######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0012726 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو محمد أحمد بن محمد، المعروف بابن عربشاه (المتوفى: 854هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 854 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: السياسة الشرعية والقضاء #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0012726 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-12726 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/12726 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: أيمن عبد الجابر البحيري #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1421 هـ - 2001 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الآفاق العربية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # المقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # (الحمد لله) الذي شهدت الكائنات بوجوده وشمل الموجودات عميم كرمه وجوده ~~ونطقت الجادات بقدرته وأعربت العجمات عن حكمته وتخاطبت الحيوانات بلطيف ~~صنعته وتناغت الأطيار بتوحيده وتلاغت وحوش القفار بتفريده كل باذل جهده وأن ~~من شيء إلا يسبح بحمده بل المكان ومن فيه والزمان وما يحويه من نام وحامد ~~ومشهود وشاهد تشهد بأنه إله واحد منزه عن الشريك والمعاند مقدس عن الزوجة ~~والوالد مبرأ عن المعاند والمنادد مسبح بأصناف المحامد (أحمده) حمد تنطق به ~~الشعور والجوارح وأشكره شكرا يصيد نعمه صيد المصيد بالجوارح (وأشهد) أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له رب أودع أسرار بوبيته في بريته وأظهر أنوار ~~صمديته في جواني بحره وبريته فبعض يعرب بلسان قاله وبعض يعرب بلسان حاله ~~وتسبحه السموات باطيطها والأرض بغطيطها والأبحر بخريرها والأسد بزئيرها ~~والحمام بهديرها والطير بتغريدها والرياح بهبوبها والبهائم بهبيبها والهوام ~~بكشيشها والقدور بنشيشها والخيل بضجها والكلاب # PageV01P021 # بنبحها والأقلام بصريرها والنيران بزفيرها والرغود بعجيبها والبغال ~~بشحيحها والانعام برغائها والذباب بطنينها والقسى برنينها والنياق بحنينها ~~كل قد علم صلاته وتسبيحه ولازم في ذلك غبوقه وصبوحه وعمروا بذلك أجسادهم ~~وأرواحهم ولكن لا تفقهون تسبيحهم (وأشهد) أن سيدنا محمد عبده ورسوله الذي ~~من صدقه تم سوله أفضل من بعث بالرسالة وسلمت عليه الغزالة وكلمه الحجر وآمن ~~به المدر وانشق له القمر ولبت دعوته الشجر واشتجار به الجمل وشكا إليه # PageV01P022 # شدة العمل وحن إليه الجذع ودر عليه يابس الضرع وسجت في كفه الحصباء ونبع ~~من بين أصابعه الماء وصدقه ضب البرية وخاطبته الشاة المصلية صلى الله عليه ~~صلاة تنطق بالاخلاص وتسعى بالخلاص وعلى آله أسود المعارك وأصحابه شموس ~~المسالك وسلم تسليما وزاده شرفا وتعظيما (أما بعد) فان الله المقدس في ذاته ~~المنزه عن سمات النقص في صفاته قد أودع في كل ذرة مخلوقاته من بديع صنعه ~~ولطيف آياته ومن الحكم والعبر مالا يدركه البصر ولا تكاد تهتدي إليه الفكر ~~ولا يصل إليه ذوي النظر ولكن بعض ذلك للبصر بالرصد ms001 ظاهر يدركه كل # PageV01P023 # أحد قال الله تعالى وجل ثناؤه جلالا وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم ~~أفلا تبصرون وقال تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وقال عز من قائل في كلامه ~~الطائل أن خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في ~~البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد ~~موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ~~لآيات لقوم يعقلون وقال الشاعر: # ففي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # لكن لما كثرت هذه الآيات والحكم وانتشرت أزهار رياضها في وهاد العقول ~~والاكم وترادف ما فيها من العجائب والعبر وتكرر ورود مراسيمها على رعايا ~~السمع والبصر وعادتها النفوس ولم يكترث بوقوعها القلب الشموس ولم يستهن من ~~وجودها ولم يلتفتن إلى حدودها فكثر في ذلك أقوال الحكماء وتكررت مقالات ~~العلماء فلم تصغ الأسماع إليها ولا عولت الأفكار عليها فقصد طائفة من ~~الأذكياء وجماعة من حكماء العلماء ممن يعلم طرق المسالك إبراز شيء من ذلك ~~على ألسنة الوحوش وسكان الجبال والعروش وما غير مألوف من البهائم والسباع ~~وأصناف الأطيار وحيتان # PageV01P024 # البحار وسائر الهوام فيسندون إليها الكلام لتمثيل لسماعه الأسماع وترغب ~~في مطالعته الطباع لأن الوحوش والبهائم والهوام والسوائم غير معتادة لشيء ~~من الحكمة ولا يسند إليها أدب ولا فطنه ولا معرفة ولا تعرف ولا قول ولا فعل ~~ولا تكليف لأن طبعها الشماس والأذى والافتراس والإفساد والنفور والعدران ~~والشرور والكسر والتغريق والنهش والتمزيق فإذا أسند إليها مكارم الأخلاق ~~وأخبر بأنها تعاملت فيما بينها بموجب العقل والوفاق وسلكت وهي مجبولة على ~~الخيانة سبل الوفاء ولازمت وهي مطبوعة على الكدورة طرق الصفاء أصغت الآذان ~~إلى استماع أخبارها ومالت الطباع إلى استكشاف آثارها وتلقتها القلوب ~~بالقبول والصدور بالانشراح والبصائر بالاستبصار والأرواح بالارتياح لكونها ~~أخبارا منسوجة على منوال عجيب وآثارا أسديت لحتها في صنع بديع غريب لا سيما ~~الملوك والأمراء وأرباب العدل والرؤساء والسادة والكبراء وأبناء الترفه ~~والنعم وذو والمكارم والكرم إذا قرع ms002 سمعهم قول القائل صار البغل قاضيا ~~والنمر طائعا لا عاصيا والقرد رئيس الممالك والثعلب وزيرا لذلك والذئب ~~مؤرخا أديبا والحمار منجما طبيبا والكلب كريما والحجل نديما والغراب دليلا ~~والعقاب خليلا والجدأة صاحبة الأمانة والفأرة كاتبة الخزانة والحية راقية ~~والبومة ساقية وضحك النمر متواضعا وغدا الأسد لإرشاد الذئب سامعا ورقص ~~الغزال في عرس القنفد وغنى الجدي فطرب # PageV01P025 # الجدجد وتصادق القط والجرذات وصار السرحات راعي الضان وعانق الليث الحمل ~~والذئب الجمل ورفع الباشق الحمامة على رقبته وحمل ارتاحت لذلك نفوسهم وزال ~~عبوسهم وانشرحت خواطرهم وسرت سرائرهم وأصغت إليه أسماعهم ومالت طباعهم وأدى ~~طيشهم إلى أن طاب عيشهم ولكن أهل السعادة وأرباب السيادة ومن هو متصد لفصل ~~الحكومات والذي رفعه الله لدرجات فانتصب لإغاثة الملهوفين وخلاص المظلومين ~~من الطالمين والمتنبهون بتوفيق الله تعالى لدقائق الأمور وحقائق ما تجري به ~~الدهور إذا تاملوا في لطائف الحكم والفرائد التي أودعت في هذه الكلم ثم ~~تفكروا في نكت العبر وصفات العدل والسير والأخلاق الحسنة والقضايا ~~المستحسنة المسندة إلى ما لا يعقل ولا يفهم وهم من أهل القول الذي يشرف به ~~الإنسان ويكرم يزدادون ويسلكون بها الطرق المنيرة فتتوفر مسراتهم وتتضاعف ~~لذاتهم وربما أدى بهم فكرهم وانتهى بهم في أنفسهم أمرهم أن مثل هذه ~~الحيوانات مع كونها عجماوات إذا اتصفت بهذه الصفة وهي غير مكلفة وصدر منها ~~مثل هذه الأمور الغريبة والقضايا الحسنة العجيبة فنحن أولى بذلك فيسلكون ~~تلك المسالك وقد ضرب الله ذو الجلال في كلامه العزيز الأمثال فقال مثل ~~الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وأن أوهن البيوت ~~لبيت العنكبوت لو كان يعلمون # PageV01P026 # وقال سبحانه بعد ذلك وتلك الأمثال نضربها للناسوما يعقلها إلا العالمون ~~وقال سبحانه ما أعظم شأنه يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين ~~تدعون من دون الله لنم يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيأ ~~لا يستنفذوه منه ضعف الطالب والمطلوب وقال تعالى إن الله لا يستحي أن يضرب ~~مثلا ما بعوضة فما فوقها ms003 وقال تعالى وأوحى ربك إلى النحل أن أتخذي من ~~الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ~~ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم ~~يتفكرون وقال تعالى إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملها وأشفقن منها وحملها الإنسان أنه كان ظلوما جهولا وقال تعالى ثم ~~استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا ~~طائعين أسند # سبحانه وتعالى الأفعال والأقوال إلى الجمادات بعدما وجه الخطاب إليها ~~وقال تعالى ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس ~~والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه ~~العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم وكل ما جاء في هذه الطريقة فأنه ~~بالنسبة إليه تعالى حقيقة لأنه قادر على كل شيء وسواء عنده الميت والحي ولا ~~فرق في كمال قدرته بالنظر إلى قدرته ومشيئته وتصوير كمال عظمته وهيبة بين ~~الناطق والصامت والنامي والجامد والشاهد والغائب والآتي والذاهب كما لا فرق ~~في هذا الكمال بين الماضي والاستقبال # PageV01P027 # وقال تعالى فما بكت عليهم السماء والأرض وقال فوجدوا فيها جدارا يريد أن ~~ينقض وقال تعالى قالت نملة يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم وقال في الهدهد ~~فقال أحطت بما لم تحط به وقال الشاعر (ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب) وقالت ~~العرب في أمثالها قال الجدار للوتد تشقني قال سل من يدقني قل لمن ورائي ~~يتركني ورائي وقالوا من الأسد ومن أشهر أمثالهم قالوا أن الأرنب التطقت ~~تمرة فاختلسها الثعلب فأكلها فانطلقا إلى الضب فقالت الأرنب يا أبا الحصين ~~قال سميعا دعوت قالت أتيناك لنختصم إليك قال عاد لا يحكما قالت أخرج قال في ~~بيته يؤتى الحكم قالت أني وجدت تمرة قال حلوة فكليها قالت فاختلسها مني ~~الثعلب قال لنفسه بغى الخير قالت فلطمته قال بحقك أخذت قالت فلطمني قال حر ~~انتصر لنفسه قالت فاقض بيننا قال قد ms004 قضيت فذهبت هذه الأقوال كلها أمثالا ~~وقالوا اتحككت العقرب بالأفعى وقال الشاعر # قام الحمام إلى البازي يهدد ... واستصرخت بأسود البر أضبعه # وهذا أمره مستغيض مشهور معروف بين الأنام غير منكور والحصر في هذا المعنى ~~يتعسر والاستقصاء يتعذر وإنتما الأوفق التمثيل # PageV01P028 # والتنظير والاستدلال بالقليل على الكثير فيتفكه السامع تارة ويتفكر أخرى ~~ويتتقل في ذلك من الأخفى إلى الأجلى ويتوصل بالتأمل من الأدنى إلى الأعلى ~~ومن جملة ما صنف في ذلك واشتهر فيما هنالك وفاق على نظائره بمخبره ومنظره ~~وحاز فنون الغطنه كليله ودمنه والمتمثل بحكمة الطباع كتاب سلوان المطاع ~~والمفحم بنظمه العجيب كل شاعر وأديب معجز الضراغم الصادج والباغم وفي غير ~~لسان العرب ممن يتعاطى فن الأدب جماعة رضعوا أفاويقه وسلكوا من هذا النمط ~~طريقة لكن تقادم عصرهم واشتهر أمرهم وتكرر ذكرهم وصارت مصنفاتهم مطروقة ~~وعتاق نجائبها في ميدان التأمل عتيقة ففلذت من دهري فلذه وعملت بموجب لكل ~~جديد لذة وسيرت فارس الأفكار في ميدان هذا المضمار وقصدت من الفائدة ما ~~قصدوه ومن العائدة في الدارين ما رصدوه وجمعت ما بلغني عن نقله الأخبار ~~وحملة الآثار ورواة الأسفار على لسان شيخ اللطائف ومنبع المعارف وإمام ~~الطوائف ومجمع العوارف ذي الفضل والإحسان أبي المحاسن حسان ووضعت هذا ~~الكتاب نزهة لبني الآداب وعمدة لأولي الألباب من الملوك والنواب والأمراء ~~والحجاب وجعلته عشرة أبوابومن الله أسمد الصواب وأستغفره من الخطأ في ~~الجواب أنه رحيم تواب كريم وهاب (وسميته فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء) # PageV01P029 # شعر: # فان يغض بحر علمي تهدمنه على ... در ينير عيون العقل في السدف # ألبسته من خلاعات النهى خلعا ... وربما ازدان عقد الدر بالخزف # والفضل يحتاج في ترويج سلعته ... إلى الخرافة والمعقول للخرف # فاعبر إلى البحر تجن الدر منه ولا ... يلهيك عن دره أضحوكة الصدف # PageV01P030 ### | الباب الأول # في ذكر ملك العرب الذي كان لوضع هذا الكتاب السبب # PageV01P031 # (قال) الشيخ أبو المحاسن بلغني عن ذي فضل غير آسن أنه كان فيما غير من ~~الزمان قيل من الأقيال غزير الأفضال عزيز الأمثال وارث المعارف حائز ms005 ~~الفضائل واللطائف وافر السيادة كامل السعادة ذو حكم مطاع وجند وأتباع ~~وممالك واسعة ذات أطراف شاسعة تحت أوامره ملوك عده ذو سطوات ونجده وله من ~~الأولاد الذكور خمسة أنفار كل بالسيادة مذكور وبالعلم والحلم والحكم مشهور ~~ومشكور متوشح للسلطنة متول من والده مكانا من الأمكنة وكان أسعدهم عند أبيه ~~وهو متميز على أخوته وذويه سمسي المنظر اياسي المخبر ذا فهم مصيب واسمه في ~~فضله حسيب قد حصل أنواعا من العلوم وأدركها من طريقي المنطوق والمفهوم وكان ~~لهذا الفضل الجسيم يدعى بين الصغير والكبير الحكيم فلما دعا أباهم داعي ~~الرحيل وعحك إلى دار البقاء أجمال التحميل استولى على السرير أكبر أولاده ~~وأطاعه أخوته ورؤس أمرائه وأجناده وصار السعد يراقبه والملك بلسان الحال ~~يخاطبه شعر: # نجوم سماء كلما انقض كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكب # PageV01P033 # ثم عش واسلم وتيقن واعلم يا ملك الزمان أن أفضل شيء حل في وجود الإنسان ~~وأحسن جوهرة تزين بها عقد تركيبه العقل الداعي إلى كيفية تهذيبه في أساليبه ~~وأفضل درة ترصع بها تاج العقل في تزيينه وترتيبه الخلق الحسن الذي فضل الله ~~به خير خلقه في تعليمه وتأديبه وخاطب بذلك نبيه الكريم فقال وأنك لعلى خلق ~~عظيم وبالخلق الحسن ينال شرف الذكر في الدارين ولا يضع الله الخلق الحسن ~~إلا فيمن اصطفاه من الثقلين وأفضل جنس الإنسان بعد رسول الله الرفيع الشان ~~الملك الذي يحيى أحكام شريعته ويمشي على سنته وطريقته وإذا كان الملك حسن ~~الخلق والفعال فهو الدرجة العليا من الكمال قال الرسول النجيب صاحب التاج ~~والقضيب محمد المصطفى الحبيب صلى الله عليه وسلم صلاة يتمسك بأذيالها ~~الطبيب ويترنح لنسمات قبولها الغصن الرطيب ألا أخبركم على من تحرم النار ~~على كل هين لين سهل قريب # PageV01P039 # وروى أن ذلك السيد السديد الكامل المكمل الرشيد أتى برجل فكامه فارعد ~~فقال هون عليك فأني لست بملك ولا جبار وأنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل ~~القديد ومن جملة حسن الخلقالعدل والشفقة على الرعية والفضل وإذا حسن خلق ~~الملوك العلية ms006 صلحت بالضرورة الرعية طائعة وكارهة وسعت في ميدان الطاعة ~~فارهة فان الناس على دين ملوكهم وسالكون طرائق سلوكهم واردل عادة الملوك ~~الطيش والخفة وأن يكون ميزان عقله خالي الكفية وأن عدم الثبات والوقار من ~~عادة الأطفال والصغار والرجل الخفيف القليل الحيلة لا يقدر على تدبير ~~الأمور الجليلة ولا باب يوجد له ولا طاقة للدخول في الأشغال الشاقة ولا ~~يستطيع أن يتحمل ثقل الرياسة ويتعاطى الايالة والسياسة ولا قدرة على فصل ~~الحكومات المشكلة والقضايا العريضة المعضلة ولا الوصول إلى إثبات السيادة ~~ولا الدخول في أبواب السعادة فان تدبير الممالك وسلوك هذه المسالك يحتاج ~~إلى رجل كالجبل في السكون والوقار أو أن الثبات وكالبحر الهائج والسيل ~~الهامر أو أن الحركات وأعلم يا ذا العلا والمالك المال والدما أنه يجب على ~~الملك الكبير اجتناب الإسراف والتبذير فانه حافظ دماء الناس وأموالهم مراقب ~~مصالحهم في حالتي حالهم وما آلهم والمال الذي في خزائنه قد اجتمع ومن وجوه ~~مكانه ومن خراج مملكته ومن أعدائه ومعادنه إنما هو للرعية ليذهب عنهم ~~البلية ويصرفه في مصالحهم وما يحدث من # PageV01P040 # حوائجهم وجوائحهم فهو في يده أمانة وصرفه في غير وجهه خيانة فكما لا ~~ينبغي أن يتصرف في مال نفسه بالتبذير كذلك لا يتصرف في أموالهم بالأسراف ~~والتقتير ومصداق هذا المقال قول ذي الجلال جل كلاما وعز مقاما والذين إذا ~~أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما فينبغي للملك بل يجب أن لا ~~يسترعن الرعية ولا يحتجب وأن لا يبادر بمرسوم إلا بعد تحقيق العلوم ولا ~~يبرز مرسومه ما لم يتحقق فيه معلومه وذلك بعد التأمل والتدبر وستر عورة ~~القضية والتفكر وهذا الآن مرسوم السلطان على فم أبناء الزمان وهو بمنزلة ~~القضاء النازل من السماء وإذا نزل القضاء وفتحت أبواب السماء فلا يرد ولا ~~يصد ولا يعوقه عن مضيه عدد ولا عد ولا حيلة في منعه لأحد وأمر أولى الأمر ~~على زيد وعمرو كالسهم الخارج من الوتر بل شبه القضاء والقدر تعجز عن أدراك ~~سره قوى البشر ms007 فكما أنه إذا نفذ سهم القضاء والقدر لا يمنعه ترس حيلة ولا ~~يصده درع حذر فكذلك أمر السلطان لا يثبت لوده حيوان ولا يمكن تلقيه إلا ~~بالإمضاء والإذعان فإذا لم يتدبر قبل إبرازه في عواقب ما آله وأعجازه ربما ~~أدى إلى الندم والتأسف حيث زلت القدم ولا يفيد التلافي بعد التلاف ولا يرد ~~السهم إلى القوس وقد خرق الشغاف وكما أن الملك سلطان الأنام كذلك كلامه ~~سلطان الكلام وكل ما ينسب إليه فهو سلطان جنسه فيجب عليه حفظ كلامه كحفظ ~~نفسه. # (وحسبك يا ملك الزمان لطيفة للملك أنوشروان) فبرزت المراسيم الشريفة ~~ببيان تلك اللطيفة فقال الحكيم ذكر أهل السير ونقله الأثر أن الملك ~~أنوشروان كان راكبا في السيران فجمع به فرسه وقوى عليه نفسه فاستخف شانه # PageV01P041 # وجبذ عنانه فهمزه ولكزه وضربه ووخزه فزاد جموحا وماد جموحا فتجاذبا ~~العنان فانقطع وكاد أنوشروان أن يقع فلاطف الفرس فاستكان ونجا بعد أن كاد ~~يدخل في خبر كان فلما وصل إلى محل ولايته واستقر راجف قلبه من مخافته دعا ~~بسائس المركوب فلبى دعوته وهو مرعوب فلعنه وشمته وأراد أن يقطع يده وقدمه ~~وقال تلجم هذه الداهية بلجام سيوره واهية فانقطعت في يميني وكاد الفحل ~~يرميني ثم دعا بالمقارع وبالجلاد ليقطع منه الاكارع فقال السائس المسكين ~~أيها الملك المكين وصاحب العدل والتمكين أسألك بالله الذي رفعك إلى هذا ~~المقام أن تسمع لي هذا الكلام فقال قل ولا تطل قال كأن هذا العنان يقول ~~وكلامه فصل لا فضول ومقوله قريب من العقول الملك أنوشران وأن سلطان الأنس ~~وفرسه سلطان هذا الجنس وقد تجاذبني قوة سلطانين فاين لي طاقة هذا الثبات ~~لهما ومن أين لا جرم ذهب مني الحبل فتمزقت بين سلطان الأنس والخيل ~~فأعجبأنوشروان من السائس هذا البيان فانعم عليه وأطلقه ومن رق عقابه وعذابه ~~أعتقه وإنما أوردت هذا البيان ليتحقق مولانا السلطان أن حركاته ملكه ~~الحركات وصفاته سلطانه الصفات وكلامه ملك الكلام فلا يصرفه في كل مقام ~~وليصنعه بالتأمل قبل القول وليحتط لبروزه ويحفظه بالصدق ms008 والطول وإذا أمر ~~بأمر فلا يرجع فيه بل يستمر على ما أمر به لئلا يقال سفيه # PageV01P042 # ثم اعلم يا ملك الرقاب أن كلا من الثواب والعقاب له حد ومقدار مفهوم ~~ينبغي للملك أن لا يتعدى لذلك حدا وعلى الملك أن يصغي للنصيحة ممن مودته ~~صحيحه وقد جرب منه الصدق وعلم منه الإخلاص في النطق لاسيما إذا كان ذا عقل ~~صحيح وود صريح ولا ينفر من خشونة النصيحة ومرارتها فبرودة الخاطر وسلامة ~~القلب حرقة حرارتها فان الناصح المشفق كالطبيب الحاذق فان المريض الكئيب ~~إذا شكا إلى الطبيب شدة ألمه من مرارة يصف له دواء مرا فيزيد حرارته فلا ~~يجد بدا من شربه وأن كان في الحال ينهض بكربه لعلمه بصدق الطبيب وأنه في ~~الرأي مصيب وما قصد بالدواء المر الضر وإنما قصد بألمه عودا الحلاوة إلى ~~فمه ولا يستحقر النصيحة أن كانت صادقة صحيحة ولا الناصح خصوصا الرجل الصالح ~~فان سليمان وهو من أجل الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام وأحد من ملك ~~الدنيا وحكم على الجن والأنس والطير والوحش والهوام استشار نملة حقيرة فنجح ~~في أمره وخالف وزيره آصف بن برخيا فابتلى بفقره وسلب من جميع ما ملك وصار ~~كما قيل أجير الصياد السمك ثم قال الحكيم حسيب أيها الملك الحسيب وأنا لما ~~رأيت أمور المملكة قد اختلت ومباشرى مصالح الرعية قلوبهم اعتلت ولعبوا ~~بالثقيل والخفيف واستطال القوي منهم على الضعيف ومدوا أيديهم إلى الأموال ~~بالباطل وأظهروا الحالي في حلية العاطل وخرجوا عن دائرة العدل واطرحوا أهل ~~العلم والدين وتولى المناصب غير أهلها ونزلت المراتب إلى # PageV01P043 # غير محلها وحرم المستحقون وأبطل المحققون إلى أن وقع الاختلال وعم الفساد ~~والضلال وقويت أعضاد الظلمة على العباد وسائر القرى والبلاد وهذا لا يليق ~~بشرف مولانا الملك ولا بأصله ولا يجوز في شرع المروأة أن يكون الظلم طراز ~~عدله إذ قدره العلي وأصله الزكي أعظم مقاما من ذلك ولا يحسن أن ينتشر ~~الأصيت رأفته في الممالك وعلى الخير مضى سلفه الكرام وانطوى على مآثرهم ~~صحائف ms009 الأيام وقد قيل: # فان الظلم من كل قبيح ... وأقبح ما يكون من التنبيه # وقيل: # ولم أر في عيوب الناس شيئا ... كنقص القادرين على التمام # ما وسعني إلا الانحياز إلى العزلة والتعلق بذيل الانفراد والوحدة وما ~~أمكنني أن أعمل شيا ولا أقطع دون العرض على الآراء الشريفة وامتثال ما ~~تبرزه مراسيمها المنيفة فغد قال الناصح في بعض النصائح لا تخاطب الملوك ~~فيما لم يسألوك ولا تقدم على ما لم يامروك فلما أذن في الكلام قمت هذا ~~المقام فقلت قطرة من بحور وذرة من طيور ورأيت ذلك واجبا علي ونفعه عائدا ~~إلي وذكرت بعض ما وجب على سائر الناصحين ولزم ذكره جميع المسلمين من طريق ~~واحدة ولزمني أنا من طرق متعددة أدناها طريق المروة وأعلاها بل أغلاها وثيق ~~الأخوة التي هي أقوى الأسباب وأعظم الوصلات في هذا الباب فان لحمة القرابة ~~عي السبب الذي لا يقطعه سيف الحدثان والبنيان الذي لا يهدمه معول الزمان ~~وأساس الأخوة عنوان الفتوة قال الله تعالى وعز وجمالا وتقدس كمالا سنشد ~~عضدك بأخيك # PageV01P044 # وقال القائل: # أخاك أخاك أن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح # (وناهيك يا زين الملاح بقصة الولهى مع الضحاك) قال أخبرنا أيها الحكيم ~~بذلك الحديث القديم # قال الحكيم بلغنا عن التاريخ الباذخ الشماريخ أن الضحاك كان من أحسن ~~الناس سيرة وأصفاهم سريرةقد فاق الناس فضلا وبلغ ذكره الآفاق عدلا فتزياله ~~ابليس في صورة الدهاء والتلبيس فزعم ذلك الطباخ انه طباخ وصار كل يوم يهيئ ~~له من أطيب الأطعمة ولذيذ الأغذية ما يعجزه غيره ولا يقدر أحد أن يسير سيره ~~ولم يأخذ على ذلك جراية فبلغت مرتبته عنده النهاية واستمر على ذلك مدة ~~مديدة وأياما عديدة والناس تكمره أن تخدم بغير أجرة خصوصا في هذا الزمان ~~رؤساء الأعيان فقال له الإمام في بعض الأيام لقد أوجبت علينا يدا وشكرا وما ~~سألتنا على ذلك أجرا فاقترح ما تختار أكافئك يا مهار فقال تمنيت عليك أن ~~أقبل بين كتفيك فأني لي بذاك أن يقال ms010 قبل بدن الضحاك فأعجبه ذلك وأجابه ~~وحسر عن بدنه ثيابه وأدار ظهره إليه فاقبل لوحي كتفيه ثم غاب عن عينيه ولم ~~يقف على أثره ولا عينه فبمجرد ما لثمه ومس فمه جسمه أخذته حكة وشكه موضع ~~لثمه شكه ثم خرج من موضع فيه سلعة تلذعه شر لذعة وتلسعه أحر لسعة ثم صارا ~~حيتين # PageV01P045 # أشبهتا كيتين فصار يستغيث ولا مغيث فطلب الأطباء فأعياهم هذا الداء ثم لم ~~يقوله قرار ولم يأخذه سكون ولا اصطبار إلا بدماغ الإنسان دون سائر الحيوان ~~فمديد الفتك ولأجل الأدمغة استعمل السفك فضجر الناس لهذا البأس وصاحوا ~~وناحوا وغدوا مستغيثين وراحوا فوقع الاتفاق بعد الشقاق على الاقتراع لدفع ~~النزاع فمن خرجت قرعته كسرت قرعته وأخذ دماغه وحصل لغيره فراغه فعالجوا به ~~الكيتين وغذوا به الحيتين فيبرد الألم ويخف السقم ففي بعض الأدوار خرجت ~~القرعة على ثلاث أنفار فربطوا بالأغلال ودفعوا إلى الشكال ليجري عليهم ما ~~جرى على الأمثال فبينما هم في الحبس بين طالع نحس وعكس وقف للضحاك امرأة ~~وضيعة واستغاثت به في هذه القضية فأدناها وسأل ما دهاها فقالت ثلاثة أنفار ~~من دار لا صبر لي عنهم ولا قرار وحاشى عدل السلطان أن يرضى بهذا العدوان ~~ولدي كبدي وأخي عضدي وزوجي معتمدي وكل مسجون يسقي كأس المنون فرق لها ~~الضحاك وقال لا يعمهم الهلاك فاذهبي يا مغاثة واختاري واحد من الثلاثة ~~وجهزها إلى الحبس ليقع اختيارها على من يدفع اللبس فتصدى لها الزوج وتمنى ~~الخلاص من ذلك البوج فتذكرت ما مضى من عيشها معه وانقضى واستحضرت طيب ~~اللذات والأوقات المستلذات فأتت إليه ومالت عليه فتحركت الأنفس الإنسانية ~~والشهوة الحيوانية فهمت بطلبه وتعلقت بسببه فوقع بصرها على ولدها فلذة ~~كبدها فرأت صباحة خده ورشاقة قده فتذكرت طفوليته وصباه وترتيبها إياه وحمله ~~وإرضاعه وتناغيه وأوضاعه فعطفت عليه جوارحها ومالت إليه جوانحها فقصدت أن ~~تختاره وتريح # PageV01P046 # أفكاره فلمحت أخاها باكيا مطرقا عانيا قد أيس من نفسه وتيقن الإقامة ~~بحبسه لأنه يعلم أنها لا تترك زوجها وابنها ولا تختاره عليهما ms011 ولا تميل إلا ~~إليهما فأفكرت طويلا واستعملت الرأي الصائب دليلا ثم أداها الفكر الدقيق ~~وأرشدها التوفيق وقالت أختار أخي الشقيق فبلغ الضحاك ما كان من أمرها ~~واختيارها لأخيها بفكرها فدعاها وسألها عن سبب اختيارها أخاها وقال إن أتت ~~بجواب صواب وهبتها إياهم مع زيادة الثواب وإن لم تأت بفائدة قاطعة وعائدة ~~في الجواب نافعة كانت في قتلهم الرابعة فقالت اعلم واسلم إني ذكرت زوجي ~~وطيب عشرته وأوقات معانقته ولذته وما مضى معه من حسن العيش وانقضى من خفة ~~الأحلام والطيش فملت إليه وعولت في الطلب عليه ثم أبصرت ابني فتذكرت مقامه ~~في بطني وما مضى عليه من عاطفة وشفقة عامة في الأيام السالفة فهيمني حبه ~~القديم وشكله القويم فملت إلى اختياره وخلاصه من بواره ثم لمحت أخي المتقدم ~~عليهما فقست مقامه بالنظر إليهما فقلت إني امرأة مرغوبة قينة عاقلة مطلوبة ~~إن راح زوجي فعنه بدل وإن حصل الزوج وجد الولد وحصل فتهيأ الغرض ووجد عنهما ~~العوض وأما الأخ الشقيق عما عنه عوض في التحقيق لأن أبوينا ماتا وفاتا ~~وصارا تحت الأرض رفاتا فهذا الذي أدى إليه افتكاري ووقع عليه اختياري وأنشد ~~لسان القال فيما قال (شعر) وكم أبصرت من حسن ولكن عليك من الورى وقع ~~اختياري # قال فاستحسن الضحاك هذا الكلام ووهبها جماعتها مع زيادة الأنعام # (قال الحكيم) وإنما أوردت هذا المثل لمولانا الملك الأجل وعرضته على ~~الحضار ومسامع النظار ليعلم أن لي عن كل شيء بدلا وأما عن مولانا السلطان ~~فلا كما قال من أجاد في المقال: # PageV01P047 # وقد تعوضت عن كل بمشبه ... فما وجدت لأيام الصبا عوضا # وليس لي عوض إلا في بقاء ذاتك المحروسة ودوام حياتك العزيزة المأنوسة ثم ~~أني أخاف والعياذ بالله تعالى أن هذه الفتن قد أقبلت والحركات الداهية التي ~~وجوه الخلاص منها قد أشكلت تستأصل شافة أسلافنا الكرام وتقرض شرف أجدادنا ~~الملوك العظام فاخترت العزلة لذلك فإنها أسلم الطرق والمسالك (قال الملك) ~~لقد صدقت إذ نطقت وتحريت الصواب في الخطاب وأنا أتحقق حسن نيتك وخلوص ms012 طويتك ~~وحسن وفائك ويمن آرائك فإنك أخ شقيق وصدوق صديق ولكن تعلم أن هذا الوزير ~~رجل خطير ورأيه مستنير وفضله غزير وهو من أصل كبير وله علينا حق كثير وأريد ~~أن يقع ما عزمت عليه وفوضت فكرك المصيب إليه مع محاورته ومناظرته ومشاورته ~~فإن كلا منكما ناصح مشفق وحكيم مدقق وعالم محقق وفي مثل هذه الأشياء إذا ~~اتفقت الآراء وطال النفس تكاشف نور القبس وسعد البخت وتمكن التخت وصح الحق ~~ووضح الصدق لا سيما إذا كان الكلام بين عالمين والسؤال والجواب من فاضلين ~~كاملين (قال الحكيم) أيها الملك العظيم إذا قام الإنسان في صدد المعارضة ~~وتصدى في البحث إلى المعاكسة والمناقضة لا سيما إن كان من أهل الفصاحة ~~واللسن وساعده في ذلك الإدراك الحسن لا يعجزان يقابل الإيجاب بالسلب ~~والاستقامة بالقلب والعكس بالطرد والقبول بالرد ويكفي في جواب المتكلم إذا ~~أورد مسألة لا نسلم وقد قيل في الأقاويل لا تنفع الشفاعة باللجاج ولا ~~النصيحة بالاحتجاج # PageV01P048 # أما أنا فقد بذلت جهدي وأديت في النصيحة ما عندي وكشفت عن مخدرات التحقيق ~~أستار السبك وكررت على محك التصديق آثار الحك فإن وعيتم كلامي يسمع حي فقد ~~تبين الرشد من الغي وإن أعرضتم عن عين اليقين فلا إكراه في الدين فتصدى ~~الوزير للكلام وحسر عن ثغر بيانه اللئام وبرز في ملابس الملاينة والخداع ~~وسلك بخبث طرق الملاطفة والاصطناع ودس السم في الشهد ونزل من اليفاع إلى ~~الوهد وقال الحمد لله الكريم الذي من على مولانا الملك بهذا الأخ الحكيم ~~الفاضل الحليم الكامل العليم الناظر في العواقب ذي الرأي المصيب والفكر ~~الثاقب فلقد بالغ في النصيحة بعباراته الصحيحة وإشاراته المليحة وكل شيء ~~أبداه إلى المسامع وأنهاه هو الذي يرتضيه العقل ويرضيه العدل ويقبله الطبع ~~القويم إذ هو المنهج المستقيم يترتب عليه الذكر الجميل ويحصل به الثواب ~~الجزيل لكن الذي نعرفه في حفظ الرياسة وإقامة ناموس السياسة هو الذي عليه ~~القوم في هذا اليوم وجرت عليه عادات الأكابر وانخرط في سلكه الأصاغر فإن ~~الزمان فسد والفضل ms013 فيد كسد وزاد الحقد والحسد وتشرب المكر والأذى الروح ~~والجسد وكل في الروغان ثعلب وفي العدوان أسد وصار هذا مقتضى الحال والمحمود ~~من الخصال والمطلوب من الرجال والناس يدورون # PageV01P049 # بزمانهم بقدر مكانهم وإمكانهم وقد قيل الناس بزمانهم أشبه بآبائهم وبعض ~~السياسات عند أهل الرياسات يقتضي العقوبة معاقبة من لا ذنب له فإن وضع ~~الأشياء في محلها وزمام الأمور والمناصب في يد أهلها هو أحد قوانين الشرع ~~والسياسة ومقتضى العقل والكياسة والعدل والرياسة والعقل والفراسة والفضل ~~والنفاسة وناهيك أيها الحكيم الفاضل قول القائل: ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ~~يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم وما قيل: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم # ومن مقالات الملك أتابك أزدشير بن بابك رب إراقة دم تمنع من إراقة دم وفي ~~أمثال العرب القتل أنفى للقتل وقيل: # لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجساد بالعلل # PageV01P050 # وهذا كله مصداق قوله تعالى ولكم في القصاص حياة (وناهيك يا ذا القدر ~~الخطير قصة قابوس بن بشكمير) قال الحكيم للوزير أخبرني أيها الدستور الكبير ~~بكيفية ما أنت إليه مشير قال الوزير ذكر أن قابوس بن بشكمير ذاك الأسد ~~المنير قبض على جماعة كانوا جبذوا أيديهم من الطاعة من أركان دولته وبنيان ~~صولته ثم قيدوه وحبسوه وأقاموا ولده مقامه وأجلسوه ثم إنهم لم يأمنوا ~~غوائله وأفكاره الصائلة فتآمروا أن يسكبوه ويعمدوا إلى دمه فيسفكوه فأرسوا ~~إليه قاتلا فوثب إليه سائلا وقال ما سبب قتلي وما نابهم من أجلي مع كثرة ~~إحساني إليهم وانسبال ذيل ذيل إكرامي وإنعامي عليهم وتربيتي إياهم كالأولاد ~~وفلذ الأكباد وصوني إياهم عن آذاهم فقال كثرة إراقة الدماء أهاجت عليك ~~الغرماء وأكثرت لك الخصماء لما تغيرت خواطرهم عليك خافوا وقبل أن تحيف ~~عليهم حافوا فقال قابوس والله ما سبب هذا النكد والبوس وإثارة هؤلاء ~~الخصماء الأقلة إراقتي للدماء يعني لو أراق دماء القائمين عليه لما وصل هذا ~~المكروه إليه فلما أبقى عليهم أفنوه وحين ترك آذاهم آذوه وإنما أوردت هذا ~~التنظير ms014 ليقف خاطرك الخطير إن أمور الرياسة # PageV01P051 # وقواعد السياسة كانت تقتضي السبك وأحرى بالعفو والترك وأما الآن فذلك ~~الحكم قد انتسخ والفساد في قلوب العباد رسخ وقد قيل: # تلجي الضرورات في الامور ... سلوك ما لايليق بالأدب # ومزاج الزمان قد تغير والمعروف منه قد تنكر وقد أعرضوا عن طاعة السلطان ~~واتبعوا مخادعة الشطان وكل منهم قد شرخ وباض الشيطان في أذنه وفرخ وتصور ~~لخيالاته الفاسدة ومحالاته الكاسدة إنه بما يكيد يبلغ ما يريد وهيهات ~~وشتان: # لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى سامها كل مفلس # وهذا كما قال الله تعالى يعدهم ويمنيهم الشيطان وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا وما شعروا إن الملوك والسلاطين اختاره الله تعالى وألبسه من خلع ~~جبروته كمالا وجلالا وجعلهم بأموره قائمين وبعين عنايته ملحوظين وكما إن ~~الرسل والأنبياء والسادة الأعلام الأصفياء هم صفوة الله من خليقته ومختاروه ~~من خير بريته من غير كد ولا جهد ولا سعي منهم ولا جد ما برطلوا على النبوة ~~والرسالة ولا رشوا على نيل هذه الكرامة والنبالة إنما هو محض فضل من الله ~~تعالى وعنايته والله أعلم حيث يجعل رسالته # PageV01P052 # كذلك الملوك والسلاطين والقائمون بإقامة شعائر الدين هم ممن اختاره الله ~~على خلقه وأجرى على يديه لهم بحار كرمه ورزقه والسلطان ظل الله في أرضه ~~يجري بين عباده شريعة نفله وفرضه قال من له الخلق والأمر أطيوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر وقد غفل أهل هذه الممالك عن السلوك في هذه ~~المسالك وعن درك هذه الحقائق وأعرضوا عن الدخول في أحسن الطرائق وهي طريق ~~المحاشمة والصفح والمكارمة وعدوا المكر من أحسن الرياسة والعقل والكياسة ~~والتحيل لأكل أموال الناس من الذكاء ومظالم العباد من خلال الصدق والصفاء ~~وتملقهم للملوك والسلاطين من أسباب الوصول إلى الأغراض مع تحسين الظواهر ~~وفي البواطن أمراض فظواهرهم ظواهر الإنس تشمل على المودة والإنس وما فيهم ~~تحت الثياب إلا كلاب وذئاب ولأجل هذا سلطنا الله عليهم ومد يد بطشنا إليهم ~~معاملهم بالفراسة ونعمل بما تقتضيه الكياسة وتصوبه الآراء السلطانية ms015 من ~~قواعد السياسة قال الحكيم حسيب بعد ما أدركما في هذا الكلام من نكر غير ~~مصيب اعلم أيها الوزير النافع الناصح والدستور الشفيق المصالح أن الرعية ~~بمنزلة السرج والملك لمنزلة الشمس في البرج وإذا تلألأ على صفحات الأكوان ~~وأنار في وجه الزمان والمكان أشعة نور الشمس الوهاج فأي شعاع ووجود يبقى ~~للسراج وإن أنوار قلوب الرعايا وما يحصل لها من إشراق ومزايا إنما هي من ~~فيض أشعة ملوكهم وإن الرعية تتبع الملوك في سلوكهم فإذا صفت مرآة قلب ~~السلطان أشرقت بالطاعة قلوب الرعايا والأعوان بل الزمان والمكان تابعان لما ~~يضمره وينويه السلطان # PageV01P053 # وقد قيل إذا تغير السلطان تغير الزمان (وهل أتاك أيها الدستور واقعة ~~الرئيس مع بهرام جور) قال الوزير أخبرنا يا باقعة كيف كانت تلك الوقعة قال ~~الحكيم أخبرني شيخ عليم بالفضل مشهور إن بهرام وكان ذا يد عزم على الصيد ~~فخرج في عسكر جرار واستوى في الصحارى والقفار وبينما هم قد تفرقوا فما شعر ~~إلا وقد حركت يد الشمال غربال المطر ثم تراكم من السحاب على وجه عروس ~~السماء النقاب وانهل الغمام المدرار وصارت الدنيا جنات تجري من تحتها ~~الأنهار وأقبلت سوابق السيول تجري في مضمارها الخيول فتشتت العساكر وتشوشت ~~الخواطر فقصد بهرام جور كفرا من الكفور وطلب القرى من تلك القرى منفردا عن ~~عسكره مخفيا من خبره فنزل بيت الرئيس وهو رجل خسيس فلم يقم من حقه بالواجب ~~لأنه يعلم ذلك الراكب فتشوش خاطره وتكدرت ضمائره وتغيرت عليهم نيته وإن لم ~~تتغير بشريته فلما أقبل الليل جاء الراعي وهو يدعو بالويل ويشكو كثرة المحن ~~من قلة اللبن وذكر أن المواشي لم تدر ضرعا مع إن رعيتها كانت أحسن مرعى ولا ~~وقف لذلك على سبب ولا درى كيف حال حالها وانقلب وكان للرئيس بنت تخجل ~~الأقمار بخدها وتقصف الأغصان على قدها فلما سمعت كلام الراعي قالت والله ~~أنا أعرف السبب والداعي وهو أن السلطان الذي نيته حفظ أوطاننا تغيرت نيته ~~علينا وتقدم ضميره بالسوء إلينا فظهر النقص في ms016 ماشيتنا وسيتعدى ذلك إلى ~~أنفسنا وحاشيتنا وقد قيل إذا هم # PageV01P054 # الحاكم بالجور على الرعايا أدخل الله النقص في أموالهم حتى الزروع ~~والضروع قال أبوها فإذا كان الأمر كذلك فلا مقام لنا في هذه الممالك ~~فالأولى أن نتحول عن هذا المكان إلى مقام لا يضمر فيه سوءا لرعيته السلطان ~~ونستريح في ظل حاكمه ونرعى في مسارج مكارمه كل هذا وبهرام يصغي إلى هذا ~~الكلام فقالت البنت إن كان ولا بد من الانتقال واقتعاد مطية الارتحال فما ~~نصنع بهذه الأثقال والأزواد الثقال نقدم لهذا الضعيف منها يحصل التخفيف ~~عنها ويقع بذلك فائدتان إحداهما حسن المضيف وثانيهما التخفيف فامتثل أبوها ~~أمر ابنته ونقل إلى الضيف ما حواه بيته من طعام وشراب ونقل وكباب وبسط بساط ~~النشاط وأخذ دواعي الانبساط وانتقل من # PageV01P055 # فتقدم بجأش صليب وقبل الأرض بين يدي الذيب وقال محبط الراعي لجنابك داعي ~~يسلم عليك وقد أرسلني إليك يشكر صداقتك وشفقتك وحشمتك ومرافقتك ويقول قد ~~تركت بحسن آدابك عادة أجدادك وآبائك فلم تتعرض لمواشيه وحفظت بنظرك حواشيه ~~وقد حصل لضعافها الشبع وأمست بجوارك آمنة من الجوع والفزع وحصل لها الأمن ~~من الجزع فالله يجعل جوارك وغياضك أحسن مجتمع لأن عجاف ماشيته شبعت ورويت ~~واستنعشت وقويت فأراد مكافأتك وتطلب مصافاتك ومصادقتك فأرسلني إليك لتأكلني ~~وأوصاني أن أطربك بما أغني فإني حسن الصوت في الغناء وصوتي يزيد في شهوة ~~الغذاء فإن اقتضى رأيك السعد غنيتك غناء ينسي أبا أسحق ومعبد وهو شيء لم ~~يظفر به آباؤك ولا أجدادك ولا يناله أعقابك وأولادك بقوى كرمك وشهوتك وقرمك ~~وبطيب مأكلك # PageV01P060 # ويسني مأملك وإن صوتي للذيذ ألذ للجائع من جدي حنيذ بخبز سميذ وللعطشان ~~من قدح نبيذ ورأيك أعلى وامتثالك أولى فقال الذئب لا بأس قد أجبت سؤالك فغن ~~ما بدا لك فرفع الجدي عقيرته ورأى في الصياح خبرته وملأ الدنيا عياطا ~~وأعقبه ضراطا وأنشد: # وعصفور الهوى يهوي جراده ... كما عشق الخروف أبا جعاده # فاهتز الذئب طربا وتمايل عجبا وعجبا وقال أحسنت يا زين الغنم ولكن هذا ms017 ~~الصوت من ألم فارفع صوتك في الزير فقد أخجلت البلابل والزرازير وزدني يا ~~مغني قولي: # أقر هذا الزمان عيني ... بالجمع بين المنى وبيني # وليكن يا سيدي المغني هذا من أوج الحسيني فاغتنم الجدي الفرصة وأزاح ~~بعياطه الغصه وصرخ صرخة أخرى أذكره الطامة الكبرى ورفع الصوت كمن عاين ~~الموت وخرج من دائرة الحجاز إلى العراق وكاد يحصل له من ذلك الانفتاق وقال: # قفوا ثم انظروا حالي ... أبو مذقة أكالي # فسمعه الراعي يشدو فأقبل بالمطرق يعدو فلم يشعر الذئب الذاهل # PageV01P061 # وهو لحسن السماع غافل ألا والراعي بالعصا على قفاه نازل فرأى الغنيمة في ~~النجاة وأخذ في طريق النجاة وترك الجدي وأفلت ونجا من سيف الموت المصلت ~~وصعد إلى تل يتلفت بعد إذ تفلت فأقعى يأكل يديه ندامة ويخاطب نفسه بالملامة ~~وقال أيها الغافل الذاهل والأحمق الجاهل متى كان على سماط السرحان الغناء ~~والأوزان وأي جد لك فإني وأبي مفسد جاني كان لا يأكل إلا بالأغاني وعلى صوت ~~المثالث والمثاني فلولا أنك ما عدلت عن طريقة آبائك ما فاتك لذيذ غذائك ولا ~~أمسيت جائعا تتلوى وبجمر فوات الفرصة تتكوى وبات يحرك ضرسه ونابه ويخاطب ~~نفسه لما نابه ويقول: # وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا # وإنما أوردت هذا النظير لمولانا والوزير ليعلم أن العدول عن طرائق الأصول ~~ليس إلا داعية الفضول ولا يساعد معقول ولا منقول وأمور ذميمة وعاقبته وخيمة ~~وناهيك ما هو وكالعلم ومن يشابه أباه فما ظلم ويؤخذ من مفهوم هذه الحكم أن ~~من لم يشابه أباه فقد ظلم خصوصا الملوك والسلاطين الذين اختار رفعتهم رب ~~العالمين وذلك لئلا يدخل على قواعد المملكة من حركات الاختلال والاختلاف ~~حركة ولله يا ذا الإحسان ما قيل في شأن الملك أنوشروان: # لله در أنوشروان من رجل ... ما كان أعرفه بالوغد والسفل # نهاهم أن يمسوا عنده قلما ... وأن يذل بنو الأحرار بالعمل # PageV01P062 # لنفسه المنفعة أن يرجع معه فربما ينجح ويسلب من الحمار وعيه فقال يا أخي ~~شوقتني بهذه القضية إلى الاطلاع على ms018 تلك الوصية لاستفيد منها وآخذ حظي من ~~الفضل عنها فلا بد من مصاحبتك والذهاب معك ومرافقتك فقال الحمار لا دافع ~~ولا مشاقق ولا مانع أن تكون لي مرافقك فقال ابن آوى فهل في حفظك منها شيء ~~فإن كان فألقه إلي لنتذاكر في الطريق ولا يؤثر فينا التعب والضيق فقال ~~نصيحة واحدة هي بصدقي شاهدة وهي كلمة مجملة فوائدها فيها مجملة وهي أن أبي ~~قال لي إياك أن تفارق هذه الوصية فإن فارقتها وقعت في بلية وسأخبرك بسائرها ~~في المسير إذا تذكرت أيها البصير ثم سار قليلا وأفكر طويلا وقال وهذه أخرى ~~سنحها ذكري وارتضاها فكري وهي إذا وقعت في شدة ورمت للخلاص منها عده فتصور ~~أصعب منها يحصل لك التغصي عنها وتهن عليك وتعدها نعمة أسديت إليك فتشتغل ~~بشكرها وتستأنس بذكرها فقال ابن آوى أحسنت يا حمار وهذا مقام الأخيار ~~والصالحين والأبرار ثم سار سيرة رائثة وقال والله هذه نصيحة ثالثة فقال قل ~~واسلم وطل فقال لا تحسب أن الصديق الجاهل # PageV01P069 # خير من العدو العاقل فإن علم العدو العاقل خير لك من جهل الصديق الجاهل ~~فقال ابن آوى ما أحلى كلامك وأعلى في اللطف مقامك وأنزه منادمتك وأفكه ~~مكالمتك بالله شنف المسامع فإني لك بقلبي وجوارحي سامع فقال مهلا حتى ~~أتذكرها وأتصورها كما ينبغي وأتفكرها أمر ابن آوى على تعسه وساقه القضاء ~~إلى رمسه فوصل إلى الضيعة وقد وقع ابن آوى في ضيعة فالح على الحمار فقال ~~أخبرني فما بقي لي اصطباري فقال قال لي أبى بكلام فصيح عربي لا تجعل مقامك ~~ومقيلك بمكان يكون فيه ابن آوى دليلك والذب فيه جارك وخليلك وأن جعلت لك في ~~هذا المكان ساحه فما ترى يكون لك فيه من الراحة وأن أردت أن تخلص من هذا ~~المكان فانصب الآذان وارفع ذكر الله بالأذان فانه ينجيك من الضيق ثم رفع ~~عقيرته بالنهيق فسمعه معارفه من الكلاب فسارت إليه مستبشرة بحسن الإياب ~~وسارعت إليه واجتمعت حواليه فما شعر ابن آوى إلا وهو متورط في البلوى ms019 فطفر ~~للهرب فادركه من الكلاب الطلب فاحتموشته وانتوشته واختطفته واقتطفته ووزعته ~~ومزعته ومرشته وقرشته فلم تبق منه عينا ولا أثر واذهب دمه في تدبير هدرا ~~وإنما أوردت هذا المثال وعرضته على الرأي العال ليعلم أن الاغترار بالكلام ~~والإصغاء إلى الحكايات والقول البطال من غير تنقل من ألفاظها إلى معانيها ~~وتأمل في مآكل مقاصدها وفحاويها والأعتماد على القضايا المزخرفة والركون ~~إلى الأمور المسفسفة لا يفيد سوى الندم وزلة القدم # PageV01P070 # والأصل في الولايات والمناصب التفكر في الخواتيم والتأمل في العواقب ~~والأفلبس في ذلك سوى إضاعة العمر والمصير إلى المهالك وقلت شعرا: # PageV01P071 # أن صحبة الأخيار كجرة النضار بطيئة الانكسار سريعة الأنجبار وصحبة ~~الأشرار كجرة الفخار سريعة الانكسار بطيئة الأنجبار وبالجملة فما في صحبة ~~الناس فائدة ولا في مخالطة الناس كبير عائده وقد قيل: # ولم تر من بني الدنيا سلاما ... فان تراه فابلغه سلامي # وينبغي أن تكون غيبتكم وحضوركم وأجوالكم وأموركم وأجتماعاكم وفراقكم ~~وصلحكم وشقاقكم في حالتي السراء والضراء والبؤس والرخاء على وتيرة واحدة ~~وهي الخالية عن الأغراض الفاسدة أعني إذا رضيتم فبالحق وإذا غضبتم فالحق ~~وإذا توجهتم فاللحق ولا تبطروا في حالة النعم ولا تضجروا في حالة النقم ~~وعلى كل حال فلا يقع بينكم اختلال # PageV01P078 # وذلك بتفرق الكلمة واختلافها وتصادمها وعدم ائتلافها فانه قيل: # إن الدليل الذي ليست له عضد ... مثل الوحيد بلا مال ولا عدد # (وقيل أيضا) : # كونوا جميعا يا بني إذا اعترى ... خطب ولا تتفرقوا أجنادا # تأبى القداح إذا جمعن تكسرا ... وإذا افترقن تكسرت أفرادا # ولا تثقوا بأحد من الكبار والصغار إلا بعد الأختبار في الشدة والضعف ~~والرفق والعنف والبؤس والرخاء والخوف والرجاء ولا تقدموا على قديم الأصحاب ~~أحدا ولا على الموثوق بهم من لا جربتموه أبدا وقد قيل في المثل المشهور ~~النحس المعروف خبر من الجيد المنكور وقيل أيضا خير الأشياء جديدها الأصحاب ~~قديمها وأسوأ قواعدكم أخراكم في دنياكم واغتنموا السعادة الباقية من الدار ~~الفانية وعاملوا تجدوا وازرعوا تحصدوا وتفكروا من أول يومكم أحوال عزكم ومن ~~أوائل عمركم أواخر دهركم ms020 ومن ليلة الهلال سرار أشهركم فكل من له صدق قدم ~~يتفكر وهو موجود حالة العدم ومن زمان شبابه حالة الهرم كما فعل التاجر ~~المراقب وما آل إليه العواقب فقبل الأرض الأولاد وقالوا مولانا السلطان ~~أعظم من أفاد لو تصدق على عبيده الطائعه ببيان تلك الواقعة (قال الملك) ذكر ~~الحكماء وذووا الفضل من العلماء أنه كان في بعض الأمصار تاجرا من أعيان ~~التجار ذو مال جزيل وجاه عريض طويل ونعمة وافرة وجشم وخدم متكاثرة من ~~جملتهم غلام مخابل السعادة من جبينه لائحة وروائح النجابة من أذيال شمائله ~~فائحة قد أفتى عمره في خدمة مولاه ولم يقصر لحظة في طلب رضاه # PageV01P079 # فقال له سيده في بعض الأيام لك على حق يا غلام وأنا أريد مكافأتك وأطلب ~~موافاتك فتوجه هذه المرة في هذه السفرة فمهما ربحت فهو لك بعد أن أعتقك من ~~قيد رق أشغلك ثمن أوسق مركبا وفسح له في السير شرقا ومغربا وصاه بأشياء ~~امتثل مرسومها والتزم منطوقها ومفهومها فقال له مولاه سأرفعك على إضرابك ~~وأغنيك عن أمثالكوأصحابك وأجعلك كأكبر من في الدنيا ولجميع رفقتك بمنزلة ~~المولى ثم أخذ في تعبية البضائع وأوسق مركبه المتاجر والمنافع وسلمه إلى ~~الهواء والماء بعد أن توكل على رب السماء فسار بعض أيام وهو في أهنى مرام ~~وخضره الملاح وموسى وفتاة حافظ الألواح وبينهما السفينة من نسف العواصف ~~أمينه تجاري السهم والطير وتبارى الدهم في السير فإذا بالرياح هاجت ~~والأمواج ماجت وأشباح البحر تصادمت وأطواد الأمواج على العرفاء تلاطمت فعجز ~~ذلك الملاح والحافظ ونشر مذهب ابنه أبو الجاحظ وترك سيمة الوقار والسكينة ~~ورقم نقش الحروف في ألواح السفينة فشاهدوا من ذلك الهواء والأهوال وغدا قاع ~~البحر كالجبال وصار في ذلك الغراب بمن فيه من الأصحاب كأحوال الدنيا بين ~~صعود وهبوط وقيام # PageV01P080 # وسقوط طورا يستأمنون الأفلاك ويناجون الأملاك وينهون أخبار ظلمات صاحب ~~الحوت إلى السماك وطورا يهبطون الغور وينظرون قرن الثور وربما قوامنه من ~~تحت الزور فلم يزالوا عاجزين حيارى سكارى وما هم بسكارى يتناشدون: # وفلك ms021 كبناه والبحر ذو ... هواء فثار وحار ومارا # فطورا اعلونا السماء وطورا ... رمتنا أراضيه منها انحدارا # وآخر الأمر نسفت السفينة الرياح وألقى كاتب الحاصب إلى كل حرف من حروف ~~الجبال لوحا من الألواح وأوعر الله سهلها وخرقها فأغرقها وأهلها وذهب البحر ~~بأموالها وأرواحها وتعلق الغلام بلوح من ألواحها واستمر تقذفه الأمواج ~~وتصدم به أثباج البحر الهياج إلى أن وصل إلى ساحل فخرج وهو كئيب ناحل وصعد ~~إلى جزيرة فواكهها غزيرة ووصفها عجيب ليس بها داع ولا مجيب فجعل يمشي في ~~جنباتها إلى أن أداه التوفيق إلى فم طريق فسار تلك الجادة وهداية الله له ~~مادة فانتهى به المسير إلى أن تراءى له سواد كبير وبلغ مملكة عظيمة ولاية ~~جسيمة ورأى على بعد مدينة مسورة حصينه فعمد إلى ذلك البلد وتوجه نحوها وقصد ~~فاستقبله طائفة من الرعال نساء ورجال يتبعهم جنود مجندة وطوائف محشدة مع ~~طبول تضرب وفوارس تلعب رزمور تزعق # PageV01P081 # وألسنة بالثناء تنطق حتى إذا وصلوا إليه تراموا عليه وأكبوا بين يديه ~~يقبلون يديه ورجليه مستبشرين برؤيته متبركين بطلعته ثم ألبسوه الخلع السنية ~~وقدموا فرسا عليه بكنبوش ذهب وسرج مغرق ووضعوا له التاج على المفرق ومشوا ~~في الخدمة بين يديه والجنائب في الموكب تجر لديه ينادون حاشاك واليك سلطان ~~الناس قادم عليك حتى وصلوا إلى المدينة ودخلوا قلعتها الحصينة ففرشوا شقق ~~الحرير ونثروا النثار والكثير وأجلسوه على السرير وأطلقوا مجامر الند ~~والعبير ووقف في خدمته الصغير والكبير والمأمور والأمير والدستور والوزير ~~وأشندوه: # قدمت قدوم البدر بيت سعوده ... وأمرك فينا صاعد كصعوده # PageV01P082 # والنصوح الصديق جزاك الله خيرا وكفاك ضيما وضيرا أني قد فكرت في شيء ينفع ~~نفسي ويحيها ويدفع شر هذه البلية التي وقعت فيها وأريد معاونتك وأطلب ~~مساعدتك فأني رأيتك في الفضل متميزا بين أقرانك فاثقافي محاسن الشيم على ~~أصحابك وإخوانك فقال افعل يا ذا الزعامة وحبالك وكرامه قال اعلم أيها ~~الصاحب الأعظم أن الرجوع إلى هذاالمكان الذي كنت فيه خارج عن الإمكان ~~والإقامة في هذا الملك المعهود إنما هي إلى ms022 أجل معدود ووقت محدود وانقضاؤه ~~على البتات وكل ما هو آت آت وكيفية الخروج قد عرفت وطريقها قد تقررت ووصفت ~~ولهذا قيل يا ذا الفضل الجزيل دخلنا مضطرين وأقنا متحيرين وخرجنا مكرهين ~~ولم يتجه مخلص من هذا المقنص إلا طريق واحد وسبيل غير متعاهد وهي أن تأخذ ~~طائفة من البنائين وجماعة من المهندسين والنجارين وتذهب بهم أيها الوزير ~~إلى # PageV01P085 # مكان إليه نصير فتأمرهم أن يبنوا لنا هناك مدينة ويشيدوا لنا فيها أماكن ~~مكينة ومخازن وحواصل وتملؤها من الزاد المتواصل من المآكل الطيبة والأطعمة ~~والأشربة اللذيذة المستعذبة ولا تغفل عن الإرسال ولا تختر الإمهال والإهمال ~~في الظهيرة والأسحار والغدو والآصال إذ أوقاتنا وأنفاسنا معدودة وساعة تمضي ~~منها غير مردوده وإذا فات شيء من ذلك الوقت فلا نعوض عنه إلا الخيبة والمقت ~~فننقل هناك ما يكفينا على حسب طاقتنا ومقدار قدرتنا واستطاعتنا فإذا تزودنا ~~منها لم نرحل عنها بحيث إذا نقلنا من هذه الديار وطرحنا في تلك المهمة ~~والقفار وجفانا الأصحاب وتخلى الإخلاء عنا والأحباب وأنكرنا المعارف ~~والأوداء واحتوشتنا في تلك البيداء فنون الداء نجد ما نستعين به على إقامة ~~الأود مدة إقامتنا في ذلك البلد فأجاب بالسمع والطاعة وأختار من المعمارية ~~جماعة وأحضر المراكب وقطع البحر إلى ذلك الجانب وجعل الملك يمدهم بالآلات ~~والأدوات على عدد الأنفاس ومدى الساعات إلى أن أعنى المعمارية العمارة ~~وأكملوا حواصل الملك ودلره وأجروا فيها الأنهار وغرسوا فيها الأشجار فصارت ~~تأوي إليها الطيور بالليل والنهار ويترنم فيها البلبل والهزار بأنواع # PageV01P086 # التسبيح والأذكار وغدت من أحسن الأمصار وبنوا إليها الضياع والقرى وزرعوا ~~منها الوهاد والثرى ثم أرسل إليها ما كان عنده من الخزائن ونفائس الجواهر ~~والمعادن وأرسل من ظريف التحف إليها ومن حاجاته المعول عليها بحيث لو أقام ~~بها سنين قامت بكفايته وفضلت خزائنها عن حاجته وأكثر من إرسال ما يلزم من ~~الأدوات والأشربة والمطعومات وجهز الخدم والحشم وصنوف الأستعدادات من النعم ~~فما انقضت مدة ملكه ودنت أوقات هلكه إلا ونفسه إلى مدينته تاقت وروحه إلى ~~مشاهدتها ms023 اشتاقت وهو مستوفز للرحيل ورابض للنهوض والتحويل فلما تكامل له في ~~الملك العام لم يشعر إلا وقد أحاط به الخاص والعام ممن كان يفديه بروحه من ~~خادمه ونصوحه ومن كان سامعا لكلمته من أعيان خدمه وحشمته وقد تجردوا لجذبه ~~من السرير ونزع ما عليه من لباس الحرير ومشوا على عادتهم القديمة وسلبوه ~~الحشمة الجسيمة ومملكته العظيمة وزالت الحشمة والكلمة والحرمة وشدوا وثاقه ~~وذهبوا به إلى الحراقة ووضعوه وقد ربطوه في المركب الذي هيئوه وأوصلوه إلى ~~ذلك البز من البحر فما وصل إليه إلا وقد أقبلت خدمه عليه وتمثلت طوائف ~~الحشم والناس لديه ودقت البشائر المقدمة وحل في سروره المقيم ونعمه واستمر ~~في أتم سرور واستقر في أوفر حبور ثم قال الملك للأولاد فلذ الأكباد وإنما ~~أوردت هذا المقال على سبيل المثال فأصغوا إلى حسن التنظير حتى أبين لكم ~~النظير وعوامل ما أقول بآذان القبول وتأملوا رموز المعاني من هذه الألفاظ ~~التي خجلت المثاني ثم تفكروا وتبصروا وبعد التذكير والتبصر تدبروا # PageV01P087 # أما ذلك العام المعهود فأنه الولد في أول الوجود وأما المركب الذي أودعه ~~فهو بطن أمه الذي استودعه وانكسار السفينة هو انشقاق المشيمة والجزيرة التي ~~خرج إليها فهي الدنيا التي دخل عليها والناس الذين استقبلوه فأقاربه وذووه ~~وأهلوه يربونه بالملاطفة والعلال ويعاملونه بالإكرام والأفضال وذلك الشاب ~~الذي هو وزيره فهو عقله ومن إيمانه نوره والسنة المضروبة أجله المحتوم ~~وعمره المعدود المعلوم ونزوله عن سريره عبارة عن آخرته ومصيره وخروجه من ~~الدنيا بالإكراه وشروعه في دخول إلى أخراه والبحر الثاني الذي طرح فيه هو ~~أحوالما يعاينه عند الموت ويعانيه # إلى سفر طويل زاده قليل قفاره يابسة وطرقه دامسه لا أنيس فيه ولا رفيق ~~ولا مصاحب ولا صديق ولا دليل ولا خليل ولا مغيث ولا مقيل ولا ماء ولا معين ~~ولا صاحب ولا معين فيهيئ لهذا السفر بقدر # PageV01P088 # الإمكان ما قدر من الزاد وألما والمركب والكلا ونور الطريق والمسافر ~~والرفيق والخادم والأنيس والمنادم والجليس ويمهد المضجع للمبيت ويهيئ ~~والمقيل ويهيئ الموضع في ms024 النزول والرحيل وبالجملة لا يترك من أفعال الخير ~~شيئا إلا فعله ولا مجملا إلا فصله ولا متأخر إلا قدمه ولا معاملا في مبايعة ~~إلا أسلفه وأسلمه وليعلم أن كل ذلك محتاج إليه ومصروف لديه إذا نقل إلى دار ~~البقاء وأقبل عليه فإذا جاء وقت الرحيل ونادى منادي الانتقال والتحويل وجد ~~ما كان في عمله حاضرا وكل ما قدمه إلى رياض الخير نزها ناضرا كما قال ذو ~~الجلال وأخبر به الصادق في الوعد والمقال أن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة ~~التي كنتم توعدون معنى أن لا تخافوا لا خوف عليكم فيما هو أمامكم ولا ~~تحزنوا على ما خلفتم وراءكم فإذا دخل في قبره وجده روضته من رياض الجنة ~~يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم وأما الشقي الغافل ~~الغبي الذي أمهل أمره ونسي الله وذكره وأهمل ما خلق لأجله وتاه في بيداء ~~الضلال وسبله فقد اغتر بهذه اللذة اليسيرة في تلك المدة القصيرة واستمر ~~سكران في ميدان العصيان من خمرة الطغيان وتردى لباس الردى أولئك الذين ~~اشتروا الضلالة بالهدى فانهدمت عمارتهم ولا ربحت تجارتهم حتى إذا جاءه ~~الوقت المعلوم ونزل به الأجل المحتوم ونظر أمام وتراءت الأعلام فإما إن كان ~~من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم نزل من دار الغرور إلى دار ~~الشرور فندم ولا ينفعه الندم وقد زلت به القدم فخاب مآبا وقال يا ليتني كنت ~~ترابا فانظروا يا أولادي وعدتي وعتادي حال الفريقين وتأملوا ما للطائفتين ~~فقد بذلت في النصيحة جهدي وأستخلف الله عليكم من بعدي # PageV01P089 # فقال أكبر ولده وهو أسلك محاسنهم واسطة عقدهم جزى الله مولانا عن شفقته ~~خيرا وأولاده على حسن النصيحة أجروا ذخرا فلقد أحييت قلوبا بزواهر حكمك ~~وشنفت أسماعا بجواهر كلمك ولكن أخوتي وإن كانوا من أولي العلم وأرباب ~~النباهة والحلم والعقل الغزير والفضل الجم الكثير والرأي المصيب المنير غير ~~أن حدة الشباب عليهم غالبه ودواعي النفس بشهواتها مطالبه ms025 لا سيما أن حصلوا ~~على ملك عريض وكرعوا من ألبانه المخض والمخيض فان اتفق مع ذلك موافق منافق ~~أو صاحب ممارق أو صديق خدوع أو مباطن مكار هلوع أضلهم عن سواء السبيل وصار ~~إلى طريق المخالفة أوضح دليل فتتحول صداقتنا عداوة وتتبدل فيها بالمرارة ~~الحلاوة الرخاء فينتزع الرخاء ويتمزع الإخاء ويبغي بعضنا على بعض وتعود ~~الأخوة على موضعها بالنقض ويتولد من ذلك الفتن ويظهر من العداوة ما بطن ~~فالرأي عندي أنه ما دام زمام التصرف في يد الإمكان يتصرف مولانا السلطان ~~على مقدار جهده في مصلحة عبده بحيث لا أكون مضغة للماضغ ومشغلة لكل قلب ~~فارغ ولا يسلمني لا سباب الحوادث ومخالب الدهر الكوارث فإنه بذلك يكفيني من ~~نوائب الزمان ما يدهيني والعياذ بالله المنان من مفارقة مولانا السلطان ~~جلعني الله تعالى فداءه ولا أراني فيه يوما أساءه فليأخذ بيدي من هذه ~~الورطة وليرحمنيمن شر هذه الخطه فانه قد قيل من لا يقبل المستقبل ولا يغيث ~~المستغيث ولا يتقصد بمعنى الحديث ولار يدفع غصة هذه القصة ويفوت عند ~~الأمكان الفرصة يصيبه من حوادث الزمان ما أصاب بعض الجرذان الذي لم يخلص ~~الغزالة الواقعة في شرك الحبالة قال السلطان قل لي كيف كانت قصته وما كانت ~~قضيته # PageV01P090 # (فقال) ذكر أن بعض الصيادين المحتالين الكيادين نصب حباله ليصيد غزاله ~~فعلق بها مهاة من المها وطلبت مجالا واضطربت يمينا وشمالا فوقعت عينها على ~~جرذ من الجرذان عنيد يتفرج عليها من بعيد فنادته بلسان زلق وأثنت عليه ~~بلسان طلق وقالت يا فارس ميدان المروة والنجدة والفتوة والموصوف بالشطارة ~~والقوة هذا وقت الكرم وأوان استعمال مكارم الشيم وفعل المعروف وإغاثة ~~الملهوف وصرف الهمة إلى كشف الغمة نعم وأن كانت طرائق الصداقة بيننا معدومة ~~ونقوش التنافر على صحف خواطرنا مرقومه ونقود المعرفة والإخاء في جنب ~~التباين غير مبذولة ومرآة # PageV01P091 # فاشمأزت من الرشيق نفسه وزوى في رياض مصاحبته غرسه فأمر الحجار والبوابين ~~أن يكونوا لدخوله على الملك آبين فلما أن جاء الرشيق وقصد الدخول بجاش وثيق ~~منعوه ms026 من الدخول فرجع خائبا خاسرا وبقي حائرا بائرا ولم يشك أن هذا الضرب ~~سهم غرب لأنه لم يعلم السبب فقضى من الزمان العجب فشرع يتفحص عن سبب البعاد ~~ويتردد بين أغوار وانجاد ويذهب رائد فكره كل مذهب ويعزم على توابعه ليقفوا ~~على موانع المطلب إلى أن وقف على السبب المضرم وعلم أنه الإحسان إلى ذلك ~~المجرم وظهر لذلك البحر البر من قوله الإحسان إلى اللئيم سلف في الشر ~~فاجتمع بجماعة من أصحابه وطائفة من خلص أحبابه وعرض عليهم # PageV01P096 # قصته واستدفع بآرائهم غصته ثم تعرى من لباسه عند الخواص من أناسه لينظروا ~~إلى جسده وباسه فرأوا يدنا كسبائك الفضة وأطرافنا ناعمة غضه وأعضاء تحسبها ~~من الحور غوانيها مسلمة لاشية فيها فأجمعوا على سلامتها وذكروا للملك ~~محاسنها بعلامتها وشهدوا بحسن صفائها ورونق بهائها وأنها سليمة عن الأدواء ~~بريئة من كل داء وكأنه في شأنه قيل: # وأعجب ما شاهدت في وصله وقد ... نزعنا غلالات وثوب حياء # تلألؤ نور في ترقرق مائه ... وصورة روح في مثال هواء # وإنما لشدة الحسد عاب ذلك الجسد فقال الملك صدقتم وبالحق نطقتم ولكن كيف ~~وقد قيل: # قد قيل ذلك أن صدقا وان كذبا ... فما احتيالك في شيء وقد قيلا # PageV01P097 # واطمأن خاطره واستقرت أموره واستقامت حبوره فلما هجم جيش الليل أقبلت ~~السباع من الوادي كأنها السيل وقصدت الوحوش والهوام ما لها من مأوى ومقام ~~وعوت الذئاب وزأرت الأسود وهمزت النمور والنسور والفهود فساورت ابن الملك ~~الهموم وأورثته # PageV01P100 # أصناف الغموم وأحتوشته المخاوف والوجوم فلجا إلى جناب الحي القيوم جناب ~~قاصده ولا يصدر الابنيل الأمل وأرده وصار يحسس بيديه ويصغي إلى الحيوان ~~بأذنيه ويتمشى إلى كل جانب ويهوى بيديه إلى الأطراف والجوانب ويتعلق بحبال ~~الهواء كالغريق الغاطس في الماء فوقعت يده على شجره فعلق فيها يديه وظفره ~~وصعد عليها وأوى إليها وتوجه بقلبه إلى خالقه وموجده ورازقه وقطع عما سواه ~~أسباب علائقه واشتغل بالذكر والتسبيح وفوض أمره إلى الله سبحانه وتعالى ~~بأمل فسيح واستمر في هذا الويل برهة من الليل وكان ms027 طائفة من الجان المهرة ~~كل ليلة تأوي إلى هذه الشجرة فتيذاكرون ما جرى في العالم وما صدر في عالم ~~السكون والفساد من أعمال بني آدم ويقيمون أفراحهم ويتعاطون انشراحهم فلما ~~اجتمعوا تلك الليلة ذكر كل قوله وما جرى من الحوادث ومن المفرحات والكربات ~~وما وقع من العجائب واتفق من واقعات الغرائب فقال واحد من القوم ومن أعجب ~~ما وقع اليوم من الأمر الكريه ما فعله ملك بابل بابنأخيه وذكر لهم القضية ~~وما تضمنه من بليه وجعل يتأرق ويتحرق ويتبرم ويتضرم ويحرق الأرم ويتعجب من ~~عدم وفاء بني آدم فقال رئيس الجان وهذا غير بديع من طبع الإنسان فانه مجبول ~~على الغدر مطبوع على الدهاء والمكر ألم تسمع قول قائلهم في وصف فضائلهم ~~وقبيح شمائلهم ممن أنخرط في سلك الفضل بدون منع ولا حجز إذا كان الغدر ~~طباعا فالثقة بكل أحد عجز ثم قال الرئيس اعلم يا نفيس اني أعلم ما يزيل هذا ~~الألم ويطفيء هذا الضرم ويشفي هذا السقم وهو أن هذه الشجرة النجيبة لها ~~خاصية عجيبة # PageV01P101 # اسمها شجرة النور وفضلها في ذلك مشهور إذا أخذ من عصارة ورقها ووضعها ~~الأعمى على حدقها انجلى عماها بدقرة رب براها وخلقها فسواها ورد إليها ~~بصرها وزاد نظرها ثم أن الخرابة الغلانية فيها حجر حية بذيه وهي تابعة ملك ~~بابل الفاعل هذا الفعل السافل وحياته متعلقة بحياتها وموته موقوف على ~~مماتها لأن طالعه على طالعها وطبعه اللئيم مطبوع على طابعها فبمجرد ما تموت ~~الحية يموت وينقل من درج الملك إلى درج الملكوت كل ذلك وابن الملك يسمع هذا ~~القول فلجأ إلى ذي القوة والحول حتى من عليه بعد شديد العقاب بهذا الطول ~~وجعل ينادي ويبتهل ويقول متى جبين الصبح يهل وينشد: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الأصباح منك بأمثل # فلما أصبح الصباح ونادى مؤذن السعد حي على الفلاح تميم ابن الملك وصلى ~~وحمد الله على النهار إذا تجلى ورض بين حجرين من ورق الشجرة واكتحل بمائه ~~فرد الله عليه بصره ms028 ثم وجه ذهابه إلى تلك الخرابة ورصد خروج تلك الحية ~~اللاطئة وضربها ضربة غير خاطئة فاحاط بها نازل الهلك وفي الحال خر الملك ~~ميتا على سرير الملك وبينما العزاء عليه قائم وإاذا بصاحب السرير عليهم ~~قادم وقد قصد ملك أبيه وتمكن من ملكه وذويه وتصرف فيه كما شاء وألبسه خلعة ~~الملك من يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء وإنما أوردت هذا التمثيل ~~خوفا أن يكون صاحب مولانا الملك الجليل الذي بخراسان من هذا القبيل فتبدل ~~المحبة بالبغض وترجع على موضوعها بالنقض # PageV01P102 # ثم أن بعض الصحاب والأخوان يفعل ما يفعله من الخير والإحسان على سبيل ~~المكافاة لأعلى طريق والمصافاة فإذا كافأ بالإحسان عاد إلى ما كان عليه من ~~العدوان فأسال الحضرة الشريفة والمراحم المنيفة ذات الفضل المشهور والإحسان ~~المأثور التأمل في عواقب هذه الأمور لئلا يصيبنا ما أصاب المسافر ضعف ~~الحداد المنافر من العفريت الملقى في المحافر قال أخبرني أيها الولد النجيب ~~عن ذلك الأمر العجيب وقاك الله شر الواجيب (قال) بلغني من رواة الأخبار أن ~~شخصا من الأخيار لازم الأسفار وقطع القفار فجاب مشارق الأرض ومغاربها وبلغ ~~أكنافها وجوانبها وشاهد عجائبها وقاسى حر الزمان وذاق حلوه ومره وعانى خيره ~~وشره فأداه بعض المسير إلى بلد كبير فرأى في بعض نواحيه وطرف من بعض ضواحيه ~~طائفة من الصبيان قد اجتمعوا في مكان فوصل إليهم ذلك الفقير فوجدهم واقفين ~~على حفير يرمون فيه بالأحجار وهم يستغيثون بالستار من العدو المكار الغدار ~~والحسود القديم والكافر الذميم والشيطان الرجيم فسألهم ما هذه المعضلة ~~فقالوا عفريت وقع في هذه البئر المعطلة وهو عدو قديم نريد أن نقتله فقال ~~أفسحوا حتى أنظر إليه وأساعدكم عليه ففسحوا عن ذلك الطوى فنظر في قعر الركى ~~فرأى في جانب منها عفريتا منزويا # PageV01P103 # وقد هشموه وكسروه وحطموه وكاد يهلك مما رجموه فعند ما نظر إليه رق له ~~وعطف عليه وقال أفضل المعروف إغاثة الملهوف وإن لم يكن بيننا سابقة صداقة ~~ولا وشيجة محبة ولا علاقة بل عداوتنا جبلية ms029 ومباينتنا أزلية لكن فعل الخير ~~لا يبور ولله عاقبة الأمور وإذا قصد الإنسان فعل الخير فلا عليه أن فعله مع ~~أهله أو الغير وقد قيل للتمثيل أيها الإنسان قد عداك الذمأفعل الخير وألقه ~~ثم منع عنه الكبير والصغير وساعده على الخروج من البير واستنفذه من أيديهم ~~وأطلقه فكان كمن اشتراه وأعتقه فلما رأى العفريت هذا الإحسان من ذلك ~~الإنسان من غير سابقة ولا عرفان قبل يده ورجله وشكر له هذه الفعلة وقال أني ~~عاجز عن مكافأتك يا إنسان في هذا الأوان وأنا اسمي فلان فان وقعت في ضيق أو ~~ضللت في طريق فنادي باسمي أحضر إليك بجسمي وأنفعك في ضيقك وأرشدك إلى طريقك ~~وأكافئك أيها اللوذعي بما فعلته معي ثم ودع كل صاحبه وخالف في السير جانبه ~~فوصل السياح إلى بلد من البلاد له فيها صديق حداد فنزل عنده فأكرمه ورحب به ~~وخدمه وكان لتلك البلدة عادة حسنة أنهم في يوم معين في كل سنة يقربون من ~~يقدم عليهم فيه ولا يسألون أخامل هو أم نبيه فان لم يقدم عليهم غريب في ذلك ~~اليوم اقترع فيما بينهم القوم فمن خرجت قرعته سحبوه وكسروا قرعته وقربوه ~~فوافق ذلك اليوم قدوم السائح ولم يرد سواه من غاد ورائح ولا شعر به أحد من ~~أهل تلك البلد فاخذوا في القرعة بالاجتهاد فطرقت القرعة قرعة الحداد فقبضوا ~~عليه وعزموا على تقريبه # PageV01P104 # فقال عندي غريب لم يكن أحد يدري به فلم يدر السائح إلا وقد أحاطت به ~~الشوائخ فهجموا عليه وربطوا عنقه ويديه صم سحبوه وحبسوه وفي أضيق مكان ~~أجلسوه وأشهروا النداء أنه حصل للحداد الفداء فعلم السائح القضية وتحقق أنه ~~تورط في بلية فذكر اسم العفريت وقد علقه الهم علوق النار بالكبريت فحضر ~~لساعته ووقته فرأى السائح في هوله ومقته واطلع على جملة الشان فقال لا تخش ~~يا ذا الإحسان أعلم أن أمير هذه البلد له ولد هو واحد أبويه وأني الآن ~~أصرعه بين يديه ثم أنادي في النادي أن رمتم شفاء هذا العليل ms030 فهو بدعاء ذلك ~~الرجل الجليل السيد الصالح الزاهد السائح ضيف الحداد الذي بسببه حصلت هذه ~~الأنكاد فأطلقوه والتمسوا دعاءه فان فيه لعليلكم شفاءه ولا تطلبوا # من غيره دواءه فإذا طلبوك وأعزوك وأرغبوك وأكرموك واحترموك فادع بما يرفع ~~نكدهم فغاني إذ ذاك أترك ولدهم فإذا رأوا منك هذه الكرامة بالغوا وسلموك ~~الزعامة وخيروك بين الرحيل والإقامة وأقل ما يفعل معك السلامة ثم ذهب إلى ~~ابن الملك وخبط. وحل في أعضائه وربطه فتخبط الصبي وتخيل وتكسل وتخبل وكادت ~~روحه تخرج ويدرج مع من يدرج فاشتغلوا بشأنهم عن أمر قربائهم فطلبوا الأطباء ~~فأعياهم علاج هذا الداء ولم يقدروا على علاجه وتعديل مزاجه وتقويم اعوجاجه ~~واشتعلت الخواطر وتنكد البادي والحاضر فعند ذلك نادى العفريت من ذلك البيت ~~يسمعون كلامه ولا ينظرون مقامه أن زوال هذا العارض ومنع هذا الداء المعارض ~~عند رجل قدوة مستجاب الدعوة رجل صالح زاهد سائح عالم # PageV01P105 # عامل كامل فاضل هو بركة البلاد والعباد مادة الصلاح وقاطع الفساد وهو ضيف ~~الحداد الذي فرط منكم في حقه سوء الأدب فأدركوه بالطلب وأسرعوا نحوه ~~والتمسوا منه دعوة وإلا فولدكم هالك عنوه وبادروا باللحوق لئلا يخرج السهم ~~من فوق فان السهم هذا المصاب بسبب ذلك أصاب فركب الملك بنفسه وسارع إلى باب ~~حبسه ودخل عليه وأكب على رجليه وطلب دعاءه ورام لولده شفاءه فتوضا وصلى ~~وأعرض منهم وتولى وتوجه ودعا فحصل للولد الشفا ونهض في الحال كأنما نشط من ~~عقال ثم أن العفريت الجائح أتى الرجل السائح وقال لا تحسب أني إذا كافيتك ~~صادقتك أو صافيتك كيف وعداوتنا مغروزة وغروس التباغض في حدائق ذواتنا ~~مركوزة أنا من نار وأنت من تراب شيمتك الترابية وشيمتي الإحراق والخراب ~~ومتى استقام أعوج مع قوام أو وجد بين المتباينين التئام وإنما كان هذا ~~الوفاء لئلا ينسب إلى الجفاء ونحن على الكدر دون الصفاء وعلى ما نحن عليه ~~من العدوان وأن لم يصر بيننا معرفة ولا كان صار شعلة لهب وترك السائح وذهب ~~(ثم قال ابن الملك) ومن أنواع ms031 المحبة والصداقة وما يتأكد فيها من العلاقة ~~نوعمحبة تتوفر فيه الرغبة ينشأ من فرط الشهوة ويركب من صاحبه على الصهوة ~~وتميل إليه النفس والطبيعة ولكن تكون استحالته سريعة فيزول بأدنى سبب ويشبه ~~شواظ اللهب يتلهب ساعة وقد ذهب وربما أدى إلى الهلاك والعطب كما فعل بالبطة ~~الثعلب حيث كانت محبتها # PageV01P106 # غير صادقة ومودتها بالشهوة ممازقه وشتان ما بين المحبة الخالصة والمحبة ~~المنافقة لا جرم أدت إلى عكسها وإزهاق نفسها قال الملك أخبرني أيها الخبير ~~كيف هو هذا النظير (قال ابن الملك) ذكر أن زوجا من البط كان له مأوى على شط ~~جار بين رياض ومروج وغياض أزاهيرها عطره ورياحينها نضرة وقريب من وكر ~~البطتين مأوى لأبي الحصين فحصل لذلك الثعلب المرض المسمى بداء الثعلب فسقط ~~وبره وتمعط صوفه وشعره وذاب جسمه وتهرى لحمه وقارب التلف واللحاق بمن سلف ~~وصار كما قيل: # أصبح في أمراضه يعذب ... كخرقه بال عليها الثعلب # فلما أنحله السقم وأضناه قالت له سلحفاة لما زاد به المرض واشتط دواء ~~دائك كبد البط فان أكلت كبد بطه نصلت من هذه البلاء البتة فقال ومن لي بهذا ~~الدواء إذ ليس لي حراك والبط في الهواء فشفاء هذا الداء العضال من باب ~~التعليق بالمحال وكأن الشاعر يعنيني إذ سمع أبني ورأى سكوني تحت أحمال ~~شجوني بقوله: # فقال قم قلت رجلي لا تطاوعني ... فقال خذ قلت كفى لا توانيني # ثم استنهض همته واستنخى نهمته وصمم عزيمته واستعمل فكره واستورى مكره ~~وقال لنفسه لا ينجيك من هذا الأنكال إلا التشبث بذيل # PageV01P107 # المحال لعل الله واهب العطية يظفرني بهذه الأمنية ثم توجه وهو يتشحط إلى ~~صوب البط وصار يتلظى في جنبات الشط إلى أن لاح له بعد الأين أنثى هاتين ~~البطتين فتخفي إلى أن قاربها ثم وأثبها فما ساعدته القوة فهوى في هوه فما ~~وأسعه إلا أن غالط وأظهر المودة وخالط وعبرت عيناه وبالط وأرى من نفسه أن ~~تلك الوثبة إنما هي من داعية المحبة ونهضة الاشتياق إلى الأحبة ثم بادر ~~وقال مرحبا ms032 بالجارة الصالحة ومن نعوتها بمسك العفة فائحة وأخلاقها غادية ~~ببشر الخير رائحة المخدرة المحببة الحبيبة النجيبة حياك الله من قرينة رضية ~~جميلة الأوصاف بهية فما أكثر إحسانك وفضائلك وأوفر متنانك وفواضلك لقد عممت ~~بإحسانك جميع معارفك وجيرانك وأطعت زوجك وحلالك وتحقق كل أحد لحسن الشيم ~~جلالك وما زال ينفق عليها من حواصل هذه الخزعبلات ويفعم أردان عقلها من ~~معادن هذه التمويهات حتى سكنت بعض السكون وركنت إليه أدنى ركون ثم أخذ في ~~الإيناس وتمهيد قواعد الأساس حتى اطمأنت واستكانت واستنكنت ثم قال إنا لله ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله ترين ما رأى فيك زوجك من الخلل ولاح له من عيب ~~حتى فعل ما فعل قالت وما فعل ذلك الجعل قال لولا أن الغيبة ريبة والنمنمة ~~مشؤمة ونقل المجالس القبيحة وإن كانت وقائعها صحيحة أمر مذموم وهذا معلوم ~~لكنت أفصحت وأشبعت القول ونصحت ولكن الصبر # PageV01P108 # على الضرائر فعل الحرائر والورد لا يخلو عن شوك ولا الشباب عن نوع نوك ~~فلما سمعت هذه النجوة حماتها المحبة الممزوجة بالشهوة أن ألحت عليه وسألت ~~إيضاح ما لديه وأقسمت عليه بحق الجوار إلا ما أطلعها على هذه الأسرار فقال ~~لولا أن الجوار ذمه لما فهمت بكلمة خصوصا وقد ألحت بالقسم وتشفعت بالجوار ~~والذمم وأيضا لولا وفور الشفقة وعظم المحبة والمقه واعتمادي عليك أنك ثقة ~~وإن صدرك مخزن الأسرار وأنك سيدة الأحرار ما أطلعتك على شيء مما كان وصار ~~اعلمي أن زوجك المشتط قد خطب بنت ملك البط وله في هذه المكيدة مدة مديدة ~~آخرها اليوم كان قد أرسل إلى القوم المشاية والخطابة أن يهيؤا أسبابه فلما ~~سمعت هذا الكلام ساورها من الغيرة الضرامولا نشك في أنه صادق وذهلت عن ~~التبين في خبر الفاسق وجميع الأخبار عن الأزواج يتوقف فيها النساء إلا خبر ~~الزواج تم إنها تماسكت وأرت تجلدا وتمالكت وقالت أحل الله له من الأزواج ما ~~طاب له لا حيلة إلا الانقياد وترك المراد وموافقة السنة والجماعة والدخول ~~تحت الأمر بالسمع والطاعة وماذا يفيد ms033 التدله والحيرة أن الحلال جدع أنف ~~الغيرة قال والأمر كما # PageV01P109 # ذكرت وما أحسن ما افتكرت وصبرت وما يمكن الطعن في الحلال ولكن هذا دليل ~~الملال وكل من ادعى هواك وتخلل في طريق سواك ولو بخلال من سواك فلا شك أنه ~~قلاك وبنار الهجر والجفاء سلاك وليس هذا ساعة وتمضي ولا حادثة تقع ثم تنقضي ~~إنما هو أمر دائم ونزاع أبد الدهر وأنا ما أخشى إلا عليك بما يصل من النكد ~~إليك فان حقك ثابت علي وضررك عائد إلي فأنك جارة قديمة معروفة بحسن الشيمة ~~لم أر منك الإحسان وعدم التعرض إلى إيذاء الجيران وكل منا قد اعتاد بالآخر ~~وباهى بصحبته وجواره وفاخر وأخاف أن يتجدد لي في الجوار من يتصدى لي ~~بالأضرار ويؤذي ولا يعرف حق الجار لا يعرفني ولا أعرفه ولا ينصفني ولا ~~أنصفه فيتكدر لي الوقت ولا أخلو من نكد ومقت لا سيما وأنا ضعيف مبتلى نحيف ~~فلا يستقيم الحال على الارتجال ولا زال يسدد المشارب ويفتل منها في الذروة ~~والغارب حتى أثر فيها سمه ونفذ في سويدائها من مكره سهمه فاسترشد إلى وجه ~~الحيلة في هذه النازلة الوبيلة فقال الرأي السديد الرشيد أنه إذا بفعله ~~وأتبع في أذاه فرضه بنفله واختار غيرك عليك طلقيه وألف زوج لديك وأرض الله ~~واسعة وهو المعتدي في المقاطعة وأنا أكون السفير في زوج يخجل البدر المنير ~~يعمر دارك ويعرف مقدارك ويخدم كلبك وحمارك ويملأ وكرك خيرا وبطنك طيرا ~~ودارك شعيرا وبرا مع كونه وافر الحشمة مسموع الكلمة قد جمع بين طرفي ~~الأصالة والحرمة # PageV01P110 # فقالت هذا الذي تقول أكر معقول وإلى الآن ما وقع وعلى تقديران يقع أن حصل ~~الشقاق والنفاق وترجح الأنذال المستجدة على الكرام العتاق فيكون بيننا هذا ~~الاتفاق وأن وقعت بيننا المعادلة ولم يحصل # في حقي منه مساهمله ولا للضرة علي مفاضلة كيف أشافقه وعلى فعل مباح ~~أضايقه فضلا عن أني أفارقه وكيف أخرب داري وأضر بحبي وجاري وأشمت بي ~~الأعداء ويحتاط بي من كل جهة البلاء ولكن الرأي ms034 المحمود عندي يا ودود الصبر ~~في كل حال على الدهر الكدود وتجرع الغصص لئلا يشمت الحسود كما قيل في ~~التمثيل ما بي دخول جهنم ولكن بي شماتة اليهود فلما رأى الخبيث أنه لم يفده ~~هذا الحديث ولم تتم له الحيلة وأفكاره الوبيلة قال أقول الحق الذي حصحص ولا ~~عنه محيد ولا مخلص أن زوجك قد نقل إليه أنك اخترت غيره عليه وأنك عاشقة ~~وصحبتك له مخادعة ومماذقه وثبت ذلك لديه وعقد اعتقاده عليه وعزمه على ~~الزواج إنما هو تعلل واحتياج لفتح باب الشر وتعاطي أسباب النكد والضر وقد ~~ثبت عندي أن ذاك الأفاك الأثيم السفاك يريد أن يجرعك كأس الهلاك فتيقظي ~~لنفسك وتداركي غدك في أمسك قبل حلولك في رمسك واستقيمي قبل عكسك وأنا منذ ~~سمعت هذه الأخبار لم يقر لي قرار وذلك لوفور المشفقة وحسن الجوار وقد زدت ~~ضعفا على ضعفي وكدت لهذا الغم أسقى كاس حتفي وأنت يا غرض الحاسد تعلمين أن ~~ليس لي غرض فاسد وهذا بديهي التصور لا يحتاج إلى تدبير ولا تفكر ولقد غرت ~~عليك والأمر في هذا كله منك وإليك # PageV01P111 # فتكدر خاطرها وتشوشت ضمائرها وضاقت بها الحيل وتاه منها العلم والعمل ومن ~~يسمع بخل وصالت أفكارها وحالت ويدر منها إن قالت والله لو أمكنني لقتلته ~~وأوجدت فرصة لاغتلته واسترحت من نكد الدهر المغبر وهذا العيش الوحش المكدر ~~فالتقط الثعلب هذه الكلمة من فيها وعلم أن سهم ختله نفذ فيها لأن عقود ~~المحبة انحلت وصورة المودة القديمة زالت واضمحلتوتلاشت الصداقة بالكلية ~~وانمحت شهواتها بأدنى جزئية فقال لا تهتمي لذلك يا ضرة هند فعندي عقار من ~~عقاقير الهند أحلى في المذاق منت ساعة التلاق وأمضى من السيف في حكم الفراق ~~اسمه كسير الموت وتدبير الفوت وسم ساعة وتفريق الجماعة لو أكل منه ذرة أو ~~شم منه نشره لقتل في الحال وفرق الأوصال من غير إمهال فان اقتضى رأيك الأسد ~~أن تخلصني من هذا النكد ناولتك منه شذره تكفيك ذرة منه أمره فان شئت أطعمته ~~وأن شئت ms035 أشممته ولولا أنك عزيزة علي لم أفه لك من هذه الأمور بشيء ولقد ~~فضلتك على روحي فاكتمي هذا السر ولا تبوحي فتحملت منه جميلته وعرفت قدرته ~~وفضيلته وطلبت منه الدوا لتذهب به عن قلبها الجوا وتقتل زوجها المسكين ~~وتسلم من نكده وتستكين وزالت تلك المحبة القديمة ونسيت الصحبة والصداقة ~~القويمة ووعدها الثعلب أن يأتيها بالعقار وفارقها على هذا القرار ثم أنها ~~انتظرته # PageV01P112 # ليفي بوعدها واحترق صبرها من نار سمها ووقدها وتقاعد الثعلب عنها ينتظر ~~ما يتأتى فحملها مثير الوجد إليه وساقها الأجل المحتوم إلى أن قدمت عليه ~~فدخلت وكره وقبلت يده وصدره فتمكن منها ذلك الغادر ومزقها كما يريد فصارت ~~كالأمس الغابر وإنما أوردت هذا التمثيل لئلا يكون أصحاب مولانا السلطان من ~~هذا القبيل فيكون المعتمد عليهم والمستند إليهم كالنائم على تيار الأنهار ~~والمؤسس بنيانه على شفا حرف هار قال الملك معاذ الله يا ولدي وقرة عيني ~~وكبدي أن يكون صاحبي ومعتمدي من هذا النمط وسبيها بالعفريت والثعلب والبط ~~بل كل من أصحابي وسائرا أوليائي وأحباني ما منهم إلا الصديق المهذب والرفيق ~~المؤدب والشفيق المدرب والعتيق المجرب وقد جربته في المودة والإخاء والشدة ~~والرخاء والمروأة والسخاء كما جرى ذلك للتاجر المجرب صديقه في الشدة ~~والارتخاء قال الولد ينعم مولانا الإمام بتقرير هذا الكلام (قال الملك) ~~بلغني أن بعض التجار الأكرمين الأخيار والكرماء الأبرار كان له جزيل وولد ~~صالح جليل سعيد الطالع سديد المطالع عالي الهمة متوالي الحشمة ميمون ~~الحركات جميل الصفات حسن الصورة مشكور السيرة طاهر السريرة وكان أبوه قد ~~تخيل فيه مخايل السعادة وتفرس فيه آثار النجابة والإجادة فكان لا يصبر عن ~~تأديبه وإرشاده إلى سبيل الخير وتهذيبه وتربيته بمكارم الأخلاق وتربيته ~~فقال له يا بني إن الإنسان يحتاج إلى كل شيء وأعظم ما يحتاج إليه ويعول في ~~التحصيل عليه الصاحب الصافي والصديق المصافي والرفيق المساعد في وقت ~~الشدائد # PageV01P113 # فان المال ميال والذهب ذاهب والفضة منفضة والملبوس بوس والمأكل متآكل ~~والخيل خيال والفواضل شواغل والدهر قاصي والعصر عاصي والأقارب ms036 عقارب ~~والوالد معاند # والولد كمد والأخ فخ والعم غم والخال خيال والدنيا وما عليها لا يركن ~~إليها وما ثم إلا رفيق ذو وفاء مجبول على الصدق والصفاء إن غبت ذكرك وإن ~~حضرت شكرك مأمون على نفسك ومالك وأهلك وعيالك في حالك ومالك إن غاب صانك ~~وإن حضر زانك فهو أفضل موجود يقتني وأحسن مودود يصطفي فان ظفرت به فتشبث ~~بسببه ثم قال يا بني قد أقمت في الحضر وانقضى لك فيه ما ذقت مما حلا ومر ~~فلا باس أن تحيط علما بأحوال السفر فان السفر محك الرجال ومجلبة الأموال ~~ومكسبه التجارب ومرآة العجائب والغرائب فاعزم على بركة الله تعالى وتوكل ~~عليه واصحب معك فيه ما تحتاج إليه ثم أفاض عليه المال وأضاف إليه صالحي ~~الرجال وحين ودعه ووصاه واستودعه قال يا بني لا تجعل دأبك وطلبك واكتسابك ~~الاستجلاب الصاحب النافع دون سائر المنافع فانه أوفر بضاعة وأربح تجارة ~~وليس على الصديق أبدا خسارة واجعله في سفرك نصب عينك واشتره بنفسك ومالك ~~ونقدك ودينك وقد قيل: # أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح والمراد به ~~الصديق وأعلم أن الأخ الصلبي ربما يضرك وأما الصديق الصالح فأنه يسرك ~~والصاحب الشقيق خير من الأخ الشقيق وقد قيل رب أخ لم تلده أمك # PageV01P114 # فقبل الشاب وصية أبيه ثم توجه في حشمه وذويه بقصد جميل ومال جزيل فمكث ~~غير بعيد ثم عاد وهو سعيد فقال له أبوه حبيت وحييت ما أسرع ما جبت قل لي ~~أين ذهبت وماذا اكتسبت فقال يا أبت امتثلت مرسوك الكريم واكتسبت بالمال كل ~~ولي حميم وقد جئت بهم زمرا وعدتهم خمسون نفرا كل منهم صديق صادق ورفيق ~~موافق في الفضل بارع وإلى الخير مسارع وفي الرخاء صادق الإخاء وفي الشدة ~~أوفى عده قال أبوه يا بني كيف تصفهم بهذه الصفة وتعرفهم بهذه المعرفة ولم ~~تجربها في قضية ولا واقعة صعبة أو رخيه وقد قيل: # لا تمدحن امرأ حتى تجربه ... ولا تذمه من غير تجريب # وقد ms037 قيل أيضا: # إذا رمت تصفي لنفسك صاحبا ... فمن قبل أن تصفي له الود أغضبه # فان كان في وقت التغاصب راضيا ... وإلا فقد جربته فتجنبه # (وقيل أيضا) : # الناس أكيس من أن يمدحوا رجلا ... ما لم يروا عنده آثارا حسان # واعلم يا ذا اللطائف أني خائف أن يكون أصحابك وأصدقاؤك وأحبابك مثل أصحاب ~~الرئيس المدير الخامل النفيس الذين رعوه في روض وفره وتركوه في قفر قفره ~~قال ابنه يا أبت كيف ورد ذلك وثبت قال التاجر ذكر رواة الأخبار أنه كان في ~~بعض الأمصار رجل رئيس كبير نفيس له أموال وافرة وجهات متكاثرة وأماكن عامرة ~~وضياع ومزدرعات وبساتين واقطاعات وعقار له ارتفاعات فكان ولده يمد يده إلى ~~كل معصية ومفسده ويجترئ ذلك السفيه على كل ما يلوح له # PageV01P115 # من جهات أبيه والتف عليه جماعه من عبيد البطن والمجاعة كأنهم طير قر لي ~~أن رأى خيرا تدلى وأن رأى شرا تعلى ومديد الإسراف في التبذير والإتلاف وصار ~~أبوه ينصحه ويردعه عن جموعه ويكبحه وقال له يا بني استعمل الارتفاق في ~~النفاق واستخلص من الرفاق ذوي الإشفاق واعلم أن هذا المال هو لك مدخر ~~لتصرفك فيه منتظر وإنما أنا لك خازن والله تعالى مجاز على فعالى من مساو ~~ومحاسن وتيقن أن المال هو عزك في الدنيا وزادك إلى الأخرى وأن له وجوها ~~ومصارف وعوارف ومعارف فإذا صرف في غير محله ودفع إلى غير أهله كان أثما ~~ووبالا وفي الآخرة عذابا ونكالا وأحمق الناس المستحق لنزول الباس من اكتسب ~~من اكتسب المال حلالا وبذرة في الفساد يمينا وشمالا وادخر به إثما وخبالا ~~فصرفه إلى من لا يحمده وعليه حسابه ونكده وأنت إذا صرفت مالك ووزعته وفي ~~غيره مواضعه زرعته وأنفقته على من لا يعرف فضيلتك ولا يحمل حملتك ولا يشكر ~~صنعك ولا يقصد نفعك ولا يجلب لك خيرا ولا يكشف عنك ضيرا خرجت من عز الدنيا ~~وفوت زاد الأخرى وهؤلاء الذين قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين ثمرة ~~صحبتهم الندامة وعاقبة أمرهم الخيبة والملامة ms038 والبعد عنهم غنيمة وسلامة ~~وإذا كان الأمر كذاك فإياك يا ولدي ثم إياك من صحبة هؤلاء الأحداث والمكوث ~~بقربهم فإنهم اخباث واحتفظ بصوت ما لك ولا تنفقه إلا على نفسك وعيالك وفيما ~~يبقى ماء وجهك في حالك ومالك ولا زال أبوه قابض عنانه بقدر طاقته وإمكانه ~~يذكره هذه الوصية بكرة وعشية حتى أدركته المنية وخلف ذلك المال العريض لذلك ~~الولد المريض فمد يده كما كان إلى كل مفسدة ونسي # PageV01P116 # يومه وغده وشرح في مناه متن اللهو وقرر بحديث من كتاب الزهو باب الأنجاس ~~وسجود السهو واجتمع عليه قرناء السوء وحضروا وخلاله ولهم الجو فباضوا في ~~الفساد وصفروا وغابوا عن الرشاد وما حضروا وصاروا يظمونه ويكرمونه ~~ويحترمونه فإذا كذب صدقوه وإذا ضرط سمتوه وشمتوه وإذا نهق طربوا وإذا أخطأ ~~صوبوا وإذا قعد قاموا وإذا قام ناموا يفدونه بالمهج والأرواح ويلازمون ~~خدمته في المساء والصباح وكان له أم مدبره عاقلة مفكرة فقالت له يا بنيلا ~~تكن صبي وتذكر وصايا أبيك وإياك ومن يليك وتأمل ما لديك واحفظ مالك وما ~~عليك ودبر معاشك وصن ماء وجهك ورياشك وأعلم أن أصحابك وعشراءك وأحبابك ~~وندماءك ورفقاءك وأخصاك وأصدقاءك كلهم عبيد البطن ولورقات بذي شيق أو حصن ~~لا خير عندهم ولا مير جميعهم كسير وعوير فإياك إياك وصحبة من لا يتولاك ~~لاتركن إلى صداقتهم ولا تعتمد على موافقتهم فانهم في الرخاء يأكلونك وفي ~~البلاء يتركونك وإلى مخالب القضاء يسلمونك رأس مال محبتهم ما في يديك وأساس ~~بنيان مودتهم ما يرونه من النعماء عليك فإن قلت والعياذ بالله فلوا وخلوك ~~في عقد النوائب مربوطا وانحلوا وأقل الأقسام يا ذا الأصل السام أن تجرب ~~أصحابك وتختبر من يلازم بابك ويقبل بشفاه المودة أعتابك في شيء نابك أعجز ~~عن حمله نابك من حوادث القضاء أو في حالة من أحوال الغضب # PageV01P117 # والرضاء أو السعة والضيق أو التكذيب والتصديق فمن وجدته ناصحا صادقا أو ~~مطاوعا مصادقا وفي كل الأحوال موافقا وفي الرخاء والشدة مرافقا يوثق به في ~~الغيبة والحضور وحالتي السرور ms039 والشرور يؤدي الأمانة ويجتنب الخيانة ويغار ~~على دينك وعرضك ويساعدك على أداء مسنتك وفرضك فاركن إليه واعتمد في أمورك ~~عليه ومن وجدته منافقا وفي إخلاصه ممازقا ينسج شقة الوداد بوجهين ويتكلم ~~كخائض المداد بلسان فلا تقربه ولا تصحبه فان بعده غنيمة والخلاص منه نعمة ~~جسيمة وانظر بعين الثبات ما في هذه الأبيات من حسن الصفات فمن كان بها ~~متصفا فتمسك بأذياله فانه من أهل الصفا وهي هذه: # وقد قيل قول المرء يكشف عقله ... وببدي سجاياه وما كان يكتم # فهذا كلامي مظهر ما أكنه ... وأكثر هذا الخلق عن عيبهم عموا # فمن شيمتي أني مطيع لصاحبي ... وأصلح عن خصمي وإن كنت أخصم # وأرضى لنفسي ديون ما هو حقها ... وألزمها للخل ما ليس يلزم # إذا قال أصغى للمقال وأنني ... لا علم منه بالمقال وأفهم # ولم أشك من خل لئلا يملني ... ومن لي بخل لا يمل ويسأم # وأقطع في بحثي وأن كنت غالبا ... واسكت حتى قيل ذا ليس يعلم # لا بقي وداد الناس لي لا أضيعه ... ومن لا يداري الناس يرمى ويرغم # وفي كل ذا تقوى إلا له شعائري ... ولا بد من لا يتقي الله يندم # ولا نقص في عقلي وأسباب نعمتي ... وأني وأنى بالكمال مكرم # ولي همة يسموا لي الأوج قدرها ... ولكن خمول المرء للدين أسلم # ووجه اعتقادي مثل عرضي أبيض ... وديني متين واعتمادي مقوم # وحسبي من دنياي قوت وخرقة ... يبلغني آثار من قد تقدموا # فهذي عزيزات لدي وإنني ... لادعو إلى هذي الخصال وأعزم # PageV01P118 # فاثر هذا الكلام فيه وتأمل ما تضمنته فحاويه ثم أراد أن يجرب ملازميه ومن ~~بر وجه جسده يفديه فقال يوما من الأيام وقد اجتمعوا على منادمه المدام اتفق ~~أمر عجيب وشأن غريب وهو أنه كان عندنا هاون في زاوية مخزون زنته ربع قنطار ~~أتى البارحة عليه الفار فقرضه وأكله وعمه بالأكل وشمله فلم يدرك من ذلك ~~النحاس في مكانه من برادة أضراسه وأسنانه فترشفت ثغور آذانهم منطقة واستحلى ~~كؤسها كل منهم وصدقه وقالوا هذا وقع بغير شك لأن الهاون ms040 كان فيه ودك والفار ~~أسنانه باضعه وأضراسه لجن حرافيش بغداد قاطعه فلما رأى أنهم وافقوه وصوبوا ~~كلامه وصدقوه ازدادت فيهم محبته وقويت إليهم رغبته حيث رفعوا رتبه وستروا ~~في جيب عيبه وحققوا محالة وصدقوا مقاله فأسرع إلى أمه مسرورا فرحا محبور ~~منشرحا وقال يا أماه انظري كلام أصحابي وأخبري مقام أحبابي ذكرت لهم كلاما ~~باطلا ومن حلية الصدق والإمكان عاطلا فحققوا بلا مريه واثبتوا حقيقته من ~~غير فريه وصاغوا من جواهر التوجيه أبهى حلية وذكر ما جرى لهم وله من الجنون ~~والخباط والوله فقالت أمه يا ولدي ومهجة كبدي هذا أمر يضحك منه الجاهل ~~ويبكي على حالك الحالك منه العاقلكما قيل: # أمور تضحك السفهاء منها ... ويخشى من عواقبها اللبيب # PageV01P119 # أعلم أيها الداهل الغافل أنك لست من أصحابك على طائل وهؤلاء أعداء في ~~صورة أو داء وهم في التمثيل كما قيل: # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق # وتيقن أن هؤلاء في النعمة خداعون وفي النقمة لذاعون وأنت شاب غرير ~~وبأعقاب الأمور لست ببصير لا مارست الخلق ولا فرقت بين الصادق من ذوي الملق ~~لأخبرتهم ولأسبرتهم ولا دخلت مداخلهم ولا ميرت خارجهم وداخلهم إن الصادق ~~والرفيق الفائق من بصرك عيوبك وغفر لك بعد نصيحتك ذنوبك وأطلعك على حقائق ~~الأشياء ونهيك على ما خفي من أمور الدنيا وأرشدك إلى ما يزينك ويصلح به ~~دنياك وأبكاك إذا نصحك لا من أضحك وفضحك وأما الذي يدلس ويلبس ويوسوس ويهوس ~~وبروج الباطل وبحلى العاطل فذاك بصديق على التحقيق وإنما هو عدو فلا يكن لك ~~معه قرار ولا هدو فلم يلتفت الشاب إلى هذا الخطاب حيث كان مصادما لغرضه غير ~~شاف لعلته ومرضه وقال صديق من نطق وفاه بالكلام الحق من قال إفشاء السر إلى ~~النساء فعل الأحمق ثم تركها ترغوا واستمر هو مع أقرانه بلهو وداوم على تلك ~~الحال حتى إذا دنت لنفادها الأموال وبيع الرخيص والغال فما استفاق من سكرته ~~واستيقظ من رقدته إلا والأموال قد ذهبت والديون قد ركبت ms041 وهو ينشد وإلى ~~مذهبه يرشد: # ليذهبوا في ملامي أينما ذهبوا ... في الخمر لا فضة تبقى ولا ذهب # PageV01P120 # إلى أن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة ونفقت البيضاء والصفراء في الحمراء ~~والخضراء وأصبح ملقى على الأرض السوداء وأتعس من فوق الغبراء وأفلس من تحت ~~الزرقاء وتراجع عنه الأصحاب وعاداه الأصدقاء والأحباب ورجعوا عنه بعدما ~~سئموا منه صار ناديه ينادي: # كان لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر # وصارت محبتهم له تكلفا ورؤيتهم إياه تعسفا فاتفق له في بعض الأيام أن قال ~~في أثناء الكلام لذلك الجمع بعينه الذين كانوا أجمعوا على صدق منيه الفار ~~الغدار أكل لنا في الدار البارحة رغيفا كاملا فاتى على أكله شاملا فما أبقى ~~منه لبابه ولا غادر من غدير وجوده صبابة فتنادوا للحال بالمحال والكذب في ~~الأقوال الفار الضعيف كيف يأكل كل الرغيف وهو عاجز نحيف وتناولوه بالطعن ~~وتناوشوه بالسنة السب واللعن وزيغوا أقواله وسفهوا أفعاله وإنما ذكرت هذا ~~الكلام يا أيمن غلام وأحسن من البدر التمام لتعلم أن أكثر من يدعي صدق ~~الصحابة من ذوي المعارف والقرابة إنما دعواه كذابة كسحاب صيف لا يديم ~~انسكابه وأن الشخص مع الناس الأوغاد والأكياس بمنزلة الفقاع أن رأوا فيه ~~حلاوة الانتفاع استلموه # PageV01P121 # وبالأيدي رفعوه وقبلوه ورشفوه وإذا مصوا محصوله وفرغوه ورموه تركوه وتحت ~~الأقدام طرحوه ثم قال التاجر لولده راحة روحه وجسده وأن كان من صحبتهم وفي ~~سفرك أكتسبتهم مثل هؤلاء الأصحاب فإياك أن تفتح لهم الباب وترفع بينك ~~وبينهم الحجاب (فقال الولد) معاذ الله الواحد الأحد يا أبت عندي ثبت أنهم ~~يدور كرام وصدور عظام يقومون لقيامي وينصتون لكلامي ويجيبون ندائي ويؤمنون ~~على دعائي وهم أخلاء في السراء والضراء (فقال أبوه) أعلم يا ابني وقرة عيني ~~أني عمرت سبعين وعاينت من الأمور الخشنة والحسنة وبلوت الأصحاب وتلوت ~~الأعداء والأحباب ورأيت الدنيا وأهلها وقلبت وعرها وسهلها ولم أترك من جنس ~~بني آدم في أكنافها الآفاق وأطراف العالم من أمم العرب والعجم نوعا لم ~~أخبره وصنفا لم ms042 أسيره فلم يصف لي على التحقيق غير صديق ونصف صديق فأنت يا ~~بني العزيز الغالي كيف قدرته بالتوالي في هذه المدة اليسيرة على جمع هذه ~~الطائفة الكثيرة وها أنا يا إمام أريك مصداق هذا الكلام وأطلعك من بين ~~الأصحاب على ما لهم من مقام ثم عمد إلى شاة فذبحها وبدمها في ثياب طرحها ثم ~~دمجهاوفي كفن أدرجها وقال لأبنه قم يا ذا الارتقاء أرني هؤلاء الأصدقاء ~~واحدا بعد واحد لتحقيق غيب عيبهم بالشاهد وتعرف طرائقهم وتتبين حقائقهم ثم ~~وضع الشاة في عدل وأخفى كل هذا الفعل وحمل العدل على ظهر غلام وخرج ليلا ~~والناس نيام وقصد أحد الأصحاب وطرق عليه الباب فخرج مسرعا إليه وترامى ~~متواضعا بين # PageV01P122 # يديه وأظهر البشر والسرور والابتهاج والحبور وبالغ في الاحتشام والإكرام ~~والاحترام وشكر مساعي الأقدام ثم بادر إلى دعوته للدخول وتعاطي إنجاح ما له ~~من سؤل ومأمول فقال له الشاب يا زين الأصحاب وعين الأحباب دع الكلام لضيق ~~المقام فقد دهتني دهيه وعرتني بليه وأعظم بها من قضيه ويا لها من رزية فقال ~~ما هي وقيت الدواهي فقال كان بيني وبين واحد من أهل الشقاوة خصومة قديمة ~~وأسباب عداوة اسمه معروف وذكره موصوف لشخص مفقود لم يكن له حقيقة في الوجود ~~وهو من أكابر الزمان وأحد الرؤساء والأعيان فتلاقينا وتداعينا ما بيننا من ~~جفوه وتنابشنا الأسباب وتناوشنا باللعن والسباب وتناولنا في الشقاق شق ~~الأعراض وتأذت القلوب من الأغراض بالأمراض وتنقلنا من المكالمة إلى ~~المشاتمة ومن المواصمة للملاكمة وترقينا من الكفاح إلى الجراح فثارت النفس ~~المشؤمة إلى إيقاع حركة ذميمة فضربته فجرحته وقتيلا طرحته ولم يشعر بنا أحد ~~من أهل البادية والبلد وندمت غاية الندم وأني يفيد وقد زلت القدم وجرى قلم ~~القضاء بما حكم ثم أفكرت بمن أستعين على هذا الأمر اللعين وأدرت في خاطري ~~كل مساعد ومعين فلم يمل القلب إلا إليك ولا استقر الخاطر في ركونه إلا عليك ~~وقد قصدت جنابك ويممت بابك إذا أنت أعز مخدوم والسر عندك مكتوم وهاهو ~~مقتولا ms043 أتيتك به محمولا فاحفر لهذه الجثة حفيره وأخفي عندك أيا ما يسره إلى ~~أن تطفأ هذه النائرة وتسكن الفتنة الثائرة وهذا وقت المروه وزمان الفتوة ~~والقيام بحق الصداقة والأخوة # PageV01P123 # فلما سمع الصاحب اللبق هذا الكلام القلق تضجر وتضرر وتنكد وتضور وقال يا ~~أخي بيتي عتيق مع أنه حجر