######OpenITI# #META# bkid: 132963 #META# bk: النكت على صحيح البخاري #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: النكت على صحيح البخاري ويليه «التجريد على التنقيح» #META# تنبيه: تم فصل التجريد على التنقيح في كتاب مستقل بهذا البرنامج «المكتبة الشاملة» #META# المؤلف: أبو الفضل ابن حجر العسقلاني #META# المحقق: أبو الوليد هشام بن علي السعيدني، أبو تميم نادر مصطفى محمود #META# الناشر: المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع، القاهرة - مصر #META# الطبعة: الأولى، 1426 ه - 2005 م #META# عدد الأجزاء: 2 #META# أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية) #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: ابن حجر العسقلاني #META# authinf: ابن حجر العسقلاني (773 - 852 ه = 1372 - 1449 م). أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل، شهاب الدين، ابن حجر. • من أئمة العلم والتاريخ. أصله من عسقلان (بفلسطين) ومولده ووفاته بالقاهرة. • ولع بالأدب والشعر ثم أقبل على الحديث، ورحل إلى اليمن والحجاز وغيرهما لسماع الشيوخ،. • وعلت له شهرة فقصده الناس للأخذ عنه وأصبح حافظ الإسلام في عصره، قال السخاوي: (انتشرت مصنفاته في حياته وتهادتها الملوك وكتبها الأكابر). • وكان فصيح اللسان، راوية للشعر، عارفا بأيام المتقدمين وأخبار المتأخرين، صبيح الوجه. • وولي قضاء مصر مرات ثم اعتزل. أما تصانيفه فكثيرة جليلة، منها:. • (الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة - ط) أربعة مجلدات. • (لسان الميزان - ط) ستة أجزاء، تراجم،. • (الإحكام لبيان ما في القرآن من الأحكام - خ). • (ديوان شعر - خ) رأيته في الاسكوريال (الرقم 444) وطبع في الهند. • (الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف - ط). • (ذيل الدرر الكامنة - خ). • (ألقاب الرواة - خ). • (تقريب التهذيب - ط) في أسماء رجال الحديث. • (الإصابة في تمييز أسماء الصحابة - ط). • (تهذيب التهذيب - ط) في رجال الحديث، اثنا عشر مجلدا. • (تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة - ط). • (تعريف أهل التقديس - ط) ويعرف بطبقات المدلسين. • (بلوغ المرام من أدلة الأحكام -). • (المجمع المؤسس بالمعجم المفهرس - خ) جزآن، أسانيد وكتب [طبع]. • (تحفة أهل الحديث عن شيوخ الحديث - خ) ثلاث مجلدات. • (نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر - ط) في اصطلاح الحديث. • (المجالس - خ) بخط البقاعي 193 مجلسا، قال الميمني (في مذكراته - خ): نسخة جليلة مهمة نادرة. • (القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد - ط). • (ديوان خطب - ط). • (تسديد القوس في مختصر الفردوس للديلي - خ) ستة مجلدات، تنقص الثالث. • (تبصير المنتبه في تحرير المشتبه - ط) في أربعة أجزاء. • (رفع الإصر عن قضاة مصر - ط). • (إنباء الغمر بأنباء العمر - ط) في مجلدين ضخمين. • (إتحاف المهرة بأطراف العشرة - خ) حديث [طبع]. • (الإعلام في من ولي مصر في الإسلام - خ). • (نزهة الألباب في الألقاب - خ) منه نسخة نفيسة في جامعة الرياض (54 ورقة الرقم 52) كما في مذكرات الميمني - خ [طبع]. • (الديباجة - ط) في الحديث. • (فتح الباري في شرح صحيح البخاري - ط). • (التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير - ط). • (بلوغ المرام من أدلة الأحكام - ط) مع شرحه (سبل السلام في شرح بلوغ المرام - ط) لمحمد بن إسماعيل الأمير. • (تغليق التعليق - خ) ستة أجزاء منه، في الحديث (1) [طبع]. ولتلميذه السخاوي كتاب في ترجمته سماه (الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر) في مجلد ضخم (2). __________. (1) الأزهرية 1: 432 الطبعة الثانية. (2) التبر المسبوك 230 وابن شقدة - خ - والضوء اللامع 2: 36 والبدر الطالع 1: 87 وخطط مبارك 6: 37 وآداب اللغة 3: 165 ولسان الميزان 6: خاتمته لمصحح طبعه. والدرر الكامنة 4: خاتمته للناشر. وبدائع الزهور 2: 32 وفيه وفاته سنة 854 ه والفهرس التمهيدي 396 و 423 و 424 و 442، و 563 ودائرة المعارف الإسلامية 1: 131 وانظر ترجمته لنفسه في كتابه رفع الإصر 1: 85. نقلا عن الأعلام للزركلي، مع إضافات يسيرة بين [معقوفين] #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 132963 #META# over: 1 #META# seal: F36711FD #META# oauth: 202 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 2 #META# vername: None #META# cat: شروح الحديث #META# lng: أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل، شهاب الدين، ابن حجر #META# higrid: 852 #META# ad: 852 #META# aseal: A06597A8 #META# blnk: None #META# pdfcs: 1 #META# shrtcs: None #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/132963 #META#Header#End# ### | CHECK [مقدمة المؤلف] # بسم الله الرحمن الرحيم # ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، الحمد لله الذي شرح صدور ~~أهل الإيمان بالهدى، ونكت في قلوب أولي الطغيان فلا تعي الحكمة أبدا، وأشهد ~~أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها أحدا صمدا، وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله ما أكرمه عبدا سيدا، وأزكاه أصلا ومحتدا، وأطهره مضجعا ومولدا، صلى ~~الله عليه وعلى آله وصحبه غيوث الندى وليوث العدا، صلاة وسلاما دائمين منا ~~من اليوم إلى أن يبعث الناس غدا. # أما بعد: # فهذه نكت مفيدة موضحة للجامع الصحيح لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن ~~إبراهيم البخاري، علم المحدثين، ورأس الحفاظ المتقنين، اقتضبتها من كلام ~~الأئمة الذين اعتنوا به في قديم الزمان وحديثه، مع ما ضممته إليها من ~~التنبيهات التي أظن أنهم أغفلوها، أو ذكروها ولم أطلع على ذلك في مظانه. # وقد كنت شرعت في شرح كبير، استفتحته بمقدمة تحوي غالب مقاصد الشرح، فلما ~~أتقنتها (¬1) وحررتها، وكتبت من الشرح مواضع هذبتها ومواضع سودتها، رأيت ~~الهمم قصيرة، والبواعث على تحصيل المطولات يسيرة (¬2). # وسألني بعض الإخوان عن النكت التي وضعها العلامة بدر الدين الزركشي على ~~الكتاب المذكور هل تغني الطالب عن مراجعة غيره أم لا؟ # فتأملتها فوجدتها في غاية الحسن والتقريب، والاختصار المفيد العجيب؛ إلا ~~أنها ليست على منوال واحد في ذلك، بل ربما أطال فيما لا طائل فيه، وربما ~~أهمل ما تحير الأفكار في توجيهه، فلا يوجد له في كلامه توجيه. PageV01P073 # فأحيانا يتعرض لبيان بعض من أهمل تمييزه أو أبهم اسمه، ويترك بجنبه من هو ~~أولى بالتنبيه عليه لعسر مأخذه، وكذا يتعرض أوقاتا لوصل بعض المعلقات، أو ~~التوفيق بين الترجمة وحديث الباب، ويترك أهمها وأنفعها وأكثرها فائدة، إلى ~~غير ذلك مما اشتملت عليه مقاصد الجامع؛ إذ هو جامع كاسمه بحر زخار، مفصح ~~بسعة اطلاع مصنفه ووفور علمه، فحداني ذلك على جمع هذه النكت، شاملة لمهمات ~~ذلك على طريق وسطى أرجو نفعها، كافلة بما اطلعت عليه [3/ أ] من ذلك؛ ms001 إذ لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها. # * وقبل الشروع في ذلك أقدم فصلين: # أحدهما: في الإشارة إلى شرط المصنف في هذا التصنيف، وفيه الإشارة إلى ~~مناسبة ترتيب أبواب كتابه. # وثانيهما: في سياق جمل من ترجمته، تشتمل على حاله من بدايته إلى نهايته، ~~وفيها وصف الأئمة له بما لا مزيد عليه، ثم تلوت ذلك بضوابط يرجع إليها: ~~ويعول عند الاختلاف عليها، تغني عن التكرار، عملا بشرط الاختصار، يسر الله ~~تعالى ذلك بمنه. PageV01P074 ### || AUTO الفصل الأول في بيان شرطه فيه # اعلم -علمني الله وإياك- أن البخاري لم يوجد عنه تصريح بشرط معين، وإنما ~~يوجد ذلك من معنى تسميته للكتاب، وبالاستقراء من تصرفه. # فأما أولا: فإنه سماه الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وسننه وأيامه. # فعرفنا بقوله: (الجامع) أنه لم يختص بصنف دون صنف، ولهذا أورد فيه ~~الأحكام والفضائل، والأخبار المحضة عن الأمور الماضية والأمور الآتية، وغير ~~ذلك من الآداب والرقائق. # وبقوله: (الصحيح) أنه ليس فيه شيء ضعيف عنده، وإن كان فيه مواضع قد ~~انتقدها غيره، وحصل الإعتناء بالجواب عن ذلك في مقدمة الشرح الكبير, ويصرح ~~بذلك قوله: "ما أدخلت في الجامع إلا ما صح" (¬1). # وبقوله: (المسند) أن مقصوده الأصلي: تخريج الأحاديث التي اتصل إسنادها ~~ببعض الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، سواء كانت من قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أو فعله أو تقريره، وأن ما وقع ما (¬2) في الكتاب مما ~~يخالف ذلك؛ إنما وقع فيه تبعا وعرضا لا أصلا مقصودا، فهذا ما عرف من كلامه. PageV01P075 # وأما ما عرف بالاستقراء من تصرفه، فيحتاج أولا إلى التعريف بالصحيح عنده ~~وعند غيره: # وهو أن يكون الإسناد متصلا، وأن يكون كل من رواته عدلا، وأن يكون موصوفا ~~بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبر ذلك التقصير، ويكون الحديث مع ذلك قد ~~خلا من أن يكون معلولا -أي: فيه علة خفية قادحة-، أو أن يكون شاذا -أي: ~~خالف [3/ ب] راويه من هو أكثر عددا منه أو أشد ضبطا مخالفة تستلزم ms002 التنافي ~~ويتعذر معها الجمع الذي لا يكون متعسفا. # والاتصال عندهم: أن يعبر كل من الرواة في روايته عن شيخه بصيغة صريحة في ~~السماع منه: كسمعت، وحدثني، وأخبرني، أو ظاهرة في ذلك: كعن، أو أن فلانا قال. # وهذا الثاني في غير المدلس الثقة، أما المدلس الثقة فلا يقبل منه إلا ~~المرتبة الأولى, إلا أن يعثر منه على ارتكاب مجاز في الصيغ الصريحة فيحترز ~~منه حينئذ، والأصل عدم ذلك؛ ولهذا أطلق كثير من الأئمة قبول رواية المدلس ~~الثقة إذا صرح. # ثم إن هذا الثاني شىرط حمله على السماع عند البخاري أن يكون الراوي قد ~~ثبت له لقاء من حدث عنه ولو مرة واحدة، فإذا ثبت ذلك عنه حملت عنده عنعنته ~~على السماع، وسبب ذلك أن تقول: إذا لم يثبت لقاؤه له، وإنما عرفنا أنه ~~عاصره فقط، احتمل أن تكون روايته عنه على طريق الإرسال؛ لما عرف من عادة ~~كثير ممن لم يوصف بتدليس أنه يرسل، وإذا لم يترجح أحد الاحتمالين على الآخر ~~لم يحسن الحمل على أحدهما. # فإن قيل: فلم لم يطرد ذلك في جميع عنعنته؟ # فالجواب: أن ذلك يخالف فرض المسألة؛ لأنها مفروضة في غير المدلس، ولو كان ~~بعد أن ثبت لقاؤه لشيخه قد حدث عنه بالعنعنة بما لم يسمعه لكان بذلك مدلسا، ~~والفرض أنه غير مدلس، فكان الاتصال ظاهرا في ذلك، وعرف من هذا أن شرط ~~البخاري في الاتصال أتقن (¬1) من شرط غيره ممن اكتفى بالمعاصرة. PageV01P076 # وكذا عرفنا بالاستقراء من تصرفه في الرجال الذين يخرج عنهم أنه ينتقي ~~أكثرهم صحبة لشيخه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج من حديث من لا يكون بهذه الصفة ~~فإنما يخرج في المتابعات، أو حيث يقوم له قرينة بأن ذلك مما ضبطه هذا ~~الراوي. # فبمجموع ذلك: وصف الأئمة كتابه قديما وحديثا بأنه أصح الكتب المصنفة في ~~الحديث، ولم ينقل عن أحد أنه خالف في ذلك، إلا ما حكى ابن منده أنه سمع أبا ~~علي النيسابوري يقول: "ما تحت أديم السماء أصح من [4 / أ] كتاب مسلم" (¬1). # وهذا ms003 وإن كان مستلزما لعدم أفضلية صحيح البخاري على صحيح مسلم، لكن لا ~~يلزم منه أن صحيح مسلم أصح من صحيح البخاري عند أبي علي؛ لاحتمال أنه يرى ~~المساواة بينهما، وعلى تقدير أن يثبت عن أبي علي أنه صرح بذلك فهو محجوج ~~بإجماع من قبله ومن بعده على خلافه. # وأما ما حكي عن المغاربة من أنهم يفضلون صحيح مسلم على صحيح البخاري، ~~فذلك راجع إلى أمر آخر، وهو أنه يجمع المتون في موضع واحد ولا يفرقها في ~~الأبواب، ويسوقها تامة ولا يقطعها في التراجم، ويحافظ على الإتيان ~~بألفاظها, ولا يروي بالمعنى، ويفردها ولا يخلط معها شيئا من أقوال الصحابة ~~ومن بعدهم في الغالب، وهذا جميعه وإن كان يستدعي أفضليته من جهة فإنه ~~يستدعي أفضلية البخاري من جهة أنه امتاز عن الوقوف عند مطلق الجمع، واختص ~~بنفع الطالب بما استنبط من فقهه في تراجمه بما يشوق النظر ويروق السمع، ~~وبقي ما يتعلق بأفضلية الأصحية له مسلما من المخالف والموافق، ناطقا بذلك ~~أو مقررا له علماء المغارب والمشارق، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو ~~الفضل العظيم. # فهذا فيما يتعلق بشرطه في الصحة، وأما ما يتعلق بموضوعه: فعرف بالإستقراء ~~من طريقته، وبما تقدم في المفاضلة، أن مسلما يجمع المتون في موضع واحد، ~~والبخاري يفرقها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرا في ~~ذلك PageV01P077 # الباب وربما كان خفيا، والخفي ربما حصل تناوله بالاقتضاء أو باللزوم، أو ~~بالتمسك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أن في بعض ~~طرق ذلك الحديث ما يعطي المقصود وإن خلا عنه لفظ المتن المساق هناك، تنبيها ~~على ذلك المشار إليه بذلك، وأنه صالح لأن يحتج به وإن كان لا يرتفع (¬1) ~~إلى درجة شرطه. # واحتاج إلى هذا وأمثاله أن يكرر الأحاديث؛ لأن كثيرا من المتون يشتمل على ~~عدة أحكام، فيحتاج أن يذكر في كل باب يليق ذكر ذلك الحكم فيه ذلك الحديث ~~بعينه، فإن ساقه بتمامه إسنادا ومتنا طال التكرير [4/ ب]، وخرج عن وضع ms004 ~~الاختصار، وإن أهمله فلا يليق به، فتصرف فيه بوجوه من التصرف وهو أن ينظر ~~في الإسناد إلى غاية من يدور عليه الحديث من الرواة؛ أي: ينفرد بروايته، ~~فيخرجه في باب عن راو يرويه عن ذلك المنفرد، وفي باب آخر عن راو آخر عن ذلك ~~المنفرد وهلم جرا. # فإن كثرت الأحكام عن عدد الرواة عدل عن سياقة تام الإسناد إلى اختصاره ~~معلقا، وهذه إحدى الحكم في تعليقه ما وصله في موضع آخر، وإن ضاق مخرجه كأن ~~يكون فردا مطلقا تصرف حينئذ في المتن، فيسوقه تارة تاما، وتارة مقتصرا على ~~بعضه، بحسب نشاطه، وبحسب ما يحتاج إليه في ذلك الباب. # فعلم من هذا أنه لا يكرر إلا لفائدة، ففي التحقيق لا تكرار فيه؛ إذ حقيقة ~~التكرار أن يعيد بلا فائدة، ولم أره خالف هذا إلا في مواضع نادرة. # ثم إنه في حال تصنيفه كأنه بسط التراجم والأحاديث، فجعل لكل ترجمة حديثا ~~يلائمها، وبقيت عليه تراجم لم يجد في الحالة الراهنة ما يلائمها فأخلاها عن ~~الحديث، وبقيت عليه أحاديث لم يتضح له ما يرتضيه في الترجمة عنها فجعل لها ~~أبوابا بلا تراجم، فيوجد فيه أحيانا باب مترجم وليس فيه سوى آية أو كلام ~~لبعض الصحابة أو من بعدهم، وأحيانا باب غير مترجم وقد ساق فيه حديثا أو ~~أكثر، والنكتة في ذلك ما أشرت إليه. PageV01P078 ### ||| CHECK ترتيب مناسبات أبواب البخاري # وممن نبه على ذلك: الحافظ أبو ذر الهروي، عن الحافظ أبي إسحاق المستملي ~~راوي الصحيح، عن الفربري صاحب البخاري، وأشار إلى أن بعض من نقل الكتاب بعد ~~موت مصنفه ربما ضم بابا مترجما إلى حديث غير مترجم، وأخلى البياض الذي ~~بينهما، فيصير بعض الناس يظن أن هذا الحديث يتعلق بالترجمة التي قبله، ~~فيتمحل لها وجوها من التحامل (¬1) المتكلفة، ولا تعلق لها به ألبتة، على ما ~~أرشدنا إليه كلام المستملي. # على أن البخاري في هذا القدر دقيق النظر جدا، كثير العناية بالاقتصار على ~~الأخفى مع الإعراض عن الأجلى على ما سيمر (¬2) إن شاء الله تعالى ms005 [5/ أ] في ~~أماكنه. # فهذا ما يتعلق بشرطه وشرط وضعه، وأما مناسبة ترتيب أبوابه على ما هي عليه ~~الآن؛ فقد وقفت في ذلك على مجلدة لشيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، ~~لخصت مقاصدها هنا، مع ما ضممت إليها مما تشاكلها: # فأقول: بدأ المصنف بقوله: "كيف كان بدء الوحي"؛ لأن بالوحي قامت الشرائع، ~~وجاءت الرسالة، ومنه عرف الإيمان والعلم. # وكان أوله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يقتضي الإيمان من ذكر ~~الربوبية، والأمر بالقراءة، والأمر بالإنذار، فعقبه بكتاب الإيمان. # وكان الإيمان أشرف العلوم؛ فقال: كتاب العلم. # والعلم سابق العمل، وأفضل العمل البدني: الصلاة، ومن مقدماتها: الطهارة؛ ~~فقال: كتاب الطهارة، فذكرها بأنواعها. # ثم الصلاة بأنواعها، ثم من الأعمال ما يكون بدنيا محضا وهو الصلاة، أو ~~ماليا محضا وهو الزكاة، أو جامعا بينهما؛ فقال: كتاب الزكاة، ثم قال: كتاب ~~الحج مرتبا للبسيط قبل المركب. PageV01P079 # وكان من العبادات ما هو ترك محض وهو الصوم فذكره؛ لأنه بقية الأركان ~~الخمسة المذكورة في حديث ابن عمر (¬1)، وترجم عن الحج بكتاب المناسك ليعم ~~الحج والعمرة، وكان مستحبا لكل من حج أن يجتاز بالمدينة الشريفة، فذكر ما ~~يتعلق بذلك. # وهذه التراجم فيها معاملة العبد مع الخالق، فعقبها بمعاملة العبد مع ~~الخلق؛ فقال: كتاب البيوع، فذكر تراجم بيوع الأعيان، ثم بيع دين على وجه ~~مخصوص وهو السلم. # وكان البيع قد يقع قهريا؛ فذكر الشفعة. # ولما كان البيع قد يقع فيه غبن من أحد الجانبين إما في ابتداء العقد أو ~~في المجلس، وفيها ما يقع على دينين لا يجب فيهما قبض في المجلس ولا تعيين ~~أحدهما؛ فذكر الحوالة. # وكان في الحوالة انتقال الدين من ذمة إلى ذمة فأردفها بما يقتضي ضم ذمة ~~إلى ذمة، أو ضم شيء تحفظ به العلقة وهو الكفالة والضمان، ثم الوكالة التي ~~هي حفظ المال. # ولما كانت الوكالة فيها توكل على آدمي ذكر بعدها ما فيه توكل على الله ~~وهو الحرث والمزارعة، وذكر فيها متعلقات [5/ ب] الأرض من الموات والغرس ~~والشرب. # وكان يقع في كثير من ms006 ذلك إرفاق فعقبه بما فيه فضل ورفق وهو القرض. # ثم ذكر معاملة الأرقاء ليعم جميع المعاملات. # ولما كانت المعاملات لابد أن تقع فيها منازعات عقبها بما يلائمها, فذكر ~~الإشخاص والملازمة والإلتقاط. # ولما كان الإلتقاط وضع اليد بالأمانة عقبه بوضع اليد تعديا، فذكر المظالم ~~والغصب، وما فيه غصب ظاهر وهو حق شرعي وهو وضع الخشب في جدار الجار ونحو ~~ذلك. PageV01P080 # ولما اشتمل بعضه على حقوق مشتركة وذكر فيها النهبى، ثم ذكر الاشتراك ~~الخاص وهي الشركة. # ولما كانت هذه المعاملات تتعلق بمصالح الخلق ذكر بعدها ما يتعلق بمصلحة ~~المعاملة؛ وهو الرهن. # وكان الرهن يحتاج إلى فك رقبة؛ فعقبه بذكر العتق وتوابعه وآخره المكاتب (¬1). # ولما كانت المكاتبة تستدعي هبة لقوله تعالي: {وآتوهم من مال الله الذي ~~آتاكم} [النور: 33]. عقبها بالهبة وذكر معها العمرى والرقبى. # ولما كانت الهبة: نقل ملك الرقبة بلا عوض أردفها بنقل في المنفعة بلا ~~عوض؛ وهو العارية والمنيحة. # ولما كان جميع ما تقدم يحتاج إلى استشهاد قال: كتاب الشهادات. # ولما كانت البينات قد يقع فيها تعارض ترجم القرعة في المشكلات. # ولما كان التعارض قد يقع فيه الصلح عقب بكتاب الصلح. # ولما كان الصلح قد يقع فيه شرط عقب بالشروط. ولما كانت الشروط قد تقع في ~~الحياة وبعد الوفاة عقب بكتاب الوصية والوقف. # فلما انتهى ما يتعلق بالمعاملة مع الخالق في العبادات ثم ما يتعلق ~~بالمعاملة مع الخلق، أردفها بمعاملة جامعة لمعاملة الخالق وفيها نوع اكتساب ~~وهو الجهاد. # ولما كان القادمون من الجهاد قد يكون معهم الغنيمة قال: كتاب الخمس. # وكان ما يؤخذ من الكفار يكون تارة بالحرب وتارة بالمصالحة فقال: كتاب ~~الجزية، وذكر توابعها من الموادعة والعهد. # ولما كان الجهاد يشتمل على إزهاق الأنفس أراد أن يبين أن هذه المخلوقات ~~محدثات، وأن مآلها إلى الفناء، وأنه لا خلود لأحد، فترجم بدء الخلق، وذكر ~~فيه الجنة والنار [6/ أ] اللتين مآل الخلق إليهما. PageV01P081 # وناسب ذكر إبليس وجنوده عقب صفة النار؛ لأنهم من أهلها. # ثم ذكر الجن؛ لأنهم قبل خلق آدم. # ثم ذكر ms007 خلق آدم ومن بعده من الأنبياء، وذكر فيهم ذا القرنين ولقمان ~~ومريم. لأنهم عنده أنبياء، ثم ذكر أخبار بني إسرائيل. # ولما كان ذكر الأنبياء يشتمل على فضائلهم عقب ذلك بمناقب هذه الأمة، وبدأ ~~بقريش رهط النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وذكر أسلم وغفار؛ لأنهم أول من أسلم من القبائل، وذكر إسلام أبي ذر؛ لأنه غفاري. # ثم ذكر شمائل النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلامات نبوته، ثم فضائل ~~أصحابه، ثم سيرته ومغازيه على ترتيب ما ثبت عنده. # وما قبض - صلى الله عليه وسلم - إلا وشريعته كاملة، وكتابه قد كمل نزوله، ~~فعقبه بكتاب التفسير. ثم ذكر فضائل القرآن. # ولما كان ما يتعلق بالكتاب والسنة من التعلم والتفقه وتقرير الأحكام يحصل ~~به حفظ الدين في الأقطار، وبذلك تحصل الحياة المعتبرة عقبه بما تحصل به ~~الحياة الحسية (¬1) التي يقوم منها جيل بعد جيل يحفظون ذلك، فقال: كتاب ~~النكاح. # وذكر بعده الرضاع لما فيه من متعلقات التحريم، ثم ذكر باقي متعلقات ~~النكاح. ولما كان النكاح اجتماعا قد تعقبه الفرقة قال: كتاب الطلاق. # ولما كان الفراق قد يكون مؤقتا وقد يكون مؤبدا ذكر الإيلاء، ثم الظهار، ~~ثم اللعان. # ثم كان المؤقت يستلزم وقتا فذكر العدد. وإذا انتهى الوقت قد تحصل ~~المراجعة فقال: الرجعة. # ولما كان العقد قد يقع صحيحا وقد يقع فاسدا عقب بمهر البغي والنكاح ~~الفاسد. PageV01P082 # ولما كان النكاح يتعلق بالزوج والزوجة منه أحكام ذكر حكما يتعلق بالزوج ~~تعلقا مستمرا وهو النفقة. # ولما كانت النفقة من المأكولات عقبها بالأطعمة. # ثم كان من الأطعمة ما هو خاص فعقبها بالعقيقة. # ولما كان فيها ذبح قال: كتاب الذبائح. # ولما كان من المذبوح ما يصاد قال: الصيد. # ولما كان الذبح يتكرر أو يتوقت قال: الأضاحي. # ولما كانت المأكولات تستدعي المشروبات قال: الأشربة. # ولما كانت المأكولات والمشروبات [6/ ب] قد تضر البدن قال: الطب، وذكر فيه ~~تعلقات المرض وثواب المرض. # ولما كان الآكل والشارب يحتاج بدنه إلى التستر قال: اللباس، وذكر فيه ~~الزينة وأحكامها، والطيب وأنواعه. # ولما كان كثير منها يتعلق ms008 بآداب النفس، عقبها بكتاب الأدب. # وكان من جملة الأدب بر الوالدين والإحسان إلى الأقارب قال: البر والصلة. # ولما كان من جملة الإحسان ألا يدخل بغير إذن فقال: السلام والاستئذان. # ولما كان الاستئذان يستفتح الأبواب السفلية أردفه بما يستفتح الأبواب ~~العلوية وهو الدعاء. # ولما كان الدعاء قد يكون سبب المغفرة عقبه بالاستغفار. # ولما كانت المغفرة تهدم الذنوب عقبها بالتوبة والذكر. # ولما كان الذكر والدعاء سببا للاتعاظ ذكر الرقائق. # ولما كان ما يدعى به قد يوافق القدر أو لا عقب ذلك بكتاب القدر. # ولما كان القدر قد يحال عليه الأشياء المنذورة عقبه بالنذر. # ولما كان النذر فيه كفارة أضاف إليه الأيمان؛ لأن فيها الكفارة، ثم ذكر ~~الكفارة. PageV01P083 # ولما تمت أحوال الأحياء في الدنيا عقبه بذكر أحوالهم بعد الموت فقال: ~~الفرائض. # ولما تم ذلك بغير جناية عقبه بالحدود. # ولما كان المرتد لا يكفر إذا كان مكرها ذكر الإكراه. # ولما كان المكره قد يضمر في نفسه حيلة رافعة ذكر الحيل، وما يحل منها وما يحرم. # ولما كان فيها ما يخفى أردفها بتعبير الرؤيا. # ولما كان فيها لبعض الناس فتنة، كما قال تعالي: {وما جعلنا الرؤيا التي ~~أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60]. عقبها بالفتن. # ولما كانت الفتن يرجع فيها إلى الأئمة عقبها بالأحكام وأحوال الأمراء ~~والقضاة. # ولما كان ذلك قد يتمنى عقبه بالتمني. # ولما كان مدار الأحكام على أخبار الآحاد ذكره في باب. # ولما كانت كلها تحتاج إلى الكتاب والسنة عقبها بالاعتصام بهما. # ولما كان أصل العصمة هو توحيد الله عقبه بكتاب التوحيد. # ولما كان آخر الأمور التي يظهر بها المفلح من الخاسر ثقل الموازين أو ~~خفتها جعل آخر تراجم أبوابه باب: قول الله تعالى: {ونضع الموازين القسط} ~~الآية [الأنبياء: 47]. وأن أعمال بني آدم توزن. # فبدأ ببدء الوحي؛ إذ به ظهرت حكمة بدء الخلق؛ لقوله تعالى: {وما [7 / أ] ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56)} [الذاريات: 56]. وختم بآخر الأحوال ~~الموجبة للاستقرار. # وافتتح بحديث: "الأعمال بالنيات" (¬1)، وختم بكون الأعمال توزن، وأشار ~~بذلك إلى أنه إنما يثقل منها ms009 ما كان خالصا، وأورد فيه حديث "كلمتان خفيفتان ~~على اللسان، PageV01P084 # حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان" (¬1). # فقوله: "كلمتان خفيفتان على اللسان"، فيه ترغيب للتخفيف، وقوله: ~~"حبيبتان"، فيه حث على ذكرهما لمحبة الرحمن، وقوله: "ثقيلتان في الميزان"، ~~فيه إظهار ثوابهما، وهاتان الكلمتان معناهما جاء في ختام دعاء أهل الجنة، ~~وذلك في قوله تعالي: {دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر ~~دعواهم أن الحمد لله رب العالمين (10)} [يونس: 10]. PageV01P085 ### || AUTO الفصل الثاني في ترجمة المصنف # * ### ||| AUTO ذكر نسبه ومولده # : # هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه بن الأحنف الجعفي ~~مولاهم البخاري، وبردزبه في نسبه قيده ابن ماكولا (¬1) -بفتح الباء ~~الموحدة، وسكون الراء، ثم دال مهملة مكسورة ثم زاي ساكنة، ثم باء موحدة، ثم ~~هاء- وهو فارسي، ومعناه بالعربية: الزراع بلغة أهل بخارى، وقيل فيه غير ~~ذلك، وكان بردزبه المذكور مجوسيا، وكان في بخارى وال يقال له: اليماني ~~الجعفي، فأسلم المغيرة بن بردزبه على يديه، فمن ثم قيل للبخاري: الجعفي. # فأما إبراهيم بن المغيرة فلم نقف على شيء من أحواله، والظاهر أنه لم ينظر ~~في العلم. # وأما إسماعيل بن إبراهيم فذكر له ابنه ترجمة في تاريخه (¬2) وقال: إنه ~~سمع من مالك وحماد بن زيد، وابن المبارك، وقال ابن حبان في الطبقة الرابعة ~~من الثقات: إسماعيل بن إبراهيم والد البخاري يروي عن حماد بن زيد، ومالك ~~يروي عنه العراقيون (¬3). # وولد محمد بن إسماعيل -ويكنى أبا عبد الله- يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث ~~عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة ببخارى، قال المستنير بن ~~عتيق: أخرج لي ذلك محمد بن إسماعيل بخط أبيه، وروى أبو حسان مهيب بن سليم ~~عن البخاري نحوه. PageV01P087 # * ### ||| AUTO ذكر منشئه وطلبه الحديث # [7 / ب]: # روى غنجار في تاريخه من وجهين أن محمد بن إسماعيل ذهبت عيناه في صغره, ~~فرأت والدته إبراهيم الخليل في النوم، فقال لها: يا هذه، قد رد الله على ~~ابنك بصره لكثرة دعائك، قال: فأصبح وقد رد الله عليه بصره، ورواها أبو ~~القاسم اللالكائي ms010 في كتاب "كرامات الأولياء" له من طريق غنجار (¬1). # وقال الفربري: سمعت محمد بن أبي حاتم وراق البخاري يقول: سمعت البخاري ~~يقول: ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب، قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ فقال: ~~عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكتاب بعد العشر فجعلت أختلف إلى الداخلي ~~وغيره، فقال يوما فيما كان يقرأ للناس: سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم، ~~فقلت: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت: ارجع إلى الأصل إن ~~كان عندك، فدخل فنظر فيه ثم رجع، فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير ~~وهو ابن عدي، عن إبراهيم، فأخذ القلم وأصلح كتابه وقال: صدقت (¬2). # قال: فلما طعنت في ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام ~~هؤلاء لمعنى أهل الرأي، ثم خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججنا رجع ~~أخي وتخلفت بها في طلب العلم (¬3). # قلت: فكان حجه على هذا سنة عشر ومائتين. # قال: فلما طعنت في ثماني عشرة صنفت كتاب: "قضايا الصحابة والتابعين ~~وأقاويلهم"، ثم صنفت: "التاريخ" في المدينة عند قبر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وكنت أكتبه في الليالي المقمرة، قال: وقل اسم في "التاريخ" إلا وله ~~عندي قصة إلا أني كرهت أن يطول الكتاب (¬4). # وقال وراق البخاري: سمعته يقول: دخلت بلخ، فسألوني أن أملي عليهم لكل PageV01P088 # من لقيت حديثا عنه، فأمليت ألف حديث لألف شيخ ممن كتبت عنهم، ثم قال: ~~كتبت عن ألف وثمانين نفسا ليس فيهم إلا صاحب حديث (¬1). # وقال أيضا: لم أكتب إلا عمن قال: "الإيمان قول وعمل" (¬2). # وقال جعفر بن محمد القطان: سمعته يقول: ما عندي حديث إلا وأذكر إسناده (¬3). # وقال سهل بن السري: قال البخاري: رحلت إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، ~~وإلى البصرة أربع مرات، قال: وأقمت بالحجاز ستة أعوام [8/ أ]، ولا أحصي كم ~~دخلت الكوفة وبغداد (¬4). # وقال العباس الدوري: ما رأيت أحسن طلبا للحديث من محمد بن إسماعيل. # وقال أبو الفضل ابن طاهر: عزم محمد بن إسماعيل على الرحلة إلى ms011 اليمن لأجل ~~عبد الرزاق، وكان ذلك سنة عشر ومائتين، وعبد الرزاق حي، فلقيه يحيى بن جعفر ~~فسأله عنه، فقال له: مات عبد الرزاق، فسمع البخاري حديث عبد الرزاق من يحيى ~~بن جعفر، ثم بان بعد أن عبد الرزاق ما كان مات، فحمل الأمر على أن يحيي بن ~~جعفر اعتمد في إخباره بموته على حكاية شائعة لم تثبت، ولم يقدح ذلك فيه عند ~~البخاري، بل كان يثني عليه. # وقال حاشد بن إسماعيل: كان البخاري يختلف معنا إلي مشايخ البصرة وهو ~~غلام، فلا يكتب حتي أتى على ذلك أيام، فلمناه بعد ستة عشر يوما، فقال: قد ~~أكثرتم علي، فاعرضوا علي ما كتبتم، فأخرجناه فزاد على خمسة عشر ألف حديث، ~~فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم (¬5) كتبنا من خطه (¬6). PageV01P089 # وقال محمد بن الأزهر (¬1) السجستاني: كنت في مجلس سليمان بن حرب والبخاري ~~معنا يسمع ولا يكتب، فقيل لبعضهم: ما له لا يكتب؟ فقال: يرجع إلى بخارى ~~فيكتب من حفظه. # وقال أبو بكر بن أبي عتاب الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد ~~بن يوسف الفريابي وهو أمرد. # قلت: كان موت الفريابي سنة اثنتي عشرة ومائتين، وللبخاري إذ ذاك ثماني ~~عشرة سنة. # وقال وراق البخاري عنه: كنت في مجلس الفريابي فقال: حدثنا سفيان، عن أبي ~~عروة، عن أبي الخطاب، عن أنس، فذكر حديثا قال: فلم يعرف أحد في المجلس أبا ~~عروة ولا أبا الخطاب، فقلت لهم: أبو عروة هو معمر، وأبو الخطاب هو قتادة، ~~قال: وكان الثوري فعولا لذلك يكني المشهورين. # * ### ||| AUTO ذكر مراتب مشايخه الذين أخذ عنهم # : # * قد تقدم التنبيه على كثرتهم وينحصرون في خمس طبقات: # الطبقة الأولى: # - من حدثه عن التابعين، فمنهم مكي بن إبراهيم البلخي، حدثه عن يزيد بن ~~أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع. # - ومحمد بن عبد الله الأنصاري حدثه عن حميد الطويل. # - وعلي بن عياش، وعصام بن خالد حدثاه عن حريز بن عثمان [8 / ب]. # - وعبد الله بن موسي حدثه عن إسماعيل بن أبي خالد، وهشام ms012 بن عروة ~~وغيرهما. # - وخلاد بن يحيى حدثه عن عيسى بن طهمان. # - وأبو نعيم الفضل بن دكين حدثه عن الأعمش. PageV01P090 # الطبقة الثانية: # من كان في عصر هؤلاء لكنه لم يسمع من أحد من التابعين: كآدم بن أبي إياس، ~~وسعيد بن أبي مريم، وأبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر، وغيرهم من أصحاب ابن أبي ~~ذئب والأوزاعي وشعبة ونحوهم. # المرتبة الثالثة: # وهم جل مشايخه من سمع من أعيان أتباع التابعين، وهي المرتبة الوسطى، وقد ~~شاركه مسلم في هذه الطبقة: كأحمد بن حنبل، ويحيي بن معين، وعلي بن المديني، ~~وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، وأشباههم من أصحاب حماد ~~بن زيد، والليث بن سعد، وابن عيينة، وابن المبارك وغيرهم. # المرتبة الرابعة: # رفقاؤه في الطلب ومن سمع قبله قليلا: كمحمد بن عبد الرحيم صاعقة، ومحمد ~~ابن يحيى الذهلي، وعبد بن حميد وأمثالهم. # المرتبة الخامسة: # قوم في عداد طلبته في السن والإسناد، أخذ عنهم ما ليس عنده: كعبد الله بن ~~حماد الآملي، وعبد الله بن أبي القاضي، وحسين بن محمد القباني، ونحوهم. # فقد روي عن وكيع أنه قال: لا يكون الرجل عالما حتى يحدث عمن هو فوقه، ~~وعمن هو مثله، وعمن هو دونه. # وإنما قصدت بتمييز طبقات مشايخه؛ لأنه قد يظن من يعرف أنه يروي عن أتباع ~~التابعين حيث يروي روايته عمن هو أصغر منه أن في الإسناد غلطا أو عكس ذلك، ~~فإذا عرف ما حققت انتفت عنه الريبة. # * ### ||| AUTO ذكر سيرته وشمائله وزهده وفضائله # : # قال محمد بن أبي حاتم الوراق: سمعت أحمد بن حفص (¬1) يقول: دخلت على ~~إسماعيل والد البخاري بيته عند موته فقال: لا أعلم في مالي درهما من حرام ~~ولا درهما من شبهة. PageV01P091 # وروى غنجار من طريق بكر بن منير قال: حمل إلى محمد بن إسماعيل بضاعة، ~~فاجتمع به بعض التجار، فطلبوها منه بربح خمسة آلاف، فقال لهم: انصرفوا ~~الليلة، فجاءه من الغد تجار آخرون فطلبوا منه البضاعة [9/ أ] بربح عشرة ~~آلاف، فردهم وقال: إني نويت البارحة أن أدفع إلى ms013 أولئك ما طلبوا، ودفعها ~~إلى الأولين، وقال: لا أحب أن أنقض نيتي. # وقال محمد الوراق: كنت مع البخاري بفربر وهو يصنف كتاب التفسير، فاستلقى ~~يوما، وكان قد أتعب نفسه في ذلك اليوم في التخريج، فقلت له: إني أراك تقول: ~~ما أثبت شيئا بغير علم، فما الفائدة في الاستلقاء؟ قال فكدت (¬1)، وإن هذا ~~ثغر، وكنت قد أتعبت نفسي، فخشيت أن يحدث حدث من أمر العدو، فأحببت أن ~~أستريح وآخذ أهبة، فإن غافصنا (¬2) عدو كان بنا حراك، قال: وكان يركب إلى ~~الرمي كثيرا فما أعلمني في طول ما صحبته أخطأ سهمه الهدف إلا مرتين، بل كان ~~يصيب في كل ذلك ولا يلحق (¬3). # قال: وسمعته يقول: دعوت ربي مرتين فاستجاب لي -يعني: في الحال- فلا أحب ~~أن أدعو بعد فلعله ينقص حسناتي. # قال: وسمعته يقول: لا يكون لي خصم في الآخرة إن شاء الله فقلت له: إن بعض ~~الناس ينقمون عليك التاريخ، ويقولون: فيه اغتياب الناس، فقالى: إنما روينا ~~ذلك رواية، لم نقله من عند أنفسنا، وإنما قاله من قاله على سبيل النصح. # قال: وسمعته يقول: ما اغتبت أحدا قط منذ علمت أن الغيبة حرام. # وقال بكر بن منير: كان محمد بن إسماعيل يصلي ذات يوم، فلسعه الزنبور سبع ~~عشرة مرة، فلما قضى صلاته قال: انظروا أي شيء هذا الذي آذاني في صلاتي؟ ~~فنظروا فإذا الزنبور قد ورمه في سبعة عشر موضعا ولم يقطع صلاته. PageV01P092 # قال وراقه: وكان كثير الإحسان إلى الطلبة، مفرط الكرم، قليل الأكل جدا. # قال: وسمعته يقول: كنت أستغل في كل شهر خمسمائة فأنفقها في الطلب، وما ~~عند الله خير وأبقى. # وحكى أبو الحسن يوسف بن أبي أحمد البخاري أن محمد بن إسماعيل مرض، فعرضوا ~~ماءه على الأطباء، فقالوا: إن هذا الماء يشبه ماء بعض أساقفة النصارى، ~~فإنهم لا يأتدمون، فصدقهم وقال: لم أأتدم منذ أربعين سنة، فسئل على أن ~~يستعمل الأدم بعد ذلك فامتنع، فألح عليه المشايخ، فأجابهم أن يأكل مع الخبز ~~سكرة (¬1). # وقال [9/ ب] الحاكم: أخبرني محمد بن خالد، ms014 ثنا مسبح بن سعيد، قال: كان ~~البخاري إذا حضر رمضان يجتمع إليه أصحابه فيصلي بهم ويقرأ في كل ركعة عشرين ~~آية إلى أن يختم القرآن، وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث، وكان ~~يختم كل يوم ختمة عند الإفطار. # وقال وراقه: كان يصلي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، ~~ويقوم في الليل مرارا يأخذ القداحة فيوري نارا بيده ويسرج، ويخرج أحاديث ~~فيعلم عليها ثم يضع رأسه، ربما فعل ذلك في الليلة الواحدة عشرين مرة، فقلت ~~له: ألا (¬2) توقظني؟ فقال: أنت شاب فلا أحب أن أفسد عليك نومك. # وقال محمد بن منصور: كنا في مجلس البخاري، فرفع إنسان من لحيته قذاة ~~فطرحها، قال: فرأيته ينظر إليها وإلى الناس، فلما غفلوا أخذها فأدخلها في ~~كمه، فلما خرج من المسجد أخرجها فطرحها على الأرض. # وقال الحسن بن محمد السمرقندي: كانت فيه ثلاث خصال: كان قليل الكلام، ~~وكان لا يطمع فيما عند الناس، وكان لا يشتغل بأمور الناس. PageV01P093 # * ### ||| AUTO ذكر ثناء مشايخه عليه # : # قال سليمان بن حرب ونظر إليه يوما: هذا يكون له صيت، وكذا قال أحمد بن ~~حفص. وعنه قال: كنت إذا دخلت على سليمان بن حرب يقول: بين لنا غلط شعبة. # وعنه قال: كان إسماعيل بن أبي أويس إذا انتخبت من كتابه نسخ تلك الأحاديث ~~لنفسه ويقول: هذه الأحاديث انتخبها محمد بن إسماعيل من حديثي. # قال: وقال ابن أبي أويس: انظر في كتبي، فجميع ما أملك لك، وأنا شاكر لك ~~مادمت حيا. # وقال حاشد بن إسماعيل: قال لي أبو مصعب الزهري: محمد بن إسماعيل أفقه ~~عندنا وأبصر بالحديث من أحمد بن حنبل، فقال له رجل من جلسائه: أفرطت، فقال: ~~لو أدركت مالكا ونظرت إليه وإلى محمد بن إسماعيل لقلت كلاهما واحد في الفقه ~~والحديث. # وقال عبدان بن عثمان: ما رأيت -يعني: شابا- أبصر منه. # وقال قتيبة بن سعيد: جالست الفقهاء والزهاد والعباد، ما رأيت منذ عقلت ~~كمحمد بن إسماعيل ولو كان في الصحابة لكان آية. # وقتيبة رأى مالكا ms015 فمن دونه. # وقال الفربري: كنا عند قتيبة فسئل عن طلاق السكران، فقال للسائل: هذا ~~أحمد [10 / أ]، وإسحاق، وعلي بن المديني، قد ساقهم الله إليك وأشار إلى ~~البخاري. # قال: وكان يحيى بن معين ينقاد إليه في المعرفة. # وقال أحمد بن حنبل: ما أخرجت خراسان مثله. # وقال يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ونعيم بن حماد: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة. # وقال بندار: هو أفقه خلق الله في زماننا. # وكان عبد الله بن يوسف التنيسي، ومحمد بن سلام البيكندي وغيرهما يسألونه ~~أن ينظر في كتبهم ويوقفهم على الخطأ الذي فيها. # وقال حاشد بن إسماعيل: كنت عند إسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسماعيل جالس ~~معه على الكرسي، وإسحاق يحدث، فأنكر عليه محمد بن إسماعيل شيئا، PageV01P094 # فرجع إلى قوله وقال: يا معشر أصحاب الحديث، انظروا إلى هذا الشاب واكتبوا ~~عنه، فلو كان في زمن الحسن البصري لاحتاج إليه الناس لمعرفته بالحديث وفقهه. # وعن البخاري أنه كان يقول: ما استصغرت نفسي إلا عند علي بن المديني، ~~وربما كنت أغرب عليه، قال حامد (¬1) بن أحمد: فذكرت ذلك لعلي بن المديني ~~فقال: ذروا هذا، هو ما رأى مثل نفسه. # وقال الحسين بن حريث: لا أعلم أني رأيت مثله، وكذا قال علي بن حجر. # وقال رجاء بن مرجا: فضله على العلماء كفضل الرجال على النساء. # وقال عمرو بن علي الفلاس: كل حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل فليس بحديث. # وقال أيضا: ليس بخراسان مثله. # وقال أبو عيسى الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير فلما ~~قام قال له عبد الله: جعلك [الله] (¬2) زين هذه الأمة، قال الترمذي: ~~فاستجيب له فيه. # وقال الفربري: رأيت عبد الله بن منير يكتب عن محمد بن إسماعيل ويقول: أنا ~~من تلامذته. # هذا والبخاري قد حدث عنه في الجامع وغيره. # وقال أحمد بن الضوء: كان أبو بكر ابن أبي شيبة يسميه البازك، وكان يقول: ~~ما رأيت مثله، وكذا سمعت محمد بن عبد الله بن نمير يقول. # وقال يحيى بن جعفر البيكندي: ms016 لو قدرت أن أزيد من عمري في عمر محمد بن ~~إسماعيل لفعلت؛ لأن موتي موت رجل واحد، وموت محمد بن إسماعيل ذهاب العلم. # وقال عبد الله بن محمد المسندي: من لم يجعل محمد بن إسماعيل إماما ~~فاتهموه. # وقال أحمد بن إسحاق الرمادي: من أراد أن ينظر إلى فقيه بحقه وصدقه فلينظر ~~إلى محمد بن إسماعيل [10/ ب]. PageV01P095 # قلت: وكلام مشايخه في الثناء عليه وتعظيمه ووصفه بالإتقان (¬1) والحفظ ~~والمعرفة بالفقه أوسع من أن نحيط به، وفي هذا القدر كفاية. # وأما كلام أقرانه: فيتعين إيراد ما حضرنا منه، لأن العادة في الغالب أن ~~يقع التنافس بين الأقران، فقل من يحصل الثناء عليه مطلقا من أقرانه، فمن ~~ذلك قال أبو حاتم الرازي: لم تخرج خراسان أحفظ من محمد بن إسماعيل، ولا قدم ~~العراق أعلم منه. # وقال محمد بن الحريث: سألت أبا زرعة الرازي عن ابن لهيعة فقال: تركه أبو ~~عبد الله البخاري. # وقال عبيد العجل: ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل، ورأيت أبا زرعة وأبا حاتم ~~يستمعان إليه، وكان أمة من الأمم، دينا، فاضلا، يحسن كل شيء، وكان أعلم من ~~محمد ابن يحيى الذهلي بكذا وكذا. # وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: قد رأيت العلماء بالحرمين، ~~والحجاز، والشام، والعراق، فما رأيت فيهم أجمع من محمد بن إسماعيل، وهو ~~أعلمنا وأفقهنا وأكثرنا طلبا. # وقال أيضا: محمد أبصر مني، هو أكيس الناس. # وقال صالح جزرة: ما رأيت خراسانيا أفهم منه. # وقال فضلك الرازي: رافقته مرحلة، فاجتهدت أن أغرب عليه حديثا واحدا فلم ~~أقدر، وأنا أغرب على أبي زرعة عدد شعر رأسه. # وأما تعظيم مسلم، والترمذي، وابن خزيمة، والنسائي وغيرهم من تلامذته فمن ~~بعدهم له فأكثر من أن يحصر، وأشهر من أن يذكر، ولا عجب فيه؛ لأن مشايخه إذا ~~أطنبوا فيه ذلك الإطناب وهو شاب فكيف يكون الحال فيه إذا كبر وشاب. PageV01P096 # * ### ||| AUTO ذكر نبذ مما روي من سعة حفظه وفرط ذكائه # : # قد تقدم منه أشياء، وأشهرها قصة المائة حديث التي قلبها أهل بغداد، ~~فاستحضرها كلها، ms017 ورد أسانيدها إلى متونها على الصواب، وسردها لهم على ترتيب ~~ما أوردوا عليه من مرة واحدة، حكاها ابن عدي والخطيب وغيرهما. # وقال أبو بكر الكلوذاني: كان البخاري يأخذ الكتاب من العلم، فيطلع إليه ~~اطلاعة، فيحفظ عامة أحاديثه من مرة. # وقال أبو الأزهر: كان بسمرقند أربعمائة محدث، فأحبوا أن يغالطوا محمد بن ~~إسماعيل، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد اليمن في إسناد ~~الحرم، وامتحنوه به، فما تعلقوا عليه بسقطة. # وقال وراقه: سمعته [11/ أ] يقول: ما نمت البارحة حتي عددت كم أدخلت ~~تصانيفي من الحديث، فإذا نحو من مائتي ألف. # وقال عنه أيضا: ما جلست للتحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم، وحتى نظرت في ~~كتب أهل الرأي وعرفت قولهم، فلا أعلم شيئا يحتاج إليه إلا وهو في الكتاب ~~والسنة، قال: فقلت له: يمكن معرفة ذلك؟ ! قال: نعم. # وقال أحمد بن حمدون: رأيت البخاري في جنازة، ومحمد بن يحيى الذهلي يسأله ~~عن الأسماء والعلل، وهو يمر فيها مثل السهم كأنه يقرأ: {قل هو الله أحد (1)}. # * ### ||| AUTO ذكر تصانيفه والرواة عنه # : # فمنها (الجامع الصحيح)، وكان سبب تصنيفه ما حكاه إبراهيم بن معقل النسفي ~~عنه قال: كنا عند إسحاق بن راهويه، فقال بعض أصحابه: لو جمعتم كتابا جامعا ~~مختصرا لسنن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: فوقع ذلك في قلبي. # قال: وسمعته يقول: ما أدخلت فيه إلا ما صح، وتركت من الصحاح كي لا يطول ~~الكتاب. # وقال محمد بن سليمان بن فارس: سمعته يقول: رأيت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في النوم، PageV01P097 # وكأنني واقف بين يديه، وبيدي مروحة أذب عنه، فقال لي بعض أهل التعبيرات: ~~تذب عنه الكذب، قال: فحملني ذلك على تخريج الصحيح. # وقال أبو الهيثم الكشميهني: سمعت الفربري يقول: قال البخاري: ما وضعت في ~~كتاب الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين. # وقال الفربري عن البخاري: صنفت الصحيح في ست عشرة سنة، وخرجته من ستمائة ~~ألف حديث، وجعلته حجة بيني وبين الله. # وقال الفربري: سمعت محمد بن أبي حاتم وراق البخاري ms018 يقول: رأيت البخاري في ~~النوم خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يمشي، فكلما رفع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قدمه وضع أبو عبد الله قدمه في ذلك الموضع. # وروى ابن عدي عن الفربري, عن نجم بن فضيل أنه قال: رأيت. . . فذكر نحو ~~هذا المنام. # وروى شيخ الإسلام الهروي في "ذم الكلام" له من طريق أبي سهل محمد بن أحمد ~~المروزي قال: سمعت أبا زيد المروزي الفقيه الشافعي يقول: رأيت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في المنام، وكنت نائما بين الركن والمقام، فقال له: يا ~~أبا زيد، إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي؟ ! فقلت: يا رسول الله، ~~وما كتابك؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل البخاري. انتهى [11/ ب]. # وأشهر الرواة عنه له: الفربري، وهو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن ~~صالح، ومنهم حماد بن شاكر، وإبراهيم بن معقل النسفي، ومهيب بن سليم، وأبو ~~طلحة منصور بن محمد بن علي البزدوي، وهو آخر من كان يروي الصحيح عن البخاري ~~موتا، قاله ابن ماكولا وغيره. # وأما قول الفربري: سمع الجامع من محمد بن إسماعيل تسعون ألفا، فما بقي ~~منهم أحد غيري، فلعله لم يشعر ببقاء البزدوي المذكور. # ومن تصانيفه: (الأدب المفرد) يرويه عنه أحمد بن محمد بن الجليل -بالجيم- ~~البزاز. # و(رفع اليدين في الصلاة)، و (القراءة خلف الإمام) يرويهما عنه محمود بن PageV01P098 # إسحاق الخزاعي، وهو آخر من حدث عنه ببخارى. # و(بر الوالدين) يرويه عنه محمد بن دلويه الوراق. # و(التاريخ الكبير) يرويه عنه أبو أحمد محمد بن سليمان بن فارس، وأبو ~~الحسن محمد بن سهل النسوي وغيرهما، وهو الذي قال فيه ابن عقدة: لا يستغني ~~عنه محدث. # و(التاريخ الأوسط) يرويه عنه عبد الله بن أحمد بن عبد السلام الخفاف. # و(التاريخ الصغير) يرويه عنه عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأشقر. # و(خلق أفعال العباد) يرويه عنه يوسف بن ريحان بن عبد الصمد ورواه عنه ~~أيضا الفربري. # و(كتاب الضعفاء) يرويه عنه أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي، ومسبح ~~بن ms019 سعيد. وهذه التصانيف كلها موجودة مروية لنا بالسماع وبالإجازة. # * ومن تصانيفه أيضا: # (الجامع الكبير) ذكره ابن طاهر. # و(المسند الكبير). # و(التفسير الكبير) ذكره التبريزي (¬1). # و(كتاب الأشرية) ذكره الدارقطني. # و(أسامي الصحابة) ذكره أبو عبد الله ابن منده، وذكر ابنه القاسم بن منده ~~أنه يرويه من طريق محمد بن سليمان بن فارس عنه. # وذكر من تصانيفه أيضا (كتاب العلل)، وأنه يرويه عن محمد بن عبد الله بن ~~حمدون إجازة عن عبد الله بن الشرقي عنه. # و(كتاب الكنى المفرد) ذكره الحاكم أبو أحمد. # و(كتاب الهبة) ذكره وراقه محمد بن أبي حاتم. # و(كتاب الفوائد) ذكره الترمذي في أثناء المناقب من جامعه (¬2). وغير ذلك. PageV01P099 # وروى عنه من مشايخه: عبد الله بن محمد المسندي، وعبد الله بن منير، ~~وإسحاق ابن أحمد السرماري، ومحمد بن خلف بن قتيبة ونحوهم. # ومن أقرانه فمن بعدهم: عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأبو زرعة ~~[12/أ]، وأبو حاتم، وإبراهيم الحربي، وابن أبي عاصم، وصالح جزرة، وابن أبي ~~الدنيا، وأبو بكر البزار، ومحمد بن نصر المروزي، وعبيد العجل، ومسلم بن ~~الحجاج، وأبو الفضل أحمد بن سلمة، وحسين بن محمد القباني، وموسى بن هارون ~~الحمال، وأبو عمرو الخفاف، ويعقوب بن الأخرم، ومحمد بن عبد الله مطين، وأبو ~~بكر ابن خزيمة، والبحيري، وجعفر بن محمد النيسابوري، وأبو عيسى الترمذي ~~وتلمذ له، وأبو عبد الرحمن النسائي وروى أيضا عن رجل عنه، وأبو بكر بن أبي ~~داود (¬1)، ويحيى بن محمد صاعد، والحسين بن إسماعيل المحاملي وهو آخر من ~~حدث عنه ببغداد. # ويكفي في التنبيه على كثرة الرواة عنه قول الفربري المتقدم: أنه سمع منه ~~الجامع الصحيح تسعون ألفا. # * ### ||| AUTO ذكر وفاته # : # كان قد خرج من بلده لغلبة أصحاب الرأي، فاستوطن بنيسابور، فوقع بينه وبين ~~محمد بن يحيى الذهلي منازعة في مسألة، فرجع إلى بخارى بسبب ذلك، وقصته مع ~~الذهلي مشهورة لا حاجة إلي الإطالة يها، فلما رجع إلى بخارى راسله أميرها ~~خالد بن أحمد الذهلي أن يحضر عنده ليسمع عليه الحديث، فامتنع وقال لرسوله: ~~قل له: أنا ms020 لا أذل العلم، فإن كانت له حاجة فليحضر في مسجدي أو داري، فكان ~~ذلك سبب الوحشة بينهما. # ثم راسله ثانيا بأن يفرد لأولاده وقتا يحدثهم فيه، فامتنع أيضا، فاستمرت ~~الوحشة بينهما إلى أن أمر خالد بأن يخرج من البلد، فأجاب إلى الخروج، ودعا ~~على من كان PageV01P100 # السبب، فلم يأت على خالد إلا أقل من شهر حتى ورد الأمر من أمير خراسان ~~بعزله، وأن ينادى عليه، فأركب حمارا على إكاف، ثم صار أمره إلى الذل والحبس ~~إلى أن مات، حكى ذلك الحاكم بسنده الصحيح. # وقال ابن عدي: سمعت عبد القدوس بن عبد الجبار السمرقندي يقول: خرج ~~البخاري إلى خرتنك قرية من قرى سمرقند، فنزل على بعض أقربائه هناك، قال: ~~فسمعته ليلة من الليالي وقد فرغ من صلاة الليل يدعو ويقول في دعائه: اللهم ~~إني قد ضاقت علي الأرض بما رحبت، فاقبضني إليك. قال: فما تم الشهر حتى قبضه الله. # وقال محمد بن أبي حاتم الوراق: سمعت أبا منصور غالب بن جبريل -وهو الذي ~~نزل عليه البخاري بخرتنك- يقول: إنه أقام عنده أياما، فمرض واشتد به المرض، ~~فاتفق وصول رسول من أهل سمرقند إليه أن يخرج إليهم فأجاب، فلما تهيأ للركوب ~~ومشى قدر عشرين خطوة وأنا آخذ بعضده ورجل آخر معي يقوده إلى الدابة ~~ليركبها، فقال: أرسلوني فقد ضعفت، فدعا بدعوات، ثم اضطجع فقضى، وسال منه ~~عرق كثير، وكان قد قال لنا: كفنوني في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا ~~عمامة، ففعلنا، فلما دفناه فاح من تراب قبره رائحة طيبة كالمسك ودامت ~~أياما، وجعل الناس يختلفون إلى القبر أياما يأخذون من ترابه إلى أن جعلنا ~~عليه خشبا مشبكا. # وقال أبو أحمد محمد بن محمد بن مكي الجرجاني أحد رواة الصحيح عن الفربري: ~~سمعت عبد الواحد بن آدم الطواويسي يقول: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في النوم ومعه جماعة من أصحابه وهو واقف في موضع، فسلمت عليه، فرد علي ~~السلام، فقلت: ما وقوفك هنا يا رسول الله؟ قال: "أنتظر محمد بن إسماعيل"، ~~فلما ms021 كان بعد أيام بلغني موته، فنظرت فإذا هو قد مات في الساعة التي رأيت ~~فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". # وكانت وفاته ليلة السبت ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين، ذكره مهيب ~~ابن سليم، والحسن بن الحسين البزاز وغيرهما، وأرخه ابن قانع وابن زبر وغير ~~واحد، وكانت مدة عمره اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوما، رحمه الله ~~تعالى. PageV01P101 ### ||| AUTO ذكر الضوابط التي أشرت إليها ### |||| AUTO أولها: ضابط في تسمية من ذكر بكنيته، فإن لم يعرف له اسم بينته # : # * ### ||||| AUTO حرف الألف # : # أبو الأحوص التابعي: عوف بن مالك. # أبو الأحوص من طبقة حماد بن زيد، اسمه: سلام بن سليم. # أبو إدريس الخولاني: عائذ الله بن عبد الله. # أبو إسحاق السبيعي: عمرو بن عبد الله الكوفي. # أبو إسحاق الشيباني: سليمان بن أبي سليمان. # أبو إسحاق الفزاري: إبراهيم بن محمد بن الحارث الدمشقي. # أبو الأسود الدؤلي: ظالم بن عمرو، تابعي مخضرم. # أبو الأسود عن عروة: هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل. # أبو أسيد الساعدي: صحابي اسمه مالك بن ربيعة. # أبو الأشهب العطاردي جعفر بن حبان. # أبو أمامة بن سهل، اسمه: أسعد بن سهل بن حنيف. # أبو أنس الأصبحي حليف بني تيم، اسمه: مالك بن أبي عامر. # أبو إياس: معاوية بن قرة المزني. # * ### ||||| AUTO حرف الباء # : # أبو البدر شجاع بن الوليد الكوفي. # أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، قيل اسمه: الحارث، وقيل: عامر. # أبو بردة بن نيار خال البراء بن عازب، اسمه: هانئ، وقيل: الحارث، وقيل ~~غير ذلك. PageV01P102 # أبو بردة الأصغر: بريد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى. # أبو برزة الأسلمي: نضلة بن عبيد، وقيل غير ذلك. # أبو بشر، عن سعيد بن جبير، هو: جعفر بن أبي وحشية إياس. # أبو بشير الأنصاري صحابي، قيل: اسمه: قيس بن عبيد. # أبو بكر بن أصرم، اسمه: بور أوله حرف بين الباء والفاء مضموم، وآخره راء. # أبو بكر بن الأسود (¬1)، هو: عبد الله بن محمد بن حمير بن الأسود. # أبو بكر ms022 بن حزم، هو: ابن محمد بن عمرو بن حزم، نسب إلى جد أبيه. # أبو بكر بن أبي أويس، اسمه عبد الحميد بن عبد الله. # أبو بكر بن أبي حثمة، هو: ابن سليمان بن أبي حثمة العدوي، نسب إلى جده. # أبو بكر بن سالم بن عبد الله بن عمر، لا يعرف اسمه. # أبو بكر بن أبي شيبة، اسمه: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن ~~عثمان الكوفي. # أبو بكر بن شيبة، اسمه: عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة، نسب إلى جده، ~~وهو مدني. # أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن [بن] (¬2) عبد الله بن عمر، اسمه كنيته. # أبو بكر بن عياش الكوفي المقرئ، قيل: اسمه شعبة، ورجحه أبو زرعة، وقيل ~~غير ذلك على عشرة أقوال، وصحح ابن حبان أن اسمه كنيته. # أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: الأصح أن اسمه كنيته. # أبو بكر بن المنكدر، اسمه كنيته، وهو أخو محمد، ومحمد أشهرهما. # أبو بكر بن أبي موسى، قيل: اسمه عمرو، وقيل: عامر، وقال ابن سعد: اسمه PageV01P103 # كنيته. # أبو بكر الحنفي (¬1)، اسمه: عبد الكبير بن عبد المجيد. # أبو بكر الصديق: عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر التيمي، وله اسم ~~آخر وهو: عتيق. # أبو بكرة (¬2) الثقفي صحابي: نفيع. # * ### ||||| AUTO حرف التاء # : # أبو تميلة المروزي: يحيى بن واضح. # أبو تميمة الهجيمي (¬3): طريف بن مجالد. # أبو تميم: هو الجيشاني، واسمه: عبد الله بن مالك. # أبو توبة الحلبي: الربيع بن نافع. # أبو التياح: يزيد بن حميد الضبعي. # * ### ||||| AUTO حرف الثاء # : # أبو ثابت المدني: محمد بن عبيد الله، من شيوخ البخاري. # أبو ثعلبة الخشني، اسمه: جرثوم على المشهور، وقيل غير ذلك. # * ### ||||| AUTO حرف الجيم # : # أبو جحيفة السوائي: وهب بن عبد الله. # أبو جعفر الباقر: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. # أبو جعفر السمناني: محمد بن جعفر. # أبو جمرة الضبعي: نصر بن عمران. # أبو جهيم بن الحارث بن الصمة، قيل اسمه: عبد الله. PageV01P104 # أبو الجويرية الجرمي، اسمه: ms023 حطان بن خفاف. # * ### ||||| AUTO حرف الحاء # : # أبو حازم الأشجعي عن أبي هريرة، اسمه: سلمان. # أبو حازم عن سهل بن سعد ومن دونه، هو: سلمة بن دينار المدني الأعرج. # أبو الحباب: سعيد بن يسار المدني. # أبو حبة البدري الأنصاري؛ قيل اسمه: عمرو، وقيل: عامر، وقيل: مالك، وقيل ~~غير ذلك. # أبو حذيفة النهدي: موسى بن مسعود. # أبو حسان عن ابن عباس: اسمه مسلم بن عبد الله. # أبو الحسن السوائي، اسمه: عطاء. # أبو حصين الأسدي -بفتح أوله-، اسمه: عثمان بن عاصم. # أبو حفص بن العلاء: قيل اسمه: عمرو. # أبو حمزة السكري المروزي محمد بن ميمون، من طبقة حماد بن زيد. # أبو حميد الساعدي، اسمه: عبد الرحمن، وقيل: المنذر. # أبو حيان التيمي: يحيى بن سعيد بن حيان. # * ### ||||| AUTO حرف الخاء # : # أبو خالد الأحمر: سليمان بن حيان. # أبو خلدة السعدي: خالد بن دينار. # أبو خيثمة: زهير بن معاوية الجعفي. # أبو خيثمة: زهير بن حرب، من شيوخ البخاري. # أبو الخير: مرثد بن عبد الله اليزني. # * ### ||||| AUTO حرف الدال # : # أبو داود الطيالسي: سليمان بن داود. # أبو الدرداء، اسمه: عويمر على الصحيح. PageV01P105 # * ### ||||| AUTO حرف الذال # : # أبو ذبيان: خليفة بن كعب. # أبو ذر الغفاري: جندب بن جنادة على المشهور. # * ### ||||| AUTO حرف الراء # : # أبو رافع الصائغ: نفيع، تابعي. # أبو رافع مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، اسمه: أسلم، وقيل: ~~إبراهيم، وقيل غير ذلك. # أبو الربيع الزهراني: سليمان بن داود. # أبو الرجال: محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، وأمه: عمرة. # أبو رجاء مولى أبي قلابة، اسمه: سلمان، ومن قاله: سليمان، فقد صحف. # أبو الرحال الطائي: عقبة بن عبيد. # * ### ||||| AUTO حرف الزاي # : # أبو زبيد: عبثر بن القاسم. # أبو الزبير: محمد بن مسلم بن تدرس. # أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة، قيل: اسمه هرم، وقيل غير ذلك، ~~وقيل: اسمه كنيته. # أبو الزناد: عبد الله بن ذكوان. # أبو زيد الهروي: سعيد بن الربيع. # * ### ||||| AUTO حرف السين # : # أبو سعيد الأشج: عبد الله بن سعيد. # أبو سعيد بن المعلى الأنصاري، يقال اسمه: رافع، ms024 وقيل: الحارث. # أبو سعيد الخدري: سعد بن مالك بن سنان. # أبو سعيد المقبري: كيسان المدني. # أبو سعيد مولى بني هاشم، اسمه: عبد الرحمن بن عبد الله. # أبو السفر: سعيد بن يحمد. # أبو سفيان: صخر بن حرب بن أمية. PageV01P106 # أبو سفيان صاحب جابر، اسمه: طلحة بن نافع. # أبو سفيان المعمري: محمد بن حميد. # أبو سفيان الحميري: سعيد بن يحيى الواسطي. # أبو سفيان مولى ابن أبي أحمد، قيل اسمه: وهب، وقيل: قزمان، وكان مولى ~~لبني عبد الأشهل، ولازم ابن أبي أحمد فعرف به. # أبو السكين الطائي: زكريا بن يحيى. # أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قيل اسمه: عبد الله، وقيل: إسماعيل، وقيل ~~غير ذلك. # أبو سلمة التبوذكي: موسى بن إسماعيل، شيخه. # أبو سلمة الخزاعي: منصور بن سلمة. # أبو سهيل بن مالك بن أبي عامر: نافع. # أبو السوار العدوي: حسان بن حريث، وقيل: حريث بن حسان، وقيل غير ذلك. # * ### ||||| AUTO حرف الشين # : # أبو شريح الخزاعي الكعبي العدوي: خويلد بن عمرو على المشهور، وقيل: عبد ~~الرحمن، وقيل غير ذلك. # أبو شريح المصري: عبد الرحمن بن شريح. # أبو الشعثاء: جابر بن زيد، تابعي. # أبو شهاب الحناط -بالمهملة والنون- وهو الكبير، اسمه: موسى بن نافع، له ~~موضع واحد في الحج (¬1). # أبو شهاب الحناط الصغير، اسمه: عبد ربه بن نافع، كثير الحديث. # * ### ||||| AUTO حرف الصاد # : # أبو صالح عن الليث، هو: عبد الله بن صالح. PageV01P107 # أبو صالح السمان الزيات، اسمه: ذكوان، صاحب أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري. # أبو صالح مولى التوأمة، اسمه: نبهان، مقل. # أبو صخرة: جامع بن شداد الكوفي. # أبو الصديق الناجي: بكر بن عمرو. # أبو صفوان: عبد الله بن سعيد الأموي. # * ### ||||| AUTO حرف الضاد # : # أبو الضحى: مسلم بن صبيح الكوفي، صاحب مسروق. # أبو ضمرة: أنس بن عياض الليثي المدني. # * ### ||||| AUTO حرف الطاء # : # أبو الطفيل: عامر بن واثلة. # أبو طلحة: زيد بن سهل الأنصاري. # أبو طوالة: عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري. # * ### ||||| AUTO حرف الظاء # : # أبو ظبيان: حصين بن جندب. # أبو ظلال: هو هلال بن أبي هلال، ms025 ومن قال فيه: ابن هلال، فقد أخطأ. # * ### ||||| AUTO حرف العين # : # أبو عاصم شيخ البخاري: هو الضحاك بن مخلد النبيل. # أبو العالية: هو الرياحي: رفيع. # أبو العالية البراء -بالتشديد-: زياد، وقيل: كلثوم. # أبو عامر العقدي: عبد الملك بن عمرو (¬1). # أبو عامر الأشعري: في الأشربة (¬2)، لا يعرف اسمه. PageV01P108 # أبو عباد: يحيى بن عباد الضبعي. # أبو العباس الشاعر الأعمى: هو السائب بن فروخ المكي. # أبو عبد الله الأغر: سلمان. # أبو عبد الله الصنابحي: عبد الرحمن بن عسيلة. # أبو عبد الرحمن السلمي: عبد الله بن حبيب. # أبو عبد الرحمن المقرئ: عبد الله بن يزيد. # أبو عبد الصمد العمي: عبد العزيز بن عبد الصمد. # أبو عبس بن جبر: اسمه عبد الرحمن، وقيل: عبد الله. # أبو عبيد القاسم بن سلام، له موضعان من قوله (¬1). # أبو عبيد عن عقبة بن وساج، هو: حاجب (¬2) سليمان، اسمه: حي، وقيل: حيي، ~~وقيل غير ذلك. # أبو عبيد مولى ابن أزهر: اسمه سعد بن عبيد. # أبو عبيدة بن الجراح: هو عامر بن عبد الله [بن الجراح] (¬3)، نسب لجده، ~~الفهري. # أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، قيل: اسمه عامر. # أبو عبيدة الحداد: عبد الواحد بن واصل. # أبو عثمان: الجعد بن دينار عن أنس. # أبو عثمان الفهري: عبد الرحمن بن ملء، تابعي كبير. # أبو عثمان التبان مولى المغيرة، اسمه: سعيد، وقيل: عمران. # أبو عطية الوادعي، اسمه: مالك بن عامر، وقيل: ابن أبي عامر، وقيل غير ~~ذلك. PageV01P109 # أبو عقيل الدورقي: بشير بن عقبة. # أبو عقيل: زهرة بن معبد. # أبو علي الحنفي: عبيد الله بن عبد المجيد. # أبو عمر الحوضي: حفص بن عمر. # أبو عمر مولى أسماء بنت أبي بكر، اسمه: عبد الله بن كيسان. # أبو عمرو الأوزاعي: عبد الرحمن بن عمرو. # أبو عمرو الشيباني: سعد بن إياس. # أبو عمرو مولى عائشة، اسمه: ذكوان. # أبو عمران الجوني: عبد الملك بن حبيب. # أبو العميس: عتبة بن عبد الله المسعودي. # أبو عوانة: الوضاح بن عبد الله اليشكري. # أبو عون الثقفي: محمد بن عبد الله. # أبو العلاء بن ms026 عبد الله بن الشخير: اسمه يزيد. # أبو عياض: عمرو بن الأسود العنسي. # * ### ||||| AUTO حرف الغين # : # أبو غسان: يحيى بن كثير العنبري. # أبو غسان المدني: محمد بن مطرف. # أبو غسان النهدي: شيخ البخاري، اسمه مالك بن إسماعيل. # أبو غلاب: يونس بن جبير الباهلي. # أبو الغيث: سالم مولى ابن مطيع، مدني. # * ### ||||| AUTO حرف الفاء # : # أبو فروة الجهني: مسلم بن سالم، هو الأصغر. # أبو فروة الأكبر: عروة بن الحارث الهمداني، تابعي. PageV01P110 # * ### ||||| AUTO حرف القاف # : # أبو قتادة الأنصاري، اسمه: الحارث بن ربعي على المشهور. # أبو قتيبة: سلم بن قتيبة الشعيري. # أبو قدامة: الحارث بن عبيد. # أبو قدامة السرخسي: عبيد الله بن سعيد. # أبو قلابة الجرمي عن أنس، اسمه: عبد الله بن زيد. # أبو قيس الأودي: عبد الرحمن بن ثروان. # أبو قيس مولى عمرو بن العاصي: اسمه كنيته. # * ### ||||| AUTO حرف الكاف # : # أبو كبشة السلولي: لا يعرف اسمه، ووهم فيه الحاكم. # أبو كدينة: يحيى بن المهلب. # أبو كريب: محمد بن العلاء بن كريب. # * ### ||||| AUTO حرف اللام # : # أبو لبابة الأنصاري: بشير، وقيل: رفاعة بن عبد المنذر. # أبو ليلى بن عبد الله شيخ مالك: لم يسم، وقيل: هو أبو ليلى عبد الله. # * ### ||||| AUTO حرف الميم # : # أبو مالك الأشعري: لا يعرف اسمه، وقيل: هو الحارث بن الحارث. # أبو المتوكل الناجي: علي بن داود، وقيل: ابن دؤاد (¬1). # أبو مجاهد الطائي: اسمه سعد. # أبو مجلز: لاحق بن حميد. # أبو محمد الحضرمي: لم يسم، فقيل: هو أفلح مولى أبي أيوب، ولم يصح. # أبو محمد مولى أبي قتادة عتبة، اسمه: نافع بن عباس. PageV01P111 # أبو مراوح الغفاري، عن أبي ذر، قيل: اسمه واقد. # أبو مرة مولى عقيل، قيل: اسمه يزيد. [15 /ب] # أبو مريم الأسدي: عبد الله بن زياد. # أبو مساور: الفضل بن مساور. # أبو مسعود البدري: اسمه عقبة بن عمرو الأنصاري. # أبو مسعود الجريري: سعيد بن إياس. # أبو مسلم قائد الأعمش، اسمه: عبيد الله بن سعيد. # أبو مصعب الزهري المدني: أحمد بن أبي بكر. # أبو معاوية الضرير: محمد بن خازم بمعجمتين. # أبو معاوية ms027 النحوي: شيبان (¬1) بن عبد الرحمن. # أبو معبد مولى ابن عباس عنه: اسمه نافذ. # أبو معشر البراء: يوسف بن يزيد. # أبو معشر شيخ بخاري حكى عنه الفربري في تفسير: {ألم نشرح} (¬2). اسمه: ~~الفضل ابن أحمد بن يعقوب النسفي، وقد روى هو عن البخاري. # أبو المعلى صاحب سعيد بن جبير، اسمه: يحيى بن ميمون. # أبو معمر صاحب ابن مسعود، اسمه: عبد الله بن سخبرة. # أبو معمر المقعد شيخ البخاري، اسمه: عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج. # أبو المغيرة: عبد القدوس بن الحجاج، حمصي. PageV01P112 # أبو المليح بن أسامة الهذلي، اسمه: عامر، وقيل: زيد. # أبو المنهال، صاحب أبي بردة، اسمه: سيار بن سلامة. # أبو المنهال عن زيد بن أرقم والبراء وغيرهما، اسمه: عبد الرحمن بن مطعم. # أبو موسى: عبد الله بن قيس الأشعري الصحابي. # أبو موسى: محمد بن المثنى البصري المعروف بالزمن. # أبو موسى عن الحسن، اسمه: إسرائيل بن موسى. # أبو موسى عن جابر في صلاة الخوف (¬1)؛ قيل: هو الغافقي، ولم يثبت، وقيل: ~~هو علي بن رباح. # أبو ميسرة: تابعي، اسمه: عمرو بن شرحبيل. # * ### ||||| AUTO حرف النون # : # أبو النجاشي: تابعي، اسمه: عطاء بن صهيب. # أبو نصر عن ابن عباس: لا يعرف اسمه. # أبو النضر: هاشم بن القاسم، بغدادي. # أبو النضر الدمشقي الفراديسي، اسمه: إسحاق بن إبراهيم بن يزيد، وقد ينسب ~~إلى جده. # أبو نضرة العبدي العوقي، اسمه: المنذر بن مالك بن قطعة (¬2). # أبو النعمان: محمد بن الفضل السدوسي (¬3)، وهو عارم. # أبو نعيم: الفضل بن دكين بن زهير، كوفي. # أبو نوح: عبد الرحمن بن غزوان، قراد. PageV01P113 # * ### ||||| AUTO حرف الهاء # : # أبو هارون، هو: الغنوي، واسمه: إبراهيم بن [16 / أ] العلاء، ذكر في موضع ~~واحد (¬1). # أبو هاشم الرماني: يحيى بن دينار أو ابن نافع. # أبو هريرة: مختلف في اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرا إذا حصل (¬2) يرجع ~~قليلا باعتبار ما كان في الجاهلية وغير في الإسلام، فجزم ابن إسحاق بأنه: ~~عبد الرحمن بن صخر، وحكى ذلك عن بعض أصحابه، عن أبي هريرة قال: كان اسمي ~~عبد شمس ms028 بن صخر فسماني النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الرحمن، ورواه ~~الحاكم في المستدرك (¬3) من هذا الوجه. # ويقويه ما رواه ابن خزيمة في "صحيحه" من طريق محمد بن عمر، عن أبي سلمة، ~~عن أبي هريرة قال: كان اسمي عبد شمس، وقال ابن خزيمة: اسمه -يعني: في ~~الإسلام-: عبد الله أو عبد الرحمن (¬4)، رواه ابن السكن من طريق أبي ~~إسماعيل المؤدب، عن الأعمش (¬5)، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، واسمه عبد ~~الرحمن بن صخر (¬6)، قال ابن السكن: كذا في الإسناد ولا أدري من سماه. انتهى # وصحح قول ابن إسحاق خلق من المتأخرين، وخالفهم الدمياطي، فجزم بما قال ~~ابن الكلبي أنه عمير بن عامر، والله أعلم. # أبو هشام: المغيرة بن سلمة المخزومي. # أبو همام: محمد بن الزبرقان. # أبو هلال الراسبي: محمد بن سليم. PageV01P114 # * ### ||||| AUTO حرف الواو # : # أبو واقد الليثي: صحابي، اسمه: الحارث بن مالك، وقيل غير ذلك. # أبو وائل: شقيق بن سلمة، تابعي. # أبو الوليد الطيالسي: هشام بن عبد الملك. # أبو الوليد صاحب ابن سيرين، اسمه: عبد الله بن الحارث. # * حرف لا (¬1): # أبو لاس الخزاعي، يقال: هو عبد الله بن عنمة (¬2) ولا يصح، وهو صحابي له ~~موضع واحد (¬3). # * ### ||||| AUTO حرف الياء # : # أبو يزيد المدني: تابعي، قال أبو زرعة: لا يسمى. # أبو يعفور (¬4) الأكبر: تابعي، اسمه: وقدان، وقيل: واقد. # أبو يعفور الأصغر: عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس. # أبو يعلى: منذر الثوري، عن ابن الحنفية. # أبو يعلى التوزي: محمد بن الصلت. # أبو اليمان: الحكم بن نافع الحمصي شيخ البخاري. PageV01P115 ### ||||| AUTO فصل: في النساء # أم حبيبة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، هي: رملة بنت أبي سفيان. # أم حرام بنت ملحان: هي الغميصاء. # أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاصي: اسمها أمة. # أم رومان والدة عائشة، اسمها: زينب، وقيل: دعد. # أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -[16 /ب]، اسمها: هند بنت أبي أمية. # أم سليم والدة أنس، يقال: اسمها سهلة، ويقال: رميلة، ويقال: مليكة، ويقال ~~لها: الرميصاء. # أم شريك، يقال اسمها: ms029 غزية، ويقال: غزيلة. # أم عمرو بنت عبد الله بن الزبير: كنيتها اسمها. # أم العلاء الأنصارية: لا يعرف اسمها، ويقال: هي والدة خارجة بن زيد بن ~~ثابت، والأصح أن أمه غيرها. # أم الفضل الهلالية زوجة العباس أخت ميمونة أم المؤمنين، اسمها: لبابة بنت ~~الحارث. # أم قيس بنت محصن الأسدية: حكى أبو القاسم الجوهري أن اسمها آمنة. # أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط: كنيتها اسمها. # أم هانئ بنت أبي طالب، اسمها: فاختة، وقيل: هند، وقيل غير ذلك. # أم يعقوب لها قصة مع ابن (¬1) مسعود: لم تسم. # آخر الكنى. PageV01P116 ### |||| AUTO ثانيها: ضابط في التعريف بمن ذكر بالبنوة # (¬1) # * ### ||||| AUTO حرف الألف # : # ابن أبزى، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو عن الصحابة: هو عبد ~~الرحمن. # ابن أبزى عن أبيه: هو سعيد بن عبد الرحمن. # ابن أخي الزهري: محمد بن عبد الله بن مسلم. # ابن إدريس: عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي. # ابن إدريس الشافعي: محمد، ذكر كلامه في موضعين: الزكاة (¬2)، والعرايا (¬3). # ابن أذينة: عبد الرحمن، ذكر في الوصايا (¬4). # ابن إسحاق: محمد. # ابن أشوع: سعيد بن عمرو بن أشوع. # ابن الأصبهاني: عبد الرحمن بن عبد الله. # ابن أفلح عن أبي محمد مولى أبي قتادة: هو عمر بن كثير بن أفلح نسب لجده. # ابن أم عبد: هو عبد الله بن مسعود (¬5). # ابن أبي أوفى: عبد الله. # ابن أبي أويس: إسماعيل. # ابن أبي أيوب: سعيد. # * ### ||||| AUTO حرف الباء # : # ابن بحينة: عبد الله بن مالك بن القشب، وبحينة: أمه. PageV01P117 # ابن براد: عبد الله. # ابن أبي بردة: سعيد. # ابن بريدة: هو عبد الله، ولم يخرج المصنف لسليمان بن بريدة أخيه شيئا. # ابن بشار: هو بندار، واسمه: محمد. # ابن بكير المصري: يحيى بن عبد الله بن بكير، نسب لجده. # ابن أبي بكير الكرماني: اسمه يحيى، واسم أبي بكير: نسر، بنون مفتوحة ثم ~~مهملة ساكنة. # ابن أبي بكرة: اسمه عبد الرحمن. # ابن أبي بكر أنه أخبر عبد الله بن عمر عن عائشة: هو عبد الله بن محمد بن ~~أبي بكر ms030 الصديق أخو القاسم بن محمد الفقيه (¬1). # * ### ||||| AUTO حرف التاء والثاء # : # ابن التيمي: هو معتمر بن سليمان. # ابن أبي ثور: عبد الله بن عبد الله بن أبي ثور، نسب لجده. # * ### ||||| AUTO حرف الجيم # : # ابن جابر: هو عبد الرحمن [17 / أ] بن يزيد بن جابر الدمشقي، نسب لجده. # ابن جابر في حديث أبي بردة بن نيار، هو: عبد الرحمن، وأبوه جابر بن عبد ~~الله الصحابي. # ابن جريج: هو عبد الملك بن عبد العزيز [بن جريج] (¬2)، نسب لجده. # ابن جعفر: هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. # ابن أبي جعفر: عبيد الله المصري. # * ### ||||| AUTO حرف الحاء # : # ابن أبي حازم: عبد العزيز بن سلمة بن دينار. PageV01P118 # ابن أبي حبيب: يزيد. # ابن أبي حثمة: أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة، نسب لجده. # ابن حزم في حديث الإسراء (¬1)، قيل: هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ~~وقيل: أبوه. # ابن أبي حسين: عبد الله بن عبد الرحمن، نسب لجده. # وابن عمه أيضا يقال له ذلك، وهو: عمر بن سعيد بن أبي حسين، لكنه هنا سمي. # ابن الحضرمي الصحابي: هو العلاء. # ابن أبي حفصة: هو محمد بن ميسرة أبو سلمة. # ابن حكيم، عن (¬2) سعيد بن جبير، اسمه: يعلى. # ابن حلحلة: محمد بن عمرو بن حلحلة، نسب لجده. # ابن حمير: محمد. # ابن الحنفية: محمد بن علي بن أبي طالب، والحنفية: أمه، وكان اسمها خولة، ~~وهي من سبي اليمامة. # ابن حنين: عبد الله. # وأخوه: عبيد بن حنين. # وإبراهيم بن عبد الله بن حنين، لكن حيث أطلق فهو عبد الله. # ابن حي: صالح بن صالح بن حي. # * ### ||||| AUTO حرف الخاء # : # ابن أبي خالد: هو إسماعيل. PageV01P119 # ابن خربوذ: اسمه معروف. # ابن الخطاب، كذا في مناقب أبي بكر وهو عمر -رضي الله عنهما- (¬1). # ابن خلي بوزن علي: اسمه خالد. # * ### ||||| AUTO حرف الدال والذال # : # ابن داود: هو عبد الله الخريبي. # ابن دكين: هو أبو نعيم الفضل. # ابن دينار: هو عبد الله. # ابن ذر: اسمه عمر. # ابن ذكوان: هو أبو الزناد عبد ms031 الله. # ابن أبي ذئب: هو محمد بن عبد الرحمن. # * ### ||||| AUTO حرف الراء والزاي # : # ابن أبي رافع: هو عبيد الله. # ابن راهويه: هو إسحاق بن إبراهيم الحنظلي. # ابن رجاء: عبد الله الغداني البصري. # ابن أبي رجاء الهروي: اسمه أحمد. # ابن أبي رزمة: هو محمد بن عبد العزيز. # ابن أبي رواد: عبد العزيز. # ابن أبي زائدة: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة. # ابن زبر: عبد الله بن العلاء [بن زبر] (¬2)، نسب لجده. # ابن الزبير: عبد الله صحابي ابن صحابي. # ابن أبي الزناد: عبد الرحمن. PageV01P120 # * ### ||||| AUTO حرف السين # : [17 / ب] # ابن السباق: عبيد. # ابن أبي سرح: عياض بن عبد الله بن أبي سرح، نسب لجده. # ابن سعيد بن جبير: عبد الله. # ابن أبي السفر: عبد الله بن سعيد بن محمد. # ابن سلمة: هو حماد، وقع كذا في عمرة القضاء (¬1). # ابن أبي سلمة الماجشون: عبد العزيز بن عبد الله. # ابن سواء البصري: محمد. # ابن سوقة البصري: محمد. # ابن سلام الصحابي: عبد الله. # ابن سلام شيخ البخاري: محمد. # ابن سيرين: محمد. # * ### ||||| AUTO حرف الشين # : # ابن شبرمة: اسمه عبد الله. # ابن شهاب: هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن الحارث ~~بن زهرة بن كلاب الزهري الفقيه المدني نزيل الشام. # ابن أبي الشعثاء: أشعث بن سليم. # * ### ||||| AUTO حرف الصاد والطاء # : # ابن أبي صعصعة: عبد الله بن عبد الرحمن. # ابن طاوس: عبد الله. # ابن أبي طلحة: هو إسحاق بن عبد الله بن زيد بن سهل الأنصاري. PageV01P121 # * ### ||||| AUTO حرف العين # : # ابن عابس: عبد الرحمن. # ابن عباس: عبد الله، صحابي ابن صحابي. # ابن عبد الرحمن بن أبزى: اسمه سعيد. # ابن أبي عبيد مولى سلمة: اسمه يزيد. # ابن أم عبد: هو عبد الله بن مسعود (¬1). # ابن أبي عبلة: اسمه إبراهيم. # ابن أبي عتبة مولى أنس: اسمه عبد الله. # ابن أبي عتيق: هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن ~~أبي بكر الصديق، ومحمد هذا يروي عن الزهري، وأبوه يروي عن ms032 عائشة وغيرها. # ابن عجلان: محمد. # ابن أبي عدي: محمد بن إبراهيم. # ابن أبي عروبة: سعيد. # ابن عرعرة: محمد البصري. # ابن أبي العشرين: عبد الحميد بن حبيب ابن أبي العشرين، نسب لجده. # ابن عطية: حبان -بكسر أوله-، ذكر في أواخر الجهاد (¬2). # ابن عفير: سعيد بن كثير بن عفير، نسب لجده. # ابن علاقة: زياد. # ابن علية: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الضبي البصري، وأما علية: فهي أمه، ~~وقيل: جدته. # ابن عمر: هو عبد الله، صحابي ابن صحابي. PageV01P122 # ابن عمرو بن العاصي: عبد الله، صحابي ابن صحابي. # ابن عون: عبد الله. # ابن عوف: عبد الرحمن. # ابن عياش: أبو بكر المقرئ الكوفي، ولم يخرج لأخيه الحسن ولا لإسماعيل بن ~~عياش الحمصي شيئا. # ابن عيينة: سفيان الهلالي. # * ### ||||| AUTO حرف الغين المعجمة # : # ابن الغسيل: هو عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة، وهو [18 / أ] ~~غسيل الملائكة ابن أبي عامر الأنصاري. # ابن أبي غنية: هو عبد الملك، وأما ابنه يحيى فذكر باسمه. # * ### ||||| AUTO حرف الفاء # : # ابن أبي فديك: هو محمد بن إسماعيل، نسب لجده. # ابن فضيل: محمد. # ابن فلان: هو عبد الله بن زياد بن سمعان، روى عنه ابن وهب مقرونا في موضع ~~واحد (¬1). # ابن فليح: محمد. # * ### ||||| AUTO حرف القاف # : # ابن أبي قتادة: عبد الله. # ابن قسيط: هو يزيد بن عبد الله [بن قسيط] (¬2)، نسب لجده. # * ### ||||| AUTO حرف الكاف واللام # : # ابن أبي كثير: هو يحيى. # ابن أبي ليلى: هو عبد الرحمن، ولم يخرج لابنه محمد بن عبد الرحمن الفقيه ~~شيئا. PageV01P123 # * ### ||||| AUTO حرف الميم # : # ابن الماجشون: هو عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة. # ابن المبارك: عبد الله. # ابن أبي المجالد: محمد. # ابن مجمع: إبراهيم بن إسماعيل، نسب لجده. # ابن محيريز: عبد الله. # ابن أبي مريم: سعيد. # ابن مسافر: هو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، نسب لجده. # ابن مسهر: اسمه علي. # ابن المسيب: سعيد. # ابن مغفل المزني الصحابي: عبد الله. # ابن مقدم: عمر بن علي، نسب لجده. # ابن مقسم: عبيد ms033 الله. # ابن أبي مليكة: هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن زهير بن عبد ~~الله بن جدعان، وأبو مليكة هو جده. # ابن منبه: اسمه همام. # ابن المنكدر: محمد. # ابن مهدي: عبد الرحمن. # ابن موهب: هو عثمان بن عبد الله بن موهب. # * ### ||||| AUTO حرف النون # : # ابن أبي نجيح: عبد الله واسم أبيه: يسار. # ابن أبي نعم: عبد الرحمن. # ابن نمر: عبد الرحمن. # ابن أبي نمر: شريك. PageV01P124 # ابن نمير: عبد الله. # وأما ابنه محمد فهو شيخ البخاري. # * ### ||||| AUTO حرف الهاء # : # ابن الهاد: يزيد بن عبد الله، نسب لجده. # ابن هرمز عن ابن بحينة: هو عبد الرحمن الأعرج. # ابن أبي هند: عبد الله بن سعيد. # ابن أبي هلال: هو سعيد. # * ### ||||| AUTO حرف الواو # : # ابن وهب: عبد الله. # * ### ||||| AUTO حرف الياء # : # ابن أبي يعقوب: هو محمد بن عبد الله الضبي، نسب لجده. # ابن يعمر: هو يحيى. # ابن يونس: هو أحمد بن عبد الله [بن يونس] (¬1) اليربوعي، نسب لجده. # * * * # فصل منه # ابنة الحارث في قصة خبيب بن عدي (¬2): هي أم عبد الله، وهي زوج أبي سروعة ~~أخي عقبة بن الحارث النوفلي. PageV01P125 ### |||| AUTO ثالثها: ضابط في التعريف بمن ذكر بنسب أو لقب # * ### ||||| AUTO حرف الألف # : [18 / ب] # الأحول: عاصم بن سليمان. # الأزرق: إسحاق بن يوسف. # الأشجعي: عبيد الله بن عبيد الرحمن. # الأعرج: عبد الرحمن بن هرمز. # الأعمش: سليمان بن مهران. # الأغر: أبو عبد الله سلمان. # الأنصاري: محمد بن عبد الله بن المثنى. # الأويسي: عبد العزيز بن عبد الله. # * ### ||||| AUTO حرف الباء # : # الباقر: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. # البحر: عبد الله بن عباس. # البدري: أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري. # البراء: أبو العالية وأبو معشر. # البطين: مسلم بن عمران. # بندار: محمد بن بشار. # البهي: عبد الله بن يسار. # * ### ||||| AUTO حرف التاء والثاء # : # التيمي: سليمان. # الثقفي: عبد الوهاب بن عبد المجيد. # الثوري: سفيان بن سعيد. PageV01P126 ### ||||| CHECK حرف الخاء # * ### ||||| AUTO حرف الجيم # : # الجدي: عبد الملك بن إبراهيم. # الجريري: سعيد ms034 بن إياس. # * ### ||||| AUTO حرف الحاء # : # الحذاء: خالد بن مهران. # الحميدي: عبد الله بن الزبير الأسدي. # * الخاء: # ختن المقرئ: بكر بن خلف. # * ### ||||| AUTO حرف الدال والذال # : # الدراوردي: عبد العزيز بن محمد. # رحيم: عبد الرحمن بن إبراهيم. # ذو البطش: أسامة بن زيد بن حارثة. # ذو اليدين: الخرباق. # ذات النطاقين: أسماء بنت أبي بكر الصديق. # * ### ||||| AUTO حرف الراء والزاي # : # الرشك (¬1): يزيد بن حميد الضبعي. # الزبيدي: محمد بن الوليد الشامي. # الزبيري: أبو أحمد محمد بن عبد الله الكوفي. # الزهري: هو ابن شهاب الذي تقدم في الفصل قبله (¬2). # * ### ||||| AUTO حرف السين # : # السبيعي: عمرو بن عبد الله أبو إسحاق. PageV01P127 # السعيدي: عمرو بن يحيى بن سعيد بن العاص. # سعدان اللخمي: سعيد بن يحيى بن صالح. # سلمويه: سليمان بن صالح المروزي. # سنيد: اسمه الحسين. # * ### ||||| AUTO حرف الشين # : # شاذان: أسود بن عامر. # الشعبي: عامر بن شراحيل. # الشيباني: أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان. # * ### ||||| AUTO حرف الصاد # : # الصنابحي: عبد الرحمن بن عسيلة، مخضرم. # * ### ||||| AUTO حرف العين # : # عارم: محمد بن الفضل أبو النعمان. # عبدان: عبد الله بن عثمان. # عبدة: هو ابن سليمان، واسمه: عبد الرحمن. # العدني: عبد الله بن الوليد. [19 /أ] # العقدي: عبد الملك بن عمرو أبو عامر. # العمري: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. # * ### ||||| AUTO حرف الغين # : # غندر: محمد بن جعفر البصري. # * ### ||||| AUTO حرف الفاء # : # الفروي: إسحاق بن محمد. # الفريابي: محمد بن يوسف. # الفزاري: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث، ومروان بن معاوية. # فليح بن سليمان، قيل: اسمه عبد الملك. PageV01P128 # * ### ||||| AUTO حرف القاف والكاف # : # قتيبة بن سعيد، قيل: اسمه يحيى. # القمي: يعقوب بن عبد الله. # كاتب المغيرة: اسمه وراد. # * ### ||||| AUTO حرف الميم # : # الماجشون: أبو سلمة. # المجمر: نعيم بن عبد الله. # المحاربي: عبد الرحمن بن محمد. # المسعودي: عبد الرحمن بن عبد الله. # المعمري: محمد بن حميد أبو سفيان. # المقبري: أبو سعيد كيسان. # المقدمي: محمد بن أبي بكر. # المقري: عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن نزيل مكة. # الملائي: أبو نعيم الفضل بن دكين. ms035 # * ### ||||| AUTO حرف النون # : # النبيل: أبو عاصم الضحاك بن مخلد. # * * * ### ||||| AUTO فصل # أبو الزناد: لقب، وكنيته: أبو عبد الرحمن. PageV01P129 ### |||| AUTO رابعها: ضابط لما يخشى اشتباهه ولا يؤمن التباسه من الأسماء وغيرها ضبطا بالحروف # وهو قسمان: ### ||||| AUTO القسم الأول: ما يشتبه بغيره في الكتاب # : # * ### |||||| AUTO حرف الألف # : # أبي -بالضم وفتح الموحدة ثم ياء مشددة-: جماعة، وليس في الكتاب اسم إلا ~~كذلك، ووقع في حديث عائشة: وبعث بها مع أبي (¬1)، والياء فيه للإضافة. وكذا ~~قول حذيفة: أبي أبي (¬2). # أسيد: كله بالضم سوى عمر، وقيل: عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية ~~بالفتح. # أفلح: كله بالفاء سوى عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فبالقاف. # * ### |||||| AUTO حرف الباء # : # بشار: والد بندار بالموحدة وتثقيل المعجمة، فرد، ومن عداه بالياء الأخيرة ~~وتخفيف المهملة. # بشر: كله بالكسر وسكون المعجمة سوى عبد الله بن بسر، وبسر بن سعيد، وبسر ~~بن عبيد الله، فالثلاثة بالضم والمهملة. # بصير -بالفتح وكسر الصاد-: أبو بصير، وبالنون مصغر: نصير بن أبي الأشعث فقط. # بشير -بالفتح وكسر المعجمة- كثير، وبالضم مصغر اثنان [19 / ب]: بشير بن ~~يسار، وبشير بن كعب، تابعيان. PageV01P130 # برة -بالفتح- كان اسم زينب وجويرية، وبزاي: القاسم بن أبي بزة فقط. # البراء بالتخفيف: ابن عازب، وبالتثقيل: أبو العالية وأبو معشر. # البزار -بزاي ثم راء-: الحسن بن الصباح، وبشر بن ثابت، ويحيى بن محمد بن ~~السكن، ومن عداهم بزايين معجمتين. # البصري: كثير، وبنون: مالك بن أوس، وعبد الواحد بن عبد الله فقط. # * ### |||||| AUTO حرف التاء # : # تميلة -مصغر- في كنيته: يحيى بن واضح، وبنون: محمد بن مسكين بن نميلة فقط. # التوزي -بالفتح وتثقيل الواو المفتوحة بعدها زاي-: أبو يعلى محمد بن ~~الصلت، ومن عداه بمثلثة وواو ساكنة ثم راء مهملة. # * ### |||||| AUTO حرف الثاء # : # ثور -بمثلثة-: واضح، وبضم الموحدة: بور بن أصرم شيخ البخاري فقط. # * ### |||||| AUTO حرف الجيم # : # جرم: اسم القبيلة، وبالمهملة والزاي جماعة. # جرير: جماعة، وبمهملة وآخره زاي: حريز بن عثمان، وأبو حريز قاضي سجستان. # جمرة -بجيم وراء-: أبو جمرة الضبعي فقط، ومن عداه بالمهملة والزاي. # الجريري ms036 -بضم الجيم-: سعيد وعباس، وبفتح الحاء المهملة: يحيى بن بشر ~~الحريري فقط. # * ### |||||| AUTO حرف الحاء # : # الحبر -بالمهملة وسكون الموحدة-: واضح، وبالخاء المعجمة وسكون الياء ~~الأخيرة: أبو الخير اليزني، وبوزن الأول لكن بجيم: جبر بغير ألف ولام. # حارثة: جماعة، وبجيم وياء أخيرة: جارية بن قدامة، ويزيد بن جارية والد ~~عبد الرحمن ومجمع، وجارية والد أسيد فقط. # حبان -بالكسر والموحدة-: حبان بن موسى، وحبان بن عطية، وحبان بن العرقة، ~~وبفتح أوله: محمد بن يحيى بن حبان، وعمه واسع بن حبان، وحبان بن هلال، ومن ~~عدا هؤلاء بالياء المثناة من تحت. PageV01P131 # حبة -بموحدة-: أبو حبة في حديث الإسراء (¬1)، وبياء أخيرة: حية والد جبير فقط. # حصين -مصغر-: جماعة، وبفتح ثم كسر: أبو حصين عثمان بن عاصم فقط. # حجير -مصغر آخره راء-: هشام بن حجير، وجحين آخره نون هو ابن المثنى. # حزام -بالزاي-: موسى بن حزام، ومن عداه بالراء. # حكيم -بالفتح-: كثير، وبالتصغير [20 / أ] حكيم والد زريق، وقيل: كالأول. # * ### |||||| AUTO حرف الخاء # : # خازم -بمعجمتين-: أبو معاوية الضرير محمد بن خازم فقط، ومن عداه بالحاء ~~المهملة. # خباب -بالفتح وتشديد الموحدة الأولى-: جماعة، وبضم المهملة والتخفيف: ~~الحباب بن المنذر، وأبو الحباب سعيد بن يسار، وأبو الحباب عبد الله بن أبي، ~~وليس في الكتاب جناب بالجيم والنون. # خنيس-بنون مهملة وآخره مصغر- ابن حذافة، صحابي، ومن عداه أوله حاء مهملة ~~ثم موحدة وآخره شين معجمة. # خبيب -بموحدتين مصغر-: ابن عبد الرحمن، وابن عدي، وأبو خبيب عبد الله بن ~~الزبير، ومن عداهم بفتح المهملة وكسر الموحدة. # الخزاز -بزايين معجمتين-: جماعة، وبراء ثم زاي: عبيد الله بن الأخنس، ~~وليس فيه بالجيم ثم الزاي شيء. # نعم؛ في حديث علي: ولا يعطي الجزار منها شيئا (¬2). # خياط: خليفة بن خياط، ومن عداه بالمهملة والنون. PageV01P132 # * ### |||||| AUTO حرف الدال # : # داود: كثير، وبتقديم الواو: علي بن دؤاد أبو المتوكل وحده، وقيل: ~~كالجادة. # * ### |||||| AUTO حرف الراء # : # الربيع: كثير، وبالتصغير المثقل: الربيع بنت النضر، ووقع في الجهاد (¬1): ~~"بنت البراء" وهي هي، والربيع بنت معوذ. # رزيق -بتقديم الراء-: ابن حكيم، ms037 وقيل: بتقديم الزاي، والذي بتقديم الزاي ~~جزما بنو زريق من الأنصار. # رباح -بالفتح والموحدة الخفيفة-: عطاء بن أبي رباح، وزيد بن رباح فقط، ~~ومن عداهما بكسر الراء ثم ياء أخيرة. # أبو الرجال -بالكسر والجيم الخفيفة-: عن أمه عمرة (¬2)، وبفتح الراء ~~والحاء المهملة المشددة: أبو الرحال الطائي. # رقية: بنت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبفتحات وبعد القاف موحدة: رقبة ~~بن مصقلة، ذكر في بدء الخلق (¬3). # * ### |||||| AUTO حرف الزاي # : # الزبير: كثير، وبفتح الزاي: عبد الرحمن بن الزبير. # زياد: كله بالياء الأخيرة إلا أبو الزناد فهو بالنون. # * ### |||||| AUTO حرف السين المهملة # : # سليم -بالضم-: جماعة، وبالفتح وكسر اللام: سليم بن حيان (¬4) فقط. # سلمة -بفتح اللام-: جماعة، وبكسرها: سلمة في نسب الأنصار، وسلمة الجرمي ~~والد عمرو. # السلمي -بالضم-: كثير، وبالفتح في الأنصار. [20/ ب] PageV01P133 # سريج -بمهملة وآخره جيم-: هو ابن يونس، وابن النعمان، وأحمد بن أبي سريج، ~~ومن عداهم بالمعجمة وآخره مهملة. # سلام -بالتشديد-: جماعة، وبالتخفيف: عبد الله بن سلام الصحابي فقط، ومحمد ~~بن سلام شيخ البخاري كذلك على الصحيح. # * ### |||||| AUTO حرف الشين # : # الشيباني: كثير، وبكسر المهملة وقبل الألف نون: الفضل بن موسى السناني فقط. # شعيب: جماعة، وبمثلثة آخره عبد الرحمن بن حماد بن شعيث. # * ### |||||| AUTO حرف الصاد # : # صبيح -مصغر-: مسلم بن صبيح، وبالفتح: الربيع بن صبيح فقط. # * ### |||||| AUTO حرف العين # : # عابد -بالموحدة-: جماعة، وبالياء الأخيرة ثم الذال المعجمة: عائذ بن عمرو ~~المزني، وأيوب بن عائذ، وعائذ الله أبو إدريس الخولاني. # عبادة -بالضم-: كثير. وبالفتح: محمد بن عبادة فقط. # عباد -بالتشديد-: كثير، وبالضم والتخفيف: قيس بن عباد فقط. # عبدة: جماعة، وبفتح الموحدة: بجالة بن عبدة فقط. # عبيدة -بالضم-: جماعة، وبالفتح: عبيدة بن عمرو السلماني (¬1)، وعبيدة بن ~~عمرو الحذاء، وعامر بن عبيدة فقط. # عبثر -بإسكان الموحدة وبعدها مثلثة مفتوحة ثم راء-: ابن القاسم، وبضم ~~المعجمة ثم نون: قاله أبو بكر الصديق لابنه عبد الرحمن (¬2). # عتاب بن بشير -بتثقيل المثناة وآخره موحدة-: فرد، والباقون بكسر المعجمة ~~وتخفيف الياء الأخيرة وآخره مثلثة. PageV01P134 # عثام -بمثلثة مشددة-: ابن علي العامري، وبمعجمة ms038 ثم نون: طلق بن غنام. # عزيز -بالفتح وزايين معجمتين- في حديث عقبة بن الحارث (¬1)، وبضم المعجمة ~~وراءين مهملتين: محمد بن غرير الزهري. # عقيل -مصغر-: صاحب ابن شهاب الزهري، تكرر ذكره، ومن عداه بالفتح. # العوقي -بفتحتين وقاف-: محمد بن سنان، وبسكون الواو ثم فاء: كثير. # * ### |||||| AUTO حرف الغين # : # غزية -بفتح المعجمة وكسر الزاي وتشديد الياء الأخيرة-: عمارة بن غزية، ~~ذكر في الزكاة (¬2)، ومهملتين تصغير عروة: خاطبت به عائشة [21 / أ] عروة بن ~~الزبير، وهو في سورة يوسف. (¬3). # * ### |||||| AUTO حرف الميم # : # محرز -بالضم وسكون المهملة وكسر الراء-: صفوان بن محرز، وعبيد الله بن ~~محرز، وبفتح الجيم وتثقيل الزاي المكسورة ثم زاي آخره: مجزز المدلجي، له ~~ذكر في حديث عائشة (¬4)، واختلف في علقمة بن مجزز. # معقل: جماعة، وبفتح المعجمة وتشديد الفاء: عبد الله بن مغفل الصحابي، مفرد. # معمر: واضح، وبوزن محمد: معمر بن يحيى بن سالم، وقيل كالأول، وهو رواية ~~الأكثر. # منبه -بنون وموحدة مثقلة-: واضح، وبسكون النون وفتح الياء الأخيرة: يعلى ~~بن منية الصحابي. PageV01P135 # المخرمي -بسكون الخاء المعجمة- عبد الله بن جعفر، وبفتحها وتشديد الراء: ~~محمد بن عبد الله المخرمي، وبضم الزاي بعدها واو المخزومي: كثير، وقد لا يلتبس. # * ### |||||| AUTO حرف النون # : # نصر: كثير، وبضاد معجمة ملازمة الألف واللام فلا يلتبس. # نعيم: واضح، وبسكون العين: عبد الرحمن بن أبي نعم. # * ### |||||| AUTO حرف الهاء # : # هذيل: كله بالذال سوى هزيل بن شرحبيل فبالزاي. # * ### |||||| AUTO حرف الياء # : # يزيد: كثير، وبموحدة وراء مصغر: بريد بن عبد الله بن أبي بردة، واختلف في ~~أبي بريد عمرو بن سلمة. PageV01P136 ### ||||| AUTO القسم الثاني: وهو ما لا يشتبه بغيره في الكتاب # : # * ### |||||| AUTO الألف # : # أحمد: كله بالحاء وليس فيه بالجيم شيء (¬1). # الأعور: كله بمهملتين وليس فيه بمعجمتين شيء (¬2). # الأغر: بمعجمة وراء. # أثاثة: بالضم ومثلثتين. # أشوع: بمعجمة وآخره مهملة بوزن أسود. # أشهل: بالشين المعجمة بوزن أحمر. # الأيلي: بالفتح وسكون الياء التحتانية بعدها لام، وليس فيه بالموحدة ~~المضمومة واللام مشددة شيء (¬3). # الألهاني: بالفتح ثم السكون وآخره نون. # أخزم -بمعجمتين-: زيد بن أخزم، وليس فيه بالحاء ms039 المهملة شيء (¬4). # أسلم: بالفتح وليس فيه بضم اللام شيء (¬5). # أنس -بفتح النون-: كثير، وليس فيه بالمثناة والمعجمة شيء (¬6). # * ### |||||| AUTO الباء # : # بدل: بفتحتين. # بحينة: بمهملة وقبل الهاء نون مصغرا. PageV01P137 # بعجة: بموحدة ثم سكون وجيم. # بجالة: بفتحتين وجيم ولام. # بقية: بفتح أوله وقاف. # البكالي: بالكسر وتخفيف الكاف. # البناني: بالضم ونونين الأولى خفيفة، وليس فيه بغير هذا الضبط شيء (¬1). # البرساني: بالضم وسكون الراء وسين مهملة. # البيكندي: بالكسر وسكون الياء الأخيرة [21 / ب] وفتح الكاف بعدها نون ساكنة. # البردي: بالضم وسكون الراء، وليس فيه بغير هذا الضبط شيء (¬2). # البرلسي: بتشديد اللام المضمومة وقبلها ضمتان. # * ### |||||| AUTO التاء المثناة # : # تويت: بمثناتين مصغر. # التنعي: بالكسر وسكون النون (¬3). # * ### |||||| AUTO الثاء المثلثة # : # ثابت: ظاهر، وليس فيه بالنون ثم الموحدة شيء (¬4). # نعم، هو اسم أبي حفصة لكنه لم يسم في الكتاب (¬5). # ثروان: أوله مثلثة بوزن مروان: هو عبد الرحمم بن ثروان أبو قيس فقط. # * ### |||||| AUTO الجيم # : # جميل: بفتح ### |||||| AUTO الجيم # ، وبالمهملة في قصة لعمر (¬6)، . . . . . . . . . PageV01P138 # وليس [في] (¬1) الكتاب بضمها شيء (¬2). # جعشم: بالضم ثم سكون وضم المعجمة. # أبو الجوزاء: بجيم وزاي، وليس فيه بمهملتين شيء (¬3). # الجمال: بالجيم، وليس فيه ب ### |||||| AUTO الحاء # المهملة شيء (¬4). # الجدي: بضم الجيم فقط. # الجرمي: بفتح الجيم وإسكان الراء، كثير، وليس فيه بفتح المهملتين شيء من ~~الأنساب. نعم، فيه الحرمي بن عمارة اسم لا نسب. # الجندعي: بالضم وسكون النون وفتح الدال ويجوز ضمها فقط. # * ### |||||| AUTO الحاء # : # حيوة: بفتح المهملة وسكون الياء الأخيرة وفتح الواو. # حراش: بكسر المهملة وآخره معجمة فقط. # حمير: بالكسر وسكون الميم وفتح الياء الأخيرة. # الحصيب: بالمهملتين مصغر وآخره موحدة. # * ### |||||| AUTO الخاء المعجمة # : # خدام: بالكسر وتخفيف الدال. # خربوذ: بالفتح وتشديد الراء المفتوحة وضم الموحدة وآخره ذال معجمة. # خرشة: بمعجمتين وفتحات. PageV01P139 # خلي: بوزن علي. # خلاس: بالكسر وتخفيف اللام. # الخمس: بالكسر وسكون الميم ثم مهملة. # الخيار: عبيد الله بن عدي بن الخيار، بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الياء ~~الأخيرة، وليس فيه من أسماء الآدميين بفتح الجيم وتشديد الموحدة شيء (¬1). # خوات: بالفتح وتشديد الواو وآخره مثناة فقط. # الخاركي: بفتح الراء ms040 (¬2). # الختلي: بالضم وتشديد المثناة المفتوحة ثم لام فقط. # الخدري: بالضم وسكون ### |||||| AUTO الدال # المهملة فقط. # الخشني: بالضم وفتح الشين المعجمتين ثم نون. # الخريبي: بالضم وفتح الراء ثم موحدة مصغر. # الخلقاني: بالضم وسكون اللام بعدها قاف (¬3). # * ### |||||| AUTO الدال # : [22 / أ] # دجيم: بمهملتين مصغر. # دحية: بالكسر وبسكون المهملة بعدها ياء أخيرة. # دخشم: بالضم وسكون المعجمة وضم المعجمة وآخره ميم أو نون، وروي بالتصغير ~~فيهما (¬4). # الدثنة: بالفتح وكسر المثلثة ثم نون (¬5). PageV01P140 # الدغنة: بوزنه والغين معجمة، وقيل بضمتين وتشديد النون (¬1). # دكين: مصغرا، وليس فيه في أوله راء (¬2). # الديلي: بالكسر ثم ياء أخيرة ساكنة ثم لام. # * ### |||||| AUTO الذال # : # ذر: بفتح المعجمة. # ذكوان: بفتح أوله. # * ### |||||| AUTO الراء # : # رزمة: بكسر أوله. # الرشك: بالكسر وسكون المعجمة. # روح: بالفتح. # الربعي: بفتح الموحدة. # الرماني: بضم أوله، وليس فيه بكسر ### |||||| AUTO الزاي # شيء (¬3). # * ### |||||| AUTO الزاي # : # زر: بكسر ### |||||| AUTO الزاي # . # زرير: بفتح ### |||||| AUTO الزاي # وكسر ### |||||| AUTO الراء # وآخره راء. # زبر: بفتح ### |||||| AUTO الزاي # وسكون الموحدة وآخره راء. # زبيد: بزاي وموحدة مصغر، وليس فيه بتحتانيتين شيء (¬4). # الزبيدي: بالضم، وليس فيه بالفتح شيء (¬5). PageV01P141 # الزبيري: بوزن الذي قبله لكن براء، وليس فيه بالفتح وسكون النون وفتح ~~الموحدة شيء. # نعم، فيه سعيد بن داود الزنبري لكن لم يذكر نسبه فيه (¬1). # * ### |||||| AUTO السين # : # سبرة: بسكون الموحدة. # سمرة: بضم الميم. # السفر: بفتح الفاء (¬2). # سلامة: بتخفيف اللام. # سمي: بالضم وتشديد الياء. # سيدان: بكسر أوله ثم ياء أخيرة ساكنة. # السلماني: بسكون اللام قبلها فتحة. # السرماري: بفتح أوله وسكون الراء وقبل ياء النسب أيضا راء. # السبيعي: بفتح أوله وكسر الموحدة. # السعدي: بمهملات، وليس فيه بالغين المعجمة شيء (¬3). # * ### |||||| AUTO الشين # : # شبابة: بفتح المعجمة وتخفيف الموحدة وبعد الألف موحدة أيضا. # شبويه: بفتح أوله وتثقيل الموحدة (¬4). # شبيل: بمعجمة وموحدة مصغر (¬5). PageV01P142 # شميل: مثله لكن بميم. # الشعبي: بالفتح فقط. # الشعيثي: مصغر وآخره مثلثة. # الشعيري: بفتح أوله فقط. # * ### |||||| AUTO الصاد # : # صبية: بضم المهملة. # صدي: بضمها وياؤه مشددة. # * ### |||||| AUTO الضاد # : # ضمام: بكسر المعجمة وتخفيف الميم. # * ### |||||| AUTO العين # : # عارم: بمهملتين، وليس فيه بالمعجمة شيء (¬1). # عبدان: بلفظ التثنية [22/ ب]. # عميس: ms041 بمهملتين مصغر. # عبيس: بوزنه لكن بدل الميم موحدة. # عبلة: بسكون الموحدة. # علية: بياء أخيرة مصغر. # عبس: بسكون الموحدة. # عابس: بموحدة ومهملة. # العرقة: بالفتح وكسر الراء وفتح القاف (¬2). # عميرة: بضم أوله فقط. PageV01P143 # العنزي: بفتح النون، وأما بسكونها (¬1): فعبد الله بن عامر بن ربيعة لكن ~~لم يقع منسوبا، وليس فيه بالمعجمة والموحدة أحد (¬2). # العلقي: بفتحتين ثم قاف. # العتقي: بضم ثم مثناة مفتوحة ثم قاف. # العيزار: بفتح ثم ياء أخيرة ساكنة ثم زاي وآخره راء. # العقدي: بفتحتين و ### |||||| AUTO القاف # . # * ### |||||| AUTO الغين # : # غفلة: بفتح المعجمة و ### |||||| AUTO الفاء # واللام. # غزوان: بسكون الزاي. # غورث: بسكون الواو وفتح أوله والراء آخره مثلثة (¬3). # * ### |||||| AUTO الفاء # : # فطر: بكسر أوله وسكون ثانيه. # * ### |||||| AUTO القاف # : # قسيط: بمهملة مصغر. # القشب: بكسر ومعجمة ساكنة ثم موحدة. # قوقل: بقافين (¬4). # قزعة: بفتح ### |||||| AUTO القاف # والزاي والمهملة. # القنطري: بسكون النون. # القطعي: بضم وفتح الطاء. PageV01P144 # القردوسي: بضم القاف والدال قبلها راء ساكنة. # القسملي: بفتح القاف و ### |||||| AUTO الميم # قبلها مهملة ساكنة. # القطواني: بفتح القاف والطاء والواو وقبل ياء النسب نون. # * ### |||||| AUTO الكاف # : # كريز: بضم ### |||||| AUTO الكاف # مصغر وآخره زاي، وليس فيه بفتح ### |||||| AUTO الكاف # شيء (¬1). # كدينة: مصغر قبل هائه نون. # كبشة: بمعجمة قبلها موحدة ساكنة. # * ### |||||| AUTO اللام # : # اللتبية: بضم ### |||||| AUTO اللام # ، وقيل بفتحها ثم مثناة مفتوحة ثم موحدة مكسورة ثم ياء مشددة (¬2). # * ### |||||| AUTO الميم # : # منير: بضم ثم نون مكسورة. # مجالد: بالجيم وضم أوله. # مخلد: بسكون الخاء المعجمة وفتح أوله وثالثه. # موهب: بوزن الذي قبله. # مقرن: بالضم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة. # مجمع: بوزن الذي قبله. # مطهر: بوزنه لكن هاؤه مفتوحة. # وبوزنه؛ مقدم: بقاف. # وكذا؛ محبر: بمهملة وموحدة. # مقسم: بكسر أوله وسكون القاف وفتح المهملة. PageV01P145 # وبوزنه؛ مجلز: بجيم وزاي. # مهران: بكسر أوله. # محاضر: بضم أوله وحاء مهملة وضاد معجمة مكسورة. # وبوزنه؛ مراوح. # مل: مشدد اللام [23 / أ] مثلث الميم، والفتح أشهر. # معرور: بعين مهملة فقط. # أبو المليح: بفتح الميم فقط. # المرهبي: بضم الميم وكسر الهاء وموحدة. # المقبري: بالفتح وسكون القاف وضم الموحدة. # المعني: بالفتح وسكون العين ms042 المهملة وكسر ### |||||| AUTO النون # . # المسندي: بفتح ### |||||| AUTO النون # . # المستملي: بضم ومهملة ساكنة. # المعولي: بكسر ومهملة ساكنة وواو مفتوحة. # * ### |||||| AUTO النون # : # نابل: بنون وموحدة مكسورة فقط. # النبيل: بفتح وكسر الموحدة. # نسيبة: بسين مهملة مصغر. # نشيط: بفتح ومعجمة مكسورة. # الناجي: بالجيم فقط. # النفيلي: بالفاء مصغر. # النحاس: بحاء مهملة فقط. # نمير: بالفتح وكسر الميم (¬1). PageV01P146 # * ### |||||| AUTO الهاء # : # هريم: براء مصغر. # الهمداني: بسكون الميم وإهمال الدال فقط. # * ### |||||| AUTO الواو # : # واقد: بالقاف فقط. # ورقة: بفتحات. # وبرة: كذلك بموحدة. # وساج: بتشديد السين المهملة وآخره جيم. # الواشحي: بمعجمة مكسورة ثم حاء مهملة. # * ### |||||| AUTO الياء الأخيرة # : # ياسر: بمهملة فقط. # يسرة: بفتح الياء والسين المهملة والراء فقط. # يعفور: بسكون المهملة ثم فاء وآخره راء. # يعمر: بفتح ثم مهملة ساكنة