######OpenITI# #META# Open ITI: 0884IbnCarabshah.TalifTahir #META# BAH: https://ihodp.ugent.be/bah/mml01%3A000000358 #META# Author: Ibn ʿArabshāh, Aḥmad b. Muḥammad b. ʿAbd Allāh #META# Title: al-Taʾlīf al-Ṭāhir fī Shiyam al-Malik al-Ẓāhir al-Qāʾim bi-Nuṣrat al-Ḥaqq Abī Saʿīd Jaqmaq #META# Ms.: BL Or. 3026 #META# Editor: / #META# Publisher: / #META# Place of publication: / #META# Date of publication: / #META# Volumes: 1 #META# Words : 68062 #META# Digitization: British Library #META# Typescript: Manhal Makhoul MMS-II #META# Processed by Manhal Makhoul MMS-II #META#Header#End# # 1و ~~التأليف الطاهر في شيم الملك الظاهر القائم بنصرة الحق ~~أبي سعيد جقمق لسيدنا ومولانا الشيخ الأوحد والمفرج الأمجد ~~أحمد بن محمد ~~بن عربشاه ~~رحمه الله ~~1ظ ~~بسم الله الرحمن الرحيم ~~وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب • وبشر المؤمنين يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~أنصارا لله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون ~~نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين ~~آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين • الحمد لله ملك الملوك • ~~ومالك المالك والمملوك • ذي الملك السديد • والبطش الشديد • والسلطان ~~الذي لا يفنى ولا يبيد • والمعبود الذي ليس بظلام للعبيد • قسم الخلائق ~~بين حاكم ومحكوم • وظالم ومظلوم • وغني وفقير • وسلطان ووزير ~~ومأمور وأمير • وكافر ومؤمن والله بما يعملون بصير • مالك الملك ~~يؤتي الملك من يشاء • وينزع الملك ممن يشاء • ويعز من يشاء • ويذل من يشاء ~~بيده الخير إنه على كل شيء قدير • احمده حمدا يليق بسلطانه • وأشكره ~~شكرا يسبل علينا ذيل نعمه وإحسانه • وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له ملك يتنزه عن تصرف الحدثان • وآمر نفذ أمره في الزمان ~~والمكان • وسلطان جرت أوامره على مقتضى الحكمة فكل يوم هو في شأن ~~وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ملك الرسل وسلطانها ~~والدرة التي بها ازدان تيجانها • والهادي الذي به انضح برهانها • بدر ~~الظلم • ونبي السيف والقلم • المبعوث بالرسالة إلى سائر العرب والعجم ~~والمخرج الأمة من نار الحرب إلى جنة السلم • صلى الله عليه صلاة تؤرخ ~~في بطون الكتب • وتخلد على مر الأزمان والحقب • وعلى آله وأصحابه • ~~وأزواجه وأحبابه • الذين اقتفوا أثاره • وأناروا بإحياء سنته للدين ~~منارة وحفظوا بعده شعار الإسلام ودثاره • وتابعيهم وتابعي التابعين ~~2و ~~ومن سلك سنن سننهم من الملوك والسلاطين • وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا ~~أما بعد فإن الله تعالى بجميل صنعه • ورحيم رأفته وجسيم فضله • وعميم ~~نعمته جعل الإنسان أشرف الموجودات • وألطف المخلوقات • وواسطة عقد ~~الكائنات • ودرة صدف الفطرة • ومركز دائرة الحكمة • وثمرة شجرة الوجود ms001 • ~~والمقصود لعبادة المعبود • قال سبحانه وتعالى وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون • وجاء في حديث قدسي يا بن آدم خلقت الأشياء كلها من أجلك ~~وخلقتك من أجلي • وللإنسان صورة وسيرة وظاهر وسريرة • ~~أما صورته وظاهره فكما قال الله تعالى لقد خلقنا الإنسان في أحسن ~~تقويم • وقال تعالى وصوركم فأحسن صوركم • فهو أحسن الحيوانات ~~شكلا • وأزهى قدا • وأعجب منظرا • وأعدل قامة • وأصبح وجها • وأفصح ~~نطقا • وأطرب نغمة • وألين ملمسا • وأرشق حركة • وهو مركب من لطيف ~~الجواهر وكثيفها • ففيه من كثيف الأرض • ولطيف الهواء • ورفين النار • ~~وصافي الماء • ولذلك صار معتدلا • وسمي العالم الأصغر • المحصور في العالم ~~الأكبر • بيانه أن رأسه كهيئة الفلك في شكله واستدارته • ~~قال الشاعر ~~أفضل الأشكال شكل المستدير • أحسن الألوان لون المستنير • ~~واجتماع الأجرام النيرة فيه كالسمع • والبصر • والشم • والذوق • والنطق ~~فعيناه كالشمس والقمر • واذناه كالمشرق والمغرب • وأنفه كمهب الرياح ~~وأمامه كالنهار • ووراءه كالليل • وحركته كسير النجوم • وسكونه ~~كوقوفها • ورجوعه القهقري كهبوطها • وموته كاحتراقها • وأعضاؤه ~~الباطنة سبعة كالكواكب السيارة • وأعظم رأسه سبعة كعدد أيام الأسبوع ~~2ظ ~~وفقار ظهره أربعة وعشرون كساعات اليوم والليلة • ومفاصلة ثمانية وعشرون ~~كمنازل القمر • وحروف الهجاء وأمعاؤه كعدد أيام الأهلة • وعروقه الضوارب ~~ثلثمائة وستون عرقا كعدد أيام السنة • والسواكن كذلك كعدد لياليها ~~وطبائعه أربعة كالفصول الأربعة جسده كالتراب • ودمه كالبحار • وعروقه ~~كالنهار • وعظامه كالجبال • وشعره كالنبات • وهذه نكتة من بدائع صوره ~~وعجيب تركيبه • ولو ارخيت عنان القول في هذا المقام لفات المقصود • فإن ~~الكلام على كيفية أسنانه • وأنيابه • والأضراس • والطواحين • فقط وحدها ~~وبيان الحكمة في هيئاتها وأشكالها مثلا أو على العين • وذكر طبقاتها • وشرح ~~عضلاتها • يفتقر إلى كلام طويل يخرج عن المرام • فضلا عن سائر أعضائه ~~وتركيب أوصاله على صورها وهيئاتها • وإنما يعلم ذلك من التشريح في كتب ~~الطب وزيادة بيان ذلك وكشف سره وحكمته في كتاب أحياء علوم الدين ~~والتفسير الكبير • والكتب المطولة • وهذا خارج عن قواه وحواسه ~~الباطنة • وأما سيرته وسريرته فعلى ضربين • ضرب محمود ~~وهو العلم • والحكمة • والبذل •والجود • والحلم • والاغضاء ms002 • والعفو • والعدل • ~~والشجاعة • والثبات • والصبر • والاحتمال • والصدق • وحسن الخلق ~~والرفق • واللين • والتواضع • والشفقة على الخلق • وحسن سياستهم ~~ومعرفة ما يراد منه من رضي خالقه • واتباع أوامره • والانتهاء عن زواجره • ~~والإخلاص في عبادته • والتوكل عليه • وتفويض الأمر إلى ارادته ومشيئته ~~إلى غير ذلك من الصفات الملكية • وضرب مذموم وهو الجهل ~~والتكبر • والعجب • والحسد • والبخل • والبذاءة • والغضب • وطلب ~~الانتقام • والظلم • والجبن • وسوء الخلق • وقلة الصبر على المكروه • وطلب ~~3و ~~العلو • وحب الرئاسة • والمكر • والخديعة • والكذب • والإغراء • والافتتان • والقهر ~~والتجبر • والاستطالة • والحرص • والطمع • والشهوة • وجميع الصفات ~~الشيطانية • والسبعية • والبهيمية • عن آخرها • ~~• قال الشاعر • ~~• وما هذه الأخلاق إلا طبائع • فمنهن محمود ومنهن مذموم • ~~فصورة الإنسان وظاهره من عالم الملك المسمى بعالم الشهادة • وعالم ~~الخلق • وسيرته • وسريرته من عالم الملكوت المسمى بعالم الغيب وعالم الأمر ~~فإذن الإنسان مجمع عالمي الملك والملكوت ولكنه جاهل بنفسه مضيع ~~لها غير باعثها على ما فيه نجاتها وخلاصها إلا من عصم الله تعالى وعرفه نفسه • ~~ولهذا قال صلى الله عليه وسلم من عرف نفسه فقد عرف ربه ~~• قال • ~~• بو نعمت وراه ذو جهاتي جه كنم قدر حود نمى داني ترحمته • ~~• فقلت • ~~• أنت أعلى من الوجود وأغلى • قيمة أن تسام بالأرواح • ~~• بعت في سكرة لأنفس نفس • بهوان الهوى أفق يا صاح • ~~ومع ذلك فالإنسان مختلف في جنسه متفاوت في عقله وحسه • قال ~~الله تعالى ما لكم لا ترجون لله وقارا • وقد خلقكم أطوارا • وكل حيوان سواه • فهو ~~على خلق واحد وطريقة واحدة لا تتفاوت إلا قليلا • ولا يفضل بعضه على بعض ~~إلا شيئا يسيرا • بخلاف جنس الإنسان • قال الله تعالى وهو الذي جعلكم خلائق ~~الأرض • ورفع بعضكم فوق بعض درجات • وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الناس معادن كمعادن الذهب والفضة • قال الشيخ علاء الدين البخاري ~~3ظ ~~رحمه الله تعالى وقد خلق الناس اشتاتا متفاوتين كمعادن الذهب والفضة وسائر ~~الجواهر فانظر إلى معادنها وتباعد ما بينها بكون • ولون • وخاصية • وبقاء فكذلك ~~القلوب معادن لجواهر المعارف • فبعضها معدن النبوة • والولاية • والعلم ms003 • ومعرفة ~~الله تعالى على تفاوت درجاتهم • وبعضها معدن الشهوات البهيمية • والأخلاق الشيطانية • ~~ذكره في الملحمة • والرد على المجسمة • فمن الناس من يترقى في درجات ~~الكمال ويتصعد في شريف ما ذكرنا من جميل الخصال • حتى يفضل على خواص الملائكة ~~كخواص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام • فإن مذهب أهل السنة والجماعة أن خواص ~~البشر وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أفضل من خواص الملائكة • وخواص الملائكة ~~عليهم السلام أفضل من عوام البشر • ومنهم من يتنزل في مذموم هذه الأوصاف ~~التي ذكرناها حتى يركد في أسف سافل ويصير أذل من الحشرات • وأقل من الجمادات ~~قال الله تعالى ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ولو كان شيء أقل من التراب ~~وأذل من الأرض التي تطاؤها الأقدام لتمنى الكافر أن يكون ذلك • كما قيل ~~• شعر • ~~• فكم بين شخص بالملائك ملحق • وبين شخيص ملحق بالبهائم • ~~وإلى صورة الإنسان وسيرته أشار قوله تعالى ولقد خلقنا الإنسان ~~من سلالة من طين • ثم جعلناه نطفة في قرار مكين • ثم خلقنا النطفة علقة ~~فخلقنا العلقة مضغة • فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما • ثم أنشأناه ~~خلفا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين • وكل من القرآن العظيم • وحديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم الكريم مشحون بذكر هذه القدرة البديعة • والحكمة ~~الرفيعة • فكلما ترقى الإنسان في الصفاء المحمود والمقام الأرفع كان إلى حضرة ~~الله سبحانه وتعالى أقرب • ولجناب رب الأرباب أوصل • وبصفات أفعال الله تعالى ~~4و ~~ونعوت ذاته أعرف • وذلك مقام الأولياء والصديقين • والأنبياء والمرسلين • والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا • وكلما نصوب في الصفات الذميمة إلى الدرك • ~~الأسفل كان إلى الشيطان وحزبه أقرب • وفي قعر الهاوية والسعير أنزل • ~~وبصفات خالقه ورازقه وبمقدار نفسه أجهل • قال الله تعالى حكاي عن ~~كلا الفريقين كلأ إن كتاب الأبرار لفي عليين • كلا إن كتاب الفجار لفي سجين • ~~والتفاوت الذي بين كل من الفريقين لا يحيط بكنهه إلا عالم الغيب والشهادة ~~الذي خلقه فسواه فعدله • في أي صورة ما شاء ركبه • تعالى وتقدس • ربما ترى ~~شخصين متصاحبين أحدهما سره جائل في ms004 عالم الملكوت • في حظيرة القدس • منعما ~~في حدائق الأنس • والآخر في دركات أسفل سافلين • معذور بقوله أم لهم قلوب ~~لا يفقهون بها • وأعين لا يبصرون بها • ولهم آذان لا يسمعون بها • أولئك كالأنعام بل هم أضل ~~أولئك هم الغافلون • وقد بينا بعلم له لا عبرة بالصورة • وأما القول عليه بالباطن ~~والسريرة قال فكم بين شخص الخ • حكاية توجه السلطان الملك الأشرف ~~أبو النصر برسباي رحمه الله تعالى إلى طرف ديار بكر وذلك في شهور سنة ست ~~وثلاثين وثمانمائة ثم لما قفل في أواخر السنة المذكورة حضر إلى زيارة شيخنا المرحوم ~~العامل الرباني • والعالم الصمداني • قطب الأقطاب • وولي الملك الوهاب • ~~الكامل المكمل الشيخ علاء الملة والدين • محمد بن محمد البخاري • سقي الله ~~تعالى مرقده • شآبيب الغفران • وكساه بفضله خلع الرضوان • وكان إذ ذاك ~~ساكنا في الشبلية من صالحية دمشق • فلما دخل عليه • وجثا بين يديه كان ~~فيما نصحه به أن قال له يا برسباي اعلم أنه ملك الدنيا قبلك من هو أعظم منك ~~دولة وأكبر صولة وأكثر جولة • منهم داود • وسليمان • عليهما الصلاة والسلام ~~وذو القرنين والخلفاء الراشدون • ومن سلك طريقهم • ومنهم فرعون • ونمرود • ~~4ظ ~~وشداد • وبخت نصر • ومن تبعهم في نهجهم • ثم إن الكل تركوها ومضوا لسبيلهم • ولم يتبعهم ~~منها مقدار ذرة • وقدموا على ما قدموا • ولاقوا ما عملوا • والآن قد ملكت أنت وصارت ~~لك حصة ما كان لأولئك • وقد لاح لك طريق كلا الفريقين • واتضح لك سبيل الأخيار ~~منهم والأشرار • فأنت بالخيار من سلوك أي طريق شئت • واتباع أي فريق منهم أردت ~~فما تم طريق ثالث إلا طريق داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام فتحشر معهم وهذا ~~القدر من الكلام يكفيك • وخير الكلام المختصر المفيد • عودا إلى ما كنا فيه ~~فأذن أعلى جنس الإنسان الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم لاختصاصهم ~~بالسمو إلى أعلى ذري هذه الصفات والترقي في الخصال المحمودة إلى غاية ~~الغايات • قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ~~وهذه الصفات الحميدة هي من ms005 شرائط النبوة ولوازمها كما تقرر في علم الكلام ~~ولذلك اختارهم الله تعالى لسياسة عباده • واصطفاهم لدعوتهم الخلق إلى توحيده ~~وهدايتهم إلى سواء الطريق والوصول إلى جنانه • وتحصيل ثوابه ورضوانه • ثم ~~من بعدهم أعلى جنس الإنسان وأشرفه من تمهدت به شرائعهم • وتقوت بصولته ~~ودولته ملتهم • وسلك سننهم • وإحياء سننهم • من الملوك والسلاطين • وولاة ~~أمور الدين • قال الله سبحانه وتعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم • فلم يكن أقرب إلى نبي مرسل من ملك شيد شريعته على قواعد العلم وأركان العدل ~~والإمام العادل ببركة عدله يظله الله تعالى يوم القيامة تحت ظله • ولما كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين • لم ينتظم بعده أمر الدين • إلا بخلافة الخلفاء ~~الراشدين • ثم من بعدهم بالسلاطين العادلين • والملوك الفاضلين • وكل حاكم ~~أحيى سنتهم • وولي أمر قوى طريقتهم • ووجود السلطان في الأرض من حكم ~~الله تعالى • البالغة ومننه السابغة • لأن الله تعالى جبل الإنسان على حب الانتصاف ~~5و ~~لنفسه وعدم الإنصاف لغيره فمثل الإنسان بلا سلطان كمثل السمك يبتلع الكبير منها ~~الصغير قال شعر • ~~• لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم • ولا سراة إذا جهالهم ساروا • ~~ولولا السلطان القاهر الذي يدبر معايش الناس ومصالحهم لم يتهيأ لهم أمر ولا استقام ~~لهم معاش • وإذا لم يصلح لهم معاش فلا يصلح لهم معاد • فإن صلاح المعاد مترتب على ~~صلاح المعاش • قال بعض القدماء لو رفع السلطان من الأرض ما كان فيه في ~~أهل الأرض من حاجة • والسلطان للعالم بمنزلة الروح للجسد • والرأس ~~للبدن • والشمس للدنيا • ومثل الناس بلا سلطان كمثل بيت بلا سراج يدب فيه الحشرات ~~المؤذية • ويسرح فيه كل شرير • ويضيع فيه حال المحسن فإذا أوقد فيه السراج ~~ارتدع كل مؤذ • وانتفع كل مصلح • وقيل للسلطنة سر من أسرار الربوبية ~~يحفظ بها عباد الله وبلاده • شرفها جسيم • وقدرها عظيم • ونفعها عميم • وثمرتها حراسة ~~النفوس والأهوال • وإحراز الأرزاق • وإقامة المعايش • ونشر العلم • وإظهار الدين ~~وقمع الظالمين • وردع الباغين • وأمن السبل • وتعرف الدواعي على مصالح الدنيا ms006 ~~والدين • ولا مرتبة أعلى منها • ولا غنى لمصالح الدنيا والآخرة عنها • إذ بإقامتها ~~يتمكن نهض الخاشع من عبادته • والفلاح بقيام كفور زراعته • ويقدم التاجر ~~على تنفيق بضاعته • ويقطع المسافر المفاوز لبلوغ حاجته • ومن الجملة لا يقدر ~~أحد بدونها على إصلاح شيء من أمور دنياه وآخرته • هذا وقد من الله تعالى ~~في هذا العصر • وجبر هذه الأمة الضعيفة بعد الكسر • برحمة شاملة • ونعمة ~~كاملة ودولة عادلة • وأيام سحائب خيرها بالأمن والأمان هاطلة • وهي ~~الأيام السعيدة • والدولة الشريفة الحميدة • أيام مولانا وسيدنا • ومالك ~~رقابنا • السلطان الأعظم • المالك الملك الأكرم الأفخم • سيد سلاطين ~~5ظ ~~العرب والعجم • والترك والديلم • خادم الحرمين • ومخدوم الثقلين • حامي العباد • ~~ماحي العناد • المؤيد بالنصر المسدد بالفخر • الملهم سير العدل • الثبت من الله تعالى ~~بالفضل والفصل • حافظ حوزة الدين • ظل الله في الارضين • خلاصة الماء والطين • ~~ناشر رايات الخير على الإسلام والمسلمين • ماد سرداق الويل على الكفرة والملحدين • ~~رافع الوية الحق • ناصب ابنية الصدق • كاسر أرباب النفاق • جازم أصحاب ~~الشقاق • مظهر كلمة الله العلية مخفي آثار الشرك والرياء • منصف المظلومين ~~من الظالمين • مشيد مسند سيد المرسلين • ملاذ الملوك ملجأ السلاطين • ~~غوث الملهوفين والضعفاء • مربي العلم والعلماء • الملحوظ بالعناية الأزلية • ~~المحفوظ بالولاية السرمدية • مولانا السلطان المالك الملك الظاهر أبي سعيد ~~جقمق • شعر • ~~• من كان عند الله أيامه • مخبؤه للزمن الآخر • ~~جعل الله تعالى ملوك الدنيا خدامه • وسلاطين الآفاق تمشي خلفه وقدامه ~~ونصر أولياءه • وكسر أعداءه مليك لما نشر به الأمان جناحه • وشهر ~~الزمان نجاحه • ورفع الحق رأسه بعد ما كان انتكس • وتبسم كل من الملك ~~والدين ضاحكا بعد أن وقع في النازعات وعبس • وفد عليه من الأطراف • ~~كل وافد • وقصد للاكتحال بنور طلعته الشريفة كل صادر ووارد • فاحل ~~كل واحد محله • ورفع العلم والفضائل وأهله • وتشرفت بتقبيل الأرض بين ~~يديه الملوك • ورأت الدخول في شريعة طاعته • وطريقة أوامره في الحقيقة ~~من أعظم السلوك • فعمت هباته وطمت صدقاته • ووسع حلمه كل مجرم • ~~وحمل عفوه كل مبرم • وكنت قبل هذا التأليف السعيد صنفت ms007 تاريخا ~~وسميته بعجائب المقدور • في نوائب تيمور • ذكرت فيه بعض أحوال تيمور الأعرج ~~6و ~~الذي لم يوجد أعبر منه في العتو ولا اخرج • ولم أقصد بذلك إلا الاعتبار • وذكر ما جرى ~~على العباد والبلاد من ذلك المتكبر الجبار ليعتبر • به ولاة الدين • وملوك الإسلام ~~والمسلمين • إذ سيره كلها عبر وكل عبرة منها فيها سير • مع أنه لا يخلو من دقائق ~~أدبية • ولطائف عربية • وبدائع انشائية • وإنشاءات بديعية • إلى غير ذلك ~~ثم إني لما رأيت هذه الدولة العادلة • والأيام الزاهرة الفاضلة • وما من ~~الله سبحانه به على الإسلام والمسلمين • وكيف التقى التوأمان بعد افتراقهما ~~الملك والدين • أخذت على نفسي بالعتاب • على ما فرطت في تصنيف ذلك الكتاب • ~~وما رأيت لمحو تلك السيئات • وتلافي هاتيك الهفوات • إلا كتابة كتاب يتضمن ~~آثار هذه الدولة السعيدة • واثبات بعض أوصافها الحميدة السديدة • وذكر ~~نبذة ما منح الله سبحانه وتعالى مولانا السلطان خلد الله اعلامه • ورفع على فرق ~~الفرقدين أعلامه • من حسن النية • وخلوص الطوية • والشفقة على الرعية ~~وما خصه الله تعالى من هذه الأوصاف المحمودة التي مر ذكرها وكيف امتاز ~~بها دون غيره من الملوك والسلاطين فمن دونهم • وكيف تأبى نفسه الشريفة ~~التلبس بخلافها • والقصد في ذلك أن يعلم الناظر فيه أن مولانا السلطان ~~من أشرف جنس الإنسان ظاهرا وباطنا • وأن يعرف المتأمل قدر هذه النعمة ~~فيجدد الشكر لله تعالى دائما عليها • ويدعوا بدوامها وطول بقائها • وشتان ~~ما بين التأليفين • وهيهات ما بين التصنيفين • فإن تيمور الخارجي استقل ~~بالتحكم في الدنيا نحوا من أربعين سنة فإنه قتل السلطان حسين متولي بلاد بلخ ~~وممالك ما وراء النهر في شعبان سنة إحدى وسبعين وسبعمائة كذا أخبرني شيخي ~~علاء الدين البخاري تغمده الله تعالى برحمته • توفي تيمور في شعبان سنة ~~سبع وثماني مائة وقد جاوز السبعين • ولقد أهلك الحرث والنسل ~~في هذه المدة واستولى على غالب الممالك الإسلامية فدمرها وكان إذا دخل ~~6ظ ~~كعبة المشؤوم بمكان يحل فيه ثلاثة أشياء القحط • والخراب والوباء • وكان هو يتبجح بهذا ~~ويذكره ms008 في مراسلاته • ويهدده به مخالفيه • وقد استوفيت ذكر هذه الأمور في تاريخه ~~حكاية حضرت عند الملك جلال الدين خان • بن الملك توقناميش خان ~~رحمهما الله تعالى في سراي من ممالك الدشت سنة أربع عشرة وثماني مائة وذكرت ~~له أني من بلاد الشام • وإن تيمور قتل أكابرنا وأجلانا عن أوطاننا • فقال سبحان ~~الله أن تيمور لم يكن له غرض إلا في إهلاك العالم • وإفناء جنس بني آدم • وخراب ~~البلاد • وافساد العباد • فإنه استأصل أولا إقليمنا أي إقليم الترك وبلاد التتار ~~ونواحي الشمال • ذوي الفطرة السليمة • والأديان القويمة • والقلوب المستقيمة • ~~ثم أهلك إقليم العراق مأوى الكيلة والظرافة • والرئاسة واللطافة • ~~ثم دمر إقليم الهند معقل التجار • ومعدن الجواهر والبهار • ثم أباد إقليم ~~الشام مهاجر الأنبياء عليهم السلام • ومقام الأبدال والأولياء• ثم أباد ممالك ~~الروم ثغر الإسلام والمسلمين • ومجمع الغزاة والمجاهدين • فقال له مدرس تلك ~~البلاد مولانا حسن السغنافي رحمه الله يا مولانا الخان • وأخرب أيضا ديار خراسان ~~وسائر بلاد العجم وفارس محط رحال العلماء • ومنيع الأفاضل والأذكياء • فقال ~~الملك جلال الدين أن ممالك العجم وإقليم فارس وخراسان كانت قد صارت تحت ~~قبضته وفي يده كالمائدة يتناول منها ما يشاء كيف اختار • ولكن مولانا السلطان ~~خلد الله أيامه • ورفع على قمم المخالف أعلامه • قد عمر الدنيا والآخرة في اقل • ~~من مدة سنتين من مبتدأ أمره كما يأتي بيان ذلك وتفضيله إن شاء الله تعالى ~~نكتة كانت مدة السلطان الملك العادل نور الدين الشهيد محمود ~~بن زنك بن آق سنقر نور الله تعالى مرقده • ثم من بعده مدة السلطان الملك ~~الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب عطر الله مشهده • نحوا من أربعين سنة ~~7و ~~ولقد كانت أيامهما غرة في جبهة الدهر • وشامة في وجنة العصر • فنشر في أيام دولتهما ~~الخير والعدل • والغزو والفتوحات والفضل • وعمرت المساجد والمدارس • وانتعش ~~كل خير وعلم دارس • وبزغت بدور العلم من أفلاك صدور العلماء • ونصب غراس الدين ~~والعبادة من رياض افئدة الصلحاء • وهذا أمر مشهور • وسجل على طين الزمان منشور ms009 • ~~ثم أن مدة تيمور الخارجي كانت نحوا من هاتين المدتين • وقريبا من أيام كلا السلطانين ~~غير أنها ملأت الدنيا قهرا وقسرا • شرا وكسرا • وخرابا وأسرا • والآن فقد ~~منح الله تعالى الإسلام والمسلمين • ومن بولاية مولانا السلطان على أهل الدنيا ~~والدين • وأرجو من الله تعالى ان تستوعب أيامه الشريفة هذه المدد كلها وتتضاعف ~~أعوامه السعيدة كما تضاعفت المدة التي قبلها • بحيث يجمع في أيامه الشريفة ~~ما جمع في المدن التي قبلها • أما الخير والعدل • والكرم والبذل • والعلم والفضل ~~فللإسلام والمسلمين • وأما القهر والكسر والخراب والأسر • فللكفرة والفجرة ~~أعداء الدين • وها قد ظهرت علامات ما ذكرته • ومنها أن المراسيم الشريفة ~~برزت بتمهيد درب الحجاز الشريف • وتحصيل الأمن لوفد الله تعالى الحجاج • ~~ومنها تولية المناصب أهلها • وتنزيل الوظائف والمدارس والمباشرات • ~~محلها ونشر جناح الشفقة على عامة الخلق • ومد سرادق الجود والكرم • ~~والحلم والرفق • وإقامة شرائع الدين • وإحياء سنة سيد المرسلين • وهذا ~~كله بشائر الخير والعدل • والإحسان والفضل • وتقدمت الآراء الشريفة ~~إلى تهيئة الأغزية والمراكب والأخذ في أسباب الغزاة • والجهاد في سبيل الله ~~وتعاطي اعلاء كلمة الله • والتقلد بطوق قوله تعالى واعدوا لهم ما استعطتم ~~من قوة ومن رباط الخيل • والتوجه إلى قهر أعداء الله تعالى وكسرهم • وخراب ديارهم ~~وأسرهم • وهذه الأفعال السعيدة هي غمارة الأعداء • وسبب لعمارة الدار ~~7ظ ~~الآخرة • وهذا دليل الشهامة • والتصلب في الدين والصرامة • وإظهار سر قوله تعالى ~~فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين • أعزة على الكافرين • يجاهدون ~~في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم • وسر معنى قوله تعالى محمد رسول الله والذين ~~معه اشداء على الكفار رحماء بينهم • وهذه بعينها هي مكارم الأخلاق الشاملة لطرفي ~~اللين والشدة • الرابطة لعقدي الترغيب والترهيب • والطريقة التي كان عليها ~~الأنبياء عليهم السلام ومن بعدهم الخلفاء الراشدون ومن تبعهم وهذه اللطيفة الخفية ~~التي لا يكاد يهتدي إليها • ولا يضع شيئا منها في محله إلا من وفقه الله تعالى وأطلعه ~~على خبايا اسرارها • وهي مرتبة الكمال والمنقبة الجامعة لشريف الخصال • ~~وها أنا ms010 أذكر في هذا الكتاب من الأخلاق الطاهرة والأوصاف الملكية الظاهرية ~~الظاهرة • ما يسحب على ذكر جميع من قضى من الملوك العادلة • والسلاطين الفاضلة • ~~بحسن سيرتها • وبهجة سريرتها • ذيل النسيان • وينشر لها لسان الثناء • ~~ويفتح أفواه الدعاء بطول الدوام والبقاء • ويعقد عليها أفئدة المحبة والولاء • ~~ما تعاقب الملوان • واذكر ما منحها الله تعالى وسهل لمولانا السلطان في المدة ~~اليسيرة من مبادئ أمره • من الطافه الخفية • وعناياته الحفية • من قهر ~~الأعداء وكسرهم • واستئصال الباغين المخالفين وأسرهم • وقطع دابرهم ~~عن آخرهم مع كثرتهم • وقوة شوكتهم • ووفور عددهم وعددهم • واطفاء ~~نائرتهم • ونصر الأولياء • وتيسير الأمور الصعبة • التي كانت قد بلغت في الشدة ~~غايتها • وجاوزت نهايتها • وأخذت مليها حدها • وأخطأت رشدها • إلى أن ~~انقلبت العبا وظهر البطن • وتخبطت الممالك الإسلامية • من أبواب الروم • ~~وإلى آخر ممالك الصعيد • وطاشت الحلوم • وتبلدت الفهوم • ومولانا ~~السلطان نصر الله رايته • وبلغه مما يروم غايته • في ذلك ثابت الجنان • مفوض • ~~8و ~~امره إلى الرحيم الرحمن • وسيأتي تفصيل ذلك وبيانه في موضعه إن شاء الله تعالى • فكشف ~~الله سبحانه تلك الكربة عن الإسلام والمسلمين بأدنى لطيفة ربانية في أقل مدة ~~حتى كأنها لم تكن • وقبض على جميع البغاة والأعداء بحيث أنهم لم يفلت منهم أحد ~~يوبه له أو يلتفت إليه بخلاف من تقدم من الملوك والسلاطين كالملك الظاهر ~~برقوق وولده الملك الناصر فرج • والملك المؤيد شيخ • والملك الأشرف برسباي ~~وغيرهم ففي الحال تمهدت البلاد • واطمأنت العباد • وابتهجت الخلائق كبيرا ~~وصغيرا • واستقرت افئدة الرعية غنيا وفقيرا • ونظير هذه النعمة ~~الشاملة • والرحمة الكاملة • ما لم يعهد لسلطان قلبه • وما ذاك إلا لاطلاع ~~الله تعالى على حسن نيته • وطهارة طويته • ولما جبله الله تعالى عليه من طاهر ~~الشيم الآتي ذكرها التي لا يحصل بعضها لخواص الأولياء • ~~فصل في ذكر مبدأ أحوال مولانا السلطان ~~خلد الله تعالى ملكه وكيف نشأ في إبان شبابه في عبادة ~~الله إلى أن صار إماما عادلا وحاز الأوصاف المذكورة ~~في الحديث الشريف النبوي عليه أفضل الصلاة والسلام ~~• أو غالبها • ~~• وهو ms011 قوله عليه الصلاة والسلام سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم ~~• لا ظل إلا ظله إمام عادل • وشاب نشأ في عبادة الله • ورجل ذكر الله في خلاء ~~• ففاضت عيناه • ورجل قلبه معلق بالمساجد • ورجلان تحابا في الله • ورجل ~~• دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها فقال إن أخاف الله • ورجل ~~• تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله • ما صنعت يمينه • أخبرني ~~• من يوثق بكلامه هو قاضي القضاء برهان الدين بن ميلق الشافعي رحمه الله ~~8ظ ~~من خواص مولانا السلطان خلد الله تعالى سلطانه • وأوضح على العالمين برهانه • إن ~~مولانا السلطان كان في أوان شبابه من أحسن الفتيان صورة • وأزكاهم سيرة • ~~وإنه من حدود سنة خمس أو سنة ست وتسعين وسبعمائة كان يسكن عند ~~جامع الماس بالقاهرة • وكان قد حبب إليه الرمي بالسهام • واللعب بالرمح • ~~والصراع • والثقاف • وجميع ما يتعلق بالغزاة والجهاد في سبيل الله تعالى ~~من ركوب الخيل • والفروسية • وإعداد ما استطاع للكفار من قوة • ومن ~~رباط الخيل • وتعاطى أسباب ما يرهب به عدو الله وعدوه • وهو مع ذلك ~~مواظب على أفعال الخير وإقامة الصلوات في أحسن أوقاتها بصفة الكمال ~~مداوم على الطهارة • والوضوء • وتلاوة القرآن العظيم • ليلا ونهارا بالقراءات ~~السبع • محب للفراء والعلماء • مصاحب للفضلاء والأذكياء • كثير الميل إلى معاشرة ~~أرباب القلوب والأولياء • يؤانسهم ويوادهم • ويوثرهم على نفسه بأنواع المبار ~~والإحسان • قد جعلهم ذريعة بينه وبين الله تعالى عامل بما قيل من استقامة ~~النية اختيار صحبة البرار بكرمهم ويستجلب دعاهم وخواطرهم بكل ما تصل ~~إليه يده • شفوق على الضعيف • والفقير • والأرملة • واليتيم • محسن إلى • ~~الغريب والقريب • يغتنم دعاء الصالحين كثير الصدقة • والبر • والمعروف • ~~ولم يزل يترقى به الأحوال السعيدة • باطنا وظاهرا • حتى صار له منزلة • ~~وانتظم في سلك أخوه المقر الموالف جركس المصارع • ولقد بلغني أن الملك ~~الناصر فرج بن الملك الظاهر برقوق رحمهما الله تعالى لما استولى بعد وفاة ~~والده واستقل بعدما تقلبت به الأحوال جرى بينه وبين الأمراء من عساكره ~~ما جرى من الفتك والقتل وسائر ms012 ما هو مشهور عنهم ما وقع بينهم فاتفق أنه قبض ~~على طائفة من الأمراء وحبسهم • وكان مولانا السلطان إذ ذاك من جملتهم ~~9و ~~والمعدودين في أعيانهم • ثم بعد ذلك شرع بقتلهم واحدا بعد واحد فلقد أخبرني ~~من لا يشك في صدقه أن الملك الناصر كان قد أضمر أنه يتعرض لمولانا السلطان بأذى على ~~جاري عادته فنام ليلة كان قد عزم على ذلك في صباحها فرأى في منامه كأن شخصا مهابا ~~في يده شيء إما سيف مصلت وإما غيره وقد قصده به وهم أن يضربه به وهو يقول ~~له يا فاعل يا تارك والله لين تعرضت للأمير جقمق باذي أو سلطت عليه من يؤذيه ~~أو قصدته بسوء لندقن عنقك ولنقتلنك شر قتلة ففر وهو مرعوب واستيقظ ~~وهو مذعور واقلع عما كان قد عزم عليه فانظر إلى هذه العناية الربانية • واللطيفة ~~السابقة الصمدانية • وهل هي إلا معنى قوله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب • ومن يتوكل على الله فهو حسبه • وإذا كان الله تعالى ~~حسب إنسان من هو الذي يقدر على إيصال مكروه إليه • ولولا أن أساس يقين ~~مولانا السلطان عامله الله بالإلطاف • ووقاه شر ما يخاف • بالله تعالى وحسن ~~توكله عليه في غاية من الأحكام • وجعل معاملاته وإخلاصه في طاعته بلغ نهاية ~~الإبرام • لما تلافاه بلطفه في حدقة هذه الأهوال • ولا ادخره رحمة لعباده ~~في هذا العصر الذي قحط فيه الرجال • حكي الإمام أبو القاسم القشيري ~~رحمه الله تعالى قال أمر رجل هرون الرشيد بالمعروف فغضب عليه فأمر ~~أن يربط مع بغلة سيئة الخلق لتقتله فلم تضره ولم تؤذه فأمر أن يلقى في بيت ~~ويطين بابه عليه ففعلوا به ذلك فرأوه ماشيا يتبختر في بستان فأحضروه ~~عند هرون والبيت مطين بحاله فقال له من أخرجك من البيت فقال الذي ~~أدخلني البستان قال ومن أدخلك البستان قال الذي أخرجني من البيت ~~فأمر هرون أن يركبوه دابة ويطوفوا به المدينة وينادوا ألا إن هرون أراد ~~أن يذل ms013 عبدا أعزه الله تعالى فلم يقدر • ثم إن مولانا السلطان خلد ~~9ظ ~~الله تعالى سلطانه • وأوضح على العالمين برهانه • لم يزل يعلوا برهانه مقداره • ويرتفع ~~به للدين منارة • ويزدان بطلعته الشريفة من كل منصب يليه شعاره ودثاره ~~حتى تقدم في الإمرة وفاق أقرانه • في النباهة والشهرة • وصار حاجب الحجاب ~~بمصر المحروسة • ثم ولي الولايات المعتبرة • وكان كلما زاده الله نعمة جدد ~~لها شكرا • وكلما قلده منة ادخرها في رقاب عباده لداره الأخرى • واستمر يصطنع ~~المعروف حيثما ولي • ويبقي المآثر الجميلة أن ما حل ركابه الشريف في أيام الملك ~~المؤيد شيخ • والملك الظاهر تتر والملك الأشرف برسباي تغمدهم الله برحمته ~~وولي وظيفة الخزندارية من زمان الملك المؤيد • وهو مع ذلك مقبول القول ~~ميمون النقيبة • مبارك الطلعة منجح الفأل • سعيد الرأي • يتأمن بطلعته ~~الشريفة الكبير والصغير • ويبتهج برؤيا وجهه الكريم القريب والغريب • ~~ولما توجه الملك الأشرف برسباي إلى آمة ووصلت العساكر المنصورة ~~إلى الشام كان مولانا السلطان إذ ذاك أمير أخور فنزلوا ببرزة فتوجه غالب ~~أهل الخير والعلم والصلاح إليه ليقبلوا الأرض بين يديه وذلك لما اشتهر ~~ثناؤه العاطر • وانتشر عطاؤه الوافر • وبره الجزيل • ولقاؤه الجميل • ومعاملته ~~بالبشر والطلاقة • والخير والسماحة • لكل من يتمثل بين يديه فتوجهت ~~فيمن توجه لتقبيل الأرض بين يديه وكنا إذ ذاك نتردد إلى شيخنا المرحوم ~~الشيخ علاء الدين البخاري تغمده الله تعالى رضوانه • وأسكنه بحبوحة ~~جنانه • وكان شيخنا المشار إليه كثيرا ما يثني على مولانا السلطان وما كان بوجه ~~وجه الثناء والدعاء لأحد من أكابر الزمان إلا إليه • نبذة من صفات ~~شيخنا المرحوم المشار وما قصدت بذكر الشيخ رحمه الله تعالى في الكتاب إلا التبرك ~~لأن عند ذكر الصالحين تترك الرحمة • كان شيخنا الشيخ علاء الدين البخاري المشار ~~10و ~~إليه أفاض الله سجال الرضوان عليه من أفراد الأولياء • وخواص عمال العلماء • وكان من ~~يجاريه من علماء العرب والعجم في شيء من العلوم أي علم كان يقول ليس على وجه الأرض أعلم ~~منه وكأنه في كل علم مصنفه ms014 وفي تقرير كل كتاب مؤلف • وأما عمله واجتهاده فكان مراقبا ~~لأحواله محافظا على رعاية أقواله وأفعاله • وكان كرجل حفر قبره وتدلت ~~رجلاه فيه وهو على آخر رمق ينتظر خروج بقية ما في نفسه ليسقط فيه • وكان ~~من رأى تقريره العلوم يرجح علمه على عمله ومن اطلع على مجاهدته نفسه يفضل ~~عمله على علمه • وكان قد اشتغل على حاله الشيخ عبد الرحمن القشلاني البخاري ~~ثم أخذ الفقه عن مشايخ الأعصون ومنهم الشيخ نعمان الخوارزمي المعتزلي الذي ~~كان يقال مائي الفقه النعمان الثاني وهو أبو عبد الجبار المعتزلي الذي كان مع تمرلنك ~~يدور معه البلاد ثم أن الشيخ علاء الدين المشار إليه أخذ العلوم الأدبية عن ~~الشيخ سعد الدين التفتازاني • وكان له دنيا عريضة يتعانى المتاجر وأقام بالهند ~~مدة وقد برع في العلوم ثم قدم إلى مصر في زمان الملك المؤيد وجرى له مع غلمائها ~~أمور ثم حج منها ورجع مع الشامي إلى دمشق في أوائل سنة اثنين وثلاثين وثمان مائة ~~واشتغل بالإفادة ولم يزل يتقلل من الدنيا حتى خرج منها فقرأ صورة التاريخ الآتي ~~ذكره فيه • وأخبرني الشيخ الإمام علاء الدين أبو الحسن علي ~~القابوني الحنفي شيخ علوم العربية بدمشق أيدها الله تعالى ونحن أخوان نتردد ~~إلى الشيخ في شهر سنة أربع وثلاثين وثمانمائة • قال رأيت في المنام كان ~~هاتف ينادي إلا أن الشيخ علاء الدين البخاري صار في هذه الليلة قطبا • ومن ~~صفاته الجميلة أنه ما كان يجازف بالكلام وإنما يتكلم بما هو واقع من المغيبات ~~وكان ينظر بنور الله تعالى فيتكلم مكاشفة فإذا دخل عليه أحد وفي خاطره شيء يريد ~~يعرضه على الشيخ ويستشيره فيه أو يسأله عنه فيجلس ساكتا منتظرا ما يقوله ~~10ظ ~~الشيخ فإنه كان مهابا وقورا لا يبتدئ أحد عنده بكلام حتى يكون هو المبتدئ فإذا تكلم ~~الشيخ بشي افتتح بكلام يكون جوابا لذلك السائل • ومفصحا عما في ضمير ذلك المستشير ~~وارشادا له إلى ما يفعل سابقا لكلامه • وجوابا لسؤاله • ولقد قال لي خادمه ~~الشيخ خضر ms015 الكردي رحمه الله قال لي الشيخ رضي الله عنه ذات يوم يا شيخ خضر ~~إن لم يدخل على أحد قط إلا أظهرني الله تعالى على ما في نفسه • وأطلعني على ما في ضميره • ~~فعلمت ما في خاطره • قال ثم كان الشيخ أفاق من هذا الكلام فقال يا شيخ خضر ~~لا تلتفت إلى هذا الكلام ولا تغتر به فإن هذا أدنى مقامات أرباب الكشف ~~والشيخ رضي الله عنه كان أعلى مقاما من أن يوصف بهذا • وهذا بعينه ما قاله ~~الجنيد رضي الله عنه وقد سئل عن العارف فقال العارف من نطق عن سرك وأنت ~~ساكت • وحكي الجناب الكريم القاضي الشرفي سيدي يحيى بن العطار ~~حفظ الله تعالى مجده • وأدام سعادته ومجده • لما قدم الشام أواخر سنة ~~ثلث وأربعين وثمانمائة بخانقاة الباسطية • قال كان الشيخ رحمه الله ~~في سنة أربع وعشرين وثمانمائة بمصر وكنا إذ ذاك نتردد إليه ونقرأ عليه ~~وكان تغمده الله برحمته يغار على أصحابه من الدنيا والغرور بها ويرجوا لهم ~~كل خير • وكان مولانا السلطان خلد الله دولته إذ ذاك خزندار فأرسل إلي مع ~~الجناب القضاي الفرسي السخاوي أن إلى نيابة الأنظار الجارية تحت تكلمه الشريف ~~وتصرفه مع مباشرة وظيفة الدوادارية له فامتنعت متعللا بأني قد تركت ~~هذه الأشياء • ونأيت عن المباشرات فألح علي وحاباني فذكرت أني مغتنم صحبة ~~الشيخ علاء الدين البخاري والقراءة عليه والملازمة لخدمته ولا أؤثر على ذلك ~~شيئا فاتفق لنا اجتماع بحضرته الكريمة وذكر هذا الكلام فقال الشيخ رضي الله عنه ~~أما تمنعك عن قبول هذه الأشياء فهو أنفع لك وأعود عليك في الدنيا والآخرة ~~11و ~~وإن كان في نفسك ميل إلى شيء من ذلك أو تختشي عواقب الأمور فأنت بالخيار فإن الأمر ~~ربما يؤول إلى الأمير جقمق ويلي أمور المسلمين ويصير سلطانا أو كما قال • ثم ~~قال الجناب الشرفي في المشار إليه أن الشيخ رحمه الله قال هذا الكلام لمخدومنا ~~المقر الأشرف الكمال عظم الله تعالى شأنه ولغيره مرارا • وذلك من شهور سنة ~~أربع ms016 وعشرين وثمانمائة • وذلك قبل أن يلي مولانا السلطان أمور المسلمين بنحو ~~عشرين سنة ومن جملة أحوال الشيخ رحمه الله ما حكى الشيخ عبد الله البلخشاني ~~خادمه قال خدمت الشيخ رضي الله عنه نحوا من ثلاثين سنة فكنت أدخل عليه ~~ليلا ونهارا وفي خلواته فلم أره في هذه المدة الطويلة يوما جالسا متربعا ولا مادا ~~رجله ولا متكيا • وقدم الشيخ رضي الله عنه سنة اثنين وثلاثين وثمانمائة ~~فكنا نتردد إليه وإلى حين توفى إلى رحمة الله تعالى يوم الخميس ضحوة نهار ثاني شهر ~~رمضان سنة أحد وأربعين وثمانمائة • ودفن من يومه بالمرة رحمه الله تعالى ~~فكان يجلس جاثيا على ركبتيه متوجها إلى القبلة من الضحى وهو وقت دخولنا عليه ~~وإلى صلوة العصر يقرر العلوم • فكانت الجماعة تسأم من الجلوس وتتعب ~~وتتقلب وهو لا يتحرك ولا يتغير عن جلسته تلك رحمه الله وأحواله ومعاملاته ~~مع الله تعالى ومراعاة أوقاته وحكاياته لا تكاد تحصر والاشتغال ببسط ذلك ~~يخرج عن المقصود • وكان ثناء الشيخ رضي الله عنه ودعاؤه لمولانا السلطان ~~رحمه الله تعالى من أقوى الدواعي والبواعث على المثول بين أياديه الشريفة واغتنام ~~النظر إلى وجهه الكريم والدعاء له فحصل بحمد الله تعالى لنا من صدقاته البر التام ~~والإنعام العام • ولما حل الركاب السلطاني الملكي الأشرفي بالقاهرة ترقى مولانا ~~السلطان إلى أن صار أتابك العساكر المنصورة الإسلامية إلى أن اندرج الملك ~~الأشرف إلى رحمة الله تعالى في أواخر سنة أحد وأربعين وثمان مائة وهو مع ذلك ~~11ظ ~~فأسند وصيته إليه • وعول في أمر ولده الملك العزيز يوسف عليه • لما كان تحققه منه ~~من الدين • وحسن المعاملة مع الخالق والمخلوقين • والحنو والشفقة على اليتيم والفقير ~~والكبير والصغير • وكأنه في شأنه الشريف قيل شعر • ~~• وهب الوري أيامهم لك وارتضوا • بالموت في أيامك الغراء • ~~• علما بأنك بعدهم لبنيهم • خير من الآباء للأبناء • ~~فقام بموجب ذلك كما ينبغي إلى أن ابتهج الدين والدنيا بولايته • وأضاء الزمان والمكان ~~بسلطنته • كل ذلك بفضل الله تعالى وكرمه • وشمول رحمته ووفور نعمه ms017 • وسيأتي ~~بيان ذلك وتفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى • ~~فصل في ذكر الأوصاف المحمودة التي ذكرناها ~~في اول الكتاب. # وهي التي اختصر الله تعالي به الإنسان وميزه بها عن سائر مخلوقاته • وبواسطته ~~عبر بقوله تعالي ولقد كرمنا بني آدم وذكر معانيها • وتفصيل جملها وبيان فضائلها ~~بالآيات الشريفة • والأحاديث المنيفة • واقوال العلماء والأولياء فيها وإن من ~~حازها هو الإنسان الكامل • ومن حاز شيئا منها فهو إنسان بقدر ما حاز منها ~~وقسم الله تعالي له منها • ثم في بيان كيف جمعت لمولانا السلطان خلد ~~الله تعالي سلطانه بحيث صارت في ذاته الشريفة ملكه واشتهرت فيه ديدنا ~~وعادة وسر ذلك واثباته في مولانا السلطان بالدلائل الحسية المشاهدة ~~وتدنيك كل خصلة بما يتعلق بها من اخبار السادات وسيد الملوك • وحكايات ~~اهل السعادات • ولم اقصد بذلك مجر التاريخ ولكن عموم الفائدة ولطائف ~~ونكت زائدة • منها التبرك بذكر الآيات الشريفة وتفسيرها • والأحاديث ~~المنيفة وشرحها • وربما يتطرق من ذلك الي ذكر مسئيلة1 توحيدية • او فائدة ~~12و ~~فقهية • او دقة ادبية • او حكة معمولية • او نكتة عجيبة • او حكاية عربيه • او غير ~~ذلك فتعم حينئذ الفائدة • ولكن المقصود الأصل في ذلك كله تذكير كل من يطالع ~~هذا الكتاب بشكر ما انعم الله تعالي عليه من ولاية مولانا السلطان والدعاء له ~~بطول البقاء • وخلود هذه الدولة السعيدة • فان الله سبحانه وتعالي إذا أراد بقوم ~~خيرا ولي عليهم خيارهم • وإذا أسند الأمر الي غير أهله فانتظر الساعة • وليعلم ~~المعاصر لتلك الدولة السعيدة ان الله تعالي له الحمد والشكر قد أراد بهذه الامة ~~الأخيرة خيرا ولولا أن فيهم الخيار والابرار لما من عليهم بمولانا السلطان فإنه قيل ~~اعمالكم عمالكم • وقال عليه الصلاة والسلام كما تكونون يؤل عليكم • وقال مالك ~~ابن دينار رضي الله عنه وجدت في بعض الكتب يقول الله تعالي إني انا الله ملك الملوك ~~قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمه • ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة • ~~فلا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك ولكن توبوا الي اعطفهم عليكم • وقال ms018 قتاده ~~رحمه الله قالت بنوا اسرايل2 الهنا أنت في السماء ونحن في الأرض