مضيق لا يسع أولادي ولا زادي وعتادي وإذا ضاق عن ~~الأحياء فكيف بالأموات وهذه بلية من أوحش البليات وأظنها لا تخفى على الناس ~~ويدركها أولو الفراسة والأغبياء فضلا عن الأكياس لأن قضاياكم قبل اليوم ~~مشهورة وبلغني أن عداوتكم قديمة مذكورة وفي التواريخ وصدور الكتب مسطورة ~~ولكم وقعات ونوازل وله أيتام كأنهم # الزغب الجوازل وأما أنا فلا يمكنني الدخول فيها ولا تعاطيها بوجه من ~~الوجوه ولا تلافيها فاكفني شر ضيرها واندبني إلى غيرها وأني أكتم سرها فلا ~~تخف من جهتي شرها فالح عليه فما أقاد ورده غير ظافر بما أراد فلما أيس منه ~~تركه وانتقل عنه ودار على سائر أصحابه وذكر لهم مثل الأول وخطابه فكان جواب ~~الجميع مثل جوابه إلى أن أتى على الجميع واستوفى شريفهم والوضيع ورأى ما هم ~~عليه من طبع بديع كأنهم كانوا متواردين على شرب هذا الصنيع فعاد إلى دار ~~أبيه ورجع إلى صحة بيسان التنبيه فقال له بمدير الفلك أحققت صدق ما قلت لك ~~وتبيات ما هية أصدقائك وحقيقة أوليائك وأنهم نقش حيطان ورقش غيطان وغمام ~~بلا مطر وأكمام بلا زهر وأجام بلا ثمر # PageV01P124 # (ثم قال) ثم يا زين الأحباب أريك ما قلت لك من حقيقة الأصحاب ثم دخلا ~~الطرق وقصد نصف الصديق وطرقا الباب فخرج وتلقاهما بالترحاب فقال له ذلك ~~المقال وقصد بمعونته الخلاص من ذلك العقال فقال حبا وكرامه حللتما بمنزل ~~السلامة أنابكم نشيط وأجلبكم بي بسيط غير أني أعلمكم أن منزلي غير فسيح حتى ~~أدفن فيه هذا الذبيح وليس لي مخبأة ولا مخدع ولا سكن في مطاويه ولا مصنع ~~وأخاف أن أمركم لا يختفي وبهذا المقدار في أمركم لا أكتفي ويدي لا تملك ~~غيره ms044 وقد وقعت بهذا السبب في حيرة وبالجملة والتفصيل أنا أكفيكما شر هذا ~~القتيل فقالا لا نقنع بذلك ولكن سد عنا المسالك فقال توجها حيثشئتما فلا ~~أنا سمعت ولا أنتما قلتما فتوجها إلى الصديق الكامل وذكرا له الأمر الحامل ~~وقصدا بتلاقيه كرمه الشامل فقال لهما أو شيء غير ذلك وقاكما الله شر ~~المهالك فقالا لا الادفن هذا المقتول وإخفاء هذا الأمر المهول وأن نكون تحت ~~أذيالك الساترة حتى تسكن هذه الفتنة الثائرة فان أهله يطلبونا فان وجدونا ~~يسلبونا ولا يرضون إلا بالدمار وخراب الديار ولا يقنعون بالمال والعقار ~~وهذه قضية عظيمة وداهية جسيمة فان كنت تنهض بإطفائها وحمل أعبائها وتسعى في ~~إخفائها فقد قصدناك ودون الأصحاب أردناك فان عجزت عن سدها فلا عتب عليك في ~~ردها ولا تتكلف فوق طاقتك ولا تتجشم لا جلنا غير استطاعتك فقال سبحان الله ~~وا سوأتاه هذا يوم المروأة والوفاء وتذكر وسائل إخوان الصفاء فلكم الفضل إذ ~~قصدتموني والجميلة التامة حيث أردتموني # PageV01P125 # أما والله لو كان ألف قتيل لو أريته وكل ما كان من أمر غيره جاريته ~~وداريته لا يسمع أبدا خبره ولا ترى عينه ولا أثره وأما أنتما فأفديكما ~~وبروحي وأولادي وطريقي وتلادي وعندي ديار أنزه من جنان الأبرار وأفيح من كل ~~دار فادخلوها بسلام آمنين فأنها نشرح كل قلب حزين ولو أقمتم بها سنين ما ~~شعر بكم أحد من العالمين فيها أرغب نديم وأقرب خديم وأحسن جليس وأيمن أنيس ~~فلن تملوا مقامها ولا تعدموا إكرامها فانتم عند من لا يمل أبدا أنزليه ولكم ~~في ذلك الفضل والجميلة قال التاجر شكر الله سعيك وحفظ على أصحابك مودتك ~~ورعيك ثم ودعه وانصرف وقد عرف الولد من حقيقة الأمر ما عرف (ثم قال) لولده ~~يا بني وأعز عندي من كل شيء أن اتخذت الصديق فليكن صديقك على هذا الطريق ~~وإلا قالا نفراد أحسن والعزلة أوفق إن أمكن كما قيل: # فاق حبي كل الملاح كمالا ... هكذا هكذا والافلالا # ولقد أرشد من أنشد حيث قال هذا المقال: # ما في ms045 زمانك من ترجو مودته ... ولا صديق إذا جار الزمان وفى # فعض فريدا ولا تركن إلى أحد ... أني نصحتك فيما قد جرى وكفى # (ثم أن الملك) قال لأولاده يا ذوي الأفضال إن غالب أصحابي من الأمراء ~~والرؤساء الكبراء خصوصا فلان أمير مماليك خراسان هم من هذا القبيل وأنا ~~عودتهم هذا الجميل فكونوا في الحقيقة متمسكين بأسباب هذه الطريقة (فلما) ~~أكمل وصيته أولاده هيا لسفره عتاده وذكرا لله وزاده ثم ودعهم من دار الشرور ~~وأنتقل إلى دار الحبور والسرور وقد عهد إلى أكبر أولاده واستودعهم الله وهو ~~القاهر فوق عباده من لا تضيع الودائع لديه ولا يخيب من توكل عليه فسمعوا ~~الوصية وأطاعوا وتعلقوا بأذيال أهدابها فما ضاعوا # PageV01P126 # واستمروا تحت أمر أخيهم كما كانوا في حياة أبيهم كأن أباهم ما مات ولم ~~يقع بينهم شتات فدام لهم السرور وانحسمت عنهم مواد الشرور وأشرقت بهم ~~ممالكهم وأملاكهم ودارت بالسعود أفلاكهم ثم أن الحكيم حسيب انتقل من كلامه ~~العجيب بعد فراغه من حكم الاعجام إلى فوائد ملك الأتراك الهمام فشنف ~~المسامع وشرف كل راء وسامع وشرع في القافل والقيل وحسبنا الله ونعم الوكيل ~~والحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # PageV01P127 ### | الباب الثالث # في حكم ملك الأتراك مع ختنه الزاهد شيخ النساك # PageV01P129 # (قال) الشيخ أبو المحاسن حسان صاحب الحسن والمحاسن والإحسان ثم نهض ~~الحكيم حسيب الأديب الأريب ووقف في مقام حده وقبل موطئ أخيه بشفاء خده وقال ~~لقد بلغني أيها السلطان أن في قديم الزمان كان في الترك ملك يسمى خاقان من ~~الملوك العادلين والسلاطين الفاضلين برسم العدل معروف وبقصم الجور موصوف ~~كسر الأكاسره وقصر الأقاصره ونحر الجبابرة وثغر فم الذعار النبالة الفاغرة ~~ملك بلاد الختن والخطأ واستولى على ممالك المغل والحنا وأطلع أوامره الترك ~~والتتار واستسلم لرأيهسكان الدست والقفار وكان ياجوج من جملة خدمه ومأجوج ~~من بعض عبيده وحشمه كأنه وارث لذرية يافث قوى في أخذ الملك من ممالك الصين ~~وأخذ إلى أطرف الشمال باليمن ولم يكن له من ms046 البنين والبنات مع كثرة السراري ~~والزوجات سوى بنت واحدة لطلعتها الأقمار شاهده: # شمس ولا كالشمس عند زوالها ... بدر ولا كالبدر في نقصانه # بل بهرت الشمس جمالا والبدر كمالا وفاقت سلاح الدنيا شمائل وخصالا وهي ~~عزيزة في قلب أبيها كريمة على خواصها وذويها فصارت ملوك الأطراف يخطبونها ~~ومن أبيها يطلبونها فكان أبوها يفوض # PageV01P131 # الأمر إليها ويعتمد في تزويجها عليها وهي لا ترغب في طالب ولا تصغي لخطبة ~~خاطب إلى أن عنست وخطابها أيست وكان أبوها كما ذكر ذا فطنة بالغة وهيبة ~~دامغة فخشي حوادث الزمان واختلى بها في مكان وقال أعلمي يا معدن اللطائف أن ~~البنت في منزل أبيها الواقف إن مكثت يأسن وإن لم يستعمل أنتن ولا أقول ذلك ~~ملالا ولا عجزا ولا استقلالا بل لابد للمرأة من زوج فيسترها ويضمها ونعم ~~الختن القبر وأحلى من البنت الصبر فإن رأيت الرغبة في الزواج طلبت لك كفؤا ~~من الأزواج وكان ذلك أستر لعرضك وأدنى لإقامة سنتك وفرضك وأفرغ لخاطر أبيك ~~وأشرح لخدمك وذويك فقالت أحسن الله الرحمن إلى مولانا الخاقان وكفاه كل جان ~~من الأنس والجان إن البنين من جملة النعم والبنات من أعداد النقم ونعم ~~الدنيا عليها الحساب ونقمها سبب الأجر والثواب رب الأرباب فيما أنزله من ~~الخطاب في محكم الكتاب المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات ~~الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا وقد جاء في بعض التفاسير أن الباقيات ~~الصالحات هي البنات فمولانا الملك يعدو جودي نقمة عليه من معبودي واسأل ~~الصدقات الملوكية والمراحم الوالديه أن لا يعجل في أمر تزويجي وأن لا يبادر ~~كيفما اتفق إلى تزويجي فان التأمل في ذلك أولى وثناء في الدنيا وثواب في ~~الأخرى وذلك لأن الكفاءة في الزواج معتبره وقد قرر ذلك الفقهاء البررة وإن ~~لم يكن الزوج للمرأة كفؤا فزوجها به يقع سخرية وهزؤا ولا يفيد سوى الغرامة ~~والفضيحة والندامة # PageV01P132 # فقال الملك لا أزوجك إلا بكفء كريم يكون لك أدنى خديم وفي الناس أعلى ~~مقام عظيم قالت يا مولانا الملك وقاك ms047 الله شر المنهمك لا تحمل اعتراضي على ~~الإساءة وإنما أسأل عن كيفية الكفاءة فإن كانت بالملك والمال فإن ذلك في ~~معرض الزوال وإن كانت بانشاب الإنسان فإن ذلك خطأ لا صواب قال منزل الكتاب ~~العزيز الوهاب فإذا نفخ الصور فلا انساب وقال من لا يجوز عليه كذبه من أبطأ ~~به عمله لم يسرع به نسبه وإنما الفقهاء حكموا بالظاهر والله يتولى السرائر ~~ونحن في قيد الانقياد ولا يسعنا إلا ما أمر به الشرع وأراد وأما أنا فكفئ ~~الكريم إنما هو الكامل الحليم الفاضل الرحيم قال الملك بارك الله في رأيك ~~وعقلك أنا لا أزوجك إلا بملك أو ابن ملك مثل أبيك يرعاك ويكرم خدمك وذويك ~~يعدل بالسوية ويحكم على سائر الرعية قالت أيها الملك الكبير صاحب التاج ~~والسرير أنا ما أعرف الملك إلا من يعرف بملك الحكم على نفسه في سيره ويكون ~~متحكما متمكنا من الحكم على غيره فيحق أن يقال في ملكه ذي الجلال خلد الله ~~سلطانه وشيد أركان ملكه وبنيانه قال الملك ومن هو ذاك بارك الله فيك وهداك # PageV01P133 # قالت أما الحاكم على نفسه فهو المالك الزمام جوارحه وحسه قد جعل خزائن ~~القلب والسمع معدنا لجواهر العقل والشرع فمهما اقتضاه العقل مضاه وعمل ~~بمقتضاه وما ارتضاه الشرع وقضاه كان فيه انقياد ورضاه قد تحلى بعقود مكارم ~~الأخلاق ولو كان في أسمال أخلاق وشغل نفسه بتهذيبها واجتهد في خلاصها من ~~شرك عيوبها وأهتم بعيوبه عن بعيده وقريبه ويغيضه وحبيبه فذلك الحاكم على ~~نفسه المميز على أبناء جنسه وأما حكمه على غيره فهو أن يكون في سلوكه وسيره ~~منعزلا عن الناس في زوايا البأس لا يسأل عن أحوالهم وعيوبهم ولا ينظر إلى ~~ما تحتأيديهم وجيوبهم مالكا لزمام العز له متنعما بهذه النعمة الجزلة قد ~~اتخذ التقوى والقناعة أحسن حرفة وأربح بضاعه قد سلم الناس من يده ولسانه لا ~~يدري بشأنهم ولا يدرون بشأنه فذلك الحاكم على غيره الفائز من ملك الدارين ~~يخبره فهو الذي خلد ملكه وسلطانه واتضح للعاملين برهانه ms048 فان وجد بهذه ~~الصفات موافي فانه لي كفء مكافي وأنه كالبدر جلى تقي الصدر لله ولي فإذا ~~أنعم الزمان بمثل هذا منالا فنعم نعم والافلالا فجعل ملك الختن يتطلب مثل ~~هذا الختن وأرسل القصاد إلى أطراف البلاد يساون سكان الأكناف وقطان الأطراف ~~عن موصوف بهذه الأوصاف واستمروا على ذلك مده كل باذل جهده حتى أرشدوا بعد ~~زمان أن المكان الفلاني فيه فلان رجل أعرض عن العرض فلم يكن له في # PageV01P134 # الدنيا غرض وهو بحسن الصفات موصوف وفي # كرخ العبادة والاجتهاد معروف جامع لهذه الصفات ليس له إلى الدنيا وأهلها ~~التفات مشغول باكتساب الآخرة وطلب نعمتها الفاخرة وهو من نسل الملوك وقد ~~ترك وراءهم السلوك وسلك في العلم والعمل السبيل الأقوم حتى كأنه محمد بن ~~الحسن أو إبراهيم بن أدهم ولشدة ما هو لنفسه مجاهد سماه الناس الملك الزاهد ~~فأجمع الخاقان على مصاهرته وجعل التقرب إليه قربة لآخرته فاخبر ابنته به ~~وكان حبل مطلوبها ومطلوبه وعقد بينهم النكاح وحصل الفلاح والصلاح فوافق شن ~~طبقة وصار لعين مرامها كالحدقة ومضى على ذلك برهه وهما في طيب عيش ونزهه ~~فاشتاق الخاقان في بعض الأزمان إلى رؤية ابنته وسرور مهجته فقام لدارها ~~بقصد مزارها لينظر حالها وما عليها وما لها فوجدها في عيش هني وأمر سنى ~~فسألها عن أحوال زوجها الزاهد وكيف صبرها على حالها الجاهد فاتت خيرا وكفت ~~ضرا وضيرا وقالت جميع ما يبرزه ويأتيه على حسب ما أريده وأرتضيه وارتفاعات ~~أحوالنا بسعادة مولانا في دفاتر إلا من منضبطة وعقود حياتنا بميين صدقاته ~~في نحور الرفاهية غير منفرطة غير أن بيتنا واحد وبسبب ذلك يتضرر هذا العابد ~~فيه نبيت وفيه نقيل وبجوانبه مالنا من خفيف وثقيل وقوت ونقود وخادم ومولود ~~فلا # PageV01P135 # يتفرع من الغوغاء للعبادة لأنها تستدعي عزلة العابد وانفراد، وتخيله ~~لمناجاة معبوده ليظفر من حلاوة الطاعة بمقصود فاسأل مولانا الخاقان ذا ~~الفضل والإحسان بيتا يتخلى فيه للعبادة ومكانا يضع فيه خرثي البيت وعتاده ~~فقال حبا وكرامة وقربا وسلامه (ثم) اجتمع الملك بصهره ms049 الذي به فاخر وذكر له ~~أنه إعطاء بيتا آخر أحدهما يكون لخلوته ومبيته والآخر يضع فيه ما يحتاجه من ~~عتاده وقوته فقال الزاهد أيها الملك الماجد فعلت ذلك لتقسيم خاطري وتوزع ~~فكري ومرائري ولا طاقة لي أن أتعلق بمكانين وما جعل الله لرجل من قلبين ~~وإنما الزاهد من همه في الدنيا واحد فانه على عدد التعليقات يتوزع القلب ~~الشتات وإذا تعددت الأماكن يحتاج كل منها إلى ساكن أو حافظ أو ضابط أو حارس ~~أو رابط وأنا لا اعتماد لي بحفظ نفسي أيها الولي فكيف يكون لي اقتدار على ~~حفظ الأغيار وإذا انقسمت أفكاري وفسد بالي فكيف أقدر على صلاح حالي وأني ~~يصلح مع فسادي أمور معاشي ومعادي ثم أني إذا وزعت نفسي فقد نبهت راقد حرصي ~~والحرص أفعى قاتل وأسد صائل يقتلني بسهمه بل بمجرد شمه فقال أيها الملك ~~الكبير لا تهتم لذلك أيها الزاهد الخطير فإن لي أماكن وقصورا مشيدة وحواصل ~~مصونة وخزائن مكنونة الكل تحت تصرفك تصرفك واختيارك لا منازل لك فيه ولا ~~مشارك فاجعل لكل جنس من قماشك وأثاثك ورياشك وما يقوم بأودك ومعاشك مكانا ~~على حده وناحية حفظ منفردة واتخذ لنفسك مقاما خاصا بك لا عاما وأنا أقيم ~~على كل مكان حارسا إن شئت راجلا وإن شئت فارسا فعند احتياجك إلى شيء أتاك ~~هنا مبسرا من غير كد ولا عي وتفرغ أنت لعبادتك واشتغالك بأمور آخرتك # PageV01P136 # (قال) الزاهد أيها الملك المجاهد الاغترار بالقصور من جملة القصور ~~والاعتماد على الحصون من دواعي الجنون وإذا ورد من الملك الغفور طلب على يد ~~القبور فإذا تجدي الدور والقصور وماذا تنفع الحصونأو يدفع كل مكان مصون ~~وإذا آذن بالجلول ذلك الخطب الهول تود النفس لو كانت القصور الممهدة ~~والبروج المشيدة أذل من أفحوض قطاه وأقل من عطش بزاه وقد قيل: # قميص من القطن أو حلة ... وشربة ماء قراح وقوت # ينال بها المرء ما يرتجي ... وهذا كثير على من يموت # وأعلم أيها الخاقان أن النفس لها خادمان مطيعان مجببان ولما تأمر ms050 به ~~سميعان وهما الشهوة والحرص الشديد الدعوه أما الشهوة فرائد الأكل الكثير ~~والشرب وأما الحرص فعايد الرعونة والعجب وقد قيل: # فهذا يقود إلى طبعه ... وهذا يسوق إلى ربعه # فهما ليلا ونهارا وسرا وجهارا يزينان لها ما طبعا عليه ويجذبانها إلى ما ~~جبلا إليه وينقاضيانهما حقهما ويطالبانها مستحقهما ولا بد للمخدوم من إقامة ~~أود خادمه واسترضاء أنيسه ومنادمه وقد قال من أتقن المقال: # أن اللبيب أخا اللبيب هو الذي ... مع تيهه يحنو على عشاقه # وكذا الرئيس وأنت أكبر جنسه ... من فاض في الخدم من أرزاقه # يهتم إن حضروا له بنوا له ... يغتم إن غابوا على أشواقه # مع إن حشمته وفائض عمله ... ترقى بكل متنهى استحقاقه # PageV01P137 # ولكن رضا هذين الخادمين غاية لا تدرك وفقد مقصود يهما نهاية عميقة ~~المسالك وقد قال سيد الأنام عليه الصلاة والسلام يوما وهو بين الأصحاب ~~كالشمس ليس دونها حجاب والبدر لا يحجبه سحاب لا يملأ جوف ابن آدم إلا ~~التراب والحرض مهلك والشهوة قاتلة وكل منهما في الدمار والبوار علة كاملة ~~وناهيك يا ذخر الحق وغياثه أخبار اللصوص الثلاثة فطلب الملك من الزاهد ~~إيضاح هذا الشاهد (فقال) : ذكر أهل الوراثة أن لصوصا ثلاثة كانوا على سبيل ~~الاشتراك متعاطين أسباب التحرم والهلاك واستمروا على ذلك مده حتى استولوا ~~من الأموال على عده ففي بعض الليال ظفروا بجملة من الأموال ودخلوا إلى مكان ~~داثر خال بنية الاقتسام وكانوا محتاجين إلى الطعام فوجدوا في ذلك المكان ~~الدائر صندوقا مملوءا من الجواهر ففرحوا وانشرحوا وتصوروا لأولئك الخاسرين ~~أنهم ربحوا فقالوا إن اشتغلنا بقسمة هذا المجموع كلبنا وأهلكنا كلب الجوع ~~فأولى طلب الطعام قبل الاقتسام ولو بأدنى التهام ويسير التقام ثم أرسلوا مع ~~أحدهم إلى المدينة ورقهم ليأتيهم بما يسد رمقهم فلما انفصل عن مكانهما وغاب ~~عن أعينهما تحركت نفسه الخبيثة بشهوة أحجبت تاريثه وقواها الحرص المشوم ~~لشدة الشره الملوم ودعاه داعي الفساد إلى الاستيلاء على المال بالانفراد ~~فعزم على ختلهما فوضع في الطعام # PageV01P138 # سما لقتلهما وأما هما فعلى قلته عزما واستعدا ms051 لذلك بعد ما حزما ليصير ~~المال بينهما نصفين ويصيرا في ذلك كالأخوين الألفين ويكون ذلك كأنه وراثة ~~لأن شر الرفقاء ثلاثة ولم يدعهما إلى ذلك غير داعي الشهوة وأكد ذلك داعي ~~الحرص وأبخس بها من دعوه فلما فصل ذلك بالأكل بادرا إليه بالقتل ثم بعدما ~~قتلاه عمدا إلى الطعام فأكلاه، فبردا في الحال وتركا ذلك المال، ولحقا ~~بصاحبهما التالف وسيبا تليد المال والطارف وإنما أوردت هذه الموعظة لأنها ~~على أحوال الدهر موقظة، وإن كان مولانا الخاقان في أموره يقظان لكن قد قال ~~رب العالمين وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين. # واعلم يا مولانا الخاقان كفاك الله مكايد الشيطان وأنجح مقاصدك على ممر ~~الزمان أن الدرجة العلية والمرتبة السنية لا تنال بقوة ولا عزمه ولا شجاعة ~~ولا همه وإنما هي عناية ربانية وأسرار رحمانية لأقوام سبقت لهم من الله ~~وزيادة وانتظموا في سلك أهل السعادة فهم أهل الفضل والسيادة أسبغ الله ~~عليهم سواطع الأنوار وقطعهم عن قواطع الأشرار فهم السادة الأخيار والقادة ~~الأبرار قاموا بأداء ما وجب عليهم وتركوا ما خلفهم واستبشروا بما لديهم ~~فأنوارهم ساطعة وأسرارهم لجميع الأوهام قاطعة تركوا زخارف هذه الداروأرادوا ~~دار القرار وجوار الملك الغفار فهم الهداة إلى الله الدالون على الله لا ~~يعتريهم كدر الأوهام ولا يشتغلون عن خدمة خالقهم مدى الأيام هم العباد ~~المكرمون، العباد المقربون، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين في كتابه ~~المكنون: # ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون. # PageV01P139 # وأعلم أن أعدى عدوك بين جنبيك وهي نفسك التي قط ما ركنت إليك فاعص هواها ~~ولا تعطها مناها فإن في اتباعها الندم عاجلا والحسرة آجلا لا بقليل تقنع ~~ولا بكثير تشبع ولا تظن أنها إذا أعطيت مناها شكرت أو إذا ذكرتها من برأها ~~ذكرت بل متى أمنتها كفرت أو آنستها نفرت أو أرخيت عنانها بطرت وأشرت وإن ~~نالت مطلبا أو تناولت مأربا انتقلت عنه وطلبت أعلى منه فليس لها دوا إلا ~~القمع عن دواعي الهوى كما قيل: ms052 # النفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع # وكما قيل أيضا: # وما النفس إلا حيث يكعلها الفتى ... فإن أهملت تاقت وإلا تسلت # وكما قيل أيضا: # قنع النفس بالقليل وإلا ... طلبت منك فوق ما يرضيها # وإياك وطول الأمل فإنه مفسدة للعلم والعمل قال الحكماء وعقلاء العلماء ~~الأمل شبكة الشيطان وموجب الحرمان فاجهد ما دام لك على النفس ملكه أن تخلص ~~نفسك من هذه الشبكة ولا تهتم للأوقات فكل ما قسم ما فيه فوات وكل ما هو آت ~~آت وكل ما رقمه القلم في القدم وأثبته قضاء الله تعالى عليك وأنت في العدم ~~سواء كان خيرا أم شرا نفعا أم ضرا فأنت ملاقيه وعلى كل حال موافيه فاقطع ~~دواعي الطمع عمن لا يضر ولا ينفع لا عمن إن شاء نفع. ولا تجتمع إلا بمثلك ~~في الجماعات والجمع ولا تتعب لجوع وعرى واكتساء # PageV01P140 # وشبع فقد قيل إذا شبعت فلا تهتم للجوع فكم من شبعان مات قبل أن يجوع وإذا ~~اكتسيت فلا تهتم للعرية فكم من مكتس مات وثيابه جديدة مطوية واعلم أن طبع ~~الدنيا بالمخالفة كأنها على المخالفة محالفة فإذا ضممت عنها يدك إليك أقبلت ~~عليك وجاءت تهوى تحت قدميك وإذا طلبتها هربت منك وكلما ارتبطت إليها انحلت ~~عنك وقد قيل أيها الملك الجليل: # مثل الرزق الذي تطلبه ... مثل الظل الذي يمشي معك # أنت لا تدركه مستعجلا ... وإذا وليت عنه تبعك # ثم اعلم أيها الخاقان إنك وإن كنت ذا التصرف والسلطان وأن هذه الخلائق ~~رعيتك نافذة فيها بمراسيمها منيتك إلا أنك في الحقيقة واحد منهم لا تزيد ~~عنهم بشيء في الذات والصفات عنهم ولكن الله القديم العالم الحكيم سلطان ~~السلاطين بل خلق الأولين والآخرين رفعك عليهم وتقدم بأمره أن يطيعوك إليهم ~~فقال من له الخلق والأمر: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم. # فهم قد أذعنوا لك وأطاعوك فراعهم كما هم مراعوك واطلب لهم أسنى المراعي ~~وأبهاها وأوردهم أعذب المشارب وأصفاها فإن الملك الذي سلمهم إليك سوف يتقدم ~~بالسؤال عنهم إليك وقد ms053 قال من أنت خليفته على أمته: كلكم راع وكلكم مسؤول ~~عن رعيته. # فكن لهم كما تريد أن يكون نوالك ودن لهم كما تحب أن يدينوا لك واعلم أيها ~~الملك الودود أن هذه النقود إن لم تصرف في مصارفها # PageV01P141 # وترفل في وجوه الطاعة في مطارفها فإنها جمر يضرم في نار جهنم كما قال من ~~يقول للشيء كن فيكون. يوم يحمى عليها في نار جهنم، فتكوى بها جباههم ~~وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون. فاسمع أيها ~~الملك الصالح نصيحة مشفق ناصح ولا تغتر بالدنيا وزهرتها ولا تنظر إلى ~~حلاوتها وخضرتها وإياك والميل إلى نزهتها ونضرتها فإنك إن ملت إليها أسرتك ~~أو جبرت على الركون إليها كسرتك وحسبك من كلام الرب الغفور ومن بيده مقاليد ~~الأمور: إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور. # (قال) الراوي لهذه الحكم والفتاوي فلما وعى ما قال هذه النصائح الصادقة ~~من الخنن أمر بها فسطرت ثم نشرت وشهرتوعلى المنابر قرئت وعلى رؤوس الأشهاد ~~ذكرت وأبلغها ابنته وقرر لها مقدار زوجها وحكمته وميله عن الدنيا ورغبته ~~فقالت هذا الذي كنت أردته وعلى مسامع مولانا الخاقان سردته ثم إنها أقبلت ~~على طاعة ربها وبعلها وإصلاح أحوالها في قولها وفعلها وقضايا عمرهما في ~~أنواع العبادة واكتسبا بطاعتهما في الدارين الحسنى وزيادة ثم اقتدى بهما ~~الملك وعسكره حتى انتشر في آفاق المملكة بالعدل بالعدل والصلاح خبره إلى أن ~~اندرج إلى رحمة الله تعالى ذلك الرعيل وبقي ذكره مخلدا على صفحات الأيام ~~جيلا بعد جيل وقد قيل في ذلك ممن أحسن القيل: # كانوا شموسا تضيء الدهر طلعتهم ... وفي طريق المعالي يقتدى بهم # غابت فلولا سناهم كالبدور اضا ... من بعدهم أهل الفضل في الظلم # PageV01P142 # هكذا يكون طالب السعادة الأبدية والكرامة السرمدية إذا ملكه الله زمام ~~الرعية يحسن سيره في الدنيا ويتيقظ لتحصيل السعادة الكبرى ويشتغل بما يرضي ~~عنه المولى وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. # (تمت بحمد الله تعالى) ms054 نوادر ملوك العرب والعجم والأتراك ويلي ذلك مباحث ~~زاهد الإنس العالم مع شيطان الجن الآثم الأفاك ونسأل الله المسؤول أن يحقق ~~لنا من كرمه وإحسانه المأمول ويعصمنا بفضله من عثرات الفضول والصلاة ~~والسلام على أعظم بني وأكرم رسول وعلى آله وأصحابه وأكرم بالصديق والفاروق ~~وذي النورين وزوج البتول واخوانه من الأنبياء والمرسلين وسلاما يشتملان ~~العفو هنا والقبول ويمن بالكرم والفضل على قطوعنا بالوصول آمين والحمد لله ~~رب العالمين. # PageV01P143 ### | الباب الرابع # في مباحث عالم الإنسان مع العفريت جان الجان # PageV01P145 # (قال) الشيخ أبو المحاسن من ماء ينابيع عمله بدن الفضل غير آسن فلما أنهى ~~الحكيم حسيب ذو الفضل النسيب حكاية ما طرزه مما نسحبه وحاك وفصله خياط ~~تقديره على قامة المجد من خلع حكم العرب والعجم والأتراك شكره أخوه القيل ~~على هذا القيل وأفاض عليه من نيل نواله جزيل النيل وأدرك من ذلك الأنموذج ~~علو علمه وسمو حلمه وجميل حكمه وجليل حكمه، ثم قال يا أستاذ بلغني أن بغداد ~~خرج منها خارج من نار من مارج وهبط إلى مدارك الخزي عن المعارج وأصل ذلك ~~المشوم من عفريت خلق من نار السموم وأن شخص ذلك الشيطان جبل من سخام الدخان ~~فلهذا ركب وجهه السواد وتركب سائر جسده من الرماد فهو جني ذميم وشيطان رجيم ~~وقد شرع ذلك الخناس في الإفساد والوسواس وتعاطى إيذاء أكابر الناس وأنه في ~~هذه الأيام نفي إلى بلاد الشام فلم يوافقه ذلك المقام لأنه مهاجر الأنبياء ~~الكرام وهذا مخبول على سجايا اللئام وطباع أهل الفساد والإجرام، فأقام فيها ~~بالاضطرار والاضطرام مدة أشهر وعدة أعوام وأخذ في الإضلال والتضليل فأضل ~~خلقا كثيرا عن سواء السبيل وتستر ذلك الجان بحجاب الانتساب إلى جنس الإنسان ~~ولبس بشق العصا ثوب العصيان فكمن كمون الشوك تحت ورق الورد والريحان واحتمى ~~في حمى الشقاق والنفاق بشقائق النعمان والحق أنه من نسل العفاريت وكان عند ~~الجن مقيلة والمبيت ومن ألبانهم له غذاء تربيت فقال له الملك هديت ووقيت ~~فإن يكن عندك من ذلك شيء فشنف من ms055 جواهر حكمه أذني فإنك حكيم الجن والإنس ~~وكريم النوع والجنس. # PageV01P147 # (قال الحكيم) : نعم أيها الملك العظيم أنا جهينة الأخبا ومزينة الأخيار ~~وحكم الحكم ولي في البيان أعلى علم أما هذا الشخص المذكور فإنه بالفسق ~~والفساد مشهور ورق شره في البلاد منشور وكتاب عناده بين العباد مسطور وبيت ~~جسده لنعم الله تعالى على خلص أوليائه بالفجور معمور وله صفات تعيسة وأخلاق ~~خسيسة تأنف مردة الشيطان منها وتستنكف العفاريت عنها وكم له من دواهي شرها ~~غير متناهي لا يفي بذكرها هذا الخطاب ولا يتسع سردها هذا الكتاب يل ولا ~~يقوم بذلك دفتر ولا حسابولكن البعرة تدل على البعير فقس من هذا التقدير ~~الكثير على اليسير وقد كان أراد نشر الفساد ببلاد العراق وبغداد فعاكسه ~~القدر وأحاد فنفي من تلك البلاد فوصل إرم ذات العماد وتعاطى أسباب ما هو ~~عليه من الزندقة والإلحاد أصناف الفتن وأنواع العناد وابتدع من الشر والبدع ~~ما يخرج عن حصر التعداد وهو على ما هو عليه من المناكدة والمجاحدة وقصده ~~الأعوج من تعديل أقوال الرافضة والملاحدة وسيوضع لذلك مصنف متسع على حده ~~ولقد بلغني أيها الملك الهمام أنه حصل له في ذلك المقام مع عالم من علمائها ~~الأغلام قضايا كبته على خيشومه وأظهر بها ذلك العالم دسائس خبثه وشومه مثل ~~ما اتفق لعالم الإنسان مع شيطان العفاريت وجان الجان في غابر الدهر وماضي ~~الزمان فقال القيل العظيم أخبرنا بذلك أيها الحسيب الكريم # PageV01P148 # فقال ذكر أن في الأزمان الغابرة كانت صنوف الجن للإنس ظاهرة تتراءى ~~بأشكال مختلفة وتنزيا بأمثال غير مؤتلفة وتظهر لهم الخيالات العجيبة والصور ~~المموهة الغريبة فتضلهم ضلالا مبينا وتأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم شمالا ~~ويمينا وتخاطبهم مشافهة وتوفيهم مواجهة. # ففي بعض الأيام ظهر ببلاد الشام مهبط الوحي ومهاجر الأنبياء الكرام ومحط ~~رحال الرجال من أهل الفضل والأفضال رجل من العباد وأفراد الزهاد فاق ~~الأقران بالصلاح وساد أهل الزمان بالورع والفلاح وحاز طرفي العلم والعمل ~~فكمل كثيرا منهم بعدما كمل واستمر يدعو الخلق إلى خالقهم ويحثهم ms056 في الإنابة ~~والتوكل على رازقهم ويرضونه ويرضيهم في الطاعة واتباع السنة والجماعة ويقبح ~~الدنيا في أعينهم ويحذرهم غدراتها في مكمنها عند مأمنهم وكان لنفسه المبارك ~~نقوش في النفوس يجذبها إلى ما يريد جذب الحديد المغناطيس ففي مدة يسيرة ~~تبعه طوائف كثيرة وانتشر صيته إلى الآفاق وصفا للعباد وقت الطاعة وراق ~~وضربت إليه أكباد الإبل وامتلأت به الدنيا من العلم والعمل واضطرب أمر ~~المردة والشياطين الغندة وتعطلت أسواق الفسوق وخرج عرق المعاصي من العروق ~~وتخملت العفاريت وتنكست أعلام الجن المصاليت وضل سبيل الضلال كل مارد خربت ~~وبطلت زخارفهم وتموياتهم وعطلت وساوسهم وتشويهاتهم وأهانهم الناس وكسد ~~الوسواس وفسد فعل الخناس فلما ضل سعيهم وكاد يقع نعيهم اجتمع العفاريت ~~العتاة والشياطين # PageV01P149 # الطغاة والمردة العصاة إلى إبليسهم العنيد وهو شيطان مريد صورته من أقبح ~~الصور له أظلاف كأظلاف البقر ووجه كالتمساح وشكل كالرماح وخرطوم طويل ورأس ~~كالفيل وعيون مشققة بالطول وأنياب كأنياب الغول وشعر كالشهيم وجلد كالأرقم ~~وهو يلهث كالكلاب ومن ورائه عدة ذئاب فشكوا إليه حالهم وأطالوا في الشكوى ~~قالهم وقالوا يا شيخ التلبيس وابن عم إبليس لقد عرت المدارس وبطلت منها ~~الوساوس وتعمرت المساجد بكل راكع وساجد وقائم وقاعد وقارئ وجاهد فطرد كل ~~شيطان مارد وتمشي سنن الحلال فوقف منا الاحتيال وأمر بالمعروف فوقعنا على ~~الأمر المخوف وكثرت الحجاج فتقطعت منا الأوداج وأديت الزكوات والحقوق فطرد ~~منا كل عقوق وقام الحق فنام الفسق وعبد الله في المغارات والكهوف واشتد ~~علينا السبيل فعلى من نطوف ولم يبق لنا على بني آدم سلطة وصرنا في بحارهم ~~أقل من نقطة وعند جهرهم بأذكارهم أذل من ضرطة لا وساوسنا تؤثر في أفكارهم ~~ولا مجالسنا تعطل من أذكارهم ولا تخيلاتنا تتراءى لأبصار أسرارهم فإن استمر ~~الحال على هذا المنوال لا يبقى لنا في الدنيا مقام ولا بين الجن والإنس ~~كلام (فلما وعى) العفريت فحوى هذه الشكوى وتأمل ما في مطاويها من نازلة ~~أحاطت بهم وبلوى اشتعلت نيران غضبه وتأججت شواظات لهبه ثم قال أمهلوني ~~أتلوى واتركوني أتلوم ms057 وأتروى وأفتكر في هذه البلية وأكشفها عن جلية فإن ~~الأمور لا تنتج لمعانيها ما لم يتأمل من فراغها في جوانبها ونواحيها وتحقيق ~~المسائل إنما يوجد من محكميها وحاكميها. # PageV01P150 # وكان هذاالغفريت العاتي المارد الغير المواتي تحت يده وأمره من مقتبسي ~~تلبيسه ومكره والشياطين المرده وأغوال العفاريت العنده طوائف شتى وأمم لا ~~تحصى وممن فاقهم في المكر والمراء أربعة أشخاص كبراء زراء كل منهم في ~~الشيطنة والموالسة ومعرفة طقوس الوسوسة كأبي علي بن سينا في علم الهندسة ~~غاية لا تدرك ونهاية لا تستدرك فاجتمع هذا الغول بوزراءه ورؤساء أشياعه ~~وكبرائه ثم قال لهم أفتوني في أمري وساعدوني على فكري وسكري. ووجه الخطاب ~~لكبيرهم الذي علمهم السحر المشار إليه في الدهاء والمكر وقال له ما رأيك في ~~هذه القضية والمواقف الردية والداهية الدهية فقال الوزير يا مولانا الأمير ~~وصاحب المكر والتدبير إن العقلاء وذوي التجارب من الحكماء تفرسوا بأمر قاطع ~~من الوقائع القواطع فقالوا شيئان لا بقاه لهما الروح في الجسد والسعد في ~~الطالع وهذا هو الصواب ولكل أجل كتاب وما دام الأجل باقيا والسعد راقيا ~~ومنادم السلامة ساقيا وحافظ العوارض واقيا لا ينفع الجد ولا يدفع الجد ولا ~~يرفع الجهد ما أثبت السعد فإذا تم الأجل وبطل من السعد العمل انتكس السعد ~~وانقلب وفارقت الروح بلا سبب وإذا كان كذلك فهذا الرجل الناسك سعده عمال ~~وطالعه في إقبال فكل سهم مكر فوقناه إلى نحو حياته يعود علينا وكل رمح فكر ~~صوبنا سنانه إلى شاكلة بقائه يرجع إلينا فالرأي عندي أن نتربص حين تدور به ~~الدوائر ولا نهتم باحتيال محتال ولا مكر ماكر إلى أن تنقضي مدته ويسقط من ~~سعد طالعه قوته فعند ذلك يفيد سعينا ولا يضيع كدنا. # PageV01P151 # (فقال) العفريت للوزير الثاني يا أفضل جاني أنت ماذا تقول وكيف تشير أن ~~نصول في ميدان هذا الأمر ونجول فقال رأي مولانا الوزير سديد وكل ما أشار به ~~فهو أمر مجيد ولكن كيف يهمل أمر يهمل أمر العدو ويركن مع وجوده إلى قرار ~~وهدو ms058 وإذا كان طالعه في قوة فاهماله يزيد في قوته والتهاون في أمره مساعدة ~~في معاونته ومعاونة في مساعدته وهذا من سلامات العجز والانكسار ومن أقوى ~~الأدلة في الانحطاط والصغار وأن رب الأرباب وضع عالم الكون والفساد على ~~الأسباب فلا بد من تعاطيها في هذا الباب وبذل المجهود في معاملات الأعداء ~~والأحباب ولم يقتصر الشارع على التقدير والطالع إذ فيه حسم مادة الشرائع ~~والتعرض لأبطال حكم الصانع فعندي أن نبذل الجهد في حسم مادتهم وتعاطي كسر ~~شوكتهم وبذل الجهد والجد بما تصل إليه اليد وثبات الأقدام في إثبات الأقدام ~~كما قال الشاعر وهو سلم الخاسر في ثبت الجاسر: # من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور # وهذا الشاعر المسمى أخذه من أخينا بشار الأعمى من لنا بوجوده أنس وهو ~~شيطان الأنس حيث يقول ذلك الغول: # من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج # فاعزموا على هدم ما يبنون وصدم ما يعنون والأخذ في تمزيق جلدتهم وتفريق ~~كلمتهم إذ لا اطلاع لنا على مساعدة الطالع ولا حد لبقاء الأجل فضلا عن أن ~~نقول هذا الحد جامع مع أو مانع وهذا الرأي عندي أولى ورأيك يا رئيس التلبيس ~~يا غول هذا القول: # إذا كانت الأعداء نملا فآتهم ... إذا لم تطأهم وأصبحوا مثل ثعبان # PageV01P152 # ومن هذا المقال يا أبا الأغوال: # واللص ليس له دليل ساتر ... نحو الذي يبغي كنوم الحارس # (والأصل) في هذا كله حسم مادتهم ورد جادتهم وذلك بإهلاك مرشدهم وإفساد ~~زاهدهم فان قدرنا على إهلاكه وتمزيق حبائله واشراكه تشتت شمائلهم وثبتت ~~جلهم وقلهم (فقال) العفريت للوزير الثالث وكان أمحس عابس قل لي أيها الوزير ~~ما سنح لك من التدبير في هذا الأمر المبير والخطب الخطير وماذا ترى فيه ~~وتشير فقال لا شك أن الطباع تميل إلى ما تسمعه وما يلقى إلى النفس لا بد أن ~~يؤثر موقعه وما أشار به ودبره الوزيران وهما نعم المشيران فهو لا يخلو عن ~~فوائد بل هو متحل بعقود الفرائد وأني لاعلم أنهأثر في الخواطر ms059 كما يؤثر في ~~الرياض السحب المواطر وبالجملة فللكلام تأثير في النفس كما تظهر آثاره الحس ~~ولهذا ترى رقيق الشعر يفعل مالا يفعله دقيق السحر وجليل العبارة فيه من ~~الإثارة ما يشجع الجبان وينشط الكسلان ويسخي البخيل وينجي الذليل ويسحر ~~الأرواح ويسخر الأشباج ويعطف القلوب ويؤلف بين المحب والمحبوب ويصير العدو ~~وصديقا وغليظ الأحرار رقيقا وتأمل يا بنيه ما قيل في البديه: # حديث إذا نادمت دهري انتخى ... وكف عن الايذا وعاد إلى الأخا # أذكره أخلاق مالكه الذي ... تعلم منه العلم والحلم والسخا # أنال به مالا ينال بقوة ... وأرواح أشباح أنت بعدما شمخا # PageV01P153 # وهذه قضية تحتاج إلى أعمال الرويه وإمعان النظر وتدقيق الفكر وعندي الرأي ~~السعيد السديد والفكر الحميد المجيد أن التعرض إلى هذا الرجل الدين الداعي ~~إلى طريق الحق البين ليس بمحمود ولا طالع قاصده بمسعود فانه على الحق متشبث ~~بأذيال الصدق ومن قصد مصادمة الحق اصطدم وفي مهاوي الهلاك ارتدم وقد كان في ~~بني إسرائيل من أهل التسجيل عاملا بالتوراة والإنجيل مشغولا بالعبادة باذلا ~~في إقامة الحق اجتهاده فتعرض له جماعة من أهل الفسق والخلاعة فتعاطوا ~~إهلاكه وفجعوا به نساكه فقتلوه بغير حق فغار له الدين ورق فاخبرني من لا ~~يتهم بكذبه أنه قتل سبعمائة ألف نفس بسببه فذهب بسبب ذلك الصالح من بني ~~إسرائيل الصالح بالطالح ومن كان مع الحق هاديا إلى الصدق فان الله تعالى ~~معه ومن كان معه منعه وحرسه وما ضيعه ومن تصدى لضياع ما حفظ الله وعزم على ~~ابتذال من أعزه مولاه وكلاه فقد قصد خراب عمره وعمارته وباع رأس مال تجارته ~~وربحه بخسارة وجنى بيده على نفسه وحفر بيد تدبيره مهواة رمسه واسمع يا نعم ~~العون ما جرى لمؤمن آل فرعون حيث كان على السداد داعيا إلى سبيل الرشاد ~~وقصدا هلاكه أهل الفساد فقال وأفوض أمري إلى الله أن الله بصير بالعباد ~~فغلبوا هنالك وانكسروا ووقاه الله سيآت ما مكروا وأيضا لو قتلنا هذا الرجل ~~وكان على أيدينا له حمام الأجل فلا شك أنه ms060 يقوم مقامه من يلم عظامه ويزم ~~زمامه ويحيي بعده أيامه فيقيم شعاره ويكتب ما قدم وآثاره # PageV01P154 # فإن تلامذته كثيرة وطوائف جماعاته غزيرة فينتظم لهم بعده الأمر ولا يضرم ~~لنا من كيدنا الجمر وإذا علموا أن ذلك منا واشتهر ذلك الكيد عنا أخذوا منا ~~حذرهم وصوبوا إلينا عداوتهم ومكرهم ثم عملوا على استئصالنا واستعدوا ~~لقتالنا لأنا أهلكنا معتقدهم وهدمنا عمادهم ومعتمدهم ولا يمكننا بعد ذلك ~~طلب الملامة والسلامة وتستمر العداوة بيننا وبينهم إلى يوم القيامة، مع إن ~~عداوتنا قديمة وبالجملة فعاقبة من عادى أولياء الله وخيمة إذا تقرر هذا ~~القول وثبت بطرق المعقول فاعلم أيها الغول والشيطان المهول أن الرأي الصواب ~~في هذا المصاب أن نبادر إلى هذا الرجل وجماعته بإفساد طاعتهم وطاعته وحيث ~~لا يتيسر لنا المواجهة ولا الخطاب والمشافهة ولا الإضلال في الظاهر بصورة ~~المتجاهر فنزين لهم حب الدنيا وشهوائها والميل إلى زينتها ولذاتها والركون ~~إليها والاعتماد عليها ونلقي إليهم طول الأمل وبعد الأجل فنثبطهم بذلك ~~العمل وندعوهم إلى التهاون والكسل ثم بعد ذلك نجلو خدود عرائس الحرص على ~~أبصار أفكارهم وقدود موائس الشج وحب المال على أعين خيالاتهم وبصائر ~~أسرارهم فإذا ذاقت ألسنة عقولهم حب الدنيا وتمكنت في أدمغة سويدائهم الرغبة ~~في الآباء والأبناء سلبوا حب الطاعة وتفرقت منهم الجماعة وزاغوا عن الطريق ~~الأقوم وراغوا عن السبيل الأمم فنتوصل إذ ذاك منهم إلى مقاصدنا ونوقعهم ~~كيفما اخترنا في مصايد مراصدنا لأنهم هبطوا من سماء المنازعة إلى الأرض ~~وأهلكوا بأيديهم أنفسهم إذ بغى بعضهم على بعض فتحاسدوا وتحاشدوا وتدابروا ~~وتفاخروا وتضاربوا وتناهبوا وتسالبوا # PageV01P155 # وتقابلواوتقاتلوا وتفرقوا وتمزقوا وتحرقوا وانحاز كل منهم إلى ناحية ~~وأعجب كل برأيه فلا تعرف منهم الفرقة الناجية إذ تفرقت أهوائهم وتصادمت ~~آراؤهم وجذبت أغراضهم إلى الانحناء وجلبتهم أمراضهم مع الأهواء ومال كل ~~منهم إلى صوب وأيس منهم الصواب الاوب وتعدد الخلق الذمر ولبس كل لصاحبه جلد ~~النمر ثم بعد ذلك زلوا وأزلوا وضلوا وأضلوا فتمكنا فيهم كما نريد وتصرفنا ~~فيهم تصرف السادات في العبيد وسلطنا عليهم ms061 دواعي الغضب والشره ولعبنا ~~بشيوخهم لعب الصبيان بالكره فنصوب لهم أقوالهم ونزخرف أفعالهم كما قال من ~~خلقهم وأحوالهم: وزين لهم الشيطان أعمالهم ولا نقصد بذلك إلا كبراءهم ~~وفضلاءهم وعلماءهم وزهادهم ورؤساءهم وحكامهم وحكماءهم ولا نفتر عن مكابدتهم ~~ولا نميل عن مكايدتهم ونجري في عروقهم ونسكن في فروقهم ونحركهم في رعودهم ~~وبروقهم فإن تحركوا إلى خير سكناهم وإن سكنوا عن شر حركناهم وإن عزموا على ~~الآخرة صددناهم وإن حزموا إلى مواطن رددناهم وإن أموا مفسدة قدناهم أو هموا ~~إلى معصية سقناهم ولا بد لهذا العمل الكثير من تأثير ولبيدق جد في المسير ~~أن يصير وبالجملة فنبذل في كل عامة جهدنا وجدنا ولا غضاضة في ذلك علينا ~~لأنه صنعة أبينا # وجدنا وقد أخبر بذلك جدنا اللعين لما خالف رب العالمين كما أخبرنا في ~~الكتاب المبين قوله: فبعزتك لأغوينهم أجمعين. # PageV01P156 # فإذا رآهم الناس وقع بينهم البأس وحصل لهم منهم اليأس وتراجعوا عنهم ~~وهبروا منهم وفسد اعتقادهم فهم بل قتلوهم بأيديهم فإذا ظهر فسوقهم وكسد ~~سوقهم فإن شئنا أوقفنا حالهم وإن رمنا إلى الهلاك نسوقهم وأوثق ما يتصل به ~~إليهم من الأسباب هي حالة الانفراد والإعجاب وحالة الاجتماع للكذاب فإن ~~الإعجاب يهوي في النار والكذب يخرب الديار. وناهيك قضية التاجر مع عبده ~~الكذاب الفاجر فسأله شيخ الجن عن بلية ذلك القن (فقال) : ورد في الخبر عن ~~شخص معتبر قال كان بمكان تاجر ذو مال وزوجة ذات جمال كل يهوى صاحبه ويرعى ~~جانبه ويفديه بروحه ويترشف رضابه في غبوته وصبوحه كأنهما زوج حمام وفي ~~بذمام ففي بعض الأيام قال أحدهما لرفيقه وهو يرشف من كأس عقيقه شهد رضابه ~~بخمرة ريقه لو كان لنا عبد يتعاطى مالنا من حاجة ويخلصنا من جميلة عمر وزيد ~~فذهب التاجر إلى سوق الرقيق فوجد مع النخاس عبدا ذا قد رشيق ينادي عليه ~~أبيعه بكذا على ما فيه من أذى فقال وما عيبه قال كذبه لا على الدوام وإنما ~~هو مرة في عام فقال عيب هين وشين لين فاشتراه وأتى إلى ms062 داره وارتضاه فاستمر ~~في خدمة حسنة حتى أتى عليه سنة ونسى سيده عيبه وأمن ريبه بالأمانة وجرب ~~بالأمانة يده وبالطهارة جيبه فلما مضى عليه عام كان سيده في الحمام فأتى ~~البيت في بعض الحوائج في صورة الجمل الهائج شاهقا باشرا صائحا ثائرا صارخا ~~واويلاه واسيداه وامولاه فسئل مالك لا أحسن الله حالك ولا أنعش بالك # PageV01P157 # فقال رمح البغل بسيدي فما تمالك أن تهالك وسلم الروح لخالقها وقال لوارثه ~~تسلم مالك فأقيم العزاء والسخام وتركهم وأتى للحمام وهو يبكي وينوح ويصرخ ~~ويصيح فسأله مولاه ما دهاه فقال وقع البيت على كل من أويت ولم يبق في الدار ~~نافخ نار فهلك الكبير والصغير ونهب ما فيها من جليل وحقير فخرج وهو يستغيث ~~من حديث ذلك الخبيث فوجد أهل البيت سالمين ورأوه من الناجين فعزم على خباطه ~~فذكر له ما سلف من اشتراطه ثم أنه استقام ونسي هذا الكلام ومضى عليه عام ~~فاستأنف ذلك الخبيث أمره العبيث وقال لامرأة مولاه يا هنتاه إن كنت نائمة ~~فاستيقظي وخذي حذرك وتيقظي واعلمي أن نية صاحبك أن يلقي حبلك على غاربك ~~لأنه قد عشق عليك ونبذ حبل حلك إليك وتعلق قلبه ببنت رجل كبير ولا ينبئك ~~مثل خبير وقد حملني على نصيحتك الشفقة وما أسديت إلي من إحسان وصدقة فبادري ~~قبل حلول البأس ونزول الفأس في الرأس فأثر فيها هذا الحديث فاستشارت ما ~~تفعله ذلكالخبيث فقال لو ظفرت بشيء من شعره لكفيتك مؤنة مكره وفكره فإن لي ~~صاحبا منجما وأستاذا معلما يرقي الشعور ويجعلها في النحور وإذا وجد لي ~~خيشومه مساغه ودخل البخور دماغه صار عبدا لك على الدوام وحظيت عنده بالمراد ~~وارتقيت إلى أعلى مقام ولكن ينبغي أن يكون من شعر لحيته النابت على ترقوته ~~قالت وأنى لي أن أصل إلى ذاك وقاك الله شر أذاك فقال إذا نام وغرق في ~~المنام فاحلقي منه بموسي لتكفي الضرر والبوسي وأنا آتيك بموسي يحلق الشعور ~~فافعلي ذلك من غير أن يكون له شعور فاتفقا على ذلك الاتفاق ms063 وأتاها بموسي ~~حلاق ثم توجه إلى مولاه وقد أضمر له ما دهاه وقال أشعرت يا ذا الفضائل أن ~~زوجتك البديعة الشمائل تغير خاطرها عليك وتقدمت بالإساءة إليك ولولا أنك ~~شفيق علي وعزيز ومكرم لدي ما أنبأتك من أخبارها بشيء فإني أريد أن يكون ما ~~أنهيته إليك مكتوما إلى أن يصير عندك محققا معلوما وقد أرسل إليها من ~~يخطبها وأمالها عنك بما يرغبها واتفق معها أنها تقتلك وتستريح وتصبح في ~~فراشك وأنت ذبيح وذلك يقوم بديتك وقد أرسل إليها من الجواهر والأموال أضعاف ~~قيمتك فإن أردت مصداق هذا الكلام فتثاقل عندها في المنام ليزول الشك ~~باليقين وتتحقق من الصادقين فأثر هذا الكلام فيه وخاف من مكر النساء ~~ودواهيه فلما أقبل العشاء وأحضروا العشاء تناول من ذلك الطعام ونهض إلى ~~الفراش لينام وأظهر بين القوم أنه غرق في النوم وغمض عينه وانط وسال لعابه ~~فنهضت الزوجة إليه وفتحت الموسي ودخلت عليه ومدت يدها إلى لحيته ووضعتها ~~على ترقوته # PageV01P158 # ففتح عينيه فرأى آلة الموت متوجهة إليه فما تمالك أن وثب عليها وجثم ~~إليها وخرج زمام تفكره عن يد تأمله وتدبره وخطف الموسي من كفها وسقاها كأس ~~حتفها # فلما فوران الدم أدركه لاحق الندم وقد تبدل الوجود بالعدم ووقع القال ~~والقيل واشتهر أمر القتيل وعلق في شر الاقتناص وعومل في صاحبه بالقصاص. ~~وإنما أوردت هذا الكلام لتعلم أن ما أهلك الأنام وأوقعهم في شرك الآثام ~~والكفر والفسوق والحرام مثل الكذب في الكلام وهولنا أوثق زمام # PageV01P159 # ولجذبهم إلى ما قصدنا من المرام أحكم خطام وأعظم حزام فاستحسن العفريت ~~هذا الرأي واستصوبه وأعجبه ما تضمنه من معان واستغربه ثم قال رأيت يا أصحاب ~~من الرأي الصواب أن أجتمع بهذا العالم الزاهد العامل العابد في محافل غاصة ~~وأسأله عن مسائل عامة وخاصة وعن أسرار رقيقة أطالبه فيها بمجازها والحقيقة ~~وأنا أعرف أنه يفحم عن جوابي ويلجم عند أول خطابي فإذا عجز عن جواب المسائل ~~في تلك الجموع والمحافل تحقق الحاضرون جهله فنبذوه من أول وهلة واعترفوا ~~لنا ms064 بالفضل الوافر والعلم الغزير المتكاثر فصاروا لنا أوداء والفضل ما شهدت ~~به الأعداء ورجعوا عن اعتقاده ونفضوا أيديهم من محبته ووداده وربما سعوا في ~~دماره وخراب دياره فيكفونا أمره ويزيحون عنا شره وأقل الأقسام أن جماعة ذلك ~~الإمام إذا رأوا ما لنا في الفضل من تجارة وعلموا أن رأس مال إمامهم ~~الخسارة التهوا بالسهو وسهو باللهو وانفضوا عنه وتركوه وهذا إن لم يكونوا ~~سفكوه وسكبوه كما فعل صاحب البستان بالمزرعة من الغدر والتفتخيذ مع غرمائه ~~الأربعة فسأل الوزراء عن غدير ذلك الغدر كيف جرى (قال العفريت) : كان من ~~تكريت رجل مسكين ينظر البساتين ففي بعض السنين قدم قرية منين وسكن في بستان ~~كان قطعة من الجنان فاكهة ونخل ورمان ففي بعض الأعوام أقبلت الفواكه ~~بالأنعام ونثرت # PageV01P160 # للثمار ملابس الأشجار من الأذيال والأكمام فألجأت الضرورة ذلك الإنسان أن ~~خرج من البستان ثم رجع في الحال فرأى فيه أربعة رجال أحدهم جندي والآخر ~~شريف والثالث فقيه والرابع تاجر ظريف قد أكلوا وسقوا وناموا واتفقوا ~~وتصرفوا في ذلك تصرف الملاك وأفسدوا فسادا فاحشا خادشا وما رشا وناوشا ~~وناكشافأضر ذلك بحاله ورأى العجز في أفعاله، إذ هو وحيد وهم أربعة وكل عتيد ~~فسارع إلى التأخيذ وعزم على التفخيذ فابتدأ بالترحيب والبشاشة والإكرام ~~والهشاشة وأحضر لهم من أطايب الفاكهة وطايبهم بالمفاكهة وسامح بالممازحة ~~ومازح بالمسامحة إلى أن اطمأنوا واستكانوا واستكنوا ودخلوا في اللعب ~~ولاعبوه بما يجب فقال في أثناء الكلام أيها السادة الكرام لقد حزتم أطراف ~~المعارف والطرف فأي شيء تعانون من الحرف فقال أحدهم أنا جندي وقال الآخر ~~وأنا رسول الله حدي وقال الثالث أنا فقيه وقال الرابع أنا تاجر نبيه فقال ~~والله لست بنبيه ولكن تاجر سفيه وقبيح الشكل كريه أما الجندي فإنه مالك ~~رقابنا وحارس حجابنا يحفظنا بصولته ويصون أنفسنا وأموالنا وأولادنا بسيف ~~دولته ويجعل نفسه لنا وقاية وينكي في أعدائنا أشد نكاية فلو مد يده إلى كل ~~منا ورزقه فهو بعض استحقاقه ودون حقه وأما الشريف فإن جده هدانا ومن النار ms065 ~~أنجانا وقد ملكنا كرامة وحبا لقوله تعالى: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى. وقد تشرف به اليوم مكاني وحلت به البركة علي وعلى بستاني ~~وأما سيد العالم فهو مرشد العالم وهو سراج ديننا الهادي إلى يقيننا فإذا ~~شرفونا بإقدامهم ورضوا أن نكون من خدامهم فلهم الفضل علينا والمنة الواصلة ~~إلينا وأما أنت يا # PageV01P161 # رابعهم وشر جان تابعهم بأي طريق تدخل إلى بستاني وتتناول سفرجلي ورماني ~~هل بايعتني بمسامحة وتركت لي المرابحة أو لك على دين أو عاملتني نسيئة دون ~~عين ألك علي جميلة وهل بيني وبينك وسيلة تقتضي وسيلة، تقتضي تناول مالي ~~والهجوم على ملكي ومنالي، ثم مد يده إليه فلم يعترض من رفقائه أحد عليه ~~لأنه أرضاهم بالكلام واعتذر عما يتطرق إليه من ملام فأوثقه وثاقا محكما ~~وتركه مغرما ثم مكث ساعة وهو على الخلاعة مع الجماعة وغامز الجندي والشريف ~~على الفقيه الظريف فقال يا أيها العالم الفقيه والفاضل النبيه أنت مفتي ~~المسلمين وعالم بمنهاج الدين على فتواك مدار الإسلام وكلمتك الفارقة بين ~~الحلال والحرام بفتواك تستباح الدماء والفروج فمن أتاك بالدخول في هذا ~~والخروج أفتني يا عالم الزمان محمد بن إدريس أفتاك بهذا النعمان أم أحمد بن ~~حنبل أم مالك فسح لك بذلك أما سمعت قول معز العلماء ومجلها # PageV01P162 # ومذل الجهلاء لجهلها: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا # بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها. وإذا ارتكب مثلك هذا ~~المحظور وتعاطى العلماء والمفتون أقبح الأمور فلا عتب على الأجناد والأشراف ~~ولا على الجهلاء الأجلاف ثم مد يده إلى جلابيبه وأوثقه بتلابيبه فأحكمه ~~وثاقا وآلمه رباقا فاستنجد بصاحبيه إلى جانبيه فما أنجده ولا رفداه ثم جلس ~~يلاهي الجندي الساهي وغامزه على الشريف ذي النسب الظريف ثم قال أيها السيد ~~الأصيل النجيب الجيد الحسيب لا تعتب كلامي ولا تستثقل ملامي أما الأمير ~~فإنه رجل كبير ذو قدر خطير له الجميلة التامة والفضيلة اللامة وأنت يا ذا ~~النسب الطاهر والأصل الباهر والفضل الزاهر سلفك الطيب أذن لك ms066 في الدخول إلى ~~ما لايحل لك أم جدك الرسول أفتاك باستباحة الأموال أم زوج البتول أنباك أن ~~أموالنا لآل البيت حلال وإذا كنت يا طاهر الأسلاف لا تتبع سنة آبائك ~~الأشراف من الزهد والعفاف فلا عتب على الأوباش والأطراف ثم وثب إليه وكتف ~~يديه ولم يعطف الجندي عليه ولم يبق إلا الجندي وهو وحيد فانتصف منه ~~البستاني كما يريد وأوثقه رباطا وزاد لنفسه احتياطا ثم أوجعهم ضربا وأشبعهم ~~لعنا وسبا وجمع عليهم الجيران واستعان بالجلاوذة وأصحاب الديوان وحملهم ~~برباطهم وعملتهم تحت آباطهم إلى باب الوالي وأخذ منهم ثمن ما أخذوه ومن ~~رخيص وغالي # PageV01P163 # وإنما أوردت ما جرى لتعلموا أيها الوزرا أن التفخيذ بين الأعداء بالتأخيذ ~~أمر من السهام في تنفيذ الأحكام وأحكام التنفيذ وهذا قبل تعاطي أسباب ~~البيلسة وفتح أبواب الوسوسةفانه يقال في الأمثال عقدة تنحل باللسان لا يؤخر ~~حلها إلى الأسنان ما أرشد من أنشد: # فكم عقدة أغنى اللسان بحلها ... تراخت وقد أعيت نواجذ أسنان # (ثم قال العفريت) للوزير الرابع ما ترى في هذا الأمر الواقع فقال حيث ~~تردد الأمرين آراء مختلفة وأقوال متفاوتة غير مؤتلفة وأقيم على كل قتيل ~~برهان ودليل فنعدد النقل وتبلد العقل وعميت وجوه الترجيح ودرست طرق التصحيح ~~فلا يمكن القول بأحدها ولا الميل إلى مفردها فإن ذلك ترجيح بلا مرجح وتصحيح ~~بلا مصحح فربما يتصور الشيء خيرا وتكون عقباه شرا ويتوهم شرا فتظهر قصاراه ~~خيرا وقد قال منزل الفرقان على أشرف جنس الإنسان وعسى أن تكرهوا شيء وهو ~~خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم وكم من قضية يتصورها الفكر صوابا ~~ويذهل عما تتضمنه من خطا مآبا وكذلك النفس تتصور شيء بصفة وهو بالعكس ولذلك ~~شاهد من وقائع الحس فليس على ذلك معول وشاهده قضية المضيف وع ولده الأحوال ~~فقال العفريت وكيف ذلك أيها الخريت (قال الوزير) أخبرني شخص فاضل أنه كان ~~رجل كامل كريم الشمائل محبوب الخصائل مرغوب الفضائل غزير الثراء يحب ~~الفقراء عذب الموارد مترصد للصادر والوارد لا يسال الضيف ms067 من أين ولا كيف ~~وهو كما قيل للضيف والسيف ورحلة الرجال في الشتاء والصيف فنزل في بعض ~~الأيام ضيف من أصحابه الكرام فزاد في إكرامه وأحضر ما طاب من طعامه # PageV01P164 # فلما رفع السماط ووضع للبسط بساط قال لضيفه الصديق عندنا قارورة من ~~الشراب العتيق كنت ادخرته لنزلك وأعددته لمثلك وما عندي سواها فإن رأيت ~~أحضرناها وتعاطينا الراح لطلب الانشراح فإنها مادة الأفراح كما قيل: # وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام # فسمع الضيف مقاله وتحمل جميلته ودعا له وأجاب سؤاله فأشار المضيف المفضل ~~إلى ولده الأحوال وقال اذهب إلى المقصورة فإن هناك قارورة وإياك أن تنكسر ~~فإن صدع الزجاج لا يجبر وما بناها ضيرها ولكن ما عندنا غيرها فتوجه إلى ذلك ~~المكان فتراءى له قارورتان فرجع من وقته ونادى لمقته أيها الأب المفيد هناك ~~قارورتان فإليهما تريد فخجل من ضيفه وغضب لئلا ينسب إلى اللؤم والكذب فقال ~~لابنه يا ابن البظرا اكسرا حداهما وهات الأخرى فاخذا العصا وعبر وضرب أحد ~~ما كان تراء للبصر فلم يكن غير وعاء واحد وقد انكسر فخرج إلى أبيه وهو من ~~الفكر في تيه وقال امتثلت ما أمرت وأخذت العصا وضربت فانكسرت إحدى ~~القارورتين ولا أدري الأخرى ذهبت إلى أين فقال يا بني إن الخطأ منك واليك ~~والخطأ في ذلك كان من نظر عينيك وإنما أوردت هذا المقول لتعلم أيها الغول ~~المهول أن أقوى طرق العلم العين وإذا حصل في إدراكها الخلل والشين تراءى ~~الصدق بصورة المين والشيء الواحد بشكل اثنين وهذا أمر محسوس لا تنكره ~~النفوس فكيف ترى تكون عين الفكر المصون وهي بأنواع الحجب محجوبة وبتخيلات ~~الوهم وقضاياه مشوبة ومرآتها إنما هي المعاني دون المحسوسة المشاهدة ~~المباني # PageV01P165 # (فعلى هذا) ينبغي التأمل في عقبى هذه الحوادث والتدبر في قصارى هذه ~~الأمور الكوارث ثم الأخذ في تعاطيها والشروع في أسباب تلافيها إنما يكون ~~بعد إمعان الأنظار وأنعام التدبر والأفكار (ثم اعلم) أيها الرئيس الداهي ~~النفيس شيخ المكر والتلبيس والبيلسة والتدليس إن الله القديم ms068 القادر الحكيم ~~لم يخلق في الموجودات ولم يوجد في المخلوقات أعز جوهرا من الإنسان فانه ~~فضله على جنسي الملك والجان واختصه بدقيق النظر وعميق الفكر وسرعة الإدراك ~~فهو مع عدم الحراك بحكم وهو ساكن على ما تحت الثرى وفوق الأفلاك وشمله ~~بعوائد وعوده بفوائده ولطف به في مصادره وموارده فهو أرحم به من والدته ~~لمشفقة ووالده ووكل بحفظه الكرام الكاتبين وملائكته المقربين ورباه في حجر ~~نعمته علىموائد لطفه وكرمه ورحمته كما ترى بي الوالدة الشفيقة والظئر ~~الرقيقة الرفيقة وألهمهم العلم الغزير والقدر الخطير والرأي والتدابير ~~وأطلعهم على غامض الأسرار ودقائق الأفكار وأن علمنا بالنسبة إلى علمهم ~~وحلمنا في القياس إلى ثباتهم وحملهم كنيسة علم الفلاح المغتر إلى علم ~~الطبيب المعبر بحسن النظر قال العفريت أخبرني بذلك يا شيخ المصاليث (قال ~~الوزير) أخبرني شيخ كبير انه رأى في منامه فلاح كأنه خرج من بطنه مفتاح ~~فلما أصبح الصباح جاء إلى رجل من أهل الصلاح يعبر المنامات وكان ذا كرامات ~~فقص عليه رؤياه وطلب منه تعبير ما رآه فقال له يا رئيس هذا منام نفيس لا ~~أذكر ما فيه من تعبير إلا بدينار كبير فحصل له بشارة فناوله ديناره فقال ~~بولد لك ولد ذكر يكون سببا للفتوح # PageV01P166 # والظفر وكان له زوجة حامل بقي لها أيام قلائل فولدت أيمن غلام بعد ثلاثة ~~أيام فاستبشر الفلاح بالظفر والنجاح ثم بعد مده حصل الفلاح شده من مرض آلمه ~~وأصاب قدمه فجاء إلى معبر المنام وشكا إليه الآلام وقال ألمي في قدمي ضاعف ~~همي وأضعف هممي فقال له الطبيب لا بأس يا حبيب هذا داء هين وعلاجه بين ~~أعطني دينارا ثانيا أصف لك دواء شافيا فأعطاه ما اشتهى واستوصفه الدواء ~~فقال ضمده بعجة بيض كثيرة الإبراز وضع عليه عسلا مسخنا على النار ففعل ذلك ~~فبرئت قدمه وزال بالكلية ألمه ففكر الفلاح في فعل المعبر الطبيب وقوله ~~المصيب وأمره العجيب فأنه بأدنى عبارة عير المنام وبأوهى إشارة أزال الآلام ~~فرأى الراحة في ترك الفلاحة والاشتغال بعلم الطب ms069 والتعبير فانه أمر هين ~~يسير وبأدنى أمر حقير يحصل المال الكثير فباع آلات الزراعة وعزم على تعاطي ~~ما في الطب والتعبير من صناعه وجمع كتبا ودفاتر وكراريس محزمة مناثر ووسع ~~أكمامه ووضع على رأسه عمامة كغمامة وجميع عقاقير وأوراق وبسط بسطه في بعض ~~الأسواق وأشار على لسان مخبر أن المكان الفلاني فيه طبيب معبر وهو أستاذ ~~الزمان وعلامة الأوان وتلامذة في الطب حكماء اليونان وفي التعبير ابن سيرين ~~وكرمان وتصدر كابي زيد وساسان عاملا بما قاله شيخ البيان وهو: # PageV01P167 # الطب أهون علم يستفاد فطر ... بين الأنام به طير الزنابير # واجمع لذاك كراريسا منثرة ... وجملة من حشيش من عقاقير # رضع على الرأس بقيارا تدوره ... كقبة النسر في وزن القناطير # واجمع معاجين من رب تخلطها ... واسحق سفوفا واكحال العواوير # وسم ما شئت من أسماء مغربة ... كالسند والهند والسرحا وخنفور # وقل من الهند جا هذا ومن عدن هذا وهذا أتى من ملك فغفور # وذا من البحر بحر الصين معدنه ... وذا من البربر المدعو وبيربور # فإن رأيت بالاستسقاء ذا ورم ... فقل تورم من لسع الزنابير # إن أقشعر فقل برد عراه وأن يحم قل حره وهج التنانير # وإن أتاك مريض لا تخف وأشر ... بما ترى من دواء دونه البوري # فأن يعش قل دوائي كان منعشه ... وإن يمت قل أتاه حكم مقدور # كذلك الرمل والتنجيم خذه على ... هذا المثال وخض في علم تعبير # فإن أصبت فقل علمي ومعرفتي ... وفي التخالف قل ذد المقادير # وإن رأيت فقيها فر منه ولا ... تنطق يخطئك في فسق وتكفير # وأنت تحتاج في هذا وذاك إلى ... ذوق ومعرفة مع حسن تدبير # فاتفق أن زمام خليفة الأنام رأى في المنام شيأ هاله وغير حاله فحصل له في ~~رأسه صداع وفي فؤاده أوجاع فسمع بهذا الربع الجديد وأنه أستاذ مفيد فأرسل ~~إليه وعرض ما رآه عليه فقال هذا منام يدل على # PageV01P168 # خير وأنعام وبقاء ذكر الزمام على الدهر والأعوام ولكن لا أعير هذه ~~الأحلام إلا بدينار تمام فناوله دينارا وأظهر استشارا فقال له يولد ms070 لك غلام ~~بعد ثلاثة أيام فضحك الزمام من هذا الكلام وقال يا أمام أنا رئيس الخدام ~~ظواشي بلا شي لا زوجة ولا سرية ولا آلة ولا شهية فمن أين لي هذه السعادة ~~ولا فرحت بحسن الحسنى فأنى تحصل هذه الزيادة فلا تسخر مني وكف كلامك عني ~~وأخبرنيبتعبير هذا المنام ودع عنك الملام فقال حقا أقول وأنا جربت هذا ~~المقول وقد عبرت لك هذا التعبير ولا ينبئك مثل خبير فقال الزمام يا أخي دع ~~هذا المقال فإن وجود الولد مني محال وأنا رجل بي وجع وما بقي في منتجع فقال ~~وماذا تشكو وألمك في أي مكان هو فقال في فؤادي أوجاع وفي رأسي صداع فقال يا ~~زين من فاخر أعطني دينارا آخر أصف لك أيسر دواء يحصل لك منه العافية ~~والشفاء فدفع إليه الدينار وطلب منه دواء الدوار وما بفؤاده من ألم أورثه ~~الوهج والضرم فقال يا أبا الفيض ضمد رجلك بعجة بيض مضافا إليها عسل مشتار ~~وليكن ذلك كشتار وليكن ذلك مسخنا بالنار فاستشاط الطواشي غضبا وفار كالنار ~~شواظا ولهبا وعرف أنه جاهل وعن طرق العلم غافل فأدبه التأديب البالغ ورده ~~إلى ما كان عليه مكن منادمة السالغ واستمر على كلاحته بعد رجوعه إلى فلاحته ~~(وإنما أوردت) هذا المثال يا غول الأغوال لتعلم أننا إذا اشتغلنا بمناظرتهم ~~اشتظنا في محاورتهم لأنه في دقيق الأسرار وعميق الأفكار وتحقيق الأنظار لا ~~يقاوم أحد جنس الإنسان فكيف يستطيع الجان معارضة من أيده الله تعالى برفيع ~~المعاني وبديع البيان فإذا فقابلناهم في المباحث بالمعارضة تعود مسئلتنا ~~علينا بالمناقضة # PageV01P169 # فلما رأى العفريت خور ذلك الصفريت وأنه نكل عن المقاومة ونكص عن المصادمة ~~خاف أن تكون آراء الوزراء تبعا لرأيه في عدم لقائه وظنهم مستحسنين لدهائه ~~مستصوبين لآرائه فأرخى عنان الكلام ليقف على ما عندهم من مرام وكان عزمه ~~المباحثه والمعابثة والتصدي للأقدام وإلقاء المسائل بحضرة الخاص والعام لكن ~~مشى مع إمام الوزراء ليرى ما هم عليه من الآراء (فقال للوزير) نعم ما قلت ~~أيها الوزير ms071 والرأي ما سرت من الرأي والتدبير فإن الله تعالى خلقنا من ~~النار وطبعها الإهلاك والدمار وإحراق كل رطب ويابس وبارد وحار والظلم ~~والخسار والإفناء والجهل والبوار وطلب الرفعة وعدم القرار وافساد ما تجده ~~من غير فرق بين نفاع وضرار وخلقهم من تراب وإليه الأياب وطبعه الحلم ~~والسكون والترابية والركون والعلم والعدل والإحسان والفضل ومع هذا فلو ~~خرجوا عن مادة ما جبلوا عليه وتلبسوا بغير ما ندبوا إليه ولو أدنى الخروج ~~ورعوا ما للمارج من مروج لتحكمنا فيهم كما نختار وللعبنا بهم كما يلعب ~~بالكرة الصغار ونحن إذا خرجنا عن دائرة طبعنا وتخالفت أوصاف أصلنا وفرعنا ~~ونقلنا إلى دائرة الخبر عن جادة الشر أقدام صنعنا لا يقع لنا منهم صيد ولا ~~يؤثر لنا فيهم سيف كيد فإذ عجزنا عن الإيذاء في الظاهر لم يبق إلا الأغواء ~~من باطن الضمائر والتعلق بأسباب ما نصل إليه من الحيل البواطن والظواهر فقد ~~قال الحكماء وأهل التجارب ومن ابتلى من مكايد الدهر بالنواثب ومنى من ذلك ~~بالعجائب والغرائب إذا تصدى الإنسان وقصد غريمه وعجز # PageV01P170 # عن مقاومته في الحكومة والخصوصه فعليه يهدم ذلك الجبل بمغناطيس الخداع ~~ومعاويل الحيل ويستعين في ذلك بأهل النجدة وذوي البطش الشديد لشدة فيتوصل ~~بهم إلى حسم ذلك الداء ولو كانوا أعداء غير أو داء فتسلط بعض الأعداء على ~~بعض من أيمن سنة بل من أحسن فرض ولقد أحسن من قال: # تغرقت غنمي يوما فقلت لها ... يا رب عليها الذئب والضبعا # ولا يوجد في هذا الباب لجمع شمل الأعداء أوثق من تفريق الأحباب ومصداقه ~~قوله تعالى لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا وما قويت أعضاد الإسلام إلا ~~باجتماع كلمة الأنصار والالتئام ولهذا قصد من نافقوا لما ترافق الأنصار ~~وتوافقوا أن يتشاققوا ويتفارقوا فأنزل عليهم واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا وهذا الفن يحتاج إلى فكر عميق ومكر دقيق وعقل كبير وفعل كثير ومصيب ~~رأي وتدبير وسلوك في طريق اصطناع كما فعلت الفأرة من الخداع فقال الوزير ~~ينعم مولانا الباقعة بتحقيق هذه ms072 الواقعة (فقال) سمعت أن بعض التجار كان له ~~بستان في دار وإلى جانبه حاصل فيه المغل المتواصل وفي ذلكالحاصل وكر لشاطر ~~من شطار الفار له عدة منافذ وإلى الجهات طرق ومآخذ أحدها إلى جهة البستان ~~والبستان كأنه جنة رضوان فكانت الفاره ذات الشطارة والمهارة تأخذ من الغلات ~~وأطايب الطعامات ما يكفيها غداء وعشاء صيفا وشتاء # PageV01P171 # وفي وقت المصيف تخرج من ذلك المنزل اللطيف إلى جهة البستان فتتمشى بين ~~الغدران وتترقى إلى أعلى الأغصان وتتمرغ في المروج والرياض وتتبخر في ظلال ~~الدوح والغياض ثم تعود إلى وكرها وتأرز إلى حجرها وكان عيشها هينا وأمرها ~~رضيا ومضى على ذلك دهرها وانقضى في أرغده عيش أمرها ففي بعض الأحيان خرجت ~~على العادة للتنزه في البستان فمر بسكنها أفعوان فرأى مكانا مكينا وسكنا ~~حصينا بالأطعمة محفوفا وبطيب الأغذية مكنوفا فدخله واستوطنه وترك ما سواه ~~من الأمكنة فلما رجعت الفارة إلى مكانها المألوف وجدت به العدو الظالم ~~العسوف فأحاط بها من الأمر المخوف مما يحصل من الذئب إذا عانق الخروف ~~فأسرعت إلى أمها وشكت إليها نوائب غمها وما دهمها من نوازل همها فقالت أمها ~~لا شك أنك ظلمت أحدا أو وضعت على ما ليس لك يدا أو تعديت الحدود أو عاملت ~~مغرما بالصدود فجوزيت بإخراجك من وطنك وإبعادك عن مقرك وسكنك ومن ظلم ضعيفا ~~عاجزا سلط الله عليه قويا لاكزا وقد رأيت يا أنسي في حديث قدسي اشتد غضبي ~~على من ظلم من لا يجد له ناصر أغيري فلا تطيلي الكلام ولا تتصوري أنك ~~ترجعين إلى مالك من مقام ولا طاقة لك على مقاومة الثعبان فدعى تعب الخاطر ~~واطلبي لك مأوى غير هذا المكان فتوجهت إلى ملك الفار والجرذان وشكت ما بها ~~من ذلك الشيطان وقالت أنا في خدمتك ومعدودة من رعيتك # PageV01P172 # عمري على ذلك مضى وزماني في إخلاص العبودية انقضى وأبي كان في خدمة أبيك ~~وجدي عبد جدك وذويك لم نزل في رق الطاعة متمسكين بحبل سنة الولاء مع ~~الجماعة كل ذلك لأمر يدهم ms073 أو نازلة تقدم فنستدفع ذلك الخطيب بخطابكم ~~ونستكفي هول ذلك النازل بجنابكم والآن لقد وقعت حادثه بالباب عابثة ~~وبالأفكار عائثة وللأرواح كارثة وذلك أني خرجت من مسكني لطلب قوتي ثم رجعت ~~إلى مبيتي ذو فوجدت ظالما قد استحوذ عليه وغاصبا قد دخل إليه وهو ثعبان ~~مالي به يدان وقد تراميت على جنابك أستدفع هذا البلاء بك فقال ملك الفار يا ~~سائبة الأشفار من ترك ماله سائبا فقد جعله ذاهبا وقال ذوو الأعتبار وأولو ~~الأبصار ينبغي بل يجب على الدزدار وحافظ القلعة والحصار أن تكون رجله ذات ~~عرج وانكسار لئلا يكون دينار وجوده خارج الدار وأنت أيتها الفارة فرطت في ~~أمرك والمفرط أولى بالخسارة وقد خاب منك المسعى لأنهم قالوا ظلم من أفعى ~~ومن ظلم الأفعوان أنه لا يكد نفسه في حفر مكان وتهيئة مبان ومغان ولكنه حيث ~~وجد مسكنا اتخذه لنفسه مقاما وطنا وهذا قد عرف مكانك النزه وهو جبار شره ~~فلا يزايله ولا يقابله ومن أين يلتقي مثل هذا المأوى وفي المثل عرف الكلب ~~بيت العميا فالأولى أن ترتادي لك موضعا فتتخذ به مقاما ومرتعا فقالت الفارة ~~وقد تأثرت لهذه العبارة يا أيها السلطان وملك الفار والجرذان فما فائدة ~~خدمتي وانقياد أبي وطاعة جدي الكبير الأبي وإذا كنتم في الدنيا لا ~~تنفعونهنا وفي الآخرة لا تشفعون لنا ولا تدفعون في الأولى صدامات الدواهي ~~والبلا ولا تحمون الأوداء عن مواطئ أقدام الأعداء # PageV01P173 # ولا تدفعون في الأخرى نوائب الطامة الكبرى ولا تحلونا بما لكم من ~~الاستيلاء غرف الدرجات العلى فأي فائدة لكم علينا ونعمة منكم تسدي إلينا ~~وهل أنتم إلا كما قيل في الأقاويل: # إذا لم يكن لي منك عز ولا غنى ... ولا عندما يغتالني الدهر موئل # فكل التفات لي إليك تكرم ... وكل سلام لي عليك تفضل # فقال ملك الفار يا قليلة الاستبصار العديمة العقل والأفتكار إذا اجتهدنا ~~في ردك إلى مكانك وكنا على الثعبان كجندك وأعوانك فهل تشكين يا مسكينة وبنت ~~مسكين في أن الأفعى تتوجه إلى سلطانهموتخبره بشأنها وأنها ms074 أخرجت من مكانها ~~وتستنصر بأعوانه وتنتصر على سلطاننا بقوة سلطانه وتستجيش وتستغيث وتغري ~~علينا ذلك الخبيث كما فعل الرافضي العادي العلقمي البغدادي حين دعا التتار ~~الطغام لخراب مدينة السلام ومن بعده الذميم نابذة الإمام وقصد دمار ديار ~~الشام ولا طاقة لنا بعساكر الحيات ونحن في أحيائهم كعساكر الأموات فتذهب ~~الأموال والأرواح وتتعب القلوب والأشباح ومع هذا الأمر المعلوم حصول القصد ~~والظفر موهوم فبالله اتركيني واذهبي واطلبي لك مسكنا غيره ولا تتعبي فقالت ~~هذا منزلي القديم وميراثي عن سلفي الكريم وأين أذهب وفيمن أرغب أن لم تغثني ~~هلكت وانذهلت وانسلبت فقال لا تطيلي القول فلا قوة لنا ولا حول فلما أيست ~~الفارة الغدارة تركت سلطانها # PageV01P174 # وذهبت وسلكت طريقها وانقلبت وأنشدت فأرشدت: # أبعين مقتفر إليك نظرتني ... فحقرتني وقد فتني من خالق # لست الملوك أنا الملوك لأنني ... أنزلت آمالي بغير الخالق # ثم غاصت في بحر الفكر وتشبثت بأذيال المكر واستعرضت على مرآة أفكارها ~~وجوه الحيل واستورت من زناد آرائها سرر النظر في الجدل وأخذت تطوف في أكناف ~~البستان فعثرت في طوافها على ذلك الأفعوان نائما تحت ورده متطوقا في أهنى ~~رقدة فرقت غصنا من الأغصان فلاح لها الباغيان قد سقى البستان وهو تعبان ~~متكئا في الرياض على مسكبة ريحان فاغتنمت الفرصة ونزلت إليه وقربت منه ~~ودارت حواليه ثم وثبت على وجهه وكان نائما فانتهض مرعوبا قائما فذهبت ~~واختفت وبذا القدر اكتفت فرجع ونام وغرق في المنام فدخلت في قميصه ورقصت ~~فاستيقظ متعجبا منزعجا فرآها فهربت ونكصت ثم عاد وأتكا بعدما وغضب وانتكى ~~فوثبت على وجهه وأدخلت ذنبها في أنفه فنهض مستيقظا مجدا فرآها واقفة لا ~~تتعدى فقصدها فهربت ثم رجع فآبت وأتت فنام في مسنده فقربت منه وعضته في يده ~~فانكته وآلمته وهجته بما أضرمته فطفر من مرقده وأخذ غصنا بيده وقصدها وقد ~~ذاق نكدها فهربت غير بعيد فرأى وجهها من حديد فتبعها فمشت ثم وقفت وارتعشت ~~تطمعه في صيدها وهو غافل عن كيدها فتبعها وهي قائده حتى انتهت به إلى الحية ~~الراقدة ms075 فعندما رأى الثعبان نسي أفعال بنت الجرذان فقتل تلك الأفعى ولم يخب ~~للفأرة مسعى (وإنما أوردت) هذه الحكاية لتقفوا منها على طريق النكاية ~~وليعلم الضعيف إذا كان له أعدا كيف يوقعهم في مصايد الردى وإذا استعمل ~~اللبيب العقل المصيب والفكر النجيب وساعده في ذلك قضاء وقدر نال ما أمل ~~وأمن ما حذر وأفلح أمره ونجح فكره وهذا إذا كان الضعيف # PageV01P175 # مظلوما والقوى ظالما غشوما كما أنتم عليه مما توجهتهم إليه من معاداة شيخ ~~الشام المستحق للتجبيل والإكرام والتعظيم والاحترام فانه على الحق وأنتم ~~ظالمون وقاصد الصدق وأنتم كاذبون يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم والله ~~متم نوره ولو كره الكافرون فهذا أمر مشكل وداء معضل فأني تصح أبدانكم ~~وقلوبكم مرضى ومن يحبكم وأنتم محسوبون من البغضا وكيف تقتفون وأنتم على ~~الباطل وفي أي ذوق يحلى ما منكم من عاطل وأنا أخاف أي أجلاف أن تسفر هذه ~~القضايا بعد ارتكاب البلايا وتحمل المشاق والتعب باقتحام موارد الهلاك ~~والنصب عما هو وأشد وأنكى وأحر لعينكم وأبكى كما أصاب مضيف العراق مر زوجته ~~بيدة ذات النطاق حين بدا منها الزنبور على حافة التنور فقال الوزير للعفريت ~~أفدنا هذا الصوت يا ذا الصيت (قال) نزل في بعض الرستاق من بلاد العراق فقير ~~نحيف على مسكن ضعيف وكان بعض أيام الخريف والبرد الشديد يقطع الحديد فبعدما ~~طبخوا وتعشوا سجروا النار ليتدفوا فبقي كل من الحضور يتدفأ على جانب التنور ~~فقعد الضيف مقابل زوجة المضيففظهر من تحت نطاقها وجه ذلك الحر الظريف ولاح ~~من تحت السجيف كأنه قرص أو رغيف أو قند عسلي نظيف أو خد جندي نتيف أو القمر ~~شق نصفين أو بدر لاح من تحت ذيل حنين # PageV01P176 # فلما أحس بحرارة النار وظهر على وجهه الاحمرار صار يتلمظ ويتحلى ولسانه ~~من الحر والدف تدلى فلمحه الضيف وهو يتثائب فتمطى قائم رمحه ونحوه قام ~~وتصاوب وقد قيل في الأقاويل عضوان متعاونان وهما اليدان وعضوان مختلفان ~~وهما الرجلان وعضوان متتابعان وهما العينان وعضوان متصاحبان وهما اليد ~~والفم ms076 وعضوان متباغضان وهما الأست والأنف وعضوان متوافقان وهما العين ~~والأبر وكان الضيف يسارقه النظر وبترشف شفاهه بلسان الفكر ويود في مطالعة ~~جبينه لو أتبع العين بالأثر وجعل يتغنى ويترنم ويهيم بما يتكلم: # ليس في العاشقين أقنع مني ... أنا أرضى بنظرة من بعيد # فتنبه أمام هواء الهاجد وجعل يقوم ويقع وهو راكع ساجد ويسلم على محرابه ~~أحسن التحيات ويتشهد رافعا إصبعه بالسلام والصلوات ثم غلبته الحيرة فاخذ ~~يجلد عميره فنظر صاحب البيت فرأى الضيف غارقا في ذيت وذيت مشغولا بكيت وكيت ~~متأملا معنى هذا البيت: # وعند الملتقى انكشف المغطى ... تثاءب كسها أيرى تمطى # فأراد أن ينبه ربة البيدار على هذا العثار لتستر حالها وتغطي مالها ~~بطريقة لا يؤبه إليها ولا يقف ضيفها عليها فمد يده إلى سفود وحرك به # PageV01P177 # النار ذات الوقود فعلق من النار به في الطرف وما شعر بذلك أحد وما عرف ثم ~~لعب ساعة بذلك العود وأوصل في خفية طرفه إلى ذلك الشق المعهود لتيقظ فتتحفظ ~~فشوظها وأجرها وأحرق رأس السفود بظرها فالتأمت وانضبطت واحترقت واختبطت ~~وتحركت بزعجة فضرطت فزادت فضيحة الأنف والأذن ولم يحصل من تلك الحركة إلا ~~الخجالة والغبن (وإنما أوردت) هذه الحكاية لتتأملوا في الغايات والنهايات ~~فإن من لا يراقب ما يأتي في العواقب ما الدهر له بصاحب وهذا الرجل الصالح ~~القيم الراجح ما فاق أقرانه وساد أصحابه وإخوانه إلا بشيء تقدم به عليهم ~~وتحقق موجب تقدمه لديهم وذلك درجات العلم والعمل فبذاك ساد الرجل وكمل وقال ~~منزل الآيات وخالق البريات يرفع الله الذين آمنوا ومنكم والذين أوتوا العلم ~~درجات وقد برع في أنواع العلوم وأطلع على حقيقتها من طريقي المنطوق ~~والمفهوم وأنتم عن طريقه غافلون وعن حقيقة ما هو عليه ذاهلون واعلموا أن ~~طريقه واحدة وهي الحق وطرقكم متعددة وكلها فسق وأتباعه على اتباعه متحالفون ~~وأنتم في طرائقكم القدد متخالفون فقد قال الله تعالى في محكم تنزيله وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله وقال بعض ~~أهل الفضل وكلامه ms077 في بيان الحق فصل ما ناظرت ذا فنون إلا غلبته وما ناظرني ~~وذو فن إلا غلبني وإنما أخشى أن ناظرت هذا الرجل الكامل الفاضل أن لا أحصل ~~منه على طائل ويظهر فضله قصوري فينهدم بنيان قصوري # PageV01P178 # فقال الوزراء بعد أن اتفقت الآراء كلمة واحدة متفقة متعاضدة نعم ما رأى ~~مولانا الرئيس صاحب التدليس وإسنادا التلبيس وأنجب أولاد إبليس ونحن أيضا ~~يا باقعه نخشى عاقبة هذه الواقعة ولقد جرى مثل هذا المجرى بين بزر جمهر ~~ومخدومه كسرى في قضية فاق فيها الوزير مخدومه الكبير فسأل العفريت وزراء عن ~~بيان ذلك الشبان كيف كان (فقالوا) بلغنا أيها الخنس الملقى الوسواس في صدور ~~الناس أن بزر جمهر الوزير كان ذا علم غزير ورأى وتدبير وبديهة جواب تفحم ~~الكد والتفكير وكان حكيم زمانه وعليم أوانه وممن فاق في الفضل والحكم سائرا ~~أترابه وأقرانه وكان مقربا عند مخدومه يزيد في كل وقت في تكريمه وتعظيمه ~~وتوقيره وتفخيمه ويصغي إلى نصائحه ويعد قربه من أعظم مناجحه ويصبر على ~~كلامه الصادعووعظه القارع ونصحه القارع لما فيه من الفوائد والمنافع والحكم ~~والبدائع وقد قيل من أحبك نهاك ومن أبغضك أغواك فكان الوزير يبادر قبل سائر ~~الخدم في وظائف الخدم ويعجل من الليل والظلم حتى كأنه يوافق النجم أو ~~يسابقه في الرجم ومع ذلك كل يوم يجد مخدومه راقدا في النوم فيقرعه بالغفلة ~~وينقم عليه هذه الفعلة ويعلن بالندا وينادي في الملا فيقول أفق يا محجوب ~~وتيقظ حتى تظفر بالمطلوب فمن باكر نجح ومن فلس المطلوب أفلح ومن تخلف في ~~النوم سبقه إلى المنزل القوم وفاته المطلوب ولا يدرك المحبوب واترك لذة ~~الكرى فعند الصباح بحمد القوم السرى وكان كسرى يجد لهذا الكلام أنواعا من ~~الآلام لأنه كان يطيل السهر إلى وقت السحر عاكفا على # PageV01P179 # المدام وسماع الأنغام ومغازلة الغزلان ومعاقرة الندمان وإحياء الليل عمر ~~ثان فإذا نام واستراح امتد نومه إلى الصباح فلا يوقظه إلا عياط الوزير ~~وصراخ ذلك الصائح النذير فلما طال عليه المطال وغلب عليه من ms078 ذلك الملال ~~أرصد للوزير في الطريق من منعه عن التبكير بالتعويق فتصدى له الرصد وأعروا ~~رأسه والجسد وأخذوا قماشه وسلبوا رياشه فرجع إلى بيته مكرها ولبس ثيابا ~~غيرها فأبطأ في ذلك اليوم وتخلف في الخدمة عن القوم ولم يجيء إلا وقد ~~استيقظ كسرى من النوم وهو جالس في صدر الإيوان وحواليه مباشر والديوان ~~وسائر الوزراء والأركان وعامة الجند والأعوان كل في مقامه ضابط زمامه فأدى ~~بزر جمهر وظائف الخدمة على عادته ووقف في مكانه مع جماعته فقال كسرى ما دعا ~~مولانا الوزير في هذا اليوم المنير إلى التخلف والتأخير وترك التبكير ~~وإنشاده بالتبكير قول الشاعر الكبير: # بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير # فقال إن الحرامي عارضني أمامي وقصدني في ظلامي فأخذ شاشي وسلبني قماشي ~~ورياشي فرجعت إلى كناسي وجددت زينتي ولباسي فهذا سبب تأخيري وعدم تبكيري ~~وموجب تخلفي عن وعظي وتذكيري فقال كسرى ما أفادك التذكير إلا الغرامة في ~~التبكير ولولاه ما سلب القماش ولا ذهب الرياش ولا قام الحرامي بالمعاش فأين ~~الفلاح في القيام قبل الصباح فقال بزرجمهر في الحال وقد أصاب في الجواب ليس ~~ذلك كذلك يا إمامي وإنما بكر قبلي الحرامي ولم أباكر أنا بالنسبة إليه فرجع ~~فائدة تبكيره مني عليه فعجب كسرى من خطابه وسرعة بديهته في جوابه # PageV01P180 # (وإنما أوردت) هذا القول بين يدي إمامنا الغول أو شيخ المردة الهول ليعلم ~~أن كسرى وإن كان عالما وفاضلا وحاكما كما أذعن لكلام وزيره واتبع رأي مشيره ~~وانصف من نفسه إذ أدرك الوزير بفهمه ما لم يدركه هو بحسه فاسترسل معهم ~~العفريت فيما هم عليه والتخلف عما ندبهم إليه وقال فبأي الحبائل نصيدهم ~~وبماذا نكيدهم فقال أحد الوزراء بالنساء فإنهن زمارة المحن وطبل الفتن ~~والطبل لا يضرب تحت الكساء هن أعظم وسائلنا وأحكم أوهاقنا وحبائلنا وناهيك ~~ما قاله العزيز العليم الذي جبلهن على غير تقويم وفطرهن على الكيدان كيدكن ~~عظيم وجعل كيدنا بالنسبة إلى كيدهن سخيفا فقال أن كيد الشيطان كن ضعيفا ~~وقال سيد السادات ms079 ورئيس الرؤساء ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من ~~النساء وقال الولي ومن قدره الرفيع على: # إن النساء شياطين خلقن لنا ... نعوذ بالله من شر الشياطين # وقال من أجاد في المقال المسامع بالأقوال حيث قال: # وما حز أعناق الرجال سوى النسا ... وأي بلاء جاء لسن له أهلا # فكم نار شر أحرقت كبد الورى ... ولم يك إلا مكرهن لها أصلا # وإنهن أشرك الأشراك وأوهاق الأزهاق واسواق الغساق ومصائد المصائب ومراصد ~~النوائب وحسبك يا ذا الدها مأوى ذلك الحكيم حين سها وأعن لزوجة لرئيس إذ ~~نبهته على ما عنه لها فسألالعفريت عن تلك الحالة وبيان ما فيها من المقالة # PageV01P181 # (فقال) ذكر أن حكيما من العلماء وعالما من الحكماء أولع بضبط مكر النساء ~~وشرع في تدوينه صباحا ومساء وصار يجول البلدان ويطالع لذلك على كل ديوان ~~ويكتب ما يكون وما كان ويحرر من ذلك الأوزان بالمكيال والميزان فنزل في بعض ~~الآناء على حي من الأحياء فصادف ذلك التعس بنت الرئيس فتلقته امرأة ظريفة ~~ذات شمائل لطيفة وحركات رشيقة خفيفة وقابلته بالترحاب وفتحت للدخول الباب ~~فاقبل عليها وترامي لديها فأنزلته في صدر البيت وأخذت معه في كيت وكيت ~~كأنها معرفة قديمة وحديثة كريمة وكان زوجها غائبا قد قصد جانبا فشرعت في ~~نزل الضيف لئلا تنسب إلى بخل وحيف فأخذ يطالع في ديوانه ويسرح سوائم طرفه ~~في ظرف بستانه يشغل أوقاته ويتفكر ما فاته ليتعاطى إثباته فقالت له ضرة ~~الريم ما هذا الكتاب العظيم أيها الفاضل الحكيم فقال شيء صنعته وكتاب ألفته ~~وهو في الغربة أنيسي وفي الوحدة جليسي فقالت يا ذا الحكم والحلم ما فيه من ~~فنون العلم فقال سر مصون وأمر مخزون ودر مكنون لا يجوز إبداؤه ولا يحل ~~إفشاؤه فقالت يا ذا الشكل الظريف والصوف اللطيف والعلم المنيف هذا التعريف ~~لا يليق بالتصنيف فإن فائدة التصنيف الاشتهار وثمرة العلم الانتشار ودونك ~~ما قاله الكئيب في مخاطبة الحبيب: # أذقني من رضابك يا حبيبي ... فما للشهد دون الذوق لذة # وما أخذ الله على ms080 الجهال أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء أن أن يعلموا # PageV01P182 # فقال الأمر كذلك يا زين الأمور ولكن هذا علم يصان عن ربات الخدور فقالت ~~إن الله الجليل الذات الجميل الصفات ذكر المسلمين والمسلمات والمؤمنين ~~والمؤمنات وما منع نساء الأنصار الخيرات الأطهار أن يسألن المصطفى المختار ~~عليه أفضل الصلاة والسلام عن غسل المرأة في الاحتلام ولا أن يلجن معه ~~المخاضة في السؤال عن الحائض والمستحاضة فجمع في ميدان الامتناع وأصر على ~~الممانعة والدفاع وقال يا حصان هذا سر يصان لا سيما عمن في دينه وعقله ~~نقصان فأغراها هذا المقال على الإلحاح في السؤال وزادت في اللجاج ومارت في ~~الاحتجاج وترامت لديه وأقسمت بدلالة الدال عليه فقال هذا علم ما أسبق إليه ~~جمعت فيه مكر النساء ومن أجاد منهم ومن أساء ومن تعاطت لطائف الحيل وخفي ~~الفعل وخفيف العمل ومن دعت بدعاها حتى بلغت مناها ومن وقعت في الشدائد ~~فاحتالت بدقيق فكرها لتلك المكايد وتخلصت من شرك المصايد فلما سمعت ما قال ~~ووعت سكت وجهها وأعربت تقهقها وتمايلت تمايل القضيب وقالت سر غريب وأمر ~~عجيب وضيعة عمر حاصل # PageV01P183 # فيما لا تحته طائل وشغل سر وبال في جمع أمر محال لقد ركبت المشاق وكلفت ~~نفسك ما لا يطاق ونسفت الرمل بالكربال وغرفت البحر بالغربال فإن مكر ربات ~~الخدور لا يدخل ضبطه بسفر تحت مقدور فقال لها أنت غبية وعن هذا الكلام غنية ~~وإن كنت فاضلة ذكية أنا قد بلغت في ذلك الغاية وأحطت به بداية ونهاية ووقفت ~~على نجمله ومفصله فلم يشذ عني شيء من آخره وأوله فسلمت وما تكلمت وغالطت ~~وما بالطت في هذا المقام شيء فريا ونسيا منسيا ثم نزلت من برج المنازلة ~~وأخذت تلك الغزالة في المغازلة وانتهى بها المقال إلى هذا السؤال فقال أيها ~~اللبيب الماهر ما معنى قول الشاعر: # يهددني بالرمح ظبي مهفهف ... لعوب بألباب البرية عابث # ولو كان رمحا واحدا لاتقيته ... ولكنه رمح وثان وثالثفالرمح الواحد قامته ~~والرمح الثاني ما حوته راحته. وقل يا أبا الحارث ما ms081 هو الرمح الثالث فقال: ~~ذلك النبيه قبل ما يظهر من تثنيه فإن هزلين أعطافه وسرعة انعطافه تراه ~~العينان كأنه رمحان وقيل ما يظهر ذلك المهفهف عند هزه الرمح المثقف فإنه # PageV01P184 # يتراءى للعين الشكل الواحد اثنين ولهذا نظير في اليوم المطير وأحسن مثال ~~عند رشق النبال وفي تدوير المحجن وفتل الصولجان عند سرعة الدوران. وقيل كأن ~~معه رمحان فعده واحدا وهما اثنان وعندي يا دمية القصر أنه ليس المراد الحصر ~~وإنما المراد التكثير يا ضرة البدر المنير لأن عطفه كلما انهز هزه حصل في ~~صدر المتيم وخزه ورمح قامته يثنى ويتقصف فتارة يميل وأخرى في بتثقيف ولطعن ~~العشاق يخطر ويتهفهف فالمتيم لا يبرح من قده في طعنات كما لم يزل من سهام ~~جفنه في محزات ووخزات وهو من المجاز المرسل إذ المراد الطعن من ذلك الاسل ~~وكأن قصده أن يسرد الأعداء إلى غاية ويبلغ ما لا نهاية فيقول ثان وثالث ~~ورابع وخامس وسادس وسابع فلم تسع القافية: # يا من بوصلها شافيه ... ورضابها عافيه # ونظير هذا يأجره إن تستغفر لهم سبعين مرة، وليس المراد الحصر يا رقيقة ~~الخصر ويا عين العين في السبعين حتى لو زاد على هذا العدد لغفر لهم الواحد ~~الصمد بل المراد أنه لا يغفر لهم ولو زاد فقالت: يا صاحب البيان وربه إنما ~~عنى بالرمح الواحد زبه فأفصحت له بالكلام عما لها من مرام كأنها ثالثة بنات ~~همام فخجلت عين الرجل واستحت لما أفصحت عن مقصودها وأوضحت # PageV01P185 # فقالت: حبيت وحييت لا تستح واصنع ما شئت فحركت بهذا الكلام العابث من ~~الشيخ الحكيم الرمح الثالث فمد إليها يد الفاجر العائث وذهب لب ذلك الرجل ~~الحازم، وراودها مراودة العازم الجازم، وصارت تلك اللاعة بين الأطماع ~~والمناعة تنثني وتنقصف فتارة تتثقف وأخرى تتخسف وبينما هما في المجاذبة جاء ~~زوجي وهو عنيف عنيد فسلب الفرار وطلب الغرار ووقع ذلك الحكيم النبيه في ~~فتنة فيها الحليم سفيه ودهمه ما هو أهم مما هو فيه من دواهي العشق ودواعيه ~~ونسى العشق والعشيق وطلب الخلاص ms082 من المضيق وأظهر صورة حاله ما عناه الشاعر ~~في قاله: # سألت مجربا طبا عليما ... خبير بالوقائع مستعاذا # وقلت الشهد أحلى أم رضاب ... أم النيك الذي للروح حاذي # فقال وحق ربي النفس أولى ... إذا جر الجزا هذا وهذا # واشتغل الحكيم بنفسه وخاف حلول رمسه وكان في طرف البيت صندوق مقفل عليه ~~ستر مسبل ففتحت له الصندوق ورعت له بإخفائه عن زوجها الحفوق وأمرته بولوجه ~~ليكفي من زوجها شر خروجه فشكر لها صنعها وامتثل وانسل إلى ذلك اللحد الضيق ~~فأقفلت عليه أغلاقه وأحكمت وثاقه ثم تلقت زوجها بالترحاب ودخلت معه في ~~الأطعمة من كل باب وقدمت له ما أكل وانسدحت له فركب ووكل # PageV01P186 # ثم قالت أخبرك يا حبيب بوقوع أمر غريب وحادث بديع عجيب وهو أنه قدم حكيم ~~فاضل حليم عالم عظيم فأكرمت نزله، وبوأت منزله، وكان معه كتاب فيه العجب ~~العجاب فسألته عما حوى فقال مكر النسا فقلت له هذا شيء لا يحصى ولا يحصر ~~ولا يجمعه ديوان ولا دفتر فلم يسلم إلي ولم يعول علي وذكر أنه أنهاه ولم ~~يدع من مكر النسا فنا لا أوعه إياه فما وسعني إلى أني غازلته وداعبته ~~وهازلته فطمع من لين محاورتي في حسن مزاورتي وطلب مني ذلك العقوق ما هو أعز ~~من بيض الأنوق، وبينما نحن في العيش الرغيد وإذا بك أقبلت من بعيد كل ذلك ~~والحكيم يسمع قولها وما تخبر به بعلها فلما سمع الزوج هذا الكلام اضطرب ~~وزمجر فلم يبق الحكيم مفصل إلا ارتجف فقال هاهو في الصندوق مختفي فخذ ثارك ~~منه واشتفي فنهض وصاح هاتي المفتاح فعلم الحكيم أن عمره ذهب وراح، وكان سبق ~~من زمان، بين الزوجينعقد رهان أنه من فتح منهما الصندوق غلب وأقام لصاحبه ~~بما طلب فلما ذكرت له حكاية الحكيم تذعنه عقد الرهن القديم وذهل لشدة ~~الغيرة ووفور الحيرة وتوجه إلى الصندوق فبمجرد ما فتح القفل المغلوق صاحب ~~عليه غلبتك يا معشوق فأد ما ثبت لي عليك من الحقوق فتذكر عقد المراهنة ولم ~~يشك أن كلامها ms083 كان مداهنة فضحك بعد ما كان عبس وألقى المفتاح من يده وجلس ~~ولعنها ومكرها ولعبها وفكرها ثم اصطلحا وانشرحا وزاد انشاطا ومرحا ثم خرج ~~في ضروراته وتوجه إلى حاجاته فأقبلت تلك العروس إلى الحكيم # PageV01P187 # المحبوس وأفرجته من الاعتقال وذكرت له هذه المناقلة والانتقال وقالت أيها ~~الحكيم العظيم هل كتبت هذه المناقلة كتابك الكريم فقال لا والله الرحمن ~~الرحيم وإني قد سلمت إليك وتبت إلى الله علي يديك (وإنما أوردت) هذا المثال ~~لأعرض على شيخ السعالى وإمام الأغوال أن النساء في هذه الحركة أعظم متشبث ~~وأقوى شبكة وهن لسلب اللب من الرجال أضعاف فتنة المسيح الدجال خلقهن أعوج ~~وخلقهن أهوج ورأيهن غير سديد والرجال لهن أذل عبيد وإن كن ناقصات عقل ودين، ~~فهن الكاملات في سلب العقل المتين والفكر الرزين وأذهب للب الرجل الحازم ~~والعقل السديد الجازم وهل أخرج آدم من جنة المأوى إلا قصة صدمته من قبل حوا ~~وما قتل هبيل قابيل إلا بفتنة الزوجة كما قيل وكذلك قصة من أوئى الآيات ~~فانسلخ منها وقد عرف كل ذلك إبداء وإنها وغالب من عصى الله وأسا إنما كان ~~سبب كفره واخزائه النسا فلا تعترضوا على هذا الرأي المتين ولا تتعرضوا لهذا ~~الرجل فإنه على الحق المبين ولا تقصدوا لمعارضته وسؤاله فربما يكون مجالكم ~~أضيق من مجاله وإنا لا نقدر على مناقشته ويظهر جهلنا وعجزنا عند مباحثته ~~فقال سائر الوزراء هذا الرأي أصوب الآراء فإنا إلى الآن ما بارزناهم ~~بالمخاشنة وإنما كنا نأتيهم بالمخادعة والمحاسنة فنزين لهم الباطل ونجلي ~~لهم العاطل ونشوه وجه الحق ونسود طلعة الصدق إلى أن ظهر هذا الرجل ونحن على ~~ذلك فوقف في طريقنا وأراهم الدرب السالك وعلا شأنه ووضح برهانه ونحن على ما ~~نحن عليه من الإغواء وإلقائهم في # PageV01P188 # مهاوي الأهواء والحرب بيننا وبينهم سجال فلو كاشفناهم بسوء الفعال انكشف ~~لهم زيف نقدنا وبطل ما كنا نسوله بجهدنا فإذا ظهر الحق من الباطل وتميز ~~الحالي من العاطل أخذوا حذرهم وضبطوا أمرهم وداروا بالعداوة ومروا بالملوحة ~~من الحلاوة ms084 ثم ظفرنا بهم موهوم ونصرنا عليهم غير معلوم فما نظفر إلا ~~بالندامة ونرضى إذ ذاك بغنيمة السلامة ويستمر هذا العار علينا إلى يوم ~~القيامة وقد قيل: # لا تسع في الأمر حتى تستعد له ... سعي بلا عدة قوس بلا وبر # فعند ذلك استشاط العفريت غضبا وطار شرارا لهذا الاشتعال ولهبا، وقال: لقد ~~عظمتم من شأن الإنسان وأوهنتم بل أهنتم جانب إخوانكم الجان وضيعتم حقوق ~~الإخوان وأبطلتم حكاية السعالى والغيلان ونسيتم فتن جدكم الأعلى الباقية ~~على ممر الزمان ونحن أدق حيلة، وأجل جماعة وقبيلة، وأوسع ذكرا وأسرع مكرا ~~وأقدم وجودا، وأعظم جنودا، وأغزر علما، وإدراكا وفهما، ولا أرى لكم همة ~~صادقة ولا عزيمة موافقة وأنا ما قلت لكم ما تقدم من القول إلا لأخبر ما في ~~فرائض علمكم من الرد والعول فلا أقوالكم سديدة ولا أفعالكم رشيدة، ولقد حل ~~بكم الصغار وسطا بكم من الأنس الصغار وأما أنا فلا بد لي من المباحثة ~~والمناقشة والمنابثة والإلقاء للمسائل والأبحاث في الرسائل من غير وسائط ~~ولا وسائل ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينه فأعلموا ذلك وتحققوه ~~ثم أمعنوا النظر فيه ودققوه وهذا هو الرأي الذي الذي صممت عليه فليتوجه كل ~~منكم بقلبه وقالبه إليه ويقل في ذلك غثه وسمينه ويلق هجان قوله وهجينه ولا ~~يدخر شيئا من آرائه فلا بد لي من إلقائه # PageV01P189 # وأعلموا أن الولي الخرار الذي هو إلى جهة جار لو اتفقت الآراء على صرف ~~جريانه إلى جهة أخرى وأن يسد عن هذه الجهة المجرى فإنهم لو قصدوا ذلك من ~~أسفل الواديلسخر منهم الحاضر والبادي، ولا يتهيأ لفاعله ما يتمناه حتى يسد ~~طريق الماء من أعلاه. وأنتم إن قصدتم معالي الأمور وإهلاك رؤوس الجمهور ثم ~~تعمدتم الأراذل وتبدلتم الأكابر بالأوغاد والأسافل فإنكم إذا أغمار وقد ~~ضيعتم في غير حاصل الأعمار وقد قيل: # إذا كنت لابد مستتربا ... فمن أعظم التل فاستترب # وما اللجين كالرصاص والجروح قصاص ولا يكافأ الربيس إلا بالربيس ولا يقابل ~~النفيس بالخسيس وأي فخر للملوك إذا ms085 نازلوا السوقة والصعلوك وقد قيل: # ألم تر أن السيف بقدره ... إذا قلت هذا السيف أمضى من العصا # وما أكتفى صناديد قريش يوم بدر بدون اكفائهم في النسب والقدر وماذا تفيد ~~بيلستكم وتجدي شيطنتكم ووسوستكم وأنتم أولوا الزعاره وذوو الشطارة والدعارة ~~إذا قهرتم من الأنس وعلاكم أضعف جنس وهم أقصر أعمارا ونحن أطوارا لم نزل ~~نصادم الجبال ونقتحم الأهوال ونظهر # PageV01P190 # كما شئنا في باب الخيال ومن قبل جدنا اللعين جادل رب العامين فقال في حق ~~جدهم أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين وقال لأغوينهم أجمعني. وقال ~~ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثر ~~شاكرين. وهم يموتون وهو من امنظرين وعلى كل جال نحن أقوى منهم وأجرأ وأعرف ~~بطريق الخبث والمكر وأدرى بالجملة الحكم على الشيء فرع عن تصوره والشخص لا ~~يحكم على شيء إلا بعد تصوره وتقرره وهذا الإنسان إلى الآن لا سبرناه ولا ~~خبرناه ولا عرفناه ولا عرفناه فكيف فكيف تقطعون له بالغلبة وتفضلون علينا ~~مسيره ومنقلبه، وإن لم تفصحوا بالعبارة فقد دللتم على ذلك بالإشارة وكنيتم ~~عنه بالتلميح والكناية أبلغ من التصريح هذا ونحن كم قد أضللنا من حكيم ~~وأذللنا من عليم وأفسدنا من عقائد وعقدنا من فسائد ونصبنا لهم من مصايد ~~وأرصدنا عليهم من مراصد وأبطلنا من طاعات وعطلنا من خيرات وأخللنا من صلوات ~~وأحبطنا من زكوات ومنعنا من حجات وصدقات وضيعنا من ميراث ونفقات وأسقطنا من ~~أعمال الصالحات وكم لنا في الشر من سوق ومن سوق إلى فسوق وإلقاء في حرام ~~وتسربل بمظالم وآثام وكم لنا من إحكام أحكام على القضاة والحكام يستحلون ~~بها السحت والحرام ويأكلون بها أموال الأيتام ويستبيحون بها الدماء والفروج ~~وكم دخلنا فيهم فأخرجنا منهم الإسلام أخفى خروج وكم لنا فيهم من مصائب ~~لعصائب وحواصب # PageV01P191 # مناصب وكتائب نوائب وعجائب نواهب وغرائب نوادب نسلبهم بها دينهم ونمنعهم ~~اعتقادهم الحق ويقينهم وكم لنا في سكونهم إلى الطاعات من حركات وفي ركونهم ~~إلى الخيرات من سقطات ms086 وكم لهم إلى الطاعات من همم فبردتها وساوسنا فحصل ~~منها في أحشائهم الضرم وفي وجود خيرهم العدم وفي صحة إيمانهم السقم وفي ~~شباب صدقهم الهرم وفي سكون أمانهم الضر بان والآلم في دائرة حلالهم الحرام ~~وكم وكم وكم وكم ونحن الآن على ما كنا عليه وهو الذي طبعنا عليه وندبنا ~~إليه دأبنا عن الحق أضلالهم وعن الصراط المستقيم إزلالهم وإلى الباطل ~~دلالتهم وإطلالهم نزين لملوكهم الاجتراء ولكبرائهم الافتراء ولرؤسائهم ~~الازدراء ولعلمائهم المراء ولزهادهم الرياء ولتجارهم الربا ولأمرائهم سفك ~~الدما ولنسائهم السلاطة والزنا ولخواصهم الغيبة والغميمة وعوامهم الخوض في ~~كل جريمة وللمشايخ قول الزور ولنسائهم الوقاحة والفجور وهذا دأبنا ودأبهم. ~~ولم نزل أوهاقنا ورقابهم فإن قلنا نصل هذا الواصل فإن هذا تحصيل الحاصل وإن ~~قلنا نستأنف عملا جديدا فإنا لم نترك في ذلك ما يبقى مزيدا وقد بلغنا في ~~ذلك كله الغاية وهانحن ملابسون منه ما ليس وراءه نهاية ولم يبق إلا ~~المقابلة في المقاتلة والمباشرة بالمكاثرة والمفاتحة في المقابحة والمكالحة ~~في المناكحة فلما سمع الوزراء هذا الكلام عرفوا أن أسباب دولتهم آذنت ~~بانصرام غير أنهم لم يقدروا على المخالفة فما وسعهم إلا المطاوعة والمؤالفة ~~لئلاينسبهم إلى غرض فيصيبهم منه عرض أو مرض. فحسنوا له رأى المصادمة ~~ومباحثة العالم والمقاومة # PageV01P192 # واتفقت الآراء أن يرسلوا للعالم أولا وانتخبوا من يصلح أن يكون مرسلا ~~فيحمله العفريت في الرسالة ما تتضمنه من الحماسة والبسالة حسب ما يراه رأيه ~~التعيس وفكره المدبر الخسيس. وكان في سياطينه المردة وغيلانه العتاة العندة ~~عفريت من الجن مارد مسن اسمه صن بن مصن، قد أضل عقائد وأزل قواعد وأشرب بغض ~~بني آدم وغمس طائفة منهم في نار جهنم بعدما غهم من المعاصي في يم لا يمنعه ~~وجوم عن الهجوم ولا يخاف الرجوم من النجوم طالما أطال العوائق في المغارب ~~والمشارق. وأضرم نيران الإفساد بين الخلائق وملأ ما بين الخافقين من مواقع ~~الصواعق وفوح نتانة النوساوس وفساء الظربان في المجالس وانقض للشر والفتن ~~على كل قائم وجالس فكم له توفيق ms087 بين الحرامين وتغريق بين الحلالين وسفك ~~دماء بين الأخوين وإلقاء للبغضة بين المحبين والعداوة بين الألفين والعربدة ~~بين السكارى والحروب بين المسلمين والنصارى. وبالجملة فقد أوتي من الوسوسة ~~والتلبيس صنوفا كثيرة # فاق بها على ذرية أبليس فانتدبه العفريت الملم إلى هذا الأمر المهم، ~~وأمهلاه إلى أن انسلخ أهاب الضو ثم طار في عنان الجو حتى وصلا إلى سفح ~~الجبل، متعبد ذلك العالم البطل الذي ملأ الدنيا بالعلم والعمل ثم كمن ~~العفريت في مغارة وأرسل رسوله بالسفارة يقول أبلغ عالم الأنس صاحب الكرامات ~~والأنس ومقرب حظيرة القدس، عن شيخ العفاريت الطغاة المصاليت أني من قديم ~~الزمان وبعيد الحدثان أضللت كثيرا من الناس، بالمكر والخداع والوسواس وفي ~~أمثالي نزلت قل أعوذ برب الناس، وابن عمي هو الوسواس الخناس، وكان من جنس ~~بني آدم كذا كذا ألف عالم # PageV01P193 # خدامي ومعي وجندي وتبعي منهم رؤس الزهاد وعلماء العباد، وعلى محبتي مضوا، ~~وباتباع أوامري قضوا فأنا فتنة العالم وأعدى أعداء بني آدم الشيطان الرجيم، ~~وأبليس الذميم اسم ذاتي ووصف صفاتي، أنا مقتدى الشياطين ورأس العفاريت ~~المتمردين ومحل غضب رب العالمين خلقت من مارج من نار، وطبعت على إلقاء ~~البوار والدمار رجوم النجوم إنما أعدت لأجلي، وعتاة الغواة لا تصل رؤوسها ~~إلى مواطئ رجلي إلا من خطف الخطفة فاتبعه شهاب ثاقب آية منعتي، وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم طراز خلعتي، أأسجد لمن خلقت طينا مقام مقالي ~~لاحتنكن ذريته إلا قليلا مجال جدلي، لعنه الله، وقال لاتخذن من عبادك نصيبا ~~مفروضا منشوري القديم يعدهم ويمنهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، مرسومي ~~الكريم، الشياطين تستمد من زواخر مكري والأعور اللعين يقتبس من ضمائر فكري، ~~لم تمر قضية في الزمان الغابر إلا ولي الشركة فيها ولا حدثت محنة لنبي ولا ~~ولي إلا وأنا متعاطيها، جدي إبليس، نهض لجدي التعيس، وغلى نحو آدم هوى، ~~فعصى ربه فغرى، وأنا قضيت بالتسويل، حتى قتل قابيل هابيل، وحلت بقوم نوح عن ~~النصوح وأرشدت المجوس إلى عبادة النار ووضعت الناقوس، وأضللت عادا وثمود، ~~وشدادا ms088 ونمرود، وبعثت على عبادة الأصنام في البيت الحرام، وعلى كيفية إلقاء ~~إبراهيم في # PageV01P194 # نار الجحيم، وهديت قوم لوط إلى الخوض في التلوط ومحافر القلوط، وسولت ~~لأولاد يعقوب وحاولت في قضية ايوب، وتصديت لابن إسماعيل وعارضت ابنها وهو ~~مع الخليل، وأنسيت يوشع قصة الحوت، وساعدت على صاحب الحوت، وجلست بالعصيان ~~على تحت سليمان، وحضرت وقعة طالوت، وساعدت عليه جالوت، وأنا كنت العون ~~لهامان وفرعون، وبحسن ضبطي قتل موسى القبطي، وأنا فتنت داود، وأغويت قارون ~~اليهود، وسلطانهم على الوالدة والمولود، ودللت على نشر زكريا، وذبح يحيى، ~~وجرأت على قتل الأنبياء والأولياء، وتوصلت بتزيين الوسواس لقاتلي الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس، ودعوت على عبادة العجل قوم موسى، وساعدت في ~~التفريق، والإظلال بين أمة عيسى، وكم أغويت من رهبان، بما زخرفت من صلبان، ~~وقد بلغني من جميع مسترقي السمع وطن على أذني، ووعاه خاطري ووقر في ذهني، ~~وأنا أشارفالتخوم واسارق النجوم وأسابق الرجوم، إن لي أسماء تذكر في السماء ~~منها الغيظ الرقبة، وشيخ نجد وأزب العقبة، والمقيم في الدست البيضة، والغوي ~~على نقض عهد بني قريظة، والمحرض على أحد وبدر من الصناديد كل جليل القدر ~~والمشهور في أحد بالندا، والملقي العرب بالردة إلى الردى، وأنا المتسبب في ~~قتل عمر وعثمان، وإهلاك على أمير الشجعان، والغوي في وقعتي الجمل وصفين، ~~والملقي الفتن بين جنود المسلمين، وإن شري سرى إلى يزيد وفاض للحجاج ~~والوليد، وبي تكثر البدع بين الجماعات والجمع، ويظهر من الفتن ما يطن، ~~ويغلب من التتار وأهل البوار والخسار أنواع الشرور والجدال إلى حين يظهر ~~الدجال، وتستمر هذه الأمور إلى يوم البعث والنشور، # PageV01P195 # وبالجملة والتفصيل أنا شيخ التكفير والتضليل، وتلك صنعتي من الابتداء، ~~وحرفتي إلى الانتهاء، ثم إنك نبعت في هذا الزمان، وظهرت في هذا المكان، ~~تريد أن تهدم ما بنيته، وتعوج بصلاحك ما بفسادي سويته، وترد كلامي وتعاكسني ~~في مرامي، وأنا كنت في قديم الزمان، من قبل أن توجد أنت في هذا المكان ~~ناديت بين بنيه وشهرت في ذوقه قولي: # كلوا واشربوا وازنوا ms089 ولوطوا وقامروا ... وهيا اسرقوا وخوضوا والدما جهرا # ولا تتركوا شيئا من الفسق مهملا ... مصيركم عندي إلى الجنة الحمرا # وكانوا قد سمعوا وأجابوا وأطاعوا وأنابوا وشملي بهم منتظم، وأمري بتفريق ~~كلمتهم ملتئم، وأسهم مرامي المشومة نافذة في المشارق والمغارب، وسيوف ~~مناشري المسمومة قاطعة في الأعاجم والأعارب، كم لي في الأطراف والآفاق ~~والاكناف من قاض ونائب ومانع من الخير حاجب وأمير وصاحب، ووزير وكاتب، ~~ومشير وحاسب، وجليس ونديم، وتابع وخديم، وناظر وعامل، وناقص وكامل، وكم لي ~~من جابي منوط بتفريق قلوبهم وجمع سويدائها إلى بابي، وكم لي في المدارس ذو ~~وساوس، وفي الجوامع والبيع والصوامع من مذكر وواعظ وإمام وحافظ، ومقرئ ~~وعابد، وشيخ وزاهد، وكم لي في الزوايا من خبايا، وفي أصحاب الروايات من ~~درايات، وفقيه في النادي فاق الحاضر والبادي، يعلم في الشيطنة أولادي، وفي ~~البيلسة حفدتي وأجنادي، وأما سائر الفساق في الآفاق، وسكان الأسواق، وقطان ~~الجبال والرستاق، ورجال الحاري والأوراق، فكلهم لي عشاق وإلى ديني مشتاق، ~~وسل عني أرباب الحانات، وسكان الخانات، وبالجملة غالب الطوائف وأرباب ~~الوظائف على باب خدمتي واقف، وعلى طاعة مراسيمي ليلا ونهارا عاكف، مناي ~~مناهم، ورضاي رضاهم، وأن خالف بعض سري نجواهم إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وقليل # PageV01P196 # ما هم، وأنت الآن جئت برايتك وسالوسك، وطامتك وناموسك تبدد عني عساكري، ~~وتشرد من بني الأنس عشائري، وتشتت جموعي، وتخلي من الفسق والفساق ربوعي، من ~~غير أن تشاورني، ولا تخبرني ولا تحاورني، ولا تبحث معي، ولا تناظرني، ~~وهاأنا قد جئت إليك، ونزلت كالقضاء المبرم عليك، أريد أن أناظرك في أنواع ~~من العلوم، وأسألك عن حقائقها من طريق المنطوق والمفهوم بحضرة من الجن ~~والأنس، وسائر نوع الحيوان والجنس، فيظهر إذ ذاك جهلك فينبذك قومك وأهلك، ~~ويتركك معتقدوك، ويتراجع عنك مريدوك، وأفسد بين العالم صيتك وأتلفه فاجعل ~~بيننا وبينك موعدا لا نخلفه. # فلما وصل رسول العفريت الكافر الصفريت إلى الشيخ العاد والعالم الزاهد ~~الجاهد المجاهد فعندما وقع نظر الشيخ عليه ووصلت سهام لحظاته إليه، كاد أن ~~يذوب مالملح، وأن لا ms090 يقوم الفساد للصلح، فبهت الذي كفر، وأخذته الدهشة ~~والخور، وغلب عليه الانبهار وكاد يحترق من الأنوار، واستولى عليه الرجيف، ~~وسقط من الوجيف، فما أبدى ولا أعاد ولا قام للصلاح ذلك الفساد. فقال له ~~الشيخ مالك: وما أحالك وغير حالك؟ وما موجب دخولك علي وأنت غير منسوب إلي؟ ~~فقال: كف عني أنوارك واطوعني أسرارك حتى أقول فإني رسول فمالي طاقة برؤيتك ~~ولا سواغوما على الرسول إلا البلاغ. # PageV01P197 # فقال: رسول أي طغين وسيطان لعين. فقال: أنا رسول محبك العفريت المشقوق ~~الحوافر، الواسع المناخر، المسلوب المفاخر، أبي السعالى الكافر العالي، قد ~~أقبل إليك في جمع كثير، وعدد من الجن غزير، ومعه رؤوس العفاريت والعتاة ~~المصاليت، والطغاة المفاليت، وقد حملني إليك رسالة، تتضمن من الخبث شجاعة ~~وبسالة، إن شئت أديتها، وإن أبيت رديتها، فقال: قل ما تريد وأبلغ ما معك عن ~~ذلك العنيد وأوجز ما تقول، ولعن الله المرسل والرسول. فأبلغ الرسالة وأداها ~~وأسال في أوديتها مؤداها. فقال الزاهد وكان بالأحوال خبيرا: وإذا أردنا أن ~~نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا. ~~والله ما لكم شبه في هذا الكيد إلا الحمار في الوحل والحمام في شبكة الصيد. ~~قل لمرسلك أرى قدمك أراق دمك وهواك أهواك وأفعالك أفعالك لم وسؤالك أسوا لك ~~وخيالك أخبى لك فأولى لك أولى لك، ولعن الله أولى لك لا شك أن الله تعالى ~~أراد دماركم وأن يمحوا آثاركم ويخلي دياركم فتستريح البلاد من فسادكم ~~والعباد من عنادكم أما أنا فأذل الخلق وأحقر الداعين إلى الحق، ولكن بعون ~~الله وقدرته وإلهامه وقوته لي من اعلم والفضل ما أجيبه ويقتله من خوفه به ~~وجيبه وسيظهر في الجمع على رؤوس الأشهاد عويله ونحيبه وسيبين اللع في سنن ~~الخلق فروضه، ويكشف صحيح الحق ومريضه، وإذا أدعى بدعاوى طويلة عريضة فإن ~~الله تعالى قتل نمرود العاتي ببعوضة، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ~~والله متم نوره ولو كره الكافرون. # PageV01P198 # أما سمع ذلك الملعون، وعلم الشقي المغبون، أنه ليس له سلطان على الذين ms091 ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به ~~مشركون. فمتى أراد يحضر ويسير نفسه وخصمه ويخبر ويصحب معه من يريد من كل ~~جني عنيد وشيطان مريد فإن الحق يحق فيبطل الباطل، ويتميز في حلبة السباق ~~الحالي من العاطل، فرد هذا الجواب الرسول، وكشف حقيقة المقول. ثم إن ~~العفريت المخذول سأل الرسول عن أوضاع الشيخ الزاهد وأحواله في المساجد ~~والمشاهد وما شاهده من أموره وحكاياته وحركاته وسكناته وأخلاقه ومعاملاته ~~وكيف هيئته وصورته وما شاع عنه في قومه من سيرته. فقال: رأيت رجلا سعيد ~~الحركات كامل البركات صورته جميلة وأوصافه نبيلة، وهيئته جليلة، بدنه نحيل ~~وفضله عريض طويل، وكلامه الصادع في أمثالنا ثقيل قاطع. فقذف الله في قلبه ~~الفزع، وأخذته نوافض الرعب والهلع. فقال: أما والله إن هذه الأوصاف لصعبة ~~الأعراق والأعراف، وستطرحنا وراء جبل قاف وإنها لسيمة الصلاح وعلامة الفوز ~~والنجاح، وإنهم لهم المنصورون، وحزب الله هم الغالبون، ولقد ندمت على ~~مراسلته، وكان الأولى سلوك طريق مجاملته ولكن الشروع ملزم ولابد أن أتم ما ~~عليه أعزم، فواعده إلى وقت معلوم، ثم إنه أحضر وأحضر معه من جنده كل جني ~~ظلوم وعفريت غشوم، ومتمرد مشوم ومخلوق من قبل من نار السموم. # PageV01P199 # واجتمع من بني آدم عند الشيخ تلامذته وأصحابه الصالحون وجماعته وكانوا ~~الجم الغفير والجمع العزيز، واشترطوا بعدما خبطوا واختبطوا وحلوا وارتبطوا ~~أنه أن أجاب الشيخ سؤالات العفريت، وسرى في نارهم سريان النار في الكبريت، ~~لا يظهر بعد ذلك اليوم لبني آدم أحد من أولئك القوم بل يكونون عن الأبصار ~~مختفين وتحت الأرض في الجزائر والخرائب كزنادقة بغداد منتفين. وإن عجز ~~الشيخ عن جواب سؤاله يهلكه العفريت مع خيله ورجاله ثم شرع العفريت في ~~الرسائل، وإلقاء المسائل فقال العالم: على كم بالعرض والجسم وهل للعالم ~~موجد وهل هو واحد أو متعدد؟ فقال الزاهد الإمام العالم على ثلاثة أقسام ~~(الأول) مفردات العناصر كالتراب والماء والنار والهواء، وتسمى الإستقصاآت # وأصول الكائنات والمركبات من هذه الأجزاء المفردة لا تستمر على حالة ms092 ~~واحدة ولا تخلو من حركة وانتقال ودأبها التغير من حال إلى حال (الثاني) ~~الأجرام العلوية كالسماوات وكواكبها المضية، وهي متحركة بالبروج ولحركتها ~~دائرة ما لها من مركزها خروج فهي متحركة من بعض الجهات ساكنة كالفصوص في ~~المرصعات وتوصف في حركتها بالصعود والهبوط والارتفاع والسقوط والرجوع ~~والإقبال واستقامة الحال والاحتراق والانصراف والانحطاط إلى الحضيض ~~والإشراف ويحكم عليها بالافتراق والاقتران والتربيع والتثليث والتسديس في ~~السيران والمقابلة في الرجعة وبطئ السير والسرعة وينسب إليها ما يحدث في # PageV01P200 # العالم السفلي من جزئي الوقائع والكلي ومن نحوسة وسعادة ونقص وزيادة وخير ~~وشر ونفع وضر وتأثر وتأثير وقليل وكثير وانحراف واعتدال وحدوث وزوال وصحة ~~وسقم وسكون وألم ووجود وعدم فبعض من لم يعرف الطريقة يسند هذه الأشياء على ~~الحقيقة، وذلك لقصور فهمه وقلة العقل كقول الجاهل أنبت الربيع البقل. وبعض ~~من لم يكن له إدراك يزعم أن هذا إشراك ولا يسند هذه الحوادث إليها ولا يعول ~~في ذلك أبدا عليها لا بالحقيقة ولا بالمجاز ولا يسلك في ذلك إلى طريقة ~~المجاز والمحققون من العلماء والراسخون في العلم من حكماء الفقهاء يسندون ~~هذه الحوادث والتأثير إلى قدرة اللطيف الخبير الصانع القدير الفاعل المختار ~~الذي يخلق ما يشاء ويختار فإذا نسبوا هذه الأفعال إلى غير ذي الجلال فإنما ~~يجعلونها في ذلك الباب كالآلات والأسباب كتأثير الخبز في الإشباع والنار في ~~الإحراق والإيجاع وكفعل الماء في الإرواء والدواء في الأدواء وإنما ذلك كله ~~بتقدير صانعها وما أودعه فيها من خواص بدائعها وصفات ودائعها كخاصية ~~الإسهال المودعة في السقمونيا وخواص التصبير وغيره الكامنة في الموميا ~~والإسكار في الخمر والإحراق في الجمر وقد رأينا القوة النامية عقيب الأمطار ~~الهامية والشمس حامية تهيج وتنمو وتموج وتزكو وهذا الصنيع البديع إذا حلت ~~الشمس في برج الحمل وقت الربيع وإذا نقلت إلى برج الأسد احترق ذلك الجسد ~~وعند نقلها إلى الميزان ينقلب هذا الزمان، وكذا إذا تحولت الغزالة إلى برج ~~الجدي فكأنه بلغ إلى محل الهدى فتموت إذ ذاك قوة الزمان، ويضعف لذلك غالب ms093 ~~الحيوان # PageV01P201 # وهذا كله مشاهد محسوس لا يمكن أن تنكره النفوس خواص وضعها خالق الكون، ~~يستفاد بعضها من الطعم والريح واللون، وبعضها لا يدرك ما أودع فيه ~~الابارشاد خالقه ومنشيه، هكذا جرت سنة العزيز الوهاب أن الأحكام والوقائع ~~تناط بالأسباب، وقد يختلف منها الأثر عن المؤثر ليعلم من ذلك وجود سنة ~~القاهر المدبر وأنها مقهورة تحت الأمر ومقسورة فسر العقل مع الخمر ولولا أن ~~ذلك من سر جسيم لما تخلفت النار عن إحراق إبراهيم ولما ولدت مريم ولا أغرق ~~البحر القبط وأنجى بني إسرائيل وموسى وكم من آكل وهو جيعان وشارب وهو عطشان ~~ومتدثر يتدفأ بالنار وهو بردان والفلك الأعظم محيط بهذه الأجرام ونسبتها ~~إليه كنقطة للبحر الطام متأثرة بتأثيره دائرة بتدويره يتصرف فيها على حسب ~~ما شاء باريها وصرفه فيها منشيها فاطر السماوات والأرض جامع الخلائق ليوم ~~العرض وكما هي محاطة بالدائرة الفوقانية كذلك هي محيطة بالكرة لتحتانية ~~(القسم الثالث) العقول والنفوس الملكية وهي أشرف من الأجرام العلوية ومقام ~~هذه العقول في مقام عزيز الوصول يسمى أعلى عليين وجواهرها لا توصف بتحريك ~~ولا تسكن ولا بهذه البساطة والتركيب وأمرها بديع وشأنها عجيب وأما العرض ~~فما لا يقوم بذاته، وهو في العالم كالألوان والطعوم وأصواته والروائح ~~والقدر وإراداته وأما الجسم فما تركب من جوهرين فأكثر وما قام بنفسه يسمى ~~الجوهر # PageV01P202 # (وأما) الموجد للعالم فهو واحد لا ينثني واحد لا يتجزأ ولو لم يكن للعالم ~~صانع لكان العالم أضيع ضائع وهل رأيت مصنوعا بلا صانع وسقفا مرفوعا بلا ~~رافع وهل نفي الصانع إلا مكابر. وما يجحده إلا النفوس الكافره فقال ~~العفريت: فما لدليل على وجود الصانع العقل والنقل أم أحدهما متبوع والآخر ~~تابع فقال العالم الزاهد: قد أطبقت العقلاء وأجمعت الحكماءأن العقل دليل ~~على وجود الصانع وبه الدلالة والشرع له تابع وكما هو الدليل على وجود الذات ~~كذلك هو الدليل المستقل على إثبات الصفات وهي صفات الكمال، ونعوت الجلال. ~~فقال العفريت: فما الدليل على وحدانيته # فقال الزاهد كل من العقل والشرع كاف ms094 في دلالته. قال العفريت: فما المراد ~~من عالم الكون والفساد؟ فقال العالم: معرفة أمور المبدأ والمعاد. قال ~~العفريت: فما أفضل العقل أم النقل؟ فقال العالم: كل منهما حجة الله قد أسند ~~له من عباد من يراه وذلك إن الله لما أرشدنا إلى الدين القويم، وثبت أقدام ~~توحيدنا على الصراط المستقيم، نبهنا إلى أن المقصود من الدخول في دائرة ~~الوجود معرفة موجودنا المعود، كما قال من يقول للشيء كن فيكون، وما خلقت ~~الجن والأنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ثم طلب ~~مراضيه بما تبرز به أوامره وتقتضيه وذلك هو الرشاد ياذا المكر والعناد # PageV01P203 # إلى المعارف الإلهية وما به نظام المعاش ونجاة المعاد وليس لنا دليل في ~~العلم والتعريف سوى طريقتين مرشدتين إلى التوقيف على أمور المبدأ والمعاد ~~وما بينهما في دار التكليف إحداهما ما جبلنا عليه وما اكتسبناه من العقل ~~وثانيتهما ما بلغنا من الأخبار الصحيحة والنقل فالعقل لا يدخل في إثبات ~~المعارف الإلهية ولا في هذا الباب المقدم من الأمور المعاشية والمعادية وهو ~~حجة الله القاطعة البالغة وأصل براهينه الساطعة الدامغة وبواسطته استعبد ~~عباده الكملة وإلى من خصه به أرسل رسله ثم العقل جوز إرسال الرسل ولا يرد ~~ما تقوى به لتوضيح السبل والنقل لا يأتي بما يناقض العقل وإنما يرد بما ~~يزكي قضاياه وبصقل مرائي أحكامه أحسن صقل ونظير ما حصل للعقل بالشرع من ~~الاستئناس ما حصل للكتاب من معاضدة السنة والإجماع والقياس ولو ورد المنقول ~~بما يناقض المعقول لأشبه فرعا يوجد ماله من أصول إذا أقبلت مواكب الأوامر ~~الإلهية على لسان الرسول خضعت جماجم العقول منقادة بزمام الانقياد والقبول ~~سامعة لما يرد منها مطيعة لما يصدر عنها فتارة يظهر للعقل ما للأوامر ~~الشرعية من الحكم كنار على علم وتارة يعجز عن الإطلاع على ما تضمنته ~~الأحكام النقلية من الحكم فإذا ورد الشرع بحكم وكان للعقل في حكمته إدراك ~~آثره وأكده واستمسك به في تصرفاته أقوى استمساك وإن لم يكن له في إدراكه ms095 ~~مدخل نادي بلسان العجز والتسليم سبحان من لا يسئل عما يفعل والحاصل أن ~~سلطان العقول في ممالك خليفة الشرع وولايته معزول ومن جملة ما ورد على لسان ~~السمع على لسان عدوك صاحب الشرع الصادق في المقال مما ليس للعقل فيه مجال ~~أحوال المعاد ومبدؤها ما يطرأ على العباد في حد هذا الكون من الفساد # PageV01P204 # فقال العفريت أخبرني يا ذا الإنسان مخلوق مماذا وما الآدمية والنفس ~~الإنسانية وهل هي واحدة أو متعددة ومآلها إلى أين بعد وقوع البين فقال ~~العالم: الإنسان مخلوق يا مصفعه من هذه العناصر الأربعة التي مر ذكرها ~~وتبين أمرها التراب والماء والنار والهواء فإذا تمازجت واعتدلت إذا تزاوجت ~~حصل لها من التركيب أمزجة ثمانية لا على الترتيب والآدمية عبارة عن القوة ~~المميزة بين الحسن والقبيح والفاسد والصحيح والحق والباطل والخالي والعاطل ~~والخير والشر والنفع والضر والمميزة لهذه الأشياء الفارقة، يقال لها النفس ~~الناطقة وهي ثلاثة أنواع يا خارج الطباع إحدها الروح الطبيعة القائمة ~~بالكبد وهي من الأغذية تستمد الثانية الروح الحيوانية ومقامها لقلب أي كلب ~~وللأبد إن منها حراك واستمدادها من حركات الأفلاك الثالثة لروح النفسانية ~~ومقامها في الدماغ ومنها الحركات الذهنية والقوة التامة القوية تطلب غذاءها ~~الروح الطبيعية والقوة المميزة تطلب ما يسعدها في الدارين من الروح ~~النفسانية ويبعدها في المقامين عن الأسباب الشقية واستمدادها وقوتها من ~~الأجرام العلوية وأعلى مقامات هذه النفس الحكمة والحكمة أوفى منحة وأوفر ~~نعمة وقد قال تعالى يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقدأوتي خيرا كثيرا ~~وما يذكر إلا أولوا الألباب ومصير هذه الأرواح إلى عالم الغيب لأجل الثواب ~~والعقاب وقيل حقيقة نفس الإنسان أيها المارد الشيطان لطيفة روحانية ودقيقة ~~ربانية لها تعلق رباني بقلبه وقالبه الجسماني وهي المدركة العالمة # PageV01P205 # العارفة الفاهمة بها يتكلم الإنسان وتبصر العينان وتسمع الإذنان وتبطش ~~اليدان وتمشي الرجلان وهي المخاطبة والمعاتبة والمثابة المعاقبة والمطلوبة ~~والمطالبة ويطلق عليها لفظ القلب تارة ولفظ القلب تارة ولفظ الروح أخرى ~~ويقال لها النفس مرة ولفظ العقل أيضا وابن آدم ms096 هو المخصوص بهذه الكرامات # وبهذه النفس دون سائر الحيوانات وإن كان يطلق على الجميع إن لها نفسا ~~بالاشتراك لكن هذه النفس الناطقة والنطق هو الإدراك واختلف أيضا وتحيرت ~~الألباب في صنع رب الأرباب وتاهت الأفكار والفطن في كيفية تعلقها بالبدن ~~ولا يحصل لأحد على هذا وقف إلا بطريق الولاية والكشف وهذه النفس لما كثرت ~~صفاتها وتضادت نعوتها تخالفت أوصافها وازداد في صفاتها اختلافها حتى قسموها ~~فقالوا أنواعها ثلاثة ناطقة وشهوانية وغضبية رضية فالناطقة مسكنها الدماغ ~~ولها مساغ والكبد مسكن الشهوانية والقلب مسكن الغضبية الرضية فأية نفس غلبت ~~أختيها جذبت أحوالهما وصفاتهما إليها، وهذه يا أتعس زوبعة كالعناصر الأربعة ~~فإنها إذا فسد مزاجها وعدل عن الاعتدال ازدواجها عسر علاجها واستحال إلى ~~المطلوب الطالب وعجز عن المعالجة الطابب ففسد البيان وانهدمت الأركان وقيل ~~هما روح ونفس بغير لبس وهما ضدان بل ندان لا يجتمعان ولا يرتفعان وطبع ~~النفس باللئيم طبعك طبع الشيطان الرجيم كالنار في جوهرها وخاصة عنصرها تنسب ~~إليها الصفات الذميمة والخلال غير المستقيمة كالجهل والغضب والحدة والصخب ~~واللؤم والسفه والطيش والشره والحمية والشهوة والقسوة # PageV01P206 # المشؤومة والحيانة والفجور وعدم الأمانة والترفع والرياء والمخاصمة ~~والمراء وسائر الأخلاق الذميمة والأوصاف المشؤومة الملومة والملكات الخبيثة ~~الردية والحركات الشيطانية فهي كالنار في إحراقها وحدتها واستشاطتها وشدتها ~~ودخانها ولهيبها وإهلاكها وتعذيبها وإقدامها في إعدامها وأكل ما تجده وما ~~تصل إليه تفسده وطلب العلو والغليان وطبع والغلو وطبع الروح يا أنحس مجروح ~~طبع الماء في النشور والنماء ينسب إليه كل خلق كريم وطبع سليم صافي الجوهر ~~ما لامسه تطهر شيمته الحياء والعلم والصدق والحلم والتفويض والتوكل ~~والتسليم والتجمل والاحتمال والأناة والصبر والموافاة والتودد والإسداء ~~والسكون والإعطاء والركون والبذل والرضا والفضل والحياء والعدل والتواضع ~~والعفة وعدم الترفع والخفة والسلامة والسهولة وسرعة الانقياد واللين ~~والوداد والرقة والصفاء والكرم وعدم الجفاء إلى سائر الأخلاق المحمودة ~~والأوصاف المطلوبة المودودة وأيتهما قويت غلبت وجذبت الأخرى إليها وسلبت ~~وسيرتها على طبعها واستخدمتها على ربعها فكم من شيطان يرى في صورة إنسان ~~ومن إنسان ms097 غلبت عليه أخلاق الجان ومن جان في صورة إنسان ونظير هذا الروح ~~والبدن يدركه ذو العقل والفطن فإن الروح من عالم نوراني لطيف سماوي والبدن ~~من عالم ظلماني كثيف أرضي فأيهما غلب على صاحبه جذبه إلى مركزه في جانبه ~~قال الله تعالى وعز كمالا وجل جلالا يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك ~~من الذين كفروا وقال جل عليا ورفعناه مكانا عليا وقال ولو شئنا لرفعناه بها ~~ولكنه أخلد إلى الأرض فالأنبياء عليهم السلام صارت أجسادهم أرواحا والكفار ~~مثلك صارت أنفسهم ظلمانية أشباحا # PageV01P207 # وقيل يا زوبعة الأنفس أربعة إمارة وهي نفس مثلك الكفار الطغاة ولوامة وهي ~~أنفس العصاة وملهمة وهي أنفس المخلصين ومطمئنة وهي أنفس الأنبياء والمقربين ~~والحق يا جاحده ما عي إلا نفس واحدةلكن لما تجلت في ملابس الصفات وتكثرت ~~لها الأخلاق والسمات نوعوها وبمقتضى التنويع فرعوها تنزيلا للتنويع بالصفات ~~منزلة التنويع في الذات فيقال كانت نفس هذا شيطانية فتاب فصارت رحمانية ~~وكانت نفس ذاك أبية فصارت دنية قال من براها ونفس وما سواها فألهمها فجورها ~~وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها قال العفريت أخبرني أيها الباصر ~~كيف تركيب هذه العناصر فقال الزاهد بحسب الخفة واللطافة والثقل والكثافة ~~ولما كان عنصر التراب أثقل كان ركد من غيره وأنزل ومن فوقه عنصر الماء وفوق ~~الماء عنصر الهواء ومن فوق هذه الثلاثة عناصر عنصر النار وهو بها محيط دائر ~~وكذلك كل عنصر محيط بما تحته وقد حققت هذا وعلمته قال العفريت أخبرني عن ~~أقرب الأشياء إليك قال العالم الأجل أقرب الأشياء الأجل قال أخبرني عن أبعد ~~الأشياء عنك قال العالم الأكبر ما لم بقسم ولم يقدر قال أخبرني عن الشيء ~~الممكن عوده قال الدولة إن زالت وتغيرن واستحالت يمكن ردها ولا يستحل عودها # PageV01P208 # قال أخبرني عن الشيء المستحيل عوده قال الشباب بغير شك ولا ارتياب قال ~~أخبرني عما لا يمكن بالاكتساب ولا ينال إلا بتوفيق الوهاب قال العقل ~~الغريزي فإنه # وهبي عزيزي قال أخبرني عما لا يمكن ضبطه ms098 ولا ينضبط ربطه قال الدهر إذا ~~ولى والسعد إذا تجلى قال أخبرني يا ذا الجد عن الهزل الذي براديه الجد قال ~~إبراز حكم الأمثال والآيات على لسان الحيوانات والجمادات قال أخبرني عما لا ~~يمكن الإحاطة به ولا الوقوف على معرفة كنهه قال عظمة صانع الكائنات خالق ~~الموجودات تعالى أن يحاط به علما وتقدس أن تدرك عظمته معرفة وهما ولهذا قال ~~سيد المرسلين وحبيب رب العالمين لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ~~وقال سبحانك ما عرفناك حق معرفتك وهذا مصداق قوله تعالى وما قدروا الله حق ~~قدره. فلما طالت المقاولة وانتهت إلى هذا الكلام المجادلة أقبل الليل وحل ~~بالعفريت وجنده الويل وتصدع المجلس وقام العفريت وهو مبلس وتواعدوا إلى ~~الصباح عند قول حي على الفلاح أن تجتمع الوجوه الصباح # PageV01P209 # لرد جواب الشياطين القباح فتفرقوا وقد أحاط بالعفريت لوهم ونفذ في أحشائه ~~من سهام الذل أقطع سهم وبات لا يقر له قرار ولا يأخذه اصطبار وساوره ~~الافتكار وثاوره الهم والدمار والغم والبوار: # إلى أن أضاء الصبح كالحق مقبلا ... وولى ظلام الليل كالجهل مدبرا # فاجتمع من كان بالأمس حاضرا ومن سمع بحضورهم ولم يكن ناظرا من جموع الأنس ~~والجن وطوائف الجن والبن وأخذ كل مقامه وابتدأ العفريت كلامه وقال ما منبع ~~الصفات الحميدة والشمائل السعيدة المار ذكرها القار أمرها وهي يا هذا نتيجة ~~ماذا؟ فقال العالم المحقق العامل المدقق هي ثمرة العقل القويم الهادي إلى ~~الصراط المستقيم. ويكفي العقل الشريف أنه مناط التكليف له الله يخاطب وبه ~~يثيب ويعاقب وبه يأخذ وبه يعطي وتابعه يصيب ولا يخطي وكلما كان العقل أتم ~~كانت محاسن الأخلاق أعم وكلما كان رأي العقل أصوب كان في اقتناء مكارم ~~الأخلاق أرغب قال العفريت: فهل هو نوع متحد أو طريقة متعدد؟ قال الشيخ: ~~العقل نوعان وحكمه واحد لا يختلف فيه اثنان أحدهما العقل الغريزي اللطيف، ~~وهو مناط التكليف يحدثه الرحمن ويتدرج إلى بلوغ الإنسان فيكمل أما بالسن أو ~~الاحتلام، ويجري عليه إذ ذاك قلم الأحكام ويدخل ms099 في حيز المخاطبين من ذوي ~~الأحلام ويترتب عليه الحساب والعقاب من الحلال والحرام والثاني يحصل ~~بالاكتساب والتجربة في كل باب ولهذا # PageV01P210 # يقال أن الشيوخ أكمل عقلا من الشباب وقيل من بيضت الحوادث سواد لمته ~~وأخلقت التجارب لباس جدته وأرضعه الدهر من وقائع الأيام إخلاف ذريته، وأراه ~~الله تعالى لكثرة ممارسته تصاريف أقداره وأقضيت كان جديرا برزانة العقل ~~ورجاحته فهو في قومه بمنزلة النبي في أمته. قال بعض الحكماءكفى بالتجارب ~~تأدبا وبتقلب الأيام عظة وقالوا التجربة مرآة العقل وقال: # ألم تر أن العقل زين لأهله ... ولكن تمام العقل طول التجارب # (قال) العفريت فائدة العقل (قال العالم) فائدته الإرشاد في بيداء الجهالة ~~إلى جادة الرشاد والإعانة في الشدائد والوقوع في مصايد المكايد وحصول ~~الخلاص من شرك الاقتناص وإجابة الإغاثة عند الاستعانة والاستغاثة ومد ~~المعونة إذا انكسرت من الجبل السفينة في بحر الملامة والخلاص إلى بر ~~السلامة والإغناء من كنز السعادة والصبر عند استيلاء نوائب الفقر. قال فمن ~~العاقل في العالم ومن يطلق عليه هذا الاسم من بني آدم قال العالم: العاقل ~~من يحتمل إذا ضيم ومن هو في الغضب حليم فإذا أعطي شكر وإذا منع صبر ويعفو ~~إذا قدر ويستهين بأمور الدنيا ولا يغفل عن أمور الآخرة (قال العفريت) ما ~~الفائدة في حب الدنيا والرغبة إلى ما فيها من الأشيا ولأي معنى غلب الحرص ~~والهوى والرغبة فيها على أهلها وبنيها (قال العالم) لأجل قيام العالم ~~وانتظامه على المنهج الأقوم وبقائه # PageV01P211 # المطلوب إلى الأجل المضروب الذي قدره موجده القديم الذي أنشأه أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم ولابد من أن تتم كلمته وتنفذ مشيئته ولولا الحرص والأمل ~~لبطل العلم والعمل فإنهما لحجاب الغفلة يغشيان أعين البصائر ويغطيان طرق ~~الاستدلال والضمائر فلذلك ذهلت العقول عن التأمل في العواقب واستغلت ~~بالتهائها عما يجب عليها أن تراقب ولولا طول الأمل لما رجي العمل ولما ~~انتظم أمر المعاش ولا أهتم لادخار قوت ورياش ولا افتكر صاحب اليوم في أحوال ~~غد ولارتفعت المعاملات وما داين أحد ولا زرع ms100 زارع ولا غرس غارس ولا بنى بان ~~ولا اخضر يابس ولانقرض إذ ذاك ظلم العالم وبانقراضه تنقرض أمور بني آدم ~~(قال العفريت) أخبرني عن أصل الإنسان ومم جوهره جوهر الملك والجان (قال) ~~الشيخ أما جوهر الملك فمن العقل المحض براه رب السماوات والأرض ولذلك لا ~~يصدر من الملائكة إلا الشيم المباركة من الطاعات لمولاهم والانقياد لأوامر ~~من أنشاهم وامتثال ما أمر من أمر مروم وما منا إلا له مقام معلوم لا يعصون ~~الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وأما جوهر الجان وأصلك يا أخس شيطان فمن ~~الأخلاق الذميمة والصفات المشومة فلهذا لا يوجد منكم إلا المكر والبيلسة ~~والشيطنة والوسوسة وأنحس بصفاتكم من صفة ولم يكن بينكم وبين الحق معرفة ~~فأنتم يا أنحس بغيض وأنجس نهيض مع الملائكة في طرفي نقيض وأما جوهر الإنسان ~~فما اشتملت عليه صفتا الملك والجان فمن غلب عقله شهوته ألبس من مكارم الشيم ~~خلعته واضمحلت ظلمات نفسه في أنواع الطاعة وتجلت صفات ذاته من سنن الأبرار ~~في جماعة وخط # PageV01P212 # رسم اسمها قلم الكرام الكاتبين كلا إن كتاب أبرار لفي عليين وما أدرك ما ~~عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون فهو وإن كان بجسمانه مع الأنس له حضور ~~وأنس لكن بسره في عالم الملكوت حضرة القدس فهو بصفاته المباركة أشرف من ~~الملائكة ومن غلبت شهوته عقله واستولت على قلبه حجب الغفلة فانغمس في بحر ~~الشهوات واستحوذتم أنتم عليه بذميم الصفات وأشقاه القدر السابق ولم يعقكم ~~عن التصرف فيه عائق فهو بالنهار ساه وبالليل لاه استحوذ عليهم الشيطان ~~فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون فهو ~~أخسر من أرذل الحيوانات وأدنى من أدك الجمادات فقد خاب مآبا وتعس انقلابا ~~وبقول يوم القيامة يا ليتني كنت ترابا (قال الراوي) فلما انتهى الكلام إلى ~~هذا المقام أمسك العفريت عنانه وأخرس الله لسانه وظهر فضل الزاهد وعلمه ~~ووفور حكمه وفهمه وإنه أصاب فيما أجاب ولزم العفريت ومن معه من الجن ~~والعفاريت وطوائف المردة والشياطين والعندة المتمردين وذوي ms101 الإبلاس ~~والوسواس الخناس ما شرطوه على أنفسهم من التخفي وعدم الظهور والتفرق في ~~الخرائب والكفور فتفرقوا واختفواومصلمين ومجدعين انتفوا وسكنوا الخرائب ~~والحمامات والحانات والخانات فلم يظهروا بعد ذلك للأنس وحصل منهم بذلك ~~للأنس الأنس واستراحوا من مشاهدة طلعتهم القبيحة واستمرت إلى يوم القيامة ~~من تلك القبائح مستريحة. وهذا آخر الباب والله أعلم بالصواب والحمد لله رب ~~العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. # PageV01P213 ### | الباب الخامس # في نوادر ملك السباع ونديمه أمير الثعالب وكبير الضباع # PageV01P215 # (قال) الشيخ أبو المحاسن المرتوي من بحار الحكمة بماء غير آسن فلما أنهى ~~الحكيم هذا الباب العظيم عن عالم الإنس والشيطان الرجيم تنبه الملك لغزارة ~~حكمه فأفرغ عليه خلع إحسانه وكرمه وغمسه في غدير فضله ونعمه ثم أمر أن يقوي ~~الطباع ويذكر نوادر الوحوش والسباع لتنبسط النفس وترتاض وتتحلى بعقود عقيدة ~~هذه الأحماض فقبل أرض العبودية بشفاه الأدب وانتهض لأداء ما عليه من ~~المراسيم وجب وقال كان في بعض الغياض أسد رباض عظيم الصورة كريم السريرة ~~والسيرة وافي الحشمة عالي الهمة كثير الأسماء والألقاب عزيز الأصحاب كبير ~~بين الأمراء والحجاب والوزراء والنواب يدعى في جوانب مملكته وأطراف ولايته ~~بحيدرة وبيهس والدوكس والغضب والضرغام والعنبس والطيشار والهندس الغضنفر ~~والهرماس والغضبان وأبي العباس إلى سائر الأسماء والألقاب والكنى وكثرة ~~الأسماء تدل على شرف المسمى وهو مطاع في مماليكه وولاياته وأقاليمه مترشف ~~ثغور الامتثال بشفاه أمثلته ومراسيمه، وكان له ومن خواص الندماء وكبراء ~~الجلساء نديمان كندماني جذيمة يلازمان حضرته ويلجان حريمه أحدهما ثعلب يدعى ~~أبا نوفل والآخر ضبع يسمى أخا نهشل، طبعهما ظريف وشكلهما لطيف ومحاضرتهما ~~مرغوبة وصحبتهما مطلوبة. # وكان في خدمته دب هو وزيره ومعتمده ومشيره كافل أمور مملكته ومدبر مصالح ~~رعيته والملك مفوض أمور الرعية إليه ومعتمد لما يعلم # PageV01P217 # من كفايته عليه ومشغول ليلا ونهارا بمعاشرة نديميه فاتسع خيال الوزير ~~وأخذ في مجال التفكير إلى النديمين لكونهما ناصحين قديمين ربما يصدر منهما ~~عند الملك ما يحط منزلته ويفسدان للحسد الذي لم يخلو منه جسد صولته ms102 واستحوذ ~~عليه هذا الخيال واتسع في ميدانه المجال فكان خائفا على وظيفته ومنصبه ~~مترقبا ومنهما ما يكون عزله بسببه. فنشأ من ذلك في خاطره جساوة أورثته ~~قساوة وجذبته إلى عداوة ووقر في قلبه ذلك وتأكد وطال عليه من الدهر الأمد ~~فكان يترقب لهما الفرص ليوقعهما من الغصص في قفص ويسابقهما قبل انتيابه ~~ويتغدى بهما قبل أن يتعشيا به ويقول لا بد من تنظيف الطريق قبل حصول ~~التعويق. # وقد أحسن من قال واتقن في المقال: # ومن لم يزح عن دربه الشوك قبل أن ... يطأه فلا يعتب إذا شاك رجليه # وأقل الأقسام أن يبعدهما عن حضرة الملك الهمام، فاتفق أن في بعض الأسحار ~~تجاذب الملك ونديماه أطراف الأسمار فأثر فيهم السهر لطيب السمر في ضوء ~~القمر وحلاوة ما جنوا منه من ثمر عاملين بما قيل: # متى ما أصادف من أحب بخلوة ... أصرح بما أرجوه منه متكتما # يقول فأصغي أو أبث فينثني ... ليسمع قولي كالمشوق المتيم # أسامره لا إن أمل حديثه ... وآمره كل الأمور سوى نم # فأخذت الملك عيناه فاستند إلى متكاه فأنحل من طرفه وكاه فلم يتمالك أبو ~~نوفل أن ضحك لما غنت زمارة الملك فتنبه من ضحكه وتعجب # PageV01P218 # من جرائته وفتكه ثم استمر متناوما ينظر من يصدر منهما، فابتدره أخو نهشل ~~وزجره فقال: ويلك ماذا رأيت وأي عجب سمعت ووعيت حتى ترتبك في الضحك أما ~~قرأت وفهمت وسمعت وعلمت أن الضحك بلا سبب من قلة الأدب وإن الحشم وسائر ~~الخدم ومن نادم الملوك وجالسهم يحترم أمورهم ويعظم مجالسهم سواء غابوا أو ~~حضروا ناموا أو سهروا قامواأو قعدوا استيقظوا أو رقدوا وقد قيل رفع قلم ~~الحساب والضبط والعتاب عن الصبي والمجنون والعاشق والمفتون وكذلك السكران ~~والنائم لا سيما السهران وعذر النائم يا مسكين أعظم من عذر الباقين فإن ~~النوم أخو الموت وفيه ما ليس في غيره من الفوت وقد قال صاحب الشرع الذي زكى ~~منه الأصل والفرع حفظه الله بجنود الصلاة والسلام وحرسه يعتذر عن النائم ~~وكاء السه وقال ذو الصدق والتصديق ms103 رفع قلم التكليف عن النائم حتى يفيق ~~وإنما اعتبر الشرع أحوال النيام وساواهم في اليقظة صونا لبعض الأحكام في ~~نحو من خمس وعشرين مسألة ضبطها من الفقهاء الكملة ولقد طالعت في كتاب ~~الأخلاق إن الله الكريم الخلاق حيث جعل جنسا من الأمم في طبائع وصفات ~~متساوي القدم فلا يعتب أحد أحدا ولا يزدريه ولا ينقم عليه عيبا هو فيه وعلى ~~الخصوص إذا صدر من الملوك شيء يعاب فلا # PageV01P219 # يحمل ذلك منهم إلا على الفضل والصواب وكل ما كان في غير الملوك معتبه ~~فإنه إذا صدر من الملوك يعد منقبه ويجب على من يجالس الملوك وكان له في ~~خدمتهم سلوك واختص بمحاضرتهم واستعد لمناظرتهم أن لا يبصر منهم إلا المحاسن ~~ولا يخبر عنهم إلا بالأحاسن وقد قيل من جالس الملوك بغير أدب حبسه فإنه ~~خاطر بروحه وعرض للبلاء نفسه وقال الله الأعظم في كتابه المحكم لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم: فاستقم كما أمرت. # ولهذا قال عليه السلام: شيبتني هود وأخواتها وما ساد العجم والعرب إلا ~~بسلوك طريق الأدب وقال عليه الصلاة والسلام: أدبني ربي فأحسن تأديبي، فقال ~~المغفل أبو نوفل إذا طهر القلب من الخيانة وعاملت اليد بالأمانة وتنقى ~~العرض من العيوب وكان اللسان غير كذب وزكت النفس بالحلم وعريت عن الجهل ~~بلباس العلم يصلح لها أن تسخر بكل أحد وتفخر على أكبر من يكون ولو أنه ~~الأسد وأنا إذا طار بهذه الصفات طيري فلا علي إذا ضحكت على غيري، فقال أخو ~~نهشل لا تقل ذلك لا واستعذ بالله من الجهل والخيلا وأعلم يا ذا الكرامات أن ~~الجاهل يعرف لثلاث علامات إحداها يا محبوب أن يرى نفسه عارية عن العيوب ~~الثانية يا رفيق الخير أن يرى نفسه أعلم # PageV01P220 # من الغير الثالثة أن يرى أنه انتهى في فنون العلم والنهى وبلغ أعلى ~~المراتب وهذا أكبر المعايب وقالت الحكماء إذا رأيت نفسك عارية عن العيوب ~~وتصديت لتتبع عثرات الناس بالغيوب وفتشت عن عيوبهم الجيوب فأنت حينئذ غارق ~~في بحر العيوب وبالذي أنت طالبه ms104 مطلوب وانظر يا ذا السكينة ماذا قاله ~~الإمام مالك رضي الله تعالى عنه حبر المدينة ليكن جل مطلوبك حرصك على تفقد ~~عيوبك وقم بذلك عن نفسك وذاتك مقام حسادك ورقبائك وعداتك وقال ذو هدى وقال ~~سدى: # لكل فتى خرج من العيوب ممتلئ ... على كتفه منه ومن أهل دهره # فعين عيوب الناس نصب عيونه ... وعين عيوب النفس من خلف ظهره # فقال أبو نوفل صدقت ونصحت إذا نطقت فجزاك الله عني خيرا ووقاك شرا وضيرا ~~ولكن يا أخي وقعت هفوة على سبيل السهوة وحصلت على غفلة واللفظ عن غير نظر ~~كالسهم إذا رمى عن الوتر لا يمكن رده ولا وقوفه وصده كما قيل: # القول كاللبن المحلوب ليس له ... رد وكيف يرد الحالب اللبنا # ولكن الذنب والاجترا إذا لم يشتهر إلا بتوجه عليهما العتاب ولا يستحق ~~مرتكبهما العقاب إذا استغفر وأناب وأنا وإن وقع مني الخطا آمن بحمد الله من ~~شر الجزا ومن المؤاخذة بالجريمة وإن كانت عاقبتها وخيمة لأنها بينك وبيني ~~وأنت بمنزلة روحي وعيني وفيقي وصاحبي ومراعي حقي وجانبي فسرى عندك مصون ~~وأمري عن الإشاعة مخزون وقد قال الحكماء ذو التجارب لا تودع السر إلا عند ~~صاحب صدوق صديق # PageV01P221 # ومحب شفيق وأنت هو ذاك الموثوق فاطرحه سويداء قلبك في أسفل الصندوقفإن ~~استمر عندك ساكنا صرت وبال أمره آمنا ولا يبعد ذلك من شفقتك وسابق صداقتك ~~ووفائك بالمروة وقيامك بحقوق الأخوة وأسأل إحسانك أن تجيب لصاحبك القديم ~~مرجوة قال أخو نهشل أعجب لأبي نوفل كيف يغفل أما سمعت يا عاقل قول القائل ~~من علامات الجاهل أن يقرض ماله باللطف ثم يتقاضاه بالفظاظة والعنف وأن يودع ~~سره وخفاياه وأمره عند من يحتاج أن يتضرع إليه ويقسم في إخفائه واكتتامه ~~عليه ثم يحلفه أن لا يبديه ولا يذكره لأحد ولا ينهيه وقد قالت الحكماء لا ~~تودع أحدا سرا فإن فعلت فاتك السر لأن كتمانه قيدهم وعناء وإبداءه كيد هلاك ~~وبلاء وقد قيل: # وكل سر جاوز الاثنين شاع ... كل علم ليس في القرطاس ضاع # ولم ms105 يقصد بالاثنين إلا الشفتين وقال الشاعر: # إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق # (وقال أيضا) : # لا تودعن ولا الجماد سريرة ... فمن الحجارة ما يسر وينطق # وإذا المحك أضاع سر أخ له ... وهو الجماد فمن به يستوثق # (وقال أيضا) : # صن السر عن كل مستخبر ... وحاذر فما الحزم إلا الحذر # أسيرك سرك أن صنته ... وأنت أسر له إن ظهر # PageV01P222 # وكل ما تحرك به اللسان انتشر في الكون والمكان وناهيك يا تامر قضية ~~الحرامي مع الطامر قال أبو نوفل: كيف تلك يا أخا نهشل (قال) بلغني إن رجلا ~~من الحرامية واللصوص الكرارية كانت نفسه ذات الخيانة تحرضه على الدخول من ~~حواصل الملك إلى الخزانة وإنها رؤية الخزانة مشتاقة ولمعانقة فاسق التحرم ~~عشاقه وكان جاهدا في أن يعطيها من مناها ما يرضيها ولكن كانت نجوم احراس ~~بالرصد ولرجوع ذلك الشيطان كل بعد وكتم ذلك السر عن الإخوان ومضى عليه برهة ~~من الزمان وهو يكابد اكتتامه ويخاف من السوء ختامه والقدر كائن والكائن ~~حائن إلى أن طفح عليه ما قصد وغلا خمر سره في قلبه وقذف بالزبد فطلب صاحبا ~~يتلفظ به إليه ويعتمد في اكتتام سره عليه واختلافي حجرته فقرصه برغوث في ~~حنجرته فمد يده إليه وأفشى سره معتمدا عليه وقال في خاطره عند إفشاء سرائره ~~لا لهذا لسان يقدر على البيان وعلى تقدير أن لو كان فهو مثل ولدي تربى من ~~دم كبدي ولحم جسدي واطلع على عورتي فلا يقصد عترتي ولا يكشف سري ولا يهتك ~~ستري ثم أدنى فاه حتى وافاه وقال يا أبا طامر وكاتم السر في السرائر إني ~~عزمت كالمنهمك على الدخول إلى خزائن الملك لأستصفيها وآخذ ما فيها فاكتم ~~هذا السر عني وامصص ما شئت من الدم مني ثم طرحه في سراويله واستمر في نيته ~~على أباطيله ثم قصد في بعض الليالي ما كان يخلو به على التوالي ويرصده في # PageV01P223 # المكامن من الدخول إلى الخزائن فلاحت له فرصة فانتهزها واستعمل دقائق ~~صنعه وأبرزها وانتقل من ms106 ذلك إلى المبيت ولطئ تحت سرير الملك كالعفريت ~~والملك نائم فوق السرير على فراش الحرير معانق الظبي الغرير وخرزة التاج ~~عند رأسه فقد كأنها سراج متقد فقصد اللص أخذها واقتطاعها وفلذها فاسهل ~~القوم إلى أن استغرقوا في النوم وبينما هو متفكر فيما به إذ خرج البرغوث من ~~ثيابه ودخل إلى جسد السلطان وقص عليه بلسان القرص كل ما كان من شأن اللص ~~فنهض الملك من مرقده فرأى نقطة على جسده فطلب النور لينظر الأمور فرأى ~~برغوثا طار ونزل تحت السرير فقصوا أثره على المسير فوجدوا الحرامي الكسير ~~فربطوه كالأسير ووقع في الأمر العسير بالأمر اليسير فصار كما قيل: # مشى برجليه عمدا نحو مصرعه ... ليقضي الله أمرا كان مفعولا # (وإنما أوردت هذا المثل) لتعلم يا أبا نوفل أن سرا في الفؤاد لا يؤمن ~~عليه الجماد فضلا عن متحرك منحيوان ونعوذ بالله إن كان من جنس الإنسان وقد ~~قيل للحيطان آذان ومن أمثال العجم الأوباش للديوان أكواش فلما انقضى هذا ~~الكلام وكان الأسد قد استوفاه على التمام وقد أثار في أحشائه لهبا نهض من ~~مرقده غضبا واستحال وتحرك وأمر بأبي نوفل فقبضوا عليه ووضعوا الغل ف رقبته ~~والسلاسل في يديه ورجليه وأمر إلى السجن برفعه بعد التنكيل به وصفعه فتشوش ~~خاطر صديقه وجليسه ورفيقه ثم انقض المجلس النظيم ودخل الملك إلى الحريم # PageV01P224 # فتوجه أخو نهشل إلى السجن المقفل ولأم صاحبه أبا نوفل وزاد في التعنيف ~~وقال أيها الأخ الظريف ألم تعلم أن الشخص إذا تكلم يضبط كلامه عليه ويعود ~~محصول ما يلفظ به إليه وقد قال الرب المجيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد وإن كثرة الكلام تضر بالنفس أكثر مما يضر بالبدن الطعام وكل هذا ~~المصاب إنما جاء من قبل الإعجاب وكثرة الكلام والغرور وعدم التأمل في عواقب ~~الأمور قال الشاعر: # ما أن ندمت على سكوتي مرة ... ولقد ندمت على الكلام مرارا # قال حكماء الهند وفضلاء السند ما دام الكلام في الفؤاد ولم يبد منه على ~~اللسان باد ولم ms107 يصب منه سائل حرف في صدفة الآذان أو وعاء الطرف فهو كالبنت ~~البكر المشهورة الذكر كل أحد يخطبها ويميل إليها ويطلبها ويتمنى أن يراها ~~ويترشف لساها فإن ألقى إلى المسامع ووعاه كل ناظر وسامع فهو كالعجوز الشوها ~~إذا سلوها وقلوها وهي تلازم صباحا ومساء ويفر منها الرجال والنساء ويحيد كل ~~أحد عنها فإذا تكلمت أسكتت وإذا سلمت أعرض عنها وقال بعض الحكماء اللسان ~~أسد وهو حارس الرأس والجسد إن حبسته حرسك وإن أطلقته حبسك وإن سلطته افترسك ~~وقالوا الكلام أسيرك ما لم تبده فإن تكلمت به فأنت أسيره قال بعض الحكماء ~~أنا على ما لم أقل أقدر مني على ما قلت وقال عيسى صلوات الله عليه العافية ~~عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا عن ذكر الله وواحد منها في ترك مجالسة ~~السفهاء # PageV01P225 # وقال نبي الحرمين وإمام الثقلين صلوات الله وسلامه عليه الصمت حكمة وقال ~~عليه الصلاة والسلام البلاء موكل بالمنطق وقال الحكماء السكوت يسترعب الجهل ~~ويعظم حرمة الملوك ولقد آذيت نفسك وتسبب فيما أوجب حبسك وأقلقت ودودك وأشمت ~~حسودك ولقد كانت حصتي من بلائك ومما دهاني من شدة عنائك أعظم من كل حصة ~~وقصتي في ذلك أعجب من كل قصة إذ أنت رفيقي وزميلي وفي حضرة الملك ومنادمته ~~عديلي نشأنا على ذلك وسلكنا في الموافقة والمرافقة أقوم المسالك وكنت ~~المرحو لمخافي وأيابي في مطافي ومشتكى حزني ومشتفى شجني ومخزن أسراري وأعظم ~~أستاري وراوية أخباري في أحباري وراوية أسفاري في أسفاري ومن أين ألقى مثلك ~~وفيقا أو أجد صديقا شفيقا وأنت صاحب السراء ومصاحب الضراء وأنشد: # ومن أين ألقى بعد سبعين حجة ... رفيقا كمن أرضعته قهوة الصبا # أديبا أريبا لم أمل مقامه ... ولا ملني يوما حكيما مهذبا # ويعز علي ويعظم لدي أن أراك في هذه الحالة ثم أجرى سحائب دموعه الهطالة ~~وقال: # وما على الحر أنكى أن يرى حزنا ... في محنة ضاق عنها دونه الحيل # PageV01P226 # ولقد تحيرت في هذا الأمر المهول وما أدري قصاراه إلى ماذا يؤول وليلة ~~الغم الصراح ms108 عماذا يسفر فيها الصباح فأنكئ لذلك أبو نوفل وبكى وتضرع إلى ~~الله وشكا وقال يا أعز الأصحاب وأحب الأحباب لقد أثر عندي ما قلت من الكلام ~~أكثر مما أصابني من الآلام كيف يغتفر لأحد الجانبين ويطلق أحد القيدين وأني ~~يعتذر بالقضاء والقدر لإحدى الغصتين وهل شيء في عالم السكون والفساد جاء ~~خارجا عما قدره الله وأراد وكلنا في هذا سويه والعبد مقهور مع المنية ولكن ~~الجداد إذا أقبل ولاحظ بسعدهوتفضل فكل حركة تصدر من الغبي العاجز يعجز عن ~~مقاومتها البطل المبارز وكل قول يتفوه به الجاهل يدع دليل معانيه أدلة ~~العقلاء في مجاهل ومذاهل ودعاميص ذوي الآراء المنضبطة المناهل تلقى من ~~عقنقل الحيرة في مجاهلها مناهل فيصير كل وجه إليها مائل وكل إنسان بها قائل ~~وقوام كل سعد وقبول إليها قابل كما قيل: # وإذا السعادة لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان # واصطد بها العنقاء فهي حبائل ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان # ونعوذ بالله من ليل السعد إذا أدبر وصبح الخمول إذا أسفر فإن اللبيب إذ ~~ذاك يخطئ ما كان يصيب ويفعل العاقل ما لا يرتضيه بأقل فيكون جهد النفس ~~زيادة في العكس: # PageV01P227 # وإذا تولى الجد يحتاج الذكي ... في رأيه قبل الزوال مراحا # وانقلاب الدهر وانعكاس الزمان شيمة معهودة وخصلة معدودة كما قيل: # ومن ذا الذي ما غره صرف دهره ... فأضحكه يوما ولم يبكه سنه # وأنا كنت غافلا وإن لم أكن جاهلا وقد يكون الشخص عما تحققه ذاهلا وذلك ~~لما كان عودني الزمان وألفته من سالف الدوران وإرخاء العنان ونيل الأماني ~~والأمان وأسبال ذيل النعم والإحسان الدائم والكرم فمشيت على ما كنت أعهده ~~وفي نفسي أجده وأيضا كانت لذة عشرتك ونعيم صحبتك وحسن موافقتك وعز مرافقتك ~~أنساني كل بليه وأمنت بذلك كل رزية فألهاني عن التنكد ودهتني غفلة عن ~~التوزع والتبدد مثل ما أصاب ذلك الهدهد قال أخو نهشل أسرد ذلك المثل (فقال) ~~ذكروا إن الله مجري الخير علم بعض عبيده الصلحا منطق الطير فصاحب منها ~~هدهدا وازداد ما بينهما توددا ms109 ففي بعض الأيام مر بالهدهد ذلك الإمام وهو في ~~مكان عال ملتفت إلى ناحية الشمال وهو مشغول بالتسبيح يسبح الله بلسانه ~~الفصيح فناداه يا صاحب التاج والقباء والديباج لا تقعد في هذا المكان فإنه ~~طريق كل فتان ومطروق كل صائد شيطان ومقعد أرباب البنادق ومرصد أصحاب ~~الجلاهق فقال الهدهد أني عرفت ذلك وإنه مسلك المهالك قال فلأي شيء عزمت على ~~القعود فيه مع علمك بما فيه من دواهيه # PageV01P228 # قال أرى صببا وأظنه غويا نصب لي فخا يروم لي فيه زخا وقد وقفت على مكايده ~~وماصب مصايده وعرفت مكيدته أين هي وإلى ماذا تنتهي وأنا أتفرج عليه وأتقدم ~~بالضحك إليه وأتعجب من تضييع أوقاته وتعطيل ساعاته فيما لا يعود عليه منه ~~نفع ولا يفيده في قفاه سوى الصفع وأسخر من حركاته وأنبه من يمر على ~~خزعبلاته فتركه الرجل وذهب وقضى حاجاته وانقلب فرأى الهدهد في يد الصبي ~~يلعب به لعب الخلى بالشجى ولسان حاله يلهج بمقاله: # كعصفوره في يد طفل يهينها ... تقاسي حياض الموت والطفل يلعب # فلا الطفل ذو عقل في يد طفل لحالها ... ولا الطير مطلوق الجناح فيهرب # فناداه وقال: يا أبا عباد كيف وقع في شرك الصياد وقلت لي أنك وعيت ورأيت ~~ما رأيت؟ فقال: أما سمعت أن الهدهد إذا نقر الأرض يعرف مسافة ما بينه وبين ~~الماء ولا يبصر شعرة الفخ وذلك لينفذ ما كتبه الله تعالى وقدره من قضائه ~~وقدره وناهيك في قضية القضاء والقدر قضية آدم أبي البشر مع موسى الكليم ~~عليهما الصلاة والتسليم لما جرت عليه أحكام القضاء والقدر فتمت مشيئة الله ~~تعالى السابقة في عمله وجرى ما لم تدركه عقول الفحول في ميدان إرادته من ~~سوابق حكمه وحكمته وأنشد الهدهد: # PageV01P229 # يا سائلي عما جرى ... والعين مبصرة القدر # أو ما سمعت بأن إذا ... جاء القضا عمى البصر # وقال أيضا: # إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر ... إن القضاء إن أتى يعمى البصر # واسمع أيها العاقل قول القائل: # إذا أراد الله أمرا لامرئ ... وكان ذا عقل وسمع ms110 وبصر # وحيلة يفعلها في دفع ما ... يأتي به محتوم أسباب القدر # أصم أذنيه وأعمى قلبه ... وسل منه عقله له سل الشعر # فلا تقل فيما جرى كيف جرى ... فكل شيء بقضاء وقدر # وأنا لما اغتررت بحدة بصري ذهلت عما يجول في فكري فتغطت حدة استبصاري ~~فوقعت في فخ غنراري أما سمعت يا همام قول الإمام إذا حلت المقادير ضلت ~~التدابير ثم قال أبو نوفل وقد أثر فيه كلام أخي نهشل: # دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... رداوني بالتي كانت هي الداء # وإنما أوردت هذه الحكاية لتخفف عني ما في تقريعك وتوبيخك من نكاية وتعلم ~~إن الأمور كلها جلها وقلها جارية على وفق ما قضاه الله تعالى وقدره وأثبته ~~في سابق عمله في اللوح المحفوظ وسطره وإن كانت الأحكام في هذا الباب تضاف ~~إلى العلل والأسباب ولا شك في هذا ولا ارتياب فقد مر أن الذهول شغلني عن ~~الفضل بالفضول وإن العذر غير مقبول فإن الجهل لا يكون حجة ولا مخلص لسالك ~~لا سوأ المحجة وقد طال الكلام والحق بيدك والسلام # PageV01P230 # وأما الآن فجل المقصود من لطفك المعهود وبذل المجهود وتذكر سابق العهود ~~وقديم الصداقة وأكيد المحبة والعلاقة عطف الخواطر الملكية ورجوعها على ما ~~كانت عليه من الصدقات السنية والعواطف الملوكية وأقل الأقسام الخلاص من هذه ~~البلية وعلمك قد أحاط بأوثق مناط أني شخص وحيد بين ملازمي الخدمة فريد لم ~~يكن لي أخ سواك وأنت مشتكاي وأنا مشتكاك وهذا أو إن الفتوة وزمان المروة ~~وعدم التخلي عن الإخوان والانبعاث بالهمة الثابتة الأركان والسعي في خلاص ~~الصاحب القديم من هذا البلاء العظيم وأسألك بسالف الخدمة والمودة ذات ~~القدمة أن لا تذكر ما سلف من التقصير الموجب للتلف فإني معترف أني للذنب ~~مقترف وأنشد: # جاوزت في اللوم حدا قد أضر به ... من حيث قدرت أن اللوم بنفعه # وإني إذا تفكرت وتصورت ما وقع إذا تذكرت وإن كان قد مضى يضيق بي الفضا ~~وأغرق في عرق الحيا وتسود في عيني الدنيا فكأنه في هذا القبيل ms111 عني قيل: # كأن فؤادي في مخالب طائر ... إذا ما ذكرت الحب يشتد بي قبضا # وهذا القدر من الإعلان يكفي وأني أستحلي إذا مر بخاطري غصص حتفي ثم علا ~~زفيره وشهيقه وبدا من لهيب قلبه بريقه ومن وادي دمعه عقيقة حتى خيف عليه ~~غريقة وحربقه ورق له ورق له عدوه وصديقه وبكى لبكائه رفيقه قال أخو نهشل ~~اعلم أيها الأخ المفضل أني لم أقل ذاك الكلام للعدوان # PageV01P231 # فضلا عن أيحاش قلب وإيلام ولكن تألم حناني أجرى الله ذلك على لساني ولم ~~يكمن لذلك الحديث باعث ولا قصد عابث أو عائث ولكن صفو المحبة ووفور الصدق ~~أوجبا التلفظ بذلك النطق وكيف لا أدرك دقائق المعاني وأنالها من ثمار ~~فضائلك جاني وأما بذل الاجتهاد من أهل الوداد فهل يخطر ببالك غير ذلك ويأبى ~~الله والأخلاق الكريمة وما عملته من همة وشيمه وفواضل فضائل من موانح ~~خصائلك اقتباستها ومطارف معارف على منوال سحاياك نسجتها أن أتخلف عن التعلق ~~بأهدابها وأغلق أبواب مقاصدها في وجوه طلابها وأنا إن لم أبذل مجهودي وأصرف ~~موجودي في مساعدة خلي وصديقي وصاحبي ورفيقي بما تقتضيه المروءة والفتوة ~~والصداقة القديمة والأخوة وإلا فأي فائدة في وجودي لوالدي ومولودي وطارفي ~~وتليدي وصديقي وودودي. وقد قيل أربعة أشياء فرض عين في شريعة المروءة على ~~المحبين وكذلك الإخوان وسائر الصحاب والخلان الأولى المشاركة في النوائب ~~وتعاطي دفعها من كل جانب الثاني إذا ضل أحدهم عن طريق السداد يردونه إلى ~~سبيل الرشاد ولا يتركونه على غير الصواب بل يستلطفونه بألطف خطاب الثالث ~~إذا صدر من أحدهم نوع جفاء يلاقونه بالوفاء والصفا ولا يتركونه على شفا ولا ~~ينسون الوفاء القديم بالجفاء الحادث فربما يتفرع على ذلك ما يؤكده من ~~العوائث # PageV01P232 # الرابع لا يؤاخذون المقصر في حال الغضب بل يرجئون عقوبته إلى أن يطفأ ~~اللهب فربما يتعدى بواسطة الغضب الحد فيقع بسبب ذلك بين لأصحاب نكد ثم أن ~~أبا نوفل قال لأخي نهشل المبادرة أولى إلى التلافي لئلا يسابق الجنود إلى ~~تلافي وهذا المصاب إنما جاء ms112 بغتة وأخذ قلوبنا وأسماعنا بهتة فاستعمل فكرك ~~القويم وتوجه إلى التدارك بقلب سليم فقال هاأنا أذهب على الفور لهذا المطلب ~~النافع وأقوي العزيمة واجتهد في دفع الموانع فأول ما ابتدئ بقصد الملك ~~وانظر ما يصدر منه قولا وفعلا في هذا الأمر المشتبك فأبني على ذلك ما ~~يناسبه وأجاريه فيما يميل إليه خاطره ولا أجاذبه ثم توجه إلى الأسد ودخل ~~عليه فوجد الدب جالسا بين يديه وقد بلغه قضية النديم وأنه حل به العذاب ~~الأليم فاغتنم الفرصة وبادر ليتم على أبي نوفل الغصة ويتعاطى في أمره قصة ~~وخصة فأراد أخو نهشل أن يفتتح الكلام ثم أفكر في أنه ربما يعاكسه الدب في ~~المرام وأنه إذا قام في المناقضة لا يمكنه مقابلته المعارضة وإن سكت ~~فالسكوت رضا وإن وافق فعلى غير مراده مضى فأمسك عن الكلام ورأى السكوت ~~مقتضى المقام ثم أمعن النظر وأجال قداح الفكر فرأى أنه إن انفصل المجلس من ~~غير أن يفصح بشيء وينبس ربما يفوت المقصود أو يسابقه بالمعاكسة عدو أو حسود ~~لا سيما مثل الوزير الرفيع الخطير صاحب الرأي والتدبير وهو عدو قديم وفي ~~طرق الخزي نظيره عديم فإذا بادر بالكلام ربما يقع منه فلتة بمقام كما قيل: # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا # PageV01P233 # فتلقاه الملك بقبول فيصول كما يختار في ميدان الفتك ويجول فتنعقد الأمور ~~وتتقصد وتنعقف الأخلاق الأسدية وتتعرد فرأى الأولى المبادرة بالكلام ~~والوقوف في مقام الشفاعة أنسب بالمقام فإن عارض أحد عرف أن جوهر كلامه عرض ~~ولا تصدى إلا لغرض وكان الملك قد سمع كلامه بعد معرفة سلامته وإلقائه على ~~أبي نوفل عذله وملامه وكلامه معه وينهمك مقبول وما لأحد عنه عدول، وكان ~~الدب منتظرا خروجه من عند الملك حتى يختلي بالكلام معه وينهمك فأدرك أخو ~~نهشل هذا المرام فوقف في مقام الدعاء وبادر بالكلام ثم قال بعد وظائف ~~الدعاء والقيام بما يجب من مراسيم الثناء العلوم الشريفة والآراء المنيفة ~~محيطة أن من عادة الملوك العظام وأخلاق السلاطين الكرام العفو ms113 عن الجرائم ~~والاغضاء عن العظائم لا سيما إذا صدر ذلك من أحد المخلصين والعبيد ~~المتخلصين على سبيل السهو والخطأ لا على سبيل العمد والأبترا: # من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسني فقط # وأن العبد الأقل أبا نوفل الواقع في الخطر الخطير المعترف بالذنب ~~والتقصير متوقع غفرها من صدقات الحضرة الملوكية ومراحمها وما اعتاده من ~~حملها الشامل ومكارمها ومحتم على الملوك القيام بقبول الشفاعة دون سائر ~~الخدم والجماعة خصوصا وقد كان رفيقا نديما ومصاحبا قديما ولا يقصد المملوك ~~بذلك الأسواق الحسنات الكثيفة إلى دفائر الصدقات الشريفة وقصد الخير وذهاب ~~الاسي والضير وانتشار صيتها في الآفاق والأطراف بالعلم والحلم والعفور ~~والصفح والفضل والعدل والألطاف فلان الأسد من هذا # PageV01P234 # الخطاب وعرف أن قصد الشافع من هذا إنما هو الثواب والصواب فاطرق مليا ولم ~~يحرمن الأجوبة شيا فتأثر الدب الخبيث والعد والقديم لهذا الحديث وخاف أن ~~يكون الكوت رضا وأن هو رضي يفوت منه المنى والأطراق علامة الحلم والسكوت في ~~الحرب دليل السلم ومن فوت الفرصة وقع في غصه ومتى بقع أبو نوفل المختال في ~~مثل هذا العقال وما أطراف مقال من قال: # وإن رأيت غراب البين في شرك ... فاذبح وكل وذر الأفراخ في عنقي # (وقد قيل) : # إذا صارت أعداء نملا فانهم ... إذا لم تطأهم أصبحوا مثل الثعبان # وكم ذا يقاسي من أذاه وقرصه ... على ضعفه أن صار داخل آذانفانبرى وانبرم ~~وتصدى للمعاكسة ذلك البرم وغطى دسائس لؤمه بنقوش الكرم وقال أعلم أيها ~~النديم القديم ومن هو للملك أو في خديم أن الواجب على جميع الخدام أن ~~يكونوا في الصدق متساوي الأقدام ولا يقدموا على نصيج الملك غرضا ولا يطلبوا ~~سوى رضاه على النصيحة عرضا فلا يصادقوا الخائن ولا يصدقوا المائن ولا ~~يواطؤا الخاطي ولا المذنب المتعاطي ولو بالكلام الواطي ولا يخفوا الخيانة ~~والجنابه ولا يرعوا في ذلك أدنى الرعاية فساعد السارق سارق ومعاضد المارق ~~مارق والقيام مع الجاني جناية وإخفاء الخيانة نكاية وفي هذا الكلام كفاية ~~ومن اعتذر من حناية جان ms114 لا سيما أن كانت في حق ملك أو سلطان فهو شريك فيها ~~بل أعظم جرما من متعاطيها لأن عظم الجناية يا ذا الدراية إنما هو بحسب ~~المجني عليه وأن ذلك لوهن عائد إليه لا على مقدار الجاني وأنت # PageV01P235 # لا تجهل هذه المعاني ولهذا قال بعض أهل الافضال أن تعاطي الفساد يا ذا ~~الرشاد ليس فيه صغبره وأن كل ما يخالف الأمر كبيره وذلك بالنظر إلى الجناب ~~الأقدس القاهر تعالى وتقديس فقال أخو نهشل كلام مولانا الوزير هو المفضل ~~وما أشار به هو الصواب المعدل يا مولانا الوزير علمك الخطير خبير باننا ~~كلنا محل الخطأ والتقصير ولا يسع الكبير منا والصغير إلا الحلم الغزير ~~والعفو عن كثير وقل لي من هو البرئ عن الهفوة والذي لا يتوقع من مولانا ~~الملك عفوه وأن لم تقع الشفاعة في الجاني وذي الخلاعه ومخالف سنة الجماعة ~~فالمحسن لا يحتاج إلى شفاعه ومن لم يجير المكسور ويأخذ بيد المحقور فما يجد ~~عند انكساره جابرا ولا يؤخذ حين بيد حين يصير عاثرا وقد قيل من مثلك الفضيل ~~وصاحب الأدب الجزيل: # إذا أصبحت فينا ذا اقتدار ... وأمرك في رقاب الخلق جاري # أقل وأقبل عثارا واعتذارا ... فمن يقبل يقل عند العثار # فما زال الصغار ثروم عفوا ... وغفران الكبائر من كبار # وأحسن العفو يا ذا السلوك عفو السلاطين والملوك لا سيما إذا عظم الجرم ~~وكبر الأثم فإن العفو إذ ذاك صادر من ملك ذي سلطان قادر مع قوة الباعث على ~~المؤاخذة والقدرة الشاملة النافذه وغير الملوك من العاجز والصعلوك عفوهم ~~إنما هو عجز خشيه أو لتمشية غرض مشيه والملوك إنما عنهم الخلال الحميدة ~~والخصال الشريفة السعيدة وإلا كابر يعفون والاصاغر يهفون وقد قسم الحكماء ~~والحكام ما يقع من الذنب والآثام أربعة أقسام فاسمع # PageV01P236 # يا كبير هفوة وتقصير وخيانة ومكروه وحرروا ذلك وضبطوه وذكروا لكل جزءا ~~قروره فجزاء الهفوة العتاب وبه نطق الكتاب وجزاء التقصير الملامه على ما ~~أورث من ندامة وجزاء الخيانة العقوبة فإن في ارتكابها للعاقل صعوبة وأعظم ~~بعقابها ms115 مثوبة وما يرتكب المكروه إلا الغافل المعتوه وجزاؤه أيضا بمثله ~~وهذا على مقتضى العقل وعدله والذي صدر في سابق القدر من المخلص أبي نوفل ~~إنما هي هفوة بها زل وجزاؤه على هذا الحساب إنما هو العقاب وقد استوفاه ~~وزيادة وفي هذا لمولانا الملك الإرادة فإن شاء عاقب على الذنب الصغير وإن ~~شاء عفا عن الجرم الكبير والهفوة لا يكاد يسلم منها الخواص فضلا عمن هو في ~~شرك العبودية والأقتناص ولأن يؤثر الفضل عن الملك وعلى طريق عفوه يسلك ~~الدرب للستلك خير من أن يؤثر عنه لنفسه انتقام ويخلد ذلك على صفحات الأيام ~~ولا شك أن سيرة العفو والفضل أفضل من القصاص والعدل وذلك هو اللائق بالحشمة ~~والأوثق للحرمة والأجدر لناموس السلطنة والأبقى على ممر الدهور والأزمنة ~~وقد قال سيد المرسلين وحبيب رب العالمين ينادي مناد يوم القيامة من كان له ~~عند الله يد فليقم فلا يقوم إلا من عفا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن العفو لا يزيد العبد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله ولقد كان جماعة من عظماء ~~الملوك والأكابر يبحثون عمن تعاطى # PageV01P237 # الذنوب والأجرام من الأصاغر لا سيما لمن يتعرض لذات الملك ونفسه ويستعين ~~بطوائف على فساده من أبناء جنسه فإذاقدروا عليهم وتلذذوا بالعفو والإحسان ~~واستعفوا وحسبك يا أبا جهينه ومن فضله أعذب مزينه واقعة ابن سليمان المخلدة ~~على ممر الأزمان وما تضمنت من مكارم الأخلاق التي تعطرت بها الآفاق فتوجه ~~الأسد إليه ومال وقال أخبرنا يا أخا نهشل كيف كان هذا المثال (قال) لها ~~انتهت أيام بني أمية وتطرزت خلع الأيام بأعلام الدولة العباسية وأشرق بطلعة ~~أبي العباس السفاح في ديار جير الدهر أيمن صباح بأحسن فلاح اختفت نجوم ~~أفلاك بني أمية وكواكب من بقي من تلك الزواهر المضيه وكان منهم إبراهيم ابن ~~سليمان بن عبد الملك بن مروان وجعل السفاح يتطلبهم ويرغب من يدري بهم ~~ويرهبهم إلى أن ظهر ابن سليمان وكان من أمره ما كان فحكى أنه كان بالحيرة ~~مختفيا في هم وحيره ms116 قال ففي بعض الأيام تراءت لي على سطح سواد أعلام فوقع ~~في نفسي وغلب على حدسي أنها قد جاءت لطلبي راغبة في عطبي فتنكرت في الحال ~~واختفت وخرجت من الحيرة وإلى الكوفة أتيت فدخلتها خائفا أترقب ولم يكن لي ~~فيها مترصد ولا مترقب ولا صديق أركن إليه ولا صاحب أعول عليه فصرت في تلك ~~البلاد مثل المنشد ببغداد: # PageV01P238 # بغداد دار لآهل المال منعمة ... وللمفاليس دار الضنك والضيق # ظللت حيران أمشي في أزقتها ... كأنني مصحف في بيت زنديق # فأداني المسير إلى باب كبير منظره جليل وداخله دهليز طويل ليس فيه أحد من ~~الحجاب والرصد فدخلت إليه وبه مكان فجلست عليه وإذا برجل جسيم الشكل وسيم ~~على فرس جواد مع طائفة من الأجناد فدخل إلى دهليز الباب وفي خدمته غلمانه ~~والأصحاب إلى أن نزل عن دابته وانفرد عن جماعته فلما رآني في وجيف ووجل قال ~~من الرجل فقلت خلالك الذم مختف على دم واستجرت بجوارك ونزلت في ديارك فقال ~~أجارك الله لا تخف من سواه ثم أدخلني في حجرة لطيفة تشتمل على أشياء ظريفة ~~قد جعلها مضيفة ينزلها كل من قصده جهله أو عرفه فمكثت عنده حولا أصول في ~~نعمه صولا ولا يسألني فعلا ولا قوة بل كان يركب من الأسحار وينزل إذا انتصف ~~النهار وذلك كل يوم لا تأخذه عن ذلك سنة ولا نوم فسألته في بعض الأيام ونحن ~~في أهنى مقام وقد صرت عيبة سره ومرآة قلبه وصدره عن ركوبه ونزوله وموجب ~~تنقله وحلوله فقال أن إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك بن مروان قتل أبي ~~صبرا وأورثني بذلك نكدا أو ضرا وأوهج في فؤادي لهبا وجمرا وقد دارت على بني ~~أمية الدوائر وبلغني بقتله من كربه فآخذ بثاري وأكشف عني عاري وأطفئ لهبي ~~وآخذ ثار أبي # PageV01P239 # قال ابن سليمان فعجبت من قضاء الرحمن وكيف ساقتني أرجلي إلى شبكة مقتلي ~~وأمشاني القضاء برجلي إلى من هو دائر على قتلي فاستحييت منه ومن الله وكرهت ~~عند ذلك الحياة فسألته عن اسم ms117 أبيه لا تحقق ما يبديه وينهيه فأخبرني فعرفته ~~إني أنا قتلته فقلت يا هذا وجب على حقك وأنا غريمك ومسترقك وقد قرب الله ~~خطاك وأنا لك متمناك فقال وما ذاك فقلت أنا إبراهيم الذي على طلبه تهيم ~~وأنا قاتل أبيك فافعل بي ما يرضيك وخذ ثارك وأطفئ نارك فقال كأنه طال بك ~~الجفاء وأضر بك الاختفاء فأردت بالموت الخلاص واستندت لدعوى القصاص فقلت لا ~~والله الذي علم السر وأخفاه بل قلت الحق وفهت بالصدق وخلاص الذمة في الأولى ~~أخف من قصاص الأخرى وأولى أنا فعلت بأبيك الأذى في يوم كذا ومكان كذا قال ~~فلما علم ذلك مني وتحقق أنه صدر عني احرت عيناه وانتفخت شفتاه وقامت عروقه ~~ولمعت بروقه وأزبدت شدوقه وأطرق إلى الأرض وكاد يأكل بعضه البعض وجعل يرجف ~~ويرعد ويزأر كالأسد ويتململ كريشة تقلبها الريح في قاع البلد واستمر على ~~ذلك زمانا يتأمل فيما يفعله بي إساءة وإحسانا إلى أن سكنت رعدته وبردت همته ~~فأمنت سطوته وقهر جديسورته ثم أقبل على رفع رأسه إلي وقال أما أنت # PageV01P240 # فستلقى أبي غدا فيقتص له منك جبار السما وأما أنا فلا أخفر ذمتي ولا أضيع ~~جواري وحرمتي ولا يصل إليك مكر ومضى. ولكن قم واخرج عني فلست آمن نفسي عليك ~~ولا أقدر بعد اليوم أنظر إليك ثم دفع إلى ألف دينار وقال استعن بها على ما ~~تختار فلم آخذها ولا نظرت إليها وخرجت من داره ولم أعرج عليها ولم أر أكرم ~~من ذلك الرجل ولا أحلم ولا أعظم مكارم منه ولا أجسم. (وإنما أوردت) هذه ~~الحكاية وقى الله مولانا شر النكاية ليعلم أن الذنب الكبير يستدعي العفو ~~الكثير ممن قدره عظيم وحسبه جسيم ونسبه كريم كما قيل في محكم الكتاب ~~الحكيم: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك ~~وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو ~~حظ عظيم. فقال الوزير ناموس السلطنة وحشمتها وهيبة الملك وحرمتها له شروط ~~كل منها ms118 محرر مضبوط وبالمحافظة عليه محوط ولا بد من إقامة أركانها وتشييد ~~بنيانها ويجب الوفاء بها على المملوك والمالك ويفترض القيام بها على سلاطين ~~الممالك والإخلال برعايتها وهن في الولاية فلا غنى عن العمل بها ورعايتها ~~أحسن رعاية فمن ذلك أن لا يسامح جماعة ولا يغفل عنهم وعن كيدهم ساعة فساعة ~~ولا يركن إليهم في إقامة ولا سير حيث لا يصدر عنهم للملك ولا للملكة خير ~~فمنهم من يعزل الإنسان عن منصبه من غير وقوف لعزله عن سببه ومنهم من يوالي ~~أعداء الملك وهو ذو اجتراء منهمك ومنهم من يراعي مصلحة نفسه ويقدمها على ~~مصلحة مخدومته في حالتي رخائه وبأسه ومنهم من يفشي سره ولا يراعي خيره وشره ~~ومنهم من يتعرض لسقطه وغلطه لتغيير خاطره وسخطه ومنهم # PageV01P241 # من ينتقص حرمته وينتهك عظمته وحشمته ومنهم ذو الطبع اللئيم المفسد في ~~الحريم ولا شك أن أبا نوفل المهمل المغفل قد ارتكب بعض هذه الصفات وهو ~~متلبس بأشنع الحركات وهذا يدل على لؤم أصله وشؤم محله وسوء طوبته وفسداد ~~نيته ومن أكرم اللئيم فهو # الملوم وهذا أمر معلوم وقد قيل: # إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا # فقال أخو نهشل الفقير لا تقل ذلك أيها الوزير فإن أبا نوفل عبد خديم ~~ومخلص قديم وظريف نديم ومحب صديق وودود شفيق أمين ثقة ذو وفاء ومقه محب ~~ناصح وجليس صالح لم يعلم مولانا الملك عليه إلا الخير ولم يزل يسير في طريق ~~العبودية أحسن سير ولم يطلع منه على شيء يعينه ولا يشينه في الدارين ولا ~~يريبه بل هو ملازم لوظائف عبوديته مباشر لما يجب عليه من شرائط خدمته لم ~~يصدر أبدا غش لمخدومه ولا خروج عن امتثال أوامر مرسومه فإن منه هفوة نادرة ~~أو سهوة بادره أو جفوة سادره فحلم مولانا الملك لا يقتضي بل ولا يرتضي ~~إطراح هذه الأوصاف المتعاضد لأجل هذه الزلة الواحدة كما قيل: # فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا ... فأفعاله اللاتي سررن ألوف # مع أنه حصل له من ms119 كسر الخاطر وإحراق القلب وإغراق الجفن الماطر ما لا ~~يجبره إلا العواطف السلطانية والمراحم الشريفة الملوكية ونظرة من الحنو ~~والعطف وذرة من الشفقة واللطف تكفيه ومن أليم الجفاء تنجيه وبعد شدة الممات ~~تحييه وإلا فلا نعرف أحدا يجبر كسر ذلك الوهن أبدا إلا الآلاء السلطانية من ~~يد العلو تعالى مقامها إلى درجات السمو والعطف والحنو # PageV01P242 # ثم عطف على الدب وقد حفر لإيقاعه الجب وقال أما أنا مع قلة البضاعة ~~واحتقار مقامي بين الجماعة فقد أقمت نفسي لما وجب عليها في مقام الشفاعة ~~فلا أقصر فيها ولا أرجع عنها ومن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها وأسال ~~صدقات مولانا أبي اللماس المساعدة في إنجاز هذا الالتماس وأن يكون هذا ~~شريكا لي في إحراز هذا الجعل والوصول إلى أنواع الفضل من هذا الفصل فإنه ~~يرد عنا فئة ومن يشفع شفاعة سيئة وأرجو من وزير الممالك أن لا يقع منه ~~مخالفة في ذلك فإن من سكن الكرم في ربعة لا يصدر منه ما يلبق بكرم طبعه ~~اللئيم بتكلفبل يحسد عليه ويتأسف إذا شرع في مكارم الأخلاق وتعاطى فيها ما ~~لم يقسمه له مقسم الأرزاق ترى وجوه محاسنها في مكانها تتستر منه بانقاب ~~النشوز وأبكار خدورها في قصورها تتراءى لعينه في صورة شوهاء عجوز فلا ~~يطاوعه لسانه في طيب المقام إلى طيب المقال ولا يبعثه جنانه إلى مباشرة حسن ~~الفعال فيصير كما قيل: # يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل # والناس على دين ملوكهم سالكون طريق سلوكهم وحيث كان مولانا الملك مجبولا ~~على الشفقة الكاملة والمراحم الشاملة فكلنا يجب على ذمتنا ويلزم دائرة ~~همتنا أن نتخلق بإخلافه العلية ونتشبث بأهداب شمائلها الرضية ونتعاون جميعا ~~على التزين بملابسة ملابسها البهية ونستضيء بل نهتدي في دياجير المعاش ~~بدراري أفلاك صفاتها الزكية فإن العبد فيما يتعاناه مجبول من طينة مولاه ~~وإن الله جل وعلا لا يضيع أجر من أحسن عملا # PageV01P243 # قال فالجم الدب ذو الساقطة بما فعله من المغالطة ثم أمسكوا عن الكلام ~~وانتظروا ما ms120 يصدر من الضرغام فلم يبد خطابا ولا أنهى جوابا سوى أن قال صلوا ~~في الرحال ولا تبدوا ولا تعيدوا ولا تنقصوا في هذه القضية ولا تزيدوا حتى ~~أمعن فيها النظر واستشير فيها مشير الفكر فمهما أشار إليه الرأي وأرشد إلى ~~اتباعه الهدى فيما يتعلق بحاله تقدمت إليكم بامتثاله فلما انصرفوا توجه أخو ~~نهشل إلى الحبس وذكر لأخيه ما جرى بينه وبين ذلك النحس ثم قال: أبشر ~~بالنجاح والفلاح والصلاح فقد رأيت في جبين الفوز نور صباح ولا شك أن الله ~~الغفور يجري على يدي ولساني من الأمور ما يجلب السرور ويذهب الشرور فكن ~~أوثق سبور وإن حصل في الطريق عقبة تعويق فلا يكن في صدرك حرج فإن وراءها ~~باب الفرج فإن الظفر مقرون بالصبر والصبر مشفوع باليسر وقد أجاد صاحب ~~الإنشاد: # أصبر على ما جرى من سابق قدما ... فمركب الصبر بالإمهال تلحفه # فشكر له جميل سعيه ثم عرض على مشير وعيه فقال: كنت أرى إن هذه القضية ~~تؤخر ويرجا السعي في أمرها ولا يذكر وسبب ذلك أن الطالع قد أدبر والحظ عن ~~المساعدة قد تأخر وإذا تحرك الشخص والسعد ساكن وتبسم الدهر والزهر باك وطلب ~~شكر مسالمته وهو شاك فهو كقاطع البحر بالمراكن والباني على ثبجه أماكن لا ~~يصلح له عمل ولا ينجح له أمل فيشبه إذ ذاك الحمار المعصوب العينين في ~~المدار يقطع بالمسير زمانه ولا يفارق مكانه كذلك من يتعاطى الأعمال والسعد ~~غير # PageV01P244 # عمال فلا يستفيد إلا التعويق والتبعيد ففي تلك الحال ينبغي الإمهال لا ~~الإهمال إلى أن يتوجه السعد بالإقبال فعند ذلك مد الشباك وصيد السماك فإن ~~السعد أتاك والدهر واتاك وناهيك قصة كسرى القديم مع وزيره بزرجمهر الحكيم ~~فسأل أخا نهشل بيان ما نقل من المثل أخوه أبو نوفل (فقال) بلغني أن كسرى ~~أراد التنزه فثنى إلى حديقة عنان التوجه وطلب الحكيم بزرجمهر وجلسا تحت ~~دوحة زهر على بركة ماء أصفى من دموع العشاق وأنقى من قلوب الحكماء ثم طلب ~~طائفة من البط لتلعب قدامه في ms121 البركة وتنغط وجعل ينادم وزيره ويتلقف منه ~~حكمه المنيره ويتعرج على البط وهو يلعب ويتأمل في أنواع حكم الصانع الخاتم ~~من أصبعه وهو ساه وشاهد بزرجمهر هذا الأمر فما أبداه ولا أنهاه فالتقمته ~~بطة وغطت في الماء غطة وكان فيه فص ثمين وكسرى به من المغرمين فلما سود قلم ~~الاقتدار بياض النهار وأكمل مشقة على قرطاس الأقطار أذن كسرى للوزير ~~بالانصراف وقد أسبغ عليه خلع الأنعام والإسعاف ودخل كسرى إلى الحرم وافتقد ~~من أصبعه الخاتم فلم يتذكر ما جرى له ولا وقف على كيفية هذه الحالة فأرسل ~~يطلب الوزير البارع وسأل منه عن خاتمة الصائغ وكان الوزير قد نظر في الطالع ~~فرأى أن الكلام فيأمر الخاتم غير نافع فلو تكلم بصورة الواقع ذبح جميع البط ~~وما وجد لأن الطالع مانع فكتم أمره وكلمه بكلام الحقيقة الحد جامع مانع ثم ~~أنصرف وذهب واستمر كسرى على الطلب # PageV01P245 # ولم يزل بزرجمهر يراقب الأوقات وينظر في أحوال الساعات إلى أن استقام ~~الطالع وزال من السعد المانع وتيمن الفال وحسن البال وحال الوبال فتوجه ~~بزرجمهر إلى خدمة مخدومه وأخبره بما كان مخفيا من أمر الخاتم في جيب مكتومه ~~وأنه سقط من أصبعه وهو على البركة في موضعه فبادرت بطة إلى الغطة فاختطفته ~~وابتلعته بعد ما التقمته فأحضروا البط جميعه وذبحوا من عرضة واحدة بديعة ~~فوجدوا الخاتم في حشاها ولم تحوج إلى ذبح سواها ثم سأل كسرى الحكيم الأديب ~~لم لم يخبره بهذا الأمر الغريب في أول وقوعه وصدوره وما موجب تأخيره فقال: ~~كان إذ ذاك الجد في انعكاس والسعد في انتكاس والطالع في سقوط والنجم في ~~هبوط وأما الآن فالطالع واستقام والسعد كالخادم أقام ونجم السعود قد حال ~~عنه الهبوط والوبال وفي استقامة السعد وإقباله من بعد يفعل الشخص ما شا ~~فالدهر معه جار سواء جاري أو ماشي (وإنما أوردت) هذا النظير لتعلم أن ~~معاندة التقدير أمر خطير وخطب عسير فربما يفرغ الإنسان جهده في المبالغة ~~ويكون الأمر فيه ممانعة ومراودة فينعكس المرام ولم يحصل ms122 سوى إضاعة أيام ولم ~~أذكر هذه المفاوضة إلا على سبيل العرض لا المعارضة لما علم منك من وفور ~~الفضيلة وإن مقاصدك على كل حال جميلة فقال أخو نهشل الأمر كما زعمت وأشرت ~~به ورسمت ولكن خشيت أن لم أبادر يسبقني عدوة غادر أو حسود ماكر أو مبغض ~~مكابر فينهى المسامع ما ليس بواقع فلم نشعر أيها البطل إلا وقد ولج قلب ~~الملك أنواع من مكر ودخل فيصير كما قيل: # أناني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا # PageV01P246 # لا سيما وقد تقرر في الأمثال عند غالب الرجال أن الدعوى لمن سبق لا لمن ~~صدق وبالجملة يا أبا عويله إذا كانت مقاصد الشخص جميلة فإن الله تعالى ~~ينجحها ولا يفضحها ويدبرها ولا يدمرها وإن كان في الظاهر وعند البادي ~~والحاضر يظهر في بعض القضايا نوع هم وغم لكن ذاك السر لم يطلع عليه إلا ~~مدبر العالم وإذا فوض الشخص الأمور إلى العزيز الغفور الذي هو مدبر الطالع ~~والغارب وفي الحقيقة رب المشارق والمغارب وعلم أن مقاليد الأمور بيد تدبيره ~~وإن ملوك الأرض تحت تصريف تقديره وتسخيره استراح في كل المطالع وأخلص ~~التوكل فنجاه الله من كل الوقائع وأوصله إلى ما رام من المطامع (وحسبك) ~~قضية الناصح الأستاذ الأمين الدمشقي مع الخائن جاسوس بغداد وهي طويلة طائلة ~~في مجلدة كاملة وأيضا لم أبادر بمفاتحة السلطان في أمرك يا أعز الإخوان إلا ~~لئلا أنسب إلى نهاون وتوان وما من شروط المروة والصداقة والأخوة أن يتخلف ~~الفطن في مثل هذا الموطن عن مساعدة الأصحاب ومعاونة الأحباب لا سيما صديق ~~مثلك وحبيب متسم بفضلك وإني لا أدع من أنواع الاجتهاد وما يحسن ببالي في ~~الإصدار والإيراد شيئا إلا فعلته ولا أمر إلا قدمته ولا فكر إلا استعملته ~~ولو بذات في ذلك روحي ومالي وخيلي ورجالي وإني مباكر باب الملك وملازمه ~~كأحسن من سدك فإن رايته مكرما مقامي مصغيا إلى كلامي خاطبته بما يليق وسلكت ~~في الشفاعة وحلو العبارة أوضح طريق وإن شاهدت في خلقه ms123 شكاسه وفي طبعه شراسة ~~وصعوبة وشماسة سلكت سبيل حسن السياسة وفي الجملة استعمل علم الفراسة وفي كل ~~حكم نظيرة وقياسة وأستعين بالأقرباء والأولاد وأغالط المناقض والمعارض من ~~الأعداء وأقصد النحج وأراقبه وارتقب السعد وأخاطبه وأسلك مع كل # PageV01P247 # أحد ما يناسبه فالعدو أقتله والحسود أختله والعذول أفتله والمحب أحتله ~~والمبغض أبتله ومن تصلب في المدافعة أمثلة إلى أن ينقضي هذا الأمر وينطفي ~~منه الجمر ويقبل مبشر الأماني بالطبل والزمر ثم أنه بات مفكرا وبادر إلى ~~الصباح مبكرا وأم أبواب السلطان قبل سائر الخدم والأعوانفوجد الدب قد سبقه ~~وجلس من عين المكروه في الحدقة وقد فوق سهم الكبد وصوبه إلى شاكلة الصد ولم ~~يبق إلا إطلاقه ليشد من المرمى وثاقه فقبل النديم الأرض وأعلن سلامه وقطع ~~على أبي حميد كلامه وعارض ملامه وناقص مرامه وقال أدام الله أيام السعادة ~~وأعوام الحسنى وزيادة المستمدة من بقاء مولانا السلطان وعمر دهره المخلد ~~على تعاقب الزمان وأطأ قمم الأمم مواطئ قدمه وأطاب بطيب حياته معايش عبيده ~~وخدمه كانت المواعيد الشريفة والآراء المنيفة سبقت بالتأمل في أمر عبدها ~~القديم وخديمها الفقير النديم وجالب سرورها أبو نوفل النديم مع ما كان ~~لائحا وعلى صفحات الرضا واضحة من شمائل الأخلاق الملوكية ومكارم الشيم ~~السلطانية إن مراحمها ستأخذ بيد العائر وتقبل عثرته بحسن المآثر بحيث يشرح ~~الحاسر ويربح الخاسر والمملوك يسأل مراحمها ويرجو مكارمها أن لا تخيب ظنه ~~وأن تجبر بتحقيق ظنه وهنه وأن تجري مماليكها وعبيدها على ما عودها من ~~الصدقات قديمها وجديدها ثم أنشد وإلى الرضا أرشد: # أرجو بالعباس أن يروي لنا ... عن ثغرة الضحاك نورا يقتبس # فأقرأ تبسم ضاحكا من قولها ... متهللا نحوي ولا تقرأ عبس # PageV01P248 # فتبسم أبو العباس ابتسامة ظهرت منها للرضا علامة فاشتعل الدب من القيظ ~~وكاد يتمزق من الغيظ وعلم أن عقد أمره انفرط ونجم سعده من فلك السعد سقط ~~وأنه لم يكتسب من مكايد القساوة إلا هاتيك العداوة وانكشف عند مالكه ما ~~وطاه من مغطى وقرأ كل أحد حديث ذلك الموطأ وغلب ms124 عليه الوجد في الحال فخرج ~~عن دائرة الاعتدال وسكر من خمرة العداوة فطفح وعربد وشطح فقال: كل من ستر ~~على أعداء الملك فهو في الخيانة والجناية مشترك وكل من شفع في الجاني فهو ~~في قيد العصيان عاني بل هو أشد من المباشر إذ هو معاشر للمتعاطي ومكاثر ~~والإبقاء على المعصية شر منها والرضا بكفر الكافر فتنة يفر عنها وما أظنك ~~أيها النديم العارف القديم لمعرفة هذا القدر عديم فإن أبيت إلا الإصرار ~~ومساعدة الفجار ومعاونة الأشرار فأنت حينئذ مستخف لهيبة ولي نعمتك مستنقص ~~حرمة مالك رقبتك طالب لابتذاله مستهين بمقام جلاله راض بتسليط الأنذال ~~والأوغاد الأراذل على انتهاك حرمته وابتكاك أستار حشمته ونحن لا نرضى بذاء ~~الذمامة ولا كيد للمخالف ولا كرامة فعند ذلك استشاط الغضنفر وتأثر لكلام ~~الوزير وتغير وزأر وهمر وزفر زفرة وزمجر وكاد أن يثب على أبي جمهر ثم أنه ~~تماسك وتناسى الغدر وتناسك وقال يا أبا سلمة كبرت كلمه غيمة الأصحاب ~~والنميمة بين الأحباب وساءت حركة وبئست ملكه تناسى الحقوق وتحاشى العقوق # PageV01P249 # وإطراح جانب الصديق الصدوق والرفيق الشفوق وإضاعة خدمة الخديم لا سيما ~~النديم القديم ولم تزل الأصاغر تستمطر مراحم الرؤساء والأكابر ولم تبرح ~~الملوك تعطف على مسكينها الصعلوك أنسيت ما قلت لك في حقيقة من ملك وهو: # ليس المليك الذي تشقى رعيته ... وإنما الملك مولى يحفظ الخدما # وأيضا لم تزل الأصحاب تساعد أصحابها وتستعطف عليها ملوكها وأربابها وترفع ~~بحسن السفارة من ستائر الدهشة حجابها ويثبتون بذلك الأجر العظيم والثواب ~~الجسيم والثناء العاجل والجزاء الآجل في صحائف مخاديمهم ويعدون ذلك أربح ~~معاليمهم ويبذلون في ذلك الجهد ويبلغون فيه غاية الكد وذلك مما يجب عليهم ~~ويتقدم بالمحافظة عليه إليهم كما قيل: # يستعطفون الأكابر # يستعبدون الأساغر # يحبون رسم الأوائل # يعملون الأواخر # وأي فائدة واستفادة أيها الوزير أبا قتادة في رعية ملك لا تتفق قلوبهم ~~ولا تستر بينهم عيوبهم ولا تطهر بالصفاء جيوبهم ولا تتجافى عن مضاجع الجفاء ~~جنوبهم ولا يتساوى في الوفاء حضورهموغيوبهم تراهم في الغيبة يفت بعضهم ms125 بعضا ~~فتا ويرعون لحومهم قتا كبهائم لاقت في مرعاها قتا وفي الحضور تحسبهم جميعا ~~وقلوبهم شتى ثم إن كان أخو نهشل يساعد أخاه أبا نوفل فذاك شيء يجب عليه ~~ويندب فإنه صاحبه القديم وجليسه القويم وإن تخلى عنه فماذا يرجى منه وحجر ~~النوائب هو محك الأصحاب وجمر المصائب يظهر من تبر الصداقة اللباب وقد قام ~~في هذه # PageV01P250 # النوائب بعدة أشياء كلها عليه واجب أولها القيام بحق أخيه والسعي في ~~خلاصه من هذا الأمر الكريه ثانيها ساق إلى صحائفي الحسنات وقصد لي رفع ~~الدرجات ثالثها طلب رضا خاطري وما يشرح صدري ويسر سرائري رابعها مباعدتي عن ~~الآثام وخلاص ذمتي من الوقوع في الحرام فربما يحملني العنود والخلق الشرود ~~على التعدي في الحدود خامسها اشتهار أسمي بالفضل وعدم المؤاخذة بالعدل ~~فيشيع في الآفاق عني مكارم الأخلاق سادسها انتشار صيتي بحسن الوفاء بحقوق ~~الإخوان وعدم الجفاء سابعها أنه غرس في قلوب الأماثل محبته وزرع في أوراح ~~الأفاضل مودته وإن كان صدر من أبى نوفل ما صدر فإنه اعترف بالذنب وعنه ~~اعتذر فنعمل معه بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر كما قيل: # اقبل معاذير من يأتيك معتذرا ... إن بر عندك فيما قال أو فجرا # فقد أطاعك من أرضاك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا # ولو بلغت هذه الحكاية غاية الشر ونهاية النكاية ماندني واقعة الملك ~~الصافح عن عدوه المؤذي السافح فقبل الدب الأرض وقام في مقام العرض وسأل ~~الملك بيانها ليعلم بحسن التصريف فرزاتها ويقيس عليها أوزانها (فقال) ذكر ~~أن بعض السلاطين تصدى له عدو من الشياطين يحرض عليه الأعادي ويفسد عليه ~~الحاضر والبادي ويجتهد في إقامته ومسيره في إزالة الملك عن سريره ويغري به ~~العساكر فيقابله ظاهرا بالنواكر باطنا بالمواكر وما فسد منه إلا بدواعي ~~الحقد والحسد فجعل الملك يسترضيه بالهبات فلا يرضى ويستدنيه بالصلات فلا ~~تزيد صلاته إلا بعدا ونقضا كما قيل: # إلى كم يداري القلب حاسد نعمة ... إذا كان لا يرضيه إلا زوالها # PageV01P251 # فاضطر الملك من أموره واشتغل لإيقاعه بنذوره وجعل ينصب ms126 له شرك الوقائع ~~ويجتهد ف إيقاعه بكل دان وشاسع وذلك الباغي أحذر من الغراب وأسهر من طالع ~~الكلاب والملك لا يقر له قرار ولا يطيب له عيش لا بالليل ولا بالنهار فكان ~~من أحسن الاتفاق أن علق ذلك الباغي ببعض الأوهاق فحمل إلى حضرة الملك وهو ~~في قيد البلاء مشتبك فلما رآه في قيد النكد بادر إلى الأرض فسجد وقال الحمد ~~لله المغيث حيث أمكن منك أي خبيث أترى هذا المنام فهو أضغاث أحلام أم سمح ~~الزمان بأهل العدوان وأنا يقظان ثم شرع في السب والتجديع والتوبيخ والتقريع ~~وأقسم بالفالق الأصباح وخالق الأرواح والأشباح ليفعلن بذلك النباح من ~~النكال والجراح ما فعل المصطفى عليه الصلاة والسلام مع سراق اللقاح وليذيقه ~~كأس البأس وليجرعنه من خمر المنية أمر كأس ثم أمر الجلاد أن يأتيه بماله من ~~القطع والسيف والعتاد فعلم ذلك الزنديق أنه وقع في الضيق وأنه لا ينجيه أخ ~~ولا صديق ولا افتداء بشقيق ولا حميم وشفيق فضلا عن مال ومنال أو خيل ورجال ~~فلما غسل يده من العيش استهوته الخفة والطيش فشرع في السباب ودخل في الشتم ~~من كل # PageV01P252 # باب ورفع بفاحش الكلام الصوت وقال ما بعد الموت موت فسأل الملك أحد ~~الوزراء ماذا يقول من الافتراء هذا الظالم المجتري الباغي المفتري فقال ~~يدعو بدوام البقاء ورفعة مولانا الملك والارتقاء ويقول ما أحسن العفو عند ~~المقدرة واللطف والكرم أيام الميسرة وإن لم ثم مجال للمعذرة ولو جعل العفر ~~شكر المقدرة لكان أولى وأعلى مقاما في مكارم وأحلى كما قيل: ما أحسن العفو ~~من القادر لا سيما لغير ذي ناصر # ويترجم على أسلاف مولانا السلطان الذين كان شيمتهم العفو عن ذوي العصيان ~~وكان ذلك منتهى لذتهم وغاية أمنيتهم وما أجدر مولانا الملك أن يحيي مكارم ~~سلفه ويجعل العفو كلمة باقية في خلفه ولا زال يقول من هذا المقول حتى لان ~~له القلب القاسي ورق له قلب الملك الجاسي فأمر بإطلاقه ومن عليه بإعتاقه ~~وكان أحد الوزراء وأركان الأمراء شخص يعاكس ms127 هذا الوزير ويناقضه فيما يراه ~~ويشير وبينهما مرت أسباب عداوة أحلى في مذاق طبعهما من الشهد والحلاوة كل ~~مترصد للآخر زلة متوقع لإيقاعه في شبكة البلاء غفلة فحين رأى شقة الحال ~~نسجت على هذا المنوال وجد فرصة للمقال فتقدم وقال ما أحسن الصدق وأيمن كلام ~~الحق خصوصا في حضرة المخدوم وهذا أمر معلوم عدو مبين وحسود مهين لم يترك من ~~أنواع العداوة شيئا إلا تعاطاه ولا من الإفساد والشر صنفا إلا هياه قد أهلك ~~الحرث والنسل وبدل جنتي الصلاح من الفساد بخمط وأثل إلى أن أمكن الله تعالى ~~منه وحان تفريغ الخواطر الشريفة عنه ثم أنه في # PageV01P253 # مثل هذا المقام بين الخواص والعوام يثلب الأعراض من الأمراض ويجهر بالسوء ~~من القول ويصرف في الخنى والسب ما له من قوة وحول كيف يحل السكوت عن جرائمه ~~وتغطية مساويه وعظائمه فضلا عن أن تتجلى سيئاته في خلع الحسنات وتتحلى ~~شوهاء سواخط أدعيته بملابس أحسن الدعوات ومع هذا يطلب له التوقع والخلاص ~~والإطلاق من شرك الاقتناص وهو على ما هو عليه من الإساءة المنسوبة إليه أما ~~والله يا مولانا الهمام وسلطان الأنام ما قال إلا كذا كذا من قبيح الكلام ~~وتناول العرض المصون بالسب والدعاء والملام فتغير خاطر الملك وتعكر وتشوش ~~صافي خاطره وتكدر ثم قال أيها الوزير ذو الصدق في التحرير والله وحقك إن ~~كذب هذا الوزير عندي خير من صدقك فإنه بكذبه أرضاني وإلى طريق الحق هداني ~~وأصفى خاطري من الكدر وأطغا ما كان تلهب في غيظي من شرر ونجاني من دم كنت ~~أريقه ولا يهتدي إلى كيفية استحلاله طريقة فأصلح بذلك ذات البين وأصار ~~المتعادلين أحسن محبين وخلد ذكري بجميل الصفات وسلك بي طريقة أجدادي الرفات ~~وأما أنت فكدرت عيشي وآثرت غضبي وطيشي وأسمعتني الكلام المر وقد سنى منك ~~الضر وأما أنا فقد أعتقت هذا وأطلقته فلا أرجع في إيذائه وقد أعتقته وقد ~~ثبت لهذا الوزير على حقوق لا ينكرها إلا ذو عقوق ولا تسعها الأوراق والرقوق ~~فكذبه عندي خير ms128 من صدقك وباطله أحلى على قلبي من حقك ولهذا قال ذو الأفضال ~~ما كل ما يعلم يقال # PageV01P254 # (وإنما أوردت) هذا الكلام يا كرام لتعلموا إن السلطان بمنزلة الإمام ~~وأركانه له تبغ في القعود والقيام ولا يتم الإئتمام إلا بالاتفاق بين ~~الرفاق فإذا كان الجماعة مجمعين طائعين لإمامهم مستمعين استقام القيام ~~وانتهوا من جميل التحيات إلى السلام ولا يقع لهم انتظام مع مخالفتهم لحال ~~الإمام هذا قائم وهذا قاعد وهذا راكع وهذا ساجد وهذا نائم وهذا هاجد وأيضا ~~السلطان بمنزلة القلب والرأس وبمنزلة الأعضاء رؤساء الناس وباقي الرعية خدم ~~للرأس والأعضاء منتظرين لما تبرز به المراسيم من الزجر والإمضاء فإذا اتفقت ~~الأعضاء واصطلحت انتظمت أمور كل من الرأس والرعية وانصلحت وإذا وقع اختلاف ~~وتباين في الأعضا صار كل من الرأس والقلب والرعية مرضى ولقد صدق من قال وهو ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرضى المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا. ~~وخلاصة هذا الكلام أن قصدي أن تكون أحوال رعيتي على النظام لا يقع بينهم ~~شقاق ولا تنافر ولا نفاق وأما أبو نوفل فيكفيه حياؤه وخجلته فقد انتهت وتمت ~~عقوبته وأخذ حده حده ولا يليق بكرمي أن أرده وهذا الذي ورثته عن أسلافي وهو ~~الحق اللائق بمحاسن شيمي وأوصافي فلما سمع الوزير هذا الكلاموجرح فؤاده نصل ~~هذا الملام ندم غاية الندم وعلم أنه قد زلت به القدم وأنه لا حاجته قضى ولا ~~على صديقه أبقى ولم يستفد مما أبداه من فجم سوى إظهار معاداة أبي التجم ~~وإنه إذا تخلص من حبسه وكربه ورجع عند الملك إلى منادمته وقربه لابد أن ~~يتصدى لمعاداته وسلبه ولا يفيده بعد ذلك أفعاله ولا يسمع في أبي نوفل ~~أقواله فانصرف من # PageV01P255 # عند الملك الطيثار لا يدري أين يضع قدمه من الإفتكار حتى وصل إلى منزله ~~واختلى في فكره بعمله وفرغ للمخلص من هذه الورطة طرقا وتفرقت رواد أفكاره ~~في منازل الخلاص فرقا فأدى نصيب الرواد من الآراء ومفيد القصاد من الشورى # إلى السعي في مصالحة أبو ms129 نوفل وإزالة ما وقع من الغبر في وجوه الصداقة ~~وتخلل ثم أدى إفتكاره وأورى من زند رأيه شراره إلى أن الذي وقع منه قد ~~اشتهر وعلم به أصحاب البدو والحضر فإذا طلب من بعده الصلح فذلك في غاية ~~القبح إذ كل من في حجره حجز يتحقق إن ذلك خور وعجز فصار يتردد بين هذه ~~الأفكار ويتأمل ما فيها من تحقيق الأنظار وتدقيق الأسرار فبينما هو في بحر ~~الافتكار يلطمه الموج ويصدمه التيار دخل عليه صفي له صافي الوداد وهو ظبي ~~أغر يدعى مبارك الميلاد ذكي الجنان فصيح اللسان دقيق النظر عميق الفكر ذو ~~رأي صواب وشفقة كاملة على الأصحاب فرآه مطرقا إلى الأرض في فكر ذي طول وعرض ~~فسلم عليه وتقدم بالسؤال إليه عن نشور باله وتوزع حاله فطلب الوقوف على ما ~~ناله لينظر عاقبة أمره ومآله فأخبره بموجب ذلك وأنه قد سدت في وجهه المسالك ~~فقال مبارك الميلاد يا صحيح الوداد أنت قد زعمت أن مولانا السلطان قد ترك ~~أبا نوفل الندمان وطرحه إطراحا لا رجعة فيه وأنه بعد اليوم لا يذكره ولا ~~يدينه وإن عثرته لا تقال وغصته لا تزول وقصته لا تزال هيهات هيهات يا أبا ~~الترهات الملوك إن لم يعرفوا حقوق خدمهم ولم يثبتوا في ديوان إحسانهم قدم ~~قدمهم خصوصا هذا الملك العظيم الذي أنفاس شيمه تحيي العظم الرميم ونحن قد ~~وجينا عمرنا في خدمة وأذاقنا برد # PageV01P256 # عفوه وحلاوة كرمه وغذاء أرواحنا إنما هو غوادي حمله ورائح نعمه مع إن أبا ~~نوفل لم يقع في محذور معضل يوجب تناسي ذممه وابتذال حرمته وحرمه وإنه ~~استغفر وأناب واعتذر وتاب وأعلم أيها الوزير الأكرم إن ذوي النهي والحجر ~~إذا أرادوا الشروع في أمر تأملوا في مبداه غايته ومنتهاه وهذا التقرير ~~كالجلوس المقصود من عمل السرير فإنما تنبعث لصنعته النفوس إذا علمت بحصول ~~الرفعة عليه من الجلوس كما قيل: # فإياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك مصادره # أما بلغك يا أخي وأكرم سخي حكاية التاجر البلخي؟ قال الوزير: ms130 أخبرني ~~بكيفية هذا التنظير! (قال) مبارك الميلاد بلغني من أحد العباد الذين طافوا ~~البلاد أنه كان في مدينة بلخ تاجر كثير العروض والمتاجر عريض المال والجاه ~~غزير الضياع والمياه تكاثر نقوده الرمال وتباهي خزائنه معادن الجبال وتفاخر ~~جواهره در البحار وتسامي بضائعه تلال القفار تراجع عنه الحظ وعامله الزمان ~~بعادة طبعه الفظ وأدبرت عنه من الدنيا القوابل ونزلت بساحة موجوده بالإعدام ~~النوازل وولت وفود معايشه فكادت تقد السلاسل فصار كلما عامل معاملة انعكست ~~عليه حتى نفد جميع ما بين يديه فلم ير لنفسه أوفق من التغرب عن وطنه ~~والإقامة في سكن غير سكنه فأخذ بعضا من المال وخرج من بلاد الشرق إلى بلاد ~~الشمال وداوم في الأرض على # PageV01P257 # الضرب حتى انتهى إلى بلاد الغرب فأقام بها دهرا يتعاطى معاملة وتجرا إلى ~~أن زاد ماله وأثرى ورجع إليه بعض ما ذهب من يديه ثم اشتاق إلى بلده ورؤية ~~زوجته وولده فتجهز إليها وسار حتى نزل عليها وأراد الدخول إلى داره فأوقفه ~~مشير افتكاره إلى أعمال النظر في حادث القضاء والقدر وأنشده الزمان بلسان ~~البيان: # للكون دائرة من قبلنا صنعت ... لا بي تضيق ولا من أجلك اتسعتوالسر في جيب ~~غيب الله مكتتم فلست تدري يد التقدير ما صنعت # فرأى أن يدخل متنسيا متنكرا متخفيا ويتوصل إلى داره ويتجسس أحوال كباره ~~وصغاره وما حدث عليهم من الحوادث وتقلبات الزمان العائث فتوجه لما أظلم إلى ~~داره وهو يترنم: # بالله قل لي خبرك ... فلي زمان لم أرك # إلى أن وصل إلى الباب وما عليه حاجب ولا بواب فرأى الباب مقفلا والقنديل ~~عليه مسبلا وكان يعرف للسطوح دربا خفيا فاستطرق منه وارتفع مكانا عليا ~~وأشرف من اكوة فرأى ربة البيت المرجوة فوق سرير الأمان معانقة فتى من ~~الفتيان كأنهما لفرط العناق كانا ميتين من ألم الاشتياق فبعثتهما قيامة ~~التلاق فتلازما والتفت الساق بالساق ولسان حال كل منها يروي عنهما: # عانقت محبوب قلبي حين واصلني ... كأنني حرف لام عانقت ألفا # فتبادر إلى وهلة لغيبوبة عقله أن ذلك ms131 الشاب الظريف معاشر حريف أفسد زوجته ~~مغتنما غيبته وأنه في تلك الليلة استعمل قوله: # لا تلق إلا بليل من تواصله ... فالشمس نمامة والليل قواد # PageV01P258 # فسل السكين وقصد قتل ذلك المسكين وصمم على النزول إلى البيت وإثارة الفتن ~~بكيت وكيت ثم استناب وهله واستراب عقله وأخذ يتفكر ويتأمل ويتدبر واحتضر ~~أحوال قرينته وأنها في العفة مجبولة من طينته وأنه لم يعلم عليها إلا الخير ~~وعدم ميلها عن حلالها إلى الغير فطلب قبل الفضيحة لزوجته طريقة مندوحة ~~ظريفة ممدوحة فإن مدة غيبته طالت وزوجته إن كانت حالتها حالت فلابد أولا من ~~الوقوف عليها كيف استحالت ثم كف عن الذبح ونزل عن السطح وقصد جارة داره ~~ودارة جارة وطرق بابها واستنبح كلابها فخرجت إليه عجوز كانت إلى داره تجوز ~~فسألت من هو وما مراده ومن أين إصداره وإيراده فقال: إني رجل غريب ليس لي ~~بهذه البلدة خليل ولا قريب وبلادي أرض مكة كنت أتردد هذه السكة وأعامل ~~التجار وكان لي في هذه المحلة مجير وجار من التجار الكبار كنت آوي إليه ~~وأنزل في قدومي عليه اسمه فلان وقد مر علينا زمان وعاقني عنه نوائب الحدثان ~~والآن قدمت إلى هذا المكان وقد قصدت داره ولا أدري أي جراه عاره ولم أعرف ~~له خبرا ولا رأيت عينا ولا أثرا فهل تعرفين كيف حاله وإلى ماذا آل مآله؟ ~~فقال: نعم. زالت عنه النعم وألجأته الحال إلى الترحال فرحل منذ سنين وكنا ~~في جواره من الآمنين وانقطع عنا خبره وعن زوجته عينه وأثره وطال عليها ~~منظره ففسخت نكاحها واعتدت وطلبت تصيبها واستدت ولقد أوحشنا فرقاه وآلمنا ~~اشتياقه غير أن زوجته قامت مقامه وأفاضت علينا إحسانه وإنعامه وهي متشوقة ~~إلى رؤيته متشوفة إلى مطالع طلعته متلهفة على أيام وصاله متأسفة على ترشف ~~زلاله فلما وقف على صورة الحال سجد شكر الله ذي الجلال وحمد الله على ~~الثبات في مثل هذه النائبات # PageV01P259 # (وإنما أوردت) هذا المثال لتعلم فضيلة التأمل في المآل والتفكر في عواقب ~~الأحوال قال الدب دعنا من ms132 هذا الكلام والأخذ في الملام وأسعدني في التدارك ~~فإنك نعم المشارك قبل انفلات العنان وانقلاب الزمان وخروج زمان التلافي من ~~أنامل الإمكان وانتقال حل عقدته من اللسان والبنان إلى الأسنان فقال مبارك ~~الميلاد الرأي عندي يا أبا قتاد المبادرة إلى الصلح والاصطلاح ليحصل النصح ~~والفلاح والأخذ في المصافاة وسلوك طريق الموافاة والعمل به باطنا وظاهرا ~~والاستمرار عليه أولا وآخرا ومحوا آثار العداوة وتناسي أسباب الجفا ~~والقساوة واستئناف المودة الصافية والمحبة الوافية وصرف القلب نحو دروس فقه ~~الحلة الشافية والكافية حتى يقول من رأى وسمع الحمد لله آلت العاقبة إلى ~~العافية ثم أعلم إنه لا يصفو لك صاحب وخاطرك عليه للتكدرمصاحب ولا يخلص لك ~~صديق ولبن خلوص محبتك إياه مذيق وقاطع بغضك في الطريق وشوك سعيك راكب ~~التعويق والقلوب في المحبة تتجازى إن حقيقة فحقيقة وإن مجازا فمجازا وكل ~~شيء بمقدار وميزان وكما ندين ندان وقلما تجد من تحبه ويبغضك وتربه ويرفضك ~~وتصفو له ويتكدر ولا تتغير عليه ويتغير ودونك يا ذا الكرامات ما قال صاحب ~~المقامات: # وكلت للخل كما كال لي ... على وفاء الكيل أو بخسه # PageV01P260 # وقال من أحسن من المقال: # والعين تعرف من عيني محدثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها # وأنا أقول هذا الكلام إلا من قول خير الأنام عليه أفضل التحيات وأكمل ~~السلام أرواح أجناد مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وإنما ~~يقع التعارف من الجهتين والتناكر من الطرفين ولا تغالط نفسك وتكابر حسك أن ~~يحيك من تكرهه ويزينك من تشوهه ويقربك من تقصيه ويقيمك من ترميه ويرفعك من ~~تضعه ويأخذ بيدك من تدفعه كما قيل في الأقاويل: # والناس أكيس من أن يمد حوار جلا ... ما لم ير واعنده آثار إحسان # وأعلم أن غالب الإخوان في هذا الزمان مسلوب الإنسانية وإن كان في زي ~~الإنسان من أحسنت إليه أسا ومن ترفقت له قسا ومن نفعته ضرك ومن أمنته غرك ~~ومن سكنت أوامه بزلال فضلك جرك وقد أجاد صاحب الإنشاد: # جزى الله عنا الخير ms133 من ليس بيننا ... ولا بينه ود ولا نتعارف # فما سامنا خسفا ولا شفنا أذى ... من الناس إلا من نود ونألف # وإذا كان هذا فيمن تحسن إليه وتسبغ ملابس أفضالك عليه فكيف يكون حال من ~~تضمر له النكال ونتمنى وقوعه في شرك العقال أني تراه يصفو لك ويتقاضى سؤلك ~~ومأمولك وهو مترقب غيله غولك متوقع منك أن يصير مقتولك فماذا عسى أن تبلغ ~~منه سؤالك ومسؤلك أو ترى من محبته ومودته مأمولك ومحصولك # PageV01P261 # (وإنما أوردت) هذه المقامات وإن كانت من فضلات علمك ورشحات قلمك أتتنا ~~متقدمات إلا لتعاطي أسباب الصلح أولا في نفسك ثم تستعمل الوسائط من أبناء ~~جنسك فينتج المقصود ويصفو الورد المورود كما قيل: # فإن القلوب مرائي الصفات ... كما السيف مرآة وجه الذوات # قال الدب أنا ألقي الزمام في هذا المقام لنيل هذا المرام إلى يد تدبيرك ~~واكتفي في رعى رياضه برائد رأيك وتقديرك فإن فكرك نجيب وسهم رأسك مصيب ~~فافعل ما تختار وأذقنا من رائق رأيك المشتار فقال: نقسم أولا: باللطيف ~~الخبير أنك أصفيت الضمير من الغش والتكدير وكرعت من وارد الصفاء الزلال ~~النمير ونفضت يد المحبة والإخاء من علاقات البغضاء والشحناء حتى تجيب دعي ~~ولا يخيب سعيي وأبذل مجهودي في نيل مقصودي وأبني على أساس وأسلك مع الناس ~~مسلك الناس فبادر باليمين إلى اليمين المباينة وأنه يكتفي من غدير الغدير ~~بما جرى ويطوي حديث الشحناء فلا سمع الواشي بذاك ولا درى فليبذل مبارك ~~الميلاد جهده في السعي في إصلاح الفساد وعقد أعلى ذلك العهد وتوجه مبارك ~~الميلاد من بعد وقصد منزل أخي نهشل فرآه فيمن ثار همومه في مشغل وقد غرق في ~~بحر الأفكار هائما لا يقر له قرار فسلك عليه وتقدم بالسؤال عن حاله إليه ~~وآنسه بالمحادثة وذكر له الدهر وحوادثه وتذاكر لما وقع من الدب وكيف أظهر ~~نواقص الحب وبارز بالعداوة وأبرز # PageV01P262 # بأدني حركة موجبات القساوة ثم أخذ أخو نهشل في العتاب وفتح لمبارك ~~الميلاد من جهة صاحبه وعتابه الباب فاعترف بإن فعله حالك ولم ms134 يسعه إلا ~~الاعتذار وجبر ما وقع لأبي نوفل من الإنكار بالسعي في مساعدته والقيام ~~معهفي جماعته والتوجه إلى حضرة المخدوم والتلافي بمرهم التصافي ما سبق من ~~جراحات الكلام والكلوم ثم إذا حصل من الخواطر الشريفة الإغضا وأثمر في رياض ~~العفو لجاني الخدم فواكه الرضا يستأنف شوق المحبة عقود المبايعة ويروج تاجر ~~الصداقة على مشترى الحشمة في مظان رغباتها بضائعه إلى أن يتزايد الوداد ~~ويتأكد بين الجميع عالم الاتحاد فانهض يا رئيس الأصحاب وأنيس الأحباب: # فالعمر أقصر مدة ... من أن يدنس بالعتاب # ثم نهضا جميعا وأتيا أبا نوفل سريعا فوجده في أحرج مكان وأوهج زمان ~~محفوفا بالأحزان مكنوفا بالأشجان وما حال من جفاه أحباه وأقصاه مولاه وصار ~~وهو جان غريمه السلطان فلما سلما عليه وجلسا إليه واعتذر مبارك الميلاد بعد ~~إظهار تباشير الوداد أن موجب تقصيره في السؤال عنه وتأخيره أن قلبه الوامق ~~وطرفه الوادق لم يطاوعا على رؤيته في تلك الحال ولا سمحت قدمه بالتقدم إليه ~~وهو مشغول البال ثم تفاوضا في أسباب الصلح وقصد أبواب النجح فتجاذبوا أطراف ~~الطرائف وتفكهوا على # PageV01P263 # موائد التحف واللطائف وما زالوا ينسجون خلع الوفاق ويمزقون شقق الشقاق ~~إلى أن انعقدت أهداب المحبة والوداد وانحلت عقودا الحقود والكباد وتحقق كل ~~أحد من كبير وصغير ومأمور وأمير وجليل بحصول خالص المودة بين النديم ~~والوزير: # ولما أن تراءى الفجر يحكي ... جبين الحب أو رأى اللبيب # توجه الوزير ومبارك الميلاد وأخو نهشل ورؤوس الأجناد مع سائر الأمراء ~~والوزراء والأعيان والكبراء حتى انتهوا إلى السدة العلية والحضرة الملكية ~~السلطانية فقبلوا أرض الطاعة ووقفوا في مواقف الشفاعة ونشروا من الدعاء ~~والثناء ما يليق بجناب الملوك والعظماء وذكروا النديم أبا نوفل بما يستعطف ~~به الخاطر المفضل حتى عطفت عليه مراحمه وانمحت من جريدة لانتقام جرائمه ~~وسمح بإحضاره لديه ليسبل ذيل الكرم والعفو عليه ثم يشمله ثوب الرضا وخلع ~~العفو عما مضى فأسرع نحوه البشير بما اتفق من الجماعة مع الوزير ثم وصل ~~القاصد وهو له مراصد فتوجه منشرح البال منبسط الآمال ms135 حتى دخل على حضرة ذي ~~الدولة والإقبال وقبل الجدالة ووقف في موقف الخجالة لا يرفع طرفا ولا ينطق ~~حرفا فرسم بالتشريف والخلع ليرفع عنه التخويف والهلع فتضاعفت الأدعية ~~الصالحة والأثنية الفائحة: # بغادية من ذكره قد تمسكت ... بطيب ثنا يحيي الزمان ورائحه # وأقيمت حرمته واستمرت عليه وظيفته ثم إن الملك انتقل من المجلس الغاص إلى ~~مجلس خاص واجتمع بالخواص وعم الخطاب لكل ناص ومحدث وقاص # PageV01P264 # فقال ليعلم الوزير والنائب والأمير والحاجب والصديق والصاحب والجندي ~~والكاتب والمباشر والحاسب والراجل والراكب والآتي والذاهب وليبلغ الشاهد ~~الغائب إن مقتضى الرياسة في الشرع والسياسة على ما قدره حكماء الملوك ~~وسلكوا بعباد الله تعالى أحسن السلوك أن كل واحد من الغني والصعلوك لا سيما ~~من له من الأمر شيء أو نوع مباشرة على ميت أو حي له مقام معين لا يزايله ~~ومكان مبين لا يقابله قال الحي القيوم ذو الملك الديموم حكاية عن متصرفي ~~ملك الديوم وما منا إلا له مقام معلوم وعلى هذا جرت سنته وورد كلامه ولاه ~~أو سلطان علاه أن يلازم مقامه ويلاحظ في صف جماعته إمامه ويراقب ما يصدر ~~عنه قيل إياك وما يعتذر التفكر ويعيره بمعيار التأمل والتبصر ثم يسبكه في ~~بوتعة الفصاحة ويسكبه في قالب الملاحة ويصوغه بالآلات حسن الانسجام ويرصعه ~~بجواهر المقام فإذا صيغ على هذه الصياغة وقعدت علىصورة سبكه نقوش البلاغة ~~وأخرج له غواص الفكر من بحر المعاني والبيان فرائد أفكار لم تظفر بها أصداف ~~الآذان وخرائد أبكار لم تفترعها فحول الأذهان ازدانت بها من حور جنان ~~الجنان ومقصورات خيام الدهور والأزمان آنسات لم يطمثهن أنس قبلهم ولا جان ~~فاختلب بيهائه القلوب والأرواح واستلب بروائه الأموال والأشباح واستمال ~~الخواطر وسحب الأيادي المواطر وصار الدهر من بعض رواته وأشناف ما يرويه عنه # PageV01P265 # معلقة بآذان نياته وإن وقع والعياذ بالله منه ما يورث الندم والحزن وأخرج ~~سهم الكلام من قوس العجلة لا اكتال ولا أتزن حصل في سوق ظاهره وباطنه الغبن ~~والغين وأصابه نديم فغفور الختن فنهض الجماعة وللأرض قبلوا ms136 وعن كيفية هذا ~~الخبر سألوا (فقال) الملك ذكر المخبرون وأخبر المذكرون أنه في قديم الزمن ~~كان عند فغفور الختن ندمان كامل المعاني في البيان ذو نعمة جزيلة وصورة ~~جميلة وفضائل فضيلة مبرز في العلم كامل المودة والحلم محبوب الصورة مشكور ~~السيرة طاهر السريرة ثقيل الرأس خفيف الروح والحواس قد جال وجاب وبلا ~~الأعداء والأصحاب وترشح لمنادمة الملوك والأمراء ومجالسة السلاطين والوزراء ~~وهو خصيص بملك الختن والصين مقبول عند الملوك والسلاطين اتفق له في بعض ~~الليالي أنه كان عند جناب ملكه الغالي وعنده جماعة من العلماء وطائفة من ~~الإخصاء والندماء وهم يتعاطون كؤوس اللطائف ويتواطون على ما في الدنيا من ~~طرف وطرائف ويتذكرون عجائب الأقطار يشنفون المسامع بخصائص الأمصار فقال ~~النديم رأيت في بعض الأقاليم من الأراضي الحامية والبلاد القاصية حيوانا ~~كبيرا سريع السير متردد أشكله بين شكلي الجمل والطير يضرب به في الدبدبة ~~المثل فيتعاطى التعلل في الكسل إن قيل له أحمل يقول أنا طير وإن قيل له طر ~~يقول أنا جمل وذكر إن اسمه النعام وسائر أوصافه وأعضائه على إتمام فتعجب ~~الحاضرون من هذه الصفات والأشكال البديعة والهيآت ثم # PageV01P266 # قال وأعجب من هذه الصفات أن هذه الدابة تأكل الجمرات وتلتقط الحصيات ~~وتختطف الحديدة المحماة من النار تزدردها ولا يتألم لذلك فمها ولا جسدها ~~وتذيب كل ذلك معدتها ولا يتأثر بها لسانها ولا ترقوتها فأنكر بعض الحاضرين ~~هذا المقال لكونه لم يشاهد هذه الأحوال ولا رأى ولا سمع خبر طير يأكل النار ~~ويبلع الأحجار ونسبوه إلى المخارقة في الأخبار فتصدى لإثبات ما يقول بطريقي ~~المنقول والمعقول فلم يسعف كلامه القبول على ما ألفته منهم العقول لأن ~~الحيوان بل وسائر الجمادات إذا اتصلت بها النار محت منها الآثار وهذا طير ~~من الأطيار من لحم ودم فكيف لا تحرقه النار فاتفق الجمهور على تكذيب هذه ~~الأخبار وقالوا المثل المشهود إنما هو موضوع على لسان الطيور فيمن تردد بين ~~الأمور فيقال هذا الفقير كالنعامة لا يحمل ولا يطير ومثل هذا المضرب يا شيخ ms137 ~~المشرق والمغرب قولهم طارت به عنقاء مغرب فقال النديم الفاضل الحكيم أنا ~~رأيت هذا بالعين فلم يزدهم إلا تأكيد المين من الخجالة والندم أمر عظيم ~~واستمر في حصر حتى منعه السلطان من الدخول إلى القصر وصار بين الأصحاب يشار ~~إليه بيا كذاب فلم يسع ذلك الأستاذ إلا السفر من تلك البلاد والتوجه إلى ~~العراق وبغداد وأخذ من الطير النعام عده واستعمل عليها رجلا مستعدة ونقلها ~~إلى # الصين في عدة سنين تارة في البحر وأخرى في البر وقاسى أنواعا من البؤس ~~والضر وتكلف حملا من الأموال وتحمل مع المشاق منن # PageV01P267 # الرجال فما انتهى به السير إلا وقد مات غالب تلك الطير فوصل إلى حضرة ملك ~~الخطا واشتهر في المملكة أن النديم الفلاني أتى فاجتمع الناس لينظروا وأمر ~~الملك للخاص والعام فحضروا وأحضروا النعام في ذلك المحفل العام وطرح لها ~~الحديد المحمي فخطفته والجمر والحصى فالتقفته فتعجب الناس لذلك وسبحوا لله ~~مالك الممالك وعلم الصغار والكبار أنه يخلق ما يشاء ويختارفشمله الملك ~~بمزيد الإنعام واعتذر إليه عما مضى من ملام وزادت رفعته ونفذت كلمته إذ قد ~~أثبت مدعاه وحقق بشاهد الحس معنى ما ادعاه ففي بعض الأوقات تذاكروا ما فات ~~وانجر بهم الكلام ما مر من حديث النعام فقال النديم أيها الملك الكريم إني ~~تكلفت على هذه الأطيار كذا وكذا ألف دينار وقاسيت من المشقة في الأسفار ~~وعاينت من شدائد الأخطار ما لا تقاسيه عيدان النار واستمريت في هذا العذاب ~~الأليم المهين وفي سجن المشاق سنين حتى بلغت تحقيق مرامي وتصديق كلامي ~~ولولا عناية مولانا السلطان لما ساعدني على مقصودي الزمان ولما زال عني اسم ~~الكذاب إلى يوم الحساب فتبسم السلطان وقال لقد أتيت بمحاسن وما قصرت ولكن ~~كما يحتاج في إثبات تصديقها والخروج عن عهدة تحقيقها إلى صرف المال الجزيل ~~وتجشم مشقة السفر العريض الطويل وتحمل منن الرجال وركوب الأخطار والأهوال ~~وإزعاج الروح والبدن وإضاعة جانب كبير من العمر والزمن لأي معنى يتفوه بها ~~العاقل ولماذا ينطق بها مستمع أو ناقل ms138 (وإنما أوردت) هذا المقول ليعلم ~~أرباب المعقول من جلساء الملوك والعظماء ورؤساء الأمراء والزعماء خصوصا ~~خواص القدماء وعوام الندماء أن شيا يحتاج فيع إلى تعب النفس وقيد ونكال ~~وحبس ثم استعمال ممن جماعة وأصحاب يتقدمون إلى الشفاعة لا ينبغي للعاقل أن ~~يحوم حوله ولا يعقد أبدا عليه فعله وقوله # PageV01P268 # فتقدم مبارك الميلاد وبذل في أداء وظائف الدعاء الاجتهاد وقال إنما كان ~~عاقبة هذا الأمر وإطفاء ناثرة هذا الجمر وأداؤه إلى انتظام عقود السعد ~~واشتماله على جمع الخواطر من بعد بميامن الخواطر الشريفة وشرف ملاحظتها ~~المنيفة وتوجه مساعدتها لخدمها وشمول عواطفها على عبيدها وحشمها وإقبال ~~طالعها السعيد ولولا ذلك لما انتظم لنا شمل أيها العبيد فالمنة في هذا كله ~~للصدقات الشريفة والجميلة لعواطف مننها المنيفة ونظير هذا الشأن ما جرى ~~للخارج على الملك أنشروان فسأل الملك المطاع عن هذا المضاع (فقال) ذكر أهل ~~التاريخ بأعالي الشماريخ أن كسرى أنوشروان جاهره أحد الملوك بالعصيان ~~وانتدب لمحاربته طائفة من الأعوان فتوجه كسرى إليه ووثب وثوب الأسد الضاري ~~عليه ورأى التواني في أمره والتأخير من جملة الإخلال والتقصير فقابله قاتلا ~~وقاتله قائلا: # إذا استحقرت أدنى من تعادي ... بمالك من يد وندي وطاقة # فما استحقرت أن أهمك إلا ... أمورك وهو ذا عين الحماقة # فلما توافقا واصطدما وتثاقفا انكسر ذو الطغيان وانتصر أنوشروان وقبض على ~~العدو وحصل الأمان والهدو وقص طائره وتفرقت عساكره وحمل وقد سين خسفا وكسرا ~~إلى الملك العادل كسرى فتقدم بالإحسان إليه وجعل العفو شكرا لقدرته عليه ~~والغ معه في اللطف والإحسان وأنزله عنده في بستان ترتع النزاهة في ميادين ~~رياضه وتكرع الفكاهة من رياحين حياضه وأفاض عليه من خلع الأنعام وإدرارات ~~الفضل والإكرام ما أزال دهشته وأحال وحشته وأبدى استعباده وأبعد استبعاده ~~فلما حصل أنسه وهدأت نفسه أخذ في تنجيزه وإبلاغه إلى مأمنه وتجهيزه فأبي ~~إلا الإقامة والتلبث بدار الكرامة وسأل الصدقات وما لها من عميم الشفقات ~~مجاورة مخلها والإقامة تحت ظلها واغتنام مشاهدتها # PageV01P269 # والتشرف بميامن طلعتها مدة أيام فإنها محسوبة من ms139 العمر العزيز بأعوام ~~فأجابت مسؤولة واستنجزت مأموله وكان في ذلك البستان نخلة كنخلة مريم قد ~~يبست من الهرم ولما تعاورتها يد القدم فلم تصلح إلا للضرم فأرسل يسأل ~~الصدقات الجزلة أن تهبه تلك النخلة فاستزل كسرى عقله وأجاب قصده وسؤله وهبة ~~تلك النخلة فكان كل يوم يتوجه إليها ويسند ظهره ويعتمد عليها وهو أرغد حال ~~وأيمن مآل فبعد عدة شهور طلب إلى التوجه الدستور فاستدعاه وأكرم مثواه ~~وأجاب قصده ومتمناه واسبغ عليه نعمة وفضلهوسأله عن موجب سؤاله النخلة وسبب ~~طلبه الإقامة ثم سؤاله التوجه بالسلامة فقال أما سبب الإقامة بهذا البلد ~~فلجوار الملك الأمجد والاستسعاد بمشاهدة وجهه الأسعد فان طالعه قوى سعيد ~~ومجاورته للسعادة تفيد ويحصل منه لمجاورها المزيد فأردت أن يكون لي منها ~~نصيب ويلاحظني منها سهم مصيب: # فان تلمم بقفر عاد روضا ... وإن تمرر بملح صار شهدا # وإن يخطر ببالك نحس نجم ... يعد في الحال من رياك سعدا # فصرت مشمولا بميامن ظلها مغمورا بفائض وابلها وطلها وأما طلبي النخلة ~~اليابسة فإني تفاءلت بها من حظي مساعدة ومناحسه فكنت أتردد إليها وأعول في ~~ذلك عليها فما دامت في قحول كان جدي وسعدي في نحول إلى أن رأيتها قد خضرت ~~وأطلعت واستبكرت فاقبل سعدي وعاد بعد أن مات حيا وساقطت نخلة سعدي من ثمرات ~~السعادة رطبا جنيا فعلمت أن طالعي الهابط عاد إلى الأوج ورسول حظي دخل في ~~دينه # PageV01P270 # ناس الإيناس فوجا بعد فوج وأرمل جدي ازدوج ببكر الآمال وكان لها أحسن زوج ~~كل ذلك أي أعظم مالك بسعد فالك وجوار دار جلالك ومشاهدة أنوار جمالك ~~واستماع كلامك وانتجاع كمالك فمن بعد إسعاد السعد كل سهم أمل فوقته ونحو ~~شاكلة قصد أطلقته أصبت الغرض وحزت جوهره بلا عرض فإذا أسعف السعد النفس لا ~~بعيقها معه نحس (وإنما أوردت) هذا القول يا ذا الكرامة والطول ليعلم الحضار ~~والسادة النظار أن استقامتنا وإقبال سعدنا وانتظام أمورنا وجدنا إنما هو ~~بالتفات الخواطر الشريفة وشمول أحوا لنا بملاحظتها المنيفة واستدامة ~~بركاتها وميامن حركاتها كما ms140 قيل في ذا القبيل: # تلقى الأمان على حياض محمد ... تولاء مخرفة وذئب أطلس # لا ذي تخاف ولا لهذا جرأة ... تهدي الرعية ما استقام الريس # وكما أن الرعية لا يستقيم حالها إلا بالملك الراعي فإنها كالراعية لا ~~ينتظم لها أمر إلا بالراعي كما قيل: # لا يصلح الناس فوضى لا سراة لها ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا # كذلك الملك يا ذا الدرجات العلية لا يصير ملكا لا بالرعية ولو لم يكن ~~العاشق مشوقا لم يكن المعشوق معشوقا ولو لم يوجد الرامق بالأمل مسوقا لم ~~يصر الملك المأمول موقا وقد عني هذا المعنى من في رياض المعاني أعني: # وأحقر صب فيك يهدي سناؤه ... كأعظمهم إذ من هواك تعظما # فلا تحتقره إن تملكت قلبه ... فلولا الهوى ما كنت ملكا مفخما # ففي موقف العشاق منك وظيفة ... لكل فلا يبغي لها منقدما # وكل له وجد يليق بحاله ... وكل له يوافيك مغرما # ألم تر أن الله أوجد حكمة ... ذبابا وعقبانا وبقا وضيعا # وكل له نفع وضر مخصص ... فسبحان من قد خص طورا وعمما # PageV01P271 # والله تعالى لكمال قدرته وإسبال ذيل رحمته خلق الكبير الأعلى محتاجا ~~لخدمة الصغير الأدنى وجعل الحقير الأدنى محتاجا لرجمة الكبير الأعلى ولهذا ~~أعظم الخلق من خلق الخلق وأحوج الخلق إلى الخلق وهو غني عن الخلق وقيل أيها ~~الملك السني الإنسان بطبعه مدني وبمقدار كثرة الرعية واشتراكهم في الصفات ~~المرضية وانقيادهم لأوامر ملكهم السنيه تصير درجة الملك عليه كما كان في ~~زمن نبي الله سليمان صلوات الله عليه وسلامه وتحيته وإكرامه ولقد جرى في ~~عصره بين الطيور مفاوضة بين اللقلق والعصفور فسأل ملك الآساد عن تلك ~~المفاوضة مبارك الميلاد (فقال) بلغني يا سلطان الأسود أن نبي الله سليمان ~~بن داود عليهما السلام كان في سيرانه مع خواص أركانه فمر بذلك الطلب على ~~شجرة دلب للقلق فيها عش قد بناه كأحسن حش وقد استوكر في عشه عصفور واحتمى ~~بجواره من مؤذيات أبي مذعور فكانا يتخاصمان ويتقاولان ويتواصمان ويتصاولان ~~فوقف النبي الكريم واستوقفالجند العظيم ليسمع ما يقولان ms141 وينظر كيف يجولان ~~فسمع اللقق يقول وهو يجول ويصول ويخاطب العصفور بمجمع من الطيور أشكر لي ~~حسن الصنيع حيث أنزلنا في حصني المنيع لا حية ترقى إليك ولا جارح ينقض عليك ~~لولا أن لك عندي مناخا ما أبقيت لك الحية ذاتا ولا فراخا وإنما سلمتم ~~بجواري وبقربكم من داري # PageV01P272 # فوئب أبو محرز وتوسط الجمع وهو يجمز ونادى بين الأطيار أنسيت أبا خديج أي ~~جار وأنا في المدار حول هذه الديار آناء الليل وأطراف النهار ألقط النمل ~~الكبار والصغار ولولا أنا حارس مناخك ما أبقى لك النمل أثرا ولا لفراخك فكل ~~منا محتاج إلى جاره مغتبط بجواره آمن به في سريه ومطاره فارفع من بيننا هذا ~~النكد ولا يمن منا أحد على أحد فالحقوق ما تضع بين الجيران كما تراعى بين ~~الأصحاب والأخوان وكما تدين تدان ومع هذا فكلنا نصلي على نبي الله سليمان ~~ملك الأنس والجان وسلطان الطيور وسائر الحيوان فانه بحسن عدله اعتدل الزمان ~~وبيمن فضله صلح الكائن والمكان ونحن أيضا كذلك نشكر الله رب الممالك إذ من ~~علينا بهذا السلطان المالك ملك الوحوش الأكابر وكاسر السباع الكواسر المشفق ~~على الضعفاء والأصاغر فلم يخل من فضله سبع ولا طائر ثم نهضوا فوقفوا ودعوا ~~للملك وانصرفوا هذا آخر الباب والله أعلم بالصواب والحمد به رب العالمين ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. # PageV01P273 ### | الباب السادس # في نوادر التيس المشرقي والكلب الافرقي # PageV01P275 # (قال) الشيخ أبو المحاسن من ماء معارفه غير آسن ومن لممدود أرض الفضل من ~~فضائله رواس وفي مشحون بحر العلم من فواضله مواس فابتهج الملك بهذا الكلام ~~وارتاح لما تضمنه من الحكم والأحكام واستزاد أخاه من عقود هذا النظام فقبل ~~الأرض في مقام الخدام وقال بلغني يا ملك الأنام إن راعيا كان يرعى ثلة من ~~الأغنام وحميلة من المعز الجسام وفي ماشيته تيس مطاع كلها له أتباع وهو ~~قديمها وقائدها وزعيمها وأبو نتاجها وحمو نعاجها وأصله من الشرق لم يكن ~~بينه وبين ابليس في الشيطنة فرق اسمه الذميم ms142 التيس الزنيم وكان بواسطة ~~الفحول والكبر والتقدم في الحضر والسفر يستطيل ويصول وينطح الكباش والوعول ~~ويكسر أصحاب القرون من الفحول فيجرح ضعيفها ويطرح نحيفها ويضرب بخالصها ~~لفيفها إلى أن أباد أعيانها وأعجز رعيانها وطال منه العقوق فذهب به الراعي ~~إلى السوق ليبيعه ويستريح ويخلص الماشية من شره ويريح فبينما هو يطوف إذا ~~برجل مهول مخوف طويل القامة كبير الهامة كأنه زبنى القيامة شثن اليدين أزرق ~~العينين أسود الخفين بثوب وسخ وطرطور سنخ وسطه محزوم بسير مبزوم فصادف ~~الراعي وهو في السوق ساعي فمد يده إلى التيس وقال بكم هذا يا أبا الكيس ~~فوقع بينهما الاتفاق ووقع الزنيم في شبكة الرباق فتأمل شكل القصاب وصورته ~~القاضية بالعجاب فرأى رجلا كأنه من الشياطين معلقا في وسطه عدة سكاكين ~~فدخله الرعب ورجف من الرهب وأدرك بالفراسة أنه سيهلكه ويحذف رأسه وقال ظني ~~والظن يخيب # PageV01P277 # ويصيب أني وقعت مع هذا في يوم عصيب وأنه قاصد هلاكي ومقيم على البواكي ~~فالأولى الاحتراز والتأهب قبل زمان الجزاز فان حصل خير فما في الاحتراز ضير ~~وإن وقع على الإهلاك العزم فأتلقى سيفه بما أعددته من ترس الحزم فوزن ~~الجزار الثمن وشحط الزنيم بالرسن وأتى به مطابخ فقطعها إلى مسالح فشم رائحة ~~لزومه وأحس من الجزار نكده وشومه فلما دخل المسلخ ورأى القصابين هذا يذبح ~~وهذا يسلخ واللحم شقات على الجدران معلقات وأنهر الدماء كدموع العشاق جاريه ~~ورؤوس الغنم وجلودها وأكارعها كل كاشيه هذه الكاشية في ناحية وهذه الكاشية ~~في زاوية فرجف قلبه وازداد رعبه والتجأ إلى الله تعالى وتاب إليه عما عليه ~~من الذنوب مالا فما واطأ القصاب المصارع أن شد من المشرقي الاكارع وجدله ~~على الجداله وأخرج لذبحه الآلة فلما رأى هذه الحالة تحقق ما كان ظنه ~~فاستحضر باله وأيقن أنه هالك لا محالة فنظر إلى القصاب وذكر ما قيل في حق ~~الساب: # نظروا إليك بأعين محمرة ... نظر التيموس إلى شفار الجازر # فوجد السكين كليله ليس للذبح بها حيله فطلب المسن ليحدها ويريح ذبيحته أن ~~حدها ms143 فتركه وذهب للمسن وقد تحقق الزنيم ما كان ظن فتنفس له البلاء وارتخى ~~عنه القضاء فتمطى في رباط الأكارع فمزقه قاطع ثم وثب وقصد الهرب وخرج من ~~الباب وصاحوا عليه هرب فلم يلتفت إلى الصوت وفر فرار من عاين الموت وطلب ~~الخلاء وطريق الفضاء # PageV01P278 # فادى به الذهاب إلى بستان بجوار بيت القصاب فدخل البستان وامتد في ~~الجريان والقصاب وراءه بهيئته المهولة والسكين في يده مسلولة وكان قبل هذا ~~الزمان بين زوجة القصاب وصاحب البستان ما يكون بين الحرفاء والأخدان وكانت ~~كلما وجدت فرصه جعلت للبستاني من نفسها حصة تنزل من بيتها إلى بيته وتغمس ~~سراجها من فتيلة قنديله وزبته فاتفق أن في تلك الحال طلب كل من المحبين ~~الوصال وكان زمان اشتعال اللحام بالمعاملة مع الخاص والعام فلاشتغال وهله ~~لا يتردد فيه إلى أهله فاغتنمت الزوجة غفلة الرقيب ونزلت من بيتها إلى بيت ~~الحبيب فكان المحبان آمنين وقد تعانقا تحت دوحة ياسمين فاتفق أن الهارب من ~~الموت ودواهيه أخذ على مكان هما فيه والقصاب يتبعه رافعا يده والسكين في ~~يده مجردة فلم تشعر إلا وزوجها رافع الصوت واقف على رأسهما وبيده آلة الموت ~~وما شعر بدواهيهما حتى عثر عليهما فقفز كلاهما من مكانهما مفتضحين في ~~مكانهما فاشتغل القصاب بنفسه والتهى بنعجته عن تيسه وكان الناس تابعيه ~~فوقفوا على ما وقع فيه وقامت الغوغاء وقعدت للعار من البلاء فتفرس النجاة ~~من الردى فلم يزل في ميدان الجرى ذاهلا عما جرى حتى وصل إلى ثغرة خرج منها ~~إلى الصحراء فانقطع عن ذلك الجنى تابعه ولم يوجد من شياطين الأنس رائيه ~~وسامعه فانتهى التيسار في تلك الصحاري والقفار إلى جبل فأوى فيه إلى غار ~~كان يأوي إليه مع المواشي أو أن الأمطار فأمسى فيه تلك الليلة إلى وقت ~~الأسفار: # فلما رأى الليل العبوس صنيعه ... تبسم فافترت تباشير فجره # فلما أصبح الصباح خرج إلى السراح وهو في نشاط ومراح وجعل يرتاد أنيسا ~~ليكون له جليسا أو رفيقا صالحا أو صديقا ناصحا يتأنس به في ms144 # PageV01P279 # الغربة ويمسح بأنامل مؤانسته ثقل الكربة وما يحصل على جبين راحته من عرق ~~القرية وبينما هو ينشر البيداء ويطوي إذ سمع نباح كلب يعوي فترجى الخير ~~وزوال ثم قصد نحوه فرآه مقبلا من فجوه فناداه أهلا بأحب الأحباب وأعز ~~الأصحاب المفضل على كثير ممن لبس الثياب فلما دنا منه وتباكى لأليم فراقه ~~فتعانقا تعانق المحبين وتبانا مباثة من مضه البين ثم قال له اعلم يا لطيف ~~الحركات وكثيف البركات أن كلا منا غريب وكل غريب للغريب نسيب وأنا قد تفرست ~~فيك وما تكاد فراستي تخطيك أنك رفيق صالح وشقيق ناصح وأحسن مليح مما لح وفي ~~طريقه أخوان الصفاء قيم وراجح وأن كانت الجنسية بيتنا مختلفة لكن القلوب ~~بحمد الله تعالى مؤتلفة وكم لك من أياد سابقه وصدقات متناسقة وكم حططنا في ~~المراعي وبتنا في الحظائر نائمين وأنت لحفظنا ساعي تحرسنا من الغداة إلى ~~الروح ومن المساء إلى الصباح فاخبرني ما شأنك وأين مكانك وما اسمك وما ~~صنعتك ورسمك ومجيئك من أين وما حاجتك في البين قال أما اسمي فيسار وأما ~~مكاني فبلاد التتار وصنعتي راعي وسبب مجيئي ضياعي ولي صاحب اسمه أقرق من ~~دشت قفجاق بن شقرق كنت في خدمته راعي مشيته فأضللت رعيتي وضيعت حق حرمتي ~~فإذا أطلب ولي نعمتي لا محو من وصمة الجفاء سميتي فهذا شأني وجل بغيتي قال ~~الزنيم أنا من حين شاهدت في وجهك الأنوار علمت أنك يسار # PageV01P280 # وأنك معدن الذكاء والألقاب تنول من السماء وأما طلبك لصاحبك ورعيتك فانه ~~دال على كمال مروأتك ولا ينكر لكم الرفاء فان بينك وبينه الوفاء مقام الصدق ~~والصفاء ولم يقع بينكما قط بعد ولا جفاء وشهرتك بحمد الله بجميل الصفات ~~التي قلما يجتمع في زكى الذوات ولا تصفوا إلا للأولياء والبررة المبرزين ~~الأصفياء من المسكنة والقناعة والجراءة والشجاعة وحفظ العهود والوفاء وكسر ~~النفس والصفاء وعدم الحقد والحسد واطراح العجب والنكد والحراسة والسهر ~~وقيام الليل إلى السحر والتودد إلى الناس حتى قال فيك ابن عباس كلب أمين ~~خير من ms145 صديق خؤن وعندك من التهذيب وقبول التعلم والتأديب ما يصير صيدك مذكى ~~وسنك كالشفرة مركى وفي شأنك يا ذا الوفاء والمنفعة قال الحرث بن صعصة: # وما زال يرعى ذمتي ويحوطني ... ويحفظ عرسي والخليل يخون # فيا عجبا للخل يهتك حرمتي ... ويا عجبا للكلب كيف يصون # ومن هذا الضرب ما رواه أحمد بن حرب عن ذي العتاب منادم الكلاب أن الكلب ~~يكف عني أذاه ويكفيني أذى سواه ويشكر قليلي ويحفظ مبيتي ومقيلي فهو من بين ~~الحيوان خليلي ثم قال أحمد ابن حرب تمنيت والله أن أكون مثل هذا الكلب ~~لأحوز هذه الصفات وأرقى هذه الدرجات وأرجو الله تعالى أن يعطفك علي ويقلب ~~قلبك ووجهك إلي بحيث # PageV01P281 # ترغب في صحبتي وتميل إلى صداقتي فترى إذ ذاك مني بحمد الله تعالى من ~~الأخوة والصداقة والمروأة والرفاقه ما تنسى به كل صديق وتفضل به الصاحب ~~الجديد على العتيق فتترك سائر أصحابك وتلتهي بي عن أعز أوليائك وأحبابك ~~خصوصا بني آدم الذين أنت يهم أعلم من أذهبت عمرك في خدمتهم والقيام بحقوقهم ~~وحفظ حرمتهم وحراسة مواشيهم ودورهم وكمال فضلك في حياطة بيوتهم وقصورهم ~~ورعاية رعيانهم وصيانة أهلهم وجيرانهم مع قناعتك منهم بما يفضل عنهم من ~~كسرة خبز شعير أو عظم يابس كسير أو فضلة مرقه قد ير وأضعتهم حقوق خدمتك ~~ونسيانهم موجبات شفقتك حتى لو وصل فمك إلى زادهم أو إلى شيء من عتيد عتادهم ~~رموك بالحطب وضوا رأسك بالحجارة والخشب ولو ولغت في إنائهم أو شربت من ~~مائهم ما قنعوا في تنظيفه وتطهيره وتشطيفه بمرة ولا مرتين ولا اكتفوا في ~~إزالة ألعابك بالعين بل دونوا الغسل بالحساب وعفروا الوعاء بالتراب ويعدون ~~ذلك من التعبد ولا يرغبون ما لك من تحبب وتودد وأنا أرجو أن ترتفع منزلتك ~~وتعلو درجتك ويساعدك رب العرش حتى تسير سلطان السماع وملك الوحوش واجتهد في ~~هذه القضية إلى أن ابلغ هذه الأمنية وأكون السبب في ذلك إلى أن تصير رئيس ~~الممالك فان لك علي حقا قديما وفضلا جسيما طالما نمنا آمنين ms146 في ظل حراستك ~~ورعينا مسرورين مكنوفين بحياطتك وأجلنا منك في الخاطر ما قال الشاعر: # بقاؤك فينا نعمة الله عندنا ... فنحن بأوفى وفي شكرها نستديمها # PageV01P282 # قال يسار يا أخي جميع ما قررته صحيح مقبول داخل في الفضل خارج عن الفضول ~~ولكن أنا من جنس السباع مجبول على ما لهم من الطباع ومع هذا فأنا عدوهم ~~وبسببي يزول هدوهم وأنا لم أعادهم إلا فيكم ولا لي واد إلا في ناديكم فان ~~ثر بيتي بينكم وعيني مقارنة عينكم وأنا إليكم أقرب مني إليهم ومعولي عليكم ~~دون معولي عليهم وعلى هذا وجدت آبائي وأجدادي ونشأت من حين ميلادي والخروج ~~عن طريقة الآباء دليل على العقوق والإباء وهو أمر مذموم وهذا شيء معلوم وقد ~~قال صاحب الشرع الحب يتوارث والبغض يتوارث ولكن يا سليم الطباع وخصيب ~~والرباع قولك تصير سلطان السباع سخرية مني واستهزاء ولا أستحق منك هذا ~~الجزاه فان معنى هذا القيل أمر مستبعد بل مستحيل أن أبا طاهر نجس العين ~~فأني من أين وهذا الهوس من أين فان أردت إعانتي على ذلك وتكفلت لي برياسة ~~الممالكفكلانا في هذا الهوى سواء وإن صممنا على ذلك فما لجنوننا دواء وهذا ~~الوسواس من خيالات الإفلاس وفي مثل هذا الحال قال: # من صدق في المقال # لا خيل عندك تهديها ولا مال # وأنا أعلم إنما نتكلم بما يطيب خاطري ويسر سرائري ويقربك في الحب من ~~ضمائري قال المشرقي لا تقل ذلك يا تقي فأنا شاهدت في جبينك مخايل السيادة ~~ومن شمائلك تقاطير السعادة وقد قيل يا فضيل المرء يطير يهمته كما يطير ~~بجناحه أما بلغك يا خير عالم ما رواه الشيخ علاء الدين بن غانم ذو الفضل ~~الكثير عن تاج الدين ابن الأثير قال يسار أخبرني بهذه الأخبار # PageV01P283 # (قال) قال ابن الأثير وهو بالرواية خبير محرز أيدي المعاني عن الأمير ~~حسام الدين البركة خلق قال كنت في عصر الشباب أصحب من صالحي الشباب الملك ~~المظفر الغضنفر وكان خشداشي وبرؤيته انتعاشي فكنا ونحن صبيان كأننا ظبيان ~~غير أنا كنا ms147 في قلة فكنت أفلي قملة واسرح رأسه وأذهب باسه وتقدمت إليه ~~بالشرط عليه أن يعطيني لكل قملة أو أصفعه صفعة ملسا ففي بعض الأوقات أخذت ~~عنه قملا كثيرا وصفعته صفعات وقلت في غضون ذلك ونحن في حال حالك أتمنى على ~~الله عز وعلا أن يعطيني إمرة خمسين رجلا فقال لي طيب خاطرك وسرائرك فإني ~~أبلغك سؤالك وأعطيك مسؤلك وأجعلك أمير خمسين فارسا فابشر ولا تكن عابسا ~~فصفعته صفعة وقلت ويلك أنت تعطيني إمرة ورفعه قال نعم وأغمرك بالنعم فصفعته ~~أخرى وازددت فكرا فقال لي عله ونخس المسلة يا قليل اليقين أتريد غير أمر ~~خمسين أنا والله أعطيك وأعليك على ذويك فقلت ومن أين لك تعطيني وترضيني ~~فقال أملك هذه الديار وأكسر التتار وأحل الكفرة والعلوج دار البوار # PageV01P284 # فقلت له يا مفتون أنت مجنون أبقملك وقلك وفقرك وذلك تملك الديار المصرية ~~وتصير سلطان البرية قال نعم ولا تعمل رغم فأني رأيت في المنام النبي عليه ~~الصلاة والسلام وقال لي أنت تملك الديار المصرية وتكسر التتر ولا شك فيما ~~يخبر به النبي صلى الله عليك وسلم من خبر قال فامسكت عنه لأني كنت أعرف ~~الصدق منه ئم تنقلت به الأحوال وتنقل إلى أن بلغ الكمال وتملك هذه الديار ~~ثم كسر على عين جالوت التتار وأعطاني ما وعدني به وأرضاني (وإنما أوردت) ~~هذه المثال لتعلم من سلطنتك غير محال وأنا أرجو الله تعالى أن ييسر لي ~~القيام بجميع ما قلته لك يا إمام وأنا أجلسك على السرير وأقيم في خدمتك ~~الكبير والصغير وارفع رأيه مراسيمك وانفذ أوامرها في ممالكك وأقاليمك واجعل ~~جنود الوحش تحت رايتك وأقاليم القفار كلها تحت ولايتك ولكن بشرط أن تتبع ما ~~أراه ولا تخرج عن طوره ولا تتعداه وتعمل بكل ما أشير إليه ومهما أرشدتك ~~إليه تعول عليه فقال أنا طوع يديك وجميع أموري منك وإليك فقل فإني سامع ~~ولأمرك طائع فانهض وعاني هذه الأماني عسى يصير هذا الباطل حقا وينقلب هذا ~~الكذب صدقا وقل ما تقتضيه لاتبعه وارتضيه ms148 قال ترجع عما أنت عليه من الأخلاق ~~السبعيه والأوصاف الكلبية من الحرص والشره والتكلب والتره والنفس المتنمرة ~~والطبيعة # PageV01P285 # المذمرة وتصوم عن الدماء واللحوم وعن تمزيق الحيوانات وتفريق الجماعات ~~وتحمل النفس على الأخلاق الجميلة والتلبس بالأوصاف الفضيلة من العفة والكرم ~~والعفو عمن ظلم والقناعة بالنبات عن لحوم الحيوانات ومعاملة الكبير والصغير ~~بالفضل الكثير والبذل الغزير وتلافي خاطر الخطير والحقير ليسهل العسير ~~وينقاد لك المأمور منهم والأمير وهذا أمر عليك يسير وهذا لأنك طالما جرحت ~~جوائحهم وكسرت جوارحهم واصطدت سارحهم وأبدت بارحهم فهم منك متخوفون وإلى ~~الإيذاء والضر منك متشوقون وإذا رأوا شيا خلاف العادة وعلموا ولايتك فيها ~~الحسنى وزيادة وأصابوا الخير من مواقع الضير ورأوا ما سر من مواضع الشر ~~والضر تشرب محبتك منهم الكبير والصغير وأنهاك أن يراك من الوحوش العبر ~~والنفير فيتخذك الغريبحبيبا ويصير البعيد منك قريبا فتصيد بالمحبة أرواحهم ~~كما كانت أولا تبيد أشباحهم وإذا ضرب صيتك في الأرض ونثر دره بالطول والعرض ~~وتسامعت بك الوفود وتحققوا انك عدلت عن خلقك المعهود أقبلت إليك منهم ~~الجنود وزان جيد جنودهم من جواهر محبتك وانعقدت بينكم بالمحبة والولاء عقود ~~العهود فتوفرت ذا ذاك جنودك وعلت على رؤس الأقران راياتك وبنودك وجعلوا ~~دارك مأواهم وحماك مصيفهم ومشتاهم مع أن هيبتك في قلوبهم مركوزة وأسنة ~~مخافتك في أحشائهم من قديم الزمان مغروزة وأعلى من فيهم يهابك ويخشاك ~~ويتوقى مكانك ويتحاشاك # PageV01P286 # قال يسار أعلم يا خير سار أن حبال الآمال ومطامع الخيال ما لم تتعلق ~~بمأمول ترتبط بأطراف سول فالنفس ساكنه # والروح مطمئنة هادنه والقلب فرح والخاطر منشرح إذا الطمع ذل وشين والياس ~~إحدى الراحتين ومتى تعلقت بذيل المطامع مخاليب الآمال وبلغت إلى حصول ما ~~مول الخيال. وقامت النفس في تحصيله وتحركت الجوارح لنيل ما موله وانبعثت ~~الهمة إلى إدراكه وتعلق القلب بسير أفلاكه توزعت الأفكار وتفرقت وتمزقت ~~الخواطر وتمزقت وركب لذلك كل صعب وذلول وتقاذفت النفس في كل مخوف ومهول ~~وتقلدت بحمائل قول القائل: # إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ms149 ما يجني عليه اجتهاده # ثم إذا لم يحصل المأمول ولم تبلغ والعياذ بالله النفس السول مع بذل هذا ~~الجهد والمبالغة في السعي والكد ومقاساة التعب ومعاناة النصب ترادف النكد ~~وتضاعف السهد وصارت النفس لهذا البدد وكان في جيد حياتها من فوات المقصود ~~حبل من مسد فلا تزال بين تشويش شمائر وتقسيم خاطر وفكر غائب وهم حاضر وهذا ~~الأمر الذي عرضت عليه وهممت بالترقي إلى الوصول إليه إلى عدم الحصول أقرب ~~منه إلى الوصول وأنا أخاف وذا غير خاف أن يغرنا الطمع في هذه الحركة فينتزع ~~من فراغ أوقاتنا البركة ولا نحصل إلا على مثل ما حصل لمالك الحزين من ~~السمكة قال الزنيم نبئني أيها العليم بذلك المثل القويم (قال) بلغني أنه ~~كان في مكان مكين ماوي لمالك وفي ذلك المكان غياض وغدران تضاهي رياض ~~الجنان: # حكى بأنها قد الحبيب تمايلا ... فجن وفي هذا الجنون تفننا # فدار عليه النهر وهو مسلسل ... فقيده إذ قد جتى وتجننا # PageV01P287 # وفي مياهه من السماك ما يفوق سابحات السماك فكان ذلك الطير في دعة وعير ~~نرجى الأوقات بطيب الأقوات وكلما تحرك بحركة كان فيها بركة حتى لو غاص في ~~تلك البحار والغدران لم يخرج إلا وفي منقاره سمكه فاتفق أنه في بعض الآناء ~~تعسر عليه أسباب الغذاء وارتج لفوت قوته أبواب العشاء فكان يطير بين عالم ~~الملك والملكوت يطلب ما يسد الرمق من القوت فلم يفتح عليه بشيء من أعلى ~~السماك إلى أسفل الحوت وامتد هذا الحال عدة أيام وليال فخاض الرقراق يطلب ~~شيا من الأرزاق فصادف سمكة صغيرة قد عارضت مصيره فاختطفها ومن بين رجليه ~~التقفها ثم بعد اقتلاعها قصد إلى ابتلاعها فقد فتداركت زاهق نفسها قبل ~~استقرارها في رمسها فنادت بعد أن كادت أن تكون بادت ما البرغوث ودمه ~~والعصفور ودسمه اسمع يا جار الرضا ومن عمرنا في صونه انقضى لا تعجل في ~~ابتلاعه ولا تسرع في ضياعي ففي بقائي فوائد وعوائد عليك عوائد وهو أن أبي ~~قد ملك هذا السمك فالكل عبيده ورعيته ms150 وواجب عليهم طاعته ومشيئته ثم أني ~~واحد أبوي وأريد منك الإبقاء علي فان أبي نذر النذور حتى حصل له بوجودي ~~السرور فما في ابتلاعي كبير فائدة ولا أسد لك رمقا ولا أشغل لك معده فتصير ~~مع أبي الفضيل كما قيل فأفقرني فيمن أحب لا استغني فالأولى أن أقر عينك ~~وأعرف ما بين أبيوبينك فاكون سببا لعقود المصادقة وفاتحا لإغلاق المحبة ~~والمرافقة ويتحمل لك الجميلة والمنة التامة والفضيلة وأما أنا فأعاهدك أن ~~أعتقتني ومننت وأطلقتني أن أتكفل كل يوم بعشر سمكات بياض سمان ودكات تأتيك ~~مرفوعة غير ممنوعة ولا مقطوعة يرسلها إليك أبي مكافأة لما فعلت بي من غير ~~نصب منك ولا وصب ولا كد تحمله ولا تعب # PageV01P288 # فلما سمع البلشون هذا المجون أغراه الطمع فما ابتلع فسها ولها ثم قال لها ~~أعيدي هذه الرمزه فبمجرد ما فتح فاه بالهمزة أنملصت السمكة منه بجمزه وغاصت ~~الماء وتخلصت من بين فكي البلاء ولم يحصل ذلك الطماع الأقطع الأطماع (وإنما ~~أوردت) يا ذا الدراية هذه الحكاية لتتأمل عقبى هذا الأمر قبل الشروع فيه ~~وتتدبر منتهى أواخره في مباديه فقد قيل أول الفكر آخر العمل (قال المشرقي) ~~اعلم يا مرتقي إن مبنى الأمور في مجاريها وقواعد ما أسس عليه مبانيها تقدير ~~خالقها وتدبير باريها وما حكمه وقضاه وأحكمه وأمضاه لكنه كتمة وأخفاه فلا ~~تدركه العيون وإلا صار بل ولا البصائر والأفكار فانه علم غيب وجهلنا به ليس ~~بعيب لأنه تنزه أحدا صمدا قال تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا كما ~~قيل: # على المرء أن يسعى ويبذل جهده ... وليس عليه أن يساعده الدهر # فإن نال بالسعي المنى تم أمر ... وإن غلب المقدور كان له عذر # وإن الله العلي العظيم قد وضع أساس بنيان العالم على الأسباب وفتح لتعاطي ~~الأسباب الأبواب فقال ذو الجلال والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا وقال ~~فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وقال القائل: # إذا ما كانت في أمر مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم # يرى الجبناء أن العجز حزم ms151 ... وتلك خديعة الطبع اللئيم # فطعم الموت في شيء حقير ... كطعم الموت في شيء عظيم # PageV01P289 # وقال عليه الصلاة والسلام علوا الهمة من الإيمان والمرء يسعى في تحصيل ~~مرامه ولا يترك شيأ من أسباب قيامه فان ساعده القدر بقدره إنقاذ إليه مرامه ~~بشعره وكان مصادمة مساعده ومقامه ومعاضده كما قيل: # وإذا أراد الله نصرة عبده ... كانت له أعداؤه أنصارا # فيساعده إذ ذاك الكون والمكان ويمضي سهم أوامره رامي القضاء من قوس ~~الزمان فيقيض له المساعد ويتعبد المقارب والمباعد وحسبك يا ذا الصوله ما ~~اتفق من السعد لعماد الدولة فسأله يسار عن سرد هذه الأخبار (قال) كان رجل ~~صياد له ثلاثة أولاد كأنهم حمك وقوتهم السمك تقلت بهم الأحوال حتى صاروا ~~برياستهم على الدنيا أحمال وانتهوا في الرياسة وساسوا الحلق أحسن سياسه ~~وانتشر أمرهم وطاب في الدهر ذكرهم ومما ملكوه العرافات والأهواز وفارس ~~وسرتها شيراز # PageV01P290 # أكبرهم أبو الحسن علي بن بويه الملقب بعماد الدولة وكان في السلطانة ذا ~~جولة وصوله ولما انتهت أيام خموله واتصل بالسعد أسباب وصوله حل ركابه ~~بشيراز وصعد إلى حقيقة الملك من المجاز ووفدت عليه الوفود وأحاطت به جموع ~~الجنود وطالبه أهل المراتب بالرواتب والروامك بالجوامك والرفاق بالأنفاق ~~والأجناد بالأرفاد وأرباب الولايات بالخلع والجرايات وأصحاب الإقامات ~~بالنفقات والأنعامات ولم يكن في خزائنه من ظاهر المال وباطنه ولا في ذخائره ~~من ظاهر الرفد وضمائره ما يسد رمقهم ويرد شرقهم فتراكمت همومه وتصادمت ~~غمومه وتوالت أفكاره وتجاذب به بحر الحيرة در دوره وتياره لأن أمره كان في ~~مباديه وليل سعده في هواديه وقد قصرت عن طول الطول أياديه وأشرف أمره على ~~الاختلال وملكه على الاضمحلال ووقع في يوم لا بيع فيه ولا خلال قد خل إلى ~~مكان خال وهو مشغول البال فاستلقى فيه على ظهره وغرق في بحار فكره فبينما ~~هو يلاحظ السقوف وأفكاره بين تردد ووقوف وإذا بحية عظيمة بجثة جسيمة من ~~السقف خرجت ودرجت وفي مكان آخرولجت فوثب واقفا ورقب خائفا لئلا نسقط عليه ~~ويصل أذاها إليه ودعا الفراشين ms152 وجماعة فتاشين بمعاول النباشين وأمرهم بنصب ~~السلم والفحص عن الأرقم وتتبع آثارها وإطفاء سرارها فصعدوا الحيطان وحفروا ~~ذلك المكان وخرقوا سقفه فانفتحت لهم غرفه كانت مخبأة لمن تقدمه وضع فيها ~~ديناره ودرهمه وفيها عدة صناديق محكمات التوفيق والمعاليق فاطلعوه # PageV01P291 # على تلك الخبيه والتهوا عن طلب الحية والجبيه فأمرهم فنقلوها إليه ~~ووضعوها بين يديه فإذا فيها من الذهب النضار خمسمائة ألف دينار فعرف أن ذلك ~~عناية ربانية ومواهب صمدانية رحمانية فصرف المال في إصلاح حاله وبذره في ~~مزارع قلوب خيله ورجاله فثبتت أوتاده واستقامت أجناده وقويت سواعده وأعضاده ~~وكان أمره قد اشرف على الاختلال وعقد نظامه على الانفراد والانحلال وكان من ~~تمام هذه السعادة وتعقيب هذه الحسنى بالزيادة أن الملك المذكور بعد هذه ~~الأمور وحصول هذا السرور وانتظام مصالح الجمهور أراد تفصيل قماش وخياطة خلع ~~ورياش فطلب خياطا ثقة ليقلده هذه المنطقة فارشد إلى خياط ماهر شكله زاهر ~~وفضله ظاهر وحذقه في صناعته باهر إلا أنه أطروش حقل سمعه بدبي الوقرمد بوش ~~فما يصل ملك الكلام إلى سرير صماخه إلا بزمر وطبل وجاووش فدعاه فأجلسه بين ~~يديه وطلب الثياب ليعرضها عليه فتصور الخياط أنه سعى به إليه بسبب وديعة ~~كانت لصاحب البلد لديه وإنما طلبه ليطالبه فأما أن يؤديها أو يعاقبه فتقدم ~~باليمن مثل المصارعين واقسم بالله خالق المخلوق ورازق المرزوق أنها اثنا ~~عشر صندوق لم يشعر بها مخلوق وأنه لا يدري ما فيها وأنها مختومة بختم ~~معطيها فتعجب عماد الدولة من كلامه وسجد لله شكرا على إنعامه # PageV01P292 # ثم وجه معه من أتى بها ودخل إلى بيوت ما فيها من أبوابها فكان ما فيها من ~~الأموال ونفائس القماش العال جمل متكاثرة وأصناف متوافرة واستولى على ذلك ~~كله وثبت بواسطة المال في ركاب الملك واطئ نعله (وإنما أوردت) هذا التنظير ~~يا ذا الرأي والتدبير لتعلم أن سبب الأسباب وميسور الأمور الصعاب إذا دبر ~~مصالح عبده وشمله بإحسانه ورفده هون عليه عسير وصغر عنده كل كبير وأنت بكل ~~هذا بصير قال يسار صدقت ms153 صوابا نطقت ولكنني نظرت إلى الدنيا ورزت أحوالها ~~السفلى والعليا ورأيت كلما زاد الشخص حرصا وطمعا ازداد لنفسه عبودية وتبعا ~~وللدنيا رقا وللآخرة رشقا فصارت قيوده أثقل وحسابه أشدو وأطول وهمومه أتم ~~وغمومه أعم وأن الواثق بالدنيا والراكن إلى ما فيها من أشيا كالجاعل له من ~~السحاب حصنا ومن الحباب كنا ورأى وقاية تحصل من السحاب وأي إيواء بصدر من ~~الحباب ومن تأمل الدنيا بعين التبصير وتفكر في تقلباتها بمصيب العقل ~~والتدبير عد جمعها شتاتا ووصلها أنبتاتا # ومجيئها ذهابا وشرابها سرابا وإقبالها أدبارا ونسميها إعصارا وعطاءهم ~~أخذا وعهدها نبذا وصلتها فلذا ووهبها نهبا وايجابها سلبا وحربها سلما ~~ووجودها عدما وكثرتها فلا وعزها هاذلا وضحكها نياحه وطلاقها راجة فلم يكن ~~عنده أحسن من فراقها ولا أرصن من طلاقها والقناعة منها بالكفاف والرضا منها ~~بالعفاف كما سلك الفلاح صاحب الماشية واستراح فقال الزنيم أخبرني كيف كان ~~ذاك يا حكيم (فقال) إن مخدومي الذي كنت عنده أحفظ ما شيته وعبده كان ذائروة ~~عظيمة وأموال كثيفة جسمه وكانت ماشيته لا تزيد عن # PageV01P293 # ألف رأس وأن حصل من النتاج المعهود ما يزيد على هذا القدر المعدود تصدق ~~به أو باعه أو وهبه لبعض الجماعة ولو أراد لجعلها ألوفا مؤلفة وأضعافا ~~مضاعفة وكان في الجيران والأصحاب والأخوان من هو أقل منه مالا واقصر باعا ~~وأضيق مجالا له الألوف من المواشي وكذلك من الخدام والحواشي وهم في كل وقت ~~في ازدياد وتضاعف الأعداد من الأصول والأولاد ومخدومي لا يقصد الزيادة وأن ~~زاد شيء أباده فقال له الراعي وكان عليها أشفق ساعييا مخدوم ما لك لا تريد ~~أن تزيد مواشيك وحواشيك وتكثر بالرفق والرفد فواشيك وبالورد والإصدار ~~غواشيك فان المواشي تزداد فوائدها وتتوفر عوائدها باعتبار زيادة أصولها ~~وإدرار منافعها ومحصولها وجيراننا كانوا أقل عددا من هذا المقدار فصاروا ~~بالتوفير أكثر عددا في الأغنام والأبقار فزادوا على مواشينا بعد أن كان ~~أوساطهم كحواشينا ولا أعرف لهذا موجبا ولا أدري له سببا غير الإهمال وقصد ~~تضييع المال فقال له مخدومي ms154 هذا محيط به معلومي ولكن أيها الولد أعلم أن ~~أنواع العدد آحاد وعشرات وألوف ومئات فألوف غاية الأعداد إذا اعتبرنا ~~التعداد والشيء إذا جاوزنا غايته وتعدى نهايته أخذ في النقص وإذا بلغ مداه ~~تراجع بالنكص وقد قيل الشيء إذا جاوز حده شاكل ضده ومن لم يقنع بالقليل لم ~~يرض بالجزيل ولقد أحسن المقال وصدق فيما قال من قال: # وما الدهر إلا سلم فبقدر ما ... يكون صعود المرء فيه هبوطه # وهيهات ما فيه يزول وإنما ... شروط الذي يرقى إليه سقوطه # فمن كان أعلى كان أوفى تهشما ... وفاء بما قامت عليه شروطه # وكثيرا ما رأيت وسمعت ووعيت عن أصحاب الألوف القاصدين # PageV01P294 # لازدياد المألوف نزلت ألوفهم إلى الواحد من الآحاد فاستولى عليهم لذلك ~~الهموم والإنكاد فتكدرت خواطرهم واشتغلت ضمائرهم وأما أنا فلم أعلم أن ألفى ~~نقص ولا جاري حلبة مداه نكص فإذا عدا غايته ألزمته نهايته وكبحث جامح طرفه ~~وكففت طامح طرفه طلبا للراحة ورغبة في الاستراحة: # فكم دقت ورقت واسترقت ... فضول العيش أعناق الرجال # (وإنما) أوردت هذا التمثيل لتعلم يا ذا التفضيل أني ما دمت له خادما وفي ~~وصف الخدمة قائما ولم أتعد طوري وهو مقام الخادمية إلى ما ليس لي وهو مقام ~~المخدومية فأنا مستريح ولغيري مريح ونفسي مطمئنة وجوارحي عن طيش السعي ~~مرجحنه وأصحابي أحبابي وأحبابي أصحابي والخواطر صافيه والمحبة وافيه ~~والصداقة باقية ومياه المودة في رياض الأرواح صافيه وفي عروق الأشباح واقفة ~~جاريه فإذا رمت مع وجود هذه الحسنى الزيادة وقصدت التعدي إلى ما ليس له به ~~عاده فأنا بين أمرين متقلب على جمرتين أما عدم الحصول والانقطاع عن الوصول ~~فتتضاعف المكدات وتترادف المقسمات وبحسبها تصل الهموم وتحصل الغموم كما مر ~~سالفا وذكر آنفا وأما الظفر بالمراد على حسب ما يراد فبقدر ذلك يقع الصداع ~~ويقوم التحاسد والنزاع وأول ذلك معاداة الأصحاب ومعاناة الأحباب ومقاسات ~~الأتراب وحصول الضغائن وبروز المكامن بواسطة الترفع عليهم وصدور المراسم ~~والتقدم بامتثالها إليهم فالأولى بحالي التفكر في مآلي واللائق بشورى أن لا ~~أتعدى طوري ms155 ولا أتورط في هذا البحر العميق والبئر العميق ولا أخرج عن سواء ~~الطريق فتهوي بي طير الهوان في مكان سحيق: # وإني يسار خائف أن يردني ... زماني بما لاقى يسار الكواعب # PageV01P295 # قال المشرقي أبو زنمه ما أحسن هذه الكلمة وأيمن هذا النظر وأرصن هذه ~~الفكر وأدق معاني هذه المباني ولكن إذا رفعك الله من يضعك وإذا أعطاك من ~~يمنعك وقد قال ذو الجلال ما يفتح الله للناس من رحمة فلا يمسك لها وقال صلى ~~الله عليه وسلم اللهم لا مانع لما أعطيت: # وكل الناس تطلب المعالي ... ونفس الحر تأبى أن تضاما # فلما بلغ بهما الكلام إلى هذا المقام قال يسار أعلم يا فحل الفحول وإمام ~~المعقول والمنقول أني ما بالغت في الامتناع إلا لأقف على ما فيك من طباع ~~أسير ثبوت قدمك وثباتك وراء كلمك فلقد وجدتك في هذا الأمر الخطير فوق ما في ~~الضمير وفي مواطن الاختبار أثبت جنابا من ابن الليث الصفار فانهض ~~لقصدكوحركته على خيره الله تعالى وبركته فأني وضعت عنان جموح هذا المرام في ~~بد تدبيرك وجعلت واسطة هذا العقد جوهرة تفكيرك وسلك نظامه ونظام قلادته ~~جودة تصويرك فأنك أهل لذلك وبرأيك تقتدي المسالك فابتهج أبز زنمة بهذا ~~المقال ووثب قائما في مقام الخدمة وقال حيث انشرح صدرك لكلامي فسترى في ~~وجهك مجالس قيامي وأنا أعلم أن معبودك سيبلغك مرامك ومقصودك ولكن يجب ~~التيقظ وقبل الشروع التحفظ أما لتيقظ فلأمور يجعلها الملك مقتدى ولا يغفل ~~عنها أبدا كما فعل الملك الظاهر الموفق أبو سعيد محمد جقمق حين اضطربت ~~الأوامر واختلفت العساكر واصطدمت الأمور وخرج عليه من عساكره الجمهور وقل ~~المعين وذلك في سنة اثنتين وأربعين فعصى تنكري وتترس في حلب وقام بالراكمة ~~الجلب # PageV01P296 # واينال الحلمى بالشام وكاتبه الطغام والعظام وهرب بالقاهرة العزيز وأزت ~~الشياطين فاشتد الأزيز وتخبط بالصعيد العربان وفشا في عساكر الإسلام ~~الطربان فسفه الحليم وحار الحكيم وضل كل ذي رأي قويم فثبت الملك الظاهر ~~جاشه وتعرف إلى الله تعالى فأزال استيحاشه وأصفى سرائره ولم نزل ms156 سيرته ~~ظاهره فكان الله عونه وناصره فأطفأ بأدنى لطفه شواط تلك النائره وقد بسط ~~ذلك في سيرته الظاهرة فتبدل الجحيم بالنعيم ورفع الله تعالى عن الإسلام ~~والمسلمين العذاب الأليم كل ذلك بثبات القدم وعلو الهمم ولم تحصل هذه ~~الفعلة الذكية الرائحة إلا بالطوية الطيبة والنية الصالحة وأما التحفظ فمن ~~مواد شرور ملتبس بها الجمهور منها لحقد والملال والكذب في المقال والحسد ~~والاحتيال فأن الحقود وقود والحسود لا يسود والكذوب يذوب والملول لا يطول ~~والمحتال مغال وباقي النصائح الذكية والروائح تأتيك بالسعد فيما بعد وأنا ~~الآن أقدم للبيان وأذكر الأهم وما فائدته أعم قبل الشروع أمام المقصود وهو ~~تأكيد مواثيق العهود فأنه إذا حفتك الجنود وأحاط بك أرباب الرايات والبنود ~~وأنت جالس على السرير وفي خدمتك المأمور والأمير والكبير والصغير يعسر على ~~استيفاء الخطاب واستيعاب الجواب ولا يليق بعظمتك ومقام حرمتك إطالة الكلام ~~ولو اقتضاه المقام خصوصا بحضور الخاص والعام ولو كان المتكلم أعز الخدام ~~وأقرب الإلزام فلا أقدر أن أتجرأ عليك وأنهي جميع ما أريده إليك لأن قصد ~~الخادم إقامة حرمة مخدومه والمبالغة في حفظ ناموسة وتعظيمه وكثرة الكلام ~~تمنعه عن هذا القصد وتدفعه وأما في هذا الوقت فأن كثير كلامي لا يورث شيأ ~~من المقت فلا حرج على كلامي كيفما خرج # PageV01P297 # قال يسار بارك الله فيك وأبقاك لذويك فما أدق نظرك وأحسن في عواقب الأمور ~~فكرك وأصوب غوصك على جواهر الانتقاد واغرب بوصك إلى زواهر الاعتقاد فقل ما ~~بدا لك مما يزين حالي وحالك فان حرمتي حرمتك وحشمتي حشمتك فإن عظمتني عظمت ~~نفسك وإن وفرت مالي فقد زدت كدسك والخادم إذا لم يقصد رفعة مخدومه ويعد ذلك ~~من أكبر همومه ويسعى فيه ساعة فساعة وفي كل مكان وعند كل جماعه وإلا فيدل ~~ذلك على خساسة مقداره وقصور نظره ولؤم نجاره وركاكة همته واستبذال حرمته ~~فقال أبو زنمه أول شروطي يا ذا العظيمة أن لا تقرب المؤذين ولا تلتفت إلى ~~الأشرار المغتابين ولا تضيع الأوقات في الإصغاء إلى القينات ولا ms157 تسمع كلام ~~واش وتعد كلامه أقل من لاش ثانيها أن لا تعجل في فصل الحكومات بل تتعاطاه ~~بالتفتيش والالتفات إلى أن تتجلى صورتها وتتعين حقيقتها فإذا وضحت لديك ~~وتخلت مخدرة حقيقتها عليك أجهد فيها بالصدق وأعمل بما يقتضيه الحق ثالثها ~~أن لا تعود لسانك الفحش والبذاءة فان في ذلك على الملك أسوأ إساءة فان ~~الكلام يؤثر في القلوب وينفر من قبحه الطالب والمطلوب وقد قيل: # جراحات السنان لها التثام ... ولا يلتام ما جرح اللسان وقد قيل إن عيسى ~~عليه السلام مر بجماعة في بعض الأيام فصادفوا كلبا أجرب فقال له سلمك الله ~~أذهب فقال كل من أصحابه مما كان معبي في جرابه من الاستيقاض وطلب البعد عنه ~~والمناص وما سلموا إلى عيسى حاله بل سألوه عن كلامه له وما دعا له # PageV01P298 # فقال أني عودت لساني ببيان ما في جناني وهو المقاصد الحسنة وترك الألفاظ ~~والعبارات الخشنة وقيل أنه مر في بعض الأوقات ومعه جماعات بكلب من الأموات ~~ملقى على مزبلة في جملة القاذورات فوضع كل منهم يده على خطمه وتكلم في ~~رائحته عند شمه فقال عيسى عليه السلام ما أحسن بياض أسنانه فقيل له عما سمع ~~من بيانه فقال عودت لساني بلفظ الخير وإن لا يتكلم بما فيه ضير وكما يجب ~~على الملك كف اللسان الفصيح عن الكلام البذي القبيح كذلك يجب عليه أن لا ~~يصغي إليه ويتأمل قول الشاعر: # وسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن النطق به # فانك عند سماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه # ووجد في كتاب آداب الصحبة لأبي عبد الرحمن السلمي بيت ثالث: # وكم أزعج الحرص من طالب ... يوافي المنية عن مطلبه # وهذا الأمر يا مخدوم لكل أحد معلوم على العموم وأما أكابر السلاطين ~~والملوك الأساطين فهم أعلى مقاما أن يكون الفحش لهم كلاما وأن يجري في ~~مجالسهم أو يسمع من محادثتهم ومجالسهم وكل ملك اعتاد مجلسه فاحش الكلام ~~اختل نظامه ومقته الخاص والعام ونفرت عنه قلوب الرعية وبحسب رغبة الرعية ~~تكون الممالك راضية مرضية ms158 وإذا نفرت # PageV01P299 # قلوب الرعية كرهوه وتوقعوا غيره ليقوموا معه وينصروه وإذا لم يوجد عقدوا ~~الحقود واستمروا أذلاء كاليهود والبغضة كامنة والخسائف باطنه فتقدم العداوة ~~وتتقدم وتنأكد وتتأزم وإذا قدمت العداوة ذهبت من الصداقة الحلاوة فلا بد ~~يوما من الأيام أن تبرز رأسها من جيب الانتقام وإذا وجدوا فرصة وثبوا عليه ~~وقصد كما جرى للغريرة مع الهريرة قال بسار بين لي هذه الأخبار (فقال) ذكر ~~شخص معتبر من رواة الخبر أن في القديم كان رجل عديم وعنده قط رباه وأحسن ~~مرباه فكان عنده كالولد الأعز وأكرم من ابن الفرات عند ابن المعتز وكان ~~القط قد عرف منه الشفقة وألف منه المودة والمقه فكان لا يبرح عن مبيته ولا ~~يسعى لطلب قوته فحصل له هزال وتغير ما له من أمر وحال لا عند صاحبه ما ~~يغذيه ولا هو ذو قوة عن الاصطياد تغنيه إلى أن عجز عن الصيد فصار يسخر به ~~من أرذال الفيران كل عمرو وزيد وصار كما قيل: # خلت الرقاع من الرخا ... خ وفرزنت فيها البيادق # وتسابقت عرج الحمي؟ ر فقلت من عدم السوابق # وسطا الغراب على العقا ... ب وصاد فرخ البوم باشق # سكتت بلابلة الزما ... ن وأصبح الخفاش ناطق # PageV01P300 # وأيضا: # وإذا خلا الميدان من أسد ... رقص ابن عرس ونومس النمس # وكان في ذلك المكان مأوى لرئيس الجرذان وفي جوار مخزن للسمان فاجتر ~~الجرذان لضعف أبي غزوان وتمكن من نقل ما يحتاج إليه وصار يمر على القط آمنا ~~ويضحك عليه إلى أن امتلأ وكره من أنواع المآكل والمطاعم وحصل له الفراغ من ~~المخاوف والمزاحم واستطال على الجيران واستعان بطوائف الفيران على العدوان ~~فافتكر الجرذان يوما في نفسه فكرا أداه إلى حلول رمسه وهو أن هذا القط وإن ~~كان عدوا قديما ومهلكا عظيما لكنه قد وقع في الانتحال وضعف عن الاصطياد ~~لقوة الهزال وقوتي إنما هي بسبب ضعفه وهذا الفتح إنما هو حاصل بحتفه ولكن ~~الدهر الغدار ليس له علىحالة استمرار فربما يعود الدهر عليه وترجع صحته ~~وعافيته إليه فان الزمان ms159 الكثير الدوران يتهب ويهب ويعطي ما ساب ويرجع فيما ~~وهب كل ذلك من غيره وجب ولا سبب وإذا عاد القط إلى ما كان عليه يتذكر من ~~غير شك إساءتي إليه فيثور قلقه ويفور حنقه ويأخذه لاذاى والانتقام سهره ~~وأرقه فلا يقر لي معه قرار فاحتاج بالاضطرار إلى التحول عن هذا الديار ~~والخروج عن الوطن المألوف ومفارقة السكن المعروف أمر صعب مشوم الكعب فلا بد ~~من الاهتمام قبل حلول هذا الغرام والأخذ في طريقه الإخلاص قبل الوقوع في ~~شرك الاقتناص ثم أنه ضرب أخماسا لأسداس في كيفية الخلاص من هذا البأس فاداه ~~الفكر إلى إصلاح المعاش بينه وبين أبي خراش ليدوم له هذا النشاط ويستمر ~~بواسطة الصلح بساط الانبساط فرأى أنه لا يفيد ما يريده إلا بزرع الجميل من ~~كثير وقليل خصوصا في وقت الفاقة فانه أجلب للصداقة وأبقى # PageV01P301 # في الوثاقة ثم بعد ذلك يترتب عليها العهود ويتأكد ما يقع عليه الاتفاق من ~~العقود وهو أن يلتزم الجرذان أن يقوم لأبي غزوان في كل غداة من طيب الغذاء ~~ما يكفيه لغداء وعشاء لأن الشيخ في الدرس قال خير المال وما وقيت به النفس ~~إلى أن يصح جسده ويرد إليه من عيشه رغده ويكون ذلك سببا لمعقود الصداقة ~~وترك العداوة القديمة المساقة وأن تشترط دوام المحبة وازدياد الوداد ~~والصحبة وأن لا يقصد أبو الهيثم أبار راشد بشيء من الأذى والشرور والمفاسد ~~ويعمل هذا الهر بموجب ما قال الشاعر: # إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن # ثم إن الجرذان جمع من الأخباز والأجبان واللحم القديد والمطعم المزيد ما ~~قدر على حمله ونهضت قوته بنقله وقصد مقام الهر وسلم عليه السلام مكرم مبر ~~محب قديم وصديق حميم وقدم ما معه إليه وترامى بكثرة التودد والاشتياق عليه ~~وقال يعز ويعظم لدي أني أراك يا خير جار في هذا الضرر والأضطرار ولكن ~~العاقبة إلى خير وسيقبل السعد بأحسن طير فتقدم أيها الخيطل وكل من هذا ~~المأكل فإذا سددت خلتك كلمتك بشيء ms160 أستشير به خدمتك فانه قد قيل: # أن الصداقة أولاها السلام ومن ... بعد السلام طعام ثم ترحيب # وبعد ذاك كلام في ملاطفة ... وضحك وثغر وإحسان وتقريب # وأصل ذلك أن تبغي شمائلها ... بين الأحبة تأييد وتأديب # لم تنس غيبا ولم تملل إذا حضروا ... قد زان ذلك تهذيب وترتيب # إن الكرام إذا ما صادقوا صدقوا ... لم يثنهم عنه ترغيب وترهيب # PageV01P302 # فتناول القط من تلك السرقة ما سد رمقه وشكر للجرذان تلك الصدقة ولما أكل ~~فمه استحيت الحدقة ثم قال له أنشد ما أنت ناشد يا أبا راشد قال إن لي عليك ~~من الحقوق مثل ما للجار الصدوق على الجار الشفوق وأردت أن يتأكد الجوار ~~بالصداقة وتتراقى إلى درجة المحبة بأوثق علاقة وأن كانت بيننا عداوة قديمة ~~فنترك من الجانبين تلك الخصلة الذميمة ونستأنف العهود على خلاف الخلق ~~المعهود وتدبير الأمور على مصلحة الجمهور ونبني القاعدة في البين على ما ~~يعود نفعه على الجانبين وأذكر بك أشياء تحملك على ترك خلقك القديم وتهديك ~~في طريق الإخاء إلى الصراط المستقيم وهو أن أكلي مثلا ما يغذي منك بدنا ~~فضلا عن أن يظهر فيك صحة وسمنا ولكن أن أمنتني مكرك وأعملت نظرك وفكرك ثم ~~رغبت في صحبتي وعاهدتني على سلوك طريق مودتي وأكدمت أي أبا غزوان ذلك ~~بمغلظات الأيمان إلى أن أستوثق باستصحابك وأبيت آمنا في مجيئك وذهابك ولو ~~كنت بين مخالبك وأنيابك فأني ألتزم لك في كل يوم إذا استيقظت من النوم بما ~~يسد خلتك ويبقي مهجتك صباحا ومساء وغداء وعشاء وإن قلت أن ذلك شيء مجهول ~~فأنا أقدره بنظير هذا المأكول فان هذا الغذاء يكفيك عشاء وغداء وماقصدت ~~بذلك إلا رعاية لحق الجوار ولقد آنستني تسبيحك بالليل والنهار وأظن وظني لا ~~يخيب أنك تبت إلى الله ورجعت من قريب وكففت عن أذى الجيران وعففت عن أكل ~~الفيران ثم أعلم يا أسد الضياون أن لي من هذه المؤنة عشر مخازن قد أعددتها ~~لمثلك وأنا أقدمها لمنزلك وادخرها لأجلك والقصد أن أكون آمنا من سطواتك ~~ساكنا ms161 في صدمات حركاتك وذلك إنما يعلم بتأكيد الإخاء وتأييد المحبة والولاء ~~فلما رأى الهر هذا البر أعجبته هذه النعم وأطربه هذا النغم وأقسم # PageV01P303 # طائعا مختارا ليس إكراها ولا إجبارا أنه لا يسلك مع الجرذان إلا طريق ~~الأمان والإحسان وأنه لا ينوء إليه بقصد سوء بحيث تتأكد المحبة وتزداد ~~الصداقة والصحبة فرجع الجرذان وهو بهذه الحركة جذلان وصار كل يوم يأتي أبا ~~غزوان بما التزم به من الغداء والعشاء كل صباح وعشاء إلى أن صح القط واستوى ~~وسلمت خلوات بدنه من الخو والخوا وصارت المحبة تنعه بكل يوم عقد مجددا ~~ويزداد كل منهما في الآخر محبة وتوددا وكان لهذا القط ديك وهو صاحب قديم ~~وصديق نديم كل منهما يأنس بصاحبه ويحفظ خاطره بمراعاة جانبه للديك تعويق عن ~~زيارة الصديق فغاب عنه مدة وكل منهما للفراق في شده فلم يتفق لهما إلا وقد ~~حصل للقط الشفاء وزال الشقاء فسأل الديك صاحبه بماذا صارت علته ذاهبة وذاك ~~الهزال بأي شيء زال فاخبره بأحوال الجرذ أبي جوال وأنهى أمره من الأول إلى ~~الآخر وبالغ في الشكر في الباطن والظاهر وأنه كان سبب حياته ونجاته من ~~مخاليب مهلكاته وأنه لم يكن مثله في الأصحاب وقد صار أعز الأصدقاء والأحباب ~~فغار الديك على الصاحب القديم وأختشى أن يفسد ما بينهما المفسد الذميم فضحك ~~مستغربا وصفق بجناحيه متعجبا فقال له مم تضحك فقال من سلامة باطنك وانقيادك ~~لمداهنك وحسن صنائعك مع المنافق مخادعك ومكارم أخلاقك مع ناقض ميثاقك ~~وإصغائك لهذا الخبيث بمشوه الكلام ومموه الحديث ومن يا من لهذا البرم ~~الواجب القتل في الحل والحرم المفسد لفاسق المؤذي المنافق الذي خدعك حتى ~~أمن على نفسه واستطرق بذلك التمكن من أذاه ونحسه فتسلط الأذى كما يختار ~~وانهمك في الشر آمنا منك البوار كل ذلك بسببك # PageV01P304 # ومكتوب في صحائف كتبك مع أنك بمشكور ولا بالخير مذكور وأن الذي شاع وذاع ~~وملأ عنك الأسماع أنك ستحل عقده وتنكث عهده وتنقض الإيمان وتجازي بالسيئة ~~الإحسان وأنه لم ير منك ما يسره ms162 وهو متوقع منك ما يضره وأعظم من هذا أنه ~~آذى وحشر فنادى وبالشر بادي فقال أنه أحياك بعد الموت وردك بعد الفوت ولولا ~~فضله عليك وبره الواصل إليك لمت هزالا وجوعا ولما عشت أسبوعا ولكنه أشبع ~~جوعك وجلب هجوعك واستنفذ من مخاليب المنية بعد ذهابك رجوعك فشفاك وعافاك ~~وصفا لك وصافاك وكفاك وأنك كافيته مكافأة التمساح وجازيت حسناته بالسيآت ~~القباح ولم يكن لإحسانه إليك ولا لما من به عليك سبب ولا علاقة سوى طهارة ~~نفس زكت أخلاقه ولا لإساءتك إليه سبب تنقم به عليه إلا ما أسداه من مكارم ~~شيمه الواصلة إليك وفوائد نعمه السابغة عليك وقد أشاع هذا كله في الشوارع ~~والحارات خصوصا في هذه المحلة ثم أقسم بمن عطفه عليك وساق # فضله إليك وجعلك محتاجا إلى نواله وأسبل عليك لباس صدقاته وافضاله ~~ليستوفين منك ما صنعته وليحفظن عليك ما عليه ضيعته وليوقعنك في طوى بليه ~~يعجز عن خلاصك منها كل البرية فليريحن منك جنس الفار وليخلدن ذكر هذه ~~القضية في بطون الأسفار وبالجملة فهل سمعت أن جرذنا صادق هره أو اتفق ~~بينهما مرافقة في الدنيا ولو مره ومناصحة القط والفار كمصادقة الماء ~~والنار: # فأنت كواضع في الماء جمرا ... وأنت كمودع الريح الثرايا # فلما سمع القط هذا الكلام تألم باطنه بعض إيلام وما صدق ولكن ظن واشتغل ~~خاطره لأمر عن وتلهبواشتغل ومن يسمع بخل وقال للديك جزاك الله عني خيرا وما ~~أكثر شفقتك طيرا ولكن من قال لك هذا المقال # PageV01P305 # قال أنت محب وعلى مودة الجرذان مكب وقد قال سيدا لعرب والعجم صلى الله ~~عليه وسلم حيك للشيء يعمي ويصم وقال الشاعر: # وعين الرضا عن كل عيب عمية ... كما أن عين السخط تبدى المساويا # ولقد غرك بلقيمات من الحرام والسحت المنغمس في الآثام وجعلها بمنزلة حبة ~~الفج فلا تشعر بها إلا وأنت في السلخ وقد وقعت ولا رفيق ولا أخ هناك يعرف ~~تحقيق هذا الكلام ولكن أنت الآن راقد مثل النيام والكلام ما يفيد ولا بد أن ~~الله تعالى ms163 يجري ما يريد وما في إشاعة الكلام طائل وكأنك أنت القائل: # ظن العذول بان عذلي ينفع ... قل ما تشأ فعلي أن لا أسمع # وما قلت لك هذا الكلام إلا من فرط الشفقة والضرام ورعاية لحق ما وجب علي ~~من القيام وحفظا للصداقة القديمة والمودة التي سحائبها ديمه وأنا لو غششت ~~كل أحد ما خطر لي أن أغشك وأنا لا استشهد على صدقي إلا يقينك الساكن عشك ~~فرجح جانب صدق الديك كفاك الله شر من يؤذيك وقال القط في خاطره بعد ما أجال ~~قداح ضمائره هذا الديك من حين انفلقت عنه المبيضة وسرحت أنا وإياه من ~~الصدقة في روضة ما وقفت له على كذب ولا سمعت عنه أنه لزور مرتكب مع أنه ~~مؤذن أمين بين ظهور المسلمين وهو بالصدق قمين وما حمله على هذا إلا المحبة ~~وقديم المودة والصحية وهو أبعد من أن يكذب ويخدع وأي قصد له في أن يغش ~~ويتصنع # PageV01P306 # وتردد أبو هريرة في تيه الخيرة بين الديك والفريره ثم قال للديك وقاك ~~الله شر أعاديك فكيف أعرف صدق هذا الحبر وهل للدلالة على سوء طويته علامة ~~تنتظر قال نعم ورب الحرم علامة ذلك أنه إذا دخل عليك ونظر إليه أن يكون ~~منخفض الرأس مجتمع الأنفاس متوقعا حلول نائبه أو نزول مصيبة صائبة أو شمول ~~بليه غائبة ملتفتا يمينا وشمالا متخوفا نكالا ووبالا طائفا يتنقب خائفا ~~يترقب وذلك لأنه خائن والخائن خائف وهذا بائن وبينما هما في المحاورة ~~والمناظرة والمشاورة يتجاذبان القيل والقال دخل المفسد أبو جوال وهو غافل ~~عن هذه الأحوال فرأى أبا القيظان يخاطب أبا غزوان فخنس وقهقر وتخوف وتشور ~~وهو غافل عما قضاه الله وقدر فاشمأز لرؤيته الديك وابرأل وانتغض واشمعل ~~فارتعد الجرذان من شيخ الديكة لما رأى منه هذه الحركة وانتفش وانزوى وتقبض ~~وزوى وأشبه بغداديا بلع الدوا ونظر يمينا وشمالا كالطالب للمفر مجالا والقط ~~يراقب أحواله ويتميز حركاته وأفعاله فتحقق ما قاله أبو سليمان ونظر إلى ~~الجرذان نظر الغضبان وهمز واكفهور ورقصت شواربه وابزأر ms164 فاضطر الجرذان وطلب ~~الأمان فنسي السنور العهود والأيمان ونفض عرق العداوة القديمة والعدوان ~~وطفر على الجرذان وأدخله في خبر كان وأخلى منه الزمان والمكان # PageV01P307 # (وإنما أوردت) هذا التنظير أيها الصاحب البصير لفائدتين جليلتين عظيمتين ~~إحداهما الإعلام بالتحقيق إن العدو العتيق لا يتأتى منه صديق ثانيتهما ~~الإعلام بان الواجب على الحكام أن لا يعجلوا بالانتقام فربما يورثهم ~~الاستعجال الندامة في المآكل في حالة لا يفيد العذل والتنفيذ وعند ذلك لا ~~يمكن التدارك بل إذا نقل إليهم وأورد عليهم ما يثير الغضب ويحمي سن نار ~~السخط اللهب لا يفلتون زمام التثبيت والتفكر من أنامل التأني والتدبر خصوصا ~~السلاطين والملوك الأساطين فان قدرتهم واسعة وأطراف أوامرهم شاسعة وأوهاق ~~اختيارهم طويلة ومراعي المراد لمرامهم منيله وآدان الكون لأوامرهم سميعة ~~وعين المكان لمراسيمهم مراقبة مطيعة فمهما أرادوا من النفع أوصلوا ومهما ~~اختاروا من الضر فعلوا وذلك في كل حسن ممسين أو مصبحين ولذلك قالوا القاضي ~~لا يحكم حكما إلا وهو راضي ولا يحكم وهو غضبان وهو مشغول الخاطر ولا غرثان ~~فان وجدوا طريقا إلى الخير بادرواإليه وإذا قصدوا إيقاع شر توقفوا لديه ولا ~~يهملوه بل يسبروا غوره إلى أن يقفوا عليه فربما يكون من مداخله عدوا أو ~~حاسد بتعاطي من له غرض فاسد ثم أعلم يا ذا التبصرة والتذكرة أنه من يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فلما وعى يسار هذا الحوار ~~قال ما أزهى هذه النصائح وأزكى ما لها من روائح وأنا أقبل عليها وأقبلها ~~ولا يزال مرتشف سمعي مقبلها وعلى ذلك أعاهدك ومهما رأيت غيره أعاقدك فانه ~~للملك المصلحة وللملك زين ومسلحة وأيضا فاشترط ما بدا لك مما يزين حالك ~~ويصون مالك ومآلك # PageV01P308 # قال وأريد أن تكون حرمتي موفره وكلمتي معتبرة ومنزلي على أقراني مرتفعة ~~ومكانني في الممالك متسعة بحيث تكون مزيتي ظاهره ومرتبتي لاكفائي باهرة ~~وكلامي في محل الإصغاء والقبول متصلا بالنجاح في السؤال والمسؤل فان حسن ~~العهد وحفظ الود ورعاية الحقوق القديمة السابقة والخدمة المستمرة المتلاحقة ms165 ~~دليل على كمال المروأة والوفاء ونهاية لعتوة والصفاء لا سيما من الملوك ~~والأكابر في حق خدمهم الأصاغر ففي الحقيقة رفعة الخادم وكمال حرمته من رفعة ~~مخدومه وعزته وكل من رفع قدر خدمه وحافظ على حفظ حشمه ومنع جانبهم ورعى ~~حاضرهم وغائبهم إنما حفظ أطراف حشمته وراعي جانب عظمته وحرمته وكل كبير ~~امتهن خدامه وأذل جماعته # وقوامه ولم ينزل منازلهم ولا عرف فضائلهم وساوى باواخرهم أوائلهم فإنما ~~أضاع مكانة نفسه ولم يفرق في الفكر بين نومه وغده وأمسه وإذا لم يصغ الملك ~~لكلام الوزير واستقل بأوضاع ناصحه والمشير فابتذله وانتهز واستقله واحتقره ~~خصوصا في المجامع والمحافل بين العساكر والجحافل فأي حرمة تبقي له عنده ~~البقية من سائر الخدم والرعية وأي مرسوم كلام يسمع له عند العوام فيتكدر ~~خاطره وتتغير سرائره فيدعوه ذلك والعياذ بالله إلى شق العصا إذ صار على باب ~~مخدومه معلقا كالخصي وقدره في المكانة وقوله في البلاغة صار كالزيف في ~~الصاغه والغسو في الدباغة وناهيك أيها الخبير ما قالته لامها الزاغه قال ~~يسار أخبرني بذلك يا جهينة الأخبار (قال) ذكر أن زاغه في بلد مراغه انتشى ~~لها فرخه انتشر لها بين الطيور صرخه وكانت ذات بهجة لطيفه وصفات ظريفة ~~وتربت بتيمة # PageV01P309 # بالدلال وجمعت بين فنون الكمال فلما بلغت مبلغ الزواج خطبها من صنوف ~~الطير الأزواج وترادفت عليها الخطاب ودخلوا على أمها في ذلك من كل باب ~~فكانت تأبى عليهم ولا تلتفت إلى بذلهم ولا إليهم إلى أن بلغ خبرها إلى بومة ~~كريهة الوجه مشومه بينها وبين أم الزاغه صداقة قديمه فخطبتها لأبنها وأبانت ~~للطير مزيد غبنها فاستشارت الأم ابنتها وأظهرت في ابن البومة رغبتها وقالت ~~أي ربيبة الخير قد رغب فيك أصناف الطيور فكنت أدافعهم وأسوف بهم وأمانعهم ~~وقد اشتهر صيتك بين الكبراء وخطبك مني الأمراء والوزراء وأنا على المطاولة ~~والرد والمقاولة وقد استحييت منهم واختشيت غائلة ما يصدر عنهم ولم أفعل ذلك ~~إلا عارية لحالك وخوفا من زوج ظالم بقدرك غير عالم يستضعف جانبك ويكره أهلك ~~وأقاربك ms166 ثم لا نقدر على مقاومته ونتعب في مرافقته ومفارقته لا سيما أن صار ~~بينكما معاشقه فيصير نكاحكما الدماشقه كل يضمر السوء لصاحبه حالة المعانقة ~~كل يا أحسن معنى بما قال الشاعر: # رأيت الذي لأكله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر # ونعوذ بالله من اختلاف الوداد وأن يصبر نكاح السنة كنكاح أهل بغداد فأن ~~صادفتما في محله مثلي أبي بكر الرباني ودله أو مثل الفرغاني وعلى أو جارة ~~تشبه عيشة تلي خرجتما من يدي وزدتما نكدي فكنت لهذه الأمور أخشى تقلبات ~~الدهور وأرد خطاب الجمهور وقد خطبك يا كريمة ابن صاحبة قديمة وهي البومة ~~الفلانية وهي صاحبة هنيه وأخلاق ابنها رضيه وهو شخص فقير الحال حقير نقلبه ~~في أيدينا كما نريد ونتصرف فيه تصرف الموالي في العبيد لا في الطير جنس ~~يحبه بل كلهم يكرهه ويسبه ولا لهناصر علينا ولا جارح يدلي به إلينا فهو تحت ~~طاعتك كما تحبين وفي ربقة إرادتك كما تريدين لا كالحمام يتطوق بطوق # PageV01P310 # الفخر ولا كالهدهد يتتوج بتاج الكبر فما رأيك في هذا الأمر فقالت الزويغة ~~مقالة بليغة حفظت شيا وغابت عنك أشيا ما أصنع بزوج ممتهن وبغض الأجناس ~~ممتحن مكسور مهجور يتطير بين الطيور هذا يخطفه وهذا يلقفه وهذا ينقره وهذا ~~ينئره وهذا يأثره وهذا يكسره وإذا لم يكن للزوج حرمه ولا تسمع له كلمه ~~خصوصا عند زوجته وأهل بيته وعثرته فأي قدر يكون له عند غيرها وأني ينشر ~~بالسعد جناح طيرها وقد قال رب السموات والأرض ومالك الطول والعرض والبسط ~~والقبض والرفع والخفض الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ~~وقال من جعلهم قوامين وذواتنا منعوجه وللرجال عليهن درجة ومقدار المرأة بين ~~جيراني وأهلها إنما يعرف بقدر حرمة بعلها وأنا كيف يبقى حالي وبالي وما على ~~ومالي بين جيراني وصواحبي وأهلي وأقاربي إذا كان زوجي ذليلا مهينا محتقرا ~~بين الناس خربنا والله لا يكون لي زوجا ولو بلغ رأسه الأوج ولا أمد إليه ~~باعي ولا يرفع له في مركب ms167 الزوجية شراعي (وإنما) أوردت هذا المثال يا شبه ~~الغزال لا بين أنه إذا لم يكن لي في دارك عزه ولا يرفع مكانتي ومكاني نشاط ~~وهزه فلا يرجوني الصديق الموافق ولا يخافني العدو المنافق فيختل أمري ويضيع ~~في غير حاصل عمري وإذا ما أهمل مرسومي تعدى الوهم إلى مخدومي قال يسار أبشر ~~أيها الوزير المشفق والكبير المحقق والحكيم الماهر المدفق بالدرجة العلية ~~والمرتبة السنية والكلمة المقبولة والوظيفة الفاضلة لا المفضوله ولكن أنا ~~أيضا لي عليك شروط تزين عقودها الملتفات # PageV01P311 # في المروط هن لدار السعادة أبواب وللترقي إلى درج السيادة أسباب ومثلك لا ~~يدل على صواب وهي أن تتقلد العمل مبسوط الأمل بجميع ما قررته وتتعاطى ~~ملازمة كل ما حررته من إقامة ناموس المملكة المبجلة ورعاية شرائط السلطنة ~~المفضلة ومحافظة جانب مخدومك والإنهاء إلى مسامعه جميع ما في معلومك وتقديم ~~مصالحه على مصالحك ومعاملة رعيته بالجهد في نصائحك وكفه عن المظالم والعدول ~~به عن طريق المآثم والغيرة على دينه واعتقاده ويقينه أكثر من الغيرة على ~~دنياه وفي الجملة لا يكون الملك إلا لله بحيث لا تكون من قبيل لم تقولون ما ~~لا تفعلون وإياك والرشا والبرطيل والدخول لعرض الدنيا في الأباطيل وتوق ظلم ~~الرعية للأغراض الدنيه أو الأعراض الدنويه واتق دعوة المظلوم وإن يصل ~~سهامها إلى مولانا المخدوم وأعلم أننا إن بنينا أساس الأمور على قواعد ~~الظلم والشرور فنحن من الخاسرين ومن الذين ظلموا والله لا يحب الظالمين ~~وسيقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين بل ابن الأمور على ~~أساس التقوى فانك بالتقوى تقوى وبروايتها تروى فمن تحلى بالقضايا العاطلة ~~وتشبث بأذيال الأمور الباطلة ولم يقصد وجه الله في حركاته وسكناته وأدخل ~~شوائب الرباء والسمعة في أعماله وطاعاته لا يمشي له حال ولا يصلح له مال ~~ولا مآل ويصيبه ما أصاب السائح الذي ادعى إخلاص العمل الصالح ثم شرع في ~~حركته وأخلص فظهرت آثار براءته فلما قصد الأعراض الدنيه فسد ظاهره بفساد ~~النيه فسأل المشرقي عن حال ذلك الشقي (قال) ms168 كان في أقصى بلاد الصين طوائف ~~غير ذي عقل رصين # PageV01P312 # أنبت لهم في بعض الجبال زراع القدرة ذو الجلال في رياض النزاهة والكمال ~~شجرة ذات بهجة وجمال أصلها في أرض الملاحة ثابت وفرعها في أصل المحاسن نابت ~~وغصنها إلى سماء العلى واصل وورقها كعقود الجمان بالبهاء متواصل لا سموم ~~الصيف يزيل زهرتها ولا عواصف الخريف تذهب خضرتها ولا صرصر الشتاء يعري ~~أغصانها ولا لواقح الربيع تذري أفنانها فاعجب بحسنها أهل تلك الديار ~~وأشربوها إشراب بني إسرائيل عجلا جسد إله خوار ثم تفانوا # في حبها وتهالكوا على قربها فعبدوها كما عبدوه واعتقدوها كما اعتقدوه ~~واستولى على عقولهم الشيطان وصار يخاطبهم من الشجرة واحد من الجان فزادهم ~~فيها اعتقادا وعمهم بعبادتها كفرا وعنادا فقدم تلك البلاد فقير من السائحين ~~وهو من عباد الله الصالحين فلما رأى تلك الحالة أفزعه ذلك وهاله وأخذته ~~غيرة الإسلام وغضبة دعته ليالقيام فأخذ فأسا وقصدها ليقطع ساقها وعضدها ~~فلما قرب إليها وأراد وضع الفأس عليها سمع منها صوتا خوفه وعن مراده أوقفه ~~فقال أيها الرجل الصالح والقادم السائح فيم ذي الهمة وعلام هذه العزمة ~~المهمة وما قصدك بهذه الصدمة فقال غيرة لله أيها المضل اللاه شجرة تعبد من ~~دون الرحمن ولا يغار لهذا الشان إنسان فلاقطعنك أيتها الشجرة المضلة ولا ~~جعلنك حطبا ومثله فانك قد أضللت كثيرا من الناس وفعلت ما لم يفعله الوسواس ~~الخناس وأنك لا تنفيع ولا تضرين سوى إنك إلى النار تجرين # PageV01P313 # فقالت أيها الرجل الزاهد الصالح العابد أنا ما آذيتك ولا ضار رتك وإن ~~رأيت نفعتك وبررتك وحاشاك أن تؤذي من لا آذاك وأنا أعلم أيها الرجل الكبير ~~أنك غريب وفقير وما أقدمك على هذا البأس إلا الغربة والأفلاس فكف عن هذا ~~الأمر وأطفئ فائرة هذا الجمر وارجع إلى منزلك واشتغل بطاعتك وعملك وأنا ~~أوصلك كل نهار دينارا ذهبا نضارا كاملا وافيا معيارا يأتيك هينا ميسرا كحل ~~صباح مبكرا إذا استيقظت من رقدتك تجده موضوعا تحت وسادتك وهذا هو الأليق ~~بحالك وأفرغ لخاطرك ms169 وبالك وأخلص لك من ورطات المهالك وإذا أصلحت مع الله ~~سريرتك وطهرت من أدناس الدنيا سرك وسريرتك فاترك الناس ولو كانوا جيرتك أو ~~أهلك وعشيرتك وعليك بخويصة نفسك فإذا أنقذتها من الورطات فأمسك وقد قال ~~منزل القرآن ليحرسكم يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم فلما سمع بالدينار ~~ألهاه الطمع والاغترار فبردت همته وضعفت في الله قوته وتركها ورجع وترك ~~القيام وهجع فلما أصبح الصباح وحاز بالصلاة الفلاح بادر إلى الفراش وطلب ~~المعاش فوجد الدينار كما ذكره الشيطان وأشار فالتفقه وابتهج وتحقق أنه فتوح ~~باب الفرج واستمر على ذلك أسبوعا والذهب عنده مجموعا ثم بعد ذلك قصد الفراش ~~بسرور وأهتشاش فلم يجد شيأ من الذهب فتحرق قلبه والتهب فأخذه الحنق والقلق ~~وأخذ الفأس وانطلق فلما قرب من الشجرة نادته بألفاظ عكره قف مكانك واذكر ~~شانك وقل لي في ماذا جيت فلا حبيت ولا حبيت فقال جئت لأقطعك ومن الأرض ~~أقلعك غيرة على الدين وقياما بحق رب العالمين # PageV01P314 # فقالت كذبت إنما غرت وسيبت وقمت وقعدت وبرقت ورعدت لفقدك الذهب الذي عنك ~~ذهب وإنما كانت الغيرة الصحيحة والقومة المليحة الناهضة النجيحة القومة ~~الأولى فإنها كانت والحق قد تجلى فلو قامت الجلائق لردك واجتهد وافي منعك ~~وصدك لما ظفر وابك ولا قاموا بحروبك وأما الآن فهذه الغضبة غضبة الفاجرة ~~لقحبة التي حصلت بواسطة عدم الدينار فهي التي أثارت منك ما أثار فلو دنوت ~~مني خطوه وتقدمت من مقامك رتوه دققت عنقك وشققت زقك وقد قلت أني لا أضر ولا ~~أنفع ولا أجلب ولا أدفع فأما المنفعة يا صلمعة بن قلمعة فأنك رايتها في ~~الدنانير التي لقينها فتقرر النفع يا مستحق الصفع وأما المضرة فقسها على ~~المنفعة يا أبا مره فان الذي له قدرة على المبرة ربما يقتدر على الإيذاء ~~والمضرة وإن شئت تقدم وجرب لتعلم واخبر واسبر وانظر كيف أنثر منك لراس بهذا ~~الفأس وحقق وصدق أن كتفك حملت حتفك فبهت الرجل وتحير وخاف وخار وقهقر ~~وانقطع حبل رجائه وأفلت يتلفت إلى ورائه (وإنما ms170 ذكرت) هذا لتعلم أيها ~~الوزير المكرم إن كل أمر لا يقصد به وجه الله فان عقباه الندم وإن حسن ~~أولاه وكل قصد ليس لغرض صالح فان شجرة غراسه لا تثمر الفضائح فترك الشروع ~~فيه أولى ومحو صورته من لوح الضمير أجلى ومن لم يترك مالا يعنيه وقع فيما ~~يعنيه وحل به من الفضيحة والأيام ما حل بذلك المفسد في مدينة السلام فسأل ~~الزنيم المشرقي البصير الأفريقي كيف كانت تلك الفضيحة ليأخذ منها لنفسه ~~النصيحة # PageV01P315 # (قال) كان في مدينة بغداد صانع حرير أستاذ خبير له جارسني الجوار وزوجة ~~تخجل البدر عند الكمال والشمس قبل الزوال وذاك الجار الجاني يدعى ابن ~~الفرغاني ففي بعض مطارده لمح زوجة جاره فتعلق قلبه بها واشتغل من هواها نار ~~أحشائه بهبوبها فأخذ يلهو بها إلى أن أفسدها وإلى الضلال أرشدها وكان الزوج # مغرما بها فوجد على حالها منبها فصار يراقبها من كلفه ولا يغفل عنها لشدة ~~شغفه ويجتهد فيكفها عن الخيانة وأن تحفظ الغيب وتؤدي الأمانة ففي بعض ~~الأوقات رأى في بعض الطرقات صيادا ومعه طير أوثق رجليه بسير فسأله عن طيره ~~وإلى أين قصده في سيره فقال هذا من الجوارح السوانح لا البوارح يحاكي ~~الصوادح ويباكي النوائح وفيه سر عجيب وأمر غريب وهو أنه إذا كان في بيت ~~ورأى فيه على صاحبه كيت وكيت أخبر زوجها خبره وقص عجره ويجره وقد رغب فيه ~~رئيس يشتريه فأنا ذاهب به إليه أقدمه لديه وامتن به عليه فرغب فيه الحريري ~~واشتراه وأتى به إلى داره وقال لزوجته أكرمي مثواه وأحسني مأواه فانه يخبر ~~بكل ما رآه وهو من أحسن صفاته وأعجب أموره وحكاياته ومهما فعلت زوجة ~~الإنسان ذكره على وجهه كما كان فقالت نحن بحمد الله في بركه آمنون مما ينقل ~~عنا من حركه فان رأى شيأ يهوله لا يكتمه عنا بل يقوله فتركه إلى الزوج وذهب ~~فدخل الحريف الملتهب فرأى المرأة وحدها والطير عندها فأخذ في المهارشه ~~ومديدة للمناوشة فقالت كف يدك واحفظ الذمام فانه قد حصل ms171 علينا رقيب نمام ~~فكف يدك يا حبيب لئلا نصاب ولا نصيب وتفكر في قول الشاعر المصيب: # إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل على رقيب # PageV01P316 # فقال وأين الرقيب يا ست الجار والحبيب قالت هذا الطير ليس غير فان له ~~خواص عجيبة وفيه أشياء لطيفة نجيبه منها أنه تمام ومهما رآه أو سمع من ~~الكلام فانه يفض عنه الختام ويذكره لصاحب البيت على التمام فقهقه بصوت عال ~~وسخر منها وقال صدق سيد المرسلين الذي قال النساء ناقصات عقل ودين ثم أقسم ~~بحياتها وحسن ذاتها وصفاتها ليولجن القضيب في الكثيب بمرأى من ذلك الرقيب ~~حتى إذا فرغ من أمره يمسح في منقاره رأس ايره ليعملها صحة ما أوهمها ثم ~~حاورها وغلبها وساورها وقلبها وحل الصدر بالتكمه وتعلقت الحلقة بالسكة ~~وامتزجت الألف العربية بالكاف الكوفية والتهم زر الوردة الثصبيبة شفاه ~~الوردة النسرينينه واستمر في أخذ وعطاء ولا وطاء كأنهما أفواج الحجاج أو ~~ثباج الأمواج في شيل وحط وقبض وبسط وهرج ومرج ودخل وخرج واستمر من نحو هذا ~~التصريف في بحث الرفع والجر ومن علم المطاردة والركوب في صنعة الكر والفر ~~ومن علم الزندقة والإلحاد في عالم الحلول والاتحاد إلى أن دفق الإبريق ~~العقيق في قدح اللجين شراب الرحيق وقد أنشد الحريف هذا النظم الظريف وهو: # لو تنظر الرقبا وقد عانقه ... والشمع مشتعل وبابي مقفل # طور أشاهده وأرشف تارة ... وأضمه من بعد ما أتأمل # وإذا تعشى ذيل ثوبي بادلى ... من جيبه شيء عليه المقتل # PageV01P317 # فلما سال الميزاب بما جرى وقضى زيد منها وطرا نهض ليبر قسمه حسبما ميزه ~~وقسمه وأدنى من منقاره غرموله وكان للطائر مدة لم يتناول مأكوله فتصوره ~~قطعة لحمه صدمها إليه طعمه فانشب مخاليبه فيه فاستغاث بملء فيه وكاد أن ~~يغمى عليه واستعان بحبيبة قلبه إليه فأقبلت المرأة كالحدأة فأشار عليها أن ~~تكشف عن ساقيها وترى الطير بظرها وحمرته فربما يلتهي ويترك آلته فتكشفت ~~وأدنته إليه وعولت في خلاص صاحبها عليه فوثب لشدة قرمه وتأثير الجوع وألمه ~~ليلهم ms172 ذاك الفلهم فانشب مخاليب رجله الأخرى في فلهم تلك البظرا فاشتبكوا في ~~البلاء اشتركا وبينما هما في تعاظل الكلاب وإذا بالزوج قد دخل من الباب ~~فرآهما على تلك الحال من الاشتباك والاعتظال ونقل الطير ما قال بالأفعال ~~دون الأقوال فصح قوله وفعله وفعل مهما ما يجب فعله (وإنما أوردت) هذا ~~البيان لا علم أشرف جنس الحيوان إن الشروع فيما ليس فيه منفوع يجب الأبعاد ~~عنه والفرار منه وعدم الإصغاء إليه والتوجه والإقبال عليه ولهذا قال النبي ~~النبيه صلى الله عليه وسلم عليه من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه قال ~~المشرقي ما بقي إلا أن ترتقي فلقد طال البيان وضاع الزمان (شعر) : # فانهض هديت إلى ما رمته عجلا ... فالدهر عات وللتأخير آفات # وكانت هذه المحاورة تحت ظل شجرة فيها وكر حمامة وكان لها # PageV01P318 # بالبلد إقامة في برج رجل من أهلالزعامة ثم اختارت العزلة واحتسبتها نعمة ~~جزلة فاختارت هذا المقام ولها فيه عدة أعوام فسمعت جميع ما قالا من مبدئه ~~إلى منتهاه فلما وعت ما اتفقا عليه وتداعيا إليه أخذت تضرب أخماسا لأسداس ~~وتتأمل فيما يتجلى من عرائس معانيه من القدم إلى الرأس وتجيل في صور مبانيه ~~قداح النظر وتلاحظ سيرة فحاويه بلوامح الفكر وتجوز مذاهبه وتروز عواقبه ~~وتقيس مداركه بمعرجه وتميس في مداخله ومخارجه فادى قائد فكرها ورائد نظرها ~~إلى أنه ربما يكون لهما شأن وعلو مكانة ومكان فان محاورتهما وما مر من ~~مناظراتهما كانت منطوية على ذكاء وفطنه وتجارب وحكمة وعلو همه صادرة عن ~~فكره مصيب ورأى له في السداد أوفر نصيب ولم يبق لهما في القدر إلا مساعدة ~~القضاء والقدر وإذا كان الأمر كذلك قالا ليق في قطع هذه المسالك المبادرة ~~إلى التعرف بهما وإعانتهما والتقرب إلى خواطرهما ومساعدتهما على ما هما فيه ~~ومساعفتهما بما تصل إليه اليد وتحويه لأنهما في حالة الشدة وزمان الانفارد ~~والوحده محتاجان إلى المساعدة والمساعفة والمرافده وفي مثل هذه الحالة تظهر ~~الفضيلة ويتحملان المنة والجميلة وتقع مساعدتي أحسن موقع ويتميز لي عندهما ms173 ~~أرفع موضع فأنه إذا علا شأنهما وارتفع بدون معاونتي قدرهما ومكانهما واجتمع ~~عليهما الجنود وأقبل إليهما الوفود وكثرت الحفدة والأتباع وتكاتفت العساكر ~~والأشياع فما يظهر لمن يتقرب إليهما ويترامى لديهما إذ ذاك كبير فائدة ولا ~~كثير عائده # PageV01P319 # ثم أنها توكلت على الرحمن وصدحت على الأغصان بقولها: # على الطائر الميمون والبشر والسعد ... سموت إلى العليا نهدا على نهد # ثم هبطت وبين أيديهما سقطت فاذكرت قول الرئيس هذا الشعر النفيس: # هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع # وقبلت الأرض ووقفت في مقام العرض ولزمت شرائط الحشمة وأدت مواجب الخدمة ~~وهنأت نفسها والكون بسلطنة الملك يسار ذات الصون وقالت أني لكما نعم العون ~~وموطني في هذه الشجرة وأنا لأوامركم مؤتمرة وقد وعيت ما قلتماه وما دار ~~بينكما وذكرتماه ورأيته صادرا من مشكاة السعادة مشرقا بأنوار السيادة سهامه ~~نافذة في قلب الغرض وسيتعبد جواهر الرعايا بأدنى عرض فان حسامه مطيق لفصل ~~القصد وشأنه سيبلغ أعلى اليمن والسعد وها قد جئت مبادرة واردة منهل الطاعة ~~وصادره فأمر الأمتثل وانظر الأحتفال وتحكما لا طيع وتكلما فأني سميع فأن ~~أشرتما فالقصد قاف وأن استشر فالرأي كاف وإن خبرتما فالحزم وإن استنهضتما ~~فالعزم شاف وإن استخدمتما فالعبد خادم صاف مصاف فلما رأيا من الحمامة هذه ~~الكرامة تبسم الزنيم وتفاءل وأشرق وجهه وتهلل وتيمن بطلعة الورقا وعلم أن ~~أمرهما برقى وقال يسار هذا من علامات اليسار وجبر الانكسار والخروج إلى ~~اليمن من اليسار وعنوان السعود وحصول النجح والمقصود فان مسبب الأسباب ~~العزيز الوهاب # PageV01P320 # تبارك وتعالى وجل جلالا هو مسهل الصعاب ومفتح الأبواب وإذا أراد أمرا هيأ ~~أسبابه وفتح على الضعيف طاقته وبأنه ووسع رحابه وسدد إلى مرامي المرام ~~لراميه نشابه وحصول مثل هذا الصاحب الصادق والرفيق الموافق والمعين المصادق ~~أدل دليل على أن الله الجليل ييسر هذا المطلوب ويظهر هذا النجح المحجوب ثم ~~أنهما استشار الحمامة في كيفية نيل الزعامة والشروع في هذا الأمر والتوصل ~~إلى دعوة زيد عمرو وطريقة اشتهاره وتعاطي أسباب انتشاره فقالت أنا من ms174 جنس ~~الطير مشهورة بينهم بالخير ولهم إلى سكون وعلى مناصحتي اعتماد وركون ~~فالصواب في فتح هذا الباب دعوة الجمهور من الطيور أنابه زعيم وفي الرسالة ~~حكيم فان اقتضى الرأي الرفيع توجهت ودعوت الجميع بعد التخيير والتشهير بين ~~الكبير منهم والصغير أن أبا الجراء السلطان وأبا الجداء الوزير وقد وقع ~~الاتفاق في الآفاق على هذا الوفاق فليبتهج سائر الطيور بهذا الفرح والسرور ~~وليقرأ على رؤوس الجمهور هذا المقال المنشور ولبيادر إلى الخدمة بالحضور ~~ولا يتخلى أحد من آمر ومأمور والحذر الحذر من المخالفةوعدم الانقياد ~~والمؤالفة فقد طاب الوقت وراق وزال المقت والشقاق والمسارعة في أقرب زمان ~~ليأخذ والأنفسهم الأمان ولا يركبوا من التعويض سوى متن مسافة الطريق فاعجب ~~الملك والوزير من الهديل هذا الهدير فكتب بذلك بطاقة وحملتها الحمامة بأحكم ~~وثاقة ثم أخذت إلى الجو ووقيت من الجوارح السو ثم هبطت إلى مجمع الطير وهو ~~نادي الندى والخير فرأت منها خلقا كثيرا وجمعا غزيرا فسلمت سلام المشتاق ~~وعانقت عناق العشاق # PageV01P321 # فترحبوا بمقدمها وسألوا عن معرب أحوال ومعجمها وقدموا موائد الضيافة ~~وأظهروا السرور واللطافه فبثتهم كثرة الأشواق وما عانته من ألم الفراق وقد ~~حرضها شدة الشوق وساقها إليهم أشد سوق وبعثها أيضا باعث وهو من أحسن ~~الوقائع وأيمن الحوادث وذلك أن شخصا من أصلاء بني سلاق الحاكم على بني زغار ~~وبني براق تولى سلطنة السباع ومالكيه الذئاب والضباع مضافا إلى ذلك الحكم ~~على الطيور والقيام بسياسة أمور الجمهور وأقام له في ذلك وزيرا كافيا ناصحا ~~مشيرا يدعى أبا زنمه المشرقي من نسل تكابك الأرتقى وهو من الفحول وكباش ~~الوعول وقد أرسلوني إلى الجماعة يأمرونهم بالدخول في رياض الطاعة ليحصل لهم ~~الرعي والرعاية والرفاهية والحماية ويأمنوا صيد الكائد وكيدا لصائد ثم شرعت ~~نبت للكبير والصغير ما شاهدت من مخابل الملك والوزير وحسن شمائلها ويمن ~~خصائلهما وما هما عليه ونسبا إليه من الشجاعة والدين والعقل المتين والفضل ~~المبين والقناعة والعفه والمجد الذي لا تدرك وصفه وأن الملك المعلوم قد عف ~~عن تناول اللحوم وقد ms175 قنع بما يسد الرمق من حشيش النبات والورق وقد تكفل ~~برفع المظالم وردع الظالم وأجراء مراسم العدل وأحياء مواسم الفضل فان ~~أنابوا وأجابوا ربحوا وأصابوا وطالوا وطابوا وأن أبو وصبوا واهتز وللمخالفة ~~وربوا ثم كسهم الدمار وأركسهم فلا يلوموا إلا أنفسهم فصدقوها من أول وهله ~~والرائد لا يكذب أهله لأنهم كانوا بها واثقين ولكلامها في الحوادث مصدقين ~~فما وسعهم إلا الطاعة والتوجه إلى خدمة # PageV01P322 # الملك في تلك الساعة وبعد ما تبادروا بالتصديق طاروا بالفرح ودخلوا ~~الطريق واستصحبوا من الخدام # والتقادم ما يصلح للمخدوم من الخادم فلما قربت الديار ودنوا من ولاية ~~الملك يسار تقدمت الحمامة وسبقت وأخبرت الملك والوزير بما فتقت ورتقت ~~فاستبشروا بما تقدم وبادر الوزير لملاقاة المقدم فتلقاهم بالاحترام ~~والتوقير وأكرم الكبير والصغير ومشى معهم بالإكرام والحرمة وأوقف كلا منهم ~~في مقام الخدمة وحين استقر بهم المقام افتتح الوزير الكلام فأثنى على الله ~~تعالى وضاعف التحية على نبيه ووالي ثم امتدح الملك الذكي بثناء يخجل المسك ~~الزكي وذكر بعد ذلك ما يتعلق بسياسة الممالك وأن الله من بالملك عليه وساق ~~سلطنة الوحش والطيور إليه وذكر مقام كل من الطيور وما وظيفته بين أولئك ~~الجمهور فأطاع الكل وتابعوا وعلى ما اقترحه عليهم بايعوا وأنشدوا فارشدوا: # ونحن أتينا ظائعين ولم نكن ... عصاة فرم غير الطيور عساكرا # ولما انقضى الوطر من قضايا الطير أخذوا في استدعاء جموع الغير من الوحوش ~~الكواسر والبهائم الجواسر والهوام النواشر والجوارح النواسر وأرسلوا في تلك ~~الجماعة الحمامة وقلدوها فيه طوق الزعامة فتوجهت نحو الوحش وإلى كل فارح من ~~الصيد وجحش وكانوا بذلك قد سمعوا وللمشاورة فيه قد اجتمعوا فبلغت الحمامة ~~الرسالة وأظهرت ما فيها من بسالة وكان آخر ما وقع عليه الاتفاق الوفاق وعدم ~~النفاق وقصد الارتقاء والتوجه إلى خدمة الملك يسار صحبة الرفاق وقالوا لا ~~شك أن الكلب بالوفاء مشهور وبحسن الرعاية والحراسة مذكور ويقدر أن يرعانا ~~من الإنسان ويجمينا من السباع ومؤذيات الحيوان وأوصافه مذكورة في الكتاب ~~وناهيك بفضل الكلاب على كثير ممن لبس ms176 الثياب # PageV01P323 # فتقدم خزز من بين تلك البزز يدعى رئيس الأرانب محبب إلى الأقارب والأجانب ~~وهو مشهور بالحصافة موصوف بالذكاء والظرافه والمعرفة التامة والتجربة ~~المفيدة العامة بعيد الفكر في العواقب سديدالرأي حازم مراقب وقال يا معشر ~~الأصحاب وأولي الأبصار والألباب كيف خفي عليكم ولم يتضح لديكم عاقبة هذه ~~الأمور وما فيها من عكوس وشرور وهل بصلح للرياسة وإقامة السلطنة والسياسة ~~أهل النذالة والخساسه المنصف بالقذارة والنجاسة أو ما علمتم أن من أفحش ~~السباب الشتم باخس من الكلاب أو ما سمعتم في كلام مالك أزمة القلب في حق ~~عامله بالسلخ والسلب فمثله كمثل الكلب أو ما قال صاحب الشرع في حق ما ولغ ~~فيه الكلب بالسبع ثم التعفير بالتراب وهو مذهب كثير من الأصحاب وأن يطهر ~~بالدباغة منه الإهاب لا أصلي تقي ولا وصف نقي ولا نسب طاهر ولا حسب ظاهر ~~ولا وجه زاهر ولا شكل باهر فان كنتم نائمين انتبهوا واعرضوا فما قصدتم إليه ~~وانتهوا فلعن الله زمانا صار فيه التيس وزيرا والكلب سلطانا ولقد أرشد من ~~أنشد: # لقد جار صرف الدهر في كل جانب ... من الأرض واستولت علينا الأراذل # هل المسخ إلا أن ترى العرف منكرا ... أو الخسف إلا حين تعلو الأسافل # فتصدى الهديل للجواب وقال لا شك ولا ارتياب أن المستحق للسلطنة الإمام ~~العادل والشخص الكامل الفاضل ولا يقدح في هذا الفصل دناءة الأصل فقد قال ~~القيوم الحي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي وكل من اتصف بالهمة ~~العلية والأوصاف السنية # PageV01P324 # ومكارم الأخلاق والشيم وانتشر بها صيته بين الأمم يستحق أن يرأس بين ~~العرب والعجم وأما الأنساب ففي نص الكتاب قال من بقوله يهتدي المهتدون فإذا ~~نفخ في الصور فلا انساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون وقال الشاعر: # كن ابن من شئت واكتسب أدبا ... فسوف يغنيك ذا عن النسب # إن الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي # وقال أيضا: # لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه ... على ما تجلى يومه لأبن أمسه # وما الفخر ms177 بالعظم الرميم وإنما ... فخار الذي يبقى الفخار بنفسه # وأما الأوصاف فلا شك ولا خلاف في أن الكلاب فضلت على كثير ممن لبس الثياب ~~وما ذاك إلا لأوصاف اختصتها وآثار اقتفتها واقتضتها وهي مشهورة وعن الكلاب ~~مسطوره ومن جملة محاسنهم مأثورة وأما الأوصاف الذميمه فيمكن صيروتها ~~مستقيمة وذلك بحسن التأديب والتربية والتهذيب والتمرين والتشذيب حتى يصيرنا ~~به مديه وهذا ليس فيه مريه ويجتزي بالفاكهة والبطيخ عن اللحم السليخ ~~وبالخبز الشعير عن أكل لحم الحمير وناهيك يا أبا وثاب ما قيل في الكلاب ولا ~~بسبي الثياب (شعر) : # وما ضر أهل الكهف إيمان كلبهم ... ولكنهم زادوا يقينا على هدى # وماذا أفاد العلم بلعام وهو من ... بني آدم لما إلى الأرض أخلدا # PageV01P325 # وهذا السلطان قد عاهد الرحمن إن لا يمزق حيوان ولا يذوق لحمان وأن يقنع ~~بالكفاف ويسلك طريف العفاف وما ذاك لعجز ينسب إليه ولا لوهن طرأ عليه بل ~~سمت همته عن ذلك ترفعا وسلك طريق الملوك في أحياء هممها ومعاليها تطبعا ~~وبضدها تتبين الأشياء فان أحببتم كان لكم الحظ الأوفر وإن امتنعتم فقد أعذر ~~من أنذر وبلغ من حذر وما قصر من بصر والعاقل من يتبصر عيوبه ويسلك من الخلق ~~الجميل دروبه وقد قيل لأمير النجل ذاك الأسد الفحل كرم الله وجهه وجعل له ~~إلى الرضوان أحسن وجهه يا أمير الامؤمنين وابن عم سيد المرسلين ممن تعلمت ~~الأدب قال من قليل الأدب يعني إذا رأيت في أحد خلقا ذميما أو وصفا فسد ~~بادرت إلى افتقاد نفسي وتأملت في حدسي وحسي هل أبا محلى بذلك الوصف أم لا ~~فان لم يكن اجتهدت أن لا يكون وأن كان أبعد عنه عرضي وأصون وحسبك يا ذا ~~الرتبة العالية استنكاف اللص العاقل من قول تلك الزانية فقالت الخزز ~~للحمامة: # أخبريني بذلك الاستنكاف يا ذات الكرامة ... قالت الحمامة ذكر رواة ~~الأخبار عن شاطر من الشطار # قد بلغ في الشطارة واللصوصية غاية المهارة يسرق الوهم من الخاطر والرائحة ~~من الطيب العاطروالنوم من أجفان الوسنان واللماطة من أسنان الجيعان ms178 ويأتي ~~على كوامن الغيوب فضلا عن خزائن الجيوب ويلف الرخيص والغالي والوضيع ~~والعالي وقد أعجز المقدم والوالي ففي بعض الأوقات قصد جهة من الجهات فبينا ~~هو في المناهضة # PageV01P326 # والمناهزة غشيه الوالي مع العسس والجلاوزه ومعهم امرأة بغى قد خرجت عن ~~الصراط السوى وهم يضربونها وعلى أفظع حالة يسحبونها وهي تستصرخ المسلمين ~~وتستغيث أئمة الدين فلما أحس اللص بهم نكب عن دربهم وولاهم عطفه ونزوى في ~~عطفه وانتظر حتى يمروا فسمع المرأة وهم بها قد أضروا وهي تصيح بلسان فصيح ~~وتقول يا أهل الإسلام وأمة خير الأنام أنجدوني وارحموني وأسعدوني لا سرقت ~~ولا نقبت ولا اختلست ولا سلبت ولا ظمعت في مال أحد ولا نهبت ولا وقفت لأحد ~~في درب وإنما استنفق من حاصل دار الضرب وذلك ملكي وحوزي وثمرة لوزي وجوزي ~~باشارة سهام الحاظي الملوزة من قسى حواجب بالجمال متوزة وسفارة نظام الفاظي ~~المعززة المشبه باب طريقها دررا في العقيق والرفيق مغرزه فما لي على أحد ~~ولا طمعت في مال أحد فيحصل له منى ملل فلما سمع قاصد الحرام هذا الكلام ~~أفاق خاطره وراق وتنبه لقبح صنعته وأن الزواني تانف من حرفته وتستنكف مما ~~هو مفتخر بفضيلته فقال لعن الله فعلا تنتقصه الخواطي وتبا وسحقا لمتعاطيه ~~من متعاطي ثم عاهد الله التواب ورجع إليه عن صنعة الحرام وتاب (وإنما ~~أوردت) هذه المناقب يا شيخ الأرانب لتعلم أن العاقل من يتصفح جرائد أعماله ~~ويتأمل صحائف حركاته وأحواله وأن هذا الملك صفى شراب صفاته من كدورات الهوى ~~براورق للراقبة ونقى رياض ذاته من شوك الأخلاق الذميمة بمنكاش المعاتبة ~~بقدر طاقته وإمكانه وهو مثابر على ذلك في غالب ازمانه ولا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها وليس لك أن تعترض بان النفس لا تغير طبعها وليس # PageV01P327 # الأكمة كالأرمد ولا السطيح كالمقعد، ولا سحبان كباقل ولا العاقل ~~كالتعاقل، ليس التكحل في العينين كالكحل وتخرج يا مسكين. # بواقعة السلطان محمود بن سبكتكين مع وزيره حسن الميمندي بسبب القضية ~~الواقعة لأبن الجندي فسأل أبو عكرشة أبا عكرمة ms179 عن هذه الواقعة ليتبين من ~~التمثيل مواقعه (فقال) إن السلطان محمود ذا الطالع المسعود الذي فتح بلاد ~~الهنود جرى بينه وبين وزيره مباحثه وقع فيها عن دقيق العلوم منابئه في أن ~~الطباع هل تقبل التغيير أم لا تستحيل عما جلبها عليه الفاطر الخبير فقال ~~الوزير نعم تقبل التغيير بواسطة التأديب وحسن التهذيب وحسن التشذيب ~~والتهذيب وقد شاهدنا الطباع من الوحوش والسباع بواسطة التعليم تركت الخلق ~~الذميم واكتسبت الوصف المستقيم فجريان هذا الإمكان أحرى أن يوجد في جنس ~~الإنسان فقال السلطان المظفر لا تتحول الطباع ولا تتغير ولا يمكن صرفها عما ~~جبلت عليه ولا يتصور فال من ليس في كلامه اشتباه فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها لا تبديل لخلق الله # PageV01P328 # وقال القائل وتأبى الطباع على الناقل واستمر هذا الكلام بينهما عدة أيام ~~إلى أن ركب السلطان وقصد السيران والوزير في ركابه من خدمه وأصحابه فرأيا ~~من بعد شابا من أولاد أحد الجند وهو جالس على فرع شجرة يابس يريد قطعه لما ~~عدم نفعه وقد جعل ظهره إلى طرف الفرع وهو عمال بالمنشار في أصله للقطع ~~فتأمل السلطان والوزير في هيئة ذلك الظبي الغرير ثم قال السلطان للوزير بين ~~الأعيان وطبع هذا أيضا داخل في الأمكان وهو يقبل التغيير والتعليم ويمكن ~~استحالته بالتأديب والتفهيم فلم يجر الوزير جوابا لا خطأ ولا صوابا ثم أشار ~~إلى بعض خوله أن يذهب بذلك الشاب إلى منزله فلما نزل من الركوب أحضر ضلك ~~الشاب المرعوب الغافل المحبوب ثم طلب له مؤدبا حاذقا مهذبا وأمره أن يجتهد ~~في تعليمه ويبالغ في تأديبه وتقويمه ويوقفه من العلوم على دقائقها ويسلك به ~~إلى خفايا طرقها وطرائقها فاشتغل بتربيته ليلا ونهارا وبذل مجهوده في سرا ~~واجهارا إلى أن برع في أنواع العلوم وضبطها من طربقى المنطوق والمفهوم ولما ~~فرغ من العلوم أدناها وأنهارها من مبتدئها إلى منتهاها شرع به في علم إدريس ~~وهو علم النجوم النفيس واستطرد منه إلى علم الرمل المنير ونوسل بهإلى أن ~~توصل إلى إخراج الضمير ms180 فأتقن هذه العلوم لا سيما إخراج الضمير الموهوم فلما ~~أتقن ذلك وسلك فيه أدق المسالك أحسن الوزير إليه واستصحبه إلى الملك ودخل ~~به عليه فقبل الأرض وأدى من شرائط الخدمة النافلة والفرض وقال للسلطان ~~محمود أن هذا هو ذاك الشاب المعهود وقد برع # PageV01P329 # في العلوم ووصل إلى استخراج الضمير المكتوم وقد بدلت بلادته بالذكاء وصار ~~فؤاده كابن ذكاء فان اقتضت الآراء السلطانية سبرته واعتبرت فهمه بعدما ~~اختبرته فادخل السلطان يده في كمه ونزع خاتمه من بصمه وأطبق يده عليه ليسبر ~~منتهى علمه وينظر ما قاله الوزير في كيفية هذا التبديل والتغيير ثم أخرج ~~يده من كمه وقال ليظهر نتائج علمه ليخبرنا بما في كفي وعن حواس العيون مخفي ~~فتقدم الشاب ورفع الإصطرلاب ووضع أوضاع الحساب وخط ذلك النقي أشكال لحيان ~~والنقي وسائر الأوضاع من الطريق والاجتماع ثم نظر وسبر وعبس وبسر وقدر ~~وافتكر وقال دل الشكل والله أعلم أن ما حواه الكف المكرم شيء من المعادن ~~محفوف بسودد أسواد بائن وهو في أفضل الأشكال لأنه مستدير وفي أحسن الألوان ~~لأنه مستنير وفي دائرته قطر ومركزه وفي وسطه ثقب لمغرز وهو ثقيل أما في ~~الثمن أو في التحميل ثم تأمل بعد الوقوف في أن هذا الموصوف ماذا يكون فقال ~~كان والله أعلم فردة طاحون فضحك السلطان الكبير وخجل لذلك الوزير ثم قال ~~السلطان أبي والله وله السبحان أن يكون بأقل كسحبان: # إذا كان الطباع طباع سوء ... فليس بنافع أدب الأديب # (وإنما أوردت) هذه المسائل لئلا يعترض قائل ويستدل بمثل هذا الدليل على ~~أن الطباع لا تقبل التغيير والتحويل بل الطباع تتغير: # ومن ذا الذي يا عز لا يتغير ... فسبحان من لا يحول ولا يزول # الذي وضع عالم الكون على الانتقال والحلول وكل لجلال عظمته مخبت يمحق ما ~~أراد # PageV01P330 # بثبت ويمحو ما يشاء ويثبت ومذهب أهل الثبات في المحو والإثبات أن الكافر ~~قبل الإسلام كافر عند الملك العلام وبعد ما انخرط في سلك المؤمنين صار ~~مؤمنا عند رب العالمين وعلى هذا التقدير ms181 والتقرير أيها الفاضل الكبير ~~والعالم النحرير فالملك يسار نظر بعين الاعتبار وتنصل من رذائل الأوصاف ~~وتخلق بأخلاق الأشراف من التلبس بالعدل والأنصاف ولولا نيته الصالحة ما ~~صارت صفقته في المبايعة رابحه ولا كانت كفة فضله راجحة ولا زايله النكد ولا ~~أطاعه أحد والأعمال بالنيات وعلى مقدار النيات العطيات وجنس هذا الملك في ~~الأوصاف المتباينة مشترك فانه قد جمع بين خصائص الحيوان حتى كأنه سبع بهيمة ~~إنسان كما قيل: # جمع الكلب في حلاه صفات ... فهو سبع بهيئة إنسان # وكما قيل أيضا: # يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم # وأنا يا مولاي أعرض عليكم هذا الرأي وهو شاهد عدل وحكم فصل وهو أن يقع ~~الاتفاق على واحد منكم من خلص الرفاق من تحققتم حسن آرائه وصدقه في أنبائه ~~وصحة دينه ورصانة عقله ويقينه فانطلق في ركابه إلى حضرة الملك وجنابه ~~فيكتحل بأنوار طلعته ويشمله ميامن رؤيته ويطالع جميل صفاته ليسكن إلى فضيل ~~حركاته وينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين فيزول باليقين الشك ويظهر ~~خلاصة الذهب بالحك ثم يأخذ لكم العهد والميثاق بما يقع عليه الاتفاق وما ~~ترضونه وترونه من الصواب ويرد عليكم بذلك الجواب فان وافق قصدكم توكدون ~~عليه عهدكم وتتوجهون بقلوب مطمئنة وخواطر في حصول المرام مستكنة والأفترون ~~رأيكم فيما عليكم ومالكم # PageV01P331 # فاستصوبوا هذا الرأي واسترضوه واستعذبوا لطيف معناه واستحسنوه وانتدبوا ~~لهذا الأمر الخطير من يصلح أن يكون عند الملوك السفير فوجدوا ظبيا طيب ~~العناصر قد عقدت على غزارة فضله الخناصر من أعقل الجماعة وأذكاها وأحسنها ~~رأيا وأدهاها فقلدوه الزعامة وأرسلوه مع الحمامة على أن يجتمع بالملك يسار ~~ويعاهده على ما يقع عليه الاختيار ثم يسمع أقواله ويشاهد أفعاله ويميز ~~أحواله ثم يرد عليهمالجواب فيميزوا ما فيه من خطا وصواب فيبينوا عليه ~~ويرجعوا إليه فتوجه الظبي والحمامة مستصحبين الأمن السلامة فلما قربت ~~الديار سبقت الحمامة إلى خدمة الملك يسار وأخبرته بصورة الأخبار وأن الظبي ~~في العقب مقبل بما يحبه الملك ويجب فأمر الملك الوزير أن يتلقى ms182 الظبي ~~الغرير مع جمع الطير الكثير فتقدم الوزير وقال أسأل مولانا الملك المفضال ~~أن صدر من هذا القاصد خطاب أن يشار إلى برد الجواب فان ذلك أعلى للحرمة ~~وأدنى للحشمة وأقوى لناموس الملك والرياسة وأزهى لطاوس البسوق والسياسة فان ~~كان ذلك الجواب متحليا جيده بعقود الصواب كانت سعادة الملك الملهمة وفي خدم ~~الملك من تصدى للأمر وأبرمه فان خرج عن طريق الجادة فلا ينسب إلى الملك تلك ~~المادة بل يتلقاه الملك بكرسه ويكون الخطأ منسوبا إلى خدمه فأجابه إلى ما ~~سأل وتقدم الوزير للملاقاة مع سائر الخول فتلقوا الظبي بالترحاب وفتحوا في ~~وجهه للكرامة أوسع باب ومشوا معه حتى وصل إلى الحضرة وشاهد تلك الحشمة ~~والنضرة فقبل الأرض ووقف وعرف مقدار الملك وأعترف وأدى الرسالة وبين للملك ~~ما فيها من رقة وجلاله فقابله الملك بما يليق بحشمته وأجلسه بالقرب من ~~حضرته وخاطبه بما أذهب دهشته وآنسه بملاطفات جلت وحشته وسأله عمن خلف وراءه ~~واستقصى في التفحص أحواله وأنباءه فبلغ عبوديتهم وطاعتهم وأن # PageV01P332 # الإخلاص والطاعة شملت جماعتهم وفتح فم الدعاء بلسان ذلق وخطاب طلق وكلام ~~غير معقد ولا قلق وأطال في الدعاء وأطنب في الشكر والثناء وسال شمول ~~المراحم وكف كف المتعدي والمزاحم فانهم انبسطوا وانشرحوا وابتهجوا باستيلاء ~~هذا الملك وفرحوا وشكروا الله هذه النعمة وأنى يفون بشروط العبودية والخدمة ~~ثم سأل أخذ الميثاق وتأكيد العهد بالإيثاق بالأمان والاطمئنان لمن وراءه من ~~الوحوش والغزلان فأعطاهم الأمان وشملهم بالإحسان على أن لا يراق لهم دم ولا ~~يهتك لهم حرم وأنهم يرعون حيث شاؤا ويسرحون حيث ذهبوا وجاؤا وأن الملك يسار ~~حاكم سلوق وزغار وخليفة براق وكوباك والتتار قد عاهد الملك الجبار أن لا ~~يتعرض لوحش القفار ولا لأحد من أجناس الأطيار حتى ولا لحيتان البحار ولا ~~يريق لهم دما ولا يقصد لهم أذى ولا ألما ويرعى جانبهم ويقضي مآربهم ويحفظ ~~شاهدهم وغائبهم ويمنعهم من مناويهم ولا يسلط عليهم من يؤذيهم ما داموا تحت ~~طاعتي وفي جواري وذمتي فقبلت الغزالة بشفاه العبودية خدا ms183 لجداله وقالت هذا ~~كان المأمول وجل القصد من الصدقات والمسؤل والذي جيء لأجله فقد حصل من ~~صدقات الملك وفضله ولكن العلم العالي محيط بان وحوش البسيط أقوام ضعاف ليس ~~بينهم ائتلاف وهم طوائف كثير والاختلاف أجناس متفرقة وأنواع متمزقة ليسوا ~~كقطائع الغنم مجتمعين ولا كحشار الخيل ممتنعين ولا بعضهم لبعض متبعين ثم لم ~~تزل العداوة بينهم قائمة وعيون الصلح والاتفاق عنهم نائمة لا يضبطهم ديوان ~~ولا يحصرهم حسبان ولا يمتعهم من التعدي سلطان القوى يكسر الضعيف ويمزقه ~~والشاكي يستطيل على الأعزل ويفرقه ولأجل هذا المعنى لا يمكن اجتماعهم في ~~مغنى بل البعض في قلل الجبال متوطن والبعض في # PageV01P333 # سرب التلال متحصن والبعض متشتت بذيل الكهوف # والمغارات والبعض الآخر في الآجام والآكام خوف الغارات وكل يخاف حلول ~~البلاء قد اتخذ لذلك القاصعاء والنافقاء واستعد بفنون الكيد خوفا من جوارح ~~الصيد وإذا كان الأمر كذلك فاجتماعنا متعسر وحفظنا في الملك غير متيسر فلا ~~بد من ترتيب قاعدة تعم منها جميع الوحوش الفائدة ويشمل أمنها غائب الملك ~~وشاهده وإلا فالحاضر آمن وقلب الغائب غير مطمئن ولا ساكن فليفتكر للرعية في ~~ضابطة تكون الحرمة فيها للقريب والنائي باسطه فالتفت الملك للوزير وقال أجب ~~هذا السفير فقال الزنيم يا أحسن ريم هذه الأفكار من قصور الأنظار وعدم ~~التأمل والاستبصار وإلا فان السلطان في كل مكان كلمته عليا ووجوده كالشمس ~~في الدنيا فكما أن الشمس إذا استوت وعلى سرير كبد السماء احتوت عم فيض ~~شعاعها الجبال والآكام والتلال والآجام وانتشر على البحر والبر واشتهر على ~~الفاجر والبر فرست الأزهار والأثماروشبت مشاعل الكلا في القفار وطبخت ~~الغلال وفواكه الأشجار وصبغت في كوامن المعادن جواهر الأحجار كما قيل: # كالشمس في كبد السماء محلها ... وشعاعها في سائر الآفاق # كذلك الملك العظيم إذا انتشر صيت عظمته وعدله في سائر الأقاليم شمل فضله ~~الشريف والوضيع وبلغ جود جوده والرفيع وردع عدله الطائع والعاصي ووسع نواله ~~الداني والقاصي وأنه كالغمام الصيب الصبيب على الربيع الخصيب والديمة ~~المطبقة والمزنة المغدقة إذا انتشرت في ms184 # PageV01P334 # الآفاق وصارت لام عهد عاهدها للأستغراق فروت الحضيض والبقاع وعمت الوهاد ~~والتلال والبقاع وخاطبها ظمآن الرياض وعطشان الغياض شعر: # أمطر على سحاب جودك مرة ... وانظر إلي برحمة لا أغرق # هذا ومتى انتشر في الأطراف أنكم التجأتم إلى هذه الأكناف وتطرز بشمول ~~الصدقات السلطانية من ملابس طاعتكم الطراف والأطراف منعت العواطف الملوكية ~~والخواطر الشريفة السلطانية عوادي المعادي وكفت أكف المصادم والمصادي فلا ~~يجترئ أحد على التعرض لكم ولا يخطر ببال مخالف أن يقطع سبلكم قال الرسول ~~الأمر كما يقول مولانا الأمير وما أحسن هذا التقرير ولكن مع المراحم ~~السلطانية وصدقات العواطف الملوكية وحسن الطوية وإحسان النية فلا بد ~~للسياسة وضبط الرياسة وقواعد الملك في الحراسة من ضابط يبني عليه الملك ~~لأمره أساسه لا يتميز به كبير دون صغير ولا يختص برعايته جليل غير حقير فان ~~من أحسن أوصاف الملوك والأكابر أن لا يغفلوا عن تفقد أحوال الصعاليك ~~والأصاغر ولا يقتصر وافي ذلك على نوع دون جنس كما يفعله لغلبة الهوى بعض ~~حكام الأنس مع أنهم مسؤلون عن جليلها وحقيرها ومحاسبون على كبيرها وصغيرها ~~وفي شأنهم قد قال من في ضبط حركاتهم وملكاتهم استقصاها ووضع الكتاب فترى ~~المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها وقد تنبه لهذا الفعل الرجيح أيها الوزير النصيح ~~والمنطق الفصيح أنوشروان وهو من الكفار واشتهر عنه قضية الحمار فسال الوزير ~~بيان هذا التقرير # PageV01P335 # (فقال) الريم بلغنا أيها الكريم أن أنوشروان بالغ في نشر العدل والإحسان ~~ومعاملة الرعية كبيرا وصغيرا بالسوية وبذلك في ذلك جهده واستنهض لمساعدته ~~وكده وكده واختشى أن يمنع المتظلم الفقير الأبواب بسبب حاجب أو كبير لغرض ~~أو عرض أو ارتشاء من في قلبه مرض فيمشي مدلس البراطيل من خوف الأباطيل ~~ويضيع بحث صارخ الحق في أوقات التعطيل فاداه قائدا اجتهاده وانتهى به رائد ~~مراده إلى أن يعقد في طاق مبيته ومجتمع خاطره عن تشتيته من محاذي السرير ~~حبل من الحرير ويربط طرفه الأدنى في حلقة ms185 الباب حيث لا حاجب ولا بواب وهو ~~مكان مجتمع الجمهور ولا يمنع أحد فيه من الوقوف والمرور وأن ينشد فيه أجراس ~~من خالص الذهب لا النخاس بحيث إنه إذا حرك الحبل صوتت الأجراس صوتا أخرس ~~الطبل ثم أمر مناديا أن يرفع صوتا عاليا بان من كان شاكا فعليه بتحريك ذلك ~~الحبل ليقع الظالم في الكبل أو ينتصر المظلوم من بعد ومن قبل فاشتهرت هذه ~~العادة ونال بها في الدنيا السعادة وعظم صيته وخمدت عفاريته وانتصف صفاريته ~~ففي بعض الظهائر عند قائلة الهواجر وأنوشروان في مبيته قد طاب اضطربت الحبل ~~والأجراس أشد اضطراب ففز أنوشروان مذعورا وتصور المحرك مظلوما مقهورا ~~فابتدر بطلبه لينظر في ظلمه وسببه فتبادروا إلى إحضاره واستكشاف أخباره ~~وإذا هو حمار حرب جنب جسمه من الجرب خرب ومتن ظهره من الحكة نقب وقد هد ~~عمارة عمره هادم الهرم وألهت حشيش حشاشته من # PageV01P336 # الجوع ماضي الضرم يحمله صاحبه ما لا يطيقه ويقطع عنه قوته وعليقه يؤذيه ~~ولا يداويه ولا يداريه فطلب مالكه وعتبة ثم زخره وضربه ثم أمر بالنداء في ~~الأسواق وامتد ذلك حتى بلغ الآفاق وعم الضواحي والرزداق أن يسلك بما ملكت ~~اليمين الإرفاق ولا يفتر عليها في الأنفاق وكل من عنده دابة قد استعلمها في ~~صباها واستوفى في خدمته قواها يراعي حقوقها إذا كبرت ولا يضيع ما قدمت بما ~~أخرت وصك وجهذلك الرجل صكا وكتب عليه بفرض حماره صكا (وإنما ذكرت) هذا ~~المثال في معرض ما يقال من أن عدل السلطان خير من خصب الزمان وأيضا فان قصد ~~الملك إذا كان صالحا كان أمره في جميع الأزمان ناجحا وسخر الله له من يرشده ~~إلى قصده ويعينه على أمور شعائره ويحيي ذكره من بعده وتدر على يده سحائب ~~البركات ويجري منها على غير قصده أبحر الخيرات وحفظ كل من إليه ينتسب ورزقه ~~كل ذلك من حيث لا يحتسب وحاصل هذه المقدمة أن المسؤل من الصدقات المعظمة ~~انه إذا ترامى على أبواب عدلها شاكي أو تعلق بأسباب معدلتها متظلم ms186 باكي ~~تتصدى هي بنفسها لكشف ظلامته ولا تترك الغير في فصلها لإقامته وأن الفقير ~~من جماعتنا والضعيف من أهل طاعتنا إذا مست الحاجة به إلى بث شكوى أو رفع ~~بلوى يتقدم إلى شكواه بلا واسطه ليأمن في أمره المغالطة ويصادف مقسطه ~~لاقاسطه ويتساوى في كل من مشرب العدل والأنصاف ومراعي الفضل والألطاف ~~الظباء والأسود والذئب والعتود والعقاب والعصفور والحمام والصقور ولا يتقدم ~~في الدعاوي من حيث التساوي الوجيه على الجاهل ولا # النبيه على الخامل ولا الكبير على الصغير ولا الجليل على الحقير # PageV01P337 # فان اقتضت الآراء العالية توليه عامل في ناحية فليكن ممن له شفقة تامة ~~ورحمة في أمر الرعية عامه ويعرف ذلك بمن حربته العلوم الكريمه وتحققت أن ~~نيته في رعاية الرعية مستقيمة قد صارت له الشفقة ملكه وكل من العدل ~~والأنصاف قد ملكه ولا تولى أحد الغرض أو من في قلبه من أذى المساكين مرض ~~وأن الطبيعة إذا اعتادت عاده والمسجية إذا جعلت لها بعض الأوضاف قلادة سواء ~~كان ذلك مذموما أو محمودا مقبولا عند العقل والشرع أو مردودا فإنها فإنها ~~تبرزه في غالب الأوقات ولا نتخلف عن ملابسته في أكثر الحالات (شعر) : # العين تعرف من عيني محدثها ... إن كان من خربها أو من أعاديها # وكل قضية لا يساعدها القلب فمنتها على العكس والقلب ونظيرها يا رئيس ~~المدارة قضية من زوجته أمه وهو كاره فسأل الوزير من السفير تقرير هذا ~~النظير (فقال) كان شاب من العراب قصدت أمه تأهله فزوجته بامرأة أرملة ولم ~~يكن له احتياج ولا رغبة في الزواج واختار التخلي للصلاة على مذهب الإمام ~~الشافعي رحمه الله ولكن فر من العقوق وكتب على نفسه الحقوق فلما عقدت ~~الوليمة وصممت العزيمة وجمعت النساء والرجال أرسلت أمه إلى جار لهم قوال ~~أستاذ في صنعته ماهر في حرفته فدعته إلى الجمع ليبتهج بحسن غنائه السمع ~~فيشغل الوقت ويذهب المقت ويحصل للحضور النشاط والسرور فتخلف وأبي وعن ~~الحضور بنا فسئل عن تصلفه وسبب تخلفه # PageV01P338 # فقال بلغني أن الزوج الخاطب غير طالب ms187 ولا راغب وإذا كان كذلك فلا بغني ~~الغناء إلا العناء ولا يؤثر في القلوب والأسماع بل تنغر عند سماعه الطباع ~~فكل شيء لا يصدر عن رغبة القلب فان أيجابه لا يفيد إلا السلب فيضحك على ~~القائم والقاعد ويسخر مني الصادر والوارد ويروح تغزلي في البارد وإنما ذكرت ~~ذلك لأعراض على آراء المالك أنه إذا أولج أمر الرعية إلى أحد من الخاصكية ~~ينظر إلى شفقته ويسير وفور مرحمته ثم يوليه عليهم ويتقدم بالطاعة إليهم ~~فيستقيم إذ ذاك فعلهم وفعله ويظهر في حركاته وسكناته عدله وليس العدل في ~~القضايا تساويها ولا إجراؤها على نسق واحد يحويها بل معرفة مقاديرها وبيان ~~تقريرها في المبادي وتحريرها ثم أجراؤها على مقتضى مدلولها ورد فروع كل ~~مسئلة إلى أصولها ووضع الأشياء في محلها وإيصال الحقوق إلى أهلها ومعرفة ~~منازل أربابها وأوضاع أصحابها ومراتب طلابها فمن لم يحقق هذه الأمور أضاع ~~مصالح الجمهور فأعطى غير المحق ما لا يستحق ومنع الحق عن المستحق وقد قيل ~~يا أبا السعود أن حقيقة الجود إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي وإلا كان كالباذر ~~في السباخ وأشبه في أمره أجير الطباخ الذي لم يعرف معنى العدل فقصده فوقع ~~في الجدل فسأل الغزال شيخ الأوعال عن هذا المثال (فقال) كان عند بعض ~~الأشياخ من الطباخين أجير طباخ له رغبة منهمه على معرفة طبخ الأطعمة وكيفية ~~ترتيبها وصنعة تركيبها # PageV01P339 # وكان مغرما بذلك يسلك فيه كل المسالك ويرد فيه الموارد ويتبع كل صادر ~~ووارد ففي بعض الآناء وقف على طبيب منت الأطباءفسمعه يقول أن أصلا من ~~الأصول العدل والتسوية بين الأطعمة والأغذية والعقاقير والأدوية فمن لم ~~يستعمل الأستوا في درجات الغذاء والدواضل عمله وغوى وأصل هذا المزاج ولا ~~ينكره إلا ذو لجاج فان العناصر الأربعة منها المضرة والمنفعة وقد تولد منها ~~السوداء والبلغم والصفراء والدم فمتى اعتدلت هذه المتولدات صحت الأبدان ~~واللذات ومتى عن الاعتدال عدلت أمرضت وقتلت وكذلك النير الأعظم والكوكب ~~المضيء في العالم إذا حل في مركز الاعتدال استقام للعالم الحال وطاب الزمان ms188 ~~واعتدل وذلك عند نزوله في برج الحمل فتصور ذلك الولهان أن المقصود التسوية ~~في الأوزان فانصرف وهو فرحان وقصد طعام الزبر باج وعبى من مفرداته ما يحتاج ~~ثم أنه ساوى بين أوزانها وقصد العدل في ميزانها وخلط كعقله أخلاطها ووضعها ~~في قدر وساطها فخاب عمله في عدله وبان نقصه في فضله فلما رعى الملك والوزير ~~ما سلكه السفير في نظام هذا التقرير شكرا له مساعيه وأخصبا في الإكرام ~~والإعزاز مراعيه وقالا جزاك الله خيرا عن شفقتك وحسن صنيعك لمرسليك ورفقتك ~~فمثلك من يصلح للسفارة بين الملوك وتولى أمور الرعية من الغنى والصعلوك ~~فانك ناصح لمن فوقك شفيق على من دونك # PageV01P340 # ثم قال الوزير أن هذا الملك الكبير مقاصده العظيمة أن تكون الأمور ~~مستقيمة وأن يصلح العباد والبلاد ويطمئن المستفيد والمستفاد فاحتفظ أيها ~~السفير المنير الضمير بما سمعت ورأيت وشاهدت ووعيت واجعله من عنوان أنبائك ~~ومقدمات أفعالك وآرائك وأبلغه من يحفك من أمامك وورائك ومهما وصلت إليه ~~قدرتك وأحاطت به يدك وكلمتك من إبلاغ الخير إلى مسامع الوحش والطير عن هذا ~~الملك وأوصافه وتطلعه إلى مراقي السير والإحسان واستشرافه وما تسكن به ~~الخواطر وتطمئن به الضمائر وتقر به العيون بالسرور وتستقر به القلوب في ~~الصدور فلا تأل فيه جهدا وأوسع فيه جدا ولا تنه في إنهائه حدا فان المجال ~~واسع وميدان المقال شاسع وقد أذن لك فيه وأن أخفيته في نفسك فالله مبديه ثم ~~كتب له بذلك مراسيم عن ثغر الأماني # مباسيم وأفيض عليه خلع الكرامة وأضيف إليه الحمامة ورجع إلى أهله مغمورا ~~بفضله مسرورا بقوله مشكورا بفعله فائزا بالمطلوب ظافرا بكل مرغوب فارغ ~~البال طيب الحال فاتصل بأهله في دياره وهم في انتظاره فبادروا بالسلام ~~وقابلوه بالاستلام وقالوا ما وراءك يا عصام فبلغ الجواب بارشق عبارة وأليق ~~خطاب وذكر لهم ما رأى وسمع ووعى فانتشرت هذه الأخبار حتى ملأت الأقطار ~~وتسامع بها وحوش القفار وفاح بطيب نشرها الأزهار فكان جميع البر معطار ثم ~~اجتمع رؤساء الوحوش والبهائم رعرفاء الصوادح والبواغم ms189 وكل ساكن في القفار ~~من سائم وحائم وأرسل كل إلى أمته رسوله يدعوها إلى ما يحصل سولها وسوله ~~فلبت كل أمة دعوة رسولها وأقبلت # PageV01P341 # لاستماع المراسيم وقبولها فاجتمعوا في رياض مرج أخضر وحلقوا لاستماع ~~المراسيم حول المنبر وأطرقوا وسكتوا واستمعوا وأنصتوا وتناول المرسوم ~~الصادح من الباغم وصعد على الغصن الناعم مطوق الحمائم وابتدأ باسم الكريم ~~الغفور وقرأ على رؤس الأشهاد مضمون المنشور ودعاهم إلى الطاعه والدخول في ~~سنن السنة والجماعه وأنهم لا يتاخرون عن الحضور بعد الأطلاع على مضمون ~~المنشور فانه فرمان أمان لكل من أجناس الحيوان ولم يبق مقالا لمتخلف ولا ~~مجالا لمتأخر ومسوف كما قيل: # فمن جاءنا طوعا أقمنا بمجده ... ومن يأب لا يعتب علينا فعالنا # إلى آخر الرسالة مع ما تحمله الرسول من مشافهة ومقاله ومن ملاطفات تشرح ~~الصدر وتستنزل البدر وتوضح ما للملك من جلالة وقدر فتلقى الكل هذا الكلام ~~بآذان القبول والأكرام واتفقوا على التأهب والمسير والأحتفال بالكبير ~~وأخذوا في تعبية التقادم والخدم وفرضوا ذلك على ما لكل من طوائف وحشم ~~وتصدعوا عن هذا المرسوم على أن يجتمعوا في يوم معلوم ثم أعد كل عتاده وأكمل ~~خدمته وزاده واجتمعوا لذلك اليوم الموعود وتوجهوا إلى الخدمة في الطالع ~~المسعود ولما دخلوا الدرب وضربوا في الأرض أيمن ضرب توجهت الحمامة بالبطاقة ~~بهذه البشارة والطلاقة فانتشر هذاالخبر وملأ البدو والحضر فلما وصل الطائر ~~دقت البشائر وسرت الأهل والعشائر ثم إن الملك دعا الوزير وقال اعلم أيها ~~الناصح الخبير والبحر النحرير أن الوحوش واصلة إلى منزلك وبخفها وحافرها ~~نازلة في ساحلك وإن راية سلطاننا بعون الله بالنصر نتشرت ووحوش الجنود ~~والعساكر بحمد الله تعالى على بساط بسيط الطاعة حشرت وفي هذه الجيوش أصناف ~~الوحوش وطوائف السباع # PageV01P342 # وأنواع الذئاب والضباع وفيهم الفراعل والثعالب والعسابر والأرانب ولا شك ~~أن هيبة الملك صادعة وحرمة السلطنة باسطة فارعه وحضرة السلطان ذات جلال وإن ~~كانت جامعة لصفتي الجلال والكمال وما عند كل أحد مسكة للملاقاة ولا ثبات ~~جنان عند المشاهدة لملك إذا رآه فمن ms190 لم يكن بيننا وبينه اجتماع فقد وقرت ~~هيبتنا في قلبه على السماع ومن تصدينا له في ميادين الصيد وأفلت بعد معافاة ~~الكد والكيد قد رأيته على العيان ولا يحتاج في معرفة قوة سلطاننا إلى ~~ترجمان وعلى كل تقدير فمشاهدتنا على غالبهم أمر عسير لأنه ربما يتذكر منهم ~~متذكر أو يتفكر منهم متفكر واقعة أو سابقة وقعت أنجرح فيها من نصل أنيابنا ~~مفاصل عراقيبه أو تعلق بها من أشعاره وأوباره مشاطة جلابيبه ومن لم ينجه ~~منا ضباحه ولم يكن سلاحه من كلاليب مخاليبنا إلا سلاحه فبمجرد ما يقع نظره ~~علينا أو تمثل بالوقوف لدينا يرجف فؤاده وينفض عيبة كرشه زاده فينكص من ~~الخوف على عقبيه ولا يعرف أمره من حواليه فيتبعونه ويحصل الفشل ويقع الخباط ~~والخلل فيبهم ما أوضحناه ويفسد أضعاف ما أصلحناه وينهدم من أول الأمر إلى ~~آخره ما بنيناه ويتعوج من مستقيم السلطنة ما سويناه فلا يحصل من عزة ~~المملكة إلا على مثل ما حصل لأبي الحصين من شيخ الديكه فقال الوزير ينعم ~~مولانا الأجل بتقرير هذا المثل (قال الملك) سمعت مخبرا أنه كان في بعض ~~القرى الرئيس ديك حسن الخلق وديك مرت به التجارب وقرأ تواريخ المشارق ~~والمغارب ومضى عليه من العمر سنون واطلع من حوادث الزمان على فنون # PageV01P343 # وقاسى حلوه ومره وعانى حره وقره وقطع للثعالب شباك مصايد وتخلص لأبن آوى ~~من ورطات مكايد ورأى من الزمان وبنيه نوائب وشدائد وحفظ وقائع لبنات آوى ~~وثعالب وطالع من كتب حيلها طلائع كتائب وأحكم من طرائقها عجائب وغرائب ~~فاتفق له في بعض الأحيان أنه وقف على بعض الجدران فنظر في عطفيه وتأمل في ~~نقش برديه فرأى خيال تاجه العقيقي ونظر إلى خده الشقيقي ونفض بزائله المنفش ~~وسراويله المنقش والثوب الذي رقمه نقاش القدرة من المقطع والمبرقش فأعجبته ~~نفسه وأذن فاطريه حسه وتذكر ما قاله الأسعد المادح في المعتصم بن صمادح ~~وهو: # كأن أنوشروان أعطاه تاجه ... وناطت عليه كف مارية القرطا # سبى حلة الطاوس حسن لباسه ... ولم يكفه حتى سبي ms191 المشية البطا # فصار يتيه ويتبختر ويتقصف ويتخطر فاستهواه التمشي سويعة حتى أبعد عن ~~الضيعة فصعد إلى جدار وكان قد انتصف النهار فرفع صوته بالأذان فأنسى صوته ~~الكناني والدهان فسمعه ثعلب فقال مطلب وسارع من وكره وحمل شبكة مكره وتوجه ~~إليه فرآه فسلم عليه فلما أحس به أبو اليقظان طفر إلى أعلى الجدران ثم حياه ~~تحية مشتاق وترامى لديه ترامي العشاق وقال أنعش الله بدنك وروحك وروى من ~~كاسات الحياة غبوقك # PageV01P344 # وصبوحك فانك أحييت الأرواح والأبدان بطيب النغم والصياح في الآذان فان لي ~~زمانا لم أسمع بمثل هذا الصوت وقاك الله نوائب الفوت ومصائب الموت وقد جئت ~~لأسلم عليك وأذكرك ما أسدى من النعم إليك وأبشر ببشارة وهي أربح تجارة ~~وأنجح من الولاية والأمارة لم يتفق مثلها في سالف الدهر ولا يقع نظيرها إلى ~~آخر العصر وهي أن السلطان أيد الله بدولته أركان الإيمان أمر مناديا فنادى ~~بالإيمان والأطمئنان وأجراء مياه العدل والإحسان من حدائق الصحبة والصداقة ~~في كل بستان وأن تشمل الصداقة كل حيوان من الطير والوحوش والحيتان ولا ~~يقتصر فيها على جنس الإنسان فيتشارك فيها الوحوش والسباع والبهائم والضباع ~~والأروى والنعام والصقروالحمام والضب والنون والذباب وأبو قلمون ويتعاملون ~~بالعدل والأنصاف والإسعاف دون الأعساف ولا يجري بينهم إلا المصادقة وحسن ~~المعاشرة والمرافقة فتمحى من لوح صدورهم نقوش العداوة والمنافقة فيطير ~~القطا مع العقاب وببيت العصفور مع الغراب ويرعى الذئب مع الأرنب ويتآخى ~~الديك والثعلب وفي الجملة لا يتعدى أحد على أحد فتأمن الفارة من الهرة ~~والخروف من الأسد وإذا كان الأمر كذا فقد ارتفع الشر والأذى فلا بد أن ~~يتمثل هذا المرسوم ويترك ما بيننا من العداوة والخلق المذموم ويجري بيننا ~~بعد اليوم المصادقة وتنفتح أبواب النمحبة والمرافقة ولا ينفر أحد منا صاحبه ~~بل يراعي مودته ويبالغ في حفظ جانبه وجعل الثعلب يقرر هذا المقال والديك ~~يتلفت إلى اليمين والشمال ويحتاط غاية الاحتياط ولا يلتفت إلى هذا الهذيان ~~الخياط فقال الثعلب يا أخي مالك عن سماع كلامي مرتخي أنا أبشرك ms192 ببشائر عظمه ~~لم تنفق في # PageV01P345 # الأعصر القديمة وإنما برزت بها مراسيم مولانا السلطان الجسيمة وأراك لا ~~تلتفت إلى هذا الكلام ولا تسر بهذا اللطف العام ولا تلتفت إلي ولا تغول علي ~~وتستشرف على بعد الشيء فهلا أخبرتني بما أضمرت ونويت وتطلعني فيما تتطاول ~~إليه على ما رأيت حتى أعرف في أي شيء أنت وهل ركنت إلى أخباري وسكنت فقال ~~أرى عجاجا ثائرا ونقعا إلى العنان فائرا وحيوانا جاريا كأنه البرق ساريا ~~ولا عرفت ما هو ولكنه أجرى من لهوا فقال أبو الحصين وقد نسي المكر والمين ~~بالله يا أبا نبهان حقق لي هذا الحيوان فقال حيوان رشيق له آذان طوال وخصر ~~دقيق لا الخيل تلحقه ولا الريح تسبقه فرجفت قوائم الثعلب وطلب المهرب فقال ~~أبو المنذر تلبث يا أبا الحصين وأصبر حتى أحقق رؤيته وأتبين ما هيته فانه ~~يا أبا الحصين يسبق طرف العين ويكاد أبا النجم يخلف النجم في الرجم فقال ~~أخذني فؤادي وما هذا وقت التمادي ثم أخذ يسلح وولى وهو يصدح بقوله: # لابس التاج العقيقي ... لا تقف في طريقي # إن يكن ذا الوصف حقا ... فهو والله السلوقي # فقال الديك وإذا كان وقد قلت إن السلطان رسم بالصلح بين سائر الحيوان فلا ~~بأس منه عليك فتلبث حتى يجيء ويقبل يديك وتعقد بيننا عقود الصداقة ويصير ~~رفيقنا ونصير رفاقه فقال ما لي برؤيته حاجة فدع عنك المحاجة واللجاجة فقال ~~أو ما زعمت يا أبا وثاب إن السلطان رسم الأعداء والأصحاب أن يسلكوا طرائق # PageV01P346 # الأصدقاء والأحباب فلو خالف المرسوم هذا الكلب لما قابله الملك إلا ~~بالقتل والصلب قال لعل هذا المشوم لم يبلغه المرسوم ثم ولى هاربا وقصد ~~للخلاص جانبا (وإنما أوردت) يا نفيس هذا المثال لتقييس أحوال من دان لك من ~~هذا الحيوان ولا تشقها بعصا واحدة واحسب حال كل واحد على حده فربما يكون في ~~هذه البهائم من لا هو بأحوال الصلح عالم ولم تبلغه الدعوة وإنما انضاف بسبب ~~رجوه أو آمن على سبيل التبعية والتقليد ولم يطلع ms193 على موارد الوعد والوعيد ~~ولا وقف على ما وقع من الأتفاق ولا يثبت لمصادمة اللقاء وقت التلاق فيصدر ~~منكم حركة تؤدي إلى قلة بركة وتستطرد إلى نفرة جفول فيدهمنا هدم ما أسسناه ~~على غفول ويقع من الفساد ما لا يمكن تلافيه ويضيع نقود جواهر جهدنا وكدنا ~~فيه وإذا كانت الدنيا محل العوارض والغالب أنه عند مشارفة المقصود يحصل ~~العارض والعاقل لا يغفل عن هذا الخطر فعند صفو الليالي يحدث الكدر وقد كفاك ~~من ناداك بقوله: # إذا قربت يداك إلى مرام ... وقلت تخولت نفسي مناها # فلا تأمن من الدهر اختلاسا ... بحول فمكره في ذاتنا هي # كجان لم يصبه الشوك إلا ... وقد وصلت يداه إلى جناها # فالرأي السديد يا أبا سعيد يقتضي أن تمضي الحمامة المطوقة إلى تلك الجموع ~~المفرقة وتنادي في كل نادي بين الحاضر والبادي والرائح والغادي بحقائق ~~الأمور وتطيب خاطر الجمهور وما هم قادمون عليه ومن هو الواصلون إليه ~~ليعلموا أنهم في صفقتهم رابحون وأنهم على هدى من ربهم وانهم مفلحون # PageV01P347 # فتوجهت الحمامة بهذه النقوش وشهرت النداء في طوائف الوحوش بما هم عليه ~~قادمون وأنهم للملك يسار خادمون ثم تبعها الوزير ومعه كل أمير وكبير من ~~خواص المباشيرن والأعيان الملازمين وكبراءالأطيار ورؤساء الأخيار واستقبلوا ~~ملوك الوحوش والهوام ورؤساء السوائم والسوام وقابلوا ملتقاهم بالإعزاز ~~الإكرام ووعدوهم بكل خير وإحسان ووصلوا بهم إلى ميدان الأمان وحين حل عليهم ~~نظر السلطان قبلوا الأرض ووقفوا في مقام العرض وأدوا من واجب العبودية ~~النفل والفرض فانزل كلا في مقامه بعد أن أحله في محل إكرامه وأفاض عليه خلع ~~إحسانه وإنعامه وعلت منزلة الوزير وتقدم كما تقدم وأشير وصفا لهم الزمان ~~وعاش في ظل عدلهم كل ضعيف من الحيوان وتقلبوا في رياض الأماني على بساط ~~الأمان (وفائدة هذه الحكايات تنبيه أشرف جنس المخلوقات وألطف طائفة ~~المكونات وهو نوع الإنسان الذي اختصه الله تعالى بأنواع الإحسان وأيده ~~بالعقل وأمده بالنقل على انه إذا كان هذا الفعل الجليل يصدر في التنظير ~~والتمثيل من أخس الحيوانات وما لا ms194 يعقل من الموجودات فلأن يصدر من أولى ~~النهى وأولى الفضل والمكارم والعلى أولى وأحرى لا سيما من رفع الله في ~~الدنيا مقداره وأعلى على فم الخلائق منارة وحكمه في عبيده المستضعفين ~~واسترعاه على رعية سامعين مطيعين وسلطه على دمائهم وأموالهم وبسط يده ~~ولسانه في رفاهيتهم ونكالهم والأصل في هذا كله قول من عم عبيده بفضله ~~وبقوله اهتدى العالمون وتلك الأمثال نضر بها للناس وما يعقلها إلا ~~العالمون) آخر الباب السادس والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله وصحبه أجمعين آمين. # PageV01P348 ### | الباب السابع # في ذكر القتال بين أبي الأبطال الريبال وأبي دغفل سلطان الأفيال # PageV01P349 # (قال) الشيخ أبو المحاسن من ليس له في الفضل مساو ولا مواس فلما أنهى ~~الحكيم حسيب كلامه لأحلى من النسيب قبل أخوه بين عينيه وأفاض خلع الأنعام ~~عليه استزاده وفتح لجامع فضله باب الزيادة وكان قد وقع بين ملك الأفيال ~~وبين ملك الأسود المسمى بالريبال المكنى بأبي الأشبال وأبي الأبطال مقال ~~أدى إلى جدال وأتصل بحرب وقتال فسأل الملك أخاه هل سمع من ذلك شيأ ووعاه ~~فأجاب بالإيجاب وذكر في الجواب الأمر العجاب (فقال) كان يا ملك الزمان في ~~بعض أطراف الهنود من عساكر الأفيال جنود في جزيرة عظيمة كبيرة من جنسهم ~~وجلدتهم ونفسهم ملك عظيم ذو جسم جسيم وشكل وسيم منظره بديع وهيكله رفيع ~~طويل الخرطوم واسع الحلقوم مبسوط الأذنين حديد العينين طويل الأنياب في ~~جراب كثيف في المرأى خفيف في الموطأ عدد جيشه غزير ومدد جنده كثير وهو فيهم ~~ملك كبير ذو قدر خطير منفرد بالسرير ورثه كابراعى كابر وكل جيشه رؤساء ~~وأكابر لأوامر طائعون ولما يراه تابعون فبلغه في بعض الأيام أن في بعض ~~الغياض والآجام مكانا في غاية النزاهة معدن الفواكه والفكاهة ذا مياه عذبة ~~ومروج رطبه أراضيها أريضه ورياضه طويلة عريضة أطيارها تسكر بألحانها ~~وأشجارها # PageV01P351 # تخجل قدود الملاح بأغصانها وأزهارها زهره وأنوارها نضره ونسيم الصبا ~~والشمال تنتشر إلى الآفاق طيب أنفاسها العطره وأنه يصلح أن يكون لملك ~~الأفيال مقاما ms195 مع أن من الجبال والحصون وعصاما غير أن فيه أسد هصورا جمع ~~فيه جندا كثيرا ولا زال الناقل يصف ريطنب ويعجم في حسن شمائلهم ويعرب حتى ~~قال بعض الندماء الحاضرين من الكبراء لو قصد الملك ذلك المكان وجعله لنفسه ~~من بعض الإسكان وتنقل إليه في بعض الأوقات وساعات التفرج في المتنزهات لا ~~راح نفسه الخطيرة من وخم هذه الجزيرة ووجد لذة الطعام ونشوة الشراب على ~~المدام والأسد الذي فيها وأن كان مالك نواحيها وبيد تصرفه زمام نواصيها ~~وجماجم قلاعها وصياصيها لكنه ملك عادل وسلطان فاضل تمنعه شهامته وكرم نفسه ~~وكرامته ورياسته وزعامته أن يضايق الملك في ذلك أو يضيق سلوكها على سالك ~~وأن شرع في الممانعة وأخذ في أسباب المدافعة بالمقارعة والمنازعة فالعساكر ~~المنصورة وأعدادهم الموفورة فيهم بحمد الله لذلك قوة وكفاية ولهم في بداية ~~الحروب هداية وفقاهة ليس لشرحها غايةولا لفروع أصولها نهاية يحيون في ~~مباحثها النفوس ويعيدون في مدارس الحرب بتكرار الضرب فأني الشجاعة بعد ~~الدروس فيكفون الملك أمره ويكفون أذاه وشره ولا زال يفتل منه في المغارب ~~والذروة ويقوى بتمويهاته دواعي الحرص والشهوة حتى اقتنصته إشراك المطامع ~~وأوقعته في عبودية شهوة تلك المواضع ودعته النفس الأبية وحمية الجاهلية ~~وباعث العصبية إلى الاستيلاء على تلك الأماكن البهية والولايات السنيه ~~والمساكن الزهيه # PageV01P352 # وأسامة سوارح اللحاظ في مراعي نزهة تلك الغياض ومروج أراضي هاتيك الرياض ~~وأزعج في ذلك المقتضى وأسلمه العدل والخلق الرضى على عليه سيئ الطباع ~~واستولت عليه فوارغ الأطماع وعشقها على السماع وكان عنده إخوان هما له ~~عضدان هما وزيراه وفي مهامه مشيراه مسعداه في الأمور ومنجداه في أحوال ~~السرور والشرور أحدهما واسطة خير قليل الشر عديم الضير قد جرب الزمان ~~وعاناه وقالب قوالب وقائعه بالمقايسة ما قاساه اسمه مقبل وهو كاسمه مفضل ~~والآخر بالعكس في جميع حركاته وكس وهو كاسمه مدبر بكل شيء مخبر قصد غبار ~~فتن يثيره وعسكر بلاء يغيره وطالب أذى وعناء يعيره أو سر يذيعه أو مكر ~~يشيعه أو متسوق شريبيعه وهما ملازمان الخدمة ms196 واقفان في مقام الحشمة والحرمة ~~كالفتق والرتق والباطل والحق والكذب والصدق وفي الإفساد والإصلاح كالمراهم ~~والجراح ومصلح الدرهم ومفسد الراح ومرشد العقل ومعتل الأقداح وفي الوفاق ~~والشقاق كالسم والترياق وفي الحكم والقضاء كالداء والدواء وفيما يقع من ~~الحوادث المفرجات والكوارث كالخر والبرد والشوك والورد فاختلى الملك بأخويه ~~واستشارهم فيما أنهى إليه فقال أخوه المقبل يا مولانا أبا دغفل لو لم يكن ~~بهذا المكان أحد من أدنى الوحوش فضلا عن الأسد لكان عدم قصده ترفعا وترفها ~~والتوجه إلى الاستيلاء عليه موجها فكيف وذلك في ولاية مالك وهو مالك صعب ~~كابي حفص الصعب ملك كبير عادل وسلطان خطير فاضل مطاع في # PageV01P353 # صاغيته متبوع في حاشيته عادل في رعيته سيرته شكورة ومحاسنه مأثورة # وهيبته وبسالته غير منكورة وهو جار حسن الجوار لم يضبط عليه ما يقتضي ~~انتزاع ملكه من يديه ولم يتعرض إلى متعلقاتنا ولا آذى أحدا في ولايتنا وأن ~~مولانا السلطان لم يصدر منه إلا العدل والإحسان إلى الأباعد والأجانب فضلا ~~عن الجيران لا سيما الملوك الأكابر ومن ورث الملك كابرا عن كابر ولقد تلقفت ~~من أفواه الحكماء وتشنفت مسامعي من جواهر ألفاظ العلماء بثلاث نصائح هي من ~~أحسن المنائح إحداهما أحذر أيها الموفق أن تقع في دم بغير حق ثانيتها إياك ~~يا ذا التوفيق وأموال الناس بغير طريق ثالثتها إياك يا ذا الشيم الكريمة ~~وهدم البيوت القديمة وأعلم أن الله تعالى عم رزقه وخص كل موجود بما يستحقه ~~وقد أقام الأسد في تلك الأماكن وهو أن كان متحركا فهو فيها ساكن ولو لم ~~يستأهل لما اختص بتلك المناهل وما ينكر هذا الأجاهل أو من هو عن الحق ذاهل ~~وحاشى أن تنسب يا رئيس الأخيار إلى حسد أسوء جوار وعظمتك تأنف عن ذميم ~~الأخلاق وكيف وقد انتشر بالفضل صيتها في الآفاق وإذا كان للشخص ما يكفيه ~~فينبغي أن يقتصر عما يطغيه ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وقد أحسن ~~في المقال من قال: # يا أحمد اقنع بالذي أوتيته ... إن كنت ms197 لا ترضى لنفسك ذلها # واعلم بان الله جل جلاله ... لم يخلق الدنيا لأجلك كلها # فالتفت الملك إلى المدبر وأشار إليه كالمستخبر ماذا تشير أيها الأخ ~~والوزير فقال جميع ما قرره مولانا الوزير حق وجملة ما ذكره وحرره صدق نصائح ~~ترشد العقول وتزين عقود المعقول والمنقول ولكن لا يخفي # PageV01P354 # على كريم العلوم أن الأسد حيوان ظلوم غالب طالب وخلاص الرعية من شره واجب ~~ويلزم كل أحد أن يخلص الرعايا من ظلم الأسد ومولانا يبلغه ظلمه ولم يحط ~~بأحوال الأسد علمه وأنه من أظلم البرية لمن تحت يده من الرعية وأنه يجب على ~~مولانا السلطان خلاص الرعية منه على أي وجه كان وأيضا فانانعامات مولانا ~~البارة على كل أحد من الخلق دارة والخرج والكلف والكرم الذي بأنامله ائتلف ~~كل يوم في ازدياد والعساكر المنصورة كل وقت نزداد وإذا لم تتسع الولايات ~~وتكثرا الجهات والاقطاعات كان الخرج أكثر من الدخل والمصروف من الخزانة ~~كالوابل والدخل كالطل وإذا زاد المصروف على الحاصل عجز الواصل وفرغ الحاصل ~~ودل ذلك على ركاكة الهمة وقصور النهمة والملك يجب عليه والمندوب في شرع ~~همته إليه أن يكون كل وقت جديد في فتح وترق ومزيد وتوسعه الممالك وتنزيه ~~بساط السلطنة عن المنازع والمشارك والاستكثار من الجند والرعية واستجلاب ~~خواطرهم الأبية بالجوائر السنية والانعامات السمية ولا يجوز في ملة الإسلام ~~أن يتعدد الخلفية الإمام ولله در القائل العلي الشمائل: # إذا ما لم ثكن ملكا مطاعا ... فكن عبد المالكه مطيعا # فان لم تملك الدنيا جميعا ... كما تهواه فاتركها جميعا # وناهيك يا مالك الممالك والمماليك في علو الهمة وصدق العزمة وغوص الأفكار ~~في استخلاص ممالك الأقطار قضية فحلا الرجال تيمورلنك الأعرج الدجال مع ~~نائبه الله داد أحد القواد ونواب البلاد فسأل أبو مزاحم أخاه عديم المراحم ~~عن تلك القضية وإيضاحها عن جليه # PageV01P355 # (فقال) إن تيمورلنك رأس الفغساق الأعرج الذي أقام الفتنة على ساق لما حل ~~بالممالك الرومية في شهور سنة خمس وثمانمية وأسر مالكها واستخلص ممالكها ~~استمر في ممالك العرب يصول وفي ms198 فكره استخلاص ولايات الشرق يجول وكان أقصى ~~ما انتهت إليه في الشرق مملكته ونفذت بسهام أحكامه فيه أقصيته بلدا يسمى ~~أشباره قد أعده لشياطين النهب والغارة وبثى فيه قلعه ونقل إليه من ذوي ~~المنعة جندا منتخبا من كل يقعة وهو في بحر ممالك المغل والتتار والحد ~~الفاصل بين ممالكه وولايات عباد الشمس والنار وأمر على أولئك الأجناد شخصا ~~يدعي الله داد وهو من خواض أمرائه ورؤساء جنده وزعمائه فمن جملة ما أمره به ~~ذلك المشوم وهو مخيم ببلاد الروم أنه أبرز إليه مراسلة فيها أمور مجملة ~~ومفصلة أمره بامتثالها وإرسال الجواب ببيان كيفية حالها منها أنه يبين له ~~أوضاع تلك الممالك ويوضح كيفية الطرق بها والمسالك ويذكر له مدنها وقراها ~~ووهدها وذراها وقلاعها وصياصيها وأدانيها وأقاصيها ومفاوزها وأعارها ~~وصحاراها وقفارها وأعلامها ومنارها ومياهها وأنهارها وقبائلها وشعابها ~~ومضايق دروبها ورحابها ومعالمها ومجالها ومراحلها ومنازلها وخاليها وآهلها ~~بحيث يسلك في ذلك السبيل الأطناب الممل ويتجنب مأخذ الإيجاز وخصوصا المخل ~~ويذكر مسافة ما بين المنزلتين وكيفية المسير بين كل مرحلتين من حيث تنتهي ~~إليه طاقته ويصل إليه علمه ودرايته من جهة الشرق وممالك الخطا وتلك الثغور ~~وإلى حيث ينتهي إليه من جهة سمر قند علم تيمور وليعلم أن مقام البلاغة في ~~معاني هذا الجواب هو أن يصرف فيه ما استطاع من حشو واطناب وتطويل وإسهاب ~~وليسلك في بيانه الطريق الأوضح من الدلالة وليعدل عن الطريق الخفي في هذه ~~الرسالة إلى أن يفوق في وصف الأطلال # PageV01P356 # وتعريف الرسوم وحدود ألد من صفة الشيخ القيصوم فامتثل الله داد ذلك ~~المثال وصور له ذلك على أحسن هيئة وآنق تمثال وهو أنه استدعى بعدة أطباق من ~~نقي الأوراق وأحكمها بالإلصاق وجعلها مربعة الأشكال ووضع عليها ذلك المثال ~~وصور جميع تلك الأماكن وما فيها من متحرك وساكن فأوضح فيها كل الأمور حسبما ~~رسم به تيمور شرقا وغربا بعدا وقربا يمينا وشمالا مهادا وجبالا طولا وعرضا ~~سماء وأرضا مرداء وشجراء غبراء وخضراء منهلا منهلا ومنزلا ومنزلا وذكر أسم ~~كل ms199 مكان ورسمه وعين طريقه ووسمه بحيث بين فضله وعيبه وأبرز إلى عالم ~~الشهادة غيبة حتى كأنه شاهده ودليله ورائده وجهز ذلك إليه حسبما اقترحه ~~عليه كل ذلك تيمور في بلاد الروم يمور وبينهما مسيرة سبعة شهور وكذلك فعل ~~ذلك البطل وهو بالبلاد الشامية سنة ثلاث وثمانميه مع القاضي ولي الدين عمدة ~~المؤرخين أبي هريرة عبد الرحمن بن خلدون أغرقه الله في فلك رحمته ~~المشحونوقد سأله عن أحوال بلاد العرب وما جرى فيها من صلح وحرب وما وقع ~~فيها من خير وشر ونفع وضر ثم أنه اقترح عليه وتقدم بالأمر إليه يوضع ~~أوضاعها ورسم مدنها وقلاعها وحصونها وضياعها وتخطيط ولاياتها وأشكالها ~~وهيآنها فامتثل ذلك وأبداه وعلى حسب ما اختاره واقترحه أنهان وبين ذلك مثل ~~ما ذكره أعلاه فشاهد أوضاعها وخبر وهادها وبقاعها كأن الحائل رفع من البين ~~وعاين ذلك الإقليم بالعين فانظر إلى هذا الأعتمي وهو سطيح نصف آدمي وهمته ~~العالية كالبرق تضرب تارة في الغرب وأخرى في الشرق # PageV01P357 # (وإنما أوردت) هذه القضية ليقف سامعها على مقدار الهمة العلية فلا يرضى ~~الملك الهمام بالمنزلة الدينية ولا يقنع بالدرجة الوطية بل يجتهد في تكثير ~~الجند والرعية وفتح الأقاليم العربية والعجمية ولا يقتصر على الحالة السوية ~~وإنما يلازم طلب الارتقاء بكرة وعشية ويكون سعيه كالشكر يطلب المزيد وكما ~~يستديم طلب الزيادة من مولاه يستديم زيادة العبيد والافينسب إلى قصور الهمة ~~وإفلاس الذمة ونقصان الحرمة وبطلان الحشمه وأعظم بها من وصمه وبالعجز ~~والتقصير يضيع حقوق الملك الخطير وتجد الرعية للطعن مقالا وفي ميدان ~~الأعراض عن الملك مجالا وهذا خلاف موضع الإمامة وعكس ما تقتضيه # الرياسة والزعامة فان موضع السلطنة أن يتعاطى الملك مهما أمكنه من أسباب ~~الفتح والفتوح وما يستميل به من الرعية القلب والروح وذلك بالإحسان ~~والإكرام والبذل والإنعام فبه تقوى رغبتها وتزداد محبتها فإذا لم يكن ذلك ~~فل المملوك عن الممالك واسمع قول الأديب ذي الرأي المصيب وهو: # إذا أهملت أمر العبد يوما ... وقصرت العليق عن الحمار # توقف في المسير أبو زياد ms200 ... وقام العبد يجري للفرار # وقيل (والدر يقطعه جفاء الحالب) وقال أشرف جنس الإنسان علو الهمة من ~~الإيمان فالرأي السديد عندي والذي بلغ إليه جهدي إنفاذ هذه العزيمة وسلوك ~~طريقها القويمة وإبرازها من مكان القول إلى ظواهر العمل والحول والاعتماد ~~على ما قيل: # PageV01P358 # فلا تثن عزمك خوف القتال ... بسمر دقائق وبيض حداد # عسى أن تنال الغنى أو تموت ... فعذرك في ذاك للناس باد # فان لم تنل مطلبا رمته ... فليس عليك سوى الاجتهاد # فأقبل الملك على المقبل وقال توجه بكليتك علي وأقبل شعر: # ولا تبق مجهودا برأيك أنه ... سديد ومن يقف السديد سديد # فان القلب قد مال إلى العزم والأخذ في التوجه بالحزم وترجح جانب الوثوب ~~إلى جهة هذا المطلوب فأمعن النظر وأجل قداح الفكر ولا تخف رأيا بسنح في أي ~~جهة ترجح فقال افعل بشرط أن يقبل أعلم زدك الله علما وفضلا وكرما وحلما أن ~~الذي رآه العلماء وأشار به ذوو الحنكة من الحكماء أن من طلب وفور خيره ~~وفائدة نفسه في مضرة غيره لا يتمتع بتلك الفائدة ولا تثمر معه تلك العائدة ~~وهو أعلى تقدير حصولها والاستيلاء على فروعها وأصولها وإن لم يظفر بها فلا ~~تستفيد النفس غير كربها مع زيادة الحسرة وسوء الصيت في الشهرة ووفور الندم ~~وزلة القدم وكل من أراد تمشية هواه ولم يلتفت إلى ما سواه ورأى نفسه أحق من ~~غيره فلا تطمع أبدا في خيره ولا يكاد يسلم من الانكاد ولا يصفو له زمان ولا ~~تدوم له أخلاء وأخوان ولا تزال ديم الهموم من غمام الغموم تهمي على حدائق ~~آماله وتسقي مزارع أحواله إلى أن تحظل نخلات نيته وتيبس حقول طويته ويحصده ~~حراث الفنا ويدرسه دارس الردى ويذري حبات وجوده الهوان # PageV01P359 # في الهوى وينقل عن بيدر الشقاء إلى طاحون البلاء فهناك يجدح سويق أفعاله ~~ما يزيغه فيحسوه ويتجرعه ولا يكاد يسيغه ويصهر به ما في البطون ويقال له ~~ذوقوا ما كنتم تكسبون هذا وإذا كان الدخل لا يفي بالخرج وخيف من ذلك وقوع ~~هرج ومرج ms201 فبحسن التدبير يتصرف الملك الخبير وبكفاية الوزير وتوفير المشير ~~يجل الحقير ويكثر النزر اليسيركما قيل: # قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد # وبالخلق الحس وحسن السياسة تملك رقاب أولي الرياسة فضلا عن العوام وهذا ~~بحسب المقام ولا يتصور أن مجرد المال هو شبكة صيد الرجال فان حفظ الممالك ~~هو وراء ذلك وقد قال رسول خلاقكم أنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ~~بأخلاقكم وشيء يحتاج تحصيله والانقطاع إلى وصوله إلى بذل أموال وأرواح وكد ~~نفوس وأشباح وأتعاب خيل ورجال وارتكاب شدائد وأهوال وبعد حصوله يتكلف في ~~محافظته وحراسته وملاحظته إلى تحمل هموم وغموم وكلامه وكلوم وآخر الأمر ~~يخرج من اليد ولا يبقى إلا النكد والكد فتزول في الدنيا اللذات معاناة ~~الكدورات وتجرع الغصص والمشقات وتبقى في الآخرة التبعات لجدير بان لا يلتفت ~~إليه ولا يعول عليه ولا يهتم له بشان ويستغني عنه وأن احتج إليه بقدر ~~الإمكان والأفمثل الذي يعلق به فؤاده ويربط بدوامه وبقائه اعتقاده ويتصور ~~ذلك بفكره الفاسد ونظره الكاسد كمثل كسرى لما مات ولده وتفتنت عليه كبده ~~وحصل له عليه الاضطراب ورده عن خطئه الهلول إلى الصواب فسأل أبو الحجاج ~~أخاه المحجاج عن بيان هذا الأمر وكيفية إطفاء هذا الجمر # PageV01P360 # (فقال) المقبل ذكر محدث معدل أن كسرى كان له ولد قد سكن منه سويداء الخلد ~~يخجل البدر ليلة تمامه ويستميل الغصن حاله قيامه وكان يحبه حبا جاوز ~~النهاية وتعدى الحد والغاية وكان لشدة شغفه استبعد حلول تلفه بل أحال وفاته ~~وأذهله عن درك الحق وفاته فأدركه الأجل المحتوم واستوفى مداه المعلوم ~~فاضطرب كسرى لونه واصطدم بصخور فراقه واصطلم ولم يقر له قرار ولا طاعة ~~اصطبار فوعظه العلماء فما أفاد وثبته الحكماء بضرب الأمثال فأعياهم المراد ~~وكان في بلده رجل بهلول يتردد إليه ويدخل في أكثر أوقاته عليه فيلاطفه في ~~محاروته ويبتهج بكلماته في مخاطبته فدخل عليه البهلول وهو كئيب ملول لا تسر ~~حاله صديقا ولا يهتدي إلى السكون طريقا فسأله عن حاله وما أوجب توزع باله ms202 ~~وتغير أقواله فقال يا بهلول عدمت ولدى وقرة عيني وراحة روحي وجسدي (شعر) : # لا صبر يجدي على فراقه ... ولا معين على احتراقه # وقلت: # أواه من فرقة الأحباب أواه ... لقد كوى من حشا قلبي سويداه # قال البهلول نعوذ بالله من ساعات الذهول يا ملك الأنام أن عيسى عليه ~~الصلاة والسلام شكا إليه بعض حواريه شيأ يشابه ما أنت فيه فقال عليه السلام ~~كن لربك كالف الحمام يذبحون فراخه ولا يفارق مناخه ولا ينفر عنهم ولا يشكو ~~منهم ثم أن البهلول قال وأنا إليك سؤال فاجبني بجواب شاف فانك ذو ألطاف فلا ~~يكن فيه جراف # PageV01P361 # فقال سل فكلامك لا يمل قال أكنت ترجو أن ولدك لا يموت أبدا وأنه يصير في ~~الدنيا مخلدا فقال لا ولكن أردت أن يبق مده ويتمتع بشبابه وبنعيمها عنده ~~ويلتذ بطيب المآكل والمشارب ويقضي من أواطار الشباب المآرب ويؤنس أنداده ~~وصحبه ثم يقضي بعد ذلك نحبه قال هب أنه عاش مهما رمت وقام وقعد في الدنيا ~~كما قعدت وقمت وعاش العيش الطيب وهمي عليه من سما ملاذها الوابل الصيب وحصل ~~له من العيش الهني والعمر السني أمثال الجبال وأعداد الرمال فعند مفارقة ~~العيش وحلول الخفة والطيش هل يدفع عنه ذاك شرا أو يرفع عنه بؤسا وضرا أو ~~يجلب له نفعه أو يذهب من ذلك شيء معه أو يفيده أدنى فائدة أو يعود عليه منع ~~عائده قال لا قال فلا تاس على معاش يكون عقبى أمره إلى لاش وعمر ذاك مصيره ~~وسواء طويله وقصيره وكثير تنعمه ويسيره (شعر) : # وإذا كان منتهى العمر موتا ... فسواء طويلة والقصير # (غيره) : # فعش ما شئت في الدنيا وأدرك ... بها ما شئت من صيت وصوت # فحبل العمر موصول بقطع ... وخيط العيش معقود بموت # فهب أنه عاش ونهب الملاذ وحاش وعلا في ارض التنعم وغلا وجاش كل ذلك في ~~المقدار على حسبما تختار وأنه جاءه القضا وقد قضى وطره ومضى ثم قضى تحبه ~~وقضى فجبر الكلام كسرا وسرى عنه همه وأسرى وقال الآن سكنت فنعم ms203 الناصح أنت # PageV01P362 # (وإنما أوردت) هذا التنبيه أيها الملك النبيه لا عرض على الخواطر السعيدة ~~والآراء السديدة والآراء الرشيدة أن الأقتصار عن هذا أولى وأليق بالركون ~~تحت إرادة المولى قال المدبر المفنن المعبر ثلاثة أشياء ينبغي لطالبها أن ~~لا يفتكر في عواقبها الأول الأسفار في البحار والغوص فيها إلى القرار فان ~~طالب الجواهر النفيسة ومن قصد أن يكون في صدر التجارة رئيسه لا يخشى من ~~الغرق ولا عنده من ذلك فرق فهذا يعبى بضائع المال وذاك يغطس إلى قعر ~~الأوحال وكل منهما لا يتفكر في العاقبة والمآكل الثاني المقدم على الحرب ~~والرشق والطعن والضرب ومصارعة الأبطال ومباشرة أسباب القتال لا ينزعج لصوت ~~ولا يفتكر في الهزيمة والجراح والموت والثالث طالب الرياسة والملك ذي ~~السياسية لا يفتكر في الاقتحام ولا يتوانى في الأقدام ولا يتأمل في العواقب ~~ولا يلتفت إلى المناقب ويلقي نفسه في الأخطار ويضرب إلى أعماق الأقطار ~~ويجعل جل همه بلوغ الأوطار وقيل: # بقدر الكد تكتسب المعالي ... ومن طلب العلى سهر الليالي # تروم العز ثم تنام ليلا ... يغوص البحر من طلب اللآلي # وقيل: # إذا هم ألقى بين عينيه عزمة ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا # قال المقبل الحكيم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم أولوا الألباب ~~المميزون بين الخطأ والصواب الناظرون من مبتدأ لأمور في أعقابها المستبصرون ~~قبل وقوعها في مآلها ومآبها الآتون بيوت النوائب والنوازل من أبوابها قالوا ~~إذا تحمن أبو الحصين وأغلق عليه من وراء # PageV01P363 # جدار بابين صم حاصره أسد من خارج ساوت قوة الخارج قوة الوالج ولا شك أن ~~حركة العساكر وقطع الفيا في والدساكر والتوجه إلى قتال من هو ساكن في سربه ~~محتاط في إقليمه ودربه متحصن في قلاعه متدرق بحجفة امتناعه يحتاج في ~~الأموال إلى إخراج وفي الرجال إلى إزعاج وتحمل أخطار وتجشم أسفار وأخذ ~~ضعفاء تحت أقدام وهدم دور وقطع أرحام ومع هذا كله حصول المقصود موهوم ~~والظفر به غير معلوم فان حصل فقد مر أن لا ثبات ولا تمنع وأن احتجب فهو ~~وراء ستر ms204 التمنع فكم من دماء حينئذ تراق وقد كانت مصونة وأموال تهدر وقد ~~كانت مضمونه وأعراض تهتك وقد كانت محترمة وأنفس تذل وقد كانت عزيزة مكرمه ~~والحق في هذا متضح ومن نجا برأسه فقد ربح وقد قدمت هذا التقرير وهندست هذا ~~التقدير لأن العاقل الماهر في التجارة كما يحسب الربح يحسب الخسارة وكل هذا ~~في العاجلة فصلا عن المحذورات الآجلة من غضب الله وعقابه وتوبيخه وأليم ~~عذابه وإذا خرج الأمر عن اليد ودخل على القلب الاشتغال بالنكد وذهب المال ~~والمنال ونقصت الأهبة والرجال وتناقص العدد والعدد وتناكص المدد والمدد فأي ~~حرمة تبقى للملك عند الرعايا وقد قلت عنهم منه الأرفاد والعطايا وكيف يستقر ~~ملكه أو يدور على فلك الثبات فلكه فلا تخافه الرعية ولا يرجونه ولا يسمعون ~~كلامه ولا يطيعونه ويصير كالسحاب الخلب لا يوثق منه بوعد ولا يحصل منه مطلب ~~أن تكلم عابوا كلامه وأن حكم نقضوا أحكامه وأن حلم قالوا عاجز وإن تقدم في ~~الحرب قالوا مجنون مبارز # PageV01P364 # وأما الغني ذو المال فهو على عكس هذه الأحوال فان رأوا منه فضلا كان لكل ~~مكرمة أهلا فرفعوه إلى العيوق وكان العظم المرموق أن أعطى قليلا استصغر ~~واحتما عنده وأطنبوا بلسان الثناء في شكرهم رفده وأن يخل قالوا مدبر لا ~~يضيع ماله وإن كذب صدقوا قيله وقاله وفي الجملة حركات الغنى مستصوبه ~~وكلماته مترشفة مستعذبة وقد قيل: # إن ضرط الموسر في مجلس ... قيل له يرحمك الله # أو عطس المعسر في مجمع ... سبوا وقالوا فيه ما ساء # فمضرط الموسر عرنينه ... ومعطس المفلس مفساه # وكما قيل: # الفقر يزري بأقوام ذوي حسب ... وقد يسود غير السيد المال # ولقد رشفت من أفواه الحكماء ونصائح البلغاء بل شاهدت من النوائب وتلقفت ~~من ذوي التجارب وتحققت في الدهر أبا العجائب أن الفقر شيب الفتيان وسقم ~~صحيح الأبدان ومبعد الأقارب وجاعلهم أجانب وقاطع الأرحام ومانع السلام ~~ومبغض الأحباب ومفرق الأتراب ومشتت شمل الأصحاب وبالجملة فالذي يجب على ولي ~~الأمر التأمل في قصارى هذا الأمر والتفكر في عاقبة هذه ms205 الحركة وما يحدث ~~فيها من شؤم وبركه وأن يجبل قداح التدبر والتبصر والتصبر ويثبت في صدر هذا ~~المورد المضيق وما فيه من مجال أو ضيق ولا يعتمد فيه على القوة والحول ~~وأسباب الطول وكثرة الشوكة والعدد وإمداد العدد والمدد مع عدم الاكتراث ~~بالأخصام وقلة المبالاة بكل أسد ضرغام فان الأسد سلطان السباع وملك # PageV01P365 # عظيم كثير الجند والأتباع شجاعته مشهورة وشهامته مأثورة به يضرب المثل ~~ويشيه كل بطل ونحن وإن كان لنا عساكر كالجبال تهدم الحصون وتدك القلال لكن ~~ما جر بنا مصارعة الأسود ولا مارسنا مقارعة النمور والفهود ولا نعرف طريق ~~بلادهم ولا طريقة جدالهم وجلادهم وأن لهم في الحروب أساليب وفي افتراس ~~الفرائس أنياب ومخاليب أن لا تتم هذه الأمور وتقصر حبالنا عن مصادمة مالهم ~~من قصور فيرجع وبال هذه الأمور علينا إذ ابتداؤه أو لا منسوب الينا ولا ~~تحصل إلا على الندامة والتوبيخ والملامة ويخطبنا الجد الوبيل بما قيل: # تبني بأنقاض دور الناس مجتهدا ... دار استنقض يوما بعد أيام # وقال المدبر ولا شك أن جوهر هذا النظام وعقود هذا الكلام صادر عن فكر ~~بعيد ورأي سديد وأمر رشيد وتأمل في العواقب مفيد أصله الحكمة وفرعه الشفقة ~~وزهره المعرفة وثمره الفطنة ولكن من حين استولى على الملك كيومرث ومرث على ~~سرير التحكم أصبع الولاية أبلغ مرث وسن قواعد السياسة وأسس بنيان الرياسة ~~وذلك زمان الأبتداء وأول ما تملك على الدنيا وإلى هذا اليوم لم يزل القوم ~~من الملوك في روم وطلب الزيادة والسوم ولا عتب في ذلك ولا لوم وقل لي أي ~~ملك مالك تحكم في الممالك وسلك فيها المسالك ولم يقصد فيها الولايات ~~الشاسعة ولا الأقاليم الواسعة ولم يطلب الترفع على الأقران وعلو المكان ~~بقدر الإمكان والملك عقيم والعاجز سقيم وكيف يتصور أيها الملك الأكبر أن ~~تكون همة الملك أدنى من همة تاجر في البحر ينهمك فان التاجر إذا افتكر في ~~لذة الفائدة وما يعود عليه # PageV01P366 # العائدة وغرته كما يقال التسع أواق الزائدة يضع جميع ماله وما تصل ms206 إليه ~~يده من خدمة ورجاله في الفلك المشحون ولا يرهب ريب المنون ويركب هو أيضا ~~فيه ولا يلتفت إلى عجائب دواهيه ولا يفتكر في الغرق ولا في جبر السفينة ولو ~~نخرق ويسلم قياده إلى متصرف الهواء ونفسه وماله إلى حاكم الماء ودونك يا ذا ~~الحشمة والوافر الحرمة ما قاله العاشق العالي الهمة: # إن تهو بدر فليكن ... ابن الخليفة ذي السرير # أو ابن سلطان الورى ... أو ذي الوزارة أو أمير # وتجنب الأوغاد والغوغا وذا القدر الحقير # إن الخطير هو الذي ... قد قام بالأمر الخطير # وأما قولكم عساكرنا أغمار لا دراية لهم بتلك الديار ولا معرفة لهم ~~بمصادمة الأسود ومقاومة تلك الجنود فاعلم أيها الوزير الفاضل الكبير إن ~~الأسد ملك كاسر وعلى سفك الدماء حاسر وأن في رعيته من آذاه وأنكاه في ذويه ~~وأبكاه وكسره جبرا واسترعاه قسرا واستولى عليه قهرا فهو منتظر تنفس الزمان ~~مترقب انقلاب الحدثان متوقع أيها الفضيل معنى ما قيل: # إذا لم يكن للمرء في دولة امرئ ... نصيب ولا حظ تمنى زوالها # فإذا سمع بأحد خرج على الأسد ولو كان أقل الأعوان فضلا عن ملك الأفيال بل ~~قيل الأفيال الفاضل في ذاته الكامل في صفاته العادل في رعيته البار بأهل ~~ولايته المحسن إلى أهل مملكته المشفق الحليم الرؤوف # PageV01P367 # الرحيم فبالضرورة يبادر إلى الملاقاة ويسارع إلى ما كان يتمناه ويغتنم ~~عبودية الملك وبعدها غاية مرتجاه فيدل على عورات العدوة ومظان عثراته ويرشد ~~إلى طرائق نكاياته ونكباته ويناديفي النادي نلت مرادي على رغم الأعادي ~~ويعلن بإنشادي للحاضر والبادي: # إذا كان للإنسان في دولة امرئ ... نصيب وإحسان تمني دوامها # وأيضا في ذلك الإقليم من متشبث بأمر جسيم وهو ماله من مال وأولاد ~~واقطاعات وعقار وبلاد وسوائم ومواش وأثقال وحواش فلا يمكنه التحول عن ~~طريقنا ولا التحمل لوعودنا ويروقنا ولا قوة المقاومة ولا طاقة المصادمة ~~فبالضرورة يصانع عن تعلقاته وينشبث بذيل سنتنا مع الجماعة فنستمد بآرائه ~~وروائه ونستفيد فيما نحن بصدده دواء لدائه فقال الملك للمقبل ما الجواب عن ~~هذا الخطاب فقال ms207 هذا المقال وإن كان لا يخلو عن الاحتمال ووقوعه غير محال ~~لكن الأقرب إلى الذهن إن هذا لا يقع لأنه أمر مبتدع ولأن طبائعنا مخالفة ~~لطبائعهم وأوضاعنا غير أوضاعهم وناهيك إن كلاب الحارة في النهب والغارة ~~يمزق بعضهم بعضا ويتناحرون فيما بينهم حرصا وبغضا حتى إذا دخل بينهم ذيب أو ~~حيوان غريب توجهوا إليه واتفقوا عليه فمزقوا أديمه وهتكوا حربمه وجعلوا ~~لحمه لجماعتهم وليمة وعند الأسد من الوحوش أنواع ما بين سباع وضباع ونمور ~~وذئاب وقرود وذباب وفهود وكلاب كلهم على طباعه متفقون على اتباعه وإن ~~اختلفت عليهم الثياب لكن الكل كلاب أولاد كلاب وكل من هؤلاء على ما هم عليه ~~متفقوا الأهواء له على خصمه في مجادلته وخصمه دربة في المساورة ووثبة في ~~المغوره وأنواع في الكر والفر # PageV01P368 # وروغان في الخير والشر ومداخل ومخارج ومدارك ومعارج وليس في عساكرنا سوى ~~الصدمات والحطم بقوة النهضات والعزمات فأن أفاد هذا الاصطدام وإلا فما ثم ~~إلا الأنهزام فلما بلغ المقبل في الكلام إلى هذا المقام وكان رسخ في قلب ~~الملك من كلام المدير الوسخ فما أثر نصح المقبل وما أفاد لأن النفس بطبعها ~~مائلة إلى الفساد فشرع الملك واعتمد على التوجه إلى بلاد الأسد وأمر رؤساء ~~فيلة الهنود بجمع العساكر والجنود وأشيع ذلك في أطراف الممالك فاطلع على ~~هذه الأحوال غراب يكنى أبا المر قال كان له وطن وولد وسكن في ممالك الأسد ~~لكنه قدم جزيرة الأفيال للتنزه على سبيل التفرج والتفكه فشرع يتأمل في هذه ~~الأمور ويستنتج من قضاياها ما يتولد من سرور وشرور فانتهى سابق أفكاره في ~~ميدان مضماره إلى أن هذه القضايا تسفر عن بلايا ورزايا وإراقة دماء وخراب ~~أماكن وهلاك رعايا سواء تمت للأفيال أو رجعت عليهم بالوبال فخاف على سكنه ~~ودمار أهله ووطنه فادى فكره الأسد أن يطلع على ذلك الأسد ليتداركه بحسن ~~آرائه ويعترف للغراب بحسن وفائه فبكر بكوره وقصد دوره فوصل في أقرب زمان ~~ونادى الريبال أبا الزعفران وقال الله الله أني أنا النذير العريان ms208 وأطلع ~~الأسد على هذا النكد وقرر معه حقيقة الأحوال وما عزم عليه ملك الأفيال ~~فتشوشت لذلك الخواطر وتصدعت لخوفه الأكابر والأصاغر ثم أمر السباع وطوائف ~~الوحوش بالاجتماع مع رؤساء مملكته وأساطين خاصته ورعيته وذكر لهم هذا الأمر ~~المهول وما عزم عليه ملك الفيول وأذن لكل واحد منهم في ذلك بما يقول فوقع ~~الاتفاق من أولئك الرفاق أن يتفق أعيان كل جنس من الحيوان على رئيس من ~~جنسهم يقيمونه مقام نفسهم يرضون بأقواله ويقتفون # PageV01P369 # آثار أفعاله وليكن من أهل الحصافة والكفاية واللطافة والدراية والشفقة ~~العامة والمعرفة التامة بعقد معهم للمؤامرة مجلس رأي ومشاورة فمهما وقع ~~عليه الاتفاق واجمع عليه الرفاق واستثصوبه الأسد وارتضاه اتبعوه وعملوا ~~بمقتضاه فتقدمت طائفة الآساد إلى تاج منها نهاد سبع يسود على طوائف الأسود ~~طالما افترس الأقران وانغمس في دماء الشجعان وأضاف جوارح الصيد فضلات ما ~~افترسه من عمرو وزيد كاسر جاسر باسل باسر حاسر قاسر ظاهره أبي وباطنه ~~بالمكر غني: # أسد يسود على الأسود زئيره ... رعد وعيناه بروق وتخطف # فقدموه واختاروه واستشاروا رأي رأيه وامتاروه واختارت النمور نمرايمور ~~سريع الوثبة بديع الضربة لطيف الحركات خفيف النهضات قوى الشماس خفي ~~الاختلاس كثيرا ما كسر أسامهوسامي اسود خفان فاسر ضرغامه كما قيل: # نمر تخاف الأسد من وثباته ... وتحار في حركاته وثباته # وقدمت الثعالب ثعلبا لطيف الروغان ظريف الزوغان خفي الحيل قوي الميل ~~طالما فر من طبل وأهل على الصيادين من أهوال وأحرق السلوقيات سلاحه ونفذ في ~~غالب الأسود بالمكر سلاحه: # يضل بني سلوق من دهاء ... فيخلص من مخالبها سليما # PageV01P370 # واعتمدت الذئاب في هذا الباب على ذئب فعله عجيب وأمره غريب سديد الختل ~~والختر شديد المكر والكسر طالما أفسد ثله ودخل في قطيع ماشية فقطعه كله ~~يعجز الأسود والنمور والفهود شيمته الغدر والخديعة ودأبه المكر وسوء ~~الطبيعة شعر: # وقد جمع الضدين نوما ويقظة ... يخاف الرزايا فهو ويقظان نائم # فاختلى بهم أبو الأشبال وشاورهم فيما دهمه من الأهوال ونوجه بالخطاب إلى ~~الأسد وقال ما رأيك في هذا النكد فقال لا ms209 تطلب النصر في هذا الحصر إلا من ~~مالك العصر ومصرف أحوال الدهر بين الفرج والقسر وهو الله سبحانه وتعالى وعز ~~شأنه وجل جلاله فأنا مظلومون وهم ظالمون ونحن ما اعتدينا عليهم ولا تقدمنا ~~بالظلم إليهم فسيرد الله كيدهم في نحرهم وسحيق بهم عاقبة مكرهم وهذا أمر ~~مقرر وأظنه هو المقدر وأما ما يتعلق بنا وبهم من الفرار والصلح أو حربهم ~~فاذكره على التفصيل وأخبر في ذلك الرأي الجميل أما الفرار فلا سبيل إليه ~~ولا معول أبدا عليه وأني ذلك وهو عيب ما وصمت به الأسود ولا لهم به وصف ~~معهود وبنا يضرب المثل في الشجاعة والبسالة وتتشبه بنا الأبطال في الأقدام ~~لا محالة وكيف نترك بلادنا وأهلنا وأولادنا من أول وهلة ونعزم على الرحلة ~~ولا صادمناهم ولا واقفناهم ولو فعلنا ذلك فهربنا وتركنا مالنا وذهبنا لفسدت ~~أمورنا وخربت ممالكنا دوربا ولا نفرط نظامنا وتعوج قوامنا واستمرت هذه ~~الملامة إلى يوم القيامة ولدام علينا هذا العار ولا يقر لنا بعد ذلك قرار ~~وأعلم أيها الملك نو والله وجه السرير بك أن العمر السنى ما مر في العيش ~~الهني وقد قيل: # ما العمر ما طال به الدهور ... العمر ما طاب به السرور # PageV01P371 # والعمر الذي يمر في نكد لا يحتسبه من ذوي الكفاية أحد وحسبك ما ذكره ~~المترجم من حكاية الملك المعزول مع النجم فسأله أبو الأشيال سرد هذا المثال ~~(فقال) الأسد ذكر القائل أن أهل بابل كانت عادتهم في دينهم وسلوك طريقهم مع ~~سلاطينهم أنهم إذا اعتنوا بشخص ملكوه واتبعوا طريق أمره وسلكوه وبذلوا في ~~طاعته ما ملكوه فإذا أرادوا عزله تركوه ونشزوا عنه وفركوه وأهملوا إحسانه ~~وفذلكوه وسكنوا غيره في سرير الملك وحركوه فاتفق أنهم ولوا واحدا وأعزوه ~~ونصروه ثم خذلوه وأقبلوا عليه أولا ثم قتلوه وكانت مدة ما بين ذلك يسيره ~~وعمر أيامه في ولايته قصيرة فحصل له أولا السرور ثم تراكمت عليه بالعزل ~~الشرور فاحتوشته الفكر وبات يصارع القضاء والقدر ثم قال لو راقبت في أول ~~الجلوس ما في ms210 الطالع من سعود ونحوس ثم اخترت لساعة ارتقائي وقتا يطول فيه ~~بقائي وذلك يكون نجمي في برج ثبت لما انقلبت كواكب سعدي عن الاستقامة ولا ~~نبت ولكن حيث فات ذلك في الابتداء فاندراكه في الانتهاء فلعل ذلك يفيد ~~ويردني إلى سرير السرور يعيد ثم طلب منجما حاذقا ماهرا فائقا وقال انظر في ~~طالع جدي وتأمل برج نحسي وسعدي واختر لي ساعة يصلح فيها النزول عن السرير ~~ويكون العود إلى السرير بواسطة الناظر إليها غير عسير فان الناظر إلى ~~الطالع هو الجالب والمانع فامتثل المنجم ما رسم وشرع في وضع الأشكال والقسم ~~ثم قال أحسن ما نظر في الطالع المسعود من حين الميلاد فانه أول الوجود فإذا ~~أخذ الطالع سن ساعة الميلاد ترتب عليه ما # PageV01P372 # يصدر على ذلك المولود من السعد والإسعاد ومن الخوف والرجاء في عالم الكون ~~والفساد فهل اطلع الملك في أي ساعة وجد وكم أتى عليه من حين ولد قال نعم ~~أعرف مدة عمري جزما وهي اثنان وعشرون يوما فتعجب المنجم من مقاله ولم يقف ~~على حقيقة حاله فقال ليوضحالملك ما أشار لأقف على حقيقة هذه الأسرار فقال ~~مدة استيلائي على السرير هو هذا القدر اليسير وأنا لا أحسب العمر ولا أعتد ~~بوصال بيض ولا سمر إلا هذه الأيام والليالي ولا أحتسب سواها عمرا ولو بيع ~~باللآلئ وقد قلت: # وعمر مضى بالهجر لست أعده ... ولكنني أقضيه في زمن العمل # وإنما عرضت يا بطل على رأيك السعيد هذا المثل لتعلم أن أيام المحنة لا ~~تعد عمرا ولو قضى الإنسان فيها زمانا طويلا ودهرا وأما الصلح يا ذا الركون ~~فعلى أي وجه يكون ومن أين يقع بيننا وبينهم اتفاق وسكون وليسوا من جلدتنا ~~ولا على ملتنا وفي عصر وأوان ذل الأسد واستكان وخضع للفيل ودان أو أعطى ~~الغضنفر النباج والضرغام الصعب الناج لغيره الجزية والخراج وهو في الحقيقة ~~سلطان الوحوش ووهاب التاج فلم يبق إلا الاستعداد للمصادمة والتأهب للمقاحمة ~~والمقاومة ولنا من ذلك في البين إحدى الحسنين أما الظفر بهم ms211 وهو المرام ~~وأما الشهادة فنموت ونحن كرام وقد قال السيد السديد من قتل دون ماله فهو ~~شهيد وقيل يا حاتم طي: حسن الثناء على الميت خير من سوء الثناء على الحي ~~والموت في مقام العزة مع النشاط والهزة أرفع من الحياة بذلة ووخزة وكسرة ~~ونخزة وقد كنت أنشدت وقديما أرشدت: # PageV01P373 # هو الموت إن لم تلقه ضاحكا فمت ... عبوسا بوجه أفتر اللون أغبرا # ومن لم يمت في ملتقى الخيل مقبلا ... عزيزا يمت تحت السنابك مدبرا # فأقبل الريبال على أبي مرسال وقال أيها النمر وصاحب الخلق الزمر ماذا ~~نشير في هذا المهم والمشكل الذي دهم فقال إن الأفيال أكبر جسوما وأعظم ~~حلوما وأقوى في الضرب وأعدى في الحرب وقد استعدوا وأقبلوا واتقنوا أمورهم ~~وأعملوا وأنا أخشى أن يكونوا أقوى بطشا وأن نعجز عن المقاومة في المصادمة ~~فإن فينا العاجز والضعيف والذميم الجثة والخفيف ومن لا عرف الأفيال ولا رأى ~~تلك الأشكال فينفر من مصادمة الجبال فيطؤننا تحت أخفافهم وتنكسر شوكتنا في ~~أول مصافهم فلم يبق إلا الفرار ولا يقر لنا بعد ذلك قرار فيستولون عنوة ~~وقسرا على هذه الديار وينفرط النظام ونرضى عند ذلك بالسلامة والسلام ونقع ~~في البلاء العريض الطويل وانظر يا مولاي إلى ما قيل: # هل للمرائر من صون إذا وصلت ... أيدي الرعاء إلى الخلخال والخدم # فعندي الرأي ذو الأصالة أن ينتخب الملك من يصلح للرسالة ويحسن السفارة ~~ويحسن العبارة فيسكن من فوره شغبهم وثورة لهبهم وسورة غضبهم ويعدهم ويمنيهم ~~ويحسن التقريب ويقصيهم وفي ضمن هذه الأوقات وأثناء هذه الحالات يراقب ~~أوضاعهم ويخبر جمعهم وأجماعهم ويتوصل إلى أسرارهم ويواصلنا بأخبارهم ~~ويطالعنا بمخامر أفكارهم ويكتب ما قدموا وآثارهم ونستمر على المراسلة ~~والمقاومة والمطاولة فإن تيسر رجوعهم وانكشف بالهوينا جموعهم وإلا فنكون قد ~~استعددنا عن الاستبصار فنتعاطى أمور قتالهم بعد التأمل والاختبار وإن ~~أمكننا أن نأتيهم # PageV01P374 # بالليل ونحل بهم الدواهي والويل بعد أن يركنوا إلى جانبنا ويأمنوا من ~~نوائب مصائبنا فربما نصل إلى بعض القصد أو يوافق بعض حركاتنا السعد فالتفت ~~الدوكس ms212 إلى العلمس وقال أي سيد وذا الأمر الرشيد ماذا ترى فيما طرأ وكيف ~~طريق القوم فيما جرى قال السمسام يا مولانا الضرغام الذي سمعته من أولي ~~التجارب وتلقفته من الأصحاب والأجانب أنه من التوفيق إذا ابتلى الشخص ~~بعداوة من لا يطيق أن يدافعه بالهدايا والتحف ويحابيه بشيء من الظرائف ~~والنتف فإنه قيل في الأمثال إن خير الأموال ما ادخر لدفع البؤس ووقيت ~~بنفائسه النفوس فأهب النهاب بأبي وثاب يا أبا الحصين ما رأيك في البين وأي ~~آراء الأصحاب أقرب إلى الصواب فتقدم الثعلبان وتكلم فأبان وقال أسعد الله ~~الأحد مولانا الأسد وجعل رأيه الأسد وفعله على أعدائه الأشد اعلم أيها ~~الدلهاث أن أمورنا لا تخلو عن إحدى ثلاث أما المقابلة بالمقابحة وأما ~~المهادنة والمصالحة وقد تقرر فيما تقدم وتحرر بيان كل منهما وما يصدر فيهما ~~وعنهما وأما الفرار وتولية الأدبار وترك الأوطان والديار فأف لذلك من عار ~~وسبة وشنار فما بقي إلا الحالة الثالثة وهي بعساكرهم عابثة # PageV01P375 # ولقلوبهم كارثة وهي طريقة الاحتيال والتوصل إلى لقائهم بطرائق المكر في ~~جب الوبال فإن صائب الأفكار يعمل ما لا يعمله الصارم البتار فبشباك الحيلة ~~تصاد كل فضيلة وتهون كل جليلة وأنا أفصل ما أجملت وأبين ما فصلت أما ~~المقابلة والأخذ في أسباب المقاتلة فلا طاقة لنا به ولا باب لدخول قبابه ~~لأنا عاجزون عن المصادمة قاصرون عن المقاومة محتاجون إلى الطعام والشراب ~~وبعض عساكرنا لا يعيش إلا باللحم والكباب وجيشهم الذي قد ملا وسد الوهد ~~والفلا يقنعون بالحشيش والكلا فلا يتكلفون لحمل زاد ولا يحتاجون إلى عدة ~~وعتاد وأيضا أحوال عساكرنا المفرقة المضمومة لاختلاف أجناسها وأنواعها غير ~~معلومة فلا اعتماد عليهم ولا يتحقق الركون إليهم فإنهم أجناس مختلفة وطوائف ~~غير مؤتلفة وبينهم معاداة وفي جبلتهم النفرة والمنافاة وبعضهم غذاء بعض وفي ~~قلبه منه العداوة وبغض لو ظفر به كسره وأكله وإن استبصر به خذله فهم كالقفل ~~المجمع ولون اتفاقهم ملمع وأما عساكر الأفيال فبينهم اتفاق على كل حال ~~لأنهم جنس واحد وما بينهم ms213 مخالف ولا مناكد ولهم اعتماد على قوتهم وعلى ~~اتفاقهم وشوكتهم والمعتمد على مثل عساكرنا إن لم يضبط بطريقة كلية أمر ~~عشائرنا ينفرط أمره ويخمد في إيقاده نار الحرب جمره ويعلوه من بحر النوائب ~~غمره ويظفر به أعدائه زيده وعمره ويصيبه من الحطة ما أصاب الصياد من القطة ~~فسأل أبو الحارث عن بيان هذا الحادث قال الثعلب ذكر أن رجلا ذا كيد كان ~~مغرما بالصيد وكان عنده قط صياد يجترئ على النمس والفياد فكان يوما بين ~~يديه فمر عصفور عليه فطفر كالنمور وحصل من الهواء العصفور فأعجب به # PageV01P376 # صاحبه ثم قصد الصيد وهو مصاحبه وحمله تحت إبطه وبالغ في حفظه وضبطه وركب ~~جواده وتوجه يروم اصطياده فرقى سفح جبل فخرج من وراء صخرة طائفة من الحجل ~~فتوجه إليه وألقى القط عليه فطار الطير وخاف القط وقصد رجوعه إلى تحت الإبط ~~فطفر إلى جبهة الجواد وأنشب فيها مخاليبه الحداد فجفلت الفرس من القطة ~~وخبطت بفارسها الأرض شر خبطة أزهقت فيها نفسه وأبطلت حسه (وإنما أوردت) هذا ~~المثل ليحترز أيها البطل في هذا الأمر من وقوع الخلل ويتفكر في أمر هؤلاء ~~الجماعة وكيف ثباتهم في دعواهم السمع والطاعة فإنهم لا يصلحون للقتال خصوصا ~~مصادمة عساكر الأفيال فالملك لا يعتمد على مثل هذا العسكر اللهم أن يتقرر ~~أمرهم على صدق اللقاء ويتحرر وأما ذكره مولانا أبو سهيل في تبييت عساكر ~~الأفيال بالليل فهو رأي معتبر ولكن فيه نظر لأن ذلك إنما يكون إذا كان ~~العدو # في سكون وعن توقع النكبات في ركون فبينما هم في غفلة ذاهلون جاءهم باسنا ~~بياتا وهم قائلون وأما إذا كانوا مستعدين يقظين مجدين وقد توجهوا للقتال ~~وانتصبوا للمناضلة على هذه الحال فلا شك أنهم اتقنوا أمرهم وأخذوا أسلحتهم ~~وحذرهم فأعدوا لكل نائبة نابا ولكل نائفة بابا ولكل حرب حرابا ولكل ضرب ~~ضرابا ولكل شدة سدة ولكل عدة عدة ولكل جزة جمزة ولكل وفزة فزة ولكل نفرة ~~طفرة ولكل فرة كرة ولكل أزمة حزمة ولكل كسرة جزمة فربما يكونون افتكروا ms214 منا ~~هذه المكيدة وأعدوا في مقابلتها داهية نصبوا لها مصيدة فنتوجه إليها غافلين ~~فنشب في شركها # PageV01P377 # ذاهلين فيصيبنا من النكل ما أصاب الجمل من الجمال فقال الريبال هات يا ~~أبا الترهات أخبرنا يا أبا نوفل أخبار الجمل المغفل (قال) كان جمال فقير ذو ~~عيال له جمل يتعيش عليه ويتقوت هو وعياله بما يصل منه إليه فرأى صلاحه في ~~نقل ملح من الملاحة فحد في تثقيل الأجمال وملازمته بإثقال الأثقال إلى أن ~~آل حال الجمل إلى الهزال وزال نشاطه وحال والجمال لا يرق له بحال ويجد في ~~كده بالاشتغال ففي بعض الأيام أرسله مع السوام فتوجه إلى المرعى وهو ساقط ~~القوة عن المسعى وكان له أرنب صديق فتوجه إليه في ذلك المضيق ودعاه وسلم ~~عليه وبث عظيم اشتياقه إليه فلما رأى الخزر هزاله وسأله أحواله فاخبره ~~بحاله وما يقاسيه من عذابه ونكاله وأن الملح قد قرحه وجب سنامه وجرحه وأنه ~~قد أعيته الحيلة وأضل إلى الخلاص سبيله فتألم الأرنب وتأمل وتفكر في كيفية ~~عصر هذا الدمل ثم قال يا أبا أيوب لقد فزت بالمطلوب وقدظهر وجه الخلاص من ~~شرك هذا الاقتناص والنجاة من الأرتهاص والأرتصاص تحت حمل كالرصاص فهل ~~يعترضك يا ذا الرياضة في طريق الملاحة مخاضة فقال كثير وكم من نهر وغدير ~~فقال إذا مررت في خوض ولو أنه روض أو حوض فابرك فيه وتمزق وتنصل من جملك ~~وتفرغ واستمر يا أبا أيوب فان الملح في الماء يذوب وكرر هذه الحركة فانك ~~ترى فيها البركة فأما أنهم يغيرون حملك أو يخففوه أو تستريح بذوبه من الذي ~~أضعفوه فتحمل الجمل للأرنب المنة وشنف # PageV01P378 # بدر هذه الفائدة أذنه فلما حمله صاحبه الحمل المعهود ودخل به في طريقه ~~المورود ووصل إلى المخاضه برك فضربوه فما قام ولا احترك وتحمل ضربه وعسفه ~~حتى أذاب من الحمل نصفه ثم نهض انتهاضه وخرج من المخاضه ولازم هذه العادة ~~إلى أن أفقر صاحبه وأباده فأدرك الجمال هذه الحيلة فافتكر له في داهية ~~وبيله وعمد إلى عهن منفوش ms215 وغير في مقامرته شكل النقوش وأوسق للجمل منه جملا ~~بالغ فيه تعبية وثقلا وسلط عليه الظمأ ثم دخل به إلى الماء فلما توسط الماء ~~برك وتغافل عنه صاحبه وترك فتشرب الصوف من الماء ما يملؤه البرك ثم أراد ~~النهوض فنأى به الربوض فقاسى من المشاق مالا يطاق ورجع هذا الفكر الوبيل ~~على الجمل المسكين بإضعاف التثقيل فساء مصيره وكان في تدبيره تدميرء وما ~~استفاد إلا زيادة النصب وأمثال ما كان يجده من التعب والوصب (وإنما أوردت) ~~هذا المثل عن الجمل ليعلم الملك والحضار إن العدو الغدار والحسود المكار ~~يتفكر في أنواع الدواهي ويفرع أنواع البلايا والرزايا كما هي الحال ويبذل ~~في ذلك جده وجهده ولا يقصر فيما تصل إليه من ذلك يده فتارة تدرك مكايده ~~وتعرف مصايده وتارة يغفل عن دواهيها فلا يشعر الخصم إلا وقد تورط فيها وعلى ~~كل حال لا بد للشخص له وعليه من الأحتيال وأما طلب الصلح وإرسال الهدايا ~~فمن أعظم المصائب وأكبر الرزايا فان ذلك يدل على عجزنا والخور وينادي على ~~هواننا في البدو والحضر ويجرئ علينا الغريب ويذهب حرمتنا عند القريب ودونك # PageV01P379 # يا أبا العباس ما أنشدتك في المقياس: # وما أنا ممافر من نار خصيمه ... لظل حسود أو إلى فيء شامت # ولكن الرأي الأنور أيها الورد الغضنفر أن ترسل إليهم رسولا عاقلا فصيحا ~~جميلا بصيرا بعواقب الأمور قد مارس تقلبات الدهور وقد ربى وتربى وعن ~~الرذائل تأبى وبأنواع الفضائل تعبى وأحرم إلى كعبة محاسن الشيم ولبى ولولا ~~أن باب النبوة استدلتني برسالة فحاله تسفر عن بسالة جزله تتضمن سؤالهم عما ~~أوجب ارتحالهم وسبب قصدهم لبقعتنا وتوجههم لدخول رقعتنا وما موجب هذا ~~الاعتداء ولم يصدر منا لهم إلا المحبة والولا وحسن الجوار والإحسان إلى ~~الكبار والصغار ومعاملة الغريب والقريب بالفضل المجيب والكرم الذي لا يخيب ~~ويذكر لهم بسالتنا وشجاعتنا وفي معاملات المضاربة بضاعتنا ويكشف لهم في ~~ملابسه الحرب والضرب صناعتنا ويحقق عندهم ما عندنا من أسود الحرب وفوارس ~~الطعن والضرب وأجناس الوحوش الكواسر والسباع الجواسر ms216 وأصناف الفراعل ~~والعسابر ويتكلم بكلام يراه مقتضى المقام ومناسبا للحال ويوسع في ذلك ~~المجال ويميز أوضاعهم وعساكرهم ويسبر بمشبار العقل أمورهم ويسمع الجواب وما ~~فيه من خطأ وصواب ويورده إلينا ويعرضه علينا فنعمل بمقتضاه وينظر الرأي ~~السديد فيه ما ارتضاه ونبني على ذلك الأساس ونفصل على ذلك القياس فاستصوبوا ~~هذا الرأي من الآراء وطلبوا له كفؤا من الأكفاء فوجدوا ذئبا هو من خواص ~~الحضرة ومن ذوي النباهة والشهرة له في # PageV01P380 # ميدان الفضائل كروفر وفي مظان النفع والضر خير وشر قد جرب في المصايد ~~ودرب في المكايد وهذب في المصادر والموارد ورتب في المطارف والمطارد أدنى ~~فضائله حسن السفارة وإحدى فواضله ترتيب العبارة حلال المشكلات كشاف ~~المعضلات فوقع عليه اختيارهم ورضى به كبارهم وضغارهم فحمله الأسد كلامه ~~وجعل البسملة مبدأه والحسبلة ختامه ومن مضمونها بعد إبلاغ التحية والأثنية ~~السنية إلى الحضرة العلية ملك الأفيال أبي مزاحم المفضال ألهمه الله هداه ~~وصرف عنه رداه وبصره مواقع الخير وهداه ولا شمت به أعداه وحفظه بالعشي ~~والغداهوجعل عقباه خيرا من مبتداه نحيط علومه الكريمة وآراءه العلية ~~الجسمية أن قوتنا من قديم الزمان ظاهره وهيبتنا باهرة وصولتنا قاهره لم نزل ~~نفترس الفوارس ونكرم أصناف الأضياف من الوحش والطير بالفرائس ويضرب بنا في ~~الشجاعة والكرم الأمثال ويفر من بين أيدينا أسود الأبطال ولا عار على من فر ~~من بيد يدي الريبال وقد اتصل بنا أن ملك الأفيال توجه إلينا بجنوده وهيأ في ~~ذلك أجناس عساكره وبنود وما علمنا لذلك موجبا ولا تقدمنا بعداوة تنشئ حربا ~~وحربا بل ولا تعرضنا لأحد في الذكر الجميل عنا فأنعموا برد الجواب وميزوا ~~من الصواب قبل أن يكشر الشر نابه ويفتح جرابه ويحرش للهرير كلابه ويسلخ ~~ليله اهابه ويكسر رائد الفتنة بابه فتتفاقم الأمور وتتعاظم الشرور وتتلاطم ~~بحارها وتمور عند التهاب شواظ الغيظ من الأسود والنمور مع أن اعتمادنا على ~~الله العظيم وتوكلنا على العزيز الرحيم # PageV01P381 # فلما بلغ الذئب الرسالة وأدى ما فيها من شجاعة وبسالة وبين لملك الأفيال ~~ما تضمنته ms217 من عظمة وجلال استشاط ملك الأفيال وتغيرت لاضطرابه الأحوال ونظر ~~من تلك الفيول إلى فيل ظلوم جهول وبدر إليه من غير تدبر ولا تأمل في الأمور ~~وتفكر وقال اذهب إلى هذا العتمد على كلامه الراقد في غفلة منامه وفل له متى ~~مارست معركة الشجعان أو صارعت رجال الميدان وأنى لك طاقة بمصادمة الجبال ~~ومن أين تعرف مقامة الأفيال فاستيقظ لنفسك فعن قريب تحل برمسبك واستعد ~~لجنود لا قبل لك بها فستشاهد ما لم تسمعه من ضربها في حربها فلقد أتاك عسكر ~~القضاء وبنوده وليحظمنكم سليمان الأفيال وجنوده فلير يقن ولسيتأسرن الحرائر ~~كالإماء وليدوسن الأطفال ولترين منه الإنكاد والأنكال وليظهرن آثار الدمار ~~والبوار بمالك من ممالك ومساكن وديار وليفعلن بولاياتك ما فعله بممالك ~~الإسلام التتار وأنت بين أمرين وبخير النظرين إما أن تطيع لأمرنا وتنقاه ~~وتسلم إلينا ما بيدك من بلاد وأما أن تختار طرق الفراق والفرار وتنجو منا ~~منجا الذباب وتتنحى عن طريقنا بما معك من كلاب وذئاب وقد بالغنا في النصيحة ~~بعبارات الصحيحة وأقوالنا الفصيحة قبل إفشاء الفضيحة فوصل الفيل الرسول ~~وأدى هذا القول فتشوش الأسد وداخله الغيظ والنكد فأراد الإيقاع بالرسول ~~الظلوم الجهول ثم تمالك وعن ذلك تمامك وقال لولا أن عادة الملوك ودرب ~~السياسة المسلوك أن لا تهاج الرسل ولا # تضيق عليهم السبل لقابلتك على كلامك الفج بما يجب من العج والثلج # PageV01P382 # ثم التفت إلى الثعلب وقال يا أبا الحصين ما عندك في جواب هذين النحسين ~~قال الثعلب أنت الأغلب هذا القيل أقوى دليل وأوضح سبيل على عدم عقل الفيل ~~وإن فكره وبيل وبصيرته قد عميت وطرق هدايته قد خفيت وأنه غوى وأضل قومه وما ~~هدى وكل من اعتمد على قواه وحوله واستحل غرور فعله وقلوه فقد وزال وزل وفي ~~عقد البلاء حال وحل وهذا الجاهل السخيف الكثيف الثقيل الجثة الخفيف قد ~~استحقرنا في عينه فيرى منا حلول حينه كل من استحقروا ستخف بعدوه فسيعدم ~~حلاوة هدوه وسيحرم مواصلة مرجوة وقد قالت الحكماء الأخيار العقلاء ذوو ~~الاعتبار ms218 وأولو التجارب والاستبصار لا تستحتقر السقم والنوم والدين والعدو ~~والنار فالملك أعز الله نصره وأعلى مناره وقدره وسلط على الأعداء قهره لا ~~يلتفت إلى هذا الكلام ولا يتزعزع لهذه الأوهام ولا يخف من جهامة الأفيال ~~فكل ما هم فيه باطل ومحال بل يعتمد على الله العزيز الجبار ويصفي نيته ~~بالعدل والخير مع الكبار والصغار ويقوي جنانه على الملاقاة وقد وافاه النصر ~~وأتاه ولاغاه السعد ولاقاه فان هؤلاء اعتدوا على ولايته وأتوها فسينزل الله ~~تعالى عليهم جنودا لم يروها فكم من مستضعف حقير صدر منه بالحيلة أمر خطير ~~وبحسن التدبير ومساعدة التقدير تم له أمر كبير وناهيك قصة الفارة مع رئيس ~~الحارة وما فعلته إذ ختلته إلى أن قتلته فسال حيدره عن تلك المأثرة (فقال) ~~بلغني النفيس أنه كان رئيس ضيق العطن خسيس له زوجة ذات صيانة ودين وأمانة ~~لم تزل تتجنب