم وتركوا بالقاهرة عدة من مشاهير فرسانهم، ورتبوا بها ~~ابن بارزاني واليا. # ووصل شيركوه إلى دمشق في ثامن عشر ذي القعدة وفي نفسه من مصر ما لا ms572 ~~ينفصل، لأنه خبر متحصلها، وعرف بلادها واستخف بأهلها. # واستقر شحنة الفرنج أولا بالقاهرة في الموضع المعروف اليوم بقصر بيسرى من ~~الخرنشف. وبعث الكامل شجاع بن شاور إلى نور الدين مع بعض الأمراء ينهي ~~محبته وولاءه، ويسأل الدخول في طاعته، وضمن له عن نفسه أنه يفعل هذا ويجمع ~~الكلمة على طاعته، وبذل له مالا يحمله إليه كل سنة، فأجابه، وحمل إلى نور ~~الدين مالا جزيلا. # وأخذ شاور بعد عوده من الإسكندرية في الإكثار من سفك الدماء بغير حق، ~~فكان يأمر بضرب الرقاب بين يديه في قاعة البستان من دار الوزارة ثم تسحب ~~القتلى إلى خارج الدار. واشتد ظلم إخوته وأولاده وغلمانه ومن يلوذ به، وكثر ~~تضرر الناس بهم. فكان PageV03P287 # من تأمل أحوال الوزراء يجد الصالح بن رزيك ربى رجال الدولة، وجاء الضرغام ~~فأفناهم، ثم جاء شاور فأتلف أموال مصر وأطمع الغز في البلاد وجرأ الفرنج ~~علنا حتى كان ما كان مما يأتي ذكره إن شاء الله. # وفيها أحضر القاضي رشيد الدين أبو الحسين أحمد بن القاضي رشيد الدين أبي ~~الحسن علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسين بن الزبير الأسواني، وقد فر إلى ~~قريب برقة، فدخل على حالة سيئة، فأمر به شاور فضربت عنقه، وصلب عند مسجد ~~الزيني على الخليج، بالقرب من قبو الكرماني، في يوم الأربعاء العشرين من ذي ~~العقدة. PageV03P288 ### || سنة ثلاث وستين وخمسمائة @YY563 # فيها بعث شاور إلى نور الدين رسالة مع شهاب الدين محمود، خال صلاح الدين ~~يوسف، تتضمن أنه يحمل إليه مالا في كل سنة من مصر مصانعة ليصرف عنه أسد ~~الدين شيركوه. فأجاب نور الدين إلى ذلك، وأعطى شيركوه مدينة حمص وأعمالها ~~زيادة على ما كان بيده، وذلك في شعبان، وأمره بترك ذكر مصر. فأرسل شاور ~~إليه كتابا يشكر صنيعه. # وفيها قتل شاور القاضي الرشيد أبا الحسين أحمد بن علي بن إبراهيم بن محمد ~~بن الحسين بن الزبير الغساني الأسواني، صاحب كتاب الجنان ورياض الأذهان؛ ~~وكان من أهل العلم والأدب؛ وله رسالة أودعها من كل علم مشكلة ms573 ومن كل فن ~~أفضله. وسار إلى اليمن رسولا وكان أسود في أيام الحافظ، وتلقب بعلم ~~المهتدين؛ فقال فيه شاعر من أهل اليمن من قصيدة بعث بها إلى الحافظ: # بعثت لنا علم المهتدين ... ولكنه علم أسود # وولي نظر الإسكندرية. فقتله شاور في المحرم، بسبب أنه داخل شيركوه وصلاح ~~الدين وخدمهما، بعد أن عذبه عذابا شديدا، ثم ضرب عنقه. PageV03P289 # فيها خرج يحيى بن الخياط يريد الوزارة، فبعث إليه شاور عسكرا هزموه حتى ~~لحق بالفرنج. # وفيها ولي خطابة الجامع العتيق بمصر نتاج الشرف حسن بن أبي الفتوح ناصر ~~ابن إسماعيل الحسني بعد موت أبيه يوم عيد الفطر. PageV03P290 ### || سنة أربع وستين وخمسمائة @YY564 # فيها تمكن الفرنج من ديار مصر وحكموا فيها حكما جائرا، وركبوا المسلمين ~~بالأذى العظيم وقد تيقنوا أنه لا حامي للبلاد، وتبين لهم ضعف الدولة ~~وانكشفت لهم عورات الناس. فجمع مري جموعه واستشارهم في قصد ديار مصر، فقووا ~~عزمه على المسير إليها فأجمع أمره على الرحيل واستدعى وزيره وأمره بإقطاع ~~بلاد مصر لأصحابه، ففرق قراها عليهم بعد ما كتب جميع قراها وارتفاع كل ~~ناحية؛ واستنجد عسكرا قوي به جنده. # فورد الخبر إلى شاور بمسير الفرنج إلى مصر في نصف المحرم، فبعث إلى ملك ~~الفرنج الأمير ظهير الدين بدران وقيس بن طي بن شاور. # وكان نور الدين بحلب، فأسرع مري إلى المجيء إلى مصر ظنا أن نور الدين ~~بعيد منه وعساكره متفرقة عنه. فبلغ ذلك نور الدين، فأخذ في جمع عساكره. PageV03P291 # ووصل مري إلى الداروم. فبلغ شاورا فارتاع وبعث أميرا يعرف ببدران لكشف ~~الخبر، فلما اجتمع بمري خدعه ووعده بعدة من قرى مصر، نحو الثلاث عشرة قرية، ~~وأمره أن يخبر شاور أنهم إنما قصدوا البلد لخدمة. فلما عاد إلى شاور جهز ~~إلى مري شمس الخلافة محمد بن مختار، فعندما دخل عليه قال له: مرحبا بشمس ~~الخلافة. فقال: فمرحبا بالملك الغدار، وإلا ما أقدمك إلينا؟ قال: اتصل بنا ~~أن الفقيه عيسى وصل إليكم ليزوج أختا للكامل بن شاور بصلاح الدين يوسف ~~ويتزوج الكامل بأخت صلاح ms574 الدين، فحسبنا أن هذا عمل علينا. فقال ما لهذا ~~صحة، ولو فعل لما كان ناقضا للهدنة. فقال: الصحيح أن قوما من وراء البحر ~~انتهوا إلينا وغلبوا على رأينا وخرجوا طامعين في بلادكم؛ فخفنا من ذلك، ~~فخرجت لتوسط الأمر بينهم وبينكم. فقال له: فكم تريد أن يكون مبلغ القطيعة ~~التي نقوم بها؟ قال: ألفي ألف دينار. فقال: حتى أعود إلى شاور بهذا الخبر ~~وأرجع إليكم بالجواب، فلا تبرحوا من مكانكم. فقال مري: بل ننزل على بلبيس ~~حتى تعود. # وكان قد كتب إلى شاور: إني قد قصدت الخدمة على ما قررته لي من العطاء في ~~كل عام، فكتب إليه شاور: إن الذي قررته إنما جعلته لك متى احتجت إلى نجدتك ~~أو إذا قدم علي عدو، فأما مع خلو بالي من الأعداء فلا حاجة لي إليك ولا لك ~~عندي مقرر. فأجابه: لا بد من حضوري وأخذي المقرر. فعلم شاور أنه قد غدر ~~وخان الأيمان، ونقض العهود، وطمع في البلاد. فجمع الأجناد وحشد العساكر إلى ~~القاهرة؛ وسير إلى بلبيس حفنة من العسكر، ونقل إليها ما تحتاج إليه من ~~الأقوات والغلات. # فنزل مري على بلبيس أول يوم من صفر، وكتب عدة من أعيان المصريين كتبا إلى ~~مري يعدونه المساعدة، لكراهتهم في شاور، منهم علم الملك ابن النحاس، ويحيى PageV03P292 # ابن الخياط، وابن قرجلة، وجماعة؛ فقوي الفرنج. وعندما قدم مري إلى بلبيس ~~أرسل إلى طي بن شاور، وكان ببلبيس، أين ينزل؟ فقال لرسوله: قل له ينزل على ~~أسنة الرماح. فغضب من هذا وجعله سببا لنقض ما قرره مع شمس الخلافة، وحاصر ~~البلد حتى افتتحها قهرا بالسيف يوم الثلاثاء ثاني صفر، وأخذ الطاري ~~والناصر، ابني شاور أسيرين، وقتل جميع من كان فيها وأسرهم وسباهم، ونهب ~~سائر ما تحتوي عليه؛ وأسر المعظم سليمان بن شاور وقيس بن طي بن شاور. # وأرسل إلى شاور يقول له: إن ابنك قال أيحسب مري أن بلبيس جبنة يأكلها! ~~نعم بلبيس جبنة والقاهرة زبدة. فصعد شاور إلى العاضد وسأله مكاتبة نور ~~الدين وطلب معونته ms575 فإن الفرنج قد ملكوا بلبيس والمسلمون يضعفون عن وقفهم، ~~وأنه متى حصل التقاعد أخذت مصر وأسر الفرنج من فيها من المسلمين؛ ويحثه على ~~إرسال من يتدارك هذا الأمر. فكتب العاضد إلى نور الدين برأي شمس الخلافة، ~~فإنه اجتمع بالكامل ابن شاور وقال له: عندي أمر لا يمكنني أن أفضي به إليك ~~إلا بعد أن تحلف لي أنك لا تطلع أباك عليه. فلما حلف له قال: إن أباك قد ~~وطن نفسه على المصابرة، وآخر أمره يسلم البلد إلى الفرنج ولا يكاتب نور ~~الدين؛ وهذا عين الفساد؛ فاصعد أنت إلى العاضد وألزمه أن يكتب إلى نور ~~الدين فليس لهذا الأمر غيره. فصعد الكامل إلى الخليفة العاضد وكتبا الكتاب ~~وأرسلاه إلى نور الدين. فقيل للعاضد لم لا أطلعت وزيرك على ذلك؛ فقال أعرف ~~أنه لا يوافقني عليه لكراهته في الغز وأنا أعلم من أي باب أدخل عليه. PageV03P293 # وأرسل إلى شاور يقول أين استدعائي الغز من المسلمين لنصرة الإسلام من ~~استدعائك الفرنج للإعانة على المسلمين. فقال للرسول: قل لمولانا عني أنت ~~مغرور بالغز والله لئن يثبت لهم رجل بديار مصر لا كانت عاقبته وخيمة إلا ~~عليك. فلما بلغه ذلك قال: رضيت أن تكون إسلامية وأكون فداء المسلمين. # فوافت كتب العاضد وكتب جماعة من الأعيان إلى نور الدين بحلب، فانزعج لذلك ~~وجمع الأمراء للمشورة فأشاروا بإرسال أسد الدين شيركوه. وكان بحمص وقد وصلت ~~إليه الكتب من مصر باستدعائه لإنجازهم وإنقاذهم مما نزل بهم، فخرج منها ~~يريد السلطان بحلب، وخرج رسول السلطان من حلب بطلبه، فتلاقيا بباب مدينة ~~حلب، وعادا. فلما رآه السلطان عجب من سرعة مجيئه، فأعلمه بموافاة الكتب ~~إليه تستدعيه إلى مصر؛ فسر بذلك وتفاءل به، وأعطاه مائتي ألف دينار وثيابا ~~وسلاحا ودواب، وحكمه في العسكر فاختار ألفي فارس وجمع فسار في ستة آلاف ~~فارس. # وخرج معه نور الدين إلى دمشق، فوصل إليها في سلخ صفر، وجهز أسد الدين ~~وأعطى نور الدين كل فارس ممن معه عشرين دينارا مصرية غير محسوبة عليه من ~~جامكيته ms576 وأضاف إليه جماعة من الأمراء، منهم عز الدين جرديك، وغرس الدين ~~قلج، وشرف الدين بزغش، وعين الدولة الياروقي، وقطب الدين ينال المنبجي، ~~وصلاح الدين يوسف بن أيوب. وكان صلاح الدين كارها مسيره إلى مصر كأنما يساق PageV03P294 # إلى الموت فأخرجه نور الدين كرها ليحق قول الله سبحانه إذ يقول: " وعسى ~~أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ". فإن نور ~~الدين أحب مسير صلاح الدين إلى مصر فكان مسيره إليها لخروج الملك عن ~~أولاده، وكره صلاح الدين مسيره إلى مصر فكان في مسيره إليها تملكه إياها ~~وغيرها من الأقاليم. # وسار شيركوه من دمشق في ثاني عشر ربيع الأول وتقدم الفقيه عيسى الهكاري ~~إلى العاضد سرا وخفية من شاور ليحلفه على أشياء. # وأما مري فإنه كثرت أمراء الفرنج عنده لقصد سبي بلبيس، فغزاها برجاله، ~~وأمر بإخراج الأسرى من أهل بلبيس إلى ظاهر البلد؛ وركب وقد اعتقل رمحه وحمل ~~على الأسرى حتى فرقهم فرقتين، فجعل لنفسه الفرقة التي وقعت عن يمينه، وأنعم ~~بالفرقة اليسرى على أهل عسكره؛ وقال لمن صار إليه من الأسرى: قد أطلقتكم ~~شكرا لله على ما أولاني من فتح مصر فإني ملكتها بلا شك. وما زال واقفا حتى ~~عدى أكثرهم النيل إلى جهة منية حمل، وأخذ عسكره أسراهم فاقتسموهم، فبقوا في ~~أيدي الفرنج بعد ذلك نحو الأربعين سنة وهلك كثير منهم هنالك، وأفلت بعضهم. # وكان شمس الخلافة قد صار إلى مري قبل أخذه مدينة بلبيس بإجابته إلى ~~القطيعة التي طلبها، فعاقه عنده حتى أخذ بلبيس، كما تقدم ذكره ثم أذن له في ~~الانصراف إلى القاهرة، واعتذر بأنه بلغه عن قيس بن طي أشياء أمضته حتى فعل ~~ما فعل، PageV03P295 # وأنه باق على ما تقرر معه بقاء شمس الخلافة وأشار على شاور بالاحتراز ~~وقال إن الرجل مخاتل. وأنفذت الكتب إلى نور الدين. # وكان شاور قد شرع في بناء سور على مدينة مصر واستعمل فيه الناس فلم يبق ~~أحد من المصريين إلا وعمل فيه؛ وحفر من ورائه خندقا، ms577 فلم يكمل من ناحية ~~النيل. وعمل في السور ثمانية أبواب أحدها بدار النحاس على ساحل البحر، هدم ~~في سنة وخمسين وستمائة وآخر بجانب كوم البواصين، وثالث على سكة سوق وردان ~~سقط سنة إحدى وستين وستمائة، وباب في طريق زين العابدين، وباب عرف بباب ~~الصفاء، وباب بحري مصلي الأموات سقط قبيل سنة خمسين وستمائة، وباب عند ~~أقمنة الجير مما يلي درب السرية، وباب لقنطرة بني وائل وتحته قنطرة بني ~~وائل التي تصب في بركة الشعيبية، التي كانت قديما بستان الأمير تميم بن ~~المعز، وكان الماء يدخل إليها من خليج مصر. # وسار مري