######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0008305 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: اسبهبد مرزبان بن شروين بن رستم بن شهريار (المتوفى: ق 4 هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مرزبان نامه #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0008305 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-8305 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/8305 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1997 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مؤسسة الانتشار العربي، بيروت - لبنان، عن طبعة حجرية في مطبعة أحمد أفندي الازمرلي في القاهرة 1287 هـ، 1858 م #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | مقدمة المترجم # المقدمة # الحمد لله الذي شهدت الكائنات بوجوده، وشمل جميع الموجودات بعميم كرمه ~~وجوده، ونطقت الجمادات بقدرته، وأعربت العجم بحكمته، وتخاطبت الحيوانات ~~بلطائف صنعته، وتناغت الأطيار بتوحيده، وتلاغت وحوش القفار بتغريده، كل ~~باذل جهده، وأن من شيء إلا يسبح بحمده، دل العالم ظاهره وخافيه والمكان ومن ~~فيه، والزمان وما يحويه من شاكر وحامد، ومشهود وشاهد، على أنه إله واحد، ~~منزه عن الشريك والمضاد مقدس عن الزوج والولد والوالد، مبرأ عن المضاد ~~والمعاند، منزه عن الزوجة والولد، هو الله أحد، أحمده حمدا تنطق به الشعور ~~والجوارح، وأشكره شكرا تضاويه نعمه صيد الظبي النفور بالجوارح، وأشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له إله أودع أسرار ربوبيته في بريته، وأظهر ~~أنوار صمديته في حيوان بحره وبريته، فبعض معرب بلسان قاله، وبعض معرب ببيان ~~حاله تسبحه السموات برطيطها وتقدمه الأرض بعطيطها، وتوحده الأسد بهريرها، ~~والبحار بخريرها، والخيل بصهيلها، والكلاب بنبيحها، والطير بتغريدها، ~~والجبال بهديدها، والأقلام بصريرها، والنيران بحسيسها، كل قد علم صلاته ~~وتسبيحه، ولازم الإله غبوقه وصبوحه، وعمروا بذلك أجسادهم وأرواحهم، ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله أفضل من بعث ~~بالرسالة، وسلمت عليه الغزالة، # PageV00P000 # وكلمة الحجر، وآمن به المدر، وانشق له القمر، ولبت دعوته الشجر، واستجار ~~به الجمل، وشكى له شدة العمل، وسبح في كفه الحصا، ونبع من بين أصابعه زلال ~~الماء وصدقه ضب البرية، وخاطبته الشاة المصلية، صلى الله عليه وسلم صلاة ~~تنطق بالإخلاص، يوم يخلص الشاة القرنا القصاص، وعلى آله وأصحابه أسود ~~المعارك، وشموس المسالك، أصحاب الأنفاس الطاهرة والمفاخر الباطنة والظاهرة، ~~وسلم تسليما كثيرا آمنين. # أما بعد فإن الله تعالى أودع في كل ذرة من مخلوقاته من الحكم والعبر ما ~~لا يدركه عقول البلغا ولا يحيط به فهم الأذكيا لكن بعض الحكم والعبر ظاهرة ~~يدركها كل أحد قال تعالى: (وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون) وقال تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم) . وقال تعالى: ~~(إن في خلق السموات والأرض واختلاف ms001 الليل والنهار والفلك التيتجري في البحر ~~بما ينفع الناس وما أنزل الله من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من ~~كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم ~~يعقلون) وفي ذلك قيل: # فيا عجبا يعصي الإله أم كيف يجحده الجاحد ... وفي كل شيء له آية تدل على ~~أنه الواحد # ولكن لما كثرت الآيات والحكم وترادفت هذه العجائب والعبر اعتادت النفوس ~~بها وألفتها فلم تتدبر في حكمها ومعانيها ولا فيما دلت عليه من عجائب ما ~~فيها ولم تنظر إلى حسن مواقعها وعظم منافعها. وكثر في التنبيه على ذلك ~~أقوال الحكما وتكررت مقالات العلما فلم تصغ الأسماع إليها فقصدت طائفة من ~~الأذكيا وجماعة من العقلا أبرار شيء من ذلك على ألسنة الوحوش والبهايم ~~وسائر الطيور والسباع لتميل النفوس إليها لأن البهائم والوحوش غير معتادة ~~بشيء من الحكم بل ولا النطق والقول فإذا أسند إليها شيء من ذلك مالت إليه ~~النفس لغرابته ورغبت في سماعه وتلقته بالإصغاء والقبول فربما تنبهت لذلك ~~لإصلاح أمور معاشها ومعادها # PageV00P000 # وتفكرت في أحوال دينها ودنياها لا سيما الملوك والأمرا وأرباب الدول ~~والرفاهية والتنعم فإنهم إذا سمعوا قول القائل سكر الدب وصدق الأسد وأنشد ~~الذئب ورقصت الغزالة وطرب القنفذ وتصادق القط والفأر وحن الذئب على الخروف ~~وعانق الأسد الجمل وحمل الباز على رقبته الحمامة ارتاحت أنفاسهم وانشرحت ~~صدورهم، وزادت لذة عيشهم. ولكن أهل السعادة منهم والمنتبهون ومن هو مقصود ~~لفصل الخصومات، وخلاص المظلومين من الظالمين إذا كانوا في الحكم والعبر ~~ولطائف الغزل والسير الحسنة المسندة إلى ما لا يعقل وهم ممن يعقل يزدادون ~~بذلك بصيرة فتتوفر مسراتهم وتتضاعف لذاتهم، فربما تفكروا في أنفسهم أن مثل ~~هذه الحيوانات مع أنها غير مكلفة إذا فعلت هذه الأمور الغريبة والقضايا ~~الحسنة العجيبة فنحن أولى بذلك. وقد ورد في الكتاب العزيز مما فيه الاعتبار ~~لأصحاب العقول على ألسنة غير العاقل آيات كثيرة كقوله تعالى: (إنا عرضنا ~~الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها) . وقوله ~~تعالى: ms002 (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض أيتيا طوعا أو كرها ~~قالتا أتينا طائعين) . وقوله تعالى: (ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ~~ومن في الأرض والشمس القمر) الآية، وقوله تعالى: (قالت نملة يا أيها النمل ~~ادخلوا مساكنكم) وقد وضع في ذلك كتاب يسمى بمرزبان نامة مترجم باللسان ~~التركي عن الفارسي فأشار إلى المخدوم الذي لا يمكنني مخالفته أن أترجمه ~~باللسان العربي فامتثلت أمره وترجمته وقد جعله واضعه ثمانية أبواب: الباب ~~الأول في تسميته وسبب وضعه، الباب الثاني في ذكر العالم والعفريت، الباب ~~الثالث في ذكر أحوال الثعلبين، الباب الرابع في ذكر الكلب المسمى بالذكي ~~والعتر الباب الخامس في ذكر السبع وسلطان الأفيال، الباب السادس في ذكر ~~وقائع الجمل والأسد، الباب السابع في ذكر العقاب والحجلتين، الباب الثامن ~~في معاملة الأحباب. # PageV00P000 ### | الباب الأول # في سبب # تسمية الكتاب # روي أن واضع هذا الكتاب ملك من ملوك الفرس اسمه مرزبان بن شروين، وهو في ~~أولاد كيكاوس وهو أخو أنوشروان الملك العادل وكان متوليا طبرستان ولما توفي ~~انتقل الملك إلى أولاده إلى أن استقر فيه شروين فلما توفي خلف من الذكور ~~خمسة أنفار كل منهم صالح للسلطنة فاستولى على الملك بعده أكبر أولاده. # PageV01P013 # وكان مرزبان واضع هذا الكتاب هو أصغرهم فاستمر الأخوة الأربعة في خدمة ~~أخيهم الأكبر مدة، ثم إنه حصل في خواطر الأخوة مما يخاطر ببال الناس من ~~المخالفة فخاف مرزبان من ذلك على نفسه وأنه لا يستطيع أن يكون في جهة أحد ~~منهم إذ كل منهم أخوه. وكان في الفضل والتدبير وحسن السياسة والتأمل في ~~العواقب متميزا على قرانه وإخوانه ففكر في عواقب ما عزم عليه أخوته من ~~العصيان فأراه اجتهاده إلى أن يتوجه إلى جهة من جهات المملكة وينحاز عن ~~دائرة ما يقع بين أخوته من المخالفة والمناكدة بينهم وبين أخيهم الملك حتى ~~لا ينسب إليه شيء من ذلك ويسلم من تلك الكدورات، فتشاور فيما عزم عليه مع ~~طائفة من الأذكيا وجماعة من الفصحا فاستصوبوا رأيه ms003 إلا أنهم التمسوا منه أن ~~يضع لهم كتابا يشتمل على أنواع الحكمة واللطائف التي تتهذب بها النفس ~~وتتوفر بها مكارم الأخلاق ويكون عونا على اكتساب مصالح المعاش والمعاد ويدل ~~على فضائله وغزارة حكمته وعلمه # PageV01P014 # فاستصوب ما أشاروا به عليه ثم رأى عرض ما وقع من هذه الأمور على أخيه ~~الأكبر فوقف في مقام الخدمة وذكر له ذلك بعبارة لائقة وانتظر ما يرسم به ~~ليمتثله فتوقف في جوابه وتأمل في خطابه وصرفه. # ثم إن الملك استشار في ذلك أحد وزرائه وكان بينه وبين مرزبان بعض شرور ~~وعداوة فاغتنم الفرصة وقال: أما ما طلبه مرزبان من العزلة فإنه رأى فاسد ~~وقد قيل في المثل: الأعدا كلما قلوا ذلوا وقد قيل: # وليس كثير اللف خل وصاحب ... وأن عدوا واحدا لكثير # فكيف لو كانت الأعدا كثيرة وإذا نقص أعداء الملك واحدا فنعمة طائلة ~~ويتوصل منهم إلى تشتيت أمرهم ومخالفة أقوالهم ورأيهم وقد قيل في ذلك. # وتشتت الأعداء في آرائهم ... سبب لجمع خواطر الأحباب # وأما ما قصده من وضع كتاب يشتمل على فوائد وحكم فمكر وخديعة فإنه إنما ~~يريد به إظهار فضله على مولانا الملك ويستميل بذلك الرعية ويصرف وجوههم ~~إليه، ولكن مولانا الملك لا يمنعه من ذلك ويرسم لي أن أكون حاضرا وناظرا ~~لما بيديه من المسائل والنصايح لينظر الملك كيف أظهر دسائسه وأبين طرائق ~~مكره وخداعه لينظر الملك كيف أظهر دسائسه وأبين طرائق مكره وخداعه وأكشف ~~زيفه في نقده ويطلع الملك على ما تصل خديعته وما تنتهي إليه درايته. ثم إن ~~الملك جمع أركان دولته والفضلا والعلما من أطراف مملكته وجلس في محل عظيم ~~وجمع كثير ودعا أخاه مرزبان وبالغ في إكرامه وقال: يا أخي كان تقدم منك طلب ~~الإذن في تأليف شيء ينتفع به العام والخاص من الحكم والأمثال والنصيحة ~~ويتخلد به الذكر ويبقى مستمرا على ممر الدهور وذلك لوفور فضلك ورجاحة عقلك ~~ومزيد شفقتك على الرعية # PageV01P015 # فأحببت أن يكون ذلك بحضرة العلما ومجمع من الأكابر والفضلا وأرباب الدولة ~~والمناصب ليأخذ كل ms004 واحد منهم نصيبه وتتوفر العائدة وتعم الفائدة، وقد أذنا ~~لك في الكلام فقل ما بدا لك. والسلام. # فقال مرزبان: يا مولانا الملك حيث أنعمت في الكلام فأتمم ذلك بحسن الإصغا ~~فإن حسن الإصغا هو الدرجة الثانية وذلك أن حسن الأداء هو المرتبة الأولى ~~وحسن الإصغا هو الدرجة الثانية والاستفادة هي الغاية القصوى والدرجة ~~الثالثة، ثم أعلم أيها الملك أن النصيحة خير والنفس مائلة إلى الشر فبينهما ~~تنافر من أصل الخلقة فالسعيد من تفكر في معاني الحكم وتأمل في عواقب الأمور ~~وتلقى الأشياء من طرق الاعتبار وقد قيل: # إذا لم يعن قول النصيح قبول ... فإن معاريض الكلام فضول # ثم أعلم يا ملك الزمان أن أفضل شيء تركب في وجو الإنسان وحسن جوهر وزان ~~عقد تركيبه العقل وأشرف خصلة تتوج بها العقل الخلق الحسن ولأجل هذا قال ~~الله تعالى: لأشرف مخلوقاته صلى الله عليه وسلم: وإنك لعلى خلق عظيم ~~وبالخلق الحسن ينال الذكر الجميل في الدنيا والآخرة. وأشرف الموجودات من ~~الخلائق الإنسان وأفضل جنس الإنسان بعد الأنبياء عليهم السلام الملوك، وإذا ~~كان الملك حسن الخلق كان في الدرجة العليا من الكمال، ومن جملة حسن الخلق ~~العدل والشفقة على الرعية وإذا صلح السلطان وحسن خلقه صلحت الرعية طوعا أو ~~كرها لأن الناس على دين ملوكهم. ثم أعلم أن أقبح عادة للملك الخفة والطيش ~~وعدم الثبات لأن الرجل الخفيف لا يقدر على تدبير الأمور الجليلة ولا الدخول ~~في القضايا الشاقة ولا يستطيع أن يصل إلى # PageV01P016 # الرياسة ولا يمكنه أن يتحمل فصل الخصومات، فإن هذه الأشياء تحتاج إلى رجل ~~يكون كالجبل في السكون والوقار أو كالبحر الهائج في الحركات، ثم أعلم أيها ~~الملك أن مما ينبغي أن يتجنبه الملك الإسراف والتبذير فإن الملك حافظ لدماء ~~المسلمين وأموالهم والمال الذي في يده هو لهم وإنما هو مرصد تحت يده كما لا ~~ينبغي أن يتصرف بالتبذير في مال نفسه كذلك يجب عليه أن يذب به عنهم وأن لا ~~يسرف في أموالهم ومصداق ذلك قوله تعالى: (ولا تسرفوا ms005 إنه لا يحب المسرفين) ~~. وينبغي بل يجب على الملك أن لا يأمر بشيء إلا بعد التأمل والتروي لأن أمر ~~السلطان بمنزلة القضاء النازل من السماء لا يرد وإن أمر الملك من غير تأمل ~~وتدبير يشبه السهم الخارج من كبد القوس بل يشبه سهام القضاء والقدر لا يمنع ~~منه ترس حذر ولا يمنعه جعفة حيلة، كذلك سهم الموت لا يرده شيء ولكن ربما ~~أدى في أواخره إذا لم يتدبر في أوائله إلى الندامة، وأعلم أيضا أيها الملك ~~أن يجب على الملك يصغي إلى نصيحة # PageV01P017 # الذي قد جرب منه الصدق والمودة وعلم منه محض النصيحة ولا ينفر من خشونة ~~النصيحة ومرارتها فإن الناصح المشفق مثل الحكيم الحاذق إذا اشتكى إليه ~~المريض مرارة فمه فإنه يصف له دواء مرا فإنه ما وصف له الدواء المر إلا ~~ليعيد بشربه حلاوة فمه ولا يستحقر النصيحة ولا الناصح، فإن سليمان عليه ~~السلام من أجل سادة الأنبياء المرسلين عليهم السلام وهو أحد من ملك الدنيا ~~وحكم على الجن والإنس والطير والوحش والريح، استشار نملة حقيرة فنجح في ~~أمره ولما خالف وزيره آصف بن برخيا في قضيته ابتلاه الله تعالى بعد وسلب ~~ملكه حتى صار أجير السماك على ما قيل ثم قال: يا مولانا الملك وأنا لما ~~رأيت أمور الملك قد وقع فيها اختلال بواسطة إهمال المباشرين لمصالح الرعية ~~واستطالتهم على الفقير ومد أيديهم إلى أموال الناس بالباطل وخروجهم عن ~~دائرة العدل وعدم الالتفات إلى المستحقين وتولت المناصب غير أهلها بحيث وقع ~~الاختلال في أمور المملكة وتطاول الغير إلى إلقاء والفساد ورأيت هذا لا ~~يليق # PageV01P018 # بشرف مولانا السلطان ولا بأصله الزكي ومقامه الرفيع ولا بهمته العلية ~~فإنه لا يميل إلا إلى التخلق بما كان عليه السلف الصالح والملوك الكرام كما ~~قيل: # وإن الظلم أقبح كل قبح ... وأقبح ما يكون من البنية # وقد قيل أيضا: # ولم أر في عيوب الناس عيبا ... كنقص القادرين على التمام # فما وسعني إلا الانحياز إلى العزلة والتعلق بذيل الانفراد والوحدة وما ~~أمكن أن أفعل ms006 شيئا برأيي ولا أعترض على آراء مولانا السلطان ولا أفاتحه في ~~شيء من ذلك فإنه قد قيل في بعض النصايح لا تخاطب الملوك فيما لا يسألونك ~~ولا تقدم على ما لا يأمورنك، إذا تركوك، فلما أذن لي في الكلام علت قطرة من ~~بحر وقمت ببعض ما يجب على سائر الناصحين من طريق واحد ووجب علي من طرق ~~متعددة أقواها حق الأخوة التي هي أقوى الوسائل وأعظم الصلات فإنه قد قيل ~~السبب الذي لا يقطعه سيف حبل القرابة والبنيان الذي لا يهدمه ممر الزمان ~~أساس الأخوة قال الله تعالى سنشد عضدك بأخيك وقال القائل: # أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح # وناهيك بحكاية الوها الضحاك فقال له السلطان: كيف تلك الحكاية أخبرنا بها ~~فقال مرزبان: ذكر المؤرخون أن الضحاك كان من أحسن الناس سيرة وعدلا فتزيا ~~له إبليس في زي طباخ وصار كل يوم يهيئ له من لذيذ الأطعمة ما يعجز عنه ولا ~~يأخذ على ذلك أجرة، واستمر على ذلك مدة إلى أن قال له الضحاك في بعض الأيام ~~أيها الطباخ إن لك علي حقوقا أريد أن أكافئك ببعض فتمنن علي قال: تمنيت ~~عليك أن تكشف لي عن ظهرك فأقبل لوح # PageV01P019 # كتفك فأجابه إلى ذلك وكشف عن ظهره فقبله وغاب عن عينيه فأخذته حكة ولدغ ~~ثم خرج من موضع تقبيله حبتان فطلب الأطباء لذلك فعجزوا عن علاجه ثم لم يروا ~~لسكون لدغته إلا دماغ الإنسان فأكر بإلقاء القرعة كل يوم بين الناس وصار كل ~~من وقعت عليه القرعة قبضوا عليه وقتلوه وأخذوا دماغه وعالجوا به الألم ~~فيسكن، ففي بعض الأيام وقعت القرعة على ثلاثة أنفار فوضعهم بالسجن ليجري ~~عليه ما جرى على أمثالهم، فجاءت الضحاك امرأة هي زوجة أحدهم وأم الآخر وأخت ~~الثالث وتظلمت فخيرها بين أحد الثلاثة فتقدمت إلى الحبس فرأت زوجها فذكرت ~~ما جرى بينهما من لذيذ العيش وطيب الأوقات وتحريك الشهوة النفسانية فهمت ~~بطلبه فوقع نظرها على ابنها فرأت صباحة وجهه وتذكرت تربيتها ms007 إياه وحمله في ~~بطنها وإرضاعها له فتعطفت عليه فقصدت أخذه فوقع بصرها على أخيها فرأته ~~ودموعه تتساقط لأنه يعلم أنها لا تعدل عن زوجها فتفكرت طويلا ثم قالت: ~~أختار أخي فبلغ الضحاك ذلك فدعاها وسألها عن سبب ترجيح اختيارها أخاها # PageV01P020 # دون غيره فقالت: تذكرت زوجي وطيب عشرته فهممت باختياره ثم رأيت ابني فحنت ~~عليه جوارحي وتذكرت ما مضى من الحمل والولادة والتربية فهممت باختياره، ثم ~~رأيت أخي فأخذتني الفكرة وقلت أنا شابة أتزوج غير زوجي ويولد لي غير ولدي ~~ففيهما بدل وعوض وأما الأخ فليس عنه بدل ولا عوض وذلك أن أبوينا ماتا ولا ~~يمكن تعويضه فاخترته فاستحسن الضحاك منها ذلك ووهبها الثلاثة. # ثم قال مرزبان: وما أوردت هذه الحكاية إلا ليعلم مولانا الملك أن لي عن ~~كل شيء بدلا وعوضا ولكن ما لي عن مولانا الملك من بدل ولا عوض إلا بقاء ~~ذاته التعيسة ودوام حياته العزيزة وأخاف والعياذ بالله تعالى من الفتن التي ~~أقبلت أن تستأصل أسلافنا الكرام وتقرض عقب أجدادنا والسلام، فاخترت العزلة ~~لذلك وآثرت الوحدة هنالك فقال الملك: قلت الصواب ونصحت فأبلغت في الخطاب ~~وأنا أتحقق حسن نيتك وخلوص طويتك وصدق وفائك وحسن التجائك، ولكن أريد أن ~~يقع بيني وبين هذا الوزير المشفق محاورة، ويقع فيما أنت بصدده بحث ومشاورة ~~فإن كلا منكما ناصح مشفق وحكيم مدقق وعالم محقق وفاضل مونق وفي مثل هذه ~~الأشياء كلها طال التفتيش ودق البحث وظهر الحق واتضح الصدق لا سيما إذا كان ~~الكلام بين عالمين والسؤال والجواب من فاضلين كاملين. # فقال مرزبان: يا مولانا الملك إذا قام الإنسان في صدر المعارضة وترقى في ~~البحث إلى المعاكسة والمناقضة لا سيما إن كان من أهل الفصاحة واللسان ~~ومساعدة الإدراك الحسن لا يعجز عن أن يقابل الإيجاب بالسلب والاستقامة ~~بالقلب والعكس الطرد والقبول بالرد، ويكفي في جواب المتكلم إذا أورد مسألة ~~لا نسلم ولكن قد # PageV01P021 # قيل في الأمثال لا تشفع الشفاعة باللجاج ولا النصيحة بالالتجاج، وأما أنا ~~فقد بذلت جهدي في أداء النصيحة ms008 وكشفت عن أركان التحقيق حجب الأستار فإن وقع ~~نصحي في محل القبول فقد تبين الرشد من الغي وإن رددت كلامي وأعرضت عن العمل ~~به فلا إكراه في الدين. # فتصدى الوزير للكلام وكشف عن ثغر بيانه اللثام وبرز في ميدان الملاينة ~~والمخادعة وسلك طريق الملاطفة في المصانعة وقال الحمد لله الذي من على ~~مولانا الملك بهذا الأخ الحكيم الفاضل العليم الناظر في العواقب صاحب الرأي ~~المصيب والفكر الثاقب لقد بالغ في النصيحة بعباراته المليحة وإشاراته ~~الصحيحة، الدالة منه على سلامة القريحة فكل شيء نهاه هو الذي يقتضيه الفعل ~~القويم والمنهج المستقيم ويترتب عليه الذكر الجميل وآثار الثواب الجليل، ~~ولكن الذي نعرفه نحن في حفظ الرياسة وإقامة قانون السياسة هو الذي عليه ~~الناس في هذا اليوم وجرت عليه عوائد الأكابر والأصاغر فإن الزمان قد فسد ~~والخير والفضل فيه قد كسد، وهذا مقتضى الحال بين أبناء الزمان والناس تدور ~~مع زمانهم بقدر إمكانهم وقد قيل: الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم وبعض ~~السياسات تقتضي العقوبة بالتغريم وأخذ المال ولو عفا الإنسان عن مجرم طمع ~~المجرمون فيه وكان كمن عاقب من لا ذنب له فإن وضع الأشياء في محلها هو أحد ~~قوانين الشرع والسياسة وقد قيل: # ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم # لا يسلم الشرف من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم # وقد قيل رب إراقة دم تمنع من إراقة دم وقد قيل: # لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجساد بالعلل # PageV01P022 # ومصداق هذا الكلام قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) . ~~وقال قابوس بن وشكير لما قبض أركان دولته عليه وأرسلوا إليه وهو في السجن ~~من يقتله فقال: ما سبب قيام أهل مملكتي علي مع إحساني إليهم وتربيتي إياهم ~~قالوا: كثرة إراقتك الدماء هو الذي أوجب تغيير خواطرهم عليك، فقال: لا ~~والله وإنما سبب ذلك قلة إراقتي الدماء يعني لو أراق دماء القائمين عليه ~~لما قبض عليه ولكن لما أهملهم قبضوا عليه وجرى لهم ما جرى، ثم ms009 أعلم أيها ~~الحكيم الفاضل أن مزاج الزمان قد فسد وقد أعرضوا عن طاعة السلطان إلى ~~مخادعة الشيطان وكل منهم قد باض الفساد في دماغه وفرخ وتصور بخيالاته ~~الفاسدة ومجالاته الكاسدة أنه بصير إلى ما يطلب ويبلغ ما يريد وهيهات كما ~~قيل: # لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وسامها كل مفلس # وهذا لأنهم كما قال الله تعالى: (في حقهم يعدهم ويمنيهم وما يعدهم ~~الشيطان إلا غرورا) ولم يشعروا أن السلاطين هم ممن اختارهم الله سبحانه ~~وتعالى للقيام بأمور عباده فهم في الحقيقة ملحوظون بعنايته وكما أن الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام هم صفوة الله تعالى من خلقه من غير كد منهم ولا سعي ~~في تحصيل الرسالة صدر عنهم وإنما محض منحة من الله تعالى كذلك الملوك ~~والسلاطين هم صفوة الله تعالى من خلقه اختارهم لأن يكونوا خلفاء في أرضه ~~وقد غفل أهل هذا الإقليم والممالك عن إدراك هذه الحقائق وعدوا المكر ~~والخداع من جملة العقل والكياسة والتحيل على أقوال الناس ومظالم الناس من ~~الفطنة والذكاء وتملقهم للسلاطين. فمن أسباب الوصول إلى الأغراض من تحسين ~~الظاهر وتزيين ما يراه الناس وقلوبهم كقلوب الذئاب فلأجل هذا سلطنا الله ~~عليهم نعامله بما تقتضيه السياسة السلطانية. # PageV01P023 # فقال مرزبان: أعلم أيها الوزير الناصح والشفوق الصالح أن الملك بمنزلة ~~الشمس المشرقة والرعية بمنزلة السراج وإذا تلألأت أشعة الشمس المشرقة على ~~صفحات الأكوان فأي نور يبقى للسراج وأن قلوب الرعايا من فيضات أشعة قلوب ~~الملوك فإذا صفت مرآة قلب الملك أشرقت قلوب الرعية بل والزمان والمكان كما ~~قيل إذا تغير السلطان تغير الزمان وقد ذكر المؤرخون في قضايا لملك بهرام ~~جور أنه في بعض الأوقات عزم على الصيد وخرج في عسكره فبينما هم في البرية ~~وكل من الجند وجه إلى صيده إذ غيمت الدنيا وانطبقت الآفاق بالغيوم واستترت ~~الشمس في النقاب وأرسلت عيون السحاب ومعها المدرار وجنات تجري من تحتها ~~الأنهار وأقبلت السيول تجري في مضمارها كالخيول. فشتتت الخيول والعساكر عن ~~بهرام فقصد قرية من القرى ونزل طالبا ms010 القرى منفردا من عسكره مخفيا سر خبره ~~فاتفق نزوله في بيت رئيس القرية ولم يشعر به الرئيس فلم يقم بواجبه فتنكد ~~لذلك خاطره وتغيرت نيته ولكن لم يظهر أثر ذلك فلما أمسوا أقبل الراعي ~~بالمواشي وذكر للرئيس أن حليب المواشي نقص عن عادته مع أن رعيها كان أحسن ~~من كل يوم فتعجب من ذلك وكان للرئيس بنت تسجد الأقمار لخدودها وتنقصف ~~الأغصان إذا ماست في الرياض عند ورودها، فلما سمعت كلام الراعي قالت: والله ~~ما يكون سبب ذلك إلا خاطر سلطاننا تغير علينا فظهر لذلك النقص في حلب ~~مواشينا وقد قيل إذا هم الحاكم بالجور على الرعايا أدخل الله تعالى النقص ~~في أموالهم حتى الزرع فقال الرئيس إذا كان كذلك فلا مقام لنا في هذه القرية ~~والأولى أن نرتحل منها إلى نستريح في ظل حاكمه فقالت البنت: إن كان ولابد ~~من الارتحال فالأولى أن نتكلف لهذا الضيف بما عندنا فإنا لا نقدر على نقل ~~جميع ما # PageV01P024 # عندنا فيحصل فيه فائدتان القيام بحق الضيف ويطيب خاطره والثانية يخف ~~الحمل فقال الرئيس: نعم الكلام وأظهر البشاشة وصنع الأطعمة المفتخرة وقدمها ~~للضيف فأكل ثم شرع في تجهيز الشراب والنشاط وأخذ في أسباب المعاطاة ~~والمنادمة فلما أخذ الشراب ما أخذ من بهرام ارتفعت أسباب الحشمة وتاقت نفسه ~~إلى ما كانت معتادة من مغازلة الغزلان وسماع القينات، فقال للرئيس: هل عندك ~~من يطربنا بصوته أو يعجبنا بصورته من وصيفة أو صورة لطيفة ولا نطلب زيادة ~~على النظر وحسن المنادمة إلى السحر لتزول عنا وحشة الاغتراب ودهشة الاضطراب ~~وقد قيل الشرب بغير نغم غم وبدون طرب هم، ثم نهض الرئيس إلى حريمه وقال ~~لابنته ما جرى بينه وبين ضيفه وقال: يا بنيه أظن ضيفنا من الأكابر والأعيان ~~وقد التمس منا شيئا يلهيه بمنادمته وليس عندنا من يليق لذلك سواك وأنا أعرف ~~عفتك ونزاهتك وحسن محاضرتك ومحاورتك فإن رأيت أن تمتعيه بالنظر إلى حسن ~~صورتك وجمالك ثم تعودي إلى مكانك مفتخرة بين أهلك وناسك فلا عار عليك ms011 ~~والأمر مفوض إليك، فأجابت أباها وأقبلت إلى الضيف وهي من قدها # PageV01P025 # ولحظها تلعب معه كالرمح السيف إلى أن صادته بلحظها المكسور وأمسى قلبه ~~وهو في يدها مأسور فأنشأ يقول: # أرى ماء وبي عطش شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود # فأضمر بهرام في نفسه أنه إذا رجع إلى محل ولايته يطلب هذا الرئيس ويصاهره ~~على هذه الكريمة ويعطيه هذه القرية مع أمثالها فما استتم الخاطر حتى جاء ~~الراعي وقال للرئيس: إن الغنم قد فاضت ضروعها حتى صارت تشخب على الأرض وقد ~~ملأنا اللبن جميع ما كان عندنا من الأوعية ولم نجد لذلك موضعا فقالت البنت ~~لا شك أن نية الملك انصلحت في حقنا حتى أعاد الله تعالى الخير علينا فتعجب ~~بهرام من ذلك إذ بلغه فلما أصبح توجه إلى محل ولايته وأرسل إلى ذلك الرئيس ~~وأمضى ما كان نواه وعقد على بنته وأقطعه النواحي والقرى وأعطاه ما تمنى ثم ~~قال مرزبان: إنما أوردت هذه الحكاية لتعلموا أن الزمان تابع لنية الملك وقد ~~قيل عدل السلطان خير من خصب الزمان وإذا لم يكن الملك على الرعية بارا ولا ~~عليهم شفوقا ولا متجاوزا عن مسيئهم ومقبلا على محسنهم فالأولى لهم أن ~~يهاجروا من بلادهم ويخرجوا من مملكته قال الله تعالى لنبيه عليه الصلاة ~~والسلام: ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك وينبغي أن لا يؤاخذ أحد ~~بجريمة أحد قال الله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ولو طولب بذلك أحد ~~لفسدت المملكة واضطربت الرعية واختل نظام الملك ولو فعل ذلك من تقدم من ~~الملوك لما بقي للمتأخرين شيء وخربت الدنيا من أول الأمر وينبغي لمن باشر ~~أمر الرعية أن يكون شديد الفكر والرأي صدوق القول متفكرا في العواقب عادلا ~~بين الخاص والعام شفوقا على اليتيم ثابتا في النوازل مشغولا بتهذيب نفسه ~~واضعا الأشياء في محلها مقيما كل أحد في محله ومنصبه ومقامه لا يتعداه حتى # PageV01P026 # تستقيم بذلك الأمور والمملكة وقضايا السلطنة ويطمئن بذلك خاطر الملك الذي ~~هو في خدمته ويتمشى أمره عنده، ms012 وينبغي للملك أن يكون كريم الأعراق لطيف ~~الأخلاق في جميع أحواله وينبغي أن يراعي أساس ما بناه آباؤه وأجداده إن ~~كانوا ملوكا فإن كل من لا يراعي عادات أسلافه وأخلاق أجداده وصنائع آبائه ~~يصيبه ما أصاب الذئب الذي أحب أن يتعشى على غناء الجدي المغني، فقال الملك: ~~كيف كانت تلك الواقعة؟ بينها لنا. # فقال الحكيم مرزبان: بلغني من رواة الأخبار أن ذئبا كان له إقامة في بعض ~~الغياض خرج يوما في طلب صيد يسد به رمقه فقصد المواضع التي كان يتوقع فيها ~~الصيد فلم يتفق له شيء فرجع وقد أثر فيه الجوع والتعب فوجد بعض الرعيان ~~يسوف غنما حوالي فتعلقت أطماعه بها فأراد الهجوم عليها لكن رأى الراعي ~~مستيقظا فجعل يراقب الفرصة ويحوم من بعيد إلى أن أمسى وساق الراعي الماشية ~~إلى مرابضها ما عدا جديا تخلف منها فأدركه الذئب واستبشر بالفتح والظفر ~~فلما عاين الجدي الذئب علم أنه لاشك واقع في مخالب الهلاك، ففكر في مجاة ~~نفسه وقال: لا ينجيني من هذه البلية إلا حسن الحيلة فتقدم بجأش قوي وقلب ~~ثابت وقبل الأرض بين يدي الذئب وقال له إن الراعي أرسلني إليك وهو يسلم ~~عليك ويقول لك إن غنمه قد حصل لها الشبع والري ببركة جوارك وتركك عادة ~~آبائك وأجدادك في التعرض له ولغنمه فأراد مكافئتك فأرسلني إليك وأوصاني أن ~~أغني لك قبل أن تأكلني فإني # PageV01P027 # حسن الصوت والغناء وصوتي يشتهى فإن اقتضى رأيك غنيت لك غناء يطربك ~~وأسمعتك شيئا لم تسمعه آباؤك وأسلافك ويزيد في لذة أكلك، فقال الذئب لا بأس ~~أن تغني لي حتى أسمع صوتك فأغتنم الجدي الفرصة ورفع صوته حتى ملأ الوادي ~~عياطا فطرب الذئب وقال: هات صوتا آخر حجازا فصرخ الجدي صرخة أسمع بها ~~الحجاز والعراق فسمعه الراعي فأسرع نحوه بالمطرق فلم يشعر الذئب إلا ~~والراعي قد لحقه فرأى الأولى رواحة بالسلامة ونجاة نفسه وترك الجدي وانقلب ~~وصعد على رأس تل وجعل يلوم نفسه ويقول: يا قليل العقل متى كانت آباؤك ~~وأجدادك يأكلون وعلى ms013 سماطهم المغني ولولا أنك عدلت عن طريق آبائك وأسلافك ~~ما فاتك صيدك ولا جلست جائعا كما قيل: # وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا # وإنما أوردت هذا المثل والحكاية ليعلم أن العدول عن طريق الآباء ليس ~~بمحمود وقد قيل من يشبه أباه فما ظلم خصوصا الملوك # PageV01P028 # والسلاطين لئلا يدخل الخلل في قواعد المملكة والسلطنة فكل هذا من عدم ~~التدبير في العواقب وكل من لم يتدبر في عواقب أمره يصيبه ما أصاب ابن آوى ~~مع الحمار فقال الملك: صفه لنا فقال: إنه كان في جوار بعض البساتين لابن ~~آوى وكر فكان يدخل كل يوم من مجرى الماء ويعبث في البساتين كيف ما اختار ~~ويأكل من الأعشاب وطيب الفواكه ما أراد إلى أن عجز عنه البستاني فكان يرقب ~~منه الفرصة. ففي بعض الأيام أحس به البستاني وهو في البستان يأكل الفواكه ~~فبادر إلى مجرى الماء فسده عليه قم أقبل عليه بعصا وأثخنه ضربا إلى أن كاد ~~يهلك فطرح نفسه فحسبه قد مات فشحطه بذنبه ورماه خارج الحائط وفيه أدنى رمق ~~فاستمر ملقى حتى تراجعت إليه نفسه فلما أفاق فكر في نفسه وكره المقام في ~~ذلك الموضع وقال: إذا كان هذا الجار القديم لم يرع حق الجوار فلا فائدة لي ~~بعد اليوم في جواره والرأي أن أرتحل ما دام لي القدرة على الرحيل فإنه لو ~~عرف أن في حياة ما أمهلني. ثم فكر إلى أين يرتحل وكان في بعض الغياض ذئب هو ~~لأبيه صاحب قديم فقصده فلما رآه سلم عليه وتعرف بصحبة أبيه إليه فتلقاه ~~بالترحيب وسأله عن أحواله فبكى بالأشواق وتذكر أنكاد الزمان وذكر له أحواله ~~من أولها إلى آخرها فسكن الذئب ما به وأنشد: # أحيا بكم الإله وأحياكم ... ولا عدا الوابل مغناكم # فما رأينا بعدكم منظرا ... مستحسنا إلا ذكرناكم # ثم إن الذئب أراد أن يضيفه شيئا وليس عنده ما يقدمه إليه فاستعد للصيد ~~وعزم على التوجه وقال يتبع الفتى لؤم إذا أجاع ضيفه فسأله ابن آوى عن سبب ms014 ~~حركته فأخبره بذلك فقال ابن آوى إن لي قريبا في هذا المكان حمارا بيني ~~وبينه صداقة ولو تحيلت عليه # PageV01P029 # وجئت به لكان لنا ذخيرة عدة أيام فإذا اقتضى رأيك ذهبت إليه فقال الذئب ~~نعم هذا عين المصلحة فأفعل ما بدا لك وتوجه ابن آوى إلى بعض الجهات فوصل ~~إلى طاحون وإذا بحمار أوسقوه حملا قد قصم ظهره فطرحوا الحمل عنه وأرسلوه ~~يرعى فتقدم إليه ابن آوى وسلم عليه معرفة وأظهر له التودد وسأله عن خاله ~~وتوجع له مما يقاسيه ويعانيه من جفاء بني آدم والأحمال الثقيلة وأخذ يلومه ~~على الصبر على ذلك وقال إلى متى تبقى على هذا الذل وتقاسي الجوع والعطش ~~وتذوب تحت الحمل الثقيل كما قيل شعر: # ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد # هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثى له أحد # فقال: يا أخي لو لقيت لي ملجأ أو مهربا أو مكانا اختفي فيه كنت أويت إليه ~~وتخلصت من هذا العناء العظيم والشقاء الجسيم فقال له ابن آوى: أنا عرف في ~~هذا القرب أجمة تفرح رياضها وتزهر غياضها وأنا ساكن فيها وهي آمنة من ~~الوحوش والسباع حصينة من الأذى والشور فإذا اقتضى رأيك ذهبت بك إليها فإن ~~أعجبتك سكنتك فيها وكفيت منى من أحسن الجوار ما تحمد عاقبته وتعيش باقي ~~العمر في عيش وحياة هنيئة ويستأنس كل منا بالآخر ومن أين نجد رفيقا مثلك ~~وصاحبا هنيئا نظيرك؟ فلما سمع الحمار هذا اللام أثر فيه ورغب في الخلاص من ~~الشقاء الذي قد آلمه فسلم زمامه إلى ابن آوى وعجلا في المسير لئلا يشعر ~~بهما أحد فصار الحمار يعدو وابن آوى يلاحقه فتعب ابن آوى فعكس المسألة وقال ~~للحمار اصبر يا أخي حتى أحملك وأسير بك لئلا يلحقنا أحد فقال الحمار: أنت ~~ما يمكنك أن تحملني ولكن أنا # PageV01P030 # أحملك وأسرع بك فأجاب إلى ذلك فرجع الحمار إلى ابن آوى فنط ابن آوى عليه ~~فركبه وجعل الحمار يعدو به بنشاط وابن آوى يدله ms015 على الطريق فلما قربا من ~~الأجمة رفع الحمار بصره فرأى الذئب قاعدا على مكان ينتظره فعرف الحمار أن ~~ذلك مكيدة وحيلة فقال: تأتي الخطوب وأنت عنها غافل فاستحضر عقله وعرف أنه ~~غفل عن نفسه فكأنه كان الساعي للهلاك بنفسه والباحث عن حتفه بظلفه وإن أهمل ~~أمره فقد سبق للجناية على تلف روحه وهلاك نفسه. ثم وقف يريد أن يتفكر فقال ~~له ابن آوى: ما لك وقفت؟ أسرع لئلا يدركنا أحد فقال الحمار: يا أخي قطعت ~~علائقي وجئت وما ورائي تبعة ولا علقت وقد عزمت على الرجوع والأخذ في قطع ~~علائقي وحمل ما لي من الأثاث فإني إذا رأيت هذه الروضة وسكنتها لا أقدر على ~~مفارقتها أبدا فتضيع إذ ذاك مصلحتي فقال له ابن آوى: يا أخي لا توخر أو ~~أوقات السرور إلى غد لأن للتأخير آفات، فقال الحمار: لابد من ذلك ولكن أعظم ~~الدواعي للرجوع وصية كان أوصاني بها أبي وكنت لا أفارقها أبدا وإذا جاء ~~الليل وضعتها تحت رأسي وإن لم تكن تحت رأسي لا يحينني نوم ولا يقر لي قرار ~~إن نمت بغيرها وأرى منامات مهولة وتغلب على دماغي السودا وتلك الوصية هي حل ~~القصد فإذا أنا قد حصلتها وجئت بها فما علي من غيرها فإني لا أجد مثل تلك ~~الروضة ولا أحسن من ترهتها ولا ثمارها ولا ريحها ولا رفيقا مثلك صالحا. ثم ~~أخذ في الرجوع فقال ابن آوى: في نفسه إن تركت هذا الحمار يرجع وحده لا يعود ~~لنا ويفوت المقصود وأداه فكره إلى الرجوع معه ولا يفارقه فربما تتم الحيلة ~~معه ثم قال للحمار شوقتني يا أخي إلى رؤيا هذه الوصية ولا بد لي من الوقوف ~~عليها # PageV01P031 # وقد عزمت على الرجوع معك لأراها وأقف عليها ولكن هل تحفظ شيئا منها فقال ~~الحمار: لا أحفظ شيئا منها إلا نصيحة واحدة وهي أن أبي قال لي: إياك أن ~~تفارق هذه الوصية والباقي ليس في خاطري وربما أتذكره فإن وقفت عليه أخبرتك ~~بالباقي ثم مشى قليلا، فقال: تذكرت ms016 نصيحة أخرى، فقال ابن آوى له: أخبرني ~~بها فقال: قال أبي إذا وقعت في شدة فتصور أشد منها تهن عليك وتجدها نعمة ~~بالنسبة إلى غيرها فتشتغل بشكرها، ثم سار قليلا وقال: قد حضرتني الثالثة، ~~فقال ابن آوى: أذكرها لي فقال قال لي أبي: لا تحسب أن الصديق الجاهل خير من ~~العدو العاقل وأعلم أن العدو العاقل خير من الصديق الجاهل، فقال ابن آوى: ~~والله إن هذه النصائح لملاح ثم سار الحمار مسرعا إلى أن وصل إلى محله ورجع ~~ابن آوى إلى محله وهو متعجب من حيلة الحمار عليه وغلبته إياه والعجائب ~~كثيرة فلا تزال النفس تجتهد في أن تؤتي مرادها وتبلغ شهوتها وتنال محبوبها ~~وأن مرادها غاية لا تدرك، وقال صلى الله # PageV01P032 # عليه وسلم: لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب وناهيك بقصة اللصوص الثلاثة، ~~فقال الملك: كيف كانت قصتهم؟ أخبرنا بها. # فقال له مرزبان: إن لصوصا ثلاثة اشتركوا في السرقة وأخذ أموال الناس ~~واستمروا على ذلك مدة من الزمان فلما دنا وقت هلاكهم اتفق أنهم سرقوا ~~صندوقا من الذهب فقبل أن يسموه كانوا جياعا، فقال أحدهم للآخرين لابد من ~~الغدا فأرسلوا واحدا منهم إلى المدينة ليأتيهم بطعام فذهب وافتكر في نفسه ~~كيف يختص بهذا المال، فسولت له نفسه قتل صاحبيه وانفراده بذلك وهما بنفسهما ~~ما همت به نفسه فسولت لهما أنفسهما قتله واقتسامهما المال. أما هو فوضع ~~لهما سما في الطعام وجاءهما به فعند حضوره بهذا الطعام بادراه بالقتل وكانا ~~في استعداد له على ذلك فقتلاه ثم جلسا يأكلان الطعام فلما أكلاه ماتا ~~ولحقاه وبقي المال وحده، وإنما أوردت هذه الحكاية ليعلم كولانا الملك أن ~~الميل إلى هوى النفس لا يفيد إلا الحسرة والندامة والحرمان وإن عاجلا وأعلم ~~أن النفس لا تقنع بالقليل ولا ترضى إلا بالكثير ولا يظن أحد أنه إذا أعطى ~~النفس هواها أنها تشكر له على ذلك وأنها كلما أعطيت شيئا من مطلع بها طلبت ~~أعلى منه كما قال الشاعر: # والنفس راغبة إذ رغبتها ... وإذا ترد ms017 إلى قليل تقنع # وقال الآخر: # وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن حملت طاقت وإلا تسلت # وقال الحكماء: الأمل شبكة الشيطان فاجتهد أن تخلص نفسك من حبائل هذه ~~الشبكة وأعلم أيها الملك أن الدنيا غدارة قليلة الوفاء # PageV01P033 # مهما فرت منك أتعبتك في طلبها وكلما ركنت إليها تخلت عنك وأعلم أيها ~~الملك أن الله تبارك وتعالى جعلك بمنزلة الراعي وجعل الخلائق رعيتك ولابد ~~أن يسأل الراعي عن رعيته، وإذا كان كذلك فيجب على الراعي أن يختار لرعيته ~~أسنى المراعي وأهناها وإن هذه النقود من الذهب والفضة إذا لم تنفق في وجهها ~~وفي مصارفها المحمودة فإنها قطع من جمر نار جهنم كمال قال رب العزة: (إن ~~الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ~~يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما ~~أكثرتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكثرون) . # ثم قال: أيها الملك العظيم اسمع هذه النصيحة وأعمل بها فإنها # PageV01P034 # من ناصح مشفق ولا تغتر بالدنيا وزهرتها فإنك متى ملت إليها أسرتك ولا ~~تخدع بمكرها فإنك متى ركنت إليها كسرتك فلما وعى الملك هذه النصيحة تلقاها ~~بالقبول وقال: هذه هي البغية والمأمول، ثم ركب جواده الميمون وأدرك بنته في ~~قصرها المبقون وأخبرها بما أخبره به أخوه الحكيم من النصح السليم، فقالت له ~~هكذا يكون طالب السعادة الأبدية والكرامات السرمدية إذا ملكه الله تعالى ~~زمام الرعية وساد في الدنيا تيقظ لتحصيل السعادة الكبرى واشتغل بما يرضى ~~عنه المولى وحسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير لا إله غيره ~~ولا خير إلا خيره. # PageV01P035 # فراغ # PageV01P036 ### | الباب الثاني # في ذكر العالم الرابد # والعفريت المشقق الحوافر # PageV01P037 # فراغ # PageV01P038 # قال الحكيم مرزبان: بلغني أن في الزمان المتقدم كانت الجن ظاهرة تتراءى ~~للأنس تظهر لهم الخيالات العجيبة والصور المهولة الغريبة وتضلعهم ضلالا ~~مبينا ولا تحتجب من أحد وتخاطب بني آدم مشافهة. وكان في مملكة بابل شيخ من ~~الزهاد قد اشتهر بين العباد وفاق أهل زمانه بالزهد والصلاح وجعل يدعو الخلق ~~إلى ms018 الله تعالى وإلى طاعته ويرغبهم فيما لديه ويزهدهم في الدنيا وكان نفسه ~~المبارك في السلوك مؤثرا، ففي مدة يسيرة تبعه خلق كثير واجتمع عليه طوائف ~~عديدة وانتشر صيته في الآفاق وصارت الناس تأتي إليه من أطراف البلاد ~~والأقاليم. فاضطرب أمر المردة من الشياطين وأهانهم الناس وبطلت زخارفهم ~~وتمويهاتها وضل في الإضلال سعيهم # PageV01P039 # وتفرقت كلمتهم فاجتمعوا إلى رئيسهم وكان من المردة الكبار والعفاريت ~~الطغاة يقال له العفريت المشقق الحوافر حوافره مثل حوافر البقر وصورته من ~~أقبح الصور. # وشكوا إليه حالهم وأنهم لم يبق لهم على بني آدم سلطنة بواسطة شيخ ناسك ~~فلا وسوستهم تعلق في أفكارهم ولا حيلتهم تنفذ في أسرارهم ولا قوتهم تنفذ في ~~أبدانهم وإن استمر الحال على هذا المنوال لا يبقى لهم في الدنيا مقام ولا ~~بين الناس كلام. فلما وعى العفريت هذه الدعوى وتأمل ما فيها من فحوى اشتعلت ~~شرارة غضبه وتأججت أشواظ لهبه وقال لشياطينه: أمهلوني حتى أفكر في هذه ~~القضية وأكشفها لكم عن شمس جلية فإن الأمور لا تنجح ما لم يتأمل في عواقبها ~~ويشم نتائجها من فوائحها وتحقيق المسائل إنما يؤخذ من عالمها. وكان ذلك ~~العفريت تحت أمره من الشياطين المردة والعفاريت العندة طوائف شتى وعالم لا ~~يحصيهم إلا الذي فطرهم، وكان له من خواصهم ثلاثة وزراء كل منهم من المكر ~~فطرهم، وكان له من خواصهم ثلاثة وزراء كل منهم من المكر والبلية آية وفي ~~الشيطنة والوسوسة غاية فاجتمع بوزرائة وأكابر # PageV01P040 # جنده وأمرائه وأعوانه وكبرائه وشجعانه وأخصائه ثم قال لأكبرهم الذي علمهم ~~السحر وهو المشار إليه في الدعاء والمكر: رأيتك للحكم في هذه القضية ~~والواقعة الرزية فقال: يا مولانا الأمير وصاحب المكر والتدبير أن العقلاء ~~وذوي التجاريب قالوا شيئان لا تقاويهما: السعد في الطالع والروح في الجسد ~~الطائع ولكل أجل كتاب وما دام الأجل باقيا لا ينفع الجهد مع قوة السعد ولا ~~تخرج الروح بالجروح فإذا تم الأجل انتكس السعد وانقلب وفارقت الروح الجسد ~~بلا سبب وإذا كان الأمر كذلك فهذا الرجل الزاهد سعده ms019 عمال وطالعه في غاية ~~الإقبال وكل منهم قد فوقناه إلى بحر هلاكه يعود علينا وكل رمح مكر صوبنا ~~سنان عامله إلى شاكلة طعنة يرجع إلينا فالرأي عندي أن تتربص له الدوائر ~~ولأنهم له احتيال محتال ولا مكر ماكر إلى أن تنقضي مدته وتسقط من طالع سعده ~~قوته فعند ذلك يعود سعدنا ولا يضيع كدنا، فقال العفريت للوزير الثاني: أنت ~~ما تقول وكيف ما ترى في الأمر الذي نحن فيه نجول؟ فقال رأي مولانا الوزير ~~سديد وكل ما أشار به في هذا الأمر حميد ولكن كيف نهمل أمر هذا العدو ونركن ~~مع وجوده إلى قرار وهدوء فإنه وإن كان طالعه في قوة فإنها له زيادة في قوته ~~والتهاون في أمره مساعدة في معاونته وهذه علامة العجز والانكسار ومن أقوى ~~أدلة الانحطاط والصغار، فعندي أن نبذل الجهد في حسم مادتهم وتعاطي كسر ~~شوكتهم وهدم ما يبغون ورفض مما يعنون والأخذ في تمزيق جلدتهم وتفريق شأنهم ~~وكلمتهم وقد قيل: # وتشتت الأعداء في آرائهم ... سبب لجمع خواطر الأحباب # وأيضا: # واللص ليس له دليل سائر ... نحو الذي يبغي كنوم الحارس # PageV01P041 # والأصل في هذا كله حسم مادتهم بإهلاك شيخهم ما قدرنا على إهلاكه بتشتيت ~~شملهم وتبديد جلهم وقلهم فقال العفريت للوزير الثالث: قل أيها المارد ما لك ~~من التدبير في هذا الأمر الخطير وما تقول فيه وتشير؟ فقال: لاشك أن الطباع ~~مائة إلى كل ما تسمعه وما يلقى إلى النفس لابد من أن يؤثر موقعه وما أشار ~~به الوزيران نعم المشيران لا يخلو من فوائد ولا يعدو من عوائد فإني أعلم ~~أنه أثر في الخواطر كما يؤثر في الرياض السحب المواطر وبالجملة فللكلام ~~تأثير في النفس يظهر أثره في الحس ولهذا ترى رقيق الشعر وجليل العبارة يشجع ~~الجبان وينخي اللئيم وينشط الكسلان، وهذه قضية تحتاج إلى روية وتدبر وإمعان ~~خصوصا بالنظر والتعمق في الفكر. والذي يظهر عندي وأقوله إن التعرض لهذا ~~الرجل الدين الداعي إلى طريق الحق ليس بمحمود فإنه على الحق ومن أراد أن ~~يبطل ms020 الحق فإن ضرره عليه يعود، ولقد بلغني أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح ~~تعرض له جماعة من فساقهم فقتلوه بغرض، فقتل بسببه سبعمائة لف وكل من كان ~~لله فإن الله # PageV01P042 # معه ومن تصدى لمن كان الله معه عاقبته وخيمة وجنابته على نفسه ذميمة ~~وأيضا إذا قتل هذا الرجل فلا شك أن تلامذته ومريديه يقيمون من يخلفه وإذا ~~علموا أن ذلك منا تأكدت عداوتنا في قلوبهم فيأخذون حذرهم منا أولا ثم ~~يتحالفون على عداوتنا ومقاتلتنا واستئصالنا لأننا أهلكنا معتقدهم فلا يمكن ~~تدارك هذه الفتنة إلى يوم القيامة. وإذا كان الأمر كذلك فالرأي الصواب في ~~أمر هذا الرجل وجماعته أنه حيث لا يتيسر لنا إضلالهم بالظواهر نأتيهم ~~بالوساوس الشيطانية فنضلهم بها فنزني لهم حب الدنيا ونحسن في قلوبهم الميل ~~إلى شهواتهم والركون إليها ونجلو على بواطنهم عرائس الحرص والطمع وطول ~~الأمل في الدنيا فنطمس أبصار أفكارهم وبصائر حالاتهم، فإذا ذاقت ألسنة ~~عقولهم حلاوة الدنيا وتمكنت في أدمغة سوائدهم الرغبة والميل إليها سلبوا ~~حلاوة الطاعة وزاغوا عن طريق الحق فنتوصل بذلك منهم إلى مقاصدنا حتى يهلكوا ~~أنفسهم بأيديهم ونسلط بعضهم على بعض فيتشاجروا ويتدابروا ويضلوا كما قال ~~الله تعالى: (زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون) فإذا ~~رهم الناس على هذه الحالة رجعوا عنهم وقبضوا أيديهم عن مناصرتهم بل عادوهم ~~وتعاطوا أمر قتالهم وكان بأسهم بينهم كما قال اله تعالى: (ويذهب غيظ قلوبهم ~~فإذا ظهرت قسوتهم كسدت بضاعتهم وفسد سوقهم وأمكننا سوقهم) فاستصوب العفريت ~~هذا الرأي ثم قال الرأي عندي أن اجتمع بهذا الرجل في المحافل العامة ~~الجامعة للناس وألقي عليه السؤالات عن حقائق الأشياء وأسرار العلوم الغوامض ~~فإذا عجز سعوا في هلاكه فيكفونا شره وأمره وهذا قبل الوسوسة وإلقاء الشيطنة ~~واليلبسة. ثم إن العفريت قال لوزير رابع: # PageV01P043 # ما ترى أنت في هذا الأمر؟ فقال: حيث تردد أمركم بين آراء مختلفة فأستوثق ~~بأحدها دون الآخر ليس من قضايا العقل فإنه يصير ترجيحها بلا مرجح ووجه ~~المرجح محجوب قال تعالى: ms021 (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا ~~شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) وكم قضية يتصورها الفكر صوابا ~~وهي خطأ وبالعكس، وهذا له دليل من المحسوس وهو قضية الرجل المضيق وولده ~~الأحول فقال العفريت: أخبرني بهذه القضية كيف كانت؟ فقال الوزير: كان في ~~بعض الأحيان رجل في مكان كريم الشمائل محبوب الخصائل سخي النفس يحب قرى ~~الضيفان ويتصدى لإكرام الصادر والوارد من البلدان فنزل به في بعض الأيام ~~رجل عزيز من أصحابه فبالغ في إكرامه وأحضر إليه ما أحضر من طيب طعامه فلما ~~رفع السماط ووضع للبسط البساط قال المضيف لضيفه: إن عندي قارورة واحدة من ~~الشراب المعتق كنت ادخرتها لمثلك ولم يكن عندي غيرها فإن أردت إحضارها ~~أحضرناها وتعاطينا الراح لطلب الانشراح كما قيل: # PageV01P044 # وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام # فأجاب الضيف إلى ذلك فقال المضيف لولده: وكان أحول يا بني ادخل المكان ~~الفلاني فإن فيه قارورة فجيء بها فدخل الولد فتراءى في عينيه قارورتان ~~فأيتهما أجيء بها فخجل أبوه لذلك لئلا يتصور ضيفه أنه أخفى الأخرى منه ~~وينسبه إلى الخسة واللؤم فقال: يا ولدي اكسر الواحدة وجيء بالأخرى فأخذ عصا ~~ودخل فضرب إحدى ما كان تراءى في عينيه من القارورتين فلم يجد غيرها فخرج ~~إلى أبيه وقال: يا أبت امتثلت أمرك وكسرت إحدى القارورتين ولا أدري الأخرى ~~أين ذهبت، فقال: يا بني إن الخلل كان من عينيك. وإنما أوردت هذه الحكاية ~~لتعلم أن العين هي أقوى طرق العلم في الإدراك للمحسوس وإذا أخطأت في بعض ما ~~تراه فكيف يكون حال عين المفكر المحجوب بأنواع الحجب وتصرفها إنما هو في ~~المعاني المعقولة دون المحسوسة. فعلى هذا ينبغي أن تتأملوا في هذه الحوادث ~~وتنظروا في عقبى هذه الأمور ثم تشرعوا في تعاطيها والشروع فيها بعد إمعان ~~النظر وإجادة الفكر. وأعلم أيها الرئيس النفيس أن الله تعالى لم يخلق في ~~جميع مخلوقاته أعز جوهرا من بني آدم وأن الله عز وجل اختصهم ms022 بسرعة الإدراك ~~وحدة النظر ورباهم مثل ما تربى الدابة الطفل وهو أشفق بهم وأرحم من الوالدة ~~بولدها، وقد وكل بحفظهم ملائكة حفظة واختصهم بأنواع العلم والأفكار الدقيقة ~~وغامض الأسرار وأن علمنا بالنسبة إلى علمهم كعلم تعبير الفلاح الجاهل ~~بالنسبة إلى علم المعبر، فقال العفريت: وما هو ذلك الفلاح وكيف كانت ~~واقعته؟ # فقال الوزير: ذكروا أن فلاحا رأى في منامه بأنه خرج من ذكره مفتاح فأصبح ~~فجاء إلى المعبر فقال: أعطني دينارا لأعبر لك هذا المنام فإنه منام جيد ~~فأعطاه دينارا فقال له: يولد لك ولد ذكر جميل # PageV01P045 # ويحصل لك على وجهه فتوح، وكان كذلك فإن زوجته كانت حاملا ثم من بعد مدة ~~حصل للفلاح وجع في رجله فجاء إلى المعبر وكان يدعي علم الطب فعرض ذلك عليه ~~فقال: أعطني دينارا أعالجك فأعطاه دينارا، فقال له ضع عليه ضمادا من عجة ~~بيض مخلوط بعسل ويكون ذلك حارا ففعل فسكنت رجله فافتكر الفلاح يوما في ذلك ~~وقال لقد علمت علم التعبير وعلم الطب فباع أسباب الفلاحة وآلاتها واشترى له ~~كتابين وبعض أوراق ولف على رأسه عمامة كبيرة وبسط له بساطا في بعض الأسواق ~~وجمع له بعض العقاقير وأشار إلى أنه معبر وطبيب، فاتفق أن بعض الطواشية رأى ~~مناما فقصد الفلاح على أن يعبره له فلما قصة عليه قال: أعطني دينارا حتى ~~أعبره فأعطاه، فقال: أبشر فإنه يولد لك ولد ذكر فضحك الطواشي وقال لا تسخر ~~بي عبر لي هذا المنام كما ينبغي فقال: لا أقول إلا حقا فإنه بعد ثلاثة أيام ~~يولد لك ولد ذكر فقال: أنا طواشي وهذا مني محال وأنا رجل بي ألم ووجع في ~~رأسي فقال: إن كان بك ألم فأعطني دينارا آخر حتى أعالجك # PageV01P046 # فأعطاه دينارا آخر، فقال: ضمد رجليك بعجة بيض مخلوطة بعسل فإن ألمك يزول ~~فازداد الطواشي غضبا وعلم أن ذلك الرجل جاهل فأدبه كما ينبغي وطرده بعد ~~أشحاره فرجع إلى ما كان عليه من فلاحة. # وإنما أوردت هذه الحكاية لأنبه على أننا إن اشتغلنا بمباحث ms023 الآدميين في ~~العلوم ومناظرتهم في دقائق الأسرار ربما افتضحنا معهم وسمحت المسألة وعادت ~~على واضعها بالنقص. قال العفريت: نعم ما قلت أيها الوزير وإن الله خلقنا من ~~النار والنار طبعها الإحراق والتعدي والظلم والإهلاك والجهل والأخذ من ~~المستحق من غير نظر إلى استحقاقه وخلقهم من التراب وطبعه التدبير والسكون ~~والحلم والعدل والحكم وهم مع هذه الأوصاف لو خرجوا عن دائرة العدل ولو قدما ~~واحدا لتحكمنا فيهم كيف ما نختار ولعبنا بهم كما يلعب بالكرة الصغار، فنحن ~~إذا خرجنا عن دائرة حدنا وتعدينا في ظلمنا وجورنا لم نأمن من غائلة سوء ~~فعلنا، ونحن إن عجزنا عن مقاومتهم في الظاهر فلا ترتفع أيدينا عن أنواع ~~الكيد في الباطن وقالت الحكماء وهل التجربة: إذا عجز الشخص عن غريمه وضعف ~~عن مقاومة خصمه فلا يستعين في ذلك إلا بمقاومته الحيل وأنواع الفكر المصيب ~~ويستعين في ذلك بأهل النجدة والقوة ما استطاع ولو كانوا من أعدائه فإذا سلط ~~بعض الأعداء على بعض ربما استراح ونال مقصوده وهذا يحتاج إلى فكر دقيق وعقل ~~جليل وثيق كما فعلت الفأرة من الحيل حين عجزت عن مقاومة الثعبان، فقال ~~الوزير: ينعم مولانا بكيفية الواقعة فقال العفريت: سمعت أن بعض الأغنيا ~~وأرباب الثروة من الدنيا كان له حاصل يجمع فيه المغلات وكان في ذلك الحاصل ~~فأرة وقد اتخذت لها وطنا نزها ومكانا متسعا له منفذ إلى بستان كأنه قطعة من ~~جنة آدم فكانت # PageV01P047 # تأخذ ما يقوم بكفايتها من مغل ذلك الحاصل وتدخره صيفا وشتاء وإذا أرادت ~~التنزه خرجت من منفذها إلى البستان فتبخترت فيه وعادت إلى وكرها فكان عيشها ~~هنيا وأمرها رضيا ومضى على ذلك برهة من الزمان فاتفق أن في بعض الأيام خرجت ~~للتنزه فمر بمسكنها ثعبان عظيم فنظر مكان نزها ومسكنا حصنا معمورا بأنواع ~~الأطعمة محفوفا بالحفظ من جميع الجوانب فدخل إليه واستوطنه فلما رجعت ~~الفأرة إلى مكانها رأت الثعبان فيه فأسرعت إلى أمها وشكت إليها حالها، ~~فقالت لها أمها: لقد ظلمك ظلما يفوق الحدود، وتعدى عليك فيما ms024 أنت فيه ~~وأخرجك من وطنك بغير حق ولا تتوهمي أنك تقاومين الثعبان أبدا فاطلبي لك ~~مسكنا غيره فالأرض واسعة فلما آيست الفأرة من ذلك شرعت في أعمال الحيلة في ~~إخراجه فراقبت الفرصة إلى أن خرج الثعبان في قائلة الحر ونام تحت وردة في ~~ظل ظليل فتوجهت الفأرة يمينا وشمالا فوجدت البستاني قد سقى البستان ونام في ~~ظل شجرة وهو تعبان فوثبت # PageV01P048 # عليه وعلى وجهه فوثب قائما فاختفى في مكان فلم ير أحدا فنام فأمهلته حتى ~~غرق في نومه ودخلت تحت قميصه وجعلت تعبث فنهض قائما وانتفض فسقطت وهربت ~~فرجع ونام فأمهلته ثم صعدت على وجهه وأدخلت ذنبها في أنفه فوثب مستشيطا ~~فرآها وهربت منه بعيدا فأخذ يمر ويتبعها فهربت مطمعة للفلاح فيها فتبعها ~~وهي أمامه حتى أتت إلى الثعبان فحين رأى الثعبان نسي الفأرة وقتل الثعبان ~~فرجعت الفأرة إلى حجرها آمنة مطمئنة وإنما أوردت هذه الحكاية ليعلم أن من ~~له عدو قوي لا يقدر على مقاومته ينبغي أن يستعمل في رفع أذاه عنه العقل ~~الراجح والفكر المصيب الناجح فإذا ساعده في ذلك قضاء وقدر فلا شك أن أموره ~~تنجح. وأفكاره تنتج وتصلح وهذا إذا كان الضعيف مظلوما والظالم قويا كالفأرة ~~مع الثعبان أما إذا كان الضعيف ظالما والمظلوم قويا كحاكم مع الزاهد ~~البابلي فإنه مظلوم معكم، فإنه على الحق سالك مسلك الصدق وأنتم له ظالمون ~~وعن الحق خارجون فهذا مشكل فأنى يرجى لكم النصر عليه وكيف ترون الوصول في ~~تنفيذ الغرض لديه لا سيما إذا كان الله سبحانه وتعالى معه وأنا أخاف أن هذه ~~القضية لا يحصل منها بعد العناء والتعب غير الفضيحة والخيبة ويصير أمرنا ~~كأمر امرأة الضيف الذي أراد ستر عورة امرأته فوقع منها ما هو أشنع منه، ~~فقال العفريت: وكيف كانت تلك الحكاية؟ فقال العفريت: ذكروا أن بعض الناس ~~كان له صاحب محترم، فنزل به في بعض الأيام ضيف وكان المضيف فقير جدا فما ~~وسعه إلا أن يتلقى صاحبه بالبشاشة والإكرام وكان ذلك في فصل الشتاء والبرد ms025 ~~فسجروا التنور يتدفون وجلست معهم زوجة المضيف وذلك بعد أن هيئوا ما أمكن ~~إحضاره فلما فرغوا من الطعام اجتمعوا على رأس التنور وهيئوا ما أمكن وجلسوا ~~يتدفون وجلست زوجة # PageV01P049 # المضيف بينهم وجلس كل منهم على جانب من جوانب التنور وكان في سراويل زوجة ~~المضيف قطع ملاقي فرجها فجعل الضيف يتأمل ما رآه ويسارق بالنظر فلمح ذلك ~~صاحب البيت فأراد أن ينبه زوجته بأدنى إشارة فأخذ عودا وجعل يلعب به إلى أن ~~وصل طرفه تحت شق السروايل فأحرقها فانزعجت لذلك فأرادت أن تستر نفسها فضرطت ~~فزادت فضيحة العين فضيحة الأذن ولم يحصل من هذا الأمر إلا الخجالة، وإنما ~~أوردت هذه الحكاية لتتيقظوا في عواقب أموركم، فإن أردتم مجادلة هذا الرجل ~~الصالح الزاهد والبحث في العلم فأعلموا أنه رجل كامل في العلم وما بلغ هذه ~~المرتبة وفاق أقرانه وأهل زمانه إلا ببراعته في كل الفنون ووقوفه على كليات ~~القضايا ودقائق الأسرار. وأما أنتم فما لكم دأب إلا المكر والحيلة ولا يؤخذ ~~عنكم إلا الخداع والحيل والمكر وهو على طريق الحق والحق واحد وأنتم في ~~الطرق متخالفون قال الله تعالى: (وإن # PageV01P050 # هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله وهو قد ~~أحكم ما هو عليه وأنتم عن طريقه غافلون وعن علومه ذاهلون) وقال بعض أهل ~~الفضل: ما ناظرت ذا فنون إلا وغلبته وما ناظرني ذو فن إلا وغلبني وأنا أخشى ~~إن ناظرت هذا الرجل أن تفتضح معه ولا تحصل معه على طائل ويظهر فضله وقصورك. ~~فقال الوزير: نعم ما قال مولانا الرئيس وأنا أيضا أخشى من ذلك وتصير هذه ~~الواقعة كواقعة بزرجمهر الحكيم وزير خسرو مع مخدوم كسرى فقال العفريت: ~~أخبرني بتلك الحادثة. # فقال الوزير بلغني أن بزرجمهر الحكيم كان فريد وقته في الطب والحكمة وكان ~~مقربا عند مخدومه كسرى وكان كل يوم يجيء إلى الخدمة قبل أن يطلع الفجر فيجد ~~مخدومه نائما فيفزعه من نومه ويقول له ما معناه تيقظ لتظفر بمطلوبك فإن ~~التبكير أنجح وكان كسرى يجد لهذا ms026 الإزعاج ألما لما كان يطيل السهر في اللهو ~~ولا ينام إلا وقد مضى من الليل جانب عظيم ومقدار جسيم فلا شك أنه يتأخر في ~~النوم إلى الصباح، فلما طال ذلك من الوزير أرصد له جماعة من الخدم في طريقه ~~ليأخذوا قماشه وهو مبكر في وقت الغلسة إلى القيام بخدمة مخدومه فرجع إلى ~~بيته ولبس ثيابا غيرها فتأخر عن ميعاده إلى وقت الضحوة ورجع فوجد مخدومه ~~منتصبا في ديوان الحكم فقال له: ما بال الوزير جاء اليوم متأخرا على خلاف ~~عادته، فقال إن اللصوص قد قبضوا علي ونزعوا ثيابي فلزم من ذلك أن رجعت ~~ولبست ثيابا غيرها فوقع التأخير مني بسبب ذلك، فقال له كسرى: الآن ظهر عكس ~~ما كنت تقوله من أن التبكير سبب للنجاح وحصول المقصود وما أراد في تبكيرك ~~إلا حصل لك النقص والخسران، فقال له إن اللص بكر إلى مقصوده قبلي فحصل له ~~الظفر بمقصود فظهرت نتيجة كلامي ولم أبكر # PageV01P051 # بالنسبة إليه فحصل لي ما حصل، فاستحسن كسرى جوابه وعجب من سرعة بديهته. # وهذه حكاية أوردتها ليعلم أن كسرى وإن كان فاضلا وبارعا في العلوم لكن ~~الوزير بزرجمهر كان أحسن محاضرة وأسرع منه جوابا وأحكم بديهة ومع هذا كله ~~فإنه غلبه في المناظرة وسلم إليه كسرى ذلك وإن كان هو السلطان والحاكم، ~~وهذا الرجل أعني الشيخ البابلي كذلك فكيف يقدر الشخص على مجادلته ومباحثته. ~~فعند ذلك استشاط العفريت غضبا وقال: لقد عظمتم من شأن هذا الآدمي ووضعتم من ~~شأننا وأنا ما قلت لكم ما تقدم من القول إلا لأخبر ما عندكم واستبدي رأيكم ~~ونحن أعظم حيلة وأسرع مكرا وأقدم وجودا وأغزر علما وأكثر عددا وأوفر عدة ~~وما أرى لكم همة صادقة ولا انبعاثا تاما ثم أقبل على الوزير الأول وقال له: ~~أجل قداح فكرك وحقق ما تفعله فإن رأيك أمتن ورأيك # PageV01P052 # أرضى فقال الوزير: يا مولانا نحن إلى الآن ما بارزنا طائفة الأنس ~~بالعداوة وإنما كنا نخادعهم ونظهر لهم الباطل بصورة الحق وهذا الرجل قد ظهر ~~فيهم ms027 وعلا شأنه ونحن الآن مسالموه وهم تارة يوافقوننا وتارة يخالفوننا فأنا ~~أخشى إن تصدين لمبارزة هذا الرجل الصالح وتعرضنا لمنع هذا الدين المسلك ~~تتحقق العداوة بيننا وبينه ثم لا يظفر بالمقصود ولا يفيدنا ذلك إلا الندامة ~~وبعد أن ينتصر علينا ونغلب معه يستمر علينا هذا العار إلى يوم القيامة وقد ~~قيل: # لا تسع في الأمر حتى تستعد له ... سعي بلا عدة قوس بلا وتر # فقال العفريت: أنا إلى الآن لم أبارزه ولم أناظره ولقد قذف في قلوبكم ~~رعبه وجبنتم عن مناظرته وتخلفتم عن مقاومته وما وقفتم على مقدار علمه ولا ~~على عدد جنوده، وأما أنا فلا بد لي من مناظرته ومجادلته وأعلموا أن الوادي ~~الذي ماؤه يجري إلى جهة لو أبقي على حاله مائة سنة لا ينقلب إلى الجهة ~~الأخرى اللهم إلا أن يصرف من رأس الوادي إلى جهة أخرى ولا يحكم الشخص على ~~شيء حتى يراه ويختبره، ونحن أن تصدينا لدفع هذا الأمر ومبارزة هذا الرجل ~~ربما نظفر به وننال مقصودنا منه ونصل إلى غرض ما وهذا شيء قد وقر في خاطري ~~ولابد لي منه. فلما رأى الوزير أن العفريت قد رسخ في نفسه الخبيثة هذا ~~الخيال الفاسد وتقرر في خاطره أمسك عنه لئلا ينسب إلى خيانة فيصيب منه ~~نكاية وحسن له هذا الرأي واستقر الأمر على مراسلة الزاهد بما يقتضيه رأيه ~~وكان في شياطينه المردة عفريت من الجن قد أضل عقائد كثير من الناس واشتهر ~~بين أبناء جنسه بشدة عداوة بني آدم وإفساد أمورهم وإلقاء كثير منهم بشؤم ~~وسوسته وحيل شيطنته وبلبسته في قفار المعاصي وبحار الزلل وغمسهم بعد ذلك في ~~نار السعير والعذاب الأليم # PageV01P053 # فتوجه هذا العفريت إلى سفح الجبل الذي فيه ذلك الزاهد وأرسله إليه يقول ~~له إن من قديم الزمان وبعيد الحدثان كنت أضللت كثيرا من الناس وكانوا قد ~~صاروا تبعي ومريدي وأنت فتنت العالم وصيرتهم أعدائي من بني آدم وأنا مقتدى ~~الشياطين ورأس العفاريت المتمردين ورجوم النجوم إنما أعدت من أجلي وقوله ~~تعالى فاتبعه ms028 شهاب ثاقب نزلت في شأني وأن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ~~طراز خلعتي ثم إنك قد جئت في هذا الزمان وظهرت في هذا المكان تريد تهدم ما ~~بنيته وتعود بصلاحك ما بفسادي سوية وأنا كنت في قديم الزمان ناديت بني آدم ~~جميعا وسيرتهم لي سميعا ومطيعا بشعر خذه وأشهره بين ذويه لتعيه: # كلوا واشربوا وازنوا ولوطوا وقامروا ... ألا واسرقوا سرا وخوضوا الدما ~~جهرا # ولا تتركوا شيئا من الفسق مهملا ... مصيركم عندي إلى الجنة الحمرا # وأنت جئت بزخرفتك ووسوستك وخرافاتك وناموسك الباطل تريد أن تبدد عني ~~عساكري وتفرق جموعي بمخالفة أموري وأوامري، وهاأنا قد جئت إليك ونزلت ~~كالقضاء المبرم عليك اريد أن أناظرك في أنواع العلوم وأسألك عن حقائق ~~المنطوق والمفهوم بمحضر من الجن والأنس وسائر ما في الوجود من أنواع ~~الحيوان والجنس فيظهر إذ ذاك جهلك فيتبدد قومك وأهلك ويتركك مقتدوك وينفك ~~عن حضرتك مريدوك وافسد بين العالم صيتك وأتلفه فاجعل بيننا وبينك موعدا لا ~~تخلفه. فلما وصل رسول العفريت إلى الشيخ العابد والناسك الصالح الزاهد ~~فبمجرد ما نظر إليه ووقع نظر الزاهد عليه كاد أن يذوب كالأملاح ونفذ في ~~فؤاده # PageV01P054 # من الشيخ سهام الطاعة والصلاح فبهت الذي كفر وغلبت عليه الدهشة والصغر ~~وخاف فما أبدى ولا أعاد ولا قام لإصلاح ذلك الفساد، فقال الشيخ: ويلك ما لك ~~وما حلك واحتيالك؟ وما سبب دخولك علي وأنت غير منسوب إلي، فقال له الرسول: ~~أنا رسول محبك العفريت المشقوق الحوافر الواسع المناخر قد أقبل إليك في جمع ~~كبير وعدد من الجن غزير ومعه روس العفاريت والغثاة المصاليت وقد حملني إليك ~~رسالة تتضمن الشجاعة والبسالة إن شئت أديها وأن أبيت رددتها، فقال: قل ما ~~تريد وابلغ ما معك عن ذلك البعيد فابلغ الرسالة وأداها وأسال في أوديتها ~~مؤداها، فقال الزاهد: والله ما شبهته في هذا الكيد إلا بالحمار في الوحل ~~والحمام في شبكة الحمام والوجل، قل لمرسلك أرى قدمك أراق دمك كان الله أراد ~~دماركم وأن يمحو من أرضه آثاركم ويخرب دياركم ويريح البلاد ms029 من فسادكم ~~والعباد من عنادكم، أما أنا فأفقر الخلق وأحقر الداعين إلى الحق ولكن بعون ~~الله وقدرته والهام الحق والصدق لقوته لي من العلم والفضل وما من الفيوضات ~~الإلهية أجنيه ما يقتله في جوفه وجنيه فمتى أراد يحضر ليبارز خصمه ويخبر ~~ويحضر معه من يريد من كل جني عنيد وشيطان مريد وعفريت هديد، فليحضر فإن ~~الحق يحق ويبطل الباطل ويتميز الحال الطيب من الحال البطال العاطل وأنا لفي ~~عدة عديدة ومدة مديدة ألا ترى هذه منجنيقات التوحيد منصوبة ورعادات الأذكار ~~ممدودة، وصواعق التسبيح معدودة وسلاسل الفيوضات الإلهية متواردة ممدودة ~~وأنا لفي عدة لأمثاله وأي عدة وفي حصون منيعة لأمثاله مردة وحولنا الأبطال ~~تحرسنا من القتال فأخبره لينشط لهلاكه وإتلافه في إحراكه وليروا جنودا لا ~~قبل لهم بها ولنخرجنهم أذلة منها. فرد الجواب الرسول وكشف له عن حقيقة ~~القول ثم إن # PageV01P055 # العفريت سأل الرسول عن أوضاع الشيخ الزاهد وأحواله التي رآه عليها في ~~المساجد والمشاهد وما عاينه من أموره وحركاته في سيره ومروره، فقال: رأيت ~~إنسانا مباركا زاهدا صائما للفضول تاركا كلامه صادع وأمره ناجع ما حاد عن ~~مشروعه في أمر ذهابه ورجوعه كثير الذكر والفكر مسائل العبرة في الذكر يقوم ~~الليل إلا قليلا ويرتل القرآن تيرتيلا يعرف الحق فيأتيه ويحث على فعله ~~أتباعه ومريديه كأنه نبي أو رسول أو طود راسخ عن الحق لا يحول. # فلما سمع العفريت ذلك ندم على مناوشته ولكن قال الشروع ملزم والبداءة ~~توجب التكلم ثم إنهم حضروا وأحضروا معهم الجان والعفاريت وأحضروا الأكابر ~~من الآدميين والعلما واشترطوا على الزاهد أنه إن غلبه العفريت في سؤاله ~~وعجز الزاهد عن جوابه يهلك العفريت جماعته وإن أجاب الشيخ سؤال العفريت لا ~~يظهر بعد ذلك اليوم لبني آدم بل يسكنون الخرب من البلاد والجزائر وتحت ~~الأرض ويتشتتون في نواحي الدنيا. ثم شرع العفريت في السؤال، فقال السؤال ~~الأول: العالم كم قسما وخالق العالم من هو وهل هو متعدد أو واحد فقال ~~الزاهد: العالم ثلاثة أقسام: الأول، مفردات العناصر كالتراب ms030 والماء والهواء ~~والنار والثاني، الأجرام العلوية كالسموات السبع وما فيها من النجوم ~~والكواكب وهذه الأجرام بعضها متحرك من وجه ساكن من وجه، الثالث العقول ~~والنفوس الملكية ومقامها في أعلى عليين وحصول هذه شيء لا يوصف بالحركة ~~والسكون ولا بالبساطة والتركيب، وأما موجد العالم وخالقه فهو واحد لا يثني ~~أحد لا يتجزأ قديم قادر سميع بصير مريد متكلم حي عالم أزلي لا بداية له ~~ابدي لا نهاية له إلى آخر أوصاف الربوبية وما يتعلق بها من الصفات اللائقة ~~بها # PageV01P056 # الكمالية السؤال الثاني، الإنسان مخلوق مماذا؟ وعلى من يطلق لفظ ~~الإنسانية والآدمية وأنفس الآدمي كم هي ومآل النفس إلى أين؟ فقال الزاهد: ~~الإنسان مخلوق من العناصر الأربعة المشار إليها وهي التراب والماء والهواء ~~والنار ومن الأمزجة الثمانية مفردة ومركبة على سبيل الاعتدال، والإنسانية ~~عبارة عن القوة المميزة بين الصحيح والفاسد والرائج والكاسد والحق والباطل ~~والحسن والقبيح العاطل والخير والشر والنفع والضر، والمميز لهذه الأشياء، ~~يقال له النفس الناطقة والأنفس ثلاثة ويعبر عنها تارة بالروح وتارة بالقلب ~~وكل نوع من هذه الأنفس قائم بعضو من الأعضاء مستمد من شيء من الأشياء، ~~الأول الروح الطبيعية قائمة بالكبد واستمدادها من الأغذية، الثاني الروح ~~الحيوانية وقيامها بالقلب وفيه حركة البدن واستمدادها من حركة الأفلاك، ~~الثالث الروح النفسانية وفعالها من الدماغ ومنها الحركات الذهنية كالأفكار ~~وما يتولد منها وذاك يترقى بالأرواح إلى عالم الغيب لأجل الثواب والعقاب، ~~السؤال الثالث، قال العفريت: أخبرني عن كيفية وضع العناصر الأربعة فقال ~~الزاهد: بحسب الخفة والثقل واللطافة والكثافة، فالتراب أثقلها فهو أسفل ~~الكل وفوقه الماء لأنه أخف منه وفوق الماء الهواء لأنه أخف منهما وفوق ~~الهواء النار لأنه أخف منهما جميعا فعنصر الماء محيط بالتراب وعنصر الهواء ~~محيط بالماء والتراب محيط بالماء والنار محيطة بالكل. السؤال الرابع، قال ~~العفريت: أخبرني عن أقرب الأشياء وعن أبعد الأشياء وما الشيء الذي يمكن ~~عوده وما الشيء المستحيل وما الشيء الذي لا يمكن تحصيله بالاكتساب وما ~~الشيء الذي لا يمكن ضبطه وما الشيء الذي لا ms031 يمكن الإحاطة به؟ فقال الزاهد: ~~أقرب الأشياء الأجل وأبعد الأشياء ما لم يقم والشيء الذي يمكن عوده النعمة ~~والشيء الذي لا يمكن عوده ويستحيل # PageV01P057 # الشباب والشيء الذي لا يمكن تحصيله الاكتساب بالعقل والشيء الذي لا يمكن ~~ضبطه الدنيا إذا أدبرت، والشيء الذي لا يمكن الإحاطة به عظمة صانع الكائنات ~~تعالى وتقدس. # ثم أقبل المساء فتفرقوا فلما أصبح الصباح اجتمعوا للسؤال الخامس، فقال ~~العفريت: ما فائدة العقل؟ فقال الزاهد: الإرشاد إلى سبيل الحق والخلاص من ~~ورطة المهالك والإغناء عن حلول الفقر. السؤال السادس، قال العفريت: فمن ~~العاقل وعلى من يطلق من جنس آدم هذا الاسم؟ فقال الزاهد: العاقل من يتحمل ~~إذا أضيم ويعفو إذا قدر ويحلم إذا غضب ويتهون أمور الدنيا ولا يغفل عن ~~الأخرى. السؤال السابع، قال العفريت: ما الفائدة في حب الدنيا والرغبة فيها ~~ولأي معنى غلب الحرص على بنيها؟ فقال الزاهد: لأجل انتظام هذا العالم ~~ومداومته إلى الأجل الذي أجله وقدره في الأزل خالقه وإلا لاختل نظامه وبطلت ~~أمور المعاش، وببطلان أمور المعاش تبطل أمور المعاد، فقال العفريت: أخبرني ~~عن جوهرية الملك والجن والأنس، فقال الزاهد: جوهر الملك من العقل المحض ~~وجوهر الجان من الحرص والغضب والشهوة والصفات الذميمة، وجوهر الإنسان مركب ~~من جوهري الملك والجان ولهذا من غلب عقله شهوته كان أفضل من الملك ومن غلبت ~~شهوته عقله كان أخس من الكلاب ويقول يوم القيامة يا ليتني كنت ترابا. قال ~~الراوي: فلما انتهى إلى هذا المقام أمسك العفريت عن الكلام وظهر فضل الزاهد ~~ثم من ذلك الوقت تفرقت الشياطين واختفت عن أعين الناس ولم يظهروا إلى يومنا ~~هذا والله أعلم. # PageV01P058 ### | الباب الثالث # في ذكر الثعلبين المدعو # أحدهما بالرئيس # والآخر بالعادل # PageV01P059 # فراغ # PageV01P060 # قال الحكيم بلغني: أنه كان في بعض الغياض أسد عظيم في خدمته ثعلبان يدعى ~~أحدهما بالرئيس والآخر بالعادل ملازمان منادمته، وله دب وزير بينه وبين ~~الثعلبين عداوة وكان هو أقربهما من حضرة الملك. # PageV01P061 # فحاقهما المكر السيئ فكان يتوقع لهما عثرة يتوصل بها إلى إفساد صورتهما. ~~ففي ms032 بعض الأيام كان الثعلبان ينادمان الملك فغلب عليه النعاس فخرج منه ريح ~~سمعاها واستيقظ هو لها فتناوم ليعرف ما يصدر منهما فلم يتمالك الرئيس أن ~~ضحك فقال له العادل: مم تضحك أما علمت أن الضحك بلا سبب من قلة الأدب وأن ~~الملوك تحترم مجالسهم غابوا أو حضروا، ناموا أو استيقظوا، وقد قيل: رفع قلم ~~العتاب عن النايم والسكران والمجنون والصبي وعذر النائم أوضح من عذر ~~الباقين فإن النوم أخو الموت، ولقد قال صاحب الأخلاق: لا يعيب الشخص على ~~أحد عيبا هو فيه، وإذا صدر من الملوك منقصة فلا تغد منقبة، ويجب على جلساء ~~الملوك أن لا ينظروا من الملوك إلا المحاسن، وقد قيل في المثل من جالس ~~الملوك بغير أدب فقد خاطر بنفسه وأوجب لها التعب. فقال الرئيس: اللسان إذا ~~ظهر من الكذب، والعرض إذا نقي من العيب والنفس إذا زكيت عن الجهل يصلح لها ~~أن تضحك على كل أحد، وأنا إذا اتصفت بهذه # PageV01P062 # الأوصاف فلا علي إذا ضحكت على غيري. قال العادل: يعرف الجاهل بثلاث ~~علامات أولها، أن يرى نفسه عاريا عن العيوب ثانيها، أن يرى نفسه أنه أعلم ~~من غيره ثالثها، أن يغتر بعلمه ويتصور أنه انتهى في ذلك إلى أعلى المراتب، ~~وقالت الحكماء: إذا رأيت نفسك طاهرا من دنس العيوب وطالبا عيوب غيرك فأعلم ~~أنك غارق في العيوب ومتدنس بأوساخ المساوئ وأعلم أنك لا تشم رائحة الفضل ~~الموجب للتقدم ما دمت ترى لنفسك مقدارا، ولكن كن في تفقد عيوبك حريصا لتفقد ~~عدوك. قال الرئيس: لقد صدقت ونصحت فجزاك الله عني خيرا وقد وقع الخطأ على ~~سبيل الغفلة وقد خرج هذا الأمر مني على سبيل السهو وهو كالسهم إذا له رد ~~وكيف يدر الحالب اللبن، ولكن الذنب غير المستمد المار لا يستحق صاحبه ~~العقوبة ولا الدمار وإنما أنا أحمد الله من أجل أنك رفيقي وصاحبي ونصيحتي ~~وأرجو منك أن لا تفض ختام هذه الهفوة عني، فقد قالت الحكماء: السر لا يستقر ~~إلا في صدر محب وأنت محب وشفوق. ms033 فقال العادل: من علامات الجهل شيئان أحدهما ~~أن أحدهما أن تقرض مالك ثم تتقاضاه بالعنف، والثاني أن تودع سرك لمن يحتاج ~~أن تتضرع إليه وتحلفه أن يكتمه ولا يبديه وقد قيل: # وإذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق # وقالت الحكماء لا تستودع أحدا سرك فإن كتمان السر ثقيل يتولد منه هم وعيا ~~وإفشاؤه هلاك وبلا وقد قيل: # كل سر جاوز الاثنين شاع ... وكل علم ليس في القرطاس ضاع # والمراد بالاثنين الشفتين وناهيك بقصة الحرامي مع البرغوث # PageV01P063 # فقال الرئيس: أخبرني بتلك الحكاية قال العادل: زعموا أن لصا كان ماهرا في ~~صنعة السرقة وكان كثيرا ما يقع في خاطره أنه ينقب خزانة الملك ويأخذ منها ~~الذخائر ويطلب لذلك ممن يفشي إليه سره ذلك وهو يخاف من إفشائه، إلى أن زاد ~~عليه الخاطر ولم يتمالك كتمانه وعجز عنه فوجد في ثيابه برغوثا فقال في ~~نفسه: هذا البرغوث قد أكل من حمي وشرب من دمي وهو حيوان ضعيف ولا لسان له ~~يفشي السر به، ثم أدنى رأسه إلى البرغوث وهو في يده وقال: أعلم أيها ~~البرغوث أني أريد أن أدخل دار الملك وآخذ مما تصل إليه يدي من الذخائر ~~والدراهم والدنانير وأنا الآن مودعك هذا السر فلا تفشه عني. ثم أطلق ~~البرغوث في ثيابه وقصد إلى دار الملك فلما دخلها اختبأ تحت الملك حتى يجد ~~فرصة فيأخذ ما يريد فخرج البرغوث من ثيابه وقصد الملك فقرصه فأقلقه، فطلب ~~النور ونظر في ثيابه فوجد البرغوث فأراد القبض عليه ففر ونزل تحت السرير ~~ففتشوا عليه فوجدوا الحرامي فقبضوا عليه وفعلوا معه ما يجب فعله كما قيل: # مشى برجليه عمدا نحو مصرعه ... ليقضي الله أمرا كان مفعولا # وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن السر لا يؤمن عليه الحيوان بل ولا الجماد ~~فضلا عمن يكون فيه أدنى ناطقيه أو يسمى باسم إنسان. فلما انقضت هذه ~~المحاورة وكان الأسد قد استوفاها من # PageV01P064 # أولها إلى آخرها وقد امتلأ غضبا فوثب مغضبا وأمر بالقبض على الرئيس ms034 ~~وإيداعه في السجن، ففعلوا به ما أمر به الملك من القبض عليه وإيداعه في ~~السجن، فتنكد عيش رفيقه العادل وتوجه إليه وأغلظ له القول ولكن كان الأمر ~~قد خرج من يده فقال الرئيس: كل هذه الأمور بقضاء الله تعالى وقدره وفي ~~الجملة إذا كان السعد مقبلا فكل حركة له تصدر عن الشخص فإنها سعيدة وإذا ~~أدبر فلا يكاد يصيب العاقل واللبيب فضلا عن غيره وهذه عادة الزمان مع ~~أبنائه وقد قيل شعر: # ومن ذا الذي ما غره صرف دهره ... فأضحكه يوما ولم يبكه سنه # وأنا كنت غافلا عن هذه النكت ماشيا على ما كنت أعهده من نفسي وعودني به ~~الزمان فصادفني مثل حكاية الهدهد والرجل الصالح. # قال العادل: كيف كانت تلك الحكاية؟ قال الرئيس: ذكروا أن رجلا من الصلحاء ~~كان قد علمه الله تعالى لسان الطير وكان له هدهد يدعي صحبته فرآه في بعض ~~الأيام جالسا على رأس حائط فقال له: يا صاحبي هذا المكان كثير العاهات ~~فانتقل إلى مكان # PageV01P065 # آخر، قال الهدهد: قد علمت ذلك ولكن سبب جلوسي هنا أني رأيت صبيا قد نصب ~~لي فخا يريد أن يوقعني فيه فأنا أتفرج عليه وأسخر من كونه يسعى في أمر باطل ~~ويضيع وقته في ما لا يتحصل منه على طائل، فمضى الصالح في حاجته ورجع فرأى ~~الهدهد ي يد الصبي فقال له: كأنك وقعت له في الفخ طوعا أردت أن تنظر هل له ~~من الاقتدار عليك نوعا فإنك كنت حريصا على أن لا تقع في مكايد هذا الصبي ~~ورأيت أنه لا يحصل له إلا التعب والعي ولو لم يكن ذلك فأنت ترى الماء تحت ~~الأرض أفلا تنظر حبل الفخ؟ فقال له الهدهد: ذلك لا يمنع من إنفاذ القضاء ~~والقدر إذا جاء القضا عمي البصر. فاشترى ذلك الرجل الصالح الهدهد من الصبي ~~وأطلقه وحرره وأعتقه. # وإنما أوردت هذا المثل ليقل عني توبيخك وتقريعك وتتعاطى أسباب خلاصي من ~~هذه القضية ولو بان يكون مسكني بعدها في البرية وذلك بحسن تدبيرك على ما ms035 ~~تقتضيه سابق الصحبة وقديم المودة وما أعهده عنك من طيب الأعراق ومكارم ~~الأخلاق وسابق الصحبة وقديم المودة والمحبة وما أعهده عنك من وفور الشفقة ~~وحسن الوفاء والقيام بحق الإخاء وقد قيل: # دعوى الأخاء على الرخاء كثيرة ... بل في الشدائد تعرف الأخوان # وأنا أسألك بالله وسالف حقوق المودة والصداقة أن تكف عني توبيخك فقد ~~آلمني أكثر مما أنا فيه، فرق له العادل وقال: حبا وكرامة ولو لم تقل لي ذلك ~~لما كان يسعني التخلص عن خلاصك وإنما قلت لك ما قلت من شدة ما نابني من ~~الحرق والأرق وقد قبل أربعة أشياء فرض في شريعة المودة وطريق الأخوة الأول ~~المشاركة في هموم الأخوان ونوازلهم، الثاني إذا أخطأ أحدهم يردونه إلى # PageV01P066 # طريق الصواب بألطف وجد وأسن إشارة ولا يتركونه على الخطأ، الثالث إذا صدر ~~من أحدهم جفا يتداركونه بالوفا ولا يتركون الوفاء القديم الجفاء الحادث، ~~الرابع عدم المؤاخذة وأنا إن لم أبذل مجهودي في إنقاذك بكل ما تصل إليه يدي ~~وإلا فلا فائدة في صحبتي، فإني والله لأبذلن المجهود في ذلك وهاأنا متوجه ~~إلى الملك فانظر ما يصدر منه ثم أتم الأمور على ما يقتضيه ذلك. # ثم توجه العادل إلى الملك فوجد الدب عنده وهو يريد أن يكلمه في أمر ~~الرئيس فإنه قد وجد للظفر فرصة يريد أن ينتهزها فإنه عدو قديم فأراد أن ~~يتكلم ثم أفتكر أنه ربما يعاكسه الدب فتنخرم أموره فأمسك عن الكلام ثم بدا ~~له أنه ربما يفتح الدب الكلام بطبيعة العداوة فيرسخ في قلب الملك فلأتمكن ~~إزالته ويعسر رده ويتعذر إزالته من خاطر الملك كما قيل شعر: # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا # فبادر العادل بالكلام وافتتحه بالدعاء على العادة في استعطاف الملوك ~~الكرام ثم قال: إن من عادات الملوك العظام العفو عن الجرائم لا سيما إذا ~~كان وقوعها على سبيل السهو والخطأ وصدرت من المعروف صدقهم وإخلاصهم. # ومن ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط # وكان مملوك مولانا الملك الرئيس ms036 معترفا بتقصيره متوقعا من مولانا الملك ~~عفوه ومراحمه وإسبال ذيل الشفقة والحنو عليه ووجبت الشفاعة فيه على الملوك ~~السابقة والأخوة وقديم الصداقة. فلما سمع الأسد ذلك علم أن قصد العادل جميل ~~وهو يريد سوق الأجر وإثبات الحسنات في صحائفه وانتشار صفاته بالجود والعفو # PageV01P067 # بين الأقران فما رد عليه جوابا وأطرق، فلما رأى الدب إطراقه وسكوته قال ~~إن الملوك سكوتها رضاها وحيث سكت أتت الفرصة فانتدب للجواب واستعد للخطاب ~~فقال: أعلم يا عادل أن من أخفى خيانة الخائن واستخف بزلة الجاني واعتذر منه ~~فهو شريكه في الذنب خصوصا إذا كان صادرا في حق ملك من الملوك ويقدر المجني ~~عليه على الجاني. قال العادل: يا مولانا الوزير كلنا محل الخطأ والتقصير. # ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرد نبلا أن تعد معايبه # وإن لم يشفع الشخص في الجاني فالمحسن لا يحتاج إلى شفاعة ومن لم يأخذ بيد ~~العاثر لم يجد ليده آخذا إذا عثر وأحسن ما يكون العفو من القادر على ~~المؤاخذة وهم الملوك وأحسن ما تتصف به الملوك من الصفات الجميلة والخطأ ~~الذي يصدر من الشخص أربعة أقسام: زلة وتقصير وخيانة ومكروه، فجزاء الزلة ~~العقاب وجزاء التقصير الملامة والتوبيخ وجزاء الخيانة العقوبة، وإيصال ~~المكروه جزاؤه إيصال مكروه مثله، والذنب الصادر من الرئيس إنما هو زلة وقد ~~استوفى جزاءه وزيادة والملك أدام الله تعزيزه له أن يعاقب على الذنب اليسير ~~ويعفو عن الذنب الكبير ولا يؤخر عنده العفو والخير والفضل ومكارم الشيم ~~أولى من أن يؤثر عنه القصاص والعقوبة فإن ذلك أليق بحشمة الملك. فلما سمع ~~الدب منه هذا الكلام قال: من شرط ناموس السياسة إقامة حرمة الملك وأن لا ~~يسامح طوائف بل يستوفي الملك القصاص منهم ولا يأمن إليهم، فإنه لا يصدر ~~منهم خير منهم من عزل عن منصبه بغير سبب ومنهم من يصادف أعداء الملك ومنهم ~~من يرى له مسرة في مضرة الملك ولا يبالي بذلك ومنهم من يطلب على خدمته ~~مكافأة، فإن لم يحصل مطلوبه تغير خاطره ومنهم ms037 من يتعرض لسخط الملك ومنهم من ~~يهتك حرمته # PageV01P068 # ومنهم من يفشي سره ومنهم من يخون في الحريم، ولا شك أن الرئيس قد ارتكب ~~بعض هذه الخصال وهو متصف بباقيها وهذا يدل على دناءة أصله ولؤم طبعه. قال ~~العادل: لا تقل هذا يا مولانا الوزير فإن الرئيس خادم قديم وعبد مخلص ونديم ~~ظريف لم نعلم عليه ما يسوءه من صدق ولايته ولا أطلع أحد منهم على سهوه ~~والخطأ شيء من تفوه نادرة في حق الملك فحلم مولانا الملك لا يقتضي طرح هذه ~~الأوصاف كلها لأجل هذه النادرة المنفردة وقد حصل له من الكسر ما لا يجبره ~~إلا عفو الملك ومراحمه وإلا فلا جابر لكسره أبدا، وأنا ما قمت في مقام ~~الشفاعة إلا لقوله تعالى: (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع ~~شفاعة سيئة لكن له كفل منها) ، وأنا أسأل صدقات الوزير أن يكون شريكا لي في ~~الأجر والثواب وأن لا تقع منه مخالفة في ذلك فإن كريم الطبع لا يصدر منه ~~إلا الكرائم التي تليق بطبعه واللئيم إذا أراد أن يتعاطى شيئا من مكارم ~~الأخلاق المحمودة لا تساعده طباعه كما قيل: # كلما رام التخلق جاذبته ... فعاله إلى الطبع القديم # وقال آخر: # الناس على دين ملوكهم ... وتأبى الطباع على الناقل # وحيث كان مولانا الملك مجبولا على الشفعة الكاملة والمراحم الشاملة فكلنا ~~يجب علينا أن نتشبث بتلك الخصال فإن العبد من طيبة مولاه وإن الله لا يضيع ~~أجر من أحسن عملا، فالتجم الدب بهذه المغالطة ولم يرد جوابا فقال الأسد: ~~حتى انظر في الأمر فتفرقوا من المجلس فتوجه العادل إلى الرئيس وهو في الحبس ~~وأخبره # PageV01P069 # بصورة ما وقع وقال له: أبشر فإني رأيت لخلاصك أثرا قويا في بشرة الملك ~~فشكر الرئيس للعادل جميل مساعدته وقال الرئيس للعادل: كنت أود أن تؤخر ~~الكلام في أمري فإن الطالع قد أدبر والسعد في هبوط وطالع الخصم في قوة أما ~~سمعت قصة الحكيم بزرجمهر في مخدومه كسرى، قال العادل أخبرني بها. # قال الرئيس: ذكروا ms038 أن كسرى انوشروان أراد النزهة يوما فدعا وزيره الحكيم ~~بزرجمهر وجلس معه على جانب حوض يتنادمان وكان في الحوض طائفة من البط وكان ~~كسرى يلعب بخاتمه وفيه فص ثمين فسقط من يده فابتلعته بطة وهو غافل عن ذلك، ~~كل ذلك وبزرجمهر لم يشاهد هذه الأمور فلما دخل كسرى إلى الحريم افتقد خاتمه ~~فلم يجده فدعا الحكيم بزرجمهر ليسأله عن ذلك وعرف بزرجمهر ما قد دعاه إليه ~~فنظر في الطالع فرآه غير مستقيم فخاف أنه إن تكلم في هذا الأمر بما رآه ~~عاكسه الطالع فربما يذبح ذلك الطير كله وربما لم يجد الخاتم وأن عين طائرا ~~بعينه # PageV01P070 # فربما يكون الخاتم في غيره فينسب إلى الجهل فلم يزد عن السكوت لما سأله ~~عن ذلك. # واستمر كسرى على الطلب والاهتمام بشأن الخاتم فلما استقام الطالع وزال ~~عنه الوبال توجه بزرجمهر إلى خدمة مخدومه وأخبره بما كان من وبال الطالع ~~فأحضروا الطير كله وقبضوا على واحدة وذبحوها فوجدوا الخاتم في جوفها ولم ~~يحتاجوا إلى ذبح غيرها وذلك لقوة الطالع وإقبال السعد. وإنما أوردت هذا ~~المثل لمراقبة الطالع ولم أورده اعتراضا على ما فعلت، فإني أعرف أن مقاصدك ~~جميلة فقال العادل: الأمر كما قلت وإنما بادرت بذلك خوفا من حاسد يسيق ~~بكلام يستقر في خاطر الملك فتعسر إزالته ولئلا أنسب إلى تقصير وتوان ومع ~~هذا إن الله هو المدبر ومقاليد الأمور بيده ولم يخطر ببالي أن أقواني في ~~هذه القضية لحظة واحدة وأني مباكره فناظر ما يصدره منه. ثم إن العادل باكر ~~إلى خدمة الأسد فوجد الدب قد سبقه وهو يريد أن يفتح الكلام فبادر العادل ~~وقاطع عليه ودعا للملك ثم قال: يا ملك إن المواعيد الوفية والأخلاق المرضية ~~تقدمت في حق عبده القديم الرئيس بالنظر في أمره ولم يبق إلا المراحم وإجراء ~~عبيده القدما على ما كانوا عليه من سالف حالتهم المرضية خصوصا المخلصين من ~~خاص الندما كما دعوتهم المكارم البهية والصدقات السنية. # ولازال يتكلم بمثل هذا الكلام حتى لان قلب الأسد وظهر للدب ms039 ذلك فاشتعل ~~غيظا وخرج عن دائرة الاعتدال وقال: كل من ستر على أعداء الملك فهو شريكهم ~~في الخيانة ومن يشفع في الجاني فهو الجاني وما أظنك أيها النديم والخادم ~~القديم إلا منقصا لهيبة الملك وانتهاك حرمته، فعند ذلك هم الأسد على الدب ~~وقال: لم تزل إلا ظالما من قديم الزمان إلى هذا الأوان وأنت ترقب مراحم # PageV01P071 # الأكابر لتنسلط على أحبائهم بظلمك وتوقعهم في الأثام وإن السلاطين لم تزل ~~تغضب وترضى وتسبل ذيل إحسانهم على هفوات أصحابهم وأصدقائهم ويطلبون أجر ~~مخدومهم وثبوت الأجر والثواب في صحائفهم، وكلامك أيها الوزير يلوح على ~~صفحات وجهك منه خيالات الغش ومنازلة الفتن وإن كان العادل هذا مساعدا في ~~أمر الرئيس فذلك هو الذي يجب عليه لأنه صاحبه القديم ولو تخلى عنه من قبل ~~هذه الورطة نسب إلى عدم المروءة وقلة الدين وقد راعى ما يجب عيه من وجوه ~~عديدة: أولا قام يجب عليه لأخيه وصاحبه من شروط الأخوة، ثانيا قصد إثبات ~~الحسنات في صحائفي، ثالثا تحرى ما يوجب رضائي وانشراح صدري ويزيل غيظي، ~~رابعا باعدني عن الوقوع في الإثم فربما تعديب الحد في عقابه، خامسا طلب ~~اشتهار اسمي بالفضل دون العدل، سادسا اشهر نفسه بحسن الوفاء وحفظ العهد، ~~سابعا غرس في قلوب الأماثل محبته، وأما أنا فقد تحققت أن الرئيس قد ندم على ~~ما وقع منه ورجع واعترف بذنبه ويكفيه خجلته عقوبة ولا يليق بحشمي إلا العفو ~~ومكارم الشيم وهذا الذي ورثته من # PageV01P072 # أكابر أسلافي. فندم الوزير على ما وقع منه وعلم أنه فرط ووقع مع صاحبه في ~~ورطة فلا حاجة قضى ولا صديقا أبقى. فلما علم أن الأسد عفا تفكر في تدارك ما ~~وقع منه وما هفا فلم ير أوفق من السعي بينه وبين الرئيس، وكان للدب صاحب ~~أرنب يدعى مبارك الميلاد فعرض عليه القضية فلامه على ما كان منه وقال: يا ~~أخي أما علمت أن الملوك يمال على هواهم ويطلب رضاهم وهل تحققت أن الملك طرح ~~جانب الرئيس قطعا حتى أنه لا يقبل ms040 عليه أصلا هيهات إذا لم يعرف الكبير ~~مقدار خدمة عبده ووفائه وحسن عهده، فما فائدة خدمته خصوصا هذا الملك الجليل ~~الذي نحن في خدمته هذه فنكون في عقب هذا الأمر مثل التاجر البلخي في أمر ~~زوجته. # قال الدب أخبرني كيف كانت الحكاية؟ قال مبارك الميلاد ذكروا أنه كان في ~~بلخ تاجر كثير المال عريض التجارة فاتفق أنه تراجعت عنه الدنيا وصار كلما ~~قصد شيئا خسر فيه إلى أن نفد ما عنده فلم ير لنفسه إلا التغرب والبعد عن ~~وطنه إلى أن يقضي الله ما يختار، فقصد بلاد المغرب وأقام بها مدة ففتح الله ~~تعالى عليه # PageV01P073 # بمال جزيل ثم اشتاق إلى وطنه فجاء إلى بلخ فلما وصل إلى البلد تخفى ودخل ~~البلد لينظر ما حدث في غيبته فجاء إلى داره وصعد إلى السطح من طريق كان ~~يعرفها فنظر من الكوة فرأى زوجته قد عانقت شابا جميلا وهما نائمان على ~~السرير فأخذته الحمية وقصد قتلهما ثم تفكر في نفسه وقال: إن مدة غيبتي ~~طويلة وقد تكون المرأة فسخت عقد نكاحي وتزوجت بهذا الرجل حلالا فالتأمل في ~~هذا الأمر والفحص عنه أولى، ثم نزل وأتى إلى جارة له في صبيحة تلك الليلة ~~فطرق عليها الباب فخرجت له فقال لها إني رجل تاجر كنت أتردد على صاحب هذه ~~الدار مدة بعيدة فأخبريني ما حاله، فقال إنه سافر من مدة مديدة ولم نعرف له ~~خبرا وإن زوجته لما طالت الغيبة عليها توجهت إلى القاضي وشكت إليه طول غيبة ~~زوجها وأنها لا تعرف أهو حي أم ميت ولم يأتها جواب منه ولا خبر عنه فطلقها ~~عنه وأمرها بتزوج غيره، فظهر للتاجر البلخي أن الأمر على ما ظنه وأنه لو ~~قتلهما لكان ذنبهما بعنقه فحمد الله تعالى وأثنى عليه بمحامده إذ ألهمه ~~التثبت ف الأمر، وإنما أوردت لك هذا المثل لتعرف فائدة التأمل في العواقب ~~فقال الدب: دعنا يا أخي يا مبارك من هذا الكلام وخذ بنا في تدارك هذه ~~القضية قبل أن يخرج تداركها من أيدينا ms041 فنندم حيث لا ينفع الندم. لأنهم ~~قالوا إذا لم تتدارك زلة القدم ندمت حيث لا ينفعك الندم، فقال مبارك: عندي ~~من يتدارك أسباب الصلح والسعي ويفعل لك ما فيه الرشد وينفي عنك ما يوقع في ~~الغي وخلص لك الرئيس ويأخذ لك في المصافاة باطنا وظاهرا بحيث ترتفع ~~الكدورات من الاثنين أصلا فإن شاطرتني على هذه الشروط كما ذكرت فأنا أتعاطى ~~أسباب التدارك في هذه القضية وإن أبقيت في نفسك شيئا من نقص فلا يفيدنا ذلك ~~شيئا بل ربما وقعنا في بلية ولا تنتج أمورنا ولا تنجح # PageV01P074 # آراؤنا، فوافقه الدب على ذلك وعاهده وصفا باطنه وصدق في مودته وألقى زمام ~~تدبير الأمور إليه وعول في هذه المهمة عليه وذلك بعد الإيمان الأكيدة ~~والعهود الوثيقة الشديدة أنه أزال ما في باطنه من الكدورات أصلا ولم يبق ~~لها في قلبه مكانا ولا محلا. # فتوجه مبارك الميلاد إلى منزل العادل وذكر له ما جرى بينه وبين الدب ~~وأخبره أن المكارم لا تكون إلا من الكرام وأن انتهاز الفرصة في وقت الذلة ~~سيما اللئام وأن السعي لإزالة الحقد محموده والمشي في طلب صفاء ذات البين ~~موارده عند الكرام موروده. وأنت أيها العادل من أهل الصلاح وسيمتك الخير ~~والنجاح وأعلم أن لو كانت هذه الزلة في شيمتك صدرت منه لسعيت له لأجل ~~التجاوز عنه وإن كان الرئيس متصفا بصفتك إلا أنه بوجودك معنا لا يخرج عن ~~مشيمتك. فلما سمع منه العادل هذا الكلام اعتدل واستقام ووثب معه وقام ~~وتوجها إلى الرئيس واعتذر له من جهة الوزير وقال له: إن كنت ممن يحب ~~المشاغبة والمتاركة والجزاء على أمثال هذه المشاركة فهذا غير الجبلة ~~والفطرة لأن الوزير ما قام بما قال إلا موافقة مراد مولانا خوف أن يستغشه ~~في الصحة وبعد التبين يتكلم بالمحبة على أن الوزير صرح بأن هذا ما صدر منه ~~إلا في معرض السهو والخطأ وما عني الأذى والإختطا. # PageV01P075 # أقر بالذنب ثم اطلب تجاوزه ... فإن جحود الذنب ذنبان # ومع هذا فهو واقف موقف الندم يرجو ms042 عفو مولانا فيما زلت منه فيه القدم وما ~~زال يتعاطى أسباب الموجبة للصفاء والمودة وتأكيد المحبة والصحبة حتى انعقدت ~~بينهما كما ينبغي وتأكدت كما يجب. # ثم توجه العادل ومبارك الميلاد وصحبته الوزير إلى حضرة املك ووقفوا في ~~مقام الخدمة والشفاعة في الرئيس إلى أن عطفت عليه جوانحه ووقع كلامهم منه ~~في محل القبول فأمر بإحضاره فحضر مكبلا في حديده مغبرا في صعيده ووقفوا به ~~في مقام الخدمة والخجل والإفتقار فقال الملك: أما سمعت يا رئيس قول القائل ~~إياك وما يعتذر منه وقالت الحكما: إذا كان أحد في خدمة الملك فينبغي أن لا ~~يفوه بكلمة حتى يشيرها أولا بميشار الفكر ويقيسها بمقياس العقل ويزنها ~~بميزان الحكمة ويعايرها بمعيار التدبير ثم يعبر عنها بأرشق عبارة وألطف ~~خطاب ولا يتكلم بكلمة تورثه الندامة وتعقبه الملامة كما جرى لرأي ملك الهند ~~مع محذومه فقال الحاضرون: أخبرنا يا ملك الزمان عن كيفية هذه الحكاية. # PageV01P076 # قال الملك: بلغني أن ملك الهند كان في خدمته نديم فاضل ثقيل الرأس خفيف ~~الروح فكان في بعض الليالي في خدمة مخدومه فطلب منه أن يحدثه بأحاديث ~~مختلفة ثم جرى على لسانه أن قال: رأيت في عراق العرب حيوانا في شكل الطير ~~والجمل يأكل الحصا فتذيبه معدته ويبتلع الحديد المحمي قلا يضره فأنكر ~~الحاضرون ذلك وقالوا حيوان من لحم ودم يأكل النار لا يتصور ووافق الملك على ~~ذلك فخجل النديم وتندم على حكاية ذلك وودان لو كان لم يذكر هذا الحديث، ~~ولزم من هذا أنه يتوجه إلى عراق العرب فوصل إلى بغداد وحصل من النعام عدة ~~وتكلف في حملها وإيصالها إلى بلاد الهند وأنفق عليها أموالا عديدة وتحمل ما ~~ادعاه حتى وصل إلى الهند وأخبر الملك بذلك فأحضر ما وصل من النعام بين يديه ~~وطرح الحديد المحمي والحصا أمامها فما تتمالك أن أكلت منه فتعجب الحاضرون ~~من ذلك وصدقوا فقال # PageV01P077 # النديم: يا مولانا الملك أنفقت أموالا كثيرة وقاسيت مشقة عظيمة حتى ظهر ~~صدقي فقال الملك: نعم ما فعلت ولكن كلام يحتاج ms043 قائله إلى إنفاق أموال جسيمة ~~وتحمل مشقة عظيمة وتعب البدن والروح وصرف مدة من العمر لا يتفوه العاقل به. # وإنما أوردت هذه الحكاية ليتأدب جلساء الملوك وندماؤهم لئلا يفعلوا شيئا ~~يحتاجون معه إلى غيرهم أو إلى مكث في الحبس واستعمال جماعة من الأصحاب في ~~السعي إلى تدارك ما يترتب عليه من الخزي والنكال وتحمل منتهم وجميلهم، فقام ~~مبارك الميلاد وقبل الأرض وقال: يا مولانا الملك كل هذا سعادتك وبركة ~~ملاحظتك، وكان سعد الرئيس قد أدبر فانعكس عليه أمره فلما أقبل سعده استقام ~~أمره ونظير هذه الحكاية حكاية الملك كسرى مع غريمه اسد: وكيف كانت تلك ~~الحكاية؟ # قال مبارك الميلاد: خرج على كسرى بعض الملوك وجاهره بالعصيان وابتدر ~~لمحاربته فاستعد كسرى وتوجه لقتاله وتواقعا الحرب فيما بينهما فانكسر ذلك ~~الملك الخارج عليه ونصر كسرى عليه فقبض عليه وتفرقت عساكره كلها وحمل إلى ~~كسرى مغلولا مذلولا فعاتبه ثم من عليه وأعتقه، فلما تفرقت عساكره التمس من ~~كسرى أن يقيم عنده تحت كنفه أياما إلى أن # PageV01P078 # يختار التوجه بنفسه فأنعم له بذلك وأنزله في حديقة يانعة مشتملة على نخيل ~~وأشجار وأزهار وأنوار فالتمس من صدقات كسرى من بين تلك النخيل نخلة يابسة ~~فاستخف كسرى عقله وقال أنا وهبتك هذا البستان برمته قال: لا أريد إلا نخلة ~~يابسة فأنعم له بذلك أيضا وكان كل يوم يجلس تحتها. ومر على هذا مدة إلى أن ~~جاء الأوان فاستأذن كسرى في التوجه إلى مملكته فسأله كسرى عن ذلك فقال: يا ~~مولانا إن طالعي كان قد انعكس وسعدي أدبر وكل حركاتي كانت غير سديدة ولو ~~كنت توجهت قبل ذلك ما انتظم لي أمر ولا صلح لي حال ولا استقام لي رأي فجربت ~~أمري بجلوسي تحت تلك النخلة اليابسة فإني كنت لفقت من أقوال الحكما أن ~~السعد إذا أقبل يصير اليابس أخضر فكنت أجرب ذلك إلى أن رأيت هذه النخلة ~~اليابسة قد اخضرت فعلمت أن السعادة قد أقبلت والنحوس أدبرت والأمور استقامت ~~فعلمت استقامة أمري ونفوذ قهري فرجعت لذلك ms044 وطلبت دستورا إلى من هنالك. # PageV01P079 # وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن استقامة أمورنا إنما هي من سعادة مولانا ~~الملك وقوة سعده ولمن طلعته وطالعه وكما أن الرعية لا يستقيم لها حال إلا ~~بالملك كما قيل شعر: # إذا غدا ملك باللهو مشتغلا ... فاحكم على ملكه بالويل والحزن # كذلك الملك لا يكون ملكا إلا بالرعية والله تعالى قد أحوج الصغير للكبير ~~ليسوس أمره وأحوج الكبير للصغير ليخدمه. ونظير هذه الحكاية حكاية الشبيطر ~~مع العصفور في زمن سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام وعلى نبينا أفضل ~~الصلاة وأتم التسليم فقال الأسد: أخبرنا كيف كانت تلك القضية؟ # فقال مبارك الميلاد: قيل إن سليمان عليه السلام كان يوما في سيرانه فمر ~~على شجرة دلب عليها وكر شبيطر وقد عشش في وكره عصفور وهما يتخاصمان في شأن ~~ذلك فقال الشبيطر للعصفور: اشكر لي ولجواري إذ لولاي ما أبقتك الحية ولا ~~شيئا من فراخك وأنا أحميك شرها وأمنعك ضرها، فقال له العصفور أنت أيضا أشكر ~~لي صنعي إذ لولا أحاطني بك لما أبقى النمل من فراخك شيئا فكل منهما يمن على ~~الآخر بجواره. ثم قال ا؛ دهما للآخر نحن كلنا ندعو لنبي الله سليمان عليه ~~أفضل الصلاة والسلام إذ هو ملك العصر ونحن في أمان به ونحن كذلك نحمد الله ~~تعالى ونشكره ونكثر الدعاء لمولانا الملك بدوام أيامه حيث ملكه الله علينا ~~إذ هو ملك الوحوش الأكابر والأكاسر الضواري للكواسر وشامل بفضله المساكين ~~والأصاغر وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. # PageV01P080 ### | الباب الرابع # في ذكر العنز المحتال # والكلب الزكي # PageV01P081 # فراغ # PageV01P082 # قال الحكيم مرزبان: بلغني أنه كان في ماشية راعي وعنز فحل يستطيل على ~~الماشية ضربا ونطحا وزاد ضرره إلى أن عجز عنه الراعي فأتى به إلى السوق ~~ليبيعه فرآه القصاب فبادر إليه ليشتريه فنظر المحتال فرأى شخصا منكر الصورة ~~بثياب رثة وعمامة دنسة وعلى حزامه سكاكين معلقة قد مد إليه يدا ملطخة ~~بالدما فارتاع منه وارتعش وأدرك منه بالفراسة أن سيهلكه فتحزر منه فاشتراه ~~القصاب ms045 وجذبه إلى المذبح، فلما أدخله فيه رأى شقات اللحم معلقة ورؤوس الغنم ~~مطروحة وجلودها ملأ المكان والدماء سائلة فتحقق ما ظنه، فما توقف القصاب ~~حتى ألقاه إلى الأرض وربط رجليه وأخرج السكين ليذبحه فوجدها كليلة فتوجه ~~لأخذ المسن فلما وجد المحتال الفرصة تمطى في الحبل المربوط به وقطعه وانتصب ~~قائما وخرج من المسلخ هاربا لما رأى من فجعة الموت وطلب مكانا خاليا فأدى ~~به الطريق إلى البستان بجوار بيت القصاب فوجد باب البستان مفتوحا فدخله ~~والقصاب خلفه وبيده السكين مسلولة، وكان بين امرأة القصاب والبستاني عشق ~~وشغف # PageV01P083 # ومخايلات وكانا كلما وجدا فرصة للوصال انتهزاها، فاتفق أن زوجة القصاب ~~كانت قد أتت إلى عشيقها واجتمعت عليه وقد كانت خواطرهم مطمئنة لعلمهم ~~باشتغال القصاب في مصالحه وصناعته ولم يكن له عادة بالدخول إلى بيته في ذلك ~~الوقت قصدا البستان فكانا أمنين على أنفسهما، فأخذ المحتال على مكانهما ~~يجري وكانا إذ ذاك متعانقين والقصاب وراءه فلم يشعر كل منهما إلا وقد رآهما ~~القصاب وبيده السكين مسلولة فلم تشك زوجته وصاحبها في أنه قاصدهما للقتل ~~فنهضا قائمين يدفعان عن أنفسهما واشتغل كل منهما بصاحبه يتقابضان ووقع ~~الصياح واجتمع عليهم الناس واشتغل القصاب بذلك وذهل عن المحتال واستمر يجري ~~هاربا فوجد ثقبا في حائط البستان فخرج منها وقصد الصحرا والتجأ إلى مغارة ~~في جبل هناك كان الراعي يأوي إليه فدخل إليه وأقام إلى الليل منتظرا ما ~~يحدث من الزمان إلى أن # PageV01P084 # أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح فخرج خائفا يترقب ويطلب له أنيسا يأوي إليه ~~فجعل يرعى وهو خائف إذ سمع نباح كلب فقصده فلما رآه وسلم عليه سلام مشتاق ~~ثم قال له: أيها الرفيق الصالح أعلم أن المقادير قد جمعتنا على غير ميعاد ~~وكل غريب للغريب يألف وأنت متفضل على كثير ممن لبس الثياب وركب الفرس وقام ~~وحرس وأنت صالح للصداقة والأخوة والوفاقة وإن كانت الجنسية مختلفة لكن ~~القلوب بحمد الله مؤتلفة وبيننا منك مواثيق ولك علينا منن لحفظك لنا ~~ولراعينا والوثوب على من يقصدنا ms046 بسوء وحراستنا في الليالي إلى الصباح ~~فأخبرني ما اسمك وما شأنك ومن أين مجيئك؟ # فقال الكلب: أما اسمي فزكي وأما شأني فإني كنت أعرى ماشية فأضللناها وأنا ~~أطلبها ومجيئي من بيت صاحبي لأجلها. قال المحتال أنا من حيث رأيت طلعتك ~~رغبت فيك ورأيت أنوار الذكاء تلوح عليك وتفيض حتى نزلت على الأرض وطلبك ~~لصاحبك يدل حسن وفائك وحفظ عهود صاحبك وكمال مروتك وأرجو من الله تعالى أن ~~يعطفك علي لترغب في صحبتي وصداقتي فإني شممت فيك الخير وسررت بملاقاتك ~~وسترى من صحبتي ومودتي وخدمتي ما يسرك ويشبعك ويؤيد رغبتك في موافقتي وتمحو ~~محبة الآدميين من لوح ضميرك، فإنك أذهبت عمرك في خدمتهم والقيام بحقوقهم ~~وحفظ مواثيقهم وأموالهم # PageV01P085 # ودورهم وجيرانهم مع قناعتك منهم بما فضل عنهم من كسرة خبز شعير وعظمة ~~يابسة، وقد أضاعوا حقوقك ونفوا خدمتك وأقاموا حدودك حتى لو مددت فمك إلى ~~زادهم شجوا رأسك بالحجارة والعصا ولو ولغت في أنائهم ما قنعوا في طهارته ~~بغسله مرة أو مرتين بل غسلوه سبع مرات وكمنوه بالتراب، وأنا أرجو أن تكون ~~سلطان وحوش هذه الأماكن والقفار بحيث يكونون كلهم تحت حكمك وترتفع من ~~الحضيض إلى الأوج ومن هوان العبودية إلى عز الحاكمية وأنا أساعدك على ذلك ~~فإن لك علي فضلا وعلى أمثالي بل وعلى أعظم منهم وهذا لا ينكره أحد ونحن معك ~~على مدى الزمان كما قيل: # بقاؤك فينا نعمة الله عندنا ... فنحن بأوفى شكره نستديمها # قال الزكي: إن جميع ما قلته صادر عن محل الصدق وخلوص الطوية ونحن بيننا ~~مودة من قديم الزمان تكاد تصل إلى حد القرابة ولم تزل المحبة بين آبائنا ~~وآبائكم وأجدادنا وأجدادكم وقد قيل الحب يتوارث والبغض يتوارث. أما هذا ~~الأمر الذي خطر ببالك # PageV01P086 # والقصد الذي فكرته أمر عظيم يقصر عنه أكبر منا عمرا وأكثر منا فضلا ومن ~~أين لنا ذلك وكلانا مفلس؟ # قال المحتال: أما سمعت قول القائل: المرء يطير بهمته كالطير يطير ~~بجناحيه: وأنا بعناية الله اجتهد إلى أن تصل إلى هذا القصد كما ms047 تحب ونحب ~~ولي عليك شرط وهو أنك تترك أخلاقك المنفرة للوحوش عنك والحرص وتعف عن أكل ~~لحوم الحيوانات إلى أن تتمكن وتتعاطى أسباب الزهد والصلاح والعفة بحيث ~~تطمئن خواطرهم إليك ويأمنون على أنفسهم وأولادهم وقد بلغت مقصودك ثم بعد ~~ذلك تتعاطاهم بالرفق واللين وحسن السياسة وقد ملكت قلب الصغير والكبير. قال ~~الزكي: يا أخي هذا أمر محال ولا تعلق آمالي بشيء لا ينال وكل من علق آماله ~~بشيء بعيد المنال وطمع في غير مطمع النوال أصابه ما أصاب مالك الحزين. قال ~~المحتال وكيف كان ذلك الأمر؟ # قال الزكي: ذكروا أنه كان في بعض الغياض جانب نهر يأوي إليه مالك الحزين ~~وكان يتقوت من حشائش ذلك المكان فاتفق أنه أقام مدة أيام فلم يتحصل له شيء ~~يتقوت به فتطلب في نواحي الماء فوقع على سمكة صغيرة فلقفها وأراد ابتلاعها ~~فقالت له: يا أخي أعلم أني بنت ملك هذا النهر وليس لأبي غيري وقد قيل في ~~المثل مثل البرغوث ودمه والعصفور ودسمه لا يغني شيئا وأنا لا أقع منك موقعا ~~ولا أسد لك جوعة فإن عاهدتني أحلف لك بالإيمان المغلظة أنك إن أطلقتني يحمل ~~لك أبي الجميل ويلتزم لك كل يوم بعشر سمكات تأتيك هنية من غير تعب ولا ~~مشقة، فلما سمع الطائر ذلك داخله الطمع وغلب عليه السرور إلى أن قال: كيف؟ ~~قلت: فبمجرد ما فتح الطائر فمه بالكاف سقطت السمكة من فيه وذهبت، فلم يحصل ~~له شيء غير الحرمان. # PageV01P087 # وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن الطمع لا يوجد منه سوى وجع الخاطر وتفريق ~~الفكر والحرمان فافتكر يا أخي في عقبي هذا الأمر قبل الشروع فيه، قال ~~المحتال: نعم ولكن إذا ساعدني تقدير الله تعالى فكل شيء شرع الإنسان فيه ~~نتج وتهيأت له أسباب حصوله من غير منة ولا قوة فلا تهتم أنت بهذا الأمر ~~فإني رأيت فيك مخايل ذلك، فقال الزكي: يا أخي كف عن هذا الأمر قبل الشروع ~~فيه فإن كل من طلب زيادة من الكفاف وقع في التعب ms048 وصار مثله مثل الذي يأكل ~~ولا يشبع وأعلم أن لكل جمع تفريقا ولكل صعود هبوطا ولكل زيادة نقصانا وأنا ~~ما رأيت أحسن من القناعة وناهيك مثل صاحب الغنم، قال المحتال: من هو وما ~~قصته؟ # قال الزكي: إن صاحب الغنم التي كنت أحرسها كان له من الغنم ألف رأس فقط ~~وكان عنده من المال ما يقدر بع على ألوف عديدة من الغنم وكل وقت تزداد ~~مواشيه، غير أن صاحبي كان من عادته إذا زادت مواشيه، على ألف تصدق بالزائد ~~ووهبه للفقراء وأخرجه عن ملكه بنوع من أنواع التصرفات الخيرية ولا يزيد على ~~عدد الألف أبدا. فاتفق أن راعيها سأله عن سبب ذلك فقال له أعلم أن أعلى ~~مراتب الأعداد الألف فإذا جاوز الإنسان الأعلى هبط إلى الأدنى وما دام ~~الإنسان قانعا فهو مستريح. # PageV01P088 # وكم رأيت أصحاب الألوف عدموها ولم يبق معهم منها واحد وأنا غنمي هي هي لا ~~تزيد ولا تنقص. وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن القناعة راحة البدن وتخفيف ~~في الحساب وتقليل في الهموم ومع ذلك فجميع أصحابي وأقراني يحسدونني ~~ويبغضونني ويتعاطون أسباب هلاكي والأولى والأليق أنني لا أفعل شيئا يؤدي ~~إلى ذلك قال المحتال ما أحسن ما نظرت وأيمن ما أشرت ولكن كن كما قيل: # إذا هم الفتى بين عينيه عزمه ... ويكسب من ذكر العواقب جانبا # ثم إذا كان قصدك في الأمور جميلا فلا تخش من حاسد ولا تتوقع الأذى من عدو ~~فضلا عن صديق، وإذا كان الله معك فلا تبال بأحد ولا زالت الناس تطلب الترفع ~~على الأقران والمنازل العلية على غيرهم وإذا كانت مقاصد الإنسان سيئة كانت ~~عواقبه وخيمة وحالاته ذميمة ولو نال قصده. وأنا لولا شاهدت فيك الخير ~~وإشاراته ما أشرت عليك ورأي أن تشرع في هذا الأمر متوكلا على الله تعالى، ~~قال الزكي: إذا كان الأمر كذلك فإني فوضت إليك مقاليد هذا الأمر فافعل فيه ~~ما تختار وقدم الاستخارة ولا تتوان وكن ثابت القدم ولا تقصر في السعي ما ~~وصلت القدرة إليه فلعل الله ms049 تعالى يساعد على ذلك، قال المحتال: فإياك أن ~~تتردد في أمر من الأمور أو يخطر ببالك خوف من شيء بل دم على حالة واحدة حتى ~~تتم لك هذه الأمور ولي عليك شروط أقدمها بين يدي الشروع في المقصود فإن ~~اليوم كلامي معك متيسر فإذا عليت مرتبتك وصرت سلطانا فلا يليق التكلم معك ~~إلا على قاعدة الملوك وإذا لم استوف كلامي معك في وقت الحاجة اختل النظام. # قال الزكي: نعم وليت، ولكن أنت مرتبتك عندي علية # PageV01P089 # ومكانتك عندي متميزة سمية وإذا لم يراع الشخص رفيقه في الشدة فلا خير فيه ~~في الرخاء، وإذا كان كذلك فأنا أطلق لك الإذن في الكلام فيما اخترت وكيف ما ~~شئت. قال المحتال: أول شروطي عليك أن لا تقرب المؤذي ولا قول العواني ولا ~~تقربهما إليك ولا تلتفت إلى كلامهما، الثاني لا تعجل في فصل الخصومة حتى ~~يتبين لك حقيقتها ومحقها ومبطلها وكل قضية تكون في عقباها ندامة لا تعلمها ~~بالعجلة، الثالث لا تعود لسانك فحش الكلام وسب الناس فإن ذلك ينفرهم قيل: ~~إن عيسى عليه السلام مر بجيفة وكان مع حواريه فذكر كل منهم قباحتها ونتنها ~~فقال عيسى عليه السلام: ما أشد بياض أسنانها فقيل له في ذلك فقال: لا أعود ~~لساني الفحش، الرابع لا تصغي إلى سماع فاحش الكلام كما لا تعود لسانك قوله ~~ولا تعود سمعك الإصغاء إليه، الخامس التحبب إلى الرعية بكل ما تصل إليه ~~قدرتك، فإن السلطان إنما هو سلطان بالخدمة وكل ملك أحبته رعيته دام سلطانه ~~وأعلم أن العدو القديم لا يأتي منه صديق وبأدنى شيء تفسد صداقته كما أنه ~~بأبعد شيء حصلت مودته لا سيما إذا كان في الوسط حسود أو نمام وناهيك قصة ~~الفأرة مع القط. # قال الزكي كيف كانت تلك القضية؟ قال المحتال ذكروا أن # PageV01P090 # رجلا فقيرا كان في بيته قط قد رباه مثل الولد فكان القط لا يفارق بيت ~~صاحبه ولأجل فقره كان بيته خاليا عما يتقوت به القط فحصل له بسبب ذلك ضعف ~~البدن بحيث ms050 سقطت قواه وعجز عن الصيد وكان في بيته وكر فأرة ولها منفذ إلى ~~بيت جاره وهو رجل سمان وعنده أنواع المأكولات فكانت الفارة تنقل من السمن ~~ومن طيب المأكولات وبواسطة ضعف القط كانت تقوى على الدخول والخروج إلى ~~البيت، فتفكرت الفارة يوما من الأيام في أن القط وإن كان عاجزا عن معاناة ~~الصيد الآن ربما حصلت له قوة في المستقبل لأن الدنيا لا تدوم بحالة واحدة ~~كما قيل: # هي الدنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار من بطشي وفتكي # فلا يغرركم مني ابتسام ... فقولي مضحك والفعل مبكي # فإذا حصل له في نفسه قوة يمنعها من الدخول والخروج ويكون في نفسه حقد لها ~~لما كان يراه من سالف حاله وحالها فأداها فكرها إلى مصادقته في حال ضعفه ~~وتهدي إليه ما يتقوت به فربما يرجع عن غيظه ويفيدها ذلك في المستقبل فحملت ~~من أنواع المأكولات ما قدرت على حمله وجاءت إلى القط وسلمت عليه سلام مشتاق ~~وسألته عن خاطره وقالت: يعز علي أن أرى أبا عروان في هذه الحالة وهنا شيء ~~بالمزيد وقد عزمت على مصادقتك فإن سمح خاطرك الكريم بالرغبة في مصادقتي ~~ورفع العداوة القديمة وتأكيد ذلك بالإيمان التي يطمئن بها الخاطر فأنا أحمل ~~كل يوم إلى حضرتك غداء أو عشاء يكفيك مؤونة التكسب وترجع نفسك إليك، فرغب ~~القط في ذلك وحلف لها وتأكدت بينهما الصداقة وصارت الفأرة كل يوم تنقل إليه ~~ما يكفيه إلى أن نصل من ضعفه وقوى وسمن وانعقدت بينهما الصحبة وتأكدت ~~وانقطع القط إلى # PageV01P091 # محبة الفارة وكان للقط من الأصحاب القدماء ديك فلما رأى الديك انقطاع ~~القط إلى الفأرة داخله الحسد فسعى في فساد ما بين القط والفأرة إلى أن غلبت ~~العداوة القديمة وتحركت دواعي البغض والشيمة فعدى القط على الفارة. وهي ~~آمنة وقتلها وأكلها. # وإنما أوردت هذا المثل لتعلم مواقع الصداقة والعداوة فتضع كلا منهما في ~~محله. قال الزكي: جزاك الله خيرا فلقد بالغت في النصيحة وأبلغت في العبارة. ~~قال المحتال: ولي عليك شرط آخر قال: قل ms051 ما شئت! قال: أريد أن تكون مكانتي ~~عندك علية وحرمتي موفورة وفية بحيث تكون لي كلمة نافذة وهيبة ساطعة وسطوة ~~جامعة وحرمة يانعة من ابتداء اليافعة وأكون مميزا على من دوني من خدمك، فإن ~~حرمة الخادم من حرمة مخدومه وإذا ابتذل المخدوم خادمه وتركه وراء ظهره لا ~~يلتفت إليه أحد ممن هو دونه، والملك إذا ألقى حرمة وزيره احتقرته الرعية ~~وكان مثله مثل بنت الزاغة. قال الزكي: كيف كانت تلك الحكاية؟ # قال المحتال: ذكروا أن زاغة كان لها بنت قد نشأت في غاية الحسن والجمال ~~وكانت أولاد الطير يخطبونها من أمها وكانت أمها تخفيها وتخاف عليها من زوج ~~يتعبها ولا يهنيها فتأبى عليها ولا تزوجها لأجل ذلك، إلى أن خطبها فرخ بومة ~~كان بين أمه وبين الزاغة صداقة قديمة فرغبت فيه لأجل ذلك ثم قالت لبنتها: ~~يا ابنتي # PageV01P092 # إن أولاد ملوك الطير خطبوك وأنا أخشى أن أزوجك لمن لا يعرف مقدارك فلا ~~تستريحي معه وقد خطبك ابن صاحبتي القديمة فلانة البومة وهي تحت أمرك وطوع ~~يدك ومعك كما تحبين، مع أنه ليس في الطير من ينصره علينا ولا يقوم معه إذا ~~أراد أن يظلمنا فإن الطيور جميعها تكرهه فما ترين؟ قالت يا أماه إن الله ~~تعالى يقول: الرجال قوامون على النساء وقال وللرجال عليهن درجة ولقد حفظت ~~شيئا وغابت عنك أشياء ماذا صنعك بزوج ليس له همة ذليل بين الأصحاب هذا ~~يخطفه وهذا ينتفه وهذا ينقره وإذا لم يكن للزوج حرمة عند زوجته وفي بيته ~~وبين أقرانه فأي حرمة تكون لزوجته عنده فضلا عن جيرانها وأصحابها، ومقدار ~~المرأة إنما يعرف من مقدار زوجها وكيف يكون حالي إذا تزوجت بزوج مقل ذليل ~~ورجل مفلس حقير بين أخوتي وصويحباتي وأمثالي سيما وأنا من أبرعهم في الجمال ~~ومن أحسنهم في القد والاعتدال وإذا كان الأمر هكذا فأنا لا أرغب في هذا ~~الأمر. # وإنما أوردت لك هذا المثل لتعلم أنه لو لم يحصل لي إدراك حرمة بارتفاع ~~منزلتي على أقراني واعتبار شأني من بين ms052 إخواني فلا الصديق يرجوني ولا العدو ~~يخافني ويتعدى الوهن مني إلى وهن مخدومي. فقال له الزكي: أبشر بالرتبة ~~العلية والدرجة السنية والكلمة المسموعة والأمر المطاع ولكن أعطيك جميع ما ~~اشترطت علي وأوصيتني به وإلا أكن كما قال الله تعالى: (لم تقولون ما لا ~~تفعلون) وإياك # PageV01P093 # أن تدلني على مظلمة أو توقعني فيما نهيتني عنه أو تقبل الرشا على الحكم ~~لتظلم الرعية وتميل إلى الأغراض الدنيوية ولا تبني أمورك إلا على التقوى ~~فإنها لك قوى، وأعلم أن الأمور إذا أريد بها وجه الله تعالى فإنها تفلح ~~وإذا دخلها هوى النفس والغرض الفاسد فإنها لا تتم أبدا ويصير مثلها كمثل ~~الرجل مع الشجرة، قال المحتال: وكيف كانت تلك القضية؟ # قال الزكي: ذكروا أنه كان في أقصى بلاد الصين شجرة تعبد من دون الله ~~تعالى وقد ضل بها كثير من الناس وكان قد دخلها شيطان يخاطبه الناس من وسطها ~~وكانت في غاية الخضرة والنضارة، فقدم تلك البلاد رجل صالح مسلم فلما رأى ~~الناس وما هم فيه من عبادة الشجرة أخذته غيرة الإسلام فحمل فاسا وتوجه ~~لقلعها فلما وصل إليها وأراد أن يضرب ساقها ناداه الشيطان من وسطها وقال ~~له: يا أيها الرجل الصالح ماذا تريد؟ قال: أريد أن أقطعك وأريح الناس منك ~~ومن ضلالك فإنك لا تضرين ولا تنفعين وقد أضللت كثيرا من الناس فقالت: لا ~~تفعل فإنك رجل فقير وما عليك مني فارجع وأنا أتكفل لك كل يوم بخمسة دنانير ~~تحت فراشك إذا قمت من نومك فخذها وأنفقها وتقوى بها على طاعة فراشك إذا قمت ~~من نومك فخذها وأنفقها وتقوى بها على طاعة الله معبودك، فلما سمع الصالح ~~هذا القول داخله الطمع وانكسرت مروءته ورجع فنام فلما أصبح رأى تحت وسادته ~~خمسة دنانير # PageV01P094 # واستمر على ذلك عدة أيام ثم إنه فقد ذلك ولم يجد شيئا فأخذ الفأس وتوجه ~~إلى الشجرة فلما دنا منها ناداه الشيطان وقال: لم جئت؟ قال: لأقطعك لأنك ~~تعبدين من دون الله قال: ارجع فوالله إن دنوت مني لأقطعن ms053 عنقك بفأسك التي ~~معك، أنت تظن أني لا أضر ولا أنفع فقد رأيت مني المنفعة حيث وجدت الذهب تحت ~~الفرش ورأيت مني المضرة حين منعتك إياه وحرمتك منه وأذهبت حب الله معبودك ~~من قلبك بحب الدنيا الفانية وأتلفتك بضياع سرك فإنك لما جئتني أول مرة كنت ~~خالصا لوجه الله فخشيتك وخفتك وهبتك ولو دمت على حالك الأول ما استطاع أحد ~~ردك، وأما الآن فقد داخلك الهوى وشهوة النفس والأعراض الفاسدة فلا تقدر على ~~نفوذ ما عزمت عليه أصلا. # وإنما أوردت هذا المثل لتعلم فائدة من أراد وجه الله تعالى وكل عمل دليله ~~الغرض الفاسد فلا يقدر أحد على إمضائه ويعقبه الندامة وكل من شرع فيما لا ~~يعنيه أدى به ذلك إلى ما لا يرضيه، كما جرى لزوجة الحريري مع الإسكافي ~~عشيقها. قال المحتال: كيف كانت تلك الحكاية؟ # قال الزكي: ذكروا أنه كان حريري له زوجة تخجل الأقمار في كمالها والشمس ~~قبل زوالها وكان يحبها محبة عظيمة واتفق أنه كان بجواره شاب إسكافي يخجل ~~الغصن بقامته والمسك بشامته وبينه وبين زوجة الحريري ما يكون بين العشاق ~~والخلان، فكان الحريري قد شم روائح ذلك ولغلبة حب المرأة كان يتغافل عن ذلك ~~فرأى يوما مع الصياد طيرا في شكل حسن، فسأله عن أمره فقال: هذا الطائر مع ~~حسن شكله يخبر صاحب البيت عن أفعال زوجته فاشتراه وأتى به إلى منزله فسألته ~~زوجته عن حال الطير فقال لها: # PageV01P095 # احتفظي به وأكرميه فإن من خاصيته أنه مهما رأى في بيت صاحبه أخبره به ثم ~~خرج إلى دكانه بالسوق فدخل الإسكافي فرأى عند عشيقته هذا الطائر الغريب ~~الشكل فقالت له: ذكر زوجي أن له من الخواص كذا فقهقه الإسكافي وقال: صدق من ~~قال إن النساء ناقصات عقل وروادها عن نفسها فقالت: إن الطائر يفتن علينا ~~فاقسم أنه لا يجامعها إلا بحضرته وإذا فرغ يمسح ذكره في رقبته ففعل وكان ~~الطائر جائعا وهو من الجوارح، فلما رأى ذكره تصور أنه قطعة يلحم فنط وأخذه ~~بمنقاره ومخلابه وقبض ms054 عليه قبضة عنيفة وثيقة فاستغاث بالمرأة أن تخلصه فلم ~~تقدر فأشار عليها أن تكشف فرجعها وتدنو من الطائر لربما أنه يطمع فيه فيترك ~~ذكره ليقبض عليه فتخلص بذلك ففعلت فلما رآه الطائر قبض على فرجها أيضا ~~بمخلاب يده الأخرى طمعا في أنه إذا أكل ما في فمه أكل الآخر وشد عليهما شدا ~~وثيقا، فبينما هما كذلك إذ حضر الزوج ودخل عليهما فرآهما على تلك الحالة ~~العجيبة فقبض عليهما وفعل معهما ما يجب فعله عليه من السب والضرب والتشبع. # وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن الإنسان لا ينبغي له أن يسعى # PageV01P096 # في شيء لا حاجة له به ولا يصغي لمن يتكلم في شيء من ذلك، قال المحتال: قد ~~طالت المحاورة ولم يبق إلا الشروع في المقصود وتقديم الاستخارة وتعاطي ~~أسباب ذلك. وكانت هذه المحاورات تحت شجرة فيها وكر حمامة وقد سمعت جميع ما ~~جرى بين الزكي والمحتال من المحاورات والمناظرات فافتكرت في نفسها وعلمت ~~أنه سيصير له شأن عظيم فأداها افتكارها أنها تسارع إلى التقرب منهما فربما ~~تنال مقصودها بسببهما إذا ارتفع شأنهما، فإن محاورتهما صادرة عن معرفة ورأي ~~وتدبير فسارعت إليهما ونزلت كما قيل شعر: # هبطت إليك من المقام الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع # ونزلت وابتدأت وقبلت الأرض بين يدي الزكي ووقفت في مقام الخدمة وابتدأت ~~بالتهنئة والسرور والبشارة والحبور وقالت: قد سمعت مناجاة مولانا الملك ~~وحضرة الوزير وكل ما قالاه صادر عن مشكاة السعادة وموافق مراتب السيادة وقد ~~أحببت أن أكون مساعده فإني خل وافي وخادم كافي وصديق مصافي، فاستبشرا ~~بورودها واقتضى رأيهم إرسالها لدعوة الطيور وامتثالهم بذلك وتطيب خواطرهم ~~وتسكين قلوبهم وتنادي أن الزكي قد صار ملك الوحوش والطيور فليدخلوا تحت ~~طاعته ولهم الأمن والرعاية والأمان والحماية وتصحب منهم جماعة كثيرة لنأخذ ~~لهم العهد والميثاق، فأسرعت الحمامة إلى ذلك ورأت من الطيور والوحوش جماعة ~~كثيرة فسلمت عليهم سلام مشتاق فتلقوها بالترحاب # PageV01P097 # والإكرام ثم سألوها عن موجب قدومها فقالت: الاشتياق وما حدث في عالم ~~الكون وأخبرتهم بمحاسن الزكي والمحتال ms055 وما هما عليه من الفقه والدين وما قد ~~عزما عليه وأن الزكي قد صار ملكهم وحاميا لحوزتهم ونادت فيهم بذلك فأجابوا ~~كلهم بالسمع والطاعة واتباع السنة والجماعة وأخذوا في التوجه إلى خدمة املك ~~وأحضروا الهدايا وتوجهوا مع بعضهم إلى الزكي إلى أن دخلوا عليه وأكرمهم ~~وأجلهم وأعطى كلا منهم منزلته وبالغ في إكرامهم وأعطاهم العهد والميثاق أن ~~لا يظلم أحدا منهم ولا يؤذيهم بغير حق وقرر كلا منهم في وظيفته. # ثم أخذ في استدعاء سائر الوحوش وأرسل الحمامة إليهم فقابلتهم وبغت ~~الرسالة بأوفق عبارة وأرشق إشارة وتشاوروا فيما بينهم وذكروا فضائل الكلاب ~~وخصائصهم وما فيها من صفات فضلت بها على غيرهم من الوحوش واتفقوا أن يسعوا ~~له ويسمعوا كلامه ويطيعوه فقام، من بينهم أرنب مشهور بالذكاء والتمييز ~~فابتدر من بين جماعة الوحوش وقال: أيها الأغمار الخارجون من الديار ~~والعمران كيف يصلح الكلب للرياسة مع ما فيه من الخساسة؟ ولعن الله زمانا ~~صار في الكلب سلطانا، وذكر مساوئ الكلب وخساسته وأوصافه الدنيئة ونجاسته ~~وأوصافه الخسيسة، فتصدت الحمامة للجواب وقالت بأفصح خطاب: إن الأصل والنسب ~~لا يضران بالشخص إذا كان ذا حسب بأن تكون خصائله حميدة وحركاته مفيدة قال ~~الله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا # PageV01P098 # أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) والأصل في استحقاق الملك الهمة العلية ~~والأخلاق الكريمة ومكارم الشيم، وأما الجنسية فغير معتبرة في بيان الهمم ~~العلية، فكلب أصحاب الكهف بحسن الصحبة صار منهم وأضيف إليهم بالذكر معهم ~~قال تعالى: (وثامنهم كلبهم) وناهيك بتفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب ~~وفاؤه بحق صاحبه وحفظه على صديقه ومصاحبه وسهره الليالي وعفافه بالنهار ~~ودوام خضوعه وإدمان خشوعه وأمانته وصيانته، والعاقل من تصفح أحواله وصفاته ~~فإن رأى عيبا أزاله وأقلع عنه وإن رأى خيرا حمد الله وأثنى عليه بما هو ~~أهله، وناهيك بقصة اللص مع المرأة قال الأرنب: أخبرني بذلك؟ قالت الحمامة: ~~ذكروا أنه كان لص مشهور بالسرقة بارع فيها بحيث أن الناس قد عجزوا عنه ~~وأعياهم أمره، ففي بعض الأيام كان مختفيا ms056 يترقب الفرصة ليسرق من بعض ~~الأماكن وإذا بالوالي مار ومعه امرأة خاطئة مسلسلة وهي تنادي وتستغيث وتقول ~~يا أمة محمد أغيثوني أدركوني لا ذنب لي وأي شيء هو فوالله ما سرقت ولا نقبت ~~ولا أخذت مالا من أحد ولا قطعت الطريق ولا أنا لصة، فلما سمع الحرامي هذه ~~المقالة من المرأة نبه وقال أف على صنعة تستنكف من فعلها الزواني وتتبرأ من ~~النسبة إليها القحاب ثم إنه عاهد الله تعالى وتاب لوقته وحسنت توبته. # وإنما أوردت هذا المثل ليعلم أن المقصود ممن حوى مكارم الأخلاق وتخلى عن ~~كثافة الطباع اتباع هذا الملك وليعلم أنه لولا يستحق الرفعة بتخليه عن ~~الرذائل وتحليه بأنواع الفضائل ما رفعه الله تعالى عليكم، وقد اشتهر ذلك ~~عنه # PageV01P099 # وإطاعة سائر الوحوش والطيور فلا يرد الأخير أو أنا، أشر عليكم برأي لكم ~~فيه إصلاح وسداد وهو أن ترسلوا معي قاصدا تختارونه فينظر مصداق ما قررته ~~لكم ثم يأخذ لكم منه عهدا بما يقع عليه الاتفاق، فأعجبهم هذا الرأي وأرسلوا ~~معه ظبيا عاقلا لبيبا وتوجه مع الحمامة فلما قربا من المعسكر سبقت الحمامة ~~وأخبرت بما وقع فتقدم المقدم وقبل الأرض وقال: أسأل صدقات الملك إذا وقع من ~~القاصد سؤال أن أتصدى لجوابه بإجازتكم، فإن الصواب أن يكون في خدمة الملك ~~من يرد الجواب عنه فربما حصل خطأ في الجواب فينسب إليه ذلك الخطأ فإن نسبة ~~الخطأ إلى الخادم أهون من نسبته إلى المخدوم. فاستحسن الملك ذلك وأجاب إليه ~~ثم إنهم تلقوا الظبي بالترحاب فلما وصل إلى حضرة الملك قبل الأرض بين يديه ~~وأدى الرسالة بعد أن قرب من الحضرة وأذن له في جلوسه وخاطبه بما أزال دهشته ~~وأبعد وحشته وأجاب سؤاله وأعطاه عهدا وميثاقا بكل ما سأله لجماعة من الوحوش ~~والغزلان وأن لا يريق لهم دما ولا يهتك لهم حرما وأنهم يرعون حيث شاءوا ~~ويسرحون أينما أرادوا آمنين مطمئنين ثم قال الطير: يا مولانا الملك نحن قوم ~~ضعاف مختلفو الأماكن متباينو الأجناس لم تزل العداوة بيننا قائمة ونار ms057 ~~الفتنة مشتعلة فينا غير نائمة يمزق القوي منا الضعيف ويأكل القادر لحم ~~العاجز بعضنا في الجبال وبعضنا في الغياض وبعضنا تحت الأرض والأوكار كقطيع ~~الغنم مجتمعين واجتماعنا يعسر علينا وحفظنا يشق على الملك ولابد من ترتيب ~~قاعدة وتأسيس أمر يكون فيه اجتماعنا هينا وحفظنا جميعا متيسرا. # PageV01P100 # فتلفت الزكي إلى المحتال وقال: أجب أيها الوزير فقال المحتال: هذا من ~~قصور النظر وعدم التأمل وإلا فالسلطان كالشمس إذا استوت في قبة الفلك عم ~~شعاعها البر والبحر ووصل نورها من المشرق إلى المغرب واستوى فيه الجبال ~~والتلال والوعر والحضيض واملك إذا اشتهر صيت عدله في الأقاليم وسكنت هيبته ~~في القلوب وشمل عدله القاصي والداني وعم فضله الرفيع والوضيع فإنه كالغمام ~~الماطر إذا أرسل ما فيه بلغ نواله العامر والغامر والسهل والوعر، ومتى علمت ~~الرعايا أنكم مشمولون بالمراحم السلطانية وداخلون تحت الطاعة الشريفة ~~والعواطف الملوكية لا يتجرأ أحد على التعرض إليكم، وإذا كانت نية الملك ~~الخير والعدل أبلغ الله تعالى بركة ذلك جميع الآفاق وناهيك بقصة كسرة ~~أنوشروان مع حمار الطحان. قال الطير: كيف كانت تلك القضية؟ # قال المحتال: ذكر المؤرخون أن كسرى اجتهد في إجراء العدل # PageV01P101 # فأداه اجتهاده أن يحصل شيئا يظهر له به أحوال المظلومين من غير توقف على ~~حجاب أو بواب أو أذن أو استئذان لما رأى عدم وصولهم إليه بسبب الحجاب فأداه ~~اجتهاده أن يربط في شرافة قصره حبلا مبروما من الحرير الأبيض إلى أن يصل ~~إلى حلقة الباب البراني الذي يمر به عامة الناس وعلق فيه من الجلاجل ~~والأجراس فإذا حرك الحبل صوتت وأذن بالندا بأن كل من له ظلامة ولا يقدر على ~~الدخول على الملك يحرك ذلك الحبل واشتهر هذا العدل. ففي بعض الأيام كان ~~كسرى راقدا في بيته وإذا بالجلاجل والأجراس تصوت فاستيقظ كسرى وطلب المحرك ~~لها فلم يجدوا إلا حمارا كبيرا مهزولا قد حصل له حكة وهو يحك ذلك الحبل ~~وليس عنده أحد فأحضره وطلب صاحبه فوجده طحانا فسأله عنه وعن أسباب هزاله ~~حتى تبين له ms058 أنه يكلفه من الحمل فوق طاقته ويستعمله في غير مقدرته ويقصر في ~~حقه في العليق فأمر أن تزال ظلومته وأن ينادي أن كل من عنده دابة يفتقدها ~~ولا يقصر في حقها. # وإنما أوردت هذا المثل ليعلم مولانا الملك أن تكون هذه الأمور دائمة غير ~~منقطعة لتعتادها الأخلاق العلية والشمائل السنية والمراحم الملوكية والشيم ~~المرضية فإنها إذا اعتادت بها انتقلت عن درجة التكليف وصارت سجية بكل معنى ~~ظريف كما قال المغني لما دعي إلى عرس جاره قال المحتال: كيف كانت تلك ~~الحكاية؟ # قال الزكي: ذكروا أن شابا قصد التزويج ودعا أصحابه وكان له جار مغني من ~~أحسن الناس غناء فتوجه قاصدا لطلبه حتى يشغل الوقت فلما جاءه القاصد قال: ~~قل لي من أرسلك صاحب العرس أم غيره؟ قال: غيره فامتنع من إتيان الدعوة فقيل ~~له في ذلك فقال إذا كان بأمر صاحب العرس ورغبته كان غنائي مطربا وكلامي # PageV01P102 # مفيدا وسماعي محركا وإن كان ذلك بغير رغبته ورضاه وأمره فلا غنائي يكون ~~مطربا ولا قولي يكون معربا، لأن كل شيء لا يجيء على القلب عنايته صعب ~~والقصد من هذا الكلام أن لا يتولى أمرنا إلا من له عناية وشفقة على كبيرنا ~~وصغيرنا، قال الوزير: نعم ما قلت ولقد نصحت من وراءك فاحتفظ بما رأيت وسمعت ~~وتوجه إلى أصحابك فإنك قمت بواجب حقهم فإنهم منتظروك. ثم أضافوا إليه ~~الحمامة وردوه إلى جماعته مكرما فوصل إليهم مطمئن الخاطر منشرح الصدر ~~وابلغهم الرسالة وطابت قلوبهم وانشرحت خواطرهم فهيئوا التقادم والخدم ~~وأخذوا في أسباب التوجه إلى حضرة الملك بذلك فدعا الوزير وقال له: إن هؤلاء ~~الجماعة قد توجهوا إلينا وفيهم من لا يعرف حقائق الأمور ولا اطلع على قضية ~~الصلح فبمجرد ما يقع نظره علينا ويرى هيبة الملوك يرجف فؤاده ويستطير قلبه ~~ويداخله الفشل فربما فر واتبعه غيره لا سيما إذا كان ممن سبقت له منافي ~~ميادين الصيد سابقه فيهدم جميع ما بنينا ويفسد غالب ما قصدنا واللبيب من ~~تفكر في عواقب الأمور قبل وقوعها وغالب ms059 هذه الحيوانات لا تقدر على مشاهدتها ~~وناهيك بقضية الديك والثعلب. قال المحتال: وكيف كانت تلك الحكاية يا مولانا ~~السلطان؟ # قال الزكي: كان في بعض القرى ديك قد جرب أمور الدنيا كلها وذاق حلو الدهر ~~ومره وعرف مداخله ومخارجه ففي بعض الأيام داخله الطمع فبعد # PageV01P103 # عن القرية التي هو بها وقت الظهر فصعد على شجرة عالية وأذن عليها فأعجبه ~~صوته فسمعه ثعلب كان في ذلك المكان له وكر فسرت نفسه بذلك وخرج مسرعا إليه ~~فلما رآه الديك نط إلى أعلى الشجرة فقرب الثعلب إلى الشجرة بحيث يراه فلما ~~رآه سلم عليه سلام مشتاق محب وقال له: شكر الله سعيك لقد أحييت قلوبنا بطيب ~~آذانك وقد جئت لأتبرك بك وأبشرك ببشارة لم يقع مثلها منذ قامت الدنيا، وهي ~~أن الملك نادى أن جميع الوحوش تتعاشر وتتصاحب وتتزاور بحيث لا يبغي بعضها ~~على بعض ويتصاحب الذئب مع النعجة والثور واللبوة والقط مع الفار والديك ~~والثعلب فالحمد لله الذي قد حصلت المصافاة وذهب الأحقاد والمنافاة، كل ذلك ~~والديك فتحرز منه ولا يلتفت إليه ولا إلى خزعبلاته وتحيلاته بل نظر إليه ~~نظر متملق وقال يا أخي يا ثعلب وأنا أبشرك ببشارة ثم سكت والتفت يمينا ~~وشمالا وأماما وخلفا فقال الثعلب للديك: يا أخي أنا أبشرك ببشارة وأنت لا ~~تلتفت إلي ولا تنظر لي بل تتشاوف من بعيد فأخبرني ما شأنك وما أمرك؟ فإن ~~أمرك أعياني وشأنك كشأن من لا نظرني ولا رآني. قال لديك: أجل أيها المحب ما ~~يشغلني عنك جد ولا أب وإنما أنا رآني غيرة قائمة من بعيد أريد أن تحققها ~~فإني لم أقع على ما هي!؟ فقال الثعلب: بالله حقق النظر وأخبرني، فنظر طويلا ~~وقال: أرى حيوانا رقيق الخلقة طويل الأذنين يجري كالريح وليس له غبار يدرك ~~إلا قليل فقال الديك: اصبر حتى تنظر ما هو؟ فقال: والله ما بقي لي صبر وقد ~~رفرف فؤادي، فقال له الديك: أما قلت إن السلطان قد رسم بالصلح بين ~~الحيوانات فأي شيء بقي للكلب عندنا ms060 وإذا جاء إلينا يكون صاحبنا وعشيرنا؟ ~~فقال الثعلب: لعل هذا الكلب لم يكن سمع الندا والإجهاز ولا طاقة لي به ثم ~~فر هاربا. # PageV01P104 # وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن يكون في هذه الوحوش من لم يكن له إطلاع ~~على صلحنا وتوافقنا فبمجرد ما ينظرنا يتخلف أو يهرب فيحصل لغيره بسببه قتل ~~ويقع خلل فيما أمرنا به، فالمصلحة تقتضي أن تذهب الحمامة إليهم وتشهر الندا ~~والأمان والاطمئنان حتى يطلع على هذا الأمر كل واحد منهم ثم تتوجه أنت ~~ورؤوس الحاضرين وتجتمع بطوائفهم وتقرر معهم الأمور بحيث تطيب خواطرهم ولا ~~يقع منهم شيء تختل به القاعدة، فتوجه الوزير ورؤساء الجند للملاقاة وقد ~~سبقت الحمامة وأشهرت المناداة حسبما ذكر ثم وصل الوزير مع رؤساء الجند ~~ولاقى الحيوانات والوحوش وتسامع بذلك سكان الصحارى والقفار والجبال وسكان ~~الفلاة والغابات والأحجار، ثم أقبلوا يسعون جميعا إلى خدمة الزكي فأنزل كلا ~~منهم في محله وأقام كلا منهم في وظيفته ليعمل فيها بالإخلاص والنصح واستقام ~~له الأمر بواسطة عدله فيهم وإصابة رأي وزيره. # وفائدة هذا المثل أنه ينبغي لأشرف المخلوقات وهم جنس بني آدم أن ينتبهوا ~~لمثل هذه الأمور وما احتوت عليه من رموز الإشارات ويسلكوا إذا سادوا ورأسوا ~~ويتأملوا أن مثل هذه الأشياء إذا كانت صادرة عن الكلاب التي هي من أحسن ~~المخلوقات فبالطريق الأولى أن يتلبس بها أشرف المخلوقات الذي رفع الله ~~مقداره بقوله تعالى: ولقد كرمنا بني آدم وأي إكرام أحسن من العقل وأفضل من ~~عدل الملوك الذين ملكهم الله تعالى رقاب المخلوقات وحكمهم في أموالهم ولابد ~~يسألهم عنهم لأن كل راع مسؤول عن رعيته وتلك الأمثال نضربها للناس وما ~~يعقلها إلا المعللون. # PageV01P105 # فراغ # PageV01P106 ### | الباب الخامس # في أمثال الفيل والأسد # ومحاربتهما # PageV01P107 # فراغ # PageV01P108 # قال الحكيم مرزبان: بلغني أنه كان في بعض جزائر الهند جزيرة تشتمل على ~~طائفة من الأفيال ولهم ملك عظيم فبلغه أن في بعض الغياض والأجم مكانا في ~~غاية النزاهة ذا أرض خضرة ومروج نضرة وروائح عطرة وأزهار نورة ومياه جارية ~~وفواكه كثيرة ونعم ms061 غزيرة وبها أسد عظيم هو ملكها وتحت يده كواسر الوحوش، ~~وهو سلطان تلك الغياض والوحوش فارتاحت نفسه إليها وأراد استخلاصها من يد ~~أصحابها وكان له أخوان ووزيران أحدهما واسطة خير يسمى مقبلا والآخر واسطة ~~شر يدعى مدبرا فاختلى بهما واستشارهما فيما عزم عليه فقال المقبل: يا ~~مولانا الملك لا تفعل فإن بها صاحبا هو ملكها وهو جار الملك وله حق الجوار ~~ولم يبدلنا منه ضرر ما والملك أيضا لم يعهد منه غدر ولا طمع ولا حدث منه شر ~~خصوصا في حق جيرانه وما قضى عمره وأيامه إلا في فعل الخيرات ودفع المنكرات ~~وهذا الذي اشتهر عنه. ولقد سمعت من نصائح الحكماء ثلاث نصائح: الأولى أحذر ~~أن تقع في دم بغير حق والثانية إياك وأموال الناس بغير طريق استحقاق، # PageV01P109 # الثالثة إياك وهدم البيوت القديمة، ولاشك أن الأسد من أهل البيوت الملك ~~وهو عريق في مملكته، وأعلم أيها الملك أن الله تعالى قد أفاض على كل واحد ~~من المخلوقات يستحقه من نعمة وصداقة، وأقام الأسد في ذلك الأماكن، ولولا ~~أنه مستحق لذلك ما أقامه فيها فلا ينبغي أن ينازع فيما أنعم الله تعالى ~~عليه به خصوصا لك لئلا تدخل في حيز قول الله تعالى (أم يحسدون الناس على ما ~~أتاهم الله من فضله) ، وكما قيل شعر: # يا أحمد اقنع بالذي أوتيته ... إن كنت لا ترضى لنفسك ذلها # وأعلم بأن الله جل جلاله ... لم يخلق الدنيا لأجلك كلها # فالتفت الملك إلى وزيره مدبر وقال له: ما ترى أنت؟ قال يا # PageV01P110 # ملك الذي قاله مولانا الوزير هو عين النصيحة ولكن لم تزل الملوك تطلب ~~الترفع على أقرانها وفتح البلاد لتكثير خراجها وأخذ الولايات والاستيلاء ~~على الأقاليم، مع أن الأسد حيوان ظلوم كاسر ومشؤوم جاسر فخلاص الرعية من ~~شره واجب على كل أحد ومولانا الوزير كأنه لم يقف على ظلم الأسد للرعية ~~واعتدائه عليها بحيث أنها طالبة لمن ينقذها من شر الأسد ومتطلعة لمن يتصدى ~~لطلب السلطنة وإقامة ناموس الملك ينبغي أن يكون له كل ms062 يوم فتح جديد وازدياد ~~ما له من العساكر والجنود والأنسب إلى قصور الهمة وعدم كشف الغمة. نعم وإن ~~كان هذا يستدعي إلى صرف أموال وجمع قروم من الرجال لكنه يكون سببا في تعمير ~~خزائن الملك وتكثير عساكر الجند فإن مولانا الملك يحتاج إلى ملء خزانته لأن ~~كل وارد عليه طامع في إنعامه وصدقاته فإذا لم تنل ما تؤمله نقصت رغبتها ~~ونفرت خواطرها والذي يقتضيه جفاء الحاكم عدم ذلك كله وحيث كان الأمر كذلك ~~فالمرأى عندي إنقاذ ما عزم عليه الملك وإبراز ذلك من قوة الفكر إلى قوة ~~الفعل. # فلما سمع الملك ذلك ثنى وجهه إلى مقبل وقال: لا تبق في هذا الرأي مجهودا ~~وابذل ما يسمح لك فقال المقبل: أفعل يا مولانا الملك شرط أن تقبل ما أقول ~~وأعلم أيها الملك أن الحكماء قالت إن كل من طلب نفع نفسه بمضرة غيره فإنه ~~لا يمتع بتلك المنفعة ولقد صدقوا هذا على تقدير حصولها والظفر بها وإن لم ~~تحصل هلا يزداد إلا توزيع الخواطر وتفريق البال والندم والخسران واكتساب ~~السيرة السيئة وكل من أراد الظفر بمظلوم واقتصر على تمشية هوى نفسه وأنه ~~أحق بذلك من غيره فإنه لا يسلم أبدا من الأفكار والهموم ولا يكاد يصفو له ~~الزمان، وأما كون الخرج أكثر من الدخل فقد قيل شعر: # PageV01P111 # قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد # والأصل في هذا كله التدبير وحسن التصرف وشيء يحتاج في تحصيله إلى بذل ~~أرواح وأموال وأجساد وتعب قلوب وبعد حصوله يتكلف إلى احتمال الهموم ~~والغموم، وآخر الأمر يخرج من اليد ولا يبقى إلا حسابه وتبعاته فجدير بأن لا ~~يلتفت إليه ولا يهتم بشأنه ويستغنى عنه بغدر الطاقة والأمر كان وإلا فمثل ~~الساعي في بقائه والقاصد إلى دوامه وعدم بلائه كمثل كسرى لما مات ولده وحصل ~~له الوجد عليه والاضطراب ونبهه على خطيئته البهلول لما دخل عليه. قال ~~الملك: كيف كانت تلك الحكاية أخبرنا بها. # قال المقبل: ذكروا أن كسرى أنوشروان كان له ولد يخجل الغصن ms063 حال قيامه ~~والبدر ليلة تمامه والغزال بلفتاته والمسك بشاماته وكان به معجبا وتصور ~~لفرط شغفه به وحبه له أنه لا يموت فاتفق أنه أدركه الأجل المحتوم ووافاه في ~~اليوم المعلوم فاضطرب كسرى لموته وكاد أن يضطرم نارا لفوته وما قر له قرار ~~ولا طاوعه ثبات ولا اصطبار فوعظه العلماء فما أفاق وثبته الحكماء بضرب ~~الأمثال # PageV01P112 # فأعياهم المراد، وكان في بلده بهلول يتردد إليه ويدخل في أكثر أوقاته ~~عليه فدخل عليه ذات يوم من الأيام وهو في حالة لا تسر صديقا ولا ترضي جاهلا ~~ولا رفيقا فسأله البهلول عن حاله وما أوجب توزع باله وتفسير أقواله وأفعاله ~~وخطاباته وأحواله، فقال: يا بهلول عدمت ولدي قرة عيني وراحة روحي وجسدي ولا ~~صبر لي على فراقه ولا لقلبي معين على لهب احتراقه فقال له البهلول: يا أخي ~~إن عيسى عليه السلام شكى إليه بعض أصحابه ما تشكوه أنت، فقال له عيسى عليه ~~السلام: كن لربك كالحمام الألف يذبحون فراخه ولا يطير عنهم، ثم قال البهلول ~~لكسرى: وأنا أسألك سؤالا فأجبني عنه بجواب شافي إن كنت ترجو أن ذكرك لا ~~يموت، قال كسرى: ولكن أردته يعيش ليمتع بحياته ويتلذذ بطيب المآكل والمشرب ~~ونعيم الدنيا برهة ثم يقضي نحبه، قال بهلول: هب أنه عاش الأجل الذي كنت ~~تريد أن يعيشه أفكان يذهب معه من طيب عيشه شيء أو يغني عنه شيئا حين فراقه ~~قال: لا قال: فلا فرق الآن بين طويل عمره وقصيره وكثير تمتعه ويسيره كما ~~قيل: # وإذا كان منتهى الأعمار موتا ... فسواء طويله والقصير # أو كما قيل: # فعش ما شئت في الدنيا وأدرك ... بها ما شئت من صيت وفوت # فحبل العيش موصول بقطع ... وخيط العمر معقود بموت # فهب أنه عاش ما أردته يعيش ويأكل ما أردته يأكل ويتنعم ما أردته يتنعم ما ~~آخر ذلك؟ قال: الموت والفوت قال: فهو الآن كغد قال كسرى: نعم الناصح أنت ~~وسكن بعض ما يجده فقال المدبر: ثلاثة أشياء ينبغي أن يتفكر الإنسان في ~~عواقبها، الأول: سفر البحر ms064 # PageV01P113 # فإن طالب الجواهر النفيسة والأموال الكثيرة يركب البحر ولا يتفكر في ~~الغرق، الثاني: المقدم على الحرب ومقارعة الأبطال لا يتفكر في الكسرة ~~والجراح والموت، الثالث طالب الرياسة والملك لا يتفكر في اقتحام الأخطار ~~والمشاق كما قيل: # بقدر الكد تكتسب المعالي ... ومن طلب العلا سهر الليالي # تروم العز ثم تنام ليلا ... بغوص البحر من طلب اللآلي # وقال غيره: # إذا المرء ألقى بين عينه عزمه ... تنكب عن ذكر العواقب جانبا # قال المقبل قال الله تعالى: (وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم أولو ~~الألباب) المميزون بين الخطأ والصواب الناظرون في أوائل الأمور عواقبها ~~آمنون من النوازل في تجشها حتى قالوا إن الثعلب المتأني في بيته المتحصن ~~داخل جداره له قوة الأسد الآتي من خارج ولا شك أن انزعاج العساكر المتوجهة ~~إلى قتال من هو ساكن في بيته متحصن في قلعته غير محتاج إلى إخراج أموال ~~وإزعاج رجال وتحمل أخطار وتحتم أسفار ليس من رأي الصواب لأنه موجب لأخذ ~~صغار تحت الأقدام وهدم دور وقطع أرحام وبذل أموال وفقد جملة من الرجال، ومع ~~هذا فحصول المقصود أمر متوهم فإن حصل فقد مر لأنه لا ثبات فيه ولا تمتع وإن ~~لم يحصل فكم من دماء تراق وكانت مصونة وأموال تهلك وكانت مضمونة وأعراض ~~تهتك وقد كانت مختومة وأنفس تذل وكانت عزيز مكرومة، بل ربما اتفق أن من نجا ~~برأسه ربح وإنما قررت هذا التقرير لأن العاقل كما يحسب حساب الربح يحسب ~~حساب الخسارة وكما يتصور الجيد يتصور الردي وهذا كله من العاجلة فضلا عن ~~المحذورات الآجلة ومن غضب الله وعقابه وتوبيخه وأليم عذابه والعياذ بالله # PageV01P114 # تعالى إذا أخرج الأمر من اليد وذهب المال والرجال فأي حرمة تبقى له من ~~الهيبة بين الرجال وكيف يستقر ملكه أو يدور عليه سعد فلكه فلا تخافه الرعية ~~ولا يرجونه ولا يسمعون كلامه ولا يطيعونه ويصير كالسحاب الخلب لا يوثق منه ~~بوعد ولا يحصل منه مطلب لفرد أو وفد، إن تكلم أبوا كلامه وإن حكم تقضوا ~~أحكامه وإن حلم عنهم ms065 قالوا عاجز وإن تقدم في الحرب قالوا معتوه مبارز وأما ~~الغني فهو على غير هذه الأحوال لأنه إن زاول أدنى فعل رفعت إليه بسببه ~~العيون وكان من بينهم هو الأجل العظيم فإن أعطى قليلا استصغروا حاتما عنده ~~وأطنبوا بلسان شافي في شكرهم رفده وإن بخل عليهم قالوا مدير غير مضيع ماله ~~وإن كذب صدقوا مقاله واستصوبوا حركاته وترشفوا كلماته وقد قيل شعر: # إن ضرط الموسر في مجلس ... قيل له يرحمك الله # وإن عطس المعسر في مجمع ... ساءوا وقالوا فيه ما أشناه # فضرطة الموسر عرسه ... وعطسة المعسر مفساه # ولقد نقلت من أقوال الحكماء ونصائح العلماء أن الفقر يشيب الفتيان ومسقم ~~الأصحاب ومبعد الأقارب وقاطع للرحم ومبغض للأحباب، وفي الجملة فالذي يجب ~~على الملك أن يتفكر في مبادئ هذا الأمر ويتأمل في عواقب هذه الحركة ولا ~~يقدم على هذا الأمر ولا يتحرك لهذا الوارد إلا بذهن صافي ورأي كافي ولا ~~يعتمد على الحول والقوة قوة الشوكة وكثرة العدد وإمداد العدد مع عدم ~~الاكتراث بالأخصام وقلة المبالاة بكل أسد ضرغام فإن الأسد سلطان السباع وهو ~~ملك مطاع كثير الجند والاتباع شجاعته مشهورة وبسالته مأسورة به يضرب المثل ~~ويشبه به كل بطل، ونحن إن كانت عساكرنا كالجبال تهدم الحصون وتهلك التلال ~~لكن ما # PageV01P115 # جربنا مصارعة الأسود ولا مارسنا مقارعة النمور والفهود ولا نعرف طريقة ~~بلادهم ولا طريق جلادهم وإن لهم في الحروب أساليب وفي افتراس الفرائس أنياب ~~ومخاليب، فأخشى أن لا تتم هذه الأمور وتقصر حيالنا عن مصادفة ما لهم من ~~قصور ويرجع وبال هذا الأمر علينا إذ ابتداؤه منسوب لنا وإلينا ولا يحل بنا ~~إلا الندامة والتقريع والتوبيخ والملامة ويخاطبنا القائل بما قيل: # بيني بأنقاض دور الناس مجتهدا ... دارا فتنقض يوما بعد أيام # قال المدبر: لاشك أن هذا الكلام صادر عن فكر بعيد ورأي سديد وتأمل في ~~العواقب مفيد أصله الحكمة وفرعه الشفقة وثمرته المعرفة والفطنة، ولكن من ~~حين قامت الدنيا لم تزل الملوك تطلب الولايات الواسعة وتقصد الأقاليم ~~الشاسعة وتروم الرفعة على ms066 الأقران وعلو المكان بقدر الإمكان وكيف يتصور أن ~~الملك تكون همته أدنى من همة تاجر يطلب الربح لأن التاجر إذا تفكر في لذة ~~الربح ورغب في زيادة المال يضع جميع ماله من مال في سفينة لا عقل لها ويركب ~~هو أيضا فيها ولا يبالي بالغرق ولا يذكر خوف اتلف ويسلك قياده إلى مصرف ~~الهواء ونفسه وماله إلى حاكم المال ويعمل بموجب ما قيل: # وإنا أناس لا توسط بيننا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر # وأما قولكم إن العساكر تملك البلاد ولا معرفة لهم بمصادمة الأسود ومقاومة ~~تلك الجنود، فأعلم أيها الوزير أن الأسد ملك كاسر وعلى سفك الدماء جاسر لأن ~~في رعيته من أذاه وابكاه في ذروته وأنكاه واسترعاه قسرا واستولى عليه جبرا ~~وقهرا منتظر لبقاء عين الزمان متوقع انقلاب الحدثان مترقب معنى ما قيل إذا ~~لم يكن للمرء في دولة امرء نصيب ولا حظ تمنى زوالها. # PageV01P116 # وعكس هذا ما قيل: # إذا كان للإنسان في دولة امرء ... نصيب وإحسان تمنى دوامها # فما سمع بأحد خرج على الأسد ولو كان أقل العمال فضلا عن ملك الأفيال بل ~~فيل الأفيال العادل في رعيته البار بأهل ولايته ومملكته المشفق الحكيم ~~الرؤوف الرحيم فبالضرورة يبادر إلى الملاقاه ويغتنم عودته للملك وبعدها ~~غاية مرتجاه فيدل على عورات العدو ويصف عثراته ويرشد إلى طريق نكاياته ~~ونكباته وأيضا في ذلك الإقليم من هو منتشب بأمر جسيم من مال وأولاد وعقار ~~وبلاد وسوائم ومواش وأثقال وحواش ولا يمكنه التحول عن طريقنا ولا التحول ~~لوعودنا فيدع بالطاعة ويتشبث بذيل سنتنا مع الجماعة فنستمد بآرائه ونستفيد ~~فيما نحن بصدده بدوائه. فقال الملك المقبل ما الجواب عن هذا الخطاب؟ قال ~~المقبل: نعم هذا المقال وإن كان لا يخلو عن الاحتمال وإن وقوعه غير محال ~~لكن الأقرب إلى الذهن أن هذا لا يقع فإنه أمر مبتدع فإن طبائعنا مباينة ~~لطباعهم وأوضاعنا غير أوضاعهم وناهيك بقوم نارية طباعهم الحرارة فيما بينهم ~~يمزق بعضهم بعضا ويتحاورون فيما بينهم عداوة وبغضا حتى إذا دخل بينهم ms067 ذئب ~~أو حيوان غريب عنهم توجهوا كلهم إليه واتفقوا بأجمعهم عليه فمزقوه أديمه ~~وهتكوا حريمه وجعلوا الحمد لجماعتهم وليمه وعند الأسد من الوحوش أنواع ~~جسيمة ما بين أفهاد وضباع ونمور وسباع وثعالب وأرانب وذئاب وذوات مخالب وكل ~~من هؤلاء له على خصمه درية في مشاورته ووثبة في مصادمته وأنواع في الكر ~~والفر وزوغان في الخير والشر وليس في عساكرنا سوى الصدمات والحطم بقوة ~~النهضات والعزيمات وإن أقرب شيء إلى الرأي عدم الإفادة والراحة أولى من ~~الإبادة وأن لا يفيد شيء من هذا الاضطرام سوى التولي والانهزام. # PageV01P117 # فلما بلغ الكلام والنصح من مقبل إلى هذا المقام وكان رأي المدبر رسخ في ~~خاطر الملك لأن النفوس بطبعها مائلة إلى الفساد والتولي عن النصيحة والعناد ~~لم يعد كلام المقبل شيئا فأخذ في أسباب التوجه إلى محاربة الأسد وأمر بفتح ~~الخزائن وتجهيز الجنود وسار إلى جزيرة الأسد فعندما حل بساحتها أطلع الأسد ~~على هذه الأحوال وسمع هذه الحركات والأقوال وعاين الفيل مكابدة الأسود ~~ومكايدة النمور والفهود ورأى من مقارعتهم مصادمة الجبال وعدم معرفة الموت ~~والوبال زاغ كأنه وطف أو ولد قهر ولايات الأسد فأخبر أنه قدم جزيرة الأسد، ~~للتنزه وتغيير الهواء والكد فأنكر الأسد في نفسه هذه القضية وعلم أن هذا ~~الكلام خداع ودهيه وإن هذه القضايا لابد فيها من إراقة دماء وخراب أماكن ~~وهلاك رعايا سواء تمت للأفيال هذه الأمور أو لم تتم ما عزمت عليه من ~~الشرور، فأخذ يضرب أخماسا إلى أسداس وخاف على سكنه وخراب وطنه واستئصال ~~أولاده وذهاب طريفه ومتلده وكل هذا والأسد منتظر الوقوف على حقيقة ذلك ~~الأمر. فبينما هو كذلك إذا قبل عليه مقبل وأخبره الخبر ليكون له حظوة عنده ~~يتداركه بها لحسن آرائه ويصير ممنونا بحسن تدبيره وإمضائه ويصير له عند ~~الأسد بذلك وجه ويد ورجع مسرعا إلى ملكه بعد أن أطلع الأسد على حقيقة ~~الأحوال وما عزم عليه ملك الأفيال فنادى الأسد في جيشه بالحرب والغزو ~~فتشوشت الخواطر وانصدعت الأصاغر والأكابر ورسم باجتماع رؤوس مملكته وأعيان ms068 ~~خاصته ورعيته وأعرض عليهم ما بلغه من القول من هذا الأمر المهول وإذن لكل ~~أحد في ذلك بأن فاتفقوا على أن يجمعوا من كل جنس من الحيوانات واحدا يتفقون ~~على خصاصته وكفايته وعظته ودرايته ويعقدون معهم مجلس مشاورة، فمهما وقع ~~عليه الاتفاق من # PageV01P118 # المجمع وارتضاه عملوا بمقتضاه فاتفق جنس الأسود على حضور واحد منهم هو ~~رئيسهم وكبيرهم ونفيسهم قد مارس الأمور وهو بالجلالة مشهور وبالفراسة ~~والافتراس مذكور فقدموه عليهم لرجاحة رأيه. # واختارت طايفة النمور نمرا سريع الوبة قوي الضربة لطيف الحركات خفيف ~~النهضات فقدموه عليهم واختارت جماعة الثعالب من بينها ثعلبا مليح الزوغات ~~صحيح الاحتيال طالبا صرف الكلاب السلوقيات بحيلته التي اتخذها له سلاحا ~~ونفذ من غالب الأسود والنمور بالمكر والحيلة ونال نجاحا قرم من القروم مكار ~~معلوم واعتمد الذئاب على ذئب عجيب الحيل والختر شديد المكر والكسر طالما ~~أفسد برأيه صنوفا وخاض بمكره صفوفا ما أفسد مفسد علمه ولا دخل داخل قطع ~~فضله فرضوا به جميعا وقدموه عليهم، فاختلى بهم الأسد وشاورهم في دفع هذا ~~الشر والنكد فقال الأسد: لا نطلب النصر في هذا الأمر إلا بالاتكال على رب ~~الجلال ونحن ما ابتدينا ولا ظلمنا ولا اعتدينا وهم بدونا بالعدوان فيرجعون ~~بالخذلان ويرد الله كيدهم في نحرهم ويرجع عليهم وبال أمرهم، فنحن أمرنا ~~دائر بين إحدى خصلتين إما الثبات وإما الفرار، فأما الفرار فلا سبيل إليه ~~لأن ذلك شيء لم تعرفه الأسود وكونها لا تهاب اقتحام الأهوال أمر معهود وبنا ~~يضرب المثل في الشجاعة والبسالة والفطانة والإقدام والنبالة وبنا تشبه ~~الأبطال في الإقدام # PageV01P119 # والنوال ولنا في محاربتهم إحدى الحسنين إما الظفر بهم وهو المقصود وإن ~~كانت والعياذ بالله تعالى الأخرى فرتبة الشهادة ومن قتل دون ماله فهو شهيد ~~ولا يمكننا أن نترك أوطاننا ونسلم بلادنا التي فيها أولادنا وبها نشأنا من ~~أول وهلة من غير مصادمة ولا مواقعة ولا مقاومة ولو فعلنا ذلك عاد علينا ~~وباله وصرنا في العار والنكال بحيث لا يمحى عنا هذا الاسم ولا ولا يرسم ms069 لنا ~~من بين الحيوانات برسم وكل امرئ ساع إلى تحصيل العناء ومواقع حسن الثناء ~~والموت في مقام العزة خير من الحياة في الذل وناهيك بقضية الملك مع النجم، ~~قال المحتال: ما هذه القضية وما سببها؟ # قال: زعموا أن أهل بابل كانوا لا يولون عليهم ملكا إلا من يختارونه فإذا ~~أرادوا عزله عزلوه فاتفق أنهم ولوا عليهم واحدا فمكث في الملك سبعين يوما ~~ثم بدا لهم أن يعزلوه فعزلوه واتفقوا على عزله فاهتم لذلك ثم تفكر وقال لو ~~نظرت في الطالع من أول أمري حتى اخترت لساعة جلوسي على التخت وقتا فيه طالع ~~نجمي يكون ثابتا ربما كان لملكي بثبات ودوام، ولكن حيث فاتني ذلك أولا ~~فسأفعله آخرا فلعله يفيدني ثم دعا منجما حاذقا وقال له: انظر في طالع نجمي ~~واختر لي ساعة انزل فيها عن الملك سريعة العود إليه والرجوع فيه فقال ~~المنجم: أحسن ما يكون ذلك إذا كان على طالع الولادة لأنها هي أول دليل على ~~الوجود، فقال له: ولدت يوم كذا من شهر كذا في ساعة كذا سنة كذا فنظر في ~~الطالع بعد حسابه # PageV01P120 # وتحير في أداء جوابه، فقال له الملك: ما ظهر لك أيها الحسوب أطالب أم ~~مطلوب، فقال: يا أيها الملك طالع الوجود معدود له سبعون يوما في كبد السعود ~~فتعجب الملك من هذا الكلام، فقال له المنجم: أما أنا فلا أعد من العمر ~~أياما غيرها وإن كان من غير العمر فملك طويل ورزق فيه جليل فسلم لله وقال ~~العبد: أسير لمولاه. # وإنما أوردت هذا المثل ليعلم الملك أن أيام الموت على طالع العز المعبر ~~عنه بالاسم الحسن خير من الحياة على ذل. ثم نظر الأسد إلى النمر فقال له ما ~~تقول أنت في هذه البهم والأمر الذي دهم فقال النمر: لا شك أن الأفيال أكبر ~~منا جسوما وأقوى في الحرب والضرب وقد استعدوا وأقبلوا وأخاف أن يكون لا ~~طاقة لنا بهم ولا مقاومة ولا قدرة على المصادمة، فإن فينا الضعيف والعاجز ~~وصغير الجثة فيطؤنا تحت ms070 أقدامهم وتنكسر حرمتنا وشوكتنا من بينهم ولا يقر ~~لنا بعد ذلك قرار معهم وتتأسس العداوة بيننا وبينهم بأجمعهم وقد قيل: # هل للحرائر من صوت إذا وصلت ... أيدي الرعايا إلى الخلجان والخدم # فعندي الرأي المصيب والفكر الثاقب النجيب أن ينتخب الملك للرسالة رجلا ~~كاملا خليا عن الجهالة يؤلف بين الماء والنار والقط والفار يصلح لمخاطبة ~~الملوك سهل العريكة حسن السلوك يسكن من فورهم ويهون من غضبهم يعدهم ويمنيهم ~~ويبشرهم ويهنيهم ويريهم بأسامع الإهانة في قالب مدح وليانة فإن أمكن رجوعهم ~~وإلا طاولناهم على ألسنة رماحهم ثم أخذنا في الأهبة لهم كما # PageV01P121 # ينبغي ونأتيهم ليلا كما نشتهي فربما وصلنا إلى القصد منهم أو إلى بعض ~~منه. فقال الأسد للذئب ما تقول أنت وما رأيك؟ فقال الذئب: الذي سمعته من ~~وصايا الحكماء وتلقيته من أفواه أولى التجارب والعقلاء أن الإنسان إذا ~~ابتلى بخصم لا يطيق مقاومته يدافعه بالهدايا ويستدعيه بشيء من التحف فإنه ~~قد قيل خير المال ما وفيت به النفس فالتفت الأسد إلى الثعلب وقال هات يا ~~أبا الحصين رأيك في هذه الواقعة وإني أراه يقرب للصواب، فقال الثعلب: أمرنا ~~لا يخلو من إحدى قضايا ثلاث: المقاتلة أو المصالحة أو تعاطي أسباب الحيلة ~~أما المقابلة والمقاتلة فلا أراها لأنا عاجزون عن مصادمة الأفيال محتاجون ~~إلى الطعام والشراب وهم يقنعون بالعشب والكلاء ونحن لا طاقة لنا بذلك، ~~وأيضا نحن لا نعرف أحوال عسكرنا ولا اعتماد لنا عليهم لأن عساكرنا أجناس ~~مختلفة وطوائف مجتمعة وبينهم عداوة جيلية قديمة وبعضهم عدو لبعض لو ظفر به ~~كسره وأكله فربما اشتد الشر منهم وصار بأسهم بينهم، وأما هم فلهم اعتماد ~~على أنفسهم ومن معهم إذ هم جنس واحد لا يتخلف بعضهم عن بعض وكل من اعتمد ~~على هؤلاء المساكين # PageV01P122 # وأمثالهم يصيبه ما أصاب الصياد مع القط، قال الأسد: أخبرني كيف كانت تلك ~~الحكاية؟ # قال الثعلب: ذكروا أنه كان رجل صياده وكان يحب الصيد ويولع به فرأى في ~~بيته ذات يوم عصفورا داخلا من الكوة فوثب عليه القط ms071 فاصطاده وأكله فأعجب ~~الصياد فعل القط وعزم على أن يأخذه معه ليصطاد به، فلما أصبح أسرج جواده ~~وقصد الصيد وأخذ القط معه وركب والقط تحت إبطه وقصد البرية فوصل إلى حوش ~~فخرج من وراء صخرة حجلة فرمى عليها القط فطارت الحجلة وخافت من القط وأرادت ~~أن ترجع إلى تحت إبطه فظفرت وعلقت مخاليبها في وجه الفرس فجفلت الفرس وضربت ~~الأرض بفارسها فكان آخر العهد به. # وإنما أوردت هذا المثل ليعلم الملك أنه لا ينبغي أن يعتمد الشخص إلا على ~~عسكره وجماعته فيقصد بهم مثل عسكر الأفيال ومصادمتهم، وأما ما ذكره مولانا ~~السلطان في كسبهم بالليل فليس برأي أيضا لأن ذلك إنما يكون إذا كان العدو ~~غافلا وعن نكبات الدهر مطمئنا وعلم ذلك بشرط أن يعلم أن عدوه لا تقوم له ~~قائمة بعد ذلك ولا يشفق أحد عليه بعد ذلك مما له قدرة على مقاومة الكاسر، ~~وأما إذا كان العدو مستيقظا مستعدا فلا يصح ذلك ولا شك أن الأفيال استعدوا ~~وأخذوا حذرهم وترقبوا خوف حصول شيء لهم من هذه المكايد وربما يكونوا عملوا ~~حيلة نحن # PageV01P123 # عنها غافلون ولم يصل فهمنا إليها كما فعل صاحب الجمل مع الجمل، فقالوا: ~~هات يا أخا الزمان أخبرنا بتلك الحكاية كيف كانت؟ # قال: ذكروا أن جمالا كان له جمل يتعيش عليه ويكتسب لعياله بسببه فكان ~~ينقل عليه ملحا ويبيعه وكان يحمله فوق طاقته ولا يرثى له فهزل الجمل حتى ~~كادت تسقط قواه وكان له أرنب صديق في بعض الأماكن فأرسله صاحبه يوما يرعى ~~فقصد وكر الأرنب وسلم عليه فلما رأته سألته عن حاله وسبب ضعفه فاخبرها بما ~~يفعل معه صاحبه من تحميله الحمل الثقيل من الملح وقلة تعاهده بالعلف وأنه ~~عجز عن تدبير أمره وسدت عليه طرق الحيل فتفكرت الأرنب طويلا ثم قالت: رأيت ~~لك وجها للخلاص وهو أنك إذا خضت بما حملك ماء فابرك به فيه وامكث مقدار ~~ساعة ولو ضربوك فإن الملح يذوب ويخف حملك وافعل هذا مرارا فإنك تخلص من حمل ~~الملح وتستريح، ms072 قال: ففعل ذلك مرارا عديدة حسبما أشارت به عليه صديقته ~~الأرنب فصار صاحبه المسكين يتضرر ولا يفيده ذلك شيئا فعلم الجمال أن ذلك ~~الفعل مكر وخديعة وحيلة تعلمها الجمل فقال: والله لأمكرن به مكرا يترك مكره ~~بسببه ويرجع لعادته الأولى فعمد الجمال إلى أشياء أخرى وصار يحمله منها ~~ويمشي به في طرق خالية من المياه حتى حمله في بعض الأيام صوفا ومر به على ~~طرق الماء فانتهز الجمل الفرصة ولم يعلم ما دبره صاحبه من المكر والخديعة ~~فبرك في الماء فتشرب الصوف منه فصار أثقل مما كان بأضعاف مضاعفة فما أفاده ~~ذلك الفكر الوبيل إلا زيادة التعب والنصب. # وإنما أوردت هذا المثال ليعلم الملك والحاضرون أن العدو يصنع # PageV01P124 # من المكايد والحيل ما تصل إليه يده فتارة يدرك أمله بذلك وتارة يغفل عنه ~~فيقع فيه فلا ينبغي أن يفعل عن مثل ذلك بل يحرص الشخص من فكره في ذلك بقدر ~~الطاقة. وأما طلب الصلح وإرسال الهدايا والأموال فذلك أيضا يدلهم على خورنا ~~وعجزنا ويجرئهم علينا، ولكن الرأي عندي أن يرسل إليهم رسولا لبيبا عاقلا ~~فصيحا بصيرا بالعواقب في الأمور برسالة تتضمن السؤال عن موجب التوجه إلينا ~~وقصد بلادنا وما سبب هذا الاعتداء ولم يصدر منا غير الخير لهم ولغيرهم ~~ويذكر لهم طرقا من شجاعتنا وبسالتنا وما عندنا من اسود الحرب ونمور الطعن ~~والضرب وأجناس السباع الكواسر والوحوش الجواسر وأصناف القبائل من العشائر ~~ويتكلم بما يراه ويقتضيه المقام مما يناسب الحال بالانسجام ويميز عساكرهم ~~وأوضاعهم وأحوالهم ويرد الجواب فيعمل على مقتضى ما يرد به علينا من ذلك ~~ويبني عليه ما يقع عليه الاتفاق. فاستصوبوا هذا الرأي. # وكان عند الأسد ذئب هو له من خواص حضرته وندماء # PageV01P125 # مجلسه وأهل محبته وله عليه الاعتماد الكلي وهو ممن يصلح للسفارة بين ~~الملوك والدخول في معضلات الأمور والسلوك فوقع اختيارهم عليه فحمله الأسد ~~هذه الرسالة ومن مضمونها بعد إبلاغ ملك الأفيال الرسالة والتحية ليعلم ملك ~~الأفيال أن قوتنا من قديم الزمان ظاهرة وهيبتنا تذل لها الوحوش ms073 الكاسرة ~~وصولتنا قاهرة باهرة تفترس الفرائس ونجندل الفوراس ويضرب بنا في الشجاعة ~~المثل المثوال وتفر من بين أيدينا الأبطال، وقد بلغنا أن ملك الأفيال متوجه ~~إلينا بجنوده وهيأ في ذلك أجناس عساكره وجنوده ولا علمنا لذلك موجبا ما ولا ~~تقدمنا إليه بعداوة توجب حزنا وحرما بل ولا تعرضنا لأحد في مملكته وملكه ~~ولا قهر أحد منا بالتعدي على اتباعه أحدا في ملكه وفلكه والرعايا بحمد الله ~~تعالى منا شاكرة ونشر جميل الذكر عنا في حقوقكم أموره ظاهرة فانعموا برد ~~الجواب وميزوا الخطأ من الصواب وأكدر من اللعاب قبل تفاقم الأمور وتعاظم ~~الشرور والتهاب شواظ الغيظ من الأسود والنمور، مع أن اعتمادنا على الله ~~تعالى العلي العظيم وتوكلنا على الله العزيز الرحيم، فلما أبلغ الذئب ~~الرسالة وأجرى ما فيها من شجاعة وبسالة وتبين لملك الأفيال ما تضمنت من ~~رفعة وجلالة استشاط ملك الأفيال وتغيرت لاضطرابه الأحوال وكاد أن يقلقل ~~الجبال من شدة ما تغيرت منه الأحوال ونظر من بين تلك الأفيال والفيول إلى ~~فيل ظلوم وجهول وقال له: من غير فكر ولا تأمل في الكلام ولا تفكر اذهب إلى ~~هذا المغر بكلامه المغر ومزهو أنه السكران بمدامه الراقد في غفلة منامه وقل ~~له متى ما رست معركة الشجعان أو صارعت أبطال الميدان ومن أين لك طاقة ~~لمصادمة الجبال وأنى تعرف مقاومة الأفيال فاستيقظ لنفسك فعن قليل تحل برمسك ~~واستعد لجنود لا قبل لك بها تشاهد منها ما لم تسمعه من حربها وضربها فلقد # PageV01P126 # جاءك عسكر القضاء وبنوده وليحطمنكم سليمان الأفيال وجنوده فليرقن منكم ~~الدما وليستأسرن منكم الحرائر كالإما وليدوسن الأطفال وليرينكم الأنكاد ~~والأنكال وليشعلن بنار الدمار والبوار مالك من مساكن وديار وأنت بين أمرين ~~خيرين فتخير تكون من أي الفريقين إما أن تطيع لأمرنا وتنقاد وتسلم إلينا ما ~~بيدك من بلاد وإما أن تنحاز في طرائق الفراق وتنجو منا منجاء الذئاب وتتنحى ~~عن طريقنا بما معك من كلاب وذئاب وقد بالغنا في النصيحة بعباراتنا الفصيحة ~~وأقوالنا البليغة الصحيحة وكلماتنا الموزونة الرجيحة ms074 فوصل ذلك الفيل الرسول ~~وأدى إلى الأسد هذا المقول فتشوش خاطر الأسد وداخله الهم والغيظ والكمد ~~والنكد، فأراد إيقاع الهلاك بالرسول الظلوم الجهول إلا أنه لنفسه تمالك وعن ~~ذلك الغيظ قد تماسك أن لا يقدحوا زند الغضب على الرسل ولا يضيقوا عليهم ~~الطريق والسب، ثم قال له والله لولا أنت رسول من عند الظلوم الجهول والرسول ~~لا يقاتل ولا يهان ولا يضرب ولا يعاقب بتوبيخ ولا حرمان لقتلتك على هذا ~~الكلام القبيح بما يجب لك من الجزاء الرجيح ثم نظر إلى الثعلب متلفتا إليه ~~لأنه في مهماته عوال عليه وقال يا أبا الحصين ما تقول في هذين النحسين قال ~~الثعلب: الأغلب ذو الرأي المصيب الأصيب لا يغرنك هذا الثقيل فإنه على عقل ~~الفيل أقوى دليل وإن فكره وبيل وقلبه عليل وبصيرته قد عميت وطرق هدايته قد ~~خفيت وأنه قد غوى وأضل قومه وما هدى وكل من اعتمد على قواه وحوله واستجلى ~~غرور عقله وقوله فقد ضل وذل وفي عقد البلاء حل، وهذا الجاهل السخيف الكثيف ~~الثقيل الجثة الحصيف قد استحقرنا في عينه فسيرى منا بحول الله وقوته حلول ~~حينه وكل من استخف بعدوه فسيعدم # PageV01P127 # حداوة حدوه. وقد قالت الحكماء أربعة لا يستحقرها أهل الاعتبار ولا يستخف ~~بها أولو الأبصار السقم والدين والعدو والنار فالملك أعز الله أنصاره وأكثر ~~جنده ونصاره وأعلى قدره وسلط على أعدائه قهره لا يلتفت إلى هذا الكلام ولا ~~يتزعزع لعواصف هذه الأوهام ولا يخف من جهامة الأفيال فكل ما هم فيه باطل ~~ومحال، بل يعتمد على الله العزيز الجبار ويصلح نيته مع الكبار والصغار ~~ويقوي جنانه على الملاقاة وقد قابله النصر ولاقاه ووقاه فإن هؤلاء اعتدوا ~~بغير حق على بلادنا وأتوها بدون استئذاننا فسينصرك الله عليهم بجنود لم ~~تروها فكم من مستضعف حقير نصر على مستعظم أمير وصدر منه بالحيلة وحسن ~~التدبير أمر خطير وبحسن الدبير تساعد المقادير والصبر العزيز يتم كل أمر ~~كبير وناهيك بقصة الفأرة مع رئيس الحارة وما فعلته من المكايد معه إلى ms075 أن ~~قتلته بها. # قال الأسد: كيف كانت تلك الحكاية؟ قال الثعلب بلغني أنه # PageV01P128 # كان في مكان رئيس ضيق الغطن خسيس وكانت له زوجة ذات أمانة وتعفف وصيانة ~~وتقوى وديانة ولهم دجاجة تبيض كل يوم بيضة وفي البيت فأرة تراقب الدجاجة كل ~~يوم فكلما باضت بيضة لقطتها وسارعت إليها وسرقتها فيطالب الرجل زوجته ~~بالبيضة فتحلف له أنها ما رها ولا تعرف كيف ذهبت فينكر عليها ويؤلمها تارة ~~بالكلام والسب وتارة بالملام والضرب. ففي بعض الأيام رأت المرأة الفأرة وهي ~~تجر البيضة إلى وكرها فدعت الرجل وأرته ذلك، فلما تيقن الرجل براءة المرأة ~~اعتذر إليها وتعطف بخاطرها وأحسن إليها وعمل مكيدة ونصب مصيدة للفأرة فنظرت ~~الفأرة إلى المصيدة فعلمت أنها شرك ومكيدة فتحرزت منها ولم تتقدم عليها ~~فاتفق أن ضيفا من معارف الفأرة قدم عليها فأرادت أن تضيفه بشيء ولم يكن ~~عندها سوى هذه البيضة التي دونها ريب المنون فاعتذرت إلى الضيف بما وقع ~~وأرته المصيدة فقال أنا أقدر أن أتخطاها وأجيء بالبيضة فحذرته ومنعته عن ~~مجيئها فأبى إلا المجيء بها فخلت بينه وبينها فتقدم فوقع في المصيدة فهلك ~~فتنكدت الفأرة لموت ضيفها وعلمت أن ذلك عيبه عليها وعاره مستحق لها بين ~~أقاربها وجيرانها وقالت: لا رأس لي ترفع إليهم ولا عين تنظر وجوههم حتى أخذ ~~بالثأر من رب تلك الدار. وكان لها صاحبة قديمة وهي عقرب خبيثة لئيمة قد ~~أودت السموم في ذباب أبرها وسقت سم المنايا إبرة شوكتها فقصدتها وترامت ~~عليها ونزلت بساحتها وجلست لديها وقالت: إنما تدخر الأصحاب لأيام الشدائد ~~ولدفع الضرر والمكائد وحلول البلاء وأخذ الثأر والانتقام من المعتدين ~~اللئام وقصت القضية عليها وأنهت أمرها إليها وطلبت منها إذ لاحت هذه القصة ~~أن تدرك بضرباتها القصاص ويحصل لها من بين أقرانها الخلاص، فأجابتها إلى ما ~~سألت وأقبلت إلى وكر # PageV01P129 # الفأرة بما أقبلت وأخذا في أعمال الحيلة إلى أن أدتهم أفكارهم الوبيلة أن ~~يخدعوا صاحب الدار بالذهب ويلقوه بسبب ذلك في أشد اللهب ثم تمهلوا إليها إن ~~دخل الليل ms076 وشرعوا في أعمال الحيلة والويل فأخرجت الفأرة دينارا وألقته في ~~صحن الدار ووضعت دينارا آخر عند حجر الفار وأظهرت نصف دينار من الذهب من ~~حجرها وجعلت النصف الآخر عند العقرب واستترت العقرب إذ كانت تحتاج السكون ~~واختفيت تحت أذيال الكمون وقد عبت في شوكتها ريب المنون وزبانها السم ~~الكمون، فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح وأغنى الليل عن ضوء المصباح ~~وقام من نومه ذلك العديم للفلاح وجد هذا الدينار في صحن الدار فنهض إليه ~~واسعد نهاره بصباح ديناره ولم يعلم أنه سبب لدماره ففتح عينيه وحلق حواليه ~~فوجد عند حجر الفأرة ثاني دينار ففرح وطار ونشط واستطار وزاد في الطلب عن ~~بقية الذهب فرأى نصف دينار داخل حجر الفار فمد يده إليه وأعمى القضاء عينيه ~~عما قدر عليه فضربته العقرب ضربة فقضى منها نحبه فبرد مكانه ولاقى هوانه ~~وأخذت الفأرة ثأرها وقضت من عدوها أوطارها. # وإنما أوردت هذا المثل ليعلم الملك أن حيلة الأفكار تفعل ما لا يفعله ~~الصارم البتار وبقليل الحيلة تدرك الأمور الجليلة فلا يهتم الملك بحديث ~~الأفيال ويأخذ فيما هو بصدده بدقيق الاحتيال، وأنا أرجو من كرم الله تعالى ~~أن ننتصر على عدونا ونظفر منه بما مولنا ومرجونا فأول ما نعاملهم بالوهم ~~وإظهار الصولة والتخويف وقوة شوكة الدولة فإن الوهم قتال والعاقل يحتال ~~وطائفة الفيول عديمة العقول وبالوهم يبلغ الشخص مراده كما بلغ الحمار من ~~الأسد ما أراده، قال الأسد: أخبرني بتلك الحكاية. # PageV01P130 # قال الثعلب: ذكروا أنه كان في بعض المعاصر حمار يستعملونه الليل والنهار ~~إلى أن ضعف وعجز عن العمل وانعقر فتركوه ولأجل الثواب اعتقوه وفي المراعي ~~أطلقوه فتدرج في المرعى إلى أن خرج إلى الصحرا واستطرد بمرور الأيام إلى أن ~~دخل في بعض الحدائق وصار يرعى إلى أن صحى وسمن واستقوى منه البدن وطال وطال ~~دبره وزال عنه ضرره وصار يغدو وينهق على عادة الحمير إلى أن ملأ تلك ~~الأماكن من النهيق والزفير. وكان في بعض الأكام أسد ضرغام عارف بالأمور لم ~~ير طول عمره ms077 الحمير فلما سمع صوت الحمار مار واستولى عليه الفزع ولم يخرج ~~من شدة ما داخله من الجزع واستمر عدة أيام لا يخرج من جحره حتى أهلكه الجوع ~~والعطش وكان بالقرب منه عين ماء يشرب منها إذا عطش فصار الحمار يتردد إليها ~~ويشرب منها ولا يجتري الأسد على الدنو منها إلى كاد يموت من العطش فأخرجته ~~الضرورة وهو عطشان متخوف وقصد العين ليشرب منها فرأى الحمار واقفا عندها ~~فداخله الرعب منه ثم قال وهو يرجف: من أنت فعرف الحمار أنه خائف منه فقال: ~~له بقلب حاضر وجنان ثابت مصادر: أنا مفرق أرزاق الوحوش ومقسم أقواتهم عليهم ~~فقال له الأسد: إني جائع وعطشان أريد أن تعطيني قسمي من ذلك الأكل والشرب ~~فقال له: أدن واشرب ولا تسرف فدنا وشرب وهو خائف ثم قال له أنا جائع فقال ~~له الحمار: تعال معي حتى أطعمك فمشى إلى أن وصلا إلى نهر ماء عميق فأراد ~~العبور فقال الأسد للحمار: هذا الماء عميق احملني في الذهاب وأحملك في ~~الإياب قال: افعل فوثب الأسد على الحمار فركب وقطع به النهر وفي أثناء ذلك ~~أنشب مخالبه في ظهر الحمار وثقل عليه فلم يتأثر الحمار لذلك وثبت فقال ~~الأسد في نفسه هذا حيوان وعر ثابت لا طاقة لي به، فقطعا الطريق فوصلا # PageV01P131 # إلى نهر آخر فقال الحمار: النوبة لي فقال له الأسد اركب فركب الحمار ~~واسترخى فثقل على الأسد ثم وضع حوافره فيه فتأثر الأسد لذلك وماج تحته فقال ~~له أثبت مالك قال: يا أخي ما هذا الذي وضعته في ظهري قال: معي أربعون ~~مسمارا هذا واحد منها ولابد من غرزها كلها في ظهرك وإلا فحصول الرزق ليس ~~بهني ولا سهل فقال له الأسد: يا أخي سألتك بالله انزل عني واتركني في حالي ~~لا أريد منك رزقا ولا قوتا فدعني أتقوت من حشاش الأرض ولا رايتك ولا رأيتني ~~فنزل عنه الحمار وتركه الأسد فهرب وجعل يتلفت يمينا وشمالا لئلا يدركه ~~الحمار. # وإنما أوردت هذا المثل ليعلم بذلك حقيقة ما ms078 قررته إذ بالحيلة والوهم يبلغ ~~المقصود ونرجو من كرم الله تعالى أن نبلغ مقصودنا من الأفيال وهذا مثل ~~العاجز مع القوة ونحن بحمد الله أقوياء فينا قوة لمصادمتهم وقدرة على ~~مقاومتهم فلا نكن في جزع من أمرهم ثم اقتضى الرأي إعادة الذئب إلى الفيال ~~برسالة مضمونها يا أخي بصرك الله بعيوب نفسك ونصرك على جنوده أعلم أن واضع ~~الشطرنج من أحكم حكماء الهند وكان أعقل الحكماء والبراهمة وقد وضع لكل من ~~الحيوانات مكانا وبيتا وقرر له نوعا من السير لا يتعداه ووضع للفيل مكانا ~~لا يتخطاه فأنا أخاف أن تتعدى من مكان هو مقامك وتقصد بيت الشاه فيفوتك ~~أمرك ومرادك ويقول لك إقليدس: العقل يا رجل ما هذا بيت الفرس ولا بيت من ~~يلعب بالرخ مع النفس هذا بيت الأسد والشاه هذا بيت مالك أن تتخطاه فتخرج من ~~رقعة الوجود إلى رقعة العدم والخمود فلا تعتمد عظم جسدك وكف عن حقدك وحسدك ~~ولا تقصد حرم كعبة غيرك فيصيبك ما أصاب الفيل حيث أرسل الله عليه طيرا ~~أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول # PageV01P132 # فلما قرأ الفيل هاج وماج وضاع منه اللب والابتهاج وعميت منه الباصرة وصمت ~~منه السامعة الموسرة وأراد يطأ الرسول تحت أقدام الفيول لكن راجع عقله ورد ~~الذئب بجواب مجيب غير مصيب وقال: استعدوا للقتال ومصادمة الأفيال ومقاومة ~~الأبطال ثم أمر بالعساكر فتجهزت وبأمور الحرب فتحربت فسار مالئا بجنوده ~~الغضا يوقدون جمر نار الفضاء فبلغ الملك المظفر أبا الحارث الغضنفر ما قصده ~~الكلب الأكلب فاستشار في ذلك الثعلب لما له من الحيلة والمكر إلا عليه ~~فقال: أعلم أيها املك أن عساكر الأفيال لا يعرفون سوى المصادمة والاندفاع ~~مرة واحدة والمخاصمة لكن بعض العساكر يكون فيهم المواجهة والمشاقة ~~والمناهشة والمعانقة والمهاوشة والممارسة والمكافحة والمناطحة والمطارحة ~~والمرابحة والوثوب والمشاورة والزوغات والروغات والمصادرة والكيد والاغتيال ~~للصيد والربوض في الكمين والنهوض من ذات الشمال وذات اليمين. وكل أرباب هذه ~~الملاعب وأصحاب هذه الحرف والمذاهب من عسكرنا مجدون موجودون معدون معدودون ~~فلابد ms079 من ترتيب كل واحد في مكانه وإبقائه بين اقرانه وأحزابه ببغيتهم ~~ومحبتهم، وكان من قرب موضع حسن التضاف ترد المرابض والتعاف ذات مياه جارية ~~وعليها جسور وقناطر عالية فاتضى رأي الأسد أن يطلقوا تلك المياه على البرية ~~لتكون الطرق مخيفة، ثم إنهم قطعوا تلك المياه وصفوا عساكرهم في طرق الفلاه ~~وقدموا أمامهم الثعالب والكلاب وكل سريع المجيء خفيف الذهاب وجعلوا وراءهم ~~الذئاب والنمور والقرود والأسود ووقف الأسد في حاشيته وأهل دولته ومملكته ~~ثم إن الثعالب وما معها دخلت بين الأفيال وصارت تنط عليها وتروع من بينها ~~وتلعب # PageV01P133 # أمامها وتستخف بها أمام عينها وتتعلق بأذنابها وتتشبث بعرقيبها وكعابها ~~فازداد حمقهم وثار قلقهم وحطموا وصدموا وتقدموا واضطلموا فناوشتها الكواسر ~~وهاوشتها الأبطال وهارشتها الجوتسر ثم ولوا أمامهم مدبرين ومن الطرق ~~المخيفة هاربين فتصور الأفيال أن جيش الأسد فر وجنوده انحطم وانكسر وإن ~~عسكرهم غلب وانتصر فحطم الأسد ومن معه عسكر الأفيال يدا واحدة بهمة متعاضدة ~~وصدمة متناكدة وقوة متساعدة وفي الوقت والحال ارتدوا في عسر الأوحال وهلكوا ~~عن آخرهم وارتطموا وقطع دابر القوم الذين ظلموا ثم رجع عليهم الأسد بما معه ~~من نمور وفهود وسائر السباع والذئاب والضباع والأسود فوقعوا في تلك الفوارس ~~وقوع الجياع على الهرايس وعانقوهم معانقة الأحباب للعرائس وأكلوا وادخروا ~~وحمدوا الله وشكروا ورأوا سر قوله صلى الله عليه وسلم: من أذى جاره ورثه ~~الله داره والله لا يهدي القوم الظالمين والحمد لله رب العالمين. # PageV01P134 ### | الباب السادس # في أمثال الجمل الصادق # والأسد الزاهد # PageV01P135 # فراغ # PageV01P136 # قال الحكيم مرزبان: بلغني أنه كان فيما مضى أسد عظيم الخلقة جسيم الشقة ~~كثير المكارم سليل الأكارم قد بلغ في الزهد الغاية وفي الورع والعفة ~~النهاية حسن الأوصاف والشمائل كريم الأعطاف والخصائل جمع بين الهيبة ~~والشفقة والصدق والصدقة وسياسة الملك بالفضل وكياسة العدل بالعقل هيبته ~~ممزوجة بالدولة وعاطفته مدموجة في الصولة وقد عاهد الرحمن بالكف عن أذى ~~الجيران وأن لا يريق دما ولا يتعاطى محرما ولا يأكل دسما ولا يتعدى عهده ~~بأمر ما يتقوت بنبات القفار ms080 ويقوم الليل ويصوم النهار يرعى فيدولته الغنم ~~والذئب وينام في ظل أمانه الثعلب والأرنب يعد الحرب في الأشهر الحرم لكل ~~متعد مجرم ينطبق عليه قول الشاعر: # ولي البرية عد لنا فتمازجت ... أضدادها من شدة الإيناس # يحنو على ابن الماء أم الصقر بل ... يحمي أخو العصباء أخت كناس # وكان في جوازه دوحة كثيرة الثمار نضيرة الأزهار غزيرة الأنهار رائعة ~~الماء والكلأ فائقة النمو والتمار رياحينها طرية ومروجها # PageV01P137 # شهية وغياضها بهية، وكان الأسد وما معه إذا أرادوا أن يريحوا أنفسهم من ~~الاجتهاد الحاصل في العبادة المجاوز للعادة توجهوا إلى ذلك الروض الأريض ~~والدوح العريض فيتبختر فيه ويسبح خالقه ومنشيه. فبينما هو يتبختر في بعض ~~الأوقات ويتشمى في تلك الخضراوات صادفه دب عظيم الجسم مليح الرسم فقبل ~~الأرض بين يديه وذكر له أنه أقبل لينتمي إليه فإنه قد سمع بأوصاف عدله ~~ومكارم شيمه وفضله فقصده ليتشبث بأذياله وينتظم في سعد خيله ورجاله ويقضي ~~في خدمته ما بقي من عمره متمسكا ببارز مرسومه ونافذ أمره، فتلقاه بالقبول ~~والإقبال وشمله بالفضل والأفضال وقال طب نفسا وقر عينا لقيت زينا ووقيت ~~شينا فانتظم في سلك خدمه وانغمر في بحر كرمه واشترط عليه أن يحتمي من لحوم ~~الحيوان ولا يتعرض لطير ولا إنسان فامتثل ذلك بالسمع والطاعة وصار على سنن ~~سنته مع الجماعة. # ثم بعد مدة يسيرة قصد الأسد سيره فخرج يسير على باكر وحوله طائفة من ~~الجند والعسكر فلقوا جملا ضل في الطريق # PageV01P138 # وضاع عن الصاحب والرفيق فسار إليه جماعة الأسد وقصدوا تضييعه بالغاب ~~والسر فإنهم كانوا لشدة القدم الهبوا بالضرم فناداهم الأسد ويلكم كفوا وعن ~~هذا الغريب عفوا لئلا يصيبكم ما أصاب كسرى من الكيد لما ركب وخرج صباحا ~~يريد الصيد، فقبل الجماعة الأرض ووقعوا في مقام العرض وقالوا ينعم مولانا ~~بتقرير الحكاية وقاه الله تعالى من الأسواء والنكاية. # قال الأسد: ذكروا أن كسرى الملك خرج يوما في جماعته وأهل طاعته فصادفه ~~رجل قبيح المنظر والصورة مشوه الخلقة أعور العين المنيرة فتشاءم من طلعته ~~وتعوذ ms081 في رؤيته وأمر بضربه فضرب ولولا تداركته شفاعة من أهل الخير لصلب ثم ~~تركه وسار نحو الصيد بالقفار فحاش الصيد واقتنصه من عسكره عمر وزيد ورجع ~~مسرورا فرحا محبورا وقد أدركه المسا فلاقاه ذلك الرجل وهو ملتف بكسا وكان ~~ذا لب صحيح وعقل رجيح وفهم مليح ولسان فصيح فأبدأ كسرى بالسلام وأوقف كسرى ~~للكلام وقال # PageV01P139 # له: أيها الملك العادل والسلطان الفاضل أسألك بالله الذي ملكك رقاب الأمم ~~وحكمك في طوائف العرب والعجم أنعم علي برد الجواب حتى يتميز الخطأ من ~~الصواب فإنك ملك عادل حكيم فاضل حليم فوقف بعسكره وأنصت لخبره وقال: هات ~~مقالك وقل ما بدا لك واذكر سؤالك، فقال يا مالكا زاد الأيد كيف حالك اليوم ~~في الصيد؟ قال: على أتم ما تريد لقد ناله السادات والعبيد قال: فهل حصل في ~~أمور السلطنة خلل أو في الخزائن المعمورة نقص أو ملل قال: لا بل أحوال ~~السلطنة مستقيمة وديم الخزائن مقيمة مستديمة قال: فهل ورد اليوم خبر يؤذن ~~بتشويش أو خلاف أو تغير أو تغلب أو اعتساف؟ قال لا بل الجوانب آمنة مطمئنة ~~والثغور من الأعداء والمخالفين مستكنة قال: أصاب أحد من الخول أو الخدم مصب ~~قال: لا بل كلهم آمنون من الضرر والضير، قال: فلم ضربتني وأهنتني وعلى ما ~~أسرتني وطردتني؟ قال لأن الصباح بوجهك مشؤوم وهذا أمر معلوم قال: سألتك ~~بالله الذي تتقلب في مواهبه إن كان الشام فعلى صاحبه أنا تصبحت بك وأنت ~~تصبحت بي فأنت أصبت الذي ذكرت وقد علمت ما هو بي ومع جزائي إنما عبت الصائغ ~~وغفلت عن ما أودعته قدرته من أسرار بدائع صنعته فإني لا اختيار لي فيما ~~فطرني عليه ولا مدافع ولا حيلة فيما قدره ولا مانع، وكما يقول الشاع: # PageV01P140 # لقد كان قصدي أن أسود على الورى ... بقد وظرف كامل الخلق بارع # ووجه يفوق الشمس والبدر بهجة ... فعاكسني تقدير ربي وصانعي # فتنبه كسرى لكلامه وأمر بإعزازه وإكرامه وتدارك ما فرط منه بإحسانه وجوده ~~وامتنان. # وإنما أوردت هذا المثل لئلا يكون ms082 هذا الجمل مثل ذلك الرجل لأنه قد تصبح ~~بي ولا يرى أبدا مكروها بسببي بل يرد الخير ويكفي الضرر والضير وكذا كل من ~~هو عندي ومنسوب إلي من خولي وجندي. ثم دعا ذلك البعير وسأله عن جليل أمره ~~والحقير فأخبره بأنه تاه عن أصحابه وأنه ممن يتعلق بأذياله وينزل بأعتابه ~~فأكرم مثواه وأحسن مأواه وما زال مقبلا عليه ومحسنا إليه إلى أن صار من ~~أكبر الخد وذا خول وحشم ورأس الندماء ورئيس الجلساء فأمن النكد والبؤس وسمن ~~حتى صار كالعروس فحسده الدب لعدم اللب وعزم بمكره على إلقائه في الجب ~~وإسقائه السم والبلاء الأصعب واشتد به الأمر في ذلك اليوم وعزم على أن يأكل ~~لحم الجمل مع القوم وأخذ يضرب بذلك أخماس في الأسداس واستحوثه بسوطوتيه ~~القلق والوسواس فلم ير أوفق من إفساد صورته وإظهار سوء سريرته فيهلكه ~~ويبيده ويصل منه إلى كل ما يريده ويثمر مكره الحسد فأداه فكره إلى أن يغري ~~به الأسد فاحتال بالجمل وابتدا في شر العمل وقال له: لي معك كلام على كتمه ~~منك أريد أن لا ألام ولكنك لست موضعا للسر لأنك سارح لم تعرف هذا وقد قيل ~~الحماقة في الطويل ولولا وفور شفقتي وحنوي عليك ومودتي ما فهت لك بكلمة ~~وأتركك مثل التيه في الظلمة، وقد قالت الحكماء # PageV01P141 # لا تفش سرك إلى خمس طوائف أولها سليم الفطرة وثانيها مدمن الخمرة وثالثها ~~كثير الكلام ورابعها الغلام وخامسها المرأة وهي أشدهم هتكا للسترة فهؤلاء ~~الخمس ليسوا محل الأسرار ويفشونها من غير اختيار وقد قيل كم إنسان أهلكه ~~اللسان وكم من حرف أدى إلى حتف. فقال الجمل: يا أخي أنا تحققت شفقتك وتيقنت ~~مودتك ونصيحتك وأنت لا تحتاج في تجربتي إلى دليل لأن لي في صحبتك الزمان ~~الطويل وأنا أؤكد لك قولي بالإيمان وأعقد على تلقيه الجنان ولا أتفوه به ~~لحمار ولا حيوان ولا لأنس ولا جان والشخص إذا لم يعرف ما يراد منه فلا فرق ~~بينه وبين الحمار، ثم أنشأ إيمانا غلاظا أنه يبالغ فيما ms083 يسمعه من الدب ~~احتفاظا ولا يبدي منه لاما ولا فاء ولا ظاء فلما وقف الدب على جوابه وربطه ~~بزمام يمينه اختل به تعرف أنه ملك في غاية العفة والدين وعلى درجة العباد ~~والزاهدين قد فطم نفسه عن الطعوم خصوصا عن الدماء واللحوم ولكنه في ذلك غير ~~معصوم فإنه قد تزلى بلحم الحيوان وتغذى بافتراس الأقران ورضع الدماء ~~وانقطعت سرته على هذا الغذاء، وتزهده إنما هو تكلف ومصابرة ومكايدة وتعسف ~~ولأن النفس تعمل خاصيتها وتجذب الشهوات إلى ناصيتها وتجمع إلى مركزها وتطمح ~~إلى مبرزها قال الله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتساءلون) وإذا كان كذلك فاحتفظ لنفسك واحفظ نصيحتي وأمسك فإنك في صحبة ~~الأسد على خطر عظيم وأمر جسيم ولا تغفل عن ما قلت لك ولا تظن أنه لا يقتلك. ~~فتداخل الجمل من هذا الكلام الخور ولم يبق له طاقة ولا مصطبر ثم تثبت في ~~أمره وأجال قداح فكره وقال للدب: يا أخي فأي ضرورة دعت الأسد الغشوم حتى ~~تعفف عن أكل اللحوم؟ قال الدب: أنا لا أشك في دينه ولا أرتاب ف حسن يقينه ~~ولكن # PageV01P142 # ربما تعود المياه إلى مجاريها ويعطي القوس باريها وتتحرك النفس الأبية ~~والشهوة التي طالما ألقت بصاحبها في بلية وأن الإنسان دائر مع اختلاف أخلاق ~~الزمان فإن الزمان كالوعاء والإنسان فيه كالماء وإنه يعطيه من أخلاقه ما ~~يقتضيه ويرتضيه من كدرته وصفائه، ولهذا قيل لون الماء لون إنائه وقد قيل ~~الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم وناهيك يا ذا الكرامات بما قاله صاحب ~~المقامات شعرا: # ولما تعامى وهو أبو الورى ... عن الرشد في أنحائه ومقاصده # تعاميت حتى قيل أني أخو العمى ... ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده # والأسد في هذا الأوان ماش على ما يقتضيه الزمان وأن الزمان يتحول فيرجع ~~إلى خلقه الأول، أما بلغك يا ذا العظمة قضية الحائك والحية قال الجمل لا ~~والله أخبرنا كيف كانت تلك القضية، قال الدب: ذكروا أن حائكا من الحياك له ~~زوجة تخجل شمس ms084 الأفلاك، صورتها مليحة وسيرتها قبيحة فشم زوجها روائح مما هي ~~عليه من القبائح فطلب تحقيق ذلك ليبلغها المهالك فقال لها إني مسافر إلى ~~ضيعة لأجل فائدة في بيعة وغائب أياما يسيره لفائدة كثيرة فاقصري ما بك ~~واحفظي من السوء جنابك فقالت: أنا بنت # PageV01P143 # رئيسه ومثلي عروسه أنى يحول حولي الفساد فأدرك سوقك قبل الكساد وجهزته ~~أسرع وأحسن جهاز أتم من تجهيز الحاج إلى الحجاز فسافر من غير مريه ثم رجع ~~إلى البيت في خفيه فاختبى تحت السرير لينظر ما تجري به أمور المقادير ~~فبادرت الزوجة إلى النار ونفخت وأسرعت إلى الطعام فطبخت وخرجت من المخبأ ~~وأتى على الطعام المهيأ ورجع إلى مكانه فنام بعد أكلة ذلك الطعام فجاءت ~~المرأة بحريقها وقصدت الطعام لضيفها فصادفت يدها والحصير فعلمت أن البلاء ~~تحت السرير فأخذت تطلب المخلص من ذلك المقنص فاتفق أن الملك رأى منا ما ~~هاله ولكن نسي هيئته وحاله فنادى بطلب مخبر ولمنامه معبر فسارعت المرأة في ~~باب الأمير ودخلت عليه وقالت: سقطت على الخبير إن لي زوجا حكيما بتعبير ~~المنام عليما لكنه يتعزز وعن تعبير المنام يتحرز حكيما بتعبير ولا يسمح فيه ~~بالتفسير إلا بعد ضرب كثير وأنه ليس له في ذلك نظير فبعث وراه فحضر وأكرم ~~لقاه وقال: رأيت مناما راعني وفي الفلا ضاعني فدع عنك الاحتشام وأخبرني عن ~~ذلك المنام ثم عبره لي فقد أخبرت بأنك حبيب لله وولي فقال: يا مولانا الملك ~~أنا في الجهل مرتبك حائك فقير ما عندي من العلم نقير ولقد كذب علي من نسب ~~هذا العلم إلي والعين تعرف العين وأنا من أين وتعبير الرؤيا من أين فما ~~صدقه ولا استوثقه بل # PageV01P144 # صدق قول المرأة فيه وحققه وتيقن قول المرأة فيه وأمر بإيصاله بما ينكيه ~~ثم طلب المقارع وشد منه المكارع وضربوه ضربا أعسفه إلى أن يتلفه فنادى ~~الأمان الأمان أمهلني ثلاثة أيام من الزمان فتركوه وأمهلوه وقيدوه وأطلقوه ~~فصار يدور في الخرائب ويتضرع تضرع الطيد النائب، ففي ثالث الأيام دخل إلى ~~مكان ms085 خراب وأخذ في البكاء والانتحاب فنادته حية من بعض الشقوق ما بالك يا ~~ذا العقوق فأخبرها بحاله وما جرى عليه من نكاله فقالت له: ماذا تجعل علي ~~إذا أنا أخبرتك بالمناك وفضضت عن مسك تعبيره الختام؟ قال: أكون لك وصيفا ~~وأعطيك مما أ"طاه نصيفا قالت له إن الملك رأى في منامه أن الجو يمطر من ~~سمائه أسودا ونمورا وفهودا وبيور وأن المساء بذلك تمور والأرض بهم تخور، ~~وتعبير هذا المنام أنه يظهر للملك في هذا العام أعداء جواسر وحساد كواسر ~~يقصدون هلكه ويرمون ملكه ولكن سيطفئ نارهم بمياه سيوفه ويسقيهم بجنوده ~~كاسات حتوفه فلما كشفت الحية غمته قام فأصلح لباسه وعمته وقصد باب الملك ~~ونادى غير مرتبك وذكر المنام وعبره ووعد السلطان بالنصر وبشره فتذكر المنام ~~وحققه واعتمد عليه وصدقه وأمر له بألف دينار وصار له بذلك اعتبار فأخذ ذلك ~~الذهب ومسرورا به إلى أهله انقلب. ثم افتكر ما اشترط مع الحية فأبت عن ~~الوفاء نفسه الأبية فخاف أن تطالبه بحصتها وأن تفضحه بقصتها فلم ير أوفق من ~~قتلها وسد ذريعة سلبها فأخذ بيده عصار # PageV01P145 # ورام بذلك مخلصا وقصد مأواها ووقف فناداها فخرجت مسرعة إليه وأقبلت ~~بالوداد عليه فرأت العصا بيمينه فعلمت أنه خائن في عهده ناكث في يمينه فولت ~~هاربة فضربها ضربة خائبة لكن جرحها وعمد إلى نفسه ففضحها وتركها وذهب فائزا ~~بما معه من الذهب. # ففي العام الذي بعده أذن الله وحده أن السلطان رأى مناما أقلقه ومن نومه ~~أرقه ومن شدة أهواله محاه الوهم من لوح خياله فدعاه هذا المعبر المعهود ~~إليه وقص حاله عليه وطلب منه صورة المنام وما يترتب عليه من الكلام ~~فاستمهله له الأيام المعدودات وقصد رئيسة الحيات وناداها عجلا ووقف في مقام ~~الاعتذار خجلا ثم قالت له: أي غدر حلالك ما مضى من عمرك وحلالك وبأي وجه ~~تقابلني وتخاطب وقد خلصتك من المعاطب ثم قابلت بسوء صنيعك إحساني وأذيتني ~~بين أهلي وجيراني ولكن غدرك بك حف فقال: عفى الله عما سلف والصداقة بيننا ms086 ~~من اليوم تستأنف ويكون الود ألطف والقلب أرأف ثم أنشأ إيمانا أنه يبدل ~~الإساءة إحسانا وأنه لا يخون ولا يمين فيما يقع عليه العهد واليمين فقالت: ~~أريد جميع الجائزة وأكون بها فائزة فأجاب إلى ما سألت وعاهدها على ذلك ~~فقبلت ثم قالت: رأى الملك السماء تمطر قرودا ونيرانا وثعالب وجرذانا، ~~وتعبير المنام والله الخبير لعلام أن في هذا العام تكثر اللصوص والخوارج ~~والمعتدون من كل خارج ويظهر في العساكر كل ماكر وشيطان ذاعر ولكن صولة ~~الملك تمحقهم وبوارق سيوفه تصعقهم فأسرع إلى السلطان وأخبره بما رآه في ~~منامه وعبره، فقال له الملك: بالحق أتيت وهذا الذي كنت رأيت ثم أمر له ~~بجائزة سنية وخلعة بهية فصار في عيشة رضية وحالة مرضية ثم سلك طريقته ~~الدنية فلم يلتفت إلى عهوده القوية ونبذ عهد الحية # PageV01P146 # الحيية وقال يكفيها مني كفي عنها البلية فلا أطلب إيذاها ولا تطلب مني ~~رضاها. # ثم إن السلطان رأى في ثالث الأعوام على عادته منام فأرسل إليه فغشيه من ~~الغم ما غشي فرعون وجنوده من أليم عندما سأله غما رآه وعن تعبير رؤياه فطلب ~~المهلة كما كان وأحاط به موج الغم من كل مكان ولم يريد من معاودة الحية ~~فأتاها وقد كواه الحيا أشأم كية وناداها بصوت خاشع ووقف في مقام الذليل ~~الخاضع فخرجت إليه ورأته في حيرته فوبخته وزجرته وقالت له: يا خئن يا كذاب ~~يا ناقض العهد يا مرتاب يا قليل الحيا يا كثير البذا ترى بأي لسان تخاطبني ~~وبأي وجه تقابلني وقد ختلت وخنت وقتلت وفعلت فعلتك التي فعلت فقال: لم يبق ~~للاعتذار مجال ولا للاستقالة مقال وما تم لي طريق معاملتك بالإفضال إن ~~تفضلت بالإحسان وإن رددت فقدرك واضح البيان وهذه المرة الثالثة ليست يمينها ~~حانثة ولا أحل مما بيننا عقودا وأحلف وكفى بالله شهيدا أني بعد اليوم لا ~~أنكث عهدا ولا آتي شيئا أدا فقالت له: لا أخبرك بشيء حتى تعهد إلي بأن ~~تعطيني جميع ما تعطى وتكف عن الإتيان بمثل ما جئت ms087 به الخطأ لأكشف لك الغطاء ~~الذي لا يكشفه لك أحد قط، فسمع مقالها وأجاب سؤالها فقالت: رأى الملك في ~~المنام ولذيد الأحلام كان الجو ممطرا من غمامه ماء ملأ الفضا وظرافا وأغنام ~~وتعبير هذا المنام يكون في هذا العام من الخيرات والإنعام ما يشمل الخاص ~~والعام فتطيب الأردا وتتصالح الأعدا وتطيع العصاة وتثيب البغاة ويوافق ~~المخالف ويكثر المحب والموالف فاحفظ ما قلت لك فقد حللت مشكلتك فتوجه بصدر ~~فرح وخاطر منشرح وقص المنام وعبر ما فيه من الأحلام. فطار بالملك الفرح وتم ~~سروره وانشرح وأمر بالجوائز فصبت عليه # PageV01P147 # وبالأموال فانهالت لديه فلم تلك العطية والخلع السنية وقصد باب الحية ~~ليفي بعهده لها وإيمانه القوية ثم وقف وناداها وقدم إليها ذلك كله وأعطاها ~~وشكر لها إحسانها وتحمل جميلها وامتنانها فقالت: أعلم يا لئيم أنه لا ذنب ~~عليك ولا ملام فيما جنيته أو لا من الآثام ولا ما ارتكبته من العداوة ~~والخيانة في العامين الأولين ولا فضل لك في هذه السنة فيما فعلته من الحسنة ~~فإن ذينك العامين كانا مشتملين علي وإن النحسيين فكان مقتضى ما لهما فساد ~~الزمان والوقوع بين الأصدقاء والأخوان فجريت على مقتضاهما حسب مرتضاهما، ~~وفي هذا الأوان قد انصلح الزمان واستقام الطالع وزال الحسد والتقاطع ~~واستقام الطالع بالموافقة والفلاح واقتضى الفلك الصلاح والإصلاح فمشيت على ~~موجبه وتشبثت بذيل مذهبه فخذ هذا المال وتصرف فيه بارك الله فيه فلا حاجة ~~لي إليه ولا معول لي عليه. # وإنما أوردت هذا المثل أيها الجمل لتعلم أن الزمان لتقلبه في الدوران ~~يوقع بين الأصحاب والأخوان ويباين بين الأصدقاء والخلان، والأسد وإن كان ~~زهد وترك من أخلاقه ما كان عهد فيمكن عوده إلى حالته الأولى والاحتراز منه ~~في كل حال أحق وأولى. وهاأنا قد أخبرتك وعلى ما وصل جهدي إليه أطلعتك وفرط ~~محبتي وشفقتي عليك اقتضى إفشاء هذا السر إليك ومن أنذر فقد أعذر ومن تصبر ~~فما قصر، قال الجمل: يا أخي نترك هذا المقام وللبال نريح ونخدم في خدمته ~~ونستريح. قال الدب: ms088 إن كان هذا الغادر الزاهد التقي النقي الراكع الساجد ~~الذي تعفف عن أكل اللحوم والدما وقنع بأكل الحشيش وشرب الماء لا تؤمن ~~غائلته ولا تعتمد حائلته فإلى أين نتحول وعلى من يكون المعول وأنى نذهب # PageV01P148 # وفيمن نرغب؟ قال الجمل: فكيف يكون العمل ولقد ضاقت بي السبل وتقطعت بي ~~الحيل لا طريق للمفر ولا قرار للمستقر. ففكر الدب طويلا ثم رأى رأيا وبيلا ~~وقال الرأي السديد والفكر المفيد أن تبادر الأسد قبل وقوع النكد وتقصده بما ~~يقصده ولا توصله إلى ما يعتمده ويعول عليه ويجده فالعاقل يتفكر في عواقب ~~الأمور ويفتش بفكر السرور والشرور ويستعمل الحزم وإذا قصد أمرا يصمم بالعزم ~~وناهيك بقصة الثعبان مع الإنسان قال الجمل: أخبرني بتلك القصة والقضية وما ~~ذاك الإنسان وما تلك الحية؟ # قال الدب: ذكروا أن شخصا كان ماهرا في صيد الأفاعي شديد الحرص في تلك ~~المساعي يتشبث بصيدها ولا يبالي من كيدها فبينما هو في بعض الفلوات يسعى إذ ~~صادف أفعى كما قيل: # PageV01P149 # أرقش ظمآن متى عض لفظ ... أمر من صبر ومر وخظظ # قد أثر في الحر الحرق ... واشتط في مكان وهو نائم طبق # فاستبشر الصياد لرؤيته ومديده لقبضه في عقصته فلم يفق الثعبان من رقدته ~~إلا وهو في قبضته فما وسعه إلا أنه تماوت وامتد وتراعى حتى لم يتبق منه عرق ~~مشتد فظن الصياد أنه مات وأن مراده منه قد فات فتحرق لذلك وتألم وحرق عليه ~~الألم ورماه من يده فما استقر بالأرض حتى دار في كبده أن في بطنه خرزة ~~ثمينة مشرقة بهية فاخرة مضيئة فأخرج الشفرة وقصده ومد لتقنيصه يده فلما ~~تحقق الثعبان ما قصده ذلك الإنسان خدعه وختله ثم ضربه فقتله. # وإنما أوردت لك هذا المثل لتحقق أيها الجمل أن المبادرة إلى هلاك العدو ~~أقر للعين وأحلب للهدو وبدون مين ومن فات الفرصة وقع في عصية، وهذا الأسد ~~أن غفلنا عنه أكلنا وأبادنا قصد دمارنا وفسادنا ولا يفيدنا إذ ذاك الندم ~~أنى وقد زلت القدم وتحكم في وجودنا من مخاليب ms089 العدم. قال الجمل: أعلم أيها ~~الرفيق الشفيق والصديق الحقيق أن هذا الملك آوانا وأكرم مثوانا ولم نشاهد ~~منه سوءا ولا من ظلمة باطنة علينا ضوءا ولو قصد أذانا ما وجدنا دافعا ولا ~~مانعا ولا مدافعا وقد علمنا أنه ترك الأذى تعففا لا تخوفا وتكرما ولا تكلفا ~~واختيارا إلا اضطرارا وجبرا لكسرنا إلا إجبارا وأما أنا علي الخصوصية فلم ~~أر منه إلا الجميل والفضل الجزيل والإحسان الطويل العريض والإمتنان الهني ~~العويض ولأي شيء أسرع في نفسي وأنيه على ما يكدرها في حدسي ولم يظهر لي من ~~ذلك إمارة لا بدلالة ولا بإشارة فضلا من سباق أو سياق أو كلام يدل على ~~الفراق والشقاق وأني لو مت كمدا قصدته بأذى أبدا والصيومي ابن الوقت لا ~~يتقيد بنكد ولا مقت فإن قصدني بعد # PageV01P150 # ذلك بشر أو تعرض لي بغدر أو أذية أو إهلاك أو رزية أو فكاك لا يسعني فيه ~~إلا التسليم للقضاء والانقياد لأمر ربي العزيز العليم والرضا على أني غير ~~قادر على مقاومته ولا قوة لي على دفع مخاليبه ومصادمته. وأنا وإن كنت ~~منسوبا إلى التغفل فلا أدع من يدي ذيل التوكل فبالتقويض والتوكل يحصل ~~النجاح والفوز والفلاح والظفر والصلاح، كما جرى لذلك الفلاح مع الذئب ~~والشجاع حال التوكل والانقطاع، قال الدب: كيف كانت تلك القضية أخبرني عنها ~~بعبارة جلية؟ # قال الجمل: ذكروا أن رجلا فلاحا مضى في صبوته سياحا من غير سلاح ولا رفيق ~~فبينما هو في بيداء الطريق مار وسائر إذ صادفه ذئب ذاعر كاسر فقصده الذئب ~~ليكسره ففر وصعد إلى الشجرة فراصد الذئب نزوله وانتظره ليغوله فحبسه وأسره ~~وعن ضروراته # PageV01P151 # حصره. وبينما هو في تلك البلية وقعت عينه على حيه ذات قرون صاعدة وهي على ~~تلك الفروع راقدة فازداد همه وأحاط به وهمه وغمه فبقى بين بليتين وانحصر في ~~داهيتين فلم يجد أوفق من التوكل على الله والإعراض عما سواه فاعتمد متوكلا ~~عليه وفوض الأمر إليه. وبينما هو في تلك الشدة وقد بلغ به ضره حده وإذا ~~برجل ms090 أقبل من الفلا وعلى عاتقه عصا مقبل بها على الذئب مهرولا فلما رآه ~~الذئب على تلك الحالة من قريب وأيقن بهلاكه بما معه من السلاح فر هاربا ~~بالكلاحة فنزل الفلاح من فوق الشجرة وأزال الله تعالى همه وضرره. # وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن الله نعم الوكيل ومن عليه يتوكل فأخرج ~~هذا الوسواس من القلب والرأس ولا تخلع الحذاء قبل الوصول للماء ولا تهتم ~~لأمر ما سيما إذا لم يكن وقع فإن ذلك من أشر البدع فإن قصدنا بسوء فالله ~~بكافيه وسيكفينا فيه. قال الدب هذا رأي القاصر في البعر العاجز في الفكر ~~وأما ذو الفكر الثاقب فلا يغفل عن العواقب وكل من قصر عن العواقب نظره ولم ~~يسد في الأمور فكره فهو كمن تعلقت النار بأهدابه وتشبث لإحراق ثيابه وهو ~~مشغول عن إطفائها متساهل في كشف أضرارها فلم يفق إلا وبه قد نشبت وأعضاؤه ~~بالنار التهبت فماذا تفيده الإقامة وقد صار حراقه؟ قال الجمل: يا أخي # PageV01P152 # أفق من محالك وعالج فساد تصورك وخيالك وانظر قوة جلادك وكيفية حالك ألم ~~تعلم بأن لحمي قد نبت من صدقات الأسد وحبه ثبت في دمي وعظمي وكيف لنعمه ~~أجحد وكيف أريق دمه وأنا غرس صدقاته وبنيان نصفاته ورفيق حضرته وعتيق منته، ~~مع أني لو نبذت عهده وقطعت ما قعطت وعزمت على مناوشته ما استطعت. # أما سمعت قول الشاعر: # هي العنقاء تكبر أن تصادا ... فعائد من قدرت له عنادا # أتريد صيد العقاب بفرخ أم اقتناص الذئاب بجرو الكلاب أم صيد الفهود تبغيه ~~بالقرود أم بالسنانير صيد الأسود الهواصير؟ والله بالأذى لا أقصد الأسد ولا ~~يطاوعني على ذلك قلبي أبدا ولو فعلت ذلك لسعيت في دماري وخراب دياري وجدعت ~~انفي بكفي وبحثت على حتفي بظلفي وجززت بيدي رأسي وقطعت ثديي بفأسي وقلعت ~~بإصبعي مقلتي وسلمت للموت مهجتي وكنت من أكبر المعتدين وأفسدت ديني ودنياي، ~~والله لا يصلح عمل المفسدين فاطو عني عنان هذا الكلام وارتجع عن ذكره ~~بسلام. وكان بالقرب منهما وكر فارة وقد سمعت ms091 ملا جرى بينهما من تلك العبارة ~~فوعت كلامهما وما قاله كل منهما فلما رأى الدب المريد أن كلامه مع الجمل لا ~~يفيد أمسك واحتشم وأخذه على ذلك الندم، واستمر الجمل ف التفكر في معنى هذا ~~الكلام والمقال حتى أداه إلى الهزال وصيره في الانتحال حتى صار كالخلال ~~وذهب منه ما كان عليه من النشاط وداخله الفكر والاحتياط وصار كل يوم في ~~انحطاط وتوهم واختباط. ولم يزل بين هم وغم ورجاء وخوف أعم ففطن له الأسد ~~وتعجب من حاله # PageV01P153 # ولم يعرف ما سبب انهزاله وكان عنده غراب مقدم على جميع الأصحاب هو وزيره ~~ومعتمده وصاحب أخباره وعضده فسأله عن حال الجمل وما شاهده عليه في شدة ~~الخوف والوجل وقال له: أنا عففت عن لحوم الحيوانات وأكلها ورضيت في العيش ~~بأدنى مطعوم من النباتات التي أجدها وهذا قد عرف واستقر مني عليه العمل ~~وصار في بال كلكم حتى الجمل فما لي أراه ليس له مستقر ولا هدوء فكر فأريد ~~أن تعرف لي حاله وتخبرني عن صدقه ومحاله. فتوجه الغراب إلى منزل الجمل ~~وسأله عن هزاله وسبب سقمه وانتحاله فما أجاب جوابا ولا حكي صوابا فطار ~~الغراب يرتقبه وحيث ما توجه يعتقبه ففي بعض الأيام كان الغراب على بعض ~~الأكام فرأى الجمل مقبلا إلى الماء ليطفي بشربه ثورة الظمأ فتخفى الغراب ~~واقتفى أثره وقاربه واختفى وخلف صخرة فقال بعدما شرب وقد رأى سميكات الماء ~~في اللعب: لك الحمد يا رب ما أرحمك وطوبى لك تبارك أسمك لا وزر يوشى تخفن ~~ولا حشم يقوى ترجفن ولا ملك يهولكن ولا سلطان يعولكن ولكن البكاء على ~~المسكين الجمل الذي به ضاقت الحيل وقد وقع في دور البلا المرتجى فصار لا ~~يهتدي إلى طريق النجا بل ولا يدري عاقبة أمره المهول إلى ماذا يؤول إلى ~~الغرق والندامة أم إلى بر السلامة. ثم أخذ في الانتحاب إلى أن أبكى الغراب ~~وشاب من هذا الأمر # PageV01P154 # العجاب. ثم توجه إلى أسد الشرى وعرض عليه ما جرى فتشوش لذلك فكره وسره ms092 ~~وضاق بالهم صدره فقال: أنا عففت عن الشر والأذى وفطمت نفسي عن طيبات الغذا ~~ليأتيني صحابي ويستأنس بي أحبابي فإذا لم يستقر خاطرهم ولم تطمئن على محبتي ~~سرائرهم فأي فائدة لي في الحياة وكيف أخلص في كعبة المودة من كدر العيش إلى ~~صفاة فكل ملك لا تصفو له رعيته ولا ترسخ في قلوب جنده محبته كيف يثبت ~~سلطانه ويساعده عند مهول الشدة أعوانه، أنا بذلت جهدي وطاقتي وتشبثت بأذيال ~~العدل على قدر استطاعتي ليطمئن خاطر الرعية فلم أر لذلك تأثيرا ولا أمنية ~~فلم يبق لي إلا التضرع إلى مثبت القلوب وعلام الغيوب ليكشف لي عن هذه الغمة ~~ويصلح لي هذه الأمة. # ثم تضرع إلى عالم الأسرار أن يطلعه على حقيقة هذه الأخبار وأمر بالاجتماع ~~لطائفة من رؤوس جماعته المقيمين على محبته وطاعته وعرض عليهم هذه الأحوال ~~وطلب منهم اكتشاف ما فيها من الأهوال وقال: أعلموا أني أمنتكم من مخافتي ~~وبذلت لكم بذل عفتي وطاقتي وقد حققتم مرامي وتحققتموه وصدقتم أخلاقي ~~ومطلوبي عرفتموه وعلمتم أخلاقي ومبدأ أعلامي وكل هذا لتطبيب خواطركم وتصفية ~~سرائركم ولم أفعل ذلك عجزا ولا خورا ولا تهاونا ولا سخرا وأنا الآن آمركم ~~بواحدة هي أجل فائدة هي أن لا تكتموا عني شيئا تكرهونه مني بل أوقعوني عليه ~~وأرشدوني إليه ثم اجهدوا أني أمنعه عني فإني فيكم أجل محبوبي من أهدى إلى ~~عيوبي، وقد قال سيد الأنام عليه أفضل الصلاة وأتم السلام اللهم بلغه التحية ~~عنا من غشنا فليس منا. # وإنما أوردت هذا الكلام في هذا المقام بخصوص الخاص والعام # PageV01P155 # على سبيل التخيير والإعلام والتنذير وأقسم بالله العلي الكبير اللطيف ~~الخبير الذي منه المبدأ وإليه المصير لم يكن في خاطري يمنى من أحد ولا هجس ~~ببالي أذى ولا نكد وهاأنا قد أخبرتكم وبإطلاعي أمرتكم فلم يبق لي ذنب منه ~~يستغفر ولا لكم في الإخفاء ما عنه يعتذر، وأن الله لا يعذب بضلال الأسافل ~~بل يهب الأعالي للأراذل فإذا فسد الرأس تغير الناس فيحل البأس ويهيج ~~الوسواس فقد قال ms093 مجري بحر البرية وباريها: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها، فنهض الحاضرون في مقام العبودية والولا وبسطوا ~~ألسنتهم بأنواع الشكر والثناء والدعا ونادوا بكلمة واحدة متفقة متصاعدة ~~حاشا لله ما علمنا عليه من سوء بل لم يزل يطيب على تقصيرنا وجراح خطايانا ~~وأنت الأب الشفوق الذي لا نستطيع لك الوفاء بحقوق. وكان هذا الكلام للأكابر ~~والبادي والحاضر والدب حاضر بينهم فأدرك أن هذا شيء حدث فيما بينهم وحدث ~~نفسه بأن هذا العمل شيء شعر به الأسد من الجمل فأراد المبادرة ليدرك فرطه ~~فسلك في ذلك سبيل المغالطة ثم اختلى بالأسد ولم يكن ثم معهما أحد وقال: كان ~~مولانا الملك أدام الله # PageV01P156 # أيامه ورفع في ميادين العدل أعلامه بأحسن بشيء أوجب تقرير كلامه لطائفة ~~جنده وخدامه وأنا عندي كلام لم يطلع عليه أحد من الأنام، فلذلك لم ابده ~~بحضرة أحد من الجماعة فربما لم يقصد الملك في ذلك الإذاعة ولا يمكنني ~~إخفاؤه وقد آن إبداؤه وأعلم أيها الملك وقاك الله شر كل مهلك أنه كما أن ~~العالم يستخف الجاهل كذلك الجاهل يزدري العالم العاقل وذلك لقصور فهمه وعدم ~~علمه ووكلما أحاط الخادم بمرتبة مخدومه وزاد على قدره في معلومه ازداد في ~~قلبه وروحه وصارت كؤوس خشيته منادمته له في غبوقه وصبوحه، وقد قال رب الأرض ~~والسماء إنما يخشى الله من عباده العلما وقول النبي صلى الله عليه وسلم أنا ~~أعلمكم بالله وأخشاكم لله إشارة إلى هذا المقام، وقال الشاعر: # على قدر علم المرء يعظم خوفه ... فلا عالم إلا من الله خائف # فآمن مكر الله بالله جاهل ... وخائف مكر الله بالله عارف # وكلما ضعفت مرتبة الخادم بالمخدوم قلت قيمته عنده وهذا أمر معلوم، ثم ~~أعلم أن الجمل لطول الأمل قد اغتر بالملك إذ في ذرى أمره سلك وأحسن إليه ~~غاية الإحسان وصار في عدم الوفاء كالإنسان وحصل له من صورة غضبه الأمان ~~فجهل قدره وعدى طورهن وفي ذلك قال الشاعر: # إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أكرمت اللئيم تمردا ms094 # فوضع الندا في موضع السيف بالعدا ... مضر كوضع السيف في موضع الندا # وقد قال الله تعالى: إن الإنسان ليطغى أن رآه استغني وكل نفس لا تحتمل ~~صنع الجميل وحوصلة العصفور لا تسع اللقمة التي يبتلعها الفيل. وناهيك بما ~~قد قيل في بعض الأقاويل عن حماقة كل # PageV01P157 # طويل فلا جرم في فساد دماغه حين حصل على فراغه وتطاولت نفسه في سراها إلى ~~أشياء لا يمكن إفشاها لأن ذكرها قبيح والكناية أبلغ من التصريح. فلما سمع ~~الأسد هذا المقال والبيان علم ببديهة العقل أنه زور ومحال وبهتان ثم أرسل ~~إلى الغراب ليميز الخطأ من الصواب ويبين القشر من اللباب والماء من الحباب ~~فاستدعاه إلى حضرته وجلا صورة هذا القول على مراتب فكرته فقال الغراب: ~~ضميرك المبارك في حل هذا المشكل لا يشارك فإنه حلال المشكلات موضح ~~المعضلات، وأما أنا فلا أقبل هذا الكلام ولا يقبل في الجمل عندي ما فإني ~~أعرف تواضعه وسكنته وصبره واحتماله وطاعته وإخلاصه وقناعته وأنه صادق في ~~محبته مخلص في هبوديته فاعرف أن خوفه من الملك غالب على رجائه وأنه مقيم ~~على سنن عهوده ووفائه ولو أراد الذهاب لذهب بسلام فلا في وطيفته قيد ولا في ~~وتيرته حزام، ثم قال الغراب والغالب على ظن ذوي الألباب أن الدب قصد بإلقاء ~~الفتنة إلقاء الجمل في الجب فالملك لا يبادر في هذه القضية حتى يتبصر الأمر ~~على حقيقة جلية وحاشاه أن يفرط في عبيده المخلصين من غير أن يتدبر أمرهم ~~بيقين، فالملك يختلي بعبده أبي أيوب ويستكشف منه أستار العيوب بعد استجلاب ~~خاطره وتطييب ضمائره وسرائره فاستصوب. الأسد هذا الفضل واستخلى بالجمل ليقف ~~منه على الأصل ويسكن جأشه وأزال بلطف الكلام الجأشه وشكر في خدمته مساعيه ~~وطلب بملاطفته مراضيه ثم طلب من الجمل تفصيل ما بلغه من جهل وأكد قوله ~~بالإيمان أنه لو صدر منه تقصير ونقصان فإنه قد عفا عن هفواته ولا يطالبه ~~أبدا بذلاته فيطلقه على كيفية الحال ويذكر ما دفع منه من فعل وقال، فافتكر ~~الجمل في ms095 معاهدته مع الدب وأنه لا يفشي سره لأحد وشهد بذلك الرب وقال: إن # PageV01P158 # تكلمت أضعت صاحبي وإن سكت قصرت في جانبي ثم اختار كتم الأسرار وسلوك طريق ~~الأحرار على حد قول الشاعر: # وإن أودعوا سرا رأيت صدورهم ... كنوزا لأسرار تنزه عن نقل # وحفظ العهود ووفى بالعقود وقال أسعد الله مولانا الذي بجهوده ووجوده ~~أحيانا وبخير أنه ربانا أني أتفكر في عواقب الأمور وتقلبات الدهور وأخشى ~~سطوات السلطان وأخاف من حوادث الزمان فلا أزال في هذا الخيال في انتحال ~~وهزال إلى أن صرت في هذا الحال، فإن كان هذا ذنبا يوجب العقوبة فإن في ~~إزالته من خاطري صعوبة فإن هذه أوهام لا أملك منعهما ولا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها. قال الأسد له: هل أطلعت على ما يوجب ذلك أو يدل على الإلقاء في ~~المهالك وتضييق المسالك من حركات أفعالي أو فلتات أقوالي أو تقلبات أحوالي ~~أو نقل إليك ناقل من عاقل أو جاهل؟ فأفحم الجمل عن الجواب وأطرق فلم ينطق ~~بخطأ ولا صواب فقال الغراب: يا جمل لا ينجيك إلا الصدق وكشف ابتعاد الدب عن ~~وجه الحق، وكان حاضر هذه النجوى بقر وحشي أعمى وهم عنه غافلون وعن استماعه ~~ذاهلون ففي الحال توجه إلى الدب وحكى صورة ما جرى كتخبير البائع لمن اشترى: # PageV01P159 # فعلم الدب أنه افتضح وسره اتضح فنهض وما قعد ودخل على الأسد فرأى الجمل ~~مطرقا فأبقوه منطقا فمد صولجان اللسان وخلف كثرة البيان وسابق بالكلام خوفا ~~من الكلام وقال بلسان طلق كلاما غير قلق أعلم يا لئيم أنك لو سكت عن كلامك ~~القبيح في وقتك الفسيح لكن أصوب وأحسن وأعجب، ألم تعلم أنك لما فهت بما فهت ~~وقلت ما قلت قصدت به هلاك الملك وهذا من قبح شيمك وقد أزال الله سترك وأبدى ~~أمرك لا جرم جرمك حسبك يكفيك أمسك أخرصك ربك العظيم بإثمك، فأبهت الأسد من ~~هذا الكلام وتحير الغراب من هذا الأمر العجاب ووقعوا في الارتياب واشتبه ~~الباطل بالصواب فقال الجمل للدب: يا فقير اللب ms096 يا قليل الصفة وعديم المعرفة ~~وأنحس أفاك وأنجس تباك أتظن أني عاجزا عن كلامك وخطابك م قاصر عن تجيهك ~~وملامك أما تعي أني قصدت ستر عورتك وأطفأ نارك وهلكتك وتفكري في تلافي ~~قضيتك وإخماد شر مصيبتك وإهماد ضرام فتنتك وعلى تقدير # PageV01P160 # التسليم وإني قلت هذا القول العظيم أكنت معك منفردا أم رأيت بيننا أحدا؟ ~~فإن كان بيننا أحد فاحضره إلى حضرة الملك فإني أرضى به أن يبين ولا دافع لي ~~فيما أقول وأمعن ولا مطعن وإن كنت أنت وحدك فما منعك عن نصح الملك وسدك ~~فأنت إذا خائن أو بائن وهذا أمر ظاهر باين والله مالك مثل مع المسكين الجمل ~~إلا امرأة النجار لما دخلت الدار قال الأسد الهصور: اخبرنا يا أبا أيوب كيف ~~كان هذا الحديث؟ لنقف به على سر هذا الدب الخبيث. # قال الجمل: بلغني من رواة الأخبار أنه كان رجل نجار له زوجة تخجل ~~الأقهمار كأنها الدنيا بحسن صورتها وتقبح بخبث سيرتها فكانت كلما رقد زوجها ~~وهو تعبان انسابت إلى الرفاق والإخوان انسياب الثعبان فتقضي الليل ~~بالانشارح وتغيب إلى وقت الصباح ثم تنشيى عائدة فلا يستيقظ الزوج إلا وهي ~~عنده، راقدة ففطن النجار لفعلها وراقب ليلة ختلها فتراقد في الفراش وخرجت ~~هي لطلب الهراش فنهض ورآها النجار وأرصد باب الدار واستمرت هي وصاحبها ~~وزوجها يراقبها فلما عادت راجعة وجدت الدار مانعة فطرقت الباب من غير ~~اكتراث وارتياب فناداها يا خائنة اذهبي حيث كنت كائنة فقالت استر لي هذه ~~الذنوب فإني بعد اليوم أتوب فقال: لا والله الرحمن حتى تفتضحي بين هؤلاء ~~الجيران فقالت الموت أهون لي من الفضيحة فاستر لي هذه القبيحة ولحت عليه ~~وتضرعت لديه فلم يفتح لها بابا ولم يرد عليها جوابا فقالت والله اللطيف ~~الخبير لئن لم تفتح لي لألقين نفسي في هذا البير ولأرمينك في فتيل بين ~~الجليل ووالحقير ثم عمدت إلى حجر كبير وطرحته ف البير ثم التصقت بالباب ~~لتنظر ما يبرزه القضاء من الحجاب، فلما سمع زوجها حسن إلقاء الحجر فتح ms097 ~~الباب وإلى البئر # PageV01P161 # ابتدر وتصور أن تلك الباغية ألقت نفسها في الهاوية فما توقفت أن دخلت ~~الدار وأغلقت الباب دون زوجها النجار وأحكمت الابتهاج وأوقدت السراج وملأت ~~الدنيا بالعياط وأخذت في الهباط والمياط، فاجتمع الجيران ونظروا ما هذا ~~الإنسان فقالت هذا الرجل الظالم لم يتركني كل ليلة حتى أنام ثم يتوجه إلى ~~الزواني ويتركني حتى أقاسي القلق والوحدة والهيام فأخذ الزوج يحلف بالله ذي ~~الجلال ويذكر للجماعة حقيقة هذا الحال فمنهم من يصدق ومنهم من يكذب وهو ما ~~بين مصدق ومكذب فلم يزالا على عويل وصياح إلى الفجر والصباح فحضرا إلى ~~القاضي واختصمها وشهدوا بصلاح الرجل والصلحا والعلما واحتمعت الألسن ~~الصادقة وأجمعت بمقالاتها ناطقة أن المرأة زانية فاسقة ولولا ذلك لذهب ~~البري غلطا وانقلب صواب المحق الصادق خطأ والرجل إذا غلب عن فعل الشجعان ~~يستعمل أفعال حبائل الشيطان ويتشبث بمكر النسوان العظيم الخسران وإنما ~~أوردت هذا المثل لتعلم خيانة الدب وبراءة الجمل فعلم الأسد باطن القضية ~~بالقوة الذهنية وكان اسجان ماهر ثعلب وصفه كاسمه ساحر أمره بتسلمهما وأوصاه ~~أن يحتفظ بهما لما استقرا في قبضة الحبس واستمر أمرهما تحت آثار اللبس ~~توجهت الفأرة التي كانت سمعت مناجاتهما واطلعت من أول الأمر على حكاياتهما ~~إلى الساحر السجان وسأله عما آل إليه أمرهما من الشأن فأخبرهما بحالهما وعن ~~عاقبة أمرهما وأنه ليس # PageV01P162 # بعالم أيهما المظلوم وأيهما الظالم فقال الفأرة أسألك يا ذا الشطارة ~~والذكاء والمهارة أن ترجح لأحدهما الجانب وتبين الصادق من الكاذب وتبين ~~المرضى عنه والمغضوب عليه تطلعني على ذلك لأنظر إليه فقال الساحر للفأرة: ~~لقد فهمت عنك الإشارة أن لك إطلاعا على هذا الأمر وفرقا جليا بين التمر ~~والجمر فإن كنت شممت من ذلك روائح فبادري بأداء تلك النصائح فإن قولك مقبول ~~ولك الفضل على الفضول ولا تقصدي بهذا الإرشاد إلا مصلحة العباد وكشف الغمة ~~وبراءة الذمة وردع الظالم وخلاص ذمة الحاكم قالت الفأرة لا أقصد الإصلاح ~~ذات البين وشمولها بطاعة الملك حتى يصيرا متحابين ويرتفع النكد ويحصل رضاء ~~الأسد ms098 ويزول الضرر والضمير ويختم عاقبتهما بالخير قالت لقد سمعت من العلما ~~ونصائح الحكما ومقالات ذوي الآراء قالوا لا يتكلم في أمور الملك بيضاء ولا ~~سوداء وابن الجرزان من الأسد والقطران من الشهد قال الساحر: لا تقولي ذلك ~~ولا تستحقري بحالح ودونك القول الصادر الذي قاله الشاعر: # لا تحقرن الرأي وهو موافق ... حكيك الصواب إذا أتى من ناقص # فالدر وهو أجل شيء يقتنى ... ما حط قيمته هوان الغائص # وقال الآخر: # لا تحقر الرأي يأتيك الحقير به ... فالنحل وهو ذباب طائر العسل # PageV01P163 # والنصيحة كالعسل والحق يصدع كالأسل فالعسل يعطي الحلاوة في ذوقه سواء كان ~~في صحيفة الذهب أو في زقه وقاصد الصلاح والنصيحة ومن أعراضه لدفع الفساد ~~صحيحه مخاطر بنفسه وماله ويراقب حسن حاله وأفضل المعروف إغاثة الملهوف وقد ~~سمعت في المثل السائر أفضل الجهاد كلمة حق عند أمير جائر وهذا الطول عند ~~ضمر الحول وكيف وملكنا أعدل الحكام وناصر دين الإسلام منصفه بمكارم الأخلاق ~~والشيم يعامل الكبير والصغير بالمراحم والكرم فإن كنت تدري بهجة الانتفاع ~~أو لك على قضايا الدب والجمل اطلاع فقولي وانصحي واظهري الحق تنجي وتفلحي ~~كما فعل الوزير المنتخب مع كسرى لما استولى عليه الغضب قالت الفأرة أخبرني ~~أيها الأمين بذلك الفعل الكمين قال الساحر: ذكر المؤرخون وسطر المسطرون أنه ~~كان فيما تقدم من الزمان لكسرى أنوشروان زوجة يخجل الأغصان قدها ويفضح ~~الأقمار خدمها وهي من بنات الملوك قتل أباها وأخاها زوجها الفتوك وكان ~~مشغوفا بحبها ومتخوفا من تشويش فكره لئلا تتذكر قتيلها وتتحيل في أخذ ثأرها ~~وهو لم يزل متحرزا من أفعالها مراقبا من أحوالها وفلتات لسانها في أقوالهان ~~فاتفق أنه كان جالسا معها على السرير وحولها من الجواري الحسان كل بدر منير ~~فاشتاقت نفسه إليها فوضع يده عليها فنظرت إلى الجواري فرأت أعينهن إليها ~~ناظرة فصارت بين طرفي الانقياد والامتناع حائرة، وكانت قد سمعت من أبيها ما ~~روته عن أقاربها وذويها وهو أني لأستحي أن أباضع في بيت فيه نرجس لأنه يشبه ~~العيون الناظرة فخطر ببالها ms099 أنه إذا استحى من عيون النرجس وهي جامدة فكيف ~~لا أستحي أنا من النساء في المراقبة وهي غير راقدة، فغلب عليها وأراد قضاء ~~وطره منها فانكمشت وزادها الحيا من كسرى انقباضا فجذبها إليه # PageV01P164 # فانفلتت منه وعليه استعصت فوقع عن سريره العالي وعلا خلقه الغالي وتذكر ~~ما هي عليه من أخذ الثأر وأسود قلبه لما غار وأضرمت في أحشائه النار فدعا ~~وزيره الكبير ودفع إليه ربة السرير وأمره بإزهاق نفسها وإسكانها في رمسها ~~من غير مراجعة ولا شفاعة ولا مدافعة، فحملها إلى منزله ووقع في صعب الأمر ~~ومشكله ولم يفعل شيئا من إمضاء مرسومه وامتثال أوامر مخدومه ثم تدبر في ~~المآل ونادته ربة الخلخال وقالت: أيها الوزير الناصح المشير صاحب الرأي ~~والتدبير هبني أنا خاطيه ولا يرضى الملك بتائبة فما ذنب الذي في بطني ~~المودع من الملك الذي لم يجني فلا بأس من أن تعاوده وبالإشارة تراوده وإن ~~كان ولابد من قتلي فاستمهله إلى أن أضع ثم تهلك الأم ويبقى التبع، فإنه كان ~~يعطى النذور والمال ويطلب الولد في ظلمات الليالي ويدعو بذلك ربه ذا ~~الجلال، وإن أبى إلا القتل فعلى الله المتكل فعرض الوزير ذلك على آرائه ~~بالصريح لا الإشارة واستعمل فيه أحسن عبارة فأبى فعرف أخلاقه ثائرة وأنه ~~لابد من أن تنطفي تلك الثائرة فإذا برد قلبه وزال كربه فيطالبه بالفرع إن ~~لم يطلب الأصل وبعد القطع لا يمكن الوصل. فرأى الوزير المصلحة في التأخير ~~فأودعها عند الحريم # PageV01P165 # للتخليد وسلك في الحزم الرأي السديد وجعل نفسه لها وقاية إلى أن أخذت ~~مدتها النهاية فوضعت ولدا ذكرا كأنه غصن بان مثمرا قمرا فقام الوزير ~~بتربيته وإصلاح إرضاعه وأغذيته إلى أن بلغ سبع سنين وهو كالبدر المنير ~~والدر الثمين مربى بالدلال معبا بالكمال كأنه هو المقصود في قول الشاعر: # في تلمهد ينطق عن سعادة جده ... أثر الحنا به ساطع البرهان # فاتفق أن كسرى ركب للصيد في عسكر ونرايد فتفرق العساكر عدا وبقي كسرى ~~فصادف غزالين يسوقان لهما ولدا خشفا بلا مين ms100 كما قيل شعر: # بروحي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها # فهجم عليهما فتخليا عن ولدهما ففوق السهم الخفيف نحو الحشف الضعيف فلما ~~رأت أمه السهم داخلها الوهم فتصدرت للسهم دون ولدها واستقبلت نصله بكبدها ~~فأراد إطلاق السهم من الكبد ليصيب به الولد فاعترضه الوالد بصدره وتلقاه ~~دونها بنحره وجعل نفسه وقاية لأم ولده وفداها بروحه وجسده فتذكر كسرى أم ~~ولده وندم على ما قدمه وتضاعف حزنه عليها وهمه وغمه وتذكر ما سلف منه في حق ~~زوجته وما عاملها وولدها فاشتعلت النار في مهجته وقال: إذا كان هذا الحيوان ~~الخلي من العقل حمى بروحه ولده وزوجته وجعل نفسه من الأذى لهما وقاية حيث ~~ألفته # PageV01P166 # ومع ذلك فهو حيوان أبكم صامت لا يتكلم، فإذا كانت هذه حالته فلم لم يفعل ~~ذلك الحيوان. الناطق ثم فاضت دموع عينيه ورمى القوس من يديه ورجع مفكرا ~~وعلى ما فرط منه متحسرا ودعى ذلك الوزير وقال: الصبر نعم النصير وكان قد ~~سبق من المملوك الإشارة ولكن المفرط أولى بالخسارة، فالصديق الصادق والشفيق ~~الموافق يقول ما أنصع نصحت فلم يسمع والمحب الممارق والحسود المنافق يقول ~~أردت أقول ولكن تركت الفضول ولا حيلة للملك والوزير فيما جرى به التقدير، ~~ثم دعى للملك وانصرف وعبأ حملا من الهدايا والتحف وألبس ابن الملك أفخر ~~ملبوس وجهز أمه كما تجهز العروس وأضاف إلى ذلك من المراكب الملوكية ~~والخدامات السلطانية وأقبل بها عليه وأعرض ذلك إليه وقال: يا ملك الزمان ~~أنا كنت راقبت هذا اليوم في ذلك الزمان وعلمت أن الندم سيعم من الرأس إلى ~~القدم وها قد قدمت للملك من التحف الدر مع الصدف والثمر مع الشجر والشمس مع ~~القمر متعك الله بهما ومتعهما بك وحرس من الأسواء عزيز جنابك، فلما رأى ~~كسرى ذلك سر قلبه وانشرح صدره وأغمي عليه من شدة الفرح كما قال الشاعر: # طفح السرور علي حتى أنه ... من عظم ما قد سرني أبكاني # يا عين قد صار البكا لك عادة ... تبكين من فرح ومن ms101 أحزاني # ثم أمر ببساط السرور وجلس في النشاط والحبور وقال أيضا شعرا: # أهلا وسهلا بالتي ... جادت علي بليلتي # أهلا بها وبوصلها ... من بعد طول الهجرة # أدر المدام وغن لي ... أهلا وسهلا بالتي # PageV01P167 # ثم أفاض خلع الأنعام والكرم والاحترام على الوزير وشكر له حسن التدبير ~~وارتفعت عنده منزلته وتضاعفت في الارتقاء مرتبته. # وإنما أوردت هذه الأمثال لتجري على هذا المنوال فإن كان عندك ما ينفي ~~الشك والأغاليط ويحقق الحق ويميز الأخاليط فإن في إبدائه منة عظيمة ونعمة ~~على الملك جسيمة ستبلغين بها إلى العيش الهني والمقام العلي السني. وإن أنت ~~أخرت النصيحة فقد شاركت الخائن في أفعاله القبيحة. قالت الفأرة: ما أدق ما ~~نظرت وأحق ما إليه أشرت لا تردد للعقل في هذا النقل ولكن من أنا في الرقعة ~~وما الفأرة حتى تطلب الرفعة وأنا لست في العير ولا في النفير وإني من أول ~~عمري ومبدأ أمري في زوايا الخمول أتحرز من فضلات الفضول لا لصحة في ولا لي ~~صورة جميلة ولا لي في طريق السلوك سيرة نبيلة لا أمينة ولا ثقة وخير أسمائي ~~الفاسقة فأنى أصير مصدقة أو أمينة موثقة وقد أباح سيد العرب والعجم معدن ~~الفضل والكرم المبعوث لتتميم مكارم الشيم صلى الله عليه وسلم قتلي في الحرم ~~والحل فلو طلبت محلة من فوقي لخرجت عن طائرة طوقي وصيرت نفسي ضحكة للناظرين ~~ومرآة للساخرين خصوصا ملك الأسود وسلطان النمور والفهود ورحم الله امرءا ~~عرف قدره ولم يتعد طوره، ومن أعجب العجب أن نخشى من شوك العنب ومن أحسن ~~الأمثال ما يقال إن السلطان للأنام بمنزلة الحمام، البعيد عنه يطلب قربه ~~والداخل فيه يشكو كربه فاللائق بحالي أن لا أشغل بالي الخالي بما لا يليق ~~بي وبأمثالي حيث أشرت إلى بادي النصيحة في بيان الحال الفاسدة من الحالة ~~الصحيحة طلبا لمرضات الملك وصونا لخاطره عن الأمر المشتبك المرتبك، فأنا ~~أمتثل مرسومك وأودع ذلك معلومك بشرط أن لا تذكرني بصفة ولا # PageV01P168 # تشير بنكرة ولا معرفة لا لصوني ورفعة قدري بل لتنزيه ms102 الأفواه عن ذكرى ~~مقاصدها على ما اشترطت، فمدت القول وبسطت ثم ذكرت ما جرى وما كانت وقعت ~~عليه من ذلك الخبر من كلام الدب في الجمل وما صدر بينهما من قول وعمل وفصلت ~~تلك الفصول وقررت براءة الجمل بطريق المعقول والمنقول. # فلما اتضح للثعلب براءة ساحة عرض الجمل وأن الدب هو الذي أغراه على قصد ~~الأسد وحمل وتحقق ذلك بالبرهان الساطع والدليل القاطع توجه إلى حضرة الأسد ~~وأخبره بما صلح من الأمر وما فسد وإنما تأخر عن خدمة مخدومه ليصل ما في جيب ~~الغيب من مكتومه، فلما اتضح لليث ما في هذا الأمر من صلاح وغش وتبين أن ~~الصالح الجمل والطالح الدب أرسل إلى الغارب وأعرض عليه هذا الأمر العجاب ~~وطلب منه الإرشاد إلى هدم ما بناه الدب من الإيقاع وشاد، قال الرأي عندي أن ~~تجتمع العساكر وتجهز الندا بالاجتماع للبادي والحاضر وتحضر الدب والجمل ~~وتعرض على الجميع هذا العمل فإذا ظهر الحق وانكشف الباطل عن وجه الصدوق ~~وتبين الظالم من المظلوم وتعيين الصحيح من المثلوم ترآى برأيك السعيد ما ~~يقتضيه وتسلك ما ترتضيه بحيث لا ينتظر في ذلك عنزان ولا يختلف عليك اثنان. # فلما كان ثاني يوم من أمر الأسد اجتمع القوم الكبير والصغير والمأمور ~~والأمير ثم اعتلى الأسد أعلى السرير وأثنى على الله اللطيف الخبير ثم ذكر ~~ما أهمه من هذه القضية المهمة وذكر فضل هذه الأمة وما لها من رفعة وجلالة ~~وأنها لا تجتمع على ضلالة ثم قال ما تقولون في رفيقين شقيقين صديقين لم تكن ~~بينهما مكالحة ولا منازعة ولا محايمة سوى المحبة والممالحة والمودة الصالحة ~~يبيتان # PageV01P169 # في فراش ويستعينان على حسن المعاش أحدهما خان رفيقه من غير سبب وسعى في ~~إراقة دمه وإذلال قدره وعدم وجوده بوجود عدمه فماذا يجب على هذا الحاسد ~~المنافق الفاسد في ترويج باطله الكاسد وقصده ذلك البري الصالح السري الفاهم ~~والسعي به إلى الحاكم وإلقائهم بسببه الآثام وارتكاب الجرائم وحمل هذه ~~العظائم؟ فأجاب الجمهور أن من أكبر الكبائر قول الزور ms103 وأن مرتكبه الأثيم ~~استوجب العذاب الأليم ومن هو هذا الجريء الكذاب الذي يرتكب مثل هذه العظائم ~~الهائلة في مثل هذه الدولة العظيمة العادلة ولأي شيء يؤخر جزاه ولا يحسم ~~دواه ولا يضرب ولا يشهر ولا يؤمر بالمعروف في مثل هذا المنكر. قال الأسد ~~فاكتبوا ما قلتم محاضر وليعلم الغائب الحاضر حتى إذا وقع الاتفاق وارتفع ~~هذا الخلاف والشقاق وأجمع على ذلك العقل والجمع، فقالوا فيه ما يقتضيه ~~الشرع فاتبعوا شرورهم وكتبوا بذلك خطوطهم فعند ذلك طلب الأسد الفأرة ~~واستنطقها بما تعلم واستشهدها على الدب بما تكلم فشهدت بما به سمعت في وجهه ~~ورقمت بذلك خطها ووضعته في مبيضته وزكاها الحاضرون وشهد بزهدها وصلاحها ~~السامعون والناظرون واتفقوا على حقيقة صدقها وتحقق منطوقها فتهلل وجه الجمل ~~بهذا القول والعمل، وظهرت على صفحات الدب العديم اللب علامة الفضيحة ~~والانكسار والخسران والدمار والبوار فلم يسعه أنه أذعن حيث لم يكن له في ~~ذلك رافع ولا مطعن، فأمر الأسد بالدب أن يلقى من العلا في جب وأن السباع ~~تحتوشه والضباع تفترسه، ففي الحال نهشته الذئاب وفرسته الكلاب وخطفته ~~النمور وقطعته الببور والتهمه السباع والتقمه الضباع فبعضوعه وقطعوه ووزعوه ~~وحرقوه ومزقوه ولم يكتفوا بعظمه وأهابه حتى لحسوا دمه من يابس ترابه وكانوا ~~قد امتد بهم الغم # PageV01P170 # فأطفئوا بدمه ولحمه بعض الضرم وزال عن أبي أيوب الضرر وضاعف الله تعالى ~~عبر براءة ساحته أصناف الحمد والشكر وارتفعت منزلة ذلك الحر وزادت حرمته ~~وعلت مروءته ومرتبته. # وفايدة هذا المثل الجاري بين الدب والجمل معرفة فائدة الأمانة ووخامة ~~المكر والخيانة وأن الله تعالى غير مضيع أهله وأن المكر السيء لا يحيق إلا ~~بأهله وهذا آخر باب الأسد الصالح والجمل الأمين الناصح والعاقبة للمتقين ~~ولا عدوان إلا على الظالمين والله الموفق والمعين والحمد لله رب العالمين. # PageV01P171 # فراغ # PageV01P172 ### | الباب السابع # في ذكر العقاب والحجلتين # PageV01P173 # فراغ # PageV01P174 # قال الحكيم مرزبان: بلغني أنه كان في بعض ولايات أذربيجان جبل يسمى ~~السماك في العلو يباهي به الأفلاك في السمو المياه والأشجار كثير النبات ~~والثمار في ms104 قلبه شجرة عالية قطوفها دانية، وفي ظل الشجرة مأوى لحجلتين ذكر ~~وأنثى وصل إليهما ذلك المكان إرثا هو وطنهما ومستقرهما المألوف وبالقرب من ~~ذلك الجبل جبل مقارن يسمى القارن لو قصد البد سوره أو رفع رأسه ينظر دوره ~~أو يلقي فيه شعاعه ونوره لرمى عن رأسه طرطوره سمير عقاب عالي الجناب هو ملك ~~تلك الطيور وبيده أزمة الأمور وجوارح ذلك الصائح تحت طاعته منتظمون في ~~خدمته. وكانت الحجلتان كلما فرخت أو قاربت أفراخها الطيران عزم العقاب ~~بالاجناد على التنزه والاصطياد فيصل بجماعته والأعوان إلى الجبل الذي فيه ~~الحجلتان فتدب الأفراخ تحت أقدامها العساكر وتصير طعمة لعساكر ذلك الطائر ~~فتقع الحجلتان في الفكر والأحزان، فلم يزالا في نكد على فقد الولد فافتكرتا ~~في بعض الأيام فيما هما عليه من الآلام وترادف الأنكاد على ممر الأعوام ~~فقال الذكر للأنثى: قد # PageV01P175 # قاربت الشمس عمرنا الأفول وقدم بقائنا بزل ويزول وليس لنا من يذكر الله ~~بعدنا ولا يحيي آثارنا عند فقدنا وقد قضينا العمر في الأنكاد في الخوف ~~وفراق الأولاد وبعد وفاتنا يمحي اسمنا ويندرس رسمنا فلا حياة هنية ولا أخرى ~~رضية، وإني على فراق قرة العين محزون فإنا لله وإنا لله راجعون وهذا أمر ~~صرنا به مخصوصين على وجه المذلة والشين، ومثلنا كمن جمع المال من حله ومن ~~غير حله وتركه بعد الكد والحرص إلى غير أهله كما قيل: # تؤديه مذموما إلى غير أهله ... فيأكله عفوا وأنت دفين # ولا طاقة لنا في دفع جيش العقاب ولا حيلة إلى باب الخلاص من هذا العقاب ~~ومضى العمر في هذا الويل وقد أشبهنا النائم على طرق السبل، فإن ذبينا عن ~~أنفسنا ربما أغفلونا وطرحونا أو ازهونا في مهلكة تدير علينا من العنا ~~طاحونا، فالرأي عندي أن نترك هذا الوطن ونرحل إلى مقام لا نرى فيه تلك ~~المحن فقد فرغ الصبر على فراق الولد ولم يبق قلب يحتمل هذا الألم والنكد ~~كما قيل: # PageV01P176 # وذاك لأن المرء يحيى بلا يد ... ورجل ولا تلقاه يحيى بلا كبد # قالت الأنثى: ms105 لقد أعربت عما في فكري وشرحت ما كان يجول أبدا في صدري وهذا ~~البلاء نحن فيه سواء ومحنة قد أعياني في برئها الدواء ومصيبة هدت مني الحيل ~~والقوى كما قيل: # بي مثل ما بك يا حمامة فاندبي ... لم يدر مر الصبر إلا من أكل # وأنا لم أخل قط في وقت من هاذ الفكر الذي أوجبه الهم والمقت والذكر واعلم ~~أن سهام العقلا وتوجهات أفكار ذوي النظر من الحكما والنبلا إنما تصدر عن ~~قوس واحدة وتتوجه إلى غرض فرد طرقه غير متعددة. وقالت الحكما وأولوا ~~التجارب والعقلا: بل أطلق أرباب العقول وأئمة الدين وأصحاب الأصول أن قضايا ~~العقل كلها صادقة وألسنتها فيما تحكمه بالصدق ناطقة، غير أن كثيرا ما ~~تتعقبه القضايا العقلية بالقضايا الوهمية فيقع الخطأ في القضايا الوهمية ~~فيتصور أنها قضايا عقلية وإلا فالقضايا العقلية لا يقع فيها الخطأ البتة ~~وقذفت رشيد العقل بحبل بال كثير المنافع غزير المقال فإن كل من قصد الصعود ~~إليه أو توجه إلى الارتقاء عليه لا يتيسر له ذلك لا من طريق واحدة منها يصل ~~إلى الفائدة وعلى # PageV01P177 # هذا فطريق المعاشرة وسبيل المباشرة مع العقلاء وذوي الآراء الزكية في ~~العداوة والبغضا والصداقة والكدورة والرياقه واللطافة والكثافة والخوف ~~والرجا والانتهاء والابتداء إنما هو من باب واحد لا من طرق متعددة. ولأجل ~~هذا ملوك هذا الطريق الأمر معهم متيسر لا متعذر ولا متعسر وإن خيط هذه ~~السموط بالاستقامة مضبوط وبالصلاح مربوط بخلاف الجهال والخلعا والحمقى ~~والسفها فإن أمورهم متفرطة وأفكارهم وآراؤهم غير منضبطة فتكد خواطر العقلاء ~~في تعليمهم وتعيى طبيب الفكر في معالجة أخفهم وإصلاح سعيهم كما قيل: # إني لآمن من عدو عاقل ... وأخاف خل يعتريه جنون # والعقل زين للفتى وطريقه ... نجح وخير والجنون فنون # ولهذا قيل: معادات العاقل خير من مصادقة الجاهل، ثم قالت الأنثى: أما ~~سمعت حديث أشرف الإنسان سيد ولد عدنان الذي خلقت من أجل الأكوان "حب الوطن ~~من الإيمان" وقد ألفنا وطننا وحبه وقطع أصول محبتنا صعبة خصوصا وهو في معزل ~~عن طرق ms106 الجوارح ومكن عن طوارق السوانح والبوارح، وإنما تعرض لأولادنا تلك ~~الآفات والعاضة من تراكم العساكر وما يحصل من إقدامها من الكثافة وأخاف إن ~~انتقلنا من هذا الوطن يخرج من أيدينا هذا السكن ولا نحصل على مأوى يليق ولا ~~توافقنا الغربة أو يمنع مانع في الطريق فنقصد الريح فيذهب راس المال فنخسر ~~ما في أيدينا في الحال ولا يحصل المأوى في الاستقبال كيف وهو مسقط رأسنا ~~ومحل أنسنا وإيناسنا؟ فالأولى لنا الرضى والانقياد لأوامر القضا وملازمة ~~الوطن القديم والسكون تحت تقدير العزيز العليم، وقد قيل إنما يشفى العليل ~~إذا ترك مشتهيات نفسه وقيد متمنياته في حبسه # PageV01P178 # ولا بد للمرء في بلوغ المنى من ترك المراد والقانع من قطع النظر عن ~~الازدياد وقد قيل الحزم رفض الشهوات وكل ما هو آت آت. وإنما وقائع الأنكاد ~~من جهة الأولاد وما يقع منها من كل عام فتجيبها إحدى ما يقع من نوايب ~~الأيام ونحن بل كل المخلوقات عرضة للنوايت والآفات وطعمة للمقدور وحوادث ~~الدهور ولو انتقلنا من الوطن وتحولنا عن هذا السكن وبعدنا عن الأقارب ~~وجاورنا الأعداء والأجانب ونزعنا عن الحبايب ومعارفنا من الأجانب لا يطيب ~~لنا مقام وتتكدر أوقاتنا على ممر الأيام ولا نزال بين تذكر الوطن المألوف ~~والتحنن إلى رؤية الصاحب الألوف، فتسهيل هذه الأنكاد مفارقة الأولاد. واعلم ~~أنه لو تيسر لما مع الانتقال انتظام الأمور واستقامة الأحوال وحصلت الأولاد ~~وزالت الأنكاد وصفا الوقت بزوال المقت فإن الخاطر يشتغل من حين وجدان الولد ~~ويتعلق بمصالحه القلب والجسد وتصرف الهمة إلى القيام بمصالح إلى حين ترعرعه ~~وارتياشه ويتعلق القلب بمحبته والإلتفات إلى عمل مصلحته ويزداد ذلك يوما ~~فيوما وشهرا وشهرا وعاما فعاما فإن أدركه والعياذ بالله من ذلك ألم أو ~~أصابه ضرر أو سقم التهبت عليه الجوارح واستولت به الهموم على القلب ~~والجوارح، فإن آل إلى الموت واستحال إلى الفوت فهو المصيبة العظمى والطامة ~~الكبرى وإن سلم من هذه العاهات وبلغ سالما من هذه المخالفات فتزداد كلفته ~~وتتضاعف مؤنته ويركب والده في ذلك ms107 كل صعب وذلول ويذهبان في مذهب في كل عرض ~~وطول ويكتسبان من الحلال والحرام ويتحملان المشاق والآثام، هذا إذا كان ~~مطيعا ولأبويه منقادا سميعا وأما إذا ركب جموح العقوق ونسي ما لهما عليه من ~~الحقوق فهي مصيبة أخرى وداهية كبرى ويصير كما قيل: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد # PageV01P179 # وعلى كل قدير وأنت بهذا خبير وبدقائقه عليم أن الأولاد بين الأبوين وبين ~~الآخرة سد عظيم لا تخلص من الالتفات إليهم لله طاعة وأغلى الانقطاع منهم ~~إلى طريق الآخرة استطاعه، وناهيك بأهل الذكاء والفطنة قول من أنقذك من هذه ~~المحنة إنما أموالكم وأولادكم فتنة فاسمع هذا الكلام بأذن التحقيق واسلك في ~~سير معانيه أوفى طريق وحقق يا ذا الإرشاد أن وجود الأولاد عند ذوي البصيرة ~~النقاد مزيف ومتاع مزخرف وسم تحت حلوى وسرور فوق بلوى وعارية مردوده بعد ~~وفاة محدوده بل أكرة من خشب مموهة بالذهب وطلاية من نضار على جرة من فخار، ~~وقد نبه على هذا رب العباد الصادق في الوعد والميعاد على لسان أشرف العباد ~~بقوله تعالى: (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في ~~الأموال والأولاد) وكما أن الأطفال الصغار الغافلين عن بديع الحكم ودقائق ~~الأسرار إذا نظروا إلى اللعبة الموقة الملونة والخشبات المصبغة المستحسنة ~~التهوا بها عن اكتساب الآداب وملازمة العلماء والكتاب فيلعبون وهم جاهلون ~~وعن طريق اكتساب الكمال ذاهلون. فكذلك كل من التفت إلى غير الله خاطره ~~واشتغلت بأمور الدنيا من المال والولد سرائره وضمائرة حرم من الاطلاع على ~~دقائق الملوك وفاته لذات الوقوف على حقائق السلوك فهو عن الله تعالى محجوب ~~وفي عساكر الأموات وإن كان حيا محسوب كما قيل: # وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... فأجسادهم دون القبور قبور # وإن امرءا لم يحيى بالعلم صدره ... فليس له حين النشور نشور # قال الله تعالى وكلمته العليا (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) وهذا ~~صريح بالشهادة على ما نقلته وقد جليت صداء قلبك # PageV01P180 # وصقلته فلا تكونن كالآلا ولا ms108 تعلق قلبك بغير الله قولا واعتقادا وعملا ~~فالباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا واجتهد في إصلاح قلبك ~~المكابر واصغ إلى ما قاله الحكيم الحليم متحررا من العذاب الأليم عاملا بما ~~يرضي السميع العليم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بلقب سليم. ~~وإذا علمت هذا وتحققته وقررته وحررته وصدقته فاعلم أن الأولى بحالنا ~~والأحسن للنظر في مآلنا أن نعد ما نحن فيه من جملة النعم وأن هذا قسم لنا ~~من القسم في القدم فلا تنتقل عن دائرة الرضا والتسليم قدما عن قدم وننتظر ~~ما يتولد عن حدثان الزمان ولا نرخي في ميدان الطمع العنان ونعرض عن طامح ~~الخاطر كمال قال الشاعر: # كم نار عارية شبت لغير قرى ... على بقاع وكم نور بلا ثمر # هون عليك أمورا أنت تنكرها ... فالدهر يأتي بألوان من العبر # قال الذكر: جميع هذا القول صادر من موارد المعقول موافق لما ورد به ~~المنقول، لقد غصت في بحر الفطنة على جواهر الحكمة ولم تتركي في ميدان ~~المسائل مقالا لقائل ولا مجالا لجائل، ولكن لا ينبغي للعاقل أن يغفل عن ~~حوادث الدهر ولا يعطي ظهره لكواسر العصر فإن طوارق الآفات وخوارق العادات ~~ومحن الزمان وغصص الحدثان محتجبة تحت الأستار ومنظورة في أنواع الأطوار ~~والفلك الدوار له في علم الأدوار مغيبات أبكار يبرزها للناظر فتلعب ~~بالأفكار وتذهب في سناء برق مخارقها بصائر الأبصار ويحتار في حركاتها الرأي ~~المصيب ويدهش في دجى حدسها الفطن الاريب وقد حار الفكر وعجزتن القوى والقدر ~~وحارت عقول البشر دون إدراك ما يبرزه كل وقت من الصور من وراء ستر الغيب ~~سعيد القضاء والقدر ولم يعهد من الدهر الخؤون والزمان المجنون إذا # PageV01P181 # استقام أو نزل أو جل أو هزل أو ولى وعزل أو أمر وامتاز وفضل أو أقبل ~~واعتزل أو أراد نقض إبرام من غزل أن يرسل قبل ذلك مبشرا أو مبصرا أو محذرا ~~يستيقظ النائم أو ينهض الحائم أو يتحرك القائم وإنما يحطم بغينه ويهجم في ~~سكته فيأخذ على ms109 بهشه فلا يفلت منه نكتة ولا يهمل إلى لحظة ولا فليته وقد ~~قيل شعر: # يا راقد الليل مسرورا بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا # وعلى هذا فلو وقع منا غفلة أو ذهول عند قدوم هذا الجيش المهول فاخترم ~~والعياذ بالله واحدا منا ونحن على أحسن ما يكون سكونا وأمنا فكيف ترين يبقى ~~حال الآخر وهل يصير إلا كما قال الشاعر؟ # ما حال من كان له واحد يؤخذ منه ذلك الواحد، وإذا بقي أحدنا منفردا وعن ~~صاحبه منعزلا متوحدا فماذا يفيده الجيران والسكون والوطن والأمنة وهل يبقى ~~له لذة وصال ألف سنة بأليم الفراق في تلك الساعة الخشنة كما قيل: # إن كان فراقنا على التحقيق ... هذا كبدي أحق بالتمزيق # لو دام الوصال لنا ألف سنة ... ما كان يفي بساعة التفريق # لا كان في الدهر يوم لا أراك به ... يا صاحبي ومؤنسي ورفيق # ولا فيه شمس بل ولا قمر ... ولا دونت ولا ساق لخمر عتيق # وكل من لم يتفكر في الحوادث قبل حلولها ويتأمل في تداركها قبل نزولها ~~ويطمئن إلى سكونها مع الزمان ويتكئ بظهره على وسادة الحدثان ويحيل في ~~الكوائن على القضاء والقدر ويدفع يد التدبير عن تعاطي أسباب الحذر، كان كمن ~~ترك إحدى جنبتي خرجه فارغة وحشى الأخرى من الحجارة الثقيلة الدافعة فأنى ~~يستقيم محله أو يبلغ على الطريق المستقيم منزله فلا يزال حمله # PageV01P182 # مائلا وخطبه هائلا فالعاقل يسعى فيما يظنه ولا يغفل عن السبب وبما وجب ~~يعمل كما قيل: # على المرء أن يسعى ويبذل جهده ... وليس عليه أن يساعده الدهر # فإن نال بالسعي الذي تم أمره ... وإن غلب المقدور كان له عذر # وعلى كل حال تعاطي الأسباب لا يقدح في الأفعال والتوكل وناهيك بملحة ~~العمل حكاية الحمار مع الجمل قالت الأنثى: كيف كانت تلك الحكاية وقال الله ~~شر النكاية؟ # قال: بلغني أنه ترافق في المسير عير مع بعير فكان الحمار كثير العثار مع ~~أن عينيه كانتا تراقبان يديه ورجليه وكان الجمل على عظم جهامته وعلو قامته ~~وبعد عينيه عن ms110 مواقع يديه ورجليه لا يزل له قدم ولا يضل له أجم، فقال ~~الحمار للبعير: أيها الرفيق الكبير ما بالي في المسير كثير الوقوع والزلل ~~دائم العثار والخطل لا أخلو من حجر يدميني الحافر أو عثرة ترميني في حفرة ~~حافر مع أن عيني تراقب يدي ولا تنظر سواهما إلى شيء وأنت لا تنظر إلى مواطئ ~~إخفافك، ولا تعرف ماذا تقع فيها ولا تحتل عن طريق تمشي فيها ولا أدري هذا ~~مما ذا قال البعير: أنت في المسير قاصر النظر أعمى # PageV01P183 # القلب والفكر لا تراقب إلى ما بين يديك ولا تنظر ماذا أمامك إليك أم ~~عليك؟ فإذا أدهمك ما أدهاك عجز عنه نهاك فلا تشعر إلا وقد وقعت وفي حفر ~~المهالك قد نزلت وانخرق ما رقعت فلا يمكنك التلاف إلا وأنت رهين الإتلاف، ~~وأما أنا فمراقب دائما ما يصير من العواقب وأميز أمامي الطريق أسهل أم حد ~~فأميز السلوك من قبل ومن بعد فلا أصل إلى صعب إلا وقد أذللته ولا وعر إلا ~~وقد سهلته ولا وهدة إلا وقد عرفت طريقها ولا إلى عقبة إلا وكشفت ضيقها ~~فأستعد للأمر قبل نزوله وأحتال لدفعه قبل أوان حلوله، وهذه قاعدة الفقهاء ~~وأصل كبير عند العلماء لأنهم قالوا الدفع أهون من الرفع. # وإنما أوردت هذا المثل عن الحمار والجمل لتعلمي أن لا بد لنا قبل حلول ~~النكبة من أخذ الأهبة فما كل مرة تسلم الجرة ولا كل وقعة سلامتها ميسرة وقد ~~قرب وضع البيض وبعده قد همت العساكر بالفيض فلا بد من إعمال الفكر المصيب ~~في وجه الخلاص من هذا الأمر الصعيب، كما قيل مهد لنفسك قبل الموت مضجعا. ~~قالت الأنثى: جميع مل قررته لا يخلو عن دقيق النظر وتحقيق صائب الفكر وغامض ~~معاني الأسرار وتبيين مواقع الأخبار وكل ذي عقل يقبل ويعول عليه وكل فكر ~~مصيب يحثو الاقتباس في الحكمة بين يديه، ولكن طلاب الأغراض الدنيوية ~~والراغبون في نيل المرادات والأمنية على فرق شتى في بلوغ المراد والآمال ~~فمنهم من يبلغ بقوة الجنود وبذل ms111 الأموال ومنهم من يساعده الدهر ويعاونه ~~معاون العصر وينهض به سعد التقدير ويقوم معه كل صغير وكبير وعظيم وحقير ~~وعدو نصير كما قيل: # وإذا أراد الله نصرة عبده ... كانت له أعداؤه أنصارا # PageV01P184 # فيقيض له المساعدة والمعاضد فلا يحتاج إلى سعي ولا في استماع النصيحة إلى ~~وعي بل يصل إلى قصده بدون كده وبغير جهده وعده وعدده، ومنهم من يحتاج إلى ~~سعي بليغ وجهد طويل سبيغ ومساعدة ناصح ومعاون صالح وقرع أبواب وتعاطي أسباب ~~وسعد رقيق وفكر دقيق حتى يبلغ مراده ويدرك ما أراده، ومنهم من تغلب عليه ~~العجلة والطمع والشره والحرص والهلع فيسارع إلى نيل ما يرومه فيلقيه في ~~عائق الحرمان حرصه وشؤمه فيقع من التعب في هويته ويحرم لكونه اعتمد على ~~حوله وقولته فيصير كما قيل: # بالحرص فوتني دهري فوائده ... فكل من زاد حرصا زيد تفريطا # ومنهم من يتمنى ثم يتكاسل ويتوقع ثم يتساهل فيحرم من مقصده ويرده عجزه عن ~~مراده ويده فانظر يا ذا السكون والوقار والركون نحن من أي الأقسام نكون ~~وأنت تعلم أنا لا نقدر على مقاومة العقاب ولا على أن ندفع عن أنفسنا ما ~~ينزل بنا من عقاب فإنه إذا طار العقاب يبلغ الثريا والسحاب ونحن إذا تحركنا ~~في الثرى لا نقدر أن نرتفع عن الثرى قيد لوا، وقد قيل في المثل أين الثرى ~~من الثريا وأين العادل ممن اشتد بغيا بغيا وقد قيل كل من تعلق بخصم هو أقوى ~~منه فقد سعى في هلاك نفسه بيده كما قيل: # ومن يشبشم بالعداوة كفه ... بأكبر منه فهو لا شك هالك # وكان مثله كمثل النملة الضعيفة التي ينبت لها أجنحة خفيفة فتحركها دواعي ~~الطيران فتصور في نفسها أنها صارت من النسور والعقبان فبمجرد ما ترتفع عن ~~الثرى إلى الهواء التقفها عصفور واختطفها أصغر الطيور ولهذا قيل: # إذا ما أراد الله إهلاك نملة ... أطار جناحيها فتسقط في المعطب # PageV01P185 # ونحن ليس لنا اطلاع على مكامن الغيب فتره نفسك عن حوادث هواجس الريب وليس ~~لنا مساعد من الأقارب والأباعد ولا ms112 لنا خيل ولا مال ولا عدة ولا رجال ونحن ~~أقل من أن يساعفنا زمان أو يعيننا على العقاب أعوان فلم يبق لنا إلا الركون ~~تحت حركات السكون وانتظار ما سيكون، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون، واعلم أن حركاتنا مع العقاب والجامع لنا معه من الأسباب متحدة في ~~الحقيقة وطريقتنا معه من جنس ذي طريقه وهي الطيرية وكلنا فيها سوية وهم ~~منها كإعجاز القرآن من الفصاحة في الطرف الأعلى ونحن منها كأصوات الحيوانات ~~في أدنى الأدنى من العلا فالأولى بحالنا الاصطبار من غير ريب إلى أن يصل ~~لكسرنا الجبر من عالم الغيب كما قيل: # مهلا أبا الصقر كم من طائر ... يحوم يلقى بعد تحليق # زوجت نعمى لم تكن كفؤها ... إذنها الله بالتطليق # وقيل في هذا المعنى أيضا: # الأمر يحدث بعده أمر ... والعسر مقترن به اليسرد # وحلاوة الصبيان من عسل ... وحلاوة الشجعان من صبر # والصبر يأتي بعده نعم ... تأتيك مقرونة الشكر # وقال الآخر من هذا المعنى: # اصبر على ما جرى من اسبق قدما ... فمركب الصبر بالآمال ملتحقه # خوفا من أن تقع مع من هو أشد منا ونعانيه ونأمل التخلص من ييديه حمقا ~~وجهلا لا تفضلا وفضلا كما وقع الثعلب الجائع المجهود مع الجمل الموجود قال: ~~كيف كانت تلك الحكاية؟ أخبريني بها لعل أن تزول عنا بسببها النكاية. # قالت: حكي أن ثعلبا اتخذ له وكرا في روض بهي ذا منظر # PageV01P186 # شهي يأوي إليه صباحا ومساء ويعكف به صيفا وشتاء ويدخر فيه قوة شتوته في ~~وجه صيفته واستمر على ذلك مدة من الزمان والأعوام والدهور والآوان. ففي بعض ~~السنين احتال على قوته النمل فسرقه وقطعه ومزقه وكان ذلك عند اشتداد البرد ~~فأصابه لذلك الهم والغم والكمد، ففي بعض أوقات نهاره خرج من جحره متطلبا ~~لصيد قفاره إذ رأى جملا على باب جحره باركا ملقيا عنانه وللهمومتاركا ففرح ~~بذلك وقال: لك الحمد يا رب يا مالك أنت اللطيف وراحم الضعيف وقال في نفسه: ~~لقد صادفت ما يكفيك ويفوتك أنت وبنيك ms113 فاهنأ بما أعطيت واشكر الله ربك ~~وموليك، ثم أخذ في إعمال حيلته يدخل بها إلى الجمل جحره ويقتنصه بها جهره ~~فأداه جهله وحمقه إلى ما يحصل به هلاكه ومحقه وأخذ حبلا وثيقا من الكتان ~~وليته كان من صوف أو صوفان وربطه في ذيل الجمل من # PageV01P187 # طرف وأوثق بالطرف الآخر نفسه من خلف، كل هذا والجمل لم يشعر ولم يبصر ولم ~~ينظر ونزل الثعلب جحره وأجهد في جر الجمل إليه أمره فاستشعر الجمل بالحراك ~~والتفت يمينا وشمالا فلم يرد الثعلب الأفاك قايما لينظر ما أهمه من هذا ~~الأمر الذي دهمه فما استتم قايما إلا والثعلب متعلق بذيله هائما فارتبك عند ~~ذلك الثعلب وعلم أنه انغلب ولا مخلص له من ذلك إلا الرب المالك واشتدت عليه ~~طرق الحيل في أمره مع الجمل هذا والجمل يضرب به على فخذيه ويبول ويبعر عليه ~~والثعلب يستغيث فلا يغاث ويتمنى أن لو قنع بالبعر والارواث ولا يقع في هذه ~~البلية التي أذاقته الهم والرزية. فبينما هو على هذا الحال المهول إذ مر به ~~نمس يسمى سؤول فقال: ما هذا يا أبا الحصين؟ فأخبره بالقضية بيقين، فقال له: ~~هذا جزاء من على أكبر من يتعدى ومن هو مجانب طريق الهدى ولم يتأمل العواقب ~~بالفكر المصيب الثاقب فقال: بالله دبر لي في الخلاص فقد كفاني حالي عن ~~القصاص وتصير لك المنة علي والمعروف لدي فتقدم النمس إلى الجمل وقال: حلي ~~على صالح العمل هذا رجل غريب تعلق بأذيالك فأنعم عليه بحسن أحوالك كأنه لا ~~يقدر على أن يعانيك أو يعاديك كما يشهد بذلك جسمه وحواشيك فإن لم تكرمه ~~أطلق وثاقه واحلل خناقه وإن أنت # PageV01P188 # أكرمته بمروءتك فقد وقع على الخبير وصرت له نعم الأهل ونعم النصير، ~~فالتفت الجمل إليه واعتقه وأحسن إليه ولولا حيلة النمس لحل بالرمس. فلما ~~سمع الذكر ذلك وعلم ما هنالك قال: إن هذا الفكر من الصواب قريب وعند أولي ~~البصائر والتجارب مصيب ولكن من يتكفل بوفاء العمر الغدار ومن يصل إلى القصد ~~بالأمان من ms114 الليل والنهار وقد قيل: # لئن بادرت عن تسليم روحي ... هواك فعاذلي عن ذا يعوف # وإن أسرعت نحو الوصل عدوا ... فعمري من ورا ظهري يعوق # ثم قال الذكر للأنثى: والرأي السديد عندي والذي أراة وأبدي أن نتوجه إلى ~~حضرة العقاب ونكشف عن وجه مرادنا إليه النقاب ونطلب منه الأمان من نكبات ~~الزمان ونستظل بجناح عاطفته وننتظم في سلك جماعته وخدمته فربما يشملنا ~~بملاطفته فإنه ملك الطيور وبيده أزمة أمور الجمهور وهو وإن كان ملك الجوارح ~~والكواسر وشيمته سفك الدماء والتمزيق بمخالبه النواثر لكنه ملك عالي الهمة ~~ظاهر الشفقة والرحمة لا تقتضي همته العالية إلا الشفقة الشافية والموافاة ~~الوافية خصوصا على من ينشد عليه وينتمي إليه فلا تدعه شميته الأبية وهمته ~~العلية الحمية ومروءته لا تقتضي التعرض لنا بضرر أو يطير لنا منه بشرر. ~~فقالت الأنثى: العجب كل العجب من رأيك المنتخب أنك تخلط منه الغث بالسمين ~~وتسوق إليه الهجان مع الهجين فتارة تصيب حديقة الغرض وتارة يخطئ السهم ~~الغرض فصرت كما قيل: # تلونت حتى لست تدري من العمى ... أريح جنوب هب أم ريح شمال # هذه المصايب التي نشكوها والبلايا التي نقرأ سورها ونتلوها هي بعض ما ~~قاسيناه من أليم العذاب لحظة من مقاسة عسكر # PageV01P189 # العقاب، ثم إنك أنت تحركت وسكنت وشرقت على ما في رأيك وغربت وتباعدت ~~وتقربت وارتفعت وحططت وامتنعت وسقطت وجلت ورحت وقعدت وقمت أجئت بالرأي ~~السديد والفكر السعيد حتى عزمت أن تجرنا بسلاسل الحديد إلى العذاب الشديد ~~وتخلدنا فيه الدهر المزيد لا والله بل تريد أن نمشي بأرجلنا إلى الشبكة وأن ~~نلقي بأنفسنا إلى الهلكة كما قيل: # فلا تشك إلى خلق فتشمته ... شكوى الجريح إلى العقبان والرخم # أشبهت في هذه الحركة مالك الحزين والسمكة قال الذكر: أزيحي عني الغصة ~~ببيان هذه القصة قالت الأنثى: كان في بعض المروج نهر كثير الحيتان شديد ~~الجريان وقد اعتاده طير الفلا الذي إذا رأى الخير تدلى وإن رأى الشر علا أو ~~راح مجملا يتصرف في تلك السمك وتصرف المالك فيما ملك قضى ms115 في ذلك عمره ووجى ~~أوقاته طيب العيش ومره حتى إذا أدركه # PageV01P190 # المشيب، وولى العمر النضير الشيب وكساه أصناف العبر حتى ضعف عن الاصطياد ~~وجرى عليه الدهر بالرسم المعتاد من الآلام والأنكاد فصار لا يمر عليه برهة ~~من الأوقات إلا وهو عاجز عن تحصيل الضروري من الأقوات فتوجه في بعض الأحيان ~~وهو يرفل في ثياب الأحزان ووقف على النهر متفكرا في تصرفات الدهر فمرت به ~~سمكة لطيفة الحركة فرأته في ذل وانكسار سابحا في بحار الأفكار لا قدرة له ~~ولا حركة على التقاط السمكة فلم يلتفت إليها ولم يعول عليها وقد أوطاته ~~الحوادث أقدام الأحزان الكوارث وبدلت ربيع شبابه بخريف الهرم وحرارة جسمه ~~ببرودة الديم فوقفت لديه وسلمت عليه وسألته عن موجب تفكره وسبب حيرته ~~وتحيره، فقال: تفكرت فيما مضى من الشباب الفاخر وما تقضى فيه من طيب العيش ~~وانشراح الخاطر وقد تبدل وجوده بالعدم ولم نحصل فيه إلا على الذنوب والندم ~~وقد رقت العظام واستوى على الجسد السقام وتزلزلت الأعضاء وتراكمت فتوارت ~~الرضى واشتعل المشيب بزيادة الآلام واتقدت نيرانه وجرت إلى السقام وقد قيل: # عزمت على إجلاء جسمي بروحه ... من خرق مشيب كل عنه المراقع # فقلت اسكنيه يا عمارة عمره ... فقالت وكيف ربت جسمك المواقع # نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما ترقع # فلم أفق من هذه السكرةى ولا وقعت بي الفكرة إلا وسفينة العمر # PageV01P191 # بالساحل قد أرست وشمس الحياة على قلة الضنا أمست فما أمكنني إلا التلاقي ~~بالعقوبة والندم قبل حلول النوايب وزلة القدم والتطهر من جناية الظلم بمياه ~~الاستغفار والتخلي عن القبائح والتحلي بعقد در الاستعبار وغسل سواد الأجرام ~~والأوزار بدموع الإنابة والاعتذار: # وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب في الرأس نازل # واعلم أن جامح هواي قد قلع ضرس الأماني والطمع وجارح متمناي نزع طيلسان ~~الشره والخلع، وقد قدمت إلى هذا المكان لأتحلل من الأسماك والحيتان فطالما ~~أغرت على عشائرهم وأولادهم وخضت في دماء قلوبهم وأكبادهم وشتت شملهم وخوفت ~~قلبهم وجلهم وأرعبتهم وأرهبتهم ms116 وحايلتهم وأسرتهم فرأيت أن براءة الذمة في ~~الأولى قبل الأخرى أولى وأحق وأحرى فلعل أحمال الذنوب تخف وسحائب الغفران ~~تذرف فلما سمعت السمكة الخديعة وشاهدت هذه الحركة البديعة نشرتها أضلاعها ~~ودعاها خداعها أن قالت ما تريد أيها الصالح أن أفعل معك من المصالح قال: ~~أريد أن تبلغي هذا الكلام بعد إيصال التحية والسلام وأن يكون القوم بعد ~~اليوم آمنين من سطواتي سالمين من حملاتي ساكنين إلى حركاتي بعيث يرتفع ~~الظلم والعدوان وينام السمك في الماء وأمان الرحمن، فقال لها: لا بد من ~~تأكيد العهود وأقلها المصافحة على المصالحة ثم تأكيد الإيمان بمن خلق الإنس ~~والجان فقالت: كيف أصافحك وأنا طعمتك وأنى تخلص من فيك لقمتك؟ قال لها: ~~ارمي هذا العلف واربطي حنكي لتأمني من التلف فأخذت قبضة من الحشيش وفتلت ~~وإلى ربط فكه قصدت وأقبلت فمد منقاره إلى الماء وقربت السمكة العمياء فما ~~كذب أن اقتلعها وابتلعها وكان هذا آخر العهد بها. # PageV01P192 # وإنما أوردت هذه اللطيفة يا ذا الحركات الظريفة لتعلم أن قريبا من العقاب ~~إلقاؤنا أنفسنا بايدينا إلى العذاب وأين غرب عنك نهاك حتى تلقينا في عين ~~الهلاك ونحن قوت العقاب وتأمن منه ضرب الرقاب وقد قيل عهوده كاذبة وحشو ~~ضميره غل وقربه سقام معجل. قال الذكر اسلمي يا قريبة الخير واعلمي أن الريح ~~وقت أن تكسو الأزهار وتهب على الأشجار تأتي في الصحاري والقفار من أنواع ~~الأنوار بما يدهش البصائر والأبصار من زكي الروايح والثمار بما يدهش ~~البصائر ويروق الأبصار وينعش أجسام الصغار والكبار ويشفي الأسقام ويبرد ~~الغليل ويبري العليل لا سيما وقت السحر نسيم الصبا في صفو القمر يريي القلب ~~والروح ويحيي الصب المجروح ودونك قول الحق في كلمته ومن آياته أن يرسل ~~الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته، ووقت الخريف ليس كأيام المصيف ومنها ~~النشر واللوافح والمعطرات بطيب الروايح ويعري الأشجار ويثير الغبار، وربما ~~كان إعصار فيه نار يسقم الصحيح ويطير المشئوم من # PageV01P193 # الريح، ومنها الإعجاز الرجسات والأيام النحسات والقواصف والعواصف ~~والخواصب والصرصر والنكبا والزعزع والرخا وقد ms117 قال فيهم العزيز العليم: ~~(فأرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم) . ~~ثم اعلمي يا ربة الحجال وفتنة الرجال أن النار تحرق من يقربها وتذهب من ~~يصحبها وتنشف الطراوة وتذهب نشوة الطلاوة وتلتقم ما نجده وتبلعه وتزدرده ~~وتسود الوجوه بدخانها وتزلم الوجود بقربانها وتمحو الآثار وتهدم الديار مع ~~أنها تنضج الأطعمة وتطبخ الأغذية وتهدي النور وتدفي المقرور وترشد الضال في ~~القفار وهي على رؤوس الجبال، قال رب العالمين ومكون الكون: (أفرايتم النار ~~التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة ومتاعا ~~للمقوين) وكذلك الماء يا ذات الثغر الالمي يذهب الظمأ ويظهر النما ويبرد ~~الصدور ويطفي الحرور وينبت الزروع ويدر الفروع ويحمل الراكب، وما فيها من ~~مركوب وراكب وإذا أطلقت المياه والعياذ بالله تعالى غرقت السفن وابتلعت ~~المراكب وخطفت الراجل والمراكب ونعوذ بالله من هجوم السيل خصوصا في ظلام ~~الليل وكذلك التراب يا زين الأحباب غيبت الحصرم والعنب والثمر والحطب ~~والشوك والرطب ونشرع سنان الشوك المحدد وغصون السهم المسدد ويريى الورد ~~والأزهار والرياحين والنوار والرياض النضرة والغياض الخضرة ثم يعمي النواظر ~~ويفترش تحت الحوافر ويعطي الحلو والمر والزعفران والبر والناعم والخشن ~~والقبيح والحسن. وهذه المضرة والمنفعة مركبة من العناصر الأربعة التي هي ~~أصل الكائنات وسبح المخلوقات وإذا كان ذلك وقاك الله شر المهالك وأرشد إلى ~~أوضح المسالك فاعلمي بالتحقيق يا ذات الثغر العقيق أن هذا الملك الأعظم بل ~~وكل أولاد آدم مركبون من # PageV01P194 # الرضا والغضب والحلم والسخط والرفع والحط والقبض والبسط والقهر واللطف ~~والفظاظة والعنف والخشونة واللين والتحريك والتسكين والبخل والسخا والشدة ~~والرخا والوفاء والجفا والكدورة والصفا واعلمي يا نعم العون وقرينة الخير ~~والصون أن هذا الكون سروره في شروره مندرج ووروده في ذهابه مندمج وصفاؤه ~~بكدوراته ممتزج، فيمكن أن العقاب لكونه الملك الرقاب مع وجود هيبته القاهرة ~~وسطوته الباهرة وخلقه الشرس الصعب والنكس إذا رأى ضعفنا وذلنا وانكسارنا ~~وقلنا وترامينا لديه وتعويلنا عليه يضمنا إلى جناح عاطفته ويسبل علينا ذيل ~~إحسانه وملاطفته ms118 ويعاملنا بالمراحم والألطاف ويسمح لنا بالإسعاف دون ~~الاعتساف كما قيل: # لكل كريم عادة يستديمها ... وعادات الكرام كرائم # والقادر على الكسر والجبر لا يعامل ذوي الكسر بالكسر لأنا في مقام ~~الأبناء وهو في مقام الأبوة والتقوي على الضعيف ضعف في القوة. قالت الأنثى ~~هذا وإن كان شيئا داخلا في خير الإمكان لكن أخاف يا ذا الألطاف أنا بمجرد ~~الوقوف بين يديه في أواسط الصفوف لا نمهل لأداء الكلام ولا نتشبث في المقام ~~بل نعامل # PageV01P195 # بالتحريق والتفريق ويهوي بنا الريح في مكان سحيق فيفوتنا هذا الطلب إذا ~~قيل إن الطبع غلب، وهذا إذا وصلنا إليه وتمثلنا بين يديه وأما إذا اعترضنا ~~دونه كالعارض وجرحنا من جوارح الطير فلا حول يحمينا ولا قوة تنجينا فيبغينا ~~كل باغ ويتجاذب لحمنا كل طاغ فيصير مثلنا مثل النمس والزاغ. قال الذكر: كيف ~~ذلك المثل؟ أخبرني يا ست الحجل. # قالت: ذكر أهل الأخبار ورواة الأسمار أنه كان في بعض الرياض الزاهرة ~~والغياض الفاخرة والبساتين العاطرة مأوى لزاغ ظريف حسن الشكل لطيف عشه في ~~راس شجرة عطرة الطيب زاهرة ومثمرة فاقت على الأشجار بطيب النوار وحسن ~~الثمار ورهاوة الخضرة وحسن النضرة كأنها بين الأشجار عروس أو زهر في وسط ~~الكؤوس، فاتفق أن نمسا من النموس حل به في وكره البؤس فانزع عن وطنه واضطر ~~عن مفارقة سكنه فقاده الزمان إلى هذا البستان فراقه منظره وشاقه نيره ~~وأزاهره وأعجبه ظله وشجره وأطربه خريره ونهره فعزم على السكن فيه ووطن نفسه ~~على الوطن في نواحيه إذ وجد أحسن منزل وإذا أعشبت فانزل ثم وقع اختيار ذلك ~~الطاغ على وكر في أصل شجرة الزاغ فسوى له وكرا وحفره واستقر ساكنا في أصل ~~الشجرة وألقى عصا السيار واستقرب هناك الدار، فلما رأى الزاغ هذا الحال ~~داخله الخوف والأدجال وخشي أن يندرج من أدناها إلى أن يرتقي أعلاها فيعرف ~~النمس سكنه القديم ويذيقه فيه العذاب الأليم فلم يجد له حيلة في الخلاص من ~~هذا الاقتناص إلا مفارقته الوطن والانزعاج عن الألف والسكن وكيف ms119 يفارق ذلك ~~النعيم ويسمح بالبعد عن الوطن القديم كما قيل: # بلاد بها نيطت علي تمايمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها # PageV01P196 # فغلبت محبة وطنه على قلبه فلم يطاوعه على فراقه لشدة حبه ثم اعتراه في ~~ذلك الوسواس فأخذ يضرب الأخماس في الأسداس في وجه خلاصه من هذا البأس فرأى ~~المدافعة والممانعة بخاطره عن جواره أولى وأتم وأحق وأعلى، ثم افتكر في ~~كيفية المدافعة وسلوك طريق الممانعة فلم ير أوفق من المصانعة وتعاطي أسباب ~~المخادعة ليقف أولا بذلك على أمره ويعرف مقدار خيره وشره وبصل إلى مقدار ~~قوته وضعفه ورصافة فهمه وعقله ورضاه وسخطه وسره في حالة غضب واكتفاه ويدرك ~~غور أحواله ومنتهاه ثم يبني على ذلك أساس رفعه وهدم ما يبنيه من قلعته ~~لقلعه، فهبط إلى النمس من الهوى وحفظ شيئا وسلم عليه سلام المحب من الحبيب ~~وجلس منه بمكان قريب وخاطبه خطاب ناصح لمريب استبهج بجواره واستأنس بقرب ~~داره وذكر له أنه كان وحيدا وعن الأنيس والجليس الموافق فريدا وقد حصل له ~~الأنس بموافقة النمس ولقد أحسن من قال: # انفراد المرء خير له ... من جليس السوء عنده # وجليس الخير خير ... من قعود المرء وحده # فاستمع النمس كلام الزاغ وما طغى بصبر بصيرته عن مكابرته وما زاغ ثم ~~افتكر في نفسه ونظر في مرآة حدسه فقال إن هذا الطير خبيث السيرة مشهور ~~وبسوء السريرة مذكور لا أصل له زكي ولا فرع له على ولا غائلته مضمونة ولا ~~صحبته مأمونة لا خير عنده ولا مير بل يخشى منه الضرر والضير وهو كما قيل: # وهو غراب البين في شؤمه ... لكن إذا جئنا إلى الحق زاغ # ولم يكن قط بيني وبينه علاقة ولا واسطة محبة ولا صداقة، وأما العداوة ~~فإنها بيننا متأكدة مستحكمة وكل منا للآخر مأكله # PageV01P197 # ومطعمه ولا شك أنه إنما قصد سوء ومكيدة نكد فإن اضعت الفرصة فيه وقعت في ~~الندم الأمد ووقعت من الندامة في قصة وحصة ولا يفيد إذ ذاك الندم إلا ~~الغصة. أنى وقد فات المطلوب وزلت القدم وقد ms120 قيل واحزم الحزم سوء الظن ~~بالناس فالذي يقتضيه الحزم المشيد والرأي السديد والعزم المفيد والفهم ~~المديد القبض عليه إلى أن يظهر ما لديه ثم نهض من مربضه وأنشب في الزاغ ~~مخالب مقبضه وقبضه قبضة أعمى كقبض أرض الرمل الناشفة على الماء فلما رأى ~~الزاغ هلاك النكد وأنه صار كالفريسة في مخالب الأسد قال: يا كريم الخيم ويا ~~أيها الخل الكريم أنا رغبت في مصادقتك وجئتك راغبا في موافقتك وأردت إزالة ~~وحشتك ومؤانستك بأبعاد وحاشاك أن تخيب ظني فيك أو تعامل بالجفاء موافيك كما ~~قيل: # وحاشاك أن تمسي بوجهك معرضا ... وما يحسن الإعراض من وجهك الحسن # والكرام لا يعاملون الجلساء إلا بالمؤانسة وحسن الشيم والوفاء والإبقاء ~~على خير وإبعاد الملامة والضرر والضير وإنما قد نظرت أنيسك وجارك وجليسك ~~كما قيل في الشعر الكميل: # وكن جليس قعقاع ابن شور ... وما يشقى لقعقاع جليس # مع أنه لم يسبق مني سبب عداوة ولا وما يوجب هذه الفظاظة والغلاظة ~~والفجاجة وهذه أول مرة فما وجب هذه النفرة؟ قال النمس: أيها الزاغ الكثير ~~الرواغ الأنحس باغ الأبخس طاغ اسمك ناطق بأنك منافق وهو خير صادق إذ هو ~~للخارج مطابق ورؤيتك شاهدة أنك تنقض المعاهدة وعين منظرك دلت على مخبرك ~~وصدق من قال: # PageV01P198 # والعين تعلم من عيني محدثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها # من أين بيننا صداقة ومتى كان للنموس مع الزاغات علاقة وكيف تنعقد بيننا ~~صحابة وأين يتصل بيننا مودة وقرابة؟ بين لي كيفية هذا السبب ومن أين بيننا ~~هذا الإخاء والنسب أنت لي طعمة وجسمي لسداء لحمك لحمة يسوءني ما يسرك ~~وينفعني ما يضرك وقلت في هذا المعنى: # الله يعلم أنا لا نحبكم ... ولا نكرمكم إذ لا تحبونا # أنا واقف على ضميرك وعالم بسوء مكرك وتدبيرك وقد اطلعت منك على هذه ~~الهواجس كما اطلع ذلك الماشي على ما في خاطر الفارس، قال الزاغ: بين لي بلا ~~جدال كيف كانت هذه الأمثال؟ # قال النمس: ذكرت رواة الأخبار ونقلة السمار أنه ترافق راجل وراكب في ms121 بعض ~~السباسب وكان مع الراجل من البضائع رزمة قد أوثقها أوثق حزمة وقد أعياه ~~حملها حتى أعجزه ثقلها عن نقلها فقال لذلك الراكب أيها الرفيق الصاحب لو ~~ساعدتني بحمل هذه البضاعة أرحتني ونفست عني وسرحتني كما قيل: # كذا المجد يحمل أثقاله ... قوى المجد حمول التلف # فقال الفارس: لا آكل فرسي ولا أتعب فرسي ونفسي فإن مركبي لم يقطع البارحة ~~عليقة وأنا أخاف أن لا يقطع طريقه وإذا خفت التخلف عن سيري فكيف أتكلف حمل ~~ثقل غيري. فبينما هم في هذا الكلام لاحت أرنب في بعض الآكام فأطلق الفارس ~~وراء الأرنب وذهب وراء الرزمة كل مذهب فرأى فرسه قوية للنهضة سر معه النكصة ~~والركضة فرأى أنه ضاع حزمه في عدم أخذ الرزمة وما ضره لو أخذها وساق إلى ~~بعض الآفاق فقام بها أوده وانتفع بها وولده وترك الماشي بلا شيء، ثم رجع ~~بهذه النية # PageV01P199 # الضارة ليحمل عن الماشي مضاره فقال له أعطني هذا الحمل المتعب لأريحك في ~~حمله في هذا المذهب وابلع ريقك واقطع طريقك فقال: قد فهمت تلك النية وما ~~أضمرت من يليه فاتركني وحالي فلي حاجة بمالي. # وإنما أوردت هذا المثل لتعلم يا فحل الرجال أن العقاب لا يؤمن ولا يقطع ~~فيه بالظن الحسن بل يتدبر في خطفه بوارقه ومخالب صواعقه ورجفات غوائله ~~وبوائقه هذا إن سلمت شقه حياتنا من تشقيق حواشيه وتخلصت برد بقائنا من ~~تمزيق غواشيه وأن بينك وبين هذا المراد أصعب من خرط القتاد والموانع التي ~~هي دون سعاد فما الوصول إلى ملك الطير قريب السير ولا سهل المأخذ ولا سريع ~~المنفذ وأين الحجل من العقاب؟ ذاك نائم النعيم وهذا في عقاب العقاب فتدبر ~~عاقبة هذا الأمر وتأمل في الفراق بين التمر والجمر. والظاهر عندي وما أدى ~~إليه فكري وجهدي أن قصارى هذه الأمور ليس لها إلا التطوع والقصور دون ~~الوصول إلى ملك القصور. قال الذكر: لقد كررت عليك امرارا وأسندت إلى # PageV01P200 # مسامعك إنشاء وأخبارا وسأزيدك مقالا حتما لا ريب فيه بل قائما قيما وذلك ~~أن ms122 علو همة الملك وفضله العالي وهامي بحاره تقتضي سلامة تجاره وأمن خادمه ~~وجاره وزيادة كرمه وبسط كرامته وامتنانه وانتشار حرمته واشتهار رأفته ~~ورحمته وإثبات حشمته لا يقتضي حرمان من قصده وأم جنابه واعتمده ولجأ إلى ~~جانب عاطفته واستجار بديل ملاطفته وحاشاه أن يسم مصون همته بغير ابتذال أو ~~يشوه جمال وفائه لمن أمن من كل قبيل وأمه سيما إذا رأى من مراسيم العبودية ~~خضوع الخدم الأدنية والمقام في مراكز مرضاه والوقوف عند كل ما يعجبه ويرضاه ~~فإني بحمد الله أعرف مداخل الأمور ومخارجها وعندي امتداد كامل لصعود الأمور ~~وممارجها واعلم طرق المجاز وحقائقها وسلوك دويها وطوافيها وشمالها وجنوبها ~~وشرقها وغربيها، فالرأي أن نقتصر على المحاورة ونكتفي عهده المشؤوم في ~~المشاورة ونتوكل على مقلب القلوب ومحبب كل محبوب ونتوجه بعزم شديد ورأي ~~سديد نحو هذا المراد فإن فيه الخير والسداد فأنا لم يبق لي إلا ملاقاة ~~حضرته والوقوف في مراكز خدمته وحصلت لي مشاهدته واتفقت لي معاهدته فأنشأت ~~خطبة تدفع الخطوب وتجمع القلوب وتؤلف بين المحب والمحبوب وأرجو أن تكون ~~نافعة ولمصالح الدين والدنيا جامعة فإن كلامي وفى مقامي. قالت: قل فأؤجر ~~لكن لا تخل وأطنب لكن لا تمل وأسمعنيها لأنظر فيها فقال: الحيط له آذان ~~وربما سبقنا بأدائها الشيطان فجوهر القول في حق حتى يظهر بحقه فقالت: الرأي ~~ما رأيت ورب البيت. # ثم لما علمت الأنثى منه التعويل على الذهاب من دون مين وارتياب سلمت ذمام ~~انقيادها إليه وعولت في عمل المصالح عليه ثم قالت عش واسلم وتيقن واعلم أنك ~~إن أردت صحبة الملوك # PageV01P201 # وأردت في طريق مصاحبتهم السلوك فإنك تحتاج في ذلك المنهاج إلى صفات جميلة ~~وخصائل نبيلة فتتحلى بجمالها وتتعلى بكمالها وتتجلى في شمائل جمالها الأولى ~~أن تقدم في مصادرك ومواردك مراد الملك على جميع مقاصدك وأن تتلقى أموره ~~بالتعظيم وتقيم أوامره بالاحترام والتفخيم، الثانية تحسن أقواله وتصوب ~~أفعاله وتزين أحواله وتتعامى أوحاله وترده بوجه لا يجلى إلى تشويشه ولا ~~يحتاج فيه إلى تهويشه، الثالثة تجتهد في صيانة ms123 عرضك عن وصمة الخنا وإياك أن ~~تقول أنا فإن ذلك يوقع في العنا الرابعة أن يعد الدوام ومرور الأيام خدماتك ~~الوافرة عن حقوق نعمة قاصرة، الخامسة إذا وقعت منك زلة فلا تعد لها جموع ~~القله بل اطلب لتلك الهفوة في الحال محوه واقصد مراحمه وعفوه، فإن الذنوب ~~إذا تراكمت وتجمعت وتراحمت أشبهت المزبلة ففاحت روايحها المنتنة، والشخص ~~غير معصوم والآدمي بالخطأ موسوم السادسة احفظ وجهك في حضرته عن التقطيب ~~وكلامك عن أن يفوح منه غير الطيب، السابعة إياك ومصادقة أعدائه ومصادمة ~~أوليائه الثامنة كلما زادك رفعة وتقريبا مل إلى التواضع تصويبا، التاسعة ~~إذا استعملك في أمر ولو المشي على الجمر فلا تطلب منه أجر ولا تبدي لذلك ~~ذكر فإن الطمع يورث العقوق ويسود وجه الحقوق العاشرة ولا تدخر عنه نصيحة ~~ولو تكون في الخلوة لئلا تؤدي إلى الفضيحة وإياك أن تتعدى القواعد الكسروية ~~وقوانين الملوك الفرسية إن أعظمها أن يعرف كل إنسان تقصير نفسه في خدمة ~~مخدومه وقدر نعمة سيده وهمة ملكه ومقام مرسومه. # قال الذكر: أخبريني يا فخر القواعد بشيء من تلك القواعد قالت الأنثى: من ~~القواعد الكسروية الدائرة بين البرية ما وضعها بعض الملوك وحمل فيها على ~~السلوك وكان ملكا مشهورا # PageV01P202 # بالعدل والإحسان مذكور بإقامة البرهان متصفا بالصفات الحميدة مكتفيا ~~بالشمائل السعيدة من الدين والعفة والعقول الراجحة المكفه والعلم الوافد ~~والعطاء العاطر، واعلم أن بعض الملوك السالكين في رعيتهم أحسن سلوك أمر في ~~بعض الأيام أن تجتمع الخواص والعوام ما بين وزير وأمير وصغير وكبير وغني ~~وفقير وجليل وحقير وعالم وجاهل ومفضول وفاضل وحاكم وقاض وساخط وراض وجندي ~~وتبع وقريب وبعيد وشقي وسعيد وقاص ودان وعاص ومذكور وخامل وناصر وعامل ~~وصالح وطالح وضاحك وباك ومصيب وخاطئ ومسرع ومتباطي وصياد وملاح وشياح ومناح ~~وبلدي وفلاح ومسلك وسالك ومملوك ومالك، بحيث أن لا يتخلف عن الحضور أحد ولا ~~يجري في التقاعد ولد عن ولد ومهد لهم في روض أريض ومرج عريض تتدفق مياه ~~أنهاره وتتباهى بالتسبيح فصحاء أطياره وتلتذ بفواكه ms124 جنانه ثماره كما قيل: # يلتذ جاني بأنعم مقطف ... وساكنه يحظى بأنعم معطف # والورق بين محلق في جوه ... طيرا ومنحط عليه برفرف # وأمر أن يفرش ذلك المكان بالفرش الحسان من الديباج والحرير وأطلق مجامر ~~الند والعبير وبين من المقامات في هذه الأوقات الطيبات مقاما معلوما وقسم ~~له مجلسا مقسوما وأحله محله وبسط عليه ظله ثم أمر بأنوع الأطعمة المفتخرة ~~وأصناف الألوان الطيبة العطرة فأحضر في أواني الفضة والنضار ووضع بين يدي ~~أولئك الحضار بحيث غمرت الجميع ووسعت الشريف والوضيع وجلس الملك في مسند ~~السلطنة واكتنفه الميسرة والميمنة وأخذ كل منهم مكانه ورتب أصحابه وأعوانه ~~ثم أقام عليهم أرباب الديون وأدخل جميعهم في دفاتر الحسان والإيوان وافر ~~مناديا فشدا وأشهر الندا # PageV01P203 # وأعلن في ذلك الجميع بحيث تلقاه الجميع بالبصر والسمع، فقال يا أهل ~~المكان برز مرسوم السلطان أن كل من كان في مرتبة مرضاة أو متعبة لا يلاحظ ~~من هو فوقه ولو أنه أمير أو سوقه بل يراقب من هو دونه فائزة كانت منزلته أو ~~معونه فإن ذلك أجمع للقلوب وأدعى للشكر المطلوب واجلب للرضا بحوادث القضا ~~فإن من رأى نفسه في مقام ورأى غيره في أدنى من ذلك المقام استقام واستعظم ~~منزلته عليه وعد أن لنفسه على غيره مزية لديه فتوطنت نفسه على الرضا ~~واشتغلت بالشكر لوارد القضا مثل الراقي إلى منزلة الصدر إذا رأى من هو دونه ~~في القدر لم يشك في أن محله محل البدر والباقي حواليه كالنجوم فلا يأخذه ~~لنفسه وجوم، كذلك الغائب بالنسبة إلى الحاجب والدوا يدار بالنسبة إلى ~~البزدار والخازندار بالنسبة إلى جابي الدينار والمهتار بالنسبة إلى السايس ~~وللسايس والمارقدار وكذا السايس بالنسبة إلى الحارس وكاتب السر المرتفع ~~بالنسبة إلى كاتب الدعاوى الموقع وكاتب الزمام بالنسبة إلى الخدام وكذا ~~القاضي مع الفقيه والفقيه مع التاجر النبيه والتاجر مع العامي السفيه ~~والغني والأمير بالنسبة إلى حال المآمير والفقير مع المأمور والناصر مع ~~المنصور. وعلى هذا القياس أرباب الصنائع وجلاب البضائع وأهل المدن والقرى ~~والبيع والشرا والألازر ذوي ms125 الوضاعة والشرف من أنواع المكتبات والحرف إلى ~~أن ينزلوا في المراتب ويتدرجوا من البقاع إلى الحضيض في المناصب ويتفاوتوا ~~في المعاتب والمناقب فيصل نظرهم في ذلك إلى كل ذي فعل سيء وحالك كأرباب ~~العظائم وأصحاب الذنوب والجرائم فينظر المعتوب حاله بالنسبة إلى المضروب ~~والصحيح بالنسبة إلى المكلوم والمشرم بالنسبة إلى المسموم والصحيح بالنسبة ~~إلى جريح ويلاحظ مضروب العصا حال مسلوخ المقارع والمسلوخ حال مقطوع # PageV01P204 # الأكارع وكذا المقطوع بالنسبة إلى المصلوب على الجذوع. ولتكن هذه القواعد ~~مستمرة العوائد ليعلم أن مصائب قوم عند قوم فوائد وليعلموا أن الملك الجليل ~~على الرعية من أشرف خليل فإن الله يوكله وعن ما يحكمه بسهله فهو كما قيل: # قسمت يداه عفوه وعقابه ... قسمين ذاوبلا وذاك وبيلا # ثم إن هذه القواعد المتضمنة للفوائد استمرت مستعملة غير ملقاة ولا مهملة ~~من زمان ذلك السلطان وإلى هذا الأوان. وإنما أوردت هذه المثلة وأطلت النفس ~~في شأن هذه الأحوال لتأخذ منها حظك وتكرره وتعيه وتودعه حفظك وتجري بها ~~ليلا ونهارا لفظك حتى تصلح لمنادمة الملك ولا يعلق بذيل مكانتك من هو من ~~حساد مرتبتك وترضى بأي مقام أقامك فيه وتعلم أنه أعلى مقام يرتضيه. # قال الذكر: لقد أوضحت إذ نصحت وزينت بما بينت فجزاك الله خيرا وكفاك ضيرا ~~فحقيق علي أن أقتدي بآثارك وأهتدي بأنوارك فما أرجح ميزانه برهانه وأعز ~~حسنه وإحسانه لقد جمعت من فصاحة النقل ورجاحة العقل ومزجت روح اللطافة ببذل ~~الطرافة وجلوت صورة النصيحة في خلوة اللطافة ثم إنهما تهيئا للذهاب وتوكلا ~~على العزيز الوهاب وتوجها قاصدين حضرة العقاب فأوصلا السير بالسرى واستبدلا ~~النوم # PageV01P205 # بالسهر المستمر لوم يزالا في سير مكد وسهر مجد ما بين مازح وماجن إلى أن ~~وصلا إلى جبل قارن فوصلا وكان عند العقاب أحد المقربين من الحجاب يسمى يؤيؤ ~~وهو أحسن منظرا من اللؤلؤ صورته مسعودة وسيرته محمودة وبين الطير مشكور ~~الأحوال مشهور الخير والدلال وفيه من المعرفة والدين والعقل الرزين والرأي ~~المتين ما يصلح أن يكون به مقتدى السلاطين وعنده من ms126 الوقوف على دقائق ~~الأمور ما فاق به الجمهور وسار به على جميع الطيور وكان صيته قد اشتهر حتى ~~مل البدو والحضر فنزل الذكر في مكان ليعرض عليه ما عن له من شأن فوصل إلى ~~جنابه وأتى بيت مقصده من بابه فحين دخل عليه قبل الأرض بين يديه وتمثل لديه ~~فاقبل اليؤيؤ عليه وأشار بتقريبه إليه وأزال الدهشة والوحشة عن حضرته وأقبل ~~عليه بكليته وزاد في إكرامه وتحيته وسلامه وسأله عن محتده وجرثومه وما سبب ~~سفره وقدومه ومن أين شد ركابه وما قصده وطلابه فأجابه: # لقد قص ريشي الدهر عن كل مطلب ... وألهمني بأنك راشي # ففي سمري مد كهجرك مفرط ... وفي قصتي طول كصدرك فاشي # ثم إعلم أيها الرئيس المحتشم النفيس أن مولدي في مكان من جبال الإيمان ~~يضاهي الحنان ومن كثرة الروح والريحان يباهي روضة رضوان أنزه من عصر الشباب ~~وافكه من معاقدة الأتراب ومنادمة الأحباب على رفيق الشراب، نشأت فيه مع ~~قرينة جميلة صبية أمينة فقضيت فيه عمري ورجوت فيه بقية دهري قانعا بما تيسر ~~من الرزق فارغا عن الاشتغال بما في أيدي الخلق متمسكا بذيل العزلة أعد ~~الانفراد نعمة ذاكرا قول من بالتدريس اشتغل ومن بحار العلوم أغترف وتكمل ~~ثلاثة تحسم: العقل والنفس الزوجة # PageV01P206 # الجميلة والأخ المؤانس والاكتفاء من الرزق فكنت قصرت على هذه الثلاثة ~~دهري وقضيت بها غالب عمري ولكن كان مأوانا وصيفنا وشتانا على الحوادث وممرا ~~لكل عابث ومعبرا لمصايد الصيد وموردا لمواطئ عمرو وزيد وكنا كلما ولدنا ~~مولود وتجدد لنا بالبهجة عهود وحصل للعين قرة وللقلب مسرة فنقول هذا يبقى ~~ذكرنا بعدنا ويحيي آثارنا عند حلولنا لحدنا. فلم يكن أسرع من هجوم خاطفة أو ~~هبوب ريح عاصفة فيخطفه من بيننا ويجذبه قسرا من قلبنا وعيننا فإن سلم من ~~تلك المصايد وتخلص من سهم المكايد حطمت عساكر الملك كل سنة فلا يخلو منها ~~موطئ قدم من تلك الأمكنة فتذهب منا قرة العين وتتهشم غلظا تحت الرجلين وهذا ~~البلاء التام والكرب العام ولابد منه في كل عام ms127 فكان أيها المخدوم في شأننا ~~موجب الهموم وأنشد: # يا ابن آدم لا يغررك