######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010045 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن علي بن عبد القادر، أبو العباس الحسيني العبيدي، تقي الدين المقريزي (المتوفى: 845هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 845 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تجريد التوحيد المفيد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010045 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10045 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10045 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: طه محمد الزيني #META# 041.EdNUMBER :: 1409هـ/1989م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | مقدمة # المؤلف # الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على نبينا محمد خاتم ~~النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين. # أما بعد: # فهذا كتاب جم الفوائد، بديع الفرائد، ينتفع به من أراد الله والدار ~~الآخرة، سميته: "تجريد التوحيد المفيد". # والله أسأل العون على العمل به بمنه. # PageV01P004 ### | تجريد التوحيد المفيد # ... # اعلم أن الله سبحانه هو رب كل شيء ومالكه وإلهه: # فالرب: # PageV01P004 # مصدر رب يرب ربا فهو راب، فمعنى قوله تعالى: {رب العالمين} : راب ~~العالمين، فإن الرب - سبحانه وتعالى - هو الخالق الموجد لعباده، القائم ~~بتربيتهم وإصلاحهم، المتكفل بصلاحهم من خلق ورزق وعافية وإصلاح دين ودنيا. # والإلهية: كون العباد يتخذونه سبحانه محبوبا مألوها، ويفردونه بالحب ~~والخوف والرجاء والإخبات، والتوبة والنذر والطاعة، والطلب والتوكل ونحو هذه ~~الأشياء. # فإن التوحيد # PageV01P005 # حقيقته: أن ترى الأمور كلها من الله - تعالى - رؤية تقطع الالتفات إلى ~~الأسباب والوسائط، فلا ترى الخير والشر إلا منه تعالى، وهذا المقام يثمر ~~التوكل، وترك شكاية الخلق، وترك لومهم، والرضا عن الله - تعالى -، والتسليم ~~لحكمه. # وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الربوبية منه تعالى لعباده، والتأله من عباده له ~~سبحانه، كما أن الرحمة هي الوصلة بينهم وبينه عز وجل. # واعلم أن أنفس الأعمال وأجلها قدرا: توحيد الله - تعالى -، غير أن ~~التوحيد له قشرتان: # الأولى: أن تقول بلسانك: لا إله إلا الله، ويسمى هذا # PageV01P006 # القول توحيدا، وهو مناقض للتثليث الذي تعتقده النصارى، وهذا التوحيد يصدر ~~أيضا من المنافق الذي يخالف سره جهره. # والقشرة الثانية: أن لا يكون في القلب مخالفة ولا إنكار لمفهوم هذا ~~القول، بل يشتمل القلب على اعتقاد ذلك والتصديق به، وهذا هو توحيد عامة ~~الناس. # ولباب التوحيد: أن يرى الأمور كلها لله - تعالى -، ثم يقطع الالتفات إلى ~~الوسائط، وأن يعبده سبحانه عبادة يفرده بها، ولا يعبد غيره. # ويخرج عن هذا التوحيد: أتباع الهوى، فكل من اتبع هواه فقد اتخذ هواه ~~معبوده، قال الله - تعالى -: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} . # وإذا تأملت عرفت أن عابد الصنم لم يعبده إنما عبد هواه، وهو ميل نفسه إلى ms01 ~~دين آبائه، فيتبع ذلك الميل، وميل النفس إلى المألوفات أحد المعاني التي ~~يعبر عنها بالهوى. # ويخرج عن هذا التوحيد: السخط على الخلق، والالتفات إليهم، فإن من يرى ~~الكل من الله كيف يسخط على غيره أو يأمل سواه؟. # وهذا التوحيد مقام الصديقين. # ولا ريب أن توحيد الربوبية لم ينكره المشركون، بل أقروا بأنه سبحانه وحده ~~خالقهم، وخالق السموات والأرض، والقائم بمصالح العالم كله، وإنما أنكروا ~~توحيد الإلهية والمحبة، كما قد حكى الله - تعالى - عنهم في قوله: {ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله} ، فلما سووا غيره به في هذا التوحيد كانوا مشركين، # PageV01P007 # كما قال تعالى: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ~~ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} . # وقد علم الله - سبحانه وتعالى - عباده كيفية مباينة الشرك في توحيد ~~الإلهية، وأنه تعالى حقيق بإفراده وليا وحكما وربا، فقال تعالى: {قل أغير ~~الله أتخذ وليا} وقال: {أفغير الله أبتغي حكما} وقال: {قل أغير الله أبغي ~~ربا} ، فلا ولي ولا حكم ولا رب إلا الله، الذي من عدل به غيره فقد أشرك في ~~ألوهيته ولو وحد ربوبيته، فتوحيد الربوبية هو الذي اجتمعت فيه الخلائق ~~مؤمنها وكافرها، وتوحيد الإلهية مفرق الطرق بين المؤمنين والمشركين، ولهذا ~~كانت كلمة الإسلام: لا إله إلا الله، ولو قال: لا رب إلا الله أجزاه عند ~~المحققين، فتوحيد الألوهية هو المطلوب من العباد، ولهذا كان أصل "الله" ~~الإله، كما هو قول سيبويه، وهو الصحيح، وهو قول جمهور أصحابه إلا من شذ ~~منهم. # وبهذا الاعتبار الذي قررنا به الإله وأنه المحبوب، لاجتماع صفات الكمال ~~فيه، كان الله: هو الاسم الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى والصفات ~~العليا، وهو الذي ينكره المشركون، ويحتج الرب - سبحانه وتعالى - عليهم ~~بتوحيدهم ربوبيته على توحيد ألوهيته، كما قال الله - تعالى -: {قل الحمد ~~لله # PageV01P008 # وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون أمن خلق السماوات ~~والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما ms02 كان لكم أن ~~تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون} ، وكلما ذكر تعالى من آياته ~~جملة من الجمل قال عقبها: {أإله مع الله} ؟، فأبان سبحانه وتعالى بذلك أن ~~المشركين إنما كانوا يتوقفون في إثبات توحيد الإلهية لا الربوبية، على أن ~~منهم من أشرك في الربوبية كما يأتي بعد ذلك إن شاء الله - تعالى -. # وبالجملة فهو تعالى يحتج على منكري الإلهية بإثباتهم الربوبية. # والملك: هو الآمر الناهي الذي لا يخلق خلقا بمقتضى ربوبيته ويتركهم سدى ~~معطلين لا يؤمرون ولا ينهون، ولا يثابون ولا يعاقبون، فإن الملك هو الآمر ~~الناهي، المعطي المانع، الضار النافع، المثيب المعاقب، ولذلك جاءت ~~الاستعاذة في سورة الناس وسورة الفلق بالأسماء الحسنى الثلاثة: الرب والملك ~~والإله، فإنه لما قال: {قل أعوذ برب الناس} كان فيه إثبات أنه خالقهم ~~وفاطرهم، فبقي أن يقال: لما خلقهم هل كلفهم وأمرهم ونهاهم؟، قيل: نعم، ~~فجاء: {ملك الناس} ، فأثبت الخلق والأمر {ألا له الخلق والأمر} ، فلما قيل ~~ذلك، قيل: فإذا كان ربا موجدا، وملكا مكلفا، فهل يحب ويرغب إليه، ويكون ~~التوجه إليه غاية الخلق والأمر، قيل: {إله الناس} أي: مألوههم ومحبوبهم، ~~الذي لا يتوجه العبد المخلوق المكلف العابد إلا له، فجاءت الإلهية خاتمة ~~وغاية، وما قبلها كالتوطئة لها. # وهاتان السورتان أعظم عوذة في القرآن، وجاءت الاستعاذة بهما # PageV01P009 # وقت الحاجة إلى ذلك، وهو حين سحر النبي صلى الله عليه وسلم، وخيل إليه ~~أنه يفعل الشيء صلى الله عليه وسلم وما فعله، وأقام على ذلك أربعين يوما، ~~كما في الصحيح، # PageV01P010 # وكانت عقد السحر إحدى عشرة عقدة، فأنزل الله المعوذتين إحدى عشرة آية، ~~فانحلت بكل آية عقدة. وتعلقت الاستعاذة في أوائل القرآن # PageV01P012 # باسمه الإله، وهو المعبود وحده، لاجتماع صفات الكمال فيه. ومناجاة العبد ~~لهذا الإله الكامل، ذي الأسماء الحسنى والصفات العليا، المرغوب إليه؛ في أن ~~يعيذ عبده الذي يناجيه بكلامه من الشيطان الحائل بينه وبين مناجاة ربه. ثم ~~استحب التعليق باسم الإله في جميع المواطن الذي يقال فيها: " أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم "، لأن ms03 اسم الله - تعالى - هو الغاية للأسماء، ولهذا كان كل ~~اسم بعده لا يتعرف إلا به، فتقول: الله هو السلام، المؤمن، المهيمن، ~~فالجلالة تعرف غيرها، وغيرها لا يعرفها. # والذين أشركوا به تعالى في الربوبية منهم من أثبت معه خالقا آخر، وإن لم ~~يقولوا: إنه إله مكافئ له، وهم المشركون ومن ضاهاهم من القدرية. # وربوبيته سبحانه للعالم الربوبية الكاملة المطلقة الشاملة تبطل أقوالهم، ~~لأنها تقتضي ربوبيته لجميع ما فيه من الذوات والصفات والحركات والأفعال. # وحقيقة قول القدرية المجوسية: أنه تعالى ليس ربا لأفعال الحيوان ولا ~~تتناولها ربوبيته، إذ كيف يتناول ما لا يدخل تحت قدرته ومشيئته وخلقه. # PageV01P013 # وشرك الأمم كله نوعان: شرك في الإلهية، وشرك في الربوبية # فالشرك في الإلهية والعبادة: هو الغالب على أهل الإشراك، وهو شرك عباد ~~الأصنام، وعباد الملائكة، وعباد الجن، وعباد المشايخ والصالحين الأحياء ~~والأموات، الذين قالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} ، ويشفعوا ~~لنا عنده، وينالنا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قرب وكرامة، كما هو ~~المعهود في الدنيا من حصول الكرامة والزلفى لمن يخدم أعوان الملك وأقاربه ~~وخاصته. # والكتب الإلهية كلها من أولها إلى آخرها تبطل هذا المذهب وترده، وتقبح ~~أهله، وتنص على أنهم أعداء الله - تعالى -، وجميع الرسل - صلوات الله عليهم ~~- متفقون على ذلك، من أولهم إلى آخرهم، وما أهلك الله - تعالى - " من أهلك ~~" من الأمم إلا بسبب هذا الشرك، ومن أجله. وأصله: الشرك في محبة الله، قال ~~تعالى: {يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} ، فأخبر سبحانه وتعالى ~~أنه من أحب مع الله شيئا غيره كما يحبه فقد اتخذ ندا من دونه. وهذا على أصح # PageV01P014 # القولين في الآية: أنهم يحبونهم كما يحبون الله، وهذا هو العدل المذكور ~~في قوله تعالى: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} ، والمعنى على أصح القولين: ~~أنهم يعدلون به غيره في العبادة، فيسوون بينه وبين غيره في الحب والعبادة. ~~وكذلك قول المشركين في النار لأصنامهم: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ ~~نسويكم برب العالمين} ، ومعلوم قطعا أن هذه ms04 التسوية لم تكن بينهم وبين الله ~~في كونه ربهم وخالقهم، فإنهم كانوا كما أخبر الله عنهم مقرين بأن الله - ~~تعالى - وحده هو ربهم وخالقهم، وأن الأرض ومن فيها لله وحده، وأنه رب ~~السموات السبع ورب العرش العظيم، وأنه سبحانه وتعالى هو الذي بيده ملكوت كل ~~شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، وإنما كانت هذه التسوية بينهم وبين الله - ~~تعالى - في المحبة والعبادة، فمن أحب غير الله - تعالى - وخافه ورجاه، وذل ~~له كما يحب الله - تعالى - ويخافه ويرجوه؛ فهذا هو الشرك الذي لا يغفره ~~الله، فكيف بمن كان غير الله آثر عنده وأحب إليه، وأخوف عنده، وهو في ~~مرضاته أشد سعيا منه في مرضاة الله؟. فإذا كان المسوي بين الله وبين غيره ~~في ذلك مشركا، فما الظن بهذا؟، فعياذا بالله من أن ينسلخ القلب من التوحيد ~~والإسلام كانسلاخ الحية من قشرها، وهو يظن أنه مسلم موحد، فهذا أحد أنواع ~~الشرك. # والأدلة الدالة على أنه تعالى يجب أن يكون # PageV01P015 # وحده هو المألوه يبطل هذا الشرك، ويدحض حجج أهله، وهي أكثر من أن يحيط ~~بها إلا الله، بل كل ما خلقه الله - تعالى - فهو آية شاهدة بتوحيده، وكذلك ~~كل ما أمر به، فخلقه وأمره، وما فطر عليه عباده وركبه فيهم من القوى؛ شاهد ~~بأنه الله الذي لا إله إلا هو، وأن كل معبود سواه باطل، وأنه هو الحق ~~المبين، تقدس وتعالى. # وواعجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد # ولله في كل تحريكة ... وتسكينة أبدا شاهد # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # والنوع الثاني من الشرك: الشرك به تعالى في الربوبية، كشرك من جعل معه ~~خالقا آخر، كالمجوس وغيرهم، الذين يقولون: بأن للعالم ربين، أحدهما خالق ~~الخير، يقولون له بلسان الفارسية " يزدان "، والآخر: خالق الشر، ويقولون له ~~بلسانهم: " أهرمن ". وكالفلاسفة ومن تبعهم الذين يقولون: بأنه لم يصدر عنه ~~إلا واحد بسيط، وإن مصدر المخلوقات كلها عن العقول والنفوس، وإن مصدر هذا ~~العالم عن العقل الفعال هو رب كل ما تحته ms05 ومدبره. وهذا شر من شرك عباد ~~الأصنام والمجوس والنصارى، وهو أخبث شرك في العالم، إذ يتضمن من # PageV01P016 # التعطيل وجحد الإلهية والربوبية واستناد الخلق إلى غيره سبحانه وتعالى ما ~~لم يتضمنه شرك أمة من الأمم. وشرك القدرية مختصر من هذا، وباب يدخل منه ~~إليه، ولهذا شبههم الصحابة - رضي الله عنهم - بالمجوس، كما ثبت عن ابن عمر ~~وابن عباس - رضي الله عنهم -، وقد روى أهل السنن فيهم ذلك مرفوعا: أنهم ~~مجوس هذه الأمة. # وكثيرا ما يجتمع # PageV01P017 # الشركان في العبد وينفرد أحدهما عن الآخر، والقرآن الكريم بل الكتب ~~المنزلة من عند الله - تعالى - كلها مصرحة بالرد على أهل هذا الإشراك، ~~كقوله تعالى: {إياك نعبد} ، فإنه ينفي شرك المحبة والإلهية، وقوله: {وإياك ~~نستعين} فإنه ينفي شرك الخلق والربوبية، فتضمنت هذه الآية تجريد التوحيد ~~لرب العالمين في العبادة، وأنه لا يجوز إشراك غيره معه، لا في الأفعال ولا ~~في الألفاظ ولا في الإرادات، فالشرك به في الأفعال، كالسجود لغيره سبحانه ~~وتعالى، والطواف بغير بيته المحرم، وحلق الرأس عبودية وخضوعا لغيره، وتقبيل ~~الأحجار غير الحجر الأسود الذي هو يمينه في الأرض، وتقبيل القبور واستلامها ~~والسجود لها. وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم من اتخذ # PageV01P018 # قبور الأنبياء والصالحين مساجد، فكيف من اتخذ القبور أوثانا تعبد من دون ~~الله؟ {إياك نعبد} ، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لعن ~~الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا. وفيه ~~عنه - أيضا -: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين ~~يتخذون القبور مساجد"، وفيه - أيضا - عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إن من ~~كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني ~~أنهاكم عن ذلك"، وفي مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان عنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم: "لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج"، ~~وقال: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وقال: "إن من ~~كان قبلكم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على ms06 قبره مسجدا، وصوروا ~~فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله". والناس في هذا # PageV01P019 # الباب - أعني: زيارة القبور - على ثلاثة أقسام: # قوم يزورون الموتى فيدعون لهم. وهذه هي الزيارة الشرعية. # وقوم يزورونهم يدعون بهم، فهؤلاء هم المشركون في الألوهية والمحبة. # وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد"، وهؤلاء هم المشركون في الربوبية. # وقد حمى النبي صلى الله عليه وسلم جانب التوحيد أعظم حماية، تحقيقا لقوله ~~تعالى: {إياك نعبد} ، حتى نهى عن الصلاة في هذين الوقتين لكونه ذريعة إلى ~~التشبيه بعباد الشمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين، وسد الذريعة بأن ~~منع من الصلاة بعد العصر والصبح لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين # PageV01P020 # يسجد المشركون