######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010338 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن عربشاه #META# 010.AuthorNAME :: أبو محمد أحمد بن محمد ، المعروف بابن عربشاه (المتوفى : 854هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 854 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: عجائب المقدور في أخبار تيمور #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التراجم الفردية :: كتب التاريخ #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: عجائب المقدور في أخبار تيمور #META# 030.LibURI :: JK_010338 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # مقدمة المؤلف # الحمد لله الذي على منوال إرادته تنسج مقاطع الأمور، ومن ينبوع قضائه إلى ~~لجج قدره يجري تيار الأعصار والدهور أذاق بعض بني آدم بأس بعض ليبلوهم أيهم ~~أحسن عملا وهو العزيز الغفور، وأرسل عليهم في القرن الثامن من الهجرة بحار ~~فتن أقبلت كقطع الليل المظلم لم يدر أحد ما هي فإذا هي تمور أحمده حمد من ~~كان على شفا جرف من نارها فأنقذه منها، وأشكره شكر من ورطه فيها عدله ~~فأنجته أيادي فضله عنها وأشهد أن لا إله إلا الله الحكم العدل، الذي يقتص ~~للمظلوم من الظالم يوم الفصل وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أرسله ~~رحمة للعالمين وجعله رسول الله وخاتم النبيين، فأخبر صلى الله عليه وسلم عن ~~السر المصون، ونبأ بما كان في الأزل وبما يكون إلى يوم يبعثون، واستعاذ من ~~غلبة الدين وقهر الرجال، ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ~~صلى الله عليه صلاة تذكي المسك الأذفر في صدور الكتب والتواريخ، وتدني ~~لقائلها في يوم الجزاء ثمرات الحسنات من أعلى الشماريخ وعلى آله وصحبه ~~الذين أفاضوا سيول الفتح في الأقاليم فغمروها، وشيدوا أركان الإسلام ~~وأثاروا الأرض بالإيمان، وعمروها بالعدل والإحسان أكثر مما عمروها وسلم ~~تسليما غزيرا دائما أبدا كثيرا أما بعد فلما كان في التواريخ عبرة لمن ~~اعتبر، وتنبيه لمن افتكر، وإعلام أن فاطن الدنيا على سفر، وإحضار لصورة حال ~~من مضى وغبر، كيف قدر واقتدر، ونهى وأمر، وبنى وعمر، وختل وختر وغلب وقهر، ~~وكسر وجبر، وجمع وادخر، وتكبر وفجر،، وكيف عبس وبسر، وضحك واستبشر، وتقلب ~~في أطواره من الطفولية إلى الكبر، إلى أن قلبته أيدي العبر، واختطفته وهو ~~آمن ما يكون مخاليب القضاء والقدر، فخالط ما صفا من عيشه الكدر، وتنغص حتى ~~ذهب عنه ما حلا ومر إن في ذلك لعبرة لمن اعتبر وتذكرة لمن ادكر وتبصرة لمن ~~استبصر وكان من أعجب القضايا بل من أعظم البلايا، الفتنة التي يحار فيها ~~اللبيب، ويدهش في دجى حندسها الفطن ms001 الأريب ويسفه فيها الحليم، ويذل فيها ~~العزيز ويهان الكريم قضية تيمور، رأس الفساق، الأعرج الدجال الذي أقام ~~الفتنة شرقا وغربا على ساق أقبلت الدنيا الدنية عليه فتولى وسعى في الأرض ~~فأفسد فيها وأهلك الحرث والنسل وتيمم حين عمته النجاسة الحكمية صعيد الأرض، ~~فغسل بسيف الطغيان كل أغر محجل فتحققت نجاسته بهذا الغسل أردت أن أذكر ما ~~رأيته، وأقص في ذلك ما رويته إذ كانت إحدى الكبر وأم العبر والداهية التي ~~لا يرضى القضاء في وصفها بذا القدر والله أسأل إلهام الصدق وسلوك طريق الحق ~~إنه ولي الإجابة ومسدد سهم المرام إلى غرض الإصابة وهو حسبي ونعم الوكيل # فصل في ذكر نسبه وتدريج # استيلائه على الممالك وسببه # اسمه تيمور بتاء مكسورة مثناة فوق وياء ساكنة مثناة تحت وواو ساكنة بين ~~ميم مضمومة وراء مهملة هذه طريقة إملائه وفي التصريف زنة بنائه، لكن كرة ~~الألفاظ الأعجمية إذا تداولها صولجان اللغة العربية خرطها في الدوران على ~~بناء أوزانها، ودحرجها كيف شاء في ميدان لسانها، فقالوا في هذا تارة " تمور ~~" وأخرى " تمرلنك " ولم يجر عليهم في ذلك حرج ولا ضنك وهو بالتركي الحديد ~~ابن ترغاي بن أبغاي ومسقط رأس ذلك الغدار قرية تسمى خواجة إيلغار وهي من ~~أعمال كش فأبعدها الله من حش وكش مدينة من مدن ما وراء النهر عن سمرقند ~~بنحو من ثلث عشر شهر قيل رؤى ليلة ولد كأن شيئا شبيه الخوذة تراءى طائرا في ~~عنان الجو ثم سقط إلى فناء الدو ثم انبث على الأرض وانتشر وتطاير منه مثل ~~الجمر والشرر، وتراكم حتى ملأ البدو والحضر وقيل لما سقط إلى الأرض ذلك ~~السقيط كانت كفاه مملوءتين من الدم العبيط فسألوا عن أحواله الزواجر ~~والقافة وتفحصوا عن تأويل ذلك من الكهنة وأهل العيافة فقال بعضهم يكون ~~شرطيا وقال بعض ينشأ لصا حراميا، وقال قوم بل يكون قصابا سفاكا، وقال آخرون ~~بل يصير جلادا بتاكا وتظافرت هذه الأقوال، إلى أن آل أمره إلى ما آل، وكان ~~هو وأبوه من الفدادين ومن طائفة ms002 أوشاب لا عقل لهم ولا دين، وقيل كان من ~~الحشم الرحالة والأوباش البطالة، وكان ما وراء النهر مأواهم، وتلك الضواحي ~~مشتاهم، وقيل كان أبوه إسكافا فقيرا PageV01P001 جدا، وكان هو شابا حديدا ~~جلدا، ولكنه لما كان به من القلة يتجرم، وبسببه تلك الأصرام تتضرر وتتضرم ~~ففي بعض الليالي سرق غنمة واحتملها فضربه الراعي في كتفه بسهم فأبطلها، ~~وثنى عليه بأخرى في فخذه فأخطلها، فازداد كسرا على فقره، ولؤما على شره، ~~ورغبة في الفساد، وحنقا على العباد والبلاد، وطلب له في ذلك الأضراب ~~والنظراء ، وعشا عن ذكر الرحمن فقيض له من الشياطين القرناء، مثل عباس ~~وجاهنشعاه، وقماري وسليمان شاه، وأيدكو تيمور وجاكو وسيف الدين، نحو أربعين ~~لا دنيا لهم ولا دين، وكان مع ضيق يده وقلة عدده وعدده، وضعف بدنه وحاله ~~وعدم ماله ورجاله يذكر لهم أنه طالب الملك ومورد ملوك الدنيا موارد الهلك، ~~وهم في ذلك يتناقلون عنه هذا النقل وينسبونه إلى كثرة الحماقة وقلة العقل، ~~ويدنونه منهم ويقبلون إليه ليسخروا منه ويضحكوا عليه # إن المقادير إذا ساعدت ... ألحقت العاجز بالحازم # فشرع فيما يقصده والقضاء يرشده والقدر ينشده # لا يؤيسنك من مجد تباعده ... فإن للمجد تدريجا وترتيبا # إن القناة التي شاهدت رفعتها ... تنمو فتنبت أنبوبا فأنبوبا # وكان في بلد كش شيخ يسمى شمس الدين الفاخوري، وهو معتقد تلك البلاد وعليه ~~لكل من قصد شيئا من أمر الدين والدنيا والاعتماد، فذكر أن تيمور وهو فقير ~~عاجز بين عز موهوم وذل ناجز، لم يكن له سمى ثوب قطن وأنه باعه واشترى بثمنه ~~رأس ماعز وقصد الشيخ المشار إليه وعول فيما قصده عليه، وقد ربط بطرف حبل ~~عنق ذلك العناق وربق عنق نفسه بالطرف الآخر من ذلك الرباق وجعل يتشحط على ~~عصى من جريد حتى دخل على ذلك الشيخ المفيد فصادفه هو والفقراء مشغولين ~~بالذكر مستغرقين فيما هم فيه من الوجد والفكر، فلا زال قائما حتى أفاقوا من ~~حالهم وسكتوا عن قالهم فلما وقع نظر الشيخ عليه سارع إلى تقبيل يديه، وأكب ~~على رجليه، ms003 فتفكر الشيخ ساعة، ثم رفع رأسه إلى الجماعة وقال كأن هذا الرجل ~~بذل عرضه وعروضه واستمدنا في طلب مالا يساوي عند الله تعالى جناح بعوضة، ~~فنرى أن نمده ولا نحرمه ولا نرده فأمدوه بالدعاء إسعافا لما طلبه فأشبهت ~~قصته قضية ثعلبة ورجع من عند الشيخ وخرج، وعرج بعدما عرج إلى ما عرج وقيل ~~إنه كان في بعض تجرماته فضل الطريق صورة، كما ضلها معنى وسيرة، وكاد يهلك ~~عطشا وجوعا، وسار على ذلك أسبوعا فوقع في أثناء ذلك على خيل السلطان فتلقاه ~~الجشاري باللطف والإحسان وكان تيمور ممن يعرف خصائص الخيل بسماتها ويفرق ~~بين هجانها وهجينها بمجرد النظر إلى هيآتها، فأطلع الجشاري على ذلك منه ~~وأخذ علم ذلك عنه وزاد فيه رغبة، وطلب منه دوام الصحبة وجهزه إلى السلطان ~~مع أفراس له طلبها منه وأخبره بفضيلته وما شاهده عنه فأنعم السلطان عليه ~~ووصى به الجشاري ورده إليه، فلم ينشب الجشاري أن مات فتولى تيمور وظيفته ~~ولا يزال يترقى عند السلطان حتى تزوج شقيقته ثم أن غاضبها في بعض مكافحاته ~~ومقاله فعيرته بما كان عليه من أول أمره وحاله فسل السيف ونحاها على أنها ~~تفر من بين يديه فلم تكترث به ولم تلتفت إليه فضربها ضربة أزهق بها نفسها ~~وأسكنها رمسها ثم لم يسعه إلا الخروج والعصيان والتمرد والطغيان إلى أن كان ~~من أمره ما كان وكان السلطان اسمه حسين، وهو من بيت الملك ونافذ الكلمتين، ~~وتخت ملكه مدينة بلخ وهي من أقصى بلاد خراسان، ولكن كانت بحار أوامره جارية ~~في ممالك ما وراء النهر إلى أطراف تركستان وقيل كان أبوه أمير مائة عند ~~السلطان المذكور، وهو بالجلادة والشهامة بين أضرابه مشهور ويمكن الجمع بين ~~هذه الأقاويل باعتبار اختلاف الزمان وتنقل الأحوال والحدثان والأصح أن أباه ~~ترغاي المذكور كان أحد أركان دولة السلطان ورأيت في ذلك تاريخ فارسي يدعى " ~~المنتخب " وهو من بدء الدنيا إلى زمان تيمور وهو شيء عجب، نسبا يتصل منه ~~تيمور إلى جنكيز خان من جهة النساء حبائل الشيطان ms004 ولما استولى تيمور على ما ~~وراء النهر وفاق الأقران، تزوج بنات الملوك فزادوه في ألقابه كوركان، وهو ~~بلغة الموغول الختن لكونه صاهر الملوك وصار له في بيتهم حركة وسكن وكان ~~للسلطان المذكور من الوزراء أربعة عليهم مدار المضرة والمنفعة هم أعيان ~~الممالك، وبرأيهم يقتدي السالك PageV01P002 والترك لهم قبائل وشعب، تكاد ~~توازي قبائل العرب، وكل واحد من هؤلاء الوزراء كان من قبيلة لسراج آرائه في ~~بيوت تعميرها فتيلة طويلة، قبيلة أحدهم تسمى ارلات، وقبيلة الثاني تدعى ~~جلائر، وقبيلة الثالث يقال لها قاوجين، وقبيلة الرابع اسمها برلاس، وكان ~~تيمور ابن رابعهم في الناس فنشأ شابا لبيبا، مصراعا هماما حازما؟ جلدا ~~أريبا، وكان يصاحب نظراءه من أولاد الوزراء ويعاشر أضرابه من فتيان ~~الأمراء، إلى أن قال لهم في بعض الليالي وقد اجتمعوا في مكان خال وأخذت ~~منهم العشرة والنشاط وارتفعت أستار الأسرار وامتد للبسط بساط أن جدتي فلانة ~~وكانت من ذوي العيافة والكهانة رأت مناما ما ذاقت منه أحلاما وعبرته بأنه ~~يظهر لها من الأولاد والأحفاد من يدوخ البلاد ويملك العباد ويكون صاحب ~~القران ويذل له ملوك الزمان، وذاك هو أنا وقد قرب الوقت ودنا، فعاهدوني أن ~~تكونوا لي ظهرا وعضدا وجناحا ويدا وأن لا تستحيلوا عني أبدا، فأجابوه إلى ~~ما دعاهم إليه وتقاسموا أن يكونوا في السراء والضراء معه لا عليه، ولم ~~يزالوا يتجاذبون أطراف هذا الكلام في كل مقام ويتفاوضون فيض غدير هذا الغدر ~~من غير احتشام واكتتام حتى آنس برقه قاطن كل مصر وشام وخاض في حديثه كل ~~قديم هجره من خاص وعام وشعر به السلطان وعلم أن خلافه في دوح المملكة بان ~~فأراد أن يرد كيده في نحره ويريح الدنيا من شره والعباد والبلاد من عاره ~~وعره ويعمل بموجب ما قيل # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم # فأخبره بذلك بعض الناصحين فخرج وهوى إلى حضيض العصيان وهو سالم فعرج ~~ويمكن أنه في بعض هذه الأوقات وأثناء هذه الحالات توجه إلى الشيخ شمس الدين ~~المشار ms005 إليه واستمده كما ذكر فيما عول عليه فإنه كان يقول جميع ما نلته من ~~السلطنة وفتحته من مستغلقات الأمكنة، إنما كان بدعوة الشيخ شمس الدين ~~الفاخوري وهمة الشيخ زين الدين الخوافي، وما لقيت بركة إلا بالسيد بركة ~~وسيأتي ذكر زين الدين وبركة ثم قال تيمور ما فتحت أبواب السعادة والدولة ~~علي ولا ضحكت عروس فتوحات الدنيا إلا من سهام سجستان ومن حين أصابني ذلك ~~النقصان أنا في ازدياد إلى هذا الأوان والظاهر أن بدو أمره وخروجه في تلك ~~الفئة كان فيما بين الستين والسبعين والسبعمائة وقال لي شيخي الإمام العالم ~~العامل الكامل المكمل الفاضل فريد الدهر وحيد العصر علامة الورى أستاذ ~~الدنيا علاء الدين شيخ المحققين والمدققين قطب الزمان مرشد الدوران أبو عبد ~~الله محمد بن محمد بن محمد البخاري نزيل دمشق أدام الله تعالى أيام حياته، ~~وأمد الإسلام و المسلمين بميامن بركاته في شهور سنة ست وثلاثين وثمانمائة ~~أن تيمور قتل السلطان حسينا المذكور في شعبان سنة إحدى وسبعين سبعمائة ومن ~~ذلك الوقت استقل بالملك وكانت وفاته في شعبان سنة سبع وثمانمائة على ما ~~سيأتي فمدة استيلائه مستقلا ست وثلاثون سنة وذلك خارجا عن مدة خروجه وتجرمه ~~إلى حين استيلائه ولما خرج صار هو ورفقاؤه، يتجرمون في بلاد ما وراء النهر ~~ويعاملون الناس بالعدوان والقهر فتحرك لدفعهم كل ظاعن وساكن وضيقوا عليهم ~~تلك المغاني والأماكن فقطعوا جيحون وصفر منهم ذلك المكان فاشتغلوا بالتجرم ~~في بلاد خراسان، خصوصا في ضواحي سجستان ولا تسأل عما أفسد في فدافد خراسان ~~ومفاوز باورد وماخان فذهب بعض الليالي وقد أضر بهم السغب واشتعل فيهم من ~~الجوع اللهب فدخل حائطا من حوائط سجستان قد أوى إليه بعض رعاء الضأن، ~~فاحتمل منها رأسا وأدبر فشعر به الراعي وأبصر فأتبعه للحين للحين وضربه ~~بسهمين أصاب بأحدهما فخذه وبالآخر كتفه فلله دره ساعدا إذ أبطل بهذا الضرب ~~الموزون نصفه ثم أدركه واحتمله، وإلى سلطان هراة المسمى بملك حسين أوصله ~~فبعد ضربه أمر بصلبه، وكان للسلطان ابن رأيه غير ms006 متين يدعى ملك غياث الدين، ~~فشفع فيه واستوهبه من أبيه فقال له أبوه إنه لم يصدر عنك ما يدل على صلاحك ~~ويسفر عن نجابتك وفلاحك، وهذا جغتائي حرامي مادة الفساد لئن أبقى ليهلكن ~~العباد والبلاد PageV01P003 فقال ابنه وما عسى أن يصدر من نصف آدمي وقد ~~أصيب بالدواهي ورمى، ولا شك أن أجله قد اقترب فلا تكونن في موته السبب، ~~فوهبه إياه فوكل به من داواه إلى أن اندمل جرحه وبرئ قرحه، فكان في خدمة ~~ابن سلطان هراة من أعقل الخدم وأضبط الكفاة، فتوفرت عنده حرمته وارتفعت ~~درجته وسمعت كلمته، فعصى من نواب السلطان نائبه المتولي على سجستان، ~~فاستدعى تيمور أن يتوجه إليه فأجابه إلى ذلك وعول عليه وأضاف إليه طائفة من ~~الأعوان، فوصل إلى سجستان وقبض على نائبها المتمادي في العصيان واستخلص ~~أموال تلك البلاد، وأخذ من أطاعه من الأجناد، وتلا آية العصيان بالجهر، ~~وارتحل بمن معه إلى ما وراء النهر وقيل بل كان في خدمة ابن السلطان إلى أن ~~ودع أبوه الحياة وانتقل، واستقر ولده في الملك واستقل فعند ذلك هرب تيمور ~~إلى ما وراء النهر وقد قوي منه الرأس والظهر وكان إذ ذاك قد اجتمع عليه ~~رفقاؤه وانحاز إليه أصحابه المتجرمون وعشراؤه فأرسل غياث الدين الطلب ~~وراءهم وقصد أن يكفي المسلمين شرهم وعناءهم وهيهات فقد كان سبق العذل السيف ~~وضيع اللبن في الصيف # ذكر عبوره جيحون على فترة # وما أجرى من عبرات بهذه العبرة # فوصل تيمور وجماعته إلى جيحون وكان إذ ذاك مثلهم طاغيا ولم يمكنهم ~~التواني لأن الطلب كان شبيههم باغيا فقال تيمور لأصحابه النجاء النجاء ~~ليتعلق كل منكم بعنان فرسه ومعرفته وليلق نفسه في الماء وتواعدوا إلى مكان، ~~وقال توجهوا من غير توان فمن لم يأت الموعد يعلم أنه قد فقد فتهافتوا هم ~~وخيولهم في ذلك الماء العجاج والتيار الزخار والأمواج تهافت الفراش على ~~السراج ولم يعلم واحد منهم حال الآخر، ولا اطلع من تقدم منهم على أمر من ~~تأخر، وكابدوا أحوال الموت وشاهدوا أهوال الفوت، ms007 فنجوا ولم ينقص منهم واحد، ~~واجتمعوا إلى ذلك الموعد، وذلك بعد أن أمنت منهم البلاد، واطمأن في مسالكها ~~كل رائح وغاد، فجعلوا يتجسسون الأخبار، ويتتبعون الآثار، ويحاربون الله ~~ورسوله، ويؤذون عباده ويقطعون سبيله، ولم يزل على ذلك يجري ويمشي إلى أن ~~وصل مدينة قرشي # ذكر ما جرى من خبطه في دخوله إلى قرشي # وخلاصه من تلك الورطة # فقال يوما لأصحابه، وقد أضر به الدهر وأضرى به، وأخصب منهم ربع الفساد ~~وأعشب أن بالقرب منا مدينة نخشب مدينة أبي تراب النخشبي رحمة الله عليه، ~~مدينة مصونة، مسورة مكنونة لئن ظفرنا بها لتكونن لنا ظهرا وملاذا وملجأ ~~ومعاذا، وإن حاكمها موسى لو حصلناه وأخذنا ماله وقتلناه، لتقوينا بما له من ~~خيول وعدة، ولحصل لنا الفرج بعد الشدة، وأنا أعلم لها من ممر الماء دربا ~~هين الوصول واسعا رحبا فشمروا ذيلهم وتركوا في مكان خيلهم واستعملوا في نيل ~~مرادهم ليلهم ودخلوا حبس المدينة وقصدوا بيت الأمير، ورفعوا أيديهم فصادفوا ~~يدهم والحصير وكان الأمير في البستان خارج البلد، فأخذوا ما وجدوا له من ~~أسلحة وعدد وركبوا خيله، وقتلوا من وجدوا من الأكابر غيلة، فاجتمع عليهم ~~أهل البلد وأرسلوا إلى الأمير فأدركهم بالمدد، فتراكم عليهم البلاء باطنا ~~وظاهرا فلم يجدوا لهم سوى الاستسلام ناصرا فقال له أصحابه لقد ألقينا ~~بأنفسنا إلى حقيقة الهلاك من هذا المجاز فقال لا عليكم ففي مثل هذه المواطن ~~يمتحن الرجل ويراز، فأجمعوا كيدكم ثم إئتوا صفا واندفعوا نحو باب المدينة ~~يدا واحدة زحفا، حاطمين على العدو، من غير توان ولا هدو، فإني أظن أنه لا ~~يثبت لكم شيء، ولا يقف أمامكم حي، فامتثلوا أمره ورفعوا الصوت، وقصدوا ~~الباب خائضين غمار الموت، وهجموا على العساكر هجوم الليث واندفقوا ولا ~~اندفاق الغيث، ففتح لهم عند فتح الباب، لأمر يريده مسبب الأسباب فلم يلو ~~أمامهم أحد على أحد ولا نفعه ما هو فيه من العدد والعدد ثم انثنوا إلى ~~مكانهم سالمين ولم يزالوا على ذلك عائثين عابثين واجتمع عليهم أصحابهم، ~~وانحاز إليهم في ms008 الفساد أضرابهم، فصاروا نحو من ثلاثمائة، ولمن يتحيز إليهم ~~من أهل الشر فئة فأرسل السلطان إليهم عسكرا غير مكترث بهم فكسروه، واستولوا ~~على حصن من الحصون فجعلوه معقلا لكل ما ادخروه # قلت لا تحقرن شأن العدو وكيده ... فلربما صرع الأسود الثعلب # وقيل إن البعوضة تدمي مقلة الأسد وقيل ولربما قمرت بالبيدق الشاه # ذكر من استرقه ذلك الجاف واستعبده PageV01P004 من أحرار ملوك الأطراف # وأرسل تيمور إلى ولاة بلخشان، وكانت الولاية بها لأخوين وهما بها مستقلان ~~تلقيا ذلك عن أبيهما وكان السلطان نزعها من أيديهما ثم أقرهما فيه على أن ~~يكونا من تحت أمره، واسترهن أولادهما عنده، فصارا أسيري قهره، فلما راسلهما ~~تيمور على طاعته أجاباه ودخلا تحت كلمته # ذكر نهوض المغل على السلطان # وكيف تضعضعت منه الأركان # ثم إن الموغول نهضت من جهة " الشرق " على السلطان حسن فاستعد لهم وقطع ~~جيحون، ووقع الحرب بين الجهتين، فانكسر السلطان فراسلهم أيضا ذلك الجان ~~واسم حاكمهم قمر الدين خان فأجابوه مراده واقتفوا ما أراده وسلطوه على ~~السلطان ليستخلص من يده البلاد وواعدوه بمصاهرتهم وأمدوه بمظاهرتهم ورجعوا ~~إلى بلادهم وقد أسلموه زمام قيادهم، فقويت بذلك شوكته وسكنت القلوب هيبته ~~فلم يسع السلطان إلى بذل الجهد والامكان في إطفاء ثائرته وقطع دابرته فجعله ~~نصب عينيه وتوجه بنفسه إليه، بعسكر جرار كالبحر الزخار حتى انتهى إلى مكان ~~يسمى قاغلغا وهو صدفان بينهما مضيق هو الجادة العظمى والطريق، يسير المار ~~في ذلك مقدار ساعة وفي وسط الدرب باب إذا أغلق وأحمى فلا شيء مثله في ~~المناعة، وحواليه جبال كل منها عرنينه قد شمخ وقدمه قد غاص ثبوتا ورسخ فصح ~~أن يقال فيه أنف في السماء واست في الماء فأخذ العسكر فم ذلك الدربند من ~~جهة سمرقند وتيمور على الجانب الآخر وهو كالمضايق والمحاصر # ذكر الحيلة التي صنعها # والخديعة التي ابتدعها # فقال تيمور لأصحابه إني أعرف هنا جادة خفية مسالكها أبية لا تطؤها الخطا ~~ولا يهتدي إليها القطا، فهلم نسري ليلنا ونقود في المسرى خيلنا فنصبحهم من ~~ورائهم وهم ms009 آمنون، فإن أدركناهم ليلا فنحن الفائزون فأجابوه إلى ذلك وشرعوا ~~في قطع تلك الوعور والمسالك، وساروا ليلهم أجمع وبلغ الفجر المطلع فأدركهم ~~الصباح ولم يدركوا الجيش، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت وتنكد لهم العيش ولم ~~يمكنهم الرجوع وأذنت الشمس بالطلوع، فوصلوا إلى العسكر وقد أخذ في التحميل ~~وعزم على الرحيل فقال أصحابه بئس الرأي فعلنا في قبضة العدو حصلنا، لقد ~~وقعنا في الأشراك وألقينا بأيدينا أنفسنا إلى الهلاك فقال تيمور لا ضرر، ~~توجهوا نحو العسكر وانزلوا بمرأى منهم على خيلكم واتركوها ترعى، واقضوا من ~~ورد النوم والراحة ما فاتكم في ليلكم، فتراموا عن خيلهم كأنهم صرعى وتركوا ~~خيولهم ترعى # وإذا السلامة أحرستك عيونها ... نم في المخاوف كلهن أمان # واصطد بها العنقاء فهي حبائل ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان # فجعل العسكر يمر بهم ويخال أنه منم حزبهم حتى إذا استراحوا ركبوا خيولهم ~~وصاحوا ووضعوا السيف في أعدائهم راكبين أكتافهم من ورائهم، فقتلوهم قتلا ~~ذريعا وغادروهم جريحا وصريعا، وعم الخطب المدلهم ولم يعلم أحد البلاء كيف ~~دهم واتصل الخبر بالسلطان وقد خرج التلافي عن حيز الإمكان، فهرب إلى بلخ ~~وقد سلخ من المملكة إي سلخ وشرع تيمور في النهب والغارات والسلب ثم ضبط ~~الأثقال وجمع الأموال ولم رعاع الناس والمداره وأطاعوه وهم ما بين راض ~~وكاره واستولى على ممالك ما وراء النهر وتسلط على العباد بالغلبة والقهر، ~~وأخذ في ترتيب الجنود والعساكر واستخلاص الحصون والدساكر وكان نائب سمرقند ~~وأحد الأركان شخصا يدعى علي شير من جهة السلطان، فكاتبه تيمور على أن تكون ~~الممالك بينهما نصفين ويكون معه على السلطان حسين فرضي علي شير بذلك وقاسمه ~~الولايات والممالك، وتوجه إليه وتمثل بين يديه، فزاد في إكرامه وبالغ في ~~احترامه # ذكر توجهه إلى بلخشان # واستنصاره بمن فيها على السلطان # ثم إنه ترك على شير بعدما ركن إليه وقصد بلخشان، فاستقبله ملكاها وتمثلا ~~بين يديه وأتحفاه بالهدايا والخدم وأمداه بالجيوش والحشم، فسار وهما معه من ~~بلخشان قاصدين بلخ لمحاربة السلطان، فتحصن منهم، فأحاطوا به من ms010 كل مكان، ~~فأخرج أولادهما الذين كانوا عنده في الرهان فضرب أعناقهم بمرأى من أبويهم، ~~ولم يرق لهم ولا من عليهم PageV01P005 ثم إنه ضعف حاله وقل عنه خيله ~~ورجاله، فنزل مستسلما للقضاء والقدر راضيا بما ذهب في قضاء الله بما حلا ~~ومر، فقبض عليه تيمور وضبط الأمور ثم رد أميري بلخشان إليها مكرمين وتوجه ~~إلى سمرقند ومعه السلطان حسين وذلك في شعبان سنة إحدى وسبعين، بعدما خلا من ~~الهجرة سبعمائة سنين ووصل إلى سمرقند واتخذها دار ملكه، وشرع في تمهيد ~~قواعد الملك ونظمها في نطام سياسته وسلكه، ثم إنه قتل السلطان وأقام من ~~جهته شخصا يدعى سيورغاتمش من ذرية جنكيز خان وقبيلة جنكيز خان هم المتفردون ~~باسم الخان والسلطان لأنهم قريش الترك، لا يقدر أحد أن يتقدم عليهم ولا ~~تمكن أحد من انتزاع ذلك الشرف من يديهم ولو قدر أحد على ذلك لكان تيمور ~~الذي استخلص الممالك وسلك المسالك فرفع سيورغاتمش دفعا للمطاعن وقطعا للسان ~~سنا كل طاعن وإنما لقب تيمور الأمير الكبير، وإن كان في أسره كل آمر منهم ~~ومأمور والخان في أسره كالحمار في الطين وشبيه الخلفاء بالنسبة في هذا ~~الزمان إلى السلاطين واستمر علي شير نائبا في سمرقند فكان يكرمه ويستشيره ~~في أموره ويقدمه # ذكر وثوب توقتاميش خان سلطان # الدشت وتركستان # ثم إن توقتاميش خان سلطان الدشت والتتار لما رأى ما جرى بين تيمور ~~والسلطان حسين فار دم قلبه وغار، وذلك لعله النسب والجوار وهيأ العسكر ~~الجرار والجيش الزخار وتوجه إلى مصاف تيمور من جهة سغناق وانزار، فخرج إليه ~~تيمور من سمرقند، وتلاقيا بأطراف تركستان قريبا من نهر خجند وهو نهر سيحون ~~وسمرقند بين نهري سيحون وجيحون فقامت بين العسكرين سوق المحاربة ولم ينفق ~~بينهم سوى معاملات المضاربة، ولا زالت رحى الحرب تدور إلى أن انطحن عسكر ~~تيمور، فبينا عسكره قد فل وعقد جنوده انحل وإذا برجل يقال له السيد بركة قد ~~أقبل فقال له تيمور وهو في غاية الضرر يا سيدي السيد جيشي انكسر، فقال له ~~السيد ms011 لا تخف ثم نزل السيد عن فرسه ووقف وأخذ كفا من الحصباء وركب فرسه ~~الشهباء ونفخها في وجه عدوهم المردي وصاح بقوله " ياغي قاجدي " فصرخ بها ~~تيمور تابعا ذلك الشيخ النجدي وكان عباسي الصوت فكأنه دعى الإبل الظمأى ~~بجوت جوت فعطفت عساكره عطفة البقر على أولادها، وأخذت في المجالدة مع ~~أضدادها وأندادها ولم يبق في عسكره من جذع ولا قارح إلا وهو بقوله " ياغي ~~قاجدي " صائح، ثم إنهم كروا كرة واحدة بهمة متعاقدة ونهمة متعاضدة فرجع جيش ~~توقتاميش منهزمين وولوا على أعقابهم مدبرين، فوضع عسكر تيمور فيهم السيوف ~~وسقوهم بهذا الفتوح كاسات الحتوف وغنموا الأموال والمواشي وأسروا أوساط ~~الرؤوس والحواشي ثم رجع تيمور إلى سمرقند وقد ضبط أمور تركستان وبلاد نهر ~~خجند وعظم لديه السيد بركة وحكمه في جميع ما استولى عليه وملكه وهذا السيد ~~اختلف القول فيه فمن قائل إنه كان مغربيا بمصر حجاما فذهب إلى سمرقند وتسيد ~~بها وعلا قدره وتسامى، ومن قائل أنه كان من أهل المدينة الشريفة، ومنهم من ~~يقول إنه من أهل مكة المنيفة، وعلى كل حال فإنه كان من أكبر الأعيان في ~~بلاد ما وراء النهر وخراسان، ولا سيما وقد أمد تيمور بهذه النجدة وخلصه ~~بهذه اللطيفة المصادفة للقضاء والقدر في هذه الشدة، فقال تيمور تمن علي ~~واحتكم لدي، فقال له يا مولانا الأمير إن أوقاف الحرمين الشريفين في ~~الأقاليم كثير ومن جملة ذلك " اندخوى " من ممالك خراسان، وأنا وأولادي من ~~جملة مستحقي ذلك الإحسان وإذا أقيم أصل ذلك وخصمه وعلم قضمه وخضمه وضبطت ~~أوقافه ومصارف ذلك وصرافه، ما كانت حصتي وحصة أولادي أقل من هذه القصبة في ~~هذا الوادي فاقطعني إياها، فأقطعه إياها مع مضافاتها وأعمالها وقراها، وهي ~~إلى الآن في يد أولاده وأسباطه وأحفاده # ذكر علي شير مع تيمور وما وقع بينهما # من المخالفة والشرور # ثم إن تيمور وقع بينه وبين علي شير مخالفة، وانحاز إلى كل منهما طائفة ~~فاغتاله تيمور وختله، ثم قبض عليه وقتله، فصفت الولايات والممالك لتيمور ~~بعض الصفا، ms012 وهرول إلى طاعته من الناس كل وجه ورأس كانافي التأبي وقفا # ذكر ما جرى لدعار سمرقند والشطار مع تيمور # وكيف أحلهم دار البوار PageV01P006 وكان في سمرقند طائفة من الدعار ~~كثيرون وهم أنواع، فمنهم مصارعون ومنافقون وملاكمون ومعالجون، وهم فيها ~~بينهم فرقتان كالقيس واليمن والعداوة والمقاتلة بينهم قائمة على مر الزمن، ~~ولكل طائفة منها رؤس وظهور وأعضا وضروس وكان تيمور مع أبهته يخافهم لما كان ~~يظهر له عنادهم وخلافهم فكان إذا قصد جانبا أقام له في سمرقند نائبا فإذا ~~بعد عن المدينة خرج من تلك الجماعة طائفة فخلعوا النائب أو خرجوا مع النائب ~~وأظهروا المخالفة فما يرجع تيمور إلا وقد انفرط نظامه وتخبطت أموره وتشوش ~~مقامه فيحتاج إلى تجديد تمهيد وتخريب وتشييد فيقتل ويعزل ويعطي ويجزل ثم ~~يتوجه لتمهيد ممالكه وتوطيد مسالكه فيعودون إلى عكرهم ويثوبون إلى خلتهم ~~ومكرهم، وتكررت هذه القضية نحوا من تسع مرار فضاق تيمور ذرعا بالأشرار ~~والدعار فأعمل الحيلة في اغتيالهم، وكف أذاهم واستئصالهم، فصنع سورا ودعا ~~إليه الخلائق كبيرا وصغيرا وصنف الناس أصنافا، وجعل كل ذي عمل إلى عامله ~~مضافا وميز أولئك الدعار مع رؤسائهم على حدة، وفعل معهم ما فعله أنوشروان ~~بن كيقباد بالملاحدة، وأرصد له في أحد الأطراف أنصارا وقرر معهم أن كل من ~~أرسله إليهم يولونه دمارا، ويكون إرساله إليهم على قتله شعارا، ثم إنه جعل ~~يدعو رؤس الناس ويسقيهم بيده الكاس ويخلع عليهم أفخر اللباس، وإذا أفضت ~~النوبة من أولئك الدعار إلى أحد سقاه كأسه وخلع عليه وأشار أن يتوجه به إلى ~~نحو الرصد، فإذا وصل إليهم خلعوا عنه خلعته بل وثوب الحياة فهتكوه وسكبوا ~~عسجد قالبه في بوتقة الفناء فسبكوه إلى أن أتى على آخرهم واستوفى بذلك قطع ~~دابرهم، ومحا آثارهم، وأطفأ نارهم، فصفت له المشارع وخلا ملكه من مجاذب ~~ومنازع ولم يبق له فيما وراء النهر ممانع ولا مدافع # فصل في تفصيل ممالك سمرقند # وما بين نهري بلخشان وخجند # فمن ذلك سمرقند وولاياتها وهي سبعة تومانات واندكان وجهاتها وهي تسعة ms013 ~~تومانات والتومان عبارة عما يخرج عشرة آلاف مقاتل وفيما وراء النهر من ~~المدن المشهورة والأماكن المعتبرة المذكورة سمرقند ومسورها قديما على ما ~~زعموا اثنا عشر فرسخا وكان ذلك على عهد السلطان جلال الدين قبل جنكيز خان ~~ورأيت حد مسورها من جهة الغرب قصبة بناها تيمور وسماها دمشق ومسافتها عن ~~سمرقند نحو من نصف يوم والناس إلى الآن يحفرون سمرقند العتيقة ويخرجون ~~دراهم وفلوسا سكتها بالخط الكوفي فيسبكون الفلوس ويخرجون منها فضة ومن مدن ~~ما وراء النهر مرغينان وهي التخت التي كانت قديما وبها كان إيلك حان ومنها ~~خرج الشيخ الجليل العلامة برهان الدين المرغيناني صاحب الهداية رحمه الله، ~~وخنجند وهي على ساحل سيحون، وترمذ وهي على ساحل جيحون ونخشب وهي قرشي ~~المذكورة، وكش، وبخارى وأندكان وهي أماكن مشهورة وغير ذلك ومن الولايات ~~بلخشان، وممالك خوارزم، وإقليم صغانيان، إلى غير ذلك من الأطراف الواسعة ~~والأكناف الشاسعة وفي عرفهم ما وراء النهر إلى جهة الشرق توران وما كان في ~~هذا الطرف إلى جهة الغرب إيران ولما اقتسم كيكاوس وافراسياب البلاد كانت ~~توران لافراسياب، وإيران لكيكاوس بن كيقباد، وعراق هو معرب إيران # فصل # في " ذكر ابتداء ما فعله من التسلط بالقهر بعد استصفائه ممالك ما وراء ~~النهر ولما صفت له ممالك ما وراء النهر وذلت لأوامره جوامح الدهر، شرع في ~~استخلاص البلاد واسترقاق العباد وجعل ينسج بأنامل الحيل الأشراك، والأوهاق، ~~ليصطاد بذلك ملوك الأقاليم وسلاطين الآفاق فأول من صاهر المغول وصافاهم ~~وهادنهم وهاداهم وتزوج ببنت قمر الدين ملكهم، وصار آمنا من تبعتهم ودركهم، ~~وهم جيرانه من جهة الشرق ولا تباين بينه وبينهم ولا فرق، إذ العلة وهي ~~الجنسية والمصاهرة والمجاورة حاصلة للجهتين، والملة هي التوراة الجنكيز ~~خانية ممشاة في كلتا الدولتين، فأمن شرهم وكفي كيدهم وضرهم # ذكر تصميمه العزم وقصده جمع الأطراف # وأولا ممالك خوارزم PageV01P007 فحين أمن مكرهم وسد بالمصالحة ثغرهم صمم ~~العزم على التوجه إلى ممالك خوارزم وهم مجاوره غربا بشام ومباينوه بتمشية ~~قواعد الإسلام وتختهم مدينة جرجان وهي من أعظم البلدان ms014 وهذه المملكة ذات ~~مدن عظيمة وولايات جسيمة، تختها مجمع الفضلاء ومحط رحال العلماء ومقر ~~الظرفاء والشعراء ومورد الأدباء والكبراء ومعدن جبال الاعتزال وينبوع بحار ~~أهل التحقيق من أرباب الهدى والضلال، نعمها كثيرة وخيراتها غزيرة، ووجوه ~~فضائلها مستنيرة، واسم سلطانها حسين صوفي وهو من الاعتقادات الباطلة قد ~~عوفي، ومدن ما وراء النهر وضع بعضها قريب من بعض لأنها كلها مبنية باللبن ~~والآجر على الأرض وأهل خوارزم كأهل سمرقند في اللطافة وأفضل من أهل سمرقند ~~في الحشمة والظرافة يتعانون المشاعرة والأدب، ولهم في فنون الفضل، والمحاسن ~~أشياء عجب، خصوصا في معرفة الموسيقى والأنغام، ويشترك في ذلك منهم الخاص ~~والعام، ومما هو مشهور عنهم أن الطفل في المهد منهم إذا بكى أو قال آه فإن ~~ذلك يكون في شعبة دوكاه فلما وصل تيمور إلى خوارزم كان حسين صوفي غائبا ~~عنها، فنهب حواليها وما وصلت يده إليه منها ولم يقدر عليها، فلم يكترث بها ~~ولا التفت إليها، ثم لم أطراف حاشيته وعاد إلى مملكته # ذكر عوده ثانيا إلى خوارزم # ثم إنه شد حزام الحزم وكر ثانيا إلى خوارزم باستعداد تام وجيش طام وكان ~~سلطانها أيضا غائبا وأقام لجميلة بكرها خاطبا، فحاصرها وضاجرها وشدد على ~~أعناق مسالكها التلابيب وكاد أن يتشبث بأذيالها منه المخاليب فخرج إليه رجل ~~من أعيانها وكان تاجرا وله قدم صدق عند سلطانها يقال له حسن سوريج، والتمس ~~أن يرفع عنهم ذلك الأمر المريج وأن يبذل له ما طلب في مقابلة ما يريد من ~~أسر وسلب فطلب منه حمل مائتي بغل فضة، ترفع إلى خزائنه نضة فلم يزل يراجعه ~~ويلاطفه ويمانعه حتى صالحه على ربع سؤاله وأقام المصالح بذلك من ماله وصلب ~~حاله، ووزن له ذلك في الحال وأخذ تيمور في الترحال وكف عن الأذى شياطين ~~جنده وعزم على التوجه إلى سمرقنده # ذكر مراسلته ملك غياث الدين سلطان # هراة الذي خلصه من الصلب وراود فيه أباه # ثم إنه راسل سلطان هراة ملك غياث الدين الذي كان مغيثه عملا بقوله كتب ~~الله على ms015 كل نفس خبيثة وطلب منه الدخول في ربقة الطاعة وحمل الخدم والتقادم ~~إليه بحسب الاستطاعة وإلا قصد دياره وبلغه دماره فأرسل ملك غياث الدين يقول ~~صحبة الرسول أما كنت خادما لي وأحسنت إليك وأسبلت ذيل إحساني ونعمتي عليك؟ ~~فختلت وقتلت وفتكت وفتلت وفعلت فعلتك التي فعلت، وذلك بعد أن نجيتك من ~~الضرب والصلب، فإن لم تكن إنسانا تعرف الإحسان فكن كالكلب فعبر جيحون وتوجه ~~إليه فلم يكن لغياث الدين قوة الوقوف بين يديه، فأرسل إلى حشمه وسكان قراه ~~فاجتمعوا هم ومواشيهم حول هراة وحفر خندقا حول البساتين، محيطا بالرعاع ~~وضعفة المساكين، وحصر نفسه في القلعة، وحسب أن يكون له بذلك منعة، وذلك ~~لركاكة رأيه أولا وآخرا وجمود قريحته وقلة عقله وانعكاس فكره ودولته قلت # من لم يصادف سعده تقديره ... يخطفه في تدبيره تدميره # فلم يكترث تيمور له بقتال وحصار، ولكن أحاطت به العساكر دائرا ما دار ~~ومكث تيمور في الأمن والدعة، وعدوه في الضيق بعد السعة، فاضطربت الرؤوس ~~والحواشي ومارت الأنعام والمواشي، وغص البلد بالزحام، وهلكت الخواص ~~والعوام، وأضناهم " الوصب وأنضاهم " السغب وعلاهم الصراخ والصخب فأرسل إليه ~~السلطان يطلب منه الأمان وعلم أنه اختنق بسببه وأنه أعانه أولا فبلي به ~~فذكره سابقة العرفان وما أسداه إليه من إحسان، وطلب منه تأكيد الأمان ~~بالأيمان فحلف له تيمور فحلف له تيمور أنه يحفظ له الذمام القديم وأن لا ~~يراق له دم ولا يمزق له أديم فخرج إليه ودخل عليه وتمثل بين يديه فدخل ~~تيمور إلى المدينة وصعد إلى قلعتها الحصينة وصحبته السلطان، وقد أحاطت به ~~جنود هراة والأعوان فأشار واحد من أبطال صاحب هراة على السلطان أن يقتل ~~تيمور ويجعل نفسه فداه وقال له ما معناه أنا أفدي المسلمين بنفسي ومالي ~~وأقتل هذا الأعرج ولا أبالي، فلم يجبه إلى إشارته واستسلم لقضاء الله تعالى ~~وإرادته وقال إن لله تعالى تصريفا في عباده ولا بد أن ينفذ فيهم سهم مراده ~~ولا مفر من القضا ولا محيد عما قدر الله وقضى PageV01P008 وإذا أتاك من ms016 ~~الأمور مقدر ... وفررت منه فنحوه تتوجه # وهذا سر لا بد من ظهوره فلا تبحث عن حقيقة أموره فمن غالب القضاء غلب ومن ~~ناهب الزمان سلب، ومن قاوى تيار المقدور غرق ومن استلذ بالغفلة في مشارب ~~اللهو شرق، وذكر عند ذلك الوقت مقالة أبيه له واطلع على تحقيقه ولكن السهم ~~خرج فما أمكن رده إلى فوقه # ذكر اجتماع ذلك الجافي بالشيخ # زين الدين أبي بكر الخوافي وكان في بعض قدماته خراسان سمع أن في قصبة ~~خواف رجلا قد منحه الله تعالى الألطاف، عالما عاملا كبيرا، فاضلا ذا كرامات ~~ظاهرة وولايات باهرة وكلمات زاهرة ومقاومات طاهرة ومكاشفات صادقة ومعاملات ~~مع الله تعالى بالصدق ناطقة، يدعى الشيخ زين الدين أبا بكر، الطائر اجتهاده ~~في حظيرة القدس أعلى وكر فقصد تيمور رؤيته وتوجه إليه وجماعته فقالوا للشيخ ~~إن تيمور قادم عليك وواصل إليك يقصد رؤيتك ويرجو بركتك، فلم يفه الشيخ ~~بلفظة ولا رفع لذلك لحظه فوصل تيمور إليه ونزل عن فرسه ودخل عليه، والشيخ ~~مشغول بحاله على عادته، جالس في فكره على سجادته، فلما انتهى إليه قام ~~الشيخ فاحدودب تيمور منكبا على رجليه، فوضع الشيخ على ظهره يديه، قال تيمور ~~لولا أن الشيخ رفع يديه عن ظهري بسرعة لخلته انرض ولقد تصورت أن السماء ~~وقعت على الأرض وأنا بينهما رضضت أشد رض ثم إنه جلس بين يدي ذلك المنتخب ~~على ركبتي الأدب، وقال له بالملاطفة في المحاورة على سبيل الاستفهام لا ~~المناظرة يا سيدي الشيخ لم لا تأمرون ملوككم بالعدل والإنصاف وأن لا يميلوا ~~إلى الجور والاعتساف؟ فقال له الشيخ أمرناهم وتقدمنا بذلك إليهم فلما ~~يأتمروا فسلطانك عليهم فخرج من فوره من عند الشيخ وقد قامت منه الحدبة وقال ~~ملكت الدنيا ورب الكعبة، وهذا الشيخ هو الموعود بذكره، ثم إن تيمور قبض على ~~ملك هراة واحتاط على ما ملكت يداه وضبط ولاياتها جانبا جانبا، وقرر لكل ~~جانب نائبا وتوجه إلى سمرقند قافلا بما أمكنه، وحبس السلطان في المئذنة ~~وأوصد عليه بابها ووكل بحفظه أصحابها ms017 وأضاف إليهم لشدة الحفاظ الزبانية ~~الشداد الغلاظ وذلك لحلفه أن لا يريق دمه وأن يحفظ له ذممه، فلم يرق له دما ~~ولكنه قتله في الحبس جوعا وظما # ذكر عوده إلى خراسان # وتخريبه ولايات سجستان # ثم عاد إلى خراسان وقد عزم على الانتقام من سجستان فخرج إليه أهلها ~~طالبين الصلح والصلاح فأجابهم إلى ذلك على أن يمدوه بالسلاح فأخرجوا إليه ~~ما عندهم من عدة ورجوا بذلك الفرج من الشدة فحلفهم وكتب عليهم قسامات بالغة ~~أن مدينتهم غدت من السلاح فارغة، فلما تحقق ذلك منهم وضع السيف فيهم وأضاف ~~بهم جنود المنايا عن بكرة أبيهم ثم خرب المدينة فلم يبق بها شجر ولا مدر ~~ومحاها فلم يبن لها عين ولا أثر، ورحل عنها وليس بها داع ولا مجيب، وما فعل ~~ذلك بهم إلا لأنه أولا منهم أصيب وذكر لي الشيخ الفقيه زين الدين عبد ~~اللطيف بن محمد بن أبي الفتح الكرماني الحنفي نزيل دمشق بالمدرسة الجقمقية ~~في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة أن الذين تخلصوا من القتل من أهل سجستان ~~بهزيمة أو غيبة أو بنوع لطيفة من الله تعالى المنان لما تراجعوا إليها بعد ~~رجوع تيمور عنها أرادوا أن يجمعوا بها فأضلوا يوم الجمعة وما اهتدوا إليه، ~~حتى أرسلوا إلى كرمان من دلهم عليه # ذكر قصد ذلك الغدار ممالك سبزوار # وانقيادها إليه وقدوم واليها عليه # ثم لما أثار بسجستان ما أثار قصد بعساكره مدينة سبزوار، وكان واليها يدعى ~~حسن الجوري مستقلا بالإمارة وهو رافضي، فما أمكنه إلا الإطاعة واستقباله من ~~الهدايا والخدم بما استطاعه، فأقره على ولايته وزاد في رعايته " فصل " - ~~وكان من عادة تيمور وفكره أنه كان في أول أمره إذا نزل بأحد مستضيفا ~~استنسبه وحفظ اسمه ونسبه، وقال له إذا بلغك أني استوليت وعلى الممالك ~~استقليت، فأتني بعلامة كذا فإني أكافئك إذا، فلما انتشر ذكره وشاع أمره ~~وفشا في الدنيا خبره وخبره هرعت الناس بالعلائم إليه، ووفدت من كل فج عميق ~~عليه وكان ينول كل أحد منزلته ويحله مرتبته # ذكر ما ms018 جرى لذلك الداعر في سبزوار # مع الشريف محمد رأس طائفة الدعار PageV01P009 وكان في مدينة سبزوار رجل ~~شريف من الشطار يدعى السيد محمد السربدال، معه جماعة من الرجال كلهم دعار ~~يسمون السربداليه يعني الشطار، وكان هذا السيد رجلا مشهورا بالمآثر ~~والفضائل مذكورا، فقال تيمور علي به فإني ما جئت إلا بسببه، وقد كنت متشوقا ~~إليه ومتشوقا لعلم ما لديه، فدعوه له فدخل عليه فقام إليه واعتنقه وقابله ~~ببشرة منطلقة، وأكرمه وأدناه وقال في جملة فحواه يا سيدي السيد قل لي كيف ~~أستخلص ممالك خراسان وأحويها وأنى أحوزها أقاصيها وأدانيها وماذا أفعل حتى ~~يتم لي هذا الأمر وأرتقي هذا المسلك الصعب الوعر؟ فقال له السيد يا مولانا ~~الأمير أنا رجل فقير وقير، من آل الرسول من أين أنا وهذا الفضول، وإني وإن ~~قيل لي شريف، رجل عاجز ضعيف لا طاقة لي بموارد الهلك، ومن أنا حتى أتشاوف ~~لمصالح الملك، ومن داخل الملوك أو خارجهم أو عارضهم في أمورهم أو مازحهم ~~كان كالعائم في مجمع البحرين، وكالجاثم في منتطح الكبشين، والخارج عن لغته ~~لحان وشتان ما بين المأمون والطحان، فقال له لا بد أن تدلني على الطريقة ~~وتخبرني عن المجاز إلى هذه الحقيقة ولولا أنني تفرست فيك ذلك وتكهنت أن ~~برأيك تقتدى المسالك، ولولا أنك أهل لهذه المعرفة ما فهت لك ببنت شفة، ولا ~~استغنيت عنك استغناء التفه عن الرفه، فإن فراستي أياسية وقضاياي كلها ~~قياسية فقال ذلك المشير أيها الأمير أو تسمع في هذا مقالتي وتتبع إشارتي؟ ~~فقال ما استشرتك إلا لأتبعك ولا جاربتك إلا لأمشي معك فقال إن أردت أن يصفو ~~لك المشرب وتنال الممالك من غير أن تتعب فعليك بخواجة علي بن المؤيد الطوسي ~~قطب فلك هذه الممالك ومركز دائرة هذه المسالك فإن أقبل عليك بظاهره لم يكن ~~بباطنه إلا معك وإن ولى عنك بوجهه فلن يفيدك غيره ولن ينفعك فكن على ~~استجلاب خاطره وحضوره إليك أبلغ جاهد فإنه رجل صلب، وظاهره وباطنه واحد، ~~وإن طاعة الناس منوطة بطاعته وأفعال ms019 الكل مربوطة بإشارته فما فعل فعلوا فإن ~~حط حطوا وإن رحل رحلوا وكان هذا الرجل أعني خواجه علي المذكور رجلا شيعيا ~~مواليا عليا يضرب السكة باسم الاثني عشر إماما ويخطب بأسمائهم، وكان شهما ~~هماما ثم قال السيد يا أمير ادع خواجه علي فإن لبى دعوتك وحضر حضرتك فلا ~~تترك من أنواع الاحترام والتوقير، والإكرام والتكبير شيئا إلا وأوصله إياه، ~~فإنه يحفظ لك ذلك ويرعاه، وأنزله منزلة الملوك العظام في التعظيم والتوقير ~~والاحترام ولا تدع معه شيئا مما يليق بحشمتك فإن ذلك كله عائد إلى حرمتك ~~وعظمتك ثم خرج السيد من عند تيمور، وجهز قاصده إلى الخواجة علي المذكور ~~يقول له إنه قد مهد له الأمور فإن جاءه قاصده فلا يتوقف عن الطاعة ولا يقعد ~~عن التوجه إليه ولا ساعة، ويكون منشرح البال آمنا سطواته في الحال والمآل ~~فاستعد خواجه علي لقدوم الوارد وورود القاصد، وهيأ الخدمات والتقادم ~~والحمولات، وضرب باسمه واسم متولاه الدرهم والدينار، وخطب باسمهما في جوامع ~~الأمصار وقعد لأمره منجزا وأقام للطلب مستوفزا وإذا بقاصد تيمور جاء منه ~~بكتاب فيه من ألطف كلام وألين خطاب يستدعيه مع انشراح الصدر وتوفير التوقير ~~وتكثير البر فنهض من ساعته ملبيا بلسان طاعته ولم يلبث غير مسافة الطريق ~~وقد بأمل فسيح وعهد وثيق، فلما أخبروه بوفوده جهز لاستقباله أساورة جنوده ~~وسر سرورا شديدا وكأنه استأنف ملكا جديدا، فلما وصل قدم هدايا فاخرة وتحفا ~~متكاثرة وطرائف ملوكية وذخائر كسروية فعظمه تعظيما بالغا وأولاه إنعاما ~~سائغا وأسبل على قامة رجائه من خلع إعزازه وإكرامه ذيلا سابغا واستمر به ~~على ولايته وزاد في بره وكرامته فلم يبق في خراسان أمير مدينة ولا نائب ~~قلعة مكينة ولا من يشار إليه إلا وقصد تيمور وأقبل عليه، فمن أكابرهم أمير ~~محمد حاكم باورد وأمير عبد الله حاكم سرخس، وانتشرت هيبته في الآفاق وبلغت ~~سطوته مازندران وكيلان وبلاد الري والعراق، وامتلأت منه القلوب والأسماع ~~وخافه القريب والبعيد وعلى الخصوص شاه شجاع وكل هذا في مدة قصيرة وأيام ~~قلائل يسيرة، ms020 نحوا من سنتين بعد قتله السلطان حسين # ذكر مراسلة ذلك الشجاع سلطان عراق # العجم أبا الفوارس شاه شجاع PageV01P010 ولما صفت له بلاد خراسان وأذعن ~~لطاعته كل قاص ودان، راسل شاه شجاع سلطان شيراز وعراق العجم يطلب منه ~~الطاعة والانقياد وإرسال الأموال والخدم ومن جملة كتابه وفحوى خطابه إن ~~الله تعالى سلطني عليكم وعلى ظلمة الحكام والجائرين من ملوك الأنام ورفعني ~~على من باراني ونصرني على من خالفني وعاداني، وقد رأيت وسمعت فإن أجبت ~~وأطعت فبها ونعمت وإلا فاعلم أن في قدومي ثلاثة أشياء، الخراب والقحط ~~والوباء وإثم كل ذلك عائد عليك، ومنسوب إليك فلم يسع شاه شجاع إلا مهادنته ~~ومهاداته ومصاهرته ومصافاته وزوج ابنته بابن تيمور ولم يتم ذلك السرور ~~لحدوث الشرور فانقبضت تلك المباسطة بواسطة إفساد الواسطة وتثريب الخاطبة ~~وتخريب الماشطة قلت بديها مضمنا # إذا انتخبت لأمر عن واسطة ... فاحزر دهاه وكن منه على وجل # واعلم بأن طباع الأنس قد جبلت ... من الجفاء ومن مكر ومن دخل # فلا تثق أبدا منهم بواسطة ... واشرع بنفسك فيه غير متكل # فإنما رجل الدنيا وواحدها ... من لا يعول في الدنيا على رجل # ومد عنان الكلام في هذا المقام يخرجنا عن المرام ولكن تمت رياض المحبة ~~زاهرة وأرباض المودة عامرة، وقفول المراسلة والمصادقة بين الطرفين سائرة ~~واستمروا على ذلك من غير نزاع إلى أن توفي شاه شجاع وكان شاه شجاع هذا رجلا ~~عالما فاضلا يقرر الكشاف تقريرا شافيا كاملا وله شعر رائق، وأدب فائق فمن ~~شعره العربي على ما قيل # ألا إن عهدي بالغرام يطول ... وأسباب صبري لا تزال تزول # أصون هواها كل ما ذر شارق ... ولكن ما بي قد ينم نحول # ومن لم يذق صبر الصبابة في الصبا ... علمت يقينا أنه لجهول # ومن شعره الفارسي # أي بكام عاشقان حسنت جميل ... كي كزينم ديكري برتوبديل # كر زيادت غافلم عيشم حرام ... ورزجورت دم زنم خونم سبيل # هركسي تدبير كاري مكند ... مارها كرديم بانعم الوكيل # وهو شاه شجاع بن محمد بن مظفر وأبوه كان من أفراد ms021 الناس ومن أهل البر ~~يسكن ضواحي يزد وأبرقوه، ذا بأس شديد يخافه القريب والبعيد ويرجوه وكان قد ~~نبع بين يزد وشيراز حرامي من عرب آل خفاجة سد على سالكي الطريقة حقيقة ~~المجاز يدعى جمال لوك أفقر الغني وأباد الصعلوك، لا يبالي بالرجال قلت أو ~~كثرت ولا يكترث بكواكب النبال إذا الكواكب على رأسه انتثرت، فأباد طائفة من ~~البلاد وأهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، فكمن له أبو شاه شجاع في ~~بعض وهد أويفاع ثم قابله مواجهة، وكافحه مشافهة ونازله فصرعه وقطع رأسه ~~وانتزعه وقصد برأسه السلطان فقدمه على سائر الأعوان وأقطعه أماكن عدة وقربه ~~وجعله عدة لكل شده وكان له عدة أولاد وأقارب وأحفاد كل منهم رئيس مطاع فمن ~~أولاده شاه مظفر وشاه محمود وشاه شجاع فصار كل منهم ذا كلمة نافذة ويد ~~معطية آخذة ولم يكن للسلطان ولد ينقر وراءه في أمور الملك أو ينقب فلما ~~أقبل عليه رائد المنية أجابه وولى مدبرا ولم يعقب وكان إذ ذاك وقد ثبتت ~~أوتاد محمد بن مظفر فتقدم في السلطنة ومن سواه تأخر، فصار في ممالك عراق ~~العجم الملك المطاع واستقل من غير تشاق ونزاع وتصرف في الممالك كيف يشاء ~~ورداه الله خلعه " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء " ومات في حياته ~~ولده شاه مظفر المذكور وخلف ولده شاه منصور، ثم جرى بين شاه شجاع وبين أبيه ~~من النزاع والشرور مالا خير فيه وقبض على أبيه وقهره وفجعه بكريمتيه وأعدمه ~~بصره، وتمكن من السلطنة واستقر وكان به مرض جوع البقر بحيث إنه كان لا يقدر ~~على الصوم لا في السفر ولا في الحضر وكان كثيرا ما يدعو الله الغفور ألا ~~يجمع بينه وبين تيمور فلما أدركه الأجل وطوى فراش الموت منه بساط الأمل ~~أحضر ماله من أقارب وأولاد وقسم عليهم الممالك والبلاد فولى ابنه لصلبه زين ~~العابدين شيراز، وهي كرسي الملك ومقصد الوافدين، وأقطع أخاه السلطان أحمد ~~ولايات كرمان وأعطى ابن أخيه شاه يحيى يزد، وابن أخيه شاه منصور، ms022 أصبهان، ~~وأسند وصيته بذلك إلى تيمور وخلد ذلك في رق منشور وأعد على ذلك من حضر ~~مجمعه فكان كمن سلم الريح لزوبعة PageV01P011 ولما أدمج الموت ثوب عمر شاه ~~شجاع، انتشرت بين أقاربه شقق الشقاق والنزاع، فقصد شاه منصور زين العابدين ~~وقبض عليه واستولى على شيراز وفجعه بكريمتيه، وخالف عمه ونقض حبل عهده وفعل ~~مع ابنه ما فعله أبوه بجده، وحبل هذه القصة ممدود والاشتغال بنقضه وإبرامه ~~يخرج عن المقصود فانمعض تيمور وامتعص وتجرع الغصص وارتهص، ولكن ارتقب في ~~ذلك انتهاز الفرص # ذكر توجه تيمور مرة ثالثة إلى خوارزم # بالعساكر العائثة العابثة # ثم إن تيمور جدد الحزم وصمم العزم على التوجه إلى خوارزم، فتوجه إلى تلك ~~البلاد من خراسان على طريق استراباد، وكان سلطانها أيضا غائبا فأراد أن ~~يولي عليهم من جهته نائبا، فخرج إليه حسن المذكور وصالحه واشترى منه الشرور ~~والمقابحة، وقال له يا مولانا الأمير كلنا عندك أسير ولكن سلطاننا غائب ~~وإذا أقيم علينا من جهتك نائب ثم رجع إلينا السلطان، فلابد أن يقع بينهما ~~شنآن، وإذا كان الأمر كذا فربما يصل إلي منه أذى، فيكون ذلك سبب تأكيد ~~العداوة ويزداد بينكما الجفا والقساوة فيفيض حنقك على المسلمين ويقع فساد ~~والله لا يحب المفسدين، وهب أن حسين صوفي صار نائبك فكل الخلق يجب عليه أن ~~يراعي خدمتك وجانبك، ورأيك أعلى واتباع مرسومك أولى فسمع تيمور كلامه وقبل ~~قوله وقوض للرحيل خيامه، وكان لحسن المذكور ابن غير فالح له عمل غير صالح ~~فكأنه فتك بحظية من حظايا السلطان وذاع ذلك في المكان وفاح ذفره في أنف ~~الزمان، فلم يتقيد بذلك الفعل القبيح حسن، وقال إن لي على السلطان، مننا ~~وأي منن، حيث حميت بلده من كل ظلوم كفار، وبذلت في ذلك مالي ووجاهتي ثلاث ~~مرار، فلابد أن يقابل هذه المصالحة بالعفو عن جريمة ولدي والمسامحة فلما آب ~~السلطان م سفره واطلع على حقيقة الأمر وخبره قبض على حسن وولده وقتلهما ~~وألقاهما بين يدي أسد قهره فأكلهما، وخرب ديارهما ونقل إلى ms023 خزائنه شعارهما ~~ودثارهما ثم لم يلبث حسين صوفي أن توفي، وولي بعده يوسف صوفي، وكان تيمور ~~قبل ذلك قد صاهرهم وناصرهم على مخالفيهم وظاهرهم، وزوج ابنا له يدعى ~~جهانكير عقيلة منهم ذات قدر كبير وأصل خطير ووجه مستنير أحسن من شيرين ~~وأظرف من ولادة، ولكونها من بنات الملوك كانت تدعى خانزاده، فولدت له محمد ~~سلطان وكان في نجابته وإقباله ساطع البرهان، فلما شاهد تيمور في شمائله ~~مخايل السعادة وقد فاق في النجابة أولاده وأحفاده أقبل دون الكل عليه وعهد ~~مع وجود أعمامه إليه، لكن عاند الدهر ذلك الظلوم فتوفي قبله في آق شهر من ~~بلاد الروم وسيأتي ذكر ذلك # ذكر توجه ذلك الباقعة إلى خوارزم # مرة رابعة # فلما سمع تيمور ما جرى على حسن من الشرور تحنق وشد الأزم ووجه ركاب الغضب ~~إلى خوارزم فأخذها وقتل سلطانها وهدم أركانها وخرب بنيانها، وولى على ما ~~بقي منها نائبا من عنده ونقل جميع ما أمكنه نقله منها إلى ممالك سمرقنده، ~~وتاريخ خراب خوارزم " عذاب " كما أن تاريخ خراب دمشق " خراب " # ذكر ما كان ذلك الجان راسل به شاه # ولي أمير ممالك مازندران # ثم إنه لما كان توجه إلى خراسان راسل شاه ولي أمير ممالك مازندران، وكاتب ~~الأمراء المستقلين بذلك المكان، فمنهم اسكندر الجلابي وارشيوند وإبراهيم ~~القمي، واستدعاهم إلى حضرته كما هو جاري عادته بالضرورة فأجابه إبراهيم ~~وارشيوند واسكندر، وتأبى عليه شاه ولي ذلك الغضنفر ولم يلتفت إلى خطابه ~~وخشن له في جوابه # ذكر مراسلة شاه ولي سلاطين # وما وقع في ذلك من الشقاق وعدم الاتفاق # ثم أرسل شاه ولي إلى شاه شجاع سلطان عراق العجم وكرمان وإلى السلطان أحمد ~~بن الشيخ أويس متولي عراق العرب وأذربيجان يخبرهما بورود خطابه وصدور ~~جوابه، ثم قال أنا ثغركما وإن انتظم أمري انتظم أمركما، وإن نزل بي منه ~~بائقة فإنها بممالككما لاحقة، فإن ساعدتماني بمدد كفيتكما هذا النكد وإلا ~~فتصيران كما قيل # من حلقت لحية جار له ... فليسكب الماء على لحيته # فأما شاه شجاع فأطرح قوله ms024 ورماه وهادن تيمور كما ذكر وهاداه وأما السلطان ~~أحمد فأجاب بجواب مهمل وقال هذا الأشل الأعرج الجغتائي ما عساه أن يفعل؟ ~~ومن أين ومن أين للأعرج الجغتائي أن يطأ العراقين؟ وإن بينه وبين هذه ~~البلاد لخرط القتاد، ولكم بين مكان ومكان فلا يخل العراق كخراسان ~~PageV01P012 ولئن عقدت على التوجه إلى ديارنا نيته، لتحلن به منيته، ~~ولترتحلن عنه أمنيته، فإنا قوم لنا البأس والشدة والعدة والعدة والدولة ~~والنجدة ولنا يصلح التشامخ والتأبي حتى كأنه قال فينا المتنبي # نحن قوم ملجن في زي ناس ... فوق طير لها شخوص الجمال # فلما علم ذلك منهم شاه ولي وأيقن أن كلا منهما عن شجوه خلا قال أما أنا ~~فوالله لأوافقنه بعزم صادق ونفس مطمئنة فلئن ظفرت به لأنددن بكما في ~~الأمصار، ولأجعلنكما عبرة لأولي الأبصار، وإن ظفر بي فلا علي ما يصل إليكما ~~فلينزلن القضاء الطام والبلاء العام عليكما، ثم استد للقائه واستسلم لقدر ~~الله تعالى وقضائه، ولما تراءى الجمعان، واتصلت المراشقة بالضراب والطعان ~~ثبت شاه ولي ساعة لما نابه من شره وهره، ثم ولى الدبر لما حطمه ما رأى من ~~كر وفر وتبع السنة في الفرار مما لا يطاق وتوجه إلى الري إذ ما أمكنه ~~التوجه إلى العراق، وكان بها أمير مستقل يدعى محمد جوكار متصرفا بحكومته في ~~تلك القرى والأمصار، وكان كريما شجاعا وملكا مطاعا ومع ذلك فإنه دارى تيمور ~~وراعى منه بعض الأمور وخاف سطوته وبأسه فقتل شاه ولي وأرسل إلى تيمور رأسه # ذكر ما جرى لأبي بكر الشاسباني # مع ذلك الجاني # وكان في بعض ولايات مازندران، رجل يسمى أبا بكر من قرية تدعى شاسبان، ~~وكان في الحروب كالأسد الغضوب وكان قد أباد وأبار الجم الغفير من عساكر ~~التتار، إذا انتمى في المجال لا تثبت له الرجال وإن وضع العمامة، أقام فيهم ~~القيامة، ولا زال يكمن بين الروابي والجبال، ويجندل الجنود والأبطال، حتى ~~صارت تضرب به الأمثال وترعد منه الفرائص ولو في طيف الخيال، فكان القائل ~~منهم يقول لمركوبه إذا علق عليه ms025 أو سقاه فتأخر عن الماء أو جفل من المخلاة ~~كأن أبا بكر الشاسباني في الماء أو بين العليق تراه وقيل لم يتضرر عسكر ~~تيمور في مدة استيلائه، مع كثرة حروبه ومصافاته وإبلائه، إلا من ثلاثة ~~أنفار، أضروا به وبعساكره غاية الإضرار، وأوردوا كثيرا منهم موارد النار ~~أحدهم أبو بكر الشاسباني، ثانيهم سيدي علي الكردي، وثالثهم " أمت " ~~التركماني " فأما أبو بكر هذا فذكروا أنه في بعض مضايق مازندران، تغلبت ~~عليه الجغتاي من كل مكان " وسدوا عليه وجه المخلص وشدوا حبل المقنص فألجأوه ~~إلى جرف مقاله جرف، مقدار ثمانية أذرع ما بين الحرف إلى الحرف، كأن قعره جب ~~النقير، أو واد في قعر السعير فنزل أبو بكر عن جواده المضمر وطفر وطمر من ~~أحد الجرفين إلى الآخر بما عليه من السلاح والمغفر، ولم ينل منهم ضرا ونجا ~~كما نجا تأبط شرا ثم اتصل بحاشيته وأبادهم، ونقل إلى طاحون الفناء منهم من ~~استكمل دياسهم وحصادهم، ثم ما أدري أمره إلى ماذا آل، وكيف تقلبت به ~~الأحوال وأما سيدي علي الكردي فإنه كان أميرا في بلاد الكرد، ومعه طائفة من ~~الخيل الجرد، والرجال غير المرد، في جبال عاصيه، وأماكن وعرة متقاصية، فكان ~~يخرج هو وجماعته، ومن شملته طاعته، ويترك على فم المضائق من هو به واثق ثم ~~يشن على عساكر تيمور الغارات، ويدرك فيهم للمسلمين الثارات، ويقتطع من ~~حواشيهم وما يمكنه من مواشيهم، ثم يرجع إلى أوكاره بما قضى من أوطاره ولم ~~يزل على ذلك الثبات في حياة تيمور وبعد أن مات إلى أن أدركته الوفاة ففات ~~وأما أمت التركماني فإنه كان من تراكمة قراباغ وله ابنان قد وضع كل منهما ~~على لقب تيمور أي داغ، وكانت الحروب والنزال بينهم وبين أميران شاه وعساكر ~~الجغتاي لاتزال، وأفنوا من جماعتهم عددا لا يحصى، وجانبا فات لا يستقصى إلى ~~أن غدر واحد من المنتسبين إليهم، فطلب غرتهم ودل عسكر أميران شاه عليهم، ~~فبيتوهم ليلا وأراقوا من دمائهم سيلا فاستشهد الثلاثة في سبيل الله رحمهم ~~الله قلت ms026 # وأصعب فتنة تشميت الأعدا ... وأنكى منه تخذيل الموالى # وقيل # وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند # وقيل # " إذا كان هذا بالأقارب فعلكم ... فماذا الذي أبقيتم للأباعد " # ذكر توجه تيمور إلى عراق # العجم وخوض شاه منصور غمار ذلك البحر الخضم PageV01P013 ولما توفي شاه ~~شجاع ووقع بين أهله كما مر النزاع، واستقر أمر العراق العجمي على شاه منصور ~~وخلصت ممالك مازندران وولاياتها لتيمور، وكان شاه شجاع قد أوصى إلى تيمور ~~بولد زين العابدين كما ذكر ووكل أمره إليه، وجد تيمور على شاه منصور طريقا ~~بما فعله مع ابن عمه زين العابدين فاحتج بذلك ومشى عليه، فاستمد شاه منصور ~~أقاربه فكلهم صار محاربه وغدا مجاذبه ومجانبه وأقام كل منهم يحفظ جانبه، ~~فتهيأ لملاقاته وحده، بنحو ألفي فارس كاملي العدة، بعد أن حصن المدينة ~~وحوطها بالأهبة المكينة، ورتب خيلها ورجلها وحرض على التصبر والتربص أهلها، ~~فقال له أكابر أعيانها والرؤس من سكانها كأنا بك في المقتحم وسدى الحرب قد ~~التحم، وقد منعناه من الوصول إلينا ودافعناه عن الهجوم علينا، وربما جندنا ~~له رجالا وأبطلنا من عسكره أبطالا، ثم ماذا تصنع أنت بألفي راكب مع هذا ~~الغمام المتراكم المتراكب؟ وربما يحل عقدك أو يفل جندك فلا ترى لنفسك في ~~الهيجاء إلا طلب الخلاص والنجاء وتتركنا لحما على وضم بعد أن زلت بنا معهم ~~القدم ولا ينفعنا بعد تأكيد العداوة الندم، ولا يجبر منا إذ ذاك هذا الكسر ~~إلا بالقتل أو النهب والأسر فوضع يده على دبوسه شاه منصور وقال هذا الألف ~~في الكاف السادسة من أم من يفر من تيمور، أما أنا فأقاتل وجندي، فإن خذلني ~~جندي قاتلت وحدي، وبذلت في ذلك جدي وجهدي، وعاينت عليه وكدي وكدي، فإن نصرت ~~نلت قصدي وإن قتلت فلا علي ممن بقي بعدي، وكأني أنا كنت الحاضر والخاطر في ~~خاطر الشاعر حين قال # إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا # وقيل إن شاه منصور فرق رجاله على قلاعه، وأراد بذلك حفظ ms027 مدنه فضاع في ~~ضياعه، ثم جمع رؤساء شيراز وأجنادها وأفلاذ أكبادها وأولادها وقال إن هذا ~~عدو ثقيل وهو وإن كان خارجيا فهو في بلادنا دخيل، فالرأي أني لا أنحصر معه ~~في مكان ولا أقابله بضراب وطعان بل أتنقل في الجوانب وأتسلط أنا ورعاياي ~~عليه من كل جانب فنصفع أكتافه ونقطع أطرافه ونواظبه بالنهار ونراقبه بالليل ~~ونعد له ما استطعنا من قوة ومن رباط الخيل فكلما وجدنا منه غرة كسرنا منه ~~القفا والغرة فتارة ننطحه وأخرى نرمحه وكرة نجرحه ومرة نجدحه ونسلبه الهجوع ~~ونمنعه الرجوع فتشتد عليه المضايق وتنسد عليه الطرق والطرائق غير أن القصد ~~منكم يا أحرار ويا نمور النفار ونسور النقار أن تحتفظوا بضبط الأسوار ولا ~~تغفلوا عنها آناء الليل وأطراف النهار، فإني ما دمت بعيدا عنكم لا يدنو أحد ~~منهم منكم، وإن حاصروكم ففيكم كفاية وأستودعكم الله وهو نعم الوقاية، وغاية ~~ما تكونون في هذه البؤسى مقدار ما واعد الله نبيه موسى ولله هذا الرأي ما ~~كان أمتنه ووجه هذا القصد ما كان أحسنه ثم إنه خرج ذاهبا، وقصد جانبا # ذكر دقيقة تصدت فجلت ونقضت ما أبرمة شاه # منصور من عقد حين حلت # فبينا هو عند باب المدينة جائز نطرته سعلاة من مشؤومات العجائز، فبدرته ~~بالملام وآذته بالكلام ونادت بلسان الاعجام انظروا إلى هذا " تركس بحرام " ~~رعى أموالنا وتحكم في دمائنا وفارقنا أحوج ما نحن إليه في مخاليب أعدائنا، ~~جعل الله حمل السلاح عليه حراما ولا أنجح له قصدا ولا أسعف له مراما، فقدحت ~~زناده وجرحت فؤاده، وتأججت نيران غضبه، وأحرق أكداس تدبره شواظ لهبه وثارت ~~نفسه الأبية، وأخذته حمية الجاهلية حتى ذهب لب ذلك الرجل الحازم، وغلط ~~فأمسى وهو لغلطه ملازم، فثنى عنان عزمه، وكز أسنان أزمه، وأقسم لا يبرح عن ~~المقاومة، ولا يرجع في مجلس القضاء ملازمة المصادمة، ويجعل ذلك دأبه صباحا ~~وعشاء، إلى أن يعطي الله النصر لمن يشاء ثم قابل، ورتب أبطاله وقاتل وكان ~~في عسكر شاه منصور أمير خراساني مباطن لتيمور، يدعى محمد ms028 بن زين الدين من ~~الفجرة المعتدين، وجل العساكر كان معه، فسار إلى تيمور، وأكثر الجند تبعه، ~~فلم يبق منهم إلا دون الألف، فما فر واحد منهم من الزحف فثبت شاه منصور، ~~بعد أن تضعضعت منه الأمور، فلم تزل نيران الهيجاء تنتطح، وزناد الحرب تورى ~~إذ تنقدح، وشرار السهام تتطاير، وثمار الرؤوس بمناجل السيوف تقطف فتتناثر، ~~حتى أقبل جيش الليل وشمر للهزيمة جند النهار الذيل، فتراجع كل منهم إلى ~~وكره، وأعمل شاه منصور فكره في مكره # ذكر ما نقل عن شاه منصور مما أوقع بعسكر تيمور PageV01P014 من الحرب ~~والويل تحت جنح الليل # فعمد إلى فرس جفول، من بين الخيول، أجمح من دهر رمح وأرمح من عصر جمح، ~~وأتى بها عسكر العدو وقد أخذ الليل في الهدو، ثم ربط في ذنبها قدرا من ~~النحاس، ملفوفة في قطعة بلاس، وشدها شدة أحكم وثاقها، وصوب رأسها نحو العدو ~~وساقها، فجالت الفرس في المعسكر واضطربت، واختبطت الناس واحتربت وانسابت ~~جداول السيوف في بطون تلك البحار وانسربت، حتى كأن الساعة اقتربت، مواأو ~~السماء عليهم بالشهب انقلبت، والأرض بهم اهتزت وربت وشاه منصور واقف ~~حواليهم كالبازي المطل عليهم، يقتل من شذ، ويبيد من فذ وصار كما قيل # الليل داج والكباش تنتطح ... نطاح جد ما أراها تصطلح # فقائم وقاعد ومنبطح ... فمن نجا برأسه فقد ربح # قيل أنهم اقتتلوا فيما بينهم حتى فني نحو من عشرة آلاف نفس، فلما قوض ~~الليل خيامه ورفع النهار أعلامه، علموا البلاء كيف دهاهم، وليت الليل لم ~~يكن فارق ذراهم ثم إن شاه منصور أصبح وقد قل ناصره وفل مؤازره، فانتخب من ~~جماعته فئة نحوا من خمسمائة، فجعل يصول بهم صولة الأسد، ويخوض بهم غمار ~~الموت، فلا يلوي أمامهم أحد على أحد، ويميل يسره ويمنه وينتسب ويصيح أنا ~~شاه منصور الصابر المحتسب، فتراهم بين يديه حمرا مستنفرة فرت من قسورة، ~~وقصد مكانا فيه تيمور فهرب منه ودخل بين النساء واختفى بينهن وغطى بكساء، ~~فبادرنه وقلن نحن حرم وأشرن إلى طائفة من العسكر المصطدم وقلن ms029 هناك بغيتك ~~وبين أولئك طلبتك، فألوى راجعا وتركهن مخادعا وقصد حيث أشرن إليه وقد أحاطت ~~به جموع العساكر وحلقت عليه قلت بديها # وما حز أعناق الرجال سوى النسا ... وأي بلاء مالهن به أبلى # وكم نار أحرقت كبد الورى ... ولم يك إلا مكرهن لها أصلا # وكان على فرس فاقت خصالا فضرب فيهم بسيفين يمينا وشمالا، وفرسه السبوح ~~كانت تقاتل معه وتصدم وتكدم من يقربها في تلك المعمعة وكأنه ينشد معنى ما ~~قلته في " مرآة الأدب " # يد الله قوتني فغلت يداهم ... وهذى يدي فيهم بسيفين تضرب # فصار كلما قصد رعلة من تلك الرعال، افترقت أمامه يمينا وشمالا وإن كانوا ~~كلهم من أهل الشمال ولكن # إذا لم يكن عون الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده # حتى أنهكته الحرب وكلت يداه من الطعن والضرب، وجندلت أبطاله وقتلت خيله ~~ورجاله وتغيرت من كل جهة أحواله، وسدت طرائقه وشدت مضايقه وخرست شقاشقه ~~وضرست فيالقه وخمدت بوارقه وهمدت بيادقه وحص جناحه وقص نجاحه وخف مداحه ~~وأثقلت جراحه وسكنت غمغمته، فانفرد عن أصحابه وقد آده الجراح وأودى به ولم ~~يبق معه في ذلك البحر سوى نفرين أحدهما يدعى توكل والآخر مهتر فخر، وأخذه ~~الدهش، وغلب عليه العطش ونشف الرهج والوهج كبده وطلب شربة ماء فما وجده فلو ~~وجد ما يبل له ريقه لما قدر أحد أن يقطع عليه طريقه، فرأى الأولى طرح نفسه ~~بين القتلى، فأطرح بينهم نفسه، ورمى أهبته وسيب فرسه وقتل توكل ونجا فخر ~~الدين، وبه من الجراح نحو من سبعين، وعمر بعد ذلك حتى بلغ تسعين، وكان من ~~الأبطال والمصارعين فتراجع جيش تيمور وتضام، وانتعش بعد أن بلغ موارد ~~الحمام، وذلك بعد أن قتل منهم مالا يعد، وأفنى ليلا ونهارا مالا يحصر ولا ~~يحد PageV01P015 وطفق تيمور في القلق، والضجر والأرق، لفقد شاه منصور وعدم ~~الوقوف على حال ذلك الأسد الهصور، أهو في الأحياء فيخشى فكره، أم انتقل إلى ~~دار الفناء فيؤمن مكره، فأمر بتفتيش الجرحى، والتنقيب عنه بين القتلى ~~والطرحى، إلى أن كادت الشمس ms030 تتوارى بالحجاب، ويغمد حسام الضياء من الظلام ~~في قراب، فعندما ضم دينار البيضاء، تحت ذيل ملاءة الضياء، ومد نساج القدرة ~~في جو الفضاء سدى، والليل إذا سجى ونثر على سطح هذا الأديم المسا دراهم ~~كواكبه الزهراء، واتسع الظلام واتسق، عثر واحد من الجغتاي على شاه منصور ~~وبه أدنى رمق، فتشبث شاه منصور بذلك الإنسان، بل الشيطان الخوان، وناداه ~~الأمان الأمان أنا شاه منصور فاكتم عني هذه الأمور وخذ مني هذه الجواهر ~~وخافت في قضيتي ولا تجاهر، ولا رأيتك ولا رأيتني، ولا عرفتك ولا عرفتني، ~~وإن أخفيت مكاني ونقلتني إلى إخواني وأعواني، كنت كمن أعتقني بعدما ~~اشتراني، ومن بعد ما أماتني أحياني، وكنت ترى مكافأتي، وتغنم مصافاتي، ثم ~~أخرج له من الجواهر، ما يكفيه وذريته إلى يوم الآخر فكأن في قصته واستكشاف ~~غصته كالمستغيث بعمرو عند كربته فما عتم أن وثب على شاه منصور، وحز رأسه، ~~وأتى به إلى تيمور وحكى له ما جرى بتنجيز المشترى، فما صدقه، ولا في كلامه ~~استوثقه بل أخرج من قبائله وشعوبه من عرفه به فعرفوه بشامة كانت في وجهه ~~علامة، فلما علم أنه شاه منصور بعينه، وتميز له صدق ذلك الرجل من مينه تحنق ~~وتحيف، وتحرق لقتل شاه منصور وتأسف، ثم سأل ذلك الرجل عن محتده، وعن والده ~~وولده، وعن قبيلته وذويه، ومخدومه ومربيه، فلما استوضح أخباره، وعلم نجاره ~~ووجاره أرسل مرسومه إلى متولي تلك الدار فقتل أهله وأولاده وأعوانه وأنصاره ~~وآله وأحفاده وأختانه وأصهاره وقتله شر قتلة ومحا آثاره وصادر مخدومه وقتله ~~وخرب دياره ثم أرسل إلى أطراف ممالكه مطالعات، يذكر فيها صور تلك المصافات ~~والمواقعات، وما شوهد من وثبات شاه منصور وثباته، وغشيانه غمرات الحروب ~~وضرباته، وما حصل في واقعة القتال على الحديد في صف مرسلاته، وكيف زلزلت ~~العاديات ولولت النساء في فتح حجراته بعبارات هائلة وكلمات في ميادين ~~الفصاحة والبلاغة جائلة، وهذه المطالعات تقرأ في المحافل والمشاهد، وتتلى ~~في المصادر والموارد ويستمد منها ذوو الأدب، ويعني بحفظها الكتاب والصبيان ~~في الكتاب " رأيت ms031 " في أخبار بعض المعتنين، أنه في شوال سنة خمس وتسعين، ~~ورد رسول صاحب بسطام، يؤذن سلطان مصر بالإعلام، أن تيمور قتل شاه منصور ~~واستولى على شيراز وسائر البلاد، وأرسل رأسه إلى حاكم بغداد، وأمره ~~بالطاعة، هو ومن معه من الجماعة، وأرسل إليه خلعة، وأن يضرب السكة باسمه ~~ويخطب بذلك في الجمعة، فلبس خلعته وائتمر ممتثلا كل ما به أمر وأنه علق رأس ~~شاه منصور، بعدما طافوا به على السور، وما أظن لذلك صحة # ذكر ما وقع من الأمور والشرور # بعد واقعة شاه منصور # فاستولى تيمور على ممالك فارس وأرض عراق العجم وراسل من داناه من أقارب ~~شاه شجاع وملوك الأمم، واستمال الخواطر، وآمن البادي والحاضر، ورحل فجاز ~~مدينة شيراز، وضبط أحوالها، وقرر فيها خيلها ورجالها، ونادى بالأمان، ~~للقاصي والدان فلبت دعوته ملوك البلاد ولم يسعهم معه إلا الإطاعة والانقياد ~~فوصل إليه سلطان أحمد من كرمان، وشاه يحيى من يزد وعصى سلطان أبو إسحاق في ~~سيرجان فأنعم وخلع على من أطاع وانقاد، ولم يتعرض لمن أظهر العناد، ولم يشق ~~بينه وبين مخالفيه العصا، وأكرم من أطاعه ليوقع بذلك من عصى وطرح على شيراز ~~وسائر البلدان مال الأمان، وأقام في كل بلدة من جهته نائبا وتوجه إلى ~~أصبهان، وأحسن إلى زين العابدين الذي هو وصية من أبيه، ووظف له من الجوامك ~~والادرارات ما يكفيه وذويه # ؟