فكيف نعرف رضاك ~~من غضبك فأوحى الله تعالي الي بعض أنبيائهم إذا استعملت عليكم خياركم فقد ~~رضيت عنكم وإذا استعملت عليكم أشراركم فقد سخطت عليكم • ومع هذا ~~فالناس على دين ملوكهم وبصلاح السلطان تصلح الرعية ولولا ان نية مولانا السلطان ~~مستقيمة مع الله تعالي لما استقامت الرعية • قيل في زمن الحجاج كان كلام ~~الناس قتل فلان • صلب فلان • جلد فلان • قطع فلان • وفي زمن الوليد المغرم ~~بالعمائر كان كلام الناس في البنيان • والعمائر • والمصانع • وشق الأنهار • ~~وغرس الأشجار • وما يتعلق بذلك • وفي زمن سليمان بن عبد الملك المغرب بالانكحة ~~وأنواع الملاذ والملاهي • والأطعمة • كان كلام الناس في التأنق في المآكل والمشارب ~~والمناكح مثل قولهم تزوج فلان فلانه • صنع فلان وليمة كذا • أشباه ذلك • ~~ 12ظ ~~وفي زمان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان كلام الناس في حفظ القرآن • والقيام به ~~في صلاة الليل وذكر الطاعات • والصيام وأنواع العبادات • قال الشاعر ~~• شعر • ~~• بلغ الأمان على حياض محمد • ثولاء محرفة وذئب أطلس • ~~• لا ذي تخاف ولا لهذا جراء • تهدي الرعية ما استقام الرئيس • ~~قال عبيدة السلمان قلت لعلي كرم الله ما بال الناس انطاعوا لابي بكر ~~وعمر رضي الله عنهما والدنيا عليهم اضيق من شبر فاتسعت عليهما ووليت انت ~~وعثمان فصارت عليكما أضيق من شبر بعدما كانت متسعة ولم تنطع الناس لكما ~~كما انطاعت لهما فقال لأن رعية العهدين كانت مثلي ومثل عثمان رضي الله عنهما ورعيتي ~~ورعية عثمان مثلك ومشبهك • حكي في جامع الحكايات عن رجل من أصحاب ~~الحجاج قال، قال لي الحجاج يوما اذهب بهذا الدينار الي سوق الصيارف وزنه ~~عند كل واحد منهم ثم سلهم عن سيرة الحجاج ثم أخبرني بوزنه وبما يقولون فيه ~~قال فذهبت الي سوق الصيارف ووزنت الدينار عند كل واحد منهم فلم يختلف ~~واحد منهم ان وزنه مثقالان إلا قيراطا واتفقت كلهم على ذلك وسألهم عن الحجاج ~~فكل منهم دعا عليه ms019 وذكره بسوء فرجعت الي الحجاج وأخبرته بذلك فقال اذهب ~~الي المكان الفلاني فان هناك صيرفيا منعزلا عن الناس ولا يفتح من حانوته ~~إلا مقدار النصف فزنه عنده ثم سله عن الحجاج وعن سيرته عنده قال فذهبت ~~بالدينار الي عند ذلك الصيرفي ووزنته عنده فإذا هو مثقالان من غير نقص ~~ثم إني سألته عن سيرة الحجاج فإنني عليه خيرا وقال لم ار منه الا خيرا واحسانا ~~فرجعت الي الحجاج واخبرته فقال انظر هل هذا الا مصداق قوله عليه الصلاة ~~والسلام كما تكونون يؤل عليكم ثم تأمل انا الظالم ام هؤلاء اللصوص الخونة فيجب ~~13و ~~على كل أحد شكر الله تعالي على هذه الأيام السعيدة • وأيضا قصدت تذكر الخواطر ~~الشريفة السلطانية زاد الله عدلها • وأدام فضلها • بأداء شكر ما انعم الله تعالي ~~عليها من هذه الأوصاف السعيدة • والأخلاق الحميدة • الجامعة لسعادتي الدنيا ~~والآخرة • التي قلما تجمع في هذا العصر في شخص واحد • وان كان مولانا السلطان خلد ~~الله أيامه لم ينس حق الله تعالي فيها • ولكن قال الله تعالي وذكر فان الذكرى تنفع ~~المؤمنين • ولو لم يكن ذكرها أمرا عظيما وهي نعمة جسيمة ما ذكر الله تعالي بها نبيه ~~صلي الله عليه وسلم حيث قال وإنك لعلى خلق عظيم • وأيضا جعلت هذا التأليف ~~السعيدا نموذجا دستورا لمن يطالعه من الملوك والسلاطين ليتأدبوا بآدابه ~~ويدخل كل منهم الي ما وليه من بابه • فيقتفوا أثاره • وينظروا كيف رفع على أمر ~~الشريعة منارة • وجعل لباس الحق شعاره ودثاره • ونصر الله ورسوله فجعل الله ~~أعداء أنصاره • ولنذكر أولا النفس وماهيتها ثم نسرد أوصافها إذا لا بد ~~من معرفة الموصوف أولا ثم بيان صفاته ثانيا لان الحكم علي الشي فرع تصوره ~~ورسمت هذا التأليف الشريف • بالتأليف الطاهر في شيم ~~الملك الظاهر القائم بنصرة الحق • ابي سعيد جقمق • ~~ورتبته على فصول ليكون مقاصده للمطالع أقرب الي الحصول • ~~والله الموفق المعين • اياه اعبد واياه استعين • ~~الفصل الأول في ذكر النفس وماهيتها وما ذكره ~~حكماء الإسلام وغيرهم فيها ~~قال الله ms020 تعالي يأيتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضيه ~~فادخلي في عبادي وادخلي جنتي • وقال تعالي ونفس ما سواها فألهمها ~~فجورها وتقواها وقال تعالي وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا ~~13ظ ~~تبصرون • وقال تعلي سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم • وقال تعلي ولا تكونوا ~~كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم الي غير ذلك من الآيات الشريفة • وقال رسول ~~الله صلي الله عليه وسلم أعدي عدوك نفسك التي بين جنبيك • وقال عليه ~~الصلاة والسلام من عرف نفسه فقد عرف ربه • قد أكثر الناس من حكماء الإسلام ~~والفلاسفة الكلام على حقيقة النفس وانواعها وفي انها جسم او جسماني او مجرد ~~او مركب وهذا لا يهمنا وليس الغرض في هذا الكتاب تطويل الكلام ولكن اذكر ~~القول مختصرا مفيدا مبينا إن شاء الله تعالي • اعلم ان حقيقة نفس ~~الإنسان لطيفة روحانية ربانية لها تعلق بقلبه وقالبه الجسماني وهي المدركة ~~العالمة العارفة بها يتكلم الإنسان وتبصر العين • وتسمع الأذن • وتبطش اليد • ~~وتمشي الرجل • إلى غير ذلك • وهي المخاطبة والعاتبة • والمسابة والعاقبة • ~~والمطلوبة والمطالبة • ويطلق عليها لفظ القلب تارة ولفظ الروح أخرى ~~ولفظ العقل أيضا • وبن آدم هو المخصوص بهذه النفس دون سائر الحيوانات ~~وان كان يطلق على الجميع ان لها نفس لكن هذه النفس يقال لها الناطقة أي ~~المدركة • واختلف أيضا بل تحيرت الألباب في كيفية تعلقها بالبدن وما يعلم ~~وجه تلك العلاقة الا بالكشف • وهذه النفس لما كثرت صفاتها • وتضادت ~~نعوتها • تخالفت أوصافها حتى أن بعض حكماء الإسلام • وقدماء الفلاسفة ~~نوعوها • قال أفلاطون أنواع النفس ثلاثة ناطقة • وشهوانية وغضبية ~~فالناطقة مسكنها الدماغ • والشهوانية مسكنها الكبد • والغضبية مسكنها ~~القلب • فأية نفس منها غلبت أختيها ردتهما إلى صفاتها كالعناصر الأربعة ~~وقال بعض حكماء الإسلام هما روح ونفس فطبع النفس طبع النار ~~في جوهرها وإليها ينسب كل طبع لئيم كالجهل • والغضب • والحدة • واللؤم • ~~14و ~~والسفة • والملال • والترف • والطيش • والحمية • والشهوة • واللجاج • والمرآة • ~~والجفاء • الحسد والكبر • والحقد • والبخل • والحرص • والكذب • والخيانة • ~~والجبن • وسائر الأخلاق الذميمة كالنار في إحراقها ms021 • واستشاطتها • وحدتها • ~~وشهوتها • وجفوتها • ودخانها • ولهيبها • وشررها • واغلائها • وحرارتها • ~~وإهلاكها • وإعدامها • وأكلها ما تجده • والحركة • وطلب العلو إلى غير ذلك ~~وطبع الروح طبع الماء في جوهره وإليه ينسب كل خلق كريم من الحياة • والحلم • ~~والعلم • والصبر • والتؤدة والاحتمال • والتربية • والرواء • والسكون • والجود ~~والبذل والرضا • والعفة • والشكر • واللين كالماء في سلاسته وسهولته ~~ورقته • ولينه • وانقياده • والميل إلى الجانب الوطيء إلى غير ذلك فأيتهما قويت ~~وغلبت انقادت لها الأخرى حتى تصير على طبعها كالروح والبدن فان الروح من ~~عالم ظلماني كثيف أرضي فأيهما غلب على صاحبه جذبه إلى أفقه ومركزه • قال ~~الله تعالى لعيسى عليه الصلاة والسلام إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين ~~كفروا وقال تعالى في حق ادريس عليه الصلاة والسلام ورفعناه مكانا ~~عليا وقال تعالى في حق بلعم بن باعورا ولو شئنا لدفعناه بها ولكنه اخلد إلى ~~الأرض واتبع هواه • الأنبياء عليهم الصلاة والسلام صارت أجسادهم أرواحا ~~والكفار صارت أرواحهم أجسادا • وقال سهل رحمه الله الأنفس ثلاثة ~~لوامة وهي العقل • وأمارة وهي الشهوة • ومطمئنة وهي الإيمان • وقال ~~بعضهم الأنفس أربعة أمارة وهي نفس الكافر • ولوامة وهي نفس العصاة ~~وملهمة وهي نفس المخلصين • ومطمئنة وهي نفس الأنبياء والأولياء والمؤمنين ~~فعلى قول أفلاطون وسهل ومن بينهما تجمع الأنفس في شخص واحد وعلى ~~القول الرابع لا • والحق ما ذكر لولا من إن النفس واحدة وبحسب تكثر صفاتها ~~14ظ ~~كثرت اسماؤها • وبحسب تنوع صفاتها نوعوها تنزيلا للتنويع في الصفات • منزلة ~~التنويع في الذات • قال الله تعالى ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه • والدليل ~~على أنها واحدة فقط وإنما تتعدد باعتبار تخالف صفاته أنك تقول هذا ~~نفسه كريمة • وهذا نفسه لئيمة • ونفس هذا مطمئنة • ونفس هذا أمارة • ونفس ~~شريفة • ونفس دنية إلى غير ذلك • أي يوصف نفسه تارة بالشرف وتارة بالدناءة ~~قال الله تعالى ونفس وما سواها • فألهمها فجورها وتقواها • قد أفلح من زكاها ~~وقد خاب من دساها • أي قد ربح وانجح من أرشدها إلى الحق • وزينها بالأوصاف ~~المحمودة • وقد خسر من ms022 أضلها بإيقاعها في مخاليب3 الوصاف المذمومة • وقد علم من ~~هذا أن الإنسان هو عبارة عن هذه النفس التي ذكرناها • وإنه من ذكي نفسه ~~فقد أفلح • ومن دنسها فقد خاب • وتزكية النفس معرفتها • وبمعرفتها يعرف ~~الإنسان ربه • وكيفية معرفة النفس في الظاهر • أن يعرف أنها كانت عدما ~~فوجدت • فيعرف موجدها ويعرفها بالمخلوقية • فيعرف ربه بالخالقية • ويعرفها ~~بالمرزوقية • فيعرف ربه بالرازقية • ويعرفها بالعابدية • فيعرف ربه بالمعبودية ~~ويعرفها بالعجز فيعرف ربه بالقدرة • ويعرفها بصفات النقص • فيعرف ربه ~~بصفات الكمال • وهلم جرا في صفات العبد وصفات الرب • ومن جهل قدر نفسه ~~فهو لقدر غيره أجهل • وإذا تحقق الإنسان من صفات نفسه • وصفات ربه ~~ما ذكرنا فقد اطمأنت نفسه • وإذا اطمأنت النفس زكت وبالعكس • وكثيرا ~~ما كان يدعوا صلى الله عليه وسلم اللهم اجعل نفسي مطمئنة تؤمن بلقائك ~~وتقنع بعطائك • وترضى بقضائك • وهذا هو أصل الدين • ولا شك ~~أن مولانا السلطان نور الله بصيرته • وطيب سره وسريرته • من أعلى من ~~عرف نفسه وزكاها • أو هو ملتبس بهذه الأوصاف السعيدة كلها وكل الخلق ~~15و ~~تشاهد هذا فلا يحتاج إلى دليل لأنه في الظاهر محسوس • ومن الدليل أيضا على معرفة ~~مولانا السلطان بنفسه الشريفة ما أخبر به عنه الأخص من خواصه وعقد واسطتهم ~~سيدنا ومولانا العبد الفقير إلى الله تعالى • ذخر المنقطعين والغرباء • مربي العلماء • ~~والفضلاء • الخير المحض • والبر البحت • مولانا شمس الملة والدين الكاتب • عظم الله تعالى ~~شأنه قال، قال لي مولانا السلطان خلد الله تعالى أيامه كنت أقرأ القرآن العظيم ~~ليلة من الليالي فبلغت إلى قوله تعالى حكاية عن نوح عليه الصلاة والسلام ونادى ~~نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح ~~إنه ليس من أهلك فقال أي مولانا السلطان فلما انتهيت إلى هذه الآية فتفكرت ~~في معنى هذه الآية الكريمة وتأملت ثم رجعت إلى نفسي وقلت هذا نوح عليه الصلاة ~~والسلام وولده من صلبه على قول لم تنفعه أبوته ولا نبوته وقد نفاه الله تعالى ms023 ~~عنه وأبعده عن أن يكون من أهله وبين ذلك بقوله عز وجل أنه عمل غير صالح هذا ~~معنى قوله عز وجل فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسألون ومعنى ~~قوله عليه الصلاة والسلام من ابطأ به عمله لم يسرع به نسبه ومعنى قول ~~الشاعر • ~~• لعمرك ما الإنسان إلا بن دينه • فلا تترك التقوى اتكالا على النسب • ~~• فقد رفع الإسلام سلمان فارس • وقد وضع الشرك الدني أبا لهب • ~~انظر كيف وافق فكره الشريف كلام الله عز وجل وكلام رسوله عليه السلام وكلام الشاهد ~~الحكيم • وأنا اخرجني الله تعالى من صلب كافر وقد سبقت فواصل نعمه في أزل ~~الأزال4 أن نقلني من بلاد الشرك إلى ديار الإسلام • وكساني خلع التوحيد • وتوجني ~~بتاج الإيمان • وعصمني من غالب العاصي • ورزقني جانبا من العلم • وحفظ كتابه ~~الكريم • ثم لم يتركني بهذا فقط بل خولني في أنواع النعم التي لا يمكنني حصرها ولا إحصاء ~~15ظ ~~أدناها • وحكمني في أول أمري في رقاب الناس وأموالهم • وبلغ بي أن ولاني سلطنة الإسلام ~~والمسلمين • ورفعني إلى منزلة لا يمكن في الدنيا أعلا منها • وجعلني سلطان ملوك ~~مشارق الأرض ومغاربها • فصرت أخاطب نفسي بيا فلان ترى كيف تطيق أن تؤدي ~~شكر أدنى أوفى نعمة من هذا النعم التي من الله تعالى عليك بها • أيا فلان احذر أن تقصر ~~فيما تطول إليه يدك من إقامة حقوق الله تعالى وإجراء حدوده • وامتثال أوامره • ~~والنهي عن زواجره • وإحياء سنة نبيه صلى الله عليه وسلم • وإقامة شعائر شرائعه • ~~والحنو على عباده • والشفقة على خلقه • وأمة رسوله صلى الله عليه وسلم مهما • ~~امكنك واعلم أن الله تعالى مسائلك عن هذا الخلائق كلهم كبيرهم وصغيرهم • ~~غنيهم وفقيرهم • شقيهم وسعيدهم • قريبهم وبعيدهم • قال ثم أين أخذت ~~في البكاء والتضرع • والابتهال إلى الله تعالى وسألته أن يودعني أن اشكر نعمه التي نعمها ~~علي • وهذا بعينه عند الأولياء رضي الله عنهم هو مقام المراقبة والمحاسبة ~~الذي هو أعلى مقامات الأولياء • قال أوشهنج هو معرب هوشنك وهو ms024 من ~~قدماء سلاطين الفرس من عرف الابتداء شك • ومن عرف الانتهاء خلص • ومن عرف ~~التوفيق خضع • ومن عرف الانفعال أناب للاستسلام • وهذه الحكاية كانت ~~والدنيا قد انقلبت ظهرا لبطن وقد عصي بكري رئيس في حلب • واينال الحكمي ~~في الشام وقد هرب الملك العزيز في القاهرة • واختفي اينال الاشرف • وتوجه ~~طوغان الزردكاش فارا إلى من توجه إلى عرب الصعيد من الأشرفية صحبة المعز ~~الأشرف السنقر يشبك المشد وخبط أمرهم وذلك في شهور سنة اثنين وأربعين ~~وثمانمائة وقد يحكي عنه غالب الجند والعسكر واختلفت بواطنهم وطابت أخلاقهم ~~وتخالفت آراؤهم • فانظر أيها المتأمل كيف كان حال مولانا السلطان • ~~زاد الله تعالى ملكه ثباتا • ورياض أفكاره بالله تعالى من أنهار انسه ومعرفته ~~16و ~~نباتا • في تفاقم تلك الأحوال • وتراكم هاتيك الأحوال • التي يطيش فيها الحليم • ويسفه فيها ~~الوقور • مشغولا بمراقبة أحواله • مشغوفا بمراعاة ما به ومآله • عاملا بما قال له بن عباس ~~رضي الله عنهما أفضل العدة • الصبر على الشدة • مطرحا الدنيا وأهلها • مكفأ على مناجاة ~~مولاه • معاتبا نفسه هل تقوم بشكره أولاه • غير مبال بما سواه • متشبثا بأذيال ~~قوله تعالى قال الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون • وهذه الحالة تدل على شدة منبره ~~وثبات فؤاده • وصحة عزيمته • وقوة جفانه • وحسن توكله على الله تعالى • وتفويضه ~~أموره اليه • وكمال ثقته بنصرته • وكأنه في هذه الحالة • كان مطالعا مغني قوله ~~تعالى وأصب لحكم ربك فإنك بأعيننا • أذكرتني هذه الحالة بيت عنترة حيث يقول ~~• شعر• ~~ولقد ذكرتك والرماح نواهل • مني وبيض الهند تسفك في دمي • ~~فوددت تقبيل السيوف لأنه • دقت كعارض ثغرك المتبسم • ~~وهل معرفة النفس والرب وتزكيتها غير هذه الأحوال الشريفة • والأوصاف الكريمة ~~والاستغراق في مشاهدة ما يفعله الله سبحانه الحكيم الذي يصرف أمور عباده على ~~مقتضى حكمته وإرادته • وموجب مشيئته واختياره • واستسهال ما يرد من المحبوب ~~بمزيد المحبة والرضا • وهذه الحركات السعيدة تدل على أعلى درجات العقل • ~~وكمال الفضل • كما حكي أن قس بن ساعدة كان يغد على قيصر فيكرمه فقال ~~له يوما يا ms025 قس ما أفضل العقل قال معرفة الرجل بنفسه • لا جرم ان الله تعالى المطلع ~~على خفيات الضمائر • ومكنونات السرائر • دفع عنه ما يكره بأدنى لطيفة • وبلغه ~~ما يرجوه من المقاصد الشريفة • حكى الإمام القشيري رضي الله عنه قال سئل ~~بعض الصالحين عن سبب توبته وانقطاعه إلى الله تعالى فقال كنت رجلا ذراعا ~~فاجتمع لي شغلان في ليلة واحدة سقي الزرع والذهاب إلى الطاحون لطحن الحنطة ~~16ظ ~~فحملت الحمار الحنطة وسقته فضل عن الطريق فبقيت متحيرا أن طلبت الحمار فاتني سقي الزرع ~~وإن سقيت الزرع ضاع الحمار والحنطة وكانت ليلة الجمعة وبيني وبين البلد مسافة ليلة ~~فتركت جميع الأشغال يفعل الله فيها ما يشاء وقلت امضي إلى صلوة الجمعة فلما رجعت من ~~الصلوة فمررت بالزرع فإذا هو مسقي فسألت من سقاه فقيل لي جارك سقى زرعه ~~فسلط عليه النوم فانخرق السك ودخل الماء إلى زرعك فجئت البيت فإذا الحمار ~~والطحين في البيت فسألت من فعل ذلك فقيل ذهب الحمار إلى الطاحون فعرفه الطحان ~~فطحن الحنطة وردها مع الحمار إلى البيت فقلت ما أصدق ما قيل من كان لله كان الله له ~~وتفكرت في قوله تعالى قل الله ثم ذرهم فتوجهت إلى عبادته فكفأني بكرمه كل مؤنة ~~والله الموفق والمعين • ~~فصل في أهل هذه الصفات الحميدة • ومنبع هذه ~~الخصال السعيدة ~~اعلم أن جميع صفات الإنسان الحميدة هي نتيجة العقل الذي به يثيب الله تعالى ~~وبه يعاقب • وبه يأخذ • به يعطي • فكل ما كان عقل الإنسان أتم كانت محاسن ~~أخلاقه أعم • وكلما كان رأيه أصوب • كان في اقتناء مكارم الشيم أرغب • فلا بد من ذكر ~~العقل وبيانه إذ هو الأصل ثم ذكر نتيجته وهو حسن الخلق محملا ثم بيان ما ~~يتولد من حسن الخلق من الخصال المحمودة مفصلا • فنقول وبالله التوفيق ~~العقل قسمان غريزي أي خلقي هو مناط التكليف يحدثه الله تعالى عند بلوغ ~~الإنسان أما بألسن أو بالاحتلام فيجري عليه إذ ذاك قلم التكليف • ويدخل ~~في حيز المخاطبين بالأحكام • ويترتب على الثواب ms026 والعقاب • والعقل الشافي بجري ~~يكتسب بالتجربة وبواسطته يقال إن الشيوخ أكمل عقلا من الشبان • قيل ~~من بيضت الحوادث لمته • وأخلقت التجارب لباس حدته • وارضعه الدهر من ~~17و ~~وقائع الأيام أخلاق درته • أراه الله تعالى لكثرة ممارسته • تصاريف أقداره ~~وأقضيته • كان جديرا برزانة العقل ورجاحته • فهو في قومه بمنزلة النبي في أمته ~~قال بعض الحكماء كفى بالتجارب تأدبا • وبتغلب الأيام عظة • وقالوا التجربة ~~مرآة العقل • وقال الشاعر• ~~• ألم تران العقل زين لأهله • ولكن تمام العقل طول التجارب • ~~لكن قد يمن الله تعالى على من يشاء من أطفال عباده وشبابهم بعقل يبصرون به ~~من المغيبات • ما لا يراه كثير من الشيوخ في المشاهدات • قال الله تعالى حكاية ~~عن خليله عليه الصلاة والسلام ولقد أتينا إبراهيم رشده من قبل أي من قبل بلوغه ~~أي صغيرا وهو هدا بيته إلى التفكير في الكواكب • واراءته ملكوت السموات5 والأرض ~~وقال حكاية عن يحيى عليه الصلاة والصلام وأنبيناه الحكم صبيا • وقال تعالى ~~وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نقشت في غنم القوم وكنا بحكمهم شاهدين ~~ففهمناها سليمان • قيل لحاكم إلى داود عليه الصلاة والسلام اثنان فقال ~~أحدهما دخل غنم هذا إلى زرعي فأكله ولم يبق شيئا فأمر داود عليه السلام بالغنم لرب ~~الزرع عوضا عن زرعه فخرجا من عنده فلقيهما سليمان عليه الصلاة والسلام ~~فسألهما عن حالهما فأخبراه بذلك فقال عندي ما هو أوفق لهما من ذلك وهو أن يدفع ~~صاحب الغنم لرب الزرع ينتفع بما فيها من در وصوف ونسل وغير ذلك ويتسلم ~~رب الغنم الأرض فيزرعها ويربيها حتى تصير كما كانت فيدفعها لربها ويأخذ غنمه ~~فأجرى الحكم على ذلك وكان سنه عليه الصلاة والسلام إذ ذاك إحدى عشرة سنة ~~وناهيك بسيد المرسلين • وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم • الذي ~~ربي يتيما • ونشأ غريبا • كيف رجح على أمته حين كان طفل • ونشأ وقد بغض ~~إليه اللهو واللعب • وخفة ما كان عليه الجاهلية وذلك بعصمة أزلية وحفظ ~~17ظ ~~أزلي قال التوحيدي رحمه الله عليه شعر • ~~كفاك ms027 بالعلم في الأمي معجزة • في الجاهلية والتأديب في اليتم • ~~وحاصل الأمر أن من يهدي الله فهو المهتدي من صغره إلى كبره فيكون إذ ذاك الشاب ~~أفضل من الشيخ وليس ذلك مخصوصا بالأنبياء عليهم السلام • ذكر في جامع الحكايات ~~أن الهادي كان جالسا على السماط وحواليه أولاده وأحفاده وأولاد الأمراء والوزراء ~~وكان على المائدة سكرجة فيها خردل لا يقدر أحد أن يشمه فضلا عن تناوله فقال ~~الهادي لأولئك الصغار على سبيل المداعبة والمزح من لعق من هذا الخردل أعطيته ~~خمسة آلاف درهم فلم يجسر أحد منهم أن يمد يده إليه وكان هرون الرشيد بينهم وسنه ~~إذ ذاك خمس سنين فمد يده إلى السكرجة فأكل ما فيها عن أخره فتعجب الحاضرون منه ~~وأمر الهادي بإحضار خمسة آلاف درهم فأعطاها لخادم الرشيد فلما انقضى المجلس ~~أخذ الرشيد المال وذهب بأولاد الأمراء والوزراء إلى مكان خال وقال بايعوني على ~~الخلافة حتى أفرق عليكم هذا المال فبايعوه بالخلافة ففرق المال عليهم وولي كل واحد ~~منهم وظيفة من الوظائف • وولاية من الولايات والممالك • كل ذلك وخادم من خدام ~~الهادي يشاهد هذه الأحوال من حيث لا يرونه ثم جاء إلى الهادي وقال له يا أمير ~~المؤمنين إن ابنك هرون تولى الخلافة وبويع بها وفرق الولايات والوظائف ~~وأخبره بما كان من الأمر فدعاه الهادي فحص عن أمره ثم قبله وقال ستبلغ ~~هذا المقام إن شاء الله تعالى وكان كما قال • ولما ولي هرون الخلافة ولي كل من ولاه ~~في ذلك السن ولاية ما ولاه • ووفى بما وعده • فانظر هل هذا بطول بخسه • أو كبر ~~سن • أو ممارسة أحوال • أو مرور أيام • وإنما هذه الأمور عطايا ومواهب • ~~من ذي الجلال والإكرام • ونقل أيضا عن الرشيد أنه في سنه ذلك أدعى ~~رجل النبوة فضربه الهادي على رؤوس الأشهاد فجعل يصيح فقال له الرشيد اصبر ~~18و ~~كما صبر أولوا العزم من الرسل فعجب الحاضرون من حسن خطابه واستحضاره هذه الآية ~~في ذلك المحل • وكثير من شباب هذه الأمة كان أفضل من ms028 الشيوخ • كعبد الله بن ~~عباس رضي الله عنهما الذي تقدمه عمر رضي الله عنه على مشايخ الصحابة كعتاب بن أسد ~~وأطفال الصحابة • والتابعين • وأياس بن معوية • وتحدث لكم وغيرهم مما لا يحصى • ~~لكن لما كان الغلب على الشيوخ التجارب والاطلاع على أحوال الدنيا بمرور الأيام ~~وعلى الشباب زيادة الشهوة وغرور الصبا • وحدة النفس • مع قلة الممارسة ~~والتفكر في عواقب الأمور • كما قيل روائح الجنة في الشباب • وقيل الشباب ~~شعبة من الجنون • لا سيما إذا ساعد ذلك فراغ بال • وانتظام حال ووفور ~~مال • كما قال أبو العتاهية • شعر • ~~• إن الشباب والفراغ والجدة • مفسدة للمرء أي مفسدة • ~~كان الجهل غالبا عليهم الأمن عصم الله تعالى • وحكم الناس في ذلك بالأغلب الكثير ~~الوقوع • ولذلك حضر صلى الله عليه وسلم الشاب بالذكر لمزيد القيام بأمره ~~فقال وشاب نشأ في عبادة الله • ولم يقل ورجل نشأ كما قال في غيره من السبعة ~~فإذا وجد شاب مشغول بعبادة الله فذلك دليل على غزارة عقله وصحة فكره ~~ووفور فهمه • وكمال فطنته • وإن كان كل من اعتكف على طاعة الله تعالى وعبادته ~~صحيح الفعل • مستقيم الفكر لكن الشباب أعلى درجة وأرفع منزلة إذ يدل ~~ذلك على أنه أكمل عقلا وأرجح لبا لدفعه من الصوارف عن ذلك • والدواعي إلى ارتكاب ~~الشهوات • ما ليس مع الشيوخ • قال الأصمعي رحمه الله قلت لغلام حدث ~~السن من أولاد العرب وقد حادثني فأعجبني وأمتعني بفصاحته وكياسته وكان ~~فقيرا جدا أيسرك أن يكون لك مائة ألف درهم وأنك أحمق قال لا والله قلت ~~ولم قال أخاف أن يجني علي حمقي جناية يذهب فيها مالي ويبقى علي حمقي فعجبت من ~~18ظ ~~كلامه وعقله وذكائه وذكر لي شيئا لم يجل في خاطري • لكن يسدل علي عقل الرجل ماشيا ~~منها ميله إلى محاسن السئم • ومكارم الأخلاق • والتلبس بالخصائل الحميدة • ونفوره ~~عن سفساف الأمور • وقال بعض الحكماء يعرف عقل الرجل بقلة سقطه من كلامه ~~وأفعاله فقيل له فإن كان غائبا فقال بثلاثة أشياء برسوله • وكتابه وهديته ~~فرسوله قائم ms029 مقام نفسه • وقد قيل • ~~تخير إذا ما كنت في الأمر مرسلا • فمبلغ أراء الرجال رسولها • ~~وكتابه يصف نطق لسانه • واللسان دليل على الفؤاد وقد قيل • ~~إن الكلام لفي الفؤاد دائما • جعل اللسان على الفؤاد دليلا • ~~وهديته عنوان تيمنه • وقد قيل • إن الهدايا على مقدار مهديها • ~~فكمال هذه الأشياء يدل على كمال صاحبها ونقصانها يدل على النقص في عقله ~~وقال بعض الأصوليين العقل يوزن بين الأدميين قيل محلة الرأس • وقيل ~~القلب • وهو لعين البصيرة بمنزلة الشمس • والسراج للعين الباصرة • يعني كما ~~أن العين تنظر المحسوسات في الظلمة بواسطة نور الشمس • والسراج كذلك ~~البصيرة تدرك المعقولات في ظلمة الجهالات • بواسطة نور العقل • فلذلك ~~سموه نورا • وقال بعض الحكماء العقل قوة للنفس الناطقة بها تدرك المفهومات ~~الكلية • ثم بداية المقولات • نهاية المحسوسات • لأن الإنسان إذا رأى • ~~بعينه شيئا أو سمع او شم أو لمس أو ذاق استدل بنور العقل من ذلك الشيء بواسطة ~~تلك الحاسة على شيء آخر • مثلا إذا نظر بعينه إلى بناء رفيع • وقصر مشيد • ~~استدل بنور عقله أن له بانيا لا محالة ذا حيوة وقدرة • علم أن سائر • ~~أوصافه التي لا بد للبناء منها • ثم إذا نظر إلى السماء ورأى أحكامها ورفعتها ~~وعظم هيأتها • واستنارة كواكبها • وسائر ما فيها من القدرة العجيبة • والحلة ~~19و ~~البديعة • استدل بنور عقله لا محالة على أنه لابد لها من صانع قديم • مدبر حكيم قادر ~~عظيم • حي عليم • سميع بصير • وقيل العقل جوهر يدرك به الغائبات بالوسائط ~~والمحسوسات بالمشاهدة • وقيل هو جوهر طهر بما القدس • وروح بروائح • ~~الأنس • وأودع في قوالب بشرية • وأحداق إنسانية • كلها أضاء استنار مناهج • ~~اليقين • وإذا أخفى أظلم خفي مدارج الدين وهو من عالم الملكوت كالشمس في عالم ~~الملك • قال الإمام الأعظم أبو حنيفة رضي الله عنه لو لم يبعث بالله رسولا لوجب ~~على العقلاء أن يعرفوا الله تعالى بعقولهم • قال الله تعالى أن في خلق السموات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب • قال الإمام علم الهدي ~~أبو منصور المازيدي ms030 رحمه الله المراد بالوجوب هنا الأولوية يعني لكان إقرارهم ~~بوجوده أولي من إنكارهم وتوحيدهم إياه أولى من أشركهم معه غيره لا الوجوب ~~الذي يترتب عليه الثواب والعقاب كما هو مذهب المعتزلة • وعلى كل تقدير ~~فلا شك إن العقل هو من حجج الله تعالى على خلقه • وأجمع المتكلمون على أن الدليل ~~على وجود الصانع القديم تعالى وتقدس هو العقل فقط • وأما الدليل على ~~وحدانيته فقد اشترك فيه العقل والنقل • وأما الأحكام الشرعية فدليل ~~ثبوتها النقل فقط وقد يساعده العقل بشيء يستنيط به وقد لا يدرك وجه ~~الحكمة فيه فما يسعه إلا الانقياد والتسليم وقد ذكرت لك ذلك مستوف في شرح ~~السلك الفريد فليطالع • قال أفريدون العاقل محبوب حتى إلى عدوه والجاهل ~~بغيض حتى إلى والده • قيل عداوة العاقل خير من صداقة الجاهل ~~وحسبك أن الله تعلى لم يخاطب إلا أولى الألباب • وقال بعض الحكماء ~~اعتبر الرجال بأفعالهم وعقولهم • لا بأجسامهم وأشكالهم • قال صالح ~~ابن عبد القدوس شعر • ~~19ظ ~~• ولين يعادي عاقلا خير له من أن يكون له صديق أحمق • ~~وإذا ثبت ما قررناه فلينظر المتأمل إلى سيرة مولانا السلطان خلد الله تعالى سلطانه ~~ومبدأ أمره • وكيف نشأ من بين أقرانه • في عبادة الله تعلى وطاعته • متلبسا ~~بجميع ما ذكر وما يذكر من مكارم الشيم • ومحاسن الأخلاق • فهل خرج غير معني قوله ~~صلى الله عليه وسلم على ما رواه ابن الدرداء رضي الله عنه • قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم يا عويمر ازدد عقلا • تزدد من ربك قربا • قلت يابي6 أنت وأمي ومن لي بالعقل ~~قال اجتنب محارم الله • وأد فرائض الله • تكن عاقلا • ثم تنقل بصالح الاعمال ~~تزدد في الدنيا عقلا • وتزدد من ربك قربا • وعليه عزا • وهل خرج عن ذاته الشريفة ~~ما ذكره الإمام أمير المؤمنين على كرم الله وجهه من هذه الأخلاق شيء وهو قوله ~~شعر ~~• إن المكارم أخلاق مطهرة ~~• والعلم ثالثها والحلم رابعها ~~• والمر سابعها والصبر ثامنها ~~• والنفس تعلم أني لا أصدقها ~~• والعين تعلم من عيني محدثها ~~• فالعقل ms031 أولها والدين ثانيها • ~~• والجود خامسها والعرف سادسها • ~~• والشكر تاسعها واللين عاشرها • ~~• ولست أرشد إلا حين أعصيها • ~~• إن كان من خرجها أو من أعاديها • ~~قد استوفينا بحمد الله تعالى في هذا الفصل في العقل وفضله الذي هو مكارم ~~الأخلاق ومحاسن الشيم ما فيه مقنع وقد اعقبنا ذلك بفصل نذكر فيه حسن ~~الخلق مفصلة • وقد اسرنا إلى ذلك في أول الفصل في العقل ولكن الشيء إذا ~~تكرر تقرر • وإذا تقرر تحرر • والله أعلم بالصواب • ~~• فصل في حسن الخلق وفضله • ~~20و ~~اعلم أن حسن التصوير • وجمال الشكل • هو مطلوب عامة الناس • فإنهم مقصورون ~~على ظاهر الخلقة • وبصائرهم قاصرة عن إدراك المعاني التي هي من خواص الإنسان ومطلوبه ~~منه وكمال الإنسان وحقيقته في باب الخلق أتم وأكمل • فإن الله سبحانه ~~وتعالى خلق أكثر الناس • وأما من حسن خلقة فقليل • وامتياز العوام عن البهائم ~~بتسوية الخلق • وامتياز الخواص عن العوام بتسوية الخلق • وأيضا فإن تباين ~~الأخلاق كتباين الصور • وكما لا تتشابه الصورتان إلا نادرا • فكذلك السيرتان لا تتشابهان ~~إلا نادرا • وهذا مما يدل على كمال القدرة • وإلا كان دليل العجز • تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا • وقل ما توجه صورة حسنة • إلا وكان فيها فعال حسنة • ولهذا قال صلى ~~الله عليه وسلم اطلبوا الخير عند حسان الوجوه • وسئل أفلاطون أي شيء من أفعال ~~الناس أشبه بأفعال الله تعالى قال الإحسان إلى الناس • وحسن الخلق نعمة عظيمة ~~لا يضعها الله تعالى إلى فيمن أحبه من خواص عباده • وفيمن اصطفاه من خيرة خلقه ~~ولذلك من الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بها دون سائر النعم فقال عن ~~من قائل وإنك لعلى خلق عظيم • قال أنس رضي الله عنه كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا مع أنه كان أجملهم خلقا أيضا • وروى جابر ~~رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا أخبركم على من تحرم النار على كل ~~هين لين سهل قريب • وروى بن مسعود رضي الله عنه • قال ms032 أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم برجل فكلمه فأرعد فقال هون عليك فإني لست بملك ولا جبار ~~إنما أن من امرأة من قريش كانت تأكل القديد • قال الله سبحانه وتعالى ~~وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن أن الشيطان ينزع بينهم • وقال تعالى ~~ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم ثم قال وما يلقاه إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ~~20 ظ ~~ذو خط عظيم • وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ~~فسعوهم بأخلاقكم • وفي رواية فسعوهم ببسط الوجوه والخلق الحسن ~~وقال صلى الله عليه وسلم حسن الخلق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة ~~وقال صلى الله عليه وسلم لكل ذنب توبة إلا سوء الخلق فإنه كلما خرج من ~~ذنب دخل في ذنب • وقال عليه الصلاة والسلام ما حسن الله خلق إنسان ~~وخلقه ليطعمه النار • حكى الإمام القشيري رحمه الله قال سأل بعض ~~الملوك ندماؤه عن سر الأشياء فقال بعضهم المرأة السوء • وقال آخر الولد السوء ~~وقال بعضهم الجار السوء • وقال آخر الخلق السوء • ثم شرع كل منهم يقيم الدليل ~~على ما ادعاه حتى اتفقوا على التحاكم إلى قول من يلقونه إذا خرجوا من البلد ~~للسيران فخرجوا فاستقبلهم رجل من أهل السواد معه حمار عليه جرار خزف ~~فتحاكموا إليه فقال شر الأشياء الخلق السوء فطلبوا الدليل فقال لإن المرأة ~~والولد والجار والصاحب يمكن الخلاص منهم بالموت أو الفراق والطلاق والخلق ~~السوء لا خلاص منه لا في الدنيا • ولا في القبر • ولا في الآخرة • فاستحسنوا ذلك ~~منه • وسلموا إليه • وأعجب به الملك • فقال ثمن علي فقال أطلب من صدقاتك • ~~شيئا يزيدني ولا ينقصك • وينفعني ولا يضرك • فقال ما هو فقال إن ~~المهرجان قريب والناس يهنئون مولانا الملك بقدوم المهرجان ويقومون له ~~بالخدم والتقادم على جاري عادتهم فلتبرز مراسيمه أن لا يقدم إليه أحد ~~تقدمة إلا معه جرة من جراري هذه ولا يقبل لأحد خدمة بدون جرة ms033 من جراري ~~هذه فإن في ذلك نفاق بضاعتي ومنفعتي بما ليس فيه كبير ضرر لأحد فأجابه ~~إلى ذلك وأمر فنودي أن لا يقدم أحد تقدمة إلا مع جرة من جرار فلان الفخار ~~فشرع كل من أراد أن يقدم تقدمة يشتري من ذلك الرجل جرة فيبيع ذلك ~~21و ~~بما اختار ثم استقر الحال على أنه باع كل جرة بدينار وجعل يخالق الناس بخلق حسن فلا ~~يرون لذلك مضضا بل يرغبون في منادمته • وكان للملك وزير سيء الخلق فقيل ~~له في ذلك فقال جرة بنصف درهم فلتكن بدرهم او درهمين وأرسل إليه بذلك ~~فأبى إلا بدينار فاضطرب الوزير إلى شراء الجرة ورضي بالدينار فقال الرجل ما كنت من ~~معاملي أول سوق وأما الآن فلا أبيعها إلا بمائة دينار فغضب الوزير وساء خلقه وقال ~~بالأمس لم اشترها بدينار فاشتريها بمائة دينار ثم تصبر وقرب وقت التقدمة ~~واضطر الوزير فبذل مائة دينار فقال لا أبيعها إلا بألف دينار فاستشاط الوزير ~~غضبا • وضاق عطنا • وساء خلقا • وتأخرت هدايا الناس لأنهم لا يهدون قبل ~~الوزير ثم إن الوزير لم يجد بدا من شراء الجرة فبذل ألف دينار فقال الرجل لا أبيعك ~~شيئا أصلا لا بقليل ولا بكثير فألح عليه وألجأه الاضطرار إلى التملق والخضوع ~~له فقال له لا أريد له ثمنا إلا أن تحملني على رقبتك وتدخل بها على الملك وهي في يدي ~~ففعل ذلك بالضرورة ودخل على الملك فلما وقع نظر الملك عليه ناداه وقال ~~أيها الملك هذه نتيجة سوء الخلق فانظر ما أثقل حمله فاستحسن الملك منه ذلك ~~وعزل الوزير وولى ذلك الرجل مكانه وقال إنه حكيم وسلم إليه ذمام أموره وقيل ~~أن وزير أمن وزراء السلطان يمين الدولة محمود بن سبكتكين رحمه الله دخل عليه ~~يوما فرآه مغتما فسأله عن سبب ذلك فقال إني نظرت اليوم في المرآة فلم يعجبني ~~وجهي والملك ينبغي أن يكون حسن المنظر لتتوفر رغبة الرعية ومحبتهم فيه ويميل ~~طبعهم إليه فإن الناس غالبهم مقيد بالصورة فقال الوزير يا ms034 مولانا السلطان ~~أنا أدلك على ما تستعيد به أحرار الرعية • وتملك به باطنهم وظاهرهم • فقال ~~وما هو قال حسن الخلق • واصطيادهم بالبر والإحسان • وربط أعناق الكبير ~~منهم والصغير بحبال الجود والامتنان • وإذا فاتك حسن الصورة فتلاق ذلك ~~21ظ ~~بحسن السيرة فإنك إلى تحسين خلقك • أحوج منك إلى تزيين خلقك • فأعجبه ذلك ~~واتخذه أمامه • فملك قلوب الناس وخلد ذكره الجميل إلى يوم القيامة • قال الشاعر ~~• شعر• ~~• يا حسن الوجه توق الخنا • لا تبدلن الزين بالسين • ~~• ويا قبيح الوجه كن محسنا • لا تجمعن بين قبيحين • ~~ولقد وفدت على أكابر ملوك زماني من الشرق والغرب وحاضرتهم وخدمت أكثرهم ~~في بلاد الجغتاي • والخطأ • والهند • والعجم • والدشت • والروم • والترك • ~~والعرب • ولازمت مباشرة الوظائف عندهم • إلى أن شملتني السعادة بالمثول ~~بين يدي المواقف الشريفة • المولوية السلطانية • الملكية الظاهرية • نضر الله ~~بهجتها • وحفظ عن الأسواء مهجتها • فلم تقف عيني على أحد من الملوك والسلاطين ولا ~~على أحد من غيرهم أحسن خلقا وخلقا • ولا أبهى صورة • ولا أذكى سيرة من مولانا ~~السلطان أما صورة وخلقا فذلك مشاهد لكل أحد لا يحتاج إلى دليل • وأما سيرة ~~وخلقا فيكاد بألفاظه العذاب يخلب القلوب • وبحركاته الشريفة اللطيفة ~~يستعبد الأحرار ويسلب العقول يحسن ويعتذر • ويعطي ويجزل • ويعقب ~~العطاء الجزيل • بالوعد الوفي الجهل يجترئ عليه فيتلافا هفوات المجترئ ~~بحسن خلقه • ويقصر في طاعته فيتدارك ذلك التقصير بالاعتذار عن المقصر ~~ولما توفى الملك الأشرف وأوصى إليه شرع بعض المماليك الأشرفية ~~يستطيل على الناس وكل من هو في حارة منهم أضمر لجيرانه سوءا وجعل يفتري ~~ويجترئ عليهم وكان الناس يرفعون شكواهم لمولانا السلطان وهو إذ ذاك ~~نظام الممالك الإسلامية فكان ينصحهم بالحسنى ويردعهم بأحسن عبارة ويجتهد ~~في إصلاحهم بقدر ما يصل إليه يده ولسانه من الإحسان وقد قال الله تعالى ~~22و ~~من يضلل الله فلا هادي له فلم يجدوا لبرد غليلهم غير أن يتفقوا ويركبوا عليه ويرفعوه ~~من البين فيصلوا إذ ذاك إلى أغراضهم الفاسدة • ويستطيلوا على المسلمين في دنائهم ~~وأموالهم وحريمهم كيف ما أرادوا ms035 ويأبى الله ألا يتم نوره ولو كره الكافرون ~~وكان رؤوس الأمراء غائبين في التجريدة التي جهزها الملك الأشرف قبل أن يحصل ~~له المرض الذي مات فيه ثم إن الأجلاب اتفقوا على الوثوب على مولانا السلطان ~~يوم يصعد إلى الخدمة وذلك يوم الخميس سادس عشر صفر سنة إثنين وأربعين ~~وثمانمائة • وكان في منزله الشريف المعهود وتحت الكبش فاختلفت كلمتهم وأخبره ~~بذلك واحد من أعيانهم قيل أنه كان اينال الذي كان عين لأمرة الحاج وسيأتي بيان ~~أمره مفصلا فلم يركب مولان السلطان ذلك اليوم وأخذ حذره منهم ولما خاب ~~سعيهم وعرفوا أن هذا القضية لا تخفى لم يسعهم إلا المجاهرة بالعصيان فتوجه ~~لمحاصرتهم في القلعة ثم أنهم نزلوا إليه مذعنين وتمثلوا بين يديه بعد أن تفرقت ~~كلمتهم • فكان من حسن أخلاقه الشريفة وكرم عاطفته أنه لم يعنفهم • ولم يقل ~~لهم ما يؤلم خاطرهم • بل قال لهم يا أولادي أنا نصحت لكم • وكان قصدي حفظ دينكم ~~وصيانة عرضكم • فأنتم فعلتم هذا بأنفسكم • ولم يزدهم على هذا • ونزلهم في داره ~~وقال أنتم ضيوفي واحتفظ برعايتهم حتى قدم الامراء فتعاطى أمرهم فرقتان وسنذكر ~~تفصيل ذلك وكيفيته • ومن أعلا أخلاق مولانا السلطان الشريفة • ومكارم ~~شيمه المنيفة • التشبث بأذيال الشريعة المطهرة • والوقوف عند أوامرها • ~~وتعاطي أسباب نصرتها مهما أمكن • وتلاوة كتاب الله تعالى ليلا ونهارا بالقراءات ~~السبع • والفحص عن أوامره وأموره • وتأمل معانيه • والتفكر في دقائق ~~أسراره ولطائف فحاديه • والتشبث بذيل العمل بما فيه • وهذا سر قول ~~عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ~~22ظ ~~كان خلقه القرآن مع مراقبة أحواله • وملازمة أوراد الذكر والتسبيح • وقيام الليل ~~والتهجد • والتعبد • والدوام على الطهارة ليلا ونهارا • حتى نقل عنه بالتواتر أنه لم ~~يدخل عليه وقت صلوة في سفر ولا حضر إلا وبادر إلى أدائها على الوجه الأتم الأحسن ~~في أفضل أوقاتها • وتقديمها على جميع المهمات • ولا يشغله عنا شاغل • ولم يضبط ~~عليه أنه نام على غير وضوء بل إذا أراد النوم ms036 فإن كان على وضوء نام وإلا توضأ واضطجع ~~الاضطجاع المسنون وهذا مقام لا يكاد يوفق إليه إلا أفراد الأولياء • حكى ~~لي أخص خواص حضرته الشريفة الجناب القضائي الغرسي السنحاوي أحد بطائن الخير ~~ورأس المخلصين الناصحين • قال كنت مرة في خدمة مولانا السلطان ببلاد ~~الصعيد فأصابنا برد شديد • وشتاء عتيد • وكان مولانا السلطان جعل الله ~~تعالى التقوى زاده • ورزقه الحسنى وزيادة • يتوضأ كل ليلة بعد أداء العشاء الأخرة ~~ويأخذ مضجعه فيحصل له بذلك مشقة عظيمة من البرد اليابس فقلت له يا مولاي ~~قد أديت ما عليك وصليت العشاء الأخرة والآن تأخذ مضجعك وليس في الوضوء ~~كبير فائدة لأنك تنام فلم تتحمل هذه المشقة الكثيرة الضرر القليلة الجدوى ~~فقال إني سمعت مرة العلماء والثقات أنه من توفى على الوضوء فإنه يموت شهيدا ~~وينال درجة الشهداء • ومن نام على وضوء وأدركه الموت فكمن مات على وضوء ~~وما يدريني أن هذه الليلة هل أعيش إلى صباحها أم لا • وربما تكون أخر الليالي ~~من عمري فأنا أستعد لذلك فإن أدركني الأجل وقدر الله تعالى علي بلقائه ~~في ليلتي فأكون على طهارة فأنال مرتبة الشهادة وأكون مستعدا للقاء به • ومن ~~كان هذا أمله كيف لا يحسن أخلاقه • ولا يتهذب في أقواله وأفعاله • ومن استعد ~~كل ليلة لحلول رمسه • كيف يغفل عن اصلاح نفسه • وهذه نبذة ما وقع ~~الاطلاع عليه • وأما أحواله الشريفة التي لا يطلع عليها إلا الله تعالى وما هو ~~23و ~~بينه وبين مولاه • من صدق النية • وخلوص الطوية • والشفقة على الرعية • ~~والمناجاة الخفية • والإخلاص في طاعة الله تعالى • والتضرع والالتجاء إليه في الخلوات ~~فذلك شيء لا نعرفه • فكيف نقدر نذكره أو نصفه • فاسأل الله تعالى الذي لا يخيب ~~سائلا • أن يخلد هذه الدولة السعيدة على المسلمين والإسلام • أن يصل طنب ~~سعادتها بأوتاد الخلود إلى يوم القيام • بمنه وكرمه • واعلم أن أعلى محاسن ~~أخلاق العلم الذي هو زمام مصالح الدارين • وقوام معائش الثقلين • وأصل المعالي ~~والمفاخر • ورأس مال المكارم والمأثر • فلنذكر فضله بعد محاسن الأخلاق ms037 ~~إذ هو لرأسها وجه ولوجهها عين • ولعينها نور • ولجسدها صدر • ولصدرها ~~قلب • ولقبها سرور والله الموفق • ~~فصل في العلم وفضيلته ومزية أهله ~~على سائر الناس ~~قال الله تعالى قل هل يستوي الذين لا يعلمون والذين لا يعلمون وقال ~~تعالى قل يرفع الله الذين أمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات • وقال عليه ~~الصلاة والسلام طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة • اعلم أن كل شيء من الحيوانات ~~يعظم العالم ولولا العلم لما قدر الإنسان أن يتمكن من شيء من المخلوقات • وإن الله ~~سبحانه وتعالى لم يتخذ وليا جاهلا • وقال سبحانه وتعالى فسئلوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون قال بعض الحكماء