######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010770 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن عربشاه #META# 010.AuthorNAME :: أبو محمد أحمد بن محمد ، المعروف بابن عربشاه (المتوفى : 854هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 854 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: فاكهة الخلفاء و مفاكهة الظرفاء #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الطرائف والقصص :: كتب الأدب #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: فاكهة الخلفاء و مفاكهة الظرفاء #META# 030.LibURI :: JK_010770 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # المقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # (الحمد لله) الذي شهدت الكائنات بوجوده وشمل الموجودات عميم كرمه وجوده ~~ونطقت الجادات بقدرته وأعربت العجمات عن حكمته وتخاطبت الحيوانات بلطيف ~~صنعته وتناغت الأطيار بتوحيده وتلاغت وحوش القفار بتفريده كل باذل جهده وأن ~~من شيء إلا يسبح بحمده بل المكان ومن فيه والزمان وما يحويه من نام وحامد ~~ومشهود وشاهد تشهد بأنه إله واحد منزه عن الشريك والمعاند مقدس عن الزوجة ~~والوالد مبرأ عن المعاند والمنادد مسبح بأصناف المحامد (أحمده) حمد تنطق به ~~الشعور والجوارح وأشكره شكرا يصيد نعمه صيد المصيد بالجوارح (وأشهد) أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له رب أودع أسرار بوبيته في بريته وأظهر أنوار ~~صمديته في جواني بحره وبريته فبعض يعرب بلسان قاله وبعض يعرب بلسان حاله ~~وتسبحه السموات باطيطها والأرض بغطيطها والأبحر بخريرها والأسد بزئيرها ~~والحمام بهديرها والطير بتغريدها والرياح بهبوبها والبهائم بهبيبها والهوام ~~بكشيشها والقدور بنشيشها والخيل بضجها والكلاب بنبحها والأقلام بصريرها ~~والنيران بزفيرها والرغود بعجيبها والبغال بشحيحها والانعام برغائها ~~والذباب بطنينها والقسى برنينها والنياق بحنينها كل قد علم صلاته وتسبيحه ~~ولازم في ذلك غبوقه وصبوحه وعمروا بذلك أجسادهم وأرواحهم ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم (وأشهد) أن سيدنا محمد عبده ورسوله الذي من صدقه تم سوله أفضل من ~~بعث بالرسالة وسلمت عليه الغزالة وكلمه الحجر وآمن به المدر وانشق له القمر ~~ولبت دعوته الشجر واشتجار به الجمل وشكا إليه شدة العمل وحن إليه الجذع ودر ~~عليه يابس الضرع وسجت في كفه الحصباء ونبع من بين أصابعه الماء وصدقه ضب ~~البرية وخاطبته الشاة المصلية صلى الله عليه صلاة تنطق بالاخلاص وتسعى ~~بالخلاص وعلى آله أسود المعارك وأصحابه شموس المسالك وسلم تسليما وزاده ~~شرفا وتعظيما (أما بعد) فان الله المقدس في ذاته المنزه عن سمات النقص في ~~صفاته قد أودع في كل ذرة مخلوقاته من بديع صنعه ولطيف آياته ومن الحكم ~~والعبر مالا يدركه البصر ولا تكاد تهتدي إليه الفكر ولا يصل إليه ذوي النظر ~~ولكن بعض ذلك للبصر بالرصد ms001 ظاهر يدركه كل أحد قال اللهتعالى وجل ثناؤه ~~جلالا وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون وقال تعالى سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وقال عز من قائل في كلامه الطائل أن خلق السموات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل ~~الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ~~وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون وقال ~~الشاعر: # ففي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد PageV01P001 لكن لما كثرت هذه ~~الآيات والحكم وانتشرت أزهار رياضها في وهاد العقول والاكم وترادف ما فيها ~~من العجائب والعبر وتكرر ورود مراسيمها على رعايا السمع والبصر وعادتها ~~النفوس ولم يكترث بوقوعها القلب الشموس ولم يستهن من وجودها ولم يلتفتن إلى ~~حدودها فكثر في ذلك أقوال الحكماء وتكررت مقالات العلماء فلم تصغ الأسماع ~~إليها ولا عولت الأفكار عليها فقصد طائفة من الأذكياء وجماعة من حكماء ~~العلماء ممن يعلم طرق المسالك إبراز شيء من ذلك على ألسنة الوحوش وسكان ~~الجبال والعروش وما غير مألوف من البهائم والسباع وأصناف الأطيار وحيتان ~~البحار وسائر الهوام فيسندون إليها الكلام لتمثيل لسماعه الأسماع وترغب في ~~مطالعته الطباع لأن الوحوش والبهائم والهوام والسوائم غير معتادة لشيء من ~~الحكمة ولا يسند إليها أدب ولا فطنه ولا معرفة ولا تعرف ولا قول ولا فعل ~~ولا تكليف لأن طبعها الشماس والأذى والافتراس والإفساد والنفور والعدران ~~والشرور والكسر والتغريق والنهش والتمزيق فإذا أسند إليها مكارم الأخلاق ~~وأخبر بأنها تعاملت فيما بينها بموجب العقل والوفاق وسلكت وهي مجبولة على ~~الخيانة سبل الوفاء ولازمت وهي مطبوعة على الكدورة طرق الصفاء أصغت الآذان ~~إلى استماع أخبارها ومالت الطباع إلى استكشاف آثارها وتلقتها القلوب ~~بالقبول والصدور بالانشراح والبصائر بالاستبصار والأرواح بالارتياح لكونها ~~أخبارا منسوجة على منوال عجيب وآثارا أسديت لحتها في صنع بديع غريب لا سيما ~~الملوك والأمراء وأرباب العدل والرؤساء والسادة والكبراء وأبناء الترفه ~~والنعم وذو والمكارم والكرم إذا قرع سمعهم ms002 قول القائل صار البغل قاضيا ~~والنمر طائعا لا عاصيا والقرد رئيس الممالك والثعلب وزيرا لذلك والذئب ~~مؤرخا أديبا والحمار منجما طبيبا والكلب كريما والحجل نديما والغراب دليلا ~~والعقاب خليلا والجدأة صاحبة الأمانة والفأرة كاتبة الخزانة والحية راقية ~~والبومة ساقية وضحك النمر متواضعا وغدا الأسد لإرشاد الذئب سامعا ورقص ~~الغزال في عرس القنفد وغنى الجدي فطرب الجدجد وتصادق القط والجرذات وصار ~~السرحات راعي الضان وعانق الليث الحمل والذئب الجمل ورفع الباشق الحمامة ~~على رقبته وحمل ارتاحت لذلك نفوسهم وزال عبوسهم وانشرحت خواطرهم وسرت ~~سرائرهم وأصغت إليه أسماعهم ومالت طباعهم وأدى طيشهم إلى أن طاب عيشهم ولكن ~~أهل السعادة وأرباب السيادة ومن هو متصد لفصل الحكومات والذي رفعه الله ~~لدرجات فانتصب لإغاثة الملهوفين وخلاص المظلومين من الطالمين والمتنبهون ~~بتوفيق الله تعالى لدقائق الأمور وحقائق ما تجري به الدهور إذا تاملوا في ~~لطائف الحكم والفرائد التي أودعت في هذه الكلم ثم تفكروا في نكت العبر ~~وصفات العدل والسير والأخلاق الحسنة والقضايا المستحسنة المسندة إلى ما لا ~~يعقل ولا يفهم وهم من أهل القول الذي يشرف به الإنسان ويكرم يزدادون ~~ويسلكون بها الطرق المنيرة فتتوفر مسراتهم وتتضاعف لذاتهم وربما أدى بهم ~~فكرهم وانتهى بهم في أنفسهم أمرهم أن مثل هذه الحيوانات مع كونها عجماوات ~~إذا اتصفت بهذه الصفة وهي غير مكلفة وصدر منها مثل هذه الأمور الغريبة ~~والقضايا الحسنة العجيبة فنحن أولى بذلك فيسلكون تلك المسالك وقد ضرب الله ~~ذو الجلال في كلامه العزيز الأمثال فقال مثل الذين اتخذوا من دون الله ~~أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وأن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كان ~~يعلمون وقال سبحانه بعد ذلك وتلك الأمثال نضربها للناسوما يعقلها إلا ~~العالمون وقال سبحانه ما أعظم شأنه يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن ~~الذين تدعون من دون الله لنم يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم ~~الذباب شيأ لا يستنفذوه منه ضعف الطالب والمطلوب وقال تعالى إن الله لا ~~يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها وقال ms003 تعالى وأوحى ربك إلى النحل أن ~~أتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي ~~سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك ~~لآية لقوم يتفكرون وقال تعالى إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملها وأشفقن منها وحملها الإنسان أنه كان ظلوما جهولا ~~وقال تعالى ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو ~~كرها قالتا أتينا طائعين أسند PageV01P002 سبحانه وتعالى الأفعال والأقوال ~~إلى الجمادات بعدما وجه الخطاب إليها وقال تعالى ألم تر أن الله يسجد له من ~~في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب ~~وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم وكل ما ~~جاء في هذه الطريقة فأنه بالنسبة إليه تعالى حقيقة لأنه قادر على كل شيء ~~وسواء عنده الميت والحي ولا فرق في كمال قدرته بالنظر إلى قدرته ومشيئته ~~وتصوير كمال عظمته وهيبة بين الناطق والصامت والنامي والجامد والشاهد ~~والغائب والآتي والذاهب كما لا فرق في هذا الكمال بين الماضي والاستقبال ~~وقال تعالى فما بكت عليهم السماء والأرض وقال فوجدوا فيها جدارا يريد أن ~~ينقض وقال تعالى قالت نملة يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم وقال في الهدهد ~~فقال أحطت بما لم تحط به وقال الشاعر (ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب) وقالت ~~العرب في أمثالها قال الجدار للوتد تشقني قال سل من يدقني قل لمن ورائي ~~يتركني ورائي وقالوا من الأسد ومن أشهر أمثالهم قالوا أن الأرنب التطقت ~~تمرة فاختلسها الثعلب فأكلها فانطلقا إلى الضب فقالت الأرنب يا أبا الحصين ~~قال سميعا دعوت قالت أتيناك لنختصم إليك قال عاد لا يحكما قالت أخرج قال في ~~بيته يؤتى الحكم قالت أني وجدت تمرة قال حلوة فكليها قالت فاختلسها مني ~~الثعلب قال لنفسه بغى الخير قالت فلطمته قال بحقك أخذت قالت فلطمني قال حر ~~انتصر لنفسه قالت فاقض بيننا قال قد قضيت ms004 فذهبت هذه الأقوال كلها أمثالا ~~وقالوا اتحككت العقرب بالأفعى وقال الشاعر # قام الحمام إلى البازي يهدد ... واستصرخت بأسود البر أضبعه PageV01P003 ~~وهذا أمره مستغيض مشهور معروف بين الأنام غير منكور والحصر في هذا المعنى ~~يتعسر والاستقصاء يتعذر وإنتما الأوفق التمثيل والتنظير والاستدلال بالقليل ~~على الكثير فيتفكه السامع تارة ويتفكر أخرى ويتتقل في ذلك من الأخفى إلى ~~الأجلى ويتوصل بالتأمل من الأدنى إلى الأعلى ومن جملة ما صنف في ذلك واشتهر ~~فيما هنالك وفاق على نظائره بمخبره ومنظره وحاز فنون الغطنه كليله ودمنه ~~والمتمثل بحكمة الطباع كتاب سلوان المطاع والمفحم بنظمه العجيب كل شاعر ~~وأديب معجز الضراغم الصادج والباغم وفي غير لسان العرب ممن يتعاطى فن الأدب ~~جماعة رضعوا أفاويقه وسلكوا من هذا النمط طريقة لكن تقادم عصرهم واشتهر ~~أمرهم وتكرر ذكرهم وصارت مصنفاتهم مطروقة وعتاق نجائبها في ميدان التأمل ~~عتيقة ففلذت من دهري فلذه وعملت بموجب لكل جديد لذة وسيرت فارس الأفكار في ~~ميدان هذا المضمار وقصدت من الفائدة ما قصدوه ومن العائدة في الدارين ما ~~رصدوه وجمعت ما بلغني عن نقله الأخبار وحملة الآثار ورواة الأسفار على لسان ~~شيخ اللطائف ومنبع المعارف وإمام الطوائف ومجمع العوارف ذي الفضل والإحسان ~~أبي المحاسن حسان ووضعت هذا الكتاب نزهة لبني الآداب وعمدة لأولي الألباب ~~من الملوك والنواب والأمراء والحجاب وجعلته عشرة أبوابومن الله أسمد الصواب ~~وأستغفره من الخطأ في الجواب أنه رحيم تواب كريم وهاب (وسميته فاكهة ~~الخلفاء ومفاكهة الظرفاء) شعر: # فان يغض بحر علمي تهدمنه على ... در ينير عيون العقل في السدف # ألبسته من خلاعات النهى خلعا ... وربما ازدان عقد الدر بالخزف # والفضل يحتاج في ترويج سلعته ... إلى الخرافة والمعقول للخرف # فاعبر إلى البحر تجن الدر منه ولا ... يلهيك عن دره أضحوكة الصدف # الباب الأول # في ذكر ملك العرب الذي كان لوضع هذا الكتاب السبب # (قال) الشيخ أبو المحاسن بلغني عن ذي فضل غير آسن أنه كان فيما غير من ~~الزمان قيل من الأقيال غزير الأفضال عزيز الأمثال وارث المعارف حائز ~~الفضائل ms005 واللطائف وافر السيادة كامل السعادة ذو حكم مطاع وجند وأتباع ~~وممالك واسعة ذات أطراف شاسعة تحت أوامره ملوك عده ذو سطوات ونجده وله من ~~الأولاد الذكور خمسة أنفار كل بالسيادة مذكور وبالعلم والحلم والحكم مشهور ~~ومشكور متوشح للسلطنة متول من والده مكانا من الأمكنة وكان أسعدهم عند أبيه ~~وهو متميز على أخوته وذويه سمسي المنظر اياسي المخبر ذا فهم مصيب واسمه في ~~فضله حسيب قد حصل أنواعا من العلوم وأدركها من طريقي المنطوق والمفهوم وكان ~~لهذا الفضل الجسيم يدعى بين الصغير والكبير الحكيم فلما دعا أباهم داعي ~~الرحيل وعحك إلى دار البقاء أجمال التحميل استولى على السرير أكبر أولاده ~~وأطاعه أخوته ورؤس أمرائه وأجناده وصار السعد يراقبه والملك بلسان الحال ~~يخاطبه شعر: # نجوم سماء كلما انقض كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكب PageV01P004 35 - ~~عمرو بن قميئة بن قيس بن ثعلبة، شاعر كبير، معمر، مجيد مقل، مختار الشعر ~~على قلته، يقال إنه أرمى على مائة سنة، ذكر أبو عبد الله محمد بن عبد الله ~~بن يعقوب بن داود قال: حدثني أبو عمرو الشيباني قال: نزل امرؤ القيس ببكر ~~بن وائل فضرب قبته وقال: هل فيكم من يقول الشعر؟ قالوا: شيخ كبير قد خلا من ~~عمره وأتوه بعمرو بن قميئة فلما أنشده شعره أعجب به فاستصحبه وكان معه إلى ~~الروم، قال وأنشدني أبو عمرو الشيباني له: # كأني وقد جاوزت تسعين حجة ... خلعت بها عني عذار لجام # رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمى وليس برام # فلو أنها نبل إذن لاتقيتها ... ولكنما أرمى بغير سهام # على الراحتين مرة وعلى العصا ... أنوء ثلاثا بعدهن قيامي # وأهون كف لا غيرك ضيرة يد بين أيد في إناء طعام يد من غريب أو قريب أتت ~~به شآمية غبراء ذات قتام وأفني وما أفني من الدهر ليلة ولم يغن ما افنيت ~~سلك نظام وأنشد له: # لا تغبط المرء إن يقال له ... أمسى فلان بسنه حكما # إن يمس في خفض عيشة فلقد ... أخنى على الوجه طول ms006 ما سلما # قال اليعقوبي: وقال روح بن عبادة، وهو من قيس بن ثعلبة صليبة: كان امرؤ ~~القيس أملك من أن يقول شعرا، وكل شعر يروى عنه فهو لعمرو بن قميئة. وهذا ~~القول إذا صح عن روح لا يخلو من قلة فهم منه بما بين نمط شعر امرىء القيس ~~وشعر عمرو بن قميئة، وإن كان عمرو محسنا في شعره فليس هو من نظراء امرىء ~~القيس في غزارة الشعر وإصابة المعنى وحسن التشبيهات، وإنما صحب امرأ القيس ~~مدة يسيرة. أو من عصبية على امرىء القيس لعمرو، وليس مكان امرىء القيس من ~~بيت الملك مانعا له عن قول الشعر. وقد قال امرؤ القيس مما يعاب عليه ومما ~~ليس مشبها للملك الذي نشأ فيه وطلبه إلى أن أتى عليه أجله، وقد استجار في ~~طيء جارا بعد جار، كلهم أو أكثرهم يغدر به ويتهضمه حتى حصل على أعنز له، ~~وسيقت إبله، فقال: # إذا ما لم يكن إبل فمعزى ... كأن قرون جلتها عصي # إذا ما قام حالبها أرنت ... كأن الحي صبحهم نعي # فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وري # وقد ثبتت أبو عبيدة وغيره من الرواة أمر عمرو بن قميئة مع امرىء القيس، ~~ووصفوا أنه إياه عنى بقوله: # بكى صاحبي لما رأى الدرب دوننا ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا # فقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا # وكان أعلمني أبو محمد بن قتيبة الدينوري في خبر حدثنيه، لست أقوم عليه: ~~أن عمرو بن قميئة هلك في سفر امرىء القيس إلى الروم، فلا أدري في إصعاده ~~إليه أو في انحداره. ومات امرؤ القيس في منصرفه عن ملك الروم بأنقرة، وقبره ~~هناك معروف. # وحكي لي عن المأمون أنه رآه ورأى صورته هناك في حجر. # ولا يعرف لعمرو بن قميئة خبر بعد صحبته امرأ القيس. وكان امرؤ القيس ~~معتقدا للحلف بين من تحالف من أحياء ربيعة واليمن، وفي ذلك يقول: # يا راكبا ابلغ ذوي حلفنا ... من كان من كندة أو وائل # والحي عبد القيس حيث ms007 انتووا ... من سعف البحرين والساحل # إنا وإياهم وما بيننا ... كموضع الزور من الكاهل # 36 - عمرو بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وهو المرقش الأكبر. ~~ذكر أبو عبد الله بن مسلم الدينوري: أن اسمه عمرو، وأخبرني غيره: أن لقيط ~~بن بكير سماه عمرا. وحدثني أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة قال أخبرني عبد الله ~~بن أبي كريم عن إسحاق بن مرار أبي عمرو الشيباني: أن اسمه عوف بن سعد، وفي ~~نسب ابن الكلبي اسمه عوف. وهو جاهلي قديم جيد الشعر. # والمرقش االأصغر ابن أخيه، وطرفة ابن أخي المرقش الأصغر. # ومن قول المرقش الأكبر القصيدة المعروفة: PageV01P005 هل بالديار أن تجيب ~~صمم ... لو كان حي بها لتكلم # الدار وحش والرسوم كما ... رقش في ظهر الأديم قلم # ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراء المرء ما يعلم # 37 - عمرو بن حرملة، المرقش الأصغر حدثني أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة، قال ~~أخبرنا غيث بن عبد الكريم الباهلي، قال: المرقش الأصغر: عمرو بن حرملة بن ~~سعد بن مالك. وذكر الدينوري أن اسمه ربيعة بن سفيان بن سعد بن مالك، وأن ~~المرقش الأكبر عمه أخو أبيه، وهو الذي يقول: # أمن حلم أصبحت تنكت واجما ... وقد تعتري الأحلام من كان نائما # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # ومن قوله: # فمن مبلغ الأقوام أن مرقشا ... أضحى على الأقوام عبئا مثقلا # وكانت صاحبة الأول أسماء، وصاحبة الثاني فاطمة ابنة عجلان. # 38 - عمرو بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، ~~وهو طرفة، قال أبو عبيدة: كان أطرد بسبب هجائه آل المنذر اللخميين، فلحق ~~بالحبشة، وسمي بها طرفة بقوله في قصيدته: # لا تعجلا بالبكاء اليوم مطرفا ... ولا أميريكما بالدار إذ وقفا # وأنشدني أحمد بن أبي خيثمة عن عبد الله بن أبي كريم عن أبي عمرو الشيباني ~~لطرفة: # فوجدي بسلمى فوق وجد مرقش ... بأسماء إذ لا تستفيق عواذلة # لعمري لموت لا عقوبة بعده ... لذي ms008 البث أشفى من هوى لا يزايله # حدثني ابن أبي خيثمة عن الأثرم عن أبي عبيدة: أن لبيد بن ربيعة قال - وقد ~~سئل عن الشعراء - : أشعر الناس الملك الضليل، يريد امرأ القيس، ثم الغلام ~~القتيل ابن العشرين، يريد طرفة، ثم صاحب المحجن، يعني نفسه. وقال غير أبي ~~بكر إنه قال: ثم الشيخ أبو عقيل، يعني نفسه. # قال أبو عبيدة: ورفع لبيد رحمه الله نفسه فوق مقداره في الشعر. # 39 - عمرو بن قطن يلقب جهنام، وهو ابن قطن بن المنذر بن عبدان بن حذافة ~~بن حبيب بن ثعلبة، وهو مهاجي أعشى بني قيس بن ثعلبة، الذي يقول فيه الأعشى: # دعوت خليلي مسحلا ودعوا له ... جهنام، جدعا للهجين المذمم # ومسحل: شيطان الأعشى فيما زعموا. # ومن قول جهنام: # أمجاع تزعم لو أنني ... لقيت ابن حواء ما ضرني # بلى إن يد قبضت خمسها ... عليك مكانا من الأمكن # 40 - عمرو بن مرثد بن سعد بن مالك بن ضبيعة هو المشهور بكرم الأولاد ~~السادة الفرسان. # وفيه يقول طرفة بن العبد: # فلو شاء ربي كنت قيس بن خالد ... ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد # فأصبحت ذا مال كثير وزارني ... بنون كرام سادة لمسود # ومن قول عمرو، ويروى لجده سعد بن مالك: # يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا # والحرب لا يبقى لجا ... محها التخيل والمراح # إلا الفتى الصبار في النجدات والفرس الوقاح # ومن قوله: # لعمر أبيك ما مالي بنخل ... ولا طهف يطير به الغبار # قال الطائي: الطهف: طعام يشبه الذرة. # حدثني ابن مهرويه قال: حدثني سهل بن محمد أو غيره قال: قلت لأبي عبيدة: ~~ما الطهف؟ قال: لا أدري فقلت لكيسان أبي سليمان، فقال: هو التبن فقلت ذلك ~~لأبي عبيدة، فقل: خذ عنه. # 41 - عمرو بن عبد الله، ذو الكف الأشل بن حنيف بن ثعلبة بن سعد بن ضبيعة ~~بن قيس بن ثعلبة، يكنى أبا جلان، فارس شاعر، يقول في فرسه: أمن دعة شهرين ~~عض رياطه ونازع أطراف الجلال المزرر # فأبشر برب لا تعرى جياده ... وحرب تلظى ms009 كالحريق المسعر # ومن قوله: # رددنا لقاح المرء جلان بعدما ... أهل ورجى الغنم منها السميدع # 42 - عمرو بن حباشة بن قرواس بن رزاح بن حبيب بن ثعلبة بن سعد بن قيس بن ~~ثعلبة. # الذي يقول: PageV01P006 ثم عش واسلم وتيقن واعلم يا ملك الزمان أن أفضل ~~شيء حل في وجود الإنسان وأحسن جوهرة تزين بها عقد تركيبه العقل الداعي إلى ~~كيفية تهذيبه في أساليبه وأفضل درة ترصع بها تاج العقل في تزيينه وترتيبه ~~الخلق الحسن الذي فضل الله به خير خلقه في تعليمه وتأديبه وخاطب بذلك نبيه ~~الكريم فقال وأنك لعلى خلق عظيم وبالخلق الحسن ينال شرف الذكر في الدارين ~~ولا يضع الله الخلق الحسن إلا فيمن اصطفاه من الثقلين وأفضل جنس الإنسان ~~بعد رسول الله الرفيع الشان الملك الذي يحيى أحكام شريعته ويمشي على سنته ~~وطريقته وإذا كان الملك حسن الخلق والفعال فهو الدرجة العليا من الكمال قال ~~الرسول النجيب صاحب التاج والقضيب محمد المصطفى الحبيب صلى الله عليه وسلم ~~صلاة يتمسك بأذيالها الطبيب ويترنح لنسمات قبولها الغصن الرطيب ألا أخبركم ~~على من تحرم النار على كل هين لين سهل قريب وروى أن ذلك السيد السديد ~~الكامل المكمل الرشيد أتى برجل فكامه فارعد فقال هون عليك فأني لست بملك ~~ولا جبار وأنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد ومن جملة حسن الخلقالعدل ~~والشفقة على الرعية والفضل وإذا حسن خلق الملوك العلية صلحت بالضرورة ~~الرعية طائعة وكارهة وسعت في ميدان الطاعة فارهة فان الناس على دين ملوكهم ~~وسالكون طرائق سلوكهم واردل عادة الملوك الطيش والخفة وأن يكون ميزان عقله ~~خالي الكفية وأن عدم الثبات والوقار من عادة الأطفال والصغار والرجل الخفيف ~~القليل الحيلة لا يقدر على تدبير الأمور الجليلة ولا باب يوجد له ولا طاقة ~~للدخول في الأشغال الشاقة ولا يستطيع أن يتحمل ثقل الرياسة ويتعاطى الايالة ~~والسياسة ولا قدرة على فصل الحكومات المشكلة والقضايا العريضة المعضلة ولا ~~الوصول إلى إثبات السيادة ولا الدخول في أبواب السعادة فان تدبير الممالك ~~وسلوك ms010 هذه المسالك يحتاج إلى رجل كالجبل في السكون والوقار أو أن الثبات ~~وكالبحر الهائج والسيل الهامر أو أن الحركات وأعلم يا ذا العلا والمالك ~~المال والدما أنه يجب على الملك الكبير اجتناب الإسراف والتبذير فانه حافظ ~~دماء الناس وأموالهم مراقب مصالحهم في حالتي حالهم وما آلهم والمال الذي في ~~خزائنه قد اجتمع ومن وجوه مكانه ومن خراج مملكته ومن أعدائه ومعادنه إنما ~~هو للرعية ليذهب عنهم البلية ويصرفه في مصالحهم وما يحدث من حوائجهم ~~وجوائحهم فهو في يده أمانة وصرفه في غير وجهه خيانة فكما لا ينبغي أن يتصرف ~~في مال نفسه بالتبذير كذلك لا يتصرف في أموالهم بالأسراف والتقتير ومصداق ~~هذا المقال قول ذي الجلال جل كلاما وعز مقاما والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ~~ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما فينبغي للملك بل يجب أن لا يسترعن الرعية ~~ولا يحتجب وأن لا يبادر بمرسوم إلا بعد تحقيق العلوم ولا يبرز مرسومه ما لم ~~يتحقق فيه معلومه وذلك بعد التأمل والتدبر وستر عورة القضية والتفكر وهذا ~~الآن مرسوم السلطان على فم أبناء الزمان وهو بمنزلة القضاء النازل من ~~السماء وإذا نزل القضاء وفتحت أبواب السماء فلا يرد ولا يصد ولا يعوقه عن ~~مضيه عدد ولا عد ولا حيلة في منعه لأحد وأمر أولى الأمر على زيد وعمرو ~~كالسهم الخارج من الوتر بل شبه القضاء والقدر تعجز عن أدراك سره قوى البشر ~~فكما أنه إذا نفذ سهم القضاء والقدر لا يمنعه ترس حيلة ولا يصده درع حذر ~~فكذلك أمر السلطان لا يثبت لوده حيوان ولا يمكن تلقيه إلا بالإمضاء ~~والإذعان فإذا لم يتدبر قبل إبرازه في عواقب ما آله وأعجازه ربما أدى إلى ~~الندم والتأسف حيث زلت القدم ولا يفيد التلافي بعد التلاف ولا يرد السهم ~~إلى القوس وقد خرق الشغاف وكما أن الملك سلطان الأنام كذلك كلامه سلطان ~~الكلام وكل ما ينسب إليه فهو سلطان جنسه فيجب عليه حفظ كلامه كحفظ نفسه. ~~PageV01P007 (وحسبك يا ملك الزمان لطيفة للملك أنوشروان) فبرزت ms011 المراسيم ~~الشريفة ببيان تلك اللطيفة فقال الحكيم ذكر أهل السير ونقله الأثر أن الملك ~~أنوشروان كان راكبا في السيران فجمع به فرسه وقوى عليه نفسه فاستخف شانه ~~وجبذ عنانه فهمزه ولكزه وضربه ووخزه فزاد جموحا وماد جموحا فتجاذبا العنان ~~فانقطع وكاد أنوشروان أن يقع فلاطف الفرس فاستكان ونجا بعد أن كاد يدخل في ~~خبر كان فلما وصل إلى محل ولايته واستقر راجف قلبه من مخافته دعا بسائس ~~المركوب فلبى دعوته وهو مرعوب فلعنه وشمته وأراد أن يقطع يده وقدمه وقال ~~تلجم هذه الداهية بلجام سيوره واهية فانقطعت في يميني وكاد الفحل يرميني ثم ~~دعا بالمقارع وبالجلاد ليقطع منه الاكارع فقال السائس المسكين أيها الملك ~~المكين وصاحب العدل والتمكين أسألك بالله الذي رفعك إلى هذا المقام أن تسمع ~~لي هذا الكلام فقال قل ولا تطل قال كأن هذا العنان يقول وكلامه فصل لا فضول ~~ومقوله قريب من العقول الملك أنوشران وأن سلطان الأنس وفرسه سلطان هذا ~~الجنس وقد تجاذبني قوة سلطانين فاين لي طاقة هذا الثبات لهما ومن أين لا ~~جرم ذهب مني الحبل فتمزقت بين سلطان الأنس والخيل فأعجبأنوشروان من السائس ~~هذا البيان فانعم عليه وأطلقه ومن رق عقابه وعذابه أعتقه وإنما أوردت هذا ~~البيان ليتحقق مولانا السلطان أن حركاته ملكه الحركات وصفاته سلطانه الصفات ~~وكلامه ملك الكلام فلا يصرفه في كل مقام وليصنعه بالتأمل قبل القول وليحتط ~~لبروزه ويحفظه بالصدق والطول وإذا أمر بأمر فلا يرجع فيه بل يستمر على ما ~~أمر به لئلا يقال سفيه ثم اعلم يا ملك الرقاب أن كلا من الثواب والعقاب له ~~حد ومقدار مفهوم ينبغي للملك أن لا يتعدى لذلك حدا وعلى الملك أن يصغي ~~للنصيحة ممن مودته صحيحه وقد جرب منه الصدق وعلم منه الإخلاص في النطق ~~لاسيما إذا كان ذا عقل صحيح وود صريح ولا ينفر من خشونة النصيحة ومرارتها ~~فبرودة الخاطر وسلامة القلب حرقة حرارتها فان الناصح المشفق كالطبيب الحاذق ~~فان المريض الكئيب إذا شكا إلى الطبيب شدة ألمه من ms012 مرارة يصف له دواء مرا ~~فيزيد حرارته فلا يجد بدا من شربه وأن كان في الحال ينهض بكربه لعلمه بصدق ~~الطبيب وأنه في الرأي مصيب وما قصد بالدواء المر الضر وإنما قصد بألمه عودا ~~الحلاوة إلى فمه ولا يستحقر النصيحة أن كانت صادقة صحيحة ولا الناصح خصوصا ~~الرجل الصالح فان سليمان وهو من أجل الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام ~~وأحد من ملك الدنيا وحكم على الجن والأنس والطير والوحش والهوام استشار ~~نملة حقيرة فنجح في أمره وخالف وزيره آصف بن برخيا فابتلى بفقره وسلب من ~~جميع ما ملك وصار كما قيل أجير الصياد السمك ثم قال الحكيم حسيب أيها الملك ~~الحسيب وأنا لما رأيت أمور المملكة قد اختلت ومباشرى مصالح الرعية قلوبهم ~~اعتلت ولعبوا بالثقيل والخفيف واستطال القوي منهم على الضعيف ومدوا أيديهم ~~إلى الأموال بالباطل وأظهروا الحالي في حلية العاطل وخرجوا عن دائرة العدل ~~واطرحوا أهل العلم والدين وتولى المناصب غير أهلها ونزلت المراتب إلى غير ~~محلها وحرم المستحقون وأبطل المحققون إلى أن وقع الاختلال وعم الفساد ~~والضلال وقويت أعضاد الظلمة على العباد وسائر القرى والبلاد وهذا لا يليق ~~بشرف مولانا الملك ولا بأصله ولا يجوز في شرع المروأة أن يكون الظلم طراز ~~عدله إذ قدره العلي وأصله الزكي أعظم مقاما من ذلك ولا يحسن أن ينتشر ~~الأصيت رأفته في الممالك وعلى الخير مضى سلفه الكرام وانطوى على مآثرهم ~~صحائف الأيام وقد قيل: # فان الظلم من كل قبيح ... وأقبح ما يكون من التنبيه # وقيل: # ولم أر في عيوب الناس شيئا ... كنقص القادرين على التمام PageV01P008 ما ~~وسعني إلا الانحياز إلى العزلة والتعلق بذيل الانفراد والوحدة وما أمكنني ~~أن أعمل شيا ولا أقطع دون العرض على الآراء الشريفة وامتثال ما تبرزه ~~مراسيمها المنيفة فغد قال الناصح في بعض النصائح لا تخاطب الملوك فيما لم ~~يسألوك ولا تقدم على ما لم يامروك فلما أذن في الكلام قمت هذا المقام فقلت ~~قطرة من بحور وذرة من طيور ورأيت ذلك واجبا علي ونفعه عائدا ms013 إلي وذكرت بعض ~~ما وجب على سائر الناصحين ولزم ذكره جميع المسلمين من طريق واحدة ولزمني ~~أنا من طرق متعددة أدناها طريق المروة وأعلاها بل أغلاها وثيق الأخوة التي ~~هي أقوى الأسباب وأعظم الوصلات في هذا الباب فان لحمة القرابة عي السبب ~~الذي لا يقطعه سيف الحدثان والبنيان الذي لا يهدمه معول الزمان وأساس ~~الأخوة عنوان الفتوة قال الله تعالى وعز وجمالا وتقدس كمالا سنشد عضدك ~~بأخيك وقال القائل: # أخاك أخاك أن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح PageV01P009 ~~(وناهيك يا زين الملاح بقصة الولهى مع الضحاك) قال أخبرنا أيها الحكيم بذلك ~~الحديث القديم قال الحكيم بلغنا عن التاريخ الباذخ الشماريخ أن الضحاك كان ~~من أحسن الناس سيرة وأصفاهم سريرةقد فاق الناس فضلا وبلغ ذكره الآفاق عدلا ~~فتزياله ابليس في صورة الدهاء والتلبيس فزعم ذلك الطباخ انه طباخ وصار كل ~~يوم يهيئ له من أطيب الأطعمة ولذيذ الأغذية ما يعجزه غيره ولا يقدر أحد أن ~~يسير سيره ولم يأخذ على ذلك جراية فبلغت مرتبته عنده النهاية واستمر على ~~ذلك مدة مديدة وأياما عديدة والناس تكمره أن تخدم بغير أجرة خصوصا في هذا ~~الزمان رؤساء الأعيان فقال له الإمام في بعض الأيام لقد أوجبت علينا يدا ~~وشكرا وما سألتنا على ذلك أجرا فاقترح ما تختار أكافئك يا مهار فقال تمنيت ~~عليك أن أقبل بين كتفيك فأني لي بذاك أن يقال قبل بدن الضحاك فأعجبه ذلك ~~وأجابه وحسر عن بدنه ثيابه وأدار ظهره إليه فاقبل لوحي كتفيه ثم غاب عن ~~عينيه ولم يقف على أثره ولا عينه فبمجرد ما لثمه ومس فمه جسمه أخذته حكة ~~وشكه موضع لثمه شكه ثم خرج من موضع فيه سلعة تلذعه شر لذعة وتلسعه أحر لسعة ~~ثم صارا حيتين أشبهتا كيتين فصار يستغيث ولا مغيث فطلب الأطباء فأعياهم هذا ~~الداء ثم لم يقوله قرار ولم يأخذه سكون ولا اصطبار إلا بدماغ الإنسان دون ~~سائر الحيوان فمديد الفتك ولأجل الأدمغة استعمل السفك فضجر الناس لهذا ~~البأس ms014 وصاحوا وناحوا وغدوا مستغيثين وراحوا فوقع الاتفاق بعد الشقاق على ~~الاقتراع لدفع النزاع فمن خرجت قرعته كسرت قرعته وأخذ دماغه وحصل لغيره ~~فراغه فعالجوا به الكيتين وغذوا به الحيتين فيبرد الألم ويخف السقم ففي بعض ~~الأدوار خرجت القرعة على ثلاث أنفار فربطوا بالأغلال ودفعوا إلى الشكال ~~ليجري عليهم ما جرى على الأمثال فبينما هم في الحبس بين طالع نحس وعكس وقف ~~للضحاك امرأة وضيعة واستغاثت به في هذه القضية فأدناها وسأل ما دهاها فقالت ~~ثلاثة أنفار من دار لا صبر لي عنهم ولا قرار وحاشى عدل السلطان أن يرضى ~~بهذا العدوان ولدي كبدي وأخي عضدي وزوجي معتمدي وكل مسجون يسقي كأس المنون ~~فرق لها الضحاك وقال لا يعمهم الهلاك فاذهبي يا مغاثة واختاري واحد من ~~الثلاثة وجهزها إلى الحبس ليقع اختيارها على من يدفع اللبس فتصدى لها الزوج ~~وتمنى الخلاص من ذلك البوج فتذكرت ما مضى من عيشها معه وانقضى واستحضرت طيب ~~اللذات والأوقات المستلذات فأتت إليه ومالت عليه فتحركت الأنفس الإنسانية ~~والشهوة الحيوانية فهمت بطلبه وتعلقت بسببه فوقع بصرها على ولدها فلذة ~~كبدها فرأت صباحة خده ورشاقة قده فتذكرت طفوليته وصباه وترتيبها إياه وحمله ~~وإرضاعه وتناغيه وأوضاعه فعطفت عليه جوارحها ومالت إليه جوانحها فقصدت أن ~~تختاره وتريح أفكاره فلمحت أخاها باكيا مطرقا عانيا قد أيس من نفسه وتيقن ~~الإقامة بحبسه لأنه يعلم أنها لا تترك زوجها وابنها ولا تختاره عليهما ولا ~~تميل إلا إليهما فأفكرت طويلا واستعملت الرأي الصائب دليلا ثم أداها الفكر ~~الدقيق وأرشدها التوفيق وقالت أختار أخي الشقيق فبلغ الضحاك ما كان من ~~أمرها واختيارها لأخيها بفكرها فدعاها وسألها عن سبب اختيارها أخاها وقال ~~إن أتت بجواب صواب وهبتها إياهم مع زيادة الثواب وإن لم تأت بفائدة قاطعة ~~وعائدة في الجواب نافعة كانت في قتلهم الرابعة فقالت اعلم واسلم إني ذكرت ~~زوجي وطيب عشرته وأوقات معانقته ولذته وما مضى معه من حسن العيش وانقضى من ~~خفة الأحلام والطيش فملت إليه وعولت في الطلب عليه ثم أبصرت ابني ms015 فتذكرت ~~مقامه في بطني وما مضى عليه من عاطفة وشفقة عامة في الأيام السالفة فهيمني ~~حبه القديم وشكله القويم فملت إلى اختياره وخلاصه من بواره ثم لمحت أخي ~~المتقدم عليهما فقست مقامه بالنظر إليهما فقلت إني امرأة مرغوبة قينة عاقلة ~~مطلوبة إن راح زوجي فعنه بدل وإن حصل الزوج وجد الولد وحصل فتهيأ الغرض ~~ووجد عنهما العوض وأما الأخ الشقيق عما عنه عوض في التحقيق لأن أبوينا ماتا ~~وفاتا وصارا تحت الأرض رفاتا فهذا الذي أدى إليه افتكاري ووقع عليه اختياري ~~وأنشد لسان القال فيما قال (شعر)وكم أبصرت من حسن ولكن عليك من الورى وقع ~~اختياري PageV01P010 قال فاستحسن الضحاك هذا الكلام ووهبها جماعتها مع ~~زيادة الأنعام (قال الحكيم) وإنما أوردت هذا المثل لمولانا الملك الأجل ~~وعرضته على الحضار ومسامع النظار ليعلم أن لي عن كل شيء بدلا وأما عن ~~مولانا السلطان فلا كما قال من أجاد في المقال: # وقد تعوضت عن كل بمشبه ... فما وجدت لأيام الصبا عوضا # وليس لي عوض إلا في بقاء ذاتك المحروسة ودوام حياتك العزيزة المأنوسة ثم ~~أني أخاف والعياذ بالله تعالى أن هذه الفتن قد أقبلت والحركات الداهية التي ~~وجوه الخلاص منها قد أشكلت تستأصل شافة أسلافنا الكرام وتقرض شرف أجدادنا ~~الملوك العظام فاخترت العزلة لذلك فإنها أسلم الطرق والمسالك (قال الملك) ~~لقد صدقت إذ نطقت وتحريت الصواب في الخطاب وأنا أتحقق حسن نيتك وخلوص طويتك ~~وحسن وفائك ويمن آرائك فإنك أخ شقيق وصدوق صديق ولكن تعلم أن هذا الوزير ~~رجل خطير ورأيه مستنير وفضله غزير وهو من أصل كبير وله علينا حق كثير وأريد ~~أن يقع ما عزمت عليه وفوضت فكرك المصيب إليه مع محاورته ومناظرته ومشاورته ~~فإن كلا منكما ناصح مشفق وحكيم مدقق وعالم محقق وفي مثل هذه الأشياء إذا ~~اتفقت الآراء وطال النفس تكاشف نور القبس وسعد البخت وتمكن التخت وصح الحق ~~ووضح الصدق لا سيما إذا كان الكلام بين عالمين والسؤال والجواب من فاضلين ~~كاملين (قال الحكيم) أيها الملك العظيم إذا ms016 قام الإنسان في صدد المعارضة ~~وتصدى في البحث إلى المعاكسة والمناقضة لا سيما إن كان من أهل الفصاحة ~~واللسن وساعده في ذلك الإدراك الحسن لا يعجزان يقابل الإيجاب بالسلب ~~والاستقامة بالقلب والعكس بالطرد والقبول بالرد ويكفي في جواب المتكلم إذا ~~أورد مسألة لا نسلم وقد قيل في الأقاويل لا تنفع الشفاعة باللجاج ولا ~~النصيحة بالاحتجاج أما أنا فقد بذلت جهدي وأديت في النصيحة ما عندي وكشفت ~~عن مخدرات التحقيق أستار السبك وكررت على محك التصديق آثار الحك فإن وعيتم ~~كلامي يسمع حي فقد تبين الرشد من الغي وإن أعرضتم عن عين اليقين فلا إكراه ~~في الدين فتصدى الوزير للكلام وحسر عن ثغر بيانه اللئام وبرز في ملابس ~~الملاينة والخداع وسلك بخبث طرق الملاطفة والاصطناع ودس السم في الشهد ونزل ~~من اليفاع إلى الوهد وقال الحمد لله الكريم الذي من على مولانا الملك بهذا ~~الأخ الحكيم الفاضل الحليم الكامل العليم الناظر في العواقب ذي الرأي ~~المصيب والفكر الثاقب فلقد بالغ في النصيحة بعباراته الصحيحة وإشاراته ~~المليحة وكل شيء أبداه إلى المسامع وأنهاه هو الذي يرتضيه العقل ويرضيه ~~العدل ويقبله الطبع القويم إذ هو المنهج المستقيم يترتب عليه الذكر الجميل ~~ويحصل به الثواب الجزيل لكن الذي نعرفه في حفظ الرياسة وإقامة ناموس ~~السياسة هو الذي عليه القوم في هذا اليوم وجرت عليه عادات الأكابر وانخرط ~~في سلكه الأصاغر فإن الزمان فسد والفضل فيد كسد وزاد الحقد والحسد وتشرب ~~المكر والأذى الروح والجسد وكل في الروغان ثعلب وفي العدوان أسد وصار هذا ~~مقتضى الحال والمحمود من الخصال والمطلوب من الرجال والناس يدورون بزمانهم ~~بقدر مكانهم وإمكانهم وقد قيل الناس بزمانهم أشبه بآبائهم وبعض السياسات ~~عند أهل الرياسات يقتضي العقوبة معاقبة من لا ذنب له فإن وضع الأشياء في ~~محلها وزمام الأمور والمناصب في يد أهلها هو أحد قوانين الشرع والسياسة ~~ومقتضى العقل والكياسة والعدل والرياسة والعقل والفراسة والفضل والنفاسة ~~وناهيك أيها الحكيم الفاضل قول القائل:ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن ~~لا ms017 يظلم الناس يظلم وما قيل: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم # ومن مقالات الملك أتابك أزدشير بن بابك رب إراقة دم تمنع من إراقة دم وفي ~~أمثال العرب القتل أنفى للقتل وقيل: # لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجساد بالعلل PageV01P011 وهذا ~~كله مصداق قوله تعالى ولكم في القصاص حياة (وناهيك يا ذا القدر الخطير قصة ~~قابوس بن بشكمير) قال الحكيم للوزير أخبرني أيها الدستور الكبير بكيفية ما ~~أنت إليه مشير قال الوزير ذكر أن قابوس بن بشكمير ذاك الأسد المنير قبض على ~~جماعة كانوا جبذوا أيديهم من الطاعة من أركان دولته وبنيان صولته ثم قيدوه ~~وحبسوه وأقاموا ولده مقامه وأجلسوه ثم إنهم لم يأمنوا غوائله وأفكاره ~~الصائلة فتآمروا أن يسكبوه ويعمدوا إلى دمه فيسفكوه فأرسوا إليه قاتلا فوثب ~~إليه سائلا وقال ما سبب قتلي وما نابهم من أجلي مع كثرة إحساني إليهم ~~وانسبال ذيل ذيل إكرامي وإنعامي عليهم وتربيتي إياهم كالأولاد وفلذ الأكباد ~~وصوني إياهم عن آذاهم فقال كثرة إراقة الدماء أهاجت عليك الغرماء وأكثرت لك ~~الخصماء لما تغيرت خواطرهم عليك خافوا وقبل أن تحيف عليهم حافوا فقال قابوس ~~والله ما سبب هذا النكد والبوس وإثارة هؤلاء الخصماء الأقلة إراقتي للدماء ~~يعني لو أراق دماء القائمين عليه لما وصل هذا المكروه إليه فلما أبقى عليهم ~~أفنوه وحين ترك آذاهم آذوه وإنما أوردت هذا التنظير ليقف خاطرك الخطير إن ~~أمور الرياسة وقواعد السياسة كانت تقتضي السبك وأحرى بالعفو والترك وأما ~~الآن فذلك الحكم قد انتسخ والفساد في قلوب العباد رسخ وقد قيل: # تلجي الضرورات في الامور ... سلوك ما لايليق بالأدب # ومزاج الزمان قد تغير والمعروف منه قد تنكر وقد أعرضوا عن طاعة السلطان ~~واتبعوا مخادعة الشطان وكل منهم قد شرخ وباض الشيطان في أذنه وفرخ وتصور ~~لخيالاته الفاسدة ومحالاته الكاسدة إنه بما يكيد يبلغ ما يريد وهيهات ~~وشتان: # لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى سامها كل مفلس PageV01P012 ~~وهذا كما قال الله تعالى يعدهم ويمنيهم ms018 الشيطان وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا وما شعروا إن الملوك والسلاطين اختاره الله تعالى وألبسه من خلع ~~جبروته كمالا وجلالا وجعلهم بأموره قائمين وبعين عنايته ملحوظين وكما إن ~~الرسل والأنبياء والسادة الأعلام الأصفياء هم صفوة الله من خليقته ومختاروه ~~من خير بريته من غير كد ولا جهد ولا سعي منهم ولا جد ما برطلوا على النبوة ~~والرسالة ولا رشوا على نيل هذه الكرامة والنبالة إنما هو محض فضل من الله ~~تعالى وعنايته والله أعلم حيث يجعل رسالاته كذلك الملوك والسلاطين ~~والقائمون بإقامة شعائر الدين هم ممن اختاره الله على خلقه وأجرى على يديه ~~لهم بحار كرمه ورزقه والسلطان ظل الله في أرضه يجري بين عباده شريعة نفله ~~وفرضه قال من له الخلق والأمر أطيوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر وقد ~~غفل أهل هذه الممالك عن السلوك في هذه المسالك وعن درك هذه الحقائق وأعرضوا ~~عن الدخول في أحسن الطرائق وهي طريق المحاشمة والصفح والمكارمة وعدوا المكر ~~من أحسن الرياسة والعقل والكياسة والتحيل لأكل أموال الناس من الذكاء ~~ومظالم العباد من خلال الصدق والصفاء وتملقهم للملوك والسلاطين من أسباب ~~الوصول إلى الأغراض مع تحسين الظواهر وفي البواطن أمراض فظواهرهم ظواهر ~~الإنس تشمل على المودة والإنس وما فيهم تحت الثياب إلا كلاب وذئاب ولأجل ~~هذا سلطنا الله عليهم ومد يد بطشنا إليهم معاملهم بالفراسة ونعمل بما ~~تقتضيه الكياسة وتصوبه الآراء السلطانية من قواعد السياسة قال الحكيم حسيب ~~بعد ما أدركما في هذا الكلام من نكر غير مصيب اعلم أيها الوزير النافع ~~الناصح والدستور الشفيق المصالح أن الرعية بمنزلة السرج والملك لمنزلة ~~الشمس في البرج وإذا تلألأ على صفحات الأكوان وأنار في وجه الزمان والمكان ~~أشعة نور الشمس الوهاج فأي شعاع ووجود يبقى للسراج وإن أنوار قلوب الرعايا ~~وما يحصل لها من إشراق ومزايا إنما هي من فيض أشعة ملوكهم وإن الرعية تتبع ~~الملوك في سلوكهم فإذا صفت مرآة قلب السلطان أشرقت بالطاعة قلوب الرعايا ~~والأعوان بل الزمان والمكان تابعان لما يضمره وينويه ms019 السلطان وقد قيل إذا ~~تغير السلطان تغير الزمان (وهل أتاك أيها الدستور واقعة الرئيس مع بهرام ~~جور) قال الوزير أخبرنا يا باقعة كيف كانت تلك الوقعة قال الحكيم أخبرني ~~شيخ عليم بالفضل مشهور إن بهرام وكان ذا يد عزم على الصيد فخرج في عسكر ~~جرار واستوى في الصحارى والقفار وبينما هم قد تفرقوا فما شعر إلا وقد حركت ~~يد الشمال غربال المطر ثم تراكم من السحاب على وجه عروس السماء النقاب ~~وانهل الغمام المدرار وصارت الدنيا جنات تجري من تحتها الأنهار وأقبلت ~~سوابق السيول تجري في مضمارها الخيول فتشتت العساكر وتشوشت الخواطر فقصد ~~بهرام جور كفرا من الكفور وطلب القرى من تلك القرى منفردا عن عسكره مخفيا ~~من خبره فنزل بيت الرئيس وهو رجل خسيس فلم يقم من حقه بالواجب لأنه يعلم ~~ذلك الراكب فتشوش خاطره وتكدرت ضمائره وتغيرت عليهم نيته وإن لم تتغير ~~بشريته فلما أقبل الليل جاء الراعي وهو يدعو بالويل ويشكو كثرة المحن من ~~قلة اللبن وذكر أن المواشي لم تدر ضرعا مع إن رعيتها كانت أحسن مرعى ولا ~~وقف لذلك على سبب ولا درى كيف حال حالها وانقلب وكان للرئيس بنت تخجل ~~الأقمار بخدها وتقصف الأغصان على قدها فلما سمعت كلام الراعي قالت والله ~~أنا أعرف السبب والداعي وهو أن السلطان الذي نيته حفظ أوطاننا تغيرت نيته ~~علينا وتقدم ضميره بالسوء إلينا فظهر النقص في ماشيتنا وسيتعدى ذلك إلى ~~أنفسنا وحاشيتنا وقد قيل إذا هم الحاكم بالجور على الرعايا أدخل الله النقص ~~في أموالهم حتى الزروع والضروع قال أبوها فإذا كان الأمر كذلك فلا مقام لنا ~~في هذه الممالك فالأولى أن نتحول عن هذا المكان إلى مقام لا يضمر فيه سوءا ~~لرعيته السلطان ونستريح في ظل حاكمه ونرعى في مسارج مكارمه كل هذا وبهرام ~~يصغي إلى هذا الكلام فقالت البنت إن كان ولا بد من الانتقال واقتعاد مطية ~~الارتحال فما نصنع بهذه الأثقال والأزواد الثقال نقدم لهذا الضعيف منها ~~يحصل التخفيف عنها ويقع بذلك فائدتان إحداهما ms020 حسن المضيف وثانيهما التخفيف ~~فامتثل أبوها أمر ابنته ونقل إلى الضيف ما حواه بيته من طعام وشراب ونقل ~~وكباب وبسط بساط النشاط وأخذ دواعي الانبساط وانتقل من PageV01P013 إنا ~~ثلاثة رهط عنك في شغل ... بياننا مبرز عن حالنا جالي # حق له أن يلاقى وسط معركة ... في فتية بسيوف الهند أبطال # يبغون ما ابتغى ملقى نفوسهم ... فيهم عراة من الأموال أمثالي # ومن قوله: # ماذا رزئن من الرجال نفوسهم ... يوم العقيق ويوم نعف الأثول # 107 - عمرو بن صيفي الجهني من بني خزامة. # وهو الذي يقول: # تركت أبا لأم يوشج نسلها ... وأنقذت من طول العناوة معقلا # ومن قوله: تذكرني ولا تذكر. # 108 - عمرو بن الحارث بن أبي شمر الجهني. # القائل: # تقاربي هميم لا أبالك ... لا بد أني ثالغ قذالك # كل قتال القوم قد بدالك # 109 - عمرو بن المراد البلوي، أحد بني عوف بن ودم بن هنيء البلوي، يقول ~~للنخار بن أوس العذري الراوية، واستلحق بطنا من بلي بن عمرو بن الحاف بن ~~قضاعة، وذكر أنهم من قومه: # وقد كنت يا نخار ما تدعيهم ... وتعرض عنهم في السنين العوارق # يمنيهم النخار إلحاق نسبة ... بلأي، وما النخار فينا بصادق # 110 - عمرو بن ذي الرحا القيني، يقول: # بكرت علي تلومني وتغضب ... ومتى تردني بالملامة تصعب # بكرت علي فلم يزل مصخابها ... بغريض غادية وراح أصهب # 111 - عمرو بن أوس بن أسماء بن رباب بن معاوية بن بلال بن سلى بن رفاعة ~~بن عذرة بن عدي الجرمي. # هو الذي يقول: # فأجلت سماء البيت عنا وعنهم ... فريقين محبور يسر وهارب # كأنهم والنقع ينجاب عنهم ... رعيل نعام لفه القطر آيب # 112 - عمرو بن قدامة العذري، من بني عامر. # يقول: # يا عمرو من لليزاز خصم جائر ... بالعرم إذ حضر الصديق فأضلعا # 113 - عمرو بن قعيط العذري، من بني هند. # يقول: # إن كنت باكية من كبر مرزئة ... فابكي الكرام بني عمرو بن شماس # من كل أبيض نصل السيف معقله ... كأنما يهتدى منه بمقباس # 114 - عمرو بن شراحيل بن عبد العزى بن امرىء القيس ms021 الكلبي، من عبد ود. من ~~قوله: # تركت كعبا وكعب قائم ردن ... كأنه من جمالي الريف مهشوم # يا كعب إنا قديما أهل سابقة ... فينا السلام وفينا المجد والخيم # 115 - عمرو بن عروة بن العداء الكلبي الأجداري، يقول: # تباغت عدي بينهما وتفاضلت ... إلي وأهل العلم قاض وحاكم # ومن قوله: # بني أم عقاس أقروا خدودكم ... على خزية عثارها يتثور # 116 - عمرو بن زيد بن المتمني بن عبد الله بن الشجب بن عبد ود الكلبي. ~~يقول: # فلو كنت بعض المقرنين وعاجزا ... لكنت أسيرا في جبال محارب # وقفت على عمرو الذباب غدية ... وروحته بالأمس عن ذي تناضب # 117 - عمرو بن الأسود الكلبي الاجداري. # يقول: # وإن يك صادقا بالتيم ظني ... يشب الحرب ألوية كرام # فما أدري وعلي سوف أدري ... أحل مال أهيب أم حرام # أهيب: قبيلة. # وأهيب معشر من جذم كلب ... لهم نسب وآلهم قدام # 118 - عمرو بن عبد ود الحارث بن كعب بن الوكاء الكلبي، وهو ابن شعاث ~~الأصغر. # يقول: # ولو شكرت بهراء يوما لنعمة ... إذن شكرت يوم المسيح ابن أصرم # 119 - عمرو بن جنادة الخزاعي. # يقول: # فلا والله ما أكسو غلاما ... دعا لحيان ثوبا ما حييت # المخضرمون // من مضر 120 - عمرو بن عبدود، من بني عامر بن لؤي، فارس قريش ~~وشاعرها. قالى حماد بن إسحق الموصلي: أخبرني هشام ابن الكلبي: أته كان نديم ~~أبي طالب بن عبد المطلب في الجاهلية. PageV01P014 وحدثني الحسن بن محمد بن ~~فهم عن سعيد بن يحيى عن أبيه عن محمد بن إسحق بإسناده وعن الحسن بن حماد ~~سجادة عن يجيى بن سعيد الأموي بحديث مقتل عمرو بن عبدود يوم الخندق، قال: ~~كان عمرو ممن حضر يوم بدر حارب فارتشته، الجراحات وهو مثبت، وأفلت ولم يحضر ~~يوم أحد وحضر يوم الخنلق فأقبل بتنزى الى القتال وينادي بالبراز، ويقف وراء ~~الخنلق فينشد: # ولقد بححت من الندا ... ء لجمعهم هل من مبارز # ووقفت إذ وقف المشجع موقف القرن المناجز # فأمر رسول الله ( علي بن أبي طالب عليه السلام بالخروج إليه، فخرج إليه ~~راجلا، ms022 فقال له: انتسب، فتسمى، فقال له: ابن أخي لقد كنت أراك صبيا عند أمك ~~فأومل أن تكون للات والعزى نصيرا. فقال له: إن الله تعالى أنزل على ابن عمي ~~كتابا وشرع له دينا ولا يرضى غيره وكل ما كان عليه آباؤنا باطل وضلال. # قال: ما أحب أن أجزي أبا طالب عن مودته بقتلك. # قال: يعين الله عليك، فنزل إليه عمرو واجتلدا، قال: فلما سمع التكبير من ~~تحت العجاجة علم أن عليا قتله، وكان ذلك أول الفتح على رسول الله (. 121 - ~~عمرو بن قميئة الليثي، عدو الله وعدو رسوله (، والذي تولى الأثم العظيم من ~~كسر رباعية رسول الله ( وشجه في وجهه يوم أحد، وكان فارس قريش، وتعاهد هو ~~وأبي بن خلف الجمحي وابن شهاب جد الفقيه الزهري وعتبة ابن أبي وقاص، على ~~قتله (. فرد الله ابن شهاب بغيظه، وقصده أبي بن خلف، فأخذ رسول الله ( ~~الحربة من الحارث بن الصمة الأنصاري فطعنه بها طعنة خفية لم تصل الى حلقه. ~~فلم يسر إلا ليلتين حتى احتقن به الدم فقتله الله، ثم أفضى عدو الله عمرو ~~بن قميئة إليه وقد خف عنه أصحابه، فجرحه وانصرف إلى قريش فبشرهم بقتله، ~~وامتحن الله المسلمين بالجراح والانحياز واستشهد منهم من ختم له بالرحمة، ~~فلما تحاجزوا وصعد المسلمون الجبل، قال أبو سفيان بأعلى صوته: اعل هبل. ~~فقال له عمر بن الخطاب بأمر النبي (: الله أعلى وأجل، لا سواء قتلانا في ~~الجنة وقتلاكم في النار. # فقال أبو سفيان: من المتكلم قال: عمر بن الخطاب. قال: نشدتك الله هل قتل ~~صاحبكم؟ قال: لا والله، إنه ليسمع كلامك الآن. # قال: قبح الله ابن قميئة، أنت والله أصدق عندي منه وأبر. # ولابن قميئة شعر. # 122 - عمرو بن أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس. # أسلم في أول الاسلام واستشهد يوم أجنادين بالشام، وكان أسلم قبله أخوه ~~خالد بن سعيد، يقال: إنه خامس المسلمين، ثم أسلم عمرو بن سعيد وكتما ~~اسلامهما عن أبيهما أبي أحيحة فمات بالظريبة من أرض ms023 الطائف، فأظهروا ~~إسلامهما، فقال أخوهما أبان بن سعيد، وقد أسلم بعد ذلك: # ألا ليت ميتا بالظريية شاهد ... بما يفتري في الدين عمرو وخالد # أطاعا بنا أمر الوشاة فأصبحا ... نكابد من أعداننا من نكابد # فأجابه عمرو بن سعيد: # أخي ما أخي لا شاتم أنا عرضه ... ولا هو عن سوء المقالة مقصر # يقول إذا اشتدت عليه أموره ... ألا ليت ميتا بالظريبة ينشر # فدع عنك ميتا قد مضى لسبيله ... وأقبل على الحي الذي هو أفقر # أنشدني ذلك أحمد بن أبي خيثمة عن أحمد بن محمد بن أيوب عن إبراهيم بن سعد ~~عن محمد بن إسحق، قال: ولما غزا رسول الله ( الطائف مر بقبر أبي أحيحة، ~~فقال أبو بكر الصديق رضوان الله عليه: لعن الله صاحب هذا القبر فإنه كان ~~شديد العداوة لله ولرسوله. فقال خالد بن سعيد: لعن الله أبا قحافة فإنه كان ~~لا يقري الضيف ولايعين على النوائب. فقال رسول الله (: لا يؤذى مسلم بسب ~~كافر. # 123 - عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي. # يكنى أبا عبد الله، صاحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هاجر ~~إليه إلى المدينة في الهدنة التي كانت بينه ( وبين قريش، واستعمله، وعمل ~~لأبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم - صدرا من خلافته، وكان يهاجي وهو ~~بمكة حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة فيمن كان يهاجيهم من ~~شعراء قريش، وسمع حسان شعره فقال: هو عاقل وليس بالشاعر، وعمر عمرا طويلا. ~~PageV01P015 فتقدم بجأش صليب وقبل الأرض بين يدي الذيب وقال محبط الراعي ~~لجنابك داعي يسلم عليك وقد أرسلني إليك يشكر صداقتك وشفقتك وحشمتك ومرافقتك ~~ويقول قد تركت بحسن آدابك عادة أجدادك وآبائك فلم تتعرض لمواشيه وحفظت ~~بنظرك حواشيه وقد حصل لضعافها الشبع وأمست بجوارك آمنة من الجوع والفزع ~~وحصل لها الأمن من الجزع فالله يجعل جوارك وغياضك أحسن مجتمع لأن عجاف ~~ماشيته شبعت ورويت واستنعشت وقويت فأراد مكافأتك وتطلب مصافاتك ومصادقتك ~~فأرسلني إليك لتأكلني وأوصاني أن أطربك بما أغني فإني حسن الصوت ms024 في الغناء ~~وصوتي يزيد في شهوة الغذاء فإن اقتضى رأيك السعد غنيتك غناء ينسي أبا أسحق ~~ومعبد وهو شيء لم يظفر به آباؤك ولا أجدادك ولا يناله أعقابك وأولادك بقوى ~~كرمك وشهوتك وقرمك وبطيب مأكلك وبسني مأملك وإن صوتي للذيذ ألذ للجائع من ~~جدي حنيذ بخبز سميذ وللعطشان من قدح نبيذ ورأيك أعلى وامتثالك أولى فقال ~~الذئب لا بأس قد أجبت سؤالك فغن ما بدا لك فرفع الجدي عقيرته ورأى في ~~الصياح خبرته وملأ الدنيا عياطا وأعقبه ضراطا وأنشد: # وعصفور الهوى يهوي جراده ... كما عشق الخروف أبا جعاده # فاهتز الذئب طربا وتمايل عجبا وعجبا وقال أحسنت يا زين الغنم ولكن هذا ~~الصوت من ألم فارفع صوتك في الزير فقد أخجلت البلابل والزرازير وزدني يا ~~مغني قولي: # أقر هذا الزمان عيني ... بالجمع بين المنى وبيني # وليكن يا سيدي المغني هذا من أوج الحسيني فاغتنم الجدي الفرصة وأزاح ~~بعياطه الغصه وصرخ صرخة أخرى أذكره الطامة الكبرى ورفع الصوت كمن عاين ~~الموت وخرج من دائرة الحجاز إلى العراق وكاد يحصل له من ذلك الانفتاق وقال: # قفوا ثم انظروا حالي ... أبو مذقة أكالي # فسمعه الراعي يشدو فأقبل بالمطرق يعدو فلم يشعر الذئب الذاهل وهو لحسن ~~السماع غافل ألا والراعي بالعصا على قفاه نازل فرأى الغنيمة في النجاة وأخذ ~~في طريق النجاة وترك الجدي وأفلت ونجا منسيف الموت المصلت وصعد إلى تل ~~يتلفت بعد إذ تفلت فأقعى يأكل يديه ندامة ويخاطب نفسه بالملامة وقال أيها ~~الغافل الذاهل والأحمق الجاهل متى كان على سماط السرحان الغناء والأوزان ~~وأي جد لك فإني وأبي مفسد جاني كان لا يأكل إلا بالأغاني وعلى صوت المثالث ~~والمثاني فلولا أنك ما عدلت عن طريقة آبائك ما فاتك لذيذ غذائك ولا أمسيت ~~جائعا تتلوى وبجمر فوات الفرصة تتكوى وبات يحرك ضرسه ونابه ويخاطب نفسه لما ~~نابه ويقول: # وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا # وإنما أوردت هذا النظير لمولانا والوزير ليعلم أن العدول عن طرائق الأصول ~~ليس إلا داعية ms025 الفضول ولا يساعد معقول ولا منقول وأمور ذميمة وعاقبته وخيمة ~~وناهيك ما هو وكالعلم ومن يشابه أباه فما ظلم ويؤخذ من مفهوم هذه الحكم أن ~~من لم يشابه أباه فقد ظلم خصوصا الملوك والسلاطين الذين اختار رفعتهم رب ~~العالمين وذلك لئلا يدخل على قواعد المملكة من حركات الاختلال والاختلاف ~~حركة ولله يا ذا الإحسان ما قيل في شأن الملك أنوشروان: # لله در أنوشروان من رجل ... ما كان أعرفه بالوغد والسفل # نهاهم أن يمسوا عنده قلما ... وأن يذل بنو الأحرار بالعمل PageV01P016 ~~ولكن متى ما يجمعا عند واحد ... فحق له من طاعة بنصيب # ومن قوله، وكان مجاورا لبني قشير، وهم عثمانية: # يقول الأرذلون بنو قشير ... طوال الدهر ما تنسى عليا # أحب محمدا حبا شديدا ... وعباسا وحمزة والوصيا # فإن يك حبهم رشدا أصبه ... ولست بمخطىء إن كان غيا # قال: فقيل له: شككت. فقال: ما شك الله عز وجل حين قال(وإنا وإياكم لعلى ~~هدى أو في ضلال مبين). # وحدثني أبو زيد عمر بن شبة قال: لما وقعت الفتنة أيام ابن الزبير ~~بالبصرة، مر أبو الأسود على مجلس بني قشير فقال: يا بني قشير على ماذا أجمع ~~رأيكم في هذه الفتنة؟ قالوا: ولم تسألنا يا أبا الأسود؟ قال: لأخالفه فإن ~~الله لا يجمعكم على هدى. # وأنشدني أبو زيد في هذا المعنى: # إذا اشتبه الأمران يوما واشكلا ... علي ولم أعرف صوابا ولم أدر # على محمدفقلت لم # فإن قال قولا قلت شيئا خلافهلأن # 126 - عمرو بن شأس الأسدي، يكنى أبا عرار، شاعر مقدم، أسلم في صدر ~~الإسلام، وشهر وقعة القادسية. # أنشدنا حماد بن إسحاق الموصلي، من قوله: # وبيض تطلى بالعبير كانما ... يطأن، وإن أعنقهن بي جددا وحلا # لهوت بها يوما ويوما بشارب ... إذا قلت مغلوبا وجدت له عقلا # إذا ماجرت فيه المدام كأنما ... يصادي هجانا رد عن شوله فحلا # ومن قوله: # وقد يدوم ريق الطامع الأمل # وهو يقول في ابنه عرار بن عمرو: # فإن عرارا إن يكن غير واضح ... فإني أحب الجون ذا المنكب العمم # أرادت عرارا ms026 بالهوان ومن يرد ... عرارا لعمري بالهوان فقد ظلم # ومن أصحاب رسول الله ( الذي يروى عنهم حديثه، رجل يقال له عمرو بن شأس ~~وهو أسلمي خزاعي، وليس بهذا، وليس يروى لذاك شعر. # وحديثه قوله (: لا تؤذني في علي يا عمرو بن شأس. # 127 - عمرو بن الأهتم المنقري، واسم الأهتم سنان، بن سمي، سيد من سادات ~~قومه، وبيت من بيوت الخطابة واللسن، ولم يزل ذلك معروفا لهم منذ الجاهلية، ~~وفي الإسلام متصلا. ووفد عمرو بن الأهتم على رسول الله (، في وفد بني تميم ~~وبايعه، وكان حديث السن. # حدثني أبو زيد عمر بن شبة قال: حدثنا أبو عبيدة معمر بن المثنى أن قيس بن ~~عاصم ضرب وجه سنان بن سمي في يوم الكلاب في شيء جرى بينهما بقوس عربية فهتم ~~فاه، فعرف بعد ذلك بالأهتم. # وحدثني ابو أحمد محمد بن موسى بن حماد البربري عن ابن أبي السري عن ابن ~~الكلبي قال: لما أمر النبي ( لوفد بني تميم بجوائزهم، قال: هل بقي منكم ~~أحد؟ فقال قيس بن عاصم: غلام منا يحفظ ركابنا، فأمر له النبي ( بمثل ما أمر ~~لكل واحد منهم، فقال عمرو بن الأهتم يهجو قيسا وينفيه : # ظللت مفترشا هلباك تشتمني ... عند الرسول، فلم تصدق ولم تصب # إن تبغضونا فإن الروم أصلكم ... والروم لا تملك البغضاء للعرب # سدنا فسؤددنا عز وسؤددكم ... مؤخر عند أصل العجب والذنب # فقال قيس يعارضه بمثل قوله: # جاءت بكم فقرة من أهلها ... حيرية، ليس كما يزعمون # لولا دفاعي كنتم أعبدا ... مسكنها الحيرة والسيلحون # وحدثني أبو بكر محمد بن خلف قال: حدثنا علي بن حرب، قال:حدثنا الهيثم بن ~~محفوظ قال: حدثنا أبو المقوم يحيى بن سالم الأنصاري عن الحكم عن مقسم عن ~~ابن عباس قال: قال رسول الله ( لعمرو بن الأهتم: يا عمرو كيف الزبرقان ~~فيكم؟ قال: يا رسول الله شديد العارضة، مطاع في أدانيه، مانع ما وراء ظهره. # قال: والله يا رسول الله لقد حسدني، وإنه ليعلم مني أكثر مما قال. فقال ~~عمرو : أما إذا أبيت، فأنت والله ms027 ما علمت زمر المروءة، ضيق العطن، حديث ~~الغنى، أحمق الأب، لئيم الخال، والله يا رسول الله ما كذبت في الأولى ولقد ~~صدقت في الثانية، ولكني رضيت فقلت أحسن ماعلمت، وسخطت فقلت أسوأ ما علمت. ~~PageV01P017 فقال رسول الله ( إن من البيان لسحرا. # وحدثني عسل بن ذكوان النحوي، قال: حدثنا العباس بن ميمون قال: حدثنا بن ~~عائشة، قال: حدثنا حماد بن زيد قال: حدثنا محمد بن الزبير الحنظلي. قال ~~عسل: وحدثنيه أبو حرب محمد بن خالد المهلبي قال: حدثنا محمد بن عباد ~~المهلبي عن أبيه عن محمد بن الزبير وفي الحديثين اختلاف ألفاظ. 128 - عمرو ~~بن يثربي الضبي، فارس بني ضبة يوم الجمل، وقد قيل إن اسمه عميرة بن يثربي، ~~وقيل: إن عميرة أخوه. # وحدثني ابن أبي خيثمة عن دعبل: أن أسمه عمرو بن يثربي وكان عثمان بن عفان ~~استقضاه على البصرة ثم خرج مع عائشة، وقتل يوم الجمل ثلاثة من قراء الكوفة ~~المعدودين رحمهم الله من أصحاب علي رضوان الله عليه: علباء بن الهيثم ~~المرادي وهند بن عمرو الجملي من مراد أيضا وزيد بن صوحان العبدي، وارتجز ~~فقال: # إن ينكروني فأنا ابن يثربي # قاتل علباء وهند الجملي # ثم ابن صوحان على دين علي # وقتله عمار بن ياسر رضي الله عنه في ذلك اليوم. وكان عمرو بن يثربي قبل ~~ذلك من العباد المعروفين. # وحدثني أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة قال: حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن ابن ~~عون عن أبي رجاء العطاردي. # قال: سمعت ابن يثربي يرتجز يوم الجمل: # نحن بنو ضبة أصحاب الجمل # والموت أحلى عندنا من العسل # ننعى ابن عفان بأطراف الأسل # ردوا علينا شيخنا ثم بجل # ومن قوله: # ألا قل للزبير وصاحبيه ... وطلحة والذين هم النضار # 129 - عمرو بن أبي حمزة الهذلي، أخو بني قريم. # قال: # بلغوا قومنا الصواهل أنا ... قد نبذنا بحلية الأوزارا # حين لا ننظر المطي ولكن ... طار في حبل لاحق ما طارا # 130 - عمرو بن المستوغر بن زمعة، بن كعب بن سعد بن زيد ms028 مناة بن تميم. # يزعم بعض الرواة أنه عمر ثلاثمائة وخمسين سنة، وهذا باطل، والمشهور من ~~أمره، أنه حضر أمر الجاهلية الجهلاء وبقي إلى آخر أيام معاوية بن أبي ~~سفيان. قالوا: بينه وبين مضر عشرة أباء، وبين عمرو بن قميئة المعمر وبين ~~نزار عشرون أبا، وهذا فوقه في قعدد النسب وطرافته وبعده، وقد يكون مثل هذا. ~~حدثني محمد بن أحمد قال: حدثنا مسعود بن بشر قال: حدثنا الأصمعي قال: حدثنا ~~أبو عمرو بن العلاء وعقبة بن رؤلة. وحدثني عبد الله بن مسلم بن قتيبة: أن ~~المستوغر مر بعكاظ، وعلى ظهره ابن ابنه يحمله شيخا هرما، وأعيي من حمله ~~فوضعه بالأرض وقال: عنيتني صغيرا وكبيرا، فقال له رجل: يا عبد الله اتقول ~~هذا لأبيك؟ قال: أنا جده. قال: ما رأيت شيخا أكذب منك، مازدت لو كنت ~~المستوغر بن زمعة، قال: فأنا المستوغر. # وذكرمحمد بن الهيثم بن عدي عن أبيه: أنه سمي المستوغر بقوله في شعره: # ينش الماء في الربلات منها ... نشيش الرضف في اللبن الوغير # 131 - عمرو بن حبيب الثقفي، أبو محجن، فارس شاعر له صحبة، وكان مستهترا ~~بالشراب، كثير القول فيه، فحده عمربن الخطاب رضي الله عنه مرات، ثم أخرجه ~~الى العراق فشرب به فضربه سعد بن أبي وقاص وسجنه في قصر العذيب، وكان سعد ~~مريضا في القصر، فأقام المسلمون في حرب القادسية أياما ووجهت الأعاجم قوما ~~إلى القصر ليأخذوا من فيه، فاحتال أبو محجن حتى ركب فرس سعد عن غير علمه ~~وخرج فأوقع بهم ورآه سعد، فلما انصرف بالظفر خلى سبيله وقال: لا أضربك ~~بعدها في الشراب. # فقال: فإني لا أذوقها أبدا. # أخبرني أبو حنيفة إسماعيل بن عبد الله قال: دخل ابن أبي محجن على معاوية، ~~فقال له: أبوك الذي يقول: # إذا مت فادفني إلى أصل كرمة ... يروي عظامي بعد موتي عروقها # ولا تدفنني بالفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت ألا أذوقها # فقال: يا أمير المؤمنين بل هو الذي يقول: # لا تسألي الناس عن مالي وكثرته ... وسائلي القوم عن جودي ms029 وعن خلقي # نعطي السنان غداة الروع حصته ... وعامل الرمح أرويه من العلق PageV01P018 ~~لنفسه المنفعة أن يرجع معه فربما ينجح ويسلب من الحمار وعيه فقال يا أخي ~~شوقتني بهذه القضية إلى الاطلاع على تلك الوصية لاستفيد منها وآخذ حظي من ~~الفضل عنها فلا بد من مصاحبتك والذهاب معك ومرافقتك فقال الحمار لا دافع ~~ولا مشاقق ولا مانع أن تكون لي مرافقك فقال ابن آوى فهل في حفظك منها شيء ~~فإن كان فألقه إلي لنتذاكر في الطريق ولا يؤثر فينا التعب والضيق فقال ~~نصيحة واحدة هي بصدقي شاهدة وهي كلمة مجملة فوائدها فيها مجملة وهي أن أبي ~~قال لي إياك أن تفارق هذه الوصية فإن فارقتها وقعت في بلية وسأخبرك بسائرها ~~في المسير إذا تذكرت أيها البصير ثم سار قليلا وأفكر طويلا وقال وهذه أخرى ~~سنحها ذكري وارتضاها فكري وهي إذا وقعت في شدة ورمت للخلاص منها عده فتصور ~~أصعب منها يحصل لك التغصي عنها وتهن عليك وتعدها نعمة أسديت إليك فتشتغل ~~بشكرها وتستأنس بذكرها فقال ابن آوى أحسنت يا حمار وهذا مقام الأخيار ~~والصالحين والأبرار ثم سار سيرة رائثة وقال والله هذه نصيحة ثالثة فقال قل ~~واسلم وطل فقال لا تحسب أن الصديق الجاهل خير من العدو العاقل فإن علم ~~العدو العاقل خير لك من جهل الصديق الجاهل فقال ابن آوى ما أحلى كلامك ~~وأعلى في اللطف مقامك وأنزه منادمتك وأفكه مكالمتك بالله شنف المسامع فإني ~~لك بقلبي وجوارحي سامع فقال مهلا حتىأتذكرها وأتصورها كما ينبغي وأتفكرها ~~أمر ابن آوى على تعسه وساقه القضاء إلى رمسه فوصل إلى الضيعة وقد وقع ابن ~~آوى في ضيعة فالح على الحمار فقال أخبرني فما بقي لي اصطباري فقال قال لي ~~أبى بكلام فصيح عربي لا تجعل مقامك ومقيلك بمكان يكون فيه ابن آوى دليلك ~~والذب فيه جارك وخليلك وأن جعلت لك في هذا المكان ساحه فما ترى يكون لك فيه ~~من الراحة وأن أردت أن تخلص من هذا المكان فانصب الآذان وارفع ذكر الله ms030 ~~بالأذان فانه ينجيك من الضيق ثم رفع عقيرته بالنهيق فسمعه معارفه من الكلاب ~~فسارت إليه مستبشرة بحسن الإياب وسارعت إليه واجتمعت حواليه فما شعر ابن ~~آوى إلا وهو متورط في البلوى فطفر للهرب فادركه من الكلاب الطلب فاحتموشته ~~وانتوشته واختطفته واقتطفته ووزعته ومزعته ومرشته وقرشته فلم تبق منه عينا ~~ولا أثر واذهب دمه في تدبير هدرا وإنما أوردت هذا المثال وعرضته على الرأي ~~العال ليعلم أن الاغترار بالكلام والإصغاء إلى الحكايات والقول البطال من ~~غير تنقل من ألفاظها إلى معانيها وتأمل في مآكل مقاصدها وفحاويها والأعتماد ~~على القضايا المزخرفة والركون إلى الأمور المسفسفة لا يفيد سوى الندم وزلة ~~القدم والأصل في الولايات والمناصب التفكر في الخواتيم والتأمل في العواقب ~~والأفلبس في ذلك سوى إضاعة العمر والمصير إلى المهالك وقلت شعرا: ~~PageV01P019 فإما تردنا لهني الجمال ... ومد الدلاء وجر الفرس # واطراقنا بعد ثني السؤال ... فليس بنا يا ابن هند خرس # 134 - عمرو بن أحمر بن العمرد الباهلي، من بني قراص، شاعر فصيح مقدم على ~~جميع نظرائه في فنون الشعر وغريبه. # وقد أسلم وغزا مغازي الروم وأصيب بعينه هناك، وتوفي على عهد عثمان بن ~~عفان رضي الله عنه، وهو أحد العور المحسنين من الشعراء أنشدني أبو العباس ~~محمد بن يزيد المبرد لعمرو بن أحمر في عينه: # ضما وسادي فإن الليل قد بردا ... وان من كان يرجو النوم قد هجدا # فما على الجانب الوحشي مرتفق ... ولا على الظهر ما لم تجعلا سندا # شلت أنامل مخشي فلا اجثبرت ... ولا استعان بضاحي كفه أبدا # أصارني سهمه أعشى وغادره ... سيف ابن عيساء يشكو النحر والكمرا # أهوى لها مشقصا حشرا فشبرقها ... وكنت أدعو قذاها الإثمد القردا # قال لي المبرد: الإثمد الذي لم ينعم سحقه ومثله الحتر. # 135 - عمرو بن شبيل الثقفي، من بني عتاب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد، ~~له شعر. # 136 - عمرو بن قبيصة وهو ابن الطيفانية الدارمي أحد بني زيد بن عبد الله ~~بن دارم يقول: # إذا ما تذكرت ابني يزيد تصعدت ... إلى ms031 الصدر أحشائي وأسلمني ظهري # - ربيعة - # 137 - عمرو الرحال بن النعمان بن البراء بن أسعد بن عبد الله بن سعد بن ~~مرة بن ذهل بن شيبان، أنشد له دعبل: # عضت بنو هند بأير أبيهم ... هل كنت الا عاقدا لمجير # إذ خيلهم تردى علي فضولها ... ورجالهم في الكوكب المسعور # وأنشدنى له المرثدى. # سألوا البقية والرماح تنوشهم ... شرقى الأسنة والنحور من الدم # فتركت في نقع العجاجة منهم ... جزرا لساغبة ونسر قشعم # هذا البيت الأخير في قصيدة عنترة الميمية. # 138 - عمرو بن شقيق من بني عمرو بن سدوس، له أشعار في يوم النشاش. # 139 - عمرو بن العديل العبدي القائل: # ذهلت عن الصبا إلا القصيدا ... وراجعت الأنابة والسجودا # - اليمن - # 140 - عمرو بن الحمق الخزاعي رضي الله عنه صاحب رسول الله ( وهو ممن أعان ~~على عثمان رضي الله عنه وحضر قتله ومن قوله: # يا عمرو يا ابن الحمق بن عمرو ... من معشر شم الأنوف زهر # 141 - عمرو بن الجموح بن زيد الخررجي صاحب رسول الله (، والشهيد يوم أحد، ~~وقال له رسول الله ( وهو يخرج إلى أحد قولا يعذره به في التخلف عنه لمكان ~~عرجه فقال: والله يا رسول الله إني لأطمع أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، ~~وقبره معروف في قبورالشهداء بأحد ومن قوله: # أتوب إلى الله مما مضى ... وأستغفر الله من ناره # وأثني عليه بآلائه ... بأعلان قلبي وإسراره # وكان أسلم قبل هجرة النبي ( بعد أن أمتنع من الأسلام مدة وقد فشا ~~بالمدينة، فعدا فتيان من قومه قد أسلموا على صنمه فكسروه وألقوه في بئر ~~وقرنوا به كلبا ميتا فقال: # بالله لو كنت إلها لم تكن ... أنت وكلب وسط بئر في قرن # ثم أسلم. # 142 - عمرو بن معدي كرب الزبيدي الفارس المشهور، يكنى أبا ثور، جعله ابن ~~سلام رابع فرسان العرب المذكورين، وحكي عن خلف الأحمر وغيره تقدمه عليهم ~~أخبر بذلك أبو خليفة بن الحباب قال: حدثنا محمد بن سلام، وأخبرني أبو بكر ~~بن زهير قال حدثنا الأثرم أن أبا عبيدة معمر بن المثنى قال كانت ms032 العرب لا ~~تزيد فيمن تعد من الفرسان أو الشعراء أو الخطباء على ثلاثة نفر، وذكر أن ~~العرب مجمعة على أن فرسانها في الجاهلية ثلاثة: عتيبة بن الحارث بن شهاب ~~اليربوعي، وعامر بن الطفيل العامري وبسطام بن قيس بن مسعود الشيباني، ولم ~~يذكر أبو عبيدة عمرو بن معدي كرب فيهم. # وأخبرنا أبو سعيد بن شاهين قال حدثنا ابن النطاح قال حدثنا أبو عبيدة ~~قال: كان عمرو بن معدي كرب يقدم على زيد الخيل في البأس والنجدة، ولا يعلم ~~له في الجاهلية أسير. PageV01P020 وكان عمرو قد أسلم في حياة رسول الله ( ~~ثم ارتد مع مرتدة اليمن وحارب عمال رسول الله ( ثم عاد الى الإسلام، وأخرجه ~~عمر بن الخطاب في بعث العراق فشهد فتوح فارس وأبلى فيها فكتب عمر بن الخطاب ~~إلى سعد بن أبي وقاص أن يستشيره في الحرب وطليحة بن خويلد الأسدي ولا ~~يوليهما شيئا من أمر المسلمين، وأخباره في غاراته في الجاهلية وقتله من قتل ~~من الفرسان مشهورة وكثير منها أكاذيب. # حدثني أحمد بن زهير قال حدثنا محمد بن سلام أراه عن عبد الملك بن ~~الماجشون قال: كان عمرو بن معدي كرب في مسجد الكوفة يحدث بأيامه في ~~الجاهلية إذ قال: فلقيت أنس بن مدرك الخثعمي فطعنته فقتلته وأنس في القوم ~~فقال أنس: حلا أبا ثور: ها أنا جالسا اسمعك فقال: اسكت ويحك نوزغ هذه ~~النزارية، نوزعها نكفها وذكر أحمد بن الهيثم الفراسي قال: حدثني عمي أبو ~~فراس قال: حدثنا ابن الكلبي قال: كانت الفرسان تتواقت على خيولها في ~~الكناسة بالكوفة فتتحدث، قال فوقف جماعة من الأشراف فيهم خالد بن الصقعب ~~النهدي وطلع عليهم عمرو بن معدي كرب فقالوا، يا أبا ثورحدثنا ببعض عجائبك، ~~فابتدأ بذكر أمر جرم حين حالفت بني زبيد وإغارتهم على الحارث بن كعب ~~وحلفائها من نهد وإخوتها وساق خبرهم فقال فيه: فلقيتني بنو نهد مسترعفين ~~بخالد بن الصقعب، فضربته بالصعصامة ضربة فرقت بها بين شقيه، فسقط الى الأرض ~~من كلا جانبيه فقال له خالد: إن قتيلك ms033 يا أبا ثور يسمع حديثك، قال: إنما ~~أنت محدث فاسمع. # وأخبرنا ابن شاهين قال: حدثنا ابن النطاح قال: حدثني أبو عبيدة معمر قال: ~~كان عمرو بن معدي كرب يوم القادسية قد أرمق على مائة سنة. # وحدثني عسل بن ذكوان قال: حدثنا أبو حاتم السجستاني قال كان خلف الأحمر ~~مولى الأشعريين يتعصب لعمر بن معدي كرب ويفرط في الإشادة بذكره، فقال له ~~بعض أصحابه يوما: إنه كذاب، فقال: إن كان يكذب في المقال فإنه كان يصدق في ~~الفعال. # وأخبرنا محمد بن إسماعيل بن يعقوب الأعلم قال: حدثنا محمد بن سلام قال: ~~قال يونس بن حبيب: أبت العرب إلا أن عمرا كان يكذب، وله أشعار كثيرة جياد، ~~أنشدنا له محمد بن يحيف المروزي عن الجاحظ قصيدته التي أولها. # أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع # وفيها يقول: # إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه الى ما تستطيع # ومما استحسن تشبيهه فيه: # ترى السرحان مفترشا يديه ... كأن بياض لبته صديع # ومن قوله المختار. # ظللت كأني للرماح درية ... أقاتل عن أبناء جرم وفرت # وجاشت الي النفس أول مرة ... فردت على مكروهها فاستقرت # والبيت الأول من أمض ما هجي به أحد والبيت الثاني من أصدق ما قاله فارس. # 143 - عمرو بن سالم بن حصيرة الخزاعي الملحي: من أصحاب رسول الله (، ~~وبسببه كان فتح مكة. # حدثني محمد بن الأزهر قال حدثنا سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه عن محمد بن ~~إسحق قال: كانت راية خزاعة يوم الفتح وهم مع رسول الله ( مع عمرو بن سالم ~~هذا. # وأخبرني أحمد بن أبي خيثمة قال حدثنا أحمد بن محمد عن إبراهيم ابن سعد عن ~~محمد بن إسحق بإسناده قال: لها هادن رسول الله ( قريشا السنين التي كتب بها ~~الكتاب بالحديبية كانت خزاعة مسلمها وكافرها في عقد النبي ( وكانت بكر بن ~~عبد مناة في عقد قريش وبين بكر وخزاعة مغاورات، وفشا الإسلام في خزاعة ~~وانتصفت من بكر فشكت بكر ذلك إلى قريش فأعانتها سرا ودست اليها الرجال ~~والسلاح فبيتوا خزاعة على ms034 ماء لهم يقال له الوثير، فقتلوهم قتلا ذريعا، ~~فخرج عمرو بن سالم حتى قدم المدينة على النبي ( فأنشده: # لا هم إني ناشد محمدا ... حلف أبيه وأبينا الأتلدا # كنت أبا برا وكنا ولدا ... إن قريشا أخلفتك الموعدا # ونقضت ميثاقك المؤكدا ... وزعمت أن لست تدعو أحدا # وهم أذل وأقل عددا ... وطرقونا بالوثير هجدا # فقتلونا ركعا وسجدا ... فانصر هداك الله نصرا أيدا # وادع عباد الله يأتوا مددا ... فيهم رسول الله قد تجردا PageV01P021 أن ~~صحبة الأخيار كجرة النضار بطيئة الانكسار سريعة الأنجبار وصحبة الأشرار ~~كجرة الفخار سريعة الانكسار بطيئة الأنجبار وبالجملة فما في صحبة الناس ~~فائدة ولا في مخالطة الناس كبير عائده وقد قيل: # ولم تر من بني الدنيا سلاما ... فان تراه فابلغه سلامي # وينبغي أن تكون غيبتكم وحضوركم وأجوالكم وأموركم وأجتماعاكم وفراقكم ~~وصلحكم وشقاقكم في حالتي السراء والضراء والبؤس والرخاء على وتيرة واحدة ~~وهي الخالية عن الأغراض الفاسدة أعني إذا رضيتم فبالحق وإذا غضبتم فالحق ~~وإذا توجهتم فاللحق ولا تبطروا في حالة النعم ولا تضجروا في حالة النقم ~~وعلى كل حال فلا يقع بينكم اختلال وذلك بتفرق الكلمة واختلافها وتصادمها ~~وعدم ائتلافها فانه قيل: # إن الدليل الذي ليست له عضد ... مثل الوحيد بلا مال ولا عدد # (وقيل أيضا): # كونوا جميعا يا بني إذا اعترى ... خطب ولا تتفرقوا أجنادا # تأبى القداح إذا جمعن تكسرا ... وإذا افترقن تكسرت أفرادا # ولا تثقوا بأحد من الكبار والصغار إلا بعد الأختبار في الشدة والضعف ~~والرفق والعنف والبؤس والرخاء والخوف والرجاء ولا تقدموا على قديم الأصحاب ~~أحدا ولا على الموثوق بهم من لا جربتموه أبدا وقد قيل في المثل المشهور ~~النحس المعروف خبر من الجيد المنكور وقيل أيضا خير الأشياء جديدها الأصحاب ~~قديمها وأسوأ قواعدكم أخراكم في دنياكم واغتنموا السعادة الباقية من الدار ~~الفانية وعاملوا تجدوا وازرعوا تحصدوا وتفكروا من أول يومكم أحوال عزكم ومن ~~أوائل عمركم أواخر دهركم ومن ليلة الهلال سرار أشهركم فكل من له صدق قدم ~~يتفكر وهو موجود حالة العدم ومن زمان شبابه حالة الهرم ms035 كما فعل التاجر ~~المراقب وما آل إليه العواقب فقبل الأرض الأولاد وقالوا مولانا السلطان ~~أعظم من أفاد لو تصدق على عبيده الطائعه ببيان تلك الواقعة (قال الملك) ذكر ~~الحكماء وذووا الفضل من العلماء أنه كان في بعض الأمصار تاجرا من أعيان ~~التجار ذو مال جزيل وجاه عريض طويل ونعمة وافرة وجشم وخدم متكاثرة من ~~جملتهم غلام مخابل السعادة من جبينه لائحة وروائح النجابة من أذيال شمائله ~~فائحة قد أفتى عمره في خدمة مولاه ولم يقصر لحظة في طلب رضاه فقال له سيده ~~في بعض الأيام لك على حق يا غلام وأنا أريد مكافأتك وأطلب موافاتك فتوجه ~~هذه المرة في هذه السفرة فمهما ربحت فهو لك بعد أن أعتقك من قيد رق أشغلك ~~ثمن أوسق مركبا وفسح له في السير شرقا ومغربا وصاه بأشياء امتثل مرسومها ~~والتزم منطوقها ومفهومها فقال له مولاه سأرفعك على إضرابك وأغنيك عن ~~أمثالكوأصحابك وأجعلك كأكبر من في الدنيا ولجميع رفقتك بمنزلة المولى ثم ~~أخذ في تعبية البضائع وأوسق مركبه المتاجر والمنافع وسلمه إلى الهواء ~~والماء بعد أن توكل على رب السماء فسار بعض أيام وهو في أهنى مرام وخضره ~~الملاح وموسى وفتاة حافظ الألواح وبينهما السفينة من نسف العواصف أمينه ~~تجاري السهم والطير وتبارى الدهم في السير فإذا بالرياح هاجت والأمواج ماجت ~~وأشباح البحر تصادمت وأطواد الأمواج على العرفاء تلاطمت فعجز ذلك الملاح ~~والحافظ ونشر مذهب ابنه أبو الجاحظ وترك سيمة الوقار والسكينة ورقم نقش ~~الحروف في ألواح السفينة فشاهدوا من ذلك الهواء والأهوال وغدا قاع البحر ~~كالجبال وصار في ذلك الغراب بمن فيه من الأصحاب كأحوال الدنيا بين صعود ~~وهبوط وقيام وسقوط طورا يستأمنون الأفلاك ويناجون الأملاك وينهون أخبار ~~ظلمات صاحب الحوت إلى السماك وطورا يهبطون الغور وينظرون قرن الثور وربما ~~قوامنه من تحت الزور فلم يزالوا عاجزين حيارى سكارى وما هم بسكارى ~~يتناشدون: # وفلك كبناه والبحر ذو ... هواء فثار وحار ومارا # فطورا اعلونا السماء وطورا ... رمتنا أراضيه منها انحدارا PageV01P022 ~~وآخر الأمر نسفت السفينة الرياح ms036 وألقى كاتب الحاصب إلى كل حرف من حروف ~~الجبال لوحا من الألواح وأوعر الله سهلها وخرقها فأغرقها وأهلها وذهب البحر ~~بأموالها وأرواحها وتعلق الغلام بلوح من ألواحها واستمر تقذفه الأمواج ~~وتصدم به أثباج البحر الهياج إلى أن وصل إلى ساحل فخرج وهو كئيب ناحل وصعد ~~إلى جزيرة فواكهها غزيرة ووصفها عجيب ليس بها داع ولا مجيب فجعل يمشي في ~~جنباتها إلى أن أداه التوفيق إلى فم طريق فسار تلك الجادة وهداية الله له ~~مادة فانتهى به المسير إلى أن تراءى له سواد كبير وبلغ مملكة عظيمة ولاية ~~جسيمة ورأى على بعد مدينة مسورة حصينه فعمد إلى ذلك البلد وتوجه نحوها وقصد ~~فاستقبله طائفة من الرعال نساء ورجال يتبعهم جنود مجندة وطوائف محشدة مع ~~طبول تضرب وفوارس تلعب رزمور تزعق وألسنة بالثناء تنطق حتى إذا وصلوا إليه ~~تراموا عليه وأكبوا بين يديه يقبلون يديه ورجليه مستبشرين برؤيته متبركين ~~بطلعته ثم ألبسوه الخلع السنية وقدموا فرسا عليه بكنبوش ذهب وسرج مغرق ~~ووضعوا له التاج على المفرق ومشوا في الخدمة بين يديه والجنائب في الموكب ~~تجر لديه ينادون حاشاك واليك سلطان الناس قادم عليك حتى وصلوا إلى المدينة ~~ودخلوا قلعتها الحصينة ففرشوا شقق الحرير ونثروا النثار والكثير وأجلسوه ~~على السرير وأطلقوا مجامر الند والعبير ووقف في خدمته الصغير والكبير ~~والمأمور والأمير والدستور والوزير وأشندوه: # قدمت قدوم البدر بيت سعوده ... وأمرك فيتاصاعد كصعوده PageV01P023 لا خير ~~في الدنيا لمن لم يكن له ... من الله في دار القرار نصيب # فحسبي من الدنيا دلاص حصينة ... وأجرد خوار العنان نجيب # في أبيات، ثم أخذ رمحه فعمل في المسلمين عملا مارأوا مثله من أحد. حدثني ~~محمد بن يحيى قال: حدثنا الجاحظ عن القريعي قال: قلت ليونس بن حبيب: أين ~~كان عمرو القنا من جذل الطعان وملاعب الأسنة، فقال: لا بل أين كان جذل ~~الطعان وملاعب الأسنة من عمرو القنا، ومات موتا ولم يقتل. فقال الحجاج: لا ~~وألت نفس الجبان، هذا عمرو القنا مات،حتف أنفه. 158 - عمرو بن حكيم بن ms037 معية ~~بن أبي صعبة التميمي من ربيعة الجوع، يقول: # هل تعرف الدارة من ام وهب ... إذ هي خود عجب من العجب # فيما اشتهت من خبز بر وحلب ... تقتل كل ذات زوج وعزب # 159 - عمرو بن حرثان ذي الاصبع العدواني، نزل خراسان وهو شاعر فارس، ضربه ~~أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد حدا في الشراب - فهجاه فقال - : # لعمري لقد ضيعت ثغرا وليته ... أبا جعل أف لفعلك من فعل # فلو كنت حرا يا أمية ماجدا ... زحفت إلى الأعداء في الخيل والرجل # ولكن أبي قلب جبان ونية ... تقصر عن فعل الكرام ذوي الفصل # عذرت قريشا أن يجودوا ويبخلوا ... فما لبني سوداء والجود والبخل # مغازيل اكفال إذا الحرب شمرت ... وحلم بني السوداء شر من الجهل # رأيت بني السوداء ليسوا بسادة ... ولا قادة عند الحفاظ على الأصل # وقال فيه أيضا. # أضاع أمير المؤمنين ثغورنا ... وأطمع فينا المشركين ابن خالد # وبات على خور الحشايا منعما ... يلاعب أمثال المها في المجاسد # وبتنا جلوسا في الحديد وتارة ... قياما ننادي ربنا في المساجد # إذا هتف العصفور طار فؤاده ... وليث حديد الناب عند الثرائد # أخبرني أبو حنيفة إسماعيل بن عبد الله، ومحمد بن أحمد عن مسعود بن بشر عن ~~إبراهيم بن داحة قال: فقال له عبد الملك بن مروان: مالك ولابن حرثان، قال: ~~وجب عليه حد فأقمته قال: فهلا درأته عنه بالشبهة فو الله ما يسرني أنه ~~لحقني ما لحق علقمة بن علاثة من بيت الأعشى وأن لي ما على الأرض، ثم أنشد ~~بعض أبيات الأعشى الصادية في علقمة. # 160 - عمرو بن عتاب التيمي تيم الرباب أحد بني ربيع من قوله يرثي أخاه ~~عباد بن عتاب: # كأنه لم يكن ميت ولا حزن ... ولا رزية دهر قبل عباد # 161 - عمرو بن رياح المزني من بني جآوة بن عثمان، يهجو أبا وجزة السعدي: # أنا ابن أوس وعثمان الألى بلغوا ... مع الرسول تمام الألف وانتسبوا # وما وفى معه من غيرهم أحد ... ألفا وما خذلوا عنه ولا نكبوا # 162 - عمرو بن أمية ms038 بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أبي أحيحة سعيد بن العاص ~~بن أمية، له شعرصالح، وأكثر ما يروى له في هجاء عمته أم موسى بنت عمرو بن ~~سعيد ورميه إياها بمتطبب نصراني يقال له وهب، أنشدني محمد بن القاسم بن ~~مهروية قال: أنشدنا روح بن فرج الحرمازي، قال: أنشدنا هشام ابن الكلبي له: # لا بارك الرحمن في عمتي ... وزادها في ضعفها ضعفه # ما زوجت من رجل سيد ... يا زيد الا عجلت حتفه # ولا رأينا قط زوجا لها ... أبلى جديدا عندها خفه # وأنشدني له محمد بن الهيثم بن عدي عن أبيه في المتطبب: # يا ليتني كنت وهبا كي تطاوعني ... فيما هويت من الأشياء عمتنا # إذن لكنت قرييا من مودتها ... وأنجحت عندها يا زيد حاجتنا # يريد وهب أمورا كنت آمنها ... يردنا عن هوى ربي ويلفتنا # قس وضيء لطيف الخصر مختلق ... هانت على عمتي في القس سخطتنا # وأنشد له أيضا فيها: # لا بارك الرحمن في عمتي ... ما أبعد الأيمان من قلبها # تلك أم موسى بنت عمرو التي ... لم تخش في القسيس من ربها # يا عبد لاتأسي على بعدها ... فالبعد خير لك من قربها PageV01P024 والنصوح ~~الصديق جزاك الله خيرا وكفاك ضيما وضيرا أني قد فكرت في شيء ينفع نفسي ~~ويحيها ويدفع شر هذه البلية التي وقعت فيها وأريد معاونتك وأطلب مساعدتك ~~فأني رأيتك في الفضل متميزا بين أقرانك فاثقافي محاسن الشيم على أصحابك ~~وإخوانك فقال افعل يا ذا الزعامة وحبالك وكرامه قال اعلم أيها الصاحب ~~الأعظم أن الرجوع إلى هذاالمكان الذي كنت فيه خارج عن الإمكان والإقامة في ~~هذا الملك المعهود إنما هي إلى أجل معدود ووقت محدود وانقضاؤه على البتات ~~وكل ما هو آت آت وكيفية الخروج قد عرفت وطريقها قد تقررت ووصفت ولهذا قيل ~~يا ذا الفضل الجزيل دخلنا مضطرين وأقنا متحيرين وخرجنا مكرهين ولم يتجه ~~مخلص من هذا المقنص إلا طريق واحد وسبيل غير متعاهد وهي أن تأخذ طائفة من ~~البنائين وجماعة من المهندسين والنجارين وتذهب بهم أيها الوزير إلى ms039 مكان ~~إليه نصير فتأمرهم أن يبنوا لنا هناك مدينة ويشيدوا لنا فيها أماكن مكينة ~~ومخازن وحواصل وتملؤها من الزاد المتواصل من المآكل الطيبة والأطعمة ~~والأشربة اللذيذة المستعذبة ولا تغفل عن الإرسال ولا تختر الإمهال والإهمال ~~في الظهيرة والأسحار والغدو والآصال إذ أوقاتنا وأنفاسنا معدودة وساعة تمضي ~~منها غير مردوده وإذا فات شيء من ذلك الوقت فلا نعوض عنه إلا الخيبة والمقت ~~فننقل هناك ما يكفينا على حسب طاقتنا ومقدار قدرتنا واستطاعتنا فإذا تزودنا ~~منها لم نرحل عنها بحيث إذا نقلنا من هذه الديار وطرحنا في تلك المهمة ~~والقفار وجفانا الأصحاب وتخلى الإخلاء عنا والأحباب وأنكرنا المعارف ~~والأوداء واحتوشتنا في تلك البيداء فنون الداء نجد ما نستعين به على إقامة ~~الأود مدة إقامتنا في ذلك البلد فأجاب بالسمع والطاعة وأختار من المعمارية ~~جماعة وأحضر المراكب وقطع البحر إلى ذلك الجانب وجعل الملك يمدهم بالآلات ~~والأدوات على عدد الأنفاس ومدى الساعات إلى أن أعنى المعمارية العمارة ~~وأكملوا حواصل الملك ودلره وأجروا فيها الأنهار وغرسوا فيها الأشجار فصارت ~~تأوي إليها الطيور بالليل والنهار ويترنم فيها البلبل والهزار بأنواع ~~التسبيح والأذكار وغدت من أحسن الأمصار وبنوا إليها الضياع والقرى وزرعوا ~~منها الوهاد والثرى ثم أرسل إليها ما كان عنده من الخزائن ونفائس الجواهر ~~والمعادن وأرسل من ظريف التحف إليها ومن حاجاته المعول عليها بحيث لو أقام ~~بها سنين قامت بكفايته وفضلت خزائنها عن حاجته وأكثر من إرسال ما يلزم من ~~الأدوات والأشربة والمطعومات وجهز الخدم والحشم وصنوف الأستعدادات من النعم ~~فما انقضت مدة ملكه ودنت أوقات هلكه إلا ونفسه إلى مدينته تاقت وروحه إلى ~~مشاهدتها اشتاقت وهو مستوفز للرحيل ورابض للنهوض والتحويل فلما تكامل له في ~~الملك العام لم يشعر إلا وقد أحاط به الخاص والعام ممن كان يفديه بروحه من ~~خادمه ونصوحه ومن كان سامعا لكلمته من أعيان خدمه وحشمته وقد تجردوا لجذبه ~~من السرير ونزع ما عليه من لباس الحرير ومشوا على عادتهم القديمة وسلبوه ~~الحشمة الجسيمة ومملكته العظيمة وزالت الحشمة والكلمة ms040 والحرمة وشدوا وثاقه ~~وذهبوا به إلى الحراقة ووضعوه وقد ربطوه في المركب الذي هيئوه وأوصلوه إلى ~~ذلك البز من البحر فما وصل إليه إلا وقد أقبلت خدمه عليه وتمثلت طوائف ~~الحشم والناس لديه ودقت البشائر المقدمة وحل في سروره المقيم ونعمه واستمر ~~في أتم سرور واستقر في أوفر حبور ثم قال الملك للأولاد فلذ الأكباد وإنما ~~أوردت هذا المقال على سبيل المثال فأصغوا إلى حسن التنظير حتى أبين لكم ~~النظير وعوامل ما أقول بآذان القبول وتأملوا رموز المعاني من هذه الألفاظ ~~التي خجلت المثاني ثم تفكروا وتبصروا وبعد التذكير والتبصر تدبروا أما ذلك ~~العام المعهود فأنه الولد في أول الوجود وأما المركب الذي أودعه فهو بطن ~~أمه الذي استودعه وانكسار السفينة هو انشقاق المشيمة والجزيرة التي خرج ~~إليها فهي الدنيا التي دخل عليها والناس الذين استقبلوه فأقاربه وذووه ~~وأهلوه يربونه بالملاطفة والعلال ويعاملونه بالإكرام والأفضال وذلك الشاب ~~الذي هو وزيره فهو عقله ومن إيمانه نوره والسنة المضروبة أجله المحتوم ~~وعمره المعدود المعلوم ونزوله عن سريره عبارة عن آخرته ومصيره وخروجه من ~~الدنيا بالإكراه وشروعه في دخول إلى أخراه والبحر الثاني الذي طرح فيه هو ~~أحوالما يعاينه عند الموت ويعانيه PageV01P025 شبا كل شيء حده، وقال لنا ~~أحمد بن يحيى ثلب وقد أنشدنا هذا الشعر ما النيم؟ فقال له جعفر المؤدب ~~المعروف بالشاعر النيم أعزك الله نصف بالفارسية، فقال: فأنا ترجمان لست ~~صاحب لغة، ثم حدثنا عن سلمة عن الفراء عن الصقيل العقيلي قال: النيم الفرو، ~~ومن هذا أخذ القائل شعره. # نشربها صرفا وممزوجة ... يميل منها عنق البازل # إذا شربنا خمسة خمسة ... فقد لبسنا الفرو من داخل # 169 - عمرو بن حسان بن هانئ بن مسعود بن قيس بن خالد من بني الحارث بن ~~همام بن مرة بن ذهل بن شيبان صاحب شراب استفرغ شعره في وصف المجالس ~~والندامى والخمر وأسبابها، وأنشد له حماد بن إسحق وغيره، ويروى لعمرو بن ~~الأيهم التغلبي. # ما بال قوم أغربوا... ... أن قيل يوما إن عمرا سكور # إن ms041 أك مسكيرا فلا أشرب ... وغلا ولا يسلم مني البعيد # قاتلك الله من مشروبة ... لو أن ذا مرة عنك صبور # الزق ملك لمن كان له ... والملك منه طويل وقصير # منه الصبوح الذي يجعلني ... ليث عفرين ومالي كثير # فأول الليل فقرم ماجد ... وآخر الليل فضبعان عثور # وأنت ان تلقك أربية ... منهم يلاقيك غلام غرير # أو أشمط اللمة يوما به ... من صدأ الدرع ويوما عبير # يسعى إلى الموت به قارح ... أحكمه الصنع مجش ضمور # وأنشدني ابن أبي خيثمة لعمرو بن حسان هذا # ألا يا أم عمرو لاتلومي ... إذا اجتمع الندامى والعمائم # أفي نابين بالهما أساف ... تاوه طلتي ما إن تنام # بالهما: باعهما فشرب، بأثمانهما، وطلته زوجته. # 170 - عمرو بن عبد الله بن معاوية بن عبد بن سعد بن جشم بن قيس بن سعد بن ~~عجل الذي يقول: # إذا أخمد النيران من حذر القرى ... رأيت سنا ناري يشب اضطرامها # 171 - عمرو بن مبردة، وقالوا: مبرد العبدي، من محارب عبد القيس، أنشد له ~~دعبل: # نهيتكم أن تحملوا هجناءكم ... على خيلكم يوم الرهان فتدركوا # فتفتر كفاه ويسقط سوطه ... وتحدر ساقاه فما يتحرك # وهل يستوي المرآن هذا ابن حرة ... وهذا ابن أخرى طهرها متشرك # وأدركه خالاته فاختزلنه ... ألا إن عرق السوء لا بد مدرك # ويقال: إن بني عبد الملك بن مروان استبقوا بين يديه فسبقوا جميعا مسلمة ~~بن عبد الملك فأنشد عبد الملك هذا الشعر فأجابه مسلمة بشعر مثله. # 172 - عمرو بن أوس بن عصبة العبدي أخو أبي الجويرية عيسى بن أوس، وهو ~~الذي يقول في علي بن عبد الله بن عباس رضى الله عنهم: # يا ابن صريح الحسب المهذب ... أنت النجيب للنجيب المنجب # وقد رووها له في العريان بن الهيثم بن الاسود النخعي يقول فيها: # عريان يا طيب يا ابن الطيب # 173 - عمرو بن الهذيل الربعي، هو الذي يقول: # فدى لسيوف من ربيعة بحبحت ... أخاها سجستانا بجير بن سلهب # 174 - عمرو بن ذكينة الربعي الخارجي - من الشراة، حدثني أبو بكر محمد بن ~~راشد قال: حدثنا سعد ms042 بن محمد قال: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، عن ~~الوليد بن مسلم عن الأوزاعي قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز رضى الله ~~عنه كتب إليه رجل من الحرورية يقال له عمرو بن ذكينة بأبيات من شعره: # قل للمولى على الإسلام مؤتنفا ... وقد نرى أنه رث القوى واه # أزرى به معشر غذوه مأكلة ... بنخوة العز والأتراف والباه # إنا شرينا بدين الله أنفسنا ... نبغي بذاك إليه أعظم الجاه # نبغي الولاة بحد السيف عن سرف ... كفى بذاك لهم من زاجر ناه # فأن قصدت سبيل الحق يا عمرا ... آخاك في الله أمثالي وأشباهي # وإن لحقت يقوم كنت واحدهم ... في جور سيفهم فالحكم لله PageV01P026 إلى ~~سفر طويل زاده قليل قفاره يابسة وطرقه دامسه لا أنيس فيه ولا رفيق ولا ~~مصاحب ولا صديق ولا دليل ولا خليل ولا مغيث ولا مقيل ولا ماء ولا معين ولا ~~صاحب ولا معين فيهيئ لهذا السفر بقدر الإمكان ما قدر من الزاد وألما ~~والمركب والكلا ونور الطريق والمسافر والرفيق والخادم والأنيس والمنادم ~~والجليس ويمهد المضجع للمبيت ويهيئ والمقيل ويهيئ الموضع في النزول والرحيل ~~وبالجملة لا يترك من أفعال الخير شيئا إلا فعله ولا مجملا إلا فصله ولا ~~متأخر إلا قدمه ولا معاملا في مبايعة إلا أسلفه وأسلمه وليعلم أن كل ذلك ~~محتاج إليه ومصروف لديه إذا نقل إلى دار البقاء وأقبل عليه فإذا جاء وقت ~~الرحيل ونادى منادي الانتقال والتحويل وجد ما كان في عمله حاضرا وكل ما ~~قدمه إلى رياض الخير نزها ناضرا كما قال ذو الجلال وأخبر به الصادق في ~~الوعد والمقال أن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ~~أن لا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون معنى أن لا ~~تخافوا لا خوف عليكم فيما هو أمامكم ولا تحزنوا على ما خلفتم وراءكم فإذا ~~دخل في قبره وجده روضته من رياض الجنة يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ~~لهم فيها نعيم مقيم وأما الشقي الغافل الغبي الذي أمهل أمره ونسي الله ms043 ~~وذكره وأهمل ما خلق لأجله وتاه في بيداء الضلال وسبله فقد اغتر بهذه اللذة ~~اليسيرة في تلك المدة القصيرة واستمر سكران في ميدان العصيان من خمرة ~~الطغيان وتردى لباس الردى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فانهدمت ~~عمارتهم ولا ربحت تجارتهم حتى إذا جاءه الوقت المعلوم ونزل به الأجل ~~المحتوم ونظر أمام وتراءت الأعلام فإما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من ~~حميم وتصلية جحيم نزل من دار الغرور إلى دار الشرور فندم ولا ينفعه الندم ~~وقد زلت به القدم فخاب مآبا وقال يا ليتني كنت ترابا فانظروا يا أولادي ~~وعدتي وعتادي حال الفريقين وتأملوا ما للطائفتين فقد بذلت في النصيحة جهدي ~~وأستخلف الله عليكم من بعدي فقال أكبر ولده وهو أسلك محاسنهم واسطة عقدهم ~~جزى الله مولانا عن شفقته خيرا وأولاده على حسن النصيحة أجروا ذخرا فلقد ~~أحييت قلوبا بزواهر حكمك وشنفت أسماعا بجواهر كلمك ولكن أخوتي وإن كانوا من ~~أولي العلم وأرباب النباهة والحلم والعقل الغزير والفضل الجم الكثير والرأي ~~المصيب المنير غير أن حدة الشباب عليهم غالبه ودواعي النفس بشهواتها مطالبه ~~لا سيما أن حصلوا على ملك عريض وكرعوا من ألبانه المخض والمخيض فان اتفق مع ~~ذلك موافق منافق أو صاحب ممارق أو صديق خدوع أو مباطن مكار هلوع أضلهم عن ~~سواء السبيل وصار إلى طريق المخالفة أوضح دليل فتتحول صداقتنا عداوة وتتبدل ~~فيها بالمرارة الحلاوة الرخاء فينتزع الرخاء ويتمزع الإخاء ويبغي بعضنا على ~~بعض وتعود الأخوة على موضعها بالنقض ويتولد من ذلك الفتن ويظهر من العداوة ~~ما بطن فالرأي عندي أنه ما دام زمام التصرف في يد الإمكان يتصرف مولانا ~~السلطان على مقدار جهده في مصلحة عبده بحيث لا أكون مضغة للماضغ ومشغلة لكل ~~قلب فارغ ولا يسلمني لا سباب الحوادث ومخالب الدهر الكوارث فإنه بذلك ~~يكفيني من نوائب الزمان ما يدهيني والعياذ بالله المنان من مفارقة مولانا ~~السلطان جلعني الله تعالى فداءه ولا أراني فيه يوما أساءه فليأخذ بيدي من ~~هذه الورطة وليرحمنيمن شر هذه الخطه ms044 فانه قد قيل من لا يقبل المستقبل ولا ~~يغيث المستغيث ولا يتقصد بمعنى الحديث ولار يدفع غصة هذه القصة ويفوت عند ~~الأمكان الفرصة يصيبه من حوادث الزمان ما أصاب بعض الجرذان الذي لم يخلص ~~الغزالة الواقعة في شرك الحبالة قال السلطان قل لي كيف كانت قصته وما كانت ~~قضيته (فقال) ذكر أن بعض الصيادين المحتالين الكيادين نصب حباله ليصيد ~~غزاله فعلق بها مهاة من المها وطلبت مجالا واضطربت يمينا وشمالا فوقعت ~~عينها على جرذ من الجرذان عنيد يتفرج عليها من بعيد فنادته بلسان زلق وأثنت ~~عليه بلسان طلق وقالت يا فارس ميدان المروة والنجدة والفتوة والموصوف ~~بالشطارة والقوة هذا وقت الكرم وأوان استعمال مكارم الشيم وفعل المعروف ~~وإغاثة الملهوف وصرف الهمة إلى كشف الغمة نعم وأن كانت طرائق الصداقة بيننا ~~معدومة ونقوش التنافر على صحف خواطرنا مرقومه ونقود المعرفة والإخاء في جنب ~~التباين غير مبذولة ومرآة PageV01P027 ومثل الذي في قلبه حل قلبها ... فكن ~~أنت تجلو اليوم عن قلب عاشق # ولولا الذي قد خفت من قطع كفه ... لألفيت في أمر الهوى غير ناطق # إذا مدت الغايات في السبق للعلى ... فأنت ابن عبد الله أول سابق # فأرسل خالد مولى له يثق به يسأل عن الخبر سرا، فأتاه بتصحيح ما قال عمرو، ~~وأخذه بتزويجه، فامتنع وقال: ليس بكفؤ لها، قال: بلى والله، إنه لكفؤ لها ~~إذ بذل كفه عنها، ولئن لم تزوجه لأزوجنه وأنت كاره، فزوجه وساق خالد عنه ~~المهر، فكان يسمى العاشق إلى أن مات. # 181 - عمرو بن مرة بن عبد يغوث بن مالك بن الحارث بن شجب النهدي، هو الذي ~~يقول في خبر له مع علي بن أبي طالب صلوات الله عليه في شعر له: # رهنت يميني عن قضاعة كلها ... فأبت حميدا فيهم غير مغلق # 182 - عمرو بن عبد العزيز الحمصي الطائي، من قوله: # سمت المديح رحالا دون نقدهم ... صد قبيح ولفظ ليس بالحسن # 183 - عمرو بن مخلى الكلبي، من أهل الشام، ويقولون: ابن مخلاة، ومخلاة ~~الحمار، وأخبرت عن حمزة المصري ms045 مؤدب ولد يزيد بن عبد الله أنه ابن ذي ~~المخلاة، فأما أبو زيد عمر بن شبة، فحدثني عن عبد الله بن محمد بن حكيم ~~الطائي عن خالد بن سعيد بن العاص عن أبيه أن ابن المخلاة قال في زينب إبنة ~~سعيد بن العاص وأمها إبنه عثمان بن عفان، وكان خطبها الوليد بن عبد الملك ~~وعبد الله بن يزيد بن معاوية، ولجا فيها وتغايرا، يخاطب الوليد: # فتاة أبوها ذو العصابة وابنه ... وعثمان ما أكفاؤها بكثير # فأان تفتلتها والخلافة تنقلب ... بأكرم علقي منبر وسرير # وكان ابن مخلاة شاعر آل مروان، وفيهم يقول يذكر ما كان من قومه في معاونة ~~مروان بن الحكم في يوم مرج راهط. # ضربنا لكم عن منبر الملك أهله ... بجيرون إذ لا تستطيعون منبرا # وأيام صدق كلها قد علمتم ... نصرنا ويوم المرج نصرا مؤزرا # - المحدثون في أيام بني العباس - # وأكثرهم كان بعد الأصمعي وخلف إلا نفير لعلهما لم يعرفاهم. # 184 - عمرو بن مسلم أبو مضر المسلم الرياحي مديني حسن الشعر يمدح ويهجو ، ~~وله حظ من أدب، وكان على عهد المنصور والمهدي، حدثني محمد بن الحسن الزرقي ~~قال: حدثني عبد الله بن شبيب قال: حدثني محمد بن عبد الله بن أبي عتيق ~~البكري قال: حدثني أبو المسلم عمرو بن المسلم قال: جئت الحسن بن علي بن ~~الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي صلوات الله عليهم أمتدحه، وهو بينبع، وهو ~~أخو حسين صاحب فخ، قال: فلما رآني قال: لا حيا الله ولا سلم، يا عاض كذا، ~~فقلت: لم ذاك أعزك الله؟ قال: ألست القائل في محمد بن خالد بن عمرو بن ~~عثمان رضي الله عنه: # يا ابن الذي حن الحصى في يمينه ... وأكرم من وافي جمار المحصب # وخير إمام كان بعد ثلاثة ... مضوا سلفا أرواحهم لم تشعب # هو الثالث الهادي بهدي محمد ... على رغم أنف الساخط المتعتب # قال: قلت: نعم أعزك الله، أنا قائل ذاك، ووالله لئن احتملت رحلي حتى أصير ~~هذه الحرة بيني وبينك ليأتينك معنى ما قال زهير: ms046 # لئن حللت بجو في بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك # ليأتينك مني منطق قذع ... باق كما دنس القبطية الودك # قال: فقال: أدن لا حياك الله، فأوسع لي إلى جنبه، وأوقر لي رواحلي تمرا، ~~وحدثني ابن أبي خيثمة ومحمد بن الحسن الزرقي قالا: حدثنا عبد الله بن شبيب ~~عن ميسرة بن عبد الله الكلابي عن أبيه أن أبا المسلم أنشده لنفسه: # ألا يا لقوم للفؤاد المعذب ... وعين تمادت في البكا والتنحب # وقلب كئيب لا يزال يهيضه ... لمية ربع ذو أمار وملعب # ليالي لا توليك إلا تحببا ... إلينا ألا أهلا بذاك التحبب # أقمنا بذاك العيش ثم انتحى لنا ... من الدهر صرف المرة المتقلب # وأنشدني محمد بن الحسن الزرقي قال: أنشدني أبو سعيد. PageV01P028 قال: ~~أنشدني محمد بن الله بن أبي عتيق لأبي المسلم، وطلق امرأته ومتعها وحملها ~~إلى أهلها، فلما استقلت ركابها قال: # ولست بناس إذ غدوا فتحملوا ... لزومي على الأحشاء من لاعج الوجد # وقولي وقد زالت بليل حمولهم ... بواكر تحدى لا يكن آخر العهد # 185 - عمرو بن واقد مولى عتبة بن يزيد بن معاوية، شآمي دمشقي يقول في ~~فتنه الهيذام المري بالشام أيام الرشيد يصف هيذاما وخريما ابني أبي الهيذام ~~ومولاه سابقا ورجلا من قريش، وكانوا حماته في تلك الحرب مع من كان فيها من ~~المعدية لما وقعت العصبية بين معد واليمن: # فلم أر كالهيذام في الناس فارسا ... ولا كخريم حلبة في الخلائق # ولا كأخينا من قريش رأيته ... بعيني ولا مولى رأيت كسابق # كأنهم كانوا صقور دجنة ... أتيحت على الخربان من رأس حالق # فولت بنو قحطان عنا كأنهم ... هنالك ضأن جلن من صوت ناعق # وكان عمرو بن واقد ذا أدب وأخبار، حدثني محمد بن راشد قال: حدثني الهيثم ~~بن مروان قال: حدثنا أبو مسهر قال: سمعت غير واحد منهم عمرو بن واقد وخالد ~~بن عبدة بن رياح يقولون: فتى العرب في الجاهلية امرؤ القيس، وفي الاسلام ~~يزيد بن معاوية: 186 - عمرو بن نصر القصافي التميمي أبو الفيض، من شعراء ~~الرشيد ms047 المحسنين، أخبرنا أبو هفان عبد الله بن محمد قال: كان أحسن شعراء ~~عصره ابتداء شعر، من ذلك قوله: # غيري أطاع مقالة العذال # وقوله: # راحوا ولما يؤذنوا برواح # وقوله: # لا نوم حتى تقضى دولة السهر # وقوله: # في دمعه الجاري وإعواله ... ما يخبر السائل عن حاله # رحلت عيسا كلتها عامل ... في حال أرقالي وأرقاله # حتى تناهين إلى سيد ... صب إلى طلعة سؤاله # قال: وضده في بشاعة ابتداء الأشعار حبيب بن أوس الطائي. # وأخبرنا ابن أبي خيثمة عن دعبل قال: قال القصافي الشعر ستين سنة لم يعرف ~~له إلا بيت واحد وهو: # خوص نواج إذا صاح الحداة بها ... رأيت أرجلها قدام أيديها # 187 - عمرو بن أبي بكر العدوي، قرشي، قاضي دمشق، أخو عمر بن أبي بكر ~~المؤملي الذي روى عنه زبير بن بكار، وله شعر ظريف منه قوله: برئت من ~~الأسلام إن كان ذا الذي أتاك به الواشون عني كما قالوا # ولكنهم لما رأوك سريعة ... إلي تواصوا بالنميمة واحتالوا # وبلغني أن المأمون استنشده هذا الشعر، فاعترف به له، وقال: قلته وأنا ~~حدث، فقال: قاض لا تكون له يمين إلا بالبراءة من الإسلام! وأمر بصرفه عن ~~الحكم بدمشق، وأنه قال لمن يتغنى فيه أن يتغنى فيه: # حرمت مناي مند إن كان ذا الذي # وذكر دعبل أن عمرو بن مسعدة كان يقوم بأمر عمرو بن أبي بكر في أيام ~~المأمون - وكان محمد بن يزداد يحمل عليه - فقال يمدح عمرا ويغمز على ابن ~~يزداد: # لشتان بين المدعين وزارة ... وبين الوزير الحق عمرو بن مسعد # فهمم في الناس أن يجبوهم ... وهئم أبي الفضل اصطناع ومحمد # فأسكن رب الناس عمرا جنانه ... وأسكنهم نارا من النار مؤصدة # 188 - عمرو بن بحر الجاحظ العلامة أبو عثمان، صاحب الكتب التي لم يسبقه ~~إلى تأليفها أحد من نظرائه، ولا يلحق به غيره إن شاء الله، وهو مقتدر على ~~الشعر، وكثير القول، وسراق فيه حدثني أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكشي ~~رحمه الله قال: حدثني إبراهيم بن رياح بن شبيب قال: مدحني ms048 حمدان بن أبان بن ~~عبد الحميد اللاحقي بشعر فيه هذان البيتان: # بدا حسين أثرى بأخوانه ... قفلل عنهم شباة العدم # وذكره الحزم غب الأمو ... ر فبادر قبل انتقال النعم # قال: فروي هذا الشعر وعرف بالبصرة، ثم جاءني الجاحظ بشعر أدخل فيه هذين ~~البيتين، فاحتملتف ذلك وأثبته عليه، فبينا أنا يوما في مجلس أحمد ابن أبي ~~داود والجاحظ في مجلسه إذ قال لي أحمد: ما مدحت بشيء أحسن مما مدحني به أبو ~~عثمان. PageV01P029 وأنشد هذين البيتين فقلت له: أن مادحك أعزك الله يجد ~~فيك مقالا، والجاحظ يملأ عينيه مني ولا يستحيي، وله في رسالته إلى أبي ~~الفرج بن نجاح قصيدة فيه مستحسنة جدا وفي غيره أشعار جياد. # 189 - عمرو بن عبد العزيز صاحب العصبية في فتنة محمد الأمين على مثل ما ~~كان خرج عليه أبو الهيذام، حدثني محمد بن أبي مسهر الرملي قال: حدثني حمزة ~~بن ميمون أو حدثت عنه قال: حضرت عبد الملك بن صالح يوما وقد أدخل إليه عمرو ~~بن عبد العزيز وهو يسائله بعد أن استأمن إليه، لما قلده محمد الأمين الشام، ~~فأعجبه محاورته وجوابه فقال له: يا عمرو، لقد تناهى إلي من خبر ظفرك ~~بأعدائك في حروبك ما يعجب منه، فهل تعرف سببا تخبرني به؟ قال: لا والله، ~~أصلح الله الأمير، إلا ما قال، الشاعر: # فما إن قتلناهم بأكثر منهم ... ولكن بأولى بالطعان وأصبرا # وقام عمرو من عنده، فقال: أنت والله كما قال الشاعر: # يغدو إذا ما خلاج الشك عن له ... على صريمة أمر غير مردود # ركاب ما يكره الأبطال يقدمه ... رأي جميع وقلب غير رعديد # ومن قوله عمرو بن عبد العزيز: # دعوت بني عمي فكان جوابهم ... بلبيك فعل السادة النجب الغر # فما لمتهم في النصر حين دعوتهم ... ولا لامني قومي لدى النهي والأمر # ومن قوله: # يطلب الثأر من إذا هم أمضى ... همه كان مخطئا أو مصيبا # ليس يخشى عواقب الأمر يغشا ... ه إذا ناله وإن كان حوبا # ومن قوله: # ما الفتك إلا الذي إن قال يفعله ... ولا ms049 يشاور فيما يرتئي أحدا # لا كالمشاور فيما يرتئيه وقد ... يخشى العواقب إن بقى له ولدا # لا تخشىئ عاقبة في الفتك وامض لما ... هممت إن غية كانت وإن رشدا # من يستشر تختزل أولى عزيمته ... في الفتك أو يطلب الأعوان والمددا # 190 - عمرو بن عبد الرحمن بن الخلق، أبو هشام الباهلي الظالمي، شاعر مكثر ~~كان على عهد المنصور والمهدي والرشيد، وهاجى بشارا الأعمى فانتصف منه، وفيه ~~يقول: # بذلة والديك كسبت عزا ... ويا للؤم اجترأت على الجواب # وهجا روح بن حاتم المهلبي فأسرف عليه، ورماه باللواط والأجارة في صباه، ~~واللؤم والجبن، حدثني أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة عن دعبل بن علي قال: كان ~~أبو هشام يعبر الجسر على دجلة بمدينة السلام، فلقيه عليه أبو نيقة الحسين ~~بن الوراس مولي خزاعة وكان شاعرا، وعاتبه أبو نيقة على هجائه آل المهلب، ثم ~~اتخذا وتلاطما، فدفع أبو نيقة أبا هشام، فرمى به إلى دجلة فبادر إليه قوم ~~من الملاحين وأصحاب الزواريق فأخرجوه وتشبث به، وكان على أحد الجانبين ~~المسيب بن زهير الضبي وعلى الآخر نصر بن مالك الخزاعي، فقال أبو نيقة: ~~إرفعونا إلى نصر، وقال أبو هشام: إرفعونا إلى المسيب، ففرق الناس بينهما، ~~فقال أبو نيقة. # فمن مبلغ عليا خزاعة أنني ... قذفت بعبد الباهليين في الجسر # قذفت به كي يغرق العبد عنوة ... فجاش به من لؤمه زبد البحر # ومن قول أبي هشام في سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي يمدحه: # ألا قل لساري الليل لا تخش ضلة ... سعيد بن سلم ضوء كل بلاد # لنا سيد أركل على كل سيد ... جواد حثا في وجه كل جواد # يطول على الرمح الرديني قامة ... ويقصر عنه باع كل نجاد # 191 - عمرو المخلخل، مولى ثقيف، بصري، ومن قوله يهجو عمرا الخاركي ~~الأعور: # نظرت في نسبة الكرام فما ... فيها لكم ناقة ولا جمل # قوم لئام أعراضهم هدف ... فيها سهام الهجاء تنتضل # لا يستجيبون إن دعوتهم ... إن لم تقل في الدعاء يا سفل # أبوهم خالهم وأمهم ... من بعض أولادها بها حبل PageV01P030 فاشمأزت ms050 من ~~الرشيق نفسه وزوى في رياض مصاحبته غرسه فأمر الحجار والبوابين أن يكونوا ~~لدخوله على الملك آبين فلما أن جاء الرشيق وقصد الدخول بجاش وثيق منعوه من ~~الدخول فرجع خائبا خاسرا وبقي حائرا بائرا ولم يشك أن هذا الضرب سهم غرب ~~لأنه لم يعلم السبب فقضى من الزمان العجب فشرع يتفحص عن سبب البعاد ويتردد ~~بين أغوار وانجاد ويذهب رائد فكره كل مذهب ويعزم على توابعه ليقفوا على ~~موانع المطلب إلى أن وقف على السبب المضرم وعلم أنه الإحسان إلى ذلك المجرم ~~وظهر لذلك البحر البر من قوله الإحسان إلى اللئيم سلف في الشر فاجتمع ~~بجماعة من أصحابه وطائفة من خلص أحبابه وعرض عليهم قصته واستدفع بآرائهم ~~غصته ثم تعرى من لباسه عند الخواص من أناسه لينظروا إلى جسده وباسه فرأوا ~~يدنا كسبائك الفضة وأطرافنا ناعمة غضه وأعضاء تحسبها من الحور غوانيها ~~مسلمة لاشية فيها فأجمعوا على سلامتها وذكروا للملك محاسنها بعلامتها ~~وشهدوا بحسن صفائها ورونق بهائها وأنها سليمة عن الأدواء بريئة من كل داء ~~وكأنه في شأنه قيل: # وأعجب ما شاهدت في وصله وقد ... نزعنا غلالات وثوب حياء # تلألؤ نور في ترقرق مائه ... وصورة روح في مثال هواء # وإنما لشدة الحسد عاب ذلك الجسد فقال الملك صدقتم وبالحق نطقتم ولكن كيف ~~وقد قيل: # قد قيل ذلك أن صدقا وان كذبا ... فما احتيالك في شيء وقد قيلا ~~PageV01P031 196 - عمرو بن حنظلة العجلي ، أحد بني خمصانة، يقول في مروان ~~بن سعد العجلي، الخارج على المنصور مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وكان ~~قلده أمر واسط، وهو من أصحاب الحديث، وكان عمرو بن حنظلة من الدعاة إلى رأى ~~الرافضة في أيام بني أمية وبني العباس، وممن يكفر الزيدية: # جرى في الغي مروان بن سعد ... وجار به الهوى جورا مبينا # وتابعه الذين عموا وصموا ... فأمسوا في الضلالة تائهينا # 197 - عمرو بن عبد الملك الوراق، مولى عنزة، شاعر رشيدي، وله شعر كثير في ~~حرب محمد أيام مقامه بمدينة السلام، وأصله بصري، وهو أحد ms051 الخلعاء المجان، ~~وله مع أبي نواس أخبار، ومن قوله: # عوجوا إلى بيت عمرو ... إلى سماع وخمر # وبيسري رخيم ... يزهو بجيد ونحر # فذاك برز وإن شئ ... تم أتينا ببحر # هذا وليس عليكم ... أولى ولا وقت عصر # 198 - عمرو بن دراك العبدي، وقد قالوا: اسمه عمر وسماه لي المرثدي عمرو ~~بن دراك بتشديد الراء، يهجو اليمن ويتعصب عليهم لنزار، ومن قوله: # لهني إن قطعت حبال قيس ... وخالفت المزون على تميم # لأخسر خطة من أبي رغال ... وأجور في الحكومة من سدوم # ومن قوله يهجو سليمان بن حبيب بن المهلب # سليمان مالك لا تنتهي ... عن العلج والعلجة الزانية # رضيت وأنت تسامي الملو - ك لئيم اللهازم من طاحية # وأشبهت خالك خال الخسار ... ولم تشبه العصبة الماضية # - اليمن - # 199 - عمرو بن المبارك الخزاعي، كوفي طيب الشعر، أعطاني شعره ابن أبي ~~خيثمة في نحو جلدين، ومن قوله: # من لأذني بملام ... ولكفي بمدام # رق عظم الجهل مني ... وانحنى متن عرامي # وتمشى الفذ من شي ... بي إلى الشيب التؤام # نظمك الدر إلى الدر ... ة في سلك النظام # ومن قوله: # لم ينتظرن فتستبل قلوب ... حق رمين فرشقهن مصيب # نجل يتبعن السهام لأسهم ... فلهن من بعد الندوب ندوب # وأنشدني له: # أما يحسن من يحسن ... أن يغضب أن يرضى # أما يرضى بأن صرت ... على الأرض له أرضا # 200 - عمرو بن حوي السكسكي، أبو حوي، من أهل دمشق كان على عهد الرشيد ~~والمأمون، وذكر دعبل أنه كان صديقه، وكان ينزل عليه أيام مقامه بالشام، ~~وأنه وابنه نوح بن عمرو كانا شاعرين محسنين، وكانا يتقلدان للسلطان أعمالا، ~~وهو من ولد ابن حوي، قاتل عمار بن ياسر بصفين وأنشد له دعبل: # هلم أسقنيها لا عدمتك صاحبا ... ودونك صفو الراح إن كنت شاربا # إذا أسرت نفس المدام نفوسنا ... جنينا من اللذات منها الأطايبا # وبالليل لولا أن تشوبك عذرة ... بنا ما تبدلنا بك الدهر صاحبا # 201 - عمرو بن سليم بن قابوس العبادي الحيري من بني الحارث من كعب أخبرني ~~أبو العباس المبرد أنه يقال له أبا قابوس ms052 وهو لبني العباس مثل الأخطل لبني ~~إذ لم يكن يمدح سواهم وسوى كتابهم، أنشدني كثيرا من شعره أبو بكر بن أبي ~~خيثمة قال: أنشدني المعلى بن عثمان مولى يحيى بن خالد شعره في الفضل بن ~~الربيع، وهو محسن في شعره، وأكثر قوله في البرامكة، ووفي لهم بعد نكبتهم، ~~حدثني أبو قدامة محمد بن محمد قال: وقف أبو قابوس على خشبة جعفر بن يحيى ~~التي صلب عليها بالجسر بمدينة السلام فقال: # أمين الله هب فضل بن يحيى ... لنفسك أيها الملك الهمام # وما طلبي إليك العفو عنه ... وقد قعد الوشاة به وقاموا # أرى سبب الرضا عنه قويا ... على الله الزيادة والتمام # نذرت علي فيه صيام شهر ... فإن تم الرضا وجب الصيام # وهذا جعفر بالجسر يمحو ... محاسن وجهه ريح قتام PageV01P032 واطمأن خاطره ~~واستقرت أموره واستقامت حبوره فلما هجم جيش الليل أقبلت السباع من الوادي ~~كأنها السيل وقصدت الوحوش والهوام ما لها من مأوى ومقام وعوت الذئاب وزأرت ~~الأسود وهمزت النمور والنسور والفهود فساورت ابن الملك الهموم وأورثته ~~أصناف الغموم وأحتوشته المخاوف والوجوم فلجا إلى جناب الحي القيوم جناب ~~قاصده ولا يصدر الابنيل الأمل وأرده وصار يحسس بيديه ويصغي إلى الحيوان ~~بأذنيه ويتمشى إلى كل جانب ويهوى بيديه إلى الأطراف والجوانب ويتعلق بحبال ~~الهواء كالغريق الغاطس في الماء فوقعت يده على شجره فعلق فيها يديه وظفره ~~وصعد عليها وأوى إليها وتوجه بقلبه إلى خالقه وموجده ورازقه وقطع عما سواه ~~أسباب علائقه واشتغل بالذكر والتسبيح وفوض أمره إلى الله سبحانه وتعالى ~~بأمل فسيح واستمر في هذا الويل برهة من الليل وكان طائفة من الجان المهرة ~~كل ليلة تأوي إلى هذه الشجرة فتيذاكرون ما جرى في العالم وما صدر في عالم ~~السكون والفساد من أعمال بني آدم ويقيمون أفراحهم ويتعاطون انشراحهم فلما ~~اجتمعوا تلك الليلة ذكر كل قوله وما جرى من الحوادث ومن المفرحات والكربات ~~وما وقع من العجائب واتفق من واقعات الغرائب فقال واحد من القوم ومن أعجب ~~ما وقع اليوم من الأمر الكريه ما ms053 فعله ملك بابل بابنأخيه وذكر لهم القضية ~~وما تضمنه من بليه وجعل يتأرق ويتحرق ويتبرم ويتضرم ويحرق الأرم ويتعجب من ~~عدم وفاء بني آدم فقال رئيس الجان وهذا غير بديع من طبع الإنسان فانه مجبول ~~على الغدر مطبوع على الدهاء والمكر ألم تسمع قول قائلهم في وصف فضائلهم ~~وقبيح شمائلهم ممن أنخرط في سلك الفضل بدون منع ولا حجز إذا كان الغدر ~~طباعا فالثقة بكل أحد عجز ثم قال الرئيس اعلم يا نفيس اني أعلم ما يزيل هذا ~~الألم ويطفيء هذا الضرم ويشفي هذا السقم وهو أن هذه الشجرة النجيبة لها ~~خاصية عجيبة اسمها شجرة النور وفضلها في ذلك مشهور إذا أخذ من عصارة ورقها ~~ووضعها الأعمى على حدقها انجلى عماها بدقرة رب براها وخلقها فسواها ورد ~~إليها بصرها وزاد نظرها ثم أن الخرابة الغلانية فيها حجر حية بذيه وهي ~~تابعة ملك بابل الفاعل هذا الفعل السافل وحياته متعلقة بحياتها وموته موقوف ~~على مماتها لأن طالعه على طالعها وطبعه اللئيم مطبوع على طابعها فبمجرد ما ~~تموت الحية يموت وينقل من درج الملك إلى درج الملكوت كل ذلك وابن الملك ~~يسمع هذا القول فلجأ إلى ذي القوة والحول حتى من عليه بعد شديد العقاب بهذا ~~الطول وجعل ينادي ويبتهل ويقول متى جبين الصبح يهل وينشد: PageV01P033 ألا ~~أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الأصباح منك بأمثل PageV01P034 ~~فلما أصبح الصباح ونادى مؤذن السعد حي على الفلاح تميم ابن الملك وصلى وحمد ~~الله على النهار إذا تجلى ورض بين حجرين من ورق الشجرة واكتحل بمائه فرد ~~الله عليه بصره ثم وجه ذهابه إلى تلك الخرابة ورصد خروج تلك الحية اللاطئة ~~وضربها ضربة غير خاطئة فاحاط بها نازل الهلك وفي الحال خر الملك ميتا على ~~سرير الملك وبينما العزاء عليه قائم وإاذا بصاحب السرير عليهم قادم وقد قصد ~~ملك أبيه وتمكن من ملكه وذويه وتصرف فيه كما شاء وألبسه خلعة الملك من يؤتى ~~الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء وإنما أوردت هذا التمثيل ms054 خوفا أن يكون ~~صاحب مولانا الملك الجليل الذي بخراسان من هذا القبيل فتبدل المحبة بالبغض ~~وترجع على موضوعها بالنقض ثم أن بعض الصحاب والأخوان يفعل ما يفعله من ~~الخير والإحسان على سبيل المكافاة لأعلى طريق والمصافاة فإذا كافأ بالإحسان ~~عاد إلى ما كان عليه من العدوان فأسال الحضرة الشريفة والمراحم المنيفة ذات ~~الفضل المشهور والإحسان المأثور التأمل في عواقب هذه الأمور لئلا يصيبنا ما ~~أصاب المسافر ضعف الحداد المنافر من العفريت الملقى في المحافر قال أخبرني ~~أيها الولد النجيب عن ذلك الأمر العجيب وقاك الله شر الواجيب (قال) بلغني ~~من رواة الأخبار أن شخصا من الأخيار لازم الأسفار وقطع القفار فجاب مشارق ~~الأرض ومغاربها وبلغ أكنافها وجوانبها وشاهد عجائبها وقاسى حر الزمان وذاق ~~حلوه ومره وعانى خيره وشره فأداه بعض المسير إلى بلد كبير فرأى في بعض ~~نواحيه وطرف من بعض ضواحيه طائفة من الصبيان قد اجتمعوا في مكان فوصل إليهم ~~ذلك الفقير فوجدهم واقفين على حفير يرمون فيه بالأحجار وهم يستغيثون ~~بالستار من العدو المكار الغدار والحسود القديم والكافر الذميم والشيطان ~~الرجيم فسألهم ما هذه المعضلة فقالوا عفريت وقع في هذه البئر المعطلة وهو ~~عدو قديم نريد أن نقتله فقال أفسحوا حتى أنظر إليه وأساعدكم عليه ففسحوا عن ~~ذلك الطوى فنظر في قعر الركى فرأى في جانب منها عفريتا منزويا وقد هشموه ~~وكسروه وحطموه وكاد يهلك مما رجموه فعند ما نظر إليه رق له وعطف عليه وقال ~~أفضل المعروف إغاثة الملهوف وإن لم يكن بيننا سابقة صداقة ولا وشيجة محبة ~~ولا علاقة بل عداوتنا جبلية ومباينتنا أزلية لكن فعل الخير لا يبور ولله ~~عاقبة الأمور وإذا قصد الإنسان فعل الخير فلا عليه أن فعله مع أهله أو ~~الغير وقد قيل للتمثيل أيها الإنسان قد عداك الذمأفعل الخير وألقه ثم منع ~~عنه الكبير والصغير وساعده على الخروج من البير واستنفذه من أيديهم وأطلقه ~~فكان كمن اشتراه وأعتقه فلما رأى العفريت هذا الإحسان من ذلك الإنسان من ~~غير سابقة ولا عرفان ms055 قبل يده ورجله وشكر له هذه الفعلة وقال أني عاجز عن ~~مكافأتك يا إنسان في هذا الأوان وأنا اسمي فلان فان وقعت في ضيق أو ضللت في ~~طريق فنادي باسمي أحضر إليك بجسمي وأنفعك في ضيقك وأرشدك إلى طريقك وأكافئك ~~أيها اللوذعي بما فعلته معي ثم ودع كل صاحبه وخالف في السير جانبه فوصل ~~السياح إلى بلد من البلاد له فيها صديق حداد فنزل عنده فأكرمه ورحب به ~~وخدمه وكان لتلك البلدة عادة حسنة أنهم في يوم معين في كل سنة يقربون من ~~يقدم عليهم فيه ولا يسألون أخامل هو أم نبيه فان لم يقدم عليهم غريب في ذلك ~~اليوم اقترع فيما بينهم القوم فمن خرجت قرعته سحبوه وكسروا قرعته وقربوه ~~فوافق ذلك اليوم قدوم السائح ولم يرد سواه من غاد ورائح ولا شعر به أحد من ~~أهل تلك البلد فاخذوا في القرعة بالاجتهاد فطرقت القرعة قرعة الحداد فقبضوا ~~عليه وعزموا على تقريبه فقال عندي غريب لم يكن أحد يدري به فلم يدر السائح ~~إلا وقد أحاطت به الشوائخ فهجموا عليه وربطوا عنقه ويديه صم سحبوه وحبسوه ~~وفي أضيق مكان أجلسوه وأشهروا النداء أنه حصل للحداد الفداء فعلم السائح ~~القضية وتحقق أنه تورط في بلية فذكر اسم العفريت وقد علقه الهم علوق النار ~~بالكبريت فحضر لساعته ووقته فرأى السائح في هوله ومقته واطلع على جملة ~~الشان فقال لا تخش يا ذا الإحسان أعلم أن أمير هذه البلد له ولد هو واحد ~~أبويه وأني الآن أصرعه بين يديه ثم أنادي في النادي أن رمتم شفاء هذا ~~العليل فهو بدعاء ذلك الرجل الجليل السيد الصالح الزاهد السائح ضيف الحداد ~~الذي بسببه حصلت هذه الأنكاد فأطلقوه والتمسوا دعاءه فان فيه لعليلكم شفاءه ~~ولا تطلبوا PageV01P035 من غيره دواءه فإذا طلبوك وأعزوك وأرغبوك وأكرموك ~~واحترموك فادع بما يرفع نكدهم فغاني إذ ذاك أترك ولدهم فإذا رأوا منك هذه ~~الكرامة بالغوا وسلموك الزعامة وخيروك بين الرحيل والإقامة وأقل ما يفعل ~~معك السلامة ثم ذهب إلى ابن ms056 الملك وخبط. وحل في أعضائه وربطه فتخبط الصبي ~~وتخيل وتكسل وتخبل وكادت روحه تخرج ويدرج مع من يدرج فاشتغلوا بشأنهم عن ~~أمر قربائهم فطلبوا الأطباء فأعياهم علاج هذا الداء ولم يقدروا على علاجه ~~وتعديل مزاجه وتقويم اعوجاجه واشتعلت الخواطر وتنكد البادي والحاضر فعند ~~ذلك نادى العفريت من ذلك البيت يسمعون كلامه ولا ينظرون مقامه أن زوال هذا ~~العارض ومنع هذا الداء المعارض عند رجل قدوة مستجاب الدعوة رجل صالح زاهد ~~سائح عالم عامل كامل فاضل هو بركة البلاد والعباد مادة الصلاح وقاطع الفساد ~~وهو ضيف الحداد الذي فرط منكم في حقه سوء الأدب فأدركوه بالطلب وأسرعوا ~~نحوه والتمسوا منه دعوة وإلا فولدكم هالك عنوه وبادروا باللحوق لئلا يخرج ~~السهم من فوق فان السهم هذا المصاب بسبب ذلك أصاب فركب الملك بنفسه وسارع ~~إلى باب حبسه ودخل عليه وأكب على رجليه وطلب دعاءه ورام لولده شفاءه فتوضا ~~وصلى وأعرض منهم وتولى وتوجه ودعا فحصل للولد الشفا ونهض في الحال كأنما ~~نشط من عقال ثم أن العفريت الجائح أتى الرجل السائح وقال لا تحسب أني إذا ~~كافيتك صادقتك أو صافيتك كيف وعداوتنا مغروزة وغروس التباغض في حدائق ~~ذواتنا مركوزة أنا من نار وأنت من تراب شيمتك الترابية وشيمتي الإحراق ~~والخراب ومتى استقام أعوج مع قوام أو وجد بين المتباينين التئام وإنما كان ~~هذا الوفاء لئلا ينسب إلى الجفاء ونحن على الكدر دون الصفاء وعلى ما نحن ~~عليه من العدوان وأن لم يصر بيننا معرفة ولا كان صار شعلة لهب وترك السائح ~~وذهب (ثم قال ابن الملك) ومن أنواع المحبة والصداقة وما يتأكد فيها من ~~العلاقة نوعمحبة تتوفر فيه الرغبة ينشأ من فرط الشهوة ويركب من صاحبه على ~~الصهوة وتميل إليه النفس والطبيعة ولكن تكون استحالته سريعة فيزول بأدنى ~~سبب ويشبه شواظ اللهب يتلهب ساعة وقد ذهب وربما أدى إلى الهلاك والعطب كما ~~فعل بالبطة الثعلب حيث كانت محبتها غير صادقة ومودتها بالشهوة ممازقه وشتان ~~ما بين المحبة الخالصة والمحبة المنافقة لا جرم ms057 أدت إلى عكسها وإزهاق نفسها ~~قال الملك أخبرني أيها الخبير كيف هو هذا النظير (قال ابن الملك) ذكر أن ~~زوجا من البط كان له مأوى على شط جار بين رياض ومروج وغياض أزاهيرها عطره ~~ورياحينها نضرة وقريب من وكر البطتين مأوى لأبي الحصين فحصل لذلك الثعلب ~~المرض المسمى بداء الثعلب فسقط وبره وتمعط صوفه وشعره وذاب جسمه وتهرى لحمه ~~وقارب التلف واللحاق بمن سلف وصار كما قيل: PageV01P036 أصبح في أمراضه ~~يعذب ... كخرقه بال عليها الثعلب # فلما أنحله السقم وأضناه قالت له سلحفاة لما زاد به المرض واشتط دواء ~~دائك كبد البط فان أكلت كبد بطه نصلت من هذه البلاء البتة فقال ومن لي بهذا ~~الدواء إذ ليس لي حراك والبط في الهواء فشفاء هذا الداء العضال من باب ~~التعليق بالمحال وكأن الشاعر يعنيني إذ سمع أبني ورأى سكوني تحت أحمال ~~شجوني بقوله: # فقال قم قلت رجلي لا تطاوعني ... فقال خذ قلت كفى لا توانيني PageV01P037 ~~ثم استنهض همته واستنخى نهمته وصمم عزيمته واستعمل فكره واستورى مكره وقال ~~لنفسه لا ينجيك من هذا الأنكال إلا التشبث بذيل المحال لعل الله واهب ~~العطية يظفرني بهذه الأمنية ثم توجه وهو يتشحط إلى صوب البط وصار يتلظى في ~~جنبات الشط إلى أن لاح له بعد الأين أنثى هاتين البطتين فتخفي إلى أن ~~قاربها ثم وأثبها فما ساعدته القوة فهوى في هوه فما وأسعه إلا أن غالط ~~وأظهر المودة وخالط وعبرت عيناه وبالط وأرى من نفسه أن تلك الوثبة إنما هي ~~من داعية المحبة ونهضة الاشتياق إلى الأحبة ثم بادر وقال مرحبا بالجارة ~~الصالحة ومن نعوتها بمسك العفة فائحة وأخلاقها غادية ببشر الخير رائحة ~~المخدرة المحببة الحبيبة النجيبة حياك الله من قرينة رضية جميلة الأوصاف ~~بهية فما أكثر إحسانك وفضائلك وأوفر متنانك وفواضلك لقد عممت بإحسانك جميع ~~معارفك وجيرانك وأطعت زوجك وحلالك وتحقق كل أحد لحسن الشيم جلالك وما زال ~~ينفق عليها من حواصل هذه الخزعبلات ويفعم أردان عقلها من معادن هذه ~~التمويهات حتى سكنت بعض ms058 السكون وركنت إليه أدنى ركون ثم أخذ في الإيناس ~~وتمهيد قواعد الأساس حتى اطمأنت واستكانت واستنكنت ثم قال إنا لله ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله ترين ما رأى فيك زوجك من الخلل ولاح له من عيب حتى فعل ~~ما فعل قالت وما فعل ذلك الجعل قال لولا أن الغيبة ريبة والنمنمة مشؤمة ~~ونقل المجالس القبيحة وإن كانت وقائعها صحيحة أمر مذموم وهذا معلوم لكنت ~~أفصحت وأشبعت القول ونصحت ولكن الصبر على الضرائر فعل الحرائر والورد لا ~~يخلو عن شوك ولا الشباب عن نوع نوك فلما سمعت هذه النجوة حماتها المحبة ~~الممزوجة بالشهوة أن ألحت عليه وسألت إيضاح ما لديه وأقسمت عليه بحق الجوار ~~إلا ما أطلعها على هذه الأسرار فقال لولا أن الجوار ذمه لما فهمت بكلمة ~~خصوصا وقد ألحت بالقسم وتشفعت بالجوار والذمم وأيضا لولا وفور الشفقة وعظم ~~المحبة والمقه واعتمادي عليك أنك ثقة وإن صدرك مخزن الأسرار وأنك سيدة ~~الأحرار ما أطلعتك على شيء مما كان وصار اعلمي أن زوجك المشتط قد خطب بنت ~~ملك البط وله في هذه المكيدة مدة مديدة آخرها اليوم كان قد أرسل إلى القوم ~~المشاية والخطابة أن يهيؤا أسبابه فلما سمعت هذا الكلام ساورها من الغيرة ~~الضرامولا نشك في أنه صادق وذهلت عن التبين في خبر الفاسق وجميع الأخبار عن ~~الأزواج يتوقف فيها النساء إلا خبر الزواج تم إنها تماسكت وأرت تجلدا ~~وتمالكت وقالت أحل الله له من الأزواج ما طاب له لا حيلة إلا الانقياد وترك ~~المراد وموافقة السنة والجماعة والدخول تحت الأمر بالسمع والطاعة وماذا ~~يفيد التدله والحيرة أن الحلال جدع أنف الغيرة قال والأمر كما ذكرت وما ~~أحسن ما افتكرت وصبرت وما يمكن الطعن في الحلال ولكن هذا دليل الملال وكل ~~من ادعى هواك وتخلل في طريق سواك ولو بخلال من سواك فلا شك أنه قلاك وبنار ~~الهجر والجفاء سلاك وليس هذا ساعة وتمضي ولا حادثة تقع ثم تنقضي إنما هو ~~أمر دائم ونزاع أبد الدهر وأنا ما أخشى ms059 إلا عليك بما يصل من النكد إليك فان ~~حقك ثابت علي وضررك عائد إلي فأنك جارة قديمة معروفة بحسن الشيمة لم أر منك ~~الإحسان وعدم التعرض إلى إيذاء الجيران وكل منا قد اعتاد بالآخر وباهى ~~بصحبته وجواره وفاخر وأخاف أن يتجدد لي في الجوار من يتصدى لي بالأضرار ~~ويؤذي ولا يعرف حق الجار لا يعرفني ولا أعرفه ولا ينصفني ولا أنصفه فيتكدر ~~لي الوقت ولا أخلو من نكد ومقت لا سيما وأنا ضعيف مبتلى نحيف فلا يستقيم ~~الحال على الارتجال ولا زال يسدد المشارب ويفتل منها في الذروة والغارب حتى ~~أثر فيها سمه ونفذ في سويدائها من مكره سهمه فاسترشد إلى وجه الحيلة في هذه ~~النازلة الوبيلة فقال الرأي السديد الرشيد أنه إذا بفعله وأتبع في أذاه ~~فرضه بنفله واختار غيرك عليك طلقيه وألف زوج لديك وأرض الله واسعة وهو ~~المعتدي في المقاطعة وأنا أكون السفير في زوج يخجل البدر المنير يعمر دارك ~~ويعرف مقدارك ويخدم كلبك وحمارك ويملأ وكرك خيرا وبطنك طيرا ودارك شعيرا ~~وبرا مع كونه وافر الحشمة مسموع الكلمة قد جمع بين طرفي الأصالة والحرمة ~~فقالت هذا الذي تقول أكر معقول وإلى الآن ما وقع وعلى تقديران يقع أن حصل ~~الشقاق والنفاق وترجح الأنذال المستجدة على الكرام العتاق فيكون بيننا هذا ~~الاتفاق وأن وقعت بيننا المعادلة ولم يحصل PageV01P038 في حقي منه مساهمله ~~ولا للضرة علي مفاضلة كيف أشافقه وعلى فعل مباح أضايقه فضلا عن أني أفارقه ~~وكيف أخرب داري وأضر بحبي وجاري وأشمت بي الأعداء ويحتاط بي من كل جهة ~~البلاء ولكن الرأي المحمود عندي يا ودود الصبر في كل حال على الدهر الكدود ~~وتجرع الغصص لئلا يشمت الحسود كما قيل في التمثيل ما بي دخول جهنم ولكن بي ~~شماتة اليهود فلما رأى الخبيث أنه لم يفده هذا الحديث ولم تتم له الحيلة ~~وأفكاره الوبيلة قال أقول الحق الذي حصحص ولا عنه محيد ولا مخلص أن زوجك قد ~~نقل إليه أنك اخترت غيره عليه وأنك عاشقة وصحبتك ms060 له مخادعة ومماذقه وثبت ~~ذلك لديه وعقد اعتقاده عليه وعزمه على الزواج إنما هو تعلل واحتياج لفتح ~~باب الشر وتعاطي أسباب النكد والضر وقد ثبت عندي أن ذاك الأفاك الأثيم ~~السفاك يريد أن يجرعك كأس الهلاك فتيقظي لنفسك وتداركي غدك في أمسك قبل ~~حلولك في رمسك واستقيمي قبل عكسك وأنا منذ سمعت هذه الأخبار لم يقر لي قرار ~~وذلك لوفور المشفقة وحسن الجوار وقد زدت ضعفا على ضعفي وكدت لهذا الغم أسقى ~~كاس حتفي وأنت يا غرض الحاسد تعلمين أن ليس لي غرض فاسد وهذا بديهي التصور ~~لا يحتاج إلى تدبير ولا تفكر ولقد غرت عليك والأمر في هذا كله منك إليك ~~فتكدر خاطرها وتشوشت ضمائرها وضاقت بها الحيل وتاه منها العلم والعمل ومن ~~يسمع بخل وصالت أفكارها وحالت ويدر منها إن قالت والله لو أمكنني لقتلته ~~وأوجدت فرصة لاغتلته واسترحت من نكد الدهر المغبر وهذا العيش الوحش المكدر ~~فالتقط الثعلب هذه الكلمة من فيها وعلم أن سهم ختله نفذ فيها لأن عقود ~~المحبة انحلت وصورة المودة القديمة زالت واضمحلتوتلاشت الصداقة بالكلية ~~وانمحت شهواتها بأدنى جزئية فقال لا تهتمي لذلك يا ضرة هند فعندي عقار من ~~عقاقير الهند أحلى في المذاق منت ساعة التلاق وأمضى من السيف في حكم الفراق ~~اسمه كسير الموت وتدبير الفوت وسم ساعة وتفريق الجماعة لو أكل منه ذرة أو ~~شم منه نشره لقتل في الحال وفرق الأوصال من غير إمهال فان اقتضى رأيك الأسد ~~أن تخلصني من هذا النكد ناولتك منه شذره تكفيك ذرة منه أمره فان شئت أطعمته ~~وأن شئت أشممته ولولا أنك عزيزة علي لم أفه لك من هذه الأمور بشيء ولقد ~~فضلتك على روحي فاكتمي هذا السر ولا تبوحي فتحملت منه جميلته وعرفت قدرته ~~وفضيلته وطلبت منه الدوا لتذهب به عن قلبها الجوا وتقتل زوجها المسكين ~~وتسلم من نكده وتستكين وزالت تلك المحبة القديمة ونسيت الصحبة والصداقة ~~القويمة ووعدها الثعلب أن يأتيها بالعقار وفارقها على هذا القرار ثم أنها ~~انتظرته ليفي بوعدها ms061 واحترق صبرها من نار سمها ووقدها وتقاعد الثعلب عنها ~~ينتظر ما يتأتى فحملها مثير الوجد إليه وساقها الأجل المحتوم إلى أن قدمت ~~عليه فدخلت وكره وقبلت يده وصدره فتمكن منها ذلك الغادر ومزقها كما يريد ~~فصارت كالأمس الغابر وإنما أوردت هذا التمثيل لئلا يكون أصحاب مولانا ~~السلطان من هذا القبيل فيكون المعتمد عليهم والمستند إليهم كالنائم على ~~تيار الأنهار والمؤسس بنيانه على شفا حرف هار قال الملك معاذ الله يا ولدي ~~وقرة عيني وكبدي أن يكون صاحبي ومعتمدي من هذا النمط وسبيها بالعفريت ~~والثعلب والبط بل كل من أصحابي وسائرا أوليائي وأحباني ما منهم إلا الصديق ~~المهذب والرفيق المؤدب والشفيق المدرب والعتيق المجرب وقد جربته في المودة ~~والإخاء والشدة والرخاء والمروأة والسخاء كما جرى ذلك للتاجر المجرب صديقه ~~في الشدة والارتخاء قال الولد ينعم مولانا الإمام بتقرير هذا الكلام (قال ~~الملك) بلغني أن بعض التجار الأكرمين الأخيار والكرماء الأبرار كان له جزيل ~~وولد صالح جليل سعيد الطالع سديد المطالع عالي الهمة متوالي الحشمة ميمون ~~الحركات جميل الصفات حسن الصورة مشكور السيرة طاهر السريرة وكان أبوه قد ~~تخيل فيه مخايل السعادة وتفرس فيه آثار النجابة والإجادة فكان لا يصبر عن ~~تأديبه وإرشاده إلى سبيل الخير وتهذيبه وتربيته بمكارم الأخلاق وتربيته ~~فقال له يا بني إن الإنسان يحتاج إلى كل شيء وأعظم ما يحتاج إليه ويعول في ~~التحصيل عليه الصاحب الصافي والصديق المصافي والرفيق المساعد في وقت ~~الشدائد فان المال ميال والذهب ذاهب والفضة منفضة والملبوس بوس والمأكل ~~متآكل والخيل خيال والفواضل شواغل والدهر قاصي والعصر عاصي والأقارب عقارب ~~والوالد معاند PageV01P039 والولد كمدو الأخ فخ والعم غم والخال خيال ~~والدنيا وما عليها لا يركن إليها وما ثم إلا رفيق ذو وفاء مجبول على الصدق ~~والصفاء إن غبت ذكرك وإن حضرت شكرك مأمون على نفسك ومالك وأهلك وعيالك في ~~حالك ومالك إن غاب صانك وإن حضر زانك فهو أفضل موجود يقتني وأحسن مودود ~~يصطفي فان ظفرت به فتشبث بسببه ثم قال يا بني ms062 قد أقمت في الحضر وانقضى لك ~~فيه ما ذقت مما حلا ومر فلا باس أن تحيط علما بأحوال السفر فان السفر محك ~~الرجال ومجلبة الأموال ومكسبه التجارب ومرآة العجائب والغرائب فاعزم على ~~بركة الله تعالى وتوكل عليه واصحب معك فيه ما تحتاج إليه ثم أفاض عليه ~~المال وأضاف إليه صالحي الرجال وحين ودعه ووصاه واستودعه قال يا بني لا ~~تجعل دأبك وطلبك واكتسابك الاستجلاب الصاحب النافع دون سائر المنافع فانه ~~أوفر بضاعة وأربح تجارة وليس على الصديق أبدا خسارة واجعله في سفرك نصب ~~عينك واشتره بنفسك ومالك ونقدك ودينك وقد قيل: # أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاحوالمراد به ~~الصديق وأعلم أن الأخ الصلبي ربما يضرك وأما الصديق الصالح فأنه يسرك ~~والصاحب الشقيق خير من الأخ الشقيق وقد قيل رب أخ لم تلده أمك فقبل الشاب ~~وصية أبيه ثم توجه في حشمه وذويه بقصد جميل ومال جزيل فمكث غير بعيد ثم عاد ~~وهو سعيد فقال له أبوه حبيت وحييت ما أسرع ما جبت قل لي أين ذهبت وماذا ~~اكتسبت فقال يا أبت امتثلت مرسوك الكريم واكتسبت بالمال كل ولي حميم وقد ~~جئت بهم زمرا وعدتهم خمسون نفرا كل منهم صديق صادق ورفيق موافق في الفضل ~~بارع وإلى الخير مسارع وفي الرخاء صادق الإخاء وفي الشدة أوفى عده قال أبوه ~~يا بني كيف تصفهم بهذه الصفة وتعرفهم بهذه المعرفة ولم تجربها في قضية ولا ~~واقعة صعبة أو رخيه وقد قيل: # لا تمدحن امرأ حتى تجربه ... ولا تذمه من غير تجريب # وقد قيل أيضا: # إذا رمت تصفي لنفسك صاحبا ... فمن قبل أن تصفي له الود أغضبه # فان كان في وقت التغاصب راضيا ... وإلا فقد جربته فتجنبه # (وقيل أيضا): # الناس أكيس من أن يمدحوا رجلا ... ما لم يروا عنده آثارا حسان ~~PageV01P040 واعلم يا ذا اللطائف أني خائف أن يكون أصحابك وأصدقاؤك وأحبابك ~~مثل أصحاب الرئيس المدير الخامل النفيس الذين رعوه في روض وفره وتركوه في ~~قفر قفره قال ms063 ابنه يا أبت كيف ورد ذلك وثبت قال التاجر ذكر رواة الأخبار ~~أنه كان في بعض الأمصار رجل رئيس كبير نفيس له أموال وافرة وجهات متكاثرة ~~وأماكن عامرة وضياع ومزدرعات وبساتين واقطاعات وعقار له ارتفاعات فكان ولده ~~يمد يده إلى كل معصية ومفسده ويجترئ ذلك السفيه على كل ما يلوح له من جهات ~~أبيه والتف عليه جماعه من عبيد البطن والمجاعة كأنهم طير قر لي أن رأى خيرا ~~تدلى وأن رأى شرا تعلى ومديد الإسراف في التبذير والإتلاف وصار أبوه ينصحه ~~ويردعه عن جموعه ويكبحه وقال له يا بني استعمل الارتفاق في النفاق واستخلص ~~من الرفاق ذوي الإشفاق واعلم أن هذا المال هو لك مدخر لتصرفك فيه منتظر ~~وإنما أنا لك خازن والله تعالى مجاز على فعالى من مساو ومحاسن وتيقن أن ~~المال هو عزك في الدنيا وزادك إلى الأخرى وأن له وجوها ومصارف وعوارف ~~ومعارف فإذا صرف في غير محله ودفع إلى غير أهله كان أثما ووبالا وفي الآخرة ~~عذابا ونكالا وأحمق الناس المستحق لنزول الباس من اكتسب من اكتسب المال ~~حلالا وبذرة في الفساد يمينا وشمالا وادخر به إثما وخبالا فصرفه إلى من لا ~~يحمده وعليه حسابه ونكده وأنت إذا صرفت مالك ووزعته وفي غيره مواضعه زرعته ~~وأنفقته على من لا يعرف فضيلتك ولا يحمل حملتك ولا يشكر صنعك ولا يقصد نفعك ~~ولا يجلب لك خيرا ولا يكشف عنك ضيرا خرجت من عز الدنيا وفوت زاد الأخرى ~~وهؤلاء الذين قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين ثمرة صحبتهم الندامة ~~وعاقبة أمرهم الخيبة والملامة والبعد عنهم غنيمة وسلامة وإذا كان الأمر ~~كذاك فإياك يا ولدي ثم إياك من صحبة هؤلاء الأحداث والمكوث بقربهم فإنهم ~~اخباث واحتفظ بصوت ما لك ولا تنفقه إلا على نفسك وعيالك وفيما يبقى ماء ~~وجهك في حالك ومالك ولا زال أبوه قابض عنانه بقدر طاقته وإمكانه يذكره هذه ~~الوصية بكرة وعشية حتى أدركته المنية وخلف ذلك المال العريض لذلك الولد ~~المريض فمد يده كما كان ms064 إلى كل مفسدة ونسي يومه وغده وشرح في مناه متن ~~اللهو وقرر بحديث من كتاب الزهو باب الأنجاس وسجود السهو واجتمع عليه قرناء ~~السوء وحضروا وخلاله ولهم الجو فباضوا في الفساد وصفروا وغابوا عن الرشاد ~~وما حضروا وصاروا يظمونه ويكرمونه ويحترمونه فإذا كذب صدقوه وإذا ضرط سمتوه ~~وشمتوه وإذا نهق طربوا وإذا أخطأ صوبوا وإذا قعد قاموا وإذا قام ناموا ~~يفدونه بالمهج والأرواح ويلازمون خدمته في المساء والصباح وكان له أم مدبره ~~عاقلة مفكرة فقالت له يا بنيلا تكن صبي وتذكر وصايا أبيك وإياك ومن يليك ~~وتأمل ما لديك واحفظ مالك وما عليك ودبر معاشك وصن ماء وجهك ورياشك وأعلم ~~أن أصحابك وعشراءك وأحبابك وندماءك ورفقاءك وأخصاك وأصدقاءك كلهم عبيد ~~البطن ولورقات بذي شيق أو حصن لا خير عندهم ولا مير جميعهم كسير وعوير ~~فإياك إياك وصحبة من لا يتولاك لاتركن إلى صداقتهم ولا تعتمد على موافقتهم ~~فانهم في الرخاء يأكلونك وفي البلاء يتركونك وإلى مخالب القضاء يسلمونك رأس ~~مال محبتهم ما في يديك وأساس بنيان مودتهم ما يرونه من النعماء عليك فإن ~~قلت والعياذ بالله فلوا وخلوك في عقد النوائب مربوطا وانحلوا وأقل الأقسام ~~يا ذا الأصل السام أن تجرب أصحابك وتختبر من يلازم بابك ويقبل بشفاه المودة ~~أعتابك في شيء نابك أعجز عن حمله نابك من حوادث القضاء أو في حالة من أحوال ~~الغضب والرضاء أو السعة والضيق أو التكذيب والتصديق فمن وجدته ناصحا صادقا ~~أو مطاوعا مصادقا وفي كل الأحوال موافقا وفي الرخاء والشدة مرافقا يوثق به ~~في الغيبة والحضور وحالتي السرور والشرور يؤدي الأمانة ويجتنب الخيانة ~~ويغار على دينك وعرضك ويساعدك على أداء مسنتك وفرضك فاركن إليه واعتمد في ~~أمورك عليه ومن وجدته منافقا وفي إخلاصه ممازقا ينسج شقة الوداد بوجهين ~~ويتكلم كخائض المداد بلسان فلا تقربه ولا تصحبه فان بعده غنيمة والخلاص منه ~~نعمة جسيمة وانظر بعين الثبات ما في هذه الأبيات من حسن الصفات فمن كان بها ~~متصفا فتمسك بأذياله فانه من أهل الصفا ms065 وهي هذه: # وقد قيل قول المرء يكشف عقله ... وببدي سجاياه وما كان يكتم PageV01P041 ~~فهذا كلامي مظهر ما أكنه ... وأكثر هذا الخلق عن عيبهم عموا # فمن شيمتي أني مطيع لصاحبي ... وأصلح عن خصمي وإن كنت أخصم # وأرضى لنفسي ديون ما هو حقها ... وألزمها للخل ما ليس يلزم # إذا قال أصغى للمقال وأنني ... لا علم منه بالمقال وأفهم # ولم أشك من خل لئلا يملني ... ومن لي بخل لا يمل ويسأم # وأقطع في بحثي وأن كنت غالبا ... واسكت حتى قيل ذا ليس يعلم # لا بقي وداد الناس لي لا أضيعه ... ومن لا يداري الناس يرمى ويرغم # وفي كل ذا تقوى إلا له شعائري ... ولا بد من لا يتقي الله يندم # ولا نقص في عقلي وأسباب نعمتي ... وأني وأنى بالكمال مكرم # ولي همة يسموا لي الأوج قدرها ... ولكن خمول المرء للدين أسلم # ووجه اعتقادي مثل عرضي أبيض ... وديني متين واعتمادي مقوم # وحسبي من دنياي قوت وخرقة ... يبلغني آثار من قد تقدموا # فهذي عزيزات لدي وإنني ... لادعو إلى هذي الخصال وأعزم # فاثر هذا الكلام فيه وتأمل ما تضمنته فحاويه ثم أراد أن يجرب ملازميه ومن ~~بر وجه جسده يفديه فقال يوما من الأيام وقد اجتمعوا على منادمه المدام اتفق ~~أمر عجيب وشأن غريب وهو أنه كان عندنا هاون في زاوية مخزون زنته ربع قنطار ~~أتى البارحة عليه الفار فقرضه وأكله وعمه بالأكل وشمله فلم يدرك من ذلك ~~النحاس في مكانه من برادة أضراسه وأسنانه فترشفت ثغور آذانهم منطقة واستحلى ~~كؤسها كل منهم وصدقه وقالوا هذا وقع بغير شك لأن الهاون كان فيه ودك والفار ~~أسنانه باضعه وأضراسه لجن حرافيش بغداد قاطعه فلما رأى أنهم وافقوه وصوبوا ~~كلامه وصدقوه ازدادت فيهم محبته وقويت إليهم رغبته حيث رفعوا رتبه وستروا ~~في جيب عيبه وحققوا محالة وصدقوا مقاله فأسرع إلى أمه مسرورا فرحا محبور ~~منشرحا وقال يا أماه انظري كلام أصحابي وأخبري مقام أحبابي ذكرت لهم كلاما ~~باطلا ومن حلية الصدق والإمكان عاطلا فحققوا بلا مريه واثبتوا حقيقته ms066 من ~~غير فريه وصاغوا من جواهر التوجيه أبهى حلية وذكر ما جرى لهم وله من الجنون ~~والخباط والوله فقالت أمه يا ولدي ومهجة كبدي هذا أمر يضحك منه الجاهل ~~ويبكي على حالك الحالك منه العاقلكما قيل: # أمور تضحك السفهاء منها ... ويخشى من عواقبها اللبيب # أعلم أيها الداهل الغافل أنك لست من أصحابك على طائل وهؤلاء أعداء في ~~صورة أو داء وهم في التمثيل كما قيل: # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق # وتيقن أن هؤلاء في النعمة خداعون وفي النقمة لذاعون وأنت شاب غرير ~~وبأعقاب الأمور لست ببصير لا مارست الخلق ولا فرقت بين الصادق من ذوي الملق ~~لأخبرتهم ولأسبرتهم ولا دخلت مداخلهم ولا ميرت خارجهم وداخلهم إن الصادق ~~والرفيق الفائق من بصرك عيوبك وغفر لك بعد نصيحتك ذنوبك وأطلعك على حقائق ~~الأشياء ونهيك على ما خفي من أمور الدنيا وأرشدك إلى ما يزينك ويصلح به ~~دنياك وأبكاك إذا نصحك لا من أضحك وفضحك وأما الذي يدلس ويلبس ويوسوس ويهوس ~~وبروج الباطل وبحلى العاطل فذاك بصديق على التحقيق وإنما هو عدو فلا يكن لك ~~معه قرار ولا هدو فلم يلتفت الشاب إلى هذا الخطاب حيث كان مصادما لغرضه غير ~~شاف لعلته ومرضه وقال صديق من نطق وفاه بالكلام الحق من قال إفشاء السر إلى ~~النساء فعل الأحمق ثم تركها ترغوا واستمر هو مع أقرانه بلهو وداوم على تلك ~~الحال حتى إذا دنت لنفادها الأموال وبيع الرخيص والغال فما استفاق من سكرته ~~واستيقظ من رقدته إلا والأموال قد ذهبت والديون قد ركبت وهو ينشد وإلى ~~مذهبه يرشد: # ليذهبوا في ملامي أينما ذهبوا ... في الخمر لا فضة تبقى ولا ذهب # إلى أن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة ونفقت البيضاء والصفراء في الحمراء ~~والخضراء وأصبح ملقى على الأرض السوداء وأتعس من فوق الغبراء وأفلس من تحت ~~الزرقاء وتراجع عنه الأصحاب وعاداه الأصدقاء والأحباب ورجعوا عنه بعدما ~~سئموا منه صار ناديه ينادي: # كان لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم ms067 يسمر بمكة سامر ~~PageV01P042 وصارت محبتهم له تكلفا ورؤيتهم إياه تعسفا فاتفق له في بعض ~~الأيام أن قال في أثناء الكلام لذلك الجمع بعينه الذين كانوا أجمعوا على ~~صدق منيه الفار الغدار أكل لنا في الدار البارحة رغيفا كاملا فاتى على أكله ~~شاملا فما أبقى منه لبابه ولا غادر من غدير وجوده صبابة فتنادوا للحال ~~بالمحال والكذب في الأقوال الفار الضعيف كيف يأكل كل الرغيف وهو عاجز نحيف ~~وتناولوه بالطعن وتناوشوه بالسنة السب واللعن وزيغوا أقواله وسفهوا أفعاله ~~وإنما ذكرت هذا الكلام يا أيمن غلام وأحسن من البدر التمام لتعلم أن أكثر ~~من يدعي صدق الصحابة من ذوي المعارف والقرابة إنما دعواه كذابة كسحاب صيف ~~لا يديم انسكابه وأن الشخص مع الناس الأوغاد والأكياس بمنزلة الفقاع أن ~~رأوا فيه حلاوة الانتفاع استلموه وبالأيدي رفعوه وقبلوه ورشفوه وإذا مصوا ~~محصوله وفرغوه ورموه تركوه وتحت الأقدام طرحوه ثم قال التاجر لولده راحة ~~روحه وجسده وأن كان من صحبتهم وفي سفرك أكتسبتهم مثل هؤلاء الأصحاب فإياك ~~أن تفتح لهم الباب وترفع بينك وبينهم الحجاب (فقال الولد) معاذ الله الواحد ~~الأحد يا أبت عندي ثبت أنهم يدور كرام وصدور عظام يقومون لقيامي وينصتون ~~لكلامي ويجيبون ندائي ويؤمنون على دعائي وهم أخلاء في السراء والضراء (فقال ~~أبوه) أعلم يا ابني وقرة عيني أني عمرت سبعين وعاينت من الأمور الخشنة ~~والحسنة وبلوت الأصحاب وتلوت الأعداء والأحباب ورأيت الدنيا وأهلها وقلبت ~~وعرها وسهلها ولم أترك من جنس بني آدم في أكنافها الآفاق وأطراف العالم من ~~أمم العرب والعجم نوعا لم أخبره وصنفا لم أسيره فلم يصف لي على التحقيق غير ~~صديق ونصف صديق فأنت يا بني العزيز الغالي كيف قدرته بالتوالي في هذه المدة ~~اليسيرة على جمع هذه الطائفة الكثيرة وها أنا يا إمام أريك مصداق هذا ~~الكلام وأطلعك من بين الأصحاب على ما لهم من مقام ثم عمد إلى شاة فذبحها ~~وبدمها في ثياب طرحها ثم دمجهاوفي كفن أدرجها وقال لأبنه قم يا ذا الارتقاء ~~أرني هؤلاء ms068 الأصدقاء واحدا بعد واحد لتحقيق غيب عيبهم بالشاهد وتعرف ~~طرائقهم وتتبين حقائقهم ثم وضع الشاة في عدل وأخفى كل هذا الفعل وحمل العدل ~~على ظهر غلام وخرج ليلا والناس نيام وقصد أحد الأصحاب وطرق عليه الباب فخرج ~~مسرعا إليه وترامى متواضعا بين يديه وأظهر البشر والسرور والابتهاج والحبور ~~وبالغ في الاحتشام والإكرام والاحترام وشكر مساعي الأقدام ثم بادر إلى ~~دعوته للدخول وتعاطي إنجاح ما له من سؤل ومأمول فقال له الشاب يا زين ~~الأصحاب وعين الأحباب دع الكلام لضيق المقام فقد دهتني دهيه وعرتني بليه ~~وأعظم بها من قضيه ويا لها من رزية فقال ما هي وقيت الدواهي فقال كان بيني ~~وبين واحد من أهل الشقاوة خصومة قديمة وأسباب عداوة اسمه معروف وذكره موصوف ~~لشخص مفقود لم يكن له حقيقة في الوجود وهو من أكابر الزمان وأحد الرؤساء ~~والأعيان فتلاقينا وتداعينا ما بيننا من جفوه وتنابشنا الأسباب وتناوشنا ~~باللعن والسباب وتناولنا في الشقاق شق الأعراض وتأذت القلوب من الأغراض ~~بالأمراض وتنقلنا من المكالمة إلى المشاتمة ومن المواصمة للملاكمة وترقينا ~~من الكفاح إلى الجراح فثارت النفس المشؤمة إلى إيقاع حركة ذميمة فضربته ~~فجرحته وقتيلا طرحته ولم يشعر بنا أحد من أهل البادية والبلد وندمت غاية ~~الندم وأني يفيد وقد زلت القدم وجرى قلم القضاء بما حكم ثم أفكرت بمن ~~أستعين على هذا الأمر اللعين وأدرت في خاطري كل مساعد ومعين فلم يمل القلب ~~إلا إليك ولا استقر الخاطر في ركونه إلا عليك وقد قصدت جنابك ويممت بابك ~~إذا أنت أعز مخدوم والسر عندك مكتوم وهاهو مقتولا أتيتك به محمولا فاحفر ~~لهذه الجثة حفيره وأخفي عندك أيا ما يسره إلى أن تطفأ هذه النائرة وتسكن ~~الفتنة الثائرة وهذا وقت المروه وزمان الفتوة والقيام بحق الصداقة والأخوة ~~فلما سمع الصاحب اللبق هذا الكلام القلق تضجر وتضرر وتنكد وتضور وقال يا ~~أخي بيتي عتيق مع أنه حجر مضيق لا يسع أولادي ولا زادي وعتادي وإذا ضاق عن ~~الأحياء فكيف بالأموات وهذه بلية من أوحش ms069 البليات وأظنها لا تخفى على الناس ~~ويدركها أولو الفراسة والأغبياء فضلا عن الأكياس لأن قضاياكم قبل اليوم ~~مشهورة وبلغني أن عداوتكم قديمة مذكورة وفي التواريخ وصدور الكتب مسطورة ~~ولكم وقعات ونوازل وله أيتام كأنهم PageV01P043 الزغب الجوازل وأما أنا فلا ~~يمكنني الدخول فيها ولا تعاطيها بوجه من الوجوه ولا تلافيها فاكفني شر ~~ضيرها واندبني إلى غيرها وأني أكتم سرها فلا تخف من جهتي شرها فالح عليه ~~فما أقاد ورده غير ظافر بما أراد فلما أيس منه تركه وانتقل عنه ودار على ~~سائر أصحابه وذكر لهم مثل الأول وخطابه فكان جواب الجميع مثل جوابه إلى أن ~~أتى على الجميع واستوفى شريفهم والوضيع ورأى ما هم عليه من طبع بديع كأنهم ~~كانوا متواردين على شرب هذا الصنيع فعاد إلى دار أبيه ورجع إلى صحة بيسان ~~التنبيه فقال له بمدير الفلك أحققت صدق ما قلت لك وتبيات ما هية أصدقائك ~~وحقيقة أوليائك وأنهم نقش حيطان ورقش غيطان وغمام بلا مطر وأكمام بلا زهر ~~وأجام بلا ثمر (ثم قال) ثم يا زين الأحباب أريك ما قلت لك من حقيقة الأصحاب ~~ثم دخلا الطرق وقصد نصف الصديق وطرقا الباب فخرج وتلقاهما بالترحاب فقال له ~~ذلك المقال وقصد بمعونته الخلاص من ذلك العقال فقال حبا وكرامه حللتما ~~بمنزل السلامة أنابكم نشيط وأجلبكم بي بسيط غير أني أعلمكم أن منزلي غير ~~فسيح حتى أدفن فيه هذا الذبيح وليس لي مخبأة ولا مخدع ولا سكن في مطاويه ~~ولا مصنع وأخاف أن أمركم لا يختفي وبهذا المقدار في أمركم لا أكتفي ويدي لا ~~تملك غيره وقد وقعت بهذا السبب في حيرة وبالجملة والتفصيل أنا أكفيكما شر ~~هذا القتيل فقالا لا نقنع بذلك ولكن سد عنا المسالك فقال توجها حيثشئتما ~~فلا أنا سمعت ولا أنتما قلتما فتوجها إلى الصديق الكامل وذكرا له الأمر ~~الحامل وقصدا بتلاقيه كرمه الشامل فقال لهما أو شيء غير ذلك وقاكما الله شر ~~المهالك فقالا لا الادفن هذا المقتول وإخفاء هذا الأمر المهول وأن نكون تحت ~~أذيالك ms070 الساترة حتى تسكن هذه الفتنة الثائرة فان أهله يطلبونا فان وجدونا ~~يسلبونا ولا يرضون إلا بالدمار وخراب الديار ولا يقنعون بالمال والعقار ~~وهذه قضية عظيمة وداهية جسيمة فان كنت تنهض بإطفائها وحمل أعبائها وتسعى في ~~إخفائها فقد قصدناك ودون الأصحاب أردناك فان عجزت عن سدها فلا عتب عليك في ~~ردها ولا تتكلف فوق طاقتك ولا تتجشم لا جلنا غير استطاعتك فقال سبحان الله ~~وا سوأتاه هذا يوم المروأة والوفاء وتذكر وسائل إخوان الصفاء فلكم الفضل إذ ~~قصدتموني والجميلة التامة حيث أردتموني أما والله لو كان ألف قتيل لو أريته ~~وكل ما كان من أمر غيره جاريته وداريته لا يسمع أبدا خبره ولا ترى عينه ولا ~~أثره وأما أنتما فأفديكما وبروحي وأولادي وطريقي وتلادي وعندي ديار أنزه من ~~جنان الأبرار وأفيح من كل دار فادخلوها بسلام آمنين فأنها نشرح كل قلب حزين ~~ولو أقمتم بها سنين ما شعر بكم أحد من العالمين فيها أرغب نديم وأقرب خديم ~~وأحسن جليس وأيمن أنيس فلن تملوا مقامها ولا تعدموا إكرامها فانتم عند من ~~لا يمل أبدا أنزليه ولكم في ذلك الفضل والجميلة قال التاجر شكر الله سعيك ~~وحفظ على أصحابك مودتك ورعيك ثم ودعه وانصرف وقد عرف الولد من حقيقة الأمر ~~ما عرف (ثم قال) لولده يا بني وأعز عندي من كل شيء أن اتخذت الصديق فليكن ~~صديقك على هذا الطريق وإلا قالا نفراد أحسن والعزلة أوفق إن أمكن كما قيل: ~~PageV01P044 فاق حبي كل الملاح كمالا ... هكذا هكذا والافلالا # ولقد أرشد من أنشد حيث قال هذا المقال: # ما في زمانك من ترجو مودته ... ولا صديق إذا جار الزمان وفى # فعض فريدا ولا تركن إلى أحد ... أني نصحتك فيما قد جرى وكفى # (ثم أن الملك) قال لأولاده يا ذوي الأفضال إن غالب أصحابي من الأمراء ~~والرؤساء الكبراء خصوصا فلان أمير مماليك خراسان هم من هذا القبيل وأنا ~~عودتهم هذا الجميل فكونوا في الحقيقة متمسكين بأسباب هذه الطريقة (فلما) ~~أكمل وصيته أولاده هيا لسفره عتاده وذكرا ms071 لله وزاده ثم ودعهم من دار الشرور ~~وأنتقل إلى دار الحبور والسرور وقد عهد إلى أكبر أولاده واستودعهم الله وهو ~~القاهر فوق عباده من لا تضيع الودائع لديه ولا يخيب من توكل عليه فسمعوا ~~الوصية وأطاعوا وتعلقوا بأذيال أهدابها فما ضاعوا واستمروا تحت أمر أخيهم ~~كما كانوا في حياة أبيهم كأن أباهم ما مات ولم يقع بينهم شتات فدام لهم ~~السرور وانحسمت عنهم مواد الشرور وأشرقت بهم ممالكهم وأملاكهم ودارت ~~بالسعود أفلاكهم ثم أن الحكيم حسيب انتقل من كلامه العجيب بعد فراغه من حكم ~~الاعجام إلى فوائد ملك الأتراك الهمام فشنف المسامع وشرف كل راء وسامع وشرع ~~في القافل والقيل وحسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # الباب الثالث # في حكم ملك الأتراك مع ختنه الزاهد شيخ النساك # (قال) الشيخ أبو المحاسن حسان صاحب الحسن والمحاسن والإحسان ثم نهض ~~الحكيم حسيب الأديب الأريب ووقف في مقام حده وقبل موطئ أخيه بشفاء خده وقال ~~لقد بلغني أيها السلطان أن في قديم الزمان كان في الترك ملك يسمى خاقان من ~~الملوك العادلين والسلاطين الفاضلين برسم العدل معروف وبقصم الجور موصوف ~~كسر الأكاسره وقصر الأقاصره ونحر الجبابرة وثغر فم الذعار النبالة الفاغرة ~~ملك بلاد الختن والخطأ واستولى على ممالك المغل والحنا وأطلع أوامره الترك ~~والتتار واستسلم لرأيهسكان الدست والقفار وكان ياجوج من جملة خدمه ومأجوج ~~من بعض عبيده وحشمه كأنه وارث لذرية يافث قوى في أخذ الملك من ممالك الصين ~~وأخذ إلى أطرف الشمال باليمن ولم يكن له من البنين والبنات مع كثرة السراري ~~والزوجات سوى بنت واحدة لطلعتها الأقمار شاهده: # شمس ولا كالشمس عند زوالها ... بدر ولا كالبدر في نقصانه PageV01P045 بل ~~بهرت الشمس جمالا والبدر كمالا وفاقت سلاح الدنيا شمائل وخصالا وهي عزيزة ~~في قلب أبيها كريمة على خواصها وذويها فصارت ملوك الأطراف يخطبونها ومن ~~أبيها يطلبونها فكان أبوها يفوض الأمر إليها ويعتمد في تزويجها عليها وهي ~~لا ترغب في طالب ولا تصغي ms072 لخطبة خاطب إلى أن عنست وخطابها أيست وكان أبوها ~~كما ذكر ذا فطنة بالغة وهيبة دامغة فخشي حوادث الزمان واختلى بها في مكان ~~وقال أعلمي يا معدن اللطائف أن البنت في منزل أبيها الواقف إن مكثت يأسن ~~وإن لم يستعمل أنتن ولا أقول ذلك ملالا ولا عجزا ولا استقلالا بل لابد ~~للمرأة من زوج فيسترها ويضمها ونعم الختن القبر وأحلى من البنت الصبر فإن ~~رأيت الرغبة في الزواج طلبت لك كفؤا من الأزواج وكان ذلك أستر لعرضك وأدنى ~~لإقامة سنتك وفرضك وأفرغ لخاطر أبيك وأشرح لخدمك وذويك فقالت أحسن الله ~~الرحمن إلى مولانا الخاقان وكفاه كل جان من الأنس والجان إن البنين من جملة ~~النعم والبنات من أعداد النقم ونعم الدنيا عليها الحساب ونقمها سبب الأجر ~~والثواب رب الأرباب فيما أنزله من الخطاب في محكم الكتاب المال والبنون ~~زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا وقد ~~جاء في بعض التفاسير أن الباقيات الصالحات هي البنات فمولانا الملك يعدو ~~جودي نقمة عليه من معبودي واسأل الصدقات الملوكية والمراحم الوالديه أن لا ~~يعجل في أمر تزويجي وأن لا يبادر كيفما اتفق إلى تزويجي فان التأمل في ذلك ~~أولى وثناء في الدنيا وثواب في الأخرى وذلك لأن الكفاءة في الزواج معتبره ~~وقد قرر ذلك الفقهاء البررة وإن لم يكن الزوج للمرأة كفؤا فزوجها به يقع ~~سخرية وهزؤا ولا يفيد سوى الغرامة والفضيحة والندامة فقال الملك لا أزوجك ~~إلا بكفء كريم يكون لك أدنى خديم وفي الناس أعلى مقام عظيم قالت يا مولانا ~~الملك وقاك الله شر المنهمك لا تحمل اعتراضي على الإساءة وإنما أسأل عن ~~كيفية الكفاءة فإن كانت بالملك والمال فإن ذلك في معرض الزوال وإن كانت ~~بانشاب الإنسان فإن ذلك خطأ لا صواب قال منزل الكتاب العزيز الوهاب فإذا ~~نفخ الصور فلا انساب وقال من لا يجوز عليه كذبه من أبطأ به عمله لم يسرع به ~~نسبه وإنما الفقهاء حكموا بالظاهر والله يتولى السرائر ونحن في قيد ms073 ~~الانقياد ولا يسعنا إلا ما أمر به الشرع وأراد وأما أنا فكفئ الكريم إنما ~~هو الكامل الحليم الفاضل الرحيم قال الملك بارك الله في رأيك وعقلك أنا لا ~~أزوجك إلا بملك أو ابن ملك مثل أبيك يرعاك ويكرم خدمك وذويك يعدل بالسوية ~~ويحكم على سائر الرعية قالت أيها الملك الكبير صاحب التاج والسرير أنا ما ~~أعرف الملك إلا من يعرف بملك الحكم على نفسه في سيره ويكون متحكما متمكنا ~~من الحكم على غيره فيحق أن يقال في ملكه ذي الجلال خلد الله سلطانه وشيد ~~أركان ملكه وبنيانه قال الملك ومن هو ذاك بارك الله فيك وهداك قالت أما ~~الحاكم على نفسه فهو المالك الزمام جوارحه وحسه قد جعل خزائن القلب والسمع ~~معدنا لجواهر العقل والشرع فمهما اقتضاه العقل مضاه وعمل بمقتضاه وما ~~ارتضاه الشرع وقضاه كان فيه انقياد ورضاه قد تحلى بعقود مكارم الأخلاق ولو ~~كان في أسمال أخلاق وشغل نفسه بتهذيبها واجتهد في خلاصها من شرك عيوبها ~~وأهتم بعيوبه عن بعيده وقريبه ويغيضه وحبيبه فذلك الحاكم على نفسه المميز ~~على أبناء جنسه وأما حكمه على غيره فهو أن يكون في سلوكه وسيره منعزلا عن ~~الناس في زوايا البأس لا يسأل عن أحوالهم وعيوبهم ولا ينظر إلى ما ~~تحتأيديهم وجيوبهم مالكا لزمام العز له متنعما بهذه النعمة الجزلة قد اتخذ ~~التقوى والقناعة أحسن حرفة وأربح بضاعه قد سلم الناس من يده ولسانه لا يدري ~~بشأنهم ولا يدرون بشأنه فذلك الحاكم على غيره الفائز من ملك الدارين يخبره ~~فهو الذي خلد ملكه وسلطانه واتضح للعاملين برهانه فان وجد بهذه الصفات ~~موافي فانه لي كفء مكافي وأنه كالبدر جلى تقي الصدر لله ولي فإذا أنعم ~~الزمان بمثل هذا منالا فنعم نعم والافلالا فجعل ملك الختن يتطلب مثل هذا ~~الختن وأرسل القصاد إلى أطراف البلاد يساون سكان الأكناف وقطان الأطراف عن ~~موصوف بهذه الأوصاف واستمروا على ذلك مده كل باذل جهده حتى أرشدوا بعد زمان ~~أن المكان الفلاني فيه فلان رجل أعرض عن ms074 العرض فلم يكن له في الدنيا غرض ~~وهو بحسن الصفات موصوف وفي PageV01P046 كرخ العبادة والاجتهاد معروف جامع ~~لهذه الصفات ليس له إلى الدنيا وأهلها التفات مشغول باكتساب الآخرة وطلب ~~نعمتها الفاخرة وهو من نسل الملوك وقد ترك وراءهم السلوك وسلك في العلم ~~والعمل السبيل الأقوم حتى كأنه محمد بن الحسن أو إبراهيم بن أدهم ولشدة ما ~~هو لنفسه مجاهد سماه الناس الملك الزاهد فأجمع الخاقان على مصاهرته وجعل ~~التقرب إليه قربة لآخرته فاخبر ابنته به وكان حبل مطلوبها ومطلوبه وعقد ~~بينهم النكاح وحصل الفلاح والصلاح فوافق شن طبقة وصار لعين مرامها كالحدقة ~~ومضى على ذلك برهه وهما في طيب عيش ونزهه فاشتاق الخاقان في بعض الأزمان ~~إلى رؤية ابنته وسرور مهجته فقام لدارها بقصد مزارها لينظر حالها وما عليها ~~وما لها فوجدها في عيش هني وأمر سنى فسألها عن أحوال زوجها الزاهد وكيف ~~صبرها على حالها الجاهد فاتت خيرا وكفت ضرا وضيرا وقالت جميع ما يبرزه ~~ويأتيه على حسب ما أريده وأرتضيه وارتفاعات أحوالنا بسعادة مولانا في دفاتر ~~إلا من منضبطة وعقود حياتنا بميين صدقاته في نحور الرفاهية غير منفرطة غير ~~أن بيتنا واحد وبسبب ذلك يتضرر هذا العابد فيه نبيت وفيه نقيل وبجوانبه ~~مالنا من خفيف وثقيل وقوت ونقود وخادم ومولود فلا يتفرع من الغوغاء للعبادة ~~لأنها تستدعي عزلة العابد وانفراد، وتخيله لمناجاة معبوده ليظفر من حلاوة ~~الطاعة بمقصود فاسأل مولانا الخاقان ذا الفضل والإحسان بيتا يتخلى فيه ~~للعبادة ومكانا يضع فيه خرثي البيت وعتاده فقال حبا وكرامة وقربا وسلامه ~~(ثم) اجتمع الملك بصهره الذي به فاخر وذكر له أنه إعطاء بيتا آخر أحدهما ~~يكون لخلوته ومبيته والآخر يضع فيه ما يحتاجه من عتاده وقوته فقال الزاهد ~~أيها الملك الماجد فعلت ذلك لتقسيم خاطري وتوزع فكري ومرائري ولا طاقة لي ~~أن أتعلق بمكانين وما جعل الله لرجل من قلبين وإنما الزاهد من همه في ~~الدنيا واحد فانه على عدد التعليقات يتوزع القلب الشتات وإذا تعددت الأماكن ~~يحتاج كل منها ms075 إلى ساكن أو حافظ أو ضابط أو حارس أو رابط وأنا لا اعتماد لي ~~بحفظ نفسي أيها الولي فكيف يكون لي اقتدار على حفظ الأغيار وإذا انقسمت ~~أفكاري وفسد بالي فكيف أقدر على صلاح حالي وأني يصلح مع فسادي أمور معاشي ~~ومعادي ثم أني إذا وزعت نفسي فقد نبهت راقد حرصي والحرص أفعى قاتل وأسد ~~صائل يقتلني بسهمه بل بمجرد شمه فقال أيها الملك الكبير لا تهتم لذلك أيها ~~الزاهد الخطير فإن لي أماكن وقصورا مشيدة وحواصل مصونة وخزائن مكنونة الكل ~~تحت تصرفك تصرفك واختيارك لا منازل لك فيه ولا مشارك فاجعل لكل جنس من ~~قماشك وأثاثك ورياشك وما يقوم بأودك ومعاشك مكانا على حده وناحية حفظ ~~منفردة واتخذ لنفسك مقاما خاصا بك لا عاما وأنا أقيم على كل مكان حارسا إن ~~شئت راجلا وإن شئت فارسا فعند احتياجك إلى شيء أتاك هنا مبسرا من غير كد ~~ولا عي وتفرغ أنت لعبادتك واشتغالك بأمور آخرتك (قال) الزاهد أيها الملك ~~المجاهد الاغترار بالقصور من جملة القصور والاعتماد على الحصون من دواعي ~~الجنون وإذا ورد من الملك الغفور طلب على يد القبور فإذا تجدي الدور ~~والقصور وماذا تنفع الحصونأو يدفع كل مكان مصون وإذا آذن بالجلول ذلك الخطب ~~الهول تود النفس لو كانت القصور الممهدة والبروج المشيدة أذل من أفحوض قطاه ~~وأقل من عطش بزاه وقد قيل: PageV01P047 قميص من القطن أو حلة ... وشربة ماء ~~قراح وقوت # ينال بها المرء ما يرتجي ... وهذا كثير على من يموت # وأعلم أيها الخاقان أن النفس لها خادمان مطيعان مجببان ولما تأمر به ~~سميعان وهما الشهوة والحرص الشديد الدعوه أما الشهوة فرائد الأكل الكثير ~~والشرب وأما الحرص فعايد الرعونة والعجب وقد قيل: # فهذا يقود إلى طبعه ... وهذا يسوق إلى ربعه # فهما ليلا ونهارا وسرا وجهارا يزينان لها ما طبعا عليه ويجذبانها إلى ما ~~جبلا إليه وينقاضيانهما حقهما ويطالبانها مستحقهما ولا بد للمخدوم من إقامة ~~أود خادمه واسترضاء أنيسه ومنادمه وقد قال من أتقن المقال: # أن اللبيب أخا ms076 اللبيب هو الذي ... مع تيهه يحنو على عشاقه # وكذا الرئيس وأنت أكبر جنسه ... من فاض في الخدم من أرزاقه # يهتم إن حضروا له بنوا له ... يغتم إن غابوا على أشواقه # مع إن حشمته وفائض عمله ... ترقى بكل متنهى استحقاقه # ولكن رضا هذين الخادمين غاية لا تدرك وفقد مقصود يهما نهاية عميقة ~~المسالك وقد قال سيد الأنام عليه الصلاة والسلام يوما وهو بين الأصحاب ~~كالشمس ليس دونها حجاب والبدر لا يحجبه سحاب لا يملأ جوف ابن آدم إلا ~~التراب والحرض مهلك والشهوة قاتلة وكل منهما في الدمار والبوار علة كاملة ~~وناهيك يا ذخر الحق وغياثه أخبار اللصوص الثلاثة فطلب الملك من الزاهد ~~إيضاح هذا الشاهد (فقال): ذكر أهل الوراثة أن لصوصا ثلاثة كانوا على سبيل ~~الاشتراك متعاطين أسباب التحرم والهلاك واستمروا على ذلك مده حتى استولوا ~~من الأموال على عده ففي بعض الليال ظفروا بجملة من الأموال ودخلوا إلى مكان ~~داثر خال بنية الاقتسام وكانوا محتاجين إلى الطعام فوجدوا في ذلك المكان ~~الدائر صندوقا مملوءا من الجواهر ففرحوا وانشرحوا وتصوروا لأولئك الخاسرين ~~أنهم ربحوا فقالوا إن اشتغلنا بقسمة هذا المجموع كلبنا وأهلكنا كلب الجوع ~~فأولى طلب الطعام قبل الاقتسام ولو بأدنى التهام ويسير التقام ثم أرسلوا مع ~~أحدهم إلى المدينة ورقهم ليأتيهم بما يسد رمقهم فلما انفصل عن مكانهما وغاب ~~عن أعينهما تحركت نفسه الخبيثة بشهوة أحجبت تاريثه وقواها الحرص المشوم ~~لشدة الشره الملوم ودعاه داعي الفساد إلى الاستيلاء على المال بالانفراد ~~فعزم على ختلهما فوضع في الطعام سما لقتلهما وأما هما فعلى قلته عزما ~~واستعدا لذلك بعد ما حزما ليصير المال بينهما نصفين ويصيرا في ذلك كالأخوين ~~الألفين ويكون ذلك كأنه وراثة لأن شر الرفقاء ثلاثة ولم يدعهما إلى ذلك غير ~~داعي الشهوة وأكد ذلك داعي الحرص وأبخس بها من دعوه فلما فصل ذلك بالأكل ~~بادرا إليه بالقتل ثم بعدما قتلاه عمدا إلى الطعام فأكلاه، فبردا في الحال ~~وتركا ذلك المال، ولحقا بصاحبهما التالف وسيبا تليد المال والطارف وإنما ~~أوردت ms077 هذه الموعظة لأنها على أحوال الدهر موقظة، وإن كان مولانا الخاقان في ~~أموره يقظان لكن قد قال رب العالمين وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين. # واعلم يا مولانا الخاقان كفاك الله مكايد الشيطان وأنجح مقاصدك على ممر ~~الزمان أن الدرجة العلية والمرتبة السنية لا تنال بقوة ولا عزمه ولا شجاعة ~~ولا همه وإنما هي عناية ربانية وأسرار رحمانية لأقوام سبقت لهم من الله ~~وزيادة وانتظموا في سلك أهل السعادة فهم أهل الفضل والسيادة أسبغ الله ~~عليهم سواطع الأنوار وقطعهم عن قواطع الأشرار فهم السادة الأخيار والقادة ~~الأبرار قاموا بأداء ما وجب عليهم وتركوا ما خلفهم واستبشروا بما لديهم ~~فأنوارهم ساطعة وأسرارهم لجميع الأوهام قاطعة تركوا زخارف هذه الداروأرادوا ~~دار القرار وجوار الملك الغفار فهم الهداة إلى الله الدالون على الله لا ~~يعتريهم كدر الأوهام ولا يشتغلون عن خدمة خالقهم مدى الأيام هم العباد ~~المكرمون، العباد المقربون، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين في كتابه ~~المكنون: PageV01P048 ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ~~الذين آمنوا وكانوا يتقون. وأعلم أن أعدى عدوك بين جنبيك وهي نفسك التي قط ~~ما ركنت إليك فاعص هواها ولا تعطها مناها فإن في اتباعها الندم عاجلا ~~والحسرة آجلا لا بقليل تقنع ولا بكثير تشبع ولا تظن أنها إذا أعطيت مناها ~~شكرت أو إذا ذكرتها من برأها ذكرت بل متى أمنتها كفرت أو آنستها نفرت أو ~~أرخيت عنانها بطرت وأشرت وإن نالت مطلبا أو تناولت مأربا انتقلت عنه وطلبت ~~أعلى منه فليس لها دوا إلا القمع عن دواعي الهوى كما قيل: # النفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع # وكما قيل أيضا: # وما النفس إلا حيث يكعلها الفتى ... فإن أهملت تاقت وإلا تسلت # وكما قيل أيضا: # قنع النفس بالقليل وإلا ... طلبت منك فوق ما يرضيها # وإياك وطول الأمل فإنه مفسدة للعلم والعمل قال الحكماء وعقلاء العلماء ~~الأمل شبكة الشيطان وموجب الحرمان فاجهد ما دام لك على النفس ملكه أن تخلص ~~نفسك من هذه الشبكة ولا ms078 تهتم للأوقات فكل ما قسم ما فيه فوات وكل ما هو آت ~~آت وكل ما رقمه القلم في القدم وأثبته قضاء الله تعالى عليك وأنت في العدم ~~سواء كان خيرا أم شرا نفعا أم ضرا فأنت ملاقيه وعلى كل حال موافيه فاقطع ~~دواعي الطمع عمن لا يضر ولا ينفع لا عمن إن شاء نفع. ولا تجتمع إلا بمثلك ~~في الجماعات والجمع ولا تتعب لجوع وعرى واكتساء وشبع فقد قيل إذا شبعت فلا ~~تهتم للجوع فكم من شبعان مات قبل أن يجوع وإذا اكتسيت فلا تهتم للعرية فكم ~~من مكتس مات وثيابه جديدة مطوية واعلم أن طبع الدنيا بالمخالفة كأنها على ~~المخالفة محالفة فإذا ضممت عنها يدك إليك أقبلت عليك وجاءت تهوى تحت قدميك ~~وإذا طلبتها هربت منك وكلما ارتبطت إليها انحلت عنك وقد قيل أيها الملك ~~الجليل: # مثل الرزق الذي تطلبه ... مثل الظل الذي يمشي معك # أنت لا تدركه مستعجلا ... وإذا وليت عنه تبعك # ثم اعلم أيها الخاقان إنك وإن كنت ذا التصرف والسلطان وأن هذه الخلائق ~~رعيتك نافذة فيها بمراسيمها منيتك إلا أنك في الحقيقة واحد منهم لا تزيد ~~عنهم بشيء في الذات والصفات عنهم ولكن الله القديم العالم الحكيم سلطان ~~السلاطين بل خلق الأولين والآخرين رفعك عليهم وتقدم بأمره أن يطيعوك إليهم ~~فقال من له الخلق والأمر: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم. # فهم قد أذعنوا لك وأطاعوك فراعهم كما هم مراعوك واطلب لهم أسنى المراعي ~~وأبهاها وأوردهم أعذب المشارب وأصفاها فإن الملك الذي سلمهم إليك سوف يتقدم ~~بالسؤال عنهم إليك وقد قال من أنت خليفته على أمته: كلكم راع وكلكم مسؤول ~~عن رعيته. # فكن لهم كما تريد أن يكون نوالك ودن لهم كما تحب أن يدينوا لك واعلم أيها ~~الملك الودود أن هذه النقود إن لم تصرف في مصارفها وترفل في وجوه الطاعة في ~~مطارفها فإنها جمر يضرم في نار جهنم كما قال من يقول للشيء كن فيكون. يوم ~~يحمى عليها في نار جهنم، فتكوى بها ms079 جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم ~~لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون. فاسمع أيها الملك الصالح نصيحة مشفق ناصح ~~ولا تغتر بالدنيا وزهرتها ولا تنظر إلى حلاوتها وخضرتها وإياك والميل إلى ~~نزهتها ونضرتها فإنك إن ملت إليها أسرتك أو جبرت على الركون إليها كسرتك ~~وحسبك من كلام الرب الغفور ومن بيده مقاليد الأمور: إن وعد الله حق فلا ~~تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور. # (قال) الراوي لهذه الحكم والفتاوي فلما وعى ما قال هذه النصائح الصادقة ~~من الخنن أمر بها فسطرت ثم نشرت وشهرتوعلى المنابر قرئت وعلى رؤوس الأشهاد ~~ذكرت وأبلغها ابنته وقرر لها مقدار زوجها وحكمته وميله عن الدنيا ورغبته ~~فقالت هذا الذي كنت أردته وعلى مسامع مولانا الخاقان سردته ثم إنها أقبلت ~~على طاعة ربها وبعلها وإصلاح أحوالها في قولها وفعلها وقضايا عمرهما في ~~أنواع العبادة واكتسبا بطاعتهما في الدارين الحسنى وزيادة ثم اقتدى بهما ~~الملك وعسكره حتى انتشر في آفاق المملكة بالعدل بالعدل والصلاح خبره إلى أن ~~اندرج إلى رحمة الله تعالى ذلك الرعيل وبقي ذكره مخلدا على صفحات الأيام ~~جيلا بعد جيل وقد قيل في ذلك ممن أحسن القيل: # كانوا شموسا تضيء الدهر طلعتهم ... وفي طريق المعالي يقتدى بهم ~~PageV01P049 غابت فلولا سناهم كالبدور اضا ... من بعدهم أهل الفضل في الظلم # هكذا يكون طالب السعادة الأبدية والكرامة السرمدية إذا ملكه الله زمام ~~الرعية يحسن سيره في الدنيا ويتيقظ لتحصيل السعادة الكبرى ويشتغل بما يرضي ~~عنه المولى وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. # (تمت بحمد الله تعالى) نوادر ملوك العرب والعجم والأتراك ويلي ذلك مباحث ~~زاهد الإنس العالم مع شيطان الجن الآثم الأفاك ونسأل الله المسؤول أن يحقق ~~لنا من كرمه وإحسانه المأمول ويعصمنا بفضله من عثرات الفضول والصلاة ~~والسلام على أعظم بني وأكرم رسول وعلى آله وأصحابه وأكرم بالصديق والفاروق ~~وذي النورين وزوج البتول واخوانه من الأنبياء والمرسلين وسلاما يشتملان ~~العفو هنا والقبول ويمن بالكرم والفضل على قطوعنا بالوصول آمين والحمد ms080 لله ~~رب العالمين. # الباب الرابع # في مباحث عالم الإنسان مع العفريت جان الجان # (قال) الشيخ أبو المحاسن من ماء ينابيع عمله بدن الفضل غير آسن فلما أنهى ~~الحكيم حسيب ذو الفضل النسيب حكاية ما طرزه مما نسحبه وحاك وفصله خياط ~~تقديره على قامة المجد من خلع حكم العرب والعجم والأتراك شكره أخوه القيل ~~على هذا القيل وأفاض عليه من نيل نواله جزيل النيل وأدرك من ذلك الأنموذج ~~علو علمه وسمو حلمه وجميل حكمه وجليل حكمه، ثم قال يا أستاذ بلغني أن بغداد ~~خرج منها خارج من نار من مارج وهبط إلى مدارك الخزي عن المعارج وأصل ذلك ~~المشوم من عفريت خلق من نار السموم وأن شخص ذلك الشيطان جبل من سخام الدخان ~~فلهذا ركب وجهه السواد وتركب سائر جسده من الرماد فهو جني ذميم وشيطان رجيم ~~وقد شرع ذلك الخناس في الإفساد والوسواس وتعاطى إيذاء أكابر الناس وأنه في ~~هذه الأيام نفي إلى بلاد الشام فلم يوافقه ذلك المقام لأنه مهاجر الأنبياء ~~الكرام وهذا مخبول على سجايا اللئام وطباع أهل الفساد والإجرام، فأقام فيها ~~بالاضطرار والاضطرام مدة أشهر وعدة أعوام وأخذ في الإضلال والتضليل فأضل ~~خلقا كثيرا عن سواء السبيل وتستر ذلك الجان بحجاب الانتساب إلى جنس الإنسان ~~ولبس بشق العصا ثوب العصيان فكمن كمون الشوك تحت ورق الورد والريحان واحتمى ~~في حمى الشقاق والنفاق بشقائق النعمان والحق أنه من نسل العفاريت وكان عند ~~الجن مقيلة والمبيت ومن ألبانهم له غذاء تربيت فقال له الملك هديت ووقيت ~~فإن يكن عندك من ذلك شيء فشنف من جواهر حكمه أذني فإنك حكيم الجن والإنس ~~وكريم النوع والجنس. (قال الحكيم): نعم أيها الملك العظيم أنا جهينة الأخبا ~~ومزينة الأخيار وحكم الحكم ولي في البيان أعلى علم أما هذا الشخص المذكور ~~فإنه بالفسق والفساد مشهور ورق شره في البلاد منشور وكتاب عناده بين العباد ~~مسطور وبيت جسده لنعم الله تعالى على خلص أوليائه بالفجور معمور وله صفات ~~تعيسة وأخلاق خسيسة تأنف مردة الشيطان منها ms081 وتستنكف العفاريت عنها وكم له ~~من دواهي شرها غير متناهي لا يفي بذكرها هذا الخطاب ولا يتسع سردها هذا ~~الكتاب يل ولا يقوم بذلك دفتر ولا حسابولكن البعرة تدل على البعير فقس من ~~هذا التقدير الكثير على اليسير وقد كان أراد نشر الفساد ببلاد العراق ~~وبغداد فعاكسه القدر وأحاد فنفي من تلك البلاد فوصل إرم ذات العماد وتعاطى ~~أسباب ما هو عليه من الزندقة والإلحاد أصناف الفتن وأنواع العناد وابتدع من ~~الشر والبدع ما يخرج عن حصر التعداد وهو على ما هو عليه من المناكدة ~~والمجاحدة وقصده الأعوج من تعديل أقوال الرافضة والملاحدة وسيوضع لذلك مصنف ~~متسع على حده ولقد بلغني أيها الملك الهمام أنه حصل له في ذلك المقام مع ~~عالم من علمائها الأغلام قضايا كبته على خيشومه وأظهر بها ذلك العالم دسائس ~~خبثه وشومه مثل ما اتفق لعالم الإنسان مع شيطان العفاريت وجان الجان في ~~غابر الدهر وماضي الزمان فقال القيل العظيم أخبرنا بذلك أيها الحسيب الكريم ~~فقال ذكر أن في الأزمان الغابرة كانت صنوف الجن للإنس ظاهرة تتراءى بأشكال ~~مختلفة وتنزيا بأمثال غير مؤتلفة وتظهر لهم الخيالات العجيبة والصور ~~المموهة الغريبة فتضلهم ضلالا مبينا وتأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم شمالا ~~ويمينا وتخاطبهم مشافهة وتوفيهم مواجهة. PageV01P050 ففي بعض الأيام ظهر ~~ببلاد الشام مهبط الوحي ومهاجر الأنبياء الكرام ومحط رحال الرجال من أهل ~~الفضل والأفضال رجل من العباد وأفراد الزهاد فاق الأقران بالصلاح وساد أهل ~~الزمان بالورع والفلاح وحاز طرفي العلم والعمل فكمل كثيرا منهم بعدما كمل ~~واستمر يدعو الخلق إلى خالقهم ويحثهم في الإنابة والتوكل على رازقهم ~~ويرضونه ويرضيهم في الطاعة واتباع السنة والجماعة ويقبح الدنيا في أعينهم ~~ويحذرهم غدراتها في مكمنها عند مأمنهم وكان لنفسه المبارك نقوش في النفوس ~~يجذبها إلى ما يريد جذب الحديد المغناطيس ففي مدة يسيرة تبعه طوائف كثيرة ~~وانتشر صيته إلى الآفاق وصفا للعباد وقت الطاعة وراق وضربت إليه أكباد ~~الإبل وامتلأت به الدنيا من العلم والعمل واضطرب أمر المردة والشياطين ~~الغندة ms082 وتعطلت أسواق الفسوق وخرج عرق المعاصي من العروق وتخملت العفاريت ~~وتنكست أعلام الجن المصاليت وضل سبيل الضلال كل مارد خربت وبطلت زخارفهم ~~وتموياتهم وعطلت وساوسهم وتشويهاتهم وأهانهم الناس وكسد الوسواس وفسد فعل ~~الخناس فلما ضل سعيهم وكاد يقع نعيهم اجتمع العفاريت العتاة والشياطين ~~الطغاة والمردة العصاة إلى إبليسهم العنيد وهو شيطان مريد صورته من أقبح ~~الصور له أظلاف كأظلاف البقر ووجه كالتمساح وشكل كالرماح وخرطوم طويل ورأس ~~كالفيل وعيون مشققة بالطول وأنياب كأنياب الغول وشعر كالشهيم وجلد كالأرقم ~~وهو يلهث كالكلاب ومن ورائه عدة ذئاب فشكوا إليه حالهم وأطالوا في الشكوى ~~قالهم وقالوا يا شيخ التلبيس وابن عم إبليس لقد عرت المدارس وبطلت منها ~~الوساوس وتعمرت المساجد بكل راكع وساجد وقائم وقاعد وقارئ وجاهد فطرد كل ~~شيطان مارد وتمشي سنن الحلال فوقف منا الاحتيال وأمر بالمعروف فوقعنا على ~~الأمر المخوف وكثرت الحجاج فتقطعت منا الأوداج وأديت الزكوات والحقوق فطرد ~~منا كل عقوق وقام الحق فنام الفسق وعبد الله في المغارات والكهوف واشتد ~~علينا السبيل فعلى من نطوف ولم يبق لنا على بني آدم سلطة وصرنا في بحارهم ~~أقل من نقطة وعند جهرهم بأذكارهم أذل من ضرطة لا وساوسنا تؤثر في أفكارهم ~~ولا مجالسنا تعطل من أذكارهم ولا تخيلاتنا تتراءى لأبصار أسرارهم فإن استمر ~~الحال على هذا المنوال لا يبقى لنا في الدنيا مقام ولا بين الجن والإنس ~~كلام (فلما وعى) العفريت فحوى هذه الشكوى وتأمل ما في مطاويها من نازلة ~~أحاطت بهم وبلوى اشتعلت نيران غضبه وتأججت شواظات لهبه ثم قال أمهلوني ~~أتلوى واتركوني أتلوم وأتروى وأفتكر في هذه البلية وأكشفها عن جلية فإن ~~الأمور لا تنتج لمعانيها ما لم يتأمل من فراغها في جوانبها ونواحيها وتحقيق ~~المسائل إنما يوجد من محكميها وحاكميها. وكان هذاالغفريت العاتي المارد ~~الغير المواتي تحت يده وأمره من مقتبسي تلبيسه ومكره والشياطين المرده ~~وأغوال العفاريت العنده طوائف شتى وأمم لا تحصى وممن فاقهم في المكر ~~والمراء أربعة أشخاص كبراء زراء كل منهم في الشيطنة والموالسة ms083 ومعرفة طقوس ~~الوسوسة كأبي علي بن سينا في علم الهندسة غاية لا تدرك ونهاية لا تستدرك ~~فاجتمع هذا الغول بوزراءه ورؤساء أشياعه وكبرائه ثم قال لهم أفتوني في أمري ~~وساعدوني على فكري وسكري. ووجه الخطاب لكبيرهم الذي علمهم السحر المشار ~~إليه في الدهاء والمكر وقال له ما رأيك في هذه القضية والمواقف الردية ~~والداهية الدهية فقال الوزير يا مولانا الأمير وصاحب المكر والتدبير إن ~~العقلاء وذوي التجارب من الحكماء تفرسوا بأمر قاطع من الوقائع القواطع ~~فقالوا شيئان لا بقاه لهما الروح في الجسد والسعد في الطالع وهذا هو الصواب ~~ولكل أجل كتاب وما دام الأجل باقيا والسعد راقيا ومنادم السلامة ساقيا ~~وحافظ العوارض واقيا لا ينفع الجد ولا يدفع الجد ولا يرفع الجهد ما أثبت ~~السعد فإذا تم الأجل وبطل من السعد العمل انتكس السعد وانقلب وفارقت الروح ~~بلا سبب وإذا كان كذلك فهذا الرجل الناسك سعده عمال وطالعه في إقبال فكل ~~سهم مكر فوقناه إلى نحو حياته يعود علينا وكل رمح فكر صوبنا سنانه إلى ~~شاكلة بقائه يرجع إلينا فالرأي عندي أن نتربص حين تدور به الدوائر ولا نهتم ~~باحتيال محتال ولا مكر ماكر إلى أن تنقضي مدته ويسقط من سعد طالعه قوته ~~فعند ذلك يفيد سعينا ولا يضيع كدنا. PageV01P051 (فقال) العفريت للوزير ~~الثاني يا أفضل جاني أنت ماذا تقول وكيف تشير أن نصول في ميدان هذا الأمر ~~ونجول فقال رأي مولانا الوزير سديد وكل ما أشار به فهو أمر مجيد ولكن كيف ~~يهمل أمر يهمل أمر العدو ويركن مع وجوده إلى قرار وهدو وإذا كان طالعه في ~~قوة فاهماله يزيد في قوته والتهاون في أمره مساعدة في معاونته ومعاونة في ~~مساعدته وهذا من سلامات العجز والانكسار ومن أقوى الأدلة في الانحطاط ~~والصغار وأن رب الأرباب وضع عالم الكون والفساد على الأسباب فلا بد من ~~تعاطيها في هذا الباب وبذل المجهود في معاملات الأعداء والأحباب ولم يقتصر ~~الشارع على التقدير والطالع إذ فيه حسم مادة الشرائع والتعرض لأبطال حكم ms084 ~~الصانع فعندي أن نبذل الجهد في حسم مادتهم وتعاطي كسر شوكتهم وبذل الجهد ~~والجد بما تصل إليه اليد وثبات الأقدام في إثبات الأقدام كما قال الشاعر ~~وهو سلم الخاسر في ثبت الجاسر: # من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور # وهذا الشاعر المسمى أخذه من أخينا بشار الأعمى من لنا بوجوده أنس وهو ~~شيطان الأنس حيث يقول ذلك الغول: # من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج # فاعزموا على هدم ما يبنون وصدم ما يعنون والأخذ في تمزيق جلدتهم وتفريق ~~كلمتهم إذ لا اطلاع لنا على مساعدة الطالع ولا حد لبقاء الأجل فضلا عن أن ~~نقول هذا الحد جامع مع أو مانع وهذا الرأي عندي أولى ورأيك يا رئيس التلبيس ~~يا غول هذا القول: # إذا كانت الأعداء نملا فآتهم ... إذا لم تطأهم وأصبحوا مثل ثعبان # ومن هذا المقال يا أبا الأغوال: # واللص ليس له دليل ساتر ... نحو الذي يبغي كنوم الحارس # (والأصل) في هذا كله حسم مادتهم ورد جادتهم وذلك بإهلاك مرشدهم وإفساد ~~زاهدهم فان قدرنا على إهلاكه وتمزيق حبائله واشراكه تشتت شمائلهم وثبتت ~~جلهم وقلهم (فقال) العفريت للوزير الثالث وكان أمحس عابس قل لي أيها الوزير ~~ما سنح لك من التدبير في هذا الأمر المبير والخطب الخطير وماذا ترى فيه ~~وتشير فقال لا شك أن الطباع تميل إلى ما تسمعه وما يلقى إلى النفس لا بد أن ~~يؤثر موقعه وما أشار به ودبره الوزيران وهما نعم المشيران فهو لا يخلو عن ~~فوائد بل هو متحل بعقود الفرائد وأني لاعلم أنهأثر في الخواطر كما يؤثر في ~~الرياض السحب المواطر وبالجملة فللكلام تأثير في النفس كما تظهر آثاره الحس ~~ولهذا ترى رقيق الشعر يفعل مالا يفعله دقيق السحر وجليل العبارة فيه من ~~الإثارة ما يشجع الجبان وينشط الكسلان ويسخي البخيل وينجي الذليل ويسحر ~~الأرواح ويسخر الأشباج ويعطف القلوب ويؤلف بين المحب والمحبوب ويصير العدو ~~وصديقا وغليظ الأحرار رقيقا وتأمل يا بنيه ما قيل في البديه: # حديث إذا نادمت دهري ms085 انتخى ... وكف عن الايذا وعاد إلى الأخا # أذكره أخلاق مالكه الذي ... تعلم منه العلم والحلم والسخا # أنال به مالا ينال بقوة ... وأرواح أشباح أنت بعدما شمخا PageV01P052 ~~وهذه قضية تحتاج إلى أعمال الرويه وإمعان النظر وتدقيق الفكر وعندي الرأي ~~السعيد السديد والفكر الحميد المجيد أن التعرض إلى هذا الرجل الدين الداعي ~~إلى طريق الحق البين ليس بمحمود ولا طالع قاصده بمسعود فانه على الحق متشبث ~~بأذيال الصدق ومن قصد مصادمة الحق اصطدم وفي مهاوي الهلاك ارتدم وقد كان في ~~بني إسرائيل من أهل التسجيل عاملا بالتوراة والإنجيل مشغولا بالعبادة باذلا ~~في إقامة الحق اجتهاده فتعرض له جماعة من أهل الفسق والخلاعة فتعاطوا ~~إهلاكه وفجعوا به نساكه فقتلوه بغير حق فغار له الدين ورق فاخبرني من لا ~~يتهم بكذبه أنه قتل سبعمائة ألف نفس بسببه فذهب بسبب ذلك الصالح من بني ~~إسرائيل الصالح بالطالح ومن كان مع الحق هاديا إلى الصدق فان الله تعالى ~~معه ومن كان معه منعه وحرسه وما ضيعه ومن تصدى لضياع ما حفظ الله وعزم على ~~ابتذال من أعزه مولاه وكلاه فقد قصد خراب عمره وعمارته وباع رأس مال تجارته ~~وربحه بخسارة وجنى بيده على نفسه وحفر بيد تدبيره مهواة رمسه واسمع يا نعم ~~العون ما جرى لمؤمن آل فرعون حيث كان على السداد داعيا إلى سبيل الرشاد ~~وقصدا هلاكه أهل الفساد فقال وأفوض أمري إلى الله أن الله بصير بالعباد ~~فغلبوا هنالك وانكسروا ووقاه الله سيآت ما مكروا وأيضا لو قتلنا هذا الرجل ~~وكان على أيدينا له حمام الأجل فلا شك أنه يقوم مقامه من يلم عظامه ويزم ~~زمامه ويحيي بعده أيامه فيقيم شعاره ويكتب ما قدم وآثاره فإن تلامذته كثيرة ~~وطوائف جماعاته غزيرة فينتظم لهم بعده الأمر ولا يضرم لنا من كيدنا الجمر ~~وإذا علموا أن ذلك منا واشتهر ذلك الكيد عنا أخذوا منا حذرهم وصوبوا إلينا ~~عداوتهم ومكرهم ثم عملوا على استئصالنا واستعدوا لقتالنا لأنا أهلكنا ~~معتقدهم وهدمنا عمادهم ومعتمدهم ولا يمكننا بعد ذلك طلب ms086 الملامة والسلامة ~~وتستمر العداوة بيننا وبينهم إلى يوم القيامة، مع إن عداوتنا قديمة ~~وبالجملة فعاقبة من عادى أولياء الله وخيمة إذا تقرر هذا القول وثبت بطرق ~~المعقول فاعلم أيها الغول والشيطان المهول أن الرأي الصواب في هذا المصاب ~~أن نبادر إلى هذا الرجل وجماعته بإفساد طاعتهم وطاعته وحيث لا يتيسر لنا ~~المواجهة ولا الخطاب والمشافهة ولا الإضلال في الظاهر بصورة المتجاهر فنزين ~~لهم حب الدنيا وشهوائها والميل إلى زينتها ولذاتها والركون إليها والاعتماد ~~عليها ونلقي إليهم طول الأمل وبعد الأجل فنثبطهم بذلك العمل وندعوهم إلى ~~التهاون والكسل ثم بعد ذلك نجلو خدود عرائس الحرص على أبصار أفكارهم وقدود ~~موائس الشج وحب المال على أعين خيالاتهم وبصائر أسرارهم فإذا ذاقت ألسنة ~~عقولهم حب الدنيا وتمكنت في أدمغة سويدائهم الرغبة في الآباء والأبناء ~~سلبوا حب الطاعة وتفرقت منهم الجماعة وزاغوا عن الطريق الأقوم وراغوا عن ~~السبيل الأمم فنتوصل إذ ذاك منهم إلى مقاصدنا ونوقعهم كيفما اخترنا في ~~مصايد مراصدنا لأنهم هبطوا من سماء المنازعة إلى الأرض وأهلكوا بأيديهم ~~أنفسهم إذ بغى بعضهم على بعض فتحاسدوا وتحاشدوا وتدابروا وتفاخروا وتضاربوا ~~وتناهبوا وتلاسبوا وتقابلواوتقاتلوا وتفرقوا وتمزقوا وتحرقوا وانحاز كل ~~منهم إلى ناحية وأعجب كل برأيه فلا تعرف منهم الفرقة الناجية إذ تفرقت ~~أهوائهم وتصادمت آراؤهم وجذبت أغراضهم إلى الانحناء وجلبتهم أمراضهم مع ~~الأهواء ومال كل منهم إلى صوب وأيس منهم الصواب الاوب وتعدد الخلق الذمر ~~ولبس كل لصاحبه جلد النمر ثم بعد ذلك زلوا وأزلوا وضلوا وأضلوا فتمكنا فيهم ~~كما نريد وتصرفنا فيهم تصرف السادات في العبيد وسلطنا عليهم دواعي الغضب ~~والشره ولعبنا بشيوخهم لعب الصبيان بالكره فنصوب لهم أقوالهم ونزخرف ~~أفعالهم كما قال من خلقهم وأحوالهم: وزين لهم الشيطان أعمالهم ولا نقصد ~~بذلك إلا كبراءهم وفضلاءهم وعلماءهم وزهادهم ورؤساءهم وحكامهم وحكماءهم ولا ~~نفتر عن مكابدتهم ولا نميل عن مكايدتهم ونجري في عروقهم ونسكن في فروقهم ~~ونحركهم في رعودهم وبروقهم فإن تحركوا إلى خير سكناهم وإن سكنوا عن شر ~~حركناهم وإن عزموا على الآخرة ms087 صددناهم وإن حزموا إلى مواطن رددناهم وإن ~~أموا مفسدة قدناهم أو هموا إلى معصية سقناهم ولا بد لهذا العمل الكثير من ~~تأثير ولبيدق جد في المسير أن يصير وبالجملة فنبذل في كل عامة جهدنا وجدنا ~~ولا غضاضة في ذلك علينا لأنه صنعة أبينا PageV01P053 وجدنا وقد أخبر بذلك ~~جدنا اللعين لما خالف رب العالمين كما أخبرنا في الكتاب المبين قوله: ~~فبعزتك لأغوينهم أجمعين. فإذا رآهم الناس وقع بينهم البأس وحصل لهم منهم ~~اليأس وتراجعوا عنهم وهبروا منهم وفسد اعتقادهم فهم بل قتلوهم بأيديهم فإذا ~~ظهر فسوقهم وكسد سوقهم فإن شئنا أوقفنا حالهم وإن رمنا إلى الهلاك نسوقهم ~~وأوثق ما يتصل به إليهم من الأسباب هي حالة الانفراد والإعجاب وحالة ~~الاجتماع للكذاب فإن الإعجاب يهوي في النار والكذب يخرب الديار. وناهيك ~~قضية التاجر مع عبده الكذاب الفاجر فسأله شيخ الجن عن بلية ذلك القن ~~(فقال): ورد في الخبر عن شخص معتبر قال كان بمكان تاجر ذو مال وزوجة ذات ~~جمال كل يهوى صاحبه ويرعى جانبه ويفديه بروحه ويترشف رضابه في غبوته وصبوحه ~~كأنهما زوج حمام وفي بذمام ففي بعض الأيام قال أحدهما لرفيقه وهو يرشف من ~~كأس عقيقه شهد رضابه بخمرة ريقه لو كان لنا عبد يتعاطى مالنا من حاجة ~~ويخلصنا من جميلة عمر وزيد فذهب التاجر إلى سوق الرقيق فوجد مع النخاس عبدا ~~ذا قد رشيق ينادي عليه أبيعه بكذا على ما فيه من أذى فقال وما عيبه قال ~~كذبه لا على الدوام وإنما هو مرة في عام فقال عيب هين وشين لين فاشتراه ~~وأتى إلى داره وارتضاه فاستمر في خدمة حسنة حتى أتى عليه سنة ونسى سيده ~~عيبه وأمن ريبه بالأمانة وجرب بالأمانة يده وبالطهارة جيبه فلما مضى عليه ~~عام كان سيده في الحمام فأتى البيت في بعض الحوائج في صورة الجمل الهائج ~~شاهقا باشرا صائحا ثائرا صارخا واويلاه واسيداه وامولاه فسئل مالك لا أحسن ~~الله حالك ولا أنعش بالك فقال رمح البغل بسيدي فما تمالك أن تهالك وسلم ~~الروح ms088 لخالقها وقال لوارثه تسلم مالك فأقيم العزاء والسخام وتركهم وأتى ~~للحمام وهو يبكي وينوح ويصرخ ويصيح فسأله مولاه ما دهاه فقال وقع البيت على ~~كل من أويت ولم يبق في الدار نافخ نار فهلك الكبير والصغير ونهب ما فيها من ~~جليل وحقير فخرج وهو يستغيث من حديث ذلك الخبيث فوجد أهل البيت سالمين ~~ورأوه من الناجين فعزم على خباطه فذكر له ما سلف من اشتراطه ثم أنه استقام ~~ونسي هذا الكلام ومضى عليه عام فاستأنف ذلك الخبيث أمره العبيث وقال لامرأة ~~مولاه يا هنتاه إن كنت نائمة فاستيقظي وخذي حذرك وتيقظي واعلمي أن نية ~~صاحبك أن يلقي حبلك على غاربك لأنه قد عشق عليك ونبذ حبل حلك إليك وتعلق ~~قلبه ببنت رجل كبير ولا ينبئك مثل خبير وقد حملني على نصيحتك الشفقة وما ~~أسديت إلي من إحسان وصدقة فبادري قبل حلول البأس ونزول الفأس في الرأس فأثر ~~فيها هذا الحديث فاستشارت ما تفعله ذلكالخبيث فقال لو ظفرت بشيء من شعره ~~لكفيتك مؤنة مكره وفكره فإن لي صاحبا منجما وأستاذا معلما يرقي الشعور ~~ويجعلها في النحور وإذا وجد لي خيشومه مساغه ودخل البخور دماغه صار عبدا لك ~~على الدوام وحظيت عنده بالمراد وارتقيت إلى أعلى مقام ولكن ينبغي أن يكون ~~من شعر لحيته النابت على ترقوته قالت وأنى لي أن أصل إلى ذاك وقاك الله شر ~~أذاك فقال إذا نام وغرق في المنام فاحلقي منه بموسي لتكفي الضرر والبوسي ~~وأنا آتيك بموسي يحلق الشعور فافعلي ذلك من غير أن يكون له شعور فاتفقا على ~~ذلك الاتفاق وأتاها بموسي حلاق ثم توجه إلى مولاه وقد أضمر له ما دهاه وقال ~~أشعرت يا ذا الفضائل أن زوجتك البديعة الشمائل تغير خاطرها عليك وتقدمت ~~بالإساءة إليك ولولا أنك شفيق علي وعزيز ومكرم لدي ما أنبأتك من أخبارها ~~بشيء فإني أريد أن يكون ما أنهيته إليك مكتوما إلى أن يصير عندك محققا ~~معلوما وقد أرسل إليها من يخطبها وأمالها عنك بما يرغبها واتفق معها أنها ms089 ~~تقتلك وتستريح وتصبح في فراشك وأنت ذبيح وذلك يقوم بديتك وقد أرسل إليها من ~~الجواهر والأموال أضعاف قيمتك فإن أردت مصداق هذا الكلام فتثاقل عندها في ~~المنام ليزول الشك باليقين وتتحقق من الصادقين فأثر هذا الكلام فيه وخاف من ~~مكر النساء ودواهيه فلما أقبل العشاء وأحضروا العشاء تناول من ذلك الطعام ~~ونهض إلى الفراش لينام وأظهر بين القوم أنه غرق في النوم وغمض عينه وانط ~~وسال لعابه فنهضت الزوجة إليه وفتحت الموسي ودخلت عليه ومدت يدها إلى لحيته ~~ووضعتها على ترقوته ففتح عينيه فرأى آلة الموت متوجهة إليه فما تمالك أن ~~وثب عليها وجثم إليها وخرج زمام تفكره عن يد تأمله وتدبره وخطف الموسي من ~~كفها وسقاها كأس حتفها PageV01P054 فلما فوران الدم أدركه لاحق الندم وقد ~~تبدل الوجود بالعدم ووقع القال والقيل واشتهر أمر القتيل وعلق في شر ~~الاقتناص وعومل في صاحبه بالقصاص. وإنما أوردت هذا الكلام لتعلم أن ما أهلك ~~الأنام وأوقعهم في شرك الآثام والكفر والفسوق والحرام مثل الكذب في الكلام ~~وهولنا أوثق زمام ولجذبهم إلى ما قصدنا من المرام أحكم خطام وأعظم حزام ~~فاستحسن العفريت هذا الرأي واستصوبه وأعجبه ما تضمنه من معان واستغربه ثم ~~قال رأيت يا أصحاب من الرأي الصواب أن أجتمع بهذا العالم الزاهد العامل ~~العابد في محافل غاصة وأسأله عن مسائل عامة وخاصة وعن أسرار رقيقة أطالبه ~~فيها بمجازها والحقيقة وأنا أعرف أنه يفحم عن جوابي ويلجم عند أول خطابي ~~فإذا عجز عن جواب المسائل في تلك الجموع والمحافل تحقق الحاضرون جهله ~~فنبذوه من أول وهلة واعترفوا لنا بالفضل الوافر والعلم الغزير المتكاثر ~~فصاروا لنا أوداء والفضل ما شهدت به الأعداء ورجعوا عن اعتقاده ونفضوا ~~أيديهم من محبته ووداده وربما سعوا في دماره وخراب دياره فيكفونا أمره ~~ويزيحون عنا شره وأقل الأقسام أن جماعة ذلك الإمام إذا رأوا ما لنا في ~~الفضل من تجارة وعلموا أن رأس مال إمامهم الخسارة التهوا بالسهو وسهو ~~باللهو وانفضوا عنه وتركوه وهذا إن لم يكونوا سفكوه وسكبوه ms090 كما فعل صاحب ~~البستان بالمزرعة من الغدر والتفتخيذ مع غرمائه الأربعة فسأل الوزراء عن ~~غدير ذلك الغدر كيف جرى (قال العفريت): كان من تكريت رجل مسكين ينظر ~~البساتين ففي بعض السنين قدم قرية منين وسكن في بستان كان قطعة من الجنان ~~فاكهة ونخل ورمان ففي بعض الأعوام أقبلت الفواكه بالأنعام ونثرت للثمار ~~ملابس الأشجار من الأذيال والأكمام فألجأت الضرورة ذلك الإنسان أن خرج من ~~البستان ثم رجع في الحال فرأى فيه أربعة رجال أحدهم جندي والآخر شريف ~~والثالث فقيه والرابع تاجر ظريف قد أكلوا وسقوا وناموا واتفقوا وتصرفوا في ~~ذلك تصرف الملاك وأفسدوا فسادا فاحشا خادشا وما رشا وناوشا وناكشافأضر ذلك ~~بحاله ورأى العجز في أفعاله، إذ هو وحيد وهم أربعة وكل عتيد فسارع إلى ~~التأخيذ وعزم على التفخيذ فابتدأ بالترحيب والبشاشة والإكرام والهشاشة ~~وأحضر لهم من أطايب الفاكهة وطايبهم بالمفاكهة وسامح بالممازحة ومازح ~~بالمسامحة إلى أن اطمأنوا واستكانوا واستكنوا ودخلوا في اللعب ولاعبوه بما ~~يجب فقال في أثناء الكلام أيها السادة الكرام لقد حزتم أطراف المعارف ~~والطرف فأي شيء تعانون من الحرف فقال أحدهم أنا جندي وقال الآخر وأنا رسول ~~الله حدي وقال الثالث أنا فقيه وقال الرابع أنا تاجر نبيه فقال والله لست ~~بنبيه ولكن تاجر سفيه وقبيح الشكل كريه أما الجندي فإنه مالك رقابنا وحارس ~~حجابنا يحفظنا بصولته ويصون أنفسنا وأموالنا وأولادنا بسيف دولته ويجعل ~~نفسه لنا وقاية وينكي في أعدائنا أشد نكاية فلو مد يده إلى كل منا ورزقه ~~فهو بعض استحقاقه ودون حقه وأما الشريف فإن جده هدانا ومن النار أنجانا وقد ~~ملكنا كرامة وحبا لقوله تعالى: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى. وقد تشرف به اليوم مكاني وحلت به البركة علي وعلى بستاني وأما سيد ~~العالم فهو مرشد العالم وهو سراج ديننا الهادي إلى يقيننا فإذا شرفونا ~~بإقدامهم ورضوا أن نكون من خدامهم فلهم الفضل علينا والمنة الواصلة إلينا ~~وأما أنت يا رابعهم وشر جان تابعهم بأي طريق تدخل إلى بستاني ms091 وتتناول ~~سفرجلي ورماني هل بايعتني بمسامحة وتركت لي المرابحة أو لك على دين أو ~~عاملتني نسيئة دون عين ألك علي جميلة وهل بيني وبينك وسيلة تقتضي وسيلة، ~~تقتضي تناول مالي والهجوم على ملكي ومنالي، ثم مد يده إليه فلم يعترض من ~~رفقائه أحد عليه لأنه أرضاهم بالكلام واعتذر عما يتطرق إليه من ملام فأوثقه ~~وثاقا محكما وتركه مغرما ثم مكث ساعة وهو على الخلاعة مع الجماعة وغامز ~~الجندي والشريف على الفقيه الظريف فقال يا أيها العالم الفقيه والفاضل ~~النبيه أنت مفتي المسلمين وعالم بمنهاج الدين على فتواك مدار الإسلام ~~وكلمتك الفارقة بين الحلال والحرام بفتواك تستباح الدماء والفروج فمن أتاك ~~بالدخول في هذا والخروج أفتني يا عالم الزمان محمد بن إدريس أفتاك بهذا ~~النعمان أم أحمد بن حنبل أم مالك فسح لك بذلك أما سمعت قول معز العلماء ~~ومجلها ومذل الجهلاء لجهلها: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا PageV01P055 ~~بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها. وإذا ارتكب مثلك هذا ~~المحظور وتعاطى العلماء والمفتون أقبح الأمور فلا عتب على الأجناد والأشراف ~~ولا على الجهلاء الأجلاف ثم مد يده إلى جلابيبه وأوثقه بتلابيبه فأحكمه ~~وثاقا وآلمه رباقا فاستنجد بصاحبيه إلى جانبيه فما أنجده ولا رفداه ثم جلس ~~يلاهي الجندي الساهي وغامزه على الشريف ذي النسب الظريف ثم قال أيها السيد ~~الأصيل النجيب الجيد الحسيب لا تعتب كلامي ولا تستثقل ملامي أما الأمير ~~فإنه رجل كبير ذو قدر خطير له الجميلة التامة والفضيلة اللامة وأنت يا ذا ~~النسب الطاهر والأصل الباهر والفضل الزاهر سلفك الطيب أذن لك في الدخول إلى ~~ما لايحل لك أم جدك الرسول أفتاك باستباحة الأموال أم زوج البتول أنباك أن ~~أموالنا لآل البيت حلال وإذا كنت يا طاهر الأسلاف لا تتبع سنة آبائك ~~الأشراف من الزهد والعفاف فلا عتب على الأوباش والأطراف ثم وثب إليه وكتف ~~يديه ولم يعطف الجندي عليه ولم يبق إلا الجندي وهو وحيد فانتصف منه ~~البستاني كما يريد وأوثقه رباطا وزاد لنفسه احتياطا ثم ms092 أوجعهم ضربا وأشبعهم ~~لعنا وسبا وجمع عليهم الجيران واستعان بالجلاوذة وأصحاب الديوان وحملهم ~~برباطهم وعملتهم تحت آباطهم إلى باب الوالي وأخذ منهم ثمن ما أخذوه ومن ~~رخيص وغالي وإنما أوردت ما جرى لتعلموا أيها الوزرا أن التفخيذ بين الأعداء ~~بالتأخيذ أمر من السهام في تنفيذ الأحكام وأحكام التنفيذ وهذا قبل تعاطي ~~أسباب البيلسة وفتح أبواب الوسوسةفانه يقال في الأمثال عقدة تنحل باللسان ~~لا يؤخر حلها إلى الأسنان ما أرشد من أنشد: # فكم عقدة أغنى اللسان بحلها ... تراخت وقد أعيت نواجذ أسنان PageV01P056 ~~(ثم قال العفريت) للوزير الرابع ما ترى في هذا الأمر الواقع فقال حيث تردد ~~الأمرين آراء مختلفة وأقوال متفاوتة غير مؤتلفة وأقيم على كل قتيل برهان ~~ودليل فنعدد النقل وتبلد العقل وعميت وجوه الترجيح ودرست طرق التصحيح فلا ~~يمكن القول بأحدها ولا الميل إلى مفردها فإن ذلك ترجيح بلا مرجح وتصحيح بلا ~~مصحح فربما يتصور الشيء خيرا وتكون عقباه شرا ويتوهم شرا فتظهر قصاراه خيرا ~~وقد قال منزل الفرقان على أشرف جنس الإنسان وعسى أن تكرهوا شيء وهو خير لكم ~~وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم وكم من قضية يتصورها الفكر صوابا ويذهل عما ~~تتضمنه من خطا مآبا وكذلك النفس تتصور شيء بصفة وهو بالعكس ولذلك شاهد من ~~وقائع الحس فليس على ذلك معول وشاهده قضية المضيف وع ولده الأحوال فقال ~~العفريت وكيف ذلك أيها الخريت (قال الوزير) أخبرني شخص فاضل أنه كان رجل ~~كامل كريم الشمائل محبوب الخصائل مرغوب الفضائل غزير الثراء يحب الفقراء ~~عذب الموارد مترصد للصادر والوارد لا يسال الضيف من أين ولا كيف وهو كما ~~قيل للضيف والسيف ورحلة الرجال في الشتاء والصيف فنزل في بعض الأيام ضيف من ~~أصحابه الكرام فزاد في إكرامه وأحضر ما طاب من طعامه فلما رفع السماط ووضع ~~للبسط بساط قال لضيفه الصديق عندنا قارورة من الشراب العتيق كنت ادخرته ~~لنزلك وأعددته لمثلك وما عندي سواها فإن رأيت أحضرناها وتعاطينا الراح لطلب ~~الانشراح فإنها مادة الأفراح كما قيل: # وما ms093 بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام PageV01P057 فسمع ~~الضيف مقاله وتحمل جميلته ودعا له وأجاب سؤاله فأشار المضيف المفضل إلى ~~ولده الأحوال وقال اذهب إلى المقصورة فإن هناك قارورة وإياك أن تنكسر فإن ~~صدع الزجاج لا يجبر وما بناها ضيرها ولكن ما عندنا غيرها فتوجه إلى ذلك ~~المكان فتراءى له قارورتان فرجع من وقته ونادى لمقته أيها الأب المفيد هناك ~~قارورتان فإليهما تريد فخجل من ضيفه وغضب لئلا ينسب إلى اللؤم والكذب فقال ~~لابنه يا ابن البظرا اكسرا حداهما وهات الأخرى فاخذا العصا وعبر وضرب أحد ~~ما كان تراء للبصر فلم يكن غير وعاء واحد وقد انكسر فخرج إلى أبيه وهو من ~~الفكر في تيه وقال امتثلت ما أمرت وأخذت العصا وضربت فانكسرت إحدى ~~القارورتين ولا أدري الأخرى ذهبت إلى أين فقال يا بني إن الخطأ منك واليك ~~والخطأ في ذلك كان من نظر عينيك وإنما أوردت هذا المقول لتعلم أيها الغول ~~المهول أن أقوى طرق العلم العين وإذا حصل في إدراكها الخلل والشين تراءى ~~الصدق بصورة المين والشيء الواحد بشكل اثنين وهذا أمر محسوس لا تنكره ~~النفوس فكيف ترى تكون عين الفكر المصون وهي بأنواع الحجب محجوبة وبتخيلات ~~الوهم وقضاياه مشوبة ومرآتها إنما هي المعاني دون المحسوسة المشاهدة ~~المباني (فعلى هذا) ينبغي التأمل في عقبى هذه الحوادث والتدبر في قصارى هذه ~~الأمور الكوارث ثم الأخذ في تعاطيها والشروع في أسباب تلافيها إنما يكون ~~بعد إمعان الأنظار وأنعام التدبر والأفكار (ثم اعلم) أيها الرئيس الداهي ~~النفيس شيخ المكر والتلبيس والبيلسة والتدليس إن الله القديم القادر الحكيم ~~لم يخلق في الموجودات ولم يوجد في المخلوقات أعز جوهرا من الإنسان فانه ~~فضله على جنسي الملك والجان واختصه بدقيق النظر وعميق الفكر وسرعة الإدراك ~~فهو مع عدم الحراك بحكم وهو ساكن على ما تحت الثرى وفوق الأفلاك وشمله ~~بعوائد وعوده بفوائده ولطف به في مصادره وموارده فهو أرحم به من والدته ~~لمشفقة ووالده ووكل بحفظه الكرام الكاتبين وملائكته المقربين ورباه في حجر ms094 ~~نعمته علىموائد لطفه وكرمه ورحمته كما ترى بي الوالدة الشفيقة والظئر ~~الرقيقة الرفيقة وألهمهم العلم الغزير والقدر الخطير والرأي والتدابير ~~وأطلعهم على غامض الأسرار ودقائق الأفكار وأن علمنا بالنسبة