ذكر ما صنع الزمان عند حلوله بأصبهان PageV01P016 فلما وصل إلى أصبهان، ~~وكانت من أكبر البلدان مملوءة بالأفاضل ومحشوة بالأماثل، وبها شخص من علماء ~~الإسلام، والسادة الأعلام، قد بلغ في العلم الغاية، وفي العمل والاجتهاد ~~النهاية، أفعاله مبرورة، وكراماته مشهورة، ومآثره مذكورة، ومحاسنه على جبهة ~~الأيام مسطورة، وهو معتقد المسلمين، وكان اسمه إمام الدين، وكان أهل أصبهان ~~يذكرون له تيمور، ويحذرون من شره أي محذور، فيقول لهم ما دمت فيكم حيا، لا ~~يضركم كيده شيا، فإن وافاني الأجل، فكونوا من أذاه على وجل، اتفق أنه في ~~وصول تيمور، توفي الشيخ المذكور، فأصبحت أصبهان ظلمات بعضها فوق بعض بعد ms032 أن ~~كانت نورا على نور، فتضاعفت حسرتهم، وترادفت كسرتهم، فوقعوا في الحيرة، ~~وصاروا كأبي هريرة رضي الله عنه حيث يقول # للناس هم ولي في اليوم همان ... فقد الجراب وقتل الشيخ عثمان # فخرجوا إليه وصالحوه على جمل من الأموال، فأرسل فيهم لاستخلاصها الرجال، ~~فوزعوها على الجهات، وفرضوها على الحارات والمحلات، وتفرق فيهم المستخلصون، ~~فكانوا يعيثون فيهم ويعبثون، واستطالوا عليهم فجعلوهم كالخدم، وتوصلوا إلى ~~أن مدوا أيديهم إلى الحرم، فانتكوا منهم أي نكاية، فرفع أهل أصبهان إلى ~~رئيسهم الشكاية، وكثرت منهم الشكية، وهم قوم لهم حمية، وقالوا الموت على ~~هذه الحالة، خير من الحياة مع هذه الاستطالة فقال لهم رئيسهم إذا أقبل ~~المساء، فإني أضرب الطبل لكن لا تحت كساء، فإذا سمعتم الطبل قد دق، فالقول ~~قد حق، فليقبض كل منكم على نزيله وليحتكم فيه بسمين رأيه وهزيله، فاتفقوا ~~على هذا الرأي المعكوس والأمر المنكوس في الطالع المنحوس، وقصروا مدى ~~أنظارهم السقيمة، عن قصارى هذه الأمور الوخيمة ولما تعرى العنان من ثوب ~~نوره، وأبدل الجو قمامه بسموره، ومضى هزيع من الليل، ضرب الرئيس الطبل فحل ~~بالمستخلصين الويل، فقتلوهم وكانوا نحوا من ستة آلاف، وأصبحوا، وقد غرسوا ~~في دوح العصيان أغصان الخلاف، فأثمر ذلك لهم الحور بعد الكور وبان لهم ~~البوار فأصبحوا بورا بهذا البور ولما سل الفجر حسامه، وحسر النهار لثامه، ~~بلغ تيمور ذلك الصنع المشئوم فنفخ الشيطان منه في الخيشوم، فارتحل من فوره ~~واستل عضب غضبه ونثل جعبة جوره، وتوجه نحو المدينة مزمجرا متكالبا مستأسدا ~~متنمرا، فوصل إليها، وأخنى عليها، وأمر بالدماء أن تسفك، وبالحرمات أن ~~تهتك، وبالأرواح أن تسلب، وبالأموال أن تنهب، وبالعمارات أن تخرب، وبالزروع ~~أن تحرق، وبالضروع أن تخرق، وبالأطفال أن تطرح، وبالأجساد أن تجرح، ~~وبالأعراض أن تثلم، وبالذمم أن تسلم ولا تسلم، وأن يطوى بساط الرحمة، وينشر ~~مسح النقمة، فلا يرحم كبير لكبره، ولا صغير لصغره، ولا يوقر عالم لعلمه، ~~ولا ذو أدب لفضله وحلمه، ولا شريف لنسبه ولا منيف لحسبه، ولا غريب لغربته، ~~ولا قريب لقرابته ms033 وقربته، ولا مسلم لإسلامه، ولا ذمي لذمامه، ولا ضعيف ~~لضعفه، ولا جاهل لركاكة رأيه وسخفه وبالجملة فلا يبقى على أحد، ممن هو داخل ~~البلدة فأما أهل المدينة فعلموا أنه ليس للجدال مجال، فضلا عن ضراب وقتال ~~وأن قبول الاعتذار محال وأنه ليس ينجيهم من ريب المنون مال ولا بنون ولا ~~يقبل منهم في تلك الساعة عدل ولا تنفعهم شفاعة فتحصنوا بحصون الاصطبار، ~~وتدرعوا دروع الاعتبار، وتلقوا سهام القضاء من حنايا المنايا بمجن تسليم ~~المراد، واستقبلوا ضربات القدر من سيوف الحتوف بأعناق التفويض والانقياد، ~~فأطلق في ميادين رقابهم عنان الحسام البتار، وجعل مقابرهم بطون الذئاب ~~والضباع وحواصل الأطيار ولا زالت عواصف الفناء تحتهم من أشجار الوجود حتا، ~~حصروا عدد القتلى فكانوا نحو ست مرات من أمة يونس بن متى، فاستغاث بعض ~~البصراء، بواحد من رؤوس الأمراء، وقال البقية في البقية، والرعاية في ~~الرعية، فقال ذلك الأمير للسائل الفقير اجمعوا بعض الأطفال عند بعض القلل، ~~فلعل أن نلين منه عند رؤيتهم شيئا ما عسى ولعل، فامتثلوا ما به أمر، ووضعوا ~~شرذمة من الأطفال منه على الممر PageV01P017 ثم ركب ذلك الأمير مع تيمور ~~وأخذ به على تلك الأطفال ومر، ثم قال له انظر يا مخدوم نظر الرأفة إلى ~~المرحوم فقال ما هؤلاء الطرحى الأشقياء؟ فقال أطفال معصومون، وأمة مرحومون ~~محرومون، استحر القتل بوالديهم، وحل غضب مولانا الأمير على أكابرهم وذويهم ~~وهؤلاء يسترحمونك بعواطفك الملوكية وصغرهم، ويستشفعون إليك بذلهم وضعفهم ~~ويتمهم وفقرهم وكسرهم، أن ترحم ذلهم، وتبقي على من بقي لهم، فلم يحر جوابا ~~ولا أبدى خطابا، ثم مال بعنان فرسه عليهم، ولم يظهر أنه بصر بهم أو نظر ~~إليهم، ومالت معه تلك الجنود والعساكر، حتى أتى منهم على الأول والآخر، ~~فجعلهم طعمة للسنابك، ودقة تحت أقدام أولئك ثم جمع الأموال، وأوثق الأحمال، ~~ومال راجعا إلى سمرقند بما قد نال وكم بين هذه الأمور والقضايا، من دواه ~~وبلايا، وأخبار وحكايات وتجهيز سرايا، وتولية وعزل، وإبراز هزل في صورة جد ~~وجد في صورة هزل، وبناء ms034 وهد، وصد ورد، وتعمير غامر، وتخريب عامر، وتهان ~~وتعاز وانحراف وتواز ومباحثات مع علماء، ومناظرات مع كبراء، ورفع وضعاء ~~ووضع شرفاء، وتمهيد قواعد، وتقريب أباعد، وتبعيد أدان، وبروز مراسيم إلى كل ~~قاص ودان، إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصر، ولا يضبط بديوان ولا دفتر # ذكر ضبطه طرف المغل والجتا # وما صدر منه في تلك الأماكن وأتى # ولما وصل إلى سمرقند أرسل ابن ابنه محمد سلطان بن جهانكير، مع سيف الدين ~~الأمير، إلى أقصى ما تبلغ إليه مملكته، وتنفذ فيه كلمته، وهو وراء سيحون ~~شرقا سوا، أخذا في نحور ممالك المغل والجتا والخطا نحوا من مسيرة شهر، عن ~~ممالك ما وراء النهر، فمهدوا هناك الوهد واليفاع وبنوا في جملة من القلاع، ~~وأقصاها بلد يسمى اشبارة فبنوا فيه حصنا حصينا معدا للنهب والغارة، وخطب من ~~بنات الملوك ملكة أخرى وكانت الأولى تدعى الملكة الكبرى، والأخرى الملكة ~~الصغرى فأجابهم ملكهم إلى ما سأل، وأناب إلى ما طلبه منه بالإطاعة وبذل، ~~وارتجت منه أقاليم المغل والخطا، وذلك لما بلغهم مما فتك، في كل طرف وبتك، ~~من بلاد الإسلام وسطا وكان السفير في ذلك " الله داد " أخو سيف الدين ~~المذكور، وهو الذي استخلص أموال دمشق ونزل في دار ابن مشكور وأمر تيمور ~~ببناء مدينة على طرف سيحون من ذلك الجانب، وعقد إليها جسرا على متن النهر ~~بالمراسي والمراكب، وسماها شاه رخية وهي في أماكن رخية وسبب تسمية ابنه شاه ~~رخ بهذا الاسم، ووسم هذه المدينة بهذا الوسم، أنه كان على عادته، مشغولا ~~بلعب الشطرنج مع بعض حاشيته، وقدأمر ببناء هذه المدينة على هذا الساحل، ~~وكانت إحدى حظاياه معه وهي حامل، فرمى على خصمه شاه رخا، فذبل خصمه لذلك ~~وارتخى، وبينما خصمه قد وقع في الأين وإذا بمبشرين جاءا مخبرين، أحدهما ~~يبشره بولد، والآخر يبشره بتمام عمارة البلد، فسماها بهذين الاسمين، ~~ووسمهما بهذين الوسمين # ذكر عودة ذلك الأفعوان إلى ممالك فارس # وخراسان وفتكه بملوك عراق العجم واستصفائه تلك الممالك والأمم # ثم عاد، بعد تمهيد البلاد ms035 وتوطيد قواعد ممالك تركستان، إلى بلاد خراسان، ~~فاستقبله الملوك والأمراء، والسلاطين والوزراء، وسارعوا إليه من كل جانب، ~~ما بين راجل وراكب، ملبين دعوته، حذرين سطوته مغتنمين خدمته، وسلموه ~~الأنجاد والأغوار، والأطاد والقفار والقرى وسكانها، والذرى وقطانها، ~~والقلاع العاصية، وربطوا بذيل أمره كل ناصية ممتثلين أوامره مجتنبين ~~زواجره، عاقدي نطاق عبوديته بأنامل الإخلاص، تابعي رائد مرضاته على نجائب ~~الولاء والاختصاص، فمنهم جميع من مر ذكره من المطيعين، ومن كانوا في ~~الشواهق ممتنعين منيعين، ومن جملتهم إسكندر الجلابي أحد ملوك مازندران، ~~وأرشيوند الفارسكوهي ذلك الأسد الغضبان، صاحب الجبال والشوامخ العاصية ~~القلال، وإبراهيم القمي صاحب النجدة، والمعد لكل شدة، وأطاعه السلطان أبو ~~إسحاق من سيرجان، فاجتمع عنده ملوك عراق العجم سبعة عشر نفرا ما بين سلطان ~~وابن سلطان وابن أخي سلطان، كلهم في ممالكه ملك مطاع، مثل سلطان أحمد أخي ~~شاه شجاع، وشاه يحيى ابن أخي شاه شجاع، سوى ملوك مازندران، وسوى أرشيوند ~~وإبراهيم وملوك خراسان ولما سلك السلطان أبو إسحاق نمط أقاربه في الطاعة ~~وعمل على ذلك الطراز، خلف ببلده سيرجان نائبا يقال له " كودرز " ~~PageV01P018 فاتفق في بعض الأيام، أنه اجتمع عند تيمور هؤلاء الملوك ~~العظام، فكانوا عنده في خيمة له وهو بينهم وحده، فأشار واحد منهم هو شاه ~~يحيى، وقد أمكنت الفرصة، أن يقتله ويرفع عن العالم هذه الغصة، فأجابه بعض ~~وامتنع بعض، وقال لمن رضي بذلك منهم ومن لم يرض إن لم تكفوا، وعن هذا ~~المقال تعفوا، أخبرته بهذه المقالة وأطلعته على هذه الحالة، فامتنعوا عن ~~هذا الرأي المتين والفكر الرصين، لاختلافهم ولا يزالون مختلفين، وكأنه طالع ~~أحوالهم أو تفرس أقوالهم، فأسرها في نفسه ولم يبدها لهم ثم مكث أياما، وجلس ~~للناس جلوسا عاما، وقد لبس ثيابا حمرا، ودعا هؤلاء الملوك السبعة عشر طرا، ~~ثم أمر فقتلوا جميعا في ساعة واحدة صبرا، ثم لما أبادهم، ضبط بلادهم، وجمع ~~طريفهم وتلادهم، وقتل أولادهم وأحفادهم وأقام في ممالكهم أولاده، وأمراءه ~~وأحفاده وأسباطه وأجناده وسبب قتله هؤلاء الملوك وفتكه، وتمزيقه ستر حياتهم ~~وهتكه، ms036 أن بلاد العجم كانت لا تخلو عن الملوك الأكابر، ومن ورث الملك ~~والسلطنة كابرا عن كابر، وهي ممالك واسعة، أطرافها شاسعة، مدنها وافرة، ~~وقراها متكاثرة، وأوتاد أوتادها راسخة، وعرانين أطوادها شامخة، ومخدرات ~~قلاعها ناشزة، ومضمرات مكانها ومعادنها غير بارزة، كواسر أكاسرها كاسرة، ~~ونواشر جوارحها للظهور ناشرة، ونمور دعارها طامرة، وببور شطارها طافرة، ~~وثعابين أبطالها في جداول الجدال ظاهرة، وتماسيح أقيالها في بحار الحراب ~~قاهرة فنظر تيمور بعين بصيرته في وذيلة تأمله ومرآة فكرته، فرأى أنه لا ~~يزكو له ورد عارضها من شوكة عارض، ولا يصفو ورد ثغر فائضها من شارب معارض، ~~ولا يثبت له في بنيان ممالكها أساس يحكم، ولا ينبت له في بستان مسالكها ~~غراس تنعم وكان قصده إبقاء مبانيها، وإجراء أموره على ما اقتضته التوراة ~~الجنكيز خانية فيها، فلم يمكن عمل فلاحة سلطنته في بسيط أرضها، وسوق أنهار ~~أوامره في جرائب ممالكها طولها وعرضها، إلا بقلع علائق أنساب أكابرها، وكسر ~~قوادم أخشاب أحساب أكاسرها، فسعى في استئصال فرعهم وأصلهم، واجتهد في إهلاك ~~حرثهم ونسلهم، وجعل لا يسمح لهم ببزرة نطفة في أرض رحم إلا قلعها، ولا يشم ~~منهم رائحة زهرة في كم كمين إلا قطعها وقيل إنه كان في مجلس فيه اسكندر ~~الجلابي، وكأنه كان مجلس نشاط ومقام انشراح وانبساط، فسأل اسكندر في ذلك ~~المحضر، وقال إن حكم القضاء بإفساد بنيتي، من تراه يتعرض لأولادي وذريتي؟ ~~فأجابه وهو في حالة الشطح، وقد خلت علية دماغه ووضع سراج العقل منها فوق ~~السطح أول من ينازع أولادك المشائيم، أنا وأرشيوند وإبراهيم، فإن نجا من ~~مخاليبي منهم أحد، فإنه لا يخلص من أنياب إبراهيم الأسد، وإن أفلت منهم من ~~ذلك البند، فإنه لا مخرج له من شرك أرشيوند، وكان أرشينود وابراهيم غائبين ~~فلم يتعرض تيمور لاسكندر بضرر وشين وأراد بالإبقاء عليه، وقوعه مع صاحبيه، ~~فلما أفاق اسكندر، ليتم ما قال، فقال لا مفر من قضاء الله ولا مجال، ولا ~~عتب في ذلك علي، أنطقني بذلك الله الذي أنطق كل شيء ثم ms037 إن اسكندر وإبراهيم ~~هربا، فقبض على أرشيوند وألقاه في النازعات فصار نبأ، وهتك حريم عمره إذ ~~جرعه أول الرعد فأقرأه آخر نوح وسبأ، ثم إن اسكندر لم ير له أثر، ولا سمع ~~عنه إلى يومنا هذا خبر وكان كبير الهامة، طويل القامة، إذا مشى بين الناس ~~كأنه علامة، حتى قيل أن يدي ذلك القصر المشيد كان نحوا من ثلاثة أذرع ونصف ~~بالحديد، وإبراهيم القمي استمر على انكماشه، ثم مات على فراشه، فكان ذلك ~~سبب إيراده الملوك وأبناءهم المهالك " فصل " ثم أن تيمور عصى عليه كودرز في ~~قلعة سيرجان، وقال إن مخدومي شاه منصور موجود إلى الآن، وكان هذا الكلام ~~فاشيا في الخاص والعام، فكان كودرز يتوقع ظهوره، ويزجي على ذلك أعوامه ~~وشهوره فحاصر تيمور قلعة سيرجان، فلم يلح له عليها سلطان، فوجه إليها عساكر ~~شيراز ويزد وأبرقوه وكرمان، وأضاف إليهم عساكر سجستان، وذلك بعد أن شملها ~~العمران، وكان نائبها يدعى شاه أبا الفتح، فحاصروها نحوا من عشر سنين، وهم ~~ما بين ظاعنين عنها وعليها مقيمين، وهي بكر لا تفتح لطالبها بابا، وعانس لا ~~يملك خاطبها منها خطابا وكان تيمور ولى كرمان، شخصا يدعى " إيدكو " من ~~إخوان الشيطان فكان هو المشار إليه، ومن العسكر هو المعول عليه PageV01P019 ~~ولما تحقق كودرز من شاه منصور وفاته، وخذله الأنصار، وأعجزه الانتصار ~~وفاته، كان أبو الفتح يراسله كل ساعة، ويتكفل له عند تيمور بالشفاعة، أذعن ~~للصلح، واستعمل في ذلك أبا الفتح، ونزل متراميا عليهم، وسلم الحصن إليهم ~~فحنق إيدكو عليه، لكون عقد الصلح لم ينحل على يديه، فقتله من ساعته، ولم ~~يلتفت إلى أبي الفتح وشفاعته، فأخبر تيمور بذلك وكان في بعض الممالك، فغضب ~~عليه غضبا شديدا، ولكن فات التدارك " فصل " مما يحكى عن إيدكو هذا متولي ~~كرمان أنه كان بها للسلطان، أحمد أخي شاه شجاع ولدان صغيران، أحدهما يدعى ~~سلطان مهدي والآخر سليمان خان، وكان سليمان خان في غاية الحسن واللطافة، ~~حاويا معني الملاحة والظرافة، معبى بالكمال، مربى بالدلال، ألفاظه رائقة، ~~وألحاظه راشقة، والأرواح ms038 إليه شائقة، وأرباب الألباب له عاشقة، حركاته في ~~القلوب ساكنة، ولفتاته للخلق فاتنة، كما قيل # نسيم عبير في غلالة ماء ... وتمثال نور في أديم هواء # وعمره إذ ذاك ستة أعوام ولكن مفتتن به الخاص والعام، فعزم إيدكو على ~~إتلافهما، وإلحاقهما بأسلافهما، ولم يكتف من تلك الدرة بأنها صارت يتيمة، ~~لا رق لأمهما التي خربت ديارها لكونها مخدرة كريمة، ولم يكن لها مدافع ولا ~~عنها ممانع فطلب من الجلادين من يعتمد في ذلك عليه، فلم تطب نفس أحد أن ~~تمتد يده بمكروه إليه، ومضى على ذلك مدة، والخلق بسبب هذه القضية في ضيق ~~وشدة، حتى وجدوا عبدا أسود، كأنه للبلاء مرصد، وكأن الشياطين له عبدة ~~والعفاريت جنود وحفدة، وثوب ليل القهر من سدا سواده انتسج، وأصل الشجرة ~~التي طلعها كأنه رؤوس الشياطين من حبة فؤاده نبتت فنتج، يستلذ عند صدى صوته ~~خوار الثيران، ويستحسن عند خيال صورته مشاهدة الغيلان قلت # زبانية النيران تكره وجهه ... وحين تراه تستعيذ جهنم # قد نزع الله من قلبه المرحمة، وجبل فؤاده على المأثمة فأرغبوه أن ~~يختلهما، ويقتلهما، وكانت عين سليمان خان رمدا، وقد سكن في حجر دايته وتهدى ~~فدخل عليه ذلك الظالم من ساعته، واغتاله وهو راقد في حجر دايته، وضربه في ~~جنبه بخنجر، وأنفذه من الجنب الآخر، فارتفع الضجيج والولولة، ووقع العجيج ~~في الناس والزلزلة، وعم المأتم أمه الوالهة وأهلها، وطفق الناس يبكون عليها ~~ولها، والظاهر أن هذه الأمور، كانت بإشارة تيمور، وعسكر ذلك الظلوم الكفار، ~~ما كان يخلو عن مثل هذه الشرور والأشرار، ولو كان فاعله من غيرهم، لكن لعلة ~~المصاحبة والمرافقة كان يسير بسيرهم # حكاية # لما ارتحل من الشام بجنوده الغزيرة، كان مع واحد منهم أسيرة، كشفت أيدي ~~النوائب قناع عصمتها ولطمتها، وعلى يدها بنت لها رضيع ففطمتها، فلما قربوا ~~من حماة، جعلت البنت تئن أنين الأواه، ولما بها من المضض المنكى تنكد وتبكي ~~ومعهم جمال من بغداد، منطو على الفساد، محتو على النكاد، مجبول على الغلاظة ~~والقساوة، معمول من الفظاظة والغباوة، ممتلئ ms039 من البذا متضلع من الأذى، لم ~~يخلق الله تعالى في قلبه من الرحمة شيئا فينتزع، ولم يودع لسانه لفظا من ~~الخير فيستمع، فأخذ تلك البنت من أمها، فدار في وهما أنه إنما أخذها ليخفف ~~عنها من همها، وكانت راكبة على جمل ثم انقطع ساعة عن الثقل ثم وصل ويده ~~خالية وقهقهته عالية، فاستكشفت أمها حالها، فقال مالي ومالها فهوى عقلها ~~ووهى، فطرحت نفسها ونحت نحوها، فأخذتها وانقلبت وأتت بها وركبت، فتناولها ~~منها مرة أخرى، على أن لا يسومها ضرا، ثم غاب عنها ورجع وقد صنع كما صنع، ~~فألقت نفسها ثانية، وعدت إليها ثانية وجاءت وهي عانية، وقطوف حياتها دانية، ~~فركبت وأخذتها، وضعتها على كبدها التي منها فلذتها، فأخذها منها مرة ثالثة، ~~بنية في الفساد عابثة، وحلف لها يمينا حانثة أنه بحملها ينوء، ولا يمسها ~~بسوء، فحملها ساعة ثم خرج عن سنة الجماعة، ورمى بها في بعض البطاح وفعل بها ~~ما فعله اليهودي بصاحبه الأوضاح وجاء ويده الدامغة، في الإثم ملأى ومن ~~البنت فارغة، وقد سلبها سلبها، وجلب إلى أمها جلبها، فاطرحت نفسها باكية، ~~ورامت الرجعى جارية، فقال لها لا تتعبي، كفيتك همها فارجعي واركبي، فبكت ~~وصاحت، وأنت وناحت، ووقعت في العناء وإن كانت قد استراحت، والناس على دين ~~ملوكهم، سالكون طرائق سلوكهم # سبب دخوله إلى عراق العرب PageV01P020 وإن كان إيذاؤه لا يحتاج إلى علة ~~وسبب # ولما خلص لتيمور جميع ممالك العجم، ودانت له الملوك والأمم، وانتهت ~~مراسيمه إلى حدود عراق العرب، غضب السلطان أحمد صاحب بغداد واضطرب، فجهز ~~جيشا عرمرما، وجعل رئيسهم أميرا مقداما مقدما، يدعى سنتاي، فتوجه الجيش نحو ~~الجغتاي، فبلغ تيمور خبر الجيش وخبره، فسر بذلك قلبه وانشرح صدره، فجعل ذلك ~~سببا لمهاوشته، وذريعة لمحاربة ملك العراق ومناوشته، وأنفذ جيشا كرارا، بل ~~بحرا زخارا، فتلاقيا بصدق نية، على مدينة سلطانية، فصدق كل منهما صاحبه ~~الضراب، وسدد لنحره ألسنة الأسنة وسهام الحراب، واستمد بحر الجغتاي من ~~أفواج أمواجه واصطدم، فانكسر في قساطله قنيات جند سنتاي فانهزم، ووصل فلهم ~~إلى ms040 بغداد، وتشتتوا في البلاد فألبس السلطان أحمد سنتاي المقنعة، وأشهره في ~~بغداد بعد أن ضربه وأوجعه، وكف تيمور عن عناده، وقفل متوجها إلى بلاده # سكون ذلك الزعزع الثائر # وهدوء ذلك البحر المائر لتطمئن منه الأطراف فيحطمها كما يريد ويدير بها ~~الدوائر # ثم إن تيمور خرج من سمرقند إلى ضواحيها، وجعل ينتقل في جوانبها ونواحيها، ~~وبنى حواليها قصبات سماهن بأسماء كبار المدن والأمهات، وقد صفت له سمرقند ~~وولاياتها، وممالك ما وراء النهر وجهاتها، وتركستان وما فيها من البلاد ~~ونائبها من جهته يدعى خدايداد وخوارزم التي بها فتك وسطا، وكاشغر وهي في ~~نحر ممالك الخطا، وبلخشان وهي ممالك على حدة عن ممالك سمرقند متباعدة، ~~وأقاليم خراسان وغالب ممالك مازندران، ورستمدار وزاولستان وطبرستان والري ~~وغزنة واستراباد، وسلطانية وقزوين وسائر تلك البلاد وجبال الغور المنيعة، ~~وعراق العجم وفارس الشامخة الرفيعة، وكل ذلك من غير منازع، ولا مجاذب ولا ~~ممانع، وله في كل مملكة من هذه الممالك ولد، أو ولد ولد أو نائب معتمد # إنموذج مما كان يغور ذلك الظلوم الكفور # من عساكره في بحور، ويغوص على أمور، ثم يفور بشرور ومن جملة ذلك غوصه مما ~~وراء النهر وخروجه من بلاد اللور # ثم إنه مع اتساع مملكته وانتشار هيبته وصولته وشيوع أراجيفه في الأقطار، ~~وبلوغ تخاويفه تجاويف الأقاليم والأمصار، وثقل أثقاله، وعدم اختفاء توجهه ~~إلى جهة وانتقاله، كان يجري في جسد العالم، مجرى الشيطان من ابن آدم، ويدب ~~في البلاد، دبيب السم في الأجساد قلت # يصوب يمنة ويصيب يسرة ... وينوي جبهة والقصد نقره # بينا يكون له في المشارق بيارق فيالق، إذ لمع له في الغرب بوارق بوائق، ~~وبينما نغمات طبوله وضربات أعواده تقرع في حصار العراق وأصبهان وشيراز، ~~وإذا برنات أوتاره وبوقات أبواقه تسمع في مخالف الروم ومقام الرهاوي وركب ~~الحجاز فمن ذلك أنه مكث في سمرقند مشغولا بإنشاء البساتين وعمارة القصور، ~~وقد أمنت منه البلاد واطمأنت الثغور، فلما انتهت أموره وبلغ الكمال قصوره، ~~أمر بجمع جنده، إلى سمرقنده، ثم أمرهم أن يصنعوا لهم قلانس ms041 ابتدعها، وعلى ~~صورة من التركيب والتضريب اخترعها، فيلبسونها ويسيرون، وما بين إلى أين ~~يصيرون، ليكون ذلك لهم شعارا، وقد كان أرصد له في كل جهة من مماليكه جشارا، ~~ثم رحل عن سمرقند، وأشاع أنه قاصد خجند، وبلاد الترك وجند ثم إنه اندمس في ~~دردور عسكره وإنقمس، كأنه في لجة بحر انغمس، ولم يشعر أحد أين عطف، ولا أنى ~~قصد المختطف، ولا زال في تأويب وآساد، وجوب بلاد بعد بلاد، يسر سير ~~الكواكب، ويجري جري المراكب ويطرح ما وقفه وكل من نجائب الجنائب، حتى نبع ~~من بلاد اللور، ولم يكن لأحد به شعور، وهي بلاد عامرة، خيراتها متكاثرة ~~وفواكهها وافرة، اسم قلعتها بروجرد وحاكمها عز الدين العباسي، وقلعتها وإن ~~كانت في الحضيض لكن كانت تسامي بمناعتها حصون الجبال الرواسي، وهي مجاورة ~~همذان ومتاخمة عراق العرب كأذربيجان، فأحاط بالقلعة وما حواليها وحاصر ~~ملكها المتولي عليها ولما كان صاحبها بلا عدد ولا عدد ولا أهبة ولا مدد، ~~وكان في صورة المتوكل المحتسب وأتاه البلاء من حيث لا يحتسب، لم يسعه إلا ~~طلب الأمان، والانقياد له والإذعان، فنزل إليه وسلمه قياده فقبض عليه وضبط ~~بلاده، ثم أرسله إلى سمرقند وحبسه، وضيق عليه نفسه ونفسه، ثم بعد ذلك بمدة ~~حلفه ورفع عنه ما نابه وصالحه على جمل من الخيل والبغال، ورده إلى بلاده، ~~واستنابه PageV01P021 ولما استخلص ذلك الكفور ولايات تلك الكفور، واصل ~~السير إلى همذان، في أقرب زمان، فوصل إليها وأهلها غافلون فجاءها البأس ~~بياتا أو هم قائلون، فخرج إليه منها رجل شريف يقال له " مجتبى " وكان عند ~~الملوك مصطفى ولديهم مرتضى، فشفع فيهم فشفعه على أن يبذلوا مال الأمان، ~~ويشتروا بأموالهم ما من عليهم من الأرواح والأبدان، فامتثلوا أمره وفعلوا، ~~ووزعوا ذلك فجمعوه، وإلى خزائنه نقلوا، فدعته نفسه الجانية أن طرح عليهم ~~المال ثانية، فخرج إليه ذلك الرجل الجليل، ووقف في مقام الشفاعة مقام ~~البائس الذليل، فقبل شفاعته، ووهبه جماعته، ثم إنه سدك بمكانه وجثم، حتى ~~تلاحق به عسكره والتأم # ابتداء تخريب ذلك الخرب ms042 أذربيجان # وممالك عراق العرب # ولما بلغ السلطان أحمد بن الشيخ أويس ما فعله بغنم رعايا جيرانه اللور ~~وهمذان ذلك الأويس، وعلم أنه لابد له من قصد مملكته ودياره، لأنه هو بادأه ~~بالشر وطرح على شراره طائر شراره، وإن عسكره وإن كان كالسيل الهامر فإنه لا ~~مقاومة له ببحره وتياره، وأنه إذا جاء نهر الله بطل نهر عيسى، ولا مقابلة ~~لسحرة فرعون مع عصا موسى قلت # السيل يقلع ما يلقاه من شجر ... بين الجبال ومنه الصخر ينفطر # حتى يوافى عباب البحر تنظره ... قد اضمحل فلا يبقى له أثر # فاستعد للبلاء قبل نزوله، وتأهب له قبل حلوله فتشمر للهزيمة، وعلم أن ~~إيابه سالما نصف الغنيمة، واقتصر من بسيط فقه المقاتلة والمقابلة على ~~الوجيز، وصمم على الخروج من ممالك بغداد والعراق وتبريز وقال لنفسه النجاء ~~النجاء وجهز ما يخاف عليه صحبة ابنه السلطان طاهر إلى قلعة النجا، وأرسل ~~إلى تيمور الأشعار والهجاء، فمن ذلك ما ترجمته فقلت # لئن كانت يدي في الحرب شلا ... فرجلي في الهزيمة غير عرجا # ثم قصد البلاد الشامية، وذلك في سنة خمس وتسعين وسبعمائة، في حياة الملك ~~الظاهر أبي سعيد برقوق رحمه الله تعالى فوصل تيمور إلى تبريز ونهب بها ~~الذليل والعزيز، ووجه إلى قلع النجا العساكر لأنه كانت معقل السلطان أحمد ~~وبها ولده وزوجته والذخائر، وتوجه هو إلى بغداد ونهبها ولم يخربها ولكن ~~سلبها سلبها وكان الوالي بالنجا رجلا شديد البأس يدعى ألتون، عند السلطان ~~أحمد مأمون، وله إليه ركون، ومعه جماعة من أهل النجدة، وأولي البأس والشدة، ~~نحو من ثلاثمائة رجل في العدة وكان ينزل بهم ألتون إذا أخذ الليل في ~~السكون، ويشن الغارة على تلك العساكر والمكان المسكون، فوهن أمر العسكر ~~فأبلغوا تيمور هذا الخبر فأمدهم بأربعين ألف مقاتل مشهور مع أربعة أمراء ~~كبيرهم يدعى قتلغ تيمور، فوصلوا إلى القلعة ولم يكن إذ ذاك ألتون بها، وكان ~~قد خرج للغارة على من في ضواحيها، فبينا هو راجع وإذا بالنقع ساطع فلما ~~اطلع طلع الخبر قال " أين ms043 المفر " فقيل كلا " لاوزر " فعلم أن لا ملجأ من ~~الله إلا إليه، فثبت جأشه وحاشيته وتوكل عليه، وقال إن الرؤوس في مثل هذا ~~المقام إنما يكونون تحت الأعلام، فاحطموا نحو قلب هؤلاء اللئام، فأما أن ~~تبلغوا المرام أو تموتوا على ظهر الخيل وأنتم كرام، إذ لا ينجيكم من هذا ~~الكرب سوى الطعن الصادق والضرب، قلت # كريما مت وإلا مت لئيما ... فما والله بعد الموت موت # فتعاضدوا بهمة صادقة، وعزيمة على حصول الخلاص من الله تعالى واثقة، وقد ~~أحاطوا بهم إحاطة الشبكة بالسمكة، وصاروا في وسطهم كالمغزل في الفلكة، ~~وقصدوا الراية وحامليها، ومن يليها وذويها، فساعدهم ساعد سعد لحيان بنصرته، ~~وحل عنهم القبض الداخل وأنكيس عقلته، فاسالوا على راياتهم ذات البياض من ~~الدماء حمرة، وفتحت لجماعتهم طريق إلى عتبة النصرة، فلاح لهم فلاح وجنح لهم ~~نجاح، فنجوا من الشرور، وحصل لهم السرور، بعد أن قتلوا من العسكر أميرين ~~أحدهما قتلغ تيمور ولما وصل هذا الخبر إليه، اسودت الدنيا في عينيه، بل ~~انقلب الكون والمكان عليه، ثم نهض إليها بنفسه، وربض عليه بحرسه، وأحاط ~~بجوانبها وألقم الحرس أفواه مضاربها # صفة قلعة النجا PageV01P022 وهذه القلعة أمنع من العقاب، وأرفع من ~~السحاب، يناجي السماك سماكها، ويباهي الأفلاك استمساكها، كأن الشمس في ~~شرفها ترس من الإبريز على بعض شرفها، وكأن الثريا في انتصابها، قنديل معلق ~~على بابها، لا يحوم طائر الوهم عليها، فأنى يصل طائش السهم إليها، ولا ~~يتعلق بخدم خدمتها خلخال خيال وافتكار، فضلا عن أن يحلق على معصم عصمتها من ~~عساكر الأساورة سوار وكان ألتون قد تربى في ترائب ترابها، وأهل مكة أخبر ~~بشعابها، فصار كلما سجى الليل الساجم، وأرصد لسراق الشياطين عيونه الرواجم، ~~هبط من تلك القلال، وسرى سري طيف الخيال ودب دبيب الشحم في اللحم، والماء ~~في العود والنار في الفحم، من درب لم تتوهمه الظنون، بعون من لا تراه ~~العيون، بحيث لا يشعر به الحرس، ولا يبصر به العسس، ولا يزال يتلو عليهم ~~آيات الإغفاء، وينفث بطلسمات الاستخفاء، ويتقرب ويترقب، ms044 حتى يلوح له في ~~الحي مضرب، فيقتل ويسلب، وينهب ويهرب، فيكر سالما ويفر غانما فلم يزل ذلك ~~دأبهم ودأبه، حتى أعجز تيمور وأصحابه، فلم ير تيمور أوفق من الارتحال، لضيق ~~المجال وعسر المنال، فارتحل عنها بعد أن رتب عليها للحصار اليزك، واستمر ~~الحصار مدة طويلة والقضاء يقول له اصبر فإنها لن تعجزك، قيل إنها مكثت في ~~الحصار اثنتي عشرة سنة وسبب أخذه لها أن ألتون المذكور، كان له أخ بالفسق ~~مشهور، فحصل بينه وبين أم السلطان طاهر، خيانة أوجبت عليها ما يجب على ~~العاهر، فاطلع على ذلك طاهر بن السلطان أحمد، فقبض عليهما، وقتلهما، سالكا ~~في ذلك الرأي الأحمد وكان إذ ذاك ألتون عن القلعة غائبا، قد خرج منها وقصد ~~للغارة جانبا، فلما رجع ألتون أغلقوا باب القلعة عليه، ورموا بأخيه من فوق ~~السور إليه، وأخبروه خبره، وعجره وبجره، فقال جزاكم الله أحسن الجزاء، وجعل ~~حظكم من الخيرات أوفر الأجزاء لو كنت عالما فعله، أو حاضرا قتله، لعاملته ~~بما هو أهله، وفعلت به ما يجب فعله، ولحل به من الزمان دواهيه، وأريتكم ~~العبر فيه، ولأشهرته في خلق الله تعالى وبريته، وناديت عليه هذا جزاء من ~~يخون ولي نعمته ثم طلب الدخول فقطعوه عن الوصول، فقال أما أخي فإنه جنى ~~فذاق ثمرة ما جناه، وأما أنا فقلبي على الوفاء بعهدكم من الأزل وإلى حين ~~وفاتي لم أزل موالي وليكم ومعادي عدوكم فإن طردتموني فإلى أين أذهب، وإن ~~رددتم رغبتي فيكم ففيمن أرغب، فقالوا ربما أدركتك الحمية، ولحقتك العصبية، ~~فتذكرت أخاك، وتفكرت شدتك بعد رخاك فنقمت، وانتقمت، واعوججت بعد أن استقمت، ~~وتكدر منك ما صفا وظهر ما اختفى، ناهيك قصة الأخوين مع ذات الصفا قلت # ويمكن وصل الحبل بعد انقطاعه ... ولكنه تبقى به عقدة الربط # فأنشأ أيمانا واثقة، أن كلماته وعهوده صادقة، فقالوا له لا تطل الحديث ~~فما حييت مالك عندنا مقيل ولا مبيت، فارجع من حيث جئت، وهذا آخر العهد منك ~~غضبت أم رضيت، فأخذ يذم دهره، ويعض يديه ندامة وحسرة، ms045 على أنه أنفذ عمره، ~~في طاعة من لم يعرف قدره، ثم دنى فتدلى، وعبس وتولى، وسيب فرسه وماله، وفرق ~~خيله ورجاله، ولما لم يكن له ملجأ، سوى قلعة النجا وقد خرجت من يده، وألقت ~~النار في كبده، ضرب أخماسا لأسداس، فيمن يقصده من الناس ثم أورى برأيه ~~الزند، أن يقصد مدينة مرند، وكانت تحت حكم تيمور، وفيها أوامره تمور، ~~فسالمها وقصد حاكمها لابسا لبدا، وتاركا مالا وولدا، لما اتصل بحاكمها ~~الخبر، أحاط به الجبن والخور، فاضطرب واقشعر، واضطرم واعتكر، وأخذ الحذر ~~ورام المفر، فقيل أنه وحده من غير رجال وعدة، فرجع عقله إليه، ودخل ألتون ~~عليه، فأخذ في التفتيش عن أموره، ثم قطع رأسه وأرسله إلى تيمور، فتحرق لذلك ~~وانتكى وتأسف عليه وبكى، وأرسل إلى قاتله فعزله، ثم صادره وقتله ~~PageV01P023 ثم أن السلطان طاهر لما أحدث هذا الحدث وتنجس بهذه الخبائث ~~والخبث لم يمكنه الإقامة فأذن بالرحيل، وأم بجماعته قبل التحويل، إذ نشز ~~عنه مخدرات القلعة فعجز عن إحصان تحصينها، وعنن في افتضاض أبكارها وعونها ~~وقل جيشه وفل، فسل متاعه منها وانسل، فذل لتيمور صعابها، وفتح له من غير ~~معالجة بابها، فولى فيها من يثق به من الأعوان، ووصى به لعلة المجاورة ~~الشيخ إبراهيم حاكم شروان، ثم ثنى عنان الفساد، إلى صوب بغداد، فهرب ~~السلطان أحمد كما ذكر إلى الشام في فئة، وذلك في شوال سنة خمس وتسعين ~~وسبعمائة، فوصل إليها حادي عشريه يوم السبت، فكبتها وما حواليها أي كبت، " ~~ثم صدر هو وقبيله عن ولاية بغدان قاصدين ديار بكر وأرزنجان " # ذكر أخبار صاحب بغداد وأسماء آبائه # والأجداد وكيفية دخوله إلى هذه البلاد # وهو السلطان مغيث الدين أحمد بن الشيخ أويس بن الشيخ حسن بن حسين ابن ~~آقبغا بن أيلكان صاحب بغداد وأذربيجان، وما أضيف إلى ذلك من ولايات وممالك، ~~وأيلكان جده الأعلى ابن القان الكبير النجيد شرف الدين سبط القان أرغون ابن ~~أبي سعيد وكان والده الشيخ أويس من أهل الديانة والكيس، ملكا عادلا، وإماما ~~شجاعا فاضلا، مؤيدا منصورا ms046 صارما مشكورا، قليل الشر كثير البر، صورته ~~كسيرته حسنة، وكانت دولته تسع عشرة سنة، وكان محبا للفقراء، معتقدا للعلماء ~~والكبراء وكان قد أخبر في منامه بوقت موافاة حمامه، فاستعد لحلول فوته، ~~ورصد نزول موته، وخلع من الملك يده، وولاه حسينا ولده، وهو أكبر بنيه، ~~والأفضل من أهله وذويه، ونبذ أدانيه ودنياه، وأقبل على طاعة مولاه، ~~واستعطفه إلى الرضا، والعفو عما مضى، ولازم صلاته وصيامه، وزكاته وقيامه، ~~ولا زال يصلي ويصوم، حتى أدركه ذلك الوقت المعلوم، فأظهر سره المصون، وتلا ~~" فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " فدرج على هذه الطريقة ~~الحسنة، وقد جاوز نيفا ثلاثين سنة، ومن مغرب تبريز أفل قمره، وفي سنة ست ~~وسبعين وسبعمائة وصل إلى الشام خبره واستقر ولد جلال الدين حسين مكانه، ~~وأفاض على رعيته فضله وإحسانه، وكان كريم الشمائل، جسيم الفضائل، وافر ~~الشهامة، ظاهر الكرامة، أراد أن يمشي على سنن والده، ويحيي ما دثر من رسوم ~~آثاره ومعاهده، فخذلته الأقدار، وخالطت صفو مساعيه الأكدار وفي سنة ثلاث ~~وثمانين وسبعمائة وصل من قصاده إلى الشام فئة، وهم القاضي زين الدين علي بن ~~جلال الدين عبد الله بن نجم الدين سليمان العبايقي الشافعي، قاضي بغداد ~~وتبريز، والصاحب شرف الدين بن الحاج عز الدين الحسين الواسطي وزير السلطان ~~وغيرهما ثم في جمادى الآخرة من هذه السنة وثب السلطان أحمد على أخيه المشار ~~إليه فقتله، وقام لينصر الملك والدين مكانه فخذله فملأ جفن حياته من الفناء ~~سنة، وعمره إذ ذاك نيف وعشرون سنة ولما استولى السلطان على ممالك العراق، ~~مد يد تعديه وضم جناح الشفقة والإرفاق، وشرع يظلم نفسه ورعيته، ويذهب في ~~الجور والفساد يومه وليلته، ثم بالغ في الفسق والفجور، فتجاهر بالمعاصي ~~وتظاهر بالشرور، واتخذ سفك الدماء إلى سلب الأموال وثلم الأعراض سلما فقبل ~~إن أهل بغداد مجوه، واستغاثوا بتيمور، فأغيثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، ~~فلم يشعر إلا والتتار قد دهمته، وعساكر الجغتاي خيلا ورجلا حطمته، وذلك يوم ~~السبت المذكور، من الشهر المشهور، فاقتحموا بخيلهم دجلة وقصدوا ms047 الأسوار، ~~ولم يمنعهم ذلك البحر البتار، ورماهم أهل البلد بالسهام وعلم أحمد أنه لا ~~ينجيه إلا الانهزام، فخرج فيمن يثق به قاصد الشام، فتبعه من الجغتاي قوم ~~لئام، فجعل يكر عليهم ويردعهم، ويفر منهم فيطمعهم، وحصل بينهم قتال شديد، ~~وقتل من الطائفتين عدد عديد، حتى وصل إلى الحلة، فعبر من جسرها نهر دجلة، " ~~ثم قطع الجسر ونجا من ورطة الأسر، واستمرت التتار في عقبه تكاد أنوفها تدخل ~~في ذنبه فوصلوا إلى الجسر ووجدوه مقطوعا، فتزاموا في الماء وخرجوا من ~~الجانب الآخر ولم يزالوا تابعا ومتبوعا ففاتهم ووصل إلى مشهد الإمام وبينه ~~وبين بغداد ثلاثة أيام " # ذكر ما افتعله من الخديعة والمكر # في بلاد أرزنجان وديار بكر PageV01P024 فوصل إلى ديار بكر واستخلصها، ومن ~~أيدي ولاتها خلصها، فعصت عليه قلعة تكريت فتسلط عليها من عساكره كل عفريت، ~~وذلك يوم الثلاثاء رابع عشر ذي الحجة، وقد ارتجت منه البلاد أشد رجة، ~~فحاصرها وأخذها في صفر بالأمان، ونزل إليه متوليها حسن بن يولتمور متدرع ~~الأكفان، وفي حضنه وعلى عاتقه أطفاله، وقد ودعه أهله وماله، وأسلمته خيله ~~ورجاله، وذلك بعد أن عاهده أن لا يريق دمه، فأرسله إلى حائط فقضه عليه ~~وردمه، وقتل من بها من رجال وسبى النساء وأسر الأطفال، وجعل يعيث ويستأصل، ~~ويقطع في الفساد ويوصل حتى أناخ يوم الجمعة حادي عشرين صفر سنة ست وتسعين ~~على الموصل، فأخربها وكسرها، ثم أتى رأس عين ونهبها وأسرها، ثم إلى الرها ~~تحول، ودخلها يوم الأحد غرة شهر ربيع الأول، فزاد عيثا وفسادا، وجارى فيما ~~عاند ثمودا وعادا، وخرج من تلك البلد، ثاني عشرين يوم الأحد ثم اختار من ~~نسور قومه طائفة، على ورد الدماء حائمة وعلى قتل المسلمين عاكفة، فأخذهم ~~واندغر وفي ممالك ديار بكر انغمر، ولم يزالوا بها عائثين، ولأذاها قاصدين، ~~وعليها ظالمين، وفيها ماردين، فقصدها بتلك العفاريت المصاليت، وواصل السير ~~إليها فوصلها في خمسة أيام من تكريت، ومسافة ما بينهما للمجد، اثنا عشر ~~يوما إن لم تزد، وكان سلطانها الملك الظاهر تحقق أنه ms048 لا يضر من التجأ إليه، ~~وقدم في ثوب الطاعة عليه، فما وسعه إلا التشبث بذيل ذممه، والانتظام في سلك ~~خدمه # ذكر ما جرى لسلطان ماردين عيسى # الملك الظاهر من المحنة والبلاء مع ذلك الغادر الماكر # لكنه خاف غائلته، فجمع حاشيته وصاغيته، وقال إني ذاهب إلى هذا الرجل، ~~ومظهر له الانقياد، فإن ردني حسبما أريد فهو المراد وإن طالبني بالقلعة، ~~فكونوا أنتم على التأبي والمنعة، وإياكم أن تسلموها إليه، أو تعتمدوا في ~~الكلام عليه، وإن دار الأمر بين تسليم القلعة وبين إتلافي، فاحتفظوا ~~بالقلعة واجعلوا التلافي في تلافي، فإنكم إن تسلموها إليه، خرجتم من باطنكم ~~وظاهركم، وأتى بالهلاك على أولكم وآخركم، وخسرتم شعاركم ودثاركم، وغبنتم ~~أنفسكم ودياركم، وإذا كان كذلك فأنا أجعل نفسي فداكم، وأكفيكم بروحي ما ~~داهاكم، وبعض الشر أهون من بعض، وها أنا أجس لكم النبض ثم قصد ذلك الكالح ~~والمفسد الطالح، بعدما استخلف ابن أخيه الملك الصالح شهاب الدين أحمد بن ~~الملك السعيد اسكندر بن الملك الصالح الشهيد، ونزل يوم الأربعاء خامس عشري ~~شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وسبعمائة، واجتمع به في سلخه بمكان يسمى ~~الهلالية، فقابله بشنعة، وقبض عليه بسرعة، وطلب منه تسليم القلعة فقال ~~القلعة عند أربابها وبيد أصحابها وأنا لا أملك إلا نفسي فقدمتها إليك، ~~وقدمت بها عليك، فلا تحملني فوق طاقتي، ولا تكلفني غير استطاعتي فأتى به ~~إلى القلعة وطلبها منهم فأبوا، فقدمه إليهم ليضرب عنقه أو يسلموه فنبوا، ~~فطلب منه في مقابلة الأمان من الدراهم الفضية مائة تومان وكل تومان ستون ~~ألفا، خارجا عما يتقرب به إليه زلفى، ثم إنه شد وثاقه، وسد عليه ليذهب عنه ~~ما به من قوة كل باب وطاقه، وشمر للفساد ذيله، وجعل يريح رجله ويسمن خيله، ~~ويتفوق كاسات فساده، ويعربد على عباد الله وبلاده، واستمر على ذلك لا يعي ~~ولا يفيق، ويتردد ما بين الفردوس إلى رسمل ونصيبين والموصل العتيق ثم أمر ~~عساكره في جمادى الآخرة أن يمروا قاصدين، ويقصدوا ماردين، فسابقوا الطير ~~ولاحقوا السير، وجازوا بالنهار ms049 الأنهار وبالليل السيل، فقطعوا فقار القفار، ~~قطع الهندي وعملوا في تلك الجبال والقلال بما قاله الكندي وهو # سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال ~~PageV01P025 فوصلوا إليها على غفلة، واحتووا عليها من غير مهلة، وذلك يوم ~~الثلاثاء ثاني عشره، وقد سل الصبح حسام فجره، وطار غراب الدجى عن وكره، ~~فصاروا سوار معصم تلك الأسوار، وأحلوا الدمار هاتيك الديار، فعموها رجفا، ~~وساموها خسفا، وهدوها زحفا، ودكوها وجفا، وتعلقوا بأهداب أرجائها وتسلقوا ~~بالسلالم من أرضها إلى سمائها، وكان متسلقهم على الأسوار، من القبلة رابية ~~اليهود، ومن الغرب التلول، ومن الشرق المنشار، فأخذوا المدينة عنوة وقسرا، ~~وملؤها فسقا وكفرا، وترفع أهل المدينة إلى القلعة، ولم يكره أحد سواهم علو ~~المنزلة والرفعة، واكوهدوا ملتجئين إلى قوادمها وخوافيها، وذب عنهم من ~~القلعة بالسهام والمكاحل من كان فيها، فقتلوا من ظفروا به ذكرا أو أنثى ~~صغيرا أو كبيرا، ولم يرتضوا بما فيها نهبا وبمن فيها أسيرا، فجالد بعض ~~الناس وأظهر لهم بعض جلادة وأراد بتثبته لهم أن يضم الجهاد إلى الشهادة، ~~ولا زالت آيات القتال عليهم تتلى، حتى امتلأت المدينة من الجرحى والقتلى، ~~واستمر ذلك من قبل طلوع الشمس، إلى أن صار اليوم الأمس وحين التقى على ~~وجنتي الكون عارضا الليل، واستوفى أولئك المطففون من ظلمهم وتعديهم الميزان ~~والكيل، وبادر نون الظلام يؤنس الشمس بالالتقام، طرأ على تلك الحركات ~~السكون فتراجعوا ونزل العسكر مقابل عربون، وقد قتل من العسكرين ما سبق ~~العدد، وأكثرهم كان من أهل البلد، فباتوا يعدون السلاح ويثقفونه، وينتظرون ~~الصباح ويستبطئونه، إلى أن شق الليل مكتوم جيبه، وأظهر الظلام مكنون غيبه، ~~وأمر الكون وجه النهار أن يضرب على جنبي الآفاق أطراف شيبه، بكروا بكور ~~الغراب وبدروا إلى الحراب والخراب، وعصروا أهل المدينة وحاصروها أشد حصر، ~~وهدموها وأسوارها من الظهر، فمحوا آثارها بعد العصر، ثم باءوا بالآثام وقد ~~انتشر كظلمهم الظلام # إيضاح ما أخفاه من الحيلة # وصلود زند تلك الأفكار الوبيلة # ولما آب أمله بالخيبة، ولم يمكنه تحصيل القلعة بالهيبة، ms050 شحذ فكرا وجدد ~~مكرا، وتاب عن المقابحة، وثاب إلى المصالحة، فردع ذلك الخميس، في نهار ~~الخميس وأرسل إليهم يقول، ضمن كتاب مع رسول علم أهل قلعة ماردين والضعفاء ~~والعجزة المساكين والعطاش أننا قد عفونا عنهم وأعطيناهم الأمان على نفوسهم ~~ودمائهم، فليأمنوا وليضاعفوا لنا الأدعية وهذه الرسالة نقلتها كما وجدتها، ~~فما استب كيده، ولا أنجح قصده، لأن رصدها كانوا غير راقدين، وشياطين حرسها ~~كانوا كهى ماردين، فارتحل ذلك البلية بكرة السبت إلى البشرية، وأرسل إلى ~~آمد الجنود مع أمير يدعى سلطان محمود، فتوجه بجيش طام وحاصرها خمسة أيام ~~وأرسل يستمده عليها، فتوجه بنفسه إليها، وأحلها الهوان، فطلبوا الأمان، ~~فأمن البواب، ففتح له الباب فدخل من باب التل، ووضع السيف في الكل، فأباد ~~الجميع وأبار العاصي والمطيع وأسروا الصغار، وهتكوا أستار الحرم وحرم ~~الأستار، وأذاقوا الناس لباس البأس، والتجأ بعض الناس إلى الجامع، فقتلوا ~~منهم نحو ألفي ساجد وراكع، ثم حرقوا الجامع، ورحلوا وتركوها بلاقع، فهداه ~~إبليس إلى أخذ قلعة أرجيس ثم بادر بالتحريك وحط على قلعة أونيك وفيها مصر ~~بن قرا محمد أمير التركمان، فحاصرها وأخذها بالأمان، وذلك في سنة ست وتسعين ~~وسبعمائة بعد عيد رمضان، ثم قتل كل من كان بها من الجند، وصير مصر إلى ~~سمرقند " فصل " ثم استصحب الملك الظاهر بسوء نية ورحل سابع ذي القعدة سنة ~~ست وسبعين وسبعمائة، وحبسه في مدينة سلطانية، وحبس عنده من أمرائه الأمير ~~ركن الدين وعز الدين السليماني واسنبوغا وضياء الدين وضيق عليه بأن يقطعوا ~~عن أهله خبره، بحيث لا يدري أحد عجره وبجره، ولما أثخنه وشد الوثائق قصد ~~التوجه إلى دشت قبجاق، فأجرى نحوها ما أقام من الفتنة على قدم وساق، ومكث ~~الملك الظاهر سنة لا يدري أحد خبره في يقظة ولا سنة ثم وفدت الملكة الكبرى ~~إلى سلطانية وخففت عنه ما به من ضيق وبلية، وفسحت له في مراسلة جماعته، ~~وحرضته على طلب الدخول في رضى تيمور وطاعته، زاعمة أنها ناصحة له وطالبة ~~مصلحته، وكان ذلك من مكايد تيمور وبإشارته ms051 PageV01P026 ثم رجع تيمور من ~~الدشت في شعبان سنة ثمان وتسعين فمكث بسلطانية ثلاثة عشر يوما ثم توجه إلى ~~همذان، ومكث بها إلى ثالث عشر شهر رمضان، ثم استدعى من سلطانية الملك ~~الظاهر، بإكرام تام وانشراح صدر وخاطر، ففكوا قيوده وقيود متعلقيه وعظموه ~~غاية التعظيم مع ذويه، وتوجه إليه يوم الخميس خامس عشره ودخل عليه يوم ~~السبت سابع عشره، فتلقاه بالاحترام واعتنقه، وأذهب عنه دهشته وقلقه، وقبله ~~في وجهه مرارا واعتذر إليه مما فعله معه جهارا، وقال له إنك لله ولي، ورفيع ~~القدر كأبي بكر وعلي، وتحلل منه عما صدر في حقه عنه، وأضافه ستة أيام، وخلع ~~عليه خلع الملوك العظام، وأحله محلا جميلا، وأعطاه عطاء جزيلا، من ذلك مائة ~~فرس وعشرة بغال وستون ألف دينار كبكية وستة جمال، وخلع مزركشه مكلله، ~~وإنعامات وافرة مكملة، ولواء يخفق على رأسه منصورا وستة وخمسين منشورا، كل ~~منشور بتولية بلد، وأن لا ينازعه فيه أحد، أول ذلك الرها إلى آخر ديار بكر ~~إلى حدود أذربيجان وأرمينية وكل ذلك من الدهاء والمكر وأن جميع حكام تلك ~~البلاد يكونون تحت طاعته معدودين في جملة خدمه وجماعته، يحملون إليه الخراج ~~والخدم، ولا ينقلون إلا عن أمره قدما عن قدم، بحيث يكون شخص كل منهم من ~~مجاوريه بما أفاء الله عليهم لظله فيئا، ويعفى هو فلا يحمل إلى تيمور ولا ~~غيره شيئا، وهذا وإن كان في الظاهر كالإكرام، فإنه فيما يؤول إليه وبال ~~عليه وانتقام، وفيه كما ترى ما فيه، وإلقاء العداوة بينه وبين مجاوريه، ~~وينجر ذلك إلى أن يلتجي إليه ويعول في كل أموره عليه، ويدخل لكثرة الأعداء ~~تحت ضبنه، فيصل إذ ذاك منه إلى حصنه ثم إنه شرط عليه أنه كلما طلبه جاء ~~إليه، ثم عانقه وودعه، وأمر أمراءه لتشييعه فخرج من الضيق إلى السعة، لثالث ~~عشر شهر رمضان ليلة الجمعة، سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، فوصل إلى سلطانية، ~~في عيشة رضية، وحالة هنية ثم عزم على تبريز في جحفل نفيس عزيز واجتمع ~~بأميران شاه فزاد في ms052 إكرامه وعطاياه شيعه في أحسن هيئة وأيمن طور فجاء على ~~وسطان بدليس وأرزت إلى الصور ووصل خبره إلى قبائله والعشائر، فابتهج الناس ~~ودقت البشائر، فوصل يوم الجمعة حادي عشري شوال، وخرج أهل المدينة والأكابر ~~للاستقبال، وسبق الناس ولي عهده الملك الصالح، فدخل المدينة بفأل سعيد وأمر ~~ناجح، وتوجه إلى مدرسة حسام الدين، وزار والده وأمواته الماضين، وعزم على ~~ترك التخت المنيف، والتوجه إلى الحجاز الشريف، فلم تتركه الناس خاصة وعامة، ~~وتراموا عليه وقبلوا أقدامه، فصعد إلى محل كرامته، واستقر في كرسي مملكته ~~وسيأتي لهذا الشأن مزيد البيان وما جرى من الأمور عند قدوم تيمور، وحلول ~~عسكره اللئام، ماردين بعد خرابهم ممالك الشام قيل لما استقر الملك الظاهر ~~في مملكته، اجتمع عنده جماعة من أدباء وقدماء حضرته، فاقترح عليهم أن ~~يقولوا في ذلك شيئا، فقال أولا بدر الدين حسن بن طيفور # طغى تمر واستأصل الناس ظلمه ... وشاعت له في الخافقين الكبائر # لقد زاد بغيا فافرحوا بزواله ... لأن على الباغي تدور الدوائر # فقال ركن الدين حسين بن الأصغر أحد الموقعين ثانيا # كن من رجال إذا ما الخطب نابهم ... ردوا الأمور إلى الرحمن واغتنموا # فسلموا الأمر لما أن رأوا خطرا ... لذي الجلال فلما سلموا سلموا # فقال القاضي صدر الدين بن ظهير الدين الحنفي السمرقندي ثالثا # طويل حياة المرء كاليوم في غد ... فخيرته أن لا يزيد على الحد # ولا بد من نقص لكل زيادة ... وإن شديد البطش يقتص للعبد # ثم قال علاء الدين بن زين الدين الحصني أحد الموقعين رابعا # لا تحزن فالذي قضى الله يكون ... والأمر موكل إلى كن فيكون # ما بين تحرك بلحظ وسكون ... الحالة تنقضي و ذا الأمر يهون # فأعجبه ذلك وأجازه خمسة آلاف درهم وصرفه والله أعلم # ذكر رجوعه من ديار بكر والعراق # وتوجهه إلى مهامه قبجاق ووصف ملوكها وممالكها وبيان أوضاعها ومسالكها ~~PageV01P027 ثم إنه رجع من عراقي العرب والعجم، وقد ثبتت له في ممالكها أية ~~قدم، وذلك بعد أن قدم عليه الشيخ إبراهيم وسلمه مقاليد ما بيده من أقاليم، ms053 ~~وتقلد طوق عبوديته، ووقف في مواقف خدمته، وانتظم في سلك عبده، وأحله محل ~~ولده، وسنذكر كيف تغرب عليه، ومن أي طريق تقرب إليه فقصد دشت قبجاق وجد في ~~الوخد والأعناق وهو ملك فسيح، يحتوي على مهامه فيح، وسلطانها توقتاميش، وهو ~~الذي كان في حرب تيمور أمام السلاطين المخالفين كالجاليش إذ هو أول من ~~بالعداوة بارزه، وفي بلاد تركستان واقفه وناجزه، ونجده في ذلك كما مر السيد ~~بركة وبلاد الدشت تدعى دشت قبجاق ودشت بركة، والدشت باللغة الفارسية اسم ~~للبرية، وبركة المضاف إليه هو أول سلطان أسلم ونشر بها رايات الملة ~~الإسلامية، وإنما كانوا عباد أوثان، وأهل شرك لا يعرفون الإسلام والإيمان، ~~ومنهم بقية يعبدون الأصنام إلى هذا الأوان فتوجه إلى ذلك الإقليم من طريق ~~الدربند الجاري تحت حكم الشيخ إبراهيم، وهو سلطان ممالك شروان، ونسبه متصل ~~بالملك كسرى أنو شروان، وله قاض يدعى أبا يزيد، يفضل على جميع أركان دولته ~~بالقرب إليه ويزيد، وهو دستور مملكته، وقطب سلطنته فاستشار في أمور تيمور ~~وما يفعله، أيطيعه أم يتحصن منه أم يفر أم يقاتله؟ فقال له الفرار في رأيي ~~أصوب، والتحصن في الجبال الشواهق أوثق عندي وأعجب فقال ليس هذا برأي مصيب، ~~أنجو أنا وأترك رعيتي ليوم عصيب، وماذا أجيب يوم القيامة رب البرية، إذا ~~رعيت أمورهم وأضعت الرعية، ولا عزمت أن أقاتله، وبالحرب والضرب أقابله، ~~ولكني أتوجه إليه سريعا، وأتمثل بين يديه سامعا لأمره مطيعا، فإن ردني إلى ~~مكانتي، وقررني في ولايتي، فهو قصدي وغايتي، وإن أذاني أو عزلني أو حبسني ~~أو قتلني، فتكفي الرعية مؤنة القتل والنهب والأسار، فيولي إذ ذاك عليهم ~~وعلى البلاد من يختار، ثم أمر بالاقامات فجمعت، وأذن للجيوش فتفرقت وتمنعت، ~~وبمدن الولايات أن تتزين وتتزوق، وبسكانها برا وبحرا أن تأمن فتتعامل ~~وتتأنق، وبالخطب أن تقرأ فوق المنابر باسمه، وبالدنانير والدراهم أن تضرب ~~بوسمه ورسمه، ثم حمل التقادم والخدم، وتوجه إليه بأطيب جأش وأثبت قدم، ولما ~~وفد عليه، وتمثل بين يديه، قدم الهدايا والتحف، وأنواع الغرائب والطرف ms054 ~~وعادة الجغتاي في تقديمهم الخدم أن يقدموا من كل جنس تسعة، لينالوا بذلك ~~عند المهدى إليه الكرامة والرفعة، فقدم الشيخ إبراهيم من كل جنس من أجناس ~~ما قدمه تسعة، ومن المماليك ثمانية، فقال له المتسلمون لذلك وأين تاسع ~~المماليك؟ فقال التاسع نفسي العانية، فأعجب تيمور هذا الكلام، ووقع من قلبه ~~بمكان ومقام، وقال له بل أنت ولدي، وخليفتي في هذه البلاد ومعتمدي، وخلع ~~عليه خلعة سنية ورده إلى مملكته مستبشرا ببلوغ الأمنية ثم فرقت تلك ~~الإقامات، وتوزعت الفواكه والطعامات، ففضل منها أمثال الجبال عن ذلك العسكر ~~الذي هو كالحصى والرمال، ثم تركه وسار إلى بلاد الشمال والتتار وسبب آخر ~~لقصده تلك الممالك وإن كان لايحتاج إلى ذلك، أن الأمير إيدكو كان عند ~~توقتاميشس أحد رؤوس أمراء الميسرة والأعيان المتخذين في النائبات لدفعها ~~وأرباب الرأي والمشورة، وقبيلته تدعى قونكرات، وقبائل الترك كقبائل العرب ~~واللغات كاللغات، وكان إيدكو قد أحس من مخدومه، تغير خاطر خاف منه على نفسه ~~وكان توقتاميش شديد البأس فخشي منه حلول بأسه، فلم يزل منه متحرزا، وللفرار ~~إذا رأى منه ما يقتضي ذلك مستوفزا، وجعل يراقبه ويراقيه، ويداربه ويداريه، ~~ففي بعض ليالي السرور ونجوم الكاسات في أفلاك الطرب تدور، وسلطان الخمرة قد ~~أنفذ في أسير العقل أمره طفح أن قال توقتاميش لإيدكو، ونور البصيرة يخبو ~~ويذكو إن لي ولك يوما، يسومك الخسف سوما، ويوليك عن موائد الحياة صوما، ~~ويملأ عين بقائك من سنة الفناء نوما، فغالطه إيدكو وباسطه وقال أعيذ مولانا ~~الخاقان، أن يحقد على عبد ماخان، وأن يذوي غراس هو أنشأه، أو يهوي أساس هو ~~بناه، ثم أظهر التذلل والخشوع، والتمسكن والخنوع، وتحقق ما كان ظنه، وأعمل ~~في وجه الخلاص ذهنه، واستعمل في ذلك الذكاء والفطنة، وعلم أنه إن أهمل أمره ~~أو أمهله، أنه PageV01P028 فمكث قليلا واستغفل السلطان، ثم انسلت من بين ~~الحواشي، والأعوان، وخرج في لجاجة كأنه يريد قضاء حاجة، وأتى إصطبل ~~توقتاميش، بجأش يجيش ولا يطيش، وعمد إلى فرس مسرجة، منجيه منتجة، أقيمت ~~معدة، لكل ms055 شدة، وقال لبعض حاشيته، المؤتمن سره من فاشيته من أراد يوافيني، ~~فعند تيمور يلاقيني، ولا تفشي هذه الأسرار، إلا بعد أن تتحقق أني قطعت ~~القفار ثم تركه وسار، فلم يشعر به إلا وقد سبق وركب طبقا عن طبق، وقطع على ~~أنوال السير أطول الشقق، فلم يدركوا منه ما أثار ولا لحقوا منه ولا الغبار ~~فوصل إلى تيمور وقبل يديه، وعرض حكاياته وأخباره كما جرت عليه، وقال أنت ~~تطلب البلاد الشاحطة والأماكن الوعرة الساقطة، وتركب في ذلك الأخطار، وتقطع ~~فقار القفار، وتتلو أسفار الأسفار، وهذا المغنم البارد نصب عينيك وتدركه ~~هنيئا مريئا بهينك ولينك، ففيم التواني والتناعس، وعلام التقاعد والتقاعس، ~~فانهض بعزم صميم، فأنا لك به زعيم، فلا قلعة تمنعك، ولا منعة تقلعك، ولا ~~قاطع يدفعك ولا دافع يقطعك، ولا مقاتل يقابلك، ولا مقابل يقاتلك فما هم إلا ~~أوشاب وأوباش، وأموال تساق وخزائن بأرجلها مواش ولا زال يحرضه على ذلك ~~ويطالب، ويفتل منه في الذروة والغارب، كما فعل معه عثمان قرايلوك حين جاء ~~إلى تبريز بوسواسه، وحرضه على دخوله الشام بعد قتله السلطان برهان الدين ~~أحمد ومحاصرة سيواسه كما يذكر فتهيأ تيمور بأوفى حركة، إلى استخلاص دشت ~~بركة، وكانت بلادا بالتتار خاصة، وبأنواع المواشي وقبائل الترك غاصة، ~~محفوظة الأطراف، معمورة الأكتاف، فسيحة الأرجاء، صحيحة الماء والهواء، ~~حشمها رحاله، وجنودها نباله، أفصح الأتراك لهجة، وأزكاهم مهجة، وأجملهم ~~جبهة، وأكملهم بهجة، نساؤهم شموس، ورجالهم بدور، وملوكهم رؤوس، وأعيانهم ~~صدور، لا زور فيهم ولا تلبيس، ولا مكر بينهم ولا تدليس وأبهم الترحال على ~~عجل، مع أمان لا يدانيه وجل، مدنها قليلة، ومراحلها طويلة وحد بلاد الدشت ~~من القبلة بحر القلزم الظلوم الغشوم، وبحر مصر المنقلب إليهم من بلاد ~~الروم، وهذان البحران كادا يلتقيان لولا أن جبل الجركس بينهما برزخ لا ~~يبغيان ومن الشرق تخوم ممالك خوارزم وأترار وسغناق، إلى غير ذلك من البلاد ~~والآفاق، آخذا إلى تركستان وبلاد الجتا، متوغلا إلى حدود الصين من ممالك ~~المغول والخطا، ومن الشمال " إيبير، وسيبير " مواضع وبرار وقفار ms056 ورمال ~~كالجبال، وكم بين ذلك من تيه، تحير الطير والوحش فيه، وهو كرضى الخلق غاية ~~لا تدرك، ومهامه لا تسلك، ومن الغرب تخوم بلاد الروس والبلغار، وممالك ~~النصارى الأشرار، ويتصل بتلك التخوم ما هو جار تحت حكم ابن عثمان من ممالك ~~الروم، وكانت القوافل تخرج من خوارزم وتسير بالعجل، وهم آمنون من غير ريب ~~ولا وجل، وإلى قيريم طولا ومسيرة ذلك نحو من ثلاثة أشهر وأما عرضا فهو بحر ~~من الرمل أمده منه سبعة أبحر، لا يهتدي فيه الخريت، ولا يقربه من الدعاميص ~~كل عفريت، فكانت القافلة لا تحمل زادا ولا عليقا ولا يصحبون معهم رفيقا، ~~وذلك لكثرة الأمم، ووفور الأمن والمأكل والمشرب من الحشم، فلا يصدرون إلا ~~عن قبيله، ولا ينزلون إلا عند من يكرم نزيله، وكأنه فيهم قيل # متكنفى جبلى عكاظ كليهما ... يدعو وليدهم بها عرعار # وأما " في هذا " اليوم فليس بتلك الأماكن من خوارزم وإلى قيريم من تلك ~~الأمم والحشم متحرك ولا ساكن، وليس فيها من أنيس، إلا اليعافير وإلا العيس، ~~وتحت الدشت سراي، وهي مدينة إسلامية البنيان، بديعة الأركان ويأتي وصفها ~~وكان السلطان بركة رحمه الله لما أسلم بناها، واتخذها دار الملك، واصطفاها، ~~وحمل أمم الدشت على الدخول في حمى الإسلام ودعاها، فلذلك كانت محل كل خير ~~وبركة، وأضيفت بعد إضافتها إلى قبجاق وإلى بركة أنشدني لنفسه مولانا وسيدنا ~~الخواجة عصام الدين بن المرحوم مولانا وسيدنا الخواجة عبد الملك وهو من ~~أولاد الشيخ الجليل برهان الدين المرغيناني رحمه الله، في حاجي ترخان من ~~بلاد الدشت بعد مرجعه من الحجاز الشريف سنة أربع عشرة وثمانمائة، وفي يومنا ~~هذا أعني سنة أربعين وثمانمائة، انتهت إليه الرياسة في سمرقند قال، وقد ~~قاسى في درب الدشت أنواع النكال # قد كنت أسمع أن الخير يوجد في ... صحراء يعزى إلى سلطانها بركه ~~PageV01P029 بركت ناقة ترحالي بجانبها ... فما رأيت بها في واحد بركه # وأنشدني أيضا لنفسه معرضا بمولانا وسيدنا وشيخنا حافظ الدين محمد بن ناصر ~~الدين محمد الكردي البزازي تغمده الله تعالى برحمته ms057 في الزمان والمكان ~~المذكورين # متى تحفظ الناس في بلدة ... مصالحها في يدي حافظ # فحافظها صار سلطانها ... وسلطانها ليس بالحافظ # ولما تشرف بركة خان بخلعة الإسلام، ورفع في أطراف الدشت للدين الحنيفي ~~الأعلام، استدعى العلماء من الأطراف، والمشايخ من الآفاق والأكناف، ليوقفوا ~~الناس على معالم دينهم، ويبصروهم طرائق توحيدهم ويقينهم، وبذل في ذلك ~~الرغبات، وأفاض على الوافدين منهم بحار الهبات، وأقام حرمة العلم والعلماء ~~وعظم شعائر الله تعالى وشرائع الأنبياء، فكان عنده في ذلك الزمان وعند ~~أوزبك بعده وجاني بك خان مولانا قطب الدين العلامة الرازي، والشيخ سعد ~~الدين التفتازاني، والسيد جلال الدين شارح الحاجبية، وغيرهم من فضلاء ~~الحنفية والشافعية، ثم من بعدهم مولانا حافظ الدين البزازي، ومولانا أحمد ~~الجندي، رحمهم الله تعالى فصارت سراي بواسطة هؤلاء السادات مجمع العلم ~~ومعدن السعادات واجتمع فيها من العلماء والفضلاء، والأدباء والظرفاء ~~والنبلاء، ومن كل صاحب فضيلة، وخصلة نبيلة جميلة، في مدة قليلة، ما لم ~~يجتمع في سواها، ولا في جامع مصر ولا في قراها وبين بنيان سراي وخراب ما ~~بها من الأمكنة، ثلاث وستون سنة، وكانت من أعظم المدن وضعا، وأكثرها للخلق ~~جمعا حكى أن رجلا من أعيانها هرب له رقيق، وسكن في مكان منحى عن الطريق، ~~وفتح له حانوتا، يتسبب فيه ويحصل له قوتا، واستمر ذلك المهين، نحوا من عشر ~~سنين، لم يصادفه فيها مولاه، ولا اجتمع به ولا رآه، وذلك لعظمها وكثرة ~~أممها، وهي على شط نهر متشعب من نهر آثل، الذي أجمع السواحون والمؤرخون ~~وقطاع المناهل، أنه لم يكن في الأنهر الجارية، والمياه العذبة النامية، ~~أكبر منه، وهو يأتي من بلاد الروس، وليس له فائدة سوى اغتيال النفوس، ويصب ~~في بحر القلزم، وكذلك جيحون وسائر أنهار العجم ونهر سيحون، مع أن بحر ~~القلزم محصور، وعليه بعض ممالك العجم تدور، مثل كيلان ومازندران، وأستراباذ ~~وشروان، واسم نهر سراي سنكلا، ولا يقطع أيضا إلا بالمراكب، ولا يثبت عليه ~~قدم لراجل أو راكب، وكم فرق تتفرق من ذلك البحر العريض الطويل، كل فرق ms058 أعظم ~~من الفرات والنيل # ذكر وصول ذلك الطوفان وجحفه # أمم الدشت بعد كسره توقتاميش خان # فوصل تيمور إلى تلك الداره، بالعساكر الجرارة، بل بالبحار الزخاره ذوي ~~السهام الطيارة والسيوف البتارة والرماح الخطارة والأسود الهصارة والنمور ~~الكرارة، من كل شان الغارة مدرك في العدو ثاره حام حقيقته وجاره وعرينه ~~ووجاره وفريسته ونجاره وألج من بحر الحرب غماره، مقاوم أمواجه وتياره فأرسل ~~توقتاميش إلى زعماء حشمه، وعظماء أممه وسكان أحقافه وقطان أطرافه ورؤوس ~~أسرته وضروس ميمنته وميسرته، فاستدعاهم وإلى المقابلة والمقاتلة دعاهم، ~~فأتوا في ثوب طاعته يرفلون " وهم من كل حدب ينسلون " واجتمعوا شعوبا وقبائل ~~ما بين فارس وراجل وضارب ونابل ومقبل وقابل وفاتك وقاتل، بمرهف وذابل وهم ~~قوم نبال النبال وعضال النضال لا يطيشون سهما، وهم من بني ثعل أرمى، إذا ~~عقدوا الأوتار أصابوا الأوتار وإن قصدوا الأوطار وجدوا المقصد جثم أو طار ~~ثم نهض للمصادمة، واستعد للمقاحمة والمقاومة، بعساكر كالرمال كثرة، ~~وكالجبال كرة وفرة # ذكر ما وقع من الخلاف في عساكر # توقتاميش وقت المصاف # وحين تواقف الصفان، وتثاقف الزحفان، برز من عسكر توقتاميش أحد رؤوس ~~الميمنة، له دم على أحد الأمراء فطلبه منه وفي قتله استأذنه، فقال له لينعم ~~بالك وليجب سؤالك قلت # لكن ترى ما قد طرا ... على الورى وما جرى # فأمهلنا، حتى إذا انفصلنا وعلى المراد حصلنا، أعطيتك غريمك وناولتك ~~خصيمك، فأدرك منه ثأرك، واقض أوطارك، قال لا ولكن الساعة، وإلا فلا سمع لك ~~ولا طاعة PageV01P030 فقال نحن في كرب مهم، هو من مرامك أهم، وخطب مدلهم هو ~~من مصابك أعم، فاصبر ولا تعجل واطمئن ولا توجل، فما يذهب لأحد حق، ولا يضيع ~~مستحق، فلا تلجئ الأعمى إلى الجرف ولا تكن ممن يعبد الله على حرف، فكأنك ~~بليل الشدة وقد أدبر وبصباح الفلاح وقد أسفر، فالزم مكانك ونازل أقرانك، ~~وتقدم ولا تتأخر، واصدع بما تؤمر فانخذل ذلك الأمير، بجمع كثير، وأتبعه كل ~~باغ وعاق، وقبيلته كلها واسمها آقتاق فانطلق يروم ممالك الروم، فوصل هو ~~وحشمه إلى ضواحي أدرنه، ms059 واستوطنوا تلك الأمكنة فاختل لذلك عسكر توقتاميش، ~~وصارت سهام مرامه عن مراميه تطيش، ولم ير بدا من اللقاء، وصدق الملتقى، ~~فثبت جأشه وجيشه، وهزم وقاره طيشه، وقدم من أطلابه الأبطال، ورتب الخيالة ~~والرجال، وقوى القلب والجناح، وسدد النبل والصفاح " فصل " أما جيش تيمور ~~فإنه مستغن عن هذه الأمور، لأن أمره معلوم، ووصفه مفهوم وسطر النصر ~~والتمكين على جبين راياته مرقوم، ثم تدانى الجيشان واصطدما واصطليا بنار ~~الحرب واصطلما والتفت الأقران بالأقران، وامتدت الأعناق للضراب وشرعت ~~النحور للطعان، واكفهرت الوجوه واغبرت وكشرت ذئاب الضراب واهرت، وتهارشت ~~نمور الشرور واسبطرت وتعانشت أسود الجنود وازبأرت واكتست بريش النبال ~~الجلود فاقشعرت، وأهوت جباه الجباه ورؤوس الرؤوس في محراب الحرب للسجود ~~فخرت، وثار الغبار وقام القتام، وخاض بحار الدماء كل خاص وعام، وصارت نجوم ~~السهام في ظلام القتام لشياطين الأساطين رجوما رواشق، ولوامع السيوف في ~~سحاب التراب على الملوك والسلاطين نجوما صواعق، ولا زالت سلاهب المنايا ~~تجوب وتجول، وضراغم السرايا تصوب وتصول ونقع السنابك إلى الجو راقيا، ونجيع ~~السوافك على الدو جاريا، حتى غدت الأرضون ستا والسموات كالبحار ثمانيا ~~واستمر هذا اللدد والخصام نحوا من ثلاثة أيام، ثم انجلى الغبار عن انهزام ~~جيش توقتاميش ولى الأدبار وفرت عساكره وانذعرت وانتشرت جنود تيمور في ممالك ~~الدشت واستقرت، واستولى على قبائلها وأتى على ضبط أواخرها وأوائلها، واحتوى ~~على الناطق فمازه وعلى الصامت فحازه، وجمع الغنائم، وفرق المغانم، وأباح ~~النهب والأسر وأذاع القهر والقسر، وأطفأ قبائلهم، وأكفأ مقاولهم، وغير ~~الأوضاع وحمل ما استطاع من الأموال والأسرى والمتاع، ووصلت طراشته إلى ~~آزاق، وهدم سراي وسرايجوق وحاجي ترخان وتلك الآفاق، وعظمت منزلة إديكو ~~عنده، ثم قفل قاصدا سمرقنده، وصحب إيدكو معه، ورام منه أن يتبعه # ذكر إيدكو وما صنعه وكيف # خلب تيمور وخدعه # فأرسل إيدكو قاصدا إلى أقاربه وجيرانه، وقبائل الميسرة من أصحابه ~~وأخدانه، من غير أن يكون لتيمور، بذلك شعور، أن يرحلوا عن مكانهم وينشمروا ~~عن أوطانهم، وأن ينحوا جهة عينها وأماكن بينها، صعبة المسالك، كثيرة ~~المهالك، وإن أمكنهم ms060 أن لا يقيموا في منزل واحد يومين فليفعلوا ذلك، فإنه ~~إن ظفر بهم تيمور بدد شملهم وأبادهم كلهم، فامتثلوا ما رسم به إيدكو ~~وارتحلوا، ولم يلووا ولما علم إيدكو أن جماعته فوزوا، وحشمه لتيمور أعجزوا، ~~قال له يا مولانا الأمير إن لي من الأقارب والحشم الجم الغفير، وإنهم عضدي ~~وجناحي، وبصلاح معايشهم صلاحي، ولا آمن عليهم إن بقوا بعدي، من توقتاميش ~~الجور والتعدي، بل لا شك أنه يفنيهم ويبيدهم عن بكرة أبيهم، وحيث يمتنع ~~عليه بجاه جنابك جانبي ينتقم لسوء طويته من حشمي وأقاربي، لأن سدى هذه ~~الملاحم أنا ألحمته، وفي مضايق البلاء ومآزق الانكسار أنا أقحمته، وعلى كل ~~حال فلا يطيب على قلبي أن يساكنوه وكيف يهنأ لي العيش وأصدقائي مجاورون ~~عدوي، فإن اقتضت الآراء المنيرة، إرسال قاصد إلى تلك " الأماكن " والقبائل ~~الكثيرة صحبة مرسوم شريف وأمر عال منيف باستمالة خواطرهم، وتطيب قلوب ~~قبائلهم وعشائرهم والأمر بترحالهم وترقيع حالهم، فنكون جميعا تحت الظل ~~الشريف في روض عيش وريق وريف ونخلص من هذا الدشت، الخلق الدشت ونقضي ما مضى ~~من الأعمار، ونقضي الباقي في جنات تجري من تحتها الأنهار، فالرأي الشريف ~~أعلى واتباع ما يبديه بالمماليك أولى PageV01P031 فقال له تيمور أنت عذيقها ~~المرجب وجذيلها المحكك، ومع وجودك أنت من يسلك هذا المسلك فقال كل الأنام ~~عبيدك وتابع مرادك ومريدك، ومن تراه لشيء أهلا كان كل حزن عليه سهلا فقال ~~بل أنت أولى بهذا الأمر فكن ضمينه إذ لا يفتى ومالك في المدينة، فقال أضف ~~إلي واحدا من الأمراء ليكون لي عليهم وزراء، مع مراسيم شريفة بما تقتضيه ~~الآراء المنيفة فأجابه وقضى مراده وأضاف إليه من أراده، فقضيا مآربهما ~~ونجزا ونحو مطلبهما تجهزا ولما فصل إيدكو تيمور استدرك فارطه، وعلم أن ~~إيدكو خلبه عقله وغالطه، فأنفذ إليه قاصدا أن يكون إليه عائدا لأمر قد سنح ~~ورأي قد جنح، فلما قدم القاصد عليه وبلغ ما أرسل به إليه، قال له وللأمير ~~الذي معه وقد نهى كلا منهما أن يتبعه اقضيا مأربكما والحقا ms061 صاحبكما وقبلا ~~يديه وأبلغاه أن أمد اجتماعنا هذا منتهاه وإني بريء منه إني أخاف الله، ولم ~~يمكنهما مخاشنته ولا وسعهما في تلك الضائقة الشديدة إلا ملاينته، فودعاه ~~وانصرفا، وانحرفا وما وقفا ولما بلغ تيمور ذلك تصرف وتصرم وتبرح وتبرم وحرق ~~عليه الأرم وتندم ولات حين مندم، وكاد يقتل نفسه حنقا عليه، وتجرع كاسات ~~ويوم يعض الظالم على يديه، ولم يمكنه التقيد به فلم يتحرك له بحركة، وتوجه ~~إلى ممالكه ثم إلى سمرقند وتركه، وكان هذا آخر أمره من دشت بركة قيل إنه لم ~~يخدع تيمور ويدهيه، ويخلبه قولا وفعلا ويطغيه سوى إيدكو المار ذكره، أقول ~~وسوى قاضي القضاة ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون المالكي الآتي حكايته ~~وأمره # تتمة ما جرى في نواحي الشمال # بين توقتاميش وإيدكو من جدال وقتال إلى أن تغير أمر كل منهما وحال # ولما انفصل تيمور بما حصل واستقر بمملكته بعدما وصل واتصل إيدكو بحاشيته ~~وابتهج بطاغيته وغاشيته، أخذ في التفتيش عن أمور توقتاميش، وتحفظ منه وتحرز ~~ولمناواته انتصب وتجهز، إذ لم يمكنه رتق ما فتقه ولا رقع ما خرقه، وأيضا ما ~~أمكنه الاستقلال بادعاء السلطنة، إذ لو أمكن ذلك لادعاه تيمور الذي ملك ~~الممالك، فنصب من جهته سلطانا، وشيد في دار الملك خانا، ودعا رؤوس الميسرة ~~ووجوه قبائلها إليه، فلبوا دعوته وأقبلوا عليه، إذ كانوا أقوى من غيرهم، ~~آمنين من ضرر الجغتاي وضيرهم، فقوى بذلك سلطانه، وعمر بقفول الجنود خانه، ~~وثبت في دار الملك أساسه وعلت أركانه وأما توقتاميش فبعد أن تراجع وهله ~~واستقر في دماغه عقله، ورحل عدوه وحصل هدوه جمع عساكره واستنجد قوته ~~وناصره، فلا زالت ضروب الضراب كحراب الحروب بينه وبين إيدكو قائمة وعيون ~~السكون كجفون الزمان المتعامي عن صلحهما نائمة إلى أن بلغ مصافهم خمس عشرة ~~مرة، يدال هذا على ذاك تارة وذاك على هذا كرة، فأخذ أمر قبائل الدشت في ~~التناقص والشتات، وبواسطة قلة المعاقل والحصون وقعوا في الانبثاث ~~والانبتات، لا سيما وقد تناوشهما أسدان، وأطل عليهما نكدان، وقد كان ms062 جلهم ~~ذهب مع تيمور، وأمسى وهو في أمره محصور، وفي حصره مأسور فانفلتت منهم طائفة ~~لا تحصى ولا تحصر، ولا يمكن ضبطها بديوان ولا دفتر، وانحازت إلى الروم ~~والروس، وذلك لحظهم المشؤوم وجدهم المعكوس، فصاروا بين مشركين نصارى، ~~ومسلمين أسارى، كما فعله جبلة ببني غسان واسم هذه الطائفة قرابوغدان ~~فبواسطة هذه الأسباب، آل عامر الدشت إلى الخلاء والخراب، والتفرق واليباب، ~~والانفلات والانقلاب، وصارت بحيث لو سلكها أحد من غير دليل ورصد فإنه يهلك ~~على الحقيقة لإضاعته في المجاز طريقه، أما صيفا فلأن الرياح للرمال تسفى، ~~فتختفى الطريق على المارة وتعفى، وأما شتاء فلأن الثلج النازل فيها يتراكم ~~عليها فيغطيها، إذ كل أرضها مجاهل ومنازلها مذاهل، ومراحلها مهامه ومناهل، ~~فعلى كل تقدير، سلوكها مهلك عسير فكانت الوقعة الخامسة عشرة على إيدكو ~~فتشتت وتشرد، وتبذر وتبدد، وغرق هو ونحو خمسمائة رجل من أخصائه في بحر ~~الرمل، فلم يشعر به أحد واستبد توقتاميش بالمملكة، وصفا له دشت بركه، وكان ~~مع هذا متشوفا لأخبار إيدكو وأحواله متشوقا لمعرفة كيفية هلاكه في رماله، ~~ومر على ذلك نحو من نصف سنة، وانقطع أثره عن الأعين وخبره عن الألسنة ~~وإيدكو كان دعيميص تلك الأعقاص والأحقاف وممن قطع بسير أقدامه أديم تلك ~~النعال والأخفاف، فصار يتربص ويتصبر ويتفكر معنى ما قلته ويتدبر، وهو ~~PageV01P032 أرقب القصد وانتظر فرصا ... وانتهز وقتها إذا ماجا # وامزج الصبر بالحجا فبه ... ورق التوت صار ديباجا # فلما تيقن أن توقتاميش أيسه، وتحقق أن ليث المنايا افترسه، شرع يتجسس ~~أخباره ويتتبع، ويستشرف آثاره ويتطلع، إلى أن تحقق من الخبر، أنه في متنزه ~~منفرد عن العسكر، فامتطى جناح الخيل، وارتدى جنوح الليل ، ووصل السير ~~بالسرى، واستبدل السهر بالكرى، فارعا إلى الهضاب، فروع الحباب، مفرعا من ~~الربى، إفراع الندى حتى وصل وهو لا يعلم، وانقض عليه كالقضاء المبرم، فلم ~~يفق إلا والبلايا احتوشته، وأسود المنايا انتوشته، وثعابين الرماح وأفاعي ~~السهام نهشته، فحاولهم قليلا، وجاولهم طويلا، ثم انجدل قتيلا، وكانت هذه ~~المرة من الوقعات السادسة عشر، خاتمة التلاق، وحاكمة ms063 الفراق فاستقر أمر ~~الدشت على متولي إيدكو، وصار القاصي والداني والكبير والصغير إلى مراسيمه ~~يصفو، وتفرقت أولاد توقتاميش في الآفاق، جلال الدين وكريم بيردي في الروس ~~وكوباك وباقي إخوته في سغناق، واستمر أمر الناس على مراسيم إيدكو يولي ~~السلطنة من شاء، ويعزله منها إذا أساء، ويأمر فلا يخالفه أحد، ويحد فلا ~~يجاوز ذلك الحد فمن ولاه قوتليغ تيمور خان، وأخوه شادي بك خان، ثم فولاد ~~خان بن قوتليغ تيمور ثم أخوه تيمور خان، وفي أيامه تخبطت الأمور، فلم يسلم ~~لإيدكو زمامه، وقال لا كيد له ولا كرامة، أنا الكبش المطاع، فأنى أكون ~~مطيعا، والثور المتبوع فكيف أصير تبيعا فالتحم بينهما الشقاق، ونجم من ذوي ~~الضغينة مخبوء النفاق، وجرت شرور ومحن، وحروب وإحن، وبينا ظلمات الفتن ~~احتبكت، ونجوم الشرور في دياجير الدشت بين الفريقين اشتبكت، وإذا ببدر ~~الدولة الجلالية، من مشارق السلالة التوقتاميشية بزغ متهللا، وفرع من بلاد ~~الروس مقبلا وكانت هذه القضية في شهور سنة أربع عشرة وثمانمائة، فتعاظمت ~~الأمور، وتفاقمت الشرور، وضعف حال إيدكو وقتل تيمور، واستمر النفاق ~~والشقاق، بين ممالك ملوك قبجاق، إلى أن مات إيدكو غريقا جريحا، وأخرجوه من ~~نهر سيحون بسرايجوق وألقوه طريحا، رحمه الله تعالى وله حكايات عجيبة، ~~وأخبار ونوادر غريبة، وسهام دواه في أعدائه مصيبة، وأفكار مكايد، وواقعات ~~مصايد، وله في أصول فقه السياسة نقود وردود، البحث فيها يخرج عن محصول ~~المقصود وكان أسمر شديد السمرة ربعه، مستمسك البدن شجاعا مهابا ذا رفعة، ~~جوادا حسن الابتسامة، ذا رأي مصيب وشهامه، محبا للعلماء والفضلاء، مقربا ~~للصلحاء والفقراء يداعبهم بألطف عبارة، وأظرف إشارة، وكان صواما، وبالليل ~~قواما، متعلقا بأذيال الشريعة، قد جعل الكتاب والسنة وأقوال العلماء بينه ~~وين الله تعالى ذريعة، له نحو من عشرين ولدا كل منهم ملك مطاع، وله ولايات ~~على حدة وجنود وأتباع، وكان في جماعات الدشت إماما، نحوا من عشرين عاما، ~~وأيامه في جبين الدهر غرة، وليالي دولته على وجه العصر طرة # ما كنا فيه من أمور تيمور ودواهيه # ولما وصل تيمور ms064 إلى أذربيجان، وانبث عسكره في ممالك سلطانية وهمذان، ~~واستدعى الملك الظاهر سلطان ماردين وأطلقه، وأنعم عليه كما ذكر واستوثقه، ~~وولاه ما بين الشام والعراق، وأحكم تلك الممالك بما وسعه من المكر والنفاق، ~~ولم يمكنه الإقامة بملك العجم، لما معه من الدشت من أمم، وجه عنان قصده، ~~إلى ممالك سمرقند، فنفض فيها أوطابه، وفرغ عما كان ملأ به من الدشت جرابه، ~~ثم خرج من غير توان، وقطع جيحون بالطوفان، ووصل إلى خراسان، وواصل السير ~~إلى أذربيجان، فتوجه إلى طهرتن حاكم أرزنجان، متلقيا طوق مراسيمه بجيد ~~الإطاعة والإذعان، وأهما أمر ماردين وتناساها، ولم يتعرض إلى ما يتعلق بها ~~من مدنها وقراها # ابتداء ثوران ذلك القتام فيما # يتعلق بممالك الشام # ثم أنه قصد الرها، ورام نهبها، فخرج إليه شخص من أعيانها، ورؤساء قطانها، ~~يقال له الحاج عثمان بن الكشك فصالحه واشتراها بجمل من الأموال وحملها إليه ~~وأداها، فعند ذلك أرسل إلى القاضي برهان الدين أبي العباس أحمد الحاكم ~~بقيصرية وتوقات وسيواس، من الرسل عدة، ومن الكتب شدة، يبرق فيها ويرعد، ~~ويرغي في بحرها ويزبد، ويقيم بفحاويها ويقعد PageV01P033 ومن جملة فحواه، ~~ومضمون ذلك وما حواه، أن يخطبوا باسم محمود خان، أو سيورغاتمش خان وباسمه، ~~ويضربوا السكة على طرز ذلك ورسمه، كما هو دأبه، ويتحمله رسوله وكتابه، فلم ~~يؤمن له السلطان برسول ولا بكتاب، ولا تقيد له بجواب عن خطاب، بل قطع رؤوس ~~الرؤوس من قصاده، وعلقها في أعناق الباقين، وأشهرهم في بلاده، ثم جعلهم ~~شطرين، وقسمهم نصفين، وأرسلهم إلى جهتين، للسلطان الملك الظاهر أبي سعيد ~~برقوق منهم جزء مقسوم، والجزء الآخر إلى السلطان أبي يزيد بن مراد بن ~~أورخان بن عثمان حاكم ممالك الروم، وأخبرهما بالقضية عن جلية، وما ورد عليه ~~من خطاب تيمور الممقوت، وأنه جعل في ذلك جوابه السكوت، وقتل قاصديه نكاية، ~~ولم يزده على هذه الحكاية، وإنما فعل ذلك برسله وقصاده، استهوانا به ~~واستعظاما لما فعله بعباد الله تعالى وبلاده ثم قال القاضي اعلموا أني ~~جاركما، ودياري دياركما، وأنا ذرة من ms065 غباركما، وقطرة من بحاركما، وما فعلت ~~معه هذا مع ضعف حالي، وقلة مالي ورجالي، وضيق دائرتي وبلادي، ورقة حاشية ~~طريفي وتلادي، إلا اعتمادا على مظاهرتكما، واتكالا على مناصرتكما، وإقامة ~~لأعلام حرمة دولتكما، ونشر الرايات هيبة صولتكما، فإني جنة ثغركما، ووقاية ~~نحركما، وجاويش جنودكما، وجاليش بنودكما، وربيئة طلائعكما، وطليعة ~~وقائعكما، وإلا فمن أين لي مقاومته، وأنى يتيسر لي مصادمته؟ وقد سمعتم ~~أحواله، وعرفتم مشاهده وأفعاله، فكم من جيش كسر، وقيل أسر، وملك ملك، وملك ~~أهلك وستر هتك ونفس سفك، وحصن فتح، وفتح منح، ومال نهب، وعز سلب، وصعب أذل، ~~وخطب أحل، وعقل أزل، وفهم أضل، وخيل هزم، وأس هدم، وسؤل قطع، وقصد منع، ~~وطود قلع، وطفل فجع، ورأس شدخ، وظهر فضح، وعقد فسخ، ونار أشب، وريح أهب، ~~وماء أغار، ورهج أثار، وقلب شوى، وكبد كوى، وجيد قصم، وطرف أعمى وسمع أصم ~~فأنى لي ملاطمة سيل العرم، ومصادمة الفيل المغتلم، فإن نجدتماني وجدتماني، ~~وإن خذلتماني بذلتماني، ويكفيكما هيبة وشهرة، وناهيكما أبهة ونصرة، إن من ~~خدمكما قدامكما، من كفاكما ما دهاكما وإن أصابني والعياذ بالله منه ضرر، أو ~~تطاير إلى مملكتي من جمرات شره الشرر، ربما تعدى ذلك الفعل بواسطة الحوادث، ~~إلى مفعول به ثان وثالث قلت # والشر كالنار يبدو حين تقدحه ... شرارة فإذا بادرته خمدا # وإن توانيت عن إطفائه كسلا ... أورى قبائل تشوي القلب والكبدا # فلو تجمع أهل الأرض كلهم ... لما أفادوك في إطفائه أبدا # وما أهملت خطابه، وأمهلت جوابه، لترسما فاقتفى، وتأمرا فاكتفى، وتؤسسا ~~فأبني عليه، وتجاوبا فيصل ذلك كذلك مني إليه # ذكر ما أجاب به السلطان أبو يزيد # بن عثمان القاضي برهان الدين أبا العباس سلطان ممالك سيواس # فأما السلطان أبو يزيد بن عثمان، فإن هذا الفعل أعجبه، ونغم هذا القول ~~أطربه، واستحسن هذا الحكم من القاضي واستصوبه، وأرسل إليه يقول إن ارتدع ~~تيمور عنه وانتهى، وإلا فليأتينه بجنود لا قبل له بها، فليقابله بعين ~~قريرة، وليثبت له بحسن البصيرة، وإخلاص السريرة، ولا يجزع من جنوده ~~الغزيرة، فكم من فئة ms066 قليلة غلبت فئة كثيرة وإن اقتضت آراؤه السديدة، ~~وأحكامه السعيدة، توجه بنفسه إليه، وقدم بالغزاة والمجاهدين عليه، ليرفع ~~أعلامه، وينفذ أحكامه، ويكون لسيفه يدا، ولجناحه عضدا، ثم أرسل كتابه، ~~وانتظر جوابه PageV01P034 وأما الملك الظاهر فما رأيت له كتابا، ولا حققت ~~منه له جوابا، والظاهر أن جواب الملك الظاهر أبي سعيد، كان شقيق جواب ~~السلطان الغازي أبي يزيد، إذ أفعالهما وأقوالهما في الباطن والظاهر، كانت ~~من توارد الخاطر، ثم إني رأيت كتابا يتضمن خطابا وجوابا، وذكر أن الخطاب من ~~ذلك الغادر، والجواب من الملك الظاهر، وكلاهما سوى آي الكتاب غير زاه ولا ~~زاهر، أما صورة الخطاب فهو " قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون " اعلموا أنا جند الله ~~مخلوقون من سخطه مسلطون على من يحل عليه غضبه، لا نرق لشاك ولا نرحم عبرة ~~باك، قد نزع الله الرحمة من قلوبنا، فالويل كل الويل لمن لم يمتثل أمورنا ~~فإنا خربنا البلاد، وأهلكنا العباد، وأظهرنا في الأرض الفساد، قلوبنا ~~كالجبال، وعددنا كالرمال، خيولنا سوابق، ورماحنا خوارق، وملكنا لا يرام، ~~وجارنا لا يضام، فإن أنتم قبلتم شرطنا، وأصلحتم أمرنا، كان لكم ما لنا، ~~وعليكم ما علينا، وإن أنتم خالفتم وأبيتم، وعلى بغيكم تماديتم، فلا تلومن ~~إلا أنفسكم، فالحصون منا لا تمنع، والعساكر لدينا لا ترد ولا تدفع، ودعاؤكم ~~علينا لا يستجاب ولا يسمع، لأنكم أكلتم الحرام وضيعتم الجمع، فأبشروا ~~بالذلة والجزع، فاليوم تجزون عذاب الهون، وقد زعمتم أننا كفرة، فقد ثبت ~~عندنا أنكم فجرة، قد سلطنا عليكم إله له الأمور مقدرة، والأحكام مدبرة، ~~كثيركم عندنا قليل، وعزيزكم عندنا ذليل، قد ملكنا الأرض شرقا وغربا، وأخذنا ~~منها كل سفينة غصبا، وأرسلنا إليكم هذا الكتاب، فأسرعوا في رد الجواب، قبل ~~أن ينكشف الغطاء، ولم يبق لكم باقية، فينادي عليكم منادي الفناء " هل تحس ~~منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا " وقد أنصفناكم إذ راسلناكم، ونثرنا جواهر ~~هذا الكلام عليكم والسلام وهذه صورة الجواب وقيل هو إنشاء القاضي ms067 بدر الدين ~~بن علاء الدين بن فضل الله وما أظن لذلك صحة وهو " بسم الله الرحمن الرحيم ~~" قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من ~~تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير " حصل الوقوف على كتاب ~~مجهز من الحضرة الأيلخانية، والسدة العظيمة الكبيرة السلطانية قولكم إنا ~~مخلوقون من سخطه، مسلطون على من يحل عليه غضبه، لا نرق لشاك، ولا نرحم عبرة ~~باك، قد نزع الله الرحمة من قلوبكم فهذا من أكبر عيوبكم، وهذا من أقبح ما ~~وصفتم به أنفسكم، ويكفيكم بهذه الشهادة واعظا إذا اتعظتم " قل يا أيها ~~الكافرون، لا أعبد ما تعبدون " ففي كل كتاب ذكرتم، وبكل قبيح وصفتم، وزعمتم ~~أنكم كافرون، ألا لعنة الله على الكافرين من تشبه بالأصول، لا يبالي ~~بالفروع نحن المؤمنون لا يصدنا عيب، ولا يداخلنا ريب، القرآن علينا نزل، ~~وهو رحيم بنا ولم يزل، وقد عمنا ببركة تأويله، وقد خصنا بفضل تحريمه ~~وتحليله إنما النار لكم خلقت، ولجلودكم أضرمت " إذا السماء انفطرت " ومن ~~العجب العجاب تهديد الليوث باللتوت، والسباع بالضباع، والكماة بالكراع نحن ~~خيولنا بحرية، وهممنا علية، والقناة شديدة المضارب، ذكرها في المشارق ~~والمغارب، إن قتلناكم نعم البضاعة، وإن قتلتمونا بيننا وبين الجنة ساعة " ~~ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " ~~وقلكم قلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال فالجزار لا يبالي بكثرة الغنم، وكثير ~~من الحطب يكفيه قليل من الضرم " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين " لفرار لا من الرزايا، نحن من المنية، في غاية الأمنية، ~~إن عشنا عشنا سعداء، وإن متنا متنا شهداء إلا إن حزب الله هم الغالبون، ~~أبعد أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين، تطلبون منا طاعة؟ لا سمع لكم ولا ~~طاعة وطلبتم أن نوضح لكم أمرنا، فهذا الكلام في نظمه تركيك، وفي سلكه ~~تفكيك، لو كشف لبان، قبل التبيان، أكفرا بعد إيمان، أم اتخذتم ربا ثان؟ " ~~لقد جئتم شيئا إدا، تكاد ms068 السموات يتفطرون منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ~~" قل لكاتبك الذي رصع رسالته، ووصف مقالته، حصل الوقوف على كتاب كصرير باب، ~~أو طنين ذباب، " وسنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا " ومالكم عندنا إلا ~~السيف بقوة الله تعالى PageV01P035 ثم إني وجدت في نسخة محا مر الدهور، ~~بتقادمه مدادها، وبيض كر العصور، على وجه الزمان من شيبها سوادها، صورة هذا ~~الكتاب، وهيئة هذا الخطاب، من إنشاء نصير الدين الطوسي، على لسان هولاكو ~~التتري، مرسلا ذلك إلى سلطان مصر، وصورة الجواب بعينه إنشاء من كان في ذلك ~~العصر " فصل " ولما بلغ تيمور ما فعله السلطان برهان الدين بقصاده حنق، ~~ورتق بجناحي الغضب وفار دم قلبه ورنق، وغص غضبا فكاد من الغيظ أن يختنق، ~~ولكن علم أن في الزوايا خبايا، وللإسلام جنودا وسرايا، وفي عرين الدين من ~~ليوث المسلمين بقايا، وأن أمامه أسودا هواصر، وجوارح كواسر، فتصبر للزمان، ~~ورجع القهقرى وتربص منهم الدوائر # ذكر توجه العساكر الشامية لدفع # تلك الداهية الدهية # مع أن ملك الأمراء هو تنم، خرج بالعساكر إلى أرزنجان ورجع وهو معتنم، ولم ~~يروا في ذلك ضيرا " ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا " وعاد من ~~جيش الإسلام كل أسد هصور، وقد اصطاد من دفركى ما ضاهى صورته وجاء نور على ~~نور # ذكر رجوع ذلك الكنود وقصده # استخلاص بلاد الهنود # ثم إن تيمور بلغه أن سلطان الهند فيروز شاه، انتقل من زحمة الدنيا إلى ~~رحمة الله، ولم يكن له ولد يكون له خليفة فسعى تيمور لأن يتولى بحكم الوفاة ~~والشغور تلك الوظيفة، ولما فاض صاحب الهند صارت الناس فوضى، ومرج بحر أمر ~~الهند وماج فجعل كل يخوض خوضا فعز بعض الناس وبعضهم ذلوا، ثم اتفقوا على ~~تولية وزير اسمه ملو، فرأب من أمر الناس ما انصدع، ورفع من استحق الرفع ~~وخفض من بغير استحقاق ارتفع، فعصى عليه إخوة سارنك خان، متولي مدينة ملتان، ~~ووقع بينهم التخالف، وافترق ملأ الهنود فرقا وطوائف، فكان اختلافهم لتيمور ~~أحسن مساعد، وأقوى عضد وساعد ms069 قلت # وتشتت الأعداء في آرائهم ... سبب لجمع خواطر الأحباب # وحين وصل تيمور إلى ملتان، عصى عليه سارنك خان، فأقام يحاصرها، وقعد ~~يضاجرها، وكانت عساكرها جمة، وليالي كتائبها السود مدلهمة حتى قيل إن من ~~جملة عسكرها الثقيل، كان ثمانمائة فيل، مع أن كل أمير من أطراف الهند، ~~ورئيس من أكناف السند، كان قد كفكف أذياله، ولملم رحاله ورجاله، وضبط ~~لجوائحه أقياله، وربط لحوائجه أفياله، واستمر ذلك اللدد والخصام، نحوا من ~~ثلثي عام، إلى أن استخلصها ومن يده خلصها " فصل " ولما استولى ملو واستقر ~~أمر الهند عليه، وبلغه توجه تيمور إليه، جد واجتهد وأعد العدد والعدد، ~~واستمد الإمداد والمدد، وأهلك مالا لبدا، وحسب أن لن يقدر عليه أحد، وفرق ~~الأموال، وجمع الخيل والرجال، وأحضر ما في مملكته من الأفيال، ثم حصن ~~مدائنه، ومكن كمائنه، وشيد على الأفيال للمقاتلة أبراجا، وأحكم في تحرير ~~المناضلة طريقة فقه فيها ذهب ومنهاجا وجد تيمور في السير، حتى كاد يسبق ~~الطير، إذ لم يكن له في ثلاث الأرث من يحجبه، ولا في عساكر سلطان الهند من ~~يقربه فلما بلغ الهنود بالجنود برزت إليه بالجنود الهنود، وقدموا الفيول ~~لتنفير الخيول وقد بنوا على كل فيل من الأتراس برجا، وعبئوا في كل برج من ~~المقاتلين ن يخشى في المضابق ويرجى، بعد ما جعلوها من البركستوانات في ~~حصار، وعلقوا عليها من القلاقل والأجراس الهائلة ما يدعو العفاريت إلى ~~الفرار، وشدوا في خراطيمها سيوفا يصلح أن يقال أنها سيوف الهند، تدعو ~~الرؤوس شعلة لهيبها فتخر لها ساجدة فيحق أن يقال لها نار السند وهذا خارج ~~عما لتلك الفيلة من الأنياب التي هي في الحروب كالحراب إذ هي في أداء ما ~~وجب عليها نصاب كامل وسهامها التي هي مصيبة في نحور من يقابلها تقصم كل ~~نابل وذابل فكانت تلك الأفيال في وصف القتال كأنها غيل بأسودها ماشية أو ~~صياص بجنودها جارية أو أطواد بنمورها عادية أو بحار بأفواج أمواجها رائحة ~~جائية، أو ظلل من الغمام بصواعقها هامية، أو ليالي الفراق بنوائبها السود ms070 ~~سارية، وخلفها من الهنود فوارس الحرب، وأبطال الطعن والضرب، سود الأسود، ~~وطلس الذئاب ونمر الفهود بالذابل الخطى، والصارم الهندي والنبل الخلنجي، مع ~~قلب ذكي وجنان جري، وعزم قوي، وضرب رضي # ذكر ما فعله ذلك المحتال # من الخديعة في إجفال الأفيال PageV01P036 وحين اطلع تيمور على هذه الحال ~~وتحقق أن شقة عساكر الهند نسجت على هذا المنوال أعمل المكيدة، في قلع هذه ~~المصيدة، ومرق لهم بمرقة قدر طبخها أخثر من العصيدة، فبدأ أولا في ~~الاحتيال، بدفع مكيدة الأفيال، فاستعمل الفكر الحديد، في اصطناع شوكات من ~~حديد، مثلثة الأطراف، مستبعدة الأوصاف، كأنها في شكلها الخبيث، طرق ~~القائلين بالتثليث، أو وضع أصحاب الأوفاق، أعدادهم المنسوبة إلى الوفاق، ~~فصنعوا له من ذلك الألوف ثم عمد إلى مجال الفيول في الصفوف فنشر ذلك لها ~~ليلا، وجلب لأهلها حربا وويلا، ورفم لذلك حدا، ورسم أن فعل ذلك الحد لا ~~يعدى، ثم ركب أطلابه وأبطاله، ورتب أسوده وأشباله، وهذب خيله وشذب رجاله، ~~وأرصد شمالا ويمينا، من عسكره للعدو كمينا، وحين بث سلطان السيارة في جوانب ~~الآفاق خيله، وضم جيش الظلام رجاله أنجمه وشمر للهزيمة ذيله، مشى عسكره إلى ~~ذلك الحد رويدا حتى وصل إليه، ولما تراءى الجمعان نكص على عقبيه، ثم نكب ~~بالخيول، عن طريق الفيول، فتصوروا أن خيوله جفلت، وشمس نصرته انكشفت، ~~وكواكب جيشه أفلت، فأقلعوا قلاع الفيول، فانهمرت انهمار السيول، وساقوها ~~خلف عساكره سوقا، على ذلك الشوك الملقى، وأتبع الفيالة، من الهنود الرجالة ~~والخيالة فلما وصلت سيول الفيول من مطارح الشوك إلى المقاسم، وأخذ ذلك ~~الشوك في تقبيل أيديها وأرجلها وتثبت بتلك المناسم وأحست قوائمها بشوكها، ~~رجعت القهقرى بل وولت الأدبار لعدم عقلها ووجود نوكها فنهنهوها ونهوها عن ~~التولي فلم يفدها النهى والنهنهة، وصارت في التقدم إلى جهة العدو كفيل ~~أبرهة ثم لم يسعها لما أحرها الشوك في تلك الحرار، إلا التولي من الزحف ~~والفرار، فحطمت الفيول، الرجال والخيول، وصارت القتلى كالجبال والدماء في ~~أوديتها سيول وخرج عليهم الكمين من ذات الشمال وذات اليمين، فأبادوا ~~سائرهم، ms071 وألحقوا بأولهم آخرهم وقيل أن بلاد الهند ليس فيها أباعر، وأن ~~منظرها يجفل الفيل فيصير أبعد نافر، فأمر تيمور أن يهيأ خمسمائة بعير جفول، ~~وتعبأ رواحلها والحمول، قصبا محشوا بفتائل وقطن بالدهن مبلول، وأن تساق ~~أمام الركبان، إلى أن يتراءى الجمعان، فلما تصافوا ولم يبق إلا القتال، أمر ~~أن تطلق النار في تلك الحشايا والأحمال، وتسلق إلى جهة الأفيال، فلما أحست ~~البعران، بحرارة النيران، رغت ورقصت، ونحو الفيول شخصت وصارت كما قيل # كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع بين رجليه بشن # فلما رأت الفيلة النيران، وسمعت رغاء البعران، ونظرت إلى الإبل كيف خلقت، ~~وشاهدتها وقد غنت ورقصت، وبأجفالها صفقت، أولت على عقبها ناكصة، لسائقها ~~واهصة، ولركابها واقصة فحطمت الخيالة، وهشمت الرجالة، وتلا الكافرون آية ~~النصر على أصحاب الفيل، وأرسلوا عليهم من السهام طيرا أبابيل، فلم ينتفعوا ~~بالأفيال، بل أفنت الأفيال غالب الخيل والرجال، ثم تراجعت عساكر الهنود، ~~وأبطال الخيالة من الجنود وكتبوا الكتائب وبندوا البنود، ثم تراموا وتصافوا ~~وتضاموا وتحافوا، وهم ما بين مجوسي ومسلم، ومبارز منتسب ومناد بالشعار ~~معلم، وكل في سواد اللون والحديد كقطع الليل المظلم، ثم تدانوا مع التتار ~~وتزاحفوا، وبعد المراشقة بالسهام بالرماح تنافقوا، ثم بالسيوف تضاربوا، قم ~~تلاتبوا وتواثبوا، ثم تراموا عن ظهور الخيل، واعتكر في ذلك القتام النهار ~~بالليل، ولا زالت تختلف بينهم الضربات وتصول فيهم الحملات، وتحمل منهم ~~الصولات، حتى تلا لسان القضاء والقدر " إن في اختلاف الليل والنهار لآيات " ~~ثم تناهى الاقتحام، وانفرج الازدحام، وأسفرت القضية عن أن برد حامى الهند ~~فانهزم جيش حام، وحل بالهنود الويل، ومحا الله آية الليل ولما تفرقت الهنود ~~وفلوا، وانتهى عقد عملهم في المحاربة فحلوا، وقتلت سرواتهم وهرب سلطانهم ~~ملوا، وثبت تيمور وحكمه في هنده، إلى الآن كما ثبت أوتاده في سمرقنده، فجمع ~~أقيالها، وربط أفيالها، وضبط أحوالها، وما غفل عن ضبط ما عليها وما لها، ~~وسلم أفيالها فيالها PageV01P037 ثم توجه نحو تختها وهي مدينة دهلي، مصر ~~عظيم جمع فنون الفضل وأرباب الفخر الجلي، معقل التجار، ms072 ومعدن الجواهر ~~والبهار، فتمنعت عليه بالحصار، فأحاط بذلك السواد الأعظم، من عساكره السواد ~~الأعظم، ومن معه من الخلائق والأمم، فقيل إن هذه العساكر والخلائق مع عظمها ~~وكثرتها، لم يقدروا أن يكتنفوها لسعة دائرتها، وأنه أخذها من أحد جوانبها ~~بالمحاصرة، وتم الجانب الآخر ثلاث أيام في المحاربة والمكاشرة لم يدر من في ~~الجانب المحاصر، لبعد المدى وكثرة الأمم ما فعل بالجانب الآخر # ذكر وصول ذلك الخبر إلى ذلك العقوق # بوفاة الملكين أبي العباس أحمد والملك الظاهر برقوق # وبينا هو استولى على كرسي الهند وأمصاره، واحتوى على ممالكه وأقطاره، ~~وبلغت مراسيمه ذرا أنجاده، وأعماق أغواره، وانبث جيشه في ولاياتها سهلا ~~ووعرا، وظهر فساده في رعاياها برا وبحرا إذ وفد عليه المبشر من جانب الشام، ~~أن القاضي برهان الدين أحمد السيواسي والملك الظاهر أبا سعيد برقوق انتقلا ~~إلى دار السلام، فسر بذلك وانشرح، وكاد أن يطير إلى جهة الشام من الفرح ~~فنجز بسرعة أمور الهند، ونقل إلى مملكته من فيها من العساكر والجند، بما ~~أخذه من الأثقال، ونفائس الأموال، ووزع ذلك الجمهور، وسائر الجند المأسور، ~~على أطراف ما وراء النهر من الحدود والثغور، وأقام في الهند نائبا من غير ~~وجل ثم صدر عن سمرقند قاصدا إلى الشام على عجل، ومعه من الهند رؤوس أجنادها ~~ووجوه أعيانها، وسلطان أفيالها وأفيال سلطانها، ثم توجه قرير العين بتلك ~~الطوائف الطافية، في أوائل سنة اثنتين وثمانمائة، وانصب بذلك الطوفان، من ~~جيحون إلى خراسان، وكان قد قرر ولده لصلبه أميران شاه بمملكة تبريز وتلك ~~الديار، والسلطان أحمد قد رجع إلى بغداد وهو مستوفز للفرار، وسبب حركته إلى ~~بلاد الشام " وإن كان في إهلاك الحرث والنسل مالكي الالتزام " ما فعله ~~القاضي برهان الدين حاكم سيواس بقصاده الأغتام، لكنه أراد أن يغم مقصده، ~~ويغطي عن الناس مصدره ومورده قلت بديها # وأنى يختفي للشمس ضوء ... عن الأبصار في صحو النهار # وكيف يسر ذفر المسك يحشى ... خياشم الورى في يوم حار # وأنى يختفي للطبل صوت ... عن الأسماع في وقت النفار # فإن قصده ms073 كان بعيد المدد، طويل الأمد، محتاجا إلى إعداد أهبة السلوك، ~~ويخسأ أن يضاهي غزوة تبوك وأظهر سببا أبطن فيه، ما رامه من مكره ودواهيه، ~~وأشاع ذلك وأذاع، فامتلأت منه القلوب والأسماع # معنى كتاب وفد وهو في الهند عليه # زعموا أن ولده أميران شاه أرسله إليه # وذلك أن ابنه أميران شاه المذكور راسله، وأنهى إليه يقول على ما قيل في ~~بعض ما قاوله وحاوله، إنك قد عجزت لكبر سنك، وشمول الضعف ببدنك ووهنك، عن ~~إقامة شعائر الرياسة، والقيام بأعباء الإيالة والسياسة، والأولى بحالك إن ~~كنت من المتقين، أن تقعد في زاوية مسجد وتعبد ربك حتى يأتيك اليقين، وقد تم ~~في أولادك وأحفادك، من يكفيك أمر رعيتك وأجنادك، ويقوم بحفظ مملكتك وبلادك، ~~وأنى لك بلاد وممالك؟ وأنت عن قريب هالك فإن كان لك عين باصرة، وبصيرة في ~~نقد الأشياء ماهرة، فاترك الدنيا واشتغل بعمل الآخرة، ولو ملكت ملك شداد، ~~ورجع إليك اقتدار العمالقة وعاد، وساعدك النصر والعون، حتى تبلغ مقام هامان ~~وفرعون، ورفع إليك خراج الربع المسكون، حتى تفوق في جمع المال قارون، وحدث ~~في خراب البلاد كبختنصر، الذي طول الله تعالى له فقصر وبالجملة فلو بلغ ~~سلطانك الأقطار، وقضيت من دنياك غاية الأوطار، وصار عمرك فيها أطول ~~الأعمار، وخدامك فيها ملوكها الأغمار، فقصر جندك قيصر وكسر كسرى فانكسر، ~~وتبعك تبع والنجاشي، وأوساط الملوك والأقيال غدوا لك خداما وحواشي، وغفر لك ~~فغفور بالثناء فاه، وأخنيت على الخان وخاقان فوجه كل رقعة دستك شاه، وأذعن ~~لك فرعون مصر وسلطانها وجبى لك على يد جببو الدين إيران الدنيا وتورانها، ~~وآل أمرك إلى أن دان لك سكان الأقاليم وقطانها، أليس قصارى تطاول قصورك إلى ~~القصور، ونهاية كمالك النقص وحياتك الموت وسكناك القبور؟ قلت # فعش ما شئت في الدنيا وأدرك ... بها ما رمت من صيت وصوت # فخيط العيش موصول بقطع ... وحبل العمر معقود بموت # وقيل PageV01P038 قميص من القطن من حلة ... وشربة ماء قراح وقوت # ينال به المرء ما يرتجى ... وهذا كثير على من يموت # فأين أنت ms074 من نوح وطول عمره، ونياحته على قومه وحسن عبوديته وشكره، ولقمان ~~ووعظه وولده، وتربيته لطول الحياة لبده، وداود في ملكه الفسيح، مع قيامه ~~بأوامر الله تعالى وكثرة الذكر والتسبيح، وسليمان بعده وحكمه على الإنس ~~والجن والطير والوحش والريح، وذي القرنين الذي ملك المشرقين، وبلغ ~~المغربين، وبنى السد بين الصدفين، ودوخ البلاد وملك العباد وأين محلك من ~~سيد الأنبياء وخاتم الرسل، وصفوة الأصفياء، المرسل رحمة للعالمين، الكائن ~~نبيا وآدم بين الماء والطين، محمد المصطفى، وأحمد المجتبى الذي زويت له ~~مشارق الأرض ومغاربها، وتمثل بين يديه شاهدها وغائبها، وفتحت له خزائنها، ~~وعرض عليه ظاهرها وكامنها، وكانت جنوده الملائكة الكرام، وآمن به الإنس ~~والجن والطير والوحش والهوام، وأيده الله الكريم المتعال بأن أرسل لطاعته ~~ملك الجبال وكان حامل رايات نصره نسيم الصبا باليمين والشمال، فملك ~~الجبابرة بالهيبة والقهر، وكانت الأكاسرة والقياصرة تهابه من مسيرة شهر، ~~وأيده بنصره وبالمؤمنين من المهاجرين والأنصار، وتولى نصره " إذ أخرجه ~~الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار " وبلغ ركابه الشريف أن الله ~~سبحانه به أسرى، في بعض ليلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وكان ~~مركوبه الشريف البراق، ثم عرج به إلى السبع الطباق، وقرن اسمه الكريم مع ~~اسمه، وتعبد عباده بما شرعه إلى يوم القيامة من غير تغيير لحده ورسمه، وخلق ~~لأجله الكائنات، وأنار بوجهه الموجودات، ولم يخلق في الكون أشرف منه ولا ~~أفخر، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأظهر من معجزاته أن أشبع الجم ~~الغفير، من القرص الشعير، وسقى الكثير من الرعال، مما نبع من بين أصابعه من ~~الماء الزلال، وانشق له القمر، وسعت إليه الشجر، وآمن به الضب، وسلم عليه ~~الحجر وهل تحصى معجزاته، أو تحصر كراماته؟ وناهيك بمعجزة المؤيدة، وكرامته ~~المؤبدة، المخلدة على مر الزمان، الباقية من دار الحدثان، الساكنة مع تحرك ~~الملوان، وهو القرآن المجيد الذي " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه تنزيل من حكيم حميد " وهذه منازله في الدنيا، غير ما ادخر له في ~~العقبى، ms075 وبشره بقوله " وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى " ~~هذا وإن الله تعالى أخذ ميثاق النبيين بالإيمان به وبنصره، فلو أدركوه ما ~~يسعهم إلا اتباعه وامتثال أمره، فهو دعوة إبراهيم الخليل، ومتوسل موسى ~~والعلماء من بني إسرائيل، والمبشر بقدومه على لسان عيسى في الإنجيل، وحامل ~~لواء حمد ربه يوم لقائه، آدم ومن دونه تحت لوائه وهو صاحب الحوض المورود، ~~والمخاطب من ربه في موقف الشفاعة والمقام المحمود، بمعنى ما قلت مفوفا ~~مقتبسا # قل يسمع شفع تشفع سل تنله تجد ... تفويف خلعة عز واقتبس نعمى # فانظر إلى هؤلاء السادة، معادن الخير ومفاتيح السعادة، هل رغبوا في ~~الدنيا أو اعتمدوا عليها، أو نظروا إلا بعين الاحتقار والاعتبار إليها؟ أو ~~هل كان نظرهم غير التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله؟ وناهيك ~~بالخلفاء الراشدين وأعظم بالعمرين الذين كانا بهذه الأمة بمنزلة القمرين، ~~وهلم جرا بالخلفاء العادلين، والملوك الكاملين، والسلاطين الفاضلين والذين ~~تولوا بالعدل فرعوا حقوق الله تعالى في عباده، وحموا عباد الله عن الظلم في ~~بلاده، وأسسوا قواعد الخير، وساروا في نهج العدل والإنصاف أحسن سير، فمضوا ~~على ذلك وبقيت آثارهم، وأحيت بعد موتهم أيامهم وأخبارهم، فمضى على ذلك مثل ~~الأولين، وبقي لهم لسان صدق في الاخرين، إذ صنعوا بوجب ما سمعوا # فكن حديثا حسنا ذكره ... فإنما الناس أحاديث # وأنت وإن كنت تسلطت على الخلق، فقد عدلت أيضا ولكن عن الحق، ورعيت ولكن ~~أموالهم وزروعهم، وحميت ولكن بالنار قلوبهم وضلوعهم، وأسست ولكن قواعد ~~الفتن، وسرت ولكن على سنن إماتة السنن، ومع هذا فلو عرجت إلى السبع الشداد، ~~ما بلغت منزلة فرعون وشداد، ولو رفعت قصورك على شوامخ الأطواد، ما ضاهيت " ~~إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد " PageV01P039 فانظر إلى من ~~نهى وأمر، ثم مضى وغبر، ولا تكن ممن طغى وفجر، وتولى وكفر، واقنع بهذا ~~الخطاب، عن الجواب، واعط القوس باريها، واترك الدار لبانيها، وتولى الله ~~ورسوله والذين آمنوا وإلا فأنت ممن تولى في الأرض ليفسد فيها، فإني إذ ذاك ms076 ~~أمشي عليك، وأضرب على يديك وأمنعك من السعي في الفساد بأن أسوي بين رجليك، ~~مع قلة آداب كثيرة، وعبارات ذنوبها كبيرة فلما وقف تيمور على هذا الكتاب، ~~وجه إلى تبريز عنان الركاب، وكان عند أميران شاه من المعتدين، جماعة سعوا ~~في الأرض مفسدين، منهم قطب المواصيلي أعجوبة الزمان الدوار، وأستاذ علم ~~الموسيقا والأدوار، إذا استنطق اليراعة أسكت أهل البراعة، وإذا وضع الناي ~~بفيه، سحق عود إسحاق وأبيه، وإن أخذ في الأغاني أغنى عن الغواني، تقول ~~النفس لنفسه الرخيم خفف عني أيني، فتشير براعته بالإصبع وتقول على عيني، ثم ~~ينفخ فيها الروح، فيشفي كل قلب مجروح، ويداوي كل فؤاد مقروح، فإن أقامت ~~قامتها الرشيقة راقصة في سماعها، يحنى الجنك ظهره خاضعا لطيب استماعها، وإن ~~فتحت فاها لتقرئ أسماع القلوب ألحانه، يميل العود عنقه مصغيا إليها عاركا ~~بأنامل الأدب آذانه قيل إنه كان يؤدي جميع الأنغام الفروع والمركبات والشعب ~~والأصول، من كل ثقب من أثقب الموصول، وله مصنفات في أدوار المقامات، وجرى ~~بينه وبين الأستاذ عبد القادر المراغي مباحثات، وكان أميران شاه به مغرما، ~~يعد صحبته والعشرة معه مغنما وكان تيمور لا يعجبه العجب، ولا يستهويه اللهو ~~والطرب، فقال إن القطب أفسد عقل أميران شاه، كما أفسد عبد القادر أحمد ابن ~~الشيخ أويس وأطغاه، فوصل ذلك الطاغ، سابع عشر شهر ربيع الأول سنة اثنتين ~~وثمانمائة إلى قراباغ، فأناخ بها ركابه، وأراح بها دوابه، وضبط ممالك ~~أذربيجان، وقتل أولئك المفسدين وأهل العدوان، ولم يتعرض لأميران شاه، لأنه ~~ولده وهو أنشأه، وبينهما أمور متشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله ثم توجه ~~بذلك الخميس، ثاني جمادى الآخرة يوم الخميس، وأخذ مدينة تفليس وقصد بلاد ~~الكرج، وهدم ما استولى عليه من قلعة وبرج، وقلعهم إلى الصياصي، والقلاع ~~العواصي، وقتل من ظفر به من طائع وعاصي، وجرهم ما بين رؤوس ونواصي، ثم ثنى ~~عنان العناد، وحرش البغاة على بغداد، فهرب السلطان أحمد من ذلك اللجب، إلى ~~قرا يوسف في ثامن عشري شهر رجب فسكن تيمور زعازعه، وطمن ms077 ذلك مراقبه ~~ومنازعه، وتمهل في السير، واستعمل في نحوه مع مناظره مباحث سوى وغير، وصار ~~يتحازر ويتحاول وينشد وهو يتغافل # أموه عن سعدى بعلوى وأنتم ... مرادي فلا سعدى أريد ولا علوى # فتراجع السلطان أحمد وقرا يوسف يوما إلى مدينة السلام، متصورين أنه لم ~~يبرح من بلاد الكرج اللئام فلما تحققا من الخروج، وكانا حققا أنه إذا عرج ~~على شيء فما يعوج، أطار أطايرهما نحو الروم، وتركا ديارهما ينعق فيها ~~الغراب والبوم، فتوجه ذلك القشعمان إلى مصيف التركمان، فأغمد السيف، وكف عن ~~الحيف، وقضى به الصيف # ذكر ما وقع من الفتن والبدع # وما سل للشرور من حسام بعد موت سلطان سيواس والشام # وكان إذ ذاك قد تخبط أمر الناس، وقع الاضطراب ببلاد مصر والشام إلى سيواس ~~أما مصر والشام فلموت سلطانها، وأما سيواس فلقتل برهانها، وكان موتهما ~~متقارب الزمان، كموت قرا يوسف والملك المؤيد أبي النصر شيخ وأبي الفتح غياث ~~الدين محمد بن عثمان، فإن مدى ما بين موت هؤلاء الملوك العظام، كانوا نحوا ~~من نصف عام، وكذا كان ما بين موت ذينك السلطانين # ذكر نبذة من أمور القاضي # وكيفية استيلائه على سيواس وتلك الأراضي # وسبب قتل القاضي برهان الدين، مخالفة وقعت بينه وبين عثمان قرايلوك رأس ~~المعتدين، سيزداد بيانها، إذا أتى مكانها، وهذا السلطان أبوه قاضيا كان، ~~عند السلطان أرتنا حاكم قيصرية وبعض ممالك قرمان، وكان بين الأمراء ~~والوزراء ذا مكانة ومكان، وكان ابنه برهان الدين أحمد المذكور في عنفوان ~~شبابه، من طلبة العلم الشريف وأصحابه، والمجتهدين في تحصيله واكتسابه ~~PageV01P040 فتوجه إلى مصر لاقتناء العلوم، وضبطها من طريقي المنطوق ~~والمفهوم، وكان ذا فطنة وقادة، وقريحة نقادة، ومقلة غير رقادة، فحصل من ~~العلوم عدة في أدنى مدة، فبينما هو في مصر يسير، وإذا هو بفقير جالس على ~~الطريق كسير، فناوله شيئا يسد به خلته، ويجبر به فقره وكسرته، فكاشفه ذلك ~~الفقير بلفظ معلوم، وكشف له عن السر المكتوم، وقال له لا تقعد في هذه ~~الديار فإنك سلطان الروم، فصدع بهذا الكلام ms078 قلبه، فأخذ في إعداد الأهبة، ~~وقطع الأعلاق، ودخل الطريق صحبة الرفاق ولما وصل إلى سيواس، ابتهج به والده ~~وأعيان الناس، وشيد له بين الخلق أسد بنيان وأشد أساس، وشرع في إلقاء ~~الدروس، ومصاحبة الأعيان والرؤوس، وكان ذا همة أبية، وراحة سخية، ونفس ~~زكية، وخصائل رضية، وشمائل مرضية، وتحرير شاف، وتقرير واف، يحقق كلام ~~العلماء، ويدقق النظر في مقالات الفضلاء وله مصنفات في المعقول، ولطائف في ~~المنقول، ينظم الشعر الرقيق ويعطى عليه العطاء الجليل، ويعجبه اللفظ الدقيق ~~ويثيب عليه الثواب الجزيل، وهو في ذلك يتزيا بزي الأجناد، ويسلك طريقة ~~الأمراء من الركوب والاصطياد، ويلازم أبواب السلطان، ويتخذ الخدم والأعوان ~~فمات السلطان عن ولد صغير، فأجلسوه على السرير، وكان عنده من أعيان ~~الأمراء، ورؤوس الوزراء،ناس منهم غضنفر بن مظفر، وفريدون، وابن المؤيد، ~~وحاجي كلدي، وحاجي إبراهيم، وغيرهم ومن أكبرهم أبو القاضي برهان الدين فصار ~~هؤلاء الأمراء، والرؤوس من الوزراء والكبراء، يدبرون مصالح الرعية ولا ~~يفصلون إلا بالاتفاق ما يقع من قضية، فمات أبو القاضي برهان الدين وتولى ~~ولده مكانه، وفاق بالعلم وحسن السياسة أباه وأقرانه، ففرق ولايات ذلك ~~الإقليم، على ابن المؤيد وحاجي كلدي وحاجي إبراهيم، فبقي حوالي السلطان ~~محمد فريدون وغضنفر وبرهان الدين أحمد ثم توفى السلطان محمد، من غير ولد، ~~فبقيت الولاية بين الثلاثة، على سبيل الاشتراك وراثة، وقلما اتفق ضرتان على ~~زوج واحد وأتلفتا " ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " ومائة فقير، ~~يلتفون في حصير، وملكان لا يسعهما إقليم كبير فأراد برهان الدين الاستبداد ~~بالملك والاستقلال، فنصب لشريكيه أشراك الاحتيال، إذ الملك عقيم، فرصد لذلك ~~الطالع المستقيم، ونظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم، فرأى شريكاه أن ~~العيادة عباده، فطلبا بعيادته الحسنى ورام هو الزيادة، فعاداه وقد عاداهما، ~~وما راعياه ولكن راعهما وما راعاهما، فدخلا عليه وقد أرصد لهما رصدا، وأعد ~~لهم من الرجال المعدة عددا، وقتلهما وقد حصلا في قبضة الأشراك، وخلص توحيد ~~السلطنة الأحمدية عن الإشراك، فقوى بالتوحيد سلطانه، وأضاء به للدين حجته ~~وبرهانه، ولكن ناوأه ms079 أنداده، وعصى عليه من النواب أكفاؤه وأضداده، وأظهر ~~كامن العداوة أعداؤه وحساده، وقالوا هذه مرتبة لم ينلها آباؤه ولا أجداده، ~~ونحن كلنا سواسية إذا انتمينا، فأنى يكون له الملك علينا؟ وحسد الرياسة هو ~~الغل القمل، وتحاسد الأكفاء جرح لا يندمل، فمنهم شيخ نجيب صاحب توقات ~~القاسية، ومنهم حاجي كلدي وكان نائب أماسية فلما استقل بالملك تلقب ~~بالسلطان، وكان قد استولى إذ ذاك السلطان علاء الدين على ممالك قرمان، فقال ~~السلطان برهان الدين إن رواة التواريخ حدثتنا وأسمعتنا، وكتب السير أنبأتنا ~~وأخبرتنا، أن ما حوالينا من الممالك متعلق بنا، من سلطاننا وإرثنا ثم شرع ~~في استخلاص ما كان متعلقا بسلطانه، وجعل يشن الغارات على من يتمادى في ~~عصيانه، فقلع قلعة توقات من الشيخ نجيب قسرا، واستصحبه معه طيبة وقهرا، ~~وانحازت تتار الروم إليه وهم الجم الغفير، وعثمان الملقب بقرايلوك قال له ~~أنا تحت أوامرك أمشي وفي قيد طاعتك أسير، فكان قرايلوك من جملة خدمه، وفي ~~حساب تراكمته وحشمه، فكان يرحل هو ومن معه من الناس، شتاء وصيفا بضواحي ~~سيواس # ذكر محو قرايلوك عثمان آثار أنوار # برهان الدين السلطان بسبب ما أضمره من العدوان وأظهره حالة العصيان وقبض ~~عليه لما غدر به الدهر وخان PageV01P041 ثم إنه وقع بين قرايلوك وبين ~~السلطان منافرة، أدت إلى المشاجرة، وانتهت إلى المرامحة والمناقرة، فنقض ~~العهود والذمم، وامتنع من حمل التقادم والخدم، وتمنع في الأماكن العاصية ~~بمن معه من التراكمة والحشم، فلم يكترث به السلطان، لأنه كان أقل الأعوان، ~~وجعل يتوجه إلى أماسية وأخرى إلى أرزنجان، وكان بالقرب من سيواس مصيف منظره ~~طريف، وترابه نظيف، وماؤه خفيف، وهواؤه لطيف، كأن الخلد خلع على أكتاف ~~رياضه سندسه الأخضر والفردوس فجر في خلال أشجاره من نهره الكوثر على حدائقه ~~من روضات الجنات شبه، وفي ربوة جبهته للأبصار دهشات وللبصائر نزه قلت # عليه شقيق قد زها فكأنه ... صحون عقيق أترعت بالعنابر # فقصده قرايلوك، ورام في طريقته السلوك فمر على سيواس وبها القاضي أبو ~~العباس فجاز بركابه، ولم يعبأ به، فالتهب ms080 تموز قيظه، وكاد يتميز من غيظه، ~~وقال بلغ من هذا العوا أن يلج برج الأسد، أو يقدم إقدامه وأنا حل بهذا ~~البلد، ثم أمر جماعته بالركوب، وقصد عليه الوثوب، واستفزه الغضب والطيش، أن ~~ركب وسبق الجيش، فقال له بعض من معه من الجماعة لو يلبث مولانا السلطان ~~ساعة، حتى يتلاحق العسكر، كان أحزم وأوفق وأجدر، وإن كانت حرمة مولانا ~~السلطان فيها كفاية ولها أيد، لكن قرايلوك تركماني ذو دهاء وكيد، فلم يلتفت ~~السلطان إلى هذا الكلام، ولم يزل هاجما وراءه حتى هجم الظلام، فكر عليه ~~قرايلوك بجماعته، فقبض عليه باليد من ساعته، ولم يدر بحاله العسكر، وتفرق ~~أمره وجنده شغر بغر # ذكر ما كان نواه قرايلوك من الرأي # المصيب ورجعه عنه لسوء طويته شيخ نجيب # ثم إن قرايلوك عزم أن يجدد معه العهد والميثاق، ويقلع غراس الخلاف ويؤسس ~~بنيان الصداقة والوفاق، ويرده إلى مكانه، ويصير كما كان أولا من أنصاره ~~وأعوانه، ويعلم بذلك السلطان أنه له ناصح، فلا يسمع في كلام واش وكاشح، ~~وإذا بشيخ نجيب الذي كان متولي قلعة توقات، وحاصره السلطان وضيق عليه مسالك ~~الطرقات، ثم قهره وغلبه، وأخذ قلعته، وبالكراهية استصحبه، وجد فرصة ~~فانتهزها، وكان في قلبه كمائن سخيمة فأبرزها، فجاء إلى قرايلوك، ووقف في ~~خدمته كالمملوك، وقال أعيذ عالم عقلك أن يزل، ودليل فهمك أن يضل، ومصيب ~~رأيك أن يصاب، وجميل فكرك أن يعاب، قد أمكن الله من العدو، وأنى لك مع هذا ~~سكون وهدو؟ قلت # ما الدهر إلا ساعة وتنقضي ... والمرء فيها حازم أو نادم # فلئن أبقيت عليه لا يبقى عليك، ولئن نظرت إليه بعين الرحمة والله لا ينظر ~~إليك، فإنه رجل غبي، وبأنواع المكر وأصناف الخديعة عبي، عسر القياد وأبيك ~~لا ينجع في الخير وأبي، وهبك والعياذ بالله منه مكانه منك، أكان يرق لك أو ~~يصفح عنك؟ هيهات هذا والله محال، فقد وقع لك والله مجال، فما كل أوان، يسمح ~~بالمراد الزمان، والدهر فرص، وأكثره غصص، فإياك أن تفوت الفرصة، فتقع في ~~غصة وأي ms081 غصة، ولا ينفعك الندم إذا زلت بك القدم، وتفكر فيما أقول، واستنبط ~~دليل هذه المسألة من المعقول، واستبق شرفك الرفيع بإراقة دمه، وصن أستار ~~حرمك بابتذال حرمه، وتذكر يا أمير، أمور قابوس بن وشمكير، ولا زال ذلك ~~الشيطان، يحسن له الرأي في قتل السلطان ويقول هذا الرأي أنفع لك وعليك أعود ~~كما فعل بسطام أمير الكرد بقرا يوسف لما قبض على السلطان أحمد، فرجع ~~قرايلوك عن رأيه لما خدعه ودهاه، فقتل السلطان من غير إهمال ولا توقف رحمه ~~الله وكان قتل قرا يوسف السلطان أحمد ابن الشيخ أويس في عاشر شهر رجب سنة ~~ثلاث عشرة وثمانمائة والقصة مشهورة وكان السلطان رحمه الله كما ذكر أولا، ~~عالما فاضلا كريما متفضلا، محققا في التقرير، مدققا في التحرير، قريبا من ~~الناس، مع كونه شديد البأس، رقيق الحاشية أديبا، شاعرا ظريفا لبيبا أريبا، ~~جوادا مقداما، قرما هماما، نهاب الدنيا وهابها، يهب الألوف ولن يهابها يحب ~~العلماء ويجالسهم، ويدني الفقراء ويكايسهم، قد جعل يوم الاثنين والخميس ~~والجمعة للعلماء وحفاظ القرآن خاصة، لا يدخل عليه معهم غيرهم من تلك الأمم ~~الغاصة وكان قد أقلع قبل وفاته عن جميع ما كان عليه، وتاب إلى الله تعالى ~~ورجع إليه، وله مصنفات منها الترجيح على التلويح PageV01P042 وكان عنده ~~نديم للفضل حريز، بغدادي الأصل يدعى عبد العزيز، وكان أعجوبة الزمان، وفي ~~لطائف الشعر والنظم فارسيا وعربيا أطروفة الدوران، سرقه من بغداد من ~~السلطان أحمد بن الشيخ أويس، فكان عنده رأس ندمائه وعين أهل الفضل والكيس، ~~والقاضي كان يربي الفضلاء، متطلبا من كل جهة الأدباء والشعراء، وكان أهل ~~الفضل والأدب، يفدون عليه من كل فج وحتى صار مقامه كعبة الحاج لا كعبة الحج ~~وصورة سرقته له أنه لما سمع بأوصافه أحبه، فأراد قربه، فالتمسه من مخدومه، ~~فلم تسمح نفس السلطان أحمد بمفارقة نديمه، ثم اختشى من القاضي رغبة وخاف ~~لشدة دهيه هربه، فوصى به وحرج عليه، وأقام له معقبات يحفظونه من خلفه ومن ~~بين يديه، فأرسل القاضي إليه رسولا ذكيا، فناداه ms082 نداء خفيا، وأجزل له ~~العطية، ووعده مواعيد سنية وفرق ما بين السلطانين من الحسن والقبح، كفرق ما ~~بين البحرين العذب والملح، والمبليين المساء والصبح، فلبى دعوته بالقبول، ~~وواعد للخروج، بعض القفول، ثم خرج ولهيب الحر قد وقد، والسلطان أحمد عن ~~الحريم قد رقد، ووضع ثيابه على ساحل دجلة، ووجه إلى داخل النهر في الطين ~~رجله، ثم غاص في الماء ومخر، وخرج من مكان آخر، ولحق برفقائه، واختفى بينهم ~~اختفاء اليربوع في نافقائه، فطلبه السلطان أحمد، ففتشوا عليه فلم يوجد، ~~فبالغوا في طلابه، إلى أن وقفوا على ثيابه، ورأوا آثار رجليه في الطين، فلم ~~يشكوا أن الموج اختطفه، فكان من المغرقين، فكفوا قدم السعي عن طلبه ولم ~~يضيقوا على أحد بسببه ثم بعد أيام يسيرة، أخرج غريق بغداد رأسه بسيواس عند ~~القاضي برهان الدين من تحت الحصيرة، فغرقه في أبحر نواله، وأسبغ عليه ذيل ~~كرمه وأفضاله، فصار عنده مقدما، ولديه مبجلا معظما، ألف له تاريخا بديعا، ~~سلك فيه مهيعا رفيعا، وانتهج منهجا منيعا، ذكر فيه من بدء أمره إلى قرب ~~وفاته، مع مواقفه ووقائعه ومصافاته، وشحه بظريف كناياته، ولطيف استعاراته، ~~وفصيح لغاته، وبليغ كلماته، ورشيق إشاراته، ودقيق عباراته، مد فيه عنان ~~اللسان، وهو موجود في ممالك قرمان، في أربع مجلدات ذكر ذلك لي من غاص بحره، ~~واستخرج دره ووقف على تاريخ العتبى في اليمين، السلطان محمود بن سبكتكين، ~~وأن هذا أحسن من ذلك أسلوبا، وأغزر يعبوبا، وأعذب شؤبويا مع أني لم أقف ~~عليهما، ولا وصلت لقصر الباع إليهما ثم إن الشيخ عبد العزيز هذا بعد لهيب ~~هذه النائرة، انتقل إلى القاهرة، ولم يبرح على الإبراح، ومعاقرة راح ~~الأتراح، حتى خامرته نشأة الوجد فصاح، وتردى من سطح عال فطاح، ومات منكسرا ~~ميتة صاحب الصحاح، والله أعلم # ذكر ما وقع من الفساد في الدنيا والدين # بعد قتل قرايلوك السلطان برهان الدين # ولما قتل السلطان برهان الدين لم يكن في أولاده من يصلح للرئاسة، وينفذ ~~أحكام السلطنة والسياسة، فرجع قرايلوك إلى سيواس، ودعا إلى ms083 نفسه الناس، فلم ~~يجيبوه، ولعنوه وسبوه، فأخذ يحاصرهم ويناكدهم، ويضيق عليهم ويعاندهم، ~~فاستمدوا عليه التتار فأمدوهم، وأتت طائفة منهم فنجدوهم، فكسرهم قرايلوك ~~ففروا، واستنجدوا طوائفهم وكروا، وأقبلوا بالقض والقضيض، وملأوا اليفاع ~~والحضيض فلم يكن لقرايلوك في جبة قتالهم طوق، فدخل عليهم من تحت وجاءهم من ~~فوق وتوجه إلى تيمور، وكان بحر جيشه في أذربيجان يمور، فقبل يديه، وانتمى ~~إليه، وجعل يناديه إلى هذه البلاد ويدعو، كما فعل معه الأمير إيدكو، فحك له ~~في الدبرة فأجابه إجابة برصيصا أبا مرة # ذكر مشاورة الناس من أهل سيواس # أنى يسلكون ومن يملكون # ثم إن أهل سيواس، والأعيان من رؤسائها والأكياس، تشاوروا فيمن يملكون ~~قيادهم، وإلى من يسلمون بلادهم، لسلطان مصر أم لابن قرمان، أم السلطان ~~الغازي بايزيد بن عثمان، ثم اتفق رأيهم السديد، على المرحوم يلدريم بايزيد، ~~فأرسلوا إليه قاصدا، واستهضوه إليه وافدا، وأنشدوه، وقد استنجدوه # وكم أبصرت من حسن ولكن ... عليك من الورى وقع اختياري PageV01P043 فتوجه ~~من ساعته إليهم، وقدم بالعساكر والجنود عليهم، ومهد القواعد والأركان، وولى ~~عليهم أكبر أولاده أمير سلمان، وأضاف إليه خمسة أنفار، من أمرائه الكبار ~~يعقوب بن أورانيس، وحمزة بن بجار، وقوج علي، ومصطفى، وداودار، واستمال ~~خواطر الأعيان، وتوجه إلى أرزنجان فهرب منها طهرتن المذكور وقصد في انهزامه ~~تيمور فاستولى ابن عثمان على مدينة أرزنجان وأخذ أموال طهرتن وذخائره ~~وحرمه، ومكن منهن سواسه وغلمانه وخدمه، ورجع بالأموال و بالحمول واشتغل ~~بمحاصرة استنبول " فصل " فنبه قرايلوك وطهرتن، من تيمور نائم الفتن، وإن ~~كان المتحرك منه في الفساد ما سكن، حتى توجه إلى هذه البلاد، وعم فساده ~~البلاد والعباد، فوصلوا إلى أرزنجان وأردين، ثم ارتحلوا ونزلوا مفسدين ~~ماردين، فعصى عليه الملك الظاهر، لما قاساه أولا من طاعة ذلك الغادر، فندم ~~على إطلاقه أول مرة، كما سيندم يوم القيامة ولم تنفعه الندامة والحسرة، ~~وكان ذلك في سنة اثنتين وثمانمائة، والخلف قد وقع بين العساكر الشامية ~~والمصرية وانحاز إلى كل فئة، وتفرقت آرائهم أيادي سبا، ومال هواء كل منهم ~~إلى دبور وشمال ms084 وصبا، وأهملوا أمور الرعايا، وغفلوا عن حلول الرزايا قلت # من يهمل الأعدا ويأمن كيدهم ... مثل النئوم وراءه مستيقظ # وقلت # واللص ليس له دليل سائر ... نحو الذي يبغي كنوم الحارس # ثم قتل تنم ملك الأمراء بالشام المحروس، ورؤوس الأمراء وأعيان الأعلام، ~~في شهر رمضان من العام المذكور، وبيان هذه الأمور، في كتب التاريخ مسطور ~~قلت # وإذا العرين تصرعت آساده ... عوت الثعالب فيه آمنة الردى # ذكر قصد ذلك الغدار سيواس # وما يليها من هذه الديار # ثم إن تيمور وجه عنان البأس، نحو مدينة سيواس، وبها كما ذكر أمير سليمان ~~بن بايزيد بن مراد بن أورخان بن عثمان، فأرسل يخبر أباه بهذا الأمر المهول، ~~ويستنجده وهو إذ ذاك محاصرا استنبول، فلم يطق أن يمد إليه يدا لاحتياجه إلى ~~المدد ولبعد المدى فاستحضر من جنده أهل المنعة، وحصن المدينة والقلعة، ~~واستعد للقتال واستمد للحصار، وفرق رؤوس أمرائه على أبدان الأسوار وجهز ~~تيمور من جيشه العيون، ليتحقق ما هو عنده مظنون، ولما كشفت جيوشه لأمير ~~سلمان رينها، فر لما أن رأى عينها، فعزم على التوجه إلى أبيه، واشترط مع ~~أمرائه وذويه، أنهم يحفظون له البلد، ريثما يجهز لهم العدد والعدد، فلم ~~يسعهم إلا الموافقة، والتخلف وعدم المرافقة، فرام لنفسه الخلاص، وأفلت وله ~~حصاص فوصل إليها تيمور بتلك السيول الهامية، سابع عشر ذي الحجة سنة اثنتين ~~وثمانمائة ولما حلت بسيواس رجله الشومى، قال أنا فاتح هذه المدينة في ~~ثمانية عشر يوما، ثم أقام في محاصرتها علامات الحشر وفتحها في اليوم الثامن ~~عشر، بعد ما عتا فيها وعاث، وذلك يوم الخميس خامس المحرم سنة ثلاث، وبعد أن ~~حلف للمقاتلة أن لا يريق دمهم، وأنه يرعى ذممهم، ويحفظ حرمهم وحرمهم، ولما ~~فرغت المقاتلة، واستمكن من المقاتلة، ربطهم في الرباق سربا، وحفر لهم في ~~الأرض سربا، وألقاهم أحياء في تلك الأخاديد، كما ألقي في قليب بدر ~~الصناديد، وعدد من ألقى في تلك الحفر، كان ثلاثة آلاف نفر، ثم أطلق عنان ~~النهاب، وأتبع النهب الأسر والخراب وكانت هذه المدينة من ms085 أطراف الأمصار، في ~~أحسن الأقطار، ذات عمائر مكينة، وأماكن حصينة، ومآثر مشهودة، ومشاهد للخير ~~معهودة، ماؤها رائق، وهواؤها للأمزجة موافق، وسكانها من أحشم الخلائق، ~~يتعانون التوقير والاحتشام، ويتعاطون أسباب التكلف والاحترام، وهي متاخمة ~~ثلاث تخوم الشام وأذربيجان والروم وأما الآن فقد حلت بها الغير، وتفرق ~~أهلها شذر مذر، وانمحت مراسم نقوشها، فهي خاوية على عروشها # ذكر انسجام صواعق ذلك البلاء الطام # من غمام الغرام على فرق ممالك الشام # ولما استنقى سيواس لحما ونقيا، واستوفاها حصدا ورعيا، فوق سهام الانتقام، ~~إلى نحر ممالك الشام، بجنود إن قيل كالجراد المنتشر، فالجراد من أعوانها، ~~أو كالسيل المنهمر فسيل الدماء جار من فرندها وخرصانها، أو كالفراش المبثوث ~~فالفراش يحترق عند تطاير سهامها، أو كالقطر الهامي فالديم تضمحل عند انعقاد ~~قتامها PageV01P044 رجال توران، وأبطال إيران، ونمور تركستان، وببور ~~بلخشان، وصقور الدشت والخطا، ونسور المغول وكواسر الجتا، وأفاعي خجند ~~وثعابين أندكان، وهوام خوارزم وجوارح جرجان، وعقبان صغانيان، وضواري حصار ~~شادمان، وفوارس فارس وأسود خراسان، وضباع الجيل وليوث مازندران، وسباع ~~الجبال وتماسيح رستمدار وطالقان، وأصل قبائل خوز وديدان كرمان، وطلس أرباب ~~طيالسة أصبهان، وذئاب الري وغزنى وهمذان، وأفيال الهند والسند ومولتان، ~~وكباش ولايات اللور، وثيران شواهق الغور، وعقارب شهرزور، وجرارات عسكر مكرم ~~وجنديسابور # قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا # مع ما أضيف إليهم من عشائر الخدم، وفراعل التراكمة والأوباش والحشم، ~~وكلاب النهاب من رعاع العرب وهمج العجم، وحفالة عباد الأوثان وأنجاس مجوس ~~الأمم، مالا يكتنفه ديوان، ولا يحيط به دفتر حسبان وبالجملة فإنه الدجال ~~ومعه يأجوج ومأجوج، والرياح العقيمة الهوج فتوجه والنصر قائده، والسعد ~~رائده، والقضاء موافقه، والقدر مساعده، ومشيئة الله تعالى سابقته، وإرادة ~~الله عز وجل في تدبير العباد والبلاد سابقته فبلغ خبره البلاد الشامية، ~~واتصل ذلك بالديار المصرية، فورد مرسوم شريف إلى نائب الشام، وسائر النواب ~~والحكام، وغزاة الدين وكماة الإسلام، أن يتوجهوا إلى حلب، ويقيموا عليه ~~الجلب، ويجتهدوا في دفعه، ويتعاونوا على منعه فتجهز نائب الشام سيد سودون ~~مع النواب ms086 والعسكر، ورحلوا إلى حلب سنة ثلاث وثمانمائة في شهر صفر، ووصل ~~تيمور إلى بهسنا، فنهب ضواحيها ولم يبق بها سنا، وحاصر قلعتها ثلاثة وعشرين ~~ليلة، فأخذها ولكن كف عنها للطيفة ربانية ثبوره وويله، ثم أوطأ مطيه مدينة ~~ملطية، فأبادها، ودك أطوادها، ثم حل كعبه المشوم، بقلعة الروم وكان نائبها ~~الناصري، محمد بن موسى بن شهري، وسيذكر ما جرى له معه مشبعا، وكيف اجتهد في ~~مجاهدته وسعى، فأقام بها يوما فلم تنتج له روما، فلم يحتفل لها بحصار ~~وهياج، وقال هي أهون على من تبالة على الحجاج، وذلك أنه لما رآها من بعيد، ~~قال فيها ما قاله من لم يصل إلى العنقود، والحق أنه لما رآها، قال إن الله ~~لما بناها، ادخرها لنفسه واصطفاها، ثم انجاب ذلك السحاب، إلى عين تاب، وكان ~~نائبها أركماس، رجلا شديد الباس، فحصنها واستعد وباشر القتال بنفسه واستبد، ~~ثم خرج فهرب إلى حلب، فلم يرسل وراءه الطلب # ذكر ما أرسل من كتاب وشنيع خطاب # إلى النواب بحلب وهو في عين تاب # ثم أرسل إلى النواب، قاصده وهو في عين تاب، وصحبته مرسوم، بأنواع التفخم ~~موسوم، وبأصناف التهويل مرقوم، ومن جملته أن يطيعوا أوامره، ويكفوا عن ~~القتال والمشاجرة، ويخطبوا باسم محمود خان، وباسم الأمير الكبير تيمور ~~كوركان، ويرسلوا إليه أطلاميش الذي كان عنده فخان، أو اقتنصه وأرسله إلى ~~مصر التركمان وأطلاميش هذا زوج بنت أخت تيمور، وكان جاء إلى الشام قبل وقوع ~~هذه الشرور، وفيما بين ذلك أمور، كان لها بطون فصار لها ظهور، وكان أولا في ~~مصر محبوسا، ونال ضرا وبوسا، ثم معززا مكرما معظما مقدما فكان تيمور عليه ~~متطلبا وجعل ذلك حجة للمعاداة وسببا، ثم شرع يقول، وهو يجول في ميدان هذه ~~الرسالة ويصول إنه هو أولى بسياسة الأنام، وأن من نصبه هو الخليفة والإمام، ~~وأنه ينبغي أن يكون هو المتبوع والمطاع، وما سواه من ملوك الأرض له خدم ~~وأتباع، وأنى لغيره دربة الرياسة؟ وكيف تعرف الجراكسة طرق السياسة؟ مع كثير ~~من التهويل، والحشو والتطويل، ms087 وكان يعلم أن إجابتهم سؤاله محال، وأنه طلب ~~منهم ما لا ينال، ولكن قصد بذلك قرع باب الجدال وتركيب الحجة عليهم في فتح ~~حجرات القتال، فلم يجيبوه بالمقال، ولكنهم قضوا مراده بالفعال، ولم يلتفت ~~سيدي سودون لما يقول، وضرب على رؤوس الأشهاد عنق الرسول، واستعدوا ~~للمبارزة، واستمدوا للمناجزة # ذكر ما تمالأ عليه النواب # وهم في حلب وتيمور في عين تاب # ثم إن النواب والأمراء، ورؤوس الأجناد والكبراء، تشاوروا كيف يكافحونه، ~~وفي أي ميدان يناطحونه، فقال بعضهم عندي الرأي الأسد، أن نحصن البلد، ونكون ~~على أسوارها بالرصد، نحرس بروج أفلاكها، حراسة السماء بأملاكها، فإن رأينا ~~حواليها من شياطين العدو أحدا، أرسلنا عليهم من رجوم السهام ونجوم المكاحل ~~شهابا رصدا PageV01P045 وقال آخر هذا عين الحصر، وعلامة العجز والكسر، بل ~~نحلق حواليها، ونمنع العدو أن يصل إليها، ويكون ذلك أفسح للمجال، وأشرح ~~للجدال ثم ذكر كل من أولئك، ما عن له في ذلك، وخلطوا غث القول بسمينه، ~~وساقوا هيجان الرأي مع هجينه فقال الملك المؤيد، شيخ الخاصكي وكان ذا رأي ~~مسدد، وهو إذ ذاك نائب طرابلس يا معشر الأصحاب، وأسود الحراب، وفوارس ~~الضراب، اعلموا أن أمركم خطر، وعدوكم داعر عسر، داهية دهياء، ومعضلة عضلاء، ~~جنده ثقيل، وفكره وبيل، ومصابه عريض طويل، فخذوا حذركم، وأعملوا في دفعه ~~بحسن الحيلة فكركم، فإن صائب الأفكار، يفعل ما لا يفعله الصارم البتار، ~~ومشاورة الأذكياء، مقدحة الفكر، ومباحثة العلماء، مقدمة النظر إن هذا لبحر ~~ما يحمله بر، وجيشه عددا كالقطر والذر، وهو وإن كان كالوابل الصبيب، لكنه ~~أعمى لأنه في بلادنا غريب، فعندي الرأي الصائب، أن نحصن المدينة من كل ~~جانب، ونكون خارجها مجتمعين في جانب واحد، وكلنا له مراقب مراصد ثم نحفر ~~حولنا خنادق، ونجعل أسوارها البيارق والبوارق، ونطير إلى الآفاق أجنحة ~~البطائق، إلى الأعراب والأكراد، والتراكمة وعشران البلاد فيتسلطون عليه من ~~الجوانب، ويثب عليه كل راجل وراكب، ويصير ما بين قاتل وناهب، وخاطف وسالب، ~~فإن أقام وأنى له ذلك ففي شر مقام، وإن تقدم إلينا صافحناه ms088 بسواعد الأسنة ~~وأكف الدرق وأنامل السهام وإن رجع وهو المرام، رجع بخيبه، وأقيمت لنا عند ~~سلطاننا الحزمة والهيبة، وإن كان لسلطانه علينا عرج، فلنا بحمد الله سلطان ~~وفي سلطاننا فرج، وأقل الأشياء أن نماده ونتحرز من جنده " فعسى الله أن ~~يأتي بالفتح أو أمر من عنده " وهذا الرأي الأسد، بعينه كان رأي شاه منصور ~~الأسد فقال تمرداش وهو نائب المدينة ما هذه الآراء مكينة، ولا هذه الأفكار ~~رصينة، بل المناضلة خير من المطاولة، والمناجزة في هذه المواطن قبل ~~المحاجزة، ومقام المنازلة لا تجدي فيه المغازلة، ولكل مقام مقال، ولكل مجال ~~جدال، وهذا طير في قفص، وصيد مقتنص، فاغتنموا فيه الفرص، وناوشوه بالحرب، ~~وسابقوه بالطعن والضرب، لئلا يتوهم منا الخور، ويستنشق من ركود ريحنا عرف ~~الظفر، فأجمعوا أمركم وأعجلوا، ولا تنازعوا فتفشلوا، وانهضوا وثابروا، ~~واصبروا وصابروا، فأنتم بحمد الله أهل النجدة، وأولوا البأس والشدة، وكل ~~منكم في فقه المناضلة مغن ومختار، وعلمه في إفاضة دماء الأعداء منار، وله ~~في ذلك كفاية وهداية، ونهاية غيره له بداية، وهو لمجمع الإسلام كنز واف ~~وجامع كاف ووقاية تنحو ألسنة سيوفكم إلى تكليم الرؤوس فهي في لفظها كافية ~~شافية، وتصرف أسنتكم أسنانها في مضاعفة كل ذي فعل معتل فهي في تصريف عللها ~~شافية كافية فإن كسرناه فزنا بالمنال " وكفى الله المؤمنين القتال " ، وتلك ~~من الله معونة، وقد كفينا عساكر المصريين المؤنة، وكان ذلك أعلى لحرمتنا، ~~وأقوى في ورود النصر لشوكتنا، وأذكى لريح نصرنا وأزكى، وأبكى لعينه السخينة ~~وأنكى وإن كانت والعياذ بالله الأخرى، فلا علينا إذ بذلنا مجهودا وأقمنا ~~عذرا، ومخدومنا يدرك ثارنا، ويحيي آثارنا فتوكلوا على الله العزيز الجبار، ~~واستعدوا لملاقاة هؤلاء الأشرار، وإذا لقيتموهم زحفا فلا تولوهم الأدبار ~~ولا زال تمرداش، يحسن لهم هذا الرأي اللاش، حتى أجمعوا عليه، واتفقوا على ~~الخروج إليه، لأنه كان صاحب البلد، وعلى كلامه المعول والمعتمد وكان تمرداش ~~قد خالف الجمهور، ووافق في الباطن تيمور، وهذه كانت عادته، وعلى المراوغة ~~جبلت طينته، فإنه كان كالشاة العابرة، والمرأة الحائرة ms089 الغائرة، إذا التقى ~~عسكران فلا يكاد يثبت في أحدهما جبنا منه ومكرا بل يعبر إلى هذا مرة وإلى ~~هذا أخرى، مع أنه كان صورة بلا معنى، ولفظا بلا فحوى فاعتمد تيمور عليه، ~~وفوض الأمور إليه، وكذلك عساكر الشام، وجنود الإسلام، ثم حصنوا المدينة ~~وأوصدوا أبوابها، وضيقوا شوارعها ورحابها، ووكلوا بكل حارة ومحلة أصحابها، ~~وفتحوا الأبواب التي تقابل ملتقاه، وهي باب النصر وباب الفرج وباب القناة # ذكر ما صبه من صواعق البيض # واليلب على العساكر الشامية عند وصوله إلى حلب PageV01P046 ثم إن تيمور ~~ثقل الركاب، فوصل في سبعة أيام إلى حلب من غير تاب، فحل بذلك الخميس، تاسع ~~شهر ربيع الأول يوم الخميس، وبرز من ذلك العسكر، طائفة نحوا من ألفي نفر، ~~فتقدم لهم من الأسود الشامية، نحو من ثلاثمائة، ففلوهم بالصفاح، وشلوهم ~~بالرماح، فبددوهم، وطردوهم، وخددوهم وشردوهم، ثم أصحبوا يوم الجمعة، فبرز ~~من عسكره نحو من خمسة آلاف، إلى مصاف النقاف، فتقدم لهم طائفة أخرى، أرسالا ~~وتترى، فالتحم منهم النطاح، واشتبكت بين الطائفتين أنامل الرماح، فزدحموا ~~واقتحموا، واستدوا والتحموا، ولا زالت أقلام الخط في ألواح الصدور تخط، ~~والعضب الصمصام لرؤوس تلك الأقلام بالأعلام تقط، ومشاريط النبال لدماميل ~~الدمال تبط، والأرض من أثقال جبال القتال تئط، حتى سجى ليلا الظلام والقتام ~~وأغطشا، فتراجعوا وقد أعطى الله النصر لمن يشا، وأجرى من دماء العدو مع ~~قويق نهران، وفقد من العساكر الإسلامية نفران ثم أصبحوا يوم السبت حادي ~~عشر، وقد تعبت الجنود الشامية، والعساكر السلطانية، بالعدة البالغة، ~~والأهبة السابغة، والخيول المسومة، والرماح المقومة، والأعلام المعلمة، ولم ~~يعز أولئك الصناديد، سوى شمة من النصر والتأييد، فنحوا قصده، وقصدوا رده ~~وصده، وأقبلت عساكره، والسعد الميمون طائره، والقضاء مؤازره، والقدر ~~مظاهره، بالجنود المذكورة، والجيوش المعهودة المنصورة، تؤمهم الأفيال، ~~وأقيال القتال وإذا به قد أضمر لهم الويل، وعبى عساكره تحت جنح الليل، ~~وبثهم فيهم وأرسل عليهم عزاليهم وقابلهم بمقدمتهم، وشغلهم بأوائلهم، وأحاط ~~الباقون بهم فأتوهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، فمشى ~~عليهم مشي ms090 الموسى على الشعر، وسعى سعي الدبى على الزرع الأخضر، وكان هذا ~~الجولان، على قرية حيلان، ولما اهتمش أمر الناس وهاش، وجاشت الهوشة ~~والامتحاش، وتهارشت الأسود وانتطحت الكباش، فرت الميمنة وكان رأسها تمرداش، ~~فانكسر العسكر وطاش، وأخذ الأبطال من الدهشة الارتعاش، وغلبتهم الحيرة ~~والانبهار، فلم يلبثوا ولا ساعة من نهار، ثم ولوا الدبر، وصارت لأقلام ~~رماحه ظهورهم الزبر، واستمروا أمامهم يتواثبون، وعسكره وراءهم يتخاطبون ~~بمعنى ما قلت # جعلنا ظهور القوم في الحرب أوجها ... رقمنا بها ثغرا وعينا وحاجبا # فقصدوا المدينة من الباب المفتوح، وهم بين مهشوم ومجروح، والسيوف تشقهم، ~~والرماح تدقهم، وقد سالت بدمائهم الأباطح، وتمر من أسارير لحمهم كل كاسر ~~وجارح، فوصلوا إلى باب المدينة وانكرسوا، وهجموا فيه يدا واحدة وتكردسوا، ~~ولا زال يدوس بعضهم بعضا، حتى صارت العتبة العليا من الباب أرضا، فانسدت ~~الأبواب بالقتلى، ولم يمكن الدخول منها أصلا، فتشتتوا في البلاد، وتفرقوا ~~في المهامه والأطواد، وكسر باب أنطاكية المماليك الأغتام، وخرجوا منه ~~قاصدين بلاد الشام فوصل فلهم إلى دمشق في أبشع صورة، وحكوا في كيفية هذه ~~الوقعة أشنع سيرة، وصعد النواب إلى قلعة حلب وتحصنوا، فضاقت عليهم الأرض ~~بما رحبت فاستأمنوا، ونزلوا بواسطة تمرداش إليه، وقد غسل كل منهم من الحياة ~~يديه، ثم إنه مشى على هينته مع وقاره ورزانته وسكينته، ودخل حلب، ونال منها ~~ما طلب، وفاز بالروح والسلب ولما نزل النواب إليه، قبض على سيدي سودون وشيخ ~~الخاصكي وأما تمرداش فخلع عليه، وقبض على ألطنبغا العثماني نائب صفد، وعلى ~~عمر بن الطحان نائب غزة جعل الكل في صفد، وشرع في استخلاص الأموال، وضبط ~~الأثقال والأنفال وقد ملأت القلوب هواجس هيبته، وانتشر في الآفاق شرار ~~صولته ثم إنه لم يكتف بما أزهقه من النفوس، حتى بنى الميادين من الرؤوس، ~~وسبب ذلك أن ذا قرابة البريدي الذي أرسله إلى حلب، وضرب نائب الشام عنقه ~~وسلبه السلب، ذكر تيمور بقصته، وأراد القود من أهل حلب لذي قرابته، فأجاب ~~سؤاله فمكنه، فيمن يختار منهم أن يفعل فيه ما استحسنه، ms091 فقتل طائفة منهم ~~وبنى من رؤوسهم كذا وكذا مئذنة # زيادة إيضاح لهذه المحنة مما نقلته # من تاريخ ابن الشحنة PageV01P047 قال أخبرني الحافظ الخوارزمي أن من كتب ~~في الديوان من عساكر تيمور ثمانمائة ألف نفس، ومنه أن تيمور قصد قلعة ~~المسلمين، وكان نائبها الناصري محمد ابن موسى بن شهري وأنه عصى عليه وكان ~~يخرج للغارات، ثم قال ما نصه بحروفه وكان قد بدع بجمائع تمرلنك وطراشته مدة ~~إقامته على بهسنا، وقتل منهم جماعة وأرسل رؤوسهم إلى حلب، وكسر تومانا كان ~~جهزه إليه أقبح كسره، حتى رمى غالب جماعته بأنفسهم في الفرات، وجهز تمرلنك ~~كتابه إلى المشار إليه ونصه يقول فيه إني خرجت من أقصى بلاد سمرقند، ولم ~~يقف أحد أمامي، وسائر ملوك البلاد حضروا إلي، وأنت سلطت على جمائعي من يشوش ~~عليهم ويقتل من ظفر به منهم، والآن فقد مشينا عليك بعساكرنا، فإن أشفقت على ~~نفسك ورعيتك، فاحضر إلينا لترى من الرحمة والشفقة ما لا مزيد عليه، وإلا ~~نزلنا عليك وخربنا بلدك، وقد قال الله تعالى " إن الملوك إذا دخلوا قرية ~~أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون " فاستعد لما يحيط بك إن أبيت ~~الحضور فأمسك المشار إليه الرسول وحبسه ولم يلتفت إلى كلام تمرلنك، فمشى ~~إليه أوائل عسكره فبرز إليهم المشار إليه وقاتلهم وكسرهم وفي اليوم الثاني ~~حضر تمرلنك على قلعة المسلمين فبرز إليه المشار إليه وقاتله قتالا شديدا ~~وكانت وقعة عظيمة، رأى فيها منه تمرلنك شدة حزم ورجع عن محاربته، وأخذ في ~~مخادعته، وملاطفته، وطلب منه الصلح، وأن يرسل إليه خيلا ومالا لأجل حرمته، ~~فلم ينخدع معه وتنازل معه إلى أن طلب منه جانبا فلم يعطه، وعاد خائبا، وأخذ ~~المشار إليه في أواخره قتلا ونهبا وأسرا، كل ذلك وباب قلعته مفتوح لم يغلقه ~~يوما واحدا وأنشد فيه لسان الحال # هذا الأمير الذي صحت مناقبه ... ليث الوغى عمت الدنيا مفاخره # ولى تمرلنك مكسورا أوائله ... منه مرارا ومذعورا أواخره # وكان حصول تلك السعادة للمشار إليه، دون غيره من الملوك وأصحاب الحصون ms092 ~~لما كان فيه من العلم والديانة، والإخلاص والصيانة، ولكونه من السلالة ~~الطاهرة العمرية رضي الله عنها ولما كان يوم الخميس تاسع ربيع الأول نازل ~~تمرلنك حلب، وكان نائبها المقر السيفي تمرداش، وقد حضرت إليه عساكر المملكة ~~الشامية وعسكر دمشق مع نائبها سيدي سودون، وعسكر طرابلس مع نائبها المقر ~~السيفي شيخ الخاصكي، وعسكر حماه مع نائبها المقر السيفي دقماق، وعسكر صفد ~~وغيرها، فاختلفت آراؤهم، فمن قائل ادخلوا المدينة وقاتلوا من الأسوار، ~~وقائل اخرجوا ظاهر البلد تلقاء العدو بالخيام فلما رأى المقر السيفي تمرداش ~~اختلافهم، أذن لأهل حلب في إخلائها والتوجه حيث شاءوا وكان نعم الرأي، فلم ~~يوافقوا على ذلك وضربوا خيامهم ظاهر البلد تلقاء العدو وحضر قاصد تمرلنك ~~فقتله نائب دمشق قبل أن يسمع كلامه، ويوم الجمعة حصل بين الأطراف تناوش ~~يسير، فلما كان يوم السبت حادي عشر شهر ربيع الأول زحف تمرلنك بجيوشه ~~وفيلته، فولى المسلمون نحو المدينة وازدحموا في الأبواب، ومات منهم خلق ~~عظيم، والعدو وراءهم يقتل ويأسر، وأخذ تمرلنك حلب عنوة بالسيف، وصعد نواب ~~المملكة وخواص الناس إلى القلعة، وكان أهل حلب قد جعلوا غالب أموالهم فيها ~~وفي يوم رابع عشر شهر ربيع الأول أخذ القلعة بأمان والأيمان التي ليس معها ~~إيمان، وفي ثاني يوم صعد إليها، وآخر نهار طلب علماءها وقضاتها، فحضرنا ~~إليه فأوقفنا ساعة، ثم أمر بجلوسنا، وطلب من معه من أهل العلم، فقال لأمير ~~عنده وهو المولى عبد الجبار بن العلامة نعمان الدين الحنفي، والده من ~~العلماء المشهورين بسمرقند - قل لهم إني سائلهم عن مسألة سألت عنها علماء ~~سمرقند وبخارى وهراة وسائر البلاد التي افتتحتها فلم يفصحوا عن جواب، فلا ~~تكونوا مثلهم، ولا يجاوبني إلا أعلمكم وأفضلكم، وليعرف ما يتكلم فإني خالطت ~~العلماء ولي بهم اختصاص وألفة، ولي في العلم طلب قديم وكان يبلغنا عنه أنه ~~يتعنت العلماء في الأسئلة، ويجعل ذلك سببا لقتلهم أو تعذيبهم فقال القاضي ~~شرف الدين موسى الأنصاري الشافعي عني هذا شيخنا ومدرس هذه البلاد ومفتيها ~~سلوه وبالله المستعان، فقال لي ms093 عبد الجبار، سلطاننا يقول إنه بالأمس قتل ~~منا ومنكم، فمن الشهيد؟ قتيلنا أم قتيلكم؟ فوجم الجميع، وقلنا في أنفسنا ~~هذا الذي بلغنا عنه من التعنت PageV01P048 وسكت القوم، ففتح الله علي بجواب ~~سريع بديع، وقلت هذا سؤال سئل عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأجاب عنه، وأنا مجيب بما أجاب به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ~~لي صاحبي القاضي شرف الدين موسى الأنصاري بعد أن انقضت الحادثة والله ~~العظيم لما قلت هذا السؤال سئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجاب ~~عنه، وأنا محدث زماني، قلت هذا عالمنا قد اختل عقله وهو معذور، فإن هذا ~~السؤال لا يمكن الجواب عنه في هذا المقام ووقع في نفس عبد الجبار مثل ذلك ~~وألقى تمرلنك إلي سمعه وبصره وقال لعبد الجبار يسخر من كلامي كيف سئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن هذا وكيف أجاب؟ قلت " جاء أعرابي إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إن الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ~~ويقاتل ليرى مكانه فأينا في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو الشهيد فقال تمرلنك خوب خوب وقال ~~عبد الجبار ما أحسن ما قلت! وانفتح باب المؤانسة، وقال إني رجل نصف آدمي، ~~وقد أخذت بلاد كذا وكذا، وعدد سائر ممالك العجم والعراق والهند وسائر بلاد ~~التتار فقلت إجعل شكر هذه النعمة عفوك عن هذه الأمة، ولا تقتل أحد، فقال ~~والله إني لا أقتل أحدا قصدا، وإنما أنتم قتلتم أنفسكم في الأبواب، والله ~~لا أقتل أحد منكم وأنتم آمنون على أنفسكم وأموالكم وتكررت الأسئلة منه ~~والأجوبة منا، فطمع كل من الفقهاء الحاضرين، وجعل يبادر إلى الجواب ويظن ~~أنه في المدرسة، والقاضي شرف الدين ينهاهم ويقول لهم بالله اسكتوا ليجاوب ~~هذا الرجل فإنه يعرف ما يقول وكان آخر ما سئل عنه ما تقولون في علي ومعاوية ~~ويزيد فأشرت إلى القاضي شرف الدين وكان إلى ms094 جانبي، أن اعرف كيف تجاوبه فإنه ~~شيعي، فلم أفرغ من سماع كلامه إلا وقد قال القاضي علم الدين القفصي المالكي ~~كلاما معناه أن الكل مجتهدون فغضب لذلك غضبا شديدا، وقال علي على الحق ~~ومعاوية ظالم ويزيد فاسق وأنتم حلبيون تبع لأهل دمشق، وهم يزيديون قتلوا ~~الحسين فأخذت في ملاطفته والاعتذار عن المالكي بأنه أجاب بشيء وجده في كتاب ~~لا يعرف معناه، فعاد إلى دون ما كان عليه من البسط وأخذ عبد الجبار يسأل ~~عني وعن القاضي شرف الدين فقال عني هذا عالم مليح وعن شرف الدين وهذا رجل ~~فصيح فسألني تمرلنك عن عمري فقلت مولدي في سنة تسع وأربعين وسبع مائة وقد ~~بلغت الآن أربعا وخمسين سنة فقال للقاضي شرف الدين وأنت كم عمرك؟ فقال أنا ~~أكبر منه بسنة فقال تمرلنك أنتم في عمر أولادي أنا عمري اليوم خمسا وسبعين ~~سنة وحضر صلاة المغرب وأقيمت الصلاة وأمنا عبد الجبار وصلى تمرلنك إلى ~~جانبي قائما يركع ويسجد ثم تفرقنا وفي اليوم الثاني غدر بكل من في القلعة ~~وأخذ جميع ما كان فيها من الأموال والأقمشة والأمتعة ما لا يحصى أخبرني بعض ~~كتابه أنه لم يكن أخذ من مدينة قط ما أخذ من هذه القلعة، وعوقب غالب ~~المسلمين بأنواع من العقوبة، وحبسوا بالقلعة ما بين مقيد ومزنجر ومسجون ~~ومرسم عليه ونزل تمرلنك من القلعة وأقام بدار النيابة، وصنع وليمة على زي ~~المغل، ووقف سائر الملوك والنواب في خدمته وأدار عليهم كؤوس الخمر، ~~والمسلمون في عقاب وعذاب وسبي وقتل وأسر، وجوامعهم ومدارسهم وبيوتهم في هدم ~~وحرق وتخريب ونبش إلى آخر شهر ربيع الأول، ثم طلبني ورفيقي شرف الدين ~~PageV01P049 وأعاد السؤال عن علي ومعاوية، فقلت له لا شك أن الحق كان مع ~~علي وليس معاوية من الخلفاء، فإنه صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال الخلافة بعدي ثلاثون سنة وقد تمت بعلي، فقال تمرلنك قل علي على حق ~~ومعاوية ظالم، قلت قال صاحب الهداية يجوز تقليد القضاء من ولاة الجور، فإن ms095 ~~كثيرا من الصحابة والتابعين تقلدوا القضاء من معاوية، وكان الحق مع علي في ~~نوبته، فانسر لذلك وطلب الأمراء الذين عينهم للإقامة بحلب، وقال إن هذين ~~الرجلين نزول عندكم بحلب، فأحسنوا إليهما وإلى ألزامهما وأصحابهما ومن ينضم ~~إليهما، ولا تمكنوا أحدا من أذيتهما، ورتبوا لهم علوفة، ولا تدعوهما في ~~القلعة بل اجعلوا إقامتهما في المدرسة يعني السلطانية التي تجاه القلعة ~~ففعلوا ما أوصاهم به إلا أنهم لم ينزلونا من القلعة وقال لنا الذي ولي ~~الحكم منهم بحلب وكان يدعى الأمير موسى بن جاجي طغاي إني أخاف عليكما، ~~والذي فهمته من سياق كلام تمرلنك أنه إذا أمر بسوء فعل بسرعة ولا يحيد عنه، ~~وإذا أمر بخير فالأمر فيه لمن وليه وفي أول يوم من ربيع الآخر برز إلى ظاهر ~~البلد متوجها نحو دمشق، وثاني يوم أرسل يطلب علماء البلد فرحنا إليه ~~والمسلمون في أمر مريج وقطع رؤوس فقلنا ما الخبر؟ فقيل أن تمرلنك أرسل يطلب ~~من عسكره رؤوسا من المسلمين على عادته التي كان يفعلها في البلاد التي ~~أخذها، فما وصلنا إليه جاءنا شخص من علمائه يقال له المولى عمر، فسألناه عن ~~طلبنا فقال يريد يستفتيكم في قتل نائب دمشق الذي قتل رسوله فقلت هذه رؤوس ~~المسلمين تقطع وتحضر إليه بغير استفتاء وهو حلف ألا يقتل منا أحدا قصدا، ~~فعاد إليه ونحن ننتظره وبين يديه لحم سليق في طبق يأكل منه فتكلم معه ~~يسيرا، ثم جاء إلينا شخص بشيء من ذلك اللحم، فلم نفرغ من أكله إلا وزعجة ~~قائمة وتمرلنك صوته عال، وساق شخص هكذا أو آخر هكذا، وجاءنا أمير يعتذر ~~ويقول إن سلطاننا لم يأمر بإحضار رؤوس المسلمين، وإنما بقطع رؤوس القتلى ~~وأن يجعل منها قبة إقامة لحرمته على جري عادته ففهموا منه غير ما أراد وأنه ~~قد أطلقكم فأمضوا حيث شئتم، وركب تمرلنك من ساعته وتوجه نحو دمشق، فعدنا ~~إلى القلعة ورأينا المصلحة في الإقامة بها، وأخذ الأمير موسى - احسن الله ~~إليه - في الإحسان إلينا، وقبول شفاعتنا، وتفقد أحوالنا مدة ms096 إقامته بحلب ~~وقلعتها وتجيئنا الأخبار أن سلطان المسلمين الملك الناصر فرج قد نزل إلى ~~دمشق، وأنه كسر تمرلنك، ومرة تجيء بالعكس إلى أن انجلت القضية عن توجه ~~السلطان إلى مصر بعد أن قاتل مع تمرلنك قتالا عظيما، أشرف تمرلنك منه على ~~الكسر والهزيمة، وإنما حصل من بعض أمرائه خيانة كان ذلك سبب توجهه آخذا ~~بالحزم، ودخل تمرلنك إلى دمشق ونهبها وأحرقها، وفعل فيها فوق ما فعل بحلب، ~~ولم يدخل طرابلس بل أحضر له منها مال، ولا جاوز فلسطين وعاد نحو حلب طالبا ~~بلاده ولما كان سابع عشر شعبان من السنة المذكورة وصل تمرلنك عائدا من ~~الشام إلى الجبول شرقي حلب، ولم يدخلها، بل أمرالمقيمين بها من جهته ~~بتخريبها وإحراق المدينة ففعلوا، وطلبني الأمير عز الدين وكان من أكبر ~~أمرائه وقال إن الأمير رسم بإطلاقك وإطلاق من معك، فاطلب من شئت وأكثر ~~لأروح معكم إلى مشهد الحسين وأقيم عندكم حتى لا يبقى من عسكرنا أحد وكان ~~القاضي شرف الدين لا يفارقني، فطلبنا باقي القضاة واجتمع معنا نحو من ألفي ~~مسلم، وتوجهنا إلى مشهد الحسين المشار إليه، وأقمنا ننظر إلى النار وهي ~~تضرم في أرجائها، وبعد ثلاثة أيام لم يبق بها أحد، فنزلنا إليها فلم نر ~~أحدا فاستوحشنا وما قدرنا على الإقامة بها من النتن والوحشة، ولم نقدر على ~~السلوك في الطرقات # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر # وكانت نواب بلاد الشام معه مأسورين وانفلتوا أولا بأول، ومات سودون ~~بالبطن معه في قبة يلبغا، واستقر في نيابة دمشق تغري بردي والله أعلم هذا ~~ما نقلته من كلام ابن الشحنة كما وجدته # ذكر ورود هذا الخبر الذي أقلق # ووصول أسنبغا الدوادار وعبد القصار إلى جلق PageV01P050 فورد من حلب ~~أسنبغا الدوادار، والفتح الماهر المدعو بعبد القصار، وقالا معاشر المسلمين، ~~الفرار مما لا يطاق، من سنن المرسلين، من يقدر على هذا، فيطلب لنفسه طريق ~~النجا، ومن أطاق أن يشمر ذيله، فلا يبيتن في دمشق ليله، ولا يغالط نفسه ~~بالمداهنة، ms097 فليس الخبر كالمعاينة فتفرقت الآراء، واختلفت الأهواء، وماج أمر ~~الناس موجا، وتفرقوا كما هو دأبهم فوجا فوجا، فبعض الناس انتصح، وجهز أمره ~~وانتزح وبعضهم كابر وأصر، وكشر أنيابه لأسنبغا وعبد القصار واهر، وأرادوا ~~رجم هذين الناصحين، وأن يسقوهما كأس حين، وقالوا إنما أردتما بذلك تبديد ~~الناس وتشريدهم، وإجلاءهم عن أوطانهم وتجريدهم، وتفريق كلمتهم وتمزيق ~~جلدتهم، وإلا فالأمن حاصل، والسلطان بحمد الله واصل والنواب في حلب كانوا ~~شرذمة قليلة، ولم يتم لهم معه الفكر والحيلة، مع أنه حصل من بعضهم مخامرة، ~~ولم يوجد من الباقين مناصحة ومظاهرة، ولم يكن لهم رأس، فلا تأخذوا في هذه ~~المسألة بالقياس، وأما عساكر مصر فإنهم كاملوا العدة و " سابغو " العدة، ~~وفيهم للمسلمين فرج بعد الشدة، فقالا نحن بعد اللتيا والتي من شره سلمنا، ~~وما شهدنا إلا بما علمنا، وكل منا أفصح عما أدى إليه اجتهاده وأبان، والله ~~إنه في نصيحة المسلمين النذير العريان وقد نصحناكم إن كنتم مفلحين، ولكن لا ~~تحبون الناصحين واستمر أمر الناس في الترديد والتشاغب، والتفرق والتبديل ~~والتشاعب، فبعضهم توجه نحو الأماكن القدسية، وتوجه بعض إلى الديار المصرية، ~~وبعض تشبث بأذيال الحروف العاصية، وتحصن آخرون بالأماكن الغامضة القاصية # ؟ذكر خروج السلطان الملك الناصر # من القاهرة بجنود الإسلام والعساكر # ثم إن السلطان خرج من توان، وتوجه بالعساكر والاستعداد التام إلى جهة ~~بلاد الشام، فلما بلغ الناس ذلك سكن جأشهم، وزال استيحاشهم، ورد غالب من ~~كان نزح منهم، وانفرج الكرب والضيق عنهم، وأما أولو العزم، وذوو الرأي ~~السديد والحزم، فلم يلتفتوا إلى قدوم السلطان، بل طلبوا لنفسهم الأمان، ~~وانتظروا ما يتولد من حادثات الزمان، وكأن أنامل الدهر الدائر، كتبت لهم ~~على مرآة الخاطر، ما أنشده الشاعر # ألا إنما الأيام أبناء واحد ... وهذي الليالي كلها أخوات # فلا تطلبن من عند يوم وليلة ... خلاف الذي مرت به السنوات # وقلت # إن اختفى ما في الزمان الآتي ... فقس على الماضي من الأوقات # " فصل " ولما أنجز تيمور أمر حلب، ضبط أثقالها وما أخذ منها من مال وسلب، ~~ووضعه في ms098 القلعة، ووكل به بعض أمرائه من ذوي الشجاعة والمنعة، وهو الأمير ~~موسى بن حاجي طغاي، وكان ذا عزم سديد ورأي، وتوجه بذلك البحر الطام، غرة ~~شهر ربيع الآخر جهة الشام، فوصل إلى حماة، ونهب ما حوت يداه، ولم يحتفل ~~بأمر نهب وأسير، ولا بإسراع في مسير، بل سار رويدا، وهو يكيد كيدا، ويكيدون ~~كيدا # ؟حكاية # رأيت حين توجهت إلى بلاد الروم في أوائل شهر ربيع الأول سنة تسع وثلاثين ~~وثمانمائة، عند وصولنا إلى حماة بالجامع النوري بها من الجانب الشرقي على ~~حائطه القبلي نقشا على رخامة بالفارسي ما ترجمته " وسبب تصوير هذا التسطير، ~~هو أن الله تعالى يسر لنا فتح البلاد والممالك حتى انتهى استخلاصنا الممالك ~~إلى العراق وبغداد، فجاورنا سلطان مصر ثم راسلناه وبعثنا إليه قصادنا ~~بأنواع التحف والهدايا، فقتل قصادنا من غير موجب لذلك، وكان قصدنا بذلك أن ~~تنعقد المودة بين الجانبين، وتتأكد الصداقة من الطرفين ثم بعد ذلك بمدة قبض ~~التراكمة على أناس من جهتنا وأرسلهم إلى السلطان مصر برقوق، فسجنهم وضيق ~~عليهم، فلزم من هذا أنا توجهنا لاستخلاص متعلقينا، من أيدي مخالفينا، واتفق ~~لذلك نولنا بحماه في العشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانمائة " " فصل ~~" ثم وصل إلى حمص فلم يتعرض بها بتشتيت وتبديد، ووهبها لسيدي خالد بن ~~الوليد قلت بديها # ألا لا تجاور سوى الخيرين ... أحيا وكن جارهم في القبور # ألم تر حمص وسكانها ... نجوا من بحار بلايا تمور # لأنهم جاوروا خالدا ... ومن جاور الأتقيا لا يبور PageV01P051 وخرج إليه ~~شخص من آحاد الناس، يدعى عمر بن الرواس، فاستجلب خاطره، وكأنه قدم إليه ~~تقدمة فاخرة، فولاه أمور البلد وركن إليه واعتمد، وولى قضاء تلك البلاد، ~~رئيسا يسمى شمس الدين بن الحداد، ونادى بالأمان، للقاصي والدان، وتبايعوا ~~بها وتشاوروا، وفي استفادة ربح الأمن لم يتماروا ثم إن نائب الشام ضعف معه ~~ومات على قبة يلبغا ونائب طرابلس هرب منه وللخلاص ابتغى، فوصل إلى مدينته، ~~واستقر في ولايته، فاضطرم غضبا، واستشاط لهبا واشتعل قيظ غيظه، وقتل كل ms099 من ~~وكله بحفظه، وأسعر بهم سقر، وكانوا ستة عشر وأما تمرداش فإنه داراه ومارى، ~~وهرب منه في قارا، واستمر علاء الدين الطنبغا العثماني نائب صفد، وزين ~~الدين نائب غزة وغيرهما معه في صفد، ثم سار وما ارتبك، حتى نزل على بعلبك، ~~فخرج أهلها ودخلوا عليه، وتراموا طالبين الصلح بين يديه، فلم يلتفت إلى هذا ~~المقال، وأرسل فيهم جوارح النهب والاستئصال " وقرب السلطان أيضا " ثم ارتحل ~~مجريا ذلك البحر الزخار، والسيل التيار، والطوفان الثرثار، حتى أشرف على ~~دمشق من قبة سيار، ووصلت العساكر المصرية، والجنود الإسلامية، وقد ملأوا ~~الفضاء وأشرق الكون منهم وأضاء، فيالق سهامها لحب قلب من نوى الخلاف فالقة، ~~وصواعق سيوفها في عقاص كل عقص صاعقة، وأسنة رماحها لرتق سماء الأرواح عن ~~أرض الأشباح فاتقة وقد طلبوا الأطلاب وحزبوا الأحزاب، وعبوا الميمنة ~~والميسرة ورتبوا المقدمة والمؤخرة، وسووا القلب والجناح، وملأوا البطاح ~~والبراح وساروا بالمقاتب المكتبة والكتائب المقتبة، والكواكب المركبة، ~~والمراكب المكوكبة، والمراتب المقربة، والمقربات المرتبة، والسلاهب ~~المجنبة، والنجائب التي هي على أكل اللجم مسلهبة، وفي كل كتيبة من الأسود ~~الضراغم، ومن النسور القشاعم قلت # ورب ذي لجب كالطود ذي حنق ... كأنه البحر في أثناه غابات # بحران في كل موج منهما أسد ... يلاعب الموت في كفيه حيات # كل ترى العين معناه وصورته ... عند النزال وإن ينزل فشطفات # إن يسر تلق السما في الأرض دائرة ... أو سار تعقد أرضا منه غبرات # وقد تنكبوا حنايا المنايا، وتقلدوا سيوف الحتوف، واعتقلوا الذوابل ~~النواهل، وثبتوا حيث نبتوا، وكأنهم خلقوا من كواهل الصواهل قلت # كأن الجو ثوب لا زوردي ... يزركش نسجه قضب الرماح # فإن عقد القتام عليه ليلا ... أرتك صفاحه لمع الصباح # كأن نجومه النشاب ترمى ... شياطين الكفاح لدى النطاح # ولا زالت أفواج هذه الأمواج على هذا المنهاج متلاطمة، وأثباج هذا البحر ~~العجاج تحت العجاج متصادمة، وكل ينادي بطريق المفهوم " وما منا إلا له مقام ~~معلوم " فوصلت غيلان الوغى إلى قبة يلبغا، يوم الأحد العاشر من شهر ربيع ~~الآخر، عام ثلاثة وثمانمائة من الهجرة، فنزل ms100 كل من العساكر يمنة ويسرة، ~~واستقرت العساكر والأمراء الإسلامية في البيوت والمساكن، ونزلت الجنود ~~التتارية غربي دمشق من داريا وإلى قطنا والحولة وما يلي تلك الأماكن ودخل ~~بعض أثقال السلطان إلى البلد، وتحصنت القلعة والمدينة بالسلاح والعدد، ثم ~~أخذ كل من الجيشين حذره، ونجز للمقابلة والمقاتلة أمره، وحفروا الخنادق، ~~وسد كل على الآخر أفواه المضائق، وشرعوا في المهوشة والمناوشة والمهارشة ~~والمعانشة، ثم أمر السلطان العساكر بالبروز من المدينة إلى الظاهر وجعل ~~يخرج من المدينة رؤساء أعيانها، وتنحاز في المقاتلة إلى سلطانها، والأطفال ~~الصغار، يجأرون إلى الجبار، وينادون بحرقة كل ليلة في الأزقة يا الله يا ~~رحمن، انصر مولانا السلطان والناس في اضطراب وحركات، يستنزلون النصر ~~والبركات، ويستغيثون الليل والنهار، يا مجاهدون الأسوار واستشهد من رؤساء ~~البلد في تلك الأيام قاضي القضاة برهان الدين التادلي المالكي الحاكم ~~بالشام، وشلت يد قاضي القضاة شرف الدين عيسى المالكي بضربة حسام، وجعلوا ~~يأتون بمن يظفرون به من العدو فيقتلونه، ربما غنموا منهم من ناطق وصامت ~~فيشهرونه # ذكر واقعة وقعت ومعركة صدعت # لو أنها نفعت PageV01P052 ثم في بعض الأيام، تقدم من أولئك الأغتام، نحو ~~من عشرة آلاف، وزحفوا إلى ميدان المصاف، فنهض لهم من العساكر الشامية، نحو ~~من خمسمائة ثم أتبعهم الأمير استنباي في نحو من ثلاثمائة قلت # أسود إذا لاقوا ظباء إذا عطوا ... جبال إذا أرسوا بحار إذا سروا # شموس إذا لاحوا بدور إذا انجلوا ... رياح إذا هبوا غمام إذا هموا # صقور إذا انقضوا نمور إذا سموا ... رعود إذا صاحوا صواعق إن رموا # مع كل منهما خطار تسجد قدود الملاح لخطراته، وبتار يتعلم سفك الدماء من ~~لحظاته، وحنية تضاهي حاجبه، وسهام في تشبهها بأجفانه صائبة، وترس لين ~~اللمس، إذا تغطى به رأيت البدر علا الشمس، وعليه خوذة كأنها من لمعات وجنته ~~مأخوذة، أو من بوارق طلعته مفلوذة، إذا نظر الطرف إليها يأخذه الانبهار، ~~يكاد سنا برقها يذهب بالأبصار، ولبوس أشبه لابسه، وصار ملابسه ظاهره حرير ~~ناعم كبشرته، وباطنه حديد كقلبه في قسوته، وقد امتطوا ms101 الفحول من نجائب ~~الخيول، فكأن بدور تلك الجموع، مع الرماح الملتهبة الأسنة عرس تجلى تحت ~~الشموع، وتوجهوا إلى حومة الوغى، وتلاقوا في واد خلف قبة يلبغا # " وفتية من كماة الترك ما تركوا ... للرعد أصواتهم حسا ولا حيتا # قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة ... حسنا وإن قاتلوا كانوا عفاريتا " # " فصل " ولما رأت هذه الأسود تلك الذئاب والكلاب، كانوا كالمؤمنين وقد ~~رأوا الأحزاب، فبان منهم صحيح الضرب وعليله، وقالوا هذا ما وعدنا الله ~~ورسوله فأحاط أولئك بهؤلاء لكثرة الغلبة، وأداروا لقرضهم على هذه البحور ~~الدائرة المجتلبة، وحين صاروا في خباء هذه الدائرة كالعروض اشتغلوا بالضرب ~~وتقطيع الدائرة بالحرب العضوض، فأول ما أضمروا لهم في ذلك الزحف قطع الرأس ~~وخبل العقل وقطف الكف، فصلموا بالرمح الطويل عقلهم، وثلموا بالرشق المديد ~~شكلهم، وبتروا بالعضب البسيط وافرهم، وشتروا بالسهم السريع كاملهم، فخذوهم ~~وقصموهم، وخزموهم " وخرموهم " وشعثوهم وثرموهم، وجموهم، ووقصوهم، وعصبوهم، ~~وعقصوهم، وخذلوهم، ونقصوهم، فردوا صدورهم على الأعجاز، وسدوا على حقيقة ~~الخلاص منهم المجاز، فانكشفوا عنهم، وهم ما بين مشطور، ومقطوع، ومحذوف، ~~ومجزو، ومنهوك، وموقوف ورجع أسنباي المشار إليه وقد اقتضب بحربه المتدارك ~~حفيفهم، واجتث بضربة المتقارب المتماسك ثقيلهم وخفيفهم، وتسبيغ سوابغهم ~~بالنصر مرفل، وبالتمكين التام مذيل، وبيت دائرتهم المتفقة آمن من الخلل، ~~وعروضه وضربه سالم من الزحاف والعلل # ذكر ما افتعله سلطان حسين # ابن أخت تيمور من المكر والمين # ثم إن سلطان حسين وهو ابن أخت تيمور، أظهر أنه خامر على خاله وجاء إلى ~~السلطان وفي باطنه أمور، وكان شابا ذا شجاعة، وعنده طيش ورقاعة، فأظهروا ~~بقدومه الفرح، واستشعروا النصر والمرح، وكان في رأسه جمة شعر فأزالوه، ~~وخلعوا عليه وفي زيهم أظهروه " فصل " ثم إن تيمور أشاع أنه خار وتعتع، فرحل ~~قليلا ورجع القهقرى وتكعكع، كل ذلك من مكايده، وحبائل مصايده، وبيان ذلك ~~أنه بلغه أن الخلاف واقع بين العساكر المصرية وأنهم سيفرون، فيفوتونه إذ ~~ذاك، فأظهر الخؤن، وأشاع أنه راحل ليثبتهم، وعن الفرار يثبطهم، فلما عزموا ~~على الفرار، " لم يبن لهم ثبات ولا قرار " # ذكر ms102 ما نجم من النفاق بين العساكر # الإسلامية وعدم الاتفاق # وكان أتابك العساكر، وكافل الملك الناصر، الأمير الكبير يشبك وتحت يده ~~الأكابر والأصاغر، والجند وإن كانوا مدده كثيرا، والجيش وإن تراءى عدده ~~غزيرا، لكن كان كل منهم أميرا، ولم يكن شيء منهم سوى الرأس صغيرا، فتشتت ~~آراؤهم، وتصادمت أهواؤهم، وانتقلت أشعار شعارهم من الدائرة المؤتلفة، إلى ~~الدائرة المختلفة ونقل كل منهم عن وزن بيته إلى عروض، وأخذ في عرض صاحبه ~~بالتقريض، وظهرت في تلك الساعة آيات الرحمن، في اختلاف الألسنة والألوان، ~~وصاروا في رعاية الرعية كالذئب والضبع، وسلطوا على مرعى هزيلها النمر ~~الغضوب والسبع، ولحق في سند هذا الحديث الأصاغر بالأكابر، والأسافل ~~بالأعالي والأوائل بالأواخر، وصاروا كما قال الشاعر # تفرقت غنمي يوما فقلت لها ... يا رب صلت عليها الذئب والضبعا PageV01P053 ~~وتوجه منهم رؤوس إلى القاهرة، تاركا كل منهم قوته وناصره، وصدقوا تيمور في ~~نفيه عنهم معرفة السياسة، والدربة في سلوك طرائق الرياسة " فصل " ولما علم ~~الغابرون، ما فعله السائرون، لم يسعهم غير تشمير الذيل، واتباعهم تحت جنح ~~الليل، ومن تخلف عن قوم، أو أخذته سنة أو نوم، وقع في الشرك، وهوى به إلى ~~أسفل الدرك، وكان الناس في الليل والنهار، ملازمين الإقامة على الأسوار، ~~وكل قد فرح وابتهج، وتيقن أنه قد حصل له من سلطانه فرج ففي بعض الليالي صعد ~~الناس إلى مكان عالي، وإذا بأماكن مخيم السلطان، قد ملئت من النيران، ولم ~~يعرف أحد ما الخبر، غير أن الدنيا ملئت بالشر والشرر، وأصبحوا وقد خلت ~~الديار، ولم يبق في قبة يلبغا نافخ نار، فخشعت أصواتهم، وسكنت حركاتهم، ~~فجعلوا يتهاتفون، وفيما بينهم يتخافتون، وماج الشر واضطرب، وقال الناس ~~السلطان هرب، فانقصم ظهر الناس، وأيقنوا حلول الباس، وتفاقمت الهموم، ~~وتعاظمت الغموم، وتقطعت بهم الأسباب، وشمل الخلائق أنواع العذاب، وضاقت ~~الحيل كالصدور، وتخبطت الأوامر والأمور " فصل " ثم إن تيمور حمد ربه، ورحل ~~من مكانه ونزل القبة، وألقى عصاه، ونام مستريحا على قفاه، ونادى بمعنى ما ~~قلت # الحمد لله نلنا ما نؤمله ... والضد أدبر ms103 والمأمول قد حصلا # وحفر الخنادق حوله، وبث في الأطراف رجله وخيله، وأرسل الطلب وراء من هرب، ~~وصار كلما أتى بأحد من أجناد الرجال، أمر بإلقائه بين يدي تلك الأفيال، ~~فتفعل معه الأفيال في تلك الفلاة، ما تفعله المواشي يوم القيامة في مانع ~~الزكاة " فصل " فأما السلطان فإنه لم يصبه من أحد ضيم لأنه نشز نشوز الغيم ~~وانساب انسياب الأيم، وتوجه على وادي التيم، فانتشرت شياطين تيمور في ~~الأرض، وملأت الطول والعرض، ووصلت طراشتهم إلى أطراف البلاد وضواحيها، ~~وعامة القرى ونواحيها، وجعلوا من كل حدب ينسلون في مشارق الأرض ومغاربها ~~التي بارك الله فيها وتقدموا إلى المدينة، وكانت كما ذكر بالأهبة حصينة، ~~وبأنواع الاستعداد مكينة، مسدولة بالحجاب، مغلقة الأبواب، فتمنع أهلها ~~عليهم، ولم يسلموها إليهم، رجاء أن يشموا من النجدة الأرج، أو يمن الله ~~عليهم بعد هذه الشدة بفرج، فاستمروا على ذلك نحوا من يومين، ثم استيقنوا من ~~رجائهم الخيبة ومن ظنهم المين، فكان قدوم السلطان وذهابه بالعساكر كما قال ~~الشاعر # كما أبرقت قوما عطاشا غمامة ... فلما رأوها أقشعت وتجلت # ذكر خروج الأعيان بعد ذهاب السلطان # وطلبهم من تيمور الأمان # ولما خانتهم الظنون، وعلموا أنه حل بهم ريب المنون، اجتمع من المدينة ~~الكبراء والموجود من الأعيان والرؤساء، وهم قاضي القضاة محي الدين محمود بن ~~العز الحنفي، وولده قاضي القضاة شهاب الدين، وقاضي القضاة تقي الدين ~~إبراهيم ابن مفلح الحنبلي، وقاضي القضاة شمس الدين محمد الحنبلي النابلسي، ~~والقاضي ناصر الدين محمد بن أبي الطيب كاتب السر، والقاضي شهاب الدين أحمد ~~بن الشهيد الوزير، وكان منصب الوزارة إذ ذاك له أبهة ما في الجملة، والقاضي ~~شهاب الدين الحسباني الشافعي، والقاضي برهان الدين إبراهيم بن القوسه ~~الحنفي نائب الحكم رحمهم الله فأما القاضي الشافعي وهو علاء الدين بن أبي ~~البقاء فإنه هرب مع السلطان، وقاضي القضاة المالكي وهو برهان الدين التادلي ~~فإنه استشهد كما ذكر فخرج هؤلاء الأعيان، وطلبوا منه الأمان، بعد ما وقع ~~المشاورة منهم والاتفاق ونظمت كلمتهم في سلك الوفاق " فصل " ولما ms104 أقلع ~~السلطان بفلك عساكره المشحون، وقع في بحر العساكر التيمورية قاضي القضاة ~~ولي الدين بن خلدون، وكان من أعلام الأعيان، وممن قدم مع السلطان، فلما قتل ~~السلطان وفرك كأنه غافلا فوقع في الشرك، وكان نازلا في المدرسة العادلية، ~~فتوجه هؤلاء الأعيان إليه في تدبير هذه القضية، فوافق فكره فكرهم، فملكوه ~~في ذلك أمرهم، وما وسعهم إلا استصحابه معهم، وكان مالكي المذهب والمنظر، ~~أصمعي الرواية والمخبر، فتوجه معهم بعمامة خفيفة، وهيئة ظريفة، وبرنس كهو ~~رقيق الحاشية، يشبه من دامس الليل الناشئة، فقدموه بين أيديهم، ورضوا ~~بأقواله وأفعاله لهم وعليهم PageV01P054 وحين دخلوا عليه، وقفوا بين يديه، ~~واستمروا واقفين، وجلين خائفين، حتى سمح بجلوسهم، وتسكين نفوسهم، ثم هش ~~إليهم، ومن ضاحكا عليهم، وجعل يراقب أحوالهم، ويسبر بمسبار عقله أقوالهم ~~وأفعالهم ولما رأى شكل ابن خلدون لشكلهم مباينا، قال هذا الرجل ليس من ~~هاهنا، فانفتح للمقال مجال، فبسط لسانه وسيذكر ما قال، ثم طووا بساط الكلام ~~ونشروا سماط الطعام، فكوموا تلالا من اللحم السليق، ووضعوا أمام كل ما به ~~يليق، فبعض تعفف عن ذلك تنزها، وبعض تشاغل عن الأكل بالحديث ولها، وبعض مد ~~يده وأكل وما جبن في مصاف الالتهام ولا نكل، وإلى الأكل أرشدهم، وناداهم ~~وأنشدهم # كلوا أكل من إن عاش أخبر أهله ... وإن مات يلق الله وهو بطين # وكان من جملة الآكلين، قاضي القضاة ولي الدين، ولك ذلك وتيمور يرمقهم، ~~وعينه الخزراء تسرقهم، وكان ابن خلدون أيضا يصوب نحو تيمور الحدق، فإذا نظر ~~إليه أطرق، وإذا ولى عنه رمق، ثم نادى وقال بصوت عال يا مولانا الأمير، ~~الحمد لله العلي الكبير، لقد شرفت بحضوري ملوك الأنام، وأحييت بتواريخي ما ~~مات لهم من أيام، ورأيت من ملوك الغرب فلانا وفلانا، وحضرت كذا وكذا ~~سلطانا، وشهدت مشارق الأرض ومغاربها، وخالطت في كل بقعة أميرها ونائبها، ~~ولكن لله المنة إذا امتد بي زماني، ومن الله علي بأن أحياني، حتى رأيت من ~~هو الملك على الحقيقة، والمسلك شريعة السلطنة على الطريقة، فإن كان طعام ~~الملوك يؤكل ms105 لدفع التلف، فطعام مولانا الأمير يؤكل لذلك ولنيل الفخر والشرف ~~فاهتز تيمور عجبا، وكاد يرقص طربا، وأقبل يوجه الخطاب إليه، وعول في ذلك ~~دون الكل عليه، وسأله عن ملوك الغرب وأخبارها، وأيام دولها وآثارها، فقص ~~عليه من ذلك ما خرع عقله وخلبه، وجلب لبه وسلبه، وكان تيمور في سير الملوك ~~والأمم أمة، وأبا التاريخ شرقا وغربا وأمة، وسيذكر لهذه المعان بديع بيان " ~~فصل " وبينما هم يوما قاعدون في حضرة ذلك البصير، وإذا بالقاضي صدر الدين ~~المناوي في أيديهم أسير، وكان قد تبع السلطان في الهرب، فأدركه في ميسلون ~~الطلب، فقبضوا عليه، وأحضروه بين يديه، وإذا هو بعمامة كالبرج، وأردان ~~كالخرج، فتخطى الرقاب، وجلس من غير إذن فوق الأصحاب، فاستشاط تيمور وملأ ~~المجلس لهبا وانتفخ سحره، وسجر غيظا نحره، وشخر ونخر، ومخر بحر حنقه وزخر، ~~وأمر طائفة من المعتدين، بالتنكيل بالقاضي صدر الدين، فسحبوه سحب الكلاب، ~~ومزقوا ما عليه من ثياب، وأوسعوه سبا وشتما، وأشبعوه ركلا ولكما، ثم أمرهم ~~بتشديد أسره، وتجديد كسره، وترادف الإساءة إليه، وتضاعف الكسرات على رغم ~~التصريفين عليه، فأخرج إخراج الظالم، يوم يولي مدبرا ماله من الله من عاصم ~~ثم تراجع تيمور إلى ما كان فيه، من ترتيب غوائله ودواهيه، فألبس كلا من ~~هؤلاء الأعيان خلعة، وأقامه عنده في عزة ورفعة، ثم ردهم منشرحي الصدور، في ~~دعة وسرور، وفي خاطره شرور وأمور تمور، فساروا وقد صاروا قلت # كالهدى زينه المهدى وعظمه ... وعن قريب لضيف الموت أطعمه # وشرط لهم ولذويهم الأمان، على أن يدفعوا إليه أموال السلطان، وماله ~~وللأمراء من أثقال، وتعلقات وأموال، ودواب ومواش، ومماليك وحواش، ففعلوا ما ~~به أمر، ورفعوا إليه ما بطن من ذلك وما ظهر فأما القلعة فإنها استعدت ~~للحصار، وكان نائبها يدعى أزدار، فحصنها، وبالأهبة الكاملة مكنها، وانتظر ~~من السلطان نجدة، أو مانعا ربانيا يفرج عنه الشدة، فلم يلتفت تيمور في أول ~~الأمر إليها، ولا احتفل بها ولا عرج عليها، بل صرف همه إلى تحصيل الأموال، ~~وتوسيق الأحمال بالأثقال فلما حصل الثقل، وإلى ms106 خزائنه انتقل، طرح على ~~المدينة أموال الأمان، واستعان على استخلاصها بهؤلاء الأعيان، وأقام عليهم ~~دواوينه وكتبته، وأهل الضبط والحرص من مباشريه وحسبته، وفوض ذلك إلى كفاية ~~الله داد، أحد أركان دولته ومن عليه الاعتماد، وهو أخو سيف الدين المار ~~ذكره في أول الكتاب لأمه، وأقام معهم كل جبار عنيد ومن نشأ في حجر الفظاظة ~~ورضع ثدي ظلمه، ونادى بالأمان والاطمئنان، وأن لا يبغي إنسان على إنسان، ~~فمد بعض الجغتاي يده إلى غارة، بعد ما سمعوا هذا النداء واستشهاده ~~PageV01P055 فبلغ ذلك تيمور، فأمر بصلبهم في مكان مشهور، فصلبوهم في ~~الحريرين، برأس سوق البزوريين، ففرح الناس بهذه الفعلة، وأملوا خيره وعدله، ~~وفتحوا من أبواب المدينة باب الصغير، وشرعوا يحررون أمر المدينة على النقير ~~والقطمير، فوزعوا هذه الأموال على الحارات، وتنادى أهل الظلم والعدوان من ~~القريب والغريب يا للثارات، وجعلوا دار الذهب مكان المستخلص، وطفقوا يلقون ~~الناس في ذلك المقنص، وتسلط بعض الناس على البعض، واصطاد أرانب الأرض بكلاب ~~الأرض، وكان فصل الخريف كجيش مصر قد فتل، وفصل الشتاء بزمهريره كجند تيمور ~~بنيرانه على العالم قد نزل، فانتقل إلى القصر الأبلق، ثم إلى بيت الأمير ~~بتخاص وأمر بالقصر أن يهدم ويحرق ودخل إلى المدينة من باب الصغير في جمع ~~كثير، وصلى الجمعة في جامع بني أمية، وقد الحنفية على الشافعية، وخطب به ~~قاضي القضاة محي الدين محمود ابن العز الحنفي المذكور، وجرى ما يطول شرحه ~~من أمور وشرور ووقع بين عبد الجبار بن النعمان الخوارزمي المعتزلي، وبين ~~علماء الشام لا سيما قاضي القضاة تقي الدين إبراهيم بن مفلح الحنبلي، ~~مناظرات ومناقشات، ومباحثات ومراجعات، هو في ذلك كترجمانه، يخاطبهم في جميع ~~ذلك بلسانه، فمنها علي ومعاوية، وما مضى بينهم في تلك القرون الخالية، ~~ومنها أمور يزيد وما يزيد، وقتله الحسين السعيد الشهيد، وإن ذلك ظلم وفسق ~~بلا نكر، ومن استحله فهو واقع في الكفر، ولا شك أن ذلك الفعل الحرام، كان ~~بمظاهرة أهل الشام، فإن كانوا مستحليه فهم كفار، وإن كانوا غير مستحليه فهم ms107 ~~عصاة وبغاة وأشرار، وأن الحاضرين على مذهب الغابرين فحصل منهم في ذلك أنواع ~~الأجوبة، فمنها ما رده، ومنها ما أعجبه، إلى أن أجاب كاتب السر وأجاد، ~~وأصاب فيما قال لو أفاد، أطال الله الكبير، بقاء مولانا الأمير، أما أنا ~~فنسبي متصل بعمر وعثمان، وأن جدي الأعلى كان من أعيان ذلك الزمان، وحضر تلك ~~الوقائع،وخاض هاتيك المعامع، وكان من رجال الحق وأبطال الصدق ومما تواتر من ~~فعله، ووضع الشيء في محله، أنه توصل إلى رأس سيدنا الحسين، ونزهه عما حصل ~~له من ابتذال وشين، ثم نظفه وغسله، وعظمه وقبله، وطيبه وبجله، وواراه في ~~تربة، وعد ذلك عند الله تعالى من أفضل قربة، فلذلك أيها الغام الصيب كنوه ~~بأبي الطيب، وعلى كل تقدير، يا مولانا الأمير، فتلك أمة قد خلت، وهموم ~~وغمام غيومها انجلت، وبما جرعت انقضت، وبما أذاقت مرت أو حلت، وفتن أراحنا ~~الله إذ أزاحنا عنها، ودماء طهر الله سيوفنا منها، وأما الساعة، فاعتقادنا ~~اعتقاد أهل السنة والجماعة فلما سمع هذا الكلام قال يا لله العجب! وما ~~سميتم بأولاد أبي الطيب إلا لهذا السبب، قال نعم، ويشهد لي بذلك القاصي ~~والداني، وأنا محمد بن عمر بن محمد بن أبي القاسم بن عبد المنعم بن محمد بن ~~أبي الطيب العمري العثماني فقال له المعذرة يا طاهر الأسلاف، لولا أني ظاهر ~~العذر لحملتك على عاتقي والأكتاف، ولكن سترى ما أفعله معك ومع أصحابك من ~~التكريم والألطاف، ثم إنه ودعهم، وبالتعظيم والاحترام شيعهم ومنها أنه ~~سألهم كناية، سؤال إضرار ونكاية، فقال ما أعلى الرتب، درجة العلم أو درجة ~~النسب؟ فأدركوا قصده وفهموا، ولكن عن رد الجواب وجموا، وعلم كل منهم أنه قد ~~أبتلي، فابتدر الجواب القاضي شمس الدين النابلسي الحنبلي، وقال درجة العلم ~~أعلى من درجة النسب، ومرتبتها عند الخالق والمخلوق أسنى الرتب، والهجين ~~الفاضل يقدم على الهجان الجاهل، والمقرف المنيف، أولى للإقامة من النسيب ~~الشريف، والدليل في هذا جلي، وهو إجماع الصحابة في تقديم أبي بكر على علي، ~~وقد أجمعوا أن أبا ms108 بكر أعلمهم، وأثبتهم قدما في الإسلام وأقدمهم، وإثبات ~~هذه الدلالة، من قول صاحب الرسالة لا تجتمع أمتي على ضلالة PageV01P056 ثم ~~أخذ في نزع ثيابه، مصيخا لتيمور وما يصدر من جوابه، ففكك أزراره، وقال ~~لنفسه إنما أنت عاره، وكأس الموت لابد من شربها، فسواء ما بين بعدها ~~وقربها، والموت على الشهادة، من أفضل العبادة، وأحسن أحوالها لمن اعتقد أنه ~~إلى الله صائر، كلمة حق عند سلطان جائر، فسأل ما يفعل، هذا المهمل، فقال يا ~~مولانا الجليل، إن فرق عساكرك كأمم بني إسرائيل، وفيهم من ابتدعوا بدعا ~~وتقطعوا في مذاهبهم قطعا، وفرقوا دينهم وكانوا شيعا، ولا شك أن مجالس حضرتك ~~تنقل، وعقائل مباحثها تحل الصدور فتعقل، وإذا ثبت هذا الكلام عني، ووعاه ~~أحد غير سني، خصوصا من ادعى موالاة علي، وتسمى في رفضه أبا بكر بالرافضي، ~~وتحقق مني يقيني، وأنه لا ناصر لي يقيني، فإنه يقتلني جهارا، ويريق دمي ~~نهارا، وإذا كان كذلك فأنا أستعد لهذه السعادة، وأختم أحكام القضاء ~~بالشهادة، فقال لله هذا! ما أفصحه! وأجرأه في الكلام وأوقحه، ثم نظر إلى ~~القوم، وقال لا تدخلن هذا علي بعد اليوم " فصل " وهذا الرجل أعني عبد ~~الجبار كان عالم تيمور وإمامه، وممن يخوض في دماء المسلمين أمامه، وكان ~~عالما فاضلا، فقيها كاملا، بحاثا محققا، أصوليا جدليا مدققا، وأبوه النعمان ~~في سمرقند كان، وهو في الفروع من أعلم أهل الزمان، حتى كان يقال له النعمان ~~الثان، وكان من القائلين بعدم الرؤية في الأخرى، فأعمى الله تعالى بصره ~~كبصيرته في الدنيا، وأكثر علماء عصره بما وراء النهر قرأ عليه الفروع، ونقل ~~عنه مسائل المشروع، ولا خلاف في الفروع بين أهل السنة وأهل الاعتزال، وإنما ~~اختلافهم في أصول الدين في مسائل معدودة سلكوا فيها سبيل الضلال " فصل " ~~وتصدى لاستخلاص الأموال من أهل الشام، كل غشوم ظلام، وكفور صدام، ومن كان ~~في قلة وفاقه، كصدقة بن الجابي وابن المحدث وعبد الملك ابن التكريتي ~~المنبوذ بسماقة، وغيرهم من نظائرهم، من عواقب الظلم وأبنائهم، مع حضور ~~أكابر المدينة ms109 وأعيانها، المار ذكرهم ورؤساء قطانها، فإنه لم يمكنهم في ذلك ~~أن يتخلفوا، ولا يتقاعسوا لحظة ولا يتوقفوا، وبحضور دواوينه وحسابه، وضابطي ~~أمور خزائنه وكتابه، ومنهم خواجه مسعود السمناني، ومولانا عمر وتاج الدين ~~السلماني، كل ذلك في دار الذهب وهو مكان مشهور، ونزل الله داد داخل باب ~~الصغير، في دار ابن مشكور، وجعل كل من في قبيلته من أحد ضغينة، أو سخيمة ~~دفينة، أو غل أو حسد أو حقد أو نكد يغمز على إخوته أولئك الظلمة الفظاظ، ~~والزبانية الشداد الغلاظ وجعلوا # لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا # بل بأدنى إشارة، وأقل عبارة، يبنون على أرض وجود ذلك المسكين من جبال ~~النكال قصور شواهق، وينشئون على حدائق ذاته من سماء العذاب سحاب عقاب ترعد ~~عليه صواعق، وتبرق منه من الدمار والبوار بوارق " فصل " ثم إنه صار في هذه ~~المدة، يحاصر القلعة ويعد لها ما استطاع من عدة، وأمر أن يبني مقابلها بناء ~~يعلوها، ليصعدوا عليها فيهدوها، فجمعوا الأخشاب والأحطاب وعبوها وصبوا ~~فوقها الأحجار والتراب ودكوها، وذلك من جهة الشمال والغرب، ثم علوا عليها ~~وناوشوها الطعن والضرب، وفوض أمر الحصار لأمير من أمرائه الكبار، يدعى جهان ~~شاه، فتكفل بذلك وعاناه، ونصب عليه المجانيق، ونقب تحتها وعلقها والتعاليق، ~~وكان فيها من المقاتلة، فئة غير طائلة، أمثلهم شهاب الدين الزردكاش الدمشقي ~~وشهاب الدين أحمد الزردكاش الحلبي، فأبليا في إهلاك عسكره بلاء حسنا، وكان ~~على جيشه كلما فاء إلى فنائهم وباء مصيبة وفنا، فأهلكا من جيشه بالإحراق، ~~وإرعاد المدافع والإبراق، ما فات العد، وتبدد على دائرة الحد ولكنه لما ~~أحاط بها من بحار بحريته سيل عرم سائلها، وأمطر عليها من سهام غمام رماته ~~وصواعق بوارق كماته صيب وابلها، أتاها العذاب من فوقها ومن تحتها وعن ~~أيمانها وعن شمائلها، وكلت عن المجاذبة والمنابذة أيدي مقاتلتها ~~PageV01P057 فطلبوا الأمان، ونزلوا إليه من غير توان، وكل هذا الأمر المهول ~~والقضاء العجب، في أواخر شهر ربيع الآخر وجمادين وشهر رجب، لكن ما نال من ~~القلعة روما، ms110 إلا بعد محاصرتها ثلاثة وأربعين يوما، وصار في هذه المدة ~~يتطلب الأفاضل، وأصحاب الحرف والصنائع وأرباب الفضائل، ونسج الحريريون له ~~قباء بالحرير والذهب، ليس له درز فإذا هو شيء عجب، وبنى في مقابر باب ~~الصغير قبتين متلاصقتين على تربة زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر ~~بجمع العبيد الزنج واعتنى بجمعهم أكثر من غيرهم وقدم # ذكر ما صنعه بعض الأكياس من الناس # خوفا من أن يحل بهم الباس ووقى بنفائسه النفوس والأنفاس # وكان في صفد، تاجر من أهل البلد، أحد الرؤساء التجار، يدعى علاء الدين ~~وينسب إلى دوادار، كأنه تقدمت له خدمة على السلطان، فولاه حجبة ذلك المكان، ~~فلما توجه النواب إلى حلب، والعادة أن ينوب عن نائب البلدة في غيبته من ~~حجب، ناب عن نائبها ألطنبغا العثماني، وحاجبها علاء الدين الدواداري، فغرق ~~في أسر ذلك الطوفان، كل النواب ومن جملتهم العثماني وابن الطحان، ومات منهم ~~من مات وفر من فر، واستمر في قيد الأسر ألطنبغا وعمر فلما قدم تيمور الشام، ~~وحل بها منه ما يحل من قضاة السوء بأموال الأيتام، شرع كل متول في بلاد، ~~يفعل ما أدى إليه الاجتهاد، فبعض حصن أماكنه، وبعض مكن كمائنه وطائفة ~~استجزت للنقار، وفرقة استوفزت للفرار، وقوم سالوا وسكنوا، وهادوا وهادنوا ~~ففكر علاء الدين المذكور وقدر، وتأمل في خلاص صاحبه وبلده وتبصر، وكان من ~~أبناء الناس، وعنده ذوق الأكياس، واستشار مصيب عقله في ذلك واستنطقه، فقال ~~داره بما معك من مال واترك سرب الفرار ونفقه، وما كذبه إذ قال له كل مداراة ~~عن العرض ستر له وصدقة، وكان ذا مال ممدود، فقال ما ادخرت الدنانير الصفر ~~والدراهم البيض إلا للأيام السود، فطلب من تيمور الرياضة، وأراد أن يجس ~~أولا بمجاملته المخاضة، فعالج هذا الأمر علاج النطس المريض، وبادر ~~بالمهادنة حول الجريض دون القريض، وأرسل إلى تيمور أجناسا من ماله الطويل ~~العريض، واستحال خاطره، واستدعى أوامره، ثم أردفها بأضعافها، وأضعف خواصرها ~~بأردافها فشكر تيمور له صنعه، وزاده ذلك عنده منزلة ورفعة، وأرسل إليه ~~مرسوم ms111 أمان، وأن يعمل هو وأهل بلده بالمجاملة والإحسان، فليؤمن روعهم، ~~وليسكن جنسهم ونوعهم، ولتؤنس وحشتهم، ولتذهب دهشتهم، بحيث أنهم يتبايعون ~~ويتشاورون، وإلى معمليهم من عساكره يتجاورون، وإن استطال أحد من أجناده، ~~ولو أنه من إخوته وأولاده، فليقابله بالمنع والإنكار، والضرب والإشهار، ~~وصار يطلب منه ما أراده، فيرسله إليه بزيادة وكلما زاد فيما يقترحه عليه من ~~نقد وجنس طلبا زاد علاء الدين لذلك نشاطا وطربا، ومن جملة ما اقترح عليه في ~~ذلك المقبض، حمل بصل أبيض، بناء على أن ذلك لا يوجد، في الشام بأسرها فضلا ~~عن صفد، ففي الحال وجد من ذلك ثلاثة أحمال، فأرسلها إليه كما هي، وكان ذلك ~~من الفضل الإلهي، حتى أحبه، وتمنى قربه، وقال فيه بمعنى ما قلت # داريت وقتك واحتميت ... ببذل مالك يا بشر # لو كان مثلك آخر ... في الشام ما سيمت بشر # وتوجه طوائف من العسكر إليهم، وباعوا منهم واشتروا عليهم، واستمرت عقود ~~المصادقة لم تحل، إلى أن قوض خيامه عن دمشق ورحل، فلما أقشع من الشام ضباب ~~ضيره، وامتد في ميدان الرحيل حبل سيره، أعقب علاء الدين الدواداري، قاصدا ~~إلى ذلك الأسد الضاري، ومعه تحف سنية، ونتف ملوكية، ومطالعة فحاويها رائقة، ~~ومعانيها فائقة، وألفاظها بالخضوع والخشوع ناطقة، فيها من الترقيقات ما ~~تقشعر منه الجلود، ويلين له الحديد والصخر الجلمود، ويجري في طبائع الأبدان ~~اليابسة جري الماء في العود وطلب في أثنائها مراحمه في أمر العثماني وابن ~~الطحان، وجز ناصية عبوديتها بمقراض الإعتاق والامتنان، وأن يجعل العفو ~~عنهما شكر القدره، ويفيض عليهما من بحار مراحمه قطرة، وإنهما أقل من أن ~~ينسبا إلى أسره، إذ ملوك الأرض تود لو كانت أطفالا تحت حجره، ورأيه الشريف ~~أعلى، وامتثال ما يبديه من المراسيم أولى PageV01P058 فلما اطلع تيمور على ~~فحواه، وفهم ما أبداه وما أنهاه، وشاهد تخفه وهداياه، وتفكر في أول أمره ما ~~ألحمه معه من الخدم وما أسداه، والخير له تأثير والبادي أكرم، والشر كله ~~تقصير والبادي أظلم قلت # ترقب جزى الحسنى إذا كنت محسنا ... ولا تخشى ms112 من سوء إذا أنت لم تسئ # وقيل # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس # لأن قلبه وإن كان حديدا، وهان صعبه وقد كان شديدا فدعاهما، وأكرم ~~مثواهما، وأحسن إليهما، وذكر لهم شفاعة علاء الدين فيهما، ثم آمنهما الباس ~~وأعطاهما ثلاثة أفراس، للعثماني اثنتان، وواحدة لعمر بن الطحان، ثم أضاف ~~إليهما من أبلغهما المأمن، فوصل كل منهما إلى دار عزته، وحل ذاك في صفده ~~وهذا في غزته " فصل " ولما تنجز لتيمور أخذ القلعة، جهز أمره ورام الرجعة، ~~وقد استخرج منها ما أراد من نفائس وأموال بأنواع العقاب وأصناف العذاب ~~والنكال # ذكر معنى كتاب أرسل إليه # على يد بيسق بعدما فروا من بين يديه # وقيل إن السلطان لما هرب، أرسل إليه كتابا أقام فيه عليه الحرب، فمن ~~معناه، وفحوى ما عناه لا تحسب أننا جزعنا منك، أو فررنا عنك، وإنما بعض ~~مماليكنا قوى أنفاسه، وأخرج عن ربقة الطاعة رأسه، وتصور أن كل من خرج عرج، ~~ولم يعتبر بمن رام للارتقاء سلما فدرج، وأراد بذلك مثلك القاء الفساد، ~~وهلاك العباد والبلاد، وهيهات فإن دون مرامه خرط القتاد، والكريم إذا بدا ~~بجسمه مرضان داوى الأخطر، ورأيناك أنت أهون الخطبين وأحقر فثنى عزمنا ~~الشريف عنانه، ليعرك من ذلك القليل الأدب آذانه، ويقيم في نظم طاعته ~~ميزانه، وأيم الله لنكرن كرة الأسد الغضبان، ولنوردن منك ومن عسكرك نواهل ~~القنا موارد الأضغان، ولنحصدنكم حصد الهشيم، ولندوسنكم دوس الحطيم، ~~فلتلفظنكم رحى الحرب في كل طريق، لما تعانون من غليظ الطعن وجليل الضرب لفظ ~~الدقيق، ولنضيقن عليكم سبل الخلاص، فلتنادن " ولات حين مناص " أو نحو هذه ~~الترهات، ومثل هذه الخرافات، التي هي كالملح على الجروح، وكالريح عند خروج ~~الروح، ولو كان بدل هذا الكلام الذي لا طائل فيه، والخطاب الهذيان الذي ~~تمجه الآذان وترميه، ما يستميل خاطره، ويطفئ من لهيب غضبه النائرة، مع شيء ~~من الهدايا والتقادم، وإبراز قضاياهم في صورة المعتذر النادم، ربما كان كسر ~~من غيظه، أو همد من حنقه وبرد من ms113 قيظه، وإنما فعلوا تلك المعذرة، بعد حريق ~~دمشق وخراب البصرة، وأرسلوا الخدم والهدايا صحبة النعام والزرافات، وقد ~~أعجز التدارك وفات وصاروا كما قيل # ذو الجهل يفعل ما ذو العقل يفعله ... في النائبات ولكن بعدما افتضحا # وكما قيل وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل " فصل " ذكر بيسق هذا قال لما ~~مثلت بين يديه، وأديت الرسالة، وقرئ الكتاب عليه، قال لي قل الحق، ما اسمك؟ ~~قلت بيسق، قال ما مدلول هذا اللفظ المزري؟ قلت له يا مولانا لا أدري، فقال ~~أنت لا تعرف مدلول اسمك يا ثعالة، فكيف تصلح لتحمل الرسالة، ولولا أن عادة ~~الملوك أن لا يهيجوا الرسل، وقد مهدوا على ذلك القواعد وسلكوا السبل، وأنا ~~أولى من يتبع آثار السلاطين، ويحيي سنن الملوك الماضين، لفعلت معك ما يجب ~~فعله، ولأوصلتك ما أنت أهله، وبعد هذا فلا عتب عليك، وإنما اللوم على من ~~تقدم بهذا الأمر إليك، ولا حرج عليه أيضا لأن ذلك مبلغ علمه، ومدرك عقله ~~وفهمه، وقد ظهر بفعله الوبيل، نتيجة ما قيل # تخير إذا ما كنت في الأمر مرسلا ... فمبلغ آراء الرجال رسولها # ثم قال لي توجه إلى قلعتكم، ومكان عزتكم ومنعتكم، فذهبت فوجدتها قد دكت ~~دكا، وسيم حرمها وحريمها خسفا وهتكا، ثم أتيته، وذكرت له ما رأيته، فقال إن ~~مرسلك أقل من أن أجامله، وأذل من أن أراسله، ولكن قل له إني واصل إليه على ~~عقبك، وها أنا مشبت مخاليب أسودي بذنبك، فليشمر للقرار أو للفرار الذيل، ~~وليعد لأيهما اختار ما استطاع من قوة ومن رباط الخيل، ثم أمر بي فأخرجت، ~~وما صدقت أن تصوبت! إلى جهة مصر ودحرجت " فصل " وحين ملأ جراب طمعه من ~~نفائس ردنه، واستدر خلفاتها شيئا فشيئا صافيا ورونقا حتى صفاها بقطنه، أمر ~~بتعذيب هؤلاء الأعيان الكبار، فعذبوهم بالماء والملح وسففوهم الرماد والكلس ~~وكووهم بالنار، واستخرجوا خبء الأموال منهم استخراج الزيت بالمعصار ~~PageV01P059 ثم أطلق عنان الإذن لعساكره بالنهب العام، والسبي الطام، ~~والفتك والقتل والإحراق، والتقيد بالأسر على الإطلاق، فهجمت أولئك الكفرة ~~الفجرة على ms114 ذلك أشد الهجوم، وانقضوا على الناس بالتعذيب، والتثريب ~~والتخريب، انقضاض النجوم، واهتزوا وربوا، وفتكوا وسبوا، وصالوا على ~~المسلمين وأهل الذمم، صولة الذئاب الضواري على ضواني الغنم، وفعلوا مالا ~~يليق فعله، ولا يجمل ذكره ونقله، وأسروا المخدرات، وكشفوا غطاء المسترات، ~~واستنزلوا شموس الخدور، من أفلاك القصور، وبدور الجمال من سماء الدلال ~~وعذبوا الكبار والأكابر بأنواع العذاب وبدا للخلق ما لم يكن في الحساب، ~~واستخلصوا بإصلاء جواهر الناس النار منهم خلاصات الذهب، وصنفوا في استخراج ~~النفائس من النفوس بأصناف العذاب مسائل يقضي منها العجب وفرقوا بين الوالدة ~~وولدها، والروح وجسدها، وذهلت كل مرضعة عما أرضعت، وجازوا كل نفس بما صنعت، ~~وبغير ما صنعت، وفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، وصار لكل ~~منهم يومئذ شأن يغنيه، وذل العزيز والكريم، وهان الخطير والجسيم، وطم ~~البلاء، وعم القضاء، وطاشت الحلوم، وتبلدت الفهوم، وتراكمت غيوم الغموم، ~~فأقسم بالله لقد كانت تلك الأيام، علامة من علامات يوم القيامة، وأسفرت تلك ~~الساعة، عن اشراط الساعة، واستمر هذا النهب العام، نحوا من ثلاثة أيام # ذكر إلقائهم النار في البلد لمحو الآثار # ثم إنهم لما أنهوا العيث والعبث، وقضوا في حج فسادهم التفث، وأتموه ~~بالفسق والجدال والرفث، وطافوا وسعوا في المنكرات، ورموا في البيوت النار ~~وفي القلوب الجمرات، وأفاضوا ما أراقوا من دماء المسلمين الواقعين في ~~الإحصار، رملوا في أشواط الإحراق فأرسلوا في حرم المدينة شواظا من نار وكان ~~فيهم من روافض الخراسانية، فأطلقوا النار في جامع بني أمية فتشبثت النار ~~بلهيبها، وساعدت الريح بهبوبها، فتساوقا في محو الآثار ريحا ونارا، واستمر ~~على ذلك بإذن الله تعالى ليلا ونهارا، فاحترق ما بقي من النفائس والنفوس، ~~وانمحى بلسان النار ما سطر على لوح وجود المدينة من الدروس، فأمست تلك ~~المغاني لا يسمع فيها ولا الهمس، وأصبحت " حصيدا كأن لم تغن بالأمس " وذلك ~~بعد أن أظهروا ما أخذوا من أموال وأوسقوا منه الأحمال # إقلاع هاتيك الرزايا وإقشاع غمام # تلك الدواهي والبلايا عن بلاد الشام بما تحمله من أوزار وخطايا وآثام ms115 # ثم ارتحل ذلك الفتان، وأقلع صيب بلائه الهتان، يوم السبت ثالث شعبان، وقد ~~أخذوا من نفائس الأموال فوق طاقتهم، وتحملوا من ذلك ما عجزت عنه قوى ~~استطاعتهم، فجعلوا يطرحون ذلك في الدروب والمنازل، ويلقونه شيئا فشيئا في ~~أوعار المراحل، وذلك لكثرة الحمل وقلة الحوامل، وأضحت القفار والبراري، ~~والجبال والصحاري، من الأمتعة والأقمشة، كأنها أسواق الدهشة، وكأن الأرض ~~فتحت خزائنها، وأظهرت من المعادن والفلزات كامنها قلت بديها # وصار لسان شرهم ينادي ... على قنن الشواهق والبوادي # الأذى شنشنه عرفناها، وعادة فساد الفناها، ومن ملكنا ودينه اقترفناها، ~~نهبنا أموال المسلمين وحفظناها، وما في وجهها صرفناها " ولكنا حملنا أوزار ~~من زينة القوم فقذفناها " ومع ذلك فلو أخذ من نفائس دمشق أضعاف ما أخذ، ~~وفلذ من أكباد ذخائرها آلاف ما فلذ، ما غاض ذلك ما في يمينها، ولا نقص من ~~بحار معينها ولكن النار كانت هي البلاء الداهي، والمصاب المتناهي، لأنها ~~أحرقت غالب من كان داخل البلد، لعدم الغواث، فما ظنك بما يكون من العمائر ~~والأقمشة والأثاث، وضريت الكلاب بأكل لحوم من مات داخل البلد، فما صار يجسر ~~على العبور إلى جامع بني أمية أحد # ذكر ما جرى في مصر وسائر الأقطار # عند سماعهم هذه الأخبار واستيقانهم هذه الأهوال والأخطار PageV01P060 ~~فأما مصر فما دونها من البلاد فإنها تخبطت، وانحلت قواها وأيديها تربطت، ~~وعدمت القرار، واستعدت للفرار، فلو رأيت الناس وهم حيارى " سكارى وما هم ~~بسكارى " أبدانهم راجفة، وقلوبهم واجفة، وأصواتهم خافتة، وأبصارهم باهتة، ~~وشفاههم يابسة، وصورهم بائسة، ووجوههم باسرة " تظن أن يفعل بها فاقرة " وقد ~~استوفز كل أهل الأمصار، وسكان الأنجاد والأغوار، وقد أصاخ لما يرد عليه من ~~جلي الأخبار، فبنى على ذلك ما يكون من متعلقات الحركة والسكون، فأخذ تيمور ~~على طريقته العوجا، ورجع على سبيل بغيه التي اتخذها شرعة ونهجا، وقد سدت ~~عساكره الآفاق والأكناف، وعمت هيبته الأرجاء والأطراف # ذكر من أصيب من سهام القضاء بالرشق # ووقع في مخالب أسره من أعيان دمشق # وأخذ من أعيان الشام، ومشاهيرها الأعلام، قاضي القضاة محي الدين ms116 بن العز ~~الحنفي بعد أن عاقبوه بأنواع العقاب وكووه، وسقوه الماء والملح وبالكلس ~~والنار شووه، وولده قاضي القضاة شهاب الدين أبو العباس، فوصلا إلى تبريز ~~ومكثا بها مدة في شدة وبأس، ثم رجعا إلى الشام، وأخذ أمرهما في الانتظام، ~~وقاضي القضاة شمس الدين النابلسي الحنبلي، وقاضي القضاة صدر الدين المناوي ~~الشافعي، فتوفي إلى رحمة الله الوهاب، غريقا في نهر الزاب، وشهاب الدين ~~أحمد بن الشهيد المعتبر، وكان متحملا أوزار الوزر بعد أن راموا عذابه، ~~وطلبوا عقابه، وكان قد جهز متعلقيه إلى الأماكن البعيدة، وأقام هو في دمشق ~~في جريده، فذكر لهم حكايته، وبذل لهم في دفع موجوده طاقته، فأخذوا ما أخفاه ~~خفية ولم يعذبوه، ولكنهم بالأهبة والقلة استصحبوه، فوصل إلى سمرقند وقاسى ~~بها من صروف الزمن، أنواعا من غربة وفقر ومحن، ثم رجع إلى دمشق وتوفي بها ~~رحمه الله تعالى ومن الأمراء الخاص، الأمير الكبير بتخاص، وكان مقيدا معه ~~ومات، عند وصوله إلى الفرات فأما القاضي ناصر الدين ابن أبي الطيب فإنهم ~~عاقبوه بكل بلية، وكان رقيق البدن لطيف المزاج سوداويه فما كان عنده لذلك ~~ثبات، فأعجزهم عما يرومون منه بالموت وفات، فمات واستراح، وشرب من الشهادة ~~كأس مدام جاءه وراح، فدفنوه عشية، بالمدرسة الكروسية ولما شرع في النهب ~~العام المبرح، استشهد غلطا قاضي القضاة تقي الدين ابن مفلح، وبرهان الدين ~~بن القوشة، ضعف سبعة عشر يوما، وانقطع في حارة تل الجبن ولحق بالأموات ~~قوما، وكانوا قد حرجوا على الأحياء والأموات، وخافوا أن لا يكون لأحد من ~~أيديهم بحجة الوفاة فوات، فضبطوا بيوت المدينة بيتا بيتا، وحرجوا أن لا ~~تخرج الأحياء ولا تجهيز الموتى، فلما مات المذكور تعسرت الأمور، فتحيروا في ~~تجهيزه، وتغلبوا في أمره وتنجيزه، ثم بعد جهد بليغ وسعي كثير، دفنوه في ~~الصالحية بعد إخراجه من باب الصغير وخرج مع تيمور بالاختيار من الشام عبد ~~الملك بن التكريتي، فولاه نيابة سيرام، فمكث فيها القليل من الأيام، وهي ~~وراء سيحون، وشخص آخر يدعى بيلبغا المجنون، وكان مقربا عنده، وسبب ms117 ذلك أنه ~~بذل في مناصحته جهده، وأخبره على ما قيل بفداوى، فخلصه بذلك من المهالك ~~والمهاوي، وحصل له بذلك قربة، وزيادة ملازمة وصحبة، فولاه ذلك الجاس، نيابة ~~مدينة تدعى ينكي تلاس، وراء نهر خجند، نحو خمسة عشر يوما عن سمرقند، بينها ~~وبين سيرام، نحو من أربعة أيام وكان اسم ذلك المأبون، أحمد فتقلب يلبغا ~~المجنون وأخذ من دمشق أرباب الفضل وأهل الصنائع، وكل ماهر في فن من الفنون ~~بارع، من النساجين والخياطين، والحجارين والنجارين، والأقباعية والبياطرة ~~والخيمية، والنقاشين والقواسين والبازدارية، وفي الجملة أهل أي فن كان، ~~وجمع كما ذكر السودان PageV01P061 وفرق هؤلاء الطوائف على رؤوس الجند، ~~وأمرهم أن يوصلوهم له إلى سمرقند، وأخذ جمال الدين رئيس الطب، وشهاب الدين ~~أحمد الزردكاش، وكان في القلعة كما ذكر، وأباد من عسكره خلقا لا يحصون، ولا ~~يحصرون كثرة ولا يستقصون، وكان في حدود التسعين وقد احدودب، فلما رآه قابله ~~بالسخط والغضب، وقال له إنك أفنيت صاغيتي، وحصيت غاشيتي، وقصيت حاشيتي، فإن ~~قتلتك مرة واحدة لا يشفى غليلي، ولا يبرد عليلي، ولكن أعذبك على كبر سنك، ~~وأزيدك كسرا على كسرك، ووهنا على وهنك، فقيده بقيد من فوق ركبتيه، زنته ~~سبعة أرطال ونصف رطل بالدمشقي، وقصد بذلك التشديد عليه، فلم يزل مقيدا، ~~مكتوبا على قيده مخلدا أبدا، حتى مات تيمور، وارتفعت الشرور، وخلص من القيد ~~ذلك المأسور، ثم توفى إلى رحمة الله تعالى وربما يكون أخذ أناسا من ~~الفضلاء، والأعيان والسادات والنبلاء، من لا أعرفه، فكيف أصفه كذلك كل أمير ~~من أمرائه، وزعيم من زعمائه، أخذ من الفقهاء والعلماء، وحفاظ القرآن ~~والفضلاء، وأهل الحرف والصناعات، والعبيد والنساء والصبيان والبنات، مالا ~~يسع الضبط، ولا يحل الربط، وكذلك كل من عسكره كبيرا وصغيرا، آسرا وأسيرا ~~لأنه ما تم حرج على ما نهب شيئا وعزله، وكل من سبقت يده إلى شيء فهو له، ~~وهذا إذا أطلق عنان الإذن بالنهب العام، تساوى فيه الخواص من عسكره ~~والعوام، ولو كان الناهب أسيرا فيهم، أو دخيلا عليهم، والسالب من غير ~~طينتهم، ms118 ولكن أبيح له ذلك لما سار بسيرتهم، وتخلق بشيمتهم، وأطلق عليه ~~حكمهم، وأجرى عليه شكمهم، فأما قبل الإذن فلو تعدى أحد على أحد، وكان عند ~~تيمور بمنزلة الوالد أو الولد، أو استطال بمقدار حبة، أو تلفظ بغارة أو ~~نهبة، فإنه يهدر ماله ودمه، ويهتك حرمته وحرمه، ولا ينجيه استغفاره وندمه، ~~ولا يجديه أهله وخدمه، ولا يقال لعا لمن زلت به قدمه، وكانت هذه قاعدة لا ~~تخرم، وبنية لا تهدم # ذكر ما أباد بعد الجراد # ولما فرغ من مستغلات أموال دمشق الحصاد، وقارب الرحيل عنها أعقبه لقاط ~~الجراد، وصار يسير معه حتى بلغ ماردين وبغداد، فأعرى كل شجراء ومردا، وجرد ~~ما على وجه الأرض جردا، فوصل إلى حمص وما نهبها، ولخالد رضي الله عنه كما ~~ذكر وهبها، ولكن نهبوا قراها، وهدموا قواها، ثم إلى حماة فنهبوا نفائسها، ~~واستخرجوا مكامنها، وأسروا عرائسها، واستملكوا كنائنها وفي سابع عشر رمضان، ~~انصب إلى الجبول ذلك الطوفان، وأرسل إلى حلب وأخذ من قلعتها ما استودعها، ~~ثم إلى الفرات وعبرها بالمراكب وغيرها فقطعها، ثم إلى الرها فنهبها واستحلب ~~درها ثم أرسل ذلك الغادر، رسوله إلى ماردين يستدعي الملك الظاهر، وديباجة ~~كتابه الدقل، على ما نقل # سلام عليكم والعهود بحالها ... لقد بلغ الأشواق منا كمالها # فأبى أن ينزل إليه، ولا استمع كلامه ولا التفت إليه، لأنه كان آذاه كما ~~ذكر أول مرة، فما احتاج إلى تجربته آخر كرة، فسلك معه بر السلامة وقال من ~~جرب المجرب حلت به الندامة ولكن أرسل إليه قاصدا من بعض الخدم، يدعى الحاج ~~محمد بن خاص بك ومعه التقادم والخدم، واعتذر عن الحضور، بعدة أمور، وعنوان ~~جوابه، موافق لخطابه، وهو # فشوقي إليكم زائد الحد وصفه ... ولكن تخاف النفس مما جرى لها # فلم يلتفت تيمور إلى هذا الكلام، وأخذ يعنف نفسه بأنواع الملام، كيف خلص ~~من مخاليبه أول مرة بسلام # ذكر وروده ماردين بالهيبة # وصدوره عنها بعد المحاصرة بالخيبة # فوصلوا يوم الاثنين عاشر شهر رمضان واردين ماردين، فنزلوا دنسير، وغدوا ~~للحصار قاصدين، وإذا بأهلها ms119 وقد أخلوا المدينة، وانتقلوا إلى قلعتهم ~~الحصينة # صفة هذه القلعة PageV01P062 وهذه القلعة عنقاء قلتها تكبر أن تصاد، ~~وعرنين عانسها يأبى أن يدخل لخاطب تحت مقود انقياد، لأنها في قلة من القلل، ~~على ظهر جبل، لم يكن فرق بينه وبين قبة الأفلاك، إلا أن تلك لا ثبات لها ~~وهذا ثابت ليس به حراك، بظهره واد بطنه أوسع من صدر الأحرار، فيه جنات تجري ~~من تحتها الأنهار، وبه مطارح الزروع، ومسارح المواشي والضروع، وحدود جروف ~~لا تصل همم ذوي الكرم إلى أرجائها، وحروف يعجز قارئ التفكير عن تعديد ~~هجائها، وطريقه من القلعة أو على القلعة، والقلعة في غاية المناعة والرفعة، ~~والمدينة مبنية حواليها، متشبثة بذيلها، تأكل من فضلات نعمها، وتشرب من ~~فائض سيلها، فهم بين نعمهم ونقمهم يترددون، وفي السماء رزقهم وما يوعدون ~~فأقام لمحاصرتها على مضائقها، يسترشد إلى طرق المضايقة وطرائقها، ولم يكن ~~حواليها مكان للقتال، ولا لنصب المجانيق مجال، فعول على نقبها بالمعاول ~~والفؤوس، واستعان على ذلك بالمقاول والرؤوس، وحاشا درز ذيل حشمتها وعصمتها ~~أن يسام فتقا، لأنها وإن كانت عذراء قد أعجزت الفحول لكونها رتقا، فلازالت ~~المعاول تفل، والفطاطيس تكل، ومناقير القوس تتعقف، وخصور المرازب كهيف ~~القدود تتقصف قلت # كأن معولهم في ثقب تربتها ... منقار طير على صلد من الحجر # أو عذل ذي حسد صبا به صمم ... أو غمز عين معنى فاقد البصر # واستمر على اللدد والخصام، إلى العشرين من شهر الصيام، ولم يحصل على ~~طائل، ولم يظفر بمرام # ذكر تركه في المحاصرة، العناد # والمكابرة، وتوجهه بمارديه ذوي الفساد عن ماردين إلى بغداد # ولما علم أنه منى منها بالداهية الدهيا، وطلاب مالا يستطاع عيا، ~~والمكابرة مع الحق خروج عن المنهج، والبلاغة في غير مقامها عي لجلج، ستر ~~عيبه، وأبقى بعض الحرمة والهيبة، وخرب المدينة وأسوارها، ومحا آثارها، وهدم ~~مآذنها وجوامعها ومنارها، وفك أساسها وأحجارها، ثم انحدر إلى بغداد، بعساكر ~~كالذر والفراش والجراد، وجهز بعض الثقل إلى سمرقند مع الله داد، فوصلوا إلى ~~مدينة صور وليس فيها بيت مشاد، ثم ms120 إلى أخلاط وعيد الجوز وهي بلاد الأكراد، ~~آهلة عامرة البنيان، وأول ما هو جار تحت حكمه من ولايات تبريز وأذربيجان ~~فعيد الثقل بعيد الجوز عيد رمضان، ثم دخلوا إلى ولايات تبريز ثم إلى ~~سلطانية ثم إلى ممالك خراسان وكان إذ ذاك وقد خرج فصل الشتاء، وفصل الربيع ~~تزين وأتى، وصفحات الرياض بأنامل صباغ القدرة تلونت، وعروس الروض قد أخذت ~~من صواغ الحكمة زخرفها وازينت، والأطيار في الأزهار، ما بين مائة بلبل وألف ~~هزار، وقد شنفت الأسماع، وأقامت السماع، واستمالت الطباع برخيم صوتها، ~~وأحيت آثار رحمة الله على الأرض بعد موتها، ولا زال الثقل بين تأويب ~~وادلاج، وسير ولا سير الحاج، كل يوم في مرحلة وكل ليلة في مقام، فوصلوا إلى ~~نيسابور ثم إلى جام، ثم قطعوا مفاوز باورد وماخان، ثم إلى اندخوى وانتهوا ~~إلى نهر جيحون، فعبروه بالمراكب، وساروا سير النجم الثاقب ولم يزالوا ~~منبعثين على ذلك انبعاثا، فوصلوا إلى سمرقند ثالث عشر المحرم يوم الثلاثاء، ~~سنة أربع وثمانمائة، وفيهم من أهل الشام فئة، أمثلهم القاضي شهاب الدين ~~أحمد بن الشهيد الوزير، وباقيهم بياطرة، وصباغون ونساجة الحرير، وهذا أول ~~ما تحمله من الشام من أحمال الأثقال، وباكورة ما وصل إلى سمرقند مما جناه ~~من ثمر الأساري والأموال، ثم أرسل الأثقال تترى، بالأنفال وأحمال الأموال ~~والأسرى " فصل " ثم إن تيمور ولى آمد قرايلوك عثمان، وولى عن ماردين يوم ~~الخميس العشرين من شهر رمضان، وكان خامس أيار، وجعل يعيث في تلك الديار، ~~وخرب نصيبين ورعى مستغلاتها، ثم محا من صحف الوجود صور سورها وآياتها، ~~وكانت خالية من سكانها خاوية من عامري عمرانها، ثم وجه إلى الموصل همه، ~~وأخنى عليها بكتائبه المدلهمة، فبعد أن أحلها الحين وهبها لحسين بك بير ~~حسين، ثم جمز بزمجره، ناحية القنطرة، وأشاع أنه كف فساده، وقصد بلاده، ولكن ~~السلطان أحمد كان قد تحقق أنه قاصد بغداده، وقد أوهم وورى كما له بذلك دأب ~~وعادة # ذكر ما فعله السلطان أحمد # بن الشيخ أويس، لما بلغه أنه توجه إلى ذلك ms121 النحيس PageV01P063 فلما بلغ ~~السلطان أحمد أن تيمور بعد أن تدمشق تمرد، ثم عزم على أن يتبغدد، وقال ~~العود أحمد، استعد ولكن للفرار، واستقر رأيه على أن لا قرار، ثم استناب ~~نائبا يدعى فرج، وأوصى إليه وإلى ابن البليقي بأمور وصحبة قرا يوسف إلى ~~الروم خرج، وكان من جملة ما وصى به أن لا يغلق في وجه تيمور باب، ولا يسدل ~~دون ما يرومه حجاب، ولا يشهر في وجهه سيف، ولا يقابل فيما يأمر به بلم وكيف ~~فبلغ تيمور هذه الأمور، فجهز ذلك المخاتل، إلى بغداد عشرين ألف مقاتل، وأمر ~~عليهم من أمرائه، ورؤساء وزرائه، والظلمة المعتدين، أمير زاده رستم وجلال ~~الإسلامي وشيخ نور الدين، وأمر أن يكون المقدم، من الثلاثة الأمير رستم، ~~فإذا تسلموا بغداد، يكون هو حاكم البلاد، وحين غربت عن سماء بغداد شمس ~~السلطان أحمد في غرب الغربة، ومد ظلام الظلم جناح العساكر التيمورية على ~~آفاقها وأرسل عليه شهبه، أبى فرج المذكور، أن يسلم المدينة طوعا، واستعد ~~للمقاتلة فجمع ما عنده من أهبة المحاصرة فأوعى، فأطلعوا تيمور على هذا ~~الأمر، وانتظروا ما يكون منه من نهي وأمر، فثنى نحوها عنان الحنق، وأضمر ما ~~تصل إليه يده من غرق وحرق، وأطل عليهم بغمام غم بعدما رعد وبرق، فوصل بتلك ~~الفرق، وأحل بهم البؤس والقلق، وأذاقهم لباس الجوع والغرق، فرجهم أي رج، ~~وحاصرهم في أشهر الحج، فثبتت مقاتلتهم وأكثروا من عساكره القتلى والجرحى، ~~فحنق أشد الحنق، وزحف عليهم برجله وخيله فأخذها عنوة يوم الأضحى، فتقرب على ~~زعمه بأن جعل المسلمين قرابين وعليهم ضحى ثم أمر من هو في دفتر ديوانه ~~محسوب، وإلى يزك عساكره من الجند والجيش منسوب، أن يأتيه من رؤوس أهل بغداد ~~برأسين، فسقوا كل واحد من خمرة سلب الروح والمال كأسين، ثم أتوا بهم فرادى ~~وجملة، وجاروا بسيل دمائهم نهر الدجلة وطرحوا أبدانهم في تلك الميادين، ~~وجمعوا رؤوسهم فبنى بها مآذين، فقتلوا من أهل بغداد نحوا من تسعين ألف نفس ~~صبرا، وبعضهم عجز عن تحصيل البغدادين فقطع ms122 رؤوس من معه من أهل الشام وغيرها ~~أسرى، وعجز بعض عن رؤوس الرجال، فقطع رؤوس ربات الحجال، وبعض لم يكن معه ~~رقيق، فاصطاد من وجده في طريق، أو اغتال من معه من رفيق، وفدى نفسه بعدو ~~وصديق، ولم يلتفت إلى شفيق وشقيق، إذ لم يمكنهم الخروج عن ربقة الطاعة، ولا ~~يقبل منهم عدل ولا تنفعهم شفاعة وهذا العدد المذكور، سوى من قتل وهو محصور ~~أو قتل في مضيق، أو مات في الدجلة وهو غريق، فقد ذكر أن خلقا ألقوا أنفسهم ~~في الماء وماتوا غرقى، ومن جملتهم فرج فإنه ركب سفينة وأبق، فاحتوشوه من ~~الجانبين بالسهام فجرحوه وانقلبت السفينة فأدركه الغرق، فبنى من المآذين ~~نحوا من مائة وعشرين، كذا أخبرني القاضي تاج الدين أحمد والنعمان الحنفي ~~الحاكم ببغداد كان، وتوفى غرة المحرم سنة أربع وثلاثين وثمانمائة بدمشق ~~رحمه الله تعالى ثم إن تيمور خرب المدينة، بعد أن أخذ ما بها من أموال ~~خزينة، وأفقر أهلها، وأقفر منازلها، وجعل عاليها سافلها، وصارت بعد أن كانت ~~مدينة السلام، دار السام، وأسروا من بقي من ضعفة أهلها فتمزق، ومزقتهم أيدي ~~الزمان كل ممزق، بعد أن كانوا في ظلال ودلال، ومن مساكنهم في جنتين عن يمين ~~وشمال، فاليوم عشش البوم والغراب أماكنهم، وأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، ~~وهذه المدينة هي أشهر من أن توصف، وعرف عارفتها وعرفانها أذكى من أن يعرف، ~~ناهيك، أنها كاسمها مدينة السلام، وأنه على ما قيل لم يمت بها إمام # ذكر رجوع ذلك الطاغ وإقامته في قراباغ # ثم ألوى بتلك الأتراك التي يصح أن يقال لكل منهم أنه في التركية طاغية ~~طاغ وعزم أن يشت في مكان يصلح أن يكون في الترك والعرب كصفاته وذاته ~~قراباغ، وأمسى كالبازي المطل بل كالبوم في الشؤم مراقبا أطراف الآفاق ~~وخصوصا ممالك الروم # ذكر مراسلة ذلك المريد سلطان # الروم يلدريم بايزيد PageV01P064 فراسل سلطانها بايزيد المجاهد الغاز، ~~وصرح بما يروم من بلاد الروم، من غير كناية وألغاز، وجعل السلطان أحمد وقرا ~~يوسف سببا، وذكر أنهما من ms123 سطوات سيوفه هربا، وأنهما مادة الفساد، وبوار ~~البلاد، ودمار العباد، وسنخ الخمول والإدبار، وكفرعون وهامان في العلو ~~والاستكبار، " إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين " وقد صارا بمن معهما ~~في حمى ذراكم، لاطئين، وأينما حلوا حلت التعاسة والشوم، وحاشا أن يكون ~~مثلهما من المفلوكين تحت جناح صاحب الروم، فإياكم أن تأووهم بل أخرجوهم، ~~وخذوهم واحصروهم " واقتلوهم حيث وجدتموهم " وإياكم ومخالفة أمرنا، فتحل ~~عليكم دائرة قهرنا، فقد سمعتم قضايا مخالفينا وأضرابهم، وما نزل بهم منا في ~~حرابهم وضرابهم " وتبين لكم كيف فعلنا بهم " فلا تكثروا بيننا وبينكم القيل ~~والقال، فضلا عن جدال وقتال، فقد بينا لكم البراهين وضربنا لكم الأمثال، ~~وفي أثناء ذلك أنواع التهديد والتخويف، وأضاف التهويل والأراجيف وكان ابن ~~عثمان عنده رقاعة وشجاعة، ولم يكن عنده صبر ساعة، مع أنه كان من الملوك ~~العادلين، وعنده تقوى وصلابة في الدين، وكان إذا تكلم وهو في صدر مكان، فلا ~~يزال في حركة واضطراب حتى يصل إلى طرف الإيوان وكان بواسطة عدله ساعده ~~الزمان، وقويت شوكته في المكان، فاستصفى ممالك قرمان، وقتل ملكها السلطان ~~علاء الدين وأسر له عنده ولدان، واستولى على ممالك منتشا وصاروخان، وهرب ~~منه إلى تيمور الأمير يعقوب بن علي شاه حاكم ولايات كرميان، وصفا له من ~~حدود جبل بالقان، من ممالك النصارى إلى ممالك أرزنجان فلما وقف على كتابه، ~~وفهم فحوى خطابه، نهض وربض، وامتعض وارتمض، ورفع صوته وخفض، وكأنه تجرع ~~نقوع الحضض، ثم قال أو يخوفني بهذه الترهات، ويستفزني بهذه الخزعبلات؟ أو ~~يحسب أنني مثل ملوك الأعجام، أو تتار الدشت الأغتام؟ أو في جمع الجنود، ~~كجيش الهنود، أو جندي في الشقاق، كجمع العراق أو ما عندي من غزاة الإسلام، ~~كعساكر الشام، أو أن قفله المجمع كجندي أو ما يعلم أن أخباره عندي؟ وكيف ~~ختل الملوك وختر، وكيف تولى وكفر، وما صدره عنه وعنهم، وكيف كان كل وقت ~~يستضعف طائفة منهم، وأنا أفصل جمل هذه الأمور، وأكشف ما خزنه في التامور ~~أما أول أمره فحرامي سفاك الدم، هتاك الحرم، ms124 نقاض العهود والذمم، طرف منحرف ~~عن الصواب في الخطا، فصال وجال وجار وصار وسطا، ثم طال واستطال، واتسع له ~~المجال، وغفل عن الرجال، ومن حين نبع، استصبى حتى شاب الشيب بالعيب فأدرك ~~وما بلغ، فالتهبت فتيلته بعد أن كانت شرارة، وانتشرت فروع حبته فصارت غرارة ~~أما ملوك العجم فإنه استنزلهم بدخله وختله، ثم استفزهم بخيله ورجله، وبادر ~~إلى قتلهم بعد أن أمكنتهم فرصة قتله وأما توقتاميش خان، فإن غالب عسكره ~~خان، ومن أين للتار الطغام، الضرب بالبتار الحسام؟ وما لهم سوى رشق السهام، ~~بخلاف ضراغم الأورام وأما جنود الهنود، فإنه ختلهم في أمرهم، ورد كيدهم في ~~نحرهم، فوهت أركانهم، لا سيما وقد مات سلطانهم وأما عساكر الشام فأمرهم ~~مشهور، وما جرى عليهم فظاهر غير مستور، ولما مات سلطانهم، وتضعضعت أركانهم، ~~وانقض أمرهم وانفض، وبغى بعضهم على بعض، فقطعت منهم الرؤوس الكبار، ولم يبق ~~فيهم إلا رؤوس صغار، فنثر الزمان نظامهم، وسام التبدد ملكهم وشامهم، مع ~~أنهم في الصور ربيع وفي المعاني جمادى، يرمون بواحدة وهي أنهم يبيتون جميعا ~~ويقومون مثنى وفرادى، لا جرم تفرقت أيادي سبا أحزاب تلك الزمر، فاشتغل جيشه ~~فيها بالمحرم فباض لما خلا له الجو وصفر، ولو كان بينهم اتفاق لفتوه فتا، ~~وبددوا شمله وبتوه بتا، ولكنهم " تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى " ومع اتساق ~~نظامهم، وتسديد سهامهم، وقوة نطاحهم، وشدة كفاحهم، وشدة رماحهم، وكونهم ظهر ~~الحاج، وأسود الهياج، أنى لهم نظام عساكرنا، وقوة القيام بتظافرنا ~~وتناصرنا؟ وكم تفرق بين من تكفل بأمر الحفاة العراة، وبين من تحمل إصر ~~الكماة الغزاة، فإن الحرب دأبنا، والضرب طلابنا، والجهاد صنعتنا، وشرعة ~~الغزاة في سبيل الله تعالى شرعتنا، إن قاتل أحد تكالبا على الدنيا، فنحن ~~المقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، رجالنا باعوا أنفسهم وأموالهم من ~~الله بأن لهم الجنة PageV01P065 فكم لضرباتهم في آذان الكفار من طنة، ~~ولسيوفهم في قلانس القوانس من رنة ولنون قسيهم في خياشهم بني الصليب من ~~غنة، لو سمناهم خوض البحار خاضوها، أو كلفناهم إفاضة دماء الكفار أفاضوها، ms125 ~~وقد أطلوا من صياصيهم على قلع قلاع الكفار وأخنوا عليها، وأمسكوا بعنان ~~أفراسهم فكلما سمعوا هيعة طاروا إليها، لا يقولون لملكهم إذا غمرهم في ~~البلاء والابتلاء إنا هاهنا قاعدون فاذهب أنت وربك فقاتلا ومعنا من الغزاة ~~مشاه، أفرس من فوارس الكماة، أطبارهم باترة، وأظفارهم ظافرة، كالأسود ~~الكاسرة، والنمور الجاسرة، والذئاب الهاصرة، قلوبهم بودادنا عامرة، لا ~~تخامر بواطنهم علينا مخامرة، بل وجوههم في الحرب ناضرة " إلى ربها ناظرة " ~~وحاصل الأمر أن كل أشغالنا، وجل أحوالنا وأفعالنا، جم الكفار ولم الأسرى ~~وضم الغنائم، فنحن المجاهدون في سبيل الله الذين لا يخافون لومة لائم وأنا ~~أعلم أن هذا الكلام يبعثك إلى بلادنا انبعاثا، فإن لم تأت تكن زوجاتك طوالق ~~ثلاثا، وإن قصدت بلادي وفررت عنك ولم أقاتلك البتة، فزوجاتي إذ ذاك طوالق ~~ثلاثا بتة، ثم أنهى خطابه، ورد على هذا الطريق جوابه فلما وقف تيمور على ~~جوابه القلق، قال ابن عثمان مجنون حمق، لأنه أطال وأساء، وختم ما قرأه من ~~كتابه بذكر النساء، لأن ذكر النساء عندهم من العيوب، وأكبر الذنوب، حتى ~~أنهم لا يلفظون بلفظ امرأة ولا بأنثى، وإنما يعبرون عن كل أنثى بلفظ آخر ~~ويحثون على الاحتراز عنه حثا، ولو ولد لأحدهم بنت يقولون ولد له مخدرة، أو ~~ربات الحجال أو مسترة،... أو نحو ذلك # ذكر طيران ذلك البوم وقصده # خراب ممالك الروم # فوجد تيمور إلى التوجه على ابن عثمان السبيل، وطلب الرفيق والطريق، ورام ~~الدليل، وعرض جنده فإذا الوحوش حشرت، وانبثوا على وجه الأرض فإذا الكواكب ~~انتثرت، وماج فإذا الجبال سيرت، وهاج فإذا القبور بعثرت، وسار فزلزلت الأرض ~~زلزالها، ومار فأظهرت القيامة أهوالها، وأرسل إلى ولي عهده، ووصيه من بعده، ~~حفيده محمد سلطان بن جهانكير، أن يتوجه إليه من سمرقند صحبة سيف الدين ~~الأمير وركب إلى الروم الطريق، وساعده الاتفاق لا التوفيق، وجرى بذلك البحر ~~المطلخم، والليل المدلهم، فدار وداخ، وعلى قلعة كماخ أناخ، فإذا هي في ~~الوثاقة كيقين موحد، وفي الرصانة والمناعة كاعتقاد متعبد، لا يقطع خندق ~~مناعتها سهم ms126 وهم، ولا يهتدي إلى الطريق التوصل إليها صائب فهم، مؤسس أركان ~~هضابها معمار القدرة، ومهندس بنيان قبابها نجار الفطرة، ليست بالعالية ~~الشاهقة، ولا بالقصيرة اللاصقة، غير أنها في مناعتها وحصانتها فائقة من ~~إحدى جهاتها نهر الفرات يقبل أقدامها، ومن الجهة الأخرى واد متسع يحفظ ~~أعلامها، لا يمكن للأقدام فيها الثبات، وهو مسيل ماء يصب في نهر الفرات ومن ~~الجهتين الأخريين هضاب، يتلو لسان البصيرة عند وقوع البصر عليها " إن هذا ~~لشيء عجاب " فأخذها من غير كلفة، وولج حرمها من غير طواف بها ولا وقفة، ~~وذلك بعد أن قدم محمد سلطان عليه، ووكل أمر حصارها وقتالها إليه وسبب ذلك ~~أن الوادي الذي وراءها، كان يرد بالخيبة لوعورته من منه جاءها، لكونه مزلة ~~الأقدام، واسع الأفعام بعيد مهوى المرام، لا يثلب لسان السهم له عرض، ولا ~~يثبت له تحت قدم غواص البصر قرار أرض، فبمجرد ما وقع نظره عليها، نظر بعين ~~الفراسة إليها، ثم أمر بقطع الأخشاب، ونقل الأحطاب، فلم يكن إلا كلمح ~~البصر، حتى هدموا البيوت وقطعوا الشجر، ونقلوا جميع ذلك الخشب والأعواد، ~~وطرحوها في قعر ذلك الواد، فساووا به الأرض، وملأوا طوله والعرض، وحين شعر ~~أهل القلعة بهذه الفعال، ألقوا النار والبارود على تلك الأخشاب فأخذت في ~~الاشتعال وأما أساس القلعة فلا ينال، لأنه راكب على قلل الجبال، فلم يبدد ~~ذلك من أمره، ولم يشوش من فكره، بل أمر في الحال، كل واحد من الرجال، أن ~~يأتي من تلك القفار، بعدل من الأحجار، فانبثوا كالنمل والجراد، في تلك ~~المهامه والأطواد، والبراري والمهاد، " وجابوا الصخر بالواد " PageV01P066 ~~ففي الحال ملأوا تلك الدارة، من الحصباء والحجارة، ثم أمر أن يفعل بتلك ~~الحجارة في ذلك المهوى البعيد، ما يفعل بهم في جهنم يوم يقال لها " هل ~~امتلأت وتقول هل من مزيد " فألقوا في ذلك الوادي بعض ما لموه، من أكداس تلك ~~الحجارة فطموه، وبقي في بيادر ذلك الحجر، أخفاف ما رمى من البصر، ولما ~~امتلأ الوادي من الأحجار، مشوا عليها وقربوا من الأسوار، ونصبوا ms127 السلالم ~~وتسلقوا، وبناصية مراميها تعلقوا، فأقلع أهل القلعة عن الكلام، وطلبوا ~~الأمان وقالوا ادخلوها بسلام وكان هذا الحصار والتلجئة، في شوال سنة أربع ~~وثمانمائة، ولما استقر فيها أمر بتلك الأحجار أن تنقل من واديها، ففي الحال ~~سفوها، وفي مكان أخذوها منه رموها، ثم ولى بها شخصا يدعى الشمس، وولى عنها ~~كما ولى أمس وهذه القلعة نحو من نصف يوم عن أرزنجان، ومن القلاع المشهورة ~~في الدنيا بالمناعة والعصيان، فلا جرم حين استولى عليها، وأفضى بصارمه ~~الذكر إليها، وفتحها قهرا، ومنحها جبرا، أبرد بهذا المغنم البارد، إلى كل ~~صادر في ممالكه ووارد بكتب ترجم فيها من الأخبار كل سائح وشارد وعنوان هذه ~~الترجمة، بلفظها من غير ترجمة # بحد سيوف داميات لدى الوغى ... فتحنا بحمد الله حصن كماخ # وذكر فيها ابن عثمان وخطابه إليه، وكيف رد جوابه الحمق عليه، ومن جملته، ~~وبعض ترجمته، إنا ما جفوناه ولا تعدينا عليه، ولكن رققنا له القول وتلطفنا ~~إليه، وقلنا له يخرج من قروح مملكته مادة الفساد، وهي أحمد جلائري وقرا ~~يوسف التركماني اللذان أخربا البلاد، وأهلكا العباد، والرضى بالمعصية ~~معصية، والإقرار على الكفر كفر، والفاسق المحروم البائس، شر من الفاسد ~~الظلوم الملابس، فصارا في الفساد وزيريه وهو الأمير، وفي العناد صغيرين وهو ~~الكبير، وعاشراه على ذلك ووالياه فلبئس المولى وبئس العشير، فأفسداه وما ~~انصلحا، وخسراه وما ربحا، فكأنه عنى شأنهم، من أظهر قولهم وشأنهم بقوله # ولا ينفع الجرباء قرب صحيحه ... إليها ولكن الصحيحة تجرب # ولم يزل على طريقته العوجا، فأشبه لما أجارهم مجير أم عامر العرجا، ~~فنهيناه فما انتهى، ونبهناه فما أرعوى، وأريناه العبر في غيره فما اعتبر، ~~وناداه لسان انتقامنا من المخالفين الحذر الحذر، وكنا وضعنا اسمه مع اسمنا، ~~على عادة حشمتنا وأدبنا في المراسلات ورسمنا، فتعدى طوره، وأبدى جوره، وكان ~~في بعض مراسلاته، وما وضعه في مكاتباته، كتب اسمه تحت اسم طهرتن، وهذا هو ~~الواجب عليه والحسن، ولا شك أن طهرتن بالنسبة إلينا، كبعض خدمنا، وأقل ~~حشمنا ثم إنه أعنى بايزيد لما طالع ms128 كتابنا، ورد جوابنا، وضع اسمه فوق اسمنا ~~بالذهب، وهذا لما فيه من كثرة الحماقة وقلة الأدب، ثم ذكر أنه توجه يروم، ~~استخلاص ممالك الروم، وتشدق في هذا الكتاب، وتفيهق في هذا الخطاب فهو أحد ~~دساتير الكتاب والأساطير المستعان بها في الخطاب والجواب # ؟ذكر ما عزم ابن عثمان عليه # عند انصباب ذلك الطوفان إليه # فلما بلغ ابن عثمان ما قصده، وأنه جعل طالعه في سماء الحرب رصده، توجه ~~لقتاله، واستعد لاستقباله، وكان على مدينة استنبول محاصرا آثمها وكفارها، ~~وقد قارب أن يفتحها وتضع الحرب عنها أوزارها، وأن جنده كان عنده، ولكن أمر ~~بطارقة الغزاة، والشواهين من كواسر جيشه والبزاة، وسراة السرايا وكرام ~~كرميان، وأحلاس خيل السواحل وقروم قرمان، وأجناد ولايات منتشا وأساورة ~~صاروخان، وجمع أمراء التومانات والسناجق، وأصحاب الرايات ورءوس الفيالق، ~~ونواب جميع الثغور والأمكنة، مما هو جار تحت تختي بروسا وأدرنة، وكل من دبج ~~البحر الأخضر من بني الأصفر، من رايته البيضاء بالدم الأحمر، وفاق سويداء ~~كل عدو أزرق، بسهامه السود على جواده الأبلق، أن يعملوا مصلحتهم، ويأخذوا ~~حذرهم وأسلحتهم واستعان في ذلك بكل بطريق وعلج مارجي، داخل في أمان ~~المسلمين على قتال كل باغ وخارجي PageV01P067 واستدعى التتار، وهم قوم ذو ~~يمين ويسار، ناس سواذج، لهم مواشي نواتج، ملأوا الأقطار بمواشيهم، وعلوا ~~الشواهق والبوادي برءوسهم وحواشيهم، ربما يكون لواحد منهم عشرة آلاف جمل، ~~ما منها واحد حمل ومثل ذلك أفراس، ما أسرج لها ظهر ولا ألجم رأس، وأما ~~الغنم والبقر فلا يحصى عددها ولا يحصر " وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي ~~إلا ذكرى للبشر " لهم في ممالك الروم وقرمان إلى ضواحي سيواس مشات ومصايف، ~~وللملوك والسلاطين عليهم اعتماد كما لهم في أنواع المبرات وظائف، لو قصدهم ~~فقير أو غريب أو طالب علم أو أديب، جمعوا له من الغنم والبقر، والصوف ~~والشعر، والسمن والأقط والوبر، ما يكفيه وذويه إلى آخر العمر، وكانوا يسعون ~~لكثرتهم وما معهم من الأمم، ثمانية عشر ألف عالم فلبى كل من صدى هؤلاء ~~الجبال مدى ms129 صوته بالإجابة، وبادر إلى امتثال أوامره بالإطاعة والإنابة، ~~وانبعث إليه التتار بقضهم وقضيضهم بعثا، وقثت إليه أطواد عساكرها وبحار ~~جنودها قثا، وحث على ملاقاة تيمور عساكر الغزاة والمجاهدين حثا # ذكر ما فعله ذلك الخداع المكار # ونمقه في تفخيذه عن ابن عثمان جنود التتار # وتلبث تيمور في أمره، واستورى زناد فكره، فأورى زناده ناره، أن يفخذ عن ~~ابن عثمان تتاره، فأرسل إلى زعمائهم، والكبار من أمرائهم ورؤسائهم، وأميرهم ~~يدعى بالفاضل، وكان في المكرمات من الأفاضل، غير أنه مارس الأيام، ولا اطلع ~~إلى مكائد اللئام - إن حسبكم حسبي، ونسبكم متصل بنسبي، وإن بلادنا بلادكم، ~~وأجدادنا أجدادكم، فكلنا فروع نبعه، وأغصان دوحه، وإن آباءنا من سالف العصر ~~وغابر الدهر نشأوا في عش متوحد، ودرجوا في وكر غير متعدد، فأنتم في الحقيقة ~~شعبة من شعبي، وغصن من أغصاني، وجارحة من جوارحي، وخالصتي وخلاني، وأنتم لي ~~شعار، وباقي الناس دثار، وإن كان الناس ملوكا بالاكتساب، فأنتم ملوك ~~بالاكتساب والانتساب وإن آباءكم في قديم الزمان، كانوا ملوك ممالك توران، ~~فانتقل منهم طائفة من غير اختبار، إلى هذه الديار، فاستوطنوها وهم على ما ~~هم عليه من الكرامة، وشعار السلطنة وأسباب الزعامة، ولم يزالوا على هذا ~~النشاط والهزة، إلى أن اندرجوا إلى رحمة الله تعالى وهم على هذه العزة وكان ~~المرحوم أرتنا آخر ملوككم، وأكبر مالك في بلاد الروم أصغر مماليككم، وليس ~~بحمد الله في شوكتكم فلة، ولا في كثرتكم قلة، فأنى رضيتم لأنفسكم بهذه ~~الذلة، وإن تصيروا مسخرين حتى كأنكم من المسحرين؟ وبعد أن كنتم أكابر ~~مكبرين، كيف صرتم أصاغر مصغرين؟ ولستم بدار هوان ولا مضيعة، وأرض الله ~~واسعة، ولم صرتم مرقوقي، رجل من أولاد معتوقي علي السلجوقي؟ ولا أدري ما ~~العلة لهذا السبب، ومن أين هذا الإخاء والنسب، سوى عدم الاتفاق، وانتفاء ~~الاتساق، وعلى كل حال فأنا أولى بكم، وأحق بعمل مصالحكم وتهيئة أسبابكم وإن ~~كان لابد من استيطانكم هذه التخوم، وبيع تلك البلاد الفسيحة بمضايق ممالك ~~الروم، فلا أقل من أن تكونوا كأسلافكم حكامها، مالكي ms130 نواصي صياصها راقين ~~سنامها، باسطي أياديكم فيها قابضين زمامها وهذا المهم إنما يتم إذا كفينا ~~هذه المنازلة، وقضينا الأرب من هذه المناضلة، وتمهد لنا الميدان، وارتفع من ~~البين ابن عثمان، فإذا خلا الجو من المنازع، وصفت لي في هذه البلاد ~~المشارع، وظفرت بهذه الممالك، وسلكت فيها الطرق والمسالك، أعطيت القوس ~~باريها، وأنزلت الدار بانيها، ورددت المياه إلى مجاريها، وجعلتكم ملوك ~~قراها وصياصيها، ومدنها وضواحيها، وقررت كل واحد منكم على قدر استحقاقه ~~فيها فإن رأيتم أن لا تعينوا علينا، أو أمكنكم أن تنحازوا إلينا، فاغتنموا ~~فرصتكم، وخذوا من انتهازها حصتكم، فإنكم قريبون منا صورة ومعنى، وأما الآن ~~بظاهركم مع ابن عثمان وبباطنكم معنا، حتى إذا التقينا امتازوا، وإلى ~~عساكرنا انحازوا PageV01P068 ولا زال فحل كلامه ينزو على حجر حجرهم ولا ~~يجفر، مزخرفا بتمويهات تزري فصاحتها بكلام الأسود بن يعفر، غائصا في دردور ~~أفكارهم ليردها عن أن تتبع ابن عثمان وتقفر " كمثل الشيطان إذ قال للإنسان ~~اكفر " حتى إذا خلبهم بهذا المقال، واستجنحهم إلى معنى ما قال، واستهواهم ~~حب الرياسة الذي طالما استرق أحرار الصديقين، واستعبد كبار الأولياء ~~والصالحين، وكبكب في النار على الرءوس، رءوس العلماء العالمين، فوافقوه على ~~الانخزال عند الموافقة للنزال # ذكر ما صنعه ابن عثمان من الفكر الوبيل # وتوجهه إلى ملاقاة تيمور بطود عسكره الثقيل # فأما ابن عثمان فإنه خاف منه الهجوم، على بلاد الروم، لأن الزروع كانت قد ~~استحصدت، وصدور الفواكه والثمار قد استنهدت، وخضروات الأرض قد اسودت، ~~والرعايا في ظل الأمن والرفاهية قد امتدت، فخشي ابن عثمان أن يصيب العباد ~~منه ضرر، أو يتطاير إلى قبائل بلاده من لهيب ناره شرر، فبادر إلى ملاقاته، ~~وساقته سوائق المنون إلى شرب كأسها في مساقاته، وأراد أن يكون مصطدم الباس، ~~خارج بلاده على ضواحي سيواس، فأجرى من عساكره السيول الهامرة، وأخذ بهم على ~~قفار غامرة، حذرا على رعاياه، من مواطئ مطاياه، فإنه كان على الضعيف من ~~رعيته شفيقا، وبالفقير من حشمه وخدمه رفيقا يحكى أنه كان في بعض مغازيه، ~~فعطش بعض ms131 حاشيه، فأتى في قرية بعض النساء، فطلب منها شربة ماء، وكانت أشأم ~~من البسوس، يضرب بها المثل في اللؤم والبوس، فقالت ما عندي ما تشرب، فخذ ~~طريقك ولا تتعب، وكان العطش قد غلبه، ورأى عندها في بعض القعبة شربة لبن ~~فشربه، فقالت هذا قوت الصبيان، واشتكت عليه لابن عثمان، فطلبه واستفسره، ~~فخاف شدة نقمته فأنكره، فقال للمرأة أنا أبعج قبقبه، وأتبين صدقه وكذبه، ~~فإن ظهر في بطنه اللبن، أعطيتك الثمن، وإن تبينت بالصدق قوله، جعلتك مثلة ~~مثله، فقالت والله إنه شربه، وما فهمت في حقه بكذبه، ولكني فرجت كربته، ~~وأبرأت ذمته فقال لابد من إجراء العدل، وإنهاء هذه الحكومة بالفصل، ثم دعا ~~بالسيف ووسطه، وأجرى على بطنه ما شرطه، فانفجر بطنه وهو منعقر، وجرى اللبن ~~وهو بدمه ممذقر، فأشهره في الوثاق، ونادى عليه هذا جزاء من يتناول في دولة ~~الملك العادل ابن عثمان شيئا بغير استحقاق، ثم إن ابن عثمان تابع الترحال، ~~وسلك في رمضان السفر صوم الوصال # ذكر ما فعله ذلك الساقطه # مع ابن عثمان وعسكره من المغالطة # ولما بلغ تيمور أن ابن عثمان أخذ الطريق الغامرة، نبذه نبذ اليهود كتاب ~~الله وراء ظهورهم وأخذ على الجادة العامرة، فدخل هو وعسكره على ظلال وعيون ~~" وفواكه مما يشتهون " ولسان حالهم الفصيح، ينشد في الآفاق ويصيح # ولست أبالي بعد إدراكي العلا ... أكان تراثا ما تناولت أم كسبا # فلم يزالوا في مراح وزروع، ومراع وضروع، بين " سدر مخضود، وطلح منضود، ~~وظل ممدود، وماء مسكوب " وهواء بالراحة مصبوب، ونعيم بالسلامة مصحوب، في ~~أمن ودعة، وخصب وسعة، آمنا من الوجل، سائرا على غير عجل مستيقنا بالنصر ~~والظفر، مستبشرا بالملك والوزر، مستتبعا تدبيره القضاء والقدر، لا تبرد ~~حرارة حميته لتسخين عين عدوه وإحراز المغنم البادر فترة، ولا في إكليل ~~كواكب عساكره المنتظمة نثرة، ولا بين أسود جيشه مكاشرة ولا نفرة، ولا في ~~قراهم الأعادي اللهذميات على موائد طعام طعانهم جبن ولا كسرة فلم يفق ابن ~~عثمان من رقاده، إلا وتيمور قد دمر على بلاده، فقامت ms132 عليه القيامة، وأكل ~~يديه حسرة وندامة، وزأر وزقا، والتهب حنقا، وكاد أن يموت خنقا، وسلب القرار ~~والهجوع، وعزم في الحال على الرجوع، فتلاطمت من بحر عساكر أمواجه، وتصادمت ~~أثباج أطواده وأبراجه، فرجع عوده على بدئه، وأغرى بوصال السير وحجئه، ~~فنهكهم السير بسرعته، والمكان بقفرته، والزمان بهجيره، والسلطان بزئيره، ~~فلم يدركوه إلا وقد ذاب كل منهم وصبا، وتلا لسان حاله " لقد لقينا من سفرنا ~~هذا نصبا " " فصل " وكان تيمور قد وصل إلى مدينة أنقرة، وخيله ورجله ~~مستريحة موفرة، للقتال منتظرة، وللنزال متشمرة، بل لم يكونوا به مكترثين، ~~ولا به محتفلين وقد سبقوا كصناديد قريش إلى الماء، وتركوا عساكره كمسلمي ~~بدر في جانب الظماء، فهلكوا كربا وأوما، وذابوا عطشا بلا ماء، وكأنه إلى ~~ذلك المنزل هو أرشدهم وبلسان حالهم أنشدهم PageV01P069 يا ضيفنا لو زرتنا ~~لوجدتنا ... نحن الضيوف وأنت رب المنزل # وأنقرة هذه التي ذكرها الأسود بن يعفر في قصيدته الطنانة وهي # نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد # فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد # فلما تدانت الجيوش من الجيوش، وأضريت الوحوش على الوحوش، وامتلأت منهم ~~الصحارى والقفار، وتقابلت اليسار باليمين واليمين باليسار، اندفعت من عساكر ~~ابن عثمان التتار، واتصلت بعسكر تيمور كما رسم أولا وأشار، وكانوا هم صلب ~~العسكر، والأوفر من عساكر ابن عثمان والأكثر، حتى قيل إن جماعة التتار، ~~كانوا نحوا من ثلثي ذلك العسكر الجرار، بل قيل إن ذلك الجمهور، كانوا محوا ~~من جند تيمور وكان مع ابن عثمان، من أولاده أكبرهم أمير سلمان، فلما رأى ما ~~فعله التتار، علم أن حل بأبيه البوار، فأخذ باقي العسكر، وقهقر عن ميدان ~~المصاف وتأخر، وترك أباه في شدة البأسا، وانخزل بمن معه إلى جهة بروسا، فلم ~~يبق مع ابن عثمان إلا المشاة ومن داناهم، وبعض الكماة وقليل ما هم، فثبت ~~للمجالدة بمن معه من الرفاق، وخاف إن فر أن يقع عليه الطلاق، وكأنه في تلك ~~المعركة والمعكرة، كان متمثلا بما قاله عنترة # ولقد ذكرتك والرماح ms133 نواهل ... مني وبيض الهند تسفك في دمي # فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسم # فصبر لحادث الدهر وما أزم، وأراد أن يفئ على مذهب الإمام مالك بما به ~~التزم، فأحاطت به أساورة الجنود، إحاطة الأساورة بالزنود، وحين تيقنت ~~الأسرة العثمانية بالكسرة، وعلمت أنها تورطت في جيش العسرة، وثبت المشاة ~~على الكماة، واستعملت الأطبار، وكل صارم بتار، وكانوا في ذلك المصاف، نحوا ~~من خمسة آلاف، فبددوا أندادهم، وأبادوا أعدادهم، وكان كانوا كسافي الرمال ~~بالكربال، أو كائل البحار بالغربال، أو محرر أوزان الجبال بقراريط المثقال، ~~فأمطروا على قلل أولئك الأطواد، وحقول ذوات تلك الأسود، من غمام القتام ~~صواعق ديم المدميات وأمطار السهام السود ونادى محرش القدر، وصياد القضاء ~~الكلاب على البقر، فلم يزالوا بين وقيذ وواقذ، ومضروب بحكم سهم ماض في ~~القضاء نافذ، حتى صاروا كالشياهم والقنافذ، واستمرت دروس القتال بين تلك ~~الزمر من الضحى إلى العصر، وانتقلت أحزاب الحديد إلى الفتح فتلت على الروم ~~سورة النصر، ثم لما كلت منهم السواعد، وقل المواصر والمساعد، وتحكم فيهم ~~الأباعد والمباعد، دففوهم بالسيوف والرماح، وملأوا بدمائهم الغدران، ~~وبأشلائهم البطاح، ووقع ابن عثمان في القنص، وصار مقيدا كالطير في القفص، ~~وكانت هذه المعكرة، على نحو ميل من مدينة أنقرة، يوم الأربعاء سابع عشر ذي ~~الحجة، سنة أربع بعد ثمانمائة حجة، وقد قتل غالب العسكر العطش والضمور، ~~لأنه كان ثامن عشري تموز " قصل " ووصل أمير سلمان، إلى بروسا معقل ابن ~~عثمان، فاحتاط على ما فيها من الخزائن والأموال، والحريم والأولاد ونفائس ~~الأثقال، واشتغل بنقل ذلك إلى بر أدرنة، وراء البحر المحيط بكثير من ~~الأمكنة، المنشعب من بحر مصر الآخذ بعد ما يتدريس إلى بلاد الدشت والكرج ~~الفاصل بينه وبين بحر القلزم جبل الجركس # ذكر ما وقع من الخباط # بعد وقعة ابن عثمان في كل ثغر ورباط # ولما حصل لرأس مملكة الروم هذه الوعكة، واندعكت أجسام عسكرها الجسام أقوى ~~دعكة، وأخنى عليهم الجد المشوم، ونعق في صباحها غراب البين، وزعق في رواحها ~~البوم، وتلاقى محراب أنسها ms134 على جماعتها إمام القضاء والقدر " ألم غلبت ~~الروم " خضعت رؤسها ونواصيها، وتزلزلت حصونها وصياصيها، وتزعزع دانيها ~~وقاصيها، وانبهر طائعها وعاصيها، فحاصوا حيصة الحمر، وأيسوا من الأهل ~~والأوطان والمال والعمر، إذ قد ذهب منهم الرأس، ولم يبق فيهم من يقيم البأس ~~PageV01P070 فلما سمعوا أن أمير سلمان ضم الناس إلى نحره، وعزم على العبور ~~إلى بر أدرنة بقطع بحره، مالت بهم الأودية والشعاب إليه، وعولوا في خلاصهم ~~من ذلك البلاء الطام عليه، فصالح أهل استنبول ووادهم، وعاهدهم على أن لا ~~يغدر كل منهم بالآخر ومادهم، ثم قصدهم إن يعينوه على الوصول بقطع البحر من ~~ثغري كالي بولي واستنبول، إذ ليس لهذين البحرين بين هذين البرين، طريق قريب ~~ومعبر سوى هذين الثغرين، فإن بحر إسكندرية، يأخذ على أنطالية، وعلاية ثم ~~يروم، إلى بلاد الروم، فتحصره الجبال، قبل وصوله بلاد الشمال، فلا يزال في ~~خصره يدق، وشفتا جانبيه ترق، حتى تتراءى حافتاه، ويكاد تنطبق شفتاه ومسيرة ~~هذا الانضمام، نحو من ثلاثة أيام، ثم يأخذ في المد والانبساط، والجريان على ~~وجه النشاط، ثم تدور كتائب أمواجه وتتكردس، وتأخذ نحو بلاد الدشت والكرج ~~حتى يصل كما ذكر إلى بلاد الجركس وما أمكن أحدا من سواحر الحكمة ومهندسي ~~النوافث أن يعزز هذين المعبرين في مدى هذا الانضمام بثالث، فثغر كالي بولي ~~بيد ملاحي المسلمين، وثغر استنبول بيد النصارى أعداء الدين، وهو أعظم ~~الثغرين، وأجسم المعبرين، وكانت النصارى ملاحيه، فصار غالب الناس يقصده ~~وينتحيه، فاستطارت الفرنج فرحا واستطالت وخاضت في دماء المسلمين وحريمهم ~~وأموالهم وجالت فإن ابن عثمان كان بالحصار قد أنهكها، وأباد قراها وضواحيها ~~وأهلكها، وضيق على أهلها في مجاري أرواحهم مسلكها، فبينما هم وقد بلغ السيل ~~الزبى، وجاوز الحزام الطبا، وأنشب كل شر فيهم حده، وإذا بتيمور جاءهم ~~بالفرج بعد الشدة، فاندفع عنهم بالضرورة ابن عثمان، وحصل لهم بذلك الفرج ~~والأمان، وزاد ذلك بأن احتاج المسلمون إليهم، وتراموا في طلب الخلاص من ~~العدو عليهم، فبعد أن زالت عنهم الغصص، اغتنموا في درك الثارات من المسلمين ~~الفرص، ms135 فجعلوا يوسفون المراكب من الناس والحمول، ويتوجهون بذلك إلى صوب إلى ~~استنبول وإن استنبول وراء ذروة جبل، ومنحرفة خلف قلة من القلل، وهي من أكبر ~~مدن الدنيا، حتى قيل أنها قسطنطينية الكبرى، فكانوا إذا عطفوا وراء تلك ~~الذروة بالمراكب، واستتروا بالهضبة الناتئة عن عين من هو في هذا الجانب، ~~يصيرون كالأموات النازلين إلى الحفائر، الملقين في قعر اللحود والمقابر، لا ~~يدري إلى أين يتوجهون، وإلى ماذا يصيرون، إلى بر السلامة والإسلام، أم إلى ~~دار الحرب وأسر الكفرة الطغام، فيذهب منهم الذاهبون " فلا يستطيعون توصية ~~ولا إلى أهلهم يرجعون " فإذا جاءت المراكب وهي فوارغ، تعلق كل من هذه ~~الخلائق فيها بجهد كامل وجد بالغ، ولم يدر ماذا يجري عليه، وإلى ماذا يصير ~~أمره إليه، وأشبهوا في أبصارهم الكليلة، وخطوبهم الجليلة، مالكا الحزين ~~والسمك المذكور في كتاب كليلة وحاصل الأمر أنه لم يسلم، من ذلك السواد ~~الأعظم، في كل غراب أدهم، إلا مثل الغراب الأعصم، واستطالت أعداء الدين، ~~كيف شاءت على المسلمين، وقطع أمير سلمان البحر، واستولى على ذلك البر، وضبط ~~ممالكه، وربط مسالكه، وهو أوسع من هذا الجانب وأفسح مرجا، وأدر ريعا وأكثر ~~خراجا وخرجا، وأعظم حصونا وأمكنة، وتخته مدينة أدرنة فاجتمع الناس على أمير ~~سلمان، وسهل الأمر في الجملة شيئا ما وهان # ذكر أولاد ابن عثمان، وكيف شتتهم ثم أبادهم الزمان # وكان للسلطان بايزيد المذكور، من الأولاد الذكور أمير سلمان هذا وهو ~~أكبرهم، وعيسى ومصطفى ومحمد وموسى وهو أصغرهم، وكل منهم طلب لنفسه مهربا، ~~وانحاز إليه من أبيه طائفة نجبا، فكان منهم محمد وموسى في قلعة أماسية، وهي ~~خرشنة الشاهقة العاصية، التي قال فيها أبو الطيب المتنبي # حتى أقام على أرياض خرشنة ... تشقى به الروم والصلبان والبيع # للسبى فانكحوا للأسر ما ولدوا ... للنار ما زرعوا للنهب ما جمعوا # وقلة قلعتها شاهقة، كأنها بقبة الفلك عالقة، تعي النازل عنها، في نزوله ~~منها، أكثر مما يعي الصاعد إلى غيرها، يسميها أهلها بغداد الروم، لأن قرار ~~أرضها بنهر كبير من الوسط مقسوم، وبينها ms136 وبين توقات مسيرة يوم للمجد وأما ~~عيسى فإنه لجأ إلى بعض الحصون واستكان، إلى أن قتله أخوه أمير سلمان، وموسى ~~فيما بعد قتل أمير سلمان بعيسى PageV01P071 ثم إن محمدا قتل بعد الكل موسى، ~~ونسخت الأحكام المحمدية، شرائع الملة الموسوية والعيسوية، إلى أن مات حتف ~~أنفه في أوائل سنة أربع وعشرين وثمانمائة، أو مات بشيء دس إليه على يد ~~قوجقار في الهدايا الملكية المؤيدية، وانتقل الملك من يده إلى يد مراد ~~ولده، وهو في يومنا هذا أعني سنة أربعين وثمانمائة مستقل به، وأما مصطفى ~~فإنه فقد وقتل نحو من ثلاثين مصطفى بسببه # عودا إلى أمور تيمور ودواهيه # ثم إن تيمور لما قبض على ابن عثمان، جرد إلى بروسا طائفة من الجنود ~~والأعوان، وأضافهم إلى شيخ نور الدين، ثم اتبعهم بوقار مكين، وجأش مستكين، ~~فوصل إليها، ونزل القضاء المبرم عليها، وضبط ما وصلت إليه يده من جماعة ابن ~~عثمان وحرمه، وأمواله وخزائنه وحشمه وخدمه، وخلع على أمراء التتار ورءوسهم، ~~واستعطف خواطرهم بتطييب نفوسهم، ووزع أمراءهم على أمرائه، وأضاف كل ظهر ~~منهم إلى رأس من رؤسائه، ووصاهم بهم وعليهم، وبالغ في أن يصلوا ما أمكنهم ~~من البر إليهم، ومشى على سننه القديم، في استخلاص النفائس واقتناص النفوس ~~وسبي الحريم، وجعل يحضر ابن عثمان كل يوم بين يديه، ويلاطفه ويباسطه ويترقق ~~إليه، ويسخر منه ويضحك عليه # ذكر ما فعله مع ابن عثمان # من نكاية غدت بأوصافه القبيحة على مر الزمان حكاية # ثم إنه في بعض الأيام، جلس في مجلس عام، وخفض جناح النشاط للخاص والعام، ~~وطوى بساط النهي والأمر، ومد بساط الخمر والزمر، وحين غص بالناس المكان، ~~استدعى سريعا ابن عثمان، فجاء وفؤاده يرجف، وهو في قيوده يرسف، فسكن قلبه، ~~وأزال رعبه، ثم أحسن جلوسه، وأزال بالاهتشاش إليه عبوسه، ثم أمر بأفلاك ~~السرور فدارت، وبشموس الراح أن تسير من مشرق أكواب السقاة إلى مغرب الشفاه ~~فسارت وحين تقشعت عن شموس السقاة سحاب الخدور، ودار في سماء العشرة نجوم ~~يحثها من مراسيمه بروز وبدور، نظر ms137 ابن عثمان فإذا السقاة جواريه، وعامتهم ~~حرمه وسراريه، فاسودت الدنيا في عينيه، واستحلى مرارة سكرات حينه، وتصدع ~~قلبه، وتضرم لبه، وتزايد كمده، وتفتت كبده، وتصعدت زفراته، وتضاعفت حسارته، ~~ونكى جرحه، وغذ قرحه، ونثر على جرح مصابه من قصاب الأسى ملحة، وكانت هذه ~~نكاية لابن عثمان بما أسفله، في مكاتباته بذكره النساء وحلفه، لأنه سبق أن ~~ذكر الحرم، عند الجغتاي وقبائل الترك من أكبر الجرم، وأعظم من الخيانة في ~~الحرم، وأيضا مكافأة لما فعله ابن عثمان، مع حريم طهرين في أرزنجان ومن ~~تمام إساءته لابن عثمان، إحسانه لأولاد ابن قرمان وكان قبل ذلك ابن عثمان، ~~قد استولى على ممالك قرمان، وقتل متوليها السلطان علاء الدين بعد أن حاصره ~~وقبض عليه، ونقل إلى حبس بروسا محمدا وعليا ولديه، فلم يزالا عنده في ضيق ~~وضنك، حتى أفرج عنهما بالحبس عليه تمرلنك، فأخرجهما وخلع عليهما، وأبرهما ~~وأحسن إليهما، وولاهما مأواهما " وليس ذلك لحب علي كرم الله وجهه ولكن لبغض ~~معاوية " قلت # لم يرفض معاوية محب ... عليا بل لأن أورى يزيدا # وقيل # وليس لحبه يحنو عليه ... ولكن بغض قوم آخرينا # وقلت بديها # أصادق ضد أعدائي وإن لم ... يكن بيني وبينهم ولاء # وأبغض من يعادي لي صديقا ... وإن أثنى علي بما أشاء # وذاك لينتكي مني ويهنا ... فتى قد سرني منه الإخاء # والأمير محمد هذا هو الذي قبض عليه الأمير ناصر الدين، محمد بن دلغادر ~~أمير التراكمة المفسدين، وقتل ولده مصطفى في البلا، وجهزه إلى الملك المؤيد ~~مكبلا، وذلك في شهر رجب سنة إحدى وعشرين وثمانمائة # ذكر وفود اسفنديار عليه # ومثوله سامعا مطيعا بين يديه # ثم إن الأمير اسفنديار بن بايزيد، وهو أحد ملوك الروم له في السلطنة قصر ~~مشيد، ورث الملك عن أبيه وكان مستقلا بالإمرة، وبينه وبين الملوك العثمانية ~~عداوة موروثة ونفرة، وتحت حكمه بعض مدن وقلاع، ووهد ويفاع منها مدينة سينوب ~~الملقبة بجزيرة العشاق، يضرب بظرافتها المثل في الآفاق، وهي في النحر من ~~البحر في جزيرة كبيرة، سبيل الدخول إليها عسيرة، بها جبل أحسن ms138 من أرداف ~~الحور، متصل بمعبر أدق من دقيق الخصور، وهي معقل إسفنديار ومعاذه، وحرز ~~خزائنه وملاذه، أعصى من إبليس، وأوثق من كف بخيل يخاف التفليس PageV01P072 ~~ومنها قسطمونية تخت ملكه، وبحر فلكه ومنها سامسون، وهي قلعة على جانب البحر ~~للمسلمين، مقابلتها نظيرتها للنصارى المجرمين، بينهما دون رمية حجر، وكل ~~منها آخذة من الأخرى الحذر، وغير ذلك من القلاع والقرى، والقصبات في الوهد ~~والذرا لما بلغه ما فعله تيمور الغدار، مع أولاد ابن قرمان والتتار، ومع ~~قرايلوك وطرتهن حاكم أرزنجان، والأمير يعقوب بن علي شاه متولي كرمان، ومن ~~توجه إليه من حكام منتشا وصاروخان، وأنه لا يهيج من أطاعه وتلبس لأوامره ~~بالسمع والطاعة، سارع إلى المثول بين يديه، وتهيأ للوفود عليه، فأقبل ~~بالتحف العالية، والنتف الغالية، فقابله بالبشرى، وعامله بالسرا، وأقره في ~~مكانه، نكاية لابن عثمان، ثم أمره وأولاد قرمان، ومن اتسم له بميسم الطاعة ~~والإذعان، من أمراء تلك الأكناف والأكنان، أن يخطبوا ويضربوا السكة باسم ~~محمود خان، والأمير الكبير تيمور كوركان، فامتثلوا أوامره، وحذروا زواجره، ~~وأمنوا بذلك الغارة والمصادرة " وتوفي إسفنديار المذكور في شهور سنة ثلاث ~~وأربعين وثمانمائة، وهو طاعن في السن، وهو من أواخر الملوك الذين وفدوا على ~~تيمور، واستولى بعده على ممالكه ولده إبراهيم بك ووقع بينه وبين أخيه قاسم ~~بك مشاجرات، وانحاز قاسم إلى الملك مراد ابن عثمان، ولله الأمر من قبل ومن ~~بعد " " فصل " ثم إن تيمور أخرج مال ابن عثمان وغيره من الذخائر، واستصفى ~~لخزائنه ما كان إرثا وكسبا لملوك الأروام من النفائس والأخائر، وشتى في ~~ولايات منتشا، وألقى لدروسها مباحث تصريفه كيف شا، وانتهى إلى أقصاها، وحرر ~~البحث في مسائل الخمس والمغانم فاستقصاها، وانبث جنوده في آفاقها، وغاصت في ~~بحار ممالكها من أثباج أطوادها إلى قرار أعماقها، فمن فارع إلى جبال ~~جباهها، وقمم صياصيها، ومن متعلق بآذان مراميها، ومتسلق بأذيال نواصيها، ~~ومن راكب أكتاف أكنافها نازل في سواحلها، دائس بأرجل سعيه خدود روضها الأنف ~~جائس بكاهل أهلها، ومن دامغ دماغها بأهداب رماحه لأجل العين، بالغ ms139 من غير ~~حاجب له منها ما رام باليد واليدين، ومن حال على نهد صدرها، تال رءوسها ~~ووجوهها للجبين على ظهرها، ومن ماد أنامل تعديه من غير كف إلى معاصمها ~~ومرافقها، كاد بأقدام الفساد في بطون مغاربها وأفخاذ مشارقها فجزوا الرؤوس، ~~وحزوا الرقاب " وقطعوا الأعناق " وفتوا الأعضاد، وبتوا الأكتاد، وحرقوا ~~الأكباد، وشوهوا الوجوه، وأسالوا العيون، وأشخصوا الأبصار، وبطوا البطون، ~~وأخرسوا الألسنة، وصكوا المسامع، وأرغموا الأنوف، وأذلوا العرانين، وهشموا ~~الثغور، وحطموا الصدور، وقصموا الظهور، ودقوا الفقر، وشقوا السرر، وأذابوا ~~القلوب، وفطروا المرائر، وأراقوا الدماء، واستحلوا الفروج، وأحروا الأنفاس، ~~وأبادوا النفوس، وسبكوا الأشباح، وسلبوا الأرواح، ولم يخلص من شرهم من ~~رعايا الروم الثلث ولا الربع، وصارت جماعاتهم فيهم ما بين منخنقة وموقوذة ~~ومتردية ونطيحة وما أكل السبع # ذكر فتح قلعة أزمير وحتفها # ونبذة من عجيب وضعها ووصفها # وحاصر قلعة أزمير، وهي حصن في وسط البحر مناله عسير - بهمزة مكسورة وزاي ~~معجمة، وميم مكسورة وياء ساكنة وراء مهملة - قلعة قد أقلعت في البحار، ~~وأضرمت في قلب خاطبها بتمنعها وعصيانها النار، أعصى من قلاع الجبال، وأقصى ~~في المنال أن تنال، بخيل ورجال، فأعد لها أنواعا من آلات المحاصرة، وأخذها ~~يوم الأربعاء عاشر جمادى الآخرة، سنة خمس وثمانمائة، سادس كانون الأول من ~~السنين الرومية، فقتل كبارها، وأسر نساءها وصغارها، وبنى من أبدان القتلى ~~جوامع وشيد من رؤوسها منارها، ثم سلب عن القلعة غناها وأفقرها، وأقواها من ~~ذخائرها وأقفرها، وأخلاها وقد استصفى منها أبيضها وأصفرها، وطير بهذه ~~الأمور أجنحة البشائر، وأطار بها على زعمه في الآفاق بأسعد فأل أسرع طائر # ذكر ما صنعه من أمر مروم وهو في بلاد الروم # من قصده بلاد الخطا واستخلاص ممالك الترك والجتا، وافتكاره وهو في الغرب ~~مشغول في استصفائه سائر ولايات الشرق والمغول، وكيف عانده القضاء المبرم ~~بنازل ألهب فؤاده وأضرم، فصادمه الزمان وعكس غرضه وهذه كالجملة المعترضة ~~PageV01P073 ثم إن تيمور كان قد استدعى من سمرقند سبطه، محمد سلطان والأمير ~~سيف الدين ورهطه، كما ذكر أولا وكان محمد سلطان هذا للفضلاء ms140 ملاذا وللعلماء ~~معاذا، مخايل السعادة في غضون جبهته لائحة، وبشائر النجابة من أسارير طلعته ~~واضحة # في المهد ينطق عن نجابة جده ... أثر السعادة لائح البرهان # وسيف الدين هذا هو أحد رفقاء تيمور في مبداه، وأس أركان دولته في منتهاه، ~~وهما اللذان كانا بنيا أشبارة، وأسسا فيها قواعد النهب والغارة، وهي في نحر ~~بلاد المغول والجتا، وأقصى حدود ما ينتهي إليه حكم تيمور ومبدأ بلاد الخطا، ~~ووليا بها أميرا يدعى أرغون شاه، وأمداه بطوائف من العساكر وفي ثغر المغول ~~أرصداه، كل هذه الأمور، بأوامر تيمور ولما شرعا في ذلك، لم يرض المغول بهذا ~~الفعل الحالك، لأنهم كانوا يعلمون أن ذلك الأفعى إذا جاورهم لابد أنه في ~~الفساد يسعى، فلا يأمنون غائلته، ولا يطيقون مجاورته، فتشوشت خواطرهم، ~~وتكدرت ضمائرهم، فاستوفزوا للفرار، وإخلاء الديار، فزاد الجغتاي فيهم طمعا، ~~ومد كل من الطائفتين إلى الإضرار يد التطاول ورجل الفساد وسعى، وشرب كاسات ~~التجرم فأكل ما حل بيده وما تزهد في تعففه ورعا، وفرح الجغتاي بذلك، ووقعت ~~العداوة بين الجانبين فسد كل على الآخر طرق المسالك، وجعلوا يرسلون إليهم ~~السرايا، ويحلون بما تصل يدهم إليه من متعلقاتهم البلايا، وجعل المغول أيضا ~~يفعلون مع الجغتاي ذلك، وتربصوا بتيمور لبعده عنهم ريب المنون وتشبثوا ~~بعشويات المهالك، واتصل الخبر بتيمور، فسر بذلك أشد السرور ثم إنهما حصناها ~~بالأهبة الكاملة، والعدة الشاملة، والرجال المقاتلة، منهم طائفة من عساكر ~~الهنود وملتان، وقوم من جند عراق العرب، وأذربيجان، وفرقة من فوارس فارس ~~وخراسان، وشرذمة من أناس تدعى جانى قربان، وأضافوا هؤلاء الكماة، مع تومان ~~من ياساق الجغتاي إلى الأمير أرغون شاه، ووصلا إلى خجند، وقطعا سيحون وقدما ~~سمرقند، ووليا بها أميرا يدعى خواجه يوسف، فكان في قيد الطاعة والإخلاص ~~يرسف ثم خرجا من سمرقند قاصدين ذلك الغشوم، ثم إنهما ماتا جميعا سيف الدين ~~في خراسان ومحمد سلطان في بلاد الروم، فوقع تيمور في الأحزان، على حفيده ~~محمد سلطان، ولبس عسكره السواد، وأقاموا شرائط الحداد، لم يكن بهم حاجة إلى ~~السواد المعلم، ms141 فإنهم كانوا هم السواد الأعظم، ثم جهز عظامه في تابوت، إلى ~~سمرقند مع عظموت وجبروت، ورسم أن يتلقاه أهل المدينة بالنوح والبكاء، ~~ويقيموا عليه شرائط العزاء، وأن لا يبقى أحد من العباد، إلا ويلبس من فرقه ~~إلى قدمه السواد فخرج أهل سمرقند عند موافاته، وقد انغمسوا في السواد ~~لملاقاته، وصار الشريف والوضيع، والدني والرفيع، بالسواد معلما، فكأنما ~~أغشي وجه الكون قطعا من الليل مظلما، فدفنوه بمدرسته الحصينة المعروفة ~~بإنشائه، داخل المدينة، وذلك في سنة خمس وثمانمائة ولما أهلك الله تعالى ~~جده دفنوه كما سيأتي ذكر ذلك عنده # ذكر حلول غضب ذلك الصياد # على الله داد ونفيه إياه إلى أقصى البلاد # ولما توجه الثقل من ماردين صحبة الله داد، وفارقه تيمور متوجها إلى ~~استخلاص بغداد، وكان الله داد، له أنداد، وأكفاء وحساد، وأعداء وأضداد، ~~والحسد في عنق صاحبه غل قمل، وتحاسد الأكفاء جرح لا يندمل وجد أعداؤه للطعن ~~فيه مجالا، وفي مقام ثلب عرضه مقالا، فانتهزوا فرصة غيبته، وأكلوا بلا ملح ~~لحمه، وتنقلوا بغيبته، ووشوا به إلى تيمور، وذكروا ما فعله في الشام من ~~الأمور، وإنه التمس من ذخائرها مالا يحصى، واختلس لنفسه من نفائسها وتعلق ~~به من أعلاقها مالا يستقصى وكان كما قالوا، وما أهملوا أكثر مما نالوا، ~~فبددوا أمره، وأوغروا عليه صدره، لا سيما وقد قص جناحه بموت سيف الدين ~~أخيه، وكان من الأبهة والمهابة بحيث أن تيمور كان يخافه ويرتجيه، وله في ~~ممالك ما وراء النهر مآثر مشهودة، ونتائج فكر باقية معهودة، فما وصل الله ~~داد إلى سمرقند، أعقبه تيمور مرسوما من عنده، بأن يتوجه إلى أشباره، ويستعد ~~هناك للنهب والغارة، وذلك كالنفي لألله داد، وإلقائه في أقصى البلاد، وطرحه ~~في نحر المخالفين وثغر ذوي العناد PageV01P074 وانتقل منها إلى سمرقند ~~أرغون شاه، ولم يزل بها الله داد إلى أن انتقل تيمور إلى لعنة الله، فجعلت ~~المغول تجهز إلى أشبارة الفيالق، وتنهب ما تصل إليه يدها من صامت وناطق، ~~وتغتنم الفرصة لبعد تيمور عنها، وكان الله داد يحترز أشد ms142 الاحتراز منها، ~~وهو مع ذلك يجهز لهم التجاريد، ويحفر لهم بالمكر الآبار والأخاديد، ويقتل ~~ويأسر، ويطحن ويكسر، حتى أقواها بعد تيمور، وسيأتي ذكر هذه الأمور # نموذج يدل على عمق ذلك البحر المحيط # وما كان يصل إليه غواص فكره النشيط # ثم لما كان تيمور المشوم مخيما ببلاد الروم، أبرد إلى ألله داد مراسلة، ~~فيها أمور مجملة ومفصلة، أمره بامتثالها، وإرسال الجواب بكيفية حالها، منها ~~أن يبين له أوضاع تلك الممالك، ويوضح له كيفية الطرق بها المسالك، ويذكر له ~~مدنها وقراها، ووهدها وذراها، وقلاعها وصياصيها، وأدانيها وأقاصيها، ~~ومفاوزها وأوعارها، وصحاريها وقفارها، وأعلامها ومنارها، ومياهها وأنهارها، ~~وقبائلها وشعابها، ومضايق طرقها ورحابها، ومعالمها ومجاهلها، ومراحلها ~~ومنازلها، وخاليها وآهلها، بحيث يسلك في ذلك الطريق الأطناب الممل، ويتجنب ~~مآخذ الإيجاز وخصوصا المخل، ويذكر مسافة ما بين كل منزلتين، وكيفية السير ~~بين كل مرحلتين، من حيث ينتهي إليه طاقته، ويصل إليه علمه، ودرايته، من جهة ~~الشرق وممالك الخطا وتلك الثغور، وإلى حيث ينتهي إليه من جهة سمرقند علم ~~تيمور وليعلم أن مقام البلاغة في معاني هذا الجواب، هو أن يصرف فيه ما ~~استطاع من حشو وتطويل وإطناب، وليسلك في بيانه الطريق الأوضح من الدلالة، ~~وليعدل عن الطريق الخفي في هذه الرسالة، إلى أن يفوق في وصف الأطلال وحدود ~~الرسوم، وتعريف الدمن مضغة الشيح والقيصوم فامتثل ألله داد ذلك المثال، ~~وصور له ذلك على أحسن هيئة وآنق تمثال، وهو أنه استدعى بعدة أطباق، من نقى ~~الأوراق، وأحكمها بالإلصاق، وجعلها مربعة الأشكال، ووضع عليها ذلك المثال، ~~وصور جميع تلك الأماكن، وما فيها من متحرك وساكن، وأوضح فيها كل الأمور، ~~حسبما رسم به تيمور، شرقا وغربا، بعدا وقربا، يمينا وشمالا، مهادا وجبالا، ~~طولا وعرضا، سماء وأرضا، مرداء وشجراء، غبراء وخضراء، منهلا منهلا، ومنزلا ~~منزلا، وذكر اسم كل مكان ورسمه، وعين طريقه ووسمه، بحيث أنه بين له فضله ~~وعيبه، وأبرز إلى عالم الشهادة غيبه، حتى كأنه مشاهده، ودليله ورائده، وجهز ~~ذلك إليه، حسبما اقترح عليه، كل ذلك وتيمور في بلاد الروم ms143 يمور # ذكر ما فعله ذلك المكار عند # تنجيزه أمر الروم من الغدر بالتتار # ولما صفا لتيمور شرب ممالك الروم من الكدر، وقضى الكون من أفعاله العجب ~~وأهل الروم النحب، وجيشه من الغارة الوطر، وامتلأ من المغانم وادي سيله ~~العرم، وكان فتى الربيع قد أدرك وشيخ الشتاء قد هرم، واندرج إلى رحمة الله ~~المجيد، والسلطان السعيد، الغازي الشهيد يلدريم بايزيد، وكان معه مكبلا في ~~قفص من حديد، وإنما فعل ذلك تيمور، قصاصا كما فعله قيصر مع سابور، وكان قد ~~قصد استصحابه إلى ما وراء النهر، فتوفي معه في بلاد الروم في آق شهر، وفي ~~هذا المكان توفي حفيده محمد سلطان وعزم على الرحيل، وحزم أحمال التحميل، ثم ~~جمع رؤس التتار، وقد أضمر لهم الدمار والبوار، وقال قد آن أن أكافئكم بما ~~صنعتم، وأجازيكم بما فعلتم، ولكن قد أضر بنا المقام، ومللنا الإقامة في ~~مضايق الأروام، فهلم نخرج إلى الفضاء الفسيح، ونشرح صدورنا من ضيق الزمان ~~والمكان في المهامه الفيح، ضواحي سيواس، متنزه الناس، ومثوى الأكياس، ~~فهنالك نضبط أحوال هذا الإقليم الوريف، ونقرر كلا منكم فيه حسبما يقتضيه ~~رأينا الشريف، فإنه لابد من تفصيل جمله، وإمعان النظر في كيفية تدبيره ~~وعمله، وحصر مدنه وقلاعه، وضبط قراه وضياعه، وحسبان توامينه وإقطاعاته، ~~والإحاطة بأفراده وجماعاته PageV01P075 فإذا فصل لنا ما أجمل، ووضح عندنا ~~ما منه استشكل، فحصنا عن رؤسكم وجماجمكم، وتوصلنا إلى معرفة أخباركم ~~وتراجمكم، وجمعنا رؤساءكم، وحصرنا زعماءكم، وأحصينا أعدادكم، واستقصينا ~~آباءكم وأجدادكم، واعتبرنا إخوانكم وأولادكم، ونظرنا متعلقيكم وأحفادكم، ~~وتحققنا شعار الروم ودثارهم، أورثناكم أرضهم وديارهم، ثم فرضنا هذه المسألة ~~على أعداد الرؤس، وقسمنا نفائس هذه الممالك على النفوس، ثم رددناكم إليها ~~مكرمين، وكفيناكم وعيالكم العيلة إذ كنتم علينا معولين وعلى كل حال فإنا ~~نفعل مع كل منكم ما يجب فعله، ونبقى عليكم من أفعالنا ما يتخلد في بطون ~~الدفاتر والتواريخ نقله فكل منهم ارتاح لهذا القول، وعول في هذه المسألة ~~على موافقة الرد ولم يعلم فيها من العول، فلما توافقوا على هذه الحركة ms144 بنفس ~~ساكنة، لم يقع منهم في هذه الموافقة على كثرة عدد رؤسهم المتماثلة مباينة، ~~فسار بالناس، حتى بلغ سيواس " فصل " ولما برق ركام ركابه المتراكم في آفاق ~~سيواس ورعد، وحان له أن يفي لطائفة التتار بما وعد، جلس جلسة عامة، وأقام ~~من زبانية الجند طائفة طامه، ثم دعا من التتار الوجوه والرؤس، والظهور ~~والضروس، ومن تخشى مضرته، وتتقى معرته، والمردة من شياطينهم، والعندة من ~~أساطينهم فاستقبلهم بوجه طلق، ولسان بالحلاوة ذلق، وأجلسهم مكرمين في ~~مكانهم، وزاد في تمكينهم وإمكانهم، ثم قال قد كشفت بلاد الروم ونواحيها، ~~وتبينت جميع قراها وضواحيها، وقد أهلك الله عدوكم فاستخلفكم فيها، وأنا ~~أيضا أفوض ذلك إليكم، وأذهب عنكم وأستخلف الله عليكم، ولكن بأولاد بايزيد ~~غير تاركيكم، ولا يرضون بأن يكونوا فيها مشاركيكم وأما صلحهم فقد سدت ~~فعالكم مع أبيهم طريقه، فلا مجاز لكم إلى شريعته على الحقيقة، ولا شك أنهم ~~يرأبون صدعهم، ويندبون جمعهم، ويستوحون عليكم أهل المدر والوبر، ويلبيهم ~~بالإجابة كل من تبلغه دعوتهم لأنكم في زعمهم آل غدر، فيلبسون لكم جلد ~~النمر، ويصلونكم الجمر بكل آمر ومؤتمر، فيقرضونكم من كل جانب، ويختطفونكم ~~من الأطراف والجوانب، لاسيما وبيدهم غالب الحصون والدساكر، وتحت أوامرهم من ~~بقي من طوائف الجنود والعساكر فإن كنتم كما أنتم في الناس فوضى فإنهم ~~يخوضون في دماءكم خوضا فعوا واسمعوا إن كنتم لم تعقلوا ولم تسمعوا # لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا # وأما أنا فلست منكم بدان، ولا لي في المدافعة عنكم يدان، فلابد لعقد ~~أمركم من نظام، ولصلاة جماعتكم من شرائط وأركان يجب القيام بها أولا ~~والسلام وأول شرائط ذلك إمام، يرجع إلى الاقتداء، بأفعاله الخواص والعوام، ~~ثم بعد ذلك ترتيب الجماعة، وتنزيل كل واحد في صف السمع والطاعة، ثم وضع ~~الأشياء في محلها، وزمام المناصب والوظائف في يد أهلها، وإيصال كل مستحق ~~إلى استحقاقه، وجمع الرأي على أمر واحد باتفاقه فإذا اتفقت آراؤكم، وائتلفت ~~أهواؤكم، عظمت أبناؤكم، وكبتت أعداؤكم، وكنتم يدا واحدة على ms145 من ناواكم، ~~وانتصرتم على من خالفكم وعادكم، وكان ذلك أحرى أن لا تمتد إليكم بمكروه يد، ~~ولا ينالكم من مخالفيكم كيد ولا كد وهذا إنما يتمم بالنظر في أحوالكم، ~~والتفحص عن أمر خيلكم ورجالكم، وضبط الأهبة والسلاح، فإن ذلك آلة الظفر ~~والفلاح، فليذكر كل منكم ولده وأهله، وليحضر خيله رجله وليأت بعدده وعدده، ~~وجنده وولده، وليعرض ضرورته إن كانت، ولا يستصعبها فقد هانت، فمن كان ~~محتاجا إلى إكمال شيء أكملناه، ومن كان معتازا إلى إيصال شيء أوصلناه ~~وأضفنا إلى كل ما تجب إضافته، فيحصل أمنه وتذهب مخافته فأعرضوا أول شيء ~~علينا سلاحكم، حتى نكمله ونعمل صلاحكم، فأحضر كل منهم أهبته، وعرض عليه ~~عدته، وطرحوه في ذلك الجمع النظيم، فتراكم فكان كالطود العظيم، كما فعل أول ~~الزمان، بأهل مدينة سجستان فلما سلب تلك الأسود براثنهم وأنيابهم بهذه ~~الأساليب، وخلب أولئك الكواسر الجواسر كل مناقيرهم والمخاليب، وأولج صارم ~~فكره الذكر في أحشاء عقولهم وأنزل، وصار سماك سماء عزهم الرامح وقد نحره ~~سعد الذابح أعزل، أمر كل من عنده أحد من التتار، أن يقبض عليه ويوثقه بقيد ~~الإسار PageV01P076 ثم أمر برفع تلك الأسلحة إلى الزردخانة، وقد أشعل قبائل ~~التتار بجمر البوار وأصعد إلى العيوق دخانه، ففت ذلك من أعضادهم، وبث من ~~أكبادهم، وقصم ظهرهم، وأشعل نارهم وأطفأ نورهم، ثم تلا في خواطرهم ~~بالمواعيد الكاذبة، واستعطف قلوبهم بالأماني الخائبة واستصحبهم بالأقوال ~~المموهة، والأفعال المشوهة، وحال بهم الحال، وأمر في الحال، بالمسير ~~والترحال وقيل إن السلطان بايزيد، قال لذلك العنيد إني قد وقعت في مخالبك، ~~وأعلم أني غير ناج من معاطبك، وأنك غير مقيم، في هذا الإقليم، ولي إليك ~~ثلاث نصائح، هن بخير الدارين لوائح أولاهن لا تقتل رجال الأروام، فإنهم ردء ~~الإسلام، وأنت أولى بنصرة الدين، لأنك تزعم أنك من المسلمين، وقد وليت ~~اليوم أمر الناس، وصرت لبدن الكون بمنزلة الراس، فإن حصل لوفق اتفاقهم من ~~تعدي يدك بسط وتكسير " تكن فتنة في الأرض وفساد كبير " ثانيتهن لا تترك ~~التتار، بهذه الديار، فإنهم مواد ms146 للفسق والفساد، فلا تهمل أمرهم، ولا تأمن ~~مكرهم، فخيرهم لا يعدل شرهم، ولا تذر على أرض الروم منهم ديارا، فإنك إن ~~تذرهم يملئوها من قبائلهم نارا، ويجروا من دموع رعاياها ودمائهم بحارا، وهم ~~على المسلمين وبلادهم أضر من النصارى، وأنت حين فخذتهم عني زعمت أنهم أولاد ~~إخوتك، وبنو عمك وذوو قرابتك، والأولى بجماعتك وناسك أن تتبعك، وبكل من ~~أولاد أخيك أن يقول لك عم خذني معك، فاعمل أفكارك المصيبة في إخراجهم، وإذا ~~أدخلتهم حبسا فلا تطعمهم في إفراجهم ثالثهن، لا تمدن يد التخريب إلى قلاع ~~المسلمين وحصونهم، ولا تجلهم عن مواطن حركتهم وسكونهم، فإنها معاقل الدين، ~~وملجأ الغزاة والمجاهدين، وهذه أمانة حملتكها، وولاية قلدتكها فتقبلها منه ~~بأحسن قبول، وحمل هذه الأمانة ذلك الإنسان الظلوم الجهول، واستكثرها على ~~عقل ابن عثمان، ووفى بها بقدر الطاقة والإمكان # ذكر ارتفاع ذلك الغمام بصواعق # بلائه عن ممالك الأروام # وسار فثار غبار، أخذ عين الشمس معه الانبهار، وفار بحار التتار فكأن ~~البحر أمده الله بسبعة بحار، فمر لا يدخل قرية إلا أفسدها، ولا ينزل على ~~مدينة إلا محاها وبددها، ولا يمر على مكان إلا دمره، ولا ينجذب عن ربقة ~~طاعته جيد إلا كسره، ولا يتمنع عليه شمراخ حصن شامخ إلا هصره فخلع على ~~عثمان قرايلوك حين وصل إلى أرزنجان، وقرره في ولاياته وزاده بعض معان ~~ومغان، ووصاه بشمس الدين الذي ولاه قلعة كماخ، وأن يكون كل منهما للآخر قوة ~~وطباخ # ذكر انصباب ذلك العذاب ماء ونارا # على ممالك الكرج وبلاد النصارى # ثم لم يزل يلتج بذلك البحر اللج، حتى أرسى على بلاد الكرج، وهم قوم ~~يعبدون المسيح، ملكهم غير فسيح، ولكنه مصون، بواسطة قلاع وحصون، ومغائر ~~وكهوف، وجبال وجروف، وقلاع وحروف، كل من ذلك أعصى المنال، من نفس كريم سيم ~~شيم الأنذال ومن مدنهم تفليس، وكان أخذها ذلك إبليس، وطرابزون وأبخاص، وهي ~~التخت بالاختصاص فتمنعت هذه الأماكن عليه، ولم تسلم قيادها إليه، فأقام ~~يحاصرها، وقعد يناقرها وينافرها، فمن ذلك مغارة بابها في وسط جرف شاهق، ms147 ~~آمنة من البوائق سالمة من الطوارق، سقفها آمن من صواعق المجانق، وذيلها ~~أرفع من أن يتشبث به علائق المسالق، مدخلها أخفى من ليلة القدر، وعدم ~~التوصل إليها أجلى من القمر ليلة البدر فأولع بمحاصرتها، والتزم بمضاجرتها، ~~واستعمل من فكره مهندسه، وجعل لا يقر من الأفكار والوسوسة، ثم أنتج رأيه ~~المتين، وفكره الرصين، أن يرسل عليها عذابا من فوقها، وأن يصطاد تلك ~~الحمامة الصاعدة في الجو بأرجلها من طوقها فأمر أن يصنعوا له توابيت على ~~هيئة الدبابات، كأنهن شياطين النساء للرجل غلابات، وأوثقهن بالسلاسل ~~الحكيمة، وأوسقهن بالرجال ذوي الشكيمة، وأدلاهن من تلك القلال، وأهواهن من ~~شواهق الجبال، فتدلين في الهواء، تدلية مبرم القضاء، فملأن النفانف، وأرجفن ~~من الجبال والرجال الروانف، وصار لسان حال تلك الصقور والشواهين ينادي كل ~~من رآه " ألم ترى إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله " فحين ~~وازوا باب تلك المغارة، أكبثوهم بالنبال السحارة، وكشفوهم بالمكاحل ~~الطيارة، وهاوشوهم بأنواع الأسلحة، وناوشوهم بالأوهاق والكلاليب المفلطحة ~~PageV01P077 فلا زالت الجوارح في الهواء صافات ويقبضن، يقبلن إلى ذلك الوكر ~~حائمات عليه ويعرضن، ينقرن سرة أهله بمناقير المناقيب، وينشبن فيه مخاليب ~~الكلاليب، وبكره الناشز تمانعهم على الولوج، وتستعين في مدافعتهم بمن فيها ~~من العلوج، فلم ينشب أحد أولئك الجوارح، أن أنشب في الباب كلوبه الجارح ثم ~~استعضد الفتح واستنهض الظفر، واعتمد على الله ومن دبابته إلى الوكر طفر، ~~فاحتضنه ساعد المساعدة، واكتنفه عضد المعاضدة، وقبض على رسغه كف السلامة، ~~فنكصت النصارى على عقبهم أمامه، ولم يزل وحده مبيدهم، حتى قتل أوباشهم ~~وصناديدهم، ثم أدخل رفقته فيها، وأخرجوا ما كان في مخابيها، واسم هذا الرجل ~~لهراسب، ستة أحرف ليس فيها غير متحركين اللام مضمومة، والهاء، والراء ~~مفتوحة والألف والسين والباء، واجتماع ثلاث سواكن في الفارسي كثير، وفي ~~التركي أيضا موجود ولكنه عزيز غير غزير ومن جملة هذه القلاع قلعة شاهقة، ~~حروف ذاتها كحروف اسمها بمناعتها ناطقة، لا يعمل في فتحها لارتفاعها لعل ~~وليت، لأن اسمها كما زعموا كل كورقيت، أي تعال ms148 انظر وارجع، بمعنى أنه لا ~~ينال الوافد عليها، سوى النظر إليها، ثلاثة أطرافها مبنية على قلل آكام، ~~شمخت على ما حواليها من الهضاب فهي على الإعلام أعلام، وطريقها من الوجه ~~الرابع وهو دقيق في سلوكه عسر، ينتهي بعد أنواع المشقة إلى جرف مقطوع بينه ~~وبين باب ذلك الحصن جسر، إذا ارتفع ذلك الجسر سدت دون الوصول إلى ذلك الحصن ~~الحيل، وأعاذ كل من لاذ يقلته من بنيه فصح أن يقال له معاذ ابن الجبل فلما ~~اطلع على حقيقة أمرها، وانكشف له مستور خبرها، أبى أن يرحل عنها إلا أن يصل ~~إلى غرضه منها، ولم يكن بالقرب منها مكان ينزل فيه، ولا بر يحمل ذلك البحر ~~الطاغي ويحويه، بل إنما كان حواليها جروف وهضاب، غضون جبينها كأنها وجه ~~شوهاء ناشز عن زوج محب عقاب في عقاب، فطمع منها من غير مطمع، ونصب سرادقة ~~بحيث كأن منها بمرأى ومسمع وصار من عساكره الأسود الخوادر، يتناوبون حصارها ~~ما بين وارد وصادر، وهم يرفعون الجسر بالنهار، فيأمنون مكايد القتال ~~والحصار لأنه قد تقدم أنه لميكن حواليها مكان للقتال، ولا مفحص قطاة يتمكن ~~فيه للنضال، فكانوا يرمونها بالنهار على بعد بسهام الأحداق، ويرضون منها ~~بنظرة من بعيد كقانع العشاق، فإذا أجنهم الليل، شمروا إلى جهة مخيمهم ~~الذيل، لأنه لم يمكنهم حواليها مبيت ولا مقيل، فتضع النصارى الجسر ويرومون ~~إلى حاجاتهم السبيل، فلما لاح له منها أمارات الحرمان، وبان له أن أمل ظنه ~~من فتحها قدمان، كما قلت # وأعظم شيء في الوجود تمنعا ... نتاج مرام من عقيم زمان # صمم العزيمة على الرحيل، ولكن خاف العار فطلب لهذه المسألة الدليل ~~والتعليل # ذكر سبب أخذه لهذا الحصن المنيع # وبيان معاني ما جرى في ذلك من صنع بديع # وكان في عسكره شابان نديدان، أسدان حديدان، يتشابهان في الخلق والخلق، لم ~~يكن بينهما في الرجولية والشجاعة كثير فرق، يتجاريان في كل وقت في ميدان ~~المناقب لإحراز قصب السبق، فكانا كفتي ميزان، وفي مضمارها فرسي رهان فاتفق ~~أن أحدهما صادف علجا ms149 من الكرج، في الجرأة كالأسد وفي الجثة كالبرج، فنازله ~~ثم قتله، وقطع رأسه وإلى تيمور حمله، ففخم شأنه، وأعلى على الأقران مكانه، ~~فأثر ذلك في نديده، فكأنه قطع حبل وريده ثم افتكر في شيء يصنعه، يضع من ~~نديدته ويرفعه، وكان اسمه بير محمد ولقبه قنبر، فلم ير أكبر من مراقبة ذلك ~~الجسر ولا أشهر، فاعتمد على الله سبحانه وحده، واستكمل ماله من أهبة وعدة، ~~ورصد نجمه في بعض الليالي، ولطأ في مكان خالي، ولا زال يترقب النجوم، ~~ويترصد عليهم طوالع الانقضاض والهجوم، ويشير تلك القنن بيديه ويذرع، ويمشي ~~تارة على بطنه وأخرى على أربع إلى أن طرح الضوء نقابه، وسلخ الجو إهابه، ~~ورجع النصارى إلى كسرهم، وتعاونوا على رفع جسرهم، طفر بير محمد إلى الجسر ~~فقطع حباله، وتابع عليهم من حنيته نباله، ولم يمكنهم من رفعه، ولا غير ~~موضوعه عن وضعه، فتراكموا عليه بالنبال والأحجار، وأرسلوا عليه من ذلك ~~السماء المدرار، وهو لا يرد عما هو بصدده ولا يلتفت إلى حينه، ويتلقى ما ~~يصدر من مراسيم نبالهم وأحجارهم بالقبول على رأسه وعينه PageV01P078 ولم ~~يزل على المكافحة والمناضحة، والمكاشحة والمكالحة، حتى تعالى النهار، وعض ~~الكون من فعاله أنملة العجب وأخذ عين المكان الانبهار وكان المحاصرون لها ~~كفوا عن القتال، وتيمور قد عزم كما ذكر على الترحال، وكان سرادقه منصوبا ~~بمكان عال، فناداه لسان الفتح، وخاطبه منادي النجح # لا تيأسن من مطلب ... قطع الورى أسبابه # إن أغلقوا أبوابهم ... فالله يفتح بابه # فتراءى على باب القلعة من بعد كأن ناس يتواثبون، وأشباح طائفة يتكالبون ~~ويتضاربون، فقال لقبيله أي أولى النجدة والعون، إني أرى ما لا ترون، ~~فامعنوا معي النظر، ثم أسرعوا نحو المعتكر، وأتوني بحقيقة الخبر فاندفعوا ~~يستشرفون لذلك خبرا، ويستكشفون لسرائره سترا، وهم ما بين عاد من النمر ~~أعدى، وجار من الأسد أجرى، وكل منهم في عدوه وعدوانه تأبط شرا، وما زالوا ~~يتجارون على ذلك أرسالا وتترى، كأنهم الشياطين نهاض ووثاب وعداء وهلم جرا، ~~حتى أدركت مقدمتهم بير محمد، وهو في غمرات ms150 الموت بناره يتوقد، وقد صار ~~لسهامهم غرضا، وكاد جوهره أن يصير عرضا فلما رآهم من بعيد عاش، وحصل له ~~الانتعاش، وزال عنه الارتعاش، وتلاحقت بهم الصناديد، فكعت عنهم تلك الأفسال ~~الرعاديد، وحين عجزوا عن رفع الجسر وولوا الأعقاب، عزموا أن يدخلوا الحصن ~~ويوصدوا الباب، فاختلط بير محمد معهم، ودخل الحصن ومن إيصاده منعهم، فدقوه ~~بالسيوف، ورضوه بأحجار الحتوف، وهو يأبى إلا المدافعة ويجتهد في مراجعة ~~الممانعة، لا يشعر بما يناله من رض الحجر وجراح الحديد، كأنه متأله عراه ~~الفناء في الفناء في التوحيد، إلى أن غشيتهم تلك الليوث، واندفقت عليهم ~~بصواعق الغضب من سماء النجدة سيول الغيوث، فتشبث أسود المنايا بتلابيبهم، ~~وخلصوا بير محمد من مخاليبهم ثم قبضوا على النصارى، وأخرجوا ما لهم فيئا ~~وحريمهم سبايا وأولادهم أسارى، وحملوا إلى تيمور بير محمد، وأخبروه بما ~~قصده في ذلك وتعمد، وتفقدوا ما به من جراح أدمى، فإذا هي ثمانية عشر جرحا ~~كل منها يصمى، فشكر له فعله، ووعده مواعيد جزلة، وأحله المحل العزيز، وجهزه ~~إلى تبريز، وأمر بعد الوصية به الأمراء من النواب والرؤساء، أن يجمعوا عليه ~~كل نطيس من الأطباء، وخريت من الأسا، بحيث أن يبذلوا في معالجته جهدهم، ~~ويستوعبوا في أساه كدهم، ويستوفوا في المعالجة قسمي العلم والعمل، فامتثلوا ~~مراسيه وعالجوه بما أمكنهم وأزاحوا العلل، فاندملت جروحه، وبرئت أحسن مما ~~كانت قروحه فلما نصل، وإلى تيمور وصل، جعله أحد قواده، ورئيس طائفة من ~~أجناده، وقدمه على كثيرين بعد أن كان خلف، وصيره أمير مائة مقدم ألف # تتمة ما جرى للكرج # مع تيمور شيخ العرج # وهذه القلعة والمغارة كانتا عيني قلاع الكرج، ونار أعلامهم والبواقي سرج، ~~فحين قلعت من وجوههم عيناهم تيقنوا أن قد نزل بهم عناهم، وأحاط بهم عزاهم، ~~فانحلت قواهم، وانخرمت عراهم، وقعدت بهم الحيلة وقامت عليهم القيامة، ~~وتجهمت بهم إلى جهنم الزبانية وأسلمتهم السلامة وتفاءل تيمور بحصول الفلج، ~~وانثنى عزمه إلى استخلاص ممالك الكرج، وانبثت شياطينه فيها فهزتهم هزا، ~~وقدت ثوب حياتهم قدا وجزتهم جزا، وخاطت لهم ms151 أكفان المنايا بالسلاح فأوسعتهم ~~شلا وكفا ودرزا، وتلا عليهم لسان الانتقام " ألم تر أنا أرسلنا الشياطين ~~على الكافرين تأزهم أزا " # ذكر طلب الكرج الأمان، واستشفاعهم # إلى ذلك الجان، بجارهم الشيخ إبراهيم حاكم شروان # فاستدركوا تقصيرهم، واستنهضوا تدبيرهم، ورقعوا خرقهم قبل الاتساع، ووصلوا ~~حبل حياتهم قبل الانقطاع، واستغاثوا الأمان الأمان، واستعانوا في خلاصهم ~~بالشيخ إبراهيم حاكم شروان، وألقوا إلى أيادي تدبيره الزمام، ورضوا أن يكون ~~لجماعتهم وإن كان على غبر ملتهم الإمام، وجعلوه خطيب ذلك الخطب، واستحلوا ~~ما تثمر لهم سعايته من يابس ورطب، وكان إذ ذاك وجيوش المصيف كجمع الكرج قد ~~ولت، وجنود الخريف والشتاء كجيش تيمور قد أطلت، وسلطان الأجرد، قد صقل فرند ~~المياه وجرد، ورفع من الأغصان الأعلام السلطانية، ونصب على قلل الجبال ~~الصيوانات البلارية، وألبس متن الغدير من نسيج نسيم الأصيل الدروع ~~الداودية، فكان ما في الكون من جوامد ونوام، من جملة عساكر تيمور حام له أو ~~محام قلت PageV01P079 وإذا أراد الله نصرة عبده ... كانت له أعداؤه أنصارا # وإذا أراد خلاصه من هلكة ... أجرى له من نارها أنهارا # فترى العقول تقاصرت عن نوكه ... وترى له في شوكه أزهارا # فدخل الشيخ إبراهيم عليه، وقبل الأرض بين يديه، وحياه بتحية الأكاسرة من ~~الملوك، ووقف في مقام أصغر مملوك، ثم استأذن في الخطاب، واستلطف في رد ~~الجواب، فأذن له فقال إن عموم شفقة مولانا الأمير، وحسن حنوه على المسكين ~~والفقير، وشمول عاطفته الكريمة ورحمته المنيفة، حملت المملوك على عرض ما عن ~~له على الآراء الشريفة، وهو أنه بحمد الله المرام حاصل، والمراد على وفق ~~الاختيار متواصل، والولي مجبور، والعدو مكسور، وهيبة مولانا الأمير في ~~الشرق والغرب، أغنته عن الاستعداد للضرب والحرب، ثم إن العساكر المنصورة ~~أكثر من أن تحصى، وفيهم من الأسرى والمرمق الحال ما فات الإحصا، وخصوصا ~~جماعات التتار، الذين ولى سعدهم الأدبار، وأحلوا قومهم دار البوار، قد أضر ~~بهم البرد، وتردد نقش حظهم بين العكس والطرد، فإن استمرت الأمور، على هذا ~~الدستور، رق الجليل وهلك الرقيق، ودق العظيم ms152 وانطحن الدقيق وهذه البلاد بل ~~وسائر الأقاليم، محال إلا بأمرك أن تستقيم، وإن رؤساءها من الفجرة والفسقة، ~~علموا ما لمولانا الأمير على مملوكه من الحنو والشفقة، فتراموا لعلة ~~المجاورة على المملوك، ورجوا من الصدقات الشريفة ما يرجوه من الغني الكريم ~~المحتاج الصعلوك، ومهما برزت به المراسيم المطاعة، تلقاه بالقبول كل من ~~المملوك وهؤلاء الجماعة، وقابلوا الأوامر الشريفة بالسمع والطاعة، وإن كان ~~المقصود جمع مال، فالمملوك يقوم به على كل حال، وأنى للمملوك مال إلا من ~~صدقات مولانا الأمير؟ وما قصد المملوك بذلك إلا رفع الكلفة عن الجانبين ~~وتيسير الأمر العسير، ورعاية لحق الجوار، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم " ~~ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " ، والرأي الشريف أعلى، ~~وأحرى، أن لا يخيب رجاء المملوك وأولى، فأجابه إلى سؤاله، وطلب منه مالا ~~عريضا سواء كان من مالهم أو من ماله فقال الشيخ إبراهيم أنابه زعيم، وأبلغ ~~ذلك إلى خزنته أتم إبلاغ، ثم رحل وأكمل شتويته في قراباغ، وذلك في سنة ست ~~وثمانمائة # ذكر ثني عنانه إلى أوطانه # وقصده بلاده بعد استكماله فساده # ولما زينت ماشطة الكون عروس المكان، وأقام مزمن الجمادات قوام الزمان، ~~وتهيجت القوى النامية، وتبرجت " مخدرات " الذرا السامية، وشبت الجمرات، ~~ودبت الحشرات، تحرك للرحيل ذلك الأفعى، ونفث على هوام أموات الزمهرير من ~~أحياء عساكره فإذا هي حية تسعى، فدق الكوس، فجاوب صداه الرعد القاصف، ولمعت ~~مرايا اللبوس فانعكس منها إيماض البرق الخاطف، وعرض خيوله في التروس فأحاط ~~بالأطواد قوس قزح، وسير خيوله في اللبوس، فتجللت كتائب الكثبان بشقق الورد ~~والريحان، خائلة في ذلك البر المنتزح، ومارت الجمال، فمرت الجبال مر ~~السحاب، وسارت الرعال، فصعد العنان من النقع الضباب، وشرعت الذوابل، فإذا ~~رطيب الأغصان متمايل، وهزهزت القواصل، فانساب في القصيل مرهف الجداول، ~~ولضلضت ألسنة الخناجر والنيازك فبرزت عذبات العذبات، ونشرت أعلام الكتائب ~~فانبثت تشاهير الأزاهير على عقبات العقبات وعلى الجملة فإن الربيع حاكى ~~ببروقه بوارقه، وبرعوده صواعقه، وبخمائله وروابيه، زرابيه ونمارقه، وبركامه ~~قتامه، وبشقائقه أعلامه، وبأشجاره المزهرة ms153 خيامه، وبأغصانه رماحه، وبعواصف ~~أمره ونهيه رياحه، وبكتائبه السود كثبه الخضر، وبأزهاره الزرق مزارقه ~~الزهر، وبسيوله الجحافه مسير جحافله، وباضطراب بحر فيالقه تموج خمائله، عند ~~هبوب أصائله واستمر بين ذلك العرار والرند، قافلا بالبال الفارغ إلى ~~سمرقند، فسار والسرور نديمه، والحبور خديمه، والأشر معاقره، والنشاط ~~مسامره، وبين التفريط والإفراط موارد ومصادره، حتى قطع ولايات أذربيجان، ~~وحل ركابه بممالك خراسان، وفي خدمته ملوك الأقاليم وأرباب التيجان # ذكر نهوض ملوك الأطراف # لاستقباله، ووفودها عليه مهنئة له بحسن مآله PageV01P080 ولما تسامعت ~~أقطار البلدان، أنه قفل قاصدا الأوطان، أقبلت إليه الملوك من أطرافها، ~~والمرازية من أكنافها، وسارع إلى استقباله المداره والجحاجح، وتبادر من ما ~~وراء النهر وغيرها السراة والمراجح، وتطاير إليه من الأقاليم أساطينها ومن ~~الولايات والثغور ملوكها وسلاطينها ومن كان مرابطا في ثغر، أو مواظبا على ~~أكيد أمر، أرسل نائبه أو قاصده، أو حاجبه أو رائده، يتباشرون بقدوم أقدامه، ~~ويهنئونه بما فتح عليه من هنده وعراقه ورومه وكرجه وشامه، ويقدمون التقادم ~~والحمولات، ويهيئون الضيافات والإقامات ثم أردفهم السادات والعلماء، ~~والمشايخ والكبراء، ورؤساء الموابذة، وموابذة الرؤساء، فجعل يسمت لكل واحد ~~منهم سمتا، ويأمره فيخضع بالسمع والطاعة إجلالا وصمتا، ويمهد له فيما ولاه ~~قواعد ومباني ف " لا ترى فيها عوجا ولا أمتا " ثم جهز كلا منهم بما اقتضاه ~~رأيه وأجازه، ووصل إلى جيحون وقد أعدت له السفن والمراكب فجازه، فخرج أهل ~~المدينة للاستقبال، وكل منهم منشرح البال ملتئم الحال، فدخل سمرقند أوائل ~~سنة سبع وثمانمائة، ومعه من طوائف الأمم الاثنتان والسبعون فرقة، وأكثرهم ~~قدرية ومرجئة، ثم أذن لمن اختاره من العساكر فتفرقت، ولطوائف جند ما وراء ~~النهر فتمزقت # ذكر توزيعه التتار أرسالا # شرقا وغربا ويمينا وشمالا # فلما استقرت به الدار، أخذ في توزيع التتار، وكانوا ذوي عدة وعدة، ونجدة ~~وشدة فحين سلبهم عدتهم، كسر شوكتهم وشدتهم، ولكن أبقى الله عدتهم، فخاف ~~لذلك نجدتهم، فشتت جمعهم، وأقوى من اجتماعهم ريعهم، فبذرهم في فياف وبطاح، ~~ووزعهم في قفار وضواح، وبددهم في أشطار عناء وبراح، ونددهم في أقطار ms154 بكاء ~~ونواح، فسدد برؤسهم أفواه الثغور، وأوصد بظهورهم أبواب النحور، فجهز طائفة ~~إلى كاشغر، وهو بين حدي الخطا والهند أحد الثغر، ووجه فرقة إلى دويرة، في ~~وسط بحيرة، تدعى إسي كول، وهي ثغر بين ممالك تيمور والمغول فصادفهم بعض ~~السعد، فانقطعوا عمن أضيفوا إليه كما ينقطع عما يضاف إليه بعد، فانضموا ~~منهزمين ولم يلووا، وأخذوا من صوب الشمال وخرجوا على الدشت إلى إيدكوا، ثم ~~أضاف سائرهم وقبائلهم وعشائرهم من كل حزين أواه إلى أرغون شاه وجهزه بعزم ~~وحزم، إلى ثغور الدشت وحدود خوارزم، وهذا كان هجيره، وما بنى عليه أوامره ~~وأموره، فإنه كان من الشياطين النقالة، وفي المكر واللعب بالناس كدلة ~~المحتالة كلما بنى في قطر قلعة، أو استولى في نحر من نحور المخالفين على " ~~رقعة أو " بقعة، أنزل بها من العساكر، من هو في أقصى جهات تقابلها من ~~الحصون والدساكر، ونقل إليها من بها من الرجال، إن كان في الشمال إلى ~~اليمين وإن كان في الجنوب إلى الشمال، فإنه لما استولى على ملك تبريز، وما ~~والاه، استناب فيه ولده لصلبه أميرانشاه، وأمده من الجغتاي بطائفة غلاظ ~~شداد، منهم خدايداد أخو ألله داد ونقل إلى أطراف الخطا وتركستان، طوائف من ~~عسكر العراقين والهند وخراسان، وولى سماقة بن التكريتي الذي أخذه من الشام، ~~نيابة مدينة سيرام، وهي عن سمرقند إلى جهة الشرق نحو من عشرة أيام، وولى ~~يلبغا المجنون نيابة ينكي تلاس وراء سيرام بنحو أربعة أيام، وهما كورتان ~~مختصرتان، وراء سيحون من معاملات تركستان وهما كانا أقل من أن يذكرا " فضلا ~~" أن يصيرا حكاما وأمراء، وإنما فعل ذلك، لينتشر في أطراف الممالك، أن عنده ~~من رؤساء الشام، جماعة من أعيان الأعلام، وإن في ممالكه من الخدم، ورؤساء ~~الأمم، حكام العرب والعجم، وأن ذلك الطرف جال وسطا، وملك ما بين الشام ~~والخطا " فصل " ثم أخذ يتفقد ما حدث في غيبته، من أمور بلاده ورعيته، ~~ويتفحص عن قضايا الممالك، ويسلك لملوكها المسالك، ويدبر مصالح الأطراف ~~والثغور، والأكناف والنحور، ويراعي أحوال الكبير والصغير، ms155 ويتعاطى مصلحة ~~الغني والفقير، ويضع الأشياء " على زعمه " في محلها، وزمام المناصب ~~والوظائف في يد أهلها، ويبادر بما قال الشاعر # لله در أنو شروان من رجل ... ما كان أعرفه بالوغد والسفل # نهاهم أن يمسوا عنده قلما ... وأن يذل بنو الأحرار بالعمل PageV01P081 ~~وأخذ يربي السادات، ويكرم الأولياء ذوي الكرامات، ويجل العلم وأهله، ويعلي ~~الفضل ويعز محله، ويقلع المفسد ويقمع المارق، ويخنق الزاني ويصلب السارق، ~~حتى استقامت في زعمه أمور السياسة، وتمت على توراة جنكير خان قواعد الرياسة # ذكر ما ابتدعه من منكراته # وطبع بخاتمة خواتيم سيئاته، ووافى باستيفائه رائد وفاته # ثم شرع في تزويج حفيده أولوغ بك بن شاه رخ النبيه، الذي هو في يومنا هذا ~~أعني سنة أربعين وثمانمائة حاكم سمرقند من قبل أبيه، فأمر أهل المدينة أن ~~يشرعوا في الزينة، وأن يرفع عنهم الكلف والمظالم، ويعفوا من الطروحات ~~والمغارم، ويبسط لهم بساط الأمان، ويعامل الكبير والصغير والرفيع والوضيع ~~منهم بالفضل والإحسان، وأن لا يشهر في ممالكه سيف، ولا يجري فيها ظلم ولا ~~حيف، وأن يخرجوا زينتهم إلى مكان نحو ميل من ضواحي سمرقند، يدعى كان كل، ~~هواؤه أذكى من المسك وماؤه أحلى من القند، كأنه قطعة من روض الجنان، غفل ~~عنها خازنها رضوان قلت # رعى فيه غزال الترك شيحا ... فصار المسك بعض دم الغزال # روائح هوائه ألطف من نسيم السحر، ورواشح مائه أعذب من ماء الحياة صفاء ~~بلا كدر، وتغاريد طيوره ألذ في السماع من سار الناي على الوتر قلت # بساط زمرد نثرت عليه ... من الياقوت ألوان الفصوص # وقلت # كأن مدور الأزهار فيه ... ووردا من محاسنه تنضد # صحاف من لجين أو عقيق ... ومرجان وياقوت وعسجد # فهذي حشوها مسك فتيت ... وهذي ضمنها تبر مبدد # أراد الروض يجلوها علينا ... فصاغ لها أكفا من زبرجد # صباغ القوة الخيالية يتعلم خلط أصباغ النقوش من تشاهير أزاهيره، ومواشط ~~عرائس الجمال تزين عواتق الكمال من تحارير تصاويره قلت # كأن رباه سيما وقت هبة ... خضم بأنواع الحلى مرصع # أفسح من أمل حريص طامع، في جاه غني ms156 كريم نافع، وأنزه للأبصار والبصائر، ~~من غض شباب زاه زاهر، ساعده الدهر بوجه بسيط وأدب كامل، وعمر طويل ومال ~~وافر، وهو أحد الأماكن المذكورة، والمتنزهات التي هي بالنزاهة و الرفاهية ~~في الدنيا مشهورة، ومبدأ السغد الذي جهاته بالنعم موقرة موفورة قلت # شقائقه خدود ناضرات ... تحشت من سواد المقلتين # عساكر تيمور مع أنها البحر المتلاطم فيه، تضاهي بني إسرائيل في قطر من ~~أقطار التيه، ثم أمر الملوك والسلاطين، وأرباب التيجان من الأساطين، أن ~~يخرجوا إليه، وينبثوا عليه، وفرز لكل منهم في ذلك المرج مقاما، ورتبه ميمنة ~~وميسرة ووراء وأماما، وأمر أن يظهر " كل " ما أمكنه من تجمل وتحسين، ويضرب ~~ماله من خيام وقباب متكلفة بأنواع النقوش والتزيين ثم رتب من دونهم من ~~الكبراء والأعيان، ورؤساء الأمراء والأعوان في ذلك الروض الأريض، والمرج ~~الطويل العريض، فأخرج كل منهم ما حواه، وكاثر نظراءه لينظروا ما قدمت يداه، ~~وفاخر ذوي الفخار منهم وباهى، واستقصى في المباهاة والمفاخرة وتناهى، ~~فنشروا مما طوت صحائف أيامهم، على جمعهم إياه سجلات آثامهم، من طرف أطراف ~~الأقاليم والأمصار، وتحف جواهر المعادن والبحار، ونفائس ذخائر نهبوا عليها ~~النفوس وألهبوا الأنفاس، وعرائس أخاير سقوا عليها الكؤس وخرقوا الأكياس، ما ~~أزرى على زهر تلك الروضة الخضراء بالأنجم الزواهر، وأسرى منظره البهيج ~~سرايا المسرات إلى سر السرائر، فزاد حسن حديث ذلك المكان ونما، وعلا قدره ~~بهجة على كل أرض وسما ثم أمر بسرادقاته فجعلت مركز تلك الدارة، ونقطة دائرة ~~تلك الأفلاك المدارة، وهي سور محيط مضروب، على ماله من خيام وقباب منصوب، ~~له باب واسع، يدخل فيه من دهليز شاسع، على ما به من معان ومغان، وله قرنان ~~شامخان، تنكس لهما الرؤس، وتذهل عند مشاهدتهما النفوس، ولأجل هذين، كان ~~يلقب ذا القرنين PageV01P082 ونصبوا له داخل هذا الجناب، عدة من الخيام ~~والأخبية والقباب، ومن جملتها قبة أعلاها وأسفلها بالذهب مزركش، وظاهرها ~~وباطنها بلب الريش مريش، وأخرى كلها بالحرير محبوكة، وبأنواع النقوش وألوان ~~الأصباغ مبنية مشبوكة، وأخرى من فرقها إلى قدمها مكللة باللآلئ الكبار، ~~التي ms157 لا يعلم قيمة أحدها إلا عالم الأسرار، وأخرى مرصعة بأنواع الجواهر، ~~على صفائح الذهب مدهشة للأبصار والبصائر، وجعلوا لما بين ذلك " سقفا من فضة ~~ومعارج عليها يظهرون، ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون " وبين ذلك ~~الأوراق المنقشة، ورواقات الأخبية المزركشة والفساطيط والأبنية المدهشة ~~وفيها مراوح الخيش، الجالبات لبرد العيش، والمنافع والمرافق، والمفاتح ~~والمغالق وأظهروا الذخائر الغريبة، وأرخوا على ذلك الستائر العجيبة، ومن ~~جملتها ستارة جوخ كان أخذها من خزانة السلطان بايزيد، قطعة واحدة عرضها نحو ~~من عشرة أذرع بالذراع الحديد، منقشة بأنواع النقوش، من صور النباتات ~~والبنيان والعروش، وأشكال الهوام والطيور والوحوش، وأشخاص الشيوخ والشبان، ~~والنساء والصبيان، ونقوش الكتابة وعجائب البلدان، والعروق اللاعبة وغرائب ~~الحيوان، بألوان الأصباغ، المبالغ في إحكامها وإجادتها أحسن بلاغ، كأن ~~صورها متحركة تناجيك، وثمارها الدانية لاقتطافها تناديك وهذه الستارة إحدى ~~عجائب الدنيا، وليس المسمع كالمرأى، ونصبوا أمام سرادقاته بمقدار شوط فرس ~~الصيوان، الذي يجتمع المباشرون فيه وأرباب الديوان، وهو جتر عالي الذرا، ~~شامخ في الهوى، له نحو أربعين أسطوانة، وعواميد وسوار شيدوا عليها أركانه، ~~وسددوا بنيانه، يتسلق الفراشون إلى أعلاه كالقردة، كأنه مسترقوا السمع من ~~الشياطين والمردة، ويتعادون على سطحه، حين يرفعونه بعد بطحه " فصل " وأخرج ~~أهل المدينة، ما عبوه من تجمل وزينة، ونصبوه تجاه تلك السرادقات على مد ~~البصر، وتأنق كل واحد من أهل البلد بما وصلت إليه القوى والقدر، واجتهد كل ~~ذي حرفة بما يتعلق بحرفته، وبالغ كل من أرباب الصنائع فيما يليق بصنعته، ~~حتى أن ناسج القصب أخرج فارسا مكمل الأهبة، واستقصى في إكمال هيئته حتى ~~أظافيره وهدبه، واستوفى دقائق ما يتعلق به من الآلات، كقوسه وسيفه وسائر ~~الاستعدادات، كل ذلك من القصب، ورفع ذلك في مكانه من غير تعب ونصب وصنع ~~القطانون من القطن مئذنة رفيعة، محكمة بديعة، ذات قد رشيق، وصنع وثيق، ~~ومنظر أنيق، ببياض جسم يسمو على الحور، وكمال قوام يعلوا على القصور، ~~ونصبوها فصارت بحسنها تستوقف النظارة، وبعلوا قامتها ترشد في ذلك المهمه ~~المارة، حتى غدت علما للسيارة، وعلى جوامع ms158 تلك الأبنية منارة وكذلك أهل ~~الحرف من الصواغين والحدادين، والخفافين والقواسين، وسائر الطوائف، وأرباب ~~الملاعب واللطائف ولقد كانت سمرقند مجمع الأفاضل، ومحط رحال أهل الفضائل، ~~فرتبت كل طائفة ما أخرجته على حدة في مكانه، أمام سرادقاته وصيوان ديوانه، ~~ونصبت وراء ذلك كله الأسواق، وضربت بين الناس بوقات الأبواق، وزينت الفيول، ~~وجياد الخيول، بأفخر لباس، وأطلق عنان الرخص والتمتع بأنواع الملاهي ~~والملاذ للناس، فسارع كل طالب إلى مطلوبه، واجتمع كل محب منهم مع محبوبه، ~~من غير أن يتعدى أحد على أحد، أو يستطيل أعلى من يكون على أدنى من يكون من ~~الجند وأهل البلد، أو يجري تعد ما، من شريف ما على وضيع ما " فصل " ولما ~~استتبت الأمور على مراد تسويل قرينته، وأخذت الأرض زخرفها وازينت من جنده ~~وأهل مدينته، توجه إلى ذلك المرج على وقاره وسكينته، وخرج على قومه في ~~زينته، ثم أمر أن تجرى يواقيت الصهبا، على زبرجد ذلك المرج الأحوى، وسبلها ~~لكل ناظر وعام، فسبح في تيارها كل خاص وعام، فدارت في سماء تلك الأرض ~~للسرور أفلاك، وهبطت في أفقها بوحى الذات من أفلاك الملاحة أملاك، فأصبحت ~~تلك الأسود الخوادر، وهي ظباء جوادر، وتنزلوا من جحيم المنازلة، إلى نعيم ~~المغازلة، وتبدلت تلك الغلاظة والكثافة، باللطافة والظرافة، وأضحوا بعد ~~جورهم يتجاورون، وبمعنى ما قلته يتحاورون # محا الظلم ما بين الورى سيف عدلنا ... فلم يتشبث مستغيث بمعتد # سوى قلب صده طرف أحور ... وخصر نحيل آده ردف أغيد PageV01P083 فما صار ~~يصول سيف إلا إن كان صارم لحظ وهو مع ذلك مكسور، ولا يجول ذابل إلا إن كان ~~رمح قد وهو مع ذلك بالعناق مهصور، وصرت لا ترى إلا عودا يحرك أو يحرق، أو ~~قدحا يروب أو يروق، أو شاديا يغرد، أو شاربا يعربد، أو جارية تسقي، أو ~~ساقية تجري، أو خد ورد ينشق، أو ورد خد يعشق، أو كأس ثغر يرشف، أو غصن خصر ~~للعناق يقصف، أو فرص عيش تغتنم، أو لسان حال ينشد ويترنم # في ربيع الوصل لما ... أن وفى ms159 الضبي الشرود # وسرت بشرى الصبا ... للروض تنبي للورود # خرت الأنهار والأغصان مالت للسجود # واجتمعنا في رياض ... حسنها يسبي الوجود # فالسحاب الصب فيها ... بالحشا أمسى يجود # نثر الدر علينا ... منه بلور الغمام # فوق صحن سندسي ... فيه ملياقوت جام # وثغور من عقيق ... زانها حسن ابتسام # وعيون من لجين ... ناظرات لا تنام # وغصون الدوح حفتنا بأنواع النقود # طيرها فيه غنى إذ ... قد علا عودا وطار # وشذاها ضاع فيه المسك لما منه غار # والصبا أمسى عليلا ... في رباها حين سار # جنة الفردوس فيها ... وجه بدر حين نار # أصبحت جنات عدن ... تشتهي فيها الخلود # يا لها من عشرة ... جاءت بأنواع الهنا # ليس فيها غير لثيم ... وارتشاف واعتنا # وكئوس دائرات ... وغناء وغنى # لو رآها زاهد من ... ريحها كان انثنى # لم يسعه عندها من ... زهده إلا الجحود # قم نديمي عاطني فالد ... هر لا يسوى الحزن # كأس عيش ينمحي في ... مزجها صرف الزمن # الطلا والماء والخضرة والوجه الحسن # لا تطع في ذا عذولا ... إنه خب كمن # في حشاه غليان ... لا تقل خل ودود # فحصل الأمن والدعة، والفراغة والسعة، ورخص الأسعار، وقضاء الأوطار، ~~واعتدال الزمان، وعدل السلطان، وصحة الأبدان، وصفاء الوقت، وذهاب المقت، ~~وحصول المطلوب، ووصال المحبوب # وعند التناهي يقصر المطاول # واتفق له في ذلك العرس والأبهة والعظموت، والسطوة والجبروت شيء لم أظنه ~~حصل لأحد من الخلفاء المتقدمين، ولا يقع فيما بعد لأحد من المتأخرين، وإن ~~كان المأمون فرش تحته ليلة عرسه حصير من ذهب، ونثر على رأسه اللؤلؤ المنتخب ~~فلم يلتفت إليه ولم يلتقط من ورائه ولا من بين يديه، حتى قال قاتل الله أبا ~~نواس كأنه كان حاضرا حيث قال # كأن صغرى و كبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب # لكن تيمور " الجبار " كان في عرسه ذاك بنات الملوك وصائف، وبنوها عبيدا ~~كل منهم في مقام العبودية واقف، واجتمع عنده قصاد الملك الناصر فرج من مصر ~~والشام، ومعهم الحمل والتقادم ومن جملته الزرافى والنعام، ورسل الخطا ~~والهند، والعراق والدشت والسند، وبريدي الفرنج ومن سواهم، وقصادكل ms160 الأقاليم ~~أقصاهم وأدناهم، ومن كل مخالف وموافق، ومعاد ومصادق، فأخر الجميع حتى ~~شاهدوا عظمته، وعاينوا جبروته في ذلك العرس وأبهته، فباشر ذلك على تلك ~~الحال، لا يخاف النكال، ولا يخشى الوبال قلت # قرير العين لا يرجوا إلها ... خلي البال لا يخشى معادا # يتناول المحرمات ويبيحها، ويروج عنده مستهجنها وقبيحها، مهما أمر به ~~جماعته، في ذلك امتثلوه، يتناهون في كل قبيح عملوه، ولا يتناهون عن منكر ~~فعلوه قلت # تبدل من سفك وهتك جريمة ... أحل بها ما حرمته الشرائع # وجعل يدعو الملوك والأمراء، وسلاطين الآفاق والكبراء، وقواد التوامين، ~~وزعماء الجيوش والمقدمين، ويسقيهم الكاسات بيده، ويحل كل منهم محل أخيه ~~وولده، ويخلع عليهم الخلع السنية، ويجزل لهم المواهب والعطية، ويجلس كل ~~منهم بحبسه ذات اليمين، وأما ذات الشمال فإنها للنساء والخواتين، فإن ~~النساء لا يستترن من الرجال، خصوصا في مجالس الاجتماع والاحتفال ~~PageV01P084 واستمر في ذلك بين جنك وقانون، وعود وأرغنون، وناي مرقص مطرب، ~~وشاد معجب مغرب، وساق فاتن، ودهر موات، وهوى متبع، وأمر مستمع، وشمس تدور، ~~على نجوم وبدور، وكأس تملأ وكيس يفرغ، وأمر يمضي وأمل يبلغ، حتى استخفه ~~الطرب والبطر، واستفزه النشاط والأشر، فضبع إلى من استعضده، ومد للنهوض ~~إليه يده، فتعاضدوا لمعاونته، وتعاونوا على معاضدته، وحين استوى قالصا، ~~تهادى بشيبته وعرجته راقصا قلت # ومن عجب الدنيا أشل مصفق ... وأبكم قوال وأعرج راقص # فنثر عليه الملوك والكبراء، ونساء السلاطين والأمراء، الجواهر واللآلئ ~~والفضة والذهب وكل نفيس غال، ولم يزل على ذلك حتى استوفى من اللهو حصته، ~~ودخل العروس منصته، وانقضت تلك الأمنية، وتفرقت هاتيك الجمعية # ما كان ذاك العيش إلا سكرة ... لذاتها رحلت وحل خمارها # " فصل " ولما بلغ من دنياه المرام، وانتهى أمله إلى الكمال والتمام، وعرج ~~فيما يرومه إلى ما عرج، وصعد في سلم ارتقائه إلى أعلى درج، وقارب بدر عمره ~~الأفول، وشمس حياته أن تزول، رشقه الزمان بسهم أصماه فما أنمى، ونادى بلسان ~~فصيح فرغ العروس يا بيت الإحما قلت # وما الدهر إلا سلم فبقدر ما ... يكون صعود المرء هبوطه ms161 # وهيهات ما فيه نزول وإنما ... شروط الذي يرقى إليه سقوطه # فمن صار أعلى كان أوفى تهشما ... وفاء بما قامت عليه شروطه # فأفاق من سكره، وعاد إلى عكره، وارعوى وما ارعوى، وعلم أنه أضل قومه وما ~~هدى، ورأى أنه قد فرط في أمر الرياسة، وحط من جانب الإيالة والسياسة، وأنه ~~سام الملك خسفا، وسائس السلطنة وجد عليه مائة طريق في التقصير وألفى، فأخذ ~~يتدارك ما كان فرط، ويطلب التقصي عما فيه تورط # ذكر بعض حوادث متقدمة # لمتعلقات ذلك العابث # وكان تيمور قد رأى في الهند جامعا، للبصير مرتعا وللبصر رائعا، عرشه في ~~حشن بناءه ونقشه، من الرخام الأبيض كبساط فرشه، فأعجبه شكله، وأراد أن يبني ~~في سمرقند مثله، ففرز لذلك مكان في فرز، ورسم أن يبني له جامع على الطرز، ~~وأن يقطع له أحجار من المرمر الصلد، وفوض أمره إلى رجل يقال محمد جلد، أحد ~~أعوانه ومباشري ديوانه، فاجتهد في بنيانه، وتشييد أركانه، واستقصى جهده في ~~تحسينه، من تأسيسه وتركيبه وترتيبه وتزيينه، وأعلى له أربع مآذن، وباهى في ~~أئمة البنائين والأستاذين، وظن أن لو كان في ذلك أحد غيره، لما قدر أن يصنع ~~صنعه، ويسير سيره، وأن تيمور سيشكر له صنيعه، وينزله عنده بذلك منزلة رفيعة ~~فلما آب من سفرته، وتفقد ما حدث في غيبته، توجه إلى الجامع لينظر إليه ~~فبمجرد ما وقع نظره عليه، أمر بمحمد جلد فألقوه على وجهه وربطوا رجليه، ولا ~~زالوا يجرونه، وعلى وجهه يسحبونه، حتى بضعوه على تلك الحال، واستولى على ~~ماله من أهل وولد ومال وأسباب ذلك متعددة، ومعظمها أن الملكة الكبرى، إمرأة ~~تيمور العظمى، أمرت ببناء مدرسة، واتفق المعمارية وأهل الهندسة أن تكون في ~~مواضع، مقابلة لبناء هذا الجامع، فشيدوا أركانها وسددوا بنيانها، وعلوا على ~~الجامع طباقها وحيطانها، فكانت أرسخ منه تمكينا، وأشمخ منه عرنينا وتيمور ~~كان نمري الطبع، أسدي الوضع، ما تكبر عليه رأس إلا شدخه، ولا تجبر عليه ظهر ~~إلا فضحه، وكذلك كل ما أضيف إليه، أو عول في النسبة عليه فلما ms162 رأى قامت تلك ~~المدرسة طالت، وعلى قد جامعه الجتر ترفعت واستطالت، نغل صدره غيظا واشتعل، ~~وفعل مع مباشر ذلك ما فعل، فلم يصادفه فيما أمله سعد، وهذه الحكاية مقدمة ~~لما أذكره بعد PageV01P085 نكتة كان هذا الجامع كصاحبه، أحاطت أوزار ~~الأحجار بجوانبه، وتثاقلت على غواربه ومناكبه، ودقت عنقه طاقته عن حملها ~~ورقت، وتلا لسان سقفه " إذا السماء انشقت " وما أمكن تيمور الاشتغال بهدمه ~~ثم إحكامه، ونقض بنائه واستئناف إبرامه، فطوى ثوب عمارته على غرة، واستبقى ~~خشب أخشبه على وهنة وكسره، لكنه أمر خاصته وذويه، أن يجتمعوا ويجمعوا فيه، ~~واستمر ذلك في حياته وبعد وفاته، فكان إذا اجتمع الناس فيه للصلاة يرتقبون ~~من تلك الحجارة ما يهبط من خشية الله، وصار ملك الجبال في تلك المحلة، يتلو ~~" وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة " ففي بعض الأحيان، وقد غص بالناس ذلك ~~المكان، وأخذ كل منهم حذره، سقط من حجارته من أعلاه شذرة، ففر كل من كان ~~جاثما، وانفضوا إلى الأبواب وتركوا الإمام قائما، وكان من جملتهم الله داد، ~~أحد الأكفاء والأنداد، فلما اطلعوا على حقيقة الخبر، تراجعوا وزال عنهم ~~الخور فلما قضوا الفرض، وانتشروا في الأرض، قال لي الله داد وكان من الدهاة ~~ذوي الكياد، والأذكياء النقاد، له حوالي كعبة المخازي، مائة شوط وألف طوف - ~~ينبغي أن يلقب هذا الجامع بمسجد الحرام والصلاة فيه صلاة الخوف، وقال لي ~~أيضا ألله داد، وقد فهم معنى هذا الإنشاد، وينبغي أن ينشد، في شأن هذا ~~المعبد، ويكون رقم طرازه، ونقش صدره ومجازه، قول الشاعر # سمعتك تبني مسجدا من جناية ... وأنت بحمد الله غير موفق # كمطعمة الأيتام من كد فرجها ... لك الويل لا تزني ولا تتصدقي # " فصل " ولما كان تيمور ببلاد الروم يصول، كان استخلاص ممالك الشرق في ~~فكره يجول، وقد ذكر أنه أرسل إلى ألله داد، يستوصفه أوضاع تلك البلاد، ولما ~~انكشفت له أحوالها، وتبينت له قراها ومضافاتها وأعمالها، حتى شاهدتها عين ~~بصيرته، واستقرت كيفيتها في سر سريرته، جهز لتلك النواحي، رؤس هاتيك ~~الضواحي، ومن جملتهم ms163 بيردي بك وتنكري بيردي وسعادات، وإلياس خواجه ودولت ~~تيمور مع زيادات، وأضاف إليهم طوائف من الأجناد، ورسم أن يتوجهوا كلهم إلى ~~الله داد، وأن يجهز ألله داد أمره، ويتوجهوا فيبنوا قلعة تدعى باش خمرة، ~~وهي عن أشبارة نحو من عشرة أيام، ومن متعلقات المغل الطغام، وكانت أمورها ~~اضطربت، ولكونها متنازعة بين مملكتين خربت، فتوجهوا إلى تلك الدارة، ~~بالعساكر الجرارة، واشتغلوا على غير عادتهم بالعمارة وكان توجه هذه الفئة، ~~في أواخر سنة ست وأوائل سنة سبع وثمانمائة، وقصد بذلك أن تكون لهم معقلا، ~~وعند توجههم إلى الخطا وإيابهم ملجأ وموئلا، فلما أحكموا أساسها، وصنفوا ~~أنواع بيوتها وأجناسها، وصفوا من أحجار الأساسات أقدامها، ورفعوا على أعلام ~~الأسوار أعلامها، أرسل إليهم مرسوما أنهم يرجئون أمرها، ويتناسون ذكرها، ~~ويأمرهم فيه بالرجوع، والاشتغال بتعليق البلاد بالزروع، بحيث أن فقهاء ~~الدرس والدياس، من أهل القرى والأمصار، والمشتغلين بفقه المزارعة والمساقاة ~~من فلاحي الأنجاد والأغوار، وأهل الرزداقات والأكارة، من حدود سمرقند إلى ~~أشبارة، يتركون مسائل المعاملة والمبايعة، ويكررون البحث قولا وعملا في درس ~~المساقاة والمزارعة ويؤذنون في جماعتهم أن يقيم كل منهم في الزرع صلاحه، ~~وإن اضطر أحدهم أن يترك صلاته فالحذر الحذر أن يترك فلاحه، ورام بذلك أن ~~يكون لهم في سفرهم عتادا، وإن نقص لهم في الدرب قضيم وخضيم زادا، فتركوا ~~العمارة، وقصد كل من الأمراء دياره، واشتغلوا باستخراج البقر والبذار، ~~واجتهدوا في إحياء جميع الموات كما رسم وأشار، فما فرغوا من ذلك إلا وقد ~~طوى المصيف بساطه، ونشر رائد الخريف على العالم أعلامه وأنماطه # ذكر عزمه كما كان على الخطا # ومجيئه سكرة الموت بالحق وكشفه عنه الغطا، ثم انتقاله من سفره إلى سقره # فلما أفاق، أخذ فيما كان عليه من التوجه إلى الآفاق، وقصد الحواشي ~~والأطراف، واستخلاص الممالك والأكناف، وصرف عنان الذهاب، نحو الخطا على ~~عادته وكان ذلك عين الصواب PageV01P086 فأرسل إلى أمم عساكره أن يستوفزوا، ~~ويأخذوا أهبة أربع سنين أو أكثر ويتجهزوا، فلبت كل أمة دعوة رسولها، وشنفت ~~بأقراط مراسيمه أذان قبولها، وحمل ms164 كل أسد جوزاء عتاده، وامتطى جدى بغيه، ~~وأعد كل ثور سنبلة زاده ودلو سقيه، ودب كل عقرب منهم دبيب السرطان، ~~وانسابوا انسياب الحوت في بحار العدوان، مجازفين مظالم العباد بلا كيل ولا ~~ميزان فأبرد هلال القوس سهم برده بمرسومه إلى كل صماخ، يخبر أن جند الشتاء ~~على عالم الكون والفساد أناخ، فليستعد له الكفاة، وليحذره العراة والحفاة، ~~ولا يكتفوا في كفه بكافاته فما كل كاف له كفوا، لأنه في هذه المرة آية من ~~آيات الله فلا تتخذوا آيات الله هزوا وأن قصده بقدومه تبريد الأنفاس، ~~وتشويط الأنوف والآذان وإسقاط الأكارع وقلع الرأس، وأن فصل الخريف رائد ~~جنوده، وقائد بنوده، ونموذج طلعته، ومري عين غلته وعنوان مكاتبته ومقدمة ~~كتيبته ثم زمجر بعواصف رياحه الباردة، وخيم على العالم بخيام غيومه الصادرة ~~والواردة، فارتعدت الفرائص من زئيره، ولاذ كل من الحشرات بقعر جهنمه خوفا ~~من زمهريره، وخمدت النيران وجمدت الغدران، وارتجفت الأوراق ساقطة من ~~الأغصان، وخرت على وجهها الأنهار، جارية من الأنجاد إلى الأغوار، وتخيست ~~الأسود في أخياسها، وتكنست الظباء في كناسها، وتعوذ الكون من آفته، واصفر ~~وجه المكان من مخافته، واغبرت خدود الرياض، وذبلت قدود الغياض، وراح ما كان ~~بها من النضرة والارتياح، وأصبح نبات الأرض هشيما تذروه الرياح فاستسمج ~~تيمور لقطات هذه النسمات، واستبرد نفثات هذه النفحات، وأمر بإعداد لبوس ~~القباب، واستعداد بركستوانات الجباب، واتخذ لصفاح الجمد وسهام البرد، من ~~المبطنات الدرق ومن الفراء الزرد، ثم ضاعف لملاقاة الشتاء مضاعفات اللباس ~~وأفرغها على قامة عزمه الثاقب وأمدها من كافات كفايته بأتراس، ولم يلتفت ~~إلى كلام وملام، واستكفى من الشتاء بما لبسه وأعده من كل كاف ولام، وقال ~~لعسكره لا تكترثوا بشأن الشتاء فإنما هو برد وسلام وحين اجتمعت عساكره، ~~والتأمت أموره وأوامره، أمر أن يصنع له خمسمائة عجلة، وتضبب بالحديد ليحمل ~~عليها ثقله، فبادر الشتاء خروجه بالدخول، وأورد بانقطاع جراية عمره من ~~ديوان الفناء الوصول، فبرز في شهر رجب، وقد أصبح البرد عجبا وأي عجب، وسار ~~لا يرق لمرق، ولا يرثي ms165 لجسد من البرد محترق، فوصل في سياحته إلى سيحون وقد ~~تجمد، وبنى عليه رائق النسيم الصرح الممرد قلت قديما # على البحر قد عاينت جسر ممددا ... بناه إله العرش صرحا ممردا # بكيت فخلت الدمع في جنباته ... رقيق رحيق في زجاج تجمدا # فعبره ومر ومضى على ذلك واستمر، وتمادى على لجاجه وأصر فدمر الشتاء عليه ~~بالدمار، وانحط عليه من الجوانب بكل إعصار فيه نار، وحطم جيشه بكل نكباء ~~صرصر، وضرب نبات عسكره بصرة صر طول فيها وما قصر، وهو بذلك الجمع الكثير ~~يسير، لا يحن لأسير ولا يجبر وهن كسير، يسابق البرد ببرده، ويجاري أجرده ~~بجرده ومرده، فجال فيهم الشتاء بحراجف عواصفه، وبث فيهم حواصب قواصفه، ~~وأقام عليهم نائحات صراصره، وحكم فيهم زعازع صنابره، وحل بناديه، وطفق ~~يناديه مهلا يا مشوم، ورويدا أيها الظلوم الغشوم فإلى متى تحرق القلوب ~~بنارك، وتلهب الأكباد بأوامك وأوارك، فإن كنت أحد نفسي جهنم فإني ثاني ~~النفسين، ونحن شيخان اقترنا في استئصال البلاد والعباد فأنحس بقران ~~النحسين، وإن كنت بردت النفوس وبردت الأنفاس فنفحات زمهريري منك أبرد، أو ~~كان في جرائدك من جرد المسلمين بالعذاب فأصماهم وأصمهم، ففي أيامي بعون ~~الله ما هو أصم وأجرد، فوالله لا حابيتك، فخذ ما آتيتك، ووالله لا يحميك يا ~~شيخ من برد ريب المنون، لواعج جمر مجمرة ولا واهج لهيب في كانون ~~PageV01P087 ثم كال عليه من حواصل الثلوج ما يقطع الحديد ويفك الزرد، وأنزل ~~عليه وعلى عساكره من سماء الزمهرير من جبال فيها من برد، وأرسل عقيبها ~~زوابع سوافيه فحشتها في آذانهم ومآقيهم، ودستها في خياشيمهم فاستقبلت بها ~~نزع أرواحهم إلى تراقيهم، وجعلت تلك الريح العقيم " ما تذر من شيء، أتت ~~عليه إلا جعلته كالرميم " وأصبحت مشارق الأرض ومغاربها من الثلوج المنقضة، ~~كأنها بر عرصات القيامة أو بحر صاغه الله من الفضة، فكانت إذا بزغت الصقعاء ~~ولمع الصقيع تراءى شيء عجب، سماء من فيروزج وأرض من بلور ما بينها شذور ~~الذهب، فإن هبت فيما بين ذلك والعياذ بالله نسمة ريح، على ms166 نسمة ذي روح، ~~أخمدت نفسه، وجمدته وفرسه، وكذلك الجمل والجمال، حتى أتت على مرق وانتهى ~~الشأن إلى أن طابت النار وردا، وصارت لواردها سلاما وبردا، وأما الشمس ~~فإنها ارتجفت، وجمدت عينها من البرد ونشفت، وصارت كما قيل # يوم تود الشمس من برده ... لو جرت النار إلى قرصها # فكان الرجل إذا تنفس جمدت أنفاسه على سباله ولحيته، فيصير كأنه فرعون وقد ~~رصع لحيته بحليته، وإن لفظ من فيه لفظة نخامة عاقدة، لا تصل إلى الأرض مع ~~ما فيها من الحرارة إلا وهي بندقة جامدة، فانكشف ستر الحياة عنهم، وأنشد ~~لسان حال كل منهم # فيا رب إن البرد أصبح كالحا ... وأنت بحالي عالم لا تعلم # فإن كنت يوما مدخلي في جهنم ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم # فهلك من عساكره الجم الغفير، وأتى الشتاء على كثير من كبير منهم وصغير، ~~وشاط منهم أنوف وآذان وسقط، وانحل عقد نظامهم وانفرط، ولا زال الشتاء يهب ~~ويصب عليهم ريحا وبحارا، حتى أغرقهم فيها وهم عاجزون حيارى، ونودي عليهم " ~~مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا " وهو ~~مع ذلك لا يلتفت إلى من مات ولا يتأسف على ما فات # ذكر مرسوم أرسله إلى ألله داد، بت فيه من الأكباد # وفت القلوب والأعضاد، وزاد ما خبله فيه من هموم بأنكاد # وكان تيمور حين مخرجه من سمرقند أرسل إلى الله داد بأشباره، مرسوما أذهب ~~فيه قراره، ونفر طائر نومه عن وكر أجفانه وأطاره، وفهم من فحواه بالإشارة، ~~أنه طالب دماره، ومؤتم أولاده ومخرب دياره شد عليه فيه المضائق، وسد في ~~وجهه الطرق والطرائق، واقترح عليه فيه بأمور يسهل عندها قطع الجبال ونقل ~~الصخور، ويعذب عند أدناها شرب البحور، من أقلها أن يهيئ له بمفرده، إقامة ~~ليوم قدمه دون غده، خضيما يأكله ليله، وقضيما يطعمه خيله، ومن عرض ذلك مائة ~~" ألف " حمل جمل طحينا خاصه، وهو مخصوص به لليلة واحدة خاصة، وأنه مع ~~عساكره الجرارة، لا يبيت سوى ليلة واحدة بأشباره، إلى غير ذلك ms167 فلما اطلع ~~الله داد على هذا الكتاب، وفهم ما تضمنه فحوى هذا الخطاب، علم أنه قد حل به ~~العذاب، فسلب وعيه، وبذل سعيه، وأخذ في إعداد الطحين، واجتهد في إدارة ~~الطواحين، وكانت الطواحين أوقف من حال أديب، في هذا الزمن العجيب، ومجاري ~~مياهها أيبس من كف شحيح، كلف زمن القحط تذرية الدقيق في الريح، ودماء ~~الأنهار في مجاري عروق الجبال ناضبة، ودموع العيون في آماق الغروب غاربة ~~فبذل ما كان أعده لكل نائبة وشدة، وأهان نفائس الأموال واستعان على إجراء ~~الماء بالمال، واستغاث بأولي النجدة من الرجال، واستمد المدد، من كل عد ~~وثمد، واستنهض آراء المشفقين من الأصحاب، واستدفع بهم ما نزل به من مخلب ~~للبلاءات وناب، وقرع لفتح ما ارتج عليه مما لا طاقة له به كل باب فاستجابوا ~~دعاءه، وأجابوا صداه ونداءه، وتأوهوا لمضضه، واستطبوا لمرضه، وجمعوا من ~~العملة والفعلة الأسود والسراحين فعملوا في سوق الأنهار من الأعمال ما يدير ~~الطواحين، وجعلوا يعاندون البرد، ويقطعون في طريق الماء الجمد، فكانوا ~~كالضارب في حديد بارد، والمكابد بتزويق وعظه تليين قلب الجاحد، حتى سهلت ~~حزونه، ورق لمكابدتهم فدمعت عيونه وصاروا لا يقطعون من الجليد، مقدار ذراع ~~بالحديد، إلا وتهب نسمة يابسة، على تلك الوجوه العابسة، فإذا هب بارد ~~النسيم، قابله الماء بوجه بسيم، فيبرد قلبه عن نارهم، ويصرد لبه عن أوارهم، ~~فيجمد ما فوق ذلك، فتضيق عليهم المسالك، فيرجعون القهقرى، ويمشون كالحبال ~~إلى ورا، والله داد مع ذلك يبذل الأموال، وينادي مستغيثا يا للماء يا ~~للرجال قلت PageV01P088 فكان كل منهم كالحمار ... يخرج ما أمكنه بالمدار # يوقفه الماء لإجرائه ... وكلما أوقفه البرد دار # إلى أن وقع الاتفاق بين الرفاق، أن هذه مسألة تكليف مالا يطاق، وحين تبين ~~له أمرهم، وتعين عنده عذرهم، قارنه الحظ الحالك، وتيقن أنه لا محالة هالك، ~~وأنه قد وقع في البلاء العريض الطويل، وأن مخدومه ما طلب منه في ذلك المحز ~~الدقيق إلا لأمر جليل وكان قد بلغه ما وشاه به أضداده، ونقل إلى تيمور عنه ~~أعداؤه ms168 وحساده، وعلم أن خاطره تغير عليه، وفعله مع محمد جلد مشيد جامعه قد ~~نقل إليه، وكيف قتله شر قتلة، ونهب أمواله وأسر أولاده وأهله، وكان متوقعا ~~من تيمور، أضعاف هذه الشرور، لا يقر له قرار، ولا يسكن له ليل ولا نهار وقد ~~غسل من الحياة يده، وودع حياته وأهله وماله وولده، وقد قرب شهر الصيام، ~~وصار بينه وبين تيمور نحو من عشرة أيام، وقد انقطعت الدروب و " ضعف الطالب ~~والمطلوب " # إذا تضايق أمر فانتظر فرجا ... فأضيق الأمر أدناه إلى الفرج # ذكر سبب انكسار ذلك الجبار # وانتقاله إلى دار البوار، واستقراره في الدرك الأسفل من النار # وجعل تيمور يواصل التسيار، حتى وصل إلى كورة تدعى أترار، ولما كان بظاهره ~~من البرد آمنا، أراد أن يصنع له ما يرد الأبردة عنه باطنا، فأمر أن يستقطر ~~له من عرق الخمر المعمول فيها الأدوية الحارة، والأفاويه والبهارات النافعة ~~غير الضارة، وأبى الله أن تخرج تلك الروح النجسة، إلا على صفات ما اخترعه ~~من الظلم وأسسه، فجعل يتناول من ذلك العرق ويتفوق أفاويقه من غير فرق لا ~~يسأل أخبار عسكره وأنباءهم ولا يعبأ بهم ولا يسمع دعاءهم، حتى سقته يد ~~المنية كأس " وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم " فإنه لم يزل للقضاء معاندا، ~~وللزمان مجاهدا ولنعم الله تعالى جاحدا، ولا شك أنه جاء ناقصا وتحمل مظالم ~~فراح زائدا، فأثر ذلك العرق في أمعائه وكبده، فتريخ بنيان جسمه، ورتخ أركان ~~جسده، فطلب الأطباء، وعرض عليهم هذا الداء فعالجوه في ذلك البرد، بأن وضعوا ~~على بطنه وجبينه الجمد، فانقطع ثلاث ليال، وعكم أحمال الانتقال، إلى دار ~~الخزي والنكال، وتفتت كبده، ولم ينفعه ماله وولده، وصار يتقيأ دما، ويأكل ~~يديه حسرة وندما # وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع # وجرعه ساقي المنية أمر كأس، وآمن حينئذ بما كان جاحده، فلم ينفعه إيمانه ~~لما رأى البأس، فاستغاث فلم يوجد له مغيث، ونودي عليه اخرجي أيتها النفس ~~الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، ظالمة أثيمة، وابشري بحميم ~~وغساق، ms169 ومجاورة الفساق، فلو تراه وهو يغط غطيط البكر المخنوق، ويخمد لونه ~~ويزبد شدقاه كالبعير المشنوق، ولو ترى ملائكة العذاب وقد أظهروا استبشارهم ~~وأخنوا على الظالمين ليخربوا ديارهم ويطفئوا نارهم، ويهدموا منارهم " ولو ~~ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم " ولو ترى نساءه ~~وحاشيته وهم حواليه يجأرون، وأعوانه وجنده وقد ضل عنهم ما كنوا يفترون " ~~ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ~~اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته ~~تستكبرون " ثم أنهم أحضروا من جهنم المسوح، وسلوا سل السفود من الصوف ~~المبلول تلك الروح، فانتقل إلى لعنة الله وعقابه، واستقر في اليم رجزه، ~~وعذابه وذلك في ليلة الأربعاء سابع عشر شعبان ذي الأنوار سنة سبع وثمانمائة ~~بنواحي أترار ورفع الله تعالى برحمته عن العباد العذاب المهين " فقطع دابر ~~القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " قلت # الدهر دولاب يدور ... فيه السرور مع الشرور # بينا الفتى فوق السما ... وإذا به تحت الصخور # كم من شموس في سما ... فلك العلاء لها يدور # لما استوت في عزها ... زالت وأكسفها الفتور # وملوك دنيا أضرمت ... من نار عدواها البحور # ملكوا البلاد وأهلها ... مضي الأوامر والأمور # أغراهم الدهر الخئو ... ن وغر بالله الغرور # ضحك الزمان بثغره ... لهم وقد ملكوا الثغور PageV01P089 فغدوا ذئابا في ~~الأذى ... وغدوا أسودا في الشرور # غنى لهم فتراقصوا ... مثل الشخوص بلا شعور # وحكوا على باباتهم ... طيف الخيال إذا يدور # وتوهموا أن الزمان ... مطاوع غير النفور # أو أن ما ناله من ... دنيا يفور ولا يغور # فتواثبوا وتضاربوا ... وتكالبوا شبه النمور # وتلاكزوا وتلاحزوا ... وتناجزوا الضرب الهصور # وتناحروا وتدابروا ... وتناقروا نقر النسور # هذا وإن يتصالحوا ... يتصافحوا مينا وزرو # فتهافتوا في نارها ... متصورين النار نور # بينا هم في عزهم ... والدهر مكار غيور # انقض فيهم صرفه ... كالصقر في دقل الطيور # أمسوا وكل منهم ... كاللحم يلقى للصقور # لا ملك رد يد الردى ... عنهم ولا ملك ودور # كلا ولا جيش ولا ... ولد ولا مدد نصور # ثم انمحت ms170 آثارهم ... محو الحيا نقش السطور # لم يبق منهم دهرهم ... شيئا سوى ذكر يدور # ناهيك منهم فتنة ... كالأبحر الظلما تمور # الأعرج الدجال من ... قصم الجماجم والظهور # داخ البلاد ودارها ... ونوائب الدنيا تدور # أملى له الله الحليم ... فزاد عدوا في فجور # وأمده مستدرجا ... اباه في شيء يبور # ليراه في أمضائه ... حكما أيعدل أم يجور # فاجتاح كل الخلق من ... عرب ومن عجم ولور # ومحا الهدى، وغدا الردى ... بحسامه الباغي يمور # أفنى الملوك وكل ذي ... شرف وذي علم وقور # وسعى على إطفاء نور ... الله والدين الطهور # بفروع جنكيز خان ذا ... ك الظالم النحس الكفور # فأباح إهراق الدما ... من كل صبار شكور # وأحل سبي المحصنا ... ت المؤمنات من الخدور # ورمى على النار الصغا ... ر كأنهم فيها بخور # وأضاف في هذا إلى ... فعل الزنى شرب الخمور # طورا يرى نكث العهو ... د وتارة نقض النذور # وعدا على السادات من ... أهل الصيانة والوقور # من كل ذئب صائل ... منهم ومن كلب عقور # فتكوا وقد بتكوا القلو ... ب وبعدما هتكوا الستور # وشووا جباها طالما ... سجدت لذي الرب الغفور # وكووا جنوبا وقد جفت ... طيب المضاجع والظهور # واستخلصوا الأموال من ... أيدي البرايا بالفجور # وسقوهم كأس السمو ... م وجرعوا كأس الحرور # واستأسروا آل النبي ... المصطفى لطهر الطهور # باعوهم من مشركي ... الأتراك في أقصى الكفور # وكذاك واحد أمه ... من كل مقلات نذور # وجروا على هذي الجرا ... ئم واستمر لهم مرور # ما بين إيران وتو ... ران البلاد لهم عبور # وامتد ذاك من الخطا ... أخذا إلى أقصى القطور # لما انتهى إفساده ... وتكاملت تلك الشرور # هجم القضاء لأخذه ... ولكل تكميل قصور # حذفته أيدي الموت من ... تلك القصور إلى القبور # وتبدلت منه الكرا ... مة بالمذلة والعثور # ومضى إلى دار النكا ... ل بما تحمل من وقور # وتفرقت تلك الجمو ... ع وهد ما شاد الدثور # أبقت عليه فعاله ... لعنا على مر العصور # وتخلدت آثار ما ... آذى على كر الدهور PageV01P090 فانظر أخي ثم افتكر ~~... في ذا المساء وذا البكور # لا فرق عند الموت بين ... شكور فضل أو كفور # أين الذين وجوههم ms171 ... كانت تلألأ كالزبور # أهل السعادة والحجا ... وذوو السيادة والوقور # المطفئو بدر السما ... والمخلجو فيض البحور # كانوا عظاما في الصدو ... ر وهم صدور في البدور # طحن الردى تلك العظا ... م وفت هاتيك الصدور # وسفتهم ريح الفنا ... سفي الرمال يد الدبور # أين البنون ومن غدا ... للقلب أفراحا ونور # كانوا إذا رفع الحجا ... ب وزحزحت عنهم ستور # تلقى الدنا قد أشرفت ... كالشمس في سجف الخدور # من كل ظبي أحور ... أو ظبية تزرى بحور # نشر الجمال عليهم ... ثوب الدلال على حبور # وفدتهم مهج الورى ... من شر أحداث الدهور # كانوا إذا سكنوا مكا ... نا حركوه من السرور # كانوا على وجه الدنا ... حدقا وللأحداق نور # وحدائقا لرياضها ... وعلى حدائقها زهور # بينا هم في سكرهم ... قد مازج الدل الغرور # والعمر غض والزما ... ن مسلم لهم الأمور # وإذا بساقي الموت فا ... جأهم بكاسات الثبور # فسقى رياض حياتهم ... قدحا أعاد الكل بور # تركوا فسيح قصورهم ... رغما إلى ضيق القبور # وسقوا كئوس فراقهم ... صبرا لكل شج غيور # من شق حزنا جيبه ... ولفقدهم دق الصدور # لو كان ينفعه الرشا ... أو كان يجديه النذور # لفداهم ووقاهم ... ورعاهم رعى الحذور # سكنوا الثرى فتغيرت ... تلك المحاسن والشعور # ورعاهم دود البلى ... وفراهم فري الجزور # أمسوا رميما في الثرى ... وثووا إلى يوم النشور # يسعى المحب مخاطبا ... أجداثهم يوما يزور # ينعي ويندب نائحا ... قبرا تناوشه الدثور # ويمرغ الخدين في ... ترب يراها كالذرور # يدعو فليس يجيبه ... إلا صدى صم الصخور # بينا تراه زائرا ... وإذا به أمسى مزور # هذا بتقدير الإل ... ه وحكم فعال صبور # دنياك جسر فاعتبر ... واحرص على زاد العبور # واطمح إلى اللب الهني ... فجميع ما فيها قشور # لو لم تك الدنيا وما ... فيها هباء خيتعور # كلا ولا انقادت لمن ... قد صار مختالا فخور # هذا وغالب من عتا ... في أرضها عرج وعور # خلقوا لحق فانثنوا ... عنه إلى مين ورور # يا رب ثبتنا على ... ما ترتضيه من الأمور # واغفر لنا ما قد علم ... ت من الخطايا يا غفور # واختم لنا بسعادة ... نكفي بها شر الغرور # وامنن لنا بتجارة ms172 ... من باب فضلك لن تبور # وأدم سحائب رحمة ... تهمى على بدر البدور # خير الأنام محمد ... الشافع الزاكي الطهور # والآل والصحب الكرام ... وتابعيهم يا شكور # فصل في ذكر ما وقع بعد وفاة تيمور # من حوادث وأمور، وما ظهر من سرور وشرور # وكان لألله داد أحد الخلان، يدعى سعادات نائب مدينة أندكان، من ذوي ~~النباهة والشهرة، وهو أحد الأمراء الذين توجهوا لعمارة باش خمرة، فأرسل ~~قاصدا لألله داد، أنه ارتفعت مادة الفساد، وأن تيمور ترك تبعة الممالك ~~وتوجه بتبعاته إلى درك مالك، فوصل القاصد بهذا السرور رابع عشر شهر رمضان ~~من العام المذكور PageV01P091 ففرج عن ألله داد همه، وأزاح عنه غمه فكأنه ~~استأنف له الحياة، أو رد راحلته التي عليها طعامه وشرابه بعد أن أضلها في ~~فلاة، وسيأتي حكاية ألله داد وأمره، وما جرى له بعد ذلك إلى آخر عمره # ذكر من ساعده البخت # واستولى بعد تيمور على التخت # فلما قضى تيمور نحبه، وأزال الله عن العالم كربه، لم يكن معه في أجناده ~~من أقاربه وأولاده وأحفاده سوى خليل سلطان بن أميران شاه حفيده، وسوى سلطان ~~حسين ابن أخته الذي هرب إلى السلطان في الشام عند وروده فأرادوا كتم هذه ~~القضية، وأن لا يشعر بها أحد من البرية، فشاعت وراعت، وعلى رغمهم ذاعت، ~~فاضطربوا واضطرموا، واصطدموا واصطلموا، فاطلع الناس كلهم على ذلك وفهموا، ~~وعلموا أنه قطع دابر القوم الذين ظلموا، فجفلت العساكر واحتفلوا، وحملوا ~~عظامه وإلى سمرقند قفلوا وساعد خليل سلطان البخت، وخلا له الجو فاستولى على ~~التخت، وكان أبوه أميران شاه، متولي ملك أذربيجان وما والاه، وعنده ولدان ~~عمر وأبو بكر، وبينهم وبين ما وراء النهر من الأطواد والأشجار مائة سياج ~~وألف سكر، وكان أبو بكر هذا في الجغتاي من الفوارس، والضاربين بالبيض الهام ~~والقوانس يذكر أنه كان يوقف بقرة، أو ينيخ بكرة، ويضربها بالسيف ضربة لا ~~ضربتين، فيجعلها قطعتين مفصولتين وأميران شاه هذا قتله قرا يوسف بعد تيمور ~~واستخلص منه ممالك أذربيجان وولده عمر قتله أخوه أبو بكر وأبو بكر ms173 قتله ~~إيدكو متولي كرمان، ومصافاتهم مذكورة، وحكاياتهم مشهورة وشاه رخ كان في ~~هراة وممالك خراسان، وبير عمر كان في ولايات فارس وتلك البلدان، وتيمور كان ~~جعل ولي عهده محمد سلطان، وهو وإن كان من أحفاده، لكنه قدمه على أولاده، ~~لما لاح له من فلاحه، وظهور رشده وصلاحه، فعانده القضاء فيما يروم، ومات ~~كما ذكر في آق شهر من بلاد الروم وكان له أخ يدعى بير محمد، فجعله تيمور ~~ولي عهده من بعد، فلما هجم عليه رائد الموت، وأهاب بروحه الخبيثة بأزعج ~~صوت، كان مستغرقا في بحار غفلته، مسترجيا إرجاء مهلته، فذبحه اعتباطا، وسام ~~عسكره اختباطا، وكان إذ ذاك وكل من أولاده وأحفاده بعيد الدار، مستقر ~~القرار، آمنا من البوار، فارغا من الدمار، وهم كتيمور غافلون وبير محمد في ~~قندهار، وهي بين حدى خراسان والهند وبينه وبين ما وراء النهر سباسب وقفار ~~فلم يكن أقرب إلى دار الملك الذي أنشأه، وهي سمرقند سوى خليل سلطان بن ~~أميران شاه، مع أن قطان الشتاء وندافه، كان قد بسط على فراش الأرض لحافه ~~وندف عليه من أقطان الثلوج ما غطى وجه العالم وأطرافه، وطم ظهره وأكتافه، ~~فلم يقدر أحد من أولئك الحشرات أن يخرج رأسه من اللحاف، أو يضحك ثغر زهرة ~~أنملة في كم كم خوفا من جاني النسيم أن يبادرها باختطاف الاقتطاف، فضلا عن ~~أن يتمطى في فراش أهبة إلى حركة سفر فتمتد يده نحو بطش أو رجله نحو طواف، ~~فاستولى خليل سلطان على ذلك المغنم البارد من غير منازع وعديل، واستبدل ~~الملك بل العالم من جهنم الكوثر السلسبيل، ونادى لسان السلطنة في رقعتها ~~نعم البديل، بدلت عن بغيض بحبيب وعن عدو بخليل PageV01P092 وتمكن من ~~العساكر وسائر الأمراء، وخلاصة الجند وأساطين الزعماء، واحتوى على تلك ~~الأمم، وطوائف الرءوس من العرب والعجم، وأدخل عنق الجميع في ربقة المتابعة ~~وفتح لهم في أسواق الصداقة حوانيت الصلاة فعاملوه بعقود المبايعة، ولم يمكن ~~أحدا منهم الخروج عن الدخول في الطاعة، والتخلف عن المبادرة إلى مبايعته في ~~ذلك ms174 اليوم ولا ساعة، فأطلق لهم البشرة، وأحسن معهم العشرة، وكان يوسفي ~~الخلق، محمدي الخلق، خليلي الرفق، اسماعيلي الصدق، جمع حروف الملاحة، وحاز ~~صنوف الصباحة، نقش محاسنه كاتب الصنع بقلم الكاف والنون، على أحسن ما يكون ~~من الحركات والسكون، فأول ما مشق على لوح الجمال قد ألف قده القويم، فباء ~~له كل من فاء عن لام عذاره متقوسا في خدمته كالدال والجيم، وحسن لكل راء ما ~~فيه من زين، وما شين سين ثغره وميم فمه مذ فاها بخلف ولا مين، فاستقفى ~~بوابله كل قاف واستكفى بنائله كل كاف، وأمطر من غين كفه العين فصاد من ~~الجند كل ذي لام وباء، ودال بذلك كل من باء عن وعده، ورجع عن عهده وفاء، ~~ففدت الواقيات مهجته، ورقت من عين الحوادث بهجته وعوذت منه الأرداف، بالطور ~~والأحقاف، وحمت نون حاجبه وفاه طرفه وطرته وردفه ب " حم عسق " وفتحت له ~~الملوك بالثناء فاها وخفضت لارتفاعه خدودها معوذة له وقالت يس طه # ذكر خلاص العساكر من البند # وقفولهم مع عظامه إلى سمرقند # ولما ذبح قصاب الفناء تيمور ونحره، جزره كالجزور فجعل يخور كالثور وبقره، ~~ثم أراد أن يصليه من نار الجحيم حفره، فاستغاث بخليله فأجاره وأخره، وقال ~~لا تعجل عليه وحمله في محفة بعد العجلة وصبره، وألوى راجعا إلى سمرقند، ~~وكان قد انحل نهر خجند، وطالب الشتاء قد أدرك ثأره، وبرد قلبه وسكنت ~~الحرارة قلت # ورق للعالم قلب النسيم ... وأقبل الدهر بوجه بسيم # ثم هجم جيش الربيع المنصور، فانهزم جند البرد فولى وهو مكسور # ذكر ما أضمره وزراء تيمور # وأخفاه كل منهم في التامور # وكان في أفلاك ذلك العسكر سيارات نجوم بهم سماؤه تزهر، وبآرائهم يقتدى، ~~وبروائهم يستضا قلت # من كل منتجب للأمر منتخب ... كالشمس رأيا وكالضرغام إقداما # قد هذبتهم الأمور، وشذبتهم بلايا تيمور، واستفتح بهم المغالق، واستوسع ~~بصدماتهم المضايق، وتخلص بحملاتهم من شدة كل مارق، وتوصل بعزمهم إلى نيل ~~المآرب، وتوسل بعزيمتهم إلى كنوز المطالب فكان هو البدر وهم الهالة، وهو ~~الفاعل وهم الآلة، وهو ms175 الروح وهم الحواس، وهم الأعضاء وهو الرأس فلما كورت ~~شمس مواكبهم، وانتثرت كنس كواكبهم، ورحل زحلهم، وخاب أملهم، فلت # وعوض الكون الدجى بالضحى ... وبدل المريخ بالمشتري # أجال كل منهم قداح فكره، وتدبر في ذلك الحادث وعاقبة أمره، واستصغر خليل ~~سلطان وعلم أن سيأتيه موج المنازعة من كل مكان، وأنه لا يصفو له ورد الملك ~~من مكدر، ولا هواه من مغبر، وأقل الأشياء أن يقول له رسول أكابر أقاربه كبر ~~كبر، فأعد لكل شدة شدة، ولكل غدة عدة، ولكل خزة فزة، ولكل جزة جمزة، ولكل ~~بؤس لبسا، ولكل سهم ترسا، ولكل نائبة نابا، ولكل بائقة بابا، ولكل خطب ~~خطابا، ولكل خطاب جوابا، ولكل حرب حرابا، ولكل أمر أمرا، ولكل غدر عذرا، ~~ولكل أزمة حزمة، ولكل نصب نصبة، ولكل كسرة جزمة ولكن شكيمة البرد كانت ردت ~~جماح كل جموح، وصفيحة الجمد قدت جناح كل سبوح، فما وسع كلا منهم إلا ~~الإطاعة، والانقياد لأمر خليل سلطان بالسمع والطاعة، واستمروا معه على ~~القفول، مضمرين لخليل ما أضمره للحبيب عبد الله ابن أبي سلول، وكان أحدهم ~~يدعى برندق، فرام إلى التحصن بقلعة المخالفة التسلق، فقال لخليل سلطان إن ~~اقتضت الآراء أن أتقدم، وأمهد لك الأمور إلى حين تقدم، فأكون رائد دولتك، ~~وقائد سلطنتك، فأشيد القواعد، وأبشر الصادر والوارد، فيكون كل مستعدا ~~للملاقاة ومهيأ أسباب الموافاة، فأذن له، وأمامه أرسله، فوصل إلى سيحون وقد ~~عقد عليه جسر بالمراكب وهيئت أسباب عبوره لكل راجل وراكب، فعبره برندق ~~بجماعته، ثم أمر بقطعه من ساعته، وأعلن العصيان، وقصد سمرقند مجاهرا ~~بالطغيان # فكشرت أسوارها ... في وجهه أنيابها # وأسبلت عصمتها ... ببابها حجابها # وأسدلت على جبين ... منعه نقابها PageV01P093 فاستدرك فارطه، وسلك في ~~مسألة منطقه بحث المغالطة، ووصل خليل سلطان إلى الجسر فوجد عقده قد انحل، ~~ونظامه قد اختل، فلم يكترث ببرندق وما فعل، بل عقده مرة ثانية ودخل، وولى ~~وراء سيحون من البلاد، متوليها أولا وكان يدعى خدايداد، وهو من أكبر ~~أعدائه، ومن رفقاء تيمور ونظرائه، ومنسوبا إلى السلطان حسين، وهو في ms176 تلك ~~البلاد بمنزلة الرأس والعين، فلم يسع خليل سلطان إلا مسالمته، وإقراره في ~~بلاده ومهادنته، إذ أموره كانت في أوائلها، ففوض إليه أمرها والقلوب في ~~غوائلها # ذكر وصول خليل سلطان # بما ناله من سلطان إلى الأوطان # ثم توجه إلى سمرقند فاستقبله كبراؤها، وخرج إليه نائبها وزعماؤها، ووفد ~~عليه نواب البلاد، منغمسين في السواد، لابسين أثواب الحداد، وجاء الأكابر ~~والعظام، معظمين هاتيك العظام، ومهنئين خليل سلطان بالسلامة، ونيل سرير ~~الزعامة قلت # ووجه كل قد غدا ... مثل الربيع القادم # وعين سحب قد بكت ... وثغر زهر باسم # وجعلوا يقدمون التقادم السنية، والحمولات البهية، وهو يقابل كل منهم بما ~~يليق بحشمته، وينزله في منزلته، وقال لبرندق لا تثريب، وقابله مقابلة ~~الخليل الحبيب، ومهد لهم بساط المباسطة، وسلم إليه مسألة المغالطة، وحين ~~ثبتت أوتاده اقتلعه، وألقاه على غفلة في فم أسد المنية فابتلعه، ثم أشلى ~~على دياره كلاب النهاب، وشهاب الالتهاب، فمزق أديمها، وهتك حريمها، ومحا ~~حديثها وقديمها # ذكر مواراة ذلك الخبث # وإلقائه في قعر الجدث # ثم إنه أول ما اشتغل بمواراة جده، وتنجيز أمره وإلقائه في حفرة لحده، ~~فوضعه في تابوت من أبنوس وحمله الرءوس على الرؤوس، ومشى في تشييع جنازته ~~الملوك والجنود، حاسري الرؤوس لابسي الثياب السود، ومعهم طوائف الأمراء ~~والأعيان، وأنزلوه على حفيده محمد سلطان، في مدرسة حفيده المذكور، بالقرب ~~من مكان يسمى روح آباد وهو موضع مشهور فكان هناك على أثاف، في سرداب معلوم ~~غير خاف، وأقام عليه شرائط العزاء، من إقراء الختمات والربعات والدعاء، ~~وتفريق الصدقات، وإطعام الأطعمة والحلاوات، وسنم قبره، ونجز أمره، ونشر على ~~قبره أقمشته، وعلق على الجدران أسلحته وأمتعته، كل ذلك ما بين مكلل ومرصع، ~~ومزركش ومصنع أدنى شيء من ذلك يقوم بخراج إقليم، وحبة من كدس تلك الجواهر ~~تفوت التقويم، وعلق نجوم قناديل الذهب والفضة في سماء غواشيها، وبسط على ~~مهادها فرش الحرير والديباج إلى أطرافها وحواشيها ومن جملة هذه القناديل ~~قنديل من ذهب زنته أربعة آلاف مثقال، رطل واحد بالسمرقندي وبالدمشقي عشرة ~~أرطال ثم رتب ms177 على حفرته القراء والخدمة، وأرصد على المدرسة البوابين ~~والقومة وقدر لهم الإدارات، من المسانهات والمياومات والمشاهرات، ثم نقله ~~بعد ذلك بمدة إلى تابوت من فلاذ، صنعه رجل من شيزار ماهر في صنعته أستاذ، ~~وقبره في مكانه المشهور، تنقل إليه النذور، وتطلب عنده الحاجات، ويبتهل ~~عنده بالدعوات، وتخضع الملوك إذا مرت به إعظاما، وربما تنزل عن مراكبها ~~إجلالا له وإكراما # فصل في اعتدال الزمان، وأخبار خليل سلطان # ولما أخذت تيمور الصيحة بالحق فصار غثا، وقعد خليل سلطان على التخت وقام ~~الشتاء بعد أن كان جثا، مد الشعراء ألسنتهم للزمان بالمدح ولخليل سلطان ~~بالتهنئة ولتيمور بالرثا، فسمع الشتاء وغنى صوته وأجاز، ورفع عن العالم في ~~نهوضه الكلاكل والإعجاز فابتهج الكون بورود الربيع، وشكر الروض للساحب ما ~~أسداه إليه من حسن الصنيع، ورفع على الروابي من الشقائق أعلامه، ونصب مما ~~زهره خيام الصنع من أزهار الأشجار خيامه، ونور الحدق بأنوار الحدائق، ~~واستنطق بتسبيح الخالق، من خطباء الأطيار على منابر الأغصان في جوامع ~~الرياض ما استنصت بلغاته كل ناطق، من كل مغرب في ديوان الفصاحة رائق، ومعجب ~~بأسرار البلاغة فائق، فرقصت الأشجار، لغناء الأطيار، وصفقت الأنهار، واعتدل ~~الليل والنهار، واكتسى البسيط الأغبر خلع السندس المزهر، وتبدلت الأغصان من ~~قطنى الثلوج، كل ثوب بأصباغ القدرة مزهر وبدمقس الأزهار منسوج، وكل قباء ~~صار مزهرا في كل دف أغن لكل طائر وفروج، وبسط الكون على المكان لإقدام قدوم ~~خليل سلطان، شقق الورود والريحان PageV01P094 " فصل " ولما فرغ خليل سلطان ~~من ذلك شرع في تمهيد الممالك وتسليك المسالك وعلم أنه لا يتقيد به إنسان، ~~إلا بقيد الإحسان، ولا يجتمع له البال، إلا بتفريق المال، فعقد القلب على ~~فك طلسمات الختوم وحل الرموز، وصرف الموانع والتوابع عن تلك المطالب ~~والكنوز، وقوى العزيمة على فتح الخبايا وصيد عصافير القلوب ببذر حبات ~~الهبات تحت شباك العطايا، ففرق ما كان شتت جده في جمعه شمل البرايا، وثقل ~~الكواهل بتخفيف ما أثقل ظهر غيره بالمآثم والخطايا، وأوسق أحمال الآمال، ~~وربوع الأطماع بالأموال وأمطر أيادي ms178 يمينه بالنوال ففاض الخير من صوب ~~الشمال، وملأ الأفواه والمسامع والمقل من الناس، بما أفرغ من حواصل الكنوز ~~والصناديق على أغتام الجند والأكياس، فنثر أغصان الدوح عند ورود الربيع ~~أصناف أزهاره، فكأنه أنامل كفه المنتظمة في نثار درهمه وديناره، وجاد ~~السحاب بدردره وأمطاره، فضاهى جود جوده الهامي على العالم وأقطاره، فقيد ~~الناس كلهم بهذا القيد، ونحوا صراف بذله معربين له بالإطاعة فترك عمر ويزيد # ذكر من أظهر العناد والمراء # وتشبث بذيل المخالفة والعصيان من الأمراء والوزراء # غير أن بعض تلك القواد، وزعماء الوزراء والأجناد أعلن ما كان أسره، ووضع ~~المضمر من العصيان موضع المظهر، فأول من شهر سيف العصيان، وفوق سهام ~~العدوان، وشرع بمخالفة الرديني، خدايداد الحسيني، متولي ما وراء نهر سيحان، ~~وأطراف تركستان فوجد من كان قد عزم على نفض يده من عقد الطاعة، إماما يقتدى ~~به في البغي ومفارقة الجماعة، لا سيما وقد كان صواغ الربيع قد أذاب بجمراته ~~سبائك الجمد والثلوج، ورصع بما أخرجه من ذلك ديباجه الأرض وروضات الجنات ~~وأرباض المروج، واستمعت أموات الحشرات صيحة الرعود بالحق فقالت ذلك يوم ~~الخروج فاقتفى خدايداد، في العصيان والعناد، شيخ نور الدين، وكان عند نور ~~الدين من المتقدمين، وذوي الآراء والتمكين، فانخزل جهارا، وسار ليلا ~~ونهارا، فوصل إلى خدايداد، وقوى منه الظهر والأعضاد، وشاركه في التمرد ~~والفساد ثم بعده فرط نظام الطاعة شاه ملك، وأخذ في طريق المخالفة وهو ~~منهمك، وخرج من سمرقند وهو يصرخ، وقطع جيحون ووصل إلى شاه رخ، وكان نظير ~~شيخ نور الدين، وذا رأي مكين، وفكر رصين، فلم يكترث خليل سلطان بالعاصي ~~وأكرم من لم يعص، وعمم بتاج إنعامه كل رأس وما خص # ذكر أخبار ألله داد صاحب أشباره # وإخلائه إياها وقصده دياره، وما صنعه في تدبير الملك وأثاره قولا وفعلا ~~وإشارة، إلى أن أدرك في ذلك دماره وبوراه # ثم إن ألله داد جمع أخصاءه ليلة ورود الخبر إليه، وشاورهم فيما يصنع وما ~~يبني أموره عليه، فاتفقت كلمتهم واجتمعت مشورتهم على قصد دياره، وإخلائه ~~أشباره ms179 فإنهم كانوا في ذلك المكان كالفسيق في شهر رمضان، والزنديق بين قراء ~~القرآن فلما طوى الجو ملاءته المسكية، ونشر على المكان مروطه الكافورية، ~~وألقى ثعبان الفجر من فيه على هذا السقف المرفوع خرزته المضية، حضر إلى ~~خدمة الله داد، أمراء الجيش على عادتهم ورءوس الأجناد، من الترك ~~والخراسانيين والهنود والعراقيين فاختلى بأفاضلهم، ومداره مقاولهم، ونشر ~~لهم من هذه القضية طيها، وطلب من آرائهم فيها رشدها وغيها، واستكتمهم ~~أمرها، لئلا يستنشى المغول نشرها، وأنى لعين الشمس في الصحو الإستتار؟ وكيف ~~يخفى على ذي عينين النهار؟ فكل من فوض الأمر إلى مرسومه، وطرح قصة هذه ~~القضية في جيب مكتومه، فاستدعى من أولئك الرفاق، أن يكونوا معه فيما يراه ~~على طبق الوفاق، فأجابوه إلى سؤاله، وربطوا أفعالهم بأقواله، فأكد ذلك بطلب ~~أيمانهم أن إسرارهم في ذلك كإعلانهم، فشرع كل في المحالفة، أنه ليس في ~~موافقته مخالفة، وأنه مهما رآه الله داد امتثله، وما أمر به فعله ~~PageV01P095 وحين أمن غائلة مخالفتهم وعصيانهم، وحصل له اليسار بربطه ~~أعناقهم بأيمانهم، قال أي جماعة الخير، وقيتم الضر وكفيتم الضير، أرى أن ~~أكون في صلاة هذا الأمر إمامكم، فأتقدم بجماعتي إلى سمرقند أمامكم فأمهد ~~الأمور لكم، وأرسل إلى بلدكم هذا بدلكم، وأيم الله لا يأخذني قرار ولا هدو، ~~ولا أترككم مضغة لطاغم في ثغر العدو، فإن رأيتم أن تضبطوا بحسن الاتفاق ~~أموركم، وتحموا قريحة ورد قلعتكم من سورة شارب العدو وسؤركم، فلن أمهلكم ~~إلا بقدر ما أقطع نهر خجند، وأصل إلى سمرقند، فأمهلوني ريثما أصل، وبخليل ~~سلطان أتصل فتبعوا مراده، واقتفوا ما أراده، وعاهدوه أن لا يختلفوا من ~~بعده، ولا يحلوا بعد ارتحاله من رقابهم حبل عهده، فأمر عليهم رأس جنود ~~العراق، وكان هو أكبر الرفاق بالاتفاق، وفرز كل مسلحة في أسوارها من كل ~~سالح جزءا مقسوما، وصار زعيم أولئك السالحين كالنبي في أمته مع أنه كان ~~يدعى معصوما # فصل # ثم أمر الله داد بتنجيز الأمور، وخرج سابع عشر رمضان المذكور، ولم يلتفت ~~إلى برد وحر، وكان قد ms180 استوطن أشبارة واستقر، ونقل إليها حريمه وأولاده، ~~وبذلك أمر حاشيته وأجناده، فاقتلع الكل معه كبيرا وصغيرا، ولم يدع بها مما ~~يتعلق به فتيلا ولا نقيرا، فساروا تارة دبيبا وحينا زحفا، وطورا تسومهم ~~الأرض من ثلجها خسفا، وآونة تسقط السماء عليهم كسفا، فأدركهم العيد ~~المرموق، في مكان يدعى قولا نجوق، من أبرد البلاد، كأنه ينبوع ريح عاد قلت # إذا احتاجت جهنم زمهريرا ... تنشق منه أنفاس الهجير # ذكر ورود مكتوبين إلى ألله داد # من خليل سلطان وخدايداد، تخالفت معانيهما وتصادمت فحاويهما # فورد عليه مرسوم من خليل سلطان، يذكر فيه ما حصل لجده من حادث الزمان، ~~وأنه استولى على سريره، وأطاعه من الملوك كل كبير القدر وصغيره، وأن الأمور ~~بحمد الله مستقيمة، وقواعد الملك على عادتها القديمة مقيمة، فلا يحدث أمرا، ~~ولا يخرج من بحر مدينته برا، وليسدك بمكانه، وليتثبت بأشبارة مع طوائف جنده ~~وأعوانه، وليطيب خاطر الجزء والكل، فإنه عقب ذلك يرسل إليهم بدل الكل من ~~الكل فتحير الله داد وتفكر، وحاسب نفسه هل يربح في سفره ذلك أو يخسر، ففكر ~~وقدر " فقتل كيف قدر " فبينما هو في أمره يعيد ويبدي، ويلحم في شقة أفكاره ~~ويسدي، وإذا بقاصد خدايداد " الحسيني " ورد عليه، يستحثه على الخروج من ~~أشبارة والوصول سريعا إليه، فوجد لخروجه من أشبارة عند خليل سلطان مندوحة، ~~وعاش فنام وهو مغمض العينين بعد أن مات وعيناه مفتوحة، فطوى بساط تردده، ~~وتوجه ببسط أمله نحو مقصده ولكن كان بينه وبين المراد، خرط القتاد، ~~والموانع التي ذكرها طالب الوصول إلى سعاد، مع زيادة نهر سيحون وخدايداد ~~فواصل التأويب والأساد، حتى وصل إلى خدايداد، فابتهج برؤيته، واستجح مقصوده ~~بطلعته ثم قطعا نهر خجند، وقصدوا ضواحي سمرقند، ووصلا على حين غفلة وفترة ~~إلى مكان يسمى تيزك، وقد شهرا للعدوان الحسام وشرعا للفتك النيزك، فاحتاطا ~~على جشار تيمور فنهباه، وتغلبا على ما وصلا إليه من نقد وجنس فسلباه، ~~وأكثرا هنالك شرا وفسادا، وأشبها في ذلك تسعة رهط ثمودا وعادا وكانت هذه ~~أول شرارة شر وبدعة سقطت ms181 من سقط الزند، وبسطت يدها بالفتن بعد قبض تيمور ~~ممالك سمرقند، لأن أهلها كانوا قد أمنوا الشرور، ووقوع الفتن في حياة ~~تيمور، فحين دهمهم أولئك المفترون، أتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، وذلك في ~~شوال سنة سبع، وهو العام الذي خلا فيه من تيمور الربع، وما أمكن السلطان ~~خليل، تدارك هذا الخطب الجليل # ذكر من خلفه ألله داد بأشبارة # من الطوائف وما وقع بعده بينهم من التناكر والتخالف PageV01P096 وأما أمر ~~من خلفه ألله داد، في أشبارة من طوائف الأجناد، فإنهم خافوا من المغول حلول ~~حينهم، فتحزبوا واختلف الأحزاب من بينهم، فمنهم فرقة قال قائلهم أنا على ~~عهدي قوي فلا أخون وأمين، وقد استمسكت يدي بعروة عهد مكين، وارتبطت بحبل ~~حلف فلا أصير من أهل الشمال باليمين، وأدنى ذلك أن نصبر حتى يصل من ألله ~~داد رسول أو كتاب، وننظر ما يبين فيه من سلوك سنة فنميز بصائب نظرنا الخطأ ~~في من ذلك الصواب، فإن وافق ذلك مرادنا امتثلنا ما يقول، واتبعنا في ذلك ~~الكتاب والرسول، وتوجهنا في تلك الساعة، سالكين السنة مع الجماعة، وإن ~~جالحنا في كلامه بخطاب أجلح، عدلنا إلى الاعتزال ومال كل منا في مصلحة نفسه ~~إلى القول بوجوب رعاية الأصلح ومنهم شيعة مالت إلى رفض تلك الدارة، ~~والمبادرة إلى الخروج من أشباره، وانتقلوا من تكرار هذه المجادلة إلى ~~القتال، وقطع رأس أحد رؤوس الخراسانيين في مصاف النزال ومنهم طائفة أهمتهم ~~أنفسهم فلو يلبثوا إلى عشية أو ضحاها، ثم تحملوا وخرجوا من المدينة وتركوا ~~الدار تنعي من بناها، فلم يسع الباقين إلا اتباعهم في الخروج، لأن مقاماتهم ~~من أول الزمان هناك كانت كبنيان القصور على الثلوج، فتحملوا بقضهم وقضيضهم، ~~وتجهزوا بصحيحهم ومريضهم وتركوا البلد بما فيه من غلات ومستغلات، ونعم ~~وخيرات، وأموال وأقمشة، ونفائس مدهشة، ولم يبق فيه من تلك الأمم المسجونة، ~~سوى ما عجزوا عن حمله من أموال مشحونة، وسوى امرأة واحدة مجنونة، ولحقوا ~~بألله داد، وهو عند خدايداد، فلم يعنف واحدا منهم بما فعل، واعتذر إليهم ms182 ~~بأن خدايداد منعه أن يتوجه إلى سمرقند ويجهز لهم البدل، وأمرهم بالإقامة ~~معه مستوفزين، وأن يكونوا لفرصة التوجه إلى سمرقند إذ لاحت منتهزين # ذكر ما تم لألله داد مع خدايداد # وكيف ختله وخلبه واسترق عقله وسلبه # ثم إن خدايداد، تحقق بوقوع هذا الفساد، وتأكد العداوة بين خليل سلطان ~~وألله داد، فركن إليه بعض الركون، وجعل يستشيره فيما يصير من أمره وما ~~يكون، وكان عند خدايداد طائفة من مماليك الأجناد، وتخلفوا من العساكر في ~~تلك البلاد، وقد ضيق عليهم المسالك، وأراد أن ينقلهم من مالك إلى مالك فلم ~~ينعم له ألله داد بذلك، وقال إن عادة الأكياس استجلاب خواطر الناس خصوصا في ~~مبادئ الأمور، وحدوث أوائل الشرور، فلا تنفر عنك الخلق وعاملهم أولا ~~بالإحسان والملق وأي فائدة من قتل هؤلاء وتمزيق أديمهم، سوى نفي الصداقة ~~وتأكد العداوة بيننا وبين مخاديمهم، وربما يكون في خاطر أحد مخاديمهم نفرة ~~من خليل سلطان، ويروم لذلك ظهرا وملجأ يلوذ به من رفيق ومكان، فتلجئه ~~الضرورة إلى أن يقصد ممالك تركستان، فإذا آذيته في متعلقيه أنى يبقى له ~~إليك ركون واطمئنان؟ وأقل ما تفعل مع هؤلاء يا إنسان، إمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان، ومخاديم هؤلاء لنا رفقاء، ولخليل سلطان أصدقاء، فإن زرعت ~~معهم الجميل، ملكت كل رقيق وجليل، وألقيت العداوة بين من عاداك من صديق ~~وخليل فلما سمع كلامه، ألقى إلى يده من ذلك الأمر زمامه، فأشار عليه، ~~بسراحهم وإحسان إليهم في غدوهم ورواحهم، فزاد في نجاحهم، وراش محصوص جناحهم ~~وصرفهم بالعز في طريق مراحهم، فدارت بالسعد أفلاكهم، واجتمعت بهم أملاكهم ~~ملاكهم # ذكر ورود كتاب من خليل # فيه لفظ رقيق لحل أمر جليل # ثم إن وافد خليل سلطان وفد على ألله داد، يطلب منه السعي في لم الشعث ~~فيما وقع بينه وبين خدايداد، وأن يستعطف خاطره إلى الرضا، ويستقبل المودة ~~ويعفو عما مضى، ومهما طلبه يتكفل به، ويعد قربه من أفضل قربه، ويكون هو ~~السفير بينهما، وتقر بالصلح عينهما، فتوجه ألله داد، إلى خدايداد، أبلغه ~~هذه ms183 الرسالة، وبين له ما في هذا القول من رقيقة وجلالة وسبب العداوة التي ~~كانت بين خليل سلطان، وخدايداد على ما ذكر أن خليل سلطان، كان في أوائل ~~الزمان، مجاورا لخدايداد، في تلك البلاد، وكان جده جعله ناظرا عليه، وفوض ~~أمور تربيته إليه، وكان كزا جافيا، وجلفا جاسيا، فكان يعامله بالفظاظة، ~~ويقابله بالكثافة والغلاظة PageV01P097 وكان خليل سلطان لطيف الذات، ظريف ~~الصفات، نسيم أخلاقه لا يحمل من خدايداد زعازعه، وبرد مزاجه اللطيف لرقة ~~حاشيته، لا يثبت لمجاذبة المشاقة والمنازعة، فتولد من تلك القساوة بينهما ~~العداوة، وسعت بينهما الوشاة، إلى أن دس له مهلكا فسقاه فكأنه أحسه، فتدارك ~~نفسه، وتعاطى علاجه، وما يصلح مزاجه، فقضى الزمان أن نصل من تلك الداهية، ~~فنجا منها وليتها كانت القاضية، وبقى فيه من ذلك أرج أورثه العرج، فصارت ~~العداوة الخاصة عامة، وغدت هذه الفعلة لهذا المعلول علة تامة # فصل # ثم إن ألله داد، حلف لخدايداد، الأيمان الغلاظ الشداد، وأكد هذه الأيمان، ~~بأن استصحب معه القرآن، وأشار إليه، ووضع يده عليه، وزاد تأكيدا بأيمان ~~الطلاق، وبالالتزامات والنذور والعتاق، أنه لا يقبض عن طاعته يدا، ولا ~~يستحيل عليه أبدا، وأنه إن توجه إلى سمرقند يجهد في رأب ما انصدع، ورد ما ~~انفدع ورتق ما بين الجانبين انفتق، ورفع ما في خواطرهما من الشحناء ~~والعداوة انخرق، وأن يجهز له تومان إحدى نساء تيمور وحاصل الأمر أن تكفل ~~بحسم مواد الشرور، وإصلاح الأمور، وإن عجز عن رفع الشنان، ومحو سطور ~~العدوان، فإنه لا يستحيل عن مصادقة خدايداد في السر والإعلان، وصار يتملق ~~ويترقق، ويتوصل بتمويهات زخارفه إلى مجاري فكره ويتسلق ويشدد أيمانا ترجف ~~القلوب وتصدع، بالله الواحد ويثنى بالطلاق الثلاث من زوجاته الأربع، وكان ~~مخيمهم على ساحل سيحون ممتدا، وهو عن شاه رخية نحو من بريدين بعدا فعبر سهم ~~ختله إلى سويداء قلبه بمكر ودخل، وغربله إذ طحن معه ناعما ما زرعه بيمينه ~~في ساحله ونخل، إلى أن سمح بإطلاقه، بعد تأكيد عهده وميثاقه، فرجع ألله داد ~~إلى وثاقه، واجتمع بحاشيته ms184 ورفاقه، وكانوا في شاه رخية، وأخبرهم بهذه ~~القضية، وكان قد هيأ قبل ذلك أمره، وأخذ من كل جهة أسلحته وحذره، ثم إنه ~~شمر الذيل، وقطع سيحون بالمراكب تحت جنح الليل # ذكر لحوق ألله داد بخليل سلطان # وحلوله مكرما معززا في الأوطان # وحين حصل على هذا الجانب، ولم يبق له في ذلك الجانب حاضر ولا غائب أمر في ~~الحال، بعكم الأحمال، وشد الأثقال، وأخذ الأهبة، قبل النهبة، فأفرغوا عليهم ~~سوابغ السلاح، وأذن بصلاة الرحيل قبل الفلاح وقدم ضعفة أهله والأثقال ~~أمامه، ونقض بهذا الأذان شروط الإقامة، وطير إلى خليل سلطان يخبره بهذه ~~الأخبار، وما جرى بينه وبين خدايداد وكان وصار، ويستمده باستقبال المدد، ~~وإرسال العدد " والعدد " لاحتمال أن خدايداد الأبله، يتفطن لغائلة هذه ~~الفعلة فيخطر بباله ردهم، ويرسل وراءهم من يصدهم ثم ساروا كالسهم الصائب، ~~وصاروا كالنجم الثاقب، فما أصبح لهم الصباح، إلا وقد ظهر لهم من السعد ~~فلاح، وجازوا كل قاتم الأعماق خاوي المخترق، وقطعوا على أنوال المسير مما ~~أسدته مطاياهم من مزهر الرياض ألوان الشفق، فواصلوا بالسير سراهم، فساروا ~~نهارهم أجمع حتى غشيهم مساهم، وحين أخذ منهم اللغوب، وكل الراكب والمركوب، ~~وسدلت عليهم عنقاء الظلام الجناح، عدل بهم إلى بعض البطاح، فحط عنه ~~واستراح، ورسم أن " لا " توقد نار، ولا يطمع أحد في طعم النوم بقرار، ولا ~~يشام في جفن طرف سيف ولا سيف طرف، ثم التهموا ما يسد الرمق وصلوا صلاة ~~الخوف، فعبدوا الله على حرف، وأمهلوا ريثما قطعت الدواب العليق، ثم أمر ~~فحملوا وركبوا متن الطريق # ذكر تنبه خدايداد، بأن ألله داد خبل عقله # بأنكال وأنكاد # ثم إن خدايداد تنبه من رقدته، وارعوى من ليلته، وعلم أن ألله داد خلبه ~~نهاره ذلك وسحره، وكشف شمس عقله ولعب به في دست حلفه وقمره، فعض كما يعض ~~الظالم على يديه، وعبى في الحال عسكرا جرارا وأنفذه إليه، فأسرعوا وراءه ~~والتمسوا لقاءه، فلم يروا له عينا ولا أثر، ولا رووا عنه من أحد حديثا ولا ~~خبرا، فلم يزالوا في طلبه ms185 حائرين دائرين، ثم غلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ~~PageV01P098 ووصل ألله داد إلى مقصده، فوجد وظيفة الوزارة شاغرة فاستولى ~~عليها بمفرده، إذ قبل دخوله كان شيخ نور الدين قد خرج، وشاه ملك وكل من رام ~~العصيان كان قد دب ودرج، فابتهج بقدومه خليل سلطان، وقدمه كما كان، على ~~سائر الوزراء والأركان، فتمكن ألله داد كيف شاء، وتصرف في معاني الملك ~~ببديع بيانه إخبارا وإنشاء، وتعاطى في الحال تمهيد الأمور، وتجهيز السرايا ~~وحفظ الثغور، فتراجع أمر الناس وانضبط، وانتظم عقد الملك بعدما انفرط، ~~واستقر حال الناس، وتمكنت القواعد على الأساس وكان هو وبزندق وأرغون شاه ~~وآخر يدعى كجوك يدبرون مصالح المملكة، ويسلكون بكل أحد مسلكه، ولكن ألله ~~داد هو الدستور الأعظم، والمشار إليه المفخم، وعليه مدار القبض والبسط، ~~ونظام عقود الحل والربط، واستمر شيخ نور الدين وخدايداد، يغيران على ~~البلاد، ويزيدان في الشر والفساد، واستوليا على أطراف تركستان، وممالك تلك ~~البلدان، منها سيرام وتاشكند، وأندكان وخجند، وشاه رخية وأترار وسغناق، ~~وغير ذلك مما في تلك الأكناف والآفاق، فكانوا يقطعون سيحون، ويتوجهون إلى ~~ممالك ما وراء النهر ويغيرون، فتارة يتوجه إليهم خليل سلطان، وتارة يجهز ~~لهم طوائف من الجند والأعوان، وعلى كل تقدير فإنهما كانا لا يثبتان، ~~وينهزمان، وسيأتي ذكر ذلك كما كان # ذكر ما وقع في توران # بعد موته من حوادث الزمان # وأما المغول، فإنه لما اتصل بهم خبر وفاة ذلك المخذول، وكان بلغهم أنه ~~صوب أحجار كيده إلى هشم تلك الثغور، وفوق نبال قصده إلى خرق تلك البطون ~~والنحور، لم يشكوا في أن ذلك شرك مكيدة، وأحبولة مصيدة، فلم يقر لهم قرار، ~~وتنادوا الفرار الفرار، وتشتتوا في البلاد، وتشبثوا بأذيال القلاع ورؤوس ~~الأطواد، ولجئوا إلى الحصون والجروف، وتماوتوا في قعر المغارات والكهوف، ~~وكذلك كل ذي يمين من أهل الدشت والشمال، وتوزعوا في الأحقاف والرمال، وصار ~~أهل المشرق والخطا وإلى حدود الصين ومن في ذلك الوجه يسرحون " لو يجدون ~~ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون " والحق أنه كان في هيبته ms186 ~~وعتوه، وقد عرج إلى أن أهلك العالم شرقا وغربا بالأرج، وصار كما قيل # تكاد قسيه من غير رام ... تمكن في قلوبه النبالا # تكاد سيوفه من غير سل ... تجد إلى رقابهم استلالا # تكاد سوابق حملته تغنى ... عن الأقدار صونا وابتذالا # فلما ترادف هذا الخبر، وتكرر سمرقند هذا السكر، واشتهر إسناده حتى ترقى ~~من الآحاد إلى التواتر، وتقرر هذا الحق عند كل أحد فلم يسع فيه جحود ولا ~~تناكر، تراجع فؤاد كل إلى جوفه، وتبدل أمنا من بعد خوفه، وتنادوا يا ~~للثارات، وشرعوا في شن الغارات، وقصد كل مستحق استرجاع حقه وكل مسترق ~~لمسترق استفكاك رقه، فأول من نهض من الشرق المغول، وقصدوا أشبارة وآسي كول، ~~وامتدوا في تلك البلاد، حتى جاوروا خدايداد، فهادنهم وصافاهم، وشرط لهم رد ~~ما أخذه تيمور من مأواهم، وأن يكونوا يدا واحدة على من ناواهم، وأحسن كل ~~منهم مع الآخر الجوار، واطمأنت بواسطة هذا الصلح تلك الديار # ذكر نهوض إيدكو بالتتار # وقصده ما وراء النهر وتلك الديار # ثم نهض من جهة الشمال إيدكو بعساكر كالرمال، وتوجه بحزم وجزم إلى ممالك ~~خوارزم، وكان نائبها يدعى موسيكا، فلما أحس بالتتار، وخاف على نفسه البوار، ~~أخذ أهله ومتعلقيه وسار، وذلك بعد أن هجمت التتار الرومية المضافة إلى ~~أرغون شاه، وعبروا جيحون وهو جمد ورجع أرغون شاه إلى مأواه، فوصل إيدكو إلى ~~خوارزم واستولى عليها، واستطرد بخيله بخارى فنهب ما حواليها ثم رجع إلى ~~خوارزم وقد أذكى في الجغتاي اللهيب، وأنكى وولى من جهته في خوارزم ~~وولاياتها شخصا يدعى آنكا، فتمهدت أيضا تلك الأماكن، واطمأنت الظواعن ~~والسواكن، بواسطة أن خليل سلطان، قابل كل من أساء إليه بالإحسان، وصار ~~يسترضي كل ساخط، ويستدني بمكارمه كل شاحط، ويصطاد النفوس بالنفائس، ويفترس ~~الأسود بالفوارس، فأحبه الأجانب والأباعد، ورغب فيه كل صادر ووارد، غير أن ~~شيخ نور الدين، وخدايداد، تماديا في الفساد، ولجا في العناد، وخربا ما ~~تجوذب بين الطرفين من البلاد # ذكر بير محمد حفيد تيمور ووصيه # وما جرى بينه وبين خليله ووليه PageV01P099 ثم ms187 إن بير محمد ابن عم خليل ~~سلطان، وهو الذي عهد إليه تيمور، كان بعد فوت أخيه محمد سلطان، خرج من ~~قندهار، وقصد سمرقند بعسكر جرار وأرسل إلى خليل سلطان، وسائر الأكابر من ~~الوزراء والأعيان، بأنه هو ولي العهد، وخليفة جده تيمور من بعده، والسرير ~~حقه فأنى يغصبه؟ والملك ملكة فكيف يسلبه؟ فكل منهم جاوبه، بما يليق بما ~~خاطبه وأما خليل سلطان فتصدى للمعارضة، وقابل كل مسألة من الخطاب بما ~~ينافيها من المعاكسة والمناقضة، وقال لا تخلو مسألتنا يا فلان، من أن الملك ~~في هذا الزمان، إما أن يكون بالانتساب، أو يظفر به بطريق الاكتساب، فإن ~~كانت الأولى، فثم من هو أحق به مني ومنك وأولى، وذلك أبي أميران شاه، وعمي ~~شاه رخ أعني أخاه، فيكون بينهما بالسوية نصفين، فما لك كلام مع وجود هذين، ~~وأنا أولى أن أكون صاحبه، فأرعى جوانبه، وأسلك مذاهبه، إما بأن يقطع كل ~~منهما عنى المشاغبة، ويترك لي ماله فيه ولاية المطالبة، ويقنع بما هو فيه ~~من مملكته ويحفظ جانبه، وإما بأن يجعلني خليفته في سلطانه فأصون نصيبه ~~ونائبه، وإن كانت الثانية فكلامك لا يستقيم، لأن الملك كما زعموا عقيم، ومن ~~قبلي وقبلك قيل، في الأقاويل # صونوا جيادكم واجلوا سلاحكم ... وشمروا إنها أيام من غلبا # وإن زعمت أن جدك عهد إليك، أو عول في وصيته لك أو عليك، فهو من أين ~~استولى إلا بطريق التغلب، وأنى حصل له ملك وملك إلا بالاغتصاب والتألب؟ ~~وعلى تقدير التسليم وأن أمر وصيته مستقيم، فإنه كان في حياته قسم بلاده، ~~ووزع عليها أولاده وأحفاده، فولى والدي ممالك أذربيجان، وقرر عمي في ولايات ~~خراسان، وابن عمي بير عمر في عراق العجم وتلك الديار، وولاك أنت من جملة ~~ذلك قندهار، وجعلك وصيه كما رسم وأشار، وتحمل هو المظالم وانتقل، فأين ~~نصيبي أنا من هذا النفل فاجعلوا حصتي من ذلك ما استوليت عليه، وليقنع كل ~~منكم بما تقرر فيه وفوض إليه، ومع هذا إن تابعك أبي وعمي تابعتك، أو صادقاك ~~على الوصية وبايعاك ms188 بايعتك، وإن سلكنا في ذلك طريق الحق، فالملك صيد ~~والأولى به من حاز فيه قصب السبق، وإن الله أزاح علله إذ شبثني بأسبابه، ~~وأباحه لي مباحا ومن سبقت يده إلى مباح فهو أولى به هذا وإن كلا من مدرسي ~~فقه الملك تابعني، ومن له في عقود السلطنة شركة ترك المضاربة وطاوعني، وعد ~~عقد توليتي مرابحة ولما وقف على سيري ألقى إلي السلم وبايعني وأما الوزراء ~~والأعيان فأجابوه بما لا طائل فيه، سوى ما تمجه أذن مستمعيه، غير أن ~~الخواجه عبد الأول وهو صدر صدور العلماء، والمتصرف في رؤساء ما وراء النهر ~~من السادات والكبراء، والمنفذ سهام أحكامه في جميع الأمراء والزعماء، أجاب ~~فأجاد، وأصاب وأفاد، واختصر واقتصر، وهصر من بير محمد ولخليل سلطان انتصر ~~فقال في جوابه، مجاريه في خطابه نعم أنت ولي العهد، وخليفة الأمير تيمور من ~~بعد، ولكن ما صادف طالعك سعد، ولو ساعدك البخت، كنت قريبا من التخت، ~~فالأولى بحالك أن تقنع بما لك ومالك، وتبقى على خيلك ورجالك، وتضبط ما في ~~يدك من ممالك، وأن أبيت إلا طلب النما، ولم تقنع بما قسم الله لك وقضى، ~~وخرجت من مملكتك إلى هذا الفضاء، فإنك تقع في العناء، وتخرج ولايتك من يدك ~~فتصير مذبذبا، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء # ذكر تجهيز خليل سلطان سلطان حسين # لمناصرته وخروجه عن الخليل سلطان وقبضه على أمرائه ومخالفته # ثم إن خليل سلطان لم يقنع بدقائق هذه الأقوال، وأردفها بحقائق الأفعال، ~~وأمر بتجهيز جند مجند، إلى استقبال بير محمد، وأضافهم إلى ابن عمه والده ~~السلطان حسين، وعين فيهم من أمراء الجغتاي كل رأس وعين، وضم إليه الظهور ~~والأعضاد، ومنهم كجوك وأرغون شاه وألله داد، فساروا سابغي العدة، كاملي ~~العدة وذلك في سنة سبع منتصف ذي القعدة، فعبروا جيحون إلى بلخ وخيموا في ~~ضواحيها، وانبثوا في أقطارها ونواحيها وبينما هم مرفهو الحال، فارغو البال، ~~قريرو العين، تمارض السلطان حسين، ثم إنه دعا الأمراء، ليقرر معهم فيما هو ~~بصدده الآراء، وقد أكمن لهم كمينا، ms189 وأرصد لهم الرجال شمالا ويمينا، وحين ~~ولجوا خيسه، ودخلوا كيسه، وثب عليهم وثوب الليث على الفريسة، وأغرى بهم ~~أسوده فوقعوا فيهم وقوع الجياع على الهريسة، ثم نادى من معه من الرفاق ضرب ~~الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق PageV01P100 وكان كما ذكر ذا طيش ~~وشجاعة، وتهور ورقاعة، وصولة وجولة، يسبق فعله قوله، فأهريق في تلك الساعة، ~~دم واحد من تلك الجماعة، يدعى خواجه يوسف وكان في حياة تيمور، نائب الغيبة ~~بسمرقند وهو أمير مشهور، ففي الحال قتل، وإلى الدار الآخرة نقل، ثم استقل ~~لنفسه بدعوى السلطنة، ودعا الخلائق من هاهنا ومن هنه، فدهشت أولئك الرءوس، ~~وعلموا أنه قد حل بهم النقم والبؤس # ذكر خداع ألله داد سلطان حسين # وتلافيه تلافه بالمكر والمين # غير أن الله داد ثبت جأشه المزءود، واستحضر تلك الساعة عقله المفقود ~~فابتدر سلطان حسين مناديا، واستثبته في أمرهم مناجيا، وقال له بعبارة فصيحة ~~إني لي إليك نصيحة، ثم استخلاه وقال أنا كنت مترقبا منك هذا الفعال، ~~ومترصدا منك إظهار ما أنت بصدده، ومن أين لخليل سلطان أن يحتوي على الملك ~~بمفرده غير أن هيبة مولانا كانت باسطة، ولم يكن بينه وبين الملوك واسطة ~~مباسطة، ولو كان عندي من ذلك أدنى شعور، لرتبت المصالح على ما تقتضيه ~~الأوامر الكريمة والأمور، ثم إن الخاطر الكريم يشهد بصدق هذا الحديث وإني ~~عبدك من قديم وسل من كان من المماليك والأجناد، الذين كانوا محصورين في أسر ~~خدايداد، من خلصهم من حبائل أسره، وأنقذهم من ضرام ضره، وأطفأ عنهم ما ~~التهب من شرار شره، إذ لولا أنا لكان أبادهم، وأيتم أولادهم، وفجع بهم ~~طريفهم وتلادهم، فإنك إن تسلهم يخبروك، وعلى حقيقة الأمر وجلية الحال ~~يظهروك، وربما أخبروك بذلك لما أتوك، ومع هذا استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك ~~ولا زال يطفئ بماء خزعبلاته شواظ تفرعنه ولهيبه، ويذكي في خياشم رعونته ~~عنبر احتياله متمسكا بمسكنة وطيبة، ويرمي عن قوس ختله إلى سويداء خيالاته ~~نبال مكر أنفذت فيه نصال القضاء والقدر لأنها كانت مصيبة، فأشرب مكره، ms190 وتبع ~~أمره، وجعله ظهره، واستقدح في أموره فكره ثم أنه بعد أن أمتن عليه ~~باستبقائه، استشاره في قتل رفقائه، فقال له لا شك أن خليل سلطان، ملك الناس ~~بالإنعام والإحسان، وهو وإن كان في الشجاعة، قاصر اليد قليل البضاعة، لكن ~~استعبد أبطال الرجال، بحسن الخلق وبذل الأموال، غير أن المال بمعرض الفناء ~~والزوال، وأنت بحمد الله مآثرك مشهورة، ومنازل منازلاتك " لإبطال " الأبطال ~~معمورة، ورايات كسرك قرون الأقران على جبين الكباش منشورة، ورءوس مناطحاتك ~~ثيران الوغى على قرون الزمان أبدا منصورة قلت # فكم لززت شجاعا في البراز فمذ ... رأى محياك ولى ضارطا وجرى # " مذ كنت رأسا وعينا في الحروب أرى ... في رأسك الفتح بل في عينك الظفرا ~~" # وأنا أعلم أن عامة الجند سيبتهج بطلعتك، ويرقص فؤاده لحصول سكونه فرحا ~~بحركتك، فإنهم لابد لهم من رأس يسوسهم، وضابط همام تصان بتدبيره نفائسهم ~~ونفوسهم، وقرم كالليث الخادر والسيل الهامر، بل كالبحر الغامر، منصور إن ~~دعا وإن دعى فناصر، موصوف بما قال الشاعر # أضاف إلى التدبير فضل شجاعة ... ولا رأى إلا للشجاع المدبر # وبما قال # ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها # وهل ثم في هذا العصر موصوف بهذه الصفات إلا أنت، وما النجدة والكرم ~~والحسب والنسب إلا راحل حيث ما رحلت، وساكن أينما سكنت، ولو حدث شاه ملك ~~وشيخ نور الدين، أن وراءهما منك الحصن الحصين، لأسندا إليك رواية ذلك السند ~~السديد، ولأويا من جنابك العالي إلى ركن شديد وحاصل الأمر أنك مولى الكل ~~وجميعهم لك عبيد، وإذا كان الأمر كذلك فقد ملكتهم، فسواء عندك أبقيت عليهم ~~أو أبدتهم، ولكن الإبقاء أولى، ولا زالت العبيد تترقب مراحم المولى، فإن ~~اقتضى الرأي السعيد، أن نكون كلنا موثقين في الحديد، مع زيادة قيد أيمان ~~أكيد، فرأيه أعلى، واتباع ما يقتضيه أحرى وأولى، فاقتفى رأيه، واتخذوه علما ~~لأموره ورأيه، فاستتبعه لحينه، وقال اسلك ورايه # ذكر أخذ سلطان حسين على أمراء الميثاق # ومشيه على خليل سلطان وهم معه في الإيثاق PageV01P101 ثم إنه أحضر ms191 ~~الأمراء، وهم في قبضة سطوته أسراء، وقد ناوح كل من متعلقيهم مهب ناحية، ~~وتوجه إلى دار كل المخبرون فقامت عليهم النائحة والناعية، وأوثقهم بقيدي ~~الحديد والأيمان، أن يكونوا معه في السراء والضراء على خليل سلطان، فمد كل ~~منهم إلى القيد رجله وإلى اليمين يده، وعاهده على ما يختار وأن يقدم له ~~نفسه وأهله وماله وولده، فحين استوثق منهم، أزاح بالأماني السوء عنهم، ~~وتركهم موثقين في البند، ونكص قاصدا سمرقند، وأرسل إلى خليل سلطان يخبره ~~بما دب من أمره ودرج، فليستعد لمبارزته فهاهو قد عبر جيحون وخرج، وأنه هو ~~أيضا طالب من ملك خاله حصته ومنازع خليل سلطان في السرير منصته # تبريز خليل من سمرقنده لملاقاة سلطان # حسين بطوائف جنده، ورجوع سلطان حسين مما يرومه بخفي حنين # فاستعد له خليل سلطان، وخرج من سمرقند لاستقباله في أسرع زمان، ثم إن ~~السلطان حسين أحضر ألله داد، ومن معه من الشياطين المقرنين في الأصفاد، ~~واستأنف عليهم العهود، وأكد عليهم قيود العقود، وأحل كلا من محله، وأجاز ~~عقده وحله، وخلع عليه وأجازه، واحترم حرم حقيقته ومجازه، وبش بأنعامه إلى ~~متعلقيهم وهش، وسار بهم حتى وصل إلى مدينة الكش وألله داد كان، قبل ذلك ~~بزمان، أرسل إلى خليل سلطان، يخبره بوقوع هذا الهم، وما جرى عليهم من شرور ~~وما تم، ثم قال له إن فألك سعيد، وأمرك حميد، فانهض برأي رشيد، وعزم سديد، ~~وجنان حديد، فإن ضدك مصيد، والله تعالى ناصرك قريبا غير بعيد، فلا تخف " من ~~كيد مكيد " ، وإن كنت طفلا فإنك فتى شبت القلوب بنسمات محبتك فصرت شيخ ~~السلطنة وكل الأنام لك مريد فوصل خليل سلطان، إلى ذلك المكان، فعبى السلطان ~~حسين جيشه، واستعمل تهوره وطيشه، وجعل ألله داد على الميمنة، ورفيقيه على ~~الميسرة، ولما تراءى الجمعان، وتدانى الزحفان، وحقت الحقائق، وسدت المضايق، ~~وتعادت الأسود والفرانق، بادر كل منهم من مكانه، وقصد كل من ألله داد ~~وأقرانه، عساكر خليل سلطانه، فتخبطت عساكر السلطان حسين، وسلب ثوب عزه فنبذ ~~بالعراء متلحفا من ظنونه ثوبي ms192 خيبة ومين ودهمه من البلاء ما أنساه سلبه ~~فرجع بخفي حنين، ومر على وجهه قاطع الفلاة، حتى وصل ابن خاله شاه رخ صاحب ~~هراة، فلم تطل له عنده مدة، فإما سقاه مهلكا وإما مات حتف أنفه عنده، فكان ~~ذلك آخر العهد بسلطان حسين، ورجع خليل سلطان إلى دار ملكه قرير العين # بقية ما جرى لبير محمد مما قصده # من فرح وهم وكيف آل ذلك إلى وبال وحزن فنقص وما تم # ثم إن بير محمد تمادى في خروجه، واستمر يرتع في روض الطلب ومروجه، وتكررت ~~بينهما دروس المراسلة، وتحررت مسائلهما بعد مطاولة المقاولة، أن ينزلوا ~~منازل المنازلة، ويحلوا بروح المقابلة والمقاتلة، وكان متولي أمور ديوانه، ~~ومشيد قواعد ملكه وسلطانه، شخصا يدعى بير علي تاز، حامي حقيقة بابا الملك ~~وحارس المجاز، سرة بطحاء مملكته، وقطب سماء دائرته، وقدوة علماء عوالمه، ~~وقوة خوافي عسكره وقوادمه فجرد من عساكر قندهار، كل طود لو مال على الفند ~~هار وتوجه بعزم أمضى من البتار، وحزم أنفذ من الخطار، قائدا ذلك الخضم ~~الهدار والسيل الثرثار، والغمام المدرار، حتى وصل إلى جيحون فوقف منه ~~التيار، ثم أمر البحر العجاج، أن يركب من جيحون الأثباج، ويصادم منه ملاطم ~~الأمواج، فمرج الله البحرين " هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج " ~~فمخروا منه بسفنهم النحر، وجاوزوه مجاوزة بني إسرائيل البحر، وسار بذلك ~~الأخشب، حتى أرسى على ضواحي نخشب # ذكر مقابلة العساكر الخليلية # جنود قندهار بصدق نية، وإلقائهم بهزيمتهم إياهم في شر بلية PageV01P102 ~~وكان قبل ذلك خليل سلطان، قد نجز أمره كما كان، ونفث أعطار مندل الإيثار، ~~وقوى العزائم على الملوك بالاستحضار، ليجنوا من أشجار الجرايات وثمار ~~الادرار، ما يستعدون به لملاقاة شياطين قندهار، فلبى دعوته العام والخاص، ~~وكل بناء من عفاريت الجنود وغواصواجتمع من أعيان أولئك الأعوان، كل مطيع ~~مقتطف ثمر إحسان ذلك البستان من إنس وجان، وجاء ذلك البحر أفواج أمواج ~~العساكر من كل مكان، وهم بين رؤس الجغتاي والجتا، كل فرعون من بلاد تركستان ~~قد علا وعتا وفوارس ms193 فارس والعراق ورستمدار، وجان قربانية خراسان والهنود ~~والتتار، ومن كان تيمور، أعده لمضايق الأمور، ولم يفارقه في سفر ولا حضر، ~~وأرصده لكل نائبة من خير وشر # فوارس لا يملون المنايا ... إذا دارت رحى الحرب الزبون # فاستأنف عليهم فواتح الفتوح، واستنخب منهم لما دهاه كل صديق نصوح، وأسبغ ~~عليهم من دروع عطاياه السابغات، وضاعف على قامة أملهم من خلع أنعامه ~~المضاعفات، ففتحت عليهم الأرض خزائنها، وصبت عليهم من معادنها، وفلزاتها ~~ظاهرها وكامنها، فصار كل راجل منهم وفارس، وقد تجلى فيما تحلى به من تلك ~~النفائس، يزري بحسن هيبته على مخدرات العرائس فساروا ونسمات النصر من ~~أنفسهم فائحة، ولمعات الفتح من بوارق بيارقهم لائحة، والسبع المثاني لأبواب ~~النجح والفتوح في وجوههم فاتحة، ولا زال ذلك الراسي يرسي ويمشي، حتى حط على ~~ضواحي قرشي، هي المدينة المذكورة، فاستقرت تلك العساكر المنصورة، وذلك يوم ~~الأحد مستهل شهر رمضان، سنة ثمانمائة وثمان، فبات كل من ذينك البحرين وقد ~~ضم ذيله، وكف عن التبذر والتبدد سيله، وحفظ من الأغيار رحله وخيله، وأحيا ~~في معتكف المراقبة إلى الصباح ليله قلت # إلى أن بدا لمع الضيا في ظلامه ... يلوح كموج الماء من سجف طحلب # ولما سل الفجر صارمه الفضي وأبرز إبريز ترسه، ومسح على لوح الجو ما طرسه ~~مسود الليل من دخان نقشه، تهيأ كل من أولئك الأطواد للإصطدام، واشتعلت في ~~قلوب تلك القبائل نار الحمية للاصطلاء والاصطدام، فعبى كل عسكره، ما بين ~~ميمنة وميسرة، ومقدمة ومؤخرة، ثم تدانوا وتكانوا، وتعاونوا وتعانوا ~~وتراجزوا وتغانوا، وتعانقوا وتهانوا، وتناجزوا، وتفانوا، والتقت الرجال ~~بالرجال والخيل بالخيل، وارتفع ظلام القتام على رؤس الأسنة فرأوا في صلاة ~~الظهر نجوم الليل، وجرى في ذلك القسطل من كل قناة عيون السيل ثم عند منتصف ~~النهار، انكشف الغبار، عن طود قندهار هار، وسعد أولئك الكبار بار، وعليهم ~~غبار العثار ثار، وخبرهم بالإنكسار سار، وصيت خليل سلطان إلى الأقطار طار، ~~وإلى الآفاق بالانتصار صار، فولى بير محمد وعلى رأسه بحر الدمار مار، وفي ~~قلبه زناد البوار وار، ms194 حتى كأن في قلبه جمر الغضا والغار غار، أو في كبده ~~نار لهيب المرخ والعفار فار، وجندلت رجاله، وأبطلت أبطاله، ونهبت أثقاله، ~~وتحولت أحواله، وسبى حريمه عبيده وسلب طريفه وتليده، وتشبث هو بأذيال ~~الهزيمة، وعلم أن إيابه سالما نصف الغنيمة، كما قيل # إيابك سالما نصف الغنيمة ... وكل الغنم في النفس السليمة # ورجع خليل سلطان، وقد استنار به الكون والمكان، واستقرت دولته، واستطارت ~~صولته، وشكر الله المليك، وأتم صيام رمضان في مكان يسمى جكدليك # ذكر خروج عسكر العراق على خليل سلطان # ومجاهرتهم بالخروج وقصدهم الأوطان # ثم في ليلة غرة شوال، خرج من العراقيين الرءوس والأبطال، ومعهم حريمهم ~~وأتباعهم، وأولادهم، وأشياعهم، وكبيرهم شخص يدعى حاجي باشا، وهم جارون تحت ~~أمره كيفما شا، وكانوا ذوي صولة وجولة، وصحبتهم السلطان علاء الدولة، ابن ~~السلطان أحمد البغدادي لصلبه، وكان قد وقع في أسر تيمور فرهنه في سجن محنته ~~وكربه فأفرج عنه خليل سلطان، وجعله عنده ذا مكانة ومكان، فبينا الناس ~~مشغولون بأمور العيد، رفع أيديهم أولئك الصناديد، وكأنه كان تقدم لهم بذلك ~~مواعيد PageV01P103 فخرجوا تحت جنح الليل وشمروا نحو عرائس العراق الذيل، ~~وطلقوا مخدرات ما وراء النهر ومالوا عنها كل الميل، لأنهم كانوا قد سمعوا ~~أن دار العراق أنزلت بانيها، ومياه أنهر سلطتها عادت إلى مجاريها، فلم يقف ~~أحد أمامهم ولا مشى خلفهم، ولا قدر على أن يربط عن السير رجلهم وكفهم، ~~فقطعوا جيحون ووصلوا إلى خراسان، فتصدى لهم كل من سمع بهم من كل مكان، ~~فانفرط نظامهم لعدم اتفاقهم، فتقطعوا في البلاد قبل وصولهم إلى عراقهم، ~~وأين إيران من توران، ودجلة من جيحان، فعيد خليل سلطان في ذلك المكان، ثم ~~ألوى راجعا إلى الأوطان # ذكر ما فعله بير محمد بعد انكساره # وما صنعه بعد وصوله إلى قندهاره # ولما وصل بير محمد إلى قندهار، واستقرت به الدار، وتلملمت أموره، وحامت ~~حول قصوره صقوره، ودارت من سيارات عسكره بدوره بدوره، تسعرت سمومه وحروره، ~~وتطاير شراره وشروره، فتأرق وتمرق، وتحرق أسفا قلبه وتخرق، وتمزق غيظا ~~أديمه وتفرق، ms195 وكان ذا حماقة، وقلة لباقة، فطير أجنحة مراسيمه، إلى سكان ~~أقاليمه، واستنهض على خليل سلطان كل حبيب صحيح الود وكليمه، واستطب لجريح ~~قلبه كل قريح الطعن والضرب وكل لديغ القلب وسليمه فلبوا دعوته بالإطاعة، ~~وأجابوا ندائده بالسمع والطاعة، ثم سالت الأودية والجبال، بالخيل والرجال، ~~وأرسل إلى خليل يقول، ضمن كتاب مع رسول إن أول مصافنا كان فلتة فتمت، ~~وشرارة تسوهل في إطفائها فالتهبت وطمعت، ولو أني استقبلت من أمري ما ~~استدبرت، وتحذرت ما استحقرت، واستكبرت ما استصغرت، لانتصرت وما انكسرت، ~~ولعثرت على مرادي وما عثرت، ولكن أضعت الحزامة، فحرمت السلامة، وتناولت ~~أمرك برءوس الأنامل فأكلت يدي ندامة، مع أن صليبه جندك، وقوة ظهرك وعضدك، ~~ونبال نبالتك وساعد سعدك، وعضب غضبك، ورمح رشدك، وحد صارمك، وصرامة حدك، ~~إنما كان رءوس العراق، وما حصل لك منهم من الاتفاق، وأما الآن فقد وقع منهم ~~نفاق، واتفق لك منهم عدم اتفاق، وظهر تباعد وشقاق، ففت لذلك كبدك، واختل ~~فكرك وجندك، وهأنا قد جئتك بجد جديد، وبالحد الحديد، فاستعد للقاء، وتيقن ~~عدم البقاء، فإن الحرب كما علمت سجال، وكما أديل لك علينا بالأمس فإن غدا ~~لنا عليك يدال # ذكر توجه بير محمد لمقابلة خليل # سلطان ثاني كرة، وما حصل عليه في ذلك من كرة وفرة، وتوليته الدبر كما بدا ~~أول مرة # ثم توجه بتلك الجنود والأعوان، وقطع جيحون ووصل إلى مكان يسمى حصار ~~شادمان، فتوجه إليه خليل سلطان، ومعه من عساكر الرجال والفرسان، وجراد ~~الجيش وقمله وضفادعه ما يجري من الدم الطوفان، فمر بتلك الأطواد والبحار، ~~وسرى وهو ما بين رأس وسار، حتى وافى جنود قندهار، وكان كما ذكر من قبل، قد ~~قدح في حراق أحشاء العساكر القندهارية من خوف نار الخليل زناد النبل، ~~فكانوا ملسوعين والملسوع يخاف من جر الحبل، فقبل أن يزعق النفير ويضرب ~~الطبل، نفر من كل فرقة منهم طائفة، وتنادوا " أزفت الآزفة، ليس لها من دون ~~الله كاشفة " فألبس بير محمد خلعة الخلع، ولم يكن له بها طوق فأقلع إلى ~~القلعة ms196 القلع، وأوصد الأبواب وأحكم الأسوار، واستعد في حصار شادمان للحصار، ~~فأحاط به من العساكر كل جارح وكاسر، ودار عليه من بني يافث كل سام وحام، ~~وجد في المحاصرة منهم كل طاعن وضارب ورام، فتندم بير محمد على ما قصد في ~~ذلك وتعمد، وتذكر ما قال له أول مرة، الخواجه عبد الأول، ولكنه اعتذر ~~بالقضاء والقدر، فرماه القضاء بسهم جواب، أجاد فيه وأصاب، وقال # وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدر # فانعكس منه كل رأي وفال، وتغير عليه كل أمر وحال، وذهب عنه منعطفا ما ~~بيده من ملك ومال، ونفر عنه كل أسد أصلى للحرب نارا حامية لما سطا على " كل ~~" حام وصال، ورجع عنه لسوء تدبيره كل ذي قرابة حين لمع له بالأماني الكاذبة ~~كل سراب وآل، وتمزقت شقق تدبيره على منوال تفكيره سدى ولحمه فلم يبق له من ~~دون الله وال # ذكر ما صنعه بير محمد من حيلة # عادت عليه بأفكاره الوبيلة، لأن جدواها كانت قليلة PageV01P104 ولما عدم ~~حوله، أخذ في إعمال الحيلة، فاستدعى عدة مضبوطة، من الجلود المحطوطة ~~المجادة الدباغ، المصبوغة بألوان الأصباغ، ثم فصلها لبوسا، لكل بوسى، وسمر ~~عليها المرايا المصقولة، وبعض صفاح معمولة، وموهها وأحكمها بالمسامير، ~~وأحضر من سوقة بلده رءوس الجماهير، واستكثر الرعاع والهمج الجموع، ثم أحضر ~~تلك الدلاص والدروع، ووزع على تلك الرءوس والظهور هاتيك النطوع، فصار كلما ~~صارت الشمس بازغة، أصعد إلى الأسوار، وخارج البلد تلك الأسود وعليهم تلك ~~الدروع السابغة فإذا رآهم الناظر من بعيد، توهمهم رجالا ولم يعلم أنهم بندق ~~العيد، وإذا تراءى ذلك الهباء، والخيثعور الذي ملأ الفضاء، كان " كسراب ~~بقيعة يحسبه الظمآن ماء " واستمر على ذلك مدة يقاسي المعاناة ويعاني الشدة، ~~وكان الذي " تعاطى " هذا المكر الجلي، دستور مملكته أعني بير علي، ومع ذلك ~~كله لم تنفعه هذه الحيلة، وعادت عليه أفكاره الوخيمة، ووساوسه الوبيلة، ~~وانكشف سره، وانهتك ستره، فضاق ذرعا وقصر منه باع المجال، ومد بنقص عدده ~~وعدده وزاده الدهرالنكال # ذكر اعتراف بير محمد أنه ms197 ظلم # وطلبه الصلح وإلقائه السلم # فبسط بساط التضرع، وطلب وسائط التشفع، وعلم أنه لا عاصم من أمر الله إلا ~~من رحم، فناشد خليل سلطان الله والرحم، وقال معنى ما قلت # يعطي الكريم ولا يمل من العطا ... والعفو شيمته إذا وقع الخطا # فأجاب خليل سلطان مقاصده، وتأكدت من الطرفين معاقدة المعاهدة، بأن لا ~~يقصد أحد منهم بلاد صاحبه، وإذا كان الله تعالى رفعه فلا يضع من جانبه، ~~ويسلم إليه ما في يده، ويبقى على الود والصداقة في يومه وغده، ثم تحالفا أن ~~لا يتخالفا، وتواثقا أن يتوافقا، وتصادقا أن يتصادقا، وتفارقا على أن ~~يترافقا، وتوافقا على أن لا يتنافقا، وراقبا الآل والذمة، وراعيا القرابة ~~والحرمة، وانشمر كل عن صاحبه بما معه من فئة وذلك سنة تسع وثمانمائة # ذكر مخالفة ونكد، وقعت بين بير علي وبير محمد # أزاحت ثوب الحياة عنهما، وأراحت مخاليفهما منهما # ولما وصل بير محمد إلى وطنه، واستقر بين خدمه وسكنه، خرج عليه بير علي ~~تاز، واستقل بدعوى الملك وامتاز، ثم قبض عليه وكبله، ثم إنه خذله وجدله، ~~وشرع يقول، وهو يصول ويجول أمور الدنيا اضطربت، وأشراط الساعة اقتربت، وهذه ~~دولة الدجالين، وأوان تغلب الكذابين والمحتالين، مضى تيمور وهو الدجال ~~الأعرج، وهذا زمان الدجال الأقرع، وسيأتي بعد هذا الدجال الأعور وإن كان ~~أحد يجزع من قرع باب السلطنة فأنا أقرع، فلم يجب أحد من الرءوس والأذناب ~~سؤاله، ولا أنعم له بما أقر عينه وأنعم باله، إذ لم يوجد في تناول هذا ~~الأمر المحظور أمر مبيح، ولم يكن لذلك الوغد في سهام الملك غير المنيح ~~والسفيح، فدعا أرباب ممالكها تضرعا وخيفة، فكشر كل في وجهه أنيابه وجاذبه ~~هذه الجيفة، فلم يبق له قرار ولا ثبات، فسل يده ومد رجله صوب صاحب هراة، ~~فبمجرد وقوعه عنده في شرك الاقتناص، قبض عليه وأجرى عليه أحكام القصاص، ~~وصفت له ممالك قندهار، من غير مضارب ولا مضار، واستراح خليل سلطان أيضا من ~~الأنكاد والمضار # ذكر حوادث الزمان في غيبة خليل سلطان # وفي هذه السنة ms198 بادرت بالهجوم، تتار الروم، وواصلوا العزم، وقطعوا جيحون ~~بالرجل وههو جمد من خوارزم، وقصدوا بلادهم، فتصدى لهم من كل جانب من شتتهم ~~وأبادهم، وحصل لهم من عدم الاتفاق، ما حصل لعساكر العراق، وأيضا في غيبة ~~السلطان خليل، واشتغاله بهذا السفر الطويل، اغتنم الفرصة خدايداد وشيخ نور ~~الدين، فتوجهوا إلى سمرقند مطمئنين، وأخنوا عليها، ونهبوا ما حواليها، ~~فتحصنت منهم، وترفعت عنهم، فنهبوا خارجها ورجعوا، ونحو بلادهم انقلعوا # ذكر تجريد خليل سلطان الأجناد # وتوجهه إلى شيخ نور الدين وخدايداد PageV01P105 ولما رجع خليل إلى ~~سمرقنده، أراح طوائف عسكره وجنده، ثم دعا أصحابه، ووجه نحوهما ركابه، وهيأ ~~أنصاره وأطلابه، وسار بتلك القبائل المضطرمة، والأسود الحوادر والفحول ~~المغتلمة، واستمر ذلك الطود الركون بين حركة وسكون، حتى وصل إلى سيحون، ~~وحين شرع ذلك الطور، والنار ذات النور، على نهر سيحون في العبور، رأيت ~~البحر المسجور، فأذعن له شاه رخية وخجند، وتحصنت منه تاكشند، فتوجه ~~لحصارها، وعزم على هدم أحجارها، فبعد أن حاصرها مدة، وأذاقها لباس الجوع ~~والشدة، لجأت إلى طلب الأمان، وسلمت إليه قياد الإذعان، فأجاب سؤالها، ورقح ~~بالصلح حالها، ثم قفى آثارهما، طالبا دمارهما # ذكر إيقاد شيخ نور الدين وخدايداد، نارا # للخليل ليحرقاه، فأطفأها الله تعالى ووقاه # وكان خدايداد وشيخ نور الدين يحومان حول الحمى، ويترقبان من فرص النهب ~~والسلب معاني عسى ولعلما، فتوجه وراءهما، ورام لقاءهما، فجعلا يرحلان بمرأى ~~منه ومسمع، وينزلان بمأمل فيهما ومطمع، وجعل يقتفيهما في كل منزل، فإذا ~~رحلا يتبع قفاهما وينزل، وكان خليل سلطان معتمدا على عسكره، مستيقنا بحلول ~~نصره وظفره فكأنه في بعض الليالي غفل عن التحرس، وكان لهم في جيشه من دأبه ~~التجسس والتحسس، فخيبه الظن وخانه، وحط على مكان يسمى شرابخانه، وكان قد ~~تقدم على الثقل، فطار جاسوسهما إليهما بما فعل، فأقبلا كالسيل، وبيتاه ~~بالليل، فجرح من عسكره جماعة، وكأنما قامت القيامة في تلك الساعة، ثم تركاه ~~وردا، وفرا عنه وندا، وتشتتا في المهامه والموامي، ومن أين للسلطان اقتناص ~~الحرامي؟ فكف عنهما عنان الطلب، وقصد بالسلامة دياره ms199 وانقلب # ذكر مفارقة شيخ نور الدين خدايداد # وتقاسمهما تلك البلاد # ولما كانت مودة خدايداد وشيخ نور الدين كالجرة الفخار، وأساس ما بينهما ~~من الصداقة كمن أسس بنيانه على شفا جرف هار، اختلفا وما ائتلفا، وتجاذبا ~~شقة الشقاق، ونفق في تبايعهما بضائع النفاق " ولم يعلم أحد من راق، وظن أنه ~~الفراق " فقهقر شيخ نور الدين نحو سغناق، واستولى على تلك الأطراف والآفاق # ذكر رجوع شيخ نور الدين إلى الاعتذار # والتنصل عند خليله مما كان منه وصار # ثم أرسل شيخ نور الدين إلى خليل سلطان، واعتذر عما صدر منه من العصيان، ~~وطلب منه أن يقابل إساءته بالإحسان، ويرجع إليه عوائد صدقاته كما كان، ~~فأجابه إلى سؤاله وأسبل على سوءه جرمه ذيل النسيان، وأرسل إليه امرأة جده ~~تومان " فصل " ولم يزل على الوفاق، وشق شقة الشقاق، مرتبقا ربقة الرفاق، ~~حتى وقع خليل سلطان في الرباق، وصفا لشاه رخ " ملك " سمرقند وراق، توجه ~~إليه شاه ملك مظهرا الصلح ومضمرا النفاق، واستنزله بالمكر من قلعة سغناق، ~~بعد أن أحكما العهد والميثاق، ووقع بينهما الاتفاق، أن يتلاقيا ركبانا، ~~ويتباثا الأشواق، بعد السلام والاستلام والعناق وكان في جماعة شاه ملك شخص ~~يدعى أرغوداق، ثم أقبل شاه ملك بجماعته، ونزل شيخ نور الدين من قلعته، وسار ~~شاه ملك وحده، من غير عدة وعدة، وتعانق هو وذلك المغرور، وبثه ما نابه في ~~غيبته من أمور، وسرور وشرور، فأكد عليه الميثاق والعهد، ووصى كل منهما ما ~~يفعل الآخر من بعد، ثم ودعه وانصرف واتصل بجماعته ووقف، وسارع كل من جماعته ~~بمفرده، إلى مصافحة شيخ نور الدين وتقبيل يده، حتى أفضت النوبة إلى ~~أرغوداق، فتوجه بما أضمره من الخداع والنفاق، وكان في الشجاعة أسدا، ~~وكالفيل قوة وجسدا، فوصل إليه، وقبل يديه، ثم التزمه عناقا، وأحكمه ~~اعتناقا، فاقتلعه من سرجه، وأهبط نجمه من برجه، وقطع رأسه، وفجع به ناسه ~~ولما سمع بذلك شاه رخ طفق يندب ويصرخ، ولعن شاه ملك ونهره، وضرب أرغوداق ~~وشهره، لكن ما أمكنه وصل ما قطعاه، ولا غرس ms200 ما قلعاه، كما قيل # وليس لما تطوى المنية ناشر # واستمر مدة لا ينظر إليهما، ثم بعد ذلك رضي عليهما، واستمر خدايداد ~~متشبثا بأذيال العناد، مشركا بين العتو والفساد، غير مسلم إلى الصلح ~~القياد، إلى أن أباره الدهر وأباد، وسنذكر كيف جاد بإعدامه وأجاد # ذكر مر # أمر خليل سلطان ببناء ترمذ # التي خربها جنكيز خان، وتجهيزه العساكر لهذا الشأن PageV01P106 ثم في شهر ~~صفر سنة عشر وثمانمائة، أرسل خليل سلطان من الجنود فئة، وأضافهم إلى ألله ~~داد، وضم إليهم من رءوس الأجناد إلياس خواجه وابن قماري منصور، وتوكل قرقرا ~~ودولت تيمور، إلى ترمذ مع آخرين، ليعمروها فاستمروا سائرين، حتى وصلوا إلى ~~ترمذ، فجمعوا في الحال احتياجاتهم من الأحجار والأخشاب والقرمد، ثم تقاسمت ~~تلك الرءوس أبدانها، وعلوا عن أن يتسوروا قلة أسوارها وحيطانها، وجعلوا ~~يعملون ولا يلبثون، ويبنون بكل ريع منها آية يعبثون، وتركوا بالنهار أكلا ~~وبالليل نوما، فأتموا بنيانها في نحو خمسة عشر يوما، وحين ميزوا محلاتها ~~وفرزوا دروبها وطرقاتها، ورفعوا أعلام مساجدها ومناراتها وبينوا مواضع ~~أسواقها وأبياتها، أمروا الباقين من ذرية النازحين عنها من أهلها، وكل من ~~رحل من خراب وعرها إلى عمران سهلها، أن يرجعوا إليها، ويخيموا عليها، وكان ~~أولئك المساكين، قد استوطنوا منها البساتين، وبنوا فيها أسواقهم وبيوتهم، ~~وجمعوا فيها أسباب معايشهم وقوتهم، واستمر ذلك من وقت جنكيز خان، إلى وقت ~~تيمور كوركان، فكانوا في وطنهم آمنين، وعن حركات الانزعاج والتقلقل ساكنين ~~فلم مات تيمور، وحدث شرور وأمور، أراد خليل سلطان أن يصونهم، فأرسل من شيد ~~حصونهم، وكانت الجديدة عن العتيقة نحوا من فرسخ، فصارت العتيقة أحصن من ~~الجديدة وأرسخ، لا سيما وقد علا البانون منارها، ونهر جيحون يصافح أقدام ~~طود حمل أسوارها، بخلاف الجديدة، فإن قصور مساكنها غير مشيدة، وهي عن النهر ~~بعيدة فلما نادوا الناس أن ادخلوا إلى دار قراركم، فكأنهم كتبوا عليهم أن ~~اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم، فلم يثقل الله داد عليهم، ولا كرب في ~~ذلك ولا التفت إليهم، ولم يظهر في ذلك عنادا، ms201 ولكنه حشر فنادى، أن كل من ~~سبقت يده من أهل البلد، إلى شيء من هذه الأماكن والعمائر الجدد فهو له من ~~غير منازع، ولا ممانع ولا مدافع ثم أمر بانتقال الخبازين والقصابين، ~~والطباخين والسمانين، وميز لهم منزلهم ومأواهم، ولم يتعرض لمن سواهم، ~~فجعلوا يبيعون على العساكر ويشترون، ويربحون في ذلك ولا يخسرون، فاختل نظام ~~سائر الجمع، إذ الإنسان مدني بالطبع،فألجأهم الاضطرار، أن يتبعوهم ~~بالاختيار، فتفقد ما يليق به من أحوال كل من كبيرهم وصغيرهم، وقرر على ما ~~اقتضته أوامره قواعد أمورهم، ثم جمع رءوس جنده، وقفل إلى سمرقنده # ذكر ما فعله شاه رخ من جهة خراسان # في مقابلة ما فعله خليل سلطان # ولما سمع شاه رخ بما فعله خليل سلطان، جهز طائفة من عساكر خراسان، وجعل ~~يمد ذلك السحاب المنجاب، من بحر أمر أمير يدعى مرزاب، وهو أخو جهان شاه، ~~الذي كان تيمور على محاصرة قلعة دمشق ولاه، وأمر رءوس تلك الجنود، أن يبنوا ~~قلعة تسمى حصن الهنود، وهي من أقصى بلاد خراسان، يفصل بينها وبين ترمذ نهر ~~جيحان، ففعلت من البناء العساكر الخراسانية، نحو ما أعربت عنه العساكر ~~الخليلية السلطانية، وفي أثناء مدة البناء، تراسل الله داد ومرزاب وتصافيا، ~~وتواصلا بالاحتشام والاحترام وتهاديا # إشارة إلى ما حدث في أقاليم إيران # وما جرى من سيول الدماء عند نضوب ذلك الطوفان # ثم إن السلطان أحمد وقرا يوسف رجعا إلى العراق، ووقع بينهما على سياسة ~~الملك الاتفاق، واستقر السلطان أحمد في بغداد، ووثب قرا يوسف على الجغتاي ~~بالعناد، ليستخلص منهم " ما استولوا عليه من " بلاد، وكتب الفتح على راياته ~~آيات نصر من الله، فاستخلص ممالك أذربيجان بعد أن أباد طوائفهم وقتل أميران ~~شاه ومد عنان الكلام، في استيفاء هذا المقام، يخرجنا عما نحن بصدده من ~~المرام " إلى أن وقع بينهما الشقاق، وتخبطت أذربيجان والعراق، ثم قتل قرا ~~يوسف السلطان أحمد بإشارة بسطام، وذلك في شهور سنة ثلاث عشرة وثمانمائة من ~~هجرة النبي عليه السلام " وأما عراق العجم، فإنها كانت أحصن أجم، فاستقل ms202 ~~بدعوى الملك متوليها بير عمر، فنهض عليه ذو قرابة له يدعى اسكندر، فقابله ~~وكسره، ثم قبض عليه وهصره، واستقل بدعواه، فتوجه إلى شاه رخ صاحب هراة، ~~فقبض عليه وأباده، وفجع به أهله وأولاده، واستصفى بلاده، فخلصت لشاه رخ ~~ممالك العجم كلها، وانثال إلى خزائنه من أموالها وابلها وطلها، من غير أن ~~يعاني في ذلك نصبا، أو يقاسي في تحصيله تعبا ووصبا PageV01P107 مع أن ~~مملكته كانت أوسط الممالك، فلم يتطرق له أحد بسوء لذلك، وأنه كان حسن ~~الجوار قليل الحركة، وأبوه قد حسم عنه بقتله ملوك العجم مادة " كل " شر ~~وهلكه، فثبت في مكانه بين أسود شمخت ونبت، وكبت ماله من أعداء بما له من ~~أصدقاء وثبت، فاهتزت أراضي دولته بنبات الثبات وربت، وكأن عيون السعد كانت ~~تراقبه، وعرائس الملك تناجيه وتخاطبه، بقوله # نزه فؤادك عن سوانا والقنا ... فجنابنا حل لكل منزه # والصبر طلسم لكنز وصالنا ... من حل ذا الطلسم فاز بكنزه # ذكر خروج الناس من الحصر # وطلبهم أوطانهم مما وراء النهر # وفي أثناء هذه الحالات، قصد الناس من سمرقند التبدد والشتات، وطلب كل ~~غريب وطنه، وتحرك يبغي سكنه وقطنه، إما بإجازة واحتما، وإما بهزيمة واختفا، ~~فأول من استجاز من أهل الشام ورام المسير شهاب الدين أحمد بن الشهيد وزير، ~~ثم تفرقت الطوائف عجما وعربا وتبددوا في الآفاق شرقا وغربا، ووقع في سمرقند ~~القحط وغلاء الأسعار، ولم يرخص بين الناس سوى الدرهم والدينار، ثم حصل بعد ~~ذلك الرفاهية، واجتمع للناس الرخاء والأمنية، وطاب الزمان، وحصل الأمان، ~~وذهب المقت، وصفا الوقت # وعند صفو الليالي يحدث الكدر # ذكر ما أثار الزمان الغدار # من دمار وبوار، ألقى به الخليل في النار # وكان خليل سلطان، تزوج بشاد ملك زوج سيف الدين الأمير، وملكه سلطان هواها ~~فكان فيه كالأسير، فمال بكل جوانحه إليها، بحيث أنه قصر نظره عليها، وصارت ~~محبته كل يوم تزداد، وأنست قصته قضية قيس وليلى وشيرين وفرهاد، فكان كما ~~قيل # أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تدان # وألثم فاهاكي تزول صبابتي ms203 ... فيشتد ما ألقى من الهيمان # كأن فؤادي ليس يهدا الذي به ... إلى أن يرى الروحين يجتمعان # واستمر ذلك إلى أن ران هواها على قلبه، وأخذ بمجامع لبه، وربط جوارحه، ~~وحل جوانحه، وفصل قميصا واسعا فكانا يلبسانه، واتحدا فصار ينطق بلسانها ~~وتنطق بلسانه، وصارا ينشدان، وإلى حالهما يرشدان # أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا # بل كانت القضية بالعكس قلت # إنما كان بروح نفخت ... مذ براها ربها في بدنين # فكان لا يصدر أمرا إلا عن رأيها، ولا يستضيء في سياسة الملك إلا بآرائها ~~فسلمها قياده، واتبع مرادها مراده وهذا من غاية البله والعته، وكيف يفلح من ~~ملك قياده امرأة وكان لها خادم قديم، ليس من بني الأحرار ولا بكريم، بل كان ~~من أطراف الناس، يبيع في أول أمره البز والكرباس، يدعى بابا ترمش، بطرف ~~معمش، ووجه منمش، وصورة قبيحة، وسيرة غير مليحة، وكان يتقاضى حوائجها ويدخل ~~عليها، قبل وصول خليل سلطان إليها فلما وصلت مخدومته إلى ما وصلت، وحصلت ~~لها المرتبة التي لغيرها ما حصلت، ارتفعت درجت خدمها، وزادت حشمة حشمها، ~~فاستفاد بابا ترمش من إضافة إليها التعظيم، وبحسب كرامة المخدوم يحصل ~~للخادم التكريم، فصار يرأس جماعتها ويسوسهم، وبمجالستها تحلى بخلعة " هم ~~القوم لا يشقى جليسهم " ثم ترقى حتى صار عليه مدار أمرها، ثم تخطت قدمه إلى ~~التكلم في أسباب الملك وغيرها، ثم تدرج إلى فصل المحاكمات الديوانية، ~~وإجراء القضايا السلطانية، ثم ترفع إلى التولية والعزل، وتعاطي ذلك على ~~سبيل الجد لا الهزل، وانتهى في ذلك، فصار دستور الممالك، ولم يقدر أحد على ~~رد كلمته، لحدة شوكته بقوة مخدومته، فبسط يده ولسانه كما اختار، وامتثل كل ~~أحد ما أمر به وأشار، واستطال على ألله داد وأرغون شاه، فصار يبرم ما ~~ينقضانه وينقض ما أبرماه، وبلغ في قلة الأدب إلى أن كان يمد رجله بحضرتهما، ~~ولا يقوم بذرة من واجب حرمتهما، ثم حجر أن لا تفصل قضية إلا بمشورته، وإن ~~كان غائبا فينتظر حضوره أو يتوجه إلى حضرته ومن ms204 حين نبغ، إلى أن بلغ ما ~~بلغ، كان نحوا من ثلاث سنين، وعفاريت الجغتاي وجهنم لابثون " معه " في ~~العذاب المهين، فحصل لألله داد وأرغون شاه من هذا التدرج، غاية التضرر ~~ونهاية التحرج، وبلغا الغية في الإهانة والنكاية، وأعضل داؤهما، وأعجز ~~دواؤهما، واستلذا ذهاب العيش وزواله، على البقاء في هذه الحالة # ذكر ما افتكره ألله داد، ودبره PageV01P108 في مراسلة خدايداد # ثم إن ألله داد استعمل فكره، ولكن أخطأت استه الحفرة، فطبخ قدرا فانقلبت ~~عليه، ونسج كدود القز شبكة حتفه بيديه قلت # إذا انعكس الزمان على لبيب ... يحسن رأيه ما كان قبحا # يعاني كل أمر ليس يعني ... ويفسد ما رآه الناس صلحا # فلم يجدا لتبريد الأكباد، إلا مراسلة خدايداد، فجليا عليه صورة هذه ~~البلية، وأخبراه بها عن وضوح وجلية، وأشار عليه بأن يتوجه بأمل فسيح، ويقصد ~~بعساكره سمرقند وخاطره مستريح، فنهض من ساعته، وتوجه بجيشه وجماعته، ودب ~~دبيب الدبى، فوصل إلى مكان يدعى أورتابا، فلما سمع بذلك خليل سلطان، أرسل ~~إلى الجنود والأعوان، وتعجب من وقاحته، وتعوذ من كلاحته، وجهز ألله داد ~~وأرغون شاه، مع العساكر الجرارة للملاقاة فسارا حتى دانياه، فقابلاه وما ~~قاتلاه، ثم أرسلا إلى خليل سلطان، يستدعيان المدد ويقولان إن هذا الرجل بلغ ~~من ملاحاته، وشدة دعارته وقلة مبالاته، أنه لم يتزعزع من مناخه، ولا دخل ~~ريح هيبتنا من صماخه، فأمدهما بباقي العسكر، وجعل يتشوف لما يكون من الخبر، ~~فأرسلا أيضا أن هذا، قد آذى، وزاد فسادا، وجارى في عدوانه ثمودا وعادا، ~~فأمدنا بنفسك، وأدركنا بحدسك وحسك، فإن هيبتك أقوى، وطلعتك أضوى، وما ارتكب ~~هذه الجرأة، ولا أقدم على هذه الجيئة، إلا وقد أضمر شرا كبيرا، وطوى في ~~باطنه قارا وقيرا، فأدركنا بباقي المقاتلة، فإن هذه المرة تكون الفاصلة ~~فخرج خليل سلطان بقلب مطمئن، وخاطر عن حلول الحوادث مستكن، وأمل فسح، وصدر ~~منشرح، معجبا بشبابه، مغرما بأصحابه، متمايلا بين أحبابه، متهاديا بين ~~أترابه، في شرذمة قليلة، وطائفة نبيلة، أبعد ما عنده نزول هم، وأشرد ما ~~لديه حلول نكد وغم، ms205 يفديه الكمال، ويناديه لسان الجمال بقوله # ته دلالا فأنت أهل لذاكا ... وتحكم فالحسن قد أعطاكا # فوصل بتلك العصابة السلطانية، إلى قصبة تسمى سلطانية، فأرسل ألله داد، ~~إلى خدايداد أن الركاب السلطاني، خرج من سمرقند في اليوم الفلاني، وفي ~~الساعة الفلانية، يحل كورة سلطانية # ذكر ما قصده خدايداد من الكيد # ووقوع خليل سلطان في قنص الصيد # فقصد خدايداد المخاتلة، وترك ثقله مقابل المقاتلة، ونبذ العساكر وراء ~~ظهره، وتأبط شر شرارة، وهراوة هره، واستصحب من أبطال القتال، ورجال النضال ~~والنزال، طائفة، جاسرة غير خائفة # رزان إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا # والتحف ذيل الليل، ولطأ بظهر الخيل، واستطرق إلى مطلوبه طريقا عوجا، ~~واستقود إلى مقصوده قواد الدجى، كما قيل # لا تلق إلا بليل من تواصله ... فالشمس نمامه والليل قواد # حتى وصل إلى سلطانية، وهي قصبة أنشأها تيمور، ولم يكن لأحد به شعور، فلم ~~يفجأ خليل سلطان، إلا وقد جاءه موج البلاء من كل مكان، فنهض كل من معه من ~~الأصحاب، وأخذوا في الحرب والطعن والضراب، وقاتلوا قتال الموت، وأيقنوا ~~حلول الفوت، فعضت عليهم الحرب العضوض، وطرحتهم ما بين مهشوم وموقوذ ومرضوض، ~~فقتل حقيرهم وجليلهم، ووقع في نار عدوهم حبيبهم وخليلهم، ثم رجع خدايداد ~~إلى معسكره، فائزا بنجحه مستبشرا بظفره " فصل " ثم إن خدايداد حلف لخليل ~~سلطان، بأشد ما يكون وأبلغ من أنواع الأيمان أنه لا يقصده بأذى، ولا يرمي ~~في عين معيشته بخيال قذى، ولا يؤذيه بقول ولا عمل، ولا يسلط عليه من يؤذيه ~~بمكر ودخل، وسيرى نتيجة ما حلف، وأن الله تعالى عفا عما سلف " فصل " ثم ~~التمس منه أن يرسل إلى ألله داد، فمن دونه من الأجناد، أن يستسلموا ~~لخدايداد، وأرسل خدايداد أيضا إلى الناس، بأني قد استوليت منكم على الراس، ~~فإن أطعتموني أطعته، وإن لم تصلوني قطعته ولما وقع خليل سلطان بهذا الكرب، ~~تصور أن هذا سهم غرب، ثم ظهر له مكان ذلك المكمن، وتحقق كيف أخذ من المأمن، ~~وعلم من أين صب ذلك ms206 البلاء عليه، وأنى أخذ من ذلك الجانب الذي يأمن إليه، ~~فقال بلسان الحال # جزى الله عنا الخير من ليس بيننا ... ولا بينه ود ولا نتعارف # فما سامنا خسفا ولا شفنا أذى ... من الناس إلا من نود ونألف PageV01P109 ~~ثم أرسل إلى سائر الأمراء، ورؤساء الجيش والوزراء، أن يستسلموا لخدايداد ~~ولا ينازعوه، ولا يدافعوه فيما يريد ولا يمانعوه، فاستسلم الكل إليه، ~~واستقبل ذراه وسلم عليه، فاستولى على تلك الجنود المجندة، وتحصن من غوائل ~~المخاتلة بالرماح المسددة والسيوف المهندة، وقدم جنود جند وخجند، وأغتام ~~تركستان وطغام أوزجند، وآخر من سوى أولئك وتقدم إلى سمرقند، ولم يلتفت إلى ~~ألله داد فمن دونه، وتحقق ألله داد أن صفقته في ذلك مغبونة، فسلخ الزمان ~~عنه ما كان ألبسه من ثوب عز وسلب، وفر من بين يديه ما كان فيه من جاه ومال ~~وذهب، وكان قيام ذلك الحشر، في سنة ثمانمائة واثنتي عشر # ذكر ما جرى من الفساد بسمرقند # عند قدوم خدايداد # فوصل خدايداد إلى سمرقند ودخل، فتغيرت تلك الرسوم والدول، وكأنه ظهر ~~اختلاف الملل والنحل، وكان له ابن عم يدعى ألله داد، فدعاه بالسلطان على ~~رءوس الأشهاد، وتفحص عن مكامن الخزائن، ونقب في أطوادها عن الفلزات ~~والمعادن، ونقر عن مضمرات الضمار وبحث عن الخبايا والدفائن، وتغيرت ~~الأوضاع، وتبدلت بالفظاظة رقاق الطباع، وصاروا كما قيل # أما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها # وتنكرت الصفات حتى كأنما تحولت الذوات، أو بدلت الأرض غير الأرض والسموات # وتنكرت أرض الغوير فلم يكن ... ذاك الغوير ولا النقا ذاك النقا # ذكر بلوغ هذه الأمور شاه رخ بن تيمور # وتلافيه تلك الحوادث وحسمه مادة هذه العوابث # ولما اتصل بشاه رخ هذا الخبر عبس وبسر، وتضجر وزمجر، وازور " وازبأر، ~~وكشر " واكفهر، وتغير وجهه وتمعر واستغاث وتقلق، وولول واسترجع وحولق، ~~وتحرق وتنكد وتأوه وأنشد # بقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى سامها كل مفلس # ثم طير بطائق مراسيمه كل مطير، إلى أطراف ممالكه بجمع العسكر، وأمر شاه ~~ملك، أن يسير غير مرتبك، ms207 ويستديم السير، ويسابق بعتاقه عتاق الطير، فيتدارك ~~ما انفرط من النظام، ويطارد عن ورد المملكة الأغتام الطغام، فلا يدع رائدهم ~~أن يحل ويعاجل مستعجل قدرهم أن يمل فسار شاه ملك في الحال، بعساكره في ~~المدد كالجبال، وفي العدد كالرمال، ثم اتبعه شاه رخ بسائر الأساورة، وكواسر ~~الأكاسرة، سار لا يلوي على أحد، ولا يسكن في حركته إلى طالع ولا رصد، فحين ~~وصلوا جيحون وعبروه، غطوا وجهه وستروه، فانبسط ذلك السيل على وجه الماء، ~~فكأن البحر غطى بالغمام المتراكب وغرق في بحر الحياء " فصل " ولما قطع ~~البحر تلك الأطواد، واتصل الخبر بخدايداد، تيقن أنه لا طاقة لدبابه وقروده، ~~بذئاب جنود شاه رخ وأسوده، وأن جل عساكره يفر عنه ويسلمه، أو يقبض عليه ~~ولشاه رخ يسلمه، فأسرع في تنجيز مآربه، وبادر إلى تجهيز مطالبه، وأخذ ما ~~وصلت يده إليه من أموال، وأوسق ما بلغت طاقته من نفائس وأحمال، واستصحب ~~خليل سلطان، وتوجه إلى أندكان، وأودع ألله داد وأرغون شاه بابا ترمش في ~~القلعة، وأنف أن يستصحب أحدا منهم معه، وترك شاد ملك أيضا في المدينة، ~~بفراق خليلها رهينة، ويسلب ما كان فيه من العز مهينة # ذكر ما جرى بسمرقند بعد خروج الجنود # الجندية وقبل وصول الشواهين الشاه رخية # ثم لما رحل خدايداد وانفصل، ولم يكن أحد من جهة شاه رخ وصل، وما كان ~~للناس، ظهر ولا رأس، أراد ألله داد وأرغون شاه، أن يتوجها إلى شاه رخ ~~ويستقبلاه، فرفع خواجة عبد الأول عليهما يده، وأقام لمنعهما عن الخروج من ~~القلعة رصده، واستعان بشطار المدينة، وكان ألله داد قبل ذلك أنكاه نكاية ~~أورثته ضغينة # من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا # فلم يختلف في رياسته اثنان، ولا انتطح فيما يأمرهم به عنزان، وصارت ~~إشارته الآمرة الناهية، وجداول مراسيمه فيما بين الناس جارية، وأوامره ~~المطاعة في تلك الأيام الخالية # والعلم يرفع كل من لم يرفع # ولم يزل خواجه عبد الأول يسوس الرعية، ويوصي على ألله داد ورفيقه ومن ~~معهم ويشدد مضايق القضية، إلى أن ms208 طلعت طلائع شاه ملك وأعقبها العساكر الشاه ~~رخية # ذكر بدور " بدور " الدولة الشاه رخية # في سماء ممالك ما وراء النهر بعد غروب شمس النوبة الخليلية PageV01P110 ~~فخرج أهل المدينة لاستقباله، مستبشرين برؤية جبين هلاله، فنزل كل أحد في ~~منزلته، ووضع كل من الناس في مرتبته، ثم قبض على ألله داد ورفيقيه وعاقبهم ~~بأنواع العقاب، وصنف في تعذيبهم واستخلاص الأموال منهم أنواع العذاب، ثم ~~قتلهم صبرا ونقلهم من الدنيا إلى الأخرى، إلا بابا ترمش فإنهم عاقبوه، ~~وبأنواع العذاب ألهبوه، ففي بعض الأيام، وقد أنكت فيه من العذاب الآلام، ~~أخذ الموكلين عليه ليطلعهم على قضية، أو يذهب بهم إلى خبية، فمروا به وهو ~~في قيد وثيق، على حوض ماء عريض عميق، فاستل من قراب أيديهم عضب يده الدلق، ~~ورمى بنفسه " وزج " في ذلك الماء على غفلة فغرق " فصل " ثم إن شاه رخ زار ~~أباه، وأقام شرائط عزاه، وجدد ترتيب القراء على تربته والقومة، واستأنف ~~معاليم المرتبين في ذلك والخدمة، ونقل إلى خزائنه جل ما كان على حفرته، من ~~أقمشته وأمتعته وأسحلته، وعفر بيادر الخزائن، وحفر تخوم تلك الكمائن، وشرع ~~في تمهيد القواعد، وترتيب مراتب الأقارب والأباعد " فصل " وقبضوا على شاد ~~ملك وأهانوها، وشانوها ابتذالا لمن صانوها، وعصبوها بالعذاب عصب السلمة، ~~وهزوها لاستخراج الأموال منها هزات أعوان الظلمة، ثم بعد ذلك الابتذال، ~~واستخلاصهم منها أنواع الأموال، حزموها وشددوا منها الوثاق، وشهروها منادين ~~عليها في الأسواق، واستقرت على شاه رخ الأمور، وارتفعت صدور وانقصمت ظهور، ~~وعلا إنسان وانحط إنسان، فسبحان من هو كل يوم في شان، عز شأنه، وتعالى ~~سلطانه، يغير الدول، ويقلب الأحوال، ولا يعتري سلطانه تغير ولا انتقال # ذكر ما قصده خدايداد من إتمام النكد والفساد # وكيف آل ذلك إلى النكال إلى أن جرى عليه الوبال # وأما خدايداد فحين حل في مكانه، وخلا بخليل سلطانه في أندكانه، جدد معه ~~عهوده ومواثقه، أنه آمنه مكره وبوائقه، وذكر أن ذلك النكال والنكاد، إنما ~~فعله معه أرغون شاه وألله داد، مع إحسانه إليهم، وإسبال ذيل إنعامه ms209 عليهم، ~~وأنهم كافئوه مكافأة التمساح، وقابلوا بإفساده منهم الإصلاح ثم قال اذكر ~~صنيعك معي أولا وظاهرا وانظر ما أفعله معك باطنا وآخرا، وسأفعل معك ما ~~يتحقق به خلوص الطوية، وصدق النية، بحيث يذهب الكدر ويبقى الصفا، وينمحي ~~الجفا ويثبت الوفا، ونعيش باقي عمرنا متصافين، وفي رياض الهنا متوافيين ~~متكافئين " فنمحوا بما نكتب في ألواح صدورنا من المحبة والشفقة مساطير ~~الأساطير المكتتبة في باب الحمامة المطوقة " وسأردك إن شاء الله تعالى إلى ~~دار عزتك، وأجتهد في تحصيل ما يعيدك إلى نشاطك وهزتك، ثم خطب باسمه في ~~أندكان، وأمر بذلك في أطراف تركستان # تتمة ما جرى من خليل وخدايداد # من المعاقدات، وتأكيد العهود والمودات، إلى أن أدركهما هادم اللذات # ثم تأكدت بينهما وثائق الأيمان، وذهب خدايداد يستمد المغول لخليل سلطان، ~~وترك خليل سلطان بأندكان، وكان المغول، لما بلغهم موت تيمور المخذول، سلبوا ~~قرارهم، وأخلوا ديارهم، ولجأوا إلى الحصون، وتشبثوا بأذيال كل كهف مصون، ~~كما ذكر أولا، فلما تحققوا موته، واستثبتوا فوته، تنادوا بالأمن والأمان، ~~وجاوروا خدايداد في ذلك المكان، وأرسلوا يهنئون خليل سلطان، وبعثوا إليه ~~هدايا سنية، وتحفا فاخرة ملوكية، من جملتها كرسي من ذهب، أفرغه صائغه في ~~قالب العجب، فأكرم خليل سلطان رسلهم، وأعظم نزلهم، وأجمل معهم جوارا وأجرا، ~~وجازاهم بكل حسنة عشرا # الخير أبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت من زاد # ولا زالت خلعة المودة بينهم تنتسج، ووجوه المكارمة والمحاشمة يوما فيوما ~~تبتهج حتى عرى له ما عرى، وجرى عليه من بحر القضاء والقدر ما جرى، فساعة ~~وصول خدايداد إليهم قبضوا عليه وأرسلوا إلى خليل سلطان ينهون صورة الحال ~~إليه وقالوا تعلم ما بيننا وبينك من خالص الوداد، وإنا عالمون بما وقع بينك ~~وبين خدايداد، وأنه كان السبب في تبددك، وخروج ملكك من يدك وقد جاء يستمدنا ~~لك، فارسم لنا ما بدا لك، فإن رسمت قتلناه وإن أشرت أمددناه، وفي الجملة ~~مهما أمرتنا به امتثلناه PageV01P111 فأرسل يقول قد علمتم كيف آذاني، ومزق ~~عرضي وأخزاني، وأخرجني من ملكي ms210 وسلطاني، وغربني عن أهلي وإخواني، وأذلني إذ ~~رأسني بمفارقة حبي وأوطاني، والآن فقد جعلني ترسا، يتقي بي الحوادث ~~والبأسا، وقد عرفتم كيف يريد أن يتصرف، وعلى كل حال فالعارف لا يعرف، ومع ~~هذا مهما رأيتم في ذلك من المصلحة فافعلوه، ففي الحال قطعوا رأسه وإليه ~~أرسلوه # ذكر عود خليل سلطان من ممالك أندكان # وقصده عمه شاه رخ، ولعبه بالنفس مع ذلك البرخ # واستمر خليل سلطان، في ذلك المكان، وأطراف تركستان، يرسل بالفارسي ~~الأشعار الفراقية، وينشئ في حبيبته ما ينسي القصائد الزيدونية، ويذكر ما هو ~~فيه من الغربة، وما جرى عليه من الفراق والكربة، فيصدع بذلك القلوب ويفتت ~~الأكباد، إلى أن مل المقام في تلك البلاد، فنفض منها ذيله وضم رجله وخيله، ~~وقصد عمه، وركب الطريق وأمه، فأكرم عمه مثواه، ولم يذكر له أخبار ما أنشاه، ~~وضم إليه حبيبته، ولم إلى خليل خليلته، وقرر قاعدة ذلك الإقليم وشيده، وولى ~~فيه أولوغ بك ولده وقفل إلى خراسان، مستصحبا معه خليل سلطان، ثم ولاه ممالك ~~الري، فلم يقم بها إلا أدنى شيء، وانتقل إلى رحمة الله، وكأن عمه دس له ~~شيئا فسقاه، فدفن بمدينة الري، وطوى نشر ذلك الحاتم أي طي، وحين وقعت شاد ~~ملك في هذا الخطب الجليل، واشتعلت أحشاؤها بنار الخليل، قالت لا ذقت فقدك ~~ولا عشت بعدك، وأنت ورنت، وأنشدت وغنت # كنت السواد لمقلتي ... فبكى عليك الناظر # من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر # ثم أخذت خنجرا فوضعته في لبتها، واتكأت عليه بقوتها، فنفذ من قفاها، ~~وأحرقت بنارها كل من رآها، فدفنا في قبر واحد، وأمسى لسان حالهما ينشد # أجارتنا إنا غريبان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب # وصفا لشاه رخ ممالك ما وراء النهر وخراسان، وخوارزم وجرجان، وعراق العجم ~~ومازندران، وقندهار والهند وكرمان، وجميع بلاد العجم إلى حدود أذربيجان، ~~وإلى يومنا هذا أعني سنة أربعين وثمانمائة، ونسأل الله تعالى حسن العاقبة ~~بمنه ولطفه والحمد لله رب العالمين، " وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم " " فصل " في صفات تيمور البديعة ms211 وما جبل عليه من سجية وطبيعة وكان ~~تيمور طويل النجاد، رفيع العماد، ذا قامة شاهقة، كأنه من بقايا العمالقة، ~~عظيم الجبهة والرأس، شديد القوة والبأس، عجيب الكون، أبيض اللون، مشروبا ~~بحمرة، غير مشوب بسمرة، فخيم الأطراف، عريض الأكتاف، غليظ الأصابع، سميك ~~الأكارع، مستكمل البنية، مسترسل اللحية، أشل، أعرج اليمناوين، عيناه ~~كشمعتين غير زهراوين، جهير الصوت، لا يهاب الموت، قد ناهز الثمانين، وهو مع ~~ذلك بجأش مكين، وبدن مستمسك متين، صلبا شهما، كأنه صخرة صما لا يحب المزاح ~~والكذب، ولا يستميله اللهو واللعب، يعجبه الصدق، ولو كان فيه ما يسوءه، ولا ~~يأسى على ما فات ولا يفرح بما يجيئه، وكان نقش خاتمه " راستي رستي " ، يعني ~~صدقت نجوت، وميسم دوابه وسرة سكته على الدرهم والدينار ثلاث حلق هكذا لا ~~يجري غالبا في مجلسه شيء من الكلام الفاحش ولا سفك دم، ولا من سبي ونهب ~~وغارة وهتك حرم، مقداما شجاعا مهيبا مطاعا، يحب الشجعان والأبطال، ويستفتح ~~بهم أقفال الأهوال، ويفترس بهم أسود الرجال، ويستهدم بهم وبصدماتهم قلل ~~الجبال، ذا أفكار مصيبة، وفراسات عجيبة، وسعد فائق، وجد موافق، وعزم ~~بالثبات ناطق، ولدى الخطوب صادق قلت # فكم قدحت آراؤه زند فتنة ... حمته لدى البأسا وأورت قبائلا # محجاجا دراكا للمحة " واللمزة " ، مرتاضا مستيقظا للرمزة، لا يخفى عليه ~~تلبيس ملبس، ولا يتمشى عليه تدليس مدلس، يفرق بين المحق والمبطل بفراسته، ~~ويدرك الناصح والغاش بدربة درايته، يكاد يهدي بأفكاره النجم الثاقب، ~~ويستتبع بآراء فراسته سهم كل كوكب صائب قلت # يشاهد أعقاب الأمور بعقله ... كما شاهد المحسوس بالعين ناظر # إذا أمر بأمر أو أشار بشيء لا يرد عنه، ولا يثنى عنان عزيمته عن شيء منه، ~~لئلا ينسب إلى قلة الثبات، وركاكة الرأي والحركات قلت # إذا قال قولا أو أشار إشارة ... ترى أمره في النص قاطعا PageV01P112 وكان ~~يقال له في ألقابه صاحب قران الأقاليم السبعة وقهرمان الماء والطين، وقاهر ~~الملوك والسلاطين يحكى أن قاضي القضاة ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون ~~المالكي قاضي القضاة بمصر كان صاحب التاريخ العجيب، والسالك ms212 فيه الأسلوب ~~الغريب، على من ذكر لي من رآه، واطلع على لفظه ومعناه، من الأذكياء المهرة، ~~والأدباء البررة، مع أني لم أره، وكان قد قدم الشام، مع عساكر الإسلام، ~~وحين ولت العساكر الأدبار، أنشبته في مخالب تيمور الأقدار، قال له في بعض ~~مجالسه، وقد أنس بتوانسه بالله يا مولانا الأمير ناولني يدك وهي مفتاح فتوح ~~الدنيا حتى أتشرف بتقبيلها وقال له أيضا لما أراد أن يستصحبه معه، وقد سرد ~~عليه شيئا من تواريخ ملوك الغرب وكان تيمور مغرما باقراء التواريخ ~~واستماعها، فأعجبه ذلك غاية الإعجاب، " ورغب منه في الاستصحاب " يا مولانا ~~الأمير مصر خرجت عن أن يتولى فيها نائب غيرك، أو أن يجري فيها غير أمرك، ~~ولي فيك عوض عن طريفي وتلادي، وأهلي وأولادي ووطني وبلادي، وأصحابي ~~وأخداني، وأقاربي وخلاني، وملوك الناس، وعن كل ظهر ورأس، بل وعن كل الورى، ~~إذ كل الصيد في جوف الفرا، وما أتأسف ولا أتلهف، إلا على ما مضى من عمري، ~~وانقضى من عصري، كيف تقضى ذلك في غير خدمتك، ولم تكتحل عيني بنور طلعتك؟ ~~ولكن القضاء جاز، وسأستبدل الحقيقة بالمجاز، وما أولاني أن أكرر على لساني، ~~قوله # جزاك الله عن ذا السعي خيرا ... ولكن جئت في الزمن الأخير # فلأستأنفن في ذراك عمرا ثانيا، ولأعدن الزمان بإبعادي عن عدوتك عاديا، ~~ولأتداركن ما مضى من عمري، بصرف ما بقي في خدمتك، والتشبث بغرزك، ولأحسبن ~~ذلك أعز أوقاتي، وأعلى مقاماتي، وأشرف حالاتي ولكن ما يقصم ظهري، إلا كتبي ~~التي أفنيت فيها عمري، وصرفت جواهر علومي في تصنيفها، وأظمأت نهاري وأسهرت ~~ليلي في ترصيفها، وذكرت فيها تاريخ الدنيا من بدئها، وسير الملوك شرقيها ~~وغربيها، ولأن ظفرت بها لأجعلنك واسطة عقدهم، وخلاصة نقدهم، ولأطرزن بسيرك ~~خلع دهرهم، ولأصيرن دولتك هلال جبين عصرهم " إذ أنت أبو المقاحم، والبازغ ~~بدر نصره في شرق الغرب من دياجير الملاحم، والمكاشف به على لسان كل ولي، ~~والمشار إليه في الزوايج والجفر المنسوب إلى أمير المؤمنين علي، وصاحب ~~القرآن المنتظر في آخر الزمان " وهي في ms213 القاهرة فلو حصلت عليها ما فارقت ~~ركابك، ولا هجرت أتعابك، والحمد لله الذي رزقني من يعرف قيمتي، ويحرز ~~خدمتي، ولا يضيع حرمتي مع كلام فصيح صادع، بديع بليغ خالب خادع " فاهتزت ~~فرحا أعطافه، وتراقصت مرحا أطرافه " وأعجبه ذلك وأغراه ميله إلى كتب ~~التواريخ والسير، واستهواه حبه معرفة أحوال الملوك الذي ذكر، حتى شده عما ~~خلبه، بسحر هذا البيان البديع وسلبه ثم إنه استوصفه بلاد الغرب وممالكها، ~~واستوضحه أوضاعها ومسالكها، وقراها ودروبها، وقبائلها وشعوبها، كما هو دأبه ~~وشأنه، والقصد في ذلك امتحانه، لأنه لم يكن محتاجا ذلك، إذ في خزائن تصوره ~~" صور " جميع الممالك، وإنما أراد بذلك معرفة مقدار علمه، وكيفية إبداء ~~نصحه له وكتمه، فأملى كل ذلك من طرف لسانه، كأنه يشاهده وهو جالس في مكانه، ~~وشرح تلك الأمور، كما في خاطر تيمور ثم قال له كيف تذكرني وبختنصر مع ~~الملوك الأكابر؟ ولم ننل في النسب تلك المفاخر، وما نحن من يعاسيب النحل ~~فأنى تعبينا مع الفحل؟ فقال أفعالكما البديعة أوصلتكما إلى تلك المنزلة ~~الرفيعة فأعجبه هذا الكلام، وقال لجماعته اقتدوا به فإنه إمام ثم أخذ تيمور ~~يخبر القاضي بما وقع في بلاده، وما جرى بين ملوك الغرب وأجناده، ولا زال ~~يذكر له أخبار الناس حتى سرد عليه أخبار متعلقيه وأولاده، حتى تحير القاضي ~~من إملائه، وقال إن الشيطان ليوحي إلى أوليائه ثم إن تيمور عاهد القاضي أن ~~يتوجه إلى القاهرة، ويأخذ أهله وأولاده وكتبه الزاهرة، ولا يلبث أكثر من ~~مسافة الطريق، ويرجع إليه بأمل فسيح وعهد نبيل الأماني وثيق، فتجهز إلى ~~صفد، واستراح من ذلك النكد PageV01P113 " فصل " وكان تيمور محبا للعلماء، ~~مقربا للسادات والشرفاء، يعز العلماء والفضلاء إعزازا تاما، ويقدمهم على كل ~~أحد تقديما عاما، وينزل كلا منهم منزلته، ويعرف له إكرامه وحرمته، وينبسط ~~إليهم انبساطا ممزوجا بهيبته، ويبحث معهم بحثا مندرجا فيه الإنصاف والحشمة، ~~لطفه مندمج في قهره، وعنفه مندرج في بره # متفرق الطعمين مجتمع القوى ... فكأنه السراء والضراء # وقيل # مر المذاق على أعدائه بشع ... حلو الفكاهة للأصحاب ms214 كالعسل # وكان مغرما بأرباب الصناعات والحرف، أي صناعة كانت إذا كان لها خطر وشرف، ~~يبغض بطبعه المضحكين والشعراء، ويقرب المنجمين والأطباء، ويأخذ بقولهم، ~~ويصغي إلى كلامهم، ملازما للعب بالشطرنج لكونه منقحا للفكر، وكانت علت همته ~~عن الشطرنج الصغير، فكان يلاعب بالشطرنج الكبير، ورقعته عشرة في إحدى عشرة، ~~وفيه من الزوائد جملان وزرافتان وطليعتان ودبابتان ووزير، وأشياء غير هذه ~~وسيأتي وضعه والشطرنج الصغير بالنسبة إلى الكبير كلا شيء، مواظبا لإقراء ~~التواريخ وقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وسير الملوك وأخبار من مضى ~~من الأنام، سفرا وحضرا، كل ذلك بالفارسي، ومما تكررت قراءتها عليه، وطنت ~~نغماتها على أذنيه، قبض ذمام ذلك وملكه، حتى صارت له ملكة، بحيث أن قارئ ~~ذلك إذا خبط، رده إلى الصواب من الغلط، وذلك لأن التكرار، يفقه الحمار وكان ~~أميا لا يقرأ شيئا ولا يكتب ولا يعرف شيئا من العربية، ويعرف من اللغات، ~~الفارسية والتركية والمغولية، حسب لا غير وكان معتقدا للقواعد ~~الجنكيزخانية، وهي كفروع الفقه من الملة الإسلامية، وممشيا لها على الطريقة ~~المحمدية، وكذلك كل الجغتاي وأهل الدشت والخطا وتركستان وأولئك الطغام، ~~كلهم يمشون قواعد الملعون جنكيزخان على قواعد الإسلام ومن هذه الجهة أفتى ~~كل من مولانا وشيخنا حافظ الدين محمد البزازي رحمه الله، ومولانا وسيدنا ~~وشيخنا علاء الدين محمد البخاري أبقاه الله، وغيرهما من العلماء الأعلام، ~~وأئمة الإسلام، بكفر تيمور وبكفر من يقدم القواعد الجنكيزخانية على الشريعة ~~الإسلامية، ومن جهات أخرى أيضا وقيل أن شاه رخ أبطل التوراة والقواعد ~~الجنكيزخانية، وأمر أن تجري سياستهم على جداول الشريعة الإسلامية، وما أظن ~~لذلك صحة فإن ذلك عندهم قد صار كاطلة الصريحة، والاعتقادات الصحيحة، ولو ~~اتفق أنه يجمع مرازبه وموابذه في دسكرة، ويغلق أبوابها ويطلع عليهم من ~~منظرة، ويفتح عليهم شيئا من هذا الباب لحاصوا حيصة الحمر إلى الأبواب " فصل ~~" وكان فريد الطور، بعيد الغور، لا يدرك لبحر تفكيره قعر، ولا يسلك في طود ~~تدبيره سهل ولا وعر، وقد أقعد في ممالكه نواميسه، وأقام في سائر الممالك ~~جواسيسه، وهم ما ms215 بين أمير كأطلاميش أحد أعوانه، وفقيه فقير كمسعود ~~الكمججاني عين أصحاب ديوانه، وكان ذلك في القاهرة المعزية، وهذا بدمشق أحد ~~الصوفية بالسميساطية، وما بين متسبب وتاجر، ومصارع شرير وبهلوان فاجر، ومكد ~~وصنائعي، ومنجم وطبائعي، وقلندري قوال، وحيدري جوال، وبحري سباح، وبري ~~سياح، وسقاء ظريف، وحذاء لطيف، وسعلاة دلالة، وشيخة محتالة، كدلة المحتالة، ~~ومن مرت به التجارب، وضرب أكباد الإبل مشارق ومغارب، وبلغ فيما هو بصدده من ~~المكر والاحتيال، منزلة الكمال، وألف بلطيف ختله ودهاءه بين الماء والنار ~~والهدى والضلال، وجاوز في الحيل والكيد ساسان وأبازيد وألزم في حكمته وجدله ~~ابن سينا وأسكت في منطقه اليونانيين إذ عكس عليهم القضايا، فجمع بين ~~المتنافيين، وألف بين المتعاديين قلت # فاق من قاد للعدا كل جيش ... بكلام ثنى البعيد قريبا # مزج النقل في القياد بعقل ... فهدى عاشقا وأهدى حبيبا PageV01P114 فكانوا ~~ينهون إليه حوادث الأطراف وأخبارهم، ويكتبون إليه ما قدموا وآثارهم، ~~ويذكرون " لديه " أوزانهم وأسعارهم، ويصفون منازلهم وأمصارهم، ويصورون ~~سهولهم وأوعارهم، ويخطون بيوتهم وديارهم، وبينون مدى ذلك بعدا وقربا، وما ~~في ذلك ضيقا ورحبا، وجهات وأقطارا شرقا وغربا، وأسامي الأمصار والقرى، ~~وألقاب المنازل والذرا، وأهل كل مكان ورؤساءه، وأمراءه وكبراءه، وفضلاءه ~~وشرفاءه، وأغنياءه وفقراءه، واسم كل ولقبه، وشهرته ونسبه، وحرفته وسببه، ~~فكان يطالع بفكره ذلك، ويتصرف بتفكيره في سائر الممالك وكان إذا حل ببلد، ~~واجتمع به من أعيانها أحد، شرع يسأله عن فلان، وفلان، وما جرى لفلان في ~~الوقت الفلاني مما زانه من أمر وشأن، وإلام آلت تلك الواقعة، وكيف فعل فلان ~~وفلان فيما كان بينهما من المنازعة، فيبهت ذلك الرجل ناظرا، ويظن أن تيمور ~~كان في تلك الحالة حاضرا وكان كثيرا ما يطرح عليهم أغاليط المسائل، ويحكي ~~صور مباحثات جرت لهم ورسائل، فيتصورون أن له في ذلك العم قدمه، أو كان منه ~~للعلماء خدمة، ولذلك تصور بعض الناس، أن ذلك الوسواس الخناس، كان مقيما ~~بالسلاوية، وبعض بالغ حتى قال إنه رآه في فقراء السميساطية " فصل " ومما ~~يحكى عن فراسته، أنه لما نزل على سيواس، ms216 وقد حصنها منه أولوا النجدة ~~والباس، قال لعسكره اعملوا الحيلة، إنا فاتحوا هذه في ثماني عشرة ليلة، ~~فكان كذلك فلا شك أن ذلك الأعرج، كان ملهما أو مستدرج، وكان ذا مغالطات، ~~وحركات لها مغاورات، إذا دهمه أمر يتعاطى دفعه وهو مظهر أنه راغب فيه، ~~وربما يظهر الرغبة عن شيء وهو مريد حصوله ومشتهيه، وقد مر نظائر هذا كله ~~فمن مغالطاته أنه إذا كان له في مكان روم، أو أراد أن ينزل بساحة قوم، قصد ~~الإخفاء والتعمية، وطلب الإيهام والتورية، وبحر عسكره لا يخلو من تمساح ~~متجسس، أو سرطان متحسس، ولو لم يكن لأحد في عسكره عين، فإن بزوغ العين، لا ~~يخفى على ذي عين، فإنه يجمع أركان دولته، وأعيان مملكته، وذوي آرائه ~~ومشورته، بحيث أنه لا يتخلف منهم أحد، ولا يجزي مولود عن والد ولا والد عن ~~ولد، ثم يظهر لهم خفية أموره، ويطلب منهم المشورة في جهة مسيره، ويطلق لهم ~~عنان الكلام، ويقول لا تثريب على من خاض في ذلك خاص الأنام، ناظر في أعقاب ~~الأمور ما بين يوم وعام، فليتكلم كل ولا حرج، فسواء هوى إلى حضيض الخطأ أو ~~إلى أوج الصواب عرج فإن أخطأ فلا نقصان، وإن أصاب فله أجران فيبذل كل جهده ~~ويعاني في ذلك وكده وكده، ويبدي في ذلك ما أدى إليه اجتهاده، ويتصور أن ذلك ~~يوافقه مراده، فتتفق الآراء، على ناحية من الأنحاء، ثم يفض ذلك المجلس، ~~ويجتمع بأخصائه ويجلس، كسليمان شاه وقماري وسيف الدين، وألله داد وشاه ملك ~~وشيخ نور الدين، ويمخضون القضية مخضا غير ذلك، ويبحثون فيها بحثا دقيق ~~المسالك، فيقع آخر الأمر الاتفاق، على التوجه إلى بعض الآفاق ثم يدعو ~~رائدهم، وسائقهم في ذلك وقائدهم، ويأمرهم بالتوجه إليه، فيتصدعون على ما ~~عول في ذلك عليه، وحين يقوض الظلام خيامه، وينشر رائد الصبح أعلامه، ويضرب ~~الكوس للرحيل، ويأخذ الناس في التحميل، ويتوجه الناس إلى الجهة التي أمرهم ~~بالمسير إليها، ووقع الاتفاق عليها دعا حاشيته بعد ما حملوا وأخذوا في ~~المسرى، وأمرهم أن ms217 يمتازوا ويرحلوا إلى جهة أخرى، ولم يكن أبداها لأحد من ~~الجماعة، إلا في تلك الساعة، ولولا الضرورة لما أفشاها، ولا أعاد سريرتها ~~لأحد ولا أبداها، فيضرب الناس ضربا ويضرب ضربا، ويأخذ العساكر شرقا ويأخذ ~~غربا، فتضطرب تلك الأطواد وتختبط، وتنفرط عقود نظامهم فلا تكاد تنضبط، ~~وتنحل قوائم مواشيها عن المسير وترتبط، ويموج بعض الناس في بعض، وينعكسون ~~سماء في أرض وطولا في عرض، ويتوله كل أحد ويتدله، ولا يدري إلى أين يتوجه، ~~فإن كان في عسكره ربيئة، أو من يراقب ذهابه ومجيئه فبمجرد ما رأى تحميلهم، ~~وشاهد تحويلهم ورحيلهم، طار إلى مخدومه، وأظهر له ما في معلومه، من توجه ~~العساكر إلى الجهة التي اتفقوا عليها، وأنه شاهدهم بعينه وقد توجهوا إليها، ~~فيأخذ حذره أهل ذلك الجانب، وتطمئن سائر الجوانب من النوائب، فلم يشعر إلا ~~وقد دمر على الجانب الذي قصده وحطمه، ونبذه من نار العذاب الموقدة في ~~السعير والحطمة PageV01P115 وكما كان له من دهاء، وفكر خفي وذكاء، ومن جملة ~~ذلك أنه لما كان بالشام، وقد قابلته العساكر الإسلام، أشاع أن سوار أساورته ~~تخلخل، وتأخر قليلا إلى وراء وتحلحل، وأذاع أنه أعوز خيله ورجله الزاد، ~~وأنه صائب صوب بغداد، ثم أسفرت القضية، عن أن انهزمت العساكر المصرية، وكان ~~قصده بذلك تثبيت جأشهم، واستقرار رؤسائهم وأوباشهم، وأن يكز كل منهم على ~~أزم، فيربض في مكانه ولا ينهزم، فيحيط بالكل كيده، ويصير المجموع صيده ومما ~~يحكى من شدة عزمه، وثباته على ما يقصده وحزمه، وحلول نقمته ممن يعارضه، ~~ويعاكسه فيما يرسم ويناقضه، أنه لما توجه بالجنود، إلى بلاد الهنود، بلغ ~~إلى قلعة شاهقة، أقراط الدراري بآذان مراميها عالقة، ورجوم النجوم الخارقة، ~~تتعلم الإصابة من رشاقة سهامها الراشقة، كأن بهرام في مهواه أحد سواطيرها، ~~وكيوان في مسراه خادم نواطيرها، والشمس في استوائها غرة جبينها، وقطرات ~~السحاب في الانسكاب تترشح من قعر معينها، وشقة الشفق الحمراء، على آذان ~~مراميها، وأنوف أبدانها سرادق، وكريات نجوم القبة الخضراء لعيون مكاحلها ~~وأفواه مدافعها طابات وبنادق فيها من الهنود ms218 طائفة، ثابتة الجنان غير ~~خائفة، جهزت أهلها وما تخاف عليه إلى الأماكن المعجزة، وثبتت هي في تلك ~~القلعة حافظة لها متحرزة، مع أنها شرذمة قليلة، وطائفة ذليلة، لا خير عندهم ~~ولا مير، ولا فائدة سوى الضرر والضير، ولا للقتال عليها سبيل، ولا حواليها ~~لأحد مبيت ولا مقيل، بل هي مطلة على المقاتلة مستمكنة من المقاتلة، فأبى أن ~~يجاوزها، دون أن يناحرها بالحصار ويناجزها " واللبيب العاقل، ما يترك لخصمه ~~وراءه معاقل " فجعلت المقاتلة تناوشها من بعيد، ويصب كل من أهلها عليهم من ~~أسباب المنايا ما يريد كما يريد فكان كل يوم يقتل من عسكره مالا يحصى ~~والقلعة تزداد بذلك إباء واستعصا، وهو يأبى الرحيل عنها، إلا أن يصل إلى ~~غرضه منها ففي بعض أيام المحاصرة مطروا، وبواسطة المطر انحصروا، وصار يحثهم ~~على القتال، وركب لينظر ماذا يصنعون في تلك الحال، فلم يرتض أفعالهم لما ~~عكست أوحالهم أحوالهم فدعا منهم رءوس الأمراء، وزعماء العسكر والكبراء، ~~وأخذ يمزق أديم عصمتم بشفار شتمه، ويشقق ستر حرمتهم بمخاليب لعنه وذمه، ~~ونفخ الشيطان في خيشومه، فألهب فيهم نيران غضبه وشومه، وقال يا لئام، وأكلة ~~الحرام، تنقلبون في نعمائي، وتتوانون عن أعدائي، جعل الله نعمتي عليكم ~~وبالا، وألبسكم بكفرانها خيبة ونكالا يا فاجري الذمم، وكافري النعم، وساقطي ~~الهمم، ومستوجبي النقم، ألم تطئوا أعناق الملوك بأقدام إقدامي، وتطيروا إلى ~~آفاق الدنيا بأجنحة إحساني وإكرامي، وتفتحوا مغلقات الفتوح بحسام صولتي، ~~وتسرحوا في منتزهات الأقاليم سوائم تحكمكم بترعية دولتي؟ بي ملكتم مشارق ~~الأرض ومغاربها، وأذبتم جامدها وأجمدتم ذائبها # ألم أك نارا يصطليها عدوكم ... وحرزا لما ألجأتم من ورائيا # وباسط خير فيكم بيمينه ... وقابض شر عنكم بشماليا # ولا زال يهمهم ويغمغم، ويهذرم ويبرطم، وهم مطرقون ولا يحيرون جوابا ولا ~~يملكون منه خطابا، ثم ازداد حنقا، وكاد أن يموت خنقا، فاخترط السيف بيده ~~اليسرى، وهمز به على قمم أولئك الأسرى، وهم أن يجعل رقابهم قرابة، ويسقي من ~~دمائهم فرنده وذبابه، وهم على تلك الحال في الخزي والإذلال، باذلوا نفوسهم، ~~ناكسوا رؤوسهم ثم ms219 تراجع وتماسك، وملك نفسه قليلا أو تمالك، فأغمد على ~~تشريقهم حسامه، ولم يلق لأمره قبلة ولا دبرة فغلف غربه وشامه، ثم نزل عن ~~مركبه واستدعى الشطرنج الكبير ليلعب به، وكان عنده شخص يدعى محمد قاوجين، ~~هو لديه ذو مكان مكين، ومقام أمين، مقدم على الوزراء، ومبجل دون سائر ~~الأمراء، مسموع القول، مقبول الرأي، ميمون النقيبة، محبوب الشكل، فتشفعوا ~~إليه، وعولوا في حل هذا الإشكال عليه، وقالوا ساعدنا ولو بلفظة وراقبنا ولو ~~بلحظة، واعمل معنا، بهذا المعنى قلت # ساعد بجاهك من يغشاك مفتقرا ... فالجود بالجاه فوق الجود بالمال # وبما قيل # وأهون ما يعطي الصديق صديقه ... من الهين الميسور أن يتكلما # وبما قيل # وإن امرءا قد ضن عني بمنطق ... يسد به من خلتي لضنين PageV01P116 فأجابهم ~~والتزم، أن يرده عما تازم به وأزم، وراقب مجال المقال، وراعى فرص المجال، ~~وأخذت أفكار تيمور، تفور في أمور القلعة وتغور، وجعل يستوضي أضواءهم، ~~ويستوري آراءهم، ولا يسع كلا منهم إلا القبول لما يستصوبه رأيه ويقول ففي ~~بعض الأحايين، اتفق أن قال محمد قاوجين، وقد زل به القضاء، وأحاطت به نوازل ~~البلاء أطال الله بقاء مولانا الأمير، وفتح بمفاتيح آرائه وراياته حصن كل ~~أمر عسير هب أن فتحنا هذه القلعة، بعد أن أصيب منا جانب من أهل النجدة ~~والمنعة، هل يفي هذا بذا، أو يوازن هذا النفع بهذا الأذى، فما احتفل ~~بخطابه، ولا اشتغل بجوابه، بل استدعى شخصا من المرقدارية فظا قبيح المنظر ~~ذا حالة زرية، يدعى هراملك، ذا عرق سهك، ووجه بالسواد سدك، أوسخ من في ~~المطبخ، وأسنخ من في المسلخ، لعاب الكلب طهور عند عرقه، وعصارة القير حليب ~~بالنسبة إلى مرقه فعندما حضر لديه، ووقع نظره عليه، أمر بثياب محمد قاوجين ~~فنزعت وبخلقان هراملك فخلعت، ثم ألبس كلا ثياب صاحبه، وشد وسطه بحياصته، ~~ودعا دواوين محمد ومباشريه، وضابطي ناطقه وصامته وكاتبيه، ثم نظر ما له من ~~ناطق وصامت، وذائب وجامد، وملك وعقار، وأهل وديار، وحشم وخدم، من عرب وعجم، ~~وأوقاف وإقطاع، وبساتين وضياع، ومماليك وأتباع، ms220 وخيل وجمال، وأحمال وأثقال، ~~حتى زوجاته وسراريه، وعبيده وجواريه، فأنعم بذلك على ذلك الوسخ، وأمسى نهار ~~وجود محمد قاوحين وهو من ليل تلك النعمة منسلخ ثم قال تيمور أقسم بالله ~~وآياته، وكلماته وصفاته، وأرضه وسمواته، وكل نبي ومعجزاته، وولي وكراماته، ~~وبرأس نفسه وذاته، لئن آكل محمدا قاوجين أحد أو شاربه، أو ماشاه " أو صاحبه ~~" أو صادقه أو صافاه، أو آوى إليه أو آواه، أو راجعني في أمره، أو شفع عندي ~~فيه أو اشتغل بعذره، لأجعلنه مثله، ولأصيرنه مثله، ثم طرده وأخرجه، وقد ~~سلبه نعمته وأحرجه فصار مسلوب النعم، قد حلت به نوائب النقم، وسحبوه ~~بالولق، ورأى نعمته على أقل الخلق، واتصل غيره بالحلق وقطع منه الحلق، ~~ففلقت حبة قلبه أي فلق، واستمر على ذلك في عيش مر وعمر حالك، وحاش أن تشبه ~~قصته قضيه كعب بن مالك فكان يستحلي مرارة الموت، ويستبطئ إشارة الفوت، وكل ~~لحظة من هذا الحيف، أشد عليه من ألف ضربة بالسيف، فلما مات تيمور أحياه، ~~ورد عليه خليل سلطان ما سلبه جده إياه " فصل " وكان من أبهته وعظمته، وشدة ~~شكيمته، وعتوه وحرمته، أن ملوك الأطراف، وسلاطين الأكناف، مع استقلالهم ~~بالخطبة، واستبدادهم بالسكة وانفرادهم بالزعامة والرياسة، وقيامهم بأمور ~~الإيالة والسياسة كالشيخ إبراهيم ملك ممالك شروان، وخواجه علي بن المؤيد ~~الطوسي سلطان ولايات خراسان، واسفنديار الرومي وابن قرمان " ويعقوب بن علي ~~شاه حاكم كرمان وحاكم منتشا وطهرتن أمير أرزنجان " وسلاطين فارس وأذربيجان، ~~وملوك الدشت والخطا وتركستان، ومرازبة بلخشان ومراجيح مازندران وعلى الجملة ~~فالمطيع من الملوك إيران وتوران كانوا إذا قدموا عليه، وتقدموا بالهدايا ~~والتقادم إليه، يجلسون على أعتاب العبودية والخدمة، نحوا من مد البصر من ~~سرادقاته قائمين بشرائط الأدب والحرمة، فإذا أراد منهم واحدا، أرسل إليه من ~~الفراشين أو نحوهم قاصدا، فيهيب ذلك القاصد وهو يعدو كالبريد، وينادي ذلك ~~الواحد باسمه يا فلان من مكان بعيد، فينهض في الحال من مجثاه، مجيبا بلبيك ~~لبيك دعواه، ويعدوا نحوه متعثرا في أذياله، متلقيا ما برزت به مراسيمه ~~بقبوله وإقباله، مطرقا ms221 رأس التذلل والخضوع، مصغيا بآذان الخنوع والخشوع ~~مفتخرا على أضرابه، لكونه أهله ودعاه واعتنى به وقيل كان أناس من جماعته ~~يلعبون بالنرد فافترقوا فرقتين، واختلفوا في نقش الكعبتين، فقال أحد ~~اللاعبين ورأس الأمير تيمور كذا وكذا كان نقش الكعبتين، فرفع يده خصمه ~~ولطمه، وسبه ولعنه وشتمه، كأنه ذبح يحيى أو زكريا نشر، أو كفر بمحمد أو قدم ~~موسى على أبي البشر، وقال يا ابن الفاعلة، والغاسل ابن الغاسلة، بلغ من ~~انتهاكك الحرم، أن تذكر الأمير تيمور بشفة وفم، وأنى لك أن تجعل خدك مواطئ ~~مداسه؟ فضلا على أن تحلف برأسه، إنه لأجل من أن يتفوه مثلي ومثلك باسمه، أو ~~يتلفظ بشيء من حدوده ورسمه، وإنه لأعظم من كيخسرو وكيكاوس وكيقباد، الذين ~~ملكوا المشارق والمغارب وأفخم من بختنصر وشداد PageV01P117 وقيل إنه قصد في ~~بعض الأوقات الاصطياد، وأرسل يمنة ويسرة على العادة طوائف الجيش والأجناد، ~~ورسم أن يخرج مشاة تلك الرقاع، ورجالة هاتيك القرى والبقاع، فيمتدوا في ~~الوهد واليفاع، وحين تلتئم على الوحوش حلقة الكيد، ويصح أن يتنازع فعلا رمى ~~وأصمى كلا من عمرو وزيد، لا يشير أحد بضربة ولا طعنة ولا رمية إلى صيد، بيد ~~أنهم يردون أوابد بتلك البيداء إلى بهرة ذلك البيد، فامتثل كل ما به أمر، ~~وحين صار كالبنيان المرصوص وصف تلك الأحزاب والزمر، وأحاطت صافات تلك ~~الكواسر بالوحوش إحاطة النجوم بالقمر، ماجت بحار الوحوش في ذلك البر، ولم ~~تجد لها من دردور تلك السيول الهامرة من مخرج ولا معبر، فدارت ومارت، وحارت ~~وخارت، وثارت وبارت، واستجارت بعدما جأرت، واستكانت بعدما زأرت، وانطوت ~~أرضها التي طالما عليها انتشرت، وطرزت خلع أعلامها بأعلام " وإذا الوحوش ~~حشرت " فينما هي على تلك الحال، في أشد ما يكون من الأهوال، أمر بأن تضرب ~~الطبول من كل الجهات، وينفخ في صور المزامير والبوقات، فدق الكوس وزعق ~~النفير، وامتلأت الدنيا من الشهيق والزفير، ورجت الأرض رجا، ومارت الأقطار ~~هرجا ومرجا، وحين سمعت السباع صوت الطبول، ورأت الوحوش هذا الأمر المهول، ~~سقطت قواها، وتقطعت كلاها، ms222 وجثت وما انبعثت، ثم تقاربت وتلامت، وتقارنت ~~وتضامت، وتصورت أن القيامة قد قامت، فأخذ بعضها بعنق بعض ونامت، فعانق ~~الثور منها اللبوة، وضاجع الأسد فيها الظبية، واختفى سرحان، بين الغزلان، ~~واستجار الثعلب، ببنات الأرنب، ولاذ بالأروى النعام والأرنب بالعقاب، وعاذ ~~الضب بالنون واليربوع بالغراب فعند ذلك أمر الأطفال من أولاده، وأولاد ~~الأمراء وأحفاده، أن يرموا ويصموا، ويفنوا مهما أرادوا ولا يطنوا، وجعل ~~ينظر إليهم، ويتفرج عليهم، ويزهره لأفعالهم، ويقهقه على أحوالهم، ويجرئهم ~~على الإقدام والنضال، ويشجعهم بذلك على صيد الأبطال، وجعلت حواشي الجيش ~~تنجز على ما أصموا، وتجهز على ما أنموا، وصار ذلك المفسد يترنم وينشد # صيد الملوك أرانب وثعالب ... فإذا ركبت فصيدى الأبطال # " فصل " وكان يحمل إليه البلخش من بلخشان، والفيروزج من نيسابور، وكارون ~~معادن خراسان، والياقوت من الهند، والماس منها ومن السند، واللؤلؤ من هرمز ~~والقطيف والحسا، واليشم والمسك وغيره من الخطا، ومن سائر الأقطار، خالص ~~الفضة ومصفى النضار " فصل " وأنشأ في سمرقند بساتين عديدة، وقصورا شوامخ ~~مشيدة، كله له ترتيب غريب، ووضع أنيق عجيب، أحكم أساسها، وطعم بأفخر ~~الفواكه غراسها، سمة أحدها بستان إرم والآخر زينة الدنيا، والآخر جنة ~~الفردوس والآخر بستان الشمال والآخر الجنة العليا، ثم إنه هدم مصرا، وبنى ~~في كل بستان منها قصرا، وصور في بعض هذه القصور مجالسه وأشكال صورته تارة ~~ضاحكة وأخرى عابسة، وهيئات مواقعاته، وصور محاضراته، ومجالس صحبته مع ~~الملوك والأمراء، والسادات والعلماء والكبراء، ومثول السلاطين بين يديه، ~~ووفودها بالخدمات من سائر الأقطار إليه وحلق مصايده وكمائن مكايده ووقائع ~~الهند والدشت والعجم، وصورة انتصاره وكيف انكسر عدوه وانهزم، وصورة أولاده ~~وأحفاده، وأمرائه وأجناده، ومجالس عشرته، وكاسات خمرته، وسقاة كأسه، ومطربي ~~إيناسه، وتغزلات مقاماته، ومقامات تغزلاته، وحظايا حضرته، وخواتين عصمته ~~إلى غير ذلك، مما وقع له من صورة حادثة في الممالك، مدى عمره المتقارب ~~المتدارك، كل ذلك كما وقع ووجد، ولم ينقص من ذلك شيئا ولم يزد، وقصد بذلك ~~الإفادة، لمن كان في عالم الغيب عن أحواله بالشهادة، فكان إذا توجه إلى ms223 ~~مكان، وخلت سمرقند من الظلمة وأعوان الشيطان، تخلوا تلك البساتين، فيتوجه ~~إليها أهل المدينة الأغنياء والمساكين، فلا يوجد أعجب متنزها منها ولا ~~أحسن، ولا أوفق مرتفقا ولا آمن وأما ثمارها الطيبة فإنها مسبلة، بحيث إنه ~~لا يباع منها قنطار بخردلة، وأنشأ في ضواحي سمرقند ومعاملاتها قصبات، سماهن ~~بأسماء كبار البلدان والأمهات، كمصر ودمشق وبغداد، وسلطانية وشيزار عرائس ~~البلاد، وأنشأ بستانا في ضواحي سمرقند على طريق الكشف، وبنى به قصرا سماه ~~تخت قراجا، يحكى أن بعض مشيدي عمارته ضاع له فرس واستمرت ترعى في البستان ~~ستة أشهر حتى وجدوها # فصل PageV01P118 نساؤه الملكة الكبرى وهي أقدم وأكمل، والملكة الصغرى وهي ~~أحسن وأجمل، وهما من بنات ملوك الخطا، وتومان بنت الأمير موسى أمير نخشب ~~المار ذكره في أول الكتاب، وجلبان كانت كالبدر عند الكمال، وكالشمس قبل ~~الزوال، قتلها في حياته لشيء بلغه عنها، وكان غير واقع، وإنما فعل ذلك معها ~~لأنه قيل إن صدقا وإن كذبا، وأظنها كانت من الحظايا وأما السراري " ~~والحظايا " فأكثر من أن يحصين فالملكتان، المذكورتان سمتهما شاد ملك خوفا ~~منها على خليلها، وتومان أرسل خليل سلطان إلى شيخ نور الدين بسغناق كما مر، ~~وبعده جاءت إلى سمرقند، وسمعت أنها عزمت في يومنا هذا أعني سنة أربعين ~~وثمانمائة على الحج، والله أعلم # فصل # " أولاده لصلبه " المتخلفون من بعده أميران شاه قتله قرا يوسف كما ذكر، ~~وشاه رخ وهو المتملك في يومنا هذا، وبنت تدعى سلطان بخت سليمان شاه، كانت ~~مترجلة لا تحب الرجال، وذلك لما أفسدها النساء البغداديات لما قدمن سمرقند، ~~ولها تواريخ سوء " أحفاده " أغلبهم انقرض، إلا أولاد شاه رخ، وأمثلهم أولوغ ~~بك حاكم سمرقند، وإبراهيم سلطان حاكم شيراز، وباي سنقر حاكم كرمان، ماتا ~~كلاهما في سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة، وجوكي وهو الذي مشى على اسكندر بن ~~قرا يوسف وشتت شمله بعد موت قرايلوك، وذلك في شهور سنة تسع وثلاثين ~~وثمانمائة، ثم مات في أواخرها # فصل # أمراؤه ووزراؤه لا يحصون، وأشهرهم من ذكر في هذا الكتاب " وما مات إلا ms224 عن ~~الطبقة الثالثة ممن أنشأه من الأمراء والوزراء، كذا أخبرني شيخي علاء الدين ~~البخاري رحمه الله تعالى " دواوينه الخواجه محمود بن الشهاب الهروي، ومسعود ~~السمناني، ومحمد الساغرجي، وتاج الدين السلماني، وعلاء الدولة، وأحمد ~~الطوسي، وغيرهم منشئ ديوانه وهو عبارة عن كاتب السر مولانا شمس الدين قاضي ~~زمانه، وفاضل إبانه، فارسيا وعربيا، صرف أخبار الإنشاء كيف شاء، كان قلمه ~~في فتح أقاليمه، أنفذ من سنان مخدومه، ولما مات تيمور احتجب، وطوى بساط ~~الأدب، فقيل له ضحكت البشرى ألا تباشر، وصفت العشرة فهلا تعاشر؟ فقال ذهب ~~الذي كان يعرف قيمتي، فأنا لا أذهب في خدمة الأحداث حرمتي إمامه عبد الجبار ~~بن النعمان المعتزلي صدور مملكته مولانا قطب الدين، والخواجه عبد الملك، ~~وابن عمه " الخواجه " عبد الأول، وغيرهم قارئ قصصه وتواريخه مولانا عبيد ~~أطباؤه فضل الله، وجمال الدين رئيس الطب بالشام كان، وغيرهما، وكان دائما ~~يستعمل معاجين الأحجار، وفي سنه تلك يجتني باكورة الأبكار منجموه لا يحضرني ~~أسماؤهم # فصل # حصل في أيام استيلائه بسمرقند من الفقهاء مولانا عبد الملك، وهو من أولاد ~~صاحب الهداية، كان يلقي الدرس ويعلم الشطرنج والنرد وينظم الشعر في حالة ~~واحدة، ونعمان الدين الخوارزمي أبو عبد الجبار المذكور، كان يقال له ~~النعمان الثاني، وكان أعمى، والخواجه عبد الأول ابن عم مولانا عبد الملك، ~~انتهت إليه الرياسة في ما وراء النهر بعد ابن عمه، ومولانا عصام الدين بن ~~عبد الملك انتهت إليه الرياسة في يومنا هذا بعد ابن عمه عبد الأول ومن ~~المحققين سعد الدين التفتازاني، توفي في المحرم سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ~~بسمرقند، والسيد الشريف محمد الجرجاني توفي بشيراز ومن المحدثين الشيخ شمس ~~الدين محمد بن الجزري، كان أخذه من الروم وكان قد هرب إليها من مصر بعد ~~توجهه من بلاده الشام قبل الفتنة، توفي بشيراز والخواجه الكبير المفسر ~~الحافظ المحدث محمد الزاهد البخاري، فسر القرآن الكريم في مائة مجلد، توفي ~~بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة ومن القراء ~~هما ومولانا فخر الدين ومن حفاظ ms225 القرآن المجودين قراءة وصوتا عبد اللطيف ~~الدامغاني، ومولانا أسد " الدين " ، والشريف الحافظ الحسيني، ومحمود المحرق ~~الخوارزمي، وجمال الدين أحمد الخوارزمي، وعبد القادر المراغي الأستاذ في ~~علم الأدوار ومن الوعاظ والمتكلمين مولانا أحمد بن شمس الأئمة السرائي، كان ~~يقال له ملك الكلام عربيا وفارسيا وتركيا، وكان أعجوبة الزمان، ومولانا ~~أحمد الترمذي، ومولانا منصور القاغاني ومن الكتاب المجودين السيد الخطاط ~~ابن بندكير، وعبد القادر المذكور، وتاج الدين السلماني، وغيرهم PageV01P119 ~~ومن المنجمين أناس برعوا، لا أعرف من أسمائهم غير مولانا أحمد الطبيب ~~النحاس المستخرج، قال لي استخرجت من زايجة الطالع إلى مائتي سنة، وكان هذا ~~الكلام في سنة ثمان وثمانمائة ومن الصواغين الحاج علي الشيرازي، والحاج ~~محمد الحافظ الشيرازي، وغيرهما ومن الحكاكين طائفة جمة، وأمثلهم ألتون، ~~وكان آية في فنه ينقش الفصوص ويحفر اليشم والعقيق، بخط أحسن من ياقوت ومن ~~الشطرنجيين محمد بن عقيل الخيمي، وزين اليزدي، وغيرهما، وعلامة ذلك علاء ~~الدين التبريزي الفقيه المحدث، كان يحط لزين اليزدي بيدقا ويغلبه، ولابن ~~عقيل فرسا ويركبه ولقد دوخ تيمور الأقاليم شرقا وغربا، وقمر في دست مصافاته ~~كل سلطان وكل شاه مات عنده جدا أو لعبا وكان يقول له أنت في ملك الشطرنج ~~فريد، كما أني في سياسة الملك وحيد، وكل مني ومن مولانا علي شيخ في فنه ذو ~~كرامات لم يوجد له نديد، " ولي " وله في لعب الشطرنج وعلم مناصيبه شرح، وما ~~كان أحد يقدر أن ينتج ولاد فكره في لعبه معه من غير طرح، وكان فقيها ~~شافعيا، محدثا أريحيا، حسن البهجة، صادق اللهجة حكى لي أنه رأى أمير ~~المؤمنين عليا كرم الله وجهه في المنام، وأنه ناوله الشطرنج في كيس فلم ~~يغلبه بعد ذلك أحد من الأنام، ومن أوصافه في لعبه أنه كان لا يتفكر، وبمجرد ~~ما يلعب خصمه بعد التفكر والتأمل الطويل ينقل من غير أن يتدبر، وكان يلعب ~~على الغائب مع خصمين، ويعلم مع الطرح لمن هو في جهته على الجهتين، وكان ~~يلعب هو والأمير بالشطرنج الكبير ورأيت عنده شطرنجا مدورا ms226 وشطرنجا طويلا، ~~والشطرنج الكبير فيه من الزوائد ما مر ذكره، وهذه صورته وطريقة تعلمه ~~بالفعل أقوى، وليس في شرحه بالقول كثير جدوى ومن المطربين عبد القادر ~~المراغي المذكور، وولده صفي الدين، وختنه نسرين، وقطب المواصيلي، وأردشير ~~الجنكي وغيرهم ومن النقاشين كثير، وأعلاهم عبد الحي البغدادي، وكان ماهرا ~~في فنه ومن البحرية شهاب الدين أحمد الزردكاش ومن نقاشي الزجاج والنحاس ~~وغيرهم مالا يحصى، وهؤلاء كل منهم كان علامة دهره وأعجوبة عصره، ولو رصعت ~~حلي الألفاظ بجواهر أوصاف هؤلاء الأعيان، لملأت الأكوان من فرائد الجمان ~~وقلائد العقيان، وهؤلاء من حضرني ذكره ممن أعرفه، وأما من لا أعرفه أو ~~أعرفه ولا يحضرني ذكره فأكثر من أن يحصى، وأغزر من أن يستقصى وحاصل الأمر ~~أن تيمور كان جنى على كل حي، وجبى إلى سمرقند ثمرات كل شيء، فكان بها من ~~أهل كل فن عجيب، وأسلوب من الصنائع غريب، من هو على جبين الفضل شامة، وبرز ~~على أقرانه فصار في فنه علامة # فصل # وكان في سمرقند إنسان، يسمى الشيخ العريان، فقير أدهمي، بشكل بهي وعزم ~~سمي، قيل إن عمره على ما هو فيهم شائع، وبين أكابرهم وكبرائهم ذائع، ~~ثلاثمائة وخمسون سنة، مع أن قامته مستوية وهيئته حسنة، كان المشايخ ~~الهرمون، والأكابر المعمرون، يقولون لقد كنا ونحن أطفال، نرى هذا الرجل على ~~هذا الحال، وكذلك نروي عن آبائنا الأكرمين، ومشايخنا الأقدمين، ناقلين ذلك ~~كذلك عن آبائهم والمعمرين من كبرائهم، وكان أطلس وله قوة ناهضة وحده، من ~~رآه يتصور أنه لم يبلغ أشده، لم يكن للكبر، بوجهه تجعيد ولا أثر وكان ~~الأمراء والكبراء، والأعيان والصلحاء، والفضلاء والرؤساء، يترددون إلى ~~زاويته، ويتبركون بطلعته، ويلتمسون بركة دعوته، وفي سمرقند مسجد يسمى مسجد ~~الرباط، يهب لمن يدخله الانشراح والانبساط والروح والنشاط " قيل إن " أحد ~~فعلته كان وليا، يسمى الشيخ زكريا، هو معتقد تلك البلاد، ومزاره في كل مكان ~~مشهور على " رأس " طود من الأطواد، وقبره يستجاب عنده الدعا، وهو عن سمرقند ~~نحو يوم في المدى، وهو بالكرامات موصوف، وفي كرخ ms227 هذه المقامات معروف، وهو ~~في ربوة ذات قرار، فيها جنات تجري من تحتها الأنهار، محفوف باليمن والأنس، ~~كأنه اقتطع من حظيرة القدس يحكى أنه لما كان، فاعلا في ذلك البنيان، وقع في ~~جبهته نقطة من الطين، فرأى ذلك أحد من المباشرين، واستمر ذلك الطين على هذه ~~الحال، نحوا من ثلاث ليال، فلما أرادوا وضع المحراب، وقع الاختلاف في الخطأ ~~والصواب، وكثر في ذلك الصخب والاضطراب، فقال الشيخ زكريا ضعوا المحراب على ~~هذه الفقرة ولا تعدلوا عنها يمنة ولا يسرة PageV01P120 فقال ذلك المباشر، ~~لمن في ذلك المكان حاضر، يا للعجيبة، والقضية الغريبة، رجل لم يغسل وجهه ~~ثلاثة أيام " يرشد الناس إلى معالم الإسلام فقال ذلك العابد الزاهد أو رجل ~~هو من يتم ثلاثة أيام " بوضوء واحد، ولكن تعال أيها الجاحد، قف مكانك، وثبت ~~جنانك، ولا تكن ممن أنكر وتولى، وانظر إلى عروس الكعبة كيف تجلى، فنظر ذلك ~~الذي أنكر، فإذا الكعبة أمامه تتبختر، ثم التفتوا إلى الشيخ ففقدوه، وطلبوه ~~أرضا وسماء فلم يجدوه وهذا المسجد فيه شيء عجب، عدة اسطوانات من خشب، من ~~جملتها سارية شمخت ارتفاعا، نحو من خمسة عشر ذراعا، وغلظ جسمها وبدنها، فلا ~~يقدر الرجل " على أن " يحتضنها، وباقي السواري بها قد حطن، قيل إنها شجرة ~~قطن، ولها خاصية عجيبة ظريفة غريبة من كان به وجع الضرس يضع عليه مقدار حبة ~~من خشب ذلك البرس، فإنه ينفعه، ويسكن في الحال وجعه، جربته فصح، ويسأل من ~~يدعي رؤية سمرقند عما رأى فيها من العجائب، وشاهده من علامات الطرائف ~~والغرائب، فإن أخبر برؤية هذه السارية الفائقة، كانت رؤياه صادقة، واعتد له ~~بصدق الكلام، وإلا كانت رؤيته أضغاث أحلام # فصل # سمرقند ليس فيها كيل ولا صاع يصان، ولا يجري على جنس المكيلات فيها ~~بالكيل حسبان، وإنما معرفة حساب ذلك عندهم بالميزان، ورطل سمرقند أربعون ~~أوقية، كل أوقية بالمثاقيل مائة، فيكون رطلهم أربعة آلاف مثقال، كل مثقال ~~درهم ونصف من غير زيادة ولا إخلال، فعلى هذا رطلهم بالدمشقي عشرة أرطال حكى ~~لي ms228 مولانا محمود الحافظ المحرق الخوارزمي، ولقب بالمحرق لأن سهام ترجيعاته ~~كانت تصيب حبات الحشاشات إذ ترمى، ويفوق رنات أوتارها نحو آذان القلوب ~~فتصمى ولا تنمى، فإن صدعت من القلوب حجرا، تطاير من اقتداحها في الأرواح ~~شررا، فيحرق برناته الأرواح، ويشعل بنغماته الأشباح قال استصحبني تيمور في ~~بعض أسفاره، فكنت ملازم خدمته في ليله ونهاره، فنزلت عساكره على حصن ~~تحاصره، وضرب خيمته على مكان عال، ليشرف منه على القتال، ويتفرج في صنع ~~الرجال، ففي بعض الزمان، حضرت عنده أنا ورجلان، وكان قد حصل له حمى، أورثته ~~كربا وغما، وكانت سماء النزال ذات حبك واحتباك، ورماح القتال في التواء ~~واشتباك فأراد أن يطالع أحوالهم، ويشاهد أفعالهم، وأفرطت شهوته في ذلك إلى ~~العيمة فقال احملوني إلى باب الخيمة، فدخل ذلك الرجلان تحت إبطيه، وأوقفاه ~~بباب الخيمة وأنا بين يديه، فجعل يشاهد حربهم، ويتميز طعنهم وضربهم، ثم ~~أراد أن يأمرهم بشيء، فقال لي يا محمود إلي فأسرعت إلى يده، ودخلت تحت ~~عضده، فأرسل أحد الرجلين إلى عسكره يأمرهم بما عن " له " من عجره وبجره ~~فكأنه لم يبر عليلا، ولم يرو غليلا، فقال لنا دعاني، وعلى الأرض ضعاني، ~~فوضعاه فسقط كأنه رمة بالية، أو لحمة على بارية، ثم أرسل ذلك الرجل الآخر ~~إليهم، وأمرهم بما اقتضته آراؤه، وأكد عليهم، فبقيت أنا وهو وحدنا، ولم يبق ~~أحد عندنا، فقال لي يا مولانا محمود، انظر إلى ضعف بنيتي، وقلة حيلتي، لا ~~يد لي تقبض، ولا رجل تركض، لو رماني الناس هلكت، ولو تركوني وحالي ارتبكت، ~~لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا، ولا أجلب خيرا ولا أدفع شرا ثم تأمل كيف سخر ~~الله تعالى لي العباد، ويسر لي فتح مغلقات البلاد، وملأ برعبي الخافقين، ~~وأطار هيبتي في المغربين والمشرقين، وأذل لي الملوك والجبابرة، وأهان بين ~~يدي كل الأكاسرة والقياصرة، وهل هذه الأفعال إلا أفعاله، وهذه الأعمال إلا ~~أعماله؟ ومن هو أنا غير سطيح ذي فاقة، لا باب لي في الدخول إلى هذه الأفعال ~~ولا طاقة، ثم بكى وأبكاني، ms229 حتى ملأت بالدموع أرداني، فانظر إلى هذا الوبر ~~كيف سلك بهذا القول مسلك القائلين بالجبر، وأنشدوا فيه " بالفارسي بيتين ~~وهما " # ينم تنى ملك جهانرا كرفت ... حشم كشا قدرت يزدان ببين # باي نه وتخت بزير قدم ... دست نه وملك بزير نكين # ترجمته فقلت دوبيت # قد أظهر قدرة بخافي حكمه ... من ملك شقى الدنا في قسمه # لا كف له والملك في خاتمه ... لا رجل له والتخت موطئ قدمه # فصل PageV01P121 وأما عساكره وطرائق سلوكهم، فإنهم على دين ملوكهم، كانوا ~~استدرجوا من حيث لا يعلمون، ورزقوا من حيث لا يحتسبون، مسخرا لهم خفيات ~~الدفائن، مفتوحا عليهم خبيات الخزائن، ميسرا لهم مكامن المطالب والمعادن، ~~كل طرف منهم قد جال وسطا، وصار بطرق اللوم أهدى من القطا، قد دربوا الأمور، ~~وجربوا أحوال الدهور، وقاسوا معاصر العصور، وكابدوا المكايد، وعالجوا ~~الشدائد، ومارسوا الأشياء، وذاقوا الناس والدنيا، وعرفوا مداخل كل مأزق ~~ومخارجه، وأدركوا مداركه ومعارجه، لا يدهيهم داهية، ولا يطغيهم طاغية، ربما ~~يمرون بقفراء ويجيزون بمهمه صحراء # لا يفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر # فيقف بعضهم ثم تراه، ينظر إلى أرض ذلك المكان وثراه، ثم يقول ليس هذا ~~الثرى من هذا البرى، ثم ينزل عن دابته، ويأخذ من ذلك التراب ويشمه، ثم ~~يلتفت إلى جهاته الأربع فيقصد منها جانبا ويؤمه، ثم لا يزال يسير بمن معه ~~من الأعوان، حتى يصلوا إلى مكان، فيحفروه ويخرجوا كمين الدفائن، وما في ذلك ~~" المكان " من المغلات والخزائن وكذلك إذا وصلوا إلى عمائر، أو مروا على ~~مقابر، يتوجهون إلى الخبء كأنهم وضعوه بأيديهم، أو أوحت شياطينهم ذلك ~~إليهم، وربما يجيئون إلى مقام، مر على ساكنه فيه أيام، ومضى عليه فيه شهور ~~وأعوام " وفيه شيء مطمور، لم يكن لصاحبه وساكنه به شعور " فبمجرد دخولهم ~~إليه، يفتح ذلك إليهم ويطلعون عليه، وحين يطلع ساكنه على ذلك يأكل ندامة ~~وحسرة يديه وكان لهم درايات في دهرهم عجيبة، وسهام آراء في عمرهم مصيبة، ~~وكانوا يحملون البقر ويركبونها، ويسرجون الحمر ويلجمونها، ويسابقون على ذلك ~~أصحاب الخيل ms230 العراب إلى " إحراز " قصبات المغانم فيسبقونها ويطعمون الجمل، ~~لحم الكلب والحمل، ويعتاضون عن شعير الفرس، بالقمح والأرز والدخن والزبيب ~~والعدس، وربما أعوزهم ذلك في السفر، فأطعموا دوابهم لحاء الشجر حكى " لي " ~~القاضي برهان الدين إبراهيم بن القوشة الحنفي المذكور رحمه الله تعالى، أن ~~قازان والتتار، لما قدموا هذه الديار، خرج من له قوة الفرار فارا من ~~الشرور، كما فعلوا في قضية تيمور، ومن جملتها تاجر بالصالحية، كان في عيشة ~~رخية، وله أموال وافرة وفية، جمع ماله من صامت المال، ووضعه في قدرة فوال، ~~ثم عمد إلى بركة ماء فحفرها، ووضع تلك القدرة تحتها وطمرها، ثم ردها إلى ~~مبانيها وأعاد مياهها إلى مجاريها، وحين استتب الوثوب، وقدمت الدواب ~~للركوب، قالت له امرأته نسينا قرطي، وأخاف أن يحدث عليهما في الطريق شيء، ~~فانظر لهما مكانا، وحصل لنا بذلك أمانا، فقال أما الآن فلا مكان، ثم أخذهما ~~ووضعهما في سقف سقيفة، على خشبة لطيفة ثم ركبا، وتركا الديار وذهبا، فلما ~~حل بدمشق التتار، نزل منهم فرقة في تلك الدار، فجعلوا يأكلون ويشربون، وهم ~~في خوضهم يلعبون، فبينا هم بعض الأيام في النشاط، قرض الفأر أحد تلك ~~الأقراط، فتدحرجت لؤلؤته وسقطت على البلاط، فتبادرت الجماعة إليها جارية، ~~كأنهم يتسابقون إلى قرطي مارية، فسبقت الجماعة، ودخلت البلاعة، فكشفوا عن ~~وجه الأرض ستر خدرها، فوجدوا الأموال كما هي في قدرها، فأخذوها واللؤلؤة ~~وأخرجوها وقصدوا باقي القرطين واقتسموها وجماعة تيمور أيضا كذا كانت، وكل ~~معضلة من القضايا إذا وصلت إليهم هانت، وكل منهم كان على دين ملكه في فنه ~~إلى غايته عرج، فإن كنت محدثا عن أحوالهم وأخبارهم فحدث عن البحر ولا حرج # فصل # يحكى أن واحدا منهم من أهل الذكاء والكيد، أراد في فصل الشتاء التنزه ~~فقصد الصيد، فأخرج مركوبه وهو بقرة، فشد عليها سرجه وهو خشبة مكسرة، غرزه ~~قضيب مدور، وحزامه حبل مبتر، وتجمل بلباسه وهو جلد فروة منهوش، وبتاجه وهو ~~طرطور من لبد منقوش، وشد كنانته وهي جلود ممزقة، مشدودة بحبل وعليها خروق ~~ملزقة، ms231 سهامها قد التوت، وحنيتها قد استوت، ومعه بازي قد نتف القرناص ريشه، ~~وقلع على حقل بدنه زرع خوافيه وحشيشه PageV01P122 ثم ركب جواده، وحمل بازيه ~~وقصد اصطياده، فرأى جماعة من البط، على ساحل غدير حط، فرفع يده بالبازي ~~ساعة، حتى عاين تلك الجماعة، ثم وضع يده بخفض، وأرسل البازي على الأرض، ~~فصار يحجل رويدا، وقد أضمر للبط كيدا، إذ لم يكن له قوة الطيران، ولا جناح ~~به يستعان، فوصل إلى الطير بسكون، وهي آمن ما تكون، لأنها ما تتوقع البلاء، ~~إلا من جهة السماء، فدخل بينها فما نفرت منه، ولا هربت عنه، فلم تشعر إلا ~~وقد وثب على واحدة وفلذها، فأدركه صاحبه وأخذها ولما رحلوا عن دمشق، وقد ~~مشقوا أوراق نعمها من أغصان وجودها أي مشق، كان مع بعضهم بقرة نهبها وحملها ~~ما أخذه من الأموال التي سلبها، وأركبها أسيرة، وسار بها مدة يسيرة، فبعد ~~سيرها يومين أو ثلاثة قلقت، ونادت بلسان حالها أنها ما لهذا خلقت، فلما لم ~~تجد مشكيا مما شكت توكلت على الله وبركت، فأنزلوا الراكبة عنها وصاحوا ~~عليها فلم تقم، فحلوا أحمالها وضربوها فلم تتحرك، فأوجعوها ضربا، وأشبعوها ~~لعنا وسبا، وتلك المباركة باركة، فأدموها وهم يضربونها، إلى أن كادوا ~~يهلكونها، فمن شاحط بمقدمها، ومن جاذب بمؤخرها، ومن متعلق بقرنها، ومن ~~متشبث بأذنها، وهي جاثمة مشبهة فيل أبرهة، فعجزوا عنها، وأيسوا منها فبينا ~~هم على ذلك، وقد ضاقت عليهم المسالك، وإذا بشيخ كوسج، كأنه شجرة عوسج، قد ~~سلك المشارق والمغارب، ومرت به أنواع التجارب، وقاسى برد الأمور وحرها، ~~وذاق حلوها ومرها، وعرف خيرها وشرها، مر بهم وهم في كربهم، فلما رآهم ~~أسارى، عاجزين حيارى، سكارى وما هم بسكارى، قال تنحوا عنها أي جنة، ثم دنا ~~منها دنو الراقي من ذي جنة، وأخذ كفا من تراب أنعم من عيش الشباب، ثم قبض ~~على قرنها، وصبه في أذنها، ثم هز رأسها في مناخها، حتى وصل التراب إلى ~~صماخها، فوثبت قائمة، وهي من ذلك الرغام راغمة، وجعلت تنفض رأسها، وزادت ~~اضطرابها ms232 وشماسها، وطلبت المسير، وكادت تطير، فأعادوا عليها أحمالها، ~~وزادوا أثقالها، فصارت تلك البليها تعدو ولا يقدر عليها # فصل # وكان في عسكره من الترك عبدة الأصنام، وعباد النار من المجوس الأعجام، ~~وكهنة وسحرة، وظلمة وكفرة، فالمشركون يحملون أصنامهم، والكهان يسجعون ~~كلامهم، ويأكلون الميتة والدم المسفوح، ولا يفرقون بين مخنوق ومذبوح، وناس ~~حزاءون، وزواجر خراضون، ينظرون في ألواح الضان، ويحكمون بما يرون فيها على ~~أحوال كل مكان، وما حدث في كل بقعة، من الأقاليم السبعة، من الأمان والخوف، ~~والعدل والحيف، والرخص والغلاء، والسقم والشفاء، وسائر ما يكون، فلا يكادون ~~يخطئون ولهم أيام وشهور وأعوام، كل عام منسوب إلى حيوان، يحسبون ما مضى من ~~السنين، فلا يتأتى فيها زيادة ولا نقصان وفي الخطا لهم خط يسمى دلبرجين، ~~رأيت حروفه أحدا وأربعين، وسبب زيادته أنهم يعدون التفاخيم والأمالات ~~حروفا، وكذلك البين بينات، فتتولد الزوائد، وكل حرف زائد، وأما الجغتاي ~~فلهم قلم يسمى أويغور، وهو بالقلم المغولي مشهور، وعدته أربعة عشر حرفا ~~وهذه مقطعاته وسبب نقصانه وانحصاره في هذا العدد، أن حروف الحلق يكتبونها ~~على هيئة واحدة، وكذلك تلفظهم بها، ومثل هذه الحروف المتقاربة في المخرج ~~مثل الباء والفاء، ومثل الزاي والسين والصاد، ومثل التاء والدال والطاء، ~~وبهذا الخط يكتبون تواقيعهم ومراسيمهم، ومناشيرهم ومكاتيبهم، ودفاترهم ~~ومخاتيمهم، وتواريخهم وأشعارهم، وقصصهم وأخبارهم، وسجلاتهم وأسفارهم، وجميع ~~ما يتعلق بالأمور الديوانية، والتوراة الجنكيزخانية، والماهر في هذا الخط ~~لا يبور بينهم، لأنه مفتاح الرزق عندهم # فصل # وكما كان فيهم من جبل على الفظاظة، والقسوة والغلاظة، ومن هو قليل الرحمة ~~بل وعديم الإسلام، كفرة فجرة أوغاد أنذال طغام أغتام، قد اتخذوه من دون ~~الله هاديا ونصيرا، واستكبروا به في أنفسهم وعتوا عتواكبيرا، استجرهم كفرهم ~~وحبهم إياه، إلى أنه لو ادعى النبوة أو الإلهية لصدقوه في دعواه، كل منهم ~~يتقرب إلى الله تعالى ببره، ينذر له إذا وقع في شدة ويفي بنذره، واستمر على ~~اعتقاده الباطل وكفره، مدة حياته وبعد موته، ينقل النذور ويقرب القربان إلى ~~قبره، وكان قد ترقى معه في ms233 المصاحبة، حتى وصل إلى مقام المراقبة ~~PageV01P123 قيل إنه كان في سفر، فرأى واحدا من العسكر، كأن الكرى عطف ~~رقبته، أو السرى أمال شقته، أو على حال لا يتوجه عليه فيها لوم ولا عتب، ~~فضلا عن أن يترتب عليه ضرب أو سب، فقال تيمور ترى ما ثم أحد قاطع، يقطع رأس ~~هذا الفاعل الصانع؟ ولم يزد على هذا الكلام، فسمعه واحد من أولئك الكفرة ~~اللئام، اسمه دولت تيمور، وهو أمير كبير مشهور، قد ألبسه الله ثوب النقمة، ~~ولم يشمه شيئا من روائح الرحمة، ففي الحال سل رأسه من بين كتفيه، وحمله إلى ~~تيمور ووضعه بين يديه، فقال تيمور ويلك، ما هذا الأمر الأفظع؟ فقال هذا ~~الرأس الذي أشرت أن يقطع، فأعجبته هذه العبارة، وابتهج بأن أمره يمتثل ~~بأدنى إشارة كان فيهم الظرفاء والأدباء، والأذكياء والشعراء، ومنهم في ~~الفضل أعلام وعلماء، وفيهم المحقق، والباحث في العلوم والمدقق، ومن شارك في ~~كل العلوم وبحث فيها بحثا شافيا من طريقي المنطوق والمفهوم، ويقرر مذهب ~~الصوفية وإحياء العلوم ومع هذا فبعضهم يمضي على مقتضى ما علمه، وكان من ~~الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة، وبعضهم كان مع رقة الحاشية، ~~واللطافة الفاشية، والعلم الوافي، والظرف الشافي، والجمال الفائق، والكمال ~~الشائق، والكلام الرائق، قلبه أقسى من الحجر، وفعله أنكى من ضرب الصارم " ~~الذكر " ، يقولون من قول خير البرية، ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من ~~الرمية، وإذا وقع مسلم في مخالبهم، أو ابتلى غريب بتعذيبهم، صنف ذلك العالم ~~المحقق، والحبر المدقق، في استخراج المال " منه " أنواع العذاب، وأصناف ~~العقاب، واستحضر في فنون تعذيبه كتبا ومسائل، وسرد في علوم تثريبه خطبا ~~ورسائل، فيصير ذلك المسكين يتكوى، ويستغيث ويتلوى، ويستجير بالله وآياته، ~~ويستشفع بكل ما في أرضه وسمواته، من ملك ونبي، وصديق وولي، وذلك المليح ~~يضحك ويتظارف، ويتمايل ويتلاطف، وينشد لطائف الأشعار، ويتمثل بطرائف ~~النوادر والأخبار، وربما تحرق وبكى، وتأوه لما يفعل بذلك من التعذيب ~~وانتكى، وصار كبعض قضاة الإسلام، المستولي على مال الأيتام، يخطب ويبكي، ~~وفعله في قلوب ms234 المسلمين ينكي ولما كانوا في دمشق دخلوا على بيت واحد من ~~الأعيان بزقاق العجم، وإذا هو مملوء من النفائس والخيرات والنعم # قصر عليه تحية وسلام ... خلعت عليه جمالها الأيام # فقبضوا على صاحب ذلك المنزل وربطوه، وبأنواع العذاب والعقاب عذبوه، ثم ~~أحكموا رجليه شدا وعلقوه، واستخرجوا النفائس، واستجلبوا من حسانها العرائس، ~~وأحضروا لذيذات المطاعم والمشارب، وقضوا من التفكه والتنعم ما لهم من مآرب، ~~وجعلوا يأكلون ويشربون، ويلهون ويطربون، وإذا تحرك في واحد منهم الخبث أو ~~ثمل وأخذه في سكره العبث، عمد إلى ذلك المسكين، وهو في شدة النكاد، فسقاه ~~الماء والملح، وسففه الكلس والرماد، وكان فيهم عالم متقشف، عن تناول ~~المسكرات متعفف، كما قيل # عجبت من شيخي ومن زهده ... وذكره النار وأهوالها # يكره أن يشرب من فضة ... ويسرق الفضة إن نالها # فكانوا إذا أرادوا القدح المزعفر، أحضروا له السكر المكرر، ووضعوه له في ~~صيني الخوافق، وصبوا عليه الماء الرائق، فيسكرون هم بالأقداح القوادح، ~~ويسكر ذلك الفاسق المحروم من الروائح، ثم يتوجه إلى صاحب المنزل، ويضحك ~~عليه وهو في أشد ما يكون من العذاب ويسخر منه ويهزل، ثم يتمايل على صوت ~~المثاني والمثالث، ويتناول من تلك المآكل والمشارب، ويقول بشر مال البخيل ~~بحادث أو وارث وكان في عسكره كثير من النساء يلجن معامع الهيجاء، ووقائع ~~البأساء، ويقابلن الرجال، ويقاتلن أشد القتال، ويصنعن أبلغ ما يصنع الفحول ~~من الرجال في النزال، من طعن بالرمح وضرب بالسيف ورشق بالنبال، وإذا كانت ~~إحداهن حاملا وأخذها وهم سائرون الطلق، تنحت عن الطريق واعتزلت الخلق، ~~ونزلت عن دابتها ووضعت حملها، ولفته وركبت دابتها وأخذته ولحقت أهلها وكان ~~في عسكره ناس ولدوا في السفر، وبلغوا وتزوجوا وجاءهم الأولاد ولم يسكنوا ~~الحضر PageV01P124 وكان في عسكره ناس صلحاء عباد، ورعون زهاد، أجواد أمجاد، ~~لهم في الخيرات أوراد، وفي وردها إصدار وإيراد، دأبهم خلاص مأسور، أو جبر ~~مكسور، أو إطفاء حريق، أو إنقاذ غريق، أو اصطناع معروف، أو إغاثة ملهوف ~~مهما أمكنهم، ووصلت إليه يدهم، إما بقوة وأيد، وإما بنوع خديعة ms235 وكيد، وإما ~~باستيهاب واستشفاع أو تعويض وابتداع، وكانوا سائرين معه بالاضطرار، أو ~~دائرين معه لهذه المعاني بالاختيار حكى لي مولانا جمال الدين أحمد ~~الخوارزمي أحد القراء المشهورين المجودين، وكان إمام محمد سلطان في حياته، ~~وإمام مدرسته بعد وفاته، ثم خطيب بروسا وبها أدركته المنية، سنة إحدى ~~وثلاثين وثمانمائة، رحمه الله تعالى قال كنت في سمرقند في مدرسة محمد ~~سلطان، أعلم مماليكه وأولاد الأمراء القرآن، فأرسل إليه جده الظلوم، وهو ~~متوجه إلى بلاد الروم، أن يتوجه إليه، ويفد هو والأمير سيف الدين عليه، ~~فامتثل ما به أمر، وأخذ في إعداد أهبة السفر، وقال لي هيئ مرافقك، واقطع ~~علائقك، وخذ أهبة سفرك، واعمل مصلحة رهطك ونفرك، ووافقنا في المرافقة، فإن ~~من حسن المرافقة الموافقة، فاستعفيته من الذهاب، وفتحت له في سد خوخة السفر ~~كل باب، وقلت له يا مولاي أنا رجل من أهل القرآن والفاقة، ما لي بفتح باب ~~السفر من طاقة، لأني ضعيف البنيان، رخو الأركان لا جلد لي على الحركة، وإن ~~كان في صحبة مولانا الأمير كل خير وبركة، خصوصا على هذا السفر البعيد الشقة ~~الكثير المشقة، ومع كوني ليس لي على ذلك من طاقة، لا جمل لي في مناخ السفر ~~ولا ناقة وأما أنتم فالسفر عليكم حتم لازم، وحق ملازم، لا يسعكم فيه ~~التخلف، ولا يفسح لكم فيه المطل والتسوف، فلم يعفني، وتعلل لي بعلل عللني ~~فيها ولم يشفني، فلم أر بدا من الاستعداد، وتحصيل الرفيق والزاد ثم سرنا ~~حتى وافينا جده، وقد ركب في الجادة جده، وجده، ورأينا من تلك العساكر، ~~بحارا لا أول لها ولا آخر، إن انفرط أحد من سلك جماعته، أو ضل معتزلا عن ~~سنن سنته، لا يصل إليهم بالسرج والشمع، " ولا " يهتدي إلى سنة جماعته إلا ~~إن كان يوم الجمع فبينا أنا معهم أسير، وقد وهن مني العظم الكسير، وأثر في ~~التعب، وأخذ مني النصب والوصب، ومللت السرى، وعدمت الكرى، نفضت يدي من ~~الرفيق، وأخذت على فجوة من الطريق، فلما خلوت، هينمت بالقرآن العظيم ms236 وتلوت، ~~ثم استهواني الذوق والشوق، فحلقت بمراشيق حلقي إلى فوق، وكان صوته أطيب من ~~رقيق المقطوع على رخيم الموصول، وألذ من جمع شمول، على كأس شمول، بنسيم ~~الشمال معلول، وبرضاب الحبيب مشمول قال وإذا برجلين ضعيفين، كالعود البالي ~~نحيفين، أشعثين أصفرين، ذوي طمرين أغبرين، بصرا بي عن جنب، وعلقا بي علوق ~~الوتد بالطنب، فجعلا يراقبان أحوالي، ويستمعان أقوالي، فلما زممت زمزمتي، ~~وكففت هينمتي، وكتمت في خزانة صدري جواهر كلماتي، وختمت بطابع دعائي زواهر ~~آياتي، بكيا لمناجاتي وأمنا على دعواتي، ثم أقبلا نحوي وسلما، واهتزا لما ~~سمعاه من تلاوتي وترنما، وقالا أحيا الله قلبك كما أحييت قلوبنا ومحوت بما ~~سطرت في ألواح صدورنا، بحسن تلاوتك ذنوبنا ثم إنهما آنساني بالخطاب، ~~وجارياني بالسؤال والجواب، وإذا هما من صميم الجغتاي، وخالص عسكر تيمور، ~~ومن ضئضئ التتار وسنخ الفتن والشرور، ثم سألاني عن نجاري ووجاري، وعن رفيقي ~~في هذا السفر وجاري، فأخبرتهما عن مولدي ومحتدي، ومسقط رأسي من بلدي، وأني ~~من أهل القرآن، وأني مع محمد سلطان فقالا لي يا سيدنا الشيخ إنما جئنا إليك ~~لتحسن إلينا، وإنا سائلوك عن شيء فلا تجد فيه علينا، فقلت " قولا " وطولا، ~~فلن تجداني ملولا، فقالا يا مولانا هذا شيء يعنينا، وإن كان قد عنانا، وكل ~~من اشتغل بما لا يعنيه، فقد ترك ما يعنيه، ووقع فيما يعنيه، ومن لم يعرف ~~الخير من الشر وقع فيه فبالله يا سيدنا قل من أين تأكل؟ فقلت على خوان محمد ~~سلطان، فقالا مأكول هذا العسكر حلال، أم حرام ووبال؟ فقلت الغالب عليه ~~الحرام، بل كله والله مظالم وآثام، لأنه من الثارات والنهب، والغارات ~~والغصب، والاختلاسات والسلب فقالا والله يا إمام، لقد أسأنا الأدب إذ ~~واجهناك بهذا الكلام، ولكن أنتم أهل العلم، شيمتكم العفو عن الجاني والحلم ~~وأنتم أولى بجبر الكسير وفك الأسير، وتيسير العسير، فقابل منا هذا الفحص ~~بالصفح ولا تعامل هذا الإلحاف باللفح PageV01P125 فقلت سلا ولا تسلسلا، ~~فقالا نسألك بالله الذي اصطفاك لخزن كلامه، الذي تعبد به عباده وبين لهم ms237 ~~فيه معالم حلاله وحرامه، لا تؤاخذنا بما تهجمنا عليك به، فإن الشيخ المرشد ~~كالوالد الشفوق لا يؤاخذ ولده بقلة أدبه، فقلت كلا سلا ما شئتما، وسلسلا ~~مهما أردتما فقالا يا سيدنا أما كان لك مندوحة عن مرافقة هؤلاء اللئام، ~~والتعفف بالحلال استغناء عن الحرام؟ فقلت إني دخلت فيهم وأنا مضطر، وخرجت ~~معهم أنا كاره مجبر، وأكرهني محمد سلطان، وحاياني بما حباني من إحسان، ~~فصحبتهم وعين ذاتي من كحل الراحة مرها، وحملتني فرسي في سفري كرها ووضعتني ~~كرها، فقالا أرأيتك لو امتنعت عن الخروج أكانوا يريقون دمك ويأسرون أولادك ~~ويسبون حرمك؟ فقلت لا والله، وحاشا لله، فقالا أكانوا يحبسونك، ويضربونك ~~وفي مقام المصادرة يجلسونك؟ فقلت أنا أمنع جنابا، من أن يسوموني خسفا ~~وعذابا، لأني حافظ القرآن، والقرآن حافظي من هذا الخسران، قالا فغاية فعلهم ~~معك، إذا رأوا تعززك وتمنعك، أنهم كانوا يشتمونك، ويعمدون إلى معلومك ~~فيقطعونك، ويسخطون عليك، ويمنعون برهم الواصل إليك، فقلت ولا كانوا أيضا ~~يفعلون كذا، وتعززي وتمنعي ما يحط من مكانتي عندهم إلى هذا الأذى، ولكنهم ~~حايوني فاستحيت، وخادعوني فانخدعت وليتني أبيت فقالا لا يصلح هذا لك عذرا ~~وحجة، ولا يسلك بك إلى صحة الاعتذار بين يدي الله تعالى سوى المحجة، فهلا ~~جلست في مكانك واشتغلت بتلاوة قرآنك، ومطالعة علمك ومباحثة إخوانك، وفرغت ~~بدنك عن الكلال، وملأت بطنك من الحلال، واحتميت في حمى دينك عن هؤلاء ~~اللئام، واسترحت من الاضطرار إلى تناول الحرام، مع أنا سمعنا من أمثالكم، ~~ما قد ضرب في أمثالكم " أهل القرآن وقاصته، أهل الله وخاصته " وأنهم عتقاؤه ~~بين خلقه، وببركاتهم أدر سحاب رزقه وإن السلاطين ملوك الناس أجمعين، وإنكم ~~أنتم ملوك الملوك والسلاطين وإذا أعتقكم الله أعفاكم الناس، وصرتم لإنسان ~~العالم بمنزلة القلب والكبد والرأس، ولم يبق لأحد عليكم سلطة، ثم ألقيتم ~~أنتم أنفسكم بأيديكم إلى هذه الورطة، وتهافتم على التهالك تهافت الفراش على ~~النار، وتشبثتم مع كونكم قادرين على الخلاص بأذيال القسر والاضطرار، فكيف ~~يصح هذا الاعتذار؟ وأنى ينجيكم هذا العذر من عذاب ms238 الملك الجبار؟ وهل صرتم ~~إلا كما قيل # معاشر القراء يا ملح البلد ... ما يصلح الملح إذا الملح فسد # فقلت أما إذا حررتما القضية، فكلنا في هذه المصيبة سوية # " بي مثل ما بك يا حمامة فاندبي " # وقيل # بي مثل ما بك يا حمام البان ... أنا بالقدود وأنت بالأغصان # فبكيا وانتحبا، وتأوها والتهبا، وتنفسا الصعدا، وقالا أين ما بين قصتنا ~~وقصتك في المدى؟ فورب الخافقين، إن بين القصتين لبعد المشرقين، ولكن ما ~~للمقال مجال، وما كل ما يعلم يقال، وأين السر من الإعلان؟ وإن الحيطان لها ~~آذان فقلت هذا أيضا ليس بحجة، فلا تعدلا عن سواء المحجة فقالا نحن المضطرون ~~جبرا، المأخوذون قهرا وقسرا، وإنا مكتوبون في الديوان، مضافون إلى واحد من ~~أعيان الأعوان، إذا ورد علينا مرسوم بالبروز، في يوم عيد مثلا أو نوروز، ~~ويكون الخروج وقت الظهر، وتأخر منا واحد إلى وقت العصر، لم يكن له جزاء ~~فيما ارتكبه، إلا الصلب أو ضرب الرقبة، فضلا عن ضرب وشتم وشناعة، أو زفع ~~عدل أو تقديم شفاعة، وأين أنت عن قعود ما أو تخلف، أو استتار بذيل توار أو ~~توقف؟ فنحن مدى الدهر لمثل هذا مستوفزون، وعن مثل ما جرى على أضرابنا من ~~هذا البلاء متحرزون، مصيخون أبدا لما أشار وما أمر، عاملون بمقتضى " رحم ~~الله من رأى العبرة في غيره فاعتبر " " و " يا ليتنا أمكننا التحويل عن ~~مملكته، والرحيل عن إقليم ولايته وسلطنته، وكيف لنا بذلك وهي مسقط رأسنا ~~ومحل أناسنا، ومحط إيناسنا، وإيلاف رحلتنا، ومزدرعات معيشتنا، ومدرج ~~آبائنا، ومخرج أبنائنا، ومقام قبائلنا وعشائرنا، ومثابة قاطننا وغابرنا، ~~ولو غاب من هوام قبائلنا جدجد فضلا عن بلبل أو هدهد، لجحف الباقين سيل ~~الظلم والحيف، ولتحكم في رقاب سائرنا صائل الموت بالسيف PageV01P126 وأما ~~إذا برزنا، وعزمنا على المسير معه وتجهزنا،فنسأل كم سنة يغيب، وأي جهة يريد ~~ذلك المريد المريب، فنأخذ أهبتنا لذلك المقدار، وكل منا ابن عم للآخر وجار، ~~وله جرابه فيه سويقه، ومعه كلفة نفسه وفرسه وعليقه، يصوم مدى الدهر ويفطر ~~على ms239 ما يسد الرمق، ويلبس ما يستر العورة من رث الثياب والخلق، كل ذلك من ~~زرع أيدينا وكدنا، وما بذلنا فيه من عرق جبيننا، والحلال غاية جهدنا، لا ~~نتعرض لمال أحد ولا لعرضه، ولا نقف في طريق إبرامه ولا نقضه، ولا لأحد ~~عندنا نشب، ولا بيننا وبين أحد علاقة ولا سبب، ولكن يا مولانا البلاء ~~الطام، والمصاب العام ثم رقصا رءوسهما يمينا وشمالا، وارتعدت فرائصهما هيبة ~~وجلالا، وابيضت شفاههما، واسودت جباههما، وأخذا في البكاء والعويل، وانتحبا ~~الانتحاب العريض الطويل، فوالله لقد ذابت نفسي لديهما، واستصغرت كبار ~~المشايخ بالنسبة إليهما، وتفكرت فيما هما فيه من شدة الأمر، وعلمت أنهما ~~القابضان بكفيهما على الجمر، ثم تأوهت آها بعد آه، وقلت بالله يا إخوتاه، ~~وما هذا البلاء الطام والمصاب العام الذي ذكرتماه؟ قالا خيولنا ومواشينا، ~~وحوامل مهادنا وغواشينا، نرفق بها في التحميل، وما نركبها إلا وقت الإعياء ~~في الرحيل، وأمر قضيمها قصم ظهرنا، وأعجز أمرنا،واضطررنا إلى الخض في دماء ~~المسلمين وأموالهم، وألجأنا إلى رعي زرعهم وتحمل وبالهم وما ندري كيف ~~المخلص، وأنى ننجو من ذلك المقنص؟ فبالله يا سيدنا الشيخ هل تجد لنا في هذا ~~الأمر الغالي رخصة؟ أو هل من قطرة برود تطفئ هذه الحرارة وتسكن شرق هذه ~~الغصة؟ فقلت لا والله إلا عناية الله، وأيم الله لقد أشبعتماني شرا، ~~وجرعتماني صبرا ومقرا، وأسقيتماني نكدا وضرا، وكان هموم ما بي، من نصبي ~~وعذابي، تكفيني، إلى يوم تكفيني، فقد زدتماني بلاء على بلائي، وعناء على ~~عنائي، فبالله من أنتما، وما أسماؤكما، وفي أي قطر أرضكما وسماؤكما، ومع من ~~أنتما؟ فحييتما ما حييتما، فخبراني ولا تحيراني، لأجيء كل وقت إليكما، ~~وأفوز بالسلام عليكما فقالا يا مولانا، الحمد لله الذي برؤيتك حبانا، إن ~~معرفتنا لا تجديك شيئا ولا تبرك، وعدم المعرفة بنا لا يؤذيك ولا يضرك، ~~والغالب على ظننا يا مولانا، أنك بعد اليوم لن ترانا، وإن قدر اجتماع فنحن ~~نسعى على رؤوسنا إليك، وخليفتنا الله والسلام عليك ثم ودعاني وما وقفا، ~~وأودعاني أليم الفراق وانصرفا ms240 وهذا من البحر قطرة، ومن الطود ذرة، ونسأل ~~الله تعالى أن يصون عن الزلل أقوالنا، وعن الخطل والخلل أفعالنا وأحوالنا ~~بمنه ويمنه آخره، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل PageV01P127 ms241