كل عمل لا يوطده علم فهو جهل • ولعالم ~~واحد أشد على الشيطان من ألف عابد • وقال الله سبحانه وتعالى إنما ~~يخشى الله عبادة العلماء أي لا يخاف الله ويعظمه ويتقيه من عباده إلا العلماء لأنهم ~~هم العارفون دون غيرهم • وقور إنما يخشى الله من عبادة العلماء أي ما يوقر الله ويعظمه ~~إلا العلماء من عباده لأنهم هم المستحقون التعظيم والتوقير وعلى كل تقدير فهم المخصوصون ~~23 ظ ~~دون غيرهم وبالخوف منه وبالتعظيم له وإما بتعظيمه لهم وتوقيره إياهم ومفسد الخشية على ~~القراءة الأولى الخوف والتعظيم • وعلى القراءة الثانية التعظيم فقط • وقال تعالى ~~ولقد أتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين ~~وناهيك بموسى عليه الصلاة والسلام صاحب الشريعة والنورية وعلم الظاهر ~~في زمانه كيف ارتحل هو وفتاه ليتعلم ممن هو أعلم منه بعلم الباطن بقرب الشام بحر ~~الظلمات إلى مجمع البحرين إلى اقصى بلاد المعرب حتى لاقى الخضر عليه الصلاة والسلام ~~ولم يأنف من أن قال له هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا وهو نبي الله تعالى وكلمته ~~وحسبك أيضا ما أقحم الله الملائكة وأسجدهم لآدم صفيه إلا ببركة العلم وعن ~~معاذ بن جبل رضي الله عنه قال تعلموا العلم فإن تعلمه خشية • وطلبه عبادة • ومذاكرته ~~تسبيح • والبحث عنه جهاد • وتعليم من ms038 لا يعلمه صدقة • وبذله لأهله قربة • لأن العلم ~~منار أهل الجنة • وهو المؤنس في الوحشة • والصاحب في الغربة • والمحدث في الخلوة ~~والدليل على السراء • والمعين على الضراء • والزين عند الإجلاء • والسلاح على الأعداء ~~يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قاده • أئمة يقتفي أثارهم • ويقتدي بفعالهم • ~~وترغب الملائكة في حلقهم • وبأجنحتها تمسحهم • ويصلي عليهم كل رطب ويابس وحيتان ~~البحر • وهوام الأرض وسباع البرية • والبر • والبحر • والانعام • ولان المعلم ~~حياة القلب من الجهل • ومصابيح الأبصار من الظلمة • وقوة الأبد أن من الضعف ~~ويبلغ بالعبد منازل الأنبياء • والدرجات العلى في الأخرة والدنيا • والتفكر فيه ~~يعدل بالصيام • ومذاكرته تعدل القيام • وبه توصل الأرحام • ويعرف الحلال ~~من الحرام ويلهمه الله تعالى السعداء • ويحرمه الأشقياء • وحاصل الأمر في الجملة أن ~~العلم أصل كل خير إلخ • والجهل منبع كل شر • قال الشاعر ~~• وفي الجهل قبل الموت موت لأهله • وأجسادهم دون القبور قبور • ~~24و ~~• وان امرءا لم يحي بالعلم قلبه • فليس له حين النشور نشور • ~~ويكفي الإنسان شرفا وكرامة أنه بالعلم يكتسب اسما من أسماء الله تعالى القديمة ~~وهو اسم العالم فإن من أمهات الأسماء والصفات الأزلية القديمة لله تعالى العلم ~~والله سبحانه وتعالى عالم وعليم وعلام وهو أن الاسمان صيغتا مبالغة قال ~~أبو القاسم القشيري رحمه الله أسماء الله تعالى توقيفية فلا يسمى إلا بما ورد به الكتاب ~~والسنة • وانعقد عليه اجماع الأمة • وقد وردت هذه الأسماء فأطلقت عليه ~~ولا يقال في صفته تعالى عارف ولا فطن ولا داري ولا فقيه ولا فهم • فمن أذن ~~من تحقق أنه عالم أن يكتفي بعلمه عند جريان قضائه وحكمه • ساكنا عند حلول ~~تقديره عن تصرفه في أمور نفسه وتدبيره • كما قال الخليل عليه الصلاة والسلام ~~حين قال له جبريل7 عليه السلام سل الله حاجتك حسبي من سؤالي علمه بحالي ~~رأيت في بعض التواريخ ببلاد الترك أن عالما في بلد تسمى تنكي تلاس هي عن ~~سمرقند إلى جهة الحطا نحو من خمسة وعشرين يوما كان رجل من فوارس المسلمين اسمه ms039 ~~قرا وكان قد انكى في مشركي الترك والتتار فاتفق أنه استشهد في بعض المواقف ~~ففي بعض الليالي رآه واحد من الصلحاء في النوم وهو يقول له إن الكفار قد عزموا على ~~قتالكم واستئصالكم فخذوا حذركم منهم فقال له الرأي ربما لا يصدقني الناس به في هذه ~~الرؤيا فما علامة صدقي عندهم قال أن يحضروا إلى بيتي ويسمعوا كلامي من الزاوية الفانية ~~فلما انتبه أعلم الناس فحضروا إلى بيت قرا الشهيد وسمعوا هذا الكلام منه الكبير ~~والصغير • والمأمور والأمير ثم قال لهم إن لازمتم هذا الدعاء فإن الله يكشف عنكم ~~شرهم • ويكفيكم أمرهم • فقالو وما هو • قال لازموا قولكم • اللهم كفى علمك عن المقال • ~~وكفى كرمك عن السؤال • قال فلان سوء الناس هذا الدعاء فكف الله عنهم عدوهم ~~وكفاهم أمره ومن أدب من تحقق علمه تعالى بحاله وأنه مطلع على سرائر الضمائر ~~24ظ ~~ووساوس الهواجس • وخفيات الخواطر • أن يستحي منه • ويكف عن معاصيه • ولا يغتر ~~بجميل ستره • بل يخشى بغتات قهره • ومفاجأة مكره • قال الله تعالى يستخفون من ~~الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضي من القول وفي بعض ~~الكتب السماوية إن لم تعلموا أني أراكم فالخلل في إيمانكم • وإن علمتم أني أراكم ~~فلم تجعلوني أهون الناظرين إليكم ومن أدب من اتقن بعلمه سبحانه وتعالى أن يكتفي ~~بتدبيره • ولا يرفع إلى مخلوق حاجة • ولا يسكن إلى أحد سواه • فإن سكن إلى أحد ~~غيره عوقب في الحال إن كان له عنده قدر • كما حكي عن إبراهيم الخواص رضي ~~الله عنه قال كنت بالبادية فتهت فسمعت نباح كلب من بعيد فأصغيت إليه وقلت ~~في نفسي لا يكون هذا إلا في عمارة فتبعت الصوت طالبا له فلم ألبث حتى أصابتني صفعة ~~من ورائي ولم أر أحدا فبكيت وقلت يا رب هذا جزاء من توكل عليك فهتف بي هاتف ~~ما دمت في خفارتنا كنت عزيزا فلما دخلت في خفارة الكلب صفعت ولكن هذا رأس ~~من صفعك وذا برأس بين يدي ms040 مقطوعا • وحكي عنه أيضا قال كنت جائعا ~~فوصلت إلى الري فخطر ببالي أن لي بها معارف سيضيفوني فلما دخلتها رأيت منكرا ~~فنهيت عنه فضربوني فقلت في نفسي من أين أصابني هذا بجوعي ونهيي عن المنكر فنوديت ~~في سري أصابك بسكونك إلى مضيفيك في طلب الرزق • ونقل عن بعضهم ~~قال كنت جائعا فقلت لبعض معاوني إني جائع فلم يطعمني شيئا فمضيت فوجدت ~~في الطريق درهما فأخذته فإذا عليه مكتوب أما كان الله تعالى عالما بجوعك حتى طلبت ~~من غيره وحكي عن أبي سعيد الجزار رحمه الله قال خرجت من البادية ~~إلى الكوفة وأنا جائع وكان لي فيها صديق يقال له الجرادي وكان يضيفني لو أدخلت ~~الكوفة فقصدت حانوته فلم أجده فدخلت مسجدا بقرب حانوته انتظره وقلت ~~بسم الله الرحمن الرحيم • والحمد لله رب العالمين • وسلام علينا وعلى عباده المتوكلين • ~~25و ~~وقعدت منتظرا فدخل داخل فقال الحمد لله رب العالمين • سبحان من أخلى الأرض من عباده ~~المتوكلين • وسلام علينا وعلى جميع الكذابين • يا أبا سعيد يا مدعيا التوكل، التوكل ~~يكون في الصحاري والبراري • ليس التوكل الجلوس على البوادي • لانتظار الجرادي قال ~~فالتفت فلم أر أحدا • وهكذا سنة الله تعالى مع خواص أحبابه والمصطفين ~~من عباده لا يشاء ضلهم في خطره • ولا يتجاوز عنهم في لحظه • بل يطالبهم بالصغير والكبير ~~ويضايقهم على النقير والقطمير • وما أحلى عتاب الله تعالى مع أوليائه • لان العتاب أنما يكون ~~بين الأحباب • وقيل شعر • ~~• إذا ذهب العتاب فليس ود • ويبقى الود ما بقي العتاب • ~~وعلى هذا قيل حساب أمة الحبيب حساب عتاب لا حساب عقاب لأن من نوقش الحساب ~~عذب • وقد ورد في الحديث الصحيح أن الله تعالى يدين عبده • ويقرره بذنوبه • ~~فيقول ما عملت كذا وكذا فيقول نعم • ويقول له عملت كذا وكذا فيقول نعم • حتى إذا اتفق ~~له هالك • قال له سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفره لك اليوم وإذا أراد الأمر بين ~~الستر في الدنيا والغفر في الأخرة فهل بقي شيء سوى العتاب • والعتاب إنما ms041 هو من الأجناب ~~وأما الأعداء فيقال لهم أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون الآية ~~وإذا سئلوا فيقال لهم مالكم لا تبصرون سؤال توبيخ وتضريع فلا خلاق لهم في الأخرة ولا ~~يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم وإن قيل في حقهم شيء • قال ~~سبحانه وتعالى فاصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا • سئل إبراهيم بن أدهم رضي الله ~~عنه عن الصوفي إذا جاع يوما ماذا يعمل قال جوع يوم ليس بجوع قيل فيومين قال ~~ولا جوع يومين بجوع قيل فثلاثة أيام قال يصبر قيل ثم ماذا يفعل قال يصبر ~~قيل فإن مات قال ديته على قاتله أليس كان عالما بحاله فإن شكاه فقد استحق العتاب ~~• قال الشاعر • ~~25 ظ ~~• وإذا عرتك مصيبة فاصبر لها • صبر الكريم فأنه بك أعلم • ~~• وإذا شكوت إلى بن آدم إنما • تشكوا الرحيم إلى الذي لا يرحم • ~~وسر هذا المقام أن المحب إذا علم من محبوبه أنه عالم بحاله ومطلع على أحواله باطنا ~~وظاهرا بل المملوك إذا علم من مالكه ذلك وقد أنهي إليه مالكه أنه يتصرف في ملكه كيف ~~ما اختار وأنه لا يسأل عما يفعل • ثم ادعى أنه مكثف بعمله • وملق زمام تدبيره ~~ورضاه إلى يد تقديره • وقال له شعر • ~~• وكلت إلى المحبوب أمري كله • فإن شاء أحياني وإن شاء أتلفا • ~~ثم التفت إلى غيره • ودفع حوائجه إلى ما سواه • هل يكون صادقا في دعواه أم لا ~~فهل يستحق العتاب من محبوبه • والعقاب من مالكه أم لا • وهذا مقام ~~عزيز • ومكان شريف • مبناه على الرسوخ في العلم • وثبات القدم في تحقيق المعرفة ~~ولا يكاد يصل إليه إلا خواص العلماء • وأعلام الأولياء • والمقربون من الحضرة الإلهية ~~والمتألهون في المشاهدات القدسية • والجائلون بأجنحة البابهم في الحظيرة ~~الملكوتية • وأما الذين رتبتهم خسيسة • وقيمتهم رذيلة قليله • فلا اعتبار بهم ~~ولا يعيا الله تعالى بأمورهم • فهم بإمهاله مغترون • ومن غفلاتهم منهمكون • إلى أن ~~يأخذهم بغتة وهم لا يشعرون • كما قال الله تعالى قل الله ثم ms042 ذرهم في خوضهم يلعبون ~~واعلم ان أشد الناس احتياجا إلى العلم الملوك والسلاطين ومن تقلد أمور ~~عباد الله تعالى لأن الإنسان كلما كثرت عائلته واحتياج الناس إليه كان همه ~~وهمته • وتوزع خاطره • واشتغال فكره • بعمل مصالحهم أكثر من غيره ~~ولا شك أن جميع الرعايا وعامة الخلق وخاصتهم هم عائلة السلطان ومحتاجون ~~إلى وفده • وضمهم تحت جناح عدله ومرحمته • ويفتقرون إلى صونه إياهم ~~أن يتخطفهم أعداؤهم • وهذا مصداق قوله عليه الصلاة والسلام كلكم راع وكلكم ~~26ر ~~مسيؤل8 عن رعيته • فالإمام راع هو مسيؤل عن رعيته • فبحسب ذلك يحتاج السلطان ~~إلى قانون يسوسهم به وهو اعلم الذي به قوام العالم • وكما أن السلطان هو خليفة الله في ~~أرضه • ونائب رسله • في تدبير مصالح عباده • كذلك العملاء هم ورثة أنبيائه ~~في إقامة شرائعهم • والملوك هم سياج الدنيا على عباد الله تعالى • والعلماء هم سياج الدين ~~على خلق الله • فإذا كان السلطان عالما فهو نور على نور لأنه قد جمع بين أساسي السياسة ~~والشريعة • وإن لم يكن لولي الأمر علم فإنه لا يقدر أن يعرف مقادير الناس ولا ينزل ~~الناس منازلهم • ولهذا قيل ينبغي أن يكون عقل السلطان موازنا لعقول ~~جميع الخلق لأن كل واحد من الناس صغير أو كبير محتاج إلى السلطان ومستمطر ~~نواله ومراحمه وهو آنيا محتاج إلى معرفة قدر استحقاق كل منهم لينزله منزلته ~~لا يتعدى بالوضيع طوره علوا • ولا يبخس الرفيع قدره تنزلا • عملا بقوله انزلوا ~~الناس منازلهم • وقوله عليه الصلاة والسلام خاطبوا الناس على قدر عقولهم ~~غير أن العقل يدرك به الكليات • والعلم يفصل به القضايا الجزئيات • والحاكم ~~يحتاج مع هذا كله إلى فضل الحكومات • وخلاص الحقوق • وفصل المظلوم عن الظالم • ~~فلو لم يكن له علم يستعين به على ذلك وتفرق به بين المحق والمبطل لا يتهيأ له ~~ذلك وإذا كانت المخاطبة على قدر العقول واجبة وهي قولي فتنزيل الناس منازلهم ~~على قدر مراتبهم واستحقاقهم أولى إذ هي فعل • وإذا لم يتهيأ لولي الأمر العلم فينبغي ~~أن يكون صحبته ms043 مع العلماء • ويستعين بهم في فصل الحكومات • وإجراء أوامر الله تعالى ~~على ما يقتضيه الشرع الشريف • قال الله تعالى فسئلوا أهل الذكر إن كنتم ~~لا تعلمون • وقال تعالى ولا ينبيك مثل خبير وكان القراء أهل مجلس عمر ~~رضي الله عنه شيوخا كانوا أو شبانا • وإذا اجتمع في السلطان والملك العلم ~~والدين وصحبة العلماء والإحسان إليهم في الغاية القصوى الجامعة لسعادة الدارين ~~26ظ ~~وخاصة إذا كانت العلماء فيهم المعون الناصح • والبطانة الصالحة • والمشيد الشفوق • ~~والصديق الصدوق • الذي لا يأخذه في الله لومة لائم • كان الشيخ الإمام أبو سعيد ~~ابن أبي الخير له كرامات مذكورة • وأخبار مشهورة • وكانت قد انتهت إليه الرئاسة ~~في العلم والعمل ببلده ملازم • ويقصده السائح من الطريق والأقاليم • وكان يتردد ~~إلى أبواب السلطان • ويحضر ديوان المظالم وغيره من الحكومات • ويتعاطى الكلام ~~فيها وعقدها وحلها • ففي بعض الأيام قصده صور من بلاد شاحطة لما بلغه عنه ~~من الزهد والعلم والعمل فلما قدم صور قصد داره فرأه راكبا في كبكبة عظيمة متوجها ~~إلى ديوان المظالم فلام نفسه على مجيئه من بلاده وأنكر عليه غاية الانكار وهم ~~بالرجوع لكن تضبط وقال قد جئت لأمر لابد من انهائه إلى أخره فلم يجد بدأ من أنه تبعد ~~إلى الديوان فلما بلغوا إليه وإذا برجل حكم بقطع يده على أنه سرق والجلاد معه فسأل ~~الشيخ أبو سعيد عن حاله ورفعه أن يرجئ أمره فانحلت القضية عن أنه كان بريء الساحة ~~فتخلص من قطع اليد ثم التفت إلى الصوفي وقال لمثل هذه لازمنا أبواب السلاطين ~~فعلم ذلك الرجل مقدار الشيخ ولازمه واستفاد منه غرضه • ومن هذه ~~الحكاية يعلم أنه لا ينبغي أن يعترض على أحوال المشايخ وأهل العلم بل يحمل أفعالهم ~~وحركاتهم من أفعالهم مهما أمكن على غرض صحيح ويطلب لهم وجه حسن مهما استطاع ~~فإن لم يجد الطالب لذلك سبيلا فنسب الغي إلى نفسه • مثل ما منح الله الإسلام ~~والمسلمين بمولانا السلطان خلد الله سلطانه الذي جمع بين الدين والعلم والميل ~~إلى صحبة الأخيار ms044 والأبرار من العلماء والصلحاء وأهل الدين والخير والسداد والبر ~~والإحسان إليهم وأمرهم بملازمة المواقف الشريفة ليلا ونهارا والاصغاء ~~إلى ما يقولون ويرشدون إليه من مناهج الخير والصلاح والاستفسار والتفحص ~~عن من يستحق توليه المناصب الدينية من أهل العلم أهل الدين والعفة والصلاح ~~27 و ~~والمعرفة بأحكام الشرع الشريف ليوليها إياهم ويرتب لهم الإقطاعات والادرارات والجوامك ~~كوظيفة القضاء والتعاريش والأنظار على الأوقاف • والجوامك وشتان بين من لا يؤل ~~وظيفة من الوظائف وخصوصا وظيفة القضاء حتى يعرضها للبيع وكل من أعطي أكثر ~~ولاه ولا يلتفت إلى علم ولا عمل • وبين من يولي الوظائف • ويعطي عليها الإقطاعات ~~والجوامك والادرارات ليصون بذلك أموال المسلمين ودينهم • وهذا معنى ما قلت ~~أن مولانا السلطان عمر الله دنياه • وجعل أخراه خيرا من أولاه • عم الدنيا والأخرة ~~في أقل مدة • فأشرقت بولايته الممالك الإسلامية • ومن جملة ذلك أن بلغ المسامع ~~الشريفة عن سيدنا ومولانا الشيخ الإمام العلامة • فريد الدهر • وحيد العصر • علامة ~~العلماء • بقية السلف الكرام الصلحاء • برهان الملة والدين بن أبي عون الشافعي ~~عظمه الله تعالى • وما هو منطو عليه من الديانة والعفة والعلم والعمل فأحب أن يسأل ~~صدقاته الشريفة • بحيث تتعدى بركته ونفعه إلى الإسلام والمسلمين ويحرروا ~~ذلك في الصحائف الشريفة • وعد ذلك من أفضل إثباته عند الله • وسر عزته • ~~أن يقبل وظيفة قضاء الشافعية بتدريس المدرسة فلم يقبل سيدنا الشيخ برهان ~~الدين المشار إليه ذلك فدخل عليه نائب الشام والمرحوم السيد محمد بن السيد ~~محمد بن يشبك فلم يقبل ذلك ولا خطر بباله وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله ~~تعالى • وهذه الشيمة الشريفة لم تتجدد وإنما كانت من قديم الزمان وبعد الحدثان ~~ومن حالة الصبا وعنفوان الشباب • ومن نكت اطلاعه على العلم واستحضاره ~~لمتن حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما جرى في مجلسه الشريف وهي أن شخصا ~~يدعى الشيخ علاي9 الدين بن الدواليبي من أهل بغداد حضر مجلسه الشريف وأورد ~~بالمناسبة قوله صلى الله عليه وسلم سبعة يظلهم الله الحديث إلى أن قال ms045 ورجل ~~دعته امرأة ذات حسب وجمال إلى نفسها فقال إني أخاف الله فلما خرج الشيخ ~~27ظ ~~علاء الدين المذكور جرى ذكر هذا الحديث المنيف فقال مولانا السلطان لمن حضر أن الشيخ ~~علاء الدين قال دعته امرأة ذات حسب والذي سمعناه ونستحضره إنما دعته امرأة ~~ذات منصب ثم أنه نهض بنفسه الشريفة إلى خزانة الكتب وأخرج كتابا وناوله ~~بعض من حضر وقال له افتح في المكان الفلاني فإنه في وسط الصفحة اليمين منه فكان ~~كذلك • وإنما لم يذكر مولانا السلطان هذا الحديث بحضور الشيخ علاء الدين ~~الدواليبي لئلا يستحي فذكره بعد أن خرج من بين يديه الشريفة فانظر إلى هذه ~~الحشمة الملوكية • والشفقة التامة • وحفظ خواطر الناس • لئلا يخجلوا فأسأل ~~الله تعالى أن لا يخجله يوم العرض بين يديه • وأيضا فانه لم يجر في خاطرته ~~الشريفة مسألة فقهيه أو مفيدة إلا وكان له فيها يد ودراية ومشاركة ~~بديعة • هذا الذي شاهدته مذ كنت ملازما الحضرة الشريفة واحدي قاضي القضاة ~~سراج الدين الحمصي الشافعي قاضي قضاة الشام يوم الإثنين جاء من عرب صيديقة ~~أبو رايق • قال كان مولانا السلطان خلد الله سلطانه يوما راكبا وحده في ~~حارة من حوان فرأى بياعا ينادي ما يفعل الله إلا خير فدعاه وقال له لا تقل هكذا ~~وقل كل ما تراه من الله انظر إلى هذا السطر الدقيق الذي لا يكاد يدركه فحول العلماء ومدققوا ~~النظر في علم الكلام من الفضلاء والأذكياء إذ في قوله ما يفعل الله إلا خير دسيسة من ~~مذهب الاعتزال حيث قصروا فعل الله تعالى على الخير ولم يعدوه إلى خلافة ~~واستعملوا فيه أداة الحصر وحصروه والأوفر ما رسم به مولانا السلطان إشارة ~~إلى مذهب أهل السنة والجماعة وهو الحق وهو أن الخير والشر بينه فقال وبإرادته ~~وهو مأخوذ من قوله تعالى قل كل من عند الله لعمري أن كثيرا من مستعدي الفتها ~~لا يدركون معنى الكلامين إلا بعد تقرير شاف وتحرير واف وكد القريحة وإمعان ~~النظر ولم أر في ملوك العرب ms046 والعجم أكثر محبة من مولانا السلطان للعلم ~~28و ~~الشريف والعلماء ولا أحسن ميلانه إليهم • ولا أوفر عطاء لهم • ولا أكثر إعظاما للعلم ~~وأهله منه مع الرعية التامة إليهم • والاصغاء لمباحثهم • واستجلاب خواطرهم ودعائهم ~~بأنواع البر والإحسان والمرء مع من أحب • ولقد أذكرتني هذه الحكاية ما وقع بين ~~أبي الفتح ملكشاه بن البر ارسلان وبين وزيره نظام الملك صاحب المدرسة ~~النظامية ببغداد وهي أن ملك شاه كانت قد اتسعت مملكته بحيث ملك أقصى من بلاد ~~ما وراء النهر إلى القدس الشريف • وما بينهما من بلاد العرب والعجم والترك واتفق ~~أن الوزير نظام الملك أبا علي الحسن بن علي كان وزيره فتمكن في الملك حتى لم يبق ~~لأبي الفتح ملكشاه سوى التخت والصيد فقط وذلك لاعتماده على كفاية نظام ~~الملك ودينه وحسن تدبيره • وكان قبل أبي الفتح وزرلابيه الب أرسلان ~~وكان قد وصى نظام الملك بابنه وضمه إليه وكان يدعوه أبا ونظام الملك ~~يدعو ملكشاه أبنا فلما تمكن نظام الملك من الممالك وثبتت قدمه وطالت يده ~~في الأمر والنهي شرع في الإحسان إلى العلماء • والفضلاء • والفقراء • والصلحاء • ~~والأرامل والأيتام بحيث أن بره ومعروفه كان قد عم كل من مملكته • ومن ~~هو معدود من تحت ولايته من بلاد العرب والعجم • وحضر هذه الطوائف ~~المذكورون كما هو دأب مولانا السلطان خلد الله معدلته • وكأنه كان آلي ~~على نفسه أن لا يمنع أحد من رفدة وجوده • وامتد زمان ذلك كالقيد في المكان ~~فضبط ما كان يعرف إلى هؤلاء في كل سنة فوجد نحوا من ستمائة ألف دينار فوشي ~~به إلى أبي الفتح فتغير عليه ثم دعاه وقد أضمر له سوءا وقال له يا أبت بلغني ~~أنك تخرج من بيت الملا في كل سنة نحوا من ستمائة ألف دينار لمن لا ينفعنا ~~ولا يصل إلينا منه كبير فائدة لو فرق هذا المبلغ على الجند والعساكر التي هي حاميتنا ~~وبها تندفع الأعداء • وتستجلب الادراء • لركزت رايتنا في سور قسطنطينية ~~28ظ ~~فبكي نظام الملك وقال يا ابني أنا ms047 شيخ كبير أعجمي لو نودي علي في مظان الرغبات في لم اساو ~~خمسة دنانير وأنت غلام تركي لو نودي عليك لعلك لا تصل إلى ثلاثين دينارا ~~وقد ملكك الله تعالى في أحسن بلاد المسلمين • وحكمك في رقابهم وأموالهم • وأقامني ~~أنا في خدمتك • وجعلني أنا واسطة بينك وبين عباده • وأنت مشغول بلذاتك ~~منهمك في شهواتك • لا يصعد إلى اشتعالي منك غير المعاصي • وجيوشك الذين ~~تعدهم النوائب • ونزول للصائب • إذا احتشد والدفع ما يهمك • وكشف ما ~~يقصدك • إنما يكافحون عنك بسيف طوله ذراعان • وقوس مدي مرماه ثلثمائة10 ~~ذراع • مع ما هم عليه من ارتكاب المعاصي • واستغرقهم في أنواع الملاذ من الخمور ~~والملاهي • وانهماكهم في كبائر الذنوب • وربما لا يفيدك مكافحتهم شيئا • ولا يغني عنك ~~مدافعتهم ومقاتلتهم • ولما كان لك ولأبيك من قبلك علي حق لابد من القيام بموجبه ~~أقمت لك جيشا لا تطيش مهامهم • ولا نبوا سيوفهم • يسمون جيش الليل إذا نامت ~~جيوشك • واستغرقوا من غفلاتهم • واشتغلوا بلذاتهم وشهواتهم • قامت الجيوش ~~التي أقمتها لك جيوشا صفوفا على إقدامهم • بين يدي ربهم فأرسلوا دموعهم ~~وأطلقوا بالدعاء لك ولجيوشك ألسنتهم • ورفعوا إلى الله تعالى أكفهم • ومدوا ~~أيديهم بالتضرع والتذلل • وأعين بالنصر لك ولجيوشك • فأنت وجيوشك في خفارتهم ~~تعيشون • وبدعائهم تثبتون • وببركاتهم تمطرون وترزقون وبوجودهم تنصرون ~~تخرق سهامهم الحجب إلى السماء السابعة • وسيوف أدعيتهم في رقاب من يدعون ~~عليه قاطعه فبكى أبو الفتح بكاء شديدا ثم قال شاباش شاباش يا أبت ~~أكثر لي من هذا الجيش • وهذا الجيش بعينه هو الجند الذي اتخذه مولانا ~~السلطان خلد الله سلطانه • لدفع النوائب • وحصول المآرب • فإنه لم يعهد ~~أنه قصد المقام الشريف وافدا لا من العرب ولا من العجم عامة وخاصة العلماء ~~29و ~~والفقراء والصلحاء إلا وأولاه من صدقاته البالغة • ونعمه السابغة • ما يستدعي الدعاء ~~لدولته الشريفة بالخلود • ودوام بقائها • ونصر أوليائها • وكسر أعدائها • ولا ~~شك في أن الله عز وجل استجاب ذلك لأن منهم المضطر والمحتاج • والمسافر • ~~والغريب • والصالح • وكل هؤلاء دعاؤهم مستجاب • بالنصوص القاطعة • بأخبار ~~من ms048 لا خلاف في أخباره • ولله الحمد والمنة • أخبرنا الشيخ شمس الدين ~~محمد بن الجزري رحمه الله بسنده في كتابه المسمى بالحصن الحصين • في كلام سيد المرسلين ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يرد القضاء إلا الدعاء • ولا يزيد في العمر ~~إلا البر • وقال فيه أيضا ما سعد الأمن سعد بالدعاء • ولا شقي من تشقى ~~إلا بالدعاء • ونظام الملك المذكور هو أول من أنشأ المدارس وهو صاحب ~~مدرسة النظامية ببغداد • وكان ورد عليه شخص صوفي يدعى أبا سعيد ~~الصوفي وحسن له بناء مكان لأجل العلماء يلقي فيه الدروس فولاه عمل ذلك ~~فبنى المدرسة المذكورة ورفع إليه حساب كلفتها ستين ألف دينار وكتب ~~على بابها القاب نظام الملك واسمه فكتب أصحاب ديوان نظام الملك إليه وهو ~~بأصبهان أن أبا سعيد لم يخرج مصروف المدرسة المذكورة سوى تسعة عشر ~~ألف دينار لا غير فطلبه فلما عرف أبو سعيد لماذا يطلبه توجه إلى أحد الأكابر ~~ببغداد لا يحضرني اسمه وقال له إني بنيت مدرسة باسم الوزير نظام الملك ~~وإن ذكره يخلد بها إلى يوم القيامة فإن كان لك رغبة في تخليد ذكرك فأعطني ~~ستين ألف دينار وأنا امحوا اسمه من طرازها وأثبت اسمك فرضي بذلك وأمره ~~أن ينفذ إليه من يأخذ المال فلما استوثق منه رحل إلى أصفهان ودخل على نظام ~~الملك فقال له إنك لم تصرف في عمارة المدرسة سوى تسعة عشر ألف دينار ~~فقط وإلا فأقم حساب مصروفها فقال لا تطل الكلام إن شئت ليبرز مرسومك ~~29ظ ~~بتسلم الستين ألف دينار وامحوا اسمك من المدرسة المذكورة فقال بل رضيت بما صنعت ~~ولا تهدم ما بنيناه • ولا تبطل ما عملناه • وسلم إليه ما فعله • وأبقى اسمه بالمدرسة ~~المذكورة • ثم إن أبا سعيد المذكور • صرف الزائد من المال في عمل مساجد ورباطات وأماكن ~~كلها مرصدة للخير • وكانت باقية إلى أخر وقت رحمهم الله تعالى • وحاصل ~~ما ذكرنا أن الإنسان ينبغي أن يكون عالما أو متعلما • أو محبا للعلماء محسنا إليهم • ~~فإن ms049 المرء مع من أحب • وهذه الأوصاف السعيدة هي التي اتخذها مولانا ~~السلطان خلد الله سلطانه دابا ودينا • فالله تعالى يحوطه بالعلم الشريف ~~ويجعله قائدا له إلى سعادة الدارين بمنه وفضله • وأحلى ثمرات العلم التواضع فلا جرم ~~أعقبنا فصل العلم بالحلم الذي هو أفضل ثمراته • ~~• فصل في التواضع • ~~قال الله تعالى هو أصدق القائلين مخاطبا نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام ~~واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين • وقال تعالى ولا تصغر خدك ~~للناس ولا تمشي في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور • وعن سنان بن سعد ~~عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى أوصى ~~إلي أن تواضعوا ولا يبغي بعضكم على بعض • وقال صلى الله عليه وسلم ~~في قوله تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني قال على البر والتقوى والرهبة ~~وذلة النفس وقال من تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيب ~~دعوة الحر والعبد • ويقبل الهدية ولو أنها جرعة لبن • أو فخذ أرنب • ويكافئ ~~ويأكلها ولا يستكبر عن إجابة الأمة والمسكين • وسئل الجنيد رضي الله عن ~~عن التواضع فقال خفض الجناح ولين الجانب • وسئل الفضل رضي الله عنه ~~عن التواضع فقال تخضع للحق وتنقاد له وتقبله ممن قاله وتسمع منه وقال ~~30و ~~وهب بن منبه رضي الله عنه مكتوب في كتب الله أني أخرجت الذر من صلب آدم فلم أجد قلبا ~~أشد تواضعا من قلب موسى فلذلك اصطفيته فكلمته • وقال أبو حفص من أحب ~~أن يتواضع قلبه فليصحب الصالحين • وليلتزم بحرمتهم • فمن شدة تواضعهم في أنفسهم • ~~يقتدي بهم ولا يتكبر • وقال لقمان عليه السلام لكل شيء مطية ومطية العلم ~~التواضع • وقال يحيى بن معاذ رضي الله عنه التواضع حسن ومن الأغنياء أحسن ~~وقال عبد الملك بن مروان أفضل الناس من تواضع عن رفعه • وزهد عن قدرة ~~وأنصف عن قوة • وقال بعض الحكماء التواضع مع الشرف أشرف من الشرف ~~وقيل البخل والجهل مع التواضع خير من السخاء والعلم ms050 مع التكبر • وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقول شعر ~~• إذا أردت شريف الناس كلهم • فانظر إلى ملك في زي مسكين • ~~• ذاك الذي حسنت في الناس رأفته • وذاك يصلح للدنيا وللدين • ~~هذه صفات مولانا السلطان خلد الله تعالى سلطانه • رأيت في الكتاب ~~المسمى بجامع الحكايات • ولامع الروايات • أن السلطان إسماعيل الساماني متولي ~~نجارا وممالك ما وراء النهر استأذن عليه عالم من علماء زمانه فأذن له فلما دخل عليه ~~قام له ثم استقبله حافيا ومشى لاستقباله سبع خطوات ثم أجلسه معه على ~~منصته • وأصغى إلى كلامه • وعظمه تعظيما بالغا • يليق بحشمته وسلطانه ~~وقضى حوائجه • فلما قام ذلك العالم نهض السلطان إسماعيل معه وشيعه كذلك مقدار ~~سبع خطوات كما فعل أولا • وكان أخوه إسحاق الساماني حاضرا فلما خلا المجلس ~~قال له يا أخي لقد أوهنت ناموس الملك ووضعت من جانبه قال بماذا قال بما فعلت ~~مع هذا الفقيه حيث بالغت في تعظيمه ومشيت قدامه • ثم شيعته كذلك وحشمة ~~الملك والسلطنة تقتضي الوقار والسكون وعدم الاكتراث بالناس فإذا فعلت ~~30ظ ~~هذا مع واحد من أحاد الفقهاء فقد أضعت حشمة الملك فقال إسماعيل يا أخي إن عزة ~~تزول بتعظيم العلم والعلماء • وملك يحصل الوهن فيه • وكسر الناموس بإكرام ورثة ~~الأنبياء لجدير أن لا يكون • وحقيق أن يذل ويهون • أنا ما عظمت هذا الرجل وإنما عظمت ~~العلم الذي شرفه الله تعالى به • فلما نام السلطان إسماعيل تلك الليلة رأى في منامه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو مستبشر فقال له يا إسماعيل أكرمت عالما من علماء أمتي ~~ومشيت معه سبع خطوات • فيملك من ولدك بعدك سبعه بنين • ويكون الملك ~~في ذريتك إلى سابع ولدك • وأما أخوك إسحاق فليس له في الملك نصيب ~~وكذا كان كل هذا من بركة التواضع وهذا باب واسع • ويلزم من التواضع الشفقة ~~والحنو • والبذل • والسخاء • والرضى • والعدل • واتباع الحق • والحياء • وغالب الصفات ~~المحمودة • وهذه الصفات السعيدة قد صارت كلها ملكة لمولانا ~~السلطان خلد الله ms051 تعالى أيامه الزاهرة • وجمع له بين خيري الدنيا والآخرة ~~وهذا لا يحتاج إلى دليل فإن الصبح لا يخفى على ذي عينين • وأما تواضعه ~~وقربه من الناس فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت الكلام بين يديه • ورفع ~~الحوائج إلى مسامعه الشريفة أهون وأيسر من تعاطي ذلك من أدنى ذو آذان ومباشر ~~عند أحد من حواشيه وهذا ليس لواحد من الناس مخصوصا بل القريب والغريب • ~~والصغير والكبير في ذلك سواء • وما أشبهه إلا بالشمس إلى نورها • يعم السهل والجبل ~~والبر والبحر • ويصل إلى المشرق • والمغرب • والبحر العذب الذي يغترف به كل ~~أحد كما يختار صافيا غير مكدر • ومن تأمل أوصافه السعيدة • وأفعاله ~~الشريفة • وحنوه وشفقته على كافة الخلائق بعين البصيرة • ونظرها ~~الاعتبار • يتعجب من لطيف صنع الله تعالى وكما احسانه • وفي الحال ~~ينشد شعر • ~~31و ~~• ليس من الله بمستنكر • أن يجمع العالم في واحد ~~وليس هذه الخلائق الشريفة • في ذاته المنيفة • على سبيل التكلف والتصنع • وإنما ~~هو سجية وغريزة • وملكه ركيزة • وربما يلوم على ذلك جماعة من الأجلاف • ~~وطائفة من الأجلاب • ومن لا يعرف دقائق المملكة • ودربة السياسة والرئاسة ~~كإسحاق الساماني فيقول أن هيبة الملك • وحشمة السلطنة تقتضي الترفع ~~عن الناس • والاحتجاب عن أبصار الخلائق وعدم الالتفات إليهم • فضلا عن ~~الأذن لأفرادهم • والاجتماع بأحادهم • والانبساط إليهم • وهذا الكلام • والملام ~~كان في مبادئ الأمر شائعا • وبين الأتراك ورؤساء الجند ذائعا • ولم يعلموا ~~ان الفضل من الله يؤتيه من يشاء • وإن العزة لله تعالى • وذهلوا عن قوله ~~تعالى قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء • وعن معنى قوله تعالى ألا تلك ~~آيات الكتاب الحكيم أكان للناس عجبا الآية • فكذلك أكان للناس عجبا ~~أن يرفع عليهم واحدا متواضعا من خيارهم • ويملكه رقابهم • ثم ماذا عسى ينقصه ~~التواضع • واتباع سنة رسوله عليه الصلاة والسلام من ناموس الملك ~~وحشمة السلطنة • وإن الله سبحانه وتعالى لما ملك مولانا السلطان ورفع ~~قدره صار أعلى من على وجه الأرض شرقا وغربا فإنه سلطان ملوك الأرض ~~وملك سلاطين ms052 الأقاليم السبعة • وإن جميع ملوك الأرض من الجهات الست ~~قد فرض عليهم أن يحجوا البيت الذي هو تحت حكمه • ويتوجهوا إلى مكة المشرفة ~~وحرما • وإن يطوفوا ببيت الله تعالى الذي هو خادمه وحاكم على جهاته • وأنه لا ~~يجوز لهم أن يدخلوا الحرم ولا يجاوزوا الميقات الذي هو تحت حكمه وجار تحت ~~ولايته الشريفة • إلا حفاة عراة • حاسري الرؤس11 • شعثا • غبرا • تاركي الأوطان ~~متدرعي الأكفان • محرما عليه صيد وحوشه • وقطع أشجاره • واختلاء خلاه • اعظاما ~~31ظ ~~له إلى غير ذلك مما فيه تعظيمه وإجلاله وهذا إذا قصوا طوافه وأداء فرض عمرهم والقرب ~~منه وإذا كانوا في أقطار البلاد ونواحي الأفاق فإنه لا تقبل لهم الصلوة التي هي عماد ~~دينهم • والفارقة بين المؤمن والكافر إلا أن يتوجهوا إليه ويضعوا جباههم على الأرض ~~سجدا إلى نحوه وجهته كل يوم وليلة خمس مرات وهذا في حال حيوتهم وأما في حال ~~الممات فلا غنى عن التوجه إلى شطره • والاضطجاع في القبور متوجهين إلى نحوه ~~وهذا القدر من العزة والرفعة ونباهة الشأن • يكفي مولانا السلطان • ولم ~~يسمعوا بمن مضى من الخلفاء الراشدين • ومن تابعهم من الملوك والسلاطين كيف كانت ~~طريقتهم في شرائع السياسة • وكيف كان قربهم من الناس • في حنوهم ~~وشفقتهم عليهم • وعاطفتهم على الضعيف والمسكين واليتيم • وكيف كانت معيشة ~~أولئك وأن عمر رضي الله عنه لما قدم عليه الهرمزان أحد ملوك العجم وبلاد فارس ~~كان عليه رقعة فيها أربعة عشر رقعة • ولما قدم بلاد الشام وتلقاه رؤس ~~الجنود وكان قائد البعير بغلامه فإنها كانت نوبته أشاروا عليه أن يلبس شيئا ~~يمتاز به بين العساكر • وأتوه بمركوب يركبه بين الناس تعظيما له فقال إنا قوم ~~أعزنا الله بالإسلام فلا نطلب العزة في غيره • ومن صفات عمر رضي الله ~~عنه أنه كان عالما برعيته • عادلا في أقضيته • خاليا من الكبر • قبولا للعذر • ~~سهل العجاب • مصون الباب • متحريا للصواب • رفيقا بالضعيف • غير مجاف للقوي ~~ولا مبعد للقريب وقد قيل أفضل الملوك من كان شركة بين الرعايا لكل واحد ~~منهم ms053 فيه قسط ليس أحد أحق به من أحد لا يطمع القوي في حيفه • ولا ييأس الضعيف ~~من عدله • وقد قيل إن احتجاب السلطان عن الرعية شبيه بالموت لأن الميت ~~محجوب لا ينتفع به وأيضا عند أصحاب السلطان تمتد أيدي الظلمة من حاشيته إلى الرعية ~~وتنبسط إلى أموالهم ودمائهم • وأغراضهم الفاسدة • فإنهم قد آمنوا أن المظلوم لا يصل ~~32و ~~إلى السلطان • وإن لا يتمكن منه كما يريد وإن أوصل أحد خبره إلى السلطان • فإنها بين ~~حاشيته قلما يبلغ ما يريد كما يريد • ويرى الحق في صورة الباطل • والباطل في صورة الحق ~~وهذا لقوة الأسباب على حصور الفساد في الممالك • والخلد في أمور السلطنة • ومن تيقن ~~معنى قوله صلى الله عليه وسلم كلكم راع ومحقق أنه مسؤول عن الرعية والنظر في أمرها ~~ليرعاه الله تعالى يوم القيامة فكيف يهمل أمر عباد الله تعالى ويحتجب عنهم إذا وكل الله ~~تعالى أمرهم إليه • واختاره على غيره في ذلك • فكيف هو معتهد على غيره • ووكل أمرهم ~~إليه • وخاصة إذا كان ذلك الغير مائل إلى الأغراض الفاسدة • وعرض الدنيا • أو كان ~~قليل الخبرة بمداراة الناس والقيام بمصالحهم • أو غير أهل لما وليه • قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة • وفي الأمثال ~~زوال الدول باصطناع السفل • وسئل بعض الملوك عن سبب زوال ملكه ~~فقال شغلتنا آرائنا عن مهماتنا • ووثقنا بكفاتنا في القيام لحاجاتنا • فأشروا ~~مصالحهم عليها • وظلم عمالنا رعيتنا • ففسدن نياتهم لنا • وتمنوا الراحة منا ~~وقل أهل خراجنا فقل دخلنا • فضعف لذلك جندنا • وزالت طاعتهم لنا • وقصدنا ~~عدونا • فقل ناصرنا • وكان أعظم ما خذلنا استتار هذه الأخبار عنا • وأعظم من ذلك ~~الكبر • والإعجاب • والاحتجاب عن الناس • بالحجاب والبواب • ولهذا النبي صلى الله ~~عليه وسلم كنت الأمة من آما المدينة تأخذ بيده فتطوف به على سكك المدينة ~~حتى تقضي حاجتها • وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ~~من بعده مشهورة • وأحولهم وفرائضهم مذكورة • وأعلام معائشهم ومعاملاتهم ms054 مع عباد ~~الله تعالى والتودد إليهم • والقرب منهم على فنن الدهر منشورة • فالذي قد جاء ~~بعدهم • وأطلع على حالهم وأفعالهم • ثم ولي أمور الناس وترفع عما كانوا عليه من جميل ~~الخصال • وشريف الفعال • ولم يرض أن يعيش مثل ما عاشوا • فكأنه تنزه عن ~~32ظ ~~طريقهم وما ارتضى عقلهم فيما كانوا عليه وكأنه في نفسه هو أعقل منهم وأعرف بطرق ~~الحشمة • وعن أبي سلمة رضي الله عنه قال قلت لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه ما تقول ~~فيما أحدث الناس من الملبس والمطعم والمشرب والمركب قال يابن أخي كل لله • واشرب ~~لله • والبس لله • وكل شيء من ذلك دخله زهود ومباهاة • أو رياء أو سمعة فهو معصية ~~وسرف • وعالج في بيتك من الخدمة ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج في بيته ~~كان يعلف الناصح • ويعقل البعير • ويقم البيت • ويجلب الشاة • ويخصف النعل • ~~ويرقع الثوب • ويشتري الشيء من السوق • فلا يمنعه الحياء أن يعلقه بيده • أو يجعله ~~في طرف ثوبه فينقلب إلى أهله • يصافح الغني والفقير • والصغير والكبير • ويسلم ~~مبتديا على كل من استقبله • من صغير أو كبير أسود أو أحمر • حر أو عبد من أهل ~~الصلوة • ليس له حلة لمدخله • وحلة لمخرجه • لا يستحي أن يجيب إذا دعي وإن كان ~~أشعث أغبر • ولا يحقر ما دعي إليه • وإن لم يجد إلا حشف الدقل • لا يرفع غداء لعشاء • ~~ولا عشاء لغداء • هين المؤنة • لين الخلق • كريم الطبيعة • جميل المعاشرة • ~~طلق الوجه • بسام من غير ضحك • حزون من غير عبوس • شديد من غير عنف • ~~متواضع من غير مذلة • جواد من غير سرف • رحيم لكل ذي قربي ومسلم • رقيق ~~القلب • دائم الأطراق • لم يتسم قط من شبع • ولم يمد يده قط إلى طمع • قال أبو ~~سلمة فدخلت على عائشة رضي الله عنها فأخبرتها بحديث أبي سعيد فقالت ما أخطأ ~~له حرفا • ولقد قصر أدبا أخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمثل سبعا قط ~~ولم يبث إلى أحد شكوي ms055 • وكانت الفاقة أحب إليه من اليسار والغني وإن كان ~~ليظل جائعا يلتوي ليلته حتى يصبح فما يمنعه ذلك عن صيام يومه ولو شاء أن ~~يسأل ربه فيؤتيه بكنوز الأرض وثمارها ورغد عيشها من مشارقها ومغاربها ~~لفعل • وربما بكيت رحة له مما أوتي من الجوع فامسح بطنه بيدي فأقول نفسي لك ~~33و ~~الفداء • لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقوتك ويمنعك من الجوع • فقال يا عائشة إخواني ~~من أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا فمضوا على حالهم • فقدموا • ~~على ربهم فأكرم ما بهم • وأجزل ثوابهم • فاحذر أن ترقيت في معيشتي أن يقصر بي دونهم ~~فأصبر أياما يسيرة أحب إلى من أن ينقص إذا خطي في الآخرة • وما من شيء أحب إلي من ~~اللحوق بإخواني وأخلاني • قالت عائشة رضي الله عنها فوالله ما استكمل بعد ~~ذلك جمعة حتى قبضه الله تعالى • وما نقل من أحواله صلى الله عليه وسلم بجمع جملته ~~أخلاق المتواضعين • فمن طلب التواضع فليقتد به • ومن رأى نفسه فوق محله ~~صلى الله عليه وسلم • ولم يرض لنفسه بما رضي هو به فما اشد جهله • فلقد كان أعظم ~~خلق الله تعالى منصبا في الدنيا والدين • فلا عزة ولا رفعة ولا سلطنة ولا شرف ~~إلى في الاقتداء به صلى الله عليه وسلم • قال الله تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحييكم الله ويغفر لكم ذنوبكم • وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصيكم ~~بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم فيرى اختلاف ~~كثيرا • فعليكم بسنتي • وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي • عضوا عليها ~~بالنواجذ • وإياكم ومحدثات الأمور فإنا كل بدعة ضلالة • ولا شك أن غالب ما ~~يفعله ملوك هذا الزمان بدع • لكن الملوك التي سلفت لما لم يقدروا على ما ~~يفعله مولانا السلطان خلد الله ملكه من الأفعال الموافقة للكتاب والسنة ~~واتباع أثار السلف الصالح • لأنها كالجمع بين المتناقضين • احتجبوا عن الخلائق ~~وترفعوا عن الناس • وفعلوا ما لا ms056 حاجة إلى ذكره • وتصوروا أن عزة الملك وحشمة ~~السلطنة هو عين ذلك واشتهرت تلك عادة وديدنا • فلو اتفق أن جماعة من الفقراء ~~أو غيرهم كانوا مسافرين ودخل وقت الصلوة فول واحد منهم أذن ونوب للصلوة ~~ربما استسمح بعضهم فضلا عن الأجناد والأمراء ولو شرعوا في أطراف الكلام أو غيبة ~~33ظ ~~أحد فنهاهم واحد منهم لحسن يصعب على بعضهم وهذا أمر مشاهد يلذ بما تفوه بعضهم ~~بشيء من الكلام نحو تتصوف علينا أو هذا درب لا ينقضي إلا بلطائف أو بالأخذ في نتف ~~الكلام ونحوه • ومولانا السلطان يريد أن يحي رسوم الخلفاء الراشدين • ويتبع سنة ~~سيد المرسلين • والله سبحانه وتعالى يقول يأيها الذين أمنوا أن تنصروا الله ينصركم ~~ويثبت أقدامكم • ولقد كنت يوما بحضرته الشريفة فدخل عليه واحد من خواصه ~~وثوبه يرفل فقال له مولانا السلطان خلد الله ملكه • وأجرى في بحر السعادة والبقاء ~~فلكه • لم تصنعون ثيابكم بحيث انه تصل إلى النجاسة وفيه عدة من المحذور • أولا ~~إنه إسراف والله لا يحب المسرفين • وثانيا أنه يتنجس ويترتب عليه عدم ~~جوز الصلوة والله يحب المتطهرين • وثالثا إنه يلجئ الإنسان إلى أن يشتغل دائما ~~برفع ثيابه وضم أذياله • ورابعا إنه لا يستطيع من المشي فإنه يعثر في أذياله ~~وخامسا إنه يسرع إليه الحك والتقطيع • ثم إنه رفقة الله تعالى ~~لمرضاته • ورفع في الدارين درجاته • برز من سومه الشريف أنه إذا أفضل له ~~قماش أن يكون من فوق الكعب • فانظر أيها المتأمل بين هذا القول ~~الذي رسم به مولانا السلطان وبين ما قاله أمير المؤمنين على كرم الله وجهه ~~قصر ثوبك فإنه أتقى • وأنقى • وأبقى • فرق وهل هذان الكلامان الأخارجان ~~من مشكاة قوله تعالى وثيابك فطهر أي فقصر على بعض التفاسير • وإذا راعى ~~إنسان رضي الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في جزئية لا يلتفت ~~إليها غالب العلماء العاملين فكيف يكون مراعاة لما فوقها • فلو حلف حالف ~~أن مولانا السلطان أدام الله تعالى أيامه • ورفع على قمم الأعداء أعلامه • من كبار ms057 ~~الأولياء لم