بعقيب مسير شمس الخلافة عنه يريد منازلة القاهرة بعد ما أقام ~~ببلبيس خمسة أيام، فداخل الناس منه رعب شديد وخوف عظيم، فاجتمعوا بالقاهرة ~~ووطنوا أنفسهم على الموت. وكان هذا من لطف الله فإنه لو قدر أن الفرنج ~~أحسنوا السيرة في أهل بلبيس لكان الناس لا يدافعونهم عن القاهرة ألبتة لما ~~في قلوبهم من كراهة شاور. فما هو إلا أن قصد مري القاهرة وإذا بشاور قد قام ~~في حريق مصر، وأمر شاور الناس بالانتقال منها إلى القاهرة، وحثهم على ~~الخروج منها. فتركوا أموالهم وأثقالهم ونجوا بأنفسهم وأولادهم وحرمهم؛ وقد ~~ماج الناس واضطربوا اضطرابا عظيما. PageV03P296 # ووقعت النار في الأسطول فخرج العبيد إلى مصر وقد انطلقت النار في مساكنها ~~فانتهبوا سائر ما كان بمصر. وبلغ بالناس الحال أن كانت الدابة تكري من مصر ~~إلى القاهرة ببضعة عشر دينارا والجمل بثلاثين دينارا. ونزلوا بمساجد ~~القاهرة وحماماتها، وملأوا جميع الشوارع والأزقة، وصاروا مطروحين بعيالهم ~~وأولادهم على الطرق وقد ذهبت أموالهم وسلبت عامة أحوالهم؛ وهم مع ذلك ~~ينتظرون هجوم الفرنج على القاهرة وقتل رجالها وسبي من بها من الحريم ~~والصبيان. # وكان ابتداء الحريق بمصر في يوم الثلاثاء التاسع من صفر الموافق له ثامن ~~عشر هاتور؛ واستمرت النار في المساكن أربعة وخمسين يوما، والنهابة تهد ما ~~هنالك وتحفر لطلب الخبايا. # ونزل مري بعساكره على بركة الحبش في يوم الأربعاء العاشر من صفر، فخرج ~~إليه شمس الخلافة. ms578 فلما دخل إليه سأله أن يخرج معه إلى باب الخيمة، فخرج؛ ~~فأراه شمس الخلافة جهة مصر وقال له أترى دخانا في السماء؟ قال: نعم. قال: ~~هذا دخان مصر ما أتيتك إلا وقد احترقت بعشرين ألف قارورة نفط وفرق فيها ~~عشرة آلاف مشعل، وما بقي فيها ما يؤمل بقاؤه ونفعه؛ فخل الآن عنك. فقال ~~مري: لا بد من النزول على القاهرة ومعي فرنج من هذا البحر قد طمعوا في ~~أخذها. # ثم رحل فنزل على القاهرة في عاشر صفر مما يلي باب البرقية نزولا قارب به ~~البلد حتى صارت سهام الجرخ تقع في خيمه. وقاتل أهل القاهرة قتالا شديدا ~~وحفظوها PageV03P297 # وبذلوا جهدهم. واشتد الفرنج في محاصرة القاهرة وضيقوا على أهلها حتى ~~تزلزل الناس زلزالا شديدا وضعفت قواهم، وشاور هو القائم بتدبير الأمور، ~~فتبين له العجز عن مقاومة الفرنج وأنه يضعف عن ردهم. وخاف من غلبتهم فرجع ~~عن مقاومتهم إلى مخادعتهم وإعمال الحيلة؛ فأرسل شمس الخلافة إلى مري يطلب ~~منه الصلح على أن يحمل إليه أربعمائة ألف دينار معجلة. فأجاب إلى ذلك. ~~ويقال إنه خوفه من نور الدين واعتذر بأنه لولا الخوف من العاضد ومن معه من ~~المسلمين وإلا سلمه البلد؛ وإنه تقدم له بألف ألف دينار. فتقرر الصلح. # على أن مري قال لا أسمع من كلام شاور فإنه غدار، ولا بد من كلام الخليفة ~~العاضد. فمشى أبو الفتح عبد الجبار بن عبد الجبار بن إسماعيل بن عبد القوي، ~~المعروف بالجليس قاضي القضاة وداعي الدعاة، ومعه الأستاذ صنيعة الملك جوهر، ~~بين الفرنج وبين الناس حتى تقرر الأمر على تعجيل مائة ألف دينار وحمل ~~الباقي بعد ذلك مع القطيعة المقررة كل سنة، وزيادة عشرة آلاف دينار وعشرة ~~آلاف إردب غلة على ما يقترح من أصنافها. فأرسل العاضد القاضي الفاضل عبد ~~الرحيم إلى الشيخ الموفق ابن الخلال كاتب الدست، وكان مريضا والفاضل ينوب ~~عنه بتعيين الكامل بن شاور، وقال له: استشره في هذا الأمر. فمضى الفاضل ~~إليه، وعرض ما تقرر عليه، وبلغه عن العاضد ما ms579 أشار به من أخذ رأيه في ذلك. ~~فقال: قبل الأرض عني لمولانا وقل له عن مملوكه إن وعد المشتري وصبر البائع ~~فليست بعالية، وبين قيل وقال يتصرم الوقت. # وشرع شاور في حمل المال، فلم يجد في حاصل الخبايا بالقصر سوى مائتي ألف ~~دينار مدفونة في أحد كمي المجلس من ذخائر الحافظ، أطلعهم عليها أستاذ من ~~أستاذي القصر؛ فأخرجت وحمل إلى الفرنج منها على يد ابن عبد القوي مائة ألف ~~دينار، فأخذوها بعد امتناع. ووقع الطلب من أهل القاهرة ومصر، فلم يتحصل من ~~الناس إلا نحو الخمسة PageV03P298 # آلاف دينار، لفقر أهل مصر وسوء حالهم وذهاب أموالهم في الحرق والنهب بحيث ~~صاروا لا يجدون القوت عجزا عنه، ولأن أهل القاهرة أكثرهم الجند وأهل الدولة ~~وأتباعهم فقال الفقيه عمارة: # يا رب إني أرى مصرا قد انتبهت ... لها عيون الليالي بعد رقدتها # فاجعل بها ملة الإسلام باقية ... واحرس عقود الهدى من حل عقدتها # وهب لنا منك عونا نستجير به ... من فتنة يتلظى جمر وقدتها # فبينما الفرنج في استحثاث أهل القاهرة في حمل المال إذ وصل إليهم في ~~مستهل ربيع الآخر خبر قدوم أسد الدين بالعساكر فأزعجهم ذلك ورحلوا عن ~~القاهرة يوم السبت، ثالث ربيع الآخر، ومعهم من الأسرى اثنا عشر ألفا ما بين ~~رجل وصبي وامرأة. فنزلوا على بلبيس، وساروا منها إلى فاقوس. # ونزل أسد الدين بالمقس إلى اللوق خارج القاهرة يوم الأربعاء سابع ربيع ~~الآخر، فخرج إليه العاضد وتلقاه. # وكان شاور لما بلغه وصول شيركوه إلى صدر أخرج شمس الخلافة إلى مري وقال ~~له: قد وقف المال علينا، وقد جئت إليك أستوهب منك بعض ما قطعت علينا. فقال ~~مري: اطلب ما شئت. قال: تهب لي من الألفي ألف ألف ألف. قال: قد فعلت فقال ~~شمس الخلافة: ما بلغني أن ملكا وهب مثل هذا لقوم هم في مثل حالنا.. فقال ~~مري: أنا أعلم أنك رجل عاقل وأن شاورا ملك، وأنكما ما سألتماني أن أهب لكما ~~هذا المال العظيم إلا لأمر قد حدث. فقال: صدقت؛ ms580 هذا أسد الدين قد وصل إلى ~~صدر نصرة لنا وما بقي لك مقام؛ وشاور يقول لك أرى أن ترحل ونحن باقون على ~~الهدنة فإنه أوفق لنا ولك، PageV03P299 # وإذا حصل هذا الرجل عندنا أرضيناه من هذه الألف ألف بشيء وحملنا الباقي ~~إليك متى قدرنا، وإن نحن أخرجنا في رضاهم أكثر من هذا المال عدنا عليك بما ~~يبقى علينا من المقدار. فقال مري: أنا راض بذلك. فقال: وأن تطلق ابن طي بن ~~شاور وجميع من في عسكرك من الأسارى، ولا تأخذ من بلبيس بعد انصرافك شيئا. ~~فأجاب إلى ذلك، وأطلق ابن شاور ورحل. # ولما قارب شيركوه القاهرة خرج شاور إلى لقائه وقابله بالاحترام والإكرام، ~~وأشار عليه باتباع الفرنج. فلم ير ذلك واعتذر بما هم فيه من التعب. # ونزل أسد الدين بظاهر القاهرة، ودخل على العاضد فخلع عليه في تاسعة ~~بالإيوان، وعاد إلى مخيمه، وقد فرح الناس بقدومه. وأجريت عليه وعلى عساكره ~~الجرايات الكبيرة والإقامات الوافرة. وثقل ذلك على شاور ولم يقدر على عمل ~~شيء لما عرفه من ميل العاضد إلى شيركوه؛ وشرع يماطل بما تقرر لشيركوه ولنور ~~الدين وهو يركب كل يوم إليه ويسير معه، ويعده ويمنيه. # وعزم على أن يعمل دعوة ويحضر شيركوه وجميع أمرائه، فإذا صاروا إليه قبض ~~عليهم واستخدم من معهم من الجند يمنع بهم الفرنج. فنهاه ابنه شجاع عن ذلك ~~وقال: والله لئن عزمت على هذا لأعرفن شيركوه. فقال: يا بني، والله لئن لم ~~نفعل هذا لنقتلن جميعا. قال: صدقت؛ ولأن نقتل ونحن مسلمون خير من أن نقتل ~~وقد ملكها الفرنج؛ فإنه ليس بينك وبين عود الفرند إلا أن يسمعوا بالقبض على ~~شيركوه، وحينئذ لو مشى العاضد إلى نور الدين لم يرسل معه فارسا واحدا. فترك ~~شاور ما عزم عليه. # ولما طال مطال شاور على الغز اتفق صلاح الدين يوسف وعز الدين جرديك على ~~قتل شاور. # واتفق أن شاورا رأى في منامه كأنه دخل دار الوزارة فوجد على سرير ملكه ~~رجلا وبين يديه دواته وهو يوقع، والحاجب بين ms581 يديه يتناول منه التوقيع؛ ~~فقال: من هذا الذي جلس في مجلسي ووقع من دواتي، فقيل له: هذا محمد رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم؛ فقال: وما يصنع محمد عندي؛ أما كان له في مملكة ~~غيري مصنع. ثم إنه قام إليه وضربه PageV03P300 # بسيفه حتى قتله وألقاه بظاهر الدار. فلما استيقظ هاله ما رآه، واستدعى ~~أبا الحسن علي بن نصر الأرتاحي العابد، وكان نادرا في علمه، وقص عليه ما ~~رأى. فقال له: هؤلاء الذين في القصر من نسل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~ويكون هلاكهم على يدك. فأمره بكتمانه؛ فلم يظهر حتى قتل شاور. # ويقال إن العاضد خرج متنكرا إلى شيركوه وأمره بقتل شاور؛ فركب على عادته ~~إلى شيركوه ومعه الطبل والبوق وخرج من باب القنطرة. فلما صار في مخيم الغز ~~تلقاه صلاح الدين وجرديك في جماعتهم وأعلموه أن أسد الدين توجه إلى ~~القرافة، فقال نمضي إليه. فساروا جميعا وصلاح الدين وجرديك عن يمينه ~~وشماله، وكان اليوم كثير الضباب، فتناول صلاح الدين شاور على غرة هو وجرديك ~~وألقياه عن فرسه إلى الأرض، وأحاط أصحابهما بمن مع شاور فانتهبوهم وفروا ~~عنه. وأخذ أسيرا إلى المخيم، وأرسلوا إلى شيركوه، فحضر. وبلغ ذلك العاضد ~~فأنفذ في الحال إلى شيركوه أحد الأستاذين بسيف وقال: هذا غلامنا ولا خير ~~فيه لك ولا لنا، فأمض حكم الله فيه. فقتل في يوم السبت السابع عشر من ربيع ~~الآخر، وحملت رأسه إلى العاضد. # وفر الكامل شجاع بن شاور هو وأولاد أخيه إلى القصر، فكان آخر العهد بهم، ~~وأحضرت رءوسهم يوم الاثنين رابع جمادى الأولى. وبعث شيركوه يطلبهم، فأرسل ~~إليه العاضد طبقا من فضة مغطى؛ فلما كشف عنه وجد فيه رأس شجاع ورءوس أولاد ~~أخيه، فتأسف على قتل شجاع لما كان يبلغه عنه من منعه أباه من عزمه على ~~الفتك بهم. # وكانت وزارة شاور هذه كثيرة الوقائع والنوازل فإنه أطمع الغز والفرنج في ~~البلاد وجرهم إليها؛ فأحرق مصر وأزال نعم أهلها وأذهب أموالهم؛ وكان السبب ~~في إزالة الدولة الفاطمية من ms582 ديار مصر وتملك الغز لها. # وكان مع ذلك منقادا لولده الكامل قد أطلقه وسلم الأمر إليه بحيث إنه كان ~~يأتي PageV03P301 # إلى داره فيحتجب عنه. وكان ضيق العطن، لا يصبر على شيء مما ينقل إليه من ~~الاخبار. وكان إذا سئل وهو في الخدمة لا يرد سائلا في شيء. وكان شديد ~~النكال إذا عاقب، فتكشفت في وزارته الثانية التي قتل فيها صفحاته، وأحرقت ~~كافة أهل مصر لفحاته، وأغرقتهم نفحاته فغصه الدهر وعضه، وأوجعه الثكل ~~وأمضه. وكان عاقبة أمره القتل والعار، وسوء المنقلب والدمار. # ثم إن أسد الدين ركب بعد قتل شاور بجموعه ودخل إلى القاهرة في يوم ~~الاثنين تاسع عشر ربيع الآخر يريد لقاء الخليفة العاضد، فهاله ما رأى من ~~كثرة اجتماع الناس وتخوف منهم، فأراد أن يفرقهم، فقال لهم: إن أمير ~~المؤمنين قد أمركم بنهب دار شاور؛ فتسارعوا إليها وانتهبوا سائر ما كان ~~فيها. فصعد شيركوه إلى القصر، وخلع عليه العاضد خلع الوزارة ولقبه بالملك ~~المنصور أمير الجيوش. ونزل إلى دار الوزارة حيث كان ينزل شاور ومن قبله من ~~الوزراء، فلم يجد ما يجلس عليه لما شملها من النهب. فجلس للهناء وغلب على ~~الأمر. # وخرج إليه التوقيع بخط القاضي الفاضل وإنشائه، فقرأه الجليس ابن عبد ~~القوي قاضي القضاة، على رءوس الأشهاد، وفي أعلاه بخط العاضد: هذا عهد لا ~~عهد لوزير بمثله، وتقلي طوق أمانة رآك الله وأمير المؤمنين أهلا بحمله؛ ~~والحجة عليك عند الله بما أوضحه لك من مراشد سبله. فخذ كتاب أمير المؤمنين ~~بقوة، واسحب ذيل الفخار بأن خدمتك اعتزت بأن اعتزت إلى بنوة النبوة؛ واتخذ ~~أمير المؤمنين للفوز سبيلا، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله ~~عليكم كفيلا ". وهو توقيع كبير. PageV03P302 # وكتب القاضي الفاضل إلى نور الدين محمود بن زنكي كتابا بأن يقر شيركوه ~~عنده بمصر وأنه فوض إليه الوزارة وأمر الجيوش، تاريخه سابع عشري ربيع ~~الآخر، وكتب العاضد علامته بين سطريه الأولين بخطه الله ربي؛ فعاد الجواب ~~بالامتثال. # وسلك أسد الدين مع العاضد مسالك الأدب حتى أعجب ms583 به، ومال إليه. وركب إلى ~~مصر فرآها مشوهة بالحريق وقد تلفت فيها أماكن وسلمت أماكن، وتشعث الجامع؛ ~~فشق عليه، وعاد. وقد حضر إليه الأمير ابن مماتي والقاضي الفاضل، فأمر ~~بإحضار أعيان المصريين الذين جلوا عن مصر في الفتنة وصاروا بالقاهرة، فتغمم ~~لما نزل بهم وسفه رأي شاور فيما فعله، وأمرهم بالعود إلى مصر. فشكوا ما حل ~~بهم من الفقر وذهاب الأحوال وخراب المنازل، وقالوا: إلى أي موضع نرجع وفي ~~أي مكان نأوى. فقال: لا تقولوا هذا، وعلي بإذن الله حراستكم وإعادتها إليكم ~~بما كانت عليه وأحسن؛ فاستدعوا مني كل مالكم فيه راحة، فهي بلدي وربما أسكن ~~فيها بينكم. فشكروا له ودعوا. # وأمر فنودي على الناس بالرجوع إلى مصر، فتراجعوا إليها شيئا بعد شيء. # وجعل أسد الدين اجتماعه بالخليفة العاضد في الشباك على العادة. فأول ما ~~اجتمع به قال له الأستاذ صنيعة الملك جوهر، وكان أكبر الأستاذين وأفصحهم ~~لسانا، وهو قائم على رأس العاضد: يقول لك مولانا لقد كنا نؤثر مقامك عندنا ~~أول طروقك بلادنا، ولكن أنت تعلم الموانع عنه؛ ولقد تيقنا أن الله عز وجل ~~ادخرك لنا نصرة على أعدائنا. فقال أسد الدين شيركوه: يا مولانا بإمالة ~~اللام والله لأنصحنك في الخدمة ولأجعلن PageV03P303 # دولتك بعون الله قاهرة. فقال الأستاذ: يقول لك مولانا الأمل فيك هذا ~~وأكثر. ثم جددت له الخلع وأفيضت عليه، ونزل إلى داره. # وحسن عنده موقع الجليس ابن عبد القوى، قاضي القضاة وداعي الدعاة، وأثنى ~~عليه وشكره، وقال لولا مذهبه! فقال: إنه ولد بالمغرب وله دالة على الخليفة، ~~ولولا ضبطه حواصل القصر لخرجت كلها لكرم العاضد؛ لكنه يحترمه ويقبل مشورته. ~~فازدادت مكانته عند أسد الدين وأقره على حاله. # واستبد أسد الدين بأمور المملكة، وغلب على الدولة، واستعمل أصحابه وثقاته ~~على الأعمال، وأقطع البلاد لعساكره. ولما أكب الناس عليه بالتواقيع قلق من ~~كثرة ما يوقع وقال: أظن مولانا استخدمني كاتبا. # في رابع جمادى الأولى قتل الكامل شجاع بن شاور، والمعظم سليمان بن شاور، ~~وركن الإسلام نجم أخو شاور، وأحضرت ms584 رءوسهم إلى أسد الدين شيركوه. # ولما بلغ نور الدين وزارة شيركوه للعاضد واستبداده بالأمر كره ذلك وأمضه، ~~وظهر ذلك على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وأخذ يتحدث في ذلك، وأفضى به إلى ~~الأمير مجد الدين ابن الداية. وأخذ يعمل الحيلة في إفساد أمر أسد الدين ~~وابن أخيه صلاح الدين، وكاتب العاضد في ذلك غير مرة، ويلتمس منه أن يبعث ~~إليه أسد الدين، يريد بذلك إخراجه عن مصر. فلم يسمح العاضد بإرساله لأنه ~~دبر الأمور وقام بحمل أعباء المملكة من غير أن يغير على أصحاب العاضد شيئا ~~من أحوالهم، ولا أنكر عليهم أمرا من أمورهم، بل أقرهم على عوائدهم سوى أنه ~~أقطع البلاد لأصحابه. # وتولى عنه التدبير ابن أخيه صلاح الدين وقام بمباشرتها، فصار إليه الأمر ~~والنهي حتى مات أسد الدين، بعد أن استقر في الوزارة ثلاثة وستين يوما، يوم ~~الأحد الثالث PageV03P304 # والعشرين من جمادى الآخرة بخناق تولد له من إكثاره أكل اللحوم الغليظة، ~~ودفن في الدار فلم تخرج له جنازة. # وكان شجاعا قويا، جلدا عفيفا، متألها، يحب أهل الخير، وله إيثار، وفيه ~~ضبط وإمساك. وأصله من دوين، بليدة من عمل أذربيجان من جهة أران وبلاد ~~الكرج، وهو من قبيل الروادية إحدى بطون الهذبانية من قبائل الأكراد. وقدم ~~هو وأخوه نجم الدين أيوب، وكان أسن منه، إلى بغداد واتصلا بخدمة مجاهد ~~الدين بهروز شحنة العراق من قبل السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي ~~ولازماه. فبعث بأيوب إلى تكريت، وكانت إقطاعه، فأقره فيها دزدارا، ومعناه ~~حافظ القلعة، فإن دز بالفارسي القلعة، ودار الحافظ. فأقام بها ومعه أخوه ~~شيركوه، وله به إقطاع، PageV03P305 # إلى أن انهزم عماد الدين زنكي من العراق من قراجا الساقي ووصل إلى تكريت، ~~فأمكنه أيوب من قلعتها ورفعه إليها بالحبال، وخدمه هو وأخوه شيركوه، ~~فاعتدها يدا لهما. ثم أقام له السفن حتى عبر دجلة؛ وتبعه أصحابه فأحسن ~~إليهم وسيرهم إليه. # فبلغ ذلك الأمير مجاهد الدين بهروز فأنكر عليه وأخرجه من قلعة تكريت، ~~فسار هو وشيركوه إلى عماد الدين زنكي، وهو ms585 يومئذ صاحب الموصل، فأكرمهما ~~وأقطعهما إقطاعا، وتقدما عنده. فلما ملك بعلبك جعل نجم الدين دزدارها، ~~فأقام بها إلى أن قتل عماد الدين زنكي وحصر عسكر دمشق بعلبك لأخذها لصاحب ~~دمشق، مجير الدين أبق بن محمد بن بوري بن ظهير الدين طغتكين الأتابك. فبعث ~~إلى سيف الدين غازي بن عماد الدين زنكي بالموصل يعرفه ويطلب منه عسكرا فلم ~~يجبه؛ فسلم بعلبك لصاحب دمشق على إقطاع، وصار أحد أمراء دمشق. # وأما شيركوه فإنه لما خدم عماد الدين زنكي تمكن منه، بواسطة الوزير جمال ~~الدين الأصفهاني، إلى أن قتل، فتعلق بخدمة ابنه نور الدين محمود بن زنكي ~~وتخصص PageV03P306 # به، حتى عظمت منزلته عنده. وصار معه إلى حلب فأقطعه وأنعم عليه، ثم أعطاه ~~مدينة الرحبة وتدمر إلى أن جهزه إلى مصر وعاد منها وهو كثير الذكر لها، ~~فخافه نور الدين وصرفه عنه وأعطاه مدينة حمص، وجعله مقدم عسكره إلى أن قدم ~~مصر وملكها كما تقدم إلى أن مات؛ فدفن بالقاهرة، ثم نقل منها إلى المدينة ~~النبوية بعد مدة. # ولما احتضر قال: من ههنا؟ فقال الطواشي بهاء الدين قراقوش: عبدك قراقوش. ~~فقال: بارك الله فيك، الحمد لله الذي بلغنا من هذه الديار ما أردنا، ومتنا ~~وأهلها راضون عنا. أوصيكم لا تفارقوا سور القاهرة حتى تطير رءوسكم، واحذروا ~~من التفريط في الأسطول. # ولما توفي أسد الدين افترق أهل القصر وحواشي الخليفة العاضد من الأستاذين ~~وغيرهم فرقتين. فأما إحداهما وكبيرهم الأستاذ صنيعة الملك مؤتمن الخلافة ~~جوهر فإنهم قالوا قد مات أسد الدين المهدد به في الشرق والغرب ولم يحدث إلا ~~خير، ومن الرأي أن نمسك مخلفته ونضيف إليها من جياد فرسان الغز ما تكون ~~جملته ثلاثة آلاف فارس، ونقدم عليهم بهاء الدين قراقواش، وننزلهم بالشرقية، ~~ونجعلها بأجمعها إقطاعا لهم يسكنون بها، فيصيرون بيننا وبين الفرنج الذين ~~طمعوا في البلاد، يقاتلون عن حرمهم PageV03P307 # وإقطاعاتهم. ويرتب مولانا من أجناد الديار المصرية من ينتفع به، ولا يقيم ~~وزيرا تثقل وطأته ويشارك الخليفة في أمره، بل يجعل صاحب وساطة بين الناس ms586 ~~وبين الخليفة. # وقالت الطائفة الأخرى لا وحق الله، ما يكون وزير مولانا إلا ابن أخي ~~وزيره الذي هو منه وإليه، يعنون صلاح الدين، وإذا بقي المذكور أقام معه ~~قراقوش وغيره من المعتبرين. # وكذلك وقع في عسكر أسد الدين، فإن شهاب الدين محمود الحارمي، خال صلاح ~~الدين، والأمير عبد الدولة ياروق الياروقي وأخاه الأمير بهاء الدولة ~~والأمير قطب الدين خسرو بن تليل، والأمير سيف الدين علي بن أحمد الهكاري ~~المشطوب طلب كل منهم الوزارة لنفسه وجمع أصحابه ليغالب عليها. # واجتمع مماليك أسد الدين، وهم خمسمائة، على صلاح الدين وطلبوا وزارته، ~~وتحدثوا بأن أسد الدين أوصى إليه، فبعث العاضد إليهم وسأل الأمراء من يصلح ~~للوزارة؛ فسار إليه شهاب الدين محمود الحارمي وأرشده إلى تولية صلاح الدين. ~~وكان العاضد قد مال إليه وقال لأصحابه من الأستاذين وغيرهم لما اختلفوا، ~~كما تقدم ذكره، والله إني لأستحي من تسريح صلاح الدين وما بلغت غرضا في حقه ~~لقرب عهد مقام عمه. فأرسل إليه وخلع عليه خلع الوزارة بالعقد والجوهر، ~~وحنكه، ونعته بالملك الناصر، وذلك في يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من ~~جمادى الآخرة. PageV03P308 # وصفة الخلعة ثوب أبيض دبيقي بطرازين ذهبا، وطيلسان مقور بطراز ذهب دقيق، ~~وعمامة بيضاء مذهبة، وفي عنقه العقد الجوهر وقيمته عشرة آلاف دينار؛ وقد ~~تقلد سيف الوزارة وقيمته خمسة آلاف دينار. وركب فرسا حجرة صفراء من مراكب ~~العاضد قيمتها ثمانية آلاف دينار، وعليها سرفسار ذهب مجوهر، وأعلاقها من ~~سبتة، وفي عنقها مشدة بيضاء برأسها مائتا حبة جوهرا وفي أربع قوائمها أربعة ~~عقود من جوهر، وعلى رأسه قصبة ذهب في رأسها طلعة مجوهرة ومشدة بيضاء بأعلام ~~ذهب. وحمل بين يديه عدة بقج فيها أنواع من الثياب، وقيد معه أيضا عدة خيول؛ ~~ومنشور الوزارة ملفوف في ثوب أطلس أبيض بخط القاضي الفاضل ومن إنشائه؛ ~~وقرأه الجليس ابن عبد القوي. وهو كبير جدا وعلى رأسه بخط العاضد: هذا عهد ~~أمير المؤمنين إليك، وحجته عند الله سبحانه عليك؛ فأوف بعهدك ويمينك، وخذ ~~كتاب أمير المؤمنين ناهضا بيمينك، ولمن ms587 مضى بجدنا رسول الله أحسن أسوة، ~~ولمن بقى بقربنا أعظم سلوة. " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون ~~علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ". فكان آخر منشور كتب عن ~~العاضد. # ولما نزل صلاح الدين إلى دار الوزارة لم يطعه أحد من الأمراء النورية ولا ~~خدموه، فسعى الفقيه عيسى الهكاري في الإصلاح بينه وبينهم، وبدأ بالمشطوب ~~فقال له: هذا الأمر لا يصل إليك مع وجود عين الدولة والحارمي وابن تليل. ثم ~~قصد الحارمي PageV03P309 # وقال له: هذا صلاح الدين ابن أختك، وعزه وملكه لك، وقد استقام له الأمر، ~~فلا تكن أول من يسعى في إخراجه عنه ولا يصل إليك. وما زال بهم حتى مالوا ~~إليه وأطاعوا بأجمعهم إلا عين الدولة فإنه قال لا أخدم يوسف أبدا، وخرج من ~~القاهرة بجماعة وصار إلى نور الدين بالشام. # فلما بلغ نور الدين استيلاء صلاح الدين أقام ثلاثة أيام لا يقدر أحد أن ~~يراه من شدة ما عظم عليه ذلك وأغضبه. # واستمال صلاح الدين قلوب الناس، وساس الأمور وكاتب الأطراف، وأقبل على ~~الجد، وتاب عن الخمر، وأعرض عن اللهو، وتقرب إلى الخليفة العاضد بما يرضيه ~~فأحبه وأدناه حتى كان يدخله إليه القصر راكبا ويقيم عنده بالقصر عدة أيام. ~~وعظم في الدولة حتى حسده الأمراء وباينه جماعة منهم وتوجهوا إلى الشام. ~~وشرع في استمالة قلوب الناس إليه فبذل فيهم المال وأخرج ما كان في خزائن ~~عمه أسد الدين؛ واستدعى من العاضد فأمده بشيء كثير من المال، فكان أمره في ~~زيادة وقوة وأمر العامة في نقص وضعف. # وركب العاضد ومعه الملك الناصر صلاح الدين يوسف في غرة شهر رمضان، وحمل ~~العادل أبو بكر السيف. ثم ركب أيضا