إلى علمهم ~~وحلمنا في القياس إلى ثباتهم وحملهم كنيسة علم الفلاح المغتر إلى علم ~~الطبيب المعبر بحسن النظر قال العفريت أخبرني بذلك يا شيخ المصاليث (قال ~~الوزير) أخبرني شيخ كبير انه رأى في منامه فلاح كأنه خرج من بطنه مفتاح ~~فلما أصبح الصباح جاء إلى رجل من أهل الصلاح يعبر المنامات وكان ذا كرامات ~~فقص عليه رؤياه وطلب منه تعبير ما رآه فقال له يا رئيس هذا منام نفيس لا ~~أذكر ما فيه من تعبير إلا بدينار كبير فحصل له بشارة فناوله ديناره فقال ~~بولد لك ولد ذكر يكون سببا للفتوح والظفر وكان له زوجة حامل بقي لها أيام ~~قلائل فولدت أيمن غلام بعد ثلاثة أيام فاستبشر الفلاح بالظفر والنجاح ثم ~~بعد مده حصل الفلاح شده من مرض آلمه وأصاب قدمه فجاء إلى معبر المنام وشكا ~~إليه الآلام وقال ألمي في قدمي ضاعف همي وأضعف هممي فقال له الطبيب لا بأس ~~يا حبيب هذا داء هين وعلاجه بين أعطني دينارا ثانيا أصف لك دواء شافيا ~~فأعطاه ما اشتهى واستوصفه الدواء فقال ضمده بعجة بيض كثيرة الإبراز وضع ~~عليه عسلا مسخنا على النار ففعل ذلك فبرئت قدمه وزال بالكلية ألمه ففكر ~~الفلاح في فعل المعبر الطبيب وقوله المصيب وأمره العجيب فأنه بأدنى عبارة ~~عير المنام وبأوهى إشارة أزال الآلام فرأى الراحة في ترك الفلاحة والاشتغال ~~بعلم الطب والتعبير فانه أمر هين يسير وبأدنى أمر حقير يحصل المال الكثير ~~فباع آلات الزراعة وعزم على تعاطي ما في الطب والتعبير من صناعه وجمع كتبا ~~ودفاتر وكراريس محزمة مناثر ووسع أكمامه ووضع على رأسه عمامة كغمامة وجميع ~~عقاقير وأوراق وبسط بسطه في بعض الأسواق وأشار على لسان مخبر أن المكان ~~الفلاني فيه طبيب معبر وهو أستاذ الزمان وعلامة الأوان وتلامذة في الطب ~~حكماء اليونان وفي ms095 التعبير ابن سيرين وكرمان وتصدر كابي زيد وساسان عاملا ~~بما قاله شيخ البيان وهو: # الطب أهون علم يستفاد فطر ... بين الأنام به طير الزنابير # واجمع لذاك كراريسا منثرة ... وجملة من حشيش من عقاقير PageV01P058 رضع ~~على الرأس بقيارا تدوره ... كقبة النسر في وزن القناطير # واجمع معاجين من رب تخلطها ... واسحق سفوفا واكحال العواوير # وسم ما شئت من أسماء مغربة ... كالسند والهند والسرحا وخنفور # وقل من الهند جا هذا ومن عدن هذا وهذا أتى من ملك فغفور # وذا من البحر بحر الصين معدنه ... وذا من البربر المدعو وبيربور # فإن رأيت بالاستسقاء ذا ورم ... فقل تورم من لسع الزنابير # إن أقشعر فقل برد عراه وأن يحم قل حره وهج التنانير # وإن أتاك مريض لا تخف وأشر ... بما ترى من دواء دونه البوري # فأن يعش قل دوائي كان منعشه ... وإن يمت قل أتاه حكم مقدور # كذلك الرمل والتنجيم خذه على ... هذا المثال وخض في علم تعبير # فإن أصبت فقل علمي ومعرفتي ... وفي التخالف قل ذد المقادير # وإن رأيت فقيها فر منه ولا ... تنطق يخطئك في فسق وتكفير # وأنت تحتاج في هذا وذاك إلى ... ذوق ومعرفة مع حسن تدبير PageV01P059 ~~فاتفق أن زمام خليفة الأنام رأى في المنام شيأ هاله وغير حاله فحصل له في ~~رأسه صداع وفي فؤاده أوجاع فسمع بهذا الربع الجديد وأنه أستاذ مفيد فأرسل ~~إليه وعرض ما رآه عليه فقال هذا منام يدل على خير وأنعام وبقاء ذكر الزمام ~~على الدهر والأعوام ولكن لا أعير هذه الأحلام إلا بدينار تمام فناوله ~~دينارا وأظهر استشارا فقال له يولد لك غلام بعد ثلاثة أيام فضحك الزمام من ~~هذا الكلام وقال يا أمام أنا رئيس الخدام ظواشي بلا شي لا زوجة ولا سرية ~~ولا آلة ولا شهية فمن أين لي هذه السعادة ولا فرحت بحسن الحسنى فأنى تحصل ~~هذه الزيادة فلا تسخر مني وكف كلامك عني وأخبرنيبتعبير هذا المنام ودع عنك ~~الملام فقال حقا أقول وأنا جربت هذا المقول وقد عبرت لك هذا التعبير ولا ms096 ~~ينبئك مثل خبير فقال الزمام يا أخي دع هذا المقال فإن وجود الولد مني محال ~~وأنا رجل بي وجع وما بقي في منتجع فقال وماذا تشكو وألمك في أي مكان هو ~~فقال في فؤادي أوجاع وفي رأسي صداع فقال يا زين من فاخر أعطني دينارا آخر ~~أصف لك أيسر دواء يحصل لك منه العافية والشفاء فدفع إليه الدينار وطلب منه ~~دواء الدوار وما بفؤاده من ألم أورثه الوهج والضرم فقال يا أبا الفيض ضمد ~~رجلك بعجة بيض مضافا إليها عسل مشتار وليكن ذلك كشتار وليكن ذلك مسخنا ~~بالنار فاستشاط الطواشي غضبا وفار كالنار شواظا ولهبا وعرف أنه جاهل وعن ~~طرق العلم غافل فأدبه التأديب البالغ ورده إلى ما كان عليه مكن منادمة ~~السالغ واستمر على كلاحته بعد رجوعه إلى فلاحته (وإنما أوردت) هذا المثال ~~يا غول الأغوال لتعلم أننا إذا اشتغلنا بمناظرتهم اشتظنا في محاورتهم لأنه ~~في دقيق الأسرار وعميق الأفكار وتحقيق الأنظار لا يقاوم أحد جنس الإنسان ~~فكيف يستطيع الجان معارضة من أيده الله تعالى برفيع المعاني وبديع البيان ~~فإذا فقابلناهم في المباحث بالمعارضة تعود مسئلتنا علينا بالمنقضة فلما رأى ~~العفريت خور ذلك الصفريت وأنه نكل عن المقاومة ونكص عن المصادمة خاف أن ~~تكون آراء الوزراء تبعا لرأيه في عدم لقائه وظنهم مستحسنين لدهائه مستصوبين ~~لآرائه فأرخى عنان الكلام ليقف على ما عندهم من مرام وكان عزمه المباحثه ~~والمعابثة والتصدي للأقدام وإلقاء المسائل بحضرة الخاص والعام لكن مشى مع ~~إمام الوزراء ليرى ما هم عليه من الآراء (فقال للوزير) نعم ما قلت أيها ~~الوزير والرأي ما سرت من الرأي والتدبير فإن الله تعالى خلقنا من النار ~~وطبعها الإهلاك والدمار وإحراق كل رطب ويابس وبارد وحار والظلم والخسار ~~والإفناء والجهل والبوار وطلب الرفعة وعدم القرار وافساد ما تجده من غير ~~فرق بين نفاع وضرار وخلقهم من تراب وإليه الأياب وطبعه الحلم والسكون ~~والترابية والركون والعلم والعدل والإحسان والفضل ومع هذا فلو خرجوا عن ~~مادة ما جبلوا عليه وتلبسوا بغير ما ms097 ندبوا إليه ولو أدنى الخروج ورعوا ما ~~للمارج من مروج لتحكمنا فيهم كما نختار وللعبنا بهم كما يلعب بالكرة الصغار ~~ونحن إذا خرجنا عن دائرة طبعنا وتخالفت أوصاف أصلنا وفرعنا ونقلنا إلى ~~دائرة الخبر عن جادة الشر أقدام صنعنا لا يقع لنا منهم صيد ولا يؤثر لنا ~~فيهم سيف كيد فإذ عجزنا عن الإيذاء في الظاهر لم يبق إلا الأغواء من باطن ~~الضمائر والتعلق بأسباب ما نصل إليه من الحيل البواطن والظواهر فقد قال ~~الحكماء وأهل التجارب ومن ابتلى من مكايد الدهر بالنواثب ومنى من ذلك ~~بالعجائب والغرائب إذا تصدى الإنسان وقصد غريمه وعجز عن مقاومته في الحكومة ~~والخصوصه فعليه يهدم ذلك الجبل بمغناطيس الخداع ومعاويل الحيل ويستعين في ~~ذلك بأهل النجدة وذوي البطش الشديد لشدة فيتوصل بهم إلى حسم ذلك الداء ولو ~~كانوا أعداء غير أو داء فتسلط بعض الأعداء على بعض من أيمن سنة بل من أحسن ~~فرض ولقد أحسن من قال: # تغرقت غنمي يوما فقلت لها ... يا رب عليها الذئب والضبعا PageV01P060 ولا ~~يوجد في هذا الباب لجمع شمل الأعداء أوثق من تفريق الأحباب ومصداقه قوله ~~تعالى لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا وما قويت أعضاد الإسلام إلا ~~باجتماع كلمة الأنصار والالتئام ولهذا قصد من نافقوا لما ترافق الأنصار ~~وتوافقوا أن يتشاققوا ويتفارقوا فأنزل عليهم واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا وهذا الفن يحتاج إلى فكر عميق ومكر دقيق وعقل كبير وفعل كثير ومصيب ~~رأي وتدبير وسلوك في طريق اصطناع كما فعلت الفأرة من الخداع فقال الوزير ~~ينعم مولانا الباقعة بتحقيق هذه الواقعة (فقال) سمعت أن بعض التجار كان له ~~بستان في دار وإلى جانبه حاصل فيه المغل المتواصل وفي ذلكالحاصل وكر لشاطر ~~من شطار الفار له عدة منافذ وإلى الجهات طرق ومآخذ أحدها إلى جهة البستان ~~والبستان كأنه جنة رضوان فكانت الفاره ذات الشطارة والمهارة تأخذ من الغلات ~~وأطايب الطعامات ما يكفيها غداء وعشاء صيفا وشتاء وفي وقت المصيف تخرج من ~~ذلك المنزل اللطيف إلى جهة ms098 البستان فتتمشى بين الغدران وتترقى إلى أعلى ~~الأغصان وتتمرغ في المروج والرياض وتتبخر في ظلال الدوح والغياض ثم تعود ~~إلى وكرها وتأرز إلى حجرها وكان عيشها هينا وأمرها رضيا ومضى على ذلك دهرها ~~وانقضى في أرغده عيش أمرها ففي بعض الأحيان خرجت على العادة للتنزه في ~~البستان فمر بسكنها أفعوان فرأى مكانا مكينا وسكنا حصينا بالأطعمة محفوفا ~~وبطيب الأغذية مكنوفا فدخله واستوطنه وترك ما سواه من الأمكنة فلما رجعت ~~الفارة إلى مكانها المألوف وجدت به العدو الظالم العسوف فأحاط بها من الأمر ~~المخوف مما يحصل من الذئب إذا عانق الخروف فأسرعت إلى أمها وشكت إليها ~~نوائب غمها وما دهمها من نوازل همها فقالت أمها لا شك أنك ظلمت أحدا أو ~~وضعت على ما ليس لك يدا أو تعديت الحدود أو عاملت مغرما بالصدود فجوزيت ~~بإخراجك من وطنك وإبعادك عن مقرك وسكنك ومن ظلم ضعيفا عاجزا سلط الله عليه ~~قويا لاكزا وقد رأيت يا أنسي في حديث قدسي اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد ~~له ناصر أغيري فلا تطيلي الكلام ولا تتصوري أنك ترجعين إلى مالك من مقام ~~ولا طاقة لك على مقاومة الثعبان فدعى تعب الخاطر واطلبي لك مأوى غير هذا ~~المكان فتوجهت إلى ملك الفار والجرذان وشكت ما بها من ذلك الشيطان وقالت ~~أنا في خدمتك ومعدودة من رعيتك عمري على ذلك مضى وزماني في إخلاص العبودية ~~انقضى وأبي كان في خدمة أبيك وجدي عبد جدك وذويك لم نزل في رق الطاعة ~~متمسكين بحبل سنة الولاء مع الجماعة كل ذلك لأمر يدهم أو نازلة تقدم ~~فنستدفع ذلك الخطيب بخطابكم ونستكفي هول ذلك النازل بجنابكم والآن لقد وقعت ~~حادثه بالباب عابثة وبالأفكار عائثة وللأرواح كارثة وذلك أني خرجت من مسكني ~~لطلب قوتي ثم رجعت إلى مبيتي ذو فوجدت ظالما قد استحوذ عليه وغاصبا قد دخل ~~إليه وهو ثعبان مالي به يدان وقد تراميت على جنابك أستدفع هذا البلاء بك ~~فقال ملك الفار يا سائبة الأشفار من ترك ماله ms099 سائبا فقد جعله ذاهبا وقال ~~ذوو الأعتبار وأولو الأبصار ينبغي بل يجب على الدزدار وحافظ القلعة والحصار ~~أن تكون رجله ذات عرج وانكسار لئلا يكون دينار وجوده خارج الدار وأنت أيتها ~~الفارة فرطت في أمرك والمفرط أولى بالخسارة وقد خاب منك المسعى لأنهم قالوا ~~ظلم من أفعى ومن ظلم الأفعوان أنه لا يكد نفسه في حفر مكان وتهيئة مبان ~~ومغان ولكنه حيث وجد مسكنا اتخذه لنفسه مقاما وطنا وهذا قد عرف مكانك النزه ~~وهو جبار شره فلا يزايله ولا يقابله ومن أين يلتقي مثل هذا المأوى وفي ~~المثل عرف الكلب بيت العميا فالأولى أن ترتادي لك موضعا فتتخذ به مقاما ~~ومرتعا فقالت الفارة وقد تأثرت لهذه العبارة يا أيها السلطان وملك الفار ~~والجرذان فما فائدة خدمتي وانقياد أبي وطاعة جدي الكبير الأبي وإذا كنتم في ~~الدنيا لا تنفعونهنا وفي الآخرة لا تشفعون لنا ولا تدفعون في الأولى صدامات ~~الدواهي والبلا ولا تحمون الأوداء عن مواطئ أقدام الأعداء ولا تدفعون في ~~الأخرى نوائب الطامة الكبرى ولا تحلونا بما لكم من الاستيلاء غرف الدرجات ~~العلى فأي فائدة لكم علينا ونعمة منكم تسدي إلينا وهل أنتم إلا كما قيل في ~~الأقاويل: # إذا لم يكن لي منك عز ولا غنى ... ولا عندما يغتالني الدهر موئل # فكل التفات لي إليك تكرم ... وكل سلام لي عليك تفضل PageV01P061 فقال ملك ~~الفار يا قليلة الاستبصار العديمة العقل والأفتكار إذا اجتهدنا في ردك إلى ~~مكانك وكنا على الثعبان كجندك وأعوانك فهل تشكين يا مسكينة وبنت مسكين في ~~أن الأفعى تتوجه إلى سلطانهموتخبره بشأنها وأنها أخرجت من مكانها وتستنصر ~~بأعوانه وتنتصر على سلطاننا بقوة سلطانه وتستجيش وتستغيث وتغري علينا ذلك ~~الخبيث كما فعل الرافضي العادي العلقمي البغدادي حين دعا التتار الطغام ~~لخراب مدينة السلام ومن بعده الذميم نابذة الإمام وقصد دمار ديار الشام ولا ~~طاقة لنا بعساكر الحيات ونحن في أحيائهم كعساكر الأموات فتذهب الأموال ~~والأرواح وتتعب القلوب والأشباح ومع هذا الأمر المعلوم حصول القصد والظفر ~~موهوم فبالله اتركيني واذهبي ms100 واطلبي لك مسكنا غيره ولا تتعبي فقالت هذا ~~منزلي القديم وميراثي عن سلفي الكريم وأين أذهب وفيمن أرغب أن لم تغثني ~~هلكت وانذهلت وانسلبت فقال لا تطيلي القول فلا قوة لنا ولا حول فلما أيست ~~الفارة الغدارة تركت سلطانها وذهبت وسلكت طريقها وانقلبت وأنشدت فأرشدت: # أبعين مقتفر إليك نظرتني ... فحقرتني وقد فتني من خالق # لست الملوك أنا الملوك لأنني ... أنزلت آمالي بغير الخالق PageV01P062 ثم ~~غاصت في بحر الفكر وتشبثت بأذيال المكر واستعرضت على مرآة أفكارها وجوه ~~الحيل واستورت من زناد آرائها سرر النظر في الجدل وأخذت تطوف في أكناف ~~البستان فعثرت في طوافها على ذلك الأفعوان نائما تحت ورده متطوقا في أهنى ~~رقدة فرقت غصنا من الأغصان فلاح لها الباغيان قد سقى البستان وهو تعبان ~~متكئا في الرياض على مسكبة ريحان فاغتنمت الفرصة ونزلت إليه وقربت منه ~~ودارت حواليه ثم وثبت على وجهه وكان نائما فانتهض مرعوبا قائما فذهبت ~~واختفت وبذا القدر اكتفت فرجع ونام وغرق في المنام فدخلت في قميصه ورقصت ~~فاستيقظ متعجبا منزعجا فرآها فهربت ونكصت ثم عاد وأتكا بعدما وغضب وانتكى ~~فوثبت على وجهه وأدخلت ذنبها في أنفه فنهض مستيقظا مجدا فرآها واقفة لا ~~تتعدى فقصدها فهربت ثم رجع فآبت وأتت فنام في مسنده فقربت منه وعضته في يده ~~فانكته وآلمته وهجته بما أضرمته فطفر من مرقده وأخذ غصنا بيده وقصدها وقد ~~ذاق نكدها فهربت غير بعيد فرأى وجهها من حديد فتبعها فمشت ثم وقفت وارتعشت ~~تطمعه في صيدها وهو غافل عن كيدها فتبعها وهي قائده حتى انتهت به إلى الحية ~~الراقدة فعندما رأى الثعبان نسي أفعال بنت الجرذان فقتل تلك الأفعى ولم يخب ~~للفأرة مسعى (وإنما أوردت) هذه الحكاية لتقفوا منها على طريق النكاية ~~وليعلم الضعيف إذا كان له أعدا كيف يوقعهم في مصايد الردى وإذا استعمل ~~اللبيب العقل المصيب والفكر النجيب وساعده في ذلك قضاء وقدر نال ما أمل ~~وأمن ما حذر وأفلح أمره ونجح فكره وهذا إذا كان الضعيف مظلوما والقوى ظالما ~~غشوما كما ms101 أنتم عليه مما توجهتهم إليه من معاداة شيخ الشام المستحق للتجبيل ~~والإكرام والتعظيم والاحترام فانه على الحق وأنتم ظالمون وقاصد الصدق وأنتم ~~كاذبون يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ~~فهذا أمر مشكل وداء معضل فأني تصح أبدانكم وقلوبكم مرضى ومن يحبكم وأنتم ~~محسوبون من البغضا وكيف تقتفون وأنتم على الباطل وفي أي ذوق يحلى ما منكم ~~من عاطل وأنا أخاف أي أجلاف أن تسفر هذه القضايا بعد ارتكاب البلايا وتحمل ~~المشاق والتعب باقتحام موارد الهلاك والنصب عما هو وأشد وأنكى وأحر لعينكم ~~وأبكى كما أصاب مضيف العراق مر زوجته بيدة ذات النطاق حين بدا منها الزنبور ~~على حافة التنور فقال الوزير للعفريت أفدنا هذا الصوت يا ذا الصيت (قال) ~~نزل في بعض الرستاق من بلاد العراق فقير نحيف على مسكن ضعيف وكان بعض أيام ~~الخريف والبرد الشديد يقطع الحديد فبعدما طبخوا وتعشوا سجروا النار ليتدفوا ~~فبقي كل من الحضور يتدفأ على جانب التنور فقعد الضيف مقابل زوجة المضيففظهر ~~من تحت نطاقها وجه ذلك الحر الظريف ولاح من تحت السجيف كأنه قرص أو رغيف أو ~~قند عسلي نظيف أو خد جندي نتيف أو القمر شق نصفين أو بدر لاح من تحت ذيل ~~حنين فلما أحس بحرارة النار وظهر على وجهه الاحمرار صار يتلمظ ويتحلى ~~ولسانه من الحر والدف تدلى فلمحه الضيف وهو يتثائب فتمطى قائم رمحه ونحوه ~~قام وتصاوب وقد قيل في الأقاويل عضوان متعاونان وهما اليدان وعضوان مختلفان ~~وهما الرجلان وعضوان متتابعان وهما العينان وعضوان متصاحبان وهما اليد ~~والفم وعضوان متباغضان وهما الأست والأنف وعضوان متوافقان وهما العين ~~والأبر وكان الضيف يسارقه النظر وبترشف شفاهه بلسان الفكر ويود في مطالعة ~~جبينه لو أتبع العين بالأثر وجعل يتغنى ويترنم ويهيم بما يتكلم: # ليس في العاشقين أقنع مني ... أنا أرضى بنظرة من بعيد # فتنبه أمام هواء الهاجد وجعل يقوم ويقع وهو راكع ساجد ويسلم على محرابه ~~أحسن التحيات ويتشهد رافعا إصبعه بالسلام والصلوات ثم غلبته الحيرة ms102 فاخذ ~~يجلد عميره فنظر صاحب البيت فرأى الضيف غارقا في ذيت وذيت مشغولا بكيت وكيت ~~متأملا معنى هذا البيت: # وعند الملتقى انكشف المغطى ... تثاءب كسها أيرى تمطى PageV01P063 فأراد ~~أن ينبه ربة البيدار على هذا العثار لتستر حالها وتغطي مالها بطريقة لا ~~يؤبه إليها ولا يقف ضيفها عليها فمد يده إلى سفود وحرك به النار ذات الوقود ~~فعلق من النار به في الطرف وما شعر بذلك أحد وما عرف ثم لعب ساعة بذلك ~~العود وأوصل في خفية طرفه إلى ذلك الشق المعهود لتيقظ فتتحفظ فشوظها وأجرها ~~وأحرق رأس السفود بظرها فالتأمت وانضبطت واحترقت واختبطت وتحركت بزعجة ~~فضرطت فزادت فضيحة الأنف والأذن ولم يحصل من تلك الحركة إلا الخجالة والغبن ~~(وإنما أوردت) هذه الحكاية لتتأملوا في الغايات والنهايات فإن من لا يراقب ~~ما يأتي في العواقب ما الدهر له بصاحب وهذا الرجل الصالح القيم الراجح ما ~~فاق أقرانه وساد أصحابه وإخوانه إلا بشيء تقدم به عليهم وتحقق موجب تقدمه ~~لديهم وذلك درجات العلم والعمل فبذاك ساد الرجل وكمل وقال منزل الآيات ~~وخالق البريات يرفع الله الذين آمنوا ومنكم والذين أوتوا العلم درجات وقد ~~برع في أنواع العلوم وأطلع على حقيقتها من طريقي المنطوق والمفهوم وأنتم عن ~~طريقه غافلون وعن حقيقة ما هو عليه ذاهلون واعلموا أن طريقه واحدة وهي الحق ~~وطرقكم متعددة وكلها فسق وأتباعه على اتباعه متحالفون وأنتم في طرائقكم ~~القدد متخالفون فقد قال الله تعالى في محكم تنزيله وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله وقال بعض أهل الفضل وكلامه في ~~بيان الحق فصل ما ناظرت ذا فنون إلا غلبته وما ناظرني وذو فن إلا غلبني ~~وإنما أخشى أن ناظرت هذا الرجل الكامل الفاضل أن لا أحصل منه على طائل ~~ويظهر فضله قصوري فينهدم بنيان قصوري فقال الوزراء بعد أن اتفقت الآراء ~~كلمة واحدة متفقة متعاضدة نعم ما رأى مولانا الرئيس صاحب التدليس وإسنادا ~~التلبيس وأنجب أولاد إبليس ونحن أيضا يا باقعه نخشى عاقبة هذه ms103 الواقعة ولقد ~~جرى مثل هذا المجرى بين بزر جمهر ومخدومه كسرى في قضية فاق فيها الوزير ~~مخدومه الكبير فسأل العفريت وزراء عن بيان ذلك الشبان كيف كان (فقالوا) ~~بلغنا أيها الخنس الملقى الوسواس في صدور الناس أن بزر جمهر الوزير كان ذا ~~علم غزير ورأى وتدبير وبديهة جواب تفحم الكد والتفكير وكان حكيم زمانه ~~وعليم أوانه وممن فاق في الفضل والحكم سائرا أترابه وأقرانه وكان مقربا عند ~~مخدومه يزيد في كل وقت في تكريمه وتعظيمه وتوقيره وتفخيمه ويصغي إلى نصائحه ~~ويعد قربه من أعظم مناجحه ويصبر على كلامه الصادعووعظه القارع ونصحه القارع ~~لما فيه من الفوائد والمنافع والحكم والبدائع وقد قيل من أحبك نهاك ومن ~~أبغضك أغواك فكان الوزير يبادر قبل سائر الخدم في وظائف الخدم ويعجل من ~~الليل والظلم حتى كأنه يوافق النجم أو يسابقه في الرجم ومع ذلك كل يوم يجد ~~مخدومه راقدا في النوم فيقرعه بالغفلة وينقم عليه هذه الفعلة ويعلن بالندا ~~وينادي في الملا فيقول أفق يا محجوب وتيقظ حتى تظفر بالمطلوب فمن باكر نجح ~~ومن فلس المطلوب أفلح ومن تخلف في النوم سبقه إلى المنزل القوم وفاته ~~المطلوب ولا يدرك المحبوب واترك لذة الكرى فعند الصباح بحمد القوم السرى ~~وكان كسرى يجد لهذا الكلام أنواعا من الآلام لأنه كان يطيل السهر إلى وقت ~~السحر عاكفا على المدام وسماع الأنغام ومغازلة الغزلان ومعاقرة الندمان ~~وإحياء الليل عمر ثان فإذا نام واستراح امتد نومه إلى الصباح فلا يوقظه إلا ~~عياط الوزير وصراخ ذلك الصائح النذير فلما طال عليه المطال وغلب عليه من ~~ذلك الملال أرصد للوزير في الطريق من منعه عن التبكير بالتعويق فتصدى له ~~الرصد وأعروا رأسه والجسد وأخذوا قماشه وسلبوا رياشه فرجع إلى بيته مكرها ~~ولبس ثيابا غيرها فأبطأ في ذلك اليوم وتخلف في الخدمة عن القوم ولم يجيء ~~إلا وقد استيقظ كسرى من النوم وهو جالس في صدر الإيوان وحواليه مباشر ~~والديوان وسائر الوزراء والأركان وعامة الجند والأعوان كل في مقامه ضابط ~~زمامه فأدى ms104 بزر جمهر وظائف الخدمة على عادته ووقف في مكانه مع جماعته فقال ~~كسرى ما دعا مولانا الوزير في هذا اليوم المنير إلى التخلف والتأخير وترك ~~التبكير وإنشاده بالتبكير قول الشاعر الكبير: # بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير PageV01P064 فقال إن ~~الحرامي عارضني أمامي وقصدني في ظلامي فأخذ شاشي وسلبني قماشي ورياشي فرجعت ~~إلى كناسي وجددت زينتي ولباسي فهذا سبب تأخيري وعدم تبكيري وموجب تخلفي عن ~~وعظي وتذكيري فقال كسرى ما أفادك التذكير إلا الغرامة في التبكير ولولاه ما ~~سلب القماش ولا ذهب الرياش ولا قام الحرامي بالمعاش فأين الفلاح في القيام ~~قبل الصباح فقال بزرجمهر في الحال وقد أصاب في الجواب ليس ذلك كذلك يا ~~إمامي وإنما بكر قبلي الحرامي ولم أباكر أنا بالنسبة إليه فرجع فائدة ~~تبكيره مني عليه فعجب كسرى من خطابه وسرعة بديهته في جوابه (وإنما أوردت) ~~هذا القول بين يدي إمامنا الغول أو شيخ المردة الهول ليعلم أن كسرى وإن كان ~~عالما وفاضلا وحاكما كما أذعن لكلام وزيره واتبع رأي مشيره وانصف من نفسه ~~إذ أدرك الوزير بفهمه ما لم يدركه هو بحسه فاسترسل معهم العفريت فيما هم ~~عليه والتخلف عما ندبهم إليه وقال فبأي الحبائل نصيدهم وبماذا نكيدهم فقال ~~أحد الوزراء بالنساء فإنهن زمارة المحن وطبل الفتن والطبل لا يضرب تحت ~~الكساء هن أعظم وسائلنا وأحكم أوهاقنا وحبائلنا وناهيك ما قاله العزيز ~~العليم الذي جبلهن على غير تقويم وفطرهن على الكيدان كيدكن عظيم وجعل كيدنا ~~بالنسبة إلى كيدهن سخيفا فقال أن كيد الشيطان كن ضعيفا وقال سيد السادات ~~ورئيس الرؤساء ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء وقال الولي ومن ~~قدره الرفيع على: # إن النساء شياطين خلقن لنا ... نعوذ بالله من شر الشياطين # وقال من أجاد في المقال المسامع بالأقوال حيث قال: # وما حز أعناق الرجال سوى النسا ... وأي بلاء جاء لسن له أهلا # فكم نار شر أحرقت كبد الورى ... ولم يك إلا مكرهن لها أصلا # وإنهن أشرك الأشراك وأوهاق الأزهاق ms105 واسواق الغساق ومصائد المصائب ومراصد ~~النوائب وحسبك يا ذا الدها مأوى ذلك الحكيم حين سها وأعن لزوجة لرئيس إذ ~~نبهته على ما عنه لها فسألالعفريت عن تلك الحالة وبيان ما فيها من المقالة ~~(فقال) ذكر أن حكيما من العلماء وعالما من الحكماء أولع بضبط مكر النساء ~~وشرع في تدوينه صباحا ومساء وصار يجول البلدان ويطالع لذلك على كل ديوان ~~ويكتب ما يكون وما كان ويحرر من ذلك الأوزان بالمكيال والميزان فنزل في بعض ~~الآناء على حي من الأحياء فصادف ذلك التعس بنت الرئيس فتلقته امرأة ظريفة ~~ذات شمائل لطيفة وحركات رشيقة خفيفة وقابلته بالترحاب وفتحت للدخول الباب ~~فاقبل عليها وترامي لديها فأنزلته في صدر البيت وأخذت معه في كيت وكيت ~~كأنها معرفة قديمة وحديثة كريمة وكان زوجها غائبا قد قصد جانبا فشرعت في ~~نزل الضيف لئلا تنسب إلى بخل وحيف فأخذ يطالع في ديوانه ويسرح سوائم طرفه ~~في ظرف بستانه يشغل أوقاته ويتفكر ما فاته ليتعاطى إثباته فقالت له ضرة ~~الريم ما هذا الكتاب العظيم أيها الفاضل الحكيم فقال شيء صنعته وكتاب ألفته ~~وهو في الغربة أنيسي وفي الوحدة جليسي فقالت يا ذا الحكم والحلم ما فيه من ~~فنون العلم فقال سر مصون وأمر مخزون ودر مكنون لا يجوز إبداؤه ولا يحل ~~إفشاؤه فقالت يا ذا الشكل الظريف والصوف اللطيف والعلم المنيف هذا التعريف ~~لا يليق بالتصنيف فإن فائدة التصنيف الاشتهار وثمرة العلم الانتشار ودونك ~~ما قاله الكئيب في مخاطبة الحبيب: # أذقني من رضابك يا حبيبي ... فما للشهد دون الذوق لذة PageV01P065 وما ~~أخذ الله على الجهال أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء أن أن يعلموا فقال ~~الأمر كذلك يا زين الأمور ولكن هذا علم يصان عن ربات الخدور فقالت إن الله ~~الجليل الذات الجميل الصفات ذكر المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ~~وما منع نساء الأنصار الخيرات الأطهار أن يسألن المصطفى المختار عليه أفضل ~~الصلاة والسلام عن غسل المرأة في الاحتلام ولا أن يلجن معه المخاضة في ~~السؤال عن الحائض والمستحاضة فجمع ms106 في ميدان الامتناع وأصر على الممانعة ~~والدفاع وقال يا حصان هذا سر يصان لا سيما عمن في دينه وعقله نقصان فأغراها ~~هذا المقال على الإلحاح في السؤال وزادت في اللجاج ومارت في الاحتجاج ~~وترامت لديه وأقسمت بدلالة الدال عليه فقال هذا علم ما أسبق إليه جمعت فيه ~~مكر النساء ومن أجاد منهم ومن أساء ومن تعاطت لطائف الحيل وخفي الفعل وخفيف ~~العمل ومن دعت بدعاها حتى بلغت مناها ومن وقعت في الشدائد فاحتالت بدقيق ~~فكرها لتلك المكايد وتخلصت من شرك المصايد فلما سمعت ما قال ووعت سكت وجهها ~~وأعربت تقهقها وتمايلت تمايل القضيب وقالت سر غريب وأمر عجيب وضيعة عمر ~~حاصل فيما لا تحته طائل وشغل سر وبال في جمع أمر محال لقد ركبت المشاق ~~وكلفت نفسك ما لا يطاق ونسفت الرمل بالكربال وغرفت البحر بالغربال فإن مكر ~~ربات الخدور لا يدخل ضبطه بسفر تحت مقدور فقال لها أنت غبية وعن هذا الكلام ~~غنية وإن كنت فاضلة ذكية أنا قد بلغت في ذلك الغاية وأحطت به بداية ونهاية ~~ووقفت على نجمله ومفصله فلم يشذ عني شيء من آخره وأوله فسلمت وما تكلمت ~~وغالطت وما بالطت في هذا المقام شيء فريا ونسيا منسيا ثم نزلت من برج ~~المنازلة وأخذت تلك الغزالة في المغازلة وانتهى بها المقال إلى هذا السؤال ~~فقال أيها اللبيب الماهر ما معنى قول الشاعر: # يهددني بالرمح ظبي مهفهف ... لعوب بألباب البرية عابث # ولو كان رمحا واحدا لاتقيته ... ولكنه رمح وثان وثالثفالرمح الواحد قامته ~~والرمح الثاني ما حوته راحته. وقل يا أبا الحارث ما هو الرمح الثالث فقال: ~~ذلك النبيه قبل ما يظهر من تثنيه فإن هزلين أعطافه وسرعة انعطافه تراه ~~العينان كأنه رمحان وقيل ما يظهر ذلك المهفهف عند هزه الرمح المثقف فإنه ~~يتراءى للعين الشكل الواحد اثنين ولهذا نظير في اليوم المطير وأحسن مثال ~~عند رشق النبال وفي تدوير المحجن وفتل الصولجان عند سرعة الدوران. وقيل كأن ~~معه رمحان فعده واحدا وهما اثنان وعندي يا دمية القصر ms107 أنه ليس المراد الحصر ~~وإنما المراد التكثير يا ضرة البدر المنير لأن عطفه كلما انهز هزه حصل في ~~صدر المتيم وخزه ورمح قامته يثنى ويتقصف فتارة يميل وأخرى في بتثقيف ولطعن ~~العشاق يخطر ويتهفهف فالمتيم لا يبرح من قده في طعنات كما لم يزل من سهام ~~جفنه في محزات ووخزات وهو من المجاز المرسل إذ المراد الطعن من ذلك الاسل ~~وكأن قصده أن يسرد الأعداء إلى غاية ويبلغ ما لا نهاية فيقول ثان وثالث ~~ورابع وخامس وسادس وسابع فلم تسع القافية: # يا من بوصلها شافيه ... ورضابها عافيه # ونظير هذا يأجره إن تستغفر لهم سبعين مرة، وليس المراد الحصر يا رقيقة ~~الخصر ويا عين العين في السبعين حتى لو زاد على هذا العدد لغفر لهم الواحد ~~الصمد بل المراد أنه لا يغفر لهم ولو زاد فقالت: يا صاحب البيان وربه إنما ~~عنى بالرمح الواحد زبه فأفصحت له بالكلام عما لها من مرام كأنها ثالثة بنات ~~همام فخجلت عين الرجل واستحت لما أفصحت عن مقصودها وأوضحت فقالت: حبيت ~~وحييت لا تستح واصنع ما شئت فحركت بهذا الكلام العابث من الشيخ الحكيم ~~الرمح الثالث فمد إليها يد الفاجر العائث وذهب لب ذلك الرجل الحازم، ~~وراودها مراودة العازم الجازم، وصارت تلك اللاعة بين الأطماع والمناعة ~~تنثني وتنقصف فتارة تتثقف وأخرى تتخسف وبينما هما في المجاذبة جاء زوجي وهو ~~عنيف عنيد فسلب الفرار وطلب الغرار ووقع ذلك الحكيم النبيه في فتنة فيها ~~الحليم سفيه ودهمه ما هو أهم مما هو فيه من دواهي العشق ودواعيه ونسى العشق ~~والعشيق وطلب الخلاص من المضيق وأظهر صورة حاله ما عناه الشاعر في قاله: # سألت مجربا طبا عليما ... خبير بالوقائع مستعاذا # وقلت الشهد أحلى أم رضاب ... أم النيك الذي للروح حاذي PageV01P066 فقال ~~وحق ربي النفس أولى ... إذا جر الجزا هذا وهذا # واشتغل الحكيم بنفسه وخاف حلول رمسه وكان في طرف البيت صندوق مقفل عليه ~~ستر مسبل ففتحت له الصندوق ورعت له بإخفائه عن زوجها الحفوق وأمرته بولوجه ~~ليكفي من ms108 زوجها شر خروجه فشكر لها صنعها وامتثل وانسل إلى ذلك اللحد الضيق ~~فأقفلت عليه أغلاقه وأحكمت وثاقه ثم تلقت زوجها بالترحاب ودخلت معه في ~~الأطعمة من كل باب وقدمت له ما أكل وانسدحت له فركب ووكل ثم قالت أخبرك يا ~~حبيب بوقوع أمر غريب وحادث بديع عجيب وهو أنه قدم حكيم فاضل حليم عالم عظيم ~~فأكرمت نزله، وبوأت منزله، وكان معه كتاب فيه العجب العجاب فسألته عما حوى ~~فقال مكر النسا فقلت له هذا شيء لا يحصى ولا يحصر ولا يجمعه ديوان ولا دفتر ~~فلم يسلم إلي ولم يعول علي وذكر أنه أنهاه ولم يدع من مكر النسا فنا لا ~~أوعه إياه فما وسعني إلى أني غازلته وداعبته وهازلته فطمع من لين محاورتي ~~في حسن مزاورتي وطلب مني ذلك العقوق ما هو أعز من بيض الأنوق، وبينما نحن ~~في العيش الرغيد وإذا بك أقبلت من بعيد كل ذلك والحكيم يسمع قولها وما تخبر ~~به بعلها فلما سمع الزوج هذا الكلام اضطرب وزمجر فلم يبق الحكيم مفصل إلا ~~ارتجف فقال هاهو في الصندوق مختفي فخذ ثارك منه واشتفي فنهض وصاح هاتي ~~المفتاح فعلم الحكيم أن عمره ذهب وراح، وكان سبق من زمان، بين الزوجينعقد ~~رهان أنه من فتح منهما الصندوق غلب وأقام لصاحبه بما طلب فلما ذكرت له ~~حكاية الحكيم تذعنه عقد الرهن القديم وذهل لشدة الغيرة ووفور الحيرة وتوجه ~~إلى الصندوق فبمجرد ما فتح القفل المغلوق صاحب عليه غلبتك يا معشوق فأد ما ~~ثبت لي عليك من الحقوق فتذكر عقد المراهنة ولم يشك أن كلامها كان مداهنة ~~فضحك بعد ما كان عبس وألقى المفتاح من يده وجلس ولعنها ومكرها ولعبها ~~وفكرها ثم اصطلحا وانشرحا وزاد انشاطا ومرحا ثم خرج في ضروراته وتوجه إلى ~~حاجاته فأقبلت تلك العروس إلى الحكيم المحبوس وأفرجته من الاعتقال وذكرت له ~~هذه المناقلة والانتقال وقالت أيها الحكيم العظيم هل كتبت هذه المناقلة ~~كتابك الكريم فقال لا والله الرحمن الرحيم وإني قد سلمت إليك وتبت إلى الله ms109 ~~علي يديك (وإنما أوردت) هذا المثال لأعرض على شيخ السعالى وإمام الأغوال أن ~~النساء في هذه الحركة أعظم متشبث وأقوى شبكة وهن لسلب اللب من الرجال أضعاف ~~فتنة المسيح الدجال خلقهن أعوج وخلقهن أهوج ورأيهن غير سديد والرجال لهن ~~أذل عبيد وإن كن ناقصات عقل ودين، فهن الكاملات في سلب العقل المتين والفكر ~~الرزين وأذهب للب الرجل الحازم والعقل السديد الجازم وهل أخرج آدم من جنة ~~المأوى إلا قصة صدمته من قبل حوا وما قتل هبيل قابيل إلا بفتنة الزوجة كما ~~قيل وكذلك قصة من أوئى الآيات فانسلخ منها وقد عرف كل ذلك إبداء وإنها ~~وغالب من عصى الله وأسا إنما كان سبب كفره واخزائه النسا فلا تعترضوا على ~~هذا الرأي المتين ولا تتعرضوا لهذا الرجل فإنه على الحق المبين ولا تقصدوا ~~لمعارضته وسؤاله فربما يكون مجالكم أضيق من مجاله وإنا لا نقدر على مناقشته ~~ويظهر جهلنا وعجزنا عند مباحثته فقال سائر الوزراء هذا الرأي أصوب الآراء ~~فإنا إلى الآن ما بارزناهم بالمخاشنة وإنما كنا نأتيهم بالمخادعة والمحاسنة ~~فنزين لهم الباطل ونجلي لهم العاطل ونشوه وجه الحق ونسود طلعة الصدق إلى أن ~~ظهر هذا الرجل ونحن على ذلك فوقف في طريقنا وأراهم الدرب السالك وعلا شأنه ~~ووضح برهانه ونحن على ما نحن عليه من الإغواء وإلقائهم في مهاوي الأهواء ~~والحرب بيننا وبينهم سجال فلو كاشفناهم بسوء الفعال انكشف لهم زيف نقدنا ~~وبطل ما كنا نسوله بجهدنا فإذا ظهر الحق من الباطل وتميز الحالي من العاطل ~~أخذوا حذرهم وضبطوا أمرهم وداروا بالعداوة ومروا بالملوحة من الحلاوة ثم ~~ظفرنا بهم موهوم ونصرنا عليهم غير معلوم فما نظفر إلا بالندامة ونرضى إذ ~~ذاك بغنيمة السلامة ويستمر هذا العار علينا إلى يوم القيامة وقد قيل: # لا تسع في الأمر حتى تستعد له ... سعي بلا عدة قوس بلا وبر PageV01P067 ~~فعند ذلك استشاط العفريت غضبا وطار شرارا لهذا الاشتعال ولهبا، وقال: لقد ~~عظمتم من شأن الإنسان وأوهنتم بل أهنتم جانب إخوانكم الجان وضيعتم حقوق ~~الإخوان وأبطلتم ms110 حكاية السعالى والغيلان ونسيتم فتن جدكم الأعلى الباقية ~~على ممر الزمان ونحن أدق حيلة، وأجل جماعة وقبيلة، وأوسع ذكرا وأسرع مكرا ~~وأقدم وجودا، وأعظم جنودا، وأغزر علما، وإدراكا وفهما، ولا أرى لكم همة ~~صادقة ولا عزيمة موافقة وأنا ما قلت لكم ما تقدم من القول إلا لأخبر ما في ~~فرائض علمكم من الرد والعول فلا أقوالكم سديدة ولا أفعالكم رشيدة، ولقد حل ~~بكم الصغار وسطا بكم من الأنس الصغار وأما أنا فلا بد لي من المباحثة ~~والمناقشة والمنابثة والإلقاء للمسائل والأبحاث في الرسائل من غير وسائط ~~ولا وسائل ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينه فأعلموا ذلك وتحققوه ~~ثم أمعنوا النظر فيه ودققوه وهذا هو الرأي الذي الذي صممت عليه فليتوجه كل ~~منكم بقلبه وقالبه إليه ويقل في ذلك غثه وسمينه ويلق هجان قوله وهجينه ولا ~~يدخر شيئا من آرائه فلا بد لي من إلقائه وأعلموا أن الولي الخرار الذي هو ~~إلى جهة جار لو اتفقت الآراء على صرف جريانه إلى جهة أخرى وأن يسد عن هذه ~~الجهة المجرى فإنهم لو قصدوا ذلك من أسفل الواديلسخر منهم الحاضر والبادي، ~~ولا يتهيأ لفاعله ما يتمناه حتى يسد طريق الماء من أعلاه. وأنتم إن قصدتم ~~معالي الأمور وإهلاك رؤوس الجمهور ثم تعمدتم الأراذل وتبدلتم الأكابر ~~بالأوغاد والأسافل فإنكم إذا أغمار وقد ضيعتم في غير حاصل الأعمار وقد قيل: # إذا كنت لابد مستتربا ... فمن أعظم التل فاستترب # وما اللجين كالرصاص والجروح قصاص ولا يكافأ الربيس إلا بالربيس ولا يقابل ~~النفيس بالخسيس وأي فخر للملوك إذا نازلوا السوقة والصعلوك وقد قيل: # ألم تر أن السيف بقدره ... إذا قلت هذا السيف أمضى من العصا PageV01P068 ~~وما أكتفى صناديد قريش يوم بدر بدون اكفائهم في النسب والقدر وماذا تفيد ~~بيلستكم وتجدي شيطنتكم ووسوستكم وأنتم أولوا الزعاره وذوو الشطارة والدعارة ~~إذا قهرتم من الأنس وعلاكم أضعف جنس وهم أقصر أعمارا ونحن أطوارا لم نزل ~~نصادم الجبال ونقتحم الأهوال ونظهر كما شئنا في باب الخيال ومن ms111 قبل جدنا ~~اللعين جادل رب العامين فقال في حق جدهم أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته ~~من طين وقال لأغوينهم أجمعني. وقال ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثر شاكرين. وهم يموتون وهو من امنظرين وعلى ~~كل جال نحن أقوى منهم وأجرأ وأعرف بطريق الخبث والمكر وأدرى بالجملة الحكم ~~على الشيء فرع عن تصوره والشخص لا يحكم على شيء إلا بعد تصوره وتقرره وهذا ~~الإنسان إلى الآن لا سبرناه ولا خبرناه ولا عرفناه ولا عرفناه فكيف فكيف ~~تقطعون له بالغلبة وتفضلون علينا مسيره ومنقلبه، وإن لم تفصحوا بالعبارة ~~فقد دللتم على ذلك بالإشارة وكنيتم عنه بالتلميح والكناية أبلغ من التصريح ~~هذا ونحن كم قد أضللنا من حكيم وأذللنا من عليم وأفسدنا من عقائد وعقدنا من ~~فسائد ونصبنا لهم من مصايد وأرصدنا عليهم من مراصد وأبطلنا من طاعات وعطلنا ~~من خيرات وأخللنا من صلوات وأحبطنا من زكوات ومنعنا من حجات وصدقات وضيعنا ~~من ميراث ونفقات وأسقطنا من أعمال الصالحات وكم لنا في الشر من سوق ومن سوق ~~إلى فسوق وإلقاء في حرام وتسربل بمظالم وآثام وكم لنا من إحكام أحكام على ~~القضاة والحكام يستحلون بها السحت والحرام ويأكلون بها أموال الأيتام ~~ويستبيحون بها الدماء والفروج وكم دخلنا فيهم فأخرجنا منهم الإسلام أخفى ~~خروج وكم لنا فيهم من مصائب لعصائب وحواصب مناصب وكتائب نوائب وعجائب نواهب ~~وغرائب نوادب نسلبهم بها دينهم ونمنعهم اعتقادهم الحق ويقينهم وكم لنا في ~~سكونهم إلى الطاعات من حركات وفي ركونهم إلى الخيرات من سقطات وكم لهم إلى ~~الطاعات من همم فبردتها وساوسنا فحصل منها في أحشائهم الضرم وفي وجود خيرهم ~~العدم وفي صحة إيمانهم السقم وفي شباب صدقهم الهرم وفي سكون أمانهم الضر ~~بان والآلم في دائرة حلالهم الحرام وكم وكم وكم وكم ونحن الآن على ما كنا ~~عليه وهو الذي طبعنا عليه وندبنا إليه دأبنا عن الحق أضلالهم وعن الصراط ~~المستقيم إزلالهم وإلى الباطل دلالتهم وإطلالهم نزين لملوكهم ms112 الاجتراء ~~ولكبرائهم الافتراء ولرؤسائهم الازدراء ولعلمائهم المراء ولزهادهم الرياء ~~ولتجارهم الربا ولأمرائهم سفك الدما ولنسائهم السلاطة والزنا ولخواصهم ~~الغيبة والغميمة وعوامهم الخوض في كل جريمة وللمشايخ قول الزور ولنسائهم ~~الوقاحة والفجور وهذا دأبنا ودأبهم. ولم نزل أوهاقنا ورقابهم فإن قلنا نصل ~~هذا الواصل فإن هذا تحصيل الحاصل وإن قلنا نستأنف عملا جديدا فإنا لم نترك ~~في ذلك ما يبقى مزيدا وقد بلغنا في ذلك كله الغاية وهانحن ملابسون منه ما ~~ليس وراءه نهاية ولم يبق إلا المقابلة في المقاتلة والمباشرة بالمكاثرة ~~والمفاتحة في المقابحة والمكالحة في المناكحة فلما سمع الوزراء هذا الكلام ~~عرفوا أن أسباب دولتهم آذنت بانصرام غير أنهم لم يقدروا على المخالفة فما ~~وسعهم إلا المطاوعة والمؤالفة لئلاينسبهم إلى غرض فيصيبهم منه عرض أو مرض. ~~فحسنوا له رأى المصادمة ومباحثة العالم والمقاومة واتفقت الآراء أن يرسلوا ~~للعالم أولا وانتخبوا من يصلح أن يكون مرسلا فيحمله العفريت في الرسالة ما ~~تتضمنه من الحماسة والبسالة حسب ما يراه رأيه التعيس وفكره المدبر الخسيس. ~~وكان في سياطينه المردة وغيلانه العتاة العندة عفريت من الجن مارد مسن اسمه ~~صن بن مصن، قد أضل عقائد وأزل قواعد وأشرب بغض بني آدم وغمس طائفة منهم في ~~نار جهنم بعدما غهم من المعاصي في يم لا يمنعه وجوم عن الهجوم ولا يخاف ~~الرجوم من النجوم طالما أطال العوائق في المغارب والمشارق. وأضرم نيران ~~الإفساد بين الخلائق وملأ ما بين الخافقين من مواقع الصواعق وفوح نتانة ~~النوساوس وفساء الظربان في المجالس وانقض للشر والفتن على كل قائم وجالس ~~فكم له توفيق بين الحرامين وتغريق بين الحلالين وسفك دماء بين الأخوين ~~وإلقاء للبغضة بين المحبين والعداوة بين الألفين والعربدة بين السكارى ~~والحروب بين المسلمين والنصارى. وبالجملة فقد أوتي من الوسوسة والتلبيس ~~صنوفا كثيرة PageV01P069 فاق بها على ذرية أبليس فانتدبه العفريت الملم إلى ~~هذا الأمر المهم، وأمهلاه إلى أن انسلخ أهاب الضو ثم طار في عنان الجو حتى ~~وصلا إلى سفح الجبل، متعبد ذلك العالم البطل الذي ملأ ms113 الدنيا بالعلم والعمل ~~ثم كمن العفريت في مغارة وأرسل رسوله بالسفارة يقول أبلغ عالم الأنس صاحب ~~الكرامات والأنس ومقرب حظيرة القدس، عن شيخ العفاريت الطغاة المصاليت أني ~~من قديم الزمان وبعيد الحدثان أضللت كثيرا من الناس، بالمكر والخداع ~~والوسواس وفي أمثالي نزلت قل أعوذ برب الناس، وابن عمي هو الوسواس الخناس، ~~وكان من جنس بني آدم كذا كذا ألف عالم خدامي ومعي وجندي وتبعي منهم رؤس ~~الزهاد وعلماء العباد، وعلى محبتي مضوا، وباتباع أوامري قضوا فأنا فتنة ~~العالم وأعدى أعداء بني آدم الشيطان الرجيم، وأبليس الذميم اسم ذاتي ووصف ~~صفاتي، أنا مقتدى الشياطين ورأس العفاريت المتمردين ومحل غضب رب العالمين ~~خلقت من مارج من نار، وطبعت على إلقاء البوار والدمار رجوم النجوم إنما ~~أعدت لأجلي، وعتاة الغواة لا تصل رؤوسها إلى مواطئ رجلي إلا من خطف الخطفة ~~فاتبعه شهاب ثاقب آية منعتي، وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم طراز خلعتي، ~~أأسجد لمن خلقت طينا مقام مقالي لاحتنكن ذريته إلا قليلا مجال جدلي، لعنه ~~الله، وقال لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا منشوري القديم يعدهم ويمنهم وما ~~يعدهم الشيطان إلا غرورا، مرسومي الكريم، الشياطين تستمد من زواخر مكري ~~والأعور اللعين يقتبس من ضمائر فكري، لم تمر قضية في الزمان الغابر إلا ولي ~~الشركة فيها ولا حدثت محنة لنبي ولا ولي إلا وأنا متعاطيها، جدي إبليس، نهض ~~لجدي التعيس، وغلى نحو آدم هوى، فعصى ربه فغرى، وأنا قضيت بالتسويل، حتى ~~قتل قابيل هابيل، وحلت بقوم نوح عن النصوح وأرشدت المجوس إلى عبادة النار ~~ووضعت الناقوس، وأضللت عادا وثمود، وشدادا ونمرود، وبعثت على عبادة الأصنام ~~في البيت الحرام، وعلى كيفية إلقاء إبراهيم في نار الجحيم، وهديت قوم لوط ~~إلى الخوض في التلوط ومحافر القلوط، وسولت لأولاد يعقوب وحاولت في قضية ~~ايوب، وتصديت لابن إسماعيل وعارضت ابنها وهو مع الخليل، وأنسيت يوشع قصة ~~الحوت، وساعدت على صاحب الحوت، وجلست بالعصيان على تحت سليمان، وحضرت وقعة ~~طالوت، وساعدت عليه جالوت، وأنا كنت العون لهامان وفرعون، وبحسن ضبطي ms114 قتل ~~موسى القبطي، وأنا فتنت داود، وأغويت قارون اليهود، وسلطانهم على الوالدة ~~والمولود، ودللت على نشر زكريا، وذبح يحيى، وجرأت على قتل الأنبياء ~~والأولياء، وتوصلت بتزيين الوسواس لقاتلي الذين يأمرون بالقسط من الناس، ~~ودعوت على عبادة العجل قوم موسى، وساعدت في التفريق، والإظلال بين أمة ~~عيسى، وكم أغويت من رهبان، بما زخرفت من صلبان، وقد بلغني من جميع مسترقي ~~السمع وطن على أذني، ووعاه خاطري ووقر في ذهني، وأنا أشارفالتخوم واسارق ~~النجوم وأسابق الرجوم، إن لي أسماء تذكر في السماء منها الغيظ الرقبة، وشيخ ~~نجد وأزب العقبة، والمقيم في الدست البيضة، والغوي على نقض عهد بني قريظة، ~~والمحرض على أحد وبدر من الصناديد كل جليل القدر والمشهور في أحد بالندا، ~~والملقي العرب بالردة إلى الردى، وأنا المتسبب في قتل عمر وعثمان، وإهلاك ~~على أمير الشجعان، والغوي في وقعتي الجمل وصفين، والملقي الفتن بين جنود ~~المسلمين، وإن شري سرى إلى يزيد وفاض للحجاج والوليد، وبي تكثر البدع بين ~~الجماعات والجمع، ويظهر من الفتن ما يطن، ويغلب من التتار وأهل البوار ~~والخسار أنواع الشرور والجدال إلى حين يظهر الدجال، وتستمر هذه الأمور إلى ~~يوم البعث والنشور، وبالجملة والتفصيل أنا شيخ التكفير والتضليل، وتلك ~~صنعتي من الابتداء، وحرفتي إلى الانتهاء، ثم إنك نبعت في هذا الزمان، وظهرت ~~في هذا المكان، تريد أن تهدم ما بنيته، وتعوج بصلاحك ما بفسادي سويته، وترد ~~كلامي وتعاكسني في مرامي، وأنا كنت في قديم الزمان، من قبل أن توجد أنت في ~~هذا المكان ناديت بين بنيه وشهرت في ذوقه قولي: PageV01P070 كلوا واشربوا ~~وازنوا ولوطوا وقامروا ... وهيا اسرقوا وخوضوا والدما جهرا # ولا تتركوا شيئا من الفسق مهملا ... مصيركم عندي إلى الجنة الحمرا # وكانوا قد سمعوا وأجابوا وأطاعوا وأنابوا وشملي بهم منتظم، وأمري بتفريق ~~كلمتهم ملتئم، وأسهم مرامي المشومة نافذة في المشارق والمغارب، وسيوف ~~مناشري المسمومة قاطعة في الأعاجم والأعارب، كم لي في الأطراف والآفاق ~~والاكناف من قاض ونائب ومانع من الخير حاجب وأمير وصاحب، ووزير وكاتب، ~~ومشير وحاسب، وجليس ms115 ونديم، وتابع وخديم، وناظر وعامل، وناقص وكامل، وكم لي ~~من جابي منوط بتفريق قلوبهم وجمع سويدائها إلى بابي، وكم لي في المدارس ذو ~~وساوس، وفي الجوامع والبيع والصوامع من مذكر وواعظ وإمام وحافظ، ومقرئ ~~وعابد، وشيخ وزاهد، وكم لي في الزوايا من خبايا، وفي أصحاب الروايات من ~~درايات، وفقيه في النادي فاق الحاضر والبادي، يعلم في الشيطنة أولادي، وفي ~~البيلسة حفدتي وأجنادي، وأما سائر الفساق في الآفاق، وسكان الأسواق، وقطان ~~الجبال والرستاق، ورجال الحاري والأوراق، فكلهم لي عشاق وإلى ديني مشتاق، ~~وسل عني أرباب الحانات، وسكان الخانات، وبالجملة غالب الطوائف وأرباب ~~الوظائف على باب خدمتي واقف، وعلى طاعة مراسيمي ليلا ونهارا عاكف، مناي ~~مناهم، ورضاي رضاهم، وأن خالف بعض سري نجواهم إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وقليل ما هم، وأنت الآن جئت برايتك وسالوسك، وطامتك وناموسك تبدد ~~عني عساكري، وتشرد من بني الأنس عشائري، وتشتت جموعي، وتخلي من الفسق ~~والفساق ربوعي، من غير أن تشاورني، ولا تخبرني ولا تحاورني، ولا تبحث معي، ~~ولا تناظرني، وهاأنا قد جئت إليك، ونزلت كالقضاء المبرم عليك، أريد أن ~~أناظرك في أنواع من العلوم، وأسألك عن حقائقها من طريق المنطوق والمفهوم ~~بحضرة من الجن والأنس، وسائر نوع الحيوان والجنس، فيظهر إذ ذاك جهلك فينبذك ~~قومك وأهلك، ويتركك معتقدوك، ويتراجع عنك مريدوك، وأفسد بين العالم صيتك ~~وأتلفه فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه. PageV01P071 فلما وصل رسول ~~العفريت الكافر الصفريت إلى الشيخ العاد والعالم الزاهد الجاهد المجاهد ~~فعندما وقع نظر الشيخ عليه ووصلت سهام لحظاته إليه، كاد أن يذوب مالملح، ~~وأن لا يقوم الفساد للصلح، فبهت الذي كفر، وأخذته الدهشة والخور، وغلب عليه ~~الانبهار وكاد يحترق من الأنوار، واستولى عليه الرجيف، وسقط من الوجيف، فما ~~أبدى ولا أعاد ولا قام للصلاح ذلك الفساد. فقال له الشيخ مالك: وما أحالك ~~وغير حالك؟ وما موجب دخولك علي وأنت غير منسوب إلي؟ فقال: كف عني أنوارك ~~واطوعني أسرارك حتى أقول فإني رسول فمالي طاقة برؤيتك ولا سواغوما على ~~الرسول إلا ms116 البلاغ. فقال: رسول أي طغين وسيطان لعين. فقال: أنا رسول محبك ~~العفريت المشقوق الحوافر، الواسع المناخر، المسلوب المفاخر، أبي السعالى ~~الكافر العالي، قد أقبل إليك في جمع كثير، وعدد من الجن غزير، ومعه رؤوس ~~العفاريت والعتاة المصاليت، والطغاة المفاليت، وقد حملني إليك رسالة، تتضمن ~~من الخبث شجاعة وبسالة، إن شئت أديتها، وإن أبيت رديتها، فقال: قل ما تريد ~~وأبلغ ما معك عن ذلك العنيد وأوجز ما تقول، ولعن الله المرسل والرسول. ~~فأبلغ الرسالة وأداها وأسال في أوديتها مؤداها. فقال الزاهد وكان بالأحوال ~~خبيرا: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول ~~فدمرناها تدميرا. والله ما لكم شبه في هذا الكيد إلا الحمار في الوحل ~~والحمام في شبكة الصيد. قل لمرسلك أرى قدمك أراق دمك وهواك أهواك وأفعالك ~~أفعالك لم وسؤالك أسوا لك وخيالك أخبى لك فأولى لك أولى لك، ولعن الله أولى ~~لك لا شك أن الله تعالى أراد دماركم وأن يمحوا آثاركم ويخلي دياركم فتستريح ~~البلاد من فسادكم والعباد من عنادكم أما أنا فأذل الخلق وأحقر الداعين إلى ~~الحق، ولكن بعون الله وقدرته وإلهامه وقوته لي من اعلم والفضل ما أجيبه ~~ويقتله من خوفه به وجيبه وسيظهر في الجمع على رؤوس الأشهاد عويله ونحيبه ~~وسيبين اللع في سنن الخلق فروضه، ويكشف صحيح الحق ومريضه، وإذا أدعى بدعاوى ~~طويلة عريضة فإن الله تعالى قتل نمرود العاتي ببعوضة، يريدون ليطفئوا نور ~~الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. أما سمع ذلك الملعون، وعلم ~~الشقي المغبون، أنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما ~~سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون. فمتى أراد يحضر ويسير نفسه ~~وخصمه ويخبر ويصحب معه من يريد من كل جني عنيد وشيطان مريد فإن الحق يحق ~~فيبطل الباطل، ويتميز في حلبة السباق الحالي من العاطل، فرد هذا الجواب ~~الرسول، وكشف حقيقة المقول. ثم إن العفريت المخذول سأل الرسول عن أوضاع ~~الشيخ الزاهد وأحواله في المساجد والمشاهد وما شاهده ms117 من أموره وحكاياته ~~وحركاته وسكناته وأخلاقه ومعاملاته وكيف هيئته وصورته وما شاع عنه في قومه ~~من سيرته. فقال: رأيت رجلا سعيد الحركات كامل البركات صورته جميلة وأوصافه ~~نبيلة، وهيئته جليلة، بدنه نحيل وفضله عريض طويل، وكلامه الصادع في أمثالنا ~~ثقيل قاطع. فقذف الله في قلبه الفزع، وأخذته نوافض الرعب والهلع. فقال: أما ~~والله إن هذه الأوصاف لصعبة الأعراق والأعراف، وستطرحنا وراء جبل قاف وإنها ~~لسيمة الصلاح وعلامة الفوز والنجاح، وإنهم لهم المنصورون، وحزب الله هم ~~الغالبون، ولقد ندمت على مراسلته، وكان الأولى سلوك طريق مجاملته ولكن ~~الشروع ملزم ولابد أن أتم ما عليه أعزم، فواعده إلى وقت معلوم، ثم إنه أحضر ~~وأحضر معه من جنده كل جني ظلوم وعفريت غشوم، ومتمرد مشوم ومخلوق من قبل من ~~نار السموم. واجتمع من بني آدم عند الشيخ تلامذته وأصحابه الصالحون وجماعته ~~وكانوا الجم الغفير والجمع العزيز، واشترطوا بعدما خبطوا واختبطوا وحلوا ~~وارتبطوا أنه أن أجاب الشيخ سؤالات العفريت، وسرى في نارهم سريان النار في ~~الكبريت، لا يظهر بعد ذلك اليوم لبني آدم أحد من أولئك القوم بل يكونون عن ~~الأبصار مختفين وتحت الأرض في الجزائر والخرائب كزنادقة بغداد منتفين. وإن ~~عجز الشيخ عن جواب سؤاله يهلكه العفريت مع خيله ورجاله ثم شرع العفريت في ~~الرسائل، وإلقاء المسائل فقال العالم: على كم بالعرض والجسم وهل للعالم ~~موجد وهل هو واحد أو متعدد؟ فقال الزاهد الإمام العالم على ثلاثة أقسام ~~(الأول) مفردات العناصر كالتراب والماء والنار والهواء، وتسمى الإستقصاآت ~~PageV01P072 وأصول الكائنات والمركبات من هذه الأجزاء المفردة لا تستمر على ~~حالة واحدة ولا تخلو من حركة وانتقال ودأبها التغير من حال إلى حال(الثاني) ~~الأجرام العلوية كالسماوات وكواكبها المضية، وهي متحركة بالبروج ولحركتها ~~دائرة ما لها من مركزها خروج فهي متحركة من بعض الجهات ساكنة كالفصوص في ~~المرصعات وتوصف في حركتها بالصعود والهبوط والارتفاع والسقوط والرجوع ~~والإقبال واستقامة الحال والاحتراق والانصراف والانحطاط إلى الحضيض ~~والإشراف ويحكم عليها بالافتراق والاقتران والتربيع والتثليث والتسديس في ~~السيران والمقابلة في الرجعة ms118 وبطئ السير والسرعة وينسب إليها ما يحدث في ~~العالم السفلي من جزئي الوقائع والكلي ومن نحوسة وسعادة ونقص وزيادة وخير ~~وشر ونفع وضر وتأثر وتأثير وقليل وكثير وانحراف واعتدال وحدوث وزوال وصحة ~~وسقم وسكون وألم ووجود وعدم فبعض من لم يعرف الطريقة يسند هذه الأشياء على ~~الحقيقة، وذلك لقصور فهمه وقلة العقل كقول الجاهل أنبت الربيع البقل. وبعض ~~من لم يكن له إدراك يزعم أن هذا إشراك ولا يسند هذه الحوادث إليها ولا يعول ~~في ذلك أبدا عليها لا بالحقيقة ولا بالمجاز ولا يسلك في ذلك إلى طريقة ~~المجاز والمحققون من العلماء والراسخون في العلم من حكماء الفقهاء يسندون ~~هذه الحوادث والتأثير إلى قدرة اللطيف الخبير الصانع القدير الفاعل المختار ~~الذي يخلق ما يشاء ويختار فإذا نسبوا هذه الأفعال إلى غير ذي الجلال فإنما ~~يجعلونها في ذلك الباب كالآلات والأسباب كتأثير الخبز في الإشباع والنار في ~~الإحراق والإيجاع وكفعل الماء في الإرواء والدواء في الأدواء وإنما ذلك كله ~~بتقدير صانعها وما أودعه فيها من خواص بدائعها وصفات ودائعها كخاصية ~~الإسهال المودعة في السقمونيا وخواص التصبير وغيره الكامنة في الموميا ~~والإسكار في الخمر والإحراق في الجمر وقد رأينا القوة النامية عقيب الأمطار ~~الهامية والشمس حامية تهيج وتنمو وتموج وتزكو وهذا الصنيع البديع إذا حلت ~~الشمس في برج الحمل وقت الربيع وإذا نقلت إلى برج الأسد احترق ذلك الجسد ~~وعند نقلها إلى الميزان ينقلب هذا الزمان، وكذا إذا تحولت الغزالة إلى برج ~~الجدي فكأنه بلغ إلى محل الهدى فتموت إذ ذاك قوة الزمان، ويضعف لذلك غالب ~~الحيوان وهذا كله مشاهد محسوس لا يمكن أن تنكره النفوس خواص وضعها خالق ~~الكون، يستفاد بعضها من الطعم والريح واللون، وبعضها لا يدرك ما أودع فيه ~~الابارشاد خالقه ومنشيه، هكذا جرت سنة العزيز الوهاب أن الأحكام والوقائع ~~تناط بالأسباب، وقد يختلف منها الأثر عن المؤثر ليعلم من ذلك وجود سنة ~~القاهر المدبر وأنها مقهورة تحت الأمر ومقسورة فسر العقل مع الخمر ولولا أن ~~ذلك من سر ms119 جسيم لما تخلفت النار عن إحراق إبراهيم ولما ولدت مريم ولا أغرق ~~البحر القبط وأنجى بني إسرائيل وموسى وكم من آكل وهو جيعان وشارب وهو عطشان ~~ومتدثر يتدفأ بالنار وهو بردان والفلك الأعظم محيط بهذه الأجرام ونسبتها ~~إليه كنقطة للبحر الطام متأثرة بتأثيره دائرة بتدويره يتصرف فيها على حسب ~~ما شاء باريها وصرفه فيها منشيها فاطر السماوات والأرض جامع الخلائق ليوم ~~العرض وكما هي محاطة بالدائرة الفوقانية كذلك هي محيطة بالكرة لتحتانية ~~(القسم الثالث) العقول والنفوس الملكية وهي أشرف من الأجرام العلوية ومقام ~~هذه العقول في مقام عزيز الوصول يسمى أعلى عليين وجواهرها لا توصف بتحريك ~~ولا تسكن ولا بهذه البساطة والتركيب وأمرها بديع وشأنها عجيب وأما العرض ~~فما لا يقوم بذاته، وهو في العالم كالألوان والطعوم وأصواته والروائح ~~والقدر وإراداته وأما الجسم فما تركب من جوهرين فأكثر وما قام بنفسه يسمى ~~الجوهر (وأما) الموجد للعالم فهو واحد لا ينثني واحد لا يتجزأ ولو لم يكن ~~للعالم صانع لكان العالم أضيع ضائع وهل رأيت مصنوعا بلا صانع وسقفا مرفوعا ~~بلا رافع وهل نفي الصانع إلا مكابر. وما يجحده إلا النفوس الكافره فقال ~~العفريت: فما لدليل على وجود الصانع العقل والنقل أم أحدهما متبوع والآخر ~~تابع فقال العالم الزاهد: قد أطبقت العقلاء وأجمعت الحكماءأن العقل دليل ~~على وجود الصانع وبه الدلالة والشرع له تابع وكما هو الدليل على وجود الذات ~~كذلك هو الدليل المستقل على إثبات الصفات وهي صفات الكمال، ونعوت الجلال. ~~فقال العفريت: فما الدليل على وحدانيته PageV01P073 فقال الزاهد كل من ~~العقل والشرع كاف في دلالته. قال العفريت: فما المراد من عالم الكون ~~والفساد؟ فقال العالم: معرفة أمور المبدأ والمعاد. قال العفريت: فما أفضل ~~العقل أم النقل؟ فقال العالم: كل منهما حجة الله قد أسند له من عباد من ~~يراه وذلك إن الله لما أرشدنا إلى الدين القويم، وثبت أقدام توحيدنا على ~~الصراط المستقيم، نبهنا إلى أن المقصود من الدخول في دائرة الوجود معرفة ~~موجودنا المعود، كما قال من يقول ms120 للشيء كن فيكون، وما خلقت الجن والأنس إلا ~~ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ثم طلب مراضيه بما تبرز ~~به أوامره وتقتضيه وذلك هو الرشاد ياذا المكر والعناد إلى المعارف الإلهية ~~وما به نظام المعاش ونجاة المعاد وليس لنا دليل في العلم والتعريف سوى ~~طريقتين مرشدتين إلى التوقيف على أمور المبدأ والمعاد وما بينهما في دار ~~التكليف إحداهما ما جبلنا عليه وما اكتسبناه من العقل وثانيتهما ما بلغنا ~~من الأخبار الصحيحة والنقل فالعقل لا يدخل في إثبات المعارف الإلهية ولا في ~~هذا الباب المقدم من الأمور المعاشية والمعادية وهو حجة الله القاطعة ~~البالغة وأصل براهينه الساطعة الدامغة وبواسطته استعبد عباده الكملة وإلى ~~من خصه به أرسل رسله ثم العقل جوز إرسال الرسل ولا يرد ما تقوى به لتوضيح ~~السبل والنقل لا يأتي بما يناقض العقل وإنما يرد بما يزكي قضاياه وبصقل ~~مرائي أحكامه أحسن صقل ونظير ما حصل للعقل بالشرع من الاستئناس ما حصل ~~للكتاب من معاضدة السنة والإجماع والقياس ولو ورد المنقول بما يناقض ~~المعقول لأشبه فرعا يوجد ماله من أصول إذا أقبلت مواكب الأوامر الإلهية على ~~لسان الرسول خضعت جماجم العقول منقادة بزمام الانقياد والقبول سامعة لما ~~يرد منها مطيعة لما يصدر عنها فتارة يظهر للعقل ما للأوامر الشرعية من ~~الحكم كنار على علم وتارة يعجز عن الإطلاع على ما تضمنته الأحكام النقلية ~~من الحكم فإذا ورد الشرع بحكم وكان للعقل في حكمته إدراك آثره وأكده ~~واستمسك به في تصرفاته أقوى استمساك وإن لم يكن له في إدراكه مدخل نادي ~~بلسان العجز والتسليم سبحان من لا يسئل عما يفعل والحاصل أن سلطان العقول ~~في ممالك خليفة الشرع وولايته معزول ومن جملة ما ورد على لسان السمع على ~~لسان عدوك صاحب الشرع الصادق في المقال مما ليس للعقل فيه مجال أحوال ~~المعاد ومبدؤها ما يطرأ على العباد في حد هذا الكون من الفساد فقال العفريت ~~أخبرني يا ذا الإنسان مخلوق مماذا وما الآدمية والنفس الإنسانية ms121 وهل هي ~~واحدة أو متعددة ومآلها إلى أين بعد وقوع البين فقال العالم: الإنسان مخلوق ~~يا مصفعه من هذه العناصر الأربعة التي مر ذكرها وتبين أمرها التراب والماء ~~والنار والهواء فإذا تمازجت واعتدلت إذا تزاوجت حصل لها من التركيب أمزجة ~~ثمانية لا على الترتيب والآدمية عبارة عن القوة المميزة بين الحسن والقبيح ~~والفاسد والصحيح والحق والباطل والخالي والعاطل والخير والشر والنفع والضر ~~والمميزة لهذه الأشياء الفارقة، يقال لها النفس الناطقة وهي ثلاثة أنواع يا ~~خارج الطباع إحدها الروح الطبيعة القائمة بالكبد وهي من الأغذية تستمد ~~الثانية الروح الحيوانية ومقامها لقلب أي كلب وللأبد إن منها حراك ~~واستمدادها من حركات الأفلاك الثالثة لروح النفسانية ومقامها في الدماغ ~~ومنها الحركات الذهنية والقوة التامة القوية تطلب غذاءها الروح الطبيعية ~~والقوة المميزة تطلب ما يسعدها في الدارين من الروح النفسانية ويبعدها في ~~المقامين عن الأسباب الشقية واستمدادها وقوتها من الأجرام العلوية وأعلى ~~مقامات هذه النفس الحكمة والحكمة أوفى منحة وأوفر نعمة وقد قال تعالى يؤتي ~~الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقدأوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا ~~الألباب ومصير هذه الأرواح إلى عالم الغيب لأجل الثواب والعقاب وقيل حقيقة ~~نفس الإنسان أيها المارد الشيطان لطيفة روحانية ودقيقة ربانية لها تعلق ~~رباني بقلبه وقالبه الجسماني وهي المدركة العالمة العارفة الفاهمة بها ~~يتكلم الإنسان وتبصر العينان وتسمع الإذنان وتبطش اليدان وتمشي الرجلان وهي ~~المخاطبة والمعاتبة والمثابة المعاقبة والمطلوبة والمطالبة ويطلق عليها لفظ ~~القلب تارة ولفظ القلب تارة ولفظ الروح أخرى ويقال لها النفس مرة ولفظ ~~العقل أيضا وابن آدم هو المخصوص بهذه الكرامات PageV01P074 وبهذه النفس دون ~~سائر الحيوانات وإن كان يطلق على الجميع إن لها نفسا بالاشتراك لكن هذه ~~النفس الناطقة والنطق هو الإدراك واختلف أيضا وتحيرت الألباب في صنع رب ~~الأرباب وتاهت الأفكار والفطن في كيفية تعلقها بالبدن ولا يحصل لأحد على ~~هذا وقف إلا بطريق الولاية والكشف وهذه النفس لما كثرت صفاتها وتضادت ~~نعوتها تخالفت أوصافها وازداد في صفاتها اختلافها حتى قسموها فقالوا ms122 ~~أنواعها ثلاثة ناطقة وشهوانية وغضبية رضية فالناطقة مسكنها الدماغ ولها ~~مساغ والكبد مسكن الشهوانية والقلب مسكن الغضبية الرضية فأية نفس غلبت ~~أختيها جذبت أحوالهما وصفاتهما إليها، وهذه يا أتعس زوبعة كالعناصر الأربعة ~~فإنها إذا فسد مزاجها وعدل عن الاعتدال ازدواجها عسر علاجها واستحال إلى ~~المطلوب الطالب وعجز عن المعالجة الطابب ففسد البيان وانهدمت الأركان وقيل ~~هما روح ونفس بغير لبس وهما ضدان بل ندان لا يجتمعان ولا يرتفعان وطبع ~~النفس باللئيم طبعك طبع الشيطان الرجيم كالنار في جوهرها وخاصة عنصرها تنسب ~~إليها الصفات الذميمة والخلال غير المستقيمة كالجهل والغضب والحدة والصخب ~~واللؤم والسفه والطيش والشره والحمية والشهوة والقسوة المشؤومة والحيانة ~~والفجور وعدم الأمانة والترفع والرياء والمخاصمة والمراء وسائر الأخلاق ~~الذميمة والأوصاف المشؤومة الملومة والملكات الخبيثة الردية والحركات ~~الشيطانية فهي كالنار في إحراقها وحدتها واستشاطتها وشدتها ودخانها ولهيبها ~~وإهلاكها وتعذيبها وإقدامها في إعدامها وأكل ما تجده وما تصل إليه تفسده ~~وطلب العلو والغليان وطبع والغلو وطبع الروح يا أنحس مجروح طبع الماء في ~~النشور والنماء ينسب إليه كل خلق كريم وطبع سليم صافي الجوهر ما لامسه تطهر ~~شيمته الحياء والعلم والصدق والحلم والتفويض والتوكل والتسليم والتجمل ~~والاحتمال والأناة والصبر والموافاة والتودد والإسداء والسكون والإعطاء ~~والركون والبذل والرضا والفضل والحياء والعدل والتواضع والعفة وعدم الترفع ~~والخفة والسلامة والسهولة وسرعة الانقياد واللين والوداد والرقة والصفاء ~~والكرم وعدم الجفاء إلى سائر الأخلاق المحمودة والأوصاف المطلوبة المودودة ~~وأيتهما قويت غلبت وجذبت الأخرى إليها وسلبت وسيرتها على طبعها واستخدمتها ~~على ربعها فكم من شيطان يرى في صورة إنسان ومن إنسان غلبت عليه أخلاق الجان ~~ومن جان في صورة إنسان ونظير هذا الروح والبدن يدركه ذو العقل والفطن فإن ~~الروح من عالم نوراني لطيف سماوي والبدن من عالم ظلماني كثيف أرضي فأيهما ~~غلب على صاحبه جذبه إلى مركزه في جانبه قال الله تعالى وعز كمالا وجل جلالا ~~يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وقال جل عليا ورفعناه ~~مكانا عليا وقال ولو شئنا لرفعناه ms123 بها ولكنه أخلد إلى الأرض فالأنبياء ~~عليهم السلام صارت أجسادهم أرواحا والكفار مثلك صارت أنفسهم ظلمانية أشباحا ~~وقيل يا زوبعة الأنفس أربعة إمارة وهي نفس مثلك الكفار الطغاة ولوامة وهي ~~أنفس العصاة وملهمة وهي أنفس المخلصين ومطمئنة وهي أنفس الأنبياء والمقربين ~~والحق يا جاحده ما عي إلا نفس واحدةلكن لما تجلت في ملابس الصفات وتكثرت ~~لها الأخلاق والسمات نوعوها وبمقتضى التنويع فرعوها تنزيلا للتنويع بالصفات ~~منزلة التنويع في الذات فيقال كانت نفس هذا شيطانية فتاب فصارت رحمانية ~~وكانت نفس ذاك أبية فصارت دنية قال من براها ونفس وما سواها فألهمها فجورها ~~وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها قال العفريت أخبرني أيها الباصر ~~كيف تركيب هذه العناصر فقال الزاهد بحسب الخفة واللطافة والثقل والكثافة ~~ولما كان عنصر التراب أثقل كان ركد من غيره وأنزل ومن فوقه عنصر الماء وفوق ~~الماء عنصر الهواء ومن فوق هذه الثلاثة عناصر عنصر النار وهو بها محيط دائر ~~وكذلك كل عنصر محيط بما تحته وقد حققت هذا وعلمته قال العفريت أخبرني عن ~~أقرب الأشياء إليك قال العالم الأجل أقرب الأشياء الأجل قال أخبرني عن أبعد ~~الأشياء عنك قال العالم الأكبر ما لم بقسم ولم يقدر قال أخبرني عن الشيء ~~الممكن عوده قال الدولة إن زالت وتغيرن واستحالت يمكن ردها ولا يستحل عودها ~~قال أخبرني عن الشيء المستحيل عوده قال الشباب بغير شك ولا ارتياب قال ~~أخبرني عما لا يمكن بالاكتساب ولا ينال إلا بتوفيق الوهاب قال العقل ~~الغريزي فإنه PageV01P075 وهبي عزيزي قال أخبرني عما لا يمكن ضبطه ولا ~~ينضبط ربطه قال الدهر إذا ولى والسعد إذا تجلى قال أخبرني يا ذا الجد عن ~~الهزل الذي براديه الجد قال إبراز حكم الأمثال والآيات على لسان الحيوانات ~~والجمادات قال أخبرني عما لا يمكن الإحاطة به ولا الوقوف على معرفة كنهه ~~قال عظمة صانع الكائنات خالق الموجودات تعالى أن يحاط به علما وتقدس أن ~~تدرك عظمته معرفة وهما ولهذا قال سيد المرسلين وحبيب رب العالمين لا ms124 نحصي ~~ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وقال سبحانك ما عرفناك حق معرفتك وهذا ~~مصداق قوله تعالى وما قدروا الله حق قدره. فلما طالت المقاولة وانتهت إلى ~~هذا الكلام المجادلة أقبل الليل وحل بالعفريت وجنده الويل وتصدع المجلس ~~وقام العفريت وهو مبلس وتواعدوا إلى الصباح عند قول حي على الفلاح أن تجتمع ~~الوجوه الصباح لرد جواب الشياطين القباح فتفرقوا وقد أحاط بالعفريت لوهم ~~ونفذ في أحشائه من سهام الذل أقطع سهم وبات لا يقر له قرار ولا يأخذه ~~اصطبار وساوره الافتكار وثاوره الهم والدمار والغم والبوار: # إلى أن أضاء الصبح كالحق مقبلا ... وولى ظلام الليل كالجهل مدبرا # فاجتمع من كان بالأمس حاضرا ومن سمع بحضورهم ولم يكن ناظرا من جموع الأنس ~~والجن وطوائف الجن والبن وأخذ كل مقامه وابتدأ العفريت كلامه وقال ما منبع ~~الصفات الحميدة والشمائل السعيدة المار ذكرها القار أمرها وهي يا هذا نتيجة ~~ماذا؟ فقال العالم المحقق العامل المدقق هي ثمرة العقل القويم الهادي إلى ~~الصراط المستقيم. ويكفي العقل الشريف أنه مناط التكليف له الله يخاطب وبه ~~يثيب ويعاقب وبه يأخذ وبه يعطي وتابعه يصيب ولا يخطي وكلما كان العقل أتم ~~كانت محاسن الأخلاق أعم وكلما كان رأي العقل أصوب كان في اقتناء مكارم ~~الأخلاق أرغب قال العفريت: فهل هو نوع متحد أو طريقة متعدد؟ قال الشيخ: ~~العقل نوعان وحكمه واحد لا يختلف فيه اثنان أحدهما العقل الغريزي اللطيف، ~~وهو مناط التكليف يحدثه الرحمن ويتدرج إلى بلوغ الإنسان فيكمل أما بالسن أو ~~الاحتلام، ويجري عليه إذ ذاك قلم الأحكام ويدخل في حيز المخاطبين من ذوي ~~الأحلام ويترتب عليه الحساب والعقاب من الحلال والحرام والثاني يحصل ~~بالاكتساب والتجربة في كل باب ولهذا يقال أن الشيوخ أكمل عقلا من الشباب ~~وقيل من بيضت الحوادث سواد لمته وأخلقت التجارب لباس جدته وأرضعه الدهر من ~~وقائع الأيام إخلاف ذريته، وأراه الله تعالى لكثرة ممارسته تصاريف أقداره ~~وأقضيت كان جديرا برزانة العقل ورجاحته فهو في قومه بمنزلة النبي في أمته. ~~قال ms125 بعض الحكماءكفى بالتجارب تأدبا وبتقلب الأيام عظة وقالوا التجربة مرآة ~~العقل وقال: # ألم تر أن العقل زين لأهله ... ولكن تمام العقل طول التجارب PageV01P076 ~~(قال) العفريت فائدة العقل (قال العالم) فائدته الإرشاد في بيداء الجهالة ~~إلى جادة الرشاد والإعانة في الشدائد والوقوع في مصايد المكايد وحصول ~~الخلاص من شرك الاقتناص وإجابة الإغاثة عند الاستعانة والاستغاثة ومد ~~المعونة إذا انكسرت من الجبل السفينة في بحر الملامة والخلاص إلى بر ~~السلامة والإغناء من كنز السعادة والصبر عند استيلاء نوائب الفقر. قال فمن ~~العاقل في العالم ومن يطلق عليه هذا الاسم من بني آدم قال العالم: العاقل ~~من يحتمل إذا ضيم ومن هو في الغضب حليم فإذا أعطي شكر وإذا منع صبر ويعفو ~~إذا قدر ويستهين بأمور الدنيا ولا يغفل عن أمور الآخرة (قال العفريت) ما ~~الفائدة في حب الدنيا والرغبة إلى ما فيها من الأشيا ولأي معنى غلب الحرص ~~والهوى والرغبة فيها على أهلها وبنيها (قال العالم) لأجل قيام العالم ~~وانتظامه على المنهج الأقوم وبقائه المطلوب إلى الأجل المضروب الذي قدره ~~موجده القديم الذي أنشأه أول مرة وهو بكل خلق عليم ولابد من أن تتم كلمته ~~وتنفذ مشيئته ولولا الحرص والأمل لبطل العلم والعمل فإنهما لحجاب الغفلة ~~يغشيان أعين البصائر ويغطيان طرق الاستدلال والضمائر فلذلك ذهلت العقول عن ~~التأمل في العواقب واستغلت بالتهائها عما يجب عليها أن تراقب ولولا طول ~~الأمل لما رجي العمل ولما انتظم أمر المعاش ولا أهتم لادخار قوت ورياش ولا ~~افتكر صاحب اليوم في أحوال غد ولارتفعت المعاملات وما داين أحد ولا زرع ~~زارع ولا غرس غارس ولا بنى بان ولا اخضر يابس ولانقرض إذ ذاك ظلم العالم ~~وبانقراضه تنقرض أمور بني آدم (قال العفريت) أخبرني عن أصل الإنسان ومم ~~جوهره جوهر الملك والجان (قال) الشيخ أما جوهر الملك فمن العقل المحض براه ~~رب السماوات والأرض ولذلك لا يصدر من الملائكة إلا الشيم المباركة من ~~الطاعات لمولاهم والانقياد لأوامر من أنشاهم وامتثال ما أمر من أمر مروم ~~وما منا ms126 إلا له مقام معلوم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وأما ~~جوهر الجان وأصلك يا أخس شيطان فمن الأخلاق الذميمة والصفات المشومة فلهذا ~~لا يوجد منكم إلا المكر والبيلسة والشيطنة والوسوسة وأنحس بصفاتكم من صفة ~~ولم يكن بينكم وبين الحق معرفة فأنتم يا أنحس بغيض وأنجس نهيض مع الملائكة ~~في طرفي نقيض وأما جوهر الإنسان فما اشتملت عليه صفتا الملك والجان فمن غلب ~~عقله شهوته ألبس من مكارم الشيم خلعته واضمحلت ظلمات نفسه في أنواع الطاعة ~~وتجلت صفات ذاته من سنن الأبرار في جماعة وخط رسم اسمها قلم الكرام ~~الكاتبين كلا إن كتاب أبرار لفي عليين وما أدرك ما عليون كتاب مرقوم يشهده ~~المقربون فهو وإن كان بجسمانه مع الأنس له حضور وأنس لكن بسره في عالم ~~الملكوت حضرة القدس فهو بصفاته المباركة أشرف من الملائكة ومن غلبت شهوته ~~عقله واستولت على قلبه حجب الغفلة فانغمس في بحر الشهوات واستحوذتم أنتم ~~عليه بذميم الصفات وأشقاه القدر السابق ولم يعقكم عن التصرف فيه عائق فهو ~~بالنهار ساه وبالليل لاه استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب ~~الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون فهو أخسر من أرذل الحيوانات وأدنى ~~من أدك الجمادات فقد خاب مآبا وتعس انقلابا وبقول يوم القيامة يا ليتني كنت ~~ترابا (قال الراوي) فلما انتهى الكلام إلى هذا المقام أمسك العفريت عنانه ~~وأخرس الله لسانه وظهر فضل الزاهد وعلمه ووفور حكمه وفهمه وإنه أصاب فيما ~~أجاب ولزم العفريت ومن معه من الجن والعفاريت وطوائف المردة والشياطين ~~والعندة المتمردين وذوي الإبلاس والوسواس الخناس ما شرطوه على أنفسهم من ~~التخفي وعدم الظهور والتفرق في الخرائب والكفور فتفرقوا واختفواومصلمين ~~ومجدعين انتفوا وسكنوا الخرائب والحمامات والحانات والخانات فلم يظهروا بعد ~~ذلك للأنس وحصل منهم بذلك للأنس الأنس واستراحوا من مشاهدة طلعتهم القبيحة ~~واستمرت إلى يوم القيامة من تلك القبائح مستريحة. وهذا آخر الباب والله ~~أعلم بالصواب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~أجمعين. # الباب ms127 الخامس # في نوادر ملك السباع ونديمه أمير الثعالب وكبير الضباع PageV01P077 (قال) ~~الشيخ أبو المحاسن المرتوي من بحار الحكمة بماء غير آسن فلما أنهى الحكيم ~~هذا الباب العظيم عن عالم الإنس والشيطان الرجيم تنبه الملك لغزارة حكمه ~~فأفرغ عليه خلع إحسانه وكرمه وغمسه في غدير فضله ونعمه ثم أمر أن يقوي ~~الطباع ويذكر نوادر الوحوش والسباع لتنبسط النفس وترتاض وتتحلى بعقود عقيدة ~~هذه الأحماض فقبل أرض العبودية بشفاه الأدب وانتهض لأداء ما عليه من ~~المراسيم وجب وقال كان في بعض الغياض أسد رباض عظيم الصورة كريم السريرة ~~والسيرة وافي الحشمة عالي الهمة كثير الأسماء والألقاب عزيز الأصحاب كبير ~~بين الأمراء والحجاب والوزراء والنواب يدعى في جوانب مملكته وأطراف ولايته ~~بحيدرة وبيهس والدوكس والغضب والضرغام والعنبس والطيشار والهندس الغضنفر ~~والهرماس والغضبان وأبي العباس إلى سائر الأسماء والألقاب والكنى وكثرة ~~الأسماء تدل على شرف المسمى وهو مطاع في مماليكه وولاياته وأقاليمه مترشف ~~ثغور الامتثال بشفاه أمثلته ومراسيمه، وكان له ومن خواص الندماء وكبراء ~~الجلساء نديمان كندماني جذيمة يلازمان حضرته ويلجان حريمه أحدهما ثعلب يدعى ~~أبا نوفل والآخر ضبع يسمى أخا نهشل، طبعهما ظريف وشكلهما لطيف ومحاضرتهما ~~مرغوبة وصحبتهما مطلوبة. # وكان في خدمته دب هو وزيره ومعتمده ومشيره كافل أمور مملكته ومدبر مصالح ~~رعيته والملك مفوض أمور الرعية إليه ومعتمد لما يعلم من كفايته عليه ومشغول ~~ليلا ونهارا بمعاشرة نديميه فاتسع خيال الوزير وأخذ في مجال التفكير إلى ~~النديمين لكونهما ناصحين قديمين ربما يصدر منهما عند الملك ما يحط منزلته ~~ويفسدان للحسد الذي لم يخلو منه جسد صولته واستحوذ عليه هذا الخيال واتسع ~~في ميدانه المجال فكان خائفا على وظيفته ومنصبه مترقبا ومنهما ما يكون عزله ~~بسببه. فنشأ من ذلك في خاطره جساوة أورثته قساوة وجذبته إلى عداوة ووقر في ~~قلبه ذلك وتأكد وطال عليه من الدهر الأمد فكان يترقب لهما الفرص ليوقعهما ~~من الغصص في قفص ويسابقهما قبل انتيابه ويتغدى بهما قبل أن يتعشيا به ويقول ~~لا بد من تنظيف الطريق قبل حصول ms128 التعويق. # وقد أحسن من قال واتقن في المقال: # ومن لم يزح عن دربه الشوك قبل أن ... يطأه فلا يعتب إذا شاك رجليه # وأقل الأقسام أن يبعدهما عن حضرة الملك الهمام، فاتفق أن في بعض الأسحار ~~تجاذب الملك ونديماه أطراف الأسمار فأثر فيهم السهر لطيب السمر في ضوء ~~القمر وحلاوة ما جنوا منه من ثمر عاملين بما قيل: # متى ما أصادف من أحب بخلوة ... أصرح بما أرجوه منه متكتما # يقول فأصغي أو أبث فينثني ... ليسمع قولي كالمشوق المتيم # أسامره لا إن أمل حديثه ... وآمره كل الأمور سوى نم PageV01P078 فأخذت ~~الملك عيناه فاستند إلى متكاه فأنحل من طرفه وكاه فلم يتمالك أبو نوفل أن ~~ضحك لما غنت زمارة الملك فتنبه من ضحكه وتعجب من جرائته وفتكه ثم استمر ~~متناوما ينظر من يصدر منهما، فابتدره أخو نهشل وزجره فقال: ويلك ماذا رأيت ~~وأي عجب سمعت ووعيت حتى ترتبك في الضحك أما قرأت وفهمت وسمعت وعلمت أن ~~الضحك بلا سبب من قلة الأدب وإن الحشم وسائر الخدم ومن نادم الملوك وجالسهم ~~يحترم أمورهم ويعظم مجالسهم سواء غابوا أو حضروا ناموا أو سهروا قامواأو ~~قعدوا استيقظوا أو رقدوا وقد قيل رفع قلم الحساب والضبط والعتاب عن الصبي ~~والمجنون والعاشق والمفتون وكذلك السكران والنائم لا سيما السهران وعذر ~~النائم يا مسكين أعظم من عذر الباقين فإن النوم أخو الموت وفيه ما ليس في ~~غيره من الفوت وقد قال صاحب الشرع الذي زكى منه الأصل والفرع حفظه الله ~~بجنود الصلاة والسلام وحرسه يعتذر عن النائم وكاء السه وقال ذو الصدق ~~والتصديق رفع قلم التكليف عن النائم حتى يفيق وإنما اعتبر الشرع أحوال ~~النيام وساواهم في اليقظة صونا لبعض الأحكام في نحو من خمس وعشرين مسألة ~~ضبطها من الفقهاء الكملة ولقد طالعت في كتاب الأخلاق إن الله الكريم الخلاق ~~حيث جعل جنسا من الأمم في طبائع وصفات متساوي القدم فلا يعتب أحد أحدا ولا ~~يزدريه ولا ينقم عليه عيبا هو فيه وعلى الخصوص إذا صدر من الملوك شيء ms129 يعاب ~~فلا يحمل ذلك منهم إلا على الفضل والصواب وكل ما كان في غير الملوك معتبه ~~فإنه إذا صدر من الملوك يعد منقبه ويجب على من يجالس الملوك وكان له في ~~خدمتهم سلوك واختص بمحاضرتهم واستعد لمناظرتهم أن لا يبصر منهم إلا المحاسن ~~ولا يخبر عنهم إلا بالأحاسن وقد قيل من جالس الملوك بغير أدب حبسه فإنه ~~خاطر بروحه وعرض للبلاء نفسه وقال الله الأعظم في كتابه المحكم لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم: فاستقم كما أمرت. # ولهذا قال عليه السلام: شيبتني هود وأخواتها وما ساد العجم والعرب إلا ~~بسلوك طريق الأدب وقال عليه الصلاة والسلام: أدبني ربي فأحسن تأديبي، فقال ~~المغفل أبو نوفل إذا طهر القلب من الخيانة وعاملت اليد بالأمانة وتنقى ~~العرض من العيوب وكان اللسان غير كذب وزكت النفس بالحلم وعريت عن الجهل ~~بلباس العلم يصلح لها أن تسخر بكل أحد وتفخر على أكبر من يكون ولو أنه ~~الأسد وأنا إذا طار بهذه الصفات طيري فلا علي إذا ضحكت على غيري، فقال أخو ~~نهشل لا تقل ذلك لا واستعذ بالله من الجهل والخيلا وأعلم يا ذا الكرامات أن ~~الجاهل يعرف لثلاث علامات إحداها يا محبوب أن يرى نفسه عارية عن العيوب ~~الثانية يا رفيق الخير أن يرى نفسه أعلم من الغير الثالثة أن يرى أنه انتهى ~~في فنون العلم والنهى وبلغ أعلى المراتب وهذا أكبر المعايب وقالت الحكماء ~~إذا رأيت نفسك عارية عن العيوب وتصديت لتتبع عثرات الناس بالغيوب وفتشت عن ~~عيوبهم الجيوب فأنت حينئذ غارق في بحر العيوب وبالذي أنت طالبه مطلوب وانظر ~~يا ذا السكينة ماذا قاله الإمام مالك رضي الله تعالى عنه حبر المدينة ليكن ~~جل مطلوبك حرصك على تفقد عيوبك وقم بذلك عن نفسك وذاتك مقام حسادك ورقبائك ~~وعداتك وقال ذو هدى وقال سدى: # لكل فتى خرج من العيوب ممتلئ ... على كتفه منه ومن أهل دهره # فعين عيوب الناس نصب عيونه ... وعين عيوب النفس من خلف ظهره # فقال أبو نوفل صدقت ونصحت إذا نطقت ms130 فجزاك الله عني خيرا ووقاك شرا وضيرا ~~ولكن يا أخي وقعت هفوة على سبيل السهوة وحصلت على غفلة واللفظ عن غير نظر ~~كالسهم إذا رمى عن الوتر لا يمكن رده ولا وقوفه وصده كما قيل: # القول كاللبن المحلوب ليس له ... رد وكيف يرد الحالب اللبنا PageV01P079 ~~ولكن الذنب والاجترا إذا لم يشتهر إلا بتوجه عليهما العتاب ولا يستحق ~~مرتكبهما العقاب إذا استغفر وأناب وأنا وإن وقع مني الخطا آمن بحمد الله من ~~شر الجزا ومن المؤاخذة بالجريمة وإن كانت عاقبتها وخيمة لأنها بينك وبيني ~~وأنت بمنزلة روحي وعيني وفيقي وصاحبي ومراعي حقي وجانبي فسرى عندك مصون ~~وأمري عن الإشاعة مخزون وقد قال الحكماء ذو التجارب لا تودع السر إلا عند ~~صاحب صدوق صديق ومحب شفيق وأنت هو ذاك الموثوق فاطرحه سويداء قلبك في أسفل ~~الصندوقفإن استمر عندك ساكنا صرت وبال أمره آمنا ولا يبعد ذلك من شفقتك ~~وسابق صداقتك ووفائك بالمروة وقيامك بحقوق الأخوة وأسأل إحسانك أن تجيب ~~لصاحبك القديم مرجوة قال أخو نهشل أعجب لأبي نوفل كيف يغفل أما سمعت يا ~~عاقل قول القائل من علامات الجاهل أن يقرض ماله باللطف ثم يتقاضاه بالفظاظة ~~والعنف وأن يودع سره وخفاياه وأمره عند من يحتاج أن يتضرع إليه ويقسم في ~~إخفائه واكتتامه عليه ثم يحلفه أن لا يبديه ولا يذكره لأحد ولا ينهيه وقد ~~قالت الحكماء لا تودع أحدا سرا فإن فعلت فاتك السر لأن كتمانه قيدهم وعناء ~~وإبداءه كيد هلاك وبلاء وقد قيل: # وكل سر جاوز الاثنين شاع ... كل علم ليس في القرطاس ضاع # ولم يقصد بالاثنين إلا الشفتين وقال الشاعر: # إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق # (وقال أيضا): # لا تودعن ولا الجماد سريرة ... فمن الحجارة ما يسر وينطق # وإذا المحك أضاع سر أخ له ... وهو الجماد فمن به يستوثق # (وقال أيضا): # صن السر عن كل مستخبر ... وحاذر فما الحزم إلا الحذر # أسيرك سرك أن صنته ... وأنت أسر له إن ظهر # وكل ما تحرك به ms131 اللسان انتشر في الكون والمكان وناهيك يا تامر قضية ~~الحرامي مع الطامر قال أبو نوفل: كيف تلك يا أخا نهشل (قال) بلغني إن رجلا ~~من الحرامية واللصوص الكرارية كانت نفسه ذات الخيانة تحرضه على الدخول من ~~حواصل الملك إلى الخزانة وإنها رؤية الخزانة مشتاقة ولمعانقة فاسق التحرم ~~عشاقه وكان جاهدا في أن يعطيها من مناها ما يرضيها ولكن كانت نجوم احراس ~~بالرصد ولرجوع ذلك الشيطان كل بعد وكتم ذلك السر عن الإخوان ومضى عليه برهة ~~من الزمان وهو يكابد اكتتامه ويخاف من السوء ختامه والقدر كائن والكائن ~~حائن إلى أن طفح عليه ما قصد وغلا خمر سره في قلبه وقذف بالزبد فطلب صاحبا ~~يتلفظ به إليه ويعتمد في اكتتام سره عليه واختلافي حجرته فقرصه برغوث في ~~حنجرته فمد يده إليه وأفشى سره معتمدا عليه وقال في خاطره عند إفشاء سرائره ~~لا لهذا لسان يقدر على البيان وعلى تقدير أن لو كان فهو مثل ولدي تربى من ~~دم كبدي ولحم جسدي واطلع على عورتي فلا يقصد عترتي ولا يكشف سري ولا يهتك ~~ستري ثم أدنى فاه حتى وافاه وقال يا أبا طامر وكاتم السر في السرائر إني ~~عزمت كالمنهمك على الدخول إلى خزائن الملك لأستصفيها وآخذ ما فيها فاكتم ~~هذا السر عني وامصص ما شئت من الدم مني ثم طرحه في سراويله واستمر في نيته ~~على أباطيله ثم قصد في بعض الليالي ما كان يخلو به على التوالي ويرصده في ~~المكامن من الدخول إلى الخزائن فلاحت له فرصة فانتهزها واستعمل دقائق صنعه ~~وأبرزها وانتقل من ذلك إلى المبيت ولطئ تحت سرير الملك كالعفريت والملك ~~نائم فوق السرير على فراش الحرير معانق الظبي الغرير وخرزة التاج عند رأسه ~~فقد كأنها سراج متقد فقصد اللص أخذها واقتطاعها وفلذها فاسهل القوم إلى أن ~~استغرقوا في النوم وبينما هو متفكر فيما به إذ خرج البرغوث من ثيابه ودخل ~~إلى جسد السلطان وقص عليه بلسان القرص كل ما كان من شأن اللص فنهض الملك من ~~مرقده ms132 فرأى نقطة على جسده فطلب النور لينظر الأمور فرأى برغوثا طار ونزل ~~تحت السرير فقصوا أثره على المسير فوجدوا الحرامي الكسير فربطوه كالأسير ~~ووقع في الأمر العسير بالأمر اليسير فصار كما قيل: # مشى برجليه عمدا نحو مصرعه ... ليقضي الله أمرا كان مفعولا PageV01P080 ~~(وإنما أوردت هذا المثل) لتعلم يا أبا نوفل أن سرا في الفؤاد لا يؤمن عليه ~~الجماد فضلا عن متحرك منحيوان ونعوذ بالله إن كان من جنس الإنسان وقد قيل ~~للحيطان آذان ومن أمثال العجم الأوباش للديوان أكواش فلما انقضى هذا الكلام ~~وكان الأسد قد استوفاه على التمام وقد أثار في أحشائه لهبا نهض من مرقده ~~غضبا واستحال وتحرك وأمر بأبي نوفل فقبضوا عليه ووضعوا الغل ف رقبته ~~والسلاسل في يديه ورجليه وأمر إلى السجن برفعه بعد التنكيل به وصفعه فتشوش ~~خاطر صديقه وجليسه ورفيقه ثم انقض المجلس النظيم ودخل الملك إلى الحريم ~~فتوجه أخو نهشل إلى السجن المقفل ولأم صاحبه أبا نوفل وزاد في التعنيف وقال ~~أيها الأخ الظريف ألم تعلم أن الشخص إذا تكلم يضبط كلامه عليه ويعود محصول ~~ما يلفظ به إليه وقد قال الرب المجيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ~~وإن كثرة الكلام تضر بالنفس أكثر مما يضر بالبدن الطعام وكل هذا المصاب ~~إنما جاء من قبل الإعجاب وكثرة الكلام والغرور وعدم التأمل في عواقب الأمور ~~قال الشاعر: # ما أن ندمت على سكوتي مرة ... ولقد ندمت على الكلام مرارا # قال حكماء الهند وفضلاء السند ما دام الكلام في الفؤاد ولم يبد منه على ~~اللسان باد ولم يصب منه سائل حرف في صدفة الآذان أو وعاء الطرف فهو كالبنت ~~البكر المشهورة الذكر كل أحد يخطبها ويميل إليها ويطلبها ويتمنى أن يراها ~~ويترشف لساها فإن ألقى إلى المسامع ووعاه كل ناظر وسامع فهو كالعجوز الشوها ~~إذا سلوها وقلوها وهي تلازم صباحا ومساء ويفر منها الرجال والنساء ويحيد كل ~~أحد عنها فإذا تكلمت أسكتت وإذا سلمت أعرض عنها وقال بعض الحكماء اللسان ~~أسد وهو حارس ms133 الرأس والجسد إن حبسته حرسك وإن أطلقته حبسك وإن سلطته افترسك ~~وقالوا الكلام أسيرك ما لم تبده فإن تكلمت به فأنت أسيره قال بعض الحكماء ~~أنا على ما لم أقل أقدر مني على ما قلت وقال عيسى صلوات الله عليه العافية ~~عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا عن ذكر الله وواحد منها في ترك مجالسة ~~السفهاه وقال نبي الحرمين وإمام الثقلين صلوات الله وسلامه عليه الصمت حكمة ~~وقال عليه الصلاة والسلام البلاء موكل بالمنطق وقال الحكماء السكوت يسترعب ~~الجهل ويعظم حرمة الملوك ولقد آذيت نفسك وتسبب فيما أوجب حبسك وأقلقت ودودك ~~وأشمت حسودك ولقد كانت حصتي من بلائك ومما دهاني من شدة عنائك أعظم من كل ~~حصة وقصتي في ذلك أعجب من كل قصة إذ أنت رفيقي وزميلي وفي حضرة الملك ~~ومنادمته عديلي نشأنا على ذلك وسلكنا في الموافقة والمرافقة أقوم المسالك ~~وكنت المرحو لمخافي وأيابي في مطافي ومشتكى حزني ومشتفى شجني ومخزن أسراري ~~وأعظم أستاري وراوية أخباري في أحباري وراوية أسفاري في أسفاري ومن أين ~~ألقى مثلك وفيقا أو أجد صديقا شفيقا وأنت صاحب السراء ومصاحب الضراء وأنشد: # ومن أين ألقى بعد سبعين حجة ... رفيقا كمن أرضعته قهوة الصبا # أديبا أريبا لم أمل مقامه ... ولا ملني يوما حكيما مهذبا # ويعز علي ويعظم لدي أن أراك في هذه الحالة ثم أجرى سحائب دموعه الهطالة ~~وقال: # وما على الحر أنكى أن يرى حزنا ... في محنة ضاق عنها دونه الحيل # ولقد تحيرت في هذا الأمر المهول وما أدري قصاراه إلى ماذا يؤول وليلة ~~الغم الصراح عماذا يسفر فيها الصباح فأنكئ لذلك أبو نوفل وبكى وتضرع إلى ~~الله وشكا وقال يا أعز الأصحاب وأحب الأحباب لقد أثر عندي ما قلت من الكلام ~~أكثر مما أصابني من الآلام كيف يغتفر لأحد الجانبين ويطلق أحد القيدين وأني ~~يعتذر بالقضاء والقدر لإحدى الغصتين وهل شيء في عالم السكون والفساد جاء ~~خارجا عما قدره الله وأراد وكلنا في هذا سويه والعبد مقهور مع المنية ولكن ~~الجداد ms134 إذا أقبل ولاحظ بسعدهوتفضل فكل حركة تصدر من الغبي العاجز يعجز عن ~~مقاومتها البطل المبارز وكل قول يتفوه به الجاهل يدع دليل معانيه أدلة ~~العقلاء في مجاهل ومذاهل ودعاميص ذوي الآراء المنضبطة المناهل تلقى من ~~عقنقل الحيرة في مجاهلها مناهل فيصير كل وجه إليها مائل وكل إنسان بها قائل ~~وقوام كل سعد وقبول إليها قابل كما قيل: # وإذا السعادة لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان # واصطد بها العنقاء فهي حبائل ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان PageV01P081 ~~ونعوذ بالله من ليل السعد إذا أدبر وصبح الخمول إذا أسفر فإن اللبيب إذ ذاك ~~يخطئ ما كان يصيب ويفعل العاقل ما لا يرتضيه بأقل فيكون جهد النفس زيادة في ~~العكس: # وإذا تولى الجد يحتاج الذكي ... في رأيه قبل الزوال مراحا # وانقلاب الدهر وانعكاس الزمان شيمة معهودة وخصلة معدودة كما قيل: # ومن ذا الذي ما غره صرف دهره ... فأضحكه يوما ولم يبكه سنه # وأنا كنت غافلا وإن لم أكن جاهلا وقد يكون الشخص عما تحققه ذاهلا وذلك ~~لما كان عودني الزمان وألفته من سالف الدوران وإرخاء العنان ونيل الأماني ~~والأمان وأسبال ذيل النعم والإحسان الدائم والكرم فمشيت على ما كنت أعهده ~~وفي نفسي أجده وأيضا كانت لذة عشرتك ونعيم صحبتك وحسن موافقتك وعز مرافقتك ~~أنساني كل بليه وأمنت بذلك كل رزية فألهاني عن التنكد ودهتني غفلة عن ~~التوزع والتبدد مثل ما أصاب ذلك الهدهد قال أخو نهشل أسرد ذلك المثل (فقال) ~~ذكروا إن الله مجري الخير علم بعض عبيده الصلحا منطق الطير فصاحب منها ~~هدهدا وازداد ما بينهما توددا ففي بعض الأيام مر بالهدهد ذلك الإمام وهو في ~~مكان عال ملتفت إلى ناحية الشمال وهو مشغول بالتسبيح يسبح الله بلسانه ~~الفصيح فناداه يا صاحب التاج والقباء والديباج لا تقعد في هذا المكان فإنه ~~طريق كل فتان ومطروق كل صائد شيطان ومقعد أرباب البنادق ومرصد أصحاب ~~الجلاهق فقال الهدهد أني عرفت ذلك وإنه مسلك المهالك قال فلأي شيء عزمت على ~~القعود فيه مع علمك بما فيه ms135 من دواهيه قال أرى صببا وأظنه غويا نصب لي فخا ~~يروم لي فيه زخا وقد وقفت على مكايده وماصب مصايده وعرفت مكيدته أين هي ~~وإلى ماذا تنتهي وأنا أتفرج عليه وأتقدم بالضحك إليه وأتعجب من تضييع ~~أوقاته وتعطيل ساعاته فيما لا يعود عليه منه نفع ولا يفيده في قفاه سوى ~~الصفع وأسخر من حركاته وأنبه من يمر على خزعبلاته فتركه الرجل وذهب وقضى ~~حاجاته وانقلب فرأى الهدهد في يد الصبي يلعب به لعب الخلى بالشجى ولسان ~~حاله يلهج بمقاله: # كعصفوره في يد طفل يهينها ... تقاسي حياض الموت والطفل يلعب # فلا الطفل ذو عقل في يد طفل لحالها ... ولا الطير مطلوق الجناح فيهرب # فناداه وقال: يا أبا عباد كيف وقع في شرك الصياد وقلت لي أنك وعيت ورأيت ~~ما رأيت؟ فقال: أما سمعت أن الهدهد إذا نقر الأرض يعرف مسافة ما بينه وبين ~~الماء ولا يبصر شعرة الفخ وذلك لينفذ ما كتبه الله تعالى وقدره من قضائه ~~وقدره وناهيك في قضية القضاء والقدر قضية آدم أبي البشر مع موسى الكليم ~~عليهما الصلاة والتسليم لما جرت عليه أحكام القضاء والقدر فتمت مشيئة الله ~~تعالى السابقة في عمله وجرى ما لم تدركه عقول الفحول في ميدان إرادته من ~~سوابق حكمه وحكمته وأنشد الهدهد: # يا سائلي عما جرى ... والعين مبصرة القدر # أو ما سمعت بأن إذا ... جاء القضا عمى البصر # وقال أيضا: # إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر ... إن القضاء إن أتى يعمى البصر # واسمع أيها العاقل قول القائل: # إذا أراد الله أمرا لامرئ ... وكان ذا عقل وسمع وبصر # وحيلة يفعلها في دفع ما ... يأتي به محتوم أسباب القدر # أصم أذنيه وأعمى قلبه ... وسل منه عقله له سل الشعر # فلا تقل فيما جرى كيف جرى ... فكل شيء بقضاء وقدر # وأنا لما اغتررت بحدة بصري ذهلت عما يجول في فكري فتغطت حدة استبصاري ~~فوقعت في فخ غنراري أما سمعت يا همام قول الإمام إذا حلت المقادير ضلت ~~التدابير ثم قال أبو نوفل وقد أثر فيه ms136 كلام أخي نهشل: # دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... رداوني بالتي كانت هي الداء PageV01P082 ~~وإنما أوردت هذه الحكاية لتخفف عني ما في تقريعك وتوبيخك من نكاية وتعلم إن ~~الأمور كلها جلها وقلها جارية على وفق ما قضاه الله تعالى وقدره وأثبته في ~~سابق عمله في اللوح المحفوظ وسطره وإن كانت الأحكام في هذا الباب تضاف إلى ~~العلل والأسباب ولا شك في هذا ولا ارتياب فقد مر أن الذهول شغلني عن الفضل ~~بالفضول وإن العذر غير مقبول فإن الجهل لا يكون حجة ولا مخلص لسالك لا سوأ ~~المحجة وقد طال الكلام والحق بيدك والسلام وأما الآن فجل المقصود من لطفك ~~المعهود وبذل المجهود وتذكر سابق العهود وقديم الصداقة وأكيد المحبة ~~والعلاقة عطف الخواطر الملكية ورجوعها على ما كانت عليه من الصدقات السنية ~~والعواطف الملوكية وأقل الأقسام الخلاص من هذه البلية وعلمك قد أحاط بأوثق ~~مناط أني شخص وحيد بين ملازمي الخدمة فريد لم يكن لي أخ سواك وأنت مشتكاي ~~وأنا مشتكاك وهذا أو إن الفتوة وزمان المروة وعدم التخلي عن الإخوان ~~والانبعاث بالهمة الثابتة الأركان والسعي في خلاص الصاحب القديم من هذا ~~البلاء العظيم وأسألك بسالف الخدمة والمودة ذات القدمة أن لا تذكر ما سلف ~~من التقصير الموجب للتلف فإني معترف أني للذنب مقترف وأنشد: # جاوزت في اللوم حدا قد أضر به ... من حيث قدرت أن اللوم بنفعه # وإني إذا تفكرت وتصورت ما وقع إذا تذكرت وإن كان قد مضى يضيق بي الفضا ~~وأغرق في عرق الحيا وتسود في عيني الدنيا فكأنه في هذا القبيل عني قيل: # كأن فؤادي في مخالب طائر ... إذا ما ذكرت الحب يشتد بي قبضا PageV01P083 ~~وهذا القدر من الإعلان يكفي وأني أستحلي إذا مر بخاطري غصص حتفي ثم علا ~~زفيره وشهيقه وبدا من لهيب قلبه بريقه ومن وادي دمعه عقيقة حتى خيف عليه ~~غريقة وحربقه ورق له ورق له عدوه وصديقه وبكى لبكائه رفيقه قال أخو نهشل ~~اعلم أيها الأخ المفضل أني لم أقل ذاك الكلام للعدوان ms137 فضلا عن أيحاش قلب ~~وإيلام ولكن تألم حناني أجرى الله ذلك على لساني ولم يكمن لذلك الحديث باعث ~~ولا قصد عابث أو عائث ولكن صفو المحبة ووفور الصدق أوجبا التلفظ بذلك النطق ~~وكيف لا أدرك دقائق المعاني وأنالها من ثمار فضائلك جاني وأما بذل الاجتهاد ~~من أهل الوداد فهل يخطر ببالك غير ذلك ويأبى الله والأخلاق الكريمة وما ~~عملته من همة وشيمه وفواضل فضائل من موانح خصائلك اقتباستها ومطارف معارف ~~على منوال سحاياك نسجتها أن أتخلف عن التعلق بأهدابها وأغلق أبواب مقاصدها ~~في وجوه طلابها وأنا إن لم أبذل مجهودي وأصرف موجودي في مساعدة خلي وصديقي ~~وصاحبي ورفيقي بما تقتضيه المروءة والفتوة والصداقة القديمة والأخوة وإلا ~~فأي فائدة في وجودي لوالدي ومولودي وطارفي وتليدي وصديقي وودودي. وقد قيل ~~أربعة أشياء فرض عين في شريعة المروءة على المحبين وكذلك الإخوان وسائر ~~الصحاب والخلان الأولى المشاركة في النوائب وتعاطي دفعها من كل جانب الثاني ~~إذا ضل أحدهم عن طريق السداد يردونه إلى سبيل الرشاد ولا يتركونه على غير ~~الصواب بل يستلطفونه بألطف خطاب الثالث إذا صدر من أحدهم نوع جفاء يلاقونه ~~بالوفاء والصفا ولا يتركونه على شفا ولا ينسون الوفاء القديم بالجفاء ~~الحادث فربما يتفرع على ذلك ما يؤكده من العوائثالرابع لا يؤاخذون المقصر ~~في حال الغضب بل يرجئون عقوبته إلى أن يطفأ اللهب فربما يتعدى بواسطة الغضب ~~الحد فيقع بسبب ذلك بين لأصحاب نكد ثم أن أبا نوفل قال لأخي نهشل المبادرة ~~أولى إلى التلافي لئلا يسابق الجنود إلى تلافي وهذا المصاب إنما جاء بغتة ~~وأخذ قلوبنا وأسماعنا بهتة فاستعمل فكرك القويم وتوجه إلى التدارك بقلب ~~سليم فقال هاأنا أذهب على الفور لهذا المطلب النافع وأقوي العزيمة واجتهد ~~في دفع الموانع فأول ما ابتدئ بقصد الملك وانظر ما يصدر منه قولا وفعلا في ~~هذا الأمر المشتبك فأبني على ذلك ما يناسبه وأجاريه فيما يميل إليه خاطره ~~ولا أجاذبه ثم توجه إلى الأسد ودخل عليه فوجد الدب جالسا بين يديه وقد بلغه ms138 ~~قضية النديم وأنه حل به العذاب الأليم فاغتنم الفرصة وبادر ليتم على أبي ~~نوفل الغصة ويتعاطى في أمره قصة وخصة فأراد أخو نهشل أن يفتتح الكلام ثم ~~أفكر في أنه ربما يعاكسه الدب في المرام وأنه إذا قام في المناقضة لا يمكنه ~~مقابلته المعارضة وإن سكت فالسكوت رضا وإن وافق فعلى غير مراده مضى فأمسك ~~عن الكلام ورأى السكوت مقتضى المقام ثم أمعن النظر وأجال قداح الفكر فرأى ~~أنه إن انفصل المجلس من غير أن يفصح بشيء وينبس ربما يفوت المقصود أو ~~يسابقه بالمعاكسة عدو أو حسود لا سيما مثل الوزير الرفيع الخطير صاحب الرأي ~~والتدبير وهو عدو قديم وفي طرق الخزي نظيره عديم فإذا بادر بالكلام ربما ~~يقع منه فلتة بمقام كما قيل: # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا # فتلقاه الملك بقبول فيصول كما يختار في ميدان الفتك ويجول فتنعقد الأمور ~~وتتقصد وتنعقف الأخلاق الأسدية وتتعرد فرأى الأولى المبادرة بالكلام ~~والوقوف في مقام الشفاعة أنسب بالمقام فإن عارض أحد عرف أن جوهر كلامه عرض ~~ولا تصدى إلا لغرض وكان الملك قد سمع كلامه بعد معرفة سلامته وإلقائه على ~~أبي نوفل عذله وملامه وكلامه معه وينهمك مقبول وما لأحد عنه عدول، وكان ~~الدب منتظرا خروجه من عند الملك حتى يختلي بالكلام معه وينهمك فأدرك أخو ~~نهشل هذا المرام فوقف في مقام الدعاء وبادر بالكلام ثم قال بعد وظائف ~~الدعاء والقيام بما يجب من مراسيم الثناء العلوم الشريفة والآراء المنيفة ~~محيطة أن من عادة الملوك العظام وأخلاق السلاطين الكرام العفو عن الجرائم ~~والاغضاء عن العظائم لا سيما إذا صدر ذلك من أحد المخلصين والعبيد ~~المتخلصين على سبيل السهو والخطأ لا على سبيل العمد والأبترا: # من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسني فقط PageV01P084 وأن العبد الأقل ~~أبا نوفل الواقع في الخطر الخطير المعترف بالذنب والتقصير متوقع غفرها من ~~صدقات الحضرة الملوكية ومراحمها وما اعتاده من حملها الشامل ومكارمها ومحتم ~~على الملوك القيام بقبول الشفاعة دون سائر ms139 الخدم والجماعة خصوصا وقد كان ~~رفيقا نديما ومصاحبا قديما ولا يقصد المملوك بذلك الأسواق الحسنات الكثيفة ~~إلى دفائر الصدقات الشريفة وقصد الخير وذهاب الاسي والضير وانتشار صيتها في ~~الآفاق والأطراف بالعلم والحلم والعفور والصفح والفضل والعدل والألطاف فلان ~~الأسد جمن هذا الخطاب وعرف أن قصد الشافع من هذا إنما هو الثواب والصواب ~~فاطرق مليا ولم يحرمن الأجوبة شيا فتأثر الدب الخبيث والعد والقديم لهذا ~~الحديث وخاف أن يكون الكوت رضا وأن هو رضي يفوت منه المنى والأطراق علامة ~~الحلم والسكوت في الحرب دليل السلم ومن فوت الفرصة وقع في غصه ومتى بقع أبو ~~نوفل المختال في مثل هذا العقال وما أطراف مقال من قال: # وإن رأيت غراب البين في شرك ... فاذبح وكل وذر الأفراخ في عنقي # (وقد قيل): # إذا صارت أعداء نملا فانهم ... إذا لم تطأهم أصبحوا مثل الثعبان # وكم ذا يقاسي من أذاه وقرصه ... على ضعفه أن صار داخل آذانفانبرى وانبرم ~~وتصدى للمعاكسة ذلك البرم وغطى دسائس لؤمه بنقوش الكرم وقال أعلم أيها ~~النديم القديم ومن هو للملك أو في خديم أن الواجب على جميع الخدام أن ~~يكونوا في الصدق متساوي الأقدام ولا يقدموا على نصيج الملك غرضا ولا يطلبوا ~~سوى رضاه على النصيحة عرضا فلا يصادقوا الخائن ولا يصدقوا المائن ولا ~~يواطؤا الخاطي ولا المذنب المتعاطي ولو بالكلام الواطي ولا يخفوا الخيانة ~~والجنابه ولا يرعوا في ذلك أدنى الرعاية فساعد السارق سارق ومعاضد المارق ~~مارق والقيام مع الجاني جناية وإخفاء الخيانة نكاية وفي هذا الكلام كفاية ~~ومن اعتذر من حناية جان لا سيما أن كانت في حق ملك أو سلطان فهو شريك فيها ~~بل أعظم جرما من متعاطيها لأن عظم الجناية يا ذا الدراية إنما هو بحسب ~~المجني عليه وأن ذلك لوهن عائد إليه لا على مقدار الجاني وأنت لا تجهل هذه ~~المعاني ولهذا قال بعض أهل الافضال أن تعاطي الفساد يا ذا الرشاد ليس فيه ~~صغبره وأن كل ما يخالف الأمر كبيره وذلك بالنظر إلى الجناب الأقدس ms140 القاهر ~~تعالى وتقديس فقال أخو نهشل كلام مولانا الوزير هو المفضل وما أشار به هو ~~الصواب المعدل يا مولانا الوزير علمك الخطير خبير باننا كلنا محل الخطأ ~~والتقصير ولا يسع الكبير منا والصغير إلا الحلم الغزير والعفو عن كثير وقل ~~لي من هو البرئ عن الهفوة والذي لا يتوقع من مولانا الملك عفوه وأن لم تقع ~~الشفاعة في الجاني وذي الخلاعه ومخالف سنة الجماعة فالمحسن لا يحتاج إلى ~~شفاعه ومن لم يجير المكسور ويأخذ بيد المحقور فما يجد عند انكساره جابرا ~~ولا يؤخذ حين بيد حين يصير عاثرا وقد قيل من مثلك الفضيل وصاحب الأدب ~~الجزيل: # إذا أصبحت فينا ذا اقتدار ... وأمرك في رقاب الخلق جاري # أقل وأقبل عثارا واعتذارا ... فمن يقبل يقل عند العثار # فما زال الصغار ثروم عفوا ... وغفران الكبائر من كبار PageV01P085 وأحسن ~~العفو يا ذا السلوك عفو السلاطين والملوك لا سيما إذا عظم الجرم وكبر الأثم ~~فإن العفو إذ ذاك صادر من ملك ذي سلطان قادر مع قوة الباعث على المؤاخذة ~~والقدرة الشاملة النافذه وغير الملوك من العاجز والصعلوك عفوهم إنما هو عجز ~~خشيه أو لتمشية غرض مشيه والملوك إنما عنهم الخلال الحميدة والخصال الشريفة ~~السعيدة وإلا كابر يعفون والاصاغر يهفون وقد قسم الحكماء والحكام ما يقع من ~~الذنب والآثام أربعة أقسام فاسمع يا كبير هفوة وتقصير وخيانة ومكروه وحرروا ~~ذلك وضبطوه وذكروا لكل جزءا قروره فجزاء الهفوة العتاب وبه نطق الكتاب ~~وجزاء التقصير الملامه على ما أورث من ندامة وجزاء الخيانة العقوبة فإن في ~~ارتكابها للعاقل صعوبة وأعظم بعقابها مثوبة وما يرتكب المكروه إلا الغافل ~~المعتوه وجزاؤه أيضا بمثله وهذا على مقتضى العقل وعدله والذي صدر في سابق ~~القدر من المخلص أبي نوفل إنما هي هفوة بها زل وجزاؤه على هذا الحساب إنما ~~هو العقاب وقد استوفاه وزيادة وفي هذا لمولانا الملك الإرادة فإن شاء عاقب ~~على الذنب الصغير وإن شاء عفا عن الجرم الكبير والهفوة لا يكاد يسلم منها ~~الخواص فضلا عمن هو في شرك ms141 العبودية والأقتناص ولأن يؤثر الفضل عن الملك ~~وعلى طريق عفوه يسلك الدرب للستلك خير من أن يؤثر عنه لنفسه انتقام ويخلد ~~ذلك على صفحات الأيام ولا شك أن سيرة العفو والفضل أفضل من القصاص والعدل ~~وذلك هو اللائق بالحشمة والأوثق للحرمة والأجدر لناموس السلطنة والأبقى على ~~ممر الدهور والأزمنة وقد قال سيد المرسلين وحبيب رب العالمين ينادي مناد ~~يوم القيامة من كان له عند الله يد فليقم فلا يقوم إلا من عفا وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن العفو لا يزيد العبد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله ~~ولقد كان جماعة من عظماء الملوك والأكابر يبحثون عمن تعاطى الذنوب والأجرام ~~من الأصاغر لا سيما لمن يتعرض لذات الملك ونفسه ويستعين بطوائف على فساده ~~من أبناء جنسه فإذاقدروا عليهم وتلذذوا بالعفو والإحسان واستعفوا وحسبك يا ~~أبا جهينه ومن فضله أعذب مزينه واقعة ابن سليمان المخلدة على ممر الأزمان ~~وما تضمنت من مكارم الأخلاق التي تعطرت بها الآفاق فتوجه الأسد إليه ومال ~~وقال أخبرنا يا أخا نهشل كيف كان هذا المثال (قال) لها انتهت أيام بني أمية ~~وتطرزت خلع الأيام بأعلام الدولة العباسية وأشرق بطلعة أبي العباس السفاح ~~في ديار جير الدهر أيمن صباح بأحسن فلاح اختفت نجوم أفلاك بني أمية وكواكب ~~من بقي من تلك الزواهر المضيه وكان منهم إبراهيم ابن سليمان بن عبد الملك ~~بن مروان وجعل السفاح يتطلبهم ويرغب من يدري بهم ويرهبهم إلى أن ظهر ابن ~~سليمان وكان من أمره ما كان فحكى أنه كان بالحيرة مختفيا في هم وحيره قال ~~ففي بعض الأيام تراءت لي على سطح سواد أعلام فوقع في نفسي وغلب على حدسي ~~أنها قد جاءت لطلبي راغبة في عطبي فتنكرت في الحال واختفت وخرجت من الحيرة ~~وإلى الكوفة أتيت فدخلتها خائفا أترقب ولم يكن لي فيها مترصد ولا مترقب ولا ~~صديق أركن إليه ولا صاحب أعول عليه فصرت في تلك البلاد مثل المنشد ببغداد: # بغداد دار لآهل المال منعمة ... وللمفاليس دار الضنك والضيق ms142 # ظللت حيران أمشي في أزقتها ... كأنني مصحف في بيت زنديق PageV01P086 ~~فأداني المسير إلى باب كبير منظره جليل وداخله دهليز طويل ليس فيه أحد من ~~الحجاب والرصد فدخلت إليه وبه مكان فجلست عليه وإذا برجل جسيم الشكل وسيم ~~على فرس جواد مع طائفة من الأجناد فدخل إلى دهليز الباب وفي خدمته غلمانه ~~والأصحاب إلى أن نزل عن دابته وانفرد عن جماعته فلما رآني في وجيف ووجل قال ~~من الرجل فقلت خلالك الذم مختف على دم واستجرت بجوارك ونزلت في ديارك فقال ~~أجارك الله لا تخف من سواه ثم أدخلني في حجرة لطيفة تشتمل على أشياء ظريفة ~~قد جعلها مضيفة ينزلها كل من قصده جهله أو عرفه فمكثت عنده حولا أصول في ~~نعمه صولا ولا يسألني فعلا ولا قوة بل كان يركب من الأسحار وينزل إذا انتصف ~~النهار وذلك كل يوم لا تأخذه عن ذلك سنة ولا نوم فسألته في بعض الأيام ونحن ~~في أهنى مقام وقد صرت عيبة سره ومرآة قلبه وصدره عن ركوبه ونزوله وموجب ~~تنقله وحلوله فقال أن إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك بن مروان قتل أبي ~~صبرا وأورثني بذلك نكدا أو ضرا وأوهج في فؤادي لهبا وجمرا وقد دارت على بني ~~أمية الدوائر وبلغني بقتله من كربه فآخذ بثاري وأكشف عني عاري وأطفئ لهبي ~~وآخذ ثار أبي قال ابن سليمان فعجبت من قضاء الرحمن وكيف ساقتني أرجلي إلى ~~شبكة مقتلي وأمشاني القضاء برجلي إلى من هو دائر على قتلي فاستحييت منه ومن ~~الله وكرهت عند ذلك الحياة فسألته عن اسم أبيه لا تحقق ما يبديه وينهيه ~~فأخبرني فعرفته إني أنا قتلته فقلت يا هذا وجب على حقك وأنا غريمك ومسترقك ~~وقد قرب الله خطاك وأنا لك متمناك فقال وما ذاك فقلت أنا إبراهيم الذي على ~~طلبه تهيم وأنا قاتل أبيك فافعل بي ما يرضيك وخذ ثارك وأطفئ نارك فقال كأنه ~~طال بك الجفاء وأضر بك الاختفاء فأردت بالموت الخلاص واستندت لدعوى القصاص ~~فقلت لا والله الذي علم ms143 السر وأخفاه بل قلت الحق وفهت بالصدق وخلاص الذمة ~~في الأولى أخف من قصاص الأخرى وأولى أنا فعلت بأبيك الأذى في يوم كذا ومكان ~~كذا قال فلما علم ذلك مني وتحقق أنه صدر عني احرت عيناه وانتفخت شفتاه ~~وقامت عروقه ولمعت بروقه وأزبدت شدوقه وأطرق إلى الأرض وكاد يأكل بعضه ~~البعض وجعل يرجف ويرعد ويزأر كالأسد ويتململ كريشة تقلبها الريح في قاع ~~البلد واستمر على ذلك زمانا يتأمل فيما يفعله بي إساءة وإحسانا إلى أن سكنت ~~رعدته وبردت همته فأمنت سطوته وقهر جديسورته ثم أقبل على رفع رأسه إلي وقال ~~أما أنت فستلقى أبي غدا فيقتص له منك جبار السما وأما أنا فلا أخفر ذمتي ~~ولا أضيع جواري وحرمتي ولا يصل إليك مكر ومضى. ولكن قم واخرج عني فلست آمن ~~نفسي عليك ولا أقدر بعد اليوم أنظر إليك ثم دفع إلى ألف دينار وقال استعن ~~بها على ما تختار فلم آخذها ولا نظرت إليها وخرجت من داره ولم أعرج عليها ~~ولم أر أكرم من ذلك الرجل ولا أحلم ولا أعظم مكارم منه ولا أجسم. (وإنما ~~أوردت) هذه الحكاية وقى الله مولانا شر النكاية ليعلم أن الذنب الكبير ~~يستدعي العفو الكثير ممن قدره عظيم وحسبه جسيم ونسبه كريم كما قيل في محكم ~~الكتاب الحكيم: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي ~~بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ~~ذو حظ عظيم. فقال الوزير ناموس السلطنة وحشمتها وهيبة الملك وحرمتها له ~~شروط كل منها محرر مضبوط وبالمحافظة عليه محوط ولا بد من إقامة أركانها ~~وتشييد بنيانها ويجب الوفاء بها على المملوك والمالك ويفترض القيام بها على ~~سلاطين الممالك والإخلال برعايتها وهن في الولاية فلا غنى عن العمل بها ~~ورعايتها أحسن رعاية فمن ذلك أن لا يسامح جماعة ولا يغفل عنهم وعن كيدهم ~~ساعة فساعة ولا يركن إليهم في إقامة ولا سير حيث لا يصدر عنهم للملك ولا ~~للملكة خير فمنهم من ms144 يعزل الإنسان عن منصبه من غير وقوف لعزله عن سببه ~~ومنهم من يوالي أعداء الملك وهو ذو اجتراء منهمك ومنهم من يراعي مصلحة نفسه ~~ويقدمها على مصلحة مخدومته في حالتي رخائه وبأسه ومنهم من يفشي سره ولا ~~يراعي خيره وشره ومنهم من يتعرض لسقطه وغلطه لتغيير خاطره وسخطه ومنهم من ~~ينتقص حرمته وينتهك عظمته وحشمته ومنهم ذو الطبع اللئيم المفسد في الحريم ~~ولا شك أن أبا نوفل المهمل المغفل قد ارتكب بعض هذه الصفات وهو متلبس بأشنع ~~الحركات وهذا يدل على لؤم أصله وشؤم محله وسوء طوبته وفسداد نيته ومن أكرم ~~اللئيم فهو PageV01P087 الملوم وهذا أمر معلوم وقد قيل: # إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا # فقال أخو نهشل الفقير لا تقل ذلك أيها الوزير فإن أبا نوفل عبد خديم ~~ومخلص قديم وظريف نديم ومحب صديق وودود شفيق أمين ثقة ذو وفاء ومقه محب ~~ناصح وجليس صالح لم يعلم مولانا الملك عليه إلا الخير ولم يزل يسير في طريق ~~العبودية أحسن سير ولم يطلع منه على شيء يعينه ولا يشينه في الدارين ولا ~~يريبه بل هو ملازم لوظائف عبوديته مباشر لما يجب عليه من شرائط خدمته لم ~~يصدر أبدا غش لمخدومه ولا خروج عن امتثال أوامر مرسومه فإن منه هفوة نادرة ~~أو سهوة بادره أو جفوة سادره فحلم مولانا الملك لا يقتضي بل ولا يرتضي ~~إطراح هذه الأوصاف المتعاضد لأجل هذه الزلة الواحدة كما قيل: # فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا ... فأفعاله اللاتي سررن ألوف # مع أنه حصل له من كسر الخاطر وإحراق القلب وإغراق الجفن الماطر ما لا ~~يجبره إلا العواطف السلطانية والمراحم الشريفة الملوكية ونظرة من الحنو ~~والعطف وذرة من الشفقة واللطف تكفيه ومن أليم الجفاء تنجيه وبعد شدة الممات ~~تحييه وإلا فلا نعرف أحدا يجبر كسر ذلك الوهن أبدا إلا الآلاء السلطانية من ~~يد العلو تعالى مقامها إلى درجات السمو والعطف والحنو ثم عطف على الدب وقد ~~حفر لإيقاعه الجب وقال أما أنا مع ms145 قلة البضاعة واحتقار مقامي بين الجماعة ~~فقد أقمت نفسي لما وجب عليها في مقام الشفاعة فلا أقصر فيها ولا أرجع عنها ~~ومن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها وأسال صدقات مولانا أبي اللماس ~~المساعدة في إنجاز هذا الالتماس وأن يكون هذا شريكا لي في إحراز هذا الجعل ~~والوصول إلى أنواع الفضل من هذا الفصل فإنه يرد عنا فئة ومن يشفع شفاعة ~~سيئة وأرجو من وزير الممالك أن لا يقع منه مخالفة في ذلك فإن من سكن الكرم ~~في ربعة لا يصدر منه ما يلبق بكرم طبعه اللئيم بتكلفبل يحسد عليه ويتأسف ~~إذا شرع في مكارم الأخلاق وتعاطى فيها ما لم يقسمه له مقسم الأرزاق ترى ~~وجوه محاسنها في مكانها تتستر منه بانقاب النشوز وأبكار خدورها في قصورها ~~تتراءى لعينه في صورة شوهاء عجوز فلا يطاوعه لسانه في طيب المقام إلى طيب ~~المقال ولا يبعثه جنانه إلى مباشرة حسن الفعال فيصير كما قيل: # يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل # والناس على دين ملوكهم سالكون طريق سلوكهم وحيث كان مولانا الملك مجبولا ~~على الشفقة الكاملة والمراحم الشاملة فكلنا يجب على ذمتنا ويلزم دائرة ~~همتنا أن نتخلق بإخلافه العلية ونتشبث بأهداب شمائلها الرضية ونتعاون جميعا ~~على التزين بملابسة ملابسها البهية ونستضيء بل نهتدي في دياجير المعاش ~~بدراري أفلاك صفاتها الزكية فإن العبد فيما يتعاناه مجبول من طينة مولاه ~~وإن الله جل وعلا لا يضيع أجر من أحسن عملا قال فالجم الدب ذو الساقطة بما ~~فعله من المغالطة ثم أمسكوا عن الكلام وانتظروا ما يصدر من الضرغام فلم يبد ~~خطابا ولا أنهى جوابا سوى أن قال صلوا في الرحال ولا تبدوا ولا تعيدوا ولا ~~تنقصوا في هذه القضية ولا تزيدوا حتى أمعن فيها النظر واستشير فيها مشير ~~الفكر فمهما أشار إليه الرأي وأرشد إلى اتباعه الهدى فيما يتعلق بحاله ~~تقدمت إليكم بامتثاله فلما انصرفوا توجه أخو نهشل إلى الحبس وذكر لأخيه ما ~~جرى بينه وبين ذلك النحس ثم قال: أبشر بالنجاح ms146 والفلاح والصلاح فقد رأيت في ~~جبين الفوز نور صباح ولا شك أن الله الغفور يجري على يدي ولساني من الأمور ~~ما يجلب السرور ويذهب الشرور فكن أوثق سبور وإن حصل في الطريق عقبة تعويق ~~فلا يكن في صدرك حرج فإن وراءها باب الفرج فإن الظفر مقرون بالصبر والصبر ~~مشفوع باليسر وقد أجاد صاحب الإنشاد: # أصبر على ما جرى من سابق قدما ... فمركب الصبر بالإمهال تلحفه ~~PageV01P088 فشكر له جميل سعيه ثم عرض على مشير وعيه فقال: كنت أرى إن هذه ~~القضية تؤخر ويرجا السعي في أمرها ولا يذكر وسبب ذلك أن الطالع قد أدبر ~~والحظ عن المساعدة قد تأخر وإذا تحرك الشخص والسعد ساكن وتبسم الدهر والزهر ~~باك وطلب شكر مسالمته وهو شاك فهو كقاطع البحر بالمراكن والباني على ثبجه ~~أماكن لا يصلح له عمل ولا ينجح له أمل فيشبه إذ ذاك الحمار المعصوب العينين ~~في المدار يقطع بالمسير زمانه ولا يفارق مكانه كذلك من يتعاطى الأعمال ~~والسعد غير عمال فلا يستفيد إلا التعويق والتبعيد ففي تلك الحال ينبغي ~~الإمهال لا الإهمال إلى أن يتوجه السعد بالإقبال فعند ذلك مد الشباك وصيد ~~السماك فإن السعد أتاك والدهر واتاك وناهيك قصة كسرى القديم مع وزيره ~~بزرجمهر الحكيم فسأل أخا نهشل بيان ما نقل من المثل أخوه أبو نوفل (فقال) ~~بلغني أن كسرى أراد التنزه فثنى إلى حديقة عنان التوجه وطلب الحكيم بزرجمهر ~~وجلسا تحت دوحة زهر على بركة ماء أصفى من دموع العشاق وأنقى من قلوب ~~الحكماء ثم طلب طائفة من البط لتلعب قدامه في البركة وتنغط وجعل ينادم ~~وزيره ويتلقف منه حكمه المنيره ويتعرج على البط وهو يلعب ويتأمل في أنواع ~~حكم الصانع الخاتم من أصبعه وهو ساه وشاهد بزرجمهر هذا الأمر فما أبداه ولا ~~أنهاه فالتقمته بطة وغطت في الماء غطة وكان فيه فص ثمين وكسرى به من ~~المغرمين فلما سود قلم الاقتدار بياض النهار وأكمل مشقة على قرطاس الأقطار ~~أذن كسرى للوزير بالانصراف وقد أسبغ عليه خلع الأنعام والإسعاف ms147 ودخل كسرى ~~إلى الحرم وافتقد من أصبعه الخاتم فلم يتذكر ما جرى له ولا وقف على كيفية ~~هذه الحالة فأرسل يطلب الوزير البارع وسأل منه عن خاتمة الصائغ وكان الوزير ~~قد نظر في الطالع فرأى أن الكلام فيأمر الخاتم غير نافع فلو تكلم بصورة ~~الواقع ذبح جميع البط وما وجد لأن الطالع مانع فكتم أمره وكلمه بكلام ~~الحقيقة الحد جامع مانع ثم أنصرف وذهب واستمر كسرى على الطلب ولم يزل ~~بزرجمهر يراقب الأوقات وينظر في أحوال الساعات إلى أن استقام الطالع وزال ~~من السعد المانع وتيمن الفال وحسن البال وحال الوبال فتوجه بزرجمهر إلى ~~خدمة مخدومه وأخبره بما كان مخفيا من أمر الخاتم في جيب مكتومه وأنه سقط من ~~أصبعه وهو على البركة في موضعه فبادرت بطة إلى الغطة فاختطفته وابتلعته بعد ~~ما التقمته فأحضروا البط جميعه وذبحوا من عرضة واحدة بديعة فوجدوا الخاتم ~~في حشاها ولم تحوج إلى ذبح سواها ثم سأل كسرى الحكيم الأديب لم لم يخبره ~~بهذا الأمر الغريب في أول وقوعه وصدوره وما موجب تأخيره فقال: كان إذ ذاك ~~الجد في انعكاس والسعد في انتكاس والطالع في سقوط والنجم في هبوط وأما الآن ~~فالطالع واستقام والسعد كالخادم أقام ونجم السعود قد حال عنه الهبوط ~~والوبال وفي استقامة السعد وإقباله من بعد يفعل الشخص ما شا فالدهر معه جار ~~سواء جاري أو ماشي (وإنما أوردت) هذا النظير لتعلم أن معاندة التقدير أمر ~~خطير وخطب عسير فربما يفرغ الإنسان جهده في المبالغة ويكون الأمر فيه ~~ممانعة ومراودة فينعكس المرام ولم يحصل سوى إضاعة أيام ولم أذكر هذه ~~المفاوضة إلا على سبيل العرض لا المعارضة لما علم منك من وفور الفضيلة وإن ~~مقاصدك على كل حال جميلة فقال أخو نهشل الأمر كما زعمت وأشرت به ورسمت ولكن ~~خشيت أن لم أبادر يسبقني عدوة غادر أو حسود ماكر أو مبغض مكابر فينهى ~~المسامع ما ليس بواقع فلم نشعر أيها البطل إلا وقد ولج قلب الملك أنواع من ~~مكر ودخل فيصير ms148 كما قيل: # أناني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا PageV01P089 ~~لا سيما وقد تقرر في الأمثال عند غالب الرجال أن الدعوى لمن سبق لا لمن صدق ~~وبالجملة يا أبا عويله إذا كانت مقاصد الشخص جميلة فإن الله تعالى ينجحها ~~ولا يفضحها ويدبرها ولا يدمرها وإن كان في الظاهر وعند البادي والحاضر يظهر ~~في بعض القضايا نوع هم وغم لكن ذاك السر لم يطلع عليه إلا مدبر العالم وإذا ~~فوض الشخص الأمور إلى العزيز الغفور الذي هو مدبر الطالع والغارب وفي ~~الحقيقة رب المشارق والمغارب وعلم أن مقاليد الأمور بيد تدبيره وإن ملوك ~~الأرض تحت تصريف تقديره وتسخيره استراح في كل المطالع وأخلص التوكل فنجاه ~~الله من كل الوقائع وأوصله إلى ما رام من المطامع (وحسبك) قضية الناصح ~~الأستاذ الأمين الدمشقي مع الخائن جاسوس بغداد وهي طويلة طائلة في مجلدة ~~كاملة وأيضا لم أبادر بمفاتحة السلطان في أمرك يا أعز الإخوان إلا لئلا ~~أنسب إلى نهاون وتوان وما من شروط المروة والصداقة والأخوة أن يتخلف الفطن ~~في مثل هذا الموطن عن مساعدة الأصحاب ومعاونة الأحباب لا سيما صديق مثلك ~~وحبيب متسم بفضلك وإني لا أدع من أنواع الاجتهاد وما يحسن ببالي في الإصدار ~~والإيراد شيئا إلا فعلته ولا أمر إلا قدمته ولا فكر إلا استعملته ولو بذات ~~في ذلك روحي ومالي وخيلي ورجالي وإني مباكر باب الملك وملازمه كأحسن من سدك ~~فإن رايته مكرما مقامي مصغيا إلى كلامي خاطبته بما يليق وسلكت في الشفاعة ~~وحلو العبارة أوضح طريق وإن شاهدت في خلقه شكاسه وفي طبعه شراسة وصعوبة ~~وشماسة سلكت سبيل حسن السياسة وفي الجملة استعمل علم الفراسة وفي كل حكم ~~نظيرة وقياسة وأستعين بالأقرباء والأولاد وأغالط المناقض والمعارض من ~~الأعداء وأقصد النحج وأراقبه وارتقب السعد وأخاطبه وأسلك مع كل أحد ما ~~يناسبه فالعدو أقتله والحسود أختله والعذول أفتله والمحب أحتله والمبغض ~~أبتله ومن تصلب في المدافعة أمثلة إلى أن ينقضي هذا الأمر وينطفي منه الجمر ~~ويقبل مبشر الأماني بالطبل ms149 والزمر ثم أنه بات مفكرا وبادر إلى الصباح مبكرا ~~وأم أبواب السلطان قبل سائر الخدم والأعوانفوجد الدب قد سبقه وجلس من عين ~~المكروه في الحدقة وقد فوق سهم الكبد وصوبه إلى شاكلة الصد ولم يبق إلا ~~إطلاقه ليشد من المرمى وثاقه فقبل النديم الأرض وأعلن سلامه وقطع على أبي ~~حميد كلامه وعارض ملامه وناقص مرامه وقال أدام الله أيام السعادة وأعوام ~~الحسنى وزيادة المستمدة من بقاء مولانا السلطان وعمر دهره المخلد على تعاقب ~~الزمان وأطأ قمم الأمم مواطئ قدمه وأطاب بطيب حياته معايش عبيده وخدمه كانت ~~المواعيد الشريفة والآراء المنيفة سبقت بالتأمل في أمر عبدها القديم ~~وخديمها الفقير النديم وجالب سرورها أبو نوفل النديم مع ما كان لائحا وعلى ~~صفحات الرضا واضحة من شمائل الأخلاق الملوكية ومكارم الشيم السلطانية إن ~~مراحمها ستأخذ بيد العائر وتقبل عثرته بحسن المآثر بحيث يشرح الحاسر ويربح ~~الخاسر والمملوك يسأل مراحمها ويرجو مكارمها أن لا تخيب ظنه وأن تجبر ~~بتحقيق ظنه وهنه وأن تجري مماليكها وعبيدها على ما عودها من الصدقات قديمها ~~وجديدها ثم أنشد وإلى الرضا أرشد: # أرجو بالعباس أن يروي لنا ... عن ثغرة الضحاك نورا يقتبس # فأقرأ تبسم ضاحكا من قولها ... متهللا نحوي ولا تقرأ عبس PageV01P090 ~~فتبسم أبو العباس ابتسامة ظهرت منها للرضا علامة فاشتعل الدب من القيظ وكاد ~~يتمزق من الغيظ وعلم أن عقد أمره انفرط ونجم سعده من فلك السعد سقط وأنه لم ~~يكتسب من مكايد القساوة إلا هاتيك العداوة وانكشف عند مالكه ما وطاه من ~~مغطى وقرأ كل أحد حديث ذلك الموطأ وغلب عليه الوجد في الحال فخرج عن دائرة ~~الاعتدال وسكر من خمرة العداوة فطفح وعربد وشطح فقال: كل من ستر على أعداء ~~الملك فهو في الخيانة والجناية مشترك وكل من شفع في الجاني فهو في قيد ~~العصيان عاني بل هو أشد من المباشر إذ هو معاشر للمتعاطي ومكاثر والإبقاء ~~على المعصية شر منها والرضا بكفر الكافر فتنة يفر عنها وما أظنك أيها ~~النديم العارف القديم لمعرفة هذا القدر ms150 عديم فإن أبيت إلا الإصرار ومساعدة ~~الفجار ومعاونة الأشرار فأنت حينئذ مستخف لهيبة ولي نعمتك مستنقص حرمة مالك ~~رقبتك طالب لابتذاله مستهين بمقام جلاله راض بتسليط الأنذال والأوغاد ~~الأراذل على انتهاك حرمته وابتكاك أستار حشمته ونحن لا نرضى بذاء الذمامة ~~ولا كيد للمخالف ولا كرامة فعند ذلك استشاط الغضنفر وتأثر لكلام الوزير ~~وتغير وزأر وهمر وزفر زفرة وزمجر وكاد أن يثب على أبي جمهر ثم أنه تماسك ~~وتناسى الغدر وتناسك وقال يا أبا سلمة كبرت كلمه غيمة الأصحاب والنميمة بين ~~الأحباب وساءت حركة وبئست ملكه تناسى الحقوق وتحاسى العقوق وإطراح جانب ~~الصديق الصدوق والرفيق الشفوق وإضاعة خدمة الخديم لا سيما النديم القديم ~~ولم تزل الأصاغر تستمطر مراحم الرؤساء والأكابر ولم تبرح الملوك تعطف على ~~مسكينها الصعلوك أنسيت ما قلت لك في حقيقة من ملك وهو: # ليس المليك الذي تشقى رعيته ... وإنما الملك مولى يحفظ الخدما # وأيضا لم تزل الأصحاب تساعد أصحابها وتستعطف عليها ملوكها وأربابها وترفع ~~بحسن السفارة من ستائر الدهشة حجابها ويثبتون بذلك الأجر العظيم والثواب ~~الجسيم والثناء العاجل والجزاء الآجل في صحائف مخاديمهم ويعدون ذلك أربح ~~معاليمهم ويبذلون في ذلك الجهد ويبلغون فيه غاية الكد وذلك مما يجب عليهم ~~ويتقدم بالمحافظة عليه إليهم كما قيل: # يستعطفون الأكابر # يستعبدون الأساغر # يحبون رسم الأوائل # يعملون الأواخر # وأي فائدة واستفادة أيها الوزير أبا قتادة في رعية ملك لا تتفق قلوبهم ~~ولا تستر بينهم عيوبهم ولا تطهر بالصفاء جيوبهم ولا تتجافى عن مضاجع الجفاء ~~جنوبهم ولا يتساوى في الوفاء حضورهموغيوبهم تراهم في الغيبة يفت بعضهم بعضا ~~فتا ويرعون لحومهم قتا كبهائم لاقت في مرعاها قتا وفي الحضور تحسبهم جميعا ~~وقلوبهم شتى ثم إن كان أخو نهشل يساعد أخاه أبا نوفل فذاك شيء يجب عليه ~~ويندب فإنه صاحبه القديم وجليسه القويم وإن تخلى عنه فماذا يرجى منه وحجر ~~النوائب هو محك الأصحاب وجمر المصائب يظهر من تبر الصداقة اللباب وقد قام ~~في هذه النوائب بعدة أشياء كلها عليه واجب أولها القيام بحق أخيه ms151 والسعي في ~~خلاصه من هذا الأمر الكريه ثانيها ساق إلى صحائفي الحسنات وقصد لي رفع ~~الدرجات ثالثها طلب رضا خاطري وما يشرح صدري ويسر سرائري رابعها مباعدتي عن ~~الآثام وخلاص ذمتي من الوقوع في الحرام فربما يحملني العنود والخلق الشرود ~~على التعدي في الحدود خامسها اشتهار أسمي بالفضل وعدم المؤاخذة بالعدل ~~فيشيع في الآفاق عني مكارم الأخلاق سادسها انتشار صيتي بحسن الوفاء بحقوق ~~الإخوان وعدم الجفاء سابعها أنه غرس في قلوب الأماثل محبته وزرع في أوراح ~~الأفاضل مودته وإن كان صدر من أبى نوفل ما صدر فإنه اعترف بالذنب وعنه ~~اعتذر فنعمل معه بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر كما قيل: # اقبل معاذير من يأتيك معتذرا ... إن بر عندك فيما قال أو فجرا # فقد أطاعك من أرضاك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا PageV01P091 ولو ~~بلغت هذه الحكاية غاية الشر ونهاية النكاية ماندني واقعة الملك الصافح عن ~~عدوه المؤذي السافح فقبل الدب الأرض وقام في مقام العرض وسأل الملك بيانها ~~ليعلم بحسن التصريف فرزاتها ويقيس عليها أوزانها (فقال) ذكر أن بعض ~~السلاطين تصدى له عدو من الشياطين يحرض عليه الأعادي ويفسد عليه الحاضر ~~والبادي ويجتهد في إقامته ومسيره في إزالة الملك عن سريره ويغري به العساكر ~~فيقابله ظاهرا بالنواكر باطنا بالمواكر وما فسد منه إلا بدواعي الحقد ~~والحسد فجعل الملك يسترضيه بالهبات فلا يرضى ويستدنيه بالصلات فلا تزيد ~~صلاته إلا بعدا ونقضا كما قيل: # إلى كم يداري القلب حاسد نعمة ... إذا كان لا يرضيه إلا زوالها # فاضطر الملك من أموره واشتغل لإيقاعه بنذوره وجعل ينصب له شرك الوقائع ~~ويجتهد ف إيقاعه بكل دان وشاسع وذلك الباغي أحذر من الغراب وأسهر من طالع ~~الكلاب والملك لا يقر له قرار ولا يطيب له عيش لا بالليل ولا بالنهار فكان ~~من أحسن الاتفاق أن علق ذلك الباغي ببعض الأوهاق فحمل إلى حضرة الملك وهو ~~في قيد البلاء مشتبك فلما رآه في قيد النكد بادر إلى الأرض فسجد وقال الحمد ~~لله المغيث حيث أمكن منك أي ms152 خبيث أترى هذا المنام فهو أضغاث أحلام أم سمح ~~الزمان بأهل العدوان وأنا يقظان ثم شرع في السب والتجديع والتوبيخ والتقريع ~~وأقسم بالفالق الأصباح وخالق الأرواح والأشباح ليفعلن بذلك النباح من ~~النكال والجراح ما فعل المصطفى عليه الصلاة والسلام مع سراق اللقاح وليذيقه ~~كأس البأس وليجرعنه من خمر المنية أمر كأس ثم أمر الجلاد أن يأتيه بماله من ~~القطع والسيف والعتاد فعلم ذلك الزنديق أنه وقع في الضيق وأنه لا ينجيه أخ ~~ولا صديق ولا افتداء بشقيق ولا حميم وشفيق فضلا عن مال ومنال أو خيل ورجال ~~فلما غسل يده من العيش استهوته الخفة والطيش فشرع في السباب ودخل في الشتم ~~من كل باب ورفع بفاحش الكلام الصوت وقال ما بعد الموت موت فسأل الملك أحد ~~الوزراء ماذا يقول من الافتراء هذا الظالم المجتري الباغي المفتري فقال ~~يدعو بدوام البقاء ورفعة مولانا الملك والارتقاء ويقول ما أحسن العفو عند ~~المقدرة واللطف والكرم أيام الميسرة وإن لم ثم مجال للمعذرة ولو جعل العفر ~~شكر المقدرة لكان أولى وأعلى مقاما في مكارم وأحلى كما قيل:ما أحسن العفو ~~من القادر لا سيما لغير ذي ناصر PageV01P092 ويترجم على أسلاف مولانا ~~السلطان الذين كان شيمتهم العفو عن ذوي العصيان وكان ذلك منتهى لذتهم وغاية ~~أمنيتهم وما أجدر مولانا الملك أن يحيي مكارم سلفه ويجعل العفو كلمة باقية ~~في خلفه ولا زال يقول من هذا المقول حتى لان له القلب القاسي ورق له قلب ~~الملك الجاسي فأمر بإطلاقه ومن عليه بإعتاقه وكان أحد الوزراء وأركان ~~الأمراء شخص يعاكس هذا الوزير ويناقضه فيما يراه ويشير وبينهما مرت أسباب ~~عداوة أحلى في مذاق طبعهما من الشهد والحلاوة كل مترصد للآخر زلة متوقع ~~لإيقاعه في شبكة البلاء غفلة فحين رأى شقة الحال نسجت على هذا المنوال وجد ~~فرصة للمقال فتقدم وقال ما أحسن الصدق وأيمن كلام الحق خصوصا في حضرة ~~المخدوم وهذا أمر معلوم عدو مبين وحسود مهين لم يترك من أنواع العداوة شيئا ~~إلا تعاطاه ولا من الإفساد ms153 والشر صنفا إلا هياه قد أهلك الحرث والنسل وبدل ~~جنتي الصلاح من الفساد بخمط وأثل إلى أن أمكن الله تعالى منه وحان تفريغ ~~الخواطر الشريفة عنه ثم أنه في مثل هذا المقام بين الخواص والعوام يثلب ~~الأعراض من الأمراض ويجهر بالسوء من القول ويصرف في الخنى والسب ما له من ~~قوة وحول كيف يحل السكوت عن جرائمه وتغطية مساويه وعظائمه فضلا عن أن تتجلى ~~سيئاته في خلع الحسنات وتتحلى شوهاء سواخط أدعيته بملابس أحسن الدعوات ومع ~~هذا يطلب له التوقع والخلاص والإطلاق من شرك الاقتناص وهو على ما هو عليه ~~من الإساءة المنسوبة إليه أما والله يا مولانا الهمام وسلطان الأنام ما قال ~~إلا كذا كذا من قبيح الكلام وتناول العرض المصون بالسب والدعاء والملام ~~فتغير خاطر الملك وتعكر وتشوش صافي خاطره وتكدر ثم قال أيها الوزير ذو ~~الصدق في التحرير والله وحقك إن كذب هذا الوزير عندي خير من صدقك فإنه ~~بكذبه أرضاني وإلى طريق الحق هداني وأصفى خاطري من الكدر وأطغا ما كان تلهب ~~في غيظي من شرر ونجاني من دم كنت أريقه ولا يهتدي إلى كيفية استحلاله طريقة ~~فأصلح بذلك ذات البين وأصار المتعادلين أحسن محبين وخلد ذكري بجميل الصفات ~~وسلك بي طريقة أجدادي الرفات وأما أنت فكدرت عيشي وآثرت غضبي وطيشي ~~وأسمعتني الكلام المر وقد سنى منك الضر وأما أنا فقد أعتقت هذا وأطلقته فلا ~~أرجع في إيذائه وقد أعتقته وقد ثبت لهذا الوزير على حقوق لا ينكرها إلا ذو ~~عقوق ولا تسعها الأوراق والرقوق فكذبه عندي خير من صدقك وباطله أحلى على ~~قلبي من حقك ولهذا قال ذو الأفضال ما كل ما يعلم يقال (وإنما أوردت) هذا ~~الكلام يا كرام لتعلموا إن السلطان بمنزلة الإمام وأركانه له تبغ في القعود ~~والقيام ولا يتم الإئتمام إلا بالاتفاق بين الرفاق فإذا كان الجماعة مجمعين ~~طائعين لإمامهم مستمعين استقام القيام وانتهوا من جميل التحيات إلى السلام ~~ولا يقع لهم انتظام مع مخالفتهم لحال الإمام هذا قائم وهذا قاعد ms154 وهذا راكع ~~وهذا ساجد وهذا نائم وهذا هاجد وأيضا السلطان بمنزلة القلب والرأس وبمنزلة ~~الأعضاء رؤساء الناس وباقي الرعية خدم للرأس والأعضاء منتظرين لما تبرز به ~~المراسيم من الزجر والإمضاء فإذا اتفقت الأعضاء واصطلحت انتظمت أمور كل من ~~الرأس والرعية وانصلحت وإذا وقع اختلاف وتباين في الأعضا صار كل من الرأس ~~والقلب والرعية مرضى ولقد صدق من قال وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأرضى المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا. وخلاصة هذا الكلام أن قصدي أن ~~تكون أحوال رعيتي على النظام لا يقع بينهم شقاق ولا تنافر ولا نفاق وأما ~~أبو نوفل فيكفيه حياؤه وخجلته فقد انتهت وتمت عقوبته وأخذ حده حده ولا يليق ~~بكرمي أن أرده وهذا الذي ورثته عن أسلافي وهو الحق اللائق بمحاسن شيمي ~~وأوصافي فلما سمع الوزير هذا الكلاموجرح فؤاده نصل هذا الملام ندم غاية ~~الندم وعلم أنه قد زلت به القدم وأنه لا حاجته قضى ولا على صديقه أبقى ولم ~~يستفد مما أبداه من فجم سوى إظهار معاداة أبي التجم وإنه إذا تخلص من حبسه ~~وكربه ورجع عند الملك إلى منادمته وقربه لابد أن يتصدى لمعاداته وسلبه ولا ~~يفيده بعد ذلك أفعاله ولا يسمع في أبي نوفل أقواله فانصرف من عند الملك ~~الطيثار لا يدري أين يضع قدمه من الإفتكار حتى وصل إلى منزله واختلى في ~~فكره بعمله وفرغ للمخلص من هذه الورطة طرقا وتفرقت رواد أفكاره في منازل ~~الخلاص فرقا فأدى نصيب الرواد من الآراء ومفيد القصاد من الشورى ~~PageV01P093 إلى السعي في مصالحة أبو نوفل وإزالة ما وقع من الغبر في وجوه ~~الصداقة وتخلل ثم أدى إفتكاره وأورى من زند رأيه شراره إلى أن الذي وقع منه ~~قد اشتهر وعلم به أصحاب البدو والحضر فإذا طلب من بعده الصلح فذلك في غاية ~~القبح إذ كل من في حجره حجز يتحقق إن ذلك خور وعجز فصار يتردد بين هذه ~~الأفكار ويتأمل ما فيها من تحقيق الأنظار وتدقيق الأسرار فبينما هو في بحر ~~الافتكار ms155 يلطمه الموج ويصدمه التيار دخل عليه صفي له صافي الوداد وهو ظبي ~~أغر يدعى مبارك الميلاد ذكي الجنان فصيح اللسان دقيق النظر عميق الفكر ذو ~~رأي صواب وشفقة كاملة على الأصحاب فرآه مطرقا إلى الأرض في فكر ذي طول وعرض ~~فسلم عليه وتقدم بالسؤال إليه عن نشور باله وتوزع حاله فطلب الوقوف على ما ~~ناله لينظر عاقبة أمره ومآله فأخبره بموجب ذلك وأنه قد سدت في وجهه المسالك ~~فقال مبارك الميلاد يا صحيح الوداد أنت قد زعمت أن مولانا السلطان قد ترك ~~أبا نوفل الندمان وطرحه إطراحا لا رجعة فيه وأنه بعد اليوم لا يذكره ولا ~~يدينه وإن عثرته لا تقال وغصته لا تزول وقصته لا تزال هيهات هيهات يا أبا ~~الترهات الملوك إن لم يعرفوا حقوق خدمهم ولم يثبتوا في ديوان إحسانهم قدم ~~قدمهم خصوصا هذا الملك العظيم الذي أنفاس شيمه تحيي العظم الرميم ونحن قد ~~وجينا عمرنا في خدمة وأذاقنا برد عفوه وحلاوة كرمه وغذاء أرواحنا إنما هو ~~غوادي حمله ورائح نعمه مع إن أبا نوفل لم يقع في محذور معضل يوجب تناسي ~~ذممه وابتذال حرمته وحرمه وإنه استغفر وأناب واعتذر وتاب وأعلم أيها الوزير ~~الأكرم إن ذوي النهي والحجر إذا أرادوا الشروع في أمر تأملوا في مبداه ~~غايته ومنتهاه وهذا التقرير كالجلوس المقصود من عمل السرير فإنما تنبعث ~~لصنعته النفوس إذا علمت بحصول الرفعة عليه من الجلوس كما قيل: # فإياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك مصادره PageV01P094 أما ~~بلغك يا أخي وأكرم سخي حكاية التاجر البلخي؟ قال الوزير: أخبرني بكيفية هذا ~~التنظير! (قال) مبارك الميلاد بلغني من أحد العباد الذين طافوا البلاد أنه ~~كان في مدينة بلخ تاجر كثير العروض والمتاجر عريض المال والجاه غزير الضياع ~~والمياه تكاثر نقوده الرمال وتباهي خزائنه معادن الجبال وتفاخر جواهره در ~~البحار وتسامي بضائعه تلال القفار تراجع عنه الحظ وعامله الزمان بعادة طبعه ~~الفظ وأدبرت عنه من الدنيا القوابل ونزلت بساحة موجوده بالإعدام النوازل ~~وولت وفود معايشه فكادت تقد السلاسل ms156 فصار كلما عامل معاملة انعكست عليه حتى ~~نفد جميع ما بين يديه فلم ير لنفسه أوفق من التغرب عن وطنه والإقامة في سكن ~~غير سكنه فأخذ بعضا من المال وخرج من بلاد الشرق إلى بلاد الشمال وداوم في ~~الأرض على الضرب حتى انتهى إلى بلاد الغرب فأقام بها دهرا يتعاطى معاملة ~~وتجرا إلى أن زاد ماله وأثرى ورجع إليه بعض ما ذهب من يديه ثم اشتاق إلى ~~بلده ورؤية زوجته وولده فتجهز إليها وسار حتى نزل عليها وأراد الدخول إلى ~~داره فأوقفه مشير افتكاره إلى أعمال النظر في حادث القضاء والقدر وأنشده ~~الزمان بلسان البيان: # للكون دائرة من قبلنا صنعت ... لا بي تضيق ولا من أجلك اتسعتوالسر في جيب ~~غيب الله مكتتم فلست تدري يد التقدير ما صنعت # فرأى أن يدخل متنسيا متنكرا متخفيا ويتوصل إلى داره ويتجسس أحوال كباره ~~وصغاره وما حدث عليهم من الحوادث وتقلبات الزمان العائث فتوجه لما أظلم إلى ~~داره وهو يترنم: # بالله قل لي خبرك ... فلي زمان لم أرك # إلى أن وصل إلى الباب وما عليه حاجب ولا بواب فرأى الباب مقفلا والقنديل ~~عليه مسبلا وكان يعرف للسطوح دربا خفيا فاستطرق منه وارتفع مكانا عليا ~~وأشرف من اكوة فرأى ربة البيت المرجوة فوق سرير الأمان معانقة فتى من ~~الفتيان كأنهما لفرط العناق كانا ميتين من ألم الاشتياق فبعثتهما قيامة ~~التلاق فتلازما والتفت الساق بالساق ولسان حال كل منها يروي عنهما: # عانقت محبوب قلبي حين واصلني ... كأنني حرف لام عانقت ألفا # فتبادر إلى وهلة لغيبوبة عقله أن ذلك الشاب الظريف معاشر حريف أفسد زوجته ~~مغتنما غيبته وأنه في تلك الليلة استعمل قوله: # لا تلق إلا بليل من تواصله ... فالشمس نمامة والليل قواد PageV01P095 فسل ~~السكين وقصد قتل ذلك المسكين وصمم على النزول إلى البيت وإثارة الفتن بكيت ~~وكيت ثم استناب وهله واستراب عقله وأخذ يتفكر ويتأمل ويتدبر واحتضر أحوال ~~قرينته وأنها في العفة مجبولة من طينته وأنه لم يعلم عليها إلا الخير وعدم ~~ميلها عن حلالها إلى ms157 الغير فطلب قبل الفضيحة لزوجته طريقة مندوحة ظريفة ~~ممدوحة فإن مدة غيبته طالت وزوجته إن كانت حالتها حالت فلابد أولا من ~~الوقوف عليها كيف استحالت ثم كف عن الذبح ونزل عن السطح وقصد جارة داره ~~ودارة جارة وطرق بابها واستنبح كلابها فخرجت إليه عجوز كانت إلى داره تجوز ~~فسألت من هو وما مراده ومن أين إصداره وإيراده فقال: إني رجل غريب ليس لي ~~بهذه البلدة خليل ولا قريب وبلادي أرض مكة كنت أتردد هذه السكة وأعامل ~~التجار وكان لي في هذه المحلة مجير وجار من التجار الكبار كنت آوي إليه ~~وأنزل في قدومي عليه اسمه فلان وقد مر علينا زمان وعاقني عنه نوائب الحدثان ~~والآن قدمت إلى هذا المكان وقد قصدت داره ولا أدري أي جراه عاره ولم أعرف ~~له خبرا ولا رأيت عينا ولا أثرا فهل تعرفين كيف حاله وإلى ماذا آل مآله؟ ~~فقال: نعم. زالت عنه النعم وألجأته الحال إلى الترحال فرحل منذ سنين وكنا ~~في جواره من الآمنين وانقطع عنا خبره وعن زوجته عينه وأثره وطال عليها ~~منظره ففسخت نكاحها واعتدت وطلبت تصيبها واستدت ولقد أوحشنا فرقاه وآلمنا ~~اشتياقه غير أن زوجته قامت مقامه وأفاضت علينا إحسانه وإنعامه وهي متشوقة ~~إلى رؤيته متشوفة إلى مطالع طلعته متلهفة على أيام وصاله متأسفة على ترشف ~~زلاله فلما وقف على صورة الحال سجد شكر الله ذي الجلال وحمد الله على ~~الثبات في مثل هذه النائبات (وإنما أوردت) هذا المثال لتعلم فضيلة التأمل ~~في المآل والتفكر في عواقب الأحوال قال الدب دعنا من هذا الكلام والأخذ في ~~الملام وأسعدني في التدارك فإنك نعم المشارك قبل انفلات العنان وانقلاب ~~الزمان وخروج زمان التلافي من أنامل الإمكان وانتقال حل عقدته من اللسان ~~والبنان إلى الأسنان فقال مبارك الميلاد الرأي عندي يا أبا قتاد المبادرة ~~إلى الصلح والاصطلاح ليحصل النصح والفلاح والأخذ في المصافاة وسلوك طريق ~~الموافاة والعمل به باطنا وظاهرا والاستمرار عليه أولا وآخرا ومحوا آثار ~~العداوة وتناسي أسباب الجفا والقساوة واستئناف المودة ms158 الصافية والمحبة ~~الوافية وصرف القلب نحو دروس فقه الحلة الشافية والكافية حتى يقول من رأى ~~وسمع الحمد لله آلت العاقبة إلى العافية ثم أعلم إنه لا يصفو لك صاحب ~~وخاطرك عليه للتكدرمصاحب ولا يخلص لك صديق ولبن خلوص محبتك إياه مذيق وقاطع ~~بغضك في الطريق وشوك سعيك راكب التعويق والقلوب في المحبة تتجازى إن حقيقة ~~فحقيقة وإن مجازا فمجازا وكل شيء بمقدار وميزان وكما ندين ندان وقلما تجد ~~من تحبه ويبغضك وتربه ويرفضك وتصفو له ويتكدر ولا تتغير عليه ويتغير ودونك ~~يا ذا الكرامات ما قال صاحب المقامات: # وكلت للخل كما كال لي ... على وفاء الكيل أو بخسه # وقال من أحسن من المقال: # والعين تعرف من عيني محدثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها # وأنا أقول هذا الكلام إلا من قول خير الأنام عليه أفضل التحيات وأكمل ~~السلام أرواح أجناد مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وإنما ~~يقع التعارف من الجهتين والتناكر من الطرفين ولا تغالط نفسك وتكابر حسك أن ~~يحيك من تكرهه ويزينك من تشوهه ويقربك من تقصيه ويقيمك من ترميه ويرفعك من ~~تضعه ويأخذ بيدك من تدفعه كما قيل في الأقاويل: # والناس أكيس من أن يمد حوار جلا ... ما لم ير واعنده آثار إحسان # وأعلم أن غالب الإخوان في هذا الزمان مسلوب الإنسانية وإن كان في زي ~~الإنسان من أحسنت إليه أسا ومن ترفقت له قسا ومن نفعته ضرك ومن أمنته غرك ~~ومن سكنت أوامه بزلال فضلك جرك وقد أجاد صاحب الإنشاد: # جزى الله عنا الخير من ليس بيننا ... ولا بينه ود ولا نتعارف # فما سامنا خسفا ولا شفنا أذى ... من الناس إلا من نود ونألف PageV01P096 ~~وإذا كان هذا فيمن تحسن إليه وتسبغ ملابس أفضالك عليه فكيف يكون حال من ~~تضمر له النكال ونتمنى وقوعه في شرك العقال أني تراه يصفو لك ويتقاضى سؤلك ~~ومأمولك وهو مترقب غيله غولك متوقع منك أن يصير مقتولك فماذا عسى أن تبلغ ~~منه سؤالك ومسؤلك أو ترى من ms159 محبته ومودته مأمولك ومحصولك (وإنما أوردت) هذه ~~المقامات وإن كانت من فضلات علمك ورشحات قلمك أتتنا متقدمات إلا لتعاطي ~~أسباب الصلح أولا في نفسك ثم تستعمل الوسائط من أبناء جنسك فينتج المقصود ~~ويصفو الورد المورود كما قيل: # فإن القلوب مرائي الصفات ... كما السيف مرآة وجه الذوات # قال الدب أنا ألقي الزمام في هذا المقام لنيل هذا المرام إلى يد تدبيرك ~~واكتفي في رعى رياضه برائد رأيك وتقديرك فإن فكرك نجيب وسهم رأسك مصيب ~~فافعل ما تختار وأذقنا من رائق رأيك المشتار فقال: نقسم أولا: باللطيف ~~الخبير أنك أصفيت الضمير من الغش والتكدير وكرعت من وارد الصفاء الزلال ~~النمير ونفضت يد المحبة والإخاء من علاقات البغضاء والشحناء حتى تجيب دعي ~~ولا يخيب سعيي وأبذل مجهودي في نيل مقصودي وأبني على أساس وأسلك مع الناس ~~مسلك الناس فبادر باليمين إلى اليمين المباينة وأنه يكتفي من غدير الغدير ~~بما جرى ويطوي حديث الشحناء فلا سمع الواشي بذاك ولا درى فليبذل مبارك ~~الميلاد جهده في السعي في إصلاح الفساد وعقد أعلى ذلك العهد وتوجه مبارك ~~الميلاد من بعد وقصد منزل أخي نهشل فرآه فيمن ثار همومه في مشغل وقد غرق في ~~بحر الأفكار هائما لا يقر له قرار فسلك عليه وتقدم بالسؤال عن حاله إليه ~~وآنسه بالمحادثة وذكر له الدهر وحوادثه وتذاكر لما وقع من الدب وكيف أظهر ~~نواقص الحب وبارز بالعداوة وأبرز بادئي حركة موجبات القساوة ثم أخذ أخو ~~نهشل في العتاب وفتح لمبارك الميلاد من جهة صاحبه وعتابه الباب فاعترف بإن ~~فعله حالك ولم يسعه إلا الاعتذار وجبر ما وقع لأبي نوفل من الإنكار بالسعي ~~في مساعدته والقيام معهفي جماعته والتوجه إلى حضرة المخدوم والتلافي بمرهم ~~التصافي ما سبق من جراحات الكلام والكلوم ثم إذا حصل من الخواطر الشريفة ~~الإغضا وأثمر في رياض العفو لجاني الخدم فواكه الرضا يستأنف شوق المحبة ~~عقود المبايعة ويروج تاجر الصداقة على مشترى الحشمة في مظان رغباتها بضائعه ~~إلى أن يتزايد الوداد ويتأكد بين الجميع عالم الاتحاد ms160 فانهض يا رئيس ~~الأصحاب وأنيس الأحباب: # فالعمر أقصر مدة ... من أن يدنس بالعتاب # ثم نهضا جميعا وأتيا أبا نوفل سريعا فوجده في أحرج مكان وأوهج زمان ~~محفوفا بالأحزان مكنوفا بالأشجان وما حال من جفاه أحباه وأقصاه مولاه وصار ~~وهو جان غريمه السلطان فلما سلما عليه وجلسا إليه واعتذر مبارك الميلاد بعد ~~إظهار تباشير الوداد أن موجب تقصيره في السؤال عنه وتأخيره أن قلبه الوامق ~~وطرفه الوادق لم يطاوعا على رؤيته في تلك الحال ولا سمحت قدمه بالتقدم إليه ~~وهو مشغول البال ثم تفاوضا في أسباب الصلح وقصد أبواب النجح فتجاذبوا أطراف ~~الطرائف وتفكهوا على موائد التحف واللطائف وما زالوا ينسجون خلع الوفاق ~~ويمزقون شقق الشقاق إلى أن انعقدت أهداب المحبة والوداد وانحلت عقودا ~~الحقود والكباد وتحقق كل أحد من كبير وصغير ومأمور وأمير وجليل بحصول خالص ~~المودة بين النديم والوزير: # ولما أن تراءى الفجر يحكي ... جبين الحب أو رأى اللبيب # توجه الوزير ومبارك الميلاد وأخو نهشل ورؤوس الأجناد مع سائر الأمراء ~~والوزراء والأعيان والكبراء حتى انتهوا إلى السدة العلية والحضرة الملكية ~~السلطانية فقبلوا أرض الطاعة ووقفوا في مواقف الشفاعة ونشروا من الدعاء ~~والثناء ما يليق بجناب الملوك والعظماء وذكروا النديم أبا نوفل بما يستعطف ~~به الخاطر المفضل حتى عطفت عليه مراحمه وانمحت من جريدة لانتقام جرائمه ~~وسمح بإحضاره لديه ليسبل ذيل الكرم والعفو عليه ثم يشمله ثوب الرضا وخلع ~~العفو عما مضى فأسرع نحوه البشير بما اتفق من الجماعة مع الوزير ثم وصل ~~القاصد وهو له مراصد فتوجه منشرح البال منبسط الآمال حتى دخل على حضرة ذي ~~الدولة والإقبال وقبل الجدالة ووقف في موقف الخجالة لا يرفع طرفا ولا ينطق ~~حرفا فرسم بالتشريف والخلع ليرفع عنه التخويف والهلع فتضاعفت الأدعية ~~الصالحة والأثنية الفائحة: PageV01P097 بغادية من ذكره قد تمسكت ... بطيب ~~ثنا يحيي الزمان ورائحه PageV01P098 وأقيمت حرمته واستمرت عليه وظيفته ثم ~~إن الملك انتقل من المجلس الغاص إلى مجلس خاص واجتمع بالخواص وعم الخطاب ~~لكل ناص ومحدث وقاص فقال ليعلم الوزير والنائب ms161 والأمير والحاجب والصديق ~~والصاحب والجندي والكاتب والمباشر والحاسب والراجل والراكب والآتي والذاهب ~~وليبلغ الشاهد الغائب إن مقتضى الرياسة في الشرع والسياسة على ما قدره ~~حكماء الملوك وسلكوا بعباد الله تعالى أحسن السلوك أن كل واحد من الغني ~~والصعلوك لا سيما من له من الأمر شيء أو نوع مباشرة على ميت أو حي له مقام ~~معين لا يزايله ومكان مبين لا يقابله قال الحي القيوم ذو الملك الديموم ~~حكاية عن متصرفي ملك الديوم وما منا إلا له مقام معلوم وعلى هذا جرت سنته ~~وورد كلامه ولاه أو سلطان علاه أن يلازم مقامه ويلاحظ في صف جماعته إمامه ~~ويراقب ما يصدر عنه قيل إياك وما يعتذر التفكر ويعيره بمعيار التأمل ~~والتبصر ثم يسبكه في بوتعة الفصاحة ويسكبه في قالب الملاحة ويصوغه بالآلات ~~حسن الانسجام ويرصعه بجواهر المقام فإذا صيغ على هذه الصياغة وقعدت علىصورة ~~سبكه نقوش البلاغة وأخرج له غواص الفكر من بحر المعاني والبيان فرائد أفكار ~~لم تظفر بها أصداف الآذان وخرائد أبكار لم تفترعها فحول الأذهان ازدانت بها ~~من حور جنان الجنان ومقصورات خيام الدهور والأزمان آنسات لم يطمثهن أنس ~~قبلهم ولا جان فاختلب بيهائه القلوب والأرواح واستلب بروائه الأموال ~~والأشباح واستمال الخواطر وسحب الأيادي المواطر وصار الدهر من بعض رواته ~~وأشناف ما يرويه عنه معلقة بآذان نياته وإن وقع والعياذ بالله منه ما يورث ~~الندم والحزن وأخرج سهم الكلام من قوس العجلة لا اكتال ولا أتزن حصل في سوق ~~ظاهره وباطنه الغبن والغين وأصابه نديم فغفور الختن فنهض الجماعة وللأرض ~~قبلوا وعن كيفية هذا الخبر سألوا (فقال) الملك ذكر المخبرون وأخبر المذكرون ~~أنه في قديم الزمن كان عند فغفور الختن ندمان كامل المعاني في البيان ذو ~~نعمة جزيلة وصورة جميلة وفضائل فضيلة مبرز في العلم كامل المودة والحلم ~~محبوب الصورة مشكور السيرة طاهر السريرة ثقيل الرأس خفيف الروح والحواس قد ~~جال وجاب وبلا الأعداء والأصحاب وترشح لمنادمة الملوك والأمراء ومجالسة ~~السلاطين والوزراء وهو خصيص بملك الختن والصين مقبول عند ms162 الملوك والسلاطين ~~اتفق له في بعض الليالي أنه كان عند جناب ملكه الغالي وعنده جماعة من ~~العلماء وطائفة من الإخصاء والندماء وهم يتعاطون كؤوس اللطائف ويتواطون على ~~ما في الدنيا من طرف وطرائف ويتذكرون عجائب الأقطار يشنفون المسامع بخصائص ~~الأمصار فقال النديم رأيت في بعض الأقاليم من الأراضي الحامية والبلاد ~~القاصية حيوانا كبيرا سريع السير متردد أشكله بين شكلي الجمل والطير يضرب ~~به في الدبدبة المثل فيتعاطى التعلل في الكسل إن قيل له أحمل يقول أنا طير ~~وإن قيل له طر يقول أنا جمل وذكر إن اسمه النعام وسائر أوصافه وأعضائه على ~~إتمام فتعجب الحاضرون من هذه الصفات والأشكال البديعة والهيآت ثم قال وأعجب ~~من هذه الصفات أن هذه الدابة تأكل الجمرات وتلتقط الحصيات وتختطف الحديدة ~~المحماة من النار تزدردها ولا يتألم لذلك فمها ولا جسدها وتذيب كل ذلك ~~معدتها ولا يتأثر بها لسانها ولا ترقوتها فأنكر بعض الحاضرين هذا المقال ~~لكونه لم يشاهد هذه الأحوال ولا رأى ولا سمع خبر طير يأكل النار ويبلع ~~الأحجار ونسبوه إلى المخارقة في الأخبار فتصدى لإثبات ما يقول بطريقي ~~المنقول والمعقول فلم يسعف كلامه القبول على ما ألفته منهم العقول لأن ~~الحيوان بل وسائر الجمادات إذا اتصلت بها النار محت منها الآثار وهذا طير ~~من الأطيار من لحم ودم فكيف لا تحرقه النار فاتفق الجمهور على تكذيب هذه ~~الأخبار وقالوا المثل المشهود إنما هو موضوع على لسان الطيور فيمن تردد بين ~~الأمور فيقال هذا الفقير كالنعامة لا يحمل ولا يطير ومثل هذا المضرب يا شيخ ~~المشرق والمغرب قولهم طارت به عنقاء مغرب فقال النديم الفاضل الحكيم أنا ~~رأيت هذا بالعين فلم يزدهم إلا تأكيد المين من الخجالة والندم أمر عظيم ~~واستمر في حصر حتى منعه السلطان من الدخول إلى القصر وصار بين الأصحاب يشار ~~إليه بيا كذاب فلم يسع ذلك الأستاذ إلا السفر من تلك البلاد والتوجه إلى ~~العراق وبغداد وأخذ من الطير النعام عده واستعمل عليها رجلا مستعدة ونقلها ~~إلى PageV01P099 الصين في ms163 عدة سنين تارة في البحر وأخرى في البر وقاسى ~~أنواعا من البؤس والضر وتكلف حملا من الأموال وتحمل مع المشاق منن الرجال ~~فما انتهى به السير إلا وقد مات غالب تلك الطير فوصل إلى حضرة ملك الخطا ~~واشتهر في المملكة أن النديم الفلاني أتى فاجتمع الناس لينظروا وأمر الملك ~~للخاص والعام فحضروا وأحضروا النعام في ذلك المحفل العام وطرح لها الحديد ~~المحمي فخطفته والجمر والحصى فالتقفته فتعجب الناس لذلك وسبحوا لله مالك ~~الممالك وعلم الصغار والكبار أنه يخلق ما يشاء ويختارفشمله الملك بمزيد ~~الإنعام واعتذر إليه عما مضى من ملام وزادت رفعته ونفذت كلمته إذ قد أثبت ~~مدعاه وحقق بشاهد الحس معنى ما ادعاه ففي بعض الأوقات تذاكروا ما فات وانجر ~~بهم الكلام ما مر من حديث النعام فقال النديم أيها الملك الكريم إني تكلفت ~~على هذه الأطيار كذا وكذا ألف دينار وقاسيت من المشقة في الأسفار وعاينت من ~~شدائد الأخطار ما لا تقاسيه عيدان النار واستمريت في هذا العذاب الأليم ~~المهين وفي سجن المشاق سنين حتى بلغت تحقيق مرامي وتصديق كلامي ولولا عناية ~~مولانا السلطان لما ساعدني على مقصودي الزمان ولما زال عني اسم الكذاب إلى ~~يوم الحساب فتبسم السلطان وقال لقد أتيت بمحاسن وما قصرت ولكن كما يحتاج في ~~إثبات تصديقها والخروج عن عهدة تحقيقها إلى صرف المال الجزيل وتجشم مشقة ~~السفر العريض الطويل وتحمل منن الرجال وركوب الأخطار والأهوال وإزعاج الروح ~~والبدن وإضاعة جانب كبير من العمر والزمن لأي معنى يتفوه بها العاقل ولماذا ~~ينطق بها مستمع أو ناقل (وإنما أوردت) هذا المقول ليعلم أرباب المعقول من ~~جلساء الملوك والعظماء ورؤساء الأمراء والزعماء خصوصا خواص القدماء وعوام ~~الندماء أن شيا يحتاج فيع إلى تعب النفس وقيد ونكال وحبس ثم استعمال ممن ~~جماعة وأصحاب يتقدمون إلى الشفاعة لا ينبغي للعاقل أن يحوم حوله ولا يعقد ~~أبدا عليه فعله وقوله فتقدم مبارك الميلاد وبذل في أداء وظائف الدعاء ~~الاجتهاد وقال إنما كان عاقبة هذا الأمر وإطفاء ناثرة هذا الجمر ms164 وأداؤه إلى ~~انتظام عقود السعد واشتماله على جمع الخواطر من بعد بميامن الخواطر الشريفة ~~وشرف ملاحظتها المنيفة وتوجه مساعدتها لخدمها وشمول عواطفها على عبيدها ~~وحشمها وإقبال طالعها السعيد ولولا ذلك لما انتظم لنا شمل أيها العبيد ~~فالمنة في هذا كله للصدقات الشريفة والجميلة لعواطف مننها المنيفة ونظير ~~هذا الشأن ما جرى للخارج على الملك أنشروان فسأل الملك المطاع عن هذا ~~المضاع (فقال) ذكر أهل التاريخ بأعالي الشماريخ أن كسرى أنوشروان جاهره أحد ~~الملوك بالعصيان وانتدب لمحاربته طائفة من الأعوان فتوجه كسرى إليه ووثب ~~وثوب الأسد الضاري عليه ورأى التواني في أمره والتأخير من جملة الإخلال ~~والتقصير فقابله قاتلا وقاتله قائلا: PageV01P100 إذا استحقرت أدنى من ~~تعادي ... بمالك من يد وندي وطاقة # فما استحقرت أن أهمك إلا ... أمورك وهو ذا عين الحماقة # فلما توافقا واصطدما وتثاقفا انكسر ذو الطغيان وانتصر أنوشروان وقبض على ~~العدو وحصل الأمان والهدو وقص طائره وتفرقت عساكره وحمل وقد سين خسفا وكسرا ~~إلى الملك العادل كسرى فتقدم بالإحسان إليه وجعل العفو شكرا لقدرته عليه ~~والغ معه في اللطف والإحسان وأنزله عنده في بستان ترتع النزاهة في ميادين ~~رياضه وتكرع الفكاهة من رياحين حياضه وأفاض عليه من خلع الأنعام وإدرارات ~~الفضل والإكرام ما أزال دهشته وأحال وحشته وأبدى استعباده وأبعد استبعاده ~~فلما حصل أنسه وهدأت نفسه أخذ في تنجيزه وإبلاغه إلى مأمنه وتجهيزه فأبي ~~إلا الإقامة والتلبث بدار الكرامة وسأل الصدقات وما لها من عميم الشفقات ~~مجاورة مخلها والإقامة تحت ظلها واغتنام مشاهدتها والتشرف بميامن طلعتها ~~مدة أيام فإنها محسوبة من العمر العزيز بأعوام فأجابت مسؤولة واستنجزت ~~مأموله وكان في ذلك البستان نخلة كنخلة مريم قد يبست من الهرم ولما ~~تعاورتها يد القدم فلم تصلح إلا للضرم فأرسل يسأل الصدقات الجزلة أن تهبه ~~تلك النخلة فاستزل كسرى عقله وأجاب قصده وسؤله وهبة تلك النخلة فكان كل يوم ~~يتوجه إليها ويسند ظهره ويعتمد عليها وهو أرغد حال وأيمن مآل فبعد عدة شهور ~~طلب إلى التوجه الدستور فاستدعاه وأكرم مثواه وأجاب ms165 قصده ومتمناه واسبغ ~~عليه نعمة وفضلهوسأله عن موجب سؤاله النخلة وسبب طلبه الإقامة ثم سؤاله ~~التوجه بالسلامة فقال أما سبب الإقامة بهذا البلد فلجوار الملك الأمجد ~~والاستسعاد بمشاهدة وجهه الأسعد فان طالعه قوى سعيد ومجاورته للسعادة تفيد ~~ويحصل منه لمجاورها المزيد فأردت أن يكون لي منها نصيب ويلاحظني منها سهم ~~مصيب: # فان تلمم بقفر عاد روضا ... وإن تمرر بملح صار شهدا # وإن يخطر ببالك نحس نجم ... يعد في الحال من رياك سعدا # فصرت مشمولا بميامن ظلها مغمورا بفائض وابلها وطلها وأما طلبي النخلة ~~اليابسة فإني تفاءلت بها من حظي مساعدة ومناحسه فكنت أتردد إليها وأعول في ~~ذلك عليها فما دامت في قحول كان جدي وسعدي في نحول إلى أن رأيتها قد خضرت ~~وأطلعت واستبكرت فاقبل سعدي وعاد بعد أن مات حيا وساقطت نخلة سعدي من ثمرات ~~السعادة رطبا جنيا فعلمت أن طالعي الهابط عاد إلى الأوج ورسول حظي دخل في ~~دينه ناس الإيناس فوجا بعد فوج وأرمل جدي ازدوج ببكر الآمال وكان لها أحسن ~~زوج كل ذلك أي أعظم مالك بسعد فالك وجوار دار جلالك ومشاهدة أنوار جمالك ~~واستماع كلامك وانتجاع كمالك فمن بعد إسعاد السعد كل سهم أمل فوقته ونحو ~~شاكلة قصد أطلقته أصبت الغرض وحزت جوهره بلا عرض فإذا أسعف السعد النفس لا ~~بعيقها معه نحس (وإنما أوردت) هذا القول يا ذا الكرامة والطول ليعلم الحضار ~~والسادة النظار أن استقامتنا وإقبال سعدنا وانتظام أمورنا وجدنا إنما هو ~~بالتفات الخواطر الشريفة وشمول أحوا لنا بملاحظتها المنيفة واستدامة ~~بركاتها وميامن حركاتها كما قيل في ذا القبيل: # تلقى الأمان على حياض محمد ... تولاء مخرفة وذئب أطلس # لا ذي تخاف ولا لهذا جرأة ... تهدي الرعية ما استقام الريس # وكما أن الرعية لا يستقيم حالها إلا بالملك الراعي فإنها كالراعية لا ~~ينتظم لها أمر إلا بالراعي كما قيل: # لا يصلح الناس فوضى لا سراة لها ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا # كذلك الملك يا ذا الدرجات العلية لا يصير ملكا لا بالرعية ولو لم ms166 يكن ~~العاشق مشوقا لم يكن المعشوق معشوقا ولو لم يوجد الرامق بالأمل مسوقا لم ~~يصر الملك المأمول موقا وقد عني هذا المعنى من في رياض المعاني أعني: # وأحقر صب فيك يهدي سناؤه ... كأعظمهم إذ من هواك تعظما # فلا تحتقره إن تملكت قلبه ... فلولا الهوى ما كنت ملكا مفخما # ففي موقف العشاق منك وظيفة ... لكل فلا يبغي لها منقدما # وكل له وجد يليق بحاله ... وكل له يوافيك مغرما # ألم تر أن الله أوجد حكمة ... ذبابا وعقبانا وبقا وضيعا # وكل له نفع وضر مخصص ... فسبحان من قد خص طورا وعمما PageV01P101 والله ~~تعالى لكمال قدرته وإسبال ذيل رحمته خلق الكبير الأعلى محتاجا لخدمة الصغير ~~الأدنى وجعل الحقير الأدنى محتاجا لرجمة الكبير الأعلى ولهذا أعظم الخلق من ~~خلق الخلق وأحوج الخلق إلى الخلق وهو غني عن الخلق وقيل أيها الملك السني ~~الإنسان بطبعه مدني وبمقدار كثرة الرعية واشتراكهم في الصفات المرضية ~~وانقيادهم لأوامر ملكهم السنيه تصير درجة الملك عليه كما كان في زمن نبي ~~الله سليمان صلوات الله عليه وسلامه وتحيته وإكرامه ولقد جرى في عصره بين ~~الطيور مفاوضة بين اللقلق والعصفور فسأل ملك الآساد عن تلك المفاوضة مبارك ~~الميلاد (فقال) بلغني يا سلطان الأسود أن نبي الله سليمان بن داود عليهما ~~السلام كان في سيرانه مع خواص أركانه فمر بذلك الطلب على شجرة دلب للقلق ~~فيها عش قد بناه كأحسن حش وقد استوكر في عشه عصفور واحتمى بجواره من مؤذيات ~~أبي مذعور فكانا يتخاصمان ويتقاولان ويتواصمان ويتصاولان فوقف النبي الكريم ~~واستوقفالجند العظيم ليسمع ما يقولان وينظر كيف يجولان فسمع اللقق يقول وهو ~~يجول ويصول ويخاطب العصفور بمجمع من الطيور أشكر لي حسن الصنيع حيث أنزلنا ~~في حصني المنيع لا حية ترقى إليك ولا جارح ينقض عليك لولا أن لك عندي مناخا ~~ما أبقيت لك الحية ذاتا ولا فراخا وإنما سلمتم بجواري وبقربكم من داري فوئب ~~أبو محرز وتوسط الجمع وهو يجمز ونادى بين الأطيار أنسيت أبا خديج أي جار ~~وأنا في المدار حول ms167 هذه الديار آناء الليل وأطراف النهار ألقط النمل الكبار ~~والصغار ولولا أنا حارس مناخك ما أبقى لك النمل أثرا ولا لفراخك فكل منا ~~محتاج إلى جاره مغتبط بجواره آمن به في سريه ومطاره فارفع من بيننا هذا ~~النكد ولا يمن منا أحد على أحد فالحقوق ما تضع بين الجيران كما تراعى بين ~~الأصحاب والأخوان وكما تدين تدان ومع هذا فكلنا نصلي على نبي الله سليمان ~~ملك الأنس والجان وسلطان الطيور وسائر الحيوان فانه بحسن عدله اعتدل الزمان ~~وبيمن فضله صلح الكائن والمكان ونحن أيضا كذلك نشكر الله رب الممالك إذ من ~~علينا بهذا السلطان المالك ملك الوحوش الأكابر وكاسر السباع الكواسر المشفق ~~على الضعفاء والأصاغر فلم يخل من فضله سبع ولا طائر ثم نهضوا فوقفوا ودعوا ~~للملك وانصرفوا هذا آخر الباب والله أعلم بالصواب والحمد به رب العالمين ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. # الباب السادس # في نوادر التيس المشرقي والكلب الافرقي PageV01P102 (قال) الشيخ أبو ~~المحاسن من ماء معارفه غير آسن ومن لممدود أرض الفضل من فضائله رواس وفي ~~مشحون بحر العلم من فواضله مواس فابتهج الملك بهذا الكلام وارتاح لما تضمنه ~~من الحكم والأحكام واستزاد أخاه من عقود هذا النظام فقبل الأرض في مقام ~~الخدام وقال بلغني يا ملك الأنام إن راعيا كان يرعى ثلة من الأغنام وحميلة ~~من المعز الجسام وفي ماشيته تيس مطاع كلها له أتباع وهو قديمها وقائدها ~~وزعيمها وأبو نتاجها وحمو نعاجها وأصله من الشرق لم يكن بينه وبين ابليس في ~~الشيطنة فرق اسمه الذميم التيس الزنيم وكان بواسطة الفحول والكبر والتقدم ~~في الحضر والسفر يستطيل ويصول وينطح الكباش والوعول ويكسر أصحاب القرون من ~~الفحول فيجرح ضعيفها ويطرح نحيفها ويضرب بخالصها لفيفها إلى أن أباد ~~أعيانها وأعجز رعيانها وطال منه العقوق فذهب به الراعي إلى السوق ليبيعه ~~ويستريح ويخلص الماشية من شره ويريح فبينما هو يطوف إذا برجل مهول مخوف ~~طويل القامة كبير الهامة كأنه زبنى القيامة شثن اليدين أزرق العينين أسود ~~الخفين ms168 بثوب وسخ وطرطور سنخ وسطه محزوم بسير مبزوم فصادف الراعي وهو في ~~السوق ساعي فمد يده إلى التيس وقال بكم هذا يا أبا الكيس فوقع بينهما ~~الاتفاق ووقع الزنيم في شبكة الرباق فتأمل شكل القصاب وصورته القاضية ~~بالعجاب فرأى رجلا كأنه من الشياطين معلقا في وسطه عدة سكاكين فدخله الرعب ~~ورجف من الرهب وأدرك بالفراسة أنه سيهلكه ويحذف رأسه وقال ظني والظن يخطئ ~~ويصيب أني وقعت مع هذا في يوم عصيب وأنه قاصد هلاكي ومقيم على البواكي ~~فالأولى الاحتراز والتأهب قبل زمان الجزاز فان حصل خير فما في الاحتراز ضير ~~وإن وقع على الإهلاك العزم فأتلقى سيفه بما أعددته من ترس الحزم فوزن ~~الجزار الثمن وشحط الزنيم بالرسن وأتى به مطابخ فقطعها إلى مسالح فشم رائحة ~~لزومه وأحس من الجزار نكده وشومه فلما دخل المسلخ ورأى القصابين هذا يذبح ~~وهذا يسلخ واللحم شقات على الجدران معلقات وأنهر الدماء كدموع العشاق جاريه ~~ورؤوس الغنم وجلودها وأكارعها كل كاشيه هذه الكاشية في ناحية وهذه الكاشية ~~في زاوية فرجف قلبه وازداد رعبه والتجأ إلى الله تعالى وتاب إليه عما عليه ~~من الذنوب مالا فما واطأ القصاب المصارع أن شد من المشرقي الاكارع وجدله ~~على الجداله وأخرج لذبحه الآلة فلما رأى هذه الحالة تحقق ما كان ظنه ~~فاستحضر باله وأيقن أنه هالك لا محالة فنظر إلى القصاب وذكر ما قيل في حق ~~الساب: # نظروا إليك بأعين محمرة ... نظر التيموس إلى شفار الجازر PageV01P103 ~~فوجد السكين كليله ليس للذبح بها حيله فطلب المسن ليحدها ويريح ذبيحته أن ~~حدها فتركه وذهب للمسن وقد تحقق الزنيم ما كان ظن فتنفس له البلاء وارتخى ~~عنه القضاء فتمطى في رباط الأكارع فمزقه قاطع ثم وثب وقصد الهرب وخرج من ~~الباب وصاحوا عليه هرب فلم يلتفت إلى الصوت وفر فرار من عاين الموت وطلب ~~الخلاء وطريق الفضاء فادى به الذهاب إلى بستان بجوار بيت القصاب فدخل ~~البستان وامتد في الجريان والقصاب وراءه بهيئته المهولة والسكين في يده ~~مسلولة وكان قبل هذا ms169 الزمان بين زوجة القصاب وصاحب البستان ما يكون بين ~~الحرفاء والأخدان وكانت كلما وجدت فرصه جعلت للبستاني من نفسها حصة تنزل من ~~بيتها إلى بيته وتغمس سراجها من فتيلة قنديله وزبته فاتفق أن في تلك الحال ~~طلب كل من المحبين الوصال وكان زمان اشتعال اللحام بالمعاملة مع الخاص ~~والعام فلاشتغال وهله لا يتردد فيه إلى أهله فاغتنمت الزوجة غفلة الرقيب ~~ونزلت من بيتها إلى بيت الحبيب فكان المحبان آمنين وقد تعانقا تحت دوحة ~~ياسمين فاتفق أن الهارب من الموت ودواهيه أخذ على مكان هما فيه والقصاب ~~يتبعه رافعا يده والسكين في يده مجردة فلم تشعر إلا وزوجها رافع الصوت واقف ~~على رأسهما وبيده آلة الموت وما شعر بدواهيهما حتى عثر عليهما فقفز كلاهما ~~من مكانهما مفتضحين في مكانهما فاشتغل القصاب بنفسه والتهى بنعجته عن تيسه ~~وكان الناس تابعيه فوقفوا على ما وقع فيه وقامت الغوغاء وقعدت للعار من ~~البلاء فتفرس النجاة من الردى فلم يزل في ميدان الجرى ذاهلا عما جرى حتى ~~وصل إلى ثغرة خرج منها إلى الصحراء فانقطع عن ذلك الجنى تابعه ولم يوجد من ~~شياطين الأنس رائيه وسامعه فانتهى التيسار في تلك الصحاري والقفار إلى جبل ~~فأوى فيه إلى غار كان يأوي إليه مع المواشي أو أن الأمطار فأمسى فيه تلك ~~الليلة إلى وقت الأسفار: # فلما رأى الليل العبوس صنيعه ... تبسم فافترت تباشير فجره # فلما أصبح الصباح خرج إلى السراح وهو في نشاط ومراح وجعل يرتاد أنيسا ~~ليكون له جليسا أو رفيقا صالحا أو صديقا ناصحا يتأنس به في الغربة ويمسح ~~بأنامل مؤانسته ثقل الكربة وما يحصل على جبين راحته من عرق القرية وبينما ~~هو ينشر البيداء ويطوي إذ سمع نباح كلب يعوي فترجى الخير وزوال ثم قصد نحوه ~~فرآه مقبلا من فجوه فناداه أهلا بأحب الأحباب وأعز الأصحاب المفضل على كثير ~~ممن لبس الثياب فلما دنا منه وتباكى لأليم فراقه فتعانقا تعانق المحبين ~~وتبانا مباثة من مضه البين ثم قال له اعلم يا لطيف الحركات وكثيف ms170 البركات ~~أن كلا منا غريب وكل غريب للغريب نسيب وأنا قد تفرست فيك وما تكاد فراستي ~~تخطيك أنك رفيق صالح وشقيق ناصح وأحسن مليح مما لح وفي طريقه أخوان الصفاء ~~قيم وراجح وأن كانت الجنسية بيتنا مختلفة لكن القلوب بحمد الله تعالى ~~مؤتلفة وكم لك من أياد سابقه وصدقات متناسقة وكم حططنا في المراعي وبتنا في ~~الحظائر نائمين وأنت لحفظنا ساعي تحرسنا من الغداة إلى الروح ومن المساء ~~إلى الصباح فاخبرني ما شأنك وأين مكانك وما اسمك وما صنعتك ورسمك ومجيئك من ~~أين وما حاجتك في البين قال أما اسمي فيسار وأما مكاني فبلاد التتار وصنعتي ~~راعي وسبب مجيئي ضياعي ولي صاحب اسمه أقرق من دشت قفجاق بن شقرق كنت في ~~خدمته راعي مشيته فأضللت رعيتي وضيعت حق حرمتي فإذا أطلب ولي نعمتي لا محو ~~من وصمة الجفاء سميتي فهذا شأني وجل بغيتي قال الزنيم أنا من حين شاهدت في ~~وجهك الأنوار علمت أنك يساروأنك معدن الذكاء والألقاب تنول من السماء وأما ~~طلبك لصاحبك ورعيتك فانه دال على كمال مروأتك ولا ينكر لكم الرفاء فان بينك ~~وبينه الوفاء مقام الصدق والصفاء ولم يقع بينكما قط بعد ولا جفاء وشهرتك ~~بحمد الله بجميل الصفات التي قلما يجتمع في زكى الذوات ولا تصفوا إلا ~~للأولياء والبررة المبرزين الأصفياء من المسكنة والقناعة والجراءة والشجاعة ~~وحفظ العهود والوفاء وكسر النفس والصفاء وعدم الحقد والحسد واطراح العجب ~~والنكد والحراسة والسهر وقيام الليل إلى السحر والتودد إلى الناس حتى قال ~~فيك ابن عباس كلب أمين خير من صديق خؤن وعندك من التهذيب وقبول التعلم ~~والتأديب ما يصير صيدك مذكى وسنك كالشفرة مركى وفي شأنك يا ذا الوفاء ~~والمنفعة قال الحرث بن صعصة: PageV01P104 وما زال يرعى ذمتي ويحوطني ... ~~ويحفظ عرسي والخليل يخون # فيا عجبا للخل يهتك حرمتي ... ويا عجبا للكلب كيف يصون # ومن هذا الضرب ما رواه أحمد بن حرب عن ذي العتاب منادم الكلاب أن الكلب ~~يكف عني أذاه ويكفيني أذى سواه ويشكر قليلي ويحفظ مبيتي ms171 ومقيلي فهو من بين ~~الحيوان خليلي ثم قال أحمد ابن حرب تمنيت والله أن أكون مثل هذا الكلب ~~لأحوز هذه الصفات وأرقى هذه الدرجات وأرجو الله تعالى أن يعطفك علي ويقلب ~~قلبك ووجهك إلي بحيث ترغب في صحبتي وتميل إلى صداقتي فترى إذ ذاك مني بحمد ~~الله تعالى من الأخوة والصداقة والمروأة والرفاقه ما تنسى به كل صديق وتفضل ~~به الصاحب الجديد على العتيق فتترك سائر أصحابك وتلتهي بي عن أعز أوليائك ~~وأحبابك خصوصا بني آدم الذين أنت يهم أعلم من أذهبت عمرك في خدمتهم والقيام ~~بحقوقهم وحفظ حرمتهم وحراسة مواشيهم ودورهم وكمال فضلك في حياطة بيوتهم ~~وقصورهم ورعاية رعيانهم وصيانة أهلهم وجيرانهم مع قناعتك منهم بما يفضل ~~عنهم من كسرة خبز شعير أو عظم يابس كسير أو فضلة مرقه قد ير وأضعتهم حقوق ~~خدمتك ونسيانهم موجبات شفقتك حتى لو وصل فمك إلى زادهم أو إلى شيء من عتيد ~~عتادهم رموك بالحطب وضوا رأسك بالحجارة والخشب ولو ولغت في إنائهم أو شربت ~~من مائهم ما قنعوا في تنظيفه وتطهيره وتشطيفه بمرة ولا مرتين ولا اكتفوا في ~~إزالة ألعابك بالعين بل دونوا الغسل بالحساب وعفروا الوعاء بالتراب ويعدون ~~ذلك من التعبد ولا يرغبون ما لك من تحبب وتودد وأنا أرجو أن ترتفع منزلتك ~~وتعلو درجتك ويساعدك رب العرش حتى تسير سلطان السماع وملك الوحوش واجتهد في ~~هذه القضية إلى أن ابلغ هذه الأمنية وأكون السبب في ذلك إلى أن تصير رئيس ~~الممالك فان لك علي حقا قديما وفضلا جسيما طالما نمنا آمنين في ظل حراستك ~~ورعينا مسرورين مكنوفين بحياطتك وأجلنا منك في الخاطر ما قال الشاعر: # بقاؤك فينا نعمة الله عندنا ... فنحن بأوفى وفي شكرها نستديمها # قال يسار يا أخي جميع ما قررته صحيح مقبول داخل في الفضل خارج عن الفضول ~~ولكن أنا من جنس السباع مجبول على ما لهم من الطباع ومع هذا فأنا عدوهم ~~وبسببي يزول هدوهم وأنا لم أعادهم إلا فيكم ولا لي واد إلا في ناديكم فان ms172 ~~ثر بيتي بينكم وعيني مقارنة عينكم وأنا إليكم أقرب مني إليهم ومعولي عليكم ~~دون معولي عليهم وعلى هذا وجدت آبائي وأجدادي ونشأت من حين ميلادي والخروج ~~عن طريقة الآباء دليل على العقوق والإباء وهو أمر مذموم وهذا شيء معلوم وقد ~~قال صاحب الشرع الحب يتوارث والبغض يتوارث ولكن يا سليم الطباع وخصيب ~~والرباع قولك تصير سلطان السباع سخرية مني واستهزاء ولا أستحق منك هذا ~~الجزاه فان معنى هذا القيل أمر مستبعد بل مستحيل أن أبا طاهر نجس العين ~~فأني من أين وهذا الهوس من أين فان أردت إعانتي على ذلك وتكفلت لي برياسة ~~الممالكفكلانا في هذا الهوى سواء وإن صممنا على ذلك فما لجنوننا دواء وهذا ~~الوسواس من خيالات الإفلاس وفي مثل هذا الحال قال: # من صدق في المقال # لا خيل عندك تهديها ولا مال PageV01P105 وأنا أعلم إنما نتكلم بما يطيب ~~خاطري ويسر سرائري ويقربك في الحب من ضمائري قال المشرقي لا تقل ذلك يا تقي ~~فأنا شاهدت في جبينك مخايل السيادة ومن شمائلك تقاطير السعادة وقد قيل يا ~~فضيل المرء يطير يهمته كما يطير بجناحه أما بلغك يا خير عالم ما رواه الشيخ ~~علاء الدين بن غانم ذو الفضل الكثير عن تاج الدين ابن الأثير قال يسار ~~أخبرني بهذه الأخبار (قال) قال ابن الأثير وهو بالرواية خبير محرز أيدي ~~المعاني عن الأمير حسام الدين البركة خلق قال كنت في عصر الشباب أصحب من ~~صالحي الشباب الملك المظفر الغضنفر وكان خشداشي وبرؤيته انتعاشي فكنا ونحن ~~صبيان كأننا ظبيان غير أنا كنا في قلة فكنت أفلي قملة واسرح رأسه وأذهب ~~باسه وتقدمت إليه بالشرط عليه أن يعطيني لكل قملة أو أصفعه صفعة ملسا ففي ~~بعض الأوقات أخذت عنه قملا كثيرا وصفعته صفعات وقلت في غضون ذلك ونحن في ~~حال حالك أتمنى على الله عز وعلا أن يعطيني إمرة خمسين رجلا فقال لي طيب ~~خاطرك وسرائرك فإني أبلغك سؤالك وأعطيك مسؤلك وأجعلك أمير خمسين فارسا ~~فابشر ولا تكن عابسا فصفعته صفعة وقلت ms173 ويلك أنت تعطيني إمرة ورفعه قال نعم ~~وأغمرك بالنعم فصفعته أخرى وازددت فكرا فقال لي عله ونخس المسلة يا قليل ~~اليقين أتريد غير أمر خمسين أنا والله أعطيك وأعليك على ذويك فقلت ومن أين ~~لك تعطيني وترضيني فقال أملك هذه الديار وأكسر التتار وأحل الكفرة والعلوج ~~دار البوار فقلت له يا مفتون أنت مجنون أبقملك وقلك وفقرك وذلك تملك الديار ~~المصرية وتصير سلطان البرية قال نعم ولا تعمل رغم فأني رأيت في المنام ~~النبي عليه الصلاة والسلام وقال لي أنت تملك الديار المصرية وتكسر التتر ~~ولا شك فيما يخبر به النبي صلى الله عليك وسلم من خبر قال فامسكت عنه لأني ~~كنت أعرف الصدق منه ئم تنقلت به الأحوال وتنقل إلى أن بلغ الكمال وتملك هذه ~~الديار ثم كسر على عين جالوت التتار وأعطاني ما وعدني به وأرضاني (وإنما ~~أوردت) هذه المثال لتعلم من سلطنتك غير محال وأنا أرجو الله تعالى أن ييسر ~~لي القيام بجميع ما قلته لك يا إمام وأنا أجلسك على السرير وأقيم في خدمتك ~~الكبير والصغير وارفع رأيه مراسيمك وانفذ أوامرها في ممالكك وأقاليمك واجعل ~~جنود الوحش تحت رايتك وأقاليم القفار كلها تحت ولايتك ولكن بشرط أن تتبع ما ~~أراه ولا تخرج عن طوره ولا تتعداه وتعمل بكل ما أشير إليه ومهما أرشدتك ~~إليه تعول عليه فقال أنا طوع يديك وجميع أموري منك وإليك فقل فإني سامع ~~ولأمرك طائع فانهض وعاني هذه الأماني عسى يصير هذا الباطل حقا وينقلب هذا ~~الكذب صدقا وقل ما تقتضيه لاتبعه وارتضيه قال ترجع عما أنت عليه من الأخلاق ~~السبعيه والأوصاف الكلبية من الحرص والشره والتكلب والتره والنفس المتنمرة ~~والطبيعة المذمرة وتصوم عن الدماء واللحوم وعن تمزيق الحيوانات وتفريق ~~الجماعات وتحمل النفس على الأخلاق الجميلة والتلبس بالأوصاف الفضيلة من ~~العفة والكرم والعفو عمن ظلم والقناعة بالنبات عن لحوم الحيوانات ومعاملة ~~الكبير والصغير بالفضل الكثير والبذل الغزير وتلافي خاطر الخطير والحقير ~~ليسهل العسير وينقاد لك المأمور منهم والأمير وهذا أمر عليك يسير ms174 وهذا لأنك ~~طالما جرحت جوائحهم وكسرت جوارحهم واصطدت سارحهم وأبدت بارحهم فهم منك ~~متخوفون وإلى الإيذاء والضر منك متشوقون وإذا رأوا شيا خلاف العادة وعلموا ~~ولايتك فيها الحسنى وزيادة وأصابوا الخير من مواقع الضير ورأوا ما سر من ~~مواضع الشر والضر تشرب محبتك منهم الكبير والصغير وأنهاك أن يراك من الوحوش ~~العبر والنفير فيتخذك الغريبحبيبا ويصير البعيد منك قريبا فتصيد بالمحبة ~~أرواحهم كما كانت أولا تبيد أشباحهم وإذا ضرب صيتك في الأرض ونثر دره ~~بالطول والعرض وتسامعت بك الوفود وتحققوا انك عدلت عن خلقك المعهود أقبلت ~~إليك منهم الجنود وزان جيد جنودهم من جواهر محبتك وانعقدت بينكم بالمحبة ~~والولاء عقود العهود فتوفرت ذا ذاك جنودك وعلت على رؤس الأقران راياتك ~~وبنودك وجعلوا دارك مأواهم وحماك مصيفهم ومشتاهم مع أن هيبتك في قلوبهم ~~مركوزة وأسنة مخافتك في أحشائهم من قديم الزمان مغروزة وأعلى من فيهم يهابك ~~ويخشاك ويتوقى مكانك ويتحاشاك قال يسار أعلم يا خير سار أن حبال الآمال ~~ومطامع الخيال ما لم تتعلق بمأمول ترتبط بأطراف سول فالنفس ساكنه ~~PageV01P106 والروح مطمئنة هادنه والقلب فرح والخاطر منشرح إذا الطمع ذل ~~وشين والياس إحدى الراحتين ومتى تعلقت بذيل المطامع مخاليب الآمال وبلغت ~~إلى حصول ما مول الخيال. وقامت النفس في تحصيله وتحركت الجوارح لنيل ما ~~موله وانبعثت الهمة إلى إدراكه وتعلق القلب بسير أفلاكه توزعت الأفكار ~~وتفرقت وتمزقت الخواطر وتمزقت وركب لذلك كل صعب وذلول وتقاذفت النفس في كل ~~مخوف ومهول وتقلدت بحمائل قول القائل: # إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده # ثم إذا لم يحصل المأمول ولم تبلغ والعياذ بالله النفس السول مع بذل هذا ~~الجهد والمبالغة في السعي والكد ومقاساة التعب ومعاناة النصب ترادف النكد ~~وتضاعف السهد وصارت النفس لهذا البدد وكان في جيد حياتها من فوات المقصود ~~حبل من مسد فلا تزال بين تشويش شمائر وتقسيم خاطر وفكر غائب وهم حاضر وهذا ~~الأمر الذي عرضت عليه وهممت بالترقي إلى الوصول إليه إلى عدم الحصول ms175 أقرب ~~منه إلى الوصول وأنا أخاف وذا غير خاف أن يغرنا الطمع في هذه الحركة فينتزع ~~من فراغ أوقاتنا البركة ولا نحصل إلا على مثل ما حصل لمالك الحزين من ~~السمكة قال الزنيم نبئني أيها العليم بذلك المثل القويم (قال) بلغني أنه ~~كان في مكان مكين ماوي لمالك وفي ذلك المكان غياض وغدران تضاهي رياض ~~الجنان: # حكى بأنها قد الحبيب تمايلا ... فجن وفي هذا الجنون تفننا # فدار عليه النهر وهو مسلسل ... فقيده إذ قد جتى وتجننا PageV01P107 وفي ~~مياهه من السماك ما يفوق سابحات السماك فكان ذلك الطير في دعة وعير نرجى ~~الأوقات بطيب الأقوات وكلما تحرك بحركة كان فيها بركة حتى لو غاص في تلك ~~البحار والغدران لم يخرج إلا وفي منقاره سمكه فاتفق أنه في بعض الآناء تعسر ~~عليه أسباب الغذاء وارتج لفوت قوته أبواب العشاء فكان يطير بين عالم الملك ~~والملكوت يطلب ما يسد الرمق من القوت فلم يفتح عليه بشيء من أعلى السماك ~~إلى أسفل الحوت وامتد هذا الحال عدة أيام وليال فخاض الرقراق يطلب شيا من ~~الأرزاق فصادف سمكة صغيرة قد عارضت مصيره فاختطفها ومن بين رجليه التقفها ~~ثم بعد اقتلاعها قصد إلى ابتلاعها فقد فتداركت زاهق نفسها قبل استقرارها في ~~رمسها فنادت بعد أن كادت أن تكون بادت ما البرغوث ودمه والعصفور ودسمه اسمع ~~يا جار الرضا ومن عمرنا في صونه انقضى لا تعجل في ابتلاعه ولا تسرع في ~~ضياعي ففي بقائي فوائد وعوائد عليك عوائد وهو أن أبي قد ملك هذا السمك ~~فالكل عبيده ورعيته وواجب عليهم طاعته ومشيئته ثم أني واحد أبوي وأريد منك ~~الإبقاء علي فان أبي نذر النذور حتى حصل له بوجودي السرور فما في ابتلاعي ~~كبير فائدة ولا أسد لك رمقا ولا أشغل لك معده فتصير مع أبي الفضيل كما قيل ~~فأفقرني فيمن أحب لا استغني فالأولى أن أقر عينك وأعرف ما بين أبيوبينك ~~فاكون سببا لعقود المصادقة وفاتحا لإغلاق المحبة والمرافقة ويتحمل لك ~~الجميلة والمنة التامة والفضيلة وأما أنا ms176 فأعاهدك أن أعتقتني ومننت ~~وأطلقتني أن أتكفل كل يوم بعشر سمكات بياض سمان ودكات تأتيك مرفوعة غير ~~ممنوعة ولا مقطوعة يرسلها إليك أبي مكافأة لما فعلت بي من غير نصب منك ولا ~~وصب ولا كد تحمله ولا تعب فلما سمع البلشون هذا المجون أغراه الطمع فما ~~ابتلع فسها ولها ثم قال لها أعيدي هذه الرمزه فبمجرد ما فتح فاه بالهمزة ~~أنملصت السمكة منه بجمزه وغاصت الماء وتخلصت من بين فكي البلاء ولم يحصل ~~ذلك الطماع الأقطع الأطماع (وإنما أوردت) يا ذا الدراية هذه الحكاية لتتأمل ~~عقبى هذا الأمر قبل الشروع فيه وتتدبر منتهى أواخره في مباديه فقد قيل أول ~~الفكر آخر العمل (قال المشرقي) اعلم يا مرتقي إن مبنى الأمور في مجاريها ~~وقواعد ما أسس عليه مبانيها تقدير خالقها وتدبير باريها وما حكمه وقضاه ~~وأحكمه وأمضاه لكنه كتمة وأخفاه فلا تدركه العيون وإلا صار بل ولا البصائر ~~والأفكار فانه علم غيب وجهلنا به ليس بعيب لأنه تنزه أحدا صمدا قال تعالى ~~عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا كما قيل: # على المرء أن يسعى ويبذل جهده ... وليس عليه أن يساعده الدهر # فإن نال بالسعي المنى تم أمر ... وإن غلب المقدور كان له عذر # وإن الله العلي العظيم قد وضع أساس بنيان العالم على الأسباب وفتح لتعاطي ~~الأسباب الأبواب فقال ذو الجلال والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا وقال ~~فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وقال القائل: # إذا ما كانت في أمر مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم # يرى الجبناء أن العجز حزم ... وتلك خديعة الطبع اللئيم # فطعم الموت في شيء حقير ... كطعم الموت في شيء عظيم # وقال عليه الصلاة والسلام علوا الهمة من الإيمان والمرء يسعى في تحصيل ~~مرامه ولا يترك شيأ من أسباب قيامه فان ساعده القدر بقدره إنقاذ إليه مرامه ~~بشعره وكان مصادمة مساعده ومقامه ومعاضده كما قيل: # وإذا أراد الله نصرة عبده ... كانت له أعداؤه أنصارا PageV01P108 فيساعده ~~إذ ذاك الكون والمكان ويمضي سهم أوامره رامي القضاء من قوس ms177 الزمان فيقيض له ~~المساعد ويتعبد المقارب والمباعد وحسبك يا ذا الصوله ما اتفق من السعد ~~لعماد الدولة فسأله يسار عن سرد هذه الأخبار (قال) كان رجل صياد له ثلاثة ~~أولاد كأنهم حمك وقوتهم السمك تقلت بهم الأحوال حتى صاروا برياستهم على ~~الدنيا أحمال وانتهوا في الرياسة وساسوا الحلق أحسن سياسه وانتشر أمرهم ~~وطاب في الدهر ذكرهم ومما ملكوه العرافات والأهواز وفارس وسرتها شيراز ~~أكبرهم أبو الحسن علي بن بويه الملقب بعماد الدولة وكان في السلطانة ذا ~~جولة وصوله ولما انتهت أيام خموله واتصل بالسعد أسباب وصوله حل ركابه ~~بشيراز وصعد إلى حقيقة الملك من المجاز ووفدت عليه الوفود وأحاطت به جموع ~~الجنود وطالبه أهل المراتب بالرواتب والروامك بالجوامك والرفاق بالأنفاق ~~والأجناد بالأرفاد وأرباب الولايات بالخلع والجرايات وأصحاب الإقامات ~~بالنفقات والأنعامات ولم يكن في خزائنه من ظاهر المال وباطنه ولا في ذخائره ~~من ظاهر الرفد وضمائره ما يسد رمقهم ويرد شرقهم فتراكمت همومه وتصادمت ~~غمومه وتوالت أفكاره وتجاذب به بحر الحيرة در دوره وتياره لأن أمره كان في ~~مباديه وليل سعده في هواديه وقد قصرت عن طول الطول أياديه وأشرف أمره على ~~الاختلال وملكه على الاضمحلال ووقع في يوم لا بيع فيه ولا خلال قد خل إلى ~~مكان خال وهو مشغول البال فاستلقى فيه على ظهره وغرق في بحار فكره فبينما ~~هو يلاحظ السقوف وأفكاره بين تردد ووقوف وإذا بحية عظيمة بجثة جسيمة من ~~السقف خرجت ودرجت وفي مكان آخرولجت فوثب واقفا ورقب خائفا لئلا نسقط عليه ~~ويصل أذاها إليه ودعا الفراشين وجماعة فتاشين بمعاول النباشين وأمرهم بنصب ~~السلم والفحص عن الأرقم وتتبع آثارها وإطفاء سرارها فصعدوا الحيطان وحفروا ~~ذلك المكان وخرقوا سقفه فانفتحت لهم غرفه كانت مخبأة لمن تقدمه وضع فيها ~~ديناره ودرهمه وفيها عدة صناديق محكمات التوفيق والمعاليق فاطلعوه على تلك ~~الخبيه والتهوا عن طلب الحية والجبيه فأمرهم فنقلوها إليه ووضعوها بين يديه ~~فإذا فيها من الذهب النضار خمسمائة ألف دينار فعرف أن ذلك عناية ربانية ~~ومواهب صمدانية رحمانية ms178 فصرف المال في إصلاح حاله وبذره في مزارع قلوب خيله ~~ورجاله فثبتت أوتاده واستقامت أجناده وقويت سواعده وأعضاده وكان أمره قد ~~اشرف على الاختلال وعقد نظامه على الانفراد والانحلال وكان من تمام هذه ~~السعادة وتعقيب هذه الحسنى بالزيادة أن الملك المذكور بعد هذه الأمور وحصول ~~هذا السرور وانتظام مصالح الجمهور أراد تفصيل قماش وخياطة خلع ورياش فطلب ~~خياطا ثقة ليقلده هذه المنطقة فارشد إلى خياط ماهر شكله زاهر وفضله ظاهر ~~وحذقه في صناعته باهر إلا أنه أطروش حقل سمعه بدبي الوقرمد بوش فما يصل ملك ~~الكلام إلى سرير صماخه إلا بزمر وطبل وجاووش فدعاه فأجلسه بين يديه وطلب ~~الثياب ليعرضها عليه فتصور الخياط أنه سعى به إليه بسبب وديعة كانت لصاحب ~~البلد لديه وإنما طلبه ليطالبه فأما أن يؤديها أو يعاقبه فتقدم باليمن مثل ~~المصارعين واقسم بالله خالق المخلوق ورازق المرزوق أنها اثنا عشر صندوق لم ~~يشعر بها مخلوق وأنه لا يدري ما فيها وأنها مختومة بختم معطيها فتعجب عماد ~~الدولة من كلامه وسجد لله شكرا على إنعامه ثم وجه معه من أتى بها ودخل إلى ~~بيوت ما فيها من أبوابها فكان ما فيها من الأموال ونفائس القماش العال جمل ~~متكاثرة وأصناف متوافرة واستولى على ذلك كله وثبت بواسطة المال في ركاب ~~الملك واطئ نعله (وإنما أوردت) هذا التنظير يا ذا الرأي والتدبير لتعلم أن ~~سبب الأسباب وميسور الأمور الصعاب إذا دبر مصالح عبده وشمله بإحسانه ورفده ~~هون عليه عسير وصغر عنده كل كبير وأنت بكل هذا بصير قال يسار صدقت صوابا ~~نطقت ولكنني نظرت إلى الدنيا ورزت أحوالها السفلى والعليا ورأيت كلما زاد ~~الشخص حرصا وطمعا ازداد لنفسه عبودية وتبعا وللدنيا رقا وللآخرة رشقا فصارت ~~قيوده أثقل وحسابه أشدو وأطول وهمومه أتم وغمومه أعم وأن الواثق بالدنيا ~~والراكن إلى ما فيها من أشيا كالجاعل له من السحاب حصنا ومن الحباب كنا ~~ورأى وقاية تحصل من السحاب وأي إيواء بصدر من الحباب ومن تأمل الدنيا بعين ~~التبصير وتفكر في تقلباتها ms179 بمصيب العقل والتدبير عد جمعها شتاتا ووصلها ~~أنبتاتا PageV01P109 ومجيئها ذهابا وشرابها سرابا وإقبالها أدبارا ونسميها ~~إعصارا وعطاءهم أخذا وعهدها نبذا وصلتها فلذا ووهبها نهبا وايجابها سلبا ~~وحربها سلما ووجودها عدما وكثرتها فلا وعزها هاذلا وضحكها نياحه وطلاقها ~~راجة فلم يكن عنده أحسن من فراقها ولا أرصن من طلاقها والقناعة منها ~~بالكفاف والرضا منها بالعفاف كما سلك الفلاح صاحب الماشية واستراح فقال ~~الزنيم أخبرني كيف كان ذاك يا حكيم (فقال) إن مخدومي الذي كنت عنده أحفظ ما ~~شيته وعبده كان ذائروة عظيمة وأموال كثيفة جسمه وكانت ماشيته لا تزيد عن ~~ألف رأس وأن حصل من النتاج المعهود ما يزيد على هذا القدر المعدود تصدق به ~~أو باعه أو وهبه لبعض الجماعة ولو أراد لجعلها ألوفا مؤلفة وأضعافا مضاعفة ~~وكان في الجيران والأصحاب والأخوان من هو أقل منه مالا واقصر باعا وأضيق ~~مجالا له الألوف من المواشي وكذلك من الخدام والحواشي وهم في كل وقت في ~~ازدياد وتضاعف الأعداد من الأصول والأولاد ومخدومي لا يقصد الزيادة وأن زاد ~~شيء أباده فقال له الراعي وكان عليها أشفق ساعييا مخدوم ما لك لا تريد أن ~~تزيد مواشيك وحواشيك وتكثر بالرفق والرفد فواشيك وبالورد والإصدار غواشيك ~~فان المواشي تزداد فوائدها وتتوفر عوائدها باعتبار زيادة أصولها وإدرار ~~منافعها ومحصولها وجيراننا كانوا أقل عددا من هذا المقدار فصاروا بالتوفير ~~أكثر عددا في الأغنام والأبقار فزادوا على مواشينا بعد أن كان أوساطهم ~~كحواشينا ولا أعرف لهذا موجبا ولا أدري له سببا غير الإهمال وقصد تضييع ~~المال فقال له مخدومي هذا محيط به معلومي ولكن أيها الولد أعلم أن أنواع ~~العدد آحاد وعشرات وألوف ومئات فألوف غاية الأعداد إذا اعتبرنا التعداد ~~والشيء إذا جاوزنا غايته وتعدى نهايته أخذ في النقص وإذا بلغ مداه تراجع ~~بالنكص وقد قيل الشيء إذا جاوز حده شاكل ضده ومن لم يقنع بالقليل لم يرض ~~بالجزيل ولقد أحسن المقال وصدق فيما قال من قال: # وما الدهر إلا سلم فبقدر ما ... يكون صعود المرء فيه هبوطه ms180 # وهيهات ما فيه يزول وإنما ... شروط الذي يرقى إليه سقوطه # فمن كان أعلى كان أوفى تهشما ... وفاء بما قامت عليه شروطه PageV01P110 ~~وكثيرا ما رأيت وسمعت ووعيت عن أصحاب الألوف القاصدين لازدياد المألوف نزلت ~~ألوفهم إلى الواحد من الآحاد فاستولى عليهم لذلك الهموم والإنكاد فتكدرت ~~خواطرهم واشتغلت ضمائرهم وأما أنا فلم أعلم أن ألفى نقص ولا جاري حلبة مداه ~~نكص فإذا عدا غايته ألزمته نهايته وكبحث جامح طرفه وكففت طامح طرفه طلبا ~~للراحة ورغبة في الاستراحة: # فكم دقت ورقت واسترقت ... فضول العيش أعناق الرجال # (وإنما) أوردت هذا التمثيل لتعلم يا ذا التفضيل أني ما دمت له خادما وفي ~~وصف الخدمة قائما ولم أتعد طوري وهو مقام الخادمية إلى ما ليس لي وهو مقام ~~المخدومية فأنا مستريح ولغيري مريح ونفسي مطمئنة وجوارحي عن طيش السعي ~~مرجحنه وأصحابي أحبابي وأحبابي أصحابي والخواطر صافيه والمحبة وافيه ~~والصداقة باقية ومياه المودة في رياض الأرواح صافيه وفي عروق الأشباح واقفة ~~جاريه فإذا رمت مع وجود هذه الحسنى الزيادة وقصدت التعدي إلى ما ليس له به ~~عاده فأنا بين أمرين متقلب على جمرتين أما عدم الحصول والانقطاع عن الوصول ~~فتتضاعف المكدات وتترادف المقسمات وبحسبها تصل الهموم وتحصل الغموم كما مر ~~سالفا وذكر آنفا وأما الظفر بالمراد على حسب ما يراد فبقدر ذلك يقع الصداع ~~ويقوم التحاسد والنزاع وأول ذلك معاداة الأصحاب ومعاناة الأحباب ومقاسات ~~الأتراب وحصول الضغائن وبروز المكامن بواسطة الترفع عليهم وصدور المراسم ~~والتقدم بامتثالها إليهم فالأولى بحالي التفكر في مآلي واللائق بشورى أن لا ~~أتعدى طوري ولا أتورط في هذا البحر العميق والبئر العميق ولا أخرج عن سواء ~~الطريق فتهوي بي طير الهوان في مكان سحيق: # وإني يسار خائف أن يردني ... زماني بما لاقى يسار الكواعب # قال المشرقي أبو زنمه ما أحسن هذه الكلمة وأيمن هذا النظر وأرصن هذه ~~الفكر وأدق معاني هذه المباني ولكن إذا رفعك الله من يضعك وإذا أعطاك من ~~يمنعك وقد قال ذو الجلال ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ms181 يمسك لها وقال صلى ~~الله عليه وسلم اللهم لا مانع لما أعطيت: # وكل الناس تطلب المعالي ... ونفس الحر تأبى أن تضاما PageV01P111 فلما ~~بلغ بهما الكلام إلى هذا المقام قال يسار أعلم يا فحل الفحول وإمام المعقول ~~والمنقول أني ما بالغت في الامتناع إلا لأقف على ما فيك من طباع أسير ثبوت ~~قدمك وثباتك وراء كلمك فلقد وجدتك في هذا الأمر الخطير فوق ما في الضمير ~~وفي مواطن الاختبار أثبت جنابا من ابن الليث الصفار فانهض لقصدكوحركته على ~~خيره الله تعالى وبركته فأني وضعت عنان جموح هذا المرام في بد تدبيرك وجعلت ~~واسطة هذا العقد جوهرة تفكيرك وسلك نظامه ونظام قلادته جودة تصويرك فأنك ~~أهل لذلك وبرأيك تقتدي المسالك فابتهج أبز زنمة بهذا المقال ووثب قائما في ~~مقام الخدمة وقال حيث انشرح صدرك لكلامي فسترى في وجهك مجالس قيامي وأنا ~~أعلم أن معبودك سيبلغك مرامك ومقصودك ولكن يجب التيقظ وقبل الشروع التحفظ ~~أما لتيقظ فلأمور يجعلها الملك مقتدى ولا يغفل عنها أبدا كما فعل الملك ~~الظاهر الموفق أبو سعيد محمد جقمق حين اضطربت الأوامر واختلفت العساكر ~~واصطدمت الأمور وخرج عليه من عساكره الجمهور وقل المعين وذلك في سنة اثنتين ~~وأربعين فعصى تنكري وتترس في حلب وقام بالراكمة الجلب واينال الحلمى بالشام ~~وكاتبه الطغام والعظام وهرب بالقاهرة العزيز وأزت الشياطين فاشتد الأزيز ~~وتخبط بالصعيد العربان وفشا في عساكر الإسلام الطربان فسفه الحليم وحار ~~الحكيم وضل كل ذي رأي قويم فثبت الملك الظاهر جاشه وتعرف إلى الله تعالى ~~فأزال استيحاشه وأصفى سرائره ولم نزل سيرته ظاهره فكان الله عونه وناصره ~~فأطفأ بأدنى لطفه شواط تلك النائره وقد بسط ذلك في سيرته الظاهرة فتبدل ~~الجحيم بالنعيم ورفع الله تعالى عن الإسلام والمسلمين العذاب الأليم كل ذلك ~~بثبات القدم وعلو الهمم ولم تحصل هذه الفعلة الذكية الرائحة إلا بالطوية ~~الطيبة والنية الصالحة وأما التحفظ فمن مواد شرور ملتبس بها الجمهور منها ~~لحقد والملال والكذب في المقال والحسد والاحتيال فأن الحقود وقود والحسود ~~لا يسود والكذوب ms182 يذوب والملول لا يطول والمحتال مغال وباقي النصائح الذكية ~~والروائح تأتيك بالسعد فيما بعد وأنا الآن أقدم للبيان وأذكر الأهم وما ~~فائدته أعم قبل الشروع أمام المقصود وهو تأكيد مواثيق العهود فأنه إذا حفتك ~~الجنود وأحاط بك أرباب الرايات والبنود وأنت جالس على السرير وفي خدمتك ~~المأمور والأمير والكبير والصغير يعسر على استيفاء الخطاب واستيعاب الجواب ~~ولا يليق بعظمتك ومقام حرمتك إطالة الكلام ولو اقتضاه المقام خصوصا بحضور ~~الخاص والعام ولو كان المتكلم أعز الخدام وأقرب الإلزام فلا أقدر أن أتجرأ ~~عليك وأنهي جميع ما أريده إليك لأن قصد الخادم إقامة حرمة مخدومه والمبالغة ~~في حفظ ناموسة وتعظيمه وكثرة الكلام تمنعه عن هذا القصد وتدفعه وأما في هذا ~~الوقت فأن كثير كلامي لا يورث شيأ من المقت فلا حرج على كلامي كيفما خرج ~~قال يسار بارك الله فيك وأبقاك لذويك فما أدق نظرك وأحسن في عواقب الأمور ~~فكرك وأصوب غوصك على جواهر الانتقاد واغرب بوصك إلى زواهر الاعتقاد فقل ما ~~بدا لك مما يزين حالي وحالك فان حرمتي حرمتك وحشمتي حشمتك فإن عظمتني عظمت ~~نفسك وإن وفرت مالي فقد زدت كدسك والخادم إذا لم يقصد رفعة مخدومه ويعد ذلك ~~من أكبر همومه ويسعى فيه ساعة فساعة وفي كل مكان وعند كل جماعه وإلا فيدل ~~ذلك على خساسة مقداره وقصور نظره ولؤم نجاره وركاكة همته واستبذال حرمته ~~فقال أبو زنمه أول شروطي يا ذا العظيمة أن لا تقرب المؤذين ولا تلتفت إلى ~~الأشرار المغتابين ولا تضيع الأوقات في الإصغاء إلى القينات ولا تسمع كلام ~~واش وتعد كلامه أقل من لاش ثانيها أن لا تعجل في فصل الحكومات بل تتعاطاه ~~بالتفتيش والالتفات إلى أن تتجلى صورتها وتتعين حقيقتها فإذا وضحت لديك ~~وتخلت مخدرة حقيقتها عليك أجهد فيها بالصدق وأعمل بما يقتضيه الحق ثالثها ~~أن لا تعود لسانك الفحش والبذاءة فان في ذلك على الملك أسوأ إساءة فان ~~الكلام يؤثر في القلوب وينفر من قبحه الطالب والمطلوب وقد قيل: PageV01P112 ~~جراحات السنان لها التثام ms183 ... ولا يلتام ما جرح اللسان وقد قيل إن عيسى ~~عليه السلام مر بجماعة في بعض الأيام فصادفوا كلبا أجرب فقال له سلمك الله ~~أذهب فقال كل من أصحابه مما كان معبي في جرابه من الاستيقاض وطلب البعد عنه ~~والمناص وما سلموا إلى عيسى حاله بل سألوه عن كلامه له وما دعا له فقال أني ~~عودت لساني ببيان ما في جناني وهو المقاصد الحسنة وترك الألفاظ والعبارات ~~الخشنة وقيل أنه مر في بعض الأوقات ومعه جماعات بكلب من الأموات ملقى على ~~مزبلة في جملة القاذورات فوضع كل منهم يده على خطمه وتكلم في رائحته عند ~~شمه فقال عيسى عليه السلام ما أحسن بياض أسنانه فقيل له عما سمع من بيانه ~~فقال عودت لساني بلفظ الخير وإن لا يتكلم بما فيه ضير وكما يجب على الملك ~~كف اللسان الفصيح عن الكلام البذي القبيح كذلك يجب عليه أن لا يصغي إليه ~~ويتأمل قول الشاعر: # وسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن النطق به # فانك عند سماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه # ووجد في كتاب آداب الصحبة لأبي عبد الرحمن السلمي بيت ثالث: # وكم أزعج الحرص من طالب ... يوافي المنية عن مطلبه # وهذا الأمر يا مخدوم لكل أحد معلوم على العموم وأما أكابر السلاطين ~~والملوك الأساطين فهم أعلى مقاما أن يكون الفحش لهم كلاما وأن يجري في ~~مجالسهم أو يسمع من محادثتهم ومجالسهم وكل ملك اعتاد مجلسه فاحش الكلام ~~اختل نظامه ومقته الخاص والعام ونفرت عنه قلوب الرعية وبحسب رغبة الرعية ~~تكون الممالك راضية مرضية وإذا نفرت قلوب الرعية كرهوه وتوقعوا غيره ~~ليقوموا معه وينصروه وإذا لم يوجد عقدوا الحقود واستمروا أذلاء كاليهود ~~والبغضة كامنة والخسائف باطنه فتقدم العداوة وتتقدم وتنأكد وتتأزم وإذا ~~قدمت العداوة ذهبت من الصداقة الحلاوة فلا بد يوما من الأيام أن تبرز رأسها ~~من جيب الانتقام وإذا وجدوا فرصة وثبوا عليه وقصد كما جرى للغريرة مع ~~الهريرة قال بسار بين لي هذه الأخبار (فقال) ذكر شخص معتبر من رواة الخبر ms184 ~~أن في القديم كان رجل عديم وعنده قط رباه وأحسن مرباه فكان عنده كالولد ~~الأعز وأكرم من ابن الفرات عند ابن المعتز وكان القط قد عرف منه الشفقة ~~وألف منه المودة والمقه فكان لا يبرح عن مبيته ولا يسعى لطلب قوته فحصل له ~~هزال وتغير ما له من أمر وحال لا عند صاحبه ما يغذيه ولا هو ذو قوة عن ~~الاصطياد تغنيه إلى أن عجز عن الصيد فصار يسخر به من أرذال الفيران كل عمرو ~~وزيد وصار كما قيل: # خلت الرقاع من الرخا ... خ وفرزنت فيها البيادق # وتسابقت عرج الحمي؟