عافية ... عليك شاملة فالعمر معدود # وما أنت إلا كزرع عند حضرته ... بكل شيء من الآفات مقصود # فإن سلمت من الآفات أجمعها ... فأنت عند كمال الأمر محصود # فضاق مني لهذا العطن فلم أر أوفق من فراق الوطن فعرضت على الزوجة هذا ~~الحال وأشرت عليها بالارتحال فأبت لا من حيث يولد ونفرت وعصت فقلت لها: ~~المرء من حيث يوجد لا من حيث يولد فما زلنا نتحاور ونتراءى ونتشاور ويرمي ~~كل منا سهم آرائه عن قوس فكره ومرائه حتى لانت أخلاقها الصعبة بعد أن سلم ~~ما في الحسبة ثم أعطت القوس باريها وأدركت من مقاصدي معانيها وسمحت غصبا ~~بالانتقال من تلك البلاد وسلمت إلى يد تدبيري زمام الانقياد فرحلنا من شقة ~~بعيدة وقاسينا مشقة شديدة وقصدنا هذا الحرم إذ رأيناه مسملا على اللطف ~~والكرم وقطعنا شباك مصايد وخلصنا من إشراك كل صايد وفطمنا أنفسنا عن شباك # PageV01P207 # الطمع وتجرعنا من كاسات المخاوف جرعا بعد جرع فوصلنا بحمد الله تعالى إلى ~~جنابك الأمين وبشرنا مبشر الإقبال أنك لنا بكل خير ضمين فحمدنا السرى ~~وأنشدنا الشعرا مبشرا ونعم البشارة والتصريح والإشارة وأنشد: # وجدنا من الدنيا كريما نؤمه ... لدفع ملم أو لنيل جزيل # وإن لم تكن بيننا سوابق خدمة لكن تعارف أرواحنا له قدمه من أن ذاتك ~~الجميلة وما جبلت عليه من صفات نبيلة تغني قاصد صدقاتك عن واسطة جميلة وأني ~~لواثق بإسدائك المعاريف الجليلة وأن ظني بوفاء مكارمك يا خير من له في ملك ~~صادق فاسأل إحسانك يا ذا الخير إيصالي إلى خير من ملك ملك الطير وإن كانت ~~رفعته مكانه في العيوق ودون الوصول إليه بيض النوق لكن بواسطة الوسيلة يحصل ~~الشرف والفضيلة ولا زالت الأكابر تأخذ بيد الغرباء الأصاغر ولربك العلو ~~والشرف والسمو والعطف والحنو. فاهتز اليؤيؤ بهذا الكلام وارتاح وظهر في ~~وجهه تأثير المسرة والارتياح وأنشد يقول بلسان ذلول: # قدمت بأنواع المسرة والهنا ... على خير منزول وأيمن طائر # فأهلا وسهلا ms128 ثم أهلا ومرحبا ... وبشرا ويسرا بالعلا والبصائر # أعلم أن قدومك قدوم صدق ومرافقتك سبب للرفق ورؤيتك فتح باب الفتوح ونظرتك ~~غذاء للقلب والروح أبشرا بكما تؤمل وتختار ذهب العثار وجاء الأمن واليسار ~~والبشر والاستبشار وأصبت مرامك وأرحت مقامك وآنست منزلك ونلت مأملك فطيب ~~خاطرك وبشر أهلك وعشائرك وأخبر غائبك وحاضرك، لقد قادك الرأي السديد والأمر ~~الرشيد والفأل السعيد إلى أن لوبت إلى ركن شديد ملك عظيم خلقه كريم وفضله ~~جسيم وجوده عظيم # PageV01P208 # ونظيره عديم وبرعيته رؤوف رحيم لا يخيب قاصده ولا يرد سائله ولا يقطع ~~واصله ولا يمنع حاصله لقد أنبتت مساعيك أزهار الأمن والأمان وتفتحت لورودك ~~في رياض السعادة عيون النرجس وشقائق النعمان. أعلم أن هذا الملك ذو جناب ~~عال عزيز المثال جامع لصفتي الجمال والجلال وإن كان مأواه في رؤوس الجبال ~~وطبعه لا يخلو من جسارة وقلبه لا يخلو من قساوة وغذاؤه من اللحوم ~~والحيوانات مشربه والمطعوم، لكن إذا التجأ إليه فقير أو آوى إليه ضعيف أو ~~كسير أو قصده مضطر أو محتاج أو سلك إلى باب مرضاته منهاج فلا يكون ألطف منه ~~ولا أشفق ولا أقرب من عطفه على مؤمله ولا أرفق كما قيل: # بيض القطا بحضينه هو أجدر ... مخاليبه كالأسد إذ كن مسنه # منقاره ينسل سل السيو ... ف على كل من خادعته # يسل ممطرها على أعدائه وعلى الآذنين حلو كالعسل وسبب ذلك أن ضميره المنير ~~خال عن المكر والتزوير لا يعرف حيلا ولا خديعة ولا خيانة ولا وضيعة ولا ~~كذبا ولا قطيعة ولا في خاطره فساد ولا في ضميره سوء اعتقاده ولا يعرف غير ~~الحق ولا يقول غير الصدق، وذلك لبعده عن مخالطة الناس وعزلته عن كل ذي ~~وسواس خناس. فقد اتفق العالم على أن صحبة بني آدم سم قاتل وهم هائل فإن ~~دأبهم المكر والتلبيس والخداع والتلبيس وحسبك قول شاعرهم في شرح ضمائرهم ~~وبيان أحوال سرهم وسرائرهم: # بنو آدم إن رمت من خيرهم طنا ... فأحلى الذي تجنيه عن وصلهم صبر # مكارمهم مكر ورؤيتهم ريا ... وودهم ms129 مود وجبرهم كسر # وقال غيره: # خذ عن الناس جانبا ... كي يظنوك راهبا # PageV01P209 # قلب الناس كيف شئت ... تجدهم عقاربا # وإن كان فيهم صالح أفسدوه وإلى سبيل الضلال أرشدوه والكلام في هذا المقام ~~الزال يكاد أن يبلغ حد الضلال فيكتفي بالقليل عن الجليل وشمس النهار لا ~~تحتاج إلى دليل فانهض الآن فقد آن التوجه إلى السلطان فما كان زمان يحصل ~~فيه هذا الإمكان فإن الاجتماع به في كل وقت مشكل فتتوكل على الله بأحسن ~~متوكل فإذا دخلت عليه وتمثلت بين يديه فاعرف كيف تقف وانظر يا ذا الكمال ~~ماذا يناسب الحال ويقتضيه المقام من فعل وكمال وكلام فاسلك طريقته وراعي ~~مزاجه وحقيقته وادخل معه من ذلك الباب ومثلك لا يدل على صواب فما أسرع لطف ~~الملوك من العنف وأقرب مباعدهم إذا استعطفوا من العطف وأصحبهم باللطف ~~والأمانة وحدة الفهم والفطانة ويكفيك يا ذا العقل المتين ما قيل في شأن ~~الملوك والسلاطين من شعر: # إن الملوك بلاء أينما حلوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل # ماذا تؤمل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملوا # وإن مدحتهم ظنوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكل # فاستغن بالله عن أبوابهم كرما ... إن الوقوف على أبوابهم ذل # وقال سيد الأنام طرا جاوره ملكا أو بحرا فإن رضوا رفعوا فوق الأفلاك وإن ~~غضبوا والعياذ بالله تعالى فهو الهلاك، وأعلم أن هذا الملك له شمائل وصفات ~~وخصائل يستدل بظاهرها على باطنها ويستدل بظهورها على حركات كامنها فإياك أن ~~تغفل عن مراقبها وتهمل مآل عواقبها بل اجعل شواهدها نصب عينيك وتقرب من ~~جنبك بجناحيك فإذا رأيته قد رجع من الاصطياد وقد ظفر منه بالمراد وقد ~~اقتنصه وحصله وملأ منه الحوصلة وسكنت منه بواعث الشره التي هي في صفحات ~~نيران البطش مؤثره حتى نراه جلس # PageV01P210 # في مجالس السرور السارة وبسط جبهته للكرام جناح الحبور والبشارة وضم عن ~~مطامح الحرص القوادم والخوافي وطلب من رؤوس المملكة الأنيس الصافي والجليس ~~الوافي ودعا من الأطياب البلبل والهزار وكل من رقص بدفوف الأزهار وصفق ms130 من ~~ذوي عود وطار فاستمع لهذا وباسط ذاك وطفق جلساؤه ما بين صميت وحاك فتلك ~~أوقات النشاط وساعات الفرح والانبساط فاعمل فيها ما بدا لك واطنب مقالك ~~وكرر جوابك وسؤالك واهدر في بغبغتك وسجع في نعنعتك والعب بإبطيك وصفق ~~بجناحيك، فإن السعد ناظر إليك والوقت لك لا عليك. وإذا رأيته جالسا صامتا ~~وإلى الأرض باهتا أو محمرة عيونه أو مضطربا سكونه أو أفعاله على غير استوا ~~أو أقواله دائرة مع الهوا فإياك والدخول عليه والوقوف بين يديه فإنه إذ ذاك ~~يجعل ريان جسمك من روحك بلاقع ولو أنك النسر الطائر أو الواقع فتصير في ~~مخالب البلا واقع من عير شك ولا دافع، وعلى كل حال فليكن عندك لكل مقام من ~~هذه المقامات أبواب الكلام واقفله ولا تفتح فكثيرا ما يخلص الساكت من ~~الورطات وأفلح كما قيل: # فإن لم تصب في القول فاسكت فإنما ... سكوتك عن هذا الصواب صواب # قال الفصيح وقد أمن شر القبيح جزى الله مولانا عن صدقاته أوفر صلاته ~~وأوصل عليه فوائد الإحسان في عشيته وغلاته فما أشمل إحساناته وأسعد حركاته ~~وسكناته وأوفى شفقته على قاصدي عتباته وهل هذا يطلب دليله كيف لا يوصل إلى ~~الخير سبيله ويرجع حصول المرام مبيته ومقيله؟ ثم إن اليؤيؤ قطع ذلك # PageV01P211 # العتاب وتوجه إلى حضرة العقاب ثم رجع على الفور ووجهه يلمع بالنور ودعا ~~اليعثوب وتوجه وهو محسوب وشرعا في السير إلى خدمة ملك الطير فصعدا في جبل ~~يساوي في المثل قبة الفلك أو مركز الحمل يستمد السحاب من ماء واديه وتسبح ~~سبحات المياه من وفي بحر ناديه يغرق جبين الوهن في صعود عقباته ويقصر سلم ~~الهوى عن الوصول إلى أدنى درجاته، فلم يزالا يسيران وفي الجو يطيران حتى ~~بلغا مقام الإمام الحجل واليؤيؤ واقف مواقف الخجل ينشد هذا الكلام ويتغنى ~~بحسنه في مدح الهمام: # لكل أعلى إمام أسرة تقتدى به ... وأنت لأهل المكرمات إمام # فوصلا من تلك المدارج إلى أعلى المراقي والمعارج وترقيا في تلك المسالك ~~عن دركات المهالك حتى انتهيا ms131 إلى أوج ربا الشمس في حضيضه وتركا دور الدراري ~~في قعر مغيضه فدخلا رياضا تلونت ومروجا بأزهارها تحسنت وأرضا قال لها صانع ~~القدرة تكوني كأخلاق الكرام العطرة، فطينتها من المسك والزعفران تكونت ~~وأخذت الأرض زخرفها وأزينت وابتهج رضوانها برضوان خازن الجنان ثم إلى جدار ~~سلطنة العقاب بعد مقاسات عقاب العقاب فوجد السلطان الطير جالسا على السرير ~~وقد اكتنفه من الطير كل كبير وصغير وأنواع الجوارح في الحلقات والطير في ~~الجو صافات كل يفدي الملك ويقدم جسده وروحه ويسبح من أعطاه الملك وكل قد ~~علم صلاته وتسبيحه جل جلاله وتعالى سبحانه، فتقدم اليؤيؤ إلى الحضرة والملك ~~في أبهى نضرة فقبل الأرض بين يدي السلطان ووقف في مكانه وقال شخص يليق في ~~خدمة الملوك عارف بطرائق السلوك واقف بالباب يروم تقبيل الأعتاب طالب ~~الدستور والإنعام بالحضور ليشمله النظر الشريف ويغنم بحظ # PageV01P212 # وريف هل يرجع كالمصروف عن خدمته أو يدخل كالدولة والإقبال لنعمته فعطف ~~بالقبول وأذن له بالقول وسمح له بالمسؤول وبلوغ المأمول فتوجه اليؤيؤ على ~~عجل إلى دعوة الحجل فدخل وهو من الحياء متأثر وفي ذيل الدهشة متعثر وعليه ~~الحلة الكافورية تحت الخلعة السابورية كأنه شيخ الصوفية أو طائفة السادة ~~الشاذلية ثم قبل الأرض ووقف وأنشد بها وما وقف: # ولو أن يعفور أو كسرى وتبعا ... رأوك لخروا بين أيديك سجدا # وما إن وفوا حقا لديك وإنما ... على قدر ما في الوسع مد الفتى يدا # فابتدر اليؤيؤ بلفظ يخجل اللؤلؤ ونادى الحجل يريد إزالة الدهشة عنه ~~والخجل وطلب المقام ببسط الكلام أيها الغريب الأريب والأديب الخطيب دع ~~وهتمك وأزل وحشتك وأفصح بكلامك عن بيان مقامك فعبارتك عقيلة العقل وواسطة ~~عقود النقل، فإن كان عندك نصيحة تصلح للملوك أو وصية ترشد أرباب السلوك ~~يبين العدل من نورها طرائفه ويزين الفعل في مجاريها حقائقه وتستقيم به ~~الأمور ويستفيد منها الجمهور، فقد أوفت تشنيف المسامع بجواهره ونثر درها ~~على بادي الحاضرين وحاضره فإن المجال قابل وعنق الإصغاء إلى الاستماع ~~لنصايحك مائل ومجال الحكم لذلك واسع ومحل ms132 الكريم الشريف معط بلا مانع أوان ~~كنت وقفت على مظلمة أو تريد كشف مأثمه أو رفع بلوى أو بث شكوى أو حاجة في ~~نفسك أو شيئا قاسيته في يومك وأمسك فقل ولا تقف وأقبل ولا تخف فالقلوب ~~عاطفة عليك والعيون ناظرة إليك. # فقال الحجل: الحمد لله الذي أبرأ جراحنا وأحيى بعد التلف أرواحنا قد كنا ~~في بيداء الحيرة والهلاك وظلماء الخوف والضرر في # PageV01P213 # إنهماك ومرت علينا سنون ونحن في بحار الخسارة والغبون وطالما كادت نيران ~~الاشتياق تضطرم وبواعث تقبيل الأعتاب الشريفة الفواد تزدحم إلى أن انتشر في ~~كل مكان أخبار عدلها وقد ظهر على كل لسان تكرار فضلها واشتهر لكل حيوان ~~آثار مكارمها ونيلها فصارت أمانا لكل مخوف وملجأ لكل ملهوف، لكن كانت عوادي ~~الدهر تقرع تلك الدواعي وحوادث الزمان تعترض من دونها تلك المساعي تارة ~~باكتناف المخاوف وطورا باختطاف الخواطف وحينا بضعف المباني وأوانا ببعد ~~المعاون المعاني. وأما الآن فقد زالت المهالك والمهاوي واسترحنا في ظل جناح ~~هذا الملك العظيم من ضرر المسالك والمساوئ واضمحل الخلل والعلل إذ قد حللنا ~~بعفوه شريعة وسدة منيعة وأمنا شر المكايد وتركنا المصايد وتوسدنا فراش ~~الدعاء على أسرتها المرتفعة واستظللنا جناح الأمن والسعة فقد قيل عدل ~~السلطان خير من الجود والامتنان والسلطان الفاضل كالأب الشفيق والولد ~~الرفيق والأخ الصديق والزاهد الصديق يحفظ الرعية من برد الماء وحر النار ~~كما يحرس الوالد ولده من هبوب الهوا وشم الغبار، أنشد يقول: # نزلنا في ذر ملك كريم ... يرانا مثل أولاد الكرام # أضل نوائب الأيام عنه ... فلم ترنا ولا وقت المنام # ولا مطر السماء يصيب منا ... كأن مقامنا فوق الغمام # فقال الملك: أهلا بك وسهلا وناقة ورحلا لقد حللت بساحة الاستراحة ومتاخمة ~~للأمن هي مباحة ووجهه لبس بها الصائد وشاحه ولا لحي صحيحا فضلا عن مصاب ~~الجراحة وتخلصت من حواسر الكواسر ومخاليب النواسك والنوائر وتزلت بوادي ~~الخبر ونادي ملك الطير فأكرمت نزلك فاذهب بسلام وآت بثقلك وتخير مكانا ~~تختار وجارا أحسن الجوار. فقال أيها الملك السعيد: أنا ms133 # PageV01P214 # شخص غريب فريد محتاج فقير لا إبريق ولا حصير أنشد يقول: # من رآني فقد رأى عش بيتي ... أنا ذلك البيت أتيت كما أنا # وقال أيضا: # أنا لولا الحياء وخوف العار ... لم أكن في النوم إلا عاري # من رآني فقد رآني وبيتي ... ودثاري ومركبي وشعاري # غير أن لي قرينة حقيرة وهي مثلي فقيرة مسكينة صابرة على السراء والضراء ~~قضينا مقاما مضرة من صباح ومساء لم يترك لنا عقار الحوادث دارا ولا يد ~~العوايق عقالاص ولا عقارا ولا مخلب العوابث ولدا ولا قرارا ولا ناب الكوارث ~~جارا ولا جوارا، والويل كل الويل لمن كان مستقره من طوارق الدهر على طريق ~~النيل ولما طال الكلام في ريت وريت وقضايا كيت وكيت ولم يبق في البيت سوى ~~البيت وبلغ سيل العمر الربا وحزام الهم الصبا وما حال من رأى أولاده كبدة ~~تتقطع وتعضعض ويشاهد كل وقت قرة عينه بمخالب الجوارح تتبعض ولا يد للرافعة ~~تمتد ولا نهضة للمانعة تشتد سوى ما ينشد الحال ولسان المقال وقد قال: #كفى حزنا أني أرى من أحبه=رهين الردى يرنو إلي بطرفه # أود بمالي لو يفدى ومهجتي=ولكن يد التقدير غلت لحتفه # فتركنا تلك الديار للأضرار وعلى ساحتك الشريفة وقع الاختيار فنظرنا إلى ~~التحويل بين الساعات واخترنا للرحيل أحسن الأوقات ثم لما ضمتنا المها ~~والقفار وأسرى بنا الليل والنهار فكم زغنا عن أبي الحصين ولاقينا من الكرب ~~والبلا ما لاقى بكربلا الحسين وكم نجانا من بني زهار إلى كهف واجم وغار ~~واحترزنا من قنافذ وحيات ذوات سم نافذ ونفرنا من أفاعي إشراك وحدنا عن ~~أوهان شباك واخترنا الجوع وعدم الهجوع على الحب المبذور لاصطياد الطيور # PageV01P215 # كل ذلك والسعد قائدنا والفلاح رائدنا واليمن دليلنا وفي ظلال عدلك مبيتنا ~~ومقيلنا حتى حللنا بدار الآمال ونزلنا بحرم مولانا السلطان فنادانا فضل ~~خالق الورى لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى الغيا عصي التيار فقد أمنتما ~~الدمار والبوار إذ نزلتما بجوار خير جار فتركت القريبة الغريبة في ذروة ~~حصينة مهيبة وأقمت بجنانك الشريفة ومقامك المنيف ms134 مقرا عظيما وجنابا كريما ~~ومجلسا عاليا وبابا ساميا فنوديت ونوجيت، وأنشد يقول: # هذا هو الملك الذي من يأته ... يعطي المخوف أمانة لزمانه # رب الورى إحسانه فكأنما ... أرزاقه كتبت على إحسانه # ثم إنه نهض من مكانه وقتل الأرض بين يدي سلطانه وتوجه فائزا بأمنية حتى ~~وصل إلى خليلته فأخبرها بما جرى بتخبير المشترى وكيف تلقى مقدمه اليؤيؤ ~~والملك وكيف به إلى الملك سلك وكيف كان خطابه وعلى صورة حسنة جوابه فسر ~~صدرها وانشرح وطارت بهذه البشارة من الفرح ثم توجها إلى حضرة السلطان وحصل ~~لهما من الأنعام والانتساب والإحسان ما نسيا به الأوطان وسلكا في خدمة ~~الملك مع جماعة السنة وخوطب الحجل اليعقوب أسكن أنت وزوجك الجنة. فلما ~~استقر بهما الدار وتبدل الانكسار بالانجبار وأضيف عليهما من الصدقات ~~والإدرارات والنفقات ما لم يخطر ببالهما ولا مر على خيالهما وحصل لهما ~~الأمن والأمان والسلامة والإطمئنان فاستقرت خواطرهما وسرت سرائرهما، لازم ~~الحجل الخدمة على الوجه الأحسن قائما بمواجب العبودية مهما أمكن متميزا على ~~سائر الخدم والتابعين عند الملك في الخدمة والحزم ناشرا ألوية النصيحة ~~ناثرا للجواهر بالأثنية الفصيحة والعبارات المليحة والإشارات الصبيحة على ~~ممر الأيام وسائر الشهور # PageV01P216 # والأعوام ثم ختم الكلام في هذا المقام بأعظم ختام ولله الملك العلام ~~الحمد على التمام والشكر على الأنعام وعلى رسوله أفضل الصلاة والسلام وآله ~~السادة الكرام وأصحابه السادة الأعلام ما فاح مسك الختام بهذا المقام. # PageV01P217 # فراغ # PageV01P218 ### | الباب الثامن # في معاملة المخاديم # والأصحاب # PageV01P219 # فراغ # PageV01P220 # قال الحكيم مرزبان: ثم إن السلطان طلب اليعقوب واستدعاه وإلى الخلوة دعاه ~~وقال له: أعلم يا جليس الخير ويا أنيس الطير ورئيس الدير أني تحملت من ~~اليؤيؤ المنة الكثيرة والجميلة القريرة وحيث أرشدك إلى بابي ونظمك في سلك ~~أصحابي ولا جرم أنه قام بما يجب عليه وعرف مقدار إحساني إليه وأنه أوثق ~~أعواني وأصدق خلاني وصاحب قديم وخديم عديم النظر نديم وصديق كافي وخل مصافي ~~وأنا أتيمن بطلعته وأتبارك بمشاهدته وأستنجح بآرائه واستضئ في المهمات ~~المظلمة بأضوائه ولقد حصل مثلك على ظهره وساعد ms135 وذخر مساعد فإياك أن تترك ~~ذيل مودته أو ترغب عن صحبته ومحبته ومودته، ولا تقتصر يا ذا الوقوف في ~~المحبة والوفا بل اجتهد في ذلك يوما بعد يوم ولا تأخذ عنه مصرفا وكررا ~~ورادا الولاء والثناء دائما شهرا وعاما ويقظة ونوما فأفضل المحبة ما تزايدت ~~على ممر الدهور وتضاعفت وتأكدت على كر العصور وثبت أصلها وغرزت فروعها وفاض ~~من سويد القلب على مجالي الجوارح ينبوعها بحيث يقع الاتفاق ويمتزج الوداد ~~والوفاق. # PageV01P221 # وقد قيل لا تصح المحبة بين اثنين حتى يصيرا كالعينين حيثما نظرت إحداهما ~~إلى سرور مالت إلى جهتها الأخرى تابعة لها بل يصير كالنفس الواحدة تكفيهما ~~أكلة مفردة ويكون كل منهما مع الآخر على حدة سرورهما واحد وهمهما متحد ~~التواجد قد ملأت المحبة قلبهما فلم تجد الزيادة بدا معهما كما قال شاعر ~~الملاحدة: # ملأت حشاشتس ودا وحبا ... فإن ترم الزيادة هات قلبا # والفتاح عنده الفتوح وباب الزيادة مفتوح وانظر ما قيل يا ذا العلم العريض ~~الطويل: # أيها السائل عن قصتنا ... أنا من أهوى ومن أهوى أنا # نحن روحان حللنا بدنا ... من رآنا لم يفرق بيننا # نحن مذ كنا على عهد الهوى ... تضرب الأمثال للناس بنا # وألطف من هذا وأحسن ... ما قاله القائل وأحسن # أنا والمحبوب كنا في الأزل ... نقطة واحدة من غير مين # فبرأنا الله قد أوجدنا ... مهجة واحدة في بدنين # فإذا ما الجسم أمسى فانيا ... تلقنا واحدا من غير مين # ولقد ذكرت اليؤيؤ عندي بأنواع الفضل وبوفور الحكمة وأنواع التجارب والعقل ~~وهذا يدل على نصحه ووفور دينه وصدقه في المحبة وقوة يقينه ولم يذكر غير ~~واقع ولا جازف فيما أنهاه على السامع، بل قال قليلا من كثير وقطرة من غدير ~~ولا أخبر بذلك غير خبير بعواقب الأمور يصير فإني عرفتك كما عرفتك كما عرفت ~~ووقفت على فضائل شمائلك كما وقفت وكل ذلك فوق ما وصف فأريد منك فوائد تكون ~~فرائد لنحور أرباب ذوي العقول قلائد ولضبط أساس الملك والدين أحكم قواعد ~~وعقائد فتلقى مرسومة بالامتثال، وقبل الأرض وقام ms136 في مقام العبودية والإجلال ~~وقبل بعد أداء العبودية وظائف السنة وأدى ما عليه بكامل الأوصاف المستحسنة ~~بقوله # PageV01P222 # أعلم يا ملك الزمان أن الملك العادل أنوشروان كان بنى أساس مملكته على ~~العدل وعامل رعيته بالإحسان والفضل ويكفيه من الفضائل والشمائل قول سيد ~~الأواخر والأوائل: ولدت في زمن الملك العادل وأنعم بها من مقالة أكرم قائل ~~وقال الرحمن في محكم القرآن أن الله يأمر بالعدل والإحسان وقد قيل في ~~الأقوال لا ملك إلا بالرجال ولا رجال إلا بالمال ولا مال إلا بالعدل ولا ~~ملك إلا بالفضل، ومن أقوى الصفات العدلية عمارة بلاد المرعية وبذل الجهد في ~~العمارة ليكثر الربح وتقل الخسارة فإذا غمرت البلاد وترممت الطرق والتلاد ~~وكثرت الرجال حصلت الأموال. # ولقد بلغني أيضا يا ملك الزمان أن الملك أنوشروان كان مارا في سيرانه بين ~~جنده وأعوانه إذ رأى شيخا كأن قامته قوس من خيزران وقد نثر الزمان على رأسه ~~ووجهه أبيض القطان وهو في بعض البساتين يغرس قضيب تين العناء هارب من ~~انحناء قامته وبياض هامته على شدة حرصه وتصبه في نصبه وغرسه، فقال له يا ذا ~~التجارب ومن هو من شرك العنا فهارب إلى متى ترتع في ميادين الأمل وقد تطوفت ~~بشائبة الأجل وأركان جسدك واهية وتغرس وإعجاز نخل بدنك خاوية نسيم طرواتك ~~تبدل بعواصف الذبول وقوى عبالتك ذرها عواصف النحول! أما آن أن تغرس للآخرة ~~وقد كنت عظاما نخره فقال له الشيخ: أيها الملك العادل والسلطان الفاضل ~~الكامل قد تسلمناها عامرة فلا نسلمها إلا عامرة وقد غرسوا وأكلنا ونغرس ~~ويأكلون وفي الحقيقة كلنا زارعون وغارسون: # لقد غرسوا حتى أكلنا وإننا ... لنغرس حتى يأكل الناس بعدنا # وأبعد فلاح عن الرشد والفلاح من يستلك الدثور ويتركه وهوبور، فأعجب الملك ~~من وفور عقل الفاني وحسن خطابه # PageV01P223 # وسرعته في مفحم جوابه فقال لست بمجهلك حتى تأتيني بباكورة هذا البستان ~~وإلا قطعتك في ميادين الخزي والخذلان فطال به العمر وأدرك ما نصبه ولم يخيب ~~الله تعبه فحمل إلى الملك الباكورة ووقاه الله سيئاته وغدورته. ms137 # إنما أوردت هذا المثل لتعلم أيها الملك أن الأجل والدنيا وإن كانت ظلا ~~وائلا وحائطا مائلا فهي مزرعة الآخرة وأن الآخرة هي الدار الفاخرة ثم إن ~~الله تعالى ولاك هذه المزرعة وعلق أوامرك العلية بما لها من مضرة ومنفعة ~~وحكمك في البلاد وملكك رقاب العباد فإياك أن تبورها عن الزراعة وتسلك زمام ~~تدبيرها إلى يد الإضاعة، فإن عساكرها بها منوطة وأحوال مملكتك بالعساكر ~~مربوطة فكلما تعمرت الضياع والقرى ترفهت أحوال الأجناد والأمراء واستراحت ~~الرعية واستمرت مناظم الملك مرعية وتوفرت الخزائن واطمأن الظاعن والساكن ~~وقلت المظالم وكف كف الظالم وملاك كل هذا العدل والاستوا ومجانبة الأغراض ~~الفاسدة والهوى وهذا الذي هو يقتضيه مقامك ويتم به مرامك، فإن الملك إنما ~~هو ملك الرعية والأجناد ولابد لإقامة الأجناد من عمارة البلاد والنظر في ~~مصالح العباد لينتظم بنظره مصالح العالمين ويستقين به أمر المسلمين إلى ~~الحين الذي قدره رب العالمين، فإن سنة الله تعالى جرت على هذا السنن وما ~~رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن ولهذا قال سيد سكان الخيف المنزه عن ~~الحيف: أنا نبي السيف والجهاد فرض عين على الملوك لا على الفقير والصعلوك ~~فهم من نوع من العبادة يقتضي من المال زيادة ليقيموا من الدين عماده ويقفوا ~~من الشرع مراده ويعتصموا من الكفر عناده ويبيدوا أهله وأولاده وينهبوا ~~طارفه وتلاده ويوطنوا الإسلام وبلاده وعلى كل ملك فرض أن يبذل في ذلك ~~اجتهاده ويجعل إلى الآخرة زاده وعتاده ويحفظ من الكفر # PageV01P224 # بلاد الإسلام وعباده إلى يوم يلقى معاده ويجازيه بالحسنى وزيادة. وهذه ~~أيها الملك طريقة الملوك ومن إنسهم بسهم في هذا السلوك وإياك أيها الملك ~~العظيم وصاحب الملك الجسيم الأخذ للمال من غير حله ووضعفه في غير محله ولو ~~كان موضع الخير أو قصد به نفع الصغير فإنه لا ينبغي خيره ولا يفي بشره بل ~~ولا يقوم نفعه بضره وذلك كلوازم الفارس وبنيان المدارس وتعيين المساجد ~~وتعمير المعابد وسد الثغور وعمارة القناطر والجسور والقبور وعمل مصالح ~~الجمهور على أحسن وجوه المعمور وإطعام ms138 الطعام وكفالة الأيتام والحج إلى بيت ~~الله الحرام وزيارة النبي عليه السلام لا كمن مثله الوبيل وعمله الذي فيه ~~قيل: # بنى مسجدا لله من غير حله ... وكان بحمد الله فيه غير موفق # كمطعمة الأيتام من كد فرجها ... لها الويل لا تزنى ولا تتصدقي # وقال من لا تخفى عليه الخافية: لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ثم خبر عن ~~ما يناله مما تعلمونه، فقال ولكن يناله التقوى منكم فإن توقع من هذا أجر ~~فهو خسران وكفران ذلك استهزاء واستخفاف وهل يطلب لقبيح الحرام حسن الجزا بل ~~الواجب رد المظالم وخلاص ذمة الظالم ورد الحقوق إلى أهلها وإيصالها إلى ~~محالها وما يرضي ظالم غوى يحل الحرام محل الهوى أن يخرج من الدنيا سواء ~~بسوا وإن كان والعياذ بالله صرف ذلك على الفسق والملاه ونيل الأغراض ~~الفاسدة وقامة الحاجة فهو في أشد النكال وأعظم الهوان والخسران والوبال. ~~وهذا مقام يطول فيه الكلام وأقل ما في الباب أن الجلال حساب والحرام عقاب ~~وعذاب وقد سمعت يا جليل القدر ما نطق به ذلك الصدر الذي أخجل نور جبينه ~~البدر سيد الأنام ومصباح الظلام وحبيب الملك العلام محمد المصطفى عليه أفضل ~~الصلاة والسلام يوما لأصحابه الغر الكرام رضى الله # PageV01P225 # عنهم وأرضاهم وجمعنا في مستقر رحمته وإياهم: أتدرون من المفلس قالوا ~~المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال إن المفلس متن أمتي من يأتي يوم ~~القيامة بصلاة وصيام وزكاة وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا ~~وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ~~أخذ من خطاياهم فطرحت عليه وقال أيضا أفاض عليه سحائب فضله فيضا إنكم لتؤدن ~~الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقتص للشاة الجمامن الشاة القرنا هذا إذا ~~كانت هذه الخيرات المأتي بها من هذه الطاعات قد حصلت من المكاسب الطيبات ~~والمرابح المستحسنات فهي على هذا الحصر من غير ريب ولا غدر، وأما إذا كانت ~~من الحرام فقد حرفها الكلام ولأجل ms139 هذا الخطب الجسيم والخطر العظيم تورع من ~~الحلال الزاهدون وشمر ذيل الرغبة عن التلوث بالدنيا العابدون. قال سيد ~~البشر الشفيع في المحشر: لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى ~~كافرا منها شربة ماء. وقال عليه الصلاة والسلام على ممر الليالي والأيام: ~~اللهم اجعل رزق آل محمد في الدنيا قوتا ولا بد للملوك من خمس خصال: الأولى ~~اجتناب التبذير، الثانية مراعاة النفس والتأمل في حالة الرضى والغضب، ~~الثالثة تقديم مصالح رعيته على مصالح نفسه، الرابعة لا يمكن القوي من ~~الضعيف، الخامسة لا يقدم أحدا على العلم والعلماء وليتق دعوة المظلوم فإنه ~~ليس بينها وبين الله حجاب. قال عليه الصلاة والسلام من قتل عصفورا عبثا جاء ~~العصفور يوم القيامة وله صراخ عند العرش يقول يا رب سل هذا فيما قتلني من ~~غير منفعة. فلما انتهى الحجل في الكلام إلى هذا المقام قبله العقاب بين ~~عينيه وزاد في تقريبه إليه ومكانته لديه وإنعامه عليه. # PageV01P226 ### | الباب التاسع # اكتساب الأمور # من التجارب # PageV01P227 # فراغ # PageV01P228 # ليعلم الناظر في هذا الكتاب بأن فيه من الحكم ولطائف الكلم ما يصلح أن ~~يكون للملوك معتمدا وللأكابر والأفاضل مرشدا وللأدباء جليسا وللغرباء أنيسا ~~ولقد فاق سلوان المطاع وكليلة ودمنة: # على أنني راض بأن أحمل الهوى ... واخلص منه لا علي ولا ليسا # وأن المطالعة فيه والاقتباس من فرائد معانيه تزيد العقل عن التجارب بل ~~تفيد زيادة المتقارب لأن العمر يصرف إلى اكتساب الأمور من التجارب واستفادة ~~الفوائد والحكم من هذا أمرها راقب وأحب ما يتمنى الإنسان طول العمر وقد ~~قيل: # وأحسن ما كان الفتى من زمانه ... مع السعد والجاه العريض معمرا # وأحب ما أسمع للحاكم قول الناظم: # فلا زلت بين الورى حاكما ... بجاه عريض وعمر طويل # فمن أراد أن يطول عمره فليعم الناس خير وبره. وقد قيل خمسة أشياء تزيد في ~~العمل: الأولى البر قال عليه الصلاة والسلام: لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا ~~يزيد في العمر إلا البر، الثانية إسباغ # PageV01P229 # الوضوء قال عليه الصلاة والسلام: إسباغ الوضوء زيادة ms140 في العمر، الثالثة ~~التحية الحسنة. كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يدخل الأسواق يسلم على ~~أهلها ببشاشة فقيل له في ذلك فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: السلام ببشاشة وطلاقة الوجه يزيدان في العمر، الرابعة الصدقة قال ~~عليه الصلاة والسلام: داووا مرضاكم بالصدقة. وجاء في التفسير أن عيسى عليه ~~السلام كان جالسا فمر قصار ومعه كارة للقصارة فقال عيسى لأصحابه: هذا الرجل ~~يموت اليوم من عقرب تلدغه فمر القصار عشية سالما فقيل لعيسى عليه السلام في ~~ذلك فقال: فطلب القصار وسأله عما عمله في ذلك اليوم، قيل كان معي رغيفان ~~لما جلست لأتغدى جاءني سائل فأعطيته أحد الرغيفين فسد به جوعته وقال: أكثر ~~الله خيرك وزاد مالك وطول عمرك ففتش عيسى عليه السلام لرزمته فوجد العقرب ~~ملجما بلجام القدرة وقال: إنما كف عنك هذا البلاء ببركة الصدقة، الخامسة ~~العدل في الرعية فإنه ورد في تفسير الثعالبي قال في قوله تعالى: (وقضينا ~~إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا) . # كان قال في بني إسرائيل ملك يدعي صديقا عالما عارفا عادلا في حكومته ~~محسنا في رعيتها وكان في زمن نبي من أنبيائهم فكان يمتثل ما يأمره به نبي ~~زمانه ويقوم به وينظر في فصل القضايا بنفسه فخرجت له في رجله قرحة أشغلته ~~بنفسه حتى صار لا يعرف صباحه من أمسه فوقع في بلاده بلاء ووباء فمات من أهل ~~مملكته طوائف عديدة وجملة من الخلائق مديدة، فقصد مملكة رجل من بابل اسمه ~~سنحارب النازل وهو رجل كافر ظالم غائل معه من العساكر ستمائة ألف مقاتل ~~يعجز عن مقاومته ويعي عن # PageV01P230 # مخادعته، فجاء نبي ذلك الزمان يعوده وينظر ما يريده فاستشاره الملك في ~~أمره وما هو راء من غدره فنزل عليه الوحي قبل أن يرد له جواب بل عقب سماع ~~هذا الخطاب أن قل لصديق يوصى بالملك إلى من يرى أنه من أهل الملك فإنه لم ~~يبق له من العمر إلا ليلة واحدة فأخبره ذلك ms141 النبي بذلك فسلم له ورضي وتوجه ~~إلى الله تعالى وصلى وسجد وقال في سجوده: اللهم رب الأرباب وإله الخلق قدوس ~~تقدست يا رحمن يا رحيم يا رؤوف أنت الذي لا تأخذه سنة ولا نوم فأوحى الله ~~تعالى إلى هذا النبي أن بشر صديقا باستجابة دعائه وإني أمهلته مدة خمس عشرة ~~سنة ببركة عدله وطاعته وانقياده لأمري، فلما بشره سر بذلك وسجد سجدة ثانية ~~وقال في سجوده: إله آبائي لك سجدت وسبحت وكرمت وعظمت أنت الذي تعطي الملك ~~من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب ~~والشهادة أنت الأول والآخر والظاهر والباطن وأنت ترجم وتستجيب دعوة ~~المضطرين أنت الذي أجبت دعوتي ورحمت تضرعي، فاستجلاب الله دعوته قبل أن ~~يفارق سجدته وأوحى الله إلى نبيه أن قل في أمر عدوه فقال الله تعالى: أنا ~~أكفيك أمره فلما وصل العسكر واحتاطوا بالبلد أرسل الله عليهم صيحة أخذتهم ~~عن آخرهم وأهلكتهم وهرب سنحارب فاختفى في جبل فأدركه الطلب هناك وأحضروه ~~لدى صديق فسجد صديق شكرا لله تعالى ودعا سنحارب إلى التوحيد فقال له ~~سنحارب: كنت سمعت عناية ربك بك والآن فقد رأيت وحققت ولكن لا أفارق ديني ~~فأمر به للاعتقال فأوحى الله تعالى إلى النبي أن قل له يطلقه ويرسله إلى ~~بلاده فأطلقه وأرسله إلى بلاده ومات على دينه. ثم جلس مكانه بخت نصر ووقع ~~من وفاته الظلم والجور # PageV01P231 # بعد صديق فسلك الله عليهم من أهلكهم فانظر إلى ذلك العدل وبركته وظلمه ~~الظلم وقباحته: وذكر في التفسير المذكور في تفسير قوله تعالى: (وأن اليأس ~~لمن المرسلين) قال: كان ملك اسمه أجب وكان عادلا وله زوجة ظالمة كافرة ~~النفس وكان يحبها وكان في جوار بيته جنينة لرجل صالح فطلبتها زوجة الملك من ~~الرجل الصالح فلم يسمح بذلك لها فأمهلته حتى غاب الملك وأقامت بينة كاذبة ~~شهدت على الرجل الصالح أنه سب الملك، وكانت العادة أن كل من سب الملك يهدر ~~ماله ودمه فقتلته واستولت على جنينته فلما رجع الملك ms142 من السفر استغاثت ~~زوجته فلم يتعرض إليها بأكثر من ذلك فأوحى الله تعالى إلى الياس عليه ~~السلام أن يخبر الملك بما فعلته زوجته ويأمره بالقصاص ورد الجنينة إلى ورثة ~~صاحبها، فلما بلغ الرسالة غضب الملك، وغلبت عليه محبة الزوجة وأراد قتل ~~الياس فهرب منه واختفى في مغارة فأرسل وراءه أربعين فارسا تطلبه فأرسل الله ~~عليهم صاعقة أهلكتهم عن آخرهم ثم جاء الياس إلى بلدة إنطاكية فنزل في بيت ~~المرأة وكان لها يتيم وهو يونس عليه السلام وعمره إذ ذلك سبع سنين فأمنت ~~بالياس ثم ذهب الياس من عندها ومات في غيبته ولدها اليتيم ثم إن الياس عاد ~~إليها وسألها عن حالها فأخبرته بموت ولدها فسأل الله أن يحييه فأحياه ولما ~~بلغ أكرمه الله بالرسالة وأهلك الله اجب وامرأته وقومه بشؤم ظلمهم وهكذا ~~عاقبة الظالمين والطاغين والباغين. # وينبغي أن لا يتمنى لقاء العدو ويكتفي بمشاهدة الأصحاب كما قيل في طلعة ~~البدر ما يغنيك عن زحل وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تمنوا لقاء ~~العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا. وقيل للأرنب أيما أحب ~~إليك رؤيتك للكلب أو رؤية الكلب # PageV01P232 # إياك فقال الأحب أن لا أراه ولا يراني لأني إن رأيته خفته وخشيت أن يراني ~~ويطلبني وإن رآني طلبني وربما لم يمكنني منه الفرار فأقع في الهلاك والبوار ~~وأحسن ما تلبس به الحاكم والرؤسا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون ~~فاسقا محروما وإذا نزل العذاب فإنه يشمله. وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لما قيل له أنهلك وفينا الصالحون قال: نعم إذا كثر الخبث وقال تعالى: ~~(فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ~~بعذاب بئس بما كانوا يفسقون) فأدخل الذين لم ينهوا مع الذين ظلموا وقال: ~~الساكت في الحق شيطان أخرس. وقيل خسف الله بني وقومه في بني إسرائيل فناجى ~~بني من أنبيائهم ربه تعالى في أمرهم وأمر نبيهم فأوحى الله إليه أنه كان ~~يصلي والصبيان أمامه ينتفون دجاجة حية فلم يخلصها ms143 من أيديهم وإذا كان فعل ~~هذا في طير قبله وذبحه مباح فما ظنك بمن يؤذي مؤمنا الذي هو بنيان الله ~~تعالى وقد حرم الله تعالى عرضه وماله ودمه، ولتعلم أن يد الله فوق أيدي ~~المؤمنين ورحمته عامة جميع الصالحين ونقمته نازلة على الطاغين والباغين ولا ~~عدوان إلا على الظالمين: # وما يد إلا يد الله فوقها ... وما من ظالم إلا سيبلى بظالم # وقال الآخر وأجاد وما حاد عن المراد: # تنام وما المظلوم عنك بنائم ... ودعوته لا تنثني بحجاب # وينبغي أن يكون العمل خالصا لوجه الله تعالى، فإن العمل الخالص هو رأس ~~المال لجميع المخلوقات سواء كانوا أنبياء أو أولياء ولا يثمر في الدنيا ~~سواه وناهيك وبحديث أصحاب الغار حيث أخلصوا في عملهم وأنجاهم الله ببركة ~~إخلاصهم. وذلك أن ثلاثة # PageV01P233 # آووا إلى غار خوف الابتلال بالمطر فنزل من الحبل صخرة سدت فمه فقالوا لا ~~ينجيكم إلا أن تدعوا الله بصالح عملكم، فقال واحد منهم: اللهم كان لي أبوان ~~كبيران أؤثرهما على أهلي فتأخرت ليلة حتى ناما فلم أوقظهما وانتظرت يقظتهما ~~وقدح اللبن في يدي إلى الفجر والصبية تصيح عند قدمي حتى شربا، اللهم إن كان ~~ذلك ابتغاء لرضاك ففرج عنا فانفرجت شيئا لا يمكن الخروج منه فقال الثاني: ~~اللهم كانت لي ابنة عم أحبها فراودتها فأبت فحصل جدب فجاءتني فأعطيتها مائة ~~وعشرين دينارا على تمكيني منها فلما أردتها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم ~~إلا بحقه فتركتها والمال اللهم إن كان ذلك ابتغاء لرضاك ففرج عنا فحصل ما ~~لا يسع الخروج، فقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء وأخذوا أجورهم إلا واحدا ~~فنميت أجرته فجاءني يطلبها فقلت كل ما ترى من إبل وغنم وبقر ورقيق من أجرتك ~~فقال أتهزأ بي. قلت: لا فأخذ ذلك كله اللهم إن كان ذلك ابتغاء لرضاك ففرج ~~عنا فانزاحت الصخرة وخرجوا يمشون، رواه الشيخان وغيرهما. وأعلم أن رئيس كل ~~طائفة بمنزلة والدهم فإن السلطان والد الرعية أولاده، والأمير كذلك وكذا ~~القاضي وكل وال حتى رؤساء القرى كل رئيس مهم ms144 بمنزلة الوالد والفلاحون ~~أولاده والمقطعون والأجناد بمنزلة آباء الفلاحين يربونهم كالأولاد ويشفقون ~~عليهم شفقة الآباء، كما يحكى عن بهرام جورانه وقع في بعض السنين قلة وقحط ~~في بعض البلاد حتى قلت الأقوات فرسم بفتح مخازنه وحواصله وبذلها في رعاياه ~~وحشمه وأمر بدوابه فتوجهت إلى أطراف البلاد تجلب الميرة فصار يفرق ذلك على ~~الرعية من غير عوض فسد بذلك خلة الناس واستمر ذلك نحوا من أربع سنين، ثم ~~بلغه أن شخصا من مملكته مات من الجوع ولم يكن له بذلك شعور فوجم لذلك وأخذه ~~القلق # PageV01P234 # والأرق واستغفر وصام وتصدق وبلغ ذلك منه مبلغا فصار يناجي بذلك ربه ~~ويقول: يا رب اغفر لي هذه الغفلة وتجاوز لي عن هذه السهوة فلو كان لي شعور ~~بذلك لبذلت الذي تصل إليه القدرة فهتف به هاتف حيث احتفلت لنفس واحدة من ~~عبادي هذا الاحتفال وأسفت هذا الأسف فإني أرفع الموت عنكم مدة أربع سنين ~~وعمر بهرام في أرغد عيش وأطيب عمر مع الصفاء والهناء، كل ذلك ببركة الشفقة ~~والرحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحما فنسأل الله تعالى أكرم الأكرمين ~~إياه نعبد وإياه نستعين أن يعاملنا بما يليق برحمته ويسبل علينا ذيل إحسانه ~~ونعمته آمين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~أجمعين وحسبنا الله ونعم الوكيل. إلى هنا الختام بحمد ذي الجلال والإكرام. # انتهى كتاب مرزبان نامة ترجمة الشيخ الإمام العلامة أقضى القضاة شهاب ~~الدين أحمد بن محمد بن عرب شاه الحنفي الدمشقي والرضوان عليه سحائب الرحمة ~~وديمة المغفرة والإحسان ما تعاقب الملوان وتوالت الأزمان وما قرا قارئ في ~~كتابه وعمل بما فيه مما ينجي يوم حسابه وتدبر معانيه وفهم عوالته وخوافيه ~~وصلى الله على النبي محمد وآله وصحبه وبنيه وأزواجه # وتابعيه آمين. PageV01P235 ms145