الخيانة وتتعاطى # PageV01P383 # العفة والرزانة وله دجاجة تبيضعلى الدوام فيسرق بيضتها أبو راشد وهم نيام ~~فإذا افتقد الرئيس بيضته طالب زوجته فتحلف إنها ما رأتها ولا تعرف يدا ~~أخذتها فيؤلمها سبا ويوجعها ضربا ولا يصدق قولها ولا يرحم عولها ففي بعض ~~الأحيان رأت المرأة الجرذان وهو يجر البيضة إلى حجره وقد بلغ بها باب وكره ~~فدعت بعلها لتريه الفار وفعلها فعلم براءة ساحتها وعمل على راحتها واعتذر ~~إليها وطلب الفارة وحنق عليها وأعمل المكيدة ونصب للفارة دون البيضة مصيدة ~~فلما رأت الفارة علمت أن وراءه الدرك فشعرت بما وضع عليه فلم تقدم إليه إلى ~~أن زار الجرذان أحد أقاربه من الفيران فلم يجد شيأ يضيفه فاعتذر إلى الضيف ~~بما هو مخيفة وأراه البيضة سعاد وأن دونها خرط القتاد وكان الضيف الغر لا ~~يعرف هرا بر فحمله السفه والحرص والشره على أن قال أنا أخوض هذه الأهوال ~~وأرد من الموت حوضه وأصل إلى هذه البيضة ثم قصد المصيدة فقبضت وريده وفجعت ~~وليده ووديده فتنكدت الفارة وتكدرت والتظت أحشاؤها وتسعرت وتألمت لموت ~~ضيفها وبلغ جيرانها حديث ضيفها فخجلت منهم واختفت عنهم وشاعت ms219 قضيتها وذاعت ~~بليتها فلم تجد لبرد النار سوى أخذ الثار فأخذت تفتكر في وجه الخلاص فرأت ~~أنها لا تخلص من عتب الجيران إلا بالقصاص فشرعت في تعاطي أخذ الثار من صاحب ~~الدار وكان لها صاحبة قديمة عقرب خبيثة # PageV01P384 # لئيمة معدن السموم في زبان إبرتها وطعم المنايا مودع في شوكتها فتوجهت ~~إليها وترامت عليها وقالت إنما تدخر الأصحاب للشدائد ولدفع الضرر والمكائد ~~وإنزال الداء بساحة الأعداء ولأخذ الثار والانتقام من المعتدين اللئام وقصت ~~عليها القصة وطلبت إزاحة هذه الغصة وأن تأخذ لها بضرباتها القصاص ليحصل لها ~~بين جيرانها من العتب الخلاص فأجابتها إلى ما سألت وأقبلت إلى وكر الفارة ~~بما اقتبلت وأخذا في أعمال الحيلة قادت أفكارهما الوبيلة إلى أن تخدعا صاحب ~~البيت بالذهاب وتلقياه بذلك في اللهب تم أمهلا إلى أن دخل الليل وشرعا في ~~إيصال الويل فأخرجت الفارة دينارا وألقته في صحن الدار ووضعت آخر عند حجر ~~الفار وأظهرت نصف دينار من ذلك الذهب وسترت النصف الآخر عند العقرب واستترت ~~العقرب بجناح السكون تحت ذيل الكمون وقد عبت في زبانها ريب المنون فلما ~~أصبح الصباح ونودي بالفلاح وجد صاحب الدار في وسطها الدينار فتفاءل بسعد ~~نهاره ولم يعلم أنه علامة دماره ففتح عينيه ونظر حواليه فرأى عند حجر الفار ~~أخا الدينار ففرح وطار ونشط واستطار وزاد في الطلب على بقية الذهب فرأى نصف ~~دينار داخل حجر الفار فمد يده إليه وأعمى القضاء عينيه عما قدره الله عليه ~~فضربته العقرب ضربه قضى منها نحبه فبرد مكانه ولاقى هوانه وأخذت الفارة ~~ثأرها وقضت من عدوها # أوطارها (وإنما أوردت) هذه القصة الأحبار ليعلم الملك أن حيلة صائب ~~الأفكار تفعل ما لا يفعله العسكر الحرار بالسيف البتار والرمح الخطار ~~وبقليل الحيلة # PageV01P385 # تتم الأمور الجليلة فلا يهتم الملك بجثث الأفيال ويشرع فيما هو بصدده من ~~دقيق الاحتيال وأنا أرجو من الله تعالى الظفر بعدونا وحصولنا على غاية ما ~~مولنا ونهاية مرجونا فأول ما نعاملهم بالوهم وإظهار الصوله والتخويف ~~والإرهاب بقوة الدولة فان الوهم قتال ms220 والعاقل المدبر يحتال وطائفة الفيول ~~عديمة العقول وبالوهم يبلغ الشخص مراده كما بلغ الحمار من الأسد ما أراده ~~فسأل ملك الآساد بيان حكاية أبي زياد (فقال) أبو الحصين أخبرني أبو الحسين ~~ذو المفاخر ناصر انه كان في بعض الإعصار والمعاصر حمار في مدار يستعملونه ~~بالليل والنهار إلى أن حصل له الكبر ورمى بالعبر وابتلى باطنا بالجوع ~~وظاهرا بالدبر وعجز عن العمل وانقطع منه الأمل فتركه أصحابه واعتقوه وفي ~~بعض المراعي أطلقوه فصار يمرح وفي تلك المروج يسرح إلى أن خرج إلى الصحرا ~~وانفرد في رياض الفلا فوصل إلى بعض الآجام وحصل له النشاط التام إلى أن صح ~~بدنه وسمن وبرأ دبره وأمن وأخذه البطر واستولى عليه الأشر واستخفه الطيش ~~وطيب العيش وصار في تلك المراعي يتردد ذهابا وإيابا كالساعي فيسدي ويلحم في ~~شقتها ويفصل مهما اختار من مزهرخرقتها وينهق على عادة الحمير فيملأ تلك ~~الأماكن من الشهيق والزفير وكان في تلك الآجام أسد متخبس يسمى الشبل بن ~~المتأنس كان أبوه ملك تلك الأماكن قد نشأ بها وهو فيها ساكن شاب غرير لم ~~يكن يعرف الحمير ولا طرق سمعه شهيق ولا زفير بل ولا خرج من تلك # PageV01P386 # الآجام ولا عرف تصرفات الأيام وكان أبوه قتل في الاصطياد وتفرقت عنه ~~العساكر والأجناد فنشأ وحيدا يتيما واسمر فيها مقيما فلما سمع صوت الحمار ~~أخذته الرعدة والاقشعرار واستولى عليه الهلع فقعد عن الاصطياد وانقطع وصار ~~كلما نهق هرب واختفى من الفرق وغلب عليه الدهش إلى أن كاد يموت من الجوع ~~والعطش وصار الحمار يتردد إلى عين كان الأسد يسكن منها سورة الظمأ فما اجتر ~~أبعد ذلك على الورود وأضر به الخوف والانقطاع والقعود فلما كاد العطش أن ~~يقتله توجه إلى العين محفوفا بالحيرة والوله فوجد الحمار واقفا عندها وأدرك ~~الحمار خوفه منه بالدها فتقدم إليه وصوب نحوه أذنيه وحملق عينيه فبدر من ~~الأسد صرخة ابتعها من بوله شخه وقال للحمار ايش أنت ولأي شيء ههنا سكنت ~~وجعل يرجف وفي قيد الخوف يرسف فعلم الحمار ms221 أن الأسد خار فقال بجنان جرى ~~وبيان قوى أنا في هذا المكان أفرق رزق الحيوان وقد أقمت أحوش أرزاق الوحوش ~~ثم أقسمها بينهم وأملأ جوفهم وعينهم فقال الأسد أني جيعان ولي مدة عطشان ~~فاعطني من الأكل رزقي وافرز لي من الماء حقي فقال بوجه مقطب ادن إلى الماء ~~واشرب فدنا وشرب وهو خائف مضطرب ثم قال أنا جائع فأطعمني وعجل ولا تحرمني ~~فلي مدة من الجوع لا قرار لي ولا هجوع فقال الحمار تعالى معي إلى موضعي ~~لتعرف مكاني وتقرر جرايتك في ديواني فذهبا في طريق حتى وصلا إلى نهر ماء ~~عميق فأراد العبور فقال الأسد الهصور هذا الماء عميق وكم فيه من # PageV01P387 # غريق فاحملني في الذهاب وأنا أحملك في الإياب فأجابه الحمار وحمله وخاض ~~به ونقله فانشب الأسد الأظافر في كاهل الحمار وثقل عليه فلم يتأثر ولم ~~يلتفت إليه فزاد وهمه من الحمار وقال هذا رأس الدعار ثم سارا ساعة أخرى ~~فرأيا في طريقهما نهرا فطلب الحمار الوثوب وقال هذه نوبتي في الركوب ثم طفر ~~على الأسد وثقل عليه الجسد وتمكن عليه وأرخى يديه ورجليه فتضرر من ثقله ~~وابتلى بشر عمله ثم تورك عليه وانشب في كاهله مسامير نعليه فماج ومار وقد ~~أثرت فيه حوافر الحمار فقال له أثبت وآلك فما حولك تحت وأحالك فقال يا أخي ~~حرت في أمري لقد أوجعتني وقصمت ظهري وكان يكفيني جوعي وقلتي وخضوعي وما ~~أدري هذا الضرر البلا من أين أقبلا فقل لي ما الذي انشبته في كاهلي ونزلت ~~به من حافرك في ساحلي فقال هذه مسامك لطلاب الجرايات والجوامك وهي أربعون ~~مسماك لا بد أن تثبت كلها في قفاك حتى يترصع لك اسم في الديوان وإلا فالرزق ~~لا يحصل بالهو ينابل بالهوان يا أخاه اتركني لوجه الله وارفق بي رفق وما ~~أريد منك رزقا ودعني بالأمانة ووفر الجراية على الخزانة ولا رأيتك ولا ~~أريتني ولا عرفتك ولا عرفتني فأني أتقوت من حشيش الأرض # وخشاشها واستعد لمعاد نفسي بالرفق في معاشها فنزل عنه ms222 الحمار وتركه وسار ~~فهرب منه بعد ما ودعه وولى يلتفت يمينا وشمالا لئلا يتبعه # PageV01P388 # وإنما صورت هذا النقش لتعلم يا ملك الوحش أن الوهم يصدر كالسهم وهو عند ~~براهمة الهند وحكماء السند أحد طرق العلم رقاك الله إلى سلم السلم والوهم ~~غالب على الأفيال بل سهم الوهم يقتل كثيرا من الرجال فنرجو من الله أن ~~يبلغنا مقصودنا وننال من طالع الجد والحظ مسعودنا وإن يرجع أعداؤنا بالخيبة ~~وفراغ العيبه وهذا المثل الذي ضربته والتقريب الذي قربته إنما هو مثل ~~العاجز الضعيف مع القوى العسوف لا العسيف وأما نحن بقوة الله وحوله ومساعدة ~~نصره وطوله فقوتنا قاهرة قائمة وصدمتنا بعون الله دعائمها داعمة لم يحصل ~~منا خوف ولا خور ولا فزع ولا جزع ولا جور ففينا بحمد الله قوة لمصادمتهم ~~وقدرة لمقاومتهم فامض لأمرك فكأني بك وقد رجعت فائزا بنصرك مجبورا بكسر ~~عدوك محبورا بيسرك ثم أنه اقتضى رأي أبي الضرغام إعادة الذئب إلى أبي مزاحم ~~برسالة مضمونها بصرك الله بعيوب نفسك وأراك عاقبةغدك في صبح أمسك وجعلك ممن ~~اتبع الهدى وامتنع عن موارد الردى أعلم أن علماء الهند وحكماء البراهمة ~~والسند امتازوا عن حكماء الأقاليم ووضعوا رقعة الشطرنج للتعليم وأن واضع ~~ذلك صور الرقعة بصورة الممالك وقسمها بالسوية جعل لكل قسم جنسا من الرعية ~~ووضع له نوعا من السير لا يتعداه وبين لكل منهم مكانا لا يتخطاه وأنا أخاف ~~أن تتعدى مكانا هو # PageV01P389 # مقامك وتقصد بيت الشاه ويفوت مرامك ويناديك فرزين العقل وأنت راحل في ~~النقل يا ذا الهوس ماذا بيت الفرس فتقع وأنت تصرخ في لعبك بالنفس مع الرخ ~~فلا يفيدك الندم وقد زلت بم القدم وخرجت في لعبة من رفعة الوجود إلى العدم ~~وترى تلاقي الموافاة فات ويقول خصمك وقد رأى كلاحة وجهك شاه مات فلا تعتمد ~~على جهامة جسدك وكف عن حقدك وحسدك ولا تقصد حرم كعبة غيرك بالفكر الوبيل ~~فيصيبك مثل ما أصاب أصحاب الفيل حين أرسل الله عليهم طيرا أبابيل ترميهم ~~بحجارة من سجيل وتصير ms223 بعد وقوع الملاحم وصدوع المقاحم أبا حرمان بعد أن كنت ~~أبا مزاحم فلما قرأ الفيل هذه المطالعة غطت حمية الجاهلية منه الباصرة ~~والسامعة فأراد يأمر بايطاء الرسول تحت أخفاف الفيول لكن راجع عقله وأحضر ~~وهله ورد الذيب بجواب مخيب وسهم غير مصيب وقال استعدوا للقتال ومصادمة ~~الأبطال ومقارعة الأفيال ثم أمر بالعساكر فتجهزت وبأمور الحرب فتنجزت وثار ~~بغضب أحمى منت جمر الغضا وسار بالعساكر الجرارة فملأ الفضا فبلغ الملك ~~المظفر أبا الحرث الغضنفر ما فعله الأكلب فاستشار الثعلب فقال أعلم أيها ~~الملك وقاك الله شر المنهمك أن الأفيال لا يعرفون إلا المصادمة والأندفاع ~~مرة واحدة في المخاصمة وليس لهم في الحرب حراب إلا الخرطوم والأنياب لا ~~يعرفون الكر والفر ولا يفرقون بين # PageV01P390 # النصب والجر ولكن بعض العساكر له في ذلك معارف ومناكر منها المواجهة ~~والمشافهة والمصارعة والمقارعة والمدافعة والممانعة والمخاتلة والمخادعة ~~والمناوشة والمهاوشه والمعانشة والمهارشه والمكافحة والملاطحه والمطارحة ~~والمرامحه والمراوسه والممارسة والمعاكسة والوثوب والمساورة والروغان ~~والمصادرة والاحتيال والكيد والاغتيال للصيد والربوض في الكمين والنهوض من ~~ذات المشال وذات اليمين وكل أرباب هذه الملاعب وأصحاب هذه المخارق والمذاهب ~~في عساكرنا موجودون ومن أبطالنا معدودون معدون فلا بد من ترتيب كل في مكانه ~~وإيقافه بين إضرابه وأقرانه وتعبيتهم ثم تخبيتهم وكان بالقرب من ميدان ~~النطاح وموضع جولان الكفاح وهو برية قفراء وأرض غبراء انهر مياه جاريه ~~وعليها جسور وقناطر عالية فاقتضى رأي الأسد والفكر الأسد أن يطلقوا ثغور ~~المياه على البرية ويتركوا فيها العساكر هم طرقا ودر وبامخفيه ثم أنهم ~~عبروا تلك المياه وصفوا العساكر للملاقاة فقدموا أمامهم الثعالب والكلاب ~~وكل سريع المجيء خفيف الذهاب وصفوا وراءهم الذئاب والنمور والفهود والببور ~~ووقف الأسد بين الأسود في قلب الجنود بعد أن عبى الأطلاب وعرف مقام كل من ~~القرانيص والأجلاب ثم إن الثعالب ونظراءها دخلت من الأفيال # PageV01P391 # وراءها وصارت تروغ بينها وتلاعب على عينها حينها وثتعلق بأذنابها وتتشبث ~~بعراقيبها وكعابها فزاد حنقهم وثار قلقهم وتقدموا واصطدموا وحطموا واضطرموا ~~وبنار الحرب اصطلموا # فناوشهم الببور البواسر ms224 وهاوشهم النمور الجواسر وهارشهم الأسود الكواسر ~~ثم ولوا أمامهم مدبرين وقصدوا الطرق المخفية عابرين فتصور الأفيال أن جيش ~~الأسد فر وجنده انحطم وانكسر وأن عسكرهم غلب وانتصر فحطموا يدا واحدة بهمة ~~متعاضدة ونهمة متعاقدة وصدمة متآكدة ففي الحال ارتدموا وفي الأوحال ارتطموا ~~وقطع دابر القوم الذين ظلموا ثم كرت عليهم الأسود والنمور والفهود وسائر ~~السباع والذئاب والضباع فوقعوا في تلك الفرائس وقوع الجياع على الهرائس ~~وعانقوهم معانقة الأحباب للعرائس وأكلوا وادخروا وحمدوا الله تعالى شكورا ~~ومن بعد ما ظلموا انتصروا واظهر العدل للحق مناره وظهر سر قوله عليه الصلاة ~~والسلام من آذى جاره ورثه الله داره والله لا يهدي القومالظالمين والحمد ~~لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خير خلقه وآله وصحبه أجمعين. # PageV01P392 ### | الباب الثامن # في حكم الأسد الزاهد وأمثال الجمل الشارد # PageV01P393 # (قال) الشيخ أبو المحاسن من هو لجرعة الفضل أحسن حاسن فلما وعى الملك ~~الجليل والقبل الفضيل ما جرى بين الأسد والفيل من القال والقيل وانجرار ذلك ~~الضرب الوبيل وعلم أن عاقبة الظلم وخيمة وخاتمة التعدي والطمع مشومة أمر ~~رؤساء المملكة وزعماء السلطنة بالكف عن الطمع وتجنب الجبن والهلع ومعاملة ~~الأهل والجار بحسن الخلق والحوار وانتشار ذلك بالإشهار في الولايات ~~والأقطار فالعاقل من اعتبر بغيره وكف كفه عن أذاه وضيره ونشر مهما استطاع ~~من موائد إحسانه وخيره وعدى عن التعدي والعدوان لا سيما إذا كان ذا قدرة ~~وإسكان وتحكم في الفقراء والضعفاء وسلطان فنهض الحكيم حسيب وقيل أرض ~~العبودية بشفاه التأديب وقال وبلغني أيها الملك المفضال مما يطابق هذه ~~الأحوال أنه كان في بعض الأزمان وأنزه الإسكان سلطان الحيوان أسد عظيم ~~الخلقة جسيم الشفقة جليل المكارم سليل الأكارم قد بلغ في الزهد الغاية وفي ~~الورع والعفة النهاية مع حسن الأوصاف والشمائل وكرم الأعطاف والفضائل قد ~~جمع بين الهيبة والشفقة والصدق والصدقة وسورة الملك وسيرة العدل وسيمة ~~الفضل وشمية الفضل هيبته ممزوجة بالرأفة وعاطفته مدموجة في الصوله قد عاهد ~~الرحمن بالكف عن أذى الحيوان وأن لا يريق دما ولا ms225 يتناول دسما ولا يرتكب ~~محرما يتقوت بنبات القفار ويقوم الليل ويصوم النهار يرعى في دولته الذئب مع ~~الغنم وينام في كنف ضمانه وكفالة مأمنة الثعلب والأرنب بعد الحرب والحرب في ~~ظل الضال والسلم كما قيل: # ولي البرية عدله فتمازجت ... أضدادها من كثرة الإيناس # تحنو على ابن الماء أم الصقر بل ... يحمي أخو القصباء أخت كناس # PageV01P395 # وفي جواره دوحة كثيرة الثمار غزيرة الأنهار نضيرة الأزهار رائقة الماء ~~والكلا فائقة النشور والنما شائقة النشر والهوى رياحينها طريه ومروجها بهية ~~ومقاصفها شهية فكان الأسد ذو الزهاده إذا أطال اجتهاده وأراد أن يربح نفسه ~~من مشاق العبادة يتوجه إلى ذلك الروض الأريض والمرج البهي الغريض والمرعى ~~الطويل العريض فيتنزه في نواحيه ويسرح سوائم طرفه فيه ويشغل صادح لسانه ~~بتسبيح خالقه ومنشيه فبينما هو في بعض الأوقات يتمشى في تلك الخضراوات صادف ~~دبا عظيم الجسم مليح الوسم فقبل الأرض بين يديه وذكر أنه أقبل لينتمي إليه ~~وأنه قد سمع بأوصاف عدله ومكارم شميه وفضله فقصده ليتشبث بأذياله وينتظم في ~~سلك خيله ورجاله ويزجى في خدمته باقي عمره ممتثلا بارز مرسومه ونافذ أمره ~~فتلقاه بالقبول والإقبال وشمله بالفضل والافضال وقال له طب نفسا وقر عينا ~~لقيت زينا ووقيت شيئا فانتظم في سلك خدمه وانغمر في بحر كرمه واشترط عليه ~~أن يحتمي عن لحوم الحيوان ولا يتعرض لإيذاء طائر ولا إنسان فامتثل ذلك ~~بالسمع والطاعة وسار على سنن السنة والجماعة ثم بعد مدة يسيرة قصد الأسد ~~مسيرة وخرج يسير على باكر وحوله طائفة من العساكر فلقى جملا ضل الطريق وتاه ~~عن الصاحب والصديق ونسيه الجمال وتركه الرفيق فبادر إليه جماعة الأسد وهموا ~~بتبضيعه بالناب واليد فانهم كانوا الشدة القرم ألهبت أحشاؤهم بالضرم ~~فناداهم الأسد ويلكم كفوا وعن التعرض إلى إيذائه عفوا لئلا لئلا يصيبه من ~~الكيد ما أصاب صاحب كسرى ذي الأيد من كسرى لما خرج صباحا إلى الصيد فقبل ~~الجماعة الرغام وسألوا الإمام عن بيان ذلك الكلام # PageV01P396 # (فقال) ذكر أن كسرى أراد يوما الاصطياد فركب في ms226 جماعته وأهل طاعته وسار ~~على الصباح وهو في نشاط ومراح وابنساط وانشراح فصادف رجلا كريه المنظر مشوه ~~الخلقة أعور فتشاءم بطلعته وتعوذ من رؤيته وتطير من صياحه وتكدرت صفو ~~انشراحه ثمن أمر به فضرب ولولا تداركته الشفاعة لصلب ثم تركه وسار نحو صيد ~~القفار فحاش الصيد واقتنصه من عسكره عمرو وزيد ورجع مسرورا فرحا محبورا ~~وأدركه المساء فصادفذلك الرجل ملتفا بكساء وكان ذا لب صحيح وعقل رجيح ولسان ~~فصيح فأبدى كسرا ونادى كسرى واستوقفه بعدما استلطفه وقال أيها العادل ~~والمالك الفاضل أسألك بالله الذي ملكك رقاب الأمم وحكمك في طوائف العرب ~~والعجم أنعم على برد الجواب وبين لي الخطأ من الصواب فانك عادل حكيم فاضل ~~كريم فوقف بعسكره واستنصت لخبره وقال هات مقالك وقل ما بدا لك فقال يا ملك ~~ذا الأيد كيف كانت أحوالك اليوم في الصيد فقال على أتم ما نريد لقد حصله ~~السادات والعبيد فقال هل حصل في أمور السلطنة وهن أو خلل أو في الخزائن ~~المعمورة نقص وقلل قال لا بل أحوال السلطنة مستقيمة وديم الخزائن دارة ~~مقيمة قال فهل ورد اليوم من الأطراف خبر يؤذن بتشويش واختلاف قال لا بل ~~الجوانب مطمئنة والثغور من الأعداء والمخالف مستكنة قال فهل أصاب أحدا من ~~الخدم والأصحاب والخول والحشم مصاب قال بل كلهم بخير آمنون من الضرر والضير ~~قال فلم ضربتني وأهنتني وعلام كسرتني وطردتني قال لأن التصبح بك مشوم وهذا ~~أمر مشهور معلوم قال سألتك بالله الذي تتقلب في مواهبه أينا كان أشأم على ~~صاحبه أنا تصبحت بم وأنت تصبحت بي فأنت أصبت الذي # PageV01P397 # ذكرت وقد علمت ما حل بي ومع هذا فإنما عبت وعتبت على الصانع وذهلت عما ~~أودعه في من أسرار وبدائع فانه لا اختيار لي فيما فطرني عليه ولا مدافع ولا ~~حيله فيما قدره علي ولا ممانع واسمع ما قلت بعدما وصلت في إهانتي وجلت: # لقد كان قصدي أن أسود على الورى ... بقد وطرف كامل الخلق بارع # ووجه يفوق البدر والشمس بهجة ... فعاكسني تقدير ms227 ربي وصانعي # ثم خطر بالبال هذا المقال قلت: # وددت لو أني أحسن الخلق صورة ... وأكمل من بدر السما وهو طالع # فأبدعني نقش المصور هكذا ... ولا صنع لي فيما بي الله صانع # فتنبه كسرى لكلامه وأمر بإعزازه وأكرمه وتدارك ما فرط منه بإحسانه ~~وإنعامه (وإنما أوردت) هذا المثل لئلا يكون هذا الجمل مثل ذلك الرجل لأنه ~~قد تصبح بي فلا أبدأ مكروها بسببي بل يرى الخير ويكفي أذى الغير وكذلك كل ~~من هو عندي ومنسوب إلى من خولي وجندي ثم عاد ذلك البعير وسأله عن جليل أمره ~~والحقير فأخبره أنه تاه عن أصحابه وأنه من بعد يتعلق بغرز ركابه ويلازم ~~خدمة بابه كأصحابه فاكرم مثواه وأحسن متبوأه ومأواه إلى أن صار من أكبر ~~الخدم وذا خول وحشم ورأس الندماء ورئيس الجلساء وأمن النكد والبوس وسمن حتى ~~صار كالعروس فحسده الدب لعدم اللب وعزم بمكره على إلقائه في الجب واشتد ~~بذلك البرم إلى أكل لحم الجمل القرم فأخذ # PageV01P398 # يضرب في ذلك أخماسا لأسداس وأحتوشه في قضيته لسوء طويته القلق والوسواس ~~فلم ير أوفق من إفساد صورته وأظهار سوء سريرته فيهلكه ويكيده ويفتنه ويبيده ~~فيصل منه إلى ما يريده ويثمر بمكره الحسد ويصلح من شرهة ما فسد ويروج منه ~~ما كسد فأدى فكره إلى أن يغري به الأسد فاختلى بالجمل وأبتدأ بالعمل وقال ~~له لي معك كلام على كتمه منك ألام ولكنك لست موضعا للسر لأنك لا تعرف هرامن ~~بر وأنت ساذج ساكن سليم الفكر والباطن وقد قيل الحماقة في الطويل ولولا ~~وفور شفقتي وحنوي عليك ومودتي ما فهمت لك بكلمة ولتركتك من التيه في ظلمه ~~وقالت الحكماء ذو المعارف لا تفش سرك إلى طوائف منها سليم الفطرة ومنها مد ~~من الخمرة ومنها الكثير الكلام ومنها المرأة والغلام فأنهم ليسوا محل ~~الأسرار وأنهم يغشونها بلا اختيار وقد قيل كم إنسان أهلكه اللسان وكم حرف ~~أدى إلى حتف قال الجمل وقد أثر فيه مكره ودخل يا أخي أتحقق شفقتك وصدقك ~~وصداقتك وأعرف محبتك ونصحك ms228 ومودتك وأنت لا تحتاج في تجربتي إلى دليل في ~~صحبتك زمان كقدى طويل وأنا أوكد قولي بالإيمان وأعقد على ما تلقيه إلى ~~الجنان ولا أتفوه به لجماد ولا حيوان والشخص إذا لم يعرف منه ما يراد فلا ~~فرق بينه وبين الجماد واذكر ما قلت لك في درب ابن تلك: ومن كان ذا عين ولا ~~يبصر الذي أمامه فهذا والضرير سواء # وذو الجهل خير من عقول علومه ... سراج ولكن ليس فيه ضياء # ثم أنشأ ايمانا غلاظا أنه يبالغ فيما يسمع منه احتفاظا ولا يبدي منه # PageV01P399 # لا ما ولا فاء ولا ظا فلما وقف الدب على جوابه وربطه بزمام تدبيره اختلى ~~به وقال تعلم أيها الصديق المبين أن ملكنا في غاية العفة والدين وأعلى ~~درجات العباد والزاهدين قد فطم نفسه عن الطعوم خصوصا عن الدماء واللحوم ~~ولكنه في ذلك كله غير معصوم فانه قد تربى بلحم الحيوان وتغذى بافتراس ~~الأقران وتعد رضع الدماء وقطعت سرته على هذا الغذاء وتزهده إنما هو تكلف ~~وتعسف وتصلف وتعففه مكابرة وتورعه مصابره ولا بد للنفس أن تفعل خاصيتها ~~وتجذب شهواتها إليها ناصيتها وتطمح إلى مأزرها وتجمح إلى مركزها وقال الله ~~تعالى فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله وإذا كان ذلك ~~كذلك فاحتفظ لنفسك واحفظ نصيحتي وأمسك وتفكر أحوال غدك في أمسك فانك في ~~صحبة الأسد على خطر عظيم وخطب جسيم فلا تغفل عما قلت لك ولا تظن أنه لن ~~يقتلك فداخل الجمل من هذا الكلام الخور ولم يبق له طاقة ولا مصطبر ثم ثبته ~~التوفيق وتخلل في هذا الأمر الجليل فكرة الدقيق واستحضر رأيه في أمره وأجال ~~قداح فكره وقال للدب المشوم يا أخي فأي ضرورة دعت الأسد الغشوم حتى تعفف عن ~~أكل اللحوم قال أنا لا اشك في دينه ولا أرتاب في حسن يقينه ولكن ربما تعود ~~المياه إلى مجاريها وتعطي القوس باريها وتتحرك النفس الأبية والشهوة التي ~~طالما ألقت صاحبها في بلية لأن الإنسان بل سائر الحيوان على ما يقتضيه ms229 ~~الكون والمكان دائرة مع اختلاف أخلاق الزمان فان الزمان كالوعاء والشخص فيه ~~كالماء فيعطيه من إخلافه ما يقتضيه من كدره وصفائه ولهذا قيل لون الماء لون ~~إنائه وقد قيل الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم وناهيك يا ذا الكرامات # PageV01P400 # ما قيل في المقامات: # ولما تعامى الدهر وهو أبو الورى ... عن الرشد في أنحائه ومقاصده # تعاميت حتى قيل أني أخو عمي ... ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده # والأسد في هذا الأوان ماش على ما يقتضيه الزمان وإن الزمان يتحول وسير ~~جمع الأسد إلى خلقه الأول أما بلغك يا ذا الفطنة الحية قصة الحائك مع الحية ~~قال لا ورب البرية فأخبرني عن كيفية تلك القضية قال الدب الأفك ذكران حائكا ~~من الحياك كانت له زوجة تخجل شمس الأفلاك صورتها مليحة وسيرتها قبيحة فشم ~~زوجها روائح ما هي عليه من القبائح وخاف أن يؤدي إلى الفضيحة فطلب تحقيق ~~ذلك ليوصلها إلى المهالك فقال لها أريد ضيعه لأجل بيعه فأغيب أياما يسيره ~~لفائدة كثيرة فارصدي بابك وأسدلي حجابك واحفظي من الشر جنابك فقالت بيت أنت ~~رئيسه ومثلي قعيدته وعروسه أنى يحوم حوله فساد فأدرك سوقك قبل الكساد وجزته ~~أسرع جهاز كالمتوجه إلى الحجاز فسافر من غير مريه ثمن رجع إلى البيت في ~~خفية واختبأ تحت السرير لينظر ما يجري فبادرت إلى النار ونفخت وأسرعت إلى ~~الطعام وطبخت وخرجت تدو مرامها وقد هيأت طعامها فخرج زوجها من المخبأ وأتى ~~على الطعام المهيأ ورجع إلى مكانه ونام بعد أكله الطعام فجاءت المرأة ~~بحريفها وقصدت الطعام لمضيفها فصادفت يدها الحصير فعرفت أن البلاء تحت ~~السرير فأخذت تطلب المخلص من ذلك المنقص واتفق أن الملك رأى مناما هاله ~~ولكن نسي هيئته وحاله فقصد من يخبره برؤياه ويعبر هاله فنادى في الورى يطلب ~~لمنامه مخبرا ومعبرا وبينما تلك الفاجرة على حيلة الخلاص دائرة وفي بحر ~~الأفكار حائرة سمعت المنادي ينادي في كل نادي من يدل الملك الهمام على معبر ~~المنام فله # PageV01P401 # مزيد الإكرام والإنعام العام فسارعت المرأة إلى باب ms230 الأمير وقالت قد سقطت ~~على الخبير أن لي زوجا حكيما بتعبير المنامات عليما لكنه يتعزز وعن تعبيرها ~~يتحرز فلا يفوه بالتعبير إلا بعد ضرب كثير وأنه ليس له في ذلك نظير فأرسل ~~وراءه وأكرم لقاءه ثم قال له بعد إكرام أوصله ووعده بأنعام وصله رأيت مناما ~~راعني وفي الحيرةوالفكر أضاعني فدع عنك الاحتشام وأخبرني عن ذلك المنام ثم ~~عبره لي فقد أخبرت أنك حبيب لله ولي فقال يا مولانا الملك أنا في الجهل ~~منهمك حائك فقير ليس لي من العلم نقير ولقد كذب علي من نسب العلم إلي ~~والعين تعرف العين أنا من أين وتعبير الرؤيا من أين فما صدقه ولا في كلام ~~استوثقه وصدق قول المرأة فيه بإيصاله ما ينكيه ثم طلب المقارع وشدوا منه ~~الأكارع وضربوه ضربا أعسفه إلى أن كاد أن يتلفه فنادى الأمان الأمان أمهلني ~~ثلاثة أيام من الزمان فتركوه وأمهلوه وقيده أطلقوه فصاروا بدور في الخرائب ~~ويتضرع تضرع النائب ففي ثالث الأيام وقد أيقن بحلول الحمام دخل إلى مكان ~~خراب وأخذ في البكاء والانتحاب فنادته حية من الشقوق مالك تنتحب يا ذا ~~العقوق فأخبرها بحاله وما جرى عليه من نكاله فقالت ماذا تجعل لي من الأنعام ~~إذا أخبرتك بما رآه الملك في المنام ثم فضضت عن تعبيره مسك الختام قال أكون ~~لك عبدا وصيفا وأعطيك مما أعطى نصيفا قالت إن الملك رأى في منامه أن الجو ~~يمطر من غمامه أسود ونمور وفهودا وببور وأن السماء في ذلك تمور وتعبير هذا ~~المنام والله أعلم أنه يظهر في هذا العام للملك أعداء كواسر وحساد جواسر ~~يقصدون هلكه ويريدون ملكه وسيطفئ نار كيدهم بمياه سيوفه ويسقيهم من رحيق ~~فتوحه كاسات حتوفه فكشفت غمته # PageV01P402 # ثم أصلح لباسه وعمته وقصد باب الملك ونادى غير مرتبك وذكر المنام وعبره ~~ووعد السلطان بالنصر وبشره فتذكر المنام وحققه واعتمد عليه وصدقه وأمر له ~~بألف دينار وصار له عند الملك بذلك الاعتبار فأخذ الذهب مجبورا وانقلب إلى ~~أهله مسرورا ثم افتكر ما اشترطه مع ms231 الحية فأبت عن الوفاء نفسه الشقية وخاف ~~أن تطالبه بحصتها أو تفضحه بقصتها فلم ير أوفق من قتلها وسد ذريعة سلبها ~~فأخذ عصا ورام بذلك مخلصا وقصد مأواها ووق فناداها فخرجت مسرعة إليه وأقبلت ~~بالوداد عليه فرأت العصا بيمينه فعلمت أنه ناكث بيمينه فولت هاربة فضربها ~~ضربة خائبة لكنه جرحها وعمد إلى نفسه ففضحها وتركها وذهب فائزا بالذهب ~~فاتفق أن في العام الثان رأى السلطان مناما أقلقه وعن نومه أرقه ومن شدة ~~أهواله محاه الوهم عن لوح خياله فدعا المعبر المعهود إليه وقص حاله عليه ~~وطلب منه صورة المنام وما يترتب عليه من كلام فاستمهله الأيام المعدودات ~~وقصد رئيسة الحيات وناداها عجلا ووقف في مقام الاعتذار خجلا فقالت أي غدر ~~كيف استحليت ما مضى من فعلك ومر بأي وجه تقابلني # وتخاطب وقد قصدت عطبي بعد ما خلصتك من المعاطب وقابلت إحساني بالسوء ولكن ~~غدرك بك يبوء فقال عفا الله عما سلف والصداقة بيننا من اليوم تؤتنف ثم أنشأ ~~أيمانا أنه يبدل الإساءة إحسانا وأنه لا يخون ولا يمين فيما يقع عليه العهد ~~واليمين بل يعود إلى العهود ومهما وقع عليه الاتفاق لا يمازجه خلف ولا نفاق ~~فقلت أريد جميع الجائزة لأكون بها فائزة ولها حائزة فأجابها إلى ما سألت ~~وعاهدها على ذلك فقبلت وقالت رأي الإمام في هذا المنام أن السماء تمطر قردة ~~وفيرانا # PageV01P403 # وثعالب وجرذانا وتعبير هذه الرؤيا وكلمة الله هي العليا في هذا العام ~~والشهور والأيام يكثر اللصوص والعيارون والمكرة والطرارون ويظهر في العساكر ~~كل حسود ماكر وشيطان داعر ولكن صولة الملك تمحقهم وصواعق سيوفه تصعقهم ~~فأسرع إلى السلطان وخبره بما رآه في منامه وعبره فقال بالحق أتيت هذا الذي ~~كنت رأيت ثم أمر له بجائزة سنية وخلعة بهية فصار في عيشة مرضة وحياة هنية ~~وسلك طريقته الدنية فلم يلتفت إلى عهوده القوية ونبذ عهد الحية الحبية وقال ~~يكفيها مني كفي عنها فلا تطالب مني ولا أطلب منها ثم أن السلطان رأى في ~~المنام في ثالث الأعوام مناما ms232 آخر ونسيه فأرسل إلى المعبرة فغشيه من يم ~~الهم ما غشيه وسأله عما رآه وطلب منها تعبير رؤياه فطلب كما كان وأحاط به ~~موج الهم من كل مكان ولم ير بدا من معاودة الحية فأتاها وبه من الحياء كية ~~وناداها بصوت خاشع ووقف في مقام الذليل الخاضع فخرجت فرأته وزأرته وقالت يا ~~خائن يا كذاب يا ناقص العهد يا مرتاب يا قليل الحياء يا كثير البذاء يا ~~صفيق الوجه يا حقيق النجه ترى بأي لسان تخاطبنيوبأي وجه تقابلني وقد ختلت ~~وفتلت وفعلت فعلتك التي فعلت فقال لم يبق للاعتذار مجال ولا للاستقالة مقال ~~وما ثم طريق إلا معاملتك بالأفضل فأن أفضلت أتممت الإحسان وإن رددت فعذرك ~~واضح البيان # PageV01P404 # وهذه المرة الثالثة لا تكون يمينها حانثة ولا عهودها ناكثة وأشهد الله ~~وكفى به شهيدا أني بعد لا أنقض لك عهودا ولا أجل مما بيننا عقودا لا أخبرك ~~بشيء أن لا تعهد إلى أن تعطيني جميع ما تعطي وتكف هما وقع منك من الخطأ ~~فسمع مقالها وأجاب سؤالها فقالت رأى الملك في منامه كان الجو أمطر من غمامه ~~ما ملأ الفضاء من خرافه وأغنامه وتعبير هذا المنام أنه يكون في هذا العام ~~من الخيرات والأنعام ما يشمل الخاص والعام فتطيب الأوداء وتصالح الأعداء ~~وتطيع العصاه وتذعن البغاة ويوافق المخالف ويكثر المحب والموالف فاحفظ ما ~~قلت لك فقد حللت مشكلك فتوجه بصدر منشرح وخاطر مطمئن فرح وقص المنام وعبر ~~ما فيه من الأحلام فطار الملك بالفرح وتم سروره وانشرح وأمر بالجوائز فصبت ~~عليه وبالأموال فانهالت إليه فنعم بتلك العطبه والخلع السنية وقصد وكر ~~الحية ثم وقف وناداها وقدم إليها كل ذلك وأعطاها وشكر لها إحسانها وتحمل ~~جيلها وامتناعها فقالت له الحية أعلم يا أبلم أنه لا عتب عليك ولا ملام ~~فيما جنيته أولا من الآثام ولا ما ارتكبته من العداوة والمين في العاملين ~~الأولين ولا فضل لك في هذه السنة على ما فعلته من الحسنه فان ذينك العامين ~~كانا مشتملين على قران النحسين ms233 فكان مقتضى حالهما فساد الزمان والعداوة بين ~~الأصدقاء والأخوان ووقوع البغضاء والشرور والحنث والخلف وقول الزور فجريت ~~على مقتضاهما حسب مرتضاها والناس في طباعهم وأيامهم أشبه بزمانهم منهم ~~بآبائهم # PageV01P405 # وهذا الأوان قد انصلح الزمان واستقام الطالع وزال الحسد والتقاطع واقتضى ~~الزمان الصلح والصلاح والموافقة والفلاح فمشيت على موجبة وتشبثت بذيل مذهبه ~~فخذ مالك وانصرف بارك الله لك فيه فلا حاجة لي به ولا يد لي لتقلبه (وإنما) ~~أوردت هذا المثل أيها الجمل لتعلم أن الزمان لتقلبه في الدوران يوقع بين ~~الأصحاب والأخوان ويباين بين الأصدقاء والخلان والأسد المجتهد وإن كان قد ~~زهد وترك من أخلاقه ما عهد فيمكن عوده إلى حاله الأولى فالاحتراز منه في كل ~~حال أولى وها أنا قد أخبرتك ومن سوء العاقبة حذرتك وعلى ما وصل إليه فكري ~~أطلعتك وفرط محبتي وشفقتي عليك اقتضى إفشاء السر إليك ومن أنذر فقد أعذر ~~ومن بصر فما قصر قال الجمل يا أخي فنترك هذا المقام ونروح ونخدم من في ~~خدمته نستريح قال الدب الجاحد إذا كان هذا العابد الزاهد الراكع الساجد ~~الذي قد تعفف عن أكل اللحوم وليس له دأب إلا إغاثة المظلوم قد عف عن # الدماء وقنع بأكل الحشيش وشرب الماء لا تؤمن غائلته ولا تعتمد خاتلته ~~فإلى اين نتحول وعلى من يكون المعول وأنى نذهب وفيمن نرغب قال الجمل فكيف ~~يكون العمل فلقد ضاقت بنا الحيل وتقطعت بنا السبل لا طريق للمفر ولا قرار ~~للمستقر فأفكر الدب طويلا ثم رأى رأيا وبيلا وقال أرى الرأي السديد والفكر ~~المفيد أن نبادر الأسد قبل وقوع النكد فنقصده بما يقصده ولا نوصله إلى ما ~~يعتمده فالعاقل يفتكر في عواقب الأمور ويقيس بفكره # PageV01P406 # السرور والشرور ويستعمل الحزم وإذا قصد أمرا يصمم العزم وناهيك قضية ~~الثعبان مع ذلك الإنسان قال الجمل أخبرني عن تلك القضية ومن ذلك الإنسان ~~وما تلك الحية (قال) أبو حميد الخبيث بلغني من رواة الحديث أن شخصا من ~~الصيادين كان مغرما بصيد الثعابين يتسبب بصيدها ولا يبالي بكيدها فبينما ms234 هو ~~يسعى إذ صادف أفعى شرها ناجز كما قال الراجز: # أرقش ظمآن متى غص لفظ ... أمر من صبر ومقر وحظظ # وقد أثر فيه الحر بالحرق وهو نائم في مكان منطبق فاستبشر الحواء برؤيته ~~وقبضه من عقصته فلم يفق الثعبان من رقدته إلا وهو من الحاوي في قبضته ~~فتماوت وامتد وارتخى فأسبل بعد ما كان اشتد فظن الصياد أنه مات وإن مراده ~~منه فات فتحرق لذلك وتألم عليه وتضرم وحرق عليه الأرم ورماهمن يده ثم دار ~~في خلده أن في بطنه خرزة بهية مشرقة مضيه فاخرج الشفرة وقصده ومد لتبضيعه ~~يده فلما تحقق الأرقم ما عزم عليه وصمم خدعه وختله وضربه فقتله (وإنما ~~ذكرت) يا أبا أيوب هذا المثل المضروب لتتحقق أن المبادرة إلى اهلاك العدو ~~أقر للعين وأجلب للهدو ومن فوت الفرصة وقع في غصة وأي غصة وهذا الأسد غفلنا ~~عن أنفسنا أبادها وقصد دمارها وفسادها ولا يفيدنا إذ ذاك الندم بعد ما زلت ~~القدم وتحكم في وجودنا من مخالبه العدم # PageV01P407 # فقال الجمل أعلم أيها الرفيق الصديق الشفيق إن هذا الملك آوانا وأكرم ~~مثوانا ولم نشاهد منه سوأ ولا من ظلمة باطنة أنسناضوأ ولو قصد أذانا ما وجد ~~دافعا ولا ممانعا وقد علمنا أنه ترك الأذى وكف عن الشر والبذا تعففا لا ~~تخونا وتكرما لا تكلفا واختيار الاضطرار وجبر الكسر نالا إجبارا وأما أنا ~~على الخصوص فلم أر منه إلا الجميل والفضل الجزيل والإحسان العريض الطويل ~~فلأي شيء أشرع في أذى نفسي وأكدر في حدسي ولم يظهر لي منه أماره لا بمقتضى ~~ولا بدلالة ولا بإشارة فضلا عن سباق أو سياق بعبارة وأنا لو مت كمدا ما ~~قصدته بأذى ولا رديته برداء ردى والصوفي ابن الوقت لا يتقيد بنكد ولا مقت ~~فان قصدني بعد ذلك بشر أو تعرض لي بهلاك وضر لا يسعني معه إلا التفويض ~~والتسليم والتوكل على العزيز العليم مع أني لا أقدر على مقاومته ولا قوة لي ~~في دفع مصادمته ولا طاقة لكسر أنيابه ومخاليبه ولا خلاص ms235 من إشراك أساليبه ~~غير أني وإن كنت منسوبا إلى التغفل لا أدع من يدي ذيل التوكل فبالتفويض ~~يحصل النجاح وبالتوكل يظفر بالفلاح كما جرى لذلك الفلاح مع الذئب والشجاع ~~حال التوكل على الله تعالى والانقطاع فسأل أبو سلمه إيضاح هذه الكلمة (قال) ~~أبو صابر بلغني من أحد الأكابر أن شخصا فلاحا توجه إلى ضرورة صباحا من غير ~~رقيق ولا حامل سلاحا فبينما هو في البيداء سائر صادفه ذئب داعر خاتل خاتر ~~فقصده ليكسره ففر وصعد إلى شجره فترصد نزوله وانتظره تحتها ليغوله فانعصر ~~وعن ضرورته انحصر وبينما هو في تلك البلية وقعت عينه على حية رديه ذات قرون ~~صاعدة وهي على بعض الفروع راقدة فازداد همه وأحاط به لوهمه غمه فاستمر بين ~~بليتين وانحصر في ديوان داهيتين دهيتين فلم يرأ وفق من التوكل # PageV01P408 # على الله والإعراض عما سواه فاعتمد متوكلا عليه وفوض أموره إليه وبينما ~~هو في تلك الشدة وقد بلغ ضره حده وإذا برجل مقبل من الفلا وعلى عاتقه عصا ~~فقصده الذيب من قريب فلما رأى السلاح فروله كلاح فنزل الفلاح من الشجرة ~~وأزال الله تعالى همه وضرره (وإنما أوردت) هذا المثل لتعلم أن الله نعم ~~المتكل فأخرج هذا الوسواس من القلب والراس ولا تبك سلفا ولا تعجل تلفا ولا ~~تخلع الحذاء يا ذا الرياضة قبل أن تصل إلى المخاضة ولا تهتم لأمر ما وقع ~~فإن ذلك من شر البدع فإن قصدنا بسوء فالله يكافيه ويكفينا بحوله وقوته فيه ~~قال الدب ذو الضرر هذا رأي القاصر في النظر العاجز في الفكر فأما ذو الفكر ~~الثاقب فلا يغفل عن العواقب فكل من قصر عن العواقب نظره ولم يسدد في الأمور ~~فكره فهو كمن تعلقت النار بأهدابه والتهبت لإحراق ثيابه وهو مشغول عن ~~إطفائها متساهل في كشف أنبائها فلم يفق إلا وقد نشبت وأعضاؤه بالنار التهبت ~~فما تفيده الإفاقة وقد صار حراقة قال الجمل يا أخي أفق من محالك وعالج فساد ~~تصورك وخيالك وانظر قوة جلدك وكيفية حالك أنا لحمي من ms236 صداقات الأسد وحبه في ~~دمي وعظمي ثبت كيف أجحد نعمه أو أريق دمه وأنا غرس صدقاته وبنيان نفقاته ~~ورفيق حضرته وعتيق منته مع إني لو نبذت عهده فقطعت ما قطعت وعزمت على ~~مناوشته ما استطعت أما وعيت في معاني ما رويت: # هي العنقاء تكبر أن تصادا ... فعاند من تطيق له عنادا # تريد صيد العقاب بفرخ الغراب أن تقتنص الذئاب بجرو الكلاب وتبغي بالقرود ~~كسر الفهود أم بالسنانير تصيد الأسود ولا والله # PageV01P409 # لا أقصده بأذى ولا يطاوعني قلبي على ذلك أبدا ولو فعلت ذلك لسعيت في ~~دماري وخراب دياري وجدعت أنفي بكفي وبحثت عن حتفي بظلفي وجززت بيدي رأسي ~~وقطعتقدمي بفأسي وقلعت بإصبعي مقلتي واستحفظت ملك الموت مهجتي ولصرت من ~~أكبر المعتدين وأفسدت ديني ودنياي والله لا يحب المفسدين قاطعوني هذا ~~الكلام وارجع عن مفاوضتي بسلام ولا تشكك به جنانك ولا تحرك به لسانك وكان ~~بالقرب منهما وكر فارة وقد سمعت ما جرى بينهما من عبارة ووعت كلامهما وما ~~دار بينهما من كل منهما فلما رأى الدب المريد أن كلامه للجمل لا يفيد أمسك ~~واحتشم وأخذه في ذلك الندم ولكن حال من الجمل الحال وأثر فيه هذا المقال ~~واستولى عليه من الأوجال ما أداه إلى الهزل وصيره من الانتحال كالخلال وذهب ~~ما كان عليه من النشاط وداخله الهم والاختباط وصار كل يوم في انحطاط ولم ~~يزل بين نضو ورزاح ورازم ونازح فتعجب الأسد من حاله ولم يقف على سبب هزاله ~~وكان عند السد غراب مقدم على الأصحاب هو وزيره ومعتمده وصاحب أخباره وعضده ~~فعرض عليه حال الجمل وما شاهده منه من وجل وقال أنا عففت عن أكل اللحوم ~~ورضيت من العيش بأدنى الطعوم وهذا أمر قد عرف واستقر فما بال هذا الجمل لا ~~يأخذه مقر فأريد أن تعرف حاله وتخبرني صدقه ومحاله # PageV01P410 # فتوجه الغراب إلى منزل الجمل وقد اخلص في القول والعمل وسأله عن حاله ~~وموجب هزاله وانتحاله وما سبب هذا الرزوح والرزوم المؤدي إلى النزوح فما ~~أحار جوابا ولا ذكر ms237 خطأ ولا صوابا فصار الغراب يرتقبه وحيثما توجه يعتقبه ~~ففي بعض الأيام كان الغراب على بعض الآكام رأى الجمل قد أقبل إلى الماء ~~ليطفئ بشربه سورة الظمأ فتخفى الغراب واقتفى ظهره إلى أن قاربه وكمن خلف ~~صخرة فسمعه يقول بعد ما شرب وقد رأى السميكات في اللعب لك الحمد يا رب ما ~~أرحمك وطوبى لكن يا سمك لا من رئيسكن تخفن ولا من هيبته ترجفن لا ملك ~~يهولكن ولا سلطان يغولكن ولكن البكاء على الجمل الذي ضاقت به الحيل قد وقع ~~في دردور البلاء ولا يهتدي إلى طريق النجاء بل ولا يدري عاقبة أمره المهول ~~ماذا تؤول إلى الغرق والندامة أم إلى النجاة والسلامة ثم أخذ في الانتحاب ~~إلى أن أبكى الغراب فلما رأى أبو القعقاع هذه الأوضاع قضى من الأمر العجاب ~~ما يستشيب منه الغراب ثم توجه إلى أسد الشمري وعرض عليه ما جرى بتخيير ~~المشتري فتشوش فكره وتشور أمره وضاق بالهم صدره وقال أنا كففت عن الشر ~~والشره وعففت عن ذاك كان يرني ولم أره وتركت القرم والأذى وفطمت نفسي عن ~~لذيذ الغذا ليأمنني أصحابي ويأنس بي أحبابي فإذا لم يستقر خاطرهم ولم تطمئن ~~على محبتي سرائرهم أي فائدة لي في الحياة وكيف أخلص في حرم المودة من كدر ~~العيش إلى صفاه وكل ملك لا تصفو له رعيته ولا ترسخ في قلوب جنده محبته كيف ~~يثبت سلطانه أو يساعده عند الشدائد أعوانه أنا بذلت جهدي وطاقتي وتشبثت ~~بأذيال الصلاح على قدر استطاعتي ولم يبق إلا # PageV01P411 # التضرع والاستكانة والتخشع إلى مقلب القلوب وعلام الغيوب ليكشف هذه الغمة ~~ويصلح هذه الأمة ويجلو عن جبين الحق بهيم هذه الظلمة ثم تضرع إلى عالم ~~الأسرار ليطلعه على حقيقة هذه الأخبار ثم أمر باجتماع جماعته المقيمين على ~~محبته وطاعته وعرض عليهم هذه الأحوال وطلب منهم استكشاف ما فيها من الأهوال ~~وقال اعلموا أني أمنتكم من مخافتي وبذلت لكم بدل عنفي لطافتي وقد حققتكم ~~مرامي وصدقتم كلامي وعرفتم أخلاقي وشدى أعلاقي كل ذلك لتطيب ms238 خواطركم وتصفو ~~لي سرائركم ولم أفعل ذلك عجزا ولا خورا ولا تهاونا ولا ضجرا وأنا الآن ~~آمركم بواحدة هي أجلى فائدة أن لا تكتموا عني شيئا تكرهونه مني بل أوقفوني ~~عليه وأرشدوني إليه ثم اجهدوا إني أمنعه عني فإن فيكم أجل محبوبي من أهدى ~~إلى عيوبي وقد قال سيد الأنام عليه افضل الصلاة والسلام اللهم أبلغه أفضل ~~التحيات عنا من غشنا فليس منا وإنما أوردت هذا الكلام في هذا المقام بحضور ~~الخواص والعوام على سبيل التحذير والإعلام والتنذير وأقسم بالله العلي ~~الكبير اللطيف الخبير الذي منه المبدأ وإليه المصير لم يكن في خاطري من أحد ~~حقد ولا حسد ولا هجس بخاطري له إيذاء ولا نكد وهاأنا قد أخبرتكم وبإطلاعي ~~أمرتكم فلم يبق لي ذنب يستغفر منه ولا لكم في # الإخفاء ما يعتذر عنه وإن الله تعالى لا يعذب بضلال الأسافل بل يهب ~~للأعالي الأراذل فإذا # PageV01P412 # فسد الرأس تغيرت الناس فحل البأس ولقد قال خالق البرية وباريهاوإذا أردنا ~~أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فقام الحاضرون في مقام العبودية ~~والولاء وبسطوا ألسنتهم بأنواع الثناء والدعاء ونادوا بكلمة واحدة متفقة ~~متأكدة حاشا الله ما علمنا عليك من سو ولم تزل تطيب علل تقصير ناوتاسو ~~وتستر بذيل عفوك كل عارمنا وتكسوو كان هذا الكلام للأكابر وقد اجتمع ~~المبادي والحاضر وأبو حميد المفتن فيما بينهم حاضر فأدرك بهذا العمل أن ~~الأسد شعر بشيء من جهة الجمل فاستدرك فارطه وسلك المغالطة ثم اختلى بالأسد ~~ولم يكن معهما أحد وقال كان مولانا الملك وقاه الله شر المنهمك أحس بشيء ~~أوجب تقرير كلامه لطائفة جنده وخدامه وأنا عندي كلام لم يطلع عليه أحد من ~~الأنام ولم أبده للملك بحضرة الجماعة لأنه ربما لا يقصد الملك به الإذاعة ~~ولا يمكنني إخفاؤه وقد كان إبداؤه فاعلم أيها الملك الهمام كفاك الله شر ~~اللئام أنه كما يستحقر العالم الجاهل كذلك يزدري الجاهل العاقل وذلك لقصور ~~فهمه وعدم علمه ومهما أحاط الخادم بمرتبة مخدومه وزاد علو قدره في معلومه ~~ازداد ms239 في قلبه وجوارحه مقدار تعظيمه واستقرت هيبته في قلبه وروحه وصارت كوش ~~خشيته تنادمه في عبوقه وصبوحه وقد قال رب الأرض والسماء إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء وقول النبي عليه الصلاة والسلام أنا أعرفكم بالله وأخساكم ~~لله إشارة إلى هذا المقام وكلما ضعفت معرفة الخادم بالمخدوم قلت قيمته عنده ~~وهذا أمر معلوم # PageV01P413 # ثم اعلم يا ملكا أعظم أن الجمل الطويل الأمل قد اغتر بالملك حين كان في ~~ذرى أمنه سلك وأحسن إليه غاية الإحسان وصار في عدم الوفاء كالإنسان وحصل له ~~من سورة غضبه الأمان فجهل قدره وتعدى طوره وقد قيل: # إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا # فوضع الندى في موضع السيف بالعلى ... مضر كوضع السيف في موضع الندى # وقال الله تعالى إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى وكل نفس لا تحتمل الجميل ~~وحوصلة العصفور لا تسع لقمة الفيل وناهيك ما قد قيل في الأقاويل عن حماقة ~~كل طويل فلا حرم فسد دماغه حين حصل فراغه وتطاولت نفسه في مسارها إلى أشياء ~~لا يمكن أفشاها ولا يتفوه بها مسلم ولا يرضاها لأن ذكرها قبيح والكناية ~~أبلغ من التصريح فلما سمع الأسد هذا المقال علم ببديهة العقل أنه زور ومحال ~~ثم أرسل إلى الغراب وذكر له هذا الخطاب ليميز خطأه من الصواب ويبين القشر ~~من اللباب فلما أتى الغراب إلى حضرته وجلا صورة هذا القول على مرآه فكرته ~~قال له ضميرك المبارك في حل هذا المشكل لا يشارك فانه حلال المشكلات موضح ~~المعضلات وأما أنا فلا أسمع هذا الكلام ولا أقبل في الجمل الملام فأني أعرف ~~تواضعه ومسكنته وصبره وطاعته وإخلاصه وقناعته وأنه صادق في محبته مخلص في ~~عبوديته وأعرف أن خوفه من الملك غالب على رجائه وأنه مع ذلك مقيم على سنن ~~وفائه وعقود عهوده وصفائه ولو أراد الذهاب لذهب بسلام ولا في وظيفته قيد ~~ولا في تبرته خطام # PageV01P414 # ثم قال الغراب والغالب على ظن ذوي اللب إن هذه الفتن أصلها وأصلاها الدب ~~لأنه قد ms240 تقرر وتحقق واتفق كل حكيم موفق أنه إذا نقل ناقل محمق عن عاقل ~~ابتدأ بالإحسان إساءة فلا يصدق فالملك لا يبادر في هذه القضية حتى يتبصر ~~الأمر عن جليه وحاشاه أن يفرط في خدمة المخلصين من غير أن يتدبر أمورهم ~~بيقين ويختلي بعبده الجمل ويتحقق منه أصل هذا العمل بعد استجلاب خاطره ~~وتطييب سرائره وضمائره فاستصوب الأسد هذا الفصل واختلى بالجمل ليقف منه على ~~هذا الأصل وسكن حاشه وأزال بلطيف الكلام استيحاشه وشكر في خدمته مساعيه ~~وطلب بملاطفته مراضية ثم طلب من الجمل تفصيل ما بلغه من جمل وأكد قوله ~~بالأيمان أنه لو صدر منه تقصير ونقصان ولو كان مهما كان فانه قد عفا عما ~~هفا ولا يكدر من عيشه ما صفا ولا يمزق رقيق حاشية وفائه بالجفا ولا يتقيد ~~بهفواته ولا يطالبه أبدا بزلاته فليطلعه على جلية الحال وليذكر ما وقع منه ~~من أقوال وأفعال فافتكر الجمل في معاهدته مع الدب وأنه لا يفشي سر ذلك ~~العديم اللب وكيف ينقذه من غضبي جمرشب وقضاء عمرة صب فقال إن أضعت صاحبي ~~وإنسكت قصرت في جانبي ثم اختار كتم الأسرار وسلك طريق الأحرار والوفاء ~~بالعقود وعدم نكث العهود وقال اسعد الله مولانا الذي بوجوده أحبانا أنى ~~أتفكر في عواقب الأمور وأنظر في تقلبات الدهور وأخشى سطوات السلطان وأخاف ~~من حوادث الزمان فلا أزال من هذا الخيال في انتحال وهزال إلى أن صرت إلى ~~هذا الحال فان كان هذا ذنبا يوجب العقوبة فإن إزالته عن خاطري فيها صعوبة ~~وهذه أوهام لا يمكن دفعها ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها # PageV01P415 # قال الأسد فهل اطلعت على ما يوجب ذلك أو يدل على الإلقاء في المهالك ~~وتضييق المسالك من حركات أفعالي أو من فلتات أقوالي أو تقلبات أحوالي أو ~~نقل إليك ناقل من جاهل أو عاقل فأفحم الجمل الجواب وأطرق فلم ينطق بخطأ أو ~~صواب فقال الغراب لا ينجيك إلا الصدق وكشف أستار الريب عن جبين الحق وكان ~~حاضر هذه الفحوى خلد أعمى وهم عنه ms241 غافلون وعن استماعه ذاهلون ففي الحال ~~توجه إلى الدب وقال صورة ما جرى بتخيير المشترى فعلم الدب إنه افتضح وأمره ~~اتضح فنهض وما قعد ودخل على الأسد فرأى الجمل مطرقا لا يلوك منطقا فمد ~~صولجان اللسان وخطف كرة البيان وسابق بالكلام خوفا من الملام وقال بلسان ~~طلق كلام فاجر مختلق اعلم أيها الطويل الأبلم أنك لو أمسكت عن كلامك القبيح ~~في وقتك الفسيح لكان أصوب وأحسن وأعجب لكن لما فهت بالعبر وأتيت بإحدى ~~الكبر وصادمت القضاء والقدر وخنت ولي نعمتك وقصدت إهلاك الملك بقبح شيمتك ~~أزال الله سترك وأبدى أمرك وفضحك وقبحك وبلجام الخزي كبحك لا جرم جرمك حسبك ~~وإثمك العظيم أخرسك فأبهت الضرغام من هذا الكلام وشاب الغراب من هذا الأمر ~~المشاب ووقعوا في الاضطراب والشك والارتياب واشتبه الخطأ بالصواب وقالوا إن ~~هذا الشيء عجاب فقال الجمل للدب يا فقيد اللب يا قليل النصفة وعديم المعرفة ~~وأنحس أفاك وأنجس سفاك وأبخس بتاك أتظنني خائفا من كلامك وخطابك عاجزا عن ~~ملامك وجوابك أما كفى أني قصدت ستر # PageV01P416 # عوارك وإطفاء نارك ومفتكر في تلافي قضيتك وإخماد لهيب فتنتك وإهماد شرار ~~مصيبتك وعلي تقدير التسليم وإني فهت بالكبر والأمر العظيم أكنت معك منفردا ~~أم # رأيت بيننا أحدا فغن كان بيننا أحد فأحضره إلى حضرة الأسد فإني أرضى به ~~وبما بين ولا أدافع فيما يشهد ولا مطعن وإن كنت أنت وحدك فما منعك عن نصح ~~الملك وصدك فأنت إذا أما خائن وإما مائن وهذا أمر محقق بائن ولولا أيماني ~~التي ربطت بها لساني لكنت أظهرت البريء والجاني ولكن تحليفي إلى الكتم ~~والسكوت ألجأني وسيظهر الله الحق ويفصل وللباطل صولة ثم يضمحل ووالله ما لك ~~مثل مع المسكين الجمل إلا امرأة النجار لما أغلقت باب الدار قال أبو الحرث ~~الغضوب أخبرنا يا أبا أيوب كيف كان هذا الحديث لنطلع على هذا الفعل الخبيث ~~(قال) ذكر رواة الأخبار أنه كان هناك رجل نجار له زوجة تخجل الأقمار وتكسف ~~شمس النهار كأنها الدنيا تخدع بملامح صورتها ms242 وتصرع بروائح سيرتها فكانت ~~كلما رقد زوجها وهو تعبان انسابت إلى الأخدان انسياب الثعبان فتقضي الليل ~~بانشراح في عناق وشرب راح إلى أن ينفجر الصباح ثم تنثني عائدة فلا يستيقظ ~~الزوج إلا وهي عنده راقدة ففطن في بعض الأوقات لفعلها وراقب ليلة خيال ~~خلتها فتراقد في الفراش وذهبت لطلب المعاش فنهض وراءها البحار وأوصد لما ~~خرجت باب الدار واستمرت هي وصاحبها وزوجها مستيقظ يراقبها فلما عادت راجعة ~~وجدت الأبواب مانعة فطرقت الباب من غير اكتراث واكتئاب فناداها يا خائنة ~~اذهبي حيث كنت كامنة فقالت استر هذه الذنوب فإني من بعد أتوب فقال لها لا ~~والله الرحمن حتى تفضحي بين الجيران فقالت # PageV01P417 # الموت أهون من الفضيحة فاغفر لي هذه القبيحة وأنا أحلف ياودود بالله الرب ~~المعبود أني أتوب ولا أعود ثم ألحت عليه وتضرعت لديه فلم يفتح لها بابا ولا ~~رد عليها جوابا فقالت والله اللطيف الخبير لئن لم تفتح الباب لألقين نفسي ~~في هذا البير ولأرمينك بقتيل بين الحقير والجليل ثم عمدت إلى حجر كبير ~~وطرحته في تلك البير ثماختفت عند الباب لتنظر ما يبرزه القضاء من الحجاب ~~فلما سمع زوجها خبطة الحجر تصور أنها تلك البغي فابتدر وفتح الباب وإلى نحو ~~البئر طفر ولم يشك أن تلك البغي ألقت نفسها في الطوى فما وصل إلى البير ذلك ~~الرجل الغرير إلا وقد دخلت في وسط الدار ثم أوصدت الباب واستغاثت بالجيران ~~والأصحاب وأحكمت الرتاج وأوقدت السراج وملأت الدنيا بالعياط وأخذت في ~~الهياط والمياط فاجتمع الجيران لينظروا ما هذا الشان فقالت هذا الرجل ~~الظلام يتركني كل ليلة حتى أنام ثم يتوجه إلى الزواني ويدعني أقاسي القلق ~~وأعاني وأتقلب في أرقي وأشجاني فأخذ الرجل يحلف بالله ذي الجلال ويذكر ~~للحاضرين حقيقة الحال فتارة يصدق وأخرى يكذب وهو بين مصدق منهم ومذبذب فلم ~~يزالا في عويل وصياح إلى أن ظهر تباشير الصباح فحضرا إلى القاضي واختصما ~~وشهد بعفة الرجل الصلحاء والعلماء وأظهر الله الحث وثبت على المرأة الخيانة ~~والفسق ولولا ذلك لذهب البريء ms243 غلطا وانقلب صواب المحق الصادق خطأ # PageV01P418 # (وإنما أوردت) هذا المثل لتعلم أيها الملك البطل خيانة الدب وبراءة الجمل ~~والرجل إذا عن فعل الشجعان يتشبث بحبائل الشيطان ويستعمل مكر النسوان ونظير ~~هذا الكياد ما وقع بين صادق دمشق وفاسق بغداد وهي قضايا جليلة الأبواب ~~طويلة الذيول والأذناب قد دونت في مجلدة لا يسعها هذا الكتاب ففكر الريبال ~~في هذه الأحوال ثم أمر بهما إلى الاعتقال وكان للملك سجان ذكي كنيته أبو ~~الحصين واسمه ذكي فتسلمهما واحتفظ بهما فلما استقرا في قبضة الحبس واستمر ~~أمرهما تحت أذيال اللبس توجهت الفارة التي كانت سمعت سر مناجاتهما واطلعت ~~من أول الأمر على حكاياتهما إلى السجان وهما في أضيق مكان وسألته عم ماذا ~~آل إليه أمرهما من شأن فأخبرها بحالهما وجهل عاقبة مآلهما وأنه ليس بعالم ~~من المظلوم منهما والظالم فقالت الفارة أسألك يا ذا الشطارة والذكاء ~~والمهارة إذا ترجح لأحدهما الجانب وتبين الصادق والكاذب وتعين المرضي عنه ~~والغضوب عليه تطلعني على ذلك لأنظر إليه قال السجان للفارة لقد فهمت عنك ~~بالإشارة وأدركت من فحوى العبارة أن لك اطلاعا على هذا الأمر وفرقا جليا ~~بين تمرة والجمر فإن كنت شممت من ذلك روائح فبادري بأداء تلك النصائح فإن ~~قولك مقبول ولك الفضل لا الفضول ولا تقصدي بهذا الإرشاد إلا مصلحة العباد ~~وكشف الغمة وبراءة الذمة وردع الظالم وخلاص ذمة الحاكم قالت الفارة وأنا لا ~~أقصد إلا إصلاح ذات البين وشمولهما بعاطفة الملك بحيث يصيران كالمحبين ~~ويرتفع # النكد ويحصل رضا الأسد ويحسم # PageV01P419 # الضرر والضير وتختم عاقبتها بخير وأيضا فإني سمعت من العلماء وضبطت من ~~نصائح الحكماء ومقالات ذوي الآراء أنهم قالوا إياك والتكلم في أمور الملك ~~ببيضاء أو سوداء وأين بنت الجرد من ملك الوحوش الأسد قال السجان لا تقولي ~~ذاك ولا تستحقري جدواك وما ترين في فتواك ودونك القول الصادر من نظم الشاعر ~~الماهر وهو: # لا تحقرن الرأي وهو موافق ... حكم الصواب إذا أتى من ناقص # فالدر وهو أجل شيء يقتنى ... ما حط قيمته هو ms244 إن الغائص # وإن النصيحة كالعسل والحق يصدع كالأسل فالعسل يعطي حلاوة ذوقه سواء كان ~~في صحاف الذهب أو في زفة وقاصد الصواب والنصيحة ومن أغراضه لدفع الفساد ~~صحيحة يخاطر بنفسه وماله ويراقب ما فيه حسن مآله وأفضل المعروف إغاثة ~~الملهوف سمعت في المثل السائر أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر وهذا هو ~~الطور عند ملوك الجور وملكنا أعد ل الحكام وناصر دين الإسلام متصف بمكارم ~~الأخلاق والشيم ومعاملة الكبير والصغير بالمراحم والكرم فإن كنت تدرين بجهة ~~الانتفاع أو لك على قضايا الدب والجمل اطلاع فقومي وانصحي وقولي تفلحي كما ~~فعل الوزير المنتخب مع كسرى في حالة الغضب فسألت الفارة هذا المثل وأخباره # PageV01P420 # (قال) أبو الحصين السجان ذكر أنه كان لانوشروان زوجة فاقت النسوان يخجل ~~قدها الأغصان وخدها البدر حيث لا نقصان كان أبوها منالسلاطين وملوك ~~الأساطين وكان أنوشروان قتل أباها وأخاها واتخذها لنفسه واصطفاها وكان ~~مشغوفا بحبها متخوفا من قربها لئلا تتذكر قتيليها فيستولي طلب الثار عليها ~~فلم يزل متحرزا من أفعالها مراقبا تقلب أحوالها فاتفق أنه كان جالسا معها ~~على السرير وحولهما من الجواري الحسان بدر منير وظبي غرير فتاقت نفسه إليها ~~فمد يده ووضعها عليها فنظرت إلى الجواري فرأت أعينهن إليها ناظره فصارت بين ~~طرفي الانقياد والامتناع حائرة وكانت قد سمعت من أبيها ما رأته من أقاربها ~~وذويها معنى ما قيل: # وأني لأستحي من النرجس الذي ... يراقبنا أني أقبل من أهوى # فخطر ببالها أنه إذا استحيا من عيون النرجس وهي جامدة فكيف لا أستحي منت ~~عيون إنسان في مراقبتنا غير راقدة فغلبت عليها الحيرة وإن جدع الحلال أنف ~~الغيرة فانكمشت من كسرى وزادها الحياء والهيبة انقباضا وكسرا فجذبها بقوته ~~إليه فانفلتت منه لما استعصت عليه فوقع عن سريره العالي وعلا حلقه التمر ~~الغالي وتبسم بعض تلك الجواري من غير اختيار فاضطرب لما اضطرم فيه النار ~~وتذكر ما كان توهمه من أخذ الثار وفار دم قلبه لما غار فدعا وزيره الكبير ~~ودفع إليه ربة السرير وأمره بإزهاق نفسها ms245 وإسكانها في رمسها من غير مراجعة ~~ولا شفاعة ولا مدافعه فحملها إلى منزله صعب الأمر ومشكله ولم ير بدا من ~~إمضاء مرسومة وامتثال أوامر مخدومه ثم تدبر في المآكل ونادته ربة الحجال ~~مهلا أيها الوزير الناصح المشير ذو الرأي والتدبير هبني أني # PageV01P421 # أخطأت وعن مرضاة الملك أبطأت فما ذنب الذي في بطني المودع من الملك ولم ~~يجني فلا بأس أنك تستشيره فانك ناصحه ومشيرة وإن كان لا بد من قتلى واستقر ~~الرأي على نبلي وبتلي فاستمهله إلى أن أضع ثم تهلك الأم وتبقى التبع فانه ~~كان يعطي النذور والأموال ويطلب الولد في ظلمات الليال ويدعو بذلك ربه ذا ~~الجلال فعرض الوزير على الملك ذلك فأبى واستعمل في ضروب ضربة أحد عبارة ~~وترفق فنبا فعرف إن أخلاقه ثائرة وأنه لا بد أن تطفأ تلك النائره فإذا برد ~~قلبه وهمد كربه يطالبه بالفرع أن لم يطلب الأصل وبعد القطع لا يمكن الوصل ~~كما قيل: # طوى الموت ما بيني وبين أحبتي ... وليس لما تطوي النية ناشر # فرأى الوزير الرأي في التأخير فأودعها عند الحريم وسلك في الحزم الرأي ~~القويم وجعل نفسه لها وقاية إلى أن أخذت مدتها النهاية فوضعت ولدا ذكرا غصن ~~بان مثمرا قمرا فقام الوزير بتربيته وإصلاح رضاعه وأغذيته إلى أن بلغ سبع ~~سنين وهو كبدر الأفق المبين مربي بالدلال مغذي بالكمال فكأنه فيه قيل: # جبين تحار الشمس من لمعاته ... وقد يغار الغصن من حركاته # وخد تعالى الله لست مشيها ... ولا مشركا أضداده في صفاته # رمى مهجة المضني باسهم لحظه ... فنام عليلا وهو في سكراته # فركب كسرى في بعض الأوقات وخرج يصطاد في بعض الجهات فتبدد العسكر وصار ~~كالحجيج إذا نفر ووقع كسرى في ناحية عن العسكر منفردا فصادف غزالين يسوقان ~~ولدا ويذكران في ذلك القاع ما قاله عدي ابن الرقاع: # PageV01P422 # تزجي أغن كان إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها # فهجم عليهما ودنا إليهما فلما قصدهما تركا ولدهما ففوق السهم الخفيف نحو ~~الخشف الضعيف فلما رأت أمه السهم داخلها الوله ms246 والهم فقصدت للسهم دون ولدها ~~واستقبلت نصل كبد القوس بكبدها فأراد طلاق السهم من الكبد ليصيب به نحر أم ~~الولد فاعترضه الفحل بصدره وتلقاه دون نحرها بنحره وجعل نفسه وقاية لأم ~~ولده وفداهما بروحه وجسده فتذكر كسرى ولده وأمه وضاعف حزنه عليهما همه وغمه ~~وتذكر ما سلف منه في حق زوجته وما عاملها به حين وقع به من الغضب في سورته ~~وتأمل ما قالته في حق قرة مهجته وما أجاب في ذلك إلى أن وردت إلى المهالك ~~وقال إذا كان هذا الحيوان الباغم المائق حمى حقيقته برمحه كحماة الحقائق ~~فلم لم يفعل ذلك الحيوان الناطق ثم فاضتدموع عينيه فرمى القوس والسهم من ~~يديه ورجع متفكرا وعلى ما فرط منه متحسرا ودعا الوزير الناصح المجير ~~والمستجير وذكر له ذلك النكد وما رآه من الغزالين والولد وتحرق فقد حظيته ~~وتألم لمصاب فلذة كبدته فدعا له الوزير وقال الصبر نعم النصير كان قد سبق ~~مني اشارة ولكن المفرط أولى بالخسارة الصديق الصادق والرفيق الموافق يقول ~~ما أصنع نصحت فلم يسمع والخبيث المنافق والحسود المماذق يقول أردت أن أقول ~~ولكن تركت الفضول ولا حيلة للملك والوزير فيما جرى به قلم التقدير ثم دعا ~~له وانصرف وعبى حملا من الهدايا والتحف وألبس ابن الملك أفخر ملبوس وجهز ~~أمه كما تجهز العروس وأضاف إلى ذلك من المراكب الملوكية والخدمات السلطانية ~~وأقبل بهما إليه وعرض كل ذلك عليه # PageV01P423 # وقال يا ملك الزمان أنا رأيت هذا اليوم في ذلك الأوان وعلمت أن الندم ~~سيعم من الرأس إلى القدم وها قد قدمت إليك من التحف الدر مع الصدف والورد ~~والزهر والغصن والتمر والفرع والشجر والشمس والقمر متعك الله بها ومتعها بك ~~وحرس من الأسواء منيع حرمك وجنابك فأنجبر بذلك كسرى ونال بشرى ويسرى وطاب ~~سيرا ومسرى وسر صدره وانشرح وأغمى عليه من شدة الفرح وأنشد: # طفح السرور علي حتى أنه ... من عظم ما قد سرني أبكاني # يا عين قد صار البكالك عادة ... تبكين من فرح ومن أحزان # ثم أمر ms247 ببساط السرور وجلس في النشاط والحبور وأنشد: # أهلا وسهلا بالتي ... جادت علي بمهجتي # أهلا بها وبوصلها ... من بعد طول الهجرة # أدر المدام وغنني ... أهلا وسهلا بالتي # ثم أفاض خلع الأنعام والرضا والإكرام على الوزير وشكر له حسن التدبير ~~وارتفعت عنده منزلته وتضاعفت في الارتقاء مرتبته (وإنما أوردت) هذه الأمثال ~~لتحذي على هذا المثال فان كان عندك ما يزيل الشك والأغاليط ويحق الحق ويميز ~~الأخاليط فان في إبدائها منة عظيمة ونعمة على الملك جسيمة ستبلغني بذلك ~~العيش الهني وترقيني به إلى المقام السمي السني وإن أخرت النصيحة فقد شاركت ~~الخائن في الأفعال القبيحة قالت الفارة ما أدق ما نظرت وأحق ما أشرت لا ~~تردد للعقل في صحة هذا النقل ولكن من أنا في الرقعة ومن يقبل للفارة حتى ~~تطلب الرفعة فلا أنا في العير ولا في النفير وأني من مبدأ أمري وطول عمري # PageV01P424 # في زوايا الخمول أنحرز من فضلات الفضول لا لصحبة الملوك لي صورة جميلة ~~ولا في طريقة السلوك سيرة نبيله لا أمينة ولا ثقة وأصدق أسمائي الفويسقه ~~فكيف أصير مصدقة وقد أباح سيد العرب والعجم معدن اللطف والكرم والمبعوث ~~بمكارم الأخلاق والشيم صلى الله عليه وسلم قتلى في الحل والحرم فلو طلبت ~~مصاحبة من فوقي لخرجت عن دائرة طوقي وصيرت نفسي ضحكة للناظرين وهرأة ~~للساخرين خصوصا ملك الأسود وسلطان الوحوش من النمور والفهود ورحم الله أمر ~~أعرف قدره ولم يتعد طوره ومن أعجب العجب أن يجني من الشوك العنب ولو فعلت ~~ذلك لكنت كقرد حالك ذميم هالك ادعى رياسة الممالك ومن أحسن الأمثال ما يقال ~~إن السلطان للأنام بمنزلة الحمام البعيد عنه يطلب قربه والداخل فيه يشكو ~~كربه فالا يليق بحالي أن لا أشغل بالي الخالي بما لا يليق بي ولا بأمثالي ~~وحيث أشرت على بأداء النصيحة وبيان الحالة الفاسدة من الصحيحة طالبا لمرضاة ~~الملك وصونا لخاطره عن الأمر المشتبه المشتبك والفكر المريب المرتبك فأنا ~~أمتثل مرسومك وأودع ذلك معلومك بشرط أن لا تذكرني بشفه ولا تشير إلى اسمي ms248 ~~بنكرة ولا معرفة فعاهدها على ما اشترطت فمدت لسان القول وبسطت ثم ذكرت ما ~~جرى بين الدب والجمل من فصول وقررت براءة ساحة الجمل بالمعقول والمنقول ~~فلما اتضح لأبي الحصين السنجان نزاهة عرض الجمل وأن الدب هو الذي أغراه على ~~قصد الأسد وحمل وتحقق ذلك بالبرهان القاطع والدليل الساطع توجه إلى حضرة ~~الأسد وأخبره بما صلح من الأمر وما فسد وأنه إنما تأخر عن خدمة مخدومه ليصل ~~إلى ما في جيب الغيب من # PageV01P425 # مكتومة فلما تحقق الليث ما في هذا الأمر من صلاح وعيثومن هو الصالح من ~~الدب والجمل والطالح أرسل إلى الغراب وعرض عليه هذا الأمر العجاب وطلب منه ~~الإرشاد إلى هدم ما بناه الدب من الإيقاع وشاد فقال الرأي عندي أن تجمع ~~العساكر وتنادي للبادي والحضر ويحضر الدب والجمل وبعرض على الجميع هذا ~~العمل فإذا ظهر الحق وانكشف سجاف الباطل عن جبين الصدق وتبين الظالم من ~~المظلوم وتعين الصحيح من المثلوم يرى رأيك السعيد ما يقتضيه ويسلك ما يأمر ~~به ويرتضيه ويجري على كل منهما ما يحكم بتنفيذه ويمضيه بحيث لا ينتطح في ~~ذلك عنزان ولا يختلف عليك فيه اثنان فلما كان ثاني يوم أمر الأسد بجمع ~~القوم وإحضار الحمل البري والدب المفتري فخضر الكبير والصغير واجتمع الأمير ~~والوزير ثم علا الملك على السرير وأثنى على الله وذكر فضله هذه الأمة وما ~~لها من رقة وجلاله وأنها لا تجتمع على ضلاله ثم قال ما تقولون في رفيقين ~~شفيقين صديقين لم يكن بينهما سبب مكاحله ولا موجب منازعة ولا مجالحه سوى ~~المحبة المليحة والممالحة والمودة الصافية الصالحة ببيتان في فراش ~~ويستعينان على حسن المعاش حسد أحدهما رفيقه وخان من غير سبب صديقه وسعى في ~~إراقة دمه وعدم وجوده بوجوب عدمه فماذا يجب على هذا الحاسد المنافق في عمله ~~الفاسد الطالب ترويج باطله الكاسد وقصده ذلك البري الصالح الغافل السري ~~والسعي به إلى الحكام والقائهم بسببه في الآثام وارتكاب هذه الجرائم وتحمل ~~مثل هذه # PageV01P426 # العظائم فأجاب الجمهور إن من أكبر ms249 الكبائر قول الزور وقد قال رب الكائنات ~~أن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم ~~عذاب عظيم وأن مرتكبه الأثيم استوجب العذاب الأليم ومن هو هذا الجرى الكذاب ~~المفتري الذي يرتكب مثل هذه الأمور الهائلة والكبائر الوخيمة القاتلة ~~والعظائم المؤذية الغائلة خصوصا في مثل هذه الدولة العادلة ولأي شيء يؤخر ~~جزاؤه ولا يحسم داؤه ولا يضرب ولا يشهر ولا يؤمر بالمعروف في هذا المنكر ~~قال الأسد # فاكتبوا بما قلتم محاضر وليعلم الغائب الحاضر حتى إذا وقع الاتفاق بين ~~الأصحاب والرفاق وارتفع في ذلك النزاع والشقاق وأجمع على ذلك العقل والسمع ~~فعلنا فيه ما يقتضي السياسة والشرع فاتبعوا شروطهم وكتبوا بذلك خطوطهم فعند ~~ذلك طلب الأسد أم راشد وأقامها في ذلك المحفل لحاشد واستنطقها بما تعلم ~~واستشهدها على الدب بما أجرم فشهدت في وجهه بما سمعت ورقمت بذلك خطها ووضعت ~~وزكاها الحاضرون وشهد بعفتها وزهدها الناظرون واتفقت الكلمة من الكملة على ~~صدقها وحقيقة نطقها فتهلل وجه الجمل بهذا القول والعمل وظهرت على صفحات وجه ~~الدب العديم الدين واللب علامة الانكسار والفضيحة والخسار ولم يسمعه إلا ~~أنته أذعن واعترف أن لا دافع له في الشاهد ولا مطعن وأنه قد اجترم وطلب ~~العفو والكرم فعند ذلك غضب الريبال ولم يبق للعفو مجال فزأر وزفر وغضب ~~الغضنفر وهمر وزمجر وتطاير من أشداقه الزبد ومن عينيه الشرر ومن شمائل ~~حركاته ممضيات القضاء والقدر ونعوذ بالله من غضب الملوك خصوصا على الفقير ~~الصعلوك ومن أحاطت به أوزاره وقلت أعوانه # PageV01P427 # وفنيت أنصاره ثم أمر الأسد بالدب أن يلقى من البلاء في جدب وأن السباع ~~تحتوشه والضباع تنوشه ففي الحال من غير إهمال ولا توان ولا إمهال نهشته ~~الذئاب وافترسته الكلاب وتخاطفته النمور وتناقضته الببور والتقمته السباع ~~والتهمته الضباع فقطعوه وبضعوه ووزعوه ومزعوه وخزقوه وحزقوه وخرقوه ومزقوه ~~ولم يكتفوا بعظمه وإهابه حتى لحسوا من دمه يابس ترابه وكان قد اشتد بهم ~~القرم فاطفؤا بلحمه ودمه بعض الضرم وزال عن أبي أيوب الضر وارتفعت مغزلة ~~ذلك ms250 الحر وضاعف الله تعالى عن براءة ساحته أنواع الحمد والكشر وفائدة هذا ~~المثل الجاري بين الدب والجمل معرفة فضيلة الأمانة ووخامة المكر والخيانة ~~فان الله تعالى غير مضيع أهله ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله كما قيل: # لا بناء هذا الدهر في الغدر أسهم ... وضرب خيانات وطعن مكيدةوما للفتى ~~منها طريق سلامة سوى ترس تفويض لرب البرية # وكل امريء رهن بنيته وفي ... كفالة ما ينوي وما في العقيدة # (وليكن) هذا آخر باب الأسد الصالح والجمل الأمين الناصح والعاقبة للمتقين ~~والله الموفق والعين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خير ~~الخلائق أجمعين وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. # PageV01P428 ### | الباب التاسع # في ذكر ملك الطير العقاب والحجلتين الناجيتين من العقاب # PageV01P429 # (قال) الشيخ أبو المحاسن من هو لثوب الفضل كاس ولكاس الظرف حاس وفي حدائق ~~الأدب أزكى آس ولا حداق الأدباء أذكى آس وفي عيون الأعداء أنكى آس فلما ~~أنهى الحكيم حسيب كلامه الذي استعبد در النسيب وذكر من النصائح والحكم عن ~~ملوك العرب والترك والعجم ومن مباحث الجن والأنس ما حصل للسامعين به النشاط ~~والأنس ثم استطرد إلى فوائد البهائم والوحوش ورقم في دار ضرب البلاغة من ~~حسن الصياغة والرقوش ما قعد له من زواهر كلامه على سكة دينار الفصاحة أحسن ~~النقوش وعقد بجواهر نظامه لمفرق العدل في دار الملك اكليل العروش افتخر ~~أخوه الفيل بوجوده وقدمه على جميع خواصه وجنوده وأفاض على حدائق آماله زلال ~~إحسانه وجوده وقال له يا نديم الدير وعديم الضير وقديم المير ومديم الخير ~~قد أفدت حكم سائر الحيوان فكر علينا من حكم منطق الطير فابتهج الحكيم في ~~السعة وانتهض ملبيا بالسمع والطاعة ثم أنه قال أدام الله ذو الجلال أيام ~~مولانا الإمام وشمل بذيل رأفته الخاص والعام بلغني أنه كان في ممالك ~~اذربيجان جبل يسامي السماك في السمو ويعاني الأفلاك في العلو غزير المياه ~~والأشجار كثير النبات والثمار وفي ذيله شجرة قديمة منابتها كريمة أغصانها ~~مهدله وثمارها ms251 مسبلة كما قيل: # وفي أصلها وكر لزوج من الحجل ... كان ربا رضوان ألبسها الحلل # PageV01P431 # هو وطنهما المألوف ومقرهم المعروف ورثاه من أسلافهما وهو في الشتاء ~~والصيف مرجع أيلافها يدعى الذكر منهما النجدي والأنثى غرغرة بنت السعدي ~~ولذلك الجبل جبل مقارن من جهة الشرق يسمى القارن لو قصد البدر دوره أو رفع ~~رأسه لينظر سوره أو يحل فيه شعاعه ونوره لوقع عن قمة طرطوره في قلته سرير ~~عقاب منيع الجناب هو ملك الطيور والجوارح وسلطان السوانح والبوارح وصافات ~~تلك القلال وكواسر هاتيك الجبال كلها تحت أمره العادل العال متوج فوق رأسه ~~باكليل ما يبرزه من مثال فكانت الحجلتان كلما فرختا وقاربت افراخها الطيران ~~عزم أبو الهيثم الكاسر بما معه من عقابين كواسر وجوارح الطيور ومن تحت أمره ~~من الجمهور على التنزه والاصطياد فتحيط عساكره بتلك النواحي والبلاد فكانوا ~~كلما وطئوا ربوة مهودها وسلكوا ما بين كنافها وبطونها ونهودها تصل طراشة ~~العساكر إلى الحيل الذي فيه وكر الحجل فتذهب أفراخها تحت السنابك وتضمحل ~~تحت أقدام أولئك فتقع الحجلتين في النكد والأحزان وبالجهد والمشقة البالغة ~~يخلصان هما من تلك الداهية الثالغه والنائبة الدامغة فلم يزالا في نكد على ~~فقد الولد فافتكرتا في بعض الأيام وقد أثر فيهما هذا الإيلام فغيما هم فيه ~~من النكد لفقد الولد المتجدد على طول الأمد فقال النجدي لبنت السعدي قد ~~كبرنا وضاع العمر وحزنا وقاربت شمس عمرنا للأفول وأقدام بقائنا أن تزل ~~وتزول (شعر) : # وليس لنا من يذكر الله بعدنا ... إذا ما انتشبنا في مخالب فقدنا # PageV01P432 # ولا من يحي نشر آثارنا إذا طوى الموت بساط أعمارنا وقد قضينا العمر في ~~الانكاد بفراق الأولاد ثم بعد الحياة ينمحي اسمعنا ويندرس بالكلية رسمنا ~~فلا حياة هنية ولا أخرى رضيه وأي هناء مع فراق قرة العين خصوصا على وجه ~~المذلة والشين ومالنا نظير في هذا الدهر المبير إلا من جمع المال من ~~حلهوغير حله وتركه بعد الكد البليغ والحرص إلى غير أهله فيصير كما قيل: # تؤديه مذموما إلى غير حامد ... فيأكله ms252 عفوا وأنت دفين # ولا طاقة لنا في دفع جيش العقاب ولا حيلة إلى الخلاص من عقاب هذا العقاب ~~فذهب أكثر العمر في هذا الويل وأشبهنا النائم على طريق السيل وإن غفلنا عن ~~أنفسنا ربما اجتاحونا وطرحونا إلى مهلكة تدير علينا من العدم طاحونا فالرأي ~~عندي أن نترك هذا الوطن ونرحل إلى مكان لا نرى فيه هذه المحن فانه لم يبق ~~طاقة على فراق الولد ولا قلب يحتمل هذا الحزن والنكد: # ذاب قلبي بين دمع وضرم ... فارحموني أنا من لحم ودم # وذاك لأن المرء يحيا بلا رجل ويد ولا تلقاه يحيا بلا كبد قالت لقد أعربت ~~عما في فكري وشرحت ما كان يجول في صدري وهذه محنة قد أعياني في دائها ~~الدواء وبلاء عمنا فكلنا فيه سواء: # المرء يحيا بلا ساق ولا عضد # ولا يعيش بلا قلب ولا كبد # بي مثل ما بك يا حمامة فاندبي # وقد قلت: # ولم يعرف حرارة ما اعني ... سوى قلب كواه ما كواني # وأنا لم أخل قط في وقت من هذا الفكر الذي أوجبه الهم والمقت وأعلم أن ~~سهام آراء العقلاء ونبال أفكار ذوي النظر من الحكماء إنما تصدر من قوس ~~واحدة وتتوجه إلى غرض طريقته غير متعددة وقال العقلاء # PageV01P433 # وأولو التجارب من الحكماء بل أطبق أرباب العقول وأئمة الدين وأصحاب ~~الأصول إن قضايا العقل كلها صادقة وألسنتها فيما تحكمه بالصواب والأصالة ~~ناطقة غير أن كثيرا ما تشتبه القضايا العقلية لسوء التصور بالقضايا الوهمية ~~فيقع الخطأ بواسطة الوهم في الفهم وينسب إلى العقل ذلك السهم وإلا فاتفق ~~العقلاء جمعا أن القضايا العقلية لا يقع فيه الخطأ قطعا وأن قضايا الحس ~~لوقوع الاشتباه واللبس يتصور أنها حق ويقضي لها وعليها بالصدق وإذا وقع ~~الخطأ لحصول الاشتباه وعدم التأمل والانتباه في القضايا الحسية والقضايا ~~التي هي بحاسة البصر مرئية كما وقع ذلك في حادثة الطريقة البغدادية فوقوع ~~الخطأ بالوهم أولى في القضايا العقلية لأن طرقها أخفى وأحكمها معنوية فسأل ~~الذكر عن تلك البغدادية وما هذا الخبر (قالت) كان ms253 في مدينة السلام بعد أن ~~امرأة من المتخذات أخدان اسم زوجها زيد وهي أم عمرو وذات كيد لها عدة أخدان ~~تدعو لكل بالإخوان وكل ينشد في السر والإعلان قوله: # دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن ... أخاها ولم أرضع لها بلبان # فاتفق أن زوجها زيد دعاه أمير البلد إلى الصيد فركب معه وسار وخلت منه ~~الديار فتسامع بذلك بعض أخدانها فتوجه منهم طائفة إلى مكانها فأول من سبق ~~تاجر شبق فدخل بثياب بيض وشاش رحيض وهيئة نظيفة وصورة ظريفة فأسرع في ~~الدخول ومعه ما يليق # PageV01P434 # من المأكول فتلقته بالترحاب وأخذ في لذيذ الخطاب فما استقر القرار حتى ~~قرع باب الدار فظنته زوجها وحققته بوجهها فنهض خائفا وتحير راجفا وطلب ~~مكانا يخفيه وكنا يأويه فلم يكن في دارها مخباة زوارها سوى طقيسي لطيفه ~~يصعد إليها من سقيفة فأرشدته إليها فرقي عليها وبادرت إلى الأتحاف فإذا هو ~~حريف صراف ففتحت الإغلاق وتعانقا تعانق المشتاق فدخل بهيئة زهراء بلباس ~~أخضر وعمامة خضراء ومعه من الحلوى مجمع ومن الزجاج أربع فجلسا يتذاكران ~~الحوادث إذ طرق الباب ثالث فقالت هبط أوجي وجاء زوجي فوثب في رجفة كأنه ~~ورقة سعفة فسأل عن مخباة وستر يغشاه فأرشدته ربة الكريسي إلى طريق الطقيسي ~~فصعد اللاحق ولحق السابق وبادرت الرتاج ربة التاج وأم الأزواج فإذا هو أحد ~~الظرفاء وثالث الحرفاء رجل زيات ومعه مجمع سكر نبات فتلقته بالتكريم ~~وأجابته بالتسليم فدخل بثوب أصفر وشاش معصفر فشرعا في الملاعبة والملاطفة ~~والمداعبة فدق الباب رابع الأصحاب فبادرت الزيات الفرار وطلب مختفي للقرار ~~فدلتهفي المفر إلى المعهود المقر فصعد إليه ولحق بصاحبيه وتوجهت إلى الباب ~~فإذا هو أحد الأحباب وهو رجل قصاب وعليه ثياب سود وخفة المعهود وعلى رأسه ~~مئزر ثمين وبيده خروف سمين فقالت: أهلا وسهلا وارفع محلا بالحبيب النجيب ~~والبعيد القريب فدخلا واستغلا بالخطاب والتهيا عن رتاج الباب # PageV01P435 # وكان في تلك المحلة شخص أحدب أبله يدخل البيوت ويتمسخر فلا يمنع من ذلك ~~ولا يزجر ويلاطفه الأكابر والأعيان ولا يحتجب منه النسوان ms254 فمر على باب زيد ~~فرآه لا إغلاق ولا قيد فدخل على غفلة ولم يستأذن أهله فلم يشعر به إلا بعد ~~حلول ركابه فوجم لرؤيته القصاب وخاف من حلول مصاب ونشور وانحرف فقالت له ~~المرأة لا تخف إنما هو أبله مسخرة في المحلة فأخذوا يتلاطفون ويتمازحون ~~ويتظارفون إلى أن قرب الليل وفات النيل، فطرق الباب ووصل الزوج بالارتياب ~~فلم يشعروا إلا والبلاء قد أقبل ومصابهم الأعظم في أكنافهم قد نزل، ~~فخاتبطوا والتبطوا وانحلة قواهم وارتبطوا وطلب القصاب مخبئ فأرته للطقيسي ~~دربا وطلب الأحدب من شر زيد المهرب فكان في أرض البيت تنور فنزل فيه وهو ~~مضرور وغطته بغطائه وسترته ببعض وطائة وأراب زيد الفتح في إبطائه ثم توجهت ~~إلى الباب وهي في اضطراب فدخل زيد وهو سكران ومن تأخير فتح الباب غضبان ~~وكان قد تناول مع مخدوميه ولعبة بشيخ عقله بنت كرومه، فلما نزل عن السرج ~~رأى الزوجة في هرج ومرج فأنكر حالها وسألها ما لها فقالت: كرهت فقدك وخاطري ~~عندك فلا ذقت بعدك ولا عشت بعدك # PageV01P436 # فقال: تكذبين أي دفار بل تسخرين بي أي فجار إنما أنت في حركة فلا طرح ~~الله فيك بركة فقالت: أنت مجنون وأي حركة عندي تكون؟ فشرع في حربها واستطرد ~~من سبها إلى ضربها وعزم على تفتيش البيت والإطلاع على ما فيه من كيت وكيت ~~فخشية أن يخرج أمرها عن دائرة الستر إلى لو كان وليت فتداركت التفريط قبل ~~وقوعه وبادرت إلى تلافي التلاف بالهيت فتشكت من الأذى وقد تناولها بالضرب ~~والبذى ورفعت يدها إلى الدعاء بالندى وقالت: إلهي وسيدي وسندي ومعتمدي إن ~~كنت تعلم أني مظلومة وبراءة ساحتي عندك معلومة فانزل إلى أمتك ملكا من ~~ملائكة رحمتك يخلصها من هذا الظلوم ويكشف ستر هذا السر الموهوم فبادر ~~التاجر بالإنتهاض ونزل بثيابه البياض ودخل عليه وقبض على أذنيه وصفعه على ~~خديه وقال أتركها يا ظالم فإنك معتد آثم وهي برية وشمائلها زكية وضربه ~~ضربتين ولكمه لكمتين ثم أم الباب وترك الأصحاب وشرع في الذهاب فلما ms255 رأى هذا ~~زيد عرف أنه خديعة وكيد وقال: يا أفحش الفواحش وأنهش النواهش تريدين خدعي ~~وسخري وخذلي وختري وتبغين بما تبغين ختلي ومكري أولست بعريف أنه لك حريف ثم ~~زاد في سبها وماد إلى كبها وضربها # PageV01P437 # فقالت يا إلهي وسيدي وجاهي إن كنت تعلم أن هذا الأظلم أنكر الحق ورآه وما ~~صدق فانزل عليه ملكا آخر ذا جناح أخضر يأخذ بحقي منه ويكشف سترك عنه فقال ~~الحرفاء وكانوا ضرفاء للصيرفي قم غير مختفي وشدد عليه وأوصد الألم إليه ~~فنهض في ذلك المعلم وبادر إلى السلم ونزل إليه ودخل # عليه وقال: أكفف يا ذا العار عن عفيفة الأستار فإنها برية وعما تضنه عرية ~~ومد يده بكمه وبالغ في سبه وشتمه ثم خرج من الدار وبالغ في الفرار فقال يا ~~للدربة من ذي القحبة الناس بواحد وأنت باثنين وقد جعلت زوجك ذا القرنين ثم ~~أخذ العصا وضربها ضربة من عصى فقالت: يا إله العالمين تعلم أن هذا من ~~الظالمين أمدني بالملك الأصغر صاحب الدرع والمغفر والثوب المعصفر يبرئ ~~ساحتي ويهدئ راحتي فإني مظلومة وقصتي معلومة فقال الجزار للزيات قم أرنا ~~الكرامات وقد صنعتك وهات فنهض الزيات ونزل إلى ذلك المفتات وقال أيها ~~اللئيم كف عن الحريم وارجع عن لوم البري واقصر أيها المشتري المفتري ثم ~~تناوله بعصاه إلى أن آلم قفاه ثم تركه في الحركة وخرج هاربا وقصد جانبا ~~فقال زيد يا أوسخ القحاب وأوسخ ذوات السباب تعدين حرفائك واحدا واحدا ~~وتعرضينهم علي صادرا وواردا ثم نهض بالعصا وتناولها مغليا ومرخصا # PageV01P438 # فمادت وآدت وبادت ونادت إلهي هذا لم يعتبر بملائكتك الكرام ولم ينزجر ~~بهذا الضرموالإيلام فأمدني بملك النيران الزبني الأسود الغضبان يخبره بصدقي ~~ويأخذ منه حقي ويفعل معه ما يجب فإن راجيك لم يخب فما عتم القصاب أن زمجر ~~كرعد السحاب وأخذ في الاضطراب والاصطخاب وأسرع في السلم الانصباب فلما سمع ~~زيد العياط والخباط وزماجر الهياط والمياط بهت وأخذه الضراط فدخل عليه في ~~بعثرة وغدمرة وتزيا بصورة بشعة منكرة وخطف من يده ms256 العصا وضربه بها حتى شصا ~~وقال أي أنحس ذميم وأتعس زنيم أما زجرك ونهاك وكفك وكفاك من تقدم من ~~الأملاك أيم الله لأن لم تتركها وفي ما لك ومنالك تشركها لتدمرن ديارك ~~ولتمحون آثارك ثم تركه وذهب وأودعه جمر اللهب فلما رأى الحال نسجت على هذا ~~المنوال استكان وطلب الأمان ومعك عينيه وضم يديه ورجليه وجعل يتأوه من ألم ~~الضراب وقال كان الدعاء في هذه الساعة مستجاب ثم قال من شدة كربه وحرقت ~~قلبه إلهي ومولاي كما استجبت دعائها استجب دعائي وكما أنزلت من السماء ~~لنصرها ملوكها فأخرج لها من الأرض عفريتا ينيكها وليكن ذلك بمرآى من عيني ~~وأمامي # PageV01P439 # ويبرد أوامي فما صدق صاحب التنور حين سمع الدعاء المذكور والنداء المقبول ~~المشكور حتى طفر من مجثمه كالشواظ المسجور وأقام أمام لهوه المصاب واستعمل ~~من قواعد النحو الرفع والجر والانتصاب ورفع العمودين وأولجه المحراب ولا ~~زال ذلك الإمام يتردد في البيت الحرام وقد نال في الحرم آمنا حتى رمى ~~الجمرات وأمنى ثم قبل فاهها وخرج مسرعا من ذراها وخلى الدار تنعى من بناها ~~ففتح زيد عينيه وحملق حواليه ثم قال: يا أقذر القحاب هكذا يكون الدعاء ~~المستجاب (وإنما أوردت) هذا الكلام والتمثيل لك يا إمام ليتبين لكل عالم ~~همام وليتبصر أولوا العقل والأفهام الفرق ما بين قضايا الحس والعقل ~~والأوهام وقد شبه العقل بجل عال عزيز المنال وكل من قصد الصعود إليه ~~والارتقاء عليه لا يصعده إلا من طريق واحدة منها يوصل منه إلى الفائدة ~~وسلوك طريق المعاشرة مع العقلاء وذوي الآراء الأذكياء في العداوة وانصداقة ~~والكدرة والزياقة واللطافة والكثافة والخوف والرجاء والابتداء والانتهاء ~~إنما هو من باب متحد لا من طريق متعد ولأجل هذا يا متبصر سلوك مثل هذه ~~الطريق معهم متيسر لا متعوج ولا متعسر ورأس خيط هذه السموط بالاستقامة ~~والسلاح مضبوط بخلاف الجهال والخلعاء والحمقى والسفهاء فإن أمورهم منفرطة ~~وأفكارهم وآرائهم غير منضبطة فتتكدر خوار العقلاء في تعليمهم ويعيا طبيب ~~الفكر في تهذيب أحمقهم وتأديب سفيههم وقيل: # PageV01P440 # إني ms257 لآمن من عدو عاقل ... وأخاف خلا يعتريه جنون # والعقل فن واحد وطريقه ... أدرى وأرصد والجنون فنون # ولهذا قيل معاداة العاقل خير من مصافاة الجاهل ثم قالت غرغرة في أثناء ~~هذه القرقرة وأما ما ذكرت من البيان من مفارقة الأوطان وترك هذا المكان أما ~~سمعت حديث أشرف جنس الإنسان أن حب الوطن من الإيمان وقد ألفنا وطننا وحبه ~~وقلع أصول محبته من قلوبنا صعبة وهو في معزل عن طرق الجوارح ومكمن عن ~~السوائح والبوارح وإنما تعرض لأولادنا تلك الآفة من تراكم العساكر المصافة ~~ومن يحصل من أقدامها من كثافة وأنا أخاف إن انتقلنا من هذا الوطن يخرج من ~~أيدينا هذا السكن ولا نحصل على مأوى يليق أو لا توافقنا الغربة أو يمنع ~~مانع في الطريق فنقصد الربح فيذهب رأس المال فنخسر ما في أيدينا في الحال ~~ولا يحصل المأمول في الاستقبال وكيف وهو مسقط رأسنا ومحل أنسانا وأناسنا ~~فالأولى بنا الرضا والانقياد لأوامر القضا وملازمة الوطن القديم والسكون ~~تحت تقدير العزيز العليم وقد قيل إنما يشفي العليل إذا ترك مشتهيات نفسه ~~وقيد متمنياته في قيد حبسه ولابد للمريد من ترك المراد وللقانع من قطع ~~النظر عن الإزدياد والحرية في رفض الشهوات وكل ما هو آت آت # PageV01P441 # وأما وقائع الأولاد وحصول الانكاد وما يقع منهم بسببهم في كل أوان ~~فنحسبها إحدى ما يحدث لنا من نوائب الزمن ونحن بل كل المخلوقات عرضة ~~للنوائب والآفات وطعمة لسنابك المقدور ونهبة لحوادث الدهور ولو انتقلنا عن ~~وطننا وتحولنا عن سكننا وبعدنا عن هذا الجانب ونزعنا عن الأهل ~~والأقاربوحاورنا الأباعد لا يطيب لنا مقام وتتكدر أوقاتنا على مر الأيام ~~فلا نزال بين تذكر الوطن المألوف وتحنن إلى الصاحب المعروف فيسهل عند هذه ~~الأنكال مفارقة الأطفال ثم أعلم أيها الصاحب الأعظم أنه لو تيسر لنا مع ~~الانتقال انتظام الأمور استقامة الأحوال وحفظت الأولاد وزالت الأنكاد وصفا ~~الوقت وزال المقت فان الخاطر يشتغل ونار القلب بسببهم تشتغل فانه من حين ~~وجود الولد يتقيد بتعهده القلب والجسد وتصرف الهمة ms258 إلى القيام بمصالح معاشه ~~إلى حين ترعرعه وارتياشه ويزاد القلب تعلقا بمحبته ويتقيد الخاطر بالالتفات ~~إلى عمل مصلحته ويتضاعف ذلك يوما فيوما وشهرا فشهرا وعاما فعاما فان نابه ~~والعياذ بالله نحو ألم أو أصابه ضرا وسقم التهبت عليه الجوارح وانقلبت ~~الهموم على القلب والجوانح فان آل ذلك إلى الموت واستحال وجوده إلى عدم ~~وفوت فهو المصيبة العظمى والطامة الكبرى وأن سلم من هذه العاهات وبلاغ سن ~~الإدراك سالما من الآفات ونجا إلى بر الشباب من بحر المخافات ازدادت كلفة ~~وتضاعفت مؤنته وركب والداه في ذلك كل صعب وذلول وذهبا من مسالك الكد والكدح ~~في كل عرض وطول وتحملا أنواع المشاق والآثام وارتكبا فيما اكتسبا أصنافا من ~~الحلال والحرام وهذا إذا كان مطيعا ولأوامرهما منقادا سميعا وأما إذا ركب ~~جموح العقوق ونسي ما لهما عليه من حقوق فهي مصيبة أحرى وداهية كبرى ويصير ~~كما قيل: # PageV01P442 # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد # وعلى كل تقدير وأنت بهذا خبير وبدقائقه عليم أن الأولاد بين الأبوين وبين ~~الآخرة سد عظيم ما يخلص مع الالتفاف إليهم لله طاعة ولا على الانقطاع منهم ~~إلى طريق الآخرة وناهيك يا ذا الذكاء والفطنة أخبار من أنقذك من هذه المحنة ~~إنما أموالكم وأولادكم فتنه فاسمع هذا الكلام بأذن التحقيق واسلك في سبر ~~معانيه أوضح طريق وحقق يا ذا الإرشاد إن وجود الأولاد عند ذوي البصيرة من ~~النقاد مزيف ومتاع مزخرف وسم تحت حلوى وسرور فوق بلوى وعارية مردودة بعد ~~أوقات معدودة وأيام محدودة بل لعبة من خشب مموهة بالذهب وطلاء من نضار على ~~كوب من فخار وقد نبه على هذا رب العباد بقوله إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ~~وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد وكما أن الأطفال الصغار ~~الغافلين عن دقائق الأسرار إذا نظروا إلى اللعبة المزينة والخشيبات المصبقة ~~المستحسنة التهوا بها عن اكتساب الآداب وملازمة العلماء والمشايخ والكتاب ~~فيبلغون وهم جاهلون وعن طرق اكتساب الكمال ذاهلون ويشيبون وهم أحداث ~~ويتصورون ms259 أنهم طاهرون وهم أخباث كذلك كل من التفت إلى غير الله خاطره ~~والتهت بأموره الدنيا من المال والولد سرائره وضمائره وحرم من الأطلاع على ~~دقائق الملك والملكوت وفاته لذات الوقوف على دقائق الرغبوت والرهبوت فهو عن ~~الله تعالى محجوب وفي عساكر الأموات وأن كان حيا محسوب كما قيل: # وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... وأجسادهم دون القبور قبور # وإن امرأ لم يحي بالعلم قلبه ... فليس له حتى النشور نشور # PageV01P443 # قال الله تعالى وكلمته العليا المال والبنون زينة الحياة الدنيا وهذا ~~صريح بالشهادة على ما نقله وجلوت صدأ قلبك بتقريره وصقلته فلا تكونن لاه ~~ولا تعلقن قلبك بغير الله قولا واعتقادا وعملا فالباقيات الصالحات خير عند ~~ربك وخير أملا واجهد يا حبيب في إصلاح قلبك الكليم وأصغ لما قاله الحكيم ~~الحليم متحرزا من نكاية العذاب الأليم عاملا بما يرضي السميع العليم يوم لا ~~ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم وإذا علمت هذا وحققته وحررته ~~وصدقته فاعلم إن الأولى بحالنا والأحسن للنظر في مآلنا أن نعد ما نحن من ~~جملة النعم وإن هذا الذي قسم لنا من القسم في القدم ولا ننقل عن دائرة ~~الرضا والتسليم قدما عن قدم وننظر ما يتولد من حوادث الزمان ولا نرخي في ~~ميدان الطمع العنان ونعرض على جامح الخاطر ما قال الشاعر: كم نار بادية شبت ~~لغير قرى على بقاع وكم نور بلا ثمر # هون عليم أمورا أنت تنكرها ... فالدهر يأتي بأنواع من العبر # قال النجدي جميع هذا المقول صادر من موارد المعقول موافق لما ورد به ~~المنقول لقد غصت في بحر الفطنة على جواهر الحكمة فما تركت في ميدان المسائل ~~مقالا لقائل ولا مجالا لجائل ولكن لا ينبغي للعاقل أن يغفل عن حوادث الدهر ~~ولا يسند ظهره لكواذب العصر فان طوارق الآفات وخوارق العادات ومحن الزمان ~~وفتن الدوران محتجبة وراء أستار ومستورة في أنواع أطوار والفلك الدوار له ~~في علم الأدوار لعيبات أبكار يبرزها للنظار فتلعب بالأفكار ويذهب في سنا ~~برق ms260 مخارفها أبصار الأبصار ويخطئ في حركاتها الرأي المصيب ويدهش في دجى # PageV01P444 # حندسها الفطن الأريب وقد بادت الفكر وعجزت القوى والقدر وحارت عقول البشر ~~دون إدراك ما يبرزه كل وقت من الصور من وراء ستر الغيب مستعدا للقضاء ~~والقدر ولم يعهد من الدهر الخؤن والزمان المجون إذا استقام أو قزل أو جد أو ~~هزل أو أمر بنازل فنزل أو ولى أو عزل أو أقبل أو اعتزل أو غزل أن يرسل قبل ~~ذلك منذرا أو مبصرا أو محذرا اليستيقظ النائم أو ينهض الجاثم أو يتحرك ~~القائم وإنما يحطم بغته ويهجم في سكته ويأخذ على بهته فلا يفلت منه فلته ~~ولا يهمل إلى لحظة ولا لفته وقد قيل: # يا راقد الليل مسرورا بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا # لا تركنن لليل طاب أوله ... فرب آخر ليل أوقد النارا # وعلى هذا لو وقع منا غفلة أو ذهول عند قدوم هذا الجيش المهول فاخترم ~~والعياذ بالله واحدا منا ونحن أحسن ما نكون سكونا وأمنا فكيف ترين يبقى حال ~~الآخرون إلا كما قال الشاعر: # ما حال من كان له واحد ... يؤخذ منه ذلك الواحد # وإذا بقي أحدنا وانعزل متوحدا ماذا يفيده الوطن والجيران والسكن وهل تفي ~~لذة وصال ألفي سنة بألم فراق تلك الساعة الخشنة كما قيل: # إن كان فراقنا على التحقيق ... فذي كبدي أحق بالتمزيق # لو دام لنا الوصال ألفي سنة ... ما كان يفي بساعة التفريق # وقال أيضا: # لا كان في الدهر يوم لا أراك به ... ولا بدت فيه لا شمس ولا قمر # PageV01P445 # وكل من لم يفتكر في العواقب قبل حلولها ويتأمل في تداركها بقدر الطاقة ~~قبل نزولها ويطمئن إلى سكون الزمان ويسند ظهره إلى مسند الحدثان ويحيل ~~الكوائن على القضاء والقدر ويرفع يد التدبير عن تعاطي أسباب الحذر كان كمن ~~ترك إحدى زاملتيه فارغة وحشا الأخرى من الأحجار الثقيلة الدامغة فأنى ~~يستقيم محملة أو يبلغ منزله فلا يزال حمله مائلا وخطبه هائلا فالعاقل يسعى ~~فيما يظن نفعه ويبذل في ذلك غاية جهده ووسعه ولا ms261 يترك الطلب ولا يغفل عن ~~السبب ويعمل بموجب ما قيل: # فلا وأبيك لا أدع احتياطي ... ومالي في قضاء الله حيله # وعلى كل حال يا ربة الحجال تعاطي الأسباب لا يقدح في الاتكال وناهيك يا ~~مليحة العمل حكاية الحمار مع الجمل فسالت غرغرة أن بين ذلك ويذكره (قال) ~~بلغني أنه ترافق في المسير عبر مع بعير فكان الحمار كثير العثار مع أن ~~عينيه تراقب مواطئ رجليه وكان الجمل على عظم هامته وعلو قامته وبعد عينيه ~~عن مواطئ يديه ورجليه لا تزال له قدم ولا يصل إليه ألم فقال الحمار للبعير ~~أيها الرفيق الكبير ما بالي في المسير كثير التعثير دائم الوقوع والزلل ~~والعثار والخطل لا أخلو من حجر يدمى مني الحافر أو عثرة ترميني في حفرة ~~حافر مع أن عيني تراقب يدي ولا تنظر سواهما إلى شيء وأنت لا تنظر مواطئ ~~اخفافك ولا تعرف على ماذا تقع رؤس أطرافك لا حجر يصيب خفك ولا شوكة تخرق ~~كفك ولا جورة تقع فيها ولا تختل عن طريق تمشيها ولا أدري هذا مماذا # PageV01P446 # قال أبو صابر يا أخي نظرك قاصر وفكرك غير باصر لا تراقب ما بينيديك ولا ~~تنظر ما أمامك ألك أم عليك فإذا أدهمك ما دهاك عجز عنه نهاك فلا تشعر إلا ~~وقد وقعت وانخرق ما راقعت فلا يمكنك التدارك والتلاف إلا وأنت رهين التلاف ~~وأما أنا فأراقب ما يصير من العواقب وأنظر أمامي الطريق على بعد فأميز ~~المسلوك من قبل ومن بعد فلا أصل إلى صعب إلا وقد أذللته ولا إلى وعر إلا ~~وقد سهلته ولا إلى وهدة إلا وقد عرفت طريقها ولا إلى عقبة إلا وقد كشفت ~~واسعها ومضيقها فاستعد للأمر قبل نزوله وأتأهب للخطب قبل حلوله واحتال ~~لقطعة وصوله وأحله قبل أن يعقد وأقيمه دون أن يقعد وهذه قاعدة للفقهاء وأصل ~~كبير للحكماء من العلماء أنهم قالوا أن الدفع أهون من الرفع ومن كلام ~~الألباء وأصول حذاق الأطباء قوله: # الطب حفظ صحة برء مرض ... من سبب في بدن إذا ms262 عرض # (وإنما أوردت) هذا المثل عن الحمار والجمل لتعلمي ياست الحجل أنه لا بد ~~لنا من الأهبة قبل النكبه فما كل مره تسلم الجره وقد قرب وقت وضع البيض ~~وبعده يدهمنا من سيل العسكر الفيض فلا بد من أعمال الفكر المصيب في وجه ~~الخلاص من هذا الأمر العصيب كما قيل: # مهد لنفسك قبل النوم مضطجعا # قالت غرغره الحكيمة المدبرة جميع هذه الأخبار لا تخلو عن دقيق الأنظار ~~وتحقيق مصيب الأفكار وغامض معاني الأسرار وكل عاقل يقبله يديه ويقبل يديه ~~ويمتثله ويقبل عليه وكل فكر مصيب يجثو للأقتباس بين يديه # PageV01P447 # ولكن طلاب الأغراض الدنيوية والمسارعون إلى نيل المرادات والأمنية على ~~فرق شتى وأنا أفصلها حتما منهم من يبلغ الآمال بقوة الجند وبذل الأموال ~~ومنهم من يساعده الدهر ويعاضده معاون العصر وينهض له مسعد التقدير فيقوم ~~معه كل كبير وصغير كما قيل: # وإذا أراد الله نصرة عبده ... كانت له أعداؤه أنصارا # فيقبض له المساعد ويعضده المقارب والمباعد فلا يحتاج إلى كبير ولا في سعي ~~ولا في استماع النصيحة ونفعها إلى وعي بل يصل إلى قصده بدون كده وبغير جهده ~~وجده فمهما فعل أنجح قصد أفلح وحيثما توجه أربح وأينما مال أرجح ومنهم من ~~يحتاج إلى جهد جهيد وسعي مديد وكد طويل عريض وجد عريض غير غريض مع مساعد ~~ناصح ومعاون صالح وتعاطي أسباب وقرع أبواب وفكر دقيق ومسعد رفيق حتى يبلغ ~~مراده ويصل إلى ما أراده ومنهم من تغلب عليه العجلة والطمع وشدة الحرص ~~والهلع فيسارع إلى نيل ما يرومه فيلقب في هرة الحرمان حرصه وشومه فيقع من ~~التعب والنصب في هوه ويحرم لكونه اعتمد على ماله من حول وقوة فيصير كما ~~قيل: # الحرص فوتني دهري فوائده ... فكلما زدت حرصا زاد تفويتا # ومنهم من يتمنى ثم يتكاسل ويرجو ويترقب ويتساهل فيحرم مقصده ويرد عجزه من ~~مراده يده وقد قيل في المثل تزوج التواني بنت الكسل فاولد الزوجان الفقر ~~والحرمان فانظر يا ذا لركون والوقار والسكون نحن من أي هذه الفرق نكون وأنت ms263 ~~تعلم أنا لا نقدر على مقاومة العقاب ولا