ر فقلت من عدم السوابق # وسطا الغراب على العقا ... ب وصاد فرخ البوم باشق # سكتت بلابلة الزما ... ن وأصبح الخفاش ناطق # وأيضا: # وإذا خلا الميدان من أسد ... رقص ابن عرس ونومس النمس PageV01P113 وكان ~~في ذلك المكان مأوى لرئيس الجرذان وفي جوار مخزن للسمان فاجتر الجرذان لضعف ~~أبي غزوان وتمكن من نقل ما يحتاج إليه وصار يمر على القط آمنا ويضحك عليه ~~إلى أن امتلأ وكره من أنواع المآكل والمطاعم وحصل له الفراغ من المخاوف ~~والمزاحم واستطال على الجيران واستعان بطوائف الفيران على العدوان فافتكر ~~الجرذان يوما في نفسه فكرا أداه إلى حلول رمسه وهو أن هذا القط وإن كان ~~عدوا قديما ومهلكا عظيما لكنه قد وقع في الانتحال وضعف عن الاصطياد لقوة ~~الهزال وقوتي إنما هي بسبب ضعفه وهذا الفتح إنما هو حاصل بحتفه ولكن الدهر ~~الغدار ليس له علىحالة استمرار فربما يعود الدهر عليه وترجع صحته وعافيته ~~إليه فان الزمان الكثير الدوران يتهب ويهب ويعطي ما ساب ويرجع فيما وهب كل ~~ذلك من غيره وجب ولا سبب وإذا عاد القط إلى ما كان عليه يتذكر من غير شك ~~إساءتي إليه فيثور قلقه ويفور حنقه ويأخذه لاذاى والانتقام سهره وأرقه فلا ~~يقر لي معه قرار فاحتاج بالاضطرار إلى التحول عن هذا الديار والخروج عن ~~الوطن المألوف ومفارقة السكن المعروف أمر صعب مشوم الكعب فلا بد من ~~الاهتمام قبل حلول هذا الغرام ms185 والأخذ في طريقه الإخلاص قبل الوقوع في شرك ~~الاقتناص ثم أنه ضرب أخماسا لأسداس في كيفية الخلاص من هذا البأس فاداه ~~الفكر إلى إصلاح المعاش بينه وبين أبي خراش ليدوم له هذا النشاط ويستمر ~~بواسطة الصلح بساط الانبساط فرأى أنه لا يفيد ما يريده إلا بزرع الجميل من ~~كثير وقليل خصوصا في وقت الفاقة فانه أجلب للصداقة وأبقى في الوثاقة ثم بعد ~~ذلك يترتب عليها العهود ويتأكد ما يقع عليه الاتفاق من العقود وهو أن يلتزم ~~الجرذان أن يقوم لأبي غزوان في كل غداة من طيب الغذاء ما يكفيه لغداء وعشاء ~~لأن الشيخ في الدرس قال خير المال وما وقيت به النفس إلى أن يصح جسده ويرد ~~إليه من عيشه رغده ويكون ذلك سببا لمعقود الصداقة وترك العداوة القديمة ~~المساقة وأن تشترط دوام المحبة وازدياد الوداد والصحبة وأن لا يقصد أبو ~~الهيثم أبار راشد بشيء من الأذى والشرور والمفاسد ويعمل هذا الهر بموجب ما ~~قال الشاعر: # إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن # ثم إن الجرذان جمع من الأخباز والأجبان واللحم القديد والمطعم المزيد ما ~~قدر على حمله ونهضت قوته بنقله وقصد مقام الهر وسلم عليه السلام مكرم مبر ~~محب قديم وصديق حميم وقدم ما معه إليه وترامى بكثرة التودد والاشتياق عليه ~~وقال يعز ويعظم لدي أني أراك يا خير جار في هذا الضرر والأضطرار ولكن ~~العاقبة إلى خير وسيقبل السعد بأحسن طير فتقدم أيها الخيطل وكل من هذا ~~المأكل فإذا سددت خلتك كلمتك بشيء أستشير به خدمتك فانه قد قيل: # أن الصداقة أولاها السلام ومن ... بعد السلام طعام ثم ترحيب # وبعد ذاك كلام في ملاطفة ... وضحك وثغر وإحسان وتقريب # وأصل ذلك أن تبغي شمائلها ... بين الأحبة تأييد وتأديب # لم تنس غيبا ولم تملل إذا حضروا ... قد زان ذلك تهذيب وترتيب # إن الكرام إذا ما صادقوا صدقوا ... لم يثنهم عنه ترغيب وترهيب ~~PageV01P114 فتناول القط من تلك السرقة ما سد رمقه وشكر للجرذان تلك الصدقة ~~ولما ms186 أكل فمه استحيت الحدقة ثم قال له أنشد ما أنت ناشد يا أبا راشد قال إن ~~لي عليك من الحقوق مثل ما للجار الصدوق على الجار الشفوق وأردت أن يتأكد ~~الجوار بالصداقة وتتراقى إلى درجة المحبة بأوثق علاقة وأن كانت بيننا عداوة ~~قديمة فنترك من الجانبين تلك الخصلة الذميمة ونستأنف العهود على خلاف الخلق ~~المعهود وتدبير الأمور على مصلحة الجمهور ونبني القاعدة في البين على ما ~~يعود نفعه على الجانبين وأذكر بك أشياء تحملك على ترك خلقك القديم وتهديك ~~في طريق الإخاء إلى الصراط المستقيم وهو أن أكلي مثلا ما يغذي منك بدنا ~~فضلا عن أن يظهر فيك صحة وسمنا ولكن أن أمنتني مكرك وأعملت نظرك وفكرك ثم ~~رغبت في صحبتي وعاهدتني على سلوك طريق مودتي وأكدمت أي أبا غزوان ذلك ~~بمغلظات الأيمان إلى أن أستوثق باستصحابك وأبيت آمنا في مجيئك وذهابك ولو ~~كنت بين مخالبك وأنيابك فأني ألتزم لك في كل يوم إذا استيقظت من النوم بما ~~يسد خلتك ويبقي مهجتك صباحا ومساء وغداء وعشاء وإن قلت أن ذلك شيء مجهول ~~فأنا أقدره بنظير هذا المأكول فان هذا الغذاء يكفيك عشاء وغداء وماقصدت ~~بذلك إلا رعاية لحق الجوار ولقد آنستني تسبيحك بالليل والنهار وأظن وظني لا ~~يخيب أنك تبت إلى الله ورجعت من قريب وكففت عن أذى الجيران وعففت عن أكل ~~الفيران ثم أعلم يا أسد الضياون أن لي من هذه المؤنة عشر مخازن قد أعددتها ~~لمثلك وأنا أقدمها لمنزلك وادخرها لأجلك والقصد أن أكون آمنا من سطواتك ~~ساكنا في صدمات حركاتك وذلك إنما يعلم بتأكيد الإخاء وتأييد المحبة والولاء ~~فلما رأى الهر هذا البر أعجبته هذه النعم وأطربه هذا النغم وأقسم طائعا ~~مختارا ليس إكراها ولا إجبارا أنه لا يسلك مع الجرذان إلا طريق الأمان ~~والإحسان وأنه لا ينوء إليه بقصد سوء بحيث تتأكد المحبة وتزداد الصداقة ~~والصحبة فرجع الجرذان وهو بهذه الحركة جذلان وصار كل يوم يأتي أبا غزوان ~~بما التزم به من الغداء والعشاء كل صباح ms187 وعشاء إلى أن صح القط واستوى وسلمت ~~خلوات بدنه من الخو والخوا وصارت المحبة تنعه بكل يوم عقد مجددا ويزداد كل ~~منهما في الآخر محبة وتوددا وكان لهذا القط ديك وهو صاحب قديم وصديق نديم ~~كل منهما يأنس بصاحبه ويحفظ خاطره بمراعاة جانبه للديك تعويق عن زيارة ~~الصديق فغاب عنه مدة وكل منهما للفراق في شده فلم يتفق لهما إلا وقد حصل ~~للقط الشفاء وزال الشقاء فسأل الديك صاحبه بماذا صارت علته ذاهبة وذاك ~~الهزال بأي شيء زال فاخبره بأحوال الجرذ أبي جوال وأنهى أمره من الأول إلى ~~الآخر وبالغ في الشكر في الباطن والظاهر وأنه كان سبب حياته ونجاته من ~~مخاليب مهلكاته وأنه لم يكن مثله في الأصحاب وقد صار أعز الأصدقاء والأحباب ~~فغار الديك على الصاحب القديم وأختشى أن يفسد ما بينهما المفسد الذميم فضحك ~~مستغربا وصفق بجناحيه متعجبا فقال له مم تضحك فقال من سلامة باطنك وانقيادك ~~لمداهنك وحسن صنائعك مع المنافق مخادعك ومكارم أخلاقك مع ناقض ميثاقك ~~وإصغائك لهذا الخبيث بمشوه الكلام ومموه الحديث ومن يا من لهذا البرم ~~الواجب القتل في الحل والحرم المفسد لفاسق المؤذي المنافق الذي خدعك حتى ~~أمن على نفسه واستطرق بذلك التمكن من أذاه ونحسه فتسلط الأذى كما يختار ~~وانهمك في الشر آمنا منك البوار كل ذلك بسببك ومكتوب في صحائف كتبك مع أنك ~~بمشكور ولا بالخير مذكور وأن الذي شاع وذاع وملأ عنك الأسماع أنك ستحل عقده ~~وتنكث عهده وتنقض الإيمان وتجازي بالسيئة الإحسان وأنه لم ير منك ما يسره ~~وهو متوقع منك ما يضره وأعظم من هذا أنه آذى وحشر فنادى وبالشر بادي فقال ~~أنه أحياك بعد الموت وردك بعد الفوت ولولا فضله عليك وبره الواصل إليك لمت ~~هزالا وجوعا ولما عشت أسبوعا ولكنه أشبع جوعك وجلب هجوعك واستنفذ من مخاليب ~~المنية بعد ذهابك رجوعك فشفاك وعافاك وصفا لك وصافاك وكفاك وأنك كافيته ~~مكافأة التمساح وجازيت حسناته بالسيآت القباح ولم يكن لإحسانه إليك ولا لما ~~من به عليك سبب ms188 ولا علاقة سوى طهارة نفس زكت أخلاقه ولا لإساءتك إليه سبب ~~تنقم به عليه إلا ما أسداه من مكارم شيمه الواصلة إليك وفوائد نعمه السابغة ~~عليك وقد أشاع هذا كله في الشوارع والحارات خصوصا في هذه المحلة ثم أقسم ~~بمن عطفه عليك وساق PageV01P115 فضله إليك وجعلك محتاجا إلى نواله وأسبل ~~عليك لباس صدقاته وافضاله ليستوفين منك ما صنعته وليحفظن عليك ما عليه ~~ضيعته وليوقعنك في طوى بليه يعجز عن خلاصك منها كل البرية فليريحن منك جنس ~~الفار وليخلدن ذكر هذه القضية في بطون الأسفار وبالجملة فهل سمعت أن جرذنا ~~صادق هره أو اتفق بينهما مرافقة في الدنيا ولو مره ومناصحة القط والفار ~~كمصادقة الماء والنار: # فأنت كواضع في الماء جمرا ... وأنت كمودع الريح الثرايا # فلما سمع القط هذا الكلام تألم باطنه بعض إيلام وما صدق ولكن ظن واشتغل ~~خاطره لأمر عن وتلهبواشتغل ومن يسمع بخل وقال للديك جزاك الله عني خيرا وما ~~أكثر شفقتك طيرا ولكن من قال لك هذا المقال قال أنت محب وعلى مودة الجرذان ~~مكب وقد قال سيدا لعرب والعجم صلى الله عليه وسلم حيك للشيء يعمي ويصم وقال ~~الشاعر: # وعين الرضا عن كل عيب عمية ... كما أن عين السخط تبدى المساويا # ولقد غرك بلقيمات من الحرام والسحت المنغمس في الآثام وجعلها بمنزلة حبة ~~الفج فلا تشعر بها إلا وأنت في السلخ وقد وقعت ولا رفيق ولا أخ هناك يعرف ~~تحقيق هذا الكلام ولكن أنت الآن راقد مثل النيام والكلام ما يفيد ولا بد أن ~~الله تعالى يجري ما يريد وما في إشاعة الكلام طائل وكأنك أنت القائل: # ظن العذول بان عذلي ينفع ... قل ما تشأ فعلي أن لا أسمع PageV01P116 وما ~~قلت لك هذا الكلام إلا من فرط الشفقة والضرام ورعاية لحق ما وجب علي من ~~القيام وحفظا للصداقة القديمة والمودة التي سحائبها ديمه وأنا لو غششت كل ~~أحد ما خطر لي أن أغشك وأنا لا استشهد على صدقي إلا يقينك الساكن عشك فرجح ~~جانب صدق الديك ms189 كفاك الله شر من يؤذيك وقال القط في خاطره بعد ما أجال قداح ~~ضمائره هذا الديك من حين انفلقت عنه المبيضة وسرحت أنا وإياه من الصدقة في ~~روضة ما وقفت له على كذب ولا سمعت عنه أنه لزور مرتكب مع أنه مؤذن أمين بين ~~ظهور المسلمين وهو بالصدق قمين وما حمله على هذا إلا المحبة وقديم المودة ~~والصحية وهو أبعد من أن يكذب ويخدع وأي قصد له في أن يغش ويتصنع وتردد أبو ~~هريرة في تيه الخيرة بين الديك والفريره ثم قال للديك وقاك الله شر أعاديك ~~فكيف أعرف صدق هذا الحبر وهل للدلالة على سوء طويته علامة تنتظر قال نعم ~~ورب الحرم علامة ذلك أنه إذا دخل عليك ونظر إليه أن يكون منخفض الرأس مجتمع ~~الأنفاس متوقعا حلول نائبه أو نزول مصيبة صائبة أو شمول بليه غائبة ملتفتا ~~يمينا وشمالا متخوفا نكالا ووبالا طائفا يتنقب خائفا يترقب وذلك لأنه خائن ~~والخائن خائف وهذا بائن وبينما هما في المحاورة والمناظرة والمشاورة ~~يتجاذبان القيل والقال دخل المفسد أبو جوال وهو غافل عن هذه الأحوال فرأى ~~أبا القيظان يخاطب أبا غزوان فخنس وقهقر وتخوف وتشور وهو غافل عما قضاه ~~الله وقدر فاشمأز لرؤيته الديك وابرأل وانتغض واشمعل فارتعد الجرذان من شيخ ~~الديكة لما رأى منه هذه الحركة وانتفش وانزوى وتقبض وزوى وأشبه بغداديا بلع ~~الدوا ونظر يمينا وشمالا كالطالب للمفر مجالا والقط يراقب أحواله ويتميز ~~حركاته وأفعاله فتحقق ما قاله أبو سليمان ونظر إلى الجرذان نظر الغضبان ~~وهمز واكفهور ورقصت شواربه وابزأر فاضطر الجرذان وطلب الأمان فنسي السنور ~~العهود والأيمان ونفض عرق العداوة القديمة والعدوان وطفر على الجرذان ~~وأدخله في خبر كان وأخلى منه الزمان والمكان (وإنما أوردت) هذا التنظير ~~أيها الصاحب البصير لفائدتين جليلتين عظيمتين إحداهما الإعلام بالتحقيق إن ~~العدو العتيق لا يتأتى منه صديق ثانيتهما الإعلام بان الواجب على الحكام أن ~~لا يعجلوا بالانتقام فربما يورثهم الاستعجال الندامة في المآكل في حالة لا ~~يفيد العذل والتنفيذ وعند ذلك لا يمكن ms190 التدارك بل إذا نقل إليهم وأورد ~~عليهم ما يثير الغضب ويحمي سن نار السخط اللهب لا يفلتون زمام التثبيت ~~والتفكر من أنامل التأني والتدبر خصوصا السلاطين والملوك الأساطين فان ~~قدرتهم واسعة وأطراف أوامرهم شاسعة وأوهاق اختيارهم طويلة ومراعي المراد ~~لمرامهم منيله وآدان الكون لأوامرهم سميعة وعين المكان لمراسيمهم مراقبة ~~مطيعة فمهما أرادوا من النفع أوصلوا ومهما اختاروا من الضر فعلوا وذلك في ~~كل حسن ممسين أو مصبحين ولذلك قالوا القاضي لا يحكم حكما إلا وهو راضي ولا ~~يحكم وهو غضبان وهو مشغول الخاطر ولا غرثان فان وجدوا طريقا إلى الخير ~~بادرواإليه وإذا قصدوا إيقاع شر توقفوا لديه ولا يهملوه بل يسبروا غوره إلى ~~أن يقفوا عليه فربما يكون من مداخله عدوا أو حاسد بتعاطي من له غرض فاسد ثم ~~أعلم يا ذا التبصرة والتذكرة أنه من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره فلما وعى يسار هذا الحوار قال ما أزهى هذه النصائح وأزكى ~~ما لها من روائح وأنا أقبل عليها وأقبلها ولا يزال مرتشف سمعي مقبلها وعلى ~~ذلك أعاهدك ومهما رأيت غيره أعاقدك فانه للملك المصلحة وللملك زين ومسلحة ~~وأيضا فاشترط ما بدا لك مما يزين حالك ويصون مالك ومآلك قال وأريد أن تكون ~~حرمتي موفره وكلمتي معتبرة ومنزلي على أقراني مرتفعة ومكانني في الممالك ~~متسعة بحيث تكون مزيتي ظاهره ومرتبتي لاكفائي باهرة وكلامي في محل الإصغاء ~~والقبول متصلا بالنجاح في السؤال والمسؤل فان حسن العهد وحفظ الود ورعاية ~~الحقوق القديمة السابقة والخدمة المستمرة المتلاحقة دليل على كمال المروأة ~~والوفاء ونهاية لعتوة والصفاء لا سيما من الملوك والأكابر في حق خدمهم ~~الأصاغر ففي الحقيقة رفعة الخادم وكمال حرمته من رفعة مخدومه وعزته وكل من ~~رفع قدر خدمه وحافظ على حفظ حشمه ومنع جانبهم ورعى حاضرهم وغائبهم إنما حفظ ~~أطراف حشمته وراعي جانب عظمته وحرمته وكل كبير امتهن خدامه وأذل جماعته ~~PageV01P117 وقوامه ولم ينزل منازلهم ولا عرف فضائلهم وساوى باواخرهم ~~أوائلهم فإنما أضاع مكانة نفسه ولم ms191 يفرق في الفكر بين نومه وغده وأمسه وإذا ~~لم يصغ الملك لكلام الوزير واستقل بأوضاع ناصحه والمشير فابتذله وانتهز ~~واستقله واحتقره خصوصا في المجامع والمحافل بين العساكر والجحافل فأي حرمة ~~تبقي له عنده البقية من سائر الخدم والرعية وأي مرسوم كلام يسمع له عند ~~العوام فيتكدر خاطره وتتغير سرائره فيدعوه ذلك والعياذ بالله إلى شق العصا ~~إذ صار على باب مخدومه معلقا كالخصي وقدره في المكانة وقوله في البلاغة صار ~~كالزيف في الصاغه والغسو في الدباغة وناهيك أيها الخبير ما قالته لامها ~~الزاغه قال يسار أخبرني بذلك يا جهينة الأخبار (قال) ذكر أن زاغه في بلد ~~مراغه انتشى لها فرخه انتشر لها بين الطيور صرخه وكانت ذات بهجة لطيفه ~~وصفات ظريفة وتربت بتيمة بالدلال وجمعت بين فنون الكمال فلما بلغت مبلغ ~~الزواج خطبها من صنوف الطير الأزواج وترادفت عليها الخطاب ودخلوا على أمها ~~في ذلك من كل باب فكانت تأبى عليهم ولا تلتفت إلى بذلهم ولا إليهم إلى أن ~~بلغ خبرها إلى بومة كريهة الوجه مشومه بينها وبين أم الزاغه صداقة قديمه ~~فخطبتها لأبنها وأبانت للطير مزيد غبنها فاستشارت الأم ابنتها وأظهرت في ~~ابن البومة رغبتها وقالت أي ربيبة الخير قد رغب فيك أصناف الطيور فكنت ~~أدافعهم وأسوف بهم وأمانعهم وقد اشتهر صيتك بين الكبراء وخطبك مني الأمراء ~~والوزراء وأنا على المطاولة والرد والمقاولة وقد استحييت منهم واختشيت ~~غائلة ما يصدر عنهم ولم أفعل ذلك إلا عارية لحالك وخوفا من زوج ظالم بقدرك ~~غير عالم يستضعف جانبك ويكره أهلك وأقاربك ثم لا نقدر على مقاومته ونتعب في ~~مرافقته ومفارقته لا سيما أن صار بينكما معاشقه فيصير نكاحكما الدماشقه كل ~~يضمر السوء لصاحبه حالة المعانقة كل يا أحسن معنى بما قال الشاعر: # رأيت الذي لأكله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر PageV01P118 ~~ونعوذ بالله من اختلاف الوداد وأن يصبر نكاح السنة كنكاح أهل بغداد فأن ~~صادفتما في محله مثلي أبي بكر الرباني ودله أو مثل الفرغاني وعلى أو جارة ~~تشبه ms192 عيشة تلي خرجتما من يدي وزدتما نكدي فكنت لهذه الأمور أخشى تقلبات ~~الدهور وأرد خطاب الجمهور وقد خطبك يا كريمة ابن صاحبة قديمة وهي البومة ~~الفلانية وهي صاحبة هنيه وأخلاق ابنها رضيه وهو شخص فقير الحال حقير نقلبه ~~في أيدينا كما نريد ونتصرف فيه تصرف الموالي في العبيد لا في الطير جنس ~~يحبه بل كلهم يكرهه ويسبه ولا لهناصر علينا ولا جارح يدلي به إلينا فهو تحت ~~طاعتك كما تحبين وفي ربقة إرادتك كما تريدين لا كالحمام يتطوق بطوق الفخر ~~ولا كالهدهد يتتوج بتاج الكبر فما رأيك في هذا الأمر فقالت الزويغة مقالة ~~بليغة حفظت شيا وغابت عنك أشيا ما أصنع بزوج ممتهن وبغض الأجناس ممتحن ~~مكسور مهجور يتطير بين الطيور هذا يخطفه وهذا يلقفه وهذا ينقره وهذا ينئره ~~وهذا يأثره وهذا يكسره وإذا لم يكن للزوج حرمه ولا تسمع له كلمه خصوصا عند ~~زوجته وأهل بيته وعثرته فأي قدر يكون له عند غيرها وأني ينشر بالسعد جناح ~~طيرها وقد قال رب السموات والأرض ومالك الطول والعرض والبسط والقبض والرفع ~~والخفض الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وقال من جعلهم ~~قوامين وذواتنا منعوجه وللرجال عليهن درجة ومقدار المرأة بين جيراني وأهلها ~~إنما يعرف بقدر حرمة بعلها وأنا كيف يبقى حالي وبالي وما على ومالي بين ~~جيراني وصواحبي وأهلي وأقاربي إذا كان زوجي ذليلا مهينا محتقرا بين الناس ~~خربنا والله لا يكون لي زوجا ولو بلغ رأسه الأوج ولا أمد إليه باعي ولا ~~يرفع له في مركب الزوجية شراعي (وإنما) أوردت هذا المثال يا شبه الغزال لا ~~بين أنه إذا لم يكن لي في دارك عزه ولا يرفع مكانتي ومكاني نشاط وهزه فلا ~~يرجوني الصديق الموافق ولا يخافني العدو المنافق فيختل أمري ويضيع في غير ~~حاصل عمري وإذا ما أهمل مرسومي تعدى الوهم إلى مخدومي قال يسار أبشر أيها ~~الوزير المشفق والكبير المحقق والحكيم الماهر المدفق بالدرجة العلية ~~والمرتبة السنية والكلمة المقبولة والوظيفة الفاضلة لا المفضوله ولكن ms193 أنا ~~أيضا لي عليك شروط تزين عقودها الملتفات في المروط هن لدار السعادة أبواب ~~وللترقي إلى درج السيادة أسباب ومثلك لا يدل على صواب وهي أن تتقلد العمل ~~مبسوط الأمل بجميع ما قررته وتتعاطى ملازمة كل ما حررته من إقامة ناموس ~~المملكة المبجلة ورعاية شرائط السلطنة المفضلة ومحافظة جانب مخدومك ~~والإنهاء إلى مسامعه جميع ما في معلومك وتقديم مصالحه على مصالحك ومعاملة ~~رعيته بالجهد في نصائحك وكفه عن المظالم والعدول به عن طريق المآثم والغيرة ~~على دينه واعتقاده ويقينه أكثر من الغيرة على دنياه وفي الجملة لا يكون ~~الملك إلا لله بحيث لا تكون من قبيل لم تقولون ما لا تفعلون وإياك والرشا ~~والبرطيل والدخول لعرض الدنيا في الأباطيل وتوق ظلم الرعية للأغراض الدنيه ~~أو الأعراض الدنويه واتق دعوة المظلوم وإن يصل سهامها إلى مولانا المخدوم ~~وأعلم أننا إن بنينا أساس الأمور على قواعد الظلم والشرور فنحن من الخاسرين ~~ومن الذين ظلموا والله لا يحب الظالمين وسيقطع دابر القوم الذين ظلموا ~~والحمد لله رب العالمين بل ابن الأمور على أساس التقوى فانك بالتقوى تقوى ~~وبروايتها تروى فمن تحلى بالقضايا العاطلة وتشبث بأذيال الأمور الباطلة ولم ~~يقصد وجه الله في حركاته وسكناته وأدخل شوائب الرباء والسمعة في أعماله ~~وطاعاته لا يمشي له حال ولا يصلح له مال ولا مآل ويصيبه ما أصاب السائح ~~الذي ادعى إخلاص العمل الصالح ثم شرع في حركته وأخلص فظهرت آثار براءته ~~فلما قصد الأعراض الدنيه فسد ظاهره بفساد النيه فسأل المشرقي عن حال ذلك ~~الشقي (قال) كان في أقصى بلاد الصين طوائف غير ذي عقل رصين أنبت لهم في بعض ~~الجبال زراع القدرة ذو الجلال في رياض النزاهة والكمال شجرة ذات بهجة وجمال ~~أصلها في أرض الملاحة ثابت وفرعها في أصل المحاسن نابت وغصنها إلى سماء ~~العلى واصل وورقها كعقود الجمان بالبهاء متواصل لا سموم الصيف يزيل زهرتها ~~ولا عواصف الخريف تذهب خضرتها ولا صرصر الشتاء يعري أغصانها ولا لواقح ~~الربيع تذري أفنانها فاعجب بحسنها أهل ms194 تلك الديار وأشربوها إشراب بني ~~إسرائيل عجلا جسد إله خوار ثم تفانوا PageV01P119 في حبها وتهالكوا على ~~قربها فعبدوها كما عبدوه واعتقدوها كما اعتقدوه واستولى على عقولهم الشيطان ~~وصار يخاطبهم من الشجرة واحد من الجان فزادهم فيها اعتقادا وعمهم بعبادتها ~~كفرا وعنادا فقدم تلك البلاد فقير من السائحين وهو من عباد الله الصالحين ~~فلما رأى تلك الحالة أفزعه ذلك وهاله وأخذته غيرة الإسلام وغضبة دعته ~~ليالقيام فأخذ فأسا وقصدها ليقطع ساقها وعضدها فلما قرب إليها وأراد وضع ~~الفأس عليها سمع منها صوتا خوفه وعن مراده أوقفه فقال أيها الرجل الصالح ~~والقادم السائح فيم ذي الهمة وعلام هذه العزمة المهمة وما قصدك بهذه الصدمة ~~فقال غيرة لله أيها المضل اللاه شجرة تعبد من دون الرحمن ولا يغار لهذا ~~الشان إنسان فلاقطعنك أيتها الشجرة المضلة ولا جعلنك حطبا ومثله فانك قد ~~أضللت كثيرا من الناس وفعلت ما لم يفعله الوسواس الخناس وأنك لا تنفيع ولا ~~تضرين سوى إنك إلى النار تجرين فقالت أيها الرجل الزاهد الصالح العابد أنا ~~ما آذيتك ولا ضار رتك وإن رأيت نفعتك وبررتك وحاشاك أن تؤذي من لا آذاك ~~وأنا أعلم أيها الرجل الكبير أنك غريب وفقير وما أقدمك على هذا البأس إلا ~~الغربة والأفلاس فكف عن هذا الأمر وأطفئ فائرة هذا الجمر وارجع إلى منزلك ~~واشتغل بطاعتك وعملك وأنا أوصلك كل نهار دينارا ذهبا نضارا كاملا وافيا ~~معيارا يأتيك هينا ميسرا كحل صباح مبكرا إذا استيقظت من رقدتك تجده موضوعا ~~تحت وسادتك وهذا هو الأليق بحالك وأفرغ لخاطرك وبالك وأخلص لك من ورطات ~~المهالك وإذا أصلحت مع الله سريرتك وطهرت من أدناس الدنيا سرك وسريرتك ~~فاترك الناس ولو كانوا جيرتك أو أهلك وعشيرتك وعليك بخويصة نفسك فإذا ~~أنقذتها من الورطات فأمسك وقد قال منزل القرآن ليحرسكم يا أيها الذين آمنوا ~~عليكم أنفسكم فلما سمع بالدينار ألهاه الطمع والاغترار فبردت همته وضعفت في ~~الله قوته وتركها ورجع وترك القيام وهجع فلما أصبح الصباح وحاز بالصلاة ~~الفلاح بادر إلى الفراش ms195 وطلب المعاش فوجد الدينار كما ذكره الشيطان وأشار ~~فالتفقه وابتهج وتحقق أنه فتوح باب الفرج واستمر على ذلك أسبوعا والذهب ~~عنده مجموعا ثم بعد ذلك قصد الفراش بسرور وأهتشاش فلم يجد شيأ من الذهب ~~فتحرق قلبه والتهب فأخذه الحنق والقلق وأخذ الفأس وانطلق فلما قرب من ~~الشجرة نادته بألفاظ عكره قف مكانك واذكر شانك وقل لي في ماذا جيت فلا حبيت ~~ولا حبيت فقال جئت لأقطعك ومن الأرض أقلعك غيرة على الدين وقياما بحق رب ~~العالمين فقالت كذبت إنما غرت وسيبت وقمت وقعدت وبرقت ورعدت لفقدك الذهب ~~الذي عنك ذهب وإنما كانت الغيرة الصحيحة والقومة المليحة الناهضة النجيحة ~~القومة الأولى فإنها كانت والحق قد تجلى فلو قامت الجلائق لردك واجتهد وافي ~~منعك وصدك لما ظفر وابك ولا قاموا بحروبك وأما الآن فهذه الغضبة غضبة ~~الفاجرة لقحبة التي حصلت بواسطة عدم الدينار فهي التي أثارت منك ما أثار ~~فلو دنوت مني خطوه وتقدمت من مقامك رتوه دققت عنقك وشققت زقك وقد قلت أني ~~لا أضر ولا أنفع ولا أجلب ولا أدفع فأما المنفعة يا صلمعة بن قلمعة فأنك ~~رايتها في الدنانير التي لقينها فتقرر النفع يا مستحق الصفع وأما المضرة ~~فقسها على المنفعة يا أبا مره فان الذي له قدرة على المبرة ربما يقتدر على ~~الإيذاء والمضرة وإن شئت تقدم وجرب لتعلم واخبر واسبر وانظر كيف أنثر منك ~~لراس بهذا الفأس وحقق وصدق أن كتفك حملت حتفك فبهت الرجل وتحير وخاف وخار ~~وقهقر وانقطع حبل رجائه وأفلت يتلفت إلى ورائه (وإنما ذكرت) هذا لتعلم أيها ~~الوزير المكرم إن كل أمر لا يقصد به وجه الله فان عقباه الندم وإن حسن ~~أولاه وكل قصد ليس لغرض صالح فان شجرة غراسه لا تثمر الفضائح فترك الشروع ~~فيه أولى ومحو صورته من لوح الضمير أجلى ومن لم يترك مالا يعنيه وقع فيما ~~يعنيه وحل به من الفضيحة والأيام ما حل بذلك المفسد في مدينة السلام فسأل ~~الزنيم المشرقي البصير الأفريقي كيف كانت تلك الفضيحة ms196 ليأخذ منها لنفسه ~~النصيحة (قال) كان في مدينة بغداد صانع حرير أستاذ خبير له جارسني الجوار ~~وزوجة تخجل البدر عند الكمال والشمس قبل الزوال وذاك الجار الجاني يدعى ابن ~~الفرغاني ففي بعض مطارده لمح زوجة جاره فتعلق قلبه بها واشتغل من هواها نار ~~أحشائه بهبوبها فأخذ يلهو بها إلى أن أفسدها وإلى الضلال أرشدها وكان الزوج ~~PageV01P120 مغرما بها فوجد على حالها منبها فصار يراقبها من كلفه ولا يغفل ~~عنها لشدة شغفه ويجتهد فيكفها عن الخيانة وأن تحفظ الغيب وتؤدي الأمانة ففي ~~بعض الأوقات رأى في بعض الطرقات صيادا ومعه طير أوثق رجليه بسير فسأله عن ~~طيره وإلى أين قصده في سيره فقال هذا من الجوارح السوانح لا البوارح يحاكي ~~الصوادح ويباكي النوائح وفيه سر عجيب وأمر غريب وهو أنه إذا كان في بيت ~~ورأى فيه على صاحبه كيت وكيت أخبر زوجها خبره وقص عجره ويجره وقد رغب فيه ~~رئيس يشتريه فأنا ذاهب به إليه أقدمه لديه وامتن به عليه فرغب فيه الحريري ~~واشتراه وأتى به إلى داره وقال لزوجته أكرمي مثواه وأحسني مأواه فانه يخبر ~~بكل ما رآه وهو من أحسن صفاته وأعجب أموره وحكاياته ومهما فعلت زوجة ~~الإنسان ذكره على وجهه كما كان فقالت نحن بحمد الله في بركه آمنون مما ينقل ~~عنا من حركه فان رأى شيأ يهوله لا يكتمه عنا بل يقوله فتركه إلى الزوج وذهب ~~فدخل الحريف الملتهب فرأى المرأة وحدها والطير عندها فأخذ في المهارشه ~~ومديدة للمناوشة فقالت كف يدك واحفظ الذمام فانه قد حصل علينا رقيب نمام ~~فكف يدك يا حبيب لئلا نصاب ولا نصيب وتفكر في قول الشاعر المصيب: # إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل على رقيب # فقال وأين الرقيب يا ست الجار والحبيب قالت هذا الطير ليس غير فان له ~~خواص عجيبة وفيه أشياء لطيفة نجيبه منها أنه تمام ومهما رآه أو سمع من ~~الكلام فانه يفض عنه الختام ويذكره لصاحب البيت على التمام فقهقه بصوت عال ~~وسخر ms197 منها وقال صدق سيد المرسلين الذي قال النساء ناقصات عقل ودين ثم أقسم ~~بحياتها وحسن ذاتها وصفاتها ليولجن القضيب في الكثيب بمرأى من ذلك الرقيب ~~حتى إذا فرغ من أمره يمسح في منقاره رأس ايره ليعملها صحة ما أوهمها ثم ~~حاورها وغلبها وساورها وقلبها وحل الصدر بالتكمه وتعلقت الحلقة بالسكة ~~وامتزجت الألف العربية بالكاف الكوفية والتهم زر الوردة الثصبيبة شفاه ~~الوردة النسرينينه واستمر في أخذ وعطاء ولا وطاء كأنهما أفواج الحجاج أو ~~ثباج الأمواج في شيل وحط وقبض وبسط وهرج ومرج ودخل وخرج واستمر من نحو هذا ~~التصريف في بحث الرفع والجر ومن علم المطاردة والركوب في صنعة الكر والفر ~~ومن علم الزندقة والإلحاد في عالم الحلول والاتحاد إلى أن دفق الإبريق ~~العقيق في قدح اللجين شراب الرحيق وقد أنشد الحريف هذا النظم الظريف وهو: # لو تنظر الرقبا وقد عانقه ... والشمع مشتعل وبابي مقفل # طور أشاهده وأرشف تارة ... وأضمه من بعد ما أتأمل # وإذا تعشى ذيل ثوبي بادلى ... من جيبه شيء عليه المقتل PageV01P121 فلما ~~سال الميزاب بما جرى وقضى زيد منها وطرا نهض ليبر قسمه حسبما ميزه وقسمه ~~وأدنى من منقاره غرموله وكان للطائر مدة لم يتناول مأكوله فتصوره قطعة لحمه ~~صدمها إليه طعمه فانشب مخاليبه فيه فاستغاث بملء فيه وكاد أن يغمى عليه ~~واستعان بحبيبة قلبه إليه فأقبلت المرأة كالحدأة فأشار عليها أن تكشف عن ~~ساقيها وترى الطير بظرها وحمرته فربما يلتهي ويترك آلته فتكشفت وأدنته إليه ~~وعولت في خلاص صاحبها عليه فوثب لشدة قرمه وتأثير الجوع وألمه ليلهم ذاك ~~الفلهم فانشب مخاليب رجله الأخرى في فلهم تلك البظرا فاشتبكوا في البلاء ~~اشتركا وبينما هما في تعاظل الكلاب وإذا بالزوج قد دخل من الباب فرآهما على ~~تلك الحال من الاشتباك والاعتظال ونقل الطير ما قال بالأفعال دون الأقوال ~~فصح قوله وفعله وفعل مهما ما يجب فعله (وإنما أوردت) هذا البيان لا علم ~~أشرف جنس الحيوان إن الشروع فيما ليس فيه منفوع يجب الأبعاد عنه والفرار ~~منه وعدم الإصغاء إليه ms198 والتوجه والإقبال عليه ولهذا قال النبي النبيه صلى ~~الله عليه وسلم عليه من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه قال المشرقي ما ~~بقي إلا أن ترتقي فلقد طال البيان وضاع الزمان (شعر): # فانهض هديت إلى ما رمته عجلا ... فالدهر عات وللتأخير آفات # وكانت هذه المحاورة تحت ظل شجرة فيها وكر حمامة وكان لها بالبلد إقامة في ~~برج رجل من أهلالزعامة ثم اختارت العزلة واحتسبتها نعمة جزلة فاختارت هذا ~~المقام ولها فيه عدة أعوام فسمعت جميع ما قالا من مبدئه إلى منتهاه فلما ~~وعت ما اتفقا عليه وتداعيا إليه أخذت تضرب أخماسا لأسداس وتتأمل فيما يتجلى ~~من عرائس معانيه من القدم إلى الرأس وتجيل في صور مبانيه قداح النظر وتلاحظ ~~سيرة فحاويه بلوامح الفكر وتجوز مذاهبه وتروز عواقبه وتقيس مداركه بمعرجه ~~وتميس في مداخله ومخارجه فادى قائد فكرها ورائد نظرها إلى أنه ربما يكون ~~لهما شأن وعلو مكانة ومكان فان محاورتهما وما مر من مناظراتهما كانت منطوية ~~على ذكاء وفطنه وتجارب وحكمة وعلو همه صادرة عن فكره مصيب ورأى له في ~~السداد أوفر نصيب ولم يبق لهما في القدر إلا مساعدة القضاء والقدر وإذا كان ~~الأمر كذلك قالا ليق في قطع هذه المسالك المبادرة إلى التعرف بهما ~~وإعانتهما والتقرب إلى خواطرهما ومساعدتهما على ما هما فيه ومساعفتهما بما ~~تصل إليه اليد وتحويه لأنهما في حالة الشدة وزمان الانفارد والوحده محتاجان ~~إلى المساعدة والمساعفة والمرافده وفي مثل هذه الحالة تظهر الفضيلة ~~ويتحملان المنة والجميلة وتقع مساعدتي أحسن موقع ويتميز لي عندهما أرفع ~~موضع فأنه إذا علا شأنهما وارتفع بدون معاونتي قدرهما ومكانهما واجتمع ~~عليهما الجنود وأقبل إليهما الوفود وكثرت الحفدة والأتباع وتكاتفت العساكر ~~والأشياع فما يظهر لمن يتقرب إليهما ويترامى لديهما إذ ذاك كبير فائدة ولا ~~كثير عائده ثم أنها توكلت على الرحمن وصدحت على الأغصان بقولها: # على الطائر الميمون والبشر والسعد ... سموت إلى العليا نهدا على نهد # ثم هبطت وبين أيديهما سقطت فاذكرت قول الرئيس هذا الشعر النفيس: # هبطت إليك ms199 من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع PageV01P122 وقبلت ~~الأرض ووقفت في مقام العرض ولزمت شرائط الحشمة وأدت مواجب الخدمة وهنأت ~~نفسها والكون بسلطنة الملك يسار ذات الصون وقالت أني لكما نعم العون وموطني ~~في هذه الشجرة وأنا لأوامركم مؤتمرة وقد وعيت ما قلتماه وما دار بينكما ~~وذكرتماه ورأيته صادرا من مشكاة السعادة مشرقا بأنوار السيادة سهامه نافذة ~~في قلب الغرض وسيتعبد جواهر الرعايا بأدنى عرض فان حسامه مطيق لفصل القصد ~~وشأنه سيبلغ أعلى اليمن والسعد وها قد جئت مبادرة واردة منهل الطاعة وصادره ~~فأمر الأمتثل وانظر الأحتفال وتحكما لا طيع وتكلما فأني سميع فأن أشرتما ~~فالقصد قاف وأن استشر فالرأي كاف وإن خبرتما فالحزم وإن استنهضتما فالعزم ~~شاف وإن استخدمتما فالعبد خادم صاف مصاف فلما رأيا من الحمامة هذه الكرامة ~~تبسم الزنيم وتفاءل وأشرق وجهه وتهلل وتيمن بطلعة الورقا وعلم أن أمرهما ~~برقى وقال يسار هذا من علامات اليسار وجبر الانكسار والخروج إلى اليمن من ~~اليسار وعنوان السعود وحصول النجح والمقصود فان مسبب الأسباب العزيز الوهاب ~~تبارك وتعالى وجل جلالا هو مسهل الصعاب ومفتح الأبواب وإذا أراد أمرا هيأ ~~أسبابه وفتح على الضعيف طاقته وبأنه ووسع رحابه وسدد إلى مرامي المرام ~~لراميه نشابه وحصول مثل هذا الصاحب الصادق والرفيق الموافق والمعين المصادق ~~أدل دليل على أن الله الجليل ييسر هذا المطلوب ويظهر هذا النجح المحجوب ثم ~~أنهما استشار الحمامة في كيفية نيل الزعامة والشروع في هذا الأمر والتوصل ~~إلى دعوة زيد عمرو وطريقة اشتهاره وتعاطي أسباب انتشاره فقالت أنا من جنس ~~الطير مشهورة بينهم بالخير ولهم إلى سكون وعلى مناصحتي اعتماد وركون ~~فالصواب في فتح هذا الباب دعوة الجمهور من الطيور أنابه زعيم وفي الرسالة ~~حكيم فان اقتضى الرأي الرفيع توجهت ودعوت الجميع بعد التخيير والتشهير بين ~~الكبير منهم والصغير أن أبا الجراء السلطان وأبا الجداء الوزير وقد وقع ~~الاتفاق في الآفاق على هذا الوفاق فليبتهج سائر الطيور بهذا الفرح والسرور ~~وليقرأ على رؤوس الجمهور هذا المقال المنشور ولبيادر إلى ms200 الخدمة بالحضور ~~ولا يتخلى أحد من آمر ومأمور والحذر الحذر من المخالفةوعدم الانقياد ~~والمؤالفة فقد طاب الوقت وراق وزال المقت والشقاق والمسارعة في أقرب زمان ~~ليأخذ والأنفسهم الأمان ولا يركبوا من التعويض سوى متن مسافة الطريق فاعجب ~~الملك والوزير من الهديل هذا الهدير فكتب بذلك بطاقة وحملتها الحمامة بأحكم ~~وثاقة ثم أخذت إلى الجو ووقيت من الجوارح السو ثم هبطت إلى مجمع الطير وهو ~~نادي الندى والخير فرأت منها خلقا كثيرا وجمعا غزيرا فسلمت سلام المشتاق ~~وعانقت عناق العشاق فترحبوا بمقدمها وسألوا عن معرب أحوال ومعجمها وقدموا ~~موائد الضيافة وأظهروا السرور واللطافه فبثتهم كثرة الأشواق وما عانته من ~~ألم الفراق وقد حرضها شدة الشوق وساقها إليهم أشد سوق وبعثها أيضا باعث وهو ~~من أحسن الوقائع وأيمن الحوادث وذلك أن شخصا من أصلاء بني سلاق الحاكم على ~~بني زغار وبني براق تولى سلطنة السباع ومالكيه الذئاب والضباع مضافا إلى ~~ذلك الحكم على الطيور والقيام بسياسة أمور الجمهور وأقام له في ذلك وزيرا ~~كافيا ناصحا مشيرا يدعى أبا زنمه المشرقي من نسل تكابك الأرتقى وهو من ~~الفحول وكباش الوعول وقد أرسلوني إلى الجماعة يأمرونهم بالدخول في رياض ~~الطاعة ليحصل لهم الرعي والرعاية والرفاهية والحماية ويأمنوا صيد الكائد ~~وكيدا لصائد ثم شرعت نبت للكبير والصغير ما شاهدت من مخابل الملك والوزير ~~وحسن شمائلها ويمن خصائلهما وما هما عليه ونسبا إليه من الشجاعة والدين ~~والعقل المتين والفضل المبين والقناعة والعفه والمجد الذي لا تدرك وصفه وأن ~~الملك المعلوم قد عف عن تناول اللحوم وقد قنع بما يسد الرمق من حشيش النبات ~~والورق وقد تكفل برفع المظالم وردع الظالم وأجراء مراسم العدل وأحياء مواسم ~~الفضل فان أنابوا وأجابوا ربحوا وأصابوا وطالوا وطابوا وأن أبو وصبوا واهتز ~~وللمخالفة وربوا ثم كسهم الدمار وأركسهم فلا يلوموا إلا أنفسهم فصدقوها من ~~أول وهله والرائد لا يكذب أهله لأنهم كانوا بها واثقين ولكلامها في الحوادث ~~مصدقين فما وسعهم إلا الطاعة والتوجه إلى خدمة الملك في تلك الساعة وبعد ما ms201 ~~تبادروا بالتصديق طاروا بالفرح ودخلوا الطريق واستصحبوا من الخدام ~~PageV01P123 والتقادم ما يصلح للمخدوم من الخادم فلما قربت الديار ودنوا من ~~ولاية الملك يسار تقدمت الحمامة وسبقت وأخبرت الملك والوزير بما فتقت ورتقت ~~فاستبشروا بما تقدم وبادر الوزير لملاقاة المقدم فتلقاهم بالاحترام ~~والتوقير وأكرم الكبير والصغير ومشى معهم بالإكرام والحرمة وأوقف كلا منهم ~~في مقام الخدمة وحين استقر بهم المقام افتتح الوزير الكلام فأثنى على الله ~~تعالى وضاعف التحية على نبيه ووالي ثم امتدح الملك الذكي بثناء يخجل المسك ~~الزكي وذكر بعد ذلك ما يتعلق بسياسة الممالك وأن الله من بالملك عليه وساق ~~سلطنة الوحش والطيور إليه وذكر مقام كل من الطيور وما وظيفته بين أولئك ~~الجمهور فأطاع الكل وتابعوا وعلى ما اقترحه عليهم بايعوا وأنشدوا فارشدوا: # ونحن أتينا ظائعين ولم نكن ... عصاة فرم غير الطيور عساكرا # ولما انقضى الوطر من قضايا الطير أخذوا في استدعاء جموع الغير من الوحوش ~~الكواسر والبهائم الجواسر والهوام النواشر والجوارح النواسر وأرسلوا في تلك ~~الجماعة الحمامة وقلدوها فيه طوق الزعامة فتوجهت نحو الوحش وإلى كل فارح من ~~الصيد وجحش وكانوا بذلك قد سمعوا وللمشاورة فيه قد اجتمعوا فبلغت الحمامة ~~الرسالة وأظهرت ما فيها من بسالة وكان آخر ما وقع عليه الاتفاق الوفاق وعدم ~~النفاق وقصد الارتقاء والتوجه إلى خدمة الملك يسار صحبة الرفاق وقالوا لا ~~شك أن الكلب بالوفاء مشهور وبحسن الرعاية والحراسة مذكور ويقدر أن يرعانا ~~من الإنسان ويجمينا من السباع ومؤذيات الحيوان وأوصافه مذكورة في الكتاب ~~وناهيك بفضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب فتقدم خزز من بين تلك البزز ~~يدعى رئيس الأرانب محبب إلى الأقارب والأجانب وهو مشهور بالحصافة موصوف ~~بالذكاء والظرافه والمعرفة التامة والتجربة المفيدة العامة بعيد الفكر في ~~العواقب سديدالرأي حازم مراقب وقال يا معشر الأصحاب وأولي الأبصار والألباب ~~كيف خفي عليكم ولم يتضح لديكم عاقبة هذه الأمور وما فيها من عكوس وشرور وهل ~~بصلح للرياسة وإقامة السلطنة والسياسة أهل النذالة والخساسه المنصف ~~بالقذارة والنجاسة أو ما علمتم أن من ms202 أفحش السباب الشتم باخس من الكلاب أو ~~ما سمعتم في كلام مالك أزمة القلب في حق عامله بالسلخ والسلب فمثله كمثل ~~الكلب أو ما قال صاحب الشرع في حق ما ولغ فيه الكلب بالسبع ثم التعفير ~~بالتراب وهو مذهب كثير من الأصحاب وأن يطهر بالدباغة منه الإهاب لا أصلي ~~تقي ولا وصف نقي ولا نسب طاهر ولا حسب ظاهر ولا وجه زاهر ولا شكل باهر فان ~~كنتم نائمين انتبهوا واعرضوا فما قصدتم إليه وانتهوا فلعن الله زمانا صار ~~فيه التيس وزيرا والكلب سلطانا ولقد أرشد من أنشد: # لقد جار صرف الدهر في كل جانب ... من الأرض واستولت علينا الأراذل # هل المسخ إلا أن ترى العرف منكرا ... أو الخسف إلا حين تعلو الأسافل # فتصدى الهديل للجواب وقال لا شك ولا ارتياب أن المستحق للسلطنة الإمام ~~العادل والشخص الكامل الفاضل ولا يقدح في هذا الفصل دناءة الأصل فقد قال ~~القيوم الحي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي وكل من اتصف بالهمة ~~العلية والأوصاف السنية ومكارم الأخلاق والشيم وانتشر بها صيته بين الأمم ~~يستحق أن يرأس بين العرب والعجم وأما الأنساب ففي نص الكتاب قال من بقوله ~~يهتدي المهتدون فإذا نفخ في الصور فلا انساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون وقال ~~الشاعر: # كن ابن من شئت واكتسب أدبا ... فسوف يغنيك ذا عن النسب PageV01P124 إن ~~الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي # وقال أيضا: # لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه ... على ما تجلى يومه لأبن أمسه # وما الفخر بالعظم الرميم وإنما ... فخار الذي يبقى الفخار بنفسه # وأما الأوصاف فلا شك ولا خلاف في أن الكلاب فضلت على كثير ممن لبس الثياب ~~وما ذاك إلا لأوصاف اختصتها وآثار اقتفتها واقتضتها وهي مشهورة وعن الكلاب ~~مسطوره ومن جملة محاسنهم مأثورة وأما الأوصاف الذميمه فيمكن صيروتها ~~مستقيمة وذلك بحسن التأديب والتربية والتهذيب والتمرين والتشذيب حتى يصيرنا ~~به مديه وهذا ليس فيه مريه ويجتزي بالفاكهة والبطيخ عن اللحم السليخ ~~وبالخبز الشعير عن ms203 أكل لحم الحمير وناهيك يا أبا وثاب ما قيل في الكلاب ولا ~~بسبي الثياب (شعر): # وما ضر أهل الكهف إيمان كلبهم ... ولكنهم زادوا يقينا على هدى # وماذا أفاد العلم بلعام وهو من ... بني آدم لما إلى الأرض أخلدا # وهذا السلطان قد عاهد الرحمن إن لا يمزق حيوان ولا يذوق لحمان وأن يقنع ~~بالكفاف ويسلك طريف العفاف وما ذاك لعجز ينسب إليه ولا لوهن طرأ عليه بل ~~سمت همته عن ذلك ترفعا وسلك طريق الملوك في أحياء هممها ومعاليها تطبعا ~~وبضدها تتبين الأشياء فان أحببتم كان لكم الحظ الأوفر وإن امتنعتم فقد أعذر ~~من أنذر وبلغ من حذر وما قصر من بصر والعاقل من يتبصر عيوبه ويسلك من الخلق ~~الجميل دروبه وقد قيل لأمير النجل ذاك الأسد الفحل كرم الله وجهه وجعل له ~~إلى الرضوان أحسن وجهه يا أمير الامؤمنين وابن عم سيد المرسلين ممن تعلمت ~~الأدب قال من قليل الأدب يعني إذا رأيت في أحد خلقا ذميما أو وصفا فسد ~~بادرت إلى افتقاد نفسي وتأملت في حدسي وحسي هل أبا محلى بذلك الوصف أم لا ~~فان لم يكن اجتهدت أن لا يكون وأن كان أبعد عنه عرضي وأصون وحسبك يا ذا ~~الرتبة العالية استنكاف اللص العاقل من قول تلك الزانية فقالت الخزز ~~للحمامة: # أخبريني بذلك الاستنكاف يا ذات الكرامة ... قالت الحمامة ذكر رواة ~~الأخبار عن شاطر من الشطار # قد بلغ في الشطارة واللصوصية غاية المهارة يسرق الوهم من الخاطر والرائحة ~~من الطيب العاطروالنوم من أجفان الوسنان واللماطة من أسنان الجيعان ويأتي ~~على كوامن الغيوب فضلا عن خزائن الجيوب ويلف الرخيص والغالي والوضيع ~~والعالي وقد أعجز المقدم والوالي ففي بعض الأوقات قصد جهة من الجهات فبينا ~~هو في المناهضة والمناهزة غشيه الوالي مع العسس والجلاوزه ومعهم امرأة بغى ~~قد خرجت عن الصراط السوى وهم يضربونها وعلى أفظع حالة يسحبونها وهي تستصرخ ~~المسلمين وتستغيث أئمة الدين فلما أحس اللص بهم نكب عن دربهم وولاهم عطفه ~~ونزوى في عطفه وانتظر حتى يمروا فسمع ms204 المرأة وهم بها قد أضروا وهي تصيح ~~بلسان فصيح وتقول يا أهل الإسلام وأمة خير الأنام أنجدوني وارحموني ~~وأسعدوني لا سرقت ولا نقبت ولا اختلست ولا سلبت ولا ظمعت في مال أحد ولا ~~نهبت ولا وقفت لأحد في درب وإنما استنفق من حاصل دار الضرب وذلك ملكي وحوزي ~~وثمرة لوزي وجوزي باشارة سهام الحاظي الملوزة من قسى حواجب بالجمال متوزة ~~وسفارة نظام الفاظي المعززة المشبه باب طريقها دررا في العقيق والرفيق ~~مغرزه فما لي على أحد ولا طمعت في مال أحد فيحصل له منى ملل فلما سمع قاصد ~~الحرام هذا الكلام أفاق خاطره وراق وتنبه لقبح صنعته وأن الزواني تانف من ~~حرفته وتستنكف مما هو مفتخر بفضيلته فقال لعن الله فعلا تنتقصه الخواطي ~~وتبا وسحقا لمتعاطيه من متعاطي ثم عاهد الله التواب ورجع إليه عن صنعة ~~الحرام وتاب (وإنما أوردت) هذه المناقب يا شيخ الأرانب لتعلم أن العاقل من ~~يتصفح جرائد أعماله ويتأمل صحائف حركاته وأحواله وأن هذا الملك صفى شراب ~~صفاته من كدورات الهوى براورق للراقبة ونقى رياض ذاته من شوك الأخلاق ~~الذميمة بمنكاش المعاتبة بقدر طاقته وإمكانه وهو مثابر على ذلك في غالب ~~ازمانه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها وليس لك أن تعترض بان النفس لا تغير ~~طبعها وليس الأكمة كالأرمد ولا السطيح كالمقعد، ولا سحبان كباقل ولا العاقل ~~كالتعاقل، ليس التكحل في العينين كالكحل وتخرج يا مسكين. PageV01P125 ~~بواقعة السلطان محمود بن سبكتكين مع وزيره حسن الميمندي بسبب القضية ~~الواقعة لأبن الجندي فسأل أبو عكرشة أبا عكرمة عن هذه الواقعة ليتبين من ~~التمثيل مواقعه (فقال) إن السلطان محمود ذا الطالع المسعود الذي فتح بلاد ~~الهنود جرى بينه وبين وزيره مباحثه وقع فيها عن دقيق العلوم منابئه في أن ~~الطباع هل تقبل التغيير أم لا تستحيل عما جلبها عليه الفاطر الخبير فقال ~~الوزير نعم تقبل التغيير بواسطة التأديب وحسن التهذيب وحسن التشذيب ~~والتهذيب وقد شاهدنا الطباع من الوحوش والسباع بواسطة التعليم تركت الخلق ~~الذميم واكتسبت الوصف المستقيم فجريان ms205 هذا الإمكان أحرى أن يوجد في جنس ~~الإنسان فقال السلطان المظفر لا تتحول الطباع ولا تتغير ولا يمكن صرفها عما ~~جبلت عليه ولا يتصور فال من ليس في كلامه اشتباه فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها لا تبديل لخلق الله وقال القائل وتأبى الطباع على الناقل واستمر هذا ~~الكلام بينهما عدة أيام إلى أن ركب السلطان وقصد السيران والوزير في ركابه ~~من خدمه وأصحابه فرأيا من بعد شابا من أولاد أحد الجند وهو جالس على فرع ~~شجرة يابس يريد قطعه لما عدم نفعه وقد جعل ظهره إلى طرف الفرع وهو عمال ~~بالمنشار في أصله للقطع فتأمل السلطان والوزير في هيئة ذلك الظبي الغرير ثم ~~قال السلطان للوزير بين الأعيان وطبع هذا أيضا داخل في الأمكان وهو يقبل ~~التغيير والتعليم ويمكن استحالته بالتأديب والتفهيم فلم يجر الوزير جوابا ~~لا خطأ ولا صوابا ثم أشار إلى بعض خوله أن يذهب بذلك الشاب إلى منزله فلما ~~نزل من الركوب أحضر ضلك الشاب المرعوب الغافل المحبوب ثم طلب له مؤدبا ~~حاذقا مهذبا وأمره أن يجتهد في تعليمه ويبالغ في تأديبه وتقويمه ويوقفه من ~~العلوم على دقائقها ويسلك به إلى خفايا طرقها وطرائقها فاشتغل بتربيته ليلا ~~ونهارا وبذل مجهوده في سرا واجهارا إلى أن برع في أنواع العلوم وضبطها من ~~طربقى المنطوق والمفهوم ولما فرغ من العلوم أدناها وأنهارها من مبتدئها إلى ~~منتهاها شرع به في علم إدريس وهو علم النجوم النفيس واستطرد منه إلى علم ~~الرمل المنير ونوسل بهإلى أن توصل إلى إخراج الضمير فأتقن هذه العلوم لا ~~سيما إخراج الضمير الموهوم فلما أتقن ذلك وسلك فيه أدق المسالك أحسن الوزير ~~إليه واستصحبه إلى الملك ودخل به عليه فقبل الأرض وأدى من شرائط الخدمة ~~النافلة والفرض وقال للسلطان محمود أن هذا هو ذاك الشاب المعهود وقد برع في ~~العلوم ووصل إلى استخراج الضمير المكتوم وقد بدلت بلادته بالذكاء وصار ~~فؤاده كابن ذكاء فان اقتضت الآراء السلطانية سبرته واعتبرت فهمه بعدما ~~اختبرته فادخل السلطان يده ms206 في كمه ونزع خاتمه من بصمه وأطبق يده عليه ليسبر ~~منتهى علمه وينظر ما قاله الوزير في كيفية هذا التبديل والتغيير ثم أخرج ~~يده من كمه وقال ليظهر نتائج علمه ليخبرنا بما في كفي وعن حواس العيون مخفي ~~فتقدم الشاب ورفع الإصطرلاب ووضع أوضاع الحساب وخط ذلك النقي أشكال لحيان ~~والنقي وسائر الأوضاع من الطريق والاجتماع ثم نظر وسبر وعبس وبسر وقدر ~~وافتكر وقال دل الشكل والله أعلم أن ما حواه الكف المكرم شيء من المعادن ~~محفوف بسودد أسواد بائن وهو في أفضل الأشكال لأنه مستدير وفي أحسن الألوان ~~لأنه مستنير وفي دائرته قطر ومركزه وفي وسطه ثقب لمغرز وهو ثقيل أما في ~~الثمن أو في التحميل ثم تأمل بعد الوقوف في أن هذا الموصوف ماذا يكون فقال ~~كان والله أعلم فردة طاحون فضحك السلطان الكبير وخجل لذلك الوزير ثم قال ~~السلطان أبي والله وله السبحان أن يكون بأقل كسحبان: # إذا كان الطباع طباع سوء ... فليس بنافع أدب الأديب # (وإنما أوردت) هذه المسائل لئلا يعترض قائل ويستدل بمثل هذا الدليل على ~~أن الطباع لا تقبل التغيير والتحويل بل الطباع تتغير: # ومن ذا الذي يا عز لا يتغير ... فسبحان من لا يحول ولا يزول PageV01P126 ~~الذي وضع عالم الكون على الانتقال والحلول وكل لجلال عظمته مخبت يمحق ما ~~أراد بثبت ويمحو ما يشاء ويثبت ومذهب أهل الثبات في المحو والإثبات أن ~~الكافر قبل الإسلام كافر عند الملك العلام وبعد ما انخرط في سلك المؤمنين ~~صار مؤمنا عند رب العالمين وعلى هذا التقدير والتقرير أيها الفاضل الكبير ~~والعالم النحرير فالملك يسار نظر بعين الاعتبار وتنصل من رذائل الأوصاف ~~وتخلق بأخلاق الأشراف من التلبس بالعدل والأنصاف ولولا نيته الصالحة ما ~~صارت صفقته في المبايعة رابحه ولا كانت كفة فضله راجحة ولا زايله النكد ولا ~~أطاعه أحد والأعمال بالنيات وعلى مقدار النيات العطيات وجنس هذا الملك في ~~الأوصاف المتباينة مشترك فانه قد جمع بين خصائص الحيوان حتى كأنه سبع بهيمة ~~إنسان كما قيل: # جمع الكلب ms207 في حلاه صفات ... فهو سبع بهيئة إنسان # وكما قيل أيضا: # يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم PageV01P127 ~~وأنا يا مولاي أعرض عليكم هذا الرأي وهو شاهد عدل وحكم فصل وهو أن يقع ~~الاتفاق على واحد منكم من خلص الرفاق من تحققتم حسن آرائه وصدقه في أنبائه ~~وصحة دينه ورصانة عقله ويقينه فانطلق في ركابه إلى حضرة الملك وجنابه ~~فيكتحل بأنوار طلعته ويشمله ميامن رؤيته ويطالع جميل صفاته ليسكن إلى فضيل ~~حركاته وينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين فيزول باليقين الشك ويظهر ~~خلاصة الذهب بالحك ثم يأخذ لكم العهد والميثاق بما يقع عليه الاتفاق وما ~~ترضونه وترونه من الصواب ويرد عليكم بذلك الجواب فان وافق قصدكم توكدون ~~عليه عهدكم وتتوجهون بقلوب مطمئنة وخواطر في حصول المرام مستكنة والأفترون ~~رأيكم فيما عليكم ومالكم فاستصوبوا هذا الرأي واسترضوه واستعذبوا لطيف ~~معناه واستحسنوه وانتدبوا لهذا الأمر الخطير من يصلح أن يكون عند الملوك ~~السفير فوجدوا ظبيا طيب العناصر قد عقدت على غزارة فضله الخناصر من أعقل ~~الجماعة وأذكاها وأحسنها رأيا وأدهاها فقلدوه الزعامة وأرسلوه مع الحمامة ~~على أن يجتمع بالملك يسار ويعاهده على ما يقع عليه الاختيار ثم يسمع أقواله ~~ويشاهد أفعاله ويميز أحواله ثم يرد عليهمالجواب فيميزوا ما فيه من خطا ~~وصواب فيبينوا عليه ويرجعوا إليه فتوجه الظبي والحمامة مستصحبين الأمن ~~السلامة فلما قربت الديار سبقت الحمامة إلى خدمة الملك يسار وأخبرته بصورة ~~الأخبار وأن الظبي في العقب مقبل بما يحبه الملك ويجب فأمر الملك الوزير أن ~~يتلقى الظبي الغرير مع جمع الطير الكثير فتقدم الوزير وقال أسأل مولانا ~~الملك المفضال أن صدر من هذا القاصد خطاب أن يشار إلى برد الجواب فان ذلك ~~أعلى للحرمة وأدنى للحشمة وأقوى لناموس الملك والرياسة وأزهى لطاوس البسوق ~~والسياسة فان كان ذلك الجواب متحليا جيده بعقود الصواب كانت سعادة الملك ~~الملهمة وفي خدم الملك من تصدى للأمر وأبرمه فان خرج عن طريق الجادة فلا ~~ينسب إلى الملك تلك المادة بل يتلقاه ms208 الملك بكرسه ويكون الخطأ منسوبا إلى ~~خدمه فأجابه إلى ما سأل وتقدم الوزير للملاقاة مع سائر الخول فتلقوا الظبي ~~بالترحاب وفتحوا في وجهه للكرامة أوسع باب ومشوا معه حتى وصل إلى الحضرة ~~وشاهد تلك الحشمة والنضرة فقبل الأرض ووقف وعرف مقدار الملك وأعترف وأدى ~~الرسالة وبين للملك ما فيها من رقة وجلاله فقابله الملك بما يليق بحشمته ~~وأجلسه بالقرب من حضرته وخاطبه بما أذهب دهشته وآنسه بملاطفات جلت وحشته ~~وسأله عمن خلف وراءه واستقصى في التفحص أحواله وأنباءه فبلغ عبوديتهم ~~وطاعتهم وأن الإخلاص والطاعة شملت جماعتهم وفتح فم الدعاء بلسان ذلق وخطاب ~~طلق وكلام غير معقد ولا قلق وأطال في الدعاء وأطنب في الشكر والثناء وسال ~~شمول المراحم وكف كف المتعدي والمزاحم فانهم انبسطوا وانشرحوا وابتهجوا ~~باستيلاء هذا الملك وفرحوا وشكروا الله هذه النعمة وأنى يفون بشروط ~~العبودية والخدمة ثم سأل أخذ الميثاق وتأكيد العهد بالإيثاق بالأمان ~~والاطمئنان لمن وراءه من الوحوش والغزلان فأعطاهم الأمان وشملهم بالإحسان ~~على أن لا يراق لهم دم ولا يهتك لهم حرم وأنهم يرعون حيث شاؤا ويسرحون حيث ~~ذهبوا وجاؤا وأن الملك يسار حاكم سلوق وزغار وخليفة براق وكوباك والتتار قد ~~عاهد الملك الجبار أن لا يتعرض لوحش القفار ولا لأحد من أجناس الأطيار حتى ~~ولا لحيتان البحار ولا يريق لهم دما ولا يقصد لهم أذى ولا ألما ويرعى ~~جانبهم ويقضي مآربهم ويحفظ شاهدهم وغائبهم ويمنعهم من مناويهم ولا يسلط ~~عليهم من يؤذيهم ما داموا تحت طاعتي وفي جواري وذمتي فقبلت الغزالة بشفاه ~~العبودية خدا لجداله وقالت هذا كان المأمول وجل القصد من الصدقات والمسؤل ~~والذي جيء لأجله فقد حصل من صدقات الملك وفضله ولكن العلم العالي محيط بان ~~وحوش البسيط أقوام ضعاف ليس بينهم ائتلاف وهم طوائف كثير والاختلاف أجناس ~~متفرقة وأنواع متمزقة ليسوا كقطائع الغنم مجتمعين ولا كحشار الخيل ممتنعين ~~ولا بعضهم لبعض متبعين ثم لم تزل العداوة بينهم قائمة وعيون الصلح والاتفاق ~~عنهم نائمة لا يضبطهم ديوان ولا يحصرهم حسبان ولا يمتعهم ms209 من التعدي سلطان ~~القوى يكسر الضعيف ويمزقه والشاكي يستطيل على الأعزل ويفرقه ولأجل هذا ~~المعنى لا يمكن اجتماعهم في مغنى بل البعض في قلل الجبال متوطن والبعض في ~~سرب التلال متحصن والبعض متشتت بذيل الكهوف PageV01P128 والمغارات والبعض ~~الآخر في الآجام والآكام خوف الغارات وكل يخاف حلول البلاء قد اتخذ لذلك ~~القاصعاء والنافقاء واستعد بفنون الكيد خوفا من جوارح الصيد وإذا كان الأمر ~~كذلك فاجتماعنا متعسر وحفظنا في الملك غير متيسر فلا بد من ترتيب قاعدة تعم ~~منها جميع الوحوش الفائدة ويشمل أمنها غائب الملك وشاهده وإلا فالحاضر آمن ~~وقلب الغائب غير مطمئن ولا ساكن فليفتكر للرعية في ضابطة تكون الحرمة فيها ~~للقريب والنائي باسطه فالتفت الملك للوزير وقال أجب هذا السفير فقال الزنيم ~~يا أحسن ريم هذه الأفكار من قصور الأنظار وعدم التأمل والاستبصار وإلا فان ~~السلطان في كل مكان كلمته عليا ووجوده كالشمس في الدنيا فكما أن الشمس إذا ~~استوت وعلى سرير كبد السماء احتوت عم فيض شعاعها الجبال والآكام والتلال ~~والآجام وانتشر على البحر والبر واشتهر على الفاجر والبر فرست الأزهار ~~والأثماروشبت مشاعل الكلا في القفار وطبخت الغلال وفواكه الأشجار وصبغت في ~~كوامن المعادن جواهر الأحجار كما قيل: # كالشمس في كبد السماء محلها ... وشعاعها في سائر الآفاق # كذلك الملك العظيم إذا انتشر صيت عظمته وعدله في سائر الأقاليم شمل فضله ~~الشريف والوضيع وبلغ جود جوده والرفيع وردع عدله الطائع والعاصي ووسع نواله ~~الداني والقاصي وأنه كالغمام الصيب الصبيب على الربيع الخصيب والديمة ~~المطبقة والمزنة المغدقة إذا انتشرت في الآفاق وصارت لام عهد عاهدها ~~للأستغراق فروت الحضيض والبقاع وعمت الوهاد والتلال والبقاع وخاطبها ظمآن ~~الرياض وعطشان الغياض شعر: # أمطر على سحاب جودك مرة ... وانظر إلي برحمة لا أغرق PageV01P129 هذا ~~ومتى انتشر في الأطراف أنكم التجأتم إلى هذه الأكناف وتطرز بشمول الصدقات ~~السلطانية من ملابس طاعتكم الطراف والأطراف منعت العواطف الملوكية والخواطر ~~الشريفة السلطانية عوادي المعادي وكفت أكف المصادم والمصادي فلا يجترئ أحد ~~على التعرض لكم ولا يخطر ببال مخالف ms210 أن يقطع سبلكم قال الرسول الأمر كما ~~يقول مولانا الأمير وما أحسن هذا التقرير ولكن مع المراحم السلطانية وصدقات ~~العواطف الملوكية وحسن الطوية وإحسان النية فلا بد للسياسة وضبط الرياسة ~~وقواعد الملك في الحراسة من ضابط يبني عليه الملك لأمره أساسه لا يتميز به ~~كبير دون صغير ولا يختص برعايته جليل غير حقير فان من أحسن أوصاف الملوك ~~والأكابر أن لا يغفلوا عن تفقد أحوال الصعاليك والأصاغر ولا يقتصر وافي ذلك ~~على نوع دون جنس كما يفعله لغلبة الهوى بعض حكام الأنس مع أنهم مسؤلون عن ~~جليلها وحقيرها ومحاسبون على كبيرها وصغيرها وفي شأنهم قد قال من في ضبط ~~حركاتهم وملكاتهم استقصاها ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ~~ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وقد ~~تنبه لهذا الفعل الرجيح أيها الوزير النصيح والمنطق الفصيح أنوشروان وهو من ~~الكفار واشتهر عنه قضية الحمار فسال الوزير بيان هذا التقرير (فقال) الريم ~~بلغنا أيها الكريم أن أنوشروان بالغ في نشر العدل والإحسان ومعاملة الرعية ~~كبيرا وصغيرا بالسوية وبذلك في ذلك جهده واستنهض لمساعدته وكده وكده واختشى ~~أن يمنع المتظلم الفقير الأبواب بسبب حاجب أو كبير لغرض أو عرض أو ارتشاء ~~من في قلبه مرض فيمشي مدلس البراطيل من خوف الأباطيل ويضيع بحث صارخ الحق ~~في أوقات التعطيل فاداه قائدا اجتهاده وانتهى به رائد مراده إلى أن يعقد في ~~طاق مبيته ومجتمع خاطره عن تشتيته من محاذي السرير حبل من الحرير ويربط ~~طرفه الأدنى في حلقة الباب حيث لا حاجب ولا بواب وهو مكان مجتمع الجمهور ~~ولا يمنع أحد فيه من الوقوف والمرور وأن ينشد فيه أجراس من خالص الذهب لا ~~النخاس بحيث إنه إذا حرك الحبل صوتت الأجراس صوتا أخرس الطبل ثم أمر مناديا ~~أن يرفع صوتا عاليا بان من كان شاكا فعليه بتحريك ذلك الحبل ليقع الظالم في ~~الكبل أو ينتصر المظلوم من بعد ومن قبل فاشتهرت هذه العادة ونال بها في ~~الدنيا السعادة ms211 وعظم صيته وخمدت عفاريته وانتصف صفاريته ففي بعض الظهائر ~~عند قائلة الهواجر وأنوشروان في مبيته قد طاب اضطربت الحبل والأجراس أشد ~~اضطراب ففز أنوشروان مذعورا وتصور المحرك مظلوما مقهورا فابتدر بطلبه لينظر ~~في ظلمه وسببه فتبادروا إلى إحضاره واستكشاف أخباره وإذا هو حمار حرب جنب ~~جسمه من الجرب خرب ومتن ظهره من الحكة نقب وقد هد عمارة عمره هادم الهرم ~~وألهت حشيش حشاشته من الجوع ماضي الضرم يحمله صاحبه ما لا يطيقه ويقطع عنه ~~قوته وعليقه يؤذيه ولا يداويه ولا يداريه فطلب مالكه وعتبة ثم زخره وضربه ~~ثم أمر بالنداء في الأسواق وامتد ذلك حتى بلغ الآفاق وعم الضواحي والرزداق ~~أن يسلك بما ملكت اليمين الإرفاق ولا يفتر عليها في الأنفاق وكل من عنده ~~دابة قد استعلمها في صباها واستوفى في خدمته قواها يراعي حقوقها إذا كبرت ~~ولا يضيع ما قدمت بما أخرت وصك وجهذلك الرجل صكا وكتب عليه بفرض حماره صكا ~~(وإنما ذكرت) هذا المثال في معرض ما يقال من أن عدل السلطان خير من خصب ~~الزمان وأيضا فان قصد الملك إذا كان صالحا كان أمره في جميع الأزمان ناجحا ~~وسخر الله له من يرشده إلى قصده ويعينه على أمور شعائره ويحيي ذكره من بعده ~~وتدر على يده سحائب البركات ويجري منها على غير قصده أبحر الخيرات وحفظ كل ~~من إليه ينتسب ورزقه كل ذلك من حيث لا يحتسب وحاصل هذه المقدمة أن المسؤل ~~من الصدقات المعظمة انه إذا ترامى على أبواب عدلها شاكي أو تعلق بأسباب ~~معدلتها متظلم باكي تتصدى هي بنفسها لكشف ظلامته ولا تترك الغير في فصلها ~~لإقامته وأن الفقير من جماعتنا والضعيف من أهل طاعتنا إذا مست الحاجة به ~~إلى بث شكوى أو رفع بلوى يتقدم إلى شكواه بلا واسطه ليأمن في أمره المغالطة ~~ويصادف مقسطه لاقاسطه ويتساوى في كل من مشرب العدل والأنصاف ومراعي الفضل ~~والألطاف الظباء والأسود والذئب والعتود والعقاب والعصفور والحمام والصقور ~~ولا يتقدم في الدعاوي من حيث التساوي الوجيه على الجاهل ms212 ولا PageV01P130 ~~النبيه على الخامل ولا الكبير على الصغير ولا الجليل على الحقير فان اقتضت ~~الآراء العالية توليه عامل في ناحية فليكن ممن له شفقة تامة ورحمة في أمر ~~الرعية عامه ويعرف ذلك بمن حربته العلوم الكريمه وتحققت أن نيته في رعاية ~~الرعية مستقيمة قد صارت له الشفقة ملكه وكل من العدل والأنصاف قد ملكه ولا ~~تولى أحد الغرض أو من في قلبه من أذى المساكين مرض وأن الطبيعة إذا اعتادت ~~عاده والمسجية إذا جعلت لها بعض الأوضاف قلادة سواء كان ذلك مذموما أو ~~محمودا مقبولا عند العقل والشرع أو مردودا فإنها فإنها تبرزه في غالب ~~الأوقات ولا نتخلف عن ملابسته في أكثر الحالات (شعر): # العين تعرف من عيني محدثها ... إن كان من خربها أو من أعاديها ~~PageV01P131 وكل قضية لا يساعدها القلب فمنتها على العكس والقلب ونظيرها يا ~~رئيس المدارة قضية من زوجته أمه وهو كاره فسأل الوزير من السفير تقرير هذا ~~النظير (فقال) كان شاب من العراب قصدت أمه تأهله فزوجته بامرأة أرملة ولم ~~يكن له احتياج ولا رغبة في الزواج واختار التخلي للصلاة على مذهب الإمام ~~الشافعي رحمه الله ولكن فر من العقوق وكتب على نفسه الحقوق فلما عقدت ~~الوليمة وصممت العزيمة وجمعت النساء والرجال أرسلت أمه إلى جار لهم قوال ~~أستاذ في صنعته ماهر في حرفته فدعته إلى الجمع ليبتهج بحسن غنائه السمع ~~فيشغل الوقت ويذهب المقت ويحصل للحضور النشاط والسرور فتخلف وأبي وعن ~~الحضور بنا فسئل عن تصلفه وسبب تخلفه فقال بلغني أن الزوج الخاطب غير طالب ~~ولا راغب وإذا كان كذلك فلا بغني الغناء إلا العناء ولا يؤثر في القلوب ~~والأسماع بل تنغر عند سماعه الطباع فكل شيء لا يصدر عن رغبة القلب فان ~~أيجابه لا يفيد إلا السلب فيضحك على القائم والقاعد ويسخر مني الصادر ~~والوارد ويروح تغزلي في البارد وإنما ذكرت ذلك لأعراض على آراء المالك أنه ~~إذا أولج أمر الرعية إلى أحد من الخاصكية ينظر إلى شفقته ويسير وفور مرحمته ~~ثم يوليه عليهم ms213 ويتقدم بالطاعة إليهم فيستقيم إذ ذاك فعلهم وفعله ويظهر في ~~حركاته وسكناته عدله وليس العدل في القضايا تساويها ولا إجراؤها على نسق ~~واحد يحويها بل معرفة مقاديرها وبيان تقريرها في المبادي وتحريرها ثم ~~أجراؤها على مقتضى مدلولها ورد فروع كل مسئلة إلى أصولها ووضع الأشياء في ~~محلها وإيصال الحقوق إلى أهلها ومعرفة منازل أربابها وأوضاع أصحابها ومراتب ~~طلابها فمن لم يحقق هذه الأمور أضاع مصالح الجمهور فأعطى غير المحق ما لا ~~يستحق ومنع الحق عن المستحق وقد قيل يا أبا السعود أن حقيقة الجود إعطاء ما ~~ينبغي لمن ينبغي وإلا كان كالباذر في السباخ وأشبه في أمره أجير الطباخ ~~الذي لم يعرف معنى العدل فقصده فوقع في الجدل فسأل الغزال شيخ الأوعال عن ~~هذا المثال (فقال) كان عند بعض الأشياخ من الطباخين أجير طباخ له رغبة ~~منهمه على معرفة طبخ الأطعمة وكيفية ترتيبها وصنعة تركيبها وكان مغرما بذلك ~~يسلك فيه كل المسالك ويرد فيه الموارد ويتبع كل صادر ووارد ففي بعض الآناء ~~وقف على طبيب منت الأطباءفسمعه يقول أن أصلا من الأصول العدل والتسوية بين ~~الأطعمة والأغذية والعقاقير والأدوية فمن لم يستعمل الأستوا في درجات ~~الغذاء والدواضل عمله وغوى وأصل هذا المزاج ولا ينكره إلا ذو لجاج فان ~~العناصر الأربعة منها المضرة والمنفعة وقد تولد منها السوداء والبلغم ~~والصفراء والدم فمتى اعتدلت هذه المتولدات صحت الأبدان واللذات ومتى عن ~~الاعتدال عدلت أمرضت وقتلت وكذلك النير الأعظم والكوكب المضيء في العالم ~~إذا حل في مركز الاعتدال استقام للعالم الحال وطاب الزمان واعتدل وذلك عند ~~نزوله في برج الحمل فتصور ذلك الولهان أن المقصود التسوية في الأوزان ~~فانصرف وهو فرحان وقصد طعام الزبر باج وعبى من مفرداته ما يحتاج ثم أنه ~~ساوى بين أوزانها وقصد العدل في ميزانها وخلط كعقله أخلاطها ووضعها في قدر ~~وساطها فخاب عمله في عدله وبان نقصه في فضله فلما رعى الملك والوزير ما ~~سلكه السفير في نظام هذا التقرير شكرا له مساعيه وأخصبا في الإكرام ~~والإعزاز مراعيه ms214 وقالا جزاك الله خيرا عن شفقتك وحسن صنيعك لمرسليك ورفقتك ~~فمثلك من يصلح للسفارة بين الملوك وتولى أمور الرعية من الغنى والصعلوك ~~فانك ناصح لمن فوقك شفيق على من دونك ثم قال الوزير أن هذا الملك الكبير ~~مقاصده العظيمة أن تكون الأمور مستقيمة وأن يصلح العباد والبلاد ويطمئن ~~المستفيد والمستفاد فاحتفظ أيها السفير المنير الضمير بما سمعت ورأيت ~~وشاهدت ووعيت واجعله من عنوان أنبائك ومقدمات أفعالك وآرائك وأبلغه من يحفك ~~من أمامك وورائك ومهما وصلت إليه قدرتك وأحاطت به يدك وكلمتك من إبلاغ ~~الخير إلى مسامع الوحش والطير عن هذا الملك وأوصافه وتطلعه إلى مراقي السير ~~والإحسان واستشرافه وما تسكن به الخواطر وتطمئن به الضمائر وتقر به العيون ~~بالسرور وتستقر به القلوب في الصدور فلا تأل فيه جهدا وأوسع فيه جدا ولا ~~تنه في إنهائه حدا فان المجال واسع وميدان المقال شاسع وقد أذن لك فيه وأن ~~أخفيته في نفسك فالله مبديه ثم كتب له بذلك مراسيم عن ثغر الأماني ~~PageV01P132 مباسيم وأفيض عليه خلع الكرامة وأضيف إليه الحمامة ورجع إلى ~~أهله مغمورا بفضله مسرورا بقوله مشكورا بفعله فائزا بالمطلوب ظافرا بكل ~~مرغوب فارغ البال طيب الحال فاتصل بأهله في دياره وهم في انتظاره فبادروا ~~بالسلام وقابلوه بالاستلام وقالوا ما وراءك يا عصام فبلغ الجواب بارشق ~~عبارة وأليق خطاب وذكر لهم ما رأى وسمع ووعى فانتشرت هذه الأخبار حتى ملأت ~~الأقطار وتسامع بها وحوش القفار وفاح بطيب نشرها الأزهار فكان جميع البر ~~معطار ثم اجتمع رؤساء الوحوش والبهائم رعرفاء الصوادح والبواغم وكل ساكن في ~~القفار من سائم وحائم وأرسل كل إلى أمته رسوله يدعوها إلى ما يحصل سولها ~~وسوله فلبت كل أمة دعوة رسولها وأقبلت لاستماع المراسيم وقبولها فاجتمعوا ~~في رياض مرج أخضر وحلقوا لاستماع المراسيم حول المنبر وأطرقوا وسكتوا ~~واستمعوا وأنصتوا وتناول المرسوم الصادح من الباغم وصعد على الغصن الناعم ~~مطوق الحمائم وابتدأ باسم الكريم الغفور وقرأ على رؤس الأشهاد مضمون ~~المنشور ودعاهم إلى الطاعه والدخول في سنن السنة والجماعه ms215 وأنهم لا يتاخرون ~~عن الحضور بعد الأطلاع على مضمون المنشور فانه فرمان أمان لكل من أجناس ~~الحيوان ولم يبق مقالا لمتخلف ولا مجالا لمتأخر ومسوف كما قيل: # فمن جاءنا طوعا أقمنا بمجده ... ومن يأب لا يعتب علينا فعالنا ~~PageV01P133 إلى آخر الرسالة مع ما تحمله الرسول من مشافهة ومقاله ومن ~~ملاطفات تشرح الصدر وتستنزل البدر وتوضح ما للملك من جلالة وقدر فتلقى الكل ~~هذا الكلام بآذان القبول والأكرام واتفقوا على التأهب والمسير والأحتفال ~~بالكبير وأخذوا في تعبية التقادم والخدم وفرضوا ذلك على ما لكل من طوائف ~~وحشم وتصدعوا عن هذا المرسوم على أن يجتمعوا في يوم معلوم ثم أعد كل عتاده ~~وأكمل خدمته وزاده واجتمعوا لذلك اليوم الموعود وتوجهوا إلى الخدمة في ~~الطالع المسعود ولما دخلوا الدرب وضربوا في الأرض أيمن ضرب توجهت الحمامة ~~بالبطاقة بهذه البشارة والطلاقة فانتشر هذاالخبر وملأ البدو والحضر فلما ~~وصل الطائر دقت البشائر وسرت الأهل والعشائر ثم إن الملك دعا الوزير وقال ~~اعلم أيها الناصح الخبير والبحر النحرير أن الوحوش واصلة إلى منزلك وبخفها ~~وحافرها نازلة في ساحلك وإن راية سلطاننا بعون الله بالنصر نتشرت ووحوش ~~الجنود والعساكر بحمد الله تعالى على بساط بسيط الطاعة حشرت وفي هذه الجيوش ~~أصناف الوحوش وطوائف السباع وأنواع الذئاب والضباع وفيهم الفراعل والثعالب ~~والعسابر والأرانب ولا شك أن هيبة الملك صادعة وحرمة السلطنة باسطة فارعه ~~وحضرة السلطان ذات جلال وإن كانت جامعة لصفتي الجلال والكمال وما عند كل ~~أحد مسكة للملاقاة ولا ثبات جنان عند المشاهدة لملك إذا رآه فمن لم يكن ~~بيننا وبينه اجتماع فقد وقرت هيبتنا في قلبه على السماع ومن تصدينا له في ~~ميادين الصيد وأفلت بعد معافاة الكد والكيد قد رأيته على العيان ولا يحتاج ~~في معرفة قوة سلطاننا إلى ترجمان وعلى كل تقدير فمشاهدتنا على غالبهم أمر ~~عسير لأنه ربما يتذكر منهم متذكر أو يتفكر منهم متفكر واقعة أو سابقة وقعت ~~أنجرح فيها من نصل أنيابنا مفاصل عراقيبه أو تعلق بها من أشعاره وأوباره ~~مشاطة ms216 جلابيبه ومن لم ينجه منا ضباحه ولم يكن سلاحه من كلاليب مخاليبنا إلا ~~سلاحه فبمجرد ما يقع نظره علينا أو تمثل بالوقوف لدينا يرجف فؤاده وينفض ~~عيبة كرشه زاده فينكص من الخوف على عقبيه ولا يعرف أمره من حواليه فيتبعونه ~~ويحصل الفشل ويقع الخباط والخلل فيبهم ما أوضحناه ويفسد أضعاف ما أصلحناه ~~وينهدم من أول الأمر إلى آخره ما بنيناه ويتعوج من مستقيم السلطنة ما ~~سويناه فلا يحصل من عزة المملكة إلا على مثل ما حصل لأبي الحصين من شيخ ~~الديكه فقال الوزير ينعم مولانا الأجل بتقرير هذا المثل (قال الملك) سمعت ~~مخبرا أنه كان في بعض القرى الرئيس ديك حسن الخلق وديك مرت به التجارب وقرأ ~~تواريخ المشارق والمغارب ومضى عليه من العمر سنون واطلع من حوادث الزمان ~~على فنون وقاسى حلوه ومره وعانى حره وقره وقطع للثعالب شباك مصايد وتخلص ~~لأبن آوى من ورطات مكايد ورأى من الزمان وبنيه نوائب وشدائد وحفظ وقائع ~~لبنات آوى وثعالب وطالع من كتب حيلها طلائع كتائب وأحكم من طرائقها عجائب ~~وغرائب فاتفق له في بعض الأحيان أنه وقف على بعض الجدران فنظر في عطفيه ~~وتأمل في نقش برديه فرأى خيال تاجه العقيقي ونظر إلى خده الشقيقي ونفض ~~بزائله المنفش وسراويله المنقش والثوب الذي رقمه نقاش القدرة من المقطع ~~والمبرقش فأعجبته نفسه وأذن فاطريه حسه وتذكر ما قاله الأسعد المادح في ~~المعتصم بن صمادح وهو: # كأن أنوشروان أعطاه تاجه ... وناطت عليه كف مارية القرطا # سبى حلة الطاوس حسن لباسه ... ولم يكفه حتى سبي المشية البطا PageV01P134 ~~فصار يتيه ويتبختر ويتقصف ويتخطر فاستهواه التمشي سويعة حتى أبعد عن الضيعة ~~فصعد إلى جدار وكان قد انتصف النهار فرفع صوته بالأذان فأنسى صوته الكناني ~~والدهان فسمعه ثعلب فقال مطلب وسارع من وكره وحمل شبكة مكره وتوجه إليه ~~فرآه فسلم عليه فلما أحس به أبو اليقظان طفر إلى أعلى الجدران ثم حياه تحية ~~مشتاق وترامى لديه ترامي العشاق وقال أنعش الله بدنك وروحك وروى من كاسات ~~الحياة غبوقك ms217 وصبوحك فانك أحييت الأرواح والأبدان بطيب النغم والصياح في ~~الآذان فان لي زمانا لم أسمع بمثل هذا الصوت وقاك الله نوائب الفوت ومصائب ~~الموت وقد جئت لأسلم عليك وأذكرك ما أسدى من النعم إليك وأبشر ببشارة وهي ~~أربح تجارة وأنجح من الولاية والأمارة لم يتفق مثلها في سالف الدهر ولا يقع ~~نظيرها إلى آخر العصر وهي أن السلطان أيد الله بدولته أركان الإيمان أمر ~~مناديا فنادى بالإيمان والأطمئنان وأجراء مياه العدل والإحسان من حدائق ~~الصحبة والصداقة في كل بستان وأن تشمل الصداقة كل حيوان من الطير والوحوش ~~والحيتان ولا يقتصر فيها على جنس الإنسان فيتشارك فيها الوحوش والسباع ~~والبهائم والضباع والأروى والنعام والصقروالحمام والضب والنون والذباب وأبو ~~قلمون ويتعاملون بالعدل والأنصاف والإسعاف دون الأعساف ولا يجري بينهم إلا ~~المصادقة وحسن المعاشرة والمرافقة فتمحى من لوح صدورهم نقوش العداوة ~~والمنافقة فيطير القطا مع العقاب وببيت العصفور مع الغراب ويرعى الذئب مع ~~الأرنب ويتآخى الديك والثعلب وفي الجملة لا يتعدى أحد على أحد فتأمن الفارة ~~من الهرة والخروف من الأسد وإذا كان الأمر كذا فقد ارتفع الشر والأذى فلا ~~بد أن يتمثل هذا المرسوم ويترك ما بيننا من العداوة والخلق المذموم ويجري ~~بيننا بعد اليوم المصادقة وتنفتح أبواب النمحبة والمرافقة ولا ينفر أحد منا ~~صاحبه بل يراعي مودته ويبالغ في حفظ جانبه وجعل الثعلب يقرر هذا المقال ~~والديك يتلفت إلى اليمين والشمال ويحتاط غاية الاحتياط ولا يلتفت إلى هذا ~~الهذيان الخياط فقال الثعلب يا أخي مالك عن سماع كلامي مرتخي أنا أبشرك ~~ببشائر عظمه لم تنفق في الأعصر القديمة وإنما برزت بها مراسيم مولانا ~~السلطان الجسيمة وأراك لا تلتفت إلى هذا الكلام ولا تسر بهذا اللطف العام ~~ولا تلتفت إلي ولا تغول علي وتستشرف على بعد الشيء فهلا أخبرتني بما أضمرت ~~ونويت وتطلعني فيما تتطاول إليه على ما رأيت حتى أعرف في أي شيء أنت وهل ~~ركنت إلى أخباري وسكنت فقال أرى عجاجا ثائرا ونقعا إلى العنان فائرا ~~وحيوانا جاريا كأنه البرق ms218 ساريا ولا عرفت ما هو ولكنه أجرى من لهوا فقال ~~أبو الحصين وقد نسي المكر والمين بالله يا أبا نبهان حقق لي هذا الحيوان ~~فقال حيوان رشيق له آذان طوال وخصر دقيق لا الخيل تلحقه ولا الريح تسبقه ~~فرجفت قوائم الثعلب وطلب المهرب فقال أبو المنذر تلبث يا أبا الحصين وأصبر ~~حتى أحقق رؤيته وأتبين ما هيته فانه يا أبا الحصين يسبق طرف العين ويكاد ~~أبا النجم يخلف النجم في الرجم فقال أخذني فؤادي وما هذا وقت التمادي ثم ~~أخذ يسلح وولى وهو يصدح بقوله: # لابس التاج العقيقي ... لا تقف في طريقي # إن يكن ذا الوصف حقا ... فهو والله السلوقي PageV01P135 فقال الديك وإذا ~~كان وقد قلت إن السلطان رسم بالصلح بين سائر الحيوان فلا بأس منه عليك ~~فتلبث حتى يجيء ويقبل يديك وتعقد بيننا عقود الصداقة ويصير رفيقنا ونصير ~~رفاقه فقال ما لي برؤيته حاجة فدع عنك المحاجة واللجاجة فقال أو ما زعمت يا ~~أبا وثاب إن السلطان رسم الأعداء والأصحاب أن يسلكوا طرائق الأصدقاء ~~والأحباب فلو خالف المرسوم هذا الكلب لما قابله الملك إلا بالقتل والصلب ~~قال لعل هذا المشوم لم يبلغه المرسوم ثم ولى هاربا وقصد للخلاص جانبا ~~(وإنما أوردت) يا نفيس هذا المثال لتقييس أحوال من دان لك من هذا الحيوان ~~ولا تشقها بعصا واحدة واحسب حال كل واحد على حده فربما يكون في هذه البهائم ~~من لا هو بأحوال الصلح عالم ولم تبلغه الدعوة وإنما انضاف بسبب رجوه أو آمن ~~على سبيل التبعية والتقليد ولم يطلع على موارد الوعد والوعيد ولا وقف على ~~ما وقع من الأتفاق ولا يثبت لمصادمة اللقاء وقت التلاق فيصدر منكم حركة ~~تؤدي إلى قلة بركة وتستطرد إلى نفرة جفول فيدهمنا هدم ما أسسناه على غفول ~~ويقع من الفساد ما لا يمكن تلافيه ويضيع نقود جواهر جهدنا وكدنا فيه وإذا ~~كانت الدنيا محل العوارض والغالب أنه عند مشارفة المقصود يحصل العارض ~~والعاقل لا يغفل عن هذا الخطر فعند صفو الليالي يحدث الكدر ms219 وقد كفاك من ~~ناداك بقوله: # إذا قربت يداك إلى مرام ... وقلت تخولت نفسي مناها # فلا تأمن من الدهر اختلاسا ... بحول فمكره في ذاتنا هي # كجان لم يصبه الشوك إلا ... وقد وصلت يداه إلى جناها # فالرأي السديد يا أبا سعيد يقتضي أن تمضي الحمامة المطوقة إلى تلك الجموع ~~المفرقة وتنادي في كل نادي بين الحاضر والبادي والرائح والغادي بحقائق ~~الأمور وتطيب خاطر الجمهور وما هم قادمون عليه ومن هو الواصلون إليه ~~ليعلموا أنهم في صفقتهم رابحون وأنهم على هدى من ربهم وانهم مفلحون فتوجهت ~~الحمامة بهذه النقوش وشهرت النداء في طوائف الوحوش بما هم عليه قادمون ~~وأنهم للملك يسار خادمون ثم تبعها الوزير ومعه كل أمير وكبير من خواص ~~المباشيرن والأعيان الملازمين وكبراءالأطيار ورؤساء الأخيار واستقبلوا ملوك ~~الوحوش والهوام ورؤساء السوائم والسوام وقابلوا ملتقاهم بالإعزاز الإكرام ~~ووعدوهم بكل خير وإحسان ووصلوا بهم إلى ميدان الأمان وحين حل عليهم نظر ~~السلطان قبلوا الأرض ووقفوا في مقام العرض وأدوا من واجب العبودية النفل ~~والفرض فانزل كلا في مقامه بعد أن أحله في محل إكرامه وأفاض عليه خلع ~~إحسانه وإنعامه وعلت منزلة الوزير وتقدم كما تقدم وأشير وصفا لهم الزمان ~~وعاش في ظل عدلهم كل ضعيف من الحيوان وتقلبوا في رياض الأماني على بساط ~~الأمان (وفائدة هذه الحكايات تنبيه أشرف جنس المخلوقات وألطف طائفة ~~المكونات وهو نوع الإنسان الذي اختصه الله تعالى بأنواع الإحسان وأيده ~~بالعقل وأمده بالنقل على انه إذا كان هذا الفعل الجليل يصدر في التنظير ~~والتمثيل من أخس الحيوانات وما لا يعقل من الموجودات فلأن يصدر من أولى ~~النهى وأولى الفضل والمكارم والعلى أولى وأحرى لا سيما من رفع الله في ~~الدنيا مقداره وأعلى على فم الخلائق منارة وحكمه في عبيده المستضعفين ~~واسترعاه على رعية سامعين مطيعين وسلطه على دمائهم وأموالهم وبسط يده ~~ولسانه في رفاهيتهم ونكالهم والأصل في هذا كله قول من عم عبيده بفضله ~~وبقوله اهتدى العالمون وتلك الأمثال نضر بها للناس وما يعقلها إلا ~~العالمون) آخر الباب السادس ms220 والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله وصحبه أجمعين آمين. # الباب السابع # في ذكر القتال بين أبي الأبطال الريبال وأبي دغفل سلطان الأفيال ~~PageV01P136 (قال)الشيخ أبو المحاسن من ليس له في الفضل مساو ولا مواس فلما ~~أنهى الحكيم حسيب كلامه لأحلى من النسيب قبل أخوه بين عينيه وأفاض خلع ~~الأنعام عليه استزاده وفتح لجامع فضله باب الزيادة وكان قد وقع بين ملك ~~الأفيال وبين ملك الأسود المسمى بالريبال المكنى بأبي الأشبال وأبي الأبطال ~~مقال أدى إلى جدال وأتصل بحرب وقتال فسأل الملك أخاه هل سمع من ذلك شيأ ~~ووعاه فأجاب بالإيجاب وذكر في الجواب الأمر العجاب (فقال) كان يا ملك ~~الزمان في بعض أطراف الهنود من عساكر الأفيال جنود في جزيرة عظيمة كبيرة من ~~جنسهم وجلدتهم ونفسهم ملك عظيم ذو جسم جسيم وشكل وسيم منظره بديع وهيكله ~~رفيع طويل الخرطوم واسع الحلقوم مبسوط الأذنين حديد العينين طويل الأنياب ~~في جراب كثيف في المرأى خفيف في الموطأ عدد جيشه غزير ومدد جنده كثير وهو ~~فيهم ملك كبير ذو قدر خطير منفرد بالسرير ورثه كابراعى كابر وكل جيشه رؤساء ~~وأكابر لأوامر طائعون ولما يراه تابعون فبلغه في بعض الأيام أن في بعض ~~الغياض والآجام مكانا في غاية النزاهة معدن الفواكه والفكاهة ذا مياه عذبة ~~ومروج رطبه أراضيها أريضه ورياضه طويلة عريضة أطيارها تسكر بألحانها ~~وأشجارها تخجل قدود الملاح بأغصانها وأزهارها زهره وأنوارها نضره ونسيم ~~الصبا والشمال تنتشر إلى الآفاق طيب أنفاسها العطره وأنه يصلح أن يكون لملك ~~الأفيال مقاما مع أن من الجبال والحصون وعصاما غير أن فيه أسد هصورا جمع ~~فيه جندا كثيرا ولا زال الناقل يصف ريطنب ويعجم في حسن شمائلهم ويعرب حتى ~~قال بعض الندماء الحاضرين من الكبراء لو قصد الملك ذلك المكان وجعله لنفسه ~~من بعض الإسكان وتنقل إليه في بعض الأوقات وساعات التفرج في المتنزهات لا ~~راح نفسه الخطيرة من وخم هذه الجزيرة ووجد لذة الطعام ونشوة الشراب على ~~المدام والأسد الذي فيها وأن كان ms221 مالك نواحيها وبيد تصرفه زمام نواصيها ~~وجماجم قلاعها وصياصيها لكنه ملك عادل وسلطان فاضل تمنعه شهامته وكرم نفسه ~~وكرامته ورياسته وزعامته أن يضايق الملك في ذلك أو يضيق سلوكها على سالك ~~وأن شرع في الممانعة وأخذ في أسباب المدافعة بالمقارعة والمنازعة فالعساكر ~~المنصورة وأعدادهم الموفورة فيهم بحمد الله لذلك قوة وكفاية ولهم في بداية ~~الحروب هداية وفقاهة ليس لشرحها غايةولا لفروع أصولها نهاية يحيون في ~~مباحثها النفوس ويعيدون في مدارس الحرب بتكرار الضرب فأني الشجاعة بعد ~~الدروس فيكفون الملك أمره ويكفون أذاه وشره ولا زال يفتل منه في المغارب ~~والذروة ويقوى بتمويهاته دواعي الحرص والشهوة حتى اقتنصته إشراك المطامع ~~وأوقعته في عبودية شهوة تلك المواضع ودعته النفس الأبية وحمية الجاهلية ~~وباعث العصبية إلى الاستيلاء على تلك الأماكن البهية والولايات السنيه ~~والمساكن الزهيه وأسامة سوارح اللحاظ في مراعي نزهة تلك الغياض ومروج أراضي ~~هاتيك الرياض وأزعج في ذلك المقتضى وأسلمه العدل والخلق الرضى على عليه سيئ ~~الطباع واستولت عليه فوارغ الأطماع وعشقها على السماع وكان عنده إخوان هما ~~له عضدان هما وزيراه وفي مهامه مشيراه مسعداه في الأمور ومنجداه في أحوال ~~السرور والشرور أحدهما واسطة خير قليل الشر عديم الضير قد جرب الزمان ~~وعاناه وقالب قوالب وقائعه بالمقايسة ما قاساه اسمه مقبل وهو كاسمه مفضل ~~والآخر بالعكس في جميع حركاته وكس وهو كاسمه مدبر بكل شيء مخبر قصد غبار ~~فتن يثيره وعسكر بلاء يغيره وطالب أذى وعناء يعيره أو سر يذيعه أو مكر ~~يشيعه أو متسوق شريبيعه وهما ملازمان الخدمة واقفان في مقام الحشمة والحرمة ~~كالفتق والرتق والباطل والحق والكذب والصدق وفي الإفساد والإصلاح كالمراهم ~~والجراح ومصلح الدرهم ومفسد الراح ومرشد العقل ومعتل الأقداح وفي الوفاق ~~والشقاق كالسم والترياق وفي الحكم والقضاء كالداء والدواء وفيما يقع من ~~الحوادث المفرجات والكوارث كالخر والبرد والشوك والورد فاختلى الملك بأخويه ~~واستشارهم فيما أنهى إليه فقال أخوه المقبل يا مولانا أبا دغفل لو لم يكن ~~بهذا المكان أحد من أدنى الوحوش فضلا عن الأسد لكان ms222 عدم قصده ترفعا وترفها ~~والتوجه إلى الاستيلاء عليه موجها فكيف وذلك في ولاية مالك وهو مالك صعب ~~كابي حفص الصعب ملك كبير عادل وسلطان خطير فاضل مطاع في صاغيته متبوع في ~~حاشيته عادل في رعيته سيرته شكورة ومحاسنه مأثورة PageV01P137 وهيبته ~~وبسالته غير منكورة وهو جار حسن الجوار لم يضبط عليه ما يقتضي انتزاع ملكه ~~من يديه ولم يتعرض إلى متعلقاتنا ولا آذى أحدا في ولايتنا وأن مولانا ~~السلطان لم يصدر منه إلا العدل والإحسان إلى الأباعد والأجانب فضلا عن ~~الجيران لا سيما الملوك الأكابر ومن ورث الملك كابرا عن كابر ولقد تلقفت من ~~أفواه الحكماء وتشنفت مسامعي من جواهر ألفاظ العلماء بثلاث نصائح هي من ~~أحسن المنائح إحداهما أحذر أيها الموفق أن تقع في دم بغير حق ثانيتها إياك ~~يا ذا التوفيق وأموال الناس بغير طريق ثالثتها إياك يا ذا الشيم الكريمة ~~وهدم البيوت القديمة وأعلم أن الله تعالى عم رزقه وخص كل موجود بما يستحقه ~~وقد أقام الأسد في تلك الأماكن وهو أن كان متحركا فهو فيها ساكن ولو لم ~~يستأهل لما اختص بتلك المناهل وما ينكر هذا الأجاهل أو من هو عن الحق ذاهل ~~وحاشى أن تنسب يا رئيس الأخيار إلى حسد أسوء جوار وعظمتك تأنف عن ذميم ~~الأخلاق وكيف وقد انتشر بالفضل صيتها في الآفاق وإذا كان للشخص ما يكفيه ~~فينبغي أن يقتصر عما يطغيه ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وقد أحسن ~~في المقال من قال: # يا أحمد اقنع بالذي أوتيته ... إن كنت لا ترضى لنفسك ذلها # واعلم بان الله جل جلاله ... لم يخلق الدنيا لأجلك كلها # فالتفت الملك إلى المدبر وأشار إليه كالمستخبر ماذا تشير أيها الأخ ~~والوزير فقال جميع ما قرره مولانا الوزير حق وجملة ما ذكره وحرره صدق نصائح ~~ترشد العقول وتزين عقود المعقول والمنقول ولكن لا يخفي على كريم العلوم أن ~~الأسد حيوان ظلوم غالب طالب وخلاص الرعية من شره واجب ويلزم كل أحد أن يخلص ~~الرعايا من ظلم الأسد ms223 ومولانا يبلغه ظلمه ولم يحط بأحوال الأسد علمه وأنه ~~من أظلم البرية لمن تحت يده من الرعية وأنه يجب على مولانا السلطان خلاص ~~الرعية منه على أي وجه كان وأيضا فانانعامات مولانا البارة على كل أحد من ~~الخلق دارة والخرج والكلف والكرم الذي بأنامله ائتلف كل يوم في ازدياد ~~والعساكر المنصورة كل وقت نزداد وإذا لم تتسع الولايات وتكثرا الجهات ~~والاقطاعات كان الخرج أكثر من الدخل والمصروف من الخزانة كالوابل والدخل ~~كالطل وإذا زاد المصروف على الحاصل عجز الواصل وفرغ الحاصل ودل ذلك على ~~ركاكة الهمة وقصور النهمة والملك يجب عليه والمندوب في شرع همته إليه أن ~~يكون كل وقت جديد في فتح وترق ومزيد وتوسعه الممالك وتنزيه بساط السلطنة عن ~~المنازع والمشارك والاستكثار من الجند والرعية واستجلاب خواطرهم الأبية ~~بالجوائر السنية والانعامات السمية ولا يجوز في ملة الإسلام أن يتعدد ~~الخلفية الإمام ولله در القائل العلي الشمائل: # إذا ما لم ثكن ملكا مطاعا ... فكن عبد المالكه مطيعا # فان لم تملك الدنيا جميعا ... كما تهواه فاتركها جميعا PageV01P138 ~~وناهيك يا مالك الممالك والمماليك في علو الهمة وصدق العزمة وغوص الأفكار ~~في استخلاص ممالك الأقطار قضية فحلا الرجال تيمورلنك الأعرج الدجال مع ~~نائبه الله داد أحد القواد ونواب البلاد فسأل أبو مزاحم أخاه عديم المراحم ~~عن تلك القضية وإيضاحها عن جليه (فقال) إن تيمورلنك رأس الفغساق الأعرج ~~الذي أقام الفتنة على ساق لما حل بالممالك الرومية في شهور سنة خمس ~~وثمانمية وأسر مالكها واستخلص ممالكها استمر في ممالك العرب يصول وفي فكره ~~استخلاص ولايات الشرق يجول وكان أقصى ما انتهت إليه في الشرق مملكته ونفذت ~~بسهام أحكامه فيه أقصيته بلدا يسمى أشباره قد أعده لشياطين النهب والغارة ~~وبثى فيه قلعه ونقل إليه من ذوي المنعة جندا منتخبا من كل يقعة وهو في بحر ~~ممالك المغل والتتار والحد الفاصل بين ممالكه وولايات عباد الشمس والنار ~~وأمر على أولئك الأجناد شخصا يدعي الله داد وهو من خواض أمرائه ورؤساء جنده ~~وزعمائه فمن جملة ما ms224 أمره به ذلك المشوم وهو مخيم ببلاد الروم أنه أبرز ~~إليه مراسلة فيها أمور مجملة ومفصلة أمره بامتثالها وإرسال الجواب ببيان ~~كيفية حالها منها أنه يبين له أوضاع تلك الممالك ويوضح كيفية الطرق بها ~~والمسالك ويذكر له مدنها وقراها ووهدها وذراها وقلاعها وصياصيها وأدانيها ~~وأقاصيها ومفاوزها وأعارها وصحاراها وقفارها وأعلامها ومنارها ومياهها ~~وأنهارها وقبائلها وشعابها ومضايق دروبها ورحابها ومعالمها ومجالها ~~ومراحلها ومنازلها وخاليها وآهلها بحيث يسلك في ذلك السبيل الأطناب الممل ~~ويتجنب مأخذ الإيجاز وخصوصا المخل ويذكر مسافة ما بين المنزلتين وكيفية ~~المسير بين كل مرحلتين من حيث تنتهي إليه طاقته ويصل إليه علمه ودرايته من ~~جهة الشرق وممالك الخطا وتلك الثغور وإلى حيث ينتهي إليه من جهة سمر قند ~~علم تيمور وليعلم أن مقام البلاغة في معاني هذا الجواب هو أن يصرف فيه ما ~~استطاع من حشو واطناب وتطويل وإسهاب وليسلك في بيانه الطريق الأوضح من ~~الدلالة وليعدل عن الطريق الخفي في هذه الرسالة إلى أن يفوق في وصف الأطلال ~~وتعريف الرسوم وحدود ألد من صفة الشيخ القيصوم فامتثل الله داد ذلك المثال ~~وصور له ذلك على أحسن هيئة وآنق تمثال وهو أنه استدعى بعدة أطباق من نقي ~~الأوراق وأحكمها بالإلصاق وجعلها مربعة الأشكال ووضع عليها ذلك المثال وصور ~~جميع تلك الأماكن وما فيها من متحرك وساكن فأوضح فيها كل الأمور حسبما رسم ~~به تيمور شرقا وغربا بعدا وقربا يمينا وشمالا مهادا وجبالا طولا وعرضا سماء ~~وأرضا مرداء وشجراء غبراء وخضراء منهلا منهلا ومنزلا ومنزلا وذكر أسم كل ~~مكان ورسمه وعين طريقه ووسمه بحيث بين فضله وعيبه وأبرز إلى عالم الشهادة ~~غيبة حتى كأنه شاهده ودليله ورائده وجهز ذلك إليه حسبما اقترحه عليه كل ذلك ~~تيمور في بلاد الروم يمور وبينهما مسيرة سبعة شهور وكذلك فعل ذلك البطل وهو ~~بالبلاد الشامية سنة ثلاث وثمانميه مع القاضي ولي الدين عمدة المؤرخين أبي ~~هريرة عبد الرحمن بن خلدون أغرقه الله في فلك رحمته المشحونوقد سأله عن ~~أحوال بلاد العرب وما جرى ms225 فيها من صلح وحرب وما وقع فيها من خير وشر ونفع ~~وضر ثم أنه اقترح عليه وتقدم بالأمر إليه يوضع أوضاعها ورسم مدنها وقلاعها ~~وحصونها وضياعها وتخطيط ولاياتها وأشكالها وهيآنها فامتثل ذلك وأبداه وعلى ~~حسب ما اختاره واقترحه أنهان وبين ذلك مثل ما ذكره أعلاه فشاهد أوضاعها ~~وخبر وهادها وبقاعها كأن الحائل رفع من البين وعاين ذلك الإقليم بالعين ~~فانظر إلى هذا الأعتمي وهو سطيح نصف آدمي وهمته العالية كالبرق تضرب تارة ~~في الغرب وأخرى في الشرق (وإنما أوردت) هذه القضية ليقف سامعها على مقدار ~~الهمة العلية فلا يرضى الملك الهمام بالمنزلة الدينية ولا يقنع بالدرجة ~~الوطية بل يجتهد في تكثير الجند والرعية وفتح الأقاليم العربية والعجمية ~~ولا يقتصر على الحالة السوية وإنما يلازم طلب الارتقاء بكرة وعشية ويكون ~~سعيه كالشكر يطلب المزيد وكما يستديم طلب الزيادة من مولاه يستديم زيادة ~~العبيد والافينسب إلى قصور الهمة وإفلاس الذمة ونقصان الحرمة وبطلان الحشمه ~~وأعظم بها من وصمه وبالعجز والتقصير يضيع حقوق الملك الخطير وتجد الرعية ~~للطعن مقالا وفي ميدان الأعراض عن الملك مجالا وهذا خلاف موضع الإمامة وعكس ~~ما تقتضيه PageV01P139 الرياسة والزعامة فان موضع السلطنة أن يتعاطى الملك ~~مهما أمكنه من أسباب الفتح والفتوح وما يستميل به من الرعية القلب والروح ~~وذلك بالإحسان والإكرام والبذل والإنعام فبه تقوى رغبتها وتزداد محبتها ~~فإذا لم يكن ذلك فل المملوك عن الممالك واسمع قول الأديب ذي الرأي المصيب ~~وهو: # إذا أهملت أمر العبد يوما ... وقصرت العليق عن الحمار # توقف في المسير أبو زياد ... وقام العبد يجري للفرار # وقيل (والدر يقطعه جفاء الحالب) وقال أشرف جنس الإنسان علو الهمة من ~~الإيمان فالرأي السديد عندي والذي بلغ إليه جهدي إنفاذ هذه العزيمة وسلوك ~~طريقها القويمة وإبرازها من مكان القول إلى ظواهر العمل والحول والاعتماد ~~على ما قيل: # فلا تثن عزمك خوف القتال ... بسمر دقائق وبيض حداد # عسى أن تنال الغنى أو تموت ... فعذرك في ذاك للناس باد # فان لم تنل مطلبا رمته ... فليس عليك سوى الاجتهاد ms226 # فأقبل الملك على المقبل وقال توجه بكليتك علي وأقبل شعر: # ولا تبق مجهودا برأيك أنه ... سديد ومن يقف السديد سديد # فان القلب قد مال إلى العزم والأخذ في التوجه بالحزم وترجح جانب الوثوب ~~إلى جهة هذا المطلوب فأمعن النظر وأجل قداح الفكر ولا تخف رأيا بسنح في أي ~~جهة ترجح فقال افعل بشرط أن يقبل أعلم زدك الله علما وفضلا وكرما وحلما أن ~~الذي رآه العلماء وأشار به ذوو الحنكة من الحكماء أن من طلب وفور خيره ~~وفائدة نفسه في مضرة غيره لا يتمتع بتلك الفائدة ولا تثمر معه تلك العائدة ~~وهو أعلى تقدير حصولها والاستيلاء على فروعها وأصولها وإن لم يظفر بها فلا ~~تستفيد النفس غير كربها مع زيادة الحسرة وسوء الصيت في الشهرة ووفور الندم ~~وزلة القدم وكل من أراد تمشية هواه ولم يلتفت إلى ما سواه ورأى نفسه أحق من ~~غيره فلا تطمع أبدا في خيره ولا يكاد يسلم من الانكاد ولا يصفو له زمان ولا ~~تدوم له أخلاء وأخوان ولا تزال ديم الهموم من غمام الغموم تهمي على حدائق ~~آماله وتسقي مزارع أحواله إلى أن تحظل نخلات نيته وتيبس حقول طويته ويحصده ~~حراث الفنا ويدرسه دارس الردى ويذري حبات وجوده الهوان في الهوى وينقل عن ~~بيدر الشقاء إلى طاحون البلاء فهناك يجدح سويق أفعاله ما يزيغه فيحسوه ~~ويتجرعه ولا يكاد يسيغه ويصهر به ما في البطون ويقال له ذوقوا ما كنتم ~~تكسبون هذا وإذا كان الدخل لا يفي بالخرج وخيف من ذلك وقوع هرج ومرج فبحسن ~~التدبير يتصرف الملك الخبير وبكفاية الوزير وتوفير المشير يجل الحقير ويكثر ~~النزر اليسيركما قيل: # قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد PageV01P140 ~~وبالخلق الحس وحسن السياسة تملك رقاب أولي الرياسة فضلا عن العوام وهذا ~~بحسب المقام ولا يتصور أن مجرد المال هو شبكة صيد الرجال فان حفظ الممالك ~~هو وراء ذلك وقد قال رسول خلاقكم أنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ~~بأخلاقكم وشيء يحتاج تحصيله والانقطاع إلى وصوله إلى ms227 بذل أموال وأرواح وكد ~~نفوس وأشباح وأتعاب خيل ورجال وارتكاب شدائد وأهوال وبعد حصوله يتكلف في ~~محافظته وحراسته وملاحظته إلى تحمل هموم وغموم وكلامه وكلوم وآخر الأمر ~~يخرج من اليد ولا يبقى إلا النكد والكد فتزول في الدنيا اللذات معاناة ~~الكدورات وتجرع الغصص والمشقات وتبقى في الآخرة التبعات لجدير بان لا يلتفت ~~إليه ولا يعول عليه ولا يهتم له بشان ويستغني عنه وأن احتج إليه بقدر ~~الإمكان والأفمثل الذي يعلق به فؤاده ويربط بدوامه وبقائه اعتقاده ويتصور ~~ذلك بفكره الفاسد ونظره الكاسد كمثل كسرى لما مات ولده وتفتنت عليه كبده ~~وحصل له عليه الاضطراب ورده عن خطئه الهلول إلى الصواب فسأل أبو الحجاج ~~أخاه المحجاج عن بيان هذا الأمر وكيفية إطفاء هذا الجمر (فقال) المقبل ذكر ~~محدث معدل أن كسرى كان له ولد قد سكن منه سويداء الخلد يخجل البدر ليلة ~~تمامه ويستميل الغصن حاله قيامه وكان يحبه حبا جاوز النهاية وتعدى الحد ~~والغاية وكان لشدة شغفه استبعد حلول تلفه بل أحال وفاته وأذهله عن درك الحق ~~وفاته فأدركه الأجل المحتوم واستوفى مداه المعلوم فاضطرب كسرى لونه واصطدم ~~بصخور فراقه واصطلم ولم يقر له قرار ولا طاعة اصطبار فوعظه العلماء فما ~~أفاد وثبته الحكماء بضرب الأمثال فأعياهم المراد وكان في بلده رجل بهلول ~~يتردد إليه ويدخل في أكثر أوقاته عليه فيلاطفه في محاروته ويبتهج بكلماته ~~في مخاطبته فدخل عليه البهلول وهو كئيب ملول لا تسر حاله صديقا ولا يهتدي ~~إلى السكون طريقا فسأله عن حاله وما أوجب توزع باله وتغير أقواله فقال يا ~~بهلول عدمت ولدى وقرة عيني وراحة روحي وجسدي (شعر): # لا صبر يجدي على فراقه ... ولا معين على احتراقه # وقلت: # أواه من فرقة الأحباب أواه ... لقد كوى من حشا قلبي سويداه # قال البهلول نعوذ بالله من ساعات الذهول يا ملك الأنام أن عيسى عليه ~~الصلاة والسلام شكا إليه بعض حواريه شيأ يشابه ما أنت فيه فقال عليه السلام ~~كن لربك كالف الحمام يذبحون فراخه ولا يفارق مناخه ولا ms228 ينفر عنهم ولا يشكو ~~منهم ثم أن البهلول قال وأنا إليك سؤال فاجبني بجواب شاف فانك ذو ألطاف فلا ~~يكن فيه جزاف فقال سل فكلامك لا يمل قال أكنت ترجو أن ولدك لا يموت أبدا ~~وأنه يصير في الدنيا مخلدا فقال لا ولكن أردت أن يبق مده ويتمتع بشبابه ~~وبنعيمها عنده ويلتذ بطيب المآكل والمشارب ويقضي من أواطار الشباب المآرب ~~ويؤنس أنداده وصحبه ثم يقضي بعد ذلك نحبه قال هب أنه عاش مهما رمت وقام ~~وقعد في الدنيا كما قعدت وقمت وعاش العيش الطيب وهمي عليه من سما ملاذها ~~الوابل الصيب وحصل له من العيش الهني والعمر السني أمثال الجبال وأعداد ~~الرمال فعند مفارقة العيش وحلول الخفة والطيش هل يدفع عنه ذاك شرا أو يرفع ~~عنه بؤسا وضرا أو يجلب له نفعه أو يذهب من ذلك شيء معه أو يفيده أدنى فائدة ~~أو يعود عليه منع عائده قال لا قال فلا تاس على معاش يكون عقبى أمره إلى ~~لاش وعمر ذاك مصيره وسواء طويله وقصيره وكثير تنعمه ويسيره (شعر): # وإذا كان منتهى العمر موتا ... فسواء طويلة والقصير # (غيره): # فعش ما شئت في الدنيا وأدرك ... بها ما شئت من صيت وصوت # فحبل العمر موصول بقطع ... وخيط العيش معقود بموت PageV01P141 فهب أنه ~~عاش ونهب الملاذ وحاش وعلا في ارض التنعم وغلا وجاش كل ذلك في المقدار على ~~حسبما تختار وأنه جاءه القضا وقد قضى وطره ومضى ثم قضى تحبه وقضى فجبر ~~الكلام كسرا وسرى عنه همه وأسرى وقال الآن سكنت فنعم الناصح أنت (وإنما ~~أوردت) هذا التنبيه أيها الملك النبيه لا عرض على الخواطر السعيدة والآراء ~~السديدة والآراء الرشيدة أن الأقتصار عن هذا أولى وأليق بالركون تحت إرادة ~~المولى قال المدبر المفنن المعبر ثلاثة أشياء ينبغي لطالبها أن لا يفتكر في ~~عواقبها الأول الأسفار في البحار والغوص فيها إلى القرار فان طالب الجواهر ~~النفيسة ومن قصد أن يكون في صدر التجارة رئيسه لا يخشى من الغرق ولا عنده ~~من ذلك فرق فهذا ms229 يعبى بضائع المال وذاك يغطس إلى قعر الأوحال وكل منهما لا ~~يتفكر في العاقبة والمآكل الثاني المقدم على الحرب والرشق والطعن والضرب ~~ومصارعة الأبطال ومباشرة أسباب القتال لا ينزعج لصوت ولا يفتكر في الهزيمة ~~والجراح والموت والثالث طالب الرياسة والملك ذي السياسية لا يفتكر في ~~الاقتحام ولا يتوانى في الأقدام ولا يتأمل في العواقب ولا يلتفت إلى ~~المناقب ويلقي نفسه في الأخطار ويضرب إلى أعماق الأقطار ويجعل جل همه بلوغ ~~الأوطار وقيل: # بقدر الكد تكتسب المعالي ... ومن طلب العلى سهر الليالي # تروم العز ثم تنام ليلا ... يغوص البحر من طلب اللآلي # وقيل: # إذا هم ألقى بين عينيه عزمة ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا # قال المقبل الحكيم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم أولوا الألباب ~~المميزون بين الخطأ والصواب الناظرون من مبتدأ لأمور في أعقابها المستبصرون ~~قبل وقوعها في مآلها ومآبها الآتون بيوت النوائب والنوازل من أبوابها قالوا ~~إذا تحمن أبو الحصين وأغلق عليه من وراء جدار بابين صم حاصره أسد من خارج ~~ساوت قوة الخارج قوة الوالج ولا شك أن حركة العساكر وقطع الفيا في والدساكر ~~والتوجه إلى قتال من هو ساكن في سربه محتاط في إقليمه ودربه متحصن في قلاعه ~~متدرق بحجفة امتناعه يحتاج في الأموال إلى إخراج وفي الرجال إلى إزعاج ~~وتحمل أخطار وتجشم أسفار وأخذ ضعفاء تحت أقدام وهدم دور وقطع أرحام ومع هذا ~~كله حصول المقصود موهوم والظفر به غير معلوم فان حصل فقد مر أن لا ثبات ولا ~~تمنع وأن احتجب فهو وراء ستر التمنع فكم من دماء حينئذ تراق وقد كانت مصونة ~~وأموال تهدر وقد كانت مضمونه وأعراض تهتك وقد كانت محترمة وأنفس تذل وقد ~~كانت عزيزة مكرمه والحق في هذا متضح ومن نجا برأسه فقد ربح وقد قدمت هذا ~~التقرير وهندست هذا التقدير لأن العاقل الماهر في التجارة كما يحسب الربح ~~يحسب الخسارة وكل هذا في العاجلة فصلا عن المحذورات الآجلة من غضب الله ~~وعقابه وتوبيخه وأليم عذابه وإذا خرج الأمر عن اليد ms230 ودخل على القلب ~~الاشتغال بالنكد وذهب المال والمنال ونقصت الأهبة والرجال وتناقص العدد ~~والعدد وتناكص المدد والمدد فأي حرمة تبقى للملك عند الرعايا وقد قلت عنهم ~~منه الأرفاد والعطايا وكيف يستقر ملكه أو يدور على فلك الثبات فلكه فلا ~~تخافه الرعية ولا يرجونه ولا يسمعون كلامه ولا يطيعونه ويصير كالسحاب الخلب ~~لا يوثق منه بوعد ولا يحصل منه مطلب أن تكلم عابوا كلامه وأن حكم نقضوا ~~أحكامه وأن حلم قالوا عاجز وإن تقدم في الحرب قالوا مجنون مبارز وأما الغني ~~ذو المال فهو على عكس هذه الأحوال فان رأوا منه فضلا كان لكل مكرمة أهلا ~~فرفعوه إلى العيوق وكان العظم المرموق أن أعطى قليلا استصغر واحتما عنده ~~وأطنبوا بلسان الثناء في شكرهم رفده وأن يخل قالوا مدبر لا يضيع ماله وإن ~~كذب صدقوا قيله وقاله وفي الجملة حركات الغنى مستصوبه وكلماته مترشفة ~~مستعذبة وقد قيل: # إن ضرط الموسر في مجلس ... قيل له يرحمك الله # أو عطس المعسر في مجمع ... سبوا وقالوا فيه ما ساء # فمضرط الموسر عرنينه ... ومعطس المفلس مفساه # وكما قيل: # الفقر يزري بأقوام ذوي حسب ... وقد يسود غير السيد المال PageV01P142 ~~ولقد رشفت من أفواه الحكماء ونصائح البلغاء بل شاهدت من النوائب وتلقفت من ~~ذوي التجارب وتحققت في الدهر أبا العجائب أن الفقر شيب الفتيان وسقم صحيح ~~الأبدان ومبعد الأقارب وجاعلهم أجانب وقاطع الأرحام ومانع السلام ومبغض ~~الأحباب ومفرق الأتراب ومشتت شمل الأصحاب وبالجملة فالذي يجب على ولي الأمر ~~التأمل في قصارى هذا الأمر والتفكر في عاقبة هذه الحركة وما يحدث فيها من ~~شؤم وبركه وأن يجبل قداح التدبر والتبصر والتصبر ويثبت في صدر هذا المورد ~~المضيق وما فيه من مجال أو ضيق ولا يعتمد فيه على القوة والحول وأسباب ~~الطول وكثرة الشوكة والعدد وإمداد العدد والمدد مع عدم الاكتراث بالأخصام ~~وقلة المبالاة بكل أسد ضرغام فان الأسد سلطان السباع وملك عظيم كثير الجند ~~والأتباع شجاعته مشهورة وشهامته مأثورة به يضرب المثل ويشيه كل بطل ونحن ~~وإن كان لنا ms231 عساكر كالجبال تهدم الحصون وتدك القلال لكن ما جر بنا مصارعة ~~الأسود ولا مارسنا مقارعة النمور والفهود ولا نعرف طريق بلادهم ولا طريقة ~~جدالهم وجلادهم وأن لهم في الحروب أساليب وفي افتراس الفرائس أنياب ومخاليب ~~أن لا تتم هذه الأمور وتقصر حبالنا عن مصادمة مالهم من قصور فيرجع وبال هذه ~~الأمور علينا إذ ابتداؤه أو لا منسوب الينا ولا تحصل إلا على الندامة ~~والتوبيخ والملامة ويخطبنا الجد الوبيل بما قيل: # تبني بأنقاض دور الناس مجتهدا ... دار استنقض يوما بعد أيام # وقال المدبر ولا شك أن جوهر هذا النظام وعقود هذا الكلام صادر عن فكر ~~بعيد ورأي سديد وأمر رشيد وتأمل في العواقب مفيد أصله الحكمة وفرعه الشفقة ~~وزهره المعرفة وثمره الفطنة ولكن من حين استولى على الملك كيومرث ومرث على ~~سرير التحكم أصبع الولاية أبلغ مرث وسن قواعد السياسة وأسس بنيان الرياسة ~~وذلك زمان الأبتداء وأول ما تملك على الدنيا وإلى هذا اليوم لم يزل القوم ~~من الملوك في روم وطلب الزيادة والسوم ولا عتب في ذلك ولا لوم وقل لي أي ~~ملك مالك تحكم في الممالك وسلك فيها المسالك ولم يقصد فيها الولايات ~~الشاسعة ولا الأقاليم الواسعة ولم يطلب الترفع على الأقران وعلو المكان ~~بقدر الإمكان والملك عقيم والعاجز سقيم وكيف يتصور أيها الملك الأكبر أن ~~تكون همة الملك أدنى من همة تاجر في البحر ينهمك فان التاجر إذا افتكر في ~~لذة الفائدة وما يعود عليه العائدة وغرته كما يقال التسع أواق الزائدة يضع ~~جميع ماله وما تصل إليه يده من خدمة ورجاله في الفلك المشحون ولا يرهب ريب ~~المنون ويركب هو أيضا فيه ولا يلتفت إلى عجائب دواهيه ولا يفتكر في الغرق ~~ولا في جبر السفينة ولو نخرق ويسلم قياده إلى متصرف الهواء ونفسه وماله إلى ~~حاكم الماء ودونك يا ذا الحشمة والوافر الحرمة ما قاله العاشق العالي ~~الهمة: # إن تهو بدر فليكن ... ابن الخليفة ذي السرير # أو ابن سلطان الورى ... أو ذي الوزارة أو أمير # وتجنب الأوغاد ms232 والغوغا وذا القدر الحقير # إن الخطير هو الذي ... قد قام بالأمر الخطير # وأما قولكم عساكرنا أغمار لا دراية لهم بتلك الديار ولا معرفة لهم ~~بمصادمة الأسود ومقاومة تلك الجنود فاعلم أيها الوزير الفاضل الكبير إن ~~الأسد ملك كاسر وعلى سفك الدماء حاسر وأن في رعيته من آذاه وأنكاه في ذويه ~~وأبكاه وكسره جبرا واسترعاه قسرا واستولى عليه قهرا فهو منتظر تنفس الزمان ~~مترقب انقلاب الحدثان متوقع أيها الفضيل معنى ما قيل: # إذا لم يكن للمرء في دولة امرئ ... نصيب ولا حظ تمنى زوالها # فإذا سمع بأحد خرج على الأسد ولو كان أقل الأعوان فضلا عن ملك الأفيال بل ~~قيل الأفيال الفاضل في ذاته الكامل في صفاته العادل في رعيته البار بأهل ~~ولايته المحسن إلى أهل مملكته المشفق الحليم الرؤف الرحيم فبالضرورة يبادر ~~إلى الملاقاة ويسارع إلى ما كان يتمناه ويغتنم عبودية الملك وبعدها غاية ~~مرتجاه فيدل على عورات العدوة ومظان عثراته ويرشد إلى طرائق نكاياته ~~ونكباته ويناديفي النادي نلت مرادي على رغم الأعادي ويعلن بإنشادي للحاضر ~~والبادي: # إذا كان للإنسان في دولة امرئ ... نصيب وإحسان تمني دوامها PageV01P143 ~~وأيضا في ذلك الإقليم من متشبث بأمر جسيم وهو ماله من مال وأولاد واقطاعات ~~وعقار وبلاد وسوائم ومواش وأثقال وحواش فلا يمكنه التحول عن طريقنا ولا ~~التحمل لوعودنا ويروقنا ولا قوة المقاومة ولا طاقة المصادمة فبالضرورة ~~يصانع عن تعلقاته وينشبث بذيل سنتنا مع الجماعة فنستمد بآرائه وروائه ~~ونستفيد فيما نحن بصدده دواء لدائه فقال الملك للمقبل ما الجواب عن هذا ~~الخطاب فقال هذا المقال وإن كان لا يخلو عن الاحتمال ووقوعه غير محال لكن ~~الأقرب إلى الذهن إن هذا لا يقع لأنه أمر مبتدع ولأن طبائعنا مخالفة ~~لطبائعهم وأوضاعنا غير أوضاعهم وناهيك إن كلاب الحارة في النهب والغارة ~~يمزق بعضهم بعضا ويتناحرون فيما بينهم حرصا وبغضا حتى إذا دخل بينهم ذيب أو ~~حيوان غريب توجهوا إليه واتفقوا عليه فمزقوا أديمه وهتكوا حربمه وجعلوا ~~لحمه لجماعتهم وليمة وعند الأسد من الوحوش أنواع ما بين ms233 سباع وضباع ونمور ~~وذئاب وقرود وذباب وفهود وكلاب كلهم على طباعه متفقون على اتباعه وإن ~~اختلفت عليهم الثياب لكن الكل كلاب أولاد كلاب وكل من هؤلاء على ما هم عليه ~~متفقوا الأهواء له على خصمه في مجادلته وخصمه دربة في المساورة ووثبة في ~~المغوره وأنواع في الكرو الفرور وغان في الخير والشر ومداخل ومخارج ومدارك ~~ومعارج وليس في عساكرنا سوى الصدمات والحطم بقوة النهضات والعزمات فأن أفاد ~~هذا الاصطدام وإلا فما ثم إلا الأنهزام فلما بلغ المقبل في الكلام إلى هذا ~~المقام وكان رسخ في قلب الملك من كلام المدير الوسخ فما أثر نصح المقبل وما ~~أفاد لأن النفس بطبعها مائلة إلى الفساد فشرع الملك واعتمد على التوجه إلى ~~بلاد الأسد وأمر رؤساء فيلة الهنود بجمع العساكر والجنود وأشيع ذلك في ~~أطراف الممالك فاطلع على هذه الأحوال غراب يكنى أبا المر قال كان له وطن ~~وولد وسكن في ممالك الأسد لكنه قدم جزيرة الأفيال للتنزه على سبيل التفرج ~~والتفكه فشرع يتأمل في هذه الأمور ويستنتج من قضاياها ما يتولد من سرور ~~وشرور فانتهى سابق أفكاره في ميدان مضماره إلى أن هذه القضايا تسفر عن ~~بلايا ورزايا وإراقة دماء وخراب أماكن وهلاك رعايا سواء تمت للأفيال أو ~~رجعت عليهم بالوبال فخاف على سكنه ودمار أهله ووطنه فادى فكره الأسد أن ~~يطلع على ذلك الأسد ليتداركه بحسن آرائه ويعترف للغراب بحسن وفائه فبكر ~~بكوره وقصد دوره فوصل في أقرب زمان ونادى الريبال أبا الزعفران وقال الله ~~الله أني أنا النذير العريان وأطلع الأسد على هذا النكد وقرر معه حقيقة ~~الأحوال وما عزم عليه ملك الأفيال فتشوشت لذلك الخواطر وتصدعت لخوفه ~~الأكابر والأصاغر ثم أمر السباع وطوائف الوحوش بالاجتماع مع رؤساء مملكته ~~وأساطين خاصته ورعيته وذكر لهم هذا الأمر المهول وما عزم عليه ملك الفيول ~~وأذن لكل واحد منهم في ذلك بما يقول فوقع الاتفاق من أولئك الرفاق أن يتفق ~~أعيان كل جنس من الحيوان على رئيس من جنسهم يقيمونه مقام نفسهم يرضون ms234 ~~بأقواله ويقتفون آثار أفعاله وليكن من أهل الحصافة والكفاية واللطافة ~~والدراية والشفقة العامة والمعرفة التامة بعقد معهم للمؤامرة مجلس رأي ~~ومشاورة فمهما وقع عليه الاتفاق واجمع عليه الرفاق واستثصوبه الأسد وارتضاه ~~اتبعوه وعملوا بمقتضاه فتقدمت طائفة الآساد إلى تاج منها نهاد سبع يسود على ~~طوائف الأسود طالما افترس الأقران وانغمس في دماء الشجعان وأضاف جوارح ~~الصيد فضلات ما افترسه من عمرو وزيد كاسر جاسر باسل باسر حاسر قاسر ظاهره ~~أبي وباطنه بالمكر غني: # أسد يسود على الأسود زئيره ... رعد وعيناه بروق وتخطف # فقدموه واختاروه واستشاروا رأي رأيه وامتاروه واختارت النمور نمرايمور ~~سريع الوثبة بديع الضربة لطيف الحركات خفيف النهضات قوى الشماس خفي ~~الاختلاس كثيرا ما كسر أسامهوسامي اسود خفان فاسر ضرغامه كما قيل: # نمر تخاف الأسد من وثباته ... وتحار في حركاته وثباته # وقدمت الثعالب ثعلبا لطيف الروغان ظريف الزوغان خفي الحيل قوي الميل ~~طالما فر من طبل وأهل على الصيادين من أهوال وأحرق السلوقيات سلاحه ونفذ في ~~غالب الأسود بالمكر سلاحه: # يضل بني سلوق من دهاء ... فيخلص من مخالبها سليما PageV01P144 واعتمدت ~~الذئاب في هذا الباب على ذئب فعله عجيب وأمره غريب سديد الختل والختر شديد ~~المكر والكسر طالما أفسد ثله ودخل في قطيع ماشية فقطعه كله يعجز الأسود ~~والنمور والفهود شيمته الغدر والخديعة ودأبه المكر وسوء الطبيعة شعر: # وقد جمع الضدين نوما ويقظة ... يخاف الرزايا فهو ويقظان نائم # فاختلى بهم أبو الأشبال وشاورهم فيما دهمه من الأهوال ونوجه بالخطاب إلى ~~الأسد وقال ما رأيك في هذا النكد فقال لا تطلب النصر في هذا الحصر إلا من ~~مالك