فيهما للشمس. # وأما السجود لغير الله فقد قال عليه الصلاة والسلام: "لا ينبغي لأحد أن ~~يسجد لأحد إلا لله". # و"لا ينبغي" في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إنما يستعمل للذي هو ~~في غاية الامتناع، كقوله تعالى: {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} ، وقوله ~~تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} ، وقوله تعالى: {وما تنزلت به ~~الشياطين وما ينبغي لهم} ، وقوله تعالى: {ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك ~~من أولياء} . # ومن الشرك بالله - تعالى - المباين لقوله تعالى: {إياك نعبد} الشرك به في ~~اللفظ كالحلف بغيره، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" صححه الحاكم وابن حبان. # قال ابن حبان: أخبرنا الحسن وسفيان، ثنا عبد الله بن عمر الجعفي، ثنا عبد ~~الرحمن بن سليمان، عن الحسن بن عبد الله النخعي، عن سعيد بن عبيدة قال: كنت ~~عند ابن عمر - رضي الله عنهما، فحلف رجل بالكعبة، فقال # PageV01P021 # ابن عمر - رضي الله عنهما -: " ويحك، لا تفعل، فإني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "من حلف بغير الله فقد أشرك" ". # ومن الإشراك قول القائل لأحد من الناس: ما شاء الله وشئت، كما ثبت ms07 عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت. فقال: ~~"أجعلتني لله ندا؟، قل ما شاء الله وحده". هذا مع أن الله - تعالى - قد ~~أثبت للعبد مشيئة، كقوله تعالى: {لمن شاء منكم أن يستقيم} ، فكيف بمن يقول: ~~أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، ~~وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت ~~لي في الأرض؟؟، وزن بين هذه الألفاظ الصادرة من غالب الناس اليوم وبين ما ~~نهى عنه من: ما شاء الله وشئت، ثم انظر أيها أفحش؟؛ يتبين لك أن قائلها ~~أولى بالبعد من {إياك نعبد} ، وبالجواب من النبي صلى الله عليه وسلم لقائل ~~تلك الكلمة، وأنه إذا كان قد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ندا فهذا قد ~~جعل من لا يدانيه لله ندا. # وبالجملة فالعبادة المذكورة في قوله تعالى: {إياك نعبد} هي السجود، ~~والتوكل، والإنابة، والتقوى، والخشية، والتوبة، والنذور، والحلف، والتسبيح، ~~والتكبير، والتهليل، والتحميد، والاستغفار، وحلق الرأس خضوعا وتعبدا، ~~والدعاء، كل ذلك محض حق الله - تعالى -. # وفي مسند الإمام أحمد: # PageV01P022 # أن رجلا أتى به إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أذنب ذنبا، ~~فلما وقف بين يديه قال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: "عرف الحق لأهله ". وأخرجه الحاكم من حديث الحسن عن الأسود ~~بن سريع وقال: "حديث صحيح". # وأما الشرك في الإرادات والنيات: فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقل من ~~ينجو منه، فمن نوى بعمله غير وجه الله - تعالى - فلم يقم بحقيقة قوله: ~~{إياك نعبد} ، فإن {إياك نعبد} هي الحنيفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها ~~عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها، وهي حقيقة الإسلام: {ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} ، فاستمسك بهذا ~~الأصل، ورد ما أخرجه المبتدعة والمشركون إليه تتحقق معنى الكلمة الإلهية. # فإن قيل: المشرك إنما قصد ms08 تعظيم جناب الله - تعالى -، وأنه لعظمته لا ~~ينبغي الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء، كحال الملوك، فالمشرك لم يقصد ~~الاستهانة بجناب الربوبية، وإنما قصد تعظيمه، وقال: {إياك نعبد} ، وإنما ~~أعبد هذه الوسائط لتقربني إليه، وتدخل بي عليه، فهو الغاية، وهذه وسائل، ~~فلم كان هذا القدر موجبا لسخط الله - تعالى - وغضبه، مخلدا في النار، ~~وموجبا # PageV01P023 # لسفك دماء أصحابه، واستباحة حريمهم وأموالهم؟، وهل يجوز في العقل أن يشرع ~~الله - تعالى - لعباده التقرب إليه بالشفعاء والوسائط، فيكون تحريم هذا ~~إنما استفيد بالشرع فقط، أم ذلك قبيح في الشرع والعقل، يمنع أن تأتي به ~~شريعة من الشرائع، وما السر في كونه لا يغفر من بين الذنوب، كما قال تعالى: ~~{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ؟؟. # قلنا: الشرك شركان: # شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله. # وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه وتعالى لا شريك ~~له في ذاته ولا في صفاته. # وأما الشرك الثاني وهو الذي فرغنا من الكلام فيه، وأشرنا إليه الآن، ~~وسنشبع الكلام فيه إن شاء الله - تعالى-. # أما الشرك الأول: فهو نوعان: # أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون في قوله: {وما رب ~~العالمين} ؟، وقال: {يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب ~~السماوات فأطلع # PageV01P024 # إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} ، والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك ~~معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك ~~مقرا بالخالق سبحانه وتعالى وصفاته ولكنه معطله حق التوحيد. # وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها: هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام: # أحدها: تعطيل المصنوع عن صانعه. # الثاني: تعطيل الصانع عن كماله الثابت له. # الثالث: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. # ومن هذا شرك أهل الوحدة، ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم ~~وأبديته، وأن الحوادث بأسرها مستندة إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها، ~~ويسمونها العقول والنفوس. # ومنه شرك معطلة الأسماء والصفات، كالجهمية والقرامطة وغلاة المعتزلة. ~~النوع # PageV01P025 # الثاني: شرك التمثيل، ms09 وهو شرك من جعل معه إلها آخر، كالنصارى في المسيح، ~~واليهود في عزير، والمجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث ~~الشر إلى الظلمة، وشرك القدرية والمجوسية مختصر منه. # وهؤلاء أكثر مشركي العالم، وهم طوائف جمة، منهم من يعبد أجزاء أرضية، ومن ~~هؤلاء من يزعم أن معبوده أكبر الآلهة، ومنهم من يزعم أن إلهه من جملة ~~الآلهة، ومنهم من يزعم أنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه أقبل عليه واعتنى ~~به، ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يقربه إلى الأعلى الفوقاني، والفوقاني ~~يقربه إلى من هو فوقه، حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله - سبحانه وتعالى -، ~~فتارة تكثر الوسائط، وتارة تقل. # PageV01P026 # فإذا عرفت هذه الطوائف، وعرفت اشتداد نكير الرسول صلى الله عليه وسلم على ~~من أشرك به تعالى في الأفعال والأقوال والإرادات كما تقدم ذكره، انفتح لك ~~باب الجواب عن السؤال، فنقول: # اعلم أن حقيقة الشرك: تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق. # أما الخالق فإن المشرك شبه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية، وهي التفرد ~~بملك الضر والنفع، والعطاء والمنع، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق ~~تعالى، وسوى بين التراب ورب الأرباب، فأي فجور وذنب أعظم من هذا؟. # واعلم أن من خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا نقص ~~فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة له وحده عقلا وشرعا وفطرة، ~~فمن جعل ذلك لغيره فقد شبه الغير بمن لا شبيه له، ولشدة قبحه وتضمنه غاية ~~الظلم أخبر من كتب على نفسه الرحمة أنه لا