ثم ميم مفتوحة. # ولما أن حصل الوفاء بما وعدت به من الشرائط في تمهيد هذه الضوابط؛ رأيت ~~أن أبدأ الكلام على هذا المختصر بأسانيدي إلى الأصل بالسماع والإجازة، وأن ~~أسوقها على نمط مخترع (¬1)؛ فإنني سمعت بعض فضلاء اليمن يقول: الأسانيد ~~أنساب الكتب، فأحببت أن أسوق هذه الأسانيد مساق الأنساب. # فأقول -وبالله التوفيق-: اتصلت لنا رواية صحيح البخاري عنه من رواية أبي ~~عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري عنه (¬2)، وكانت ~~وفاته في سنة عشرين وثلاثمائة، وله نحو من تسعين سنة، وكان سماعه للصحيح ~~مرتين: مرة بفربر سنة ثمان وأربعين، ومرة ببخارى سنة اثنتين وخمسين ~~ومائتين. PageV01P147 # ومن رواية إبراهيم بن معقل بن الحجاج النسفي، وكان من الحفاظ ومات سنة ~~أربع وتسعين ومائتين، وله تصانيف، وفاته من الجامع أوراق، روى بعضها ~~بالإجازة عن البخاري، نبه على ذلك [23 / ب] أبو علي الجياني في "تقييد ~~المهمل". # ومن رواية حماد بن شاكر النسوي ولم أعرف متى مات (¬1). # ومن رواية أبي طلحة منصور بن محمد بن علي بن قرينة -بفتح القاف وكسر ~~الراء وقبل الهاء نون- البزدوي، وكانت وفاته سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وهو ~~آخر من حدث بالصحيح عن البخاري. # * * * فأما الفربري: فاتصلت إلينا الرواية عن طريق: # أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد ms043 الحافظ المستملي، وكانت رحلته إلى الفربري سنة ~~أربع عشرة وثلاثمائة. # والإمام أبي زيد محمد بن أحمد المروزي الفقيه الشافعي، وكان سماعه منه ~~سنة ثمان عشرة. # والحافظ أبي علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن، وهو أول من حدث عن ~~الفربري بالصحيح. # وأبي علي محمد بن عمر بن شبويه الشبوي المروزي. # وأبي محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي، وكانت رحلته إليه سنة خمس عشرة. # وأبي الهيثم محمد بن مكي الكشميهني، وكان سماعه منه سنة عشرين وثلاثمائة ~~سنة موته. # وأبي أحمد محمد بن محمد بن مكي الجرجاني. # وأبي علي إسماعيل بن أبي نصر محمد بن أحمد بن حاجب الكشاني، وهو آخر من ~~حدث بالصحيح عن الفربري. PageV01P148 # * * فأما الحافظ المستملي: فرواه عنه الحافظ أبو ذر عبد بن أحمد الهروي، ~~وعبد الرحمن (¬1) بن عبد الله بن خالد الهمداني. # * * وأما الإمام أبو يزيد المروزي: فرواه عنه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، ~~والحافظ أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي، والإمام أبو الحسن علي بن ~~محمد القابسي. # * * وأما الحافظ أبو علي بن السكن: فرواه عنه عبد الله بن محمد بن أسد ~~الجهني. # * * وأما أبو علي الشبوي: فرواها عنه أبو العباس الوليد بن بكر الغمري، ~~وعبد الرحمن بن عبد الله الهمداني. # * * وأما عبد الله بن أحمد السرخسي: فرواه عنه أبو ذر الهروي الحافظ، ~~وأبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداوودي. # * * وأما إبراهيم الكشميهني: فرواه عنه أبو ذر الهروي أيضا، وأبو سهل ~~محمد ابن أحمد بن عبد الله الحفصي، وكريمة بنت أحمد المروزية. # * * وأما أبو أحمد الجرجاني [24 / أ]: فرواه عنه القابسي، وأبو نعيم أيضا. # * * وأما الكشاني: فرواه عنه أبو العباس المستغفري، وأبو القاسم علي بن ~~أحمد ابن مهران المدني، وأبو عبد الله الحسين بن محمد الخلال البغدادي. # * فأما رواية أبي ذر عن مشايخه الثلاثة: فاتصلت لنا بالسماع من طريق ولده ~~أبي مكتوم عيسى بن أبي ذر عنه: أخبرنا بذلك أبو محمد عبد الله بن محمد بن ~~محمد بن سليمان النيسابوري قراءة عليه وأنا ms044 أسمع بالمسجد الحرام وإجازة، ~~قال: أنا الإمام أبو أحمد إبراهيم بن محمد بن أبي بكر الطبري: أنا أبو ~~القاسم عبد الرحمن بن أبي حرمي الكاتب قراءة عليه وأنا أسمع سوى من "باب: ~~قول الله تعالى: {وإلى مدين أخاهم شعيبا} [هود: 84]، إلى باب: مبعث النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -"؛ فإنه إجازة، قال: أنا أبو الحسن علي بن حميد بن ~~عمار الطرابلسي، أنا أبو مكتوم فذكره. PageV01P149 # * وأما رواية الهمداني عن شيخه (¬1): فسيأتي بعد. # * وأما رواية الحافظ أبي نعيم عن شيخه (¬2): فأنبأنا بها عمر بن حسن ~~المراغي في عموم إذنه للمصريين، عن علي بن أحمد بن عبد الواحد، عن أبي جعفر ~~محمد بن أحمد الأصبهاني، عن الحسن بن أحمد المقرئ عنه عن شيخيه. # * وأما رواية الأصيلي عن شيخه (¬3): فأنبأنا بها أبو علي محمد بن أحمد بن ~~علي المهدوي البزاز، عن يحيى بن محمد بن سعد، عن جعفر بن علي المقرئ، قال: ~~أنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الديباجي: أنا عبد الله بن محمد بن ~~محمد بن علي الباهلي، قال: أنا أبو علي الحسين بن محمد الجياني في كتاب: ~~"تقييد المهمل" له: أنا أبو شاكر عبد الواحد بن محمد بن موهب وغيره عنه. # * وأما رواية أبي الحسن القابسي عن شيخه (¬4): فبهذا الإسناد إلى أبي علي ~~الجياني: أنا أبو القاسم حاتم بن محمد بن عبد الرحمن التميمي بقراءتي عليه: ~~أنا أبو الحسن علي ابن محمد بن أبي بكر القابسي. # * وأما رواية الجهني عن ابن السكن: فبهذا الإسناد إلى أبي علي الجياني: ~~أنا القاضي أبو عمر أحمد بن محمد بن يحيى المعروف بابن الحذاء بقراءتي ~~عليه، وأبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر إجازة [24/ ب] قالا: ~~نا أبو محمد عبد الله بن محمد بن أسد الجهني، وكان فقيها (¬5) ضابطا فذكره. # * وأما رواية الوليد بن بكر والهمداني: فأنبأنا أبو حيان محمد بن حيان بن ~~أبي حيان، عن جده العلامة أبي حيان الغرناطي، عن أبي علي بن أبي الأحوص، عن ~~أبي PageV01P150 # القاسم ms045 أحمد بن يزيد بن بقي، عن شريح بن محمد، عن ابن أحمد بن سعيد (¬1)، ~~عن عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني، أنا أبو علي بن شبوي، والمستملي. # * وأما رواية أبي اللحسن الداوودي -وهي أعلى الروايات كلها، لكونها أقل ~~عددا، مع اتصالها بالسماع-: فأخبرنا بها المشايخ أبو محمد عبد الرحيم بن ~~عبد الكريم الحموي بقراءة ابن (¬2) عبد الله بن ظهيرة عليه بمصر، وأبو علي ~~محمد بن محمد بن علي الجيزي قراءة عليه وأنا أسمع بمصر أيضا، قالا: أنا ~~الشيخان أبو العباس أحمد بن أبي طالب بن أبي النعم بن الشحنة، وست الوزراء ~~بنت عمر بن أسعد التنوخية، قالا: أنا الحسين بن أبي بكر المبارك بن محمد بن ~~يحيي الزبيدي قراءة عليه ونحن نسمع. # قال ابن الشحنة: وكتب إلي أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر القطيعي، وأبو ~~الحسن علي بن أبي بكر بن روزبة القلانسي، قال الثلاثة: أنا أبو الوقت عبد ~~الأول بن عيسى بن شعيب الهروي: أنا الداوودي. # ح وأخبرنا به أيضا أبو إسحاق إبراهيم (¬3) بن أحمد بن عبد الواحد التنوخي ~~قراءة عليه وأنا أسمع، وقرأت عليه بعضه: أنا ابن الشحنة بسنده. # ح وأخبرنا به أيضا أبو الحسن علي بن محمد بن محمد أبي المجد الدمشقي ~~قراءة عليه وأنا أسمع، وقرأت عليه بعضها، قال: قرئ على ست الوزراء المذكورة ~~بسندها وأنا أسمع. PageV01P151 # قال شيخنا: وأنا لي إجازة المشايخ: قاضي القضاة تقي الدين أبو محمد ~~سليمان ابن حمزة بن أحمد بن عمر المقدسي، وأبو بكر بن أحمد بن عبد الدايم، ~~وعيسى بن عبد الرحمن بن معالي المطعم، قالوا: أنبأنا (¬1) الزبيدي. # قال القاضي: وكتب إلي القلانسي، والقطيعي، ومحمد بن زهير شعرانة، وثابت ~~ابن محمد الخجندي وغيرهم قالوا: أنا أبو الوقت به. # * وأما رواية أبي سهل الحفصي: فأنبأنا بها [25/أ] شيخنا أبو إسحاق ~~التنوخي المذكور، عن علي بن محمد بن مودود، عن عبد الخالق بن أنجب بن ~~المعمر المارديني، عن وجيه بن طاهر الشحامي عنه. # وأخبرنا بها أيضا شيخنا المذكور، عن أبي نصر ms046 محمد بن محمد بن محمد بن هبة ~~الله الشيرازي، عن جده، قال: أنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن عساكر ~~الدمشقي: أنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الصاعدي الفراوي، أنا الحفصي. # * وأما رواية كريمة بنت أحمد المروزية: فأخبرنا بها شيخنا الحافظ أبو ~~الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي قراءة عليه وأنا أسمع لبعضه وإجازة ~~لباقيه: أنا أبو علي عبد الرحيم بن عبد الله الأنصاري: أنا المعين أحمد بن ~~علي بن يوسف الدمشقي، وغيره سماعا من إجازة: أنا أبو القاسم هبة الله بن ~~علي بن مسعود البوصيري: أنا أبو عبد الله محمد بن بركات النحوي السعيدي، ~~قال: أخبرتنا كريمة. # * وأما رواية المستغفري: فأنبأنا بها أبو عبد الملك محمد بن علي بن محمد ~~بن ضرغام البكري، عن صالح بن مختار، عن محمد بن عبد الهادي، عن الحافظ أبي ~~موسى المديني، عن أبيه، عن الحسن بن أحمد عنه. # * وأما رواية أبي القاسم بن مهران، عن الكشاني: فأنبأنا بها أبو علي ~~المهدوي، عن يونس بن أبي إسحاق، عن الحسن بن المقير، عن أبي الفضل بن ناصر، ~~عن أبي القاسم ابن منده عنه. PageV01P152 # فهذه الطرق التي سقناها ترجع كلها إلى رواية الفربري على ما أصلناه (¬1). # * * * وأما رواية إبراهيم بن معقل النسفي، عن البخاري: فأنبأنا بها أبو ~~علي البزاز بسنده المتقدم إلى أبي علي الجياني: أنا أبو العاص الحكم بن ~~محمد بن الحكم الجذامي: أنا أبو الفضل أحمد بن أبي عمران الهروي بمكة سنة ~~اثنين وثمانين وثلاثمائة سماعا لبعضه وإجازة لباقيه: ثنا أبو صالح خلف بن ~~محمد بن إسماعيل: ثنا إبراهيم بن معقل النسفي: ثنا أبو عبد الله البخاري من ~~أول الكتاب إلى باب: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} [الفتح: 15]. سماعا ~~عليه، ومن كتاب الأحكام إلى آخره إجازة منه. # * * * وأما رواية حماد بن شاكر، عن البخاري: فأنبأنا بها أبو الفتح عبد ~~الرحيم ابن أحمد بن المبارك [25/ ب] المقرئ، عن يونس بن أبي إسحاق، عن علي ~~بن الحسين بن علي بن منصور، عن الحافظ أبي ms047 الفضل محمد بن ناصر، عن أبي بكر ~~أحمد بن علي بن خلف الشيرازي، عن الحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد [الله] ~~(¬2) الحافظ: أخبرني أحمد بن محمد النسوي: ثنا حماد بن شاكر، عن البخاري ~~سماعا عليه من أول الكتاب إلى قبيل أبواب الأحكام، والباقي إجازة. # * * * وأما رواية أبي طلحة البزدوي، عن البخاري: فأنبأنا بها ابن ضرغام ~~بسنده المتقدم إلى المستغفري، قال: أنا أحمد بن عبد العزيز المقرئ وغيره عنه. # وإذا انقضى ما أردنا من هذه الفوائد، وأفردناه من هذه الفوائد؛ فلنشرع ~~فيما قصدناه في إيراد النكت المتعلقة بالجامع على ترتيبه الواقع، والاقتصار ~~منه على رواية واحدة، مع التنبيه على ما يحتاج إليه مما يخالفها، أقرب إلى ~~مقصود الاختصار، وأبعد مما لا طائل تحته من الإكثار، فاقتصرت على رواية ~~الحافظ أبي ذر الهروي؛ لإثباته وضبطه، أعاننا الله على إكماله بمنه ~~واتصاله، آمين. PageV01P153 ### || CHECK 1 - باب: كيف كان بدء الوحي ### | AUTO 1 - كتاب بدء الوحي # بسم الله الرحمن الرحيم # كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقول الله -جل ~~ذكره-: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} [النساء: 163] # 1 - حدثنا الحميدي عبد الله بن الزبير، عن سفيان، قال: حدثنا يحيى بن ~~سعيد الأنصاري، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، أنه سمع علقمة بن وقاص ~~الليثي، يقول: سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على المنبر يقول: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل ~~امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته ~~إلى ما هاجر إليه". # قال -رحمه الله-: (بسم الله الرحمن الرحيم). # أقول: بدأ بالبسملة للتبرك؛ لأنها أول آية في المصحف، أجمع على كتابتها ~~الصحابة. # قال: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقول الله ~~تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} [النساء: 163]. # أقول: هكذا وقع في رواية أبي ذر عن مشايخه الثلاثة، ليس فيه ms048 باب، والجملة ~~حينئذ في محل رفع. # وقوله: (وقول الله) مرفوع عطفا عليها، ووقع في رواية أبي الوقت وغيره ~~بإثباته، ويجوز فيه وفي نظائره وجهان: PageV01P155 # الضم بلا تنوين، والتقدير باب كيف (¬1) بدء الوحي، ويكون قول الله مجرورا ~~عطفا على موضع الجملة، وهي كيف كان بدء الوحي. # ثانيهما: الضم مع التنوين، وإعرابه واضح. # وحكى (¬2) الكرماني فيه وجها ثالثا، وهو: أنه يجوز فيه عدم الإعراب، ~~فيورد بصورة الوقف على سبيل التعداد، وفيه بحث ولم تجئ به الرواية. # وذكر الآية الكريمة؛ لأن عادته أن يضم إلى الحديث الذي [26/ أ] على شرطه ~~ما ناسبه من قرآن، أو تفسير له، أو حديث على غير شرطه، أو أثر عن بعض ~~الصحابة والتابعين بحسب ما يليق عنده بذلك المقام. # وتراجم أبوابه غالبها أحاديث أو آثار أو تفاسير، وقل ما يمر به في الحديث ~~لفظة تناسق لفظ آية إلا ويورد تفسير تلك الآية. # ولأجل هذا أقول: ليس في الجوامع من احتوى على علمي الكتاب والسنة مثله. # قوله: (بدء الوحي) هو بفتح الباء الموحدة والهمز، من الابتداء، وقال ~~القاضي عياض: يجوز الضم وتشديد الواو من البدو: وهو الظهور، قلت: لكن لم ~~تجئ به الرواية، وقد وقع [في] (¬3) بعض الروايات: (كيف كان ابتداء الوحي)، ~~فصح ما قلناه. # والوحي في اللغة: الإعلام في خفاء. # وفي الشرع: كلام الله المنزل على نبي من أنبيائه. # قوله: (حدثنا الحميدي) هو: أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبد ~~الله بن الزبير بن عبد الله بن حميد بن أسامة بن زهير بن الحارث بن أسد بن ~~عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي، يجتمع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في قصي، ومع خديجة بنت خويلد ابن أسد زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أسد بن عبد العزى، وهو منسوب إلى جده حميد. PageV01P156 # وهو إمام كبير، له تصانيف في الحديث والفقه، من رؤساء أصحاب ابن عيينة، ~~وصحب الشافعي، وأخذ عنه الفقه، ورافقه في طلب الحديث، وفي الرحلة إلى مصر، ~~ورجع بعد وفاته إلى مكة ms049 فأقام بها إلى أن مات سنة تسع عشرة ومائتين. # وقدم المصنف الرواية عن الحميدي؛ لأنه قرشي مكي، وشيخه ابن عيينة مكي، ~~إشارة إلى العمل بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "قدموا قريشا ولا تقدموها" ~~(¬1)، وإشعارا بأفضلية مكة على غيرها من البلاد، ولأن ابتداء الوحي كان ~~منها؛ فناسب أن يبدأ بالرواية عن أهلها في أول بدء الوحي، ومن ثم ثنى ~~بالرواية عن مالك؛ لأنه فقيه الحجاز مع سفيان، ولأن المدينة تلو مكة في ~~الفضل، وقرينتها في نزول الوحي. # قوله: (عن سفيان) كذا [26/ ب] في رواية أبي ذر، ولغيره: "ثنا سفيان"، وهو ~~ابن عيينة بن أبي عمران أبو محمد الهلالي الكوفي نزيل مكة، قال الشافعي: ~~لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز. PageV01P157 # وكان سفيان يقول: إنه سمع من سبعين من التابعين، وهو آخر من روى عن ~~الزهري من الثقات، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومائتين، فبدأ البخاري [به] (¬1). # قوله: (ثنا يحيى بن سعيد الأنصاري) اسم جده: قيس بن عمرو، وهو من صغار ~~التابعين، وشيخه محمد بن إبراهيم التيمي من آل الصديق، وهو تابعي وسط، ~~وشيخه علقمة بن وقاص الليثي تابعي كبير. # ففي الإسناد على هذا ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض، وعلى رواية ~~أبي ذر يكون اجتمع في الإسناد أكثر الصيغ، وهي: التحديث والإخبار والسماع ~~والعنعنة. # قوله: (سمعت عمر بن الخطاب على المنبر يقول). # قال محمد بن إسماعيل التيمي: لما كان الكتاب معقودا على أخبار النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، طلب المصنف تصديره بأول شأن الرسالة، وهو الوحي، ولم ~~ير أن يقدم عليه شيئا، لا خطبة ولا غيرها، بل أورد حديث الأعمال بالنيات ~~بدلا من الخطبة. # قلت: ولهذه النكتة اختار سياق هذه الطريق؛ لأنها تضمنت أن عمر خطب بهذا ~~الحديث على المنبر، فلما صلح أن يدخل في خطبة الناس (¬2) كان صالحا أن يكون ~~في خطبة الدفاتر، فكأنه قال: هذا كتاب قصدت به جمع حديث رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وقد قال: "إنما الأعمال بالنيات"، فإن كنت قصدت به وجه ~~الله فسيجزيني ms050 عليه وينتفع به، وإن كنت قصدت به غرضا من أغراض الدنيا ~~فسيجازيني بنيتي؛ ولهذه النكتة حذف الجملة الدالة على التزكية المحضة، وهي ~~قوله: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله". وبقي ~~الجملة المفردة، وهي قوله: "فهجرته إلى ما هاجر إليه"، نبه على ذلك بعض ~~حفاظ الأندلس، وهو دقيق، وقد بسطته في الشرح الكبير (¬3). PageV01P158 # وإذ تقرر أنه أقام هذا الحديث بدلا من الخطبة [27/ أ]، ومن حق الخطبة أن ~~يذكر المصنف فيها اصطلاحه، وكان من رأيه تجويز الرواية بالمعنى، والاختصار ~~من الحديث، والاقتصار على دلالة الإشارة غالبا؛ فاستعمل جميع ذلك في هذا ~~الحديث. # فإن قيل: ولم لم يبدأ الخطبة بالحمد؟ # فالجواب: إن المقصود من الحمد: ذكر الله، وقد وجد بالبسملة، وكذا بالآية ~~الأخرى التي في الترجمة. # قوله: (إنما الأعمال بالنيات) هذا التركيب يفيد الحصر بلا خلاف بين ~~المحققين، والحصر: إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه. # وإنما اختلفوا في "إنما" هل تفيد الحصر أو تأكيد الإثبات؟ # وعلى إفادته؛ هل تفيد النفي بالمنطوق أو بالمفهوم؟ إلى غير ذلك من ~~المباحث. والمختار: أنها تفيد الحصر، لكن قد يصحبها قرائن تدل على إفادتها ~~حصرا مخصوصا. # والأعمال: جمع عمل، وهي في مقابلة الأقوال، والمراد: إعمال البدن؛ لأن ~~النية عمل القلب، وليس بمراد لئلا يلزم الدور. # والنيات: جمع نية، وهي: انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع ~~أو دفع ضر حالا ومآلا. قاله القاضي ناصر الدين البيضاوي، قال: وهذا اللفظ ~~متروك الظاهر؛ لأن الذوات غير منتفية، فيعني أن تقدير: "إنما الأعمال ~~بالنيات": لا عمل إلا بنية، والفرض أن ذات العمل الخالي عن النية موجودة، ~~قال: فالمراد نفي أحكامها كالصحة والفضيلة، قال: والحمل على نفي الصحة ~~أولى؛ لأنه أشبه بنفي الشيء بنفسه، ولأن اللفظ يدل عليه بالتصريح على نفي ~~الذوات، وبقيت دلالته بالتبع على نفي الصفات. # قلت: وهذا المحل يحتمل البسط، وقد أكثر الحذاق من الكلام فيه، فاقتصرت ~~على كلام هذا القاضي لجودته وتحقيقه. # واستدل الطيبي على صحة ما ذهب إليه من أن ms051 المقدر الصحة؛ بأن التقدير لو PageV01P159 # كان ب: "مستقر" أو "حاصل"؛ لكان بيانا للغة، والنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بعث لبيان الشرع، فرجح جانب الحمل على تقدير الصحة، ويتقوى أيضا بأن ~~"إنما" لا يخاطب بها إلا من عنده تردد في الشيء، والذين خوطبوا بذلك هم أهل ~~اللسان، فتعين أنهم إنما خوطبوا بما ليس لهم به علم إلا من قبل الشارع، وهو ~~[27/ب] الشرع، فتعين الحمل على الشرع، والله أعلم. # وهذا كله إذا أحدث الأعمال على عمومها، فأما إذا قلت: المراد بالأعمال ~~هنا: الأعمال الشرعية دون غيرها؛ فيصح تقدير: "تستقر وتوجد"، ونحو ذلك. # قوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى) هذا تأكيد للجملة الأولى ومقولها، ويحتمل ~~أن يراد من الأولى: أن الأعمال لا تكون مسقطة للقضاء إلا إذا قارنتها ~~النية، ومن الثانية: أنها إنما تكون مقبولة إذا قارنها الإخلاص. # وقال الخطابي: أفادت هذه الجملة تعيين العمل بالنية الجازمة، والأولى ~~أفادت أن الأعمال لا تعتبر إلا إذا كانت بنية. # قوله: (فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها) هو بالقصر بلا تنوين، والهجرة في ~~الأصل: الترك، والمراد بها هنا: ترك الوطن، وكان واجبا على من أسلم أن ~~يهاجر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، مفارقا دار قومه، فلما فتحت مكة ~~ودخل الناس في دين الله أفواجا انقطعت هذه الهجرة، وبقيت الهجرة من دار ~~الكفر على حالها، وللهجرة معان أخر ليست مرادة هنا، وسيشار إلى شيء منها بعد. # وقد قدمنا النكتة في حذفه أحد وجهي التقسيم، وهو قوله: (فمن كانت هجرته ~~إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله"، فلم يجئ في شيء من الروايات، ~~وغلط الشارح الداوودي ومن تبعه في إثباتها، والله أعلم. # قوله: (فهجرته إلى ما هاجر إليه) ظاهره اتحاد الشرط والجزاء، وتغايرهما ~~متعين، والجواب: أن تغايرهما لا يتعين باللفظ بل في المعنى، وحينئذ فيقدر ~~أو يؤول، كما في قوله تعالى: {ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله ~~متابا} [الفرقان: 71]. PageV01P160 # وأولى ما قدر في الحديث ما قال أبو الفتح القشيري: فمن كانت هجرته لشيء ~~نية ms052 وقصدا فهجرته حكما وشرعا. # ويعرب قوله: "نية" على التمييز لا على الحال؛ إذ الحال في مثل هذا لا ~~يحذف، بخلاف التمييز فإنه يجوز حذفه إذا دلت عليه القرينة، أو يحمل على ~~إرادة المعهود كقوله: # * أنا أبو النجم وشعري شعري * # إذ يؤول على إقامة السبب مقام المسبب لاشتهار السبب، والله أعلم. # وسنذكر في [28/ أ] كتاب الإيمان بقايا من فوائد هذا الحديث إن شاء الله ~~تعالى. PageV01P161 ### || CHECK 2 - باب: وفيه حديث الحارث بن هشام: كيف يأتيك الوحي؟ # 2 - حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن ~~أبيه، عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-: أن الحارث بن هشام - رضي الله ~~عنه - سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك ~~الوحي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أحيانا يأتيني مثل صلصلة ~~الجرس -وهو أشده علي- فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي ~~الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول". # قالت عائشة -رضي الله عنها-: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد ~~البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا. # قوله: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو: التنيسي، وهو من أجل من يروي الموطأ ~~عن مالك. # قوله: (أن الحارث بن هشام) هو: المخزومي - رضي الله عنه -، وهو أخو أبي ~~جهل -لعنه الله-. # قوله: (سأل) يحتمل أن تكون عائشة حضرته إذ سأل عن ذلك، ويحتمل أن يكون ~~الحارث أخبرها بذلك وأوردته في هذه السياقة بصورة الإرسال فيحكم له بحكم ~~الوصل؛ لأنه على الأول ظاهر الاتصال، وعلى الثاني مرسل صحابي، وقد ثبت ~~الثاني في مسند أحمد (¬1)، ومعجم البغوي وغيرهما. # قوله: (أحيانا) منصوب على الظرف. # قوله: (يأتيني مثل صلصلة الجرس). # يريد: أنه صوت متدارك يسمعه ولا يتبينه أول ما يقرع سمعه، ثم يفهمه بعد، ~~ولهذا عبر عنه بالشدة؛ لأنه يشغله عن حواسه، وفي حديث عمر عند أبي داود ~~(¬2): "كنا PageV01P162 # نسمع عنده مثل دوي النحل"، والفرق بينهما: أن الأول بالنسبة إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم ms053 -، والثاني بالنسبة للصحابة، فافترق النسبة بحسب ~~المقامين. # والصلصلة في الأصل: صوت وقع الحديث بعضه على بعض، ثم أطلقت على كل صوت له ~~طنين، وشبهه به نظرا إلى مماثلة الصوت مع قطع النظر عن متعلقاته، وإلا فصوت ~~الجرس نفسه يكره حسه. # قوله: (فيفصم) بضم أوله على البناء على ما لم يسم فاعله، ولغير أبي ذر ~~بفتح أوله وكسر الصاد، أي: يقلع، والفصم: القطع من غير بينونة بخلاف القصم ~~بالقاف. # قوله: (وعيت) بفتح العين؛ أي: فهمت، وهو مأخوذ من الوعاء؛ أي: جمعته كما ~~يجمع الشيء في الوعاء، وحصل من المجموع أنه لا يفهمه ابتداء حتى يلقي إليه ~~باله كله، وأنه لا يقلع عنه إلا وقد فهم ما جاء به. # ولم يتعرض في هذه الصورة لكيفية حامل الوحي؛ لأن السؤال إنما وقع عن ~~الوحي نفسه، وإنما ذكره في الثاني لتحقق أنه يشبه كلام الإنس. # قوله: (رجلا) أي: على مثال رجل، ومعناه: أن الملك ظهر للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بتلك الصورة تأنيسا. والزائد على خلقه، إما أن يحتجب، وإما أن ~~يضمحل ثم يعود [28/ ب]، وأشار إلى ذلك ابن عبد السلام، والأول أولى. # قوله: (فأعي ما يقول). # وقال في الأول: "وقد وعيت ما قال"؛ لأن الوعي حصل في الأول عقب المكالمة ~~قبل الفصم، وفي الثاني حصل حال المكالمة، ولا يتصور قبلها. # فإن قيل: بقي من صفات الوحي أشياء لم تذكر: كالرؤيا الصالحة، والإلهام، ~~والنفث في الروع، والكلام بلا واسطة كما في ليلة الإسراء، ومجيء الملك في ~~صورته التي خلق عليها؟ # فالجواب: أن السؤال غير وارد؛ إذ لا صيغة حصر هنا، وعلى تقدير ذلك يجوز ~~أن يكون في الرؤيا أيضا لا يخرج في مجيئه بالوحي عن الصفتين المذكورتين، ~~وأما ما عدا PageV01P163 # ذلك فوقوعه نادر، وغالبه لم يتكرر فلم يذكره، أو أن المراد بالسؤال عن ~~الوحي السؤال عن الموحى وهو القرآن، ومجيء الملك بالقرآن لا يخرج عن تلك ~~الصفتين، والله أعلم. # قوله: (قالت عائشة) هو معطوف على الإسناد الأول بغير أداة عطف، وهو جائز ~~كما قال ms054 ابن مالك، وقد أكثر المصنف في هذا الكتاب من استعماله، وقد أخرجه ~~مالك في "الموطأ" كذلك (¬1)، وأفرده مسلم (¬2) بالسياق مع أنه بسند الذي ~~قبله عنده أيضا، فانتفى أن يكون من تعاليق البخاري كما جوزه الكرماني. # وكلام عائشة هذا يؤيد ما روت عنه - صلى الله عليه وسلم - من الشدة؛ لأن ~~سيل العرق في اليوم الشديد البرد يدل على حمل ثقل عظيم، كما قال تعالى: ~~{إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} [المزمل: 5]. وفي حديث عائشة أيضا أنها في قصة ~~الإفك: "فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء" (¬3)، وهو بضم الموحدة وفتح الراء ~~والحاء المهملة، وهو: البهر (¬4) بضم الموحدة وإسكان الهاء، والعرق مثل ~~الذي يحصل للمحموم. # وفي حديث عبادة بن الصامت: "كان إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك وتربد وجهه" ~~(¬5). وهو بالراء وتشديد الموحدة؛ أي: تغير لونه. # وفي حديث يعلى بن أمية: "فرأيته وهو يغط" (¬6). PageV01P164 # وكل ذلك حيث لا يأتي الملك في صورة الرجل، أما حيث يأتي في صورة الرجل ~~فلا؛ ففي حديث أبي هريرة في سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام أنه أتى في ~~صورة أعرابي (¬1)، وفي حديث أم سلمة أنها رأت جبريل في صورة دحية (¬2)، إلى ~~غير ذلك من الأحاديث. # وللحميدي في "مسنده" (¬3)، عن ابن عيينة، عن هشام في حديث الباب [29/ أ]: ~~"ويأتيني أحيانا في مثل صورة الفتى فينبذه إلي فأعيه وهو أهونه علي"، فتبين ~~موقع أفعل في قوله: "وهو أشده علي". # وفي هذا الحديث من الفوائد: أن السؤال عن الكيفية لطلب الطمأنينة لا يقدح ~~في اليقين، وأن الصحابة كانوا يسألون النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~الأمور التي لا تدرك بالحس فيخبرهم بها ولا ينكر ذلك عليهم. # قوله: (ليتفصد) بالفاء، أي: يسيل منه العرق كما يسيل الدم بالفصد، ومن ~~قاله بالقاف فقد صحف. و (عرقا): منصوب على التمييز. # * تنبيه: # قال الإسماعيلي: كان المناسب أن يقدم الحديث الذي بعد هذا؛ لأنه أليق ~~بالترجمة. # وأقول: لا أثر للتقديم والتأخير هنا ولو لم تظهر المناسبة، فضلا عن أنا ~~قدمنا أنه أراد البداءة بالتحديث عن إمامي الحجاز، ms055 فبدأ بمكة وثنى ~~بالمدينة، ولا يلزم أن تتعلق جميع أحاديث الباب ببدء الوحي، بل يكفي أن ~~يتعلق بذلك وبما يتعلق به وبما يتعلق بالآية أيضا، فاندفع الاعتراض. PageV01P165 # ثم ظهر لي جواب آخر، وهو أن الأحاديث تتعلق بلفظ الترجمة وبما اشتملت ~~عليه الترجمة، ولما كانت الترجمة اشتملت على الآية الكريمة، وهي قوله: {إنا ~~أوحينا إليك} [النساء: 163]. كان تقديم ما يتعلق بالآية الكريمة، فهو صفة ~~الوحي وصفة حامله، إشارة إلى أن الوحي إلى الأنبياء لا تباين فيه، فحسن ~~إيراد هذا الحديث عقب حديث "الأعمال بالنيات" الذي تقرر أنه يتعلق بالآية ~~أيضا تعلقا قويا، والله الموفق. PageV01P166 ### || CHECK 3 - باب: وفيه حديث عائشة: أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحي # 3 - حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن ~~عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين، أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى ~~رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء ~~فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود ~~لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، ~~فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني ~~الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى ~~بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني ~~الثالثة، ثم أرسلني فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق ~~(2) اقرأ وربك الأكرم} ". فرجع بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرجف ~~فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- فقال: "زملوني زملوني". ~~فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: "لقد خشيت على ~~نفسي". فقالت خديجة: كلا والله ما يحزنك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل ~~الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين ms056 على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة ~~حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة -وكان امرأ تنصر ~~في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما ~~شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي- فقالت له خديجة: يا ابن عم، ~~اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله ~~على موسى - صلى الله عليه وسلم -، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيا إذ ~~يخرجك قومك. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أو مخرجي هم؟ ". قال: ~~نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا ~~مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي. # قوله: (حدثنا يحيى بن بكير) هو: يحيى بن عبد الله بن بكير، نسب إلى جده ~~لشهرته بذلك، وهو من كبار حفاظ المصريين، وأثبت الناس في الليث بن سعد ~~الفهمي فقيه المصريين. PageV01P167 # و (عقيل) بالضم على التصغير، وهو من أثبت الرواة عن ابن شهاب: وهو أبو ~~بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث ~~بن زهرة الفقيه، نسب إلى جد جده لشهرته. # (الزهري) نسب إلى جده الأعلى زهرة بن كلاب، وهو من رهط آمنة أم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، اتفقوا على إمامته وإتقانه. # قوله [29/ ب]: (من الوحي) يحتمل أن تكون تبعيضية؛ أي: من أقسام الوحي، ~~ويحتمل أن تكون بيانية، ورجحه القزاز. # و(الرؤيا الصالحة) وقع في رواية معمر، ويونس عند المصنف (¬1): "الصادقة" ~~وهي التي ليس فيها ضغث، وبدئ بذلك ليكون تمهيدا وتوطئة لليقظة، ثم مهد له ~~في اليقظة أيضا رؤية الضوء، وسماع الصوت، وسلام الحجر. # قوله: (في النوم) لزيادة الإيضاح، أو ليخرج رؤيا العين في اليقظة لجواز ~~إطلاقها مجازا. # قوله: (مثل فلق الصبح) نصب "مثل" على الحال؛ أي: شبيهة (¬2) ضياء الصبح. # قوله: ms057 (حبب) لم يسم فاعله لعدم تحقق الباعث على ذلك، وإن كان كل من عند ~~الله، أو لينبه على أنه لم يكن من باعث البشر، أو يكون ذلك من وحي الإلهام. # و(الخلاء) بالمد: الخلوة، والسر فيه: أن في الخلوة فراغ القلب لما يتوجه له. # و(حراء) بالمد وكسر أوله، كذا في الرواية وهو صحيح، وفي رواية الأصيلي ~~بالفتح والقصر، وقد حكي أيضا، وحكي فيه غير ذلك جوازا لا رواية، وهو: جبل ~~معروف بمكة. # و(الغار) نقب في الجبل، وجمعه: "غيران". # قوله: (فيتحنث) هي بمعنى: يتحنف؛ أي: يتبع الحنيفية، وهي: دين إبراهيم، ~~والفاء PageV01P168 # تبدل ثاء في كثير من كلامهم، وقد وقع في رواية ابن هشام في "السيرة": ~~"يتحنف" (¬1) بالفاء، والتحنث: إلقاء الحنث (¬2)، وهو الإثم، كما قيل: ~~يتأثم ويتحرج ونحوهما. # قوله: (وهو التعبد) هذا مدرج في الخبر، وهو من تفسير الزهري كما جزم به ~~الطيبي، ولم يذكر دليله. # نعم؛ في رواية المؤلف من طريق يونس عنه في التفسير (¬3) ما يدل على ~~الإدراج. # قوله: (الليالي ذوات العدد) متعلق بقوله: يتحنث، وإبهام العدد لاختلافه، ~~وهو بالنسبة إلى المدد التي يتخللها مجيئه إلى أهله، وإلا فأصل الخلوة قد ~~عرفت مدتها وهي شهر، وذلك الشهر كان رمضان، رواه ابن إسحاق كما بينته في ~~الشرح الكبير (¬4). # و"الليالي" منصوبة على الظرف. # و"ذوات" منصوبة أيضا، وعلامة النصب فيها كسر التاء. # و"ينزع" بكسر الزاي، أي: يرجع وزنا ومعنى، ورواه المؤلف بلفظه [30/أ] في ~~التفسير (¬5). # قوله: (لمثلها) أي: الليالي. # و"التزود": استصحاب الزاد، ويتزود معطوف على يتحنث. # و"خديجة": هي أم المؤمنين بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، يأتي ~~أخبارها في مناقبها. # قوله: (حتى جاءه الحق) أي: الأمر، وفي التفسير (¬6): "حتى فجئه الحق" ~~بكسر الجيم، أي: بغتة. # قوله: (فجاءه) هذه الفاء تسمى التفسيرية وليست التعقيبية، لأن مجيء الملك ~~ليس PageV01P169 # بعد مجيء الوحي حتى تعقب به، بل هو تفسير، ولا يلزم من هذا (¬1) أن يكون ~~من باب تفسير الشيء بنفسه، بل التفسير عين المفسر به من جهة الإجمال، وغيره ~~من جهة التفصيل. # قوله: (ما ms058 أنا) "ما" نافية؛ إذ لو كانت استفهامية لم يصلح دخول الباء ~~عليها، وإن حكي عن الأخفش جوازه فهو شاذ، و"الباء" زائدة لتأكيد النفي؛ أي: ~~ما أحسن القراءة، فلما قال ذلك ثلاثا، قيل له: {اقرأ باسم ربك} أي: لا ~~تقرؤه بقوتك ولا بمعرفتك، لكن بحول ربك وإعانته، فهو معلمك كما خلقك، وكما ~~نزع عنك علق الدم ومغمز الشيطان في الصغر، وعلم أمتك حتى صارت تكتب بالقلم ~~بعد أن كانت أمية. # فإن قيل: فلم كرر ذلك؟ # أجاب أبو شامة: بأنه يحتمل أن يكون قوله أولا: "ما أنا بقارئ" على ~~الامتناع، وثانيا: على الإخبار بالنفي المحض، وثالثا: على الاستفهام، ~~ويؤيده أن في رواية أبي الأسود في مغازيه عن عروة أنه قال: "كيف أقرأ". # قوله: (فغطني) بغين معجمة وطاء مهملة، وفي رواية الطبري (¬2): بتاء مثناة ~~من فوق، كأنه أراد: ضمني وعصرني، والغط: حبس النفس، ومنه: غطه في الماء، ~~أو: أراد غمني: ومنه: الخنق، ولأبي داود الطيالسي في "مسنده" بسند حسن: ~~"فأخذ بحلقي" (¬3). # قوله: (حتى بلغ مني الجهد) روي بالفتح والنصب (¬4)؛ أي: بلغ الغط مني ~~غاية وسعي، وروي بالضم والرفع (¬5)؛ أي: بلغ مني الجهد مبلغه. # وقوله: (أرسلني) أي: أطلقني، ولم يذكر الغط هنا في المرة الثالثة، وهو ~~ثابت عند المؤلف في التفسير (¬6). PageV01P170 # قوله: (فرجع بها) أي: بالآيات أو بالقصة. # قو له: (فزملوه) أي: لفوه، والروع -بالفتح-: الفزع. # قوله: (لقد خشيت على نفسي) دل هذا مع قوله: "يرجف [30/ ب] فؤاده" (¬1) ~~على انفعال حصل له من مجيء الملك، ومن ثم قال: زملوني. # والخشية المذكورة اختلف العلماء في المراد بها على اثني عشر قولا: # أولها: الجنون، وأن يكون ما رآه من جنس الكهانة، جاء مصرحا به في عدة طرق ~~أوضحتها في الشرح الكبير، وأبطله أبو بكر ابن العربي، وحق له أن يبطل. # ثانيها: الهاجس، وهو باطل أيضا؛ لأنه لا يستقر، وهذا استقر وحصلت بينهما ~~المراجعة. # ثالثها: الموت من شدة الرعب. # رابعها: الوحي. # خامسها: دوام الوحي. # سادسها: العجز عن حمل أعباء النبوة. # سابعها: العجز عن النظر إلى الملك من ms059 الرعب. # ثامنها: عدم الصبر على أذى قومه. # تاسعها: أن يقتلوه. # عاشرها: مفارقة الوطن. # حادي عشرها: تكذيبهم إياه. # ثاني عشرها: تعييرهم إياه. # وأولى هذه الأقوال بالصواب، وأسكنها من الارتياب: الثالث واللذان بعده، ~~وما عداها فهو معترض، والله الموفق. # قوله: (فقالت له خديجة: كلا) معناها: النفي والإبعاد. PageV01P171 # و (يحزنك) بفتح أوله والحاء المهملة والزاي المضمومة والنون: من الحزن، ~~ولغير أبي ذر بضم أوله والخاء المعجمة والزاي المكسورة ثم الياء الساكنة: ~~من الخزي، ثم استدلت على ما أقسمت عليه (¬1) من نفي ذلك أبدا بأمر استقراري ~~(¬2)، ووصفته بمكارم الأخلاق؛ لأن الإحسان إما إلى الأقارب أو إلى الأجانب ~~وإما بالبدن أو بالمال، وإما على من يستقل بأمره أو من لما يستقل، وذلك كله ~~مجموع فيما وصفته به (¬3). # و(الكل) -بفتح الكاف-: هو من لا يستقل بأمره، كما قال تعالى: {وهو كل على ~~مولاه} [النحل: 76]. # وقولها: (وتكسب المعدوم) في رواية الكشميهني: "ويكسب" بضم أوله، وعليها ~~قال الخطابي: الصواب: المعدم (¬4) بلا واو؛ أي: الفقر؛ لأن المعدوم لا يكسب. # قلت: ولا يمتنع أن يطلق على المعدم (¬5) المعدوم؛ لكونه كالمعدوم الميت ~~الذي لا تصرف له، والكسب: هو الاستفادة، فكأنها قالت إذا رغب غيرك أن ~~يستفيد مالا موجودا رغبت أنت أن تستفيد رجلا عاجزا فتعاونه. # وقال قاسم بن ثابت في "الدلائل": قوله: "يكسب المعدوم" معناه: ما يعدمه ~~(¬6) [31/ أ] غيره ويعجز عنه يصيبه (¬7) هو ويكسبه، قال أعرابي (¬8): كان ~~أكسبهم لمعدوم، وأعطاهم لمحروم، وأنشد في وصف ذئب: # * كسوب المعدوم (¬9) من كسب واحد * # أي: مما يكسبه وحده. انتهى PageV01P172 # ولغير الكشميهني: "ويكسب" بفتح أوله، قال القاضي عياض: وهذه الرواية أصح. # قلت: قد وجهنا الأولى وهذه الراجحة، ومعناها تعطي الناس ما لا يجدونه ~~(¬1) عند غيرك، فحذف أحد المفعولين، يقال: كسبت الرجل مالا وأكسبته بمعنى، ~~وقيل: معناه يكسب المال المعدوم ويصيب منه ما لا يصيب غيرك، وكانت العرب ~~تتمادح بكسب المال لاسيما قريشا، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل ~~البعثة محظوظا في التجارة، وقصته في ذلك مع خديجة مشهورة. وإنما يصح هذا ~~المعنى هناك إذا ضم ms060 إليه ما يليق به من أنه كان مع إفادته للمال يجود به في ~~الوجوه التي ذكرت من المكرمات. # وقولها: (وتعين على نوائب الحق) هي كلمة جامعة لإيراد ما تقدم ولما لم ~~(¬2) يتقدم. # وفي رواية المصنف في التفسير (¬3) من طريق يونس، عن الزهري من الزيادة: ~~"وتصدق (¬4) في الحديث"، وهي من أشرف الخصال. # وفي رواية هشام بن عروة، عن أبيه في هذه القصة: "وتؤدي الأمانة" (¬5). # وفي هذه القصة من الفوائد: استحباب تأنيس من نزل به أمر بذكر تيسيره عليه ~~وتهوينه لديه، وأن من نزل به أمر استحب له أن يطلع عليه من يثق بصحبته وصحة رأيه. # قوله: (فانطلقت به) أي: مضيت معه، فالباء للمصاحبة. # و(ورقة) بفتح الراء. # قوله: (ابن عم خديجة) هو بنصب ابن (¬6) وتكتب بألف، وهو بدل من ورقة، أو ~~صفة، أو بيان، ولا يجوز جره فإنه يصير صفة لعبد العزى وليس كذلك، ولا كتبه ~~بغير ألف؛ لأنه لم يقع عليه بين علمين. PageV01P173 # قوله: (تنصر) أي: صار نصرانيا، وكان قد خرج هو وزيد بن عمرو بن نفيل لما ~~كرها عبادة الأوثان إلى الشام وغيرها يسألون عن الدين، فأما ورقة فأعجبه ~~دين النصرانية فتنصر، وكان لقي من الرهبان على دين عيسى ولم يبدل، ولهذا ~~أخبر بشأن النبي - صلى الله عليه وسلم -[31/ ب] والبشارة به، إلى غير ذلك ~~مما أفسده أهل التبديل. # وأما زيد بن عمرو فسيأتي خبره في المناقب (¬1) إن شاء الله تعالى. # قوله: (فكان يكتب الكتاب العبراني ويكتب من الإنجيل بالعبرانية). # وفي رواية يونس (¬2) ومعمر: "ويكتب من الإنجيل بالعربية" (¬3)، ولمسلم: ~~"وكان يكتب الكتاب العربي" (¬4)، والجميع صحيح؛ لأن ورقة يعلم اللسان ~~العبراني والكتابة العبرانية، فكان يكتب الكتاب العبراني كما كان يكتب ~~الكتاب العربي، لتمكنه من الكتابتين واللسانين، ووقع لبعض الشراح هنا خبط ~~فلا يعرج عليه، وإنما وصفته بكتابة الإنجيل دون حفظه؛ لأن حفظ التوراة ~~والإنجيل لم يكن منتشرا كنشر (¬5) حفظ القرآن الذي خصت به هذه الأمة، فلهذا ~~جاء في صفتها: "أناجيلها صدورها". # قوله: (يا ابن عم) هذا النداء على حقيقته، ووقع في ms061 مسلم: "يا عم" وهو ~~وهم؛ لأنه وإن كان صحيحا لجواز إرادة التوقير لكن القصة لم تتعدد ومخرجها ~~متحد، فلا يحمل على أنها قالت ذلك مرتين، فتعين الحمل على الحقيقة، وإنما ~~جوزنا ذلك فيما مضى في العبراني والعربي؛ لأنه من كلام الراوي في وصف ورقة ~~واختلفت المخارج، فأمكن التعدد، وهذا الحكم يطرد في جميع ما يشبهه. # وقالت في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اسمع من ابن أخيك"؛ لأن ~~والده عبد الله بن عبد المطلب وورقة في عدد النسب إلى قصي بن كلاب الذي ~~يجتمعان فيه سواء، فكان من هذه الحقيقة في درجة أخوته، أو قالته على سبيل ~~التوفيق له عليه. PageV01P174 # وفيه إرشاد إلى أن صاحب الحاجة يقدم بين يديه من يعرف بقدره من يكون أقرب ~~منه إلى المسئول، وذلك مستفاد من قول خديجة لورقة: اسمع من ابن أخيك، أرادت ~~بذلك: أن يتأهب لسماع كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذلك أبلغ في ~~التعظيم. # قوله: (ماذا ترى؟ ) فيه حذف يدل عليه سياق الكلام، وقد صرح به في "دلائل ~~النبوة" لأبي نعيم بسند حسن إلى عبد الله بن شداد في هذه القصة قال: "فأتت ~~به ورقة ابن عمها فأخبرته بالذي رأى" (¬1). # قوله: (هذا الناموس الذي نزل الله على موسى). # وللكشميهني: "أنزل الله"، وفي التفسير: "أنزل" (¬2) على البناء للمفعول. ~~وأشار بقوله هذا إلى الملك الذي ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم -[32/أ] ~~في خبره ونزله منزلة القريب لقرب ذكره. # (والناموس): صاحب السر كما جزم به المؤلف في أحاديث الأنبياء (¬3)، وزعم ~~ابن ظفر وغيره أن الناموس: صاحب الخير (¬4)، والجاسوس: صاحب سر الشر، ~~والأول الصحيح الذي عليه الجمهور، وقد سوى بينهما رؤبة بن العجاج أحد فصحاء ~~العرب، والمراد بالناموس هنا: جبريل -عليه السلام-. # وقوله: (على موسى) ولم يقل: على عيسى مع كونه نصرانيا؛ لأن كتاب موسى ~~مشتمل على أكثر الأحكام بخلاف عيسى، وكذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~أو لأن موسى بعث بالنقمة على فرعون ومن معه بخلاف عيسى، وكذلك وقعت النقمة ~~على يد النبي ms062 - صلى الله عليه وسلم - بفرعون هذه الأمة وهو أبو جهل بن هشام ~~ومن معه ببدر، أو قاله تحقيقا للرسالة؛ لأن نزول جبريل على موسى متفق عليه ~~بين أهل الكتابين بخلاف عيسى فإن كثيرا من اليهود ينكرون نبوته. PageV01P175 # وأما ما تحمل (¬1) له السهيلي من أن ورقة كان على اعتقاد النصارى في عدم ~~نبوة عيسى ودعواهم أنه أحد الأقانيم فهو محال لا يعرج عليه في حق ورقة ~~وأشباهه ممن لم يدخل في التبديل ولم يأخذ عمن بدل، على أنه قد ورد عند ~~الزبير بن بكار من طريق عبد الله بن معاذ، عن الزهري في هذه القصة أن ورقة ~~قال: "ناموس عيسى"، والأصح ما تقدم، وعبد الله بن معاذ ضعيف. # نعم؛ في "دلائل النبوة" لأبي نعيم بإسناد حسن إلى هشام بن عروة، عن أبيه ~~في هذه القصة: أن خديجة أولا أتت ابن عمها ورقة فأخبرته، فقال: لئن كنت ~~صدقتني إنه ليأتيه (¬2) ناموس عيسى الذي لا يعلمه بنو إسرائيل أبناءهم. ~~فعلى هذا فكان ورقة يقول تارة: ناموس عيسى، وتارة: ناموس موسى، فعند إخبار ~~خديجة له بالقصة قال لها: ناموس عيسى، بحسب ما هو فيه من النصرانية، وعند ~~إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - له قال له: ناموس موسى للمناسبة التي ~~قدمناها، وكل صحيح، والله -سبحانه وتعالى- أعلم. # قوله: (يا ليتني فيها جذع). # كذا رواية الأصيلي، وعند الباقين: "يا ليتني فيها جذعا" بالنصب على أنه ~~خبر كان المقدرة، قاله الخطابي، وهو مذهب الكوفيين في قوله تعالى: {انتهوا ~~[32/ب] خيرا لكم} [النساء: 171]. وقال ابن بري: التقدير هنا: يا ليتني جعلت ~~فيها جذعا، وقيل: النصب على الحال إذا جعلت فيها خبر ليت، والعامل في الحال ~~ما يتعلق به الخبر من معنى الاستقرار، قاله السهيلي، فضمير "فيها" يعود على ~~أيام الدعوة. # والجذع -بفتح الجيم والذال المعجمة-: هو الصغير من البهائم، كأنه تمنى أن ~~يكون عند ظهور الدعاء إلى الإسلام شابا ليكون أمكن لنصره، ولهذا تبين سر ~~وصفه بكونه كان كبيرا أعمى. PageV01P176 # قوله: (إذ يخرجك) قال ابن مالك: فيه استعمال ms063 "إذ" في المستقبل ك"إذا"، ~~وهو صحيح؛ وغفل عنه أكثر النحاة، وهو كقوله تعالى: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ ~~قضي الأمر} [مريم: 39]. هكذا ذكره ابن مالك، وأقره عليه غير واحد. # وتعقبه شيخنا شيخ الإسلام بأن النحاة لم يغفلوه، بل منعوا وروده، وأولوا ~~ما ظاهره ذلك، وقالوا في مثل هذا: استعمل الصيغة الدالة على المعنى لتحقق ~~وقوعه فأنزلوه منزلته، ويقوي ذلك هنا أن في رواية البخاري في التعبير: "حين ~~يخرجك قومك" (¬1). وعند التحقيق ما ادعاه ابن مالك فيه ارتكاب مجاز، وما ~~ذكره غيره فيه ارتكاب مجاز، ومجازهم أولى؛ لما ينبني عليه من أن إيقاع ~~المستقبل في صورة المضي تحقيقا لوقوعه أو استحضارا للصورة الآتية في هذه ~~دون تلك. # وفيه دليل على جواز تمني المستحيل إذا كان في فعل خير؛ لأن ورقة تمنى أن ~~يعود شابا وهو مستحيل عادة، ويظهر لي أن التمني ليس مقصودا على بابه، بل ~~المراد من هذا: التنبيه على صحة ما أخبره به، والتنويه بقوة تصديقه فيما ~~يجيء به. # قوله: (أو مخرجي هم) بفتح الواو وتشديد الياء وفتحها، جمع: مخرج، و"هم" ~~مبتدأ مؤخر، و"مخرجي" خبر مقدم، قاله ابن مالك، واستبعد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يخرجوه؛ لأنه لم يكن فيه سبب يقتضي الإخراج؛ لما اشتمل عليه ~~من مكارم الأخلاق الذي تقدم من خديجة وصفتها (¬2)، وقد استدل ابن الدغنة ~~(¬3) بمثل تلك الأوصاف على أن أبا بكر لا يخرج. # قوله: (إلا عودي) وفي رواية يونس في التفسير: "إلا أوذي" (¬4)، فذكر ورقة ~~أن العلة في ذلك مجيئه لهم بالانتقال عن [33/أ] مألوفهم؛ ولأنه علم من ~~الكتب أنهم لا يجيبونه إلى ذلك؛ وأنه يلزمه لذلك مناوأتهم ومنابذتهم، فتنشأ ~~العداوة من ثم. # وفيه دليل على أن المجيب يقيم الدليل على ما يجيب به إذا اقتضاه المقام. PageV01P177 # قوله: (وإن يدركني يومك). # "إن" شرطية، والذي بعدها مجزوم، زاد في رواية يونس في التفسير: "حيا" ~~(¬1)؛ ولأبي إسحاق: "إن أدركت ذلك اليوم"، يعني: يوم الإخراج. # قوله: (مؤزرا). # بالهمزة؛ أي: قويا، مأخوذ من الأزر: وهو القوة، وأنكر القزاز أن ms064 يكون في ~~اللغة مؤزر من الأزر، وقال ابن شامة: يحتمل أن يكون من الإزار، أشار بذلك ~~إلى تشميره في نصرته. قال الأخطل: # قوم إذا حاربوا شدوا (¬2) مآزرهم ... . . . . . البيت # قوله: (ثم لم ينشب). # بفتح الشين المعجمة؛ أي: لم يلبث (¬3)، وأصل النشوب: التعلق؛ أي: لم ~~يتعلق بشيء من الأمور حتى مات، وهذا بخلاف ما في السيرة لابن إسحاق: أن ~~ورقة كان يمر ببلال وهو يعذب، وذلك يقتضي أنه تأخر إلى زمن الدعوة، وإلى أن ~~دخل بعض الناس في الإسلام، فإن تمسكنا بالترجيح فما في الصحيح أصح، وإن ~~لحظنا الجمع أمكن أن يقال: الواو في قوله: "وفتر الوحي" ليست للترتيب، فلعل ~~الراوي لم يحفظ لورقة ذكرا بعد ذلك في أمر من الأمور، فجعل هذه القصة ~~انتهاء أمره بالنسبة إلى علمه لا إلى ما هو الواقع. # وفتور الوحي عبارة عن تأخره مدة من الزمان، وكان ذلك ليذهب ما كان - صلى ~~الله عليه وسلم - وجده من الروع، وليحصل له التشوف (¬4) إلى العود، فقد روى ~~المؤلف في التعبير (¬5) من طريق معمر ما يدل على ذلك. PageV01P178 # * فائدة: # وقع في تاريخ أحمد بن حنبل، عن الشعبي: أن مدة فترة الوحي كانت ثلاث ~~سنين، وبه جزم ابن إسحاق، وحكى البيهقي أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر، وعلى ~~هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده وهو ربيع الأول، وابتداء وحي ~~اليقظة وقع في بدء رمضان، وليس المراد بفترة الوحي المقدرة بثلاث سنين وهي ~~ما بين نزول {اقرأ}، و {ياأيها المدثر} عدم مجيء جبريل إليه، بل تأخر نزول ~~القرآن فقط. PageV01P179 ### || CHECK 4 - باب # 4 - قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد الله ~~الأنصاري، قال -وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال- في حديثه: "بينا أنا أمشي، ~~إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على ~~كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني زملوني. فأنزل الله ~~تعالى: {ياأيها المدثر (1) قم فأنذر} إلى قوله: {والرجز فاهجر} فحمي الوحي ~~وتتابع". # تابعه عبد ms065 الله بن يوسف، وأبو صالح. وتابعه هلال بن رداد، عن الزهري. ~~وقال يونس ومعمر: "بوادره". # قوله: (قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة). # إنما أتى بحرف العطف ليعلم أنه معطوف على ما سبق، فكأنه قال [33/ ب]: ~~أخبرني عروة بكذا، وأخبرني أبو سلمة بكذا، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن ~~عوف، وأخطأ من زعم أن هذا معلق. # ودل قوله عن فترة الوحي وقوله (الملك الذي جاءني بحراء) على تأخر نزول: ~~{ياأيها المدثر}، عن {اقرأ}، ولما خلت رواية يحيى بن أبي كثير الآتية في ~~التفسير (¬1) عن أبي سلمة، عن جابر، عن هاتين الجملتين أشكل الأمر، فجزم ~~ابن حزم بأن {ياأيها المدثر} أول ما نزل، ورواية الزهري هذه الصحيحة ترفع ~~ذلك الإشكال. # قوله: (فرعبت منه) بضم الراء وكسر العين، وللأصيلي بفتح الراء وضم العين؛ ~~أي: فزعت، دل على بقية بقيت معه من الفزع الأول ثم زالت بالتدريج. # قوله: (فقلت: زملوني زملوني) وفي رواية كريمة: "زملوني" مرة واحدة، وفي ~~رواية يونس في التفسير: "فقلت: دثروني" (¬2)، فنزلت {ياأيها المدثر (1) قم ~~فأنذر} [المدثر: 1، 2]؛ أي: PageV01P180 # حذر من العذاب من لم يؤمن بك، {وربك فكبر} [المدثر: 3]؛ أي: عظم، {وثيابك ~~فطهر} [المدثر: 4]؛ أي: من النجاسة، وقيل: الثياب: النفس، ويطهرها اجتناب ~~النقائص، {والرجز} هنا: الأوثان، كما سيأتي من تفسير الراوي عند المؤلف في ~~التفسير (¬1)، والرجز في اللغة: العذاب، وسمى الأوثان هنا رجزا؛ لأنها سببه. # قوله: (فحمي الوحي) أي: جاء كثيرا، وفيه مطابقة لتعبيره عن تأخره ~~بالفتور؛ إذ لم ينته إلى انقطاع كلي فيوصف بالضد، وهو البرد. # قوله: (وتتابع) تأكيد معنوي، وفي رواية الكشميهني وأبي الوقت: "وتواتر"، ~~والتواتر: مجيء الشيء يتلو بعضه بعضا من غير خلل. # قوله: (تابعه) الضمير يعود على يحيى بن بكير (¬2)، ومتابعة عبد الله بن ~~يوسف عن الليث هذه عند المؤلف في قصة موسى (¬3)، وفيه من اللطائف قوله: عن ~~الزهري سمعت عروة. # قوله: (وأبو صالح) هو عبد الله بن صالح كاتب الليث، وقد أكثر البخاري عنه ~~من المعلقات، وعلق عن الليث جملة كثيرة من أفراد أبي صالح عنه، ms066 ورواية عبد ~~الله بن صالح، عن الليث لهذا الحديث أخرجها يعقوب بن سفيان في "تاريخه"، ~~عنه مقرونا بيحيى بن بكير، ووهم من زعم أنه أبو صالح عبد الغفار بن داود ~~الحراني. # قوله: (وتابعه هلال بن رداد) بدالين مهملتين الأولى مثقلة، وحديثه في ~~الزهريات [34/ أ] للذهلي. # قوله: (وقال يونس) يعني: ابن يزيد الأيلي. # و(معمر) هو ابن راشد. # (بوادره) يعني: أن يونس ومعمرا رويا هذا الحديث عن الزهري فوافقا عقيلا PageV01P181 # عليه، إلا أنهما قالا بدل قوله: "يرجف فؤاده": "ترجف بوادره" (¬1)، ~~والبوادر: جمع بادرة، وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق، تضطرب عند فزع ~~الإنسان، فالروايتان مستويتان في أصل المعنى؛ لأن كلا منهما دال على الفزع، ~~وقد بينا ما في رواية يونس ومعمر من المخالفة لرواية عقيل غير هذا في أثناء ~~السياق، والله الموفق. PageV01P182 ### || CHECK 5 - باب: وفيه حديث ابن عباس: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعالج من التنزيل شدة # 5 - حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو عوانة، قال: حدثنا موسى بن ~~أبي عائشة، قال: حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {لا تحرك ~~به لسانك لتعجل به} [القيامة: 16]. قال: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه -فقال ابن عباس: فأنا ~~أحركهما لكم كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحركهما. وقال سعيد: ~~أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما. فحرك شفتيه- فأنزل الله تعالى: {لا ~~تحرك به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه وقرآنه}، قال: جمعه لك صدرك ~~وتقرأه، {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه}، قال: فاستمع له وأنصت، {ثم إن علينا ~~بيانه}: ثم إن علينا أن تقرأه. فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ~~ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأ النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كما قرأه. # قوله: (ثنا موسى بن إسماعيل) هو أبو سلمة التبوذكي، وكان من حفاظ ~~البصريين. # (ثنا أبو عوانة) هو الوضاح بن عبد الله اليشكري مولاهم البصري، كان كتابه ~~في غاية الإتقان. ms067 # و(موسى بن أبي عائشة) لا يعرف اسم أبيه، وقد تابعه على بعضه عمرو بن ~~دينار، عن سعيد بن جبير. # قوله: (كان مما يعالج) (¬1) المعالجة: محاولة الشيء بمشقة؛ أي: كان ~~العلاج ناشئا من تحريك الشفتين؛ أي: مبدأ العلاج منه و (ما) موصولة، وأطلقت ~~على من يعقل مجازا، هكذا قرره الكرماني وفيه نظر، لأن الشدة حاصلة له قبل ~~التحريك، والصواب ما قاله ثابت السرقسطي: أن المراد كان كثيرا ما يفعل ذلك، ~~وورودهما في هذا كثير، ومن حديث الرؤيا: كان مما يقول لأصحابه: "من رأى ~~منكم رؤيا" (¬2). PageV01P183 # ومنه قول الشاعر: # وأنا مما يضرب الكبش ضربة ... على وجهه يلقي اللسان من الفم # قلت: ويؤيده أن رواية المصنف في التفسير من طريق جرير، عن موسى بن أبي ~~عائشة لفظها: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل جبريل بالوحي ~~فكان مما يحرك به لسانه وشفتيه (¬1)، فأتى بهذا اللفظ مجردا عن تقدم العلاج ~~الذي قدره الكرماني، فظهر ما قاله ثابت. # ووجهة ما قال غيره: أن (من) إذا وقع بعدها (ما) كانت بمعنى: ربما، وهي ~~تطلق على الكثير كما تطلق على القليل، وفي كلام سيبويه مواضع من هذا، منها ~~قوله: اعلم (¬2) أنهم مما يحذفون كذا، والله أعلم. # ومنه حديث البراء: "كنا إذا صلينا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - مما ~~يحب أن يكون عن يمينه" الحديث (¬3). # ومنه حديث سمرة: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[34/ ب] إذا صلى ~~الصبح مما يقول لأصحابه: "من رأى منكم رؤيا". # قوله: (فقال ابن عباس: فأنا أحركهما) جملة معترضة بالفاء، وفائدة هذا: ~~زيادة البيان بالوصف على القول، وعبر في الأول بقوله: كما كان يحركهما، وفي ~~الثاني: برأيت؛ لأن ابن عباس لم ير النبي - صلى الله عليه وسلم - في تلك ~~الحالة؛ لأن سورة القيامة مكية باتفاق، بل الظاهر أن نزول هذه الآيات كان ~~في أول الأمر، وإلى هذا جنح البخاري في إيراده هذا الحديث في بدء الوحي، ~~ولم يكن ابن عباس إذ ذاك ولد؛ لأنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، لكن ms068 يجوز أن ~~يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبره بذلك بعد، أو بعض الصحابة أخبره ~~أنه شاهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، والأول هو الصواب؛ فقد ثبت ذلك ~~صريحا في مسند أبي داود الطيالسي، قال: ثنا أبو عوانة بسنده (¬4)، وأما ~~سعيد بن جبير فرأى ذلك من (¬5) ابن عباس بلا نزاع. PageV01P184 # قوله: (فحرك شفتيه)، وقوله: (فأنزل الله: {لا تحرك به لسانك} [القيامة: 16]). # لا تنافي بينهما، لأن تحريك الشفتين بالكلام يلزم منه تحريك اللسان؛ لأنه ~~الأصل في النطق؛ إذ الأصل حركة الفم، وكل من الحركتين ناشئ عن ذلك، وقد مضى ~~أن في رواية جرير في التفسير: "يحرك به لسانه وشفتيه" (¬1)، فجمع بينهما، ~~وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في ابتداء الأمر إذا لقن القرآن نازع ~~جبريل القراءة ولم يصبر حتى يتمها، مسارعة إلى الحفظ؛ لئلا يتفلت منه شيء، ~~قاله (¬2) الحسن وغيره. # وفي رواية الطبري، عن الشعبي: "عجل يتكلم به من حبه إياه" (¬3)، وكلا ~~الأمرين مراد، فأمر بأن ينصت حتى يقضى إليه وحيه (¬4)، ووعد بأنه آمن من ~~تفلته منه بالنسيان أو غيره، ونحوه قوله تعالى: {ولا تعجل بالقرآن من قبل ~~أن يقضى إليك وحيه} [طه: 114]. أي: بالقراءة. # قوله: (جمعه لك صدرك) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية كريمة والحموي: ~~"جمعه لك في صدرك"، وهو توضيح للأول، وهذا من تفسير ابن عباس، وقال في ~~تفسير: {فاتبع} [الحجر: 18]، أي: فاستمع وأنصت، وفي تفسير: {بيانه} ~~[القيامة: 19]؛ أي: علينا أن تقرأه. # ويحتمل أن يراد بالبيان بيان مجملاته، وتوضيح مشكلاته، فيستدل به على ~~جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب كما هو [35/ أ] الصحيح في الأصول، والكلام ~~على تفسير الآيات المذكورة أخرته إلى كتاب التفسير فهو موضعه. PageV01P185 ### || CHECK 6 - باب: وفيه حديث ابن عباس: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان # 6 - حدثنا عبدان، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري. ح ~~وحدثنا بشر بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا يونس، ومعمر، عن ~~الزهري، نحوه قال: أخبرني ms069 عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان ~~حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أجود بالخير من الريح المرسلة. # قوله: (حدثنا عبدان) هو: عبد الله بن عثمان المروزي. # (أنا عبد الله) هو: ابن المبارك. # (أنا يونس) هو: ابن يزيد الأيلي. # قوله: (أنا يونس، ومعمر نحوه) أي: أن عبد الله بن المبارك حدث به عبدان، ~~عن يونس وحده، وحدث به بشر (¬1) بن محمد، عن يونس ومعمر معا، أما باللفظ ~~فعن يونس، وأما بالمعنى فعن معمر. # قوله: (عبيد الله) هو: ابن عبد الله بن عتبة (¬2) بن مسعود الآتي في ~~الحديث الذي بعده. # قوله: (أجود الناس) بنصب أجود؛ لأنها خبر كان، وقدم ابن عباس هذه الجملة ~~على ما بعدها -وإن كانت لا تتعلق بالقرآن- على سبيل الاحتراز من مفهوم ما بعدها. # قوله: (وكان أجود ما يكون) هو برفع أجود، هكذا في أكثر الروايات، وأجود: ~~اسم كان، وخبره محذوف، وهو نحو: أخطب ما يكون الأمير في يوم الجمعة، أو هو ~~مرفوع على أنه مبتدأ مضاف إلى المصدر، وهو ما يكون وما تصدر به، وخبره: "في ~~رمضان"، والتقدير: أجود أكوان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان، ~~وإلى هذا جنح البخاري في تبويبه في كتاب الصيام، إذ قال: "باب: أجود ما كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يكون في رمضان". PageV01P186 # وفي رواية الأصيلي: (أجود) بالنصب على أنه خبر كان، وتعقب بأنه يلزمه منه ~~أن يكون خبرها اسمها، وأجيب بجعل اسم كان ضمير النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- و"أجود" خبرها، والتقدير: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مدة ~~كونه في رمضان أجود منه في غيره. # قال النووي: الرفع أشهر والنصب جائز، وذكر أنه سأل ابن مالك عنه فخرج ~~الرفع من ثلاثة أوجه، والنصب من وجهين، وذكر ابن الحاجب في أماليه للرفع ~~خمسة أوجه، توارد مع ابن مالك ms070 منها في وجهين وزاد ثلاثة، ولم يعرج على النصب. # قلت: ويرجح الرفع وروده بدون "كان" عند المؤلف في الصوم. # قوله: (فيدارسه القرآن). # قيل: الحكمة فيه أن مدارسة القرآن تجدد له العهد لمزيد غنى النفس، والغنى ~~سبب الجود، والجود في الشرع: إعطاء ما ينبغي [35/ ب] لمن ينبغي، وهو أعم من ~~الصدقة، وأيضا فرمضان موسم الخيرات، لأن نعم الله على عباده فيه زائدة على ~~غيره، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤثر متابعة سنة الله تعالى في عباده. # قوله: (فلرسول الله) اللام للابتداء وزيدت على المبتدأ تأكيدا، وهي جواب ~~قسم مقدر. # و(المرسلة)، أي: المطلقة؛ يعني: أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح. # وقال النووي: في الحديث فوائد؛ منها: الحث على الجود في كل وقت والزيادة ~~منها في رمضان وعند الاجتماع بأهل الصلاح، وفيه زيارة الصلحاء وأهل الفضل ~~وتكرار ذلك إذا كان المزور لا يكرهه، واستحباب الإكثار من القراءة في ~~رمضان، وكونها أفضل من سائر الأذكار؛ إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويا ~~لفعلاه، فإن قيل: المقصود تجويد الحفظ، قلنا: الحفظ كان حاصلا والزيادة فيه ~~خصل ببعض المجالس، وأنه يجوز أن يقال: رمضان من غير إضافة، وغير ذلك مما ~~يظهر بالتأمل. # قلت: فيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في رمضان، فكان جبريل ~~يتعاهده في كل سنة فيعارضه بما نزل عليه، فلما كان العام الذي توفي فيه ~~عارضه به مرتين كما ثبت في الصحيح عن فاطمة -عليها السلام-، وبهذا يجاب من ~~سأل عن مناسبة إيراد هذا الحديث في هذا الباب، والله الموفق للصواب. PageV01P187 ### || CHECK 7 - باب: وفيه حديث أبي سفيان عند هرقل # 7 - حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: ~~أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عبد الله بن عباس، ~~أخبره أن أبا سفيان ابن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش ~~-وكانوا تجارا بالشأم- في المدة التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ماد فيها أبا سفيان وكفار ms071 قريش، فأتوه وهم بإيلياء فدعاهم في مجلسه، وحوله ~~عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه، فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل ~~الذي يزعم أنه نبي؟ # فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبا. # فقال: أدنوه مني، وقربوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره. # ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه. ~~قال: فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه. # ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ # قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا. # قال: فهل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ~~ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. # قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل ~~كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ~~ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها ~~شيئا غير هذه الكلمة. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم ~~إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه. قال: بماذا ~~يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول ~~آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة. فقال للترجمان: قل له: ~~سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. ~~وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول؟ PageV01P188 # فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل تأسى بقول ~~قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا. فقلت: فلو كان من ~~آبائه من ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل ~~أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ~~ويكذب على الله. وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ ms072 فذكرت أن ضعفاءهم ~~اتبعوه، وهم أتباع الرسل. # وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم. # وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك ~~الإيمان حين يخالط بشاشة القلوب. # وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر. # وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، ~~وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة، والصدق، والعفاف. # فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم ~~أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده ~~لغسلت عن قدميه. # ثم دعا بكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي بعث به دحية إلى ~~عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل فقرأه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. من ~~محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى، أما ~~بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن ~~توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و {قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}. # قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصخب، PageV01P189 # وارتفعت الأصوات، وأخرجنا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي ~~كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر. فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله ~~علي الإسلام. # وكان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل سقفا على نصارى الشأم، يحدث أن هرقل ~~حين قدم إيلياء أصبح يوما خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا ~~هيئتك. قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين ~~سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن ~~من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود فلا يهمنك شأنهم واكتب إلى ~~مداين ملكك، فيقتلوا ms073 من فيهم من اليهود. # فبينما هم على أمرهم أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان، يخبر عن خبر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا ~~أمختتن هو أم لا. فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال: هم ~~يختتنون. فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر. # ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى ~~حمص، فلم يرم حمص حتى آتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وأنه نبي، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ~~ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح ~~والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا لهذا النبي، فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى ~~الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان قال: ~~ردوهم علي. وقال: إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد ~~رأيت. فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل. # رواه صالح بن كيسان، ويونس، ومعمر، عن الزهري. # قوله: (حدثنا أبو اليمان) في رواية الأصيلي وكريمة: "حدثنا الحكم بن ~~نافع"، وهو هو كما قال. PageV01P190 # (أنا شعيب) ابن أبي حمزة دينار الحمصي، وهو من أثبات أصحاب الزهري. # قوله: (أن أبا سفيان) هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. # قوله: (هرقل) هو ملك الروم، وهرقل اسمه، وهو بكسر الهاء وفتح الراء، ~~ولقبه: قيصر، كما يلقب ملك الفرس: كسرى، ونحوه. # قوله: (في ركب) جمع راكب، كصحب وصاحب: وهم أولو الإبل، العشرة فما فوقها. # والمعنى: أرسل إلى أبي سفيان حال كونه في جملة الركب: وذلك لأنه كان ~~كبيرهم، فلذلك خصه بالذكر، وكان عدد الركب ثلاثين رجلا، رواه الحاكم في ~~"الإكليل"، ولابن السكن [36/ أ]: "نحو من عشرين"، وسمي منهم: المغيرة بن ~~شعبة في "مصنف ابن أبي شيبة" (¬1) بسند مرسل، وفيه نظر؛ لأنه كان إذ ذاك مسلما. # قوله: (وكانوا تجارا) بضم التاء وتشديد الجيم، ms074 أو كسرها والتخفيف جمع تاجر. # قوله: (في المدة) يعني: مدة الصلح بالحديبية، وسيأتي شرحها في المغازي، ~~وكانت في سنة ست، وكانت مدتها عشر سنين كما في السيرة، ولأبي نعيم في مسند ~~عبد الله بن دينار: كانت أربع سنين، والأول أشهر، لكنهم نقضوا، فغزاهم في ~~سنة ثمان وفتح مكة. # و(كفار قريش) بالنصب مفعول معه. # قوله: (فأتوه) (¬2). # تقديره أرسل إليهم في طلب إتيان الركب فجاء الرسول بطلب إتيانهم فأتوه؛ ~~كقوله تعالى: {فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت} [البقرة: 60]. أي: فضرب ~~فانفجرت، ووقع عند المؤلف في الجهاد (¬3): أن الرسول وجدهم ببعض الشام. وفي ~~رواية أبي نعيم في "الدلائل" تعيين الموضع وهو غزة، قال: وكانت وجه متجرهم، ~~وكذا رواه ابن إسحاق في "المغازي" عن الزهري. PageV01P191 # قوله: (بإيلياء) بهمزة مكسورة، بعدها ياء أخيرة ساكنة، ثم لام مكسورة، ثم ~~ياء أخيرة، ثم ألف مهموزة، وحكى البكري فيها القصر، قيل: معناه بيت الله، ~~وفي الجهاد عند المؤلف (¬1): أن هرقل لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من ~~حمص إلى إيلياء شكرا لله، زاد ابن إسحاق، عن الزهري: أنه كان يبسط له البسط ~~ويوضع عليها الرياحين فمشى عليها (¬2)، ونحوه لأحمد من حديث ابن أخي الزهري ~~عن عمه (¬3). # وكان سبب ذلك ما رواه الطبري (¬4)، وابن عبد الحكم من طرق متعاضدة ~~ملخصها: أن كسرى أغزى جيشه بلاد هرقل فخربوا كثيرا من بلاده، ثم استبطأ ~~كسرى أميره، فأراد قتله وتولية غيره، فاطلع أميره على ذلك فباطن هرقل، ~~واصطلح معه على كسرى، وانهزم عنه بجيوش فارس، فمشى هرقل إلى بيت المقدس ~~شكرا لله على ذلك، واسم الأمير المذكور شهر براز، واسم الغير الذي أراد ~~كسرى تأميره فرحان. # قوله: (فدعاهم في مجلسه). # أي: في حال كونه في مجلسه، وللمصنف في الجهاد: "فأدخلنا عليه، فإذا هو ~~جالس في مجلس ملكه وعليه تاج" (¬5). # قوله: (وحوله) بالنصب لأنه ظرف مكان. # قوله: (عظماء) جمع عظيم [36/ ب]، ولابن السكن: "فأدخلت عليه وعنده ~~بطارقته والقسيسون والرهبان". # و(الروم) من ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم -عليه السلام- على الصحيح، ودخل ~~فيهم طوائف ms075 من العرب من تنوخ وبهراء وسليح وغيرهم من غسان، كانوا سكانا ~~بالشام، فلما أجلاهم المسلمون عنها دخلوا بلاد الروم فاستوطنوها، فاختلطت ~~أنسابهم. PageV01P192 # قوله: (ثم دعاهم) مقتضاه أنه أمر بإحضارهم، فلما حضروا استدناهم؛ لأنه ~~ذكر أنه دعاهم فتنزل على هذا، ولم يقع تكرار ذلك إلا في هذه الرواية. # و(الترجمان) بفتح التاء المثناة وضم الجيم، ويجوز ضم التاء إتباعا، ورجحه ~~النووي في "شرح مسلم"، ويجوز فتح الجيم حكاه الجوهري في رواية الأصيلي وغيره. # "بترجمانه": يعني أرسل إليه رسولا أحضره صحبته، والترجمان: وهو المعبر عن ~~لغة بلغة، وهو معرب، وقيل: عربي. # قوله: (فقال: أيكم أقرب نسبا؟ ) أي: قال الترجمان على لسان هرقل، وإنما ~~كان أبو سفيان أقرب؛ لأنه من بني عبد مناف، وقد أوضح ذلك المصنف في الجهاد ~~بقوله: "قال: ما قرابتك منه؟ قلت: هو ابن عمي، قال أبو سفيان: ولم يكن في ~~الركب من بني عبد مناف غيري" (¬1). انتهى # وعبد مناف: الأب الرابع للنبي - صلى الله عليه وسلم -[وكذا] (¬2) لأبي ~~سفيان، وأطلق عليه ابن عم؛ لأنه نزل كلا منها منزلة جده؛ فعبد المطلب بن ~~هاشم بن عبد مناف ابن عم أبيه: ابن عبد شمس بن عبد مناف. # وإنما خص هرقل الأقرب؛ لأنه أحرى بالاطلاع على أموره ظاهرا وباطنا أكثر ~~من غيره، ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح في نسبه بخلاف الأقرب، وظهر ذلك في ~~سؤاله بعد ذلك: "كيف نسبه فيكم؟ ". # وقوله: (بهذا الرجل) ضمن "أقرب" معنى "أوصل" (¬3) فعداه بالباء، ووقع في ~~رواية مسلم: "من هذا الرجل؟ " (¬4)، وهو على الأصل. PageV01P193 # وقوله: (وهو الذي يزعم) في رواية ابن إسحاق عن الزهري: "يدعي" (¬1)، ~~وزعم: قال الجوهري -وحكاه أيضا ثعلب وجماعة-: هي بمعنى قال، كما ستأتي في ~~قصة ضمام في كتاب العلم. # قلت: وهو كثير، ويأتي في موضع الشك غالبا. # قوله: (واجعلوهم عند ظهره) أي: لئلا تستحيوا أن تواجهوه بالتكذيب إن كذب ~~[37/أ]، وقد صرح بذلك الواقدي في روايته. # وقوله: (إن كذبني) بتخفيف الذال، أي: إن نقل إلي الكذب. # قوله: (قال) أي: أبو سفيان، وسقط لفظ ms076 "قال" من رواية كريمة وأبي الوقت ~~فأشكل ظاهره، وبإثباتها يزول الإشكال. # قوله: (فوالله لولا الحياء من أن يأثروا) أي: ينقلوه. # (لكذبت عليه)، وللأصيلي: "عنه"، أي: عن الإخبار بحاله. # وفيه دليل على أنهم كانوا يستقبحون الكذب إما بالأخذ عن الشرع السابق أو ~~بالعرف. # وفي قوله: "يأثروا" دون قوله: "يكذبوا" دليل على أنه كان واثقا منهم بعدم ~~التكذيب أن لو كذب؛ لاشتراكهم معه في عداوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~لكنه ترك ذلك استحياء وأنفة من أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا (¬2) فيصير ~~عند سامعي ذلك كذابا، وفي رواية ابن إسحاق التصريح بذلك، ولفظه: "فوالله لو ~~قد كذبت ما ردوا علي، ولكنني كنت امرأ سيدا أتكرم عن الكذب وعلمت أنه أيسر ~~(¬3) ما في ذلك إن أنا كذبت أن يحفظوا ذلك عني، ثم يتحدثوا به، فلم أكذبه" ~~(¬4). PageV01P194 # قوله: (ثم كان أول) هو بالنصب على الخبر، وبه جاءت الرواية، ويجوز رفعه ~~على الاسمية. # قوله: (كيف نسبه فيكم؟ ) أي: ما حال نسبه؟ أهو من أشرافكم أم لا؟ فقال: ~~"هو فينا ذو نسب"، والتنوين فيه للتعظيم، وأشكل هذا على بعض الشارحين وهذا وجهه. # قوله: (فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله). # وللكشميهني والأصيلي بدل "قبله" "مثله"، فقوله: (منكم) أي: من قومكم؛ ~~يعني: قريشا أو العرب، ويستفاد من أن الشفاهي تعم؛ لأنه لم يرد المخاطبين ~~فقط، وكذا قوله بعد: "فهل قاتلتموه"، وقوله: "بماذا يأمركم". # واستعمل "قط" بغير أداة النفي وهو نادر، ومنه قول عمر: "صلينا أكثر ما ~~كنا قط وآمنه ركعتين" (¬1)، ويحتمل أن يقال: إن النفي مضمن فيه، فكأنه قال: ~~هل قال هذا القول أحد أو لم يقله أحد قط؟ # قوله: (فهل كان من آبائه ملك) ولكريمة والأصيلي ولأبي الوقت: "من" بزيادة ~~"من" الجارة، ولابن عساكر بفتح "من" و"ملك" فعل ماض، والجارة أرجح؛ لسقوطها ~~من رواية أبي ذر، والمعنى في الثلاثة واضح [37/ب]. # قوله: (فأشراف الناس اتبعوه؟ ) # فيه إسقاط همزة الاستفهام وهو قليل، وقد ثبت للمصنف في التفسير ولفظه: ~~"أيتبعه أشراف الناس؟ " (¬2)، والمراد بالأشراف هنا: أهل ms077 النخوة والتكبر ~~منهم لا كل شريف، حتى لا يرد مثل أبي بكر وعمر وأمثالهما ممن أسلم قبل هذا ~~السؤال. ووقع في رواية أبي إسحاق: "تبعه منا الضعفاء والمساكين والأحداث ~~فأما ذوو الأسنان (¬3) والشرف فما تبعه منهم أحد" (¬4). PageV01P195 # قوله: (سخطة) بضم أوله وفتحه، وأخرج بهذا من ارتد مكرها، أو لا لسخط لدين ~~الإسلام، بل لرغبة في غيره لحظ نفساني، كما وقع لعبيد الله بن جحش. # قوله: (هل كنتم تتهمونه بالكذب) أي: على الناس، إنما عدل إلى السؤال عن ~~التهمة عن السؤال عن نفس الكذب تقريرا لهم على صدقه؛ لأن التهمة إذا اتفقت ~~انتفى سببها، ولهذا عقب بالسؤال عن الغدر. # قوله: (ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا). # أي: أنتقصه به، على أن التنقيص هنا أمر نسبي، وذلك أن من يقطع بعدم غدره ~~أرفع مرتبة ممن يجوز وقوع ذلك منه في الجملة، وقد كان معروفا عندهم ~~بالاستقراء من عادته أنه لا يغدر، وذلك لما كان الأمر مغيبا لأنه مستقبل ~~أمن أبو سفيان أن ينسب في ذلك إلى الكذب، ولهذا أورده على التردد، ومن ثم ~~لم يعرج هرقل على هذا القدر منه، وقد صرح ابن إسحاق في روايته عن الزهري ~~بذلك بقوله: قال: "فوالله ما التفت إليها مني" (¬1). # قوله: (سجال) بكسر أوله أي: نوب، والسجل: الدلو. # و(الحرب): اسم جنس، ولهذا جعل خبره اسم جمع. # و(ينال) أي: يصيب، فكأنه شبه المحاربين بالمستقيين يسقي هذا دلو وهذا دلو ~~(¬2)، وأشار أبو سفيان بذلك إلى ما وقع بينهم في غزوة بدر وغزوة أحد، وقد ~~صرح بذلك أبو سفيان يوم أحد في قوله: "فيوم بيوم بدر، والحرب سجال" (¬3). ~~ولم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، بل نطق النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بذلك في حديث أوس بن حذيفة الثقفي لما كان يحدث وفد ثقيف (¬4). PageV01P196 # قوله: (بماذا يأمركم) يدل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم -[38/أ] من ~~شأنه أن يأمر قومه. # قوله: (يقول: اعبدوا الله وحده) فيه أن للأمر صيغة معروفة؛ لأنه أتى ~~بقول: "اعبدوا" في جواب ms078 "ما يأمركم" وهو من أحسن الأدلة في هذه المسألة؛ ~~لأن أبا سفيان من أهل اللسان، وكذلك الراوي عنه ابن عباس، بل هو من أفصحهم، ~~وقد رواه عنه مقرا له. # قوله: (ولا تشركوا به شيئا) وسقطت الواو من رواية المستملي، فيكون تأكيدا ~~لقوله: "وحده". # قوله: (واتركوا ما يقول آباؤكم) هي كلمة جامعة لترك ما كانوا عليه في ~~الجاهلية، وإنما ذكر الآباء تنبيها على عذرهم في مخالفتهم له؛ لأن الآباء ~~قدوة عند الفريقين؛ أي: عبدة الأوثان والنصارى. # قوله: (ويأمرنا بالصلاة والصدق) وللمصنف (¬1) في رواية: "الصدقة" بدل ~~"الصدق"، ورجحها شيخنا شيخ الإسلام (¬2)، ويقويها رواية المؤلف في التفسير: ~~"الزكاة" (¬3)، واقتران الصلاة بالزكاة معتاد في الشرع، ويرجحها أيضا ما ~~تقدم من أنهم كانوا يستقبحون الكذب، فذكر ما لم يألفوه أولى. # قلت: وفي الجملة؛ ليس الأمر بذلك ممتنعا كما في أمرهم بوفاء العهد وأداء ~~الأمانة وقد كانا من مألوف عقلائهم، وقد ثبتا عند المؤلف في الجهاد (¬4) من ~~رواية أبي ذر عن شيخه الكشميهني، والسرخسي، قال: "بالصلاة والصدق والصدقة". # وفي قوله: "يأمرنا" بعد قوله: "يقول: اعبدوا الله" إشارة إلى المغايرة ~~بين الأمرين لما ترتب على مخالفها؛ إذ مخالف الأول كافر، والثاني ممن قبل ~~الأول عاص. # قوله: (وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها). PageV01P197 # الظاهر أن إخبار هرقل بذلك بالجزم كان عن العلم المقرر عنده في الكتب ~~السالفة. # قوله: (لقلت: رجل تأسى بقول) كذا للكشميهني، ولغيره: "يتأسى" بتقديم ~~الياء المثناة من تحت، وإنما لم يقل: "فقلت" إلا في هذا وفي قوله: "هل كان ~~من آبائه من ملك؟ " لأن هذين المقامين مقام فكر ونظر؛ بخلاف غيرهما من ~~الأسئلة فإنها مقام نقل. # قوله: (فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه) هو معنى قول أبي سفيان: "بل ضعفاؤهم"، ~~ومثل ذلك يتسامح به لاتحاد المعنى. [38/ ب] # وقول هرقل: (وهم أتباع الرسل) فمعناه: أن أتباع الرسل في الغالب أهل ~~الاستكانة، لا أهل الاستكبار الذين أصروا على الشقاق بغيا وحسدا كأبي جهل ~~وأشياعه إلى أن أهلكهم الله تعالى، وأنقذ بعد حين من أراد سعادتهم منهم. # قوله: (وكذلك الإيمان) ms079 أي: أمر الإيمان؛ لأنه يظهر نورا ثم لا يزال في ~~زيادة حتى يتم بالأمور المعتبرة فيه من صلاة وصيام وغيرهما، ولهذا نزلت في ~~آخر سني النبي - صلى الله عليه وسلم -: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي} [المائدة: 3]، ومنه: {ويأبى الله إلا أن يتم نوره} [التوبة: ~~32]. وكذا جرى لأتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، لم يزالوا في زيادة ~~حتى كمل بهم ما أراد الله من إظهار دينه وتمام نعمته، فله الحمد والمنة. # قوله (حين يخالط بشاشة القلوب) هكذا روي بالنصب، والقلوب: مضاف، أي: ~~يخالط الإيمان انشراح الصدر، وروي: "بشاشة القلوب" بالضم، والقلوب مفعول؛ ~~أي: يخالط بشاشة الإيمان -وهو شرحه- القلوب التي يدخل فيها. زاد المصنف في ~~الإيمان (¬1) [لا يسخطه أحد] (¬2)، وزاد ابن السكن في روايته في "معجم ~~الصحابة": "يزداد به عجبا وفرحا"، وفي رواية ابن إسحاق: "وكذلك حلاوة ~~الإيمان لا تدخل قلبا فتخرج منه" (¬3). # قوله: (وكذلك الرسل لا تغدر) لأنها لا تطلب حظ الدنيا الذي ينال طالبه ~~بالغدر بخلاف من طلب الآخرة، ولم يعرج هرقل على الدسيسة التي دسها أبو ~~سفيان كما تقدم. PageV01P198 # وسقط من هذه الرواية إيراد تقدير السؤال العاشر والذي بعده وجوابه، وقد ~~ثبت الجميع في رواية المؤلف التي في الجهاد (¬1)، وسيأتي الكلام عليه ثم إن ~~شاء الله تعالى. # * فائدة: # قال المازري: هذه الأشياء التي سأل عنها هرقل ليست قاطعة على النبوة، إلا ~~أنه يحتمل أنها كانت عنده علامات على هذا الشيء بعينه، لأنه قال بعد ذلك: ~~"قد كنت أعلم أنه خارج، ولم كن أظن أنه منكم"، وما أورده احتمالا جزم به ~~ابن بطال، وهو ظاهر. # قوله: (فذكرت أنه يأمركم) ذكر ذلك بالاقتضاء، لأنه ليس في كلام أبي سفيان ~~[39/أ] ذكر الأمر بل صيغته. # وقوله: (وينهاكم عن عبادة الأوثان) مستفاد من قوله: "ولا تشركوا به شيئا ~~واتركوا مما يقول آباؤكم"؛ لأن مقولهم الأمر بعبادة الأوثان. # قوله: (أخلص) بضم اللام، أي: أصل، يقال: خلص إلى كذا؛ أي: وصل. # قوله: (لتجشمت) بالجيم والشين المعجمة، أي: تكلفت الوصول إليه، وهذا يدل ~~على ms080 أنه كان يتحقق أنه لا يسلم من القتل إن هاجر إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، واستفاد ذلك بالتجربة في قصة ضغاطر الذي أظهر لهم إسلامه فقتلوه، ~~لكن لم يفطن هرقل لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الكتاب إليه: "أسلم ~~تسلم"، وحمل الجزاء على عمومه في الدنيا والآخرة لو أسلم لسلم من كل ما ~~يخافه، ولكن التوفيق بيد الله -سبحانه وتعالى-. # وقوله: (لغسلت عن قدميه) مبالغة في العبودية له والخدمة، وفي رواية عبد ~~الله بن شداد، عن أبي سفيان: "لو علمت أنه هو لمشيت إليه حتى أقبل رأسه ~~وأغسل قدميه" (¬2)، وهي تدل على أنه كان بقي عنده بعض شك، وزاد فيها: "ولقد ~~رأيت جبهته يتحادر عرقها من كرب الصحيفة"، يعني: لما قرئ عليه كتاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وفي اقتصاره على ذكر غسل القدمين إشارة منه إلى أنه لا يطلب منه -إذا وصل PageV01P199 # إليه [سالما] (¬1) - لا ولاية ولا منصبا، وإنما يطلب ما يحصل له به ~~البركة. # وقوله: (وليبلغن ملكه ما تحت قدمي) أي: بيت المقدس، وكنى بذلك لأنه موضع ~~استقراره، أو أراد الشام كله لأن دار ملكه كانت حمص، ومما يقوي أن هرقل آثر ~~ملكه على الإيمان وتمادى على الضلال أنه حارب المسلمين في غزوة مؤتة سنة ~~ثمان بعد هذه القصة بدون السنتين، ففي مغازي ابن إسحاق: "وبلغ المسلمين لما ~~نزلوا معان من أرض الشام أن هرقل نزل في مائة ألف من المشركين"، فحكى كيفية ~~الواقعة، وكذا روى ابن حبان في صحيحه، عن أنس، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كتب إليه أيضا من تبوك يدعوه، وأنه قارب الإجابة ولم يجب. # فدل ظاهر ذلك على استمراره [39/ ب] على الكفر، لكن يحتمل مع ذلك أنه كان ~~يضمر الإيمان، ويفعل هذه المعاصي مراعاة لملكه وخوفا من أن يقتله قومه، لكن ~~في "مسند أحمد": أنه كتب من تبوك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: ["إني ~~مسلم"] (¬2). فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: كذب، بل هو على ~~نصرانيته". فعلى هذا إطلاق صاحب "الاستيعاب" ms081 أنه آمن، أي: أظهر التصديق، ~~لكنه لم يستمر عليه ويعمل بمقتضاه، بل شح بملكه وآثر الفانية على الباقية، ~~والله الموفق. # قوله: (ثم دعا) أي: من وكل ذلك إليه، ولهذا عدى الكتاب بالباء. # قوله: (دحية) هو ابن خليفة الكلبي، صحابي جليل، كان أحسن الناس وجها، ~~وأسلم قديما، وبعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - في آخر سنة ست بعد أن رجع ~~من الحديبية بكتابه إلى هرقل، وكان وصوله في المحرم سنة سبع، قاله الواقدي، ~~ومات دحية في خلافة معاوية. # و(بصرى) بضم أوله والقصر: مدينة بين المدينة ودمشق، وقيل: هي حوران. # وعظيمها: هو الحارث بن أبي شمر الغساني، وفي "الصحابة" لابن السكن: أنه ~~أرسل بكتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل مع عدي بن حاتم، وكان ~~عدي إذ ذاك نصرانيا، فوصل به هو ودحية معا. # قوله: (من محمد) فيه: السنة أن يبدأ الكاتب (¬3) بنفسه وهو قول الجمهور، ~~بل PageV01P200 # حكى فيه النحاس إجماع الصحابة، والحق إثبات الخلاف. # وفيه: أن "من" التي لابتداء الغاية تأتي في غير الزمان والمكان، كذا قاله ~~أبو حيان، والظاهر أنها هنا لم تخرج عن ذلك لكن بارتكاب مجاز. # قوله: (عظيم الروم) فيه عدول عن ذكره بالملك أو الإمرة؛ لأنه معزول بحكم ~~الإسلام، لكنه لم يخله من إكرام لمصلحة التألف. # قوله: (سلام على من اتبع الهدى) في رواية المصنف في الاستئذان (¬1): ~~"السلام" بالتعريف، وقد ذكرت في قصة موسى وهارون مع فرعون (¬2)، وظاهر ~~السياق أنها من جملة ما أمرا به أن يقولاه. # فإن قيل: كيف يبدأ الكافر بالسلام؟ # فالجواب: أن المفسرين قالوا ليس المراد من هذا التحية، إنما معناه سلم من ~~عذاب الله من أسلم، ولهذا جاء بعده: {أن العذاب على من كذب وتولى} [طه: ~~48]. وكذا جاء في بقية هذا الكتاب: "فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين"، ~~فمحصل الجواب: أنه لم يبدأ الكافر [40/أ] بالسلام، وهذا وإن كان اللفظ يشعر ~~به لكنه لم يدخل في المراد؛ لأنه ليس ممن اتبع الهدى، فلم يسلم عليه. # قوله: (بدعاية الإسلام) هو بكسر الدال من ms082 قولك: دعا يدعو دعاية، نحو: شكا ~~يشكو شكاية، ولمسلم: "بداعية (¬3) الإسلام" (¬4)، أي: بالكلمة الداعية إلى ~~الإسلام: وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والباء موضع إلى. # وقوله: (أسلم تسلم) غاية في البلاغة، وفيه نوع من البديع وهو الجناس ~~الاشتقاقي. # قوله: (يؤتك) جواب ثان للأمر، وفي الجهاد للمؤلف: "أسلم يؤتك" (¬5) ~~بتكرار PageV01P201 # "أسلم"، فيحتمل التأكيد، ويحتمل أن يكون الأمر الأول للدخول في الإسلام، ~~والثاني للدوام عليه كما في قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ~~ورسوله} [النساء: 136]. # وإعطاؤه الأجر مرتين لكونه كان مؤمنا بنبيه ثم آمن بمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، وهو موافق لقوله تعالى: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين} الآية [القصص: ~~54]. وسيأتي التصريح بذلك في موضعه في حديث الشعبي في كتاب العلم (¬1) إن ~~شاء الله تعالى. # ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر له من جهة إسلامه، ومن جهة أن إسلامه يكون ~~سببا لإسلام أتباعه. # واستنبط منه شيخنا شيخ الإسلام (¬2) أن كل من دان بدين أهل الكتاب كان في ~~حكمهم في الذبائح والمناكحة؛ لأن هرقل هو وقومه ليسوا من بني إسرائيل، وهم ~~ممن دخل في النصرانية بعد التبديل، وقد قال له ولقومه: "يا أهل الكتاب"، ~~فدل على أن لهم حكم أهل الكتاب، خلافا لمن خص ذلك بالإسرائيليين، أو بمن ~~علم أن سلفه ممن دخل في اليهودية أو النصرانية بعد التبديل، والله أعلم. # قوله: (فإن توليت) أي: أعرضت عن الإجابة إلى الدخول في الإسلام، وحقيقة ~~التولي إنما هو بالوجه، ثم استعمل مجازا في الإعراض عن الشيء، وهو استعارة تبعية. # قوله: (الأريسيين) هو جمع أريسي، وهو منسوب إلى أريس بوزن فعيل، بفتح ~~أوله مخففا، وقد نقلت همزته ياء كما جاءت به رواية الأصيلي وأبي ذر ~~وغيرهما، قال ابن سيده: الأريس [40/ ب]: الأكار، أي: الفلاح عند ثعلب، وعند ~~كراع: الأريس، هو: الأمير، وقال الجوهري: هي لغة شامية، وأنكر ابن فارس أن ~~تكون عربية، وقيل في تفسيره غير ذلك. # لكن هذا هو الصحيح هنا، فقد جاء مصرحا به في رواية ابن إسحاق، عن الزهري ms083 ~~بلفظ: "فإن عليك إثم الأكارين" (¬3). زاد البرقاني في روايته: "يعني ~~الحراثين"، ويؤيده أيضا ما PageV01P202 # في رواية المدائني من طريق مرسلة: "فإن عليك إثم الفلاحين"، قال الخطابي: ~~أراد أن عليه إثم الضعفاء والأتباع إذ لم يسلموا تقليدا له؛ لأن الأصاغر ~~أتباع الأكابر. # قلت: وفي الكلام حذف دل عليه المعنى، وهو: فإن عليك مع إثمك إثم ~~الأريسيين؛ لأنه إذا كان عليه إثم الأتباع بسبب أنهم تبعوه على استمرار ~~الكفر فلأن يكون عليه إثم نفسه أولى، وهذا يعد من مفهوم الموافقة. # ولا يعارض هذا قوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164]؛ لأن ~~وزر الإثم لا يتحمله غيره، ولكن الفاعل المتسبب والمتلبس بالسيئات يتحمل من ~~وجهين: جهة فعله، وجهة تسببه. # وقد ورد تفسير الأريسيين بمعنى آخر، قال الليث بن سعد، عن يونس فيما رواه ~~الطبراني في "الكبير" (¬1) من طريقه: "الأريسيون: العشارون"، يعني: أهل ~~المكس، والأول أظهر، وهذا إن صح أنه المراد فالمعنى: المبالغة في الإثم، ~~ففي الصحيح في المرأة التي اعترفت بالزنا: "لقد تابت توبة لو تابها صاحب ~~مكس لقبلت" (¬2). # قوله: (ويا أهل الكتاب. . . إلى آخره) وهكذا وقع بإثبات الواو في أوله، ~~وذكر القاضي عياض أن الواو ساقطة من رواية الأصيلي وأبي ذر، وعلى ثبوتها ~~فهي داخلة على مقدر معطوف على قوله: "أدعوك"، فالتقدير: أدعوك بدعاية ~~الإسلام، وأقول لك ولأتباعك امتثالا لقول الله تعالى: {ياأهل الكتاب}. # * فائدة: # قيل: في هذا دليل على جواز قراءة الجنب للآية أو الآيتين، وبإرسال بعض ~~القرآن إلى أرض العدو، وكذا بالسفر به. وأغرب ابن بطال فادعى أن ذلك [41/ ~~أ] نسخ بالنهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو، ويحتاج إلى إثبات التاريخ بذلك. # ويحتمل أن يقال: إن المراد بالقرآن في حديث النهي عن السفر به: المصحف، ~~وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه، وأما الجنب فيحتمل أن يقال: إما لم يقصد ~~التلاوة جاز. PageV01P203 # على أن في الاستدلال بذلك من هذه القصة نظرا؛ فإنها واقعة عين لا عموم ~~فيها، فتقيد الجواز على ما إذا وقع احتياج إلى ذلك كالإبلاغ والإنذار، كما ms084 ~~في هذه القصة، وأما الجواز مطلقا حيث لا ضرورة فلا يتجه. # وقد اشتملت هذه الجملة القليلة التي تضمنها الكتاب على الأمر بقوله: ~~"أسلم"، والترغيب بقوله: "تسلم"، و"يؤتك"، والزجر بقوله: "فإن توليت"، ~~والترهيب بقوله: "فإن عليك"، والدلالة بقوله: "يا أهل الكتاب"، وفي ذلك من ~~الدلالة (¬1) ما لا يخفى، وكيف لا وهو كلام من أوتي جوامع الكلام - صلى ~~الله عليه وسلم -. # قوله: (فلما قال ما قال) يحتمل أن يشير بذلك إلى الأسئلة والأجوبة، ~~ويحتمل أن يشير بذلك إلى القصة التي ذكرها ابن الناطور بعد، والضمائر كلها ~~تعود على هرقل. # و(الصخب): اللغط، وهو: اختلاط الأصوات في المخاصمة، زاد في الجهاد: "فلا ~~أدري ما قالوا" (¬2). # قوله: (فقلت لأصحابي) حين خلوت بهم (¬3). # قوله: (أمر) هو بفتح الهمزة وكسر الميم أي: عظم، وسيأتي في تفسير سبحان (¬4). # و"ابن أبي كبشة" أراد به النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن أبا كبشة أحد ~~أجداده، وعادة العرب إذا انتقصت نسبت إلى جد غامض. # قال أبو الحسن النسابة الجرجاني: هو جد وهب جد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لأمه، وهذا فيه نظر؛ لأن وهبا جد النبي - صلى الله عليه وسلم - اسم ~~أمه عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال، ولم يقل أحد من أهل النسب: أن الأوقص ~~يكنى أبا كبشة. PageV01P204 # وقيل: هو جد عبد المطلب لأمه، وفيه نظر أيضا؛ لأن أم عبد المطلب سلمى بنت ~~عمرو بن زيد الخزرجي، ولم يقل أحد من أهل النسب: أن عمرو بن زيد يكنى أبا كبشة. # وقيل: هو أبوه من الرضاعة، واسمه الحارث بن عبد العزى، قاله أبو الفتح ~~الأزدي وابن ماكولا. # وقال ابن قتيبة والخطابي: هو رجل من خزاعة [41/ ب] خالف قريشا في عبادة ~~الأوثان فعبد الشعرى، فنسبوه إليه للاشتراك في مطلق المخالفة، وكذا قال ~~الزبير، قال: واسمه وجز بن عامر بن غالب. # قوله: (إنه يخافه) هو بكسر الهمزة استئنافا تعليليا لا بفتحها؛ لثبوت ~~اللام في الرواية الأخرى. # قوله: (ملك بني الأصفر) هم الروم، يقال: إن جدهم روم بن عيص تزوج بنت ملك ~~الحبشة، ms085 فجاء لون ولده بين البياض والسواد، فقيل له: الأصفر، وقال ابن هشام ~~في التيجان: إنما لقب الأصفر لأن جدته سارة زوج إبراهيم الخليل حلته الذهب. # قوله: (فما زلت موقنا) زاد في حديث عبد الله بن شداد، عن أبي سفيان: "فما ~~زلت مرعوبا من محمد حتى أسلمت" أخرجه الطبراني (¬1). # قوله: (حتى أدخل الله علي الإسلام) أي: فأظهرت ذلك اليقين، وليس المراد ~~أن ذلك اليقين ارتفع. # قوله: (وكان ابن الناطور) هو بالطاء المهملة، وفي رواية الحموي بالظاء ~~المعجمة، وهو بالعربية: حارس البستان، ووقع في رواية الليث، عن يونس: "ابن ~~ناطورا" (¬2). بزيادة ألف في آخره، فعلى هذا هو اسم أعجمي. PageV01P205 # * تنبيه: # الواو في قوله: "وكان" عاطفة، والتقدير: عن الزهري: أخبرني عبيد الله ~~فذكر الحديث، ثم قال الزهري: وكان ابن الناطور يحدث، فذكر هذه القصة، فهي ~~موصولة إلى ابن الناطور، لا معلقة كما زعم بعض من لا عناية له بهذا الشأن، ~~وكذلك أغرب بعض المغاربة فزعم أن قصة ابن الناطور مروية بالإسناد المذكور ~~عن أبي سفيان عنه، وكأنه لما رآها لا تصريح فيها بالسماع حملها على ذلك، ~~وقد بين أبو نعيم في "دلائل النبوة" أن الزهري قال: لقيته بدمشق في زمن عبد ~~الملك بن مروان، وأظنه لم يتحمل عنه ذلك إلا بعد أن أسلم، وإنما وصفه بكونه ~~سقفا؛ لينبه على أنه كان مطلعا على أسرارهم، عالما بحقائق أخبارهم. # قوله: (صاحب إيلياء) أي: أميرها، وهو منصوب على الاختصاص والحال، أو ~~مرفوع على الصفة، وهي رواية أبي ذر، والإضافة التي فيه تقوم مقام التعريف، ~~وقول من زعم أنها في تقدير الانفصال في مقام المنع. # "وهرقل" معطوف على "إيلياء"، وأطلق عليه الصحبة له: إما بمعنى التبع، ~~وإما بمعنى الصداقة، ومنه استعمال صاحب في معنيين مجازي وحقيقي؛ لأنه ~~بالنسبة [42/أ] إلى إيلياء أمير، وذلك مجاز، وبالنسبة إلى هرقل تابع، وذاك حقيقة. # وقوله (سقفا) بضم السين والقاف، كذا في رواية غير أبي ذر، وهو منصوب على ~~أنه خبر كان، و"يحدث" خبر بعد خبر، وفي رواية الكشميهني: "سقف" بكسر القاف ms086 ~~على ما لم يسم فاعله، وفي رواية المستملي والسرخسي مثله لكن بزيادة ألف في أوله. # والأسقف والسقف: قيل إنه لفظ أعجمي ومعناه: رئيس دين النصارى، وقيل: عربي ~~وهو الطويل في انحناء، وقيل ذلك للرئيس؛ لأنه يتخاشع، وقال بعضهم: لا نظير ~~له في وزنه إلا الأسرب، وهو الرصاص، لكن حكى ابن سيده ثالثا: وهو الأسكف ~~للصانع، ولا يرد الأترج لأنه جمع والكلام في المفرد. # قوله: (حين قدم إيلياء) يعني: في هذه الأيام، وهي عند غلبة جنوده على ~~جنود PageV01P206 # فارس وإخراجهم، وكان ذلك في السنة التي اعتمر فيها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عمرة الحديبية، وبلغ المسلمين نصرة الروم على فارس ففرحوا، وقد ذكر ~~الترمذي وغيره القصة مستوفاة في تفسير قوله تعالى: {ويومئذ يفرح المؤمنون ~~(4) بنصر الله} (¬1) [الروم: 4، 5]. وفي أول الحديث في الجهاد (¬2) عند ~~المؤلف الإشارة إلى ذلك. # قوله: (خبيث النفس) أي: رديء النفس غير طيبها، أي: مهموما، وقد تستعمل في ~~كسل النفس، وفي الصحيح: "لا يقولن أحدكم خبثت نفسي" (¬3)، كأنه كره اللفظ. # والمراد بالخطاب: المسلمون، وأما استعمال ذلك في حق هرقل فغير ممتنع، ~~وصرح في رواية ابن إسحاق بقولهم له: "لقد أصبحت مهموما" (¬4). # و (البطارقة) جمع بطريق، بكسر أوله: وهم خواص دولة الروم. # قوله: (حزاء) بالمهملة وتشديد الزاي آخره همزة منونة، أي: كاهنا، يقال: ~~حزا بالتخفيف يحزو حزوا أي: تكهن. # وقوله: (ينظر في النجوم) إن جعلتها خبرا ثانيا [صح] (¬5)؛ لأنه كان ينظر ~~في الأمرين، وإن جعلتها تفسيرا للأول فالكهانة تارة تستند إلى إلقاء ~~الشياطين، وتارة تستفاد من أحكام النجوم، وكان كل من الأمرين في الجاهلية ~~شائعا ذائعا إلى أن أظهر الله الإسلام، فانكسرت شوكتهم، وأبطل الشرع ~~الإعتماد عليهم. PageV01P207 # وكان ما اطلع عليه هرقل من ذلك بمقتضى حساب [42/ ب] المنجمين: أنهم زعموا ~~أن المولد النبوي كان بقران العلويين ببرج العقرب، وهما يقترنان في كل ~~عشرين سنة مرة إلى أن تستوفي الثالثة بروجها في ستين سنة، فكان ابتداء ~~العشرين الأولى المولد النبوي في القران المذكور، وعند تمام العشرين ~~الثانية مجيء جبريل بالوحي، وعند ms087 تمام الثالثة فتح خيبر وعمرة القضية التي ~~جرت فتح مكة وظهور الإسلام، وفي تلك الأيام رأى هرقل ما رأى. # ومن جملة ما ذكروه أيضا أن برج العقرب مائي، وهو دليل ملك القوم الذين ~~يختتنون، فكان ذلك دليلا على انتقال الملك إلى العرب، وأما اليهود فليسوا ~~مرادا هنا؛ لأن هذا لمن سينتقل إليه الملك لا لمن انقضى ملكه. # فإن قيل: كيف ساغ للبخاري إيراد هذا الخبر المشعر بتقوية [أمر] (¬1) ~~المنجمين، والاعتماد على ما يدل عليه أحكامهم؟ # فالجواب: أنه لم يقصد ذلك، بل قصد أن يبين أن البشارات بالنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - جاءت من كل طريق، وعلى لسان كل فريق من كاهن أو منجم أو مبطل ~~إنسي أو جني، وهذا غاية ما [يشير إليه] (1) عالم، أو يحتج به محتج. # قوله: (ملك الختان) بضم الميم وإسكان اللام، وللكشميهني بفتح الميم وكسر اللام. # قوله: (قد ظهر) أي: غلب، يعني: دله نظره على أن ملك الختان قد غلب، وهو ~~كما قال؛ لأن تلك الأيام كان ابتداء ظهور النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ ~~صالح كفار مكة بالحديبية، وأنزل الله عليه: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} ~~[الفتح: 1]؛ إذ فتح مكة سببه نقض قريش العهد الذي كان بينهم بالحديبية، ~~ومقدمة الظهور ظهور. PageV01P208 # قوله: (من هذه الأمة) أي: من أهل هذا العصر، وإطلاق الأمة على أهل العصر ~~كلهم فيه تجوز، وهذا بخلاف قوله بعد هذا: "ملك هذه الأمة قد ظهر"، فإن ~~مراده به العرب خاصة، والحصر في قولهم: "إلا اليهود" هو بمقتضى علمهم؛ لأن ~~اليهود كانوا بإيلياء -وهي بيت المقدس- كثيرين تحت الدولة مع الروم، بخلاف ~~العرب فإنهم وإن كان منهم من هو تحت طاعة ملك الروم كآل غسان لكنهم كانوا ~~ملوكا برأسهم. # قوله: (فلا يهمنك) بضم أوله من أهم: أثار الهم. # وقوله [43/أ]: (شأنهم) أي: أمرهم. # و(مداين) جمع مدينة، قال أبو علي الفارسي: من جعله فعيلة من قولك: مدن ~~بالمكان أي: أقام به؛ همزه كقبائل، ومن جعله مفعلة من قولك: دين؛ أي: ملك؛ ~~لم يهمزه كمعايش. انتهى ms088 # وما ذكره في معايش هو المشهور، وقد روى خارجة عن نافع القارئ الهمز في ~~معايش، وقال القزاز: من همزها توهمها من فعلية لشبهها بها في اللفظ. # قوله: (فبينما هم على أمرهم) أي: في هذه المشورة. # قوله: (أتي برجل لم يسم من أحضره). # و(ملك غسان) هو صاحب بصرى الذي قدمنا ذكره، وأشرنا إلى أن ابن السكن روى ~~أنه أرسل من عنده عدي بن حاتم، فيحتمل أن يكون هو المذكور، والله أعلم. # قوله: (عن خبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) فسر ذلك ابن إسحاق في ~~روايته فقال: "خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبي، فقد اتبعه ناس وخالفه ناس، ~~فكانت بينهم ملاحم في مواطن فتركتهم وهم على ذلك" (¬1)، فبين ما أجمل في ~~حديث الباب؛ لأنه موهم أن ذلك كان في أوائل ما ظهر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # قوله: (هم يختتنون) في رواية الأصيلي: "مختتنون" بالميم، والأول أفيد وأشمل. # قوله: (هذا ملك هذه الأمة قد ظهر). PageV01P209 # كذا لأكثر الرواة بالضم والسكون، والقابسي بالفتح ثم الكسر، ولأبي ذر عن ~~الكشميهني وحده: "يملك" فعل مضارع، قال القاضي: أظنها ضمة الميم اتصلت بها ~~فتصحفت، ووجهه السهيلي في أماليه: بأنه مبتدأ وخبر، أي: هذا المذكور يملك ~~هذه الأمة، وقيل: بجواز أن يكون "يملك" نعتا، أي: هذا رجل يملك هذه الأمة، ~~وقال شيخنا: يجوز أن يكون المحذوف هو الموصول على رأي الكوفيين، أي: هذا ~~الذي يملك، وهو نظير قوله: # * وهذا تحملين طليق (¬1) * # على أن الكوفيين يجوزون استعمال اسم الإشارة بمعنى الاسم الموصول، فيكون ~~التقدير: الذي يملك، من غير حذف. # قلت: لكن اتفاق الرواية على حذف الياء في أوله دال على ما قال القاضي ~~فيكون شاذا، على أني رأيت في أصل معتمد وعليه علامة السرخسي: بباء موحدة في ~~أوله، وتوجيهها أقرب من توجيه الأول [43/ ب]؛ لأنه حينئذ تكون الإشارة بهذا ~~إلى ما ذكره من نظيره في حكم النجوم، والباء متعلقة ب"ظهر"، أي: هذا الحكم ~~ظهر بملك هذه الأمة التي تختتن. # قوله: (برومية) بالتخفيف: وهي مدينة معروفة للروم. ms089 # و(حمص) مجرور بالفتحة منع صرفه للعلمية (¬2) والتأنيث، ويحتمل أن يجوز صرفه. # قوله: (فلم يرم) أي: لم يبرح. # (حتى أتاه كتاب من صاحبه) وفي رواية ابن إسحاق: أن هرقل أرسل دحية إلى PageV01P210 # ضغاطر الرومي، وقال: إنه في الروم أجوز قولا مني، وإن ضغاطر المذكور أظهر ~~إسلامه وألقى ثيابه التي كانت عليه ولبس ثيابا بيضا، وخرج على الروم فدعاهم ~~إلى الإسلام، وشهد شهادة الحق، فقاموا إليه فضربوه حتى قتلوه، قال: فلما ~~خرج دحية إلى هرقل قال له: قد قلت لك إنا نخافهم على أنفسنا، فضغاطر كان ~~أعظم عندهم مني. # قلت: فيحتمل أن يكون هو صاحب رومية الذي أبهم هنا، لكن يعكر عليه ما قيل: ~~إن دحية لم يقدم على هرقل بهذا الكتاب المكتوب في سنة الحديبية، وإنما قدم ~~عليه بالكتاب المكتوب في غروة تبوك، فعلى هذا يحتمل أن يكون وقعت لضغاطر ~~قصتان: أحدهما التي ذكرها ابن الناطور، وليس فيها أنه أسلم، ولا أنه قتل، ~~والثانية التي ذكرها ابن إسحاق فإن فيها قصته مع دحية وأنه أسلم فقتل، ~~والله أعلم. # قوله: (وسار هرقل إلى حمص) لأنها كانت دار ملكه كما قدمناه، وكانت في ~~زمانهم أعظم من دمشق، وكان فتحها على يد أبي عبيدة بن الجراح سنة ست عشرة ~~بعد هذه القصة بعشر سنين. # وقوله: (وأنه نبي) يدل على أن هرقل وصاحبه أقرا بنبوة نبينا - صلى الله ~~عليه وسلم -، لكن هرقل كما ذكرنا لم يستمر على ذلك بخلاف صاحبه. # قول: (فأذن) هو بالقصر من الإذن، وفي رواية المستملي وغيره بالمد، ~~ومعناه: أعلم. # و(الدسكرة) بسكون المهملة: القصر الذي حوله بيوت، وكأنه دخل القصر ثم ~~أغلقه وفتح أبواب البيوت التي حوله، وأذن للروم في دخولها، ثم اطلع عليهم ~~فخاطبهم، وإنما فعل ذلك خشية أن يثبوا به كما وثبوا بضغاطر. # قوله: (والرشد) بفتحتين. # (وأن يثبت ملككم) لأنهم إن تمادوا على الكفر كان سببا لذهاب ملكهم (¬1) ~~كما عرف هو ذلك [44/ أ] من الأخبار السابقة. PageV01P211 # قوله: (فتبايعوا) بالموحدة والمثناة من تحت، وللكشميهني بمثناتين ثم ~~موحدة، وللأصيلي: "فنبايع" بنون وموحدة. ms090 # (لهذا النبي) كذا لأبي ذر، والباقين بحذف اللام. # قوله: (فحاصوا) بمهملتين أي: نفروا، وشبههم بالحمر دون غيرها من الوحوش؛ ~~لمناسبة الجهل وعدم الفطنة، بل هم أضل. # قوله: (وأيس) في رواية الكشميهني، والأصيلي: "ويئس" بياءين تحتانيتين ~~وهما بمعنى (¬1)، والأول معلوم من الثاني. # قوله: (من الإيمان) أي: إيمانهم لما أظهروه، وإيمانه لأنه شح بملكه كما ~~قدمناه، وكان يحب أن يطيعوه فيستمر ملكه ويسلم ويسلموا بإسلامه، وإلا فقد ~~كان قادرا على أن يفر عنهم ويترك ملكه رغبة فيما عند الله، والله الموفق. # قوله: (آنفا) أي قرينا، وهو منصوب على الحال. # قوله: (فكان ذلك آخر شأن هرقل). # أي: فيما يتعلق بهذه القصة المتعلقة بدعائه إلى الإيمان خاصة؛ لأنه انقضى ~~أمره حينئذ ومات، أو أنه أطلق الآخرية بالنسبة إلى ما في علمه، وهذا أوجه؛ ~~لأن هرقل قد وقعت له قصص أخرى بعد ذلك: منها ما أشرنا إليه من تجهيزه ~~الجيوش إلى مؤتة، ومن تجهيزه الجيوش أيضا إلى تبوك، ومكاتبة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - له ثانية، وإرساله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بذهب ~~فقسمه بين أصحابه، وهو في رواية ابن حبان التي أشرنا إليها قبل. # وفي المسند من طريق سعيد بن أبي راشد التنوخي رسول هرقل قال: قدم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - تبوك، فبعث دحية إلى هرقل، فلما جاءه الكتاب ~~دعا قسيسي الروم وبطارقتها. . . فذكر الحديث، قال: فتحيروا حتى [إن] (¬2) ~~بعضهم خرج من برنسه، فقال: اسكتوا، فإنما أردت أن أعلم تمسككم بدينكم (¬3). PageV01P212 # وروى ابن إسحاق، عن خالد بن يسار، عن رجل من قدماء أهل الشام: أن هرقل ~~لما أراد الخروج من الشام إلى القسطنطينية عرض على الروم أمورا: إما ~~الإسلام، وإما الجزية، وإما أن يصالح النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~الشام ويبقي لهم ما دون الدرب، فأبوا، وأنه انطلق حتى إذا أشرف على الدرب ~~استقبل أرض الشام، ثم قال: السلام عليكم أرض سورية -يعني: الشام- تسليم ~~المودع، ثم [44/ ب] ركض حتى دخل القسطنطينية (¬1). # واختلف الإخباريون هل هو الذي حاربه المسلمون في زمن ms091 أبي بكر وعمر أو ~~أبيه، والأظهر أنه هو. # * تنبيه: # لما كان أمر هرقل في الإيمان عند كثير من الناس مستبهما؛ لأنه يحتمل أن ~~يكون عدم تصريحه بالإيمان للخوف على نفسه، ويحتمل أن يكون استمر على الشك ~~حتى مات كافرا، وقال الراوي في آخر القصة: "فكان ذلك آخر شأن هرقل"، ختم ~~البخاري هذا الباب الذي استفتحه بحديث الأعمال بالنيات، كأنه قال: إن صدقت ~~نيته انتفع بها في الجملة، وإلا فقد خاب وخسر، فظهرت مناسبة إيراد قصة ابن ~~الناطور في بدء الوحي لمناسبتها حديث الأعمال المصدر الباب به، ويؤخذ ~~للمصنف من آخر لفظ في القصة براعة الاختتام، وهو واضح مما قررناه. # فإن قيل: ما مناسبة حديث أبي سفيان في قصة هرقل ببدء الوحي؟ # والجواب: أنها تضمنت كيفية حال الناس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~ذلك الابتداء، ولأن الآية المكتوب بها إلى هرقل ملتئمة مع الآية التي في ~~الترجمة، وهي قوله تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح} الآية ~~[النساء: 163]. وقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} الآية ~~[الشورى: 13]. فبان أنه أوحى إليهم كلهم أن أقيموا الدين، وهو معنى قوله ~~تعالى: {سواء بيننا وبينكم} الآية [آل عمران: 64]. PageV01P213 # * خاتمة: # أنبأني غير واحد عن القاضي نور الدين بن الصائغ الدمشقي، قال: حدثني سيف ~~الدين فليح المنصوري، قال: أرسلني الملك المنصور قلاون إلى ملك الغرب ~~بهدية، فأرسلني ملك الغرب إلى ملك الفرنج في شفاعة فقبلها، وعرض علي ~~الإقامة عنده فامتنعت، فقال لي: لأتحفنك بتحفة سنية، فأخرج لي صندوقا مصفحا ~~بذهب، فأخرج منه مقلمة ذهب، فأخرج منها كتابا قد زالت أكثر حروفه، فقال: ~~هذا كتاب نبيكم إلى جدي قيصر، مازلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا أنه ~~مادام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا، فنحن نحفظه غاية الحفظ ونعظمه، ~~ونكتمه عن النصارى ليدوم لنا الملك. انتهى # ويؤيد هذا ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما جاءه جواب هرقل ~~قال: "ثبت ملكه" (¬1). والله أعلم. # قوله: (رواه صالح بن كيسان، ويونس، ms092 ومعمر، عن الزهري). # قال الكرماني: يحتمل ذلك وجهين: # أن يروي البخاري عن [45/ أ] الثلاثة بالإسناد المذكور، كأنه قال: أنا أبو ~~اليمان، قال: أنا الثلاثة، عن الزهري، وأن يروي عنهم بطريق آخر. # كما أن الزهري يحتمل أيضا في رواية الثلاثة أن يروي لهم عن عبيد الله، عن ~~ابن عباس، وأن يروي لهم عن غيره. هذا ما يحتمل اللفظ، وإن كان الظاهر ~~الاتحاد. # قلت: هذا الظاهر كاف لمن شم أدنى رائحة من علم الإسناد، والاحتمالات ~~العقلية المجردة لا مدخل لها في هذا الفن، وأما الاحتمال الأول فأشد بعدا؛ ~~لأن أبا اليمان لم يلحق صالح بن كيسان، ولا سمع من يونس، وهذا أمر يتعلق ~~بالنقل المحض، فلا يلتفت إلى ما عداه، ولو كان من [أهل] (¬2) النقل لاطلع ~~على كيفية رواية الثلاثة لهذا الحديث بخصوصه فاستراح من هذا التردد. PageV01P214 # وقد أوضحت ذلك في كتابي: "تغليق التعليق" (¬1)، وأشير إليه هنا إشارة ~~مفهمة: فرواية صالح -وهو ابن كيسان- أخرجها المؤلف في كتاب الجهاد (¬2) ~~بتمامها من طريق إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبيد ~~الله بن عبد الله، عن ابن عباس، وفيها من الفوائد الزوائد ما أشرت إليه في ~~أثناء الكلام على هذا الحديث من قبل، ولكنه انتهى عند قول أبي سفيان: "حتى ~~أدخل الله علي الإسلام"، زاد هنا: و"أنا كاره"، ولم يذكر قصة ابن الناطور. ~~وكذا أخرجه مسلم (¬3) بدونها من رواية إبراهيم المذكور. # ورواية يونس -وهو ابن يزيد الأيلي- عن الزهري بهذا الإسناد أيضا أخرجها ~~المؤلف في الجهاد (¬4) مختصرة من طريق الليث، وفي الاستئذان (¬5) مختصرة ~~أيضا من طريق ابن المبارك كلاهما، عن يونس، عن الزهري بسنده بعينه، ولم ~~يسقه بتمامه، وقد ساقه بتمامه الطبراني (¬6) من طريق عبد الله بن صالح، عن ~~الليث، وذكر فيه قصة ابن الناطور. # ورواية معمر، عن الزهري كذلك ساقها المؤلف بتمامها في التفسير (¬7)، وقد ~~أشرنا إلى بعض فوائد زوائد فيما مضى أيضا، وذكر فيه من قصة ابن الناطور ~~قطعة مختصرة عن الزهري ولم يسمه (¬8). PageV01P215 # فقد ظهر لك أن الثلاثة عند ms093 المصنف عن [غير] (¬1) أبي اليمان، وأن الزهري ~~إنما رواه لأصحابه بسند واحد عن شيخ واحد وهو عبيد الله بن عبد الله، ولو ~~احتمل أن يرويه لهم أو لبعضهم [45/ ب] عن شيخ آخر لكان ذلك اختلافا قد يفضي ~~إلى الاضطراب الموجب للضعف، فلاح فساد ما ذكره من الاحتمال، والله -سبحانه ~~وتعالى- الموفق والهادي إلى الصواب، لا إله إلا هو. PageV01P216 ### | AUTO 2 - كتاب الإيمان ### || AUTO 1 - باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بني الإسلام على خمس". وهو قول وفعل، ويزيد وينقص. # قال الله تعالى: {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم}، {وزدناهم هدى}، {ويزيد ~~الله الذين اهتدوا هدى}، {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم}، {ويزداد ~~الذين آمنوا إيمانا}، وقوله: {أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا}، وقوله جل ذكره: {فاخشوهم فزادهم إيمانا}، وقوله تعالى: ~~{وما زادهم إلا إيمانا وتسليما}، والحب في الله والبغض في الله من الإيمان. ~~وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا ~~وسننا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، ~~فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص. ~~وقال إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -: {ولكن ليطمئن قلبي}. وقال معاذ: اجلس ~~بنا نؤمن ساعة. وقال ابن مسعود: اليقين الإيمان كله. وقال ابن عمر: لا يبلغ ~~العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر. وقال مجاهد: {شرع لكم} ~~أوصيناك يا محمد وإياه دينا واحدا. وقال ابن عباس: {شرعة ومنهاجا} سبيلا وسنة. # قوله: (كتاب الإيمان) هو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا كتاب الإيمان. ~~وكتاب: مصدر، يقال: كتب يكتب كتابة وكتابا، ومادة كتب دالة على الجمع ~~والضم، ومنها الكتيبة والكتابة، استعملوا ذلك فيما يجمع أشياء من الأبواب ~~والفصول الجامعة للمسائل، والضم فيه بالنسبة إلى المكتوب من الحروف حقيقة، ~~وبالنسبة إلى المعاني المرادة منها مجاز. PageV01P217 # و"الباب": موضوعه المدخل، فاستعماله في المعاني مجاز. # و"الإيمان" لغة: التصديق. # وشرعا: تصديق الرسول فيما جاء به عن ربه. # وهذا القدر متفق عليه، ثم وقع ms094 الاختلاف: هل يشترط مع ذلك مزيد أمر من جهة ~~إبداء هذا التصديق باللسان المعبر عما في القلب؛ إذ التصديق من أفعال ~~القلوب، أو من جهة العمل بما صدق به من ذلك كفعل المأمورات وترك المنهيات ~~كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى؟ # والإيمان فيما قيل: مشتق من الأمن، وفيه نظر؛ لتباين مدلولي الأمن ~~والتصديق إلا إن لوحظ فيه معنى مجازي، فيقال أمنه إذا صدقه، أي: أمنه ~~التكذيب. # ولم يستفتح المصنف بدء الوحي بكتاب؛ لأن المقدمة لا تستفتح بما يستفتح به ~~غيرها؛ لأنها تنطوي على ما يتعلق بما بعدها، واختلفت الروايات في تقديم ~~البسملة على "كتاب" أو تأخيرها، ولكل وجه، والأول ظاهر، ووجه الثاني -وعليه ~~أكثر الروايات- أنه جعل الترجمة قائمة مقام تسمية السورة، والأحاديث ~~المذكورة بعد البسملة كالآيات مستفتحة بالبسملة. # قوله: (باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: بني الإسلام على خمس). # سقط لفظ "باب" من رواية الأصيلي، وقد وصل الحديث بعد تاما. واقتصاره على ~~طرفه من (¬1) تسمية الشيء باسم بعضه، والمراد باب هذا الحديث. # قوله: (وهو) أي: الإيمان (قول وفعل، ويزيد وينقص)، وفي رواية الكشميهني: ~~"قول وعمل"، وهو اللفظ الوارد عن السلف الذين أطلقوا ذلك، ووهم ابن التين ~~فظن أن قوله: "وهو" إلى آخره مرفوع لما رآه (¬2) معطوفا، وليس ذلك مراد ~~المصنف، وإن كان ذلك ورد بإسناد ضعيف [46/أ]. PageV01P218 # * والكلام هنا في مقامين: # أحدهما: كونه قولا وعملا. # والثاني: كونه يزيد وينقص. # فأما القول، فالمراد به: النطق بالشهادتين. # وأما العمل، فالمراد به: ما هو أعم من عمل القلب والجوارح، ليدخل ~~الاعتقاد والعبادات، ومراد من أدخل ذلك في تعريف الإيمان ومن نفاه إنما هو ~~بالنظر إلى ما عند الله تعالى. # * فالسلف قالوا: هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان، وأرادوا ~~بذلك أن الأعمال شرط في كماله، ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص كما سيأتي. # * والمرجئة قالوا: هو اعتقاد ونطق فقط. # * والكرامية قالوا: هو نطق فقط. # * والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والإعتقاد. والفارق بينهم وبين السلف ~~أنهم جعلوا الأعمال شرطا في صحته، ms095 والسلف جعلوها شرطا في كماله. # وهذا كله -كما قلنا- بالنظر إلى ما عند الله أما بالنظر إلى ما عندنا ~~فالإيمان هو: الإقرار فقط، فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا ولم يحكم ~~عليه بكفر إلا إن اقترن به فعل يدل على كفره: كالسجود للصنم، فإن كان الفعل ~~لا يدل على الكفر كالفسق فمن أطلق عليه الإيمان فبالنظر إلى إقراره، ومن ~~نفى عنه الإيمان فبالنظر إلى كماله، ومن أطلق عليه الكفر فبالنظر إلى أنه ~~فعل فعل الكافر، ومن نفاه عنه فبالنظر إلى حقيقته، وأثبتت المعتزلة الواسطة ~~فقالوا: الفاسق لا مؤمن ولا كافر. # وأما المقام الثاني: فذهب السلف إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وأنكر ذلك ~~أكثر المتكلمين، فقالوا: متى قبل ذلك كان شكا. # قال الشيخ محي الدين (¬1): والأظهر المختار أن التصديق يزيد وينقص بكثرة PageV01P219 # النظر ووضوح الأدلة، ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم، بحيث ~~لا يعتريه الشبهة. # ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل، حتى أنه يكون في بعض ~~الأحيان أعظم يقينا وإخلاصا وتوكلا منه في بعضها، وكذلك في التصديق ~~والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها، وما نقل عن السلف صرح به عبد الرزاق ~~في "مصنفه" عن سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وابن جريج، ومعمر ~~وغيرهم [46/ ب]، وهؤلاء فقهاء الأمصار في عصرهم. # وكذا نقله أبو القاسم اللالكائي في كتاب "السنة" عن الشافعي، وأحمد بن ~~حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد وغيرهم من الأئمة، وروى بسنده الصحيح عن ~~البخاري قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا منهم ~~يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص (¬1). # وأطنب ابن أبي حاتم واللالكائي في نقل ذلك بالأسانيد عن جمع كثير من ~~الصحابة والتابعين. # وقال الحاكم في مناقب الشافعي: ثنا أبو العباس الأصم: أنا الربيع، قال: ~~سمعت الشافعي يقول: "الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص". # ثم شرع المصنف يستدل لذلك بآيات من القرآن مصرحة بالزيادة، وبثبوتها يثبت ~~المقابل، فإن كل قابل للزيادة قابل للنقصان ضرورة. # قوله: (والحب في الله ms096 والبغض في الله من الإيمان). # هو لفظ حديث أخرجه أبو داود من حديث أبي أمامة (¬2)، والترمذي من حديث ~~معاذ بن أنس (¬3)، وسيأتي عند المصنف: "آية الإيمان حب الأنصار" (¬4)، ~~واستدل بذلك PageV01P220 # على أن الإيمان يزيد وينقص؛ لأن الحب والبغض يتفاوتان. # قوله: (وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي) أي: ابن عميرة الكندي، ~~وهو تابعي من أولاد الصحابة، وكان عامل عمر بن عبد العزيز على الجزيرة، ~~فلذلك كتب إليه، والتعليق المذكور وصله أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة ~~في"كتاب الإيمان" (¬1) لهما من طريق عيسى بن عاصم: حدثني عدي بن عدي، قال: ~~كتب إلي عمر بن عبد العزيز: أما بعد: فإن للإيمان فرائض وشرائع. . . إلى آخره. # قوله: (إن للإيمان فرائض) كذا ثبت في معظم الروايات باللام، و"فرائض" ~~بالنصب على أنها اسم إن، وفي رواية ابن عساكر: "فإن الإيمان فرائض" على أن ~~"الإيمان" اسم إن و"فرائض" خبرها، وبالأول جاء الموصول الذي أشرنا إليه. # قوله: (فرائض) أي: أعمال مفروضة. # (وشرائع) أي: عقائد دينية. # (وحدودا) أي: منهيات ممنوعة. # (وسننا) أي: مندوبات. # قوله: (فإن أعش فسأبينها) أي أبين تفاريعها لا أصولها؛ لأن أصولها كانت ~~معلومة لهم مجملة، على تجويز تأخير البيان عن وقت الخطاب، إذ الحاجة هنا ~~[47/ أ] لم تتحقق، والغرض من هذا الأثر أن عمر بن عبد العزيز كان ممن يقول ~~بأن الإيمان يزيد وينقص، حيث قال: "استكمل"، و"لم يستكمل". # قال الكرماني: وهذا على إحدى الروايتين، وأما على الرواية الأخرى فقد ~~يمنع ذلك؛ لأنه جعل الإيمان غير الفرائض. # قلت: لكن آخر كلامه يشعر بذلك، وهو قوله: "فمن استكملها" أي: الفرائض وما ~~معها "فقد استكمل الإيمان" وبهذا تتفق الروايتان، فالمراد أنها من ~~المكملات؛ لأن الشارع أطلق على مكملات الإيمان إيمانا. PageV01P221 # قوله: (وقال إبراهيم -عليه السلام-: {ولكن ليطمئن قلبي}). # أشار إلى تفسير سعيد بن جبير، ومجاهد وغيرهما لهذه الآية، فروى ابن جرير ~~بسنده الصحيح إلى سعيد قال: "قوله: {ليطمئن قلبي} [البقرة: 260]؛ أي: يزداد ~~يقيني" (¬1)، وعن مجاهد قال: "لأزداد إيمانا إلى إيماني" (¬2)، وإذا ثبت ~~ذلك ms097 عن إبراهيم مع أن نبينا قد أمر باتباع ملته كان كأنه ثبت عن نبينا - ~~صلى الله عليه وسلم - ذلك، وإنما فصل المصنف بين هذه الآية وبين الآيات ~~التي قبلها؛ لأن الدليل يؤخذ من تلك بالنص، ومن هذه بالإشارة، والله أعلم. # قوله: (وقال معاذ) هو ابن جبل، وصرح بذلك الأصيلي، والتعليق المذكور وصله ~~أحمد (¬3)، وأبو بكر أيضا بإسناد صحيح (¬4)، وفي رواية لهما: كان معاذ بن ~~جبل يقول للرجل من إخوانه: "اجلس بنا نؤمن ساعة، فيجلسان فيذكران الله ~~تعالى ويحمدانه" (¬5)، ووجه الدلالة منه ظاهر؛ لأنه لا يحمل على أصل ~~الإيمان لكونه كان مؤمنا، وأي مؤمن؟ ! وإنما يحمل على إرادة أنه يزداد ~~إيمانا بذكر الله تعالى. # وقال القاضي أبو بكر ابن العربي: لا تعلق فيه للزيادة؛ لأن معاذا إنما ~~أراد تجديد الإيمان؛ لأن العبد يؤمن في أول مرة فرضا، ثم يكون أبدا مجددا ~~كلما نظر أو فكر. # وما نفاه أولا أثبته آخرا؛ لأن تجديد الإيمان إيمان. # قوله (وقال ابن مسعود: اليقين الإيمان كله) هذا التعليق طرف من أثر وصله ~~الطبراني بسند صحيح، وبقيته: "والصبر نصف الإيمان" (¬6). وأخرجه أبو نعيم ~~في "الحلية" والبيهقي في "الزهد" من حديثه مرفوعا (¬7)، ولا يثبت رفعه. # وجرى المصنف على عادته في الاقتصار على ما يدل بالإشارة، وحذف ما يدل PageV01P222 # بالصراحة؛ إذ لفظ النصف صريح في التجزئة، وفي "الإيمان" [47/ ب] لأحمد من ~~طريق عبد الله بن عكيم، عن ابن مسعود أنه قال: كان يقول: "اللهم زدنا ~~إيمانا ويقينا وفقها" (¬1)، وإسناده صحيح، وهذا أصرح في المقصود، ولم يذكره ~~المصنف لما أشرت إليه. # قوله: (وقال ابن عمر. . . إلى آخره). # المراد بالتقوى: وقاية النفس عن الشرك والأعمال السيئة، والمواظبة على ~~الأعمال الصالحة، وبهذا التقرير يصح استدلال المصنف. # وقوله: (حاك) بالمهملة والكاف الخفيفة، أي: تردد، ففيه إشارة إلى أن بعض ~~المؤمنين بلغ كنه الإيمان وحقيقته، وبعضهم لم يبلغ. # وقد ورد معنى قول ابن عمر عند مسلم من حديث النواس مرفوعا (¬2)، وعند ~~أحمد من حديث وابصة (¬3)، وحسن الترمذي من حديث عطية السعدي قال: قال رسول ms098 ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يكون الرجل من المتقين حتى يدع ما لا بأس ~~به حذرا لما به البأس" (¬4). وليس فيها شيء على شرط المصنف، فلهذا اقتصر ~~على أثر ابن عمر. # قوله: (وقال مجاهد) وصل هذا التعليق عبد بن حميد في تفسيره، والمراد أن ~~الذي تظاهرت عليه الأدلة من الكتاب والسنة هو شرع للأنبياء كلهم. # * تنبيه: # قال شيخنا شيخ الإسلام: وقع في أصل الصحيح في جميع الروايات في أثر مجاهد ~~هذا تصحيف قل من تعرض لبيانه، وذلك أن لفظه: "وقال مجاهد: {شرع لكم}: ~~أوصيناك يا محمد وإياه دينا واحدا"، والصواب: أوصاك يا محمد وأنبياءه، كذا ~~أخرجه عبد ابن حميد، والفريابي، والطبري، وابن المنذر في تفاسيرهم وبه ~~يستقيم الكلام، وكيف يفرد PageV01P223 # مجاهد الضمير لنوح وحده مع أن في السياق ذكر جماعة. انتهى # ولا مانع من الإفراد في التفسير وإن كان لفظ الآية بالجمع على إرادة ~~المخاطب والباقون تبع، وإفراد الضمير لا يمتنع؛ لأن نوحا أفرد في الآية فلم ~~يتعين التصحيف، وغاية ما ذكر من مجيء التفاسير بخلاف لفظه أن يكون مذكورا ~~عند المصنف بالمعنى، والله أعلم. # قوله: (وقال ابن عباس) وصل هذا التعليق عبد الرزاق في "تفسيره" بسند صحيح. # و(المنهاج): السبيل؛ أي: الطريق الواضح. # و(الشرعة)، و"الشريعة" بمعنى، وقد شرع أي: سن، فعلى هذا فيه لف ونشر غير مرتب. # فإن قيل: هذا يدل على اختلاف [48/ أ] والذي قبله على اتحاد. # أجيب: بأن ذلك في الأصول وهذا في الفروع وهو الذي يدخله النسخ. PageV01P224 ### || AUTO 2 - باب: دعاؤكم إيمانكم # 8 - حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان، عن عكرمة ~~بن خالد، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان". # قوله: (دعاؤكم إيمانكم). # قال النووي: يقع في كثير من النسخ هنا باب، وهو غلط فاحش، وصوابه حذفه، ~~ولا يصح إدخال باب هنا؛ إذ لا ms099 تعلق له هنا. # قلت: ثبت باب في كثير من الروايات المتصلة، منها رواية أبي ذر، ويمكن ~~توجيهه، لكن قال الكرماني إنه وقف على نسخة مسموعة على الفربري بحذفه، وعلى ~~هذا فقوله: "دعاؤكم إيمانكم" من قول ابن عباس، وعطفه على ما قبله كعادته في ~~حذف أداة العطف حيث ينقل التفسير، وقد وصله ابن جرير من قول ابن عباس، قال ~~في قوله: {ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم} [الفرقان: 77]، قال: يقول: لولا ~~إيمانكم. # أخبر الله الكفار أنه لا يعبأ بهم، ولولا إيمان المؤمنين لم يعبأ بهم ~~أيضا، ووجه الدلالة للمصنف: أن الدعاء عمل، وقد أطلقه على الإيمان، فيصبح ~~إطلاق أن الإيمان عمل، وهذا تفسير ابن عباس. # وقال غيره: الدعاء هنا مصدر مضاف إلى المفعول، والمراد: دعاء الرسول ~~الخلق إلى الإيمان، فالمعنى: ليس لكم عند الله إلا أن يدعوكم الرسول فيؤمن ~~من آمن ويكفر من كفر، فقد كذبتم أنتم فسوف يكون العذاب لازما لكم. # قوله: (حنظلة بن أبي سفيان). # هو قرشي مكي، من ذرية صفوان بن أمية الجمحي. PageV01P225 # و (عكرمة بن خالد) هو ابن سعيد بن العاصي بن هشام بن المغيرة المخزومي، ~~[وهو ثقة متفق عليه، وفي طبقته عكرمة بن خالد بن سلمة بن هشام بن المغيرة ~~المخزومي] (¬1)، وهو ضعيف ولم يخرج له البخاري، نبهت عليه لشدة التباسه، ~~ويفترقان بشيوخهما، ولم يرو الضعيف عن ابن عمر. # زاد مسلم في روايته عن حنظلة قال: سمعت عكرمة بن خالد يحدث طاووسا أن ~~رجلا قال لعبد الله بن عمر: ألا تغزو؟ ! فقال: إني سمعت. . . فذكره الحديث (¬2). # * فائدة: # اسم الرجل السائل حكيم، ذكره البيهقي. # قوله: (على خمس) أي: دعائم، صرح به عبد الرزاق في روايته (¬3)، وفي رواية ~~لمسلم: "على خمسة" (¬4)؛ أي: أركان. # فإن قيل: الأربعة المذكورة مبنية على الشهادة؛ إذ لا يصح شيء منها إلا ~~بعد وجودها، فكيف يضم مبني إلى مبني عليه في مسمى واحد؟ # أجيب: بأن المجموع غير من حيث الانفراد، عين من حيث الجمع، ومثاله البيت ~~من الشعر [48/ ب] يجعل على خمسة أعمدة: أحدها ms100 أوسط والبقية أركان، فمادام ~~الأوسط قائما فمسمى البيت موجودا، ولو سقط مهما سقط من الأركان، فإذا سقط ~~الأوسط سقط مسمى البيت، فالبيت بالنظر إلى مجموعه شيء واحد، وبالنظر إلى ~~أفراده أشياء، وأيضا فبالنظر إلى أسه وأركانه، الأس أصل، والأركان تبع ~~وتكملة. # * تنبيهات: # أحدها: لم يذكر الجهاد لأنه فرض كفاية، ولا يتعين إلا في بعض الأحوال، ~~ولهذا جعله ابن عمر جواب السائل، وزاد في رواية عند عبد الرزاق في آخره: ~~"وإن PageV01P226 # الجهاد من العمل الحسن" (¬1). # وأغرب ابن بطال فزعم أن هذا الحديث كان أول الإسلام قبل فرض الجهاد، وفيه ~~نظر، بل هو خطأ؛ لأن فرض الجهاد كان قبل وقعة بدر، وبدر كانت في رمضان في ~~السنة الثانية، وفيها فرض الصيام والزكاة بعد ذلك، والحج بعد ذلك على ~~الصحيح. # ثانيها: قوله: "شهادة أن لا إله إلا الله" وما بعدها مخفوض على البدل من ~~"خمس"، ويجوز الرفع على حذف الخبر، والتقدير: منها شهادة أن لا إله إلا ~~الله، أو على حذف المبتدأ والتقدير: أحدها شهادة أن لا إله إلا الله. # فإن قيل: لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة [و] (¬2) غير ذلك مما ~~تضمنه سؤال جبريل. # أجيب: بأن المراد بالشهادة تصديق الرسول فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ~~ذكر من المعتقدات. وقال الإسماعيلي ما محصله: هو من باب تسمية الشيء ببعضه، ~~كما تقول: قرأت الحمد، وتريد جميع الفاتحة، وكذا تقول مثلا: شهدت برسالة ~~محمد، وتريد جميع ما ذكر، والله أعلم. # ثالثها: المراد ب"إقام الصلاة": المداومة عليها، أو مطلق الإتيان بها، ~~والمراد ب"إيتاء الزكاة": إخراج جزء من المال على وجه مخصوص. # رابعها: اشترط ابن الباقلاني في صحة الإسلام تقدم الإقرار بالتوحيد على ~~الرسالة، ولم يتابع، مع أنه إذا دقق فيه بان وجهه، ويزداد اتجاها إذا ~~فرقها، فليتأمل. # خامسها: يستفاد منه تخصيص عموم مفهوم السنة بخصوص منطوق القرآن؛ لأن عموم ~~الحديث يقتضي صحة إسلام من باشر ما ذكر، ومفهومه أن من لم يباشره لا يصح ~~[49/ أ] منه، وهذا العموم مخصوص بقوله تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ~~ذريتهم} [الطور: ms101 21] على ما تقرر في موضعه. PageV01P227 # سادسها: وقع هنا تقديم الحج على الصوم، وعليه بنى البخاري ترتيبه، لكن ~~وقع في مسلم من رواية سعد بن عبيدة، عن ابن عمر بتقديم الصوم على الحج، ~~قال: "فقال رجل: والحج وصيام رمضان، فقال ابن عمر: لا، صيام رمضان والحج، ~~هكذا سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" (¬1). انتهى # ففي هذا إشعار بأن رواية حنظلة التي في البخاري مروية بالمعنى إما لأنه ~~لم يسمع رد ابن عمر على الرجل لتعدد المجلس، أو حضر ذلك ثم نسيه. # ويبعد ما جوزه بعضهم أن يكون ابن عمر سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- على الوجهين ونسي أحدهما عند رده على الرجل، ووجه بعده: أن تطرق النسيان ~~إلى الراوي عن الصحابي أولى من تطرقه إلى الصحابي، كيف وفي رواية مسلم (¬2) ~~من طريق حنظلة بتقديم الصوم على الحج، فتنويعه دال على أنه روي بالمعنى، ~~ويؤيده ما وقع عند البخاري في التفسير (¬3) بتقديم الصيام على الزكاة، ~~أفيقال: إن الصحابي سمعه على ثلاثة أوجه، هذا مستبعد، والله أعلم. # * فائدة: # اسم الرجل المذكور: يزيد بن بشر السكسكي، ذكره الخطيب البغدادي رحمه الله ~~تعالى. PageV01P228 ### || AUTO 3 - باب: أمور الإيمان # وقول الله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن ~~البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على ~~حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء ~~والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون}. {قد أفلح ~~المؤمنون} الآية. # قوله: (باب أمور الإيمان)، وللكشميهني: "أمر الإيمان" بالإفراد على إرادة ~~الجنس، والمراد: بيان الأمور التي هي الإيمان والأمور التي للإيمان. # قوله: (وقول الله) بالخفض، ووجه الاستدلال بهذه الآية ومناسبتها لحديث ~~الباب يظهر من الحديث الذي رواه عبد الرزاق (¬1) وغيره من طريق مجاهد: أن ~~أبا ذر سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان، فتلا عليه: {ليس ~~البر} [البقرة: 177] إلى آخرها، ورجاله ثقات، وإنما لم يسقه ms102 المؤلف لأنه ~~ليس على شرطه، ووجهه: أن الآية حصرت التقوى على أصحاب هذه الصفات، والمراد: ~~المتقون من الشرك والأعمال السيئة، فإذا فعلوا وتركوا فهم المؤمنون ~~الكاملون، والجامع بين الآية والحديث: أن الأعمال مع انضمامها إلى التصديق ~~داخلة في مسمى البر، كما هي داخلة في مسمى الإيمان. # فإن قيل: ليس في المتن ذكر التصديق؟ # أجيب: بأنه ثابت في أصل هذا الحديث كما أخرجه [49/ ب] مسلم وغيره، ~~والمصنف يكثر الاستدلال بما اشتمل عليه المتن الذي يذكر أصله وإن لم يسقه ~~تاما. PageV01P229 # قوله: (قد أفلح المؤمنون) ذكره بلا أداة عطف، والحذف جائز، والتقدير: ~~وقول الله: {قد أفلح المؤمنون} [المؤمنون: 1]، وثبت المحذوف في رواية ~~الأصيلي، ويحتمل أن يكون ذكر ذلك تفسيرا لقوله المتقون، أي: المتقون هم ~~الموصوفون بقوله {قد أفلح} إلى آخرها. # وكأن المؤلف أشار إلى إمكان عد الشعب من هاتين الآيتين وشبههما، ومن ثم ~~ذكر ابن حبان أنه عد كل طاعة عدها الله في كتابه من الإيمان وكل طاعة عدها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الإيمان، وحذف المكرر، فبلغت تسعا ~~وسبعين (¬1). PageV01P230 # 9 - حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، قال: حدثنا ~~سليمان ابن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - رضي ~~الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الإيمان بضع وستون ~~شعبة، والحياء شعبة من الإيمان". # قوله: (بضع) بكسر أوله، وحكي الفتح لغة، وهو عدد مبهم مقيد بما بين ~~الثلاث إلى التسع، كما جزم به القزاز، وقال ابن سيده: إلى العشر، وقيل: من ~~واحد إلى تسعة، وقيل: من اثنين إلى عشرة، وعن الخليل: البضع: السبع. # ويرجح ما قاله القزاز ما رواه الترمذي (¬1) بسند صحيح أن قريشا قالوا ذلك ~~لأبي بكر، وكذا رواه الطبري مرفوعا (¬2). # * تنبيه: # وقع في بعض الروايات: "بضعة" بتاء التأنيث ويحتاج إلى تأويل. # قوله: (وستون) لم تختلف الطرق عن أبي عامر شيخ شيخ المؤلف في ذلك، وتابعه ~~يحيى الحماني -بكسر المهملة وتشديد الميم-، عن سليمان بن بلال، وأخرجه أبو ms103 ~~عوانة من طريق بشر بن عمر، عن سليمان بن بلال، فقال: "بضع وستون أو بضع ~~وسبعون"، وكذا وقع التردد فيه في رواية مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن ~~عبد الله بن دينار (¬3)، ورواه أصحاب السنن الثلاثة من طريقه فقالوا: "بضع ~~وسبعون" (¬4)، من غير شك، ولأبي عوانة في "صحيحه" من طريقه: "ست وسبعون أو ~~سبع وسبعون". PageV01P231 # ورجح البيهقي رواية البخاري؛ لأن سليمان لم يشك، وفيه نظر لما ذكرنا من ~~رواية بشر بن عمر عنه فتردد أيضا، لكن يرجح بأنه المتيقن وما عداه مشكوك ~~فيه، وأما رواية الترمذي (¬1) بلفظ: "أربع وستون" فمعلولة، وعلى صحتها لا ~~تخالف رواية البخاري، وترجيح رواية: "بضع وسبعون" لكونها زيادة ثقة لا ~~يستقيم؛ إذ الذي زادها لم يستمر على الجزم بها لاسيما مع اتحاد المخرج ~~[50/أ]، وبهذا تبين شفوف نظر البخاري. # قوله (شعبة) بالضم أي: قطعة، والمراد: الخصلة أو الجزء. # قوله: (والحياء) هو بالمد، وهو في اللغة: تغير وانكسار يعتري الإنسان من ~~خوف ما يعاب به، وفي الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير ~~في حق ذي الحق، ولهذا جاء في الحديث الآخر: "الحياء خير كله" (¬2). # فإن قيل: الحياء من الغرائز فكيف جعل شعبة من الإيمان؟ # أجيب: بأنه قد يكون غريزة وقد يكون تخلقا، ولكن استعماله على وفق الشرع ~~يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثا على فعل ~~الطاعة، وحاجزا عن فعل المعصية، ولا يقال: رب حياء يمنع عن قول الحق أو فعل ~~الخير؛ لأن ذلك ليس شرعيا. # فإن قيل: لم أفرده بالذكر هنا؟ # أجيب: بأنه كالداعي إلى باقي الشعب، إذ الحيي يخاف فضيحة الدنيا والآخرة ~~فيأتمر وينزجر، والله الموفق. # * فائدة: # قال القاضي عياض: تكلف جماعة حصر هذه الشعب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم PageV01P232 # بكون ذلك هو المراد صعوبة، ولا يقدح عدم معرفة ذلك على التفصيل في ~~الإيمان. انتهى # ولم يتفق من عد الشعب على نمط واحد، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان، ~~لكن لم نقف على بيانها من كلامه، وقد ms104 لخصت مما أوردوه وما أذكره، وهو أن ~~هذه الشعب تتفرع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن: # * فأعمال القلب: فيه المعتقدات والنيات، وتشتمل على أربع وعشرين خصلة: # 1 - الإيمان بالله ويدخل فيه الإيمان بذاته، وصفاته، وتوحيده بأن ليس ~~كمثله شيء، واعتقاد حدوث ما دونه. # 2 - والإيمان بملائكته. # 3 - وكتبه. # 4 - ورسله. # 5 - والقدر خيره وشره. # 6 - والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه المساءلة في القبر، والبعث، ~~والنشور، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار. # 7 - ومحبة الله. # 8 - والحب والبغض فيه. # 9 - ومحبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، واعتقاد تعظيمه، ويدخل فيه ~~الصلاة عليه، واتباع سنته. # 10 - والإخلاص، ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق. # 11 - والتوبة. # 12 - والخوف. # 13 - والرجاء. # 14 - والشكر. # 15 - والوفاء. # 16 - والصبر. # 17 - والرضا بالقضاء. # 18 - والتوكل. # 19 - والرحمة. # 20 - والتواضع، ويدخل فيه توقير الكبير ورحمة الصغير [50/ ب]. PageV01P233 # 21 - وترك التكبر (¬1) والعجب. # 22 - وترك الحسد. # 23 - وترك الحقد. # 24 - وترك الغضب. # * وأعمال اللسان: وتشتمل على سبع خصال: # 1 - التلفظ بالتوحيد. # 2 - وتلاوة القرآن. # 3 - وتعلم العلم. # 4 - وتعليمه. # 5 - والدعاء. # 6 - والذكر ويدخل فيه الاستغفار. # 7 - واجتناب اللغو. # * وأعمال البدن: وتشتمل على ثمان وثلاثين خصلة: # * منها: ما يختص بالأعيان؛ وهي خمس عشرة خصلة: # 1 - التطهر حسا وحكما، ويدخل فيه اجتناب النجاسات. # 2 - وستر العورة. # 3 - والصلاة فرضا ونفلا. # 4 - والزكاة كذلك. # 5 - وفك الرقاب. # 6 - والجود، ويدخل فيه إطعام الطعام وإكرام الضيف. # 7 - والصيام فرضا ونفلا. # 8 - والحج والعمرة كذلك. # 9 - والطواف. # 10 - والاعتكاف. # 11 - والتماس ليلة القدر. # 12 - والفرار بالدين، ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك. # 13 - والوفاء بالنذر. # 14 - والتحري في الأيمان. # 15 - وأداء الكفارات. # * ومنها: ما يتعلق بالأتباع؛ وهي ست خصال: # 1 - التعفف بالنكاح. PageV01P234 # 2 - والقيام بحقوق العيال. # 3 - وبر الوالدين، وفيه اجتناب العقوق. # 4 - وتربية الأولاد. # 5 - وصلة الرحم. # 6 - وطاعة السادة، أو الرفق بالعبيد. # * ومنها: ما يتعلق بالعامة؛ وهي سبع عشرة خصلة: # 1 - القيام بالإمرة مع العدل. # 2 - ومتابعة الجماعة. # 3 - وطاعة أولي الأمر. # 4 ms105 - والإصلاح بين الناس، ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة. # 5 - والمعاونة على البر، ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # 6 - وإقامة الحدود. # 7 - والجهاد، ومنه المرابطة. # 8 - وأداء الأمانة، ومنه أداء الخمس. # 9 - والقرض مع وفائه. # 10 - وإكرام الجار. # 11 - وحسن المعاملة، وفيه جمع المال من حله. # 12 - وإنفاق المال في حقه، وفيه ترك التبذير والإسراف. # 13 - ورد السلام. # 14 - وتشميت العاطس. # 15 - وكف الضرر عن الناس. # 16 - واجتناب اللهو. # 17 - وإماطة الأذى عن الطريق. # فهذه تسع وستون خصلة، ويمكن عدها تسعا وسبعين خصلة باعتبار أفراد ما ضم ~~بعضه إلى بعض مما ذكر، والله أعلم. # * تنبيه: # في الإسناد رواية الأقران، وهي رواية عبد الله بن دينار عن أبي صالح، ~~لأنهما تابعيان، فإن وجدت رواية أبي صالح عنه صار من المدبج، ورجاله من ~~سليمان إلى منتهاه من أهل المدينة، وقد دخلها الباقون. PageV01P235 ### || AUTO 4 - باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده # 10 - حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، ~~وإسماعيل، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ~~والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه". # قال أبو عبد الله: وقال أبو معاوية: حدثنا داود، عن عامر قال: سمعت عبد ~~الله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقال عبد الأعلى: عن داود، عن عامر، عن عبد الله، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # قوله: (باب) سقط من رواية الأصيلي، وكذا أكثر الأبواب، وهو [51/ أ] منون، ~~ويجوز فيه الإضافة إلى جملة الحديث، لكن لم تأت به الرواية. # قوله: (المسلم) استعمل لفظ الحديث ترجمة من غير تصرف فيه. # قوله: (أبي إياس) اسمه ناهيه بالنون وبين الهاءين ياء أخيرة، وقيل: اسمه ~~عبد الرحمن. # قوله: (أبي السفر) اسمه سعيد بن محمد كما تقدم. # و(إسماعيل) مجرورا بالفتحة عطفا عليه، والتقدير: كلاهما عن الشعبي. # و(عبد الله بن عمرو) هو ابن العاص صحابي ابن صحابي. ms106 # قوله: (المسلم) قيل: الألف واللام فيه للكمال، نحو: زيد الرجل؛ أي: ~~الكامل في الرجولية، وتعقب بأنه يستلزم أن من اتصف بهذا خاصة كان كاملا، أو ~~يجاب بأن المراد بذلك مع مراعاة باقي الأركان. # قال الخطابي: المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله أداء حقوق ~~المسلمين. انتهى # وإثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض في كلامهم، ويحتمل أن ~~يكون المراد بذلك: أن يبين علامة المسلم التي يستدل بها على إسلامه، وهي ~~سلامة المسلمين من لسانه ويده، كما ذكر مثله في علامة المنافق. PageV01P236 # ويحتمل أن يكون المراد بذلك: الإشارة إلى حسن معاملة العبد مع ربه؛ لأنه ~~إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يحسن معاملة ربه، من باب التنبيه بالأدنى ~~على الأعلى. # * تنبيه: # ذكر المسلمين هنا خرج مخرج الغالب، لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن ~~أخيه المسلم أشد تأكيدا؛ ولأن الكفار بصدد أن يقاتلوا وإن كان فيهم من يجب ~~الكف عنه، والإتيان بجمع التذكير للتغليب، فإن المسلمات يدخلن في ذلك. # وخص اللسان بالذكر؛ لأنه المعبر عما في النفس، وكذا اليد؛ لأن أكثر ~~الأفعال بها، والحديث عام بالنسبة إلى اللسان دون اليد؛ لأن اللسان يمكنه ~~القول في الماضين والموجودين والحادثين بعد، بخلاف اليد. # نعم؛ يمكن أن تشارك اللسان في ذلك بالكتابة، وإن أثرها في ذلك لعظيم. # وفي التعبير باللسان دون القول نكتة؛ فيدخل فيه من أخرج لسانه على سبيل ~~الاستهزاء، وفي ذكر اليد دون غيرها من الجوارح نكتة؛ ليدخل فيه اليد ~~المعنوية كالاستيلاء على حق الغير [51 / ب] بغير حق. # * فائدة: فيه من أنواع البديع تجنيس الاشتقاق وهو كثير. # قوله (والمهاجر) هذه الهجرة ضربان ظاهرة وباطنة: # فالباطنة: ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان. # والظاهرة: الفرار بالدين من الفتن. # وكان المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلوا على مجرد التحول من دارهم حتى ~~يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه، ويحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة ~~لما فتحت مكة تطييبا لقلوب من لم يدرك ذلك بأن حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ms107 ~~ما نهى الله عنه. فاشتملت هاتان الجملتان على جوامع من معاني الحكم ~~والأحكام. PageV01P237 # * تنبيه: # هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم بخلاف جميع ما تقدم من الأحاديث ~~المرفوعة، على أن مسلما أخرج معناه من وجه آخر (¬1)، وزاد ابن حبان، ~~والحاكم في "المستدرك" من حديث أنس صحيحا: "والمؤمن من أمنه الناس" (¬2)، ~~وكأنه اختصره هنا لتضمنه معناه، والله أعلم. # قوله: (وقال أبو معاوية: ثنا داود) هو ابن أبي هند، وكذا في رواية ابن عساكر. # (عن عامر). وهو الشعبي المذكور في الإسناد الموصول. # وأراد بهذا التعليق: بيان سماعه له من الصحابي، والنكتة فيه: رواية وهيب ~~بن خالد له، عن داود، عن الشعبي، عن رجل، عن عبد الله بن عمرو، حكاه ابن ~~منده (¬3)، فعلى هذا لعل الشعبي بلغه ذلك عن عبد الله ثم لقيه فسمعه منه، ~~[ونبه] (¬4) بالتعليق الآخر على أن عبد الله الذي أهمل في روايته هو عبد ~~الله بن عمرو الذي بين في رواية رفيقه. # والتعليق عن أبي معاوية وصله إسحاق بن راهويه في "مسنده" عنه، وأخرجه ابن ~~حبان في "صحيحه" من طريقه، ولفظه: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: ورب هذه ~~البنية لسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "المهاجر من هجر ~~السيئات، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده" (¬5)، فعلم أنه ما أراد إلا ~~أصل الحديث. # والمراد بالناس هنا: المسلمون كما في الحديث الموصول، فهم الناس حقيقة، ~~ويمكن حمله على عمومه على إرادة شرط وهو: "إلا بحق" [52/ أ]، وإرادة هذا ~~الشرط متعينة على كل حال، والله -سبحانه وتعالى- أعلم. PageV01P238 ### || AUTO 5 - باب: أي الإسلام أفضل # 11 - حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد القرشي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو ~~بردة ابن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى - رضي الله عنه - ~~قال: قالوا: يا رسول الله، أي الإسلام أفضل؟ قال: "من سلم المسلمون من ~~لسانه ويده". # قوله: (باب) هو منون، وفيه ما في الذي قبله. # قوله: (ثنا أبو بردة). # هو بريد بالموحدة والراء مصغر، وشيخه جده، ms108 وافقه في كنيته لا في اسمه. # و(أبو موسى) هو الأشعري. # قوله: (قالوا) رواه مسلم، والحسن بن سفيان، وأبو يعلى في مسنديهما، عن ~~سعيد ابن يحيى شيخ البخاري بإسناده هذا بلفظ: "قلنا" (¬1)، ورواه ابن منده ~~من طريق حسين بن محمد القباني أحد الحفاظ عن سعيد بن يحيى هذا بلفظ: "قلت" ~~(¬2). فتعين أن السائل أبو موسى ولا تخالف بين الروايات؛ لأنه في هذه صرح، ~~وفي رواية مسلم أراد نفسه ومن معه من الصحابة؛ إذ الراضي بالسؤال في حكم ~~السائل، وفي رواية البخاري أبهم وإياهم أراد. # وقد سأل هذا السؤال أيضا أبو ذر رواه ابن حبان (¬3)، وعمير بن قتادة رواه ~~الطبراني (¬4). # قوله: (أي الإسلام). # إن قيل: الإسلام مفرد، وشرط "أي": أن تدخل على متعدد. PageV01P239 # أجيب: بأن فيه حذفا تقديره: أي ذوي الإسلام أفضل، ويؤيده رواية مسلم: "أي ~~المسلمين أفضل" (¬1). # والجامع بين اللفظين: أن أفضلية المسلم حاصلة بهذه الخصلة، وإذا ثبت أن ~~بعض خصال المسلمين المتعلقة بالإسلام أفضل من بعض حصل مراد المصنف بقبول ~~الزيادة والنقصان، فتظهر مناسبة هذا الحديث والذي قبله لما قبلهما من تعداد ~~أمور الإيمان. إذ الإيمان والإسلام عنده مترادفان. # [فإن] (¬2) قيل: لم جرد أفضل هنا عن العمل؟ # أجيب: بأن الحذف عند العلم به جائز، والتقدير: "من غيره". # * تنبيه: # هذا الإسناد كله كوفيون، ويحيى بن سعيد المذكور اسم جده أبان بن سعيد بن ~~العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية الأموي، ونسبه المصنف قرشيا بالنسبة ~~الأعمية، يكنى أبا أيوب، وفي طبقته يحيى بن سعيد القطان، وحديثه في هذا ~~الكتاب أكثر من حديث الأموي، وليس له ابن يروي عنه يسمى سعيدا فافترقا. # وفي الكتاب ممن يقال له يحيى بن سعيد اثنان أيضا، لكن من طبقة فوق طبقة ~~هذين، وهما: يحيى بن سعيد الأنصاري السابق [52 / ب] في حديث "الأعمال" أول ~~الكتاب، ويحيى بن سعيد التيمي أبو حيان، ويمتاز عن الأنصاري بالكنية، والله ~~الموفق. PageV01P240 ### || AUTO 6 - باب: إطعام الطعام من الإسلام # 12 - حدثنا عمرو بن خالد، قال: حدثنا الليث، عن يزيد، عن أبي ms109 الخير، عن ~~عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-، أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن ~~لم تعرف". # قوله: (باب) هو منون، وفيه ما في الذي قبله. # قوله: (من الإسلام) للأصيلي: "من الإيمان"؛ أي: من خصال الإيمان، ولما ~~استدل المصنف على زيادة الإيمان ونقصانه بحديث الشعب؛ تتبع ما ورد في ~~القرآن والسنن الصحيحة من بيانها فأورده في هذه الأبواب تصريحا وتلويحا، ~~وترجم هنا بقوله: "إطعام الطعام"، ولم يقل: "أي الإسلام خير؟ " كما في الذي ~~قبله؛ إشعارا باختلاف المقامين وتعدد السؤالين كما سنقرره. # قوله: (ثنا عمرو بن خالد) هو الحراني وهو بفتح العين، وصحف من ضمها. # قوله: (الليث) هو ابن سعد، فقيه أهل مصر. # (عن يزيد) هو ابن حبيب الفقيه أيضا. # قوله: (أن رجلا) لم أعرف اسمه، وقد قيل: إنه أبو ذر. # قوله: (أي الإسلام خير؟ ) فيه ما في الذي قبله من السؤال، والتقدير: أي ~~خصال الإسلام؟ وإنما لم أختر تقدير خصال في الأول فرارا من كثرة الحذف، ~~وأيضا فتنويع التقدير يتضمن جواب من سأل. # فقال: السؤالان بمعنى واحد والجواب مختلف. # فيقال له: إذا لاحظت هذين التقديرين بان الفرق، ويمكن التوفيق بأنهما ~~متلازمان؛ إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد، والسلام لسلامة اللسان، قاله ~~الكرماني. وكأنه أراد في الغالب. ويحتمل أن يكون الجواب اختلف لاختلاف ~~السؤال عن الأفضلية، إن لوحظ بين لفظ: "أفضل" ولفظ: "خير" فرق. PageV01P241 # وقال الكرماني: الفضل: بمعنى كثرة الثواب في مقابلة القلة. والخير: بمعنى ~~النفع في مقابلة الشر، فالأول من الكمية، والثاني من الكيفية فافترقا. # واعترض بأن الفرق لا يتم إلا إذا اختص كل منهما بتلك المقولة، أما إذا ~~كان كل منهما يعقل تأتيه في الأخرى فلا، وكأنه بنى على أن لفظ "خير" اسم، ~~لا أفعل تفضيل. # وعلى تقدير اتحاد السؤالين جواب مشهور، وهو الحمل على اختلاف حال ~~السائلين أو السامعين، فيمكن أن يراد في الجواب الأول: تحذير من خشي منه ~~الإيذاء بيد أو لسان فأرشد إلى ms110 [35/ أ] الكف. وفي الثاني: ترغيب من رجي فيه ~~النفع العام بالفعل والقول فأرشد إلى ذلك. # وخص هاتين الخصلتين بالذكر لمسيس الحاجة إليهما في ذلك الوقت؛ لما كانوا ~~فيه من الجهد، ولمصلحة التأليف، ويدل على ذلك أنه -عليه الصلاة والسلام- حث ~~عليهما أول ما دخل المدينة، كما رواه الترمذي وغيره مصححا من حديث عبد الله ~~ابن سلام (¬1). # قوله: (تطعم) هو في تقدير المصدر، أي: "أن تطعم"، ومثله: "تسمع بالمعيدي" ~~(¬2)، وذكر الطعام ليدخل فيه الضيافة وغيرها. # قوله: (وتقرأ) بلفظ مضارع القراءة، بمعنى: يقول، قال أبو حاتم السجستاني: ~~تقول: اقرأ عليه السلام، ولا تقول: أقرئه السلام، فإذا كان مكتوبا، قلت: ~~أقرئه السلام؛ أي: اجعله يقرؤه. # قوله: (ومن لم تعرف) أي: لا تخص به أحدا تكبرا أو تصنعا، بل تعظيما لشعار ~~الإسلام ومراعاة لأخوة المسلم. # فإن قيل: اللفظ عام فيدخل الكافر والمنافق والفاسق؟ PageV01P242 # أجيب: بأنه خص بأدلة أخرى، أو أن النهي متأخر، وكان هذا عاما لمصلحة ~~التأليف، وأما من شك فيه فالأصل البقاء على العموم حتى يثبت الخصوص. # * تنبيهان: # الأول: أخرج مسلم من طريق عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب بهذا ~~الإسناد نظير هذا السؤال (¬1)، لكن جعل الجواب كالذي في حديث أبي موسى، ~~فادعى ابن منده فيه الاضطراب (¬2). # وأجيب: بأنهما حديثان اتحد إسنادهما، وافق أحدهما حديث أبي موسى، ~~ولثانيهما شاهد من حديث عبد الله بن سلام كما تقدم. # الثاني: هذا الإسناد كله مصريون، والذي قبله -كما ذكرنا- كوفيون، والذي ~~بعده من طريقيه بصريون، فوقع له التسلسل في الأبواب الثلاثة على الولاء، ~~وهو من اللطائف. PageV01P243 ### || AUTO 7 - باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه # 13 - حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس - رضي الله ~~عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وعن حسين المعلم، قال: حدثنا قتادة، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". # قوله: (باب من الإيمان) قال الكرماني: قدم لفظ الإيمان بخلاف أخواته، حيث ~~قال: إطعام ms111 الطعام من الإيمان، إما للاهتمام بذكره أو للحصر، كأنه قال: ~~المحبة المذكورة ليست إلا من الإيمان. # قلت: وهو توجيه حسن إلا أنه يرد عليه أن الذي بعده أليق بالاهتمام والحصر ~~معا، وهو [53/ ب] قوله: "باب حب الرسول من الإيمان"، فالظاهر أنه أراد ~~التنويع في العبارة، ويمكن أنه اهتم بذكر حب لرسول فقدمه، والله أعلم. # قوله: (يحيى) هو ابن سعيد القطان. # قوله: (وعن حسين المعلم) هو ابن ذكوان، وهو معطوف على شعبة، فالتقدير: عن ~~شعبة وحسين كلاهما عن قتادة، وإنما لم يجمعهما؛ لأن شيخه أفردهما، فأورده ~~المصنف معطوفا اختصارا؛ ولأن شعبة قال: عن قتادة، وقال حسين: حدثنا قتادة. # وأغرب بعض المتأخرين فزعم أن طريق حسين معلقة، وهو غلط، فقد رواه أبو ~~نعيم في "المستخرج" من طريق إبراهيم الحربي، عن مسدد شيخ المصنف، عن يحيي ~~القطان، عن حسين المعلم (¬1). # وأبدى الكرماني -كعادته بحسب التجويز العقلي- أن يكون تعليقا أو معطوفا ~~على قتادة، فيكون شعبة رواه عن حسين عن قتادة إلى غير ذلك مما ينفر عنه من ~~مارس شيئا من علم الإسناد، والله المستعان. PageV01P244 # * تنبيه: # المتن المساق هنا لفظ شعبة، وأما لفظ حسين من رواية مسدد التي ذكرناها ~~فهو: "لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ولجاره". وللإسماعيلي من طريق روح، عن ~~حسين: "حتى يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير". فبين المراد بالأخوة، ~~وعين جهة الحب. # وزاد مسلم في أوله عن أبي خيثمة، عن يحيى القطان: "والذي نفسي بيده" ~~(¬1). وأما طريق شعبة فصرح أحمد والنسائي في روايتهما بسماع قتادة له من ~~أنس، فانتفت تهمة تدليسه (¬2). # قوله: (لا يؤمن) أي: من يدعي الإيمان، وللمستملي: "أحدكم"، وللأصيلي: ~~"أحد"، ولابن عساكر: "عبد"، وكذا لمسلم عن أبي خيثمة (¬3). # والمراد بالنفي: كمال الإيمان، ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه ~~مستفيض في كلامهم، كقولهم: فلان ليس بإنسان. # فإن قيل: فيلزم أن يكون من حصلت له هذه الخصلة مؤمنا كاملا وإن لم يأت ~~ببقية الأركان؟ # أجيب: بأن هذا ورد مورد المبالغة، أو يستفاد من قوله: "لأخيه المسلم" ~~ملاحظة ms112 بقية صفات المسلم، وقد صرح ابن حبان من رواية ابن أبي عدي، عن حسين ~~المعلم بالمراد، ولفظه: "لا يبلغ عبد حقيقة [54/أ] الإيمان" (¬4). # ومعنى الحقيقة هنا: الكمال، ضرورة أن من لم يتصف بهذه الصفة لا يكون ~~كافرا، وبهذا يتم استدلال المصنف على أنه يتفاوت، وأن هذه الخصلة من شعب ~~الإيمان، وهي داخلة في التواضع على ما سنقرره. PageV01P245 # قوله: (يحب) بالنصب؛ لأن "حتى" جارة، و"أن" بعدها مضمرة، ولا يجوز الرفع، ~~فتكون "حتى" عاطفة، فلا يصح المعنى؛ إذ عدم الإيمان ليس سببا للمحبة. # قوله: (ما يحب لنفسه) أي: من الخير كما تقدم عن الإسماعيلي، وكذا هو عند ~~النسائي (¬1)، وكذا عند ابن منده من رواية همام عن قتادة أيضا (¬2). # و(الخير): كلمة جامعة تعم الطاعات والمباحات الدنيوية والأخروية، وتخرج ~~المنهيات؛ لأن اسم الخير لا يتناولها، والمحبة: إرادة ما يعتقده خيرا، قال ~~النووي: المحبة: الميل [إلى] (¬3) ما يوافق المحب، وقد يكون بحواسه كحسن ~~الصورة، أو بفعله إما لذاته كالفضل والكمال، وإما لإحسانه كجلب نفع أو دفع ~~ضر. انتهى ملخصا. # والمراد بالميل هنا: الاختياري دون الطبيعي والقسري، والمراد أيضا: أن ~~يحب أن يحصل لأخيه نظير ما حصل له لا عينه، سواء أكان ذلك في الأمور ~~المحسوسة أو المعنوية، وليس المراد: أن يحصل لأخيه ما حصل له مع سلبه عنه ~~ولا مع بقائه بعينه له؛ إذ قيام الجوهر أو العرض لمحلين محال. # وقال أبو الزناد بن سراج: ظاهر هذا الحديث طلب المساواة، وحقيقته تستلزم ~~التفضيل؛ لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل من غيره، فإذا أحب لأخيه مثله فقد ~~دخل في جملة المفضولين. # قلت: أقر القاضي عياض هذا، وفيه نظر؛ إذ المراد الزجر عن هذه الإرادة؛ ~~لأن المقصود الحث على التواضع، فلا يحب أن يكون أفضل من غيره، فهو مستلزم ~~للمساواة. # * فائدة: # قال الكرماني: ومن الإيمان أيضا: أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر، ~~ولم يذكره؛ لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه اكتفاء، ~~والله أعلم. PageV01P246 ### || AUTO 8 - باب: حب الرسول - صلى الله عليه ms113 وسلم - من الإيمان # 14 - حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، قال: حدثنا أبو الزناد، عن ~~الأعرج، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده". # قوله: (باب حب الرسول). # اللام فيه للعهد، والمراد: سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بقرينة قوله: "حتى أكون [54/ ب] أحب"، وإن كانت محبة جميع الرسل من ~~الإيمان، لكن الأحبية مختصة بسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # قوله: (شعيب) هو ابن أبي حمزة الحمصي، واسم أبي حمزة: دينار، وقد أكثر ~~المصنف من تخريج حديثه عن الزهري وأبي الزناد. # ووقع في "غرائب مالك" للدارقطني إدخال رجل وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن ~~بين الأعرج وأبي هريرة في هذا الحديث، وهي زيادة شاذة، فقد رواه الإسماعيلي ~~بدونها من حديث مالك ومن حديث إبراهيم بن طهمان، وروى ابن منده من طريق أبي ~~حاتم الرازي، عن أبي اليمان شيخ البخاري هذا الحديث مصرحا فيه بالتحديث في ~~جميع الإسناد (¬1)، وكذا للنسائي من طريق علي بن عياش، عن شعيب (¬2). # قوله: (والذي نفسي بيده) فيه جواز الحلف على الأمر المهم توكيدا وإن لم ~~يكن هناك مستحلف. # قوله: (يؤمن) أي: إيمانا كاملا. PageV01P247 # قوله: (أحب) هو أفعل بمعنى المفعول، وهو مع كثرته على خلاف القياس، وفصل ~~بينه وبين معموله بقوله: "إليه"؛ لأن الممتنع الفصل بأجنبي. # قوله: (من والده وولده) قدم الوالد للأكثرية؛ لأن كل أحد له والد من غير ~~عكس، وفي رواية النسائي من حديث أنس تقديم الولد على الوالد (¬1)، وذلك ~~لمزيد الشفقة، ولم تختلف الروايات في ذلك في حديث أبي هريرة هذا، وهو من ~~أفراد البخاري عن مسلم. PageV01P248 # 15 - أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن عبد العزيز بن ~~صهيب، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ح وحدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه ms114 من والده وولده والناس ~~أجمعين". # قوله: (أخبرنا يعقوب بن إبراهيم). # هو الدورقي، والتفريق بين "حدثنا" و"أنا" (¬1) لا يقول به المصنف كما ~~يأتي في العلم (¬2)، وقد وقع في رواية أبي ذر: "ثنا يعقوب". # قوله: (وحدثنا آدم) عطف الإسناد الثاني على الأول قبل أن يسوق المتن ~~فأوهم استواءهما، فإن لفظ قتادة مثل لفظ حديث أبي هريرة، لكن زاد فيه: ~~"والناس أجمعين"، ولفظ عبد العزيز مثله إلا أنه قال كما رواه ابن خزيمة في ~~"صحيحه" عن يعقوب شيخ البخاري بهذا الإسناد: "من أهله وماله"، بدل: "من ~~والده وولده"، وكذا لمسلم من طريق ابن علية (¬3)، وكذا للإسماعيلي من طريق ~~عبد الوارث بن سعيد، عن عبد العزيز ولفظه: "لا يؤمن الرجل" وهو أشمل من ~~جهة، و"أحدكم" أشمل [من جهة] (¬4)، وأشمل [55/أ] منها رواية الأصيلي: "لا ~~يؤمن أحد". # فإن قيل: فسياق عبد العزيز مغاير لسياق قتادة، وصنيع البخاري يوهم ~~اتحادهما في المعنى وليس كذلك؟ # فالجواب: أن البخاري يصنع مثل هذا نظرا إلى الحديث لا إلى خصوص ألفاظه، ~~واقتصر على سياق قتادة لموافقته لسياق حديث أبي هريرة. PageV01P249 # ورواية شعبة، عن قتادة مأمون فيها من تدليس قتادة؛ لأنه كان لا يسمع منه ~~إلا ما سمعه، وقد وقع التصريح في هذا الحديث في رواية النسائي (¬1). # وذكر الولد والوالد أدخل في المعنى؛ لأنهما أعز على العاقل من الأهل ~~والمال، بل ربما يكونان أعز من نفسه، ولهذا لم يذكر النفس أيضا في حديث أبي هريرة. # وهل تدخل الأم في لفظ الوالد؟ # إن أريد به من له الولد فنعم، أو يقال: اكتفى بذكر أحدهما كما يكتفى عن ~~أحد الضدين بالآخر، ويكون ما ذكر على سبيل التمثيل، والمراد: الأعزة، كأنه ~~قال: أحب إليه من أعزته. # وذكر "الناس" بعد "الوالد والولد" من عطف العام على الخاص، وهو كثير. # وهل تدخل النفس في عموم قوله: "والناس أجمعين"؟ # الظاهر: دخوله، وقيل: إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، وهو بعيد، وقد ~~وقع التنصيص بذكر النفس في حديث عبد الله بن هشام كما سيأتي (¬2). # والمراد بالمحبة هنا: حب ms115 الاختيار لا حب الطبع، قاله الخطابي، وقال ~~النووي: فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة والمطمئنة، فإن من رجح جانب ~~المطمئنة كان حبه للنبي - صلى الله عليه وسلم - راجحا، ومن رجح جانب ~~الأمارة كان حكمه بالعكس. # وفي كلام القاضي عياض أن ذلك شرط في صحة الإيمان؛ لأنه حمل المحبة على ~~معنى التعظيم والإجلال، وتعقبه صاحب المفهم بأن ذلك ليس مرادا هنا؛ لأن ~~اعتقاد الأعظمية ليس مستلزما للمحبة؛ إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه ~~من محبته. قال: فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل لم يكمل إيمانه، وإلى ~~هذا يوميء قول عمر الذي رواه المصنف في الأيمان والنذور من حديث عبد الله ~~بن هشام: أن عمر PageV01P250 # ابن الخطاب قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: لأنت يا رسول الله أحب إلي ~~من [كل] (¬1) شيء إلا من نفسي. فقال: "لا [55/ ب]؛ والذي نفسي بيده حتى ~~أكون أحب إليك من نفسك". فقال له عمر: فإنك الآن والله أحب إلي من نفسي. ~~فقال: "الآن يا عمر" (¬2). انتهى # فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط فإنها حاصلة لعمر قبل ذلك قطعا. # ومن علامة الحب المذكور: أن يعرض المرء على نفسه أن لو خير بين فقد غرض ~~من أغراضه أو فقد رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لو كانت ممكنة، فإن ~~كان فقدها أن لو كانت ممكنة أشد عليه من فقد شيء من أغراضه؛ فقد اتصف ~~بالأحبية المذكورة، ومن لا فلا. # وليس ذلك محصورا في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته، والذب عن ~~شريعته، وقمع مخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # وفي هذا الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر، فإن الأحبية المذكورة تعرف به، ~~وذلك أن محبوب الإنسان إما نفسه وإما غيرها، أما نفسه فإذا حقق الأمر فيه ~~فهو أن يريد دوام بقائها سالمة من الآفات، هذا هو حقيقة المطلوب، وأما غيره ~~فإذا حقق الأمر فيه فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما على وجوهه المختلفة حالا ومآلا. # فإذا تأمل النفع ms116 الحاصل له من جهة الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي ~~أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان إما بالمباشرة وإما بالسبب؛ علم أنه ~~سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، وعلم أن نفعه بذلك أعظم من ~~جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره؛ لأن ~~النفع الذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك ~~بحسب استحضار ذلك والغفلة عنه، ولا شك أن حظ الصحابة -رضي الله عنهم- من ~~هذا المعنى أتم؛ لأن هذا ثمرة المعرفة، وهم بها أعلم، والله الموفق. PageV01P251 ### || AUTO 9 - باب: حلاوة الإيمان # 16 - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، قال: حدثنا ~~أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاث ~~من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ~~وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن ~~يقذف في النار". # قوله: (باب حلاوة الإيمان) مقصود المصنف أن الحلاوة من ثمرات الإيمان, ~~ولما قدم أن محبة الرسول من الإيمان أردفه بما يوجد حلاوة ذلك. # قوله: (حدثنا محمد بن المثنى) هو أبو موسى العنزي -بفتح النون بعدها زاي-. # (قال: حدثنا عبد الوهاب) [56/أ] هو ابن عبد المجيد. # (قال: ثنا أيوب) هو ابن أبي تميمة السختياني بفتح السين المهملة على ~~الصحيح، وحكي ضمها وكسرها. # (عن أبي قلابة) بكسر القاف وبباء موحدة. # قوله: (ثلاث) هو مبتدأ والجملة الخبر، وجاز الابتداء بالنكرة؛ لأن ~~التنوين عوض المضاف إليه، فالتقدير: ثلاث خصال، ويحتمل في إعرابه غير ذلك. # قوله: (كن) أي: حصلن، فهي تامة. # وفي قوله: "حلاوة الإيمان" استعارة تخييلية، شبه رغبة المؤمن في الإيمان ~~بشيء حلو، وأثبت له لازم ذلك الشيء وأضافه إليه، وفيه تلميح إلى قصة المريض ~~والصحيح؛ لأن المريض (¬1) يجد طعم العسل مرا والصحيح يذوق حلاوته على ما هي ~~عليه، وكلما نقصت الصحة شيئا ما نقص ذوقه بقدر ذلك، فكانت هذه ms117 الاستعارة من ~~أوضح ما يقوي استدلال المصنف على الزيادة والنقص. PageV01P252 # قوله: (أحب إليه) منصوب، قال البيضاوي: المراد بالحب هنا: الحب العقلي ~~الذي هو إتيان ما يقتضي العقل السليم رجحانه وإن كان على خلاف هوى النفس، ~~كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله، ~~فإذا تأمل أن الشارع لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل، ~~والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك؛ تمرن على الائتمار بأمره بحيث يصير هواه تبعا ~~له، ويلتذ بذلك التذاذا عقليا، إذ الالتذاذ العقلي إدراك ما هو كمال وخير ~~من حيث هو كذلك، وعبر الشارع عن هذه الحالة بالحلاوة؛ لأنها أظهرت اللذات ~~المحسوسة. # قال: وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانا لكمال الإيمان؛ لأن المرء إذا ~~تأمل أن المنعم بالذات هو الله وأن لا مانح ولا مانع سواه في الحقيقة، وأن ~~ما عداه وسائط، وأن الرسول هو الذي يبين له مراد ربه؛ اقتضى ذلك أن يتوجه ~~بكليته نحوه، فلا يحب إلا ما يحب، ولا يحب من أحب إلا من أجله، وأن يتيقن ~~أن جملة ما وعد وأوعد حق تيقنا يخيل إليه الموعود كالواقع، فيحسب أن مجالس ~~الذكر رياض الجنة، وأن العود إلى الكفر إلقاء في النار. انتهى ملخصا. # وشاهد [56/ب] الحديث من القرآن قوله تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم}، ~~إلى أن قال: {أحب إليكم من الله ورسوله}، ثم هدد على ذلك وتوعد بقوله: ~~{فتربصوا} [التوبة: 24]. # * فائدة: # فيه إشارة إلى التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، فالأول من الأول، ~~والآخر من الثاني. # وقال الشيخ محيي الدين النووي: هذا حديث عظيم، أصل من الدين، ومعنى حلاوة ~~الإيمان: استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في الدين، وإيثار ذلك على أعراض ~~الدنيا، ومحبة العبد لله بفعل طاعته وترك مخالفته وكذلك الرسول، وإنما قال: ~~"مما سواهما"، ولم يقل: "ممن" ليعم من يعقل ومن لا يعقل. PageV01P253 # وقال: وفيه دليل على أنه لا بأس بهذه التثنية، وأما قوله للذي خطب فقال: ~~"ومن يعصهما": "بئس الخطيب أنت" (¬1)؛ فليس من هذا؛ لأن ms118 المراد في الخطب ~~الإيضاح، وأما هنا فالمراد الإيجاز من اللفظ ليحفظ، ويدل عليه [أن] (¬2) ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قاله في موضع آخر قال: "ومن يعصهما فلا ~~يضر إلا نفسه" (¬3). # واعترض بأن هذا الحديث إنما ورد أيضا في حديث خطبة النكاح. # وأجيب: بأن المقصود في خطبة النكاح أيضا الإيجاز فلا نقض، وثم أجوبة ~~أخرى: منها: دعوى الترجيح، فيكون خبر المنع أولى؛ لأنه عام والآخر يحتمل ~~الخصوصية، ولأنه ناقل والآخر مبني على الأصل، ولأنه قول والآخر فعل. # ورد بأن احتمال التخصيص في القول أيضا حاصل وليس فيه صيغة عموم أصلا. # ومنها: دعوى أنه من الخصائص، فيمتنع من غير النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ولا يمتنع منه؛ لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية، بخلافه هو فإن منصبه ~~لا يتطرق إليه إيهام ذلك، وإلى هذا مال ابن عبد السلام. # ومنها: دعوى التفرقة بوجه آخر: وهو أن كلامه - صلى الله عليه وسلم - هنا ~~جملة واحدة، فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مقام المضمر، وكلام الذي خطب ~~جملتان لا تكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر. # وتعقب هذا بأنه لا يلزم من كونه لا يكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر ~~أن تكره إقامة المضمر فيهما مقام الظاهر، فما وجه الرد على الخطيب مع أنه ~~هو - صلى الله عليه وسلم - جمع كما تقدم. # ويجاب: بأن قصة الخطيب -كما قلنا- ليس فيها صيغة عموم، بل هي واقعة عين، ~~فيحتمل أن يكون في ذلك المجلس من يخشى عليه توهم [57/ أ] التسوية كما تقدم. PageV01P254 # ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين حديث الباب وقصة الخطيب: أن تثنية الضمير ~~هنا للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين لا كل واحدة ~~منهما، فإنها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب الله مثلا ولا ~~يحب رسوله لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31]. فأوقع متابعته مكتنفة بين قطري محبة ~~العباد لله ومحبة الله للعباد. # وأما أمر الخطيب بالإفراد؛ فلأن كل ms119 واحد من العصيانين مستقل باستلزام ~~الغواية؛ إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في ~~الحكم، يشير إليه قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم} [النساء: 59]. فأعاد {وأطيعوا} في الرسول ولم يعده في أولي الأمر؛ ~~لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة كاستقلال الرسول. انتهى ملخصا من كلام ~~البيضاوي والطيبي. وهنا أجوبة أخرى لم أذكرها؛ لأنها [لا] (¬1) ترتضى، ~~والله أعلم. # قوله: (وأن يحب المرء) قال يحيى بن معاذ: حقيقة الحب في الله ألا يزيد ~~بالبر ولا ينقص بالجفاء. # قوله: (وأن يكره أن يعود في الكفر) زاد أبو نعيم في "المستخرج" من طريق ~~الحسن بن سفيان، عن محمد [بن] (¬2) المثنى شيخ المصنف: "بعد إذ أنقذه ~~الله"، وكذا هو في طريق أخرى للمصنف (¬3)، والإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة ~~منه ابتداء بأن يولد على الإسلام ويستمر، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى ~~نور الإيمان, كما وقع لكثير من الصحابة، وعلى الأول فيحتمل قوله: "يعود" ~~على معنى الصيرورة بخلاف الثاني فإن العود فيه على ظاهره. # فإن قيل: فلم عدى "العود" ب"في" ولم يعده ب"إلى"؟ PageV01P255 # فالجواب: أنه ضمنه معنى الاستقرار، كأنه قال: يستقر فيه، ومثله قوله ~~تعالى: {وما يكون لنا أن نعود فيها} [الأعراف: 89]. # * تنبيه: # هذا الإسناد كله بصريون، وأخرجه المصنف بعد ثلاثة أبواب من طريق شعبة، عن ~~قتادة، عن أنس (¬1)، واستدل به على فضل من أكره على الكفر فترك التقية إلى ~~أن قتل، وأخرجه من هذا الوجه في الأدب في فضل الحب في الله، ولفظ هذه ~~الرواية: "وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى [57/ب] الكفر بعد ~~إذ أنقذه الله منه" (¬2). وهي أبلغ من لفظ حديث الباب؛ لأنه سوى فيه بين ~~الأمرين، وهنا جعل الوقوع في نار الدنيا أولى من الكفر الذي أنقذه الله ~~بالخروج منه من نار الأخرى، وكذا رواه مسلم من هذا الوجه (¬3)، وصرح ~~النسائي في روايته والإسماعيلي بسماع قتادة له من أنس (¬4)، والله الموفق. # وأخرجه النسائي من طريق طلق بن حبيب، عن أنس، ms120 وزاد فيه في الخصلة الثانية ~~ذكر البغض في الله ولفظه: "وأن يحب في الله ويبغض في الله" (¬5). وقد تقدم ~~للمصنف في ترجمة: "والحب في الله والبغض في الله من الإيمان" (¬6)، وكأنه ~~أشار بذلك إلى هذه الرواية, والله أعلم. PageV01P256 ### || AUTO 10 - باب: علامة الإيمان حب الأنصار # 17 - حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني عبد الله بن عبد ~~الله بن جبر، قال: سمعت أنسا، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "آية ~~الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار". # قوله: (باب) هو منون، ولما ذكر في الحديث السابق ألا يحب إلا لله عقبة ~~بما يشير إليه من أن حب الأنصار كذلك؛ لأن محبة من يحبهم من حيث هذا الوصف ~~وهو النصرة إنما هو لله تعالى، فهم وإن دخلوا في عموم قوله: "لا يحب إلا ~~لله" لكن التنصيص بالتخصيص دليل العناية. # قوله: (حدثنا أبو الوليد) هو الطيالسي. # قوله: (جبر) بفتح الجيم وسكون الموحدة، وهو ابن عتيك الأنصاري، وهذا ~~الراوي ممن وافق اسمه اسم أبيه. # قوله: (آية الإيمان) هو بهمزة ممدوة، وياء تحتانية مفتوحة، وهاء تأنيث، ~~والإيمان مجرور بالإضافة، هذا هو المعتمد في ضبط هذه الكلمة في جميع ~~الروايات في الصحيحين والسنن والمستخرجات والمسانيد. # والآية: العلامة، كما ترجم به المصنف، ووقع في "إعراب الحديث" لأبي ~~البقاء العكبري: "إنه الإيمان" (¬1). بهمزة مكسورة ونون مشددة وهاء، ~~والإيمان مرفوع، وإعرابه: فقال: "إن" للتأكيد، و"الهاء" ضمير الشأن، ~~و"الإيمان" مبتدأ وما بعده خبر، ويكون التقدير: [إن] (¬2) الشأن الإيمان حب ~~الأنصار، وهذا تصحيف منه، ثم فيه نظر من جهة المعنى؛ لأنه يقتضي حصر ~~الإيمان في حب الأنصار وليس كذلك. PageV01P257 # فإن قيل: واللفظ المشهور أيضا يقتضي الحصر، وكذا ما أورده المصنف في ~~فضائل الأنصار من حديث البراء بن عازب: "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن" (¬1). # فالجواب عن الأول: أن العلامة كالخاصة تطرد ولا تنعكس [58/ أ]، وإن أخذ ~~من طريق المفهوم فهو مفهوم لقب لا عبرة به. # والجواب عن الثاني: أن غايته ألا يقع حب الأنصار إلا لمؤمن، وليس فيه نفي ms121 ~~الإيمان عمن لم يقع منه ذلك، بل فيه أن غير المؤمن لا يحبهم. # فإن قيل: فعلى الشق الثاني، هل يكون من أبغضهم منافقا وإن صدق وأقر؟ # فالجواب: أن ظاهر اللفظ يقتضيه؛ لكنه غير مراد، فيحمل على تقييد البغض ~~بالجهة، فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة وهي كونهم نصروا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أثر ذلك في تصديقه، فيصح أنه منافق، ويقرب هذا الحمل زيادة أبي ~~نعيم في "المستخرج" في حديث البراء: "من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض ~~الأنصار فببغضي أبغضهم" (¬2). # ويحتمل أن يقال: إن اللفظ خرج على معنى التحذير فلا يراد ظاهره، ومن ثم ~~لم يقابل الإيمان بالكفر الذي هو ضده، بل قابله بالنفاق، إشارة إلى أن ~~الترغيب والترهيب إنما خوطب به من يظهر الإيمان, أما من يظهر الكفر فلا؛ ~~لأنه مرتكب ما هو أشد من ذلك. # قوله: (الأنصار) هو جمع ناصر كأصحاب وصاحب، أو جمع نصير كأشراف وشريف. ~~واللام: للعهد؛ أي: أنصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والمراد: ~~الأوس والخزرج، وكانوا قبل ذلك يعرفون ببني قيلة -بقاف مفتوحة وياء تحتانية ~~ساكنة-، وهي الأم التي تجمع القبيلتين، فسماهم النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: الأنصار، فصار ذلك علما عليهم، وأطلق أيضا على أولادهم وحلفائهم ~~ومواليهم. # وخصوا بهذه المنقبة العظمى لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء ~~النبي PageV01P258 # - صلى الله عليه وسلم - ومن معه، والقيام بأمرهم ومواساتهم بأنفسهم ~~وأموالهم، وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك ~~موجبا لمعاداتهم جميع الفرق الموجودين من عرب وعجم، والعداوة تجر البغض؛ ~~فلهذا جاء التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم، حتى جعل ذلك آية الإيمان ~~والنفاق تنويها بعظيم فضلهم وتنبيها على كريم فعلهم، وإن كان من شاركهم ~~[58/ب] في معنى ذلك مشاركا لهم في الفضل المذكور كل بقسطه. # وقد ثبت في "صحيح مسلم" عن علي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: ~~"لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق" (¬1). وهذا جار باطراد في أعيان ~~الصحابة، لتحقق ms122 مشترك الإكرام، لما لهم من حسن الغناء في الدارين. # قال صاحب "المفهم": وأما الحروب الواقعة بينهم فإن وقع من بعضهم بغض ~~لبعض، فذاك من غير هذه الجهة، بل للأمر الطارئ الذي اقتضى المخالفة؛ ولذلك ~~لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق، وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في ~~الأحكام: للمصيب أجران، وللمخطئ أجر واحد، والله أعلم. PageV01P259 ### || AUTO 11 - باب # 18 - حدثنا ابو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أبو ~~إدريس، عائذ الله بن عبد الله، أن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -وكان ~~شهد بدرا، وهو أحد النقباء ليلة العقبة- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا، ولا ~~تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين ~~أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن ~~أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره ~~الله، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه". فبايعناه على ذلك. # قوله: (باب) كذا هو في روايتنا بلا ترجمة، وسقط من رواية الأصيلي أصلا, ~~فحديثه عنده من جملة الترجمة التي قبله، وعلى روايتنا فهو متعلق بها أيضا؛ ~~لأن الباب إذا لم يذكر له ترجمة خاصة يكون بمنزلة الفصل مما قبله مع تعلقه ~~به، كصنيع مصنفي الفقهاء. # ووجه التعلق: أنه لما ذكر الأنصار في الحديث الأول أشار في هذا إلى ~~ابتداء السبب في تلقيبهم بالأنصار؛ لأن أول ذلك كان ليلة العقبة لما ~~توافقوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عند عقبة منى في الموسم؛ كما ~~سيأتي شرح ذلك إن شاء الله تعالى في "السيرة النبوية" من هذا الكتاب، وقد ~~أخرج المصنف حديث هذا الباب في مواضع أخرى من "باب: من شهد بدرا" (¬1) , ~~لقوله فيه: "وكان شهد بدرا"، وفي "باب: وفود الأنصار" (¬2)؛ لقوله فيه: ~~"وهو أحد النقباء"، وأورده هنا لتعلقه بما قبله كما بيناه. PageV01P260 # ثم إن في متنه ما ms123 يتعلق بمباحث الإيمان من وجهين آخرين: # أحدهما: اجتناب المناهي من الإيمان كامتثال الأوامر. # وثانيهما: أنه تضمن الرد على من يقول أن مرتكب الكبيرة كافر أو مخلد في ~~النار، كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى. # قوله: (عائذ الله) هو اسم علم، وأبوه عبد الله بن عمرو الخولاني صحابي، ~~وهو من حيث الرواية تابعي كبير، وقد ذكر في الصحابة؛ لأن له رؤية، وكان ~~مولده عام حنين، والإسناد كله شاميون. # قوله: (وكان شهد بدرا) يعني: حضر الوقعة المشهورة الكائنة بالمكان ~~المعروف ببدر، وهي أول واقعة قاتل النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها ~~المشركين، وسيأتي ذكرها في [59/أ] المغازي، ويحتمل أن يكون قائل ذلك أبو ~~إدريس، فيكون متصلا إذا حمل على أنه سمع ذلك من عبادة، أو الزهري فيكون ~~منقطعا، وكذا قوله: "وهو أحد النقباء". # قوله: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) سقط قبلها من أصل الرواية ~~لفظ: "قال"، وهو خبر أن؛ # لأن قوله: "وكان" وما بعدها معترض، وقد جرت عادة كثير من أهل الحديث بحذف ~~"قال" خطأ، لكن حيث يتكرر في مثل: "قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -"، ولابد عندهم مع ذلك من النطق بها، وقد ثبت في رواية المصنف لهذا ~~الحديث بإسناده هذا في "باب: من شهد بدرا" (¬1). فلعلها سقطت هنا ممن بعده. ~~ولأحمد عن أبي اليمان بهذا الإسناد: "أن عبادة حدثه" (¬2). # قوله: (وحوله) بفتح اللام على الظرفية. # و(العصابة) بكسر العين: الجماعة من العشرة إلى الأربعين، ولا واحد لها من ~~لفظها، وقد جمعت على عصائب وعصب. PageV01P261 # قوله: (بايعوني) زاد في "باب: وفود الأنصار": "تعالوا بايعوني" (¬1)، ~~والمبايعة: عبارة عن المعاهدة، سميت بذلك تشبيها بالمعاوضة المالية، كما في ~~قوله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} ~~[التوبة 111]. # قوله: (ولا تقتلوا أولادكم) قال محمد بن إسماعيل التيمي وفيه: خص القتل ~~بالأولاد؛ لأنه قتل وقطيعة رحم، فالعناية بالنهي عنه آكد؛ ولأنه كان شائعا ~~فيهم؛ وهو وأد البنات أو قتل البنين خشية الإملاق، أو خصهم بالذكر؛ لأنهم ~~بصدد ألا ms124 يدفعوا عن أنفسهم. # قوله: (ولا تأتوا ببهتان) البهتان: الكذب الذي يبهت سامعه، وخص الأيدي ~~والأرجل بالإفتراء؛ لأن معظم الأفعال تقع بهما؛ إذ كانت هي العوامل ~~والحوامل للمباشرة والسعي، وكذا يسمون الصنائع: الأيادي، وقد يعاقب الرجل ~~بجناية قولية، فيقال: هذا مما كسبت يداك. # ويحتمل أن يكون المراد: لا تبهتوا الناس كفاحا وبعضكم يشاهد بعضا، كما ~~يقال: قلت كذا بين يدي فلان، قال الخطابي وفيه نظر لذكر الأرجل إن لم يكن ~~مقتضيا وليس بمانع. # ويحتمل أن يكون المراد بما بين الأيدي والأرجل: القلب؛ لأنه هو الذي ~~يترجم اللسان عنه؛ فلذلك نسب إليه الافتراء، فإن المعنى: لا ترموا أحدا ~~بكذب تزورونه في أنفسكم ثم تبهتون صاحبه بألسنتكم. # وقال أبو محمد بن أبي حمزة: يحتمل [59/ب] أن يكون قوله: "بين أيديكم" أي: ~~في الحال، وقوله: "وأرجلكم" أي: في المستقبل؛ لأن السعي من أفعال الأرجل. # وقال غيره: أصل هذا كان في بيعة النساء وكني بذلك، كما قاله الهروي في ~~"الغريبين" عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها، ثم لما ~~استعمل هذا اللفظ في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أولا، ~~والله أعلم. PageV01P262 # قوله: (ولا تعصوا) للإسماعيلي في: "باب: وفود الأنصار" (¬1): "ولا ~~تعصوني"، وهو مطابق للآية. # و(المعروف): ما عرف من الشارع حسنه نهيا وأمرا. # قوله: (فمن وفى منكم) أي: ثبت بالعهد، و"وفى" بالتخفيف، وفي رواية ~~بالتشديد وهما بمعنى. # قوله: (فأجره على الله) أطلق هذا على سبيل التفخيم؛ لأنه لما ذكر ~~المبايعة المقتضية لوجود العوضين أثبت ذكر الأجر في موضع أحدهما، وأفصح في ~~رواية الصنابحي عن عبادة في هذا الحديث في الصحيحين (¬2) بتعيين العوضين ~~فقال: "بالجنة". # وعبر هنا بلفظ: "على" للمبالغة في تحقق وقوعه كالواجبات، ويتعين حمله على ~~غير ظاهره للأدلة القاطعة على أنه لا يجب على الله شيء، وسيأتي في حديث ~~معاذ في حق الله على العباد (¬3) تقرير هذا. # فإن قيل: لم اقتصر على المنهيات ولم يذكر المأمورات؟ # فالجواب: أنه لم يهملها، بل ذكرها على طريق الإجمال في ms125 قوله: "ولا تعصوا ~~في معروف"؛ إذ العصيان مخالفة الأمر، والحكمة في التنصيص على كثير من ~~المنهيات دون المأمورات: أن الكف أيسر من إنشاء الفعل؛ لأن اجتناب المفاسد ~~مقدم على اجتلاب المصالح، والتخلي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل. # قوله: (ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب) زاد أحمد (¬4) في روايته: "به". PageV01P263 # قوله: (فهو) أي: العقاب. # (كفارة) زاد أحمد: "له" (¬1)، وكذا هو للمصنف من وجه آخر في باب المشيئة ~~من كتاب التوحيد، وزاد "وطهور" (¬2). # قال النووي: عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به} [النساء: 48 - 116]. فالمرتد إذا قتل على ارتداده لا يكون القتل ~~له كفارة. # قلت: وهذا بناء على أن قوله: "من ذلك شيئا" يتناول جميع ما ذكر وهو ظاهر. # وقد قيل: يحتمل أن يكون المراد ما ذكر بعد الشرك بقرينة أن المخاطب بذلك ~~المسلمون فلا يدخل حتى يحتاج إلى إخراجه، ويؤيده رواية مسلم من طريق [60/أ] ~~أبي الأشعث، عن عبادة في هذا الحديث: "ومن أتى منكم حدا" (¬3). إذ القتل ~~على الشرك لا يسمى حدا. # لكن يعكر على هذا القائل أن الفاء في قوله: "فمن" لترتيب ما بعدها على ما ~~قبلها، وخطاب المسلمين بذلك لا يمنع تحريز وقوعه منهم, وما ذكر في الحد ~~عرفي حادث، فالصواب ما قال النووي. # وقال الطيبي: المراد بالشرك: الشرك الأصغر؛ وهو الرياء، ويدل عليه تنكير ~~شيئا، أي: شركا أيا ما كان. # وتعقب: بأن عرف الشارع إذا أطلق الشرك إنما يريد به ما يقابل التوحيد، ~~وقد تكرر هذا اللفظ في الآيات والأحاديث حيث لا يراد به إلا ذلك. # ويجاب: بأن طلب الجمع يقتضي ارتكاب المجاز؛ فما قاله محتمل وإن كان ~~ضعيفا, ولكن يغلب عليه أيضا أنه عقب الإصابة بالعقوبة في الدنيا، والرياء ~~لا عقوبة فيه، فوضح أن المراد: الشرك، وأنه مخصوص. PageV01P264 # وقال القاضي عياض: ذهب أكثر العلماء إلى أن الحدود كفارات، فاستدلوا بهذا ~~الحديث، ومنهم من وقف لحديث أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم ms126 لا". لكن حديث عبادة أصح إسنادا، ~~ويمكن معنى على طريق الجمع بينهما أن يكون حديث أبي هريرة ورد أولا قبل أن ~~يعلمه الله ثم أعلمه بعد ذلك. # قلت: حديث أبي هريرة أخرجه الحاكم في "المستدرك"، والبزار من رواية معمر، ~~عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وهو صحيح على شرط الشيخين ~~(¬1)، وقد أخرجه أحمد، عن عبد الرزاق، عن معمر (¬2)، وذكر الدارقطني أن عبد ~~الرزاق تفرد بوصله، وأن هشام بن يوسف رواه عن معمر فأرسله. # قلت: وقد وصله آدم بن أبي إياس، عن ابن أبي ذئب أخرجه الحاكم (¬3) أيضا ~~فقويت رواية معمر، وإذا كان صحيحا فالجمع الذي جمع به القاضي حسن. # لكن القاضي ومن تبعه جازمون بأن حديث عبادة هذا كان بمكة ليلة العقبة، ~~بايع الأنصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيعة الأولى بمنى، وأبو ~~هريرة إنما أسلم بعد ذلك بسبع سنين عام خيبر، فكيف يكون حديثه متقدما؟ ! # وقالوا في الجواب عنه: يمكن أن يكون أبو هريرة ما سمعه من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وإنما سمعه من صحابي آخر كان سمعه من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قديما ولم [60/ب] يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ~~ذلك أن الحدود كفارة كما سمعه عبادة، وفي هذا تعسف، ويبطله أن أبا هريرة ~~صرح بسماعه، وأن الحدود لم تكن نزلت إذ ذاك. PageV01P265 # والحق عندي: أن حديث أبي هريرة صحيح وهو سابق على حديث عبادة، والمبايعة ~~المذكورة في حديث عبادة على الصفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة، وإنما نص ~~بيعة العقبة ما ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال لمن حضر من الأنصار: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون ~~منه نساءكم وأبناءكم". فبايعوه على ذلك، وعلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه، ~~وسيأتي في هذا الكتاب من حديث عبادة أيضا قال: "بايعنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره". ~~الحديث (¬1). # فهذه البيعة الأولى، ثم صدرت ms127 مبايعات أخرى ستذكر في كتاب الأحكام -إن شاء ~~الله- منها هذه البيعة، وإنما وقعت بعد فتح مكة بعد أن نزلت الآية التي في ~~الممتحنة وهي قوله تعالى: {ياأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك} ~~[الممتحنة: 12]. # ونزول هذه الآية متأخر بعد قصة الحديبية بلا خلاف، والدليل على ذلك عند ~~البخاري في كتاب الحدود من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري في حديث عبادة ~~هذا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بايعهم قرأ الآية كلها (¬2)، ~~وعنده في تفسير الممتحنة من هذا الوجه قال: "قرأ آية النساء" (¬3). # ولمسلم من طريق معمر, عن الزهري "فتلا علينا آية النساء: {أن لا يشركن ~~بالله شيئا} [الممتحنة: 12] (¬4). # وللنسائي من طريق الحارث بن فضيل، عن الزهري: أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "ألا تبايعوني على ما بايع عليه النساء: ألا تشركوا بالله ~~شيئا" الحديث (¬5). PageV01P266 # وللطبراني من وجه آخر، عن الزهري بهذا الإسناد: "بايعنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على ما بايع عليه النساء يوم فتح مكة" (¬1). # ولمسلم من طريق أبي الأشعث، عن عبادة في هذا الحديث: "أخذ علينا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كما أخذ على النساء" (¬2). فهذه أدلة صريحة في ~~أن هذه البيعة إنما صدرت بعد نزول الآية، بل بعد صدور البيعة، بل بعد فتح ~~مكة، وذلك بعد إسلام أبي هريرة بمدة. # ويؤيد هذا ما رواه ابن أبي خيثمة، عن أبيه، عن محمد بن عبد الرحمن ~~الطفاوي، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -[61/أ]: "أبايعكم على ألا تشركوا بالله شيئا" (¬3). ~~فذكر نحو حديث عبادة، ورجاله ثقات، وقد قال إسحاق بن راهويه: إذا صح ~~الإسناد إلى عمرو بن شعيب فهو كأيوب، عن نافع، عن ابن عمر. انتهى # وإذا كان عبد الله بن عمرو أحد من حضر هذه البيعة، وليس هو من الأنصار، ~~ولا ممن حصر بيعتهم بمنى، وصح تغاير البيعتين: بيعة الأنصار ليلة العقبة ~~وهي قبل الهجرة إلى المدينة، وبيعة أخرى وقعت بعد ms128 فتح مكة وشهدها عبد الله ~~بن عمرو وكان إسلامه بعد الهجرة. # وإنما حصل الالتباس من جهة أن عبادة بن الصامت حضر البيعتين معا، وكانت ~~بيعة العقبة من أجل ما يمتدح به، فكان يذكرها إذا حدث تنويها بسابقته، فلما ~~ذكر هذه البيعة التي صدرت على مثل بيعة النساء عقب ذلك توهم من لم يقف على ~~حقيقة الحال أن البيعة الأولى وقعت على ذلك. # ونظيره ما وقع في الصحيحين أيضا من طريق الصنابحي، عن عبادة قال: "إني من ~~النقباء الذين بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "بايعناه على ~~ألا نشرك بالله شيئا" (¬4). الحديث. PageV01P267 # فظاهر هذا اتحاد البيعتين, ولكن المراد على ما قدرته أن قوله: "إني من ~~النقباء الذين بايعوا -أي: ليلة العقبة- على الإيواء والنصر"، وما يتعلق ~~بذلك ثم قال: "بايعناه" إلى آخره؛ أي: في وقت آخر، ويشير إلى هذا الإتيان ~~بالواو العاطفة في قوله: "وقال: بايعناه"، وعليك برد ما أتى من الروايات ~~موهما بأن هذه البيعة كانت ليلة العقبة إلى هذا التأويل الذي نهجت طريقه ~~فيرتفع بذلك الإشكال، ولا يبقى بين حديثي أبي هريرة وعبادة تعارض، ولا وجه ~~بعد ذلك للتوقف في كون الحدود كفارة. # واعلم أن عبادة بن الصامت لم ينفرد برواية هذا المعنى، بل روى ذلك علي بن ~~أبي طالب، وهو في الترمذي وصححه الحاكم وفيه: "ومن أصاب ذنبا فعوقب به في ~~الدنيا؛ فالله أكرم من أن يثني بالعقوبة على عبده في الآخرة" (¬1). # وهو عند الطبراني (¬2) بإسناد حسن من حديث أبي تميمة الهجيمي. # ولأحمد من حديث خزيمة بن ثابت بإسناد حسن ولفظه: "من أصاب ذنبا أقيم عليه ~~حد [61/ ب] ذلك الذنب فهو كفارته" (¬3). # وللطبراني عن ابن عمر مرفوعا: "ما عوقب رجل على ذنب إلا جعله الله له ~~كفارة لما أصاب من ذلك الذنب" (¬4). وإنما أطلت في هذا الموضع؛ لأنني لم أر ~~من أزال اللبس فيه على الوجه المرضي، والله الهادي. # قوله: (فعوقب به) قال ابن التين: يريد بالقطع في السرقة، والجلد أو الرجم ~~في الزنا، قال: وأما قتل ms129 الولد فليس له عقوبة معلومة، إلا أن يريد قتل ~~النفس فكنى عنه. PageV01P268 # قلت: في رواية الصنابحي، عن عبادة في هذا الحديث: "ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق" (¬1). ولكن قوله في حديث الباب "فعوقب به" أعم من أن ~~تكون العقوبة حدا أو تعزيزا. # قال ابن التين: وحكي عن القاضي إسماعيل وغيره أن قتل القاتل إنما هو ~~إرداع لغيره، وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم؛ لأنه لم يصل إليه حق. # قلت: بل وصل إليه حق وأي حق، فإن المقتول ظلما تكفر عنه ذنوبه بالقتل، ~~كما ورد في الخبر الذي صححه ابن حبان وغيره: "إن السيف محاء للخطايا" (¬2)، ~~وعن ابن مسعود قال: "إذا جاء القتل محا كل شيء" رواه الطبراني (¬3)، وله عن ~~الحسن بن علي نحوه (¬4)، وللبزار عن عائشة مرفوعا: "لا يمر القتل بذنب إلا ~~محاه، فلولا القتل [ما] (¬5) كفرت ذنوبه" (¬6). وأي حق يصل إليه أعظم من ~~هذا, ولو كان حد القتل إنما شرع للإرداع فقط لم يشرع العفو عن القاتل. # قوله: (فهو إلى الله) قال المازري: فيه رد على الخوارج الذين يكفرون ~~بالذنوب، ورد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر بأنه تحت المشيئة، ولم يقل: لابد أن يعذبه. # وقال الطيبي: فيه إشارة إلى الكف عن الشهادة بالنار على أحد أو بالجنة ~~لأحد إلا من ورد النص فيه بعينه. PageV01P269 # قلت: أما الشق الأول فواضح، وأما الثاني: فالإشارة إليه إنما تستفاد من ~~الحمل على غير ظاهر الحديث وهو متعين. # * تنبيه: # زاد في رواية الصنابحي، عن عبادة في هذا الحديث: "ولا ننتهب" (¬1)، وهو ~~مما يتمسك به في أن هذه البيعة متأخرة؛ لأن الجهاد عند بيعة العقبة لم يكن ~~فرض، والمراد بالانتهاب: ما يقع بعد [62/أ] القتال في المغانم. # وزاد في روايته أيضا: "ولا نعصي بالجنة إن فعلنا ذلك، فإن غشينا من ذلك ~~شيئا كان قضاء ذلك إلى الله"، أخرجه المصنف في باب وفود الأنصار عن قتيبة، ~~عن الليث، ووقع عنده: "ولا نقضي" ms130 -بقاف وضاد معجمة- وهو تصحيف، وقد تكلف ~~بعض الناس في تخريجه وقال: نهاهم عن ولاية القضاء. ويبطله أن عبادة ولي ~~قضاء فلسطين زمن عمر -رضي الله عنهما-. # وقيل: إن قوله: "بالجنة" متعلق ب"نقضي"؛ أي: لا نقضي بالجنة لأحد معين. # قلت: لكن يبقى قوله: "إن فعلنا ذلك" بلا جواب، ويكتفى في ثبوت دعوى ~~التصحيف فيه رواية مسلم (¬2)، عن قتيبة -بالعين والصاد المهملتين-، وكذا ~~للإسماعيلي عن الحسن بن سفيان، ولأبي نعيم من طريق موسى بن هارون كلاهما عن ~~قتيبة، وكذا هو عند البخاري أيضا في هذا الحديث في الديات عن عبد الله بن ~~يوسف، عن الليث في معظم الروايات (¬3)، لكن عند الكشميهني بالقاف والضاد ~~أيضا وهو تصحيف كما بيناه. # وقوله: "بالجنة" إنما هو متعلق بقوله في أوله: "بايعناه"، والله أعلم. PageV01P270 ### || AUTO 12 - باب: من الدين الفرار من الفتن # 19 - حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن ~~عبد الرحمن ابن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها ~~شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن". # قوله: (باب: من الدين الفرار من الفتن) عدل المصنف عن الترجمة بالإيمان ~~مع كونه يترجم لأبواب الإيمان مراعاة للفظ الحديث، ولما كان الإيمان ~~والإسلام عنده مترادفين في عرف الشرع، وقال الله تعالى: {إن الدين عند الله ~~الإسلام} [آل عمران: 19]؛ صح إطلاق الدين في موضع الإيمان. # قوله: (حدثنا عبد الله بن مسلمة) هو القعنبي أحد رواة "الموطأ"، نسب إلى ~~جده قعنب، وهو بصري أقام بالمدينة مدة. # قوله: (عن أبيه) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي صعصعة، فسقط ~~الحارث من الرواية, واسم أبي صعصعة: عمرو بن زيد بن عوف الأنصاري ثم ~~المازني هلك، في الجاهلية، وشهد ابنه الحارث أحدا واستشهد باليمامة. # قوله: (عن أبي سعيد) اسمه سعد على الصحيح، وقيل: سنان بن مالك بن سنان، ~~استشهد أبوه بأحد، وكان هو من ms131 المكثرين، وهذا الإسناد كله مدنيون، وهو من ~~أفراد البخاري عن مسلم [62/ ب]. # قوله: (يوشك) بكسر الشين المعجمة؛ أي: يقرب. # قوله: (خير) بالنصب على الخبر، و"غنم" الاسم، وللأصيلي برفع "خير" ونصب ~~"غنما" على الخبرية، ويجوز رفعهما على الابتداء والخبر، ويقدر في "يكون" ~~ضمير الشأن. قاله ابن مالك، [لكن] (¬1) لم تجئ به الرواية. PageV01P271 # قوله: (يتبع) بتشديد التاء، ويجوز إسكانها، و"شعف" بفتح المعجمة والعين ~~المهملة جمع شعفة، كأكم وأكمة؛ وهو رءوس الجبال. # قوله: (ومواقع القطر) بالنصب عطفا على شعف؛ أي: بطون الأودية، وخصهما ~~بالذكر؛ لأنهما مظان المرعى. # قوله: (يفر بدينه) أي: بسبب دينه، و"من" ابتدائية. # قال الشيخ النووي: في الاستدلال بهذا الحديث للترجمة نظر؛ لأنه لا يلزم ~~من لفظ الحديث عد الفرار دينا، وإنما هو صيانة للدين، قال: فلعله لما رآه ~~صيانة للدين أطلق عليه اسم الدين. # قال غيره: إن أريد ب"من" كونها جنسية أو تبعيضية فالنظر متجه، وإن أريد ~~كونها ابتدائية. أي: الفرار من الفتنة منشؤه الدين؛ فلا يتجه النظر. # وهذا الحديث قد ساقه المصنف أيضا في كتاب الفتن (¬1)، وهو أليق المواضع ~~به، والكلام عليه يستوفى هناك إن شاء الله تعالى. PageV01P272 ### || AUTO 13 - باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنا أعلمكم بالله" # وأن المعرفة فعل القلب؛ لقول الله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} ~~[البقرة 225] # 20 - حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، ~~قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمرهم أمرهم من الأعمال ~~بما يطيقون، قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول: "إن أتقاكم ~~وأعلمكم بالله أنا". # قوله: (باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -) هو مضاف بلا تردد. # قوله: (أنا أعلمكم) كذا في رواية أبي ذر، وهو لفظ الحديث الذي أورده في ~~جميع طرقه، وفي رواية الأصيلي: "أعرفكم"، وكأنه مذكور بالمعنى حملا على ~~ترادفهما، وهو ظاهر هنا، وعليه عمل المصنف. # قوله: (وأن ms132 المعرفة) بفتح أن، والتقدير: باب بيان أن المعرفة، وورد ~~بكسرها، وتوجيهه ظاهر. # قوله: (لقول الله تعالى) مراده: الاستدلال بهذه الآية على أن الإيمان ~~بالقول وحده لا يتم إلا بانضمام الاعتقاد إليه، والاعتقاد فعل القلب. # وقوله: {بما كسبت قلوبكم} [البقرة: 225]، أي: بما استقر فيها، والآية وإن ~~وردت في الأيمان -بالفتح- فالاستدلال بها في الإيمان -بالكسر- واضح ~~للاشتراك في المعنى؛ إذ مدار الحقيقة فيهما على عمل القلب؛ وكأن المصنف لمح ~~بتفسير زيد بن أسلم, فإنه قال في قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم} قال: هو كقول الرجل: إن فعلت كذا فأنا [63/أ] كافر، قال: لا ~~يؤاخذه الله بذلك حتى يعقد به قلبه. PageV01P273 # فظهرت المناسبة بين الآية والحديث، وظهر وجه دخولهما في مباحث الإيمان, ~~فإن فيه دليلا على بطلان قول الكرامية: إن الإيمان قول فقط، ودليلا على ~~زيادة الإيمان ونقصانه؛ لأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أنا أعلمكم ~~بالله" ظاهر في أن العلم بالله درجات، وأن بعض الناس فيه أفضل من بعض، وأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - منه في أعلى الدرجات، والعلم بالله يتناول ما ~~بصفاته وما بأحكامه وما يتعلق بذلك، فهذا هو الإيمان حقا. # * فائدة: # قال إمام الحرمين: أجمع العلماء على وجوب معرفة الله تعالى، واختلفوا في ~~أول واجب، فقيل: المعرفة، وقيل: النظر. # وقال المقترح: لا اختلاف؛ فإن أول واجب خطابا ومقصودا المعرفة، وأول واجب ~~اشتغالا وأداء القصد إلى النظر، وفي نقل الإجماع نظر كبير ومنازعة طويلة، ~~حتى نقل جماعة الإجماع في نقيضه، واستدلوا بإطباق أهل العصر الأول على قبول ~~الإسلام ممن دخل فيه من غير تنقيب، والآثار في ذلك كثيرة جدا. # وأجاب الأولون عن ذلك بأن الكفار كانوا يذبون عن دينهم ويقاتلون عليه، ~~فرجوعهم عنه دليل على ظهور الحق لهم، ومقتضى هذا أن المعرفة المذكورة يكتفى ~~فيها بأدنى نظر بخلاف ما قرروه، ومع ذلك فقول الله تعالى: {فأقم وجهك للدين ~~حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها} [الروم: 30]. وحديث: "كل مولود يولد ~~على الفطرة" (¬1)؛ ظاهران في دفع هذه المسألة من ms133 أصلها. # وقد نقل القدوة أبو محمد بن أبي جمرة، عن أبي الوليد الباجي، عن أبي جعفر ~~السمناني -وهو من كبار الأشاعرة- أنه سمعه يقول: إن هذه المسألة من مسائل ~~المعتزلة بقيت في المذهب، والله المستعان. PageV01P274 # وقال النووي: في الآية دليل على المذهب الصحيح أن أفعال القلوب يؤاخذ بها ~~إذا استقرت، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تجاوز لأمتي عما ~~حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل" (¬1). فمحمول على ما إذا لم يستقر. # قلت: ويمكن أن يستدل لذلك من عموم قوله: "أو تعمل"؛ لأن [63/ ب] الاعتقاد ~~هو عمل القلب. # قوله: (حدثنا محمد بن سلام) هو بتخفيف اللام على الصحيح، وقال صاحب ~~"المطالع": هو بتشديدها عند الأكثر، وتعقبه النووي بأن أكثر العلماء [على] ~~(¬2) أنه بالتخفيف، وقد روي ذلك عنه نفسه، وهو أخبر بأبيه، فلعله أراد ~~بالأكثر مشايخ بلده. # قوله: (أنا عبدة) هو ابن سليمان الكوفي، وفي رواية الأصيلي: "ثنا". # قوله: (عن هشام) هو ابن عروة بن الزبير بن العوام. # قوله: (إذا أمرهم أمرهم) كذا في معظم الروايات، ووقع في بعضها: "أمرهم" ~~مرة واحدة، وعليه شرح القاضي أبو بكر ابن العربي، وهو الذي وقع في طرق هذا ~~الحديث التي وقفت عليها من طريق عبدة، وكذا من طريق ابن نمير وغيره عن هشام ~~عند أحمد (¬3)، وكذا ذكره الإسماعيلي من رواية أبي أسامة، عن هشام ولفظه: ~~"كان إذا أمر الناس بالشيء". # قالوا: والمعنى: كان إذا أمرهم بما يسهل عليهم دون ما يشق، خشية أن ~~يعجزوا عن الدوام عليه وعمل هو بنظير ما يأمرهم به من التخفيف طلبوا منه ~~التكليف بما يشق؛ لاعتقادهم احتياجهم إلى المبالغة في العمل لرفع الدرجات ~~[دونه، فيقولون: لسنا كهيئتك، فيغضب من جهة أن حصول الدرجات] (¬4) لا توجب ~~التقصير في العمل، بل PageV01P275 # توجب الازدياد شكرا للمنعم الوهاب، كما قال في الحديث الآخر: "أحب العمل ~~إلى الله أدومه" (¬1). # وعلى مقتضى ما وقع في هذه الرواية من تكرير "أمرهم" يكون المعنى: كان إذا ~~أمرهم بعمل من الأعمال أمرهم بما يطيقون الدوام