جمعتين في شهر رمضان إلى الجامع الأزهر ~~والجامع الأنور على العادة، وركب في عيد الفطر. # وأرسل إلى نور الدين يسأله في إرسال أبيه وأخيه فلم يجبه إلى ذلك. PageV03P310 # وصارت الخطبة بديار مصر للعاضد ومن بعده للملك العادل نور الدين، وهو في ~~الظاهر ملك الديار المصرية وصلاح الدين لا يتصرف إلا ms588 عن أمره كالنائب في ~~الأمر عنه؛ ونور الدين لا يفرده بكتاب، بل يكتب: الأمير الأسفهلار صلاح ~~الدين وكافة الأمراء بالديار المصرية يفعلون كذا؛ ويجعل علامته على رأس ~~الكتاب تعظيما لنفسه وترفعا عن أن يكتب اسمه. # وعندما بلغه وفاة أسد الدين شق عليه استيلاء صلاح الدين، وتتبع أصحابه ~~وأصحاب أسد الدين، وأخذ إقطاع صلاح الدين وإقطاع أسد الدين، ومنع نوابه من ~~التصرف في حمص، وأبعد أهاليهم واستثقلهم وطردهم عنه. وكتب إلى الأمراء بمصر ~~بمفارقته وتركه بمصر وحيدا ليوهن أمره. وشرع يذمه ويذكره بالسوء ويعنته في ~~الطلب بحمل الأموال إليه، وصار كثيرا ما يقول: ملك ابن أيوب ويستعظم ذلك ~~احتقارا له. # وثقل ذلك على أهل الدولة وحواشي الخليفة العاضد، فإنه أقطع أصحابه أجل ~~البلاد وآواهم، وأبعد أهل مصر وأضعفهم، واستبد بجميع الأمور ومنع العاضد من ~~التصرف؛ ففطن العاضد لما يريد من إزالة الدولة. فثار الأستاذ مؤتمن ~~الخلافة، وهو يومئذ من أكابر خدام القصر، وبعث بمكاتبة إلى الفرنج يستنجد ~~بهم على الغز، ويحثهم على قصد البلاد ليخرج إليهم صلاح الدين بعساكره فيثور ~~عند ذلك بصعيد مصر وطوائف العسكر، PageV03P311 # ويصير صلاح الدين محصورا بين الفرنج وبينهم فيأخذونه ويتلفون من معه. ~~ووافقه على ذلك جماعة. # وبعث رجلا بالكتاب إلى الفرنج بعد ما جعله في نعل كي لا يعثر عليه. فلما ~~وصل الرجل إلى البئر البيضاء قريبا من بلبيس، ظفر به بعض أصحاب صلاح الدين ~~ومعه نعلان جديدان في يده، فارتاب لما رآه من سوء حاله وحسن النعلين، وعلم ~~أنهما لا يليقان به، ولو كانا من ملابسه لكان تبين فيهما أثر الاستعمال. ~~فأخذهما منه وفتحهما فوجد فيهما الكتب إلى الفرنج، فتقرب بذلك إلى صلاح ~~الدين، وحضر بالرجل والكتب إليه؛ فكتم ذلك، وتتبع من كتب الكتب حتى أحضر ~~إليه برجل يهودي، فلما خاف منه أسلم وأخبره الخبر. # فبلغ ذلك مؤتمن الخلافة وخشي على نفسه، فلزم القصر وامتنع من الخروج مدة ~~وصلاح الدين لا يلتفت إليه، فاغتر بإعراضه عنه وخرج إلى منظرة له على ~~النيل، بستان بناحية الخرقانية ms589 قريبا من قليوب. فأرسل إليه صلاح الدين ~~بجماعة من أصحابه هاجموه وقتلوه، وصاروا إليه برأسه، وذلك في يوم الأربعاء ~~لخمس بقين من ذي القعدة؛ وجعل زمام القصور عوضه الطواشي بهاء الدين قراقوش ~~الأسدي. فغضب لقتله السودان وحرك منهم ما كانوا يتكتمونه؛ فاجتمعوا لحرب ~~صلاح الدين في سادس عشريه، صبيحة قتل مؤتمن الخلافة، وقد صاروا في جمع كثير ~~من الأمراء المصريين وعوام البلد يزيد على الخمسين ألفا، وزحفوا إلى دار ~~الوزارة. # فبدر إليهم فخر الدين شمس الدولة توران شاه، وركب صلاح الدين بعساكره وقد ~~تجمعت الريحانية والجيوشية والفرجية ومن انصاف إليها في بين القصرين، وخرجت ~~إليهم الأرمن؛ فوقع بين الفريقين قتال عظيم استظهر فيه العبيد على الغز، ~~والعاضد PageV03P312 # في المنظرة يشرف على الوقعة. فلما تبين الغلب للعبيد وكادوا أن يهزموا ~~الغز رمى أهل القصر بالنشاب والحجارة حتى امتنعوا عن مقاتلة العبيد، فنادى ~~شمس الدولة النفاطين وأمرهم بإحراق المنظرة التي فيها العاضد فطيب قارورة ~~وصوب على المنظرة بها، فإذا بباب الطاق قد فتح وخرج منه زعيم الخلافة، أحد ~~الأستاذين الخواص، وقال: أمير المؤمنين يسلم على شمس الدولة ويقول دونكم ~~والعبيد الكلاب أخرجوهم من بلادكم. فلما سمع العبيد ذلك، وكان قد قتل أحد ~~مقدميهم، وبعث صلاح الدين في أثناء محاربته لهم إلى حارة السودان خارج باب ~~زويلة، المعروفة بالمنصورة، فأحرقها وتلفت أموالهم وهلكت أولادهم وحرمهم؛ ~~ضعفت لهذه الأمور أنفس العبيد، وانهزموا بعد ما ثبتوا يومين، وتعين لهم ~~الفل. فركب الغز أقفيتهم يقتلون ويأسرون، إلى أن وصوا إلى السيوفية وثبتوا ~~هنالك، فألقى شمس الدولة النيران في المواضع التي امتنعوا بها. # وأحرق أيضا دار الأرمن التي كانت بين القصرين، وكان بها خلق كثير من ~~الأرمن كلهم رماة لهم جار، وكانوا في هذه الحروب قد أنكوا الغز بشدة رميهم ~~ومنعوهم أن يتجاوزوا من موضعهم إلى محاربة العبيد، فلما احترقت عليهم الدار ~~لم يكد يفلت منهم أحد. فالتجأ العبيد إلى عدة أماكن، وكلما امتنعوا بموضع ~~ألقى فيه الغز النار وقاتلوهم، حتى صاروا إلى باب زويلة وأخذت عليهم ms590 أفواه ~~السكك وقد وهنوا ولم يجدوا لهم ملجأ. فصاحوا وطلبوا الأمان، فأمنوا على ألا ~~يبقى منهم أحد بالقاهرة؛ فخرجوا بأجمعهم إلى الجيزة. ومال الغز على أموالهم ~~وديارهم واستباحوا جميع ما فيها؛ وذلك يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي ~~القعدة. فما هو إلا أن صاروا بالجيزة حتى عدى إليهم شمس الدولة بالعسكر ~~فأبادهم حصدا بالسيف، ولم ينج منهم إلا الشريد. وأمر صلاح الدين بتخريب ~~المنصورة وصيرها بستانا؛ فمضى العبيد وذهبت آثارهم من مصر. PageV03P313 # وقوي صلاح الدين، وتلاشى العاضد وانحل أمره، ولم يبق له سوى إقامة ذكره ~~في الخطبة. ووالي صلاح الدين الطلب من العاضد في كل يوم ليضعفه، فأتى على ~~المال والخيل والرقيق وغير ذلك، حتى ان العاضد كان في بعض الأيام بالبستان ~~الكافوري وإذا بقاصد صلاح الدين قد وافاه يطلب منه فرسا وهو راكب، فقال ما ~~عندي إلا الفرس الذي أنا راكبه، ونزل عنه، وشق خفيه ورمى بهما وسلم إلى ~~القاصد الفرس وعاد إلى قصره ماشيا، فلزم مجلسه ولم يعد بعدها يركب حتى مات. # وأخرج صلاح الدين خاله الأمير شهاب الدين الحارمي إلى الصعيد يتبع من فر ~~من العبيد فأفناهم، ولم يبق منهم بديار مصر إلا من اختفى، بعد أن كانت ~~البلاد كلها لا تخلو مدينة ولا محلة من أن يكون فيها مكان معد للعبيد، محمي ~~لا يدخله وال ولا غيره. وكان منهم ضرر على الناس. # وأخذ صلاح الدين في القبص على دور العبيد والأرمن والأمراء، وأسكن فيها ~~أصحابه معه بالقاهرة. # وكان قاع النيل في هذه السنة ست أذرع وثماني أصابع، وبلغ ثمان عشرة ~~ذراعا. PageV03P314 ### || سنة خمس وستين وخمسمائة @YY565 # فيها قدم من الشام إخوة صلاح الدين يوسف وعياله؛ وقيل كان قدومهم في سنة ~~أربع. # فيها تحرك الفرنج لغزو ديار مصر خوفا من صلاح الدين ونور الدين عندما ~~بلغهم تمكنه من ديار مصر وقطع آثار جند المصريين. فكاتبوا فرنج صقلية ~~وغيرهم واستنجدوا بهم، فأمدوهم بالمال والسلاح والرجال، وساروا بالدبابات ~~والمنجنيقات إلى دمياط، فنزلوا عليها في مستهل صفر بألف ومائة مركب، ما ms591 بين ~~شين ومسطح وشلندي وطريدة، وأحاطوا بها برا وبحرا. # فبعث صلاح الدين بالأمير تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، ابن أخي صلاح ~~الدين، وأتبعه بالأمير شهاب الدين الحارمي، في عساكر إلى دمياط، وأمدهم ~~بالمال والميرة والسلاح. # وألح الفرنج على أهل دمياط وضايقوهم، والناس فيها صابرون في محاربتهم. ~~وبعث صلاح الدين إلى نور الدين يستنجده ويعلم أنه لا يمكنه الخروج من ~~القاهرة إلى لقاء الفرنج خوفا من قيام المصريين عليه؛ فجهز إليه نور الدين ~~العساكر شيئا بعد شيء، وخرج بنفسه إلى بلاد الفرنج بالساحل وأغار عليها ~~واستباحها. PageV03P315 # واستمر الفرنج على دمياط أحدا وخمسين يوما، ثم رحلوا عنها في الحادي ~~والعشرين، وقيل في الثالث والعشرين، من ربيع الآخر، خوفا على بلادهم من نور ~~الدين ولفناء وقع فيهم؛ وغرق من مراكبهم نحو الثلثمائة مركب. فأحرقوا ما ~~ثقل عليهم حمله من المنجنيقات وغيرها. # وبلغت النفقة من صلاح الدين على هذه النوبة ألف ألف دينار مصرية. وكان ~~يقول ما رأيت أكرم من العاضد؛ أرسل إلى مدة مقام الفرنج على دمياط ألف ألف ~~دينار سوى الثياب وغيرها. # وورد كتاب نور الدين إلى العاضد يهنئه برحيل الفرنج عن دمياط، وكان صلاح ~~الدين سير إليه يبشره برحيلهم، وسير إليه العاضد يستقيله من الأتراك خوفا ~~منهم ويطلب الاقتصار على الملك الناصر صلاح الدين، فتضمن كتابه مدح الأتراك ~~والثناء عليهم. # وفيها أرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يبعث إليه بأبيه نجم الدين ~~أيوب ابن شاذي، فأرسله إليه في عسكر، وسار معه كثير من التجار ممن له هوى ~~في مصر وغرض في صلاح الدين. فخرج ابنه صلاح الدين إلى لقائه ومعه الخليفة ~~العاضد إلى صحراء الإهليلج خارج باب الفتوح ولقيه هناك؛ ولم تجر العادة ~~بخروج الخليفة إلى لقاء أحد؛ وذلك في رابع عشر شهر رجب. ولقبه العاضد ~~بالملك الأوحد، وزينت القاهرة ومصر لقدومه فكان من الأيام المذكورة؛ وبالغ ~~العاضد في احترامه والإقبال عليه. ونزل اللؤلؤة. # وكان سبب تجهيز الملك العادل نور الدين لنجم الدين أيوب كثرة ورود مكاتبة ms592 ~~الخليفة المستنجد بالله العباسي عليه من بغداد يعاتبه على تأخير إقامة ~~الخطبة العباسية بمصر، فوالي نور الدين كتابة الملاطفات إلى صلاح الدين ~~يأمره بذلك، وهو يعتذر إليه PageV03P316 # عن ترك الخطبة بما يخافه من المصريين. فوردت رسل المستنجد إلى دمشق ~~بالاستحثاث والعزم على إقامة الخطبة بمصر ولا بد؛ فرأى نور الدين أن مثل ~~هذا المهم لا يقوم به إلا نجم الدين أيوب، وكان يتولى قلعة بعلبك، فأرسل ~~إليه وقرر معه الأمر وسيره. # وكان وصوله إلى القاهرة لست بقين من رجب، وقيل في جمادى الآخرة، فقررت له ~~ولاية الإسكندرية وولاية دمياط والبحيرة. وأقطع الأمير فخر الدين شمس ~~الدولة توران شاه، ابن والد الملوك الملك الأفضل نجم الدين أيوب، قوص ~~وأسوان وعيذاب، وكانت عبرتها يومئذ في تلك السنة مائتي ألف دينار وستة ~~وستين ألف دينار؛ فاستناب عنه في قوص الأمير شمس الخلافة محمد بن مختار. # فيها ثار الأمير عباس بن شاذي بمرج بني هميم، من أعمال قوص، ومنع رسلان ~~دعمش المتوجه لجباية خراج قوص من التوجه، واستباح عسكره. # وفيها أبطل صلاح الدين الأذان بحي على خير العمل محمد وعلي خير البشر، ~~فكانت أول وصمة دخلت على الدولة. ثم أمر أن يذكر في الخطبة يوم الجمعة ~~الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان ثم علي، وذلك يوم الجمعة لعشر مضين ~~من ذي الحجة. PageV03P317 # ثم أمر أن يذكر العاضد في الخطبة بكلام يحتمل التلبيس على الشيعة، فكان ~~الخطيب يقول: اللهم أصلح العاضد لدينك. لا غير. # وفي يوم الاثنين، بعد طلوع الشمس، الثاني عشر من شوال حدثت زلزلة عظيمة ~~مهولة بدمشق سقط منها بعض شرف الجامع الأموي وتشقق رأسا المنارتين الشرقية ~~والغربية، وكانت المنارة الشمالية تهتز اهتزاز السعفة في الريح العاصفة. ثم ~~جاءت زلزلة أخرى بعد ساعة، ثم جاءت زلزلة ثالثة بعد العصر. وأثرت هذه ~~الزلزلة آثارا شنيعة بحلب وبعلبك