يحنث • قيل إن الله تعالى أخفى ثلثا في ثلاث أخفى رضاه في طاعته • ~~وأخفى سخطه في معصيته • وأخفي أولياه في خلقه • فلا تحقرن شيئا من الطاعة ~~34و ~~فلعل أن يكون رضي الله تعالى فيها • ولا تحقرن أحدا من الخلق • فلعل أن يكون وليا لله تعالى ~~من بركة التواضع ما روى أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه الصلاة والسلام ~~أن يأتي الجبل ليكلمه فتطاول كل جبل طمعا في كونه محلا للمناجاة • وتصاغر طور سينا ~~فكلمه الله تعالى عليه لتواضعه • وضد التواضع الكبر والتجبر وذلك أجلب شيء ~~لسخط الله تعالى وأعظم موجبات عقابه • قال الله تعالى كذلك يطبع الله على ~~كل قلب متكبر جبار • قال رسول الله صلى الله عليه وسلم • قال الله تعالى ~~الكبرياء رواء • والعظمة ازاري • فمن نازعني شيئا منهما قصمته • وقال عليه الصلاة ~~والسلام لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر • وهذا القدر كاف في بيان ~~التواضع وفائدته • والكبر وضرره • ومن لم يهتد بأصباح • لم يهتد بمصباح • ومن لم ~~يجعل الله له نورا فما له من نور • ~~فصل في الحلم والعفو والشفقة ولين ~~الجانب ~~قال الله تعالى فيما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانقضوا من ~~حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر • وقال تعالي والكاظمين ~~الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين وقال تعالى محمد رسول الله ~~والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم • وقال تعالى يأيها الذين أمنوا من ~~يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين لغزة ~~على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم • وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ~~وروى بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المؤمن الذي يعاشر ~~الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم وقال صلى ~~34 ظ ms058 ~~الله عليه وسلم المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا • روى عن جابر بن عبد ~~الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل معروف صدقة ~~وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق • أن تفرغ من دلوك في إناء أخيك ~~وكان من حسن مداراته صلى الله عليه وسلم أن لا يذم طعاما ولا ينهر خادما ~~روى أن رجلا يقال له أزهر بن حرام وكان بدويا وكان لا يأتي إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلا جاء بطرفة يهديها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه يوما من الأيام ~~فوجده رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق المدينة يبيع سلعة له ولم يكن أتاه ~~ذلك اليوم فاحتضنه النبي صلى الله عليه وسلم من ورائه بكفيه فالتفت فأبصر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقبل كفيه وقال النبي صلى الله عليه وسلم من يشتري ~~العبد فقال إذا تجدني كاسدا يرسول12 الله فقال عليه الصلاة والسلام ولكن عند ~~الله ربح ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لكل أهل حضر بادية وبادية آل محمد ~~أزهر بن حرام • وروى عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إليه أنفعهم لعياله • وفي الحديث الصحيح إن الله تعالى كتب ~~كتابا قبل خلق السموات والأرض فهو عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي ~~روى مسلم رحمه الله من حديث سلمان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة كل رحمة طباق ~~ما بين السماء والأرض فجعل منها في الأرض رحمة واحد فيها تعطف الوالدة على ~~ولدها • والوحش والطير بعضها على بعض • وإذا كان يوم القيامة أكمله بهذه ~~الرحمة • وفي بعض الروايات فإذا كان يوم القيامة جمعت الواحدة إلى التسعة ~~والتسعين فكملت مائة رحمة حتى أن إبليس ليتطاول إليها رجاء أن ينال منها شيئا ~~ورحمة الله تعالى عبادة هي اسباغ نعمته ms059 عليهم والتلطف بهم • ورحمة الخلق بعضهم ~~35و ~~بعضا هي الرقة • والحنو • والشفقة • وهذا في جانب الله تعالى محال • لأن الرقة والحنو ~~من خواص المخلوقين • والملك إذا رق لرعيته • وعطف عليهم أصابهم بخيره ومعروفه ~~وأيدهم بصداقاته وإحسانه • وبث فيهم ما ينفعهم • ورفع عنهم ما يضرهم • قال ~~معوية رضي الله عنه إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي • ولا سوطي حيث يكفيني ~~لساني • ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت • لأنهم إذا شدوها خليتها ~~وإذا خلوها شددتها • ولما أتى الله تعالى سليمان الملك الذي لا ينبغي لأحد ~~من بعده وهو الملك المشهور • والسلطنة البسيطة • والتكحم في الأنس والجن ~~والطير • والوحش • وتسخير الريح • تفقد الطير الحقير وهو الهدهد • وذلك ~~لوفور شفقته عليه الصلاة والسلام • ولشمول عاطفته • ولعلمه أن الله سبحانه ~~ليستحضر الجواب عن ذلك • وملك سليمان عليه الصلاة والسلام هو انموذج ~~لسائر الملوك والسلاطين • وقيل ان سليمان عليه الصلاة والسلام هو ~~حجة الله تعالى على الملوك والسلاطين المقصرين في أمر الرعية وطاعة الله تعالى ~~وأيوب عليه الصلاة والسلام هو حجة الله تعالى على من ابتلى بمرض في بدنه ~~فقصر في طاعة الله تعالى • ويوسف عليه الصلاة والسلام هو حجة الله تعالى على ~~من استرق فقصر في عبادة الله تعالى • قال حكماء الهند لأسود دمع انتقام ~~ولا رئاسة مع عجب • وقال معوية رضي الله عنه إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب ~~أعظم من عفوي • وجهدك أكبر من حلمي • وعورة لا يواريها ستري • وقال ~~المأمون رحمه الله أليس علي في الحلم مؤنة • ولوددت أن أهل الجرائم علموا رأي في العفو ~~فذهب خوفهم فتخلص لي قلوبهم • وقال بعض المذنبين للمنصور يا أمير المؤمنين ~~الانتقام انتصاف • والتجاوز فضل • والمتفضل قد جاوز حد المنصف • ونحن ~~35ظ ~~نعيذ أمير المؤمنين أن يرضى لنفسه باوكس النصيبين • وأن لا يرتفع إلى أعلى الدرجيتين ~~فاعف عنا يعف الله عنك فعفى عنه • وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ~~ما قرن شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم ومن عفو ms060 إلى قدرة • وقال المهلب لا شيء ~~ابقي للملك من العفو لأن الملك إذا وثقت رعيته منه بحسن العفو لم يوحشها الذنب ~~وإن عظم • وإن خشيت منه العقوبة أوحشها الذنب وإن صغر حتى يضطرها ~~إلى المعصية • وقال لا تكن على الإساءة أقوى منك على الإحسان • ولا إلى البخل أسرع منك ~~إلى البذل • وقال المأمون رحمه الله إني أجد لذة العفو أعظم من لذة الانتقام ~~وكان يحي بن معاذ رضي الله عنه يقول سبحان من أذل العبد بالذنب • وأذل الذنب ~~بالعفو • الهي إن عفوت فخير راحم • وإن عذبت فغير ظالم • إلهي إن كنت لا ترضى إلا عن ~~أهل طاعتك فكيف تصنع الخاطئون • وإن كان لا يرجوك إلا أهل الوفاء فبمن يستغيث ~~المقصرون • وقال لقمان عليه السلام لابنه يا بني ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلثة ~~الحلم عند الغضب • والسماع عند الحرب • وأخوك الصديق عند الحاجة • وقال ~~الأصمعي رضي الله عنه دفع أزدشير إلى رجل كتابا وقال إذا رأيتني غضبت فادفعه ~~إلي وكان فيه اسكن فلست بألة • إنما أنت بشر • يوشك أن يأكل بعضك بعضا ~~وتصير عن قريب للدود والتراب • وفي التوراة بن آدم أذكر في حين تغضب ~~اذكرني في حين أغضب • وإلا أمحقك فيمن أمحق • وقال الأحنف تعلمت الحلم من قيس ~~ابن عاصم كنت جالسا معه في فناء وهو يحدثنا إذ جاءت جماعة يحملون قتيلا ومعهم ~~رجل مأسور فقالوا هذا ابنك قتله أخوك وها هو مأسور فوالله ما قطع حديثه ~~ولا حل حبوته حتى فرغ من كلامه ثم أنشأ يقول شعر • ~~• أقول للنفس تأنيبا وتعزية • إحدى يدي أصابتني ولم تزد • ~~• كلاهما خلف من فقد صاحبه • هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي • ~~36و ~~ثم قال لابنه قم فأطلق عمك • ووار أخاك • وشق إلى امه مائة من الإبل فإنها غريبة ~~وقيل للإسكندر أن فلانا وفلانا يثلبانك وينتقصانك فلو عاقبتهما فقال ~~فقال هما بعد العقوبة على ثلبي وتنقصي أعذر • وذكر في كتاب جامع ~~الحكايات أن أمير المؤمنين المعتصم كان في غاية الشدة واستمساك البدن ونهاية ms061 ~~القوة • وإنه في بعض متصيداته مع المأمون خرج عليه أسد فنزل عن فرسه ~~وقاومه وقطع رأسه وحمله إلى المأمون ثم أنه في أيام خلافته ركب يوما وكان ~~شديد البرد فمر في سيرانه بشيخ كبير قد انحنى ظهره من الكبر وهون يسوق ~~حمارا ضعيفا عليه حطب وقد توحل الحمار في الطين وكل منهما قد تغلب لعجزه وضعفه ~~لا الحمار له نهضة الخلاص من الرجل • ولا الشيخ فيه قوة تعينه على ما هو فيه ~~وقد ضعف الطالب والمطلوب • فرق له قلب المعتصم فأوقف حاشيته مكانهم ~~وتوجه إلى الشيخ وحده فوجده في أشد ما يكون من الحال • ودموعه تتساقط ~~من البرد فنزل عن فرسه • وشمر عن ساعديه • وعزز أذياله في محزمه وجذب ~~الحمار فخلصه من الطين ثم إنه أراد أن يكمل احسانه • ويلحم ما أسداه من الخير ~~بالمعروف فأمر للشيخ بخمس مائة دينار • فلما جاء الشيخ إلى منزله باع الحمار ~~واشترى فرسا • وظهر في حالة حسنة فقال الجيران أنه لقي خبيه وقالوا ~~له أطعمنا مما أطعمك الله وإلا وشينا بك فإنك لقيت كنزا فقال كلا والله ما ~~لقيت شيئا • ولكن لحظتني لواحظ السعادة بعين العطف والرحمة • واشرقت ~~علي شمس السعد فأنجتني من ظلمات الخمول • حكى الإمام أبو القاسم ~~القشيري رحمه الله أن مالك بن دينار رضي الله عنه كان له جار يتعاطى المنكرات ~~ويؤذي الجيران فاجتمعوا إلى مالك رضي الله عنه وشكوه إليه فأحضره ~~وقالوا له إن الجيران يشكون منك لأنك تؤذيهم بما أنت عليه من ارتكاب ~~36ظ ~~الفواحش واخرج من المحلة فقال أنا في منزلي لا أخرج منه • فقال له بع دارك فقال ~~ولا يلزمني أحد يبيع ملكي • فقال له نشكوك إلى السلطان • فقال السلطان يعرفني ~~وأنا من خواصه • فقال له ندعوا الله عليك فقال الله ارحم بي منكم • قال مالك رضي ~~الله عنه فغاظني لشدة جداله فلما امسيت قمت إلى الصلاة وهممت بالدعاء عليه ~~فهتف بي هاتف لا تدع عليه فإنه من أوليائنا • فلما أصبحت أتيت إلى بابه ودققت ~~عليه الباب ms062 فخرج فلما رآني ظن أني جئت لإخراجه من المحلة فجعل يعتذر فقلت له ~~ما جئت لهذا ولكن رأيت في حقك كذا فبكى وقال إذا كان كذلك فأشهدك أني تائب ~~لوجهه الكريم • ثم خرج من الدار فلم أره بعد ذلك فخرجت بعد مدة إلى الحج فرأيت ~~حلقة في الحرم • فتقدمت إليها فرأيت مريضا مطروحا في وسطها وإذا هو جاري ~~ذلك • فلم البث حتى فارق الدنيا رحمه الله • وقيل أن المأمون ركب يوما ~~بالشماسية ومعه أحمد بن هشام فصاح رجل الله الله يا أمير المؤمنين فوقف ~~له المأمون فقال له إني رجل جئتك من فارس وقد ظلمني أحمد بن هشام واعتد ~~علي فقال له المأمون كن بالباب حتى أرجع وانظر في أمرك فلما مضي التفت إلى أحمد ~~ابن هشام وقال ما أقبح بك أن تقعد أنت وصاحبك على رؤس13 الأشهاد • ~~في دست المظالم • ثم يكون خصمك ظالما وأنت مظلوم • فكيف إذا قعدت أنت ~~وهو وأنت ظالم وهو مظلوم • وهو محق وأنت مبطل • فوجه إليه من يجمله ~~إلى رحلك واسترضه ولا تحوجه إلى الحضور إلى بابنا • فلو ظلمت أبني العباس ~~كان أهون علي من أن تظلم رجلا تعني من شاحط البلاد • وقطع المهامه والبرادي ~~وتجشم ركوب الأخطار • ومكابدة الهواجر • وطول المسافة • وليس له معين ~~ولا ملجأ ولا حيلة • ولا يتيسر له النظر إلى كل وقت • إذا والله لا ننصفه • ثم لا ~~ننصفه • قال فوجه إليه أحمد بن هشام من حوله إلى رحله • وكتب إلى عامله بفارس ~~37و ~~يرد ما أخذه منه واسترضاه • وهذا من شفقة المأمون ووفور عاطفته • سامحه ~~الله تعالى • وكان مسلم بن نوفل سيد بني كنانة فضربه يوما رجل من قومه بسيفه ~~فأخذوه وأتوا به إليه فقال لم فعلت هذا أما خشيت انتقامي • قال فلم سودناك ~~علينا • إنما سودناك لتكظم الغيظ • ونغفوا عن الجاني • وتحلم عن الجاهل • وتحتمل ~~المكروه في النفس والمال • فخلى سبيله فقال الشاعر • شعر • ~~تسود أقوام وليسوا بسادة • بل السيد المعروف سلم بن نوفل • ~~ومن أمثال العرب احلم ms063 تسد قال هشام لخاله بن صفوان صف لي الأحنف ~~ابن قيس • قان إن شئت بثلاث وإن شئت باثنتين • وان شئت بواحدة • قال بثلث ~~قال كان لا يخوض • ولا يجهل • ولا يدفع الحق إذا نزل به • قال باثنتين قال ~~كان يؤثر الخير • ويتوقى الشر • قال بواحدة قال كان أعظم الناس سلطانا على ~~نفسه • وقال الأحنف رحمه الله وجدت الحلم انصر لي من الرجال وهذا ~~كلام حق • لأن الإنسان إذا استعمل الحلم قام بنصرته كل أحد وانتصف له • وضد ~~الشفقة والرحمة ولين الجانب القسوة • والفظاظة • وقد مر أن الله سبحانه ~~وتعالى فأوت بكمال قدرته بين بني آدم في هذه الأوصاف • وبها يعرف التفاوت ~~بين الرجال • وكان تمرلنك المخذول من افظ الناس واشدهم قسوة على من خالفه ~~وأغبى ملوك الدنيا وكذلك جنده وعساكره وحكاياتهم أكثر من أن تحصر • وأشهر من ~~ان تذكر • حتى أن كف من وقع في أيديهم من الناس عجما أو عربا • حصل له من الشدة ~~والنكال قصة لا تشبه قصة الآخر • فمن أعظم ذلك أنه لما فتك في أصفهان ~~كان من قتل في دفعة واحدة صبوا ستمائة ألف نفس • ثم أن بعض الفقراء استعان ~~ببعض أمراء تيمور فأمره أن يجمعوا شرذمة من الأطفال في مكان ويتركونهم ~~يتصاغون فإذا رآهم تيمور ربما رق لهم ففعلوا ووضعوا على ممر تيمور جماعة كثيرة ~~37ظ ~~من الأطفال فلما ركب ومر بهم سأل عن أمرهم فقال له ذلك الأمير هؤلاء أمة مرحومون ~~وطائفة أطفال محرومون • قد شمل الفناء أكابرهم • وعم غضب مولانا الأمير على والديهم ~~وذويهم • وهؤلاء يسترحمون مولانا الأمير لصغرهم • ويتمهم وفقرهم وكسرهم • ~~أن يبقى على من بقولهم • فما رد جوابا • ولا أبدى خطابا • ثم إنه مال بعنان فرسه عليهم ~~وما العسكر معه فجعلوهم طعمة لسنابك الخيل ودقة تحت مواطئ الأرجل وكذلك ~~فعل في بغداد وحلب وغيرها • وكان في عسكره شخص يدعى دولت تمور لم يخلق ~~الله تعالى في قلبه من الخير ذرة • وكان راكبا معه ذات يوم فكان تمرلنك رأى ~~واحدا من العسكر ms064 ينعس أو حمله مائل فقال ترى ما تم أحد يقطع رأس هذا الفاعل ~~الصانع ففي الحال توجه دولة تمور إلى ذلك الرجل وقطع رأسه وأتى به إلى تمرلنك ~~فقال ويلك ما هذا فقال رأس الذي أشرت أن تقطع فلم يكترث به بل أعجبه ذلك ~~لكون أمره يمتثل بأدنى إشارة • ولما أخذوا حلب عنوة وقهرا وقتلوا فيها ~~وسفكوا الدماء جمع بعض الناس جماعة من الأطفال في حانوت تحت القلعة فجعلوا ~~يتصاغون ويبكون فمر بهم أمير من أمرائه فكان رق لهم ولم يجد شيئا يفيدهم به ~~ولا ينقذهم مما هم فيه فأمر صبيانه وحاشيته فصعدوا الحانوت وهدوه عليهم فارتدموا ~~تحته وقال إذا ماتوا استراحوا مما هم فيه هذا الشفوق الرحيم الذي في عساكر تيمور ~~ذكر في جامع الحكايات عن بعض جلساء المأمون أنه قال حضرت يوما ~~مجلس المأمون وقد حضر الطعام فقال المأمون للحاضرين ما الذ الأطعمة فقال ~~كل منهم شيئا والمأمون ساكت فلما فرغوا قال المأمون أنا عندي أن ألذ الأطعمة الهريسة ~~لا سيما وفيها قوة الدهن واللحم المضاف ذلك إلى قوة الحنطة مع أن رجلا قال ~~لرجل أنا جائع فما آكل قال كل التراب فقال أفيه ودك يعني أن الودك إذا كان في شيء فإنه ~~يمكن أكله فاستصوب الحاضرون ذلك وسلموا إليه فقال للمتوكل بأمر السماط اصنع ~~38و ~~لنا غدا هريسة فقال سمعا وطاعة • ثم قال لنا المأمون لا يتخلف غدا منكم أحد ليأكل ~~من الهريسة فحضرنا اليوم الثاني فقال المأمون الأن تحضر الهريسة فلما جاء وقت ~~السماط أحضروا جميع أنواع الأطعمة ولم تحضر الهريسة فحصل للمأمون بذلك خجل ~~فسأل المتوكل عن ذلك فقال يا أمير المؤمنين نسيت والنسيان من عادة الإنسان ~~ونسي قبلي من هو أجل قدرا مني وأعظم حظرا فقال ومن هو فقال آدم عليه الصلاة ~~والسلام إذ قد أخبر الله عز وجل عنه بقوله ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ~~فقال المأمون إن كان آدم عليه السلام نسي فإنه جوزي بذلك بأن أخرج من الجنة ~~ونحن ms065 أيضا نجازيك عن نسيانك بأن نعزلك عن هذه الوظيفة ولم يزده على ~~ذلك ولم يقصد هذا القول إلا المداعبة وإعلام من حضر أنه لم يؤثر ذلك في حلمه ~~وسعة صدره شيئا • وكان في الحاضرين أحمد بن هشام أحد أعيان المجلس ~~وكان فظا غليظا فلما رأى أحمد المذكور أن المأمون لم يزد على هذا القول ~~ولم يؤاخذ الطباخ بأكثر ما قاله له حصل له من الغيظ والحنق ما لا مزيد عليه ~~وكاد قلبه يتفطر وصار يعض الأنامل من الغيظ فلما تصدع الحاضرون من المجلس ~~جاء أحمد إلى منزله وأمر بإحضار طباخه فلما أحضر أمر به فنزعت ثيابه ثم ~~جلده جلدا مبرحا إلى أن سكن ما به من الغضب والحنق فلما فرغ من ضربه ~~قال له الطباخ يا مولانا الوزير أي كبيرة صدرت مني وبأي جريمة استوجبت ~~هذا العقاب الأليم فقال لأن طباخ الخليفة نسي طبخ الهريسة وخالف أمر ~~أمير المؤمنين ولم يجازه الخليفة بشيء فشق ذلك علي ولم أقدر على الانتصاف ~~منه فانتقمت منك والجامع بينكما علة الطبخ واتحاد والوظيفة • وذكر ~~هذه الحكاية من باب الحلم ثم قال في أخرها فانظر أيها المتأمل تفاوت ما بين ~~خلقي أمير المؤمنين المأمون وأحمد الطوسي وهذه الحكاية تظهر لك سر قوله ~~38ظ ~~عليه الصلاة والسلام إن الله قسم بينك أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم • قال الفضيل ~~رضي الله عنه ثلاثة لا يلامون على الغضب المريض • والصائم • والمسافر • ومما نقل ~~عن دماثة أخلاق الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب سقي الله ثراه ~~شآبيب الغفران • أنه لما ثقل في مرض موته أسند ظهره إلى مخدة وأحضر له ماء ~~فآثر ليشربه عقيب شراب يلين باطنه فشربه فوجده شديد الحرارة فشكا من شدة ~~حره فغيروه وعرض عليه ثانيا فشكى من شدة برده ولم يغضب ولم يصخب ~~ولم يقل سوى سبحان الله لا يمكن أحدا تعديل الماء • ولم يزد على هذا حتى تعجب ~~الحاضرون من لين جانبه ودماثة أخلاقه في تلك الحالة خاصة • وقال القاضي ~~الفاضل والله لو ms066 أن هذا وقع لبعض الناس كان قد ضرب بالقدح رأس من أحضره ~~وهذه الأخلاق الشريفة بعينها هي سجية مولانا السلطان خلد الله تعالى ~~سلطنته ومملكته الراسخة في ذاته الشريفة • وإنه قد وجد الحلم والاغضاء والإحسان ~~إلى كافة الخلائق عامة وخاصة أعون له على سيد قلوبهم وأوثق قيد ورباق ربط ~~أعناقهم فبث ذلك فيهم • واصطاد الغريب والقريب • شعر • ~~• ومن وجد الإحسان قدا تقيدا • ~~فالشفقة والرحمة والحنو والعاطفة التي جعل الله تعالى مولانا السلطان عليها ~~قل إن توجد إلا في أفراد الاولياء • وأحاد العباد من الأصفياء • أما شفقته ~~ورحمته للقريب والغريب والصادر والوارد فأجل من أن يحصى • وأعظم من أن ~~يستقصى • ولكن أذكر نكتة من شفقته وحنوه • ووفور مرحمته على مخالفيه ~~ليعلم من ذلك ما منحه الله تعالى من الرأفة والعاطفة ويكون ذلك كالأنموذج ~~على غيره وهو أنه لما أظهر الأجلاب العصيان • ورفعت يد المماليك الأشرفية ~~يد البغي والطغيان • وعصوا في القلعة كما مر وسيأتي بيانه في موضعه سنة ~~39و ~~اثنين وأربعين وثمانمائة لزم من هذا أنه توجه إلى القلعة وقصد الهفاء نائر لهم ~~وقمع فسادهم فأقام يحاصرهم فأشار جماعة من العسكر المنصور أنهم يقطعون الماء عن ~~البغاة ليظهروا فقال لا تفعلوا فإن هذا لا يفيدنا شيئا لان في القلعة الضعيف ~~والفقير والحرم والعاجز عن الوصول إلى الماء فما ذنبهم فإن نحن قطعنا الماء عن الناس ~~فأول من يتضرر بقلة الماء وغلبة العطش الضعفة من المسلمين لا نستفيد من ~~القصد بقدر ما نأثم بل نتوكل على الله تعالى ونلقي مقاليد أمورنا إلى تدبيره وزمام ~~تقديره يفعل بنا وبهم ما يشاء ويحكم ما يريد • ثم إن الذين أشاروا بقطع الماء ~~توجهوا من غير أن يكون لمولانا السلطان بذلك علم وقطعوا سبيل أم المؤمنين ~~فاضطررت العصاة وهم بلا ماء ونزلوا طائعين ومناديلهم في رقابهم وإذا كان ~~هذا الشفقة في حق مخالفيه وأعدائه فما الظن بالشفقة والحنو على مطيعيه ~~والمخلصين من أوليائه• وأما وفور شفقته العامة من حق العامة والخاصة ~~ومرحمته وعاطفته لجميع الخلائق • فلو ms067 أمكنه أن يجعل جميع الناس أوتادا أولياء ~~وعبادا أصفياء • لفعل وهذا الوصف بعينه كان خلق شيخنا المرحوم الشيخ ~~علاء الدين النجاري تغمده الله تعالى برحمته فإنه كان يقتل نفسه في إجهاده أن ~~يرد الناس عما هم عليه من ارتكاب الهوى • والمساعي الباطلة • وحظوظ الأنفس ~~ويود جهده وطاقته إن يتخلص الخلق من المأثم والمظالم • ويصيروا أتقياء • ~~أبرارا وأذكياء أخيارا• وكان مولانا السلطان خلد الله دولته والشيخ علاء ~~الدين روى الله روضته • كانا فرسي رهان في هذا الوصف السعيد • والخلق ~~الحميد • غير أن مولانا السلطان يتعاطى أسباب ذلك قولا وفعلا بتولية ~~الوظائف • وبذل الأموال • وإعطاء المناصب لأربابها • لحفظ دينهم وتبعيدهم ~~عن الآثام • وتقريبهم إلى ما يرضي الله تعالى ويبلغهم دار السلام • وهذا ~~39ظ ~~لعلمه الشريف بأنه راعيهم ومسئول14 عنهم فهو مجتهد في العمل بمقتضى علمه الشريف بما تبلغ ~~إليه طاقته • ويصل إليه اجتهاده فاسأل الله تعالى أن يعطف بقلوب الخاص والعام ~~على طاعته الشريفة • وتحليهم بحلي الإخلاص والعكوف على محبته المنيفة • وينفذ في مسامع ~~اقبالهم مراسيم أوامره • ويقيد ملوك الدنيا بأرباق زواجره • ~~• • فصل في الشكر • ~~قال تعالى وإذ تأذن ربكم لين شكرتم لأزيدنكم • وقال تعالى وقليل من ~~عبادي الشكور • والشكر عند أهل الحقيقة الاعتراف بالنعمة على سبيل الخضوع ~~والله سبحانه وتعالى سمي نفسه شكورا على معنى أنه يجازي العبد على أداء الشكر ~~فعلى هذا إذا أطلق الشكور على الله تعالى يكون مجازا وإذا أطلق على العبد يكون حقيقة ~~قال الإمام أبو القاس القشيري رحمه الله حقيقة الشكر الثناء على المحسن ~~بذكر إحسانه فشكر الله تعالى لعبده المحسن ثناؤه عليه بذكر أفعاله الحسنة وطاعاته ~~فعلى هذا يكون الشكور حقيقة في جانب الخالق والمخلوق وقيل شكره ~~تعالى أعطاؤه الثواب الجزيل على العمل القليل • حكي أن رجلا ريئي15 في المنام ~~بعد موته فقيل له ما فعل الله بك فقال أقامني بين يديه وقال لم خفتني كل ذلك ~~الخوف أما علمت أني كريم • وسئل بعضهم عن أشكر الشاكرين فقال المطيع ~~الذي يعد نفسه من المذنبين • والمجتهد ms068 في الفرائض والنوافل الذي يعد نفسه ~~من المقصرين • والراضي بالقليل الذي يعد نفسه من الراغبين والذاكر الذي ~~يعد نفسه من الغافلين • والمواظب الذي يعد نفسه من البطالين • والشكر ~~على أقسام شكر البدن وهو أن لا يشغل جوارحه بغير الطاعة • وشكر القلب وهو ~~أن لا يشتغل في غير ثناء حمده وخالقه ومدحته • وشكر المال وهو أن لا ينفقه ~~في غير رضاه ومحبته • وقيل الشكر أن لا يستعان بنعمة على معاصيه ~~40و ~~قال بعض العلماء حقيقة شكر الله تعالى استقامة القلب على أداء جميع الطاعات ~~والاجتناب عن جميع المعاصي • وقال الهلب بن أبي صفرة إذا رأيتم النعم مستدرة ~~فبادروها بتعجيل الشكر قبل حلول الزوال • قال بعض العلماء العارفين ~~في معنى قوله تعالى وقيل من عبادي الشكور أي قليل من يشهد النعمة من أخر ~~حقيقة الشكر للنعمة الغيبة عن شهودها بشهود المنعم تعالى وتقدس ~~اعلم أن شكر الله تعالى واجب على كل مخلوق لأن نعمه شاملة للكل وأول ~~النعم الوجود من العدم • ثم بعد ذلك تزداد النعم وتترادف الآلاء • وكلما زادت ~~نعم الله تعالى على بعد زاد وجوب الشكر عليه فأذن الملوك والسلاطين أشمل ~~نعما من غيرهم فيكون شكر الله تعالى عليهم أوجب وأكثر • بيان ~~ذلك أن السلطان طل الله تعالى في أرضه • وله شطر من حكمه قبل حكمه • وليس فوق ~~يده يد • يده باسطة • وكلمته نافذة • له حصة في الإبقاء والإهلاك • وقسم ~~في المنع والإعطاء • ونصيب من التصرف في عباد الله تعالى وبلاده • كتصرف المالك ~~في ملكه • وتحكم السيد في عبيده • قد نال من منازل الدنيا أعلاها • وبلغ من ~~أرجائها أقصاها • وصعود رده الملك الشامخ • والسلطان الباذخ • فينبغي ~~أنه مثل ما اختاره الله تعالى • لكن يكون فوق كل أحد • وكل أحد تحت حكمه • وأمره ~~كل على إطاعته بالجنة • وأوعد على مخالفته • والخروج عن أمره بالنار فلذلك ~~يجب أن يكون شكره لله تعالى • وانقياده لأوامره فوق طاعة كل مطيع • ~~وانقياد كل منقاد • ولا يرضى من نفسه لله تعالى بيسير الشكر • ولا بقليل ~~الطاعة ms069 • ذكر بن عمر ابن عبد العزيز رحمة الله عليه كان يؤتى قبل الخلافة ~~بالثوب بأربعة آلاف درهم فيقول ما أحسنه لولا خشنة فيه فلما ولي الخلافة ~~40ظ ~~كان يؤتى بالثوب بأربعة دراهم فيلمسه فيقول ما أحسنه لولا نعومة فيه فيقل له في ذلك ~~فقال إن لي نفسا تواقة ذواقة ما ذاقت شيئا إلا وتاقت إلى ما هو فوقه وأعلى ~~منه فلما ذاقت الخلافة تاقت إلى ما فوقها • ولم يكن شيء في الدنيا فوقها فتاقت إلى ما عند ~~الله تعالى وما عند الله تعالى لا نصله إلا بترك الدنيا فتركها • وحسبك في ~~المثال واحد وهو أن الله تعالى جعل محمدا صلى الله عليه وسلم أشرف المخلوقات ~~وسيد الأنبياء • وخاتمهم • وهذه هي النعمة العظمى • ثم قال له وللإخوة خير لك من ~~الأولى • ولسوف يعطيك ربك فترضى • وهو المقام المحمود • والحوض المورود ~~وقبول الشفاعة حيث يحجم عنها كل شيء مرسل • وملك مقرب • فلا نعمة في ~~الدنيا والأخرى فوق هذه • مع أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر • ثم ~~انظر كيف قابل صلى الله عليه وسلم هذه النعم بأنواع الشكر من بدنه وقلبه ~~ولسانه • إلى أن شد الحجر على بطنه • وقام لله تعالى حتى ورمت قدماه • فقيل ~~له في ذلك فقال أفلا أكون عبدا شكورا • ثم جاهد في الله حق جهاده • وعبد ~~الله حتى أتاه اليقين • ومع هذا قال لا أحصي ثناء عليك تصديقا لقوله تعالى ~~وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها • وكما أن نعم الله تعالى كانت في حقه صلى الله عليه ~~وسلم أشمل • كان شكره لله تعالى من جميع الأنبياء والمرسلين • بل من جميع ~~العالمين أوفر وأكمل • ثم قال لا أحصي ثناء عليك • فلما يحصي الثناء الذي هو وظيفة ~~اللسان • وهو أهون ما يكون من الشكر وأيسر طرق الشكر إذ هو قول ~~فكيف يحصي ما هو أعلى من ذلك وهو العمل بسائر الأركان وغيرها وهو فعل ~~ثم اعلم ان نعمة واحدة من نعم الله تعالى تستغرق جميع عمر المنعم عليه ms070 ~~بيانه أنه لو شكر الله تعالى واحد على نعمة فتوفيق الله تعالى له لأداء ذلك ~~الشكر نعمة أخرى يجب الشكر عليها وإذا شكر عليها فيجب على شكر آخر فيتسلسل ~~41و ~~إذ ذاك إلى ما لا نهاية له فيستغرق نعمة واحدة جميع العمر في أداء شكرها فما ثم غير ~~التشبث بذيل ما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إليه بقوله لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ~~ثم اعلم أيضا ان نعم الله تعالى لا تتناهى • قال الله تعالى وإن تعدوا نعمة ~~الله لا تحصوها • وأفعال العباد محصورة فكيف يحيط ما يحصر بما لا يحصى • مثال ~~آخر وهو أن في نفس الإنسان نعمتين وذلك أن الهواء الذي يتنشقه الإنسان من ~~خارج يتبرد به القلب • وتتروح به الروح • فلو انحبس عنه ساعة مات الإنسان ~~ولو كان دخانا أو غبارا أو نحو ذلك ويستمر مات الإنسان بل لا بد أن يكون معتد لا ~~ليستريح به القلب والروح فهو نعمة وإذا دخل الهواء من خارج إلى بدن الإنسان فإنه ~~نعمة إذا دخل الهواء من خارج إلى بدن الإنسان • ونعمة إذا خرج النفس من بدن الإنسان ~~ففي كل نفس استرواح القلب والبدن الداخل يدخل ببرودة يتروح بها البدن ~~والقلب • وتسكن بها الحرارة الغريزية • والأصح يخرج بالحرارة التي انحبست ~~وإيهما انحبست ساعة مات الإنسان • وهو الذي لا يحتاج إلى دليل • فأي شكر ~~يصور بأداء نفس من هذين النفسين • وقد قيل ان كل ساعة يتنفس فيها الإنسان ~~ألف نفس • ففي كل يوم وليلة عدوا على الإنسان من النعم أربعة وعشرون ألف ~~نعمة • ولا يقدر الإنسان أن يؤدي شكر نفس إلا بأمداد أنفاس فمن يقدر أن يؤدي ~~شكر نفس واحد • لكن ما يدرك كله • لا يترك كله • وإذا كان كذلك ~~فبالشكر يبلغ الوضيع في النسب • درجة الرفيع في الذنب • قال الله تعالى ~~فإذا انفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسألون فيكون العبد الحبشي ~~الشكور • أولى من الشريف الهاشمي الكفور • فإن من ابطأ به عمله ms071 • لم يسرع به ~~نسبه • قال سلم الجعفر بن سليمان الهاشمي متولي مدينة النبي صلى الله عليه ~~وسلم احذر أن يأتي غدا يوم القيامة رجل ليس به في الإسلام أب ولا جد فيكون ~~41ظ ~~أولى منك برسول الله صلى الله عليه وسلم كما كانت زوجة فرعون أولى بنوح ولوط ~~عليهما الصلاة والسلام من فرعون وامرأتا نوح ولوط عليهما السلام أولى بفرعون ~~من زوجيهما • إذا تأمل الناظر في هذا الكتاب حقيقة الشكر • وكيفية القيام ~~بأدائه • ثم شاهد الشمائل الشريفة السلطانية وتدبر حركاتها السعيدة • وأقوالها ~~السديدة • وأراءها الحميدة • وجدها منسوجة على منوال الشكر • فإن مولانا ~~لم يسد الله إليه نعمة إلا والحمها بالشكر • وطرزها بألوان الذكر والفكر • ~~وقلدها أعناق عباده ليكون له يوم القيامة أعظم ذخر • ومورد الشكر هو القلب ~~واللسان والأركان • قال شعر • ~~• أفادتكم النعماء مني ثلاثة • يدي ولساني والظهير المحجب • ~~وأما لسان مولانا السلطان فلم يزل بأداء شكر نعم الله مشغولا في القرآن العظيم ~~والتسبيح • وأراد الخير • والأمر بالمعروف • والنهي عن المنكر • وأما أياديه ~~الشريفة فكأنها خلقت من أصل الجود ومعدن الكرم • وجوارحه منعكفة على ~~طاعة الله تعالى • والجوارح واللسان أقوى دليل على ما في القلب • فإن الجوارح ~~والأعضاء بمنزلة الخدم • والقلب هو السلطان • والخدم لا يتحرك • ولا يطرف ~~طرفة عين إلا بإرادة القلب • كذا ذكر الإمام الغزالي رضي الله عنه ورحمه في كتاب ~~احياء علوم الدين • وقال عليه الصلاة والسلام في حق المصلي الصابئ لو خشع ~~قلب هذا لخشعت جوارحه • فأولا إن القلب مغمور بالله تعالى ما كانت الجوارح ~~مشغولة بما هو رضي الله تعالى • قال شعر • ~~• إن الكلام لفي الفؤاد وإنما • جعل اللسان على الفؤاد دليلا ~~وقد تقرر أن صلاح الظاهر دليل على صلاح الباطن فاسأل الله تعالى أن يورع ~~42و ~~لان يشكر نعمته التي أنعم بها عليه • وأن يوفقه لاكتساب المزيد من نعمه بالشكر كما أجرى ~~نعم عباده على يديه • ويسدده فيما أنعم عليه وما أولى • ويصل نعم دنياه بنعيم أخراه ~~فإن الأخرة خير من الأولى بمحمد واله ms072 ~~فصل في الكرم والبذل والسخاء والإيثار ~~• والجود • ~~قال الله تعالى يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة • وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن الله حي كريم إذا رفع العبد يديه إليه أن يردهما صغرا ~~حتى يصنع فيها خيرا • الكرم ضد اللؤم ويطلق على الخالق والمخلوق وهو ~~في حقه تعالى من صفات ذاته فإنه سبحانه لم يزل كريما ولا يزال كريما ومعناه ~~نفي الدناءة وتنزيهه سبحانه عما لا يليق بجنابه تعالى وتقدس وإذا أطلق ~~على مخلوق فالمراد منه النفيس الخطير الحسن • ومنه قوله تعالى أجرا كريما • رزقا ~~كريما • ومقام كريم • قال الجنيد رضي الله عنه الكريم الذي لا يحوجك إلى وسيلة ~~وقيل هو الذي لا يرضى أن يرفع إلى غير ربه حاجة • وقيل هو الذي ~~لا يخيب رجا الآملين • وقيل هو الذي إذا رفعت إليه حاجة عاتب نفسه كيف ~~لم يبادر إلى قضائها قبل أن تسأله • قال بعضهم رأيت في سوق البصرة ~~جنازة يحملها أربعة وليس معهم مشيع فقلت لا إله إلا الله سوق البصرة وجنازة ~~رجل مسلم لا يشيعها أحد لأشيعها فتبعتها وصليت عليها فلما دفنوه سألتهم ~~عنه فقالوا ما نعرفه وإنما أكثرتنا تلك المرأة وأشاروا إلى امرأة واقفة قريبا ~~من القبر ثم انصرفوا فرفعت المرأة يدها إلى السماء ودعت ثم ضحكت وانصرفت ~~فتعلقت بها وقلت لها أخبريني بقصتك فقالت إن هذا الميت ابني ولم يترك ~~من المعاصي شيئا إلا فعله فمرض ثلثة أيام فقال يا أمي إذا أنا مت فلا تخبري الجيران ~~42ظ ~~بموتي فإنهم يفرحون بموتي ولا يحضرون جنازتي ولكن اكتبي على خاتمي لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله وضعيه في إصبعي وضعي رجلكي على خدي إذا مت وقولي هذا جزاء من عصى الله ~~فإذا دفنتيني فارفعي يديكي إلى الله عز وجل وقولي اللهم إني رضيت عنه فارض عنه فلما ~~مات فعلت جميع ما أوصى به فلما رفعت يدي إلى السماء ودعوت سمعت صوته بلسان ~~فصيح انصرفي يا أمي فقد قدمت على رب كريم رحيم ms073 فرضي عني فلذلك ضحكت سرورا ~~بحاله • وأما البذل فهو الإعطاء مطلقا • وأما الجود فقيل هو ~~إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي لمن ينبغي كإعطاء السلاح للمغازي • والكتاب للعالم • والثوب للعريان • ~~والطعام للجائع • وإيصال كل محتاج إلى ما هو محتاج إليه • والحاصل أن حقيقة ~~الجود تنزيل كل شيء في محله وهذا كما قال عيسى صلوات الله وسلامه عليه لا تضعوا ~~الحكمة في غير أهلها فتظلموها • ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم • وقال الشاعر ~~• شعر • ~~إذا أنت أكرمت الكريم ملكته • وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا • ~~فوضع الندا في موضع السيف بالعلا • مضر كوضع السيف في موضع الندا • ~~وأما السخاء فهو سماحة النفس وسهولتها عند البذل وبذل الرغائب ~~في مواضعها وهو قريب من الجود غير أن السخاء غريزة • وفي مقابلته الشح • وفي مقابلة ~~الجود والبخل • وفي مقابلة البذل الإمساك • وفي مقابلة الإعطاء المنع • وفي مقابلة ~~الكرم اللوم • وأما الإيثار فهو تقديم الغير على النفس • وإعطاء الشيء لمستحقه ~~مع كون المعطي أكثر استحقاقا • وأشد احتياجا • إليه وهذا أعلى المقامات • ~~قال أبو يزيد البشطامي رضي الله عنه رأيت شابا من الزهاد جاء من بلخ ~~فسألني عن الزهد فقلت إذا وجدنا أكلنا • وإذا فقدنا صبرنا • فقال هذه عادة ~~الكلاب عندنا في بلخ لكن الزهد عندنا إنه إذا فقدنا شكرنا • وإذا وجدنا آثرنا ~~43و ~~وفي مثل هذا المقام نزل قوله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة • قيل ~~أهدي إلى واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رأس شاة مشوي وكان مجهودا ~~فوجه به إلى جاره فتداوله سبة أنفس ثم عاد إلى الأول فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~وفي رواية فقال إن أخي فلانا وعياله أحوج إليه منا فبعث به إليه فلم ~~يزل يبعث به واحد إلى واحد حتى تداوله سبعة أبيات حتى رجع على الأول فنزلت ~~وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ~~أصابه جهد فقال يرسول الله إني جائع فأطعمني فبعث النبي صلى الله عليه وسلم ms074 إلى أزواجه ~~هل عندكم شيء فكلهم قلن والذي بعثك بالحق نبيا ما عندنا إلا الماء فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما عندنا ما نطعمك هذه الليلة ثم قال من يضيف هذا هذه ~~الليلة رحمه الله فقام رجل من الأنصار فقال أنا يرسول الله فإني به منزله فقال ~~لأهله هذا ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكرميه ولا تدخري عنه شيئا ~~فقالت ما عندنا إلا قوت الصبية فقال قومي عليهم عن قوتهم حتى يناموا ولا يستطعموا ~~شيئا ثم اشرحي فإذا اخذ الضيف ليأكل قومي كأنك تصلحين السراج فأطفئيه ~~وتعالي نضع السنتنا لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يشبع ضيف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم • فقامت إلى الصبية فعللتهم حتى ناموا عن قوتهم ~~ولم يطعموا شيئا • ثم قامت فأثردت وأسرجت • فلما أخذ الضيف ليأكل قامت كأنها ~~تصلح السراج فأطفأته فجعلا يمضغان ألسنتهما لضيف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وظن الضيف أنهما يأكلان معه حتى شبع الضيف وباتا طاويين فلما ~~أصبحوا عدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم • فلما نظر إليهما تبسم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال لقد عجب الله من فلان وفلانة هذه الليلة فانزل الله ~~تعالى هذه الآية • وروى أن أبا الحسن الأنطاكي رحمه الله اجتمع عنده نيف وثلاثون ~~43ظ ~~رجلا بقرية الري وله أرغقة معدودة لا تشبع خمسة منهم فكسروا الرغفان واطفئوا ~~السراج وجلسوا للطعام فلما رفع الطعام إذا هو بحاله لم يأكل أحد منهم شيئا إيثارا منه ~~أصحابه على نفسه • وحكي عن صديقه العدوي رحمة الله عليه قال انطلقت ~~يوم اليرموك لطلب بن عم لي بين القتلى ومعي شيئا من الماء • وكان ذلك اليوم شديد ~~الحر والعطش استشهد فيه جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم ~~وهو يوم مشهود • فكنت أقول إن لقيت بن عمي سقيته ومسحت وجهه • فإذا أنا به وهو ~~على أخر رمق فقلت أسقيك فأشار أن نعم فسمعنا رجل من الجرحى فقال آه ms075 فقال بن ~~عمي انطلق به إليه فإذا هو هشام بن العاص فقلت أسقيك فقال آخر آه فقال هشام ~~انطلق به إليه فتوجهت نحوه فلم أدركه إلا وقد مات • فرجعت به إلى هشام فلقيته قد ~~مات • فرجعت إلى بن عمي فإذا هو أيضا قد مات • رضي الله عنهم • حكاية ~~ذكرها الشيخ كمال الدين الدميري في باب القاف عند ذكر القط عن بن خلكان في ترجمة ~~ابن بابشاد النحوي فلتنظر هناك • ومن أغرب ما وقع في هذا الباب ~~ما ذكره أبو محمد الأزدي قال احترق مسجد بمصر فظن المسلمون أن النصارى أحرقته ~~فذهب جماعة من المسلمين وأحرقوا خانات النصارى فقبض السلطان على جماعة من ~~الذين أحرقوا الخان وكتب رقاعا في بعضها القتل وفي بعضها الجلد ونثرها عليهم ~~وأمرهم أن يأخذ كل واحد منهم ورقة • وإن يجري عليه ما هو في ورقته • فوقع في يد ~~واحد منهم رقعة فيها القتل • فقال والله ما بي أن أقتل ولا أبالي به إذ لا بد من الموت ~~ولكن لي أم ضعيفة يضيع أمرها بعدي • وكان إلى جانبه واحد من الفتيان من ~~رفقائه فقال أنا في رقعتي الجلد • وليس لي كلفة أم ولا ورائي علقة • وأنا كما قيل ~~• شعر • ~~لولا التكلف عاش الناس عيش هناء • لولا التعلق مات الناس موت رضى • ~~44و ~~فادفع إلي رقعتك وخذ رقعتي فدفع إليه رقعة القتل وأخذ رقعة الجلد فقتل ذلك ونجا ~~هذا وهذا كما قيل شعر • ~~يجود بالنفس إذ ضن الجواد بها • والجود بالنفس أقصى غاية الجود • ~~يقول إنما نجا ذلك ببركة بره أمه • وقال بعض الأولياء رحمهم الله تعالى حقيقة ~~الإيثار أن تؤثر بخط أخرتك فإن الدنيا أقل خطر من أن يكون لإيثارها محل أو لذكرها ~~قدر • كما قيل إنه سعي بالصوفية إلى الخليفة وقيل إن ههنا جماعة سكنوا القبور ~~ورفضوا الدنيا وهم يدعون الخلائق إلى رفض الدنيا وقطع الأسباب والعلائق ~~ويلزم من هذا تعطيل أمور الناس وتبديد معايشهم وما هم إلا زنادقة • وكان ~~ذلك في زمن الجنيد رضي الله ms076 عنه • فأرسلوا إليهم وقبضوا عليهم • منهم الشحام • ~~والدقاق • وأبو الحسين النوري • وبسط النطع لضرب رقابهم • فتقدم أبو الحسين ~~النوري وقال للجلاد أريد أن تضرب عنقي قبل رفاقي فتعجب الخليفة والحاضرون من ~~ذلك إذ هذا خلاف المعهود ممن يؤمر بقتله ثم سألوه عن موجب ذلك فقال لم يبق ~~لنا في الدنيا غير أنفاس قليلة فأنا أوثر أصحابي بها ليذكروا الله تعالى فيها ويسبحوه ~~ويتلوا القرآن فيكتب لهم الأجر فعند ذلك قال الخليفة لا تتعاطى أمر هؤلاء من غير ~~تدبر وترو • ثم أحضروا العلماء وطرحوا عليهم مسائل فقهية وأجابوا عنها بأحسن ~~جواب من جملتها كيف زكاة الذهب فقال النوري عندكم في كل عشرين دينارا إذا ~~حال عليها الحول نصف دينار • وأما عندنا فيجب فيها عشرون دينارا ونصف دينار ~~فقال ولم قال غرامة وجناية لأنا أمسكنا متاع الدنيا فنحن من أين ومتاع الدنيا ~~من أين وشرع يقول إن لله عبادا إذا قاموا قاموا بالله • وإذا نطقوا نطقوا بالله • ~~وسرد ألفاظا أبكى بها الخليفة الحاضرين وصدع بها كما قلت • ~~• الروح إن تخرج كلأة صادقا • تصدع به القلب الأصم الجلمدا • ~~44ظ ~~فقال بعض الحاضرين من العلماء إن كان هؤلاء زنادقة فما في الدنيا صديق ولا مسلم فقال ~~لهم الخليفة ارفعوا إلينا حوائجكم فقالوا حاجتنا أن لا تسألوا عنا ولا تطلبونا فلا ~~نراكم ولا ترونا • ومولانا السلطان خلد الله تعالى أيامه • وأطال تحت ظله الشريف ~~أيام الملك وأعوامه • هو المختص بأعلى هذه المقامات • والواصل في ذروة الكرم ~~والسخاء إلى أعلى الدرجات • فلقد طفق بهم جوده وفائض نواله الشرق والغرب • ~~وروت بحار بذله وعطائه رياض الآمال • وحدائق رجاء ذوي الفضل والأفضال • ~~ولقد اصطاد بهباته العميمة • وصدقاته الجسيمة • قلوب جميع الخلق ما بين سلطان ~~ووزير • ومأمور وأمير • وكبير وصغير • وبعيد وقريب • ومعرفة وغريب • ~~فاهرع إليه الأقارب والأجانب • وأسرع إلى تقبيل أرض العبودية وبساط • ~~الطاعة الموافق والمخالف • واغتنم الملوك الامتثال أوامره الشريفة • وبادرت ~~أكابر أطراف الأرض إلى الإكتحال بنور طلعته السعيدة المنيفة • وما ذاك ~~لعموم صدقاته فقط • ولا لفيض ms077 أياديه فحسب بل لما انتشر في الآفاق ~~من صيت ثنائه الجميل العاطر • وتقدمت إلى الأطراف من عوائد إحسانه الجليل ~~الماطر وكأنه كان آلى على نفسه أن لا يدخر شيئا • ولا يحرم سائلا قط • وإنه ~~يبذل جميع موجوده • ويؤثر بكل ما تحويه يداه الشريفة • وهذه العادة ~~الشريفة من مبتدأ أمره • وقديم أيامه ولقد كان إذا جاءه سائل ولم يكن ~~بحضرته شيء يتصدق عليه بقماش الخيل والفرش ونحو ذلك وربما دخل إلى ~~الطشتخاناه والفراشخانه فمهما وجده من أثاث ونحاس أعطاه السائل ~~وأوصاه بإخفاء ذلك بالإسراع لئلا يطلع عليه أحد من جماعته وهذه هي ~~الصدقة المخفية بعينها التي عناها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ~~ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه • وهذه ~~45و ~~نكتة من عادة الأولياء • وخواص الخواص الأتقياء • كان الإمام أبو سهل الصعلوكي رضي الله ~~عنه من الأجواد الأخيار • والعباد الأبرار • وكان يوما يتوضأ في صحن داره فدخل عليه ~~سائل فقال له اصبر حتى أفرغ ولم يكن عنده شيء سوى القمقمة التي يتوضأ منها فلما فرغ ~~أعطاه القمقمة وقال أسرع لئلا يراك أحد فيأخذها منك ثم صبر حتى علم أن السائل ~~أبعد وفات من يطلبه • ثم صاح وقال دخل إنسان وأخذ القمقمة فخرجوا خلفه وطلبوه فلم ~~يدركوه • وما كان قصده بهذا الإعلام الا عدم وقوع المريدين بعضهم في بعض ودفع تهمة ~~بعضهم عن بعض • فالحمد لله الذي وافقت أفعال مولانا السلطان خلد الله دولته أفعال ~~أولياء الله تعالى • ومما تواتر من صدقات مولانا السلطان وفيض أياديه ~~الشريفة أنه من حين قدر على شيء من مال الدنيا وإلى حين ولي أمور المسلمين • وتشرف ~~بميامن ولايته الدنيا والدين • لم يجب عليه زكاة قط • وكأنه من شأنه الشريف ~~كما قيل • ~~هو البحر من أي النواحي أتيته • فلجته المعروف والجود ساحله • ~~تعود بسط الكف حتى لو أنه • تناهي لقبض لم تجبه أنامله • ~~ولو لم يكن في كفه غير روحه • لجاد بها فليتق الله سائله • ~~وقيل إنه كان من علمه ms078 الشريف أنه إذا جاء إليه أحد من مماليكه وخدمه لطلب ~~مركوب أو نحوه فمهما كان بحضرته من ذلك الجنس أعطاه إياه على الحظ والنصيب ~~فربما طلب أحد مماليكه فرسا فيعطيه فرسا ثم يعود إليه ويقول يا مولاي هذا ~~الفرس ظالع أو لا يصلح للركوب فيقول له يا ولدي هذا الذي فتح الله تعالى به وقسم ~~إن لم ينفعك بعه وارتفق به وإذا فتح الله تعالى بشيء غيره أعطيناك ترى هل فوق ~~هذه المكارم ودماثة الأخلاق درجة • ومما اشتهر عنه من جميل الصفات يدفع ~~الله تعالى في الدارين الدرجات • إنه في بعض الأوقات كان مضيقا عليه في مكان ~~45ظ ~~فكان يصر الدراهم وغيرها ويلقيه على الطرقات فإذا سئل عن سبب ذلك قال ربما ~~يقع ذلك في يد مستحق وهذا النوع من الكرم والجود كان يفعله جونة صاحب ~~الهند وهو أحد الملوك المشهورين بالعظمة والجود والسخاء • ونظير هذه ~~الحكاية ما حكي عن أمير المؤمنين المتوكل على الله أنه كان عنده مملوك يدعى الفتح ~~وكان في الجمال • وجميل الخصال • في غاية الكمال • فأحبه المتوكل واتخذه في مقام الولد ~~وأقام عليه من علمه فنون العلم والأدب • وكان دون البلوغ ومن جملة ما أراد تعليمه ~~السباحة • وكان الملاحون يترددون إليه كل يوم يعلمونه العوم والسباحة ~~فاتفقوا أنه في بعض الأيام القى نفسه في دجلة بغداد ليسبح فقوى عليه التيار وغلبه ~~فما وسعه غير الاستسلام لأمر القادر الجبار • وعدم مقاواة التيار • واسترسل ~~في الماء إلى أن غاب عن أعين الناس • ثم اجتهد وسارق الماء إلى أن ألقى نفسه في كهف ~~نقبه الماء من طول المرور فالتجئ إليه واشتهر فيه مدة سبعة أيام منتظرا من الله تعالى ~~ما يقدره له من الفرج • فلما سمع المتوكل بذلك اسودت الدنيا في عينيه واضطرب ~~وحزن حزنا شديدا لا مزيد عليه • ثم دعي الملاحين وقال من أتاني بجنة الفتح ~~أعطيته ألف دينار فشرع السباحون والغواصون يطلبونه بالفتح حيا ~~فما تتصدق به علي قال خمسة ألاف دينار فأخذ مركبا وذهب إليه وأتى ms079 به سالما ~~فلما رآه المتوكل سجد لله شكرا وأعطى الملا ما جعله له ثم دعا بطعام للفتح ليأكله ~~فقال إني شبعان فقال المتوكل سبحان الله لك سبعة أيام في الماء ثم تقول أنك ~~شبعان فمن أين كنت تأكل • قال بينما أنا في ذلك النقب إذ مر بي طبق عليه نحو ~~من عشرين رغيفا فاجتهدت إلى أن تناولت منه ما سد رمقي في هذه المدة وكان ~~مكتوب على كل رغيف محمد بن الحسن الإسكاف فتعجب الخليفة من هذا الأمر ورسم ~~46و ~~فنودي ليحضر إلى أبواب أمير المؤمنين من كان يلقي الخبز كل يوم في دجلة ليكافئه • ~~فحضر رجل وقال أنا كنت ألقى الخبز فقال له الخليفة وما علامة ذلك قال اسمي • ~~مكتوب على كل رغيف وهو محمد بن الحسن الإسكاف فلما ظهر صدقه قال له الخليفة ~~ما حملك على ذلك قال سمعت من الأكابر يقولون ازرع الجميل والق في البحر فلا بد أن ~~يثمر يوما فأردت تجربة هذا المثل فقال له الخليفة لا جرم أثمر زرعك ثم أمر له بخمس ~~ضياع من قرى بغداد تكون له رزقة ولأولاده من بعده • قال راوي هذه الحكاية ~~إن الخير لا يبور أبدا ولكن اين من يتنبه لهذه اللطائف الا من أيقظه الله تعالى ~~كمولانا السلطان خلد الله تعالى أيامه الزاهرة • وجمع له بين خيري الدنيا والأخرة • ~~قال لي الجناب القضاي الفرسي السخاوي أحد بطائن الخير والناصحين لهذه ~~الدولة الشريفة قلت يوما لمولانا السلطان خلد الله أيامه وقد شاهدت عميم ~~صدقاته • وفيض هباته • ومنحه المال لكل أحد بما لا مزيد عليه • يا مولانا السلطان ~~إن المال يدخر لكائنة تقع • أو لحادث يكون • ولما يحتاج إليه من وقت ضيق أو شدة ~~ومولانا السلطان وإن كنت همته الشريفة لا تدرك • وكرمه وسخاؤه لا يحصر • ~~لو ادخر شيئا من هذه الأموال • وأبقى على بعض شيء منها • فربما يقع الاحتياج إليه ~~فما كان جواب مولانا السلطان إلا إن قال أو هذا الذي أفعله بالمال من الإعطاء والهبات ~~هو جودا ms080 ويقال له كرم وسخاء أنت أرني مالا وانظر كيف يكون الكرم والنوال ~~والسخاء بالأموال • قال فأسكتني وعلمت أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وهذا ~~من باب تلقي المخاطب • بغير ما يترقب • كقوله تعالى يسئلونك ماذا ينفقون ~~قل ما انفقتم من خير فللوالدين والأقربين الآية • كما قيل شعر • ~~أنت تشتكي عندي مزاولة القرى • وقد رأت الضيفان ينحون منزلي • ~~46ظ ~~فقلت كأني ما سمعت كلامها • هم الضيف جدي في قراهم وعجلي • ~~وكان مولانا السلطان أظله الله تعالى تحت سحاب نعمه • وروي حدائق الفضل ~~من سيول كرمه • هو الذي أنشد شعر • ~~ملأت يدي من الدنيا مرارا • فما طمع العواذل في اقتصادي • ~~ولا وجبت على زكاة مال • وهل تجب الزكاة على الجواد • ~~فائدة ادخار الأموال ورفعها إلى بيت الأموال والخزائن إنما هو طريق ملوك الطوائف ~~والهند والصين والسند وملك الروم • وأما الملوك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~والخلفاء الراشدين فلم يكن لهم بيت مال بل كانوا كلما حصل لهم مال من الغنائم والفتوحات ~~وغيرها فرقوه على جندهم ورعاياهم • وكانت الرعايا هم الأجناد والحماة وهذا ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان يجوع نفسه الشريفة أكثر من ما كان يشبعها لا لأنه ~~ما كان يجد الدنيا لكن بهوانها وذلتها وقلتها عنده ومات صلى الله عليه وسلم ودرعه ~~مرهونة في صاع من شعير عند يهودي • وكذلك الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر ~~وعثمان • وعلي • وغيرهم الحسن • وعمر بن عبد العزيز • رضي الله عنهم • والنبي صلى الله عليه ~~وسلم لما فتح البلاد كانت تجيء إليه الأموال • فيفرقها ليومها • وكانت توضع في ~~المسجد على الانطاع فيغرقها • وكذلك المغانم ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر • ولم يكن له ~~صلى الله عليه وسلم بيت مال ولا للخلفاء الراشدين من بعده • وقد تقدم قوله ~~صلى الله عليه وسلم فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجد • وروى أبو جاود في السنن أنه ~~عليه الصلاة والسلام صلى العشاء ودخل حجرته وخرج مسرعا وبيده ms081 خريقة فيها ~~ذهب فقسمه ثم قال ما ظن آل محمد لو أدركه الموت وهذا عنده • الآل مفخم المتعظم ~~ولو وردت ما ظن آل بالإضافة لكان له وجه وما استفهامية من الوجهين فائدة ~~47و ~~أخرى تفريق المال في وجوهه أهون وأيسر من جمعه من أي جهة كانت مع عدم ~~المبالاة لأن في تحصيله أيضا على هذا الوجه تحمل أوزار وآثام ولا بد أن الله تعالى مسائل ~~عبده عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه فيكون أقل الدرج الحساب • ولولا الحساب ~~خاب الاكتساب • وهل سمع في هذا العصر أو قريبا منه أن أحدا من الملوك جاءه ~~مال جزيل من جهة من الجهات فرده وخاف حسابه وعقابه • لكن مولانا السلطان ~~نصر الله الإسلام بوجوده • وغمر المسلمين بصداقته وجوده • كان من بعض ورعه ~~وتعففه عن الشبهات أن رد على الفرنج أكثر من ثلثمائة ألف أفلودي جاءته وورد ~~عليه وردها صفوا • وذلك ما ذكر لي بحضرته الشريفة زاد الله شرفها • وأعلى ~~في قصر الدوام غرفها • الجناب العالي القضائي الولي الصفطي الشافعي عظم الله تعالى ~~شأنه أنه لما من الله تعالى به على الإسلام والمسلمين • وأضاء بمشكاة طلعته الشريفة ~~معالم الدنيا والدين • أخذ في هدم ما بنى من المظالم • ونقض ما أسس على الجود ~~والمأثم • والخلاص من ما تحمله من قبله من المغارم • فمن ذلك أن الملك ~~الأشرف أبا النصر برسبآي تغمده الله تعالى برحمته كان قد جمع أكابر الفرنج المستأمنين ~~بإسكندرية ومصر والمتسببين بالممالك الشريفة الإسلامية وحجر عليهم أن لا ~~يتجروا ببلاد الإسلام • وشوشوا عليهم بهذا السبب وغيره • ثم ألت القضية إلى أن ~~ألزموا بمبلغ ثلثمائة ألف أفلودي وكسور في بطن ما يفسح لهم من التجارة والتسبب ~~ببلاد الإسلام وكتب بذلك عليهم شهادات بشهود عدول وأثبت ذلك على القضاة ~~وكان مستند من تعاطي هذه الأمور أن هذا مال ينفع الله به المسلمين • أو بنصرة ~~جيوش الموحدين • فليدخر لما يحدث من جر منفعة أو دفع مضرة • فلما أشرقت ~~الدنيا بأنوار الدولة الشريفة الملكية الظاهرية وكان علمها ms082 الشريف محيطا ~~بأن ذلك كتب بطريق القسر والجبر والإكراه والقهر برزت المراسيم الشريفة ~~47ظ ~~بإبطال ما كتب من ذلك لكونه على غير الأساس الشرعي وقال مولانا السلطان نصره الله وأيده ~~وثبت ملكه وخلده • إن كان الله تعالى قدر أن يمهدها قد أمرنا لفوز الدين • وينصرنا ~~على الأعداء المتمردين • فلا حاجة بنا إلى هذا المال الخبيث • وإن كانت والعياذ بالله الأخرى ~~فلا يفيدنا مال ولا رجال • فعلى كل حال لا تذمم مال أهل الذمة • ثم دعا من كتب ذلك عليه ~~ودفع مكاتبته إليه • فلما رأت الفرنج إلى هذه القضية • سارعت إلى تهيئته شيء من الهدية ~~فقدموا شيئا يساوي عشرة آلاف دينار وأكثر فلم يقبل مولانا السلطان خلد الله ~~ملكه من ذلك ما يساوي الدرهم الفرد • ورد ذلك كله عليهم • وهذا الورع لا يكاد ~~يفعله أحد إلا إن كان الجنيد البغدادي • أو إبراهيم بن أدهم • رضي الله عنمها • أو من ~~يداينهما في زهدهما • ولو اتفق أن أحدا استفتى في هذه القضية أحد من العلماء ~~بحل تناول هذا المال واستنبط له دليلا وأقل الأشياء كان يفتي بحل تناول الهدية ~~وهذه نكتة من تورع مولانا السلطان في ادخار المال رغبة ليس له هذا أيضا ~~رغبة في تحصيله من أي جهة كانت بل يتحرى جهات حصوله ويتوقى الشبه • وكانت ~~الملوك السالفة • والسلاطين الماضية • من يد يد يده قد تعودوا أخذ شيء من القضاء ~~في مقابلة ما يولونهم وظيفة القضاء واستمر ذلك عادة وديدنا حتى كأنه صار سنة ~~ورسما معهودا • وإن قوله مخل بقواعد السياسة • واعتاد ذلك من يسعى في طلب ~~القضاة حتى صاروا يتغالون في ذلك • ويتزايدون في رفع الأموال ولا يبالون ~~بكلام الناس • وهذه البدعة السيئة كانت إحدى الحجج التي اعتل بها تمور على ~~ملوك الشام وسلاطينهم • والسبب الباعث له على التوجه إلى بلاد الشام وكان في بعض ~~مراسلاته إليهم أنهم يبيعون وظيفة القضاء ويرتشون على تولية المناصب الدينية ~~ولا يلتفتون إلى من يستحقها بل يعطونها لمن دفع إليهم الذهب سواء كان عالما دينا ms083 ~~أو فاسقا جاهلا • ويصيب أيضا العلماء والفقهاء لكونهم لا يتعففون عن ذلك ويقولون ~~48و ~~الوظائف بالرشي • ويذلون أنفسهم والعلم الذي من حقه أن يكرم ويرفع محله ويقول ~~وإذا دفعوا في مقابلة وظيفة القضاء والتحكم في دماء الناس وأموالهم مالا فمن أين يأخذون ~~عوضه إلا من أموال اليتامى • والارتشاء على الأحكام • والاستيلاء على الوظائف ~~وقطع أرزاق المستحقين من الفقهاء • وطلبة العلم • والاستطالة على الناس بكل ما تصل ~~إليه يدهم • وبويع المظالم على بلاد الله تعالى وعباده • وإذا فعل ذلك في المنصب ~~الذي هو أعلا مناصب الدين • ووظيفة الأنبياء والمرسلين • وهو القضاء الذي به يميز الحلال ~~عن الحرام • ملوك الناس وعلما وهم الذين هم أعلا الناس فلا عتب على العامة إذا أكل بعضهم ~~بعضا • ثم أن تيمور جعل هذه ذريعة إلى توجهه على بلاد الشام • وإن جميع ملوك المشرق ~~والمغرب ينتقمون على ملوك الشام • وقصر هذه الخصلة الوبيلة • فأما بن عثمان فإن ~~عادتهم أنهم كل سنة يرسلون إلى سائر ممالكهم ويتفحصون عن أمور القضاة بحيث أن قضاتهم ~~ينادون في كل مدينة كل من ظلم من القاضي أو قطع القاضي ممانعته فعليه بالملك العادل ~~ابن عثمان • وإذا ولي بن عثمان قاضيا يقول له على شرط أنه إن ظهر عليك أنك ارتشيت ~~على حكم الله تعالى أو حكمت لغرض بغير الحق أطعمتك لكلابي • إلى أن من الله سبحانه ~~وتعالى على الإسلام والمسلمين بولاية مولانا السلطان جعلها الله ولاية دائمة ~~وبإحياء الشريعة المطهرة قائمة • فأبطل هذه العادة البشعة • وأمات هذه ~~البدعة الشنيعة • وصار أكره الخلق إليه من يدفع مالا في مقابلة ولاية ~~القضاء • وجعل يرسم لمن يتق به ويقول كل من رأيتموه صالحا لوظيفة من الوظائف ~~وخصوصا وظيفة القضاء إلى مصر أعلا مناصب الدين ارفعوا أمره إلينا • ثم ~~أنه في شهور سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة قدم المرحوم القائي علاي16 الدين بن ~~خطيب الناصرية من حلب وسعى أن يتولى وظيفة القضاء بها وبذل في مقابلة ذلك ~~نحوا من ألفي دينار فاستشاطت الخواطر الشريفة بسبب ذلك فقيل ms084 يا مولانا ~~48ظ ~~السلطان إنما فعل ذلك على وجه الهدية لا في مقابلة الوظيفة فقال مولانا السلطان ~~لما قدمنا مع العساكر إلى حلب هذا أهدى إلينا رأس غنم أو عشرة أجنحة من طير الدجاج ~~فلولا أن له غرضا فاسدا لما أهدى الفي دينار فقال القاضي علاي الدين وأقسم بالله ~~أنه إنما فعل ذلك غيرة على الدين وصونا لأحكام الشريعة المطهرة وإنه لا يأخذ في مقابلة ~~ذلك من أحد من خلق الله شيئا • وإنه يخاف إن ولي هذا المنصب غيره أن يقع الخلل ~~في أحكام الله تعالى أما لجهله أو لغرض فاسد • وكان القاضي علاي الدين المذكور ~~من أهل العلم والمعرفة بالأحكام فلما تحقق مولانا السلطان ذلك منه قال فإذن ~~نوليه بغير شيء وفعل ذلك • ثم إن القاضي علاي الدين المذكور استشفع إلى ~~الأبواب الشريفة بأهل الخير والدين والصلاح وبكل من هده جميل بأن هذا ~~مال حلال من غير شبهة وقد خرجت عنه وقد سمعت أن المراسيم الشريفة برزت ~~بتهيئة أغربة ومواكب لمجاهدة أعداء الله فليصرف ذلك المال في هذا الوجه لعل ~~الله يقبل ذلك فيكون لي فيه أجر • وإن قد وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا ~~وأنا في غنية فيكون هذا أبعد ما بين يدي من لأمور أخرى فقبل اليسير منها بجهد • ~~وصرف إلى الوجه المذكور • والعمل الصالح المبرور • ثم إن القاضي علاي الدين ~~المذكور لم ينشب أن توفي إلى رحمة الله تعالى • وهذا إلا بنية مولانا السلطان ~~أنار الله ضهيره • وأما بنية القاضي علاي الدين وإيمانه التي حلفه • وهذه ~~العادة الشنيعة لما هدمها مولانا السلطان وبرزت المراسيم الشريفة بتولية ~~كل من كان للقضاء أهلا من العلم والدين • والعفة والمعرفة بأحكام الشرع ودرية ~~القضاء • وفصل الحكومات • فأختار لهذه الوظيفة النفيسة • والمنصب العالي ~~بدمشق من يليق بذلك كالشيخ الإمام العلامة برهان الدين الباعوني فلم ~~يقبل فازدادت رغبة مولانا السلطان في المشار إليه وتوفر اعتقاده فيه ~~49و ~~وذلك في شهور سنة أثنين وأربعين وثمانمائة إلى أن وقع الاختيار على قاضي القضاة ~~شمس ms085 الدين أبي عبد الله محمد الوناي الشافعي فتجهز إليها في شهور سنة ثلاث وأربعين ~~وثمانمائة • فأجي شعائر الشرائع • ونصر الحق • ونصر المظلوم • وأوصل الحق إلى مستحقه ~~جهده وطاقته إلى أن حج ورجع على الدرب المصري • واستقال منها • وذلك لعفته ~~وزهده • واشتغاله بمذاكرة العلم الشريف • وطلب ما هو الأهم • وإذا رفع إلى الخزائن ~~الشريفة شيء من الأموال لم يزل نصيب العين حتى يفوق على الجهات المبرورة وفي المصالح ~~المشكورة • حسبما ذكر وما هو مشاهد • وهاهنا دقيقة غامضة لا يكاد ~~يهتدي إليها إلا من وفقه الله تعالى وأرشده إليها مثل مولانا السلطان أنار الله بصيرته ~~وعمر بواردات أنسه سريرته • وهي أن المال ليس محبوبا لعينه • ولا مطلوبا ~~لذاته • بل إنما هو واسطة بين صاحبه وبين الأغراض المطلوبة مثل استجلاب خواطر ~~الأولياء • وقهر الحساد • والأعداء • وإذا صرف إلى قهر الأعداء وكسرهم • فهو بين أمرين ~~بين أن ينجح ويظفر بهم وبين أن لا ينجح فيضيع كل ذلك ويزيد عليه تحمل مشاق ~~البدن ووهن العساكر • وتعب الأولياء والأصحاب • وحصول ما يترتب على ذلك ~~من شماتة الأعداء • وظفر الحساد • كما فعله الملك الأشرف في التوجه إلى آمد بسبب ~~عثمان وايلوك التركماني • لكن الطريق الأسلم • والخلق الأكرم • في ذلك تعاطي ~~أسباب نصرة الموافق • واصطياد الأعداء • والمخالف باللطف والرفق • وبذل ~~الأموال • وبذر حبات الإحسان • والإيثار تحت شباك مكارم الأخلاق • ~~لإيقاع عصافير القلوب في شرك المحبة والطاعة • والانقياد بالسمع والطاعة • ~~عملا بقوله صلى الله عليه وسلم ما كان الرفق في شيء الا زانه ولا فرق بين خزن ~~المال • وخزن التراب والأحجار • وفي المثل لا طعم للشهد إلا في الفم ~~وإذا كان لا بد من صرف المال لنيل المآرب وحصول المقاصد فبالطريق الأحسن ~~49ظ ~~أولى • ويبقى الثناء الحسن • وراحة القلب والخاطر • ورفاهية الجند والعساكر • واكتساب ~~الدعاء والثناء • والظفر من كل الناس برق العبودية والولاء • والتيقن بحصول المقصود ~~زيادة على ما في النفس • اللهم إلا إن كان الخصم لا يرضى إلا ببذل الروح • وينتصب ~~للمناوشة والمهاوشة • ويتسم للمقابلة والمعاتلة • فعند ذلك ms086 يؤخذ في أمره بالأفكار ~~الدقيقة • والحيل الغامضة • ويتعاطى دفع كيده وشره • وتدبير تدميره بأنواع ~~المخادعة • وأبواب الحزم والتيقظ • ويبذل المال في ذلك • وقد قيل أضعف ~~الحيلة خير من أقوي الشدة • وكما قيل شعر • ~~• الرأي قبل شجاعة الشجعان • هو أول وهي المحل الثاني • ~~فإذا هما اجتماعا لنفس حرة • بلغت من العليا كل مكان • ~~ثم بعد ذلك ببذل الأموال • في اصطناع الرجال • وإعداد العدد • وأعداد العدد • ~~كما قال الله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به ~~عدو الله وعدوكم • ومولانا السلطان خلد الله دولته • ونفذ في الأفاق ~~كلمته • هو الذي وفقه الله تعالى لإدراك هذه المعاني الدقيقة • والطلاع على هذه ~~الأسرار الجليلة • وها أنا أوضح ذلك ببرهان جلي • فأقول الذين عاصرتهم ~~أنا وغالب أهل زماني من ملوك مصر والشام وسلاطينهم خاصة • منهم الملك ~~الظاهر أبو سعيد برقوق رحمه الله والذي قاساه وعاناه من مشاق أمور ~~السلطنة • وصعاب أحوال المملكة • لا يخفي على معاصر • ولا متأخر • إلى أن ~~استقل بعد أنواع المحن • وركوب الأخطار • وتحمل أنواع الأوزان • وسفك دماء ~~لا تحد ولا تحصر • إما بحق وإما بباطل • مع كثرة المخالفين • وقوة العصاة والمتمردين ~~كنعم أمير العرب • وسوابك بن دلغادر أمير التركمان وغيرهم • ثم خرج من الدنيا ~~وقلبه ملآن من حراتهم وزفراتهم • ولم يشف له غليل ولم يبرد له عليل • وإن كان ~~50و ~~التجأ إليه السلطان أحمد بن الشيخ يونس حاكم بغداد والعراق • والملك مجد الدين عيسى ~~حاكم ماردين وديابكر17 وخطب له ببلادهما وضرب الدرهم والدينار باسمه فيها وفي تبرين ~~فإنما كان ذلك بواسطة ما ألجأهما إليه تيمور وضيق عليهما وقصد بلادهما ولم يكن له ~~في ذلك صنع وإنما ألجأتهما الضرورة إلى أن اديا إليه وجعلاه ظهرهما ولم يفدهما ذلك ~~شيئا إلى أن درج إلى رحمة الله تعالى وفي قلبه من الحسرات ما فيه فتولى بعده ولده ~~الملك الناصر فرج وكان من أمره أن سفك الدماء وقطع رؤس18 الرؤس من الملوك ~~والأمراء إلى أن خلت الديار والممالك واستولى العدو ms087 الخذول تيمور على البلاد وجرى ~~عليها ما هو مشهور • ثم بعد ذلك وقع بينه وبين أمراء عساكره ورؤس أجناده ~~من السفك والفتك والقتل ما هو مشهود مذكور • وفي كتب التواريخ مسطور • ~~وحاصل الأمر أنه لم يكن له نية في عمارة بلاد • ولا إصلاح عباد • وإنما كان ~~منهمكا في لذاته • مشغولا بإبادة الملوك والأمراء من عساكره • إلى أن قتل شر قتلة ~~وآل مآله إلى ما آل • ثم من بعده الملك المؤيد شيخ فبعد وقائعه ~~مع نوروز وبعد نوروز عصيان الأمراء والنواب فأمر من اليمن ما لا يزيد عليه وتشتت ~~الأمراء والعساكر منه في البلاد وأطراف الدنيا استقر واستقل ثم أراد أن يستخلص ~~الممالك من أيادي مجاوريه فلم ير لذلك الارتكاب ما لا يحل فارسل إلى من عثمان ~~الملك المظفر غياث الدين أبي الفتح بن محمد بن أبي يزيد بن مراد بن أورخان بن ~~عثمان على يد قوجتار المؤيدي سنة 823 هدايا وتحفا ودس إليه في ذلك شيئا ~~فمات إلى رحمة الله تعالى وأرسل إلى قرا يوسف شخصا يعمل المعاجين والجوارسان ~~وكان قرا يوسف ممن لا يتقيد بدين • وكان يرغب في المفرحات والمخذرات فصنع ~~له شيئا من المعاجين وأضاف إليه سما فقتله به • ثم لم يلبث الملك المؤيد أن توفي ~~إلى رحمة الله تعالى فلا هو الذي بلغ مراده وصفا له الملك وتمكن في الدنيا بعد اضداده ~~50ظ ~~ولا هو الذي خلص من أثم القتل فتحمل أثام ذينك الملكين ودماؤهما ثم لحقهما عن قريب ~~بحيث لم يكن بينهم إلا أقل من نصف سنة وذلك في شهور سنة أربع وعشرين وثمانمائة ~~فتولى بعده الملك الظاهر أبوا الفتح تتر رحمه الله تعالى فلم يمهلهم الزمان ~~إلى أن يرتب الأمور • ويمهد أحوال الممالك • وطرائق السلطنة والسياسة • فتولى ~~بعده الأشرف • أبو النصر برسباي فلم يكن له دأب إلا في ادخار الأموال ~~حلالا وحراما ومعاداة الغريب والقريب • والترفع عن الناس • والاحتجاب ~~عنهم • ولم يكن عنده من الناس مسلم إلا من كان عنده ذهب أو مال فرشاه • أو ms088 قدم ~~إليه شيئا من سحت الدنيا في مقابلة توليه الوظائف والمناصب • وأما العلم ~~والفضل والاستحقاق في أيامه • وكان من أكبر أمور الناس مع أنه كان لم يكن له ~~في تدبير الملك • ولا في سياسة الرعية رأي ولا تدبير • وإنما كان له سعد عال • وحظ ~~مساعد • وزمام اختياره كان في يد غيره يصرفه كيف ما اختار إلى أن اندرج إلى رحمة ~~الله تعالى وهو على ذلك • ولو أطلت لسان القلم في ترجمة كل واحد من هؤلاء الملوك ~~والسلاطين واستوفيت بقدر الإمكان ترجمته لطال الشرح وانفرط نظام المقصود ~~من هذا الكتاب • وأما أولاد هؤلاء الملوك فلم تكن مدتهم إلا يسيرة ولم يكن ~~لهم حل ولا ربط فيما في ذكرهم كبير فائدة • وأما الملك الظاهر برقوق والملك المؤيد ~~شيخ • والملك الأشرف برسباي • فإنهم كانوا أحرص خلق الله على جمع المال • وأبخل ~~خلق الله ولم يكن لهم دأب إلا في ادخار الأموال • والملك الظاهر برقوق كان أطيب ~~نفسا من الملك المؤيد • والملك الأشرف • وما أفادهم في ذلك شيئا لا في الدنيا ولا في ~~الآخرة وأما الملك الناصر فرج فإنه كان متلافا مسرفا في إخراج المال ~~لكن لا في وجوه الخير • ولا يقصد بذلك البر والأجر والثواب • وأما الملك ~~الظاهر تتر فإنه كان محسنا حسن الطوية والاعتقاد ولكن لم يساعده ~~51و ~~الزمان فتوفي إلى رحمة الله تعالى سريعا • ومدة سلطنته كانت يسيرة نحوا من ~~ثم أن الله تعالى أنار الافاق بطلعة مولانا السلطان وولايته فتنفس الزمان ~~ورفع الدهر عن كاهل الإسلام والمسلمين كل الجور والعدوان • فأحسن مراسم ~~العدل والإنصاف • وأفنى مواسم الجور والاعتساف • ورفع لواء الحق • ونصر ~~أولياء الصدق • وربي العلم والعلماء • وإلى مراتب الفضل والفضلاء • ونظر في حال ~~الغريب والقريب • وأحسن إلى كافة الناس من كبير وصغير • وغني وفقير • ~~ومأمور وأمير • واجتهد في إعلاء كلمة الله تعالى • وإحياء رسوم سنة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم • ووضع كل شيء في محله • وولي كل وظيفة أهلها كما ينبغي • ثم أنه ~~حفظ عهد القدماء من خدمه • ومن ms089 بينه وبينه أدني معرفة • فضلا عن سابق خدمة ~~أو أكيد صحبة ومحبة • فرفع من قدر الجميع • وشمل الكل بصدقاته الوافرة • وعطاياه ~~العاطرة الماطرة • ونشر لواء المواهب على أطراف الأفاق • وهادن الملوك وهاداهم ~~وصادق سلاطين الأطراف وصافاهم • وكان ذلك دأبه ودينه من أول ما ~~اشتهر أمره في الدنيا حتى كانت الملوك والسلاطين من الجوانب يتمنون أن لو كان الأمر ~~إليه • وإن عول في أمر مصالح الإسلام والمسلمين عليه • إلى أن انجح الله تعالى ~~قصدهم • وزين سعادتهم وسعدهم • واستجاب دعاهم • وقضى مناهم • فابتهجت ~~الدنيا شرقا وغربا • بعدا وقربا • فصار كل يوم يزيد ما كان يفعله من مكارم ~~الأخلاق ومحاسن الشيم • وينشر سحائب الجود على أطراف البلاد وعطر غيث ~~الكرم • حتى قيد الناس بإحسانه • وملك ملوك الدنيا بصدقاته وامتنانه • ~~شعر • ومن وجد الإحسان قدا تقيدا • ~~وقيل قيل للإسكندر بم نلت ما نلت قال باستمالة الأعداء • والإحسان ~~إلى الأصدقاء • وسنذكر في فصل الحزم وفكر العواقب حكاية الشيخ صفا • ثم ~~51ظ ~~إن جميع المخالفي والموافقين اغتنموا فرص امتثال أوامره • وسارعوا إلى تقبيل الأرض بين ~~يدي المواقف الشريفة • وحصل لهذه الدولة العادلة بعون الله تعالى ما لم يحصل ~~للملوك والسلاطين قبلها • فممن ابتهج غاية الابتهاج • وانشرح صدره غاية ~~الانشراح • شاهرخ بن تمور صاحب ممالك العجم • والهند • وما وراء النهر • وخوارزم • ~~وإذربيجان وكيلان • وعراق العجم • وغيرها • وأجرى الله تعالى ما يجب عليه من وظائف ~~الشكر وطير بطارق البشائر من أطراف ممالكه بذلك • وكان ممن آخا مولانا السلطان ~~قبل الولاية وسيأتي لذلك مزيد بيان إن شاء الله تعالى • ثم المقر الشرق المرادي ~~ابن عثمان صاحب ثغور الروم • وملك الغزاة والمجاهدين • وكان يدعو مولانا ~~السلطان أبا • وممن سارع إلى المثول بين يدي المواقف الشريفة الجناب العلاي ~~علي بيك بن عثمان • وأيلوك هو وأولاده وأهله وهو أنجب أولاد عثمان الذكور ~~وأقر بهم إلى الخير فأولته المواقف الشريفة من صدقاتها سابغ النعم وفائض ~~الكرم ولما برزت المراسيم الشريفة بتجهيز المشار إليه إلى الحجاء الشريف وكان ~~وقت الحج قد قرب فانهال عليه ms090 من الإنعامات والصدقات بما كان محتاجا إليه ~~من البر والمحابر والمحفات والأزواد والرواحل وجميع الاستعدادات الملوكية ~~له ولأولاده ولمن معه من جماعته ففاض عليهم من ذلك ما لا مزيد عليه ثم ~~خرج المحمل وكان المشار إليه في القلب من الطليعة والجناب الشرف بيك المؤيدي ~~يمنه • والجناب الشريف نوروز ميسرة • وأمير الحاج المقر الشريف قاني بيك ~~نائب القلعة المنصورة فحج المشار إليه بعد أن كان منغمسا في بحار الخطايا والآثام ~~حجة الملوك ثم قفل فتضاعفت عليه الصدقات الشريفة بأنواع الخيرات ~~وأصناف المبرات • وخير بين الإقامة في الخدمة الشريفة وبين سكناه من أي ~~مكان أراد من الممالك الإسلامية مع ما يسري إليه من الانقطاعات • وسائر أصناف ~~52و ~~الجبر والصدقات وكان ذلك في أواخر شهور سنة إثنين وأربعين في أوائل سنة ~~ثلث وأربعين وثمانمائة • ثم في يوم الخميس ثامن عشرين شهر رمضان المعظم ~~قدره سنة ثلث وأربعين وثمانمائة قدم إلى دمشق المقر الكريم الشرفي الناصر محمد بن ~~دلغادر أخو سولي بيك المذكور وهو أمير التركمان وحاكم أبلسنين وقيسارية ~~وما والي ذلك من المدن والقلاع قاصدا المثول بين يدي المقام الشريف متقلدا ~~طوق السمع والطاعة • ولفضل ما أسدى إليه من الصدقات الشريفة في موضعه ~~ولقد خرج أكابر الملك والسلاطين من الدنيا وفي قلوبهم من المشار إليه ~~وممن تقدمه من الدلغادرية وخاصة أخيه سولي بك الحسرات من زمان الملك ~~الظاهر برقوق • ومن ولي بعده من الملوك • وكان قد أعجز الجميع مع ما يجرون ~~له من العساكر والجنود ويتأهبون له بأنفسهم بالاستعدادات التامة والعدد ~~والعدد • فتحصن منهم في رؤوس الجبال والأماكن الصعبة الوعرة السلوك ~~فلا ينالون منه الثأر • ولا يدركون منه ولا الغبار • وكان لعب بعقل ~~الملك الأشرف برسباي وأدى إليه جانبك الصوفي وأرسل إلى الملك الأشرف ~~التمس منه أشيئا من جملة ذلك قلاعا وأمرته تقدمة في حلب وألوف دنانير ~~معينة ليرسل في مقابلة ذلك جانبك الصوفي فأجابه إلى ما سأل وأرسل جميع ~~ما طلبه من الأموال والأمرية بزيادة ووعده المواعيد الجزلة الجميلة فأخذ ~~ذلك كله ms091 وأطلق جانبك وصاهره ولم يآل بالملك الأشرف فحصل له من الخنق ~~والغيظ ما كان يفطر قلبه ثم أنه جهز إليه العساكر والأمراء ومنهم مولانا السلطان ~~والأمير أركار الدوادار الظاهري فجردهم وأرسلهم إليه على عادته برؤس الجبال ~~فأوغل العساكر في طلبه حتى دخلوا المضائق والأماكن الوعرة العسرة السلوك ~~وخاطروا بأنفسهم وأمكن الأمر ناصر الدين فأخذ الطرق عليهم وقبضهم والفتك بهم ~~52ظ ~~كما يختار فلم يفعل من ذلك شيئا فأشار عليه جماعة من أهله وقالوا افعل معهم كما فعل أخوك ~~سولي بك بالعسكر الذي أرسله إليه الملك الظاهر برقوق وصورة الواقعة ~~إن الملك الظاهر برقوق رحمه الله في أول ولايته في سنة سبع وثمانين وسبعمائة ~~أرسل جماعة من العساكر إلى سولي بك بن دلغادر أخو ناصر الدين المذكور فوصلوا ~~إلى أيلتيزا وما يدانيها من محاذاة باب الملك وأوغلوا في طلبهم وهي أماكن صعبة ~~المسلك عسرة الطرق فأخلوا لهم الأماكن فتصوروا أنهم هربوا منهم فتطلبوهم في كل ~~شاهق ودخلوا الأوعار والمضائق وتشعبت بهم الشعاب والدروب وهم غرباء لا يهتدون ~~إلى سلوكها وأهل مكة أخبر بشعابها فانقلب الراكد عليهم وداروا وسدوا عليهم أفواه ~~الدروب والمسالك وتناولوهم بالأحجار والسهام والمقاليع وصاروا من كل حدب ~~ينسلون وأخذوا يأسرون ويسلبون • ثم أنهم سلبوهم ثيابهم وما معهم وأطلقوهم ~~فوصلوا إلى حماة في أبشع صورة ودخل الأمير الكبير منهم وهو عريان على حمار إلى حماة ~~ولم ينالوا من الراكد غير السلامة بالروح كما قيل • ~~• أيا بك سالما نصف الغنيمة • وكل الغنم في النفس السليمة • ~~فلما جهز الملك الأشرف العساكر إلى الأمير ناصر الدين كما ذكروا مكنه إيذاؤهم ~~ولم يفعل وأشار عليه جماعته بذلك فقال كلا لا أفعل شيئا من ذلك ولا أوصل إليهم • ~~مكروها وذلك لأن فيهم الرجل الخير • والسيد الجليل الأمير جقمق • الولي الخفي • ~~والكامل المسري • مغيث الملهوف • وصاحب الخير الجم والمعروف • والأمير إزكمار • ~~فأنا أكرم هذه العساكر كلها لأجل هذين الأميرين العظيمين • ولأجل عين تكرم ألف ~~عين • فبلغ الملك الأشرف على ما أرسله إليه غاية الندم وأكل ms092 يديه اسفا عليه ~~وخرج من الدنيا بحسرته وذلك لما كان مولانا السلطان يسدي من الخير والمعروف ~~لكل أحد من خلق الله تعالى قريبا كان أو بعيدا معرفة أو غير معرفة إن كان أمكنه ~~53و ~~بالفعل وإيصال خير ومعروف كان وإلا فلا يقصر في القول والتربية وسد خلل الكبير ~~والصغير • وكان كما نقل إذا ذكر الأمير ناصر الدين بن دلغادر بحضرة أحد من الملوك ~~وخاصة الملك الأشرف يذكره بالخير • ويدافع عنه مهما أمكن • وكان يبلغ ذلك ~~ناصر الدين فكان ذلك الموجب لكف الأذى عنهم في تلك التجريدة كما قيل • ~~• الخير أبقى وإن طال الزمان به • والشر أخبث ما أوعيت من زاد • ~~ثم إن ذلك أدى إلى أنه لما شرفت الدنيا بولاية مولانا السلطان وصل ما كان ~~يقوله في حق الناصري المشار إليه من الخير بالفضل فلم يسعه إلا الإسراع والمثول ~~بين يدي المواقف الشريفة السلطانية واستقبال أوامرها بالامتثال بالسمع ~~والطاعة ففعل معه من اللطف السابغ والكرم السابغ ما لا يمكن حصره ولا إحصاؤه ~~وسيأتي تفصيل ذلك • فانظر إلى الملك الأشرف هل أفاده تهيئة العساكر ~~وبذل الأموال والأرواح والتوجه إلى عثمان قرا ملوك في سفره إلى آمد وتجهيزه ~~العساكر إلى الأمير ناصر الدين بن دلغادر المشار إليه غير التعب والنصب ~~والخيبة والمشقة ووقوع الوهز في الأبدان والنقص في الأموال ولتسلط الألسنة ~~عليه بالتشنيع • وتشفي المخالفين • وكيف آل مآل ذلك إلى الندم • ولقد ~~هم مرارا لما كان في آمد أن يبيد العساكر الإسلامية وراء ظهره ويركب البحر ويهرب ~~متوجها إلى الشام فثبته الله تعالى حتى رجع وعرضه باق عليه • ثم أنظر كيف ~~امنع وأزهر وانتج وأثمر جميع ما كان يغرسه مولانا السلطان الهمه الله العدل ~~والتوفيق • وهداه بلطفه ورحمته إلى سواء الطريق في قلوب الأقارب والأباعد ~~وملوك الأفاق • وسلاطين الأطراف من الود والإحسان ومكارم الأخلاق • ~~بحيث صار أمره الشريف نافذا في مسامع الكل • وتحكم فيما كان بين يديهم من جل ~~وقل • وهذه نكتة عزيزة من التوفيق التي قل من يهتدي إليها إلا من ms093 وفقه ~~53ظ ~~الله تعالى ولذلك قيل التوفيق عزيز وذكره الله تعالى في القرآن في موضع واحد في قصة ~~شعيب عليه الصلاة والسلام من سورة هود وهو قوله تعالى وما توفيقي إلا بالله ~~عليه توكلت وإليه أنيب • ولقد قال قرا يلوك إن الملك الأشرف ليس التدبير ~~ضيق العطف وإنه لو أرسل إلي كلاما يستعطفني مع شيء مما يليق بحشمة الملوك ~~ولو كان قليلا وأوتي شيء يجبر بذلك خاطري ويرفع من قدري نحو فرس أو خلعة ~~لبلغ مني ما يريد ولتوفرت عليه حشمته وهيبته • وبقيت له راحته وحرمته ~~واستراح بدنه وعسكره • واطمأن قلبه وخاطره • ولو اتخذني مملوكا له وصديقا ~~لكان خيرا له ممن يتخذني عدوا • ولكفيته كثيرا من أمور مخالفيه وأعدائه بديار ~~بكر وغيرها • وقال لي الجناب الغرسي السخاوي أن أربعة نفر من التركمان جاؤا19 ~~إلى الأبواب الشريفة قاصدين صدقات مولانا السلطان ومراحمه وهم من أفراد ~~التراكمة • لا من العير ولا من النفير • فرسم لكل واحد منهم بمائة وخمسين دينارا فقالوا ~~يا مولانا السلطان جئنا من بلاد بعيدة وقد سمعنا بمراحمك الجمة وصدقاتك ~~الوافرة • فالحمد لله رأينا أكثر ما سمعنا • ونريد مراكيب نرجع بها إلى من ورائنا ولتكن ~~خيولا فلاحا فإن لنا أصدقاء وأعداء • تسر اصدقاءنا • وتسر أعدانا • وترى الناس ~~إنعام مولانا السلطان • وسابغ صدقاته فرسم لهم بذلك • فقالو يا مولانا السلطان ~~بسروجها ولتكن مغرفة بكنائس فأنعم بذلك • فقالوا يا مولانا السلطان غمرتنا ~~الصدقات الشريفة ولم يبق يليق بنا إلا معاداة عدوها • وموالاة وليها • فنسأل ~~فائض برها • فراتك وخوذ فأنعم بذلك فقالوا يا مولانا السلطان وسيوفا مصرية ~~نقاتل بها أعداء مولانا السلطان ومخالفيه فأعطوها فقالوا وبكاتر ليخولنا فأجيبوا ~~لذلك فقالوا يا مولانا السلطان هذه الصدقات مما تتعلق بنا وقد تركنا أهلا ~~وأولادا وهم مترقبون ايابنا بما تبرز به الصدقات الشريفة لهم فبرزت الصدقات ~~54 و ~~لكل واحد منهم بعشرة مقاطع اسكندرانية حتى قوم ما لكل منهم بأكثر من ألف دينار فرجعوا ~~على بلادهم وقالوا من أراد خيري الدنيا والآخرة فعلية بالأبواب الشريفة ms094 المولوية ~~السلطانية فإن عطاياها وصدقاتها قد ملأت الخانقين • فسألت أطراف ~~الأرض شرقا وغربا إليها وقصدها الأمير ناصر الدين المشار إليه • ولقد رأيت ~~طالب علم من أهل سمرقند من أهل الخير والصلاح وله استعداد في العلم وكان قد ~~خرج من ما وراء النهر قاصدا أداء فرض العمر فلما حج توجه على مصر وأقام بمدرسة ~~البيبرسيه ولم يكن له قوة الكتابة ولا قدرة سرا كتب وكان قصده أن يظفر بسند ~~الحديث الصحيح لينشره في بلاده ولم يكن في هذا العصر مثل مولانا قاضي القضاة شهاب ~~الدين بن حجر الشافعي أسبغ الله ظلاله فصار ذلك الرجل يستعير طلبة العلم ~~كتاب البخاري ويقرأه على مولانا المشار إلهي وهو غريب لا يؤبه له وهو متحسر ~~أن يحصل له كتاب يصحبه فذكرت قصته لمولانا الجناب الشمسي الكاتب البطانة الخيرة ~~فأنهاها إلى المسامع الشريفة فما كان الجواب إلا ببخاري في أربع مجلدات نفيسة ~~مصححة بخط واحد محشاه مقروءة على المشايخ أهداها بعض الداعين لمولانا السلطان ~~تساوي أكثر من مائة دينار فاشترط ذلك العالم أن ما دام في قيد الحياة أن يختم ~~هذا كل سنة في ذلك الكتاب بسمرقند وما وراء النهر ويهدي ثواب ذلك إلى الصحائف ~~الشريفة وكان ذلك الكتاب عنده أعز من روحه • وماذا يمكن الإنسان • ~~أن يصف عن البحر وكرمه • والسحاب الغزير وديمه • فاسأل الله تعالى أن يعامل ~~مولانا السلطان بكرمه العميم • ويسئل عليه في الدنيا والآخرة ذيلا حسانه الجسيم ~~لان الجزاء من جنس العمل • وتتمم بذكر المؤلفة قلوبهم فإنه في رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أسوة حسنة • ~~• فصل في الحزم وفكر العواقب وحسن التدبير • ~~54ظ ~~اعلم أن التفكر في الأمور وعواقبها والأخذ بالحزم من أعلى المقامات وهو قريب من ~~مقام المراقبة والمحاسبة • ويترتب عليه الشروع في الأهم وحفظ الأوقات • ومراعاة ~~النفس • والاشتغال بأحسن الأعمال إلى غير ذلك • قال الله تعالى إن في خلق ~~السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب إلى آخر الآيات وقال ~~تعالى إن خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ms095 والفلك التي تجري في البحر ~~بما ينفع الناس الآية • ولم يذكر الله تعالى في كلامه المجيد شيئا مما يدل على عجيب صنعه ~~وينبه على بديع حكمته إلا وأعقبه بالحث على التفكك والتأمل مثل قوله تعالى إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون يعقلون يفقهون • والأخذ بالحزم الاحتياط والتفكر في العواقب ~~لا يضر بالتوكل • والتفويض إلى الله تعالى • وإن كان لا يجري في الكون شيء إلا بتقدير الله تعالى ~~وارادته غير أن الإنسان له اختيار جزئي يترتب عليه أمور الدنيا والآخرة فيحتاج ~~في ذلك إلى تدبر وتفكر وتأمل في عواقب الأمور • قالت عائشة رضي الله عنها وقد ~~سئلت عن أعجب • ما رأت من رأت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كل امره عجب أتاني ~~في ليلتي فدخل معي في فراشي حتى الصق جلده بجلدي ثم قال يا عائشة أتأذنين لي ~~أن أعبد ربي فقالت والله إني قربك وأحب هواك فقام إلى قربة فتوضأ منها ثم قام ~~فبكى وهو قائم حتى بلغت الدموع حجره ثم اتكئ على شقه الأيمن ووضع يده اليمنى تحت خده ~~الأيمن فبكى حتى رأيت الدموع بلغت الأرض ثم أتاه بلال بعد ما أذن الفجر فلما رآه يبكي ~~قال تبكي يرسول20 الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال يا بلال ~~أفلا أكون عبدا شكورا وقال ألا أبكي وقد نزلت علي الليلة أن في خلق السموات والأرض ~~إلى قوله تعالى سبحانك فقنا عذاب النار ثم قال ويل لمن قواها ولا يتفكر فيها وروى ~~في بعض الأخبار من نظر في النجوم وتفكر في عجائبها وقدرة الله تعالى فيها وقد أرتنا ~~ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار وكتب الله له بعدد كل نجم في السماء حسنة ~~55و ~~قال عليه الصلاة والسلام تفكر ساعة خير من عبادة سنة • وكل أحد محتاج ~~إلى التفكر إما في أمور المعاش وإما في أمور المعاد من لم يفتكر في العواقب ما الدهر له ~~بصاحب • قال أفريدون من أدرع الحرام ms096 من سهام المكائد • وقيل من علامة ~~الدولة قلة الغفلة • وقال بعض العلماء من أعرض عن الحزم والاحتراس • وبنى أمره ~~على غير أساس زال عنه العز واستولى عليه العجز • وقيل أضعف الحيلة خير من ~~أقوى الشدة • قال أبو مسلم الخراساني • ~~• أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت • عنه ملوك بن مروان إذا حسدوا • ~~• ما زلت أسعى بجهدي في ديارهم • والقوم في غفلة بالشام قد رقدوا • ~~حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا • من نومة لم ينمها قبلهم أحد • ~~ومن رعى غنما في أرض مسبعة • ونام عنها تولى رعيها الأسد • ~~وأمور السلطنة تقتضي ريادة التدبير والتفكر في حسن السياسة وغموض ~~الفكر والتعمق في أمور الناس وأكثر الناس احتياجا إلى التفكر والتأمل ~~من ولى أمورهم فإنه كلما اتسعت دائرة ملكه وكثرت أقطار ممالكه زاد ضبطه في تدبيرها ~~والقيام بمصالحها فتتسع دائرة فكرته • وتتشعب آراؤه • وطرق تدبيره فإن كان ~~له أولياء ونواب • وجند وعساكر • فهو دائما مفتكر في تدبير مصالحهم • وحفظ ~~ودادهم • وعمارة ولايتهم وأثارهم • وأن لا يميلوا عنه • ولا تفسد عقائدهم عن ~~محبته وولائه • ولا