ms134 عليه، ف"أمرهم" الثانية ~~جواب الشرط، و"قالوا" جواب ثان. # قوله: (كهيئتك) أي: ليس حالنا كحالك، وعبر بالهيئة تأكيدا. # * وفي هذا الحديث فوائد: # الأولى: أن الأعمال الصالحة ترقي صاحبها إلى المراتب السنية من رفع ~~الدرجات ومحو الخطيئات؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر عليهم ~~استدلالهم ولا تعليلهم من هذه الجهة، بل من الجهة الأخرى. # الثانية: أن العبد إذا بلغ الغاية في العبادة وثمراتها كان ذلك أدعى له ~~إلى المواظبة عليها، استبقاء (¬2) للنعمة واستزادة لها بالشكر عليها. # الثالثة: الوقوف عند ما حد الشارع من عزيمة ورخصة، واعتقاد أن الأخذ ~~بالأرفق الموافق للشرع أولى من الأشق المخالف له. # الرابعة: أن الأولى في العبادة القصد والملازمة لا المبالغة المفضية إلى ~~الترك، كما جاء في الحديث الآخر: "المنبت -أي: المجد في السير- لا أرضا قطع ~~ولا ظهرا أبقى" (¬3). # الخامسة: التنبيه [على] (¬4) شدة رغبة الصحابة في العبادة، وطلبهم ~~الازدياد من الخير. PageV01P276 # السادسة: [64/أ] مشروعية الغضب عند مخالفة الأمر الشرعي، والإنكار على ~~الحاذق المتأهل لفهم المعنى إذا قصر في الفهم، تحريضا له على التيقظ. # السابعة: جواز تحدث المرء بما فيه من فضل بحسب الحاجة لذلك عند الأمن من ~~المباهاة والتعاظم. # الثامنة: بيان أن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - رتبة الكمال ~~الإنساني؛ لأنه منحصر في الحكمتين العلمية والعملية، وقد أشار إلى الأولى ~~بقوله: "أعلمكم" وإلى الثانية بقوله: "أتقاكم"، ووقع عند أبي نعيم: ~~"وأعلمكم بالله لأنا" بزيادة لام التأكيد. # وهذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم، وهو من غرائب الصحيح لا أعرفه إلا ~~من هذا الوجه، فهو مشهور عن هشام، فرد مطلق من حديثه عن أبيه، عن عائشة، ~~والله أعلم. PageV01P277 ### || AUTO 14 - باب: من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان # 21 - حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس - رضي الله ~~عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة ~~الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه ms135 ~~إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله، كما يكره أن يلقى ~~في النار". # قوله: (باب من كره) يجوز فيه التنوين والإضافة، وعلى الأول "من" مبتدأ، ~~و"من الإيمان" خبره. # وقد تقدم الكلام على حديث الباب، ومطابقة الترجمة له ظاهرة مما تقدم, ~~وإسناده كلهم بصريون، وجرى المصنف على عادته في التبويب على ما يستفاد من ~~المتن. مع أنه غاير الإسناد هنا إلى أنس، و"من" في المواضع الثلاثة موصولة ~~بخلاف التي بعد "ثلاث" فإنها شرطية. PageV01P278 ### || AUTO 15 - باب: تفاضل أهل الإيمان في الأعمال # 22 - حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، ~~عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا ~~من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون ~~في نهر الحياء أو الحياة، -شك مالك- فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ~~ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية". # قال وهيب: حدثنا عمرو: "الحياة". وقال: "خردل من خير". # قوله: (باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال) "في" ظرفية، ويحتمل أن تكون ~~سببية؛ أي: التفاضل الحاصل بسبب الأعمال. # قوله: (حدثنا إسماعيل) هو ابن أبي أويس عبد الله بن عبد الله الأصبحي ~~المدني، ابن أخت مالك، وليس هو في "الموطأ"، قال الدارقطني: وهو غريب صحيح. # قوله: (يدخل) للدارقطني من طريق إسماعيل، وغيره: "يدخل الله"، وزاد من ~~طريق معن: "يدخل من يشاء في رحمته". وكذا [له] (¬1)، وللإسماعيلي من طريق ~~ابن وهب. # قوله: (مثقال حبة) بفتح الحاء، هو إشارة إلى ما لا أقل منه، قال الخطابي: ~~هو مثل ليكون عيارا في المعرفة لا في الوزن؛ لأن ما يشكل في العقول يرد إلى ~~المحسوس ليفهم، وقال إمام الحرمين: الوزن للصحف المشتملة على الأعمال، ويقع ~~وزنها على قدر أجور الأعمال، وقال غيره يجوز أن تجسد الأعراض فتوزن، وما ~~ثبت من أمور الآخرة بالشرع لا دخل للعقل فيه. PageV01P279 # والمراد ms136 بحبة الخردل هنا: ما زاد من الأعمال على أصل التوحيد، كقوله في ~~الرواية الأخرى: "أخرجوا من قال لا إله [64/ ب] إلا الله، وعمل من الخير ما ~~يزن ذرة" (¬1)، ومحل بسط هذا يقع في الكلام على حديث الشفاعة حيث ذكره ~~المصنف في كتاب الرقاق (¬2). # قوله: (في نهر الحياء) كذا في هذه الرواية بالمد، ولكريمة وغيرها بالقصر، ~~وعليه المعنى؛ لأن المراد: كل ما تحصل به الحياة، والحيا بالقصر: هو المطر، ~~وبه تحصل حياة النبات، فهو أليق بمعنى الحياة من الحياء الممدودة الذي هو ~~بمعنى: الخجل. # قوله: (الحبة) بكسر أوله، قال أبو حنيفة الدينوري: الحبة: جمع بذور ~~النبات، واحدتها: حبة بالفتح وأما الحب: فهو الحنطة والشعير، واحدتها: حبة ~~بالفتح أيضا، وإنما افترقا في الجمع. وقال أبو المعالي في "المنتهى": الحبة ~~بالكسر: بذور الصحراء مما ليس بقوت. # قوله: (وهيب) أي: ابن خالد. # (حدثنا عمرو) أي: ابن يحيى المازني المذكور. # قوله: (الحياة) بالخفض على الحكاية، ومراده: أن وهيبا وافق مالكا في ~~روايته لهذا الحديث عن عمرو بن يحيى بسنده، وجزم بقوله: "في نهر الحياة"، ~~ولم يشك كما شك مالك. # * فائدة: # أخرج مسلم (¬3) هذا الحديث من رواية مالك فأبهم الشاك وقد تفسر هنا. # قوله: (وقال: خردل من خير) هو على الحكاية أيضا، أي: وقال وهيب في ~~روايته: "مثقال حبة من خردل من خير"، فخالف مالكا أيضا في هذه الكلمة، وقد ~~ساق المؤلف PageV01P280 # حديث وهيب هذا في كتاب الرقاق (¬1)، عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب وسياقه ~~أتم من سياق مالك لكنه قال: "من خردل من إيمان" كرواية مالك، فاعترض على ~~المصنف بهذا, ولا اعتراض عليه، فإن أبا بكر بن أبي شيبة أخرج هذا الحديث في ~~"مسنده" عن عفان بن مسلم، عن وهيب فقال: "من خردل من خير"، كما علقه ~~المصنف، فتبين أنه مراده لا لفظ موسى، وقد أخرج مسلم عن أبي بكر هذا، لكن ~~لم يسق لفظه. # ووجه مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهر، وأراد بإيراده: الرد على المرجئة؛ ~~لما فيه من بيان ضرر المعاصي مع الإيمان, وعلى ms137 المعتزلة في أن المعاصي ~~موجبة للخلود. PageV01P281 # 23 - حدثنا محمد بن عبيد الله، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ~~ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل، أنه سمع أبا سعيد الخدري، يقول: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي، ~~وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب ~~وعليه قميص يجره". قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: "الدين". # قوله: (حدثنا محمد بن عبيد الله) هو أبو ثابت المدني، وأبوه بالتصغير. # قوله: (عن صالح) هو ابن كيسان، تابعي جليل. # قوله: (عن أبي أمامة بن سهل) هو ابن حنيف كما ثبت في رواية الأصيلي، وأبو ~~أمامة مختلف [65/ أ] في صحبته، ولم يصح له سماع، وإنما ذكر في الصحابة لشرف ~~الرؤية، ومن حيث الرواية يكون في الإسناد ثلاثة من التابعين، أو تابعيان ~~وصحابيان، ورجاله كلهم مدنيون كالذي قبله، والكلام على المتن يأتي في كتاب ~~التعبير، ومطابقته للترجمة ظاهر من جهة تأويل القمص بالدين، وقد ذكر أنهم ~~متفاضلون في لبسها، فدل على أنهم متفاضلون في الإيمان. # وقوله: (الثدي) بضم المثلثة وكسر الدال المهملة وتشديد الياء التحتانية، ~~جمع ثدي بفتح أوله وإسكان ثانيه والتخفيف، وهو مذكر عند معظم أهل اللغة، ~~وحكي أنه مؤنث، والمشهور أنه يطلق في الرجل والمرأة، وقيل: يختص بالمرأة، ~~وهذا الحديث رده، ولعل قائل هذا يدعي أنه أطلق في الحديث مجازا، والله ~~أعلم. PageV01P282 ### || AUTO 16 - باب: الحياء من الإيمان # 24 - حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن ~~عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على رجل من ~~الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"دعه فإن الحياء من الإيمان". # قوله: (باب) هو منون، ووجه كون الحياء من الإيمان تقدم مع بقية مباحثه في ~~باب أمور الإيمان, وفائدة إعادته هنا أنه ذكر هناك بالتبعية وهنا بالقصد مع ~~فائدة مغايرة ms138 الطريق. # قوله: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي نزيل دمشق، ورجال الإسناد ~~سواه من أهل المدينة. # (قال: أنا)، وللأصيلي: "حدثنا مالك", ولكريمة: "بن أنس"، والحديث في ~~"الموطأ" (¬1). # قوله: (عن أبيه) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب. # قوله: (مر على رجل) لمسلم من طريق معمر: "مر برجل" (¬2)، و"مر" بمعنى: ~~اجتاز، يعدى ب"على" وب"الباء"، ولم أعرف اسم هذين الرجلين الواعظ وصاحبه. # وقوله: (يعظ) أي: ينصح أو يخوف أو يذكر كذا شرحوه، والأولى أن يشرح بما ~~جاء عند المصنف في الأدب من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن ~~ابن شهاب، ولفظه: "يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنك لتستحي حتى كأنه يقول: ~~قد أضربك" (¬3). انتهى PageV01P283 # و (في) سببية، فكأن الرجل كان كثير الحياء، فكان ذلك يمنعه عن استيفاء ~~حقوقه، فعاتبه أخوه على ذلك؛ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "دعه" ~~أي: اتركه على هذا الخلق السني، ثم زاده في ذلك ترغيبا لحكمة أنه من ~~الإيمان, وإذا كان الحياء يمنع صاحبه من استيفاء حق نفسه جبر له ذلك تحصيل ~~أجر ذلك الحق، لاسيما إن كان المتروك له مستحقا. # وقال ابن قتيبة: معناه: أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع ~~الإيمان, فسمي إيمانا [65/ ب]، كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه، وحاصله: ~~أن إطلاق كونه من الإيمان مجاز، والظاهر أن الناهي ما كان يعرف أن الحياء ~~من مكملات الإيمان, فلهذا وقع التأكيد، وقد يكون التأكيد من جهة أن القضية ~~في نفسها مما يهتم به وإن لم يكن هناك منكر. PageV01P284 ### || AUTO 17 - باب: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} # 25 - حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا أبو روح الحرمي بن عمارة، قال: ~~حدثنا شعبة، عن واقد بن محمد، قال: سمعت أبي يحدث، عن ابن عمر، أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا ~~فعلوا ذلك ms139 عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله". # قوله: (باب) هو منون في الرواية, والتقدير: [هذا] (¬1) باب في تفسير قوله ~~تعالى: {فإن تابوا} [التوبة: 5]. وتجوز الإضافة؛ أي: باب تفسير قوله، وإنما ~~جعل الحديث تفسيرا للآية؛ لأن المراد بالتوبة في الآية: الرجوع عن الكفر ~~إلى التوحيد، ففسره قوله - صلى الله عليه وسلم -: "حتى يشهدوا أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله"، وبين الآية والحديث مناسبة أخرى؛ لأن ~~التخلية في الآية والعصمة في الحديث بمعنى واحد. # قوله: (حدثنا عبد الله بن محمد) زاد ابن عساكر: "المسندي"، وهو بفتح ~~النون كما مضى. (قال: حدثنا أبو روح) هو بفتح الراء. # قوله: (الحرمي) هو بفتح المهملتين، وللأصيلي: "حرمي"، وهو اسم بلفظ النسب ~~تثبت فيه الألف واللام وتحذف مثل مكي بن إبراهيم الآتي بعد. # وقال الكرماني: أبو روح كنيته، واسمه: نابت، والحرمي نسبته. كذا قال، وهو ~~خطأ من وجهين: # أحدهما: في جعله اسمه نسبته. # والثاني: في جعله اسم جده اسمه. PageV01P285 # وذلك أنه حرمي بن عمارة بن أبي حفصة، واسم أبي حفصة نابت، وكأنه أتى في ~~كلام بعضهم: "واسمه نابت"، فظن أن الضمير يعود على حرمي؛ لأنه المتحدث عنه ~~وليس كذلك، بل الضمير يعود على أبي حفصة، لأنه الأقرب، وأكد ذلك عنده وروده ~~في هذا السند: "الحرمي" بالألف واللام، وليس هو منسوبا إلى الحرم بحال؛ ~~لأنه بصري الأصل والمولد والمنشأ والمسكن والوفاة، ولم يضبط نابتا كعادته ~~فكأنه ظنه بالمثلثة كالجادة، والصحيح: أن أوله نون. # قوله: (عن واقد بن محمد) زاد الأصيلي: "يعني: ابن زيد بن عبد الله بن ~~عمر"، فهو من رواية الأبناء عن الآباء وهو كثير، لكن رواية الشخص عن أبيه ~~عن جده أقل، وواقد هنا روى عن أبيه عن جد أبيه. # وهذا الحديث غريب الإسناد تفرد بروايته شعبة عن واقد، قاله ابن حبان ~~(¬1)، وهو عن شعبة عزيز، تفرد بروايته عنه حرمي هذا وعبد الملك بن الصباح، ~~وهو عزيز [66/أ] عن حرمي، تفرد به عنه المسندي، وإبراهيم بن محمد بن عرعرة، ~~ومن ms140 جهة إبراهيم أخرجه أبو عوانة، وابن حبان (¬2)، والإسماعيلي، وغيرهم، ~~وهو غريب عن عبد الملك، تفرد به عنه أبو غسان مالك بن عبد الواحد شيخ مسلم، ~~فاتفق الشيخان على الحكم بصحته مع غرابته، وليس هو في مسند أحمد على سعته. # وقد استبعد قوم صحته بأن الحديث لو كان عند ابن عمر لما ترك أباه ينازع ~~أبا بكر في قتال مانعي الزكاة، ولو كانوا يعرفونه لما كان أبو بكر يقر عمر ~~على الاستدلال بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا: لا إله إلا الله". وينتقل عن الاستدلال بهذا النص إلى القياس؛ إذ ~~قال: "لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة" (¬3)؛ لأنها قرينتها في كتاب ~~الله. PageV01P286 # والجواب: أنه لا يلزم من كون الحديث المذكور عند ابن عمر أن يكون استحضره ~~في تلك الحالة، ولو كان مستحضرا له فقد يحتمل ألا يكون حضر المناظرة ~~المذكورة، ولا يمتنع أن يكون ذكره لهما بعد، ولم يستدل أبو بكر في قتال ~~مانعي الزكاة بالقياس فقط، بل أخذه أيضا من قوله -عليه الصلاة والسلام- في ~~الحديث الذى رواه: "إلا بحق الإسلام"، قال أبو بكر: والزكاة حق الإسلام. # ولم ينفرد ابن عمر بالحديث المذكور، بل رواه أبو هريرة أيضا بزيادة ~~الصلاة والزكاة فيه كما سيأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى- في كتاب ~~الزكاة (¬1). # وفي القصة دليل على أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة ويطلع عليها ~~آحادهم، ولهذا لا يلتفت إلى الآراء ولو قويت مع وجود سنة تخالفها , ولا ~~يقال: كيف خفي ذا على فلان، والله الموفق. # قوله: (أمرت) أي أمرني الله؛ لأنه لا آمر لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا الله، وقياسه في الصحابي إذا قال: "أمرت"، فالمعنى: أمرني رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -؛ من حيث إنهم مجتهدون، وإذا قاله التابعي ~~احتمل، والحاصل: أن [من] (¬2) اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم منه أن ~~الآمر له ذلك الرئيس. # قوله: (أن أقاتل) أي: بأن أقاتل، وحذف الجار من "أن" كثير. # قوله: (حتى يشهدوا) جعلت غاية ms141 المقاتلة وجود ما ذكر، فمقتضاه: أن من شهد ~~[66/ ب] وأقام وآتى عصم دمه ولو جحد باقي الأحكام. # والجواب: بأن الشهادة بالرسالة يتضمن التصديق بما جاء به؛ مع أن نص ~~الحديث وهو قوله: "إلا بحق الإسلام" يدخل فيه جميع ذلك. # فإن قيل: فلم لم يكتف به ونص على الصلاة والزكاة؟ PageV01P287 # فالجواب: أن ذلك لعظمهما والاهتمام بأمرهما؛ لأنهما أما العبادات البدنية ~~والمالية. # قوله: (ويقيموا الصلاة) أي: يداوموا على الإتيان بها بشروطها، من قامت ~~السوق: إذا نفقت، وقامت الحرب: إذا اشتد القتال، أو المراد بالقيام: الأداء ~~تعبيرا عن الكل بالجزء؛ إذ القيام بعض أركانها، والمراد بالصلاة: المفروض ~~منها لا جنسها، فلا تدخل سجدة التلاوة مثلا وإن صدق اسم الصلاة عليها. # وقال الشيخ محيي الدين: في هذا الحديث أن من ترك الصلاة عمدا يقتل، ثم ~~ذكر اختلاف المذاهب في ذلك. # * وسأل (¬1) الكرماني هنا عن حكم تارك الزكاة؟ # وأجاب: بأن حكمهما واحد لاشتراكهما في الغاية؛ وكأنه أراد في المقاتلة، ~~أما في القتل فلا، والفرق: أن الممتنع من إيتاء الزكاة يمكن أن تؤخذ منه ~~قهرا بخلاف الصلاة، فإن انتهى إلى نصب القتال ليمنع الزكاة قوتل، وبهذه ~~الصورة قاتل الصديق مانعي الزكاة, ولم ينقل أنه قتل أحدا منهم صبرا، وعلى ~~هذا ففي الاستدلال بهذا الحديث على قتل تارك الصلاة نظر؛ للفرق بين صيغة ~~أقاتل وأقتل، والله أعلم. # وقد أطنب ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" في الإنكار على من استدل بهذا ~~الحديث على ذلك، وقال: لا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة القتل؛ لأن ~~المقاتلة مفاعلة تستلزم وقوع القتال من الجانبين، ولا كذلك القتل. # قوله: (فإذا فعلوا ذلك) فيه التعبير بالفعل عما بعضه قول، إما على سبيل ~~التغليب، وإما على إرادة المعنى الأعم؛ إذ القول فعل اللسان. # قوله: (عصموا) أي: منعوا، والعصمة: مأخوذة من العصام، وهو الخيط الذي تشد ~~به فم القربة ليمنع سيلان الماء. # قوله: (وحسابهم على الله) أي: في أمر سرائرهم، ولفظة "على" مشعرة ~~بالإيجاب، وظاهرها غير مراد، فإما أن تكون بمعنى اللام، أو على سبيل ms142 ~~التشبيه؛ أي: هو كالواجب على الله في تحقق [67/أ] الوقوع. PageV01P288 # وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة، والحكم بما يقتضيه الظاهر، ~~والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم خلافا لمن أوجب تعلم الأدلة ~~-وقد تقدم ما فيه-. # ويؤخذ منه: ترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع، ~~وقبول توبة الكافر من كفره، من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن. # فإن قيل: مقتضى الحديث قتال كل من امتنع من التوحيد، فكيف ترك قتال مؤدي ~~الجزية والمعاهد؟ # * فالجواب من أوجه: # أحدها: دعوى النسخ، بأن يكون الإذن بأخذ الجزية والمعاهدة متأخرا عن هذه ~~الأحاديث، بدليل أنه متأخر عن قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5]. # ثانيها: أن يكون من العام الذي خص منه البعض؛ لأن المقصود من الأمر: حصول ~~المطلوب، فإذا تخلف البعض لدليل لم يقدح في العموم. # ثالثها: أن يكون من العام الذي أريد به الخاص، فيكون المراد بالناس في ~~قوله: "أقاتل الناس" أي: المشركين غير أهل الكتاب، ويدل عليه رواية النسائي ~~بلفظ: "أمرت أن أقاتل المشركين" (¬1). # فإن قيل: إذا تم هذا في أهل الجزية لم يتم في المعاهدين ولا في من منع ~~الجزية. # أجيب: بأن الممتنع في ترك المقاتلة رفعها لا تأخيرها مدة كما في الهدنة ~~ومقاتلة من امتنع من أداء الجزية بدليل الآية. # رابعها: أن يكون المراد بما ذكر من الشهادة وغيرها: التعبير عن إعلاء ~~كلمة الله وإذعان المخالفين، فيحصل في بعض بالقتل، وفي بعض بالجزية، وفي ~~بعض بالمعاهدة (¬2). # خامسها: أن يكون المراد بالقتال: هو، أو ما يقوم مقامه من جزية أو غيرها. PageV01P289 # سادسها: أن يقال: الغرض من ضرب الجزية: اضطرارهم إلى الإسلام، وسبب السبب ~~سبب، فكأنه قال: حتى يسلموا أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإسلام، وهذا حسن، ~~ويأتي فيه ما في الثالث، وهما أحسن الأجوبة، والله أعلم. PageV01P290 ### || AUTO 18 - باب: من قال: إن الإيمان هو العمل # لقول الله تعالى: {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون}. وقال عدة ~~من أهل العلم في قوله تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين (92) عما كانوا ~~يعملون}، عن قول ms143 لا إله إلا الله. وقال: {لمثل هذا فليعمل العاملون} # 26 - حدثنا أحمد بن يونس، وموسى بن إسماعيل، قالا: حدثنا إبراهيم بن سعد، ~~قال: حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: "إيمان بالله ورسوله". قيل: ثم ~~ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور". # قوله: (باب من قال) هو مضاف حتما. # قوله: (الإيمان هو العمل) مطابقة الآيات والحديث لما ترجم له بالاستدلال ~~بالمجموع على المجموع؛ لأن كل واحد منهما دال بمفرده على بعض الدعوى. # فقوله: {بما كنتم تعملون} [الأعراف: 43]. عام في الأعمال [67/ ب]، وقد ~~نقل جماعة من المفسرين هنا أن قوله: {تعملون} معناه: تؤمنون، فيكون خاصا، ~~وقوله: {عما كانوا يعملون} [الحجر: 93]. خاص بعمل اللسان على ما نقل ~~المؤلف، وقوله: {فليعمل العاملون} [الصافات: 61]. عام أيضا. # وقوله في الحديث: "إيمان بالله"، في جواب: "أي العمل أفضل؟ " ذلك على أن ~~الاعتقاد والنطق من جملة الأعمال. # فإن قيل: الحديث يدل على أن الجهاد والحج ليسا من الإيمان لما تقتضيه ثم ~~من المغايرة والترتيب. # فالجواب: أن المراد بالإيمان هنا: التصديق، وهذه حقيقته، والإيمان -كما ~~تقدم- يطلق على الأعمال البدنية؛ لأنها مكملاته. PageV01P291 # قوله (أورثتموها) أي صيرت لكم إرثا، وأطلق الإرث مجازا عن الإعطاء لتحقق ~~الاستحقاق. و"ما" في قوله: "بما" إما مصدرية؛ أي: بعملكم، وإما موصولة؛ أي: ~~بالذي كنتم تعملونه، والباء للملابسة أو للمقابلة. # فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وحديث: "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله" (¬1). # فالجواب: أن المنفي في الحديث دخولها بالعمل المجرد عن القبول، والمثبت ~~في الآية دخولها بالعمل المتقبل، والقبول إنما يحصل برحمة الله، فلم يحصل ~~الدخول إلا برحمة الله وقيل في الجواب غير ذلك كما سيأتي عند إيراد الحديث ~~المذكور. # قوله: (وقال عدة) أي: جماعة من أهل العلم، منهم أنس بن مالك، روينا حديثه ~~مرفوعا في الترمذي وغيره، وفي إسناده ضعف (¬2)، ومنهم ابن عمر، روينا حديثه ~~في التفسير للطبري والدعاء للطبراني (¬3)، ومنهم مجاهد، رويناه عنه ms144 في ~~تفسير عبد الرزاق وغيره (¬4). # قوله: (لنسألنهم. . . إلى آخره). # قال النووي: معناه عن أعمالهم كلها؛ أي: التي يتعلق بها التكليف، وتخصيص ~~ذلك بالتوحيد دعوى بلا دليل. PageV01P292 # قلت: لتخصيصهم وجه من جهة التعميم في قوله: {أجمعين} [الحجر: 92]. فيدخل ~~فيه المسلم والكافر، فإن الكافر مخاطب بالتوحيد بلا خلاف، بخلاف باقي ~~الأعمال ففيها الخلاف، فمن قال: إنهم مخاطبون يقول: إنهم مسئولون عن ~~الأعمال كلها، ومن قال: إنهم غير مخاطبين يقول إنما يسألون عن التوحيد فقط، ~~فالسؤال عن التوحيد متفق عليه، فحمل الآية عليه أولى، بخلاف الحمل [68/أ] ~~على جميع الأعمال؛ لما فيه من الاختلاف، والله أعلم. # قوله: (وقال) أي: الله -عز وجل-. {لمثل هذا} [الصافات: 61] أي: الفوز ~~العظيم، {فليعمل العاملون} أي: في الدنيا، والظاهر: أن المصنف تأولها بما ~~تأول به الآيتين المتقدمتين؛ أي: فليؤمن المؤمنون، أو يحمل العمل على ~~عمومه؛ لأن من آمن لابد أن يقبل، ومن قبل فمن حقه أن يعمل، ومن عمل لابد أن ~~ينال، فإذا وصل قال: {لمثل هذا فليعمل العاملون}. # * تنبيه: # يحتمل أن يكون قائل ذلك المؤمن الذي رأى قرينه، ويحتمل أن يكون كلامه ~~انقضى عند قوله: {الفوز العظيم} [الصافات: 60]. والذي بعده ابتداء من قول ~~الله -عز وجل-، لا حكاية عن قول المؤمن، ولعل هذا هو السر في إبهام المصنف ~~القائل، والله أعلم. # قوله: (حدثنا أحمد بن يونس) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي ~~الكوفي، نسب إلى جده. # قوله: (سئل) أبهم السائل، وهو أبو ذر الغفاري، وحديثه في العتق (¬1). # قوله: (قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد) وقع في مسند الحارث بن أبي أسامة، عن ~~إبراهيم بن سعد: "ثم جهاد"، فواخى بين الثلاثة في التنكير بخلاف ما عند ~~المصنف. # وقال الكرماني: الإيمان لا يتكرر كالحج، والجهاد قد يتكرر، فالتنوين ~~للإفراد الشخصي، والتعريف للكمال؛ إذ الجهاد لو أتى به مرة مع الاحتياج إلى ~~التكرار لما كان أفضل. PageV01P293 # وتعقب عليه بأن التنكير من جملة وجوهه: التعظيم، وهو يعطي الكمال، وبأن ~~التعريف من جملة وجوهه: العهد، وهو يعطي الإفراد الشخصي، فلا يسلم ms145 الفرق. # قلت: وقد ظهر من رواية الحارث التي ذكرتها أن التنكير والتعريف فيه من ~~تصرف الرواة؛ لأن مخرجه واحد، فالإطالة في طلب الفرق في مثل هذا غير طائلة، ~~والله الموفق. # قوله: (حج مبرور) أي: مقبول، ومنه: بر حجك، وقيل: المبرور: الذي لا ~~يخالطه إثم، وقيل: الذي لا رياء فيه. # * فائدة: # قال النووي: ذكر في هذا الحديث الجهاد بعد الإيمان, وفي حديث أبي ذر لم ~~يذكر الحج وذكر العتق (¬1)، وفي حديث ابن مسعود بدأ بالصلاة، ثم البر، ثم ~~الجهاد (¬2)، وفي الحديث المتقدم ذكر السلامة من اليد واللسان. # قال العلماء: اختلاف الأجوبة في ذلك باختلاف الأحوال واحتياج [68/ ب] ~~المخاطبين، وذكر ما لا يعلمه السائل والسامعون وترك ما علموه، ويمكن أن ~~يقال: إن لفظة "من" مرادة كما يقال: فلان أعقل الناس، والمراد: من أعقلهم، ~~ومنه حديث: "خيركم خيركم لأهله" (¬3)، ومن المعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس. # فإن قيل: لم قدم الجهاد وليس بركن على الحج وهو ركن؟ # فالجواب: أن يقال: الحج قاصر غالبا، ونفع الجهاد متعد غالبا، أو كان ذلك ~~حيث كان الجهاد فرض عين، ووقوعه فرض عين إذ ذاك متكرر، فكان أهم منه فقدم، ~~والله أعلم. PageV01P294 ### || AUTO 19 - باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل # لقوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} فإذا ~~كان على الحقيقة فهو على قوله -جل ذكره-: {إن الدين عند الله الإسلام} # 27 - حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عامر ~~بن سعد بن أبي وقاص، عن سعد - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أعطى رهطا وسعد جالس، فترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~رجلا هو أعجبهم إلي، فقلت: يا رسول الله! ما لك عن فلان، فوالله إني لأراه ~~مؤمنا. فقال: "أو مسلما". فسكت قليلا، ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي ~~فقلت: ما لك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنا. فقال: "أو مسلما". ثم غلبني ~~ما أعلم ms146 منه فعدت لمقالتي، وعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: ~~"يا سعد، إني لأعطي الرجل وغيره أعجب إلي منه، خشية أن يكبه الله في ~~النار". # رواه يونس، وصالح، ومعمر، وابن أخي الزهري، عن الزهري. # قوله: (باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة) حذف جواب قوله: "إذا" للعلم ~~به، كأنه يقول: إذا كان الإسلام كذلك لم ينتفع [به] (¬1) في الآخرة. # ومحصل ما ذكره واستدل به: أن الإسلام يطلق ويراد به: الحقيقة الشرعية، ~~وهو الذي ينفع عند الله، وعليه قوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} ~~[آل عمران: 19]، وقوله تعالى: {فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} ~~[الذاريات: 36]. # ويطلق ويراد به: الحقيقة اللغوية: وهو مجرد الإنقياد والإستسلام، ~~فالحقيقة في كلام المصنف هنا هي الشرعية. PageV01P295 # ومناسبة الحديث للترجمة ظاهرة من حيث إن المسلم يطلق على من أظهر الإسلام ~~وإن لم يعلم باطنه؛ لأنه إن لم تصدق عليه الحقيقة الشرعية فاللغوية حاصلة. # قوله: (عن سعد) هو: ابن أبي وقاص كما صرح به الإسماعيلي في روايته، وهو ~~والد عامر الراوي عنه كما وقع في الزكاة عند المصنف من رواية صالح بن كيسان ~~قال فيها: "عن عامر بن سعد، عن أبيه" (¬1)، واسم أبي وقاص: مالك، وسيأتي ~~تمام نسبه في مناقب سعد إن شاء الله تعالى. # قوله (أعطى رهطا) الرهط عدد من الرجال ثلاثة إلى عشرة، قال القزاز: وربما ~~جاوزوا ذلك قليلا، ولا واحد له من لفظه، ورهط الرجل: بنو أبيه الأدنى، ~~وقيل: قبيلته. وللإسماعيلي من طريق ابن أبي ذئب: "أنه جاءه رهط فسألوه ~~فأعطاهم فترك رجلا منهم". # قوله: (وسعد جالس) فيه تجريد. # وقوله (¬2): (هو أعجبهم إلي) فيه التفات، ولفظه في الزكاة: "أعطى رهطا ~~وأنا جالس"، فساقه بلا تجريد ولا التفات، وزاد فيه [69/أ]: "فقمت إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فساررته" (¬3)، وغفل بعضهم فعزا هذه الزيادة ~~إلى مسلم فقط، والرجل المتروك اسمه جعيل بن سراقة الضمري سماه الواقدي في ~~"المغازي". # قوله: (ما لك عن فلان) يعني: أي سبب لعدو لك عنه إلى غيره؟ ms147 ولفظ: "فلان" ~~كناية عن اسم أبهم بعد أن ذكر. # قوله: (فوالله) فيه القسم في الإخبار على سبيل التأكيد. # قوله: (لا أراه) وقع في روايتنا من طريق أبي ذر وغيره بضم الهمزة هنا وفي ~~الزكاة (¬4)، وكذا هو في رواية الإسماعيلي وغيره. PageV01P296 # وقال الشيخ محيي الدين: هو بفتحها، أي: أعلمه، ولا يجوز ضمها فيصير ~~بمعنى: أظنه؛ لأنه قال بعد ذلك: "غلبني ما أعلم منه". انتهى # ولا دلالة فيما ذكر على تعيين الفتح؛ لجواز إطلاق العلم على الظن الغالب، ~~ومنه قوله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات} [الممتحنة: 10]. # سلمنا؛ لكن لا يلزم من إطلاق العلم ألا تكون مقدماته ظنية، فيكون نظريا ~~لا يقينيا وهو الممكن هنا، وبهذا جزم صاحب "المفهم" في شرح مسلم فقال: ~~الرواية بضم الهمزة. # واستنبط منه جواز الحلف على غلبة الظن؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ما نهاه عن الحلف، كذا قاله، وفيه نظر لا يخفى؛ لأنه أقسم على وجدان الظن، ~~وهو كذلك، ولم يقسم على أن الأمر المظنون كما ظن. # قوله: (فقال: أو مسلما) هو بإسكان الواو لا بفتحها، فقيل: هي للتنويع، ~~وقال بعضهم: هي للتشريك، وأنه أمره أن يقولهما معا لأنه أحوط، ويرد هذا ~~رواية ابن الأعرابي في "معجمه" في هذا الحديث فقال: "لا تقل: مؤمن، قل: ~~مسلم"، فوضح أنها للإضراب وليس معناه الإنكار، بل المعنى: أن إطلاق المسلم ~~على من لم يخبر حاله الخبرة الباطنة أولى من إطلاق المؤمن؛ لأن الإسلام ~~معلوم بحكم الظاهر، قاله الشيخ محيي الدين ملخصا، وتعقبه الكرماني بأنه ~~يلزم منه ألا يكون الحديث دالا على ما عقد له الباب، ولا يكون لرد الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - على سعد فائدة، وهو تعقب مردود. # وقد بينا وجه المطابقة بين الحديث والترجمة قبل، ومحصل القصة: أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -[69/ب] كان يوسع العطاء لمن أظهر الإسلام تألفا، فلما ~~أعطى الرهط وهم من المؤلفة وترك جعيلا وهو من المهاجرين مع أن الجميع ~~سألوه؛ خاطبه سعد في أمره؛ لأنه كان يرى أن جعيلا أحق منهم لما ms148 اختبره منه ~~دونهم، ولهذا راجع أكثر من مرة، فأرشده النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أمرين: # أحدهما: إعلامه بالحكمة في إعطاء أولئك وحرمان جعيل مع كونه أحب إليه ممن ~~أعطى؛ لأنه لو ترك إعطاء المؤلف لم يؤمن ارتداده، فيكون من أهل النار. PageV01P297 # ثانيهما: إرشاده إلى التوقف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر ~~الظاهر. # فوضح بهذا فائدة رد الرسول - صلى الله عليه وسلم - على سعد، وأنه لا ~~يستلزم محض الإنكار عليه، بل كان أحد الجوابين على طريق المشورة بالأولى، ~~والآخر على طريق الاعتذار. # فإن قيل: كيف لم يقبل شهادة سعد لجعيل بالإيمان، ولو شهد له بالعدالة ~~لقبل، وهي تستلزم الإيمان؟ # فالجواب: أن كلام سعد لم يخرج مخرج الشهادة، وإنما خرج مخرج المدح له، ~~والتوسل في الطلب لأجله، فلهذا نوقش في لفظه، حتى ولو كان بلفظ الشهادة لما ~~استلزمت المشورة عليه بالأمر الأولى رد شهادته، بل السياق يرشد إلى أنه قبل ~~قوله فيه، بدليل أنه اعتذر إليه. # وروينا في "مسند" محمد بن هارون الروياني وغيره بإسناد صحيح إلى أبي سلام ~~الجيشاني، عن أبي ذر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: "كيف ~~[ترى] (¬1) جعيلا؟ " قال: قلت: كشكله من الناس، يعني: المهاجرين. قال: ~~"فكيف ترى فلانا؟ " قال: قلت: سيدا من سادات الناس. قال: "فجعيل خير من ملء ~~الأرض من فلان". قال: قلت: ففلان هكذا وأنت تصنع به ما تصنع؟ ! قال: "إنه ~~رأس قومه فأنا أتألفهم به". فهذه منزلة جعيل المذكور عند النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كما ترى، وظهرت بهذا الحكمة في حرمانه وإعطاء غيره، وأن ذلك ~~لمصلحة التأليف كما قررناه. # * وفي حديث الباب من الفوائد: # التفرقة بين حقيقتي الإيمان والإسلام، وترك القطع بالإيمان الكامل لمن لم ~~ينص عليه، وأما منع القطع بالجنة فلا يؤخذ من هذا صريحا وإن [70/أ] تعرض له ~~بعض الشارحين، نعم؛ هو كذلك فيمن لم يثبت فيه النص. # * وفيه الرد على غلاة المرجئة في اكتفائهم في الإيمان بنطق اللسان. # * وفيه جواز تصرف الإمام في مال المصالح ms149 وتقديم الأهم فالأهم وإن خفي وجه ~~ذلك على بعض الرعية. PageV01P298 # * وفيه جواز الشفاعة فيما يعتقد الشافع جوازه , وتنبيه الصغير للكبير على ~~ما يظن أنه ذهل عنه، ومراجعة المشفوع إليه في الأمر إذا لم يؤد إلى مفسدة. # * وفيه أن من أشير عليه بما يعتقده المشير مصلحة لا ينكر عليه، بل يبين ~~له وجه الصواب، وأن الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان، كما تقدمت الإشارة ~~إليه أن في كتاب الزكاة: "فقمت فساررته"، وقد يتعين إذا جر الإعلان إلى مفسدة. # * وفيه الاعتذار إلى الشافع إذا كانت المصلحة في ترك إجابته، وأن لا عتب ~~على الشافع إذا ردت شفاعته لذلك. # * وفيه استحباب ترك الإلحاح في السؤال، كما استنبطه المؤلف منه في ~~الزكاة، وسيأتي تقريره هناك إن شاء الله تعالى. # قوله: (إني لأعطي الرجل) حذف المفعول الثاني للتعميم؛ أي: أي عطاء كان. # قوله: (أعجب إلي) في رواية الكشميهني: "أحب"، وكذا لأكثر الرواة، ووقع ~~عند الإسماعيلي بعد قوله: "أحب إلي منه": "وما أعطيه إلا مخافة أن يكبه ~~الله" .. إلى آخره، ولأبي داود من طريق معمر: "إني أعطي رجالا وأدع من هو ~~أحب إلي منهم، لا أعطيه شيئا مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم" (¬1). # قوله: (أن يكبه) هو بفتح أوله وضم الكاف، يقال: أكب الرجل: إذا أطرق، ~~وكبه غيره: إذا قلبه، وهذا على خلاف القياس؛ لأن الفعل اللازم يتعدى ~~بالهمزة، وهذا زيدت عليه الهمزة فقصر، وقد ذكر المؤلف هذا في كتاب الزكاة ~~فقال: يقال: أكب الرجل: إذا كان فعله غير واقع على أحد، فإذا وقع الفعل ~~قلت: كبه وكببته (¬2)، وجاء نظير هذا في أحرف يسيرة منها: أنسل ريش الطائر ~~ونسلته، وأنزفت البئر ونزفتها، وحكى ابن الأعرابي في المتعدي: كبه وأكبه ~~معا، والله أعلم. PageV01P299 # قوله: (رواه يونس) يعني: ابن يزيد الأيلي، وحديثه موصول [70/ ب] في كتاب ~~"الإيمان" لعبد الرحمن بن عمر الزهري الملقب رسته بضم الراء وإسكان السين ~~المهملتين، وقبل الهاء مثناة من فوق مفتوحة، ولفظه قريب من سياق الكشميهني. # قوله: (وصالح) يعني: ابن كيسان، وحديثه موصول عند ms150 المؤلف في كتاب الزكاة ~~(¬1)، وفيه من اللطائف رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض وهم: صالح، ~~والزهري، وعامر. # * تنبيه: # ليس فيه إعادة السؤال ثانيا ولا الجواب عنه. # قوله: (ومعمر) يعني: ابن راشد، وحديثه عند أحمد بن حنبل، والحميدي ~~وغيرهما عن عبد الرزاق عنه، وقال فيه "إنه أعاد السؤال ثلاثا" (¬2). # ورواه مسلم (¬3)، عن محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن ~~الزهري، ووقع في إسناده وهم منه أو من شيخه؛ لأن معظم الروايات في الجوامع ~~والمسانيد عن ابن عيينة، عن معمر، عن الزهري بزيادة معمر بينهما، وكذا حدث ~~به ابن [أبي] (¬4) عمر شيخ مسلم في "مسنده" عن ابن عيينة، وكذلك أخرج أبو ~~نعيم في "مستخرجه" من طريقه، وزعم أبو مسعود في "الأطراف" أن الوهم من ابن ~~أبي عمر، وهو محتمل لأن يكون الوهم صدر منه لما حدث به مسلما، لكن لم يتعين ~~الوهم في جهته. # وحمله الشيخ محيي الدين على أن ابن عيينة حدث به مرة بإسقاط معمر ومرة ~~بإثباته، وفيه بعد؛ لأن الروايات قد تضافرت عن ابن عيينة بإثبات معمر، ولم ~~يوجد بإسقاطه إلا عند مسلم، والموجود في مسند شيخه بلا إسقاط كما قدمناه، ~~وقد أوضحت ذلك بدلائله في كتابي "تغليق التعليق". PageV01P300 # وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر من الزيادة: "قال الزهري: فنرى أن الإسلام ~~الكلمة، والإيمان العمل". # وقد استشكل هذا بالنظر إلى حديث سؤال جبريل فإن ظاهره مخالفه، ويمكن أن ~~يكون مراد الزهري: أن المرء يحكم بإسلامه ويسمى مسلما إذا تلفظ بالكلمة؛ ~~أي: كلمة الشهادة، وأنه لا يسمى مؤمنا إلا بالعمل، وهو يشمل عمل القلب ~~والجوارح، وعمل الجوارح يدل على صدقه، وأما الإسلام المذكور في حديث جبريل ~~فهو الشرعي المراد بقوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} ~~[آل عمران: 85]. # قوله: (وابن أخي الزهري، عن الزهري) يعني: أن الأربعة المذكورين رووا هذا ~~الحديث عن الزهري بإسناده كما رواه شعيب عنه، وحديث ابن أخي الزهري عند ~~مسلم وساق فيه السؤال والجواب [71 / أ] ثلاث مرات، ms151 وقال في آخره: "خشية أن ~~يكب" (¬1) على البناء للمفعول. # وفي رواية ابن أخي الزهري لطيفة وهي رواية أربعة من بني زهرة: هو، وعمه، ~~وعامر، وأبوه على الولاء. PageV01P301 ### || AUTO 20 - باب: السلام من الإسلام # وقال عمار: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام ~~للعالم، والإنفاق من الإقتار. # 28 - حدثنا قتيبة, قال: حدثنا الليث, عن يزيد بن أبي حبيب, عن أبي الخير, ~~عن عبد الله بن عمرو, أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي ~~الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف". # قوله: (باب) هو منون. # وقوله: (السلام من الإسلام) زاد في رواية كريمة: "إفشاء السلام"، والمراد ~~بالإفشاء: نشره سرا أو جهرا، وهو مطابق للمرفوع في قوله: "على من عرفت ومن ~~لم تعرف". وبيان كونه من الإسلام تقدم في "باب: إطعام الطعام" (¬1) مع بقية ~~فوائده. # وغاير المصنف بين شيخيه اللذين حدثاه عن الليث مراعاة للإتيان بالفائدة ~~الإسنادية، وهي تكثير الطرق حيث يحتاج إلى إعادة المتن، فإنه لا يعيد ~~الحديث الواحد في موضعين على صورة واحدة. # فإن قيل: كان يمكنه أن يجمع الحكمين في ترجمة واحدة ويخرج الحديث عن ~~شيخيه معا. # أجاب الكرماني: باحتمال أن يكون كل من شيخيه أورده في معرض غير المعرض ~~الآخر، وهذا ليس بطائل؛ لأنه يبقى السؤال بحاله؛ إذ لا يمتنع معه أن ~~يجمعهما المصنف ولو كان سمعهما مفترقين. # والظاهر من صنيع البخاري أنه يقصد تعديد شعب الإيمان كما قدمناه, فخص كل PageV01P302 # شعبة بباب تنويها بذكرها، وقصد التنويه يحتاج إلى التأكيد، فلذلك غاير ~~بين الترجمتين. # قوله: (وقال عمار) هو ابن ياسر أحد السابقين الأولين، وأثره هذا أخرجه ~~أحمد ابن حنبل في كتاب "الإيمان" من طريق سفيان الثوري (¬1). # ورواه يعقوب بن شيبة في "مسنده" من طريق شعبة، وزهير بن معاوية وغيرهما ~~كلهم عن أبي إسحاق السبيعي، عن صلة بن زفر، عن عمار، ولفظ شعبة: "ثلاث من ~~كن فيه فقد استكمل الإيمان" (¬2). وهو بالمعنى، وهكذا رويناه في "جامع ~~معمر" ms152 عن أبي إسحاق، وكذا حدث به عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر (¬3). # وحدث به عبد الرزاق بأخرة فرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، كذا ~~أخرجه البزار في "مسنده" (¬4)، وابن أبي حاتم في "العلل" (¬5) كلاهما عن ~~الحسن بن عبد الله الكوفي، وكذا رواه البغوي في "شرح السنة"، من طريق أحمد ~~بن كعب الواسطي، وكذا أخرجه ابن الأعرابي في "معجمه". عن محمد بن الصباح ~~الصنعاني ثلاثتهم عن عبد الرزاق مرفوعا، واستغربه البزار. وقال أبو زرعة: ~~هو خطأ. # قلت: وهو معلول من حيث [71 / ب] صناعة الإسناد؛ لأن عبد الرزاق تغير ~~بأخرة، وسماع هؤلاء منه في حال تغيره، إلا أن مثله لا يقال بالرأي، فهو في ~~حكم المرفوع، وقد رويناه مرفوعا من وجه آخر عن عمار، أخرجه الطبراني في ~~"الكبير" (¬6)، وفي إسناده ضعف، وله شواهد أخرى بينتها في "تغليق التعليق". PageV01P303 # قوله: (ثلاث) أي: خصال ثلاث، وإعرابه نظير ما مر في قوله: "ثلاث من كن فيه". # و(العالم) بفتح اللام، والمراد به هنا: جميع الناس. # و(الإقتار): القلة. # قال أبو الزناد بن سراج وغيره: إنما كان من جمع الثلاث مستكملا للإيمان؛ ~~لأن مداره عليها؛ لأن العبد إذا اتصف بالإنصاف لم يترك لمولاه حقا واجبا ~~عليه إلا أداه، ولم يترك شيئا مما نهاه عنه إلا اجتنبه، وهذا يجمع أركان ~~الإيمان، وبذل السلام يتضمن مكارم الأخلاق والتواضع وعدم الإحتقار، ويحصل ~~به التآلف والتحابب، والإنفاق من الإقتار يتضمن غاية الكرم؛ لأنه إذا أنفق ~~مع الاحتياج كان مع التوسع أكثر إنفاقا، والنفقة أعم من أن تكون على العيال ~~واجبة أو مندوبة، أو على الضيف والزائر، وكونه من الإقتار يستلزم الوثوق ~~بالله والزهد في الدنيا، وقصر الأمل، وغير ذلك من مهمات الآخرة. # وهذا التقرير يقوي أن يكون الحديث مرفوعا؛ لأنه يشبه أن يكون كلام من ~~أوتي إليه جوامع الكلم، والله أعلم. PageV01P304 ### || AUTO 21 - باب: كفران العشير، وكفر دون كفر # فيه عن أبو سعيد الخدري، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - # 29 - حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد ms153 بن أسلم، عن عطاء بن ~~يسار، عن ابن عباس، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أريت النار ~~فإذا أكثر أهلها النساء بكفرهن". قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير، ~~ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت ~~منك خيرا قط". # قوله: (باب: كفران العشير، وكفر دون كفر). # قال القاضي أبو بكر [بن] (¬1) العربي في شرحه: مراد المصنف أن يبين أن ~~الطاعات كما تسمى إيمانا كذلك المعاصي تسمى كفرا، لكن حيث يطلق عليها الكفر ~~لا يراد به الكفر المخرج من الملة. قال: وخص كفران العشير من بين أنواع ~~الذنوب لدقيقة بديعة، وهي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لو أمرت أحدا أن ~~يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" (¬2)، فقرن حق الزوج على الزوجة ~~بحق الله فإذا كفرت المرأة حق زوجها وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية كان ~~ذلك دليلا على تهاونها بحق الله, فلذلك أطلق عليها الكفر، لكنه كفر لا يخرج ~~عن الملة. # وأما قول المصنف: "وكفر دون كفر" فأشار بذلك إلى أثر رواه أحمد في كتاب ~~"الإيمان" من طريق عطاء بن أبي رباح وغيره (¬3). PageV01P305 # وقوله: (فيه أبو سعيد) [72 / أ]؛ أي: يدخل في الباب حديث رواه أبو سعيد، ~~وفي رواية كريمة: "فيه عن أبي سعيد"، أي: مروي عن أبي سعيد. # وفائدة هذا: الإشارة إلى أن للحديث طريقا غير الطريق المساقة، وحديث أبي ~~سعيد أخرجه المؤلف في الحيض وغيره من طريق عياض بن عبد الله عنه، وفيه قوله ~~- صلى الله عليه وسلم - للنساء: "تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار"، فقلن: ~~وبم يا رسول الله؟ قال: "تكثرن اللعن وتكفرن العشير". الحديث (¬1). # ويحتمل أن يريد بذلك: حديث أبي سعيد أيضا: "لا يشكر الله من لا يشكر ~~الناس" (¬2)، قاله القاضي أبو بكر المذكور. والأول أظهر وأجرى على مألوف ~~المصنف، ويعضده إيراده لحديث ابن عباس بلفظ: "ويكفرن العشير". # والعشير: الزوج، قيل له: عشير، بمعنى: معاشر، مثل: أكيل، بمعنى: مؤاكل، ~~وحديث ابن عباس المذكور طرف من حديث طويل أورده ms154 المصنف في باب صلاة الكسوف ~~بهذا الإسناد تاما (¬3)، وسيأتي الكلام عليه ثم. # * وننبه هنا على فائدتين: # إحداهما: أن البخارى يذهب إلى جواز تقطيع الحديث إذا كان ما يفصله منه لا ~~يتعلق بما قبله ولا بما بعده تعلقا يفضي إلى فساد المعنى، فصنيعه لذلك يوهم ~~من لا يحفظ الحديث أن المختصر غير التام، لاسيما إذا كان ابتداء المختصر من ~~أثناء التام، كما وقع في هذا الحديث، فإن أوله هنا قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أريت النار" إلى آخر ما ذكر منه، وأول التام عن ابن عباس قال: ~~"خسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، فذكر قصة PageV01P306 # صلاة الكسوف، ثم خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيها القدر المذكور هنا. # فمن أراد عد الأحاديث التي اشتمل عليها الكتاب يظن أن هذا الحديث حديثان ~~أو أكثر لاختلاف الابتداء، وقد وقع في ذلك من حكى أن عدته بغير تكرار أربعة ~~آلاف أو نحوها كابن الصلاح والشيخ محيي الدين ومن بعدهما، وليس الأمر كذلك، ~~بل عدته على التحرير ألفا حديث وخمسمائة حديث وثلاثة عشر حديثا كما بينت ~~ذلك مفصلا في مقدمة الشرح الكبير. # الفائدة الثانية: تقرر أن البخاري لا يعيد الحديث [72 / ب] إلا لفائدة، ~~لكن تارة يكون في المتن، وتارة يكون في الإسناد، وتارة فيهما، وحيث تكون في ~~المتن خاصة لا يعيده بصورته بل يتصرف فيه، فإن كثرت طرقه أورد لكل باب ~~طريقا، وإن قلت اختصر المتن أو الإسناد، وقد وقع ذلك في هذا الحديث، فإنه ~~أورده هنا عن عبد الله بن مسلمة -وهو القعنبي- مختصرا مقتصرا على مقصود ~~الترجمة كما تقدمت الإشارة إليه من أن الكفر يطلق على بعض المعاصي، ثم ~~أورده في الصلاة في باب من صلى وقدامه نار بهذا الإسناد بعينه (¬1)، لكنه ~~لما لم يغاير اقتصر على مقصود الترجمة منه فقط، ثم أورده في صلاة الكسوف ~~بهذا الإسناد فساقه تاما (¬2)، ثم أورده في بدء الخلق في ذكر الشمس والقمر ~~عن شيخ غير القعنبي مقتصرا على موضع الحاجة (¬3)، ثم أورده ms155 في عشرة النساء ~~عن شيخ غيرهما عن مالك أيضا (¬4)، وعلى هذه الطريقة يحمل جميع تصرفه، فلا ~~يوجد في كتابه حديث على صورة واحدة في موضعين فصاعدا، والله الموفق. # وسيأتي الكلام على ما تضمنه حديث الباب من الفوائد حيث ذكره تاما إن شاء ~~الله تعالى. PageV01P307 ### || AUTO 22 - باب: المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك # لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنك امرؤ فيك جاهلية" # وقول الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء} {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} فسماهم المؤمنين # 30 - حدثنا عبد الرحمن بن المبارك: حدثنا حماد بن زيد: حدثنا أيوب، ~~ويونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، قال: ذهبت لأنصر هذا الرجل، فلقيني أبو ~~بكرة فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل. قال: ارجع فإني سمعت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل ~~والمقتول في النار". قلت: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: ~~"إنه كان حريصا على قتل صاحبه". # 31 - حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا شعبة، عن واصل، عن المعرور، قال: ~~لقيت أبا ذر بالربذة، وعليه حلة، وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ~~ساببت رجلا، فعيرته بأمه، فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا ~~ذر، أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت ~~أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا ~~تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم". # قوله: (باب) هو منون، وقوله: (المعاصي) مبتدأ، و (من أمر الجاهلية) خبره، ~~والجاهلية: ما قبل الإسلام. # وقوله: (ولا يكفر) بتشديد الفاء المفتوحة، وفي رواية أبي الوقت بفتح أوله ~~وإسكان الكاف. PageV01P308 # وقوله: (إلا بالشرك) أي: أن كل معصية توجد من ترك واجب أو فعل محرم فهي ~~من أخلاق الجاهلية، والشرك أكبر المعاصي، ولهذا استثناه. # ومحصل الترجمة: أنه لما قدم أن المعاصي يطلق عليها الكفر مجازا على إرادة ~~كفر النعمة ms156 لا كفر الجحد أراد أن يبين أنه كفر لا يخرج عن الملة، خلافا ~~للخوارج الذين يكفرون بالذنوب، ونص القرآن يرد عليهم، وهو قوله تعالى: ~~{ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48 , 116]. فصير ما دون الشرك تحت ~~إمكان المغفرة، والمراد بالشرك في هذه الآية: الكفر؛ لأن من جحد نبوة محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - مثلا كان كافرا ولو لم يجعل مع الله إلها آخر، ~~والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف، وقد يرد الشرك ويراد به ما هو أخص [73 / أ] ~~من الكفر، كما في قوله تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين} [البينة: 1]. # واستدل المؤلف أيضا على أن المؤمن إذا ارتكب معصية لا يكفر بأن الله أبقى ~~عليه اسم الإيمان، فقال: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} [الحجرات: 9]، ~~ثم: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 10]. # واستدل أيضا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا التقى المسلمان ~~بسيفيهما"، فسماهما مسلمين مع التوعد بالنار، والمراد هنا: إذا كانت ~~المقاتلة بغير تأويل سائغ. # واستدل أيضا بقوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر: "فيك جاهلية"، أي: ~~خصلة جاهلية، مع أن منزلة أبي ذر من الإيمان في الذروة العالية، وإنما وبخه ~~بذلك على عظيم منزلته عنده تحذيرا له عن معاودة مثل ذلك؛ لأنه وإن كان ~~معذورا بوجه من وجوه العذر لكن وقوع ذلك من مثله يستعظم أكثر ممن هو دونه. # وقد وضح بهذا وجه دخول الحديثين تحت الترجمة، وهذا على مقتضى هذه الرواية ~~رواية أبي ذر عن مشايخه، لكن سقط حديث أبي بكرة من رواية المستملي، وأما ~~رواية الأصيلي وغيره فأفرد فيها حديث أبي بكرة بترجمة: {وإن طائفتان من ~~المؤمنين} [الحجرات: 9] , وكل من الروايتين جمعا وتفريقا حسن. # والطائفة: القطعة من الشيء، يطلق على الواحد فما فوقه عند الجمهور. PageV01P309 # وأما اشتراط حضور أربعة في رجم الزاني مع قوله تعالى: {وليشهد عذابهما ~~طائفة} [النور: 2]، فالآية واردة في الجلد ولا اشتراط فيه، والاشتراط في ~~الرجم بدليل آخر. # وأما اشتراط ثلاثة في صلاة الخوف مع قوله تعالى: {فلتقم طائفة ms157 منهم معك} ~~[النساء: 102]، فذلك لقوله تعالى: {وليأخذوا أسلحتهم} [النساء: 102]. فذكره ~~بلفظ الجمع وأقله ثلاثة على الصحيح. # قوله: (حدثنا أيوب) هو السختياني. # و(يونس) هو ابن عبيد. # (عن الحسن) هو ابن أبي الحسن البصري. # و(الأحنف بن قيس) مخضرم، وقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن قبل ~~إسلامه، وكان رئيس بني تميم في الإسلام، وبه يضرب المثل في الحلم. # وقوله: (ذهبت لأنصر هذا الرجل) يعني: عليا، كذا هو في مسلم من هذا الوجه ~~(¬1)، وقد أشار إليه المؤلف في الفتن، ولفظه: "أريد نصرة ابن عم رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -" (¬2)، زاد الإسماعيلي في روايته: "يعني: عليا". # و(أبو بكرة) بإسكان الكاف هو الصحابي المشهور، وكان الأحنف أراد أن يخرج ~~بقومه إلى علي بن أبي طالب ليقاتل معه يوم الجمل فنهاه أبو بكرة فرجع، وحمل ~~أبو بكرة الحديث على عمومه في كل مسلمين التقيا بسيفيهما حسما للمادة، وإلا ~~فالحق أنه محمول على ما إذا كان القتال منهما بغير تأويل سائغ كما قدمناه, ~~ويخص ذلك من عموم الحديث المتقدم بدليله الخاص في قتال أهل البغي، وقد رجع ~~الأحنف عن رأي أبي بكرة في ذلك، وشهد مع علي باقي حروبه، وسيأتي باقي ~~الكلام على حديث أبي بكرة في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى. PageV01P310 # ورجال إسناده كلهم بصريون، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، ~~وهم: أيوب، والحسن، والأحنف. # قوله: (عن واصل) هو: ابن حيان، وللأصيلي: "هو الأحدب"، وللمصنف في العتق: ~~"حدثنا واصل الأحدب" (¬1). # قوله: (عن المعرور) وفي العتق: "سمعت المعرور بن سويد" (¬2)، وهو بمهملات ~~ساكن العين. # قوله: (بالربذة) هو بفتح الراء والموحدة والمعجمة موضع بالبادية، بينه ~~وبين المدينة ثلاث مراحل. # قوله: (وعليه حلة، وعلى غلامه حلة) هكذا رواه أكثر أصحاب شعبة عنه، لكن ~~في رواية الإسماعيلي من طريق معاذ، عن شعبة: "أتيت أبا ذر فإذا حلة عليه ~~منها ثوب وعلى عبده منها ثوب"، وهذا يوافق ما في اللغة أن الحلة: ثوبان من ~~جنس واحد، ويؤيده ما في رواية الأعمش، عن المعرور عند المؤلف في ms158 الأدب ~~بلفظ: "رأيت عليه بردا وعلى غلامه بردا، فقلت: لو أخذت هذا فلبسته كانت ~~حلة" (¬3). # وفي رواية مسلم: "فقلنا: يا أبا ذر، لو جمعت بينهما كانت حلة" (¬4). # ولأبي داود: "فقال القوم: يا أبا ذر، لو أخذت الذي على غلامك فجعلته مع ~~الذي عليك لكانت حلة" (¬5). PageV01P311 # فهذا موافق لقول أهل اللغة؛ لأنه ذكر [أن] (¬1) الثوبين يصيران بالجمع ~~حلة، ولو كان كما في الأصل على كل واحد منهما حلة لكان إذا جمعهما يصير ~~عليه حلتان. # ويمكن الجمع بين الروايتين: بأنه كان عليه برد جيد تحته ثوب خلق من جنسه ~~وعلى غلامه كذلك، وكأنه قيل له: لو أخذت البرد الجيد فأضفته إلى البرد ~~الجيد الذي عليك، وأعطيت الغلام البرد الخلق بدله لكانت حلة جيدة فتلتئم ~~بذلك الروايتان، ويحمل قوله في حديث الأعمش: "لكانت حلة"، أي: كاملة ~~الجودة، فالتنكير فيه للتعظيم، والله أعلم. # وغلام أبي ذر المذكور لم يسم، ويحتمل أن يكون أبا مراوح مولى أبي ذر، ~~وحديثه عنه في الصحيحين (¬2). # قوله: (فسألته) أي: عن السبب في إلباسه غلامه نظير لبسه؛ لأنه على خلاف ~~المألوف، فأجابه بحكاية القصة التي كانت سببا لذلك. # قوله: (ساببت) في رواية الإسماعيلي: "شاتمت"، وفي الأدب للمؤلف: وكان ~~بيني وبين رجل كلام" (¬3). وزاد مسلم: "من إخواني" (¬4)، وقيل: إن الرجل ~~المذكور هو بلال المؤذن مولى أبي بكر، روى ذلك الوليد بن مسلم منقطعا. # قوله: (فعيرته بأمه) أي: نسبته إلى العار، زاد في الأدب: "وكانت أمه ~~أعجمية فنلت منها" (¬5)، وفي رواية: "قلت له: يا ابن السوداء" (¬6)، ~~والأعجمي: من لا يفصح باللسان PageV01P312 # العربي، سواء كان عربيا أو عجميا، والفاء في "فعيرته" قيل: هي تفسيرية، ~~كأنه بين أن التعيير هو السب، والظاهر أنه وقع بينهما سباب وزاد عليه ~~التعيير فتكون عاطفة، ويدل عليه رواية مسلم: "قال: أعيرته بأمه فقلت: من سب ~~الرجال سبوا أباه وأمه" (¬1). # ويظهر لي: أن ذلك كان من أبي ذر قبل أن يعرف [تحريمه] (¬2)، فكانت الخصلة ~~من خصال الجاهلية باقية عنده، فلهذا قال كما عند المؤلف في الأدب: "قلت: ~~على ساعتي ms159 هذه من كبر السن؟ ! قال: نعم" (¬3)، كأنه تعجب من خفاء ذلك عليه ~~مع كبر سنه، فذكر له وجه كون هذه الخصلة مذمومة شرعا، فكان بعد ذلك يساوي ~~غلامه في الملبوس وغيره آخذا بالأحوط، وإن كان لفظ الحديث يقتضي اشتراط ~~[المواساة لا] (¬4) المساواة، وسنذكر ما يتعلق ببقية ذلك في كتاب العتق حيث ~~ذكره المصنف (¬5) إن شاء الله تعالى. PageV01P313 ### || AUTO 23 - باب: ظلم دون ظلم # 32 - حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة. # قال: وحدثني بشر، قال: حدثنا محمد، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن ~~علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} ~~[الأنعام: 82]. قال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أينا لم يظلم؟ ~~فأنزل الله: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13]. # قوله: (باب ظلم دون ظلم) "دون": يحتمل أن تكون بمعنى: غير؛ أي: أنواع ~~الظلم متغايرة، أو بمعنى الأدنى، أي: بعضها أخف من بعض، وهو أظهر [74 / ب] ~~في مقصود المصنف، وهذه الجملة لفظ حديث رواه أحمد في كتاب "الإيمان" من ~~حديث عطاء (¬1)، ورواه أيضا من طريق طاوس عن ابن عباس بمعناه, فاستعمله ~~المؤلف ترجمة، واستدل له بالحديث المرفوع، ووجه الدلالة منه أن الصحابة ~~فهموا من قوله: {بظلم} [الأنعام: 82]. عموم أنواع المعاصي، ولم ينكر عليهم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما بين لهم أن المراد: أعظم أنواع الظلم ~~وهو الشرك على ما سنوضحه، فدل على أن الظلم مراتب متفاوتة، ومناسبة إيراد ~~هذا عقب ما تقدم من أن المعاصي غير الشرك لا ينسب صاحبها إلى الكفر المخرج ~~عن الملة على هذا التقرير ظاهرة. # قوله: (حدثنا أبو الوليد) هو: الطيالسي. # قوله: (وحدثني بشر) كذا هو في الروايات المصححة بواو العطف، وفي بعض ~~النسخ قبلها صورة "ح"، فإن كانت من أصل التصنيف فهي مهملة، مأخوذة من ~~التحويل على المختار، وإن كانت مزيدة من بعض الرواة فيحتمل أن تكون مهملة ~~كذلك، أو PageV01P314 # معجمة مأخوذة من البخاري لأنها رمزه؛ أي: قال البخاري: وحدثني بشر، وهو ~~ابن خالد العسكري، وشيخه محمد هو ms160 ابن جعفر المعروف بغندر، وهو أثبت الناس ~~في شعبة، ولهذا أخرج المؤلف روايته مع كونه أخرج الحديث عاليا عن أبي ~~الوليد، واللفظ المساق هنا لفظ بشر، وكدلك أخرجه النسائي عنه (¬1)، وتابعه ~~ابن أبي عدي، عن شعبة وهو عند المؤلف في تفسير الأنعام (¬2)، وأما لفظ أبي ~~الوليد فساقه المؤلف في قصة لقمان بلفظ: "أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ " (¬3). # وزاد أبو نعيم في "مستخرجه" من طريق سليمان بن حرب، عن شعبة بعد قوله: ~~{إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13]: "فطابت أنفسنا"، واقتضت رواية شعبة هذه ~~أن هذا السؤال سبب نزول الآية الأخرى التي في لقمان، لكن رواية البخاري ~~ومسلم من طريق أخرى عن الأعمش وهو سليمان المذكور في حديث الباب، ففي رواية ~~جرير عنه: فقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: "ليس بذلك، ألا تسمعون ~~إلى قول [75 / أ] لقمان" (¬4). # وفي رواية وكيع عنه: "فقال: ليس كما تظنون" (¬5)، وفي رواية عيسى بن يونس ~~عنه: "إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان" (¬6)، فظاهر هذا: أن الآية ~~التي في لقمان كانت معلومة عندهم ولذلك نبههم عليها، ويحتمل أن يكون نزولها ~~وقع في الحال فتلاها عليهم ثم نبههم فتلتئم الروايتان. PageV01P315 # قال الخطابي: كان الشرك عند الصحابة أكبر من أنه يلقب بالظلم، فحملوا ~~الظلم في الآية على ما عداه يعني: من المعاصي، فسألوا عن ذلك فنزلت هذه ~~الآية. كذا قال وفيه نظر. # والذي يظهر لي: أنهم حملوا الظلم على عمومه؛ الشرك فما دونه، وهو الذي ~~يقتضيه صنيع المؤلف، وإنما حملوه على العموم؛ لأن قوله: {بظلم} نكرة في ~~سياق النفي، لكن عمومها هنا بحسب الظاهر، قال المحققون: إن دخل على النكرة ~~في سياق النفي ما يؤكد العموم ويقويه نحو: "من" [في] (1) قوله: ما جاءني من ~~رجل، أفاد تنصيص العموم، وإلا فالعموم مستفاد بحسب الظاهر، بل كما فهمه ~~الصحابة من هذه الآية، [و] (¬1) بين لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~ظاهرها غير مراد؛ بل هو من العام الذي أريد [به] (1) الخاص، فالمراد ~~بالظلم: أعلى أنواعه وهو الشرك. ms161 # فإن قيل: من أين يلزم أن من لبس الإيمان بظلم لا يكون آمنا ولا مهتديا ~~حتى شق عليهم، والسياق إنما يقتضي أن من لم يوجد منه الظلم فهو آمن ومهتد، ~~فما الذي دل على نفي ذلك عمن وجد منه الظلم؟ # فالجواب: أن ذلك مستفاد من المفهوم، وهو مفهوم الصفة، أو مستفاد من ~~الاختصاص المستفاد من تقديم {لهم} على {الأمن} أي: لهم الأمن لا لغيرهم، ~~كذا قال الزمخشري في قوله تعالى: {إياك نعبد} [الفاتحة: 5]. وقال في قوله ~~تعالى: {كلا إنها كلمة هو قائلها} [المؤمنون: 100]: تقديم {هو} على ~~{قائلها} يفيد الاختصاص؛ أي: هو قائلها لا غيره. # فإن قيل: لا يلزم من قوله: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13]. أن غير ~~الشرك لا يكون ظلما. # فالجواب: أن التنوين في قوله: {بظلم} للتعظيم، وقد بين ذلك استدلال ~~الشارع بالآية الثانية، فالتقدير: لم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم؛ أي: بشرك؛ ~~إذ لا ظلم PageV01P316 # أعظم منه، وقد ورد ذلك صريحا عند المؤلف في قصة إبراهيم -عليه السلام- من ~~طريق حفص بن غياث [75 / ب] عن الأعمش، ولفظه: قلنا: يا رسول الله أينا لم ~~يظلم نفسه؟ قال: "ليس كما تقولون {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم}: بشرك، أولم ~~تسمعوا إلى قول لقمان"، فذكر الآية (¬1). # واستنبط منه المازري جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ونازعه القاضي ~~عياض فقال: ليس في هذه القصة تكليف عمل، بل تكليف اعتقاد بتصديق الخبر، ~~واعتقاد التصديق لازم لأول وروده، فما هي الحاجة؟ # ويمكن أن يقال: المعتقدات أيضا تحتاج إلى البيان، [فلما أجمل الظلم حتى ~~تناول إطلاقه جميع المعاصي شق عليهم حتى ورد البيان] (¬2)، فما انتفت ~~الحاجة، والحق أن في القصة تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأنهم حيث احتاجوا ~~إليه لم يتأخر. # قوله: (ولم يلبسوا) أي: لم يخلطوا، تقول: لبست الأمر ألبسه بالفتح في ~~الماضي، والكسر وبالتخفيف [في] (2) المستقبل؛ أي: خلطته. وتقول: لبست الثوب ~~ألبسه بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل، وقال محمد بن إسماعيل التيمي ~~في شرحه: خلط الإيمان بالشرك لا يتصور، فالمراد: أنهم لم تحصل لهم الصفتان ms162 ~~كفر متأخر عن الإيمان المتقدم؛ [أي] (2): لم يرتدوا، ويجوز أن يراد أنهم لم ~~يجمعوا بينهما ظاهرا وباطنا؛ أي: لم ينافقوا، وهذا أوجه؛ ولهذا عقبه بباب ~~علامات المنافق، وهذا من بديع ترتيبه. # * فائدة: # في هذا الإسناد رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض: وهم الأعمش، عن ~~شيخه إبراهيم بن يزيد النخعي، عن خاله علقمة بن قيس النخعي، والثلاثة ~~كوفيون فقهاء. # وعبد الله الصحابي هو ابن مسعود، وهذه الترجمة أحد ما قيل فيه: إنه أصح PageV01P317 # الأسانيد. # والأعمش موصوف بالتدليس، ولكن في رواية حفص بن غياث التي تقدمت الإشارة ~~إليها عند المؤلف عنه: "حدثنا إبراهيم" (¬1). ولم أر التصريح بذلك في جميع ~~طرقه عند الشيخين وغيرهما إلا في هذا الطريق. # * وفي المتن من الفوائد: # الحمل على العموم حتى يرد دليل التخصيص، وأن النكرة في سياق النفي تعم، ~~وأن الخاص يقضي على العام، والمبين على المجمل، وأن اللفظ يحمل على خلاف ~~ظاهره لمصلحة دفع التعارض، والله أعلم. PageV01P318 ### || AUTO 24 - باب: علامات المنافق # 33 - حدثنا سليمان أبو الربيع, قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر, قال: حدثنا ~~نافع بن مالك بن أبي عامر أبو سهيل, عن أبيه, عن أبي هريرة, عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، ~~وإذا اؤتمن خان". # 34 - حدثنا قبيصة بن عقبة, قال: حدثنا سفيان, عن الأعمش, عن عبد الله بن ~~مرة, عن مسروق, عن عبد الله بن عمرو, أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة ~~من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان, وإذا حدث كذب, وإذا عاهد غدر، وإذا ~~خاصم فجر". # تابعه شعبة عن الأعمش. # قوله: (باب علامات المنافق) لما قدم [أن] (¬1) مراتب الكفر متفاوتة وكذلك ~~الظلم أتبعه بأن النفاق كذلك. # والنفاق لغة: مخالفة الباطن للظاهر، فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق ~~الكفر، وإلا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل والترك [76 / أ] , وتتفاوت ~~مراتبه. # قوله: (حدثنا سليمان أبو ms163 الربيع) هو: الزهراني، بصري نزل بغداد، ومن شيخه ~~فصاعدا [مدنيون] (¬2). # و(نافع بن مالك) هو عم مالك بن أنس الإمام. # قوله: (آية المنافق ثلاث) الآية: العلامة، وإفراد الآية إما على إرادة ~~الجنس، أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث، والأول أليق بصنيع المؤلف، ~~ولهذا ترجم بالجمع وعقب بالمتن الشاهد لذلك، وقد رواه أبو عوانة في صحيحه ~~بلفظ "علامات المنافق". PageV01P319 # فإن قيل: ظاهره الحصر في الثلاث، فكيف جاء في الحديث الآخر بلفظ: "أربع ~~من كن فيه" الحديث؟ # أجاب القرطبي: باحتمال أنه استجد له - صلى الله عليه وسلم - من العلم ~~بخصالهم ما لم يكن عنده. # وأقول: ليس بين الحديثين تعارض؛ لأنه لا يلزم من عد الخصلة كونها علامة ~~(¬1)، على أن في رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي ~~هريرة ما يدل على إرادة عدم الحصر، فإن لفظه: "من علامة المنافق ثلاث" ~~(¬2)، وكذا أخرج الطبراني في "الأوسط" من حديث أبي سعيد الخدري (¬3)، وإذا ~~حمل اللفظ الأول على هذا لم يرد السؤال، فيكون قد أخبر ببعض العلامات في ~~وقت وببعضها في وقت آخر. # وقال القرطبي أيضا والنووي: حصل من مجموع الروايتين خمس خصال؛ لأنهما ~~تواردتا على الكذب في الحديث، والخيانة في الأمانة، وزاد الأول الخلف في ~~الوعد, والثاني الغدر في المعاهدة، والفجور في الخصومة. # قلت: وفي رواية مسلم للثاني بدل الغدر في المعاهدة: الخلف في الوعد كما ~~في الأول (¬4)، فكأن بعض الرواة تصرف في لفظه؛ لأن معناهما قد يتحد، وعلى ~~هذا فالمزيد خصلة واحدة وهي الفجور في الخصومة، والفجور: الميل عن الحق ~~والاحتيال في رده، وهذا قد يندرج في الخصلة الأولى وهي الكذب في الحديث. # ووجه الاقتصار على هذه العلامات الثلاث؛ لأنها منبهة على ما عداها؛ إذ ~~أصل الديانة منحصر في ثلاث: القول، والفعل، والنية، فنبه على فساد القول ~~بالكذب، وعلى PageV01P320 # فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النية بالخلف؛ لأن خلف الوعد لا يقدح إلا ~~إذا كان العزم عليه مقارنا للوعد، أما لو كان عازما ثم عرض له مانع أو بدا ms164 ~~له رأي فهذا لم توجد منه [76 / ب] صورة النفاق، قاله الغزالي في "الإحياء" (¬1). # وفي الطبراني في حديث طويل ما يشهد له، ففيه من حديث سلمان: "إذا وعد وهو ~~يحدث نفسه أنه يخلف" (¬2)، وكذا قال في باقي الخصال، وإسناده لا بأس به، ~~ليس فيهم من أجمع على تركه. # قوله: (إذا وعد) قال صاحب "المحكم": يقال: وعدته خيرا ووعدته شرا، فإذا ~~أسقطوا الفعل قالوا في الخير: وعدته، وفي الشر: أوعدته. وحكى ابن الأعرابي ~~في نوادره: أوعدته خيرا بالهمزة. فالمراد بالوعد في الحديث: الوعد بالخير، ~~وأما الشر فيستحب إخلافه، وقد يجب ما لم يترتب على ترك إنفاذه مفسدة. # وأما الكذب في الحديث فحكى ابن التين، عن مالك أنه سئل عمن جرب عليه كذب ~~فقال: أي نوع من الكذب؟ لعله حدث عن عيش له سلف فبالغ في وصفه فهذا لا يضر، ~~وإنما يضر من حدث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه قاصدا للكذب. انتهى # وقال النووي: هدا الحديث عده جماعة من العلماء مشكلا من حيث إن هذه ~~الخصال قد توجد في المسلم المجتمع على عدم الحكم بكفره. قال: وليس فيه ~~إشكال، بل معناه صحيح، والذي قاله المحققون: أن معناه: أن هذه خصال نفاق ~~وصاحبها شبيه بالمنافق في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم. # قلت: ومحصل هذا الجواب الحمل في التسمية على المجاز، أي: صاحب هذه الخصال ~~كالمنافق، وهو بناء على أن المراد بالنفاق: نفاق الكفر. PageV01P321 # وقد قيل في الجواب عنه: أن المراد بالنفاق: نفاق العمل كما قدمناه، وهذا ~~ارتضاه القرطبي، واستدل له بقول عمر لحذيفة: "هل تعلم في شيئا من النفاق؟ ~~"، فإنه لم يرد بذلك: نفاق الكفر، وإنما أراد: نفاق العمل، ويؤيده وصفه ~~[بالخالص] (¬1) في الحديث الثاني بقوله: "كان منافقا خالصا". # وقيل: المراد بإطلاق النفاق: الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال، وأن ~~الظاهر غير مراد، وهذا ارتضاه الخطابي، وذكر أيضا أنه يحتمل أن المتصف بذلك ~~هو من اعتاد ذلك وصار له ديدنا، قال: ويدل عليه التعبير ب"إذا"، ف"إذا" ~~إنما تدل على تكرر الفعل. # كذا قال، ms165 والأولى ما قال الكرماني إن حذف المفعول من: "حدث" يدل على ~~العموم إذا حدث [77 / أ] في كل شيء كذب فيه، أو يصير قاصرا إذا وجد ماهية ~~التحدث كذب، وقيل: هو محمول على من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخف ~~بأمرها، فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبا. # وهذه الأجوبة كلها مبنية على أن اللام في المنافق للجنس، ومنهم من ادعى ~~أنها للعهد, فقال: إنه وردت في حق شخص معين، أو في حق المنافقين في عهد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذلك، ~~وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي، والله أعلم. # قوله: (تابعه شعبة) وصل المؤلف هذه المتابعة في كتاب المظالم (¬2)، ~~ورواية قبيصة، عن سفيان -وهو الثوري- ضعفها يحيى بن معين، وقال الشيخ محيي ~~الدين: إنما أوردها البخاري على طريق المتابعة لا الأصالة. # وتعقبه الكرماني بأنها مخالفة في اللفظ والمعنى فكيف تكون متابعة؟ PageV01P322 # وجوابه: أن المراد بالمتابعة هنا: كون الحديث مخرجا في صحيح مسلم وغيره ~~من طريق أخرى عن الثوري (¬1)، وعند المؤلف من طريق أخرى عن الأعمش منها ~~رواية شعبة المشار إليها، وهذا هو السبب في ذكرها هنا، وكأنه فهم أن المراد ~~بالمتابعة: حديث أبي هريرة المذكور في الباب وليس كذلك؛ إذ لو أراده لسماه ~~شاهدا، وأما دعواه أن بينهما مخالفة في المعنى فليس بمسلم؛ لما قررناه ~~آنفا، وغايته أن يكون في أحدهما زيادة وهي مقبولة؛ لأنها من ثقة متقن، ~~والله أعلم. # * فائدة: # رجال الإسناد الثاني كلهم كوفيون إلا الصحابي وقد دخل الكوفة أيضا. PageV01P323 ### || AUTO 25 - باب: قيام ليلة القدر من الإيمان # 35 - حدثنا أبو اليمان, قال: أخبرنا شعيب, قال: حدثنا أبو الزناد, عن ~~الأعرج, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من يقم ~~ليلة القدر إيمانا واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه". # قوله: (باب قيام ليلة القدر من الإيمان) لما بين علامات النفاق وقبحها ~~رجع إلى ذكر علامات الإيمان وحسنها؛ لأن الكلام على متعلقات الإيمان هو ~~المقصود بالأصالة، وإنما ms166 يذكر متعلقات غيره استطرادا، ثم رجع فذكر أن قيام ~~ليلة القدر وقيام رمضان وصيام رمضان من الإيمان، وأورد الثلاثة من حديث أبي ~~هريرة متحدات الباعث والجزاء، وعبر في ليلة القدر بالمضارع في الشرط ~~وبالماضي في جوابه، بخلاف الآخرين فبالماضي فيهما، وأبدى الكرماني لذلك ~~نكتة لطيفة قال: لأن قيام رمضان محقق الوقوع، وكذا صيامه، بخلاف قيام ليلة ~~القدر [77 /ب] فإنه غير متيقن، فلهذا ذكره بلفظ المستقبل. انتهى كلامه وفيه ~~شيء ستأتي الإشارة إليه. # وفي استعمال الشرط مضارعا والجواب ماضيا نزاع بين النحاة، فمنعه الأكثر ~~وأجازه آخرون لكن بقلة، واستدلوا بقوله تعالى: {إن نشأ ننزل عليهم من ~~السماء آية فظلت} [الشعراء: 4]؛ لأن قوله: {فظلت} بلفظ الماضي، وهو تابع ~~للجواب، وتابع الجواب جواب، واستدلوا أيضا بهذا الحديث. # وعندي في الاستدلال به نظر؛ لأنني أظنه من تصرف الرواة، فقد رواه النسائي ~~عن محمد بن علي بن ميمون، عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه فلم يغاير بين ~~الشرط والجزاء، بل قال: "من يقم ليلة القدر يغفر له" (¬1). ورواه أبو نعيم ~~في "المستخرج" عن PageV01P324 # سليمان -وهو الطبراني-، عن أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة، عن أبي اليمان، ~~ولفظه: "لا يقوم أحدكم ليلة القدر فيوافقها إيمانا واحتسابا إلا غفر الله ~~له ما تقدم من ذنبه" (¬1). # وقوله في هذه الرواية: "فيوافقها" زيادة بيان، وإلا فالجزاء مرتب على ~~قيام ليلة القدر، ولا يصدق قيام ليلة إلا على من وافقها، والحصر المستفاد ~~من النفي والإثبات مستفاد من الشرط والجزاء، فوضح أن ذلك من تصرف الرواة ~~بالمعنى؛ لأن مخرج الحديث واحد، وسيأتي الكلام على ليلة القدر، وعلى صيام ~~رمضان وقيامه -إن شاء الله تعالى- في كتاب الصيام. PageV01P325 ### || AUTO 26 - باب: الجهاد من الإيمان # 36 - حدثنا حرمي بن حفص, قال: حدثنا عبد الواحد, قال: حدثنا عمارة, قال: ~~حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير, قال: سمعت أبا هريرة, عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي ~~وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال ms167 من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة، ولولا أن ~~أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله, ثم أحيا، ثم ~~أقتل, ثم أحيا، ثم أقتل". # * * * ### || AUTO 27 - باب: تطوع قيام رمضان من الإيمان # 37 - حدثنا إسماعيل, قال: حدثني مالك, عن ابن شهاب, عن حميد بن عبد ~~الرحمن, عن أبي هريرة, أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قام ~~رمضان إيمانا واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه". PageV01P326 ### || AUTO 28 - باب: صوم رمضان احتسابا من الإيمان # 38 - حدثنا ابن سلام, قال: أخبرنا محمد بن فضيل, قال: حدثنا يحيى بن ~~سعيد, عن أبي سلمة, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه". # قوله: (باب الجهاد من الإيمان). # أورد هذا الباب بين قيام ليلة القدر وبين قيام رمضان وصيامه، فأما مناسبة ~~إيراده معها في الجملة فواضح. لاشتراكها في كونها من خصال الإيمان، وأما ~~إيراده بين هذين البابين مع أن تعلق أحدهما بالآخر ظاهر فلنكتة لم أر من ~~تعرض لها، بل قال الكرماني: صنيعه هذا دال على أن النظر مقطوع عن غير هذه ~~المناسبة؛ يعني: اشتراكها في كونها من خصال الإيمان. # وأقول: بل قيام ليلة القدر وإن كان ظاهر المناسبة لقيام رمضان لكن للحديث ~~الذي أورده في باب الجهاد مناسبة بالتماس ليلة القدر حسنة جدا؛ لأن التماس ~~ليلة القدر يستدعي محافظة زائدة ومجاهدة تامة، ومع ذلك فقد يوافقها أو لا، ~~وكذلك المجاهد يلتمس الشهادة ويقصد إعلاء كلمة الله وقد يحصل له ذلك، ~~فتناسبا في أن [فى] (¬1) كل منهما مجاهدة [78 / أ] , وأن كلا منهما قد يحصل ~~المقصود الأصلي لصاحبه أو لا. # فالقائم لالتماس ليلة القدر مأجور، فإن وافقها كان أعظم أجرا، والمجاهد ~~لالتماس الشهادة مأجور، فإن وافقها كان أعظم أجرا، ويشير إلى ذلك تمنيه - ~~صلى الله عليه وسلم الشهادة بقوله "لوددت أني أقتل في سبيل الله". فذكر ~~المؤلف فضل الجهاد لذلك استطرادا، ثم ms168 عاد إلى ذكر قيام رمضان، وهو بالنسبة ~~لقيام ليلة القدر عام بعد خاص، ثم ذكر بعده باب الصيام؛ لأن الصيام من ~~التروك، فأخره عن القيام؛ لأنه من الأفعال، ولأن الليل قبل النهار، ولعله ~~أشار إلى أن القيام مشروع من أول ليلة من الشهر خلافا لبعضهم. PageV01P327 # قوله: (حدثنا حرمي) هو اسم بلفظ النسبة، وهو بصري، يكنى أبا علي. # "قال: حدثنا عبد الواحد" هو: ابن زياد البصري العبدي، ويقال له: الثقفي، ~~وهو ثقة متقن، قال ابن القطان: لم يعتل عليه بقادح، وفي طبقته عبد الواحد ~~بن زيد بصري أيضا لكنه ضعيف ولم يخرج عنه في الصحيحين شيء. # قوله: (حدثنا عمارة) هو: ابن القعقاع بن شبرمة الضبي. # قوله: (انتدب الله) هو بالنون، أي: سارع بثوابه وحسن جزائه، وقيل: بمعنى ~~أجاب إلى المراد، ففي "الصحاح": ندبت فلانا لكذا فانتدب؛ أي: أجاب إليه , ~~وقيل: معناه تكفل بالمطلوب، ويدل عليه رواية المؤلف في أواخر الجهاد لهذا ~~الحديث من طريق الأعرج، عن أبي هريرة بلفظ: "تكفل الله" (¬1)، وله في أوائل ~~الجهاد من طريق سعيد بن المسيب عنه بلفظ: "توكل الله" (¬2)، وسيأتي الكلام ~~عليها وعلى رواية مسلم هناك إن شاء الله. # ووقع في رواية الأصيلي هنا: "ائتدب" بياء تحتانية مهموزة بدل النون، من ~~المأدبة، وهو تصحيف، وقد وجهوه بتكلف، لكن إطباق الرواة على خلافه مع اتحاد ~~المخرج كاف في تخطئته. # قوله: (لا يخرجه إلا إيمان) كذا هو بالرفع على أنه فاعل يخرج، والاستثناء ~~مفرغ، وفي رواية مسلم والإسماعيلي: "إلا إيمانا" (¬3) بالنصب، قال النووي: ~~هو مفعول له، وتقديره: لا يخرج المخرج إلا [78 / ب] الإيمان والتصديق. # قوله: (بي) فيه عدول من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم، فهو التفات، وقال ~~ابن مالك: كان اللائق في الظاهر هنا: "إيمان به"، ولكنه على تقدير اسم فاعل ~~من القول منصوب على الحال؛ أي: انتدب الله لمن خرج في سبيله قائلا لا يخرجه ~~إلا إيمان بي. PageV01P328 # وتعقبه شهاب الدين ابن المرحل بأن حذف الحال لا يجوز، وأن التعبير هنا ~~باللائق غير لائق، فالأولى أنه ms169 من باب الالتفات. # * تنبيه: # جاء هذا الحديث من طريق أبي زرعة هذه مشتملا على أمور ثلاثة، وقد اختصر ~~المؤلف من سياقه أكثر الأمر الثاني، وساقه الإسماعيلي وأبو نعيم في ~~مستخرجيهما من طريق عبد الواحد بن زياد المذكور بتمامه، وكذا هو عند مسلم ~~في هذا الحديث من وجه آخر عن عمارة بن القعقاع (¬1)، وجاء الحديث مفرقا من ~~رواية الأعرج وغيره عن أبي هريرة كما سيأتي عند المؤلف في كتاب الجهاد ~~(¬2)، وهناك يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. PageV01P329 ### || AUTO 29 - باب: الدين يسر # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أحب الدين إلى الله الحنيفية ~~السمحة" # 39 - حدثنا عبد السلام بن مطهر, قال: حدثنا عمر بن علي, عن معن بن محمد ~~الغفاري, عن سعيد بن أبي سعيد المقبري, عن أبي هريرة, عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا ~~وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة". # قوله: (باب الدين يسر). # أي: دين الإسلام ذو يسر، أو سمي الدين يسرا مبالغة بالنسبة إلى الأديان ~~قبله. لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم، ومن أوضح ~~الأمثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم، وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم ~~والندم. # قوله: (أحب الدين) أي: خصال الدين؛ لأن خصال الدين كلها محبوبة؛ لكن ما ~~كان منها سمحا -أي: سهلا- فهو أحب إلى الله, ويدل عليه ما أخرجه أحمد بسند ~~صحيح من حديث أعرابي لم يسمه، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-[يقول] (¬1): "خير دينكم أيسره" (¬2)، أو الدين جنس، أي: أحب الأديان إلى ~~الله الحنيفية. # والمراد بالأديان: الشرائع الماضية قبل أن تبدل وتنسخ. # و(الحنيفية): ملة إبراهيم، والحنيف في اللغة: من كان على ملة إبراهيم، ~~وسمي إبراهيم حنيفا لميله عن الباطل إلى الحق؛ لأن أصل الحنف: الميل. # و(السمحة): السهلة، أي: أنها مبنية على السهولة؛ لقوله تعالى: {وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم} [الحج: 78]. PageV01P330 # وهذا الحديث المعلق لم يسنده المؤلف ms170 في هذا الكتاب؛ لأنه ليس على شرطه، ~~نعم؛ وصله في كتاب الأدب [79 / أ] المفرد (¬1)، وكذا وصله أحمد بن حنبل ~~وغيره (¬2) من طريق محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن ~~عباس، وإسناده حسن. استعمله المؤلف في الترجمة لكونه متقاصرا عن شرطه، ~~وقواه بما دل على معناه لتناسب السهولة واليسر. # قوله: (حدثنا عبد السلام بن مطهر) أي: ابن حسام البصري، وكنيته أبو ظفر ~~بالمعجمة والفاء المفتوحتين. # قوله: (حدثنا عمر بن علي) هو المقدمي -بضم الميم وفتح القاف والدال ~~المشددة-، وهو بصري ثقة، لكنه مدلس شديد التدليس، وصفه بذلك ابن سعد وغيره. # وهذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم، وصححه وإن كان من رواية مدلس ~~بالعنعنة لتصريحه فيه بالسماع من طريق أخرى، فقد رواه ابن حبان في "صحيحه" ~~من طريق أحمد [بن] (¬3) المقدام أحد شيوخ البخاري، عن عمر بن علي المذكور ~~قال: سمعت معن بن محمد فذكره (¬4)، وهو من أفراد معن بن محمد، وهو مدني ثقة ~~قليل الحديث، لكن تابعه على شقه الثاني ابن أبي ذئب، عن سعيد، أخرجه المصنف ~~في كتاب الرقاق بمعناه ولفظه: "سددوا وقاربوا"، وزاد في آخره: "والقصد ~~القصد تبلغوا" (¬5)، ولم يذكر شقه الأول. # وقد أشرنا إلى بعض شواهده، ومنها حديث عروة الفقيمي -بضم الفاء وفتح ~~القاف-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن دين الله يسر" (¬6). PageV01P331 # ومنها حديث بريدة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم ~~هديا قاصدا، فإن من يشاد هذا الدين يغلبه" (¬1)، رواهما أحمد وإسناد كل ~~منهما حسن. # قوله: (ولن يشاد الدين. . . . إلا غلبه) هكذا في روايتنا بإسقاط الفاعل، ~~وثبت في رواية ابن السكن وفي بعض الروايات عن الأصيلي بلفظ: "ولن يشاد ~~الدين أحد إلا غلبه"، وكذا هو في طرق هذا الحديث عند الإسماعيلي، وأبي ~~نعيم، وابن حبان وغيرهم (¬2). # و"الدين" منصوب على المفعولية وكذا في روايتنا أيضا، وأضمر الفاعل للعلم ~~به، وحكى صاحب "المطالع" أن أكثر الروايات برفع "الدين" على أن "يشاد" مبني ~~لما لم يسم فاعله، وعارضه النووي ms171 بأن أكثر الروايات بالنصب، ويجمع بين ~~كلاميهما بأنه بالنسبة إلى روايات المغاربة والمشارقة. # والمشادة -بالتشديد-: المغالبة، يقال: شاده يشاده مشادة، إذا قاواه، ~~والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع ~~فيغلب، قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى ~~الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع. انتهى # وليس المراد: منع طلب الأكمل في العبادة فإنه (¬3) من الأمور المحمودة، ~~بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك ~~الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته، كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى ~~أن غلبته عيناه في آخر الليل، فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن ~~خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة. PageV01P332 # وقد يستفاد من هذا: الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية، فإن الأخذ ~~بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع، كمن ترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء ~~فيفضي به استعماله إلى حصول الضرر. # قوله: (فسددوا) أي: الزموا السداد، وهو الصواب، من غير إفراط ولا تفريط. # قوله: (وقاربوا) أي: إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه. # قوله: (وأبشروا) أي: بالثواب على العمل الدائم وإن قل، والمراد: تبشير من ~~عجز عن العمل بالأكمل بأن العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره، ~~وأبهم المبشر به تعظيما له وتفخيما. # قوله: (واستعينوا بالغدوة) أي: استعينوا على مداومة العبادة بإيقاعها في ~~الأوقات المنشطة، والغدوة -بالفتح-: سير أول النهار، وقال الجوهري: ما بين ~~صلاة الغداة وطلوع الشمس. # و(الروحة) بالفتح: السير بعد الزوال. # و(الدلجة) بضم أوله وفتحه وإسكان اللام سير آخر النهار، وقيل: سير الليل ~~كله؛ ولهذا عبر فيه بالتبعيض؛ ولأن عمل الليل أشق من عمل النهار، فهذه ~~الأوقات [أطيب أوقات المسافر، وكأنه - صلى الله عليه وسلم - خاطب مسافرا ~~إلى مقصد فنبه على أوقات] (¬1) نشاطه؛ لأن المسافر إذا سار الليل والنهار ~~جميعا عجز وانقطع، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة ~~من غير ms172 مشقة، وحسن هذه الاستعارة [80 / ب] أن الدنيا في الحقيقة دار نقلة ~~إلى الآخرة. # وقوله في رواية ابن أبي ذئب: "القصد القصد" بالنصب فيهما على الإغراء، ~~والقصد: الأخذ بالأمر الوسط. PageV01P333 # ومناسبة إيراد المصنف لهذا الحديث عقب الأحاديث التي قبله ظاهرة من حيث ~~إنها تضمنت الترغيب في القيام والصيام والجهاد، فأراد أن يبين أن الأولى ~~للعامل بذلك ألا يجهد نفسه بحيث يعجز وينقطع، بل يعمل بتلطف وتدريج ليدوم ~~عمله ولا ينقطع، ثم عاد إلى سياق الأحاديث الدالة على أن الأعمال الصالحة ~~معدودة من الإيمان، فقال: باب الصلاة من الإيمان. PageV01P334 ### || AUTO 30 - باب: الصلاة من الإيمان # وقول الله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} يعني: صلاتكم عند البيت # 40 - حدثنا عمرو بن خالد, قال: حدثنا زهير, قال: حدثنا أبو إسحاق, عن ~~البراء, أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أول ما قدم المدينة نزل على ~~أجداده -أو قال: أخواله- من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر، أو ~~سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة ~~صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد، ~~وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل ~~بيت المقدس، وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك. # قال زهير: حدثنا أبو إسحاق, عن البراء في حديثه هذا, أنه مات على القبلة ~~قبل أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى: {وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم}. # قوله: (باب) هو مرفوع بتنوين وبغير تنوين. # و(الصلاة) مرفوع , وعلى التنوين فقوله: (وقول الله) مرفوع عطفا على ~~الصلاة، وعلى عدمه مجرور مضاف. # قوله: (يعني: صلاتكم) وقع التنصيص على هذا التفسير من الوجه الذي أخرج ~~منه المصنف حديث الباب، فروى الطيالسي والنسائي من طريق شريك وغيره، عن أبي ~~إسحاق، عن البراء في الحديث المذكور: ms173 "فأنزل الله: {وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم} [البقرة: 143]. صلاتكم إلى بيت المقدس" (¬1). PageV01P335 # وعلى هذا فقول المصنف: (عند البيت) مشكل، مع أنه ثابت عنه في جميع ~~الروايات، ولا اختصاص لذلك بكونه عند البيت. # وقد قيل: إن فيه تصحيفا، والصواب: "يعني: صلاتكم لغير البيت". وعندي أنه ~~لا تصحيف فيه، بل هو صواب، ومقاصد البخاري في هذه الأمور دقيقة، وبيان ذلك: ~~أن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوجه ~~إليها للصلاة وهو بمكة؛ فقال ابن عباس وغيره: كان يصلي إلى بيت المقدس لكنه ~~لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس. # وأطلق آخرون: أنه كان يصلي إلى بيت المقدس. # وقال آخرون: كان يصلي إلى الكعبة؛ فلما تحول إلى المدينة استقبل بيت ~~المقدس، وهذا ضعيف ويلزم منه دعوى النسخ مرتين، والأول أصح؛ لأنه يجمع بين ~~القولين، وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس (¬1). # فكأن البخاري أراد الإشارة [80 / ب] إلى الجزم بالأرجح من أن الصلاة لما ~~كانت عند البيت كانت إلى بيت المقدس، واقتصر على ذلك اكتفاء بالأولوية؛ لأن ~~صلاتهم إلى غير جهة البيت وهم عند البيت إذا كانت لا تضيع فأحرى ألا تضيع ~~إذا بعدوا عنه. # قوله: (حدثنا عمرو بن خالد) هو بفتح العين وسكون الميم، وهو أبو الحسن ~~الحراني، أحد الثقات الأثبات، ووقع في رواية القابسي عن عبدوس، عن أبى زيد ~~المروزي (¬2) , وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني: "عمر بن خالد" بضم العين ~~وفتح الميم، وهو تصحيف نبه عليه PageV01P336 # من القدماء أبو علي الغساني، وليس في شيوخ البخاري من اسمه عمر بن خالد، ~~بل ولا في جميع رجاله، بل ولا في أحد من رجال الكتب الستة. # قوله: (حدثنا زهير) هو ابن معاوية أبو خيثمة الجعفي الكوفي، نزيل الجزيرة ~~وبها سمع منه عمرو بن خالد. # قوله: (حدثنا أبو إسحاق) هو السبيعي، وسماع زهير منه فيما قال أحمد: بعد ~~أن بدى تغيره، لكن تابعه عليه عند المصنف إسرائيل بن يونس حفيده وغيره (¬1). # قوله: (عن البراء) هو ابن ms174 عازب، صحابي ابن صحابى، وللمصنف في التفسير ~~(¬2) من طريق الثوري، عن أبي إسحاق: سمعت البراء، فأمن ما يخشى من تدليس ~~أبي إسحاق. # قوله: (أول) بالنصب؛ أي: في أول زمن قدومه. # و(ما) مصدرية. # قوله: (أو قال: أخواله) الشك من أبي إسحاق، وفي إطلاق أجداده أو أخواله ~~مجاز؛ لأن الأنصار أقاربه من جهة الأمومة، لأن أم جده عبد المطلب بن هاشم ~~منهم، وهي سلمى بنت عمرو أحد بني عدي بن النجار، وإنما نزل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بالمدينة على إخوتهم بني مالك بن النجار، ففيه على هذا ~~مجاز ثان. # قوله: (قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: إلى جهة. # قوله: (ستة عشر أو سبعة عشر) كذا وقع الشك في [رواية] (¬3) زهير هنا، وفي ~~الصلاة أيضا عن أبي نعيم عنه (¬4)، . . . . . . PageV01P337 # وكذا في رواية الثوري عنده (¬1)، وفي رواية إسرائيل عند الترمذي أيضا ~~(¬2)، ورواه أبو عوانة في صحيحه عن عمار بن رجاء وغيره عن أبي نعيم فقال ~~ستة عشر من غير شك (¬3) [81 / أ]، وكذا لمسلم من رواية أبي الأحوص (¬4)، ~~والنسائي من رواية زكريا بن أبي زائدة وشريك (¬5)، ولأبي عوانة أيضا من ~~رواية عمار بن رزيق (¬6) -بتقديم الراء مصغرا- كلهم عن أبي إسحاق. # وكذا لأحمد بسند صحيح عن ابن عباس (¬7)، وللبزار والطبراني من حديث عمرو ~~ابن عوف: "سبعة عشر" (¬8)، وكذا الطبراني عن ابن عباس (¬9). # والجمع بين الروايتين سهل: بأن يكون من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم ~~وشهر التحويل شهرا، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معا، ومن شك تردد في ذلك، وذلك ~~أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من ~~السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس. # وشذت أقوال أخرى: ففي ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي PageV01P338 # إسحاق في هذا الحديث ثمانية عشر شهرا (¬1)، وأبو بكر سيئ الحفظ، وقد ~~اضطرب، فعند ابن جرير من طريقه في رواية سبعة عشر، وفي رواية ستة عشر (¬2)، ~~وخرجه بعضهم على ms175 قول محمد بن حبيب أن التحويل كان في نصف شعبان، وهو الذي ~~ذكره النووي في الروضة وأقره, مع كونه رجح في شرحه رواية ستة عشر شهرا ~~لكونها مجزوما بها عند مسلم، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان، وقد جزم ~~موسى بن عقبة بأن التحويل كان في جمادى الآخرة. # ومن الشذوذ أيضا: رواية ثلاثة عشر شهرا، ورواية تسعة أشهر، أو عشرة أشهر، ~~ورواية شهرين، ورواية سنتين، وهذه الأخيرة يمكن حملها على الصواب، وأسانيد ~~الجميع ضعيفة، والاعتماد على القول الأول. # قوله: (وأنه صلى أول) بالنصب لأنه مفعول صلى. # و(العصر) كذلك على البدلية، وأعربه ابن مالك بالرفع، وفي الكلام مقدر لم ~~يذكر لوضوحه؛ أي: أول صلاة صلاها متوجها إلى الكعبة صلاة العصر. # قوله: (فخرج رجل) هو عباد بن نهيك -بفتح النون وكسر الهاء-، وأهل المسجد ~~الذين مر بهم قيل: هم من بني سلمة. وهذا غير عباد بن بشر الذي أخبر أهل ~~قباء في صلاة الصبح كما سيأتي بيان ذلك في حديث ابن [81 / ب] عمر؛ حيث ذكره ~~المصنف في كتاب الصلاة (¬3)، ويذكر هناك تقرير الجمع بين هذين الحديثين ~~وغيرهما، مع التنبيه على ما فيهما من الفوائد إن شاء الله. # قوله: (أشهد بالله) أي أحلف، قال الجوهري: يقال: أشهد بكذا؛ أي: أحلف به. # قوله: (قبل مكة) أي: قبل البيت الذي في مكة، ولهذا قال: "فداروا كما هم ~~قبل البيت". و"ما" موصولة، والكاف للمقارنة، و"هم" مبتدأ وخبره محذوف. # قوله: (قد أعجبهم) أي: النبي - صلى الله عليه وسلم -. PageV01P339 # قوله: (وأهل الكتاب) هو بالرفع عطفا على اليهود، من عطف العام على الخاص، ~~وقيل: المراد النصارى؛ لأنهم من أهل الكتاب، وفيه نظر، لأن النصارى لا ~~يصلون لبيت المقدس فكيف يعجبهم، ويحتمل أن يكون بالنصب، والمراد بمعنى: مع، ~~أي: يصلي مع أهل الكتاب إلى بيت المقدس. # قوله: (وأنكروا ذلك) يعني اليهود، فنزلت: {سيقول السفهاء} الآية [البقرة: ~~142]، وقد صرح المصنف بذلك في [روايته] (¬1) من طريق إسرائيل (¬2). # قوله (قال زهير) يعني: ابن معاوية بالإسناد المذكور بحذف أداة العطف ~~كعادته، ووهم ms176 من قال: إنه معلق، وقد ساقه المصنف في التفسير مع جملة الحديث ~~عن أبي نعيم، عن زهير سياقا واحدا (¬3). # قوله: (أنه مات على القبلة) أي: قبلة بيت المقدس قبل أن تحول. # (رجال وقتلوا) ذكر القتل لم أره إلا في رواية زهير، وباقي الروايات إنما ~~فيها ذكر الموت فقط، وكذلك روى أبو داود والترمذي، وابن حبان, والحاكم ~~صحيحا عن ابن عباس (¬4). # والذين ماتوا بعد فرض الصلاة وقبل تحويل القبلة من المسلمين عشرة أنفس ~~فبمكة من قريش: عبد الله بن شهاب، والمطلب بن أزهر الزهريان، والسكران بن ~~عمرو العامرى، وبأرض الحبشة منهم: حطاب -بالمهملة- بن الحارث الجمحي، وعمرو ~~بن أمية الأسدي، وعبد الله بن الحارث السهمي، وعروة بن عبد العزى، وعدي بن ~~نضلة العدويان، ومن الأنصار بالمدينة البراء بن معرور بمهملات، وأسعد بن ~~زرارة، فهؤلاء العشرة متفق عليهم. PageV01P340 # ومات في المدة أيضا إياس بن معاذ الأشهلي، لكنه مختلف في إسلامه، ولم أجد ~~في شيء من الأخبار أن أحدا من المسلمين قتل قبل تحويل القبلة [82 / أ] , ~~فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فيحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر قتل في ~~تلك المدة في غير الجهاد ولم يضبط اسمه لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك. # ثم وجدت في المغازي ذكر رجل اختلف في إسلامه وهو سويد بن الصامت، فقد ذكر ~~ابن إسحاق أنه لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يلقاه الأنصار في ~~العقبة، فعرض عليه الإسلام، فقال: إن هذا لقول حسن، وهموا إلى المدينة فقتل ~~بها في وقعة بعاث -بضم الموحدة وإهمال العين وآخره مثلث- وكانت قبل الهجرة، ~~قال: فكان قومه يقولون: لقد قتل وهو مسلم، فيحتمل أن يكون هو المراد. # * تنبيه: # في هذا الحديث من الفوائد: # * الرد على المرجئة في إنكارهم تسمية أعمال الدين إيمانا، وفيه أن تمني ~~تغيير بعض الأحكام جائز إذا ظهرت المصلحة في ذلك. # * وفيه بيان شرف المصطفى وكرامته على ربه لإعطائه له ما أحب من غير تصريح ~~بالسؤال. # * وفيه بيان ما كان في الصحابة من الحرص على دينهم ms177 والشفقة على إخوانهم، ~~وقد وقع لهم نظير هذه المسألة لما نزل تحريم الخمر كما صح من حديث البراء ~~أيضا، فنزلت: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا. . .}، ~~إلى قوله: {والله يحب المحسنين} [المائدة: 93] (¬1)، وقوله تعالى: {إنا لا ~~نضيع أجر من أحسن عملا} [الكهف: 30]. # ولملاحظة هذا المعنى عقب المصنف هذا الباب بقوله: باب حسن إسلام المرء. PageV01P341 ### || AUTO 31 - باب: حسن إسلام المرء # 41 - قال مالك: أخبرني زيد بن أسلم, أن عطاء بن يسار, أخبره أن أبا سعيد ~~الخدري أخبره أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا أسلم ~~العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان أزلفها، وكان بعد ذلك القصاص، ~~الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها". # قوله: (قال مالك) هكذا ذكره معلقا ولم يوصله في موضع آخر من هذا الكتاب، ~~وقد وصله أبو ذر الهروي في روايته للصحيح فقال عقبه: أناه النضروي هو ~~العباس بن الفضل، قال: حدثنا الحسين بن إدريس، قال: حدثنا هشام بن خالد، ~~حدثنا الوليد بن مسلم، عن مالك به. # وكذا وصله النسائي من رواية الوليد بن مسلم: حدثنا مالك (¬1)، فذكره أتم ~~مما هنا كما سيأتي، وكذا وصله الحسن بن سفيان من طريق عبد الله بن نافع، ~~والبزار من طريق إسحاق الفروي، والإسماعيلي من طريق عبد الله بن وهب، ~~والبيهقي في "الشعب" من طريق إسماعيل بن أبي أويس (¬2): كلهم عن مالك. # وأخرجه الدارقطني [82 / ب] من طريق أخرى عن مالك، وذكر أن معن بن عيسى ~~رواه عن مالك فقال: عن أبي هريرة بدل أبي سعيد، وروايته شاذة. # ورواه سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء مرسلا، رويناه في ~~"الخلعيات"، وقد حفظ مالك الوصل فيه، وهو أتقن لحديث أهل المدينة من غيره, ~~وقال الخطيب: هو حديث ثابت، وذكر البزار أن مالكا تفرد بوصله. PageV01P342 # قوله: (إذا أسلم العبد) هذا الحكم يشترك فيه الرجال والنساء، وذكره بلفظ ~~المذكر تغليبا. # قوله: (فحسن إسلامه) أي: صار إسلامه حسنا ms178 باعتقاده وإخلاصه، ودخوله فيه ~~بالباطن والظاهر. # قوله: (يكفر الله) هو بضم الراء؛ لأن (إذا) وإن كانت [من] (¬1) أدوات ~~الشرط لكنها لا تجزم، واستعمل الجواب مضارعا وإن كان الشرط بلفظ الماضي ~~لكنه بمعنى المستقبل، وفي رواية البزار: "كفر الله" فواخى بينهما. # قوله: (كان أزلفها) كذا لأبي ذر، ولغيره: "زلفها"، وهي بتخفيف اللام كما ~~ضبطه صاحب المشارق، وقال النووي بالتشديد، ورواه الدارقطني من طريق طلحة بن ~~يحيى، عن مالك بلفظ: "ما من عبد يسلم فيحسن إسلامه إلا كتب الله له كل حسنة ~~زلفها ومحا عنه كل خطيئة زلفها" بالتخفيف فيهما، وللنسائي نحوه لكن قال: ~~"أزلفها" (¬2). # وزلف بالتشديد وأزلف بمعنى واحد، أي: أسلف وقدم، قاله الخطابي، وقال في ~~"المحكم": أزلف الشيء: قربه، وزلف مخففا ومثقلا: قدمه، وفي "الجامع": ~~الزلفة يكون في الخير والشر، وقال في "المشارق": زلف بالتخفيف أي: جمع ~~وكسب، وهذا يشمل الأمرين، وأما القربة فلا تكون إلا في الخير. فعلى هذا ~~يترجح رواية غير أبي ذر، لكن منقول الخطابي يساعدها، وقد ثبت في جميع ~~الروايات ما سقط من رواية البخاري وهو: كتابة الحسنات المتقدمة قبل ~~الإسلام. # وقوله: (كتب الله) أي: أمر أن يكتب، وللدارقطني من طريق زيد بن شعيب، عن ~~مالك بلفظ: "يقول الله لملائكته: اكتبوا"، فقيل: إن المصنف أسقط ما زاد ~~غيره عمدا؛ ولأنه مشكل على القواعد. PageV01P343 # قال المازري: الكافر لا يصح منه التقرب؛ فلا يثاب على العمل الصالح ~~الصادر منه [83 / أ] في شركه؛ لأنه من شرط المتقرب أن يكون عارفا بمن يتقرب ~~إليه، والكافر ليس كذلك، وتابعه القاضي عياض على تقرير هذا الإشكال، ~~واستضعف ذلك النووي فقال: الصواب الذي عليه المحققون -بل نقل بعضهم فيه ~~الإجماع- أن الكافر إذا فعل أفعالا جميلة كالصدقة وصلة الرحم ثم أسلم ومات ~~على الإسلام أن ثواب ذلك يكتب له، وأما دعوى أنه مخالف للقواعد فغير مسلم؛ ~~لأنه قد يعتد ببعض أفعال الكافر في الدنيا ككفارة الظهار، فإنه لا يلزمه ~~إعادتها إذا أسلم وتجزئه. انتهى # والحق: أنه لا يلزمه من كتابة الثواب للمسلم في ms179 حال إسلامه تفضلا من الله ~~وإحسانا أن يكون ذلك لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولا، والحديث إنما ~~يتضمن كتابة الثواب، ولم يتعرض للقبول، ويحتمل أن يكون القبول معلقا على ~~إسلامه فيقبل ويثاب إن أسلم وإلا فلا. # وقد جزم بما جزم به النووي: إبراهيم الحربي، وابن بطال وغيرهما من ~~القدماء، والقرطبي وابن المنير من المتأخرين. # قال ابن المنير: المخالف للقواعد دعوى أنه يكتب له ذلك في حال كفره, وأما ~~أن الله يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه مما كان يظنه خيرا ~~فلا مانع منه، كما لو تفضل عليه ابتداء من غير عمل، وكما يتفضل على العاجز ~~بثواب ما كان يعمل وهو قادر، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل ألبتة ~~جاز أن يكتب له ثواب ما عمله غير موفى الشرط، وقال ابن بطال: لله أن يتفضل ~~على عباده بما شاء ولا اعتراض عليه. # قوله: (وكان بعد ذلك القصاص) أي: كتابة المجازاة في الدنيا، وهو مرفوع ~~بأنه اسم كان، ويجوز أن تكون "كان" تامة، وعبر بالماضي لتحقق الوقوع فكأنه ~~وقع، كقوله تعالى: {ونادى أصحاب الجنة} [الأعراف: 44]. # وقوله: (الحسنة) مبتدأ. # و(بعشر) الخبر، والجملة استئنافية. PageV01P344 # وقوله: (إلى سبعمائة) متعلق بتقدير أي: منتهية. # وحكى الماوردي أن بعض العلماء أخذ بظاهر هذه الغاية؛ فزعم أن التضعيف لا ~~يتجاوز سبعمائة، ورد عليه بقوله تعالى: {والله يضاعف لمن يشاء} [البقرة: ~~261]. والآية محتملة [83 / ب] الأمرين، فيحتمل أن يكون المراد أنه يضاعف ~~تلك المضاعفة بأن يجعلها سبعمائة، ويحتمل أن يضاعف السبعمائة بأن يزيد ~~عليها، والمصرح بالرد عليه حديث ابن عباس المخرج عند المصنف في الرقاق ~~ولفظه: "كتب الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة" (¬1). # قوله: (إلا أن يتجاوز الله عنها) زاد سمويه في "فوائده": "إلا أن يعفو ~~الله وهو الغفور". # وفيه دليل على الخوارج وغيرهم من المكفرين بالذنوب والموجبين بخلود ~~المذنبين في النار، فأول الحديث يرد على من أنكر الزيادة والنقص في ~~الإيمان؛ لأن الحسن تتفاوت درجاته، وآخره يرد ms180 على الخوارج والمعتزلة. PageV01P345 # 42 - حدثنا إسحاق بن منصور, قال: حدثنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن ~~همام, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أحسن ~~أحدكم إسلامه، فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل ~~سيئة يعملها تكتب له بمثلها". # قوله: (عن همام) هو: ابن منبه، وهذا الحديث من نسخته المشهورة المروية ~~بإسناد واحد عن عبد الرزاق، عن معمر عنه. # وقد اختلف العلماء في إفراد حديث من نسخة هل يساق بإسنادها ولو لم يكن ~~مبتدأ به أو لا؟ فالجمهور على الجواز ومنهم البخاري، وقد يمتنع، وقيل: يبدأ ~~أبدا بأول حديث ويذكر معه ما أراد، وتوسط مسلم فأتى بلفظ يشعر بأن المفرد ~~من جملة النسخة فيقول في مثل هذا إذا انتهى الإسناد: فذكر أحاديث منها كذا، ~~ثم يذكر أي حديث أراد منها. # قوله: (إذا أحسن أحدكم إسلامه) كذا له ولمسلم وغيرهما (¬1)، ولإسحاق بن ~~راهويه في "مسنده"، عن عبد الرزاق: "إذا حسن إسلام أحدكم"، وكأنه رواه ~~بالمعنى؛ لأنه من لازمه، رواه الإسماعيلي من طريق ابن المبارك، عن معمر ~~كالأول، والخطاب "بأحدكم" بحسب اللفظ للحاضرين، لكن الحكم عام لهم ولغيرهم ~~باتفاق وإن حصل التنازع في كيفية التناول: أهي بالحقيقة اللغوية أو الشرعية ~~أو بالمجاز؟ # قوله: (فكل حسنة) ينبئ أن اللام في قوله في الحديث الذي قبله: "الحسنة ~~بعشر أمثالها" للاستغراق. # قوله: (بمثلها) زاد مسلم، وإسحاق، وإسماعيل في روايتهم: "حتى يلقى الله ~~-عز وجل-" (¬2). PageV01P346 ### || AUTO 32 - باب: أحب الدين إلى الله أدومه # 43 - حدثنا محمد بن المثنى, حدثنا يحيى, عن هشام, قال: أخبرني أبي, عن ~~عائشة, أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها امرأة فقال: "من ~~هذه؟ ". قالت: فلانة. تذكر من صلاتها. قال: "مه، عليكم بما تطيقون، فوالله ~~لا يمل الله حتى تملوا". وكان أحب الدين إليه مادام عليه صاحبه. # قوله: (باب: أحب الدين إلى الله أدومه) مراد المصنف: الاستدلال على أن ~~الإيمان يطلق على الأعمال؛ لأن المراد بالدين هنا العمل، والدين الحقيقي هو ms181 ~~الإسلام، والإسلام الحقيقي مرادف الإيمان، فيصح بهذا مقصوده [84 / أ]. # ومناسبته لما قبله من قوله: "عليكم بما تطيقون"؛ لأنه لما قدم أن الإسلام ~~يحسن بالأعمال الصالحة أراد أن ينبه على أن إجهاد النفس في ذلك إلى حد ~~المغالبة غير مطلوب، وقد تقدم بعض هذا المعنى في باب الدين يسر، وفي هذا ما ~~ليس في ذلك على ما سنوضحه إن شاء الله تعالى. # قوله: (حدثنا يحيى) هو ابن سعيد القطان. # (عن هشام) هو ابن عروة بن الزبير. # قوله: (فقال: من هذه؟ ) للأصيلي: "قال: من هذه؟ " بغير فاء، وموجه على ~~أنه جواب سؤال مقدر كأن قائلا قال: ماذا قال حين دخل؟ قالت: قال: من هذه؟ # قوله: (قلت: فلانة) هذه اللفظة كناية عن كل علم مؤنث فلا ينصرف، زاد عبد ~~الرزاق، عن معمر، عن هشام في هذا الحديث: "حسنة الهيئة" (¬1). PageV01P347 # قوله: (تذكر) بفتح التاء الفوقانية، والفاعل عائشة، وروي بضم الياء ~~التحتانية على البناء لما لم يسم فاعله، أي: يذكرون أن صلاتها كثيرة، ~~ولأحمد، عن يحيى القطان: "لا تنام تصلي" (¬1)، وللمصنف في كتاب صلاة الليل ~~معلقا عن القعنبي، عن مالك، عن هشام (¬2)، وهو موصول في "الموطأ" للقعنبي ~~وحده في آخره: "لا تنام بالليل" (¬3). # وهذه المرأة وقع في رواية مالك المذكورة أنها من بني أسد، ولمسلم (¬4) من ~~رواية الزهري، عن عروة في هذا الحديث: أنها الحولاء -بالمهملة والمد وهو ~~اسمها- بنت تويت -بمثناتين مصغرا- بن حبيب -بفتح المهملة- بن أسد بن عبد ~~العزى من رهط خديجة أم المؤمنين، وفي روايته أيضا: "وزعموا أنها لا تنام ~~الليل" (¬5). وهذا يؤيد الرواية الثانية في أنها نقلت عن غيرها. # فإن قيل: وقع في حديث الباب حديث هشام: "دخل عليها وهي عندها"، وفي رواية ~~الزهري: "أن الحولاء مرت بها"، فظاهره التغاير، فيحتمل أن تكون المارة ~~امرأة غيرها من بني أسد أيضا أو أن قصتها تعددت؟ # والجواب: أن القصة واحدة، ويبين ذلك رواية محمد بن إسحاق، عن هشام في هذا ~~الحديث، ولفظه: "مرت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحولاء بنت تويت". ~~أخرجه محمد ms182 بن نصر في كتاب "قيام الليل" له، فيحمل على أنها كانت أولا عند ~~عائشة، فلما دخل - صلى الله عليه وسلم -[84 / ب] على عائشة قامت المرأة كما ~~في رواية حماد بن سلمة الآتية، فلما قامت لتخرج مرت به في حال ذهابها فسأل ~~عنها، وبهذا تجتمع الروايات. PageV01P348 # * تنبيه: # قال ابن التين: لعلها أمنت عليها الفتنة فلذلك مدحتها في وجهها. # قلت: لكن رواية حماد بن سلمة، عن هشام في هذا الحديث تدل على أنها ما ~~ذكرت ذلك إلا بعد أن خرجت المرأة، أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده من طريقه، ~~ولفظه: "كانت عندي امرأة فلما قامت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من هذه يا عائشة؟ " قلت: يا رسول الله هذه فلانة وهي أعبد أهل المدينة" ~~فذكر الحديث (¬1). # قوله: (مه). قال الجوهري: هي كلمة مبنية على السكون، وهي اسم سمي به ~~الفعل، والمعنى: اكفف، يقال: مهمهته، إذا زجرته، فإن وصلت نونت فقلت: "مه". # وقال الداوودي: أصل هذه الكلمة: "ما هذا؟ ! " كالإنكار، فطرحوا بعض اللفظ ~~فقالوا: مه، فصيروا الكلمتين كلمة. # وهذا الزجر يحتمل أن يكون لعائشة، والمراد: نهيها عن مدح المرأة بما ~~ذكرت، ويحتمل أن يكون المراد: النهي عن ذلك الفعل، وقد أخذ بذلك جماعة من ~~الأئمة فقالوا: يكره صلاة جميع الليل كما سيأتي في مكانه. # قوله: (عليكم بما تطيقون) أي: اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة ~~عليه، فمنطوقه يقتضي الأمر بالاقتصار على ما يطاق من العبادة، ومفهومه ~~يقتضي النهي عن تكلف ما لا يطاق. # وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون هذا خاصا بصلاة الليل، ويحتمل أن يكون ~~عاما في الأعمال الشرعية. # قلت: سبب وروده خاص بالصلاة، لكن اللفظ عام وهو المعتبر. # وقد عبر بقوله: "عليكم" مع أن المخاطب النساء طلبا لتعميم الحكم فغلب ~~الذكور على الإناث. PageV01P349 # قوله: (فوالله) فيه جواز الحلف من غير استحلاف، فقد يستحب إذا كان في ~~تفخيم أمر من أمور الدين، أو حث عليه، أو تنفير عن محذور. # قوله: (لا يمل الله حتى تملوا) هو بفتح الميم في ms183 الموضعين، والملال: ~~استثقال الشيء ونفور النفس عنه بعد محبته، وهو محال على الله تعالى باتفاق، ~~قال الإسماعيلي، وجماعة من المحققين: إنما أطلق هذا على جهة المقابلة ~~اللفظية مجازا، كما قال تعالى [85 / أ] {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: ~~40]. وأنظاره. # قال القرطبي: وجهة مجازه أنه تعالى لما كان قطع ثوابه عمن قطع العمل ~~ملالا عبر عن ذلك بالإملال، من باب تسمية الشيء باسم سببه. # وقال الهروي: معناه لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله فتزهدوا في الرغبة إليه. # وقال غيره: معناه لا يتناهى حقه عليكم في الطاعة حتى يتناهى جهدكم. # وهذا كله بناء على أن "حتى" على بابها في انتهاء الغاية، وما يترتب عليها ~~من المفهوم، وجنح بعضهم إلى تأويلها، فقيل: معناه: لا يمل الله إذا مللتم، ~~وهو مستعمل في كلام العرب، يقولون: لا أفعل كذا حتى يبيض القار، أو حتى ~~يشيب الغراب، ومنه قولهم في البليغ: لا ينقطع حتى تنقطع خصومه، لأنه لو ~~انقطع حين ينقطعون لم يكن له عليهم مزية، وهذا المثال أشبه من الذي قبله؛ ~~لأن شيب الغراب ليس ممكنا عادة بخلاف الملل من العابد. # وقال المازري: قيل: إن حتى هنا بمعنى الواو، فيكون التقدير: لا يمل ~~وتملون، فنفى عنه الملل وأثبته لهم، قال: وقيل: حتى بمعنى: حين، والأول ~~أليق وأجرى على القواعد، وأنه من باب المقابلة اللفظية. # وقال ابن حبان في "صحيحه" (¬1): هذا من ألفاظ التعارف التي لا يتهيأ ~~للمخاطب أن يعرف القصد مما يخاطب به إلا بها، وهذا رأيه في جميع المتشابه. PageV01P350 # قوله: (أحب) قال القاضي أبو بكر ابن العربي: معنى المحبة من الله: تعلق ~~الإرادة بالثواب، أي: أكثر الأعمال ثوابا أدومها. # قوله: (إليه) في رواية المستملي وحده: "إلى الله"، وكذا في رواية عبدة، ~~عن هشام عند إسحاق بن راهويه في "مسنده" (¬1)، وكذا للمصنف، ومسلم من طريق ~~أبي سلمة، ولمسلم عن القاسم كلاهما عن عائشة (¬2)، وهذا موافق لترجمة الباب. # وقال باقي الرواة عن هشام: "وكان أحب الدين إليه، أي: إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم ms184 -"، وصرح به المصنف في الرقاق في رواية مالك، عن هشام ~~(¬3)، وليس بين الروايتين تخالف؛ لأن ما كان أحب إلى الله كان أحب إلى رسوله. # قال النووي: بدوام القليل تستمر الطاعة بالذكر والمراقبة والإخلاص [85 / ~~ب] والإقبال على الله، بخلاف الكثير الشاق حتى ينمو القليل الدائم بحيث ~~يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة. # وقال ابن الجوزي: إنما أحب الدائم لمعنيين: # أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخوا فيه كالمعرض بعد الوصل، فهو معرض ~~للذم، ولهذا أورد الوعيد في حق من حفظ آية ثم نسيها، وإن كان قبل حفظها لا ~~يتعين عليه. PageV01P351 # ثانيهما: أن مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب في كل يوم ~~وقتا ما كمن لازم يوما كاملا ثم انقطع. # وزاد المصنف ومسلم من طريق أبي سلمة، عن عائشة: "وإن أحب الأعمال إلى ~~الله ما دووم عليه وإن قل". PageV01P352 ### || AUTO 33 - باب: زيادة الإيمان ونقصانه # وقول الله تعالى: {وزدناهم هدى}، {ويزداد الذين آمنوا إيمانا} وقال: ~~{اليوم أكملت لكم دينكم}، فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص # 44 - حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا هشام، قال: حدثنا قتادة، عن أنس، ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يخرج من النار من قال: لا إله إلا ~~الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، ~~وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي ~~قلبه وزن ذرة من خير". # قال أبو عبد الله: قال أبان: حدثنا قتادة، حدثنا أنس، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "من إيمان". مكان: "من خير". # قوله: (باب زيادة الإيمان ونقصانه) تقدم له قبل بستة عشر بابا: "باب: ~~تفاضل أهل الإيمان في الأعمال"، وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدري بمعنى حديث ~~أنس الذي أورده هنا، وتعقب عليه بأنه تكرار. # وأجيب عنه: بأن الحديث لما كانت الزيادة والنقصان فيه باعتبار الأعمال أو ~~باعتبار التصديق ترجم لكل من الاحتمالين، وخص حديث أبي سعيد بالأعمال؛ لأن ~~سياقه ms185 ليس فيه تفاوت بين الموزونات، بخلاف حديث أنس ففيه التفاوت في ~~الإيمان القائم بالقلب من وزن الشعيرة والبرة والذرة. # قال ابن بطال: التفاوت في التصديق على قدر العلم والجهل، فمن قل علمه كان ~~تصديقه مثلا بمقدار ذرة، والذي فوقه في العلم تصديقه بمقدار برة أو شعيرة، ~~إلا أن أصل التصديق الحاصل في قلب كل واحد منهم لا يجوز عليه النقصان، ~~ويجوز عليه الزيادة بزيادة العلم والمعاينة. انتهى # وقد تقدم كلام النووي في أول الكتاب بما يشير إلى هذا المعنى. PageV01P353 # فإن قيل: فلم أعاد في هذا الباب الآيتين المذكورتين فيه وقد تقدما في أول ~~كتاب الإيمان؟ # فالجواب: أنه أعادهما ليوطئ بهما معنى الكمال المذكور في الآية التالية؛ ~~لأن الاستدلال بهما نص في الزيادة وهو مستلزم للنقص، وأما الكمال فليس نصا ~~في الزيادة بل هو مستلزم للنقص فقط، واستلزامه للنقص يستدعي قبوله للزيادة، ~~ومن ثم قال المصنف: "فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص"، ولهذه [86 / أ] ~~النكتة عدل في التعبير للآية الثالثة عن أسلوب الآيتين، حيث قال أولا: ~~"وقول الله". وقال ثانيا: "وقال". # وبهذا التقرير يندفع اعتراض من اعترض عليه بأن آية: {اليوم أكملت لكم} ~~[المائدة: 3]. لا دليل فيها على مراده؛ لأن الإكمال إن كان بمعنى إظهار ~~الحجة على المخالفين أو بمعنى إظهار أهل الدين على المشركين فلا حجة للمصنف ~~فيه، وإن كان بمعنى إكمال الفرائض لزم عليه أنه كان قبل ذلك ناقصا، وأن من ~~مات من الصحابة قبل نزول الآية كان إيمانه ناقصا، وليس الأمر كذلك؛ لأن ~~الإيمان لم يزل تاما. # ويوضح دفع هذا الاعتراض جواب القاضي أبو بكر ابن العربي: بأن النقص أمر ~~نسبي، لكن منه ما يترتب عليه الذم، ومنه ما لا يترتب، فالأول ما نقصه ~~بالاختيار كمن علم وظائف الدين ثم تركها، والثاني ما نقصه بغير اختيار كمن ~~لم يعلم أو لم يكلف، فهذا لا يذم بل يحمد من جهة أنه إن كان قلبه مطمئنا ~~بأنه لو زيد لقبل ولو كلف لعمل، وهذا شأن الصحابة الذين ماتوا ms186 قبل نزول ~~الفرائض، ومحصله: أن النقص بالنسبة إليهم صوري، ولهم فيه رتبة الكمال من ~~حيث المعنى. # قوله: (هشام) هو ابن أبي عبد الله الدستوائي، يكنى أبا بكر، وفي طبقته ~~هشام بن حسان لكنه لم يرو هذا الحديث. # قوله: (يخرج) بفتح أوله وضم الراء، ويروى بالعكس، ويؤيده قوله في الرواية ~~الأخرى: "أخرجوا" (¬1). PageV01P354 # قوله: (من قال لا إله إلا الله وفي قلبه) فيه دليل على اشتراط النطق ~~بالتوحيد، أو المراد بالقول هنا: القول النفسي، فالمعنى: من أقر بالتوحيد ~~وصدق فالإقرار لابد منه، فلهذا أعاده في كل مرة، والتفاوت يحصل في التصديق ~~على الوجه المتقدم. # فإن قيل: فكيف لم يذكر الرسالة؟ # فالجواب: أن المراد: المجموع، وصار الجزء الأول علما عليه، كما يقول: ~~قرأت: {قل هو الله أحد} أي: السورة كلها. # قوله: (برة) بضم الموحدة وتشديد الراء المفتوحة: وهي القمحة، ومقتضاه: أن ~~وزن البرة دون وزن الشعيرة؛ لأنه قدم الشعيرة وتلاها بالبرة ثم الذرة، ~~وكذلك هو في بعض البلاد. # فإن قيل: إن السياق بالواو وهي لا ترتب. # فالجواب: أن رواية مسلم من هذا الوجه بلفظ: "ثم" (¬1)، وهي [86 / ب] ~~للترتيب. # قوله: (ذرة) بفتح المعجمة وتشديد الراء المفتوحة، وصحفها شعبة فيما رواه ~~مسلم من طريق يزيد بن زريع عنه فقال: "ذرة" -بضم المعجمة وتخفيف الراء-، ~~وكأن الحامل له على ذلك كونها من الحبوب فناسبت الشعيرة والبرة، قال مسلم ~~في روايته: قال يزيد: "صحف فيها أبو بسطام" (¬2)، يعني: شعبة. # ومعنى الذرة: قيل: هي أقل الأشياء الموزونة، وقيل: هو الهباء الذي يظهر ~~في شعاع الشمس مثل رءوس الإبر، وقيل: هي النملة الصغيرة، ويروى عن ابن عباس ~~أنه قال: إذا وضعت كفك في التراب ثم نفضتها فالساقط هو الذر، ويقال: إن ~~أربع ذرات وزن خردلة، وللمصنف في أواخر التوحيد من طريق حميد، عن أنس ~~مرفوعا: "أدخل PageV01P355 # الجنة من كان في قلبه خردلة ثم من كان في قلبه أدنى شيء" (¬1). فهذا معنى الذرة. # قوله: (قال أبان) هو ابن يزيد العطار، وهذا التعليق وصله الحاكم في كتاب ~~"الأربعين" له من ms187 طريق أبي سلمة قال: حدثنا أبان بن يزيد فذكر الحديث، ~~وفائدة إيراد المصنف له من وجهين: # أحدهما: تصريح قتادة فيه بالتحديث عن أنس. # ثانيهما: تعبيره في المتن بقوله: "من إيمان" بدل قوله: "من خير"، فبين أن ~~المراد بالخير هنا: الإيمان. # فإن قيل: على الأولى لم لم يكتف بطريق أبان السالمة من التدليس ويسوقها ~~موصولة؟ # فالجواب: أن أبان وإن كان مقبولا لكن هشام أتقن منه وأضبط، فجمع المصنف ~~بين المصلحتين، والله الموفق. # وسيأتي الكلام على بقية هذا المتن في كتاب التوحيد حيث ذكر المصنف حديث ~~الشفاعة الطويل من هذا الوجه، ورجال هذا الحديث موصولا ومعلقا كلهم بصريون. PageV01P356 # 45 - حدثنا الحسن بن الصباح، سمع جعفر بن عون، حدثنا أبو العميس، أخبرنا ~~قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطاب، أن رجلا من اليهود قال ~~له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرءونها لو علينا معشر اليهود نزلت ~~لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: أي آية؟ قال: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}. قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان ~~الذي نزلت فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو قائم بعرفة يوم جمعة. # قوله: (حدثنا الحسن بن الصباح، سمع جعفر بن عون) مراده: "أنه سمع"، وجرت ~~عادتهم بحذف "أنه" في مثل هذا خطا لا نطقا. # قوله: (أن رجلا من اليهود) هذا الرجل هو كعب الأحبار بين ذلك مسدد في ~~مسنده، والطبري في تفسيره، والطبراني في الأوسط، كلهم من طريق رجاء بن أبي ~~سلمة، عن عبادة بن نسي -بضم النون وفتح المهملة-، عن إسحاق بن قبيصة بن ~~ذؤيب، عن كعب (¬1)، وللمصنف في المغازي من طريق الثوري، عن قيس بن مسلم أن ~~ناسا من [87 / أ] اليهود (¬2)، وله في التفسير من هذا الوجه بلفظ: "قالت ~~اليهود" (¬3)، فيحمل على أنهم كانوا حين سؤال كعب عن ذلك جماعة وتكلم كعب ~~على لسانهم. PageV01P357 # قوله: (لاتخذنا. . . إلى آخره) أي: لعظمناه وجعلناه عيدا لنا في كل سنة ~~لعظم ما حصل فيه من ms188 إكمال الدين، والعيد: فعل من العود، وإنما سمي به؛ لأنه ~~يعود في كل عام. # قوله: (نزلت فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم -) زاد مسلم عن عبد بن ~~حميد، عن جعفر بن عون في هذا الحديث ولفظه: "إني لأعلم اليوم الذي أنزلت ~~فيه، والمكان الذي نزلت فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم -" (¬1). # فإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال لأنه قال: "لاتخذناه عيدا". وأجاب عمر ~~بمعرفة الوقت والمكان، ولم يقل: جعلناه عيدا؟ # والجواب عن هذا: أن هذه الرواية اكتفى فيها بالإشارة، وإلا فرواية إسحاق ~~بن قبيصة (¬2) التي قدمناها قد نصت على المراد، ولفظه: "نزلت يوم جمعة يوم ~~عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد"، لفظ الطبري والطبراني: "وهما لنا عيدان" (¬3). # فإن قيل: كيف دلت هذه القصة على ترجمة الباب؟ # أجيب: من جهة أنها بينت أن نزولها كان بعرفة، وكان ذلك في حجة الوداع ~~التي هي آخر عهد البعثة حين تمت الشريعة وأركانها، والله أعلم. PageV01P358 ### || AUTO 34 - باب: الزكاة من الإسلام # وقوله: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا ~~الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}. # 46 - حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك بن أنس، عن عمه أبي سهيل بن مالك، ~~عن أبيه، أنه سمع طلحة بن عبيد الله، يقول: جاء رجل إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من أهل نجد، ثائر الرأس، يسمع دوي صوته، ولا يفقه ما يقول ~~حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"خمس صلوات في اليوم والليلة". فقال: هل علي غيرها؟ قال: "لا، إلا أن ~~تطوع". قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وصيام رمضان". قال: هل علي ~~غيره؟ قال: "لا، إلا أن تطوع". قال: وذكر له رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الزكاة. قال: هل علي غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع". قال: فأدبر ~~الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أفلح إن صدق". # قوله: (باب الزكاة ms189 من الإسلام. {وما أمروا}) كذا لأبي ذر، ولغيره: (وقول ~~الله: {وما أمروا} [البينة: 5])، ويأتي فيه ما مضى في باب الصلاة من ~~الإيمان، والآية دالة على ما ترجم له؛ لأن المراد بقوله: {دين القيمة}: دين ~~الإسلام، و (القيمة): المستقيمة، وقد جاء قام بمعنى استقام أيضا في قوله ~~تعالى: {أمة قائمة} [آل عمران: 113]؛ أي: مستقيمة، وإنما خص الزكاة ~~بالترجمة؛ لأن باقي ما ذكر في الآية والحديث قد أفرده بتراجم أخرى. # ورجال إسناد هذا الحديث كلهم مدنيون، ومالك والد أبي سهيل هو ابن عامر ~~الأصبحي حليف طلحة بن عبيد الله، وإسماعيل هو ابن أبي أويس [ابن] (¬1) أخت ~~الإمام مالك، فهو من رواية إسماعيل، عن خاله، عن عمه، عن أبيه، عن حليفه، ~~فهو مسلسل بالأقارب، كما هو مسلسل بالبلد. PageV01P359 # قوله: (جاء رجل) زاد أبو ذر: "من أهل نجد"، وكذا هو في الموطأ ومسلم (¬1). # قوله: (ثائر الرأس) هو مرفوع على الصفة، ويجوز نصبه على الحال، والمراد ~~أن شعره متفرق [من ترك الرفاهية، ففيه إشارة إلى قرب عهده بالوفادة، وأوقع ~~اسم الرأس على الشعر] (¬2) إما مبالغة، أو لأن الشعر منه ينبت. # قوله: (يسمع) بضم الياء على البناء، أو بالنون المفتوحة للجمع، وكذا في ~~"يفقه". # قوله: (دوي) بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء كذا في روايتنا. قال ~~القاضي عياض: جاء عندنا في البخاري بضم الدال، قال: والصواب الفتح. # وقال الخطابي: الدوي: صوت مرتفع متكرر لا يفهم، وإنما كان كذلك لأنه نادى ~~من بعد. # وهذا الرجل جزم ابن بطال وآخرون بأنه ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر، ~~والحامل لهم على ذلك: إيراد مسلم لقصته عقب حديث طلحة؛ ولأن في كل منهما ~~أنه بدوي، وأن كلا منهما قال في آخر حديثه: "لا أزيد على هذا ولا أنقص"، ~~لكن تعقبه القرطبي بأن سياقهما مختلف وأسئلتهما متباينة، قال: ودعوى أنها ~~قصة واحدة دعوى فرط وتكلف شطط من غير ضرورة، والله أعلم. # قوله: (فإذا هو يسأل عن الإسلام) أي: عن شرائع الإسلام، ويحتمل أنه سأل ~~عن حقيقة الإسلام، وإنما لم ms190 يذكر له الشهادة لأنه علم أنه يعلمها، أو علم ~~أنه إنما يسأل عن الشرائع الفعلية، أو ذكرها فلم ينقلها الراوي لشهرتها. # وإنما لم يذكر الحج إما لأنه لم يكن فرض بعد، أو الراوي اختصره، ويؤيد ~~هذا الثاني: ما أخرجه المصنف في الصيام من طريق إسماعيل بن جعفر، عن أبي ~~سهيل في هذا الحديث قال: "فأخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - بشرائع ~~الإسلام" (¬3)، فدخل فيه باقي المفروضات بل والمندوبات. PageV01P360 # قوله: (خمس صلوات) في رواية إسماعيل بن جعفر المذكورة أنه قال في سؤاله: ~~"أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس"، فتبين بهذا ~~مطابقة الجواب للسؤال. # ويستفاد من سياق مالك: أنه لا يجب شيء من الصلوات في كل يوم وليلة غير ~~الخمس، خلافا لمن أوجب الوتر، أو ركعتي الفجر، أو صلاة الضحى، أو العيد، أو ~~الركعتين بعد المغرب. # قوله: (هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع) تطوع: بتشديد الطاء والواو، ~~وأصله: تتطوع بتاءين، فأدغمت إحداهما، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحداهما. # واستدل بهذا على أن الشروع في التطوع يوجب إتمامه، تمسكا بأن الاستثناء ~~فيه متصل، قال القرطبي: لأنه نفى [وجوب] (¬1) شيء آخر إلا ما تطوع به، ~~والاستثناء من النفي إثبات، ولا قائل بوجوب التطوع، فيتعين أن يكون المراد ~~إلا أن تشرع في تطوع فيلزمك إتمامه. # وتعقبه الطيبي بأن ما تمسك به مغالطة؛ لأن الاستثناء هنا من غير الجنس؛ ~~لأن التطوع لا يقال فيه: "عليك"، فكأنه قال: لا يجب عليك شيء إلا إن أردت ~~أن تطوع فذلك لك، وقد علم أن التطوع ليس بواجب، فلا يجب شيء آخر أصلا. # كذا قال، وحرف المسألة دائر على الاستثناء، فمن قال: إنه متصل، تمسك ~~بالأصل، ومن قال: إنه منقطع، احتاج إلى دليل، والدليل عليه ما روى النسائي ~~وغيره: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أحيانا ينوي صوم التطوع ثم ~~يفطر (¬2)، وفي البخاري أنه أمر جويرية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد ~~أن شرعت فيه (¬3)، فدل على أن الشروع في العبادة لا ms191 يستلزم الإتمام إذا ~~كانت نافلة بهذا النص في الصوم وبالقياس في الباقي. PageV01P361 # فإن قيل: يرد الحج. # قلنا: لا؛ لأنه امتاز عن غيره بلزوم المضي في فاسده فكيف في صحيحه؟ ! ~~وكذلك امتاز بلزوم الكفارة في نفله كفرضه، والله أعلم. # قوله: (والله) في رواية إسماعيل بن جعفر قال: "والذي أكرمك" (¬1)، وفيه ~~جواز الحلف في الأمر المهم، وقد تقدم. # قوله: (وذكر له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزكاة) في رواية ~~إسماعيل بن جعفر: "قال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة، قال: فأخبره ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرائع الإسلام" (¬2)، فتضمنت هذه ~~الرواية أن في القصة أشياء أجملت، منها بيان نصب الزكاة فإنها لم تفسر في ~~الروايتين، وكذلك أسماء الصلوات، وكأن السبب فيه شهرة ذلك عندهم، أو القصد ~~من القصة: بيان أن المتمسك بالفرائض ناج وإن لم يفعل النوافل. # قوله: (أفلح إن صدق) وقع عند مسلم من رواية إسماعيل بن جعفر المذكورة: ~~"أفلح وأبيه إن صدق أو دخل الجنة وأبيه إن صدق" (¬3)، ولأبي داود مثله لكن ~~بحذف "أو" (¬4). # فإن قيل: ما الجامع بين هذا وبين النهي عن الحلف بالآباء؟ # أجيب: بأن ذلك كان قبل النهي، أو بأنها كلمة جارية على [88 / ب] اللسان ~~لا يقصد بها الحلف كما جرى على لسانهم: "عقرى حلقى" وما أشبه ذلك، أو فيه ~~إضمار اسم الرب، كأنه قال: ورب أبيه، وقيل: هو خاص؛ ويحتاج إلى دليل. # وحكى البيهقي (¬5) عن بعض مشايخه أنه تصحيف وإنما كان "والله" فقصرت ~~اللامان، واستنكر القرطبي هذا وقال: إنه يجزم الثقة بالروايات الصحيحة. # وقال ابن بطال: دل قوله: "أفلح إن صدق" على أنه [إن] (¬6) لم يصدق فيما ~~التزم لا يفلح، وهذا بخلاف قول المرجئة. PageV01P362 # فإن قيل: كيف أثبت له الفلاح بمجرد ما ذكر مع أنه لم يذكر المنهيات؟ # أجاب ابن بطال: باحتمال أن يكون ذلك وقع قبل ورود فرائض النهي. # وهو عجيب منه؛ لأنه جزم بأن السائل ضمام، وأقدم ما قيل فيه أنه وفد سنة ~~خمس، وقيل بعد ذلك، وقد كان أكثر ms192 المنهيات واقعا قبل ذلك والصواب أن ذلك ~~داخل في عمومه. # قوله: (فأخبره بشرائع الإسلام) كما أشرنا إليه. # فإن قيل: أما فلاحه بأنه لا ينقص فواضح، وأما بأن يزيد فكيف يصح؟ # أجاب النووي: بأنه أثبت له الفلاح لأنه أتى بما عليه، وليس فيه أنه إذا ~~أتى بزائد على ذلك لا يكون مفلحا؛ لأنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب ~~مع الواجب أولى. # فإن قيل: فكيف أقره على حلفه وقد ورد النكير على من حلف ألا يفعل خيرا؟ # أجيب: بأن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا جار على الأصل بأنه ~~لا إثم على غير تارك الفرائض، فهو مفلح وإن كان غيره أكثر فلاحا منه. # وقال الطيبي: يحتمل أن يكون هذا الكلام صدر منه على طريق المبالغة في ~~التصديق والقبول. # وقال ابن المنير: يحتمل أن تكون الزيادة والنقص تتعلق بالإبلاغ؛ لأنه كان ~~وافد قومه ليتعلم ويعلمهم. # قلت: والاحتمالان مردودان برواية إسماعيل بن جعفر، فإن نصها: "لا أتطوع ~~شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا" (¬1). # وقيل: مراده بقوله: "لا أزيد ولا أنقص" أي: لا أغير صفة الفرض، كمن ينقص ~~الظهر ركعة مثلا، أو يزيد المغرب. # قلت: ويعكر عليه أيضا لفظ التطوع في رواية إسماعيل بن جعفر (¬2)، والله ~~أعلم. PageV01P363 ### || AUTO 35 - باب: اتباع الجنائز من الإيمان # 47 - حدثنا أحمد بن عبد الله بن علي المنجوفي، قال: حدثنا روح، قال: ~~حدثنا عوف، عن الحسن، ومحمد، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا، وكان معه حتى يصلي ~~عليها، ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ~~ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط". # تابعه عثمان المؤذن قال: حدثنا عوف، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - نحوه. # قوله: (باب: اتباع الجنائز من [89 / أ] الإيمان) ختم المصنف التراجم التي ~~وقعت له من شعب الإيمان بهذه الترجمة؛ لأن ذلك آخر أحوال الدنيا، ووجه ~~الدلالة من الحديث ms193 للترجمة قد نبهنا عليه في نظيره قبل. # قوله: (المنجوفي) هو بفتح الميم وسكون النون وضم الجيم وبعد الواو ~~الساكنة فاء، نسبة إلى جد جده منجوف السدوسي، وهو بصري، وكذا باقي رجال ~~الإسناد غير الصحابي. # و(روح) -بفتح الراء-: هو ابن عبادة القيسي. # و(عوف) هو ابن أبي جميلة -بفتح الجيم- الأعرابي -بفتح الهمزة-، وإنما قيل ~~له ذلك لفصاحته، وكنيته أبو سهل، واسم أبيه بندويه بموحدة مفتوحة ثم نون ~~ساكنة ثم دال مهملة بوزن راهويه. # و(الحسن) هو ابن أبي الحسن البصري. # و(محمد) هو ابن سيرين، وهو مجرور بالعطف على الحسن، فالحسن وابن سيرين ~~حدثا به عوفا، عن أبي هريرة إما مجتمعين وإما متفرقين، فأما ابن سيرين ~~فسماعه من أبي هريرة صحيح، وأما الحسن فمختلف في سماعه منه، والأكثر على PageV01P364 # نفيه، وتوهيم من أثبته، وهو مع ذلك كثير الإرسال فلا تحمل عنعنته على ~~السماع، وإنما أورده المصنف كما سمع، وقد وقع له نظير هذا في قصة موسى، ~~فإنه أخرج فيها حديثا من طريق روح بن عبادة بهذا الإسناد (¬1)، وأخرج أيضا ~~في بدء الخلق من طريق عوف عنهما، عن أبي هريرة حديثا آخر (¬2)، واعتماده في ~~كل ذلك على محمد بن سيرين، والله أعلم. # قوله: (من اتبع) هو بالتشديد، وللأصيلي: "تبع" بحذف الألف وكسر الموحدة، ~~وقد [تمسك] (¬3) بهذا اللفظ من زعم أن المشي خلفها أفضل، ولا حجة فيه؛ لأنه ~~يقال: تبعه إذا مشى خلفه أو إذا مر به فمشى معه، وكذلك اتبعه بالتشديد، ~~فإذن هو مقول بالاشتراك، وقد بين المراد الحديث الآخر المصحح عند ابن حبان ~~(¬4)، وغيره (¬5) من حديث ابن عمر في المشي أمامها، وأما أتبعه بالإسكان ~~فهو بمعنى: لحقه إذا كان سبقه، ولم تأت به الرواية هنا. # قوله: (وكان معه) أي: مع المسلم، وللكشميهني: "معها" أي: مع الجنازة. # قوله (حتى يصلي) بكسر اللام، ويروى بفتحها، فعلى الأول لا يحصل الموعود ~~به إلا لمن توجد منه الصلاة، وعلى الثاني قد يقال: قد يحصل له ذلك ولو لم PageV01P365 # يصل، أما إذا قصد الصلاة وحال دونه مانع فالظاهر حصول ms194 الوعد له مطلقا، ~~والله أعلم. # قوله: (ويفرغ) بضم أوله وفتح الراء، ويروى بعكسه، وقد بينت هذه الرواية ~~أن القيراطين إنما يحصلان بمجموع الصلاة والدفن، وأن الصلاة دون الدفن يحصل ~~بها قيراط واحد، وهذا هو المعتمد خلافا لمن تمسك بظاهر بعض الروايات، فزعم ~~أنه يحصل بالمجموع لأنه قراريط، وسنذكر بقية مباحثه وفوائده في كتاب ~~الجنائز إن شاء الله. # قوله: (تابعه) أي: روح بن عبادة. # و(عثمان) هو ابن الهيثم، وهو من شيوخ البخاري، فإن كان سمع هذا الحديث ~~منه فهو له أعلى بدرجة، لكنه ذكر الموصول عن روح لكونه أشد إتقانا منه، ~~ونبه برواية عثمان على أن الاعتماد في هذا السند على محمد بن سيرين فقط؛ ~~لأنه لم يذكر الحسن، فكأن عوفا كان ربما ذكره وربما حذفه، وقد حدث به ~~المنجوفي شيخ البخاري مرة بإسقاط الحسن، أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من طريقه. # ومتابعة عثمان هذه وصلها أبو نعيم في "المستخرج" قال: حدثنا أبو إسحاق بن ~~حمزة، قال: حدثنا أبو طالب بن أبي عوانة، قال حدثنا سليمان بن سيف، قال: ~~حدثنا عثمان بن الهيثم فذكر [الحديث] (¬1)، ولفظه موافق لرواية روح إلا في ~~قوله: "وكان معها"، فإنه قال بدلها: "فلزمها"، وفي قوله: "ويفرغ من دفنها"، ~~فإنه قال بدلها: "وتدفن"، وقال في آخره: "فله قيراط" بدل قوله: "فإنه يرجع ~~بقيراط"، والباقي سواء. ولهذا الاختلاف في اللفظ قال المصنف: "نحوه" وهو ~~بفتح الواو، أي: بمعناه. PageV01P366 ### || AUTO 36 - باب: خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر # وقال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا. # وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل ~~وميكائيل. # ويذكر عن الحسن: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق. وما يحذر من ~~الإصرار على التقاتل والعصيان من غير توبة؛ لقول الله تعالى: {ولم يصروا ~~على ما فعلوا وهم يعلمون (135)} [آل عمران: 135]. # قوله: (باب خوف المؤمن من ms195 أن يحبط عمله وهو لا يشعر). # هذا الباب معقود للرد على المرجئة خاصة، وإن كان أكثر ما مضى من الأبواب ~~قد تضمن الرد عليهم، لكن قد يشركهم غيرهم من أهل البدع في شيء منها بخلاف هذا. # والمرجئة: -بضم الميم وكسر الجيم بعدها ياء مهموزة ويجوز تشديدها بلا ~~همز-، نسبوا إلى الإرجاء: وهو التأخير؛ لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان، ~~فقالوا: [90 / أ] الإيمان هو: التصديق بالقلب فقط، ولم يشترط جمهورهم ~~النطق، وجعلوا للعصاة اسم الإيمان على الكمال، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ~~ذنب أصلا، ومقالاتهم مشهورة في كتب الأصول. # ومناسبة إيراد هذه الترجمة عقب التي قبلها من جهة أن اتباع الجنازة مظنة ~~لأن يقصد بها مراعاة أهلها أو مجموع الأمرين، وسياق الحديث يقتضي أن الأجر ~~الموعود به إنما يحصل لمن صنع ذلك احتسابا أي: خالصا، فعقبه بما يشير إلى ~~أنه قد يعرض للمرء ما يعكر على قصده الخالص فيحرم به الثواب الموعود وهو لا ~~يشعر. PageV01P367 # قوله: (أن يحبط عمله) أي: يحرم ثواب عمله؛ لأنه لا يثاب إلا على ما أخلص ~~فيه، وبهذا التقرير يندفع اعتراض من اعترض عليه بأنه يقوي مذهب الإحباطية ~~الذين يقولون: إن السيئات يبطلن الحسنات، وقال القاضي أبو بكر ابن العربي ~~في الرد عليهم: القول الفصل في هذا أن الإحباط إحباطان: # أحدهما: إبطال الشيء للشيء وإذهابه جملة، كإحباط الكفر للإيمان والإيمان ~~للكفر، وذلك في الجهتين إذهاب حقيقي. # ثانيهما: إحباط الموازنة إذا جعلت الحسنات في كفة والسيئات في كفة، فمن ~~رجحت حسناته نجا، ومن رجحت سيئاته وقف في المشيئة، إما أن يغفر له وإما أن ~~يعذب، فالتوقيف إبطال ما؛ لأن توقف المنفعة في وقت الحاجة إليها إبطال لها، ~~والتعذيب إبطال أشد منه إلى حين الخروج من النار، ففي كل منهما إبطال نسبي، ~~أطلق عليه اسم الإحباط مجازا، وليس هو إحباطا حقيقة؛ لأنه إذا خرج من النار ~~وأدخل الجنة عاد إليه ثواب عمله، وهذا بخلاف قول الإحباطية الذين سووا بين ~~الإحباطين، وحكموا على العاصي بحكم الكافر، وهم معظم القدرية، والله ms196 ~~الموفق. # قوله: (وقال إبراهيم التيمي) هو من فقهاء التابعين وعبادهم. # قوله: (مكذبا) يروى بفتح الذال، يعني: خشيت أن يكذبني من رأى عملي مخالفا ~~لقولي فيقول: لو كنت صادقا ما فعلت خلاف ما تقول، وإنما قال ذلك لأنه [90 / ~~ب] كان يعظ الناس. # [ويروى بكسر الذال] (¬1) وهي رواية الأكثر، ومعناه: أنه مع وعظه الناس لم ~~يبلغ غاية العمل، وقد ذم الله من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وقصر في ~~العمل، فقال: {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3)} [الصف: 3]. ~~فخشي أن يكون مكذبا أي: مشابها للمكذبين. PageV01P368 # وهذا التعليق وصله المصنف في "تاريخه" (¬1) عن أبي نعيم، وأحمد بن حنبل ~~في "الزهد" (¬2) عن ابن مهدي كلاهما عن سفيان الثوري عن أبي حيان التيمي عن ~~إبراهيم المذكور. # قوله: (وقال ابن أبي مليكة. . . . إلى آخره). # هذا التعليق وصله ابن أبي خيثمة في "تاريخه" (¬3)، لكن أبهم العدد، وكذا ~~أخرجه محمد بن نصر المروزي مطولا في كتاب الإيمان له، وعينه أبو زرعة ~~الدمشقي في "تاريخه" من وجه آخر مختصرا كما هنا. # والصحابة الذين أدركهم ابن أبي مليكة من أجلهم: عائشة، وأختها أسماء، وأم ~~سلمة، والعبادلة الأربعة، وأبو هريرة، وعقبة بن الحارث، والمسور بن مخرمة، ~~فهؤلاء ممن سمع منهم، وقد أدرك بالسن جماعة أجل من هؤلاء: كعلي بن أبي ~~طالب، وسعد ابن أبي وقاص. # وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال، ولم ينقل عن غيرهم خلاف ~~ذلك، فكأنه إجماع؛ وذلك لأن المؤمن قد يعرض له في عمله ما يشوبه مما يخالف ~~الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم، بل ذلك على سبيل المبالغة ~~منهم في الورع والتقوى -رضي الله عنهم-. # وقال ابن بطال: إنما خافوا لأنهم طالت أعمارهم حتى رأوا من التغيير ما لم ~~يعهدوه ولم يقدروا على إنكار فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسكوت. # قوله: (ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل) وفي هذا إشارة إلى أن ~~المذكورين كانوا قائلين بتفاوت درجات المؤمنين في الإيمان، خلافا للمرجئة ~~القائلين: PageV01P369 # بأن إيمان الصديقين وغيرهم ms197 بمنزلة واحدة، وقد روي في معنى أثر ابن أبي ~~مليكة حديث عن عائشة مرفوع رواه الطبراني في "الأوسط" (¬1) لكن إسناده ضعيف. # قوله: (ويذكر عن الحسن) هذا التعليق وصله جعفر الفريابي في كتاب "صفة ~~المنافق" له [91 / أ] من طرق متعددة بألفاظ مختلفة (¬2)، وقد يستشكل ترك ~~البخاري الجزم به مع صحته عنه، وذلك محمول على قاعدة ذكرها لي شيخنا أبو ~~الفضل بن الحسين الحافظ -رحمه الله- وهي: أن البخاري لا يخص صيغة التمريض ~~بضعف الإسناد، بل إذا ذكر المتن بالمعنى واختصره أتى بها أيضا لما علم من ~~الخلاف في ذلك، فهنا كذلك، وقد أوقع اختصاره له لبعضهم الاضطراب في فهمه، ~~فقال النووي: قوله: "ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق" يعني: الله تعالى. # قال الله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان (46)} [الرحمن: 46]. وقال: ~~{فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (99)} [الأعراف: 99]. وكذا شرحه ابن ~~التين وجماعة من المتأخرين، وقرره الكرماني هكذا فقال: ما خافه أي ما خاف ~~من الله، فحذف الجار وأوصل الفعل إليه. # قلت: وهذا الكلام وإن كان صحيحا لكنه خلاف مراد المصنف ومن نقل عنه، ~~والذي أوقعهم في هذا هو الاختصار وإلا فسياق كلام الحسن البصري يبين أنه ~~إنما أراد النفاق، فلنذكره. # قال جعفر الفريابي: حدثنا قتيبة: حدثنا جعفر بن سليمان، عن المعلى بن ~~زياد: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن ~~قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من ~~النفاق آمن، وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق (¬3). # وقال أحمد بن حنبل في كتاب "الإيمان": ثنا روح بن عبادة: "ثنا هشام: سمعت ~~الحسن يقول: والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخاف النفاق وما أمنه إلا ~~منافق. انتهى PageV01P370 # وهذا موافق لأثر ابن أبي مليكة الذي قبله، وهو قوله: (كلهم يخاف النفاق ~~على نفسه)، والخوف من الله وإن كان مطلوبا محمودا لكن سياق الباب في أمر ~~آخر، والله أعلم. # قوله: ms198 (وما يحذر) هو بضم أوله وتشديد الذال، و (ما) مصدرية، والجملة في ~~محل جر؛ لأنها معطوفة على خوف، أي: باب ما يحذر، وفصل بين الترجمتين ~~بالآثار التي ذكرها لتعلقها بالأولى على ما سنوضحه، ففيه لف ونشر غير مرتب. # ومراده أيضا [91 / ب]: الرد على المرجئة، حيث قالوا: لا حذر من المعاصي ~~مع حصول الإيمان، ومفهوم الآية التي ذكرها يرد عليهم بأنه تعالى مدح من ~~استغفر لذنبه ولم يصر عليه، فمفهومه ذم من لم يفعل ذلك، وكأن المصنف لمح ~~بحديث عبد الله بن عمرو المخرج عند أحمد مرفوعا قال: "ويل للمصرين الذين ~~يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون" (¬1). أي: يعلمون أن من تاب تاب الله عليه ~~ثم لا يستغفرون، قاله مجاهد وغيره، وللترمذي عن أبي بكر الصديق مرفوعا: "ما ~~أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة" (¬2). إسناد كل منهما حسن. # قوله: (على التقاتل) كذا في أكثر الروايات، وهو المناسب لحديث الباب، وفي ~~بعضها "على النفاق"، ومعناه صحيح وإن لم تثبت به الرواية. PageV01P371 # 48 - حدثنا محمد بن عرعرة، قال: حدثنا شعبة، عن زبيد، قال: سألت أبا وائل ~~عن المرجئة، فقال: حدثني عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر". # قوله: (زبيد) تقدم أنه بالزاي والموحدة مصغرا، وهو ابن الحارث اليامي ~~بياء تحتانية وميم خفيفة، يكنى أبا عبد الرحمن، وقد روى هذا الحديث شعبة ~~أيضا عن منصور بن المعتمر وهو عند المصنف في الأدب (¬1)، وعن الأعمش وهو ~~عند مسلم (¬2). # وروى ابن حبان من طريق سليمان بن حرب، عن شعبة، عن الثلاثة جميعا عن أبي ~~وائل (¬3)، وقال ابن منده: لم يختلف في رفعه عن زبيد، واختلف على الآخرين، ~~ورواه عن زبيد غير شعبة أيضا عند مسلم وغيره (¬4). # قوله: (سألت أبا وائل عن المرجئة) أي: عن مقالة المرجئة، ولأبي داود ~~الطيالسي، عن شعبة، عن زبيد قال: لما ظهرت المرجئة أتيت أبا وائل فذكرت ذلك ~~له (¬5). فظهر من هذا أن سؤاله كان عن معتقدهم، وأن ذلك كان حين ms199 ظهورهم، ~~وكانت وفاة أبي وائل سنة تسع وتسعين، وقيل: سنة اثنين وثمانين، ففي ذلك ~~دليل على أن بدعة الإرجاء قديمة. PageV01P372 # وقد تابع أبا وائل في رواية هذا الحديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ~~عن أبيه، أخرجه الترمذي مصححا، ولفظه: "قتال المسلم أخاه كفر وسبابه فسوق" (¬1). # ورواه جماعة عن عبد الله بن مسعود موقوفا (¬2)، ورواه النسائي من حديث ~~سعد بن أبي وقاص أيضا (¬3). # قوله: (سباب) [92 / أ] هو بكسر السين وتخفيف الموحدة وهو مصدر، يقال: سب ~~يسب سبا وسبابا. # وقال إبراهيم الحربي: السباب أشد من السب، وهو أن يقال في الرجل ما فيه ~~وما ليس فيه، يريد بذلك عيبه. وقال غيره: السباب هنا مثل القتال فيقتضي ~~المفاعلة. # قوله: (المسلم) كذا في معظم الروايات، ولأحمد عن غندر، عن شعبة: "المؤمن" ~~(¬4)، وكأنه رواه بالمعنى. # قوله: (فسوق) الفسق في اللغة: الخروج. # وفي الشرع: الخروج عن طاعة الله ورسوله. # وهو في عرف الشرع أشد من العصيان، قال الله تعالى: {وكره إليكم الكفر ~~والفسوق والعصيان} [الحجرات: 7]. # ففي الحديث: تعظيم حق المسلم، والحكم على من سبه بغير حق بالفسق، ومقتضاه ~~الرد على المرجئة، وعرف من هذا مطابقة جواب أبي وائل للسؤال عنهم، كأنه ~~قال: كيف تكون مقالتهم حقا والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول هذا. PageV01P373 # قوله: (وقتاله كفر) إن قيل: هذا وإن تضمن الرد على المرجئة لكن ظاهره ~~يقوي مذهب الخوارج الذين يكفرون بالمعاصي. # فالجواب: أن المبالغة في الرد على المبتدع اقتضت ذلك، ولا متمسك للخوارج ~~فيه؛ لأن ظاهره غير مراد، لكن لما كان القتال أشد من السباب؛ لأنه مفض إلى ~~إزهاق الروح عبر عنه بلفظ أشد من لفظ الفسق وهو الكفر. # ولم يرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملة، بل أطلق عليه الكفر مبالغة ~~في التحذير، معتمدا على ما تقرر من القواعد أن مثل ذلك لا يخرج عن الملة، ~~مثل حديث الشفاعة، ومثل قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48، 116]. وقد أشرنا إلى ذلك ms200 في باب المعاصي من ~~أمر الجاهلية، أو أطلق عليه الكفر لشبهه به؛ لأن قتال المؤمن من شأن ~~الكافر. # وقيل: المراد الكفر اللغوي: وهو التغطية؛ لأن حق المسلم على المسلم أن ~~يعينه وينصره ويكف عنه أذاه، فلما قاتله كان كأنه غطى على هذا الحق، ~~والأولان أليق بمراد المصنف، وأولى بالمقصود من التحذير من فعل ذلك والزجر ~~عنه بخلاف الثالث. # وقيل: أراد بقوله: "كفر" أي: قد يؤول هذا [92 / ب] الفعل بشؤمه إلى ~~الكفر، وهذا بعيد، وأبعد منه حمله على المستحل لذلك؛ لأنه لا يطابق ~~الترجمة، ولو كان مرادا لم يحصل التفريق بين السباب والقتال، فإن مستحل لعن ~~المسلم بغير تأويل يكفر أيضا، ثم ذلك كله محمول على من فعله بغير تأويل، ~~وقد بوب المصنف عليه في كتاب المحاربين كما سيأتي إن شاء الله تعالى. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم: "لعن المؤمن كقتله" ~~(¬1). فلا يخالف هذا هذا الحديث؛ لأن المشبه به فوق المشبه، والقدر الذي ~~اشتركا فيه بلوغ الغاية بالتأثير، هذا في العرض وهذا في النفس، والله أعلم. PageV01P374 # 49 - أخبرنا قتيبة بن سعيد: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، حدثني أنس، ~~قال: أخبرني عبادة بن الصامت، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج ~~يخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: "إني خرجت لأخبركم بليلة ~~القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم؛ التمسوها في ~~السبع والتسع والخمس". # قوله: (عن حميد) هو الطويل. # (عن أنس) وللأصيلي: (ثنا أنس بن مالك) فأمنا تدليس حميد، وهو من رواية ~~صحابي عن صحابي: أنس، عن عبادة. # قوله: (خرج يخبر بليلة القدر) أي: بتعيين ليلة القدر. # قوله: (فتلاحى) بفتح الحاء المهملة مشتق من التلاحي بكسرها: وهو التنازع ~~والمخاصمة، والرجلان أفاد ابن دحية أنهما عبد الله بن أبي حدرد بحاء مفتوحة ~~ودال ساكنة مهملتين ثم راء مفتوحة ثم دال مهملة أيضا، وكعب بن مالك. # وقوله: (فرفعت) أي: رفع تعيينها عن ذكري، هذا هو المعتمد هنا، والسبب فيه ~~ما أوضحه مسلم ms201 من حديث أبي سعيد في هذه القصة قال: "فجاء رجلان يحتقان" ~~بتشديد القاف أي: يدعي كل منهما أنه المحق "معهما الشيطان فنسيتها" (¬1). # قال القاضي عياض: فيه دليل على [أن] (¬2) المخاصمة مذمومة، وأنها سبب في ~~العقوبة المعنوية، وفيه أن المكان الذي يحضره الشيطان ترفع منه البركة ~~والخير. # فإن قيل: كيف تكون المخاصمة في طلب الحق مذمومة؟ # قلنا: إنما كانت كذلك لوقوعها في المسجد، وهو محل الذكر لا اللغو، ثم في ~~الوقت المخصوص أيضا بالذكر لا اللغو وهو شهر رمضان، ثم إنها مستلزمة لرفع ~~الصوت، ورفعه بحضرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - منهي عنه لقوله تعالى: ~~{لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت PageV01P375 # النبي}، إلى قوله تعالى: {أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2)} ~~[الحجرات: 2]. ومن هنا [93 / أ] تتضح مناسبة هذا الحديث للترجمة ومطابقتها ~~له، وقد خفيت على كثير من المتكلمين على هذا الباب. # فإن قيل: قوله: {وأنتم لا تشعرون} [الحجرات: 2]. يقتضي المؤاخدة بالعمل ~~الذي لا قصد فيه. # فالجواب: أن المراد: {وأنتم لا تشعرون} بالإحباط لاعتقادكم صغر الذنب، ~~فقد يعلم المرء الذنب ولكن لا يعلم أنه كبير، كما قيل في قوله: "إنهما ~~ليعذبان وما يعذبان في كبير" أي: عندهما، ثم قال: "وإنه لكبير" (¬1)، أي: ~~في نفس الأمر. # وأجاب القاضي أبو بكر ابن العربي: بأن المؤاخذة تحصل بما لم يقصد في ~~الثاني إذا قصد في الأول؛ لأن مراعاة القصد إنما هو في الأول ثم يسترسل حكم ~~النية الأولى على مؤتنف العمل وإن عزب القصد خيرا كان أو شرا، والله أعلم. # قوله: (وعسى أن يكون خيرا) أي: وإن كان عدم الرفع أزيد خيرا وأولى منه؛ ~~لأنه متحقق فيه لكن في الرفع خير مرجو لاستلزامه مزيد الثواب؛ لكونه سببا ~~لزيادة الاجتهاد في التماسها، وإنما حصل ذلك ببركة الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم -. # قوله: (في السبع والتسع) كذا في معظم الروايات بتقديم السبع التي أولها ~~السين على التسع، ففيه إشارة إلى أن رجاءها في السبع أقوى للاهتمام ~~بتقديمه، ووقع عند أبي نعيم في "المستخرج" (¬2) بتقديم التسع على ترتيب ms202 ~~التدلي، واختلف في المراد بالتسع وغيرها، فقيل: لتسع يمضين من العشر، وقيل: ~~لتسع يبقين من الشهر، وسنذكر بسط هذا في محله حيث ذكره المصنف في كتاب ~~الاعتكاف إن شاء الله تعالى.# النكت على صحيح البخاري # تأليف # الحافظ أبي الفضل ابن حجر العسقلاني # ويليه # التجريد على التنقيح # «تجريد وتعليقات ابن حجر على شرح صحيح البخاري للزركشي» # جمع # أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن السخاوي # تحقيق # أبي الوليد هشام بن علي السعيدني # أبي تميم نادر مصطفى محمود # [الجزء الثاني] # ----NO PAGE NO------ PageV01P376 # حقوق الطبع محفوظة # الطبعة: الأولى، 1426 ه - 2005 م # رقم الإيداع: 21516/ 2005 # المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع # * الإدارة والفرع الرئيسي: # 33 ش صعب صالح - عين شمس الشرقية - القاهرة - جمهورية مصر العربية # ت وفاكس: 24991254 - 24900606 - 24900808 # * فرع الأزهر: 1 ش البيطار خلف جامع الأزهر - درب الأتراك - ت: 5108004 # E-mail: islamya 2005@hotmail.com PageV02P002 ### || AUTO 37 - باب: سؤال جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة # وبيان النبي - صلى الله عليه وسلم - له، ثم قال: "جاء جبريل -عليه ~~السلام- يعلمكم دينكم"؛ فجعل ذلك كله دينا، وما بين النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لوفد عبد القيس من الإيمان، وقول الله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ~~دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85]. # قوله: (باب سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام إلى آخره) تقدم أن المصنف يرى ~~أن الإيمان والإسلام عبارة عن معنى واحد، فلما كان ظاهر سؤال جبريل عن ~~الإيمان والإسلام يقتضي تغايرهما؛ وأن الإيمان: تصديق بأمور مخصوصة، ~~والإسلام: إظهار أعمال مخصوصة؛ أراد أن يرد ذلك بالتأويل إلى طريقته. # قوله: (وبيان) أي: مع بيان أن الاعتقاد والعمل دين. # وقوله: (وما بين) أي: مع ما بين للوفد أن الإيمان هو الإسلام حيث فسره في ~~قصتهم بما فسر به الإسلام هنا [93 / ب]. # وقوله: (وقول الله) أي: مع ما دلت عليه الآية أن الإسلام هو الدين، ~~فاقتضى ذلك أن الإسلام والإيمان أمر واحد، هذا محصل كلامه، وقد نقل أبو ~~عوانة الإسفراييني في "صحيحه" عن المزني صاحب الشافعي ms203 الجزم بترادفهما سمع ~~ذلك منه. وعن الإمام أحمد الجزم بتغايرهما (¬1)، ولكل من القولين أدلة ~~متعارضة. # وقال الخطابي: صنف في المسألة إمامان كبيران، وأكثرا من الأدلة للقولين، ~~وتباينا في ذلك، والحق أن بينهما عموما وخصوصا، فكل مؤمن مسلم، وليس كل ~~مسلم مؤمنا. انتهى كلامه ملخصا. # ومقتضاه أن الإسلام لا يطلق على الاعتقاد والعمل معا، بخلاف الإيمان فإنه ~~يطلق PageV02P003 # عليهما معا، ويرد عليه قوله تعالى: {ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: ~~3]. فإن الإسلام هنا يتناول العمل والاعتقاد معا، لأن العامل غير المعتقد ~~ليس بذي دين مرضي. # وبهذا استدل المزني وأبو محمد البغوي فقال في الكلام على حديث جبريل هذا: ~~جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الإسلام هنا اسما لما ظهر من الأعمال، ~~والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، ~~ولا لأن التصديق ليس من الإسلام، بل ذاك تفصيل لجملة كلها لشيء واحد، ~~وجماعها الدين، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "أتاكم يعلمكم دينكم"، ~~وقال -سبحانه وتعالى-: {ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3]. وقال: {ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85]. ولا يكون الدين في ~~محل الرضا والقبول إلا بانضمام التصديق. انتهى كلامه. # والذي يظهر من مجموع الأدلة أن لكل منهما حقيقة شرعية، كما أن لكل منهما ~~حقيقة لغوية، لكن كل منهما مستلزم للآخر بمعنى التكميل له، فكما أن العامل ~~لا يكون مسلما كاملا إلا إذا اعتقد، فكذلك المعتقد لا يكون مؤمنا كاملا إلا ~~إذا عمل، وحيث يطلق الإيمان في موضع الإسلام أو العكس أو يطلق أحدهما على ~~إرادتهما معا فهو على سبيل المجاز، ويتبين المراد بالسياق، فإن وردا في ~~مقام السؤال حملا على الحقيقة، وإن لم يردا معا أو لم يكن في مقام سؤال ~~أمكن الحمل على الحقيقة أو على المجاز بحسب ما يظهر من القرائن. # قوله: (وعلم الساعة) تفسير منه [94 / أ] للمراد بقول جبريل في السؤال: ~~"متى الساعة" أي: متى علم الساعة، ولابد من تقدير محذوف آخر أي: متى علم ~~قيام الساعة؟ # قوله: ms204 (وبيان النبي - صلى الله عليه وسلم -) هو مجرور لأنه معطوف على ~~"علم" المعطوف على "سؤال" المجرور بالإضافة. # فإن قيل: لم يبين النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت الساعة فكيف قال: ~~"وبيان النبي - صلى الله عليه وسلم - له"؟ # فالجواب: أن المراد بالبيان بيان أكثر المسئول عنه، فأطلقه لأن حكم معظم ~~الشيء حكم كله، أو جعل الحكم في علم الساعة بأنه لا يعلمه إلا الله بيانا ~~له. PageV02P004 # 50 - حدثنا مسدد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم: أخبرنا أبو حيان ~~التيمي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بارزا يوما للناس، فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ قال: "الإيمان أن تؤمن ~~بالله، وملائكته، وكتبه، وبلقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث". قال: ما الإسلام؟ ~~قال: "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة ~~المفروضة، وتصوم رمضان". قال: ما الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، ~~فإن لم تكن تراه فإنه يراك". قال: متى الساعة؟ قال: "ما المسئول عنها بأعلم ~~من السائل، وسأخبرك عن أشراطها إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاة الإبل ~~البهم في البنيان، في خمس لا يعلمهن إلا الله". ثم تلا النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: {إن الله عنده علم الساعة} الآية [لقمان: 34]. ثم أدبر فقال: ~~"ردوه". فلم يروا شيئا. فقال: "هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم". # قال أبو عبد الله: جعل ذلك كله من الإيمان. # قوله: (حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) هو البصري المعروف بابن علية. # قال: (أنا أبو حيان التيمي) وأورده المصنف في تفسير سورة لقمان من حديث ~~جرير بن عبد الحميد، عن أبي حيان المذكور (¬1)، ورواه مسلم من وجه آخر عن ~~جرير أيضا عن عمارة بن القعقاع (¬2)، ورواه أبو داود، والنسائي من حديث ~~جرير أيضا عن أبي فروة (¬3)، ثلاثتهم عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، زاد أبو ~~فروة: "وعن أبي ذر"، وساق حديثه عنهما جميعا، وفيه فوائد زوائد سنشير إليها ~~إن شاء الله. # ولم أر هذا الحديث من رواية أبي هريرة إلا عن أبي زرعة ms205 بن عمرو بن جرير ~~هذا PageV02P005 # عنه، ولم يخرجه البخاري إلا من طريق أبي حيان عنه، وقد أخرجه مسلم (¬1)، ~~من حديث عمر بن الخطاب، وفي سياقه فوائد زوائد أيضا، وإنما لم يخرجه ~~البخاري لاختلاف فيه على بعض رواته. فمشهوره رواية كهمس -بسين مهملة قبلها ~~ميم مفتوحة- ابن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر -بفتح الميم ~~أوله ياء تحتانية مفتوحة، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه عمر بن الخطاب. # رواه عن كهمس جماعة من الحفاظ وتابعه مطر الوراق، عن عبد الله بن بريدة، ~~وتابعه سليمان التيمي، عن يحيى بن يعمر. # وكذا رواه عثمان بن غياث، عن عبد الله بن بريدة، لكنه قال: عن يحيى بن ~~يعمر، وحميد بن عبد الرحمن معا، عن ابن عمر، عن عمر، زاد فيه حميدا، وحميد ~~له في الرواية المشهورة ذكر لا رواية. # وأخرج مسلم هذه [94 / ب] الطرق (¬2)، ولم يسق منها إلا متن الطريق ~~الأولى، وأحال الباقي عليها، وبينها اختلاف كثير سنشير إلى بعضه. # * فأما رواية مطر فأخرجها أبو عوانة في "صحيحه" (¬3). # * وأما رواية سليمان التيمي فأخرجها ابن خزيمة في "صحيحه" (¬4). # * وأما رواية عثمان بن غياث فأخرجها أحمد في "مسنده" (¬5). # وقد خالفهم سليمان بن بريدة أخو عبد الله فرواه عن يحيى بن يعمر، عن عبد ~~الله ابن عمر قال: "بينما نحن عند النبي - صلى الله عليه وسلم -" فجعله من ~~مسند ابن عمر لا من روايته عن أبيه، أخرجه أحمد أيضا (¬6). PageV02P006 # وكذا رواه أبو نعيم في "الحلية" (¬1) من طريق عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر. # وكذا روي من طريق عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمر أخرجه الطبراني (¬2). # وفي الباب عن أنس أخرجه البزار (¬3)، وإسناده حسن. # وعن جرير البجلي أخرجه أبو عوانة في "صحيحه". # وعن ابن عباس، وأبي عامر الأشعري أخرجهما أحمد (¬4)، وإسنادهما حسن. # وفي كل من هذه الطرق فوائد سنذكرها -إن شاء الله تعالى- في أثناء الكلام ~~على حديث الباب، وإنما جمعت طرقها هنا وعزوتها إلى مخرجيها؛ ليسهل الحوالة ~~عليها؛ فرارا من ms206 التكرار المباين لطريق الاختصار، والله الموفق. # قوله: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بارزا يوما للناس) أي: ظاهرا ~~لهم غير محتجب عنهم ولا ملتبس بغيره، والبروز: الظهور، وقد وقع في رواية ~~أبي فروة التي أشرنا إليها بيان ذلك، فإن أوله: "كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يجلس بين أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو، فطلبنا إليه ~~أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، قال: فبنينا له دكانا من طين كان ~~يجلس عليه" (¬5). انتهى # واستنبط منه القرطبي استحباب جلوس العالم بمكان يختص به، ويكون مرتفعا ~~إذا احتاج لذلك؛ لضرورة تعليم ونحوه. # قوله: (فأتاه رجل) أي: ملك في صورة رجل، وفي التفسير للمصنف: "إذ أتاه ~~رجل يمشي" (¬6). ولأبي فروة: "فإنا لجلوس عنده إذ أقبل رجل أحسن الناس ~~وجها، PageV02P007 # وأطيب الناس ريحا، كأن ثيابه لم يمسها [95 / أ] دنس" (¬1). # ولمسلم من طريق كهمس في حديث عمر: "بينما نحن عند رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر" (¬2). # وفي رواية ابن حبان: "سواد اللحية، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا ~~أحد، حتى جلس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسند ركبته إلى ركبته، ~~ووضع كفيه على فخذيه" (¬3). # ولسليمان التيمي: "ليس عليه سحناء سفر، وليس من البلد، فتخطى حتى برك بين ~~يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يجلس أحدنا في الصلاة، ثم وضع يده ~~على ركبتي النبي - صلى الله عليه وسلم -" (¬4). # وكذا في حديث ابن عباس، وأبي عامر الأشعري: "ثم وضع يده على ركبتي النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -" (¬5). # فأفادت هذه الرواية أن الضمير في قوله: "على فخذيه" يعود على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وبه جزم البغوي، ووافقه التوربشتي؛ لأنه حمله على أنه ~~جلس هيئة المتعلم بين يدي من يتعلم منه، فهذا وإن كان ظاهرا من السياق لكن ~~وضعه يديه على فخذي النبي - صلى الله عليه وسلم - صنيع منبه للإصغاء إليه. # وفيه إشارة لما ينبغي للمسئول من التواضع، والصفح عما ms207 يبدو من جفاء ~~السائل، والظاهر أنه أراد بذلك المبالغة في تعمية أمره؛ ليقوي الظن بأنه من ~~جفاة الأعراب؛ لأن الصحابة استغربوا هيئته. # فإن قيل: كيف عرف عمر أنه لم يعرفه أحد منهم؟ PageV02P008 # أجيب: بأنه يحتمل أن يكون استند في ذلك إلى ظنه، أو إلى صريح قول ~~الحاضرين. # قلت: وهذا الثاني أولى، فقد جاء كذلك في رواية عثمان بن غياث ففيها: ~~"فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقالوا: ما نعرف هذا" (¬1). # وأفاد مسلم في رواية عمارة بن القعقاع سبب ورود هذا الحديث، فعنده في ~~أوله: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: سلوني فهابوا أن يسألوه، ~~قال: فجاء رجل" (¬2). # ووقع في رواية ابن منده من طريق يزيد بن زريع، عن كهمس: "بينا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يخطب إذ جاء رجل" (¬3). فكأن أمره لهم بسؤاله وقع ~~في خطبته، فظاهره أن مجيء الرجل كان في حالة الخطبة، فإما أن يكون وافق ~~انقضاءها أو كان ذكر ذلك [95 / ب] القدر جالسا، وعبر عنه الراوي بالخطبة. # قوله: (فقال) زاد في التفسير: "يا رسول الله! ما الإيمان؟ " (¬4). # فإن قيل: فكيف بدأ بالسؤال قبل السلام؟ # أجيب: بأنه يحتمل أن يكون ذلك مبالغة في تعمية أمره، أو يبين أن ذلك غير ~~واجب، أو سلم فلم ينقله الراوي. # قلت: وهذا الثالث المعتمد، فقد ثبت في رواية أبي فروة ففيها بعد قوله: ~~"كأن ثيابه لم يمسها دنس، حتى سلم من طرف البساط، فقال: السلام عليك يا ~~محمد، فرد عليه السلام، قال: أدنو يا محمد؟ قال: ادن، فما زال يقول أدنو ~~مرارا ويقول له: ادن، ونحوه في رواية عطاء، عن ابن عمر، لكن قال: "السلام ~~عليك يا رسول الله"، وفي رواية مطر الوراق: "فقال: يا رسول الله، أدنو منك؟ ~~قال: ادن"، ولم يذكر السلام. # فاختلفت الروايات هل قال له: يا محمد، أو يا رسول الله، أو هل سلم أو لا، ~~فقال القرطبي بناء على أنه لم يسلم، وقال: "يا محمد": أنه أراد بذلك ~~التعمية، فصنع صنيع الأعراب. PageV02P009 # قلت: ويجمع بين ms208 الروايتين بأنه بدأ أولا بندائه باسمه لهذا المعنى، ثم ~~خاطبه بقوله: يا رسول الله. ووقع عند القرطبي أنه قال: "السلام عليكم يا ~~محمد"، فاستنبط منه أنه يستحب للداخل أن يعمم بالسلام ثم يخصص من يريد ~~تخصيصه. انتهى # والذي وقفت عليه من الروايات إنما فيه الإفراد، وهو قوله: "السلام عليك ~~يا محمد". # قوله: (ما الإيمان) قيل: قدم السؤال على الإيمان؛ لأنه الأصل، وثنى ~~بالإسلام؛ لأنه يظهر مصداق الدعوى، وثلث بالإحسان؛ لأنه متعلق بهما، وفي ~~رواية عمارة بن القعقاع بدأ بالإسلام، لأنه بالأمر الظاهر، وثنى بالإيمان؛ ~~لأنه بالأمر الباطن. ورجح هذا الطيبي لما فيه من الترقي. # ولا شك أن القصة واحدة، اختلف الرواة في تأديتها، وليس في السياق ترتيب، ~~ويدل عليه رواية مطر الوراق فإنه بدأ بالإسلام، وثنى بالإحسان، وثلث ~~بالإيمان، فالحق أن الواقع أمر واحد، والتقديم والتأخير وقع من الرواة، ~~والله أعلم. # قوله: (قال: الإيمان، أن تؤمن [96 / أ] بالله) إلى آخره. دل الجواب على ~~أنه علم أنه سأله عن متعلقاته لا عن معنى لفظه، وإلا لكان الجواب: ~~"الإيمان: التصديق"، وقال الطيبي: هذا يوهم التكرار وليس كذلك، فإن قوله: ~~"أن تؤمن بالله" مضمن معنى: أن تعترف به، ولهذا عداه بالباء؛ أي أن تصدق ~~معترفا بكذا. # قلت: والتصديق أيضا يعدى بالباء، فلا يحتاج إلى دعوى التضمين. # وقال الكرماني: ليس هو تعريفا للشيء بنفسه، بل المراد من المحدود: ~~الإيمان الشرعي، ومن الحد: الإيمان اللغوي. # قلت: والذي يظهر أنه إنما أعاد لفظ الإيمان للاعتناء بشأنه تفخيما لأمره، ~~ومنه قوله تعالى: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} [يس: 79] في جواب: {من ~~يحي العظام وهي رميم (78)} [يس: 78]. PageV02P010 # قوله: (وملائكته) والإيمان بالملائكة: هو التصديق بوجودهم، وأنهم كما ~~وصفهم الله عباد مكرمون، وقدم الملائكة على الكتب والرسل نظرا للترتيب ~~الواقع، لأنه -سبحانه وتعالى- أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول، وليس فيه ~~متمسك لمن فضل الملك على الرسول. # قوله: (وكتبه) هذه عند الأصيلي هنا، واتفق الرواة على ذكرها في التفسير، ~~والإيمان بكتب الله: التصديق بأنها كلام الله، وأن ما تضمنه حق. ms209 # قوله: (وبلقائه) كذا وقعت هنا بين الكتب والرسل، وكذا لمسلم من الطريقين ~~(¬1)، ولم تقع في بقية الروايات، وقد قيل: إنها مكررة؛ لأنها داخلة في ~~الإيمان بالبعث، والحق أنها غير مكررة، فقيل: المراد بالبعث: القيام من ~~القبور، والمراد باللقاء: ما بعد ذلك، وقيل: اللقاء يحصل بالانتقال من دار ~~الدنيا، والبعث بعد ذلك، ويدل على هذا رواية مطر الوراق، فإن فيها: ~~"وبالموت وبالبعث بعد الموت"، وكذا في حديثي أنس وابن عباس. # وقيل: المراد باللقاء: رؤية الله، ذكره الخطابي. وتعقبه النووي بأن أحدا ~~لم يقطع لنفسه برؤية الله؛ لأنها مختصة بمن مات مؤمنا، والمرء لا يدري بم ~~يختم له، فكيف يكون ذلك من شروط الإيمان؟ ! # وأجيب: بأن المراد [96 / ب] الإيمان بأن ذلك حق في نفس الأمر، وهذا من ~~الأدلة القوية لأهل السنة في إثبات رؤية الله في الآخرة إذ جعلت من قواعد ~~الإيمان. # قوله: (ورسله) وللأصيلي: "وبرسله"، ووقع في حديث أنس وابن عباس: ~~"والملائكة والكتاب والنبيين". وكل من السياقين في القرآن في البقرة، ~~والتعبير بالنبيين يشمل الرسل من غير عكس. # والإيمان بالرسل: التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله، ودل ~~الإجمال في الملائكة والكتب والرسل على الاكتفاء بذلك في الإيمان بهم من ~~غير تفصيل، إلا من ثبتت تسميته فيجب الإيمان به على التعيين. PageV02P011 # قوله: (وتؤمن بالبعث) زاد في التفسير: "الآخر"، ولمسلم في حديث عمر: ~~"واليوم الآخر"، فأما البعث الآخر فقيل: ذكر الآخر تأكيدا، كقولهم: أمس ~~الذاهب، وقيل: لأن البعث وقع مرتين. # الأولى: الإخراج من العدم إلى الوجود، أو من بطون الأمهات بعد النطفة ~~والعلقة إلى الحياة الدنيا. # والثانية: البعث من بطون القبور إلى محل الاستقرار، وأما اليوم الآخر ~~فقيل له ذلك؛ لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة. # والمراد بالإيمان به: التصديق بما يقع فيه من الحساب والميزان والجنة ~~والنار، وقد وقع التصريح بذكر الأربعة بعد ذكر البعث في رواية سليمان ~~التيمي وفي حديث ابن عباس أيضا. # * فائدة: # زاد الإسماعيلي في (مستخرجه) هنا: "وتؤمن بالقدر"، وفي رواية أبي فروة ~~أيضا، ms210 وكذا لمسلم من رواية عمارة بن القعقاع، وأكده بقوله: "كله"، وفي ~~رواية كهمس، وسليمان التيمي: "وتؤمن بالقدر خيره وشره". وكذا في حديث ابن ~~عباس، وهو في رواية عطاء، عن ابن عمر بزيادة: "وحلوه ومره من الله". # وكأن الحكمة في إعادة لفظ: "وتؤمن" عند ذكر البعث الإشارة إلى أنه نوع ~~آخر مما يؤمن بذلك (¬1)؛ لأن البعث سيوجد بعد، وما ذكر قبله موجود الآن، أو ~~للتنويه بذكره لكثرة من كان ينكره من الكفار، ولهذا كثر تكراره في القرآن، ~~وهكذا الحكمة في إعادة لفظ: "وتؤمن" عند ذكر القدر، كأنها إشارة إلى ما يقع ~~فيه من [97/ أ] الاختلاف، فحصل الاهتمام بشأنه بإعادة: "يؤمن"، ثم قرره ~~بالإبدال بقوله: "خيره وشره، وحلوه ومره"، ثم زاد تأكيدا بقوله في الرواية ~~الأخيرة: "من الله". PageV02P012 # والقدر: مصدر، تقول: قدرت الشيء بتخفيف الدال وفتحها أقدره بالكسر والفتح ~~قدرا وقدرا: إذا أحطت بمقداره، والمراد أن الله تعالى علم مقادير الأشياء ~~وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، وكل محدث صادر عن ~~علمه وقدرته وإرادته. # هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية، وعليه كان السلف من الصحابة ~~وخيار التابعين إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة، وقد روى مسلم ~~(¬1) القصة في ذلك من طريق كهمس، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر قال: "كان ~~أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، قال: فانطلقت أنا وحميد ~~الحميري"، فذكر اجتماعهما بعبد الله بن عمر، وأنه سأله عن ذلك، فأخبره بأنه ~~بريء ممن يقول ذلك، وأن الله لا يقبل ممن لم يؤمن بالقدر عملا. # وقد حكى المصنفون في المقالات عن طوائف من القدرية إنكار كون البارئ ~~عالما بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد كونها، قال ~~القرطبي وغيره: قد انقرض هذا المذهب ولا نعرف أحدا ينسب إليه من المتأخرين، ~~قال: والقدرية اليوم مطبقون على [أن] (¬2) الله عالم بأفعال العباد قبل ~~وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم، وواقعة ~~منهم على جهة ms211 الاستقلال، وهو مع كونه مذهبا باطلا أخف من المذهب الأول. # وأما المتأخرون منهم فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد فرارا من تعلق ~~القديم بالمحدث، وهم مخصومون بما قال الشافعي: إن سلم القدري العلم خصم، ~~يعني: يقال له: أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم؟ فإن منع وافق ~~قول أهل السنة، وإن أجاز لزمه نسبة الجهل، تعالى الله عن ذلك. PageV02P013 # * تنبيه: # ظاهر السياق يقتضي أن الإيمان لا يطلق على من صدق بجميع ما ذكر، وقد ~~اكتفى الفقهاء بإطلاق الإيمان على من آمن بالله ورسوله، ولا اختلاف؛ لأن ~~الإيمان برسول الله المراد به: الإيمان بوجوده وبما جاء به عن ربه، فيدخل ~~جميع ما ذكر تحت ذلك، والله أعلم. # قوله: (أن تعبد الله) [97 / ب]. # قال النووي: يحتمل أن يكون المراد بالعبادة: معرفة الله، فيكون عطف ~~الصلاة وغيرها [عليها] (¬1) لإدخالها في الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد ~~بالعبادة: الطاعة مطلقا فيدخل فيه جميع الوظائف، فعلى هذا يكون عطف الصلاة ~~وغيرها من عطف الخاص على العام. # قلت: أما الاحتمال الأول فبعيد؛ لأن المعرفة من متعلقات الإيمان، وأما ~~الإسلام فهو أعمال قولية وبدنية، وقد عبر في حديث عمر هنا بقوله: "أن تشهد ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله"، فدل على أن المراد بالعبادة في ~~حديث الباب: النطق بالشهادتين، وبهذا تبين دفع الاحتمال الثاني، ولما عبر ~~الراوي بالعبادة احتاج أن يوضحها بقوله: "ولا تشرك به شيئا"، ولم يحتج ~~إليها في رواية عمر لاستلزامها ذلك. # فإن قيل: السؤال عام لأنه سأل عن ماهية الإسلام، والجواب خاص لقوله: "أن ~~تعبد" أو "تشهد"، وكذا قال في الإيمان: "أن تؤمن"، وفي الإحسان: "أن تعبد". # والجواب: أن ذلك لنكتة الفرق بين المصدر وبين أن والفعل؛ لأن "أن تفعل" ~~تدل على الاستقبال، والمصدر لا يدل على زمان، على أن بعض الرواة أورده هنا ~~بصيغة المصدر، ففي رواية عثمان بن غياث قال: "شهادة أن لا إله إلا الله"، ~~وكذا في حديث أنس، وليس المراد بمخاطبته بالإفراد اختصاصه بذلك، بل المراد: ms212 ~~تعليم السامعين الحكم في حقهم وحق من أشبههم من المكلفين، وقد تبين ذلك ~~بقوله في آخره: "يعلم الناس دينهم". PageV02P014 # فإن قيل: لم لم يذكر الحج؟ # أجاب بعضهم: باحتمال أنه لم يكن فرض، وهو مردود بما رواه ابن منده في ~~"كتاب الإيمان" بإسناده الذي على شرط مسلم من طريق سليمان التيمي في حديث ~~عمر أوله: "أن رجلا في آخر عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. . . . ." فذكر الحديث بطوله (¬1)، فكأنه إنما ~~جاء بعد إنجاز (¬2) جميع الأحكام، لتقرير أمور الدين التي بلغها متفرقة في ~~مجلس واحد لتضبط. # ويستنبط منه جواز سؤال العالم ما لا يجهله السائل ليعلمه السامع. # وأما الحج فقد ذكر، لكن بعض الرواة إما ذهل عنه وإما نسيه، والدليل على ~~ذلك [98 / أ] اختلافهم في ذكر بعض الأعمال دون بعض، ففي رواية كهمس: "وتحج ~~البيت إن استطعت إليه سبيلا"، وكذا في حديث أنس. # وفي رواية عطاء الخراساني لم يذكر الصوم، وفي حديث أبي عامر ذكر الصلاة ~~والزكاة حسب، ولم يذكر في حديث ابن عباس مزيدا على الشهادتين، وذكر سليمان ~~التيمي في روايته الجميع وزاد بعد قوله: "وتحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة ~~وتتمم الوضوء"، وقال مطر الوراق في روايته: "وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ~~قال: فذكر عرى الإسلام"، فتبين ما قلناه أن بعض الرواة ضبط ما لم يضبطه غيره. # قوله: (وتقيم الصلاة) زاد مسلم "المكتوبة" أي: المفروضة، وإنما عبر ~~بالمكتوبة للتفنن في العبارة، فإنه عبر في الزكاة بالمفروضة، ولاتباع قوله: ~~{إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (103)} [النساء: 103]. # قوله: (وتصوم رمضان) استدل به على قول رمضان من غير إضافة شهر إليه، ~~وستأتي المسألة في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى. PageV02P015 # قوله: (الإحسان) هو مصدر، تقول: أحسن إحسانا، ويتعدى بنفسه وبغيره، تقول: ~~أحسنت كذا: إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان: إذا أوصلت إليه النفع، والأول هو ~~المراد، لأن المقصود إتقان العبادة، وقد يلحظ الثاني بأن المخلص مثلا يحسن ~~لإخلاصه إلى نفسه، وإحسان العبادة: الإخلاص فيها، والخشوع، وفراغ ms213 البال حال ~~التلبس بها، ومراقبة المعبود، وأشار في الجواب إلى حالتين: # أرفعهما: أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه حتى كأنه يراها بعينه وهو قوله: ~~(كأنك تراه) أي: وهو يراك. # والثانية: أن يستحضر أن الحق مطلع عليه، يرى كل ما يعمل وهو قوله: (فإنه يراك). # وهاتان الحالتان تثمرهما معرفة الله وخشيته، وقد عبر في رواية عمارة بن ~~القعقاع بقوله: "أن تخشى الله كأنك تراه". # قال النووي: معناه أنك إنما تراعي الآداب المذكورة إذا كنت تراه ويراك، ~~لكونه يراك لا لكونه تراه، فهو دائما يراك، فأحسن عبادته وإن لم تره، ~~فتقدير الحديث: فإن لم [تكن] (¬1) تراه فاستمر على إحسان العبادة فإنه يراك. # * تنبيه: # دل سياق الحديث على أن رؤية الله في [98 / ب] الدنيا بالأبصار غير واقعة، ~~وأما النبي - صلى الله عليه وسلم - فذاك لدليل آخر، وقد صرح مسلم في روايته ~~من حديث أبي أمامة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "واعلموا أنكم لن تروا ~~ربكم حتى تموتوا" (¬2). PageV02P016 # وأقدم بعض غلاة الصوفية على تأويل الحديث بغير علم، فقال: فيه إشارة إلى ~~مقام المحو والفناء، وتقديره: فإن لم تكن، أي: فإن لم تصر شيئا، وفنيت عن ~~نفسك حتى كأنك ليس بموجود، فإنك حينئذ تراه. # وغفل قائل هذا -للجهل بالعربية- عن أنه لو كان المراد ما زعم لكان قوله: ~~"تراه" محذوف الألف؛ لأنه يصير مجزوما؛ لكونه على زعمه جواب الشرط، ولم يرد ~~في شيء من طرق هذا الحديث بحذف الألف، ومن ادعى أن إثباتها في الفعل ~~المجزوم على خلاف القياس فلا يصار إليه؛ إذ لا ضرورة هنا، وأيضا فلو كان ما ~~ادعاه صحيحا لكان قوله: "فإنه يراك" ضائعا؛ لأنه لا ارتباط له بما قبله. # ومما يفسد تأويله رواية كهمس، فإن لفظها: "فإنك إن لا تراه فإنه يراك"، ~~وكذلك في رواية سليمان التيمي، فسلط النفي على الرؤية لا على الكون الذي ~~حمل على ارتكاب التأويل المذكور، وفي رواية [أبي] (¬1) فروة: "فإن لم تره ~~فإنه يراك"، ونحوه في حديث أنس، وابن عباس، وكل هذا يبطل التأويل المتقدم، ~~والله ms214 أعلم. # * فائدة: # زاد مسلم في رواية عمارة بن القعقاع قول السائل: "صدقت" عقب كل جواب من ~~الأجوبة الثلاثة، وزاد أبو فروة في روايته: "فلما سمعنا قول الرجل: صدقت؛ ~~أنكرناه"، وفي رواية كهمس: "فعجبنا له يسأله ويصدقه"، وفي رواية مطر: ~~انظروا إليه كيف يسأله، وانظروا إليه كيف يصدقه"، وفي حديث أنس: "انظروا هو ~~يسأله وهو يصدقه كأنه أعلم منه"، وفي رواية سليمان بن بريدة: "قال القوم: ~~ما رأينا رجلا مثل هذا كأنه يعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ~~له: صدقت صدقت". # قال القرطبي: إنما عجبوا من ذلك؛ لأن ما جاء به النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يعرف إلا من جهته، وليس هذا السائل ممن عرف بلقاء النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ولا بالسماع منه، ثم هو يسأل سؤال عارف بما يسأل عنه؛ ~~لأنه يخبره بأنه صادق فيه، فتعجبوا [99 / أ] من ذلك تعجب المستبعد لذلك. PageV02P017 # قوله: (متى الساعة) أي: متى تقوم الساعة، وصرح به في رواية عمارة بن ~~القعقاع، واللام للعهد، والمراد: يوم القيامة. # قوده: (بأعلم) الباء زائدة لتأكيد النفي، وهذا وإن كان مشعرا بالتساوي في ~~العلم لكن المراد بالتساوي في العلم بأن الله استأثر بعلمها؛ لقوله بعد: ~~"خمس لا يعلمها إلا الله"، وسيأتي نظير هذا التركيب في أواخر الكلام على ~~هذا الحديث في قوله: "ما كنت بأعلم به من رجل منكم"، فإن المراد أيضا: ~~التساوي في عدم العلم به، وفي حديث ابن عباس هنا فقال: "سبحان الله خمس من ~~الغيب لا يعلمهن إلا الله"، ثم تلا الآية. # قال النووي: يستنبط منه: أن العالم إذا سئل عما لا يعلم يصرح بأنه لا ~~يعلمه، ولا يكون في ذلك نقص من مرتبته، بل يكون دليلا على مزيد ورعه. # وقال القرطبي: مقصود هذا السؤال: كف السامعين عن السؤال عن وقت الساعة؛ ~~لأنهم كانوا قد أكثروا السؤال عنها، كما ورد في كثير من الآيات والأحاديث، ~~فلما حصل الجواب بما ذكر هنا حصل اليأس من معرفتها، بخلاف الأسئلة الماضية، ~~فإن المراد بها: استخراج ms215 الأجوبة ليتعلمها السامعون ويعملوا بها، ونبه بهذه ~~الأسئلة عن تفصيل ما تمكن معرفته مما لا تمكن. # قوله: (من السائل) عدل عن قوله: "لست بأعلم بها منك" إلى لفظ يشعر ~~بالتعميم؛ تعريضا للسامعين، أي: أن كل مسئول وكل سائل فهو كذلك. # قوله: (وسأخبرك) وفي التفسير: "ولكن سأحدثك عن أشراطها، وفي رواية أبي ~~فروة: "ولكن لها علامات تعرف بها"، وفي رواية كهمس قال: "فأخبرني عن ~~أماراتها"، فترددنا هل ابتدأه بذكر الأمارات؟ أو السائل سأل عن الأمارات؟ # ويجمع بينهما بأنه ابتدأ بقوله: "وسأخبرك فقال له السائل: "فأخبرني"، ~~ويدل على ذلك رواية سليمان التيمي؛ فلفظها: "ولكن إن شئت نبأتك عن أشراطها. ~~قال: أجل". ونحوه في حديث ابن عباس وزاد: "فحدثني". # وقد حصل تفسير الأشراط من الرواية الأخرى، وأنها العلامات: وهي بفتح PageV02P018 # الهمزة جمع شرط بفتحتين كقلم وأقلام، ويستفاد من اختلاف الروايات [99 / ~~ب] أن التحديث والإخبار والإنباء بمعنى واحد، وإنما غاير بينها أهل الحديث ~~اصطلاحا. # قال القرطبي: علامات الساعة على قسمين ما يكون من نوع المعتاد أو غيره، ~~والمذكور هنا الأول، وأما الغير مثل طلوع الشمس من مغربها، فتلك مقارنة لها ~~أو مطابقة، والمراد هنا: العلامات السابقة على ذلك. # قوله: (إذا ولدت) التعبير "إذا" للإشعار بتحقق الوقوع. # فإن قيل: الأشراط جمع وأقله ثلاث والمذكور هنا اثنان. # أجاب الكرماني: بأنه قد تستقرض القلة للكثرة وبالعكس، أو لأن الفرق ~~بالقلة والكثرة إنما هو في النكرات لا في المعارف، أو لفظ جمع الكثرة للفظ الشرط. # وفي هذه الأجوبة نظر، والجواب المرضي: أن المذكور من الأشراط ثلاثة، ~~وإنما بعض الرواة اقتصر على اثنين منها؛ لأنه هنا ذكر الولادة والتطاول، ~~وفي التفسير ذكر الولادة وترؤس الحفاة، وفي رواية ابن بشر التي أخرج مسلم ~~إسنادها وساق ابن خزيمة لفظها عن أبي حيان ذكر الثلاثة (¬1)، وكذا في ~~مستخرج الإسماعيلي من طريق ابن علية، وكذا ذكرها عمارة بن القعقاع، ووقع ~~مثل ذلك في حديث عمر، ففي رواية كهمس ذكر الولادة والتطاول فقط، ووافقه ~~عثمان بن غياث، وفي رواية سليمان التيمي ذكر الثلاثة ms216 ووافقه عطاء ~~الخراساني. # قوله: (إذا ولدت الأمة ربها). وفي التفسير: "ربتها" بتاء التأنيث، وكذا ~~في حديث عمر، ولمحمد بن بشر مثله، وزاد: "يعني: السراري" وفي رواية عمارة ~~بن القعقاع: "إذا رأيت الأمة تلد ربها"، ونحوه لأبي فروة، وفي رواية عثمان ~~بن غياث: "الإماء أربابهن" بلفظ الجمع. PageV02P019 # وقد اختلف العلماء في معنى ذلك، قال ابن التين: اختلف فيه على سبعة أوجه، ~~فذكرها لكنها متداخلة، وقد لخصتها بلا تداخل، فإذا هي أربعة: # الأول: قال الخطابي: معناه اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الشرك ~~وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد منها بمنزلة ~~ربها؛ لأنه ولد سيدها. قال النووي وغيره: إنه قول الأكثرين. # قلت: لكن في كونه المراد نظر، وسبي [100 / أ] ذراريهم واتخاذهم سراري كان ~~الكثرة في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع قرب ~~قيام الساعة. # وقد فسره وكيع في رواية ابن ماجه (¬1) بأحصر (¬2) من الأول: أن تلد العجم العرب. # ووجهه بعضهم: بأن الإماء يلدن الملوك فتصير الأم من جهة الرعية والملك ~~سيد رعيته وهذا لإبراهيم الحربي، وقربه بأن الرؤساء في الصدر الأول كانوا ~~يستنكفون غالبا عن وطء الإماء، ويتنافسون في الحرائر، ثم انعكس الأمر، ~~ولاسيما في أثناء دولة بني العباس، ولكن رواية "ربتها" بتاء التأنيث قد لا ~~تساعد على ذلك. # ووجهه بعضهم: بأن إطلاق ربتها على ولدها مجاز؛ لأنه لما كان سببا في ~~عتقها بموت أبيه أطلق عليه ذلك، وخصه بعضهم بأن السبي إذا كثر فقد يسبى ~~الولد أولا وهو صغير، ثم يعتق ويكبر ويصير رئيسا بل ملكا، ثم تسبى أمه فيما ~~بعد فيشتريها عارفا بها، أو وهو لا يشعر أنها أمه، فيستخدمها أو يتخذها ~~موطوءة، أو يعتقها ويتزوجها، وقد جاء في بعض الروايات: "أن تلد الأمة ~~بعلها"، فحمل على هذه الصورة، وقيل: المراد بالبعل: المالك، وهو أولى لتتفق ~~الروايات. # الثاني: أن تبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ذلك، فيتداول الملاك ~~المستولدة حتى يشتريها ولدها، وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل ~~بتحريم بيع ms217 أمهات الأولاد والاستهانة بالأحكام الشرعية. PageV02P020 # فإن قيل: هذه مسألة مختلف فيها فلا يصلح الحمل عليها؛ لأنه لا جهل ولا ~~استهانة عند القائل بالجواز. # قلنا: يصح أن يحمل على صورة اتفاقية كبيعها في حال حملها فإنه حرام ~~بالإجماع. # الثالث: وهو من نمط الذي قبله، قال النووي: لا يختص شراء الولد أمه ~~بأمهات الأولاد، بل يتصور في غيرهن: بأن تلد الأمة حرا من غير سيدها بوطء ~~شبهة، أو رقيقا بنكاح أو زنا ثم تباع الأمة في الصورتين بيعا صحيحا، وتدور ~~في الأيدي حتى يشتريها ابنها أو ابنتها. # ولا يعكر على هذا تفسير محمد بن بشر بأن المراد السراري؛ لأنه [100 / ب] ~~تخصيص بغير دليل. # الرابع: أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته ~~من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام، فأطلق عليه ربها مجازا لذلك، أو ~~المراد بالرب: المربي، فيكون حقيقة، وهذا أوجه الأوجه عندي لعمومه، ومحصله ~~الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور بحيث يصير المربي ~~مربيا والسافل عاليا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: "أن تصير الحفاة ~~العراة ملوك الأرض". # * تنبيهان: # أحدهما: قال النووي: ليس فيه دليل على تحريم بيع أمهات الأولاد ولا على ~~جوازه، وقد غلط من استدل به لكل من الأمرين؛ لأن الشيء إذا جعل علامة على ~~شيء آخر لا يدل على حظر ولا إباحة. # الثاني: يجمع بين ما في هذا الحديث من إطلاق الرب على السيد المالك في ~~قوله: "ربها"، وبين ما في الحديث الآخر وهو في الصحيح: "لا يقل أحدكم: أطعم ~~ربك، ولا يقل أحدكم: ربي، ولكن ليقل: سيدي ومولاي" (¬1)، بأن اللفظ هنا خرج ~~على PageV02P021 # سبيل المبالغة، أو المراد بالرب هنا: المربي، وفي المنهي عنه السيد، أو ~~أن النهي متأخر، أو مختص بغير الرسول - صلى الله عليه وسلم -. # قوله: (تطاول) أي: تفاخروا في تطويل البنيان وتكاثروا به. # قوله: (رعاة الإبل) هو بضم الراء: جمع راع، كقضاة وقاض. # و(البهم) بضم الموحدة، ووقع في رواية الأصيلي بفتحها، ولا يتجه مع ذكر ~~الإبل، وإنما يتجه مع ms218 ذكر الشياه، أو مع عدم الإضافة كما في رواية مسلم. # وميم "البهم" في رواية البخاري يجوز ضمها على أنها صفة الرعاة، ويجوز ~~الكسر على أنها صفة الإبل، يعني: الإبل السود، وقيل: إنها شر الألوان ~~عندهم، وخيرها الحمر التي ضرب بها المثل، فقيل: خير من حمر النعم، ووصف ~~الرعاة بالبهم إما لأنهم مجهولو الأنساب، ومنه أبهم الأمر فهو مبهم: إذا لم ~~تعرف حقيقته. # وقال القرطبي: الأولى أن يحمل على أنهم سود الألوان؛ لأن الأدمة غالب ~~ألوانهم. # وقيل: معناه أنهم لا شيء لهم، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يحشر الناس ~~حفاة عراة [101 / أ] بهما" (¬1). وقال: وفيه نظر؛ لأنه قد نسب لهم الإبل ~~فكيف يقال: لا شيء لهم؟ # قلت: يحمل على أنها إضافة اختصاص لا ملك، وهذا هو الغالب أن الراعي يرعى ~~لغيره وبأجرة، وأما المالك فقل أن يباشر بنفسه. # قوله في التفسير: (وإذا كان الحفاة العراة) (¬2). زاد الإسماعيلي في ~~روايته: "الصم البكم"، وقيل لهم ذلك مبالغة في وصفهم بالجهل، أي: لم ~~يستعملوا أسماعهم ولا أبصارهم في شيء من أمر دينهم وإن كانت حواسهم سليمة. PageV02P022 # قوله: (رءوس الناس) أي: ملوك الأرض، وصرح به الإسماعيلي، وفي رواية [أبي] ~~(¬1) فروة مثله، والمراد بهم: أهل البادية، كما صرح به في رواية سليمان ~~التيمي وغيره، وقال: ما الحفاة العراة؟ قال: "العريب" -وهو بالعين المهملة ~~على التصغير. # قال القرطبي: المقصود الإخبار عن تبدل الحال بأن يستولي أهل البادية على ~~الأمر، يتملكوا البلاد بالقهر فتكثر أموالهم وينصرف همهم إلى تشييد البنيان ~~والتفاخر وبه، وقد شاهدنا ذلك في هذه الأزمان ومنه [الحديث الآخر: "لا تقوم ~~الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع" (¬2)، ومنه: "إذا وسد ~~الأمر" أي: أسند] (¬3) إلى غير أهله، فانتظروا الساعة" (¬4)، وكلاهما في ~~الصحيح. # قوله: (في خمس) أي: علم وقت الساعة داخل في جملة خمس، وحذف متعلق الجار ~~سائغ، كما في قوله تعالى: {في تسع آيات} [النمل: 12]، أي: اذهب إلى فرعون ~~بهذه الآية في جملة تسع آيات، وفي رواية عطاء الخراساني قال: "فمتى الساعة؟ ~~قال: ms219 هي في خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله". # قال القرطبي: لا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمس لهذا الحديث، ~~وقد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - قول الله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب ~~لا يعلمها إلا هو} [الأنعام: 59]، بهذه الخمس، وهو في الصحيح. # قال: فمن ادعى علم شيء منها غير مسندة إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان كاذبا في دعواه. # قال: وأما ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان عن أمر عادي، وليس ~~ذلك بعلم، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على تحريم أخذ الأجرة والجعل ~~وإعطائها في ذلك. PageV02P023 # * تنبيه: # تضمن الجواب زيادة على السؤال للاهتمام بذلك إرشادا للأمة لما يترتب على ~~معرفة ذلك من المصلحة. # فإن قيل: ليس في الآية أداة حصر كما في الحديث. # أجاب الطيبي: بأن الفعل إذا كان عظيم الخطر، وما ينبني عليه الفعل رفيع ~~الشأن، فهم منه الحصر على [101 / ب] سبيل الكتابة، ولاسيما إذا لوحظ ما ذكر ~~في أسباب النزول من أن العرب كانوا يدعون علم نزول الغيث، ويشعر بأن المراد ~~من الآية نفي علمهم بذلك، واختصاصه بالله -سبحانه وتعالى-. # * فائدة: # النكتة في العدول عن الإثبات إلى النفي في قوله: {وما تدري نفس ماذا تكسب ~~غدا} [لقمان: 34]. وكذا التعبير بالدراية دون العلم؛ للمبالغة والتعميم؛ إذ ~~الدراية اكتساب علم الشيء بحيلة، فإذا انتفى ذلك عن كل نفس مع كونه من ~~مختصاتها، ولم يقع منه على علم؛ كان علم اطلاعها على علم غير ذلك من باب ~~أولى. انتهى ملخصا من كلام الطيبي. # قوله: (الآية) أي: تلا الآية إلى آخر السورة، وصرح بذلك الإسماعيلي، وكذا ~~في رواية عمارة ولمسلم: "إلى قوله: {خبير}، وكذا في رواية أبي فروة، وأما ~~ما وقع عند المؤلف في التفسير من قوله: "إلى {الأرحام} فهو تقصير من بعض ~~الرواة، والسياق يرشد إلى أنه تلا الآية كلها. # قوله: (ثم أدبر فقال: ردوه) زاد في التفسير: "فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئا". # قوله: (جاء يعلم) في التفسير: "ليعلم"، وللإسماعيلي: ms220 "أراد أن تعلموا إذ ~~لم تسألوا"، ومثله لعمارة، وفي رواية أبي فروة: "والذي بعث محمدا بالحق ما ~~كنت بأعلم به من رجل منكم وإنه لجبريل، وفي حديث أبي عامر: "ثم ولى، فلما ~~لم ير طريقه قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: سبحان الله! هذا جبريل جاء ~~ليعلم الناس دينهم، والذي نفس محمد بيده ما جاء قط إلا وأنا أعرفه إلا أن ~~يكون هذه المرة". PageV02P024 # وفي رواية سليمان التيمي: "ثم نهض فولى، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: علي بالرجل، فطلبناه كل مطلب فلم نقدر عليه، فقال: هل تدرون من ~~هذا؟ هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه، فوالذي نفسي بيده ما شبه ~~علي منذ أتاني قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى ولى". # قال ابن حبان: تفرد سليمان التيمي بقوله: "خذوا عنه". # قلت: وهو من الثقات الأثبات، وفي قوله: "جاء ليعلم الناس" الإشارة إلى ~~هذه الزيادة، فما تفرد إلا بالتصريح، وإسناد التعليم إلى جبريل مجازي؛ لأنه ~~كان السبب [102/ أ] في الجواب، فكذلك الأمر بالأخذ عنه (¬1). # واتفقت هذه الروايات على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر الصحابة ~~بشأنه بعد أن التمسوه فلم يجدوه، وأما ما وقع عند مسلم وغيره من حديث عمر ~~في رواية كهمس: "ثم انطلق، قال عمر: فلبثت مليا، ثم قال: يا عمر، أتدري من ~~السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل". # وقد جمع بين الروايتين بعض الشراح بأن قوله: "فلبثت مليا"، أي: زمانا بعد ~~انصرافه. فكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلمهم بدلك بعد مضي وقت لكنه ~~في ذلك المجلس. # لكن يعكر على هذا الجمع قوله في رواية النسائي والترمذي: "فلبثت ثلاثا" ~~(¬2)، لكن ادعى بعضهم فيها التصحيف، وأن مليا صغرت ميمها فأشبهت ثلاثا؛ لأن ~~ثلاثا تكتب بلا ألف، وهذه الدعوى مردودة، فإن في رواية أبي عوانة: "فلبثنا ~~ليالي، فلقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ثلاث"، ولابن حبان: ~~"بعد ثالثة"، ولابن منده: "بعد ثلاثة أيام". PageV02P025 # وجمع النووي بين الحديثين: بأن عمر لم يحضر قول النبي ms221 - صلى الله عليه ~~وسلم - في المجلس، بل كان ممن قام، إما مع الذين توجهوا في طلب الرجل، أو ~~لشغل آخر، ولم يرجع مع من رجع لعارض عرض له، فأخبر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - الحاضرين في الحال، ولم يتفق الإخبار لعمر إلا بعد ثلاثة أيام، ويدل ~~عليه قوله: "فلقيني"، وقوله: "فقال لي: يا عمر"، فوجه الخطاب له وحده بخلاف ~~إخبار الأول، وهو جمع حسن. # * تنبيهات: # الأول: دلت الروايات التي ذكرناها على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ما عرف أنه جبريل إلا في آخر الحال، وأن جبريل أتاه في صورة رجل حسن ~~الهيئة، لكنه غير معروف لديهم، وأما ما وقع في رواية النسائي من طريق أبي ~~فروة في آخر الحديث: "وإنه لجبريل نزل في صورة دحية الكلبي"، فإن قوله: ~~"نزل في صورة دحية الكلبي" وهم؛ لأن دحية معروف عندهم، وقد قال عمر: "ما ~~يعرفه منا أحد"، وقد أخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب "الإيمان" له من ~~الوجه الذي أخرجه منه النسائي فقال في آخره: "فإنه جبريل جاء ليعلمكم ~~دينكم" حسب، وهذه الرواية هي المحفوظة لموافقتها باقي الروايات. # الثاني: قال ابن المنذر في قوله: "يعلمكم دينكم": دلالة على أن السؤال ~~[102/ ب] الحسن يسمى علما وتعليما؛ لأن جبريل لم يصدر منه سوى السؤال، ومع ~~ذلك فقد سماه معلما، وقد اشتهر قولهم: حسن السؤال نصف العلم، ويمكن أن يؤخذ ~~من هذا الحديث؛ لأن الفائدة فيه انبنت على السؤال والجواب معا. # الثالث: قال القرطبي: هذا الحديث يصلح أن يقال له: أم السنة، لما تضمنه ~~من حمل علم السنة، وقال الطيبي: لهذه النكتة استفتح به البغوي كتابيه: ~~"المصابيح" و"شرح السنة" اقتداء بالقرآن بافتتاحه بالفاتحة؛ لأنها تضمنت ~~علوم القرآن إجمالا. # وقال القاضي عياض: اشتمل هذا الحديث على جميع وظائف العبادات الظاهرة ~~والباطنة، من عقود الإيمان ابتداء وحالا ومآلا، ومن أعمال الجوارح، ومن ~~إخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى أن علوم الشريعة كلها راجعة ~~إليه، ومتشعبة منه. PageV02P026 # قلت: ولهذا أشبعت في القول الكلام عليه، مع ms222 أن الذي ذكرته وإن كان كثيرا ~~لكنه بالنسبة لما يتضمنه قليل، فلم أخالف طريقة الاختصار، والله الموفق. # قوله: (قال أبو عبد الله) يعني: المؤلف. # (جعل ذلك كله من الإيمان) أي: الإيمان الكامل المشتمل على هذه الأمور ~~كلها. PageV02P027 ### || AUTO 38 - باب # 51 - حدثنا إبراهيم بن حمزة، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن ~~شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، أن عبد الله بن عباس، أخبره قال: أخبرني ~~أبو سفيان، أن هرقل، قال له: سألتك هل يزيدون أم ينقصون، فزعمت أنهم ~~يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم. وسألتك هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل ~~فيه، فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، لا يسخطه أحد. # قوله: (باب) كذا هو بلا ترجمة في رواية كريمة وأبي الوقت، وسقط من رواية ~~أبي ذر والأصيلي وغيرهما، ورجح النووي: الأول، قال: لأن الترجمة -يعني: ~~سؤال جبريل عن الإيمان- لا يتعلق بها هذا الحديث، فلا يصح إدخاله فيه. # قلت: نفي التعليق لا يتم هنا على الحالين؛ لأنه إن ثبت لفظ: "باب" بلا ~~ترجمة فهو بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، فلابد له من تعلق به، وإن لم ~~يثبت فتعلقه به متعين، لكنه يتعلق بقوله في الترجمة: "جعل ذلك كله دينا"، ~~ووجه التعلق: أنه سمى الدين إيمانا في حديث هرقل، فيتم مراد المؤلف بكون ~~الدين هو الإيمان. # فإن قيل: لا حجة له فيه لأنه منقول عن هرقل. # فالجواب: أنه ما قاله من قبل اجتهاده، وإنما أخبر به عن استقرائه من كتب ~~الأنبياء، كما قررناه فيما مضى، وأيضا فهرقل قاله بلسانه الرومي، وأبو ~~سفيان عبر عنه بلسانه العربي، وألقاه إلى ابن عباس، وهو من علماء اللسان، ~~فرواه عنه ولم ينكره [103/ أ]، فدل على أنه صحيح لفظا ومعنى. # وقد اقتصر المؤلف من حديث أبي سفيان الطويل الذي تكلمنا عليه في بدء ~~الوحي على هذه القطعة لتعلقها بغرضه هنا، وساقه في كتاب الجهاد (¬1) تاما ~~بهذا الإسناد الذي أورده هنا، والله أعلم. PageV02P028 ### || AUTO 39 - باب: فضل من ms223 استبرأ لدينه # 52 - حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكرياء، عن عامر، قال: سمعت النعمان بن بشير، ~~يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الحلال بين والحرام ~~بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ ~~لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه. ألا ~~وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة ~~إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله. ألا وهي القلب". # قوله: (باب فضل من استبرأ لدينه) كأنه أراد أن يبين أن الورع من مكملات ~~الإيمان، فلهذا أورد حديث الباب في أبواب الإيمان. # قوله: (حدثنا زكرياء) هو ابن أبي زائدة، واسم أبي زائدة: خالد بن ميمون ~~الوادعي. # قوله: (عن عامر) هو الشعبي الفقيه المشهور، ورجال الإسناد كوفيون، وقد ~~دخل النعمان الكوفة، وولي إمرتها، ولأبي عوانة في "صحيحه" من طريق أبي حريز ~~-وهو بفتح الحاء المهملة وآخره زاي- عن الشعبي: أن النعمان بن بشير خطب به ~~بالكوفة. # وفي رواية لمسلم: أنه خطب به بحمص (¬1)، ويجمع بينهما: بأنه سمعه منه ~~مرتين، فإنه ولي إمرة البلدين واحدة بعد أخرى، وزاد مسلم، والإسماعيلي من ~~طريق زكرياء فيه: "وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه، يقول: سمعت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يقول"، وفي هذا رد لقول الواقدي ومن تبعه أن ~~النعمان لا يصح سماعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وفيه دليل على صحة تحمل الصبي المميز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مات وللنعمان ثمان سنين. PageV02P029 # وزكرياء موصوف بالتدليس، ولم أره في الصحيحين وغيرهما من روايته عن ~~الشعبي إلا معنعنا، ثم وجدته في فوائد ابن أبي الهيثم من طريق يزيد بن ~~هارون، عن زكرياء قال: "حدثنا الشعبي"، فحصل الأمن من تدليسه. # * فائدة: # ادعى أبو عمرو الداني أن هذا الحديث لم يروه عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - غير النعمان بن بشير، فإن أراد من وجه صحيح فمسلم، وإلا فقد رويناه ~~من حديث ابن ms224 عمر، وعمار في "الأوسط" للطبراني (¬1)، ومن حديث ابن عباس في ~~"الكبير" له (¬2)، ومن حديث واثلة في "الترغيب" للأصبهاني، وفي أسانيدها مقال. # وادعى أيضا أنه لم يروه عن النعمان غير الشعبي، وليس كما قال، فقد رواه ~~عن النعمان أيضا خيثمة بن عبد الرحمن عند أحمد وغيره (¬3)، وعبد الملك بن ~~عمير [103/ ب] عند أبي عوانة وغيره، وسماك بن حرب عند الطبراني (¬4)، لكنه ~~مشهور عن الشعبي، رواه عنه جمع جم من الكوفيين. # ورواه عنه من البصريين عبد الله بن عون، وقد ساق البخاري إسناده في ~~البيوع (¬5)، ولم يسق لفظه، وساقه أبو داود (¬6)، وسنشير إلى ما فيه من ~~فائدة إن شاء الله تعالى. # قوله: (الحلال بين والحرام بين) أي: في عينهما ووصفهما بأدلتهما الظاهرة. # قوله: (وبينهما مشبهات) بوزن مفعلات بتشديد العين المفتوحة، وهي رواية ~~مسلم (¬7)، أي: شبهت بغيرها مما لم يتبين به حكمها على التعيين، وفي رواية ~~الأصيلي: "مشتبهات" بوزن مفتعلات -بتاء مفتوحة وعين خفيفة مكسورة-، وهي ~~رواية ابن PageV02P030 # ماجه (¬1)، وهو لفظ ابن عون (¬2)، والمعنى: أنها اكتسبت الشبه من وجهين ~~متعارضين، ورواه الدارمي عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ: "وبينهما ~~متشابهات" (¬3). # قوله: (لا يعلمها كثير من الناس) أي: لا يعلم حكمها، وجاء واضحا في رواية ~~الترمذي فلفظه: "لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام" (¬4). # ومفهوم قوله: (كثير) أن معرفة حكمها ممكن، لكن لقليل من الناس، وهم ~~المجتهدون، فالشبهات على هذا في حق غيرهم، وقد يقع لهم حيث لا يظهر لهم ~~ترجيح لأحد الدليلين. # قوله: (فمن اتقى المشبهات) أي: حذر منها، والاختلاف في لفظها بين الرواة ~~نظير الذي قبلها، لكن عند مسلم والإسماعيلي: "الشبهات" بالضم: جمع شبهة. # قوله: (استبرأ) بالهمز بوزن استفعل من البراءة، أي: برأ دينه من النقص، ~~وعرضه من الطعن؛ لأن من لم يعرف باجتناب الشبهات لم يسلم لقول من يطعن فيه. # وفيه دليل على أن من لم يتوق الشبهة في كسبه ومعاشه فقد عرض نفسه للطعن ~~فيه، وفي هذا إشارة إلى المحافظة على أمور الدين والمروءة. # قوله: ms225 (ومن وقع في الشبهات) فيها أيضا ما تقدم من اختلاف الرواة، وحاصل ~~ما فسر به العلماء الشبهات أربعة أشياء: # أحدها: تعارض الأدلة كما تقدم. # ثانيها: اختلاف العلماء، وهي [104/ أ] منتزعة من الأولى. # ثالثها: أن المراد بها قسم المكروه؛ لأنه يجتذبه جانبا الفعل والترك. # رابعها: أن المراد بها المباح، ولا يمكن قائل هذا أن يحمله على متساوي PageV02P031 # الطرفين من كل وجه، بل يمكن حمله على ما يكون من قسم خلاف الأولى، بأن ~~يكون متساوي الطرفين باعتبار ذاته، راجح الفعل أو الترك باعتبار أمر خارج. # ونقل ابن المنير في مناقب شيخه القباري عنه أنه كان يقول: المكروه عقبة ~~بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام، والمباح عقبة ~~بينه وبين المكروه، فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه. # وهو منزع حسن، ويؤيده رواية ابن حبان من طريق ذكر مسلم إسنادها ولم يسق ~~لفظها، فيها من الزيادة: "اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال، من فعل ~~ذلك استبرأ لعرضه ودينه، ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن ~~يقع فيه" (¬1). # والمعنى: أن الحلال حيث يخشى أن يئول فعله مطلقا إلى مكروه أو محرم ينبغي ~~اجتنابه، كالإكثار مثلا من الطيبات فإنه يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في ~~أخذ ما لا يستحق، أو يفضي إلى بطر النفس، وأقل ما فيه الاشتغال عن مواقف ~~العبودية. # والذي يظهر لي رجحان الوجه الأول على ما سأذكره، ولا يبعد أن يكون كل من ~~الأوجه مرادا، ويختلف ذلك باختلاف الناس، فالعالم الفطن لا يخفى عليه تمييز ~~الحكم، ولا يقع له ذلك إلا في الاستكثار من المباح أو المكروه كما تقرر ~~قبل، ودونه تقع له الشبهة في جميع ما ذكر بحسب اختلاف الأحوال. # ولا يخفى أن المستكثر من المكروه تصير فيه جرأة على ارتكاب المنهي في ~~الجملة، أو يحمله اعتياده ارتكاب المنهي غير المحرم على ارتكاب المنهي ~~المحرم إذا كان من جنسه، أو يكون ذلك لسر فيه، وهو أن من تعاطى ما نهي عنه ~~يصير مظلم القلب لفقدان ms226 الورع، فيقع في الحرام ولو لم يختر الوقوع فيه. # ووقع عند المصنف في البيوع من رواية أبي فروة، عن الشعبي في هذا الحديث: ~~"فمن [104/ ب] ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان له أترك، ومن اجترأ ~~على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان". وهذا يرجح الوجه الأول ~~كما أشرت إليه. PageV02P032 # * تنبيه: # استدل به ابن المنير على جواز بقاء المجمل بعد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وفي الاستدلال بذلك نظر؛ إلا إن أراد أنه مجمل في حق بعض دون بعض، ~~وأراد الرد على منكر القياس، فيحتمل ما قال، والله أعلم. # قوله: (كراع يرعى) هكذا في جميع نسخ البخاري بحذف جواب الشرط، إن أعربت ~~"من" شرطية، وقد ثبت المحذوف في رواية الدارمي عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه ~~فقال: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى" (¬1). # ويمكن إعراب: "من" في سياق البخاري موصولة، فلا يكون فيه حذف، إذ ~~التقدير: والذي وقع في الشبهات مثل راع يرعى، والأول أولى لثبوت المحذوف في ~~صحيح مسلم وغيره من طريق زكرياء التي أخرجه منها المؤلف، وعلى هذا فقول: ~~"كراع يرعى" جملة مستأنفة وردت على سبيل التمثيل، للتنبيه بالشاهد على ~~الغائب. # "والحمى": المحمي، أطلق المصدر على اسم المفعول، وفي اختصاص التمثيل بذلك ~~نكتة، وهي: أن ملوك العرب كانوا يحمون لمراعي مواشيهم أماكن مختصة، يتوعدون ~~من رعى فيها بغير إذنهم بالعقوبة الشديدة، فمثل لهم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بما هو مشهور عندهم، فالخائف من العقوبة، المراقب لرضا الملك، يبعد ~~عن ذلك الحمى خشية أن تقع مواشيه في شيء منه، فبعده أسلم له ولو اشتد حذره. # وغير الخائف المراقب يقرب منه ويرعى من جوانبه، فلا يأمن أن تنفرد الفاذة ~~فتقع فيه بغير اختياره، أو يمحل المكان الذي هو فيه ويقع الخصب في الحمى، ~~فلا يملك نفسه أن يقع فيه، فالله -سبحانه وتعالى- هو الملك حقا، وحماه ~~محارمه. # * تنبيه: # ادعى بعضهم أن التمثيل من كلام الشعبي، وأنه مدرج في الحديث، حكى ذلك ms227 أبو ~~عمرو الداني، ولم أقف على دليله، إلا ما وقع عند ابن الجارود والإسماعيلي ~~من PageV02P033 # رواية ابن عون، عن الشعبي [105/أ] قال ابن عون في آخر الحديث: "لا أدري ~~المثل من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أو من قول الشعبي" (¬1). # قلت: وتردد ابن عون في رفعه لا يستلزم كونه مدرجا؛ لأن الأثبات قد جزموا ~~باتصاله ورفعه، فلا يقدح شك بعضهم فيه، وكذلك سقوط المثل من رواية بعض ~~الرواة كأبي فروة عن الشعبي لا يقدح فيمن أثبته؛ لأنهم حفاظ. # ولعل هذا هو السر في حذف البخاري قوله: "وقع في الحرام" ليصير ما قبل ~~المثل مرتبطا به، فيسلم من دعوى الإدراج، ومما يقوي عدم الإدراج رواية ابن ~~حبان الماضية، وكذا ثبوت المثل مرفوعا في رواية ابن عباس وعمار بن ياسر أيضا. # قوله: (ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه) سقط "في أرضه" من رواية ~~المستملي، وثبتت الواو في قوله: "ألا وإن حمى الله" في رواية غير أبي ذر، ~~والمراد بالحرام: فعل المنهي المحرم، أو ترك المأمور الواجب، ولهذا وقع في ~~رواية أبي فروة التعبير ب"المعاصي" بدل "المحارم". وقوله: "ألا" للتنبيه ~~على صحة ما بعدها، وفي إعادتها وتكريرها دليل على عظم شأن مدلولها. # قوله: (مضغة) أي: قدر ما يمضغ، وعبر بها هنا عن مقدار القلب في الرؤية، ~~وسمي القلب قلبا لتقلبه في الأمور، أو لأنه خالص ما في البدن، وخالص كل ~~شيء: قلبه، أو لأنه وضع في الجسد مقلوبا. # وقوله: (إذا صلحت وإذا فسدت) هو بفتح عينيهما وتضم في المضارع، وحكى ~~الفراء: الضم في ماضي صلح، وهو يضم وفاقا إذا صار له الصلاح هيئة لازمة ~~لشرف ونحوه، والتعبير ب"إذا" لتحقق الوقوع غالبا، وقد تأتي بمعنى: "إن" كما ~~هنا، وخص القلب بذلك؛ لأنه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرعية. PageV02P034 # وفيه تنبيه على تعظيم قدر القلب، والحث على صلاحه، والإشارة إلى أن لطيب ~~الكسب أثرا فيه، والمراد المتعلق به من فهم الذي ركبه الله فيه. # ويستدل به على أن العقل في القلب، ومنه ms228 قوله تعالى: {فتكون لهم قلوب ~~يعقلون بها} الآية [الحج: 46]. {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} [ق: 37]. ~~[105/ ب]. # قال المفسرون: أي عقل، وعبر عنه بالقلب؛ لأنه محل استقراره. # * فائدة: # لم تقع هذه الزيادة التي أولها "ألا وإن في الجسد مضغة" إلا في رواية ~~الشعبي، ولا في أكثر الروايات عن الشعبي، وإنما تفرد بها في الصحيحين ~~زكرياء المذكور عنه، وتابعه مجالد (¬1) عند أحمد (¬2)، ومغيرة وغيره عند ~~الطبراني (¬3)، وعبر في بعض رواياته عن الصلاح والفساد بالصحة والسقم، ~~ومناسبتها لما قبلها بالنظر إلى أن الأصل في الإتقاء والوقوع هو ما كان ~~بالقلب؛ لأنه عماد البدن، وقد عظم العلماء أمر هذا الحديث فعدوه رابع أربعة ~~تدور عليها الأحكام، كما نقل عن أبي داود، وفيه البيتان المشهوران وهما: # عمدة الدين عندنا كلمات ... مسندات من قول خير البرية # اترك المشبهات وازهد ودع ما ... ليس يعنيك واعملن بنية PageV02P035 # والمعروف عن أبي داود عد: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه" الحديث (¬1)، بدل: ~~"ازهد فيما في أيدي الناس" (¬2). # وجعله بعضهم ثالث ثلاثة حذف الثاني، وأشار ابن العربي إلى أنه يمكن أن ~~تنتزع منه وحده جميع الأحكام، قال القرطبي: لأنه اشتمل على التفصيل بين ~~الحلال وغيره، وعلى تعلق جميع الأعمال بالقلب، فمن هنا يمكن أن ترد جميع ~~الاحكام إليه، والله المستعان. PageV02P036 ### || AUTO 40 - باب: أداء الخمس من الإيمان # 53 - حدثنا علي بن الجعد، قال: أخبرنا شعبة، عن أبي جمرة، قال: كنت أقعد ~~مع ابن عباس، يجلسني على سريره فقال: أقم عندي حتى أجعل لك سهما من مالي، ~~فأقمت معه شهرين، ثم قال: إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "من القوم أو من الوفد". قالوا: ربيعة. قال: "مرحبا بالقوم -أو ~~بالوفد- غير خزايا ولا ندامى". فقالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أن ~~نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فمرنا بأمر ~~فصل، نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة. وسألوه عن الأشربة. فأمرهم بأربع، ~~ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده. ms229 قال: "أتدرون ما الإيمان بالله ~~وحده". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم ~~الخمس". ونهاهم عن أربع: عن الحنتم والدباء والنقير والمزفت. وربما قال: ~~المقير. وقال: "احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم". # قوله: (باب: أداء الخمس من الإيمان) هو بضم الخاء المعجمة، وهو المراد ~~بقوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} الآية [الأنفال: 41]. # وقيل: إنه روي هنا بفتح الخاء، والمراد: قواعد الإسلام المذكورة في حديث: ~~"بني الإسلام على خمس"، وفيه بعد؛ لأن الحج لم يذكر هنا؛ ولأن غيره من ~~القواعد قد تقدم، ولم يرد هنا إلا ذكر خمس الغنيمة، فتعين أن يكون المراد ~~إفراده بالذكر، وسنذكر وجه كونه من الإيمان قريبا. # قوله: (عن أبي جمرة) هو بالجيم والراء كما تقدم، اسمه: نضر بن عمران بن ~~نوح ابن مخلد الضبعي بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة، من بني ضبيعة بضم ~~أوله مصغرا، وهم بطن من بني عبد القيس كما جزم به الرشاطي، وفي بكر بن وائل ~~بطن يقال لهم: بنو ضبيعة [106/أ] أيضا. PageV02P037 # وقد وهم من نسب أبا جمرة إليهم من شراح البخاري، فقد روى الطبراني وابن ~~منده في ترجمة نوح بن مخلد جد أبي جمرة أنه قدم على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال له: "ممن أنت؟ فقال: من ضبيعة ربيعة، فقال: خير ربيعة عبد ~~القيس، ثم الحي الذين أنت منهم" (¬1). # قوله: (كنت أقعد مع ابن عباس) بين المصنف في العلم من رواية غندر عن شعبة ~~السبب في إكرام ابن عباس له، ولفظه: "كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس". # قال ابن الصلاح: أصل الترجمة: التعبير عن لغة بلغة، وهو عندي هنا أعم من ~~ذلك، وأنه كان يبلغ كلام ابن عباس إلى من خفي عليه، ويبلغه كلامهم إما ~~لزحام أو لقصور فهم. # قلت: الثاني أظهر؛ لأنه كان جالسا معه على سريره، فلا فرق في الزحام ~~بينهما، لكن أبو جمرة قالوا ms230 كان يعرف الفارسية، فكان يترجم لابن عباس بها. # قال القرطبي: فيه دليل على أن ابن عباس كان يكتفي في الترجمة بواحد. # قلت: وقد بوب عليه البخاري في أواخر كتاب الأحكام، واستنبط منه ابن التين ~~جواز أخذ الأجرة على التعليم لقوله: "حتى أجعل لك سهما من مالي". # قوله: (ثم قال: إن وفد عبد القيس) بين مسلم (¬2) من طريق غندر، عن شعبة ~~السبب في تحديث ابن عباس لأبي جمرة بهذا الحديث، فقال بعد قوله: "وبين ~~الناس": "فأتت امرأة تسأله عن نبيذ الجر، فنهى عنه، فقلت: يا أبا عباس، إني ~~أنتبذ في جرة خضراء نبيذا حلوا فأشرب منه فيقرقر بطني، قال: لا تشرب منه ~~وإن كان أحلى من العسل". # وللمصنف في أواخر المغازي من طريق قرة، عن أبي جمرة قال: "قلت لابن عباس: ~~إن لي جرة أنتبذ فيها فأشربه حلوا، إن أكثرت منه فجالست القوم فأطلت الجلوس ~~خشيت أن أفتضح، فقال: قدم وفد عبد القيس. . . ." (¬3). PageV02P038 # فلما [كان] (¬1) أبو جمرة من عبد القيس، وكان حديثهم يشتمل على النهي عن ~~الانتباذ في الجرار ناسب أن يذكره له، وفي هذا دليل على أن ابن عباس لم ~~يبلغه نسخ تحريم الانتباذ [106/ ب] في الجرار، وهو ثابت من حديث بريدة بن ~~الحصيب عند مسلم وغيره (¬2). # قوله: (لما أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من القوم؟ أو من ~~الوفد؟ ) الشك من أحد الرواة، وأظنه شعبة، فإنه في رواية قرة وغيره بغير ~~شك، قال النووي: الوفد: الجماعة المختارة للتقدم في لقى العظماء، واحدهم: وافد. # قال: ووفد عبد القيس المذكورون كانوا أربعة عشر راكبا، كبيرهم الأشج، ~~ذكره صاحب التحرير في شرح مسلم، وسمي منهم: المنذر بن عائذ، وهو الأشج ~~المذكور، ومنقذ بن حيان، ومزيدة بن مالك، وعمرو بن مرحوم، والحارث بن شعيب، ~~وعبيدة بن همام، والحارث بن جندب، وصحار بن العباس، وهو بصاد مضمومة وحاء ~~مهملتين، قال: ولم نعثر بعد طول التتبع على أسماء الباقين. # قلت: قد ذكر ابن سعد منهم عقبة بن جروة (¬3)، وفي سنن أبي داود قيس بن ms231 ~~النعمان العبدي (¬4)، وذكره الخطيب أيضا في المبهمات، وفي مسند البزار ~~وتاريخ ابن أبي خيثمة الجهم بن قثم (¬5)، ووقع ذكره في صحيح مسلم أيضا (¬6) ~~لكن لم يسمه، [و] (¬7) PageV02P039 # في مسندي أحمد وابن أبي شيبة (¬1) الرسيم العبدي، وفي المعرفة لأبي نعيم ~~جويرية العبدي، وفي الأدب للبخاري الزراع بن عامر العبدي (¬2)، فهؤلاء ~~الستة الباقون من العدد. # وما ذكر من أن الوفد كانوا أربعة عشر راكبا لم يذكر دليله، وفي المعرفة ~~لابن منده من طريق هود العصري -وهو بعين وصاد مهملتين مفتوحتين نسبة إلى ~~عصر بطن من عبد القيس- عن جده لأمه مزيدة قال: "بينما رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يحدث أصحابه إذ قال لهم: سيطلع لكم من هذا الوجه ركب هم خير ~~أهل المشرق، فقام عمر فلقي ثلاثة عشر راكبا، فرحب وقرب، وقال: من القوم؟ ~~قالوا: وفد عبد القيس". فيمكن أن يكون أحد المذكورين كان غير راكب أو ~~مرتدفا. # وأما ما رواه الدولابي وغيره من طريق أبي خيره -بفتح الخاء المعجمة وسكون ~~المثناة التحتانية وبعد الراء هاء- الصباحي -وهو بضم الصاد المهملة بعدها ~~موحدة خفيفة وبعد [107/أ] الألف حاء مهملة نسبة إلى صياح بطن من عبد القيس- ~~قال: "كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وفد ~~عبد القيس، وكنا أربعين رجلا، فنهانا عن الدباء والنقير" الحديث، فيمكن أن ~~يجمع بينه وبين الرواية الأخرى بأن الثلاثة عشر كانوا رءوس الوفد، ولهذا ~~كانوا ركبانا، وكان الباقون أتباعا. # وقد وقع في جملة من الأخبار ذكر جماعة من عبد القيس زيادة على من سميت ~~هنا، منهم: أخو الزراع واسمه مطر، وابن أخته ولم يسم، روى ذلك البغوي في ~~معجمه، ومنهم مشمرج السعدي روى حديثه ابن السكن أنه قدم مع وفد عبد القيس. # ومنهم جابر بن الحارث، وخزيمة بن عمرو، وهمام بن ربيعة، وجارية -أوله ~~جيم- بن جابر، ذكرهم ابن شاهين في معجمه. PageV02P040 # ومنهم نوح بن مخلد جد أبي جمرة كما تقدم، وإنما أطلت في هذا الفصل لقول ~~صاحب التحرير: إنه لم يظفر بعد طول التتبع ms232 إلا بما ذكر. # قوله: (قالوا: ربيعة) فيه التعبير عن البعض بالكل؛ لأنهم بعض ربيعة، وهذا ~~من بعض الرواة، فإن عند المصنف في الصلاة من طريق عباد بن عباد، عن أبي ~~جمرة فقالوا: "إنا هذا الحي من ربيعة" (¬1). # قال ابن الصلاح: الحي منصوب على الاختصاص، والمعنى: إنما هذا الحي حي من ~~ربيعة، قال: و [الحي هو اسم لمنزل القبيلة، ثم سميت القبيلة به؛ لأن بعضهم ~~يحيا ببعض. # قوله: (مرحبا) هو منصوب] (¬2) بفعل مضمر، أي: صادفت رحبا بضم الراء، أي: ~~سعة، والرحب -بالفتح-: الشيء الواسع، وقد [يزيدون] (¬3) معها [أهلا، أي: ~~وجدت أهلا، فاستأنس .. # قوله] (¬4): (غير خزايا) بنصب غير على الحال، وخزايا جمع خزيان، وهو الذي ~~أصابه خزي، والمعنى: أنهم أسلموا طوعا من غير حرب أو سبي يخزيهم ويفضحهم. # قوله: (ولا ندامى) قال الخطابي: كان أصله نادمين جمع نادم؛ لأن ندامى ~~إنما هو جمع ندمان، أي: المنادم في اللهو، لكنه خرج عن الاتباع، كما قالوا: ~~العشايا والغدايا، وغداة جمعها: الغدوات لكنه أتبع. انتهى # وقد حكى القزاز والجوهري وغيرهما من أهل اللغة أنه يقال: نادم وندمان في ~~الندامة بمعنى، فعلى هذا فهو على الأصل ولا إتباع فيه، والله أعلم. # قال ابن أبي جمرة: "بشرهم [107/ ب] بالخير عاجلا وآجلا"، لأن الندامة ~~إنما تكون في العاقبة، فإذا انتفت ثبت ضدها. PageV02P041 # قوله: (فقالوا: يا رسول الله) فيه دليل على أنهم كانوا حين المقالة ~~مسلمين، وكذا في قولهم: "كفار مضر"، وفي قولهم: "الله ورسوله أعلم". # قوله: (إلا في الشهر الحرام) وللأصيلي وكريمة: "إلا في شهر الحرام"، وهي ~~رواية مسلم (¬1)، وهي من إضافة الشيء إلى نفسه، كمسجد الجامع، ونساء ~~المؤمنات. # والمراد بالشهر الحرام: الجنس، فيشمل الأربعة الحرم، ويؤيده رواية قرة ~~عند المؤلف في المغازي بلفظ: "إلا في أشهر الحرم" (¬2)، ورواية حماد بن زيد ~~عنده في المناقب بلفظ: "إلا في كل شهر حرام" (¬3). # وقيل: اللام للعهد، والمراد: شهر رجب، وفي رواية البيهقي (¬4) التصريح ~~به، وكانت مضر تبالغ في تعظيم شهر رجب، فلهذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة، ~~حيث قال: ms233 "رجب مضر" كما سيأتي، والظاهر أنهم كانوا يخصونه بمزيد التعظيم مع ~~تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى، إلا أنهم ربما أنسأوها بخلافه. # وفيه دليل على تقدم إسلام عبد القيس على قبائل مضر الذين كانوا بينهم ~~وبين المدينة، وكانت مساكن عبد القيس بالبحرين وما والاها من أطراف العراق، ~~ولهذا قالوا كما في رواية شعبة عند المؤلف في العلم: "وإنا نأتيك من شقة ~~بعيدة" (¬5)، قال ابن قتيبة: الشقة: السفر، وقال الزجاج: هي الغاية التي تقصد. # ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضا ما رواه المصنف في الجمعة من طريق أبي ~~جمرة أيضا عن ابن عباس قال: "إن أول جمعة جمعت -بعد جمعه في مسجد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين" (¬6)، وجواثى ~~-بضم الجيم وبعد الألف PageV02P042 # مثلثة مفتوحة-: وهي قرية شهيرة لهم، وإنما جمعوا بعد رجوع وفدهم إليهم، ~~فدل على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام. # قوله: (بأمر فصل) بالتنوين فيهما لا بالإضافة، والأمر: واحد الأوامر، أي: ~~مرنا بعمل بواسطة افعلوا، ولهذا قال الراوي: "أمرهم"، وفي رواية [108/أ] ~~حماد بن زيد وغيره عند المؤلف: "قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: آمركم" ~~(¬1)، وله عن أبي التياح بصيغة افعلوا (¬2). # والفصل بمعنى: الفاصل، كالعدل بمعنى: العادل، أي: يفصل يين الحق والباطل، ~~أو بمعنى المفصل، أي: المبين المكشوف، حكاه الطيبي، وقال الخطابي: الفصل ~~البين، وقيل: المحكم. # وقوله: (نخبر به) بالرفع على الصفة لأمر. وكذا قوله: (وندخل) ويروى ~~بالجزم فيهما على أنه جواب الأمر. # قوله: (فأمرهم بأربع) قال القرطبي: قيل: إن أول الأربع المأمور بها إقام ~~الصلاة، وإنما ذكر الشهادتين تبركا بهما كما قيل في قوله تعالى: {واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41]. # وإلى هذا نحا الطيبي فقال: عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصوبا لغرض ~~جعلوا سياقه له وطرحوا ما عداه، وهنا لم يكن الغرض في الإيراد ذكر ~~الشهادتين؛ لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتي الشهادة، ولكن ربما كانوا ~~يظنون أن الإيمان مقصور عليهما [كما كان] (¬3) الأمر في ms234 صدر الإسلام، قال: ~~فلهذا لم يعد الشهادتين في الأوامر. # قيل: ولا يرد على هذا إلا الإثبات بحرف العطف فيحتاج إلى تقدير، قال ~~القاضي أبو بكر ابن العربي: لولا وجود العطف لقلنا: إن ذكر الشهادتين ورد ~~على سبيل التصدير، لكن يمكن أن تقرأ قوله: "وإقام الصلاة" بالخفض، فيكون ~~عطفا على قوله: "أمرهم بالإيمان"، والتقدير أمرهم بالإيمان مصدرا به وبشرطه ~~من الشهادتين، وأمرهم بإقام الصلاة إلى آخره. PageV02P043 # قال: ويؤيد هذا حذفهما في رواية المصنف في الأدب من طريق أبي التياح عن ~~أبي جمرة ولفظه: "أربع وأربع: أقيموا الصلاة إلى آخره". # فإن قيل: ظاهر ما ترجم به المصنف من أن أداء الخمس من الإيمان يقتضي ~~إدخاله مع باقي الخصال في تفسير الإيمان، والتقدير المذكور يخالفه. # أجاب ابن رشيد: بأن المطابقة تحصل من جهة أخرى، وهي أنهم سألوا عن ~~الأعمال التي يدخلون بها الجنة، وأجيبوا بأشياء منها أداء الخمس، والأعمال ~~التي تدخل الجنة هي أعمال الإيمان، فيكون أداء الخمس من الإيمان بهذا ~~التقريب. # فإن قيل: فكيف قال [108/ ب] في رواية حماد بن زيد، عن أبي جمرة: "آمركم ~~بأربع: الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله وعقد واحدة" كذا للمؤلف في ~~المغازي (¬1)، وله في فرض الخمس: "وعاقد بيده" (¬2)، فدل أن الشهادة إحدى ~~الأربع. # وأما ما وقع عنده في الزكاة (¬3) من هذا الوجه من زيادة الواو في قوله: ~~(وشهادة أن لا إله إلا الله) فهي زيادة شاذة، لم يتابع عليها حجاج بن منهال أحد. # والمراد بقوله: "شهادة أن لا إله إلا الله" أي: وأن محمدا رسول الله، كما ~~صرح به في رواية عباد بن عباد في أوائل المواقيت، ولفظة: "آمركم بأربع ~~وأنهاكم عن أربع الإيمان بالله"، ثم فسرها لهم: شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله" (¬4) الحديث، وهذا أيضا يدل على أنه عد الشهادتين من ~~الأربع، لأنه أعاد الضمير في قوله: "ثم فسرها" مؤنثة، فيعود على الأربع، ~~ولو أراد تفسير الإيمان لأعاده مذكرا. # وعلى هذا فيقال: كيف قال أربع والمذكورات خمس؟ # وقد ms235 أجاب عنه القاضي عياض: بأن الأربع ماعدا أداء الخمس، قال: كأنه أراد PageV02P044 # إعلامهم بقواعد الإيمان وفروض الأعيان، ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا ~~وقع لهم جهاد؛ لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد إلى ذكرها ~~بعينها؛ لأنها [مسببة] (¬1) عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين، ~~قال: وكذلك لم يذكر الحج لأنه لم يكن فرض. # وقال غيره: قوله: "وأن تعطوا" معطوف على قوله: "بأربع"، أي: آمركم بأربع ~~وبأن تعطوا، ويدل عليه العدول عن سياق الأربع والإتيان بأن والفعل مع توجه ~~الخطاب إليهم. # قال ابن التين: لا تمتنع الزيادة إذا حصل الوفاء بوعد الأربع. # قلت: ويدل على ذلك لفظ رواية مسلم من حديث أبي سعيد الخدري في هذه القصة: ~~"آمركم بأربع: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأقيموا الصلاة، وآتوا ~~الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم" (¬2). # وقال القاضي أبو بكر ابن العربي: يحتمل أن يقال: إنه عد الصلاة والزكاة ~~واحدة؛ لأنها قرينتها في كتاب الله وتكون الرابعة أداء الخمس، أو أنه لم ~~[109/أ] يعد أداء الخمس؛ لأنه داخل في عموم إيتاء الزكاة، والجامع بينهما: ~~إخراج مال معين في حال دون حال. # وقال البيضاوي: الظاهر أن الأمور الخمسة المذكورة هنا تفسير للإيمان، وهو ~~أحد الأربعة الموعود بذكرها، والثلاثة الأخر حذفها الراوي اختصارا أو ~~نسيانا. # كذا قال، وما ذكر أنه الظاهر لعله بحسب ما ظهر له، وإلا فالظاهر من ~~السياق أن الشهادة أحد الأربع لقوله: "وعقد واحدة"، وكان القاضي أراد أن ~~يرفع الإشكال من كون الإيمان واحدا والموعود بذكره أربعا. # وقد أجيب عن ذلك بأنه باعتبار أجزائه المفصلة أربع، وهو في ذاته واحد، ~~والمعنى: أنه اسم جامع للخصال الأربع التي ذكر أنه يأمرهم بها، ثم فسرها، ~~فهو واحد PageV02P045 # بالنوع متعدد بحسب وظائفه، كما أن المنهي عنه وهو الانتباذ فيما يسرع ~~إليه الإسكار واحد بالنوع متعدد بحسب أوعيته. # والحكمة في الإجمال بالعدد قبل التفسير أن تتشوف النفس إلى التفصيل ثم ~~تسكن إليه، وأن يتحصل حفظها للسامع، فإذا نسي شيئا من تفاصيلها ms236 طالب نفسه ~~بالعدد، فإذا لم يستوف العدد الذي في حفظه علم أنه قد فاته بعض ما سمع. # وما ذكره القاضي عياض من أن السبب في كونه لم يذكر الحج في الحديث لأنه ~~لم يكن فرض هو المعتمد، وقد قدمنا الدليل على عدم إسلامهم، لكن جزم القاضي ~~بأن قدومهم كان في سنة ثمان قبل فتح مكة تبع فيه الواقدي، وليس بجيد؛ لأن ~~فرض الحج كان سنة ست على الأصح كما سنذكره في موضعه إن شاء الله، ولكن ~~القاضي يختار أن فرض الحج كان سنة تسع حتى لا يرد على مذهبه أنه على الفور شيء. # وقد احتج الشافعي بكونه على التراخي بأن فرض الحج كان بعد الهجرة، وأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قادرا على الحج في سنة ثمان وفي سنة تسع ~~ولم يحج إلا في سنة عشر. # وأما قول من قال: إن ترك ذكر الحج لكونه على التراخي فليس بجيد؛ لأن كونه ~~على التراخي لا يمنع من الأمر به. # وكذا قول من قال: إنما تركه لشهرته عندهم ليس بقوي [109/ ب]؛ لأنه عند ~~غيرهم ممن ذكره لهم أشهر منه عندهم. # وكذا قول من قال: إن ترك ذكره لأنهم لم يكن لهم إليه سبيل من أجل كفار ~~مضر ليس بمستقيم؛ لأنه لا يلزم من عدم الاستطاعة في الحال ترك الإخبار به ~~ليعمل به عند الإمكان كما في الآية، بل دعوى أنهم كانوا لا سبيل لهم إلى ~~الحج ممنوعة؛ لأن الحج يقع في الأشهر الحرم، وقد ذكروا أنهم كانوا يأمنون فيها. # لكن يمكن أن يقال إنه إنما أخبرهم ببعض الأوامر لكونهم سألوه أن يخبرهم ~~بما يدخلون بفعله الجنة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يقصد ~~إعلامهم PageV02P046 # بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلا وتركا، ويدل على ذلك اقتصاره في ~~المناهي على الانتباذ في الأوعية مع أن في المناهي ما هو أشد في التحريم من ~~الانتباذ، لكن اقتصر عليها لكثرة تعاطيهم لها. # وأما ما وقع في كتاب الصيام من "السنن الكبرى" للبيهقي ms237 من طريق أبي قلابة ~~الرقاشي، عن أبي زيد الهروي، عن قرة في هذا الحديث من زيادة ذكر الحج ~~ولفظه: "وتحجوا البيت الحرام" (¬1)، ولم يتعرض لعدد، فهي رواية شاذة، وقد ~~أخرجه الشيخان ومن استخرج عليهما والنسائي وابن خزيمة وابن حبان من طريق ~~قرة لم يذكر أحد منهم الحج (¬2)، وأبو قلابة تغير حفظه في آخر أمره، فلعل ~~هذا مما حدث به في التغير، وعلى تقدير أن يكون ذكر الحج فيه محفوظا فيجمع ~~في الجواب عنه بين الجوابين المتقدمين، فيقال: المراد بالأربع: ماعدا ~~الشهادتين وأداء الخمس، والله أعلم. # قوله: (ونهاهم عن أربع: الحنتم. . .) إلى آخره في جواب قوله: (وسألوه عن ~~الأشربة) هو من إطلاق المحل وإرادة الحال أي: "ما في الحنتم ونحوه"، وصرح ~~بالمراد في رواية النسائي فقال: "وأنهاكم عن أربع ما ينبذ في الحنتم" ~~الحديث. # والحنتم -بفتح المهملة وسكون النون وفتح المثناة من فوق-: هي الجرة، كذا ~~فسرها ابن عمر في صحيح مسلم (¬3)، وله عن أبي هريرة: "الحنتم الجرار الخضر" ~~(¬4)، PageV02P047 # وروى الحربي في الغريب عن عطاء: إنها جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم (¬1). # و(الدباء) بضم المهملة وتشديد الموحدة والمد: هو القرع. قال النووي: ~~المراد: اليابس منه، وحكى القزاز [110/ أ] فيه القصر. # و(النقير) بفتح النون وكسر القاف: أصل النخلة ينقر فيتخذ منه وعاء. # و(المزفت) بالزاي والفاء: ما طلي بالزفت. # و(المقير) بالقاف والياء الأخيرة: ما طلي بالقار، ويقال: القير، وهو نبت ~~يحرق إذا يبس تطلى بها السفن وغيرها كما يطلى بالزفت، قاله صاحب المحكم. # وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أبي بكرة قال: "أما الدباء فإن أهل الطائف ~~كانوا يأخذون القرع فيخرطون فيه العنب ثم يدفنونه حتى يهدر ثم يموت، وأما ~~النقير: فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة ثم ينبذون الرطب والبسر ~~ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت، وأما الحنتم فجرار كانت يحمل إلينا فيها ~~الخمر، وأما المزفت فهذه الأوعية التي فيها الزفت" (¬2). انتهى، وإسناده ~~حسن، وتفسير الصحابي أولى أن يعتمد من غيره؛ لأنه أعلم بالمراد. # ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه ms238 الأوعية بخصوصها لأنه يسرع إليها ~~الإسكار، وربما شرب منها من لا يشعر بذلك، ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في ~~كل وعاء مع النهي عن شرب كل مسكر كما سيأتي في كتاب الأشربة إن شاء الله تعالى. # قوله: (وأخبروا بهن من وراءكم) بفتح "من" وهي الموصولة، ووراءكم يشمل من ~~جاءوا من عندهم وهذا باعتبار المكان، ويشمل من يحدث لهم من الأولاد وغيرهم ~~وهذا باعتبار الزمان، فيحتمل إعمالها في المعنيين معا حقيقة ومجازا. # واستنبط منه المصنف الاعتماد على أخبار الآحاد كما سيأتي في بابه إن شاء ~~الله تعالى. PageV02P048 ### || AUTO 41 - باب: ما جاء إن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى # فدخل فيه: الإيمان، والوضوء، والصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والأحكام ~~وقال الله تعالى: {قل كل يعمل على شاكلته}: على نيته # "نفقة الرجل على أهله يحتسبها صدقة". وقال: "ولكن جهاد ونية" # 54 - حدثنا عبد الله بن مسلمة، قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن ~~محمد ابن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ~~ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ~~يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه". # قوله: (باب ما جاء) أي: باب بيان ما ورد دالا على أن الأعمال الشرعية ~~معتبرة بالنية والحسبة. والمراد بالحسبة: طلب الثواب. # ولم يأت حديث لفظه الأعمال بالنية والحسبة، إنما استدل بحديث عمر على أن ~~الأعمال بالنية، وبحديث أبي مسعود على أن الأعمال بالحسبة. # قوله: (فدخل فيه) هو من مقول المصنف وليس بقية مما ورد، وقد أفصح ابن ~~عساكر في روايته بذلك، فقال: "قال أبو عبد الله" يعني: المصنف، والضمير في ~~"فيه" يعود على الكلام المتقدم، وتوجيه [110/ ب] دخول النية في الإيمان على ~~طريقة المصنف أن الإيمان عمل كما تقدم شرحه. # قوله: (والوضوء) أشار به إلى خلاف من لم يشترط النية كما نقل عن ~~الأوزاعي، PageV02P049 # وأبي حنيفة وغيرهما، وحجتهم أنه ليس عبادة مستقلة، ms239 بل [وسيلة] (¬1) إلى ~~عبادة كالصلاة، ونوقضوا بالتيمم فإنه وسيلة، وقد اشترط الحنفية فيه النية. # واستدل الجمهور على اشتراط النية في الوضوء بالأدلة الصحيحة المصرحة بوعد ~~الثواب عليه، فلابد من قصد يميزه عن غيره ليحصل الثواب الموعود. # وأما الصلاة فلم يختلف في اشتراط النية فيها، وأما الزكاة فإنما تسقط ~~بأخذ السلطان ولو لم ينو صاحب المال؛ لأن السلطان قائم مقامه. # وأما الحج فإنه ينصرف إلى فرض من حج عن غيره لدليل خاص، وهو حديث ابن ~~عباس في قصة شبرمة (¬2)، وأما الصوم فأشار به إلى خلاف من زعم أن صيام ~~رمضان لا يحتاج إلى نية؛ لأنه متميز بنفسه كما نقل عن زفر. # وقدم المصنف الحج على الصوم تمسكا بما ورد عنده في حديث: "بني الإسلام" ~~وقد تقدم. # قوله: (والأحكام) أي: المعاملات التي يدخل فيها الاحتياج إلى المحاكمات، ~~فيشمل البيوع والأنكحة والأقارير وغيرها، وكل صورة لم يشترط فيها النية ~~فذاك لدليل خاص. # وقد ذكر ابن المنير ضابطا لما يشترط فيه النية مما لا يشترط، فقال: كل ~~عمل لا تظهر له فائدة عاجلة بل المقصود به طلب الثواب فالنية مشترطة فيه، ~~وكل عمل ظهرت فائدته ناجزة وتعاطته الطبيعة قبل الشريعة لملاءمة بينهما فلا ~~تشترط النية فيه، إلا لمن قصد بفعله معنى آخر يترتب عليه الثواب. # قال: وإنما اختلف العلماء في بعض الصور من جهة تحقيق مناط التفرقة، قال: ~~وأما ما كان من المعاني المحضة: كالخوف والرجاء فهذا لا يقال باشتراط النية ~~فيه؛ لأنه لا يمكن أن يقع إلا منويا، ومتى فرضت النية مفقودة فيه استحالت ~~حقيقة، فالنية فيه PageV02P050 # شرط عقلي، وكذلك [111/ أ] لا يشترط النية للنية فرارا من التسلسل. # قوله: (وقال الله) قال الكرماني: الظاهر أنها جملة حالية لا عطف. # قوله: (على نيته) تفسير منه لقوله "على شاكلته" بحذف أداة التفسير، ~~وتفسير الشاكلة بالنية صح عن الحسن البصري ومعاذ بن قرة المزني، وقتادة ~~أخرجه عبد بن حميد والطبري عنهم (¬1). # وعن مجاهد قال: الشاكلة: الطريقة (¬2). # قوله: (ولكن جهاد ونية) هو طرف من حديث لابن عباس ms240 أوله: "لا هجرة بعد ~~الفتح"، وقد وصلها في الجهاد وغيره من طريق طاوس عنه (¬3) وسيأتي. # قوله: (الأعمال بالنية) كذا أورده من رواية مالك بحذف ["إنما" من] (¬4) ~~أوله، وقد رواه مسلم عن القعنبي وهو عبد الله بن مسلمة المذكور هنا ~~بإثباتها (¬5)، وتقدم الكلام على نكت من هذا الحديث أول الكتاب. PageV02P051 # 55 - حدثنا حجاج بن منهال، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني عدي بن ثابت، ~~قال: سمعت عبد الله بن يزيد، عن أبي مسعود، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة". # قوله: (عبد الله بن يزيد) هو الخطمي -بفتح المعجمة وسكون الطاء المهملة-، ~~وهو صحابي أنصاري، روى عن صحابي أنصاري، وسيأتي ذكر أبي مسعود في باب من ~~شهد بدرا من المغازي (¬1)، وسيأتي الكلام على حديثه في كتاب النفقات (¬2) ~~إن شاء الله تعالى والمقصود منه في هذا الباب. # قوله: (يحتسبها) قال القرطبي: أفاد منطوقه أن الأجر في الإنفاق إنما يحصل ~~بقصد القربة، وسواء أكانت واجبة أم مباحة، وأفاد مفهومه أن من لم يقصد ~~القربة لم يؤجر لكن تبرأ ذمته من النفقة الواجبة لأنها معقولة المعنى، ~~وأطلق الصدقة على النفقة مجازا، والمراد بها الأجر، والقرينة الصارفة عن ~~الحقيقة الإجماع على جواز النفقة على الزوجة الهاشمية التي حرمت عليها ~~الصدقة. PageV02P052 # 56 - حدثنا الحكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: حدثني عامر ~~ابن سعد، عن سعد بن أبي وقاص، أنه أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل ~~في فم امرأتك". # قوله: (إنك) الخطاب لسعد، والمراد: هو ومن يصح منه الإنفاق. # قوله: (وجه الله) أي: ما عند الله من الثواب. # قوله: (إلا أجرت) تحتاج إلى تقدير؛ لأن الفعل لا يقع استثناء. # قوله: (حتى) هي عاطفة وما بعدها منصوب المحل. # و"ما" موصولة، والعائد محذوف. # قوله: (في فم امرأتك) وللكشميهني: "في في امرأتك"، وهي رواية الأكثر. # قال [111/ ب] عياض: هي أصوب؛ لأن الأصل ms241 حذف الميم، بدليل جمعه على أفواه، ~~وتصغيره على فويه، قال: وإنما يحسن إثبات الميم عند الإفراد، وأما عند ~~الإضافة فلا، إلا في لغة قليلة. انتهى. # وهذا طرف من حديث سعد بن أبي وقاص في مرضه بمكة وعيادة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - له. # وقوله: "أوصي بشطر مالي" الحديث (¬1)، وسيأتي الكلام عليه في كتاب ~~الوصايا إن شاء الله تعالى، والمراد منه هنا. # قوله: (تبتغي) أي: تطلب بها وجه الله، واستنبط منه النووي: أن الحظ إذا ~~وافق الحق لا يقدح في ثوابه؛ لأن وضع اللقمة في فم الزوجة يقع غالبا في ~~حالة المداعبة، ولشهوة النفس في ذلك مدخل ظاهر، ومع ذلك إذا وجه القصد في ~~تلك الحالة إلى ابتغاء الثواب حصل له بفضل الله. # قال: وإذا كان هذا بهذا المحل مع ما فيه من حظ النفس فما الظن بغيره مما ~~لا حظ للنفس فيه. PageV02P053 # قال: وتمثيله باللقمة مبالغة في تحقيق هذه القاعدة؛ لأنه إذا ثبت الأجر ~~في لقمة واحدة لزوجة غير المضطرة فما الظن بمن أطعم لقما لمحتاج، أو عمل من ~~الطاعات ما مشقته فوق مشقة ثمن اللقمة الذي هو من الحقارة بالمحل الأدنى، ~~والله أعلم. PageV02P054 ### || AUTO 42 - باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" وقوله تعالى: {إذا نصحوا لله ورسوله} # 57 - حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن إسماعيل، قال: حدثني قيس بن أبي ~~حازم، عن جرير بن عبد الله، قال: بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم. # قوله: (باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: الدين النصيحة) هذا ~~الحديث أورده المصنف هنا ترجمة باب، ولم يخرجه مسندا في هذا الكتاب؛ لكونه ~~على غير شرطه، ونبه يإيراده على صلاحيته في الجملة، وما أورده من الآية ~~وحديث جرير يشتمل على ما تضمنه. # وقد أخرجه مسلم قال: حدثنا محمد بن عباد، قال: حدثنا سفيان، قال: قلت ~~لسهيل بن أبي صالح: إن عمرا حدثنا عن القعقاع، عن أبيك بحديث، ورجوت ms242 أن ~~تسقط عني رجلا، أي: فتحدثني به عن أبيك، قال: فقال: سمعته من الذي سمعه منه ~~أبي، كان صديقا له بالشام، وهو عطاء بن يزيد، عن تميم الداري: أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "الدين النصيحة". قلنا: لمن؟ قال: الله -عز ~~وجل-. . . ." الحديث (¬1). # ورواه مسلم أيضا من طريق روح [112/ أ] بن القاسم قال: حدثنا سهيل، عن ~~عطاء ابن يزيد، أنه سمعه وهو يحدث أبا صالح فذكره (¬2). # ورواه ابن خزيمة من حديث جرير، عن سهيل: أن أباه حدث عن أبي هريرة بحديث: ~~"إن الله يرضى لكم ثلاثا. . . ." الحديث، قال: فقال عطاء بن يزيد: سمعت ~~تميما الداري يقول: فذكر حديث النصيحة (¬3). PageV02P055 # وقد روي حديث النصيحة عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، وهو وهم من سهيل ~~أو ممن يروي عنه لما بيناه. # قال البخاري في تاريخه: لا يصح إلا عن تميم (¬1)، ولهذا الاختلاف على ~~سهيل لم يخرجه في صحيحه، بل لم يحتج فيه بسهيل أصلا. وللحديث طرق دون هذه ~~في القوة، منها ما أخرجه أبو يعلى من حديث ابن عباس (¬2)، والبزار من حديث ~~ابن عمر (¬3)، وقد بينت جميع ذلك في تغليق التعليق (¬4). # قوله: (الدين النصيحة) يحتمل أن يحمل على المبالغة؛ أي: معظم الدين ~~النصيحة، كما قيل في حديث: "الحج عرفة" (¬5). # ويحتمل أن يحمل على ظاهره؛ لأن كل عمل لم يرد به عامله الإخلاص فليس من الدين. # قال المازري: النصيحة مشتقة من نصحت العسل إذا صفيته، يقال: نصح الشيء: ~~إذا خلص، ونصح له القول: إذا أخلصه له، أو مشتقة من النصح وهي الخياطة ~~بالنصحة وهي الإبرة، والمعنى: أنه يلم شعث أخيه بالنصح كما تلم المنصحة، ~~ومنه التوبة النصوح كأن الذنب يمزق الدين، والتوبة تخيطه. # قال الخطابي: النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له، وهي من PageV02P056 # وجيز الكلام، بل ليس في الكلام كلمة مفردة تستوفى بها العبارة عن معنى ~~هذه الكلمة. # وهذا الحديث من الأحاديث التي قيل فيها إنها أحد أرباع الدين، وممن عده ~~فيها الإمام محمد بن أسلم الطوسي. # وقال النووي: ms243 بل هو وحده محصل لغرض الدين كله؛ لأنه منحصر في الأمور التي ~~ذكرها، فالنصيحة لله وصفه بما هو له أهل والخضوع له ظاهرا وباطنا والرغبة ~~في محابه بفعل طاعته، والرهبة من مساخطه بترك معصيته، والجهاد في رد ~~العاصين إليه. # وروى الثوري عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ثمامة صاحب علي قال [112/ ب]: ~~قال الحواريون لعيسى -عليه السلام-: "يا روح الله من الناصح لله؟ قال: الذي ~~يقدم حق الله على حق الناس" (¬1). # والنصيحة لكتاب الله: تعلمه وتعليمه وإقامة حروفه في التلاوة، وتحريرها ~~في الكتابة، وتفهم معانيه، وحفظ حدوده، والعمل بما فيه، وذب تحريف المبطلين عنه. # والنصيحة لرسوله: تعظيمه ونصره حيا وميتا، وإحياء سنته بتعلمها وتعليمها، ~~والاقتداء به في أقواله وأفعاله، ومحبته ومحبة أتباعه. # والنصيحة لأئمة المسلمين: إعانتهم على ما حملوا القيام به، وتنبيههم عند ~~الغفلة، وسد خلتهم عند الهفوة، وجمع الكلمة عليهم، ورد القلوب النافرة ~~إليهم، ومن أعظم نصيحتهم: دفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن. # ومن جملة أئمة [المسلمين] (¬2): أئمة الاجتهاد، وتقع النصيحة لهم ببث ~~علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظن بهم. # والنصيحة لعامة المسلمين: الشفقة عليهم، والسعي فيما يعود نفعه عليهم، ~~وتعليمهم ما ينفعهم، وكف وجوه الأذى عنهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره ~~لهم ما يكره لنفسه. PageV02P057 # * وفي الحديث فوائد أخرى: # منها: أن الدين يطلق على العمل لكونه سمى النصيحة دينا، وعلى هذا المعنى ~~بنى المصنف أكثر كتاب الإيمان. # ومنها: جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب من قوله: "قلنا: لمن؟ ". # ومنها: رغبة السلف في طلب علو الإسناد وهو مستفاد من قصة سفيان مع سهيل. # قوله: (عن جرير بن عبد الله) هو: البجلي -بفتح الجيم-، وقيس الراوي عنه، ~~وإسماعيل الراوي عن قيس بجليان أيضا، وكل منهم يكنى أبا عبد الله، وكلهم ~~كوفيون. # قوله: (بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) قال القاضي عياض: اقتصر ~~على الصلاة والزكاة لشهرتهما، ولم يذكر الصوم وغيره لدخول ذلك في السمع ~~والطاعة. # قلت: زيادة "السمع والطاعة" وقعت عند المصنف في البيوع من طريق سفيان، ms244 عن ~~إسماعيل المذكور (¬1). # وله في الأحكام ولمسلم من طريق الشعبي، عن جرير قال: "بايعت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - على [113/أ] السمع والطاعة فلقنني فيما استطعت والنصح لكل ~~مسلم" (¬2). # ورواه ابن حبان من طريق أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جده وزاد فيه: ~~"فكان جرير إذا اشترى شيئا أو باع يقول لصاحبه: اعلم أن ما أخذنا منك أحب ~~إلينا مما أعطيناكه فاختر" (¬3). # وروى الطبراني في ترجمته: "أن غلامه اشترى فرسا بثلاثمائة، فلما رآه جاء ~~إلى صاحبه فقال: إن فرسك خير من ثلاثمائة، فلم يزل يزيده حتى أعطاه ~~ثمانمائة" (¬4). PageV02P058 # قال القرطبي: كانت مبايعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه بحسب ما ~~يحتاج إليه من تجديد عهد أو توكيد أمر. # قوله: (فيما استطعت) رويناه بفتح التاء وضمها، وتوجيههما واضح، والمقصود ~~بهذا التنبيه على أن اللازم من الأمور المبايع عليها هو ما يطاق كما هو ~~يشترط في أصل التكليف، ويشعر الأمر بقول ذلك اللفظ حال المبايعة بالعفو عن ~~الهفوة وما يقع عن خطأ وسهو، والله أعلم. PageV02P059 # 58 - حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا أبو عوانة، عن زياد بن علاقة، قال: ~~سمعت جرير بن عبد الله، يقول يوم مات المغيرة بن شعبة قام فحمد الله وأثنى ~~عليه وقال: عليكم باتقاء الله وحده لا شريك له، والوقار والسكينة حتى ~~يأتيكم أمير، فإنما يأتيكم الآن، ثم قال: استعفوا لأميركم، فإنه كان يحب ~~العفو. ثم قال: أما بعد، فإني أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - قلت: ~~أبايعك على الإسلام. فشرط علي: والنصح لكل مسلم. فبايعته على هذا، ورب هذا ~~المسجد إني لناصح لكم. ثم استغفر ونزل. # قوله: (سمعت جرير بن عبد الله) المسموع من جرير: حمد الله والثناء عليه، ~~فالتقدير: سمعت جريرا حمد الله، والباقي شرح للكيفية. # قوله: (يوم مات المغيرة بن شعبة) كان المغيرة واليا على الكوفة في خلافة ~~معاوية، وكانت وفاته سنة خمسين من الهجرة، واستناب عند موته ابنه عروة، ~~وقيل: استناب جريرا المذكور، ولهذا خطب الخطبة المذكورة. # و(الوقار) بالفتح: الرزانة. # و(السكينة) السكون، وإنما أمرهم ms245 بذلك مقدما لتقوى الله؛ لأن الغالب أن ~~وفاة الأمراء تؤدي إلى الاضطراب والفتنة، ولاسيما ما كان عليه أهل الكوفة ~~إذ ذاك من مخالفة ولاة الأمور. # قوله: (حتى يأتيكم أمير) أي: بدل الأمير الذي مات، ومفهوم الغاية هنا وهو ~~أن المأمور به ينتهي بمجيء الأمير ليس مرادا، بل يلزم ذلك بعد مجيء الأمير ~~بطريق الأولى، وشرط اعتبار مفهوم المخالفة ألا يعارضه مفهوم الموافقة. # قوله: (الآن) أراد به تقريب المدة [113/ ب] تسهيلا عليهم، وكان كذلك؛ لأن ~~معاوية لما بلغه موت المغيرة كتب إلى نائبه على البصرة -وهو زياد- أن يسير ~~إلى الكوفة أميرا عليها. # قوله: (استعفوا لأميركم) أي: اطلبوا له العفو من الله كذا في معظم ~~الروايات PageV02P060 # بالعين المهملة، وفي رواية ابن عساكر: "استغفروا" بغين معجمة وزيادة راء، ~~وهي رواية الإسماعيلي في المستخرج. # قوله: (فإنه كان يحب العفو) فيه إشارة إلى أن الجزاء يقع من جنس العمل. # قوله: (قلت: أبايعك) ترك أداة العطف إما لأنه بدل من أتيت أو استئناف. # قوله: (والنصح) بالخفض عطفا على الإسلام، ويجوز نصبه عطفا على مقدر، أي: ~~شرط علي الإسلام والنصيحة، وفيه دليل على كمال شفقة الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم -. # قوله: (على هذا) أي: على ما ذكر. # قوله: (ورب هذا المسجد) يشعر بأن خطبته كانت في المسجد، ويجوز أن تكون ~~إشارة إلى جهة المسجد الحرام، ويدل عليه رواية الطبراني بلفظ: "ورب الكعبة" ~~(¬1)، وذكر ذلك للتنبيه على شرف المقسم به ليكون أدعى للقبول. # قوله: (لناصح) أشار إلى أنه وفى بما بايع عليه الرسول، وأن كلامه خالص عن الغرض. # قوله: (ونزل) مشعر بأنه خطب على المنبر؛ إذ المراد قعد؛ لأنه في مقابلة ~~قوله: "قام فحمد الله". # * فائدة: # التقييد بالمسلم للأغلب، وإلا فالنصح للكافر معتبر بأن يدعى إلى الإسلام، ~~ويشار عليه بالصواب إذا استشار. واختلف العلماء في البيع على بيعه ونحو ~~ذلك، فجزم أحمد أن ذلك يختص بالمسلمين واحتج بهذا الحديث. # * فائدة أخرى: # ختم البخاري كتاب الإيمان بباب النصيحة مشيرا إلى أنه عمل بمقتضاه في ~~الإرشاد إلى العمل بالحديث الصحيح ms246 دون السقيم، ثم ختمه بخطبة جرير المتضمنة ~~لشرح حاله في تصنيفه. PageV02P061 # فأومأ بقوله: "فإنما يأتيكم الآن" إلى وجوب التمسك بالشرائع حتى [114/ أ] ~~يأتي من يقيمها؛ إذ لا تزال طائفة منصورة: وهم فقهاء أصحاب الحديث. # وبقوله: "استعفوا لأميركم" إلى طلب الدعاء له لعمله الفاضل. # ثم ختم بقوله: "استغفر ونزل" فأشعر بختم الباب، ثم عقبه بكتاب العلم، لما ~~دل عليه حديث النصيحة أن معظمها يقع بالتعلم والتعليم. # * خاتمة: # اشتمل كتاب الإيمان ومقدمته من بدء الوحي من الأحاديب المرفوعة على أحد ~~وثمانين حديثا بالمكرر، منها في بدء الوحي خمسة عشر، وفي الإيمان ستة ~~وستون، المكرر منها ثلاثة وثلاثون: # منها في المتابعات بصيغة المتابعة أو التعليق اثنان وعشرون، في بدء الوحي ~~ثمانية، وفي الإيمان أربعة عشر. # ومن الموصول المكرر ثمانية. # ومن التعليق الذي لم يوصل في مكان آخر ثلاثة. # وبقية ذلك وهي ثمانية وأربعون حديثا موصولة بغير تكرير. # وقد وافقه مسلم على تخريجها إلا سبعة وهي: الشعبي عن عبد الله بن عمرو في ~~المسلم والمهاجر، والأعرج عن أبي هريرة في حب الرسول، وابن أبي صعصعة عن ~~أبي سعيد في الفرار من الفتن، وأنس عن عبادة في ليلة القدر، وسعيد عن أبي ~~هريرة في الدين يسر، والأحنف عن أبي بكرة في القاتل والمقتول، وهشام عن ~~أبيه عن عائشة في أنا أعلمكم بالله. # وجميع ما فيه من الموقوفات على الصحابة والتابعين ثلاثة عشر أثرا معلقة ~~[غير] (¬1) أثر ابن الناطور فهو موصول، وكذا خطبة جرير التي ختم بها كتاب ~~الإيمان، والله أعلم. PageV02P062 ### | AUTO 3 - كتاب العلم # بسم الله الرحمن الرحيم ### || AUTO 1 - باب: فضل العلم # وقول الله -عز وجل-: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات والله بما تعملون خبير}. وقوله -عز وجل-: {رب زدني علما}. # قوله: (كتاب العلم، بسم الله الرحمن الرحيم، باب: فضل العلم). # هكذا في رواية الأصيلي وكريمة وغيرهما، وفي رواية أبي ذر تقديم البسملة، ~~وقد قدمنا توجيه ذلك في كتاب الإيمان، وليس في رواية المستملي لفظ: "باب"، ~~ولا في رواية رفيقه ms247 لفظ: كتاب العلم. # * فائدة: # قال القاضي أبو بكر ابن العربي: بدأ المصنف بالنظر في فضل العلم قبل ~~النظر في حقيقته؛ وذلك لاعتقاده أنه في نهاية الوضوح فلا يحتاج إلى تعريف، ~~أو لأن [114/ ب] النظر في حقائق الأشياء ليس من فن الكتاب، وكل من العذرين ~~ظاهر؛ لأن البخاري لم يضع كتابه لحدود الحقائق وتصورها؛ بل هو جار على ~~أساليب العرب القديمة، فإنهم يبدءون بفضيلة المطلوب للتشويق إليه إذا كانت ~~حقيقته مكشوفة معلومة. # قوله: (وقول الله -عز وجل-) ضبطناه في الأصول بالرفع على الاستئناف. # قوله: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11]. # فقيل في تفسيرها: يرفع الله المؤمن العالم على المؤمن غير العالم، ورفعة PageV02P063 # الدرجات تدل على الفضل؛ إذ المراد به: كثرة الثواب وبها ترتفع الدرجات. # وفي صحيح مسلم عن نافع بن عبد الحارث الخزاعي -وكان عامل عمر على مكة- ~~أنه لقيه بعسفان فقال له: من استخلفت؟ فقال: استخلفت ابن أبزى مولى لنا، ~~فقال عمر: استخلفت مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض، فقال ~~عمر: أما إن نبيكم قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به ~~آخرين" (¬1). # وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى: {نرفع درجات من نشاء} [يوسف: 76]. قال: ~~بالعلم (¬2). # قوله: (وقوله -عز وجل-: {رب زدني علما (11)} [طه: 114]). واضح الدلالة في ~~فضل العلم؛ لأن الله لم يأمر نبيه بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم، ~~والمراد بالعلم: العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر ~~دينه في عباداته ومعاملاته، ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه. # وقد ضرب هذا الجامع الصحيح في كل من الأنواع الثلاثة بنصيب، فرضي الله عن ~~مصنفه، وأعاننا على ما تصدينا له من توضيحه بمنه وكرمه. # فإن قيل: لم لم يورد المصنف في هذا الباب شيئا من الحديث؟ # فالجواب: أنه إما أن يكون اكتفى بالآيتين الكريمتين، وإما بيض له ليلحق ~~فيه ما يناسبه فلم يتيسر، وإما أورد فيه حديث ابن عمر الآتي بعد باب رفع ~~العلم ويكون وضعه هناك من ms248 تصرف بعض الرواة، وفيه نظر على ما سنبينه هناك إن ~~شاء الله تعالى. PageV02P064 ### || AUTO 2 - باب: من سئل علما وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل # 59 - حدثنا محمد بن سنان، قال: حدثنا فليح، ح وحدثني إبراهيم بن المنذر، ~~قال: حدثنا محمد بن فليح، قال: حدثني أبي قال: حدثني هلال بن علي، عن عطاء ~~بن يسار، عن أبي هريرة، قال: بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - في مجلس ~~يحدث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يحدثه، فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم ~~يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: "أين أراه السائل عن الساعة؟ ". قال: ها أنا ~~يا رسول الله، قال: "فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة". قال: كيف إضاعتها؟ ~~قال: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة". # قوله: (باب: من سئل علما [115/أ] وهو مشتغل) محصله التنبيه على آداب ~~العالم والمتعلم. # أما العالم: فلما تضمنه من ترك زجر السائل، بل أدبه بالإعراض عنه أولا ~~حتى استوفى ما كان فيه، ثم رجع إلى جوابه فرفق به؛ لأنه من الأعراب وهم جفاة. # وفيه العناية بجواب سؤال السائل ولو لم يكن السؤال متعينا ولا الجواب. # وأما المتعلم: فلما تضمنه من تأديب السائل ألا يسأل العالم وهو مشتغل ~~بغيره، لأن حق الأول مقدم. # ويؤخذ منه: أخذ الدروس على السبق، وكذلك الفتاوى والحكومات ونحوها. # وفيه مراجعة العالم إذا لم يفهم ما يجيب به حتى يتضح لقوله: "كيف ~~إضاعتها"، وبوب عليه ابن حبان: "إباحة إعفاء المسئول عن الإجابة على الفور" ~~(¬1)، لكن سياق القصة يدل على أن ذلك ليس على الإطلاق. PageV02P065 # قوله: (فليح) بصيغة التصغير: هو ابن سليمان أبو يحيى المدني، من طبقة ~~مالك، وهو صدوق تكلم بعض الأئمة في حفظه، ولم يخرج البخاري من حديثه في ~~الأحكام إلا ما توبع عليه، وأخرج له في المواعظ والآداب وما شاكلها طائفة ~~من أفراده، وهذا منها، وإنما أورده عاليا عن فليح بواسطة محمد ms249 بن سنان فقط، ~~ثم أورده نازلا بواسطة محمد بن فليح وإبراهيم بن المنذر عن محمد (¬1)؛ لأنه ~~أورده في كتاب الرقاق عن محمد ابن سنان فقط (¬2)، فأراد أن يفيد هنا طريقا ~~أخرى، ولأجل نزولها قرنها بالرواية الأخرى. # و(هلال بن علي) يقال له: هلال بن أبي ميمونة وهلال بن أبي هلال، فقد يظن ~~ثلاثة وهو واحد، وهو من صغار التابعين، وشيخه في هذا الحديث من أوساطهم. # قوله: (يحدث) هو خبر المبتدأ، وحذف مفعوله الثاني لدلالة السياق عليه، ~~والقوم: الرجال، وقد يدخل فيه النساء تبعا. # قوله: (جاءه أعرابي) لم أقف على تسميته. # قوله: (فمضى) أي: استمر (يحدثه)، كذا في رواية المستملي والحموي بزيادة ~~هاء، وليست في رواية الباقين، وإن ثبتت فالمعنى: يحدث القوم الحديث الذي ~~كان فيه، وليس الضمير عائدا على الأعرابي. # قوله: (فقال بعض القوم: نسمع ما قال) [115/ ب] إنما حصل لهم التردد في ~~ذلك لما ظهر من عدم التفات النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى سؤاله وإصغائه ~~نحوه، ولكونه كان يكره السؤال عن هذه المسألة بخصوصها، وقد تبين عدم انحصار ~~ترك الجواب في الأمرين المذكورين، بل احتمل كما تقدم أن يكون أخر ليكمل ~~الحديث الذي هو فيه، أو أخر جوابه ليوحى إليه به. # قوله: (قال: أين أراه السائل؟ ) بالرفع على الحكاية، و"أراه" بالضم، أي: ~~أظنه، والشك من محمد بن فليح، ورواه الحسن بن سفيان وغيرما عن عثمان بن أبي ~~شيبة، PageV02P066 # عن يونس بن محمد، عن فليح ولفظه: "أين السائل" (¬1). ولم يشك. # قوله: (إذا وسد) أي: أسند، وأصله من الوسادة، وكان من شأن الأمير عندهم ~~إذا جلس أن تثنى تحته وسادة، فقوله: "وسد" أي: جعل له غير أهله وسادا، ~~فتكون: "إلى" بمعنى اللام، وأتى بها لتدل على تضمن معنى أسند، ولفظ محمد بن ~~سنان في الرقاق: "إذا أسند"، وكذا رواه يونس بن محمد وغيره عن فليح (¬2). # ومناسبة هذا المتن لكتاب العلم: أن إسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون ~~عند غلبة الجهل ورفع العلم، ومقتضاه: أن العلم مادام قائما ففي الأمر فسحة، ms250 ~~وسيأتي بقية الكلام على هذا الحديث في الرقاق إن شاء الله. PageV02P067 ### || AUTO 3 - باب: من رفع صوته بالعلم # 60 - حدثنا أبو النعمان قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ~~ماهك، عن عبد الله بن عمرو، قال تخلف عنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على ~~أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: "ويل للأعقاب من النار". مرتين أو ثلاثا. # قوله: (باب من رفع صوته بالعلم، حدثنا أبو النعمان) زاد الكشميهني في ~~رواية كريمة عنه: "عارم بن الفضل"، وعارم لقب، واسمه: محمد كما تقدم في ~~المقدمة. # قوله: (ماهك) بفتح الهاء، وحكي كسرها، وهو غير منصرف عند الأكثر للعلمية ~~والعجمة، ورواه الأصيلي مصروفا فكأنه لحظ فيه الوصف. # واستدل المؤلف على جواز رفع الصوت بالعلم بقوله: "فنادى بأعلى صوته"، ~~وإنما يتم الاستدلال بذلك حيث تدعو الحاجة إليه لبعد أو كثرة جمع أو غير ذلك. # واستدل به أيضا على مشروعية إعادة الحديث ليفهم كما سيأتي، وسيأتي الكلام ~~على مباحث المتن في كتاب الوضوء إن شاء الله تعالى. # قال ابن رشيد: في هذا التبويب رمز من المصنف إلى أنه يريد أن يبلغ الغاية ~~في تدوين هذا الكتاب بأن يستفرغ وسعه في حسن [116/ أ] ترتيبه، وكذلك فعل ~~رحمه الله تعالى. PageV02P068 ### || AUTO 4 - باب: قول المحدث: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا # وقال لنا الحميدي: كان عند ابن عيينه حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت ~~واحدا. وقال ابن مسعود: حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق ~~المصدوق. وقال شقيق، عن عبد الله سمعت من النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كلمة. وقال حذيفة: حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثين. وقال ~~أبو العالية: عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن ~~ربه -عز وجل-. وقال أنس: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ~~ربه -عز وجل-. وقال أبو هريرة: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرويه عن ~~ربكم -عز وجل-. # قوله: (باب: قول المحدث: ms251 حدثنا وأخبرنا وأنبأنا) قال ابن رشيد: أشار بهذه ~~الترجمة إلى أنه بنى كتابه على المسندات المرويات عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # قلت: ومراده: هل هذه الألفاظ بمعنى واحد أم لا؟ وإيراده قول ابن عيينة ~~دون غيره دال على أنه مختاره. # قوله: (وقال الحميدي) في رواية كريمة والأصيلي: "وقال لنا الحميدي"، وكذا ~~ذكر أبو نعيم في "المستخرج"، فهو متصل، وسقط من رواية كريمة. # قوله: (وأنبأنا) وفي رواية الأصيلي قوله: "وأنا"، وثبت الجميع في رواية ~~أبي ذر. # قوله: (وقال ابن مسعود) هذا التعليق طرف من الحديث المشهور في خلق ~~الجنين، وقد وصله المؤلف في كتاب القدر (¬1)، ويأتي الكلام عليه هناك إن ~~شاء الله تعالى. # قوله: (وقال شقيق) هو أبو وائل. # (عن عبد الله) هو ابن مسعود، وسيأتي موصولا أيضا حيث ذكره المصنف في كتاب ~~الجنائز (¬2)، . . . . . PageV02P069 # ويأتي أيضا حديث حذيفة في كتاب الرقاق (¬1). # ومراده من هذه التعاليق: أن الصحابي قال تارة: حدثنا، وتارة: سمعت، فدل ~~على أنهم لم يفرقوا بين الصيغ. # وأما أحاديث ابن عباس، وأنس، وأبي هريرة في رواية النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عن ربه فقد وصلها في كتاب التوحيد (¬2)، وأراد بذكرها هنا: التنبيه ~~على العنعنة، وأن حكمها الوصل عند ثبوت اللقي، وأشار على ما ذكره ابن رشيد ~~إلى أن رواية النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هي عن ربه سواء أصرح ~~الصحابي بذلك أم لا، ويدل عليه حديث ابن عباس المذكور فإنه لم يقل فيه في ~~بعض المواضع: "عن ربه" (¬3). # * تنبيه: # أبو العالية المذكور هنا هو الرياحي بالياء الأخيرة، واسمه: رفيع -بضم ~~الراء-، ومن زعم أنه البراء بالراء المثقلة فقد وهم، فإن الحديث المذكور ~~معروف برواية الرياحي دونه. # فإن قيل: فمن أين تظهر مناسبة حديث ابن عمر للترجمة، ومحصل الترجمة ~~التسوية بين صيغ الأداء الصريحة وليس ذلك بظاهر في الحديث المذكور؟ [116/ ب] # فالجواب: أن ذلك يستفاد من اختلاف ألفاظ الحديث المذكور، ويظهر ذلك إذا ~~جمعت طرقه، فإن لفظ رواية عبد الله بن دينار المذكورة في الباب: "فحدثوني ~~ما هي؟ ms252 "، PageV02P070 # وفي رواية نافع عند المؤلف في التفسير (¬1): "أخبروني"، وفي روايته عند ~~الإسماعيلي: "أنبئوني"، وفي رواية مالك عند المصنف في باب الحياء في العلم: ~~"حدثوني ما هي؟ "، وقال فيها: "فقالوا: أخبرنا بها" (¬2). # فدل ذلك على أن التحديث والإخبار والإنباء عندهم سواء، وهذا لا خلاف فيه ~~عند أهل العلم بالنسبة إلى اللغة، ومن أصرح الأدلة فيه قوله تعالى: {يومئذ ~~تحدث أخبارها (4)} [الزلزلة: 4]. وقوله تعالى: {ولا ينبئك مثل خبير (14)} ~~[فاطر: 14]. # * وأما بالنسبة إلى الاصطلاح ففيه الخلاف: # فمنهم: من استمر على أصل اللغة، وهذا رأي الزهري، ومالك، وابن عيينة، ~~ويحيى القطان، وأكثر الحجازيين والكوفيين، وعليه استمر عمل المغاربة، ورجحه ~~ابن الحاجب في مختصره، ونقل عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة. # ومنهم: من رأى إطلاق ذلك حيث يقرأ الشيخ من لفظه، وتقييده حيث يقرأ عليه، ~~وهو مذهب إسحاق بن راهويه، والنسائي، وابن حبان، وابن منده، وغيرهم. # ومنهم: من رأى التفرقة بين الصيغ بحسب افتراق التحمل، فيخصون التحديث بما ~~يلفظ به الشيخ، والإخبار بما يقرأ عليه، وهذا مذهب ابن جريج، والأوزاعي، ~~والشافعي، وابن وهب، وجمهور أهل المشرق. # ثم أحدث أتباعهم تفصيلا آخر، فمن سمع وحده من لفظ الشيخ أفرد فقال: ~~حدثني، ومن سمع مع غيره جمع، ومن قرأ بنفسه على الشيخ أفرد فقال: أخبرني، ~~ومن سمع بقراءة غيره جمع، وكذا خصصوا الإنباء بالإجازة التي يشافه بها ~~الشيخ من يجيزه. # وكل هذا مستحسن وليس بواجب عندهم، وإنما أرادوا التمييز بين أحوال ~~التحمل، وظن بعضهم أن ذلك على سبيل الوجوب فتكلفوا في الاحتجاج له وعليه ~~بما لا طائل تحته. PageV02P071 # نعم؛ يحتاج المتأخرون إلى مراعاة الاصطلاح المذكور لئلا يختلط المسموع ~~بالمجاز، وبعد تقرير الاصطلاح لا يحمل ما يرد من ألفاظ [117/أ] المتأخرين ~~على محمل واحد بخلاف المتقدمين. PageV02P072 # 61 - حدثنا قتيبة، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن ~~عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن من الشجر شجرة لا ~~يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ ". فوقع الناس في شجر ~~البوادي. قال ms253 عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت. ثم قالوا: ~~حدثنا ما هي يا رسول الله، قال: "هي النخلة". # قوله: (إن من الشجر شجرة) زاد في رواية مجاهد عند المصنف في باب الفهم في ~~العلم قال: "صحبت ابن عمر إلى المدينة، فقال: كنا عند النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فأتي بجمار (¬1) فقال: إن من الشجر" (¬2). وله عنه في البيوع: ~~"كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يأكل جمارا" (¬3). # قوله: (لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم) كذا في رواية أبي ذر بكسر ميم ~~"مثل" وإسكان المثلثة، وفي رواية الأصيلي وكريمة بفتحهما، وهما بمعنى. # قال الجوهري: مثله ومثله كلمة تسوية كما يقال: شبهه وشبهه بمعنى. قال: ~~والمثل بالتحريك أيضا: ما يضرب من الأمثال. انتهى. # ووجه الشبه بين النخلة والمسلم من جهة عدم سقوط الورق ما رواه الحارث بن ~~أبي أسامة في هذا الحديث من وجه آخر عن ابن عمر ولفظه: "قال: كنا عند رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم فقال: "إن مثل المؤمن كمثل شجرة لا ~~تسقط لها أنملة أتدرون ما هي؟ " قالوا: لا، قال: "هي النخلة لا تسقط لها ~~أنملة ولا يسقط له دعوة" (¬4). # ووقع عند المصنف في الأطعمة من طريق الأعمش قال: حدثني مجاهد، عن ابن عمر ~~قال: "بينا نحن عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أتي بجمار فقال: إن من ~~الشجرة لما بركته كبركة المسلم" (¬5)، وهذا أعم من الذي قبله. # وبركة النخلة موجودة في جميع أجزائها، مستمرة في جميع أحوالها، فمن حين PageV02P073 # تطلع إلى أن تيبس تؤكل أنواعا، ثم بعد ذلك ينتفع بجميع أجزائها، حتى ~~النوى في علف الدواب، والليف في الحبال، وغير ذلك مما لا يخفى، وكذلك بركة ~~المسلم عامة في جميع الأحوال، ونفعه مستمر له ولغيره. # ووقع عند المصنف في التفسير من طريق نافع، عن ابن عمر قال: "كنا عند رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أخبروني بشجرة كالرجل المسلم لا يتحات ~~ورقها ولا ولا ولا؟ " (¬1). # كذا ذكر النفي ثلاث مرات على ms254 طريق الاكتفاء، فقيل في تفسيره: ولا ينقطع ~~ثمرها، ولا يعدم فيؤها، ولا يبطل نفعها. # ووقع في رواية مسلم (¬2) ذكر النفي مرة واحدة، فظن إبراهيم بن سفيان ~~الراوي عنه أنه [117/ ب] متعلق بما بعده وهو قوله: "تؤتي أكلها"، فاستشكله ~~وقال: لعل "لا" زائدة، ولعله: "وتؤتي أكلها". وليس كما ظن بل معمول النفي ~~محذوف على سبيل الاكتفاء كما بيناه، وقوله: "تؤتي" ابتداء كلام على سبيل ~~التفسير. # ووقع عند الإسماعيلي بتقديم: "تؤتي أكلها كل حين" على قوله: "لا يتحات ~~ورقها" فسلم من الإشكال. # قوله: (فوقع الناس) أي: ذهبت أفكارهم في أشجار البادية، فجعل كل منهم ~~يفسرها بنوع من الأنواع، وذهلوا عن النخلة. # قوله: (قال عبد الله) هو ابن عمر الراوي. # قوله: (ووقع في نفسي) بين أبو عوانة في صحيحه من طريق مجاهد، عن ابن عمر ~~وجه ذلك، فقال: "فظننت أنها النخلة من أجل الجمار الذي أتي به". # وفيه إشارة إلى أن الملغز له ينبغي أن يتفطن لقرائن الأحوال الواقعة عند ~~السؤال، وأن الملغز ينبغي له ألا يبالغ في التعمية بحيث لا يجعل للآخر بابا ~~يدخل منه، بل كلما قربه كان أوقع في نفس سامعه. PageV02P074 # قوله: (فاستحييت) زاد في رواية مجاهد: (فأردت أن أقول: هي النخلة، فإذا ~~أنا أصغر القوم"، وله في الأطعمة: (فإذا أنا عاشر عشرة وأنا أحدثهم"، وفي ~~رواية نافع: "ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما قمنا ~~قلت لعمر: يا أبتاه"، وفي رواية مالك، عن عبد الله بن دينار عند المؤلف في ~~باب الحياء في العلم قال عبد الله: "فحدثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن ~~تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا"، زاد ابن حبان في صحيحه: ~~"أحسبه قال: حمر النعم" (¬1). # * وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم: # * امتحان العالم أذهان الطلبة بما يخفى، مع بيانه لهم إن لم يفهموه، وأما ~~ما رواه أبو داود من حديث معاوية، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى ~~عن الأغلوطات، قال الأوزاعي -أحد رواته-: ms255 "هي صعاب المسائل" (¬2). فإن ذلك ~~محمول على ما لا نفع فيه، أو ما خرج على سبيل تعنت السؤال أو تعجيزه. # * وفيه التحريض على الفهم في العلم، وقد بوب عليه المؤلف [118/ أ]: ~~ب"باب: الفهم في العلم". # * وفيه استحباب الحياء ما لم يؤد إلى تفويت مصلحة، وإلى هذا تمنى عمر أن ~~يكون ابنه لم يسكت، وقد بوب عليه المؤلف في العلم (¬3) وفي الأدب (¬4). # * وفيه دليل على بركة النخلة وما تثمره، وقد بوب عليه المصنف أيضا (¬5). # * وفيه دليل على أن بيع الجمار جائز؛ لأن كل ما جاز أكله جاز بيعه، ولهذا ~~بوب عليه المؤلف في البيوع (¬6)، وتعقبه ابن بطال لكونه من المجمع عليه. PageV02P075 # وأجيب بأن ذلك لا يمنع من التنبيه عليه؛ لأنه أورده عقب حديث النهي عن ~~بيع الثمار حتى يبدو صلاحها (¬1)، فكأنه يقول: لعل متخيلا يتخيل أن هذا من ~~ذاك وليس كذلك. # * وفيه دليل على جواز تجمير النخل، وقد بوب عليه في الأطعمة (¬2) لئلا ~~يظن أن ذلك من باب إضاعة المال، وأورده في تفسير قوله تعالى: {ضرب الله ~~مثلا كلمة طيبة} [إبراهيم: 24] (¬3). إشارة منه إلى أن المراد بالشجرة: ~~النخلة. # وقد ورد صريحا فيما رواه البزار من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن ~~عمر، قال قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر هذه الآية، فقال: ~~"أتدرون ما هي؟ " قال ابن عمر: لم يخف علي أنها النخلة، فمنعني أن أتكلم ~~مكان سني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هي النخلة" (¬4). # ويجمع بين هذا وبين ما تقدم أنه - صلى الله عليه وسلم - أتي بالجمار فشرع ~~في أكله تاليا للآية قائلا: " إن من الشجر شجرة" إلى آخره، ووقع عند ابن ~~حبان من رواية عبد العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من يخبرني عن الشجرة مثلها مثل المؤمن: ~~أصلها ثابت وفرعها في السماء" (¬5). فذكر الحديث، وهو يؤيد رواية البزار. # قال القرطبي: موقع التشبيه بينهما من جهة أن أصل دين المسلم ثابت، ms256 وأن ما ~~يصدر عنه من العلوم والخير قوت للأرواح مستطاب، وأنه لا يزال مستورا بدينه، ~~وأنه ينتفع بكل ما صدر عنه حيا وميتا. انتهى # وقال غيره: والمراد بكون فرع المؤمن في السماء: رفع عمله وقبوله. # روى البزار [118/ ب] أيضا من طريق سفيان بن حسين، عن أبي بشر، عن PageV02P076 # مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مثل ~~المؤمن مثل النخلة ما أتاك منها نفعك" (¬1). هكذا أورده مختصرا وإسناده ~~صحيح، وقد أفصح بالمقصود بأوجز عبارة. # وأما من زعم أن موقع التشبيه بين المسلم والنخلة من جهة كون النخلة إذا ~~قطع رأسها ماتت، أو أنها لا تحمل حتى تلقح، أو لأنها تموت إذا غرقت؛ أو لأن ~~لطلعها رائحة مني الآدمي، أو لأنها تعشق، أو لأنها تشرب من أعلاها، فكلها ~~أوجه ضعيفة؛ لأن جميع ذلك من المشابهة مشترك في الآدميين لا يختص بالمسلم. # وأضعف من ذلك قول من زعم أن ذلك لكونها خلقت من فضلة طينة آدم، فإن ~~الحديث في ذلك لم يثبت (¬2). # * وفيه ضرب الأمثال والأشباه لزيادة الأفهام، وتصوير المعاني لترسخ في ~~الذهن، ولتجديد الفكر في النظر في حكم الحادثة. # * وفيه إشارة إلى أن تشبيه الشيء بالشيء لا يلزم أن يكون نظيره من جميع ~~وجوهه، فإن المؤمن لا يماثله شيء من الجمادات ولا يعادله. # * وفيه توقير الكبير، وتقديم الصغير أباه في القول، وأنه لا يبادره بما ~~فهمه وإن ظن أنه الصواب. # * وفيه أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه من هو دونه، لأن ~~العلم مواهب والله يؤتي فضله من يشاء. # واستدل به مالك على أن الخواطر التي تقع في القلب من محبة الثناء على ~~أعمال الخير لا يقدح فيها إذا كان أصلها لله وذلك مستفاد من تمني عمر ~~المذكور، ووجه تمني عمر ما طبع الإنسان عليه من محبة الخير لنفسه ولولده، ~~ولتظهر فضيلة الولد في الفهم من صغره وليزداد من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حظوة، ولعله كان يرجو أن يدعو له إذ ذاك بالزيادة في ms257 الفهم. PageV02P077 # * وفيه الإشارة إلى حقارة الدنيا في عين عمر؛ لأنه قابل فهم ابنه لمسألة ~~واحدة بحمر النعم مع عظم مقدارها وغلاء ثمنها. # * فائدة: # قال البزار في مسنده: لم يرو هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بهذا السياق إلا ابن عمر [119/ أ] وحده، ولما ذكره الترمذي قال: "وفي الباب ~~عن أبي هريرة" (¬1) وأشار بذلك إلى حديث مختصر لأبي هريرة أورده عبد بن ~~حميد من حديث أنس، "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ: {مثلا كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة} [إبراهيم: 24]. قال: "هي النخلة" (¬2). # تفرد برفعه حماد بن سلمة، وقد تقدم أن في رواية مجاهد عن ابن عمر أنه كان ~~عاشر عشرة (¬3). # فاستفدنا من مجموع ما ذكرناه أن منهم أبا بكر، وعمر، وابن عمر، وأبا ~~هريرة، وأنس بن مالك، إن كانا سمعا ما روياه من هذا الحديث في ذلك المجلس. PageV02P078 ### || AUTO 5 - باب: طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم # 62 - حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن ~~عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ~~ورقها، وإنها مثل المسلم، حدثوني ما هي؟ ". قال: فوقع الناس في شجر ~~البوادي. قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة، ثم قالوا: حدثنا ما هي ~~يا رسول الله، قال: "هي النخلة". # قوله: (باب طرح الإمام المسألة) أورد فيه حديث ابن عمر المذكور بلفظ قريب ~~من لفظ الذي قبله، وراويه عن عبد الله بن دينار سليمان: هو ابن بلال المدني ~~الفقيه المشهور، ولم أجده من روايته إلا عند البخاري نفسه، وقد وجدته من ~~رواية خالد بن مخلد الراوي عن سليمان المذكور أخرجه أبو عوانة في صحيحه، ~~لكنه قال: "عن مالك" بدل سليمان بن بلال، فإن كان محفوظا فلخالد فيه شيخان، ~~وقد وقع التصريح بسماع عبد الله بن دينار له من عبد الله بن عمر عند مسلم ~~وغيره (¬1). PageV02P079 ### || AUTO 6 - باب: ماجاء في العلم # وقوله تعالى: {وقل رب زدني علما} # القراءة ms258 والعرض على المحدث. ورأى الحسن والثوري ومالك القراءة جائزا. # * واحتج بعضهم في القراءة على العالم بحديث ضمام بن ثعلبة، أنه قال للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: آلله أمرك أن تصلي الصلوات؟ قال: "نعم". قال: فهذه ~~قراءة على النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر ضمام قومه بذلك فأجازوه. # * واحتج مالك بالصك يقرأ على القوم فيقولون: أشهدنا فلان. ويقرأ ذلك ~~قراءة عليهم، ويقرأ على المقرئ، فيقول القارئ: أقرأني فلان. # حدثنا محمد بن سلام: حدثنا محمد بن الحسن الواسطي، عن عوف، في الحسن قال: ~~لا باس بالقراءة على العالم. # وأخبرنا محمد بن يوسف الفربري، وحدثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال: ~~حدثنا عبيد الله بن موسى، عن سفيان قال: إذا قرئ على المحدث فلا بأس أن ~~يقول: حدثني. # قال: وسمعت أبا عاصم يقول عن مالك، وسفيان: القراءة على العالم وقراءته سواء. # 63 - حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا الليث، عن سعيد -هو المقبري-، ~~عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أنه سمع أنس بن مالك يقول: بينما نحن جلوس ~~مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، دخل رجل على جمل فأناخه في ~~المسجد، ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ -والنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~متكئ بين ظهرانيهم-. فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال له الرجل: ابن ~~عبد المطلب؟ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قد أجبتك". فقال الرجل ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد ~~علي في نفسك. فقال: "سل عما بدا لك". فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله ~~أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: "اللهم نعم". قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن ~~تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: PageV02P080 # "اللهم نعم". قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟ ~~قال: "اللهم نعم". قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من ~~أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم ~~نعم". فقال الرجل: آمنت بما جئت ms259 به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام ~~بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر. # رواه موسى، وعلي بن عبد الحميد، عن سليمان، عن ثابت، عن أنس، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بهذا. # قوله: (باب القراءة والعرض على المحدث) إنما غاير بينهما بالعطف لما ~~بينهما من العموم والخصوص؛ لأن الطالب إذا قرأ كان أعم من العرض وغيره، ولا ~~يقع العرض إلا بالقراءة؛ لأن العرض: عبارة عما يعارض به الطالب أصل شيخه ~~معه أو مع غيره بحضرته، فهو أخص من القراءة. # وتوسع فيه بعضهم فأطلقه على ما إذا أحضر الأصل لشيخه فنظر فيه وعرف صحته ~~وأذن له أن يرويه عنه من غير أن يحدثه به أو يقرأه الطالب عليه، والحق أن ~~هذا يسمى عرض المناولة بالتقييد لا الإطلاق. # وقد كان بعض السلف لا يعتدون إلا بما سمعوه من ألفاظ المشايخ دون ما يقرأ ~~عليهم، ولهذا بوب البخاري على جوازه، وأورد فيه قول الحسن: "لا بأس ~~بالقراءة على العالم"، ثم أسنده إليه بعد أن علقه، وكذا ذكر عن سفيان ~~الثوري ومالك موصولا أنهما سويا بين السماع من العالم [119/ ب] والقراءة عليه. # وقوله: (جائزا) وقع في رواية أبي ذر: "جائزة"، أي: القراءة؛ لأن السماع ~~لا نزاع فيه. # قوله: (واحتج بعضهم) المحتج بذلك هو الحميدي شيخ البخاري، قاله في كتاب ~~النوادر له (¬1)، وليس في المتن الذي ساقه البخاري بعد من حديث أنس في قصة PageV02P081 # ضمام: "أن ضماما أخبر قومه بذلك"، وإنما وقع ذلك من طريق أخرى ذكرها أحمد ~~وغيره من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن الوليد بن نويفع، عن كريب، عن ~~ابن عباس قال: "بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة" فذكر الحديث بطوله، وفي ~~آخره: "أن ضماما قال لقومه عندما رجع إليهم: إن الله قد بعث رسولا وأنزل ~~عليه كتابا، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه. قال: فوالله ما ~~أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما" (¬1). # فمعنى قول البخاري: "فأجازوه"، أي: ms260 قبلوه منه ولم يقصد الإجازة المصطلحة ~~بين أهل الحديث. # قوله: (واحتج مالك بالصك) قال الجوهري: الصك يعني -بالفتح-: الكتاب، ~~فارسي معرب، والجمع: صكاك وصكوك، والمراد هنا: المكتوب الذي يكتب فيه إقرار ~~المقر؛ لأنه إذا قرئ عليه فقال: نعم، ساغت الشهادة عليه به وإن لم يتلفظ هو ~~بما فيه، فكذلك إذا قرئ على العالم فأقر به صح أن يروى عنه. # وأما قياس مالك قراءة الحديث على قراءة القرآن فرواه الخطيب في الكفاية ~~من طريق ابن وهب قال: "سمعت مالكا وسئل عن الكتب التي تعرض عليه أيقول ~~الرجل: حدثني؟ قال: نعم، كذلك القرآن أليس الرجل يقرأ على الرجل فيقول: ~~أقرأني فلان" (¬2). # وروى الحاكم في علوم الحديث من طريق مطرف قال: "صحبت مالكا سبع عشرة سنة ~~فما رأيته قرأ الموطأ على أحد بل يقرءون عليه، قال: وسمعته يأبى أشد الإباء ~~على من يقول لا يجزئه إلا السماع من لفظ الشيخ، ويقول: كيف لا يجزئك هذا في ~~الحديث ويجزئك في القرآن والقرآن أعظم؟ ! " (¬3). PageV02P082 # قلت: وقد [120/ أ] انقرض الخلاف في كون القراءة على الشيخ لا تجزئ، وإنما ~~كان يقوله بعض المتشددين من أهل العراق، فروى الخطيب، عن إبراهيم بن سعد ~~قال: "لا تدعون تنطعكم يا أهل العراق، العرض مثل السماع" (¬1). # وبالغ بعض المدنيين وغيرهم في مخالفتهم فقالوا: إن القراءة على الشيخ ~~أرفع من السماع من لفظه، ونقله الدارقطني في غرائب مالك عنه (¬2)، ونقله ~~الخطيب بأسانيد صحيحة عن شعبة، وابن أبي ذئب، ويحيى القطان (¬3). # واعتلوا بأن الشيخ لو سها لم يتهيأ للطالب الرد عليه، وعن أبي عبيد قال: ~~"القراءة علي أثبت وأفهم لي من أن أتولى القراءة أنا" (¬4)، والمعروف عن ~~مالك كما نقله المصنف عنه وعن سفيان -وهو الثوري- أنهما سواء. # والمشهور الذي عليه الجمهور: أن السماع من لفظ الشيخ أرفع رتبة من ~~القراءة عليه ما لم يعرض عارض يصير القراءة عليه أولى، ومن ثم كان السماع ~~من لفظه في الإملاء أرفع الدرجات، لما يلزم منه من تحرز الشيخ والطالب، ~~والله أعلم. # قوله: (عن الحسن قال: لا ms261 بأس بالقراءة على العالم) هذا الأثر رواه الخطيب ~~أتم سياقا مما هنا، فأخرج من طريق أحمد بن حنبل عن محمد بن الحسن الواسطي، ~~عن عوف الأعرابي، أن رجلا سأل الحسن فقال: "يا أبا سعيد، منزلي بعيد، ~~والاختلاف يشق علي، فإن لم تكن ترى بالقراءة بأسا قرأت عليك؟ قال: ما أبالي ~~قرأت عليك أو قرأت PageV02P083 # علي، قال: فأقول: حدثني الحسن؟ قال: نعم، قل: حدثني الحسن" (¬1). # قوله: (الليث عن سعيد) في رواية الإسماعيلي من طريق يونس بن محمد، عن ~~الليث، حدثني سعيد، وكذا لابن منده (¬2) من طريق ابن وهب، عن الليث. # وفي هذا دليل على أن رواية النسائي (¬3) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن ~~سعد، عن الليث قال: حدثني محمد بن عجلان وغيره، عن سعيد؛ موهومة معدودة من ~~المزيد في متصل الأسانيد، أو تحمل على أن الليث سمعه عن سعيد بواسطة ثم ~~لقيه فحدثه به. # وفيه اختلاف آخر أخرجه النسائي (¬4) والبغوي من طريق الحارث بن عمير، عن ~~عبيد [120/ ب] الله بن عمر، وذكره ابن منده (¬5) من طريق الضحاك بن عثمان ~~كلاهما عن سعيد، عن أبي هريرة، ولم يقدح هذا الاختلاف فيه عند البخاري؛ لأن ~~الليث أثبتهم في سعيد المقبري مع احتمال أن يكون لسعيد فيه شيخان. # وأما مسلم فلم يخرجه من هذا الوجه بل أخرجه من طريق سليمان بن المغيرة، ~~عن ثابت، عن أنس (¬6)، وقد أشار إليها المصنف عقب هذه الطريق. # قوله: (أبي نمر) هو بفتح النون وكسر الميم، ذكره ابن سعد في الصحابة، ~~وأخرج له ابن السكن حديثا، وأغفله ابن الأثير تبعا لأصوله. # قوله: (في المسجد) أي: مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # قوله: (ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - متكئ) فيه جواز اتكاء الإمام ~~بين أتباعه، وفيه ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه من ترك ~~التكبر لقوله: "بين ظهرانيهم"، وهي بفتح النون أي: بينهم، PageV02P084 # وزيد لفظ الظهر ليدل على [أن] (¬1) ظهرا منهم قدامه وظهرا وراءه، فهو ~~محفوف بهم من جانبيه، والألف والنون فيه للتأكيد، قاله صاحب ms262 الفائق. # قوله: (دخل) زاد الأصيلي قبلها: "إذ". # قوله: (ثم عقله) بتخفيف القاف، أي: شد على ساق الجمل بعد أن ثنى ركبته حبلا. # قوله: (في المسجد) استنبط منه ابن بطال وغيره طهارة أبوال الإبل ~~وأرواثها؛ إذ لا يؤمن ذلك منه كونه في المسجد ولم ينكره النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # ودلالته غير واضحة، وإنما فيه مجرد احتمال، ويدفعه رواية أبي نعيم: "أقبل ~~على بعير له حتى أتى المسجد فأناخه ثم عقله فدخل المسجد"، فهذا السياق يدل ~~على أنه ما دخل به المسجد. # وأصرح منه رواية ابن عباس عند أحمد والحاكم، ولفظها: "فأناخ بعيره على ~~باب المسجد فعقله ثم دخل" (¬2)، فعلى هذا ففي رواية أنس مجاز الحذف، ~~والتقدير: فأناخه في ساحة المسجد أو نحو ذلك. # قوله: (الأبيض) أي: المشرب بحمرة كما في رواية الحارث بن عمير: "الأمغر" ~~أي: بالغين المعجمة، قال حمزة بن الحارث: هو الأبيض المشرب [121/ أ] بحمرة، ~~ويؤيده ما يأتي في صفته - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يكن أبيض ولا آدم، ~~أي: لم يكن أبيض صرفا. # قوله: (قد أجبتك) أي: أسمعتك؛ إذ المراد: إنشاء الإجابة، أو نزل تقريره ~~للصحابة في الإعلام عنه منزلة [النطق، وهذا لائق بمراد المصنف، وقد قيل: ~~إنما لم يقل له: نعم؛ لأنه لم يخاطبه بما يليق بمنزلته] (¬3) من التعظيم، ~~[لاسيما مع قوله تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} ~~[النور: 63].] (¬4). # والعذر عنه إن قلنا إنه قدم مسلما أنه لم يبلغه النهي، وكانت فيه بقية من ~~جفاء PageV02P085 # الأعراب، وقد ظهرت بعد ذلك في قوله: "فمشدد عليك في المسألة"، وفي قوله ~~في رواية ثابت: "وزعم رسولك أنك تزعم"، ولهذا وقع في أول رواية ثابت، عن ~~أنس: "كنا نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع"، ~~زاد أبو عوانة في صحيحه: "وكانوا أجرأ على ذلك منا". # يعني: أن الصحابة واقفون عند النهي، وأولئك يعذرون بالجهل، وتمنوه عاقلا ~~ليكون عارفا ms263 بما يسأل عنه، وظهر عقل ضمام في تقديمه الاعتذار بين يدي ~~مسألته لظنه أنه لا يصل إلى مقصوده إلا بتلك المخاطبة. # وفي رواية ثابت من الزيادة: أنه سأله من رفع السماء وبسط الأرض وغير ذلك ~~من الموضوعات، ثم أقسم عليه به أن يصدقه عما يسأل عنه، وكرر القسم في كل ~~مسألة تأكيدا وتقريرا للأمر، ثم صرح بالتصديق، وكل ذلك دليل على حسن تصرفه ~~وتمكن عقله، ولهذا قال عمر في رواية أبي هريرة: "ما رأيت أحدا أحسن مسألة ~~ولا أوجز من ضمام" (¬1). # قوله: (ابن عبد المطلب) -بفتح النون- على النداء، وفي رواية الكشميهني: ~~"يا ابن" بإثبات حرف النداء. # قوله: (فلا تجد) أي: لا تغضب، ومادة وجد متحدة الماضي والمضارع مختلفة ~~المصادر بحسب اختلاف المعاني، فيقال في الغضب: موجدة، وفي المطلوب: وجودا، ~~وفي الضالة: وجدانا، وفي الحب: وجدا بالفتح، وفي المال: وجدا بالضم، وفي ~~الغنى: جدة -بكسر الجيم وتخفيف الدال المفتوحة- على الأشهر في جميع ذلك، ~~وقالوا [121/ ب] أيضا في المكتوب: وجادة، وهي مولدة. # قوله: (أنشدك) بفتح الهمزة وضم المعجمة، وأصله من النشيد: وهو رفع الصوت، ~~والمعنى: سألتك رافعا نشيدتي، قاله البغوي في "شرح السنة"، وقال الجوهري: ~~أنشدتك بالله، أي: سألتك بالله. كأنك ذكرته فنشد، أي: تذكر. PageV02P086 # قوله: (آلله) بالمد في المواضع كلها. # قوله: (اللهم نعم) الجواب حصل بنعم، وإنما ذكر "اللهم" تبركا بها، وكأنه ~~استشهد بالله في ذلك تأكيدا لصدقه. # قوله: (أن تصلي) بتاء المخاطب فيه وفيما بعده، ووقع عند الأصيلي بالنون ~~فيها، قال القاضي عياض: وهو أوجه، ويؤيده رواية ثابت بلفظ: "إن علينا خمس ~~صلوات يومنا وليلتنا"، وساق البقية كذلك، وتوجيه الأول أن كل ما وجب عليه ~~[وجب] (¬1) على أمته حتى يقوم دليل للاختصاص، ووقع في رواية الكشميهني ~~والسرخسي: "الصلاة الخمس" بالإفراد على إرادة الجنس. # قوله: (أن تأخذ هذه الصدقة). قال ابن التين: فيه دليل على أن المرء لا ~~يفرق صدقته بنفسه. # قلت: وفيه نظر. # وقوله: (على فقرائنا) خرج مخرج الأغلب؛ لأنهم معظم أهل الصدقة. # قوله: (آمنت بما جئت به) يحتمل أن ms264 يكون إخبارا، وهو اختيار البخاري، ~~ورجحه القاضي عياض، وأنه حضر بعد إسلامه مستثبتا من الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - ما أخبر به رسوله إليهم؛ لأنه قال في حديث ثابت، عن أنس عند مسلم ~~وغيره: "فإن رسولك زعم" (¬2). وقال في رواية كريب، عن ابن عباس عند ~~الطبراني: "أتتنا كتبك وأتتنا رسلك" (¬3). # واستنبط منه الحاكم أصل طلب علو الإسناد؛ لأنه سمع ذلك من الرسول وآمن ~~وصدق ولكنه أراد أن يسمع ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - مشافهة. # ويحتمل أن يكون قوله: "آمنت" إنشاء، ورجحه القرطبي؛ لقوله: "زعم"، قال: PageV02P087 # والزعم: القول الذي لا يوثق به، قاله ابن السكيت وغيره. # قلت: وفيه نظر؛ لأن الزعم يطلق [122/ أ] على القول المحقق أيضا، كما نقله ~~أبو عمر الزاهد في شرح فصيح شيخه ثعلب، وأكثر سيبويه من قوله: زعم الخليل ~~في مقام الاحتجاج، وقد أشرنا إلى ذلك في حديث أبي سفيان في بدء الوحي. # وأما تبويب أبي داود عليه: "باب: المشرك يدخل المسجد" فليس مصيرا منه إلى ~~أن ضماما قدم مشركا، بل وجهه أنهم تركوا شخصا قادما يدخل المسجد من غير ~~استفصال. # ومما يؤيد أن قوله: "آمنت" إخبار أنه لم يسأل عن دليل التوحيد، بل عن ~~عموم الرسالة، وعن شرائع الإسلام، ولو كان إنشاء لكان طلب معجزة توجب له ~~التصديق، قاله الكرماني. # وعكسه القرطبي فاستدل به على صحة إيمان المقلد للرسول ولو [لم] (¬1) تظهر ~~له معجزة، وكذا أشار إليه ابن الصلاح، والله أعلم. # * تنبيه: # لم يذكر الحج في رواية شريك هذه، وقد ذكره مسلم وغيره في رواية ثابت، وهو ~~في حديث أبي هريرة، وابن عباس أيضا. # وأغرب ابن التين فقال: إنما لم يذكره لأنه لم يكن فرض، وكأن الحامل له ~~على ذلك ما جزم به الواقدي ومحمد بن حبيب أن قدوم ضمام كان سنة خمس، فيكون ~~قبل فرض الحج، لكنه غلط من أوجه: # أحدها: أن في رواية مسلم أن قدومه كان بعد نزول النهي في القرآن عن سؤال ~~الرسول، وآية النهي في المائدة، ونزولها متأخر جدا. ms265 # ثانيها: أن إرسال الرسل إلى الدعاء إلى الإسلام إنما كان ابتداؤه بعد ~~الحديبية، ومعظمه بعد فتح مكة. PageV02P088 # ثالثها: أن في القصة أن قومه أوفدوه، وإنما كان معظم الوفود بعد فتح مكة. # رابعها: في حديث ابن عباس: أن قومه أطاعوه ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه ~~إليهم، ولم يدخل بنو سعد وهو ابن بكر بن هوازن في الإسلام إلا بعد وقعة ~~حنين، وكانت في شوال سنة ثمان كما سيأتي مشروحا في مكانه إن شاء الله تعالى. # فالصواب: أن قدوم ضمام كان في سنة تسع، وبه [122/ ب] جزم ابن إسحاق، وأبو ~~عبيدة وغيرهما. # وغفل البدر الزركشي فقال: إنما لم يذكر الحج؛ لأنه كان معلوما عندهم في ~~شريعة إبراهيم. انتهى، وكأنه لم يراجع صحيح مسلم فضلا عن غيره. # قوله: (وأنا رسول من ورائي) من: موصولة، ورسول: مضاف إليها، ويجوز تنوينه ~~وكسر "من"، لكن لم تأت به الرواية. ووقع في رواية كريب، عن ابن عباس، عند ~~الطبراني: "جاء رجل من بني سعد بن بكر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وكان مسترضعا فيهم، فقال: أنا وافد قومي ورسولهم" (¬1). # وعند أحمد والحاكم: "بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقدم علينا" (¬2) فذكر الحديث. # فقول ابن عباس: "فقدم علينا" يدل على تأخير وفادته أيضا؛ لأن ابن عباس ~~إنما قدم المدينة بعد الفتح، وزاد مسلم في آخر الحديث: "قال: والذي بعثك ~~بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لئن ~~صدق ليدخلن الجنة" (¬3). وكذا وقعت هذه الزيادة في حديث ابن عباس، وهي ~~الحاملة لمن سمى المبهم في حديث طلحة: ضمام ابن ثعلبة، كابن عبد البر ~~وغيره، وقد قدمنا هناك أن القرطبي مال إلى أنه غيره. PageV02P089 # * وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم: # * العمل بخبر الواحد، ولا يقدح فيه مجيء ضمام مستثبتا، لأنه قصد اللقاء ~~والمشافهة كما تقدم عن الحاكم، وقد رجع ضمام إلى قومه وحده فصدقوه وآمنوا ~~كما وقع في حديث ابن عباس. ms266 # * وفيه نسبة الشخص إلى جده إذا كان أشهر من أبيه، ومنه قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - يوم حنين: "أنا ابن عبد المطلب" (¬1). # * وفيه الاستحلاف على الأمر المحقق لزيادة التأكيد. # * وفيه رواية الأقران؛ لأن سعيدا وشريكا تابعيان من درجة واحدة وهما ~~مدنيان. # قوله: (رواه موسى) هو ابن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي شيخ البخاري، وحديثه ~~موصول عند أبي عوانة في صحيحه، وعند ابن منده في الإيمان (¬2)، وإنما [123/ ~~أ] علقه البخاري؛ لأنه لم يحتج بشيخه سليمان بن المغيرة. # قوله: (وعلي بن عبد الحميد) هو المعني -بفتح الميم وسكون العين المهملة ~~وكسر النون بعدها ياء النسب- وحديثه موصول عند الترمذي (¬3)، أخرجه عن ~~البخاري عنه وليس له في البخاري سوى هذا الموضع المعلق. # قوله: (بهذا) أي: بهذا المعنى، وإلا فاللفظ كما بينا مختلف، وسقطت هذه ~~اللفظة من رواية أبي الوقت وابن عساكر، والله -سبحانه وتعالى- أعلم. PageV02P090 ### || AUTO 7 - باب: ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان # وقال أنس: نسخ عثمان المصاحف، فبعث بها إلى الآفاق. # ورأى عبد الله بن عمر، ويحيى بن سعيد، ومالك ذلك جائزا. # واحتج بعض أهل الحجاز في المناولة بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~حيث كتب لأمير السرية كتابا وقال: "لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا". فلما ~~بلغ ذلك المكان قرأه على الناس، وأخبرهم بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. # قوله: (باب ما يذكر في المناولة) لما فرغ من تقرير السماع والعرض أردفه ~~ببقية وجوه التحمل المعتبرة عند الجمهور. # فمنها: المناولة، وصورتها: أن يعطي الشيخ الطالب الكتاب فيقول له: هذا ~~سماعي من فلان، أو هذا تصنيفي فاروه عني. # وقد قدمنا صورة عرض المناولة، وهي إحضار الطالب الكتاب، وقد سوغ الجمهور ~~الرواية بها، وردها من رد عرض القراءة من باب الأولى. # قوله: (إلى البلدان) أي: إلى أهل البلدان، وكتاب: مصدر، وهو متعلق "إلى"، ~~وذكر البلدان على سبيل المثال، وإلا فالحكم عام في القرى وغيرها. # والمكاتبة من أقسام التحمل، وهي: أن يكتب الشيخ حديثه بخطه، أو يأذن لمن ~~يثق به بكتبه، ms267 ويرسله بعد تحريره إلى الطالب، ويأذن له في روايته عنه. # وقد سوى المصنف بينها وبين المناولة، ورجح قوم المناولة عليها لحصول ~~المشافهة فيها بالإذن دون المكاتبة، وقد جوز جماعة من القدماء إطلاق ~~الإخبار فيهما، والأولى ما عليه المحققون من اشتراط بيان ذلك. # قوله: (نسخ عثمان المصاحف) هو طرف من حديث طويل يأتي الكلام عليه في PageV02P091 # فضائل القرآن (¬1) إن شاء الله تعالى، ودلالته على تسويغ الرواية ~~بالمكاتبة واضح، فإن عثمان أمرهم بالاعتماد على ما في تلك المصاحف ومخالفة ~~ما عداها. # والمستفاد من بعثه المصاحف إنما هو ثبوت إسناد صورة المكتوب فيها إلى ~~عثمان لا أصل ثبوت القرآن فإنه متواتر [123/ ب] عندهم. # قوله: (ورأى عبد الله بن عمر) كذا في جميع نسخ الجامع "عمر" بضم العين، ~~وكنت أظنه العمري المدني، وخرجت الأثر عنه بذلك في "تغليق التعليق"، وكذا ~~جزم به الكرماني. # ثم ظهر لي من قرينة تقديمه في الذكر على يحيى بن سعيد أنه غير العمري؛ ~~لأن يحيى أكبر منه ستا وقدرا، فتتبعت فلم أجده عن عبد الله بن عمر بن ~~الخطاب صريحا، لكن وجدت في كتاب الوصية لأبي القاسم ابن منده من طريق ~~البخاري بسند له صحيح إلى أبي عبد الرحمن الحبلي -بضم المهملة والموحدة- ~~أنه أتى عبد الله بكتاب فيه أحاديث فقال: "انظر في هذا الكتاب فما عرفت منه ~~اتركه وما لم تعرفه امحه" فذكر الخبر، وهو أصل في عرض المناولة. # وعبد الله يحتمل أن يكون هو ابن عمر بن الخطاب، فإن الحبلي سمع منه، ~~ويحتمل أن يكون ابن عمرو بن العاص فإن الحبلي مشهور بالرواية عنه. # وأما الأثر بذلك عن يحيى بن سعيد، ومالك فأخرجه الحاكم في "علوم الحديث" ~~من طريق إسماعيل بن أبي أويس قال: سمعت خالي مالك بن أنس يقول: قال لي يحيى ~~ابن سعيد الأنصاري لما أراد الخروج إلى العراق: "التقط لي مائة حديث من ~~حديث ابن شهاب حتى أرويها عنك، قال مالك: فكتبتها ثم بعثتها إليه" (¬2). PageV02P092 # وروى الرامهرمزي من طريق ابن أبي أويس -أيضا-، عن مالك ms268 في وجوه التحمل ~~قال: "قراءتك على العالم، ثم قراءته وأنت تسمع، ثم أن يدفع إليك كتابه ~~فيقول: ارو هذا عني" (¬1). # قوله: (واحتج بعض أهل الحجاز) هدا المحتج هو الحميدي، ذكر ذلك في كتاب ~~"النوادر" له. # قوله: (في المناولة) أي: في صحة المناولة، والحديث الذي أشار إليه لم ~~يورده موصولا في هذا الكتاب، وهو صحيح قد وجدته من طريقين: # إحداهما: مرسلة ذكرها ابن إسحاق في المغازي، عن يزيد بن رومان، وأبو ~~اليمان في نسخته عن شعيب، عن الزهري كلاهما عن عروة بن الزبير (¬2). # والأخرى: موصولة أخرجها الطبراني (¬3) من [124/ أ] حديث جندب البجلي ~~بإسناد حسن، ثم وجدت له شاهدا من حديث ابن عباس عند الطبري في التفسير ~~(¬4)، فبمجموع هذه الطرق يكون صحيحا. # وأمير السرية اسمه عبد الله بن جحش الأسدي أخو زينب أم المؤمنين، وكان ~~تأميره في السنة الثانية قبل وقعة بدر. # والسرية -بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد الياء التحتانية-: القطعة من ~~الجيش، وكانوا اثني عشر رجلا من المهاجرين. PageV02P093 # قوله: (حتى تبلغ مكان كذا وكذا) هكذا في حديث جندب على الإبهام، وفي ~~رواية عروة أنه قال له: "إذا سرت يومين فافتح الكتاب"، قال: ففتحه هناك ~~فإذا فيه: "أن امض حتى تنزل نخلة فتأتينا من أخبار قريش، ولا تستكرهن ~~أحدا". قال في حديث جندب: "فرجع رجلان ومضى الباقون، فلقوا عمرو بن الحضرمي ~~ومعه عير، أي: تجارة لقريش، فقتلوه فكان أول مقتول من الكفار في الإسلام، ~~وذلك في أول يوم من رجب، وغنموا ما كان معهم، فكانت أول غنيمة في الإسلام، ~~فعاب عليهم المشركون بذلك، فأنزل الله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام ~~قتال فيه} [البقرة: 217] الآية. # ووجه الدلالة من هذا الحديث ظاهرة، فإنه ناوله الكتاب وأمره أن يقرأه على ~~أصحابه ليعملوا بما فيه، ففيه المناولة ومعنى المكاتبة. # وتعقبه بعضهم: [بأن] (¬1) الحجة إنما وجبت به لعدم توهم التبديل والتغيير ~~فيه لعدالة الصحابة بخلاف من بعدهم، حكاه البيهقي. # وأقول: شرط قيام الحجة بالمكاتبة: أن يكون الكتاب مختوما وحامله مؤتمنا، ~~والمكتوب إليه يعرف خط الشيخ، إلى غير ms269 ذلك من الشروط الدافعة لتوهم ~~التغيير، والله أعلم. PageV02P094 # 64 - حدثنا إسماعيل بن عبد الله، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ~~ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عبد الله بن ~~عباس، أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث بكتابه رجلا، وأمره ~~أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه. ~~فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يمزقوا كل ممزق. # قوله: (حدثنا إسماعيل بن عبد الله) هو ابن أبي أويس، وصالح هو ابن كيسان. # قوله: (بعث بكتابه رجلا) هو عبد الله بن حذافة السهمي كما سماه المؤلف في ~~هذا الحديث في المغازي (¬1) [124/ ب]. # وكسرى هو أبرويز بن هرمز بن أنوشروان، ووهم من قال: هو أنوشروان. # وعظيم البحرين: هو المنذر بن ساوى بالمهملة وفتح الواو الممالة، وسيأتي ~~الكلام على هذا الحديث في المغازي إن شاء الله تعالى. # قوله: (فحسبت) القائل هو ابن شهاب راوي الحديث، فقصة الكتاب عنده موصولة، ~~وقصة الدعاء مرسلة. # ووجه دلالته على المكاتبة ظاهر، ويمكن أن يستدل به على المناولة من حيث ~~إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ناول الكتاب لرسوله، وأمره أن يخبر عظيم ~~البحرين بأن هذا كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن لم يكن سمع ما ~~فيه ولا قرأه. PageV02P095 # 65 - حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا شعبة، ~~عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - كتابا ~~-أو أراد أن يكتب- فقيل له: إنهم لا يقرءون كتابا إلا مختوما. فاتخذ خاتما ~~من فضة نقشه: محمد رسول الله، كأني أنظر إلى بياضه في يده. فقلت لقتادة: من ~~قال: نقشه محمد رسول الله؟ قال: أنس. # قوله (عبد الله) هو: ابن المبارك. # قوله: (كتب أو أراد أن يكتب) شك من الراوي، ونسبة الكتابة إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مجازية، أي: كتب الكتاب بأمره. # قوله: (لا يقرءون كتابا ms270 إلا مختوما) يعرف من هذا فائدة إيراده هذا الحديث ~~في هذا الباب؛ لينبه على أن شرط العمل بالمكاتبة أن يكون الكتاب مختوما؛ ~~ليحصل الأمن من توهم تغييره، لكن قد يستغنى عن ختمه إذا كان الحامل عدلا ~~مؤتمنا. # قوله: (فقلت) القائل: هو شعبة، وسيأتي باقي الكلام على هذا الحديث في ~~الجهاد وفي اللباس (¬1) إن شاء الله تعالى. # * فائدة: # لم يذكر المصنف من أقسام التحمل الإجازة المجردة عن المناولة أو الكتابة، ~~ولا الوجادة، ولا الوصية، ولا الإعلام المجردات عن الإجازة؛ وكأنه لا يرى ~~بشيء منها. # وقد ادعى ابن منده أن كل ما يقول البخاري فيه: "قال لي" فهو إجازة. # وهي دعوى مردودة؛ بدليل أني استقرأت كثيرا من المواضع التي يقول فيها في ~~"الجامع": "قال لي" فوجدته في غير الجامع يقول فيها: "حدثنا"، والبخاري لا ~~يستجيز في الإجازة إطلاق التحديث، فدل على أنها عنده من المسموع، لكن سبب ~~استعماله لهذه الصيغة ليفرق بين ما يبلغ شرطه وما لا يبلغ، والله أعلم. PageV02P096 ### || AUTO 8 - باب: من قعد حيث ينتهي به المجلس ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها # 66 - حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ~~أن أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره عن أبي واقد الليثي، أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة ~~نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذهب واحد، قال: ~~فوقفا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأما أحدهما فرأى فرجة في ~~الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبا، فلما ~~فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة: ~~أما أحدهم فآوى إلى الله، فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا، فاستحيا الله ~~منه، وأما الآخر فأعرض، فأعرض الله عنه". # قوله: (باب: من قعد حيث ينتهي به المجلس) ومناسبة هذا الكتاب للعلم من ~~جهة أن المراد بالحلقة حلقة العلم، فيدخل [125/ أ] في ms271 أدب الطالب من عدة ~~أوجه كما سنبينه. # قوله: (مولى عقيل) بفتح العين، وقيل لأبي مرة ذلك للزومه إياه، وإنما هو ~~مولى أخته أم هانئ بنت أبي طالب. # قوله: (عن أبي واقد) صرح بالتحديث في رواية النسائي (¬1) من طريق يحيى بن ~~أبي كثير، عن إسحاق، فقال: عن أبي مرة أن أبا واقد حدثه. # وقد قدمنا أن اسم أبي واقد: الحارث بن مالك، وقيل: ابن عون، وقيل: عوف بن ~~الحارث، وليس له في البخاري غير هذا الحديث. ورجال إسناده مدنيون، وهو في ~~الموطأ (¬2)، ولم يروه عن أبي واقد إلا أبو مرة، ولا عنه إلا إسحاق، وأبو ~~مرة والراوي عنه PageV02P097 # تابعيان، وله شاهد من حديث أنس أخرجه البزار والحاكم (¬1). # قوله: (ثلاثة نفر) النفر -بالتحريك-: للرجال من ثلاثة إلى عشرة، والمعنى: ~~ثلاثة هم نفر، والنفر: اسم جمع، ولهذا وقع مميزا للجمع، كقوله تعالى: {تسعة ~~رهط} [النمل: 48]. # قوله: (فأقبل اثنان) بعد قوله: "أقبل ثلاثة" هما إقبالان، كأنهم أقبلوا ~~أولا من الطريق فدخلوا المسجد مارين كما في حديث أنس: "فإذا ثلاثة نفر ~~يمرون"، فلما رأوا مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - أقبل إليه اثنان ~~منهم، واستمر الثالث ذاهبا. # قوله: (فوقفا) زاد أكثر رواة الموطأ: "فلما وقفا سلما"، وكذا عند الترمذي ~~(¬2)، والنسائي، ولم يذكر المصنف هنا ولا في الصلاة (¬3): "السلام"، وكذا ~~لم يقع في رواية مسلم (¬4). # ويستفاد منه: أن الداخل يبدأ بالسلام، وأن القائم يسلم على القاعد، وإنما ~~لم يذكر رد السلام عليهما اكتفاء لشهرته، أو يستفاد منه أن المستغرق في ~~العبادة يسقط عنه الرد. # ولم يذكر أنهما صليا تحية المسجد إما لكون ذلك كان قبل أن تشرع، أو كانا ~~على غير وضوء، أو وقع فلم ينقل للاهتمام بغير ذلك من القصة، أو كان في غير ~~وقت تنفل، قاله القاضي عياض بناء على مذهبه أنها لا تصلى في الأوقات ~~المكروهة. PageV02P098 # قوله: (فوقفا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) أي: على مجلس رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -[125/ ب] أو على بمعنى عند. # قوله: (فرجة) -بالضم والفتح ms272 معا- هي: الخلل بين الشيئين. # و(الحلقة) بإسكان اللام: كل شيء مستدير خالي الوسط، والجمع: حلق بفتحتين، ~~وحكي فتح اللام في الواحد وهو نادر، وفيه استحباب التحليق في مجالس الذكر ~~والعلم، وفيه أن من سبق إلى موضع منها كان أحق به. # قوله: (وأما الآخر) بفتح الخاء المعجمة، وفيه رد على من زعم أنه يختص ~~بالأخير لإطلاقه هنا على الثاني. # قوله: (فآوى إلى الله فآواه الله) قال القرطبي: الرواية الصحيحة بقصر ~~الأول ومد الثاني، وهو المشهور في اللغة، وفي القرآن: {إذ أوى الفتية إلى ~~الكهف} [الكهف: 10]. بالقصر، {وآويناهما إلى ربوة} [المؤمنون: 50]. بالمد، ~~وحكي في اللغة القصر والمد معا فيهما. # ومعنى "آوى إلى الله": لجأ إلى الله أو على الحذف، أي: انضم إلى مجلس ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ومعنى "فآواه الله"؛ أي: جازاه بنظير فعله بأن ضمه إلى رحمته ورضوانه. # * وفيه استحباب الأدب في مجالس العلم، وفضل سد خلل الحلقة، كما ورد ~~الترغيب في سد خلل الصفوف في الصلاة، وجواز التخطي لسد الخلل ما لم يؤذ؛ ~~فإن خشي استحب الجلوس حيث ينتهي كما فعل الثاني. # * وفيه الثناء على من زاحم في طلب الخير. # قوله: (فاستحيا) أي: ترك المزاحمة كما فعل رفيقه حياء من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وممن حضر. قاله القاضي عياض. # وقد بين أنس في روايته سبب استحياء هذا الثاني، فلفظه عند الحاكم: "ومضى ~~الثاني قليلا ثم جاء فجلس" (¬1)، فالمعنى: أنه استحيا من الذهاب عن المجلس ~~كما فعل رفيقه الثالث. PageV02P099 # قوله: (فاستحيا الله منه) أي: رحمه ولم يعاقبه. # قوله: (فأعرض الله عنه) أي: سخط عليه، وهو محمول على من ذهب معرضا لا ~~لعذر، هذا إن كان مسلما. # ويحتمل أن يكون منافقا واطلع النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمره، كما ~~يحتمل أن يكون قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فأعرض الله" إخبارا أو دعاء. # ووقع في حديث أنس: "فاستغنى، فاستغنى الله عنه"، وهذا يرشح [126/ أ] كونه ~~خبرا، وإطلاق الإعراض وغيره في حق الله على سبيل المقابلة والمشاكلة فيحمل ~~كل لفظ منها ms273 على ما [يليق] (¬1) بجلاله -سبحانه وتعالى-، وفائدة إطلاق ذلك: ~~بيان الشيء بطريق واضح. # * وفيه جواز الإخبار عن أهل المعاصي وأحوالهم للزجر عنها، وأن ذلك لا يعد ~~من الغيبة. # * وفي الحديث: فضل ملازمة حلق العلم والذكر، وجلوس العالم والمذكر في ~~المسجد. # وفيه الثناء على المستحيين، والجلوس حيث ينتهي به المجلس. # ولم أقف في شيء من طرق هذا الحديث على تسمية واحد من الثلاثة المذكورين، ~~والله أعلم. PageV02P100 ### || AUTO 9 - باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رب مبلغ أوعى من سامع" # 67 - حدثنا مسدد، قال: حدثنا بشر، قال: حدثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن ~~عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - قعد ~~على بعيره، وأمسك إنسان بخطامه -أو بزمامه- قال: "أي يوم هذا؟ ". فسكتنا ~~حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه. قال: "أليس يوم النحر". قلنا: بلى. قال: ~~"فأي شهر هذا؟ ". فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: "أليس بذي ~~الحجة؟ ". قلنا: بلى. قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة ~~يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد ~~عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه". # قوله: (باب قول النبي: "رب مبلغ أوعى من سامع") # هذا الحديث المعلق أورد المصنف في الباب معناه، وأما لفظه فهو موصول عنده ~~في باب الخطبة بمنى من كتاب الحج (¬1)، أورد فيه هذا الحديث من طريق قرة بن ~~خالد، عن محمد بن سيرين قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكرة ورجل أفضل في ~~نفسي من عبد الرحمن: حميد بن عبد الرحمن كلاهما عن أبي بكرة قال: خطبنا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر قال: "أتدرون أي يوم هذا؟ "، ~~وفي آخره هذا اللفظ. # وغفل [القطب] (¬2) الحلبي ومن تبعه من الشراح في عزوهم له إلى تخريج ~~الترمذي (¬3) من حديث ابن مسعود فأبعدوا النجعة، وأوهموا عدم تخريج المصنف ~~له، والله المستعان. PageV02P101 # و"رب" للتقليل، وقد ترد للتكثير، و"مبلغ" بفتح اللام، و"أوعى" نعت له، ~~والذي يتعلق به "رب" ms274 محذوف، وتقديره: يوجد أو يكون، ويجوز على مذهب ~~الكوفيين في أن "رب" اسم؛ أن تكون هي: مبتدأ، و"أوعى" الخبر، والمراد: رب ~~مبلغ عني أوعى؛ أي: أفهم لما أقول من سامع مني. # قوله: (بشر) هو ابن الفضل، ورجال الإسناد كلهم بصريون. # قوله: (ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -) بنصب "النبي" على المفعولية، ~~وفي "ذكر" ضمير يعود على الراوي، يعني: أن أبا بكرة كان يحدثهم فذكر النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال: "قعد على بعيره"، وفي رواية النسائي (¬1) ما ~~يشعر بذلك، ولفظه عن أبي بكرة: "قال: وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -" ~~[126/ ب]، فالواو: إما حالية وإما عاطفة، والمعطوف عليه محذوف. # وقد وقع في رواية ابن عساكر عن أبي بكرة: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قعد" ولا إشكال فيه. # قوله: (وأمسك إنسان بخطامه أو بزمامه) الشك من الراوي، والخطام والزمام ~~بمعنى؛ وهو الخيط الذي تشد فيه الحلقة التي تسمى بالبرة بضم الموحدة وتخفيف ~~الراء المفتوحة في أنف البعير. وهذا الممسك سماه بعض الشراح بلالا، واستند ~~إلى ما رواه النسائي من طريق أم الحصين قالت: "حججت فرأيت بلالا يقود بخطام ~~راحلة النبي - صلى الله عليه وسلم -" (¬2). انتهى # وقد وقع في السنن من حديث عمرو بن خارجة قال: "كنت آخذا بزمام ناقة النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -" (¬3) فذكر بعض الخطبة، فهو أولى أن يفسر به المبهم ~~من بلال. # لكن الصواب أنه هنا أبو بكرة، وقد ثبت ذلك في رواية الإسماعيلي من طريق ~~ابن المبارك، عن ابن عون ولفظه: "خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~راحلته يوم النحر وأمسكت إما PageV02P102 # قال: بخطامها، وإما قال: بزمامها" (¬1)، واستفدنا من هذا أن الشك ممن دون ~~أبي بكرة [لا] (¬2) منه. # وفائدة إمساك الخطام: صون البعير عن الاضطراب حتى لا يشوش على راكبه. # قوله: (أي يوم هذا؟ ) سقط من رواية المستملي والحموي السؤال عن الشهر ~~والجواب الذي قبله، فصار هكذا: "أي يوم هذا؟ " فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه ~~سوى اسمه، قال: "أليس بذي الحجة؟ "، وكذا في رواية ms275 الأصيلي، وتوجيهه ظاهر، ~~وهو من إطلاق الكل على البعض، ولكن الثابت في الروايات عند مسلم وغيره (¬3) ~~ما ثبت عند الكشميهني وكريمة. # وكذا وقع في مسلم وغيره (¬4) السؤال عن البلد، وكذا كله في رواية ابن ~~عون، وثبت السؤال عن الثلاثة عند المصنف في الأضاحي (¬5) من رواية أيوب، ~~وفي الحج (¬6) من رواية قرة كلاهما عن ابن سيرين. # قال القرطبي: سؤاله - صلى الله عليه وسلم - عن الثلاثة وسكوته بعد كل ~~سؤال منها كان لاستحضار فهومهم، وليقبلوا عليه بكليتهم، ويستشعروا عظمة ما ~~يخبرهم عنه، ولذلك قال بعد هذا: "فإن دماءكم" إلى آخره [127/ أ] مبالغة في ~~بيان تحريم هذه الأشياء. انتهى PageV02P103 # ومناط التشبيه في قوله: "كحرمة يومكم" وما بعده ظهوره عند السامعين؛ لأن ~~تحريم البلد والشهر واليوم كان ثابتا في نفوسهم مقررا عندهم بخلاف الأنفس ~~والأموال والأعراض، فكانوا في الجاهلية يستبيحونها، فطرأ الشرع عليهم بأن ~~تحريم دم المسلم وماله وعرضه أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم، فلا يرد ~~كون المشبه به أخفض رتبة من المشبه؛ لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما ~~اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع. # ووقع في الروايات التي أشرنا إليها عند المصنف وغيره أنهم أجابوه عن كل ~~سؤال بقولهم: "الله ورسوله أعلم"، وذلك من حسن أدبهم، لأنهم علموا أنه لا ~~يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب، وأنه ليس مراده مطلق الإخبار بما يعرفونه، ~~ولهذا قال في رواية الباب: "حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه"، ففيه إشارة إلى ~~تفويض الأمور الكلية إلى الشارع، ويستفاد منه الحجة ليثبت الحقائق الشرعية. # قوله: (فإن دماءكم إلى آخره) هو على حذف مضاف، أي: سفك دمائكم وأخذ ~~أموالكم وثلب أعراضكم، والعرض -بكسر العين-: موضع المدح والذم من الإنسان، ~~سواء كان في نفسه أو سلفه. # قولة: (ليبلغ الشاهد) أي: الحاضر في المجلس [قوله: "الغائب"] (¬1) أي: ~~الغائب عنه، والمراد: إما تبليغ القول المذكور، أو تبليغ جميع الأحكام. # وقوله: (منه) صلة لأفعل التفضيل، وجاز الفصل بينهما لأن في الظرف سعة، ~~وليس الفاصل أيضا أجنبيا. # * فائدة: # وقع في حديث الباب: "فسكتنا" بعد السؤال، ms276 وعند المصنف في الحج من حديث ~~ابن عباس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس يوم النحر فقال: ~~"أي يوم هذا؟ " قالوا: يوم حرام (¬2)، PageV02P104 # وظاهرهما التعارض، والجمع بينهما: أن الطائفة الذين كان فيهم ابن عباس ~~أجابوا، والطائفة الذين كان فيهم أبو بكرة لم يجيبوا، بل قالوا: "الله ~~ورسوله أعلم" كما أشرنا إليه. # أو تكون رواية ابن عباس بالمعنى؛ لأن في حديث أبي بكرة عند المصنف في ~~الحج (¬1)، وفي الفتن (¬2) [127/ ب] أنه لما قال: "أليس يوم النحر؟ " ~~قالوا: بلى، فقولهم: "بلى" بمعنى قولهم: "يوم حرام" بالاستلزام، وغايته: أن ~~أبا بكرة نقل السياق واختصره ابن عباس، وكان ذلك بسبب قرب أبي بكرة منه ~~لكونه كان آخذا بخطام الناقة. # وقال بعضهم: يحتمل تعدد الخطبة، فإن أراد أنه كررها في يوم النحر فيحتاج ~~لدليل، فإن في حديث ابن عمر عند المصنف في الحج (¬3) أن ذلك كان يوم النحر ~~يين الجمرات في حجته. # وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم: # * الحث على تبليغ العلم، وجواز التحمل قبل كمال الأهلية، وأن الفهم ليس ~~شرطا في الأداء، وأنه قد يأتي في الآخر من يكون أفهم ممن تقدمه لكن بقلة. # * واستنبط ابن المنير من كون تعليق المتأخر أرجح نظرا من المتقدم أن ~~تفسير الراوي أرجح من تفسير غيره. # * وفيه جواز القعود على ظهور الدواب وهي واقفة إذا احتيج إلى ذلك، وحمل ~~النهي الوارد في ذلك على ما إذا كان لغير ضرورة. # وفيه الخطبة على موضع عال ليكون أبلغ في إسماعه الناس ورؤيتهم إياه. PageV02P105 ### || AUTO 10 - باب: العلم قبل القول والعمل # لقول الله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} [محمد: 19] # فبدأ بالعلم، وأن العلماء هم ورثة الأنبياء -ورثوا العلم- من أخذه أخذ ~~بحظ وافر، ومن سلك طريقا يطلب به علما سهل الله له طريقا إلى الجنة. # وقال -جل ذكره-: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28]. وقال: ~~{وما يعقلها # إلا العالمون (43)} [العنكبوت: 43]. {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا ~~في أصحاب السعير (10)} [الملك: 10]. وقال: {هل ms277 يستوي الذين يعلمون والذين ~~لا يعلمون} [الزمر: 9]. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من يرد الله به خيرا يفقهه"، وإنما ~~العلم بالتعلم. وقال أبو ذر: لو وضعتم الصمصامة على هذه -وأشار إلى قفاه- ~~ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن ~~تجيزوا علي لأنفذتها. وقال ابن عباس: {كونوا ربانيين} [آل عمران: 79]. ~~حكماء فقهاء. ويقال: الرباني: الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. # قوله: (باب العلم قبل القول والعمل) قال ابن المنير: أراد أن العلم شرط ~~في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما؛ لأنه مصحح ~~للنية المصححة للعمل، فنبه المصنف على ذلك حتى لا يسبق إلى الذهن من قولهم: ~~"إن العلم لا ينفع إلا بالعمل" تهوين أمر العلم والتساهل في طلبه. # قوله: (فبدأ بالعلم) أي: حيث قال: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} [محمد: ~~19]. ثم قال: {واستغفر لذنبك}، والخطاب وإن كان للنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فهو متناول لأمته. # واستدل سفيان بن عيينة بهذه الآية على فضل العلم. # وينتزع منها دليل ما يقوله المتكلمون من وجوب المعرفة، لكن النزاع كما ~~قدمناه إنما هو في إيجاب تعلم الأدلة على القوانين المذكورة في كتب الكلام. # قوله: (وأن العلماء) بفتح أن، ويجوز كسرها، ومن هنا إلى قوله: "وافر" طرف ~~من حديث أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم مصححا من حديث أبي PageV02P106 # الدرداء (¬1)، وحسنه حمزة الكناني [128/ أ] وضعفه غيرهم بالاضطراب في ~~سنده لكن له شواهد يتقوى بها، ولم يفصح بكونه حديثا لكن إيراده له في ~~الترجمة يشعر بأن له أصلا، وشاهده في القرآن قوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر: 32]. # ومناسبته للترجمة من جهة أن الوارث قائم مقام المورث فله حكمه فيما قام ~~مقامه فيه. # قوله: (ورثوا) بتشديد الراء المفتوحة، أي: الأنبياء، ويروى بتخفيفها مع ~~الكسر، أي: العلماء، ويؤيد الأول ما عند الترمذي وغيره فيه: "وإن الأنبياء ~~لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم". # قوله: (بحظ) أي: نصيب. (وافر) أي: كامل. ms278 # قوله: (ومن سلك طريقا) هو من جملة الحديث المذكور، وقد أخرج هذه الجملة ~~أيضا مسلم من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في حديث غير هذا، ~~وأخرجه الترمذي وقال: حسن، قال: "ولم نقل له صحيح لأنه يقال: إن الأعمش دلس ~~فيه، فقال: حدثت عن أبي صالح" (¬2). # قلت: لكن في رواية مسلم (¬3)، عن أبي أسامة، عن الأعمش حدثنا أبو صالح، ~~فانتفت تهمة تدليسه. # قوله: (طريقا) نكرها، ونكر علما ليتناول أنواع الطرق الموصلة إلى تحصيل ~~العلوم الدينية، وليندرج فيه القليل والكثير. PageV02P107 # قوله: (سهل الله له طريقا) أي: في الآخرة، أو في الدنيا بأن يوفقه ~~للأعمال الصالحة الموصلة إلى الجنة، أو فيه إشارة بتسهيل العلم على طالبه؛ ~~لأن طلبه من الطرق الموصلة إلى الجنة. # قوله: (وقال) أي: الله -عز وجل-، وهو معطوف على قوله: "لقول الله: {إنما ~~يخشى} [فاطر: 28] ". أي: يخاف من الله من علم قدرته وسلطانه، وهم العلماء، ~~قاله ابن عباس (¬1). # قوله: {وما يعقلها} [العنكبوت: 43]. أي: الأمثال المضروبة. # قوله: {لو كنا نسمع} [الملك: 10]. أي: سمع من يعي ويفهم، {أو نعقل} عقل ~~من يميز، وهذه أوصاف أهل العلم، فالمعنى: لو كنا من أهل العلم لعلمنا ما ~~يجب علينا فعملنا به فنجونا. # قوله: (وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من يرد الله به خيرا يفقهه") ~~كذا في رواية الأكثر، وفي رواية المستملي: "يفهمه" -بالهاء المشددة ~~المكسورة بعدها ميم-، وقد وصله المؤلف [128/ ب] باللفظ الأول بعد هذا ~~ببابين كما سيأتي، وأما اللفظ الثاني فأخرجه ابن أبي عاصم في كتاب العلم من ~~طريق ابن عمر، عن عمر مرفوعا وإسناده حسن. # والفقه: هو الفهم، قال الله تعالى: {لا يكادون يفقهون حديثا (78)} ~~[النساء: 78]. أي: لا يفهمون، والمراد: الفهم في الأحكام الشرعية. # قوله: (وإنما العلم بالتعلم) هو حديث مرفوع أيضا، أورده ابن أبي عاصم، ~~والطبراني من حديث معاوية أيضا بلفظ: "يا أيها الناس، تعلموا إنما العلم ~~بالتعلم، والفقه بالتفقه، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" (¬2)، ~~إسناده حسن؛ لأن فيه مبهما اعتضد بمجيئه من وجه آخر. ms279 PageV02P108 # وروى البزار نحوه من حديث ابن مسعود موقوفا (¬1)، ورواه أبو نعيم ~~الأصبهاني مرفوعا (¬2)، وفي الباب عن أبي الدرداء وغيره (¬3)، فلا يغتر ~~بقول من جعله من كلام البخاري. # والمعنى ليس العلم المعتبر إلا المأخوذ من الأنبياء وورثتهم على سبيل ~~التعلم. # قوله: (وقال أبو ذر إلى آخره) هذا التعليق رويناه موصولا في مسند الدارمي ~~وغيره من طريق الأوزاعي: حدثني أبو كثير -يعني: مالك بن مرثد-، عن أبيه ~~قال: "أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع عليه الناس ~~يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه ثم قال: ألم تنه عن الفتيا؟ ! فرفع رأسه ~~إليه فقال: أرقيب أنت علي؟ ! لو وضعتم" (¬4)، فذكر مثله، ورويناه في الحلية ~~(¬5) من هذا الوجه، وبين أن الذي خاطبه رجل من قريش، وأن الذي نهاه عن ~~الفتيا عثمان - رضي الله عنه -. # وكان سبب ذلك: أنه كان بالشام فاختلف مع معاوية في تأويل قوله تعالى: ~~{والذين يكنزون الذهب والفضة} [التوبة: 34]. قال معاوية: "نزلت في أهل ~~الكتاب خاصة"، فقال أبو ذر: "نزلت فيهم وفينا"، فكتب معاوية إلى عثمان، ~~فأرسل إلى أبي ذر، فحصلت منازعة أدت إلى انتقال أبي ذر عن المدينة فسكن ~~الربذة -بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة- إلى أن مات، رواه النسائي ~~(¬6). PageV02P109 # وفيه دليل على [أن] (¬1) أبا ذر كان لا يرى بطاعة الإمام إذا نهاه عن ~~الفتيا؛ لأنه كان يرى أن ذلك [129/ أ] واجب عليه؛ لأمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بالتبليغ عنه كما تقدم، ولعله أيضا سمع الوعيد في حق من كتم ~~علما يعلمه، وسيأتي لعلي مع عثمان نحوه. # و(الصمصامة) بالمهملتين الأولى مفتوحة: هو السيف الصارم الذي لا ينثني، ~~وقيل: الذي له حد واحد. # قوله: (هذه) إشارة إلى القفا، وهو يذكر ويؤنث. # و(أنفذ) بضم الهمزة وكسر الفاء والذال المعجمة، أي: أمضي. # و(تجيزوا) بضم المثناة وكسر الجيم وبعد الياء زاي، أي: تكملوا قتلي، ونكر ~~"كلمة" لتشمل القليل والكثير، والمراد: أنه يبلغ ما تحمله في كل حال، ولا ~~ينتهي عن ذلك ولو أشرف على القتل. # و"لو" في كلامه لمجرد الشرط من غير ms280 أن يلاحظ الامتناع، والمراد: أن ~~الإنفاذ حاصل على تقدير وضع الصمصامة، [و] (¬2) على تقدير عدم حصوله أولى، ~~فهو مثل قوله "لو لم يخف الله لم يعصه". # وفيه الحث على تعليم العلم، واحتمال المشقة فيه، والصبر على الأداء طلبا ~~للثواب. # قوله: (وقال ابن عباس) هذا التعليق وصله ابن أبي عاصم أيضا بإسناد حسن، ~~والخطيب بإسناد آخر حسن (¬3). وقد فسر ابن عباس "الرباني" بأنه الحكيم ~~الفقيه، ووافقه ابن مسعود فيما رواه إبراهيم الحربي في غريبه عنه بإسناد صحيح. # وقال الأصمعي والإسماعيلي: الرباني نسبة إلى الرب، أي: الذي يقصد ما أمره PageV02P110 # الرب بقصده من العلم والعمل، وقال ثعلب: [قيل] (¬1) للعلماء ربانيون؛ ~~لأنهم يربون العلم، أي: يقومون به، وزيدت الألف والنون للمبالغة. # والحاصل: أنه اختلف في هذه النسبة هل هي نسبة إلى الرب أو إلى التربية؟ ~~والتربية على هذا للعلم، وعلى ما حكاه البخاري لمتعلميه. # والمراد بصغار العلم: ما وضع من مسائله، وبكباره: ما دق منها، وقيل: ~~يعلمهم جزئياته قبل كلياته، أو فروعه قبل أصوله، أو مقدماته قبل مقاصده. # وقال ابن الأعرابي: لا يقال للعالم رباني حتى يكون عالما معلما عاملا. # * فائدة: # اقتصر المصنف في هذا الباب على ما أورده من غير أن يورد حديثا موصولا على ~~شرطه، فإما أن يكون بيض له ليورد فيه ما يثبت على شرطه، أو يكون [129/ ب] ~~تعمد ذلك اكتفاء بما ذكر، والله أعلم. PageV02P111 ### || AUTO 11 - باب: ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا # 68 - حدثنا محمد بن يوسف، قال: أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ~~ابن مسعود، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخولنا بالموعظة في ~~الأيام، كراهة السآمة علينا. # قوله: (باب ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخولهم) هو بالخاء ~~المعجمة، أي: يتعهدهم، و (الموعظة) النصح والتذكير، وعطف العلم عليها من ~~باب عطف العام على الخاص؛ لأن العلم يشمل الموعظة وغيرها، وإنما عطفه؛ ~~لأنها منصوصة في الحديث، وذكر العلم استنباطا. # قوله: (كي لا ينفروا) استعمل في الترجمة ms281 معنى الحديثين اللذين ساقهما، ~~وتضمن ذلك تفسير السآمة بالنفور وهما متقاربان، ومناسبته ظاهرة لما قبله من ~~جهة ما حكاه أخيرا من تفسير الرباني، كمناسبة الذي قبله من تشديد أبي ذر في ~~أمر التبليغ لما قبله من الأمر بالتبليغ، وغالب أبواب هذا الكتاب لمن أمعن ~~النظر فيها والتأمل لا يخلو عن ذلك. # قوله: (سفيان) هو الثوري، وقد رواه أحمد في مسنده (¬1) عن ابن عيينة، لكن ~~محمد ابن يوسف الفريابي وإن كان يروي عن السفيانين كأنه حين يطلق يريد به ~~الثوري، كما أن البخاري حيث يطلق محمد بن يوسف لا يريد به إلا الفريابي، ~~وإن كان يروي عن محمد البيكندي أيضا، وقد وهم من زعم أنه هنا البيكندي. # قوله: (عن أبي وائل) في رواية أحمد المذكورة سمعت شقيقا، وهو أبو وائل، ~~وأفاد هذا التصريح رفع ما يتوهم في رواية مسلم (¬2) التي أخرجها من طريق ~~علي بن مسهر، عن الأعمش: وحدثني عمرو بن مرة، عن شقيق، عن عبد الله مثله. PageV02P112 # فقد يوهم هذا أن الأعمش دلسه أولا عن شقيق ثم سمى الواسطة بينهما، وليس ~~كذلك، بل سمعه من أبي وائل بلا واسطة وسمعه عنه بواسطة، وأراد بذكر الرواية ~~الثانية وإن كافت نازلة تأكيده، أو لينبه على عنايته بالرواية من حيث إنه ~~سمعه نازلا [فلم] (¬1) يقنع بذلك حتى سمعه عاليا. # وكذا صرح الأعمش بالتحديث عند المصنف في الدعوات (¬2) من رواية حفص بن ~~غياث عنه قال: حدثني شقيق وزاد في أوله: (أنهم كانوا ينتظرون عبد الله بن ~~مسعود ليخرج إليهم فيذكرهم، وأنه لما خرج قال: أما إني [130/ أ] أخبر ~~بمكانكم، ولكنه يمنعني من الخروج إليكم" فذكر الحديث. # قوله: (كان يتخولنا) بالخاء المعجمة وتشديد الواو، قال الخطابي: الخائل ~~بالمعجمة: هو القائم المتعهد للمال، يقال: خال المال تخوله تخولا: إذا ~~تعهده وأصلحه. # والمعنى: كان يراعي الأوقات في تذكيرنا، ولا يفعل ذلك كل يوم لئلا نمل، ~~والتخون -بالنون أيضا- يقال: تخون الشيء: إذا تعهده وحفظه، أي: اجتنب ~~الخيانة فيه، كما قيل في تحنث وتأثم ونظائرهما. # وقد قيل: إن أبا ms282 عمرو بن العلاء سمع الأعمش يحدث هذا الحديث فقال: ~~"يتخولنا" باللام، فرده عليه بالنون فلم يرجع لأجل الرواية، وكلا اللفظين جائز. # وحكى أبو عبيد الهروي في الغريبين عن أبي عمرو الشيباني أنه كان يقول: ~~الصواب "يتحولنا" بالحاء المهملة، أي: يتطلب أحوالنا التي ننشط فيها ~~للموعظة. # قلت: والصواب من حيث الرواية الأول، فقد رواه منصور، عن أبي وائل كرواية ~~الأعمش، وهو في الباب الآتي، وإذا ثبتت الرواية وصح المعنى بطل الاعتراض. # قوله: (علينا) أي السآمة الطارئة علينا، أو ضمن السآمة معنى المشقة. PageV02P113 # 69 - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا شعبة، ~~قال: حدثني أبو التياح، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا". # قوله: (أبو التياح) تقدم أنه بفتح المثناة الفوقانية وتشديد التحتانية. # قوله: (ولا تعسروا) الفائدة فيه التصريح باللازم تأكيدا، وقال النووي: لو ~~اقتصر على يسروا لصدق على من يسر مرة وعسر كثيرا فقال: "ولا تعسروا" لنفي ~~التعسير في جميع الأحوال. # قوله: (وبشروا) بعد قوله: "يسروا" فيه الجناس الخطي، ووقع عند المصنف في ~~الأدب (¬1)، عن آدم عن شعبة بدلها: "وسكنوا" وهي التي تقابل "ولا تنفروا"؛ ~~لأن السكون ضد النفور، كما أن ضد البشارة النذارة بالتنفير. # والمراد: تأليف من قرب إسلامه وترك التشديد عليه في الابتداء، وكذلك ~~الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف ليقبل، وكذا تعليم العلم ينبغي أن ~~يكون بالتدريج؛ لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلا حبب إلى من يدخل فيه، ~~وتلقاه بانبساط، وكانت عاقبته غالبا الازدياد بخلاف ضده. PageV02P114 ### || AUTO 12 - باب: من جعل لأهل العلم يوما معلوما # 70 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، ~~قال: كان عبد الله يذكر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، ~~لوددت أنك ذكرتنا كل يوم. قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، ~~وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخولنا بها، ~~مخافة السآمة ms283 علينا. # قوله: (باب [130/ ب] من جعل لأهل العلم يوما معلوما) في رواية كريمة: ~~"أياما معلومة"، وللكشميهني: "معلومات"، وكأنه أخذ هذا من صنيع ابن مسعود ~~في تذكيره كل خميس، أو من استنباط عبد الله ذلك من الحديث الذي أورده. # قوله: (جرير) هو ابن عبد الحميد. # و(منصور) هو ابن المعتمر. # قوله: (كان عبد الله) هو ابن مسعود، وكنيته أبو عبد الرحمن. # قوله: (فقال له رجل) هذا المبهم يشبه أن يكون هو يزيد بن معاوية النخعي، ~~وفي سياق المصنف في أواخر الدعوات (¬1) ما يرشد إليه. # قوله: (لوددت) اللام جواب قسم (¬2) محذوف، أي: والله لوددت، وفاعل ~~"يمنعني": "أني أكره" بفتح همزة "أني". # و(أملكم) بضم الهمزة، أي: أضجركم، و"إني" الثانية بكسر الهمزة. # وقد تقدم شرح المتن قريبا، والإسناد كله كوفيون، وحديث أنس الذي قبله ~~بصريون. PageV02P115 ### || AUTO 13 - باب: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين # 71 - حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، ~~قال: قال حميد بن عبد الرحمن: سمعت معاوية خطيبا يقول: سمعت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا ~~قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من ~~خالفهم حتى يأتي أمر الله". # قوله: (باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) ليس في أكثر الروايات في ~~الترجمة قوله: "في الدين"، وثبتت [عند] (¬1) الكشميهني. # قوله: (حدثنا سعيد بن عفير) هو سعيد بن كثير بن عفير، نسب إلى جده، وهو ~~بالمهملة مصغرا. # قوله: (عن ابن شهاب، قال حميد) في الاعتصام للمؤلف (¬2) من هذا الوجه: ~~"أخبرني حميد"، ولمسلم (¬3): "حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف"، زاد تسمية جده. # قوله: (سمعت معاوية) هو ابن أبي سفيان. # قوله: (خطيبا) هو حال من المفعول، وفي رواية مسلم والاعتصام: "سمعت ~~معاوية بن أبي سفيان وهو يخطب". # وهذا الحديث مشتمل على ثلاثة أحكام: # أحدها: فضل التفقه في الدين. # وثانيها: أن المعطي في الحقيقة هو الله. # وثالثها: أن بعض ms284 هذه الأمة يبقى على الحق أبدا. PageV02P116 # فالأول لائق بأبواب العلم، والثاني لائق بقسم الصدقات؛ ولهذا أورده مسلم ~~في الزكاة والمؤلف في الخمس (¬1)، والثالث لائق بذكر أشراط الساعة، وقد ~~أورده المؤلف في الاعتصام لالتفاته إلى مسألة عدم خلو الزمان عن مجتهد. # وقد تتعلق الأحاديث الثلاثة بأبواب العلم، بل بترجمة هذا الباب خاصة من ~~جهة [131/ أ] إثبات الخير لمن تفقه في دين الله، وأن ذلك لا يكون بالإكثار ~~فقط، بل لمن يفتح الله عليه به، وأن من يفتح الله عليه بذلك لا يزال جنسه ~~موجودا حتى يأتي أمر الله. # وقد جزم البخاري بأن المراد بهم أهل العلم بالآثار، وقال أحمد بن حنبل: ~~إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟ ! # قال القاضي عياض: أراد أحمد أهل السنة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث، وقال ~~النووي: يحتمل أن تكون هذه الطائفة فرقة من أنواع المؤمنين ممن يقيم أمر ~~الله من: مجاهد، وفقيه، ومحدث، وزاهد، وآمر بالمعروف، وغير ذلك من أنواع ~~الخير، ولا يلزم اجتماعهم في مكان واحد، بل يجوز أن يكونوا مفرقين. # قوله: (يفقهه) أي: يفهمه كما تقدم، وهي ساكنة الهاء؛ لأنها جواب الشرط، ~~يقال: فقه بالضم: إذا صار الفقه له سجية، وفقه بالفتح: إذا سبق غيره إلى ~~الفهم، وفقه بالكسر: إذا فهم. # ومفهوم الحديث: أن من لم يتفقه في الدين، أي: يتعلم قواعد الإسلام وما ~~يتصل بها من الفروع؛ فقد حرم الخير، وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على ~~سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم، وسيأتي بقية الكلام ~~على الحديثين الآخرين في موضعهما إن شاء الله. PageV02P117 ### || AUTO 14 - باب: الفهم في العلم # 72 - حدثنا علي، حدثنا سفيان، قال: قال لي ابن أبي نجيح: عن مجاهد قال: ~~صحبت ابن عمر إلى المدينة فلم أسمعه يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا حديثا واحدا، قال: كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتي ~~بجمار فقال: "إن من الشجر شجرة مثلها كمثل المسلم". فأردت أن أقول هي ~~النخلة، فإذا أنا ms285 أصغر القوم فسكت، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هي ~~النخلة". # قوله: (باب الفهم في العلم) أي: فضل الفهم. # (في العلم) أي: في العلوم. # قوله: (حدثنا علي) في رواية أبي ذر: ابن عبد الله، وهو المعروف بابن ~~المديني. # قوله: (حدثنا سفيان قال: قال لي ابن أبي نجيح) في مسند الحميدي (¬1)، عن ~~سفيان: "حدثني ابن أبي نجيح". # قوله: (صحبت ابن عمر إلى المدينة) فيه ما كان بعض الصحابة عليه من توقي ~~الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا عند الحاجة؛ خشية الزيادة ~~والنقصان، وهذه كانت طريقة ابن عمر ووالده عمر وجماعة، وإنما كثرت أحاديث ~~ابن عمر مع ذلك لكثرة من كان يسأله ويستفتيه، وقد تقدم الكلام على متن حديث ~~الباب في أوائل كتاب العلم، والله أعلم. PageV02P118 ### || AUTO 15 - باب: الاغتباط في العلم والحكمة وقال عمر: تفقهوا قبل أن تسودوا # 73 - حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، ~~-على غير ما حدثناه الزهري- قال: سمعت قيس بن أبي حازم، قال: سمعت عبد الله ~~ابن مسعود، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا حسد إلا في اثنتين: ~~رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو ~~يقضي بها ويعلمها". # قوله: (باب الاغتباط) هو بالغين المعجمة. # قوله: (في العلم والحكمة) [131 /ب] فيه نظير ما ذكرنا في قوله: "بالموعظة ~~والعلم"، لكن هذا عكس ذاك، أو هو من العطف التفسيري إن قلنا: إنهما ~~مترادفان. # قوله: (وقال عمر: تفقهوا قبل أن تسودوا) هو بضم المثناة وفتح المهملة ~~وتشديد الواو، أي تجعلوا سادة. # زاد الكشميهني في روايته: "قال أبو عبد الله -أي: البخاري-: وبعد أن ~~تسودوا" إلى قوله: "سنهم". # أما أثر عمر فأخرجه ابن أبي شيبة وغيره (¬1) من طريق محمد بن سيرين، عن ~~الأحنف بن قيس قال: قال عمر. . . فذكره، وإسناده صحيح. # وإنما عقبه البخاري بقوله: "وبعد أن تسودوا" ليبين أن لا مفهوم له، خشية ~~أن يفهم أحد من ذلك أن السيادة مانعة من التفقه، وإنما أراد ms286 عمر أنها قد ~~تكون سببا للمنع؛ لأن الرئيس قد يمنعه الكبر والاحتشام أن يجلس مجلس ~~المتعلمين. PageV02P119 # ولهذا قال مالك: من عيب القضاء أن القاضي إذا عزل لا يرجع إلى مجلسه الذي ~~كان يتعلم فيه. وقال الشافعي: إذا تصدر الحدث فاته علم كثير. # والمراد بالسيادة في أثر عمر أعم من التزويج، ولا وجه لمن خصصه بذلك؛ ~~لأنها قد تكون به وبغيره من الأشياء الشاغلة لأصحابها عن الاشتغال بالعلم. # وقال ابن المنير: مطابقة قول عمر للترجمة أنه جعل السيادة من ثمرات ~~العلم، وأوصى الطالب باغتنام الزيادة قبل بلوغ درجة السيادة، وذلك يحقق ~~استحقاق العلم بأن يغبط بها صاحبها. # لكن الحديث دل على أن الغبطة لا تكون إلا بأحد الأمرين: العلم أو الجود، ~~ولا يكون الجود محمودا إلا إذا كان بعلم، فكأنه يقول: تعلموا العلم قبل ~~حصول الرياسة لتغبطوا إذا غبطتم بحق، ويقول أيضا: إن تعجلتم الرياسة التي ~~من عادتها أن تمنع صاحبها من طلب العلم فاتركوا تلك العادة وتعلموا العلم ~~لتحصل لكم الغبطة الحقيقية. # ومعنى الغبطة: تمني المرء أن يكون له نظير ما للآخر من غير أن تزول عنه، ~~وهو المراد بالحسد الذي أطلق في الخبر كما سنبينه. # قوله: (حدثنا إسماعيل بن أبي خالد على غير ما حدثناه الزهري) يعني: أن ~~الزهري حدث سفيان [132/ أ] بهذا الحديث بلفظ غير اللفظ الذي حدثه به ~~إسماعيل عن سالم، ورواها مسلم (¬1)، عن زهير بن حرب وغيره عن سفيان بن ~~عيينة قال: حدثنا الزهري، عن سالم، عن أبيه. . . . ساقه مسلم تاما واختصره ~~البخاري. # وأخرجه البخاري أيضا تاما في فضائل القرآن (¬2) من طريق شعيب، عن الزهري: ~~حدثني سالم بن عبد الله بن عمر. . . فذكره، وسنذكر ما تخالفت فيه الروايتان ~~بعد إن شاء الله تعالى. PageV02P120 # قوله: (لا حسد). # الحسد: تمني زوال النعمة عن المنعم عليه، وخصه بعضهم بأن يتمنى ذلك ~~لنفسه، والحق أنه أعم، وسببه أن الطباع مجبولة على حب الترفع على الجنس، ~~فإذا رأى لغيره ما ليس له أحب أن يزول ذلك عنه له ليرتفع عليه، أو ms287 مطلقا ~~ليساويه، وصاحبه مذموم إذا عمل بمقتضى ذلك من تصميم أو قول أو فعل، وينبغي ~~لمن خطر له ذلك أن يكرهه كما يكره ما وضع في طبعه من حب المنهيات. # واستثنوا من ذلك ما إذا كانت النعمة لكافر أو فاسق يستعين بها على معاصي ~~الله تعالى فهذا حكم الحسد بحسب حقيقته. # وأما الحسد المذكور في الحديث فهو: الغبطة، وأطلق الحسد عليها مجازا، وهي ~~أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه، والحرص على هذا يسمى ~~منافسة، فإن كان في الطاعة فهو محمود، ومنه: {فليتنافس المتنافسون (26)} ~~[المطففين: 26]. وإن كان في المعصية فهو مذموم، ومنه: "ولا تنافسوا" (¬1)، ~~وإن كان في الجائزات فهو مباح؛ فكأنه قال في الحديث: لا غبطة أعظم أو أفضل ~~من الغبطة في هذين الأمرين. # ووجه الحصر: أن الطاعات إما بدنية أو مالية أو كائنة عنهما، وقد أشار إلى ~~البدنية بإتيان الحكمة والقضاء بها وتعليمها، ولفظ حديث ابن عمر: "رجل آتاه ~~الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار"، والمراد بالقيام به: ~~العمل به مطلقا أعم من تلاوته داخل الصلاة أو خارجها، ومن تعليمه الحكم، ~~والفتوى بمقتضاه، فلا تخالف بين لفظي الحديثين. # قوله: (إلا في اثنتين) كذا في معظم الروايات اثنتين بتاء التأنيث، أي: لا ~~حسد محمود في شيء إلا في خصلتين. PageV02P121 # وعلى هذا فقوله رجل بالرفع، والتقدير: خصلة رجل [132/ ب]، فحذف المضاف ~~وأقيم المضاف إليه مقامه، وللمصنف في الاعتصام: "إلا في اثنين" (¬1)، وعلى ~~هذا فقوله: "رجل" بالخفض على البدلية، أي: خصلة رجلين، ويجوز النصب بإضمار: ~~"أعني"، وهي رواية ابن ماجه (¬2). # قوله: (مالا) نكرة ليشمل القليل والكثير. # قوله: (فسلط) كذا لأبي ذر، وللباقين: "فسلطه"، وعبر بالتسلط لدلالته على ~~قهر النفس المجبولة على الشح. # قوله: (هلكته) بفتح اللام والكاف، أي: إهلاكه، وعبر بذلك ليدل على أنه لا ~~يبقي منه شيئا، وكمله بقوله: "في الحق" أي: في الطاعات؛ ليزيل عنه إبهام ~~الإسراف المذموم. # قوله: (الحكمة) اللام للعهد؛ لأن المراد بها القرآن على ما أشرنا إليه قبل. ms288 # * فائدة: # زاد أبو هريرة في هذا الحديث ما يدل على أن المراد بالحسد المذكور هنا ~~بالغبطة كما شرحناه، ولفظه: "فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت ~~مثل ما يعمل"، أورده المصنف في فضائل القرآن (¬3). # وعند الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري -بفتح الهمزة وإسكان النون- أنه ~~سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول، فذكر حديثا طويلا فيه استواء ~~العامل في المال بالحق PageV02P122 # والمتمني في الأجر، ولفظه: "وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق ~~النية، يقول: لو أن لي مالا لعملت مثل ما يعمل فلان، فأجرهما سواء" (¬1)، ~~وذكر في ضدهما أنهما في الوزر سواء، وقال فيه: حسن صحيح، والله أعلم. # وإطلاق كونهما سواء يرد على الخطابي في جزمه بأن الحديث يدل على أن الغني ~~إذا قام بشروط المال كان أفضل من الفقير. # نعم؛ يكون أفضل بالنسبة إلى من أعرض ولم يتمن، لكن الأفضلية المستفادة ~~منه هي بالنسبة إلى هذه الخصلة فقط لا مطلقا. وسيكون لنا عودة إلى البحث في ~~هذه المسألة في حديث: "الطاعم الشاكر كالصائم الصابر" حيث ذكره المؤلف في ~~كتاب الأطعمة (¬2) إن شاء الله تعالى. PageV02P123 ### || AUTO 16 - باب: ما ذكر في ذهاب موسى - صلى الله عليه وسلم - في البحر إلى الخضر # وقوله تعالى: {هل أتبعك على أن تعلمن} الآية # 74 - حدثنا محمد بن غرير الزهري، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ~~حدثني أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، حدثه أن عبيد الله بن عبد الله أخبره، عن ~~ابن عباس، أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى، قال ابن ~~عباس: هو خضر. فمر بهما أبي بن كعب، فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا ~~وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيه، هل سمعت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يذكر شأنه؟ قال: نعم، سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: "بينما موسى في ملإ من بني إسرائيل، إذ جاءه رجل، فقال: هل ~~تعلم أحدا أعلم منك؟ قال ms289 موسى: لا. فأوحى الله إلى موسى بلى، عبدنا خضر، ~~فسأل موسى السبيل إليه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت ~~فارجع، فإنك ستلقاه، وكان يتبع أثر الحوت في البحر، فقال لموسى فتاه: أرأيت ~~إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت، وما أنسانيه إلأ الشيطان أن أذكره. ~~قال ذلك ما كنا نبغي، فارتدا على آثارهما قصصا، فوجدا خضرا. فكان من شأنهما ~~الذي قص الله -عز وجل- في كتابه". # قوله: (باب ما ذكر في ذهاب موسى إلى الخضر). # هذا الباب معقود للترغيب في احتمال المشقة [133/ أ] في طلب العلم؛ لأن ما ~~يغتبط به يحتمل المشقة فيه؛ ولأن موسى -عليه الصلاة والسلام- لم يمنعه ~~بلوغه من السيادة المحل الأعلى من طلب العدم وركوب البر والبحر لأجله، فظهر ~~بهذا مناسبة هذا لما قبله. # فظاهر التبويب: أن موسى ركب البحر لما توجه في طلب الخضر، وفيه نظر؛ لأن ~~الذي ثبت عند المصنف وغيره أنه خرج في البر، وإنما ركب البحر في السفينة هو PageV02P124 # والخضر بعد أن التقيا، فيحمل قوله: "إلى الخضر" على أن فيه حذفا، أي: إلى ~~مقصد الخضر؛ لأن موسى لم يركب البحر لحاجة نفسه، وإنما ركبه تبعا للخضر. # ويمكن أن يقال: مقصود الذهاب إنما حصل بتمام القصة، ومن تمامها: أنه ركب ~~وجه البحر، فأطلق على جميعها ذهابا مجازا: إما من إطلاق الكل على البعض، أو ~~من تسمية السبب باسم ما تسبب عنه. # وحمله ابن المنير على أن "إلى" بمعنى: مع، وقال ابن رشيد: يحتمل أن يكون ~~ثبت عند البخاري أن موسى توجه في البحر لما طلب الخضر. # قلت: لعله قوي عنده أحد الاحتمالين في قوله: "فكان يتبع أثر الحوت في ~~البحر"، فالظرف يحتمل أن يكون لموسى ويحتمل أن يكون للحوت، ويؤيد الأول ما ~~جاء عن [أبي] (¬1) العالية وغيره، فروى عبد بن حميد، عن أبي العالية "أن ~~موسى التقى بالخضر في جزيرة من جزائر البحر". انتهى # والتوصل إلى جزيرة في البحر لا يقع إلا بسلوك البحر غالبا، وعنده أيضا من ~~طريق الربيع بن ms290 أنس قال: "إنجاب الماء عن مسلك الحوت فصار طاقة مفتوحة، ~~فدخلها موسى على أثر الحوت حتى انتهى إلى الخضر"، فهذا يوضح أنه ركب البحر ~~إليه، وهذان الأثران الموقوفان رجالهما ثقات. # قوله: (الآية) هو بالنصب، بتقدير: "فذكر"، لا على المفعولية، وقد ذكر ~~الأصيلي في روايته باقي الآية، وهي قوله: {مما علمت رشدا (66)} [الكهف: 66]. # قوله: (حدثنا) وللأصيلي: "حدثني" بالإفراد. # قوله: (غرير) تقدم في المقدمة أنه بالغين المعجمة مصغرا، ومحمد وشيخه ~~وأبوه إبراهيم بن سعد زهريون، وكذا ابن شهاب شيخ صالح، وهو ابن كيسان. # قوله: (حدثه) للكشميهني: "حدث" بغير هاء، وهو محمول على السماع؛ لأن ~~صالحا [133 / ب] غير مدلس. PageV02P125 # قوله: (تمارى) أي: تجادل. # قوله: (والحر) هو بضم الحاء وتشديد الراء المهملتين، وهو صحابي ذكره ابن ~~السكن وغيره، وله ذكر عند المصنف أيضا في قصة له مع عمر قال فيها: "وكان ~~الحر من النفر الذين يدنيهم عمر" (¬1)، يعني: لفضلهم. # قوله: (قال ابن عباس: هو خضر) لم يذكر ما قال الحر بن قيس، ولا وقفت على ~~ذلك في شيء من طرق هذا الحديث. # وخضر: -بفتح أوله وكسر ثانيه- أو بكسر أوله وإسكان ثانيه، ثبتت بهما ~~الرواية، وبإثبات الألف واللام فيه وبحذفهما. # وهذا التماري الذي وقع بين ابن عباس والحر غير التماري الذي وقع بين سعيد ~~ابن جبير ونوف البكالي، فإن هذا في صاحب موسى هل هو الخضر أو غيره؟ وذلك ~~موسى هل هو موسى بن عمران الذي أنزلت عليه التوراة، أو موسى بن ميشا -بكسر ~~الميم وسكون التحتانية بعدها معجمة-؟ وسياق سعيد بن جبير للحديث عن ابن ~~عباس أتم من سياق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة هذا بشيء كثير، وسيأتي ذكر ~~ذلك مفصلا في كتاب التفسير (¬2) إن شاء الله. # ويقال: إن اسم الخضر بليا -بموحدة ولام ساكنة ثم تحتانية-، وسيأتي في ~~أحاديث الأنبياء النقل عن سبب تلقيبه بالخضر، ويأتي نقل الخلاف في نسبه وهل ~~هو رسول أو نبي فقط، أو ملك -بفتح اللام- أو ولي فقط؟ وهل هو باق أو مات؟ # قوله: (فدعاه) أي: ms291 ناداه وذكر ابن التين أن فيه حذفا، والتقدير: فقام ~~إليه فسأله؛ لأن المعروف عن ابن عباس التأدب مع من يأخذ عنه، وأخباره في ~~ذلك شهيرة. PageV02P126 # قوله: (إذ جاءه رجل) لم أقف على تسميته. # قوله: (بلى عبدنا) أي: هو أعلم، وللكشميهني: "بل" بإسكان اللام، ~~والتقدير: فأوحى الله إليه: "لا تطلق النفي، بل قل خضر"، وإنما قال: ~~"عبدنا" وإن كان السياق يقتضي أن يقول: "عبد الله"؛ لكونه أورده على طريق ~~الحكاية عن الله -سبحانه وتعالى-، والإضافة فيه للتعظيم. # قوله: (ما كنا نبغي) أي: نطلب؛ لأن فقد الحوت جعل آية، أي: علامة على ~~الموضع الذي فيه الخضر. # وفي الحديث جواز التجادل في العلم إذا كان بغير تعنت، والرجوع إلى أهل ~~العلم عند التنازع، والعمل بخبر الواحد الصدوق، وركوب البحر في طلب العلم، ~~بل في طلب الاستكثار منه، ومشروعية حمل الزاد في السفر، ولزوم التواضع في ~~كل حال، ولهذا حرص موسى على الالتقاء بالخضر -عليهما السلام- وطلب التعلم ~~منه تعليما لقومه أن يتأدبوا بأدبه، وتنبيها لمن زكى نفسه أن يسلك مسلك ~~التواضع. PageV02P127 ### || AUTO 17 - باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم علمه الكتاب" # 75 - حدثنا أبو معمر، قال: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا خالد، عن عكرمة، ~~عن ابن عباس، قال: ضمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "اللهم ~~علمه الكتاب". # قوله: (باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: اللهم علمه الكتاب) استعمل ~~لفظ الحديث ترجمة؛ تمسكا بأن ذلك لا يختص جوازه بابن عباس. # قوله: (حدثنا أبو معمر) هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المعروف ~~بالمقعد البصري. # قوله: (حدثنا خالد) هو ابن مهران الحذاء. # قوله: (ضمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) زاد المصنف في فضل ابن ~~عباس: "إذ ذاك غلاما مميزا" (¬1). فيستفاد منه جواز احتضان الصبي القريب ~~على سبيل الشفقة. # قوله: (علمه الكتاب) بين المصنف في كتاب الطهارة من طريق عبد الله بن أبي ~~يزيد، عن ابن عباس سبب هنا الدعاء، ولفظه: "دخل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- الخلاء فوضعت له ms292 وضوءا" (¬2)، زاد مسلم: "فلما خرج"، ثم اتفقا: "قال: من ~~وضع هذا؟ فأخبر"، ولمسلم: "قالوا: ابن عباس" (¬3). # ولأحمد، وابن حبان (¬4) من طريق سعيد بن جبير عنه أن ميمونة هي التي ~~أخبرته بذلك، وأن ذلك كان في بيتها ليلا، ولعل ذلك كان في الليلة التي بات ~~ابن عباس فيها عندها ليرى صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما ~~سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. PageV02P128 # والمراد بالكتاب: القرآن؛ لأن العرف الشرعي عليه، والمراد بالتعليم: ما ~~هو أعم من حفظه وتفهمه. # ووقع في رواية مسدد: "الحكمة" (¬1) بدل: "الكتاب"، وذكر الإسماعيلي أن ~~ذلك هو الثابت في الطرق كلها عن خالد الحذاء. # كذا قال، وفيه نظر؛ لأن المصنف أخرجه أيضا من حديث وهيب عن خالد بلفظ: ~~"الكتاب" (¬2) أيضا، فيحمل على أن المراد بالحكمة أيضا: القرآن، فيكون ~~بعضهم رواه بالمعنى. # وللنسائي، والترمذي من طريق عطاء، عن ابن عباس قال: "دعا لي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن أوتى الحكمة مرتين" (¬3)، فيحتمل تعدد الواقعة. # فيكون المراد بالكتاب: القرآن، وبالحكمة: السنة، ويؤيده: أن في رواية ~~عبيد الله بن أبي يزيد التي قدمناها عند الشيخين: "اللهم فقهه في الدين"، ~~لكن لم يقع عند مسلم: "في الدين وعلمه التأويل"، قال الحميدي: هذه الزيادة ~~[ليست] (¬4) في الصحيحين. # قلت: وهو كما قال. نعم؛ هي في رواية سعيد بن جبير التي قدمناها عند أحمد ~~وابن حبان، ورواها ابن سعد من وجه آخر عن عكرمة مرسلا (¬5). PageV02P129 # ووقع في بعض نسخ ابن ماجه من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء في ~~حديث الباب بلفظ: "اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب" (¬1)، وهذه الزيادة ~~مستغربة من هذا الوجه، فقد رواه الترمذي، والإسماعيلي وغيرهما من طريق عبد ~~الوهاب بدونها (¬2). # وقد وجدتها عند ابن سعد من وجه آخر عن طاوس، عن ابن عباس قال: "دعاني ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمسح على ناصيتي، وقال: اللهم علمه ~~الحكمة وتأويل الكتاب" (¬3). # وقد رواه أحمد، عن هشيم، عن خالد في حديث الباب بلفظ: "مسح على رأسي" (¬4). # وهذه الدعوة مما ms293 تحقق إجابة النبي - صلى الله عليه وسلم - لما علم من حال ~~ابن عباس في معرفة التفسير والفقه في الدين -رضي الله تعالى عنه-. PageV02P130 ### || AUTO 18 - باب: متى يصح سماع الصغير # 76 - حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد ~~الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس، قال: أقبلت راكبا على حمار ~~أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت ~~في الصف، فلم ينكر ذلك علي. # قوله: (باب متى يصح سماع الصغير) زاد الكشميهني: "الصبي الصغير"، ومقصود ~~الباب: الاستدلال على أن البلوغ ليس شرطا في التحمل، وقال الكرماني: إن ~~معنى الصحة هنا: جواز قبول مسموعه. # قلت: وهذا تفسير لثمرة الصحة لا لنفس الصحة. # وأشار المصنف بهذا إلى اختلاف وقع بين أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين رواه ~~الخطيب في "الكفاية" عن عبد الله بن أحمد وغيره، أن يحيى قال: "أقل سن ~~التحمل خمس عشرة سنة؛ لكون ابن عمر رد يوم أحد إذ لم يبلغها، فبلغ ذلك أحمد ~~فقال: بل إذا عقل ما يسمع؛ وإنما قصة ابن عمر في القتال" (¬1)، ثم أورد ~~الخطيب أشياء مما حفظها جمع من الصحابة ومن بعدهم في الصغر وحدثوا بها بعد ~~ذلك وقبلت عنهم وهذا هو المعتمد. # وما قاله ابن معين إن أراد به تحديد ابتداء الطلب بنفسه فموجه، وإن أراد ~~به رد حديث من سمع اتفاقا أو اعتني به فسمع وهو صغير فلا، وقد نقل ابن عبد ~~البر الاتفاق على قبول هذا، وفيه دليل [135 / أ] على أن مراد ابن معين الأول. # قوله: (حدثنا إسماعيل) هو ابن أبي أويس، وقد ثبت ذلك في رواية كريمة. PageV02P131 # قوله (على حمار) هو اسم جنس، يشمل الذكر والأنثى، كما يطلق على بعير، وقد ~~شذ "حمارة" في الأنثى حكاه في الصحاح، و"أتان" بفتح الهمزة، وشذ كسرها كما ~~حكاه الصغاني هي: الأنثى من الحمير، وربما ms294 قالوا للأنثى: أتانة حكاه يونس ~~وأنكره غيره، فجاء في الرواية على اللغة الفصحاء. # وحمار أتان بالتنوين فيهما على النعت أو البدل، وروي بالإضافة. # وذكر ابن الأثير أن فائدة التنصيص على كونها أنثى للاستدلال بطريق الأولى ~~على أن الأنثى من بني آدم لا تقطع الصلاة لأنهن أشرف. وهو قياس صحيح من حيث ~~النظر؛ إلا أن الخبر الصحيح لا يدفع بمثله، كما سيأتي البحث فيه في الصلاة ~~إن شاء الله. # قوله: (ناهزت) أي: قاربت، والمراد بالاحتلام: البلوغ الشرعي. # قوله: (إلى غير جدار) أي: إلى غير سترة، قاله الشافعي، وسياق الكلام يدل ~~على ذلك؛ لأن ابن عباس أورده في معرض الاستدلال على أن المرور بين يدي ~~المصلي لا يقطع صلاته، ويؤيده رواية البزار بلفظ: "والنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يصلي المكتوبة ليس شيء يستره" (¬1). # قوله: (بين يدي بعض الصف) هو مجاز عن الأمام -بفتح الهمزة- لأن الصف ليس ~~له يد، وبعض الصف يحتمل أن يراد به صف من الصفوف أو بعض من أحد الصفوف، ~~قاله الكرماني. # قوله: (ترتع) بمثناتين مفتوحتين وضم العين، أي: تأكل ما تشاء، وقيل: تسرع ~~في المشي، وجاء أيضا بكسر العين بوزن تفتعل من الرعي، وأصله: ترتعي، لكن ~~حذفت الياء تخفيفا، والأول أصوب، ويدل عليه رواية المصنف في الحج: "نزلت ~~عنها فرتعت" (¬2). # قوله: (فلم ينكر ذلك علي) قيل: فيه جواز تقديم المصلحة الراجحة على ~~المفسدة PageV02P132 # الخفيفة؛ لأن المرور مفسدة خفيفة، والدخول في الصلاة مصلحة راجحة، واستدل ~~ابن عباس على الجواز بعدم الإنكار لانتفاء الموانع إذ ذاك، ولا يقال: منع ~~من الإنكار اشتغالهم بالصلاة؛ لأنه نفى الإنكار مطلقا، فتناول ما بعد ~~الصلاة، وأيضا [135 / ب] فكان الإنكار يمكن بالإشارة. # وفيه ما ترجم له أن التحمل لا يشترط فيه كمال الأهلية، وإنما يشترط عند ~~الأداء، ويلتحق بالصبي في ذلك العبد والفاسق والكافر، وقامت حكاية ابن عباس ~~لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقريره مقام حكاية قوله؛ إذ لا فرق بين ~~الأمور الثلاثة في شرائط الأداء. # فإن قيل: التقييد بالصبا والصغر في الترجمة لا ms295 يطابق حديث ابن عباس. # أجاب الكرماني: بأن المراد بالصغير غير البالغ، وذكر الصبا معه من باب ~~التغليب، والله أعلم. وسيأتي باقي مباحث هذا الحديث في كتاب الصلاة إن شاء ~~الله تعالى. PageV02P133 # 77 - حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا أبو مسهر، قال: حدثني محمد بن حرب، ~~حدثني الزبيدي، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، قال: عقلت من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو. # قوله: (حدثنا محمد بن يوسف) هو البيكندي كما جزم به البيهقي وغيره، وأما ~~الفريابي فليست له رواية عن أبي مسهر، وكان أبو مسهر شيخ الشاميين في ~~زمانه، وقد لقيه البخاري وسمع منه شيئا يسيرا وحدث عنه هنا بواسطة. # وذكر ابن المرابط فيما نقل ابن رشيد عنه أن أبا مسهر تفرد برواية هذا ~~الحديث. # وليس كما قال ابن المرابط، فإن النسائي رواه في السنن الكبرى (¬1) عن ~~محمد بن المصفى، عن محمد بن حرب، وأخرجه البيهقي في المدخل من رواية ابن ~~جوصاء -وهو بفتح الجيم والصاد المهملة- عن سلمة بن الخليل، وأبى التقي (¬2) ~~-وهو بفتح المثناة وكسر القاف- كلاهما عن محمد بن حرب، فهؤلاء ثلاثة غير ~~أبي مسهر رووه عن محمد بن حرب فكأنه المتفرد به عن الزبيدي. # وهذا الإسناد إلى الزهري شاميون، وقد دخلها هو وشيخه محمود بن الربيع بن ~~سراقة بن عمرو الأنصاري الخزرجي، وحديثه هذا طرف من حديثه عن عتبان بن مالك ~~الآتي في الصلاة (¬3) من رواية صالح بن كيسان وغيره عن الزهري، وفي الرقاق ~~(¬4) من طريق معمر، عن الزهري: أخبرني محمود. PageV02P134 # قوله: (عقلت) هو بفتح القاف، أي: حفظت. # قوله: (مجة) بفتح الميم وتشديد الجيم، والمج: هو إرسال الماء من الفم، ~~وقيل: لايسمى مجا إلا إن كان على بعد. # وفعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - مع محمود إما مداعبة معه أو ليبارك ~~عليه بها كما كان ذلك من شأنه مع أولاد الصحابة. # قوله: (وأنا ابن خمس سنين) لم أر التقييد بالسن عند تحمله في شيء من طرقه ~~لا في الصحيحين ms296 ولا في غيرهما من الجوامع والمسانيد إلا في طريق الزبيدي ~~[136 / أ] [هذه، و] (¬1) الزبيدي من كبار الحفاظ المتقنين عن الزهري، حتى ~~قال الوليد بن مسلم: كان الأوزاعي يفضله على جميع من سمع من الزهري، وقال ~~أبو داود: ليس في حديثه خطأ. # ووقع عند الطبراني والخطيب في "الكفاية" من طريق عبد الرحمن بن نمر -وهو ~~بفتح النون وكسر الميم- عن الزهري قال: "حدثني محمود بن الربيع وتوفي النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وهو ابن خمس سنين" (¬2). فأفادت هذه الرواية أن ~~الواقعة التي ضبطها كانت في آخر سنة من حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وقد ذكر ابن حبان (¬3) وغيره أنه مات سنة تسع وتسعين وهو ابن أربع وتسعين ~~سنة، وهو مطابق لهذه الرواية. # وذكر القاضي عياض في "الإلماع" وغيره أن في بعض الروايات أنه كان ابن ~~أربع، ولم أقف على هذا صريحا في شيء من الروايات بعد التتبع التام إلا إن ~~كان ذلك مأخوذا من قول صاحب الاستيعاب (¬4) أنه عقل المجة وهو ابن أربع ~~سنين أو خمس، وكأن الحامل له على هذا التردد قول الواقدي: إنه كان ابن ثلاث ~~وتسعين لما مات، والأول أولى بالاعتماد لصحة إسناده، على أن قول الواقدي ~~يمكن حمله -إن صح- على أنه ألغى الكسر وجبره غيره، والله أعلم. PageV02P135 # وإذا تحرر هذا فقد اعترض المهلب على البخاري لكونه لم يذكر هنا حديث ابن ~~الزبير في رؤيته والده يوم بني قريظة (¬1) ومراجعته له في ذلك، ففيه السماع ~~منه وكان سنه إذ ذاك ثلاث سنين أو أربع، فهو أصغر من محمود، وليس في قصة ~~محمود ضبطه لسماع شيء، فكان ذكر حديث ابن الزبير أولى لهذين المعنيين. # وأجاب ابن المنير: بأن البخاري إنما أراد نقل السنن النبوية لا الأحوال ~~الوجودية، ومحمود نقل سنة مقصودة كون النبي - صلى الله عليه وسلم - مج مجة ~~في وجهه، بل في مجرد رؤيته إياه فائدة شرعية يثبت بها كونه صحابيا، وأما ~~قصة ابن الزبير فليس فيها نقل سنة من السنن النبوية حتى تدخل في هذا الباب، ms297 ~~ثم أنشد: # * وصاحب البيت أدرى بالذي هو فيه * # . . . انتهى. # وهو جواب مسدد، وتكملته ما قدمناه قبل: أن المقصود بلفظ السماع في ~~الترجمة هو أو ما يتنزل منزلته [136 / ب] من نقل الفعل أو التقدير. # وغفل البدر الزركشي فقال: يحتاج المهلب إلى ثبوت أن قصة ابن الزبير صحيحة ~~على شرط البخاري، انتهى (¬2). # والبخاري قد أخرج قصة ابن الزبير المذكورة في مناقب الزبير في الصحيح، ~~فالإيراد موجه، وقد حصل جوابه. # قوله: (من دلو) زاد النسائي: "معلق" (¬3)، ولابن حبان: "معلقة" (¬4)، ~~والدلو يذكر PageV02P136 # ويؤنث، وللمصنف في الرقاق من رواية معمر: "من دلو كانت في دارهم" (¬1)، ~~وله في الطهارة والصلاة وغيرهما: "من بئر" (¬2)، بدل: "دلو"، ويجمع بينهما ~~بأن الماء أخذ بالدلو من البئر وتناوله النبي - صلى الله عليه وسلم - من الدلو. # وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم: جواز إحضار الصبيان مجالس ~~الحديث، وزيارة الإمام أصحابه في دورهم ومداعبته صبيانهم، واستدل به بعضهم ~~على تسميع من يكون ابن خمس ومن كان دونها يكتب له "حضر"، وليس في الحديث ~~ولا في تبويب البخاري ما يدل عليه، بل الذي ينبغي في ذلك اعتبار الفهم، فمن ~~فهم الخطاب سمع وإن كان دون ابن خمس وإلا فلا، وقال ابن رشيد: الظاهر أنهم ~~أرادوا بتحديد الخمس أنها مظنة لذلك لا أن بلوغها شرط لابد من تحققه، والله ~~أعلم. PageV02P137 ### || AUTO 19 - باب: الخروج في طلب العلم، ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد # 78 - حدثنا أبو القاسم خالد بن خلي قال: حدثنا محمد بن حرب، قال: قال ~~الأوزاعي: أخبرنا الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ~~ابن عباس، أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى، فمر ~~بهما أبي بن كعب، فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب ~~موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه، هل سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يذكر شأنه؟ فقال أبي: نعم، سمعت النبي ms298 - صلى الله عليه وسلم - يذكر شأنه ~~يقول: "بينما موسى في ملإ من بني إسرائيل، إذ جاءه رجل فقال: أتعلم أحدا ~~أعلم منك؟ قال موسى: "لا". فأوحى الله -عز وجل- إلى موسى: بلى، عبدنا خضر، ~~فسأل السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت ~~فارجع، فإنك ستلقاه، فكان موسى - صلى الله عليه وسلم - يتبع أثر الحوت في ~~البحر. فقال فتى موسى لموسى: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت، ~~وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره. قال موسى: ذلك ما كنا نبغي. فارتدا على ~~آثارهما قصصا، فوجدا خضرا، فكان من شأنهما ما قص الله في كتابه". # قوله: (باب الخروج) أي: السفر في طلب العلم. # قوله: (ورحل جابر بن عبد الله) هو الأنصاري الصحابي المشهور، وعبد الله ~~بن أنيس [بضم] (¬1) الهمزة مصغرا هو الجهيني حليف الأنصار. # قوله: (في حديث واحد) هو حديث أخرجه المصنف في الأدب المفرد (¬2)، PageV02P138 # وأحمد، وأبو يعلى في مسنديهما (¬1) من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، ~~أنه سمع جابر ابن عبد الله يقول: "بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فاشتريت بعيرا، ثم شددت رحلي فسرت إليه شهرا حتى قدمت ~~الشام، فإذا عبد الله بن أنيس فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فقال: ~~ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج فاعتنقني، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فخشيت أن أموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "يحشر الله الناس يوم القيامة ~~عراة. . . .". فذكر الحديث. # وله طريق أخرى أخرجها الطبراني [137 / أ] في مسند الشاميين، وتمام في ~~فوائده (¬2) من طريق الحجاج بن دينار، عن محمد [بن] (¬3) المنكدر، عن جابر ~~قال: "كان يبلغني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث في القصاص، وكان ~~صاحب الحديث بمصر، فاشتريت بعيرا، فسرت حتى دخلت مصر، فقصدت إلى باب الرجل. ~~. . فذكر نحوه، وإسناده صالح. # وله طريق ثالثة أخرجها الخطيب (¬4) من طريق أبي ms299 الجارود العنسي -وهو ~~بالنون الساكنة- عن جابر قال: "بلغني حديث في القصاص. ." فذكر الحديث نحوه، ~~وفي إسناده ضعف. # وادعى بعض المتأخرين أن هذا ينقض قاعدة مشهورة: أن البخاري حيث يعلق ~~بصيغة الجزم يكون صحيحا، وحيث يعلق بصيغة التمريض يكون فيه علة؛ لأنه علقه ~~بالجزم هنا ثم أخرج طرفا من متنه في كتاب التوحيد (¬5) بصيغة التمريض، ~~فقال: "ويذكر عن جابر، عن عبد الله بن أنيس قال: سمعت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "يحشر الله العباد فيناديهم بصوت. ." الحديث. PageV02P139 # وهذه الدعوى مردودة، والقاعدة -بحمد الله- غير منتقضة، ونظر البخاري أدق ~~من [أن] (¬1) يعترض عليه بمثل هذا، فإنه حيث ذكر الارتحال فقط جزم به؛ لأن ~~الإسناد حسن وقد اعتضد، وحيث ذكر طرفا من المتن لم يجزم به؛ لأن لفظ الصوت ~~مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى الرب، ويحتاج إلى تأويل، فلا يكفي فيه مجيء ~~الحديث من طريق مختلف فيها ولو اعتضدت، ومن هنا يظهر شفوف علمه، ودقة نظره، ~~وحسن تصرفه -رحمه الله تعالى- (¬2). PageV02P140 # ووهم ابن بطال فزعم أن الحديث الذي رحل فيه جابر إلى عبد الله بن أنيس هو PageV02P141 # حديث الستر على المسلم، وهو انتقال من حديث إلى حديث (¬1)، فإن الراحل في ~~حديث الستر هو أبو أيوب الأنصاري رحل فيه إلى عقبة بن عامر الجهني (¬2). # وقد وقع ذلك لغير هؤلاء، فروى أبو داود من طريق عبد الله بن بريدة أن ~~رجلا من الصحابة رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر في حديث (¬3)، وروى الخطيب ~~عن عبيد الله بن عدي قال: "بلغني حديث عند علي خفت إن مات ألا أجده عند ~~غيره، فرحلت حتى قدمت عليه العراق" (¬4)، وتتبع ذلك يكثر. # وفيه دليل على طلب علو الإسناد، وفيه ما كان عليه الصحابة من الحرص على ~~تحصيل السنن. # قوله: (حدثنا خالد بن خلي) هو بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام الخفيفة ~~بعدها ياء تحتانية مشددة كما تقدم في المقدمة، وإنما أعدته لأنه وقع عند ~~الزركشي مضبوطا بلام مشددة وهو سبق قلم أو خطأ من الناسخ (¬5). # قوله: (قال الأوزاعي) في ms300 رواية الأصيلي: "حدثنا الأوزاعي". # قوله: (أنه تمارى هو والحر) سقطت "هو" من رواية ابن عساكر، فعطف على ~~المرفوع المتصل بجر تأكيد ولا فصل، وهو جائز عند البعض، وقد تقدمت مباحث ~~هذا الحديث قبل ببابين، وليس بين الروايتين اختلاف إلا فيما لا يغير المعنى ~~وهو قليل. PageV02P142 ### || AUTO 20 - باب: فضل من علم وعلم # 79 - حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا حماد بن أسامة، عن بريد بن عبد ~~الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان ~~منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها إخاذات ~~أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة ~~أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين ~~الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم ~~يقبل هدى الله الذي أرسلت به". # قال أبو عبد الله: قال إسحاق: وكان منها طائفة قيلت الماء. قاع يعلوه ~~الماء، والصفصف المستوي من الأرض. # قوله: (باب فضل من علم وعلم) الأولى بكسر اللام الخفيفة، أي: صار عالما، ~~والثانية: بفتحها وتشديدها. # قوله: (حدثنا محمد بن العلاء) هو أبو كريب، مشهور بكنيته أكثر من اسمه، ~~وكذا شيخه أبو أسامة. # و"بريد" بضم الموحدة. # و"أبو بردة" جده: وهو ابن أبي موسى الأشعري. # وقال في السياق: "عن أبي موسى"، ولم يقل: "عن أبيه" تفننا، والإسناد كله ~~كوفيون. # قوله: (مثل) بفتح المثلثة، والمراد به: الصفة العجيبة لا القول السائر. # قوله: (الهدى) أي: الدلالة الموصلة إلى المطلوب، والعلم المراد به معرفة ~~الأدلة الشرعية. PageV02P143 # قوله: (نقية) كذا عند البخاري في جميع الروايات التي رأيناها بالنون من ~~النقاء، وهي صفة لمحذوف، ولكن وقع عند الخطابي والحميدي، وفي حاشية أصل أبي ~~ذر "ثغبة" بمثلثة مفتوحة وغين معجمة مكسورة بعدها موحدة خفيفة مفتوحة، قال ~~الخطابي: هي مستنقع الماء في الجبال والصخور. # قال القاضي ms301 عياض: هذا غلط في الرواية وإحالة للمعنى؛ لأن هذا وصف الطائفة ~~الأولى [التي] (¬1) تنبت، وما ذكره يصلح وصفا للثانية التي تمسك الماء، ~~قال: وما ضبطناه في البخاري من جميع الطرق إلا: "نقية" بفتح النون وكسر ~~القاف وتشديد الياء التحتانية، وهو مثل قوله في مسلم: "طائفة طيبة" (¬2). # قلت: وهو في جميع ما وقفت عليه من المسانيد والمستخرجات كما عند مسلم. # قوله: (قبلت) بفتح القاف وكسر الموحدة من القبول، كذا في معظم الروايات، ~~ووقع عند الأصيلي: "قيلت" بالتحتانية المشددة [138 / أ] وهو تصحيف كما ~~سنذكره بعد. # قوله: (الكلأ) بالهمز بلا مد. # قوله: (والعشب) هو من ذكر الخاص بعد العام؛ لأن الكلأ يطلق على النبت ~~الرطب واليابس معا، والعشب للرطب فقط. # قوله: (إخاذات) كذا في رواية أبي ذر -بكسر الهمزة والخاء والذال ~~المعجمتين، وآخره مثناة من فوق قبلها ألف-، جمع إخاذة: وهي الأرض التي تمسك الماء. # وفي رواية غير أبي ذر وكذا في مسلم وغيره: "أجادب" بالجيم والدال المهملة ~~بعدها موحدة، جمع جدب بفتح الدال المهملة على غير قياس: وهي الأرض الصلبة ~~التي لا ينضب منها الماء. PageV02P144 # وضبطه المازري بالذال المعجمة ووهمه القاضي. # ورواها الإسماعيلي عن أبي يعلى، عن أبي كريب: "أحارب" بحاء وراء مهملتين، ~~قال الإسماعيلي: لم يضبطه أبو يعلى، وقال الخطابي: ليست هذه الرواية بشيء. # قال بعضهم: "أجارد" بجيم وراء ثم دال مهملة، جمع جرداء: وهي البارزة التي ~~لا تنبت، قال الخطابي: هو صحيح المعنى إن ساعدته الرواية. وأغرب صاحب ~~المطالع فجعل الجميع روايات، وليس في الصحيحين إلا روايتين فقط. # قوله: (فنفع الله بها) أي: بالإخاذات، وللأصيلي: "به"، أي: بالماء. # قوله: (وزرعوا) كذا له بزيادة زاي من الزرع، ووافقه أبو يعلى (¬1)، ~~ويعقوب بن الأخرم وغيرهما (¬2)، عن أبي كريب، ولمسلم والنسائي (¬3) وغيرهما ~~عن أبي كريب: "ورعوا" بغير زاي من الرعي. # قال النووي: كلاهما صحيح، ورجح القاضي رواية مسلم بلا مرجح؛ لأن رواية: ~~"زرعوا" تدل على مباشرة الزرع ليطابق في التمثيل مباشرة طلب العلم، وإن ~~كانت رواية: "رعوا" مطابقة لقوله: "أنبتت"، لكن المراد ms302 أنها قابلة للإنبات. # وقيل: إنه روي "ووعوا" بواوين، ولا أصل لذلك. # وقال القاضي: قوله: "ورعوا" راجع للأولى؛ لأن الثانية لم يحصل منها نبات، انتهى. # ويمكن أن يرجع إلى الثانية أيضا بمعنى أن الماء الذي استقر بها سقيت منه ~~أرض أخرى فأنبتت. # قوله: (وأصاب) أي: الماء، وللأصيلي وكريمة: "أصابت"، أي: طائفة أخرى، ~~ووقع كذلك صريحا عند النسائي، والمراد بالطائفة: القطعة. PageV02P145 # قوله: (قيعان) [138 / ب] بكسر القاف، جمع قاع، وهو: الأرض المستوية ~~الملساء التي لا تنبت. # قوله: (فقه) بضم القاف، أي: صار فقيها، وقال ابن التين: رويناه بكسرها، ~~والضم أشبه. # قال القرطبي وغيره: ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - لما جاء به من ~~الدين مثلا بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال ~~الناس قبل مبعثه، فكما أن الغيث يحيي البلد الميت فكذا علوم الدين تحيي ~~القلب الميت، ثم شبه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث. # فمنهم: العالم العامل المعلم، فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في ~~نفسها وأنبتت فنفعت غيرها. # ومنهم: الجامع للعلم استغرق لزمانه فيه غير أنه لم يعمل بنوافله، أو لم ~~يتفقه فيما جمع لكنه أداه لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء ~~فينتفع الناس به، وهو المشار إليه بقوله: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فأداها ~~كما سمعها" (¬1). # ومنهم: من يسمع العلم فلا يحفظه ولا يعمل به ولا ينقله لغيره، فهو بمنزلة ~~الأرض الملساء التي لا تقبل الماء وتفسده على غيرها. # وإنما جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين لاشتراكهما في ~~الانتفاع بهما، وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بها، والله أعلم. # * ثم ظهر لي أن في كل مثل طائفتين: # فالأول: قد أوضحناه. # والثاني: الأولى منه: من دخل في الدين ولم يسمع العلم، أو سمعه فلم يعمل ~~به ولم يعلمه، ومثلها من الأرض السباخ، وأشير إليها بقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من لم يرفع بذلك رأسا"، أي: أعرض عنه، فلم ينتفع به ولا نفع. PageV02P146 # والثانية منه: من لم يدخل في الدين أصلا، ms303 بل بلغه فكفر به، ومثالها من ~~الأرض الصماء الملساء المستوية التي يمر عليها الماء فلا تنتفع به، وأشير ~~[إليها] (¬1) بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولم يقبل هدى الله الذي جئت به". # وقال الطيبي: بقي من أقسام الناس قسمان: # أحدهما: الذي انتفع بالعلم في نفسه ولم يعلمه غيره. # والثاني: من لم ينتفع به في نفسه وعلمه غيره. # قلت: والأول داخل في الأول؛ لأن النفع حصل في الجملة وإن تفاوتت مراتبه، ~~وكذلك ما تنبته الأرض، فمنه: ما [139 / أ] ينتفع الناس به، ومنه ما يصير هشيما. # وأما الثاني: فإن كان عمل الفرائض وأهمل النوافل فقد دخل في الثاني كما ~~قررناه، وإن كان ترك الفرائض أيضا فهذا فاسق لا يجوز الأخذ عنه، ولعله يدخل ~~في عموم: "من لم يرفع بذلك رأسا"، والله أعلم. # قوله: (وقال إسحاق: وكان منها طائفة قيلت) أي: بتشديد الياء التحتانية، ~~أي: أن إسحاق -وهو ابن راهويه- حيث روى هذا الحديث عن أبي أسامة خالف في ~~هذا الحرف. # قال الأصيلي: هو تصحيف من إسحاق، وقال غيره: بل هو صواب ومعناه: شربت، ~~والقيل: شرب نصف النهار، يقال: قيلت الإبل، أي: شربت في القائلة. # وتعقبه القرطبي بأن المقصود لا يختص بشرب القائلة، وأجيب بأن يكون هذا ~~أصله لا يمنع استعماله على الإطلاق تجوزا. # وقال ابن دريد: يقيل الماء في المكان المنخفض إذا اجتمع فيه. # وتعقبه القرطبي أيضا بأنه يفسد التمثيل؛ لأن اجتماع الماء إنما هو مثال ~~الطائفة الثانية، والكلام هنا إنما هو في الأولى التي شربت وأنبتت، قال: ~~والأظهر أنه تصحيف. PageV02P147 # قوله: (قاع يعلوه الماء والصفصف المستوي من الأرض) هذا ثابت عند ~~المستملي، وأراد به: أن قيعان المذكورة في الحديث جمع قاع، وأنه الأرض التي ~~يعلوها الماء ولا يستقر فيها، وإنما ذكر الصفصف معه جريا على عادته في ~~الاعتناء بتفسير ما يقع في الحديث من الألفاظ الواقعة في القرآن وقد ~~يستطرد، ووقع في بعض النسخ: "المصطف" بدل: "الصفصف"، وهو تصحيف. PageV02P148 ### || AUTO 21 - باب: رفع العلم وظهور الجهل، وقال ربيعة: لا ينبغي لأحد عنده ms304 شيء من العلم أن يضيع نفسه # 80 - حدثنا عمران بن ميسرة، قال: حدثنا عبد الوارث، عن أبي التياح، عن ~~أنس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن من أشراط الساعة أن ~~يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا". # قوله: (باب رفع العلم) مقصود الباب: الحث على تعلم العلم، فإنه لا يرفع ~~إلا بقبض العلماء كما سيأتي صريحا، ومادام من يتعلم العلم موجودا لا يحصل ~~الرفع، وقد تبين في حديث الباب أن رفعه من علامات الساعة. # قوله: (وقال ربيعة) هو ابن أبي عبد الرحمن الفقيه المدني المعروف بربيعة ~~الرأي بإسكان الهمزة، قيل له ذلك لكثرة اشتغاله بالإجتهاد، ومراد ربيعة: أن ~~من كان فيه فهم وقابلية للعلم لا ينبغي له أن يهمل نفسه فيترك الاشتغال ~~لئلا يؤدي ذلك إلى رفع العلم، أو مراده: الحث على نشر العلم في أهله [139 / ~~ب] لئلا يموت العالم قبل ذلك فيؤدي إلى رفع العلم، أو مراده: أن يشهر ~~العالم نفسه ويتصدى للأخذ عنه لئلا يضيع علمه. # وقيل: مراده تعظيم العلم وتوقيره، فلا يهين نفسه بأن يجعله غرضا للدنيا. # وهذا معنى حسن، لكن اللائق بتبويب المصنف ما تقدم. # وقد وصل أثر ربيعة المذكور الخطيب في الجامع (¬1)، والبيهقي في المدخل من ~~طريق عبد العزيز الأويسي عن مالك عن ربيعة. # قوله: (عبد الوارث) هو ابن سعيد، عن أبي التياح بمثناة مفتوحة فوقانية ~~بعدها تحتانية ثقيلة وآخره حاء مهملة كما تقدم. PageV02P149 # قوله: (عن أنس) زاد الأصيلي وأبو ذر: "ابن مالك"، وللنسائي: "حدثنا أنس" ~~(¬1)، ورجال هذا الإسناد كلهم بصريون، وكذا الذي بعده. # قوله: (أشراط الساعة) أي: علاماتها كما تقدم في الإيمان. # قوله: (أن يرفع العلم) هو في محل نصب؛ لأنه اسم أن، وسقطت "أن" من رواية ~~النسائي (¬2)، حيث أخرجه عن عمران شيخ البخاري، فعلى روايته يكون مرفوع ~~المحل، والمراد برفعه: موت حملته كما تقدم. # قوله: (ويثبت) هو بفتح أوله وسكون المثلثة وضم الموحدة وفتح المثناة، وفي ~~رواية لمسلم: "ويبث" (¬3) بضم أوله وفتح الموحدة بعدها مثلثة، أي: ينتشر، ~~وغفل ms305 الكرماني فعزاها للبخاري، وإنما حكاها النووي في الشرح لمسلم. # قال الكرماني في رواية: "وينبت" بالنون بدل المثلثة من النبات. # قلت: وليست هذه في شيء من الصحيحين (¬4). # قوله: (وتشرب الخمر) هو بضم المثناة أوله وفتح الموحدة على العطف، ~~والمراد: كثرة ذلك واشتهاره، وعند المصنف في النكاح من طريق هشام، عن ~~قتادة: "ويكثر شرب الخمر" (¬5)، أو العلامة مجموع ما ذكر. # قوله: (ويظهر الزنا) أي: يفشو، كما في رواية لمسلم. PageV02P150 # 81 - حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: ~~لأحدثنكم حديثا لا يحدثكم أحد بعدي، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "من أشراط الساعة أن يقل العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثر ~~النساء ويقل الرجال، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد". # قوله: (حدثنا يحيى) هو ابن سعيد القطان. # قوله: (عن أنس) زاد الأصيلي: "ابن مالك". # قوله: (لأحدثنكم) بفتح اللام، وهو جواب قسم لمحذوف؛ أي: والله لأحدثنكم، ~~وصرح به أبو عوانة من طريق هشام عن قتادة، ولمسلم من رواية غندر عن شعبة: ~~"ألا أحدثكم"، ويحتمل أن يكون قال لهم أولا: ألا أحدثكم [140 / أ] فقالوا: ~~نعم، فقال: لأحدثنكم. # قوله: (لا يحدثكم أحد بعدي) كذا له، ولمسلم (¬1) بحذف المفعول، ولابن ~~ماجه (¬2) من رواية غندر عن شعبة: "لا يحدثكم به أحد بعدي"، وللمصنف (¬3) ~~من طريق هشام: "لا يحدثكم به غيري"، ولأبي عوانة من هذا الوجه: "لا يحدثكم ~~أحد سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدي". # وعرف أنس أنه لم يبق أحد سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غيره؛ ~~ولأنه كان آخر من مات بالبصرة من الصحابة، فلعل الخطاب بذلك كان لأهل ~~البصرة، أو كان عاما، وكان تحديثه بذلك في آخر عمره؛ لأنه لم يبق بعده من ~~الصحابة من ثبت سماعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا النادر ممن لم ~~يكن هذا المتن في مرويه. PageV02P151 # وقال ابن بطال: يحتمل أنه قال ذلك لما رأى من التغير ونقص العلم، يعني: ~~فاقتضى ذلك عنده لفساد الحال لا يحدثهم ms306 أحد بالحق، قلت: والأول أولى. # قوله: (سمعت) هو بيان، أو بدل لقوله: "لأحدثنكم". # قوله: (أن يقل العلم) هو بكسر القاف من القلة، وفي رواية مسلم (¬1)، عن ~~غندر وغيره عن شعبة: "أن يرفع العلم"، وكذا في رواية سعيد عند ابن أبي شيبة ~~(¬2)، وهمام عند المصنف في الحدود (¬3)، وهشام عنده في النكاح (¬4)، كلهم ~~عن قتادة، وهو موافق لرواية أبي التياح. # وللمصنف أيضا في الأشربة (¬5) من طريق هشام: "أن يقل"، فيحتمل أن يكون ~~المراد بقلته أول العلامة، وبرفعه آخرها، أو أطلقت القلة وأريد بها العدم، ~~كما يطلق العدم ويراد به القلة، وهذا أليق لاتحاد المخرج. # قوله: (وتكثر النساء) قيل: سببه أن الفتن تكثر فيكثر القتل في الرجال؛ ~~لأنهم أهل الحرب دون النساء، وقال أبو عبد الملك: هو إشارة إلى كثرة الفتوح ~~فتكثر السبايا فيتخذ الرجل الواحد عدة موطوءات. # قلت: وفيه نظر؛ لأنه صرح بالعلة في حديث أبي موسى الآتي في الزكاة عند ~~المصنف فقال: "من قلة الرجال وكثرة النساء" (¬6). # والظاهر: أنها علامة محضة لا لسبب آخر، بل يقدر الله في آخر الزمان أن ~~يقل من PageV02P152 # يولد من الذكور ويكثر من يولد من الإناث، وكون كثرة النساء من العلامات ~~مناسب لظهور الجهل ورفع العلم. # وقوله: (لخمسين) يحتمل أن يراد به حقيقة هذا العدد، أو يكون مجازا عن ~~الكثرة، ويؤيده أن في حديث أبي موسى: "وترى الرجل الواحد تتبعه أربعون ~~امرأة" (¬1). # قوله: (القيم) أي: من يقوم بأمرهن، واللام للعهد إشعارا بما هو معهود من ~~كون الرجال قوامين على النساء. # وكأن هذه الأمور الخمسة خصت بالذكر لكونها مشعرة باختلال الأمور التي ~~يحصل بحفظها صلاح المعاش والمعاد: وهي: الدين؛ لأن رفع العلم يخل به، ~~والعقل؛ لأن شرب الخمر يخل به، والنسب؛ لأن الزنا يخل به، والنفس والمال؛ ~~لأن كثرة الفتن تخل بهما. # قال الكرماني: وإنما كان اختلال هذه الأمور مؤذنا بخراب العالم؛ لأن ~~الخلق لا يتركون هملا، ولا نبي بعد نبينا، فيتعين ذلك. # وقال القرطبي: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة؛ إذ أخبر عن أمور ستقع ms307 ~~فوقعت خصوصا في هذه الأزمان، والله المستعان. PageV02P153 ### || AUTO 22 - باب: فضل العلم # 82 - حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثنا الليث، قال: عن عقيل، عن ابن شهاب، ~~عن حمزة بن عبد الله بن عمر، أن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن، فشربت حتى إني لأرى الري ~~يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب". قالوا: فما أولته يا رسول ~~الله، قال: "العلم". # قوله: (باب فضل العلم) الفضل هنا بمعنى الزيادة، أي: ما فضل عنه، والفضل ~~الذي تقدم في أول كتاب العلم بمعنى الفضيلة، فلا تظن أنه كرره. # قوله: (حدثنا سعيد بن عفير) هو سعيد بن كثير بن عفير المصري، نسب إلى جده ~~كما تقدم، وعفير بضم المهملة بعدها فاء كما تقدم أيضا. # قوله: (حدثنا الليث) هو ابن سعد. # (عن عقيل) وللأصيلي وكريمة: "حدثني الليث حدثني عقيل". # قوله: (عن حمزة) وللمصنف في التعبير: "أخبرني حمزة" (¬1). # قوله: (بينا) أصله "بين" فأشبعت الفتحة. # قوله: (أتيت) بضم الهمزة. # قوله: (فشربت) أي من ذلك اللبن. # قوله: (لأرى) -بفتح الهمزة- من الرؤية أو من العلم، واللام جواب قسم محذوف. # و(الري) بكسر الراء في الرواية، وحكى الجوهري الفتح، وقال غيره: بالكسر ~~الفعل، وبالفتح المصدر. # قوله: (يخرج) أي: الري، وأطلق رؤيته إياه على سبيل الاستعارة. PageV02P154 # قوله: (في أظفاري) في رواية ابن عساكر: "من أظفاري" وهو أبلغ، وفي ~~التعبير: "من أطرافي" وهو بمعناه. # قوله: (قال: العلم) هو بالنصب وبالرفع معا في الرواية، وتوجيههما ظاهر. # وتفسير اللبن بالعلم لاشتراكهما في كثرة النفع بهما، وسيأتي بقية الكلام ~~عليه في مناقب عمر، وفي كتاب التعبير إن شاء الله تعالى. # قال ابن المنير: وجه الفضيلة للعلم في الحديث من جهة أنه عبر عن العلم ~~بأنه فضلة النبي - صلى الله عليه وسلم - ونصيب مما آتاه الله، وناهيك بذلك. ~~انتهى. وهذا قاله بناء على أن المراد بالفضل الفضيلة، وغفل عن النكتة ~~المتقدمة. PageV02P155 ### || AUTO 23 - باب: الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها # 83 - حدثنا إسماعيل، قال: ms308 حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن عيسى بن طلحة بن ~~عبيد الله، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل فقال: لم أشعر ~~فحلقت قبل أن أذبح. فقال: "اذبح ولا حرج". فجاء آخر فقال: لم أشعر، فنحرت ~~قبل أن أرمي. قال: "ارم ولا حرج". فما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج. # قوله: (باب الفتيا) هو بضم الفاء، وإن قلت: الفتوى؛ فتحتها. # قوله: (وهو) أي: المفتي، ومراده أن العالم يجيب سؤال الطالب ولو كان راكبا. # قوله: (على الدابة) المراد بها في اللغة: كل ما مشى على الأرض، وفي ~~العرف: ما يركب، وهو المراد بالترجمة، وبعض أهل العرف خصها بالحمار. # فإن قيل: ليس في سياق الحديث ذكر الركوب. # فالجواب: أنه أحال به على الطريق الأخرى التي أوردها في الحج، فقال: "كان ~~على ناقته" (¬1). # قوله: (حدثنا إسماعيل) هو ابن أبي أويس. # قوله: (حجة الوداع) هو بفتح الحاء، ويجوز كسرها. # قوله: (للناس يسألونه) هو إما حال من فاعل وقف، أو من الناس، أو استئناف ~~بيانا لسبب الوقوف. # قوله: (فجاءه رجل) لم أعرف اسم هذا السائل ولا الذي بعده في قوله: (فجاء ~~آخر)، والظاهر أن الصحابي لم يسم أحدا لكثرة من سأل إذ ذاك، وسيأتي بسط ذلك ~~في الحج. # قوله: (ولا حرج) أي: لا شيء عليك مطلقا من الإثم، لا في الترتيب ولا في ~~ترك PageV02P156 # الفدية، هذا ظاهره. # وقال بعض الفقهاء: المراد نفي الإثم فقط، وفيه نظر؛ لأن في بعض الروايات ~~الصحيحة: "ولم يأمر بكفارة"، وسيأتي مباحث ذلك في كتاب الحج إن شاء الله ~~تعالى، ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون. PageV02P157 ### || AUTO 24 - باب: من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس # 84 - حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثنا أيوب، عن ~~عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل في حجته فقال: ~~ذبحت قبل أن أرمي، فأومأ ms309 بيده فقال: ولا حرج. فقال: حلقت قبل أن أذبح. ~~فأومأ بيده: ولا حرج. # قوله: (باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس) الإشارة باليد مستفادة من ~~الحديثين المذكورين في الباب أولا، وهما مرفوعان. وبالرأس مستفادة من حديث ~~أسماء فقط، وهو من فعل عائشة فيكون موقوفا، لكن له حكم المرفوع؛ لأنها كانت ~~تصلي خلف النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان في الصلاة يرى من خلفه، فيدخل ~~في التقرير. # قوله: (وهيب) بالتصغير [141 / ب] هو ابن خالد. # و(أيوب) هو السختياني. # و(عكرمة) هو مولى ابن عباس، والإسناد كله بصريون. # قوله: (سئل) هو بضم أوله. # (فقال) أي: السائل. (ذبحت قبل أن أرمي)، أي: فهل علي شيء؟ # قوله: (فأومأ بيده فقال: لا حرج) أي: عليك. # وقوله: (فقال) يحتمل أن يكون بيانا لقوله: "أومأ"، ويكون من إطلاق القول ~~على الفعل، كما في الحديث الذي بعده: "فقال هكذا بيده"، ويحتمل أن يكون ~~حالا، والتقدير: فأومأ بيده قائلا: لا حرج، فجمع بين الإشارة والنطق، ~~والأول اللائق بترجمة المصنف. # قوله: (وقال حلقت) يحتمل أن السائل هو الأول، ويحتمل أن يكون غيره ويكون ~~التقدير: فقال سائل: كذا، وقال آخر: كذا، وهو الأظهر ليوافق الرواية التي ~~قبلها حيث PageV02P158 # قال: "فجاء آخر". # قوله: (فأومأ بيده ولا حرج) كذا ثبتت الواو في قوله: "ولا حرج"، وليست ~~عند أبي ذر في الجواب الأول. # قال الكرماني: لأن الأول كان في ابتداء الحكم، والثاني عطف على المذكور ~~أولا، انتهى. # وقد ثبتت الواو في الأول أيضا في رواية الأصيلي وغيره. PageV02P159 # 85 - حدثنا المكي بن إبراهيم، قال: أخبرنا حنظلة، عن سالم، قال: سمعت أبا ~~هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يقبض العلم، ويظهر الجهل ~~والفتن، ويكثر الهرج". قيل: يا رسول الله، وما الهرج؟ فقال هكذا بيده، ~~فحرفها، كأنه يريد القتل. # قوله: (حدثنا المكي) هو اسم وليس بنسب، وهو من كبار شيوخ البخاري كما ~~سنذكره في "باب: إثم من كذب" (¬1). # قوله: (أنا حنظلة) هو ابن أبي سفيان بن عبد الرحمن الجمحي المدني. # قوله: (عن سالم) هو ابن عبد ms310 الله بن عمر بن الخطاب، وفي رواية الإسماعيلي ~~من طريق إسحاق بن سليمان الرازي عن حنظلة قال: "سمعت سالما"، وزاد فيه: "لا ~~أدري كم رأيت أبا هريرة قائما في السوق يقول: يقبض العلم" (¬2). فذكره ~~موقوفا، لكن ظهر في آخره أنه مرفوع (¬3). # قوله: (يقبض العلم) يفسر المراد بقوله قبل هذا: "يرفع العلم" (¬4)، ~~والقبض يفسره حديث عبد الله بن عمرو الآتي بعد: أنه يقع بموت العلماء (¬5). # قوله: (ويظهر الجهل) هو من لازم ذلك. # قوله: (والفتن) في رواية الأصيلي وغيره: "وتظهر الفتن". # قوله: (الهرج) هو بفتح الهاء وسكون الراء بعدها جيم. # قوله: (فقال هكذا بيده) هو من إطلاق القول على الفعل. # قوله: (فحرفها) [142 / أ] (¬6) الفاء فيه تفسيرية، كأن الراوي بين أن ~~الإيماء كان محرفا. PageV02P160 # قوله: (كأنه يريد القتل) كأن ذلك فهم من تحريف اليد وحركتها كالضارب، لكن ~~هذه الزيادة لم أرها في معظم الروايات، وكأنها من تفسير الراوي عن حنظلة، ~~فإن أبا عوانة رواه عن عباس الدوري، عن أبي عاصم، عن حنظلة، وقال في آخره: ~~"وأرانا أبو عاصم كأنه يضرب عنق الإنسان". # وقال الكرماني: الهرج هو الفتنة، فإرادة القتل من لفظه على طريق التجوز، ~~إذ هو لازم معنى الهرج، قال: إلا أن يثبت ورود الهرج بمعنى القتل لغة. # قلت: وهي غفلة عما في البخاري في كتاب الفتن (¬1)، والهرج: القتل بلسان ~~الحبشة، وسيأتي بقية مباحث هذا الحديث هناك إن شاء الله تعالى. PageV02P161 # 86 - حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثنا هشام، عن ~~فاطمة، عن أسماء، قالت: أتيت عائشة وهي تصلي فقلت: ما شأن الناس؟ فأشارت ~~إلى السماء، فإذا الناس قيام، فقالت: سبحان الله. قلت: آية فأشارت برأسها، ~~أي نعم، فقمت حتى علاني الغشي، فجعلت أصب على رأسي الماء، فحمد الله -عز ~~وجل- النبي - صلى الله عليه وسلم - وأثنى عليه، ثم قال: "ما من شيء لم أكن ~~أريته إلا رأيته في مقامي حتى الجنة والنار، فأوحي إلي أنكم تفتنون في ~~قبوركم، مثل -أو قريبا لا أدري أي ذلك قالت أسماء- من فتنة المسيح الدجال، ms311 ~~يقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن -أو الموقن لا أدري بأيهما قالت ~~أسماء- فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا واتبعنا، ~~هو محمد. ثلاثا، فيقال: نم صالحا، قد علمنا إن كنت لموقنا به، وأما المنافق ~~-أو المرتاب لا أدري أي ذلك قالت أسماء- فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون ~~شيئا فقلته". # قوله: (هشام) هو ابن عروة بن الزبير. # (عن فاطمة) هي بنت المنذر بن الزبير، وهي زوجة هشام وبنت عمه. # قوله: (عن أسماء) هي بنت أبي بكر الصديق زوج الزبير بن العوام، وهي جدة ~~هشام وفاطمة جميعا. # قوله (فقلت: ما شأن الناس) أي: لما رأيت من اضطرابهم. # قوله: (فأشارت) أي: عائشة. # (إلى السماء) أي: انكسفت الشمس. # قوله: (فإذا الناس قيام) كأنها التفتت من حجرة عائشة إلى من في المسجد ~~فوجدتهم قياما في صلاة الكسوف، ففيه إطلاق الناس على البعض. # قوله: (فقالت: سبحان الله) أي: أشارت قائلة: سبحان الله. # قوله: (قلت آية) هو بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه آية، أي: علامة، ~~ويجوز PageV02P162 # حذف همزة الاستفهام وإثباتها. # قوله: (فقمت) أي: في الصلاة. # قوله: (حتى علاني) كذا للأكثر بالعين المهملة وتخفيف اللام، وفي رواية ~~كريمة: "تجلاني" بمثناة وجيم ولام مشددة، وجلال الشيء ما غطي به. # و(الغشي) بفتح الغين وإسكان الشين المعجمتين وتخفيف الياء، وبكسر الشين ~~وتشديد الياء أيضا: هو طرف من الإغماء، والمراد به هنا الحالة القريبة منه، ~~فأطلقته مجازا، ولهذا قالت: "فجعلت أصب على رأسي الماء"، أي: في تلك الحال ليذهب. # ووهم من قال بأن صبها كان بعد الإفاقة، وسيأتي تقرير ذلك في كتاب ~~الطهارة، ويأتي الكلام على هذا الحديث أيضا في صلاة الكسوف إن شاء الله تعالى. # قوله: (أريته) هو بضم الهمزة. # قوله: (حتى الجنة والنار) رويناه بالحركات الثلاث فيهما. # قوله: (مثل أو قريبا) كذا هو بترك التنوين في الأول وإثباته في الثاني، ~~قال ابن مالك: توجيهه أن أصله: مثل فتنة الدجال أو قريبا من فتنة الدجال، ~~فحذف ما أضيف إلى مثل وترك على هيئته قبل الحذف، وجاز الحذف ms312 لدلالة ما بعده ~~عليه، وهذا كقول الشاعر: # * بين ذراعي وجبهة الأسد * # تقديره: بين ذراعي الأسد وجبهة الأسد. # وقال الآخر: # أمام وخلف المرء من لطف ربه ... كوالئ تزوي عنه ما هو يحذر # وفي رواية بترك التنوين في الثاني أيضا، وتوجيهه أنه مضاف إلى فتنة أيضا، ~~وإظهار حرف الجر بين المضاف والمضاف إليه جائز عند قوم. # وقوله: (لا أدري أي ذلك قالت أسماء) جملة معترضة بين بها الراوي أن الشك ~~منه هل قالت له أسماء مثل أو قالت قريبا، وستأتي مباحث هذا المتن في كتاب ~~الجنائز إن شاء الله تعالى. PageV02P163 # * تنبيه: # وقع في نسخة الصغاني هنا: قال ابن عباس: مرقدنا: مخرجنا، وفي ثبوت ذلك ~~نظر؛ لأنه لم يقع في الحديث لذلك ذكر وإن كان قد يظهر له مناسبة، وقد ذكر ~~ذلك في موضعه من سورة يس. PageV02P164 ### || AUTO 25 - باب: تحريض النبي - صلى الله عليه وسلم - وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم ويخبروا من وراءهم. # وقال مالك بن الحويرث: قال لنا النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ارجعوا ~~إلى أهليكم، فعلموهم" # 87 - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي ~~جمرة، قال: كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس، فقال: إن وفد عبد القيس ~~أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "من الوفد -أو من القوم-". قالوا: ~~ربيعة. فقال: "مرحبا بالقوم -أو بالوفد- غير خزايا ولا ندامى". قالوا: إنا ~~نأتيك من شقة بعيدة، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، ولا نستطيع أن ~~نأتيك إلا في شهر حرام فمرنا بأمر نخبر به من وراءنا، ندخل به الجنة. ~~فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله -عز وجل- وحده. قال: ~~"هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "شهادة ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ~~وصوم رمضان، وتعطوا الخمس من المغنم". ونهاهم عن الدباء، والحنتم، والمزفت. ~~قال شعبة: وربما قال: النقير، وربما قال: المقير. قال: "احفظوه وأخبروه من ~~وراءكم". # قوله: (باب ms313 تحريض) هو بالضاد المعجمة، ومن قالها بالمهملة هنا فقد صحف. # قوله: (وقال مالك بن الحويرث) هو بصيغة تصغير الحارث، وهذا التعليق طرف ~~من حديث له مشهور يأتي في الصلاة (¬1). # قوله: (أبي جمرة) هو بالجيم والزاء كما تقدم. # قوله: (من شقة) بضم الشين المعجمة وتشديد القاف. PageV02P165 # قوله: (وتعطوا) كذا وقع، وهو منصوب بتقدير "أن"، وساغ التقدير؛ لأن ~~المعطوف عليه اسم، قاله الكرماني. # قلت: قد رواة أحمد عن غندر فقال: "وأن تعطوا" (¬1). فكأن حذفها من شيخ ~~البخاري. # قوله: (قال شعبة: وربما قال: النقير) أي: بالنون المفتوحة وتخفيف القاف ~~المكسورة. # (وربما قال: المقير) أي: بالميم المضمومة وفتح القاف وتشديد الياء ~~المفتوحة، وليس المراد أنه كان يتردد في هاتين اللفظتين ليثبت إحداهما دون ~~الأخرى؛ لأنه يلزم من ذكر المقير التكرار لسبق ذكر المزفت لأنه بمعناه، بل ~~المراد أنه كان جازما بذكر الثلاثة الأول شاكا في الرابع وهو النقير، فكان ~~تارة يذكره وتارة لا يذكره، وكان أيضا شاكا في التلفظ بالثالث فكان تارة ~~يقول المزفت وتارة (¬2) [143 / أ] يقول: المقير. هذا توجيهه فلا يلتفت إلى ~~ما عداه. # وقد تقدمت مباحث هذا الحديث في أواخر كتاب الإيمان (¬3)، وأخرجه المصنف ~~هناك عاليا عن علي بن الجعد، عن شعبة، ولم يتردد إلا في المزفت والمقير ~~فقط، وجزم بالنقير، وهو يؤيد ما قلت، والله أعلم. # قوله: (وأخبروه) هو بفتح الهمزة وكسر الباء، وللكشميهني: "وأخبروا" بحذف ~~الضمير. PageV02P166 ### || AUTO 26 - باب: الرحلة في المسألة النازلة # 88 - حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا ~~عمر بن سعيد بن أبي حسين، قال: حدثني عبد الله بن أبي مليكة، عن عقبة بن ~~الحارث، أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت ~~عقبة والتي تزوج بها. فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني. ~~فركب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينه فسأله، فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "كيف وقد قيل؟ ". ففارقها عقبة، ونكحت زوجا غيره. # قوله: (باب الرحلة) هو بكسر ms314 الراء من الارتحال، وفي روايتنا أيضا بفتح ~~الراء، أي: الواحدة، وأما بضمها فالمراد به الجهة، وقد يطلق على من يرتحل ~~إليه، وفي رواية كريمة: "وتعليم أهله" بعد قوله: "في المسألة النازلة"، ~~والصواب حذفها؛ لأنها تأتي في باب آخر (¬1). # قوله: (أخبرنا عبد الله) هو ابن المبارك. # قوله: (حدثني عبد الله بن أبي مليكة) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة. # قوله: (عن عقبة بن الحارث) سيأتي تصريحه بالسماع من عقبة في كتاب النكاح ~~(¬2) خلافا لمن أنكره، وسيأتي الخلاف في كنية عقبة في قصة خبيب بن عدي (¬3). # قوله: (أنه تزوج ابنة) اسمها غنية بفتح المعجمة وكسر النون بعدها تحتانية ~~مشددة، وكنيتها أم يحيى كما يأتي في الشهادات (¬4)، وهجم الكرماني فقال: لا ~~يعرف اسمها. PageV02P167 # و (أبو إهاب) -بكسر الهمزة- لا أعرف اسمه وهو مذكور في الصحابة. # و(عزيز) بفتح العين المهملة وكسر الزاي وآخره زاي أيضا كما تقدم في ~~المقدمة، ومن قال بضم أوله فقد حرف. # قوله: (فأتته امرأة) لم أقف على اسمها. # قوله: (ولا أخبرتني) بكسر المثناة، أي: قبل ذلك، كأنه اتهمها. # قوله: (فركب) أي من مكة لأنها كانت دار إقامته، والفرق بين هذه الترجمة ~~وترجمة: "باب: الخروج في طلب العلم" أن هذا أخص وذاك أعم، وسيأتي مباحث هذا ~~الحديث في كتاب الشهادات إن شاء الله تعالى. # قوله: (ونكحت زوجا غيره) اسم هذا الزوج [ظريب] (¬1) بضم المعجمة المشالة ~~وفتح الراء وآخره موحدة مصغرا. PageV02P168 ### || AUTO 27 - باب: التناوب في العلم # 89 - حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري. ح: قال: أبو عبد الله، ~~وقال ابن وهب: أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ~~ثور، عن عبد الله بن عباس، عن عمر، قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني ~~أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم ~~من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك، فنزل صاحبي ms315 الأنصاري يوم نوبته، ~~فضرب بابي ضربا شديدا. فقال: أثم هو؟ ففزعت، فخرجت إليه، فقال: قد حدث أمر ~~عظيم. قال: دخلت على حفصة فإذا هي تبكي، فقلت: طلقكن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قالت: لا أدري. ثم دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم -. ~~فقلت وأنا قائم: أطلقت نساءك؟ قال: "لا". فقلت: الله أكبر. # قوله: (باب التناوب) هو بالنون وضم الواو من النوبة بفتح النون. # قوله: (وقال ابن وهب) هذا [143 / ب] التعليق وصله ابن حبان في صحيحه ~~(¬1)، عن ابن قتيبة، عن [حرملة] (¬2) عنه بسنده، وليس في روايته قول عمر: ~~"كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول" (¬3)، وهو مقصود هذا الباب، ~~وإنما وقع ذلك في رواية شعيب وحده عن الزهري، نص على ذلك الذهلي والدارقطني ~~والحاكم وغيرهم (¬4). PageV02P169 # وقد ساق المصنف الحديث في كتاب النكاح (¬1) عن أبي اليمان وحده أتم مما ~~هنا بكثير، وإنما ذكر هنا رواية يونس بن يزيد ليوضح أن الحديث ليس كله من ~~أفراد شعيب. # قوله: (عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور) هو مكي نوفلي، وقد اشترك ~~معه في اسمه واسم أبيه، وفي الرواية عن ابن عباس، وفي رواية الزهري عنهما ~~عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود المدني الهذلي، لكن روايته عن ابن ~~عباس كثيرة في الصحيحين، وليس لابن أبي ثور عن ابن عباس غير هذا الحديث ~~الواحد. # قوله: (وجار لي) هذا الجار هو عتبان بن مالك، أفاده القسطلاني، لكن لم ~~يذكر دليله (¬2). # قوله: (في بني أمية) أي: في ناحية بني أمية، سميت البقعة باسم من نزلها. # قوله: (أثم هو) بفتح المثلثة. PageV02P170 # قوله: (دخلت على حفصة) ظاهر سياقه يوهم أنه من كلام الأنصاري، وإنما ~~الداخل على حفصة عمر، وللكشميهني: "فدخلت على حفصة"، أي: قال عمر: فدخلت ~~على حفصة، وإنما جاء هذا من الاختصار، وإلا ففي أصل الحديث بعد قوله: "أمر ~~عظيم": "طلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه، قلت: قد كنت أظن أن ~~هذا كائن حتى إذا صليت الصبح شددت ms316 علي ثيابي، ثم نزلت فدخلت على حفصة" ~~(¬1)، يعني: أم المؤمنين بنته. # * وفي هذا الحديث الاعتماد على خبر الواحد، والعمل بمراسيل الصحابة. # * وفيه أن الطالب لا يغفل عن النظر في أمر معاشه ليستعين على طلب العلم ~~وغيره، مع أخذه بالحزم بالسؤال عما يفوته يوم غيبته، لما علم من حال عمر ~~أنه كان يتعانى التجارة إذ ذاك كما سيأتي في البيوع. # * وفيه أن شرط التواتر أن [يكون] (¬2) مستند نقلته الأمر المحسوس لا ~~الإشاعة التي لا يدرى من بدأ بها، وسيأتي بقية الكلام عليه في النكاح إن ~~شاء الله تعالى. PageV02P171 ### || AUTO 28 - باب: الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره # 90 - حدثنا محمد بن كثير، قال: أخبرني سفيان، عن ابن أبي خالد، عن قيس بن ~~أبي حازم، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رجل: يا رسول الله، لا أكاد ~~أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان، فما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~موعظة أشد غضبا من يومئذ فقال: "أيها الناس، إنكم منفرون، فمن صلى بالناس ~~فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة". # قوله في: باب الغضب في الموعظة: (ثنا محمد بن كثير) هو العبدي [144 / أ]، ~~ولم يخرج للصغاني شيئا. # قوله: (أخبرني سفيان) هو الثوري. # عن (ابن أبي خالد) هو إسماعيل. # قوله: (قال رجل) قيل: هو حزم بن أبي كعب. # قوله: (لا أكاد أدرك الصلاة) قال القاضي عياض: ظاهره مشكل؛ لأن التطويل ~~يقتضي الإدراك لا عدمه، قال: فكأن الألف زيدت بعد لا، وكأن: "أدرك" كانت ~~"أترك". # قلت: هو توجيه حسن لو ساعدته الرواية. # وقال أبو الزناد بن سراج: معناه أنه كان به ضعف، فكان إذا طول به الإمام ~~في القيام لا يبلغ الركوع إلا وقد ازداد ضعفه، فلا يكاد يتم معه الصلاة. # قلت: وهو معنى حسن، لكن رواه المصنف عن الفريابي، عن سفيان بهذا الإسناد ~~بلفظ: "إني لأتاخر عن الصلاة" (¬1). فعلى هذا فمراده بقوله: "إني لا أكاد ~~أدرك الصلاة" أي: لا أقوم إلى الصلاة في الجماعة، بل أتأخر عنها أحيانا ~~لأجل ms317 التطويل، وسيأتي تحرير هذا في موضعه في الصلاة، ويأتي الخلاف في اسم ~~الشاكي والمشكو. PageV02P172 # قوله: (أشد غضبا) قيل: إنما غضب لتقدم نهيه عن ذلك. # قوله: (وذا الحاجة) كذا للأكثر، وفي رواية القابسي: "وذو الحاجة"، ~~وتوجيهه: أنه عطف على موضع اسم إن قبل دخولها، أو هو استئناف. PageV02P173 # 91 - حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا أبو عامر، قال: حدثنا سليمان بن ~~بلال المديني، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد، مولى المنبعث عن زيد ~~بن خالد الجهني، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأله رجل عن اللقطة فقال: ~~"اعرف وكاءها -أو قال: وعاءها- وعفاصها، ثم عرفها سنة، ثم استمتع بها، فإن ~~جاء ربها فأدها إليه". قال: فضالة الإبل فغضب حتى احمرت وجنتاه -أو قال: ~~احمر وجهه- فقال: "وما لك ولها معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وترعى ~~الشجر، فذرها حتى يلقاها ربها". قال: فضالة الغنم قال: "لك أو لأخيك أو ~~للذئب". # قوله: (سأله رجل) هو عمير والد مالك (¬1) كما سيأتي في اللقطة (¬2). # قوله: (وكاءها) هو بكسر الواو: هو ما يربط به. # و(العفاص) بكسر العين المهملة وبالفاء والصاد المهملة: هو الوعاء بكسر الواو. # قوله: (فغضب) إما لأنه كان ينهى عن ذلك عن التقاطها، وإما لأن السائل قصر ~~في فهمه، فقاس ما يتعين التقاطه على ما لا يتعين. # قوله: (سقاؤها) هو بكسر أوله، والمراد بذلك: أجوافها؛ لأنها تشرب فتكتفي ~~به أياما. # قوله: (وحذاؤها) بكسر المهملة ثم ذال معجمة، والمراد هنا: خفها، وسيأتي ~~مباحث الحديث في كتاب البيوع إن شاء الله تعالى. PageV02P174 # 92 - حدثنا محمد بن العلاء، قال حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، ~~عن أبي موسى، قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أشياء كرهها، فلما ~~أكثر عليه غضب، ثم قال للناس: "سلوني عما شئتم؟ ". قال رجل: من أبي؟ قال: ~~"أبوك حذافة". فقام آخر فقال: من أبي يا رسول الله؟ فقال: "أبوك سالم مولى ~~شيبة". فلما رأى عمر ما في وجهه قال: يا رسول الله، إنا نتوب إلى الله -عز وجل-. # قوله: ms318 (حدثنا محمد بن العلاء) تقدم هذا الإسناد في "باب فضل من علم وعلم" (¬1). # قوله: (سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أشياء) كان منها السؤال عن ~~الساعة وما أشبه ذلك من المسائل، كما سيأتي في حديث ابن عباس في تفسير ~~المائدة (¬2). # قوله: (قال رجل) هو عبد الله بن حذافة -بضم [144 / ب] المهملة وبالذال ~~المعجمة والفاء- القرشي السهمي، كما سماه في حديث أنس الآتي. # قوله: (فقام آخر) هو سعد بن سالم مولى شيبة بن ربيعة، سماه ابن عبد البر ~~في "التمهيد" ترجمة سهيل بن أبي صالح منه، وأغفله في "الاستيعاب"، ولم يظفر ~~به أحد من الشارحين، ولا ممن صنف في المبهمات، ولا في أسماء الصحابة، وهو ~~صحابي بلا مرية، لقوله: "فقال: من أبي يا رسول الله؟ ". # قوله: (فلما رأى عمر) هو ابن الخطاب. # (ما في وجهه) أي: من الغضب. # (قال: يا رسول الله، إنا نتوب إلى الله) أي: مما يوجب غضبك. PageV02P175 # وفي حديث أنس الآتي بعد: أن عمر برك على ركبتيه فقال: "رضينا بالله ربا، ~~وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا"، والجمع بينهما ظاهر بأنه قال جميع ذلك، فنقل ~~كل من الصحابيين ما حفظ، ودل على اتحاد المجلس اشتراكهما في نقل قصة عبد ~~الله بن حذافة. # * تنبيه: # قصر المصنف الغضب على الموعظة والتعليم دون الحكم؛ لأن الحاكم مأمور ألا ~~يقضي وهو غضبان، والفرق: أن الواعظ من شأنه أن يكون في صورة الغضبان؛ لأن ~~مقامه يقتضي تكلف الانزعاج؛ لأنه في صورة المنذر، وكذا المعلم إذا أنكر على ~~من يتعلم منه سوء فهم ونحوه؛ لأنه قد يكون أدعى للقبول منه. # وليس ذلك لازما في حق كل أحد بل يختلف باختلاف أحوال المتعلمين، وأما ~~الحاكم فهو بخلاف ذلك كما يأتي في بابه. # فإن قيل: فقد قضى -عليه الصلاة والسلام- في حال غضبه حيث قال: "أبوك فلان". # فالجواب: أن يقال: أولا: ليس هذا من باب الحكم، وعلى تقديره فيقال: هذا ~~من خصوصياته لمحل العصمة، فاستوى غضبه ورضاه ومجرد غضبه من الشيء دال على ~~تحريمه أو كراهته بخلاف غيره ms319 - صلى الله عليه وسلم -. PageV02P176 ### || AUTO 29 - باب: من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث # 93 - حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أنس بن ~~مالك، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج، فقام عبد الله بن حذافة ~~فقال: من أبي؟ فقال: "أبوك حذافة". ثم أكثر أن يقول: "سلوني". فبرك عمر على ~~ركبتيه، فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم - نبيا، فسكت. # قوله: (باب من برك) هو بفتح الموحدة والراء المخففة، يقال: برك البعير ~~إذا استناخ، واستعمل في الآدمي مجازا. # قوله: (خرج فقام عبد الله بن حذافة) فيه حذف يظهر من الرواية الأخرى [145 ~~/ أ]، والتقدير: خرج فسئل فأكثروا عليه فغضب فقال: سلوني، فقام عبد الله. # قوله: (فقال: رضينا بالله ربا) قال ابن بطال فهم عمر منه أن تلك الأسئلة ~~قد تكون على سبيل التعنت أو الشك، فخشي أن تنزل العقوبة بسبب ذلك، فقال: ~~رضينا بالله ربا. . . إلى آخره، فرضي النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ~~فسكت. PageV02P177 ### || AUTO 30 - باب: من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم # فقال: "ألا وقول الزور". فما زال يكررها. # وقال ابن عمر: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هل بلغت؟ " ثلاثا. # قوله: (باب: من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم) هو بضم الياء وفتح الهاء، وفي ~~روايتنا أيضا بكسر الهاء، لكن في رواية الأصيلي وكريمة: "ليفهم عنه"، وهو ~~بفتح الهاء لا غير. # قوله: (فقال: ألا وقول الزور) كذا في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: ~~"فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -"، وهو طرف معلق من حديث أبي بكرة ~~المذكور في الشهادات (¬1)، وفي الديات (¬2) الذي أوله: "ألا أنبئكم بأكبر ~~الكبائر ثلاثا" فذكر الحديث، ففيه معنى الترجمة لكونه قال لهم ذلك ثلاثا. # قوله: (فما زال يكررها) أي: في مجلسه ذلك، والضمير يعود على الكلمة ~~الأخيرة وهي: "قول الزور"، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في مكانه. # قوله: (وقال ابن عمر) وهو طرف أيضا من حديث مذكور عند المصنف في كتاب ~~الحدود أوله: ms320 "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع: "أي ~~شهر هذا؟ " (¬3). فذكر الحديث وفيه هذا القدر المعلق. # وقوله (ثلاثا) متعلق ب"قال" لا بقوله: "بلغت". PageV02P178 # 94 - حدثنا عبدة بن عبد الله، حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا عبد الله بن ~~المثنى، قال: حدثنا ثمامة بن عبد الله، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه، وإذا أتى على ~~قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثا (¬1). # قوله: (حدثنا عبدة) هو ابن عبد الله الصفار، ولم يخرج البخاري عن عبدة بن ~~عبد الرحيم المروزي، وهو من طبقة عبدة الصفار، وفي رواية الأصيلي: "حدثنا ~~عبدة الصفار". # قوله: (حدثنا عبد الصمد) هو ابن عبد الوارث بن سعيد يكنى أبا سهل. # و(المثنى) والد عبد الله هو بضم الميم وفتح المثلثة وتشديد النون ~~المفتوحة وهو ابن عبد الله بن أنس بن مالك، وثمامة عمه، ورجال هذا الإسناد ~~كلهم بصريون. # قوله: (عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان) أي: من عادة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -[والمراد أن أنسا مخبر عما عرفه من شأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -] (¬2) وشاهده، "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبره بذلك. # ويؤيد ذلك أن [145 / ب] المصنف أخرجه في كتاب الاستئذان (¬3) عن إسحاق ~~-وهو ابن منصور-، عن عبد الصمد بهذا الإسناد إلى أنس فقال: "إن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان". # قوله: (كان إذا تكلم) قال الكرماني: مثل هذا التركيب يشعر بالاستمرار عند ~~الأصوليين. # قوله: (بكلمة) أي: بجملة مفيدة. # قوله: (أعادها ثلاثا) قد بين المراد بذلك في نفس الحديث بقوله: "حتى تفهم PageV02P179 # عنه"، وللترمذي والحاكم في المستدرك: "حتى تعقل عنه" (¬1). ووهم الحاكم ~~في استدراكه وفي دعواه أن البخاري لم يخرجه. # وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، إنما نعرفه من حديث عبد الله بن المثنى. انتهى. # وعبد الله بن المثنى ممن تفرد البخاري بإخراج حديثه دون مسلم، وقد وثقه ~~العجلي والترمذي، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: صالح، وقال ابن أبي خيثمة عن ms321 ~~ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بالقوي. # قلت: لعله أراد في بعض حديثه، وقد تقرر أن البخاري حيث يخرج لبعض من فيه ~~مقال لا يخرج شيئا مما أنكر عليه. # وقول ابن معين: ليس بشيء، أراد به في حديث بعينه سئل عنه، وقد قواه في ~~رواية إسحاق بن منصور عنه. # وفي الجملة فالرجل إذا ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا إذا كان مفسرا ~~بأمر قادح، وذلك غير موجود في عبد الله بن المثنى هذا، وقد قال ابن حبان ~~لما ذكره في "الثقات": ربما أخطأ. # والذي أنكر عليه إنما هو من روايته عن غير عمه ثمامة، والبخاري إنما أخرج ~~له عن عمه هذا الحديث وغيره، ولاشك أن الرجل أضبط لحديث آل بيته من غيره. # وقال ابن المنير: نبه البخاري بهذه الترجمة على الرد على من كره إعادة ~~الحديث، وأنكر على الطالب الاستعادة وعده من البلادة، قال: والحق أن هذا ~~يختلف باختلاف القرائح، فلا عيب على المستفيد الذي لا يحفظ من مرة إذا ~~استعاد، ولا عذر للمفيد إذا لم يعد، بل الإعادة عليه آكد من الابتداء؛ لأن ~~الشروع ملزم. # وقال ابن التين: فيه أن الثلاث غاية ما يقع به الإعذار والبيان. PageV02P180 # قوله: (وإذا أتى على قوم) أي: وكان إذا [146 / أ] أتى. . . . # قوله: (فسلم عليهم) هو من تتمة الشرط. # وقوله: (سلم عليهم) هو الجواب. قال الإسماعيلي: يشبه أن يكون ذلك كان إذا ~~سلم سلام الاستئذان على ما رواه أبو موسى وغيره. وأما أن يمر المار مسلما ~~فالمعروف عدم التكرار. # قلت: وقد فهم المصنف هذا بعينه، فأورد هذا الحديث مقرونا بحديث أبي موسى ~~في قصته مع عمر كما سيأتي في الاستئذان (¬1)، لكن يحتمل أن يكون ذلك كان ~~يقع أيضا منه إذا خشي ألا يسمع سلامه، وما ادعاه الكرماني من أن الصيغة ~~المذكورة تفيد الاستمرار مما ينازع فيه. والله أعلم. PageV02P181 # 95 - حدثنا مسدد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن ~~عبد الله بن عمرو، قال: تخلف رسول الله ms322 - صلى الله عليه وسلم - في سفر ~~سافرناه فأدركنا وقد أرهقنا الصلاة صلاة العصر ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على ~~أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: "ويل للأعقاب من النار". مرتين أو ثلاثا. # قوله: في حديث عبد الله بن عمرو: (فأدركنا) هو بفتح الكاف. # وقوله: (أرهقنا) بسكون القاف، وللأصيلي: "أرهقتنا". # وقوله: (صلاة العصر) هو بدل من الصلاة، إن رفعا فرفع، وإن نصبا فنصب. # قوله: (مرتين أو ثلاثا) هو شك من الراوي، ويدل على [أن] (¬1) الثلاث ليست ~~شرطا، بل المراد التفهيم، فإذا حصل بدونها أجزأ، وسيأتي الكلام على المتن ~~في الطهارة إن شاء الله تعالى. PageV02P182 ### || AUTO 31 - باب: تعليم الرجل أمته وأهله # 96 - حدثنا محمد بن سلام، أخبرنا المحاربي، قال: حدثنا صالح بن حيان، ~~قال: قال عامر الشعبي: حدثني أبو بردة، عن أبيه، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن ~~بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ~~ورجل كانت عنده أمة "يطؤها" فأدبها، فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ~~ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران". ثم قال عامر: أعطيناكها بغير شيء، قد كان ~~يركب فيما دونها إلى المدينة. # قوله: (باب تعليم الرجل أمته وأهله) مطابقة الحديث للترجمة في الأمة ~~بالنص، وفي الأهل بالقياس؛ إذ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله ~~وسنن رسوله آكد من الاعتناء بالإماء. # قوله: (حدثنا محمد بن سلام) كذا في روايتنا من طريق أبي ذر، وفي رواية ~~كريمة: "حدثنا محمد هو ابن سلام"، وللأصيلي: "حدثنا محمد" حسب، واعتمده ~~المزي في الأطراف فقال: "رواه البخاري عن محمد، قيل: هو ابن سلام" (¬1). # قوله: (أخبرنا) في رواية كريمة: "حدثنا". # (المحاربي) وهو عبد الرحمن بن محمد بن زياد، وليس له عند البخاري سوى هذا ~~الحديث وحديث آخر في العيدين (¬2). # قوله: (حدثنا صالح بن حيان) هو صالح بن صالح بن مسلم بن حيان، نسب إلى جد ~~أبيه، وهو بفتح المهملة وتشديد الياء التحتانية، ولقبه حي، وهو أشهر به من ~~اسمه، وكذا ms323 من PageV02P183 # ينسب إليه، يقال للواحد منهم غالبا: فلان ابن حي، كصالح بن حي هذا، وهو ~~ثقة مشهور. # وفي طبقته راو آخر كوفي أيضا يقال له: صالح بن حيان القرشي، لكنه ضعيف ~~[146 / ب]. وقد وهم من زعم أن البخاري أخرج له، فإنه إنما أخرج لصالح بن ~~حي، وهذا الحديث معروف بروايته عن الشعبي دون القرشي. # وقد أخرجه البخاري من حديثه من طرق، منها في الجهاد من طريق ابن عيينة ~~قال: حدثنا صالح بن حي: سمعت الشعبي (¬1). # وأصرح من ذلك أنه أخرج الحديث المذكور في كتاب "الأدب المفرد" بالإسناد ~~الذي أخرجه هنا فقال: "صالح بن حي" (¬2). # قوله: (قال عامر) أي: قال صالح: قال عامر، وعادتهم حذف "قال" إذا تكررت ~~خطا لا نطقا. # قوله: (عن أبيه) هو أبو موسى الأشعري كما صرح به في العتق وغيره (¬3). # قوله: (ثلاثة لهم أجران) ثلاثة: مبتدأ، والتقدير: ثلاثة رجال، أو رجال ~~ثلاثة، و (لهم أجران): خبره. # قوله: (رجل) هو بدل تفصيل، أو بدل كل بالنظر إلى المجموع. # قوله: (من أهل الكتاب) لفظ الكتاب عام ومعناه خاص، أي: المنزل من عند ~~الله والمراد به التوراة والإنجيل كما تظاهرت به نصوص الكتاب والسنة حيث ~~يطلق أهل الكتاب. # وقيل: المراد به هنا الإنجيل خاصة إن قلنا إن النصرانية ناسخة لليهودية، ~~كذا قرره PageV02P184 # جماعة، ولا يحتاج إلى اشتراط النسخ، لأن عيسى كان قد أرسل إلى بني ~~إسرائيل بلا خلاف فمن أجابه منهم نسب إليه، ومن كذبه منهم واستمر على ~~يهوديته لم يكن مؤمنا بنبيه. # نعم؛ من دخل في اليهودية من غير بني إسرائيل، أو لم يكن بحضرة عيسى فلم ~~يبلغه دعوته، يصدق عليه أنه يهودي مؤمن؛ إذ هو مؤمن بنبيه موسى ولم يكذب ~~نبيا آخر بعده، فمن أدرك بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - ممن كان بهذه ~~المثابة وآمن به لا يشكل أنه يدخل في الخبر المذكور، ومن هذا القبيل العرب ~~الذين كانوا باليمن وغيرها ممن دخل منهم في اليهودية ولم تبلغهم دعوة عيسى ~~لكونه أرسل إلى بني إسرائيل خاصة. ms324 # نعم؛ الإشكال في اليهود الذين كانوا بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وقد ثبت أن الآية الموافقة لهذا الحديث وهي قوله تعالى: {أولئك يؤتون أجرهم ~~مرتين} [القصص: 54]. نزلت في طائفة آمنوا منهم: كعبد الله بن سلام وغيره، ~~ففي الطبراني من حديث رفاعة القرظي قال: نزلت هذه الآيات في وفيمن آمن معي (¬1). # وروى الطبراني بإسناد صحيح عن عدي بن رفاعة القرظي قال: خرج عشرة من أهل ~~الكتاب -منهم أبي رفاعة- إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فآمنوا به ~~فأوذوا فنزلت: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52)} [القصص: ~~52]. الآيات (¬2)، فهؤلاء من بني إسرائيل ولم يؤمنوا بعيسى، بل استمروا على ~~اليهودية إلى أن آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وقد ثبت أنهم يؤتون ~~أجرهم مرتين. # قال الطيبي: فيحتمل إجراء الحديث على عمومه؛ إذ لا يبعد أن يكون طرآن ~~الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - سببا لقبول تلك الأديان وإن كانت ~~منسوخة. انتهى، وسأذكر ما يؤيده بعد. PageV02P185 # ويمكن أن يقال في حق هؤلاء الذين كانوا بالمدينة: إنهم لم يبلغهم دعوة ~~عيسى لأنها لم تنشر في أكثر البلاد، فاستمروا على يهوديتهم مؤمنين بنبيهم ~~موسى إلى أن جاء الإسلام فآمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، فبهذا يرتفع ~~الإشكال إن شاء الله. # * فوائد: # الأولى: وقع في شرح ابن التين وغيره أن الآية المذكورة نزلت في كعب ~~الأحبار وعبد الله بن سلام، وهو صواب في عبد الله خطأ في كعب؛ لأن كعبا ~~ليست له صحبة، ولم يسلم إلا في عهد عمر بن الخطاب، والذي في تفسير الطبري ~~وغيره عن قتادة أنها نزلت في عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي (¬1)، وهذا ~~مستقيم؛ لأن عبد الله كان يهوديا فأسلم كما سيأتي في الهجرة، وسلمان كان ~~نصرانيا فأسلم كما سيأتي في البيوع، وهما صحابيان مشهوران. # الثانية: قال القرطبي: الكتابي الذي يضاعف أجره هو الذي كان على الحق في ~~شرعه عقدا وفعلا إلى أن آمن بنبينا - صلى الله عليه وسلم -، فيؤجر على ~~اتباع الحق الأول والثاني. انتهى. # ويشكل عليه أن النبي ms325 - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى هرقل: "أسلم يؤتك ~~الله أجرك مرتين" (¬2). وهرقل كان ممن دخل في النصرانية بعد التبديل، وقد ~~قدمت بحث شيخ الإسلام (¬3) في هذا في حديث أبي سفيان في بدء الوحي. # الثالثة: قال أبو عبد الملك البوني وغيره: إن الحديث لا يتناول اليهود ~~ألبتة، وليس بمستقيم، كما قررناه. # وقال الداودي [147 / ب] ومن تبعه: إنه يحتمل أن يتناول [جميع] (¬4) الأمم ~~فيما فعلوه من خير كما في حديث حكيم بن حزام الآتي: "أسلمت على ما أسلفت من ~~خير" (¬5). PageV02P186 # وهو متعقب؛ لأن الحديث مقيد بأهل الكتاب فلا يتناول غيرهم إلا بقياس ~~الخير على الإيمان، وأيضا فالنكتة في قوله: "آمن بنبيه" الإشعار بعلية ~~الأجر، أي أن سبب الأجرين الإيمان بالنبيين، والكفار ليسوا كذلك. # ويمكن أن يقال: الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن أهل الكتاب ~~يعرفون محمدا - صلى الله عليه وسلم - كما قال الله تعالى: {يجدونه مكتوبا ~~عندهم في التوراة والإنجيل} [الأعراف: 157]. فمن آمن به واتبعه منهم كان له ~~فضل على غيره، وكذا من كذبه منهم كان وزره أشد من وزر غيره. # وقد ورد مثل ذلك في حق نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - لكون الوحي كان ~~ينزل في بيوتهن، فإن قيل: فلم لم يذكرن في هذا الحديث فيكون العدد أربعة؟ ~~أجاب شيخنا شيخ الإسلام (¬1): بأن قضيتهن خاصة بهن مقصورة عليهن، والثلاثة ~~المذكورة في الحديث مستمرة إلى يوم القيامة، وهذا مصير من شيخنا إلى أن ~~قضية مؤمن أهل الكتاب مستمرة. # وقد ادعى الكرماني اختصاص ذلك بمن آمن في عهد البعثة، وعلل ذلك بأن نبيهم ~~بعد البعثة إنما هو محمد - صلى الله عليه وسلم - باعتبار عموم بعثته. انتهى # وقضيته أن ذلك أيضا لا يتم لمن كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فإن خصه بمن لم تبلغه الدعوة فلا فرق في ذلك بين عهده وبعده، فما قاله ~~شيخنا أظهر. # والمراد بنسبتهم إلى غير نبينا - صلى الله عليه وسلم - إنما هو باعتبار ~~ما كانوا عليه قبل ذلك، وأما ما قوى ms326 به الكرماني دعواه بكون السياق مختلفا، ~~حيث قيل في مؤمن أهل الكتاب: "رجل" بالتنكير، و"العبد" بالتعريف، وحيث زيدت ~~فيه "إذا" الدالة على معنى الاستقبال فأشعر ذلك بأن الأجرين لمؤمن أهل ~~الكتاب لا تقع في الاستقبال بخلاف العبد. انتهى. # وهو غير مستقيم؛ لأنه مشى فيه مع ظاهر اللفظ، وليس متفقا عليه بين ~~الرواة، بل هو عند المصنف وغيره مختلف، فقد عبر في ترجمة عيسى: "بإذا" (¬2) ~~في الثلاثة، وعبر PageV02P187 # في النكاح بقوله: "أيما [148 /أ] رجل" (¬1) في المواضع الثلاثة، وهي ~~صريحة في التعميم، وأما الاختلاف بالتعريف والتنكير فلا أثر له هنا؛ لأن ~~المعرف بلام الجنس مؤداه مؤدى النكرة، والله أعلم. # الرابعة: حكم المرأة الكتابية حكم الرجل كما هو مطرد في جل الأحكام، حيث ~~يدخلن مع الرجال بالتبعية إلا ما خصه الدليل، وسيأتي مباحث العبد في العتق، ~~ومباحث الأمة في النكاح. # قوله: (فله أجران) هو تكرير لطول الكلام للاهتمام به. # قوله: (ثم قال عامر) أي: الشعبي. # (أعطيناكها) ظاهره أنه خاطب بذلك صالحا الراوي عنه، ولهذا جزم الكرماني ~~بقوله: "الخطاب لصالح"، وليس كذلك، بل إنما خاطب بذلك رجلا من أهل خراسان ~~سأله عمن يعتق أمته ثم يتزوجها، كما سيذكر ذلك في ترجمة عيسى -عليه السلام- ~~من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. # قوله: (بغير شيء) أي: من الأمور الدنيوية، وإلا فالأجر الأخروي حاصل له. # قوله: (يركب فيما دونها) أي: يرحل لأجل ما هو أهون منها، كما عنده في ~~الجهاد (¬2)، والضمير عائد على المسألة. # قوله: (إلى المدينة) أي: النبوية، وكان ذلك في زمن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - والخلفاء الراشدين، ثم تفرق الصحابة في البلاد بعد فتوح الأمصار ~~وسكنوها، فاكتفى أهل كل بلد بعلمائه؛ إلا من طلب التوسع في العلم فرحل، وقد ~~تقدم حديث جابر في ذلك (¬3). # ولهذا عبر الشعبي -مع كونه من كبار التابعين- بقوله: "كان"، واستدلال ابن ~~بطال وغيره من المالكية به على تخصيص العلم بالمدينة فيه نظر لما قررناه، ~~وإنما قال الشعبي ذلك تحريضا للسامع ليكون أدعى لحفظه وأجلب لحرصه، والله ~~المستعان. PageV02P188 ### || AUTO 32 ms327 - باب: عظة الإمام النساء وتعليمهن # 97 - حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا شعبة، عن أيوب، قال: سمعت عطاء، ~~قال: سمعت ابن عباس، قال: أشهد على النبي - صلى الله عليه وسلم -أو قال ~~عطاء: أشهد على ابن عباس- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج ومعه ~~بلال، فظن أنه لم يسمع النساء فوعظهن، وأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تلقي ~~القرط والخاتم، وبلال يأخذ في طرف ثوبه. وقال إسماعيل: عن أيوب، عن عطاء، ~~وقال: عن ابن عباس أشهد على النبي - صلى الله عليه وسلم -. # قوله: (باب عظة الإمام النساء) نبه بهذه الترجمة على أن ما سبق من الندب ~~إلى تعليم الأهل ليس مختصا بأهلهن، بل ذلك مندوب للإمام الأعظم ومن ينوب ~~عنه، واستفيد الوعظ بالتصريح من قوله: (وأمرهن بالصدقة) كأنه أعلمهن أن في ~~الصدقة تكفيرا لخطاياهن. # قوله: (عن أيوب) هو السختياني. # و(عطاء) هو ابن أبي رباح [148 / ب]. # قوله: (أو قال عطاء أشهد) فمعناه أن الراوي تردد هل لفظ أشهد من قول ابن ~~عباس أو من قول عطاء، وقد رواه بالشك أيضا حماد بن زيد، عن أيوب، أخرجه أبو ~~نعيم في المستخرج (¬1)، وأخرجه أحمد بن حنبل عن غندر، عن شعبة جازما بلفظ: ~~"أشهد" (¬2) عن كل منهما، وإنما عبر بلفظ الشهادة تأكيدا لتحققه، ووثوقا ~~بوقوعه. # قوله: (ومعه بلال) كذا للكشميهني، وسقطت الواو للباقي. # قوله: (القرط) هو بضم القاف وإسكان الراء بعدها طاء مهملة، أي: الحلقة ~~التي تكون في شحمة الأذن، وسيأتي مزيد في هذا المتن في العيدين إن شاء ~~الله. PageV02P189 # قوله: (وقال إسماعيل) هو المعروف بابن علية، وأراد بهذا التعليق أنه جزم ~~عن أيوب بأن لفظ: "أشهد" من كلام ابن عباس فقط، وكذا جزم به أبو داود ~~الطيالسي في "مسنده" (¬1). # وكذا قال وهيب، عن أيوب، ذكره الإسماعيلي عطا على "حدثنا شعبة"، فيكون ~~المراد: حدثنا سليمان بن حرب، عن إسماعيل، فلا يكون تعليقا، انتهى. وهو ~~مردود، فإن سليمان بن حرب لا رواية له عن إسماعيل أصلا لا لهذا الحديث ولا لغيره. # وقد أخرجه المصنف في ms328 كتاب الزكاة موصولا عن مؤمل بن هشام، عن إسماعيل ~~(¬2) كما سيأتي، وقد قلنا غير مرة: إن الاحتمالات العقلية لا مدخل لها في ~~الأمور النقلية، ولو استرسل فيها مسترسل لقال: يحتمل أن يكون إسماعيل هنا ~~آخر غير ابن علية، وأن أيوب آخر غير السختياني، وهكذا في أكثر الرواة، ~~فيخرج بذلك إلى ما ليس بمرضي. # وفي هذا الحديث جواز المعاطاة في الصدقة، وصدقة المرأة من مالها بغير إذن ~~زوجها، وأن الصدقة تمحو كثيرا من الذنوب التي تدخل النار. PageV02P190 ### || AUTO 33 - باب: الحرص على الحديث # 98 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثني سليمان، عن عمرو بن أبي ~~عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أنه قال: قيل: يا رسول ~~الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، ~~لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا ~~إله إلا الله، خالصا من قلبه أو نفسه". # قوله: (باب الحرص على الحديث) المراد بالحديث في عرف الشرع: ما يضاف إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكأنه أريد به مقابلة القرآن لأنه قديم. # قوله: (حدثنا عبد العزيز) هو أبو القاسم الأويسي. # و(سليمان) هو ابن بلال. # و(عمرو بن أبي عمرو) هو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، واسم أبي عمرو ~~ميسرة [149 / أ]، والإسناد كله مدنيون. # قوله: (أنه قال: قيل يا رسول الله) كذا لأبي ذر وكريمة، وسقطت: "قيل" ~~للباقين، وهو الصواب، ولعلها كانت: "قلت" فتصحفت، فقد أخرجه المصنف في ~~الرقاق (¬1) كذلك، وللإسماعيلي: "أنه سأل"، ولأبي نعيم: "أن أبا هريرة قال: ~~يا رسول الله". # قوله: (أول منك) وقع في روايتنا برفع اللام ونصبها، فالرفع على الصفة ~~لأحد أو البدل منه، والنصب على أنه مفعول ثان لظننت، قاله القاضي عياض، ~~وقال أبو البقاء: على الحال، ولا يضر كونه نكرة؛ لأنها في سياق النفي ~~كقولهم: ما كان أحد مثلك. ms329 # و"ما" في قوله: "لما" موصولة، و"من" بيانية أو تبعيضية. PageV02P191 # وفيه فضل أبي هريرة، وفضل الحرص على تحصيل العلم. # قوله: (من قال لا إله إلا الله) احتراز من الشرك، والمراد مع قول محمد ~~رسول الله، لكن قد يكتفى بالجزء الأول من كلمتي الشهادة؛ لأنه صار شعارا ~~لمجموعهما كما تقدم في الإيمان. # قوله: (خالصا) احتراز من المنافق، ومعنى أفعل في قوله: "أسعد" الفعل، لا ~~لأنها أفعل التفضيل، أي: سعيد الناس، كقوله تعالى: {وأحسن مقيلا (24)} ~~[الفرقان: 24]. # ويحتمل أن يكون أفعل التفضيل على بابها، وأن كل أحد يحصل له سعد بشفاعته، ~~لكن المؤمن المخلص أكثر سعادة بها، فإنه - صلى الله عليه وسلم - يشفع في ~~الخلق لإراحتهم من هول الموقف، ويشفع في بعض الكفار بتخفيف العذاب كما صح ~~في حق أبي طالب، ويشفع في بعض المؤمنين بالخروج من النار بعد أن دخلوها، ~~وفي بعضهم بعدم دخولها بعد أن يستوجبوا دخولها، وفي بعضهم بدخول الجنة بغير ~~حساب، وفي بعضهم برفعة الدرجات فيها، فظهر الاشتراك في السعادة بالشفاعة، ~~وأن أسعدهم بها المؤمن المخلص، والله أعلم. # قوله: (من قلبه، أو نفسه) شك من الراوي، وللمصنف في الرقاق: "خالصا من ~~قبل نفسه"، وذكر ذلك على سبيل التأكيد كما في قوله تعالى: {فإنه آثم قلبه} ~~[البقرة: 283]. # وفي الحديث دليل على اشتراط النطق بكلمتي الشهادة لتعبيره بالقول في ~~قوله: "من قال". PageV02P192 ### || AUTO 34 - باب: كيف يقبض العلم. # وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ~~ولا تقبل إلا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا ~~حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا. حدثنا العلاء بن عبد ~~الجبار قال حدثنا عبد العزيز بن مسلم عن عبد الله بن دينار بذلك، يعنى حديث ~~عمر بن عبد العزيز إلى قوله: "ذهاب العلماء". # قوله: (باب: كيف يقبض العلم؟ ) أي: كيفية قبض العلم. # قوله: (إلى أبي بكر بن حزم) ms330 [149 / ب] هو ابن محمد بن عمرو بن حزم ~~الأنصاري، نسب إلى جد أبيه، ولجده عمرو صحبة، ولأبيه محمد رؤية. # وأبو بكر تابعي فقيه، استعمله عمر بن عبد العزيز على إمرة المدينة ~~وقضائها؛ ولهذا كتب إليه، ولا يعرف له اسم سوى أبي بكر، فقيل: كنيته أبو ~~عبد الملك واسمه أبو بكر، وقيل: اسمه كنيته. # قوله: (انظر ما كان) أي: اجمع الذي تجد، ووقع هنا للكشميهني: "عندك"، أي: ~~في بلدك. # قوله: (فاكتبه) يستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبوي، وكانوا قبل ذلك ~~يعتمدون على الحفظ، فلما خاف عمر بن عبد العزيز -وكان على رأس المائة ~~الأولى- من ذهاب العلم بموت العلماء رأى أن في تدوينه ضبطا له وإبقاء. # وقد روى أبو نعيم في تاريخ أصبهان هذه القصة بلفظ: كتب عمر بن عبد العزيز ~~إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاجمعوه (¬1). # قوله: (ولا يقبل) هو بضم الياء التحتانية وسكون اللام، وبسكونها وكسرها ~~معا في "وليفشوا"، "وليجلسوا". PageV02P193 # قوله: (حتى يعلم) هو بضم أوله وتشديد اللام، وللكشميهني: "يعلم" بفتح ~~أوله وتخفيف اللام. # قوله: (يهلك) هو بفتح أوله وكسر اللام. # قوله: (حدثنا العلاء) لم يقع وصل هذا التعليق عند الكشميهني ولا كريمة ~~ولا ابن عساكر. # قوله: (إلى قوله ذهاب العلماء) محتمل لأن يكون ما بعده ليس من كلام عمر، ~~أو من كلامه ولم يدخل في هذه الرواية، والأول أظهر، وبه صرح أبو نعيم في ~~المستخرج، ولم أجده في مواضع كثيرة إلا كذلك. # وعلى هذا فبقيته من كلام المصنف أورده تلو كلام عمر، ثم بين بعد ذلك غاية ~~ما انتهى إليه كلام عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى-. PageV02P194 # 100 - حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني مالك، عن هشام بن عروة، عن ~~أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا، ينتزعه من العباد، ولكن يقبض ~~العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا، ms331 ~~فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا". قال الفربري: حدثنا عياش، قال: حدثنا ~~قتيبة، حدثنا جرير، عن هشام نحوه. # قوله: (حدثني مالك) قال الدارقطني: لم يروه في "الموطأ" إلا معن بن عيسى، ~~ورواه أصحاب مالك كابن وهب وغيره عن مالك خارج "الموطأ". وأفاد ابن عبد ~~البر أن سليمان بن برد رواه أيضا في"الموطأ"، والله أعلم. # وقد اشتهر هذا الحديث من رواية هشام بن عروة، فوقع [150 / أ] لنا من ~~رواية أكثر من سبعين نفسا عنه من أهل الحرمين والعراقين (¬1) والشام ~~وخراسان ومصر وغيرها، ووافقه على روايته عن أبيه عروة: أبو الأسود المدني ~~وحديثه في الصحيحين (¬2)، والزهري وحديثه في النسائي (¬3)، ويحيى بن أبي ~~كثير وحديثه في صحيح أبي عوانة، ووافق أباه على روايته عن عبد الله بن ~~عمرو: عمر بن الحكم بن ثوبان وحديثه في مسلم (¬4). # قوله: (لا يقبض العلم انتزاعا) أي: محوا من الصدور، وكان تحديث النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بذلك في حجة الوداع كما رواه أحمد والطبراني من حديث ~~أبي أمامة قال: لما كان في حجة الوداع قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"خذوا العلم قبل أن يقبض أو يرفع"، فقال أعرابي: كيف يرفع؟ فقال: "ألا إن ~~ذهاب العلم ذهاب حملته". ثلاث مرات (¬5). PageV02P195 # قال ابن المنير: محو العلم من الصدور جائز في القدرة؛ إلا أن هذا الحديث ~~دل علي عدم وقوعه. # وقوله: (حتى إذا لم يبق عالم) هو بفتح الياء والقاف، وللأصيلي بضم الياء ~~وكسر القاف، و"عالما" منصوب، أي: لم يبق الله عالما، وفي رواية مسلم: "حتى ~~إذا لم يترك عالما". # قوله: (رءوسا) قال النووي: ضبطناه بضم الهمزة والتنوين، جمع رأس. # قلت: وفي رواية أبي ذر أيضا بفتح الهمزة، وفي آخره همزة أخرى مفتوحة جمع رئيس. # قوله: (بغير علم) وفي رواية أبي الأسود في الاعتصام عند المصنف: "فيفتون ~~برأيهم"، ورواها مسلم كالأولى. # قوله: (قال الفربري) هذا من زيادات الراوي عن البخاري في بعض الأسانيد، ~~وهي قليلة. # قوله: (نحوه) أي: بمعنى حديث مالك، ولفظ رواية قتيبة هذه أخرجها مسلم عنه. # وفي ms332 هذا الحديث الحث على حفظ العلم، والتحذير من ترئيس الجهلة، وفيه أن ~~الفتوى هي الرئاسة الحقيقية، وذم من يقدم عليها بغير علم. واستدل به ~~الجمهور على القول بخلو الزمان عن مجتهد، ولله الأمر يفعل ما يشاء. PageV02P196 ### || AUTO 35 - باب: هل يجعل للنساء يوما على حدة في العلم؟ # 100 - (*) حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثني ابن الأصبهاني، قال: ~~سمعت أبا صالح، ذكوان يحدث عن أبي سعيد الخدري، قال: قال النساء للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك. فوعدهن ~~يوما لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لهن: "ما منكن امرأة تقدم ~~ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابا من النار". فقالت امرأة: واثنين؟ فقال: ~~"واثنين". # قوله: (باب هل يجعل) أي: الإمام، وللأصيلي وكريمة: "يجعل" بضم أوله، ~~وعندهما: "يوم" بالرفع لأجل ذلك. # قوله: (على حدة) بكسر المهملة [150 / ب] وفتح الدال المهملة المخففة: أي ~~ناحية وحدهن، والهاء عوض عن الواو المحذوفة، كما قالوا في: "عدة" من الوعد. # قوله: (حدثنا آدم) هو ابن أبي إياس. # قوله: (قال النساء) كذا لأبي ذر، وللباقين: "قالت النساء"، وكلاهما جائز. # و(غلبنا) بفتح الموحدة و (الرجال) بالضم لأنه فاعله. # قوله: (فاجعل لنا) أي: عين لنا، وعبر عنه بالجعل؛ لأنه لازمه. # و(من) ابتدائية متعلقة باجعل، والمراد: رد ذلك إلى اختياره. # قوله: (فوعظهن) التقدير: فوفى بوعده فلقيهن فوعظهن. # قوله: (وأمرهن) أي: بالصدقة، أو حدف المأمور به لإرادة التعميم. # قوله: (ما منكن امرأة) وللأصيلي: "من امرأة"، و (من) زائدة لفظا. # وقوله: (تقدم) صفة لامرأة. # قوله: (إلا كان لها) أي: التقديم. # (حجابا) وللأصيلي: "حجاب" بالرفع، وتعرب (كان) تامة، أي: حصل لها حجاب، ~~وللمصنف PageV02P197 # في الجنائز: "إلا كن لها" (¬1)، أي: الأنفس التي تقدم، وله في الاعتصام: ~~"إلا كانوا" (¬2)، أي: الأولاد. # قوله: (فقالت امرأة) هي أم سليم، وقيل غيرها كما سنوضحه في الجنائز. # قوله (واثنين) ولكريمة: "واثنتين"، بزيادة تاء التأنيث، وهو منصوب بالعطف ~~على "ثلاثة"، ويسمى العطف التلقيني، وكأنها فهمت الحصر وطمعت في الفضل ~~فسألت عن حكم ms333 الاثنين هل يلتحق بالثلاثة أو لا، وسيأتي في الجنائز الكلام ~~في تقديم الواحد. PageV02P198 # 101 - حدثني محمد بن بشار، قال: حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبة، عن عبد ~~الرحمن بن الأصبهاني، عن ذكوان، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بهذا. وعن عبد الرحمن بن الأصبهاني، قال: سمعت أبا حازم، عن ~~أبي هريرة، وقال: "ثلاثة لم يبلغوا الحنث". # قوله: (حدثني محمد بن بشار) أفاد بهذا الإسناد فائدتين: # إحداهما: تسمية ابن الأصبهاني المبهم في الرواية الأولى. # والثانية: زيادة طريق أبي هريرة التي زاد فيها التقييد بعدم بلوغ الحنث ~~أي: الإثم، والمعنى أنهم ماتوا قبل أن يبلغوا؛ لأن الإثم إنما يكتب بعد ~~البلوغ، وكأن السر فيه أنه لا ينسب إليهم إذ ذاك عقوق فيكون الحزن عليهم أشد. # وفي الحديث ما كان عليه نساء الصحابة من الحرص على تعلم أمور الدين، وفيه ~~جواز الوعد، وأن أطفال المسلمين في الجنة، وأن من مات له ولدان حجباه من ~~النار، ولا اختصاص لذلك بالنساء كما سيأتي التنصيص عليه في الجنائز. # * تنبيه: # حديث أبي هريرة مرفوع، والواو في قوله: "وقال" للعطف على [151 / أ] محذوف ~~تقديره مثله، أي: مثل حديث أبي سعيد، والواو في قوله: "وعن عبد الرحمن" ~~للعطف على قوله أولا: "عن عبد الرحمن"، والحاصل أن شعبة يرويه عن عبد ~~الرحمن بإسنادين، فهو موصول، ووهم من زعم أنه معلق. PageV02P199 ### || AUTO 36 - باب: من سمع شيئا، فراجعه حتى يعرفه # 102 - حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن عمر، قال: حدثني ابن ~~أبي مليكة، أن عائشة، زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت لا تسمع شيئا ~~لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"من حوسب عذب". قالت عائشة: فقلت: أو ليس يقول الله تعالى: {فسوف يحاسب ~~حسابا يسيرا (8)} [الإنشقاق: 8]. قالت: فقال: "إنما ذلك العرض، ولكن من ~~نوقش الحساب يهلك". # قوله: (باب من سمع شيئا) زاد أبو ذر: "فلم يفهمه". # قوله: (فراجعه) أي: راجع الذي سمعه منه، وللأصيلي: "فراجع ms334 فيه". # قؤله: (أن عائشة) ظاهر أوله الإرسال؛ لأن ابن أبي مليكة تابعي لم يدرك ~~مراجعة عائشة النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكن تبين وصله بعد في قوله: ~~"قالت عائشة: فقلت". # قوله: (كانت لا تسمع) أتى بالمضارع استحضارا للصورة الماضية لقوة تحققها. # قوله: (إنما ذلك) بكسر الكاف. # (العرض) أي: عرض الناس على الميزان. # قوله: (نوقش) بالقاف والمعجمة من المناقشة، وأصلها الاستخراج، ومنه نقش ~~الشوكة إذا استخرجها، والمراد هنا: المبالغة في الاستيفاء، والمعنى: أن ~~تحرير الحساب يفضي إلى استحقاق العذاب، لأن حسنات العبد موقوفة على القبول، ~~وإن لم تقع الرحمة المقتضية [للقبول] (¬1) لا يحصل النجاء. # قوله في آخره: (يهلك) بكسر اللام وإسكان الكاف. PageV02P200 # وفي الحديث ما كان عند عائشة من الحرص على تفهم معاني الحديث، وأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لم يكن يتضجر من المراجعة في العلم، وفيه جواز ~~المناظرة، ومقابلة السنة بالكتاب، وتفاوت الناس في الحساب، وغير ذلك. ~~وسيأتي باقيه في كتاب الرقاق، وكذا الكلام على انتقاد الدارقطني لإسناده إن ~~شاء الله تعالى. PageV02P201 ### || AUTO 37 - باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب قاله ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - # 104 - حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثني الليث، قال: حدثني سعيد، عن ~~أبي شريح، أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها ~~الأمير أحدثك قولا قام به النبي - صلى الله عليه وسلم - الغد من يوم الفتح، ~~سمعته أذناي ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلم به، حمد الله وأثنى عليه ~~ثم قال: "إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فيها فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن ~~لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ~~وليبلغ الشاهد الغائب". فقيل لأبي شريح: ما قال عمرو؟ قال: أنا أعلم منك يا ~~أبا شريح، لا تعيذ عاصئا، ولا ms335 فارا بدم، ولا فارا بخربة. # قؤله: (ليبلغ العلم) هو بالنصب، و (الشاهد) بالرفع. # و(الغائب) منصوب أيضا؛ لأنه المفعول الأول، "والعلم" المفعول الثاني وإن ~~قدم في الذكر. # قوله: (قاله ابن عباس) أي: رواه، وليس هو في شيء من طرق حديث ابن عباس ~~بهذه الصورة، وإنما هو في روايته، ورواية غيره بحذف "العلم"، وكأنه أراد ~~بالمعنى، لأن المأمور بتبليغه هو العلم. # قوله: (عن أبي شريح) هو الخزاعي الصحابي المشهور. # و(عمرو بن سعيد) هو ابن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية القرشي [151 / ~~ب] الأموي، يعرف: بالأشدق، وليست له صحبة، ولا كان من التابعين بإحسان. # قوله: (وهو يبعث البعوث) أي: يرسل الجيوش إلى مكة لقتال عبد الله بن ~~الزبير؛ PageV02P202 # لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية، واعتصم بالحرم، وكان عمرو والي ~~يزيد على المدينة. # قوله: (ائذن لي) فيه حسن التلطف في الإنكار على أمراء الجور ليكون أدعى ~~لقبولهم. # قوله: (أحدثك) بالجزم لأنه جواب الأمر. # قوله: (قام) صفة للقول، والمقول هو: "حمد الله" إلى آخره. # قوله: (الغد) بالنصب؛ أي: أنه خطب في اليوم الثاني من فتح مكة. # قوله: (سمعته أذناي. . . . إلى آخره) أراد أنه بالغ في حفظه والتثبت فيه، ~~وأنه لم يأخذه بواسطة، وأتى بالتثنية تأكيدا، والضمير في قوله: "تكلم به" ~~عائد على قوله: "قولا". # قوله: (ولم يحرمها الناس) بالضم؛ أي: تحريمها كان بوحي من الله لا من ~~اصطلاح الناس. # قوله: (يسفك) بكسر الفاء وحكي ضمها. # (بها) وللمستملي: "فيها". # قوله: (ولا يعضد) بكسر الضاد المعجمة وفتح الدال، أي: يقطع بالمعضد: وهو ~~آلة كالفأس. # قوله: (وإنما أذن لي ساعة) أي: الله وروي بضم الهمزة، وفي قوله: "لي" ~~التفات؛ لأن نسق الكلام: وإنما أذن له، أي: لرسوله. # قوله: (ساعة) أي: مقدارا من الزمان، والمراد به يوم الفتح، وفي مسند أحمد ~~من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن ذلك كان من طلوع الشمس إلى العصر ~~(¬1)، والمأذون له فيه القتال لا قطع الشجر. # قوله: (ما قال عمرو) أي: في جوابك. # قوله: (لا تعيذ) بضم ms336 المثناة أوله وآخره ذال معجمة، أي: مكة لا تعصم ~~العاصي PageV02P203 # عن إقامة الحد عليه. # قوله: (ولا فارا) بالفاء والراء المشددة، أي: هاربا عليه دم يعتصم بمكة ~~كيلا يقتص منه. # قوله: (بخربة) بفتح المعجمة وإسكان الراء ثم موحدة، يعني: السرقة، كذا ~~ثبت تفسيرها في رواية المستملي. قال ابن بطال: الخربة بالضم: الفساد، ~~وبالفتح: السرقة. # وقد تشدق عمرو في الجواب، وأتى بكلام ظاهره حق أراد به الباطل، فإن ~~الصحابي أنكر عليه نصب الحرب على مكة، فأجابه بأنها لا تمنع من [152 / أ] ~~إقامة القصاص، وهو صحيح إلا أن ابن الزبير لم يرتكب أمرا يجب عليه فيه شيء ~~من ذلك. وسنذكر مباحث هذا الحديث في كتاب الحج، وما للعلماء من الاختلاف في ~~القتال في الحرم إن شاء الله. # وفي الحديث [شرف] (¬1) مكة، وتقديم الحمد والثناء على القول المقصود، ~~وإثبات خصائص الرسول - صلى الله عليه وسلم -، واستواء المسلمين معه في ~~الحكم إلا ما ثبت تخصيصه به، ووقوع النسخ، وفضل أبي شريح لاتباعه أمر النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بالتبليغ عنه، وغير ذلك. PageV02P204 # 104 - حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، قال: حدثنا حماد، عن أيوب، عن محمد، ~~عن ابن أبي بكرة، عن أبي بكرة، ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فإن ~~دماءكم وأموالكم -قال محمد: وأحسبه قال: وأعراضكم- عليكم حرام كحرمة يومكم ~~هذا في شهركم هذا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب". وكان محمد يقول: صدق ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ذلك "ألا هل بلغت" مرتين. # قوله: (حدثنا حماد) هو ابن زيد. # قوله: (عن محمد) هو ابن سيرين، عن ابن أبي بكرة، عن أبي بكرة، كذا ~~للمستملي والكشميهني، وسقط: "عن ابن أبي بكرة" للباقين، فصار منقطعا؛ لأن ~~محمدا لم يسمع من أبي بكرة، وفي رواية: "عن محمد بن أبي بكرة" وهي خطأ، ~~وكأن "عن" سقطت منها، وقد تقدم هذا الحديث في أوائل كتاب العلم (¬1) من ~~طريق أخرى عن محمد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه وهو الصواب. # قوله: (ذكر النبي - صلى الله ms337 عليه وسلم -) فيه اختصار، وقد قدمنا توجيهه ~~هناك، وكأنه حدث بحديث ذكر [فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا من ~~كلامه ومن جملته قوله: "فإن] (¬2) دماءكم". إلى آخره. # قوله: (قال محمد) هو ابن سيرين. # قوله: (أحسبه) كأنه شك في قوله: "وأعراضكم" أقالها ابن أبي بكرة أم لا؟ ~~وقد تقدم في أوائل العلم الجزم بها، وهي منصوبة بالعطف. # قوله: (ألا هل بلغت) هذا من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو تكملة ~~الحديث، هذا هو المعتمد فلا يلتفت إلى ما عداه. والعلم عند الله تعالى. PageV02P205 ### || AUTO 38 - باب: إثم من كذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - # 105 - حدثنا علي بن الجعد، قال: أخبرنا شعبة، قال: أخبرني منصور، قال: ~~سمعت ربعي بن حراش يقول: سمعت عليا يقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا تكذبوا علي، فإنه من كذب علي فليلج النار". # قوله: (باب إثم من كذب على النبي - صلى الله عليه وسلم -) ليس في ~~الأحاديث التي في الباب تصريح بالإثم، وإنما هو مستفاد من الوعيد بالنار ~~على ذلك لأنه لازمه. # قوله: (منصور) هو ابن المعتمر الكوفي، وهو تابعي صغير. # و(ربعي) بكسر أوله وإسكان الموحدة، وأبوه حراش بكسر المهملة وهو من كبار ~~التابعين. # قوله: (سمعت عليا) هو ابن أبي طالب - رضي الله عنه -. # قوله: (لا تكذبوا علي) هو عام في كل كاذب، مطلق في كل نوع من الكذب، ~~ومعناه: لا تنسبوا الكذب إلي، ولا مفهوم لقوله: "علي" لأنه لا يتصور أن ~~يكذب له، لنهيه عن مطلق الكذب. # وقد اغتر قوم من الجهلة فوضعوا [152 / ب] أحاديث في الترغيب والترهيب، ~~وقالوا: نحن لم نكذب عليه، بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته، وما دروا أن تقويله ~~- صلى الله عليه وسلم - ما لم يقل يقتضي الكذب على الله تعالى؛ لأنه إثبات ~~حكم من الأحكام الشرعية، سواء أكان في الإيجاب أو الندب، وكذا مقابلهما، ~~وهذه المسألة مبسوطة في علوم الحديث، وفي ما كتبته عليه من النكت نفع الله بذلك. # قوله: (فليلج النار) جعل الأمر بالولوج مسببا ms338 عن الكذب، لأن لازم الأمر ~~الإلزام، والإلزام بولوج النار سببه الكذب عليه، أو هو بلفظ الأمر ومعناه ~~الخبر، ويؤيده رواية مسلم من طريق غندر عن شعبة بلفظ: "من يكذب علي يلج ~~النار" (¬1)، ولابن ماجه من طريق شريك عن منصور: "فإن الكذب علي يولج -أي: ~~يدخل- النار" (¬2). PageV02P206 # 107 - حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، عن جامع بن شداد، عن عامر بن ~~عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدث عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كما يحدث فلان وفلان. قال: أما إني لم أفارقه ~~ولكن سمعته يقول: "من كذب علي فليتبؤأ مقعده من النار". # قوله: (حدثنا أبو الوليد) هو الطيالسي. # و(جامع بن شداد) كوفي تابعي صغير. # وفي الإسناد لطيفتان: # إحداهما: أنه من رواية تابعي عن تابعي يرويه عن صحابي عن صحابي. # ثانيهما: أنه من رواية الأبناء عن الآباء بخصوص رواية الأب عن الجد، وقد ~~أفردت بالتصنيف. # قوله: (قلت للزبير) أي: ابن العوام. # قوله: (تحدث) حذف مفعولها ليشمل. # قوله: (كما يتحدث فلان وفلان) سمى منهما في رواية ابن ماجه: "عبد الله بن ~~مسعود" (¬1). # قوله: (أما) بالميم المخففة، وهي من حروف التنبيه. # و(إني) بكسر الهمزة. # و(لم أفارقه) أي: لم أفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، زاد ~~الإسماعيلي: "منذ أسلمت"، والمراد: في الأغلب، وإلا فقد هاجر الزبير إلى ~~الحبشة، وكذا لم يكن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حال هجرته إلى ~~المدينة، وإنما أورد هذا الكلام على سبيل التوجيه للسؤال؛ لأن لازم ~~الملازمة السماع، ولازمه عادة التحديث، لكن منعه من ذلك ما خشيه من معنى ~~الحديث الذي ذكره، ولهذا أتى بقوله: "لكن". PageV02P207 # قوله: (من كذب علي) كذا رواه البخاري ليس فيه "متعمدا"، وكذا أخرجه ~~الإسماعيلي من طريق غندر عن شعبة. # وأخرجه ابن ماجه من طريقه وزاد فيه: "متعمدا"، وكذا للإسماعيلي من طريق ~~معاذ عن شعبة، والاختلاف فيه عن شعبة. # وقد أخرجه الدارمي [153 / أ] من طريق أخرى عن عبد الله بن الزبير بلفظ: ~~"من حدث عني كذبا" ms339 (¬1)، ولم يذكر العمد. # وفي تمسك الزبير بهذا الحديث على ما ذهب إليه من اختيار قلة الحديث دليل ~~للأصح في أن الكذب: هو إخبار بالشيء علي خلاف ما هو عليه، سواء أكان عمدا ~~أم خطأ، والمخطئ وإن كان غير مأثوم بالإجماع لكن الزبير خشي من الإكثار أن ~~يقع في الخطأ وهو لا يشعر؛ لأنه وإن لم يأثم بالخطأ لكن قد يأثم بالإكثار ~~إذ الإكثار مظنة الخطأ. # والثقة إذا حدث بالخطأ فيحمل عنه وهو لا يشعر أنه خطأ يعمل به علي الدوام ~~للوثوق بنقله، فيكون سببا للعمل بما لم يقله الشارع، فمن خشي من الإكثار ~~الوقوع في الخطأ لا يؤمن عليه الإثم إذا تعمد الإكثار، فمن ثم توقف الزبير ~~وغيره من الصحابة عن الإكثار من التحديث، وأما من كثر منهم فمحمول علي أنهم ~~كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبت، أو طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم ~~فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان -رضي الله عنهم-. # قوله: (فليتبوأ) أي: فليتخذ لنفسه منزلا، يقال: تبوأ الرجل المكان إذا ~~اتخذه سكنا، وهو أمر بمعنى الخبر أيضا، أو بمعنى التهديد، أو بمعنى التهكم، ~~أو دعاء على فاعل ذلك، أي: بوأه الله ذلك. # وقال الكرماني: يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته، والمعنى: من كذب فليأمر ~~نفسه بالتبوء، ويلزم عليه. كذا قال وأولها أولاها. # قال الطيبي: فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزاؤه، أي: كما أنه قصد ~~في الكذب التعمد فليقصد في جزائه التبوء. PageV02P208 # 107 - حدثنا أبو معمر، قال: حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، قال أنس: ~~إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"من تعمد علي كذبا فليتبوأ مقعده من النار". # قوله: (حدثنا أبو معمر) هو البصري المقعد. # و(عبد الوارث) هو ابن سعيد. و (عبد العزيز) هو ابن صهيب والإسناد كله ~~بصريون. # قوله (حديثا) المراد به: جنس الحديث، ولهذا وصفه بالكثرة. # قوله: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم -) هو وما بعده في محل الرفع؛ لأنه ~~فاعل يمنعني، وإنما خشي أنس مما خشي منه ms340 الزبير، ولهذا صرح بلفظ الإكثار، ~~فكان التقليل منهم للاحتراز، ومع ذلك فأنس من المكثرين؛ لأنه تأخرت وفاته ~~فاحتيج إليه كما قدمنا ولم يمكنه الكتمان. PageV02P209 # 108 - حدثنا المكي بن إبراهيم، قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة، ~~قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من يقل علي ما لم أقل ~~فليتبوأ مقعده من النار". # قوله: (حدثنا المكي) هو اسم وليس بنسب كما تقدم، وهو من كبار [153 / ب] ~~شيوخ البخاري، سمع من سبعة عشر نفسا من التابعين، منهم: يزيد بن أبي عبيد، ~~وهو مولى سلمة بن الأكوع صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا الحديث ~~أول ثلاثي وقع في البخاري، وليس فيه أعلى من الثلاثيات، وقد أفردت فبلغت ~~أكثر من عشرين حديثا. # قوله: (من يقل) أصله: "يقول"، وإنما جزم بالشرط. # قوله: (ما لم أقل) أي: شيئا لم أقله، فحذف العائد وذكر القول؛ لأنه ~~الأكثر، وحكم الفعل كذلك لاشتراكهما في علة الامتناع. # وقد تمسك بظاهر هذا اللفظ من منع الرواية بالمعنى، وأجاب المجيزون عنه ~~بأن المراد النهي عن الإتيان بلفظ يوجب تغيير الحكم مع [أن] (¬1) الإتيان ~~باللفظ لا شك في أولويته، والله أعلم. PageV02P210 # 110 - حدثني موسى، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن ~~أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "تسموا باسمي ولا تكتنوا ~~بكنيتي، ومن رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي، ومن ~~كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". # قوله: (حدثني موسى) هو ابن إسماعيل التبوذكي. # قوله: (عن أبي حصين) هو بمهملتين مفتوح الأول. # و(أبو صالح) هو ذكوان السمان، وقد ذكر المؤلف هذا الحديث بتمامه في كتاب ~~الأدب من هذا الوجه (¬1)، ويأتي الكلام عليه فيه إن شاء الله تعالى. # وقد اقتصر مسلم في روايته له على الجملة الأخيرة (¬2) وهي مقصود الباب، ~~وإنما ساقه المؤلف بتمامه ولم يختصره كعادته؛ لينبه علي أن الكذب على النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - يستوي فيه اليقظة والمنام، والله -سبحانه وتعالى- أعلم. # فإن قيل: الكذب ms341 معصية إلا ما استثنى في الاصطلاح وغيره، والمعاصي قد توعد ~~عليها بالنار، فما الذي امتاز به الكاذب علي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من الوعيد على من كذب على غيره؟ # فالجواب عنه من وجهين: # أحدهما: أن الكذب عليه يكفر متعمده عند بعض أهل العلم، وهو الشيخ أبو ~~محمد الجويني، لكن ضعفه ابنه إمام الحرمين ومن بعده. ومال ابن المنير إلى ~~اختياره، ووجهه بأن الكاذب عليه في تحليل حرام مثلا لا ينفك عن استحلال ذلك ~~الحرام، أو الحمل على استحلاله، واستحلال ذلك الحرام كفر، والحمل على الكفر كفر. # وفيما قاله نظر لا يخفى، والجمهور على أنه لا يكفر إلا إن اعتقد حل ذلك. PageV02P211 # الجواب الثاني: أن الكذب عليه كبيرة، والكذب على غيره صغيرة فافترقا، ولا ~~يلزم من استواء الوعيد في حق من كذب عليه أو [154 / أ] كذب علي غيره أن ~~يكون مقرهما واحدا أو طول إقامتهما سواء، فقد دل قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "فليتبوأ" علي طول الإقامة فيها، بل ظاهره أنه لا يخرج منها، لأنه لم ~~يجعل له منزلا غيره؛ إلا أن الأدلة القطعية قامت على أن خلود التأبيد مختص ~~بالكافرين. # وقد فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الكذب عليه وبين الكذب على ~~غيره كما سيأتي في الجنائز في حديث المغيرة حيث يقول: "إن كذبا علي ليس ~~ككذب على أحد" (¬1). وسنذكر مباحثه هناك إن شاء الله تعالى، ونذكر فيه ~~الاختلاف في توبة من تعمد الكذب عليه هل تقبل أو لا؟ # * تنبيه: # رتب المصنف أحاديث الباب ترتيبا حسنا؛ لأنه بدأ بحديث علي وفيه مقصود ~~الباب وثنى بحديث الزبير الدال على توقي الصحابة وتحرزهم من الكذب عليه، ~~وثلث بحديث أنس الدال علي أن امتناعهم إنما كان من الإكثار المفضي إلى ~~الخطإ، لا عن أصحاب التحديث؛ لأنهم مأمورون بالتبليغ، وختم بحديث أبي هريرة ~~الذي فيه الإشارة إلى استواء تحريم الكذب عليه سواء أكانت دعوى السماع فيه ~~في اليقظة أم في المنام. # وقد أخرج البخاري حديث: "من كذب علي" من حديث ms342 المغيرة، وهو في الجنائز، ~~ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو في أخبار بني إسرائيل (¬2)، واتفق ~~مسلم معه على تخريج حديث علي وأنس وأبي هريرة والمغيرة (¬3)، وأخرجه مسلم ~~من حديث أبي سعيد (¬4). # وصح أيضا في غير الصحيحين من حديث عثمان بن عفان (¬5)، وابن مسعود (¬6)، PageV02P212 # وابن عمر (¬1)، وأبي قتادة (¬2)، وجابر (¬3)، وزيد بن أرقم (¬4). # وورد بأسانيد حسان من حديث طلحة بن عبيد الله (¬5)، وسعيد بن زيد (¬6)، ~~وأبي عبيدة بن الجراح (¬7)، ومعاذ بن جبل (¬8)، وعقبة بن عامر (¬9)، وعمران ~~بن حصين (¬10)، وسلمان الفارسي (¬11)، ومعاوية بن أبي سفيان (¬12)، ورافع ~~بن خديج (¬13)، وطارق الأشجعي (¬14)، والسائب بن يزيد (¬15)، وخالد بن ~~عرفطة (¬16)، وأبي أمامة (¬17)، وأبي قرصافة (¬18)، وأبي موسى الغافقي ~~(¬19)، وعائشة (¬20). PageV02P213 # فهؤلاء ثلاثون نفسا من الصحابة، وورد أيضا عن نحو من خمسين غيرهم بأسانيد ~~ضعيفة، وعن نحو من عشرين آخرين بأسانيد ساقطة. # وقد اعتنى جماعة من الحفاظ بجمع طرقه: # فأول من وقفت على كلامه في ذلك [154 / ب] إبراهيم الحربي وأبو بكر البزار ~~فقال كل منهما: إنه ورد من حديث أربعين من الصحابة. # وجمع طرقه أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد فزاد قليلا. # وقال أبو بكر الصيرفي شارح رسالة الشافعي: رواه ستون نفسا من الصحابة، ~~وجمع طرقه الطبراني فزاد قليلا. وقال أبو القاسم بن مندة: رواه أكثر من ~~ثمانين نفسا. # وقد جمع طرقه ابن الجوزي في مقدمة كتاب "الموضوعات" فجاوز التسعين، وبذلك ~~جزم ابن دحية. # ثم جمعها الحافظان يوسف بن خليل وأبو علي البكري وهما متعاصران فوقع لكل ~~منهما ما ليس عند الآخر، وتحصل من مجموع ذلك كله رواية مائة من الصحابة، ~~على ما فصلته من صحيح وحسن وضعيف وساقط، مع أن فيها ما هو في مطلق ذم الكذب ~~عليه من غير تقييد بهذا الوعيد الخاص. # ولأجل كثرة طرقه أطلق عليه جماعة أنه متواتر، ونازع بعض مشايخنا في ذلك، ~~قال: لأن شرط المتواتر استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة، وليست موجودة في ~~كل طريق بمفردها. # وأجيب: بأن المراد بإطلاق كونه متواترا رواية المجموع عن المجموع من ms343 ~~ابتدائه إلى انتهائه في كل عصر، وهذا كاف في إفادة العلم، وأيضا فطريق أنس ~~وحدها قد رواها عنه العدد الكثير وتواترت عنهم. PageV02P214 # نعم؛ وحديث علي رواه عنه ستة من مشاهير التابعين وثقاتهم، وكذا حديث ابن ~~مسعود، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، فلو قيل في كل منها أنه متواتر عن ~~صحابيه لكان صحيحا. # فإن العدد المعين لا يشترط في المتواتر، بل ما أفاد العلم كفى، والصفات ~~العلية في الرواية تقوم مقام العدد أو تزيد عليه كما قررته في نكت علوم ~~الحديث وفي شرح نخبة الفكر، وبينت هناك الرد علي من ادعى أن مثال المتواتر ~~لا يوجد إلا في هذا الحديث، وبينت أن أمثلته كثيرة، منها: حديث: "من بنى ~~لله مسجدا"، "والمسح على الخفين"، و"رفع اليدين"، و"الشفاعة"، و"الحوض"، ~~و"رؤية الله في الآخرة"، و"الأئمة من قريش"، وغير ذلك، والله المستعان. PageV02P215 ### || AUTO 39 - باب: كتابة العلم # 111 - حدثنا ابن سلام، قال: أخبرنا وكيع، عن سفيان، عن مطرف، عن الشعبي، ~~عن أبي جحيفة، قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو ~~فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: كما في هذه الصحيفة؟ ~~قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر. # قوله: (باب كتابة العلم) طريقة البخاري في الأحكام التي يقع فيها ~~الاختلاف ألا يجزم فيها بشيء، بل يوردها على [155 /أ] الاحتمال، وهذه ~~الترجمة من ذلك؛ لأن السلف اختلفوا في ذلك عملا وتركا، وإن كان الأمر استقر ~~والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه، بل لا يبعد وجوبه ~~على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم. # قوله: (حدثنا ابن سلام) كذا للأصيلي، واسمه محمد، وقد صرح به أبو ذر وغيره. # قوله: (عن سفيان) هو الثوري؛ لأن وكيعا مشهور بالرواية عنه، وقال أبو ~~مسعود الدمشقي في الأطراف: يقال إنه ابن عيينة. # قلت: لو كان ابن عيينة لنسبه، لأن القاعدة في كل [من] (¬1) روى عن متفقي ~~الاسم أن يحمل من أهمل نسبته على من يكون ms344 له به خصوصية من إكثار ونحوه كما ~~قدمناه قبل هذا، وهكذا نقول هنا؛ لأن وكيعا قليل الرواية عن ابن عيينة ~~بخلاف الثوري. # قوله: (عن مطرف) هو بفتح الطاء المهملة وكسر الراء، ابن طريف بطاء مهملة أيضا. # قوله: (عن الشعبي) وللمصنف في الديات: "سمعت الشعبي" (¬2). PageV02P216 # قوله: (عن أبي جحيفة) هو وهب السوائي، وقد صرح بذلك الإسماعيلي في ~~روايته، وللمصنف في الديات: سمعت أبا جحيفة، والإسناد كله كوفيون إلا شيخ ~~البخاري وقد دخل الكوفة، وهو من رواية صحابي عن صحابي. # قوله: (قلت لعلي) هو ابن أبي طالب - رضي الله عنه -. # قوله: (هل عندكم) الخطاب لعلي، والجمع إما لإرادته مع بقية أهل البيت أو ~~للتعظيم. # قوله: (كتاب) أي: مكتوب أخذتموه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما ~~أوحي إليه، ويدل على ذلك رواية المصنف في الجهاد: "هل عندكم شيء من الوحي ~~إلا ما في كتاب الله؟ " (¬1). وله في الديات: "هل عندكم شيء مما ليس في ~~القرآن؟ " (¬2). وفي مسند إسحاق بن راهويه عن جرير عن مطرف: "هل علمت شيئا ~~من الوحي؟ ". # وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند ~~أهل البيت -لاسيما عليا- أشياء من الوحي خصهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بها لم يطلع غيرهم عليها. # وقد سأل عليا عن هذه المسألة أيضا قيس بن عباد وهو بضم المهملة وتخفيف ~~الموحدة، والأشتر النخعي، وحديثهما في سنن النسائي (¬3). # قوله: (قال لا) زاد المصنف في الجهاد "لا والذي [155 / ب] فلق الحبة وبرأ ~~النسمة" (¬4). # قوله: (إلا كتاب الله) هو بالرفع. PageV02P217 # وقال ابن المنير: فيه دليل علي أنه كان عنده أشياء مكتوبة من الفقه ~~المستنبط من كتاب الله، وهي المراد بقوله: "أو فهم أعطيه رجل"؛ لأنه ذكره ~~بالرفع، فلو كان الاستثناء من غير الجنس لكان منصوبا. # كذا قال؛ والظاهر أن الاستثناء فيه منقطع، والمراد بذكر الفهم إثبات ~~الزيادة على ما في الكتاب. # وقد رواه المصنف في الديات بلفظ: "ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فهما ~~يعطى رجل في الكتاب" ms345 فالاستثناء الأول مفرغ والثاني منقطع، معناه: لكن إن ~~أعطى الله رجلا فهما في كتابه فهو يقدر على الاستنباط فتحصل عنده الزيادة ~~بذلك الاعتبار. # وقد روى أحمد بإسناد حسن من طريق طارق بن شهاب، قال: شهدت عليا على ~~المنبر وهو يقول: "والله ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة" ~~(¬1). وهو يؤيد ما قلناه أنه لم يرد بالفهم شيئا مكتوبا. # قوله: (الصحيفة) أي: الورقة المكتوبة، وللنسائي من طريق الأشتر: "فأخرج ~~كتابا من قراب سيفه". # قوله: (العقل) أي: الدية، وإنما سميت به لأنهم كانوا يعطون فيها الإبل ~~ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال: وهو الحبل، ووقع في رواية ابن ماجة ~~بدل "العقل" "الديات" (¬2)، والمراد أحكامها ومقاديرها وأصنافها. # قوله: (وفكاك) هو بكسر الفاء وفتحها، وقال القزاز (¬3): -بالفتح أفصح-، ~~والمعنى: أن فيها حكم تخليص الأسير من يد العدو والترغيب في ذلك. # قوله: (ولا يقتل) بضم اللام، وللكشميهني: "وألا يقتل"، بفتح اللام، وعطفت ~~الجملة علي المفرد؛ لأن التقدير: فيها -أي: الصحيفة- حكم العقل وحكم تحريم ~~قتل PageV02P218 # المسلم بالكافر، وسيأتي الكلام على مسألة قتل المسلم بالكافر في كتاب ~~القصاص إن شاء الله تعالى. # ووقع للمصنف ومسلم من طريق يزيد التيمي عن علي قال: "ما عندنا شيء نقرؤه ~~إلا كتاب الله وهذه الصحيفة فإذا فيها: المدينة حرم. . . ." الحديث (¬1). # ولمسلم عن أبي الطفيل، عن علي: "ما خصنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بشيء لم يعم به الناس كافة إلا ما في قراب سيفي هذا". فأخرج صحيفة مكتوبة ~~فيها: "لعن الله من ذبح لغير الله. . . ." (¬2) الحديث. # وللنسائي من طريق الأشتر وغيره عن علي: "فإذا فيها: المؤمنون تتكافأ ~~دماؤهم، يسعى بذمتهم [156 / أ] أدناهم. . . ." الحديث (¬3). # ولأحمد من طريق طارق بن شهاب "فيها فرائض الصدقة" (¬4). # والجمع بين الأحاديث أن الصحيفة كانت واحدة، وكان جميع ذلك مكتوبا فيها، ~~فنقل كل من الرواة عنه ما حفظه، والله أعلم. # وقد بين ذلك قتادة في روايته لهذا الحديث عن أبي حسان عن علي، وبين أيضا ~~السبب في سؤالهم لعلي - رضي الله عنه - عن ذلك، أخرجه ms346 أحمد والبيهقي في ~~"الدلائل" من طريق أبي حسان أن عليا: كان يأمر بالأمر فيقال: قد فعلناه، ~~فيقول: صدق الله ورسوله، فقال له الأشتر: هذا الذي تقول أهو شيء عهده إليك ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة دون الناس (¬5)؟ فذكره بطوله. PageV02P219 # 112 - حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي ~~سلمة، عن أبي هريرة، أن خزاعة، قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل ~~منهم قتلوه، فأخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فركب راحلته، فخطب ~~فقال: "إن الله حبس عن مكة القتل أو الفيل -قال أبو عبد الله: كذا قال أبو ~~نعيم، واجعلوا على الشك الفيل أو القتل، وغيره يقول: الفيل- وسلط عليهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي، ~~ولا تحل لأحد بعدي، ألا وإنها حلت لي ساعة من نهار، ألا وإنها ساعتي هذه ~~حرام، لا يختلى شوكها، ولا يعضد شجرها، ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد، فمن ~~قتل فهو بخير النظرين إما أن يعقل، وإما أن يقاد أهل القتيل". فجاء رجل من ~~أهل اليمن فقال اكتب لي يا رسول الله. فقال: "اكتبوا لأبي فلان". فقال رجل ~~من قريش إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا. فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إلا الإذخر، إلا الإذخر". # قوله: (حدثنا شيبان) هو ابن عبد الرحمن، يكنى أبا معاوية، وهو بفتح الشين ~~المعجمة بعدها ياء تحتانية ثم موحدة، وليس في البخاري بهذه الصورة غيره. # قوله: (عن يحيى) هو ابن أبي كثير. # قوله: (عن أبي سلمة) في رواية المصنف في الديات: "ثنا أبو سلمة: ثنا أبو ~~هريرة" (¬1). # قوله: (أن خزاعة) أي: القبيلة المشهورة، والمراد واحد منهم، فأطلق عليه ~~اسم القبيلة مجازا، واسم هذا القاتل خراش بن أمية الخزاعي، والمقتول في ~~الجاهلية منهم اسمه أحمر، والمقتول في الإسلام من بني ليث لم يسم (¬2). PageV02P220 # قوله: (حبس) أي: منع عن مكة. # (القتل) أي: بالقاف والمثناة من فوق. # (أو الفيل) أي: بالفاء المكسورة ms347 بعدها ياء تحتانية. # قوله: (كذا قال أبو نعيم) أراد البخاري أن الشك فيه من شيخه. # قوله: (وغيره يقول: الفيل) أي: بالفاء ولا يشك، والمراد بالغير: من رواه ~~عن شيبان رفيقا لأبي نعيم: وهو عبيد الله بن موسى، ومن رواه عن يحيى رفيقا ~~لشيبان: وهو حرب بن شداد كما سيأتي بيانه عند المصنف في الديات (¬1). # والمراد بحبس الفيل أهل الفيل، وأشار بذلك إلى القصة المشهورة للحبشة في ~~غزوهم مكة ومعهم الفيل، فمنعها الله منهم، وسلط عليهم الطير الأبابيل مع ~~كون أهل مكة إذ ذاك كانوا كفارا، فحرمة أهلها بعد الإسلام آكد، لكن غزو ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إياها مخصوص به على ظاهر هذا الحديث وغيره، ~~وسيأتي الكلام علي المسألة في كتاب الحج مفصلا إن شاء الله. # قوله: (وسلط) هو بضم أوله. # و(رسول) مرفوع. PageV02P221 # و (المؤمنون) معطوف عليه. # قوله: [156 / ب] (ولا تحل) للكشميهني: "ولم تحل"، وللمصنف في اللقطة من ~~طريق الأوزاعي عن يحيى: "ولن" (¬1)، وهي أليق بالمستقبل. # قوله: (لا يختلى) بالخاء المعجمة، أي لا يحصد، يقال خليته إذا قطعته، ~~وذكر الشوك دال على منع قطع غيره من باب أولى، وسيأتي ذكر الخلاف فيه في ~~الحج إن شاء الله تعالى. # قوله: (إلا لمنشد) أي: معرف، وسيأتي الكلام علي هذه المسألة في كتاب ~~اللقطة إن شاء الله تعالى. # قوله: (فمن قتل فهو بخير النظرين) كذا وقع هنا، وفيه حذف وقع بيانه في ~~رواية المصنف في الديات عن أبي نعيم بهذا الإسناد: "فمن قتل له قتيل". # قوله: (وإما أن يقاد) هو بالقاف، أي: يقتص، ووقع في رواية لمسلم: "إما أن ~~يفادي" (¬2)، بالفاء وزيادة ياء بعد الدال. # والصواب أن الرواية على وجهين، من قالها بالقاف قال فيما قبلها: "إما أن ~~يعقل" من العقل: وهو الدية، ومن قالها بالفاء قال فيما قبلها: "إما أن ~~يقتل" بالقاف والمثناة، والحاصل تفسير "النظرين" بالقصاص أو الدية، وفي ~~المسألة بحث يأتي في الديات إن شاء الله تعالى. # قوله: (فجاء رجل من أهل اليمن) هو أبو شاه بهاء منونة، وسيأتي ms348 في اللقطة ~~مسمى، والإشارة إلى من حرفه، وهناك من الزيادة عن الوليد بن مسلم: "قلت ~~للأوزاعي: ما قوله: "اكتبوا لي؟ " قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -". قلت: وبهذا تظهر مطابقة الحديث للترجمة. PageV02P222 # قوله: (فقال رجل من قريش) هو العباس بن عبد المطلب كما يأتي في اللقطة، ~~ووقع في رواية لابن أبي شيبة: "فقال رجل من قريش يقال: له شاه" (¬1). وهو غلط. # قوله: (إلا الإذخر) هو في روايتنا بالنصب، ويجوز رفعه على البدل مما قبله. # قوله: (إلا الإذخر إلا الإذخر) كذا هو في روايتنا، والثانية على سبيل ~~التأكيد. PageV02P223 # 113 - حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عمرو، قال: ~~أخبرني وهب بن منبه، عن أخيه، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: ما من أصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد ~~الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب. تابعه معمر، عن همام، عن أبي هريرة. # قوله: (حدثنا عمرو) هو ابن دينار المكي. # قوله: (عن أخيه) هو همام بن منبه بتشديد الموحدة المكسورة، وكان أكبر منه ~~سنا، لكن تأخرت وفاته عن وهب، وفي الإسناد ثلاثة من التابعين من طبقة ~~متقاربة أولهم عمرو. # قوله: (فإنه كان يكتب ولا أكتب) فهذا استدلال من أبي هريرة على ما ذكره ~~من أكثرية ما عند عبد الله بن عمرو -أي: ابن العاص- على ما عنده. # ويستفاد من ذلك أن أبا هريرة كان جازما بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثا ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - منه إلا [157 /أ] عبد الله، مع أن الموجود ~~المروي عن عبد الله بن عمرو أقل من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعاف ~~مضاعفة. # فإن قلنا: الاستثناء منقطع فلا إشكال؛ إذ التقدير لكن الذي كان من عبد ~~الله وهو الكتابة لم يكن مني، سواء لزم منه كونه أكثر حديثا لما تقتضيه ~~العادة أم لا. # وإن قلنا: الاستثناء متصل فالسبب فيه من جهات: # أحدها: أن عبد الله كان ms349 مشتغلا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم فقلت ~~الرواية عنه. # ثانيها: أنه كان أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف، ولم تكن ~~الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصديا ~~فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات، ويظهر هذا من كثرة من حمل عن أبي هريرة، ~~فقد ذكر البخاري أنه روى عنه ثمانمائة نفس من التابعين، ولم يقع هذا لغيره. PageV02P224 # ثالثها: ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - بألا ~~ينسى ما يحدثه به كما سنذكره قريبا. # رابعها: أن عبد الله كان قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب، ~~فكان ينظر فيها ويحدث منها، فتجنب الأخذ عنه كثير من أئمة التابعين، والله أعلم. # قوله: (تابعه معمر) أي: ابن راشد، يعني: تابع وهب بن منبه في روايته لهذا ~~الحديث عن همام، والمتابعة المذكورة أخرجها عبد الرزاق عن معمر (¬1)، ~~وأخرجها أبو بكر بن علي المروزي في كتاب العلم له عن حجاج بن الشاعر عنه. # وروى أحمد والبيهقي في "المدخل" من طريق عمرو بن شعيب، عن مجاهد، ~~والمغيرة بن حكيم قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: "ما كان أحد أعلم بحديث رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان ~~يكتب بيده ويعي بقلبه، وكنت أعي ولا أكتب، استأذن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في الكتاب عنه فأذن له" (¬2). إسناده حسن، ولا يلزم منه أن ~~يكونا في الوعي سواء؛ لما قدمناه من اختصاص أبي هريرة بالدعاء بعدم ~~النسيان. # ويستفاد منه ومن حديث علي المتقدم ومن قصة أبي شاه أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أذن في كتابة الحديث عنه، وهو يعارض حديث أبي سعيد الخدري أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن". ~~رواه مسلم (¬3). # والجمع بينهما أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن ~~في [157/ ب] غير ذلك، أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع ms350 القرآن في شيء ~~واحد والإذن في تفريقهما، أو النهي متقدم والإذن ناسخ له عند الأمن من ~~الالتباس وهو أقربها مع أنه لا ينافيها. PageV02P225 # وقيل: النهي خاص لمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن ~~أمن منه ذلك، ومنهم من أعل حديث أبي سعيد، وقال: الصواب وقفه على أبي سعيد، ~~قاله البخاري وغيره. # قال العلماء: كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث، واستحبوا أن ~~يؤخذ عنهم حفظا كما أخذوا حفظا، لكن لما قصرت الهمم وخشي الأئمة ضياع العلم دونوه. # وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد ~~العزيز، ثم كثر التدوين، ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير. ولله الحمد. PageV02P226 # 114 - حدثنا يحيى بن سليمان، قال: حدثني ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ~~ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: لما اشتد بالنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وجعه قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا ~~بعده". قال عمر: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - غلبه الوجع وعندنا كتاب ~~الله حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللغط. قال: "قوموا عني، ولا ينبغي عندي ~~التنازع". فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وبين كتابه. # (أخبرني يونس) هو ابن يزيد. # قوله: (عن عبيد الله بن عبد الله) أي ابن عتبة بن مسعود. # قوله: (لما اشتد) أي: قوي. # قوله: (وجعه) أي: في مرض موته، وللمصنف في المغازي: "لما حضر" (¬1)، ~~وللإسماعيلي: "لما حضرت النبي - صلى الله عليه وسلم - الوفاة"، وللمصنف من ~~حديث سعيد بن جبير أن ذلك كان يوم الخميس (¬2)، وهو قبل موته - صلى الله ~~عليه وسلم - بأربعة أيام. # قوله: (بكتاب) أي: "بأدوات الكتاب، ففيه مجاز الحذف، وقد صرح بذلك في ~~رواية لمسلم قال: "ائتوني بالكتف والدواة" (¬3). والمراد بالكتف: عظم ~~الكتف؛ لأنهم كانوا يكتبون فيها. # قوله: (أكتب) هو بإسكان الباء جواب الأمر، ويجوز الرفع على الاستئناف، ~~وفيه مجاز أيضا؛ أي: آمر بالكتابة، ويحتمل أن يكون على ms351 ظاهره، كما سيأتي ~~البحث في المسألة في كتاب الصلح إن شاء الله تعالى. PageV02P227 # وفي مسند أحمد من حديث علي أنه المأمور بذلك، ولفظه: "أمرني النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أن آتيه بطبق -أي: كتف- يكتب ما لا تضل أمته من بعده" (¬1). # قؤله: (كتابا) بعد قوله: "بكتاب" فيه الجناس التام بين الكلمتين وإن كانت ~~إحداهما بالحقيقة والأخرى بالمجاز. # قوله: (لا تضلوا) هو نفي، وحذفت النون في الروايات التي اتصلت لنا؛ لأنه ~~بدل من جواب الأمر، وتعدد جواب الأمر من غير حرف العطف جائز. # قوله: (غلبه الوجع) أي: فيشق عليه إملاء الكتاب أو مباشرة الكتاب، وكأن ~~عمر فهم من ذلك أنه يقتضي التطويل. # قال القرطبي وغيره: "ائتوني" أمر، وكان حق المأمور أن يبادر إلى الامتثال ~~[158/ أ] لكن ظهر لعمر مع طائفة أنه ليس على الوجوب، وأنه من باب الإرشاد ~~إلى الأصلح، فكرهوا أن يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة، مع ~~استحضارهم قوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38]. وقوله ~~تعالى: {تبيانا لكل شيء} [النحل: 89]. ولهذا قال عمر: "حسبنا كتاب الله". # وظهر لطائفة أخرى أن الأولى أن تكتب؛ لما فيه من امتثال أمره، وما يتضمنه ~~من زيادة الإيضاح. # ودل أمره لهم بالقيام على أن أمره الأول كان على الاختيار؛ ولهذا عاش - ~~صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك أياما ولم يعاود أمرهم بذلك، ولو كان واجبا ~~لم يتركه لاختلافهم؛ لأنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف، وقد كان ~~الصحابة يراجعونه في بعض الأمور ما لم يجزم بالأمر، فإذا عزم امتثلوا، ~~وسيأتي بسط ذلك في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى، وقد عد هذا من موافقة ~~عمر - رضي الله عنه -. # واختلف في المراد بالكتاب، فقيل: كان أراد أن يكتب كتابا ينص فيه على ~~الأحكام ليرتفع الاختلاف، وقيل: أراد أن ينص على أسامي الخلفاء بعده حتى لا ~~يقع بينهم الاختلاف، قاله سفيان بن عيينة، ويؤيده أنه - صلى الله عليه وسلم ~~- قال في أوائل مرضه وهو عند PageV02P228 # عائشة: "ادعي لي أباك وأخاك حتى ms352 أكتب كتابا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ~~ويقول قائل، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر". أخرجه مسلم وللمصنف معناه (¬1). # ومع ذلك فلم يكتب، والأول أظهر لقول عمر: "كتاب الله حسبنا" أي: كافينا، ~~مع أنه يشمل الوجه الثاني لأنه بعض أفراده، والله أعلم. # * فائدة: # قال الخطابي: إنما ذهب عمر إلى أنه لو نص بما يزيل الخلاف لبطلت فضيلة ~~العلماء وعدم الاجتهاد، وتعقبه ابن الجوزي بأنه لو نص على شيء أو أشياء لم ~~يبطل الاجتهاد؛ لأن الحوادث لا يمكن حصرها، قال: وإنما خاف عمر أن يكون ما ~~يكتبه في حالة غلبة المرض فيجد بذلك المنافقون سبيلا إلى الطعن في ذلك ~~المكتوب، وسيأتي ما يؤيده في أواخر المغازي. # قوله: (ولا ينبغي عندي التنازع) فيه إشعار بأن الأولى كان المبادرة إلى ~~امتثال الأمر، وإن كان ما اختاره عمر صوابا؛ إذ لم يتدارك ذلك النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بعد كما قدمناه. # قال القرطبي: واختلافهم في ذلك كاختلافهم في قوله لهم: "لا يصلين أحد ~~العصر إلا في بني قريظة" (¬2). فتخوف [158/ ب] ناس فوت الوقت فصلوا، وتمسك ~~آخرون بظاهر الأمر فلم يصلوا، فما عنف أحدا منهم من أجل الاجتهاد المسوغ ~~والقصد الصالح، والله أعلم. # قوله: (فخرج ابن عباس يقول) ظاهره أن ابن عباس كان معهم، وأنه في تلك ~~الحالة خرج قائلا هذه المقالة، وليس الأمر في الواقع على ما يقتضيه هذا ~~الظاهر، بل PageV02P229 # قول ابن عباس إنما كان يقوله عندما يحدث بهذا الحديث، وفي رواية معمر عند ~~المصنف في الاعتصام وغيره: قال عبيد الله: "فكان ابن عباس يقول" (¬1)، وكذا ~~لأحمد من طريق جرير بن حازم، عن يونس بن يزيد (¬2). # ووجه رواية حديث الباب أن ابن عباس لما حدث عبيد الله بهذا الحديث خرج من ~~المكان الذي كان به وهو يقول إلى آخره، وإنما يتعين حمله على غير ظاهره؛ ~~لأن عبيد الله تابعي من الطبقة الثانية لم يدرك القصة في وقتها؛ لأنه ولد ~~بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بمدة طويلة، ثم سمعها من ابن عباس بعد ms353 ~~ذلك بمدة أخرى، والله أعلم. # قوله: (الرزيئة) هي بفتح الراء وكسر الزاي بعدها ياء ثم همزة، وقد تسهل ~~الهمزة وتشدد الياء، ومعناها: المصيبة، وزاد في رواية معمر: "لاختلافهم ~~ولغطهم" (¬3)، أي: أن الاختلاف قد يكون سببا في حرمان الخير، كما وقع في ~~قصة الرجلين اللذين تخاصما فرفع تعيين ليلة القدر بسبب ذلك (¬4). # وفيه وقوع الاجتهاد بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما لم ينزل ~~عليه فيه، وسنذكر بقية ما يتعلق به في أواخر السيرة النبوية من كتاب ~~المغازي إن شاء الله تعالى. PageV02P230 ### || AUTO 40 - باب: العلم والعظة بالليل # 115 - حدثنا صدقة، أخبرنا ابن عيينة، عن معمر، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة. # وعمرو، ويحيى بن سعيد، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة، قالت استيقظ النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة فقال: "سبحان الله ماذا أنزل الليلة من ~~الفتن وماذا فتح من الخزائن، أيقظوا صواحب الحجر، فرب كاسية في الدنيا ~~عارية في الآخرة". # قوله: (باب العلم) أي: تعليم العلم بالليل. # و(العظة) تقدم أنها الوعظ، وأراد المصنف التنبيه على أن النهي عن الحديث ~~بعد العشاء مخصوص بما لا يكون في الخير. # قوله: (صدقة) هو ابن الفضل المروزي. # قوله: (عن هند) هي بنت الحارث الفراسية بكسر الفاء وبالسين المهملة، وفي ~~رواية الكشميهني بدلها: "عن امرأة". # قوله: (وعمرو) كذا في روايتنا بالرفع، ويجوز الكسر، والمعنى أن ابن عيينة ~~حدثهم عن معمر ثم قال: وعمرو، وهو ابن دينار، فعلى رواية الكسر يكون معطوفا ~~على معمر، وعلى رواية الرفع [159/ أ] يكون استئنافا، كان ابن عيينة حدث ~~بصيغة الأداء وقد جرت عادته بذلك. # وقد روى الحميدي (¬1) هذا الحديث في مسنده عن ابن عيينة قال: حدثنا معمر، ~~عن الزهري قال: وحدثنا عمرو، ويحيى بن سعيد، عن الزهري، فصرح بالتحديث عن ~~الثلاثة. # قوله: (ويحيى بن سعيد) هو الأنصاري، وأخطأ من قال: إنه القطان؛ لأنه لم ~~يسمع من الزهري ولا لقيه، ووقع في غير رواية أبي ذر: "عن امرأة" بدل قوله: ~~"عن هند" في الإسناد الثاني، والحاصل أن ms354 الزهري كان ربما أبهمها، وربما ~~سماها. PageV02P231 # قوله: (سبحان الله ماذا) "ما" استفهامية متضمنة لمعنى التعجب والتعظيم، ~~وعبر عن الرحمة بالخزائن لقوله تعالى: {خزائن رحمة ربي} [الإسراء: 100]. ~~وعن العذاب بالفتن لأنها أسبابه، قال الكرماني: ويحتمل أن تكون "ما" نكرة ~~موصوفة. # قوله: (أنزل) بضم الهمزة، وللكشميهني: "أنزل الله"، والمراد بالإنزال: ~~إعلام الملائكة بالأمر المقدور، أو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوحي ~~إليه في نومه ذلك بما سيقع بعده من الفتن، فعبر عنه بالإنزال. # قوله: (فتح من الخزائن) قال الداودي: الثاني هو الأول، والشيء قد يعطف ~~على نفسه تأكيدا؛ لأن ما يفتح من الخزائن يكون سببا للفتنة. # وكأنه فهم أن المراد بالخزائن خزائن فارس والروم وغيرهما مما فتح على ~~الصحابة؛ لكن المغايرة بين الخزائن والفتن أوضح؛ لأنهما غير متلازمين، وكم ~~من نائل من تلك الخزائن سالما من الفتن. # قوله: (صواحب الحجر) بضم الحاء وفتح الجيم، جمع حجرة: وهي منازل أزواج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما خصهن بالإيقاظ؛ لأنهن الحاضرات حينئذ، ~~أو من باب "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول". # قوله: (فرب كاسية) استدل به ابن مالك على أن "رب" في الغالب للتكثير؛ لأن ~~هذا الوصف للنساء وهن أكثر أهل النار. انتهى. # وهذا يدل لورودها في التكثير لا لأكثريتها فيه. # قوله: (عارية) بتخفيف الياء، وهي مجرورة في أكثر الروايات على النعت، ~~وقال السهيلي: إنه الأحسن عند سيبويه؛ لأن "رب" عنده حرف جر يلزم صدر ~~الكلام، قال: ويجوز الرفع على إضمار مبتدأ، والجملة في موضع النعت، أي: هي ~~عارية، والفعل الذي تتعلق به "رب" محذوف. انتهى # وأشار [159/ ب]- صلى الله عليه وسلم - بذلك إلى موجب استيقاظ أزواجه، أي: ~~لا ينبغي لهن أن يتغافلن عن العبادة ويعتمدن على كونهن أزواج النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. PageV02P232 # وفي الحديث جواز قول "سبحان الله" عند التعجب، وندبية ذكر الله بعد ~~الاستيقاظ وإيقاظ الرجل أهله بالليل للعبادة لاسيما عند آية تحدث. وسيأتي ~~بقية الكلام على هذا الحديث في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى. # وفي هذا الإسناد رواية الأقران في ms355 موضعين؛ أحدهما: ابن عيينة، عن معمر، ~~والثاني: عمرو، ويحيى، عن الزهري. وفيه رواية ثلاثة من التابعين في نسق، ~~وهند قد قيل إنها صحابية فإن صح فهو من رواية تابعي عن مثله عن صحابية عن مثلها. # و(أم سلمة) هي أم المؤمنين وكأن تلك الليلة كانت ليلتها. PageV02P233 ### || AUTO 41 - باب: السمر بالعلم # 116 - حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثنى الليث، حدثه عبد الرحمن بن خالد، ~~عن ابن شهاب، عن سالم، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، أن عبد الله بن عمر ~~قال: صلى لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء في آخر حياته، فلما سلم ~~قام فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ~~ظهر الأرض أحد". # قوله: (باب السمر) هو بفتح المهملة والميم، وقيل: الصواب إسكان الميم ~~لأنه اسم للفعل، ومعناه: الحديث بالليل قبل النوم، وبهذا يظهر الفرق بين ~~هذه الترجمة والتي قبلها. # قوله: (بالعلم) كذا في رواية أبي ذر بإضافة الباب إلى السمر، وفي رواية ~~غيره "باب السمر في العلم" بتنوين باب. # قوله: (حدثني الليث حدثه عبد الرحمن) أي أنه حدثه عبد الرحمن، وفي رواية ~~غير أبي ذر: حدثني عبد الرحمن، والليث وعبد الرحمن قرينان. # قوله: (عن سالم) أي: ابن عبد الله بن عمر. # قوله: (أبي حثمة) بفتح المهملة وسكون المثلثة، واسم أبي حثمة عبد الله بن ~~حذيفة العدوي، وأما أبو بكر الراوي تابعي مشهور لم يسم، وقد قيل: إن اسمه كنيته. # قوله: (صلى لنا) أي: إماما، وفي رواية: "بنا" بالموحدة. # قوله: (العشاء) أي: صلاة العشاء. # قوله: (في آخر حياته) جاء مقيدا من رواية جابر أن ذلك كان قبل موته - صلى ~~الله عليه وسلم - بشهر (¬1). PageV02P234 # قوله: (أرأيتكم) هو بفتح المثناة؛ لأنها ضمير المخاطب، والكاف ضمير ثان ~~لا محل لها من الإعراب، والهمزة الأولى للاستفهام، والرؤية بمعنى العلم أو ~~البصر، والمعنى أعلمتم أو أبصرتم ليلتكم، وهي منصوبة على المفعولية، ~~والجواب محذوف تقديره: "فاضبطوها". # وترد أرأيتكم للاستخبار كما في قوله تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم ms356 عذاب ~~الله} الآية [الأنعام: 40]. قال الزمخشري: المعنى أخبروني، ومتعلق ~~الاستخبار محذوف تقديره: "من تدعون"، ثم [160/ أ] بكتهم فقال: {أغير الله ~~تدعون} [الأنعام: 40]. انتهى # وإنما أوردت هذا؛ لأن بعض الناس نقل كلام الزمخشري من الآية إلى هذا ~~الحديث وفيه نظر؛ لأن التقدير يصير: "أخبروني ليلتكم هذه فاحفظوها" وليس ~~ذلك مطابقا لسياق الآية. # قوله: (فإن رأس) وللأصيلي: "فإن على رأس"، أي: عند انتهاء المائة. # قوله: (منها) فيه دليل على أن "من" تكون لابتداء الغاية في الزمان. # قوله: (لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض) أي: الآن موجودا أحد إذ ذاك، وقد ~~ثبت هذا التقدير عند المصنف من رواية شعيب، عن الزهري كما سيأتي في الصلاة ~~(¬1). PageV02P235 # 117 - حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا الحكم، قال: سمعت سعيد بن ~~جبير، عن ابن عباس، قال: بت في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث زوج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - عندها في ليلتها، ~~فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء، ثم جاء إلى منزله، فصلى أربع ~~ركعات، ثم نام، ثم قام، ثم قال: "نام الغليم" -أو كلمة تشبهها- ثم قام فقمت ~~عن يساره، فجعلني عن يمينه، فصلى خمس ركعات ثم صلى ركعتين، ثم نام حتى سمعت ~~غطيطه -أو خطيطه- ثم خرج إلى الصلاة. # قوله: (حدثنا الحكم) بفتحتين هو: ابن عتيبة بالمثناة تصغير عتبة، وهو ~~تابعي صغير وكان أحد الفقهاء. # قوله: (ثم جاء) أي: من المسجد. # قوله: (نام الغليم) بضم المعجمة، وهو من تصغير الشفقة، والمراد به ابن ~~عباس، ويحتمل أن يكون ذلك إخبارا منه - صلى الله عليه وسلم - بنومه، أو ~~استفهاما بحذف الهمزة وهو الواقع، ووقع في بعض النسخ: "يا أم الغليم" ~~بالنداء، وهو تصحيف لم تثبت به رواية. # قوله: (أو كلمة) بالشك من الراوي، والمراد بالكلمة: الجملة أو المفردة، ~~ففي رواية أخرى: "نام الغلام". # قوله: (غطيطه) بفتح الغين المعجمة: وهو صوت نفس النائم، والنخير أقوى منه. # قوله: (أو خطيطه) بالخاء المعجمة، والشك فيه من الراوي، وهو بمعنى الأول، ~~قاله الداودي، وقال ms357 ابن بطال: لم أجده بالخاء المعجمة عند أهل اللغة. وتبعه ~~القاضي عياض فقال: هو هنا وهم. انتهى # وقد نقل ابن الأثير عن أهل الغريب أنه دون الغطيط. # قوله: (ثم صلى ركعتين) أي: ركعتي الفجر، وأغرب الكرماني فقال: إنما فصل ~~بينهما وبين الخمس ولم يقل: سبع ركعات، لأن الخمس اقتدى ابن عباس به فيها ~~بخلاف الركعتين؛ أو لأن الخمس بسلام والركعتين بسلام آخر. انتهى PageV02P236 # وكأنه ظن أن الركعتين من جملة صلاة الليل وهو محتمل، لكن حملها على سنة ~~الفجر أولى ليحصل الختم بالوتر، وسيأتي تفصيل هذه المسألة في كتاب الصلاة ~~إن شاء الله تعالى. # ومناسبة [160/ ب] حديث ابن عمر للترجمة ظاهرة لقوله فيه: "قام فقال" بعد ~~قوله: "صلى العشاء". # وأما حديث ابن عباس فقال ابن المنير ومن تبعه: يحتمل أن يريد أن أصل ~~السمر يثبت بهذه الكلمة وهي قوله: "نام الغليم"، ويحتمل أن يريد ارتقاب ابن ~~عباس لأحوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا فرق بين التعلم من القول ~~والتعلم من الفعل، فقد سمر ابن عباس ليلته في طلب العلم، زاد الكرماني: أو ~~ما يفهم من جعله إياه على يمينه، كأنه قال له: قف على يميني، فقال: وقفت. # وكل ما ذكروه معترض؛ لأن كل من يتكلم بكلمة واحدة لا يسمى سامرا، وصنيع ~~ابن عباس يسمى سهرا لا سمرا، إذ السمر لا يكون إلا عن تحدث، قاله ~~الإسماعيلي، وأبعدها الأخير؛ لأن ما يقع بعد الانتباه من النوم لا يسمى سمرا. # وقال الكرماني تبعا لغيره أيضا: يحتمل أن يكون مراد البخاري أن الأقارب ~~إذا اجتمعوا لابد أن يجري بينهم حديث للمؤانسة، وحديثه - صلى الله عليه ~~وسلم - كله علم وفوائد. # قلت: والأولى من هذا كله أن مناسبة الترجمة مستفادة من لفظ آخر في هذا ~~الحديث بعينه من طريق أخرى، وهذا يصنعه المصنف كثيرا، يريد به تنبيه الناظر ~~في كتابه على الاعتناء بتتبع طرق الحديث، والنظر في مواقع ألفاظ الرواة؛ ~~لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن. # وإنما أراد البخاري هنا ما وقع ms358 في بعض طرق هذا الحديث مما يدل صريحا على ~~حقيقة السمر بعد العشاء، وهو ما أخرجه في التفسير وغيره من طريق كريب عن ~~ابن عباس قال: "بت في بيت ميمونة فتحدث رسول الله مع أهله ساعة ثم رقد. . . ~~." (¬1). PageV02P237 # فصحت الترجمة بحمد الله تعالى من غير حاجة إلى تعسف ولا رجم بالظن، ~~وسنذكر باقي مباحث هذا الحديث حيث ذكره المصنف مطولا في كتاب الصلاة إن شاء ~~الله تعالى. # ويدخل في هذا الباب حديث أنس "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطبهم بعد ~~العشاء"، وقد ذكره المصنف في كتاب الصلاة (¬1). # ولأنس حديث آخر في قصة أسيد بن حضير وقد ذكره المصنف في المناقب (¬2). # وحديث عمر: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمر مع أبي بكر في الأمر ~~من أمور المسلمين". أخرجه الترمذي، والنسائي (¬3) ورجاله ثقات، وهو صريح في ~~المقصود، إلا أن في إسناده اختلافا على علقمة، فلذلك لم يصح على شرطه. # وحديث عبد الله بن عمرو [161/ أ]: "كان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح لا يقوم إلا إلى عظيم صلاة". رواه أبو ~~داود، وصححه ابن خزيمة (¬4)، وهو من رواية أبي حسان، عن عبد الله وليس على ~~شرط البخاري، والله أعلم. PageV02P238 ### || AUTO 42 - باب: حفظ العلم # 118 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن ~~الأعرج، عن أبي هريرة، قال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان ~~في كتاب الله ما حدثت حديثا، ثم يتلو: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من ~~البينات والهدى} إلى قوله: {الرحيم} [البقرة: 159 - 160] إن إخواننا من ~~المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الانصار كان يشغلهم ~~العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لشبع بطنه ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون. # قوله: (باب حفظ العلم) لم يذكر في الباب شيئا عن غير أبي هريرة؛ وذلك ~~لأنه كان أحفظ الصحابة للحديث، قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من ms359 روى الحديث ~~في عصره، وقد كان ابن عمر يترحم عليه في جنازته ويقول: "كان يحفظ على ~~المسلمين حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -". رواه ابن سعد (¬1). # وقد دل الحديث الثالث من الباب على أنه لم يحدث بجميع محفوظه، ومع ذلك ~~فالموجود من حديثه أكثر من الموجود من حديث غيره من المكثرين. # ولا يعارض هذا ما تقدم من تقديمه عبد الله بن عمرو على نفسه في كثرة ~~الحديث؛ لأنا قدمنا الجواب عن ذلك؛ ولأن الحديث الثاني من الباب دل على أنه ~~لم ينس شيئا سمعه، ولم يثبت مثل ذلك لغيره. # قوله: (حدثنا عبد العزيز) هو الأويسي المدني، والإسناد كله مدنيون. # قوله: (أكثر أبو هريرة) أي: من الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، كما صرح به المصنف في البيوع من طريق شعيب عن الزهري (¬2)، وله فيه وفي ~~المزارعة من طريق PageV02P239 # إبراهيم بن سعد عن الزهري هنا زيادة وهي: "ويقولون: ما للمهاجرين ~~والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه" (¬1)، وبها تبين الحكمة في ذكره المهاجرين ~~والأنصار، ووضعه المظهر موضع المضمر على طريق الحكاية حيث قال: "أكثر أبو ~~هريرة" ولم يقل: "أكثرت". # قوله: (ولولا آيتان) مقول: "قال"، لا مقول: "يقولون". # وقوله: (ثم يتلو) مقول الأعرج، وذكره بلفظ المضارع استحضارا لصورة ~~التلاوة، ومعناه: لولا أن الله ذم الكاتمين للعلم ما حدث أصلا، لكن لما كان ~~الكتمان حراما وجب الإظهار، فلهذا حصلت الكثرة لكثرة ما عنده، ثم ذكر سبب ~~الكثرة بقوله: "إن إخواننا"، وأراد بصيغة الجمع: نفسه وأمثاله، والمراد ~~بالأخوة: أخوة الإسلام. # قوله: (يشغلهم) بفتح أوله من الثلاثي، وحكي ضمه وهو شاذ. # قوله: (الصفق) بإسكان الفاء، هو ضرب اليد على اليد، وجرت به عادتهم عند ~~عقد البيع. # قوله: (في أموالهم) أي: القيام على مصالح [161/ ب] زرعهم، ولمسلم: "كان ~~يشغلهم عمل أرضهم" (¬2). ولابن سعد: "كان يشغلهم القيام على أرضيهم" (¬3). # قوله: (وإن أبا هريرة) فيه التفات؛ إذ كان نسق الكلام أن يقول: وإني. # قوله: (لشبع) بلام التعليل للأكثر، وهو الثابت في غير البخاري أيضا، ~~وللأصيلي: "بشبع"، بموحدة أوله، ms360 وزاد المصنف في البيوع: "وكنت امرأ مسكينا ~~من مساكين الصفة" (¬4). PageV02P240 # قوله: (ويحضر) أي: من الأحوال. # (ويحفظ) أي: من الأقوال، وهما معطوفان على قوله: "يلزم"، وقد روى البخاري ~~في التاريخ، والحاكم في المستدرك من حديث طلحة بن عبيد الله شاهدا لحديث ~~أبي هريرة هذا (¬1). # واختلف في إسناد هذا الحديث على الزهري، فرواه مالك عنه هكذا، ووافقه ~~إبراهيم بن سعد (¬2)، وسفيان بن عيينة (¬3)، ورواه شعيب، عن الزهري، عن ~~سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن كلاهما، عن أبي هريرة (¬4)، ~~وتابعه يونس بن يزيد (¬5)، والإسنادان جميعا محفوظان، وصححهما الشيخان، ~~وزادوا في روايتهم عن الزهري شيئا سنذكره في الحديث الثاني. PageV02P241 # 119 - حدثنا أحمد بن أبي بكر أبو مصعب، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن ~~دينار، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول ~~الله، إني أسمع منك حديثا كثيرا أنساه. قال: "ابسط رداءك" فبسطته. قال: ~~فغرف بيديه، ثم قال: "ضم". فضممته فما نسيت شيئا بعد. # حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا ابن أبي فديك بهذا، أو قال: غرف بيده فيه. # قوله: (ثنا أحمد بن أبي بكر) هو الزهري المدني صاحب مالك، والإسناد كله ~~مدنيون أيضا، وكذا الذي بعده. # قوله: (كثيرا) هو صفة لقوله: "حديثا"؛ لأنه اسم جنس. # قوله: (فغرف) لم يذكر المغروف منه، وكأنها كانت إشارة محضة. # قوله: (ضم) وللكشميهني والباقين: "ضمه" وهو بفتح الميم، ويجوز ضمها، ~~وقيل: يتعين لأجل ضمة الهاء، ويجوز كسرها لكن مع إسكان الهاء أو كسرها. # قوله: (بعد) هو مقطوع الإضافة مبني على الضم، وتنكير "شيئا" بعد النفي ~~ظاهر العموم في عدم النسيان منه لكل شيء من الحديث وغيره. # ووقع في رواية ابن عيينة وغيره عن الزهري في الحديث الماضي: "فوالذي بعثه ~~بالحق ما نسيت شيئا سمعته منه" (¬1). # وفي رواية يونس عند مسلم: "فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به" (¬2)، ~~وهذا يقتضي تخصيص عدم النسيان بالحديث. # ووقع في رواية شعيب: "فما نسيت من مقالته تلك من شيء" (¬3). PageV02P242 # وهذا يقتضي تخصيص عدم النسيان ms361 بتلك المقالة فقط، لكن سياق الكلام يقتضي ~~ترجيح رواية يونس ومن وافقه؛ لأن أبا هريرة استدل بذلك على كثرة محفوظه من ~~الحديث، فلا يصح حمله على تلك المقالة وحدها، [162/ أ] ويحتمل أن تكون وقعت ~~له قضيتان، فالقضية التي رواها الزهري مختصة بتلك المقالة، والقضية التي ~~رواها سعيد المقبري عامة. # * فائدة: # المقالة المشار إليها في حديث الزهري أبهمت في جميع طرقه، وقد وجدتها ~~مصرحا بها في "الحلية" لأبي نعيم من طريق أخرى عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من رجل يسمع كلمة أو كلمتين مما فرض الله ~~فيتعلمهن ويعلمهن إلا دخل الجنة" (¬1). فذكر الحديث. # وفي هذين الحديثين فضيلة ظاهرة لأبي هريرة، ومعجزة واضحة من علامات ~~النبوة؛ لأن النسيان من لوازم الإنسان، وقد اعترف أبو هريرة بأنه كان يكثر ~~منه، ثم تخلف عنه ببركة النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وفي المستدرك من حديث زيد بن ثابت قال: كنت أنا وأبو هريرة وآخر عند ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ادع"، فدعوت أنا وصاحبي وأمن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، ثم دعا أبو هريرة وقال: اللهم إني أسالك مثل ما سألك ~~صاحبي، وأسألك علما لا ينسى، فأمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: ~~ونحن كذلك يا رسول الله فقال: "سبقكما الغلام الدوسي" (¬2). # وفيه الحث على حفظ العلم، وفيه أن التقلل من الدنيا أمكن لحفظه، وفيه فضل ~~التكسب لمن له عيال، وفيه جواز إخبار المرء بما فيه من فضيلة إذا اضطر لذلك ~~وأمن الإعجاب. # قوله: (حدثنا ابن أبي فديك بهذا) أشكل قوله: "بهذا" على بعض الشارحين؛ ~~لأن PageV02P243 # ابن أبي فديك لم يتقدم له ذكر. # وقد ظن بعضهم أنه محمد بن إبراهيم بن دينار المذكور قبل، فيكون مراده أن ~~السياقين متحدان إلا في اللفظة المبينة فيه، وليس كما ظن؛ لأن ابن أبي فديك ~~اسمه محمد بن إسماعيل بن مسلم، وهو ليثي يكنى أبا إسماعيل، وابن دينار جهني ~~يكنى أبا عبد الله لكن اشتركا في الرواية عن ابن أبي ذئب، ms362 وفي كونهما ~~مدنيين. # وجوز بعضهم أن يكون الحديث عند المصنف عن غير ابن أبي ذئب. # وكل ذلك غفلة عما عند المصنف في علامات النبوة (¬1)، وقد ساقه بالإسناد ~~المذكور، والمتن من غير تغيير إلا في قوله: "بيديه"، فإنه ذكرها بالإفراد. # وقال فيها أيضا: (فغرف) وهي رواية الأكثرين في حديث الباب، ووقع في رواية ~~المستملي وحده: "فحذف" بدل [162 / ب] "فغرف"، وهو تصحيف لما وضح من سياقه ~~في علامات النبوة، وقد رواه ابن سعد في "الطبقات" عن ابن أبي فديك فقال: ~~"فغرف" (¬2). PageV02P244 # 120 - حدثنا إسماعيل، قال: حدثني أخي، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، ~~عن أبي هريرة، قال: حفظت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعاءين، فأما ~~أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم. # قوله: (حدثنا إسماعيل) هو ابن أبي أويس. (حدثني أخي) هو أبو بكر عبد ~~الحميد. # قوله: (حفظت عنه) وفي رواية الكشميهني: "من" بدل "عنه"، وهو أصرح في ~~تلقيه من النبي - صلى الله عليه وسلم - بلا واسطة. # قوله: (وعاءين) أي: ظرفين، أطلق المحل وأراد به الحال، أي: نوعين من ~~العلم، وبهذا التقدير يندفع إيراد من زعم أن هذا يعارض قوله في الحديث ~~الماضي: "كنت لا أكتب"، وإنما مراده: أن محفوظه من الحديث لو كتب لملأ ~~وعاءين. # ويحتمل أن يكون أبو هريرة أملى حديثه على من يثق به، وليس مخالفا لحديث ~~الباب؛ لأنه يحمل على أن أحد الوعاءين كان أكبر من الآخر بحيث [يجيء] (¬1) ~~ما في الكبير في جرابين و [ما] (¬2) في الصغير في واحد، وعرف من هذا أن ما ~~نشره من الحديث أكثر مما لم ينشره. # قوله: (بثثته) بفتح الموحدة والمثلثة وبعدها مثلثة ساكنة تدغم في المثناة ~~التي بعدها، أي: أذعته ونشرته، زاد الإسماعيلي: "في الناس". # قوله: (قطع هذا البلعوم) زاد في رواية المستملي: "قال أبو عبد الله ~~-يعني: المصنف-: البلعوم مجرى الطعام"، وهو بضم الموحدة، وكنى بذلك عن ~~القتل، وفي رواية الإسماعيلي: "لقطع هذا" يعني رأسه. # وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي ms363 فيها تبيين أسامي ~~أمراء الجور وأحوالهم وذمهم، وقد كان أبو هريرة يكني عن بعضه ولا يصرح به ~~خوفا على نفسه PageV02P245 # منهم كقوله: "أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان" (¬1)، يشير إلى ~~خلافة يزيد بن معاوية؛ لأنها كانت سنة ستين من الهجرة فاستجاب الله دعاء ~~أبي هريرة فمات قبلها بسنة، وستأتي الإشارة إلى شيء من ذلك أيضا في كتاب ~~الفتن إن شاء الله تعالى. # قال ابن المنير: جعل الباطنية هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم، حيث ~~اعتقدوا أن للشريعة ظاهرا وباطنا، وذلك الباطن إنما حاصله الانحلال، قال: ~~وإنما أراد أبو هريرة بقوله: "قطع"، أي: قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا [163 ~~/ أ] عيبه، والله أعلم. # وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم (¬2). ms364