يغفره أبدا. # ومن خصائص الإلهية والعبودية التي لا تقوم إلا على ساق الحب والذل، فمن ~~أعطاهما لغيره فقد شبهه بالله - سبحانه وتعالى - في خالص حقه. وقبح هذا ~~مستقر في العقول والفطر، لكن لما غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق، واجتالتهم ~~عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، كما روى عن الله ~~أعرف الخلق به وبخلقه، عموا عن قبح الشرك حتى ظنوه حسنا. # ومن خصائص الإلهية: السجود، فمن سجد لغيره فقد ms10 شبهه به. # ومنها: التوكل، فمن توكل على غيره # PageV01P027 # فقد شبهه به. ومنها: التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به. # ومنها: الحلف باسمه، فمن حلف بغيره فقد شبهه به. # ومنها: الذبح له، فمن ذبح لغيره فقد شبهه به. # ومنها: حلق الرأس. إلى غير ذلك. هذا في جانب التشبيه. # وأما في جانب التشبه: فمن تعاظم وتكبر، ودعى الناس إلى إطرائه ورجائه ~~ومخافته؛ فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته، وهو حقيق بأن يهينه الله غاية ~~الهوان، ويجعله كالذر تحت أقدام خلقه. # وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقول الله عز وجل: العظمة ~~إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني في واحد منهما عذبته". # PageV01P028 # وإذا كان المصور الذي يصنع الصور بيده من أشد الناس عذابا يوم القيامة ~~لتشبهه بالله في مجرد الصنعة، فما الظن بالمشبه بالله في الربوبية ~~والإلهية؟، كما قال صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس عذابا يوم القيامة ~~المصورون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم"، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه # PageV01P029 # وسلم أنه قال: "يقول الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟، ~~فليخلقوا ذرة فليخلقوا شعيرة"، فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منهما. # وكذلك: من تشبه به تعالى في الاسم الذي لا ينبغي إلا له، كملك الملوك، ~~وحاكم الحكام، وقاضي القضاة، ونحوه، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "إن أخنع الأسماء عند الله رجل تسمى بشاهان شاه، ملك ~~الملوك، لا مالك إلا الله"، وفي لفظ: "أغيظ رجل عند الله رجل تسمى ملك ~~الأملاك". # وبالجملة فالتشبيه والتشبه # PageV01P030 # هو حقيقة الشرك، ولذلك كان من ظن أنه إذا تقرب إلى غيره بعبادة ما يقربه ~~ذلك الغير إليه تعالى فإنه يخطئ، لكونه شبهه به، وأخذ ما لا ينبغي أن يكون ~~إلا له، فالشرك منعه سبحانه وتعالى حقه، فهذا قبيح عقلا وشرعا، ولذلك لم ~~يشرع، ولم يغفر لفاعله. # واعلم أن الذي ظن أن الرب - سبحانه وتعالى - لا يسمع له، أو لا يستجيب له ~~إلا بواسطة تطلعه على ذلك، ms11 أو تسأل ذلك منه؛ فقد ظن بالله ظن السوء، فإنه ~~إن ظن أنه لا يعلم أو لا يسمع إلا بإعلام غيره له وإسماعه؛ فذلك نفي لعلم ~~الله وسمعه وكمال إدراكه، وكفى بذلك ذنبا. # وإن ظن أنه يسمع ويرى ولكن يحتاج إلى من يلينه ويعطفه عليه، فقد أساء ~~الظن بأفضال ربه وبره وإحسانه وسعة جوده. # وبالجملة فأعظم الذنوب عند الله - تعالى - إساءة الظن، ولهذا يتوعدهم في ~~كتابه على إساءة الظن به أعظم وعيد، كما قال تعالى: {الظانين بالله ظن ~~السوء عليهم دائرة السوء # PageV01P031 # وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا} ، وقال تعالى عن ~~خليله إبراهيم - عليه السلام: {أإفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب ~~العالمين} أي: فما ظنكم أن يجازيكم إذا عبدتم معه غيره، وظننتم أنه يحتاج ~~في الاطلاع على ضرورات عباده، لمن يكون بابا للحوائج إليه، ونحو ذلك. # وهذا بخلاف الملوك، فإنهم محتاجون إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم وعجزهم ~~وضعفهم، وقصور علمهم عن إدراك حوائج المضطرين. # فأما من لا يشغله سمع عن سمع، وسبقت رحمته غضبه، وكتب على نفسه الرحمة، ~~فما تصنع الوسائط عنده؟. # فمن اتخذ واسطة بينه وبين الله - تعالى - فقد ظن به أقبح الظن، ومستحيل ~~أن يشرعه لعباده، بل ذلك يمتنع في العقول والفطر. # PageV01P032 # واعلم أن الخضوع والتأله الذي يجعله العبد لتلك الوسائط قبيح في نفسه، ~~كما قررناه، لا سيما إذا كان المجعول له ذلك عبدا للملك العظيم الرحيم ~~القريب المجيب، ومملوكا له، كما قال تعالى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم ~~من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم ~~كخيفتكم أنفسكم} أي: إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريكه في رزقه، ~~فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا منفرد به، وهو الإلهية التي لا ~~تنبغي لغيري، ولا تصلح لسواي، فمن زعم ذلك فما قدرني حق قدري، ولا عظمني حق ~~تعظيمي. # وبالجملة فما قدر الله حق قدره من عبد معه من ظن أنه يوصل إليه، قال ~~تعالى: {يا ms12 أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن ~~يخلقوا ذبابا} الآية، إلى أن قال: {ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي ~~عزيز} ، وقال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} ، فما قدر ~~القوي العزيز حق قدره من أشرك معه الضعيف الذليل. # واعلم أنك إذا تأملت جميع طوائف الضلال والبدع، وجدت أصل ضلالهم راجعا ~~إلى شيئين: # أحدهما: الظن بالله ظن السوء، ولم يقدروا الرب حق قدره، فلم يقدره حق ~~قدره من ظن أنه لم يرسل رسولا، ولا # PageV01P033 # أنزل كتابا، بل ترك الخلق سدى، وخلقهم عبثا. ولا قدره حق قدره من نفى ~~عموم قدرته وتعلقها بأفعال عباده، من طاعتهم ومعاصيهم، وأخرجهما عن خلقه ~~وقدرته. ولا قدر الله حق قدره أضداد هؤلاء، الذين قالوا: إنه يعاقب عبده ~~على ما لم يفعله، بل يعاقبه على فعله سبحانه وتعالى، وإذا استحال في العقول ~~أن يجبر السيد عبده على فعل ثم يعاقبه عليه، فكيف يصدر هذا من أعدل ~~العادلين؟، وقول هؤلاء شر من أشباه المجوس القدرية الأذلين. ولا قدره حق ~~قدره من نفى رحمته ورضاه، # PageV01P034 # ومحبته وغضبه، وحكمته مطلقا، وحقيقة فعله، لم يجعل له فعلا اختياريا، بل ~~أفعاله منفعلة عنه. ولا قدره حق قدره من جعل له صاحبة وولدا، وجعله يحل في ~~مخلوقاته، أو جعله عين هذا الوجود. ولا قدره حق قدره من قال: إنه رفع أعداء ~~رسوله وأهل بيته، وجعل فيهم الملك، ووضع أولياء رسوله وأهل بيته، وهذا ~~يتضمن غاية القدح في # PageV01P035 # الرب، تعالى الله عن قول الرافضة. وهذا مشتق من قول اليهود والنصارى في ~~قول رب العالمين: إنه أرسل ملكا ظالما، فادعى النبوة، وكذب على الله، ومكث ~~زمنا طويلا يقول أمرني بكذا ونهاني عن كذا، ويستبيح دماء أبناء الله ~~وأحبائه، والرب - تعالى - يظهره ويؤيده، ويقيم الأدلة والمعجزات على صدقه، ~~ويقبل بقلوب الخلق وأجسادهم إليه، ويقيم دولته على الظهور والزيادة، ويذل ~~أعداءه أكثر من ثمان مائة عام. فوازن ms13 بين قول هؤلاء وقول إخوانهم من ~~الرافضة تجد القولين سواء. ولا قدره حق قدره من زعم أنه لا يحيي الموتى، ~~ولا يبعث من في القبور ليبين لعباده الذي كانوا فيه يختلفون، وليعلم الذين ~~كفروا أنهم كانوا كاذبين. # وبالجملة: فهذا باب واسع، والمقصود أن كل من عبد مع الله غيره فإنما عبد ~~شيطانا، قال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان} ، ~~فما عبد أحد أحدا من بني آدم كائنا من كان إلا وقد وقعت عبادته للشيطان، ~~فيستمتع العابد بالمعبود في حصول غرضه، ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه ~~له وإشراكه مع الله - تعالى -، وذلك غاية رضى الشيطان، ولهذا قال تعالى: ~~{ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس} # PageV01P036 # أي: من اغوائهم وإضلالهم، {وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ~~ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء ~~الله إن ربك حكيم عليم} ، فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك ~~أكبر الكبائر عند الله، وأنه لا يغفر بغير التوبة منه، وأنه موجب للخلود في ~~العذاب العظيم، وأنه ليس تحريمه قبحه بمجرد النهي عنه فقط، بل يستحيل على ~~الله - سبحانه وتعالى - أن يشرع لعباده عبادة إله غيره، كما يستحيل عليه ما ~~يناقض أوصاف كماله ونعوت جلاله. # واعلم أن الناس في عبادة الله - تعالى - والاستعانة به أقسام: # أجلها وأفضلها أهل العبادة والاستعانة بالله عليها: فعبادة الله غاية ~~مرادهم، وطلبهم منه أن يعينهم عليها، ويوفقهم للقيام بها نهاية مقصودهم، ~~ولهذا كان أفضل ما يسأل الرب - تعالى - الإعانة على مرضاته، وهو الذي علمه # PageV01P037 # النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل فقال: "يا معاذ، والله إني أحبك، ~~فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"، ~~فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته تعالى. # ويقابل هؤلاء القسم الثاني: المعرضون عن عبادته والاستعانة به، فلا عبادة ~~لهم ولا استعانة، بل إن سأله تعالى أحدهم واستعان به فعلى حظوظه وشهواته، ms14 ~~والله - سبحانه وتعالى - يسأله من في السموات والأرض، ويسأله أولياؤه ~~وأعداؤه، فيمد هؤلاء وهؤلاء. وأبغض خلق الله إبليس ومع هذا أجاب سؤاله وقضى ~~حاجته، ومتعه بها، ولكن لما لم تكن عونا على مرضاته كانت زيادة في شقوته ~~وبعده. وهكذا كل من سأله تعالى واستعان به على ما لم يكن عونا له على ~~طاعته، كان سؤاله مبعدا له عن الله، فليتدبر العاقل هذا، وليعلم أن إجابة ~~الله لسؤال بعض السائلين ليست لكرامته عليه، بل قد يسأله # PageV01P038 # عبده الحاجة فيقضيها له وفيها هلاكه، ويكون منعه منها حماية له وصيانة، ~~والمعصوم من عصمه الله، والإنسان على نفسه بصيرة. # وعلامة هذا: أنك ترى من صانه الله من ذلك وهو يجهل حقيقة الأمر، إذا رآه ~~سبحانه وتعالى يقضي حوائج غيره يسيء ظنه به تعالى، وقلبه محشو بذلك وهو لا ~~يشعر. # وأمارة ذلك: حمله على الأقدار، وعتابه في الباطن لها، ولقد كشف الله - ~~تعالى - هذا المعنى غاية الكشف في قوله تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ~~ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ~~ربي أهانن كلا} أي: ليس كل من أعطيته ونعمته وخولته فقد أكرمته، وما ذاك ~~لكرامته علي، ولكنه ابتلاء مني وامتحان له، أيشكرني فأعطيه فوق ذلك، أم ~~يكفرني فأسلبه إياه وأحوله عنه لغيره؟، وليس كل من ابتليته فضيقت عليه ~~رزقه، وجعلته بقدر لا يفضل عنه، فذاك من هوانه علي، ولكنه ابتلاء وامتحان ~~مني له، أيصبر فأعطيه أضعاف ما فاته، أم يسخط فيكون حظه السخط؟. # وبالجملة: فأخبر تعالى أن الإكرام والإهانة لا يدوران على المال وسعة ~~الرزق وتقديره، فإنه سبحانه وتعالى يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقتر على ~~المؤمن لا لهوانه عليه، وإنما يكرم سبحانه وتعالى من يكرم من عباده بأن ~~يوفقه لمعرفته ومحبته وعبادته واستعانته، فغاية # PageV01P039 # سعادة الأبد في عبادة الله والاستعانة به عليها. # القسم الثالث: من له نوع عبادة بلا استعانة، وهؤلاء نوعان: # أحدهما: أهل القدر، القائلون بأنه سبحانه وتعالى قد فعل بالعبد جميع ~~مقدوره من ms15 الألطاف، وأنه لم يبق في مقدوره إعانة على الفعل، فإنه قد أعانه ~~بخلق الآلات وسلامتها، وتعريف الطريق وإرسال الرسول، وتمكينه من الفعل، فلم ~~يبق بعدها إعانة مقدورة يسأله إياها. وهؤلاء مخذولون موكولون إلى أنفسهم، ~~مسدود عليهم طريقة الاستعانة والتوحيد. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: " الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن ~~آمن بالله وكذب بقدره نقض توحيده ". # النوع الثاني: من لهم عبادة وأوراد، ولكن حظهم ناقص من التوكل ~~والاستعانة، لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر، وأنها بدون المقدور، ~~كالموت الذي لا تأثير له، بل كالعدم الذي لا وجود له، وأن القدر كالروح ~~المحرك لها، والمعول على المحرك الأول، فلم تنفذ بصائرهم من السبب إلى ~~المسبب، ومن الآلة إلى الفاعل، فقل نصيبهم من الاستعانة. وهؤلاء لهم نصيب ~~من التصرف بحسب # PageV01P040 # استعانتهم وتوكلهم، ونصيب من الضعف والخذلان بحسب قلة استعانتهم وتوكلهم، ~~ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكانه لأزاله. # فإن قيل ما حقيقة الاستعانة عملا؟: # قلنا: هي التي يعبر عنها بالتوكل، وهي حالة للقلب تنشأ عن معرفة الله - ~~تعالى -، وتفرده بالخلق والأمر والتدبير والضر والنفع، وأنه ما شاء كان وما ~~لم يشأ لم يكن، فتوجب اعتمادا عليه، وتفويضا إليه، وثقة به، فتصير نسبة ~~العبد إليه تعالى كنسبة الطفل إلى أبويه فيما ينوبه من رغبته ورهبته، فلو ~~دهمه ما عسى أن يدهمه من الآفات لم يلتجئ إلى غيرهما. فإن كان العبد مع هذا ~~الاعتماد من أهل التقوى، كانت له العاقبة الحميدة: {ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} أي: كافية. # القسم الرابع: من له استعانة بلا عبادة، وتلك حالة من شهد بتفرد # PageV01P041 # الله بالضر والنفع، ولم يدر بما يحبه ويرضاه، فتوكل عليه في حظوظه، ~~فأسعفه بها. وهذا لا عاقبة له، سواء كانت أموالا أو رياسات، أو جاها عند ~~الخلق، أو نحو ذلك، فذلك حظه من دنياه وآخرته. # واعلم أن العبد لا يكون متحققا بعبادة الله - تعالى - إلا بأصلين: # أحدهما: ms16 متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم. # والثاني: إخلاص العبودية. # والناس في هذين الأصلين على أربعة أقسام: # أهل الإخلاص والمتابعة: فأعمالهم كلها لله، وأقوالهم ومنعهم وإعطاؤهم ~~وحبهم وبغضهم كل ذلك لله - تعالى -، لا يريدون من العباد جزاء ولا شكورا، ~~عدوا الناس كأصحاب القبور، لا يملكون ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا ~~نشورا. فإنه لا يعامل أحدا من الخلق إلا لجهله بالله وجهله بالخلق. # والإخلاص هو العمل الذي لا يقبل الله من عامل عملا صوابا عاريا منه، وهو ~~الذي ألزم عباده به إلى الموت، قال الله - تعالى -: {ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا} ، وقال: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا} ، ~~وأحسن العمل: أخلصه وأصوبه. # فالخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على وفق سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # وهذا هو العمل الحسن المذكور في قوله تعالى: {ومن أحسن دينا ممن أسلم ~~وجهه لله وهو محسن} ، وهو العمل الصالح في قوله تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ~~ربه فليعمل عملا صالحا} ، وهو الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد"، وكل عمل بلا متابعة فإنه لا يزيد # PageV01P042 # عامله إلا بعدا من الله - تعالى -، فإن الله - تعالى - إنما يعبد بأمره، ~~لا بالأهواء والآراء. # الضرب الثاني: من لا إخلاص له ولا متابعة له، وهؤلاء شرار الخلق، وهم ~~المتزينون بأعمال الخير، يراءون بها الناس. وهذا الضرب يكثر فيمن انحرف عن ~~الصراط المستقيم من المنتسبين إلى الفقه والعلم والفقر والعبادة، فإنهم ~~يرتكبون البدع والضلال والرياء والسمعة، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا. ~~وفي أضراب هؤلاء نزل قوله تعالى: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون ~~أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم} # PageV01P043 # الضرب الثالث: من هو مخلص في أعماله، لكنها على غير متابعة الأمر، كجهال ~~العباد، والمنتسبين إلى الزهد والفقر، وكل من عبد الله على غير مراده. ~~والشأن ليس في عبادة الله فقط، بل في عبادة ms17 الله كما أراد الله. ومنهم من ~~يمكث في خلواته تاركا للجمعة، ويرى ذلك قربة، ويرى مواصلة صوم النهار ~~والقيام بالليل قربة، وصيام يوم الفطر قربة، وأمثال ذلك. # الضرب الرابع: من أعماله على متابعة الأمر، لكنها لغير الله - تعالى -، ~~كطاعات المرائين. وكالرجل قاتل رياء وسمعة وحمية وشجاعة # PageV01P044 # وللمغنم، ويحج ليقال، ويقرأ ليقال، ويعلم ويؤلف ليقال. فهذه أعمال صالحة ~~لكنها غير مقبولة، قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ~~حنفاء} ، فلم يأمر الناس إلا بالعبادة على المتابعة والإخلاص فيها. # والقائم بهما هم أهل: {إياك نعبد وإياك نستعين} . # ثم أهل مقام: {إياك نعبد} لهم في أفضل العبادة وأنفعها وأحقها بالإيثار ~~والتخصيص، أربعة طرق، وهم في ذلك أربعة أصناف: # الصنف الأول: عندهم أنفع العبادات وأفضلها وأشقها على النفوس وأصعبها، ~~قالوا: لأنه أبعد الأشياء من هواها، وهو حقيقة التعبد، والأجر على قدر ~~المشقة، ورووا حديثا ليس له أصل: "أفضل الأعمال أحمزها" # PageV01P045 # أي: أصعبها وأشقها. وهؤلاء هم أرباب المجاهدات، والجور على النفوس، ~~قالوا: وإنما تستقيم النفوس بذلك، إذ طبعها الكسل والمهاونة والإخلاد إلى ~~الراحة، فلا تستقيم إلا بركوب الأهوال، وتحمل المشاق. # الصنف الثاني: قالوا: أفضل العبادات وأنفعها: التجرد والزهد في الدنيا، ~~والتقلل # PageV01P046 # منها غاية الإمكان، وإطراح الاهتمام بها، وعدم الاكتراث لما هو منها. ثم ~~هؤلاء قسمان: # فعوامهم: ظنوا أن هذا غاية، فشمروا إليه وعملوا عليه، وقالوا: هو أفضل من ~~درجة العلم والعبادة، ورأوا الزهد في الدنيا غاية كل عبادة ورأسها. # وخواصهم: رأوا هذا مقصودا لغيره، وأن المقصود به عكوف القلب على الله - ~~تعالى -، والاستغراق في محبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والاشتغال ~~بمرضاته، فرأوا أفضل العبادات: دوام ذكره بالقلب واللسان. # ثم هؤلاء قسمان: # فالعارفون: إذا جاء الأمر والنهي بادروا إليه، ولو فرقهم وأذهب جمعهم. # والمنحرفون منهم يقولون: المقصود من القلب جمعيته، فإذا جاء ما يفرقه عن ~~الله لم يلتفتوا إليه، ويقولون: # يطالب بالأوراد من كان غافلا ... فكيف بقلب كل أوقاته ورد # ثم هؤلاء - أيضا - قسمان: # منهم: من يترك الواجبات والفرائض لجمعيته. # ومنهم: من يقوم ms18 بها ويترك السنن والنوافل، ويعلم العلم النافع لجمعيته. # والحق: أن الجمعية حظ القلب، وإجابة داعي الله حق الرب، فمن آثر # PageV01P047 # حق نفسه على حق ربه فليس من العبادة في شيء. # الصنف الثالث: رأوا أن أفضل العبادات ما كان فيه نفع متعد، فرأوه أفضل من ~~النفع القاصر، فرأوا خدمة الفقراء، والاشتغال بمصالح الناس، وقضاء حوائجهم، ~~ومساعدتهم بالجاه والمال والنفع أفضل، لقوله صلى الله عليه وسلم: "الخلق ~~عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله"، قالوا: وعمل العابد قاصر على ~~نفسه، وعمل النفاع متعد إلى الغير، فأين أحدهما من الآخر؟، ولهذا كان "فضل ~~العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ". وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم لعلي: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير من حمر النعم"، ~~وقال صلى الله عليه وسلم: " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من ~~تبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله ~~وملائكته يصلون # PageV01P048 # على معلمي الناس الخير"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن العالم يستغفر له ~~من في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في البحر، والنملة في جحرها". ~~قالوا وصاحب العبادة إذا مات انقطع عمله، وصاحب النفع لا ينقطع عمله ما دام ~~نفعه الذي تسبب فيه. والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - إنما بعثوا # PageV01P049 # بالإحسان إلى الخلق، وهدايتهم، ونفعهم في معاشهم ومعادهم، لم يبعثوا ~~بالخلوات والانقطاع، ولهذا أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أولئك النفر ~~الذين هموا بالانقطاع والتعبد، وترك مخالطة الناس. ورأى هؤلاء أن التفرغ ~~لنفع الخلق أفضل من الجمعية على الله بدون ذلك، قالوا: ومن ذلك العلم ~~والتعليم، ونحو هذه الأمور الفاضلة. # الصنف الرابع: قالوا أفضل العبادة: العمل على مرضاة الرب - سبحانه وتعالى ~~-، وشغل كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته. # فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة ~~الليل وصيام النهار، بل من ترك إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن. ~~والأفضل في وقت ms19 حضور الضيف: القيام بحقه والاشتغال به. والأفضل في وقت ~~السحر: الاشتغال بالصلاة والقرآن والذكر والدعاء. والأفضل في وقت الأذان: ~~ترك ما هو فيه من الأوراد والاشتغال بإجابة المؤذن. والأفضل في أوقات ~~الصلوات الخمس: الجد والاجتهاد في إيقاعها على أكمل الوجوه، والمبادرة ~~إليها في أول الوقت، والخروج إلى المسجد وإن بعد. والأفضل في أوقات ضرورة ~~المحتاج: المبادرة إلى مساعدته بالجاه والمال والبدن. والأفضل في السفر: ~~مساعدة المحتاج، وإعانة الرفقة، وإيثار ذلك على الأوراد والخلوة. والأفضل ~~في وقت قراءة القرآن: جمعية القلب، والهمة على تدبره، والعزم على تنفيذ ~~أوامره، أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من السلطان على ذلك. والأفضل في ~~وقت الوقوف بعرفة: الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر. والأفضل في أيام عشر ~~ذي الحجة: الإكثار من التعبد، لا سيما التكبير والتهليل # PageV01P050 # والتحميد، وهو أفضل من الجهاد غير المتعين. والأفضل في العشر الأواخر من ~~رمضان: لزوم المساجد، والخلوة فيها، مع الاعتكاف والإعراض عن مخالطة الناس، ~~والاشتغال بهم، حتى أنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم، وإقرائهم ~~القرآن عند كثير من العلماء. والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته: ~~عيادته وحضور جنازته، وتشييعه، وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك. والأفضل في ~~وقت نزول النوازل وإيذاء الناس لك: أداء واجب الصبر مع خلطتك لهم، والمؤمن ~~الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم وإيذائهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط ~~الناس ولا يصبر على أذاهم، وخلطتهم في الخير أفضل من عزلتهم فيه، وعزلتهم ~~في الشر أفضل من خلطتهم فيه، فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله وقلله فخلطتهم ~~خير من اعتزالهم. # وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق، والأصناف التي قبلهم أهل التعبد المقيد، ~~فمتى خرج أحدهم عن الفرع الذي تعلق به من العبادة وفارقه؛ يرى نفسه كأنه قد ~~نقص ونزل عن عبادته، فهو يعبد الله - تعالى - على وجه واحد، وصاحب التعبد ~~المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبع مرضات الله ~~- تعالى -: إن رأيت العلماء رأيته معهم، وكذلك في الذاكرين، والمتصدقين، ~~وأرباب ms20 الجمعية، وعكوف القلب على الله، فهذا هو الغذاء الجامع للسائر إلى ~~الله في كل طريق، والوافد عليه مع كل فريق. # واستحضر ههنا حديث أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم بحضوره: "هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا؟ ". قال أبو بكر: أنا. ~~قال: "هل منكم أحد أصبح # PageV01P051 # اليوم صائما؟ ". قال أبو بكر: أنا. قال: "هل منكم أحد عاد اليوم مريضا؟ ~~". قال أبو بكر: أنا. قال صلى الله عليه وسلم: "هل منكم أحد اتبع اليوم ~~جنازة؟ ". قال أبو بكر: أنا ... الحديث. # هذا الحديث روي من طريق عبد الغني بن أبي عقيل، حدثنا نعيم بن سالم، عن ~~أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جالسا في جماعة من أصحابه فقال: "من صام اليوم؟ ". قال أبو بكر: أنا. قال: ~~"من تصدق اليوم؟ ". قال أبو بكر: أنا. قال: "من عاد اليوم مريضا؟ ". قال ~~أبو بكر: أنا. قال: "من شهد اليوم جنازة؟ ". قال أبو بكر: أنا. قال: "وجبت ~~لك". يعني: الجنة. # ونعيم بن سالم وإن تكلم فيه لكن تابعه سلمة بن وردان، وله أصل صحيح من ~~حديث مالك، عن محمد بن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن ابن عوف، عن أبي هريرة ~~- رضي الله عنه -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أنفق زوجين في ~~سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله، هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة ~~نودي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد نودي من باب الجهاد، ومن كان من ~~أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان" ~~فقال # PageV01P052 # أبو بكر - رضي الله عنه -: يا رسول الله، ما على من يدعى من هذه الأبواب ~~كلها من ضرورة، فهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها؟. قال: "نعم، وأرجو أن ~~تكون منهم". # هكذا رواه عن مالك موصولا مسندا عن يحيى بن يحيى، ومعن بن عيسى، وعبد ~~الله بن المبارك. ورواه يحيى ms21 بن بكير، وعبد الله بن يوسف، عن مالك عن ابن ~~شهاب، عن حميد مرسلا. وليس هو عند القعنبي لا مرسلا ولا مسندا. # ومعنى قوله: " من أنفق زوجين" يعني: شيئين من نوع واحد، نحو درهمين، أو ~~دينارين، أو فرسين، أو قميصين، وكذلك من صلى ركعتين، أو مشى في سبيل الله - ~~تعالى - خطوتين، أو صام يومين، ونحو ذلك، وإنما أراد والله أعلم أقل ~~التكرار، وأقل وجوه المداومة على العمل من أعمال البر، لأن الاثنين أقل ~~الجمع، فهذا كالغيث أين وقع نفع، صحب الله بلا خلق، وصحب الخلق بلا نفس، ~~إذا كان مع الله عزل الخلائق من البين وتخلى عنهم، وإذا كان مع خلقه عزل ~~نفسه من الوسط وتخلى عنها، فما أغربه بين الناس، # PageV01P053 # وما أشد وحشته منهم، وما أعظم أنسه بالله وفرحه به وطمأنينته وسكونه ~~إليه. # واعلم أن للناس في منفعة العبادة وحكمتها ومقصودها طرقا أربعة، وهم في ~~ذلك أربعة أصناف: # الصنف الأول: نفاة الحكم والتعليل، الذين يردون الأمر إلى نفس المشيئة، ~~وصرف الإرادة. فهؤلاء عندهم القيام بها ليس إلا لمجرد الأمر، من غير أن ~~يكون سببا لسعادة في معاش ولا معاد، ولا سببا لنجاة، وإنما القيام بها ~~لمجرد الأمر ومحض المشيئة، كما قالوا في الخلق: لم يخلق لغاية ولا لعلة هي ~~المقصودة به، ولا لحكمة تعود إليه منه، وليس في المخلوق أسباب تكون مقتضيات ~~لمسبباتها، وليس في النار سبب للإحراق، ولا في الماء قوة الإغراق ولا ~~التبريد. وهكذا الأمر عندهم سواء، لا فرق بين الخلق والأمر، ولا فرق في نفس ~~الأمر بين المأمور والمحظور، ولكن المشيئة اقتضت أمره بهذا ونهيه عن هذا، ~~من غير أن يقوم بالمأمور صفة تقتضي حسنه، ولا بالمنهي عنه صفة تقتضي قبحه. # ولهذا الأصل لوازم فاسدة، وفروع كثيرة. # PageV01P054 # وهؤلاء غالبهم لا يجدون حلاوة العبادة ولا لذتها، ولا يتنعمون بها، ولهذا ~~يسمون الصلاة والصيام والزكاة والحج والتوحيد والإخلاص ونحو ذلك تكاليف، ~~أي: كلفوا بها، ولو سمى مدعي محبة ملك الملوك أو غيره ما يأمره به تكليفا ~~لم يعد ms22 محبا له. # وأول من صدرت عنه هذه المقالة: الجعد بن درهم. # الصنف الثاني: القدرية النفاة، الذين يثبتون نوعا من الحكمة # PageV01P055 # والتعليل لا يقوم بالرب ولا يرجع إليه، بل يرجع لمحض مصلحة المخلوق ~~ومنفعته، فعندهم: أن العبادات شرعت أثمانا لما يناله العباد من الثواب ~~والنعيم، وأنها بمنزلة استيفاء الأجير أجره. قالوا: ولهذا يجعلها سبحانه ~~وتعالى عوضا، كقوله: {ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} ، ~~{هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} ، {ادخلوا الجنة بما # PageV01P056 # كنتم تعملون} ، {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} ، وفي الصحيح: ~~"إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها". قالوا: وقد سماها جزاء ~~وأجرا وثوابا لأنه شيء يثوب إلى العامل من عمله، أي: يرجع إليه. قالوا: ~~ويدل عليه الموازنة، فلولا تعلق الثواب بالأعمال عوضا عليها لم يكن ~~للموازنة معنى. # وهاتان الطائفتان متقابلتان: # فالجبرية: لم تجعل للأعمال ارتباطا بالجزاء البتة، وجوزت أن يعذب الله من ~~أفنى عمره في الطاعة، وينعم من أفنى عمره في مخالفته، وكلاهما سواء بالنسبة ~~إليه، والكل راجع إلى محض المشيئة. # والقدرية: أوجبت عليه سبحانه وتعالى رعاية المصالح، وجعلت ذلك كله بمحض ~~الأعمال، وأن وصول الثواب إلى العبد بدون عمله فيه تنقيص باحتمال منة ~~الصدقة عليه بلا ثمن، فجعلوا تفضله سبحانه وتعالى على عبده بمنزلة صدقة ~~العبد على العبد، وإعطائه ما يعطيه أجرة على عمله، أحب إلى العبد من أن ~~يعطيه فضلا منه بلا عمل. ولم يجعلوا للأعمال تأثيرا في الجزاء البتة. # والطائفتان منحرفتان عن الصراط المستقيم، وهو: أن الأعمال أسباب موصلة ~~إلى الثواب، والأعمال الصالحات من توفيق الله وفضله، وليست قدرا لجزائه ~~وثوابه، بل غايتها إذا وقعت على أكمل الوجوه أن تكون شكرا على أحد الأجزاء ~~القليلة من نعمه سبحانه وتعالى، فلو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو ~~غير ظالم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم، وتأمل قوله تعالى: ~~{وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} مع قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"لن يدخل أحد # PageV01P057 # منكم الجنة بعمله" تجد الآية تدل على ms23 أن الجنان بالأعمال، والحديث ينفي ~~دخول الجنة بالأعمال، ولا تنافي بينهما، لأن توارد النفي والإثبات ليس على ~~محل واحد، فالمنفي باء الثمنية واستحقاق الجنة بمجرد الأعمال، ردا على ~~القدرية المجوسية التي زعمت أن الفضل بالثواب ابتداء متضمن لتكدير المنة. ~~والباء المثبتة التي وردت في القرآن هي باء السببية، ردا على القدرية # PageV01P058 # الجبرية الذين يقولون: لا ارتباط بين الأعمال وجزائها، ولا هي أسباب لها، ~~وإنما غايتها أن تكون أمارة. # والسنة النبوية هي: أن عموم مشيئة الله وقدرته لا تنافي ربط الأسباب ~~بالمسببات وارتباطها بها. # وكل طائفة من أهل الباطل تركت نوعا من الحق فإنها ارتكبت لأجله نوعا من ~~الباطل، بل أنواعا، فهدى الله أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه. # الصنف الثالث: الذين زعموا أن فائدة العبادة رياضة النفوس واستعدادها ~~لفيض العلوم والمعارف عليها وخروج قواها من قوى النفس السبعية