وحمص وحماة وشيزر وكفر طاب وتل بارين ~~والمعرة وتل باشر وعزاز وأفامية وأبو قبيس والمنيطرة وحصون الباطنية ~~بأسرها. وامتدت إلى الجزيرة والموصل ونصيبين وسنجار ودنيسر وماردين والرها ms593 ~~وحران ورأس العين والرقة وقلعة جعبر وقلعة نجم وبالس ومنبج وبزاعا وعين تاب ~~وحارم وأنطاكية وما خلفها من الثغور وبيروت وأطرابلس وعرقة وطرسوس وجبلة ~~والمرقب واللاذقية وعكا وصور وغيرها؛ فمنها ما دمر بأسره ومنها ما ذهب ~~أكثره ومنها ما ذهب بعضه ومنها ما تشعث. وهلك بحلب عدد كثير من الناس ~~وببعلبك، ولم يهلك بدمشق غير واحد أصابته قطعة من حجر فسقط على درج جيرون ~~فمات. وجاءت بدمشق زلازل في عدة ليالي وأيام إلى يوم الجمعة عاشر ذي ~~القعدة. # فيها ولي القاضي المفضل أبو القاسم هبة الله بن كامل قضاء القضاة في ذي ~~الحجة؛ فرتب صلاح الدين الفقيه عيسى الهكاري بحكم القاهرة وابن كامل بحكم ~~مصر. PageV03P318 ### || سنة ست وستين وخمسمائة @YY566 # فيها رفع صلاح الدين جميع المكوس بديار مصر وأبطلها. # وفيها أمر بهدم المعونة بمصر فهدمت، وعمرها مدرسة للشافعية؛ ولم يكن قبل ~~ذلك بديار مصر مدرسة لأحد من الفقهاء فإن الدولة كانت إسماعيلية. وهذه ~~المدرسة بجوار جامع عمرو بن العاص وعرفت أخيرا بالمدرسة الشريفية؛ وهي أول ~~مدرسة عمرت بمصر لإلقاء العلم. وأنشأ دار الغزل به مدرسة للمالكية بجوار ~~الجامع أيضا، وتعرف اليوم هذه المدرسة بالقمحية. # وفيها عزل صلاح الدين قضاء مصر من الشيعة، وولي قاضي القضاة صدر الدين ~~عبد الملك بن درباس الهدباني الشافعي، وجعل إليه الحكم في جميع بلاد مصر ~~بعدما أحضره من المحلة، وخلع عليه في يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة؛ ~~فعزل من كان بها من القضاة واستناب عنه قضاة شافعية. ومن حينئذ اشتهر مذهب ~~الشافعي ومذهب مالك بديار PageV03P319 # مصر وتظاهر الناس بهما، واختفى مذهب الشيعة من الإمامية الإسماعيلية. ~~وبطل من حينئذ مجلس الدعوة بالجامع الأزهر وغيره. # وفيها ابتدأ صلاح الدين في غزو الفرنج، فجمع الجنود والعساكر، وخرج في ~~أحسن زي إلى بلاد عسقلان والرملة فشن الغارات عليها، وهجم ربض مدينة غزة، ~~وواقع ملك الفرنج على الداروم ففل جمعه وقتل منه كثيرا من الفرنج، ونجا ~~ملكهم بحشاشته. وعاد صلاح الدين مظفرا غانما. # ثم خرج في النصف من ربيع الأول ms594 ومعه مراكب مفصلة على الجمال، فسار إلى ~~أيلة، وكان بها قلعة منيعة قد ملكها الفرنج، فألقى المراكب المحمولة معه ~~بعد إقامتها وإصلاحها في البحر، وشحنها بالرجال والسلاح، وضايق قلعة أيلة ~~في البر والبحر حتى افتتحها في العشرين من ربيع الآخر، وقتل من بها من ~~الفرنج، وسلمها لثقات من أصحابه أقامهم فيها وقواهم بالسلاح والميرة ونحو ~~ذلك. # ووردت عليه قافلة أهله فسار بهم إلى القاهرة ودخل في سادس عشري جمادى ~~الأولى. ثم سار إلى الإسكندرية لمشاهدة سورها وترتيب أمورها، فدخلها وأمر ~~بإصلاح السور والأبراج؛ فعمر ما تهدم منه. # وفيها اشترى الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب منازل العز ~~بمصر، في النصف من شعبان، وجعلها مدرسة للشافعية، وأوقف عليها عدة أماكن، ~~منها الروضة تجاه مصر. PageV03P320 # وفيها خرج الأمير شمس الدولة توران شاه إلى بلاد الصعيد، وأوقع بالعربان، ~~وغنم منها غنائم تجل عن الوصف، وعاد إلى القاهرة. # وفيها ابتدأ صلاح الدين بعمارة السور الجديد على القاهرة. # وفيها كثر بمصر عسكر صلاح الدين وأقاربه وأصحابه، وانكفت أمراء المصريين ~~عن التصرف ومنعوا من كل شيء، فبسطوا ألسنتهم بالقول ضد ما عليه صلاح الدين ~~وأصحابه من الفعل في محو آثار الدولة الفاطمية وإزالة رسومها، وخلع العاضد ~~وقتله. والدعاء للخليفة العباسي. فلما رأى أمره قد قوي وأوتاد دولته قد ~~تمكنت من البلاد عزم على إظهار ما يخفيه؛ فواعد أمراء النشابين على أن ~~يمضوا إلى بيوت الأمراء المصريين في الليل، ويقف كل أمير منهم بجنده على ~~باب أمير من أمراء مصر، فإذا خرج للخدمة قبض عليه واحتاط على داره وما فيها ~~وأخذها لنفسه. # فأصبحوا واقفين على منازل الأمراء المصريين بأجنادهم، فما هو إلا أن يخرج ~~الأمير من منزله ليصير إلى الخدمة على عادته فإذا بالأمير الشامي الذي قد ~~عين له وقد قبض عليه وأوثقه، وهجم بمن معه على داره فملكها بجميع ما تحتوي ~~عليه، وما يتعلق بصاحبها وينسب إليه من أهل ومال وخيول وعبيد وجوار، وماله ~~من إقطاع. فلم ينتشر الضوء حتى علت الأصوات وارتفعت ms595 الضجات وثار الصياح من ~~كل جانب، وصار الأمراء الشاميون في سائر نعم أمراء مصر، وأصبح الأمراء ~~المصريون أسرى معتقلين في أيدي أعاديهم. فال أمرهم إلى أن صار الأمير منهم ~~بوابا على الدار التي كان يسكنها، وصار آخر منهم سائس فرس كان يركبها، وصار ~~آخر وكيل القبض في بلد كانت إقطاعا له؛ ونحو ذلك من أنواع الهوان. # وبلغ ذلك العاضد فشق عليه وأرسل إلى صلاح الدين يسأله عن سبب القبض على ~~الأمراء، فبعث إليه بأن هؤلاء الأمراء كانوا عصاة لأمرك والمصلحة قتلهم ~~وإقامة غيرهم ممن يمتثل أمرك. فسكت. PageV03P321 # وتقوى صلاح الدين وعظم أمره، وذهب من كان يخشاه ويخافه، وأخرج أكثر ~~إقطاعات الأجناد بمصر، وزاد الأمير شمس الدولة على إقطاعه ناحية بوش ودهشور ~~والمنوفية وغير ذلك. وانحل أمر العاضد. # فيها قبض صلاح الدين على جميع بلاد العاضد ومنع عنه سائر مواده، بحيث لم ~~يبق له شيئا؛ وقبض على القصور وسلمها إلى الطواشي بهاء الدين قراقوش ~~الأسدي، وهو يومئذ زمام القصور من بعد قتل مؤتمن الخلافة، وصار له في القصر ~~موضع، فلا يدخل شيء من الأشياء إلى القصر ولا يخرج منه إلا بمرأى منه ~~ومسمع. وضيق على أهل القصر حتى قبض في هذه الأيام على جميع ما فيها، وصار ~~العاضد معتقلا تحت أيديهم. # وفيها أمر صلاح الدين بتغيير شعار الفاطميين، وأبطل ذكر العاضد من ~~الخطبة. وكان الخطيب يدعو للإمام أبي محمد، فتخاله العامة والروافض العاضد ~~وهو يريد أبا محمد الحسن المستضئ بأمر الله أمير المؤمنين الخليفة. ثم أعلن ~~بالعزم على إقامة الخطبة العباسية. # وفيها مات الشيخ الموفق يوسف بن محمد أبو الحجاج، ابن الخلال، كاتب الدست PageV03P322 # وفي يوم الجمعة سلخ ذي الحجة عزم صلاح الدين على الإعلان بالأمر وكشف ~~الغطاء فأحجم الخطباء عن ذلك تقية وحذرا، فانتدب لذلك رجل من أهل المغرب ~~يقال له اليسع ابن عيسى بن حزم بن عبد الله بن اليسع أبو يحيى الغافقي ~~الأندلسي، فقصد المنبر مستعدا من الحديد بما يدفع عن نفسه إن أراده أحد ~~بسوء؛ فخطب ودعا ms596 للخليفة أبي محمد الحسن المستضئ بأمر الله أمير المؤمنين، ~~وذكر نسبه إلى العباس. وقيل بل كان ذلك في السنة الآتية. PageV03P323 ### || سنة سبع وستين وخمسمائة @YY567 # في أول المحرم نسخ منشور بنقل السنة الخراجية إلى السنة الهلالية لخلو ~~هذه السنة من نوروز. ومنذ نقلت السنة في أيام الأفضل أمير الجيوش، كما تقدم ~~ذكره، لم تنقل، وانسحب الأمر حتى تداخلت السنون، وصار التفاوت بين العربية ~~والقبطية سنتين. # وفي رابعه جلس العاضد بعد الإرجاف بأنه أثخن في رمضه، فشوهد على ما حقق ~~الإرجاف من ضعف القوى وتخاذل الأعضاء وظهور الحمى؛ وقيل إنها تفشت بأعضائه. PageV03P324 # وأمسك طبيبه المعروف بابن السديد عن الحضور إليه، وامتنع من مداواته، ~~وخذله مساعدة عليه للزمان، وميلا مع الأيام. # وفيها نزل نجم الدين أيوب بجماعة معه إلى الجامع وأمر الخطيب ألا يذكر ~~العاضد، وقال إن ذكرته ضربت عنقك. فقال لمن أخطب؟ فقال للخليفة المستضيء ~~بأمر الله العباسي. فلما خطب لم يذكر العاضد ولا غيره، بل دعا للأئمة ~~المهديين والملك الناصر. فقيل له في ذلك، فقال: ما علمت اسم المستضيء ولا ~~نعوته، وفي الجمعة الثانية أفعل ما يجب فعله وأذكره. فلما بلغ العاضد ذلك ~~قال في الجمعة الأخرى يعينون اسم الرجل المخطوب له. فلما كانت الجمعة ~~الثانية، وهي سابعه، خطب باسم الخليفة المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن ~~بن المستنجد بالله أبي المظفر يوسف بن المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد ~~ابن المستظهر بالله. وقطعت الخطبة للعاضد لدين الله فانقطعت ولم تعد بعدها ~~إلى اليوم الخطبة للفاطميين. # وذلك أنه لما ثبتت قدم صلاح الدين بالديار المصرية وأزال المخالفين له، ~~وضعف أمر الخليفة العاضد بقتل رجاله وذهاب أمواله، وصار الحكم على قصره ~~قراقوش، طواشي أسد الدين، نيابة عن صلاح الدين، وتمكنت عساكر نور الدين من ~~مصر طمع في أخذها. وكتب إلى صلاح الدين وفي ظنه وظن جميع عساكره أن صلاح ~~الدين إنما هو نائب عنه في مصر متى أراد سحبه بإذنه لا يمتنع عليه يأمره ~~بقطع خطبة العاضد وإقامتها للمستضيء العباسي. فاعتذر ms597 بالخوف من قيام ~~المصريين عليه وعلى من معه لميلهم كان إلى الفاطميين، ولأنه خاف من قطع ~~خطبة العاضد وإقامة الخطبة للمستضيء أن يسير PageV03P325 # نور الدين إلى مصر وينزعه منها. فلم يقبل منه نور الدين وألح عليه وألزمه ~~إلزاما لم يجد مندوحة عن مخالفته، وساعدته الأقدار بمرض العاضد المرض الذي ~~غلب على الظن أنه لا يعيش منه. فجمع صلاح الدين أصحابه إليه واستشارهم في ~~ذلك، فاختلفوا، فمنهم من أشار بقطع خطبة العاضد، ومنهم لم يشر بها. # وكان قد دخل إلى مصر رجل عجمي يعرف بالأمير العالم، يزعم أنه عباسي فاطمي ~~من أيام الصالح بن رزيك، وما زال ينتقل في قوالب الانتساب وأساليب ~~الاكتساب. فلما رأى ما هم فيه من الإحجام وأن أحدا لا يتجاسر ويخطب ~~للمستضيء قبل الخطيب، فلم ينكر أحد عليه ولا تحرك له. فتيقن حينئذ صلاح ~~الدين ذهاب قوة القوم من وال يغريهم. فتقدم إلى جميع الخطباء بأن يخطبوا في ~~الجمعة الآتية للمستضيء، وكتب بذلك إلى سائر أعمال مصر. فكان الذي ابتدأ ~~بالخطبة للمستضيء في الجامع العتيق بمصر أبو عبد الله محمد ابن الحسن بن ~~الحسين بن أبي المضاء الدمشقي. وكان قدم به أبوه إلى مصر فنشأ بها وقرأ ~~الأدب، ورحل إلى دمشق وبغداد وتفقه، وعاد إلى مصر، واتصل بخدمة السلطان ~~صلاح الدين فولاه الخطابة بمصر ثم بعثه رسولا إلى بغداد، فمات بدمشق. وولي ~~الخطابة بعده الشيخ أبو إسحاق العراقي. # فكتم أهل العاضد ذلك عنه لشدة ما به من المرض. وكان ذلك من أعجب ما يؤرخ، ~~فإن الخطبة بديار مصر أول ما خطب بها للمعز لدين الله، أول خلائف الفاطميين ~~بمصر، PageV03P326 # عمر بن عبد السميع العباسي الخطيب بجامع عمرو، كما تقدم ذكره، وكان الذي ~~قطع خطبة العاضد، آخر خلائفهم، رجل عباسي. ومثله في الغرابة أن الفاطميين ~~لم يتمكنوا من الديار المصرية حتى قصدوها بعساكرهم مرتين مع القائم بن ~~المهدي ولم يفتح، وفتحوها في الثالثة على يد جوهر؛ وكذا حصل في زوالهم من ~~مصر فإن شيركوه قصد مصر مرتين ورجع، ms598 ثم قصدها في المرة الثالثة واستقر بها ~~حتى أزالت عساكره الدولة. # في