بد له أعداء وحساد فهو دائما متفكر في كيفية • ردهم إلى الوفاق ~~ونظمهم في سلك الرفاق • أو في تدبير تدميرهم • وقهرهم واستئصالهم • ومع هذا ~~فلا بد أن يكون محترزا من عارض يعرض له • أو ممن يقصده بسوء • فعلى كل مال ~~لا يخلوا باله من الأفكار • والأخذ بالحزم والتدبير في مصالح نفسه ومملكته وأوليائه ~~وأحوال مخالفيه وأعدائه • وهذا النبي صلى الله عليه وسلم ومغازيه الخندق ~~55ظ ~~وتفخيذة وبدر وقيل كعب بن الأشرف • وعبد الله بن أبي الحقيق ويبسط ذلك • رأيت ~~في جامع الحكايات أن أحد نواب السلطان محمود بن سبكتكين رحمه الله كان يدعى أبا ~~العباس عصى عليه في قلعة تسمى رأس الكلب من بلاد خراسان وكانت على رأس جبل وهي شاهقة ~~عاصية بحيث أنها لم يمكن حصارها ولا مناوشتها • ولا يصب المجانيق عليها فأرسل ~~إليه السلطان يلاطفه ويستهل خاطره ويستعطفه بكل ما أمكنه فلم يفده شيئا ولم ~~يذعن • وطالت مدة العصيان والمراسلة بينهما ms097 • فجهر من بعض أمرائه شخصا يقال ~~له نظام الدين مجردا إلى جهة • ثم قال له جز في طريقك بقلعة رأس الكلب وافعل في ~~التوصل إليها ما يمكنك من جليل الأفكار ودقيقها • ولا تبق مجهودا في استخلاصها • ~~وفي كفايتك ما يغني عن زيادة التأكيد • فتوجه نظام الدين إلى وجهة وقضى شغله ~~ثم قفل فجاز في طريقه بالقلعة المذكورة • وأرسل إلى أبي العباس يلاطفه ويسالمه ~~مع هدايا وتحف جليله • ثم تكفل له بإرضاء السلطان وبالغ في ذلك بحيث أنه ~~لان إلى كلامه واصغى إليه • فلما علم نظام الدين أن كلامه أثر في أبي العباس قال له ~~أريد الاجتماع بك فإن معي مشافهة لا يؤمن عليه كتاب ولا رسول فسمح بذلك ولان ~~لنظام الدين أن يصعد إلى القلعة فألبس نظام الدين بعض خواصه الدروع تحت ~~الثياب وقال لهم أجهدوا أن تصلوا إلى باب القلعة فإذا أملكنا الباب نرجوا أن ~~نصل منه إلى القلعة ثم توجهوا فأرسل أبو العباس جماعة من جنده فاستقبلوا ~~نظام الدين وجماعته في أسفل القلعة وقالوا لهم إن مخدومنا أبا العباس رسم أن لا ~~يصعد غير نظام الدين ولا يتقدم أحد من جماعته عن هذا المكان فلم يكترث نظام ~~الدين بهم ولا أثر ذلك فيه ولا أنجبه بل قال لهم انصرفوا كلكم إلى الوفاق ولا يقف أحد ~~منكم هنا فرجعوا إلى مخيمهم ثم توجه هو بمفرده فدخل القلعة واجتمع بأبي العباس ~~ولاقى كل واحد منهما بالإكرام والاعزاز والاحترام • والاحتشام التام • وجلسا في مكان ~~56و ~~عال مشرف على ما تحته • ثم مدوا السماط واحضروا أنواع الأطعمة الفاخرة المتكلفة ~~ولما فرغوا تباثوا الأشواق والأخبار وانبسطوا فقال نظام الدين لأبي العباس أريد ~~ان أسر إليك كلاما لا يحضرنا فيه أحد فأمر أبو العباس جماعته أن يخرجوا واختليا فلم ~~يبق عندهما غير صبي دون البلوغ كان يحمل لأبي العباس العكازة التي كان يتوكأ عليها ~~فإنه كان به وجع النقرس غير أنه كان آمنا على نفسه من الفتك لأن في محل عزته وبين ~~حفدته وجماعته ms098 • فلما خلا المجلس تحدث طويلا ثم أن نظام الدين عمد إلى خنجر كان معه فقتل ~~به أبا العباس فدهش لذلك الصبي وجمد مكانه ثم أنه أخرج من ساق خفة طنب حرير ~~فربط طرفه في وسطه وشد طرفه الآخر في ساق السباك وتدلى إلى أن وصل إلى الأرض ~~واجتمع بجماعته سالما فلما يشعر أهل القلعة وجماعة أبي العباس إلا وقد فاتهم نظام الدين ~~ووصل إلى مأمنه فاختل أمرهم ولم يسعهم إلا التسليم والإذعان فلم يبرح نظام الدين ~~أن ملك القلعة وأخبر السلطان أنه كفاه مؤنة أبي العباس • فانظر ~~ما أحسن نظام الدين وأدق حيلة واحدة بالحزم حيث افتكر أولا في خلاص القلعة ~~بالقوة والقهر فالبس غلمانه الدروع وأمرهم أن يأخذوا أسلحتهم وحذرهم لذلك ~~ثم افتكر في أن ذلك قد لا يتم ولا يصعد معه • وتلجئة الضرورة أن يدخل وحده ~~ولا يمكنه التوقف على الدخول إليها فيفتضح أذ هو طلب ذلك فإذا دخله كيف يتمكن ~~من بلوغه إلى ما يقصده ولا يمكن ذلك إلا بالفتك بأبي العباس فإذا فتك به وهو ~~منفرد عن جماعته فإنه أيضا يقتل ولا يفي هذا بذا فافتكر في وجه خلاصه بعد ~~قتله أبي العباس فأداه اجتهاده أنه ليس له مخلص إلا من الشباك بالتدلي فأخذ ~~أهبته لذلك وهذا واشباهه أمور لا يستغنى عنها الملوك • وكان الداهية ~~الدهياء والطامة الكبرى في باب التفكر والتدبير والمغالطة والتأمل في عواقب ~~الأمور والأخذ بالحزم وأنواع الحيل وذلك تمورلنك المخذول فإن أفكاره وتدابيره ~~56ظ ~~أبحرا لا تدرك لها غواص العقل ولا يسلك في طريقها المصيب الوهم سهل ولا وعر ~~وقد ذكرت نبذة من ذلك في تاريخه ومما لم أذكره في ذلك الكتاب أنه ~~لما قصد بغداد بعد رجوعه من الشام كان قصده أن يخربها ويفتك بأهلها ويقتلهم ~~فإن السلطان أحمد كان قد هجاه وأنكاه بالقول وذكره بأسواء ما يكون فحنق عليه ~~وأضمر له كل سوء وكان السلطان أحمد قد تحقق ذلك منه فلما وصل تيمور إلى ماردين ~~واشتغل بحصارها • وكان في شهر ms099 رمضان سنة ثلاث وثمان مائة علم السلطان ~~أحمد أن تيمور لا بد له من التوجه إلى بغداد وأنه يغدر به فلم يقر له قرار لأنه قد تحقق ~~من دهاه ومكره • وغامض حيله وفكره • ما يخفي في كثير من العقلاء • فلم يسعه غير ~~أن أخلى له بغداد • وتوجه نحو ديار الشام • واستخلف في بغداد شخصا يقال له فرج ~~وشخصا آخر يقال له بن البليقي • وأوصاهما أن لا يغلق في وجه تيمور باب ~~ولا يشهر في وجهه سيف • فمهما أراد أن يفعله يفعل فبلغ تيمور ذلك • وكان ~~قصده التشفي من السلطان أحمد فحين فاته ذلك أراد أن ينتقم من ممالك العراق ~~الجارية تحت ولايته لأنه لم يجد لدائه دواء • ولا لغليله شفاء • إلا بخراب مملكته ~~وتدمير رعيته • وما أمكنه تعاطي أسباب ذلك مع تسليمهم المدينة ومهادنتهم ~~وانقيادهم إليه • فأرسل إليهم من العساكر نحوا من عشرين ألف مقاتل مع الشيخ نور ~~الدين • وجلال الإسلامي ورستم ورسم أن يتسلموا المدينة • ويكون الأمير بها من ~~قبله رستم • ولا يخربوا ولا يقتلوا • وينادوا بالأمان والاطمئنان • فلما انفصل ~~العسكر تمارض وأشهر أن ضعفه صعب وجعل يشيع ذلك ويرجف به ويأذن ~~للناس فيدخلون عليه ويشاهدونه ملقى على فرش الفناء فانتشر ذلك في أقطار ~~البلاد ثم احتجب فأشاعوا أنه مات واشتهر هذا الخبر • وتحقق غالب الناس ذلك ~~ووصل على بغداد ولما تحققوا ذلك قال فرج إذا كان الأمر كذلك ومات تيمور ~~57و ~~فلم نعطي المدينة أو نسلم المدينة وكان قصد تيمور بذلك ما هو أدق من هذا كله وهو أن ~~السلطان أحمد إذا سمع أن تيمور قد مات يرجع إلى بغداد وربما يطمع في عساكر تيمور فيقصدهم ~~فيقع إذ ذاك في مخاليب تيمور • ثم أن فرج امتنع من تسليم المدينة واستعد للحصار ~~وأخذ في أهبة القتال فوجد تيمور عند ذلك سبيلا إلى استئصالهم وخراب المدينة ~~وقطع دابرهم فتوجه إليهم بالجنود والعساكر وفعل بهم ما فعل • ومن ذلك ~~قصته مع سلطان ماردين الملك الظاهر وقد ذكر بها وهو أنه لما ms100 أراد أن يستولي ~~على قلعة ماردين عمل مع الملك الظاهر أنواع المكر والحيل والدهاء وذهب فكره في ~~ذلك كل مذهب فحسبه في مدينة سلطانية سنة ولم يظفر منه بطائل فما وسعه إلا ~~أنه غالطه وصالحه فعانقه وأحسن إليه أحسانا لا مزيد عليه وقال إنك ولي من ~~أولياء الله وأنا ما كنت أعرف قدرك واعتذر إليه وولاه جميع ما حواليه من القلاع ~~والمدن منها ما هو متعلق بممالك الشام • ومنها ما هو متعلق بالسلطان أحمد ~~ومنها ما هو متعلق بصاحب دياربكر وغير ذلك • وقصده بذلك القاء الشر ~~والعداوة بينه وبين مجاوريه • وكتب له ستة وخمسين منشورا كل منشور بولاية ~~مدينة فإذا تشهروا لعدوانه وقصدوه من الجوانب والأطراف • لم يكن له أحد ~~يلتجئ إليه إلا تيمور فيستظل بجناحه فيصل منه إذ ذاك إلى القلعة ولكنه خاب ~~سعيه وقد اشبعت القول في ذلك في تاريخ تيمور • وأفكار تيمور الدقيقة • ~~وأراءه العميقة • لا تكاد تحصى • ولا يستغني من قصده النظر في دقيق الآراء ~~وغامض الأفكار • وخاصة الملوك والسلاطين عن مطالعة ما ذكرته في تاريخ ~~تيمور • لك بديهة مولانا السلطان نصره الله نصرا مؤزرا • وجعل صحة العزم ~~والحزم • والجزم لسلطان فكره الشريف وزراء • أحسن من كل روية • وأرضى ~~من كل فكرة ورية • مع المساعدات الإلهية • والتوفيقات الربانية • وكأنه ~~57ظ ~~وكأنه في شأنه الشريف قيل أهل الدول ملهمون • وسيأتي في المجلد الثاني ما يقضي الناظر ~~منه العجب في حوادث سنة إثنين وأربعين وثمانمائة إن شاء الله تعالى كان الفاضل ~~كثيرا ما ينشد • ~~• وإذا السعادة لاحظتك عيونها • نم فالمخاوف كلهن أمان • ~~• واصطد بها العنقاء فهي حبائل • واقتد بها الجوزاء فهي عيان • ~~أما رأيه الصائب • وتأمله الثاقب • وتأمله في العواقب • وما يتعلق بأمور ~~الآخرة • ومما يدل على ذلك حسن معاملته مع الخالق والمخلوق • والقيام بامتثاله ~~أوامر الله تعالى • وأحياء شعائر شرائعه • واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وسلوكه سبيل السلف الصالح • وطريقة الصحابة والتابعين • رضي الله عنهم ~~أجمعين • مهما أمكنه • والتودد إلى عباد الله تعالى بأنواع ms101 البر والإحسان • وأصناف ~~مكارم الأخلاق قولا وفعلا • ونية واعتقادا • فإنه مشاهد ليلا ونهارا لا يحتاج ~~إلى دليل • وقد مر ذكر ذلك مرارا • وكان من أقوى الدلائل الحسية على تفكريه ~~في أمور الآخرة • والاستعداد ليوم المعاد • فإن من اعتقد حقية المعاد • والقدوم ~~على رب العباد • فلا بد أن يجتهد في إصلاح أمور الآخرة ومعادة • ويهيئ أسباب ~~الإقامة لما بين يديه من زاده وعباده • هذا ما يتعلق بأحوال الآخرة وامر ~~المعاد • وأما ما يتعلق بأحوال الدنيا وأمر المعاش • من تدبير مصالح رعيته ~~وسياسة الملك بالفكر الدقيق • والرأي الصائب • فمن خير تولي المناصب السعيدة • ~~والولايات العالية • لم يزل يتصيد قلوب الناس ويستجلبهم بالكلام اللين • واللطف ~~البين • والخلق الهين • ويسدي إليهم أنواع المبرات • وأصناف الخيرات • ~~وذلك بتوفيق الله تعالى وحسن إرشاده • وتسديده في سابق الأزل واسعاده ~~فمن ذلك قضية الشيخ صفاء الدين يذكر أنه من المقربين عند المقام ~~58و ~~الشريف شاهرخ كان قد قدم القاهر على زمان الملك الأشرف فاعتنى بشأنه وجهزه ~~إلى الحجاز الشريف • ثم إنه رجع إلى وطنه • فاتفق أن الملك الأشرف جهز قاصدا إلى المقام ~~المشار إليه به عن آق تاو فاجتمع مع الشيخ صفاء عند المقام المشار إليه وذكر عن مالك ~~الشام وأمور حكاهما أشياء فانكره عليه الشيخ صفاء أو عارضه فيما ذكره وحصل لآق تاو ~~بذلك خجل أو وهن وانكسار من الملك شاهرخ المذكور وبلغ ذلك إلى الملك الأشرف ~~فلم يسهل عليه • وكان غري الطبع ثم إن الشيخ صفاء توجه نحو القاهرة وحضر ~~لدى الملك الأشرف فقال له مقرعا ممتنا عليه ألم أفعل معك هكذا ألم أصنع معك ~~كذا • وجعل يعدد عليه • ما أسداه من الإحسان إليه • ثم قال له فهلا سامحت ~~رسولي • وهب أنه تكلم بخلاف الواقع فلم لا تذكر إحساني إليك • وتعامل قاصدي ~~ببعض ما عملت معك • وتكافئ الخير بالخير وتساعده • فإذ لم تصدقه لا كنت كذبته ~~ولا خجلته • وإذ لم يتكلم بخير كنت سكت عن الشر • أما علمت أن حرمة الرسول ~~من حرمة المرسل • وإن مهما ms102 فعل مع قاصد الإنسان فهو واصل به • وكان الشيخ ~~صفاء لم يوفق في الجواب والاعتذار • ثم إنه أشبعه لعنا وشتما • وأمر به فأوسعوه ~~ضربا ولكما • وأهانوه إهانة بالغة • وألبسه من ملابسه الخزي خلقا سابغة ~~وكان يوما باردا فأمر به فغطسه في الماء البارد مرارا • وكان ذلك ~~بحضرة مولانا السلطان فلم يمكنه في مبادئ ما استشاط الملك الأشرف أن يقابله ~~بالشفاعة فإنه كان فظا غليظا • وعلم أنه إن بادر بالشفاعة ربما يزداد الحنق ~~والغيظ فأمهله حتى تشفى بعض التشفي • ثم مشى على ما اعتاده من حسن الشفاعة ~~والإحسان إلى الخلق بمكارم اخلاقه • فتقدم وشفع في الشيخ صفاء فشفع فيه ~~فتقدم له كالمعاون له والمخرج له من بحرة الماء فمد يده ودخل تحت ابطه ودس ~~له ذهبا ومالا جزيلا بين أثوابه ونبهه إليه لئلا يسقط منه فإنه أهين إهانة ~~58ظ ~~بالغة وذهب وهله وعقله • فأشار إليه بأدنى رمز بحيث أنه لم يشعر به أحد • فجبر بذلك ~~كسره • وأتم به جبره • ثم توجه الشيخ صفاء إلى مخدومه شاهرخ • وحكى له ~~ما جرى له من الوبال والنكال • وكيف خلصه مولانا السلطان من تلك الورطة ~~وأحسن إليه بحسن شفاعته • وما أسداه إليه من البر والإحسان • ولقد قال ~~لي السيد الشريف تاج الدين عبد الملك قاضي سمعان أخو إمام المقام الشريف شاهرخ ~~وكان قد حج سنة اثنين وسبعين وثمانمائة فرافقنا في أرض الحجاز فحكي لي في جملة ~~ما كن يثني على مولانا السلطان قال لما بلغ أميرنا أيمن الشريف شاهرخ ما أسداه مولانا ~~السلطان إلى الشيخ صفاء من الشفاعة والبر والإحسان • والمساعدة بمهما أمكنه ~~في تلك الحالة التي يذهل فيها العقل • ويطيش فيها الحليم • شرع يثني على مولانا السلطان ~~ويدعوا له • ويقول لمثل هذا تصلح الرئاسة والسؤدد • ولو لم يكن في ممالك الشام ~~ومصر للقريب والغريب ولمصالح المسلمين إلا الأمير جقمق أكفاهم • ولوددت ~~أن ولو كان الأمر إليه وأرجوا أن تصير أمور الإسلام والمسلمين إليه عن قريب ~~فكان الضال بالمنطق موكلا فمولانا السلطان بحسن تدبيره • وبمن ms103 تفكيره • اصطاد ~~قلب المقام الشريف شاهرخ واستعبده • وحصل محبته وصداقته • قل أن ~~يلي أمور المسلمين فلما وليها لم يسع شاهرخ غير الشكر لله تعالى • وزيادة الصداقة ~~وتأكيد المحبة • والإخلاص • وارتفع النكد وانجلى الغبار الذي كان قد حصل من ~~الدولتين الدولة الملكية الأشرفية • والدولة السيفية الشاهرخية • ~~بأدنى لطيفة • وكانت العداوة قد تأكدت بحيث أنه ما كان يمكن رفع ذلك ~~ببذل الأموال • ونفائسي النفوس والأرواح • فلله الحمد والمنة • ولقد ~~أذكرتني هذه النكتة ما وقع بيه هرون الرشيد وبين زوجته زبيدة من المعاتبة ~~في أمر محمد الأمين • وعبد الله المأمون • وهي أن محمد الأمين كان ولد هرون من زبيدة ~~59و ~~وعبد الله المأمون كانت أمه أمة سوداء وهو الذي يقول شعر • ~~• لا يسئمن21 أمرءا من أن يكون له • أم من الروم أو سوداء عجما • ~~• فإنما أمهات الناس أوعية • مستودعات واللاحساب آبا • ~~وكان هرون يحتج إلى المأمون لكونه رآه سديد الرأي • ضابط الأمر • أخذ بالحزم ~~قويم الفكر • مصيب القول • والأمين كان مسترسلا في اللذات • منهمكا في الراحات ~~منعكفا في المنادمة القينات والكاسات • ففي بعض ليالي السرور وقد صفا ~~ما بين هرون وزبيدة أبرزت ما في خاطرها له وقالت له على سبيل المعاتبة ونعوذ ~~بالله من مكر النساء يا أمير المؤمنين إن نظرك لم يمل إلا إلى بن السوداء • وعنايتك ~~لم تنصرف إلا لعبد الله المأمون • وأما ابني محمد الأمين فإنه محروم من عنايتك ~~مبعد من رعايتك • ولا أعرف لذلك سببا • ولا موجبا • فقال لها هرون صدقتي ~~ولكن الأمر ليس في هذا إلي • وإنما المأمون يفعل ذلك مع نفسه • ويصنع معي ~~ما يوجب التفاني إليه وارتباطي معه • وأما ابنك الأمين فإنه غافل • ~~وفي شغل شاغل ذاهلا عن مراعاة نفسه • فضلا عني وعن أمور الملك • وسياسة ~~الدولة • وسأبين لك حقيقة ذلك • ثم إنه دعا بأحد الخدام الطواشيه ~~فقال له اذهب من فورك هذا إلى محمد الأمين وادخل عليه من غير استئذان وانظر ~~ماذا يصنع • وعلى أي حالة • وفي أي هيئة ولباس هو • ثم ادعه على حالته ms104 • ~~وهيبته تلك • والكيفية التي هو عليها فذهب من وقته ودخل عليه هجما فإذا • ~~هو في مجلس لهو وطرب وقد ألبس الغلمان ثياب الجواري • والجواري ثياب الغلمان • ~~وهو أيضا قد لبس لباس القينات • متعاطيا كؤوس اللهو واللذات • فسلم عليه ~~فارتاع له • فقال اجب أمير المؤمنين فقال حدث حادث قال لا ولكنه يريد ~~أن ينظرك فطلب ثياب البدلة فقال إن أمير المؤمنين لم يأمر أن تتوجه إليه إلا على ~~59ظ ~~هذه الهيئة التي أنت عليها من غير أن تبدل شيئا فتضرع إليه في أن يفسح له أن يغير قماشه ~~فلم يسمح له بذلك • فبالغ بكل ما يمكنه فلم يفده • فما وسعه غير أن توجه على تلك الهيئة ~~فدخل على هرون بتلك الهيئة وحيا بتحية الخلافة وقبل البساط ووقف في مقام ~~الخدمة فأذن له في الجلوس فجلس فقال فيما ذا كنت قال تحت ظل مولانا أمير المؤمنين ~~في أرغد عيش وأطيبه ولله الحمد • فقال له تمن علي فقال أن في الاسطبل الفلاني ~~فرسا سبوحا حسن المشي والهيئة يصلح للركوب في حالة النشاط فقال هو لك وأيضا ~~فقال إن بالكرخ على جانب الشط بستانا ترها يحسن للجلوس وقت الصحبة والعشرة ~~والتنزه • فقال هو لك • وأيضا فقال سلامة أمير المؤمنين فأمره بالانصراف ~~فلما انصرف أمر الخادم المذكور أن يذهب إلى المأمون ويفعل معه ما فعل مع الأمير ~~فذهب ودخل عليه فإذا هو قد ألبس على غلمانه الدروع • وأفرغ هو أيضا عليه سابغ ~~السلاح • وهم واقفون في خدمته شاكي السلاح • وقد أوقد أمامه شمعة وهو متكي ~~على ترسه • واضع الخوذة عن رأسه • والدبوس في يده • وهو يطالع في كتاب • فسلم عليه ~~فنهض قائما مرتاعا • وقال ما حدث فقال خير وسلامة • عليك سمع وطاعة لأمير ~~المؤمنين فقال لأي شيء فقال لا أدري غير أن الأخبار طيبة • والأمور صالحة • فلا يكن ~~خاطرك الا مطمئنا • ولا صدرك إلا منشرحا • فإنه أراد أن ينظرك • وأحب أن يكلمك • ~~فأراد أن ينزع السلاح فقال بل على هذه الهيئة • فلم يسعه إلا التوجه ms105 على تلك ~~الحالة • فلما دخل على أمير المؤمنين حيا بتحية الخلافة ارتاع هرون له وقال ~~ما هذه الحالة أحدث شيء فقال إن الأمان بحمد الله تعالى قد شمل الدنيا وكل أحد ~~مشغول ومشغوف بما يهواه • إذا الولي محبور • والصدر مكسور • كل ذلك بسعادة ~~أمير المؤمنين • مع أن كلا من أكابر الناس وأعيان الخلائق خصوصا من هو رأسهم ~~60و ~~متول أمورهم • لا يخلوا من حسود غبن • أو عدو معاندا بي • يراقب فرصة الضرر • ~~ويرتقب زمانا يقدر فيه للشر الشرر • وإذا كان الإنسان والعياذ بالله غافلا ومعتهدا ~~على أوقات الأمن والأمان • ربما كان ذلك أنكى في اتصال الضرر إليه • فعلى هذا أولى ~~من تيقظ لهذه الزمرة • واستعد لمثل هذه الغفلة • أولاد أمير المؤمنين • إذا وأذى ~~يحدث والعياذ بالله للذات الشريفة مولانا أمير المؤمنين من متصدي منه قبل كل شيء ~~للماليكه أولاده • فأنا كل ليلة استعد لمثل هذه الكائنة • وأتيقظ لهذه الحالة • ~~إذ رعاية ذلك أكد علي من جميع الخلائق • وآمر جماعتي أن يحضروا إلي فيأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم لها • وفي الحقيقة أنما نحامي عن أنفسنا • ونحترز لذاتنا • فأعجب ~~هرون لذلك • فقال له وما الكتاب الذي كنت تطالع فيه فقال سير الملوك ~~يا أمير المؤمنين • فقال جزاك الله تعالى خيرا فهل لك حاجة • فقال سلامة ذات ~~أمير المؤمنين الشريفة وطول بقائه • فقال لا بد أن تطلب شيئا فقال يا مولاي ~~إن الجند محتاجون إلى صرف جوامك • ومضطرون إلى النفقة • فأسأل صدقات ~~مولانا أمير المؤمنين أن يصرف للجند جوامكهم • فقال أنت غدا تول صرف ذلك ~~من الخزائن • واعط من أردت وامنع من شئت • ثم ماذا قال يا أمير المؤمنين ~~إن البلاد شرقا وغربا ولله الحمد قد تمهدت بنافد أمير المؤمنين • وبسط فيها ~~الأمن والأمان • وإن في السجون أناسا قد أضر المقام فيها بهم • فإن انقضت ~~الصدقات الشريفة التفحص في أمرهم فمن استحق العفو يعفى عنه • ومن كان ~~عليه دين ينظر في حاله • أو يصالح عنه • ومن استحق القصاص يجري عليه • ~~أو يتلافى أمره • وعلى كل ms106 حال فالمذنب يسعه العفو • والبريء يسعه العدل • ~~فقال وهذه القضية منوطة برأيك فافعل فيها ما تختار • وأيضا فقال ~~يا أمير المؤمنين إن الخزائن بحمد الله موفورة • والولايات معمورة • والعساكر ~~60ظ ~~منصورة • والسيول من صدقات مولانا أمير المؤمنين الشفقة على الفلاحين والرعايا ~~برفع الخراج والكلف عنهم سنتين • ليترفه حالهم • ويطمئن بالهم • ويتسعوا في أمورهم • ~~ويتوفر الدعاء والثناء منهم لمولانا أمير المؤمنين • فقال اجلس غدا في صدر الدست ~~وطير المراسيم إلى الأطراف والجوانب بمسامحة الرعايا والفلاحين بمهما رأيت المصلحة فيه ~~فقبل الأرض ودعا وانصرف • فقال هرون لزبيدة اشعرت أن الأمر انسلخ من ~~الملك والخلافة بما هو عليه من الغفلة والانهماك في اللهو واللذة • وإن المأمون ~~تولى الخلافة وملك الدنيا في حياتي • واشتغل بالملك • واستعبد الجند والرعايا ~~وعيني تنظر مع إن في الناس بين عدو وصديق • وقد صار الناس كلهم للمأمون أصدقاء ~~وأعداء فقالت كيف • فقال إن الأمين لفي غفلة عد نفسه فضلا عن أبيه وعن ~~الملك والممالك • وأما المأمون فإني اجتهد حتى سخرت الناس وحبست منهم جماعة ~~ولا شك أن في خواطرهم مني ضغائن • وفي قلوبهم احقاد • وهو قد سعى في خلاصهم ~~وزرع محبته في قلوبهم • وحملهم بذلك مننا لا يقدرون على القيام بشكرها وهذا ~~في حق الأعداء • وأما الجند والأصدقاء وباقي الفلاحين • والرعايا • فإنه ~~استملكهم بما اسدي إليهم من الإحسان الذي قد تسبب في وصوله إليهم • وإن قدر الله ~~تعالى علي بأمر • وانتقل الأمر إلى أولادي فإن جميع الخلائق يتوجهون إلى المأمون ~~وينبذون الأمين وراء ظهورهم • وهذا أمر لا قدرة لي على التصرف فيه • ولا يكاد ~~يتيقظ له الأمن بصرة الله تعالى عواقب أموره وفتح له باب التوفيق والرشاد • ~~ومن يضلل الله فما له من هاد • وتطير هذه الحكاية أيضا ما يحكى عن الرشيد ~~وزبيدة من المعاتبة وإنه قال لبعض الخدام أن يذهب إلى الأمين ويباسطه ثم ~~يقول له في أثناء المحاورة أن صار الأمر يوما إليك ووليت الخلاقة ماذا كنت ~~تفعل معي وماذا توليني من الوظائف ففعل ذلك وامتثل ما ms107 أمر به الرشيد وقال ~~61و ~~للأمين في أثناء المباسطة أن وليت أمر المسلمين يوما ما كنت توليني من المناصب فقال ~~له الأمين كنت أعطيك كذا وكذا • وأوليك من الوظائف الوظيفة الفلانية • والوظيفة ~~الفلانية • ثم إنه ودعه وذهب وأخبر الرشيد بما كان بينهما • وما قال للأمين ~~وما أجباب به • ثم قال له اذهب إلى المأمون وافعل معه مثل ما فعلت مع الأمين ~~وقل له ما قلت للأمين • وانظر ماذا يجيبك ففعل • فلما قال له ذلك لم يستتم ~~كلامه إلا وقد رفع المأمون دواة كانت بين يديه فضربه بها فشجه موضحة وقال ~~له يا بن الفاعلة أو تتفوه بمثل هذا الكلام جعل الله يومنا قبل يوم أمير المؤمنين ~~وكلنا له الفداء • وأمر به فسحب واخرج • فدخل على الرشيد ودمه حميمة • فارتاع له وسأله ~~عن حاله فأخبره بما كان منهما • فدعا الرشيد المأمون وسأله لماذا ضرب خادمه فقال ~~يا أمير المؤمنين جعلنا الله فداك • لقد أتى أمر عظيما • وفاه بكلام تقف له ~~شعرة الأبدان • فقال وماذا قال قال يا أمير المؤمنين قال أن لساني لا يجترئ ~~على ذلك • وإذا أمر بخاطري أكاد أسقط وتضعف رجلاي عن حمل بدني فقال ~~قل ما قال ولا تخف • فان حاكي الكفر ليس بكافر قال قال كلاما فيه اشعار بما ~~يسوءنا في أمير المؤمنين جعل الله جميع الخلق وأيانا فداء لمولانا أمير المؤمنين ولا أرانا ~~فيه يوم سوء • فاسترضاه هرون وصرفه • ثم قال لزبيدة انظري إلى فكر ابنك ~~وكيف فعل ثم تأملي أفكار المأمون الدقيقة • وكيف علم أن لا يصير الأمر إليه ~~إلا أزا مت أو خرج الأمر من يدي ففعل مع الخادم ما فعل • ولك الأخذ بالحزم ~~من شروط الملك • وأحسن ما تعاطاه الأكابر • على الخصوص في زماننا هذا وإن ~~كان لا محذور من مقدور • والأسباب معتبرة • قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم اعقلها وتوكل • وقال الشاعر شعر• ~~على المرء أن يسعى ويبذل جهده • وليس عليه أن يساعده الدهر • ~~61ظ ~~فإن مال ما يسعى المنا ثم أمره ms108 • وإن غلب المقدور كان له عذر ~~حكاية ذكروا أن بعض الأمراء كان قد توجه إلى قتال عدوه فلما قرب التصاف ~~لبس لامته واستعجل في تزريرها فترك مكان زر منها • فقال له إحدى جواريه ~~زر هذه الزر فقال اتركيه واستعجل فركب وتوجه إلى القتال فكان من قضاء الله تعالى ~~وقدره أن جاه سهم من مكان ذلك الزر فقتله • والأخذ بالحزم والتفكر في عواقب ~~الأمور • والتيقظ • وتعاطى أسباب الاحتياط • من الأعداء والاحتراس من الجوانب ~~والجهات • لا يقدح في صحة التوكل • وتسليم مقادير الأمور إلى مسبب الأسباب • ~~وربط زمام الانقياد بالأمل تدبيره • وطرح القلب والقالب في مجاري اختياره ~~وتقديره • فلذلك أردفنا فصل الحزم • بفصل التوكل • والتفويض • ليعلم الواقف ~~على الكتاب أنه لا منافاة بنهما فيأخذ خطه من كل منهما • ويستعمل كل شيء منهما ~~في محله كما ينبغي • والله الموفق المعين • وهو عون المستعين • ~~فصل في التوكل والتفويض • وتحمل المشاق • ~~والصبر في الأمور • ~~قال الله تعالى حكاية عن رسوله صلى الله عليه وسلم بعد واقعة أحد الذين ~~قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل • ثم قال فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان ~~الله والله ذو فضل عظيم • وقال إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقدري ~~به في المنجنيق إلى النار وهو في الهواء حسبي من سؤالي • علمه بحالي • وقال ~~مؤمن آل فرعون وافوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد • ثم قال فوقاه ~~الله سياءت22 ما مكروا • وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم فإذا عزمت ~~فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين • وقال وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ~~62و ~~وقال وعلى الله فليتوكل كل المؤمنون • وعلى الله فليتوكل كل المتوكلون • وقال وما ~~توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وقال تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه ~~وقال مرشدا نبيه صلى الله عليه وسلم قلن لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا وقال ~~تعالى مفزعا وموبخا من لم يتوكل عليه أليس ms109 الله بكاف عبده • وقال عز من ~~قائل ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم أي عزيز لا يذل من عز به • ولا يضيع من لاذ ~~لجنابه • حكيم لا يقصر عن تدبير من توكل على تدبيره • مقتضي المقام أن يقال ومن يتوكل ~~علي يعز فيعل إلى ومن يتوكل علي فإني وكلاهما مقام التكلم فيعل من مقام التكلم إلى مقام ~~الغيبة ففيه التفات على مذهب الشيخين الزمخشري والبكالي رضي الله عنهما وعلى هذا ~~المقتضى المقام ومن يتوكل على الله ثم كان حق العبادة أذ يقال فإنه فقيل فإن الله وضع المظهر ~~موضع المضمر في موضعين • ولا يخفي ما فيه من التعظيم ونباهة الشأن • وفي وضع ~~المظهر موضع المضمر في قوله عز وجل فإن الله عزيز حكيم حيث لم يقل فإني وكذلك ~~لم يقل ومن يتوكل علي من التعظيم ونباهة الشأن • والدواعي على التوكل إليه • وتفويض ~~الأمور إليه ما لا يخفي • ونظيره قوله عز وجل فإذا عزمت فتوكل على الله حيث ~~لم يقل فتوكل علي فليتأمل • وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من انقطع ~~إلى الله كفاه كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب • ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها ~~وقال السري السقطي رضي الله عنه ورحمه التوكل الانخلاع من الحول والقوة ~~وقال بن مروان التوكل الاستسلام • لجريان القضاء في الأحكام • وقال ~~المحققون مشتق من الوكالة يقال وكل أمره إلى فلان أي فوضه إليه • واعتهد في أموره ~~عليه قال شعر • ~~فإن شاء أحياني وإن شاء أتلفا • ~~ويسمى الموكل إليه وكيلا • ويسمى المفوض إليه متكلا عليه • ومتوكل عليه • ~~62ظ ~~وإنما يفعل ذلك الإنسان مع إنسان مثله لما يثق به ولم يتهمه فيما وكله إليه بتقصير ولم ~~يعتقد فيه عجزا وقصورا • فعلى هذا يحث على التوكل لما يقتضيه مرؤته أن ~~يجتهد فيما وكل إليه بحيث أنه لا يخيب ظن الموكل • وإذا كان هذا في حق إنسان لا يملك ~~لنفسه فضلا عن غيره ضرا ولا نفعا • فما ظنك برب خلقك • وتكف بجميع مصالحك ms110 • ~~من حيث لا تدري • ثم قال لك وتوكل على الحي الذي لا يموت وقال لك قل الله ثم ~~ذرهم • وقال وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين • قيل سأل أبو موسى الرملي ~~أبا يزيد البسطامي رضي الله عنهما عن التوكل فقال له ما تقول أنت فيه فقال إن أصحابنا ~~يقولون لو أن السباع والأفاعي عن يمينك ويسارك • ما تحرك لذلك سرك • فقال ~~أبو يزيد رضي الله عنه هذا قريب لك لو أن أهل الجنة في الجنة ينعمون • وأهل ~~النار في النار يعذبون • ثم وقع لك بينهما تمييز خرجت من جملة التوكل • فحقيقة ~~التوكل ثبات القلب وقوة اليقين بالله تعالى • وعدم الاضطراب بما يحدث من خير ~~وشر • والسكون تحت ما يضر من سر القضاء والقدر • سئل ذوا النون ~~رضي الله عنه عن التوكل فقال خلع الأرباب • وقطع الأسباب • فخلع الأرباب • ~~إشارة إلى علم التوحيد • وقطع الأسباب • إشارة إلى الأعمال • فقيل له زدنا فقال ~~القاء النفس في العبودية • واخراجها من الربوبية • وهذا إشارة إلى التبري ~~من الحول والقوة • فكلما ترى اليقين بالله تعالى ثبت التوكل فحصلت راحة ~~البدن والقلب • وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس ~~رضي الله عنهما أني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك • احفظ الله تجده تجاهك • ~~إذا سألت فاسأل الله • وإذا استعنت فاستعن بالله • واعلم أن الأمة لو ~~اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك • وإن اجتمعوا على أن ~~يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك • رفعت الأقلام • وجفت الصحف ~~63و ~~وفي رواية احفظ الله تجده أمامك • تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة • ~~واعلم أن ما أخطاك لم يكن ليصيبك • وما أصابك لم يكن ليخطيك • واعلم أن النضر مع ~~الصبر • وإن الفرج مع الكروب • وإن مع العسر يسرا • وقد مر هذا الحديث الشريف • ~~حكاية في التوكل ذكر في جامع الحكايات إن السلطان محمود بن سبكتكين ~~رحمه الله كان قد اجتمع عنده من العلماء والصلحاء • والفضلاء • والأذكياء ms111 • والشعراء • ~~والمهرة في كل فن • ما لم يجتمع عند غيره • فمن جملة ذلك منجمون مهرة كانوا قد ~~برعوا في علم التنجيم والاستخراج من الزايدجة إلى أن فاقوا في زمانهم وكان علم الهيئة ~~والتنجيم • والرمل • وقد اشتهر • وانتشر في زمانهم • وتحذق فيه جم غفير بواسطتهم وكان ~~منهم في خدمة السلطان محمود جماع من أعيانهم لهم إدرارات وجوامك وانعامات ~~وافرة تجري عليهم وكانوا لا يفارقونه سفرا ولا حضرا ولا ينقطعون عن ملازمته ~~صباحا ولا عشاء • ولم يتفق أن السلطان في هذه المدة التي كانوا ملازمي خدمته ~~فيها سألهم يوما من الأيام عن سعد طالع • ولا عن بخسه • ولا استشارهم في سفر ~~ولا غزو عن نجم ولا كوكب • ولم يذكر بين يديه في وقت من الأوقات شيء من رصد ~~ولا طالع إلا أعرض عنه وأخذ في حديث غيره • ولا التفت إلى ما يتعلق بعلمهم ~~ولا أصغى إليه يوما من الدهر فاتفق أن يوما من الأيام قال له بعض خواصه أن ~~مولانا السلطان في خدمته فلان المنجم وفلان المستخرج • وفلان الأستاذ وإن ~~مولانا السلطان ما اتفق أنه سألهم يوما عن طالع ولا غارب • ولا عن بخس كوكب ~~ولا عن سعده • ولم تقف المماليك لهذا على سبب • فقال له السلطان اعلم أني بنيت ~~أمري في أمور المملكة وما منحني الله تعالى من السلطنة على أمرين لا ثالث لهما أحدهما ~~التوكل على الله تعالى • وتفويض اموري إليه باطنا وظاهرا • سرا وعلانية • فإني أعلم ~~واعتقد أنه لا يجري علي بل ولا في عالم الملكوت شيء ولا تتحرك ذرة ولا تسكن إلا ~~63ظ ~~بأمره وقضائه وأرادته • وإن جميع ما هو كائن من خير وشر قد فرغ منه وأتيقن أنه ~~لن يصيبني إلا ما كتب الله تعالى لي وقدره علي قبل أن يخلقني • وقضاه علي في أزل الأزال ~~حين كنت عدما • فمهما أتى علي من خير وشر • ونفع وضر • تلقيته بجيد الإذعان ~~والرضا • ولاقيته بالسمع والطاعة • ولا يستعين غير ذلك • وناهيك قصة ~~آدم عليه الصلاة والسلام وموسى عليه الصلاة ms112 والسلام واحتجاجهما • وكيف ~~حج آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام • وإذا سألت عن شيء من ذلك فربما يتعلق به ~~خاطري • ويتشوش فكري • فأما أن يفسد به اعتقادي أو تتشتت به أرائي وتتوزع ~~فكري وبالي • ثانيهما اتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم • والتشبث ~~بأذيال شريعته • والاقتداء بأقواله وأفعاله على حسب الطاقة • ومهما أمكن ~~فالأول باطني واعتقادي • والثاني ظاهري واعتمادي • فقال له السائل فإذا ~~كان الأمر كذلك فلم يجري عليهم مولانا السلطان هذه الإنعامات الوافرة ~~والجوامك السنية • والادرارات المتكاثرة • وهل لا يكون ذلك موفرا في الخزائن ~~السعيدة • إذ لا احتياج إليهم • ولا معول حينئذ على كلامهم وعلمهم • فقال ~~السلطان رحمه الله إن السلطان ينبغي أن يكون كالبحر يغترف سنة كل أحد ~~ولا يخلوا واحد من الناس عن نصيب منه • ولا يختص بفيضه ونواله بعض الناس ~~دون بعض • وخاصة أهل العلم والفضل والذكاء • ومن له سعي في طلب الكمالات ~~فقال يا مولانا السلطان فلتبرز المراسيم بلزومهم بيوتهم • ولا تكلفهم السفر والانزعاج ~~بالحركة • ويزيد الإحسان إليهم برفع مشقة السفر عنهم • ويكون ذلك مضافا إلى ما • ~~يسدي إليهم من إحسان وإنعام • وأفضال وإكرام • فقال السلطان كما ينبغي أن • ~~يكون السلطان كالبحر الفياض • وكالمطر العام • لا يحرم من نواله أحد • كذلك • ~~ينبغي أن يكون كالمقر الجامع • مهما طلب من شيء فيه وجد • وهذه درجة الكمال ~~64و ~~وهؤلاء وإن كنت أنا غير محتاج إليهم • ولا ملتفتا إلى أقوالهم • لمكان التوكل والتفويض ~~لكن ربما يكون في الجند والعساكر من هو مشغول بعلمهم • ومربوط بأقوالهم • ومعتقد ~~تقاويمهم • وأنا إنما اصحبهم كيلا يخلوا عسكري من العلم والفضل • ولأجل ذلك أكلفهم ~~مشقة السفر • والملازمة في الحضر • فانظر أيها المتأمل ما أحسن هذا ~~الاعتقاد • وهذا الاعتقاد السعيد المبارك بعينه هو اعتقاد مولانا السلطان ~~ثبته الله تعالى بالقول الثابت في الحيوة الدنيا والآخرة • وما انطوى عليه ضميره ~~ويقينه الشريف واتخذه باطنا وظاهرا • قولا وعملا • فإنه لما تشرفت الدنيا ~~بطلعته السعيدة • وولايته السديدة • لم يتغير عن حالته التي كان عليها أولا ~~من القرب من ms113 الناس • والاختلاط من العلماء والفضلاء والأتقياء • والأذكياء • ~~والتماس البركة • والدعاء الصالح من الصلحاء • والفقراء • والتودد إلى القريب • ~~والغريب • ولم يحترس لنفسه كما كان يحترس من قبله من الملوك والسلاطين وهذا ~~هو أحد الأسباب الباعثة على تحريض المنافقين والمخالفين عليه • فإنهم لما رأوه مفوضا ~~أموره إلى الله تعالى • ملقي مقاليد حركاته وسكناته إلى أيادي قضائه وقدر مقتفيا ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم • مقدما للعلماء • وأهل الفضل والخير • مائلا ~~إلى مصاحبة أهل التقي والزهد والصلاح • توهموا أنهم يصلون إليه بمكروه • ولم يعلموا ~~أن الله تعالى هو ناصره وحافظه • ومؤيده وراعيه • يريدون ليطفوا نور الله بأفواههم ~~ويأبى الله إلا أن يتم نوره • ومن كانت هذه عقيدته وهذا يقينه هل يكترث للأعداء ~~أو يبالي بغير الله تعالى • ولما لم يهتم مولانا السلطان كما كان يهتم غيره بالحرس ~~والاحتراس • والتحفظ • والتيقظ • أغرى ذلك المخالفين • حتى صرح العتاه منهم ~~وقالوا نحن ما نريد لنا سلطان فقيه • ولا صوفي نحن ما نريد إلا سلطان على عادة ~~السلاطين الذين تقدموا • ثم إنهم عتوا وتجبروا وطغوا وبغوا ودبروا أمورا ~~64ظ ~~فجعل الله تعالى تدبيرهم في تدبيرهم • وأرسلوا إلى نائب حلب بكري يرميس التركماني • ونائب ~~الشام اينال الحكمي • وسائر النواب يضعون من جانب مولانا السلطان ويهونون ~~أمره • ويقولون إنه لا يصلح لسياسة الملك • ولا لتدبير أمور السلطنة • وإنه ~~مائل إلى صحبة الفقهاء • والعلماء • وإنه لا يحتجب من الناس • ولا يترفع عن الرعية • والخلق ~~كما هو دأب من تقدم من الملوك • والسلاطين • ولا يحترس بالسلاح وأربه • ~~والبواب • والحجاب • وأرادوا أن يجعلوا الملك العزيز شيئا للتوصل إلى أغراضهم ~~الفاسدة • والاستطالة على المسلمين • وأخذ أموالهم وحريمهم • وتوكيد كل شر • ثم قالوا ~~لهم إن فرص الفتك • وإيقاع المكروه به ممكنة • ونحن نتكفل بإيقاع الاذا23 به • ~~فتواعدوا على وقت معين • كموعدة أهل دار الندوة • فشرعوا يغالبون القضاء ~~والقدر • ويكالبون الشر والشرر • وهذه القضية ليست بأول ~~قضية وتعب • ومولانا السلطان لازال في نعم الله محفوظا • وعدوه وحاسده ~~مغبونا ومحزونا • ليس بأول من حسد وعودي ms114 • بل هذه عادة من قديم الزمان ~~والأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء • وخواص الناس والصلحاء • كلهم مبتل ~~بالأوباش والأنذال • حتى قالو في شأن أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم • لولا نزل ~~هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم • فرد الله تعالى عليهم فقال أهم يقسمون ~~رحمة ربك نحن قسمنا بينهم وكما أن الله تعالى أعلم حيث يجعل رسالاته كذلك ~~أيضا هو أعلم حيث يجعل سلطانه • وسياسة عباده • ثم أن الباغين المذكورين ~~لم يبقوا فيما كانوا بصدده من الجد والاجتهاد شيئا إلى أن خيب الله تعالى سعيهم ~~وبلغ الأفاق نعيهم • وذلك لما علم الله تعالى من حسن يقينه • وثقته ~~لحفظه • وحراسته إياه • وقوة توكله • وتفويضه أموره إليه • ولقد قال ~~لي بعض خواصه لما عصى الأجلاب عليه وظفره الله تعالى بهم وخذلهم فنزلوا إليه ~~65و ~~وأسكنهم في منزله الكريم تحت الكبش • وشرع هو فيما هو بصدده من تفقد مصالح المسلمين ~~وخلاص المظلومين من الظالمين • وضبط أمور المملكة الشريفة • والسلطنة حتى ~~تصل الأمراء الذين كان وجههم الملك الأشرف إلى صوب الرق قبل وفاته استمر على ما ~~كان عليه من عدم الاحتراس • والتشبث بذيل التوكل والتفويض • فقال لي هذا ~~الرجل قلت يا مولانا نظام الملك لم تغفل عن نفسك • وتهمل أمر حفاظها • هل لا تحتاط ~~لها • وأقل الأشياء أنك بالليل اجعل حوالي منزلك الكريم أعوانا ورصدا فإن المنافقين ~~والأعداء كثيرة فربما يكيدون كيدا • أو يبغون نكاية • قال فقال لي من يحرسني ويتعاهد ~~حياطتي وحفظي أنت لا تخف علي فإني لست بغافل عن رعاية نفسي • فلا يكن ~~خاطرك من هذه الجهة إلا مطمئنا • قال فتصورت أنه إنما يغني عن بعض مماليكه ~~وخدمه أنهم يتعاطون ذلك • ثم ظهر لي أنه إنما كان يعني بذلك أن الله سبحانه وتعالى ~~حافظه وواقيه • وكاليه وراعيه • وإنه متشبث بذيل قوله تعالى ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبه • إن الله بالغ أمره • ولما اكتفى بالله لا جرم كفاه الله تعالى ~~مؤنة ما أهمه • حكي عن أبي حسين الديلمي رحمه الله وكان كبير ms115 الشأن ~~في تفسير اسمه تعالى الحسيب قال من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه ~~وبين الناس • قيل رأى رجل شيبان الراعي رضي الله عنه يصلى والذئب ~~يحرس غنمه فقال له متى أصطلح الذئب مع الغنم قال لما اصطلح رب الغنم مع رب ~~الذئب • ولم يزل مولانا السلطان على ذلك حتى رد الله عز وجل عنه ~~كيد عدوه بعدوه • ثم أهلك عدوه وقطع دابر القوم الذين ظلموا ~~والحمد لله رب العالمين • ~~• فصل في العدل ~~قال الله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان الآية وقال رسول ~~65ظ ~~الله صلى الله عليه وسلم سبعة يظلهم الله الحديث بداء النبي صلى الله عليه وسلم بالإمام ~~العادل العدل الوسط • والوسط الخير • قال الله تعالى كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس • وقال تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء أي الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا أي مذكيكم • أي ويجعلنا بينكم ~~إمام القبلتين • جائز الفضيلتين • جعلناكم خيارا حائزين فضيلتين • وهما كونكم ~~عدولا • شهداء على الناس مأخوذا بشهادتكم • وكون الرسول صلى الله عليه وسلم ~~مذكيكم معدلكم • وقال صلى الله عليه وسلم عدل السلطان يوما يعدل عند الله ~~تعالى عبادة سبعين سنة وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال والذي نفس ~~محمد صلى الله عليه وسلم بيده أنه ليرفع للسلطان العادل إلى السماء مثل عمل جملة ~~الرعية • وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة ~~لا ترد دعوتهم الإمام العادل • والصائم حتى يفطر • ودعوة المظلوم • وروى ~~كثير بن مرة قال قال صلى الله عليه وسلم السلطان ظل الله في الأرض يأوي ~~إليه كل مظلوم من عباده فإذا عدل كان له الأجر • وعلى الرعية الشكر • وإذا خان ~~كان عليه الإثم • وعلى الرعية الصبر • وعن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه ~~لعمل الإمام العادل في رعيته يوما أفضل من عبادة العابد في أهله مائة سنة ~~أو خمسين سنة • وقال قيس بن سعد ستين سنة • اعلم أن العدل ~~ميزان ms116 الله تعالى في أرضه يؤخذ به للضعيف من القوي • وللمحق من المبطل • ~~والعدل من صفات ذات الله بمعنى أنه له أن يفعل في