العصر ومصرف أحوال الدهر بين الفرج والقسر وهو الله سبحانه وتعالى وعز ~~شأنه وجل جلاله فأنا مظلومون وهم ظالمون ونحن ما اعتدينا عليهم ولا تقدمنا ~~بالظلم إليهم فسيرد الله كيدهم في نحرهم وسحيق بهم عاقبة مكرهم وهذا أمر ~~مقرر وأظنه هو المقدر وأما ما يتعلق بنا وبهم من الفرار والصلح أو حربهم ~~فاذكره على التفصيل وأخبر في ذلك الرأي الجميل أما الفرار فلا ms235 سبيل إليه ~~ولا معول أبدا عليه وأني ذلك وهو عيب ما وصمت به الأسود ولا لهم به وصف ~~معهود وبنا يضرب المثل في الشجاعة والبسالة وتتشبه بنا الأبطال في الأقدام ~~لا محالة وكيف نترك بلادنا وأهلنا وأولادنا من أول وهلة ونعزم على الرحلة ~~ولا صادمناهم ولا واقفناهم ولو فعلنا ذلك فهربنا وتركنا مالنا وذهبنا لفسدت ~~أمورنا وخربت ممالكنا دوربا ولا نفرط نظامنا وتعوج قوامنا واستمرت هذه ~~الملامة إلى يوم القيامة ولدام علينا هذا العار ولا يقر لنا بعد ذلك قرار ~~وأعلم أيها الملك نو والله وجه السرير بك أن العمر السنى ما مر في العيش ~~الهني وقد قيل: # ما العمر ما طال به الدهور ... العمر ما طاب به السرور # والعمر الذي يمر في نكد لا يحتسبه من ذوي الكفاية أحد وحسبك ما ذكره ~~المترجم من حكاية الملك المعزول مع النجم فسأله أبو الأشيال سرد هذا المثال ~~(فقال) الأسد ذكر القائل أن أهل بابل كانت عادتهم في دينهم وسلوك طريقهم مع ~~سلاطينهم أنهم إذا اعتنوا بشخص ملكوه واتبعوا طريق أمره وسلكوه وبذلوا في ~~طاعته ما ملكوه فإذا أرادوا عزله تركوه ونشزوا عنه وفركوه وأهملوا إحسانه ~~وفذلكوه وسكنوا غيره في سرير الملك وحركوه فاتفق أنهم ولوا واحدا وأعزوه ~~ونصروه ثم خذلوه وأقبلوا عليه أولا ثم قتلوه وكانت مدة ما بين ذلك يسيره ~~وعمر أيامه في ولايته قصيرة فحصل له أولا السرور ثم تراكمت عليه بالعزل ~~الشرور فاحتوشته الفكر وبات يصارع القضاء والقدر ثم قال لو راقبت في أول ~~الجلوس ما في الطالع من سعود ونحوس ثم اخترت لساعة ارتقائي وقتا يطول فيه ~~بقائي وذلك يكون نجمي في برج ثبت لما انقلبت كواكب سعدي عن الاستقامة ولا ~~نبت ولكن حيث فات ذلك في الابتداء فاندراكه في الانتهاء فلعل ذلك يفيد ~~ويردني إلى سرير السرور يعيد ثم طلب منجما حاذقا ماهرا فائقا وقال انظر في ~~طالع جدي وتأمل برج نحسي وسعدي واختر لي ساعة يصلح فيها النزول عن السرير ~~ويكون العود إلى السرير بواسطة ms236 الناظر إليها غير عسير فان الناظر إلى ~~الطالع هو الجالب والمانع فامتثل المنجم ما رسم وشرع في وضع الأشكال والقسم ~~ثم قال أحسن ما نظر في الطالع المسعود من حين الميلاد فانه أول الوجود فإذا ~~أخذ الطالع سن ساعة الميلاد ترتب عليه ما يصدر على ذلك المولود من السعد ~~والإسعاد ومن الخوف والرجاء في عالم الكون والفساد فهل اطلع الملك في أي ~~ساعة وجد وكم أتى عليه من حين ولد قال نعم أعرف مدة عمري جزما وهي اثنان ~~وعشرون يوما فتعجب المنجم من مقاله ولم يقف على حقيقة حاله فقال ليوضحالملك ~~ما أشار لأقف على حقيقة هذه الأسرار فقال مدة استيلائي على السرير هو هذا ~~القدر اليسير وأنا لا أحسب العمر ولا أعتد بوصال بيض ولا سمر إلا هذه ~~الأيام والليالي ولا أحتسب سواها عمرا ولو بيع باللآلئ وقد قلت: # وعمر مضى بالهجر لست أعده ... ولكنني أقضيه في زمن العمل PageV01P145 ~~وإنما عرضت يا بطل على رأيك السعيد هذا المثل لتعلم أن أيام المحنة لا تعد ~~عمرا ولو قضى الإنسان فيها زمانا طويلا ودهرا وأما الصلح يا ذا الركون فعلى ~~أي وجه يكون ومن أين يقع بيننا وبينهم اتفاق وسكون وليسوا من جلدتنا ولا ~~على ملتنا وفي عصر وأوان ذل الأسد واستكان وخضع للفيل ودان أو أعطى الغضنفر ~~النباج والضرغام الصعب الناج لغيره الجزية والخراج وهو في الحقيقة سلطان ~~الوحوش ووهاب التاج فلم يبق إلا الاستعداد للمصادمة والتأهب للمقاحمة ~~والمقاومة ولنا من ذلك في البين إحدى الحسنين أما الظفر بهم وهو المرام ~~وأما الشهادة فنموت ونحن كرام وقد قال السيد السديد من قتل دون ماله فهو ~~شهيد وقيل يا حاتم طي: حسن الثناء على الميت خير من سوء الثناء على الحي ~~والموت في مقام العزة مع النشاط والهزة أرفع من الحياة بذلة ووخزة وكسرة ~~ونخزة وقد كنت أنشدت وقديما أرشدت: # هو الموت إن لم تلقه ضاحكا فمت ... عبوسا بوجه أفتر اللون أغبرا # ومن لم يمت في ملتقى الخيل مقبلا ... عزيزا يمت ms237 تحت السنابك مدبرا # فأقبل الريبال على أبي مرسال وقال أيها النمر وصاحب الخلق الزمر ماذا ~~نشير في هذا المهم والمشكل الذي دهم فقال إن الأفيال أكبر جسوما وأعظم ~~حلوما وأقوى في الضرب وأعدى في الحرب وقد استعدوا وأقبلوا واتقنوا أمورهم ~~وأعملوا وأنا أخشى أن يكونوا أقوى بطشا وأن نعجز عن المقاومة في المصادمة ~~فإن فينا العاجز والضعيف والذميم الجثة والخفيف ومن لا عرف الأفيال ولا رأى ~~تلك الأشكال فينفر من مصادمة الجبال فيطؤننا تحت أخفافهم وتنكسر شوكتنا في ~~أول مصافهم فلم يبق إلا الفرار ولا يقر لنا بعد ذلك قرار فيستولون عنوة ~~وقسرا على هذه الديار وينفرط النظام ونرضى عند ذلك بالسلامة والسلام ونقع ~~في البلاء العريض الطويل وانظر يا مولاي إلى ما قيل: # هل للمرائر من صون إذا وصلت ... أيدي الرعاء إلى الخلخال والخدم ~~PageV01P146 فعندي الرأي ذو الأصالة أن ينتخب الملك من يصلح للرسالة ويحسن ~~السفارة ويحسن العبارة فيسكن من فوره شغبهم وثورة لهبهم وسورة غضبهم ويعدهم ~~ويمنيهم ويحسن التقريب ويقصيهم وفي ضمن هذه الأوقات وأثناء هذه الحالات ~~يراقب أوضاعهم ويخبر جمعهم وأجماعهم ويتوصل إلى أسرارهم ويواصلنا بأخبارهم ~~ويطالعنا بمخامر أفكارهم ويكتب ما قدموا وآثارهم ونستمر على المراسلة ~~والمقاومة والمطاولة فإن تيسر رجوعهم وانكشف بالهوينا جموعهم وإلا فنكون قد ~~استعددنا عن الاستبصار فنتعاطى أمور قتالهم بعد التأمل والاختبار وإن ~~أمكننا أن نأتيهم بالليل ونحل بهم الدواهي والويل بعد أن يركنوا إلى جانبنا ~~ويأمنوا من نوائب مصائبنا فربما نصل إلى بعض القصد أو يوافق بعض حركاتنا ~~السعد فالتفت الدوكس إلى العلمس وقال أي سيد وذا الأمر الرشيد ماذا ترى ~~فيما طرأ وكيف طريق القوم فيما جرى قال السمسام يا مولانا الضرغام الذي ~~سمعته من أولي التجارب وتلقفته من الأصحاب والأجانب أنه من التوفيق إذا ~~ابتلى الشخص بعداوة من لا يطيق أن يدافعه بالهدايا والتحف ويحابيه بشيء من ~~الظرائف والنتف فإنه قيل في الأمثال إن خير الأموال ما ادخر لدفع البؤس ~~ووقيت بنفائسه النفوس فأهب النهاب بأبي وثاب يا أبا الحصين ms238 ما رأيك في ~~البين وأي آراء الأصحاب أقرب إلى الصواب فتقدم الثعلبان وتكلم فأبان وقال ~~أسعد الله الأحد مولانا الأسد وجعل رأيه الأسد وفعله على أعدائه الأشد اعلم ~~أيها الدلهاث أن أمورنا لا تخلو عن إحدى ثلاث أما المقابلة بالمقابحة وأما ~~المهادنة والمصالحة وقد تقرر فيما تقدم وتحرر بيان كل منهما وما يصدر فيهما ~~وعنهما وأما الفرار وتولية الأدبار وترك الأوطان والديار فأف لذلك من عار ~~وسبة وشنار فما بقي إلا الحالة الثالثة وهي بعساكرهمعابثة ولقلوبهم كارثة ~~وهي طريقة الاحتيال والتوصل إلى لقائهم بطرائق المكر في جب الوبال فإن صائب ~~الأفكار يعمل ما لا يعمله الصارم البتار فبشباك الحيلة تصاد كل فضيلة وتهون ~~كل جليلة وأنا أفصل ما أجملت وأبين ما فصلت أما المقابلة والأخذ في أسباب ~~المقاتلة فلا طاقة لنا به ولا باب لدخول قبابه لأنا عاجزون عن المصادمة ~~قاصرون عن المقاومة محتاجون إلى الطعام والشراب وبعض عساكرنا لا يعيش إلا ~~باللحم والكباب وجيشهم الذي قد ملا وسد الوهد والفلا يقنعون بالحشيش والكلا ~~فلا يتكلفون لحمل زاد ولا يحتاجون إلى عدة وعتاد وأيضا أحوال عساكرنا ~~المفرقة المضمومة لاختلاف أجناسها وأنواعها غير معلومة فلا اعتماد عليهم ~~ولا يتحقق الركون إليهم فإنهم أجناس مختلفة وطوائف غير مؤتلفة وبينهم ~~معاداة وفي جبلتهم النفرة والمنافاة وبعضهم غذاء بعض وفي قلبه منه العداوة ~~وبغض لو ظفر به كسره وأكله وإن استبصر به خذله فهم كالقفل المجمع ولون ~~اتفاقهم ملمع وأما عساكر الأفيال فبينهم اتفاق على كل حال لأنهم جنس واحد ~~وما بينهم مخالف ولا مناكد ولهم اعتماد على قوتهم وعلى اتفاقهم وشوكتهم ~~والمعتمد على مثل عساكرنا إن لم يضبط بطريقة كلية أمر عشائرنا ينفرط أمره ~~ويخمد في إيقاده نار الحرب جمره ويعلوه من بحر النوائب غمره ويظفر به ~~أعدائه زيده وعمره ويصيبه من الحطة ما أصاب الصياد من القطة فسأل أبو ~~الحارث عن بيان هذا الحادث قال الثعلب ذكر أن رجلا ذا كيد كان مغرما بالصيد ~~وكان عنده قط صياد يجترئ على النمس والفياد ms239 فكان يوما بين يديه فمر عصفور ~~عليه فطفر كالنمور وحصل من الهواء العصفور فأعجب به صاحبه ثم قصد الصيد وهو ~~مصاحبه وحمله تحت إبطه وبالغ في حفظه وضبطه وركب جواده وتوجه يروم اصطياده ~~فرقى سفح جبل فخرج من وراء صخرة طائفة من الحجل فتوجه إليه وألقى القط عليه ~~فطار الطير وخاف القط وقصد رجوعه إلى تحت الإبط فطفر إلى جبهة الجواد وأنشب ~~فيها مخاليبه الحداد فجفلت الفرس من القطة وخبطت بفارسها الأرض شر خبطة ~~أزهقت فيها نفسه وأبطلت حسه (وإنما أوردت) هذا المثل ليحترز أيها البطل في ~~هذا الأمر من وقوع الخلل ويتفكر في أمر هؤلاء الجماعة وكيف ثباتهم في ~~دعواهم السمع والطاعة فإنهم لا يصلحون للقتال خصوصا مصادمة عساكر الأفيال ~~فالملك لا يعتمد على مثل هذا العسكر اللهم أن يتقرر أمرهم على صدق اللقاء ~~ويتحرر وأما ذكره مولانا أبو سهيل في تبييت عساكر الأفيال بالليل فهو رأي ~~معتبر ولكن فيه نظر لأن ذلك إنما يكون إذا كان العدو PageV01P147 في سكون ~~وعن توقع النكبات في ركون فبينما هم في غفلة ذاهلون جاءهم باسنا بياتا وهم ~~قائلون وأما إذا كانوا مستعدين يقظين مجدين وقد توجهوا للقتال وانتصبوا ~~للمناضلة على هذه الحال فلا شك أنهم اتقنوا أمرهم وأخذوا أسلحتهم وحذرهم ~~فأعدوا لكل نائبة نابا ولكل نائفة بابا ولكل حرب حرابا ولكل ضرب ضرابا ولكل ~~شدة سدة ولكل عدة عدة ولكل جزة جمزة ولكل وفزة فزة ولكل نفرة طفرة ولكل فرة ~~كرة ولكل أزمة حزمة ولكل كسرة جزمة فربما يكونون افتكروا منا هذه المكيدة ~~وأعدوا في مقابلتها داهية نصبوا لها مصيدة فنتوجه إليها غافلين فنشب في ~~شراكها ذاهلين فيصيبنا من النكل ما أصاب الجمل من الجمال فقال الريبال هات ~~يا أبا الترهات أخبرنا يا أبا نوفل أخبار الجمل المغفل (قال) كان جمال فقير ~~ذو عيال له جمل يتعيش عليه ويتقوت هو وعياله بما يصل منه إليه فرأى صلاحه ~~في نقل ملح من الملاحة فحد في تثقيل الأجمال وملازمته بإثقال الأثقال إلى ~~أن آل ms240 حال الجمل إلى الهزال وزال نشاطه وحال والجمال لا يرق له بحال ويجد ~~في كده بالاشتغال ففي بعض الأيام أرسله مع السوام فتوجه إلى المرعى وهو ~~ساقط القوة عن المسعى وكان له أرنب صديق فتوجه إليه في ذلك المضيق ودعاه ~~وسلم عليه وبث عظيم اشتياقه إليه فلما رأى الخزر هزاله وسأله أحواله فاخبره ~~بحاله وما يقاسيه من عذابه ونكاله وأن الملح قد قرحه وجب سنامه وجرحه وأنه ~~قد أعيته الحيلة وأضل إلى الخلاص سبيله فتألم الأرنب وتأمل وتفكر في كيفية ~~عصر هذا الدمل ثم قال يا أبا أيوب لقد فزت بالمطلوب وقدظهر وجه الخلاص من ~~شرك هذا الاقتناص والنجاة من الأرتهاص والأرتصاص تحت حمل كالرصاص فهل ~~يعترضك يا ذا الرياضة في طريق الملاحة مخاضة فقال كثير وكم من نهر وغدير ~~فقال إذا مررت في خوض ولو أنه روض أو حوض فابرك فيه وتمزق وتنصل من جملك ~~وتفرغ واستمر يا أبا أيوب فان الملح في الماء يذوب وكرر هذه الحركة فانك ~~ترى فيها البركة فأما أنهم يغيرون حملك أو يخففوه أو تستريح بذوبه من الذي ~~أضعفوه فتحمل الجمل للأرنب المنة وشنف بدر هذه الفائدة أذنه فلما حمله ~~صاحبه الحمل المعهود ودخل به في طريقه المورود ووصل إلى المخاضه برك فضربوه ~~فما قام ولا احترك وتحمل ضربه وعسفه حتى أذاب من الحمل نصفه ثم نهض انتهاضه ~~وخرج من المخاضه ولازم هذه العادة إلى أن أفقر صاحبه وأباده فأدرك الجمال ~~هذه الحيلة فافتكر له في داهية وبيله وعمد إلى عهن منفوش وغير في مقامرته ~~شكل النقوش وأوسق للجمل منه جملا بالغ فيه تعبية وثقلا وسلط عليه الظمأ ثم ~~دخل به إلى الماء فلما توسط الماء برك وتغافل عنه صاحبه وترك فتشرب الصوف ~~من الماء ما يملؤه البرك ثم أراد النهوض فنأى به الربوض فقاسى من المشاق ~~مالا يطاق ورجع هذا الفكر الوبيل على الجمل المسكين بإضعاف التثقيل فساء ~~مصيره وكان في تدبيره تدميرء وما استفاد إلا زيادة النصب وأمثال ما كان ~~يجده من ms241 التعب والوصب (وإنما أوردت) هذا المثل عن الجمل ليعلم الملك ~~والحضار إن العدو الغدار والحسود المكار يتفكر في أنواع الدواهي ويفرع ~~أنواع البلايا والرزايا كما هي الحال ويبذل في ذلك جده وجهده ولا يقصر فيما ~~تصل إليه من ذلك يده فتارة تدرك مكايده وتعرف مصايده وتارة يغفل عن دواهيها ~~فلا يشعر الخصم إلا وقد تورط فيها وعلى كل حال لا بد للشخص له وعليه من ~~الأحتيال وأما طلب الصلح وإرسال الهدايا فمن أعظم المصائب وأكبر الرزايا ~~فان ذلك يدل على عجزنا والخور وينادي على هواننا في البدو والحضر ويجرئ ~~علينا الغريب ويذهب حرمتنا عند القريب ودونك يا أبا العباس ما أنشدتك في ~~المقياس: PageV01P148 وما أنا ممافر من نار خصيمه ... لظل حسود أو إلى فيء ~~شامت PageV01P149 ولكن الرأي الأنور أيها الورد الغضنفر أن ترسل إليهم ~~رسولا عاقلا فصيحا جميلا بصيرا بعواقب الأمور قد مارس تقلبات الدهور وقد ~~ربى وتربى وعن الرذائل تأبى وبأنواع الفضائل تعبى وأحرم إلى كعبة محاسن ~~الشيم ولبى ولولا أن باب النبوة استدلتني برسالة فحاله تسفر عن بسالة جزله ~~تتضمن سؤالهم عما أوجب ارتحالهم وسبب قصدهم لبقعتنا وتوجههم لدخول رقعتنا ~~وما موجب هذا الاعتداء ولم يصدر منا لهم إلا المحبة والولا وحسن الجوار ~~والإحسان إلى الكبار والصغار ومعاملة الغريب والقريب بالفضل المجيب والكرم ~~الذي لا يخيب ويذكر لهم بسالتنا وشجاعتنا وفي معاملات المضاربة بضاعتنا ~~ويكشف لهم في ملابسه الحرب والضرب صناعتنا ويحقق عندهم ما عندنا من أسود ~~الحرب وفوارس الطعن والضرب وأجناس الوحوش الكواسر والسباع الجواسر وأصناف ~~الفراعل والعسابر ويتكلم بكلام يراه مقتضى المقام ومناسبا للحال ويوسع في ~~ذلك المجال ويميز أوضاعهم وعساكرهم ويسبر بمشبار العقل أمورهم ويسمع الجواب ~~وما فيه من خطأ وصواب ويورده إلينا ويعرضه علينا فنعمل بمقتضاه وينظر الرأي ~~السديد فيه ما ارتضاه ونبني على ذلك الأساس ونفصل على ذلك القياس فاستصوبوا ~~هذا الرأي من الآراء وطلبوا له كفؤا من الأكفاء فوجدوا ذئبا هو من خواص ~~الحضرة ومن ذوي النباهة والشهرة له في ميدان الفضائل ms242 كروفر وفي مظان النفع ~~والضر خير وشر قد جرب في المصايد ودرب في المكايد وهذب في المصادر والموارد ~~ورتب في المطارف والمطارد أدنى فضائله حسن السفارة وإحدى فواضله ترتيب ~~العبارة حلال المشكلات كشاف المعضلات فوقع عليه اختيارهم ورضى به كبارهم ~~وضغارهم فحمله الأسد كلامه وجعل البسملة مبدأه والحسبلة ختامه ومن مضمونها ~~بعد إبلاغ التحية والأثنية السنية إلى الحضرة العلية ملك الأفيال أبي مزاحم ~~المفضال ألهمه الله هداه وصرف عنه رداه وبصره مواقع الخير وهداه ولا شمت به ~~أعداه وحفظه بالعشي والغداهوجعل عقباه خيرا من مبتداه نحيط علومه الكريمة ~~وآراءه العلية الجسمية أن قوتنا من قديم الزمان ظاهره وهيبتنا باهرة ~~وصولتنا قاهره لم نزل نفترس الفوارس ونكرم أصناف الأضياف من الوحش والطير ~~بالفرائس ويضرب بنا في الشجاعة والكرم الأمثال ويفر من بين أيدينا أسود ~~الأبطال ولا عار على من فر من بيد يدي الريبال وقد اتصل بنا أن ملك الأفيال ~~توجه إلينا بجنوده وهيأ في ذلك أجناس عساكره وبنود وما علمنا لذلك موجبا ~~ولا تقدمنا بعداوة تنشئ حربا وحربا بل ولا تعرضنا لأحد في الذكر الجميل عنا ~~فأنعموا برد الجواب وميزوا من الصواب قبل أن يكشر الشر نابه ويفتح جرابه ~~ويحرش للهرير كلابه ويسلخ ليله اهابه ويكسر رائد الفتنة بابه فتتفاقم ~~الأمور وتتعاظم الشرور وتتلاطم بحارها وتمور عند التهاب شواظ الغيظ من ~~الأسود والنمور مع أن اعتمادنا على الله العظيم وتوكلنا على العزيز الرحيم ~~فلما بلغ الذئب الرسالة وأدى ما فيها من شجاعة وبسالة وبين لملك الأفيال ما ~~تضمنته من عظمة وجلال استشاط ملك الأفيال وتغيرت لاضطرابه الأحوال ونظر من ~~تلك الفيول إلى فيل ظلوم جهول وبدر إليه من غير تدبر ولا تأمل في الأمور ~~وتفكر وقال اذهب إلى هذا العتمد على كلامه الراقد في غفلة منامه وفل له متى ~~مارست معركة الشجعان أو صارعت رجال الميدان وأنى لك طاقة بمصادمة الجبال ~~ومن أين تعرف مقامة الأفيال فاستيقظ لنفسك فعن قريب تحل برمسبك واستعد ~~لجنود لا قبل لك بها فستشاهد ما ms243 لم تسمعه من ضربها في حربها فلقد أتاك عسكر ~~القضاء وبنوده وليحظمنكم سليمان الأفيال وجنوده فلير يقن ولسيتأسرن الحرائر ~~كالإماء وليدوسن الأطفال ولترين منه الإنكاد والأنكال وليظهرن آثار الدمار ~~والبوار بمالك من ممالك ومساكن وديار وليفعلن بولاياتك ما فعله بممالك ~~الإسلام التتار وأنت بين أمرين وبخير النظرين إما أن تطيع لأمرنا وتنقاه ~~وتسلم إلينا ما بيدك من بلاد وأما أن تختار طرق الفراق والفرار وتنجو منا ~~منجا الذباب وتتنحى عن طريقنا بما معك من كلاب وذئاب وقد بالغنا في النصيحة ~~بعبارات الصحيحة وأقوالنا الفصيحة قبل إفشاء الفضيحة فوصل الفيل الرسول ~~وأدى هذا القول فتشوش الأسد وداخله الغيظ والنكد فأراد الإيقاع بالرسول ~~الظلوم الجهول ثم تمالك وعن ذلك تمامك وقال لولا أن عادة الملوك ودرب ~~السياسة المسلوك أن لا تهاج الرسل ولا PageV01P150 تضيق عليهم السبل ~~لقابلتك على كلامك الفج بما يجب من العج والثلج ثم التفت إلى الثعلب وقال ~~يا أبا الحصين ما عندك في جواب هذين النحسين قال الثعلب أنت الأغلب هذا ~~القيل أقوى دليل وأوضح سبيل على عدم عقل الفيل وإن فكره وبيل وبصيرته قد ~~عميت وطرق هدايته قد خفيت وأنه غوى وأضل قومه وما هدى وكل من اعتمد على ~~قواه وحوله واستحل غرور فعله وقلوه فقد وزال وزل وفي عقد البلاء حال وحل ~~وهذا الجاهل السخيف الكثيف الثقيل الجثة الخفيف قد استحقرنا في عينه فيرى ~~منا حلول حينه كل من استحقروا ستخف بعدوه فسيعدم حلاوة هدوه وسيحرم مواصلة ~~مرجوة وقد قالت الحكماء الأخيار العقلاء ذوو الاعتبار وأولو التجارب ~~والاستبصار لا تستحتقر السقم والنوم والدين والعدو والنار فالملك أعز الله ~~نصره وأعلى مناره وقدره وسلط على الأعداء قهره لا يلتفت إلى هذا الكلام ولا ~~يتزعزع لهذه الأوهام ولا يخف من جهامة الأفيال فكل ما هم فيه باطل ومحال بل ~~يعتمد على الله العزيز الجبار ويصفي نيته بالعدل والخير مع الكبار والصغار ~~ويقوي جنانه على الملاقاة وقد وافاه النصر وأتاه ولاغاه السعد ولاقاه فان ~~هؤلاء اعتدوا على ولايته وأتوها فسينزل ms244 الله تعالى عليهم جنودا لم يروها ~~فكم من مستضعف حقير صدر منه بالحيلة أمر خطير وبحسن التدبير ومساعدة ~~التقدير تم له أمر كبير وناهيك قصة الفارة مع رئيس الحارة وما فعلته إذ ~~ختلته إلى أن قتلته فسال حيدره عن تلك المأثرة (فقال) بلغني النفيس أنه كان ~~رئيس ضيق العطن خسيس له زوجة ذات صيانة ودين وأمانة لم تزل تتجنب الخيانة ~~وتتعاطى العفة والرزانة وله دجاجة تبيضعلى الدوام فيسرق بيضتها أبو راشد ~~وهم نيام فإذا افتقد الرئيس بيضته طالب زوجته فتحلف إنها ما رأتها ولا تعرف ~~يدا أخذتها فيؤلمها سبا ويوجعها ضربا ولا يصدق قولها ولا يرحم عولها ففي ~~بعض الأحيان رأت المرأة الجرذان وهو يجر البيضة إلى حجره وقد بلغ بها باب ~~وكره فدعت بعلها لتريه الفار وفعلها فعلم براءة ساحتها وعمل على راحتها ~~واعتذر إليها وطلب الفارة وحنق عليها وأعمل المكيدة ونصب للفارة دون البيضة ~~مصيدة فلما رأت الفارة علمت أن وراءه الدرك فشعرت بما وضع عليه فلم تقدم ~~إليه إلى أن زار الجرذان أحد أقاربه من الفيران فلم يجد شيأ يضيفه فاعتذر ~~إلى الضيف بما هو مخيفة وأراه البيضة سعاد وأن دونها خرط القتاد وكان الضيف ~~الغر لا يعرف هرا بر فحمله السفه والحرص والشره على أن قال أنا أخوض هذه ~~الأهوال وأرد من الموت حوضه وأصل إلى هذه البيضة ثم قصد المصيدة فقبضت ~~وريده وفجعت وليده ووديده فتنكدت الفارة وتكدرت والتظت أحشاؤها وتسعرت ~~وتألمت لموت ضيفها وبلغ جيرانها حديث ضيفها فخجلت منهم واختفت عنهم وشاعت ~~قضيتها وذاعت بليتها فلم تجد لبرد النار سوى أخذ الثار فأخذت تفتكر في وجه ~~الخلاص فرأت أنها لا تخلص من عتب الجيران إلا بالقصاص فشرعت في تعاطي أخذ ~~الثار من صاحب الدار وكان لها صاحبة قديمة عقرب خبيثة لئيمة معدن السموم في ~~زبان إبرتها وطعم المنايا مودع في شوكتها فتوجهت إليها وترامت عليها وقالت ~~إنما تدخر الأصحاب للشدائد ولدفع الضرر والمكائد وإنزال الداء بساحة ~~الأعداء ولأخذ الثار والانتقام من المعتدين اللئام وقصت ms245 عليها القصة وطلبت ~~إزاحة هذه الغصة وأن تأخذ لها بضرباتها القصاص ليحصل لها بين جيرانها من ~~العتب الخلاص فأجابتها إلى ما سألت وأقبلت إلى وكر الفارة بما اقتبلت وأخذا ~~في أعمال الحيلة قادت أفكارهما الوبيلة إلى أن تخدعا صاحب البيت بالذهاب ~~وتلقياه بذلك في اللهب تم أمهلا إلى أن دخل الليل وشرعا في إيصال الويل ~~فأخرجت الفارة دينارا وألقته في صحن الدار ووضعت آخر عند حجر الفار وأظهرت ~~نصف دينار من ذلك الذهب وسترت النصف الآخر عند العقرب واستترت العقرب بجناح ~~السكون تحت ذيل الكمون وقد عبت في زبانها ريب المنون فلما أصبح الصباح ~~ونودي بالفلاح وجد صاحب الدار في وسطها الدينار فتفاءل بسعد نهاره ولم يعلم ~~أنه علامة دماره ففتح عينيه ونظر حواليه فرأى عند حجر الفار أخا الدينار ~~ففرح وطار ونشط واستطار وزاد في الطلب على بقية الذهب فرأى نصف دينار داخل ~~حجر الفار فمد يده إليه وأعمى القضاء عينيه عما قدره الله عليه فضربته ~~العقرب ضربه قضى منها نحبه فبرد مكانه ولاقى هوانه وأخذت الفارة ثأرها وقضت ~~من عدوها PageV01P151 أوطارها (وإنما أوردت) هذه القصة الأحبار ليعلم الملك ~~أن حيلة صائب الأفكار تفعل ما لا يفعله العسكر الحرار بالسيف البتار والرمح ~~الخطار وبقليل الحيلة تتم الأمور الجليلة فلا يهتم الملك بجثث الأفيال ~~ويشرع فيما هو بصدده من دقيق الاحتيال وأنا أرجو من الله تعالى الظفر ~~بعدونا وحصولنا على غاية ما مولنا ونهاية مرجونا فأول ما نعاملهم بالوهم ~~وإظهار الصوله والتخويف والإرهاب بقوة الدولة فان الوهم قتال والعاقل ~~المدبر يحتال وطائفة الفيول عديمة العقول وبالوهم يبلغ الشخص مراده كما بلغ ~~الحمار من الأسد ما أراده فسأل ملك الآساد بيان حكاية أبي زياد (فقال) أبو ~~الحصين أخبرني أبو الحسين ذو المفاخر ناصر انه كان في بعض الإعصار والمعاصر ~~حمار في مدار يستعملونه بالليل والنهار إلى أن حصل له الكبر ورمى بالعبر ~~وابتلى باطنا بالجوع وظاهرا بالدبر وعجز عن العمل وانقطع منه الأمل فتركه ~~أصحابه واعتقوه وفي بعض المراعي أطلقوه فصار ms246 يمرح وفي تلك المروج يسرح إلى ~~أن خرج إلى الصحرا وانفرد في رياض الفلا فوصل إلى بعض الآجام وحصل له ~~النشاط التام إلى أن صح بدنه وسمن وبرأ دبره وأمن وأخذه البطر واستولى عليه ~~الأشر واستخفه الطيش وطيب العيش وصار في تلك المراعي يتردد ذهابا وإيابا ~~كالساعي فيسدي ويلحم في شقتها ويفصل مهما اختار من مزهرخرقتها وينهق على ~~عادة الحمير فيملأ تلك الأماكن من الشهيق والزفير وكان في تلك الآجام أسد ~~متخبس يسمى الشبل بن المتأنس كان أبوه ملك تلك الأماكن قد نشأ بها وهو فيها ~~ساكن شاب غرير لم يكن يعرف الحمير ولا طرق سمعه شهيق ولا زفير بل ولا خرج ~~من تلك الآجام ولا عرف تصرفات الأيام وكان أبوه قتل في الاصطياد وتفرقت عنه ~~العساكر والأجناد فنشأ وحيدا يتيما واسمر فيها مقيما فلما سمع صوت الحمار ~~أخذته الرعدة والاقشعرار واستولى عليه الهلع فقعد عن الاصطياد وانقطع وصار ~~كلما نهق هرب واختفى من الفرق وغلب عليه الدهش إلى أن كاد يموت من الجوع ~~والعطش وصار الحمار يتردد إلى عين كان الأسد يسكن منها سورة الظمأ فما اجتر ~~أبعد ذلك على الورود وأضر به الخوف والانقطاع والقعود فلما كاد العطش أن ~~يقتله توجه إلى العين محفوفا بالحيرة والوله فوجد الحمار واقفا عندها وأدرك ~~الحمار خوفه منه بالدها فتقدم إليه وصوب نحوه أذنيه وحملق عينيه فبدر من ~~الأسد صرخة ابتعها من بوله شخه وقال للحمار ايش أنت ولأي شيء ههنا سكنت ~~وجعل يرجف وفي قيد الخوف يرسف فعلم الحمار أن الأسد خار فقال بجنان جرى ~~وبيان قوى أنا في هذا المكان أفرق رزق الحيوان وقد أقمت أحوش أرزاق الوحوش ~~ثم أقسمها بينهم وأملأ جوفهم وعينهم فقال الأسد أني جيعان ولي مدة عطشان ~~فاعطني من الأكل رزقي وافرز لي من الماء حقي فقال بوجه مقطب ادن إلى الماء ~~واشرب فدنا وشرب وهو خائف مضطرب ثم قال أنا جائع فأطعمني وعجل ولا تحرمني ~~فلي مدة من الجوع لا قرار لي ولا هجوع فقال ms247 الحمار تعالى معي إلى موضعي ~~لتعرف مكاني وتقرر جرايتك في ديواني فذهبا في طريق حتى وصلا إلى نهر ماء ~~عميق فأراد العبور فقال الأسد الهصور هذا الماء عميق وكم فيه من غريق ~~فاحملني في الذهاب وأنا أحملك في الإياب فأجابه الحمار وحمله وخاض به ونقله ~~فانشب الأسد الأظافر في كاهل الحمار وثقل عليه فلم يتأثر ولم يلتفت إليه ~~فزاد وهمه من الحمار وقال هذا رأس الدعار ثم سارا ساعة أخرى فرأيا في ~~طريقهما نهرا فطلب الحمار الوثوب وقال هذه نوبتي في الركوب ثم طفر على ~~الأسد وثقل عليه الجسد وتمكن عليه وأرخى يديه ورجليه فتضرر من ثقله وابتلى ~~بشر عمله ثم تورك عليه وانشب في كاهله مسامير نعليه فماج ومار وقد أثرت فيه ~~حوافر الحمار فقال له أثبت وآلك فما حولك تحت وأحالك فقال يا أخي حرت في ~~أمري لقد أوجعتني وقصمت ظهري وكان يكفيني جوعي وقلتي وخضوعي وما أدري هذا ~~الضرر البلا من أين أقبلا فقل لي ما الذي انشبته في كاهلي ونزلت به من ~~حافرك في ساحلي فقال هذه مسامك لطلاب الجرايات والجوامك وهي أربعون مسماك ~~لا بد أن تثبت كلها في قفاك حتى يترصع لك اسم في الديوان وإلا فالرزق لا ~~يحصل بالهو ينابل بالهوان يا أخاه اتركني لوجه الله وارفق بي رفق وما أريد ~~منك رزقا ودعني بالأمانة ووفر الجراية على الخزانة ولا رأيتك ولا أريتني ~~ولا عرفتك ولا عرفتني فأني أتقوت من حشيش الأرض PageV01P152 وخشاشها واستعد ~~لمعاد نفسي بالرفق في معاشها فنزل عنه الحمار وتركه وسار فهرب منه بعد ما ~~ودعه وولى يلتفت يمينا وشمالا لئلا يتبعه وإنما صورت هذا النقش لتعلم يا ~~ملك الوحش أن الوهم يصدر كالسهم وهو عند براهمة الهند وحكماء السند أحد طرق ~~العلم رقاك الله إلى سلم السلم والوهم غالب على الأفيال بل سهم الوهم يقتل ~~كثيرا من الرجال فنرجو من الله أن يبلغنا مقصودنا وننال من طالع الجد والحظ ~~مسعودنا وإن يرجع أعداؤنا بالخيبة وفراغ العيبه وهذا المثل الذي ms248 ضربته ~~والتقريب الذي قربته إنما هو مثل العاجز الضعيف مع القوى العسوف لا العسيف ~~وأما نحن بقوة الله وحوله ومساعدة نصره وطوله فقوتنا قاهرة قائمة وصدمتنا ~~بعون الله دعائمها داعمة لم يحصل منا خوف ولا خور ولا فزع ولا جزع ولا جور ~~ففينا بحمد الله قوة لمصادمتهم وقدرة لمقاومتهم فامض لأمرك فكأني بك وقد ~~رجعت فائزا بنصرك مجبورا بكسر عدوك محبورا بيسرك ثم أنه اقتضى رأي أبي ~~الضرغام إعادة الذئب إلى أبي مزاحم برسالة مضمونها بصرك الله بعيوب نفسك ~~وأراك عاقبةغدك في صبح أمسك وجعلك ممن اتبع الهدى وامتنع عن موارد الردى ~~أعلم أن علماء الهند وحكماء البراهمة والسند امتازوا عن حكماء الأقاليم ~~ووضعوا رقعة الشطرنج للتعليم وأن واضع ذلك صور الرقعة بصورة الممالك وقسمها ~~بالسوية جعل لكل قسم جنسا من الرعية ووضع له نوعا من السير لا يتعداه وبين ~~لكل منهم مكانا لا يتخطاه وأنا أخاف أن تتعدى مكانا هو مقامك وتقصد بيت ~~الشاه ويفوت مرامك ويناديك فرزين العقل وأنت راحل في النقل يا ذا الهوس ~~ماذا بيت الفرس فتقع وأنت تصرخ في لعبك بالنفس مع الرخ فلا يفيدك الندم وقد ~~زلت بم القدم وخرجت في لعبة من رفعة الوجود إلى العدم وترى تلاقي الموافاة ~~فات ويقول خصمك وقد رأى كلاحة وجهك شاه مات فلا تعتمد على جهامة جسدك وكف ~~عن حقدك وحسدك ولا تقصد حرم كعبة غيرك بالفكر الوبيل فيصيبك مثل ما أصاب ~~أصحاب الفيل حين أرسل الله عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل وتصير ~~بعد وقوع الملاحم وصدوع المقاحم أبا حرمان بعد أن كنت أبا مزاحم فلما قرأ ~~الفيل هذه المطالعة غطت حمية الجاهلية منه الباصرة والسامعة فأراد يأمر ~~بايطاء الرسول تحت أخفاف الفيول لكن راجع عقله وأحضر وهله ورد الذيب بجواب ~~مخيب وسهم غير مصيب وقال استعدوا للقتال ومصادمة الأبطال ومقارعة الأفيال ~~ثم أمر بالعساكر فتجهزت وبأمور الحرب فتنجزت وثار بغضب أحمى منت جمر الغضا ~~وسار بالعساكر الجرارة فملأ الفضا فبلغ الملك المظفر أبا الحرث ms249 الغضنفر ما ~~فعله الأكلب فاستشار الثعلب فقال أعلم أيها الملك وقاك الله شر المنهمك أن ~~الأفيال لا يعرفون إلا المصادمة والأندفاع مرة واحدة في المخاصمة وليس لهم ~~في الحرب حراب إلا الخرطوم والأنياب لا يعرفون الكر والفر ولا يفرقون بين ~~النصب والجر ولكن بعض العساكر له في ذلك معارف ومناكر منها المواجهة ~~والمشافهة والمصارعة والمقارعة والمدافعة والممانعة والمخاتلة والمخادعة ~~والمناوشة والمهاوشه والمعانشة والمهارشه والمكافحة والملاطحه والمطارحة ~~والمرامحه والمراوسه والممارسة والمعاكسة والوثوب والمساورة والروغان ~~والمصادرة والاحتيال والكيد والاغتيال للصيد والربوض في الكمين والنهوض من ~~ذات المشال وذات اليمين وكل أرباب هذه الملاعب وأصحاب هذه المخارق والمذاهب ~~في عساكرنا موجودون ومن أبطالنا معدودون معدون فلا بد من ترتيب كل في مكانه ~~وإيقافه بين إضرابه وأقرانه وتعبيتهم ثم تخبيتهم وكان بالقرب من ميدان ~~النطاح وموضع جولان الكفاح وهو برية قفراء وأرض غبراء انهر مياه جاريه ~~وعليها جسور وقناطر عالية فاقتضى رأي الأسد والفكر الأسد أن يطلقوا ثغور ~~المياه على البرية ويتركوا فيها العساكر هم طرقا ودر وبامخفيه ثم أنهم ~~عبروا تلك المياه وصفوا العساكر للملاقاة فقدموا أمامهم الثعالب والكلاب ~~وكل سريع المجيء خفيف الذهاب وصفوا وراءهم الذئاب والنمور والفهود والببور ~~ووقف الأسد بين الأسود في قلب الجنود بعد أن عبى الأطلاب وعرف مقام كل من ~~القرانيص والأجلاب ثم إن الثعالب ونظراءها دخلت من الأفيال وراءها وصارت ~~تروغ بينها وتلاعب على عينها حينها وثتعلق بأذنابها وتتشبث بعراقيبها ~~وكعابها فزاد حنقهم وثار قلقهم وتقدموا واصطدموا وحطموا واضطرموا وبنار ~~الحرب اصطلموا PageV01P153 فناوشهم الببور البواسر وهاوشهم النمور الجواسر ~~وهارشهم الأسود الكواسر ثم ولوا أمامهم مدبرين وقصدوا الطرق المخفية عابرين ~~فتصور الأفيال أن جيش الأسد فر وجنده انحطم وانكسر وأن عسكرهم غلب وانتصر ~~فحطموا يدا واحدة بهمة متعاضدة ونهمة متعاقدة وصدمة متآكدة ففي الحال ~~ارتدموا وفي الأوحال ارتطموا وقطع دابر القوم الذين ظلموا ثم كرت عليهم ~~الأسود والنمور والفهود وسائر السباع والذئاب والضباع فوقعوا في تلك ~~الفرائس وقوع الجياع على الهرائس وعانقوهم معانقة الأحباب للعرائس وأكلوا ~~وادخروا وحمدوا ms250 الله تعالى شكورا ومن بعد ما ظلموا انتصروا واظهر العدل ~~للحق مناره وظهر سر قوله عليه الصلاة والسلام من آذى جاره ورثه الله داره ~~والله لا يهدي القومالظالمين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ~~محمد خير خلقه وآله وصحبه أجمعين. # الباب الثامن # في حكم الأسد الزاهد وأمثال الجمل الشارد # (قال) الشيخ أبو المحاسن من هو لجرعة الفضل أحسن حاسن فلما وعى الملك ~~الجليل والقبل الفضيل ما جرى بين الأسد والفيل من القال والقيل وانجرار ذلك ~~الضرب الوبيل وعلم أن عاقبة الظلم وخيمة وخاتمة التعدي والطمع مشومة أمر ~~رؤساء المملكة وزعماء السلطنة بالكف عن الطمع وتجنب الجبن والهلع ومعاملة ~~الأهل والجار بحسن الخلق والحوار وانتشار ذلك بالإشهار في الولايات ~~والأقطار فالعاقل من اعتبر بغيره وكف كفه عن أذاه وضيره ونشر مهما استطاع ~~من موائد إحسانه وخيره وعدى عن التعدي والعدوان لا سيما إذا كان ذا قدرة ~~وإسكان وتحكم في الفقراء والضعفاء وسلطان فنهض الحكيم حسيب وقيل أرض ~~العبودية بشفاه التأديب وقال وبلغني أيها الملك المفضال مما يطابق هذه ~~الأحوال أنه كان في بعض الأزمان وأنزه الإسكان سلطان الحيوان أسد عظيم ~~الخلقة جسيم الشفقة جليل المكارم سليل الأكارم قد بلغ في الزهد الغاية وفي ~~الورع والعفة النهاية مع حسن الأوصاف والشمائل وكرم الأعطاف والفضائل قد ~~جمع بين الهيبة والشفقة والصدق والصدقة وسورة الملك وسيرة العدل وسيمة ~~الفضل وشمية الفضل هيبته ممزوجة بالرأفة وعاطفته مدموجة في الصوله قد عاهد ~~الرحمن بالكف عن أذى الحيوان وأن لا يريق دما ولا يتناول دسما ولا يرتكب ~~محرما يتقوت بنبات القفار ويقوم الليل ويصوم النهار يرعى في دولته الذئب مع ~~الغنم وينام في كنف ضمانه وكفالة مأمنة الثعلب والأرنب بعد الحرب والحرب في ~~ظل الضال والسلم كما قيل: # ولي البرية عدله فتمازجت ... أضدادها من كثرة الإيناس # تحنو على ابن الماء أم الصقر بل ... يحمي أخو القصباء أخت كناس ~~PageV01P154 وفي جواره دوحة كثيرة الثمار غزيرة الأنهار نضيرة الأزهار ~~رائقة الماء والكلا فائقة النشور والنما شائقة النشر ms251 والهوى رياحينها طريه ~~ومروجها بهية ومقاصفها شهية فكان الأسد ذو الزهاده إذا أطال اجتهاده وأراد ~~أن يربح نفسه من مشاق العبادة يتوجه إلى ذلك الروض الأريض والمرج البهي ~~الغريض والمرعى الطويل العريض فيتنزه في نواحيه ويسرح سوائم طرفه فيه ويشغل ~~صادح لسانه بتسبيح خالقه ومنشيه فبينما هو في بعض الأوقات يتمشى في تلك ~~الخضراوات صادف دبا عظيم الجسم مليح الوسم فقبل الأرض بين يديه وذكر أنه ~~أقبل لينتمي إليه وأنه قد سمع بأوصاف عدله ومكارم شميه وفضله فقصده ليتشبث ~~بأذياله وينتظم في سلك خيله ورجاله ويزجى في خدمته باقي عمره ممتثلا بارز ~~مرسومه ونافذ أمره فتلقاه بالقبول والإقبال وشمله بالفضل والافضال وقال له ~~طب نفسا وقر عينا لقيت زينا ووقيت شيئا فانتظم في سلك خدمه وانغمر في بحر ~~كرمه واشترط عليه أن يحتمي عن لحوم الحيوان ولا يتعرض لإيذاء طائر ولا ~~إنسان فامتثل ذلك بالسمع والطاعة وسار على سنن السنة والجماعة ثم بعد مدة ~~يسيرة قصد الأسد مسيرة وخرج يسير على باكر وحوله طائفة من العساكر فلقى ~~جملا ضل الطريق وتاه عن الصاحب والصديق ونسيه الجمال وتركه الرفيق فبادر ~~إليه جماعة الأسد وهموا بتبضيعه بالناب واليد فانهم كانوا الشدة القرم ~~ألهبت أحشاؤهم بالضرم فناداهم الأسد ويلكم كفوا وعن التعرض إلى إيذائه عفوا ~~لئلا لئلا يصيبه من الكيد ما أصاب صاحب كسرى ذي الأيد من كسرى لما خرج ~~صباحا إلى الصيد فقبل الجماعة الرغام وسألوا الإمام عن بيان ذلك الكلام ~~(فقال) ذكر أن كسرى أراد يوما الاصطياد فركب في جماعته وأهل طاعته وسار على ~~الصباح وهو في نشاط ومراح وابنساط وانشراح فصادف رجلا كريه المنظر مشوه ~~الخلقة أعور فتشاءم بطلعته وتعوذ من رؤيته وتطير من صياحه وتكدرت صفو ~~انشراحه ثمن أمر به فضرب ولولا تداركته الشفاعة لصلب ثم تركه وسار نحو صيد ~~القفار فحاش الصيد واقتنصه من عسكره عمرو وزيد ورجع مسرورا فرحا محبورا ~~وأدركه المساء فصادفذلك الرجل ملتفا بكساء وكان ذا لب صحيح وعقل رجيح ولسان ~~فصيح فأبدى كسرا ونادى ms252 كسرى واستوقفه بعدما استلطفه وقال أيها العادل ~~والمالك الفاضل أسألك بالله الذي ملكك رقاب الأمم وحكمك في طوائف العرب ~~والعجم أنعم على برد الجواب وبين لي الخطأ من الصواب فانك عادل حكيم فاضل ~~كريم فوقف بعسكره واستنصت لخبره وقال هات مقالك وقل ما بدا لك فقال يا ملك ~~ذا الأيد كيف كانت أحوالك اليوم في الصيد فقال على أتم ما نريد لقد حصله ~~السادات والعبيد فقال هل حصل في أمور السلطنة وهن أو خلل أو في الخزائن ~~المعمورة نقص وقلل قال لا بل أحوال السلطنة مستقيمة وديم الخزائن دارة ~~مقيمة قال فهل ورد اليوم من الأطراف خبر يؤذن بتشويش واختلاف قال لا بل ~~الجوانب مطمئنة والثغور من الأعداء والمخالف مستكنة قال فهل أصاب أحدا من ~~الخدم والأصحاب والخول والحشم مصاب قال بل كلهم بخير آمنون من الضرر والضير ~~قال فلم ضربتني وأهنتني وعلام كسرتني وطردتني قال لأن التصبح بك مشوم وهذا ~~أمر مشهور معلوم قال سألتك بالله الذي تتقلب في مواهبه أينا كان أشأم على ~~صاحبه أنا تصبحت بم وأنت تصبحت بي فأنت أصبت الذي ذكرت وقد علمت ما حل بي ~~ومع هذا فإنما عبت وعتبت على الصانع وذهلت عما أودعه في من أسرار وبدائع ~~فانه لا اختيار لي فيما فطرني عليه ولا مدافع ولا حيله فيما قدره علي ولا ~~ممانع واسمع ما قلت بعدما وصلت في إهانتي وجلت: # لقد كان قصدي أن أسود على الورى ... بقد وطرف كامل الخلق بارع # ووجه يفوق البدر والشمس بهجة ... فعاكسني تقدير ربي وصانعي # ثم خطر بالبال هذا المقال قلت: # وددت لو أني أحسن الخلق صورة ... وأكمل من بدر السما وهو طالع # فأبدعني نقش المصور هكذا ... ولا صنع لي فيما بي الله صانع PageV01P155 ~~فتنبه كسرى لكلامه وأمر بإعزازه وأكرمه وتدارك ما فرط منه بإحسانه وإنعامه ~~(وإنما أوردت) هذا المثل لئلا يكون هذا الجمل مثل ذلك الرجل لأنه قد تصبح ~~بي فلا أبدأ مكروها بسببي بل يرى الخير ويكفي أذى الغير وكذلك كل من هو ms253 ~~عندي ومنسوب إلى من خولي وجندي ثم عاد ذلك البعير وسأله عن جليل أمره ~~والحقير فأخبره أنه تاه عن أصحابه وأنه من بعد يتعلق بغرز ركابه ويلازم ~~خدمة بابه كأصحابه فاكرم مثواه وأحسن متبوأه ومأواه إلى أن صار من أكبر ~~الخدم وذا خول وحشم ورأس الندماء ورئيس الجلساء وأمن النكد والبوس وسمن حتى ~~صار كالعروس فحسده الدب لعدم اللب وعزم بمكره على إلقائه في الجب واشتد ~~بذلك البرم إلى أكل لحم الجمل القرم فأخذ يضرب في ذلك أخماسا لأسداس ~~وأحتوشه في قضيته لسوء طويته القلق والوسواس فلم ير أوفق من إفساد صورته ~~وأظهار سوء سريرته فيهلكه ويكيده ويفتنه ويبيده فيصل منه إلى ما يريده ~~ويثمر بمكره الحسد ويصلح من شرهة ما فسد ويروج منه ما كسد فأدى فكره إلى أن ~~يغري به الأسد فاختلى بالجمل وأبتدأ بالعمل وقال له لي معك كلام على كتمه ~~منك ألام ولكنك لست موضعا للسر لأنك لا تعرف هرامن بر وأنت ساذج ساكن سليم ~~الفكر والباطن وقد قيل الحماقة في الطويل ولولا وفور شفقتي وحنوي عليك ~~ومودتي ما فهمت لك بكلمة ولتركتك من التيه في ظلمه وقالت الحكماء ذو ~~المعارف لا تفش سرك إلى طوائف منها سليم الفطرة ومنها مد من الخمرة ومنها ~~الكثير الكلام ومنها المرأة والغلام فأنهم ليسوا محل الأسرار وأنهم يغشونها ~~بلا اختيار وقد قيل كم إنسان أهلكه اللسان وكم حرف أدى إلى حتف قال الجمل ~~وقد أثر فيه مكره ودخل يا أخي أتحقق شفقتك وصدقك وصداقتك وأعرف محبتك ونصحك ~~ومودتك وأنت لا تحتاج في تجربتي إلى دليل في صحبتك زمان كقدى طويل وأنا ~~أوكد قولي بالإيمان وأعقد على ما تلقيه إلى الجنان ولا أتفوه به لجماد ولا ~~حيوان والشخص إذا لم يعرف منه ما يراد فلا فرق بينه وبين الجماد واذكر ما ~~قلت لك في درب ابن تلك:ومن كان ذا عين ولا يبصر الذي أمامه فهذا والضرير ~~سواء # وذو الجهل خير من عقول علومه ... سراج ولكن ليس فيه ضياء # ثم أنشأ ms254 ايمانا غلاظا أنه يبالغ فيما يسمع منه احتفاظا ولا يبدي منه لا ~~ما ولا فاء ولا ظا فلما وقف الدب على جوابه وربطه بزمام تدبيره اختلى به ~~وقال تعلم أيها الصديق المبين أن ملكنا في غاية العفة والدين وأعلى درجات ~~العباد والزاهدين قد فطم نفسه عن الطعوم خصوصا عن الدماء واللحوم ولكنه في ~~ذلك كله غير معصوم فانه قد تربى بلحم الحيوان وتغذى بافتراس الأقران وتعد ~~رضع الدماء وقطعت سرته على هذا الغذاء وتزهده إنما هو تكلف وتعسف وتصلف ~~وتعففه مكابرة وتورعه مصابره ولا بد للنفس أن تفعل خاصيتها وتجذب شهواتها ~~إليها ناصيتها وتطمح إلى مأزرها وتجمح إلى مركزها وقال الله تعالى فطرة ~~الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله وإذا كان ذلك كذلك فاحتفظ ~~لنفسك واحفظ نصيحتي وأمسك وتفكر أحوال غدك في أمسك فانك في صحبة الأسد على ~~خطر عظيم وخطب جسيم فلا تغفل عما قلت لك ولا تظن أنه لن يقتلك فداخل الجمل ~~من هذا الكلام الخور ولم يبق له طاقة ولا مصطبر ثم ثبته التوفيق وتخلل في ~~هذا الأمر الجليل فكرة الدقيق واستحضر رأيه في أمره وأجال قداح فكره وقال ~~للدب المشوم يا أخي فأي ضرورة دعت الأسد الغشوم حتى تعفف عن أكل اللحوم قال ~~أنا لا اشك في دينه ولا أرتاب في حسن يقينه ولكن ربما تعود المياه إلى ~~مجاريها وتعطي القوس باريها وتتحرك النفس الأبية والشهوة التي طالما ألقت ~~صاحبها في بلية لأن الإنسان بل سائر الحيوان على ما يقتضيه الكون والمكان ~~دائرة مع اختلاف أخلاق الزمان فان الزمان كالوعاء والشخص فيه كالماء فيعطيه ~~من إخلافه ما يقتضيه من كدره وصفائه ولهذا قيل لون الماء لون إنائه وقد قيل ~~الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم وناهيك يا ذا الكرامات ما قيل في ~~المقامات: # ولما تعامى الدهر وهو أبو الورى ... عن الرشد في أنحائه ومقاصده # تعاميت حتى قيل أني أخو عمي ... ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده ~~PageV01P156 والأسد في هذا الأوان ماش على ما ms255 يقتضيه الزمان وإن الزمان ~~يتحول وسير جمع الأسد إلى خلقه الأول أما بلغك يا ذا الفطنة الحية قصة ~~الحائك مع الحية قال لا ورب البرية فأخبرني عن كيفية تلك القضية قال الدب ~~الأفك ذكران حائكا من الحياك كانت له زوجة تخجل شمس الأفلاك صورتها مليحة ~~وسيرتها قبيحة فشم زوجها روائح ما هي عليه من القبائح وخاف أن يؤدي إلى ~~الفضيحة فطلب تحقيق ذلك ليوصلها إلى المهالك فقال لها أريد ضيعه لأجل بيعه ~~فأغيب أياما يسيره لفائدة كثيرة فارصدي بابك وأسدلي حجابك واحفظي من الشر ~~جنابك فقالت بيت أنت رئيسه ومثلي قعيدته وعروسه أنى يحوم حوله فساد فأدرك ~~سوقك قبل الكساد وجزته أسرع جهاز كالمتوجه إلى الحجاز فسافر من غير مريه ~~ثمن رجع إلى البيت في خفية واختبأ تحت السرير لينظر ما يجري فبادرت إلى ~~النار ونفخت وأسرعت إلى الطعام وطبخت وخرجت تدو مرامها وقد هيأت طعامها ~~فخرج زوجها من المخبأ وأتى على الطعام المهيأ ورجع إلى مكانه ونام بعد أكله ~~الطعام فجاءت المرأة بحريفها وقصدت الطعام لمضيفها فصادفت يدها الحصير ~~فعرفت أن البلاء تحت السرير فأخذت تطلب المخلص من ذلك المنقص واتفق أن ~~الملك رأى مناما هاله ولكن نسي هيئته وحاله فقصد من يخبره برؤياه ويعبر ~~هاله فنادى في الورى يطلب لمنامه مخبرا ومعبرا وبينما تلك الفاجرة على حيلة ~~الخلاص دائرة وفي بحر الأفكار حائرة سمعت المنادي ينادي في كل نادي من يدل ~~الملك الهمام على معبر المنام فله مزيد الإكرام والإنعام العام فسارعت ~~المرأة إلى باب الأمير وقالت قد سقطت على الخبير أن لي زوجا حكيما بتعبير ~~المنامات عليما لكنه يتعزز وعن تعبيرها يتحرز فلا يفوه بالتعبير إلا بعد ~~ضرب كثير وأنه ليس له في ذلك نظير فأرسل وراءه وأكرم لقاءه ثم قال له بعد ~~إكرام أوصله ووعده بأنعام وصله رأيت مناما راعني وفي الحيرةوالفكر أضاعني ~~فدع عنك الاحتشام وأخبرني عن ذلك المنام ثم عبره لي فقد أخبرت أنك حبيب لله ~~ولي فقال يا مولانا الملك أنا في الجهل ms256 منهمك حائك فقير ليس لي من العلم ~~نقير ولقد كذب علي من نسب العلم إلي والعين تعرف العين أنا من أين وتعبير ~~الرؤيا من أين فما صدقه ولا في كلام استوثقه وصدق قول المرأة فيه بإيصاله ~~ما ينكيه ثم طلب المقارع وشدوا منه الأكارع وضربوه ضربا أعسفه إلى أن كاد ~~أن يتلفه فنادى الأمان الأمان أمهلني ثلاثة أيام من الزمان فتركوه وأمهلوه ~~وقيده أطلقوه فصاروا بدور في الخرائب ويتضرع تضرع النائب ففي ثالث الأيام ~~وقد أيقن بحلول الحمام دخل إلى مكان خراب وأخذ في البكاء والانتحاب فنادته ~~حية من الشقوق مالك تنتحب يا ذا العقوق فأخبرها بحاله وما جرى عليه من ~~نكاله فقالت ما ذا تجعل لي من الأنعام إذا أخبرتك بما رآه الملك في المنام ~~ثم فضضت عن تعبيره مسك الختام قال أكون لك عبدا وصيفا وأعطيك مما أعطى ~~نصيفا قالت إن الملك رأى في منامه أن الجو يمطر من غمامه أسود ونمور وفهودا ~~وببور وأن السماء في ذلك تمور وتعبير هذا المنام والله أعلم أنه يظهر في ~~هذا العام للملك أعداء كواسر وحساد جواسر يقصدون هلكه ويريدون ملكه وسيطفئ ~~نار كيدهم بمياه سيوفه ويسقيهم من رحيق فتوحه كاسات حتوفه فكشفت غمته ثم ~~أصلح لباسه وعمته وقصد باب الملك ونادى غير مرتبك وذكر المنام وعبره ووعد ~~السلطان بالنصر وبشره فتذكر المنام وحققه واعتمد عليه وصدقه وأمر له بألف ~~دينار وصار له عند الملك بذلك الاعتبار فأخذ الذهب مجبورا وانقلب إلى أهله ~~مسرورا ثم افتكر ما اشترطه مع الحية فأبت عن الوفاء نفسه الشقية وخاف أن ~~تطالبه بحصتها أو تفضحه بقصتها فلم ير أوفق من قتلها وسد ذريعة سلبها فأخذ ~~عصا ورام بذلك مخلصا وقصد مأواها ووق فناداها فخرجت مسرعة إليه وأقبلت ~~بالوداد عليه فرأت العصا بيمينه فعلمت أنه ناكث بيمينه فولت هاربة فضربها ~~ضربة خائبة لكنه جرحها وعمد إلى نفسه ففضحها وتركها وذهب فائزا بالذهب ~~فاتفق أن في العام الثان رأى السلطان مناما أقلقه وعن نومه أرقه ومن شدة ms257 ~~أهواله محاه الوهم عن لوح خياله فدعا المعبر المعهود إليه وقص حاله عليه ~~وطلب منه صورة المنام وما يترتب عليه من كلام فاستمهله الأيام المعدودات ~~وقصد رئيسة الحيات وناداها عجلا ووقف في مقام الاعتذار خجلا فقالت أي غدر ~~كيف استحليت ما مضى من فعلك ومر بأي وجه تقابلني PageV01P157 وتخاطب وقد ~~قصدت عطبي بعد ما خلصتك من المعاطب وقابلت إحساني بالسوء ولكن غدرك بك يبوء ~~فقال عفا الله عما سلف والصداقة بيننا من اليوم تؤتنف ثم أنشأ أيمانا أنه ~~يبدل الإساءة إحسانا وأنه لا يخون ولا يمين فيما يقع عليه العهد واليمين بل ~~يعود إلى العهود ومهما وقع عليه الاتفاق لا يمازجه خلف ولا نفاق فقلت أريد ~~جميع الجائزة لأكون بها فائزة ولها حائزة فأجابها إلى ما سألت وعاهدها على ~~ذلك فقبلت وقالت رأي الإمام في هذا المنام أن السماء تمطر قردة وفيرانا ~~وثعالب وجرذانا وتعبير هذه الرؤيا وكلمة الله هي العليا في هذا العام ~~والشهور والأيام يكثر اللصوص والعيارون والمكرة والطرارون ويظهر في العساكر ~~كل حسود ماكر وشيطان داعر ولكن صولة الملك تمحقهم وصواعق سيوفه تصعقهم ~~فأسرع إلى السلطان وخبره بما رآه في منامه وعبره فقال بالحق أتيت هذا الذي ~~كنت رأيت ثم أمر له بجائزة سنية وخلعة بهية فصار في عيشة مرضة وحياة هنية ~~وسلك طريقته الدنية فلم يلتفت إلى عهوده القوية ونبذ عهد الحية الحبية وقال ~~يكفيها مني كفي عنها فلا تطالب مني ولا أطلب منها ثم أن السلطان رأى في ~~المنام في ثالث الأعوام مناما آخر ونسيه فأرسل إلى المعبرة فغشيه من يم ~~الهم ما غشيه وسأله عما رآه وطلب منها تعبير رؤياه فطلب كما كان وأحاط به ~~موج الهم من كل مكان ولم ير بدا من معاودة الحية فأتاها وبه من الحياء كية ~~وناداها بصوت خاشع ووقف في مقام الذليل الخاضع فخرجت فرأته وزأرته وقالت يا ~~خائن يا كذاب يا ناقص العهد يا مرتاب يا قليل الحياء يا كثير البذاء يا ~~صفيق الوجه يا حقيق النجه ms258 ترى بأي لسان تخاطبنيوبأي وجه تقابلني وقد ختلت ~~وفتلت وفعلت فعلتك التي فعلت فقال لم يبق للاعتذار مجال ولا للاستقالة مقال ~~وما ثم طريق إلا معاملتك بالأفضل فأن أفضلت أتممت الإحسان وإن رددت فعذرك ~~واضح البيان وهذه المرة الثالثة لا تكون يمينها حانثة ولا عهودها ناكثة ~~وأشهد الله وكفى به شهيدا أني بعد لا أنقض لك عهودا ولا أجل مما بيننا ~~عقودا لا أخبرك بشيء أن لا تعهد إلى أن تعطيني جميع ما تعطي وتكف هما وقع ~~منك من الخطأ فسمع مقالها وأجاب سؤالها فقالت رأى الملك في منامه كان الجو ~~أمطر من غمامه ما ملأ الفضاء من خرافه وأغنامه وتعبير هذا المنام أنه يكون ~~في هذا العام من الخيرات والأنعام ما يشمل الخاص والعام فتطيب الأوداء ~~وتصالح الأعداء وتطيع العصاه وتذعن البغاة ويوافق المخالف ويكثر المحب ~~والموالف فاحفظ ما قلت لك فقد حللت مشكلك فتوجه بصدر منشرح وخاطر مطمئن فرح ~~وقص المنام وعبر ما فيه من الأحلام فطار الملك بالفرح وتم سروره وانشرح ~~وأمر بالجوائز فصبت عليه وبالأموال فانهالت إليه فنعم بتلك العطبه والخلع ~~السنية وقصد وكر الحية ثم وقف وناداها وقدم إليها كل ذلك وأعطاها وشكر لها ~~إحسانها وتحمل جيلها وامتناعها فقالت له الحية أعلم يا أبلم أنه لا عتب ~~عليك ولا ملام فيما جنيته أولا من الآثام ولا ما ارتكبته من العداوة والمين ~~في العاملين الأولين ولا فضل لك في هذه السنة على ما فعلته من الحسنه فان ~~ذينك العامين كانا مشتملين على قران النحسين فكان مقتضى حالهما فساد الزمان ~~والعداوة بين الأصدقاء والأخوان ووقوع البغضاء والشرور والحنث والخلف وقول ~~الزور فجريت على مقتضاهما حسب مرتضاها والناس في طباعهم وأيامهم أشبه ~~بزمانهم منهم بآبائهم وهذا الأوان قد انصلح الزمان واستقام الطالع وزال ~~الحسد والتقاطع واقتضى الزمان الصلح والصلاح والموافقة والفلاح فمشيت على ~~موجبة وتشبثت بذيل مذهبه فخذ مالك وانصرف بارك الله لك فيه فلا حاجة لي به ~~ولا يد لي لتقلبه (وإنما) أوردت هذا المثل أيها الجمل ms259 لتعلم أن الزمان ~~لتقلبه في الدوران يوقع بين الأصحاب والأخوان ويباين بين الأصدقاء والخلان ~~والأسد المجتهد وإن كان قد زهد وترك من أخلاقه ما عهد فيمكن عوده إلى حاله ~~الأولى فالاحتراز منه في كل حال أولى وها أنا قد أخبرتك ومن سوء العاقبة ~~حذرتك وعلى ما وصل إليه فكري أطلعتك وفرط محبتي وشفقتي عليك اقتضى إفشاء ~~السر إليك ومن أنذر فقد أعذر ومن بصر فما قصر قال الجمل يا أخي فنترك هذا ~~المقام ونروح ونخدم من في خدمته نستريح قال الدب الجاحد إذا كان هذا العابد ~~الزاهد الراكع الساجد الذي قد تعفف عن أكل اللحوم وليس له دأب إلا إغاثة ~~المظلوم قد عف عن PageV01P158 الدماء وقنع بأكل الحشيش وشرب الماء لا تؤمن ~~غائلته ولا تعتمد خاتلته فإلى اين نتحول وعلى من يكون المعول وأنى نذهب ~~وفيمن نرغب قال الجمل فكيف يكون العمل فلقد ضاقت بنا الحيل وتقطعت بنا ~~السبل لا طريق للمفر ولا قرار للمستقر فأفكر الدب طويلا ثم رأى رأيا وبيلا ~~وقال أرى الرأي السديد والفكر المفيد أن نبادر الأسد قبل وقوع النكد فنقصده ~~بما يقصده ولا نوصله إلى ما يعتمده فالعاقل يفتكر في عواقب الأمور ويقيس ~~بفكره السرور والشرور ويستعمل الحزم وإذا قصد أمرا يصمم العزم وناهيك قضية ~~الثعبان مع ذلك الإنسان قال الجمل أخبرني عن تلك القضية ومن ذلك الإنسان ~~وما تلك الحية (قال) أبو حميد الخبيث بلغني من رواة الحديث أن شخصا من ~~الصيادين كان مغرما بصيد الثعابين يتسبب بصيدها ولا يبالي بكيدها فبينما هو ~~يسعى إذ صادف أفعى شرها ناجز كما قال الراجز: # أرقش ظمآن متى غص لفظ ... أمر من صبر ومقر وحظظ PageV01P159 وقد أثر فيه ~~الحر بالحرق وهو نائم في مكان منطبق فاستبشر الحواء برؤيته وقبضه من عقصته ~~فلم يفق الثعبان من رقدته إلا وهو من الحاوي في قبضته فتماوت وامتد وارتخى ~~فأسبل بعد ما كان اشتد فظن الصياد أنه مات وإن مراده منه فات فتحرق لذلك ~~وتألم عليه وتضرم وحرق عليه الأرم ورماهمن ms260 يده ثم دار في خلده أن في بطنه ~~خرزة بهية مشرقة مضيه فاخرج الشفرة وقصده ومد لتبضيعه يده فلما تحقق الأرقم ~~ما عزم عليه وصمم خدعه وختله وضربه فقتله (وإنما ذكرت) يا أبا أيوب هذا ~~المثل المضروب لتتحقق أن المبادرة إلى اهلاك العدو أقر للعين وأجلب للهدو ~~ومن فوت الفرصة وقع في غصة وأي غصة وهذا الأسد غفلنا عن أنفسنا أبادها وقصد ~~دمارها وفسادها ولا يفيدنا إذ ذاك الندم بعد ما زلت القدم وتحكم في وجودنا ~~من مخالبه العدم فقال الجمل أعلم أيها الرفيق الصديق الشفيق إن هذا الملك ~~آوانا وأكرم مثوانا ولم نشاهد منه سوأ ولا من ظلمة باطنة أنسناضوأ ولو قصد ~~أذانا ما وجد دافعا ولا ممانعا وقد علمنا أنه ترك الأذى وكف عن الشر والبذا ~~تعففا لا تخونا وتكرما لا تكلفا واختيار الاضطرار وجبر الكسر نالا إجبارا ~~وأما أنا على الخصوص فلم أر منه إلا الجميل والفضل الجزيل والإحسان العريض ~~الطويل فلأي شيء أشرع في أذى نفسي وأكدر في حدسي ولم يظهر لي منه أماره لا ~~بمقتضى ولا بدلالة ولا بإشارة فضلا عن سباق أو سياق بعبارة وأنا لو مت كمدا ~~ما قصدته بأذى ولا رديته برداء ردى والصوفي ابن الوقت لا يتقيد بنكد ولا ~~مقت فان قصدني بعد ذلك بشر أو تعرض لي بهلاك وضر لا يسعني معه إلا التفويض ~~والتسليم والتوكل على العزيز العليم مع أني لا أقدر على مقاومته ولا قوة لي ~~في دفع مصادمته ولا طاقة لكسر أنيابه ومخاليبه ولا خلاص من إشراك أساليبه ~~غير أني وإن كنت منسوبا إلى التغفل لا أدع من يدي ذيل التوكل فبالتفويض ~~يحصل النجاح وبالتوكل يظفر بالفلاح كما جرى لذلك الفلاح مع الذئب والشجاع ~~حال التوكل على الله تعالى والانقطاع فسأل أبو سلمه إيضاح هذه الكلمة (قال) ~~أبو صابر بلغني من أحد الأكابر أن شخصا فلاحا توجه إلى ضرورة صباحا من غير ~~رقيق ولا حامل سلاحا فبينما هو في البيداء سائر صادفه ذئب داعر خاتل خاتر ~~فقصده ms261 ليكسره ففر وصعد إلى شجره فترصد نزوله وانتظره تحتها ليغوله فانعصر ~~وعن ضرورته انحصر وبينما هو في تلك البلية وقعت عينه على حية رديه ذات قرون ~~صاعدة وهي على بعض الفروع راقدة فازداد همه وأحاط به لوهمه غمه فاستمر بين ~~بليتين وانحصر في ديوان داهيتين دهيتين فلم يرأ وفق من التوكل على الله ~~والإعراض عما سواه فاعتمد متوكلا عليه وفوض أموره إليه وبينما هو في تلك ~~الشدة وقد بلغ ضره حده وإذا برجل مقبل من الفلا وعلى عاتقه عصا فقصده الذيب ~~من قريب فلما رأى السلاح فروله كلاح فنزل الفلاح من الشجرة وأزال الله ~~تعالى همه وضرره (وإنما أوردت) هذا المثل لتعلم أن الله نعم المتكل فأخرج ~~هذا الوسواس من القلب والراس ولا تبك سلفا ولا تعجل تلفا ولا تخلع الحذاء ~~يا ذا الرياضة قبل أن تصل إلى المخاضة ولا تهتم لأمر ما وقع فإن ذلك من شر ~~البدع فإن قصدنا بسوء فالله يكافيه ويكفينا بحوله وقوته فيه قال الدب ذو ~~الضرر هذا رأي القاصر في النظر العاجز في الفكر فأما ذو الفكر الثاقب فلا ~~يغفل عن العواقب فكل من قصر عن العواقب نظره ولم يسدد في الأمور فكره فهو ~~كمن تعلقت النار بأهدابه والتهبت لإحراق ثيابه وهو مشغول عن إطفائها متساهل ~~في كشف أنبائها فلم يفق إلا وقد نشبت وأعضاؤه بالنار التهبت فما تفيده ~~الإفاقة وقد صار حراقة قال الجمل يا أخي أفق من محالك وعالج فساد تصورك ~~وخيالك وانظر قوة جلدك وكيفية حالك أنا لحمي من صداقات الأسد وحبه في دمي ~~وعظمي ثبت كيف أجحد نعمه أو أريق دمه وأنا غرس صدقاته وبنيان نفقاته ورفيق ~~حضرته وعتيق منته مع إني لو نبذت عهده فقطعت ما قطعت وعزمت على مناوشته ما ~~استطعت أما وعيت في معاني ما رويت: # هي العنقاء تكبر أن تصادا ... فعاند من تطيق له عنادا PageV01P160 تريد ~~صيد العقاب بفرخ الغراب أن تقتنص الذئاب بجرو الكلاب وتبغي بالقرود كسر ~~الفهود أم بالسنانير تصيد الأسود ولا والله لا ms262 أقصده بأذى ولا يطاوعني قلبي ~~على ذلك أبدا ولو فعلت ذلك لسعيت في دماري وخراب دياري وجدعت أنفي بكفي ~~وبحثت عن حتفي بظلفي وجززت بيدي رأسي وقطعتقدمي بفأسي وقلعت بإصبعي مقلتي ~~واستحفظت ملك الموت مهجتي ولصرت من أكبر المعتدين وأفسدت ديني ودنياي والله ~~لا يحب المفسدين قاطعوني هذا الكلام وارجع عن مفاوضتي بسلام ولا تشكك به ~~جنانك ولا تحرك به لسانك وكان بالقرب منهما وكر فارة وقد سمعت ما جرى ~~بينهما من عبارة ووعت كلامهما وما دار بينهما من كل منهما فلما رأى الدب ~~المريد أن كلامه للجمل لا يفيد أمسك واحتشم وأخذه في ذلك الندم ولكن حال من ~~الجمل الحال وأثر فيه هذا المقال واستولى عليه من الأوجال ما أداه إلى ~~الهزل وصيره من الانتحال كالخلال وذهب ما كان عليه من النشاط وداخله الهم ~~والاختباط وصار كل يوم في انحطاط ولم يزل بين نضو ورزاح ورازم ونازح فتعجب ~~الأسد من حاله ولم يقف على سبب هزاله وكان عند السد غراب مقدم على الأصحاب ~~هو وزيره ومعتمده وصاحب أخباره وعضده فعرض عليه حال الجمل وما شاهده منه من ~~وجل وقال أنا عففت عن أكل اللحوم ورضيت من العيش بأدنى الطعوم وهذا أمر قد ~~عرف واستقر فما بال هذا الجمل لا يأخذه مقر فأريد أن تعرف حاله وتخبرني ~~صدقه ومحاله فتوجه الغراب إلى منزل الجمل وقد اخلص في القول والعمل وسأله ~~عن حاله وموجب هزاله وانتحاله وما سبب هذا الرزوح والرزوم المؤدي إلى ~~النزوح فما أحار جوابا ولا ذكر خطأ ولا صوابا فصار الغراب يرتقبه وحيثما ~~توجه يعتقبه ففي بعض الأيام كان الغراب على بعض الآكام رأى الجمل قد أقبل ~~إلى الماء ليطفئ بشربه سورة الظمأ فتخفى الغراب واقتفى ظهره إلى أن قاربه ~~وكمن خلف صخرة فسمعه يقول بعد ما شرب وقد رأى السميكات في اللعب لك الحمد ~~يا رب ما أرحمك وطوبى لكن يا سمك لا من رئيسكن تخفن ولا من هيبته ترجفن لا ~~ملك يهولكن ولا سلطان يغولكن ولكن ms263 البكاء على الجمل الذي ضاقت به الحيل قد ~~وقع في دردور البلاء ولا يهتدي إلى طريق النجاء بل ولا يدري عاقبة أمره ~~المهول ماذا تؤول إلى الغرق والندامة أم إلى النجاة والسلامة ثم أخذ في ~~الانتحاب إلى أن أبكى الغراب فلما رأى أبو القعقاع هذه الأوضاع قضى من ~~الأمر العجاب ما يستشيب منه الغراب ثم توجه إلى أسد الشمري وعرض عليه ما ~~جرى بتخيير المشتري فتشوش فكره وتشور أمره وضاق بالهم صدره وقال أنا كففت ~~عن الشر والشره وعففت عن ذاك كان يرني ولم أره وتركت القرم والأذى وفطمت ~~نفسي عن لذيذ الغذا ليأمنني أصحابي ويأنس بي أحبابي فإذا لم يستقر خاطرهم ~~ولم تطمئن على محبتي سرائرهم أي فائدة لي في الحياة وكيف أخلص في حرم ~~المودة من كدر العيش إلى صفاه وكل ملك لا تصفو له رعيته ولا ترسخ في قلوب ~~جنده محبته كيف يثبت سلطانه أو يساعده عند الشدائد أعوانه أنا بذلت جهدي ~~وطاقتي وتشبثت بأذيال الصلاح على قدر استطاعتي ولم يبق إلا التضرع ~~والاستكانة والتخشع إلى مقلب القلوب وعلام الغيوب ليكشف هذه الغمة ويصلح ~~هذه الأمة ويجلو عن جبين الحق بهيم هذه الظلمة ثم تضرع إلى عالم الأسرار ~~ليطلعه على حقيقة هذه الأخبار ثم أمر باجتماع جماعته المقيمين على محبته ~~وطاعته وعرض عليهم هذه الأحوال وطلب منهم استكشاف ما فيها من الأهوال وقال ~~اعلموا أني أمنتكم من مخافتي وبذلت لكم بدل عنفي لطافتي وقد حققتكم مرامي ~~وصدقتم كلامي وعرفتم أخلاقي وشدى أعلاقي كل ذلك لتطيب خواطركم وتصفو لي ~~سرائركم ولم أفعل ذلك عجزا ولا خورا ولا تهاونا ولا ضجرا وأنا الآن آمركم ~~بواحدة هي أجلى فائدة أن لا تكتموا عني شيئا تكرهونه مني بل أوقفوني عليه ~~وأرشدوني إليه ثم اجهدوا إني أمنعه عني فإن فيكم أجل محبوبي من أهدى إلى ~~عيوبي وقد قال سيد الأنام عليه افضل الصلاة والسلام اللهم أبلغه أفضل ~~التحيات عنا من غشنا فليس منا وإنما أوردت هذا الكلام في هذا المقام بحضور ~~الخواص ms264 والعوام على سبيل التحذير والإعلام والتنذير وأقسم بالله العلي ~~الكبير اللطيف الخبير الذي منه المبدأ وإليه المصير لم يكن في خاطري من أحد ~~حقد ولا حسد ولا هجس بخاطري له إيذاء ولا نكد وهاأنا قد أخبرتكم وبإطلاعي ~~أمرتكم فلم يبق لي ذنب يستغفر منه ولا لكم في PageV01P161 الإخفاء ما يعتذر ~~عنه وإن الله تعالى لا يعذب بضلال الأسافل بل يهب للأعالي الأراذل فإذا فسد ~~الرأس تغيرت الناس فحل البأس ولقد قال خالق البرية وباريهاوإذا أردنا أن ~~نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فقام الحاضرون في مقام العبودية ~~والولاء وبسطوا ألسنتهم بأنواع الثناء والدعاء ونادوا بكلمة واحدة متفقة ~~متأكدة حاشا الله ما علمنا عليك من سو ولم تزل تطيب علل تقصير ناوتاسو ~~وتستر بذيل عفوك كل عارمنا وتكسوو كان هذا الكلام للأكابر وقد اجتمع ~~المبادي والحاضر وأبو حميد المفتن فيما بينهم حاضر فأدرك بهذا العمل أن ~~الأسد شعر بشيء من جهة الجمل فاستدرك فارطه وسلك المغالطة ثم اختلى بالأسد ~~ولم يكن معهما أحد وقال كان مولانا الملك وقاه الله شر المنهمك أحس بشيء ~~أوجب تقرير كلامه لطائفة جنده وخدامه وأنا عندي كلام لم يطلع عليه أحد من ~~الأنام ولم أبده للملك بحضرة الجماعة لأنه ربما لا يقصد الملك به الإذاعة ~~ولا يمكنني إخفاؤه وقد كان إبداؤه فاعلم أيها الملك الهمام كفاك الله شر ~~اللئام أنه كما يستحقر العالم الجاهل كذلك يزدري الجاهل العاقل وذلك لقصور ~~فهمه وعدم علمه ومهما أحاط الخادم بمرتبة مخدومه وزاد علو قدره في معلومه ~~ازداد في قلبه وجوارحه مقدار تعظيمه واستقرت هيبته في قلبه وروحه وصارت كوش ~~خشيته تنادمه في عبوقه وصبوحه وقد قال رب الأرض والسماء إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء وقول النبي عليه الصلاة والسلام أنا أعرفكم بالله وأخساكم ~~لله إشارة إلى هذا المقام وكلما ضعفت معرفة الخادم بالمخدوم قلت قيمته عنده ~~وهذا أمر معلوم ثم اعلم يا ملكا أعظم أن الجمل الطويل الأمل قد اغتر بالملك ~~حين كان في ذرى أمنه سلك وأحسن ms265 إليه غاية الإحسان وصار في عدم الوفاء ~~كالإنسان وحصل له من سورة غضبه الأمان فجهل قدره وتعدى طوره وقد قيل: # إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا # فوضع الندى في موضع السيف بالعلى ... مضر كوضع السيف في موضع الندى ~~PageV01P162 وقال الله تعالى إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى وكل نفس لا ~~تحتمل الجميل وحوصلة العصفور لا تسع لقمة الفيل وناهيك ما قد قيل في ~~الأقاويل عن حماقة كل طويل فلا حرم فسد دماغه حين حصل فراغه وتطاولت نفسه ~~في مسارها إلى أشياء لا يمكن أفشاها ولا يتفوه بها مسلم ولا يرضاها لأن ~~ذكرها قبيح والكناية أبلغ من التصريح فلما سمع الأسد هذا المقال علم ببديهة ~~العقل أنه زور ومحال ثم أرسل إلى الغراب وذكر له هذا الخطاب ليميز خطأه من ~~الصواب ويبين القشر من اللباب فلما أتى الغراب إلى حضرته وجلا صورة هذا ~~القول على مرآه فكرته قال له ضميرك المبارك في حل هذا المشكل لا يشارك فانه ~~حلال المشكلات موضح المعضلات وأما أنا فلا أسمع هذا الكلام ولا أقبل في ~~الجمل الملام فأني أعرف تواضعه ومسكنته وصبره وطاعته وإخلاصه وقناعته وأنه ~~صادق في محبته مخلص في عبوديته وأعرف أن خوفه من الملك غالب على رجائه وأنه ~~مع ذلك مقيم على سنن وفائه وعقود عهوده وصفائه ولو أراد الذهاب لذهب بسلام ~~ولا في وظيفته قيد ولا في تبرته خطام ثم قال الغراب والغالب على ظن ذوي ~~اللب إن هذه الفتن أصلها وأصلاها الدب لأنه قد تقرر وتحقق واتفق كل حكيم ~~موفق أنه إذا نقل ناقل محمق عن عاقل ابتدأ بالإحسان إساءة فلا يصدق فالملك ~~لا يبادر في هذه القضية حتى يتبصر الأمر عن جليه وحاشاه أن يفرط في خدمة ~~المخلصين من غير أن يتدبر أمورهم بيقين ويختلي بعبده الجمل ويتحقق منه أصل ~~هذا العمل بعد استجلاب خاطره وتطييب سرائره وضمائره فاستصوب الأسد هذا ~~الفصل واختلى بالجمل ليقف منه على هذا الأصل وسكن حاشه وأزال بلطيف الكلام ~~استيحاشه ms266 وشكر في خدمته مساعيه وطلب بملاطفته مراضية ثم طلب من الجمل تفصيل ~~ما بلغه من جمل وأكد قوله بالأيمان أنه لو صدر منه تقصير ونقصان ولو كان ~~مهما كان فانه قد عفا عما هفا ولا يكدر من عيشه ما صفا ولا يمزق رقيق حاشية ~~وفائه بالجفا ولا يتقيد بهفواته ولا يطالبه أبدا بزلاته فليطلعه على جلية ~~الحال وليذكر ما وقع منه من أقوال وأفعال فافتكر الجمل في معاهدته مع الدب ~~وأنه لا يفشي سر ذلك العديم اللب وكيف ينقذه من غضبي جمرشب وقضاء عمرة صب ~~فقال إن أضعت صاحبي وإنسكت قصرت في جانبي ثم اختار كتم الأسرار وسلك طريق ~~الأحرار والوفاء بالعقود وعدم نكث العهود وقال اسعد الله مولانا الذي ~~بوجوده أحبانا أنى أتفكر في عواقب الأمور وأنظر في تقلبات الدهور وأخشى ~~سطوات السلطان وأخاف من حوادث الزمان فلا أزال من هذا الخيال في انتحال ~~وهزال إلى أن صرت إلى هذا الحال فان كان هذا ذنبا يوجب العقوبة فإن إزالته ~~عن خاطري فيها صعوبة وهذه أوهام لا يمكن دفعها ولا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها قال الأسد فهل اطلعت على ما يوجب ذلك أو يدل على الإلقاء في المهالك ~~وتضييق المسالك من حركات أفعالي أو من فلتات أقوالي أو تقلبات أحوالي أو ~~نقل إليك ناقل من جاهل أو عاقل فأفحم الجمل الجواب وأطرق فلم ينطق بخطأ أو ~~صواب فقال الغراب لا ينجيك إلا الصدق وكشف أستار الريب عن جبين الحق وكان ~~حاضر هذه الفحوى خلد أعمى وهم عنه غافلون وعن استماعه ذاهلون ففي الحال ~~توجه إلى الدب وقال صورة ما جرى بتخيير المشترى فعلم الدب إنه افتضح وأمره ~~اتضح فنهض وما قعد ودخل على الأسد فرأى الجمل مطرقا لا يلوك منطقا فمد ~~صولجان اللسان وخطف كرة البيان وسابق بالكلام خوفا من الملام وقال بلسان ~~طلق كلام فاجر مختلق اعلم أيها الطويل الأبلم أنك لو أمسكت عن كلامك القبيح ~~في وقتك الفسيح لكان أصوب وأحسن وأعجب لكن لما فهت بالعبر وأتيت ms267 بإحدى ~~الكبر وصادمت القضاء والقدر وخنت ولي نعمتك وقصدت إهلاك الملك بقبح شيمتك ~~أزال الله سترك وأبدى أمرك وفضحك وقبحك وبلجام الخزي كبحك لا جرم جرمك حسبك ~~وإثمك العظيم أخرسك فأبهت الضرغام من هذا الكلام وشاب الغراب من هذا الأمر ~~المشاب ووقعوا في الاضطراب والشك والارتياب واشتبه الخطأ بالصواب وقالوا إن ~~هذا الشيء عجاب فقال الجمل للدب يا فقيد اللب يا قليل النصفة وعديم المعرفة ~~وأنحس أفاك وأنجس سفاك وأبخس بتاك أتظنني خائفا من كلامك وخطابك عاجزا عن ~~ملامك وجوابك أما كفى أني قصدت ستر عوارك وإطفاء نارك ومفتكر في تلافي ~~قضيتك وإخماد لهيب فتنتك وإهماد شرار مصيبتك وعلي تقدير التسليم وإني فهت ~~بالكبر والأمر العظيم أكنت معك منفردا أم PageV01P163 رأيت بيننا أحدا فغن ~~كان بيننا أحد فأحضره إلى حضرة الأسد فإني أرضى به وبما بين ولا أدافع فيما ~~يشهد ولا مطعن وإن كنت أنت وحدك فما منعك عن نصح الملك وصدك فأنت إذا أما ~~خائن وإما مائن وهذا أمر محقق بائن ولولا أيماني التي ربطت بها لساني لكنت ~~أظهرت البريء والجاني ولكن تحليفي إلى الكتم والسكوت ألجأني وسيظهر الله ~~الحق ويفصل وللباطل صولة ثم يضمحل ووالله ما لك مثل مع المسكين الجمل إلا ~~امرأة النجار لما أغلقت باب الدار قال أبو الحرث الغضوب أخبرنا يا أبا أيوب ~~كيف كان هذا الحديث لنطلع على هذا الفعل الخبيث (قال) ذكر رواة الأخبار أنه ~~كان هناك رجل نجار له زوجة تخجل الأقمار وتكسف شمس النهار كأنها الدنيا ~~تخدع بملامح صورتها وتصرع بروائح سيرتها فكانت كلما رقد زوجها وهو تعبان ~~انسابت إلى الأخدان انسياب الثعبان فتقضي الليل بانشراح في عناق وشرب راح ~~إلى أن ينفجر الصباح ثم تنثني عائدة فلا يستيقظ الزوج إلا وهي عنده راقدة ~~ففطن في بعض الأوقات لفعلها وراقب ليلة خيال خلتها فتراقد في الفراش وذهبت ~~لطلب المعاش فنهض وراءها البحار وأوصد لما خرجت باب الدار واستمرت هي ~~وصاحبها وزوجها مستيقظ يراقبها فلما عادت راجعة وجدت الأبواب مانعة فطرقت ~~الباب ms268 من غير اكتراث واكتئاب فناداها يا خائنة اذهبي حيث كنت كامنة فقالت ~~استر هذه الذنوب فإني من بعد أتوب فقال لها لا والله الرحمن حتى تفضحي بين ~~الجيران فقالت الموت أهون من الفضيحة فاغفر لي هذه القبيحة وأنا أحلف ~~ياودود بالله الرب المعبود أني أتوب ولا أعود ثم ألحت عليه وتضرعت لديه فلم ~~يفتح لها بابا ولا رد عليها جوابا فقالت والله اللطيف الخبير لئن لم تفتح ~~الباب لألقين نفسي في هذا البير ولأرمينك بقتيل بين الحقير والجليل ثم عمدت ~~إلى حجر كبير وطرحته في تلك البير ثماختفت عند الباب لتنظر ما يبرزه القضاء ~~من الحجاب فلما سمع زوجها خبطة الحجر تصور أنها تلك البغي فابتدر وفتح ~~الباب وإلى نحو البئر طفر ولم يشك أن تلك البغي ألقت نفسها في الطوى فما ~~وصل إلى البير ذلك الرجل الغرير إلا وقد دخلت في وسط الدار ثم أوصدت الباب ~~واستغاثت بالجيران والأصحاب وأحكمت الرتاج وأوقدت السراج وملأت الدنيا ~~بالعياط وأخذت في الهياط والمياط فاجتمع الجيران لينظروا ما هذا الشان ~~فقالت هذا الرجل الظلام يتركني كل ليلة حتى أنام ثم يتوجه إلى الزواني ~~ويدعني أقاسي القلق وأعاني وأتقلب في أرقي وأشجاني فأخذ الرجل يحلف بالله ~~ذي الجلال ويذكر للحاضرين حقيقة الحال فتارة يصدق وأخرى يكذب وهو بين مصدق ~~منهم ومذبذب فلم يزالا في عويل وصياح إلى أن ظهر تباشير الصباح فحضرا إلى ~~القاضي واختصما وشهد بعفة الرجل الصلحاء والعلماء وأظهر الله الحث وثبت على ~~المرأة الخيانة والفسق ولولا ذلك لذهب البريء غلطا وانقلب صواب المحق ~~الصادق خطأ (وإنما أوردت) هذا المثل لتعلم أيها الملك البطل خيانة الدب ~~وبراءة الجمل والرجل إذا عن فعل الشجعان يتشبث بحبائل الشيطان ويستعمل مكر ~~النسوان ونظير هذا الكياد ما وقع بين صادق دمشق وفاسق بغداد وهي قضايا ~~جليلة الأبواب طويلة الذيول والأذناب قد دونت في مجلدة لا يسعها هذا الكتاب ~~ففكر الريبال في هذه الأحوال ثم أمر بهما إلى الاعتقال وكان للملك سجان ذكي ~~كنيته أبو الحصين واسمه ms269 ذكي فتسلمهما واحتفظ بهما فلما استقرا في قبضة ~~الحبس واستمر أمرهما تحت أذيال اللبس توجهت الفارة التي كانت سمعت سر ~~مناجاتهما واطلعت من أول الأمر على حكاياتهما إلى السجان وهما في أضيق مكان ~~وسألته عم ماذا آل إليه أمرهما من شأن فأخبرها بحالهما وجهل عاقبة مآلهما ~~وأنه ليس بعالم من المظلوم منهما والظالم فقالت الفارة أسألك يا ذا الشطارة ~~والذكاء والمهارة إذا ترجح لأحدهما الجانب وتبين الصادق والكاذب وتعين ~~المرضي عنه والغضوب عليه تطلعني على ذلك لأنظر إليه قال السجان للفارة لقد ~~فهمت عنك بالإشارة وأدركت من فحوى العبارة أن لك اطلاعا على هذا الأمر ~~وفرقا جليا بين تمرة والجمر فإن كنت شممت من ذلك روائح فبادري بأداء تلك ~~النصائح فإن قولك مقبول ولك الفضل لا الفضول ولا تقصدي بهذا الإرشاد إلا ~~مصلحة العباد وكشف الغمة وبراءة الذمة وردع الظالم وخلاص ذمة الحاكم قالت ~~الفارة وأنا لا أقصد إلا إصلاح ذات البين وشمولهما بعاطفة الملك بحيث ~~يصيران كالمحبين ويرتفع PageV01P164 النكد ويحصل رضا الأسد ويحسم الضرر ~~والضير وتختم عاقبتها بخير وأيضا فإني سمعت من العلماء وضبطت من نصائح ~~الحكماء ومقالات ذوي الآراء أنهم قالوا إياك والتكلم في أمور الملك ببيضاء ~~أو سوداء وأين بنت الجرد من ملك الوحوش الأسد قال السجان لا تقولي ذاك ولا ~~تستحقري جدواك وما ترين في فتواك ودونك القول الصادر من نظم الشاعر الماهر ~~وهو: # لا تحقرن الرأي وهو موافق ... حكم الصواب إذا أتى من ناقص # فالدر وهو أجل شيء يقتنى ... ما حط قيمته هو إن الغائص # وإن النصيحة كالعسل والحق يصدع كالأسل فالعسل يعطي حلاوة ذوقه سواء كان ~~في صحاف الذهب أو في زفة وقاصد الصواب والنصيحة ومن أغراضه لدفع الفساد ~~صحيحة يخاطر بنفسه وماله ويراقب ما فيه حسن مآله وأفضل المعروف إغاثة ~~الملهوف سمعت في المثل السائر أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر وهذا هو ~~الطور عند ملوك الجور وملكنا أعد ل الحكام وناصر دين الإسلام متصف بمكارم ~~الأخلاق والشيم ومعاملة الكبير والصغير بالمراحم ms270 والكرم فإن كنت تدرين بجهة ~~الانتفاع أو لك على قضايا الدب والجمل اطلاع فقومي وانصحي وقولي تفلحي كما ~~فعل الوزير المنتخب مع كسرى في حالة الغضب فسألت الفارة هذا المثل وأخباره ~~(قال) أبو الحصين السجان ذكر أنه كان لانوشروان زوجة فاقت النسوان يخجل ~~قدها الأغصان وخدها البدر حيث لا نقصان كان أبوها منالسلاطين وملوك ~~الأساطين وكان أنوشروان قتل أباها وأخاها واتخذها لنفسه واصطفاها وكان ~~مشغوفا بحبها متخوفا من قربها لئلا تتذكر قتيليها فيستولي طلب الثار عليها ~~فلم يزل متحرزا من أفعالها مراقبا تقلب أحوالها فاتفق أنه كان جالسا معها ~~على السرير وحولهما من الجواري الحسان بدر منير وظبي غرير فتاقت نفسه إليها ~~فمد يده ووضعها عليها فنظرت إلى الجواري فرأت أعينهن إليها ناظره فصارت بين ~~طرفي الانقياد والامتناع حائرة وكانت قد سمعت من أبيها ما رأته من أقاربها ~~وذويها معنى ما قيل: # وأني لأستحي من النرجس الذي ... يراقبنا أني أقبل من أهوى # فخطر ببالها أنه إذا استحيا من عيون النرجس وهي جامدة فكيف لا أستحي منت ~~عيون إنسان في مراقبتنا غير راقدة فغلبت عليها الحيرة وإن جدع الحلال أنف ~~الغيرة فانكمشت من كسرى وزادها الحياء والهيبة انقباضا وكسرا فجذبها بقوته ~~إليه فانفلتت منه لما استعصت عليه فوقع عن سريره العالي وعلا حلقه التمر ~~الغالي وتبسم بعض تلك الجواري من غير اختيار فاضطرب لما اضطرم فيه النار ~~وتذكر ما كان توهمه من أخذ الثار وفار دم قلبه لما غار فدعا وزيره الكبير ~~ودفع إليه ربة السرير وأمره بإزهاق نفسها وإسكانها في رمسها من غير مراجعة ~~ولا شفاعة ولا مدافعه فحملها إلى منزله صعب الأمر ومشكله ولم ير بدا من ~~إمضاء مرسومة وامتثال أوامر مخدومه ثم تدبر في المآكل ونادته ربة الحجال ~~مهلا أيها الوزير الناصح المشير ذو الرأي والتدبير هبني أني أخطأت وعن ~~مرضاة الملك أبطأت فما ذنب الذي في بطني المودع من الملك ولم يجني فلا بأس ~~أنك تستشيره فانك ناصحه ومشيرة وإن كان لا بد من قتلى واستقر الرأي ms271 على ~~نبلي وبتلي فاستمهله إلى أن أضع ثم تهلك الأم وتبقى التبع فانه كان يعطي ~~النذور والأموال ويطلب الولد في ظلمات الليال ويدعو بذلك ربه ذا الجلال ~~فعرض الوزير على الملك ذلك فأبى واستعمل في ضروب ضربة أحد عبارة وترفق فنبا ~~فعرف إن أخلاقه ثائرة وأنه لا بد أن تطفأ تلك النائره فإذا برد قلبه وهمد ~~كربه يطالبه بالفرع أن لم يطلب الأصل وبعد القطع لا يمكن الوصل كما قيل: # طوى الموت ما بيني وبين أحبتي ... وليس لما تطوي النية ناشر PageV01P165 ~~فرأى الوزير الرأي في التأخير فأودعها عند الحريم وسلك في الحزم الرأي ~~القويم وجعل نفسه لها وقاية إلى أن أخذت مدتها النهاية فوضعت ولدا ذكرا غصن ~~بان مثمرا قمرا فقام الوزير بتربيته وإصلاح رضاعه وأغذيته إلى أن بلغ سبع ~~سنين وهو كبدر الأفق المبين مربي بالدلال مغذي بالكمال فكأنه فيه قيل: # جبين تحار الشمس من لمعاته ... وقد يغار الغصن من حركاته # وخد تعالى الله لست مشيها ... ولا مشركا أضداده في صفاته # رمى مهجة المضني باسهم لحظه ... فنام عليلا وهو في سكراته # فركب كسرى في بعض الأوقات وخرج يصطاد في بعض الجهات فتبدد العسكر وصار ~~كالحجيج إذا نفر ووقع كسرى في ناحية عن العسكر منفردا فصادف غزالين يسوقان ~~ولدا ويذكران في ذلك القاع ما قاله عدي ابن الرقاع: # تزجي أغن كان إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها # فهجم عليهما ودنا إليهما فلما قصدهما تركا ولدهما ففوق السهم الخفيف نحو ~~الخشف الضعيف فلما رأت أمه السهم داخلها الوله والهم فقصدت للسهم دون ولدها ~~واستقبلت نصل كبد القوس بكبدها فأراد طلاق السهم من الكبد ليصيب به نحر أم ~~الولد فاعترضه الفحل بصدره وتلقاه دون نحرها بنحره وجعل نفسه وقاية لأم ~~ولده وفداهما بروحه وجسده فتذكر كسرى ولده وأمه وضاعف حزنه عليهما همه وغمه ~~وتذكر ما سلف منه في حق زوجته وما عاملها به حين وقع به من الغضب في سورته ~~وتأمل ما قالته في حق قرة مهجته وما أجاب في ذلك ms272 إلى أن وردت إلى المهالك ~~وقال إذا كان هذا الحيوان الباغم المائق حمى حقيقته برمحه كحماة الحقائق ~~فلم لم يفعل ذلك الحيوان الناطق ثم فاضتدموع عينيه فرمى القوس والسهم من ~~يديه ورجع متفكرا وعلى ما فرط منه متحسرا ودعا الوزير الناصح المجير ~~والمستجير وذكر له ذلك النكد وما رآه من الغزالين والولد وتحرق فقد حظيته ~~وتألم لمصاب فلذة كبدته فدعا له الوزير وقال الصبر نعم النصير كان قد سبق ~~مني اشارة ولكن المفرط أولى بالخسارة الصديق الصادق والرفيق الموافق يقول ~~ما أصنع نصحت فلم يسمع والخبيث المنافق والحسود المماذق يقول أردت أن أقول ~~ولكن تركت الفضول ولا حيلة للملك والوزير فيما جرى به قلم التقدير ثم دعا ~~له وانصرف وعبى حملا من الهدايا والتحف وألبس ابن الملك أفخر ملبوس وجهز ~~أمه كما تجهز العروس وأضاف إلى ذلك من المراكب الملوكية والخدمات السلطانية ~~وأقبل بهما إليه وعرض كل ذلك عليه وقال يا ملك الزمان أنا رأيت هذا اليوم ~~في ذلك الأوان وعلمت أن الندم سيعم من الرأس إلى القدم وها قد قدمت إليك من ~~التحف الدر مع الصدف والورد والزهر والغصن والتمر والفرع والشجر والشمس ~~والقمر متعك الله بها ومتعها بك وحرس من الأسواء منيع حرمك وجنابك فأنجبر ~~بذلك كسرى ونال بشرى ويسرى وطاب سيرا ومسرى وسر صدره وانشرح وأغمى عليه من ~~شدة الفرح وأنشد: # طفح السرور علي حتى أنه ... من عظم ما قد سرني أبكاني # يا عين قد صار البكالك عادة ... تبكين من فرح ومن أحزان # ثم أمر ببساط السرور وجلس في النشاط والحبور وأنشد: # أهلا وسهلا بالتي ... جادت علي بمهجتي # أهلا بها وبوصلها ... من بعد طول الهجرة # أدر المدام وغنني ... أهلا وسهلا بالتي PageV01P166 ثم أفاض خلع الأنعام ~~والرضا والإكرام على الوزير وشكر له حسن التدبير وارتفعت عنده منزلته ~~وتضاعفت في الارتقاء مرتبته (وإنما أوردت) هذه الأمثال لتحذي على هذا ~~المثال فان كان عندك ما يزيل الشك والأغاليط ويحق الحق ويميز الأخاليط فان ~~في إبدائها منة عظيمة ونعمة على الملك ms273 جسيمة ستبلغني بذلك العيش الهني ~~وترقيني به إلى المقام السمي السني وإن أخرت النصيحة فقد شاركت الخائن في ~~الأفعال القبيحة قالت الفارة ما أدق ما نظرت وأحق ما أشرت لا تردد للعقل في ~~صحة هذا النقل ولكن من أنا في الرقعة ومن يقبل للفارة حتى تطلب الرفعة فلا ~~أنا في العير ولا في النفير وأني من مبدأ أمري وطول عمري في زوايا الخمول ~~أنحرز من فضلات الفضول لا لصحبة الملوك لي صورة جميلة ولا في طريقة السلوك ~~سيرة نبيله لا أمينة ولا ثقة وأصدق أسمائي الفويسقه فكيف أصير مصدقة وقد ~~أباح سيد العرب والعجم معدن اللطف والكرم والمبعوث بمكارم الأخلاق والشيم ~~صلى الله عليه وسلم قتلى في الحل والحرم فلو طلبت مصاحبة من فوقي لخرجت عن ~~دائرة طوقي وصيرت نفسي ضحكة للناظرين وهرأة للساخرين خصوصا ملك الأسود ~~وسلطان الوحوش من النمور والفهود ورحم الله أمر أعرف قدره ولم يتعد طوره ~~ومن أعجب العجب أن يجني من الشوك العنب ولو فعلت ذلك لكنت كقرد حالك ذميم ~~هالك ادعى رياسة الممالك ومن أحسن الأمثال ما يقال إن السلطان للأنام ~~بمنزلة الحمام البعيد عنه يطلب قربه والداخل فيه يشكو كربه فالا يليق بحالي ~~أن لا أشغل بالي الخالي بما لا يليق بي ولا بأمثالي وحيث أشرت على بأداء ~~النصيحة وبيان الحالة الفاسدة من الصحيحة طالبا لمرضاة الملك وصونا لخاطره ~~عن الأمر المشتبه المشتبك والفكر المريب المرتبك فأنا أمتثل مرسومك وأودع ~~ذلك معلومك بشرط أن لا تذكرني بشفه ولا تشير إلى اسمي بنكرة ولا معرفة ~~فعاهدها على ما اشترطت فمدت لسان القول وبسطت ثم ذكرت ما جرى بين الدب ~~والجمل من فصول وقررت براءة ساحة الجمل بالمعقول والمنقول فلما اتضح لأبي ~~الحصين السنجان نزاهة عرض الجمل وأن الدب هو الذي أغراه على قصد الأسد وحمل ~~وتحقق ذلك بالبرهان القاطع والدليل الساطع توجه إلى حضرة الأسد وأخبره بما ~~صلح من الأمر وما فسد وأنه إنما تأخر عن خدمة مخدومه ليصل إلى ما في جيب ~~الغيب ms274 من مكتومة فلما تحقق الليث ما في هذا الأمر من صلاح وعيثومن هو ~~الصالح من الدب والجمل والطالح أرسل إلى الغراب وعرض عليه هذا الأمر العجاب ~~وطلب منه الإرشاد إلى هدم ما بناه الدب من الإيقاع وشاد فقال الرأي عندي أن ~~تجمع العساكر وتنادي للبادي والحضر ويحضر الدب والجمل وبعرض على الجميع هذا ~~العمل فإذا ظهر الحق وانكشف سجاف الباطل عن جبين الصدق وتبين الظالم من ~~المظلوم وتعين الصحيح من المثلوم يرى رأيك السعيد ما يقتضيه ويسلك ما يأمر ~~به ويرتضيه ويجري على كل منهما ما يحكم بتنفيذه ويمضيه بحيث لا ينتطح في ~~ذلك عنزان ولا يختلف عليك فيه اثنان فلما كان ثاني يوم أمر الأسد بجمع ~~القوم وإحضار الحمل البري والدب المفتري فخضر الكبير والصغير واجتمع الأمير ~~والوزير ثم علا الملك على السرير وأثنى على الله وذكر فضله هذه الأمة وما ~~لها من رقة وجلاله وأنها لا تجتمع على ضلاله ثم قال ما تقولون في رفيقين ~~شفيقين صديقين لم يكن بينهما سبب مكاحله ولا موجب منازعة ولا مجالحه سوى ~~المحبة المليحة والممالحة والمودة الصافية الصالحة ببيتان في فراش ~~ويستعينان على حسن المعاش حسد أحدهما رفيقه وخان من غير سبب صديقه وسعى في ~~إراقة دمه وعدم وجوده بوجوب عدمه فماذا يجب على هذا الحاسد المنافق في عمله ~~الفاسد الطالب ترويج باطله الكاسد وقصده ذلك البري الصالح الغافل السري ~~والسعي به إلى الحكام والقائهم بسببه في الآثام وارتكاب هذه الجرائم وتحمل ~~مثل هذه العظائم فأجاب الجمهور إن من أكبر الكبائر قول الزور وقد قال رب ~~الكائنات أن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا ~~والآخرة ولهم عذاب عظيم وأن مرتكبه الأثيم استوجب العذاب الأليم ومن هو هذا ~~الجرى الكذاب المفتري الذي يرتكب مثل هذه الأمور الهائلة والكبائر الوخيمة ~~القاتلة والعظائم المؤذية الغائلة خصوصا في مثل هذه الدولة العادلة ولأي ~~شيء يؤخر جزاؤه ولا يحسم داؤه ولا يضرب ولا يشهر ولا يؤمر بالمعروف في هذا ~~المنكر قال الأسد PageV01P167 فاكتبوا بما قلتم ms275 محاضر وليعلم الغائب الحاضر ~~حتى إذا وقع الاتفاق بين الأصحاب والرفاق وارتفع في ذلك النزاع والشقاق ~~وأجمع على ذلك العقل والسمع فعلنا فيه ما يقتضي السياسة والشرع فاتبعوا ~~شروطهم وكتبوا بذلك خطوطهم فعند ذلك طلب الأسد أم راشد وأقامها في ذلك ~~المحفل لحاشد واستنطقها بما تعلم واستشهدها على الدب بما أجرم فشهدت في ~~وجهه بما سمعت ورقمت بذلك خطها ووضعت وزكاها الحاضرون وشهد بعفتها وزهدها ~~الناظرون واتفقت الكلمة من الكملة على صدقها وحقيقة نطقها فتهلل وجه الجمل ~~بهذا القول والعمل وظهرت على صفحات وجه الدب العديم الدين واللب علامة ~~الانكسار والفضيحة والخسار ولم يسمعه إلا أنته أذعن واعترف أن لا دافع له ~~في الشاهد ولا مطعن وأنه قد اجترم وطلب العفو والكرم فعند ذلك غضب الريبال ~~ولم يبق للعفو مجال فزأر وزفر وغضب الغضنفر وهمر وزمجر وتطاير من أشداقه ~~الزبد ومن عينيه الشرر ومن شمائل حركاته ممضيات القضاء والقدر ونعوذ بالله ~~من غضب الملوك خصوصا على الفقير الصعلوك ومن أحاطت به أوزاره وقلت أعوانه ~~وفنيت أنصاره ثم أمر الأسد بالدب أن يلقى من البلاء في جدب وأن السباع ~~تحتوشه والضباع تنوشه ففي الحال من غير إهمال ولا توان ولا إمهال نهشته ~~الذئاب وافترسته الكلاب وتخاطفته النمور وتناقضته الببور والتقمته السباع ~~والتهمته الضباع فقطعوه وبضعوه ووزعوه ومزعوه وخزقوه وحزقوه وخرقوه ومزقوه ~~ولم يكتفوا بعظمه وإهابه حتى لحسوا من دمه يابس ترابه وكان قد اشتد بهم ~~القرم فاطفؤا بلحمه ودمه بعض الضرم وزال عن أبي أيوب الضر وارتفعت مغزلة ~~ذلك الحر وضاعف الله تعالى عن براءة ساحته أنواع الحمد والكشر وفائدة هذا ~~المثل الجاري بين الدب والجمل معرفة فضيلة الأمانة ووخامة المكر والخيانة ~~فان الله تعالى غير مضيع أهله ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله كما قيل: # لا بناء هذا الدهر في الغدر أسهم ... وضرب خيانات وطعن مكيدةوما للفتى ~~منها طريق سلامة سوى ترس تفويض لرب البرية # وكل امريء رهن بنيته وفي ... كفالة ما ينوي وما في العقيدة # (وليكن) هذا آخر باب ms276 الأسد الصالح والجمل الأمين الناصح والعاقبة للمتقين ~~والله الموفق والعين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خير ~~الخلائق أجمعين وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. # الباب التاسع PageV01P168 في ذكر ملك الطير العقاب والحجلتين الناجيتين ~~من العقاب # (قال) الشيخ أبو المحاسن من هو لثوب الفضل كاس ولكاس الظرف حاس وفي حدائق ~~الأدب أزكى آس ولا حداق الأدباء أذكى آس وفي عيون الأعداء أنكى آس فلما ~~أنهى الحكيم حسيب كلامه الذي استعبد در النسيب وذكر من النصائح والحكم عن ~~ملوك العرب والترك والعجم ومن مباحث الجن والأنس ما حصل للسامعين به النشاط ~~والأنس ثم استطرد إلى فوائد البهائم والوحوش ورقم في دار ضرب البلاغة من ~~حسن الصياغة والرقوش ما قعد له من زواهر كلامه على سكة دينار الفصاحة أحسن ~~النقوش وعقد بجواهر نظامه لمفرق العدل في دار الملك اكليل العروش افتخر ~~أخوه الفيل بوجوده وقدمه على جميع خواصه وجنوده وأفاض على حدائق آماله زلال ~~إحسانه وجوده وقال له يا نديم الدير وعديم الضير وقديم المير ومديم الخير ~~قد أفدت حكم سائر الحيوان فكر علينا من حكم منطق الطير فابتهج الحكيم في ~~السعة وانتهض ملبيا بالسمع والطاعة ثم أنه قال أدام الله ذو الجلال أيام ~~مولانا الإمام وشمل بذيل رأفته الخاص والعام بلغني أنه كان في ممالك ~~اذربيجان جبل يسامي السماك في السمو ويعاني الأفلاك في العلو غزير المياه ~~والأشجار كثير النبات والثمار وفي ذيله شجرة قديمة منابتها كريمة أغصانها ~~مهدله وثمارها مسبلة كما قيل: # وفي أصلها وكر لزوج من الحجل ... كان ربا رضوان ألبسها الحلل # هو وطنهما المألوف ومقرهم المعروف ورثاه من أسلافهما وهو في الشتاء ~~والصيف مرجع أيلافها يدعى الذكر منهما النجدي والأنثى غرغرة بنت السعدي ~~ولذلك الجبل جبل مقارن من جهة الشرق يسمى القارن لو قصد البدر دوره أو رفع ~~رأسه لينظر سوره أو يحل فيه شعاعه ونوره لوقع عن قمة طرطوره في قلته سرير ~~عقاب منيع الجناب هو ملك الطيور ms277 والجوارح وسلطان السوانح والبوارح وصافات ~~تلك القلال وكواسر هاتيك الجبال كلها تحت أمره العادل العال متوج فوق رأسه ~~باكليل ما يبرزه من مثال فكانت الحجلتان كلما فرختا وقاربت افراخها الطيران ~~عزم أبو الهيثم الكاسر بما معه من عقابين كواسر وجوارح الطيور ومن تحت أمره ~~من الجمهور على التنزه والاصطياد فتحيط عساكره بتلك النواحي والبلاد فكانوا ~~كلما وطئوا ربوة مهودها وسلكوا ما بين كنافها وبطونها ونهودها تصل طراشة ~~العساكر إلى الحيل الذي فيه وكر الحجل فتذهب أفراخها تحت السنابك وتضمحل ~~تحت أقدام أولئك فتقع الحجلتين في النكد والأحزان وبالجهد والمشقة البالغة ~~يخلصان هما من تلك الداهية الثالغه والنائبة الدامغة فلم يزالا في نكد على ~~فقد الولد فافتكرتا في بعض الأيام وقد أثر فيهما هذا الإيلام فغيما هم فيه ~~من النكد لفقد الولد المتجدد على طول الأمد فقال النجدي لبنت السعدي قد ~~كبرنا وضاع العمر وحزنا وقاربت شمس عمرنا للأفول وأقدام بقائنا أن تزل ~~وتزول (شعر): # وليس لنا من يذكر الله بعدنا ... إذا ما انتشبنا في مخالب فقدنا # ولا من يحي نشر آثارنا إذا طوى الموت بساط أعمارنا وقد قضينا العمر في ~~الانكاد بفراق الأولاد ثم بعد الحياة ينمحي اسمعنا ويندرس بالكلية رسمنا ~~فلا حياة هنية ولا أخرى رضيه وأي هناء مع فراق قرة العين خصوصا على وجه ~~المذلة والشين ومالنا نظير في هذا الدهر المبير إلا من جمع المال من ~~حلهوغير حله وتركه بعد الكد البليغ والحرص إلى غير أهله فيصير كما قيل: # تؤديه مذموما إلى غير حامد ... فيأكله عفوا وأنت دفين # ولا طاقة لنا في دفع جيش العقاب ولا حيلة إلى الخلاص من عقاب هذا العقاب ~~فذهب أكثر العمر في هذا الويل وأشبهنا النائم على طريق السيل وإن غفلنا عن ~~أنفسنا ربما اجتاحونا وطرحونا إلى مهلكة تدير علينا من العدم طاحونا فالرأي ~~عندي أن نترك هذا الوطن ونرحل إلى مكان لا نرى فيه هذه المحن فانه لم يبق ~~طاقة على فراق الولد ولا قلب يحتمل هذا الحزن والنكد: # ذاب قلبي ms278 بين دمع وضرم ... فارحموني أنا من لحم ودم # وذاك لأن المرء يحيا بلا رجل ويد ولا تلقاه يحيا بلا كبد قالت لقد أعربت ~~عما في فكري وشرحت ما كان يجول في صدري وهذه محنة قد أعياني في دائها ~~الدواء وبلاء عمنا فكلنا فيه سواء: # المرء يحيا بلا ساق ولا عضد # ولا يعيش بلا قلب ولا كبد # بي مثل ما بك يا حمامة فاندبي # وقد قلت: PageV01P169 ولم يعرف حرارة ما اعني ... سوى قلب كواه ما كواني # وأنا لم أخل قط في وقت من هذا الفكر الذي أوجبه الهم والمقت وأعلم أن ~~سهام آراء العقلاء ونبال أفكار ذوي النظر من الحكماء إنما تصدر من قوس ~~واحدة وتتوجه إلى غرض طريقته غير متعددة وقال العقلاء وأولو التجارب من ~~الحكماء بل أطبق أرباب العقول وأئمة الدين وأصحاب الأصول إن قضايا العقل ~~كلها صادقة وألسنتها فيما تحكمه بالصواب والأصالة ناطقة غير أن كثيرا ما ~~تشتبه القضايا العقلية لسوء التصور بالقضايا الوهمية فيقع الخطأ بواسطة ~~الوهم في الفهم وينسب إلى العقل ذلك السهم وإلا فاتفق العقلاء جمعا أن ~~القضايا العقلية لا يقع فيه الخطأ قطعا وأن قضايا الحس لوقوع الاشتباه ~~واللبس يتصور أنها حق ويقضي لها وعليها بالصدق وإذا وقع الخطأ لحصول ~~الاشتباه وعدم التأمل والانتباه في القضايا الحسية والقضايا التي هي بحاسة ~~البصر مرئية كما وقع ذلك في حادثة الطريقة البغدادية فوقوع الخطأ بالوهم ~~أولى في القضايا العقلية لأن طرقها أخفى وأحكمها معنوية فسأل الذكر عن تلك ~~البغدادية وما هذا الخبر (قالت) كان في مدينة السلام بعد أن امرأة من ~~المتخذات أخدان اسم زوجها زيد وهي أم عمرو وذات كيد لها عدة أخدان تدعو لكل ~~بالإخوان وكل ينشد في السر والإعلان قوله: # دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن ... أخاها ولم أرضع لها بلبان PageV01P170 ~~فاتفق أن زوجها زيد دعاه أمير البلد إلى الصيد فركب معه وسار وخلت منه ~~الديار فتسامع بذلك بعض أخدانها فتوجه منهم طائفة إلى مكانها فأول من سبق ~~تاجر شبق فدخل بثياب بيض ms279 وشاش رحيض وهيئة نظيفة وصورة ظريفة فأسرع في ~~الدخول ومعه ما يليق من المأكول فتلقته بالترحاب وأخذ في لذيذ الخطاب فما ~~استقر القرار حتى قرع باب الدار فظنته زوجها وحققته بوجهها فنهض خائفا ~~وتحير راجفا وطلب مكانا يخفيه وكنا يأويه فلم يكن في دارها مخباة زوارها ~~سوى طقيسي لطيفه يصعد إليها من سقيفة فأرشدته إليها فرقي عليها وبادرت إلى ~~الأتحاف فإذا هو حريف صراف ففتحت الإغلاق وتعانقا تعانق المشتاق فدخل بهيئة ~~زهراء بلباس أخضر وعمامة خضراء ومعه من الحلوى مجمع ومن الزجاج أربع فجلسا ~~يتذاكران الحوادث إذ طرق الباب ثالث فقالت هبط أوجي وجاء زوجي فوثب في رجفة ~~كأنه ورقة سعفة فسأل عن مخباة وستر يغشاه فأرشدته ربة الكريسي إلى طريق ~~الطقيسي فصعد اللاحق ولحق السابق وبادرت الرتاج ربة التاج وأم الأزواج فإذا ~~هو أحد الظرفاء وثالث الحرفاء رجل زيات ومعه مجمع سكر نبات فتلقته بالتكريم ~~وأجابته بالتسليم فدخل بثوب أصفر وشاش معصفر فشرعا في الملاعبة والملاطفة ~~والمداعبة فدق الباب رابع الأصحاب فبادرت الزيات الفرار وطلب مختفي للقرار ~~فدلتهفي المفر إلى المعهود المقر فصعد إليه ولحق بصاحبيه وتوجهت إلى الباب ~~فإذا هو أحد الأحباب وهو رجل قصاب وعليه ثياب سود وخفة المعهود وعلى رأسه ~~مئزر ثمين وبيده خروف سمين فقالت: أهلا وسهلا وارفع محلا بالحبيب النجيب ~~والبعيد القريب فدخلا واستغلا بالخطاب والتهيا عن رتاج الباب وكان في تلك ~~المحلة شخص أحدب أبله يدخل البيوت ويتمسخر فلا يمنع من ذلك ولا يزجر ~~ويلاطفه الأكابر والأعيان ولا يحتجب منه النسوان فمر على باب زيد فرآه لا ~~إغلاق ولا قيد فدخل على غفلة ولم يستأذن أهله فلم يشعر به إلا بعد حلول ~~ركابه فوجم لرؤيته القصاب وخاف من حلول مصاب ونشور وانحرف فقالت له المرأة ~~لا تخف إنما هو أبله مسخرة في المحلة فأخذوا يتلاطفون ويتمازحون ويتظارفون ~~إلى أن قرب الليل وفات النيل، فطرق الباب ووصل الزوج بالارتياب فلم يشعروا ~~إلا والبلاء قد أقبل ومصابهم الأعظم في أكنافهم قد نزل، فخاتبطوا والتبطوا ~~وانحلة ms280 قواهم وارتبطوا وطلب القصاب مخبئ فأرته للطقيسي دربا وطلب الأحدب من ~~شر زيد المهرب فكان في أرض البيت تنور فنزل فيه وهو مضرور وغطته بغطائه ~~وسترته ببعض وطائة وأراب زيد الفتح في إبطائه ثم توجهت إلى الباب وهي في ~~اضطراب فدخل زيد وهو سكران ومن تأخير فتح الباب غضبان وكان قد تناول مع ~~مخدوميه ولعبة بشيخ عقله بنت كرومه، فلما نزل عن السرج رأى الزوجة في هرج ~~ومرج فأنكر حالها وسألها ما لها فقالت: كرهت فقدك وخاطري عندك فلا ذقت بعدك ~~ولا عشت بعدك فقال: تكذبين أي دفار بل تسخرين بي أي فجار إنما أنت في حركة ~~فلا طرح الله فيك بركة فقالت: أنت مجنون وأي حركة عندي تكون؟ فشرع في حربها ~~واستطرد من سبها إلى ضربها وعزم على تفتيش البيت والإطلاع على ما فيه من ~~كيت وكيت فخشية أن يخرج أمرها عن دائرة الستر إلى لو كان وليت فتداركت ~~التفريط قبل وقوعه وبادرت إلى تلافي التلاف بالهيت فتشكت من الأذى وقد ~~تناولها بالضرب والبذى ورفعت يدها إلى الدعاء بالندى وقالت: إلهي وسيدي ~~وسندي ومعتمدي إن كنت تعلم أني مظلومة وبراءة ساحتي عندك معلومة فانزل إلى ~~أمتك ملكا من ملائكة رحمتك يخلصها من هذا الظلوم ويكشف ستر هذا السر ~~الموهوم فبادر التاجر بالإنتهاض ونزل بثيابه البياض ودخل عليه وقبض على ~~أذنيه وصفعه على خديه وقال أتركها يا ظالم فإنك معتد آثم وهي برية وشمائلها ~~زكية وضربه ضربتين ولكمه لكمتين ثم أم الباب وترك الأصحاب وشرع في الذهاب ~~فلما رأى هذا زيد عرف أنه خديعة وكيد وقال: يا أفحش الفواحش وأنهش النواهش ~~تريدين خدعي وسخري وخذلي وختري وتبغين بما تبغين ختلي ومكري أولست بعريف ~~أنه لك حريف ثم زاد في سبها وماد إلى كبها وضربها فقالت يا إلهي وسيدي ~~وجاهي إن كنت تعلم أن هذا الأظلم أنكر الحق ورآه وما صدق فانزل عليه ملكا ~~آخر ذا جناح أخضر يأخذ بحقي منه ويكشف سترك عنه فقال الحرفاء وكانوا ضرفاء ~~للصيرفي قم غير ms281 مختفي وشدد عليه وأوصد الألم إليه فنهض في ذلك المعلم وبادر ~~إلى السلم ونزل إليه ودخل PageV01P171 عليه وقال: أكفف يا ذا العار عن ~~عفيفة الأستار فإنها برية وعما تضنه عرية ومد يده بكمه وبالغ في سبه وشتمه ~~ثم خرج من الدار وبالغ في الفرار فقال يا للدربة من ذي القحبة الناس بواحد ~~وأنت باثنين وقد جعلت زوجك ذا القرنين ثم أخذ العصا وضربها ضربة من عصى ~~فقالت: يا إله العالمين تعلم أن هذا من الظالمين أمدني بالملك الأصغر صاحب ~~الدرع والمغفر والثوب المعصفر يبرئ ساحتي ويهدئ راحتي فإني مظلومة وقصتي ~~معلومة فقال الجزار للزيات قم أرنا الكرامات وقد صنعتك وهات فنهض الزيات ~~ونزل إلى ذلك المفتات وقال أيها اللئيم كف عن الحريم وارجع عن لوم البري ~~واقصر أيها المشتري المفتري ثم تناوله بعصاه إلى أن آلم قفاه ثم تركه في ~~الحركة وخرج هاربا وقصد جانبا فقال زيد يا أوسخ القحاب وأوسخ ذوات السباب ~~تعدين حرفائك واحدا واحدا وتعرضينهم علي صادرا وواردا ثم نهض بالعصا ~~وتناولها مغليا ومرخصا فمادت وآدت وبادت ونادت إلهي هذا لم يعتبر بملائكتك ~~الكرام ولم ينزجر بهذا الضرموالإيلام فأمدني بملك النيران الزبني الأسود ~~الغضبان يخبره بصدقي ويأخذ منه حقي ويفعل معه ما يجب فإن راجيك لم يخب فما ~~عتم القصاب أن زمجر كرعد السحاب وأخذ في الاضطراب والاصطخاب وأسرع في السلم ~~الانصباب فلما سمع زيد العياط والخباط وزماجر الهياط والمياط بهت وأخذه ~~الضراط فدخل عليه في بعثرة وغدمرة وتزيا بصورة بشعة منكرة وخطف من يده ~~العصا وضربه بها حتى شصا وقال أي أنحس ذميم وأتعس زنيم أما زجرك ونهاك وكفك ~~وكفاك من تقدم من الأملاك أيم الله لأن لم تتركها وفي ما لك ومنالك تشركها ~~لتدمرن ديارك ولتمحون آثارك ثم تركه وذهب وأودعه جمر اللهب فلما رأى الحال ~~نسجت على هذا المنوال استكان وطلب الأمان ومعك عينيه وضم يديه ورجليه وجعل ~~يتأوه من ألم الضراب وقال كان الدعاء في هذه الساعة مستجاب ثم قال من شدة ~~كربه ms282 وحرقت قلبه إلهي ومولاي كما استجبت دعائها استجب دعائي وكما أنزلت من ~~السماء لنصرها ملوكها فأخرج لها من الأرض عفريتا ينيكها وليكن ذلك بمرآى من ~~عيني وأمامي ويبرد أوامي فما صدق صاحب التنور حين سمع الدعاء المذكور ~~والنداء المقبول المشكور حتى طفر من مجثمه كالشواظ المسجور وأقام أمام لهوه ~~المصاب واستعمل من قواعد النحو الرفع والجر والانتصاب ورفع العمودين وأولجه ~~المحراب ولا زال ذلك الإمام يتردد في البيت الحرام وقد نال في الحرم آمنا ~~حتى رمى الجمرات وأمنى ثم قبل فاهها وخرج مسرعا من ذراها وخلى الدار تنعى ~~من بناها ففتح زيد عينيه وحملق حواليه ثم قال: يا أقذر القحاب هكذا يكون ~~الدعاء المستجاب (وإنما أوردت) هذا الكلام والتمثيل لك يا إمام ليتبين لكل ~~عالم همام وليتبصر أولوا العقل والأفهام الفرق ما بين قضايا الحس والعقل ~~والأوهام وقد شبه العقل بجل عال عزيز المنال وكل من قصد الصعود إليه ~~والارتقاء عليه لا يصعده إلا من طريق واحدة منها يوصل منه إلى الفائدة ~~وسلوك طريق المعاشرة مع العقلاء وذوي الآراء الأذكياء في العداوة وانصداقة ~~والكدرة والزياقة واللطافة والكثافة والخوف والرجاء والابتداء والانتهاء ~~إنما هو من باب متحد لا من طريق متعد ولأجل هذا يا متبصر سلوك مثل هذه ~~الطريق معهم متيسر لا متعوج ولا متعسر ورأس خيط هذه السموط بالاستقامة ~~والسلاح مضبوط بخلاف الجهال والخلعاء والحمقى والسفهاء فإن أمورهم منفرطة ~~وأفكارهم وآرائهم غير منضبطة فتتكدر خوار العقلاء في تعليمهم ويعيا طبيب ~~الفكر في تهذيب أحمقهم وتأديب سفيههم وقيل: PageV01P172 إني لآمن من عدو ~~عاقل ... وأخاف خلا يعتريه جنون # والعقل فن واحد وطريقه ... أدرى وأرصد والجنون فنون # ولهذا قيل معاداة العاقل خير من مصافاة الجاهل ثم قالت غرغرة في أثناء ~~هذه القرقرة وأما ما ذكرت من البيان من مفارقة الأوطان وترك هذا المكان أما ~~سمعت حديث أشرف جنس الإنسان أن حب الوطن من الإيمان وقد ألفنا وطننا وحبه ~~وقلع أصول محبته من قلوبنا صعبة وهو في معزل عن طرق الجوارح ومكمن عن ~~السوائح ms283 والبوارح وإنما تعرض لأولادنا تلك الآفة من تراكم العساكر المصافة ~~ومن يحصل من أقدامها من كثافة وأنا أخاف إن انتقلنا من هذا الوطن يخرج من ~~أيدينا هذا السكن ولا نحصل على مأوى يليق أو لا توافقنا الغربة أو يمنع ~~مانع في الطريق فنقصد الربح فيذهب رأس المال فنخسر ما في أيدينا في الحال ~~ولا يحصل المأمول في الاستقبال وكيف وهو مسقط رأسنا ومحل أنسانا وأناسنا ~~فالأولى بنا الرضا والانقياد لأوامر القضا وملازمة الوطن القديم والسكون ~~تحت تقدير العزيز العليم وقد قيل إنما يشفي العليل إذا ترك مشتهيات نفسه ~~وقيد متمنياته في قيد حبسه ولابد للمريد من ترك المراد وللقانع من قطع ~~النظر عن الإزدياد والحرية في رفض الشهوات وكل ما هو آت آت وأما وقائع ~~الأولاد وحصول الانكاد وما يقع منهم بسببهم في كل أوان فنحسبها إحدى ما ~~يحدث لنا من نوائب الزمن ونحن بل كل المخلوقات عرضة للنوائب والآفات وطعمة ~~لسنابك المقدور ونهبة لحوادث الدهور ولو انتقلنا عن وطننا وتحولنا عن سكننا ~~وبعدنا عن هذا الجانب ونزعنا عن الأهل والأقاربوحاورنا الأباعد لا يطيب لنا ~~مقام وتتكدر أوقاتنا على مر الأيام فلا نزال بين تذكر الوطن المألوف وتحنن ~~إلى الصاحب المعروف فيسهل عند هذه الأنكال مفارقة الأطفال ثم أعلم أيها ~~الصاحب الأعظم أنه لو تيسر لنا مع الانتقال انتظام الأمور استقامة الأحوال ~~وحفظت الأولاد وزالت الأنكاد وصفا الوقت وزال المقت فان الخاطر يشتغل ونار ~~القلب بسببهم تشتغل فانه من حين وجود الولد يتقيد بتعهده القلب والجسد ~~وتصرف الهمة إلى القيام بمصالح معاشه إلى حين ترعرعه وارتياشه ويزاد القلب ~~تعلقا بمحبته ويتقيد الخاطر بالالتفات إلى عمل مصلحته ويتضاعف ذلك يوما ~~فيوما وشهرا فشهرا وعاما فعاما فان نابه والعياذ بالله نحو ألم أو أصابه ~~ضرا وسقم التهبت عليه الجوارح وانقلبت الهموم على القلب والجوانح فان آل ~~ذلك إلى الموت واستحال وجوده إلى عدم وفوت فهو المصيبة العظمى والطامة ~~الكبرى وأن سلم من هذه العاهات وبلاغ سن الإدراك سالما من الآفات ونجا إلى ms284 ~~بر الشباب من بحر المخافات ازدادت كلفة وتضاعفت مؤنته وركب والداه في ذلك ~~كل صعب وذلول وذهبا من مسالك الكد والكدح في كل عرض وطول وتحملا أنواع ~~المشاق والآثام وارتكبا فيما اكتسبا أصنافا من الحلال والحرام وهذا إذا كان ~~مطيعا ولأوامرهما منقادا سميعا وأما إذا ركب جموح العقوق ونسي ما لهما عليه ~~من حقوق فهي مصيبة أحرى وداهية كبرى ويصير كما قيل: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد PageV01P173 ~~وعلى كل تقدير وأنت بهذا خبير وبدقائقه عليم أن الأولاد بين الأبوين وبين ~~الآخرة سد عظيم ما يخلص مع الالتفاف إليهم لله طاعة ولا على الانقطاع منهم ~~إلى طريق الآخرة وناهيك يا ذا الذكاء والفطنة أخبار من أنقذك من هذه المحنة ~~إنما أموالكم وأولادكم فتنه فاسمع هذا الكلام بأذن التحقيق واسلك في سبر ~~معانيه أوضح طريق وحقق يا ذا الإرشاد إن وجود الأولاد عند ذوي البصيرة من ~~النقاد مزيف ومتاع مزخرف وسم تحت حلوى وسرور فوق بلوى وعارية مردودة بعد ~~أوقات معدودة وأيام محدودة بل لعبة من خشب مموهة بالذهب وطلاء من نضار على ~~كوب من فخار وقد نبه على هذا رب العباد بقوله إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ~~وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد وكما أن الأطفال الصغار ~~الغافلين عن دقائق الأسرار إذا نظروا إلى اللعبة المزينة والخشيبات المصبقة ~~المستحسنة التهوا بها عن اكتساب الآداب وملازمة العلماء والمشايخ والكتاب ~~فيبلغون وهم جاهلون وعن طرق اكتساب الكمال ذاهلون ويشيبون وهم أحداث ~~ويتصورون أنهم طاهرون وهم أخباث كذلك كل من التفت إلى غير الله خاطره ~~والتهت بأموره الدنيا من المال والولد سرائره وضمائره وحرم من الأطلاع على ~~دقائق الملك والملكوت وفاته لذات الوقوف على دقائق الرغبوت والرهبوت فهو عن ~~الله تعالى محجوب وفي عساكر الأموات وأن كان حيا محسوب كما قيل: # وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... وأجسادهم دون القبور قبور # وإن امرأ لم يحي بالعلم قلبه ... فليس له حتى النشور نشور # قال الله تعالى ms285 وكلمته العليا المال والبنون زينة الحياة الدنيا وهذا ~~صريح بالشهادة على ما نقله وجلوت صدأ قلبك بتقريره وصقلته فلا تكونن لاه ~~ولا تعلقن قلبك بغير الله قولا واعتقادا وعملا فالباقيات الصالحات خير عند ~~ربك وخير أملا واجهد يا حبيب في إصلاح قلبك الكليم وأصغ لما قاله الحكيم ~~الحليم متحرزا من نكاية العذاب الأليم عاملا بما يرضي السميع العليم يوم لا ~~ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم وإذا علمت هذا وحققته وحررته ~~وصدقته فاعلم إن الأولى بحالنا والأحسن للنظر في مآلنا أن نعد ما نحن من ~~جملة النعم وإن هذا الذي قسم لنا من القسم في القدم ولا ننقل عن دائرة ~~الرضا والتسليم قدما عن قدم وننظر ما يتولد من حوادث الزمان ولا نرخي في ~~ميدان الطمع العنان ونعرض على جامح الخاطر ما قال الشاعر:كم نار بادية شبت ~~لغير قرى على بقاع وكم نور بلا ثمر # هون عليم أمورا أنت تنكرها ... فالدهر يأتي بأنواع من العبر # قال النجدي جميع هذا المقول صادر من موارد المعقول موافق لما ورد به ~~المنقول لقد غصت في بحر الفطنة على جواهر الحكمة فما تركت في ميدان المسائل ~~مقالا لقائل ولا مجالا لجائل ولكن لا ينبغي للعاقل أن يغفل عن حوادث الدهر ~~ولا يسند ظهره لكواذب العصر فان طوارق الآفات وخوارق العادات ومحن الزمان ~~وفتن الدوران محتجبة وراء أستار ومستورة في أنواع أطوار والفلك الدوار له ~~في علم الأدوار لعيبات أبكار يبرزها للنظار فتلعب بالأفكار ويذهب في سنا ~~برق مخارفها أبصار الأبصار ويخطئ في حركاتها الرأي المصيب ويدهش في دجى ~~حندسها الفطن الأريب وقد بادت الفكر وعجزت القوى والقدر وحارت عقول البشر ~~دون إدراك ما يبرزه كل وقت من الصور من وراء ستر الغيب مستعدا للقضاء ~~والقدر ولم يعهد من الدهر الخؤن والزمان المجون إذا استقام أو قزل أو جد أو ~~هزل أو أمر بنازل فنزل أو ولى أو عزل أو أقبل أو اعتزل أو غزل أن يرسل قبل ~~ذلك منذرا أو ms286 مبصرا أو محذرا اليستيقظ النائم أو ينهض الجاثم أو يتحرك ~~القائم وإنما يحطم بغته ويهجم في سكته ويأخذ على بهته فلا يفلت منه فلته ~~ولا يهمل إلى لحظة ولا لفته وقد قيل: # يا راقد الليل مسرورا بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا # لا تركنن لليل طاب أوله ... فرب آخر ليل أوقد النارا # وعلى هذا لو وقع منا غفلة أو ذهول عند قدوم هذا الجيش المهول فاخترم ~~والعياذ بالله واحدا منا ونحن أحسن ما نكون سكونا وأمنا فكيف ترين يبقى حال ~~الآخرون إلا كما قال الشاعر: # ما حال من كان له واحد ... يؤخذ منه ذلك الواحد PageV01P174 وإذا بقي ~~أحدنا وانعزل متوحدا ماذا يفيده الوطن والجيران والسكن وهل تفي لذة وصال ~~ألفي سنة بألم فراق تلك الساعة الخشنة كما قيل: # إن كان فراقنا على التحقيق ... فذي كبدي أحق بالتمزيق # لو دام لنا الوصال ألفي سنة ... ما كان يفي بساعة التفريق # وقال أيضا: # لا كان في الدهر يوم لا أراك به ... ولا بدت فيه لا شمس ولا قمر # وكل من لم يفتكر في العواقب قبل حلولها ويتأمل في تداركها بقدر الطاقة ~~قبل نزولها ويطمئن إلى سكون الزمان ويسند ظهره إلى مسند الحدثان ويحيل ~~الكوائن على القضاء والقدر ويرفع يد التدبير عن تعاطي أسباب الحذر كان كمن ~~ترك إحدى زاملتيه فارغة وحشا الأخرى من الأحجار الثقيلة الدامغة فأنى ~~يستقيم محملة أو يبلغ منزله فلا يزال حمله مائلا وخطبه هائلا فالعاقل يسعى ~~فيما يظن نفعه ويبذل في ذلك غاية جهده ووسعه ولا يترك الطلب ولا يغفل عن ~~السبب ويعمل بموجب ما قيل: # فلا وأبيك لا أدع احتياطي ... ومالي في قضاء الله حيله # وعلى كل حال يا ربة الحجال تعاطي الأسباب لا يقدح في الاتكال وناهيك يا ~~مليحة العمل حكاية الحمار مع الجمل فسالت غرغرة أن بين ذلك ويذكره (قال) ~~بلغني أنه ترافق في المسير عبر مع بعير فكان الحمار كثير العثار مع أن ~~عينيه تراقب مواطئ رجليه وكان الجمل على عظم هامته وعلو قامته وبعد ms287 عينيه ~~عن مواطئ يديه ورجليه لا تزال له قدم ولا يصل إليه ألم فقال الحمار للبعير ~~أيها الرفيق الكبير ما بالي في المسير كثير التعثير دائم الوقوع والزلل ~~والعثار والخطل لا أخلو من حجر يدمى مني الحافر أو عثرة ترميني في حفرة ~~حافر مع أن عيني تراقب يدي ولا تنظر سواهما إلى شيء وأنت لا تنظر مواطئ ~~اخفافك ولا تعرف على ماذا تقع رؤس أطرافك لا حجر يصيب خفك ولا شوكة تخرق ~~كفك ولا جورة تقع فيها ولا تختل عن طريق تمشيها ولا أدري هذا مماذا قال أبو ~~صابر يا أخي نظرك قاصر وفكرك غير باصر لا تراقب ما بينيديك ولا تنظر ما ~~أمامك ألك أم عليك فإذا أدهمك ما دهاك عجز عنه نهاك فلا تشعر إلا وقد وقعت ~~وانخرق ما راقعت فلا يمكنك التدارك والتلاف إلا وأنت رهين التلاف وأما أنا ~~فأراقب ما يصير من العواقب وأنظر أمامي الطريق على بعد فأميز المسلوك من ~~قبل ومن بعد فلا أصل إلى صعب إلا وقد أذللته ولا إلى وعر إلا وقد سهلته ولا ~~إلى وهدة إلا وقد عرفت طريقها ولا إلى عقبة إلا وقد كشفت واسعها ومضيقها ~~فاستعد للأمر قبل نزوله وأتأهب للخطب قبل حلوله واحتال لقطعة وصوله وأحله ~~قبل أن يعقد وأقيمه دون أن يقعد وهذه قاعدة للفقهاء وأصل كبير للحكماء من ~~العلماء أنهم قالوا أن الدفع أهون من الرفع ومن كلام الألباء وأصول حذاق ~~الأطباء قوله: # الطب حفظ صحة برء مرض ... من سبب في بدن إذا عرض # (وإنما أوردت) هذا المثل عن الحمار والجمل لتعلمي ياست الحجل أنه لا بد ~~لنا من الأهبة قبل النكبه فما كل مره تسلم الجره وقد قرب وقت وضع البيض ~~وبعده يدهمنا من سيل العسكر الفيض فلا بد من أعمال الفكر المصيب في وجه ~~الخلاص من هذا الأمر العصيب كما قيل: # مهد لنفسك قبل النوم مضطجعا # قالت غرغره الحكيمة المدبرة جميع هذه الأخبار لا تخلو عن دقيق الأنظار ~~وتحقيق مصيب الأفكار وغامض معاني الأسرار ms288 وكل عاقل يقبله يديه ويقبل يديه ~~ويمتثله ويقبل عليه وكل فكر مصيب يجثو للأقتباس بين يديه ولكن طلاب الأغراض ~~الدنيوية والمسارعون إلى نيل المرادات والأمنية على فرق شتى وأنا أفصلها ~~حتما منهم من يبلغ الآمال بقوة الجند وبذل الأموال ومنهم من يساعده الدهر ~~ويعاضده معاون العصر وينهض له مسعد التقدير فيقوم معه كل كبير وصغير كما ~~قيل: # وإذا أراد الله نصرة عبده ... كانت له أعداؤه أنصارا PageV01P175 فيقبض ~~له المساعد ويعضده المقارب والمباعد فلا يحتاج إلى كبير ولا في سعي ولا في ~~استماع النصيحة ونفعها إلى وعي بل يصل إلى قصده بدون كده وبغير جهده وجده ~~فمهما فعل أنجح قصد أفلح وحيثما توجه أربح وأينما مال أرجح ومنهم من يحتاج ~~إلى جهد جهيد وسعي مديد وكد طويل عريض وجد عريض غير غريض مع مساعد ناصح ~~ومعاون صالح وتعاطي أسباب وقرع أبواب وفكر دقيق ومسعد رفيق حتى يبلغ مراده ~~ويصل إلى ما أراده ومنهم من تغلب عليه العجلة والطمع وشدة الحرص والهلع ~~فيسارع إلى نيل ما يرومه فيلقب في هرة الحرمان حرصه وشومه فيقع من التعب ~~والنصب في هوه ويحرم لكونه اعتمد على ماله من حول وقوة فيصير كما قيل: # الحرص فوتني دهري فوائده ... فكلما زدت حرصا زاد تفويتا # ومنهم من يتمنى ثم يتكاسل ويرجو ويترقب ويتساهل فيحرم مقصده ويرد عجزه من ~~مراده يده وقد قيل في المثل تزوج التواني بنت الكسل فاولد الزوجان الفقر ~~والحرمان فانظر يا ذا لركون والوقار والسكون نحن من أي هذه الفرق نكون وأنت ~~تعلم أنا لا نقدر على مقاومة العقاب ولا أن ندفع عن أنفسنا ما ينزل بنا من ~~عقاب فانه إذا طار العقاب يبلغ الثريا والسحاب ونحن إذا تحركنا في الهو ~~افلا نقدر أن نرتفع عن وجه الثرى وقد قيل في المثل كما ترى أين الثريا من ~~الثرى وقيل من تعلق بخصم هو أقوى منه فلقد سعى في هلاك نفسه برجله ووضع ~~تراب الدمار على رأسه بيده وكنت يا بدري أنشدتك من شعري: # ومن يتشبث ms289 في العداوة كفه ... بأكبر منه فهو لا شك هالك # وكان مثله مثل النملة الخفيفة التي نبتت لها أجنحة ضعيفة فتحركها دواعي ~~الطيران فتتصور أنها صارت كالنسور والعقبان فبمجرد ما ترتفع عن الثرى إلى ~~الهواء التقمها عصفور أو خطفها أصغر الطيور ولهذا قيل: # إذا ما أراد الله أهلاك نملة ... أطال جناحيها فسيقت إلى العطب # ونحن ما لنا اطلاع على مكان من الغيب فنزه نفسك عن هواجس الريب وليس لنا ~~مساعد من الأقارب والأباعد ولا لنا مال ولا خيل ول رجال ونحن أقل من أن ~~يساعدنا زمان أو يعيننا على العقاب أعوانفلم يبق إلا الركون والأتكال على ~~حركات السكون فما تدري غدا ماذا يكون وأعلم أن حركاتنا مع العقاب والجامع ~~لنا معه من الأسباب متحدة في الحقيقة وطريقتنا معه من جنس ماله من طريقه ~~وهي الطيريه وكلنا فيها سويه وهو منها كاعجاز القرآن من الفصاحة في الطرف ~~الأعلى ونحن منها كاصوات الحيوان في الأطراف الأدنى فالأولى يحالنا ~~الأصطبار إلى أن يصل لكسرنا من عالم الغيب إنجبار كما قيل: # مهلا أبا الصقر فكم طائر ... خر صريعا بعد تحليق # زوجت نعمي لم تكن كفأها ... آذانها الله بتطليق # (وقيل): # الأمر يحدث بعده الأمر ... والعسر مقترن به اليسر # وحلاوة الصبيان من عسل ... تلهى وأن حلاوتي الصبر # والصبر يعقب بعده شكر ... من نعمة تأتيك أو أجر # فقال الذكر هذه الفكر من الصواب قريب وسهمها عند أولى البصائر والتجارب ~~مصيب ولكن من يتكفل بوفاء العمر الغدار والأيصال إلى الأوطار ويقوم بالأمن ~~من حوادث الليل والنهار وأنسبت انشادي في الوادي يا زين النادي وجمال ~~الحاضر والبادي: # لئن بادرت في تسليم روحي ... أتاني من ورائي من يعوق # وأن أسرعت نحو الوصل عذرا ... فعمري من ورا ظهري يسوق # ثم قال النجدي والرأي السديد عندي والذي أعيده فيه وأبدي أن نتوجه إلى ~~حضرة العقاب ونكشف عن وجه مرادنا لديه النقاب ونطلب منه الأمان من عوادي ~~الدهر ونكبات الزمان ونستظل بجناح عاطفته وننتظم في سلك جماعته وخدمته فانه ~~ملك الطيور وبيده أزمة الجمهور ms290 وهو أن كان سلطان الجوارح والكواسر وشيمته ~~سفك الدمار والتمزيق بمخاليبه النواسر لكنه ملك عالي الهمة ومن شيم الملوك ~~الشفقة والرحمة ولا تقتضي همته العالية إلا الشفقة الوافية خصوصا على من ~~يرتمي لديه وينتمي إليه ولا تدعه شميته الأبية وهمته العالية الحميه ~~وشمائله الشهمة الملوكية أن يتعرض إلينا بضرر أو أن يطير إلينا منه شرر ~~قالت غرغره بعد الاستغراب في الكركرة العجب كل العجب من رأيك المنتخب أنك ~~تخلط منه الغث بالسمين وتسوق فيه الهجان مع الهجين فتارة تصيب حدقة الغرض ~~وأخرى تصرف السهم حيث عرض فتصير كما قيل: PageV01P176 تلونت حتى لست أدري ~~من الهوى ... أريح جنوب أنت أم ريح شمأل # هذه المصائب التي نشكوها والنوائب التي نقر أسورها ونتلوها هل هي غير ما ~~نقاسيه من العذاب ونعانيه من أليم العقاب في لحظة من ملاقاة عسكر العقاب ثم ~~أنك أنت تحركت في آرائك وسكنت وشرقت في أفكارك وغربت وتباعدت وتقربت ~~وارتفعت يا سلطان وامتنعت وسقطت وجلت وحمت وقعدت وقمت ثم أسفر رأيك السديد ~~وفكرك الرشيد وأمرك السعيد عن أن تجرنا بسلاسل الحديد إلى العذاب الشديد ~~وتخلدنا فيه الدهر المديد ولا الله بل تريد أن نمشي بأرجلنا إلى الشكبة ~~ونلقي بأيدينا أنفسنا إلى التهلكة وقد أشبهت في هذه الحركة مالكا الحزين ~~والسمكة فقال النجدي لأبنه السعدي أريحي وغني (شكوى الجريح إلى العقبان ~~والرخم) فقالت له أزل الغصة بقص هذه القصة (فقال) كان في بعض المروج من قرى ~~سروج نهر كثير الحيتان شديد الجريان وفي مكان من مصون مأوى المالك الحزين ~~البلشون فكان يتصرف في السمك نصرف المالك فيما ملك قضى في ذلك عمره وزجى ~~أوقاته في طيب عيش ومشره إلى أن أدركه المشيب ورحل عنه العمر القشيب وكساه ~~خياط الدهر دلق ومن نعمرة ننكسه في الخلق ورأى من الكبر أصناف العبر إلى أن ~~ضعفت قوته عن الاصطياد وجرى عليه من الآلام والأنكاد ومن نوائب الدهر ما ~~الزمان به معتاد فصار يمر عليه برهة من الأوقات وهو عاجز عن تحصيل الأقوات ~~فتوجه ms291 في بعض الأحيان وقد علته كآبة الأحزان ووقف على النهر متفكرا في ~~تصرفات الدهر فمرت به سمكة لطيفة الحركة فرأته في ذل الانكسار سابحا في بحر ~~الأفتكار لا قدرة له ولا حركة ولا نهضة لاختطاف السمكة فلم يلتفت إليها ولا ~~عول عليها وقد أوطأته الحوادث أقدام الهمومالكوارث وبدل ربيع شبابه بخريف ~~الهرم وحرارة حربه ببرودة السلم فوقفت لديه وسلمت عليه وسألته عن موجب ~~تفكره وسبب تحزنه وتحيره فقال تفكرت ما مضى من الزمان الناضر وما تقتضي فيه ~~من طيب العيش وانشراح الخاطر وقد تبدل وجوده بالعدم ولم يحصل من ذلك سوى ~~الذنوب والندم وقد وهنت العظام واستولى على الجسد السقام وتزلزلت أركان ~~الأعضاء وتراكمت فنون الأدواء واشتعل الشيب وانقد وجر الآلام وقد: # عزمت على إخلاء جسمي روحه ... من خرق شيب كل عنه الراقع # قلت اسكنيه يا عمارة عمره ... قالت فكيف وبيت جسمك واقع # ثم قال ولم أفق من هذه السكرة ولا وقعت في هذه الفكرة إلا وسفينة العمر ~~بالساحل قد أرست وأصيل شمس العيش على قلة الفناء أمست فما أمكنتي إلا ~~التلافي بالتوبة والندم قبل حلول نوائب الأجل وزلة القدم والتطهر من جنابة ~~المظالم بمياه الاستعبار والالتجاء إلى جانب الحق بالالظاظ في الاستغفار ~~وغسل أوساخ الذنوب والمظالم بدموع الإنابة والاعتذار: # وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شامل ~~PageV01P177 فاعلمي أن جامح هواي قلع ضرس الآمال والطمع وجارح متمناي خوافي ~~الشره والهلع وقد قدمت إلى هذا المكان لا تحلل من الأسماك والحيتان فأني ~~طالما أغرت على عشائرهم وأولادهم وخضت في دماء قلوبهم وأكبادهم وشتت شملهم ~~وخوفت جلهم وقلهم. وأرعبتهم وأرهبتهم وأقلقتهم وفرقتهم وغربتهم وبالدماء ~~شرقتهم فرأيت براءة الذمة في الأولى أولى والمبادرة بالتوبة قبل المصير إلى ~~الأخرى أحرى فلعل أحمال الذنوب تخف وسحائب الغفران تكف فلما سمعت السمكة ~~هذه الخديعة ووعت ما فيها من حركة بديعة تشربتها أضلاعها ودعاها انخداعها ~~إلى أن قالت فما ترى أيها العبد الصالح أن أتعاطاه من المصالح فقال ابلغني ~~السمك هذا الكلام بعد ms292 إبلاغ التحية والسلام وأن يكون القوم من بعد اليوم ~~آمنين من سطواتي سالمين من حملاتي ساكنين إلى حركاتي بحيث تتجلى الظلماء ~~ويعود بيننا الحرب سلما وينام السمك في الماء قالت لا بد من أخذ العهود على ~~الوفاء بهذه العقود وأقلها المصافحة على المصالحة ثم تأكيد الأيمان بخالق ~~الأنس والجان ولكن كيف أصافيك وأنا طعمتك وأني أتخلص من فيك إذا وضعت فيه ~~لقمتك قال لها ابرمي هذا العلف واربطي به حنكي لتأمني التلف فأخذت قبضة من ~~الحشيش وفتلت وإلى ربط فكه أقبلت فعندما مد منقاره إلى الماء وقربت منه ~~السمكة العمياء لم يفتر أن اقتلعها ثم ابتلعها (وإنما أوردت) هذه اللطيفة ~~يا ذا الحركات الظريفة لتعلم أن قربنا من العقاب ألقى بنا أنفسنا إلى أليم ~~العقاب وأين عزب عنك نهاك حتى تسعى بنا إلى عين الهلاك ونحن قوت العقاب ~~وغذاؤه ولداء جوعه شفاؤه ودواؤه وهل يركن إلى العقاب ويؤمن منه ضرب الرقاب ~~وقد قيل: # أنفاسه كذب وحشو ضميره ... دغل وقربته سقام الروح # وقد قيل: # أنهاك أنهاك لا آلوك معذرة ... عن نومك بين ناب الليث والظفر PageV01P178 ~~قال النجدي اسلمي يا قرينة الخير واعلمي أن الريح وقت الربيع تكسو أكناف ~~الأشجار من أنواع الأزهار ووجه الصحاري والقفار من أنوار الأنوار ما يدهش ~~البصائر ويروق الأبصار وينعش الأجسام ويشفي الأسقام ويبرد الغليل ويبرئ ~~العليل لا سيما وقت السحر ونسيم الصبا في ضوء القمر يربى القلب والروح وبحي ~~الصب والجروح وكذلك المعرفات النشر واللواقح والمعطرات بطيب الروانح ودونك ~~قول الحق في كلمته ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته وفي ~~المصيف الجرور العسيف والسموم العصيف المذيب المذيف وفي الشتاء وأيام ~~الخريف الصرصر المخيف يصفر اللوم ويغير الكون ويعرى الأشجار ويسقط الثمار ~~ويثير الغبار وربما كانت إعصارا فيه نار وتسقم الصحيح وتطبر الهشيم في ~~الريح ومنها الأعجاز الموشحات والأيام النحسات والقواصف والعواصف ~~والحواصبوالحراجف والصرصر والنكباء والزعرع والرخاء وقد قال فيها العزيز ~~العليم فأرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أنت عليه إلا جعلته ms293 ~~كالرميم ثم اعلمي يا ربة الحجال وفتنة الرجال إن النار تحرق من يقربها ~~وتذهب ما يصحبها وتنشف الطراوة وتشوه الطلاوه وتنتقم ما تجده وتلتهم ~~وتزدرده وتسود بدخانها وتؤلم الأجساد بقربانها وتمحو الآثار وتهدم الديار ~~مع أنها تنضج الأطعمة وتصلح الأغذية وتهدي النور وتد في المقرور وترشد ~~الضال في القفار ورؤس الجبال قال من يقول للشيء كن فيكون أفرأيتم النار ~~التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن نحن جعلناها تذكرة ومتاعا ~~للمقوين وكذلك الماء يا ذات الثغر الألمي يذهب الظما ويجلب النما ويبرد ~~الصدور ويطفئ الحرور وينبت الزروع ويدر الضروع ويحمل المراكب وما فيها من ~~مركوب وراكب وما فيها من مركوب وراكب قال القادر على كل شيء وجلعنا من ~~الماء كل شيء حي وإذا طغت المياه والعياذ بالله أغرقت المراكب وخطفت الراجل ~~والراكب واقتلعت الأشجار واقتطفت الحجار وأتلفت الزروع والثمار وإن تراكمت ~~الأمطار قطعت سبل الأقطار وهدمت الديار وردت الآبار وسل عن ذلك ملابس ~~الأسفار ومجالس الرتب من أهل الأمصار وإذا تكائف الرش غرقت مصر وآذى أهلها ~~العطش ونعوذ بالله من هجوم السيل في ظلام الليل وكذلاك التراب يا زين ~~الأحباب ينبت الحصرم والعنب والثمر والحطب والشوك والرطب ويشرع سنان الشوك ~~المحدد وغصون السهم المسدد ويربى الورد والأزهار والرياحين والأنوار ~~والأقوات والثمار والرياض النضرة والغياض الخصرة ثم إذا ثار وهاج الغبار ~~خرج من تحت الحوافر فاعمى النواظر ففيه الحلو والمر والزوان والبر والناعم ~~والخشن والقبيح والحسن والأرض مهاد وفراش وفيها أسباب المعاش وهذه المضرة ~~والمنفعة مركبة في هذه العناصر الأربعة التي هي أصل الكائنات وسنخ ما ~~نشاهده من المخلوقات وإذا كان ذلك كذلك وقاك الله شر المهالك وأوضح لك أوضح ~~المسالك فاعلمي بالتحقيق يا صاحبة الثغر العقيق إن هذا الملك الأعظم بل كل ~~أولاد بني آدم مركبون من الرضا والغضب والحلم والصخب والرفع والحط والقبض ~~والبسط والقهر واللطف والظرافة والعنف والخشونة واللين والتحريك والتسكين ~~والبخل والسخاء والشدة والرخاء والوفاء والجفاء والكدورة والصفاء واعلمي يا ~~نعم العون وقرينة الصون إن هذا ms294 الكون سروره في شروره مندمج ووروده في صدور ~~مندرج وصفاؤه مع كدره مزدوج وجفاؤه بوفائه ممتزج فيمكن أن العقاب لكونه ~~ملكا مالك الرقاب مع وجود هيبته القاهرة وسطوته الباهره وخلقه الشرس الصعب ~~الشكس إذا رأى ضعفنا وذلنا وانكسارنا وقلنا وترامينا لديه وتعولنا عليه ~~يضمنا إلى جناح عاطفته ويسبل علينا خوافي مرحمته ويعاملنا بالألطاف ويسمج ~~لنا بالإسعاف دون الأعساف ويعمل بموجب ما قيل: # لكل كريم عادة يستعدها ... وأنت لكل المكرمات امام PageV01P179 والقادر ~~على الكسر والجبر لا سيما إذا كان من ذوي النباهة والقدر لا يعامل ذوي ~~الكسر بالكسر لانا في مقام الأبوة والتقوى على الضعيف ضعف في القوة وقالوا ~~المصغر لا يصغر وسجدة السهو ولا تكرر قالت غرغرة ذات التبصرة هذا وأن كان ~~داخلا في حيز الإمكان لكن أخاف يا ذا الألطاف أنا بمجرد الوقوف بين يديه في ~~الصفوف لا نمهل بأداء الكلام ولا للثبات في المقام بل نعامل بالتمزيق ~~والتخريق وننحر بعد في الطريق وتهوى بنا خواطف الطير في مكان سحيق فيفوتنا ~~هذا المطلب إذ قيل الطبع أغلب وهذا وصلنا إليه وتمثلنا بين يديه وأما إذا ~~اعترضنا دونه عارض وجرحنا من جوارح الطير معارض ولا حول يحمينا ولا قوة ~~تنجينا فينتف ريشنا كل باغ ويتجاذب لحمنا كل طاغ فيصير مثلنا مثل النمس ~~والزاغ فسأل اليعقوب تلك الرقوب كيف هذا المثل أخبريني يا ست الحجل (قالت) ~~كان في بعض البساتين العاطرة والرياض الناضرة مأوى زاغ ظريف حسن الشكل لطيف ~~في رأس شجرة عالية أغصانها سامية وقطوفها دانية فاتفق لنمس من النموس في ~~وكره ضرر وبوسفانزعج عن وطنه واحتاج إلى مفارقة سكنه فقاده الزمان إلى هذا ~~المكان فراقه منظره وشاقه نوره وزهره وأعجبه ظله وثمره وأطربه بخريره نهره ~~فعزم على السكنى فيه وتوطن إلى أن توطن في نواحيه ذرآه أحسن منزل وإذا ~~أعشيت فانزل ووقع اختيار ذلك الطاغ على وكر في أصل شجرة الزاغ فسوى له وكرا ~~وحفره في أصل تلك الشجرة وألقى عصا التيسار واستقرت به هناك الدار فلما رأى ~~لزاغ ms295 هذه الحال داخله الهم والاوجال وخشى أن يتدرج من أدناها ويتدحرج إلى ~~أعلاها وينشد الأصحاب في هذا الباب: # ولما مضى الشوق ... إلى نحو أبى طوق # تدحرجت لكني ... من تحت إلى فوق # فيصل إلى وطنه القديم ويذيقه العذاب الأليم فليس له خلاص من هذا الاقتناص ~~إلا مفارقة الوطن والانزعاج بالتحول عن السكن وكيف يفارق ذلك النعيم ويسمح ~~بالبعد عن الوطن القديم وهو كما قيل: # بلاد بها نيطت على تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها # فغلبت محبة وطنه على قلبه ولم يطاوله على فراقه لشدة حبه ثم اعتراه في ~~ذلك الوسواس وأخذ يضرب أخماسا لأسداس في وجه الخلاص من هذا البأس فرأى ~~المدافعة أولى الممانعة عن جوارحه لخاطره أجلى ثم افتكر في كيفية المدافعة ~~وسلوك طريق الممانعة فلم ير أوفق من المصانعة وتعاطي أسباب المخادعة ليقف ~~بذلك أولا على حقيقة أمره ويعرف معيار خيره وشره ويصل إلى مقدار قوته وضعفه ~~ورصانة عقله وفهمه وسخفه ويسبر حالتي غضبه ورضاه ويدرك غور أحواله ومننهاه ~~ثم يبني على ذلك أساس دفعه وهدم ما يبنيه من قلعته لقلعه فهبط إلى النمس من ~~الهواء وحفظ شيأ وغابت عنه أشياء وسلم عليه سلام المحب على الحبيب وجلس منه ~~بيمكان قريب وخاطبه خطاب ناصح لا مريب وابتهج بجواره واستأنس بقرب داره ~~وذكر له أنه كان وحيدا وعن الجليس الصالح والأنيس الناصح فريدا وقد حصل له ~~الأنس بمجاورة النمس وأنه صدق من قال في هذا المقال: # انفراد المرء خير ... من جليس السوء عنده # وجليس الخير خير ... من جلوس المرء وحده # فاستمع النمس حديث الزاغ وما طغى بصر يصيرته عن سكايده وما زاغ ثم افتكر ~~في نفسه ونظر في مرآة حدسه فرأى أن هذا الطير بخبث السيرة مشهور وبسوء ~~السريرة مذكور ولا أصله زكي ولا فرعه على ولا غائلته مأمونة ولا صحبته ~~ميمونة ولا خير عنده ولأمير بل يخشى منه الضرر والضير وكأنه فيه قيل: # وهو غراب البين في شؤمه ... لكن إذا جئنا إلى الحق زاغ PageV01P180 ولم ~~يكن بيننا وبينه قط ms296 علاقة ولا واسطة محبة ولا صداقة وأما العداوة فإنها ~~مستحكمة وكل منا للآخر ما كلة ومطعمه ولا أشك أنه إنما قصد طريقة سوء ~~ومكيدة نكد فأن أضعت فيه الفرصة أطلت الغصة ووقعت من الندامة في قصة وحصة ~~ولا يفيدني إذ ذاك الندم أني وقد فات المطلوب وزالت القدم (وأحزم الحزم سوء ~~الظن بالناس) فالذي يقتضيه الحزم والرأي السديد والعزم القبض عليه إلى أن ~~يظهر ما لديه ثم وثب من مريضه وأنشب في الزاغ مخاليب مقبضه وقبضه قبضه أعمى ~~لا كالقابض على ألما فلما رأى الزاغ هذا النكد وأنه قد صار كالفريسة في ~~مخاليب الأسد ناداه يا كريم الخير ويا أيها الجار الحليم عن الضير أنا رغبت ~~في مصادقتك وجئتك محبا في موافقتك ومرافقك وأردت إزالة وحشتك وموانستك ~~بإبعاد دهشتك وحاشاك أن تخيب ظني فيك وتعامل بالجفاء من يوافيك وأنشده: # وحاشاك أن تمشي بوجهك معرضا ... وما يحسن الأعراض عن وجهك الحسن # والكرام لا يعاملون الجلساء إلا بالمؤانسة وحسن الوفاء والإبقاء على خير ~~والبعد من الضير وأنا قد صرت جليسك وجارك وأنيسك وقد قيلوكنت جليس قعقاع بن ~~شور ولا يشقى لقعقاع جليس مع أنه لم يسبق مني سبب عداوة ولا ما يوجب هذه ~~الفظاظة والقساوة وهذه أول نظرة فما موجب هذه البدرة وما سبب هذه النفرة ~~قال النمس أيها الزاغ الكثير الرواغ وانحس باغ وانجس طاغ اسمك ناطق انك ~~منافق وهو خبر صادق إذ هو في الخارج للواقع مطابق ورؤيتك شاهده أنك تنقض ~~المعاهدة وعين منظرك دل على مخبرك وقد قيل: # والعين تعرف من عبتي محدثها ... إن كان من حزبها أن من أعاديها # من أين بيننا صداقة ومتى كان بين النموس والزاغ علاقة وكيف تنعقد بيننا ~~صحابه وأنى يتصل لنا مودة أو قرابة بين لي كيفية هذا السبب ومن أين هذا ~~الإخاء والنسب أما أنت فلي طعمه وأما أنا فلحمي لسدي غذائك لحمه يسوءني ما ~~يسرك وينفعني ما يضرك: # الله يعلم أنا لا نحبكم ... ولا نلومكم أن لا تحبونا # أنا واقف على ms297 ما في ضميرك وعالم بسوء فكرك وتدبيرك قد اطلعت منك على ~~الهواجس كما اطلع ذلك الماشي على ما في خاطر ذلك الفارس قال الزاغ بين لي ~~بلا جدل كيف هو هذا المثل (قال) النمس ذكر رواة الأخبار ونقلة الآثار أنه ~~ترافق في بعض السباسب راجل وراكب وكان مع الراجل من البضائع رزمه وقد جعلها ~~كارة وخرمها أوثق خرمه وقد أعياه حملها حتى أعجزه نقلها فقال للراكب أيها ~~الرفيق الصاحب لو ساعدتني ساعة بحمل هذه البضاعة لكنت أرحتني ونفست عني ~~وشرحتني: # كذى المجد يحمل أثقاله ... قوى العظام حمول الكلف PageV01P181 قال الفارس ~~لا أكل فرسي ولا أتعب نفسي ونفسي فان مركوبي لم يقطع البارحة عليقه وأنا ~~خائف أن لا يقطع بي طريقه وإذا خفت تخلفي في سيري فأني أتكلف حمل أثقال ~~غيري فبينما هما في هذا الكلام إذ لاح في بعض الآكام فأطلق العنان وراء ~~الأرنب وذهب وراءهما كرأي الزنادقة كل مذهب فوجد فرسه قوية النهضة سريعة ~~الركضة فرأى أنه أضاع حزمه في عدم أخذه الرزمة وما ضره لو أخذها وساق وذهب ~~إلى بعض الآفاق وأقام بها أوده وأنتفع بها وولده وترك الماشي بلا شيء ثم ~~رجع بهذه النية الضارة ليحمل عن الماشي الكارة وقال له اعطني هذا الحمل ~~المتعب لأريحك من حمله في هذا المذهب وابلغ ريقك واقطع طريقك فقال له قد ~~علمت بتلك النية وما أضمرت من بليه فاتركني بحالي فلي حاجة بمالي فثم أن ~~النمس كسر الزاغ وحصل له بأكله الفراغ (وإنما أوردت) هذا المثال لتعلم ~~بأفحل الرجال إن العقاب لا يؤمن ولا يقطع فيه بالظن الحسن ولا يركن إلى ~~خطفة بوارقه بمخاليب صواقعه وصواعقه ولا إلى غوائله وبواثقه وهذا إن سلمت ~~شقة حياتنا من تشقيق غواشيه وتخلص برد وجودنا من تمزيق حواشيه وإن بينك ~~وبين هذا المراد خرط القتاد والموانع التي هي دون سعاد فما الوصول إلى ملك ~~الطير قريب التناول في السير ولا سهل المأخذ ولا سريع المنفذ وأين الحجل من ~~العقاب ذاك في نعائم النعيم وهذا ms298 في عقاب العقاب فتدبر عاقبة هذا الأمر ~~وتأمل في الفرق بين التمر والجمر والظاهر عندي وما أدى إليه فكري وجهدي إن ~~عاقبة هذه الأمور ليس إلا القطوع والقصور دون الوصول إلى الملك في القصور ~~قال الذكر لقد كررت عليك مرارا وأسندت إلى سمعك إنشاء وأخبار أن علو همة ~~هذا الملك وفضله الخالي عن شرك وكرم نجاره وأمن خادمه وجاره وفيض إحسانه ~~وبسط كرمه وامتنانه وانتشار صيت حشمته واشتهار رأفته ورحمته لا يقتضي حرمان ~~من قصده وأم جنابه وأعتمده ولجأ إلى جناح عاطفته وتشبث بذيل ملاطفته وحاشاه ~~أن يصم مصون همته بابتذال دناءة ويشوه جمال وفائه لمن ترفق له بنكتة جفاء ~~تخيب رجاءه خصوصا إذا رأى مني خضوع العبودية والقيام بمراسيم الخدمات ~~الأديبة والمقام بمراكز مرضيه والوقوف عند كل ما يعجبه ويرضيه فأني بحمد ~~الله تعالى أعرف مداخل الأمور ومخارجها وعندي الاستعداد الكامل لصعود ~~معارجها وأعلم طرق المجاز إلى حقائقها وسلوك دروبهاوطرائقها فالأولى أن ~~نقتصر عن المحاورة ونكتفي بهذه المساورة في المشاورة ونتوكل على مقلب ~~القلوب ونتوجه نحو هذا المطلوب بعزم شديد وحزم سديد فان تيسر لي ملاقاة ~~حضرته والتمثل في مراكز خدمته وحصلت لي مشاهدته واتفقت مخاطبته ومعاهدته ~~أنشأت خطبة تدفع الخطوب وتجمع القلوب وتؤلف بين المحب والمحبوب وأرجو أن ~~تكون نافعه لمصالح الدين جامعة فان كلامي في مقامي كما قيل في المثل: # فأوجز لكنه لا يخل ... وأطنب لكنه لا يمل PageV01P182 وآخر الأمر سلمت ~~غرغرة زمام انقيادها إليه وعولت في عمل المصالح عليه ثم قالت له عيش واسلم ~~وتيقن وأعلم انك إذا قصدت هدمة الملوك وأردت في طريق مصاحبتهم السلوك فانك ~~محتاج في ذلك المنهاج إلى نور وسراج يهديك إلى صفات جميلة وتلبس بخصائل ~~نبيلة تتحلى بجمالها وتتعلى بكمالها وتتجلى في شمائل جلالها الأولى أن تقدم ~~في جميع مصادرك ومواردك الملك على جميع مقاصدك الثانية أن تتلقى أموره ~~بالتعظيم وتقيم أوامره بالاحترام والتفخيم الثالثة تحسن أقواله وتزين ~~أفعاله بوجه لا يتطرق إليه تشويه ولا يحتاج فيه إلى تنبيه الرابعة تجتهد ms299 في ~~صيانة عرضك عن الخنا وإياك أن تقول في حضرته أنا فتقع في العنا الخامسة أن ~~تعد على الدوام ومرور الأيام خدماتك الوافرة وحقوقك المتكاثرة عن حقوق نعمه ~~قاصرة السادسة إذا وقعت منك زلة فلا تتعد بها جمع القلة بل اطلب لتلك ~~الهفوة في الحال محوه واقصد مراحمه وعفوه فان الذنوب إذا تراكمت وتجمعت ~~وتزاحمت أشبهت المزبلة المدمنة وفاحت روائحها المنتنة والإنسان غير معصوم ~~والآدمي بالخطأ موسوم السابعة احفظ وجهك في حضرته عن التقطيب وكلامك أن ~~يفوح منه غير الطيب الثامنة إياك ومصادقة أعدائه ومعاداة أوليائه التاسعة ~~كلما زادك رفعة وتقريبا مل إلى التواضع واعظامه تصويبا العاشرة لا ندخر عنه ~~نصيحة وانصحه في الخلوة لئلا يؤدي إلى الفضيحة وإذا أقامك في أمر ولو أنه ~~المشي على الجمر لا تطلب منه أجرا ولا تبد لذلك ذكرا فأن الطمع يورث العقوق ~~والمن يسود وجه الحقوق وأعلم أن حضرة الملوك عظيمة ومجالسهم جسمية تنزه عن ~~الكذب والغيبة والنميمة والأقوال الوخيمة والأفعال الذميمة وإياك أن تتعدى ~~القواعد الكسرويه وتتخطى القوانين السلطانية فان أعظمها كان أن يعرف كل ~~إنسان تقصير نفسه في خدمة مخدومه ويعترف له من إحسانه بعمومه ويقيم واجب ~~همة ملكه ومقام مرسومه قال النجدي أخبريني يا دعدي وحظي وسعدي وابنة السعدي ~~ومزينة القواعد بشيء من تلك القواعد (قالت) من القواعد الكسرويه الدائرة ~~بين البرية ما وضعها بعض الملوك وحمل رعيته فيها على السلوك وكان مشهورا ~~بالعدل والإحسان مذكورا بإقامة البرهان متصافا بالصفات الحميدة مكتنفا ~~بالشمائل السعيدة من الدين والعفة وعدم الطيش والخفة بعقل راجح الكفة ~~والعلم الوافر والحلم العاطر وذلك أنه في بعض الأيام أمر أن يجتمع الخواص ~~والعوام ما بين أمير ووزير وكبير وصغير وغني وفقير وجليل وحقير وعالم وجاهل ~~ومعضول وفاضل ومذكور وخامل وناظر وعامل وحال وعاطل وحاكم وقاض وساخط وراض ~~وجندي وتبع وأخرق وصنع ووضيع وشريف ولطيف وكثيف وثقيل وخفيف وقريب وبعيد ~~ومقبول وطريد وشقي وسعيد وسوقة وتاجر وسفيه وفاجر ودان وقاص وطائع وعاص ~~وصالح وطالح وضاحك وكالح ومصيب ms300 ومخطئ ومسرع ومبطئ وصياد وملاح وسياح وسباح ~~وبلدي وفلاح ومسلك وسالك ومملوك ومالك بحيث لا يتخلف عن الحضور أحد ولا ~~يجزي في التقاعد والدعن ولد ثم مهد لهم في روض أرايض ومرج طويل عريض تصفق ~~مياه أنهاره طربا وتتناغى بأطيب الألحان فصحاء أطياره الخطباء وتتراقص بزهر ~~الوقت أغصان أشجاره ويلتذ بفواكه الجنان جاني ثماره فهو كما قيل:يلتذ جانيه ~~بأنعم مقطف ومنه ساكنه بأكرم معطف # والورق بين محلق في جوه ... طربا ومنحط عليه مرفرف PageV01P183 وأمر بفرش ~~ذلك المكان بالفرش الحسان من الديباج والحرير وأطلق مجامر الند والعبير ~~وبين لكل مقاما معلوما ومجلسا مقسوما وأحل كلا منهم محله واسبغ عليهم ذيل ~~إحسانه وطله ثم أمر بأنواع الأطعمة المفتخرة وأصناف الملاذ الطيبة العطرة ~~فأحضرت في أواني الفضة والنضار ووضعت بين يدي أولئك الحضار بحيث عمت الجميع ~~ووسعت الشريف والوضيع وجلس الملك في مجلس السلطنة واكتنفه من العساكر ~~الميسرة والميمنتة وأخذ كل مكانه ورتب أصحابه وأعوانه ثم أقام عليهم أرباب ~~الديوان وأدخل جميعهم في دفاتر الحسبان وأمر مناديا سيدا يرفع بصوته الندا ~~في ذلك الجمع بحيث شمله من الجميع النظر والسمع يا أهل هذا المكان برز ~~مرسوم السلطان إن كل من هو فر مرتبه من مرضاه أو معتبه لا يلاحظ من فوقه ~~ولو أنه من أمير وسوقه بل يلاحظ حال من هو دونه فائزة كانت منزلته أو ~~مغبونه فان ذلك أجمع للقلوب وأدعى للشكر المطلوب وأجلب للرضا بحوادث القضا ~~فان من رأى نفسه في مقام ونظر غيره في أدنى من ذلك المقام استقام وكانت ~~عنده منزلته عليه وعد لنفسه على غيره مزبه فتوطنت نفسه على الرضا واستقبلت ~~بالشكر وارد القضا مثال ذلك الرئيس النازل في الصدر إذا رأى من هو دونه في ~~القدر لم يشك في أن محله محل البدر وباقي الرؤساء كالنجوم فلا يأخذه لذلك ~~وجوم وقد قال الحي القيوم في در كلامه المنظوم وما منا إلا له مقام معلوم ~~وكذلك النائب بالنسبة إلى الحاجب والدوادار بالنسبة إلى البزدار والخزندار ~~بالنسبة إلى جابي ms301 الدراهم والدينار والمهتار بالنظر إلى السائس والبرقدار ~~وكذلك بالنسبة إلى الحارس وكاتب السر المرتفع بالنسبة إلى المدير والموقع ~~والزمام بالنظر إلى سائر الخدام وأيضا القاضي مع الفقيه والفقيه مع التاجر ~~النبيه والتاجر مع السوقي السفيه والغنى والأمير بالنسبة إلى المأمول ~~والفقير وعلى هذا القياس أوضاع جميع الناس من أرباب الصنائع وجلاب البضائع ~~وأهل المدن والقرى وذوي البيع والشرا والوهد والذرا وأولى الوضاعة والشرف ~~من أنواع المكتسبات والحرف إلى أن ينزلوا في المراتب ويتدحرجوا من اليفاع ~~إلى الحضيض في المناصب ويتعاونوا في المناصب والمناقب ويصل قدرهم ونظرهم في ~~ذلك إلى كل ذي فعل سيئ حالك كأرباب العظائم وأصحاب الذنوب والجرائم فينظر ~~المعتوب حاله بالنسبة إلى المضروب والمشتوم حاله بالقياس إلى حال المكلوم ~~والصحيح بالنسبة إلى حال الجريح ويلاحظ مضروب العصا حال المسلوخ بالمقارع ~~ومضروب المقارع أحوال مقطوع الأكارع وكذلك المقطوع بالنسبة إلى مصلوب ~~الجذوع والمصاب بالمال بالنسبة إلى مصلوب الجذوع والمصاب بالمال بالنسبة ~~إلى مصاب البدن والأعرج بالنسبة إلى المقعد الزمن وكذلك العوران بالنظر إلى ~~مصاب العميان وليتأمل الناظر ما قاله في ذلك الشاعر: # سمعت أعمى مرة قائلا ... يا قوم ما أصاب فقد البصر # أجابه أعور من خلفه ... عندي من ذلك نصف الخبر # ولتكن هذه القواعد مستمرة العوائد بين الصادر والوارد ليعلم أن مصائب قوم ~~عند قوم فوائد فاستمرت هذه القوانين مستعملة غير منسية ولا مهملة من زمان ~~ذلك السلطان إلى هذا الزمان وانظر أيها الفضيل إلى معنى ما قيل في هذا ~~القبيل وهو: # على كل حال ينبغي الشكر للفتى ... فكم من شرور عن سرور تجلت # وكم نقمة عند القياس بغيرها ... ترى نعمة فاشكر لدى كل نقمة # (وإنما) أوردت هذه الأمثال وأطلت النفس في بيان هذه الأحوال لتأخذ منها ~~حظك وتكررها فيما أودعته حفظك وتجري بها ليلا ونهارا لفظك حتى تصلح ~~المنادمة الملك ولا يعلق بذيل مكانتك من الحساد مرتبك وترضى بأي مقام أقامك ~~فيه وتعلم انه أعلى مقام ترتضيه حيث هولك يرتضيه وتجعل:مورد لسانك ومقعد ~~جنابك في طلبك رضاه ما ms302 كنت أنشدتك إياه من قديم الزمان وأنا عليه الآن وهو: # وأعلى مقاماتي وأسنى وظائفي ... وأحسن أسمائي أنت ترضاه PageV01P184 فقال ~~الذكر ما أحسن عقد هذه الدرر لقد أفصحت إذ نصحت وزينت بما بينت فجزاك الله ~~خيرا وكفاك ضيرا فحقيق على أن أقتدي بآثارك واهتدي بأنوارك فما أرجح ممزانك ~~وأغرز حسنك وإحسانك لقد جمعت بين فصاحة النقل ورجاحة العقل ومزجت روح ~~الحصافة الظرافه وجلوت صورة النصيحة في خلعة اللطافة ثم أنهما توكلا على ~~العزيز الوهاب وقصدا حضرة ملك الطير العقاب فواصلا السير بالسرى واستبدلا ~~السهر بالكرى ولم يزالا في سير مجد وطلب مكد بين الادلاج والدلجة مقارن ~~مقارن حتى وصلا إلى جبل قارن وكان عند العقاب أحد المقربين من الحجاب بؤبؤ ~~نقي الجؤجؤ تقي البؤبؤ أحسن منظرا من اللؤلؤ صورته مسعودة وسيرته محمودة ~~وهو بين أولئك الطير مشكور الأحوال مشهور الخير وفيه من المعرفة والدين ~~والعقل الرصين والرأي المتين ما يصلح أن يكون به مقتدى السلاطين وعنده من ~~الوقوف على دقائق الأمور ما فاق به الجمهور وساد به على سائر الطيور وكان ~~صيته قد اشتهر حتى ملأ البدو والحضر فترك النجدي بنت السعدي في مكان وقصد ~~اليؤيؤ لعرض عليه ماله من شان فوصل إلى جنابه وأتى بيت مقصده من بابه حتى ~~دخل عليه وقبل يديه وتمثل لديه فتوجه اليؤيؤ إليه وأشار بتقريبه منه وأزال ~~دواعي الوحشة عنه وأقبل عليه بكليته وزاد في إكرامه وطلابه فانشده بديها ~~ولم يقل أيها مفصحا معلنا مستعينا مضمنا: # لقد قص ريشي الدهر عن كل مطلب ... وألهمني سعدي بأنك رائش # ففي سمري مد كهجرك مفرط ... وفي قصتي طول كصدك فاحش # ثم قال اعلم أيها الرئيس المحتشم النفيس أن مولدي في جبل من جبال ~~أذربيجان في مكان يضاهي الجنان ويباهي روضة رضوان أنزه من عنصر الشباب ~~وأفكه من معاقرة الأتراب وأرفه من منادمة الأحباب على رقيق الشراب نشأت فيه ~~مع قرينه جميلة أمينة فقضيت فيه غض العمر وزجيت فيه بض الدهر قانعا بما ~~تيسر من الرزق فأرغما عما في ms303 أيدي الخلق متمسكا بذيل العزلة أعد الانفراد ~~نعمة جزلة مكررا درس ثلاثة نجم النفس القرينة الصالحة الجار المؤنس والكفاف ~~من القوت ومما كنت أنشدت وفي مبدأ أمري أرشدت: # وحسب الفتى قوت وخل وزوجة ... ليرتاح في الدنيا ويكتسب الأخرى # وكنت من الدهر على هذا اقتصرت ومن لذيذ العيش على القناعة اختصرت ولكن ~~كان مأوانا ومصيفنا ومشتانا محل الحوادث وممر العوائث والعوابث ومعبر ~~المصائب ومورد الصيد ومورد الموطئ عمرو وريد فكنا كلما ولد لنا مولود وتحدد ~~لنا بالبهجة والابتهاج عهود حصل للعين قره وللروح مسرة نقول هذا يبقى ذكرنا ~~بعدنا ويحيى آثارنا عند حلولنا لحدنا فلم يكن أسرع من هجوم خاطف أو هبوب ~~ريح نكبة عاصف يخطفه من بيننا ويجذبه من قبلنا وعيننا فان سلم من تلك ~~المكايد وتخلص من سهم المصائب والمصايد حطمته عساكر الملك المنصورة وملأت ~~الأقطار الجنود الموفورة فلا يخلو منها مكان قدم إلا وقد غص بمواطئ تلك ~~الأمم فتذهب مناقرة العين وتدهك غلطا تحت الرجلين وهذا هو البلاء الطام ~~والمصاب العام ولا بد منه في كل عام فكأنه أيها النبيه النبيل في شأننا قد ~~قيل: # أيا ابن آدم لا يغررك عافية ... عليك شاملة فالعمر ممدود # ما أنت إلا كزرع عند خضرته ... بكل شيء من الآفات مقصود # فان سلمت من الآفات أجمعها فأنت عند كمال الأمر محصود فضاق منا لهذا ~~العطن فلم أر أوفق من مفارقة السكن والمهاجرة من الوطن فعرضت على القرينة ~~هذه الحال وأسرت عليها بالارتحال وقلت لها المرء من حيث يوجد لا من حيث ~~يولد فأبت وكبت وشاقت في:ذلك ونبت فلا زلنا نتحاور ونتشاور ويرمى كل منا ~~سهم رأيه إذ يساور حتى لانت أخلاقها الصعبة بعد أن ثلث ما في الجعبة ثم ~~أعطت القوس باريها وسلمت الدار بانيها وأدركت ملامح مقاصدي معانيها وسمحت ~~بالانتقال من تلك البلاد وسلمت إلى يد تدبيري زمام الانقياد فرحلنا بعيده ~~وقاسينا شدة شديدة وقصدنا هذا الحرم إذ رأيناه مشتملا على اللطف والكرم ~~وقطعنا شباك مصايد وخلصنا من إشراك كل صائد وفطمنا ms304 أنفسنا عن حبات الطمع ~~وتجرعنا من كاسات الجزع وأقداح الفزع جرعا بعد جرع فوصلنا بحمد الله إلى ~~جنابك الأمين وبشرنا مبشر الإقبال أنك لكل خبر ضمين فحمدنا عند صباح الفلاح ~~السرى وأنشدنا لسان السعد مبشرا: # وجدت من الدنيا كريما نؤمه ... لدفع ملم أو لنيل جزيل PageV01P185 وإن لم ~~يكن بيننا سابقة خدمة لكن تعارف أرواحنا له قدمه مع أن كرم ذاتك الجميلة ~~وما جبلت عليه من صفات نبيلة يغني قاصد صدقاتك عن واسطة ووسيلة ووالله أني ~~لواثق بان ظني بوفاء مكارمك صادق فاسأل إحسانك يا ذا الخير إيصالي إلى خدمة ~~ملك الطير وإن كانت رفعة مكانه في العيوق ودون الوصول إليه بيض الأنوق لكن ~~بواسطة الوسيلة يحصل هذا الشرف والفضيلة ولا زالت الرؤساء والأكابر يأخذون ~~بيد الضعفاء والأصاغر ولرأيك العلو والشرف والسمو والعف والحنو فاهتز ~~اليؤيؤ لهذا الكلام وارتاح وظهر في وجهه تباشير المسرة والأرتياح وأنشد: # قدمت بأنواع المسرة والهنا ... على خير منزول وأيمن طائر # فأهلا وسهلا ثم أهلا ومرحبا ... وبشرى ويسرى بالعلى والبشائر # أعلم أن قدومك صدق ومرافقتك سبب الرفق ورؤيتك فتح باب الفتوح وروايتك ~~غذاء القلب وراحة الروح أبشر بكل ما تؤمل وتختار فقد ذهب العثار وجاء الأمن ~~واليسار أصبت مرامك وزينت مقامك وآنست منزلك وأويت مأملك خاطرك وبشر أهلك ~~وعشائرك وأخبر غائبك وحاضرك ولقد قادك الرأي السديد والأمر الرشيد والفال ~~السعيد حتى أويت إلى ركن شديد وملك كريم خلقه عظيم وفضله جسيم وجوده عميم ~~ونظيره عديم رؤف برعيته لا يخيب أمله ولا يريب سائله ولا يقطع واصله ولا ~~يمنع حاصلة لقد أنبتت ساعيك أزهار الأمن والأمان وتفتحت لورودك في رياض سعد ~~الزمان نواظر نرجس النعمة وشقائق فضل النعمان فاعلم أن هذا الملك ذو جناب ~~منيع وقدر رفيع وبيان معانيه بديع عزير المنال جامع لصفتي الجمال والجلال ~~قد اختار العزلة في رؤس الجبال فلذلك طبعه لا يخلو من جساوة وقلبه من قساوة ~~وأن غذاءه من اللحوم ومن الحيوانات مشروبه والمطعوم مخاليبه كالاسل ويلجأ ~~إلى الله تعالى إذا نسر منقاره ms305 ونسل وحقيقة أمره أن كنت عنه تسل: # ممقر مر على أعدائه ... وعلى الأدنين حلو كالعسل # فإذا التجأ إليه فقير أو آوى إليه ضعاف أو كسير أو قصده محتاج أو سلك إلى ~~باب مرضاته منهاج فلا يمكن ألطف منه ولا أشفق ولا أقرب من عطفه على مؤمليه ~~ولا أرفق فهو كما قيل (بيض قطا يحضنه أجدل) وسبب ذلك أن ضميره المنير خال ~~من المكر طاهر من التزوير لا يعرف ختلا ولا خديعة ولا خيانة ولا وضيعة ولا ~~كذبا ولا قطيعة ولا في خاطره فساد ولا عنده سوء اعتقاد ولا يعرف غير الحق ~~ولا يقول إلا الصدق وذلك لبعده من مخالطة الناس وعزلته عن كل ذي وسواس ~~وخناس فلقد اتفق العالم أن صحبة بني آدم سم قاتل وهم باتل فان دأبهم المكر ~~والتلبيس والخداع والتدليس وحسبك قول شاعرهم في كشف ضمائرهم وشرح حقيقة ~~سرائرهم: # صن من الناس جانبا ... كي يظنون راهبا # قلب الناس كيف شئ؟ ... ت نجدهم عقاربا # ولقد أرشد من أنشد: # بنو آدم إن رمت من خيرهم جنى ... فأحلى الذي تجنيه من وصلهم صبر # مكارمهم مكر ورؤيتهم ريا ... وودهم مؤذ وجبرهم كسرفإن كان فيهم صالح ~~أفسدوه وإلى سبل الضلال أرشدوه والكلام في هذا المقام لا يبلغ التمام ~~فيكتفي بالقليل عن الجليل وشمس النهار ولا يحتاج في وجودها إلى دليل فانهض ~~الآن فقد آن التوجه إلى خدمه السلطان فما كل زمان يحصل هذا الإمكان فان ~~الاجتماع به كل وقت مشكل فتوكل على الله بأحسن متوكل فإذا دخلت عليه وتمثلت ~~بين يديه فاعرف كيف تقف وانظر يا ذا الكمال ماذا يناسب الحال ويقتضيه ~~المقام من فعل وكلام فاسلك طريقته وراع مخارجه وحقيقته وادخل معه من ذلك ~~الباب ومثلك لا يدل على صواب فما أسرع اللطف وأقرب العنف من حركات الملوك ~~والكبراء وأبعد الرفق وأشرد الخلق من ملكات السلاطين والخلفاء وأقصى ~~مدانيهم إذا غضبوا وأوحش مؤانسهم إذا صخبوا وأقرب مباعدهم إذا عطفوا وأعجب ~~مناددهم إذا لطفوا ويكفيك يا ذا العقل المتين ما قيل في ms306 شأن الملوك ~~والسلاطين: # إن الملوك بلاء أينما حلوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل # ماذا تؤمل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وأن أرضيتهم ملوا # وإن مدحتهم ظنوك تدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكل # فاستغن بالله عن أبوابهم كرما ... إن الوقوف على أبوابهم ذل PageV01P186 ~~وقال سيد الأنام طرا لا تجاور ملكا أو بحرا فان رضوا رفعوك فوق الأفلاك وإن ~~غضبوا والعياذ بالله فهو الهلاك وناهيك من تقلبات الملوك يا ذا الإرشاد في ~~السلوك أطفأ الله غضبهم عنك قضية صدرت من تيمورلنك فسأل فحل الحجل الوزير ~~الأجل بيان ذلك المثل الصادر من الأعرج الأشل (فقال) الدستور مما حكى عن ~~تيمور من وقائع الأمور وشدة عزمه وحزمه وثباته على ما يقصده وحزمه وحلول ~~نقمته بمن يعارضه ويعاكسه فيما يرسم به ويناقضه أنه لما توجه بالجنود إلى ~~بلاد الهنود وذلك في سنة ثمانمائة وصل بجيوش الطاغية إلى قلعة شاهقة أقراط ~~الدراري بآذان مراميها عالقة والرجوم المارقة من النجوم الخارقة تتعلم ~~الأصابة من رشاقة سهامها الراشقة كان بهرام في مهواه أحد سواطيرها وكيوان ~~في مسراه خادم نواطيرها والشمس في استوائها غرة جبينها وقطرات السحاب في ~~الأنكساب تترشح من قعر معينها وشقة الشفق الحمراء على آذانها مراميها وأنوف ~~أبدانها سرداق وكريات النجوم في القبة الخضراء لعيون مكاحلها وأفواه ~~مدافعها طابات وبنادق وكان الثريا في انتصابها قنديل معلق على بابها لا ~~يحوم طائر الوهم عليها فأنى يصل طائش السهم إليها ولا يتعلق خدم خدمتها ~~خلخال خيال وافتكار فضلا عن أن يحلق على معصم عصمتها من عساكر الأساورة ~~سوار وفيها من الهنود طائفة ثابتة الجنان غير خائفة جهزت أهلها وما تخاف ~~عليه إلى الأماكن المعجزة وتثبتت هي في القلعة حافظة لها متحرزة مع أنها شر ~~ذمة وطائفة قليلة وطائفة ذليلة لا خير عندهم ولا مير ولا فائدة سوى الضرر ~~والضير ولا للقتال عليها سبيل ولا حواليها مبيت ولا مقيل بل هي مطلة على ~~المقاتلة مستمكنة على المقاتلة فأبى تيمور أن يجاوزها دون أن يجاورها ~~بالحضار ويناجزها واللبيب العاقل ms307 لا يترك وراءه لخصمه معاقل فجعلت المقاتلة ~~تناوشها من بعيد ويصب كل من أهلها عليهم من أسباب المنايا ما يريد وكان كل ~~يوم مقتل من عسكره ما لا يحصى والقلعة تزداد بذلك إباء واستعصا وهو يأبى ~~الرحيل عنها إلا أن يصل إلى غرضه ففي بعض أيام المحاصرة مطروا وبواسطة ~~المطر وانحصروا وصار يحثهم على القتال ثم ركب لينظر ماذا يصنعون في تلك ~~الجمال فلم يرتض أفعالهم لما عكست أو حالهم أحوالهم فدعا رؤس الأمراء ~~وزعماء العساكر والكبراء وأخذ يمزق أديم عصمتهم بشفار شتمه وبشق ستر حرمتهم ~~بمخاليب لعنه وذمه ونفخ الشيطان في خيشومه وألهب فيه نار غضبه وشومه وقال ~~يا لئام وأكله الحرام تتقلبون في نعمائي وتتوانون عن أعدائي جعل الله نعمتي ~~عليكم وبالا وألبسكم بكفرانها خيبة ونكالا يا نابذي لذمم وكافري النعم ~~وساقطي الهمم ومستوجبي النقم ألم تطؤا أعناق الملوك بأقدام إقدامي ألم ~~تطيرواإلى الآفاق بأجنحة إحساني وإكرامي ألم تفتحوا مغلقات الفتوح بحسام ~~صولتي أما سرحتم في منتزهات الأقاليم سوائم تحكمكم بترعية دولتي بي ملكتم ~~مشارق الأرض ومغاربها وأذبتم جامدها وأجمدتم ذائبها: # ألم أك نارا يصطليها عدوكم ... وحرزا لما ألجئتم من ورائيا # وباسط خيري فيكم بيمنيا ... وقابض شرعتكم بشماليا # ولا زال يهمهم ويغمغم ويهذرم ويبرطم وهم مطرقون لا يحيرون جوابا ولا ~~يملكون منه خطابا ثم ازداد حنقا وكاد أن يموت خنقا فاخترط السيف بيده ~~اليسرى وهمز به على قمم أولئك الأسرى وهم أن يجعل رقابهم قرابة ويسقي من ~~دمائهم نمل فرنده وذبابه وهم على تلك الحال في الخزي والإذلال باذلو أنفسهم ~~ناكسو رؤسهم ثم تراجع وتماسك وملك نفسه قليلا أو ثمالك فاغمد عن تشريقهم ~~حسامه ولم يلق لأمره دبرة ولا قبلة أمامه فغلف غربه وشامه ثم نزل عن مركبه ~~واستدعى على الشطرنج الكبير ليلعب وكان عنده ممن فاق جنده شخص يدعى محمد ~~قاوجين ذو مكان مكين ومقام أمين مقدم على كل الوزراء مبجل دون سائر الأمراء ~~وافر الطول مقبول القول مسعود الرأي ميمون الفصل مرغوب الفضل محبوب الشكل ~~فتشفع ms308 الوزراء إليه وتراموا في حل هذا الأشكال عليه وقالوا ساعدنا ولو ~~بلفظه وراقبنا ولو بلحظة واعمل معنا بهذا المعنى وهو: # ساعد بجاهك من يغشاك مفتقرا ... فالجود بالجاه فوق الجود بالمال ~~PageV01P187 فأجابهم والتزم أن برده عما تأزم به وأزم وراقب مجال المقال ~~وراعى فرص المجال وشرعت أفكار تيمور تغور في أمر القلعة وتفور وجعل يستضوي ~~أضواءهم ويستوري آرائهم ولا يسع كلا منهم إلا القبول لما يستصوبه رأيه ~~ويقول ففي بعض الأحايين اتفق أن قال محمد قاوجين وقد زل به القضاء وأحاطت ~~به نوازل البلاء أطال الله بقاء مولانا الأمير وفتح بمفاتيح آرائه وراياته ~~حصن كل أمر عسير هب أنا فتحنا هذه القلعة بعد أن أصيب منا جانب من أهل ~~النجدة والمنعة هل يفي هذا بذا أم هل يوازن هذا النفع بهذا الأذى فما احتفل ~~بخطابه ولا اشتغل بجوابه بل استدعى شخصا من البر قد أريه قبيح المنظر إلا ~~أنه في هيئة ذرية يدعى هرا ملك إذا عرف سهك ووجه في السواد سدك أوسخ من في ~~المطبخ واسنخ من في المسلح لعاب الكلب طهور عند عرقه وعصارة القبر حليب ~~بالنسبة إلى مرقه فعند ما حضر لديه ووقع نظره عليه أمر بثياب محمد قاوجين ~~فنزعت وبخلقان هراملك فخلعت ثم ألبس كلا ثياب صاحبه وشد وسطه بحياصته ودعا ~~دواوين محمد وباشريه وضابطي ناطقة وصامته وكاتبيه ثم نظر ماله من ناطق ~~وصامت ونام وجامد وملك وعقار وأهل وديار وحشم وخدم من عرب وعجم وأوقاف ~~وإقطاع وبساتين وضياع وخول واتباع وخيل وجمال وأحمال وأثقال حتى زوجاته ~~وسراريه وعبيده وجواريه فانعم بذلك كله على ذلك الوسخ وأمسى نهار وجود محمد ~~قاوجين الزنخ وهو من ليل تلك النعمة منسلخ ثم قال تيمور وهو كالنمور يمور ~~اقسم بالله وآياته وذاته وصفاته ووحيه وكلماته وأرضه وسمواته وكل نبي ~~ومعجزاته وولي وكراماته وبرأس نفسه وحياته لئن آكل محمد قاوجين أحدا أو ~~شاربه أو ما شاه أو صاحبه أو كلمه أو صافاه أو أوى إليه أو آواه أو راجعني ~~في أمره أو ms309 شفع عندي فيه أو فاه بعذره لا جعلنه مثله ولا صيرنه مثله ثم ~~طرده وأخرجه وقد سلبه نعمته وأخرجه فسار مسلوب النعم قد حلت في لحظة نوائب ~~النقم فسحبوه بالولق ورآى نعمته على أقل الخلق واتصل غيره بالحلق وقطع منه ~~الحلق ففلقت حبة قلبه أشد فلق ولم يزل على ذلك في عيش مر وعمر حالك وحاشا ~~أن تشبه قضيته قصة كعب بم مالك فكان يستحلي مرارة الموت ويستبطي إشارة ~~الفوت وكل لحظة من هذا الحيف أشد عليه من ألف ضربة بالسيف فلما هلك تيمور ~~أحياه ورد عليه خليل سلطان ما كان سلبه جده إياه (وإنما أوردت) هذه السيرة ~~لتقيس على هذا المثل نظيره وتعرف أخلاق الملوك ومعاملاتهم الغني والصعلوك ~~وأن نظرهم نضار وأعراضهم بوار ودمار ومن أراد أن يطلععلى سر القضاء والقدر ~~فليراقب شفتي الملك إذا نهى وأمر وقال من أحسن المقال: # قرب الملوك يا أخا القدر السمى ... حظ جزبل بين شدقي ضيغم PageV01P188 ~~وأعلم يا أبا الفضائل أن هذا الملك له شمائل وصفات وفضائل يستدل بظاهرها ~~على باطنها ويتوصل بظهور باديها على حركات كامنها فإياك أن تغفل عن ~~مراقبتها وتهمل حال عاقبتها بل أجعل شواهدها نصب عينك لتقرب من حياتك وتبعد ~~عن حينك منها إذا رأيته رجع من الاصطياد ظافرا منه بالمراد وقد اقتنصه ~~وحصله وملأ منه الحوصلة وسكنت منه بواعث الشره التي هي منفخ لواعج الطيش ~~والسفه ومنها إذا رايته جلس في مجلس السرور وبسط لجبهة الكرم جناح النشاط ~~والحبور وضم عن مطامح الحرص القوادم والخوافي وطلب من رؤساء المملكة الأنيس ~~المصافي ومن ندماء الحضرة الجليس الصافي ومن مطر بي الأطيار البلبل والهزار ~~ومن رقص بدفوف الأزهار صفق من ذي عود وطار فاستمع لهذا وباسط ذاك وطفق ~~جلساؤه ما بين منصت وحاك فان هذه الأوقات لما فيها من علامات هي الانبساط ~~وأيام الفرح والنشاط فاعمل فيها ما بدا لك وأطنب مقالك وكرر جوابك وسؤالك ~~فانك في كعبة الأمن فاستلمها وقد هبت رياحك فاغتنمها والعب بإبطيك وصفق ~~بجناحك وأهدر في ms310 قننقتك واسجع في تقبقتك فأن الوقت لك لا عليك والسعد ~~الطالع ناظر إليك ومنها إذا رأيته جالسا صامتا أو إلى الأرض باهتا أو محمرة ~~عيونه أو مضطر باسكونه أو أفعاله على غير استواء أو أقواله دائرة مع الهواء ~~قاياك والدخول عليه والمثول بين يديه فانه إذ ذاك يجعل ديار جسدك بلاقع ولو ~~أنك النسر الطائر فتصير في مخاليبه اتعس واقع وعلى كل حال فليكن عندك لكل ~~مقام من هذه المقامات مقال وإن كان السكوت أصلح فاغلق باب الكلام قطعا ولا ~~تفتح فكثيرا ما تخلص الساكت من البلاء وأفلح وناهيك النصيح بقوله الفصيح ~~وهو: # وراقب مقام القول في كل مجلس ... خصوصا مقامات الملوك الأكابر # فكم من بليغ فوق ذروة منبر ... رمته أفاعي النطق تحت المقابر # قال المفلح النجدي للمرشد المجدي جزى الله مولانا عن صدقاته أوفر صلاته ~~وواصله بموائد إكرامه في عشيته وغداته فما أشمل إحسانه وحسناته وأسعد ~~حركاته وسكناته وأوفر شفقته على قاصدي عتباته طالب أنت دليله كيف لا يفتح ~~إلى الخير سبيله ويرجع إلى حصول المقام مبيته ومقيلة ثم إن اليؤيؤ والشفوق ~~تركهم وطار إلى العيوق ثم رجع على الفور ووجهه يرف كالنور فدعا اليعقوب ~~وتوجه وهو معه مصحوب وأخذا في السير إلى خدمة ملك الطير وفرعا في جبل يسامي ~~في المثل قبة الفلك أو مركز الملك يستمد السحاب من ماء واديه وتسبح سماك ~~السماء في بحر ناديه بعرق جبين الوهم من صعود عقباته ويقصر ساعد الفكر في ~~سلم الهواء عن الترقي إلى أدنى درجاته ويستريح راقي الخيال في عدة مواضع ~~عند قصده فروع هضباته فهو كما قيل: # وطود تلوح الشمس من تحت ذيله ... إذا هي في كبد السماء استقرت # فلا زال يسيران وفي الجو يطيران اليؤيؤ أمام قائد الزمام والخجل وراءه ~~ينشد هذا الكلام: # لكل إمام أسوة يقتدى به ... وأنت لأهل المكرمات إمام # فوصلا من تلك المدارج إلى أعلى المعارج وانتقلا في تلك المسالك عن دركات ~~المهالك وانتهيا إلى أوج رأيا ملكة النيران جاريه في حضيضه ودرر الدراري ms311 ~~راكدة في قعر مغيضه يشتمل على مروج ورياض ومراع وغياض وبحار وحياض تنادي ~~خبراتها سكان ربع المسكون انصبابها عليهم وفي السماء رزقكم وما توعدون رياض ~~تلونت ومرج بازاهير تحسنت وأرض قال لها صانع القدرة إذا تمكنت تكوني كأخلاق ~~الكرام فتكونت وأخذت زخرفها من رضوان خازن الجنان وازينت فولجا دار سلطنة ~~العقاب بعد مقاسات عقاب العقاب كما قيل # مكانا فيه سلطان الطيور ... تصدر بالسرور على السرير # أطاف به صنوف الطير طرا ... عكوفا بالحضور وبالحبور # لكل في مباشرة مقام ... يقوم به جليل أو حقير # قد اكتنفته الميمنة والميسرة وأحدقت به المقدمة والمؤخرة كل واقف في ~~مقامه شاهينه مع كركيه وبازيه مع حمامه فالأنيس صاحب الظرف والكيس حامل ~~القبر كالأوزان يترنم في مقابلة الإيوان ويمدح ملك الأطيار والأمراء ~~والحضار والكبراء والنظار وينشدهم جليل الأوصاف ورقيق الأشعار فمما أنشده ~~الأوزان من مناقب السلطان ووجه الخطاب إلى العقاب قوله: # مقامك أعلى أن يقوم يقوم بوصفه ... بيان بليغ أو لسان فصيح # أجلتك عنقا مغرب فاختفت فما ... تلوح لطرف في البلاد طموح PageV01P189 ~~والنسر الطائر المقدم على العساكر قد أظله بالجناح وليس عليه في طلبة سيادة ~~الطير جناح رافع اللواء صاف في جو السماء رئيس الدير حامل القبة والطير كما ~~قيل: # ونسر تفر الطير من قرب ظله ... وفي ظله للسعد مأوى ومنزل # والسنقر في ثوبه الفهري وخلقة وخلقه النمري أمير سلاح الجوارح ورأس عساكر ~~السوانح والوارح كما قيل: # هو السنقر العالي بهمته التي ... تعلت على أيدي الملوك بها يده # والشاهين الدوادار عليه المصالح المملكة المدار قد تصدى لقضاء الحوائج ~~لكل داخل وخارج ينظر في الولاية والعزل ويتعاطى الأمور بالجد لا بالهزل ~~فيقضي المآرب ويوصل المطالب إلى الطالب كما قيل: # طويل العنق رحب الصدر ضخم ... له في آل قسطنطين ضبط # تغشى من سواد العين ثوبا ... عليه من دم الأحشاء نقط # والكركي الراطن بالتركي يتجلى في ثوبه المسكي كاتب الأسرار وصاحب الأخبار ~~لسان المملكة ومحور الفلكه مستخدم السيف والقلم وفي الفضائل والفوضل نار ~~على علم كما قيل: # وكركي يحيد الصقر ms312 عنه ... شطر ثانيلهيبه بطشه وشديد بأسه # والتم المشهور ناظر الجيش المنصور صدر الديوان وقاضي الجند والأعوان كما ~~قيل: # وتم تم دست الطير منه ... كقاض زان أرباب الكتاب # عليه من المهابة ثوب مجد ... كوجه الطائعين لدى الحساب # والطاوس كأزهى عروس في أفخر ملبوس مقدم على الخواص كالناظر الخاص ناشر ~~مروجه الأرتياح يتجلى بجمال هيئة الفائق على الوجوه الملاح كما قيل: # ثوبه قد حار فيه ... كل صباغ عليم # ولسان الحسن نادى ... صبغة الله الحكيم # فيروق العين منه ... فوق أوصاف الكليم # والبازي الأمير الكبير صاحب الرأي والتدبير أمير الميمنة قد رتب صفه ~~وزينه كما قيل: # وباز أشهب عيناه حمر ... يضيء وفي جناحيه النجاح # والصقر الشهم السابق في الطيران الوهم أمير الميسرة قد فاق بشهامته عسكرة ~~كما قيل: # وصقران يلح في القفر ظبي ... أتيح له من الجو أنصابا # أقام بمخلب عن شهم سهم ... ونسر عن قوى الناب نابا # والباشق الجاووش ورأس نوبة العساكر والجيوش # كما قيل: # نظر إلى الباشق في صيده ... ينقض كالسهم من الراشق # يقفو حماما مثل معشوقة ... اتبعها الحب حشا العاشق # والببغاء تتجلى في الحلة الخضراء وتنثر من الخاتم الياقوت درر الثناء ~~وتخبر بعجائب الهند وتسرد غرائب رغائب السند كما قيل: # تسمت درة لكن كساها ... حكيم الصنع ثوبا من زبرجدومن لها بمنقار عقيق ~~وخاط شعارها من عين عسجد # والهدهد لابس التاج ينهى إلى موقع الدراج أخبار المارة والأحوال السارة ~~كما قيل: # وهدهد ألبس ثوب ألبها ... فعم إذ خص بصدق النبا # أغرب إذ شرق في حسنه ... ففاق أهل التاج حتى سباد # والحمام مقدم البريديه يتردد في مواقف العبودية والعصافير كالمماليك ~~الأجلاب في الكتاب يدرسون العلم والآداب والبلبل والهزار ومطوقات الأطيار ~~وساجعات الأشجار مسبحات الواحد القهار يتناشدون ويرددون نغمات الأوتار ~~ومطربات رنات الأوطار وضروب الموسيقاه من حنك المنقار والشجر ورق الزرزور ~~وذوات الهديل من الطيور حتى جناح الزنبور تغرد فتخجل العود والطنبور وزواجر ~~الطير تبشر بالفرح والخير وأنواع الجوارح في الحافات والطير في الجو صافات ~~كل يفدي ويقدم جسده وروحه ويسبح من آتاه الملك ms313 كل قد علم صلاته وتسبيحه ~~فتقدم اليؤيؤ إلى الحضرة والملك في أبهى نضره وقبل مواطئ سلطانه ووقف من ~~مقام خدمته في مكانه وقال شخص عارف بطرائق السلوك يليق لخدمة الملوك واقف ~~بالباب يروم تقبيل الأعتاب يطلب لذلك الدستور والأنعام بآذان الحضور ليشمله ~~النظر الشريف ويحظى بحظ وريق وريف هل يرجع كالمصروف عن خدمته أو يدخل ~~كالدولة والإقبال فعطف بالقبول وأذن له بالدخول وسمح بالمثول فتوجه اليؤيؤ ~~على عجل إلى الحجل فدخل وهو من الحياء متأثر وفي ذيل الدهشة والهيبة متعثر ~~وعليه غلالة سابوريه وخلعة نيسابوريه ستشملا بشمله كافورية كأنه شيخ ~~الصوفية فلما وقع نظره على العقاب قوى جأشه ورفع الحجاب وحل عقدة لسانه من ~~لكنة الخطاب ثم قبل الأرض ووقف وأنشد بديها وما وقف: PageV01P190 ولو أن ~~فقفورا وكسرى وتبعا ... رأوك لخروا بين أيديك سجدا # وما إن وفوا حقا عليهم وإنما ... على قدر ما في الوسع مد الفتى يدا # فابتدر اليؤيؤ بلفظ يخجل اللؤلؤ للحجل يريد إزالة الدهشة والخجل وطيب ~~المقام ببسط الكلام أيها الغريب الأريب الأديب النجيب رأيناك روحا ملخصا ~~وعقلا مشخصا صحبتك مرغوبة ومنادمتك مطلوبة لقد حللت محل الأمن والأماني ~~وعقدة السعد والتهاني فدع دهشتك وذر وحشتك وأفصح بكلامك عن كمالك وعن مقامك ~~بمقالك فعباراتك عقيلة العقل وواسطة عقود النقل فان كان عندك نصيحة تصلح ~~للملوك أو وصية ترشد أهل السلوك بين العدل بنورها طرائقه ويزين العقل ~~بمجازها حقائقه وتستقيم بها الأمور ويستفيد منها الجمهور أو نوع رفع مظلمة ~~أو حط مأثمة أو كشف بلوى أوبت شكوى أو حاجة في نفسك وما قاسيته في يومك ~~وأمسك أو لطيفة تشرح بها الصدور وتبسط بإيرادها الحضور فهذا وقت تشنيف ~~المسامع بجواهرها ونثر دررها على بادي الحاضرين وحاضرها فان المحل قابل ~~وعنك الإصغاء إلى أطواق لطائفك مائل ومحال الحلم لذاك واسع وسجال الكرم ~~داسع وفاعل الصنيعة صانع وكف اللطف معط لا مانع فقال الحجل بعد أن زل الخجل ~~وحال الوجل وجال الزجل من غير ريث ولا عجل الحمد لله الذي آسى جراحنا ms314 وأحيا ~~بعد التلف أرواحنا قد كنا في بيداء الحيرة والهلاك وظلماء الضر والخوف في ~~انهماك ومرت علينا سنون ونحن في الخسار والغبون ونار الاشتياق تضطرم وبواعث ~~تقبيل الأعتاب الشريفة السلطانية في الفوائد تزدحم إذ قد انتشر جناح عدلها ~~ونجاح ظلها وسماح وابلها وطلبها وكرر كل لسان محامد فضلها واشتهر لكل حيوان ~~مآثر نبلها فهي أمان كل مخوف وملجأ كل ملهوف لكن كانت العوادي تقرع تلك ~~الدواعي وغواشي الحوادث تعترض دون المساعي تارة باكتناف المخلوف وطورا ~~باحتفاف الخواطف وحينا يضعف المباني وآونة بعدم المعاون والمعاني والآن يا ~~ملك الزمان بحمد الله المنان أزحنا المهالك والمهاوي واسترحنا من ضرب ~~المسالك والمساوي إذ قد طرنا بجناح النجاح من جنح الجناح وصرنا إلى محل ~~السماحوالرباح فزالت العلل والسد الخلل وحللنا في عقوه منيفة وسدة شريفة ~~فأمنا شرك المكايد وشرر المصايد وتوسدنا مهاد الدعة واستظللنا جناح الأمن ~~والسعه وانه قد قيل عدل السلطان خير من خصب الزمان وقيل الملك العادل ~~والإمام الفاضل كالأب الشفيق والوالد الرفيق يعامل بالسوية ويحفظ الرعية ~~ويحرسها من برد الماء وحر النار كما يحرس الوالد الولد من هبوب الهواء وشم ~~الغبار وقلت: # نزلنا في ذرى ملك كريم ... يرانا مثل أولاد الكرام # أضل نوائب الأيام عنا ... فلم ترنا ولا في الاحتلام # ولا مطر السماء يصيب منا ... كأن مقامنا فوق الغمام # فقال الملك أهلا وسهلا وناقة ورجلا طب قلبا ونفسا واهنأ معنى وحسا لقد ~~حللت بساحة الاستراحة وباحة للأمن مباحة وقاحة ليس لصائد بها وقاحة ولا ~~لجارحة جارح بها جراحه وقد حصلت من جواسر الكواسر ومناسر النواسر ونزلت ~~بوادي الخير ونادى ملك الطير فأكرمت صدر منزلك ونلت غاية أملك فاذهب بسلام ~~وأت بما لك من خادم وغلام وأهل وثقل وفرس وحمل وأثاث وقماش ومعاش ورياش ~~وتخير مكانا تختار وجار احسن الجوار فقال أيها الملك السعيد أنا شخص فقير ~~غريب فقير لا ابرق لي ولا حصير وقلت: # أنا لولا الحيا وخوف العار ... لم أكن في الأنام إلا عاري # من رآني فقد رآني وبيتي ... ودثاري ms315 ومركبي وشعاري # غير أن لي قرينه مثلي فقيرة مسكينة صابرة على السراء والضراء قضينا معا ~~ماضي الصباح والمساء لم يترك عقيل الحوادث لنا دارا ولا بد العوابث عقالا ~~ولا عقارا ولا مخلب العوائث جارا ولا جوارا ولا ناب الكوارث ولدا ولا قرارا ~~والويل كل الويل لمن كان مستقره في طوارق الليل ومن حوادث الدهر على طويق ~~السيل وقد طال الكلام في كيت وكيت وقضايا ذيت وذيت إلى أن لم يبق في البيت ~~سوى البيت ولما بلغ العرم الزبى وحزام الهم الطبي وما حال من يرى أفلاذ ~~كبده تتقطع ويشاهد كل وقت قرة عينه بمخاليب الجوارح تتبضع ولا يد للمدافعة ~~تمتد ولا نهضة للممانعة تشتد فينشد: # كفى حزنا أني أرى من أحبه ... رهين الردى يرنوا لي بطرفه PageV01P191 أود ~~بمالي لو يفدي ومهجتي ... ولكن يد التقدير غالت بحتفه # ولما تكرر ضر أيوب وتضاعف حزن يعقوب تركنا تلك بالاضطرار وعلى أبوابك ~~الشريفة وقع الاختيار فرصدنا للتحويل أيمن الساعات واخترنا للرحيل أحسن ~~الأوقات ثم صممنا العزيمة ونادانا هاتف السعد أسرعا نديمي جذيمه فقطعنا ~~المهامه والقفار وسرينا الليل والنهار فكم رغنا عن أبي الحصين ولقينا مالا ~~قى الحسين بكربلاء من الكرب والبلاء وكم لجأنا من بني زغار إلى كهف وأجم ~~وغار واحترزنا من قنافذ وأفعوان ذي سم نافذ ونفرنا من حبات أسراك وحدنا عن ~~أوهاك شباك واخترنا الجوع وعدم الهجوع على الحب المبذور لاصطياد الطيور كل ~~ذلك في المسالك والسعد قائدنا والفلاح رائدنا واليمن دليلنا وظلال أمنك ~~ظليلنا وفي تهاني سعدك مبيتنا وكنف فضلك مقيلنا حتى حللنا بدار الأمان ~~ونزلنا بحرم مولانا السلطان فنادانا فضل خالق الورى لا تخافا أنني معكما ~~أسمع وأرى ألقيا عصا التسيار وانزلا عند خير جار فتركت القرينة في منزلة ~~حصينة وكل بلادك أمينة وأممت مقامك الشريف وجنابك المنيف مقاما عظيما ~~وجنابا كريما ومجلسا عاليا وبابا ساميا فتوخيت ثم نوديت: # هذا هو الملك الذي من بابه ... يعطي المخوف أمانة لزمانه # عم الورى إحسانه فكأنما ... أرزاقهم كتبت على إحسانه # ثم نهض اليعقوب ms316 من مكانه وقبل الأرض بين يدي سلطانه وتوجه فائزا بأمنيته ~~حتى وصل إلى حليلته فأخبرها بما جرى بتخيير المشتري وكيف رأي اليؤيؤ والملك ~~وصورة ما فعل به وسلك وكيف تلقى مقدمة وأكرمه الملك بما أكرمه وقرر كيف كان ~~خطابه وعلى أي صورة حسنا رد جوابه فسرصدرها وانشرح وطارت بهذا الأمر من ~~الفرح ثم توجها إلى حضرة السلطان وحصل لهما من الأنعام والإحسان ما نسيا به ~~الأوطان وسلكا بنفس مطمئنة في خدمة الملك مع الجماعة وأهل السنة وخوطب ~~اليعقوب من الملك أسكن أنت وزوجك الجنة فلما استقرت بهما الدار وتبدل ~~انكسارهما بالأنجبار أفيض عليهما من الصدقات والادرارات والنفقات ما لم ~~يخطر ببالهما ولا دار على خيالهما وحصل لهما الأمن والأمان والسلامة ~~والاطمئنان وانشرحت خواطرهما وابتهجت بالسكون سرائرهما واستمر النجدي ملازم ~~الخدمة وتوفرت عند الملك وابتاعه له الحرمة وسمعت كلمته وتزايدت حشمته ولم ~~يزل صبيح الطلعة نجيح السعي والنجعه وضئ المنظر مقضي الوطر يرتع على بساط ~~النشاط ويطير في رياض الأمن والانبساط مؤديا شرائط الخدمة على الوجه الأحسن ~~قائما بمواجب العبودية مهما أمكن إلى أن تميز على سائر الخدم وتقدم على ~~السابقين في الخدمة وثبات القدم ناشرا ألوية النصيحة ناثرا الأثنية الصريحة ~~منادما باللطائف الصحيحة والنوادر المليحة بالعبارات الفصيحة والإشارات ~~الرجيحة حافظا زمام الاحتشام مراعيا مقامات الكلام على مر الأيام وكر ~~الشهور والأعوام ثم ختم لكلام في هذا المقام بأعظم ختام وهو حمد الله الملك ~~العلام وشكره المستدعي لمزيد الأنعام والصلاة والسلام على سيد الأنام وآله ~~وأصحابه السادة الكرام عليه وعليهم التحية والسلام وحسبنا الله ونعم الوكيل ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # الباب العاشر # في معاملة الأحباب والخادم والأعداء والأصحاب # وبه تمت أبواب الكتاب PageV01P192 قال الشيخ أبو المحاسن الراوي من الأدب ~~الاحاسن فلما أبان الحكيم عن هذا الفضل الجسيم وكشف نقاب البيان عن مخدرات ~~هذا التبيان فتلألأ من وراء سجيف ألفاظه وجوه معانيه الحسان عظم في أعين ~~الأعاظم وكبر لدي الأعراب والأعاجم ورفعه أخوه وعظمه ذووه فأضاء منارة وعلا ms317 ~~مقداره وملأ الآفاق أنواره ووقع من الملك على الاعتماد عليه اختياره ثم ~~استزاده من فيض هذا العيوب واستسقاه من خوض هذا الشؤبوب واستطعمه من أخبار ~~العقاب واليعقوب إن كان ثم بقية تجلو القلوب الصديه فامتثل الإشارة وحسن ~~العبارة وقال ثم أن أبا الحجاج دعا القبيح أبا الدجاج واختلى به دون أصحابه ~~وقال له أعلم يا جليس الخير وأنيس الطير ورئيس الدير أني تحملت من اليؤيؤ ~~المنة العظيمة والجميلة الجسيمة حيث أرشدك إلى بابي ونظمك في سلك أصحابي ~~ولا حرم أنه قام بما يجب عليه وعرف مقدار إحساني وميلي إليه وأنه لا وثق ~~أعواني وأصدق خلاني وصاحب قديم ومخلص عديم النظير نديم وصديق كافي وناصح ~~مصافي وأني لا تيمن بطلعته وأتبرك بمشاهدته واستنجح بآرائه واستصبح في ~~المهمات المظلمة بلامع ضيائه ولقد حصل منك على عضد معاضد وساعد مساعد وكهف ~~وذخر وسند وظهر فإياك أن تترك ذيل مودته أو ترغب عن صحبته ومحبته وأن تقتصر ~~يا ذا الوقوف في صداقته على الوقوف فافضل المحبة وأكمل المودة ما تزادي على ~~مر الدهور وترادف على كر العصور وثبت أصله وغزرت فروعه وفاض من سويداء ~~القلب على مجاري الجوارح نبوعه بحيث يقع الاتحاد وينمزج بالصفاء الوداد فقد ~~قيل لا تصح المحبة بين أثنين حتى بصيرا كالعينين حيثما نظرت إحداهما ما ~~شزرا مالت معها تابعة الأخرى بل يصيرا كالنفس الواحدة لا كل واحدة على حده ~~ولا كما تقول الملاحده بل يكمل لكل واحدة ولا كما تقول الملاحده بل يكمل ~~لكل واحد بالآخر ألهنا ويحصل له بوجوده السنا وإذا خاطبه قال يا أنا ولا ~~تعمل يا أكمل كما قيل: # ملأت حشاشتي شوقا وحبا ... فان ترم الزيادة هات قلبا # فان الفتاح عنده الفتوح وباب الفضل والزيادة مفتوح وكرم الله لا يضاهي ~~وفضله كعمله لا يتناهى وانظر يا فضيل وذا العلم العريض الطويل إلى ما قيل ~~وهو: # أيها السائل عن قصتنا ... أنا من أهوى ومن أهوى أنانحن روحان حللنا بدنا ~~من رآنا لم يفرق بيننا # نحن مذ كنا على ms318 عهد الهوى ... تضرب الأمثال للناس بنا # فإذا أبصرته أبصرتني ... وإذا أبصرتني أبصرتنا # وألطف من هذا وأرصن ما قاله القائل وأحسن وهو: # أنا والمحبوب كنا في القدم ... نقطة واحدة من غير مين # فبرانا الله إذا أظهرنا ... مهجة واحدة في بدنين # فإذا ما الجسم أمسى فانيا ... تلتقينا واحدا من غير بين PageV01P193 ولقد ~~ذكرك عندي بأنواع الفضل وبوفور التجارب والعقل وهذا يدل على نصحه وقوة دينه ~~وصدقه في المحبة وحسن يقينه ولم يذكر غير الواقع ولا جازف فيما أنهاه إلى ~~المسامع بل قال قليلا من كثير وقطرة من غدير ولم يخبر بذلك غير خبير فأني ~~أعرفك كما عرف ووقفت على فضائلك كما وقف ثم أنت عندي فوق ما وصف فأريد منك ~~نصائح بالخير لوائح تتضمن فوائد وعوائد وفرائد تكون لنهم الحكمة موائد ~~ولشهم الحكام قوائد ولنخور ألباب المنقول قلائد ولضبط أساس الملك والدين ~~قواعد وعقائد فتلقي مثاله بالامتثال وقبل الأرض في مقام العبودية وقام وقال ~~لتحط العلوم الشريفة والآراء العالية المنيفة أن صانع العالم تعالى وتعاظم ~~وبنى أمور المبدأ والمعاد وما بينهما من معاشر مستفاد على دليلين عظيمين ~~جليلين أحدهما العقل الذي هو مناط التكلف وثانيهما قواعد الشرع الشريف فان ~~أردت أن تكون سعيد الدارين فاستمسك بأذيال هذين الدليلين أما العقل فهو ~~الدليل القاطع على وجود الصانع وهو مستقل بالقطع إلى السمع غير محتاج إلى ~~السمع وكما هو مستقل بالدلالة على وجود ذاته كذلك هو مستقل بالدلالة على ~~تحقيق صفاته ثم ورد بذلك الشرع فتأكدت في وجود الصانع دلالة العقل بالسمع ~~وأما وجدانية الصانع فكل من العقل والنقل دليل عليها قاطع وقد تظافرا ~~بالاستباق إليه وتظاهرا في الدلالة عليه بقول الكافر يوم المصير لو كنا ~~نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير وبالعقل والسمع يستقيم أمر المبدأ ~~والمعاش وبالسمع فقط مبيت المعاد عاش لأن أمور المعاد من الشرع تستفاد ~~والعقل في ذلك تابع سامع لأوامر الشرع طائع والمسموع في ذلك دليل قاطع وعلى ~~كل تقدير أيها الملك الكبير فاجعل العقل وزيرا تجده ms319 لك في ظلمات المشكلات ~~سراجا منيرا واتخذ النقل هاديا ونصيرا يكن بينك وبين الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة حجابا مستورا وعامل الرعية بالعدل يعاملك الله بالفضل وأعلم أن ~~الدنيا في معرض الزوال وأنه لا بد عنها من الانتقال وأن الله سبحانه وتعالى ~~وجل سلطانه جلالا اقتضت حكمته وجرت بين عباده سنته أن يكون الإنسان على ~~خلاف ما فطره الرحمن فانه خلقه للعبادة وركب فيه عناده وأقامه للعمل وجبله ~~الكسل فأمره بالصلاة وهو كسلان وبالصوم وهو شهوان وبالزكاة وحبب إليه المال ~~وبالحج وكره إليه الانتقال وبالرضا وركز فيه الغضب وبالتسليم والصبر وخمره ~~بالضجر والصخب وبالتواضع ووضع فيه التيه وبالتخلق بأخلاق خالقه وفيه ما فيه ~~وحكم عليه بالموت وقد تحقق انه ليس له منه فوت وهو يكره عن الدنيا التحويل ~~وأقل أقسامه أنه يحب العمر الطويل وعلى هذا قد تعود أن يفعل في المكان ~~المثزود أفعال المقيم الؤمبد والدائم المخلد وبنى بناء من لا ينتقل وعن ~~قليل يتركه ويرتحل لا سيما من تعلق بالدنيا قلبه وتشبث بالمال والولد ~~والجاه والتحكم حبه وقد أخبر العزيز الوهاب في أصدق كتاب وأوثق خطاب فقال ~~زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده ~~حسن المآب فالنفس مائلة إلى الإقامة راغبة في دوام السلامة تحب طول العمر ~~في الزمان وأن أحوجت الثمانون السمع إلى ترجمان وقد قيل: # وأحسن ما كان الفتى في زمانه ... مع السعد والجاه العظيم معمراوأشهى ما ~~سمع الحاكم وألذ ما تلقاه من قول الناظم قوله: # فلا زلت بين الورى حاكما ... بجاه عريض وعمر طويل PageV01P194 ولقد بلغني ~~يا ملك الزمان أن الملك العادل أنوشروان أساس ملكه على العدل وعامل رعيته ~~بالإحسان والفضل ويكفيه من الفضائل وحسن الشمائل قول سيد الأواخر والأوائل ~~ولدت في زمن الملك العادل وقال الرحمن في محكم القرآن أن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وقد قيل في الأقاويل لا ملك إلا بالرجال ولا رجال إلا بالمال ولا ~~مال إلا بالعمارة ms320 ولا عمارة إلا بالعدل فلا ملك إلا بالعدل ومن أقوى الصفات ~~العدلية عمارة بلاد الرعية وبذل الجهد في العمارة ليكثر الربح وتقل الخسارة ~~فإذا عمرت البلاد وترمم الطريف والتلاد حصلت الأموال وكثرت الرجال وانتظمت ~~الأحوال فقد بلغني يا ملك الزمان أن الملك أنوشروان كان مارا في سيرانه بين ~~جنده وأعوانه فرأى شيخا كأنه قوس قطان نثر على رأسه قزع أقطان وهو في بعض ~~البساتين يغرس ونصب تين من انحناء قامته وبياض هامته مع شدة حرصه وتعبه على ~~نصب غرسه ونصبه فقال له يا ذا التجارب ومن هو من شرك الفناء هارب الأم ترتع ~~في ميادين الأمل وقد تطوقت باوهاق الأجل تبني وأركان جسدك واهية وتغرس ~~وقوائم يدنك كإعجار نخل خاوية وربيع شبابك قد استولى عليه خريف الهرم وصيف ~~الهرم وصيف وجودك قد أدركه شتاء العدم ومحت نسيم طراوتك عواصف الذبول ومسحت ~~قوى عبالتك بقواصف النحول وقد آن أن تغرس للآخرة فانك قد قصرت عظاما ناخرة ~~فقال يا ملك الزمان وعادل الأوان قد تسلمناها عامرة قد غرسوا وأكلنا ونغرس ~~ويأكلون وفي الحقيقة كلنا زارعون وغارسون: # لقد غرسوا حتى أكلنا وإننا ... لنغرس حتى يأكل الناس بعدنا PageV01P195 ~~وابعد فلاح عن الرشد والفلاح من يتسلم المعمور ويتركه وهو بور فاعجب ~~أنوشروان وفور عقل الشيخ ألفان وحسن خطابه وسرعة جوابه فقال زه يعني أحسنت ~~وهي كلمة تحسين ولفظة إعجاب وتزيين وكانت علامة للإحسان إذا تلفظ بها ~~السلطان يعطي المقول في حقه أربعة آلاف درهم لرفقه فأعطوا الشيخ الهم أربعة ~~آلاف درهم فقال أيها السلطان أن الغراس بثمر بعد زمان غراسي لحسن طاعته ~~أثمر من ساعته فقال زه فأعطوه أربعة آلاف أخرى ورفعوا منزلته قدرا فقال ~~وأعجب من هاتين القضيتين أن الغراس يثمر مرة وأنا غراسي يثمر مرتين فقال زه ~~فأعطوه القدر المعلوم وزاده في التكريم والتعظيم والتفيخم وقال له أنوشروان ~~أن أمهلك الزمان حتى تأتيني بباكورة هذا البستان فأنا أقطعك خراجه وأقضي ~~مالك من حاجة فأمهله الدهر وطال به العمر وأدرك ما نصبه ولم يخيب ms321 الله تعبه ~~فحمل إلى الملك الباكورة ووفى له الملك نذوره (وإنما أوردت) هذا المثل ~~ليعلم مولانا الملك الأجل أن الدنيا وأن كانت ظلا زائلا وحائطا مائلا فهي ~~مزرعة للآخرة وأن الآخرة هي الدار الفاخرة وأن الله تعالى وجل جلالا ولاك ~~هذه المزرعة وعلق بالأوامر العلية ما بها من مضرة ومنفعة وحكمك في البلاد ~~وملكك رقاب العباد قاياك أن تغفل عن عمارتها بالزراعة أو تسلم زمام تدبيرها ~~إلى يد الإضاعة فانك منقول منها ومسؤل عنها ومصالح عساكرك بها منوطة وأحوال ~~ملكك بالعساكر مربوطة تعمرت الضياع والقرى ترفهت الأجناد والأمرا واستراحت ~~الرعية واستمرت مناظم الملك مرعية وتوفرت الخزائن واطمان الظاعن والساكن ~~وقلت المظالم وكفت أكف الظالم وملاك هذا كله العدل والأستوا ومجانبة ~~الأغراض الفاسدة والهوى وهذا الذي يقتضيه مقامك ويتم به مرامك فان الملك ~~إنما هو ملك بالأجناد فلا بد له من عمارة البلاد والنظر في مصالح العباد ~~لينتظم بنظره مصالح العالمين ويستقيم أمر العالم إلى الحين الذي قدره أحكم ~~الحاكمين فان سنة الله حرت على هذا السنن وما رآه المؤمنون حسنا فهو عند ~~الله حسن ولهذا قال سيد سكان الخيف أنا نبي السيف والجهاد فرض عين على ~~الملوك لا على الفقير والصعلوك فالملوك في نوع من السيادة تقتضي من المال ~~ازدياده ليقيموا من الأسلاك عماده ويقتفوا من الشرع مرادهويقصموا الكفر ~~وعناده ويبيدوا أهله وأولاده وينهبوا أطرافه وتلاده ويوطئوا سنابك الإيمان ~~بلاده وواجب على كل حاكم أن يبذل في ذلك اجتهاده ويجعل الجهاد إلى الآخرة ~~زاده وعتاده ويصون عن الكفر بلاد الإسلام وعباده إلى يوم يلقى معادة ~~فيجازيه الله الحسنى وزيادة هذه طريقة الملوك ومن تبعهم في الإقتداء ~~والسلوك وإياك أيها الملك العظيم وصاحب الملك الجسيم وأخذ المال من غير حله ~~ووضعه في غير محله ولو كان موضع الخير وقصد به نفع الغير فانه لا يفي ذاك ~~بذا ولا يقوم نفعه بما فيه من أذى فذلك كإنشاء المغارس وبنيان المدارس ~~وتنوير المساجد وتعمير المعابد وسد الثغور وعمارة القبور وإقامة القناطر ~~والجسور وعمل ms322 مصالح الجمهور وإطعام الطعام وكفالة الأيتام والحج إلى بيت ~~الله الحرام وإعطاء السائل وإغناء الأرامل وصرف النفقات وإخراج الزكوات ~~والصدقات ومثله الوبيل كما قيل: # بنى مسجد الله من غير حله ... فصار بحمد الله غير موفق # كمطعمة الأيتام من كد فرجها ... لك الويل لا تزني ولا تتصدقي PageV01P196 ~~قال من لم يخف عليه إخفاؤها لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ثم أخبر بخبر ~~ما يصدر عنكم فقال ولكن يناله التقوى منكم فان طلب من هذا أجر خسران وكفر ~~لأنه في صورة الاستهزاء وهل يطلب بقبيح الحرام حسن الجزاء بل الواجب في هذا ~~على كل من آذى رد المظالم ورجع الحقوق إلى أهلها وإيصالها إلى محلها أما ~~يرضى ظالم غوى وتحمل الحرام هوى أن يتخلص سواء بسوا وشر الناس يا ذا البأس ~~من اتبع قضية أياس فسأل العقاب عن بيان هذا الخطاب (فقال) في الشام شخص من ~~اللئام تصدى لفصل الأحكام ومشى من الظلم في ظلام وشرع في أخذ الأموال على ~~سبيل التعدي والوبال فكان إذا أخذ من أحد ألفا ادخر لنفسه من ذلك نصفا ~~وتصدق بالخمسمائة الأخرى على أولي الضرر والضر أكل واحد درهما وعد ذلك ~~مغنما وقال هذه فائدة علينا بالربح عائدة الحسنات خمسمائة والسيئة واحدة ~~وواحد يدعو علينا يتوجهون بالثناء والدعاء إلينا ثم قال ذلك الجاحد ولا ~~تعجز الخمسمائة عن الواحد (هذا وأن كان والعياذ بالله صرف ذلك الحرام في ~~الفسق والملاه ونيل الأغراض الفاسدة وإقامة الجاه فهو أشد في النكال وأعظم ~~في الوزر والوبال وهذا المقام يطول فيه الكلام وأقل ما في الباب أن الحلال ~~حساب والحرام عقاب وقد سمعت يا جليل القدر ما نطق به السيد الصدر الذي أخجل ~~نور طلعته الشمس والبدر سيد الأنام ومصباح الظلام وحبيب الملك العلام عليه ~~أفضل الصلاة والسلام يوما لأصحابه السادة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم ~~وجمعنا في مستقر رحمته وإياهم أتدرون من المفلس قالوا المفلس فينا من لا ~~درهم له ولا متاع فقال أن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة ms323 بصلاة وصيام ~~وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي ~~هذا من حسناته وهذا من حسناته فان فنيت جسناته قبل أن يقضي ما عليه خطاياهم ~~فطرحت عليه ثم طرح في النار وهذا إذا كانت هذه الطاعات من الصلاة والصوم ~~والزكاة واقعة في محلها ومصاريفها في حلها فأنها لا تفيد الظالم إلا في ~~وفاء المظالم وأما إذا كانت من الحرام ومنشأ غراسها من مياه الآثام فهي ~~وبال على وبال وثبور فوق نكال على كسر ونقصان فوق خسر (وقال أيضا) أفاض ~~الله عليه سحائب صلواته فيضا لتؤذن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد ~~للشاة الجلحاء من الشاة القرناء فاستعذ بالله يا مولى الطير ومولى الخير من ~~نار هذا الشرر أن تتفرق طاعتك شذر مذر وأعيدك يا سلطان الصافات وما اكتسبته ~~من الطاعات والخيرات أن ينقل إلى ديوان غيرك أو يفوز بخبرك سوى طيرك اللهم ~~إلا أن يكون يا ذا الوقار والسكون على وجه ما قال من أحسن المقال: # ويكتسب الطاعات ذخر العلما ... يجود بها يوم القيامة على العاصي # أو على وجه ما قيل وأحسن به من وجه الجميل: # يجود بما ضن الجواد بمثله ... من الوفر بل لو أمكنته شمائلهلعاد على ~~المرضى بصحة جسمه وجاد على الموتى بعمر يطاوله # ومن على النوكي بوافر عقله ... وقسم في الحمقى من الرأي كامله # وثقل ميزان المخف بأجره ... لدى الوزن لما آد بالوزر كاهله # ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بلها فليتق الله سائله # ولأجل عذا الخطر العظيم والخطب الجسيم تورع عن الحلال الزاهدين وشمر عن ~~التلوث بالدنيا ذيل الرغبة العابدون قال سيد البشر والشفيع المشفع في ~~المحشر لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي منها كافر شربة ماء ~~وقال عليه الصلاة والسلام والتحية والإكرام اللهم رزق آل محمد قوتا ومع هذا ~~كله فالملك والرعية أمانة ومن تقلد ذلك فقد أوجب على نفسه ضمانه فليجتنب ~~خيانته ولا يشين بها أمانته قال صفوة الله ms324 تعالى وخيرته من بريته كلكم راع ~~وكلكم مسؤل عن رعيته ومصداقه قول رب العالمين وملك الملوك والسلاطين وهو ~~أصدق القائلين أنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان أنه كان ظلوما جهولا فاعلم يا ملكا ~~أعطي الزمان أمانه أن هذا الملك الذي بيدك هو من جملة الأمانة التي أشفق ~~السموات والأرض الجبال وأبين أن يحملنها خوفا من النكال والوبال وخشية أن ~~لا يفين بحقوق حملها أو يضعنها في غير محلها فيعاقبن أو بالعتاب يخاطبن ~~فتعففن عن الرغبة في الثواب خوفا من العتاب والعقاب وعملن بموجب ما قيل: ~~PageV01P197 هجرتك لا قلى مني ولكن ... رأيت بقاء ودك في الصدود # كهجر الحائمات الورد لما ... رأت أن المنية في الورود # تفيض نفوسها ظمأ وتخشى ... حماما فهي تنظر من بعيد # تصد بوجه ذي البغضاء عنه ... وترمقه بالحاظ الودود # ثم حمل هذه الأمانة بنو آدم لما قدره وقضاه العلي العظيم في سابق القدم ~~ولما فيها من أحكام وحكم وأن الصادق المصدوق أخبر فيما روى عنه أبو ذر قال ~~قلت يا رسول الله ألا تستعملني قال فضرب بيده على منكبي ثم قال يا أبا ذر ~~أنك ضعيف وأنها أمانة وأنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها ~~وأدى الذي عليه فيها فمن جملتها الصلاة والصوم والزكاة والوضوء والاغتسال ~~ومراقبة ذي الجلال في السر والإعلان بقدر الطاقة والإمكان وعلى هذا جميع ~~الطاعات وأنواع العبادات هي في رقاب العباد أمانات ومن أعظمها وأهمها ~~وأحكمها الإمرة والحكومة والتصدي لفصل الخصومة والسلطنة العلية وأمور الملك ~~البهية والقيام بأمور الرعية فيجب على السادة الحكام ومالكي أزمة الأنام أن ~~يراقبوا الله تعالى في كيفية أدائها ويطالبوا أنفسهم على ممر الأنفاس ~~بالقيام بوفائها ويراعوا أوامر سلطان السلاطين في أمور عبيده المستضعفين ~~خصوصا المظلوم والفقير والضعيف والمسكين فإذا عاملوا عباد الله بالعدل ~~عاملهم الله عز وجل بالفضل قال الله المنان في محكم القرآن أن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان وقال السيد الكامل والسند الفاضل أشرف الأواخر والأوائل ~~صلى الله ms325 عليه صلاة تفنى البواكر والأصائل سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ~~ظل إلا ظله أمام عادل بدأ في هذا الفصل من ذكر الصفات بالعدل والعدل يا ذا ~~الوجه النير الوسط هو الخير قال من أمره قهر وسطا وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء أي للأنبياء تشهدون لهم على أممهم لعدالة فيكم ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا أي يزكيكم أي وكما جعلنا نبيكم إمام القبلتين حائز الفضيلتين ~~جعلناكم حائزين خصلتين بالغين مرتبتين وهما كونكم عدو لا شهداء على الناس ~~مقبولي الشهادة في الأداء وكون الرسول معد لكم وبتزكيته على الأمم مفضلكم ~~وقال صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وفخم وعظم عدل السلطان يوما يعدل عبادة ~~سبعين سنة وقال عليه الصلاة والسلام والتحية والإكرام والذي نفس محمد بيده ~~أنه ليرفع للسلطان العادل إلى السماء مثل عمل جملة الرعية وعن أبي هريرة ~~رضي الله عنه أنه عليه السلام قال ثلاثة لا ترد دعوتهم الإمام العادل ~~والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم وروى كثير بن مرة رضي الله عنه قال: ~~قال:عليه الصلاة والسلام السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم من ~~عباده فإذا عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر وإذا جار كان عليه الإثم ~~وعلى الرعية الصبر وعن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه لعمل الإمام العادل في ~~رعيته يوما أفضل من عبادة العابد في أهله مائة سنة أو خمسين سنة وقال قيس ~~بن سعد ستين سنة وأعلم أيها الملك الأعظم واسلم أن العدل ميزان الله تعالى ~~في الأرض به ينتصف بعض الرعية من البعض وبه يؤخذ للضعيف من القوي ويعبد ~~الله على الصراط والسوى ويتميز الحق من الباطل والحالي من العاطل وهو من ~~صفات الذات وأعظم الصفات بمعنى أن الله تعالى عز وجل جلالا له أن يفعل في ~~ملكه ما يشاء فيؤتي الملك من يشاء وينزع الملك عن من يشاء ويعز من يشاء ~~ويذل من يشاء ويحكم ما يريد والخلق كلهم له عبيد وجميعهم بعض ملكه نافذ ~~فيهم سهم أمر ملكه ms326 فلا اعتراض على فعل المالك ولا فيما يسلك بمملوكة ~~المسالك ولا مجال لاعتراض عبده على ذلك لا سيما إذا كان مولاه كريما وفي ~~أفعاله مدير حكيما فمن عرف أن الله عدل وأن أفعاله جارية بين العدل والفضل ~~يتلقى نقمه بالصبر ويقابل نعمه بالشكر ويطمئن خاطره وتسكن إلى مولاه سرائره ~~فلا يستقبح موجودا ولا يستهجن مفقودا ولا يستثقل حكما ولا يرمي في الكون ~~ظلما بل يستقبل الأحكام بالرضا ويستسلم لموارد القضا ويقابل العوارض بما ~~قاله ابن الفارض: # وكل أذى في الحب منك إذا بدا ... جعلت له شكري مكان شكيتي PageV01P198 ~~وأعدل المخلوقات وأوسط الكائنات الأنبياء عليهم السلام فأنهم أعدل الخلق ~~مزاجا وطبيعة وأقوم الناس منهاجا وشريعة وأوسط البشر أفعالا وأقسطهم أعمالا ~~وأقوالا وإنما يعترض على أقوالهم ويتعرض لأفعالهم من هو عن الصواب منحرف ~~وعن جادة الحق منصرف ومن عين يصيرته عمياء عن مراقية التحقيق كالأعمى الذي ~~خرج وهو ماش عن سواء الطريق فيعثر في شوك أو حجر أو يصدمه حيوان أو شجر ~~فيقول نحو هذا عن الطريق فانه يحصل للمارة تعويق ويعيب على واضعه وإنما ~~العيب في طبائعه والجهل منسوب إليه لعمى قلبه وعينيه كما قال ذو الخويصره ~~لسيد الرسل البررة لما قسم الغنيمة قسمة مستقيمة اعدل فأجابه الكامل المكمل ~~بأنه أن لم يعدل فمن يعدل وأنه رأى ذا الخويصره الذي أعمى الله بصره خاب ~~وخسر ولاقى اليوم العسران لم يعدل ذلك المفضل وكيف يقال هذا الكلام لمثله ~~عليه الصلاة والسلام قود أمره الله تعالى بالعدل ونشر سر هذا النقل واقر ~~عينكم بقوله وأمرت لا عدل بينكم قال الأسد الغالب علي بن أبي طالب كرم الله ~~وجهه وجعل إلى رضوانه له احسن وجهه أما عادل خير من مطر وابل وأسد حطوم خير ~~من سلطان ظلوم وقيل الملك يدوم مع العدل ولو كان الملك كافرا ولا يدوم مع ~~الظالم ولو كان مسلما وما تعاطى حاكم ذو فضل فصل قضية في فصل أحسن سلوك ~~طريقة العدل ولذا بقي أسم أنوشروان مخلدا بالعدل على مر ms327 الزمان وإلى يوم ~~ينصب الميزان مع أنه كان مجوسيا يعبد النيران وللسنة التي اخترعها بالسلسلة ~~التي وضعها باقية في ممالك الصين معمول إلى آخر حين وقيل أنه كان شديد ~~الوداد للاصطياد وكان يعشق البازي والزروق والصقر والباشق والبيدق فسأل ~~يوما من الباز دار لم كانت هذه الأطيار قصار الأعمار قال لأنها تظلم الطيور ~~والظالم عمره قصير فتنبه بهذه الكلمة واتعظ وكف يده عن الظلم واحتفظ ثم أسس ~~قواعد العدل فانتشر ذكره إلى يوم الفصل ويكفيه من الفضائل قول السيد الكامل ~~ولدت في زمن الملك العادل وروى أن بعض الملوك العادلين والحكام الفاضلين ~~استولى عليه الكبر ووقر في أذنه وقروقر وكان قبل الصمم في العدل والكرم كما ~~قيل: # وأنه مظلوم وغنة سائل ... على أذنه أحلى من الشهد في الفم PageV01P199 ~~فحزن لفقد سمعه وتأسف وتحرق وتلهف وتأرق وبكى وتأوه واشتكى وقال ما أتلهف ~~من عدم سماع الحديث الأعلى فقدي صوت المستغيث ولا كنت أتلذذ من متكلم إلا ~~بالإصغاء إلى خطاب المتظلم ثمقال لئن حرمت ذلك من طريق الأخبار فلأتوصلن ~~إليه من طريق الأبصار ثم أمر بأشعار النداء في الأطراف والأرجاء أنه من ~~كانت له ظلامه فليظهر له علامة وهي أن يلبس ثوبا أحمر ويقف فوق ذلك التل ~~الأخضر لنعرف علامته ونكشف ظلامته وقيل أن السلطان السعيد نور الدين الشهيد ~~لما أمر ببناء دار العدل وعزم أن يقيم فيها للحكومات الفصل أدرك الأمير ~~الكبير صاحب الرأي المنير أسد الدين شيركوه السلطان ما يعتمده السلطان ~~ويرجوه وما يحمله على ذلكم ويدعوه وعلم أن ذلك الأسد لا يسامح عنده أحد ~~وأنه لا يراعي في الحق أميرا ولا كبيرا ولا صغيرا فانه مع الحق وبالحق قائم ~~لا تأخذه في الله لومة لائم فجمع مباشرى ديوانه وأكد ما قاله لهم بأيمانه ~~لئن شكا منهم أحد أو بلغه عن أحد من حاشيته ظلم أو نكد ليذيقنه أشد العذاب ~~ولينزلن به أنكى عقاب وقال ما برز هذا الأمر العزيز الغالي ببناء هذا ~~المقعد العام العالي إلا الأجلى ولأجل أمثالي ms328 فما وسعهم إلا طلب الخصوم ~~واسترضاء العادل والمظلوم (وروى) أن أحد الصدور هصبه بعض عمال المنصور وأخذ ~~منه كفرا من الكفور فتوجه إلى الخليفة وضرب له أمثالا ظريفة وقال أصلح الله ~~أمير المؤمنين وأقام به شعائر الدين ونصر به المظلومين على الظالمين أأذكر ~~ظلامتي أولا أم أضرب أمام حاجتي مثلا فقال دع الجدل وأضرب المثل فقال ألهمك ~~الله العدل وأقام بك قواعد الفضل أن الطفل إذا نابه ما يكرهه أو قرعه خطب ~~يجبهه فر إلى أمه وأجهش إليها من همه فأوى إلى حضنها وأندس تحت بطنها لأنه ~~لا يعرف سواها فيستكشف بها عن نفسه ما دهاها ولا يظن أن غيرها يدفع عن نفسه ~~ضيرها فإذا عرف أباه بث إليه شكواه واستدفع به ما عراه لأنه قد وقر في وهمه ~~أن أباه أقوى من أمه وأن غيره من الناس لا يقدر على دفع البأس فيلجأ إليه ~~فيترامى في دفع شدائده عليه ولا يقبل عذره أن ترك نصره أو قصر في مبتغاه أو ~~تهاون في متمناه ولهذا قال بدر الحي أن النساء والصبيان يظنون أن الرجل ~~يقدر على كل شيء فإذا أشتد واستوى وأصابه من أحد جوى تقدم إلى الوالي لأن ~~مقامه عالي وهو أقوى من أبيه فيستكشف به ما وقع فيه فإذا صار رجلا وأصابه ~~من أحد نكد وبلا استنجد بنائب السلطان فوجده له أحسن معوان فاشتكاه ورفع ~~بلواه وكفاء إذ دعاه ما دهاه ورعاه عما عراه فانه أقوى من الوالي وأقدر على ~~دفع الظلامة من كل منهمك غالي وهو السلطان الحاضر والعامل والناظر على ~~البادي والحاضر فإذا ظلمه الوالي والعامل ونقصه حقه ذو الحكم الكامل تعلق ~~بأذيال عدل السلطان واستكشف بمراحم نصرته ما دهاه من عدوان إذ قد تحقق ورأى ~~وصدق أنه أقوى من الكل وإلى مرسومة مرجح الجل والقل ولايد فوق يده وأنه قد ~~انتهى حديث رفعته لعلو سنده وبلغ في التسلط ونفوذ الأمر إلى أقصى أمده إذ ~~هو ظل الله في أرضه وخليفته في إقامة نفله وإحياء فرضه ms329 وقابض أزمة ~~المخلوقين ومنصف المظلومين من الظالمين فإذا لم ينصفه السلطان مع القدرة ~~الكاملة والإمكان توجه بشكواه إلى سلطان السلاطين وطلب رفع ظلامته من رب ~~العالمين لعلمه أنه الحكم الذي لا يجوز والحكيم الذي بيده مقاليد الأمور ~~والحاكم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وأنه أوقى من السلطان ولا ~~يحتاج في الشكوى إلى بيان ولا إلى دليل ولا برهان وقد نزلت بي حادثة للقلب ~~كارثة وبالفكر عابثة وللسر عائثة وهي أن