ثامنه أمر صلاح الدين بركوب عساكره كلها قديمها وجديدها، بعد أن تكامل ~~سلاحهم وخيولهم، وخرج لعرضهم، وهي تمر عليه موكبا بعد موكب وطلبا بعد طلب. ~~والطلب بلغة الغز هو الأمير المقدم الذي له علم معقود وبوق مضروب وعدة من ~~الجند ما بين مائتي فارس إلى مائة فارس إلى سبعين فارسا. واستمر طول النهار ~~في عرضهم. وكانت العدة الحاضرة مائة وسبعة وأربعين طلبا والغائب منها عشرون ~~طبا، وتقدير العدة أربعة عشر ألف فارس. # في يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من المحرم، عشية يوم عاشوراء، نفذ حكم ~~الله المقدور، وقضاؤه الذي يستوي فيه الآمر والمأمور، في العاضد لدين الله، ~~في الثلث الأول من ليلة الاثنين يوم عاشوراء، وقامت عليه الواعبة، وعظمت ~~ضوضاء الأصوات النادبة، حتى كأن القيامة قد قامت. وكان بين وضع اسمه من ~~أعواد المنابر ورفع جسمه على أعواد النعش ثلاثة أيام. فاعتني به صلاح الدين ~~عن أن يبتذل أو يهان بعد الموت، وكان من معه من الأمراء يريدون ذلك؛ وأمر ~~بكف الأيدي واعتقال الألسنة عن التعرض إليه بسوء؛ وركب معزيا لأهل القصر. ~~وأمر بتجهيزه وقد أظهر الكآبة والحزن وأجرى دمعه، ووعد أهله بحسن الخلافة ~~على أيتام العاضد وهم ثلاثة عشر ولدا: أبو الحسن، وأبو سليمان داود، وأبو ~~الحجاج يوسف، وأبو الفتوح، وأبو إسحاق إبراهيم، وأبو الفضل PageV03P327 # جعفر، وأبو داود موسى، وأبو زكريا يحيى، وعبد القوي، وعبد الكريم، وعبد ~~الصمد، وأبو اليسر، وأبو القاسم عيسى. # وأمر بإنشاء الكتب إلى البلاد بذكر وفاة العاضد وأن الخطبة استقرت ~~للمستضيء بأمر الله أمير المؤمنين العباسي، وألا يخوض أحد في شأن العاضد ~~ولا يطعن في سلطان. وكتب إلى نور الدين بموت العاضد وإقامة الخطبة للمستضيء ~~كما أشار به مع ابن أبي عصرون. # وفي حادي عشره عمل الباقي بالإيوان، وحضر السلطان صلاح الدين؛ وكان محفلا ~~حافلا وجمعا حاشدا، فيه خلق من الزوايا وأهل التصوف وغيرهم. واهتم بما يحمل ~~من أطعمة العزاء. # وكانت النفوس متطلعة ms599 إلى إقامة خليفة بعد العاضد من أهله يشار إليه ~~بالأمر، فلم يرض ذلك صلاح الدين. # ومات العاضد وعمره إحدى وعشرون سنة غير عشرة أيام، منها في الخلافة إلى ~~أن أعيدت دولة بني العباس في مستهل المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة إحدى ~~عشرة سنة وخمسة أشهر وسبعة عشر يوما. وكان كريما سمحا لطيفا، لين الجانب، ~~يغلب عليه الخير وينقاد إليه. وكان أسمر حلو السمرة كبير العينين أزج ~~الحاجبين، في أنفه حلس وفي منخريه انتشار، وفي شفتيه غلظ. PageV03P328 # وترك العاضد من الولد الأمير داود، والأمير عليا ويقال أبو علي، والأمير ~~عبد الكريم، وتميما، وموسى، وعبد القوي، وجعفر، وعبد اصمد، وأبا الفتوح، ~~وحيدرة، وإبراهيم، ويحيى، وجبريل، وعيسى، وسليمان، ويوسف غير أن أيامه كانت ~~ذات مخاوف وتهديدات، وقاسى شاورا وتلوناته ومخايلاته، ثم محاصرة الفرنج ~~ومضايقته. وفي أيامه احترقت مصر وذهبت أموال أهلها وزالت نعمتهم بالحريق ~~والنهب. وكان متغاليا في مذهبه شديدا على من خالفه. ولم يكن فيمن ولي من ~~أبائه من أبوه غير خليفة سواه ومن قبله الحافظ، وما عداهما فلم يل منهم أحد ~~الخلافة إلا من كان أبوه خليفة. # وقال ابن خلكان: سمعت جماعة من المصريين يقولون إن هؤلاء القوم في أوائل ~~دولتهم قالوا لبعض العلماء اكتب لنا ورقة تذكر فيها ألقابا تصلح للخلفاء ~~حتى إذا تولى واحد لقبوه ببعض تلك الألقاب، فكتب لهم ألقابا كثيرة، وآخر ما ~~كتب في الورقة العاضد، فاتفق أن آخر من ولي منهم تلقب بالعاضد؛ وهذا من ~~عجيب الاتفاق. # قال: وأخبرني أحد علماء المصريين أيضا أن العاضد رأى في آخر دولته في ~~منامه كأنه بمدينة مصر وقد خرجت إليه عقرب من مسجد معروف بها فلدغته، فلما ~~استيقظ ارتاع لذلك وطلب بعض معبري الرؤيا وقص عليه المنام، فقال ينالك ~~مكروه من شخص هو مقيم في هذا المسجد، فطلب والي مصر وأمره يكشف عمن هو مقيم ~~في المسجد المذكور، وكان العاضد يعرفه. فمضى الوالي إلى المسجد فرأى فيه ~~رجلا صوفيا، فأخذه ودخل به على العاضد، فلما رآه سأله من أين ms600 هو، ومتى قدم ~~البلاد، وفي أي شيء قدم، وهو يجاوبه عن كل سؤال. فلما ظهر له منه ضعف الحال ~~والصدق والعجز عن إيصال المكروه إليه أعطاه شيئا وقال له: يا شيخ ادع لنا، ~~وأطلق سبيله؛ فنهض من عنده وعاد إلى المسجد. فلما استولى صلاح الدين وعزم ~~على القبض على العاضد واستفتى الفقهاء أفتوه بجواز ذلك PageV03P329 # لما كان عليه العاضد وأشياعه من انحلال العقيدة وفساد الاعتقاد وكثرة ~~الوقوع في الصحابة، وكان أكثرهم مبالغة في الفتيا الصوفي المقيم في المسجد ~~وهو نجم الدين الخبوشاني فإنه عدد مساوئ القوم وسلب عنهم الإيمان، وأطال ~~الكلام في ذلك؛ فصحت بذلك رؤيا العاضد. # وحكى الشريف الجليس أن العاضد طلبه يوما، فلما دخل عليه رأى عنده مملوكين ~~من الترك عليهما أقبية، فسأله عنهما، فقال له: هذه هيئة الذين يملكون ~~ديارنا ويأخذون أموالنا؛ فلما دخل الغز كانت هيئتهم كهيئة هذين المملوكين. # ومن العجيب أنه لم يمت بالقصر منهم إلا المعز أولهم بمصر والعاضد آخرهم، ~~وعدتهم أربعة عشر دفنوا كلهم بالتربة في المجلس؛ فلو اتفق أنه مات آخر لم ~~يوجد له عندهم مكان يدفن فيه لامتلائه بقور الأربعة عشر، وهذا أيضا من عجيب ~~أمرهم. # ولما مات العاضد استولى صلاح الدين على جميع ما كان في القصر، فإن قراقوش ~~قام بحفظه، فلم يجد فيه كثير مال، لكنه وجد فيه من الفرش والسلاح والذخائر ~~والتحف ما يخرج عن الإحصاء، ووجد فيه من الأعلاق النفيسة والأشياء الغريبة ~~ما تخلو الدنيا من مثله، ومن الجواهر ما لا يوجد عند غيرهم مثله. منها حبل ~~ياقوت زنته سبعة عشر درهما أو سبعة عشر مثقالا، ونصاب زمرد طوله أربعة ~~أصابع في عرض كبير، ولؤلؤ كثير، PageV03P330 # وإبريق من حجر مانع يسع مائه رطل ماء، وسبعمائة يتيمة بزهر، والطبل الذي ~~صنع لإزالة القولنج، وكان بالقرب من موضع العاضد، فلما احتاطوا بالقصر ظنوه ~~عمل للعب فسخروا من العاضد، وضرب عليه إنسان فضرط فتضاحك من حضر منهم، ثم ~~ضرب عليه آخر فضرط، ثم آخر من بعد فضرط، حتى كثر ذلك ms601 فألقاه من يده فتكسر؛ ~~وقيل للسلطان عليه وأنه عمل للقولنج فندم على كسره. # ووجد من الكتب النفيسة ما لا يعد؛ ويقال إنها كانت ألف ألف وستمائة ألف ~~كتاب، منها مائة ألف مجلد بخط منسوب، وألف ومائتان وعشرون نسخة من تاريخ ~~الطبري؛ فباع السلطان جميع ذلك، وقام البيع فيها عشر سنين. # ونقل أهل العاضد وأقاربه إلى مكان بالقصر ووكل بهم من يحفظهم. وأخرج سائر ~~ما في القصر من العبيد والإماء فباع بعضهم وأعتق بعضهم ووهب منهم. وخلا ~~القصر من ساكنه كأن لم يغن بالأمس. # وكانت مدة الدولة الفاطمية بالمغرب ومصر منذ دعي للمهدي عبيد الله برقادة ~~من القيروان إلى حين قطعت من ديار مصر مائتي سنة وتسعا وستين سنة وسبعة ~~أشهر وأياما، أولها لإحدى عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين ~~وآخرها سلخ ذي الحجة سنة ست وستين وخمسمائة. منها بالمغرب إلى حين قدوم ~~القائد جوهر إلى مصر أحد وستون سنة وشهران وأيام؛ ومنها بالقاهرة ومصر ~~مائتا سنة وثماني سنين. وما أعجب قول المهدي ابن الزبير في مدح العاضد: PageV03P331 # بل عاد للدنيا الجمال ... وبدا على الدين الجلال # أصبحت في الخلفاء را ... بع عشرهم، وهو الكمال # فإن الشيء إذا كمل بدأ نقصه، وبالعاضد تم ملك الفاطميين وزال بموته. # قال ابن سعيد: ولم يسمع فيما بكيت به دولة بعد انقراضها أحسن من قصيدة ~~عمارة ابن علي اليمني الذي قتله صلاح الدين، وهي: # رميت يا دهر كف المجد بالشلل ... وجيده بعد حسن الحلي بالعطل # سعيت في منهج الرأي العثور، فإن ... قدرت من عثرات الدهر فاستقل # جدعت مارنك الأقني، فأنفك لا ... ينفك ما بين قرع السن والحجل # هدمت قاعدة المعروف عن عجل ... سقيت مهلا، أما تمشي على مهل! # لهفي ولهف بني الآمال قاطبة ... على فجيعتنا في أكرم الدول # قدمت مصر، فأولتني خلائفها ... من المكارم ما أربى على الأمل # قوم عرفت بهم كسب الألوف، ومن ... كمالها أنها جاءت ولم أسل # وكنت من وزراء الدست حين سما ... رأس الحصان بهاديه على الكفل # ونلت من عظماء ms602 الجيش مكرمة ... وخلة حرست من عارض الخلل # يا عاذلي في هوى أبناء فاطمة ... لك الملامة إن قصرت في عذلي # بالله زر ساحة القصرين، وابك معي ... عليهما، لا على صفين والجمل # وقل لأهلهما: والله ما التحمت ... فيكم جراحي، ولا قرحي بمندمل PageV03P332 # ماذا عسى كانت الإفرنج فاعلة ... في نسل آل أمير المؤمنين علي # هل كان في الأمر شيء غير قسمة ما ... ملكتم بين حكم السبي والنفل # وقد حصلتم عليها، واسم جدكم ... محمد، وأبوكم غير منتقل # مررت بالقصر والأركان خالية ... من الوفود، وكانت قبلة القبل # فملت عنها بوجهي خوف منتقد ... من الأعادي، ووجه الود لم يمل # أسبلت من أسف دمعي غداة خلت ... رحابكم وغدت مهجورة السبل # أبكى على مأثرات من مكارمكم ... حال الزمان عليها وهي لم تحل # دار الضيافة كانت أنس وافدكم ... واليوم أوحش من رسم ومن طلل # وفطرة الصوم إن أضحت مكارمكم ... تشكو من الدهر ضيما غير محتمل # وكسوة الناس في الفصلين قد درست ... ورث منها جديد عندهم وبلي # وموسم كان في يوم الخليج لكم ... يأتي تجملكم فيه على الجمل # وأول العام والعيدين كم لكم ... فيهن من وبل جود ليس بالوشل # والأرض تهتز في يوم الغدير كما ... يهتز ما بين قصريكم من الأسل # والخيل تعرض في وشي وفي شية ... مثل الطواويس في حلي وفي حلل # ولا حملتم قرى الأضياف من سعة ال ... أطباق إلا على الأكتاف والعجل # وما خصصتم ببر أهل ملتكم ... حتى عممتم به الأقصى من الملل # كانت رواتبكم للذمتين وللضم ... يف المقيم، وللطاري من الرسل PageV03P333 # ثم الطراز بتنيس الذي عظمت ... منه الصلات لأهل الأرض والدول # وللجوامع من أحباسكم نعم ... لمن تصدر في علم وفي عمل # وربما عادت الدنيا لمعقلها ... منكم فأضحت بكم محلولة العقل # والله لا فاز يوم الحشر مبغضكم ... ولا نجا من عذاب الله غير ولي # ولا سقى الماء من حر ومن ظمإ ... من كف خير البرايا خاتم الرسل # ولا رأى جنة الله التي خلقت ... من خان عهد الإمام العاضد بن علي # أئمتي، وهداتي، والذخيرة لي ... إذا ارتهنت بما ms603 قدمت من عملي # تالله لم أوفهم في المدح حقهم ... لأن فضلهم كالوابل الهطل # ولو تضاعفت الأقوال واستبقت ... ما كنت فيهم بحمد الله بالخجل # باب النجاة هم، دنيا وآخرة ... وحبهم فهو أصل الدين والعمل # نور الهدى، ومصابيح الدجا، ومحلم ... الغيث إن ونت الأنواء في المحل # أئمة خلقوا نورا، فنورهم ... من نور خالص نور الله لم يفل # والله لا زلت عن حبي لهم أبدا ... ما أخر الله لي في مده الأجل # عمارة قالها المسكين، وهو علي ... خوف من القتل، لا خوف من الزلل # ووجد على بعض