أن ندفع عن أنفسنا ما ينزل بنا من ~~عقاب فانه إذا طار العقاب يبلغ الثريا والسحاب ونحن إذا تحركنا في الهو ~~افلا نقدر أن نرتفع عن وجه الثرى وقد قيل في المثل كما ترى أين الثريا من ~~الثرى وقيل من تعلق بخصم # PageV01P448 # هو أقوى منه فلقد سعى في هلاك نفسه برجله ووضع تراب الدمار على رأسه بيده ~~وكنت يا بدري أنشدتك من شعري: # ومن يتشبث في العداوة كفه ... بأكبر منه فهو لا شك هالك # وكان مثله مثل النملة الخفيفة التي نبتت لها أجنحة ضعيفة فتحركها دواعي ~~الطيران فتتصور أنها صارت كالنسور والعقبان فبمجرد ما ترتفع عن الثرى إلى ~~الهواء التقمها عصفور أو خطفها أصغر الطيور ولهذا قيل: # إذا ما أراد الله أهلاك نملة ... أطال جناحيها فسيقت إلى العطب # ونحن ما لنا اطلاع على مكان من الغيب فنزه نفسك عن هواجس الريب وليس لنا ~~مساعد من الأقارب والأباعد ولا لنا مال ولا خيل ول رجال ونحن أقل من أن ~~يساعدنا زمان أو يعيننا على العقاب أعوانفلم يبق إلا الركون والأتكال على ~~حركات السكون فما تدري غدا ماذا يكون وأعلم أن حركاتنا مع العقاب والجامع ~~لنا معه من الأسباب متحدة في الحقيقة وطريقتنا معه من جنس ماله من طريقه ~~وهي الطيريه وكلنا فيها سويه وهو منها كاعجاز القرآن من الفصاحة في الطرف ~~الأعلى ونحن منها كاصوات الحيوان في الأطراف الأدنى فالأولى يحالنا ~~الأصطبار إلى أن يصل لكسرنا من عالم الغيب إنجبار كما قيل: # مهلا أبا الصقر فكم طائر ... خر صريعا بعد تحليق # زوجت نعمي لم تكن كفأها ... آذانها الله بتطليق # (وقيل) : # الأمر يحدث بعده الأمر ... والعسر مقترن به اليسر # وحلاوة الصبيان من عسل ... تلهى وأن حلاوتي الصبر # والصبر يعقب بعده شكر ... من نعمة تأتيك أو أجر # PageV01P449 # فقال الذكر هذه الفكر من الصواب قريب وسهمها عند أولى البصائر والتجارب ~~مصيب ولكن من يتكفل بوفاء العمر الغدار والأيصال إلى الأوطار ويقوم بالأمن ~~من حوادث الليل والنهار ms264 وأنسبت انشادي في الوادي يا زين النادي وجمال ~~الحاضر والبادي: # لئن بادرت في تسليم روحي ... أتاني من ورائي من يعوق # وأن أسرعت نحو الوصل عذرا ... فعمري من ورا ظهري يسوق # ثم قال النجدي والرأي السديد عندي والذي أعيده فيه وأبدي أن نتوجه إلى ~~حضرة العقاب ونكشف عن وجه مرادنا لديه النقاب ونطلب منه الأمان من عوادي ~~الدهر ونكبات الزمان ونستظل بجناح عاطفته وننتظم في سلك جماعته وخدمته فانه ~~ملك الطيور وبيده أزمة الجمهور وهو أن كان سلطان الجوارح والكواسر وشيمته ~~سفك الدمار والتمزيق بمخاليبه النواسر لكنه ملك عالي الهمة ومن شيم الملوك ~~الشفقة والرحمة ولا تقتضي همته العالية إلا الشفقة الوافية خصوصا على من ~~يرتمي لديه وينتمي إليه ولا تدعه شميته الأبية وهمته العالية الحميه ~~وشمائله الشهمة الملوكية أن يتعرض إلينا بضرر أو أن يطير إلينا منه شرر ~~قالت غرغره بعد الاستغراب في الكركرة العجب كل العجب من رأيك المنتخب أنك ~~تخلط منه الغث بالسمين وتسوق فيه الهجان مع الهجين فتارة تصيب حدقة الغرض ~~وأخرى تصرف السهم حيث عرض فتصير كما قيل: # تلونت حتى لست أدري من الهوى ... أريح جنوب أنت أم ريح شمأل # هذه المصائب التي نشكوها والنوائب التي نقر أسورها ونتلوها هل هي غير ما ~~نقاسيه من العذاب ونعانيه من أليم العقاب في لحظة من ملاقاة عسكر العقاب ثم ~~أنك أنت تحركت في آرائك وسكنت وشرقت في أفكارك وغربت وتباعدت وتقربت ~~وارتفعت يا سلطان وامتنعت وسقطت وجلت # PageV01P450 # وحمت وقعدت وقمت ثم أسفر رأيك السديد وفكرك الرشيد وأمرك السعيد عن أن ~~تجرنا بسلاسل الحديد إلى العذاب الشديد وتخلدنا فيه الدهر المديد ولا الله ~~بل تريد أن نمشي بأرجلنا إلى الشكبة ونلقي بأيدينا أنفسنا إلى التهلكة وقد ~~أشبهت في هذه الحركة مالكا الحزين والسمكة فقال النجدي لأبنه السعدي أريحي ~~وغني (شكوى الجريح إلى العقبان والرخم) فقالت له أزل الغصة بقص هذه القصة ~~(فقال) كان في بعض المروج من قرى سروج نهر كثير الحيتان شديد الجريان وفي ~~مكان من مصون مأوى ms265 المالك الحزين البلشون فكان يتصرف في السمك نصرف المالك ~~فيما ملك قضى في ذلك عمره وزجى أوقاته في طيب عيش ومشره إلى أن أدركه ~~المشيب ورحل عنه العمر القشيب وكساه خياط الدهر دلق ومن نعمرة ننكسه في ~~الخلق ورأى من الكبر أصناف العبر إلى أن ضعفت قوته عن الاصطياد وجرى عليه ~~من الآلام والأنكاد ومن نوائب الدهر ما الزمان به معتاد فصار يمر عليه برهة ~~من الأوقات وهو عاجز عن تحصيل الأقوات فتوجه في بعض الأحيان وقد علته كآبة ~~الأحزان ووقف على النهر متفكرا في تصرفات الدهر فمرت به سمكة لطيفة الحركة ~~فرأته في ذل الانكسار سابحا في بحر الأفتكار لا قدرة له ولا حركة ولا نهضة ~~لاختطاف السمكة فلم يلتفت إليها ولا عول عليها وقد أوطأته الحوادث أقدام ~~الهمومالكوارث وبدل ربيع شبابه بخريف الهرم وحرارة حربه ببرودة السلم فوقفت ~~لديه وسلمت عليه وسألته عن موجب تفكره وسبب تحزنه وتحيره # PageV01P451 # فقال تفكرت ما مضى من الزمان الناضر وما تقتضي فيه من طيب العيش وانشراح ~~الخاطر وقد تبدل وجوده بالعدم ولم يحصل من ذلك سوى الذنوب والندم وقد وهنت ~~العظام واستولى على الجسد السقام وتزلزلت أركان الأعضاء وتراكمت فنون ~~الأدواء واشتعل الشيب وانقد وجر الآلام وقد: # عزمت على إخلاء جسمي روحه ... من خرق شيب كل عنه الراقع # قلت اسكنيه يا عمارة عمره ... قالت فكيف وبيت جسمك واقع # ثم قال ولم أفق من هذه السكرة ولا وقعت في هذه الفكرة إلا وسفينة العمر ~~بالساحل قد أرست وأصيل شمس العيش على قلة الفناء أمست فما أمكنتي إلا ~~التلافي بالتوبة والندم قبل حلول نوائب الأجل وزلة القدم والتطهر من جنابة ~~المظالم بمياه الاستعبار والالتجاء إلى جانب الحق بالالظاظ في الاستغفار ~~وغسل أوساخ الذنوب والمظالم بدموع الإنابة والاعتذار: # وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شامل # فاعلمي أن جامح هواي قلع ضرس الآمال والطمع وجارح متمناي خوافي الشره ~~والهلع وقد قدمت إلى هذا المكان لا تحلل من الأسماك والحيتان فأني طالما ~~أغرت ms266 على عشائرهم وأولادهم وخضت في دماء قلوبهم وأكبادهم وشتت شملهم وخوفت ~~جلهم وقلهم. وأرعبتهم وأرهبتهم وأقلقتهم وفرقتهم وغربتهم وبالدماء شرقتهم ~~فرأيت براءة الذمة في الأولى أولى والمبادرة بالتوبة قبل المصير إلى الأخرى ~~أحرى فلعل أحمال الذنوب تخف وسحائب الغفران تكف # PageV01P452 # فلما سمعت السمكة هذه الخديعة ووعت ما فيها من حركة بديعة تشربتها ~~أضلاعها ودعاها انخداعها إلى أن قالت فما ترى أيها العبد الصالح أن أتعاطاه ~~من المصالح فقال ابلغني السمك هذا الكلام بعد إبلاغ التحية والسلام وأن ~~يكون القوم من بعد اليوم آمنين من سطواتي سالمين من حملاتي ساكنين إلى ~~حركاتي بحيث تتجلى الظلماء ويعود بيننا الحرب سلما وينام السمك في الماء ~~قالت لا بد من أخذ العهود على الوفاء بهذه العقود وأقلها المصافحة على ~~المصالحة ثم تأكيد الأيمان بخالق الأنس والجان ولكن كيف أصافيك وأنا طعمتك ~~وأني أتخلص من فيك إذا وضعت فيه لقمتك قال لها ابرمي هذا العلف واربطي به ~~حنكي لتأمني التلف فأخذت قبضة من الحشيش وفتلت وإلى ربط فكه أقبلت فعندما ~~مد منقاره إلى الماء وقربت منه السمكة العمياء لم يفتر أن اقتلعها ثم ~~ابتلعها (وإنما أوردت) هذه اللطيفة يا ذا الحركات الظريفة لتعلم أن قربنا ~~من العقاب ألقى بنا أنفسنا إلى أليم العقاب وأين عزب عنك نهاك حتى تسعى بنا ~~إلى عين الهلاك ونحن قوت العقاب وغذاؤه ولداء جوعه شفاؤه ودواؤه وهل يركن ~~إلى العقاب ويؤمن منه ضرب الرقاب وقد قيل: # أنفاسه كذب وحشو ضميره ... دغل وقربته سقام الروح # وقد قيل: # أنهاك أنهاك لا آلوك معذرة ... عن نومك بين ناب الليث والظفر # قال النجدي اسلمي يا قرينة الخير واعلمي أن الريح وقت الربيع تكسو أكناف ~~الأشجار من أنواع الأزهار ووجه الصحاري والقفار من أنوار # PageV01P453 # الأنوار ما يدهش البصائر ويروق الأبصار وينعش الأجسام ويشفي الأسقام ~~ويبرد الغليل ويبرئ العليل لا سيما وقت السحر ونسيم الصبا في ضوء القمر ~~يربى القلب والروح وبحي الصب والجروح وكذلك المعرفات النشر واللواقح ~~والمعطرات بطيب الروانح ودونك قول الحق في كلمته ms267 ومن آياته أن يرسل الرياح ~~مبشرات وليذيقكم من رحمته وفي المصيف الجرور العسيف والسموم العصيف المذيب ~~المذيف وفي الشتاء وأيام الخريف الصرصر المخيف يصفر اللوم ويغير الكون ~~ويعرى الأشجار ويسقط الثمار ويثير الغبار وربما كانت إعصارا فيه نار وتسقم ~~الصحيح وتطبر الهشيم في الريح ومنها الأعجاز الموشحات والأيام النحسات ~~والقواصف والعواصف والحواصبوالحراجف والصرصر والنكباء والزعرع والرخاء وقد ~~قال فيها العزيز العليم فأرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أنت عليه ~~إلا جعلته كالرميم ثم اعلمي يا ربة الحجال وفتنة الرجال إن النار تحرق من ~~يقربها وتذهب ما يصحبها وتنشف الطراوة وتشوه الطلاوه وتنتقم ما تجده # PageV01P454 # وتلتهم وتزدرده وتسود بدخانها وتؤلم الأجساد بقربانها وتمحو الآثار وتهدم ~~الديار مع أنها تنضج الأطعمة وتصلح الأغذية وتهدي النور وتد في المقرور ~~وترشد الضال في القفار ورؤس الجبال قال من يقول للشيء كن فيكون أفرأيتم ~~النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن نحن جعلناها تذكرة ~~ومتاعا للمقوين وكذلك الماء يا ذات الثغر الألمي يذهب الظما ويجلب النما ~~ويبرد الصدور ويطفئ الحرور وينبت الزروع ويدر الضروع ويحمل المراكب وما ~~فيها من مركوب وراكب وما فيها من مركوب وراكب قال القادر على كل شيء وجلعنا ~~من الماء كل شيء حي وإذا طغت المياه والعياذ بالله أغرقت المراكب وخطفت ~~الراجل والراكب واقتلعت الأشجار واقتطفت الحجار وأتلفت الزروع والثمار وإن ~~تراكمت الأمطار قطعت سبل الأقطار وهدمت الديار وردت الآبار وسل عن ذلك ~~ملابس الأسفار ومجالس الرتب من أهل الأمصار وإذا تكائف الرش غرقت مصر وآذى ~~أهلها العطش ونعوذ بالله من هجوم السيل في ظلام الليل وكذلاك التراب يا زين ~~الأحباب ينبت الحصرم والعنب والثمر والحطب والشوك والرطب ويشرع سنان الشوك ~~المحدد وغصون السهم المسدد ويربى الورد والأزهار والرياحين والأنوار ~~والأقوات والثمار والرياض النضرة والغياض الخصرة ثم إذا ثار وهاج الغبار ~~خرج من تحت الحوافر فاعمى النواظر ففيه الحلو والمر والزوان والبر والناعم ~~والخشن والقبيح والحسن والأرض مهاد وفراش وفيها أسباب المعاش # PageV01P455 # وهذه المضرة والمنفعة مركبة في ms268 هذه العناصر الأربعة التي هي أصل الكائنات ~~وسنخ ما نشاهده من المخلوقات وإذا كان ذلك كذلك وقاك الله شر المهالك وأوضح ~~لك أوضح المسالك فاعلمي بالتحقيق يا صاحبة الثغر العقيق إن هذا الملك ~~الأعظم بل كل أولاد بني آدم مركبون من الرضا والغضب والحلم والصخب والرفع ~~والحط والقبض والبسط والقهر واللطف والظرافة والعنف والخشونة واللين ~~والتحريك والتسكين والبخل والسخاء والشدة والرخاء والوفاء والجفاء والكدورة ~~والصفاء واعلمي يا نعم العون وقرينة الصون إن هذا الكون سروره في شروره ~~مندمج ووروده في صدور مندرج وصفاؤه مع كدره مزدوج وجفاؤه بوفائه ممتزج ~~فيمكن أن العقاب لكونه ملكا مالك الرقاب مع وجود هيبته القاهرة وسطوته ~~الباهره وخلقه الشرس الصعب الشكس إذا رأى ضعفنا وذلنا وانكسارنا وقلنا ~~وترامينا لديه وتعولنا عليه يضمنا إلى جناح عاطفته ويسبل علينا خوافي ~~مرحمته ويعاملنا بالألطاف ويسمج لنا بالإسعاف دون الأعساف ويعمل بموجب ما ~~قيل: # لكل كريم عادة يستعدها ... وأنت لكل المكرمات امام # والقادر على الكسر والجبر لا سيما إذا كان من ذوي النباهة والقدر لا ~~يعامل ذوي الكسر بالكسر لانا في مقام الأبوة والتقوى على الضعيف ضعف في ~~القوة وقالوا المصغر لا يصغر وسجدة السهو ولا تكرر قالت غرغرة ذات التبصرة ~~هذا وأن كان داخلا في حيز الإمكان لكن أخاف يا ذا الألطاف أنا بمجرد الوقوف ~~بين يديه في الصفوف لا # PageV01P456 # نمهل بأداء الكلام ولا للثبات في المقام بل نعامل بالتمزيق والتخريق ~~وننحر بعد في الطريق وتهوى بنا خواطف الطير في مكان سحيق فيفوتنا هذا ~~المطلب إذ قيل الطبع أغلب وهذا وصلنا إليه وتمثلنا بين يديه وأما إذا ~~اعترضنا دونه عارض وجرحنا من جوارح الطير معارض ولا حول يحمينا ولا قوة ~~تنجينا فينتف ريشنا كل باغ ويتجاذب لحمنا كل طاغ فيصير مثلنا مثل النمس ~~والزاغ فسأل اليعقوب تلك الرقوب كيف هذا المثل أخبريني يا ست الحجل (قالت) ~~كان في بعض البساتين العاطرة والرياض الناضرة مأوى زاغ ظريف حسن الشكل لطيف ~~في رأس شجرة عالية أغصانها سامية وقطوفها دانية فاتفق ms269 لنمس من النموس في ~~وكره ضرر وبوسفانزعج عن وطنه واحتاج إلى مفارقة سكنه فقاده الزمان إلى هذا ~~المكان فراقه منظره وشاقه نوره وزهره وأعجبه ظله وثمره وأطربه بخريره نهره ~~فعزم على السكنى فيه وتوطن إلى أن توطن في نواحيه ذرآه أحسن منزل وإذا ~~أعشيت فانزل ووقع اختيار ذلك الطاغ على وكر في أصل شجرة الزاغ فسوى له وكرا ~~وحفره في أصل تلك الشجرة وألقى عصا التيسار واستقرت به هناك الدار فلما رأى ~~لزاغ هذه الحال داخله الهم والاوجال وخشى أن يتدرج من أدناها ويتدحرج إلى ~~أعلاها وينشد الأصحاب في هذا الباب: # ولما مضى الشوق ... إلى نحو أبى طوق # تدحرجت لكني ... من تحت إلى فوق # فيصل إلى وطنه القديم ويذيقه العذاب الأليم فليس له خلاص من هذا الاقتناص ~~إلا مفارقة الوطن والانزعاج بالتحول عن السكن وكيف يفارق ذلك النعيم ويسمح ~~بالبعد عن الوطن القديم وهو كما قيل: # PageV01P457 # بلاد بها نيطت على تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها # فغلبت محبة وطنه على قلبه ولم يطاوله على فراقه لشدة حبه ثم اعتراه في ~~ذلك الوسواس وأخذ يضرب أخماسا لأسداس في وجه الخلاص من هذا البأس فرأى ~~المدافعة أولى الممانعة عن جوارحه لخاطره أجلى ثم افتكر في كيفية المدافعة ~~وسلوك طريق الممانعة فلم ير أوفق من المصانعة وتعاطي أسباب المخادعة ليقف ~~بذلك أولا على حقيقة أمره ويعرف معيار خيره وشره ويصل إلى مقدار قوته وضعفه ~~ورصانة عقله وفهمه وسخفه ويسبر حالتي غضبه ورضاه ويدرك غور أحواله ومننهاه ~~ثم يبني على ذلك أساس دفعه وهدم ما يبنيه من قلعته لقلعه فهبط إلى النمس من ~~الهواء وحفظ شيأ وغابت عنه أشياء وسلم عليه سلام المحب على الحبيب وجلس منه ~~بيمكان قريب وخاطبه خطاب ناصح لا مريب وابتهج بجواره واستأنس بقرب داره ~~وذكر له أنه كان وحيدا وعن الجليس الصالح والأنيس الناصح فريدا وقد حصل له ~~الأنس بمجاورة النمس وأنه صدق من قال في هذا المقال: # انفراد المرء خير ... من جليس السوء عنده # وجليس الخير خير ... من ms270 جلوس المرء وحده # فاستمع النمس حديث الزاغ وما طغى بصر يصيرته عن سكايده وما زاغ ثم افتكر ~~في نفسه ونظر في مرآة حدسه فرأى أن هذا الطير بخبث السيرة مشهور وبسوء ~~السريرة مذكور ولا أصله زكي ولا فرعه على ولا غائلته مأمونة ولا صحبته ~~ميمونة ولا خير عنده ولأمير بل يخشى منه الضرر والضير وكأنه فيه قيل: # PageV01P458 # وهو غراب البين في شؤمه ... لكن إذا جئنا إلى الحق زاغ # ولم يكن بيننا وبينه قط علاقة ولا واسطة محبة ولا صداقة وأما العداوة ~~فإنها مستحكمة وكل منا للآخر ما كلة ومطعمه ولا أشك أنه إنما قصد طريقة سوء ~~ومكيدة نكد فأن أضعت فيه الفرصة أطلت الغصة ووقعت من الندامة في قصة وحصة ~~ولا يفيدني إذ ذاك الندم أني وقد فات المطلوب وزالت القدم (وأحزم الحزم سوء ~~الظن بالناس) فالذي يقتضيه الحزم والرأي السديد والعزم القبض عليه إلى أن ~~يظهر ما لديه ثم وثب من مريضه وأنشب في الزاغ مخاليب مقبضه وقبضه قبضه أعمى ~~لا كالقابض على ألما فلما رأى الزاغ هذا النكد وأنه قد صار كالفريسة في ~~مخاليب الأسد ناداه يا كريم الخير ويا أيها الجار الحليم عن الضير أنا رغبت ~~في مصادقتك وجئتك محبا في موافقتك ومرافقك وأردت إزالة وحشتك وموانستك ~~بإبعاد دهشتك وحاشاك أن تخيب ظني فيك وتعامل بالجفاء من يوافيك وأنشده: # وحاشاك أن تمشي بوجهك معرضا ... وما يحسن الأعراض عن وجهك الحسن # والكرام لا يعاملون الجلساء إلا بالمؤانسة وحسن الوفاء والإبقاء على خير ~~والبعد من الضير وأنا قد صرت جليسك وجارك وأنيسك وقد قيلوكنت جليس قعقاع بن ~~شور ولا يشقى لقعقاع جليس مع أنه لم يسبق مني سبب عداوة ولا ما يوجب هذه ~~الفظاظة والقساوة وهذه أول نظرة فما موجب هذه البدرة وما سبب هذه النفرة ~~قال النمس أيها الزاغ الكثير الرواغ وانحس باغ وانجس طاغ اسمك ناطق انك ~~منافق وهو خبر صادق إذ هو في الخارج للواقع مطابق ورؤيتك شاهده أنك تنقض ~~المعاهدة وعين منظرك دل على مخبرك ms271 وقد قيل: # PageV01P459 # والعين تعرف من عبتي محدثها ... إن كان من حزبها أن من أعاديها # من أين بيننا صداقة ومتى كان بين النموس والزاغ علاقة وكيف تنعقد بيننا ~~صحابه وأنى يتصل لنا مودة أو قرابة بين لي كيفية هذا السبب ومن أين هذا ~~الإخاء والنسب أما أنت فلي طعمه وأما أنا فلحمي لسدي غذائك لحمه يسوءني ما ~~يسرك وينفعني ما يضرك: # الله يعلم أنا لا نحبكم ... ولا نلومكم أن لا تحبونا # أنا واقف على ما في ضميرك وعالم بسوء فكرك وتدبيرك قد اطلعت منك على ~~الهواجس كما اطلع ذلك الماشي على ما في خاطر ذلك الفارس قال الزاغ بين لي ~~بلا جدل كيف هو هذا المثل (قال) النمس ذكر رواة الأخبار ونقلة الآثار أنه ~~ترافق في بعض السباسب راجل وراكب وكان مع الراجل من البضائع رزمه وقد جعلها ~~كارة وخرمها أوثق خرمه وقد أعياه حملها حتى أعجزه نقلها فقال للراكب أيها ~~الرفيق الصاحب لو ساعدتني ساعة بحمل هذه البضاعة لكنت أرحتني ونفست عني ~~وشرحتني: # كذى المجد يحمل أثقاله ... قوى العظام حمول الكلف # قال الفارس لا أكل فرسي ولا أتعب نفسي ونفسي فان مركوبي لم يقطع البارحة ~~عليقه وأنا خائف أن لا يقطع بي طريقه وإذا خفت تخلفي في سيري فأني أتكلف ~~حمل أثقال غيري # PageV01P460 # فبينما هما في هذا الكلام إذ لاح في بعض الآكام فأطلق العنان وراء الأرنب ~~وذهب وراءهما كرأي الزنادقة كل مذهب فوجد فرسه قوية النهضة سريعة الركضة ~~فرأى أنه أضاع حزمه في عدم أخذه الرزمة وما ضره لو أخذها وساق وذهب إلى بعض ~~الآفاق وأقام بها أوده وأنتفع بها وولده وترك الماشي بلا شيء ثم رجع بهذه ~~النية الضارة ليحمل عن الماشي الكارة وقال له اعطني هذا الحمل المتعب ~~لأريحك من حمله في هذا المذهب وابلغ ريقك واقطع طريقك فقال له قد علمت بتلك ~~النية وما أضمرت من بليه فاتركني بحالي فلي حاجة بمالي فثم أن النمس كسر ~~الزاغ وحصل له بأكله الفراغ (وإنما أوردت) هذا المثال لتعلم ms272 بأفحل الرجال ~~إن العقاب لا يؤمن ولا يقطع فيه بالظن الحسن ولا يركن إلى خطفة بوارقه ~~بمخاليب صواقعه وصواعقه ولا إلى غوائله وبواثقه وهذا إن سلمت شقة حياتنا من ~~تشقيق غواشيه وتخلص برد وجودنا من تمزيق حواشيه وإن بينك وبين هذا المراد ~~خرط القتاد والموانع التي هي دون سعاد فما الوصول إلى ملك الطير قريب ~~التناول في السير ولا سهل المأخذ ولا سريع المنفذ وأين الحجل من العقاب ذاك ~~في نعائم النعيم وهذا في عقاب العقاب فتدبر عاقبة هذا الأمر وتأمل في الفرق ~~بين التمر والجمر والظاهر عندي وما أدى إليه فكري وجهدي إن عاقبة هذه ~~الأمور ليس إلا القطوع والقصور دون الوصول إلى الملك في القصور # PageV01P461 # قال الذكر لقد كررت عليك مرارا وأسندت إلى سمعك إنشاء وأخبار أن علو همة ~~هذا الملك وفضله الخالي عن شرك وكرم نجاره وأمن خادمه وجاره وفيض إحسانه ~~وبسط كرمه وامتنانه وانتشار صيت حشمته واشتهار رأفته ورحمته لا يقتضي حرمان ~~من قصده وأم جنابه وأعتمده ولجأ إلى جناح عاطفته وتشبث بذيل ملاطفته وحاشاه ~~أن يصم مصون همته بابتذال دناءة ويشوه جمال وفائه لمن ترفق له بنكتة جفاء ~~تخيب رجاءه خصوصا إذا رأى مني خضوع العبودية والقيام بمراسيم الخدمات ~~الأديبة والمقام بمراكز مرضيه والوقوف عند كل ما يعجبه ويرضيه فأني بحمد ~~الله تعالى أعرف مداخل الأمور ومخارجها وعندي الاستعداد الكامل لصعود ~~معارجها وأعلم طرق المجاز إلى حقائقها وسلوك دروبهاوطرائقها فالأولى أن ~~نقتصر عن المحاورة ونكتفي بهذه المساورة في المشاورة ونتوكل على مقلب ~~القلوب ونتوجه نحو هذا المطلوب بعزم شديد وحزم سديد فان تيسر لي ملاقاة ~~حضرته والتمثل في مراكز خدمته وحصلت لي مشاهدته واتفقت مخاطبته ومعاهدته ~~أنشأت خطبة تدفع الخطوب وتجمع القلوب وتؤلف بين المحب والمحبوب وأرجو أن ~~تكون نافعه لمصالح الدين جامعة فان كلامي في مقامي كما قيل في المثل: # فأوجز لكنه لا يخل ... وأطنب لكنه لا يمل # وآخر الأمر سلمت غرغرة زمام انقيادها إليه وعولت في عمل المصالح عليه ثم ~~قالت له عيش ms273 واسلم وتيقن وأعلم انك إذا قصدت هدمة الملوك وأردت في طريق ~~مصاحبتهم السلوك فانك محتاج في ذلك المنهاج إلى نور وسراج يهديك إلى صفات ~~جميلة وتلبس بخصائل نبيلة تتحلى بجمالها وتتعلى بكمالها وتتجلى في شمائل ~~جلالها # PageV01P462 # الأولى أن تقدم في جميع مصادرك ومواردك الملك على جميع مقاصدك الثانية أن ~~تتلقى أموره بالتعظيم وتقيم أوامره بالاحترام والتفخيم الثالثة تحسن أقواله ~~وتزين أفعاله بوجه لا يتطرق إليه تشويه ولا يحتاج فيه إلى تنبيه الرابعة ~~تجتهد في صيانة عرضك عن الخنا وإياك أن تقول في حضرته أنا فتقع في العنا ~~الخامسة أن تعد على الدوام ومرور الأيام خدماتك الوافرة وحقوقك المتكاثرة ~~عن حقوق نعمه قاصرة السادسة إذا وقعت منك زلة فلا تتعد بها جمع القلة بل ~~اطلب لتلك الهفوة في الحال محوه واقصد مراحمه وعفوه فان الذنوب إذا تراكمت ~~وتجمعت وتزاحمت أشبهت المزبلة المدمنة وفاحت روائحها المنتنة والإنسان غير ~~معصوم والآدمي بالخطأ موسوم السابعة احفظ وجهك في حضرته عن التقطيب وكلامك ~~أن يفوح منه غير الطيب الثامنة إياك ومصادقة أعدائه ومعاداة أوليائه ~~التاسعة كلما زادك رفعة وتقريبا مل إلى التواضع واعظامه تصويبا # PageV01P463 # العاشرة لا ندخر عنه نصيحة وانصحه في الخلوة لئلا يؤدي إلى الفضيحة وإذا ~~أقامك في أمر ولو أنه المشي على الجمر لا تطلب منه أجرا ولا تبد لذلك ذكرا ~~فأن الطمع يورث العقوق والمن يسود وجه الحقوق وأعلم أن حضرة الملوك عظيمة ~~ومجالسهم جسمية تنزه عن الكذب والغيبة والنميمة والأقوال الوخيمة والأفعال ~~الذميمة وإياك أن تتعدى القواعد الكسرويه وتتخطى القوانين السلطانية فان ~~أعظمها كان أن يعرف كل إنسان تقصير نفسه في خدمة مخدومه ويعترف له من ~~إحسانه بعمومه ويقيم واجب همة ملكه ومقام مرسومه قال النجدي أخبريني يا ~~دعدي وحظي وسعدي وابنة السعدي ومزينة القواعد بشيء من تلك القواعد (قالت) ~~من القواعد الكسرويه الدائرة بين البرية ما وضعها بعض الملوك وحمل رعيته ~~فيها على السلوك وكان مشهورا بالعدل والإحسان مذكورا بإقامة البرهان متصافا ~~بالصفات الحميدة مكتنفا بالشمائل السعيدة من الدين والعفة ms274 وعدم الطيش ~~والخفة بعقل راجح الكفة والعلم الوافر والحلم العاطر وذلك أنه في بعض ~~الأيام أمر أن يجتمع الخواص والعوام ما بين أمير ووزير وكبير وصغير وغني ~~وفقير وجليل وحقير وعالم وجاهل ومعضول وفاضل ومذكور وخامل وناظر وعامل وحال ~~وعاطل وحاكم وقاض وساخط وراض وجندي وتبع وأخرق وصنع ووضيع وشريف ولطيف ~~وكثيف وثقيل وخفيف وقريب وبعيد ومقبول وطريد # PageV01P464 # وشقي وسعيد وسوقة وتاجر وسفيه وفاجر ودان وقاص وطائع وعاص وصالح وطالح ~~وضاحك وكالح ومصيب ومخطئ ومسرع ومبطئ وصياد وملاح وسياح وسباح وبلدي وفلاح ~~ومسلك وسالك ومملوك ومالك بحيث لا يتخلف عن الحضور أحد ولا يجزي في التقاعد ~~والدعن ولد ثم مهد لهم في روض أرايض ومرج طويل عريض تصفق مياه أنهاره طربا ~~وتتناغى بأطيب الألحان فصحاء أطياره الخطباء وتتراقص بزهر الوقت أغصان ~~أشجاره ويلتذ بفواكه الجنان جاني ثماره فهو كما قيل: يلتذ جانيه بأنعم مقطف ~~ومنه ساكنه بأكرم معطف # والورق بين محلق في جوه ... طربا ومنحط عليه مرفرف # وأمر بفرش ذلك المكان بالفرش الحسان من الديباج والحرير وأطلق مجامر الند ~~والعبير وبين لكل مقاما معلوما ومجلسا مقسوما وأحل كلا منهم محله واسبغ ~~عليهم ذيل إحسانه وطله ثم أمر بأنواع الأطعمة المفتخرة وأصناف الملاذ ~~الطيبة العطرة فأحضرت في أواني الفضة والنضار ووضعت بين يدي أولئك الحضار ~~بحيث عمت الجميع ووسعت الشريف والوضيع وجلس الملك في مجلس السلطنة واكتنفه ~~من العساكر الميسرة والميمنتة وأخذ كل مكانه ورتب أصحابه وأعوانه ثم أقام ~~عليهم أرباب الديوان وأدخل جميعهم في دفاتر الحسبان وأمر مناديا سيدا يرفع ~~بصوته الندا في ذلك الجمع بحيث شمله من الجميع النظر والسمع يا أهل هذا ~~المكان برز مرسوم السلطان إن كل من هو فر مرتبه من # PageV01P465 # مرضاه أو معتبه لا يلاحظ من فوقه ولو أنه من أمير وسوقه بل يلاحظ حال من ~~هو دونه فائزة كانت منزلته أو مغبونه فان ذلك أجمع للقلوب وأدعى للشكر ~~المطلوب وأجلب للرضا بحوادث القضا فان من رأى نفسه في مقام ونظر غيره في ~~أدنى من ms275 ذلك المقام استقام وكانت عنده منزلته عليه وعد لنفسه على غيره مزبه ~~فتوطنت نفسه على الرضا واستقبلت بالشكر وارد القضا مثال ذلك الرئيس النازل ~~في الصدر إذا رأى من هو دونه في القدر لم يشك في أن محله محل البدر وباقي ~~الرؤساء كالنجوم فلا يأخذه لذلك وجوم وقد قال الحي القيوم في در كلامه ~~المنظوم وما منا إلا له مقام معلوم وكذلك النائب بالنسبة إلى الحاجب ~~والدوادار بالنسبة إلى البزدار والخزندار بالنسبة إلى جابي الدراهم ~~والدينار والمهتار بالنظر إلى السائس والبرقدار وكذلك بالنسبة إلى الحارس ~~وكاتب السر المرتفع بالنسبة إلى المدير والموقع والزمام بالنظر إلى سائر ~~الخدام وأيضا القاضي مع الفقيه والفقيه مع التاجر النبيه والتاجر مع السوقي ~~السفيه والغنى والأمير بالنسبة إلى المأمول والفقير وعلى هذا القياس أوضاع ~~جميع الناس من أرباب الصنائع وجلاب البضائع وأهل المدن والقرى وذوي البيع ~~والشرا والوهد والذرا وأولى الوضاعة والشرف من أنواع المكتسبات والحرف إلى ~~أن ينزلوا في المراتب # PageV01P466 # ويتدحرجوا من اليفاع إلى الحضيض في المناصب ويتعاونوا في المناصب ~~والمناقب ويصل قدرهم ونظرهم في ذلك إلى كل ذي فعل سيئ حالك كأرباب العظائم ~~وأصحاب الذنوب والجرائم فينظر المعتوب حاله بالنسبة إلى المضروب والمشتوم ~~حاله بالقياس إلى حال المكلوم والصحيح بالنسبة إلى حال الجريح ويلاحظ مضروب ~~العصا حال المسلوخ بالمقارع ومضروب المقارع أحوال مقطوع الأكارع وكذلك ~~المقطوع بالنسبة إلى مصلوب الجذوع والمصاب بالمال بالنسبة إلى مصلوب الجذوع ~~والمصاب بالمال بالنسبة إلى مصاب البدن والأعرج بالنسبة إلى المقعد الزمن ~~وكذلك العوران بالنظر إلى مصاب العميان وليتأمل الناظر ما قاله في ذلك ~~الشاعر: # سمعت أعمى مرة قائلا ... يا قوم ما أصاب فقد البصر # أجابه أعور من خلفه ... عندي من ذلك نصف الخبر # ولتكن هذه القواعد مستمرة العوائد بين الصادر والوارد ليعلم أن مصائب قوم ~~عند قوم فوائد فاستمرت هذه القوانين مستعملة غير منسية ولا مهملة من زمان ~~ذلك السلطان إلى هذا الزمان وانظر أيها الفضيل إلى معنى ما قيل في هذا ~~القبيل وهو: # على كل حال ms276 ينبغي الشكر للفتى ... فكم من شرور عن سرور تجلت # وكم نقمة عند القياس بغيرها ... ترى نعمة فاشكر لدى كل نقمة # (وإنما) أوردت هذه الأمثال وأطلت النفس في بيان هذه الأحوال لتأخذ منها ~~حظك وتكررها فيما أودعته حفظك وتجري بها ليلا ونهارا لفظك حتى تصلح ~~المنادمة الملك ولا يعلق بذيل مكانتك من الحساد مرتبك وترضى بأي مقام أقامك ~~فيه وتعلم انه أعلى مقام ترتضيه حيث هولك يرتضيه وتجعل: مورد لسانك ومقعد ~~جنابك في طلبك رضاه ما كنت أنشدتك إياه من قديم الزمان وأنا عليه الآن وهو: # PageV01P467 # وأعلى مقاماتي وأسنى وظائفي ... وأحسن أسمائي أنت ترضاه # فقال الذكر ما أحسن عقد هذه الدرر لقد أفصحت إذ نصحت وزينت بما بينت ~~فجزاك الله خيرا وكفاك ضيرا فحقيق على أن أقتدي بآثارك واهتدي بأنوارك فما ~~أرجح ممزانك وأغرز حسنك وإحسانك لقد جمعت بين فصاحة النقل ورجاحة العقل ~~ومزجت روح الحصافة الظرافه وجلوت صورة النصيحة في خلعة اللطافة ثم أنهما ~~توكلا على العزيز الوهاب وقصدا حضرة ملك الطير العقاب فواصلا السير بالسرى ~~واستبدلا السهر بالكرى ولم يزالا في سير مجد وطلب مكد بين الادلاج والدلجة ~~مقارن مقارن حتى وصلا إلى جبل قارن وكان عند العقاب أحد المقربين من الحجاب ~~بؤبؤ نقي الجؤجؤ تقي البؤبؤ أحسن منظرا من اللؤلؤ صورته مسعودة وسيرته ~~محمودة وهو بين أولئك الطير مشكور الأحوال مشهور الخير وفيه من المعرفة ~~والدين والعقل الرصين والرأي المتين ما يصلح أن يكون به مقتدى السلاطين ~~وعنده من الوقوف على دقائق الأمور ما فاق به الجمهور وساد به على سائر ~~الطيور وكان صيته قد اشتهر حتى ملأ البدو والحضر فترك النجدي بنت السعدي في ~~مكان وقصد اليؤيؤ لعرض عليه ماله من شان فوصل إلى جنابه وأتى بيت مقصده من ~~بابه حتى دخل عليه وقبل يديه وتمثل لديه فتوجه اليؤيؤ إليه وأشار بتقريبه ~~منه وأزال دواعي الوحشة عنه وأقبل # PageV01P468 # عليه بكليته وزاد في إكرامه وطلابه فانشده بديها ولم يقل أيها مفصحا ~~معلنا مستعينا مضمنا: # لقد قص ريشي الدهر ms277 عن كل مطلب ... وألهمني سعدي بأنك رائش # ففي سمري مد كهجرك مفرط ... وفي قصتي طول كصدك فاحش # ثم قال اعلم أيها الرئيس المحتشم النفيس أن مولدي في جبل من جبال ~~أذربيجان في مكان يضاهي الجنان ويباهي روضة رضوان أنزه من عنصر الشباب ~~وأفكه من معاقرة الأتراب وأرفه من منادمة الأحباب على رقيق الشراب نشأت فيه ~~مع قرينه جميلة أمينة فقضيت فيه غض العمر وزجيت فيه بض الدهر قانعا بما ~~تيسر من الرزق فأرغما عما في أيدي الخلق متمسكا بذيل العزلة أعد الانفراد ~~نعمة جزلة مكررا درس ثلاثة نجم النفس القرينة الصالحة الجار المؤنس والكفاف ~~من القوت ومما كنت أنشدت وفي مبدأ أمري أرشدت: # وحسب الفتى قوت وخل وزوجة ... ليرتاح في الدنيا ويكتسب الأخرى # وكنت من الدهر على هذا اقتصرت ومن لذيذ العيش على القناعة اختصرت ولكن ~~كان مأوانا ومصيفنا ومشتانا محل الحوادث وممر العوائث والعوابث ومعبر ~~المصائب ومورد الصيد ومورد الموطئ عمرو وريد فكنا كلما ولد لنا مولود وتحدد ~~لنا بالبهجة والابتهاج عهود حصل للعين قره وللروح مسرة نقول هذا يبقى ذكرنا ~~بعدنا ويحيى آثارنا عند حلولنا لحدنا فلم يكن أسرع من هجوم خاطف أو هبوب ~~ريح نكبة عاصف يخطفه من بيننا ويجذبه من قبلنا وعيننا فان سلم من تلك ~~المكايد وتخلص من سهم # PageV01P469 # المصائب والمصايد حطمته عساكر الملك المنصورة وملأت الأقطار الجنود ~~الموفورة فلا يخلو منها مكان قدم إلا وقد غص بمواطئ تلك الأمم فتذهب مناقرة ~~العين وتدهك غلطا تحت الرجلين وهذا هو البلاء الطام والمصاب العام ولا بد ~~منه في كل عام فكأنه أيها النبيه النبيل في شأننا قد قيل: # أيا ابن آدم لا يغررك عافية ... عليك شاملة فالعمر ممدود # ما أنت إلا كزرع عند خضرته ... بكل شيء من الآفات مقصود # فان سلمت من الآفات أجمعها فأنت عند كمال الأمر محصود فضاق منا لهذا ~~العطن فلم أر أوفق من مفارقة السكن والمهاجرة من الوطن فعرضت على القرينة ~~هذه الحال وأسرت عليها بالارتحال وقلت لها المرء من حيث يوجد ms278 لا من حيث ~~يولد فأبت وكبت وشاقت في: ذلك ونبت فلا زلنا نتحاور ونتشاور ويرمى كل منا ~~سهم رأيه إذ يساور حتى لانت أخلاقها الصعبة بعد أن ثلث ما في الجعبة ثم ~~أعطت القوس باريها وسلمت الدار بانيها وأدركت ملامح مقاصدي معانيها وسمحت ~~بالانتقال من تلك البلاد وسلمت إلى يد تدبيري زمام الانقياد فرحلنا بعيده ~~وقاسينا شدة شديدة وقصدنا هذا الحرم إذ رأيناه مشتملا على اللطف والكرم ~~وقطعنا شباك مصايد وخلصنا من إشراك كل صائد وفطمنا أنفسنا عن حبات الطمع ~~وتجرعنا من كاسات الجزع وأقداح الفزع جرعا بعد جرع فوصلنا بحمد الله إلى ~~جنابك الأمين وبشرنا مبشر الإقبال أنك لكل خبر ضمين فحمدنا عند صباح الفلاح ~~السرى وأنشدنا لسان السعد مبشرا: # وجدت من الدنيا كريما نؤمه ... لدفع ملم أو لنيل جزيل # وإن لم يكن بيننا سابقة خدمة لكن تعارف أرواحنا له قدمه مع أن كرم ذاتك ~~الجميلة وما جبلت عليه من صفات نبيلة يغني قاصد صدقاتك عن # PageV01P470 # واسطة ووسيلة ووالله أني لواثق بان ظني بوفاء مكارمك صادق فاسأل إحسانك ~~يا ذا الخير إيصالي إلى خدمة ملك الطير وإن كانت رفعة مكانه في العيوق ودون ~~الوصول إليه بيض الأنوق لكن بواسطة الوسيلة يحصل هذا الشرف والفضيلة ولا ~~زالت الرؤساء والأكابر يأخذون بيد الضعفاء والأصاغر ولرأيك العلو والشرف ~~والسمو والعف والحنو فاهتز اليؤيؤ لهذا الكلام وارتاح وظهر في وجهه تباشير ~~المسرة والأرتياح وأنشد: # قدمت بأنواع المسرة والهنا ... على خير منزول وأيمن طائر # فأهلا وسهلا ثم أهلا ومرحبا ... وبشرى ويسرى بالعلى والبشائر # أعلم أن قدومك صدق ومرافقتك سبب الرفق ورؤيتك فتح باب الفتوح وروايتك ~~غذاء القلب وراحة الروح أبشر بكل ما تؤمل وتختار فقد ذهب العثار وجاء الأمن ~~واليسار أصبت مرامك وزينت مقامك وآنست منزلك وأويت مأملك خاطرك وبشر أهلك ~~وعشائرك وأخبر غائبك وحاضرك ولقد قادك الرأي السديد والأمر الرشيد والفال ~~السعيد حتى أويت إلى ركن شديد وملك كريم خلقه عظيم وفضله جسيم وجوده عميم ~~ونظيره عديم رؤف برعيته لا يخيب أمله ولا ms279 يريب سائله ولا يقطع واصله ولا ~~يمنع حاصلة لقد أنبتت ساعيك أزهار الأمن والأمان وتفتحت لورودك في رياض سعد ~~الزمان نواظر نرجس النعمة وشقائق فضل النعمان # PageV01P471 # فاعلم أن هذا الملك ذو جناب منيع وقدر رفيع وبيان معانيه بديع عزير ~~المنال جامع لصفتي الجمال والجلال قد اختار العزلة في رؤس الجبال فلذلك ~~طبعه لا يخلو من جساوة وقلبه من قساوة وأن غذاءه من اللحوم ومن الحيوانات ~~مشروبه والمطعوم مخاليبه كالاسل ويلجأ إلى الله تعالى إذا نسر منقاره ونسل ~~وحقيقة أمره أن كنت عنه تسل: # ممقر مر على أعدائه ... وعلى الأدنين حلو كالعسل # فإذا التجأ إليه فقير أو آوى إليه ضعاف أو كسير أو قصده محتاج أو سلك إلى ~~باب مرضاته منهاج فلا يمكن ألطف منه ولا أشفق ولا أقرب من عطفه على مؤمليه ~~ولا أرفق فهو كما قيل (بيض قطا يحضنه أجدل) وسبب ذلك أن ضميره المنير خال ~~من المكر طاهر من التزوير لا يعرف ختلا ولا خديعة ولا خيانة ولا وضيعة ولا ~~كذبا ولا قطيعة ولا في خاطره فساد ولا عنده سوء اعتقاد ولا يعرف غير الحق ~~ولا يقول إلا الصدق وذلك لبعده من مخالطة الناس وعزلته عن كل ذي وسواس ~~وخناس فلقد اتفق العالم أن صحبة بني آدم سم قاتل وهم باتل فان دأبهم المكر ~~والتلبيس والخداع والتدليس وحسبك قول شاعرهم في كشف ضمائرهم وشرح حقيقة ~~سرائرهم: # صن من الناس جانبا ... كي يظنون راهبا # قلب الناس كيف شئ؟ ... ت نجدهم عقاربا # PageV01P472 # ولقد أرشد من أنشد: # بنو آدم إن رمت من خيرهم جنى ... فأحلى الذي تجنيه من وصلهم صبر # مكارمهم مكر ورؤيتهم ريا ... وودهم مؤذ وجبرهم كسرفإن كان فيهم صالح ~~أفسدوه وإلى سبل الضلال أرشدوه والكلام في هذا المقام لا يبلغ التمام ~~فيكتفي بالقليل عن الجليل وشمس النهار ولا يحتاج في وجودها إلى دليل فانهض ~~الآن فقد آن التوجه إلى خدمه السلطان فما كل زمان يحصل هذا الإمكان فان ~~الاجتماع به كل وقت مشكل فتوكل على الله بأحسن متوكل فإذا ms280 دخلت عليه وتمثلت ~~بين يديه فاعرف كيف تقف وانظر يا ذا الكمال ماذا يناسب الحال ويقتضيه ~~المقام من فعل وكلام فاسلك طريقته وراع مخارجه وحقيقته وادخل معه من ذلك ~~الباب ومثلك لا يدل على صواب فما أسرع اللطف وأقرب العنف من حركات الملوك ~~والكبراء وأبعد الرفق وأشرد الخلق من ملكات السلاطين والخلفاء وأقصى ~~مدانيهم إذا غضبوا وأوحش مؤانسهم إذا صخبوا وأقرب مباعدهم إذا عطفوا وأعجب ~~مناددهم إذا لطفوا ويكفيك يا ذا العقل المتين ما قيل في شأن الملوك ~~والسلاطين: # إن الملوك بلاء أينما حلوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل # ماذا تؤمل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وأن أرضيتهم ملوا # وإن مدحتهم ظنوك تدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكل # فاستغن بالله عن أبوابهم كرما ... إن الوقوف على أبوابهم ذل # وقال سيد الأنام طرا لا تجاور ملكا أو بحرا فان رضوا رفعوك فوق الأفلاك ~~وإن غضبوا والعياذ بالله فهو الهلاك وناهيك من تقلبات الملوك # PageV01P473 # يا ذا الإرشاد في السلوك أطفأ الله غضبهم عنك قضية صدرت من تيمورلنك فسأل ~~فحل الحجل الوزير الأجل بيان ذلك المثل الصادر من الأعرج الأشل (فقال) ~~الدستور مما حكى عن تيمور من وقائع الأمور وشدة عزمه وحزمه وثباته على ما ~~يقصده وحزمه وحلول نقمته بمن يعارضه ويعاكسه فيما يرسم به ويناقضه أنه لما ~~توجه بالجنود إلى بلاد الهنود وذلك في سنة ثمانمائة وصل بجيوش الطاغية إلى ~~قلعة شاهقة أقراط الدراري بآذان مراميها عالقة والرجوم المارقة من النجوم ~~الخارقة تتعلم الأصابة من رشاقة سهامها الراشقة كان بهرام في مهواه أحد ~~سواطيرها وكيوان في مسراه خادم نواطيرها والشمس في استوائها غرة جبينها ~~وقطرات السحاب في الأنكساب تترشح من قعر معينها وشقة الشفق الحمراء على ~~آذانها مراميها وأنوف أبدانها سرداق وكريات النجوم في القبة الخضراء لعيون ~~مكاحلها وأفواه مدافعها طابات وبنادق وكان الثريا في انتصابها قنديل معلق ~~على بابها لا يحوم طائر الوهم عليها فأنى يصل طائش السهم إليها ولا يتعلق ~~خدم خدمتها خلخال خيال وافتكار فضلا عن أن يحلق ms281 على معصم عصمتها من عساكر ~~الأساورة سوار وفيها من الهنود طائفة ثابتة الجنان غير خائفة جهزت أهلها ~~وما # PageV01P474 # تخاف عليه إلى الأماكن المعجزة وتثبتت هي في القلعة حافظة لها متحرزة مع ~~أنها شر ذمة وطائفة قليلة وطائفة ذليلة لا خير عندهم ولا مير ولا فائدة سوى ~~الضرر والضير ولا للقتال عليها سبيل ولا حواليها مبيت ولا مقيل بل هي مطلة ~~على المقاتلة مستمكنة على المقاتلة فأبى تيمور أن يجاوزها دون أن يجاورها ~~بالحضار ويناجزها واللبيب العاقل لا يترك وراءه لخصمه معاقل فجعلت المقاتلة ~~تناوشها من بعيد ويصب كل من أهلها عليهم من أسباب المنايا ما يريد وكان كل ~~يوم مقتل من عسكره ما لا يحصى والقلعة تزداد بذلك إباء واستعصا وهو يأبى ~~الرحيل عنها إلا أن يصل إلى غرضه ففي بعض أيام المحاصرة مطروا وبواسطة ~~المطر وانحصروا وصار يحثهم على القتال ثم ركب لينظر ماذا يصنعون في تلك ~~الجمال فلم يرتض أفعالهم لما عكست أو حالهم أحوالهم فدعا رؤس الأمراء ~~وزعماء العساكر والكبراء وأخذ يمزق أديم عصمتهم بشفار شتمه وبشق ستر حرمتهم ~~بمخاليب لعنه وذمه ونفخ الشيطان في خيشومه وألهب فيه نار غضبه وشومه وقال ~~يا لئام وأكله الحرام تتقلبون في نعمائي وتتوانون عن أعدائي جعل الله نعمتي ~~عليكم وبالا وألبسكم بكفرانها خيبة ونكالا يا نابذي لذمم وكافري النعم ~~وساقطي الهمم ومستوجبي النقم ألم تطؤا أعناق الملوك بأقدام إقدامي ألم ~~تطيرواإلى الآفاق بأجنحة إحساني وإكرامي ألم تفتحوا مغلقات الفتوح بحسام ~~صولتي أما سرحتم في منتزهات الأقاليم سوائم تحكمكم بترعية دولتي بي ملكتم ~~مشارق الأرض ومغاربها وأذبتم جامدها وأجمدتم ذائبها: # ألم أك نارا يصطليها عدوكم ... وحرزا لما ألجئتم من ورائيا # وباسط خيري فيكم بيمنيا ... وقابض شرعتكم بشماليا # PageV01P475 # ولا زال يهمهم ويغمغم ويهذرم ويبرطم وهم مطرقون لا يحيرون جوابا ولا ~~يملكون منه خطابا ثم ازداد حنقا وكاد أن يموت خنقا فاخترط السيف بيده ~~اليسرى وهمز به على قمم أولئك الأسرى وهم أن يجعل رقابهم قرابة ويسقي من ~~دمائهم نمل فرنده وذبابه وهم ms282 على تلك الحال في الخزي والإذلال باذلو أنفسهم ~~ناكسو رؤسهم ثم تراجع وتماسك وملك نفسه قليلا أو ثمالك فاغمد عن تشريقهم ~~حسامه ولم يلق لأمره دبرة ولا قبلة أمامه فغلف غربه وشامه ثم نزل عن مركبه ~~واستدعى على الشطرنج الكبير ليلعب وكان عنده ممن فاق جنده شخص يدعى محمد ~~قاوجين ذو مكان مكين ومقام أمين مقدم على كل الوزراء مبجل دون سائر الأمراء ~~وافر الطول مقبول القول مسعود الرأي ميمون الفصل مرغوب الفضل محبوب الشكل ~~فتشفع الوزراء إليه وتراموا في حل هذا الأشكال عليه وقالوا ساعدنا ولو ~~بلفظه وراقبنا ولو بلحظة واعمل معنا بهذا المعنى وهو: # ساعد بجاهك من يغشاك مفتقرا ... فالجود بالجاه فوق الجود بالمال # فأجابهم والتزم أن برده عما تأزم به وأزم وراقب مجال المقال وراعى فرص ~~المجال وشرعت أفكار تيمور تغور في أمر القلعة وتفور وجعل يستضوي أضواءهم ~~ويستوري آرائهم ولا يسع كلا منهم إلا القبول لما يستصوبه # PageV01P476 # رأيه ويقول ففي بعض الأحايين اتفق أن قال محمد قاوجين وقد زل به القضاء ~~وأحاطت به نوازل البلاء أطال الله بقاء مولانا الأمير وفتح بمفاتيح آرائه ~~وراياته حصن كل أمر عسير هب أنا فتحنا هذه القلعة بعد أن أصيب منا جانب من ~~أهل النجدة والمنعة هل يفي هذا بذا أم هل يوازن هذا النفع بهذا الأذى فما ~~احتفل بخطابه ولا اشتغل بجوابه بل استدعى شخصا من البر قد أريه قبيح المنظر ~~إلا أنه في هيئة ذرية يدعى هرا ملك إذا عرف سهك ووجه في السواد سدك أوسخ من ~~في المطبخ واسنخ من في المسلح لعاب الكلب طهور عند عرقه وعصارة القبر حليب ~~بالنسبة إلى مرقه فعند ما حضر لديه ووقع نظره عليه أمر بثياب محمد قاوجين ~~فنزعت وبخلقان هراملك فخلعت ثم ألبس كلا ثياب صاحبه وشد وسطه بحياصته ودعا ~~دواوين محمد وباشريه وضابطي ناطقة وصامته وكاتبيه ثم نظر ماله من ناطق ~~وصامت ونام وجامد وملك وعقار وأهل وديار وحشم وخدم من عرب وعجم وأوقاف ~~وإقطاع وبساتين وضياع وخول واتباع ms283 وخيل وجمال وأحمال وأثقال حتى زوجاته ~~وسراريه وعبيده وجواريه فانعم بذلك كله على ذلك الوسخ وأمسى نهار وجود محمد ~~قاوجين الزنخ وهو من ليل تلك النعمة منسلخ # PageV01P477 # ثم قال تيمور وهو كالنمور يمور اقسم بالله وآياته وذاته وصفاته ووحيه ~~وكلماته وأرضه وسمواته وكل نبي ومعجزاته وولي وكراماته وبرأس نفسه وحياته ~~لئن آكل محمد قاوجين أحدا أو شاربه أو ما شاه أو صاحبه أو كلمه أو صافاه أو ~~أوى إليه أو آواه أو راجعني في أمره أو شفع عندي فيه أو فاه بعذره لا جعلنه ~~مثله ولا صيرنه مثله ثم طرده وأخرجه وقد سلبه نعمته وأخرجه فسار مسلوب ~~النعم قد حلت في لحظة نوائب النقم فسحبوه بالولق ورآى نعمته على أقل الخلق ~~واتصل غيره بالحلق وقطع منه الحلق ففلقت حبة قلبه أشد فلق ولم يزل على ذلك ~~في عيش مر وعمر حالك وحاشا أن تشبه قضيته قصة كعب بم مالك فكان يستحلي ~~مرارة الموت ويستبطي إشارة الفوت وكل لحظة من هذا الحيف أشد عليه من ألف ~~ضربة بالسيف فلما هلك تيمور أحياه ورد عليه خليل سلطان ما كان سلبه جده ~~إياه (وإنما أوردت) هذه السيرة لتقيس على هذا المثل نظيره وتعرف أخلاق ~~الملوك ومعاملاتهم الغني والصعلوك وأن نظرهم نضار وأعراضهم بوار ودمار ومن ~~أراد أن يطلععلى سر القضاء والقدر فليراقب شفتي الملك إذا نهى وأمر وقال من ~~أحسن المقال: # قرب الملوك يا أخا القدر السمى ... حظ جزبل بين شدقي ضيغم # PageV01P478 # وأعلم يا أبا الفضائل أن هذا الملك له شمائل وصفات وفضائل يستدل بظاهرها ~~على باطنها ويتوصل بظهور باديها على حركات كامنها فإياك أن تغفل عن ~~مراقبتها وتهمل حال عاقبتها بل أجعل شواهدها نصب عينك لتقرب من حياتك وتبعد ~~عن حينك منها إذا رأيته رجع من الاصطياد ظافرا منه بالمراد وقد اقتنصه ~~وحصله وملأ منه الحوصلة وسكنت منه بواعث الشره التي هي منفخ لواعج الطيش ~~والسفه ومنها إذا رايته جلس في مجلس السرور وبسط لجبهة الكرم جناح النشاط ~~والحبور وضم عن مطامح ms284 الحرص القوادم والخوافي وطلب من رؤساء المملكة الأنيس ~~المصافي ومن ندماء الحضرة الجليس الصافي ومن مطر بي الأطيار البلبل والهزار ~~ومن رقص بدفوف الأزهار صفق من ذي عود وطار فاستمع لهذا وباسط ذاك وطفق ~~جلساؤه ما بين منصت وحاك فان هذه الأوقات لما فيها من علامات هي الانبساط ~~وأيام الفرح والنشاط فاعمل فيها ما بدا لك وأطنب مقالك وكرر جوابك وسؤالك ~~فانك في كعبة الأمن فاستلمها وقد هبت رياحك فاغتنمها والعب بإبطيك وصفق ~~بجناحك وأهدر في قننقتك واسجع في تقبقتك فأن الوقت لك لا عليك والسعد ~~الطالع ناظر إليك ومنها إذا رأيته جالسا صامتا أو إلى الأرض باهتا أو محمرة ~~عيونه أو مضطر باسكونه أو أفعاله على غير استواء أو أقواله دائرة مع # PageV01P479 # الهواء قاياك والدخول عليه والمثول بين يديه فانه إذ ذاك يجعل ديار جسدك ~~بلاقع ولو أنك النسر الطائر فتصير في مخاليبه اتعس واقع وعلى كل حال فليكن ~~عندك لكل مقام من هذه المقامات مقال وإن كان السكوت أصلح فاغلق باب الكلام ~~قطعا ولا تفتح فكثيرا ما تخلص الساكت من البلاء وأفلح وناهيك النصيح بقوله ~~الفصيح وهو: # وراقب مقام القول في كل مجلس ... خصوصا مقامات الملوك الأكابر # فكم من بليغ فوق ذروة منبر ... رمته أفاعي النطق تحت المقابر # قال المفلح النجدي للمرشد المجدي جزى الله مولانا عن صدقاته أوفر صلاته ~~وواصله بموائد إكرامه في عشيته وغداته فما أشمل إحسانه وحسناته وأسعد ~~حركاته وسكناته وأوفر شفقته على قاصدي عتباته طالب أنت دليله كيف لا يفتح ~~إلى الخير سبيله ويرجع إلى حصول المقام مبيته ومقيلة ثم إن اليؤيؤ والشفوق ~~تركهم وطار إلى العيوق ثم رجع على الفور ووجهه يرف كالنور فدعا اليعقوب ~~وتوجه وهو معه مصحوب وأخذا في السير إلى خدمة ملك الطير وفرعا في جبل يسامي ~~في المثل قبة الفلك أو مركز الملك يستمد السحاب من ماء واديه وتسبح سماك ~~السماء في بحر ناديه بعرق جبين الوهم من صعود عقباته ويقصر ساعد الفكر في ~~سلم الهواء عن الترقي إلى ms285 أدنى درجاته ويستريح راقي الخيال في عدة مواضع ~~عند قصده فروع هضباته فهو كما قيل: # وطود تلوح الشمس من تحت ذيله ... إذا هي في كبد السماء استقرت # فلا زال يسيران وفي الجو يطيران اليؤيؤ أمام قائد الزمام والخجل وراءه ~~ينشد هذا الكلام: # لكل إمام أسوة يقتدى به ... وأنت لأهل المكرمات إمام # PageV01P480 # فوصلا من تلك المدارج إلى أعلى المعارج وانتقلا في تلك المسالك عن دركات ~~المهالك وانتهيا إلى أوج رأيا ملكة النيران جاريه في حضيضه ودرر الدراري ~~راكدة في قعر مغيضه يشتمل على مروج ورياض ومراع وغياض وبحار وحياض تنادي ~~خبراتها سكان ربع المسكون انصبابها عليهم وفي السماء رزقكم وما توعدون رياض ~~تلونت ومرج بازاهير تحسنت وأرض قال لها صانع القدرة إذا تمكنت تكوني كأخلاق ~~الكرام فتكونت وأخذت زخرفها من رضوان خازن الجنان وازينت فولجا دار سلطنة ~~العقاب بعد مقاسات عقاب العقاب كما قيل # مكانا فيه سلطان الطيور ... تصدر بالسرور على السرير # أطاف به صنوف الطير طرا ... عكوفا بالحضور وبالحبور # لكل في مباشرة مقام ... يقوم به جليل أو حقير # قد اكتنفته الميمنة والميسرة وأحدقت به المقدمة والمؤخرة كل واقف في ~~مقامه شاهينه مع كركيه وبازيه مع حمامه فالأنيس صاحب الظرف والكيس حامل ~~القبر كالأوزان يترنم في مقابلة الإيوان ويمدح ملك الأطيار والأمراء ~~والحضار والكبراء والنظار وينشدهم جليل الأوصاف ورقيق الأشعار فمما أنشده ~~الأوزان من مناقب السلطان ووجه الخطاب إلى العقاب قوله: # PageV01P481 # مقامك أعلى أن يقوم يقوم بوصفه ... بيان بليغ أو لسان فصيح # أجلتك عنقا مغرب فاختفت فما ... تلوح لطرف في البلاد طموح # والنسر الطائر المقدم على العساكر قد أظله بالجناح وليس عليه في طلبة ~~سيادة الطير جناح رافع اللواء صاف في جو السماء رئيس الدير حامل القبة ~~والطير كما قيل: # ونسر تفر الطير من قرب ظله ... وفي ظله للسعد مأوى ومنزل # والسنقر في ثوبه الفهري وخلقة وخلقه النمري أمير سلاح الجوارح ورأس عساكر ~~السوانح والوارح كما قيل: # هو السنقر العالي بهمته التي ... تعلت على أيدي الملوك بها يده # والشاهين الدوادار عليه ms286 المصالح المملكة المدار قد تصدى لقضاء الحوائج ~~لكل داخل وخارج ينظر في الولاية والعزل ويتعاطى الأمور بالجد لا بالهزل ~~فيقضي المآرب ويوصل المطالب إلى الطالب كما قيل: # طويل العنق رحب الصدر ضخم ... له في آل قسطنطين ضبط # تغشى من سواد العين ثوبا ... عليه من دم الأحشاء نقط # والكركي الراطن بالتركي يتجلى في ثوبه المسكي كاتب الأسرار وصاحب الأخبار ~~لسان المملكة ومحور الفلكه مستخدم السيف والقلم وفي الفضائل والفوضل نار ~~على علم كما قيل: # وكركي يحيد الصقر عنه ... شطر ثانيلهيبه بطشه وشديد بأسه # PageV01P482 # والتم المشهور ناظر الجيش المنصور صدر الديوان وقاضي الجند والأعوان كما ~~قيل: # وتم تم دست الطير منه ... كقاض زان أرباب الكتاب # عليه من المهابة ثوب مجد ... كوجه الطائعين لدى الحساب # والطاوس كأزهى عروس في أفخر ملبوس مقدم على الخواص كالناظر الخاص ناشر ~~مروجه الأرتياح يتجلى بجمال هيئة الفائق على الوجوه الملاح كما قيل: # ثوبه قد حار فيه ... كل صباغ عليم # ولسان الحسن نادى ... صبغة الله الحكيم # فيروق العين منه ... فوق أوصاف الكليم # والبازي الأمير الكبير صاحب الرأي والتدبير أمير الميمنة قد رتب صفه ~~وزينه كما قيل: # وباز أشهب عيناه حمر ... يضيء وفي جناحيه النجاح # والصقر الشهم السابق في الطيران الوهم أمير الميسرة قد فاق بشهامته عسكرة ~~كما قيل: # وصقران يلح في القفر ظبي ... أتيح له من الجو أنصابا # أقام بمخلب عن شهم سهم ... ونسر عن قوى الناب نابا # والباشق الجاووش ورأس نوبة العساكر والجيوش # كما قيل: # نظر إلى الباشق في صيده ... ينقض كالسهم من الراشق # يقفو حماما مثل معشوقة ... اتبعها الحب حشا العاشق # PageV01P483 # والببغاء تتجلى في الحلة الخضراء وتنثر من الخاتم الياقوت درر الثناء ~~وتخبر بعجائب الهند وتسرد غرائب رغائب السند كما قيل: # تسمت درة لكن كساها ... حكيم الصنع ثوبا من زبرجدومن لها بمنقار عقيق ~~وخاط شعارها من عين عسجد # والهدهد لابس التاج ينهى إلى موقع الدراج أخبار المارة والأحوال السارة ~~كما قيل: # وهدهد ألبس ثوب ألبها ... فعم إذ خص بصدق النبا # أغرب إذ شرق في حسنه ... ففاق ms287 أهل التاج حتى سباد # والحمام مقدم البريديه يتردد في مواقف العبودية والعصافير كالمماليك ~~الأجلاب في الكتاب يدرسون العلم والآداب والبلبل والهزار ومطوقات الأطيار ~~وساجعات الأشجار مسبحات الواحد القهار يتناشدون ويرددون نغمات الأوتار ~~ومطربات رنات الأوطار وضروب الموسيقاه من حنك المنقار والشجر ورق الزرزور ~~وذوات الهديل من الطيور حتى جناح الزنبور تغرد فتخجل العود والطنبور وزواجر ~~الطير تبشر بالفرح والخير وأنواع الجوارح في الحافات والطير في الجو صافات ~~كل يفدي ويقدم جسده وروحه ويسبح من آتاه الملك كل قد علم صلاته وتسبيحه # PageV01P484 # فتقدم اليؤيؤ إلى الحضرة والملك في أبهى نضره وقبل مواطئ سلطانه ووقف من ~~مقام خدمته في مكانه وقال شخص عارف بطرائق السلوك يليق لخدمة الملوك واقف ~~بالباب يروم تقبيل الأعتاب يطلب لذلك الدستور والأنعام بآذان الحضور ليشمله ~~النظر الشريف ويحظى بحظ وريق وريف هل يرجع كالمصروف عن خدمته أو يدخل ~~كالدولة والإقبال فعطف بالقبول وأذن له بالدخول وسمح بالمثول فتوجه اليؤيؤ ~~على عجل إلى الحجل فدخل وهو من الحياء متأثر وفي ذيل الدهشة والهيبة متعثر ~~وعليه غلالة سابوريه وخلعة نيسابوريه ستشملا بشمله كافورية كأنه شيخ ~~الصوفية فلما وقع نظره على العقاب قوى جأشه ورفع الحجاب وحل عقدة لسانه من ~~لكنة الخطاب ثم قبل الأرض ووقف وأنشد بديها وما وقف: # ولو أن فقفورا وكسرى وتبعا ... رأوك لخروا بين أيديك سجدا # وما إن وفوا حقا عليهم وإنما ... على قدر ما في الوسع مد الفتى يدا # فابتدر اليؤيؤ بلفظ يخجل اللؤلؤ للحجل يريد إزالة الدهشة والخجل وطيب ~~المقام ببسط الكلام أيها الغريب الأريب الأديب النجيب رأيناك روحا ملخصا ~~وعقلا مشخصا صحبتك مرغوبة ومنادمتك مطلوبة لقد حللت محل الأمن والأماني ~~وعقدة السعد والتهاني فدع دهشتك وذر # PageV01P485 # وحشتك وأفصح بكلامك عن كمالك وعن مقامك بمقالك فعباراتك عقيلة العقل ~~وواسطة عقود النقل فان كان عندك نصيحة تصلح للملوك أو وصية ترشد أهل السلوك ~~بين العدل بنورها طرائقه ويزين العقل بمجازها حقائقه وتستقيم بها الأمور ~~ويستفيد منها الجمهور أو نوع رفع مظلمة أو حط مأثمة أو ms288 كشف بلوى أوبت شكوى ~~أو حاجة في نفسك وما قاسيته في يومك وأمسك أو لطيفة تشرح بها الصدور وتبسط ~~بإيرادها الحضور فهذا وقت تشنيف المسامع بجواهرها ونثر دررها على بادي ~~الحاضرين وحاضرها فان المحل قابل وعنك الإصغاء إلى أطواق لطائفك مائل ومحال ~~الحلم لذاك واسع وسجال الكرم داسع وفاعل الصنيعة صانع وكف اللطف معط لا ~~مانع فقال الحجل بعد أن زل الخجل وحال الوجل وجال الزجل من غير ريث ولا عجل ~~الحمد لله الذي آسى جراحنا وأحيا بعد التلف أرواحنا قد كنا في بيداء الحيرة ~~والهلاك وظلماء الضر والخوف في انهماك ومرت علينا سنون ونحن في الخسار ~~والغبون ونار الاشتياق تضطرم وبواعث تقبيل الأعتاب الشريفة السلطانية في ~~الفوائد تزدحم إذ قد انتشر جناح عدلها ونجاح ظلها وسماح وابلها وطلبها وكرر ~~كل لسان محامد فضلها واشتهر لكل حيوان مآثر نبلها فهي أمان كل مخوف وملجأ ~~كل ملهوف لكن كانت العوادي تقرع تلك الدواعي وغواشي الحوادث تعترض دون ~~المساعي تارة باكتناف المخلوف وطورا باحتفاف الخواطف وحينا يضعف المباني ~~وآونة بعدم المعاون والمعاني والآن يا ملك الزمان بحمد الله المنان أزحنا ~~المهالك والمهاوي واسترحنا من ضرب المسالك والمساوي إذ قد طرنا بجناح ~~النجاح من جنح الجناح وصرنا إلى محل السماح والرباح فزالت # PageV01P486 # العلل والسد الخلل وحللنا في عقوه منيفة وسدة شريفة فأمنا شرك المكايد ~~وشرر المصايد وتوسدنا مهاد الدعة واستظللنا جناح الأمن والسعه وانه قد قيل ~~عدل السلطان خير من خصب الزمان وقيل الملك العادل والإمام الفاضل كالأب ~~الشفيق والوالد الرفيق يعامل بالسوية ويحفظ الرعية ويحرسها من برد الماء ~~وحر النار كما يحرس الوالد الولد من هبوب الهواء وشم الغبار وقلت: # نزلنا في ذرى ملك كريم ... يرانا مثل أولاد الكرام # أضل نوائب الأيام عنا ... فلم ترنا ولا في الاحتلام # ولا مطر السماء يصيب منا ... كأن مقامنا فوق الغمام # فقال الملك أهلا وسهلا وناقة ورجلا طب قلبا ونفسا واهنأ معنى وحسا لقد ~~حللت بساحة الاستراحة وباحة للأمن مباحة وقاحة ليس لصائد بها وقاحة ولا ms289 ~~لجارحة جارح بها جراحه وقد حصلت من جواسر الكواسر ومناسر النواسر ونزلت ~~بوادي الخير ونادى ملك الطير فأكرمت صدر منزلك ونلت غاية أملك فاذهب بسلام ~~وأت بما لك من خادم وغلام وأهل وثقل وفرس وحمل وأثاث وقماش ومعاش ورياش ~~وتخير مكانا تختار وجار احسن الجوار فقال أيها الملك السعيد أنا شخص فقير ~~غريب فقير لا ابرق لي ولا حصير وقلت: # أنا لولا الحيا وخوف العار ... لم أكن في الأنام إلا عاري # من رآني فقد رآني وبيتي ... ودثاري ومركبي وشعاري # PageV01P487 # غير أن لي قرينه مثلي فقيرة مسكينة صابرة على السراء والضراء قضينا معا ~~ماضي الصباح والمساء لم يترك عقيل الحوادث لنا دارا ولا بد العوابث عقالا ~~ولا عقارا ولا مخلب العوائث جارا ولا جوارا ولا ناب الكوارث ولدا ولا قرارا ~~والويل كل الويل لمن كان مستقره في طوارق الليل ومن حوادث الدهر على طويق ~~السيل وقد طال الكلام في كيت وكيت وقضايا ذيت وذيت إلى أن لم يبق في البيت ~~سوى البيت ولما بلغ العرم الزبى وحزام الهم الطبي وما حال من يرى أفلاذ ~~كبده تتقطع ويشاهد كل وقت قرة عينه بمخاليب الجوارح تتبضع ولا يد للمدافعة ~~تمتد ولا نهضة للممانعة تشتد فينشد: # كفى حزنا أني أرى من أحبه ... رهين الردى يرنوا لي بطرفه # أود بمالي لو يفدي ومهجتي ... ولكن يد التقدير غالت بحتفه # ولما تكرر ضر أيوب وتضاعف حزن يعقوب تركنا تلك بالاضطرار وعلى أبوابك ~~الشريفة وقع الاختيار فرصدنا للتحويل أيمن الساعات واخترنا للرحيل أحسن ~~الأوقات ثم صممنا العزيمة ونادانا هاتف السعد أسرعا نديمي جذيمه فقطعنا ~~المهامه والقفار وسرينا الليل والنهار فكم رغنا عن أبي الحصين ولقينا مالا ~~قى الحسين بكربلاء من الكرب والبلاء وكم لجأنا من بني زغار إلى كهف وأجم ~~وغار # PageV01P488 # واحترزنا من قنافذ وأفعوان ذي سم نافذ ونفرنا من حبات أسراك وحدنا عن ~~أوهاك شباك واخترنا الجوع وعدم الهجوع على الحب المبذور لاصطياد الطيور كل ~~ذلك في المسالك والسعد قائدنا والفلاح رائدنا واليمن دليلنا وظلال أمنك ~~ظليلنا ms290 وفي تهاني سعدك مبيتنا وكنف فضلك مقيلنا حتى حللنا بدار الأمان ~~ونزلنا بحرم مولانا السلطان فنادانا فضل خالق الورى لا تخافا أنني معكما ~~أسمع وأرى ألقيا عصا التسيار وانزلا عند خير جار فتركت القرينة في منزلة ~~حصينة وكل بلادك أمينة وأممت مقامك الشريف وجنابك المنيف مقاما عظيما ~~وجنابا كريما ومجلسا عاليا وبابا ساميا فتوخيت ثم نوديت: # هذا هو الملك الذي من بابه ... يعطي المخوف أمانة لزمانه # عم الورى إحسانه فكأنما ... أرزاقهم كتبت على إحسانه # ثم نهض اليعقوب من مكانه وقبل الأرض بين يدي سلطانه وتوجه فائزا بأمنيته ~~حتى وصل إلى حليلته فأخبرها بما جرى بتخيير المشتري وكيف رأي اليؤيؤ والملك ~~وصورة ما فعل به وسلك وكيف تلقى مقدمة وأكرمه الملك بما أكرمه وقرر كيف كان ~~خطابه وعلى أي صورة حسنا رد جوابه فسرصدرها وانشرح وطارت بهذا الأمر من ~~الفرح ثم توجها إلى حضرة السلطان وحصل لهما من الأنعام والإحسان ما نسيا به ~~الأوطان وسلكا بنفس مطمئنة في خدمة الملك مع الجماعة وأهل السنة وخوطب ~~اليعقوب من الملك أسكن أنت وزوجك الجنة فلما استقرت بهما الدار وتبدل ~~انكسارهما بالأنجبار أفيض عليهما من الصدقات والادرارات والنفقات ما لم ~~يخطر ببالهما ولا دار على خيالهما وحصل لهما الأمن والأمان والسلامة ~~والاطمئنان وانشرحت # PageV01P489 # خواطرهما وابتهجت بالسكون سرائرهما واستمر النجدي ملازم الخدمة وتوفرت ~~عند الملك وابتاعه له الحرمة وسمعت كلمته وتزايدت حشمته ولم يزل صبيح ~~الطلعة نجيح السعي والنجعه وضئ المنظر مقضي الوطر يرتع على بساط النشاط ~~ويطير في رياض الأمن والانبساط مؤديا شرائط الخدمة على الوجه الأحسن قائما ~~بمواجب العبودية مهما أمكن إلى أن تميز على سائر الخدم وتقدم على السابقين ~~في الخدمة وثبات القدم ناشرا ألوية النصيحة ناثرا الأثنية الصريحة منادما ~~باللطائف الصحيحة والنوادر المليحة بالعبارات الفصيحة والإشارات الرجيحة ~~حافظا زمام الاحتشام مراعيا مقامات الكلام على مر الأيام وكر الشهور ~~والأعوام ثم ختم لكلام في هذا المقام بأعظم ختام وهو حمد الله الملك العلام ~~وشكره المستدعي لمزيد الأنعام والصلاة والسلام على سيد الأنام ms291 وآله وأصحابه ~~السادة الكرام عليه وعليهم التحية والسلام وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # PageV01P490 ### | الباب العاشر # في معاملة الأحباب والخادم والأعداء والأصحاب # وبه تمت أبواب الكتاب # PageV01P491 # قال الشيخ أبو المحاسن الراوي من الأدب الاحاسن فلما أبان الحكيم عن هذا ~~الفضل الجسيم وكشف نقاب البيان عن مخدرات هذا التبيان فتلألأ من وراء سجيف ~~ألفاظه وجوه معانيه الحسان عظم في أعين الأعاظم وكبر لدي الأعراب والأعاجم ~~ورفعه أخوه وعظمه ذووه فأضاء منارة وعلا مقداره وملأ الآفاق أنواره ووقع من ~~الملك على الاعتماد عليه اختياره ثم استزاده من فيض هذا العيوب واستسقاه من ~~خوض هذا الشؤبوب واستطعمه من أخبار العقاب واليعقوب إن كان ثم بقية تجلو ~~القلوب الصديه فامتثل الإشارة وحسن العبارة وقال ثم أن أبا الحجاج دعا ~~القبيح أبا الدجاج واختلى به دون أصحابه وقال له أعلم يا جليس الخير وأنيس ~~الطير ورئيس الدير أني تحملت من اليؤيؤ المنة العظيمة والجميلة الجسيمة حيث ~~أرشدك إلى بابي ونظمك في سلك أصحابي ولا حرم أنه قام بما يجب عليه وعرف ~~مقدار إحساني وميلي إليه وأنه لا وثق أعواني وأصدق خلاني وصاحب قديم ومخلص ~~عديم النظير نديم وصديق كافي وناصح مصافي وأني لا تيمن بطلعته وأتبرك ~~بمشاهدته واستنجح بآرائه واستصبح في المهمات المظلمة بلامع ضيائه ولقد حصل ~~منك على عضد معاضد وساعد مساعد وكهف وذخر وسند وظهر فإياك أن تترك ذيل ~~مودته أو ترغب عن صحبته ومحبته وأن تقتصر يا ذا الوقوف في صداقته على ~~الوقوف فافضل المحبة وأكمل المودة ما تزادي على مر الدهور وترادف على كر ~~العصور وثبت أصله وغزرت فروعه وفاض من سويداء القلب على مجاري الجوارح ~~نبوعه بحيث يقع الاتحاد وينمزج بالصفاء الوداد فقد قيل لا تصح المحبة بين ~~أثنين حتى بصيرا كالعينين حيثما نظرت إحداهما ما شزرا مالت معها # PageV01P493 # تابعة الأخرى بل يصيرا كالنفس الواحدة لا كل واحدة على حده ولا كما تقول ~~الملاحده بل يكمل لكل واحدة ولا كما تقول الملاحده بل يكمل ms292 لكل واحد بالآخر ~~ألهنا ويحصل له بوجوده السنا وإذا خاطبه قال يا أنا ولا تعمل يا أكمل كما ~~قيل: # ملأت حشاشتي شوقا وحبا ... فان ترم الزيادة هات قلبا # فان الفتاح عنده الفتوح وباب الفضل والزيادة مفتوح وكرم الله لا يضاهي ~~وفضله كعمله لا يتناهى وانظر يا فضيل وذا العلم العريض الطويل إلى ما قيل ~~وهو: # أيها السائل عن قصتنا ... أنا من أهوى ومن أهوى أنانحن روحان حللنا بدنا ~~من رآنا لم يفرق بيننا # نحن مذ كنا على عهد الهوى ... تضرب الأمثال للناس بنا # فإذا أبصرته أبصرتني ... وإذا أبصرتني أبصرتنا # وألطف من هذا وأرصن ما قاله القائل وأحسن وهو: # أنا والمحبوب كنا في القدم ... نقطة واحدة من غير مين # فبرانا الله إذا أظهرنا ... مهجة واحدة في بدنين # فإذا ما الجسم أمسى فانيا ... تلتقينا واحدا من غير بين # ولقد ذكرك عندي بأنواع الفضل وبوفور التجارب والعقل وهذا يدل على نصحه ~~وقوة دينه وصدقه في المحبة وحسن يقينه ولم يذكر غير الواقع ولا جازف فيما ~~أنهاه إلى المسامع بل قال قليلا من كثير وقطرة من غدير ولم يخبر بذلك غير ~~خبير فأني أعرفك كما عرف ووقفت على فضائلك كما وقف ثم أنت عندي فوق ما وصف ~~فأريد منك نصائح بالخير لوائح تتضمن فوائد وعوائد وفرائد تكون لنهم الحكمة ~~موائد ولشهم الحكام قوائد ولنخور ألباب المنقول قلائد ولضبط أساس الملك ~~والدين قواعد وعقائد # PageV01P494 # فتلقي مثاله بالامتثال وقبل الأرض في مقام العبودية وقام وقال لتحط ~~العلوم الشريفة والآراء العالية المنيفة أن صانع العالم تعالى وتعاظم وبنى ~~أمور المبدأ والمعاد وما بينهما من معاشر مستفاد على دليلين عظيمين جليلين ~~أحدهما العقل الذي هو مناط التكلف وثانيهما قواعد الشرع الشريف فان أردت أن ~~تكون سعيد الدارين فاستمسك بأذيال هذين الدليلين أما العقل فهو الدليل ~~القاطع على وجود الصانع وهو مستقل بالقطع إلى السمع غير محتاج إلى السمع ~~وكما هو مستقل بالدلالة على وجود ذاته كذلك هو مستقل بالدلالة على تحقيق ~~صفاته ثم ورد بذلك الشرع فتأكدت في ms293 وجود الصانع دلالة العقل بالسمع وأما ~~وجدانية الصانع فكل من العقل والنقل دليل عليها قاطع وقد تظافرا بالاستباق ~~إليه وتظاهرا في الدلالة عليه بقول الكافر يوم المصير لو كنا نسمع أو نعقل ~~ما كنا في أصحاب السعير وبالعقل والسمع يستقيم أمر المبدأ والمعاش وبالسمع ~~فقط مبيت المعاد عاش لأن أمور المعاد من الشرع تستفاد والعقل في ذلك تابع ~~سامع لأوامر الشرع طائع والمسموع في ذلك دليل قاطع وعلى كل تقدير أيها ~~الملك الكبير فاجعل العقل وزيرا تجده لك في ظلمات المشكلات سراجا منيرا ~~واتخذ النقل هاديا ونصيرا يكن بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا ~~مستورا وعامل الرعية بالعدل يعاملك الله بالفضل وأعلم أن الدنيا في معرض ~~الزوال وأنه لا بد عنها من الانتقال وأن الله سبحانه وتعالى وجل سلطانه ~~جلالا اقتضت حكمته وجرت بين عباده سنته أن يكون الإنسان على خلاف ما فطره ~~الرحمن فانه خلقه # PageV01P495 # للعبادة وركب فيه عناده وأقامه للعمل وجبله الكسل فأمره بالصلاة وهو ~~كسلان وبالصوم وهو شهوان وبالزكاة وحبب إليه المال وبالحج وكره إليه ~~الانتقال وبالرضا وركز فيه الغضب وبالتسليم والصبر وخمره بالضجر والصخب ~~وبالتواضع ووضع فيه التيه وبالتخلق بأخلاق خالقه وفيه ما فيه وحكم عليه ~~بالموت وقد تحقق انه ليس له منه فوت وهو يكره عن الدنيا التحويل وأقل ~~أقسامه أنه يحب العمر الطويل وعلى هذا قد تعود أن يفعل في المكان المثزود ~~أفعال المقيم الؤمبد والدائم المخلد وبنى بناء من لا ينتقل وعن قليل يتركه ~~ويرتحل لا سيما من تعلق بالدنيا قلبه وتشبث بالمال والولد والجاه والتحكم ~~حبه وقد أخبر العزيز الوهاب في أصدق كتاب وأوثق خطاب فقال زين للناس حب ~~الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل ~~المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ~~فالنفس مائلة إلى الإقامة راغبة في دوام السلامة تحب طول العمر في الزمان ~~وأن أحوجت الثمانون السمع إلى ترجمان وقد قيل: # وأحسن ما كان الفتى في زمانه ... مع السعد والجاه العظيم ms294 معمراوأشهى ما ~~سمع الحاكم وألذ ما تلقاه من قول الناظم قوله: # فلا زلت بين الورى حاكما ... بجاه عريض وعمر طويل # ولقد بلغني يا ملك الزمان أن الملك العادل أنوشروان أساس ملكه على العدل ~~وعامل رعيته بالإحسان والفضل ويكفيه من الفضائل وحسن الشمائل قول سيد ~~الأواخر والأوائل ولدت في زمن الملك # PageV01P496 # العادل وقال الرحمن في محكم القرآن أن الله يأمر بالعدل والإحسان وقد قيل ~~في الأقاويل لا ملك إلا بالرجال ولا رجال إلا بالمال ولا مال إلا بالعمارة ~~ولا عمارة إلا بالعدل فلا ملك إلا بالعدل ومن أقوى الصفات العدلية عمارة ~~بلاد الرعية وبذل الجهد في العمارة ليكثر الربح وتقل الخسارة فإذا عمرت ~~البلاد وترمم الطريف والتلاد حصلت الأموال وكثرت الرجال وانتظمت الأحوال ~~فقد بلغني يا ملك الزمان أن الملك أنوشروان كان مارا في سيرانه بين جنده ~~وأعوانه فرأى شيخا كأنه قوس قطان نثر على رأسه قزع أقطان وهو في بعض ~~البساتين يغرس ونصب تين من انحناء قامته وبياض هامته مع شدة حرصه وتعبه على ~~نصب غرسه ونصبه فقال له يا ذا التجارب ومن هو من شرك الفناء هارب الأم ترتع ~~في ميادين الأمل وقد تطوقت باوهاق الأجل تبني وأركان جسدك واهية وتغرس ~~وقوائم يدنك كإعجار نخل خاوية وربيع شبابك قد استولى عليه خريف الهرم وصيف ~~الهرم وصيف وجودك قد أدركه شتاء العدم ومحت نسيم طراوتك # PageV01P497 # عواصف الذبول ومسحت قوى عبالتك بقواصف النحول وقد آن أن تغرس للآخرة فانك ~~قد قصرت عظاما ناخرة فقال يا ملك الزمان وعادل الأوان قد تسلمناها عامرة قد ~~غرسوا وأكلنا ونغرس ويأكلون وفي الحقيقة كلنا زارعون وغارسون: # لقد غرسوا حتى أكلنا وإننا ... لنغرس حتى يأكل الناس بعدنا # وابعد فلاح عن الرشد والفلاح من يتسلم المعمور ويتركه وهو بور فاعجب ~~أنوشروان وفور عقل الشيخ ألفان وحسن خطابه وسرعة جوابه فقال زه يعني أحسنت ~~وهي كلمة تحسين ولفظة إعجاب وتزيين وكانت علامة للإحسان إذا تلفظ بها ~~السلطان يعطي المقول في حقه أربعة آلاف درهم لرفقه فأعطوا الشيخ الهم ms295 أربعة ~~آلاف درهم فقال أيها السلطان أن الغراس بثمر بعد زمان غراسي لحسن طاعته ~~أثمر من ساعته فقال زه فأعطوه أربعة آلاف أخرى ورفعوا منزلته قدرا فقال ~~وأعجب من هاتين القضيتين أن الغراس يثمر مرة وأنا غراسي يثمر مرتين فقال زه ~~فأعطوه القدر المعلوم وزاده في التكريم والتعظيم والتفيخم وقال له أنوشروان ~~أن أمهلك الزمان حتى تأتيني بباكورة هذا البستان فأنا أقطعك خراجه وأقضي ~~مالك من حاجة فأمهله الدهر وطال به العمر وأدرك ما نصبه ولم يخيب الله تعبه ~~فحمل إلى الملك الباكورة ووفى له الملك نذوره # PageV01P498 # (وإنما أوردت) هذا المثل ليعلم مولانا الملك الأجل أن الدنيا وأن كانت ~~ظلا زائلا وحائطا مائلا فهي مزرعة للآخرة وأن الآخرة هي الدار الفاخرة وأن ~~الله تعالى وجل جلالا ولاك هذه المزرعة وعلق بالأوامر العلية ما بها من ~~مضرة ومنفعة وحكمك في البلاد وملكك رقاب العباد قاياك أن تغفل عن عمارتها ~~بالزراعة أو تسلم زمام تدبيرها إلى يد الإضاعة فانك منقول منها ومسؤل عنها ~~ومصالح عساكرك بها منوطة وأحوال ملكك بالعساكر مربوطة تعمرت الضياع والقرى ~~ترفهت الأجناد والأمرا واستراحت الرعية واستمرت مناظم الملك مرعية وتوفرت ~~الخزائن واطمان الظاعن والساكن وقلت المظالم وكفت أكف الظالم وملاك هذا كله ~~العدل والأستوا ومجانبة الأغراض الفاسدة والهوى وهذا الذي يقتضيه مقامك ~~ويتم به مرامك فان الملك إنما هو ملك بالأجناد فلا بد له من عمارة البلاد ~~والنظر في مصالح العباد لينتظم بنظره مصالح العالمين ويستقيم أمر العالم ~~إلى الحين الذي قدره أحكم الحاكمين فان سنة الله حرت على هذا السنن وما رآه ~~المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن ولهذا قال سيد سكان الخيف أنا نبي السيف ~~والجهاد فرض عين على الملوك لا على الفقير والصعلوك فالملوك في نوع من ~~السيادة تقتضي من المال ازدياده ليقيموا من الأسلاك عماده ويقتفوا من الشرع ~~مرادهويقصموا الكفر وعناده ويبيدوا أهله وأولاده وينهبوا أطرافه وتلاده ~~ويوطئوا سنابك الإيمان بلاده وواجب على كل حاكم أن يبذل في ذلك اجتهاده ~~ويجعل الجهاد إلى الآخرة ms296 زاده وعتاده ويصون عن الكفر بلاد الإسلام وعباده ~~إلى يوم يلقى # PageV01P499 # معادة فيجازيه الله الحسنى وزيادة هذه طريقة الملوك ومن تبعهم في ~~الإقتداء والسلوك وإياك أيها الملك العظيم وصاحب الملك الجسيم وأخذ المال ~~من غير حله ووضعه في غير محله ولو كان موضع الخير وقصد به نفع الغير فانه ~~لا يفي ذاك بذا ولا يقوم نفعه بما فيه من أذى فذلك كإنشاء المغارس وبنيان ~~المدارس وتنوير المساجد وتعمير المعابد وسد الثغور وعمارة القبور وإقامة ~~القناطر والجسور وعمل مصالح الجمهور وإطعام الطعام وكفالة الأيتام والحج ~~إلى بيت الله الحرام وإعطاء السائل وإغناء الأرامل وصرف النفقات وإخراج ~~الزكوات والصدقات ومثله الوبيل كما قيل: # بنى مسجد الله من غير حله ... فصار بحمد الله غير موفق # كمطعمة الأيتام من كد فرجها ... لك الويل لا تزني ولا تتصدقي # قال من لم يخف عليه إخفاؤها لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ثم أخبر بخبر ~~ما يصدر عنكم فقال ولكن يناله التقوى منكم فان طلب من هذا أجر خسران وكفر ~~لأنه في صورة الاستهزاء وهل يطلب بقبيح الحرام حسن الجزاء بل الواجب في هذا ~~على كل من آذى رد المظالم ورجع الحقوق إلى أهلها وإيصالها إلى محلها أما ~~يرضى ظالم غوى وتحمل الحرام هوى أن يتخلص سواء بسوا وشر الناس يا ذا البأس ~~من اتبع قضية أياس فسأل العقاب عن بيان هذا الخطاب (فقال) في الشام شخص من ~~اللئام تصدى لفصل الأحكام ومشى من الظلم في ظلام وشرع في أخذ الأموال على ~~سبيل التعدي والوبال فكان إذا أخذ من أحد ألفا ادخر لنفسه من ذلك نصفا ~~وتصدق بالخمسمائة الأخرى على أولي الضرر والضر أكل واحد درهما وعد ذلك ~~مغنما وقال هذه فائدة علينا بالربح عائدة الحسنات خمسمائة والسيئة واحدة ~~وواحد يدعو علينا يتوجهون بالثناء والدعاء إلينا # PageV01P500 # ثم قال ذلك الجاحد ولا تعجز الخمسمائة عن الواحد (هذا وأن كان والعياذ ~~بالله صرف ذلك الحرام في الفسق والملاه ونيل الأغراض الفاسدة وإقامة الجاه ~~فهو أشد في النكال وأعظم في ms297 الوزر والوبال وهذا المقام يطول فيه الكلام ~~وأقل ما في الباب أن الحلال حساب والحرام عقاب وقد سمعت يا جليل القدر ما ~~نطق به السيد الصدر الذي أخجل نور طلعته الشمس والبدر سيد الأنام ومصباح ~~الظلام وحبيب الملك العلام عليه أفضل الصلاة والسلام يوما لأصحابه السادة ~~الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم وجمعنا في مستقر رحمته وإياهم أتدرون من ~~المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال أن المفلس من أمتي ~~من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال ~~هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فان فنيت ~~جسناته قبل أن يقضي ما عليه خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار وهذا إذا ~~كانت هذه الطاعات من الصلاة والصوم والزكاة واقعة في محلها ومصاريفها في ~~حلها فأنها لا تفيد الظالم إلا في وفاء المظالم وأما إذا كانت من الحرام ~~ومنشأ غراسها من مياه الآثام فهي وبال على وبال وثبور فوق نكال على كسر ~~ونقصان فوق خسر (وقال أيضا) أفاض الله عليه سحائب صلواته فيضا لتؤذن الحقوق ~~إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء فاستعذ ~~بالله # PageV01P501 # يا مولى الطير ومولى الخير من نار هذا الشرر أن تتفرق طاعتك شذر مذر ~~وأعيدك يا سلطان الصافات وما اكتسبته من الطاعات والخيرات أن ينقل إلى ~~ديوان غيرك أو يفوز بخبرك سوى طيرك اللهم إلا أن يكون يا ذا الوقار والسكون ~~على وجه ما قال من أحسن المقال: # ويكتسب الطاعات ذخر العلما ... يجود بها يوم القيامة على العاصي # أو على وجه ما قيل وأحسن به من وجه الجميل: # يجود بما ضن الجواد بمثله ... من الوفر بل لو أمكنته شمائلهلعاد على ~~المرضى بصحة جسمه وجاد على الموتى بعمر يطاوله # ومن على النوكي بوافر عقله ... وقسم في الحمقى من الرأي كامله # وثقل ميزان المخف بأجره ... لدى الوزن لما آد بالوزر كاهله # ولو لم يكن في كفه غير نفسه ms298 ... لجاد بلها فليتق الله سائله # ولأجل عذا الخطر العظيم والخطب الجسيم تورع عن الحلال الزاهدين وشمر عن ~~التلوث بالدنيا ذيل الرغبة العابدون قال سيد البشر والشفيع المشفع في ~~المحشر لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي منها كافر شربة ماء ~~وقال عليه الصلاة والسلام والتحية والإكرام اللهم رزق آل محمد قوتا # PageV01P502 # ومع هذا كله فالملك والرعية أمانة ومن تقلد ذلك فقد أوجب على نفسه ضمانه ~~فليجتنب خيانته ولا يشين بها أمانته قال صفوة الله تعالى وخيرته من بريته ~~كلكم راع وكلكم مسؤل عن رعيته ومصداقه قول رب العالمين وملك الملوك ~~والسلاطين وهو أصدق القائلين أنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال ~~فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان أنه كان ظلوما جهولا فاعلم يا ~~ملكا أعطي الزمان أمانه أن هذا الملك الذي بيدك هو من جملة الأمانة التي ~~أشفق السموات والأرض الجبال وأبين أن يحملنها خوفا من النكال والوبال وخشية ~~أن لا يفين بحقوق حملها أو يضعنها في غير محلها فيعاقبن أو بالعتاب يخاطبن ~~فتعففن عن الرغبة في الثواب خوفا من العتاب والعقاب وعملن بموجب ما قيل: # هجرتك لا قلى مني ولكن ... رأيت بقاء ودك في الصدود # كهجر الحائمات الورد لما ... رأت أن المنية في الورود # تفيض نفوسها ظمأ وتخشى ... حماما فهي تنظر من بعيد # تصد بوجه ذي البغضاء عنه ... وترمقه بالحاظ الودود # ثم حمل هذه الأمانة بنو آدم لما قدره وقضاه العلي العظيم في سابق القدم ~~ولما فيها من أحكام وحكم وأن الصادق المصدوق أخبر فيما روى عنه أبو ذر قال ~~قلت يا رسول الله ألا تستعملني قال فضرب بيده على منكبي ثم قال يا أبا ذر ~~أنك ضعيف وأنها أمانة وأنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها ~~وأدى الذي عليه فيها فمن جملتها الصلاة والصوم والزكاة والوضوء والاغتسال ~~ومراقبة ذي الجلال في السر والإعلان بقدر الطاقة والإمكان وعلى هذا جميع ~~الطاعات وأنواع # PageV01P503 # العبادات هي في رقاب العباد أمانات ومن أعظمها وأهمها وأحكمها الإمرة ms299 ~~والحكومة والتصدي لفصل الخصومة والسلطنة العلية وأمور الملك البهية والقيام ~~بأمور الرعية فيجب على السادة الحكام ومالكي أزمة الأنام أن يراقبوا الله ~~تعالى في كيفية أدائها ويطالبوا أنفسهم على ممر الأنفاس بالقيام بوفائها ~~ويراعوا أوامر سلطان السلاطين في أمور عبيده المستضعفين خصوصا المظلوم ~~والفقير والضعيف والمسكين فإذا عاملوا عباد الله بالعدل عاملهم الله عز وجل ~~بالفضل قال الله المنان في محكم القرآن أن الله يأمر بالعدل والإحسان وقال ~~السيد الكامل والسند الفاضل أشرف الأواخر والأوائل صلى الله عليه صلاة تفنى ~~البواكر والأصائل سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله أمام عادل بدأ ~~في هذا الفصل من ذكر الصفات بالعدل والعدل يا ذا الوجه النير الوسط هو ~~الخير قال من أمره قهر وسطا وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء أي ~~للأنبياء تشهدون لهم على أممهم لعدالة فيكم ويكون الرسول عليكم شهيدا أي ~~يزكيكم أي وكما جعلنا نبيكم إمام القبلتين حائز الفضيلتين جعلناكم حائزين ~~خصلتين بالغين مرتبتين وهما كونكم عدو لا شهداء على الناس مقبولي الشهادة ~~في الأداء وكون الرسول معد لكم وبتزكيته على الأمم مفضلكم وقال صلى الله ~~عليه وسلم وشرف وكرم وفخم وعظم عدل السلطان يوما يعدل عبادة سبعين سنة وقال ~~عليه الصلاة والسلام والتحية والإكرام والذي نفس محمد بيده أنه ليرفع ~~للسلطان العادل إلى السماء مثل عمل جملة الرعية # PageV01P504 # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه عليه السلام قال ثلاثة لا ترد دعوتهم ~~الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم وروى كثير بن مرة رضي الله ~~عنه قال: قال: عليه الصلاة والسلام السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل ~~مظلوم من عباده فإذا عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر وإذا جار كان عليه ~~الإثم وعلى الرعية الصبر وعن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه لعمل الإمام ~~العادل في رعيته يوما أفضل من عبادة العابد في أهله مائة سنة أو خمسين سنة ~~وقال قيس بن سعد ستين سنة وأعلم أيها الملك الأعظم واسلم أن العدل ms300 ميزان ~~الله تعالى في الأرض به ينتصف بعض الرعية من البعض وبه يؤخذ للضعيف من ~~القوي ويعبد الله على الصراط والسوى ويتميز الحق من الباطل والحالي من ~~العاطل وهو من صفات الذات وأعظم الصفات بمعنى أن الله تعالى عز وجل جلالا ~~له أن يفعل في ملكه ما يشاء فيؤتي الملك من يشاء وينزع الملك عن من يشاء ~~ويعز من يشاء ويذل من يشاء ويحكم ما يريد والخلق كلهم له عبيد وجميعهم بعض ~~ملكه نافذ فيهم سهم أمر ملكه فلا اعتراض على فعل المالك ولا فيما يسلك ~~بمملوكة المسالك ولا مجال لاعتراض عبده على ذلك لا سيما إذا كان مولاه ~~كريما وفي أفعاله مدير حكيما فمن عرف أن الله عدل وأن أفعاله جارية بين ~~العدل والفضل يتلقى نقمه بالصبر # PageV01P505 # ويقابل نعمه بالشكر ويطمئن خاطره وتسكن إلى مولاه سرائره فلا يستقبح ~~موجودا ولا يستهجن مفقودا ولا يستثقل حكما ولا يرمي في الكون ظلما بل ~~يستقبل الأحكام بالرضا ويستسلم لموارد القضا ويقابل العوارض بما قاله ابن ~~الفارض: # وكل أذى في الحب منك إذا بدا ... جعلت له شكري مكان شكيتي # وأعدل المخلوقات وأوسط الكائنات الأنبياء عليهم السلام فأنهم أعدل الخلق ~~مزاجا وطبيعة وأقوم الناس منهاجا وشريعة وأوسط البشر أفعالا وأقسطهم أعمالا ~~وأقوالا وإنما يعترض على أقوالهم ويتعرض لأفعالهم من هو عن الصواب منحرف ~~وعن جادة الحق منصرف ومن عين يصيرته عمياء عن مراقية التحقيق كالأعمى الذي ~~خرج وهو ماش عن سواء الطريق فيعثر في شوك أو حجر أو يصدمه حيوان أو شجر ~~فيقول نحو هذا عن الطريق فانه يحصل للمارة تعويق ويعيب على واضعه وإنما ~~العيب في طبائعه والجهل منسوب إليه لعمى قلبه وعينيه كما قال ذو الخويصره ~~لسيد الرسل البررة لما قسم الغنيمة قسمة مستقيمة اعدل فأجابه الكامل المكمل ~~بأنه أن لم يعدل فمن يعدل وأنه رأى ذا الخويصره الذي أعمى الله بصره خاب ~~وخسر ولاقى اليوم العسران لم يعدل ذلك المفضل وكيف يقال هذا الكلام لمثله ~~عليه الصلاة والسلام قود أمره الله ms301 تعالى بالعدل ونشر سر هذا النقل واقر ~~عينكم بقوله وأمرت لا عدل بينكم # PageV01P506 # قال الأسد الغالب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وجعل إلى رضوانه له احسن ~~وجهه أما عادل خير من مطر وابل وأسد حطوم خير من سلطان ظلوم وقيل الملك ~~يدوم مع العدل ولو كان الملك كافرا ولا يدوم مع الظالم ولو كان مسلما وما ~~تعاطى حاكم ذو فضل فصل قضية في فصل أحسن سلوك طريقة العدل ولذا بقي أسم ~~أنوشروان مخلدا بالعدل على مر الزمان وإلى يوم ينصب الميزان مع أنه كان ~~مجوسيا يعبد النيران وللسنة التي اخترعها بالسلسلة التي وضعها باقية في ~~ممالك الصين معمول إلى آخر حين وقيل أنه كان شديد الوداد للاصطياد وكان ~~يعشق البازي والزروق والصقر والباشق والبيدق فسأل يوما من الباز دار لم ~~كانت هذه الأطيار قصار الأعمار قال لأنها تظلم الطيور والظالم عمره قصير ~~فتنبه بهذه الكلمة واتعظ وكف يده عن الظلم واحتفظ ثم أسس قواعد العدل ~~فانتشر ذكره إلى يوم الفصل ويكفيه من الفضائل قول السيد الكامل ولدت في زمن ~~الملك العادل وروى أن بعض الملوك العادلين والحكام الفاضلين استولى عليه ~~الكبر ووقر في أذنه وقروقر وكان قبل الصمم في العدل والكرم كما قيل: # وأنه مظلوم وغنة سائل ... على أذنه أحلى من الشهد في الفم # PageV01P507 # فحزن لفقد سمعه وتأسف وتحرق وتلهف وتأرق وبكى وتأوه واشتكى وقال ما أتلهف ~~من عدم سماع الحديث الأعلى فقدي صوت المستغيث ولا كنت أتلذذ من متكلم إلا ~~بالإصغاء إلى خطاب المتظلم ثمقال لئن حرمت ذلك من طريق الأخبار فلأتوصلن ~~إليه من طريق الأبصار ثم أمر بأشعار النداء في الأطراف والأرجاء أنه من ~~كانت له ظلامه فليظهر له علامة وهي أن يلبس ثوبا أحمر ويقف فوق ذلك التل ~~الأخضر لنعرف علامته ونكشف ظلامته وقيل أن السلطان السعيد نور الدين الشهيد ~~لما أمر ببناء دار العدل وعزم أن يقيم فيها للحكومات الفصل أدرك الأمير ~~الكبير صاحب الرأي المنير أسد الدين شيركوه السلطان ما يعتمده السلطان ~~ويرجوه ms302 وما يحمله على ذلكم ويدعوه وعلم أن ذلك الأسد لا يسامح عنده أحد ~~وأنه لا يراعي في الحق أميرا ولا كبيرا ولا صغيرا فانه مع الحق وبالحق قائم ~~لا تأخذه في الله لومة لائم فجمع مباشرى ديوانه وأكد ما قاله لهم بأيمانه ~~لئن شكا منهم أحد أو بلغه عن أحد من حاشيته ظلم أو نكد ليذيقنه أشد العذاب ~~ولينزلن به أنكى عقاب وقال ما برز هذا الأمر العزيز الغالي ببناء هذا ~~المقعد العام العالي إلا الأجلى ولأجل أمثالي فما وسعهم إلا طلب الخصوم ~~واسترضاء العادل والمظلوم # PageV01P508 # (وروى) أن أحد الصدور هصبه بعض عمال المنصور وأخذ منه كفرا من الكفور ~~فتوجه إلى الخليفة وضرب له أمثالا ظريفة وقال أصلح الله أمير المؤمنين ~~وأقام به شعائر الدين ونصر به المظلومين على الظالمين أأذكر ظلامتي أولا أم ~~أضرب أمام حاجتي مثلا فقال دع الجدل وأضرب المثل فقال ألهمك الله العدل ~~وأقام بك قواعد الفضل أن الطفل إذا نابه ما يكرهه أو قرعه خطب يجبهه فر إلى ~~أمه وأجهش إليها من همه فأوى إلى حضنها وأندس تحت بطنها لأنه لا يعرف سواها ~~فيستكشف بها عن نفسه ما دهاها ولا يظن أن غيرها يدفع عن نفسه ضيرها فإذا ~~عرف أباه بث إليه شكواه واستدفع به ما عراه لأنه قد وقر في وهمه أن أباه ~~أقوى من أمه وأن غيره من الناس لا يقدر على دفع البأس فيلجأ إليه فيترامى ~~في دفع شدائده عليه ولا يقبل عذره أن ترك نصره أو قصر في مبتغاه أو تهاون ~~في متمناه ولهذا قال بدر الحي أن النساء والصبيان يظنون أن الرجل يقدر على ~~كل شيء فإذا أشتد واستوى وأصابه من أحد جوى تقدم إلى الوالي لأن مقامه عالي ~~وهو أقوى من أبيه فيستكشف به ما وقع فيه فإذا صار رجلا وأصابه من أحد نكد ~~وبلا استنجد بنائب السلطان فوجده له أحسن معوان فاشتكاه ورفع بلواه وكفاء ~~إذ دعاه ما دهاه ورعاه عما عراه فانه أقوى من الوالي وأقدر على ms303 دفع الظلامة ~~من كل منهمك غالي وهو السلطان الحاضر والعامل والناظر على البادي والحاضر ~~فإذا ظلمه الوالي والعامل ونقصه حقه ذو الحكم الكامل تعلق بأذيال عدل ~~السلطان واستكشف بمراحم نصرته ما دهاه من عدوان إذ قد تحقق ورأى # PageV01P509 # وصدق أنه أقوى من الكل وإلى مرسومة مرجح الجل والقل ولايد فوق يده وأنه ~~قد انتهى حديث رفعته لعلو سنده وبلغ في التسلط ونفوذ الأمر إلى أقصى أمده ~~إذ هو ظل الله في أرضه وخليفته في إقامة نفله وإحياء فرضه وقابض أزمة ~~المخلوقين ومنصف المظلومين من الظالمين فإذا لم ينصفه السلطان مع القدرة ~~الكاملة والإمكان توجه بشكواه إلى سلطان السلاطين وطلب رفع ظلامته من رب ~~العالمين لعلمه أنه الحكم الذي لا يجوز والحكيم الذي بيده مقاليد الأمور ~~والحاكم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وأنه أوقى من السلطان ولا ~~يحتاج في الشكوى إلى بيان ولا إلى دليل ولا برهان وقد نزلت بي حادثة للقلب ~~كارثة وبالفكر عابثة وللسر عائثة وهي أن العامل الفلاني ظلمنني وأخذ مكاني ~~فأنا أشكوه إليك وقد تراميت عليك وعرضت قصتي بين يديك لأنك نعم السند وليس ~~فوقك أحد ولا في الحكام إلا من هو لك بمنزلة الغلام وما بعدك إلا الله مولى ~~لا يخيب من رحاه ويجيب المضطر إذا دعاه فان وعيت قصتي وكشفت غصتي وإلا ~~رفعتها إلى الله وقطعت النظر عما سواه وهذا أوان الموسم وأعمال المنسيم ~~وأنال متوجه إلى حرمه ومترام على باب إحسانه وكرمه فلما وعى المنصور خطابه ~~أرسل من سحاب جفنه عبابه وقال حبا وكرامة يا ذا الزعامة بل أنصفك وبالفضل ~~أسعفك وأضعف كرامتك وأكشف ظلامتك وأوصلك حقك وأعطيك مستحقك وأمر فكتب إلى ~~واليه يضع من معاليه ويأمره بردأراضيه وطلب مراضية والتحلل من ظلم أياديه ~~وإكرام محله # وناديه # PageV01P510 # وروى موسى الكليم عليه الصلاة والتسليم في بعض مناجاته وسؤاله حاجاته سأل ~~الله من فضله أن يريه نكتة من عدله فأمره أن يتوجه إلى مكان ويختفي فيه عن ~~العيان فامتثل ما به أمر واختفى في ms304 ذلك المكان على شط نهر فما كان سارع من ~~قدوم إنسان إلى ذلك المكان فبمجرد ما وصل إليه نزع من ملبوسه ما عليه وكان ~~معه كيس فيه مال نفيس فأودعه ئيابه ورام في الماء انسيابه فدخل في ذلك ~~النهر وغلغل فيه إلى أن غاب عن النظر فاقبل فارس فوجد ثيابا بلا حارس فنزل ~~عن الدابة وفتش ثيابه وأخذ كيس الذهب وركب فرسه وذهب وأسرع في الذهاب إلى ~~أن زال شخصه وغاب ثم أقبل شخص ذو شجب وعلى ظهره حزمة حطب فانتهى إلى ألما ~~وقد برح به الظمأ وأمضه التعب وأخذ منه النصب فطرح عن ظهره الحطب وقصد ~~الراحة وقد ظهر الذي كان في السباحة فوجد عند ثيابه شخصا من أترابه فأستأنس ~~به وتأوه لمكتئبه وما يقاسيه من نصبه ثم اشتمل ملبوسة وتفقد كيسه فما وجده ~~فعض يده فسأل الحطاب عما كان في الثياب وطلب منه الكيس بالتعبيس فقال ما ~~رأيته ولا حويته فقال هل كان معك أحد فقال لا والواحد الأحد قال فهل كان ~~هناك سواك قال لا والذي سواك قال يا أخي أنا وضعت الهميان بيدي في هذا ~~المكان ولم يطل على ذلك زمان ولا حضر سواك حيوان ولا طمث عذراء هذا الموضع ~~أنس ولا جان فلا اشك أنك أخذته ولنفسك افتلذته فاقسم بعالم الخفيات وكاشف ~~البليات المطلع على الضمائر والنيات # PageV01P511 # أنه ما رأى له هميانا ولا يعرف لذلك مكانا فقال لو شهد لك الكون والمكان ~~ونطق ببراءتك جوامد الزمان وزكاهم الكرام الكاتبون لما شككت أنهم كاذبون ~~لأن إنكار المحسوس مكابرة والمثابرة على الباطل للحق مادبرة خذلك منه يا ~~فقير الثلث والثلث كثير واردد على الثلثين وإن أبيت فاجعله بيني وبينك ~~نصفين فما زاد ذلك على اليمين وما شك هذا أنه يمين فقال اردد على مالي وإلا ~~قتلتك فلا لك ولا لي فقال ما رأيت ما لك فافعل ما بدا لك فشرع في تفتيشه ~~وبالغ في فحصه وتنبيشه فلم يهتد إلى شيء سوى الضلال والغي فأخذه الحنق ~~واشتد به ms305 الأرق وثارت نفسه الأبية واتقدت ثورته الغضبية فضربه بمحدد فقتلته ~~وجد له بالإهلاك فجد له ثم تركوه وذهب ولم يحظ من الذهب بغير اللهب كل هذه ~~الأحوال وموسى عليه السلام يشاهد ما فيها من أفعال وأفوال ثم ناجى فقال يا ~~ذا الجلال أنت عالم بحقائق الأمور وسواء عندك البطون والظهور سألت فضلك أن ~~تريني عد لك فأريتني هذا المغرم وأنت أعلى وأعلم ففي ظاهر ما أمرتني ~~وبكرامته غمرتني من الشريعة المطهرة ونص التوراة المحرم أن هذا الحكم جور ~~وظلم فأطلعني على الحقيقة وبين لي سلوك هذه الطرقة فقال الله تعالى وجل ~~جلالا يا موسى المقتول قتل أبا القاتل والقاتل سرق الكيس من أبي الفارس ~~الخائل ففي الحقيقة الفارس النبيه وصل إلى ماله المخلف عن أبيه والقاتل ~~إنما استوفي قوده ممن قتل والده وهذه الأمور إنما تتضح يوم النشور تبلى ~~السرائر وتكشف الضمائر وينادي يوم التناد لا ظلم اليوم إن الله قد حكم بين ~~العباد # PageV01P512 # ونظير هذه القصة ما ذكره الله تعالى وقصة في روض كلامه النضر عن موسى ~~والخضر عليهما السلام والتحية والإكرام إذ ركب السفينة وخرق خرقا مؤديا إلى ~~الغرق وقتل النفس الزكية وأقام بغير أجر أركان الجدار الواهية وبعض ذلك ~~مخالف لظاهر الشريعة تنفر عنه النفس السليمة والطبيعة ولكنه موافق للحكمة ~~الإلهية ومقتضيات العقل الحقية الذي لا يطلع عليه الأعالم الأسرار الخفية ~~ولهذا قال جل وواحد أحدا وتعالى فردا صدمدا عالم الغيب فلا يظهر على غيبه ~~أحدا ثم استثنى من هذا المقول إلا من ارتضى من رسول وإنما الشريعة الزاهرة ~~وردت بما تقتضي من الحكم الظاهرة فتعبدنا الله في الشرائع بظاهرها ما يثبت ~~في الوقائع (قيل) من أيقن بحقية أربعة كان من ضيق أربعة في سعه وأمن ودعه ~~من أيقن أن الصانع الضار النافع لم يخطئ ولم يغلط أمن من العيب والشطط ومن ~~أيقن أن الخلاق ومقسم الأرزاق لم يحف في خلقه ولم يمل في رزقه أمن من الحسد ~~واستراح من النكد ومن أيقنبوقوع المقدور وأنه لا ينجيه ms306 منه محضور أمن من ~~الغم ولم يتساقط عليه الهم كما قيل: # ما قد قضي يا نفس فاصطبري له ... ولك الأمان من الذي لم يقدر # ومن عرف أصله أمن من الكبر تصله وكتب في قضية إلى أعدل خلفاء بني أمية من # PageV01P513 # عامله بحمص أنه هدم الدمص وعدم النمص وأن ربضها رابض ومرعى رياضها بأرض ~~وأنها محتاجة إلى عمارة وزراعة وحراسة ومناعة فكتب إليه عمر بن عبد العزيز ~~هذا الجواب المفيد الوجيز وهو حصنها بالعدل ولق طرقها من الحدل يثبت ألبنا ~~وينبت الكلا والسلام وقيل أمير بلا عدل كغيم بلا مطر وعالم بلا ورع كشجر ~~بلا ثمر وشاب بلا توبة كمشكاة بلا مصباح وغنى بلا سخاء كقفل بلا مفتاح ~~وفقير بلا أدب كطابخ بلا حطب وامرأة بلا حياء كطعام بلا ملح وقاض جائر كملح ~~على جرح وقيل العالم بستان سياجه الشريعة والشريعة سياج يخدمها الملك ~~والملك راع يعضده الجيش والجيش أعوان يكفلها المال والمال رزق تجمعه الرعية ~~والرعية أحرار يستعبدها العدل والعدل سلك به نظام العالم وليعلم أن الملة ~~الأحمدية والشريعة المحمدية هي أعدل الملل وأقوم النحل مثلا النصارى لا ~~يتحامون الحائض أيام أقرائها ولا فرق بين الحائض وغيرها من نسائها # PageV01P514 # واليهود يجتنبونها فلا يؤاكلونها ولا يشاربونها ويقربونها رأسا ويعدونها ~~رجسا وركسا فسلكت الشريعة المحمدية في ذلك أعدل الطرق وأفضل المسالك فتعاشر ~~كالأطهار وحرم قربان ما تحت الإزار وفي بعض الملل على الذي قتل القود ~~والقصاص وليس في الدية خلاص وفي بعض الدية