العامل الفلاني ظلمنني وأخذ مكاني ~~فأنا أشكوه إليك وقد تراميت عليك وعرضت قصتي بين يديك لأنك نعم السند وليس ~~فوقك أحد ولا في الحكام إلا من هو لك بمنزلة الغلام وما بعدك إلا الله مولى ~~لا يخيب من رحاه ويجيب المضطر إذا دعاه فان وعيت قصتي وكشفت غصتي وإلا ~~رفعتها إلى الله وقطعت النظر عما سواه وهذا أوان الموسم وأعمال المنسيم ~~وأنال متوجه إلى حرمه ومترام على باب إحسانه وكرمه فلما وعى المنصور خطابه ~~أرسل من سحاب جفنه عبابه وقال حبا وكرامة يا ذا الزعامة بل أنصفك وبالفضل ~~أسعفك وأضعف كرامتك وأكشف ظلامتك وأوصلك حقك وأعطيك مستحقك وأمر فكتب إلى ~~واليه يضع من معاليه ويأمره بردأراضيه وطلب مراضية والتحلل من ظلم أياديه ~~وإكرام محله PageV01P200 وناديه وروى موسى الكليم عليه الصلاة والتسليم في ~~بعض مناجاته وسؤاله حاجاته سأل الله من فضله أن يريه نكتة من عدله فأمره أن ~~يتوجه إلى مكان ويختفي فيه عن العيان فامتثل ما به أمر واختفى في ذلك ~~المكان على شط نهر فما كان سارع من قدوم إنسان إلى ذلك المكان فبمجرد ما ~~وصل إليه نزع من ملبوسه ما عليه وكان معه كيس فيه مال نفيس فأودعه ئيابه ~~ورام في الماء انسيابه فدخل في ذلك النهر وغلغل فيه إلى أن غاب عن النظر ~~فاقبل فارس فوجد ثيابا بلا حارس فنزل عن الدابة وفتش ثيابه وأخذ كيس الذهب ~~وركب فرسه وذهب وأسرع في الذهاب إلى أن زال شخصه وغاب ثم أقبل شخص ذو شجب ~~وعلى ظهره ms330 حزمة حطب فانتهى إلى ألما وقد برح به الظمأ وأمضه التعب وأخذ منه ~~النصب فطرح عن ظهره الحطب وقصد الراحة وقد ظهر الذي كان في السباحة فوجد ~~عند ثيابه شخصا من أترابه فأستأنس به وتأوه لمكتئبه وما يقاسيه من نصبه ثم ~~اشتمل ملبوسة وتفقد كيسه فما وجده فعض يده فسأل الحطاب عما كان في الثياب ~~وطلب منه الكيس بالتعبيس فقال ما رأيته ولا حويته فقال هل كان معك أحد فقال ~~لا والواحد الأحد قال فهل كان هناك سواك قال لا والذي سواك قال يا أخي أنا ~~وضعت الهميان بيدي في هذا المكان ولم يطل على ذلك زمان ولا حضر سواك حيوان ~~ولا طمث عذراء هذا الموضع أنس ولا جان فلا اشك أنك أخذته ولنفسك افتلذته ~~فاقسم بعالم الخفيات وكاشف البليات المطلع على الضمائر والنيات أنه ما رأى ~~له هميانا ولا يعرف لذلك مكانا فقال لو شهد لك الكون والمكان ونطق ببراءتك ~~جوامد الزمان وزكاهم الكرام الكاتبون لما شككت أنهم كاذبون لأن إنكار ~~المحسوس مكابرة والمثابرة على الباطل للحق مادبرة خذلك منه يا فقير الثلث ~~والثلث كثير واردد على الثلثين وإن أبيت فاجعله بيني وبينك نصفين فما زاد ~~ذلك على اليمين وما شك هذا أنه يمين فقال اردد على مالي وإلا قتلتك فلا لك ~~ولا لي فقال ما رأيت ما لك فافعل ما بدا لك فشرع في تفتيشه وبالغ في فحصه ~~وتنبيشه فلم يهتد إلى شيء سوى الضلال والغي فأخذه الحنق واشتد به الأرق ~~وثارت نفسه الأبية واتقدت ثورته الغضبية فضربه بمحدد فقتلته وجد له ~~بالإهلاك فجد له ثم تركوه وذهب ولم يحظ من الذهب بغير اللهب كل هذه الأحوال ~~وموسى عليه السلام يشاهد ما فيها من أفعال وأفوال ثم ناجى فقال يا ذا ~~الجلال أنت عالم بحقائق الأمور وسواء عندك البطون والظهور سألت فضلك أن ~~تريني عد لك فأريتني هذا المغرم وأنت أعلى وأعلم ففي ظاهر ما أمرتني ~~وبكرامته غمرتني من الشريعة المطهرة ونص التوراة المحرم أن هذا الحكم جور ms331 ~~وظلم فأطلعني على الحقيقة وبين لي سلوك هذه الطرقة فقال الله تعالى وجل ~~جلالا يا موسى المقتول قتل أبا القاتل والقاتل سرق الكيس من أبي الفارس ~~الخائل ففي الحقيقة الفارس النبيه وصل إلى ماله المخلف عن أبيه والقاتل ~~إنما استوفي قوده ممن قتل والده وهذه الأمور إنما تتضح يوم النشور تبلى ~~السرائر وتكشف الضمائر وينادي يوم التناد لا ظلم اليوم إن الله قد حكم بين ~~العباد ونظير هذه القصة ما ذكره الله تعالى وقصة في روض كلامه النضر عن ~~موسى والخضر عليهما السلام والتحية والإكرام إذ ركب السفينة وخرق خرقا ~~مؤديا إلى الغرق وقتل النفس الزكية وأقام بغير أجر أركان الجدار الواهية ~~وبعض ذلك مخالف لظاهر الشريعة تنفر عنه النفس السليمة والطبيعة ولكنه موافق ~~للحكمة الإلهية ومقتضيات العقل الحقية الذي لا يطلع عليه الأعالم الأسرار ~~الخفية ولهذا قال جل وواحد أحدا وتعالى فردا صدمدا عالم الغيب فلا يظهر على ~~غيبه أحدا ثم استثنى من هذا المقول إلا من ارتضى من رسول وإنما الشريعة ~~الزاهرة وردت بما تقتضي من الحكم الظاهرة فتعبدنا الله في الشرائع بظاهرها ~~ما يثبت في الوقائع (قيل) من أيقن بحقية أربعة كان من ضيق أربعة في سعه ~~وأمن ودعه من أيقن أن الصانع الضار النافع لم يخطئ ولم يغلط أمن من العيب ~~والشطط ومن أيقن أن الخلاق ومقسم الأرزاق لم يحف في خلقه ولم يمل في رزقه ~~أمن من الحسد واستراح من النكد ومن أيقنبوقوع المقدور وأنه لا ينجيه منه ~~محضور أمن من الغم ولم يتساقط عليه الهم كما قيل: PageV01P201 ما قد قضي يا ~~نفس فاصطبري له ... ولك الأمان من الذي لم يقدر PageV01P202 ومن عرف أصله ~~أمن من الكبر تصله وكتب في قضية إلى أعدل خلفاء بني أمية من عامله بحمص أنه ~~هدم الدمص وعدم النمص وأن ربضها رابض ومرعى رياضها بأرض وأنها محتاجة إلى ~~عمارة وزراعة وحراسة ومناعة فكتب إليه عمر بن عبد العزيز هذا الجواب المفيد ~~الوجيز وهو حصنها بالعدل ولق طرقها من الحدل يثبت ms332 ألبنا وينبت الكلا ~~والسلام وقيل أمير بلا عدل كغيم بلا مطر وعالم بلا ورع كشجر بلا ثمر وشاب ~~بلا توبة كمشكاة بلا مصباح وغنى بلا سخاء كقفل بلا مفتاح وفقير بلا أدب ~~كطابخ بلا حطب وامرأة بلا حياء كطعام بلا ملح وقاض جائر كملح على جرح وقيل ~~العالم بستان سياجه الشريعة والشريعة سياج يخدمها الملك والملك راع يعضده ~~الجيش والجيش أعوان يكفلها المال والمال رزق تجمعه الرعية والرعية أحرار ~~يستعبدها العدل والعدل سلك به نظام العالم وليعلم أن الملة الأحمدية ~~والشريعة المحمدية هي أعدل الملل وأقوم النحل مثلا النصارى لا يتحامون ~~الحائض أيام أقرائها ولا فرق بين الحائض وغيرها من نسائها واليهود ~~يجتنبونها فلا يؤاكلونها ولا يشاربونها ويقربونها رأسا ويعدونها رجسا وركسا ~~فسلكت الشريعة المحمدية في ذلك أعدل الطرق وأفضل المسالك فتعاشر كالأطهار ~~وحرم قربان ما تحت الإزار وفي بعض الملل على الذي قتل القود والقصاص وليس ~~في الدية خلاص وفي بعض الدية لا غير وما للقصاص فيها سير ودين الإسلام ~~المرفوع كل فيه مشروع والعدل في الاعتقاد يا ملك البلاد ترك التخليط وسلوك ~~ما بين الأفراط والتفريط والقول بالتقديس والتنزيه واثبات الصفات من غير ~~تعطيل ولا تشبيه واقتباس النور من جمرين وسلوك أمر بين أمرين والعدول عن ~~المذهب البغيض وهو مذهب الجبر والتفويض والعدل في الفقيهات يا معشوق ~~المخدرات والحذريات الذي قام عليه النص دليلا ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت ~~بها وابتغ بين ذلك سبيلا فمن العدل الوضوء والمعتاد ثلاث مرات ومن نقص أو ~~زاد فقد تعدى وظلم كذا قال النبي المكرم صلى الله عليه وسلم أي تعدى أن ~~أسرف وظلم أن أجحف والعدل في الصلاة أن تكون على مرتضى الشرع ومقتضاه وهي ~~أداؤها في أفضل الأوقات مؤداة مع الجماعات في الصف الأول على الوجه الأكمل ~~عن يمين الأمام من الافتتاح إلى الاختتام مع تعديل الأركان بل التعديل فرض ~~عند بعض الأعيان لا نقرا كنقر الطير ولا تطو بلا يضر بالغير والعدل في ~~الزكاة أن لا يتمموا الخبيث منه ms333 ينفقون ولا يجعلوا الله ما يكرهون وليسوا ~~بآخذيه الآن يغمضوا فيه ولا يكلف جابي المال أن يعطي كرائم الأموال والعدل ~~في الصوم يا سيد القوم أن لا يتنول فوق الغذاء المعتاد ولا يصل بالوصال إلى ~~درجة الإجهاد ويعجل الفطور ويؤخر السحور والعدل في الحج أن لا يماري في ~~الأنفاق ولا يضار الرفاق بالشقاق كما يفعله أبناء الزمان فان ذلك خسران ~~والازدياد من ذلك نقصان ولقد بلغك يا قمر ما قاله عمر لخادمه يرفا وذا لا ~~يخفي كم بلغت نفقاتنا مقدارا قال ثمانية عشر دينارا يا أمير المؤمنين قال ~~ويلك أجحفنا بيت مال المسلمين وإياك والأشر وقاك الله كل شر فقد بلغك قيمة ~~راحلة سيد البشر ليدل ذلك على ترك البطر والأشر ولا يقصر في نفقته بحيث ~~يصير كلا على رفقته وكذلك في كل الأنفاق يا ملك الآفاق قال من عز كلاما ~~مقالا ومقاما والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ~~والعدل في النكاح يا حبيب الصباح لمن عليه يقوى فهو أقرب للتقوى وهو يا أبا ~~حسان واجب عند التوقان سنة عند القدرة عليه مستحب عند استواء طرفيه مكروه ~~عند العجز عنه وهذا بحث قد فرغ منه وقس يا ذا الكرامات على هذا سائر ~~العبادات وجميع العادات وعقود المعاملات ولا تتعدا الحدود في الحدود فان ~~ذلك مردود وعلى قانون العدل وردت الشريعة المطهرة وجرت قديما شرائع ~~الأنبياء البررة وكذلك مقادير الملة المحمدية عليه افضل صلاة وأزكى تحيه ~~محررة على القواعد العدلية وفيها من الحكم الإلهية ما يعجز عن إدراكها ~~القوىالعقلية قال الله تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبيان وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ~~وحاصل الأمر يا ذا النهي والأمر أن العدل هو قوام كل فضيلة كما أن الصبر هو ~~أساس كل خصلة جميلة وأن أردت بسط هذا البيان فدونك القول والتبيان في تفسير ~~القرآن المنزل على أشرف إنسان إن PageV01P203 الله يأمر بالعدل والإحسان ~~فقد أشبع التقرير ودقق التحرير في ms334 روضة النضير فارس ميدانه الأمام الخطير ~~فخر الدين الرزاي في تفسيره الكبير والعدل يجري في لصفات كما يمشي في ~~الذوات ومرتبتا في العلو أن يكون بين التقصير والعلو كالكرم الذي يكون بين ~~الإسراف والتبذير والشح والتقتير والتواضع الذي بين الضعة والتكبر وبين ~~التصعر والتصغر والشجاعة التي بين التهور والخفة والجبن الطائش الكفة ~~والقناعة التي بين الحرص والطمع والنذالة والهلع وبين العجب والتصلف ~~والاحتشام والتقشف والإخلاص الذي بين الشرك والهوى وبين الإعجاب والريا ~~والعفة التي بين التهافت على المشتبهات والترفع عن تناول المباحات والطيبات ~~والحزم الذي بين سوء الظن والوهم والوسواس وبين إذاعة السر والأسختفاف وعدم ~~ألا مبالاة بالناس والحلم الذي بين الغضب بلا سبب وبين التغاضي عن اللئام ~~عند موجب الانتقام والشفقة ولين الجانب للأقارب والأجانب الذي بين القوة ~~والاستكبار وبين الرخاوة واللين المستلزم لتضييع حقوق الأهل والجار وحفظ ~~الحقوق الذي بين التكلف والعقوق يراعي فيها الحدود ولا يخرج فيها عن الحد ~~المعهود فالخروج عنها يسمى عنادا وقساوة والتقصير فيها يدعى ركاكة ورخاوة ~~مثلا من يستحق العفو لا يضرب ومن يستأهل الضرب لا يقطع ولا ينكب ومن استوجب ~~القطع لا يقتل ومن وجب عليه حد لا يهمل وتجري أمور الشرع الشريف على ما ورد ~~به الأمر المنيف فما ثم أحد أكرم من الله ولا أرحم ولا أعلم بأمور مخلوقاته ~~ولا أحكم قال السميع البصير ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير وروى أن ~~الإمام المسدد جعفر بن محمد دخل على الرشيد وهو في أمر شديد قد استولى عليه ~~الغضب واستخفه الطيش والصخب فقال يا أمير المؤمنين إن كان غضبك لرب ~~العالمين فلا تغضب له أكثر من غضبه لنفسه وقد حد لكل شيء حدا من نقمه وبأسه ~~فلا تتعد حدوده فانه قد ملكك عبيده فتذكر من وقوفهم بين يديك واقتدارك ~~عليهم إذا تمثلوا قياما لديك قدومك يوم القيامة عليه ووقوفك خاضعا منفردا ~~بين يديه ومن انتقامك منهم سؤاله إياك عنهم فسكن من غضبه واقتدى بأدبه وقال ~~الحكماء للإسكندر عليك بالاعتدال في ms335 كل الأمور فان الزيادة عيب والنقصان ~~عجز وفي الحديث خير الأمور أوسطها ولهذا قيل في الأقاويل ينبغي للإنسان ~~الراجح العقل في الميزان أن يحصل من كل علم مقدار ما يحتاج إليه ويعول في ~~مشكلاته عليه مثلا علم الأدب ما ينال به عند أربابه الرتب كاللغة والنحو ~~والصرف ولو أنه أدنى حرف ليقوم بذلك لسانه ومن علم المعاني ما يبدع به ~~بيانه ومن العروض والقوافي المقدار الوافي والمعيار الكافي ومن الطب ما ~~يعرف به مزاجه ويصلح به علاجه ويقوم به اعوجاجه ومن علم التفسير والقرآن ما ~~يقتدر به على بيان كلام الرحمن ومن علم السنة والحديث ما يميز به الطيب من ~~الخبيث ويضبط به أقسامه وصحته وسقامه والأنساب والرجال ومالهم من صفات ~~وأحوال أن لم يكن مفصلا فعلى الأجمال ويندرج فيه علم التاريخ العالي ~~الشماريخ ومن علم الكلام ما يصحح به دينه ويقيم به اعتقاده ويقينه ومن علم ~~الأصول وما اشتمل عليه من معقول ومنقول ما يقدر على استنباط الأحكام ومعرفة ~~أدلة الحلال والحرام ومن علم الفروع ما يحكم به أصناف العبادات وأنواع ~~العادات وطرائق العقود وإقامة الحدود ومن علم مكارم الأخلاق ما يصيد به ~~قلوب الرفاق ويكتسب به الذكر الجميل والثناء الجليل ومن الحرف ما يحصل به ~~القوت الحلال ولا يصير على الناس كلاذ إملال وقد قيل خالطوا الناس مخالطة ~~أن غبتم حنوا إليكم وإن متم حنوا إليكم ومن علم الركوب والرمي والسباحة ~~والخط ولعب الرمح والسياحة وعلم الفرائض والحساب وطرائق المبايعات والكتاب ~~ما يقدر به على الدخولإليه إذا تكلموا فيه بين يديه بحيث يكون له فيه ~~مشاركة والمام ولا يكون بين الخواص كالعوام وكل ما ذكر فسلوكه عدل والتلبس ~~به كمال وفضل ورأس مال الجميع التقوى فان الإنسان الضعيف بالتقوى بقوى قال ~~الله تعالى ولكن يناله التقوى منكم وبالجملة فالعاقل العادل بل الكامل ~~الفاضل لا يستنكف عن نوع من العلوم ولا تبرد همته عن اقتباس منطوق ومفهوم ~~قال معلم الخير ومحذر الشر تعلموا حتى السحر وقال: PageV01P204 عرفت الشر ~~إلا ms336 ... للشر لكن لتوقيه # ومن لم يعرف الخير ... من الشر يقع فيه # وكل مصافي السريره وذي بصيرة منيره يتوجه إلى التعلم والاستفادة ويجعل ~~مراده مراده أي علم كان خصوصا إذا كان من الشرف بمكان قال بعض الوزراء ~~لابنه يا بني تعلم العلم والأدب ولا تسأم فيهما من الطلب فلولا العلم ~~والأدب لكان أبوك في السوق حمالا وللنوق جمالا فبالعلم والأدب ركبنا أعناق ~~الملوك وأحوج الناس يا ذا الأفضال إلى اكتساب الفضل والعلم والكمال ~~السلاطين والملوك ومن تبعهم في السلوك فانهم بين خلق الله تعالى المرموقون ~~والسابقون بجلائل النعم لا المسبوقون وبحفظ بلاده وعباده المستوثقون منهم ~~موثوقون فهم المتحملون لأعباء العدل المكلفون بالمحاسبة عنه والفضل قال من ~~يقول للشيء كن فيكون قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون فهم أقدر ~~على التحصيل من غيرهم والزمان والمكان تابعان لسيرهم والخاص والعام يتمنى ~~قربهم ويسلك في التوصل إلى جنابهم دربهم ويبذل في ذلك ما وصلت إليه يداه ~~ويجعل تحصيل ما يرمونه غاية متمناه فيبذل جهده في ايصالهم إليه ويكد قلبه ~~وقالبه في اطلاعهم عليه قال الشاعر: # ولم أر في عيوب الناس نقصا ... كنقص القادرين على التمام # وقال بعض المؤرخين الملوك لأولاده يا بني اكتسبوا العلم والفضل وادخروا ~~الحلم والعدل فان احتجتم إلى ذلك كان مالا وإن استغنيتم عنه كان جمالا وقال ~~بعض الحكماء العلم ملك ذو أعضاء رأسه التواضع ودماغه المعرفة ولسانه الصدق ~~وقلبه حسن النية ويداه الرحمة ورجلاه مثابرة العلماء وسلطانه العدل ومملكته ~~القناعة وسيفه الرضا وقوسه المساءلة وسهمه المحبة وجيوشه مشاورة الأدباء ~~وزينته النجدة وحكمه الورع وكنزه البر وماله العمل الصالح ووزيره اصطناع ~~المعروف ومستقره جودة الرأي ومأواه الموادعة ورفيقه مودة الأخيار وذخيرته ~~اجتناب الذنوب والحاصل يا ملك الطير ويا مالك عنان الخير أن قوام العالم ~~ونظام بني آدم سيف الملوك والسلاطين وقلم العلماء الأساطين فمهما حدث من شر ~~محاه سيف الملوك ومهما وجد من خير أثبته فلم علماء الإرشاد والسلوك وفي ~~الحقيقة يا شيخ الطريقة العالم عبارة عن هؤلاء وبصلاحهم ms337 تصلح الأشياء ~~وبفسادهم والعياذ بالله تفسد الدنيا إذ هم لزوال الفساد وطهارة العباد ~~وعمارة البلاد بمنزلة الصابون للأوضار والاستغفار وللأوزار فإذا فسد هؤلاء ~~فما لفسادهم دواء كما قيل: # الذنب صابون الاستغفار يغسله ... كالثوب ينظف بالصابون أن وسخا # فما الذي يغسل الصابون من دنس ... إذا رأيناه صار الذنب والوسخا ~~PageV01P205 وناهيك يا ملك العقبان ما فسد من الزمان وجرى من الدماء من ~~طوفان وانمحى من أمهات البلدان عند استيلاء الكافر جنكيز خان فسأل العقاب ~~عن كيفية هذا المصاب والعقاب ومن هو جنكيز خان الذي أفسد وخان وما أصله ~~وفصله وكيف كان قطعه ووصله حتى نفذت في كبد العالم بالفساد نصله فقال هذا ~~رجل من بقايا التتار الساكنين من بلاد الشرق في قفار وهم من بقايا يأجوج ~~ومأجوج عن الإسلام منحرفون وعن الإيمان عوج سموا بالترك لأنهم تركوا عن ~~دخول السد بالخروج فكانوا قبل جنكيز خان مبددين في صحاري لا يتفق منهم ~~اثنان مسيرة أماكنهم ومدى مساكنهم شرقا بغرب نحو من ثمانية أشهر وشمالا ~~بجنوب لا ينقص عن هذا المدى ولا يقصر حدها من الشرق حدود ممالك ~~الخطاوأقصاها خان بالق وهي مدينة عظمى ووراءها شرقا يا من يرقى ينتهي الحد ~~بعد السير الجد إلى بلدة عظيمة ولا يأتيها جسيمه تدعى خيسار وأهلها كفار ~~وهي مبدأ مملكة الصين يا ذا المجد الرصين ومن الشمال نواحي قرقير وسلنكاي ~~ومن الجنوب بلاد تدعى تنكيت وتيت هذه يا ذا النسك هي التي يتولد غزالها ~~المسك ومن الغرب وهي جهة قبلة تلك البلاد إذا صلى المسلمون منهم والعباد ~~حدود بلاد أو يغور وما وإلى تلك الكفور من بلاد تركستان يا ذا الإحسان ~~ويسير المجد منها إذا انفصل عنها كذا وكذا شهر حتى يصل من جهة غربها إلى ما ~~وراء النهر ثم هؤلاء التتار كانوا تلك القفار بين هذه الحدود الأربعة في ~~مضيعة وأي مضيعة يتوالدون في ذلك البر ويتهارجون في ذلك السهل والوعر ~~كالحيوانات السائبة في البر والبحر لا حاكم يردعهم ولا دين واعتقاد يجمعهم ~~وهم فيما بينهم ms338 قبائل وشعوب وأصناف وضروب وخلائق وأمم لا يعرفون الإسلام ~~والسلم بل كل أمة تلعن أختها وتنهب تختها وتأكل رختها وكل طائفة تعد غارتها ~~وتقصد جارتها وكل من قوى على غيره كسره أما قتلته وأما أسره لم تزل ~~المكافحة بينهم قائمة والمناطحة بين ثيرانهم وكباشهم دائمة وعيون الرشد ~~والاهتداء عنهم نائمة وضواري الظلم والاعتداء في مسارح سوارح إسلامهم سائمة ~~يعدون النهب غنيمة والفسق والفجور والنميمة أجمل صنعة وأكمل شيمة يأكلون ~~والكلاب والفار وما وجدوه منن صيد القفار والميتة والدم والهوام لا يعرفون ~~الحلال والحرام ويلبسون جلودهم وأوبارها وأصوافها وأشعارها كما كان مشركو ~~العرب في الجاهلية قيل إشراق شمس الملة المحمدية لا زرع لهم ولا ثمر سوى ~~نوع الشجر يشبه شجر الخلاف هو ثمرهم في الشتاء والاصطياف اسمه قسوق وهم على ~~ما هم عليه من الفسوق يعبدون الأوثان والأصنام ويسجدون للشمس إذا بزغت من ~~الظلام ويعظمون النجوم ويعبدونها وتخاطبهم الجن ويرصدونها وفيهم كهنة ~~يعتقدونها وسحرة وساجع وزجره يجبى خراجهم إلى ملك الخطا وهم على أشد كفرو ~~خطا قد تركب الكفر في أحشائهم وإن الشيطاين ليوحون إلى أوليائهم وأعلى من ~~فيهم أكابرهم وذويهم علامة رياسته وانفراده بسياسته وأنه فيهم ذو يأس شديد ~~ورأي سديد ومال مديد كون ركابه من حديد وباقي أعيانهم وذوي مكانتهم ~~وإمكانهم أن كانوا ذوي جد فركابهم قضيب ملوي أوقد وعندهم أفخر ملبوس جلود ~~الكلاب والنموس والذئاب والتيموس وقس على هذا جميع تجملاتهم ومفاخر آلاتهم ~~فهم في قديم الزمان وبعد الحدثان من حين بلغ ذو القرنين بين السدين وساوى ~~على ياجوج ومأجوج بين الصدفين إلى آخر وقت كانوا في قلة ومقت وضيق حال وسوء ~~بال لا دنيا رخيه ولا آخره رضية حتى نبغ منهم هذا اللعين الطاغية تموجين ~~الذي تسمى بجنكيزخان وساعده قضاء الديان فأمده الزمان وأعطاه المكان لأمر ~~يريده الرحمن وقضاء قدره على عبيده في سالف الأزمان فطعم العالم بالفساد ~~فاهلك العباد والبلاد وأخلى والديار والدار وعم غالب بلاد الإسلام بالشنار ~~والبوار فصلى الله على سيد بني عدنان بل ms339 أشرف جنس الإنسان الذي قال يخرج في ~~آخر الزمان رجل يسمى أمير العصب أصحابه مخسورون محقرون مقصون عن أبواب ~~السلطان ياتونه من كل فج عميق كانهم قزع الطريق يورثهم الله مشارق الأرض ~~ومغاربها فاتبعه منهم النساء والرجال اتباع اليهود والكفرة والمسيح الدجال ~~أمم لا يحصرها حساب ولا يحصيها ديوان ولا كتاب وما يعلم جنود ربك إلا هو ~~فارشدوا إلى طريق الضلال بعدما تاهوا وصار كل من أولئك الطغاة الكفرة ~~الهجرة الأوغاد اللئام وكل كلاب خادم كلاب الصعود يجري سيفه الكال الكدود ~~من PageV01P206 أشراف الملوك وملوك الأشراف وفي أعضاد الأسود وفي قارب ~~النمور والفهود وكل ماضغ شيح وقيصوم وعلج من أولئك العلوج وعلجوم يتفكه في ~~أنواع المستلذات من المشروب والمطعوم وكل صعلوك معلوك من تركي متروك أو ~~خدام مملوك يتحكم في رقاب أكابر الملوك ويستعبدون أحرار أولادهم ويستفرشون ~~زوجاتهم وبناتهم في بلادهم: PageV01P207 على رأس عبد تاج عز يزينه وفي رجل ~~حر قيد ذل يشينهومن لا يعرف البطائن المروية ولم يسمع بالرقاع الكرباسيه ~~يستوطي الإستبراق والديباج ويتقلب على تخوت الصندل والساج ويترقى إلى سرر ~~الأبنوس والعاج ويعامل التجار والمضاربين في البر والبحار بألوف الألوف من ~~الدرهم والدينار فيجي إليهم نفائس المضارب من المشارق والمغارب ومكامن ~~المعادن وذخائر الخزائن كل ذلك بواسطة ذلك الطاغية واستيلاء الفئة الباغية ~~وكان من أمر هذا المصاب الذي بدل حولاة العيش بمرار المصاب وخلد في الدهر ~~قواعد البلايا والأوصاب أن الله القاهر فوق عباده الذي لا يسئل عما يفعل من ~~مراده بل له المراد في عباده وبلاده المتصرف في ملكه تصرف المالك في ملكه ~~لما أراد ابتذال الصون وعموم الفساد في عالم الكون واستئصال غالب أهل الأرض ~~وإذاقة بعض عباده بأس بعض وأظهار آثار غضبه على صفحات الشهود وإبراز أسرار ~~قهره على وجنات الوجود ولحس سطور صدور علماء العالم على روح الورد بلسان ~~نار السخط ذات الوقود ونقص أرض العلم من أطرافها وإخلاء ربوع المحاسن من ~~ألافها اينع هذا التنين المبين من أوعار تلك القفار وأغوار أوغادها تيك ms340 ~~التتار فكان ممتازا على أقرانه بوفور عقله وحسن بيانه ذا فكر مصيب ورأي ~~صائب وحزم مجيب وعز ثاقب وهمة تباري الأفلاك وثبات يجاري السماك كسر ~~بصدماته الأكاسرة وقص بسطواته القياصرة وقرع بعزماته على قمم الفراعنة ~~والجبابرة وقهر بحملاته قهارمة خوافين القياصرة وكان أميالا يقرأ أولا يكتب ~~أعجميا عجر يا لا يحسب ولا ينسب لا طالع ولا اقتفى في سياسة الممالك ~~والآثار بل فرع ما فرعه من القواعد في صحيفة تفكيره واخترع ما ابتدعه من ~~تدبير الملك من مطالعة هو لجنس ضميره فأسس قواعد لو أدركه إسكندر ودارا لما ~~وسعهما لاقتفاء أثره وشيد مباني لو بلغت نمرود شدادا لبنيا قصور قصورها على ~~أركان خبره وخبره ورتب تجهيز السرايا والجنود وربط عقود الجيوش والبنود ~~بطرائق يعجز عنها مهندس الحكمة ويتقاعد عن حل رموزها معزم الفطنة وغاية ما ~~يتعاناه ويستعمله ويتعاطاه جيوش الأتراك في بسيط الأرض من إبرام طرائق ~~عساكرهم والنقض إنما هو من قوانين ما رتبه وأفانين ما هذبه وركبه وله في ~~ترتيب حراب الحروب وما فن الضرب والضراب من ضروب وطرائق الاصطياد مخترعات ~~دقائق لم يسبق إليها من لدن كيخسرو وكيقباد احكم الموافق ونصر المصادق وكبت ~~المعادي وكسر الأعادي واستطال مع كثرة مخالفيه عليهم وأنفذ سهم تحكمه فيهم ~~واليهم وصال فيهم حسبما أراد وجال واتسع له في التضييق على الإسلام ~~والمسلمين المجال فكل من عامله بالمجاملة وتلقاه بالعبودية وحسن المعاملة ~~أبقى على نفسه وأهله وماله وحصنهم من أليم خيله ورجاله ومن قابله بالمقاتلة ~~وتلافى صف قتالة سورة المجادلة محا سطور ركونه من لوح الوجود وأوطأ سنابك ~~خيله منه الجباه والخدود فخرب ديارهم ومسح آثارهم مع شكره وإسلامهم وتبدد ~~عساكره ونظامهم ومع أن أكثر الملوك والسلاطين وحكام الممالك الإسلامية من ~~الأمراء والأساطين لعدم اكتراثهم بالأتراك والتتر وشدة ما هم فيه من لنخوة ~~والبطر ولاعتمادهم على حصونهم والحصينة وتعويلهم على معاقلهم المكينة ~~ولكثرة العدد والعدد ومساعدة المدد والمدد ولوفور العمائر ببلادهم وخراب ~~بلاده وبسطة استعدادهم وضيق استعداده لم يعاملوه إلا بالمكافحة ولا ردوا ms341 ~~جواب خطاياته إلا باللعن والمكالحه والسب والمقابحة ولا قابلوه إلا ~~بالمرامحه والمراوسة والمناطحه فقتلهم وأبادهم واستصفى طارفهم وتلادهم ~~وتوطن ديارهم وبلادهم وأبادهم عن آخرهم وأطفأ قبائل عشائرهم فمد لأكابرهم ~~أسمطة الرزايا ووضع في أفواه أصاغرهم أثدية المنايا وأضافهم في ولائم ~~الدمار وأطافهم على نجائب الانكسار في ملابس البوار فاستأصل شأفتهم بالكليه ~~وحكم فيهم المنية فلم يسبق من مائة ألف إنسان مثلا مائة إنسان وذلك أيضا ~~أما على سبيل التغافل أو على سبيل النسيان وسيذكر على سبيل الأجمال ما يدل ~~على تفصيل ما له من أحوال وشواهد ما فزعه من أهوال واستمر ذلك في ذريته وإن ~~كانوا رجعوا عن ملته وأصل هذه الأصلهالتي أضحت بخلقان اللعن أكسى من بصله ~~قبيلة من تلك التتار الساكنين في تلك القفار تسمى قنات ظلمة عتات غير أمناء ~~ولا ثقات منها آباؤه وأجداده وفيها أقاربه وأحفاده واخوته وأولاده فنشأ ~~PageV01P208 كما ذكر بطلا باسلا وشجاعا كاملا سهام أفكاره في عمره مصيبة ~~ورهام آرائه في مكره خصيبه ثم اتصل بعد ما أخنى وخان بملك يسمى باونك خان ~~وأظهر من أنواع الفراسة والفروسة والكياسة ما فاق به أناسه وفات من العقل ~~قياسه فقر به الملك وأدناه ولمهماته اصطفاه ولا زال يترقى عنده إلى أن ملك ~~جنده وصار عضده وزنده ودستور ممالكه ومسلك مسالكه وحاكم أمرائه وناظم أمور ~~وزرائه وناظر جمهور كبرائه وعين أعوانه وعون أعيانه وأعز من أخوته وأولاده ~~وأبر من حفدته وتلاده وكثفت حواشيه وعظمت غواشيه وملأت السهل والوعر فواشيه ~~ومواشيه فثقل على الوزراء وصعب على الأمراء إذ مدار الملك صار عليه ومرجع ~~الأمير والمأمور إليه فحسده أولاد الخان وإخوانه وأجناده وأسرته وأعملوا له ~~المكائد ونصبوا له المصائد وتعاطوا إفساد صورته وتواطؤا على إخماد سيرته ~~فصاروا يتناوبون على ذلك في غيبته ويمزقون أديم عرضه عند الخان ويشقون ستر ~~عصمته بمخاليب البهتان ويراقبون الكلام أوقات القبول ويواظبون في السعاية ~~عليه بدلائل المعقول حتى أوغروا صدر الملك عليه وأخذ يفكر في كيفية إيصال ~~الإساءة إليه ولم يقدر على مواجهته لوفور ms342 جماعته وكثرة حاشيته فان أوتاده ~~كانت ثابته وغراس هيبته كالارزة نابتة وفروع دوحة عصابته قد أحاطت بالملك ~~من كل جهاته حتى قيل إن ذلك الثقيل كان له القرابات وذوي الأرحام والعصابات ~~والأولاد والأحفاد ما جاوز في التعداد عشرة آلاف نسمة كل له حرمة وكلمه ~~فأضمر له السلطان البيات وانتخب لذلك من عسكرة أولي الثبات الثقات ولم ~~يختلف عليه في ذلك اثنان لأنه كان قد استحكم فيهم منه الشنآن وعلموا أن سهم ~~مكرهم نفذ وحسام فكرهم في قطعه فلذ ورأوا من الرأي أرصنه أن يراقبوا لحتفه ~~مكمنه فتواعدوا على ليلة معينة يدهمون فيها مأمنه وكان عند الخان صبيان ~~محرمان لا يؤبه إليهما ولا يعول في الأمور عليهما يدعى أحدهما كلك والآخر ~~باده فانسلا من بين أولئك القادة وسلكا طريقا غير العادة وأتيا تموجين ~~الطاغية اللعين في خفية ونبها وعيه وأخبراه وبصراه وأنذراه وحذراه بما ~~تمالأ عليه الملك مع عسكره المنهمك وقالا أيها العفريت قد طنجت لك قدر ~~التبييت فتنبه من النوم وراقب في الليلة الفلانية هجوم القوم فانه قد مرج ~~المارج الفتنة فامرج وعن وهاد غفلتك اعرج إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ~~وباعاه من السر ما جرى بتخيير المشتر يوقصا عليه القصص فخلصا طير حياته من ~~القفص وظبى نجاته من القنص فشكر لهما ما فضلهما واستكتمهما قولهما ثم تثبت ~~في أمره عن زيده وعمره وجمع تلك الليلة رجله وخيله ولم يبد تلك الحال لأحد ~~من الرجال بل أخلى بيوته ولازم سكوته وقصد أحد الجوانب بما معه من راجل ~~وراكب وأقام في كمين ينظر أيصدق الواشي أم يمين فما مضى هزيع من الليل إلا ~~وقد هبطت الخيل فوجدوا البيوت خاليه والأطلال خاوية فتحقق صدق الناقل وأنه ~~ناصح عاقل فعمل مصلحته وأخذ حذره وأسحلته وتقرر وقوع النكد فتقدم أمامهم ~~واستعد فقصدوه وبالأذى رصدوه ولا زالوا يتبعونه حتى التقوا بمكان يسمى ببا ~~لجونه وهو عين ماء في حدود بلاد الخطا فاشتعلت بين الفريقين نار الحرب وقصد ~~كل منهم الآخر بالطعن والضرب فأعانه الله ونصره ms343 فكسر الخان وعسكرة وفر بمن ~~معه من فئة وذلك في سنة تسع وتسعين وخمسمائة وغنم تموجين من الأموال ~~والمواشي والأثقال وذخائر الخزائن ونفائس البحار والمعادن ما فات الحد ~~والحصر خارجا عن سعادة النصر وهرب الخان وتهدمت منه الأركان فجمع جنكيز خان ~~عسكرة وضبط أسماء من حضره ومن كان شاهد القتال ومواقف الحرب والجدال من ~~والنساء والصبيان والرجال ومن خادم ومخدوم وخاصم ومخصوم ومأمور وأمير وكبير ~~وصغير حتى السائس والجمال والطباخ والبغال والطفل والرضيع والنذل والوضيع ~~ومن شهد تلك الغارة أو كانفي تلك الدارة ولو حاضرا للتفرج مع النظارة ~~واستبشر بوجودهم وتميز بور ودهم فأثبتهم في الديوان بأسماء آبائهم وجدودهم ~~وفرق عليهم ذاك الفيء ولم يرفع إلى خزائنه منه شيء بل وزع ذلك المغنم ~~الوافر العظيم المتكاثر على الحاضرين معه العساكر وضبط أسماءهم في الدفاتر ~~وفرق ذلك العرض العربض الطويل على قدر الحقير منهم والجليل ووعدهم بكل جميل ~~وأما الغلامان اللذان أخبراه وعلى ما كان أضمره الخان أظهراه وكانا سبب ~~حياته وخلاصه من الموت ونجاته فانه جعلهما PageV01P209 ترخان فصار السهم ~~مقاصده كأنهما شرخان والثرخان عبارة عن المعافي المطلق يستوفي حقوقه ولا ~~يقوم بما عليه من حق لا يؤاخذ بقصاص أن قتل وقس على هذا ما يوجب القول ~~والعمل مقضي المآرب موصول المطالب لا يكلف بخدمة ومباشرة ولا بحضور ومعاشرة ~~مهما طلب أعطى ويعد مصيبا ولو يخطى وأعلى مراتبه في مراعاة جانبه أنه يدخل ~~على السلطان من غير استئذان وهو نائم سراريه ونسائه وجواريه فيذكر ماله من ~~مآرب فتقضى ومن شفاعة فتقبل وتمضي ويعطي بذلك مناشير وتواقيع وتقارير تبلغ ~~التاسع من أولاده ويشمل أحكامها جميع أسباطه وأحفاده ولما انتصر وحصل أمنه ~~واستقر وتعاظم أمره واشتهر وعظم وانتشر قرر كل من حضرة تلك الوقعة فيما ~~يليق به من منصب ورفعه فأقبلت القبائل إليه وانهالت الرؤس والوجوه عليه ~~ورجع الخان واستعد وأعد ما وصلت إليه يده من عدد واستعان عليه بالمدد ~~والعدد ثم تقلايا كرتين وتصاولا مرتين انكسر الخان في الأولى وقبض عليه بعد ms344 ~~الكسرة في الأخرى وأباده وأستملك بلاده واستولى على عساكره واستحوذ على ~~ذخائره وعشائره وهربت أولاد الخان ولجأت إلى أطراف تركستان ثم راسل سلطان ~~الخطا والصين بكلام رصين يدل على عقل حصين واسم ذلك السلطان التون خان وطلب ~~المهادنة والموافقة والمصافاة والمصادقة فلم يلتفت إلى كلامه فضلا عن ~~إعزازه وأكرامه على حسبه واستنادا إلى نشبه ونسبه واعتمادا على سعة ممالكه ~~وكثرة ملوكه ومناعة حصونه وعمارة بلاده ووفرة مملوكه فان ممالك جنكيز خان ~~بالنسبة إلى ولايات الخاقان لاش وأقل من لاش وعساكره وقبائله بالنظر إلى ~~أهل الصين أو شاب أو باش فرجع قصاد جنكيز خان بالخيبة وذكروا ما رأوا لملك ~~الصين من عظمة وهيبة فلم يلتفت إليه ثم قصد التوجه عليه بعدد كالرمال ومدد ~~كالجبال وواقعة فكسره ونافقه فحصره وقبض عليه وأباده واستصفى ولايته وبلاده ~~وكانت هذه الكسرة والنصرة في سنة إحدى وستمائة متن الهجرة فاستقل من غير ~~منازع ولا ممانع ولا مدافع فلما خلصت له الممالك وانقاد له المملوك والمالك ~~أخذ في ترتيب الأمور وتهذيب الجمهور وطير أجنحة مراسيمه إلى أطراف ممالكه ~~وأكناف أقاليمه فرفع جميع ما هم عليه من النهب والغارات والتحزبات وطلب ~~الثارات فهدم قواعد الظلم والتعدي في ممالكه فلم ير أيمن من ولايته ولا آمن ~~من مسالكه وهي ممالك المغل والخطا وإلى الصين شرقا وولايات المغل والجنا ~~وبلاد الترك وإلى حدود أترار ما وراء النهر غربا فجرى بعد النهب والأسار في ~~ممالك المغل والتتار والبغي والعدوان العدل والأمان والسلامة والاطمئنان ~~وبعد السرقة والخيانة الوفاء وألمانة وأمر بوضع البرد والمنارات والعلائم ~~والأشارات وعمرت المفاوز والمناهل وسكنت الصحاري والمذاهل وعرفت طرق ~~المهامه والمجاهل وائتلفت تلك الطوائف والأمم وانتشر صيت عدلها في العرب ~~والعجم واخترع كما ذكر أنواع سياسات وقرر للمملكة قواعد بنيان وأساسات ألف ~~بها بين تلك الطوائف فلم ير بينهم مخالف ولا غير موالف على سعة ممالكهم ~~واختلاف مسالكهم وتعدد أديانهم وتفاوت كيل أخلاقهم وميزانهم فانهم كانوا ما ~~بين مسلمين ومشركين ومجوس وأرباب ناقوس ويهود ومن لا يدين لمعبود ms345 وصباه ~~وغواه وعباد الشمس والنجوم ومن يسجد لها أو أن الرجوم وكل منهم بتعصب ~~لمذهبه ويغض من مذهب صاحبه فلم يتعرض لأحد في دينه ولا وقف له في طريق ~~اعتقاده ويقينه وأما هو فلم يتقيد بدين لا كافر مع الكافرين ولا ملحد مع ~~الملحدين ولا يتعصب بملة من الملل ولا يميل لنحلة من النحل بل يعظم علماء ~~طل طائفة ويحترم زهاد كل ملة على دينهاعاكفة وبعد تلك الخصلة قربه حيث يعظم ~~كل دين وحزبه وكل من احتار من أولاده وأسباطه وأحفاده وأمرائه ورعيته ~~وأجناده دينا من الأديان لا يعترض عليه أي دين كان فبعضهم كان مسلما حنيفا ~~وبعض كان يهوديا وبعض نصرانيا مجوسيا إلى غير ذلك من الإلحاد والزندقة وعدم ~~الاعتقاد وحيث لم يتعرضوا إلى دنياه ولا نازعوا ملكه الذي تولاه لم يشاققهم ~~في دينهم ولم يوافقهم في يقينهم واخترع هو لنفسه في الملك قواعد حمل عليها ~~المقارب والمباعد ثم لما لم يكن له كتاب ولا خط ولا لأولئك الحروف قلم ~~يعرفون به قط أمر أذكياء قبيلته وعقلاء مملكته أن يضعوا له خطا وقلما يكون ~~لهم علما وعلما فوضعوا له قلم المغل واشتغلوا به أهم شغل نسبوه إلى قبيلته ~~PageV01P210 ليدلوا به على فضلته فقالوا قوتا تقويعني قلم قتات وهي قبيلة ~~ذلك القتات فوضعوا مفرداته ورتبوها ثم حملوها وركبوها وهي أربعة عشر حرفا ~~ظاهرة بيتهم لا تخفي وهذه صورة مفرداتها ؟؟؟؟؟.. PageV01P211 فأمر أولاده ~~وأحفاده وجماعته وأجناده ومهرة الرجال والأذكياء والأطفال أن يتعلموا هذا ~~الخط وينشروه ويتداولوه ويشهروه بينهم حتى ملأ رأسهم وعينهم فرسموا به ~~المراسيم والمناشير ورصعوا بجواهره جباه المساطير ووضعوا الرسومات ~~الديوانية والتوقيعات السلطانية وابتدع لهم يتواريخ وحساب كل ذلك بهذا ~~الكتاب ثم لما تقرر أمره وانتشر في الآفاق ذكره مهد قواعد أسسها ونصب في ~~دوحة ملكه أصول خلاف غرسها ووضع على ما اقتضاه رأيه التعيس وفكره الخسيس ~~طرقا وافانين ودرب في أمور الحكومات أساليب وقوانين فجعل لكل حكومة حكما ~~وفوق لكل حادثة سهما وفرع لكل حسنة مثوبة ولكل سيئة عقوبة ms346 وقرر لكل معصية ~~حدا ولكل بنيان مخالفة هذا ولكل فرع أصلا ولكل سهم من الوقائع نصلا وبين ~~كيفية الصد والحرب وسلك في كل ذلك الطريق والدرب وألقى دروس ذلك على أولاده ~~وحفدته وجيوشه ورعيته بحيث أنهم حفظوها ورعوها وفي سير سيرهم هرجا ومرجا ~~فمن أحكامها المظلمة وفروعها المعتمة صلب السارق وخنف الزاني وأن شهد بذلك ~~واحد فلا يحتاج إلى ثاني ثم فصل حد السارق بهذيان فارق في السرقة من حركاه ~~أو بيت شعرواه بوجوب الصلب وبقطع اليدان كان بالنقب ثم كلا السارقين يؤخذ ~~ما لهما من مال وعين ويسترق ما لهما من أولاد وينتقل إلى السلطنة ما لهما ~~من طريف وتلاد ومنها حقية دعوى من سبق سواء كذب أو صدق ومنها استعباد ~~الأحرار وتوارث الفلاح والأكار ومنها توريث نكاح لزوجة لأقارب الزوج ~~وتداولهم إياها فوجا بعد فوج فان تزوجها أحد منهم كان أحق بها ولا تخرج ~~منهم وإلا زوجها بمن شاؤا وأخذوا مهرها وباؤا ومنها عدم العدة وعدم انحصار ~~الزوجان في عده ومنها الأخذ بقول الجواري والصبيان وبما يتفوله على الرجال ~~العبيد والنسوان ومنها امتثال أمر السلطان على الفور من غير توان ومنها ~~لزوم ما لا يلزم من العطايا وإيجاب ما يتبرع به الإنسان من التجملات ~~والهدايا حتى لو أعطى شخص شخصا من ماله هدية أو شقصا فان ذاك يلزمه وفي كل ~~عام يغرمه ومنها الجثو بين يدي الحاكم على الركب وقت التحاكم ومنها مطالبة ~~الجار بالجار ومعاقبة البريء بجريمة مرتكب الأوزار وذلك لأدنى مناسبة من ~~معرفة أو مصاحبة فضلا عن أكبر أو شديد قرابة ومنها أن لا يتقدم الوضيع على ~~الشريف ولو كان ذا مال عريض وجاه كثير ومنها العمل بما يقتضيه العقل والكف ~~عما لا يدركه ولو ورد به النقل ومنها منع عفو الحاكم وأن عفا المظلوم عن ~~الظالم ونحو هذه الخرافات الباطلة والهذيانات العاطلة ومن أسخفها وأوسخها ~~وأخسفها أنه لو أخذ أحدا أبله عن قواعدهم ذو غفلة من ثب أحدهم قملة فان ~~دفعها إلى صاحبها خلص من ms347 تبعية عواقبها وغرامة مطالبها فان شاء قصعها وأن ~~أراد وضعها وربما اختار عودها إلى مكانها فرجعها وأن قتلها أو رماها وإلى ~~صاحبها ما أداها فان صاحبها يخاصمه وإلى حاكم التتار يحاكمه ويدعى عليه بين ~~يديه بان هذا الإنسان عمد إلى حيوان ربيته بين سحري ونحري وغذيته بدم صدري ~~وظهري قصدا وأضاعه عمدا منغير سبب تقدم إليه ولا إيذاء اجترأ به عليه فينسب ~~إلى الأجترام ويأخذ ديتها منه بالأغترام وقس على هذا اليسير أنواعا من ~~الكثير ومن نتن هذه البعرة على خرافة البعير ومن هذه القواعد أمر الأقارب ~~والأباعد بما يستصوبه العقل ويستنتجه النقل من سلوك طريق الفتوة ومعاملة ~~الخلق بالمروة والكرم والإحسان والمداراة مع كل إنسان والكف عن الظلم ~~والغارات اللهم إلا في طلب الثارات ثم وضع طرق المكاتبات والمراسلات ~~والمشافهات والمخطبات فكان فكان في المكتبات طريقة رسمه أن لا يزيد على وضع ~~اسمه مثل أن يقول في أول الكتاب وبراعة استهلال الخطاب عند ابتداء المقال ~~بعد عدة أوصال جنكيز خان كلامي ثم يكتب تحته من نصف السطر الثاني إلى فلان ~~ليفعل كذا ولا يتعلل بان وإذا ثم يذكر مخ المقصود بطريق معهود بين العبارات ~~من غير مجازات واستعارات ويختم بذكر الزمان واسم المنزل والمكان وإذا ~~استدعى أحدا إلى الطاعة وملوك السنة أسوة الجماعة فانه يتجنب التهويل ~~والتهديد ويتحامى عن التشريد والتشديد ويرغب بالوعد ويترك الوعيد ثم يقول ~~أن سمعتم وأطعتم فزتم وغنمتم وأن أبيتم وتماديتم فليس أمر ذلك إلينا ولا ~~درك علمه علينا ويرى فيكم الخالق القديم رأيه فان في تقديره وتدبيره كفاية ~~فهذه القاعدة باقية في تلك PageV01P212 الفئة الباغية مستمرة على الدوام ~~وإلى هذه الأيام وجارية على هذا النمط يكتبون اسم الخان والخاقان فقط وكذلك ~~الأمراء والوزراء والمباشرون والكبراء يكتبون في أول الكتاب فلان لا كنية ~~ولا جناب وهكذا إلى الأكابر من الأداني يذكرون اسم الكبير ووظيفته فلان لا ~~الفلاني ولما فرغ من ترتيب هذه القواعد الملعونة وخرج بها على خلاف الشريعة ~~الميمونة وقرر عليها الأمور الديوانية والأحكام ms348 السلطانية أمر بها فكتبت ~~وبهذا الخط رتبت ورسمت في طوامير ولفت في شفق الحرير وزمكت بالذهب ورصعت ~~بالجواهر كما فعل ماني النقاش الكافر واضع مذهب المجوس ومصور على صفحات ~~الطروس ومبرز بطريق المحسوس ليكون أقرب إلى تفهيم النفوس في كتابه المسمى ~~بزند واستاثم أمر باحترامها وتوقيرها والمحافظة على ضبطها وتحريرها والعمل ~~بها والإقتداء بما فيها وتعلق أهل ملته بقوادمها وخوافيها ثم رفعت إلى ~~خزائنه وهي عندهم أعزو من الكبريت الأحمر في معادنه واسمها بالمغلي التوره ~~وتفسيرها الملة المأثورة فإذا جلس منهم سلطان على سرير وذلك بما للرؤساء من ~~اتفاق وتدبير وعادتهم في ذلك أنهم إذا رفعوا عليهم سلطانا وأرادوا أن يبنوا ~~الدار المملكة خانا اجتمع الأمراء من الأطراف واستدعوا أركان الثغور ~~والأكناف واشتروا فيما بينهم مدة أيام واستمروا في ذلك ما بين نقض وإبرام ~~وربما أقاموا في ذلك الجمع العام حولا جميعا أرضعفي عام ويسمون تلك الجمعية ~~قورلتاي وهي مستمرة الحكم في المغل والحفتاي وسبب ذلك تدافع الإمرة والفرار ~~من تلك السلطنة الحلوة المره كما كان الصحابة الكرام يتدافعون الفتاوى خوف ~~الآثام فإذا وقع الاتفاق بين الرفاق وأمراء الجند ورؤساء الآفاق على واحد ~~من أولاد الخان وأن يكون عليهم الممالك والسلطان وتصوب الرأي عليه وتسدد ~~وضعوه على لبد أسود ثم رفعه من الأرض إلى السرير أربعة أنفس مكل أمير كبير ~~كل حامل بطرف رافع في زعمه راية الشرف والخان يصيح بلسان فصيح يا رؤساء ويا ~~أمراء ويا ملوك ويا زعماء أنا ما أقدر أن أتسلطن عليكم ولا طاقة لي أن ~~أتحكم لديكم ولا قوة لي بهذا الحمل الثقيل والدخول تحت هذا الأمر العريض ~~الطويل فيقولون بلى يا مولانا الخان تقدر أن تقوم بحمل أعباء هذا الشأن ~~فيتكرر الخطاب ويتعدد الجواب حتى يجلسوه على السرير ويبتهج بذلك الكبير ~~والصغير والمأمور والأمير ثم يأتون بالتوراة الجنكيز خانية الملعونة ~~الشيطانية مجبلة معظمة محترمة مكرمه فينهضون إعظاما لها ويتبركون بمسكهم ~~أذيالها فينشرونها ويشهرونها ثم ينصتون فيقرؤنها ثم يبايعون الخان على ~~إقامتها وأن يراعى أحكامها ms349 حق رعايتها ويبايعهم على امتثال أحكامها وإجراء ~~نقضها وإبرامها فيجيب كل منهم الأمر على ذلك وأن يقيم شعائرها المملوك ~~والمالك ثم يضربون له الجنوك ثلاث مرار ثم يتوجهون إلى الشمس في وجه ~~النهارويضربون لها الجنوك ويسجد لها من فيهم من ملك ومملوك ولا يفعلون هذا ~~الفعل الشنيع إلا في أيام الربيع فإذا تعاقدوا وتبايعوا وتعاهد وتتابعوا ~~رفعوا تلك الكفريات واحضروا الآلات الخمريات فأدار الخان عليهم الكاسات ~~واستعملوا الأقداح والطاسات وفتح الخزائن وأظهر المكامن ونثر النثار من ~~الدرهم والدينار وخلع الخلع والتشاريف وأعاد في دروس النفائس أبحاث التصريف ~~واستمروا على ذلك أياما والأنعامات تدر عليهم خاصا وعاما ثم يأذن لهم ~~فيتفرقون ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون وهذه الطريقة ~~مستعملة وإلى آخر وقت غير مهملة في جميع ممالك الشرق من الخطا والدشت ~~والصين والمغل والجتا وفي ولايات الجفتاي والروم قد اعتاد والغالب هذه ~~القواعد والرسوم فقدموها على القواعد الإسلامية والشرائع الأحمدية المحمدية ~~اللهم ألهمنا الصواب ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة ~~أنك أنت الوهاب وسبب تحركه إلى ممالك الإسلام وتوجه عنان سخطه إلى طلب ~~الانتقام هو أنه لما استقر أمره وانتشر بعد الجور بالعدل ذكره وطابت بلاده ~~وأمنت وخمدت حركات الظلم وسكنت توجه من بلاد ما وراء النهر فئة في سنة ثلاث ~~عشرة وستمائة فيهم ثلاثة أنفار من أعيان التجار أحدهم يدعى أحمد الخجندي ~~والآخر عبد الله ابن الأمير حسن الجندي والثالث أحمد بلجيخ ومعهم من أنواع ~~المتاجر ونفائس الأقمشة والذخائر ما يصلح للملوك أولى المفاخر فوصلوا إلى ~~بلاده PageV01P213 الجاري فيها مياه كفره وعناده وانتهوا إلى قوقات والمسيل ~~وهما محل سريره الذليل فاكرم نزلهم ورفع محلهم وأنزلهم في قباب بيض وأفاض ~~عليهم الكرم العريض وكان شعار المسلمين في تلك البلد أن ينزلوهم في قباب ~~بيض من لبد وكانوا يقربون المسلمين ويحترمونهم دون الناس أجمعين ثم أن ~~جنكيز خان دعا أحد أولئك الأعيان واستعرض قماشه وساومه بعد ما قربه وأكرمه ~~فطلب منه أضعاف ثمنه ms350 وسامه ما يقضي بغببه وغبنه فما رد جوابه ولا اعتبر ~~خطابه ثم طلب رفيقه واستعرض بضائعهما عليه ثم ساومهما الثمن فقالا يا ملك ~~الزمن أن صلح هذا القماش فخذ مناك به بلاش فليكن ثمنه رضاك وهدية في مقابلة ~~ملتقاك وتقدمة منا إليك بل خدمة لخادم أدخلنا عليك فأعجبه هذا الحوار وقال ~~بل أنتم تجار إنما جئتم لتربحوا وتكسبوا علينا وتنجحوا وأنتم ضيوفنا ~~فالأولى أن يشملكم معروفنا ولكن أنا أقول قولا وأدفع إليكم نولا فان رأيتم ~~فيه فائدة وعاد عليكم منه عائدة قبلتموه وإلا فالرأي فيما رأيتموه ثم ذكر ~~لهما مبلغا أرضاهما وبلغ به منتهى مناهما بحيث ربح درهمهما ثلاثة وأربعة ~~وتضاعفت لهما مع قرب الملك المنفعة فقالا رضينا بما رسمت وأنعمت وقسمت فقال ~~لرفيقهما الأول أن رضيت بمثل ما رضى به صاحباك فتخول وإلا فخذ متاعك وتحول ~~وشأنك وقماشك ونحن مع ذلك رياشك فقال رضيت بما رضيا به وتلطف في خطابه ~~وجوابه فأمر في الحال وأحضر المال ووزن الثمن وزاد ومن وألبسهم الخلع وأفضل ~~في المصطنع وأمر ببضائعهم فرفعت في خزائنه ووضعت ثم أمر خواص بطائنه أن ~~يدخلوا خؤلاء التجار إلى خزائنه فلما دخلوا إليها ووقع نظرهم عليها رأوا من ~~نفائس الأموال والذخائر وأصناف الأقمشة والحرائر وأنواع الجواهر الملوكية ~~وأجناس الأمتعة الكسروية واعلاق ملوك الصين والسلاطين ما أبهت نواظرهم ~~وأدهش أبصارهم وبصائرهم فنزهوا في محاسنها أبصارهم وأودعوا محاسن مخيلاتهم ~~أفكارهم ثم أتوا بهم إليه وأدخلوهم عليه فقال ماذا رأيتم في الخزائن من ~~نفائس البحار والمعادن فقالوا ما لا يصلح إلا في خزائنك ولا ينثر على فرق ~~ملوك المشارق والمغارب إلا من مكامن معادنك فقال ما بايعناكم فارغبناكم ولا ~~أكرمناكم إذ صحبناكم بناء على أنا عادومون ولا أنا بقيمة الأشياء وقدرها ~~جاهلون وإنما فعلنا ذلك الإحسان وجبرنا منكم لنقصان العدة معان أحدها أنكم ~~أضيافنا وقد شملكم كرمنا وأنصافنا ثانيها أن فضلنا الفضيل يقتضي إكرام ~~النزيل ثالثها إنكم مسلمون والمسلمون عندنا مكرمون رابعها أردنااشتهار ~~اسمنا وأن تذكر في الأقطار طريقة رسمنا خامسها ms351 أنه إذا سمع بمعاملتنا ~~التجار يقصدون بلادنا من الأمصار وسائر الآفاق والأقطار فتعمر المسالك ~~والدروب ويربح الطالب والمطلوب سادسها وهو أعلاها وأحسنها وأقواها أنكم ~~أملتمونا وافدين وإنا لا نخيب رجاء القاصدين ثم سرحهم شاكرين ولما سمعوا ~~ورأوا ذاكرين ثم اقتضت الآراء فأمر الأمراء وأكابر بلاده ورؤساء أجناده أن ~~يجهز كل منهم إلى الجهات الغربية والولايات الإسلامية من جهته أحد المسلمين ~~ببضائع من أمتعة الخطا والصين في صفة التجار ليتعاملوا في هذه الديار ~~وتنفتح المسالك على السالك وننقل إليهم بضائع هذه الممالك وتكثر المعاملات ~~وتنجد الممالك والولايات فامتثلوا مراسيمه وعدوها غنيمة ويجهز كل منهم جهته ~~من وثق بأمانته واعتم على كفايته وأعطاه من النقود والأجناس ما يصير به من ~~رؤساء الناس واجتمعوا قافلة وركبوا السابلة نحو أربعمائة وخمسين نفرا كلهم ~~مسلمون كبرا وكتب لهم مراسيم وجائزات بإكرام نزلهم في الدروب والمجازات ~~ومعاملتهم بالكرامات وأن تهيأ لهم ولدوابهم الإقامات ذهابا وإيابا حضورا ~~وغيابا ثم أرسل معهم إلى السلطان قطب الدين محمد بن تكش علاء الدين بن ~~أرسلان بن محمد بن انوشتكين وانوشتكين هذا هو أتابك الملوك السلجوقية ~~والسلطان قطب الدين هو الفائق من تلك الذرية رسالة عاطرة تستميل خاطره ~~وتسيل من سحائب كرمه مواطره وحسن الجوار ومراعاة جانب الجار وسلوك ما تنتظم ~~به الأمور وتطمئن به الصدور ويحصل به الأمن للصادر والوارد والرفاهية ~~للقائم والقاعد وتنعقد به أسباب المحبة من الطرفين وأطناب المودة بين ~~الجانبين وفتح باب المراسلات وكشف حجاب المعاملات وإن كانت الأديان مختلفة ~~فلتكن القلوب مؤتلفة وشمول نظر الصدقات السلطانية وعواطف مراحهما ~~PageV01P214 الملوكية على القصاد الوافدين على أبواب مكارمها المستمطرين ~~سحائب صدقاتها وديمها بحيث تسنى مطالبهم وتهني مآربهم أو كما قال وصدر منه ~~السؤال هذا وما أخبار السلطان قطب الدين فإنه كان من أكبر الملوك والسلاطين ~~تملك عراقي العرب والعجم وما في ممالك خراسان من أمم واستولى على غالب ~~الممالك بالقهر وإلى أقصى ولايات ما وراء النهر وجعل جرجانبة خوارزم مأواه ~~وتلقب لذلك خوارزمشاه ورفع ما بين ممالكه وبين ممالك ms352 جنكزخان من التتار ~~المسمين بقراجفتاي وعباد الأوثان واسترقهم قهرا وقسرا واستصحبهم جبرا وكسرا ~~واستولد من تلك الطائفة المعتدين ولده السلطان جلال الدين فبواسطة أنه صار ~~له منهم ولد صاروا أقرب عساكره إليه وعليهم المعتمد فكانوا شعوبا وقبائل ~~يخرج منهم سبعون ألف مقاتل ومنهم أيضا كانت أمه وأخواله وخيله ورجاله إلى ~~أن خانوه وبذلوه وما صانوه واستدفع بهم طارق البلاء فكانوا (غريبة نادرة ~~عجيبة) كان هؤلاء التتار متاخمين بلاد أنزار وهي حد ممالك السلطان وهي سد ~~عظيم بين المسلمين وبين جنكزخان فغزاهم السلطان وأبادهم واستعبد كما ذكر ~~أجنادهم فارتفع السد من البين وانهدم الفاصل بين الجانبين واتصلت المملكتان ~~كالمحبين أعني مملكة السلطان ومملكة جنكزخان فسرت السرائر وابتهجت الضمائر ~~ودقت في ممالك السلطان قطب الدين البشائر وزينت الولايات بأنواع الذخائر ~~وكان في نيسابور من أكابر الصدور شخصان من العلماء فاجتمعا وأقاما العزاء ~~فسئلا عن موجب هذا البكاء وإنما الناس في فتوح وهناء فقالا أنتم تعدون هذا ~~السلم فتحا وتتصورون هذا الفساد صلحا وإنما هو مبدأ الخروج وتسليط العلوج ~~وفتح سد يأجوج ومأجوج ونحن نقيم العزاء على الإسلام والمسلمين وما يحدث من ~~هذا الفتح من الحيف على قواعد الدين وستعلمن نبأه بعد حين وأنشد فأرشدا: # وعلمت أن فراقكم لا بد أن ... يجري له دمعي دما وكذا جرى PageV01P215 ~~وكان السلطان قد دانت له البلاد واستولى على أهل اليفاع والوهاد وأباد ~~العجم وتفرد بسياسة تلك الأمم وتخت ملكه خوارزم وقد صمم العزم بحزم وحمل ~~الناس على نزع الخلافة من آلعباس ووضعها في آل علي وقد توجه إلى العرق بهذا ~~القصد الجلي فوصل إلى حدود العراق وهو مجد على هذا الاتفاق فوصل أولئك ~~التجار إلى انزار من صوب جنكزخان وبها من جهة السلطان نائب يدعى قايرخان ~~فلما وصلوا البلد أخبرهم النائب الرصد فحبسهم عنده في مكان وأرسل يستأمر ~~فيهم السلطان وبشع العبارة وشنع السفارة وذكر أنهم جواسيس تستروا بالتجارة ~~وإن معهم من الأموال ما يوازي الرمال ويوازن الجبال مصراع (وما آفة الأخبار ~~إلا رواتها) فأمره بقتلهم ms353 وأخذ ما معهم وسلبهم ففي الحال أبادهم وسلبهم ~~طارفهم وتلادهم وأرسل المال إلى السلطان وأوصله حسبما رسم به الديوان ~~فطرحوه على تجار بخارى وسمرقند كما يطرح على مساكين دمشق القند واستخلصوا ~~ثمنه بالظلم وزادوا عليهم فيه الغرم وكان سبب ذلك أن تاجرا عند قايرخان ~~أراد أن لا يكون عند السلطان تاجر سواه فتبعه قايرخان لما أغواه فتعددت ~~الأسباب وانفتح للشر أبواب وقالوا شر أهر ذا ناب فلم يفلت منهم سوى رجل ~~واحد أنجاه الله من العدو والحاسد فاختفى واتصل إلى بلاده وأخبرهم بوقوع ~~الأمر وفساده فغضب جنكزخان وتحرك منه باعث العدوان ثم تثبت في أمره وتلبث ~~في فكره وأرسل إلى السلطان رسالة فيها تهديد وبسالة وكان السلطان خوارزمشاه ~~لما أبدى هذا الخطأ وأنهاه طير مراسيمه إلى أطراف الممالك يأمرهم بالمحافظة ~~على در بندات المسالك ويحرض ولاة الأمور وأصحاب الإدراك في المضايق والثغور ~~والطلائع والإرصاد على منع القصاد وكف من يخرج من تركستان إلى صوب ممالك ~~جنكزخان ثم أرسل من جهته جواسيس يختبر أحوال ذلك الإبليس وينظر أموره ~~وأوضاعه ومقدار عسكره وأمرهم في الطاعة وما قصده أن يفعل ليستعد بحسب ما ~~يعلم منه ويعمل فتوجهت جواسيس السلطان وطال في غيبتهم الزمان وقطعوا الجبال ~~والقفار وسلكوا المفارز والأوعار حتى وصلوا إلى بلاده وفحصوا عن أمره ~~واستعداده وخبروا أمر جنده وعتاده وأوضاع عسكره وتعداده فرجعوا بعد مديدة ~~وأزمان وأخبروا بما حققوه السلطان وأن عدد عساكره يفوت الإحصاء ويخرج عن ~~دائرة الاستقصاء وأنهم أطوع البرية للملك وأثبت جنانا من الأسد المنهمك ~~وأصبر جندا على القتال كأن أمر الهزيمة عندهم محال وأنهم إذا واثبوا أو ~~حاربوا أو سالبوا أو لاسبوا أو رابضوا أو ضاربوا خابطوا ثم خاطبوا بقوله: # ونحن أناس لا توسط بيننا ... الصدر دون العالمين أو القبر PageV01P216 ~~وإنهم لا يحتاجون في الأسفار ولا عند مقاحمة الأخطار إلى كثير مؤنة ولا ~~كبير معونة بل كل منهم ينهض باحتياجه واحتياج مركوبه إلى الجامه وأسراجه ~~ويستبد بعمل سلاحه وجميع ما يستعين به سفرا وحضرا في صلحه وصلاحه ms354 ونطاحه ~~وكفاحه وكذلك ملبوسه وزاده وسائر هبته وعتاده فندم خوارزمشاه على ما قدمت ~~يداه من قتل أصحابه وفتح الثغر وبابه وأنى يجدي الندم وقد زلت القدم وتبدل ~~الوجود بالعدم وغرق في بحر الهموم وهمى عليه غمام الغموم فشاور لما لقي ~~الشهاب الخيوقي وهو فقيه فاضل ونبيه كامل عالم أجل كبير المحل له عند دمحل ~~خطير لا يخالفه فيما يشير فإن رأيه سديد وقوله رشيد فقال له يا إمام قد ~~تحرك على الإسلام عدو ألد الخصام بعساكر كالرمال ذوي صدمات كالجبال فما ترى ~~فيما طرأ فقال عساكرك كثرة وأنت ذو قوة ووفرة وزفر أقدامك له زفرة فكاتب ~~الأطراف وأجمع عساكر الأكناف وادع أهل بيضة الإسلام إلى هذا النفير فإنه ~~عام فإذا وفدوا عليك وتمثلوا بين يديك توجه بهم إلى نهر سيحون واجعل ساحله ~~من تلك الجنود مشحون واملأ بهم تلك المهامة والقفار وحصن ممالكك إلى حدود ~~انزار فإن أقبل العدو المخذول لم يصل إلا وهو من الكلال محلول فإنه يأتي من ~~بلاد بعيدة بجنود عديدة وقد أثر فيه الغضب وأخذ منه التعب والوصب فتلاقيه ~~على سيحون وهم كالون ونحن مستريحون فجمع بعد ذلك أمراءه ووزراءه وزعماءه ~~وعرض عليهم ما جاءهم وطلب منهم آرائهم فلم يرتضوا رأي الشهاب لأمر يريده ~~مسبب الأسباب وقالوا بل نتركهمحتى يقطعوا الأوعار والمضايق ويتورطوا في ~~بلادنا في بالعوايق فتزداد مشقتهم وتطول في المسير شقتهم لا سيما وهم ~~بأرضنا جاهلون وعن مداخلها ومخارجها ذاهلون فإذا حصلوا في قبضتنا كان أمكن ~~لنهضتنا فنضيق عليهم واسع رحابها وأهل مكة أخبر بشعابها وذهل أولئك الجمع ~~عما رآه الفقهاء وهو أن الدفع أولى من الرفع وبينما هم في المشاورة ~~والمراودة ورد قاصد جنكزخان برسالة المناكدة وفيها من التشنيع والتقريع ~~والتهديد والتبشيع العجب العجاب وما يشيب الغراب فمن جملة تشنيعاته ومضمون ~~تهويلاته ما معناه في فحواه كيف تجرأتم على اصحابي ورجالي وأخذتم تجارتي ~~ومالي وهل ورد في دينكم أو جاز في اعتقادكم ويقينكم أن تريقوا دم الأبرياء ~~أو تستحلوا أموال الأتقياء أو تعادوا ms355 من لا عاداكم وتكدروا عيش من صادقكم ~~وصافاكم أتحركوا الفتن النائمة أو تنهضوا الشرور الجاثمة أو ما جاءكم عن ~~نبيكم وسريركم وعليكم أن تمنعوا عن السفاهة غويكم وعن ظلم الضعيف قويكم أو ~~ما أخبركم مخبروكم وبلغكم عنه مرشدوكم ونباكم محدثوكم اتركوا الترك ما ~~تركوكم وكيف تؤذون الجار وتسيئون الجوار ونبيكم قد أوصى به مع أنكم ما ذقتم ~~طعم شهده أوصابه ولا بلوتم شدائد أوصافه وأوصابه ألا وإن الفتنة نائمة فلا ~~توقظوها وهذه وصايا إليكم فعوها واحفظوها وتلافوا هذا التلف واستدركوا ما ~~سلف قبل أن ينهض داعي الانتقام ويتحرك من الفتن حامي الاضطرام ويقوم سوق ~~الفتن ويظهر من الشر ما بطن ويموج بحر البلاء ويروج وينفتح عليكم شد يأجوج ~~ومأجوج وسينصر الله المظلوم والانتقام من الظالم أمر معلوم ولا بد أن ~~الخالق القديم والحاكم الحكيم يظهر أسرار ربوبيته وآثار عدله في بريته فإن ~~به الحول والقوة ومنه النصرة مرجوة فلترون من جزاء أفعالكم العجب ولينساب ~~عليكم يأجوج ومأجوج من كل حدب وكان اللعين جنكزخان قد مشى على تركستان وأخذ ~~منها عنوة كشغرو بلاساغون وصار تافي حوز ذلك الملعون وكانتا في يد كوجلك ~~خان ابن أونك خان المار ذكره في أول القصة لما قتله حنكزخان وقصة هرب ولده ~~كوجلك خان المغبون واستقر في شاغروبلا ساغون إلى أن مشت العساكر عليه وأخذت ~~تلك الأماكن من يديه فلما وصل هذا الخطاب إلى ذلك الأسد الوثاب أمر بمقدم ~~القصاد ورئيس أولئك الوراد فضربت رقبته وبمن بقى فحلقت لحيته وسخمت بالسواد ~~حليته ردا لجواب بأبشع خطاب ومن فحواه وبارد ما حواه إني سائر إليك وهاجم ~~عليك بجنود الإسلام وأسود الآكام وكل بطل ضرغام ولو بلغت مطلع الشمس فحلك ~~في قعر الرمس وجاعلك كذاهب أمس فتيقن ذلك واعلم إنك لا محالة هالك ورد ~~قصاده على عقبهم وقصد التوجه في ذنبهم فتجهز وصار بعسكر جرار إلى صوب ~~التتار وأوصل السير وسابق الطير وأراد أن يسبق الخبر ويكبس التتر ويريهم ~~عين العلة قبل الأثر فألوى من العراق PageV01P217 وسار وساق ms356 فقطع ممالك ~~خراسان وولايات ما وراء النهر وتركستان وهجم بذلك البحر الزخار في تلك ~~المهامة والقفار فوصل إلى حشم في بيوت وهم آمنون في سكون وسكوت ليس فيهم ~~غير نساء وصبيان ومواش وبعران رجالهم غائبة وأمورهم بواسطة الأمن سائبة ~~وكانت رجالهم توجهت لأخذ الثار من بعض التتار بواسطة عدوان وقع بينهم وبين ~~كوجلك خان فقاتلوهم وكسروهم ونهبوا أموالهم وهصروهم ففي غيبتهم وصل السلطان ~~إلى بيوتهم وفي أمنهم وسكونهم وليس فيهم إلا الحريم والأطفال والمواشي ~~والأثقال لا يؤبه إليهم ولا يعول عليهم فاستولى عليهم ونهبهم وسلبهم عيشهم ~~وأمر العساكر فنهبوهم وأسروهم وفرقوهم وكسروهم وهم الجم الغفير والعدد ~~الكثير والمال الغزير ورجع السلطان من فوره وابتدأ في حوره بعد كوره وتصور ~~أنه أعنى وأنكى وأنه أضحك وليا وعدوا أبكى فما هو إلا وضع على القرح كيه ~~وداس ذنبه الحية ثم رجع التتار ورأوا ما حل بأهلهم من بوار وإنهم أخرجوا من ~~ديارهم وأولادهم ونكبوا في طريقهم وبلادهم وأن نساءهم أسرت وصفقتهم خسرت ~~فما وفت نصرتهم بسكرتهم ولا قامت فرحتهم بحسرتهم التهبوا واضطربوا واصطلموا ~~واصطدموا وأخذتهم الحمية وعصبتهم العصبية وتنادوا ياللغارات وطلبالثارات ~~وتناجى منهم حماة الحقايق وكماة المضايق وتتبعوا في الحال آثار الرجال من ~~غير إهمال ولا إمهال وسلكوا الآثار لأخذ الثار وأكبوا كالبرق الخاطف وزعقوا ~~كالرعد القاصف واندفعوا كالريح العاصف واندفقوا كالسهم الناقف ودهموا ~~كالليل المدرك وهجموا كالسيل المهلك فأدركوا عساكره بشرور ثائرة ومراجل ~~صدور بالضغائن فائرة فلم يشعروا إلا العدو المضرم غشيهم كالقضاء المبرم ~~فألوت عساكره وقابلت واستعدت وقاتلت والتفت الرجال بالرجال وضاقت ميادين ~~المجال واستمرت ضروب الحرب بينهم سجال وتطاولت سهام الموت لقصر الآجال ~~وتهللت ثنايا المنايا لبكاء السيوف وتبسمت ثغور الرزايا لفتوح الحتوف ~~واستمرت ديم السهام من غمام القتام على رياض الصدور تهمي ولوامع بروق ~~السيوف على قمم تلك الصفوف بعد الوابل الوسمي بالصواعق ترمي ثم انتقلوا من ~~معاشقة المراشقة إلى مراشقة المعانقة ومن مكالمة المضاربة إلى ملاكمة ~~الملاببة ومن مخادعة المقارعة إلى مسارعة المصارعة وامتدت بهم الحال في ms357 هذا ~~القتال والجدال ثلاثة أيام مع الليال لا يسأمون الطعن والضرب ولا يملون ~~مباشرة الحراب والحرب إلى أن جرى من الدماء طوفان وكاد يظهر سر كل من عليها ~~فإن كل ذلك وكاتب البيض والسمر يستوفي من أقلام الخط في صحائف الصفائح ~~مستوردات العمر ولم يسمع بمثل هذا القتال ولا بنظير هذا الضراب والنضال في ~~سالف الأزمنة والأعصر الخوال وما أمكن تولي إحدى الطائفتين ولا نكوص جهة من ~~الجهتين أما طائفة المسلمين فلحمية الدين ولو ولوا الأدبار لما أبقت التتار ~~لبعد الديار وصعوبة القفار منهم نافخ نار وأما الكفار فللغيرة على ذوات ~~الأستار واستخلاص الأطفال والصغار من قيد الذل ورق الاسار فصارت الخضراء ~~غبراء والغبراء حمراء والصحرا بحرا والقتلى تلا والجرحى ترحى ولم يثبطهم عن ~~استيفاء القتال غير انحلال الأعضاء والكلال فانفصلوا وما انفصلوا وانقطعوا ~~بعد ما اتصلوا وحلوا بعد ما كلوا وتراجع كل عن صاحبه بعد ذوبان قلبه وقالبه ~~واستفراغ جهده بما وصلت إليه غاية كده ثم استوفى ناظر القضاء ما أورده عامل ~~الفناء من سهم المنون إلى ديوان برزخ إلى يوم يبعثون من أرواح الشهداء ~~الأبرار وأنفس الأشقياء الكفار الوار من تلك المعركة الساكن من حركات هاتيك ~~التهلكة فكان من المسلمين عشرون ألفا ومن الكفار كذا وكذا ضعفا غير أنه لم ~~يمكن حصرهم ولم يعرف قدرهم فلما كانت الليلة الرابعة وهي الليلة الفارقة ~~القاطعة أوقد كل من الفريقين في منزله النار وأكثر من القبائل في المنازل ~~والآثار وتركها وسار فوصل السلطان من بلاد تركستان وقطع سيحون نهر خجند ~~ووصل إلى بخارى وسمرقند وشرع في تحصين البلاد والقلاع والاحتفاظ بمدن ~~الممالك عن الضياع وقد سكن الهم فؤاده ونهب القلق والأرق رقاده وعلم ~~المسلمون أنه خان وأنه لا طاقة لهم بالتتار فخافوا حلول البوار ونزول ~~الدمار وتيقنوا خراب الديار لأن السلطان عاجز ولا بد من قدوم بلاء ناجز ~~وقالوا إذا كان هذا الخور من شرذمة قليلة من التتر في طرف من أطراف بلاده ~~لا فيهم أحد معتبر من أجناده ولا PageV01P218 رئيس ms358 يشار إليه من أولاده ولا ~~درى ولا أعلم بما جرى فكيف إذا دهم بطامته الكبرى وأحشاد جيوشه العظمى فترك ~~خوارزمشاه ببخارى عشرين ألف مقاتل وفي سمرقند خمسين ألف مناضل وقرر معهم ~~أنه سيجمع الجنود ويستجيش أبطال المسلمين ويعود وتوجه بثبات عزم وإضاعة حزم ~~إلى سرير ملكه خوارزم ثم انتقل إلى خراسان وخيم بضواحي بلح في مكان وأقام ~~رخى البال كأن الشيء ما كان ثم لا زال يضمحل ويذوب ويحل به ما يحله من ~~نوائب الخطوب حتى انتقل إلى جوار الرحمن في أطراف طبرستان في سنة سبع عشرة ~~وستمائة وكانت ولايته في العشرين من شوال سنة ست وتسعين وخمسمائة وكان ملكا ~~عظيما وسلطانا جسيما ذا صولة فاهرة ودولة باهرة وجولة أرقدت الملوك ~~بالساهرة فاضلا فقيها عالما نبيها اضمحل بأدنى حركةملكه وغرق في بحر الفناء ~~بعد الطغيان فلكه وركن إلى الخطا فوقع فيه وخانته عساكره ومخالوه ودود الخل ~~منه وفيه كان في خزنته عشرة آلاف دينار من أجناس الأقمشة والأمتعة والأسلحة ~~ما لا يحصيه إلا الواحد القهار وكان فيها ألف حمل من القماش الأطلس وأضعاف ~~ذلك من نفيس النفائس وأنفس ومن الخيل المسومة عشرون ألف جنيب ومن المماليك ~~الملوك عشرة آلاف كل له في دار الملك ربع خصيب وأوفر حظ ونصيب فما أفاد ذلك ~~ذره بل نبشوا بعد موته قبره وقطعوا رأسه وفجعوا به ناسه فسبحان من لا يزول ~~سلطانه وعز وعلا من لا يذل شأنه: # فما كف ذو كف له رائد الردى ... ولا مال بالأموال عنه حمامه # ولا ملك كلا ولا ملك حمي ... حمى ملكه لما عراه انهدامه # وبسط المقول فيه شرح بطول (وأما) أمر الطاغية صاحب الفئة الباغية جنكزخان ~~لما وصل قصاده من عند السلطان بعد الفناء والشدة لحاهم محلوقة ووجوههم ~~مسودة وقد قتل رئيسهم وخلا من نقد مرادهم كيسهم ذهب حفاظه والتهب شواظه ~~وطمت بحار كفره وتلاطمت وتزعزت أطواد شركه وتصادمت وبينما هو يرغى ويزبد ~~ويقوم من غضبه ويقعد إذ جاءه الخبر الثالث وهو شر الحوادث إذ فيه خبر ms359 من ~~قتل من الكفار وانتقل من دار الخسار إلى دار البوار جهنم يصولنها وبئس ~~القرار فأعمل في قلبه نصله وكان أولا قد زاد على قرحه قرح مثله ثم كان هذا ~~القرح ملحا مذرورا على جرح فقامت قيامته وتعوجت بالحزن قامته وود لو أحرق ~~الكون بأنفاسه وهدم أساس المكان بفأس بأسه ثم تروى وافتكر وتهوى من حر هذا ~~الشرر ثم قصد مذهب الاعتزال وانزوى عن جماعته في مكان خال ودخل إلى مكان ~~خراب وعفر وجهه في التراب وتضرع إلى الله الحليم وقال يا خالق يا قديم أنا ~~أردت أن أعمر بلادك وأنعش عبادك فظلمهم يا الله عبدك خوارزمشاه وتعدى علي ~~وكرر الإساءة إلي فانتصر لي منه وانتقم فإنك جبر من كسر وعون من ظلم واستمر ~~على هذه الحال ثلاثة أيام وليال لا يأكل و يشرب ولا يفتر عن التضرع والطلب ~~يمرغ رأسه ووجهه في الثرى ويقصد فيما يرومه رب الورى وقد قيل: PageV01P219 ~~تضرع جنكزخان لله ساعة ... وأخلص فيما رامه وهو مشرك # فما خاب فيما رامه من فساده ... وما زال يعثو في الأنام ويسفك # فما بال من لله طول حياته ... يوحد بالإخلاص هل هو يهلك # ثم نهض نهضة أنام فيها الأنام وقام قومة أقام بها ساعات القيام فتوجه من ~~مشركي التتار وعساكر الكفار بالبحار الطامية والأمطار الهامية وجبال ~~النيران الحامية في شهور سنة خمس عشرة وستمية ومشوا على ممالك الإسلام ~~وساروا على بسك العالم سير الغمام وأرادوا طفاء نور الإيمان من أشراكهم ~~بظلام فوصلوا إلى البلاد وهي جنة المرتاد آمنة مطمئنة ساكنة مستكنة وليس ~~لها مانع ولا ممانع ولا لهم عنها دافع ولا مدافع ولا بها حام ولا محام ولا ~~سام ولا مسام فاخنوا على جند وقراها وولايتها وما ولاها رابع صفر عام ستة ~~عشر وأظهر فيها علامات الحشر فأدهشوا وهلها وسبكوا أهلها ودكوا جبلها وأحاظ ~~بها ثبوره وويله واستمروا في نهبها ست عشرة ليلة ثم تنقلوا عن جند إلى ~~ولايات اند كان وفناكث وخجند فأخذوها وقتلوا وفعلوا كما كانوا فعلوا ثم ms360 إلى ~~بلدة مرغينان وكانت دار ملك ايلك خان ثم إلى أطراف تركستان ومنها سيرام ~~وتاش كبدو باقي البلدان ثم إلى تسف وأنزار وسغناق ومامن أمهات البلاد في ~~تلك الآفاقفمشوا على سهل البلاد ووعرها مشي الجراد على القصير الأخضر # فكأنهم موسى على شعر مشت ... أو منجل فوق الحصيد الأصفر # أو شعلة ثار الهوا فتعلقت ... فوق الصعيد على الهشيم الأغبر PageV01P220 ~~فكل من أطاعهم وقصد اتباعهم صار من جلدتهم ودخل في عدتهم ومن عصى أو توقف ~~أو خالف أو تخلف سقوه كأس الدمار وأحلوه وقومه دار البوار وأسروا حريمه ~~وأولاده ونهبوا طارفه وتلاده ثم أن تلك الدواهي المصمية يوم الثلاثاء رابع ~~المحرم سنة سبع عشرة وستمية وصلوا إلى بخارى بلدة فضلها لا يجارى قبة ~~الإيمان وكرسي ملوك بني سامان مجمع العلماء والزهاد ومنبع المحققين من ~~الفقهاء الأمجاد والمدققين من النبهاء والأنجاد وفيها من الأكابر والأشراف ~~وأوساط الأمائل والأطراف الجم الغفير والطم الكثير فلما رأى العساكر ~~السلطانية والجيوش الخوارزمشاهية الذي كان أرصدهم السلطان لحفظ البلدة من ~~طوارق الحدثان وهم عشرون ألفا أن البلاء زحف إليهم زحفا وأن كسرتهم منهم لا ~~تخفى وأن سيل الويل حطم وموج بحر الدواهي التطم ومن لم يدرك من الغرق نفسه ~~ارتطم شمروا الذيل وخرجوا تحت الليل وقصدوا جيجان والعبور إلى خراسان ~~ومقدمهم من أمراء السلطان كورخان وسونج خان وحميد النوري وكوحلي خان فبينما ~~هم على نهر جيحون قاصدين العبور صادفتهم طلائع جنكزخان الكفور فوضعوا ~~السلاح فيهم ومحوهم عن بكرة أبيهم فما أبقوا منهم عينا ولا أثرا ولا سمع ~~لهم أحد خبرا فوهي أمر البلد إذ لم يبق لهم مدد فطلبوا الأمان وأرسلوا لذلك ~~القاضي بدر الدين بن قاضي خان فأجابهم إلى ذلك وأناب فاطمأ نواو فتحوا ~~الأبواب فدخلوا المدينة يرفلون وهم من كل حدب ينسلون فعصى بقية العسكر في ~~القلعة وتصوروا أن يكون لهم منه منعة ففي الحال أمر الرجال بطم الخندق بكل ~~ما وجدوا جل أو دق فأتوا بنفائس الأقمشة والذخائر المدهشة والكتب والربعات ~~والمصاحف الشريفة والختمات وطرحوها ms361 في الخندق ومشى العسكر عليها وتسلق ~~ونقبوا النقوب وأنفذوا الثقوب وكان قد نادى بالأمان للقاضي والدان فعجزت ~~القعلة وذهب ما بها من منعة وكان فيها فئة نحو من أربعمائة فباشروا عن ~~آخرهم واستولوا على باطنهم وظاهرهم ثم مدوا أيديهم إلى المخدرات وفجروا ~~ظاهرا بالمسترات وجعل الناس ينظرون ويبكون وهم يفتكون وينكون لا يستطيعون ~~دفعا ولا يملكون ضرا ولا نفعا فاجتمع من أئمة الدين ومن أعلام العلماء ~~المهتدين ومن لم يرض بعمل المفسدين جماعة غاروا وثاروا وفاروا وانضموا إلى ~~العلامة القاضي صدر الدين قاضي خان وأولاده السادة القادة الأعيان والحاكم ~~الشهيد الإمام العالم السعيد والإمام ركن الدين إمام زاده واختاروا الموت ~~على الشهادة فحملوا على الفئة الطاغية والطائفة الكافرة وقاتلوا حتى قتلوا ~~وإلى جوار الله مقبلين انتقلوا فاستشهدوا عن آخرهم ولحق أصاغرهم بأكابرهم ~~ودخل جنكزخان إلى المدينة وطاف بها على هينة وسكينة حتى انتهى إلى باب ~~الجامع مكان نزه موضع رائع ومحل شريف ومعبد واسع ولم يكن لذلك البلد الكبير ~~والجم الغفير والجمع الكثير والمصر الواسع من الجوامع سوى جامع واحد يجمع ~~الصادر والوارد ويسع ما شاء الله من الأمم وهذا على مذهب الإمام الأعظم ~~وهكذا كل أمصار الحنفية في الممالك الشرقية والممالك الهندية وغالب البلاد ~~التركية فقال جنكزخان هذا بيت السلطان فقالوا بيت الرحمن ومأوى للعباد ~~والعلماء والزهاد وذوي الطاعة والاجتهاد فقال إن أولى ما أقمنا أفراحنا في ~~بيت من خلق أرواحنا ورزق أشباحنا ثم ألوى إليه وأقبل عليه ونزل عن دابته ~~ودخل الجامع مع جماعته ثم دعا بأمرائه وكبراء جنوده وزعمائه واستدعىالخمور ~~والطبول والزمور وهش إلى الكفار وعظمهم وبش فرحا واحترمهم فسجدوا له مئهم ~~الملوك وضربوا له الجنوك وعرفوا حقه ورعوا ورفعوا بالثناء صوتهم ودعوا فأذن ~~لهم بالجلوس وأن تدار عليهم الكؤس فجلس كل في مكانه بين إضرابه وإخوانه ~~وقام بعض في مقامه في موقف حده واحتشامه فتصدر في مجالس العلم والأذكار ~~ومحاريب الصلاة والكفرة الفجارة ورؤس المشركين من المغل والتتار واستبدلت ~~محافل العلم والتدريس بجحافل الشرك والتنجيس ثم ms362 احضروا العلماء والأشراف ~~والكبراء وسادات الأنام ورؤساء الخواص والعوام وأنزلوا بهم الثبور والويل ~~واحتفظوا بهم واستحفظوهم الخيل وصارت الناس حيارى سكارى وما هم بسكارى ~~وأخذتهم بهته إذ أتاهم العذاب بغتة ولم يكن بين رحيل ةالسلطان وبين هجوم ~~هذا الطوفان غير خمسة أشهر وأيام ساروا فيها سير الغمام وهجموا على العالم ~~هجوم الظلام وكأن الناس كانوا نياما ورأوا في PageV01P221 منامهم أحلاما ~~فلم يوقظهم من هذا الرقاد سوى ابراق البلايا بالإرعاد فانسد عليهم طريق ~~الخلاص وخانهم المدد في شدة الأقتنص وتنادوا ولات حين مناص إذ فارقهم ~~العسكر وهم في حال المضطر وكان من جملة أولئك الأعيان شخص ولي يدعى السيد ~~الشريف جلال الدين علي بن حسن الزيدي وهو المقدم والمقتدي والمسلك إلى طريق ~~الهدى وأعلى سادات ما وراء النهر ولدوحة ساداتهم بمنزلة الثمر والزهر قد ~~قبض عليه ربطوا إلى عنقه يديه ثم استنظروه مراكبهموأنشبوا فيه مخاليبهم وهو ~~واقف بباب الجامع في هيئة الذليل الخاضع فرأى الأمام الهمام البحر الطام ~~علم العلماء الأعلام أفضل علماء عصره وأنبل فقهاء دهره الشيخ ركن الدين ابن ~~الإمام بوأهما الله تعالى دار السلام وهو في مصل حاله متسربل بسربال نكاله ~~فقال أيها الإمام المفضال ما هذه الأحوال ثم أنشد معنى هذا المقال: # أرى حالة بذت لساني فليس لي ... طريق إلى أني أفوه بلفظة # أعض لها كفي وأمعك مقلتي ... أفي النوم هذا أم أراه بيقظة PageV01P222 ~~فأجاب الإمام ما هذا محل الكلام كن عبد الإرادة واتبع ما أراده واستمروا ~~يشربون الخمور على أصوات الزمور ويضربون الطبول ويتراقصون رقص التتار ~~والمغول ثم صعد المنبر ابن جنكيز خان الأكبر واسمه توشي خان وتكلم بكفر ~~وكفران ثم غنى ورقص ودعا لأبيه ونكص ثم صعد بعده أبوه وتكلم بكلام سمعوه ~~ودعا بالخمور ثم غنى وشرب ثم غنى وطرب ثم قال أيها الرجال أن خيلنا هي رأس ~~المال وقد رعيتم الوهد والبقاع وحلفتم شعور الكلا من قمم البقاع وقد شبعتم ~~فلا تنسوا الجياع ألا فاشبعوا خيلكم ولا تحرموها نيلكم رعيتم الخضيم فابغوا ~~لها القضيم ms363 وامتثلوا أمر سلطانكم تحظوا منه بامانكم فنهضوا قياما وامتثلوا ~~مرسومه مراما وتهارجوا كالحمير وابتدروا واطلب القمح والشعير ثم طغى وتكبر ~~وبغى وتجبر ونزل عن المنبر فلم يكن بأسرع من اتيانهم بالحبوب والقضيم ~~المطلوب وأدخلوا الخيل إلى الجامع وطلبوا لها مرابط ومواضع ثم أفرغوا ~~الخزائن المصاحف والختمات وظروف الكتب وأوعية الربعات وصبوا فيها الشعير ~~وأطعموا فيها الخيل والبغال والحمير فتبددت الكتب المنيفة والمصاحف الشريفة ~~والربعات المعظمة والختمات المكرمة تحت السنابك والحوافر ومواطئ أقدام كل ~~كافر وصارت أبحر القاذورات والخمور على تلك النفائس والذخائر تمور ثم أنه ~~خرج من البلد وأمر أن لا يترك في البلد أحد بل يخرجون إلى المصلى وولى ~~حفظهم من كفر وتولى ومن تأخر قتلوه وبتكوه وبتلوه فخرجوا كالجراد وانتشروا ~~على الوهاد واجتمعوا في المصلى ثم على المنبر تعلى وخطب خطبة تركيه كافرية ~~مشركية منها أنكم ركبتم عظائم وأتيتم ما ثم وجرائم فتقدم ربكم إليكم أن ~~سلطني عليكم وهذه الأوزار إنما جناها منكم الكبار فلأجل هذا عم البلاء وذهب ~~بجريمة الكبراءالأصاغر والضعفاء ثم ضبط أسماء التجار واستخلص ما عندهم من ~~درهم ودينار وقال هذا ثمن مالي من نقد وأعيان الذي كان منحكموه السلطان ~~فلما استخلص الأموال أمر بقتل الرجال وأسر النساء والأطفال والنهب العام ~~لسائر الأغنام ومن أخذ فهو له لا يقطع أحد سبله ثم أمر بهدم البلد والإحراق ~~وإعدام عينها على الإطلاق فمهما قال فعلوه وكل ما رسم به امتثلوه فساووا ~~بالبلد الأرض واستوفوا أعمار أهلها بالفرض والقرض فلم يبق منهم ديار ولم ~~ينج من تلك النار العظيمة نافخ نار وقيل انه نجا من هذه الواقعة رجل ياقعة ~~فوصل إلى خراسان فسألوه عن هذا الشان كيف كان فقال لهم بذلك اللسان ما ~~صورته: # آمدند وكندند وسوختند ... وكشتند وبردند ورفتند PageV01P223 يعني هجموا ~~وهدموا وأحرقوا وأرهقوا ونهبوا فقيل لم يوجد في الفارسي في هذا المعنى أحسن ~~من هذه الألفاظ ولا أرصن ولا أوجز ولا أمتن ثم أمر الجند بالتوجه إلى سمر ~~قند فتوجهوا بالأثقال من الأموال والأسرى من النساء ms364 والأطفال مشاة حفاه ~~أذلاء عراة فلم يتوقف كل أعتمي أعقف وكافر أغلف في ضرب رقبة من أعيا أتوقف ~~فوصلوا إليها واخنوا عليها وفيها من العساكر الأكفا مائة ألف وعشرون ألفا ~~سبعون من أهل البلد وخمسون من المرصدين للمدد فتجهز عسكر للفا وخرجوا من ~~البلد للملتقى فكمن لهم التتار من اليمن واليسار في رواب وتلال تسمى ~~بالأحصار فناوشهم من عساكر الكفار شر ذمه ثم ولت أمامهم منهزمة فركب ~~البلديون أعقابهم وداسوا أذنابهم إلى أن ابعدوا عن البلد وانقطع عن ~~البلديين المدد هرج الكمين من خلفهم لقطع رجل مددهم وكفهم ورجع عليهم ~~الفارون وأحاط بهم الغرون ونلاحق بعم عساكر لا لأول لهم ولا آخر فلم يفلت ~~منهم واحد ولا صدر عن حياض تلك الملحمة وارد فلما شاهد العساكر الخوار ~~زمشاهيه ما نزل بالجنود البلدية من داهية ورزية لم يسعهم إلا الترامي عليهم ~~والأنحياز إليهم فدار واوداروا واللبيب من داري فوقوا بذلك أنفسهم وأهليهم ~~نارا فلم يركنوا إليهم ولا اعتمدوا عليهم فرأوا مصلحتهم في سلبهم أسلحتهم ~~فطلبوا منهم عدتهم ثم فرقوا عدتهم كما فعل تيمور الغدار في بلاد الروم ~~بالتتار عند كسر ذلك الخوان في سنة خمس وثمانمائة بايزيد بن عثمان فلم يبق ~~لأهل البلد معين ولا مدد فاستسلموا اللقضا وجروا طوعا وكرها في ميادين ~~الرضا فاحل بهم بوار وأنزل دمارا ففعل بسمر قند وأهلها ما فعل ببخاري ودور ~~أسوارها بدلالة آثارها من الفراسخ اثنا عشر لا يمتري في ذلك اثنان من البشر ~~فقس ما في ذلك من الخلائق والأمم فالكل براهم سيف القلم كما يبرى السيف ~~القلم ثم قوى العزم وسدد الحزم وجهز طائفة من العساكر إلى خوارزم مع ولديه ~~أحدهما المدعو بجفتاي والآخر المسمى باكتاي وهي تخت خوارزمشاه وفيها من ~~الأمم ولا يعلمه إلا الله معدن الأفاضل ومقطن الأمائل محط رحال أهل التحقيق ~~ومقصد رجال الفحول ذوي التدقيق ولوفور ما بها من الرؤس لم ينفرد برياستها ~~رئيس لكثرة ما بها من الناس لم يتعين اسياستهم رأس فاتفق أكابرها لضبط أمور ~~المسلمين ms365 على تقديم شخص يدعى حمار نكين فبعد حروب يطول شرحها ويهول برحها ~~ويجب قرحها ويستحب طرحها أخذوها عنوه بعد ما قاسوا جفوه فاستصفوا أرباب ~~الحرف ومن تعلق من صنعة بطرف فكانوا نحوا من مائة ألف بيت أو يزيدون أن ~~عددتهم وعديت ثم ميزوا النساء والأطفال وكانوا كعدد الحصى والرمال فقرقوهم ~~على ذلك العسكر الثقيل فكفى الحقير منهم والجليل ثم فصلوا بالحسام المفصال ~~مدارع ذوات ما بقي من الرجال ثم أراد واحصر من قتل وإقامة عدد من بتك وبتل ~~فكان حصة كل فناك قتال على أن عددهم أكثر من القطر والرمال أربعة وعشرين ~~مقتولا ثم فعلوا بالبلدكعادتهم الأولى فهدموا أسوارها ومحوا آثارها وأجروا ~~من بحر الدماء أنهارها فانمحى العلم والعلماء واندحى الفضل والفضلاء ~~واستشهد الرؤساء والكبراء وناهيك بالقطب الولى الشيخ نجم الدين العكبري ~~وتوجه جنكيز خان من سمر قند قاصدا السلطان ومر من أطوار عسكرة بكل أحشب حتى ~~أناخ ترمذ وتخشب فامتنعتا عليه ولمناعتهما لم تلتفتا إليه وكانتا كثيرتي ~~العدد والعدد غزيرتي المدد من مددوهما من أمهات البلاد مملوأتان من آلات ~~الجهاد ومقاتلة الأجناد فاهلك ناسهما وسقاهما من خمر التشريد كأسهما فلم ~~يبق لهما فيأ ولم تغن العدد والعدد عنهما من الله شيأ (ومن) غريب ما وقع من ~~البدع أنه أمر بأهل ترمذان يقتلوا عن آخرهم مع أهلهم وعشائرهم ولا يبقى ~~فيها على أحد وأرصد على ذلك لرصد فاتفق أن امرأة من المخدرات تخجل الشموس ~~النيرات قبضوا وتقدموا بإراقة دمها إليها فتشفعت فما أفاد وتضرعت فما زاد ~~إلا العناد فلما أسلمت رتلوها اللجين وعلمت أنه جاءها الحق المبين قالت ~~لأولئك الكفار لا تقتلوني يا حضار وأنا أفتدي نفسي منكم بعقود من اللؤلؤ ~~كبار فانهوا القضية إليه وعرضوا ما قالته عليه فقال اتركوها ثم بما قالت ~~طالبوها لننظر أصدقت أم اختلقت فاطلقوها ويتقاض ى اللؤلؤ أقلقوها فقالت لم ~~أفه بزور ولا دليتكم بغرور وإنما اللؤلؤ كان عندي وحين استخلصتم مالي كان ~~في يدي فخفت منكم فابتعلته PageV01P224 وتبا لفعل صنعته فامهلوني حتى أتبرز ms366 ~~ويخرج مني ذلك المحرز فانهوا كلامها إليه وعرضوا أمرها عليه فقال ابقروا ~~بطنها وانظروا قطعها فان وجدتم شيأ فهو لكم وإن كانت كاذبة فقد استحقت ~~فعلكم فشقوا بطنها البطين واستخرجوا منه الدر الثمين فلما رأوا صدقها ~~وحققوا نطقها أمرهم بشق بطون جميع القتلى وتفتيش ما طرحوه من جبال الاشلا ~~فلم تنج رؤوس الروس من المثلة بعد القتل ولا بطون الصدور من ظهور التنكيل ~~أثر البتل ثم أمر بهدم الحصون بعد ابتذال المال والعرض المصون فمحيت الديار ~~ولم يبق فيها ديار ثم عبر من جيحون إلى خراسان وجعل نصب عينيه ممالك ~~السلطان وتوجه إلى بلخ وهي إحدى معاقل الإسلام وفيها من أمم الأنام ما لا ~~يدرك ضبطه سابق الأقلام بل يخرج عن حصر الأوهام ولا يحصيه إلا الملك العلام ~~وكان السلطان قد انشمر عنها كما ذكر إلى نواحي طبرستان فوصل بتلك البحار ~~الطامية في ثمان عشرة وستمية فخرج إليه الأعيان وطلبوا منه الأمان فأجاب ~~سؤالهم بما يصلح حالهم ثم اختشى من السلطان جلال الدين بن المرحوم قطب ~~الدين فلم يركن إليهم ولا عول عليهم فأمر بإراقة الدماء وهدم البناء ~~وإحاطتهم بدائرة الفناء فأفنوهم عن آخرهم وساووا بالحضيض بقاع عمائرهم ثم ~~أرسل ولده تولي خان إلى محاصرة طالقان فعصت عليه ولم تسلم قيادها إليه ~~فاستمرت في الحصار مدة وأذاقها لباس البأس والشدة إلى أن أخذوها وأبادوا ~~خلقها ودكوها ثم أن جنكزخان الكافر الخوان معدن الكفر والطغيان لما استوبل ~~هواء خراسان فألوى إلى بلاده وترك تولي خان من أولاده وولاه خراسان وهو ~~محاصر طالقان وأقام في ممالك إيران من كفار أمرائه أميران أحدهما يدعى ~~سنتاي وهو من قبيلة الجفتاي والآخر يدعى يما وهو من الكفار اللؤما وترك ~~معهما من الكفار الأراذل والتتار الأسافل ثلاثين ألف مقاتل فوصل إلى رواة ~~ووضعا السيف في الأئمة الهداة وابتدآ في القتل والنهب والفتك والسلب والقهر ~~والأسر والقسر والكسر ثم أخذا في الإتلاف طريق الائتلاف وذهب كل منهما ~~للاختلاف في الفساد على مخلاف فصالا وجالا وأوسعا في الدمار ms367 والبوار وخاضا ~~في دماء المسلمين واجتهدا في إهلاك الإسلام والدين وخلا لهما الجو فباضا ~~وصفرا وكان السلطان قطب الدين قد أخلى الدنيا منالملوك والكبرا فلم يلبث ~~لهما فضلا عن مخاتل أو مقاتل فأهلكا الدين وأبادا وتصرفا في نصرة الشرك على ~~الإسلام كيفما أرادا فاستخلصا جوين وطوس وأعدما ما بهما من نفائس ونفوس ~~وحام وخيوشان واسفراين وآمل وقومس وتلك البلدان فمحوا من كتب كتائبها ~~أسطارها وأطفئوا منارها وأظهروا من صفة الجلال والقهر آثارها وأجروا من ~~الفتن كالدماء بحارها وأضرموا من الشرور نارها كل ذلك قتلا ونهبا وسبيا ~~وسلبا وهدما وإحراقا وصدما وردما وإغراقا ثم بلغهم أن حريم السلطان جلال ~~الدين في قلاع آمل أمنين فقصدوها وحاصروها ورصدوها فقل ناصروها فاستولوا ~~عليها ووصلوا كما أرادوا إليها فبقروا وفتكوا وبروا وبتكوا وسبوا وسبكوا ~~وسفوا وسفكوا وكووا وشووا وغووا ولووا وعووا وما ارعووا ثم إنهم صادفوا ~~العكس الزمان وانقلاب الدهر على السلطان وسوء التدبير وشؤم الحظ المبير وهم ~~في بعض المسير من غير مخبر ولا معلم في سدفة ليل مظلم حريم السلطان ~~خوارزمشاه لأمور قدرها الله مع والدته وجواريه وبناته وسراريه وكان لشدة ما ~~نابهم من الزمان قد ضاق عليهم وتغير بل تنكر لهم الكون وقل عنهم النصير وقل ~~العون وخافوا الابتذال بعد الصون فتركوا ما هم فيه من مكان وقصدوا البعد عن ~~خراسان فتوجهوا إلى أطراف أصفهان ومعهم من نفائس الأموال والجواهر وأنواع ~~المفاخر والذخائر ومصونات الخزائن ومكنونات المعادن ما لا يعلمه إلا مانحه ~~ومن الكنوز ما ينوء بالعصبة مفاتحه وما لم يجتمع لسلطان قط ولا ضبطها قلم ~~ديوان ولا حظ فتباغتوا مواجهة وتواجهوا مباغتة وتباهتوا مشافهة وتشافهوا ~~مباهتة فوقعن في شبكة الصيد وأحاطت بهن دائرة الكيد وتورطن فيما فررن منه ~~وتربطن بأوهاق ما نفرن منه وناداهن لسان الحظ وهاتف الطالع الفظ: ~~PageV01P225 وإذا أراد الله إنفاذ القضا ... وظهور قهر للبصائر باتلا # جعل الدواء لذاك ممرضا ... وفوائد الترياق سما قاتلا # والكون خصما والمكان منقضا ... والعيش موتا والصديق مقاتلا PageV01P226 ~~فلم يشعرن إلا وقد وقعن من ms368 نيران الفتن في تنور وتورطن من بحار المحن في ~~دردور وتبسمت إلى بكائهن ثنايا البلايا وتكالمت على جباه مصابهن عقود ~~الرزايا فظفرت حامية الكفر بذلك المغنم البارد ولم يصدر من حلقة صيده شارد ~~ولا وارد فحازوا تلكالمسرات ونزل إلى حضيض قنصهم من سماء المنافسة الشموس ~~النيرات فهتكوا أستارهن وخبروا ديارهن وضبطوا شعارهن ودثارهن وأحرزوا ما ~~معهن من كنوز المعادن ونفائس المكامن وذخائر الخزائن ثم أضافوهن إلى زبانية ~~غلاظ واحتفظوا بهن أشد احتفاظ وساقوهن إلى بلاد التتار مهتكات الأستار ~~عاريات حافيات حاسرات مشايات وأمورهن أن يجتمعن كل ليلة عندما ينشر الظلام ~~ذيله في كل منزله وصباح كل مرحلة ويقمن على أنفسهن العزا وينحن بما تقدم ~~ويبكين بما جرى ويعددن على خوارزمشاه ويذكرن ما قدره الله عليه وقضاه ~~وينعين ما كن فيه من النعم وما صرن إليه من الهوان والنقم وليدمن على هذه ~~الطريقة حتى يقطعن من سفرهن طريقة ويصلن بجنكزخان على ذلك الامتهان والذل ~~والهوان فيرى فيهن رأيه من نكال ونكاية ورحمة وعناية فامتثلن ما أمروهن به ~~فكن ينبهن النيام ويبكين المتنبه واستمررن على هذه الحال في الخزي والإذلال ~~والمشقة والابتذال بعد ذلك الصون والدلال يصدعن بنحيبهن الجبال ويتفطرن ~~بالنظر إليهن أكباد الصخور والتلال ثم إن تولي لما أخذ طالقان وأهلك أهلها ~~بسيف الطغيان ولم يدع فيها من يتنفس وهدم إلى الأرض بنيانها المؤسس توجه ~~إلى جانب من بلاد العجم وأهلك ما شاء الله تعالىمن خلائق وأمم فصار في أحد ~~الجوانب يعبث وكل من سنتاي الخبيث ويما الكافر العثيث في جانب يبيد ~~المسلمين ولا مغيث فدكوا قزوين وهمذان وصكوا اران وتيلقان وأغاروا على ~~ممالك أذربيجان وبلغهم أن السلطان جلال الدين له في سجاس جماعة مجتمعين ~~مقدمهم السلاحدار بكتكين وفيهم من الأعيان كوحبوغاخان فتوجه إليهم يما فبدد ~~شمل أولئك الزعما وأبادهم وفرقهم وشتتهم ومزقهم ثم غاروا على غالب عراق ~~العجم فأوسقوا القفار بالضرم وأوسعوا البحار بأمطار الدم وملئوا الوجود ~~بالعدم ثم قصدوا أردبيل وجعلوا أهلها ما بين اسير وقتيل وكانوا في أول ms369 ~~المرور قد صالحوا أهل نيسابور وانتقلوا إلى مرو منها وراودوا أهلها عنها ~~فأغلقوا أبوابهم وأقلقوا جوابهم فحطموا عليها ودخلوا إليها وحكموا في أهلها ~~السيوف وكان شهر الصيام ففطر وهم على كاسات الحتوف ونقل إلى جوار الله ~~تعالى منهم المئين والألوف فضبطوا من أمكن ضبطهم من القتلى واستسعد بنيل ~~الشهادة من الشهدا فكان ألف ألف نسمة وثلثمائة ألف وثلاثين ألفا مكرمة وكل ~~هذه الفتنة والفترة في سنة ثمان عشرة عامت في الدنيا عوما وكانت مدة نحو ~~تسعين يوما ثم توجهوا إلى شروان وأفاضوا من دماء البحار الطوفان ودخلوا من ~~الباب الحديد واتصلوا من الدست بذلك الشيطان المريد فتيقظ الناس من الفكرة ~~وأفاقوا مما كانوا فيه من السكرة وتصوروا أنها سحابة صيف انقضت أو نسمة ~~أزمنة هبت بارقة أو مضت ولكن احتاطوا واستعدوا وتحفظوا واستمدوا وحصنوا ~~الحصون والمعاقل وجمعوا الجنود الجحافل فلم يكن بأسرع من إيابهم وتعاطي ما ~~كانوا عليه من دأبهم والشروع في أعمال حرابهم بخراجهم وأخذهم في ضروب ضربهم ~~وضرابهم واستقر تولي في ممالك العجم وهو أبو هلاكو الكافر الأغتم فوصلوا ~~إلى شيراز وقد استعدت للحصار واستمدت للمناوشة والنقار فأخذوها عنوة وزحفا ~~وقتلوا منها مما أمكن ضبطه سبعين ألفا ثم توجهوا إلى طوس فأزهقوا ما بها من ~~نفوس ثم إلى سائر القلاع بالحضيض واليفاع فاستولوا على الكل قهرا وأخذوه ~~وقسرا وسعوا في إحلال البؤس وإزهاق النفوس ثم إلى موقان ولم يبقوا بها أحدا ~~كائنا من كان وعم القتل المبير كل صغير وكبير ثم حل أولئك البور ببلدة ~~نيسابور فكافحت بعدما كانت صالحة وتحصنت بعد أن أذعنت واعتمدت على عددها ~~واستندت إلى عددها وبرجالها استعانت بعد أن كانت قد دانت ولانت واستكانت ~~وكان فيها من آلات الحرب ورجال الطعن والضرب مالا يحصى ولا يبلغه الأستقصا ~~فكان فيها من المجانيق المرسلات الصواعق على أسوار الحصار ثلثمائة منجنيق ~~أصغرها كالغضبان في المقدار خارجا عن المكاحل والمدافع المهلكات بالصواعق ~~الصواقع ومن رماة القوس القصير المنفذ حكمه قاضي التقدير ثلاثة آلاف بطل مل ~~أرمي من ms370 بني ثعل وأما عدد الضارب PageV01P227 والنابل والقاتل والرامح ~~والناطح والصارع والقارع والحاذف والجارف والخاطف والقاطف والناهب والسالب ~~فالضابطون فيه تاهوا وما يعلم جنود ربك إلا هو فوجه التتار إليها وأخنوا ~~كالقضاء المبرم عليها وحمى الوطيس وخاطر بنفسه كل خسيس وبذل مهجته من ~~الغزاة كل نفيس فقتل من أهل العدوان طغاجار خان زوج ابنه جنكيز خان وكان من ~~فتاة الكفار المعتبرين بين التتار فخنق العدو ولذلك وسدد المسالك وسمع بذلك ~~تولى الكافر الموغولي وكان في بعض الجوانب مشغولا بالدواهي والمصائب ففار ~~دم قلبه وتأججت نيران كربه وتأسف لفقد ختنه وثار غبارا حنه فتوجه من فوره ~~بحنقه وحوره ونزل على نيسابور وحل بالبوار على أولئك البور وزحف بالعساكر ~~وتقدم بالطعن والضرب كل كافر فلم تمض غلوه حتى أخذوها عنوه ودخلها من كفر ~~من التتر يوم السبت خامس عشر صفر سنة تسع عشرة وستمائة من الهجرة وأعطىتولى ~~لأخته ذلك عوضا عن زوجها الهالك وقال لها تسلي عن ذلك المفقود بهذا الموجود ~~وتحكمي في أهل البلد بما ترتضيه من سرور ونكد وتصرفي في الأموال والأرواح ~~فمهما تريه فهو لك مباح فأمرت أن لا يبقى على ذي روح وأن تجري السيول من ~~الدم المسفوح فأطلقوا في ميادين الحتوف أعنة صوارم السيوف فجدت جباه الجياد ~~وجادت بجواد الجد على أجياد الأجواد وصارت كالسن الشعراء النقاد تهيم من ~~النظام والنثر في كل واد فمحوا عن لوح الوجود بلسان شواظ السيف ذات الوقود ~~سطور ذوات ذلك السواد الأعظم وكتاب كتائب تلك الخلائق والأمم وزادوا في ~~الأشتياط حتى قتلوا الكلاب والقطاط ثم أمرت أن تجمع رؤس أولئك الجمهور ~~ويميز رؤس الإناث من الذكور فميزوا رؤس الرجال عن قمم ربات الحجال وطرحوا ~~كل كاشية في ناحية فصارت الرؤس كرواسي الجبال وتلك الدور والقصور كالأعصر ~~الخوال ولم يخلص من قطع الارؤس سوى أربعة أنفس كانوا من ذوي الحرف فجذبتهم ~~المهارة من سفح بحر الفناء إلى الطرف ثم ركبت تلك البسوس ووقفت على تلال ~~الرؤس فلم تنطفيء نارها ولا برد أوارها وزعمت ms371 أنها لم تستوف ثأرها وأن دود ~~ترابها من علق تلك الأمم ما تكفت وغيظة غيظها بزائر ما تشفت واستغاثت ~~بالرجال وصاحت بلسان الحال وأنشدت: PageV01P228 وهب إن النساء سللن سيفا ~~... فصلن وجلن كالفحل الغيور # فزلزلن الجبال فطرت خوفا ... يضاهين السحاب على الطيور # وصار لسفكهن البر بحرا ... أيغنيهن ذاك عن الأيور PageV01P229 فأمرت بهدم ~~البلد وإحراق ما فيها من آلات وعدد فدكوها دكا وأعدموها سبكا وسفكا وتصرفت ~~أيدي النوائب فيها فتكا وبتكا ثم أن تولي لوى العنان وقصد هراة من خراسان ~~فأخذها بالأمان ولم ينج من ذلك الطوفان سوى تلك الكورة واستمرت تخت أوامرهم ~~مقهورة وأمهات بلاد خراسان ومقر سرير السلطان كانت أربعة أمصار كل ذات ~~اعتبار جليلة المقدار نيسابور وقد صارت بور وبلخ وقد كسيت من البوار ثوب ~~سلخ ومر الرود وقد انحت من الوجود ولم يفز بالنجاه إلا بلجدة هراه وسائر ~~الأمصار شملها البوار ولبست من خلع الدثور والدثار وكل منها مصر جامع وبرها ~~وبحر واسع وبحرها كصدر البر مداه شاسع وأما القرى والقصبات والرسانيق ~~والمزدرعات فأكثر من أن تحصر أو تضبط بحساب دفتر فأبيد ذلك كله وأبير ~~فالحكم لله العلي الكبير كل ذلك في أدنى مده وأوهى رقده وما ذكر ذرة من طور ~~وقطرة من بحور فسبحان من لا يسئل عما يفعل ثم أن جنكيز خان الهامة الهامية ~~والفتنة الطامة الطامية لما علق به المرض وحصل له في خراسان العرض رجع إلى ~~بلاده واستمر مرضه في ازدياده ولم يزل على ذلك حتى أورد سبيل المهالك وتسلم ~~روحه الخبيثة مالك وحين أيس من الحياة وقنط من رحمة الله جمع المعتمد عليه ~~من أولاده المشاركين له في عتوه وفساده وهم جفتاي وأوكناي وأوليغ نوبين ~~وجرجاي وكا كان وأو رجان وأوصاهم بوصايا وطرائق في سياسة الرعايا حافظوا ~~عليها وتناهضوا إليها فثبت لهم من ملكهم أساسا لم ينهدم وأقام بنيانا إلى ~~يومنا لم ينخرم وعروش قواعد أركانها لم تنثلم مع كثرة عددهم ووفرة مددهم ~~وشكاستهم وشراستهم وشماستهم وتعاستهم وغلاظتهم وفظاظتهم واختلاف أديانهم ~~واتساع بلدانهم ms372 وهلك الطاغية جنكيز خان وانتقل إلى الدرك الأسفل من النيران ~~واستقر في لعنة الله وعقابه وأليم زجره وعذابه في رابع شهر رمضان الشامل ~~بالفضل والإحسان والبركة النامية الهامية سنة أربع وعشرين وستميه في سرة ~~ملكه المشوم وأعظم أمصاره أيميل وقوفان وقراقروم واستمرت بعده الفتن ~~والشرور المحن تغير علىممالك الإسلام وتبير شعائر شرائع خير الأنام وتثير ~~غبار الأفساد والمفسدين في وجوه سنة سيد المرسلين وتحصر جنود الإسلام وتقص ~~جيوش العلماء الأعلام وتنقص أطراف الأرض وتنقص أركان الدين بعضها على بعض ~~وناهيك يا مولانا السلطان بفتن هلاكو تولى بن جنكيز خان وبعده أبغا ابن ~~هلاكو الذي تجبر وطغى وتكبر وبغى وبعده ابنه ارغون وبعده ابنه قازان ~~المفتون واستمرت بحار الفتن منهم تؤثر عنهم ومرجها يمور إلى أن نبغ الأعرج ~~تيمور فأهلك الحرث والنسل واختلط المباح بالسيل وحل بالعالم الباس وفسدت ~~أحوال الناس وإنما ذلك كله بفساد الرأس ومن جملة فتنهم وطعنهم جالوا في ~~معركة وصالوا في دست بركه فقتلوا في مثل حرب البسوس وقطعوا في ناحية من ~~الروس جملة أرادوا ضبط عددها بعد أن أبانوها عن جسدها فلم يقدروا أن ~~يحصروها فرسم لتلك البغاة سلطانها أن يقطع من الرؤس آذانها يقطعون من كل ~~رأس أذنا ولتكن الآذان اليمنى فجدعوا آذان بعض الرؤس وشكوها وفي خيوط ~~سلكوها ثم قلائد ربطوها وبعد ذلك ضبطوها فكانت نحو مائتي ألف أذن مجدودة ~~وسبعين ألف أذنت معدودة (وإنما) ذكرت يا ملك الطير أمثال ما جرى من الشر ~~والخير وجلوت عن مرآه ضميرك المنير صورة ما مر في الزمان المنير وما فعله ~~من ملكه زمام الاقتدار وأمهله سلطان السلاطين الذي يخلق ما يشاء ويختار ~~وصرفه في بلاده وعباده وبين له طريق صلاحه وفساده وأخبركم أيها الملوك ~~والحكام بأموركم في دنياكم وحلا صور أحوالكم على أعين أبصاركم وبين حاكمكم ~~في مراياكم فقال وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض ودفع بعضكم فوق بعض درجات ~~ليبلوكم فيما آتاكم فانظر ما في هذه السير من الحكم والعبر لتعلم أن الدنيا ~~محل الغير ms373 ومحك العقول والفكر والحال بها هدف لسهام القضاء والقدر مبتلى ~~بكل خير وشر ونفع وضر غافل عن مواقع الحذر آمن وهو على شرف الخطر مقيم وقد ~~جد به السفر مناقش بما مضى من أنفاسه مما حلا ومر ومحاسب على ذوات ما ~~اكتسبه مطالب بالفتيل والقطمير مما ارتكبه فلما وصل الحجل في الكلام إلى ~~هذا المقام قبل العقاب بين عينيه وزاد قرب هلديه وأفاض خلع الأنعام عليه ~~وقال صدق عليه أفضل الصلاة والتسليم حيث قال كلمة الحكمة ضالة كل حكيم ونطق ~~بالحق من قال لا تنظر إلى من قال وانظر PageV01P230 إلى ما قال فاهل ~~التحقيق وذو والنظر الدجقيق راقبوا المعاني ولم ينظروا إلى القوالب ~~والمباني فان سليمان عليه السلام وهو ملك الجن والأنام والوحوش والطير ~~والهواء والهوام ونبي مرسل وملك ذو فضل وسلطان الفصل بالعدل استفاد النصائح ~~من نملة وجمع هدهده مع ملكة سبأ شمله ويوجد في السقاط ما لا يوجد في ~~الأسفاط ولقد ينطق بالفوائد من هو كافر وجاحد فيؤخذ من أقواله ولا يقتدي ~~بافعاله وقد قيل إن الحسن البصري رحمة الله عليه دخل صبي مسجده وصلى بين ~~يديه فرآه لا يتم سجوده ولا يرضي بصلاته معبوده فدعاه وخاطبه وأنكر عليه ~~وعاقبه وقال له تمم سجودك ترض معبودك فقال يا شيخ المتقين هذه سجدات شخص من ~~المؤمنين لو سجد إحداها ابليس لا آدم لما كان من الملعونين ولو سجدها فرعون ~~مرة لكان من المسلمين ولم يصر من أهل العناد المطرودين (ورأى يوما صبيا ~~ومعه سراج وهو سالك في منهاج فساله عن ناره وما فيها من أنواره من أين ~~أخذها وكيف افتلذها فلم يجاو به إلا باطفاء السراج وسؤاله أين ذهب ذلك ~~النور الوهاج قل لي أين ذهبت تلك الأنوار أقل لك من أين جاءت تلك النار ثم ~~أن العقاب ولي الحجل ما تحت يده من رقاب وقدمه على سائر الخدم وصنوف الطير ~~وأجناسه من الأمم وجعله الدستور الأعظم والوزير المقدم المكرم وفي هذا ~~المقام أمسك الحكيم حسيب عن الكلام وختم ms374 ما افتتحه من الحكم والأحكام ~~بالدعاء والثناءوالصلاة والسلام قال الشيخ أبو المحاسن المخجل بأدبه امرأ ~~القيس وأبا فراس فلما انتهى الحكيم في مقترحه وما قصده من بيان محاسنه ~~وملحه إلى هذا المحل وفصل من فضله ما أجمل من جمل نهض الوزير وقبل قدميه ~~واعترف له بالفضل المنعم به عليه وأنه مالك أزمة الأنشاء وملك الكلام يصرفه ~~كيف شاء وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وكما أنه شيخ المنقول وأستاذ المقول ~~فمن أنواره ألفاظه تنير العقول ومن كنوز عباراته تستخرج جواهر المعقول وأما ~~أخوه الملك فطار بسروره به عن سريره واتخذ في مهام أموره مقام أميره ثم أدت ~~آراء فكرته أن يستعمل أخاه لكشف كربته ويمشي مفي السعي بينه وبين أخوته ~~لرتق ما انفق وسد ما خرقه سيل الحسد فانبثق أمره العالي ونهض بأمر الله ~~المتعالي وأنفق من جواهر أفكاره في سوق المناصحة الرخيص والغالي ورصع ما ~~استخرجه من بواقيت تلك من عباراته بما يستعبده عقود الاآلي وتعاطي الإصلاح ~~وساعده لحسن النية وخلوص الطوية السعد والنجاح: PageV01P231 وهذب في الفضل ~~ما رتبه ... ورتب بالفضل ما هذبه # وأعجب ذا اللب ما شاده ... فأثنى عليه بما أعجبه # وأغرب في السبق أشرافه ... فالله ذا السعد ما أغربه # فما شذ بالصدق عن نصحه ... ولا شذ خل لما # فاستمال الخواطر النافره وأطفا بزلال ألفاظه العذبة شواظ الناثرة وسكن ~~بنسيم ملاطفاته قتام الأخلاق الثائرة فاطمأنت القلوب وطهرت من غش التشاحن ~~الجيوب واتصل بالمحب المحبوب وحصل الأمن والأمان ومساعدة الزمان ومعاضدة ~~الأخوان ومصافاة الخلان وطيب العيش والمكان وأفضل من هدا جميعه شفقة ~~السلطان والاستقامة على الإسلام والإيمان ونسأل الله تعالى إتمام نعمه ~~وإسبال ذيل إحسانه وكرمه واللطف في القضا والعفو عما مضى والمعاملة بإحسانه ~~الجزيل وحسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين وصلى الله على ~~سيدنا محمد خاتم الأنبياء وسيد المرسلين وعلى آله الأطهار وصحابته الأبرار ~~من الأختان والأصهار والمهاجرين والأنصار وسلم تسليما يطيب الاعطار ويتمسك ~~بأذيال عرفه خياشيم الأزهار في الأسحار ما دامت الإعصار ودارت الأدوار ~~وترادف ms375 الليل والنهار وحشرنا في زمنهم مع المصطفين الأخيار أنه كريم ستار ~~حليم غفار (قال مؤلفه رحمه الله تعالى) نمقة مؤلفه ولفقة مصنفه فقير عفوا ~~لله تعالى من غير تردد ولا تفكر ولا تعمق في تدبر مع توزع أحمد بن محمد بن ~~عرب شاه الحنفي سامحه الله تعالى وعامله بما يرضيه تفصيلا وإجمالا لا بما ~~يقتضيه عدلا وجلالا في أواخر شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثمانمائة ~~أحسن الله خاتمها وعاقبتها وجعل آخرها خير من أولها بمنه وكرمه. ~~PageV01P232 ms376