والبهيمية، ~~فلو عطلت العبادة لالتحقت بنفوس السباع والبهائم، فالعبادة تخرجها إلى ~~مشابهة العقول، فتصير قابلة لانتقاش صور المعارف فيها. # وهذا يقوله طائفتان: # إحداهما: من يقرب إلى الإسلام والشرائع. من الفلاسفة القائلين بقدم ~~العالم وعدم الفاعل المختار. # والطائفة الثانية: من تفلسف من صوفية الإسلام ويقرب إلى الفلاسفة، فإنهم ~~يزعمون أن العبادات رياضات لاستعداد النفوس للمعارف العقلية ومخالفة ~~العوائد. # ثم من هؤلاء من لا يوجب العبادة إلا بهذا المعنى، فإذا حصل لها ذلك بقى ~~متحيرا في لفظ أوراده والاشتغال بالوارد منها. # ومنهم: من يوجب القيام بالأوراد وعدم الإخلال بها، وهم صنفان # PageV01P059 # - أيضا -: # أحدهما: من يقول بوجوبها حفظا للقانون، وضبطا للناموس. # والآخرون: يوجبونها حفظا للوارد، وخوفا من تدرج النفس بمفارقتها إلى ~~حالها الأولى من البهيمية. # فهذه نهاية أقدامهم في حكمة العبادة وما شرعت لأجله. # ولا تكاد تجد في كتب المتكلمين على طريق السلوك غير طريق من هذه الطرق ~~الثلاث، أو مجموعها. # والصنف الرابع: هم القائلون بالجمع بين الخلق والأمر، والقدر والسبب، ~~فعندهم أن سر العبادة وغايتها مبني على معرفة حقيقة الإلهية، ومعنى كونه ~~سبحانه وتعالى إله: أن العبادة موجب الإلهية وأثرها ومقتضاها، وارتباطها ms24 ~~كارتباط متعلق الصفات بالصفات، وكارتباط المعلوم بالعلم، والمقدور بالقدرة، ~~والأصوات بالسمع، والإحسان بالرحمة، والإعطاء بالجود. # فعندهم: من قام بمعرفتها على نحو الذي فسرناها به لغة وشرعا مصدرا وموردا ~~استقام له معرفة حكمة العبادات وغايتها به، وعلم أنها هي الغاية التي خلقت ~~لها العباد، ولها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وخلقت الجنة والنار. وقد صرح ~~سبحانه وتعالى بذلك في قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ، ~~فالعبادة هي التي ما وجدت الخلائق كلها إلا لأجلها، كما قال تعالى: {أيحسب ~~الإنسان أن يترك سدى} أي: مهملا. قال الشافعي - رحمه # PageV01P060 # الله -: "لا يؤمر ولا ينهى". وقال غيره: "لا يثاب ولا يعاقب"، وهما ~~تفسيران صحيحان، فإن الثواب والعقاب مترتبان على الأمر والنهي، والأمر ~~والنهي هو طلب العبادة وإرادتها. وحقيقة العبادة: امتثالها. ولهذا قال ~~تعالى: {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا} ، وقال ~~تعالى: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} ، وقال تعالى: ~~{وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت} ، فأخبر الله - ~~تعالى - أنه خلق السموات والأرض بالحق المتضمن أمره ونهيه وثوابه وعقابه. ~~فإذا كانت السموات والأرض إنما خلقتا لهذا وهو غاية الخلق، فكيف يقال: إنه ~~لا غاية له ولا حكمة مقصودة، أو إن ذلك بمجرد استئجار العمال حتى لا يتكدر ~~عليهم الثواب بالمنة، أو لمجرد استعداد النفوس للمعارف العقلية وارتياضها ~~لمخالفة العوائد؟!. # وإذا تأمل اللبيب الفرق بين هذه الأقوال، وبين ما دل عليه صريح الوحي؛ ~~علم أن الله - تعالى - إنما خلق الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبته، مع ~~الخضوع له والانقياد لأمره. # فأصل العبادة: محبة الله، بل إفراده تعالى بالمحبة، فلا يحب معه سواه، ~~وإنما يحب ما يحبه لأجله وفيه، كما يحب أنبياءه # PageV01P061 # ورسله وملائكته، لأن محبتهم من تمام محبته، وليست كمحبة من اتخذ من دونه ~~أندادا يحبهم كحبه. # وإذا كانت المحبة له هي حقيقة عبوديته وسرها، فهي إنما تتحقق باتباع أمره ~~واجتناب نهيه، فعند اتباع الأمر والنهي تتبين حقيقة العبودية والمحبة، ~~ولهذا جعل سبحانه وتعالى اتباع رسوله صلى ms25 الله عليه وسلم علما عليها وشاهدا ~~لها، كما قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} ، فجعل ~~اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم مشروطا بمحبتهم لله - تعالى - وشرطا لمحبة ~~الله لهم، ووجود المشروط بدون تحقق شرطه ممتنع. فعلم انتفاء المحبة عند ~~انتفاء المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يكفي ذلك حتى يكون الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم أحب إله مما سواهما، ومتى كان عنده شيء أحب إليه ~~منهما فهو الإشراك الذي لا يغفره الله، قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم ~~وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون ~~كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا ~~حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} ، وكل من قدم قول غير ~~الله على قول الله، أو حكم به، أو حاكم إليه؛ فليس ممن أحبه. لكن قد يشتبه ~~الأمر على من يقدم قول أحد أو حكمه أو طاعته على قوله، ظنا منه أنه لا يأمر ~~ولا يحكم ولا يقول إلا ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيطيعه، ويحاكم ~~إليه، ويتلقى أقواله كذلك، فهذا معذور إذا لم يقدر على غير ذلك. # PageV01P062 # وأما إذا قدر على الوصول إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وعرف أن غير من ~~اتبعه أولى به مطلقا، أو في بعض الأمور، كمسألة معينة، ولم يلتفت إلى قول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا إلى من هو أولى به؛ فهذا يخاف عليه. وكل ما ~~يتعلل به من عدم العلم، أو عدم الفهم، أو عدم إعطاء آلة الفقه في الدين، أو ~~الاحتجاج بالأشباه والنظائر، أو بأن ذلك المتقدم كان أعلم مني بمراده صلى ~~الله عليه وسلم، فهذه كلها تعللات لا تفيد. # هذا مع الإقرار بجواز الخطأ على غير المعصوم، إلا أن ينازع في هذه ~~القاعدة فتسقط مكالمته، وهذا هو داخل تحت الوعيد، فإن استحل مع ذلك ثلب من ~~خالفه، وقرض عرضه ودينه بلسانه، وانتقل من هذا إلى عقوبته، أو السعي في ~~أذاه، فهو ms26 من الظلمة المعتدين، ونواب المفسدين. # واعلم أن العبادة أربع قواعد: وهي التحقيق بما يحب الله ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم ويرضاه، وقيام ذلك بالقلب واللسان والجوارح. # فالعبودية: اسم جامع لهذه المراتب الأربع. # فأصحاب العبادة حقا هم أصحابها. # فقول القلب: هو اعتقاد ما أخبر الله - تعالى - عن نفسه، وأخبر رسوله صلى ~~الله عليه وسلم عن ربه من أسمائه وصفاته وأفعاله، وملائكته ولقائه، وما ~~أشبه ذلك. # وقول اللسان: الإخبار عنه بذلك، والدعاء إليه، والذب عنه، وتبيين بطلان ~~البدع # PageV01P063 # المخالفة له، والقيام بذكره تعالى، وتبليغ أمره. # وعمل القلب: كالمحبة له، والتوكل عليه، والإنابة، والخوف، والرجاء، ~~والإخلاص، والصبر على أوامره ونواهيه، وإقراره، والرضا به، وله، وعنه، ~~والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والإخبات إليه، والطمأنينة، ونحو ذلك من ~~أعمال القلوب التي فرضها آكد من فرض أعمال الجوارح، ومستحبها إلى الله - ~~تعالى - أحب من مستحب أعمال الجوارح. # وأما أعمال الجوارح: فكالصلاة، والجهاد، ونقل الأقدام إلى الجمعة ~~والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك. # فقول العبد في صلواته: {إياك نعبد} التزام أحكام هذه الأربعة وإقرار بها. ~~وقوله: {وإياك نستعين} طلب الإعانة عليها والتوفيق لها. وقوله: {اهدنا ~~الصراط المستقيم} متضمن للأمرين على التفصيل وإلهام القيام بهما، وسلوك ~~طريق السالكين إلى الله - تعالى -. # والله الموفق بمنه وكرمه. # والحمد لله وحده. # وصلى الله على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ووارثيه وحزبه. # تم الكتاب والحمد لله أولا وآخرا PageV01P064 ms27