لا غير وما للقصاص فيها سير ودين ~~الإسلام المرفوع كل فيه مشروع والعدل في الاعتقاد يا ملك البلاد ترك ~~التخليط وسلوك ما بين الأفراط والتفريط والقول بالتقديس والتنزيه واثبات ~~الصفات من غير تعطيل ولا تشبيه واقتباس النور من جمرين وسلوك أمر بين أمرين ~~والعدول عن المذهب البغيض وهو مذهب الجبر والتفويض والعدل في الفقيهات يا ~~معشوق المخدرات والحذريات الذي قام عليه النص دليلا ولا تجهر بصلاتك ولا ~~تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا # PageV01P515 # فمن العدل الوضوء والمعتاد ثلاث مرات ms307 ومن نقص أو زاد فقد تعدى وظلم كذا ~~قال النبي المكرم صلى الله عليه وسلم أي تعدى أن أسرف وظلم أن أجحف والعدل ~~في الصلاة أن تكون على مرتضى الشرع ومقتضاه وهي أداؤها في أفضل الأوقات ~~مؤداة مع الجماعات في الصف الأول على الوجه الأكمل عن يمين الأمام من ~~الافتتاح إلى الاختتام مع تعديل الأركان بل التعديل فرض عند بعض الأعيان لا ~~نقرا كنقر الطير ولا تطو بلا يضر بالغير والعدل في الزكاة أن لا يتمموا ~~الخبيث منه ينفقون ولا يجعلوا الله ما يكرهون وليسوا بآخذيه الآن يغمضوا ~~فيه ولا يكلف جابي المال أن يعطي كرائم الأموال والعدل في الصوم يا سيد ~~القوم أن لا يتنول فوق الغذاء المعتاد ولا يصل بالوصال إلى درجة الإجهاد ~~ويعجل الفطور ويؤخر السحور والعدل في الحج أن لا يماري في الأنفاق ولا يضار ~~الرفاق بالشقاق كما يفعله أبناء الزمان فان ذلك خسران والازدياد من ذلك ~~نقصان ولقد بلغك يا قمر ما قاله عمر لخادمه يرفا وذا لا يخفي كم بلغت ~~نفقاتنا مقدارا قال ثمانية عشر دينارا يا أمير المؤمنين قال ويلك أجحفنا ~~بيت مال المسلمين وإياك والأشر وقاك الله كل شر فقد بلغك قيمة راحلة # PageV01P516 # سيد البشر ليدل ذلك على ترك البطر والأشر ولا يقصر في نفقته بحيث يصير ~~كلا على رفقته وكذلك في كل الأنفاق يا ملك الآفاق قال من عز كلاما مقالا ~~ومقاما والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما والعدل ~~في النكاح يا حبيب الصباح لمن عليه يقوى فهو أقرب للتقوى وهو يا أبا حسان ~~واجب عند التوقان سنة عند القدرة عليه مستحب عند استواء طرفيه مكروه عند ~~العجز عنه وهذا بحث قد فرغ منه وقس يا ذا الكرامات على هذا سائر العبادات ~~وجميع العادات وعقود المعاملات ولا تتعدا الحدود في الحدود فان ذلك مردود ~~وعلى قانون العدل وردت الشريعة المطهرة وجرت قديما شرائع الأنبياء البررة ~~وكذلك مقادير الملة المحمدية عليه افضل صلاة وأزكى تحيه محررة على ms308 القواعد ~~العدلية وفيها من الحكم الإلهية ما يعجز عن إدراكها القوىالعقلية قال الله ~~تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبيان وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وحاصل الأمر يا ذا النهي ~~والأمر أن العدل هو قوام كل فضيلة كما أن الصبر هو أساس كل خصلة جميلة وأن ~~أردت بسط هذا البيان فدونك القول والتبيان في تفسير القرآن المنزل على أشرف ~~إنسان إن # الله يأمر بالعدل والإحسان فقد أشبع التقرير ودقق التحرير في روضة النضير ~~فارس ميدانه الأمام الخطير فخر الدين الرزاي في تفسيره الكبير # PageV01P517 # والعدل يجري في لصفات كما يمشي في الذوات ومرتبتا في العلو أن يكون بين ~~التقصير والعلو كالكرم الذي يكون بين الإسراف والتبذير والشح والتقتير ~~والتواضع الذي بين الضعة والتكبر وبين التصعر والتصغر والشجاعة التي بين ~~التهور والخفة والجبن الطائش الكفة والقناعة التي بين الحرص والطمع ~~والنذالة والهلع وبين العجب والتصلف والاحتشام والتقشف والإخلاص الذي بين ~~الشرك والهوى وبين الإعجاب والريا والعفة التي بين التهافت على المشتبهات ~~والترفع عن تناول المباحات والطيبات والحزم الذي بين سوء الظن والوهم ~~والوسواس وبين إذاعة السر والأسختفاف وعدم ألا مبالاة بالناس والحلم الذي ~~بين الغضب بلا سبب وبين التغاضي عن اللئام عند موجب الانتقام والشفقة ولين ~~الجانب للأقارب والأجانب الذي بين القوة والاستكبار وبين الرخاوة واللين ~~المستلزم لتضييع حقوق الأهل والجار وحفظ الحقوق الذي بين التكلف والعقوق ~~يراعي فيها الحدود ولا يخرج فيها عن الحد المعهود فالخروج عنها يسمى عنادا ~~وقساوة والتقصير فيها يدعى ركاكة ورخاوة مثلا من يستحق العفو لا يضرب ومن ~~يستأهل الضرب لا يقطع ولا ينكب ومن استوجب القطع لا يقتل ومن وجب عليه حد ~~لا يهمل وتجري أمور الشرع الشريف على ما ورد به الأمر المنيف فما ثم أحد ~~أكرم من الله ولا أرحم ولا أعلم بأمور مخلوقاته ولا أحكم قال السميع البصير ~~ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # PageV01P518 # وروى أن الإمام المسدد جعفر بن محمد دخل على الرشيد وهو ms309 في أمر شديد قد ~~استولى عليه الغضب واستخفه الطيش والصخب فقال يا أمير المؤمنين إن كان غضبك ~~لرب العالمين فلا تغضب له أكثر من غضبه لنفسه وقد حد لكل شيء حدا من نقمه ~~وبأسه فلا تتعد حدوده فانه قد ملكك عبيده فتذكر من وقوفهم بين يديك ~~واقتدارك عليهم إذا تمثلوا قياما لديك قدومك يوم القيامة عليه ووقوفك خاضعا ~~منفردا بين يديه ومن انتقامك منهم سؤاله إياك عنهم فسكن من غضبه واقتدى ~~بأدبه وقال الحكماء للإسكندر عليك بالاعتدال في كل الأمور فان الزيادة عيب ~~والنقصان عجز وفي الحديث خير الأمور أوسطها ولهذا قيل في الأقاويل ينبغي ~~للإنسان الراجح العقل في الميزان أن يحصل من كل علم مقدار ما يحتاج إليه ~~ويعول في مشكلاته عليه مثلا علم الأدب ما ينال به عند أربابه الرتب كاللغة ~~والنحو والصرف ولو أنه أدنى حرف ليقوم بذلك لسانه ومن علم المعاني ما يبدع ~~به بيانه ومن العروض والقوافي المقدار الوافي والمعيار الكافي ومن الطب ما ~~يعرف به # PageV01P519 # مزاجه ويصلح به علاجه ويقوم به اعوجاجه ومن علم التفسير والقرآن ما يقتدر ~~به على بيان كلام الرحمن ومن علم السنة والحديث ما يميز به الطيب من الخبيث ~~ويضبط به أقسامه وصحته وسقامه والأنساب والرجال ومالهم من صفات وأحوال أن ~~لم يكن مفصلا فعلى الأجمال ويندرج فيه علم التاريخ العالي الشماريخ ومن علم ~~الكلام ما يصحح به دينه ويقيم به اعتقاده ويقينه ومن علم الأصول وما اشتمل ~~عليه من معقول ومنقول ما يقدر على استنباط الأحكام ومعرفة أدلة الحلال ~~والحرام ومن علم الفروع ما يحكم به أصناف العبادات وأنواع العادات وطرائق ~~العقود وإقامة الحدود ومن علم مكارم الأخلاق ما يصيد به قلوب الرفاق ويكتسب ~~به الذكر الجميل والثناء الجليل ومن الحرف ما يحصل به القوت الحلال ولا ~~يصير على الناس كلاذ إملال وقد قيل خالطوا الناس مخالطة أن غبتم حنوا إليكم ~~وإن متم حنوا إليكم ومن علم الركوب والرمي والسباحة والخط ولعب الرمح ~~والسياحة وعلم الفرائض والحساب وطرائق المبايعات ms310 والكتاب ما يقدر به على ~~الدخولإليه إذا تكلموا فيه بين يديه بحيث يكون له فيه مشاركة والمام ولا ~~يكون بين الخواص كالعوام وكل ما ذكر فسلوكه عدل والتلبس به كمال وفضل ورأس ~~مال الجميع التقوى فان الإنسان الضعيف بالتقوى بقوى قال الله تعالى ولكن ~~يناله التقوى منكم وبالجملة فالعاقل العادل بل الكامل الفاضل لا يستنكف عن ~~نوع من العلوم ولا تبرد همته عن اقتباس منطوق ومفهوم قال معلم الخير ومحذر ~~الشر تعلموا حتى السحر وقال: # PageV01P520 # عرفت الشر إلا ... للشر لكن لتوقيه # ومن لم يعرف الخير ... من الشر يقع فيه # وكل مصافي السريره وذي بصيرة منيره يتوجه إلى التعلم والاستفادة ويجعل ~~مراده مراده أي علم كان خصوصا إذا كان من الشرف بمكان قال بعض الوزراء ~~لابنه يا بني تعلم العلم والأدب ولا تسأم فيهما من الطلب فلولا العلم ~~والأدب لكان أبوك في السوق حمالا وللنوق جمالا فبالعلم والأدب ركبنا أعناق ~~الملوك وأحوج الناس يا ذا الأفضال إلى اكتساب الفضل والعلم والكمال ~~السلاطين والملوك ومن تبعهم في السلوك فانهم بين خلق الله تعالى المرموقون ~~والسابقون بجلائل النعم لا المسبوقون وبحفظ بلاده وعباده المستوثقون منهم ~~موثوقون فهم المتحملون لأعباء العدل المكلفون بالمحاسبة عنه والفضل قال من ~~يقول للشيء كن فيكون قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون فهم أقدر ~~على التحصيل من غيرهم والزمان والمكان تابعان لسيرهم والخاص والعام يتمنى ~~قربهم ويسلك في التوصل إلى جنابهم دربهم ويبذل في ذلك ما وصلت إليه يداه ~~ويجعل تحصيل ما يرمونه غاية متمناه فيبذل جهده في ايصالهم إليه ويكد قلبه ~~وقالبه في اطلاعهم عليه قال الشاعر: # ولم أر في عيوب الناس نقصا ... كنقص القادرين على التمام # وقال بعض المؤرخين الملوك لأولاده يا بني اكتسبوا العلم والفضل وادخروا ~~الحلم والعدل فان احتجتم إلى ذلك كان مالا وإن استغنيتم عنه كان جمالا وقال ~~بعض الحكماء العلم ملك ذو أعضاء رأسه التواضع ودماغه المعرفة ولسانه الصدق ~~وقلبه حسن النية ويداه الرحمة ورجلاه مثابرة # PageV01P521 # العلماء وسلطانه العدل ومملكته القناعة ms311 وسيفه الرضا وقوسه المساءلة وسهمه ~~المحبة وجيوشه مشاورة الأدباء وزينته النجدة وحكمه الورع وكنزه البر وماله ~~العمل الصالح ووزيره اصطناع المعروف ومستقره جودة الرأي ومأواه الموادعة ~~ورفيقه مودة الأخيار وذخيرته اجتناب الذنوب والحاصل يا ملك الطير ويا مالك ~~عنان الخير أن قوام العالم ونظام بني آدم سيف الملوك والسلاطين وقلم ~~العلماء الأساطين فمهما حدث من شر محاه سيف الملوك ومهما وجد من خير أثبته ~~فلم علماء الإرشاد والسلوك وفي الحقيقة يا شيخ الطريقة العالم عبارة عن ~~هؤلاء وبصلاحهم تصلح الأشياء وبفسادهم والعياذ بالله تفسد الدنيا إذ هم ~~لزوال الفساد وطهارة العباد وعمارة البلاد بمنزلة الصابون للأوضار ~~والاستغفار وللأوزار فإذا فسد هؤلاء فما لفسادهم دواء كما قيل: # الذنب صابون الاستغفار يغسله ... كالثوب ينظف بالصابون أن وسخا # فما الذي يغسل الصابون من دنس ... إذا رأيناه صار الذنب والوسخا # وناهيك يا ملك العقبان ما فسد من الزمان وجرى من الدماء من طوفان وانمحى ~~من أمهات البلدان عند استيلاء الكافر جنكيز خان فسأل العقاب عن كيفية هذا ~~المصاب والعقاب ومن هو جنكيز خان الذي أفسد وخان وما أصله وفصله وكيف كان ~~قطعه ووصله حتى نفذت في كبد العالم بالفساد نصله # PageV01P522 # فقال هذا رجل من بقايا التتار الساكنين من بلاد الشرق في قفار وهم من ~~بقايا يأجوج ومأجوج عن الإسلام منحرفون وعن الإيمان عوج سموا بالترك لأنهم ~~تركوا عن دخول السد بالخروج فكانوا قبل جنكيز خان مبددين في صحاري لا يتفق ~~منهم اثنان مسيرة أماكنهم ومدى مساكنهم شرقا بغرب نحو من ثمانية أشهر ~~وشمالا بجنوب لا ينقص عن هذا المدى ولا يقصر حدها من الشرق حدود ممالك ~~الخطاوأقصاها خان بالق وهي مدينة عظمى ووراءها شرقا يا من يرقى ينتهي الحد ~~بعد السير الجد إلى بلدة عظيمة ولا يأتيها جسيمه تدعى خيسار وأهلها كفار ~~وهي مبدأ مملكة الصين يا ذا المجد الرصين ومن الشمال نواحي قرقير وسلنكاي ~~ومن الجنوب بلاد تدعى تنكيت وتيت هذه يا ذا النسك هي التي يتولد غزالها ~~المسك ومن الغرب وهي جهة ms312 قبلة تلك البلاد إذا صلى المسلمون منهم والعباد ~~حدود بلاد أو يغور وما وإلى تلك الكفور من بلاد تركستان يا ذا الإحسان ~~ويسير المجد منها إذا انفصل عنها كذا وكذا شهر حتى يصل من جهة غربها إلى ما ~~وراء النهر ثم هؤلاء التتار كانوا تلك القفار بين هذه الحدود الأربعة في ~~مضيعة وأي مضيعة يتوالدون في ذلك البر ويتهارجون في ذلك السهل والوعر ~~كالحيوانات السائبة في البر والبحر لا حاكم يردعهم ولا دين واعتقاد يجمعهم ~~وهم فيما بينهم قبائل وشعوب وأصناف وضروب وخلائق وأمم لا يعرفون الإسلام ~~والسلم بل كل أمة تلعن أختها وتنهب # PageV01P523 # تختها وتأكل رختها وكل طائفة تعد غارتها وتقصد جارتها وكل من قوى على ~~غيره كسره أما قتلته وأما أسره لم تزل المكافحة بينهم قائمة والمناطحة بين ~~ثيرانهم وكباشهم دائمة وعيون الرشد والاهتداء عنهم نائمة وضواري الظلم ~~والاعتداء في مسارح سوارح إسلامهم سائمة يعدون النهب غنيمة والفسق والفجور ~~والنميمة أجمل صنعة وأكمل شيمة يأكلون والكلاب والفار وما وجدوه منن صيد ~~القفار والميتة والدم والهوام لا يعرفون الحلال والحرام ويلبسون جلودهم ~~وأوبارها وأصوافها وأشعارها كما كان مشركو العرب في الجاهلية قيل إشراق شمس ~~الملة المحمدية لا زرع لهم ولا ثمر سوى نوع الشجر يشبه شجر الخلاف هو ثمرهم ~~في الشتاء والاصطياف اسمه قسوق وهم على ما هم عليه من الفسوق يعبدون ~~الأوثان والأصنام ويسجدون للشمس إذا بزغت من الظلام ويعظمون النجوم ~~ويعبدونها وتخاطبهم الجن ويرصدونها وفيهم كهنة يعتقدونها وسحرة وساجع وزجره ~~يجبى خراجهم إلى ملك الخطا وهم على أشد كفرو خطا قد تركب الكفر في أحشائهم ~~وإن الشيطاين ليوحون إلى أوليائهم وأعلى من فيهم أكابرهم وذويهم علامة ~~رياسته وانفراده بسياسته وأنه فيهم ذو يأس شديد ورأي سديد ومال مديد كون ~~ركابه من حديد وباقي أعيانهم وذوي مكانتهم وإمكانهم أن كانوا ذوي جد ~~فركابهم قضيب ملوي أوقد وعندهم أفخر ملبوس جلود الكلاب والنموس والذئاب ~~والتيموس # PageV01P524 # وقس على هذا جميع تجملاتهم ومفاخر آلاتهم فهم في قديم الزمان وبعد ~~الحدثان من ms313 حين بلغ ذو القرنين بين السدين وساوى على ياجوج ومأجوج بين ~~الصدفين إلى آخر وقت كانوا في قلة ومقت وضيق حال وسوء بال لا دنيا رخيه ولا ~~آخره رضية حتى نبغ منهم هذا اللعين الطاغية تموجين الذي تسمى بجنكيزخان ~~وساعده قضاء الديان فأمده الزمان وأعطاه المكان لأمر يريده الرحمن وقضاء ~~قدره على عبيده في سالف الأزمان فطعم العالم بالفساد فاهلك العباد والبلاد ~~وأخلى والديار والدار وعم غالب بلاد الإسلام بالشنار والبوار فصلى الله على ~~سيد بني عدنان بل أشرف جنس الإنسان الذي قال يخرج في آخر الزمان رجل يسمى ~~أمير العصب أصحابه مخسورون محقرون مقصون عن أبواب السلطان ياتونه من كل فج ~~عميق كانهم قزع الطريق يورثهم الله مشارق الأرض ومغاربها فاتبعه منهم ~~النساء والرجال اتباع اليهود والكفرة والمسيح الدجال أمم لا يحصرها حساب ~~ولا يحصيها ديوان ولا كتاب وما يعلم جنود ربك إلا هو فارشدوا إلى طريق ~~الضلال بعدما تاهوا وصار كل من أولئك الطغاة الكفرة الهجرة الأوغاد اللئام ~~وكل كلاب خادم كلاب الصعود يجري سيفه الكال الكدود من # أشراف الملوك وملوك الأشراف وفي أعضاد الأسود وفي قارب النمور والفهود ~~وكل ماضغ شيح وقيصوم وعلج من أولئك العلوج وعلجوم يتفكه في أنواع المستلذات ~~من المشروب والمطعوم وكل صعلوك معلوك من تركي متروك أو خدام # PageV01P525 # مملوك يتحكم في رقاب أكابر الملوك ويستعبدون أحرار أولادهم ويستفرشون ~~زوجاتهم وبناتهم في بلادهم: # على رأس عبد تاج عز يزينه وفي رجل حر قيد ذل يشينهومن لا يعرف البطائن ~~المروية ولم يسمع بالرقاع الكرباسيه يستوطي الإستبراق والديباج ويتقلب على ~~تخوت الصندل والساج ويترقى إلى سرر الأبنوس والعاج ويعامل التجار ~~والمضاربين في البر والبحار بألوف الألوف من الدرهم والدينار فيجي إليهم ~~نفائس المضارب من المشارق والمغارب ومكامن المعادن وذخائر الخزائن كل ذلك ~~بواسطة ذلك الطاغية واستيلاء الفئة الباغية وكان من أمر هذا المصاب الذي ~~بدل حولاة العيش بمرار المصاب وخلد في الدهر قواعد البلايا والأوصاب أن ~~الله القاهر فوق عباده الذي لا يسئل عما يفعل من ms314 مراده بل له المراد في ~~عباده وبلاده المتصرف في ملكه تصرف المالك في ملكه لما أراد ابتذال الصون ~~وعموم الفساد في عالم الكون واستئصال غالب أهل الأرض وإذاقة بعض عباده بأس ~~بعض وأظهار آثار غضبه على صفحات الشهود وإبراز أسرار قهره على وجنات الوجود ~~ولحس سطور صدور علماء العالم على روح الورد بلسان نار السخط ذات الوقود ~~ونقص أرض العلم من أطرافها وإخلاء ربوع المحاسن من ألافها اينع هذا التنين ~~المبين من أوعار تلك القفار وأغوار أوغادها تيك التتار فكان # PageV01P526 # ممتازا على أقرانه بوفور عقله وحسن بيانه ذا فكر مصيب ورأي صائب وحزم ~~مجيب وعز ثاقب وهمة تباري الأفلاك وثبات يجاري السماك كسر بصدماته الأكاسرة ~~وقص بسطواته القياصرة وقرع بعزماته على قمم الفراعنة والجبابرة وقهر ~~بحملاته قهارمة خوافين القياصرة وكان أميالا يقرأ أولا يكتب أعجميا عجر يا ~~لا يحسب ولا ينسب لا طالع ولا اقتفى في سياسة الممالك والآثار بل فرع ما ~~فرعه من القواعد في صحيفة تفكيره واخترع ما ابتدعه من تدبير الملك من ~~مطالعة هو لجنس ضميره فأسس قواعد لو أدركه إسكندر ودارا لما وسعهما لاقتفاء ~~أثره وشيد مباني لو بلغت نمرود شدادا لبنيا قصور قصورها على أركان خبره ~~وخبره ورتب تجهيز السرايا والجنود وربط عقود الجيوش والبنود بطرائق يعجز ~~عنها مهندس الحكمة ويتقاعد عن حل رموزها معزم الفطنة وغاية ما يتعاناه ~~ويستعمله ويتعاطاه جيوش الأتراك في بسيط الأرض من إبرام طرائق عساكرهم ~~والنقض إنما هو من قوانين ما رتبه وأفانين ما هذبه وركبه وله في ترتيب حراب ~~الحروب وما فن الضرب والضراب من ضروب وطرائق الاصطياد مخترعات دقائق لم ~~يسبق إليها من لدن كيخسرو وكيقباد احكم الموافق ونصر المصادق وكبت المعادي ~~وكسر الأعادي واستطال مع كثرة مخالفيه عليهم وأنفذ سهم تحكمه فيهم واليهم ~~وصال فيهم حسبما أراد وجال واتسع له في التضييق على الإسلام والمسلمين ~~المجال # PageV01P527 # فكل من عامله بالمجاملة وتلقاه بالعبودية وحسن المعاملة أبقى على نفسه ~~وأهله وماله وحصنهم من أليم خيله ورجاله ومن قابله بالمقاتلة ms315 وتلافى صف ~~قتالة سورة المجادلة محا سطور ركونه من لوح الوجود وأوطأ سنابك خيله منه ~~الجباه والخدود فخرب ديارهم ومسح آثارهم مع شكره وإسلامهم وتبدد عساكره ~~ونظامهم ومع أن أكثر الملوك والسلاطين وحكام الممالك الإسلامية من الأمراء ~~والأساطين لعدم اكتراثهم بالأتراك والتتر وشدة ما هم فيه من لنخوة والبطر ~~ولاعتمادهم على حصونهم والحصينة وتعويلهم على معاقلهم المكينة ولكثرة العدد ~~والعدد ومساعدة المدد والمدد ولوفور العمائر ببلادهم وخراب بلاده وبسطة ~~استعدادهم وضيق استعداده لم يعاملوه إلا بالمكافحة ولا ردوا جواب خطاياته ~~إلا باللعن والمكالحه والسب والمقابحة ولا قابلوه إلا بالمرامحه والمراوسة ~~والمناطحه فقتلهم وأبادهم واستصفى طارفهم وتلادهم وتوطن ديارهم وبلادهم ~~وأبادهم عن آخرهم وأطفأ قبائل عشائرهم فمد لأكابرهم أسمطة الرزايا ووضع في ~~أفواه أصاغرهم أثدية المنايا وأضافهم في ولائم الدمار وأطافهم على نجائب ~~الانكسار في ملابس البوار فاستأصل شأفتهم بالكليه وحكم فيهم المنية فلم ~~يسبق من مائة ألف إنسان مثلا مائة إنسان وذلك أيضا أما على سبيل التغافل أو ~~على سبيل النسيان وسيذكر على سبيل الأجمال ما يدل على تفصيل ما له من أحوال ~~وشواهد ما فزعه من أهوال واستمر ذلك في ذريته وإن كانوا رجعوا عن ملته وأصل ~~هذه الأصلهالتي أضحت بخلقان اللعن أكسى من بصله قبيلة من تلك التتار # PageV01P528 # الساكنين في تلك القفار تسمى قنات ظلمة عتات غير أمناء ولا ثقات منها ~~آباؤه وأجداده وفيها أقاربه وأحفاده واخوته وأولاده فنشأ # كما ذكر بطلا باسلا وشجاعا كاملا سهام أفكاره في عمره مصيبة ورهام آرائه ~~في مكره خصيبه ثم اتصل بعد ما أخنى وخان بملك يسمى باونك خان وأظهر من ~~أنواع الفراسة والفروسة والكياسة ما فاق به أناسه وفات من العقل قياسه فقر ~~به الملك وأدناه ولمهماته اصطفاه ولا زال يترقى عنده إلى أن ملك جنده وصار ~~عضده وزنده ودستور ممالكه ومسلك مسالكه وحاكم أمرائه وناظم أمور وزرائه ~~وناظر جمهور كبرائه وعين أعوانه وعون أعيانه وأعز من أخوته وأولاده وأبر من ~~حفدته وتلاده وكثفت حواشيه وعظمت غواشيه وملأت السهل والوعر فواشيه ms316 ومواشيه ~~فثقل على الوزراء وصعب على الأمراء إذ مدار الملك صار عليه ومرجع الأمير ~~والمأمور إليه فحسده أولاد الخان وإخوانه وأجناده وأسرته وأعملوا له ~~المكائد ونصبوا له المصائد وتعاطوا إفساد صورته وتواطؤا على إخماد سيرته ~~فصاروا يتناوبون على ذلك في غيبته ويمزقون أديم عرضه عند الخان ويشقون ستر ~~عصمته بمخاليب البهتان ويراقبون الكلام أوقات القبول ويواظبون في السعاية ~~عليه بدلائل المعقول حتى أوغروا صدر الملك عليه وأخذ يفكر في كيفية إيصال ~~الإساءة إليه ولم يقدر على # PageV01P529 # مواجهته لوفور جماعته وكثرة حاشيته فان أوتاده كانت ثابته وغراس هيبته ~~كالارزة نابتة وفروع دوحة عصابته قد أحاطت بالملك من كل جهاته حتى قيل إن ~~ذلك الثقيل كان له القرابات وذوي الأرحام والعصابات والأولاد والأحفاد ما ~~جاوز في التعداد عشرة آلاف نسمة كل له حرمة وكلمه فأضمر له السلطان البيات ~~وانتخب لذلك من عسكرة أولي الثبات الثقات ولم يختلف عليه في ذلك اثنان لأنه ~~كان قد استحكم فيهم منه الشنآن وعلموا أن سهم مكرهم نفذ وحسام فكرهم في ~~قطعه فلذ ورأوا من الرأي أرصنه أن يراقبوا لحتفه مكمنه فتواعدوا على ليلة ~~معينة يدهمون فيها مأمنه وكان عند الخان صبيان محرمان لا يؤبه إليهما ولا ~~يعول في الأمور عليهما يدعى أحدهما كلك والآخر باده فانسلا من بين أولئك ~~القادة وسلكا طريقا غير العادة وأتيا تموجين الطاغية اللعين في خفية ونبها ~~وعيه وأخبراه وبصراه وأنذراه وحذراه بما تمالأ عليه الملك مع عسكره المنهمك ~~وقالا أيها العفريت قد طنجت لك قدر التبييت فتنبه من النوم وراقب في الليلة ~~الفلانية هجوم القوم فانه قد مرج المارج الفتنة فامرج وعن وهاد غفلتك اعرج ~~إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك وباعاه من السر ما جرى بتخيير المشتر يوقصا ~~عليه القصص فخلصا طير حياته من القفص وظبى نجاته من القنص فشكر لهما ما ~~فضلهما واستكتمهما قولهما ثم تثبت في أمره عن زيده وعمره وجمع تلك الليلة ~~رجله # PageV01P530 # وخيله ولم يبد تلك الحال لأحد من الرجال بل أخلى بيوته ولازم سكوته وقصد ~~أحد ms317 الجوانب بما معه من راجل وراكب وأقام في كمين ينظر أيصدق الواشي أم ~~يمين فما مضى هزيع من الليل إلا وقد هبطت الخيل فوجدوا البيوت خاليه ~~والأطلال خاوية فتحقق صدق الناقل وأنه ناصح عاقل فعمل مصلحته وأخذ حذره ~~وأسحلته وتقرر وقوع النكد فتقدم أمامهم واستعد فقصدوه وبالأذى رصدوه ولا ~~زالوا يتبعونه حتى التقوا بمكان يسمى ببا لجونه وهو عين ماء في حدود بلاد ~~الخطا فاشتعلت بين الفريقين نار الحرب وقصد كل منهم الآخر بالطعن والضرب ~~فأعانه الله ونصره فكسر الخان وعسكرة وفر بمن معه من فئة وذلك في سنة تسع ~~وتسعين وخمسمائة وغنم تموجين من الأموال والمواشي والأثقال وذخائر الخزائن ~~ونفائس البحار والمعادن ما فات الحد والحصر خارجا عن سعادة النصر وهرب ~~الخان وتهدمت منه الأركان فجمع جنكيز خان عسكرة وضبط أسماء من حضره ومن كان ~~شاهد القتال ومواقف الحرب والجدال من والنساء والصبيان والرجال ومن خادم ~~ومخدوم وخاصم ومخصوم ومأمور وأمير وكبير وصغير حتى السائس والجمال والطباخ ~~والبغال والطفل والرضيع والنذل والوضيع ومن شهد تلك الغارة أو كانفي تلك ~~الدارة ولو حاضرا للتفرج مع النظارة واستبشر بوجودهم وتميز بور ودهم ~~فأثبتهم في الديوان بأسماء آبائهم وجدودهم وفرق عليهم ذاك الفيء ولم يرفع ~~إلى خزائنه منه شيء بل وزع ذلك المغنم الوافر العظيم المتكاثر على الحاضرين ~~معه العساكر وضبط أسماءهم في الدفاتر وفرق ذلك العرض العربض الطويل على قدر ~~الحقير منهم والجليل ووعدهم بكل جميل # PageV01P531 # وأما الغلامان اللذان أخبراه وعلى ما كان أضمره الخان أظهراه وكانا سبب ~~حياته وخلاصه من الموت ونجاته فانه جعلهما # ترخان فصار السهم مقاصده كأنهما شرخان والثرخان عبارة عن المعافي المطلق ~~يستوفي حقوقه ولا يقوم بما عليه من حق لا يؤاخذ بقصاص أن قتل وقس على هذا ~~ما يوجب القول والعمل مقضي المآرب موصول المطالب لا يكلف بخدمة ومباشرة ولا ~~بحضور ومعاشرة مهما طلب أعطى ويعد مصيبا ولو يخطى وأعلى مراتبه في مراعاة ~~جانبه أنه يدخل على السلطان من غير استئذان وهو نائم سراريه ونسائه وجواريه ms318 ~~فيذكر ماله من مآرب فتقضى ومن شفاعة فتقبل وتمضي ويعطي بذلك مناشير وتواقيع ~~وتقارير تبلغ التاسع من أولاده ويشمل أحكامها جميع أسباطه وأحفاده ولما ~~انتصر وحصل أمنه واستقر وتعاظم أمره واشتهر وعظم وانتشر قرر كل من حضرة تلك ~~الوقعة فيما يليق به من منصب ورفعه فأقبلت القبائل إليه وانهالت الرؤس ~~والوجوه عليه ورجع الخان واستعد وأعد ما وصلت إليه يده من عدد واستعان عليه ~~بالمدد والعدد ثم تقلايا كرتين وتصاولا مرتين انكسر الخان في الأولى وقبض ~~عليه بعد الكسرة في الأخرى وأباده وأستملك بلاده واستولى على عساكره ~~واستحوذ على ذخائره وعشائره وهربت أولاد الخان ولجأت إلى أطراف تركستان ثم ~~راسل سلطان الخطا والصين بكلام رصين يدل على عقل حصين واسم ذلك السلطان ~~التون خان وطلب المهادنة والموافقة والمصافاة والمصادقة فلم يلتفت إلى ~~كلامه فضلا عن إعزازه وأكرامه على حسبه واستنادا إلى نشبه ونسبه واعتمادا ~~على سعة ممالكه # PageV01P532 # وكثرة ملوكه ومناعة حصونه وعمارة بلاده ووفرة مملوكه فان ممالك جنكيز خان ~~بالنسبة إلى ولايات الخاقان لاش وأقل من لاش وعساكره وقبائله بالنظر إلى ~~أهل الصين أو شاب أو باش فرجع قصاد جنكيز خان بالخيبة وذكروا ما رأوا لملك ~~الصين من عظمة وهيبة فلم يلتفت إليه ثم قصد التوجه عليه بعدد كالرمال ومدد ~~كالجبال وواقعة فكسره ونافقه فحصره وقبض عليه وأباده واستصفى ولايته وبلاده ~~وكانت هذه الكسرة والنصرة في سنة إحدى وستمائة متن الهجرة فاستقل من غير ~~منازع ولا ممانع ولا مدافع فلما خلصت له الممالك وانقاد له المملوك والمالك ~~أخذ في ترتيب الأمور وتهذيب الجمهور وطير أجنحة مراسيمه إلى أطراف ممالكه ~~وأكناف أقاليمه فرفع جميع ما هم عليه من النهب والغارات والتحزبات وطلب ~~الثارات فهدم قواعد الظلم والتعدي في ممالكه فلم ير أيمن من ولايته ولا آمن ~~من مسالكه وهي ممالك المغل والخطا وإلى الصين شرقا وولايات المغل والجنا ~~وبلاد الترك وإلى حدود أترار ما وراء النهر غربا فجرى بعد النهب والأسار في ~~ممالك المغل والتتار والبغي والعدوان العدل والأمان والسلامة والاطمئنان ms319 ~~وبعد السرقة والخيانة الوفاء وألمانة وأمر بوضع البرد والمنارات والعلائم ~~والأشارات وعمرت المفاوز والمناهل وسكنت الصحاري والمذاهل وعرفت طرق ~~المهامه # PageV01P533 # والمجاهل وائتلفت تلك الطوائف والأمم وانتشر صيت عدلها في العرب والعجم ~~واخترع كما ذكر أنواع سياسات وقرر للمملكة قواعد بنيان وأساسات ألف بها بين ~~تلك الطوائف فلم ير بينهم مخالف ولا غير موالف على سعة ممالكهم واختلاف ~~مسالكهم وتعدد أديانهم وتفاوت كيل أخلاقهم وميزانهم فانهم كانوا ما بين ~~مسلمين ومشركين ومجوس وأرباب ناقوس ويهود ومن لا يدين لمعبود وصباه وغواه ~~وعباد الشمس والنجوم ومن يسجد لها أو أن الرجوم وكل منهم بتعصب لمذهبه ويغض ~~من مذهب صاحبه فلم يتعرض لأحد في دينه ولا وقف له في طريق اعتقاده ويقينه ~~وأما هو فلم يتقيد بدين لا كافر مع الكافرين ولا ملحد مع الملحدين ولا ~~يتعصب بملة من الملل ولا يميل لنحلة من النحل بل يعظم علماء طل طائفة ~~ويحترم زهاد كل ملة على دينهاعاكفة وبعد تلك الخصلة قربه حيث يعظم كل دين ~~وحزبه وكل من احتار من أولاده وأسباطه وأحفاده وأمرائه ورعيته وأجناده دينا ~~من الأديان لا يعترض عليه أي دين كان فبعضهم كان مسلما حنيفا وبعض كان ~~يهوديا وبعض نصرانيا مجوسيا إلى غير ذلك من الإلحاد والزندقة وعدم الاعتقاد ~~وحيث لم يتعرضوا إلى دنياه ولا نازعوا ملكه الذي تولاه لم يشاققهم في دينهم ~~ولم يوافقهم في يقينهم واخترع هو لنفسه في الملك قواعد حمل عليها المقارب ~~والمباعد ثم لما لم يكن له كتاب ولا خط ولا لأولئك الحروف قلم يعرفون به قط ~~أمر أذكياء قبيلته وعقلاء مملكته أن يضعوا له خطا وقلما يكون لهم علما ~~وعلما فوضعوا له قلم المغل واشتغلوا به أهم شغل نسبوه إلى قبيلته # PageV01P534 # ليدلوا به على فضلته فقالوا قوتا تقويعني قلم قتات وهي قبيلة ذلك القتات ~~فوضعوا مفرداته ورتبوها ثم حملوها وركبوها وهي أربعة عشر حرفا ظاهرة بيتهم ~~لا تخفي وهذه صورة مفرداتها # فأمر أولاده وأحفاده وجماعته وأجناده ومهرة الرجال والأذكياء والأطفال أن ~~يتعلموا هذا الخط ms320 وينشروه ويتداولوه ويشهروه بينهم حتى ملأ رأسهم وعينهم ~~فرسموا به المراسيم والمناشير ورصعوا بجواهره جباه المساطير ووضعوا ~~الرسومات الديوانية والتوقيعات السلطانية وابتدع لهم يتواريخ وحساب كل ذلك ~~بهذا الكتاب ثم لما تقرر أمره وانتشر في الآفاق ذكره مهد قواعد أسسها ونصب ~~في دوحة ملكه أصول خلاف غرسها ووضع على ما اقتضاه رأيه التعيس وفكره الخسيس ~~طرقا وافانين ودرب في أمور الحكومات أساليب وقوانين فجعل لكل حكومة حكما ~~وفوق لكل حادثة سهما وفرع لكل حسنة مثوبة ولكل سيئة عقوبة وقرر لكل معصية ~~حدا ولكل بنيان مخالفة هذا ولكل فرع أصلا ولكل سهم من الوقائع نصلا وبين ~~كيفية الصد والحرب وسلك في كل ذلك الطريق والدرب وألقى دروس ذلك على أولاده ~~وحفدته وجيوشه ورعيته بحيث أنهم حفظوها ورعوها وفي سير سيرهم هرجا ومرجا ~~فمن أحكامها المظلمة وفروعها المعتمة صلب السارق وخنف الزاني وأن شهد بذلك ~~واحد فلا يحتاج إلى ثاني ثم فصل حد السارق بهذيان فارق في السرقة من حركاه ~~أو بيت شعرواه بوجوب الصلب وبقطع اليدان كان بالنقب ثم كلا السارقين يؤخذ ~~ما لهما من مال وعين ويسترق ما لهما من أولاد وينتقل إلى السلطنة ما لهما ~~من طريف وتلاد # PageV01P535 # ومنها حقية دعوى من سبق سواء كذب أو صدق ومنها استعباد الأحرار وتوارث ~~الفلاح والأكار ومنها توريث نكاح لزوجة لأقارب الزوج وتداولهم إياها فوجا ~~بعد فوج فان تزوجها أحد منهم كان أحق بها ولا تخرج منهم وإلا زوجها بمن ~~شاؤا وأخذوا مهرها وباؤا ومنها عدم العدة وعدم انحصار الزوجان في عده ومنها ~~الأخذ بقول الجواري والصبيان وبما يتفوله على الرجال العبيد والنسوان ومنها ~~امتثال أمر السلطان على الفور من غير توان ومنها لزوم ما لا يلزم من ~~العطايا وإيجاب ما يتبرع به الإنسان من التجملات والهدايا حتى لو أعطى شخص ~~شخصا من ماله هدية أو شقصا فان ذاك يلزمه وفي كل عام يغرمه ومنها الجثو بين ~~يدي الحاكم على الركب وقت التحاكم ومنها مطالبة الجار بالجار ومعاقبة ~~البريء بجريمة مرتكب الأوزار ms321 وذلك لأدنى مناسبة من معرفة أو مصاحبة فضلا عن ~~أكبر أو شديد قرابة ومنها أن لا يتقدم الوضيع على الشريف ولو كان ذا مال ~~عريض وجاه كثير ومنها العمل بما يقتضيه العقل والكف عما لا يدركه ولو ورد ~~به النقل ومنها منع عفو الحاكم وأن عفا المظلوم عن الظالم ونحو هذه ~~الخرافات الباطلة والهذيانات العاطلة ومن أسخفها وأوسخها وأخسفها أنه لو ~~أخذ أحدا أبله عن قواعدهم ذو غفلة من ثب أحدهم قملة فان دفعها إلى صاحبها ~~خلص من تبعية عواقبها وغرامة مطالبها فان شاء قصعها وأن أراد وضعها وربما ~~اختار عودها إلى مكانها فرجعها وأن قتلها أو رماها وإلى صاحبها ما أداها ~~فان صاحبها يخاصمه وإلى حاكم التتار يحاكمه ويدعى عليه بين يديه بان هذا ~~الإنسان عمد إلى حيوان # PageV01P536 # ربيته بين سحري ونحري وغذيته بدم صدري وظهري قصدا وأضاعه عمدا منغير سبب ~~تقدم إليه ولا إيذاء اجترأ به عليه فينسب إلى الأجترام ويأخذ ديتها منه ~~بالأغترام وقس على هذا اليسير أنواعا من الكثير ومن نتن هذه البعرة على ~~خرافة البعير ومن هذه القواعد أمر الأقارب والأباعد بما يستصوبه العقل ~~ويستنتجه النقل من سلوك طريق الفتوة ومعاملة الخلق بالمروة والكرم والإحسان ~~والمداراة مع كل إنسان والكف عن الظلم والغارات اللهم إلا في طلب الثارات ~~ثم وضع طرق المكاتبات والمراسلات والمشافهات والمخطبات فكان فكان في ~~المكتبات طريقة رسمه أن لا يزيد على وضع اسمه مثل أن يقول في أول الكتاب ~~وبراعة استهلال الخطاب عند ابتداء المقال بعد عدة أوصال جنكيز خان كلامي ثم ~~يكتب تحته من نصف السطر الثاني إلى فلان ليفعل كذا ولا يتعلل بان وإذا ثم ~~يذكر مخ المقصود بطريق معهود بين العبارات من غير مجازات واستعارات ويختم ~~بذكر الزمان واسم المنزل والمكان وإذا استدعى أحدا إلى الطاعة وملوك السنة ~~أسوة الجماعة فانه يتجنب التهويل والتهديد ويتحامى عن التشريد والتشديد ~~ويرغب بالوعد ويترك الوعيد ثم يقول أن سمعتم وأطعتم فزتم وغنمتم وأن أبيتم ~~وتماديتم فليس أمر ذلك إلينا ولا درك ms322 علمه علينا ويرى فيكم الخالق القديم ~~رأيه فان في تقديره وتدبيره كفاية فهذه القاعدة باقية في تلك # الفئة الباغية مستمرة على الدوام وإلى هذه الأيام وجارية على هذا النمط ~~يكتبون اسم الخان والخاقان فقط وكذلك الأمراء والوزراء والمباشرون والكبراء ~~يكتبون في أول الكتاب فلان لا كنية ولا جناب وهكذا إلى الأكابر من الأداني ~~يذكرون اسم الكبير ووظيفته فلان لا الفلاني # PageV01P537 # ولما فرغ من ترتيب هذه القواعد الملعونة وخرج بها على خلاف الشريعة ~~الميمونة وقرر عليها الأمور الديوانية والأحكام السلطانية أمر بها فكتبت ~~وبهذا الخط رتبت ورسمت في طوامير ولفت في شفق الحرير وزمكت بالذهب ورصعت ~~بالجواهر كما فعل ماني النقاش الكافر واضع مذهب المجوس ومصور على صفحات ~~الطروس ومبرز بطريق المحسوس ليكون أقرب إلى تفهيم النفوس في كتابه المسمى ~~بزند واستاثم أمر باحترامها وتوقيرها والمحافظة على ضبطها وتحريرها والعمل ~~بها والإقتداء بما فيها وتعلق أهل ملته بقوادمها وخوافيها ثم رفعت إلى ~~خزائنه وهي عندهم أعزو من الكبريت الأحمر في معادنه واسمها بالمغلي التوره ~~وتفسيرها الملة المأثورة فإذا جلس منهم سلطان على سرير وذلك بما للرؤساء من ~~اتفاق وتدبير وعادتهم في ذلك أنهم إذا رفعوا عليهم سلطانا وأرادوا أن يبنوا ~~الدار المملكة خانا اجتمع الأمراء من الأطراف واستدعوا أركان الثغور ~~والأكناف واشتروا فيما بينهم مدة أيام واستمروا في ذلك ما بين نقض وإبرام ~~وربما أقاموا في ذلك الجمع العام حولا جميعا أرضعفي عام ويسمون تلك الجمعية ~~قورلتاي وهي مستمرة الحكم في المغل والحفتاي وسبب ذلك تدافع الإمرة والفرار ~~من تلك السلطنة الحلوة المره كما كان الصحابة الكرام يتدافعون الفتاوى خوف ~~الآثام # PageV01P538 # فإذا وقع الاتفاق بين الرفاق وأمراء الجند ورؤساء الآفاق على واحد من ~~أولاد الخان وأن يكون عليهم الممالك والسلطان وتصوب الرأي عليه وتسدد وضعوه ~~على لبد أسود ثم رفعه من الأرض إلى السرير أربعة أنفس مكل أمير كبير كل ~~حامل بطرف رافع في زعمه راية الشرف والخان يصيح بلسان فصيح يا رؤساء ويا ~~أمراء ويا ملوك ويا زعماء أنا ما ms323 أقدر أن أتسلطن عليكم ولا طاقة لي أن ~~أتحكم لديكم ولا قوة لي بهذا الحمل الثقيل والدخول تحت هذا الأمر العريض ~~الطويل فيقولون بلى يا مولانا الخان تقدر أن تقوم بحمل أعباء هذا الشأن ~~فيتكرر الخطاب ويتعدد الجواب حتى يجلسوه على السرير ويبتهج بذلك الكبير ~~والصغير والمأمور والأمير ثم يأتون بالتوراة الجنكيز خانية الملعونة ~~الشيطانية مجبلة معظمة محترمة مكرمه فينهضون إعظاما لها ويتبركون بمسكهم ~~أذيالها فينشرونها ويشهرونها ثم ينصتون فيقرؤنها ثم يبايعون الخان على ~~إقامتها وأن يراعى أحكامها حق رعايتها ويبايعهم على امتثال أحكامها وإجراء ~~نقضها وإبرامها فيجيب كل منهم الأمر على ذلك وأن يقيم شعائرها المملوك ~~والمالك ثم يضربون له الجنوك ثلاث مرار ثم يتوجهون إلى الشمس في وجه ~~النهارويضربون لها الجنوك ويسجد لها من فيهم من ملك ومملوك ولا يفعلون هذا ~~الفعل الشنيع إلا في أيام الربيع فإذا تعاقدوا وتبايعوا وتعاهد وتتابعوا ~~رفعوا تلك الكفريات واحضروا الآلات الخمريات فأدار الخان عليهم الكاسات ~~واستعملوا الأقداح والطاسات وفتح الخزائن وأظهر المكامن ونثر النثار من ~~الدرهم والدينار وخلع الخلع والتشاريف وأعاد في دروس النفائس أبحاث # PageV01P539 # التصريف واستمروا على ذلك أياما والأنعامات تدر عليهم خاصا وعاما ثم يأذن ~~لهم فيتفرقون ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون وهذه الطريقة ~~مستعملة وإلى آخر وقت غير مهملة في جميع ممالك الشرق من الخطا والدشت ~~والصين والمغل والجتا وفي ولايات الجفتاي والروم قد اعتاد والغالب هذه ~~القواعد والرسوم فقدموها على القواعد الإسلامية والشرائع الأحمدية المحمدية ~~اللهم ألهمنا الصواب ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة ~~أنك أنت الوهاب وسبب تحركه إلى ممالك الإسلام وتوجه عنان سخطه إلى طلب ~~الانتقام هو أنه لما استقر أمره وانتشر بعد الجور بالعدل ذكره وطابت بلاده ~~وأمنت وخمدت حركات الظلم وسكنت توجه من بلاد ما وراء النهر فئة في سنة ثلاث ~~عشرة وستمائة فيهم ثلاثة أنفار من أعيان التجار أحدهم يدعى أحمد الخجندي ~~والآخر عبد الله ابن الأمير حسن الجندي والثالث أحمد بلجيخ ومعهم ms324 من أنواع ~~المتاجر ونفائس الأقمشة والذخائر ما يصلح للملوك أولى المفاخر فوصلوا إلى ~~بلاده # الجاري فيها مياه كفره وعناده وانتهوا إلى قوقات والمسيل وهما محل سريره ~~الذليل فاكرم نزلهم ورفع محلهم وأنزلهم في قباب بيض وأفاض عليهم الكرم ~~العريض وكان شعار المسلمين في تلك البلد أن ينزلوهم في قباب بيض من لبد ~~وكانوا يقربون المسلمين ويحترمونهم دون الناس أجمعين ثم أن جنكيز خان دعا ~~أحد أولئك الأعيان واستعرض قماشه وساومه بعد ما قربه # PageV01P540 # وأكرمه فطلب منه أضعاف ثمنه وسامه ما يقضي بغببه وغبنه فما رد جوابه ولا ~~اعتبر خطابه ثم طلب رفيقه واستعرض بضائعهما عليه ثم ساومهما الثمن فقالا يا ~~ملك الزمن أن صلح هذا القماش فخذ مناك به بلاش فليكن ثمنه رضاك وهدية في ~~مقابلة ملتقاك وتقدمة منا إليك بل خدمة لخادم أدخلنا عليك فأعجبه هذا ~~الحوار وقال بل أنتم تجار إنما جئتم لتربحوا وتكسبوا علينا وتنجحوا وأنتم ~~ضيوفنا فالأولى أن يشملكم معروفنا ولكن أنا أقول قولا وأدفع إليكم نولا فان ~~رأيتم فيه فائدة وعاد عليكم منه عائدة قبلتموه وإلا فالرأي فيما رأيتموه ثم ~~ذكر لهما مبلغا أرضاهما وبلغ به منتهى مناهما بحيث ربح درهمهما ثلاثة ~~وأربعة وتضاعفت لهما مع قرب الملك المنفعة فقالا رضينا بما رسمت وأنعمت ~~وقسمت فقال لرفيقهما الأول أن رضيت بمثل ما رضى به صاحباك فتخول وإلا فخذ ~~متاعك وتحول وشأنك وقماشك ونحن مع ذلك رياشك فقال رضيت بما رضيا به وتلطف ~~في خطابه وجوابه فأمر في الحال وأحضر المال ووزن الثمن وزاد ومن وألبسهم ~~الخلع وأفضل في المصطنع وأمر ببضائعهم فرفعت في خزائنه ووضعت ثم أمر خواص ~~بطائنه أن يدخلوا خؤلاء التجار إلى خزائنه فلما دخلوا إليها ووقع نظرهم ~~عليها رأوا من نفائس الأموال والذخائر وأصناف الأقمشة والحرائر وأنواع ~~الجواهر الملوكية وأجناس الأمتعة الكسروية واعلاق ملوك الصين والسلاطين ما ~~أبهت نواظرهم وأدهش أبصارهم وبصائرهم فنزهوا في محاسنها أبصارهم وأودعوا ~~محاسن مخيلاتهم أفكارهم ثم أتوا بهم إليه وأدخلوهم عليه # PageV01P541 # فقال ماذا رأيتم في الخزائن من ms325 نفائس البحار والمعادن فقالوا ما لا يصلح ~~إلا في خزائنك ولا ينثر على فرق ملوك المشارق والمغارب إلا من مكامن معادنك ~~فقال ما بايعناكم فارغبناكم ولا أكرمناكم إذ صحبناكم بناء على أنا عادومون ~~ولا أنا بقيمة الأشياء وقدرها جاهلون وإنما فعلنا ذلك الإحسان وجبرنا منكم ~~لنقصان العدة معان أحدها أنكم أضيافنا وقد شملكم كرمنا وأنصافنا ثانيها أن ~~فضلنا الفضيل يقتضي إكرام النزيل ثالثها إنكم مسلمون والمسلمون عندنا ~~مكرمون رابعها أردنااشتهار اسمنا وأن تذكر في الأقطار طريقة رسمنا خامسها ~~أنه إذا سمع بمعاملتنا التجار يقصدون بلادنا من الأمصار وسائر الآفاق ~~والأقطار فتعمر المسالك والدروب ويربح الطالب والمطلوب سادسها وهو أعلاها ~~وأحسنها وأقواها أنكم أملتمونا وافدين وإنا لا نخيب رجاء القاصدين ثم سرحهم ~~شاكرين ولما سمعوا ورأوا ذاكرين ثم اقتضت الآراء فأمر الأمراء وأكابر بلاده ~~ورؤساء أجناده أن يجهز كل منهم إلى الجهات الغربية والولايات الإسلامية من ~~جهته أحد المسلمين ببضائع من أمتعة الخطا والصين في صفة التجار ليتعاملوا ~~في هذه الديار وتنفتح المسالك على السالك وننقل إليهم بضائع هذه الممالك ~~وتكثر المعاملات وتنجد الممالك والولايات فامتثلوا مراسيمه وعدوها غنيمة ~~ويجهز كل منهم جهته من وثق بأمانته واعتم على كفايته وأعطاه من النقود ~~والأجناس ما يصير به من رؤساء الناس واجتمعوا قافلة وركبوا السابلة نحو ~~أربعمائة وخمسين نفرا كلهم مسلمون كبرا وكتب لهم مراسيم وجائزات بإكرام ~~نزلهم في الدروب والمجازات ومعاملتهم بالكرامات وأن تهيأ لهم ولدوابهم ~~الإقامات ذهابا وإيابا حضورا وغيابا # PageV01P542 # ثم أرسل معهم إلى السلطان قطب الدين محمد بن تكش علاء الدين بن أرسلان بن ~~محمد بن انوشتكين وانوشتكين هذا هو أتابك الملوك السلجوقية والسلطان قطب ~~الدين هو الفائق من تلك الذرية رسالة عاطرة تستميل خاطره وتسيل من سحائب ~~كرمه مواطره وحسن الجوار ومراعاة جانب الجار وسلوك ما تنتظم به الأمور ~~وتطمئن به الصدور ويحصل به الأمن للصادر والوارد والرفاهية للقائم والقاعد ~~وتنعقد به أسباب المحبة من الطرفين وأطناب المودة بين الجانبين وفتح باب ~~المراسلات وكشف حجاب المعاملات وإن كانت الأديان ms326 مختلفة فلتكن القلوب ~~مؤتلفة وشمول نظر الصدقات السلطانية وعواطف مراحهما # الملوكية على القصاد الوافدين على أبواب مكارمها المستمطرين سحائب ~~صدقاتها وديمها بحيث تسنى مطالبهم وتهني مآربهم أو كما قال وصدر منه السؤال ~~هذا وما أخبار السلطان قطب الدين فإنه كان من أكبر الملوك والسلاطين تملك ~~عراقي العرب والعجم وما في ممالك خراسان من أمم واستولى على غالب الممالك ~~بالقهر وإلى أقصى ولايات ما وراء النهر وجعل جرجانبة خوارزم مأواه وتلقب ~~لذلك خوارزمشاه ورفع ما بين ممالكه وبين ممالك جنكزخان من التتار المسمين ~~بقراجفتاي وعباد الأوثان واسترقهم قهرا وقسرا واستصحبهم جبرا وكسرا واستولد ~~من تلك # PageV01P543 # الطائفة المعتدين ولده السلطان جلال الدين فبواسطة أنه صار له منهم ولد ~~صاروا أقرب عساكره إليه وعليهم المعتمد فكانوا شعوبا وقبائل يخرج منهم ~~سبعون ألف مقاتل ومنهم أيضا كانت أمه وأخواله وخيله ورجاله إلى أن خانوه ~~وبذلوه وما صانوه واستدفع بهم طارق البلاء فكانوا (غريبة نادرة عجيبة) كان ~~هؤلاء التتار متاخمين بلاد أنزار وهي حد ممالك السلطان وهي سد عظيم بين ~~المسلمين وبين جنكزخان فغزاهم السلطان وأبادهم واستعبد كما ذكر أجنادهم ~~فارتفع السد من البين وانهدم الفاصل بين الجانبين واتصلت المملكتان ~~كالمحبين أعني مملكة السلطان ومملكة جنكزخان فسرت السرائر وابتهجت الضمائر ~~ودقت في ممالك السلطان قطب الدين البشائر وزينت الولايات بأنواع الذخائر ~~وكان في نيسابور من أكابر الصدور شخصان من العلماء فاجتمعا وأقاما العزاء ~~فسئلا عن موجب هذا البكاء وإنما الناس في فتوح وهناء فقالا أنتم تعدون هذا ~~السلم فتحا وتتصورون هذا الفساد صلحا وإنما هو مبدأ الخروج وتسليط العلوج ~~وفتح سد يأجوج ومأجوج ونحن نقيم العزاء على الإسلام والمسلمين وما يحدث من ~~هذا الفتح من الحيف على قواعد الدين وستعلمن نبأه بعد حين وأنشد فأرشدا: # PageV01P544 # وعلمت أن فراقكم لا بد أن ... يجري له دمعي دما وكذا جرى # وكان السلطان قد دانت له البلاد واستولى على أهل اليفاع والوهاد وأباد ~~العجم وتفرد بسياسة تلك الأمم وتخت ملكه خوارزم وقد صمم العزم بحزم وحمل ~~الناس على نزع ms327 الخلافة من آلعباس ووضعها في آل علي وقد توجه إلى العرق بهذا ~~القصد الجلي فوصل إلى حدود العراق وهو مجد على هذا الاتفاق فوصل أولئك ~~التجار إلى انزار من صوب جنكزخان وبها من جهة السلطان نائب يدعى قايرخان ~~فلما وصلوا البلد أخبرهم النائب الرصد فحبسهم عنده في مكان وأرسل يستأمر ~~فيهم السلطان وبشع العبارة وشنع السفارة وذكر أنهم جواسيس تستروا بالتجارة ~~وإن معهم من الأموال ما يوازي الرمال ويوازن الجبال مصراع (وما آفة الأخبار ~~إلا رواتها) فأمره بقتلهم وأخذ ما معهم وسلبهم ففي الحال أبادهم وسلبهم ~~طارفهم وتلادهم وأرسل المال إلى السلطان وأوصله حسبما رسم به الديوان ~~فطرحوه على تجار بخارى وسمرقند كما يطرح على مساكين دمشق القند واستخلصوا ~~ثمنه بالظلم وزادوا عليهم فيه الغرم وكان سبب ذلك أن تاجرا عند قايرخان ~~أراد أن لا يكون عند السلطان تاجر سواه فتبعه قايرخان لما أغواه فتعددت ~~الأسباب وانفتح للشر أبواب وقالوا شر أهر ذا ناب فلم يفلت منهم سوى رجل ~~واحد أنجاه الله من العدو والحاسد فاختفى واتصل إلى بلاده وأخبرهم بوقوع ~~الأمر وفساده # PageV01P545 # فغضب جنكزخان وتحرك منه باعث العدوان ثم تثبت في أمره وتلبث في فكره ~~وأرسل إلى السلطان رسالة فيها تهديد وبسالة وكان السلطان خوارزمشاه لما ~~أبدى هذا الخطأ وأنهاه طير مراسيمه إلى أطراف الممالك يأمرهم بالمحافظة على ~~در بندات المسالك ويحرض ولاة الأمور وأصحاب الإدراك في المضايق والثغور ~~والطلائع والإرصاد على منع القصاد وكف من يخرج من تركستان إلى صوب ممالك ~~جنكزخان ثم أرسل من جهته جواسيس يختبر أحوال ذلك الإبليس وينظر أموره ~~وأوضاعه ومقدار عسكره وأمرهم في الطاعة وما قصده أن يفعل ليستعد بحسب ما ~~يعلم منه ويعمل فتوجهت جواسيس السلطان وطال في غيبتهم الزمان وقطعوا الجبال ~~والقفار وسلكوا المفارز والأوعار حتى وصلوا إلى بلاده وفحصوا عن أمره ~~واستعداده وخبروا أمر جنده وعتاده وأوضاع عسكره وتعداده فرجعوا بعد مديدة ~~وأزمان وأخبروا بما حققوه السلطان وأن عدد عساكره يفوت الإحصاء ويخرج عن ~~دائرة الاستقصاء وأنهم أطوع البرية للملك ms328 وأثبت جنانا من الأسد المنهمك ~~وأصبر جندا على القتال كأن أمر الهزيمة عندهم محال وأنهم إذا واثبوا أو ~~حاربوا أو سالبوا أو لاسبوا أو رابضوا أو ضاربوا خابطوا ثم خاطبوا بقوله: # ونحن أناس لا توسط بيننا ... الصدر دون العالمين أو القبر # وإنهم لا يحتاجون في الأسفار ولا عند مقاحمة الأخطار إلى كثير مؤنة ولا ~~كبير معونة بل كل منهم ينهض باحتياجه واحتياج مركوبه إلى الجامه وأسراجه ~~ويستبد بعمل سلاحه وجميع ما يستعين به سفرا وحضرا في صلحه وصلاحه ونطاحه ~~وكفاحه وكذلك ملبوسه وزاده وسائر هبته وعتاده # PageV01P546 # فندم خوارزمشاه على ما قدمت يداه من قتل أصحابه وفتح الثغر وبابه وأنى ~~يجدي الندم وقد زلت القدم وتبدل الوجود بالعدم وغرق في بحر الهموم وهمى ~~عليه غمام الغموم فشاور لما لقي الشهاب الخيوقي وهو فقيه فاضل ونبيه كامل ~~عالم أجل كبير المحل له عند دمحل خطير لا يخالفه فيما يشير فإن رأيه سديد ~~وقوله رشيد فقال له يا إمام قد تحرك على الإسلام عدو ألد الخصام بعساكر ~~كالرمال ذوي صدمات كالجبال فما ترى فيما طرأ فقال عساكرك كثرة وأنت ذو قوة ~~ووفرة وزفر أقدامك له زفرة فكاتب الأطراف وأجمع عساكر الأكناف وادع أهل ~~بيضة الإسلام إلى هذا النفير فإنه عام فإذا وفدوا عليك وتمثلوا بين يديك ~~توجه بهم إلى نهر سيحون واجعل ساحله من تلك الجنود مشحون واملأ بهم تلك ~~المهامة والقفار وحصن ممالكك إلى حدود انزار فإن أقبل العدو المخذول لم يصل ~~إلا وهو من الكلال محلول فإنه يأتي من بلاد بعيدة بجنود عديدة وقد أثر فيه ~~الغضب وأخذ منه التعب والوصب فتلاقيه على سيحون وهم كالون ونحن مستريحون ~~فجمع بعد ذلك أمراءه ووزراءه وزعماءه وعرض عليهم ما جاءهم وطلب منهم آرائهم ~~فلم يرتضوا رأي الشهاب لأمر يريده مسبب الأسباب وقالوا بل نتركهمحتى يقطعوا ~~الأوعار والمضايق ويتورطوا في بلادنا # PageV01P547 # في بالعوايق فتزداد مشقتهم وتطول في المسير شقتهم لا سيما وهم بأرضنا ~~جاهلون وعن مداخلها ومخارجها ذاهلون فإذا حصلوا في قبضتنا كان أمكن ms329 لنهضتنا ~~فنضيق عليهم واسع رحابها وأهل مكة أخبر بشعابها وذهل أولئك الجمع عما رآه ~~الفقهاء وهو أن الدفع أولى من الرفع وبينما هم في المشاورة والمراودة ورد ~~قاصد جنكزخان برسالة المناكدة وفيها من التشنيع والتقريع والتهديد والتبشيع ~~العجب العجاب وما يشيب الغراب فمن جملة تشنيعاته ومضمون تهويلاته ما معناه ~~في فحواه كيف تجرأتم على اصحابي ورجالي وأخذتم تجارتي ومالي وهل ورد في ~~دينكم أو جاز في اعتقادكم ويقينكم أن تريقوا دم الأبرياء أو تستحلوا أموال ~~الأتقياء أو تعادوا من لا عاداكم وتكدروا عيش من صادقكم وصافاكم أتحركوا ~~الفتن النائمة أو تنهضوا الشرور الجاثمة أو ما جاءكم عن نبيكم وسريركم ~~وعليكم أن تمنعوا عن السفاهة غويكم وعن ظلم الضعيف قويكم أو ما أخبركم ~~مخبروكم وبلغكم عنه مرشدوكم ونباكم محدثوكم اتركوا الترك ما تركوكم وكيف ~~تؤذون الجار وتسيئون الجوار ونبيكم قد أوصى به مع أنكم ما ذقتم طعم شهده ~~أوصابه ولا بلوتم شدائد أوصافه وأوصابه ألا وإن الفتنة نائمة فلا توقظوها # PageV01P548 # وهذه وصايا إليكم فعوها واحفظوها وتلافوا هذا التلف واستدركوا ما سلف قبل ~~أن ينهض داعي الانتقام ويتحرك من الفتن حامي الاضطرام ويقوم سوق الفتن ~~ويظهر من الشر ما بطن ويموج بحر البلاء ويروج وينفتح عليكم شد يأجوج ومأجوج ~~وسينصر الله المظلوم والانتقام من الظالم أمر معلوم ولا بد أن الخالق ~~القديم والحاكم الحكيم يظهر أسرار ربوبيته وآثار عدله في بريته فإن به ~~الحول والقوة ومنه النصرة مرجوة فلترون من جزاء أفعالكم العجب ولينساب ~~عليكم يأجوج ومأجوج من كل حدب وكان اللعين جنكزخان قد مشى على تركستان وأخذ ~~منها عنوة كشغرو بلاساغون وصار تافي حوز ذلك الملعون وكانتا في يد كوجلك ~~خان ابن أونك خان المار ذكره في أول القصة لما قتله حنكزخان وقصة هرب ولده ~~كوجلك خان المغبون واستقر في شاغروبلا ساغون إلى أن مشت العساكر عليه وأخذت ~~تلك الأماكن من يديه فلما وصل هذا الخطاب إلى ذلك الأسد الوثاب أمر بمقدم ~~القصاد ورئيس أولئك الوراد فضربت رقبته وبمن بقى فحلقت ms330 لحيته وسخمت بالسواد ~~حليته ردا لجواب بأبشع خطاب ومن فحواه وبارد ما حواه إني سائر إليك وهاجم ~~عليك بجنود الإسلام وأسود الآكام وكل بطل ضرغام ولو بلغت مطلع الشمس فحلك ~~في قعر الرمس وجاعلك كذاهب أمس فتيقن ذلك واعلم إنك لا محالة هالك ورد ~~قصاده على عقبهم وقصد التوجه في ذنبهم # PageV01P549 # فتجهز وصار بعسكر جرار إلى صوب التتار وأوصل السير وسابق الطير وأراد أن ~~يسبق الخبر ويكبس التتر ويريهم عين العلة قبل الأثر فألوى من العراق # وسار وساق فقطع ممالك خراسان وولايات ما وراء النهر وتركستان وهجم بذلك ~~البحر الزخار في تلك المهامة والقفار فوصل إلى حشم في بيوت وهم آمنون في ~~سكون وسكوت ليس فيهم غير نساء وصبيان ومواش وبعران رجالهم غائبة وأمورهم ~~بواسطة الأمن سائبة وكانت رجالهم توجهت لأخذ الثار من بعض التتار بواسطة ~~عدوان وقع بينهم وبين كوجلك خان فقاتلوهم وكسروهم ونهبوا أموالهم وهصروهم ~~ففي غيبتهم وصل السلطان إلى بيوتهم وفي أمنهم وسكونهم وليس فيهم إلا الحريم ~~والأطفال والمواشي والأثقال لا يؤبه إليهم ولا يعول عليهم فاستولى عليهم ~~ونهبهم وسلبهم عيشهم وأمر العساكر فنهبوهم وأسروهم وفرقوهم وكسروهم وهم ~~الجم الغفير والعدد الكثير والمال الغزير ورجع السلطان من فوره وابتدأ في ~~حوره بعد كوره وتصور أنه أعنى وأنكى وأنه أضحك وليا وعدوا أبكى فما هو إلا ~~وضع على القرح كيه وداس ذنبه الحية ثم رجع التتار ورأوا ما حل بأهلهم من ~~بوار وإنهم أخرجوا من ديارهم وأولادهم ونكبوا في طريقهم وبلادهم وأن نساءهم ~~أسرت وصفقتهم خسرت فما وفت نصرتهم بسكرتهم ولا قامت فرحتهم بحسرتهم التهبوا ~~واضطربوا واصطلموا واصطدموا وأخذتهم الحمية وعصبتهم # PageV01P550 # العصبية وتنادوا ياللغارات وطلبالثارات وتناجى منهم حماة الحقايق وكماة ~~المضايق وتتبعوا في الحال آثار الرجال من غير إهمال ولا إمهال وسلكوا ~~الآثار لأخذ الثار وأكبوا كالبرق الخاطف وزعقوا كالرعد القاصف واندفعوا ~~كالريح العاصف واندفقوا كالسهم الناقف ودهموا كالليل المدرك وهجموا كالسيل ~~المهلك فأدركوا عساكره بشرور ثائرة ومراجل صدور بالضغائن فائرة فلم يشعروا ~~إلا العدو المضرم غشيهم كالقضاء ms331 المبرم فألوت عساكره وقابلت واستعدت وقاتلت ~~والتفت الرجال بالرجال وضاقت ميادين المجال واستمرت ضروب الحرب بينهم سجال ~~وتطاولت سهام الموت لقصر الآجال وتهللت ثنايا المنايا لبكاء السيوف وتبسمت ~~ثغور الرزايا لفتوح الحتوف واستمرت ديم السهام من غمام القتام على رياض ~~الصدور تهمي ولوامع بروق السيوف على قمم تلك الصفوف بعد الوابل الوسمي ~~بالصواعق ترمي ثم انتقلوا من معاشقة المراشقة إلى مراشقة المعانقة ومن ~~مكالمة المضاربة إلى ملاكمة الملاببة ومن مخادعة المقارعة إلى مسارعة ~~المصارعة وامتدت بهم الحال في هذا القتال والجدال ثلاثة أيام مع الليال لا ~~يسأمون الطعن والضرب ولا يملون مباشرة الحراب والحرب إلى أن جرى من الدماء ~~طوفان وكاد يظهر سر كل من عليها فإن كل ذلك وكاتب البيض والسمر يستوفي من ~~أقلام الخط في صحائف الصفائح مستوردات # PageV01P551 # العمر ولم يسمع بمثل هذا القتال ولا بنظير هذا الضراب والنضال في سالف ~~الأزمنة والأعصر الخوال وما أمكن تولي إحدى الطائفتين ولا نكوص جهة من ~~الجهتين أما طائفة المسلمين فلحمية الدين ولو ولوا الأدبار لما أبقت التتار ~~لبعد الديار وصعوبة القفار منهم نافخ نار وأما الكفار فللغيرة على ذوات ~~الأستار واستخلاص الأطفال والصغار من قيد الذل ورق الاسار فصارت الخضراء ~~غبراء والغبراء حمراء والصحرا بحرا والقتلى تلا والجرحى ترحى ولم يثبطهم عن ~~استيفاء القتال غير انحلال الأعضاء والكلال فانفصلوا وما انفصلوا وانقطعوا ~~بعد ما اتصلوا وحلوا بعد ما كلوا وتراجع كل عن صاحبه بعد ذوبان قلبه وقالبه ~~واستفراغ جهده بما وصلت إليه غاية كده ثم استوفى ناظر القضاء ما أورده عامل ~~الفناء من سهم المنون إلى ديوان برزخ إلى يوم يبعثون من أرواح الشهداء ~~الأبرار وأنفس الأشقياء الكفار الوار من تلك المعركة الساكن من حركات هاتيك ~~التهلكة فكان من المسلمين عشرون ألفا ومن الكفار كذا وكذا ضعفا غير أنه لم ~~يمكن حصرهم ولم يعرف قدرهم فلما كانت الليلة الرابعة وهي الليلة الفارقة ~~القاطعة أوقد كل من الفريقين في منزله النار وأكثر من القبائل في المنازل ~~والآثار وتركها وسار فوصل السلطان ms332 من بلاد تركستان وقطع سيحون نهر خجند ~~ووصل إلى بخارى وسمرقند وشرع في تحصين البلاد والقلاع والاحتفاظ بمدن ~~الممالك عن الضياع وقد سكن الهم فؤاده ونهب # PageV01P552 # القلق والأرق رقاده وعلم المسلمون أنه خان وأنه لا طاقة لهم بالتتار ~~فخافوا حلول البوار ونزول الدمار وتيقنوا خراب الديار لأن السلطان عاجز ولا ~~بد من قدوم بلاء ناجز وقالوا إذا كان هذا الخور من شرذمة قليلة من التتر في ~~طرف من أطراف بلاده لا فيهم أحد معتبر من أجناده ولا # رئيس يشار إليه من أولاده ولا درى ولا أعلم بما جرى فكيف إذا دهم بطامته ~~الكبرى وأحشاد جيوشه العظمى فترك خوارزمشاه ببخارى عشرين ألف مقاتل وفي ~~سمرقند خمسين ألف مناضل وقرر معهم أنه سيجمع الجنود ويستجيش أبطال المسلمين ~~ويعود وتوجه بثبات عزم وإضاعة حزم إلى سرير ملكه خوارزم ثم انتقل إلى ~~خراسان وخيم بضواحي بلح في مكان وأقام رخى البال كأن الشيء ما كان ثم لا ~~زال يضمحل ويذوب ويحل به ما يحله من نوائب الخطوب حتى انتقل إلى جوار ~~الرحمن في أطراف طبرستان في سنة سبع عشرة وستمائة وكانت ولايته في العشرين ~~من شوال سنة ست وتسعين وخمسمائة وكان ملكا عظيما وسلطانا جسيما ذا صولة ~~فاهرة ودولة باهرة وجولة أرقدت الملوك بالساهرة فاضلا فقيها عالما نبيها ~~اضمحل بأدنى حركةملكه وغرق في بحر الفناء بعد الطغيان فلكه وركن إلى الخطا ~~فوقع فيه وخانته عساكره ومخالوه ودود الخل منه وفيه كان في خزنته عشرة آلاف ~~دينار من أجناس الأقمشة والأمتعة والأسلحة ما لا يحصيه إلا الواحد القهار ~~وكان فيها ألف حمل من القماش الأطلس # PageV01P553 # وأضعاف ذلك من نفيس النفائس وأنفس ومن الخيل المسومة عشرون ألف جنيب ومن ~~المماليك الملوك عشرة آلاف كل له في دار الملك ربع خصيب وأوفر حظ ونصيب فما ~~أفاد ذلك ذره بل نبشوا بعد موته قبره وقطعوا رأسه وفجعوا به ناسه فسبحان من ~~لا يزول سلطانه وعز وعلا من لا يذل شأنه: # فما كف ذو كف له رائد الردى ... ولا ms333 مال بالأموال عنه حمامه # ولا ملك كلا ولا ملك حمي ... حمى ملكه لما عراه انهدامه # وبسط المقول فيه شرح بطول (وأما) أمر الطاغية صاحب الفئة الباغية جنكزخان ~~لما وصل قصاده من عند السلطان بعد الفناء والشدة لحاهم محلوقة ووجوههم ~~مسودة وقد قتل رئيسهم وخلا من نقد مرادهم كيسهم ذهب حفاظه والتهب شواظه ~~وطمت بحار كفره وتلاطمت وتزعزت أطواد شركه وتصادمت وبينما هو يرغى ويزبد ~~ويقوم من غضبه ويقعد إذ جاءه الخبر الثالث وهو شر الحوادث إذ فيه خبر من ~~قتل من الكفار وانتقل من دار الخسار إلى دار البوار جهنم يصولنها وبئس ~~القرار فأعمل في قلبه نصله وكان أولا قد زاد على قرحه قرح مثله ثم كان هذا ~~القرح ملحا مذرورا على جرح فقامت قيامته وتعوجت بالحزن قامته وود لو أحرق ~~الكون بأنفاسه وهدم أساس المكان بفأس بأسه ثم تروى وافتكر وتهوى من حر هذا ~~الشرر ثم قصد مذهب الاعتزال وانزوى عن جماعته في مكان خال ودخل إلى مكان ~~خراب وعفر وجهه في التراب وتضرع إلى الله الحليم وقال يا خالق يا قديم أنا ~~أردت أن أعمر # PageV01P554 # بلادك وأنعش عبادك فظلمهم يا الله عبدك خوارزمشاه وتعدى علي وكرر الإساءة ~~إلي فانتصر لي منه وانتقم فإنك جبر من كسر وعون من ظلم واستمر على هذه ~~الحال ثلاثة أيام وليال لا يأكل ويشرب ولا يفتر عن التضرع والطلب يمرغ رأسه ~~ووجهه في الثرى ويقصد فيما يرومه رب الورى وقد قيل: # تضرع جنكزخان لله ساعة ... وأخلص فيما رامه وهو مشرك # فما خاب فيما رامه من فساده ... وما زال يعثو في الأنام ويسفك # فما بال من لله طول حياته ... يوحد بالإخلاص هل هو يهلك # ثم نهض نهضة أنام فيها الأنام وقام قومة أقام بها ساعات القيام فتوجه من ~~مشركي التتار وعساكر الكفار بالبحار الطامية والأمطار الهامية وجبال ~~النيران الحامية في شهور سنة خمس عشرة وستمية ومشوا على ممالك الإسلام ~~وساروا على بسك العالم سير الغمام وأرادوا طفاء نور الإيمان من أشراكهم ~~بظلام فوصلوا إلى ms334 البلاد وهي جنة المرتاد آمنة مطمئنة ساكنة مستكنة وليس ~~لها مانع ولا ممانع ولا لهم عنها دافع ولا مدافع ولا بها حام ولا محام ولا ~~سام ولا مسام فاخنوا على جند وقراها وولايتها وما ولاها رابع صفر عام ستة ~~عشر وأظهر فيها علامات الحشر فأدهشوا وهلها وسبكوا أهلها ودكوا جبلها وأحاظ ~~بها ثبوره وويله واستمروا في نهبها ست عشرة ليلة ثم تنقلوا عن جند إلى ~~ولايات اند كان وفناكث وخجند فأخذوها # PageV01P555 # وقتلوا وفعلوا كما كانوا فعلوا ثم إلى بلدة مرغينان وكانت دار ملك ايلك ~~خان ثم إلى أطراف تركستان ومنها سيرام وتاش كبدو باقي البلدان ثم إلى تسف ~~وأنزار وسغناق ومامن أمهات البلاد في تلك الآفاقفمشوا على سهل البلاد ~~ووعرها مشي الجراد على القصير الأخضر # فكأنهم موسى على شعر مشت ... أو منجل فوق الحصيد الأصفر # أو شعلة ثار الهوا فتعلقت ... فوق الصعيد على الهشيم الأغبر # فكل من أطاعهم وقصد اتباعهم صار من جلدتهم ودخل في عدتهم ومن عصى أو توقف ~~أو خالف أو تخلف سقوه كأس الدمار وأحلوه وقومه دار البوار وأسروا حريمه ~~وأولاده ونهبوا طارفه وتلاده ثم أن تلك الدواهي المصمية يوم الثلاثاء رابع ~~المحرم سنة سبع عشرة وستمية وصلوا إلى بخارى بلدة فضلها لا يجارى قبة ~~الإيمان وكرسي ملوك بني سامان مجمع العلماء والزهاد ومنبع المحققين من ~~الفقهاء الأمجاد والمدققين من النبهاء والأنجاد وفيها من الأكابر والأشراف ~~وأوساط الأمائل والأطراف الجم الغفير والطم الكثير فلما رأى العساكر ~~السلطانية والجيوش الخوارزمشاهية الذي كان أرصدهم السلطان لحفظ البلدة من ~~طوارق الحدثان وهم عشرون ألفا أن البلاء زحف إليهم زحفا وأن كسرتهم منهم لا ~~تخفى وأن سيل الويل حطم # PageV01P556 # وموج بحر الدواهي التطم ومن لم يدرك من الغرق نفسه ارتطم شمروا الذيل ~~وخرجوا تحت الليل وقصدوا جيجان والعبور إلى خراسان ومقدمهم من أمراء ~~السلطان كورخان وسونج خان وحميد النوري وكوحلي خان فبينما هم على نهر جيحون ~~قاصدين العبور صادفتهم طلائع جنكزخان الكفور فوضعوا السلاح فيهم ومحوهم عن ~~بكرة أبيهم فما أبقوا ms335 منهم عينا ولا أثرا ولا سمع لهم أحد خبرا فوهي أمر ~~البلد إذ لم يبق لهم مدد فطلبوا الأمان وأرسلوا لذلك القاضي بدر الدين بن ~~قاضي خان فأجابهم إلى ذلك وأناب فاطمأ نواو فتحوا الأبواب فدخلوا المدينة ~~يرفلون وهم من كل حدب ينسلون فعصى بقية العسكر في القلعة وتصوروا أن يكون ~~لهم منه منعة ففي الحال أمر الرجال بطم الخندق بكل ما وجدوا جل أو دق فأتوا ~~بنفائس الأقمشة والذخائر المدهشة والكتب والربعات والمصاحف الشريفة ~~والختمات وطرحوها في الخندق ومشى العسكر عليها وتسلق ونقبوا النقوب وأنفذوا ~~الثقوب وكان قد نادى بالأمان للقاضي والدان فعجزت القعلة وذهب ما بها من ~~منعة وكان فيها فئة نحو من أربعمائة فباشروا عن آخرهم واستولوا على باطنهم ~~وظاهرهم ثم مدوا أيديهم إلى المخدرات وفجروا ظاهرا بالمسترات وجعل الناس ~~ينظرون ويبكون وهم يفتكون وينكون لا يستطيعون دفعا ولا يملكون ضرا ولا نفعا ~~فاجتمع من أئمة الدين ومن أعلام العلماء المهتدين ومن لم يرض # PageV01P557 # بعمل المفسدين جماعة غاروا وثاروا وفاروا وانضموا إلى العلامة القاضي صدر ~~الدين قاضي خان وأولاده السادة القادة الأعيان والحاكم الشهيد الإمام ~~العالم السعيد والإمام ركن الدين إمام زاده واختاروا الموت على الشهادة ~~فحملوا على الفئة الطاغية والطائفة الكافرة وقاتلوا حتى قتلوا وإلى جوار ~~الله مقبلين انتقلوا فاستشهدوا عن آخرهم ولحق أصاغرهم بأكابرهم ودخل ~~جنكزخان إلى المدينة وطاف بها على هينة وسكينة حتى انتهى إلى باب الجامع ~~مكان نزه موضع رائع ومحل شريف ومعبد واسع ولم يكن لذلك البلد الكبير والجم ~~الغفير والجمع الكثير والمصر الواسع من الجوامع سوى جامع واحد يجمع الصادر ~~والوارد ويسع ما شاء الله من الأمم وهذا على مذهب الإمام الأعظم وهكذا كل ~~أمصار الحنفية في الممالك الشرقية والممالك الهندية وغالب البلاد التركية ~~فقال جنكزخان هذا بيت السلطان فقالوا بيت الرحمن ومأوى للعباد والعلماء ~~والزهاد وذوي الطاعة والاجتهاد فقال إن أولى ما أقمنا أفراحنا في بيت من ~~خلق أرواحنا ورزق أشباحنا ثم ألوى إليه وأقبل عليه ونزل عن دابته ودخل ms336 ~~الجامع مع جماعته ثم دعا بأمرائه وكبراء جنوده وزعمائه واستدعىالخمور ~~والطبول والزمور وهش إلى الكفار وعظمهم وبش فرحا واحترمهم فسجدوا له مئهم ~~الملوك وضربوا له الجنوك وعرفوا حقه ورعوا ورفعوا بالثناء صوتهم ودعوا فأذن ~~لهم بالجلوس وأن تدار عليهم الكؤس فجلس كل في مكانه بين إضرابه وإخوانه ~~وقام بعض في مقامه في موقف حده واحتشامه فتصدر في مجالس العلم والأذكار ~~ومحاريب الصلاة والكفرة الفجارة ورؤس المشركين من المغل والتتار واستبدلت ~~محافل العلم والتدريس بجحافل الشرك والتنجيس # PageV01P558 # ثم احضروا العلماء والأشراف والكبراء وسادات الأنام ورؤساء الخواص ~~والعوام وأنزلوا بهم الثبور والويل واحتفظوا بهم واستحفظوهم الخيل وصارت ~~الناس حيارى سكارى وما هم بسكارى وأخذتهم بهته إذ أتاهم العذاب بغتة ولم ~~يكن بين رحيل ةالسلطان وبين هجوم هذا الطوفان غير خمسة أشهر وأيام ساروا ~~فيها سير الغمام وهجموا على العالم هجوم الظلام وكأن الناس كانوا نياما ~~ورأوا في # منامهم أحلاما فلم يوقظهم من هذا الرقاد سوى ابراق البلايا بالإرعاد ~~فانسد عليهم طريق الخلاص وخانهم المدد في شدة الأقتنص وتنادوا ولات حين ~~مناص إذ فارقهم العسكر وهم في حال المضطر وكان من جملة أولئك الأعيان شخص ~~ولي يدعى السيد الشريف جلال الدين علي بن حسن الزيدي وهو المقدم والمقتدي ~~والمسلك إلى طريق الهدى وأعلى سادات ما وراء النهر ولدوحة ساداتهم بمنزلة ~~الثمر والزهر قد قبض عليه ربطوا إلى عنقه يديه ثم استنظروه مراكبهموأنشبوا ~~فيه مخاليبهم وهو واقف بباب الجامع في هيئة الذليل الخاضع فرأى الأمام ~~الهمام البحر الطام علم العلماء الأعلام أفضل علماء عصره وأنبل فقهاء دهره ~~الشيخ ركن الدين ابن الإمام بوأهما الله تعالى دار السلام وهو في مصل حاله ~~متسربل بسربال نكاله فقال أيها الإمام المفضال ما هذه الأحوال ثم أنشد معنى ~~هذا المقال: # أرى حالة بذت لساني فليس لي ... طريق إلى أني أفوه بلفظة # أعض لها كفي وأمعك مقلتي ... أفي النوم هذا أم أراه بيقظة # فأجاب الإمام ما هذا محل الكلام كن عبد الإرادة واتبع ما أراده واستمروا ~~يشربون الخمور على ms337 أصوات الزمور ويضربون الطبول ويتراقصون رقص التتار ~~والمغول ثم صعد المنبر ابن جنكيز خان الأكبر # PageV01P559 # واسمه توشي خان وتكلم بكفر وكفران ثم غنى ورقص ودعا لأبيه ونكص ثم صعد ~~بعده أبوه وتكلم بكلام سمعوه ودعا بالخمور ثم غنى وشرب ثم غنى وطرب ثم قال ~~أيها الرجال أن خيلنا هي رأس المال وقد رعيتم الوهد والبقاع وحلفتم شعور ~~الكلا من قمم البقاع وقد شبعتم فلا تنسوا الجياع ألا فاشبعوا خيلكم ولا ~~تحرموها نيلكم رعيتم الخضيم فابغوا لها القضيم وامتثلوا أمر سلطانكم تحظوا ~~منه بامانكم فنهضوا قياما وامتثلوا مرسومه مراما وتهارجوا كالحمير وابتدروا ~~واطلب القمح والشعير ثم طغى وتكبر وبغى وتجبر ونزل عن المنبر فلم يكن بأسرع ~~من اتيانهم بالحبوب والقضيم المطلوب وأدخلوا الخيل إلى الجامع وطلبوا لها ~~مرابط ومواضع ثم أفرغوا الخزائن المصاحف والختمات وظروف الكتب وأوعية ~~الربعات وصبوا فيها الشعير وأطعموا فيها الخيل والبغال والحمير فتبددت ~~الكتب المنيفة والمصاحف الشريفة والربعات المعظمة والختمات المكرمة تحت ~~السنابك والحوافر ومواطئ أقدام كل كافر وصارت أبحر القاذورات والخمور على ~~تلك النفائس والذخائر تمور ثم أنه خرج من البلد وأمر أن لا يترك في البلد ~~أحد بل يخرجون إلى المصلى وولى حفظهم من كفر وتولى ومن تأخر قتلوه وبتكوه ~~وبتلوه فخرجوا كالجراد وانتشروا على الوهاد واجتمعوا في المصلى ثم على ~~المنبر تعلى وخطب خطبة تركيه كافرية مشركية منها أنكم ركبتم عظائم وأتيتم ~~ما ثم وجرائم فتقدم ربكم إليكم أن سلطني عليكم وهذه الأوزار إنما جناها # PageV01P560 # منكم الكبار فلأجل هذا عم البلاء وذهب بجريمة الكبراءالأصاغر والضعفاء ثم ~~ضبط أسماء التجار واستخلص ما عندهم من درهم ودينار وقال هذا ثمن مالي من ~~نقد وأعيان الذي كان منحكموه السلطان فلما استخلص الأموال أمر بقتل الرجال ~~وأسر النساء والأطفال والنهب العام لسائر الأغنام ومن أخذ فهو له لا يقطع ~~أحد سبله ثم أمر بهدم البلد والإحراق وإعدام عينها على الإطلاق فمهما قال ~~فعلوه وكل ما رسم به امتثلوه فساووا بالبلد الأرض واستوفوا أعمار أهلها ~~بالفرض والقرض فلم يبق ms338 منهم ديار ولم ينج من تلك النار العظيمة نافخ نار ~~وقيل انه نجا من هذه الواقعة رجل ياقعة فوصل إلى خراسان فسألوه عن هذا ~~الشان كيف كان فقال لهم بذلك اللسان ما صورته: # آمدند وكندند وسوختند ... وكشتند وبردند ورفتند # يعني هجموا وهدموا وأحرقوا وأرهقوا ونهبوا فقيل لم يوجد في الفارسي في ~~هذا المعنى أحسن من هذه الألفاظ ولا أرصن ولا أوجز ولا أمتن ثم أمر الجند ~~بالتوجه إلى سمر قند فتوجهوا بالأثقال من الأموال والأسرى من النساء ~~والأطفال مشاة حفاه أذلاء عراة فلم يتوقف كل أعتمي أعقف وكافر أغلف في ضرب ~~رقبة من أعيا أتوقف فوصلوا إليها واخنوا عليها وفيها من العساكر الأكفا ~~مائة ألف وعشرون ألفا سبعون من أهل البلد وخمسون من المرصدين للمدد فتجهز ~~عسكر للفا وخرجوا من البلد للملتقى فكمن لهم التتار من اليمن واليسار في ~~رواب وتلال # PageV01P561 # تسمى بالأحصار فناوشهم من عساكر الكفار شر ذمه ثم ولت أمامهم منهزمة فركب ~~البلديون أعقابهم وداسوا أذنابهم إلى أن ابعدوا عن البلد وانقطع عن ~~البلديين المدد هرج الكمين من خلفهم لقطع رجل مددهم وكفهم ورجع عليهم ~~الفارون وأحاط بهم الغرون ونلاحق بعم عساكر لا لأول لهم ولا آخر فلم يفلت ~~منهم واحد ولا صدر عن حياض تلك الملحمة وارد فلما شاهد العساكر الخوار ~~زمشاهيه ما نزل بالجنود البلدية من داهية ورزية لم يسعهم إلا الترامي عليهم ~~والأنحياز إليهم فدار واوداروا واللبيب من داري فوقوا بذلك أنفسهم وأهليهم ~~نارا فلم يركنوا إليهم ولا اعتمدوا عليهم فرأوا مصلحتهم في سلبهم أسلحتهم ~~فطلبوا منهم عدتهم ثم فرقوا عدتهم كما فعل تيمور الغدار في بلاد الروم ~~بالتتار عند كسر ذلك الخوان في سنة خمس وثمانمائة بايزيد بن عثمان فلم يبق ~~لأهل البلد معين ولا مدد فاستسلموا اللقضا وجروا طوعا وكرها في ميادين ~~الرضا فاحل بهم بوار وأنزل دمارا ففعل بسمر قند وأهلها ما فعل ببخاري ودور ~~أسوارها بدلالة آثارها من الفراسخ اثنا عشر لا يمتري في ذلك اثنان من البشر ~~فقس ما في ms339 ذلك من الخلائق والأمم فالكل براهم سيف القلم كما يبرى السيف ~~القلم ثم قوى العزم وسدد الحزم وجهز طائفة من العساكر إلى خوارزم مع ولديه ~~أحدهما المدعو بجفتاي والآخر المسمى باكتاي وهي تخت خوارزمشاه وفيها من ~~الأمم ولا يعلمه إلا الله معدن الأفاضل ومقطن الأمائل محط رحال أهل التحقيق ~~ومقصد رجال الفحول ذوي التدقيق ولوفور ما بها من الرؤس لم ينفرد برياستها ~~رئيس لكثرة ما بها من الناس لم يتعين اسياستهم رأس فاتفق أكابرها لضبط أمور ~~المسلمين على تقديم شخص يدعى حمار نكين فبعد حروب يطول شرحها ويهول برحها ~~ويجب قرحها ويستحب طرحها أخذوها عنوه بعد ما قاسوا جفوه # PageV01P562 # فاستصفوا أرباب الحرف ومن تعلق من صنعة بطرف فكانوا نحوا من مائة ألف بيت ~~أو يزيدون أن عددتهم وعديت ثم ميزوا النساء والأطفال وكانوا كعدد الحصى ~~والرمال فقرقوهم على ذلك العسكر الثقيل فكفى الحقير منهم والجليل ثم فصلوا ~~بالحسام المفصال مدارع ذوات ما بقي من الرجال ثم أراد واحصر من قتل وإقامة ~~عدد من بتك وبتل فكان حصة كل فناك قتال على أن عددهم أكثر من القطر والرمال ~~أربعة وعشرين مقتولا ثم فعلوا بالبلدكعادتهم الأولى فهدموا أسوارها ومحوا ~~آثارها وأجروا من بحر الدماء أنهارها فانمحى العلم والعلماء واندحى الفضل ~~والفضلاء واستشهد الرؤساء والكبراء وناهيك بالقطب الولى الشيخ نجم الدين ~~العكبري وتوجه جنكيز خان من سمر قند قاصدا السلطان ومر من أطوار عسكرة بكل ~~أحشب حتى أناخ ترمذ وتخشب فامتنعتا عليه ولمناعتهما لم تلتفتا إليه وكانتا ~~كثيرتي العدد والعدد غزيرتي المدد من مددوهما من أمهات البلاد مملوأتان من ~~آلات الجهاد ومقاتلة الأجناد فاهلك ناسهما وسقاهما من خمر التشريد كأسهما ~~فلم يبق لهما فيأ ولم تغن العدد والعدد عنهما من الله شيأ (ومن) غريب ما ~~وقع من البدع أنه أمر بأهل ترمذان يقتلوا عن آخرهم مع أهلهم وعشائرهم ولا ~~يبقى فيها على أحد وأرصد على ذلك لرصد فاتفق أن امرأة من المخدرات تخجل ~~الشموس النيرات قبضوا وتقدموا بإراقة دمها إليها فتشفعت فما أفاد ms340 وتضرعت ~~فما زاد إلا # PageV01P563 # العناد فلما أسلمت رتلوها اللجين وعلمت أنه جاءها الحق المبين قالت ~~لأولئك الكفار لا تقتلوني يا حضار وأنا أفتدي نفسي منكم بعقود من اللؤلؤ ~~كبار فانهوا القضية إليه وعرضوا ما قالته عليه فقال اتركوها ثم بما قالت ~~طالبوها لننظر أصدقت أم اختلقت فاطلقوها ويتقاض ى اللؤلؤ أقلقوها فقالت لم ~~أفه بزور ولا دليتكم بغرور وإنما اللؤلؤ كان عندي وحين استخلصتم مالي كان ~~في يدي فخفت منكم فابتعلته # وتبا لفعل صنعته فامهلوني حتى أتبرز ويخرج مني ذلك المحرز فانهوا كلامها ~~إليه وعرضوا أمرها عليه فقال ابقروا بطنها وانظروا قطعها فان وجدتم شيأ فهو ~~لكم وإن كانت كاذبة فقد استحقت فعلكم فشقوا بطنها البطين واستخرجوا منه ~~الدر الثمين فلما رأوا صدقها وحققوا نطقها أمرهم بشق بطون جميع القتلى ~~وتفتيش ما طرحوه من جبال الاشلا فلم تنج رؤوس الروس من المثلة بعد القتل ~~ولا بطون الصدور من ظهور التنكيل أثر البتل ثم أمر بهدم الحصون بعد ابتذال ~~المال والعرض المصون فمحيت الديار ولم يبق فيها ديار ثم عبر من جيحون إلى ~~خراسان وجعل نصب عينيه ممالك السلطان وتوجه إلى بلخ وهي إحدى معاقل الإسلام ~~وفيها من أمم الأنام ما لا يدرك ضبطه سابق الأقلام بل يخرج عن حصر الأوهام ~~ولا يحصيه إلا الملك العلام وكان السلطان قد انشمر عنها كما ذكر إلى نواحي ~~طبرستان فوصل بتلك البحار الطامية في ثمان عشرة وستمية فخرج إليه الأعيان ~~وطلبوا منه الأمان فأجاب سؤالهم بما يصلح حالهم ثم اختشى من السلطان جلال ~~الدين بن المرحوم قطب الدين فلم يركن إليهم ولا عول عليهم فأمر بإراقة ~~الدماء وهدم البناء وإحاطتهم بدائرة الفناء فأفنوهم عن آخرهم وساووا ~~بالحضيض بقاع عمائرهم # PageV01P564 # ثم أرسل ولده تولي خان إلى محاصرة طالقان فعصت عليه ولم تسلم قيادها إليه ~~فاستمرت في الحصار مدة وأذاقها لباس البأس والشدة إلى أن أخذوها وأبادوا ~~خلقها ودكوها ثم أن جنكزخان الكافر الخوان معدن الكفر والطغيان لما استوبل ~~هواء خراسان فألوى إلى بلاده وترك تولي ms341 خان من أولاده وولاه خراسان وهو ~~محاصر طالقان وأقام في ممالك إيران من كفار أمرائه أميران أحدهما يدعى ~~سنتاي وهو من قبيلة الجفتاي والآخر يدعى يما وهو من الكفار اللؤما وترك ~~معهما من الكفار الأراذل والتتار الأسافل ثلاثين ألف مقاتل فوصل إلى رواة ~~ووضعا السيف في الأئمة الهداة وابتدآ في القتل والنهب والفتك والسلب والقهر ~~والأسر والقسر والكسر ثم أخذا في الإتلاف طريق الائتلاف وذهب كل منهما ~~للاختلاف في الفساد على مخلاف فصالا وجالا وأوسعا في الدمار والبوار وخاضا ~~في دماء المسلمين واجتهدا في إهلاك الإسلام والدين وخلا لهما الجو فباضا ~~وصفرا وكان السلطان قطب الدين قد أخلى الدنيا منالملوك والكبرا فلم يلبث ~~لهما فضلا عن مخاتل أو مقاتل فأهلكا الدين وأبادا وتصرفا في نصرة الشرك على ~~الإسلام كيفما أرادا فاستخلصا جوين وطوس وأعدما ما # PageV01P565 # بهما من نفائس ونفوس وحام وخيوشان واسفراين وآمل وقومس وتلك البلدان ~~فمحوا من كتب كتائبها أسطارها وأطفئوا منارها وأظهروا من صفة الجلال والقهر ~~آثارها وأجروا من الفتن كالدماء بحارها وأضرموا من الشرور نارها كل ذلك ~~قتلا ونهبا وسبيا وسلبا وهدما وإحراقا وصدما وردما وإغراقا ثم بلغهم أن ~~حريم السلطان جلال الدين في قلاع آمل أمنين فقصدوها وحاصروها ورصدوها فقل ~~ناصروها فاستولوا عليها ووصلوا كما أرادوا إليها فبقروا وفتكوا وبروا ~~وبتكوا وسبوا وسبكوا وسفوا وسفكوا وكووا وشووا وغووا ولووا وعووا وما ~~ارعووا ثم إنهم صادفوا العكس الزمان وانقلاب الدهر على السلطان وسوء ~~التدبير وشؤم الحظ المبير وهم في بعض المسير من غير مخبر ولا معلم في سدفة ~~ليل مظلم حريم السلطان خوارزمشاه لأمور قدرها الله مع والدته وجواريه ~~وبناته وسراريه وكان لشدة ما نابهم من الزمان قد ضاق عليهم وتغير بل تنكر ~~لهم الكون وقل عنهم النصير وقل العون وخافوا الابتذال بعد الصون فتركوا ما ~~هم فيه من مكان وقصدوا البعد عن خراسان فتوجهوا إلى أطراف أصفهان ومعهم من ~~نفائس الأموال والجواهر وأنواع المفاخر والذخائر ومصونات الخزائن ومكنونات ~~المعادن ما لا يعلمه إلا مانحه ومن الكنوز ms342 ما ينوء بالعصبة مفاتحه وما لم ~~يجتمع لسلطان قط ولا ضبطها قلم ديوان ولا حظ فتباغتوا مواجهة وتواجهوا # PageV01P566 # مباغتة وتباهتوا مشافهة وتشافهوا مباهتة فوقعن في شبكة الصيد وأحاطت بهن ~~دائرة الكيد وتورطن فيما فررن منه وتربطن بأوهاق ما نفرن منه وناداهن لسان ~~الحظ وهاتف الطالع الفظ: # وإذا أراد الله إنفاذ القضا ... وظهور قهر للبصائر باتلا # جعل الدواء لذاك ممرضا ... وفوائد الترياق سما قاتلا # والكون خصما والمكان منقضا ... والعيش موتا والصديق مقاتلا # فلم يشعرن إلا وقد وقعن من نيران الفتن في تنور وتورطن من بحار المحن في ~~دردور وتبسمت إلى بكائهن ثنايا البلايا وتكالمت على جباه مصابهن عقود ~~الرزايا فظفرت حامية الكفر بذلك المغنم البارد ولم يصدر من حلقة صيده شارد ~~ولا وارد فحازوا تلكالمسرات ونزل إلى حضيض قنصهم من سماء المنافسة الشموس ~~النيرات فهتكوا أستارهن وخبروا ديارهن وضبطوا شعارهن ودثارهن وأحرزوا ما ~~معهن من كنوز المعادن ونفائس المكامن وذخائر الخزائن ثم أضافوهن إلى زبانية ~~غلاظ واحتفظوا بهن أشد احتفاظ وساقوهن إلى بلاد التتار مهتكات الأستار ~~عاريات حافيات حاسرات مشايات وأمورهن أن يجتمعن كل ليلة عندما ينشر الظلام ~~ذيله في كل منزله وصباح كل مرحلة ويقمن على أنفسهن العزا وينحن بما تقدم ~~ويبكين بما جرى ويعددن على خوارزمشاه ويذكرن ما قدره الله عليه وقضاه ~~وينعين ما كن فيه من النعم وما صرن إليه من الهوان والنقم وليدمن على هذه ~~الطريقة حتى يقطعن من سفرهن طريقة ويصلن بجنكزخان على ذلك الامتهان والذل ~~والهوان فيرى فيهن رأيه من نكال ونكاية ورحمة وعناية # PageV01P567 # فامتثلن ما أمروهن به فكن ينبهن النيام ويبكين المتنبه واستمررن على هذه ~~الحال في الخزي والإذلال والمشقة والابتذال بعد ذلك الصون والدلال يصدعن ~~بنحيبهن الجبال ويتفطرن بالنظر إليهن أكباد الصخور والتلال ثم إن تولي لما ~~أخذ طالقان وأهلك أهلها بسيف الطغيان ولم يدع فيها من يتنفس وهدم إلى الأرض ~~بنيانها المؤسس توجه إلى جانب من بلاد العجم وأهلك ما شاء الله تعالىمن ~~خلائق وأمم فصار في أحد الجوانب يعبث وكل من ms343 سنتاي الخبيث ويما الكافر ~~العثيث في جانب يبيد المسلمين ولا مغيث فدكوا قزوين وهمذان وصكوا اران ~~وتيلقان وأغاروا على ممالك أذربيجان وبلغهم أن السلطان جلال الدين له في ~~سجاس جماعة مجتمعين مقدمهم السلاحدار بكتكين وفيهم من الأعيان كوحبوغاخان ~~فتوجه إليهم يما فبدد شمل أولئك الزعما وأبادهم وفرقهم وشتتهم ومزقهم ثم ~~غاروا على غالب عراق العجم فأوسقوا القفار بالضرم وأوسعوا البحار بأمطار ~~الدم وملئوا الوجود بالعدم ثم قصدوا أردبيل وجعلوا أهلها ما بين اسير وقتيل ~~وكانوا في أول المرور قد صالحوا أهل نيسابور وانتقلوا إلى مرو منها وراودوا ~~أهلها عنها فأغلقوا أبوابهم وأقلقوا جوابهم فحطموا عليها ودخلوا إليها ~~وحكموا في أهلها السيوف وكان شهر الصيام ففطر وهم على كاسات الحتوف ونقل ~~إلى جوار الله تعالى منهم المئين والألوف فضبطوا من أمكن ضبطهم من القتلى ~~واستسعد بنيل الشهادة من الشهدا فكان ألف # PageV01P568 # ألف نسمة وثلثمائة ألف وثلاثين ألفا مكرمة وكل هذه الفتنة والفترة في سنة ~~ثمان عشرة عامت في الدنيا عوما وكانت مدة نحو تسعين يوما ثم توجهوا إلى ~~شروان وأفاضوا من دماء البحار الطوفان ودخلوا من الباب الحديد واتصلوا من ~~الدست بذلك الشيطان المريد فتيقظ الناس من الفكرة وأفاقوا مما كانوا فيه من ~~السكرة وتصوروا أنها سحابة صيف انقضت أو نسمة أزمنة هبت بارقة أو مضت ولكن ~~احتاطوا واستعدوا وتحفظوا واستمدوا وحصنوا الحصون والمعاقل وجمعوا الجنود ~~الجحافل فلم يكن بأسرع من إيابهم وتعاطي ما كانوا عليه من دأبهم والشروع في ~~أعمال حرابهم بخراجهم وأخذهم في ضروب ضربهم وضرابهم واستقر تولي في ممالك ~~العجم وهو أبو هلاكو الكافر الأغتم فوصلوا إلى شيراز وقد استعدت للحصار ~~واستمدت للمناوشة والنقار فأخذوها عنوة وزحفا وقتلوا منها مما أمكن ضبطه ~~سبعين ألفا ثم توجهوا إلى طوس فأزهقوا ما بها من نفوس ثم إلى سائر القلاع ~~بالحضيض واليفاع فاستولوا على الكل قهرا وأخذوه وقسرا وسعوا في إحلال البؤس ~~وإزهاق النفوس ثم إلى موقان ولم يبقوا بها أحدا كائنا من كان وعم القتل ~~المبير كل صغير وكبير ثم ms344 حل أولئك البور ببلدة نيسابور فكافحت بعدما كانت ~~صالحة وتحصنت بعد أن أذعنت واعتمدت على عددها واستندت إلى عددها وبرجالها ~~استعانت بعد أن كانت قد دانت # PageV01P569 # ولانت واستكانت وكان فيها من آلات الحرب ورجال الطعن والضرب مالا يحصى ~~ولا يبلغه الأستقصا فكان فيها من المجانيق المرسلات الصواعق على أسوار ~~الحصار ثلثمائة منجنيق أصغرها كالغضبان في المقدار خارجا عن المكاحل ~~والمدافع المهلكات بالصواعق الصواقع ومن رماة القوس القصير المنفذ حكمه ~~قاضي التقدير ثلاثة آلاف بطل مل أرمي من بني ثعل وأما عدد الضارب # والنابل والقاتل والرامح والناطح والصارع والقارع والحاذف والجارف ~~والخاطف والقاطف والناهب والسالب فالضابطون فيه تاهوا وما يعلم جنود ربك ~~إلا هو فوجه التتار إليها وأخنوا كالقضاء المبرم عليها وحمى الوطيس وخاطر ~~بنفسه كل خسيس وبذل مهجته من الغزاة كل نفيس فقتل من أهل العدوان طغاجار ~~خان زوج ابنه جنكيز خان وكان من فتاة الكفار المعتبرين بين التتار فخنق ~~العدو ولذلك وسدد المسالك وسمع بذلك تولى الكافر الموغولي وكان في بعض ~~الجوانب مشغولا بالدواهي والمصائب ففار دم قلبه وتأججت نيران كربه وتأسف ~~لفقد ختنه وثار غبارا حنه فتوجه من فوره بحنقه وحوره ونزل على نيسابور وحل ~~بالبوار على أولئك البور وزحف بالعساكر وتقدم بالطعن والضرب كل كافر فلم ~~تمض غلوه حتى أخذوها عنوه ودخلها من كفر من التتر يوم السبت خامس عشر صفر ~~سنة تسع عشرة وستمائة من الهجرة وأعطىتولى لأخته ذلك عوضا عن زوجها الهالك ~~وقال لها تسلي عن ذلك المفقود بهذا الموجود وتحكمي في أهل البلد بما ترتضيه ~~من سرور ونكد وتصرفي في الأموال والأرواح فمهما تريه فهو لك مباح # PageV01P570 # فأمرت أن لا يبقى على ذي روح وأن تجري السيول من الدم المسفوح فأطلقوا في ~~ميادين الحتوف أعنة صوارم السيوف فجدت جباه الجياد وجادت بجواد الجد على ~~أجياد الأجواد وصارت كالسن الشعراء النقاد تهيم من النظام والنثر في كل واد ~~فمحوا عن لوح الوجود بلسان شواظ السيف ذات الوقود سطور ذوات ذلك السواد ~~الأعظم وكتاب كتائب تلك ms345 الخلائق والأمم وزادوا في الأشتياط حتى قتلوا ~~الكلاب والقطاط ثم أمرت أن تجمع رؤس أولئك الجمهور ويميز رؤس الإناث من ~~الذكور فميزوا رؤس الرجال عن قمم ربات الحجال وطرحوا كل كاشية في ناحية ~~فصارت الرؤس كرواسي الجبال وتلك الدور والقصور كالأعصر الخوال ولم يخلص من ~~قطع الارؤس سوى أربعة أنفس كانوا من ذوي الحرف فجذبتهم المهارة من سفح بحر ~~الفناء إلى الطرف ثم ركبت تلك البسوس ووقفت على تلال الرؤس فلم تنطفيء ~~نارها ولا برد أوارها وزعمت أنها لم تستوف ثأرها وأن دود ترابها من علق تلك ~~الأمم ما تكفت وغيظة غيظها بزائر ما تشفت واستغاثت بالرجال وصاحت بلسان ~~الحال وأنشدت: # وهب إن النساء سللن سيفا ... فصلن وجلن كالفحل الغيور # فزلزلن الجبال فطرت خوفا ... يضاهين السحاب على الطيور # وصار لسفكهن البر بحرا ... أيغنيهن ذاك عن الأيور # PageV01P571 # فأمرت بهدم البلد وإحراق ما فيها من آلات وعدد فدكوها دكا وأعدموها سبكا ~~وسفكا وتصرفت أيدي النوائب فيها فتكا وبتكا ثم أن تولي لوى العنان وقصد ~~هراة من خراسان فأخذها بالأمان ولم ينج من ذلك الطوفان سوى تلك الكورة ~~واستمرت تخت أوامرهم مقهورة وأمهات بلاد خراسان ومقر سرير السلطان كانت ~~أربعة أمصار كل ذات اعتبار جليلة المقدار نيسابور وقد صارت بور وبلخ وقد ~~كسيت من البوار ثوب سلخ ومر الرود وقد انحت من الوجود ولم يفز بالنجاه إلا ~~بلجدة هراه وسائر الأمصار شملها البوار ولبست من خلع الدثور والدثار وكل ~~منها مصر جامع وبرها وبحر واسع وبحرها كصدر البر مداه شاسع وأما القرى ~~والقصبات والرسانيق والمزدرعات فأكثر من أن تحصر أو تضبط بحساب دفتر فأبيد ~~ذلك كله وأبير فالحكم لله العلي الكبير كل ذلك في أدنى مده وأوهى رقده وما ~~ذكر ذرة من طور وقطرة من بحور فسبحان من لا يسئل عما يفعل ثم أن جنكيز خان ~~الهامة الهامية والفتنة الطامة الطامية لما علق به المرض وحصل له في خراسان ~~العرض رجع إلى بلاده واستمر مرضه في ازدياده ولم يزل على ذلك حتى أورد ms346 سبيل ~~المهالك وتسلم روحه الخبيثة مالك وحين أيس من الحياة وقنط من رحمة الله جمع ~~المعتمد عليه من أولاده المشاركين له في عتوه وفساده وهم جفتاي وأوكناي ~~وأوليغ نوبين # PageV01P572 # وجرجاي وكا كان وأو رجان وأوصاهم بوصايا وطرائق في سياسة الرعايا حافظوا ~~عليها وتناهضوا إليها فثبت لهم من ملكهم أساسا لم ينهدم وأقام بنيانا إلى ~~يومنا لم ينخرم وعروش قواعد أركانها لم تنثلم مع كثرة عددهم ووفرة مددهم ~~وشكاستهم وشراستهم وشماستهم وتعاستهم وغلاظتهم وفظاظتهم واختلاف أديانهم ~~واتساع بلدانهم وهلك الطاغية جنكيز خان وانتقل إلى الدرك الأسفل من النيران ~~واستقر في لعنة الله وعقابه وأليم زجره وعذابه في رابع شهر رمضان الشامل ~~بالفضل والإحسان والبركة النامية الهامية سنة أربع وعشرين وستميه في سرة ~~ملكه المشوم وأعظم أمصاره أيميل وقوفان وقراقروم واستمرت بعده الفتن ~~والشرور المحن تغير علىممالك الإسلام وتبير شعائر شرائع خير الأنام وتثير ~~غبار الأفساد والمفسدين في وجوه سنة سيد المرسلين وتحصر جنود الإسلام وتقص ~~جيوش العلماء الأعلام وتنقص أطراف الأرض وتنقص أركان الدين بعضها على بعض ~~وناهيك يا مولانا السلطان بفتن هلاكو تولى بن جنكيز خان وبعده أبغا ابن ~~هلاكو الذي تجبر وطغى وتكبر وبغى وبعده ابنه ارغون وبعده ابنه قازان ~~المفتون واستمرت بحار الفتن منهم تؤثر عنهم ومرجها يمور إلى أن نبغ الأعرج ~~تيمور فأهلك الحرث والنسل واختلط المباح بالسيل وحل بالعالم الباس وفسدت ~~أحوال الناس وإنما ذلك كله بفساد الرأس ومن جملة فتنهم وطعنهم جالوا في ~~معركة وصالوا في دست بركه فقتلوا في مثل حرب البسوس وقطعوا في ناحية من ~~الروس جملة أرادوا ضبط عددها بعد أن أبانوها عن جسدها فلم يقدروا أن ~~يحصروها # PageV01P573 # فرسم لتلك البغاة سلطانها أن يقطع من الرؤس آذانها يقطعون من كل رأس أذنا ~~ولتكن الآذان اليمنى فجدعوا آذان بعض الرؤس وشكوها وفي خيوط سلكوها ثم ~~قلائد ربطوها وبعد ذلك ضبطوها فكانت نحو مائتي ألف أذن مجدودة وسبعين ألف ~~أذنت معدودة (وإنما) ذكرت يا ملك الطير أمثال ما جرى من الشر والخير وجلوت ~~عن ms347 مرآه ضميرك المنير صورة ما مر في الزمان المنير وما فعله من ملكه زمام ~~الاقتدار وأمهله سلطان السلاطين الذي يخلق ما يشاء ويختار وصرفه في بلاده ~~وعباده وبين له طريق صلاحه وفساده وأخبركم أيها الملوك والحكام بأموركم في ~~دنياكم وحلا صور أحوالكم على أعين أبصاركم وبين حاكمكم في مراياكم فقال وهو ~~الذي جعلكم خلائف في الأرض ودفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم ~~فانظر ما في هذه السير من الحكم والعبر لتعلم أن الدنيا محل الغير ومحك ~~العقول والفكر والحال بها هدف لسهام القضاء والقدر مبتلى بكل خير وشر ونفع ~~وضر غافل عن مواقع الحذر آمن وهو على شرف الخطر مقيم وقد جد به السفر مناقش ~~بما مضى من أنفاسه مما حلا ومر ومحاسب على ذوات ما اكتسبه مطالب بالفتيل ~~والقطمير مما ارتكبه فلما وصل الحجل في الكلام إلى هذا المقام قبل العقاب ~~بين عينيه وزاد قرب هلديه وأفاض خلع الأنعام عليه وقال صدق عليه أفضل ~~الصلاة والتسليم حيث قال كلمة الحكمة ضالة كل حكيم # PageV01P574 # ونطق بالحق من قال لا تنظر إلى من قال وانظر # إلى ما قال فاهل التحقيق وذو والنظر الدجقيق راقبوا المعاني ولم ينظروا ~~إلى القوالب والمباني فان سليمان عليه السلام وهو ملك الجن والأنام والوحوش ~~والطير والهواء والهوام ونبي مرسل وملك ذو فضل وسلطان الفصل بالعدل استفاد ~~النصائح من نملة وجمع هدهده مع ملكة سبأ شمله ويوجد في السقاط ما لا يوجد ~~في الأسفاط ولقد ينطق بالفوائد من هو كافر وجاحد فيؤخذ من أقواله ولا يقتدي ~~بافعاله وقد قيل إن الحسن البصري رحمة الله عليه دخل صبي مسجده وصلى بين ~~يديه فرآه لا يتم سجوده ولا يرضي بصلاته معبوده فدعاه وخاطبه وأنكر عليه ~~وعاقبه وقال له تمم سجودك ترض معبودك فقال يا شيخ المتقين هذه سجدات شخص من ~~المؤمنين لو سجد إحداها ابليس لا آدم لما كان من الملعونين ولو سجدها فرعون ~~مرة لكان من المسلمين ولم يصر من أهل العناد المطرودين (ورأى يوما صبيا ms348 ~~ومعه سراج وهو سالك في منهاج فساله عن ناره وما فيها من أنواره من أين ~~أخذها وكيف افتلذها فلم يجاو به إلا باطفاء السراج وسؤاله أين ذهب ذلك ~~النور الوهاج قل لي أين ذهبت تلك الأنوار أقل لك من أين جاءت تلك النار # PageV01P575 # ثم أن العقاب ولي الحجل ما تحت يده من رقاب وقدمه على سائر الخدم وصنوف ~~الطير وأجناسه من الأمم وجعله الدستور الأعظم والوزير المقدم المكرم وفي ~~هذا المقام أمسك الحكيم حسيب عن الكلام وختم ما افتتحه من الحكم والأحكام ~~بالدعاء والثناءوالصلاة والسلام قال الشيخ أبو المحاسن المخجل بأدبه امرأ ~~القيس وأبا فراس فلما انتهى الحكيم في مقترحه وما قصده من بيان محاسنه ~~وملحه إلى هذا المحل وفصل من فضله ما أجمل من جمل نهض الوزير وقبل قدميه ~~واعترف له بالفضل المنعم به عليه وأنه مالك أزمة الأنشاء وملك الكلام يصرفه ~~كيف شاء وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وكما أنه شيخ المنقول وأستاذ المقول ~~فمن أنواره ألفاظه تنير العقول ومن كنوز عباراته تستخرج جواهر المعقول وأما ~~أخوه الملك فطار بسروره به عن سريره واتخذ في مهام أموره مقام أميره ثم أدت ~~آراء فكرته أن يستعمل أخاه لكشف كربته ويمشي مفي السعي بينه وبين أخوته ~~لرتق ما انفق وسد ما خرقه سيل الحسد فانبثق أمره العالي ونهض بأمر الله ~~المتعالي وأنفق من جواهر أفكاره في سوق المناصحة الرخيص والغالي ورصع ما ~~استخرجه من بواقيت تلك من عباراته بما يستعبده عقود الاآلي وتعاطي الإصلاح ~~وساعده لحسن النية وخلوص الطوية السعد والنجاح: # PageV01P576 # وهذب في الفضل ما رتبه ... ورتب بالفضل ما هذبه # وأعجب ذا اللب ما شاده ... فأثنى عليه بما أعجبه # وأغرب في السبق أشرافه ... فالله ذا السعد ما أغربه # فما شذ بالصدق عن نصحه ... ولا شذ خل لما # فاستمال الخواطر النافره وأطفا بزلال ألفاظه العذبة شواظ الناثرة وسكن ~~بنسيم ملاطفاته قتام الأخلاق الثائرة فاطمأنت القلوب وطهرت من غش التشاحن ~~الجيوب واتصل بالمحب المحبوب وحصل الأمن والأمان ومساعدة الزمان ومعاضدة ~~الأخوان ms349 ومصافاة الخلان وطيب العيش والمكان وأفضل من هدا جميعه شفقة ~~السلطان والاستقامة على الإسلام والإيمان ونسأل الله تعالى إتمام نعمه ~~وإسبال ذيل إحسانه وكرمه واللطف في القضا والعفو عما مضى والمعاملة بإحسانه ~~الجزيل وحسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين وصلى الله على ~~سيدنا محمد خاتم الأنبياء وسيد المرسلين وعلى آله الأطهار وصحابته الأبرار ~~من الأختان والأصهار والمهاجرين والأنصار وسلم تسليما يطيب الاعطار ويتمسك ~~بأذيال عرفه خياشيم الأزهار في الأسحار ما دامت الإعصار ودارت الأدوار ~~وترادف الليل والنهار وحشرنا في زمنهم مع المصطفين الأخيار أنه كريم ستار ~~حليم غفار (قال مؤلفه رحمه الله تعالى) نمقة مؤلفه ولفقة مصنفه فقير عفوا ~~لله تعالى من غير تردد ولا تفكر ولا تعمق في تدبر مع توزع أحمد بن محمد بن ~~عرب شاه الحنفي سامحه الله تعالى وعامله بما يرضيه تفصيلا وإجمالا لا بما ~~يقتضيه عدلا وجلالا في أواخر شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثمانمائة ~~أحسن الله خاتمها وعاقبتها وجعل آخرها خير من أولها بمنه وكرمه. ~~PageV01P577 ms350