جدران القصر مكتوبا: # يا هذه الدنيا عجبت لمولع ... بك كيف أضحى في هواك يقاد # ما صح منك لآل أحمد موعد ... فكيف منك لغيرهم ميعاد # أما نعيمك فهو ظل زائل ... وصلاح ما تأتيه فهو فساد PageV03P334 ### | ذكر طرف من ترتيب الدولة الفاطمية # اعلم أن الدولة كانت إذا خلت من وزير صاحب سيف يتغلب عليها فإنه يجلس ~~صاحب الباب في باب القصر المعروف بباب الذهب، وهو أحد أبواب القصر، ويقف ~~بين يديه الحجاب والنقباء، وينادي مناد: يا أرباب الظلامات؛ فيحضر إليه ~~أرباب الحوائج. فمن كان أمره مما يشاقة به نظر في أمره بمن يتعلق من القضاة ~~أو الولاة، فيسير إلى ذلك كتابا بكشف ظلامته. فإن كان مع المتظلم قصة أخذها ~~منه الحاجب، فإذا اجتمع معه عدة دفعها إلى الموقع بالقلم بالقلم الدقيق ~~فيوقع عليها، ثم تحمل منه إلى الموقع بالقلم الجليل ليبسط ما أشار إليه ~~الموقع بالقلم الدقيق. فإذا تكاملت حملت في خريطة إلى الخليفة فوقع عليها، ~~ثم أخرجت في الخريطة إلى الحاجب فيقف بها على باب القصر ويسلم لكل أحد ~~توقيعه. # فإن كان في الدولة وزير صاحب سيف فإنه يجلس يومين في كل أسبوع في مكان ~~معد له في القصر، ويجلس قبالته قاضي القضاة وعن جانبيه شاهدان معتبران، ~~ويجلس في جانب الوزير الموقع بالقلم ويليه صاحب ديوان المال، وبين يديه ~~صاحب المال وأسفهسلار العساكر، وبين أيديهما النواب والحجاب على طبقاتهم PageV03P335 # وكان أجل الخدم صاحب الباب، وهو من الأمراء ms604 المطوقين؛ ثم الأسفهسلار، وهو ~~زمام كل زمام وإليه أمور الأجناد، ثم حامل سيف الخليفة أيام الركوب؛ ثم ~~زمام الحافظية والآمرية، وهما أجل الأجناد. # وكانت ولاية الأعمال أجلها ولاية عسقلان، ثم ولاية قوص، ثم ولاية ~~الشرقية، ثم ولاية الغربية، ثم ولاية الإسكندرية. # وكان قاضي القضاة ينظر في الأحكام الشرعية، فلما صارت الوزارة إلى أرباب ~~السيوف كان يقلد القضاة نيابة عنه. والقاضي أجل أرباب العمائم رتبة؛ وتارة ~~يكون داعي الدعاة، وتارة تفرد الدعوة عنه. ويجلس في يومي الثلاثاء والسبت ~~بزيادة جامع عمرو بن العاص، وله طراحة ومسند حرير والشهود حوله؛ وله خمسة ~~من الحجاب اثنان منهما بين يديه واثنان على باب المقصورة واحد ينفذ الخصوم ~~إليه. وله أربعة من الموقعين، ودواته بين يديه على كرسي محلى بفضة يحمل ~~إليه من الخزائن ولها حامل بجار سلطاني في كل شهر. ويخرج إليه من إصطبل ~~الخليفة بغلة شهباء، وهي مختصة به دون غيرها، ويكون عليها سرج محلى ثقيل ~~وراويتان من فضة، ومكان الجلد حرير. PageV03P336 # وتخلع عليه الخلع المذهبة، فيسير من غير طبل ولا بوق إلا أن يضاف إليه ~~الدعوة فإنه يسير حينئذ بالطبل والبوق، فإن ذلك من رسوم الداعي مع البنود. ~~فإن كان إنما خلع عليه لوظيفة القضاة فقط فإنه يسير بالعز أرجالا حوله وبين ~~يديه المؤذنون يعلنون بذكر الخليفة، أو الخليفة والوزير إن كان ثم وزير ~~صاحب سيف؛ ويركب معه يومئذ نواب الباب والحجاب ولا يجلس أحد فوقه ألبتة، ~~ولا يمكنه حضور جنازة ولا عقد نكاح إلا بإذن، ولا يقوم لأحد من الناس إذا ~~كان في مجلس الحكم، ولا ينشئ عدالة ألبتة إلا بإذن، فلا تثبت إذا أذن له في ~~إنشائها لأحد حتى يركيه عشرون عدلا من عدول البلد بين مصر والقاهرة ويرضاه ~~الشهود كلهم. # فإن كان في الدولة وزير سيف لا يخاطب حينئذ من يتولى الحكم بقاضي القضاة ~~فإنه من نعوت الوزير. # ويصعد القاضي إلى القصر في يومي الخميس والاثنين بكرة للسلام على ~~الخليفة؛ وله النواب، وإليه النظر في دار الضرب لتحرير العيار. ms605 ولا يصرف ~~القاضي إلا بجنحة. # وكان في الدولة داعي الدعاة، ورتبته تلي رتبة قاضي القضاة، ويتزيا بزيه، ~~ولا بد أن يكون عالما بمذاهب أهل البيت، عليهم السلام، وله أخذ العهد على ~~من ينتقل إلى مذهبه؛ وبين يديه اثنا عشر نقيبا؛ وله نواب في سائر البلاد. ~~ويحضر إليه فقهاء الشيعة بدار العلم ويتفقون على دفتر يقال له مجلس الحكمة ~~يقرأ في كل يوم اثنين وخميس بعد أن تحضر مبيضته إلى داعي الدعاة ويتصفحه ~~ويدخل به إلى الخليفة فيتلوه عليه إن امكن، ويأخذ خطه عليه في طاهره. ثم ~~يخرج فيجلس على كرسي الدعوة بالإيوان من القصر، فيقرؤه على الرجال؛ ثم يخرج ~~ليقرأه على النساء. وله أخذ النجوى من المؤمنين بالأعمال كلها، ومبلغها ~~ثلاثة دراهم وثلث، فيحملها إلى الخليفة. # كان متولي ديوان الإنشاء يخاطب بالأجل، ويقال له كاتب الدست، وهو الذي ~~يتسلم PageV03P337 # الكتب الواردة ويعرضها على الخليفة من يده ثم يأمر بتنزيلها والجواب ~~عنها. والخليفة يستشيره في أكثر أموره ولا يحجب عنه شيء متى جاء، وهذا أمر ~~لا يصل إليه غيره، وربما بات عنده. وجارية في كل شهر مائة وعشرون دينارا، ~~مع الكسوة والرسوم؛ ولا يدخل إلى ديوانه ولا يجتمع بكتابه إلا الخواص، وله ~~حاجب من الأمراء وفراشون ومرتبة هائلة، ومخاد ومسند، ودواة بغير كرسي وهي ~~من أنفس الدوي، ولها أستاذ من خدام الخليفة برسم حملها. # ولا بد للخليفة من جليس يذاكره ما يحتاج إلى علمه من كتابات وتجويد الخط ~~ومعرفة الأحاديث وسير الخلفاء ونحو ذلك، يجتمع به أكثر أيام الأسبوع، ~~وبرسمه أستاذ محنك يحضر فيكون ثالثهما، فيقرأ ملخص السير ويكرر عليه ذكر ~~مكارم الأخلاق. ورتبته عظيمة تلحق برتبة كاتب الدست، ويكون صحبته دواة ~~محلاة. فإذا فرغ من المجالسة ألقى في الدواة كاغدة فيها عشرة دنانير ~~وقرطاسا فيه ثلاثة مثاقيل ند مثلث خاص ليتبخر به عند دخوله على الخليفة ~~ثاني مرة. وله منصب التوقيع بالقلم الدقيق، كما تقدم، ويجلس حال التوقيع ~~على طراحة ومسند، وله فراشون من فراشي الخاص تقدم له ما يوقع ms606 عليه. ويختص ~~به موضع من ديوان المكاتبات لا يدخل إليه أحد إلا بإذن. # ورأس أصحاب دواوين المال من يلي النظر على الدواوين وله العزل والولاية، ~~وهو الذي يعرض الأوراق على الخليفة أو الوزير، ويعتقل من شاء بكل مكان؛ ~~ويجلس بالمرتبة والمسند وبين يديه حاجب من أمراء الدولة، وتخرج له الدواة ~~بغير كرسي ويندب من يطلب الحساب، ويحث في طلب المال ومطالبة أرباب ~~الضمانات. # وكان لهم ديوان التحقيق، ومقتضاه المقابلة على الدواوين ولمتوليه الخلع ~~والرتبة والحاجب، ويلحق بناظر الدواوين. # وديوان المجلس، وفيه علوم الدولة، وهو أصل الدواوين، وفيه عدة كتاب لكل ~~منهم PageV03P338 # مجلس معد ومعتاد. وصاحب هذا الديوان هو الذي يتحدث في الإقطاعات، ويخلع ~~عليه، وهو لاحق بديوان النظر، ويجلس بالمرتبة والمسند والدواة والحاجب. # والتوقيع بالقلم الجليل يسمى الخدمة الصغرى، ولمتوليها الطراحة والمسند ~~بغير حاجب، بل ويندب له فراش لترتيب ما يوقع عليه، ولا يوقع الخليفة عليه ~~بيده إذا كان وزيره صاحب سيف إلا في أربعة مواضع: إذا رفعت إليه قصة وقع ~~عليها يعتمد ذلك إن شاء، أو كتب بجانبها الأيمن يوقع بذلك، فيخرج إلى صاحب ~~ديوان المجلس دون غيره فيوقع جليلا، ويدخل بها إلى الخليفة ثانيا فيضع ~~علامته عليها. وكانت علامتهم كلهم الحمد لله رب العالمين؛ ثم يخرج بها ~~فتثبت في الدواوين. أو يوقع في مسامحة، أو تسويغ، أو تحبيس ما مثاله: قد ~~أنعمنا بذلك، أو قد أمضينا ذلك. فإذا أراد الخليفة الاطلاع على شيء وقع ~~ليخرج الحال في ذلك، فإذا خرج الحال عاد إليه ليعلم عليه، فإن كان الوزير ~~صاحب سيف وقع الخليفة بخطه: وزيرنا السيد الأجل، واللقب المعروف به، أمتعنا ~~الله ببقائه، يتقدم بإنجاز ذلك إن شاء الله. فيكتب الوزير تحت خطه. يمتثل ~~أمر مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ثم يثبت في الدواوين. # ولديوان الجيش مستوف مسلم له غيرة، ويجلس بطراحة لحركة العرض والحلي ~~والشيات. وفي هذا الديوان خازنان برسم رفع الشواهد، فإذا عرض الجندي حلي ~~وذكرت صفات فرسه، ولا يثبت له إلا الفرس الجيد، ولا يثبت ms607 له برذون ولا بغل، ~~ويقف بين يدي هذا المستوفي نقباء الأجناد لإنهاء أمور الأجناد، وفسح ~~للأجناد في آخر الدولة أن يقابض بعضهم بعضا. # وديوان الرواتب فيه أسماء كل مرتزق في الدولة ضمن له جار وجراية، وكاتبه ~~يجلس بطراحة وتحت يده عشرة كتاب، وترد إليه التعريفات من سائر الأعمال ~~باستمرار ما هو مستمر ومباشرة من يستجد وموت من مات ليوجب استحقاقه. PageV03P339 # وفي هذا الديوان عدة عروض. أولها: راتب الوزير وهو في الشهر خمسة آلاف ~~دينار، ولكل من أولاده وإخوته من ثلثمائة دينار إلى مائتي دينار. وقرر ~~لشجاع بن شاور خمسمائة دينار، ولكل من حواشي من خمسمائة دينار إلى ثلثمائة، ~~وذلك سوى الإقطاعات. # وثانيها: حواشي الخليفة، وأولهم الأستاذون المحنكون؛ وهم: زمام القصر، ~~وصاحب بيت المال، وحامل الرسالة، وصاحب الدفتر، وشاد التاج الشريف، وزمام ~~الأشراف الأقارب، وصاحب المجلس؛ ولكل منهم مائة دينار في الشهر. ولمن يلي ~~هؤلاء يتناقص عشرة، وهكذا إلى من يكون جاريه عشرة دنانير. وعدة هؤلاء ألف ~~فما فوقها، وهم خصيصون؛ وللطبيب الخاص مائة دينار في الشهر، ولعدة من ~~الأطباء برسم أهل القصر كل منهم عشرة دنانير. # ثالثها: أرباب الرتب بحضرة الخليفة، وأولهم كاتب الدست الشريف، وجاريه في ~~الشهر مائة وخمسون دينارا، ولكل من كتابه ثلاثون دينارا؛ ولمتولي مجالسة ~~الخليفة والتوقيع بالقلم الدقيق في المظالم مائة دينار؛ ولصاحب الباب مائة ~~وعشرون دينارا، ولكل من حامل السيف وحامل الرمح سبعون دينارا؛ ولكل من أزمة ~~العساكر والسودان مائتان وخمسون دينارا إلى أربعين دينارا إلى ثلاثين ~~دينارا. # رابعها: قاضي القضاة، وله في الشهر مائة دينار؛ ولداعي الدعاة مائة ~~دينار؛ وكل من قرأ الحضرة من عشرين دينارا إلى خمسة عشر إلى عشرة دنانير؛ ~~ولكل من خطباء الجوامع من عشرين دينارا إلى عشرة دنانير؛ ولكل من الشعراء ~~من عشرين دينارا إلى عشرة دنانير. # خامسها: أرباب الدواوين، وأولهم متولي ديوان النظر، وله في الشهر سبعون ~~دينارا؛ ولمتولي ديوان التحقيق خمسون دينارا؛ ولمتولي ديوان المجلس أربعون ~~دينارا؛ ولصاحب دفتر المجلس خمسة وثلاثون دينارا، ولكاتبه خمسة دنانير؛ ~~ولمتولي ديوان ms608 الجيش أربعون PageV03P340 # دينارا، وللموقع بالقلم الجليل ثلاثون دينارا؛ ولكل من أصحاب دواوين ~~المعاملات عشرون دينارا؛ ولكل معين عشرة دنانير وفيهم من له سبعة وخمسة. # سادسها: المستخدمون بالقاهرة ومصر في خدمة الواليين، لكل منهم خمسون ~~دينارا؛ ولحماة الأهراء والمناخات والجوالي والبساتين والأملاك لكل منهم من ~~عشرين دينارا إلى خمسة عشر إلى عشرة إلى خمسة. # سابعها: الفراشون برسم خدمة القصور؛ ومنهم برسم خدمة الخليفة خمسة عشر، ~~منهم صاحب المائدة وحامي المطابخ؛ وجاريهم من ثلاثين دينارا إلى ما حولها ~~سوى الرسوم؛ ويليهم الرشاشون ونحوهم، وعدتهم ثلثمائة فراش مولاهم أستاذ، ~~وجاري كل منهم من عشرة دنانير إلى خمسة. # ثامنها: صبيان الركاب وهم ينيفون على ألفي رجل، ولهم اثنا عشر مقدما ~~أكبرهم مقدمو الركاب، ومقدم المقدمين منهم هو صاحب ركاب الخليفة الأيمن؛ ~~ولكل من المقدمين في الشهر خمسون دينارا. وصبيان الركاب أربع جوق، جوقة لكل ~~منهم في الشهر عشرون دينارا، ويليهم من له خمسة عشر ثم عشرة ثم خمسة ~~دنانير، وهم يندبون إلى الأعمال ويحملون المخلفات لركوب الخليفة في الأعياد ~~والمواسم. # وكان لنقيب الأشراف اثنا عشر نقيبا، ويخلع عليه فيسير بالطبل والبوق ~~والبنود مثل الأمراء، وله ديوان ومشارف وعامل ونائبه؛ وجاريه في الشهر ~~عشرون PageV03P341 # دينارا، ولمشارف ديوانه عشرة دنانير، ولنائبه في النقابة ثمانية دنانير، ~~وللعامل خمسة دنانير. # وللمحتسب عدة نواب بالقاهرة ومصر وسائر الأعمال، ويجلس بجامع القاهرة ~~ومصر يوما بعد يوم، وتطوف نوابه على أرباب المعايش. ويخلع على المحتسب ~~ويقرأ سجله على منبر جامع عمرو بن العاص. # وكانت لهم خدمة يقال لها النيابة، ومتوليها يتلقى الرسل الواردين من ~~الملوك؛ وكانت خدمة جليلة لمتوليها نائب، ومن خواصه أنه ينعت أبدا كل من ~~يليها بغذي الملك، وله النظر في دار الضيافة، ويعرف هذا اليوم بالمهمندار. ~~وكان له في الشهر خمسون دينارا وفي كل يوم نصف قنطار خبز مع بقية الرسوم. # وللخدمة في ديوان الصعيد عدة كتاب؛ ولأسفل الأرض ديوان؛ وللثغور ديوان؛ ~~وللجوالي ديوان، وللمواريث ديوان، ولديوان الخراجي والهلالي عدة دواوين، ~~منها ديوان الرباع، وديوان المكوس، وديوان الصناعة، ms609 وديوان الكراع وفيه ~~معاملات الإصطبلات وما فيها، وديوان الأهراء، وديوان المناخات، وديوان ~~العمائر ومحله بصناعة مصر لإنشاء الأسطول ومراكب الغلات السلطانية ~~والأحطاب، وكانت تزيد على خمسين عشاريا وعشرين PageV03P342 # ديماسا، منها عشرة خاصة برسم ركوب الخليفة أيام الخليج والبقية برسم ولاة ~~الأعمال تجرد إليهم وينفق عليها من الديوان؛ وديوان الأحباس. # وكانت عادتهم إذا انقضى عيد النحر عمل الاستيمار ويثبت فيه جميع ما يشتمل ~~عليه مصروف تلك السنة من عين وورق وغلة وغيرها مفصلا بالأسماء، وأولهم ~~الوزير حتى ينتهي إلى أرباب الضوء، ثم يعمل في ملف حريري يشد له جوهر يشده؛ ~~وكان يبلغ في السنة ما يزيد على مائة ألف دينار عينا ومائتي ألف درهم فضة ~~وعشرة آلاف إردب غلة؛ ويعرض على الخليفة، فيستوعبه، ويشطب على بعضه وينقص ~~قوما ويزيد قوما ويستجد آخرين بحسب ما يعن له. فيحمل الأمر على الشطب. وعمل ~~مرة في أيام المستنصر بالله، فوقع بظاهره: الفقر مر المذاق، والحاجة تذل ~~الأعناق، وحراسة النعم بإدرار الأرزاق؛ فليجروا على رسومهم في الإطلاق. " ~~ما عندكم ينفد وما عند الله باق ". # وكان من عادتهم إخراج الكسوة في كل سنة لجميع أهل الدولة من صغير وكبير ~~في أوقات معروفة؛ فبلغت كسوة الصيف والشتاء في السنة ستمائة ألف دينار ~~ونيف. # وكانوا يتأنقون في المآكل، حتى إن الخادم والسائس من غلمانهم ينفق في كل ~~يوم على طعامه العشرة دنانير والعشرين دينارا لسعة أحوالهم. # وكانوا يفرقون في أول كل سنة دنانير يسمونها دنانير الغرة تبلغ خمسمائة ~~دينار في السنة، فيتبرك بها من يأتيه منها برسوم مقررة لكل أحد. # وإذا أهل رمضان لا يبقى أمير ولا مقدم إلا ويأتيه طبق لنفسه، ولكل واحد ~~من أولاده ونسائه طبق فيه أنواع الحلوى العجيبة الفاخرة. # وكانت خلعهم ثمينة جدا بحيث يبلغ طراز الخلعة خمسمائة دينار ذهبا، ويختص ~~الأمراء في الخلع بالأطواق والأساورة الذهب مع السيوف المحلاة؛ ويتشرف ~~الوزير عوضا عن الطوق بعقد جوهر فكاكه خمسة آلاف دينار يحمل إليه، ويختص ~~بلبس الطيلسان المقور. PageV03P343 # ولا يركب الخليفة إلا بمظلة منسوجة بالذهب ms610 مرصعة بالجوهر. # وسيأتي من إيراد خربات ترتيبهم وحكاية أمور دولتهم عند ذكر خطط القاهرة ~~إن شاء الله ما يعرفك مقدار ما كانوا فيه من أمور الدنيا وحقارة من جاء ~~بعدهم. فلله عاقبة الأمور. PageV03P344 ### | ذكر ما عيب عليهم # لا شك في أن القوم كانوا شيعة يرون تفضيل علي بن أبي طالب على من عداه من ~~الصحابة، وكانوا ينتحلون من مذاهب الشيعة مذهب الإسماعيلية وهم القائلون ~~بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق وتنقلها في أولاده الأئمة المستورين إلى ~~عبيد الله المهدي، أول من قام منهم بالمغرب. وبقية الشيعة لا يقولون بإمامة ~~إسماعيل، وينكرون عليهم ذلك أشد الإنكار. # وكانوا مع انتحالهم مذهب التشيع غلاة في الرفض؛ إلا أن أولهم كانوا أكابر ~~صانوا أنفسهم عما تحرف به آخرهم. ثم إن الحاكم بأمر الله أكثر من النظر في ~~العقائد، وكان قليل الثبات سريع الاستمالة، إذا مال إلى اعتقاد شيء أظهره ~~وحمل الناس عليه، ثم لا يلبث أن يرجع عنه إلى غيره فيريد من الناس ترك ما ~~كان قد أهم به والمصير إلى ما استحدثه ومال إليه. واقترن به رجل يعرف ~~باللباد والزوزني فأظهر مذاهب الباطنية، وقد كان عند أولهم منها طرف، فأنكر ~~الناس هذا المذهب لما يشتمل عليه مما لم يعرف عند سلف الأمة وتابعيهم ولما ~~فيه من مخالفة الشرائع. # فلما كانت أيام المستنصر وفد إليه الحسن بن الصباح، فأشاع هذا المذهب في ~~الأقطار ودعا الكافة إليه، واستباح الدماء بمخالفته؛ فاشتد النكير، وكثر ~~الصائح عليهم من كل ناحية حتى أخرجوهم عن الإسلام ونفوهم عن الملة. # ووجد بنو العباس السبيل إلى الغض منهم لما مكنوا من البغض فيهم وقاسوه من ~~الألم بأخذه ما كان بأيديهم من ممالك القيروان وديار مصر والشام والحجاز ~~واليمن وبغداد أيضا، فنفوهم عن الانتساب إلى علي بن أبي طالب، بل وقالوا ~~إنما هم من أولاد اليهود؛ وتناولت الألسنة ذلك، فملئوا به كتب الأخبار. # ثم لما اتصل بهم الغز ووزر لهم أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين، ~~وهم من صنائع دولة بني العباس ms611 الذين ربوا في أبوابها وغذوا بنعمها ونشئوا ~~على اعتقاد موالاتها PageV03P345 # ومعاداة أعدائها، لم يزدهم قربهم من الدولة الفاطمية إلا نفورا، ولا ~~ملأهم إحسانها إليهم إلا حقدا وعداوة لها، حتى قووا بنعمتها على زوالها، ~~واقتدروا بها على محوها. # وكانت أساسات دولتهم راسخة في التخوم، وسيادة شرفهم قد أنافت على النجوم، ~~وأتباعهم وأولياؤهم لا يحصى لهم عدد، وأنصارهم وأعوانهم قد ملئوا كل قطر ~~وبلد؛ فأحبوا طمس أنوارهم، وتغيير منارهم، وإلصاق الفساد والقبيح بهم، شأن ~~العدو وعادته في عدوه. # فتفطن، رحمك الله، إلى أسرار الوجود، وميز الأخبار كتمييزك الجيد من ~~النقود، تعثر إن سلمت من الهوى بالصواب. ومما يدلك على كثرة الحمل عليهم أن ~~الأخبار الشنيعة، لا سيما التي فيها إخراجهم من ملة الإسلام، لا تكاد تجدها ~~إلا في كتب المشارقة من البغداديين والشاميين، كالمنتظم لابن الجوزي، ~~والكامل لابن الأثير، وتاريخ حلب لابن أبي طي، وتاريخ العماد لابن كثير، ~~وكتاب ابن واصل الحموي، وكتاب ابن شداد، وكتاب العماد الأصفهاني، ونحو ~~هؤلاء. أما كتب المصريين الذين اعتنوا بتدوين أخبارها فلا تكاد تجد في شيء ~~منها ذلك ألبتة. فحكم العقل، واهزم جيوش الهوى، وأعط كل ذي حق حقه، ترشد إن ~~شاء الله تعالى. PageV03P346 ### | ذكر ما صار إليه أولادهم # ولما مات العاضد غسله ابنه داود وصلى عليه، وجلس على الشدة، واستدعى صلاح ~~الدين ليبايعه، فامتنع، وبعث إليه: أنا نائب عن أبيك في الخلافة ولم يوص ~~بأنك ولي عهده. وقبض عليه وعلى بقية أولاد العاضد وأقاربه في سادس شعبان ~~سنة تسع وستين وخمسمائة، ونقله هو وجميع أقاربه وأهله إلى دار المظفر من ~~حارة برجوان في العشر الأخير من شهر رمضان، ووكل عليهم وعلى جميع ذخائر ~~القصر، وفرق بين الرجال والنساء حتى لا يحصل منهم نسل. وأغلقت القصور ~~وتملكت الأملاك التي كانت لهم، وضربت الألواح على رباعهم وفرقت على خواص ~~صلاح الدين كثير منها وبيع بعضها. وأعطى القصر الكبير لأمرائه فسكنوا فيه. ~~وأسكن أباه نجم الدين أيوب في اللؤلؤة على الخليج، وصار كل من استحسن من ~~الغز دارا ms612 أخرج صاحبها منها وسكنها. # ونقلوا إلى قلعة الجبل، وهم ثلاثة وستون نفرا، في يوم الخميس ثاني عشري ~~رمضان سنة ثمان وستمائة، فمات منهم إلى ربيع الأول سنة أربع وعشرين وستمائة ~~ثلاثة وعشرون. وتولى وضع القيود في أرجلهم الأمير فخر الدين الطبنا أبو ~~شعرة بن الدويك والي القاهرة. # قال المهدي أبو طالب محمد بن علي، ابن الخيمي: وفي سنة ثلاث وعشرين ~~وستمائة عوقبت بالقلعة، فوجدت بها من الأشراف أربعين شريفا وهم: الأمير ~~سليمان بن داود ابن العاضد، وأبو الفتوح بن العاضد، وحيدرة بن العاضد، ~~وجبريل بن العاضد، وعلي بن PageV03P347 # العاضد، وعبد القاهر بن حيدرة بن العاضد، وإسماعيل بن عيسى بن العاضد، ~~وعبد الوهاب ابن إبراهيم بن العاضد، وأبو القاسم بن أبي الفتوح ابن العاضد، ~~وقمر بن علي بن العاضد، ويحيى بن جبريل بن الحافظ، وسليمان بن يحيى ~~المذكور، وتميم بن يحيى المذكور، وعبد الله ابن أبي الطاهر بن جبريل، ~~وسليمان بن أبي الطاهر بن جبريل، وأبو جعفر بن أبي الطاهر، وعبد الظاهر بن ~~أبي الفتوح بن جبريل، وأبو الحسن بن أبي اليسر بن جبريل، وأحمد ابن أبي ~~اليسر بن جبريل، وأبو الحسن بن أبي العباس حسن بن الحافظ، وإبراهيم ابن عبد ~~المحسن بن عبد الوهاب بن أبي الحسن بن أبي القاسم بن المستنصر، ويونس ابن ~~سليمان بن عبد الخالق بن أبي الحسن بن أبي القاسم، وأبو اليسر بشارة بن عبد ~~المحسن ابن أبي محمد بن أبي الحسن بن أبي القاسم بن المستنصر، وجعفر بن ~~موسى بن محسن ابن داود بن المستنصر، وعلي بن سليمان بن أبي عبد الله بن ~~داود بن المستنصر، وأبو الفضل ابن عبد المجيد بن أبي الحسن بن جعفر بن ~~المستنصر، ويحيى بن صدقة بن شبل بن عبد المجيد بن أبي الحسن بن جعفر بن ~~المستنصر، وعبد الله كمال بن داود بن داود ابن يحيى بن أبي علي بن جعفر بن ~~المستنصر، وأبو علي بن عبد الرحمن بن يحيى بن أبي علي بن جعفر بن المستنصر، ~~وسليمان بن ms613 عبد الصمد بن أبي عبد الله بن عبد الكريم بن أبي ايسر بن جعفر ~~بن المستنصر، وأبو علي بن عبد الصمد، أخوه، وعبد الكريم ابن إبراهيم بن أبي ~~الحسن بن عبد الله بن المستنصر، وعبد الغني بن أبي الرضا بن أبي الحسن بن ~~عبد الله بن المستنصر، وعبد الصمد بن سليمان بن محمد بن حيدرة بن عقيل ابن ~~المستنصر، وإسماعيل بن صدقة بن أبي اليسر بن إسحاق بن المستنصر، وأبو محمد ~~ابن موسى بن عبد القادر بن أبي الحسن بن إسحاق بن المستنصر، وعبد الصمد بن ~~حسن ابن أبي الحسن من أولاد المستنصر. # ولم يزالوا معتقلين بقلعة الجبل إلى أن حولوا منها سنة إحدى وسبعين ~~وستمائة. PageV03P348 ### |PARATEXT| # هذا آخر ما وجد بخط مؤلفه عفا الله عنه آخر كتاب اتعاظ الحنفا بأخبار ~~الأئمة الفاطميين الخلفا للمقريزي. # من كتابة فقير رحمة الله محمد بن أحمد الجيزي الأزهري الشافعي، لطف الله ~~تعالى به وغفر ذنوبه وستر عيوبه والمسلمين أجمعين. # في سنة أربع وثمانين وثمانمائة. PageV03P349 ms614