ملكه ما يشاء ~~ويحكم ما يريد • والخلق كلهم بعض ملكه • فله أن يفعل بهم ما يختار • فمن عرف أنه ~~سبحانه هو العدل • لم يستقبح بقلبه موجودا • ولم يستثقل منه حكما • بل يستقبل ~~جميع أحكامه بالرضا • ويصبر لما يأتيه من بلوى • بغير شكوى • لعلمه وتيقنه إنه العدل ~~66و ~~وأعدل المخلوقات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنهم أعدل الخلق مزاجا وطبيعة وأعدل ~~الناس أفعالا وإنما يعترض على أفعالهم من هو منحرف عن جادة الصواب • وفي عين بصيرته ~~عن مراقبة الحق عمياء • كالأعمى الذي خرج وهو ماش عن الطريق وهو يتصور له على الطريق ~~فيعثر في حجر أو شوك ونحوه فيقول نحوا هذا الحجر عن الطريق ويعيب الناس وإنما هو ~~الذي خرج عن الطريق لعمي عينيه ولهذا قال ذو الخويصرة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~لما قسم الغنائم أعدل وأجابه صلى الله عليه وسلم بأنه لم يعدل فمن يعدل وإنه أي ~~ذو الخويصرة خاب وخسر إن لم يعدل • وكيف يقال له صلى الله عليه وسلم هذا ~~الكلام وقد نزل عليه قوله تعالى وأمرت لأعدل بينكم وهو مما أمره الله تعالى أن يقوله ~~حيث قال له في صدر الآية المكرمة وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل ~~بينكم وأول الآية قوله تعالى فلذلك فادع واستقم كما أمرت لأتتبع أهواءهم ~~قال علي رضي الله عنه إمام عادل • خير من مطر وابل • واسد حطوم • خير من ~~سلطان ظلوم • وقيل عدل السلطان خير من خصب الزمان • وقيل ~~الملك يدوم مع العدل ولو كان الملك كافر • ولا يدوم مع الظلم ولو كان الملك مسلما ~~وما تعاطى حاكم في حكمه فضيلة أحسن من العدل • ولهذا بقي اسم أنو شروان مشهورا ~~بالعدل إلى يوم القيامة مع أنه كان مجوسيا يعبد النيران ومما اشتهر من عدله ~~أنه أمر أن يصنع سلسلة من مكان خارج من داره واصلة ms117 إلى قصره وداخل ~~حرمه وعلق فيها ناقوسا ونادى أن من له ظلامة ولا يقدر على التوصل إلى الملك ~~إذا أراد أن يرفع أمره إلى الملك يجي إلى تلك السلسلة ويحركها فإذا تحركت تلك ~~السلسلة وصوت ذلك الناقوس أمر بإحضار ذلك المظلوم وكشف ظلامته ~~وهذه العادة استمرت في بلاد الصين يفعلها ملوكهم وإلى يومنا هذا ~~وقيل إن أنو شروان كان يحب التصيد بالبازي وكان مغرما بحب هذا ~~66ظ ~~الطير فسأل يوما البازدارية ما سبب عمره قالوا لأنه يظلم الطيور والظالم عمره قصير ~~قال فتنبه بهذه الكلمة وبنى أمور سياسته على قواعد العدل فصار أمره إلى ما صار ~~واشتهر اسمه بالعدل وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولدت في زمن الملك العادل ~~ونقل عن بعض الملوك أنه كبر فثقل سمعه فحزن لذلك حزنا شديدا وجعل ~~يبكي ويقول ما أتأسف على ذهاب سمعي ولكن تلهفي وأسفي على أني لا أقدر أسمع صوت ~~المظلوم والمستغيث • ثم قال إن حرمت ذلك من طريق السمع فلا جعلنه من ~~طريق البصر • ثم أمر أن كل من كان له ظلامة وأراد إنهاءها فليلبس ثيابا حمرا ~~وليقف في المكان الفلاني ليعرف أن له ظلامة فأمر فنودي بذلك وقيل أن ~~السلطان نور الدين الشهيد رحمه الله لما أمر ببناء دار العدل بدمشق علم الأمير ~~أسد الدين شركوه أنه لا يسامح أحدا إذا رفعت إليه محاكمة فجمع مباشري ديوانه ~~وأقسم لمن شكى عليه من جهة أحد لينتقمن منهم وقال لهم إن السلطان لم يبن هذه إلا ~~من أجلي وأجل أمثالي فما وسعهم إلا أنهم أرضوا جميع الخصوم الذين كانوا ظلموهم ~~وروى أن بعض العقلاء غصبه بعض عمال المنصور ضيقة فاستعدى عليه إلى ~~المنصور فقال أصلح الله أمير المؤمنين أذكر حاجتي أم أضرب لها قبل ذكرها ~~مثلا فقال بل اضرب المثل قال اصلحك الله أن الطفل الصغير إذ أنابه أمر يكرهه ~~فإنما يفر إلى أمه ويأوي إلى حضنها إذ لا يعرف سواها فيظن أنه لا ناصر له غيرها ~~فإذا ترعرع ms118 واشتدوا وأوذي كان فؤاده وشكراه إلى أبيه لأنه قد علم أن أباه ~~أقوى من أمه على نصرته فإذا بلغ وصار رجلا وحصل له أمر شكي على الوالي لعلمه ~~أنه أقوى مما سواه وأنه لا يد فوق يده فإن لم ينصفه السلطان وحصل له من ~~يظلمه شكي إلى الله تعالى لعلمه أنه أقوى من السلطان وقد نزل بي نازلة ولم ينصفني ~~الوالي فشكوت إليك وليس فوقك أحد من المخلوقين ولا في المخلوقين والحكام ~~67و ~~أقوى منك وما بعدك إلا الله عز وجل وقد رفعت قضيتي إليك فإن انصفتني وكشفت ~~ظلامي وإلا رفعتها إلى الله تعالى في الموسم فإني متوجه إلى بيته وحرمه فبكى المنصور ~~وقال بل انصفك وأمر فكتب إلى واليه بأن يرد ضيعته إليه • ونظير هذه الحكاية ~~ما أورده الشيخ علاي الدين البخاري رضي الله عنه في رسالة الملحمة ونقلته عنه في شرح ~~عقيدتي التي نظمتها باسم مولانا السلطان المسماة بالعقد الفريد • في مسئلة24 التوحيد • ~~في قوله تعالى والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا • ثم بدا لي زيادة الإحساس ~~والعلم أن يقفوا في معرفة الله تعالى والأمور الإلهية على القياس بالمحسوسات والوهميات ~~فيقعوا في النخم والتشبه • وروى أن موسى عليه الصلاة والسلام سأل الله تعالى ~~في بعض مناجاته أن يريه نكتة من عدله فأمره ان يتوجه على المكان الفلاني فتوجه ~~إليه فيجلس على شاطئ نهر مختفيا ليرى ما أراد فامتثل ما أمره به فجاء رجل بعد ~~ساعة ونزع ثيابه ودخل في النهر وسبح وغلغل إلى أن غاب عن العين وكان معه ~~هميان فيه مال فوضعه في ثيابه فجاء رجل على فرس فرأى ثيابا لم يكن عندها أحد ~~فنزل عن فرسه وفتشها فلقي الهميان فأخذه وذهب • ثم بعد ساعة أقبل رجل ~~وعلى ظهره حزمة حطب • فلما وصل إلى الماء طرح الحضب عن ظهره وقعد يستريح ~~وخرج الذي كان دخل إلى الماء سابحا فأخذ ثيابه ليلبسها فلم يجد الهميان ففتش ~~عليه فلم يره • ولم يكن عنده غير صاحب الحطب فسأله ms119 فقال ما رأيت شيئا فقال ~~هل كان معك أحد غيرك قال لا قال فهل رأيت أحدا في هذا المكان لما جيت إليه ~~قال لا فقال إني وضعت الهميان هنا بيدي قبل أن أدخل إلى الماء ولم يكن هاهنا أحد ~~ولم يأت غيرك فأنا لا أشك ولا أرتاب أنك أنت أخذته فشرع يحلف ويقسم بما ~~يحلف به من أنواع الإيمان أنه لم يره ولم يعرف أحدا أخذه ولا يجد له سبيلا وهو ~~لا يصدقه إلى أن قال له أقسمه بيني وبينك وإن شئت خذ منه ما تريد فجعل ذلك ~~67ظ ~~يتألم ويتحرق ولم يجد سوى الإيمان الغلاظ الشداد والحلف فجعل يتألى ويحلف فقال له صاحب ~~الهميان لا تكثر القيل والقال • فإني لا أصدقك ولو حلفت مهما حلفت • ولا تطل الكلام ~~بيننا أما إن تظهر ما أخذته وهو الهميان وإما أقتلك • فلا يبقى لك ولا لي • فإني لا أشك ~~ولا يختلج في صدري غير أنك أخذت المال فإن أخرجته وإلا قتلتك • فقال تقلد وافعل ~~ما بدا لك • والله يحكم بيننا يوم القيامة • ففتشه وبالغ في التفحص عن ذلك منه فلم ~~يجد شيئا • فاشتد حنقه عليه • وغلا قبله • فما وسعه إلا أن قتله ومضى لسبيله • ~~كل ذلك وموسى عليه الصلاة والسلام يشاهد تلك الأحوال • فلما فرغ من ذلك ~~قال يرب25 سألتك أن تريني نكتة من عدلك فأريتني هذا الحال وانت أعلى وأعلم ~~فأطلعني على حقيقة الأمر فإن هذا في ظاهر الحال مخالف لطريقة العدل • فقال الله ~~تعالى يا موسى إن المقتول هو قاتل أبي القاتل • والقاتل هو سارق الهميان من أبي ~~الفارس الذي أخذه • ففي الحقيقة الذي ذهب بالمال إنما ذهب بمال نفسه المخلف • ~~له عن والده • والقاتل إنما قتل قاتل أبيه • واستوفى حقه بالقصاص • وهذه ~~الأحوال إنما ينكشف سرها يوم القيامة يوم تبلي السرائر وينادي لا ظلم اليوم ~~إن الله قد حكم بين العباد • ونظير هذه الحكاية ما قصه الله سبحانه وتعالى ~~عن موسى والخضر عليهما السلام في سورة الكهف في قوله ms120 تعالى وإذ قال موسى لفتاه ~~لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين إلى قوله ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبر أفات ~~ظاهر ذلك أي ما فعله الخضر عليه السلام من خرق السفينة • وقتل الغلام ~~وبناء الجدار وإقامته مخالف للشريعة • ومقتضي الحكمة • وباطنه موافق للحكمة ~~الإلهية • والعدل الحقيقي الذي لا يطلع عليه الا من أطلعه الله تعالى عليه • ~~قال الله تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ~~وقيل من أيقن بحقية أربعة أشياء أمن من أربعة أشياء من أيقن أن الصانع ~~68و ~~والمقدر لم يغلط ولم يخط أمن من العيب • الثاني من أيقن بأنه لم يمل في قسمة الرزق ~~أمن من الحسد • الثالث من أيقن أن المقدور كائن أمن من الغم • الرابع ~~من عرف أصله أمن من الكبر والعجب • كتب عالم حمص إلى عمر بن عبد العزيز ~~رحمه الله أن حمص تهدمت واحتاجت إلى الإصلاح • فكتب عمر رضي الله عنه ~~في جوابه إليه أن حصنها بالعدل • وفق طرقها من الجود والسلام • وقيل أمير ~~بلا عدل كغيم بلا مطر • وعالم بلا ورع كأرض بلا نبات • وشاب بلا توبة كشجرة بلا ~~ثمر • وغنى بلا سخا كقفل بلا مفتاح • وفقير بلا صبر كسراج بلا ضوء • وامرأة بلا ~~حيا كطعام بلا ملح • وقيل إن المأمون ركب يوما هو والقاضي يحي بن أكتم ~~وخرجا يسيران بين البساتين وكان المأمون في الذهاب في الظل والأشجار من ضوئه ~~وناحيته والقاضي في الشمس فلما رجع أراد القاضي يحيى أن يستمر في الشمس والمأمون ~~في الظل فانتقل المأمون إلى الشمس وقال للقاضي انتقل إلى الظل فدعا له وقال بل أنت ~~أولى يا أمير المؤمنين أن تكون في الظل وكون المماليك تحت ظل أمير المؤمنين يكفي ~~فقال له بل العدل يقتضي أن تكون أنت في الظل وأنا في الشمس لأن في الذهاب أنا كنت ~~في الظل وأنت في حر الشمس ولم يزل عليه حتى نقله إلى الظل ومشى هو في الشمس ~~وليعلم أن هذه الشريعة ms121 المطهرة وردت بالعدل وهو الوسط من الأمور ~~مثلا النصارى لا يتحامون الحائض أيام حيضها ولا فرق عندهم بين الحائض وغيرها ~~واليهود يجتنبونها رأسا بحيث لا يواكلونها ولا يشاربونها ولا يضاجعونها ولا ~~يساكنونها فجأت الشريفة المحمدية بما هو وسط بين ذلك فيوأكلونها ويفعلون ~~معها جميع الأمور إلا قربان ما تحت الازار • وفي بعض الملل على العامل القصاص ~~لا غير وفي بعضها الدية لا غير • وملة الإسلام كل مشروع فيها • وعلى ~~هذا قال الله تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذين يجدونه مكتوبا ~~68ظ ~~عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث والإعلال التي كانت عليهم • واعلم أن العدل يدخل به أكثر ~~الصفات المحمودة كما أن الصبر يدخل في جميع الطاعات • والعدل في التواضع ~~لمن يخالط الناس إذ لا بد من مخالطتهم أن لا يرى لنفسه مقدارا فوقهم فيسمى إذ ذاك ~~متكبرا • ولا يمتهن نفسه بينهم بحيث ينقصها حقها فيسمى إذ ذاك ذليلا ومستحقرا ~~ومتضعا • وليبغ بين ذلك سبيلا • والعدل في ذلك سلوك أمر بين التكبر ~~والضيعة • والعدل في الشفقة ولين الجانب أن لا يتجاوز الحدود في أجرائها ~~ومراعاة أمر الله تعالى به من اتباع شرائعه فيسمى إذ ذاك علو أو استكبارا ~~ولا يقص عن ذلك شيئا بحيث يفوت شيء من إقامة حد • أو أمر بمعروف • أو نهي عن ~~منكر • فيسمى إذ ذاك ركاكة ورخاوة مثلا من يستحق العفو لا يضربه • ومن يستحق ~~الضرب لا يقطعه • ومن يستحق القطع لا يقتله • ومن يستحق القطع والقتل ~~لا يعفوا عنه بل يحري أمور الشرع • وأحكام الله تعالى على ما ورد به الشرع الشريف ~~ويروي أن جعفر بن محمد دخل على الرشيد وقد استخفه الغضب فقال ~~له يا أمير المؤمنين إنك إن كنت لا تغضب إلا الله فلا تغضب له أكثر من غضبه ~~لنفسه يعني أنه حد لكل شيء فلا تتجاوز حدوده وهذا من باب جوامع الكلم ~~وقيل ينبغي للملك أن لا يصفح عن ثلاثة أولهم من يفسد ms122 في الحريم • الثاني ~~من ينازع في الملك • الثالث من يفشي سره • وعلى كل حال فالإنسان ليس في إجراء ~~حدود الله تعالى أشفق على عباده منه • والعدل في الإعطاء والإمساك أيضا ~~أن لا يتجاوز حدود الجود للإعطاء • ولا يقصر إلى التفتير في المنع • قال الله تعالى ~~والذين إذا اتفقوا لم يسرفوا ولم يفتروا وكان بين ذلك قوما وقال تعالى ~~ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ~~69و ~~وقد مر أن مجاوزة الحد في الإعطاء يسمى إسرافا وتبذيرا • ومجاوزة الحد في المنع ~~يسمى بخلا وشحا • وفصل ذلك • ولكن هذا إنما يكون إذا وضعت الأشياء في غير ~~محلها • أو تجاوز ذلك من لا تصل يده كل وقت إلى ما يريده • فإذا وصلت يده ~~إلى شيء أتلفه وبزره وأسرف فيه • وأما الملوك والسلاطين فمهما أجازوا ~~ومهما انعموا فهو دون همهم وخاصة إذا وضعوا الأشياء في محلها وكانت همتهم معروفة ~~إلى الخير والصلاح • واصطياد قلوب الأولياء • بالثبات على المحبة والولاء • ~~وقلوب الأعداء بقلبها إلى الوفاق والوفاء • واصطناع المعروف مع العلماء والفضلاء ~~فإذا كان كذلك فلا سرف عندهم • كان بعض الملوك والأكابر يعطي العطاء ~~الجزيل • والجوائز الوافرة • والهبات السنية • فقال له بعض خواصه لا خير في ~~السرف • فقال له لا سرف في الخير • انظر إلى هذا الجواب ما أحسنه وأوصنه ~~هذا يسمى في علم البديع بالعكس • ونظيره في القرآن قوله تعالى لا هن حل لهم ~~ولا هم يحلون لهن • وقال تعالى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي وقوله ~~يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل • وقال أبو تمام قصيدة فقيل له ~~لم لا تقول ما يفهم فقال لم لا تفهمون ما يقال • وقلت في مرااة26 الأدب ~~• يعذب قلبي إن فيه وفاكم27 • وفاؤك فيه أن قلبي يعذب • ~~وناهيك بهذه الخصلة الشريفة موقعا العظيم مصدرها وموردها التي هي ~~إحدى قواعد المملكة • وثمرة حدائق السلطنة • وتاج الحكومة وجمالها • بها تعنوا ~~الوجوه • وتذل الرقاب • وتخضع الجبابرة • وتشرق الأحرار وتصطاد قلوب ~~الأولياء ms123 والأعداء • ويحسن لها الذكر والثناء • ويملك بها القريب والبعيد • ~~ويسود بها الخامل والغريب • وكم كافر أسلم • ومسلم ارتد • والعياذ بالله تعالى ~~لأجل حطام الدنيا • فيا لها خصلة يترك بسببها الإنسان دينه • الذي يبذل ~~69ظ ~~نفسه دونه • وأحوج خلق الله تعالى إلى هذه الخصلة النبيلة • الملوك والسلاطين ~~لأنهم أفقر خلق الله تعالى إلى عطف القلوب عليهم • وصرف الوجوه إليهم • وقد ~~حكى أن بعض ملوك ما وراء النهر جهز ولده في سرية إلى بعض الجهات فكأنه كان ~~يتعاطى في طريقه الاستراحة والترفه مع الإمساك وحب المال فأرسل إليه ~~أبوه يقول له يا ولدي بلغني أنك تقيم في مرحلة يومين وإنك بالليل تنزع ~~ثيابك • وتنام على فراش وثير • وتقتر على حاشيتك • وهذا لا يصلح لمن تحمل ~~سياسة الرعية • وتقلد أمانة الحكومة • اعلم يا ولدي أن الناس ~~على قسمين حاكم ومحكوم • وأمير ومأمور • وسلطان ورعية • أما السلطان ~~والأمير والحاكم فلهم عن الجاه والسلطنة • والأمر • والنهي • وقهر الحاكمية • وبسط ~~اليد في الناس • كيف ما اختاروا مع ما تحمل عليهم من تحمل المشاق والكلف • والدخول ~~تحت أعباء الإبالة • وتعب القيام بأمور السياسة • والتصدي لمصالح الناس • ~~وحفظ العباد والبلاد • وأما الرعية فلهم ذل المحكومية وربط ~~جيد الانقياد • بحبل السمع والطاعة • والمسير في قيد التسليم والإذعان • مع ~~مالهم من توسد فراش الراحة • والالتحاق بشمول الأمن • والاشتغال بأسباب ~~الترفه تحت ظل الخمود • فاختر من أي القسمين تكون إما من قسم الملوك ~~فيختار تحمل التعب والمشقة في حفظ ممالكك ليلا ونهارا مع عزة التحكم ورفعة ~~التسلط • وبسط اليد واللسان • في الأموال والأبدان • وأما أن يكون ~~من قسم الرعايا فيختار الراحة والترفه ولذة العيش مع ظل الانقياد والمحكومية ~~وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لا ينام لا ليلا ولا نهارا فقيل له في ذلك ~~فقال إن نمت بالنهار أضعت الرعية وان نمت في الليل أضعت نفسي • فإذا ~~كان الأمر كذلك فيكفي الملوك والسلاطين عزة الملك وسورة الحكم وكون ~~70و ~~يدهم باسطة • وكلمتهم نافذة • في الأرواح • والأنفس • والأموال • فمهما اتفقوا ms124 على رعايا ~~من مال فهو بالنسبة إلى ما هم فيه من عز السلطنة • وجلالة الملك • وأبهة الحكومة • ~~وبسط اليد • ونفوذ الكلمة • في الأمر والنهي • وبلوغ الأمل من الأموال • والأرواح • ~~وانتشار صيت الهيبة • والعزة • والحرمة • شرقا وغربا • وانقياد الأولياء • ~~وقهر الأعداء • فهو شيء يسير حقير • والمال بالنسبة إلى عبد الملك كلا شيء • مدح ~~أبو دلامة الخليفة فقال له اعطيك على قدر همتك أو على قدر همتي فقال على ~~قدر همتي يا أمير المؤمنين فأمر له بخمسين ألف دينار فقيل له لم لا طلبت على قدر همة ~~أمير المؤمنين فقال لو قلت ذلك لما وفت الدنيا بقدر همته • فإن المال يزاد ~~أما لغرض أو عرض أو مرض • وفي أمثال الترك الدرهم الأبيض لليوم الأسود ~~وهذا لا يخلوا عن نوع مشقة وحصول تعب قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما لكم ولا مرآي لكم صغره أمرهم وعليهم كدره • كان اسما بن خارجة ~~رحمة الله عليه يقول ما أحب أن أود أحدا عن حاجة لأنه إن كان كريما أصون عرضه ~~وإن كان لئيما أصون عنه عرضي • والعدل في الحزم أن يكون الفكر مصيبا ~~والتأمل في عواقب الأمور على الوجه المرضي وإذا بولغ في ذلك وجاور حده سمي وسواسا ~~وسوء ظن وإذا أهمل قطعا سمي استخفافا وعدم مبالاة • وهذا كما قيل ~~في جواب من سأل عن الربا والإخلاص فقال العمل لأجل الناس شرك والترك ~~لأجلهم رياء • والإخلاص أن يعافيك الله منهما • والعدل في الشجاعة ~~أن يتبصر الإنسان مواقع القتال • ومجال النزال • والنضال • ويتأمل كيفية ~~الدخول في الحروب • والخروج منها • فإن كان للقتال مجال أخذ في أسبابه ~~وإلا انتظر وقته من غير غفلة عنه فإن التخلف عن القتال مطلقا يسمى ضررا ~~وجبنا • والإقدام فيه مطلقا من غير تبصر في عواقبه وكيفية الخروج عنه يسمى ~~70ظ ~~تهورا وطيشا • وكم القى التهور والطيش وعدم المبالاة خلقا في المهالك • ولولا عدم ~~التبصر والتأمل في العواقب • وقطع النظر عن كيفية الخلاص من أمور الحرب ما دخل ~~العسكر المتوجه من ms125 حلب في شهور سنة ثلث وأربعين وثمانمائة بعد قضية بكري ~~برميش العاصي وهم خوشكلدي دوادار الشريف الملكي الظاهري بحلب المحروسة ~~ومن معه من تراكمة الأمير أيلوك بن رمضان متولي مصيصة وأدرنه وتلك النواحي ~~كما سيذكر في موضعه • وذلك أن شخصا من أمراء التركمان يقال له موسى بن ~~قرا لما عصي بكري برميش نائب حلب في سنة إثنين وأربعين خرج معه وعصى ~~وكان يعبث ويفسد فلما أمكن الله تعالى من بكري برميش وقتل المنافقون والمخالفون ~~وكفى الله المؤمنين القتال استمر بن قرا على بغيه وعصيانه إذ لم يبق له وجه يقابل ~~به المواقف الشريفة لأن الخائن خائف فكان يعبث هو وجماعته في تلك النواحي ~~فتوجه نحوه الشريفة خوشكلدي كما ذكر وأرسلوا إلى بواب سيس وطرسوس ~~وتلك البلاد والي بن رمضان أن يلاقوهم إلى جهة عينوها • ثم توجه العساكر ~~الحلبية صحبة خوشكلدي فدخلوا مضائق تلك الجبال والأوعار ولم يفتكروا ~~في كيفية الخروج فاستعد لهم بن قرا المذكور قبل ملاقاة العساكر وحين وصلوا ~~إلى باب الملك من عقبه بغراص احتوشتهم التراكمة من رؤس28 تلك المضائق والجبال ~~فرموهم بالسهام والحجارة والمقاليع فقتلوا منهم جماعة ونهبوهم حسبما أرادوا ~~وهذه القضية نظير قضية العساكر التي جهزها الملك الظاهر برقوق ~~رحمه الله في أول ولايته إلى سولي بك بن دلغادر فكمنوا لهم في المضائق ونهبوهم ~~وعروهم فرجعوا إلى حماة في أبشع سورة كل هذا من عدم التأمل في العواقب ~~وقد قيل لسيف الدين خالد بن الوليد رضي الله عنه ما بالنا نراك ~~في بعض الأوقات تهجم على عساكر الأعداء غير مبال بهم قلوا وكثروا ولا تلتفت ~~71و ~~إلى من معك هل يتبعك أن ينجدك • ونراك في بعض الأوقات تحجم عن القليل من الناس ~~وتتوارى منهم حتى كأنك أجبن خلق الله فما السبب في ذلك فقال انظر إلى مصادر ~~الحرب قبل مواردها • فإن كان مصدرها هنئا والخروج منها غير مشق ولجتها إذا لجدال ~~مجال • وإن كان الأمر بالعكس احجمت وانتظرت الفرصة • وهذا كما قيل ~~• شعر • ~~فهياك والأمر الذي ms126 إن توسعت • موارده ضاقت عليه مصادره • ~~وحاصل الأمر أن جميع الصفات يدخلها العدل وهو صفة بين الإفراط ~~والتفريط • فالإفراط مجاوزة الحد فيها • والتفريط التقصير عنها والإنسان ~~لا يخلوا في حال من الأحوال • من صفة من الصفات • فمهما اقتصد في تلك الصفة ~~فهو عامل فيها بالعدل • وإن جاوز في ذلك الحد فهو مفرط • والا فهو مفرط • ~~وقالت الحكماء للإسكندر عليك في كل الأمور بالاعتدال فإن الزيادة عيب ~~والنقصان عجز • وفي الحديث خير الأمور أوساطها • ولهذا قيل ينبغي للإنسان ~~أن يتعلم من كل علم مقدار ما يحتاج إليه مثلا من علم الطب ما يعرف به مزاجه • ~~ومن علم التفسير والقرآن ما يقدر أن يتكلم به في كتاب الله تعالى لفظا ومعنى ~~ومن علم الحديث ما يعرف به صحيحه وسقيمه • ويضبط به اقسامه ومعرفة ~~رجاله • ومن علم الكلام ما يصحح به دينه ويقيم به اعتقاده ويقينه • ~~ومن علم الأصول ما يقدر به على استنباط الأحكام • ومعرفة أدلة الحلال ~~والحرام • ومن علم الفروع ما يحكم به أصناف العبادات وأنواع العادات • ~~وطريقة العقود • وإقامة الحدود • ومن المعقول ما يقوم به فكره ومن ~~علم الأدب ما يتقن به دقائق الكلام • ومن النحو ما يقيم به لسانه ومن ~~العروض ما يفرق به بين موزون الكلام من غيره • ومن علم مكارم الأخلاق ~~71ظ ~~ما يكسب به الذكر الجميل • والثناء الجزيل • إلى سائر العلوم • ومن الحرف ما يحصل به ~~القوت الحلال • وقيل إن أبا حنيفة رضي الله عنه كان إذا جاء طالب علم ليقرأ عليه ~~سأله فإن كان له حرفة يستغني بها عن الاكتساب بالعلم وعن سؤال الناس تقيد ~~به وعلمه وإن لم يكن له سبب يقيم به أوده يأمره لولا باشتغاله بما يحصل له به ~~القوت ثم يشغله بالعلم الشريف فقيل له في ذلك فقال العلم إنما هو لأجل الآخرة ~~وتحصيل الثواب وكل علم يجعل وسيلة إلى اكتساب الدنيا فهو وبال على صاحبه فينبغي ~~على كل أحد وخاصة العلماء أن لا يستعملوا العلم إلا في اكتساب ما عند ms127 الله تعالى ~~وقيل ينبغي أن يتعلم الإنسان من علم السباحة • والرمي • والركوب • ولعب • ~~الرمح • والخط • وغير ذلك من الصنائع بحيث أنه إذا تكلم بشيء من ذلك بحضرته ~~يكون فيه مشاركة وإلمام وبهذا قال • قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تعلموا حتى السحر • وقال الشاعر • ~~• علمت الشر لا للشر لكن لتوقيه • ~~• ومن لم يعرف ال • خير من الشر يقع فيه • ~~الا يستنكف من له بصيرة من تعلم أي علم كان وخاصة إذا كان العلم له شرف ~~وتمييز على غيره من العلوم • قال بعض الوزراء لابنه يا بني تعلم العلم والأدب فلولا ~~العلم والأدب لكان أبوك في السوق حمالا • وللنوق جمال • فبالعلم والأدب ~~ركبنا أعناق الملوك • ولم يخلق الله تعالى في جميع المخلوقات خلفا قابلا ~~لاكتساب الكمالات • وتعلم جميع العلوم • وتحصيل الدقائق والحقائق غير الإنسان ~~والعاقل من تنبه لهذه الدقيقة وجعلها دستور أموره في الدنيا والآخرة • ~~ومما يجب على الملوك من إجراء قواعد العدل الذي يحي الحق ويميت ~~الباطل تفقد أحوال الخاصة من خدمهم ورؤس29 الجند وبطائن الاتباع فيعتبرون ~~72و ~~ولا أخلاقهم وشيمهم وصفاتهم وافعالهم فيقربون من يستحق التقرب • ويطردون من ~~يستأهل الطرد والإبعاد • ولا يركنون إلى خائن ولا شره • ولا يعتمدون على كذوب ~~ولا يصغون إلى جهول ولا حسود ولا يستشيرون سيئ الخلق • ولا دنيء النفس فإن ~~هذه الأمور هي ملاك أمرهم • حكي عن الملك ازدشير أنه ذكر له رجل ~~حكيم متضلع من علوم الحكمة • وتزكية النفس • وتهذيب الأخلاق • وإنه يصلح ~~لمجالسة الملوك • ويستفيدوا منه • ويتكسبوا من حكمه وعلومه • فدعاه فلما ~~جالسه رأى منه من العلوم أكثر ما كان معه فلما حضر السماط شرع يأكل بنهمة تامة ~~وحرص كامل فقال ازدشير إن هذا لا يصلح لخدمة الملوك فإنه شره وإذا أكل هذا ~~بحضرتي على هذا الطريقة فكيف يصنع من الأحوال في غيبتي وطرده • ويعلم ~~من هذه الحكاية أن الذي يجالس الملوك يجب عليه أن يراقب أحوال نفسه على أدق ~~الدقائق ولا يسامح نفسه بأدنى شيء في التقصير من خدمتهم • وقد ms128 قيل من بنى ~~أمره على العدل ملك قلوب رعيته • ومن قام بالجود لم يملك منهم إلا التصنع وكانت ~~قلوبهم عند من يملكها • والعدل هو الاستواء والاستقامة • قال الله ~~تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا • وقال سبحانه وتعالى فاستقم ~~كما أمرت ومن مات معك • وهاهنا مسائل فقهية كلها مبنية على العدل ~~منها الوضوء والعدل في أن لا يقصر عن ثلاث مرات ولا يتجاوز إلى أكثر منها إلا ~~بطريقة ولا يسرق في صب الماء ولا يفتر • والعدل في الصلوة أن تأتي بها ~~على الأوجه الأكمل الأحسن كالمبادرة إليها في أحسن أوقات أدائها بجماعة من الصف ~~الأول عن يمين الإمام مع الخشوع والخضوع وحضور القلب وتعديل أركانها ~~بل تعديل الأركان عند أبي يوسف والشافعي رضي الله عنهما فرض إلى سائر ما هو ~~مبسوط في كتب الفقه وغيرها • ومراعاة الأدب فيها • والعدل في الصوم ~~72ظ ~~أن لا يتناول فوق الغداء المعتاد ولا يواصل والعدل في الزكاة أن لا يخرج ~~فيها ما يكره من رديء المال كما قال تعالى وتجعلون لله ما تكرهون على قول ~~وكما قال عز وجل ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا من تغمضوا ~~فيه • ولا تكلف جابي الصدقات المذكي إلى المال الغال عملا بقوله عليه الصلاة والسلام ~~واتق كرائم أموالهم • والعدل في الحج أن لا يمادي في الإنفاق ولا يتغالى كما ~~يفعله أبناء الزمان وأكابره • ولما حج عمر رضي الله عنه قال كم بلغت نفقتنا ~~يا يرفا قال ثمانية عشر دينارا يا أمير المؤمنين قال ويلك اجحفنا بيت ~~مال المسلمين ولا يقصر عن نفسه بحيث يصير كلا على الناس وهكذا أمور النكاح ~~قال الله تعالى ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا ~~كل الميل فتذروها كالملعقة • وقال تعالى أعدلوا هو أقرب للتقوى وهو ~~واجب عند القومان سنة عند القدرة عليه • مكروه عند العجز عنه • مستحب ~~عند استواء طرفيه • وكذلك سائر المعاملات مع الناس مبناها كلها على ~~قانون عدل الشريعة المطهرة • قال الله تعالى لقد ms129 أرسلنا رسلنا بالبينات ~~وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط والقسط هو العدل ~~وحاصل الأمر أن العدل هو قوام كل فضيلة كما أن الصبر هو أساس كل ~~خصلة جميلة • وقد ذكر في التفسير الكبير الإمام فخر الدين الداري رحمة ~~الله عليه عند تفسير قول الله تعالى أن الله يأمر بالعدل والإحسان هذا ~~القول ما بسط من هذا فليطالع به • ولما خص الله سبحانه وتعالى مولانا ~~السلطان خلد الله سلطانه • ولوضح على العالمين عدله وبرهانه • بجميل الصفات ~~وشريف النعوت والسمات • التي ذكرت في هذا الكتاب خصه أيضا من ذلك ~~بسلوك طريق العدل في جميع ذلك فما تم خصله من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم ~~73و ~~ومن العبادات والعادات الأوله منها من فضل الله الحظ الأوفر وهو واقف فيها على ~~سنن العدل والاستقامة • فليتأمل ذلك غير أن الله تعالى زاده على ذلك كله ~~إن وفقه للعم بقوله عليه الصلاة والسلام تخلقوا بأخلاق الله ومن جملة أخلاق ~~الله تعالى معاملة عبيده بفضله وكرمه • فلو عاملنا الله تعالى بعدله هلكنا ~~كذلك مولانا السلطان يعامل جميع الرعايا والخلق بفضله وجوده فاسأل ~~الله تعالى أن يعامله بفضله وكرمه • وجوده واحسانه • في الدنيا والآخرة ~~لأن الجزاء من جنس العمل • وقد قيل السلاطين ثلاثة سلطان ينتصف ~~لنفسه من رعيته • ولا يتنصف لرعيته من نفسه • وهذا أحطهم مرتبة • وسلطان ~~ينتصف لنفسه من رعيته • وينتصف لهم من نفسه • وهذا وسط بينهم • والثالث ~~سلطان ينتصف لرعيته من نفسه • ويترك حقه لهم فلا ينتصف لنفسه منهم ~~وها أعلاهم منزلة • وأرقاهم درجة • وذلك هو مولانا السلطان خلد الله ملكه ~~وأجرى في بحار السعد فلكه • فليتأمل ذلك • ومع كون مولانا السلطان أشفق ~~على رعيته من الوالدة على ولدها إذا رفع بين اياديه الشريفة قضية فيها حد ~~من حدود الله تعالى فهو أصلب خلق الله تعالى وأشدهم غضبا وقياما لله تعالى ~~في ذلك • ومن جملة ذلك ما برزت مراسيمه الشريفة من عرب ىلي الذين كانوا ~~نهبوا الحاج الغزاوي في أوائل سنة إثنين وأربعين • وذلك أنه لما ms130 توفي ~~الملك الاشرف في أواخر سنة أحد وثمانمائة استطال كل من في قلبه غش ونفاق ~~ومديده بالتعدي والظلم واغتنم فرصة الفترة وعلم أن الأمراء والرؤس مشتغل ~~بعضهم ببعض فتصدى الحجاج الذين كانوا انفردوا من القافلة المصرية إلى غزة ~~جماعة من عرب ىلي فأخذوهم ونهبوهم وقتلوا منهم وأسروا حريمهم وفعلوا معهم ~~ما هو مشهور عنهم فأسرها مولانا السلطان في نفسه حتى لاحت له فرصة فأرسل ~~73ظ ~~فأرسل إليهم سودون المحمدي مع طائفة من عساكر الإسلام فأوغلوا في طلبهم وكان معهم ~~من أمراء العرب أمير الكرك والينبع الأمير صخر • والأمير عقبة • وطائفة من بني عقيل ~~فلم يزالوا وراءهم ينقبون عليهم ودخلوا في بلاد العرب مداخل لم يكن وطئها أحد من عساكر ~~الإسلام قط حتى ظفرا بطائفة منهم فجاؤوا بهم في شهر رجب سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة ~~فبرزت المراسيم الشريفة أن لحرب عليهم ما أمر الله تعالى به في سورة المائدة من قوله ~~تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا ~~أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض فسمروهم ودخلوا ~~مصر مسمرين • وكان لهم يوم مشهود وذلك يوم الإثنين حادي عشرين شهر ~~رجب ثلث وأربعين • وسكن بذلك رعبة قلوب الناس • مع أنه خلد الله تعالى ~~دولته • وأيد صولته • مقتص أثار باقي المفسدين من العرب المذكورون وغيرهم ~~من المفسدين • ليجري عليهم أحكام عدله الشريف • فاسأل الله تعالى أن يظفره بكل ~~مخالف ومنافق • ويعطف عليه الإخلاص في طاعته كل ذي قلب سليم موافق • وسر ~~مع الله صادق • وهذا الذي ذكرته في هذا المختصر هو قطرة من بحر • وذرة من ~~جبل فاني لم أتشرف بتقبيل الأرض • والمثول بين يدي المواقف الشريفة الأمدة ~~يسيرة نحوا من ثلاثين يوما • وذلك في رجب وشعبان المبارك سنة ثلث ~~وأربعين فما أسعدها أياما كانت فبرزت المراسيم الشريفة أني ألازم الحضرة • ~~الشريفة ما دمت بمصر كليمه • فامتثلت ذلك واغتنمت هذه السعادة فكنت ~~أشاهد من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم والهمم السلطانية • والسجايا ~~الملوكية ms131 • في هذه المدة اليسيرة ما لا يمكن ضبطه ولا يجد ولا يحصر • ولا يسعه • ~~ديوان ولا دفتر • غير أنه يستدل بذلك على سائر الصفات الشريفة • والشمائل ~~المنيفة • المذكور ذلك في الآية الشريفة • والحديث الكريم • أما ما في الآية الشريفة ~~74و ~~وهي قوله تعالى إن الله يأمر بالعدل الآية فقال المفسرون العدل التوحيد والإنصاف ~~والإحسان مكارم الأخلاق • او أداء الفرائض • وهاتان الخصلتان ملكتان لمولانا ~~السلطان • وايتاء ذي القربى فمولانا السلطان بسط الله عدله • وأدام فضله وفصله ~~يؤتي أولي القربى وغيرهم • وصدقاته قد عمت القريب والغريب • وينهي عن الفحشاء ~~الزنا والمعاصي • والمنكر الشرك • وما لا يعرف شرعا ولا سنة • والبغي الظلم ومولانا ~~السلطان أبعد الناس عن هذه الخصال فهو متشبث بأذيال هذه الآية الكريمة ~~مقتف أوامرها • أبعد الناس عن زواجرها • وقد تبين ذلك مع أنه مشاهد محسوس ~~ولا يحتاج النهار إلى دليل • وأما ما في الحديث الكريم • فهو الإمام العادل وقد تبين ~~معنى العدل وكونه عاما في جميع الصفات المحمودة • وكون مولانا السلطان رحم الله ~~عاقبته • وأدام دولته وعاقبته • هو المختص بها دون سائر الملوك والسلاطين • وهو ~~الشاب الذي كان نشأ في عبادة الله تعالى كما مر بيانه • والرجل المتعلق قلبه بالمساجد ~~حتى كان له في وسط داره الشريفة مسجد أينما سكن يصلي فيه هو وجماعته ومماليكه ~~بحيث لا يخل بالصلوة في جماعة • وأما صدقاته فظاهرها قد بلغ أقطار الأرض ~~شرقا وغربا وباطنها لا يعلمه إلا الله تعالى وهو أكثر من ظاهرها • وقد مر بيان ~~هذا كله مستدلا عليه بالدلائل الحسية • وأما أصحابه وإخوانه في الله تعالى من ~~الصلحاء والعباد • والزهاد • والأحبار • والأبرار • وأرباب القلوب • فأكثر من ~~أن يحصوا • وناهيك بالشيخ القطب الكبير • فريد الدهر • وأحد العصر علما وعملا ~~الشيخ علاي الدين محمد البخاري تغمده الله تعالى برحمته • وأسكنه بحبوحة جنته • ~~فإنه كان من أكبر أصحابه • وأعظم أحبابه • وأما ذكره الله تعالى في الخلوات • ~~وتضرعه بين يديه • وخشوعه وخضوعه • والانقياد لأوامره • والبكاء من خشيته • ~~فذاك أمر يعرف ببديهة العقل • فإن الظاهر عنوان ms132 الباطن وقد ظهر صلاح الظاهر ~~74ظ ~~بحيث لا يخفي وأما ميل النساء إليه • ودعاءهن إياه فجماله البديع • وحسن هيئته • ~~ومكارمه • وأخلاقه • يقتضي أكثر من ذلك • غير أن تقواه وورعه وعفته • وما جبل ~~عليه من خشية الله تعالى وخوفه • وعظيم هيبته التي نشأ عليها • وفكره في العواقب ~~أقوى حاجز • وأمنع صارف له عن ارتكاب ذلك المحظور • فالذي ينبغي أن يتيقنه ويتحققه ~~ذو اللب والفكر الصحيح • والعقل الرجيح أن مولانا السلطان خلد الله تعالى سلطانه ~~وصانه عما شأنه • صار جميع الصفات العلية • والشمائل السنية • التي اشتمل عليها ~~هذا الحديث الكريم • كما حوى جميع الصفات الجميلة المذكورة في الآية الشريفة ~~من العدل • والإحسان • وإيتاء ذي القربى • والانتهاء عن الفحشاء • والمنكر • والبغي ~~قيل جمع أنو شروان الحكماء فقال قد أطال الأولون في وصفه تدبير الملك وأحب ~~أن يجمعوا إلى أصول سياسة الملك في كلام قليل فاجتهدوا أياما ثم اختصروا أصول ~~السياسة واتفقوا في ذلك على سبع كلمات وهي العالم بستان سياجه الشريعة • ~~الشريعة سياسة يخدمها الملك • الملك راع يعضده الجيش • الجيش أعوان ~~يكفلها المال • المال رزق تجمعه الرعية • الرعية أحرار مستعبدها العدل ~~العدل مألوف وبه قوام العالم والسلام • هذا ما أملاه لسان العلم بطريقة ~~الاستعجال • وتوزع البال • وأرجوا من الله تعالى أن أحرر من تلك الدلائل ~~القاطعة • والبراهين الساطعة • ما يثلج الصدر • ويبلغ القصد ويملأ عدة ~~مجلدات • باقيا على مر الزمان إن شاء الله تعالى • ~~فصل مما يحتاج إليه الملوك والسلاطين مما هو ~~قوام السلطنة وعماد المملكة ونظام أمور الايالة ~~والسياسة ~~إنما ذكرت هذا الفصل لتتم الفائدة • وتتوخى العائدة • والله الموفق ~~75و ~~فمن ذلك اتخاذ الوزراء الأكفاء • والجلساء الأتقياء الناصحين للملك المشفقين على ~~الرعية قال الله تعالى حكاية عن موسى عليه الصلاة والسلام واجعل لي وزيرا من ~~أهلي هرون أخي اشدد به ازري • واشركه في أمري • كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا • ~~إنك كنت بنا بصيرا • وقال في مكان أخر وأخي هرون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ~~ردا أن يصدقني إني أخاف أن يكذبون ms133 فقال تعالى مجيبا سنشد عضدك بأخيك ~~ونجعل لكما سلطانا • والملوك وإن جل مقدارهم • وارتفع محلهم • وتناهى عقلهم • فلا غنى ~~لهم عن وزير نصوح • ومباشر شفوق • وعامل كاف أوامر السلطنة • وحمل أعباء ~~الايالة والسياسة • وتحمل أمور الرعايا • وضبط الممالك شرقا وغربا • وحفظ الجوانب ~~والأطراف • ثقيل يحتاج إلى أعوان ومساعدين بل أعلى السلاطين يحتاج إلى أدنى ~~الغلمان • قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بعث الله من نبي ولا استخلف ~~من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه • وبطانة ~~تأمره بالشر وتحضه عليه • والمعصوم من عصمه الله تعالى • قال أبو جعفر ~~المنصور ما أحوجني إلى أن يكون على بابي أربعة أعفاء صلحاء لان الملك له سرير ~~وكما أن السرير له قوائم أربع لا يقوم إلا بها كذلك أمر الملك لا يقوم إلا بأربعة ~~بهؤلاء الأربعة فإن نقص واحد منهم أو كان فيه خلة سوء كان كالنقص الذي ~~يحدث في قوائم السرير • العيب والخلل الذي يقع فيه • أحدهم قاض لا ~~يأخذه في الله لومة لائم • الثاني صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي ~~الثالث صاحب خراج يستقضي ولا يظلم الرعية فان السلطان غني عن ~~ظلم الرعية • ثم قال الخليفة الرابع وعض على اصبعه وتأوه مرارا قيل من هو ~~يا أمير المؤمنين قال صاحب يريد يبلغ خبر هؤلاء على الصحة • وإذا اختار ~~الملك وزيرا ومعتمدا فليكن مثل أحد هؤلاء • قال ازدشير لكل ملك ~~75ظ ~~بطانة • ولكل بطانة بطانة • حتى يجتمع بطائن المملكة • فإذا كانت بطانة الملك ~~على الصواب كانت جميع بطانتهم على الصواب • فيجتمع جميع الرعية وعامة الخلق على ~~الصواب • وإذا كانت بطانة الملك على غير الصواب كانت بطانتها أيضا كذلك ~~فتفسد إذ ذاك عامة الرعية • وقيل مثل الملك الخير والوزير السوء الذي • ~~يمنع الناس خيره • ولا يمكنهم من الوصول إليه ولا الدنو منه ويقف ~~في طريقهم كمثل الماء الصافي العذب الذي كل أحد يحتاج إلى الشرب والاستقامة منه • ~~لكن فيه تمساح • وفي طريقه أسد فلا يقدر أحد على الدنو منه ms134 وإن كان سابحا وظمأن ~~وقيل مثل الملك مثل الطبيب • والرعية كالمرض • والوزير كالواسطة • ~~بين المرض وطبيبها • فإن وصف الوساطة المرض على ما هو عليه شخص الطبيب العلة ~~ووصف لها دواء يليق بها فشفي العليل وذهبت العلة • فإن الطبيب لا يصف الدواء ~~إلا على حسب ما يوصف له العلة ويشخصها • وإن ذكر له الواسطة العلة • ووصف ~~المرض على خلاف ما هو عليه • أما لغرض وأما لجهل منه • فلا شك أن المريض ~~يتلف لان الطبيب يصف الدواء على حسب ما أنهي إليه قديما يصف شيئا يقوي ~~العلة • ويكون سببا لهلاك المريض • فعلى هذا ينبغي أن يكون الوزير الذي ~~يختاره الملك صدوقا أمينا دنيا خاليا عن الأغراض • عارفا بطريق ~~الوزارة • وينبغي للملك أيضا أن لا يهمل أمر الرعية رأسا ولا يسلم أمرها ~~إلى رأي الوزراء بتابل يتفحص بنفسه أحيانا عن أمور الرعية كالطبيب الذي ~~يتفقد أحوال المرض بنفسه • ولا يكتفي بوصف الواسطة علة المرض • وهذا نوع ~~من الحزم واليقظة وبرأة الذمة • وخلاص النفس بين يدي الله تعالى يوم القيمة ~~قال أنو شروان لا يتم الملك أمره حتى يرفع نفسه عن كل عيب ويكون له ~~جليس مأمون الغيب • وخادم ناصح الجيب • وقيل لا يطمع المتكبر في الثناء ~~76و ~~ولا الخبء في كثرة الصديق • ولا السيئ الأدب في الشرف • والشحيح في البر • ~~ولا الملك المتهاون الضعيف الوزراء في بغا الملك • وكما يستدل على كمال عقل ~~الملك برسوله يستدل على ذلك بوزيره • ومدبر مملكته • وانشد مخارق بين ~~يدي المأمون شعر• ~~• وإني المشتاق إلى ظل صاحب • يروق ويصفوا إن كدرت عليه • ~~• عذيري من الإخوان لا إن جفوته • جفاني ولا إن صرت طوع يديه • ~~فقال ويحك يا مخارق خذ نصف الخلافة واعطني هذا الإنسان • وكان ~~الملوك والخلفاء المتقدمون لكثرة ما يتفحصون عن أمور مباشريهم وخاصتهم ~~قد استطردوا من ذلك إلى الإحاطة بجميع أحوال رعاياهم وقد مر حكاية الحجاج مع الصيرفي ~~والآية الكبرى في ذلك كان المأمون حتى قيل إنه كان له سبعمائة عجوز تدخل بيوت ~~الناس وتتفحص عن ms135 أمورهم وتأتيه بأخبارها ليلا ونهارا • ولما نزل عبد الله ~~ابن جعفر رضي الله عنهما بمكة بات بها ليلة ثم أصبح فقال يا أهل مكة عرفنا خياركم ~~من أشراركم في ليلة واحدة قال وكيف ذلك قال كان معنا أخيار وأشرار ~~فنزل خيارنا على خياركم • وشرارنا على شراركم • فوضح لنا الأخيار من الأشرار ~~وينبغي للملك مهما أمكنه أن لا يستعمل الخونة ولا الذمة أعداء الدين ~~كان عمر رضي الله عنه يقول لا تستعملوا اليهود والنصارى فإنهم أهل رشا في دينهم ~~ولا تحل الرشا • وقدم أبو موسى على عمر رضي الله عنهما وكان عاملا على البصرة ~~واستأذن لكاتبه وكان نصرانيا فقال له عمر رضي الله عنه قاتلك الله وضرب بيده ~~على فخذه وقال وليت نصرانيا على المسلمين والله سبحانه وتعالى يقول يأيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم ومنكم فإنه ~~منهم إلا الحدث حنيفيا فقال يا أمير المؤمنين لنا كتابة وله دينه فقال ~~76ظ ~~لا أكرمهم إذ أهانهم الله • ولا أعزهم إذ أذلهم الله • وال أدينهم إذ أقصاهم الله • دخل بعض ~~الكبراء • على بعض الخلفاء • فوجد عنده ذميا يكتب • وكان الخليفة يقرب ذلك ~~الذمي ويميل إلى كلامه فأنشده الداخل شعر • ~~• يا ملكا طاعته ديننا • وحبه مفترض واجب • ~~• إن الذي شرفت من أجله • يزعم هذا أنه كاذب • ~~وأشار إلى الذمي وقال سله يا أمير المؤمنين عن ذلك فسأله لم يجد به بدا من ~~أن يقول هو صادق فاعترف بالإسلام • وقد علم من هذا أنه ينبغي للملوك ~~والسلاطين أن لا يقربوا أعداء الدين لحال خاصة الأطباء والحساب • فقد قيل ~~• شعر • ~~كل العداوة قد يرجى الصلاح لها • إلا عداوة من عاداك في الدين • ~~سئل بزرجمهر ما بال ملك آل ساسان خرج منهم بعدما كانوا في قوة ~~وبسط يد • ووفور عدد وعدة • وتطاول سلطان • وعدم مخالف ~~وشدة أركان المملكة • فقال لأنهم قلدوا كبار الأعمال • صغار العمال ~~• وأنشد شعر • ~~لله در انوشروان من رجل • ما كان أعرفه بالوغد والسفل • ~~نهاهم أن يمسوا ms136 عنده قلما • وان يدل هو إلا حرابا بالعمل • ~~وكما ان كل سلاح له محل كل رجل من الكفاية له محل في تولية الأعمال • والمراءة ~~لا تصلح لكفاية عمل • ولا لحفظ سر • فضلا عن ساسة الملك • ولما مات ~~كسرى بلغ موته النبي صلى الله عليه وسلم فسأل من ولي مكانه فقالوا ابنته ~~بوران فقال لن يفلح قوم اسندوا أمرهم إلى امرأة فاختل أمرهم • قال ~~المأمون ما فتق علي في مملكتي فتق قط إلا كان سببه جور العمال حكاية ~~77و ~~كان بعض الخلفاء شديد البأس • وكان له عامل جائر لا يقدر أحد أن يخاطب الخليفة ~~من أمره لكونه يميل إليهم فاستعملوا في أمره نديما للخليفة حاذقا ففي بعض الليالي ~~أرق الخليفة واستدعى النديم ليشاغله بطرف الأحاديث والأخبار فوجد فرصة ~~للتعرض بخبر العامل فقال إن بومة بالبصرة خطبت لابنها بنت بومة بالكوفة فقالت ~~بومة الكوفة أريد صداقها قريتين من خراب القرى فقالت بومة البصرة أما الآن ~~فلا أقدر على ذلك لأن البلاد على أيام أمير المؤمنين خلد الله معدلته كلها عامرة ~~لكن إن كان عليك مهل فاصبري نحو سنة فإنه إن دام على البلاد ولاية فلان ~~عاملها فإني أعطيك لو شيئت مائة قرية خرابا كما تريدين وتشتهين قال فاستيقظ ~~الخليفة بهذا الكلام وأخذ في التفتيش عن أمر الوالي وعزله • وكان عمر رضي الله ~~عنه إذا استعمل عاملا اشترط عليه أن لا يركب البراذين • ولا يلبس الرقيق • ~~ولا يأكل النقي • ولا يتخذ حاجبا • ولا يغلق بابا عن حوائج الناس • ولا أغراضهم ~~ولا أعمالهم • ويقول له إنما استعملتك لتقضي بينهم بالعدل • وتعمل مصالحهم • ~~وتصلي بهم • وكان إذ أقدم الوفد عليه سألهم عن حالهم وعن أشعارهم وعن أحوال ~~أميرهم هل يدخل على الضيف • ويعد المريض • فإن قالوا نعم حمد الله وإلا ~~عزله • قيل إذا ولي السلطان العمال الظالمين مثل من استدعى الذئب ~~الغنم • وربط الكلب العقود ببابه • وإن العامة تشتم الحجاج • والخاصة ~~تلوم عبد الملك بن مروان لأنه هو الذي استدعاه • قيل شعر • ~~ومن يربط الكلب ms137 العقور ببابه • فعقر جميع الناس من رابط الكلب • ~~وينبغي للملك إذا حصل له الوزير الناصح • والعالم الشفوق • والخادم ~~المعين له على ما أولاه الله تعالى بالدين والأمانة • وخلوص الطوية • والشفقة ~~على الخلق • فينبغي إذ ذاك أن لا يبقى مجهودا في استعطاف خاطره بأنواع ~~77ظ ~~المبرات • والمشرة في المهمات • فإن المشورة من أقوى الدواعي على استجلاب خواطر ~~حاشية الملك • وتطيب قلوبهم • وبذلك النصيحة له • في المشورة فوائد جمة ~~لا تخفى على ذي البصيرة الصادقة • والرأي الثاقب • والفكر الصائب • قال ~~الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وشاورهم في الأمر • ولما أراد الله تعالى ~~خلق آدم عليه الصلاة والسلام استشار الملائكة • والقصة مشهورة • وفوائدها ~~مذكورة • قال تعالى والذين استجابوا لربهم • وأقاموا الصلاة • وأمرهم ~~شورى بينهم • مدحهم الله تعالى بالتشاور وقرن الشورى بالاستجابة له وبإقامة ~~الصلوة • وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول لأصحابه اشيروا علي ~~وسئل عليه الصلاة والسلام عن الحزم فقال أن تسترشد • ولما قصد ~~بالأحزاب كان فيهم عيينة بن حصين • والحرث بن عوف • فأرادا منه ثلث ثمار المدينة ~~على أن يرجحا بمن معهما من غطفان فقال حتى أشاور السعود سعد بن معاذ • ~~وسعد بن عبادة • وسعد بن فزارة • رضي الله عنهم فأشاروا أن لا يعطيهم • ~~فعمل بمشورتهم فانجح • وكذلك في بدر لما نزل عليه الصلاة والسلام بأدنى ماء ~~قال الحباب بن المنذر يرسول الله أرأيت هذا المنزل منزلا أنزلكه30 الله تعالى ~~ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة فقال صلى ~~الله عليه وسلم بل هو الرأي والحرب والمكيدة فقال الحباب ليس هذا بمنزل ~~فانهض يرسول الله بالناس حتى نأتي أدنى منزل من القوم فننزل على مائه ~~ثم نفور ما وراءه من القلب والآبار ونعمل لك حوضا فنملأه ماء ثم نقاتل القوم ~~فنشرب ولا يشربون فقال صلى الله عليه وسلم لقد اشرت بالرأي فنهض ~~عليه الصلاة والسلام بمن معه وسار حتى أتى أدنى ماء القوم فنزل عليه وفعل ~~ما أشير عليه فانجح وقال على ms138 كرم الله وجهه في المشورة سبع خصال ~~78و ~~استشاط الصواب • واكتساب الرأي • والتحفظ من السقطة • وحرز من الملاحة • ~~ونجاة من الندامة • والفة بين القلوب • واتباع الأثر • مع أن عليا كرم الله وجهه ~~كان مستبدا برأيه ولما ولي الخلافة استشار في أمر معوية رضي الله عنهما فقيل ~~استمر به وأقره نحو مدة شهر ثم أعزله فأبى ثم بادره بعزله فلم يجبه إلى ذلك وكان ~~من أمرهما ما كان وسببه الاستبداد بالرأي وقال لقمان عليه السلام لابنه ~~يا بني اجعل عقل غيرك لك قال وكيف قال استشر في حوائجك • وفي حكم ~~الهند الملك الحازم يزداد برأي الوزير حزامة كما يزداد البحر من ماء الأنهار ~~وينال بالحزم والرأي والمشورة ما لا يناله بالجند والعساكر • ولم يزل حزمة الرجاء ~~وذوو العقول من الأكابر يستحلون مرارة قول النصحاء كما يستحلي الجاهل ~~المساعدة على الهوى • وقال عمر رضي الله عنه رحم الله أمرءا أهدى إلى عيوبي ~~وكان يقال من أعطى له بعالم يحرم أربعا من أعطي الشكر لم يحرم المزيد • ومن ~~أعطي التوبة لم يحرم القبول • ومن أعطي الاستخارة لم يمنع الخيرة • ومن أعطي ~~الاستشارة لم يحرم الصواب • وقيل خير الرأي خير من فطيرة • وتأخيره ~~خير من تقديمه • وهذا بحسب مساعدة قضاء الله تعالى وقدره • فائدة ~~جليلة في المشورة ذكر في جامع الحكايات أن منصور الخليفة كان يختشي ~~الملوك على ملكهم وكان لا يجد سبيلا إلى قتلهم • وكان من عمه عبد الله بن علي ~~ابن عبد الله بن عباس • ومن بن عمه عيسى بن موسى بن علي أشد خوفا فأكمل ~~الفكر في إهلاكهما • وكان بن عمه عيسى واليا على الكوفة فدفع المنصور عمه ~~عبد الله بن علي إلى عيسى وأمره بقتله فلما أراد أن يقتله تفكر في أمره وكان ~~يونس بن فروة الكاتب صديقا له فعرض عليه هذه القضية واستشاره ~~فيماذا يفعل فقال له يونس لا تفعل ولا تؤذه فإن ذلك يتطرق إليك ~~78ظ ~~فقال أخشى من المنصور فقال احبسه عندك في مكان حتى لا يطلع ms139 عليه أحد الا الله تعالى ~~وتعالى31 انت بنفسك أمره بحيث لا ينقل إليه أحد الطعام والشراب غيرك واكتم قضيته ~~على جميع الناس إلى أن تتيقن من أمره ما يفعل الله تعالى وقل للخليفة أنك امتثلت ~~أمره فإنه يختلج في خاطري أن لهذا الأمر شأنا سيظهر وعلى كل حال إن أبقيت عليه ~~واضطررت إلى قتله فتقدر على ذلك ولا تقدر على غير ذلك إذا قتلته فامتثل ما ~~أشار به يونس وأخفي أمره عن جميع الخلق • ثم إن المنصور حج ورجع فاجتمع ~~عنده أعمامه وبنو أعمامه من بني العباس وبني هاشم • ثم إنه طلب من عيسى عمه ~~عبد الله بن علي على رؤس32 الأشهاد فتقرب إليه وقال له سرا أنت ما أمرتني ~~بقتله وامتثلت أمرك في الوقت الفلاني فصاح وقابله بالتكذيب وأنكر ~~واستشاط وقال مجاهرا أنا أمرتك بقتله يا فاعل يا تارك ثم أنه استثبه ~~في الإقرار بقتله • فلما تحقق ذلك منه صاح وأعماه واحمى صدورهم عليه ~~ثم رفعه إلى بني عمه وقال دونكم فاقتصوا منه فإني لم آمر بقتله فتعلقوا فيه فسحبوه ~~وخرجوا به من عند المنصور وذهبوا به ليقتلوه به فلما جردوه واحضروا الجلاد ~~وهو يستشفع بهم واحدا بعد واحد ويتالى أنه أمر بقتله وهم لا يقبلون ذلك ~~فلما تحقق منهم أنهم يقتلونه قال لهم إنه عندي حيا واحضره إليهم وسلمهم إياه ~~فخجل المنصور ونجا عيسى من القتل وذلك ببركة المشورة • ثم إن المنصور ~~حبس عبد الله بن علي في بيت أساسه من علم الملح ثم أرسل عليه الماء فلما ذاب ~~الملح سقط عليه فارتدم تحته • ومما يحب على الملك والسلطان إذ أشاور ~~في أمر جماعته وخواصه في قضية يريد اخفاها أو أراد أن يفشي إليهم سرائر يد ~~كتمه عن غيرهم أن ينفرد بكل واحد منهم على حدة ويبدي ذلك إليه لأنه أخفى • ~~للسر • واحزم للرأي • وأقرب إلى السلامة • وأسلم عاقبة • ولأنه ربما يفسر ذلك ~~79و ~~فيتوصل إلى معرفة من أفشاه منهم • ومثل هذا حكاية وقعت للمأمون مع الفضل ~~ابن ms140 سهل فإنه لما أحسن منه بما يكرهه أراد قتله فشاور في ذلك خمسة أنفار ~~من خواصه لا يحضرني أسماؤهم لطول العهد • واستكتمهم هذه القضية فبلغت فضلا ~~فجاء إلى المأمون واعتذر وأراد أن يتلافى أمره فيها فغالطه المأمون وقبل عذره ~~ثم أنه قتل في الحمام • والحكاية مشهورة • ولم يدر المأمون الذي نقل ذلك إلى ~~فضل من أولئك الخمسة من هو منهم • وندم على انه لم يفرق بينهم في مشورته تلك ~~إلى أن قتلهم واحدا بعد واحد وهلك الأربعة بجريرة الخامس • ثم بعد ذلك ~~اطلع المأمون على من أفشى سره ولكن لم يفده شيئا • وإذا اعتنى الملك والسلطان ~~شأن أحد من خواصه وقربه دون غيره فالواجب عليه أن يعرف قدر هذه السعادة ~~ويشكر هذه النعمة • ويحفظ شرط هذه المرتبة الرفيعة • فلا يبقى من أنواع ~~الصدق والإخلاص شيئا إلا وبذله من طاعة مخدومة امتثالا لقوله تعالى ~~اطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم • ولقول النبي صلى الله عليه • ~~وسلم الدين النصيحة وكرر ذلك فقيل لمن يرسول الله فقال لله ولكتابه • ~~ولرسوله • ولأئمة المسلمين • ولعامتهم • فالنصح لله تعالى تنزيهه عما لا يليق ~~بجنابه تعالى وتقدس • والقيام بما يليق به من التعظيم • والخشوع والخضوع ~~قولا وفعلا واعتقادا • وموالاة لأوليائه • ومعاداة لأعدائه • والنصيحة ~~لكتابته تلاوته ليلا ونهارا • وتأمل معانيه • وتدبر فحاويه • والعمل بما فيه ~~والنصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم إحياء سنته الكريمة • والذب عن شريعته ~~والنصيحة لأئمة المسلمين • وهم أولوا الأمر والحكام معاونتهم على ما تحملوا ~~من أحمال المشاق وكلف ما لزمهم من القيام بحقوق العباد ومصالح العامة ~~والخاصة وحفظ البلاد • وإقامة حدود الله تعالى • وإجراء أحكامه • وذلك تنبيههم ~~79ظ ~~عند الغفلة • وارشادهم عند الهفوة • وتعليمهم ما جهلوا • وتحذيرهم ممن يريد بهم سوءا ~~وإيصال أخبار الناس إليهم من غير غرض ولا غيبة بحيث يتفكروا في مصالح الخلق ~~وسد خلتهم عند الحاجة • ودفع الشر عنهم • وكيد الأعداء بكل ما يمكن • وجمع القلوب على ~~محبتهم من الغريب والقريب إلى غير ذلك • والعمدة في ذلك الجهد في إصلاح ms141 أخرتهم ~~أكثر من الجهد في إصلاح دنياهم فقد قيل من أحبك نهاك • ومن أبغضك أغواك • ~~النصيحة للمسلمين الشفقة عليهم • والإحسان إليهم • وتوقير كبيرهم • ورحمة ~~صغيرهم • وتفريج كزبهم • واسعافهم بأنواع الخير • وكف الشر والأذى عنهم قولا ~~وفعلا مهما أمكن • فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال الخلق كلهم عيال الله ~~فأحبهم إليه انفعهم لعياله • وقال على كرم الله وجهه إن لله تعالى عباد أخلقهم ~~لحوائج الناس آلي على نفسه أن لا يعذبهم بالنار فإذا كان يوم القيامة وصنعت لهم ~~منابر من نور يحدثون الله والناس في الحساب • وقال عليه الصلاة والسلام ~~من يسئ مع أخيه في حاجة فناصحه فيها جعل الله بينه وبين النار يوم القيامة ~~سبع خنادق ما بين الخندق والخندق ما بين السماء والأرض انظر كيف اشترط ~~عليه الصلاة والسلام المناصحة والأحاديث في هذا كثيرة والنصح لأولى الأمر ~~من الملوك والسلاطين فرض على كل مسلم لان بصلاحهم صلاح العالم وروى ~~معاذ رضي الله عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم قال ثلاث لا نعل عليهن قلت ~~من هم قال مسلم العمل لله • ومناضح ولاة الأمر • والاعتصام بجماعة المسلمين • ~~والنصيحة هي أكد سنن الأنبياء والمرسلين • الداعين إلى جناب رب العالمين • ~~فإنهم عليهم الصلاة والسلام بذلوا المجهود في النصح لأممهم فصلى الله وسلم شرف ~~وكرم • وقحم وعظم • من بلغ الرسالة • وأدى الأمانة • وصدق الدعوة • ونصح الأمة • ~~وجاهد في الله حق جهاده • وعبد الله حتى أتاه اليقين • وبإبلاغ الأنبياء والرسل ~~80و ~~عليهم الصلاة والسلام ورد النص وشهد الله تعالى في كتابه الكريم • قال الله تعالى ونصحت ~~لكم وقال ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم وقال يا قوم لقد أبلغت لكم ~~رسالات ربي ونصحت لكم وقال صلى الله عليه وسلم العبد إذا نصح لسيده وأحسن ~~عبادة ربه فله أجره مرتين • نكتة نحوية النصح يتعدى تارة بنفسه يقال ~~نصحته ويتعدى تارة باللام يقال نصحت له والشكر كذلك يقال شكرته وشكرت له ~~وإذا تكفل الإنسان بإيصال الخير ودفع الشر فلا بد له من ms142 صدق الحديث واستعمال شيء من ~~الأمثال فلنختم هذا الفصل بنبذة في الصدق والأمثال • ثم نشرف فيما نحن بصدده ~~من التاريخ السعيد • اعلم أن الله تعالى مدح الصدق والصادقين في عدة ~~مواضع من كتابه الكريم • وحث على الصدق فقال تعالى يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين • وقال الصابرين الصادقين والقانتين • وقال لغالي ~~ليجزي الله الصادقين بصدقهم وقال تعالى يوم ينفع الصادقين صدقهم ~~وقال أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون • انظر إلى ما في هذه ~~الآية الكريمة من اسم الإشارة الدال على التعظيم وبعد المشار إليه في علو المرتبة ~~وقال صلى الله عليه وسلم إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ~~وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا • وإذا كان الصدق من الأخلاق المحمودة فضده ~~وهو الكذب من الأخلاق المذمومة • وقال الله تعالى إنما يفتري الكذب الذين ~~لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون • وقال صلى الله عليه وسلم وإن الكذب ~~يهدي إلى الفجور • وإن الفجور يهدي إلى النار • وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا ~~قال صفوان بن سليم قلنا يرسول الله أيكون المؤمن جبانا قال نعم قال أيكون المؤمن ~~بخيلا قال نعم قيل أيكون كذابا قال لا • ذكر في جامع الحكايات إن رجلا أتى ~~أمير المؤمنين عليا كرم الله وجهه فقال يا أمير المؤمنين إنني مبتلي بمعاصي كثيرة ولا أقدر ~~80ظ ~~على تركها مرة واحدة بل أريد أن اندرج إلى تركها شيئا فشيئا لا توصل بذلك إلى الانقلاع عنها ~~فمرني بشيء أبدأ بتركه حتى أعاهدك عليه أن لا أفعله فقال لا تكذب فعاهده أن لا ~~يكذب ثم ذهب فجاز في طريقه على جماعة كان يتعاطى معهم شرب الخمر فدعوه إلى ما ~~كانوا اعتادوه منه فتوجه إليهم ثم افتكر أنه إذا سئل عن شربه الخمر فإن أقر يلزمه ~~الحد وإن أنكر فقد نقض ما كان عاهد الله عليه عند علي رضي الله عنه فامتنع عن ~~ذلك فلما جاوزهم صادف امرأة كان بينه وبينها شيء فدعته نفسه ms143 إليها فافتكر ~~ما كان افتكره في شرب الخمر وامتنع عن ذلك واستطرد منه إلى جميع المناهي فتركها ~~على الوجه الذي ذكر • وعلم من ذلك أن الكذب ذمام المعاصي • وكان ذلك من مكاشفة ~~على كرم الله وجهه ورضي عنه وببركة مشورته • واعلم ان الكذب حرام في جميع ~~الملل وقد أباحه الشارع صلى الله عليه وسلم في مسائل مذكورة كالإصلاح بين ~~الناس • قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الكذاب من أصلح بين الناس ~~فقال خيرا أو نهى خيرا أو غير ذلك • ذكر الشيخ سعدي الشيرازي رحمه الله ~~في كتابه المسمى بكلستان أن بعض الملوك كان له عدو جاهدا على إيصال جميع ~~الكروه إليه ولا يرضى منه إلا بإزهاق نفسه وذهاب ملكه • وكان ذلك ~~يداريه ما أمكنه وهو لا يزداد الا عتوا وفسادا فكان يتطلبه ويجتهد أن يظفر ~~به لأنه لم يترك من أنواع الشر والإيذاء شيئا إلا وفعله معه إلى أن أمكن الله تعالى ~~به وظفر الملك به فلما مثل بين يديه سجد شكر الله تعالى إذا ظفره به وامر بضرب ~~عنقه فلما أيس من الحيوة وأحضر الجلاد وشرع في الشتم والسب وبالغ في الكلام ~~بما لا يليق إذ لم يبق بعد الموت موت فقال الملك ماذا يقول هذا الفاعل الصانع ~~فتقدم وزير كان بطانة خير وواسطة حسنة فقال ما يقول ما أحسن العفو ~~عند القدرة • وما أولى بالملك أن يجعل العفو شكرا لظفره بالأعداء • ولا زالت ~~81و ~~الأصاغر تتوقع مراحم الملوك • ولم يزل يقل صن هذا النوع حتى رق الملك واتسع صدره وأمر ~~بإطلاقه وكان أحد الوزراء الذين هم بطانة السوء حاضرا وهو معاكس للوزير المتقدم ~~فلما سمع ذلك اغتنم الفرصة وقال لا ينبغي أن يتكلم الإنسان في حضرة مخدومه إلا الصدق ~~عدو لم يترك من أنواع الشر والفساد شيئا إلا وتعاطاه وقد أمكن الله تعالى منه وحضر ~~وتكلم في مثل هذا المقام بكلام يثلب عرض مولانا الملك ويقول السوء من القول كيف ~~يجوز أن يسكت عنه فضلا أن ms144 يبرز كلامه في قالب الدعاء والثناء ويطلب له الرفق ~~والخلاص يا مولانا الملك إنما قال كذا أو كذا وتناول عرض مولانا الملك فلما قال ذلك تكدر ~~خاطر الملك وتغير حاله ثم قال والله لكذب هذا الوزير خير عندي من صدقك يا قليل ~~الخير أن هذا استرضاني وطلب صفاء خاطري وانشراح صدري وطيبة قلبي ~~وخلاص ذمتي من دم ربما كان غير مرتب ومستحق وإصلاح ذات البيت • وتخليد ذكري ~~بجميل الصفات • وإنما انت الذي كدر وقتي • ووزع خاطري • أما أنا فقد عفوت ~~عنه فلا أرجع في خير أسديته • وأما أنت فلقد سقطت من عيني وإن كنت صادقا ~~لكن انت صاحب غرض • وأما هذا الوزير فلقد أثبت في جهتي حقوقا لا أستطيع ~~أراها وإن كان كذب فإن كذبه أحسن من صدقه غيره • وحاصل هذه الحكاية ~~أنه وإن كان الكذب حراما لكن قد يقع له موقع يستعمل فيه مثل هذا الموقع الذي ~~مر لكن إذا جعله الإنسان دينا وعادة وفي مكان لا يفيد سوى الإثم فهو حرام ~~قطعا وقد اشتهر في لسان العوام إنهم يقولون الكذب ما خلقه الله وهذا كلام ~~باطل وهو مذهب أهل الاعتزال لأن الله تعالى خالق كل شيء ومقدر الخير والشر ~~وقيل الكذب قبيح ومن الملوك أقبح وهذا قول صحيح لأن الكذب إنما يكون ~~إذا وقعت ضرورة تلجئ إليه والملك والسلطان ليس له ضرورة تدعوه إلى الكذب ~~فإنه لم يكن فوق يده يد فلا ضرورة داعية إلى الكذب اللهم إلا أن يكون في ذلك رعاية ~~81ظ ~~مصلحة فيحتاج إذ ذاك إلى التورية والإبهام • قال صلى الله عليه وسلم قلما يخرج إلى غزوة ~~إلا وري عنها بغيرها وقال في المعاريض مندوحة • وقال عليه الصلاة ~~والسلام الحرب خدعة • والملك قد يحتاج إلى ذلك أحيانا فلا بأس به • وأما إذا جعل ~~ذلك عادة وديدنا فلا • وكثيرا ما كان تيمور يستعمل المعاريض والتواري في كلامه ~~من ذلك أنه لما اشترط على أهل رمن أنهم يخرجوا له ثقل السلطان الملك ~~الناصر فرح وأثقال الأمر أو ms145 يعطون مال الأمان لا يتعرض لدمشق بسوء وإنه آمن ~~أهل دمشق على هذا الشرط من الخراب والأسر والريق وسائر أنواع الأذى وقد ~~بنى في مملكته بما وراء النهر مدينة صغير سماها دمشق وهي عن سمرقند مسيرة ~~يوم إنما كان يعني عنها ثم حلف على ذلك فاطمأن الناس وركنوا إلى هذا القول ثم كان ~~من أمره ما كان وفي الحديث الصحيح أن أهل الغار إنما نجوا بعد أن انطبقت عليهم الصخرة ~~ببركة صدقهم الله تعالى • وقال الله تعالى من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا ~~الله عليه فمنهم من قضى بجنة ومنهم من ينتظر فمدحهم ثم قال ليجزي الله الصادقين ~~بصدقهم • وفي الحديث الشريف أيضا حديث كعب بن مالك ورفيقيه هلال ~~ابن مرة • ومرارة بن الربيع • رضي الله عنهم • وفيه قد علمت يا بني الله إنني إن أخبرتك ~~اليوم تقول تجد علي فيه وهو حق قال أرجوا فيه عفو الله • وإن حدثتك اليوم ~~حديثا ترضي عني فيه وهو كذب أوشك أن الله تعالى يطلعك علي والله ما كنت أسهر ~~ولا أخف حاذ أمني حين تحلفت فقال أما هذا فقد صدقكم الحديث إلى أن قال ~~وفينا نزلت يأيها الذين أمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين فقلت يرسول الله ~~إن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا • ثم قال فما أنعم الله على نعمة بعد الإسلام أعظم ~~في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صدقته أنا وصاحباي ~~وأن لا يكون كذبنا فهلكنا كما هلك غيرنا وأني لأرجوا أن لا يكون الله تعالى أبلى أحد في الصدق ~~82و ~~مثل الذي ابلاني ما تعمدت الكذب بعد وإني لأرجوا أن يحفظني الله فيما بقي • وناهيك ~~المثل السائر من صدق نجا وإذا نجا من صدق فقد هلك من كذب والدليل على هذا ~~قصة الأقرع والأبرص واللذين هلكا بسبب كذبهما • والأعمى الذي نجا ببكرة صدقه ~~كان طاهر بن الحسين واليمينين من أمراء المأمون توجه في عسكر • وكان يقول ~~إن جاسوسا واحدا يفعل من النكاية ما ms146 لا يفعله الجيش الكثير • فينبغي أنه إذا ظفر ~~بجاسوس أن لا يبقى عليه • وكان يجول هو بنفسه ويدور حول العسكر ففي بعض الأوقات ~~ظفر برجل من قبل عدوه فقال له ما أنت قال جاسوس فقال أنت مجنون أم عاقل ~~قال عاقل قال ما اسمك قال زيد قال من أين جئت قال من عسكر عدوكم قال فبماذا جئت ~~قال لأتجسس أخباركم • وأتفحص عن أحوالكم • وانظر عددكم وعددكم • قال فلم لا تخفي ~~نفسك كما يفعله الجواسيس قال لأني ما أقول إلا الصدق ولو كان فيه تلافي ولا تعمدت ~~كذبا قط • قال فإذا كان كذلك فلم لم تبعث مخدومك غيرك قال لأنه يعتمد على كلامي ~~وخبري دون غيري فعجب منه وحمله إلى منزله ثم دعاه وقال له يا زيد أطلقك أم أقيدك ~~واحتفظ عليك قال ذاك على رأيك قال أخاف إن أطلقتك أن تهرب قال لا تشك في ~~هذا قال فإن أمنتك تهرب قال لا قال اذهب فأنت آمن بشرط أن لا تهرب ولا تذهب ~~إلا بإذني قال قبلت قال نعم ثم قال له توجه إلى العسكر الذي لنا وتفحص أحوالهم وانظر ~~إلى عددهم وعددهم ثم عد إلي ففعل فقال له ماذا رأيت قال عددا كثيرا وجما غفيرا ~~وعدة سابقة • وأهبة بالغة • قال عساكرنا أكثر أم عساكركم • قال كل كثير والنصر ~~بيد الله يؤتيه من يشاء • قال إني وهبتك لصدقك فاذهب وانصر مخدومك فكان ~~نجاة ذلك الرجل في صدقه • ونقل عن الحجاج أيضا أنه أتى بطائفة من الأسرى ~~فأمر بضرب أعناقهم فبيناهم يضرب أعناقهم إذ نادى واحد منهم فقال يا حجاج لا تقتلني ~~فإن لي عليك حقا قال ما هو قال إني كنت في جماعة من عسكرنا فرأيتهم يتناولونك ~~82ظ ~~بسوء فقلت لهم كفوا عن هذا الكلام وامسكوا عن سب الحجاج فإنه قد ولي عليكم وفي الجملة ~~هو من ولاة الأمور فلا تذكروه بسوء فثبت بذلك لي عليك حق لأني رددت غيبتك فقال ~~بمجرد قولك قال ربما التقي شاهدا فنظر في الأسرى وأشار ms147 إلى واحد منهم وقال هذا شاهدي ~~لأنه كان حاضرا هذا الكلام ومشاهدا هذه القصة فسأل الحجاج ذلك الرجل واستشهده ~~فقال نعم وشهد بذلك فقال له الحجاج فأنت رددت غيبتي معه كما فعل هذا قال لا قال ~~لم قال لأني كنت لا أحبك فلم أذكرك بخير ولا شر قال فأمر بإطلاق الإثنين هذا لصدقه ~~وهذا لحقه • وقيل حقيقة الصدق أن تصدق في موضع لا ينجيك منه إلا الكذب ~~• فصل في الأمثال • ~~من أمثاله عليه الصلاة والسلام الحرب خدعة • ولا يجني على المرء إلا يده • الشديد من ~~غلب نفسه عند الغضب • ليس الخير كالمعاينة • المجالس بالأمانة • البلاء موكل بالمنطق • ~~بذل البر صدقه • الأعمال بالنيات • الحياء خير كله • أعجل الأشياء عقوبة البغي • ~~الصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من كثير • نية المؤمن خير من عمله • استعينوا على ~~الحاجات بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود • المكر والخديعة من النار • من غشنا ليس ~~منا • المستشار مؤتمن • الندم توبة • الدال على الخير كفاعله • حبك الشيء يعمي ويصم • ~~العارية مؤداة • الإيمان قيد الفتك • المنفعة توجب المحبة • والمضرة توجب • ~~البغضاء • والمضادة توجب العداوة • والمتابعة توجب الالفة • والصدق يوجب ~~الثقة • والأمانة توجب الطمأنينة • والعدل يوجب الفرقة • وحسن الخلق يوجب ~~المودة • وسوء الخلق يوجب المباعدة • والانبساط يوجب المؤانسة • والانقباض ~~يوجب الوحشة • والكبر يوجب المقت • والتواضع يوجب المقه • والجود يوجب ~~الحمد • والبخل يوجب الذمة • والتواني يوجب التضييع • الجد يوجب رجاء الأعمال • ~~والتهاون يوجب الحسرة • والحزم يوجب السرور • والغدر يوجب الندامة • والحذر ~~83و ~~يوجب العذر • واصابة التدبير يوجب بقاء النعمة • وبالتأني تسهل المطالب • وبلين ~~المعاشرة تدوم المودة • وبخفض الجانب تأنس النفوس • وبسعة الخلق يطيب ~~العيش • والاستهانة توجب التباعد • وبكثرة الصمت تحصل الهيبة • وحسن المنطق ~~يوجب الجلالة • وبالنصفة يكثر التواصل • والافضال يعظم القدر • وبصالح الشيم ~~تذكوا الأعمال • وبالاحتمال للمؤن تتوفر السدد • وبالحلم عن السفهاء يكثر الأنصار • ~~عليهم • وبالوفق والتودة يحصل اسم الكرم • وبترك ما لا يعني يتم الفضل • وبحسن ~~السياسة تملك الرقاب • والفظاظة تخلع ثوب القبول • ومن دناء الهمة الحسد ~~على النعمة • والنظر ms148 في العواقب نجاة • ومن لم يحلم يندم • ومن يصبر يغنم • ومن سكت ~~يسلم • ومن خاف حذر • ومن اعتبر أبصر • ومن أبصر فهم • ومن فهم علم • ومن ~~أطاع هواه ضل • ومع العجالة الندم • ومع التأني السلامة • زارع البر يحصد ~~السرور • وصاحب العاقل مغبوط • وصديق الجاهل تعب • إذا جهلت فاسأل • ~~وإذا زللت فارجع • وإذا أسأت فاندم • وإذا ندمت فاقلع • وإذا افضلت ~~فاكتم • وإذا منعت فاجمل • وإذا أعطيت فاجزل • وإذا غضبت فاحلم • من بداك ~~ببره • فقد شغلك بشكره • والمدوة تبع العقل • الرأي تبع التجربة • من قنع ~~شبع • من اعتزل نجا • من اعتصم بالله هدى • الحلم شرف • الصبر ظفر • ~~المعروف كنز • الجهل سفه • الأيام دول • الدهر غير • المرء منسوب إلى فعله ~~ومأخوذ بعمله • اصطنع المعروف تكسب الحمد • أكرموا الجليس يعمر ناديكم • ~~أنصفوا من نفوسكم يوثب بكم • إياكم والأخلاق الدنية فإنها تضع الشرف • وتهدم ~~المجد • وفي حكم الهند شر المال ما لا ينفق منه • وشر الإخوان الخاذل • ~~وشر السلاطين من يخافه البريء • وشر البلاد الممحل • قيل شر الملوك ~~من يجبن عن الأعداء • ويتقوى على الضعفاء • ويبخل عند الإعطاء • وقد قيل ~~83ظ ~~لا تحمل ظنك ما لا يطيق • ولا تعمل عملا لا ينفعك • ولا تغتر بامرأة • ولا تثق بمال وإن كثر • ~~وقال ازدشير لابنه يا بني الملك والدين اخوان ولا غنا لأحدهما عن الآخر فالدين ~~أس والملك حارس • وما لا أس له فمهدوم • وما لا حارس له فضائع • يا بني اجعل ~~حديثك مع أهل المراتب • وعطاياك لأهل الجهاد • وبشرك لأهل الدين • وسرك ~~لمن عناه ما عناك • بشرط أن يكون أهل العقل • لا ظفر مع بغي • ولا صحة مع ~~نهم • ولا ثناء مع كبر • ولا شرف • مع سوء الأدب • ولا بر مع شح • ولا عفة مع حرص • ~~ولا ولاية مع عدم فقه • ولا سؤدد مع انتقام • ولا ثبات ملك مع تهاون وجهالة • ~~وزراء • قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه من المغافر جار ملازم أن رأى حسنه سترها ~~وإن رأى سيئة أذاعها • وامرأة إن دخلت عليه لسكنتك ms149 • وإن غبت عنها لم تأمنها ~~وسلطان إن أحسنت لم يحمدك • وإن أسأت قتلك • فاسأل الله تعالى أن يديم ~~دولة سلطاننا إن أحسنت لفاض عليك سجال نعمه • وإن أسات تلافاك بلطائف ~~حلمه وكرمه • وهو مولانا السلطان الملك الظاهر • وأسبغ عليه نعمه الباطنة ~~والظاهرة • وجمع له بين خيري الدنيا والآخرة • برحمته وفضله • وكرمه ~~وطوله • أمين يا رب العالمين • تم الجزء الأول من التأليف الطاهر النجم الزاهر • ~~في شيم الملك الظاهر • القائم بنصرة الحق • أبي سعيد جقمق • خلد الله تعالى • ~~سلطانه • ويتلوه في الجزء الثاني ابتداء ولاية مولانا السلطان • خلد الله ~~سلطانه • وأوضح على العالمين برهانه ~~84و ~~• الجزء الثاني من التأليف الطاهر • ~~فصل في ابتداء ولاية مولانا السلطان ~~وذكر الحوادث في مدته • خلد الله تعالى سلطانه • وأوضح على ~~• العالمين برهانه • ~~كان الملك الأشرف أبو النصر برسباي رحمه الله حصل له ضعف في شهر ~~رمضان سنة أحد وأربعين وثمانمائة • وسببه أنه كان في منتزه فكأنه ~~تناول من المأكول ما حصل لي به تخمة وزلق الأمعاء وتولد له من ذلك ضعف ~~المعدة ولم يزل يتزايد به إلى أن ضعفت قوته • وكانت الأطباء يترددون ~~إليه ويعالجونه • وكان هو يتوهم أن الطبيب في يده الشفاء ويمكنه أنه يعافي ~~ويشفي فإنه كان غتميا مح لا يعرف شيئا وإنما كان الله تعالى ملكه وساعده الحظ ~~فلما رأى عجزهم وإن معالجتهم إياه لا يفيده شيئا كما قيل شعر • ~~وإذا المنية انشبت أظفارها • الغيت كل تميمة لا تنفع • ~~ساءت أخلاقه وضاق ذرعا • وتحقق أن الأطباء يقصرون في معالجته وإلا ~~فما بالهم لا يعافونه ولا يشفونه • فما وسعه غير أنه أمر بهم فوسطوا منهم اثنين ~~العفيف وزين الدين خضر • ولما أيس من الحيوة دعا الأكابر من الأمراء والقضاة ~~وسائر أعيان مصر وكان قد جهز طائفة من الأمراء إلى حلب مع العساكر منهم ~~الأمير قرقماز أمير كبير • واركماء الدوادار الظاهري • ويشبك المشد • وجانم ~~أخوه وهو أمير أخور • وخواجه سودون وغيرهم • وكان قد جهز الأمير ~~الكمالي بن البارزي إلى الشام نقضا القضاة الشافعية • وكان ms150 مولانا السلطان ~~إذ ذاك أتابك العساكر المنصورة الإسلامية فاسند الملك الأشرف وصيته ~~84ظ ~~إلى مولانا السلطان وذلك لما كان يعتقده من دينه وصلاحه وعفافه وتقواه وفوض ~~أمر ولده سيدي يوسف إليه ولقب نظام الملك وأمر جميع الأمراء والأكابر ~~والرؤساء والقضاة والخاصكية من مماليكه وغيرهم أنهم يكونون تحت أوامره ~~وأن لا يخرجوا عن ربقة طاعته وكتب بذلك كتابا وسلم إليه ولده • وتوفى عصر ~~يوم السبت ثالث عشر ذي الحجة سنة أحد وأربعين وثمانمائة وكان قد ~~تولى في سنة خمس وعشرين وثمانمائة فأخذوا في تجهيزه • ودفن بالتربة ~~التي انشأها خارج باب المحروق بالصحراء تحت القبة • ثم إن مولانا السلطان ~~خلد الله دولته شرع يتعاطى مصالح المسلمين على الوجه الأشد الأحسن ونصب ~~سيدي يوسف مكان والده ولقبه الملك العزيز • وطارت القصاد بذلك إلى الأطراف ~~الممالك • واستمر مولانا السلطان يصعد كل يوم إلى القلعة ويباشر ما هو بصدده ~~من تعاطي مصالح الإسلام والمسلمين فكان منزله إذ ذاك في مكانه المعهود تحت ~~الكبش فأشار الناس عليه أنه يسكن في القلعة فأبى وقال لا أحدث شيئا ولا أبدي ~~ولا أعيد في قضية حتى تأتي الأمراء والعساكر فإن رؤس33 الأمراء وأكابرهم ~~معهم فإذا قدموا ورأوا شيئا واتفقوا عليه تابعناهم فيه فوصل خبر وفاة الملك ~~الأشرف إلى الشام في العشر الآخر من ذي الحجة وولاية ولده وإن الأمور ~~صالحة فخطبوا باسمه واستمر ذلك • ثم إن الأجلاب من الممالك الأشرفية ~~شرعوا يستطيلون على الناس وذلك لما كان فيهم من عدم التربية وتهذيب ~~الأخلاق فإن الملك الأشرف لم يسلك بهم طرق التربية والتأديب كما كان عادة ~~الملوك المتقدمين والسلاطين الماضين من أقرائهم في المكاتيب أولا ثم تربيتهم ~~على الترويج إلى أن يحصلوا شيئا يقومون به دينهم ويعلموا به في الجملة مالهم ~~وما عليهم من أنور المعاش والمعاد وإنما أقامهم في الخدمة من أول الأمر وهم ~~85و ~~كالحطب فخولهم في النعم وقال أن مماليكي لا تحتاج إلى شيء من العلم والقران والأدب وإنما ~~المقصود منهم أن يحرس الإنسان بهم نفسه ويتوصل ms151 بهم إلى أغراضه فلما مات رفعوا ~~رؤسهم34 قال الله تعالى إن الإنسان ليطغي إن رآه استغنى والجاه والمال قد ~~أطغى الخلق وأضل العقلاء والعلماء فضلا عمن لا عقل ولا دين له ولا أدب ولا يقين فلما ~~كشف الله تعالى اسنادهم ومخدومهم عنهم طغوا وبغوا وزادوا ما كانوا عليه من الفظا ~~والغلاظة والظلم والعدوان وشرع كل من كان ساكنا منهم في محله أو جاره يستطيل ~~على جيرانه ويهيم بمد يده إلى أولادهم وحريمهم والاعتداء عليهم بكل ما تصل إليه يده من الشر ~~فجعل الناس يرفعون شكواهم لمولانا السلطان نظام الملك لأنهم لا ينتهون بقاضي ~~ولا يسمعون شفاعة شفيع • ولا يخاطبون من يقابلهم إلا بالسيف والدبوس ~~ومولانا السلطان خلد الله ملكه رقيق الحاشية • لين العريكة • فكان يزجرهم ~~عن هذه الخصال الذميمة والأفعال القبيحة • بالحسنى ويلاطفهم بالأقوال ~~الطيبة • ويتلافاهم بالمواعظ والتذكير فلا يفيد ذلك شيئا • وكانوا ينحصرون ~~منه • ويعضون عليه الأنامل من الغيظ • فشرع يستميلهم بالمال ففرق ~~عليهم جملا مستكثرة من الأموال • وكان الملك الأشرف أيضا قد فرق ~~عليهم جملا من الأموال قبل موته فلم يزدهم ذلك إلا طغيانا وعتوا وتصوروا ~~أن ذلك إنما فعل معهم خوفا منهم واستمروا منحصرين من مولانا السلطان ~~حيث لم يسامحهم فيما هم عليه من ارتكاب المحظورات ولم يطلق عنانهم ~~في ميادين اللهو والفساد فكان حصرهم في أيام مولانا السلطان أكثر من ~~حصرهم في أيام الملك الأشرف مع أنهم كانوا يؤملون أن بموت الملك الأشرف ~~يتسع لهم المجال في نيل أغراضهم الفاسدة فجاء الأمر على خلاف ما أملوا واستمر ~~الأمر من حين مات الملك الأشرف وهو من أواخر ذي الحجة إلى قريب منتصف ~~85ظ ~~صفر سنة اثنين وأربعين • فاقتضى رأيهم المعكوس أن يرفعوا مولانا السلطان من البين ~~ويخلوا لهم الجو لأن رؤوس الأمراء غائبون • وما عندهم أحد شديد البأس في الله إلا مولانا ~~السلطان فاتفقوا على ذلك يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متمم نوره ولو ~~كره الكافرون فاجمعوا كيدهم أنهم يلبسون السلاح يوم الخدمة ويتأهبوا لذلك ~~إذا ms152 صعد إلى القلعة • وكان من رؤسائهم أقجة باي • وحكم خال الملك العزيز • ~~وعلي باي • واينال • وغيرهم • وكان يوم الخدمة الخميس سادس عشر صفر ~~سنة اثنين وأربعين وثمانمائة فاستعدوا لذلك وألبسوا جماعتهم السلاح والدروع ~~ولبسوا وأخذوا حذرهم وأسلحتهم • فاخلف الله كلمتهم • وفرق جماعتهم • وألقى ~~في قلب اينال الأشرفي منهم أن توجه إلى مولانا السلطان وقال إن الملا يأتمرون ~~بك ليقتلوك وأخبروه بما بجميع ما جمعوا عليه من الكيد وأضمروه لمولانا ~~السلطان من المكر والشر وقال لا تركب اليوم فلم يركب ذلك اليوم وخيب الله تعالى ~~سعيهم وعرف مولانا السلطان لاينال هذه الفضيلة وجازاه عليها لكن ~~ما ساعده الحظ وسيأتي حكاية أمره إلى آخره • وهذا كما قيل صحبة الأشرار ~~كالجرة الفخار • يسرع إليها الانكسار • ولا تقبل الانجبار • ولما خاب ~~أملهم • وضل سعيهم • وفشا أمرهم • فلم يسعهم إلا الخروج والعصيان والتجاهر ~~بالعداوة والطغيان • وإظهار التمرد والعدوان • فاغلقوا باب القلعة ~~واستعدوا للحصار • إذ الملك العزيز عندهم وهم في القلعة فتوجه إليهم ~~مولانا السلطان • وركب معه من أسعده الله تعالى ووفقه للخير منهم المقر ~~الشرفي بكري بيردي الموزي البكلمشي • وقرا خواجه الحسني • ومنبك حاجب ~~الحجاب • واسنبوغا الطياري • ودولت باي وكلهم أمراء مقدمون • وغيرهم من ~~الأمراء والرؤساء والاتباع • وأرسل لهم مولانا السلطان يقول لهم مالكم عصيتم ~~86و ~~وما ظهر لكم منا ما يوجب الخروج علينا • نفض اليد من الطاعة • ومفارقة الجماعة • ~~أهكذا أوصاكم أستاذكم • وبهذا عهد إليكم فتعللوا بعلل باردة فحاصرهم ~~ذلك اليوم ويوم الجمعة ويوم السبت ثامن عشر صفر المذكور وهم يتناوشون ~~القتال فأشار بعض الأمراء على مولانا السلطان أن يقطعوا عنهم الماء ليضطروا ~~فينزلوا فلم يأذن بذلك وقال إن في القلعة الفقراء والضعفاء والعجز من النساء ~~والأطفال وغيرهم فإذا قطعنا الماء عن هذه البغاة فأول من يتضرر بعدم الماء ~~أولئك الضعفاء وربما لا يفيدنا ذلك شيئا فإن هؤلاء ظلمة أقوياء لا يعجزون عن ~~تحصيل الماء • ويحصل الضرر والعطش للضعفاء والفقراء • فما نستفيد من ذلك ~~أكثر مما نأثم • بل نتوكل على الله تعالى • ونلقي مقاليد ms153 أمورنا إلى أنامل إرادته ~~وتدبيره • ونسبح في مجاري قضائه وتقديره • إلى أن يحكم بيننا وهو خير • ~~الحاكمين • فذهب بعض الأمراء إلى سبيل أمير المؤمنين من غير أن يكون لمولانا ~~السلطان بذلك شعور وقطعه عنهم • وبعض الأمراء نقب عليهم نقبا وجعل ~~يناوشهم الحصار والقتال • إلى أن عجزوا واضطروا • والمؤمن من اكتفى بغيره ~~فما وسعهم إلا الانقياد • والنزول إليه • والمثول بين يديه • فبعد ثلاثة ~~أيام نزلوا ومناديلهم في رقابهم فلم يزدهم على الكلام الحسن • والخلق الحسن • ~~واستجلاب خواطرهم • وتطمين قلوبهم • وقال لهم يا أولادي أنتم أسأتم إلى أنفسكم ~~وشوشتم عليكم وعلى غيركم • ثم أنه ذهب بهم إلى بيته وأقامهم في منزل ~~فسيح مليح عنده وقال كونوا ضيوفي ووكل بهم من يحتفظ بهم • واستنظر بهم • ~~الأمراء • فإنه ما أراد بذلك الاستبداد برأيه • فلما سمع المقر السيفي سودون ~~من عبد الرحمن كافل المملكة الشامية كان بموت الملك الأشرف • وكان في اسكندرية ~~توجه إلى القاهرة في البحر فتوفي في الطريق وهو قادم • ولما بلغ العساكر ~~86ظ ~~المتوجهة إلى حلب أن الملك الأشرف توفي قفلوا راجعين وتوجهوا إلى الديار المصرية ~~وجهزوا خواجه سودون إلى القدس الشريف وتعاطى أمر ذلك السيفي قرقماز ~~فإن خواجه سودون المذكور كان شريرا فاجرا فخافوا أن يثير فتنة والأجلاب الأشرفية ~~كانوا منتظرين قدوم الأمراء استظهروا بهم • وكان السلطان الملك الأشرف ~~جانم معهم وهو عم الملك العزيز فتوقعوا أنه إذا وصل إلى القاهرة تعصبوا معه ~~واشتد كل منهم بالأخر فيكون لهم ظهرا وعضدا • ورأسا ويدا • فإنه هو أيضا كان ~~من الأجلاب لأنه قدم إلى البلاد الإسلامية وهو كبير السن قد عسا لكن لما كان ~~أخا السلطان تولى المناصب العالية إلى أن صار أمير أخور وصار له كلمة نافذة ~~وما صار أحد يقدر أن يدافعه فيما تسول له به نفسه • ولا يخالفه في حيوة أخيه ~~فمهما كان يقتضيه فكره المعوج • ورأيه الفاسد • يفعله سواء كان حقا أو ~~باطلا • وكان كأخيه رائدا مع الرشا والبرطيل وكل من كان معه ذهب كان عنده ~~هو المسلم • وكل ms154 من رشاه وبرطله في قضية كان هو صاحب الحق • وكان الناس ~~قد ألفوا ذلك منه فكان لا يأوي إليه إلا كل مبطل • ولا يستنصر به إلا كل مزور ~~ومبرطل • وكان يساعدهم بالباع والذراع • ولما وصل الأمر إلى ~~القاهرة تلقاهم مولانا السلطان نظام الملك بالاحترام التام • والإحسان ~~والإكرام • على جاري عادته • وقدمهم في الأمور والقضايا وفعل معهم ما يليق ~~لحشمته • وتقتضيه همته العلية • ورأيه السعيد • فما وسع قرقماز ~~إلا أنه صار من جهته • انحاز إلى ظله وفيئته • وأمر قرقماز في الحال فقبضوا ~~على الأجلاب جميعهم • وعلى جانم أيضا وشتت شملهم شغربغد فجهز بعضا منهم ~~إلى اسكندرية • وبعضا أفناهم وأعدمهم • وتقلدهم في ذمته كيف ما اختار ~~وشرع يتعاطى الأسباب • ويصرف الأمور كما يريد • ومولانا السلطان لا يزيد ~~87و ~~على مداراته • ومداراة الكبير من الناس والصغير • والإحسان إلى المعرفة والغريب ~~وحسن المعاملة مع الخلق أجمعين مع الاشتغال بمعاملة الله تعالى وعدم ~~الغفلة عما فيه رضاه • واتباع أوامره • واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم • وكان في خاطر قرقماز أشياء لم يبدها لأحد ولكن دلت عليها افعاله ~~وحركاته فلم يتمها الله تعالى له • فأراد أولا أن يتعاطى أمر الأجلاب وغيرهم ~~حتى إذا أصفا له الوقت تمكن من مولانا السلطان كما يريد ويختار فرد الله تعالى ~~كيده في نحره • واشبهت حكايته حكاية البستاني التي رأيتها في جامع الحكايات ~~وهي ما حكي أن رجلا كان له بستان ففي بعض السنين أقبلت ~~الفاكهة وزادت خيراته فخرج البستاني يوما لطلب حاجة والبستان مملوء ~~من الفواكه والنعم • فلما رجع وجد في البستان أربعة أنفس قد دخلوا البستان ~~وتناولوا من فواكهه ما اختاروا واوسقوا أردانهم وما معهم من الفاكهة وهم ما ~~بين آكل وجالس وراقد غير مكترثين به ولا مبالي بأحد أحدهم جندي ~~والثاني شريف والثالث فقيد والرابع متسبب فما وسعه إلا ~~أنه ترحب بهم وبسط وجهه ويده إليهم بالبشر والمعروف إذ هم أربعة وهو ~~واحد وقيل ضعيفان يقلبان قويا فكيف بأربعة أقوياء فاستعمل الحيلة في ~~إيقاعهم ووصوله إلى ms155 ما يريد منهم فأقبل عليهم بوجه طلق • ولسان ذلق • ~~وقال أهلا وسهلا ومرحبا إن هذا اليوم ليوم سعيد ونهار مبارك حيث حلت ~~بمنزلنا أقدام المخاديم الكريمة وإن هذه لنعمة غير مترقبة ثم أتاهم بشيء من خيار ~~الفاكهة وجعل يباسطهم ويمازجهم ويمازحهم فلما اطمأنوا إليه وركنوا إلى أقواله ~~سأل كل واحد منهم عن صنعته وما يتعاناه من حرفة فأخبره كل منهم عن حاله ~~وأمره فسكت ساعة ثم قال أما الأمير وأشار إلى الجندي فإنه مالك رقابنا ~~87ظ ~~ومتحكم في أموالنا وأرواحنا • بواسطة أنه يحوطنا بسيفه • ويرد عدونا عنا بصولته • ~~ويتعاطى أسباب حفظنا • وحفظ أولادنا وأموالنا بنفسه • ويجعل روحه وقاية ~~لنا وأما الشريف فإنه من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولولا جده ~~لكنا ضلالا في بيدا الجهالة والكفر • فنحن الآن في بركته وبركة جده • ثم قال ~~الله تعالى قل لا اسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى • وأما سيدنا الفقيه ~~فإنه مرشدنا لمعالم ديننا • وهو السراج للوصول إلى يقيننا • فإذا شرفونا بأقدامهم ~~ورضوا أن نكون من خدامهم • فلهم الفضل وعلينا أنواع الشكر لله تعالى على حصول هذه ~~النعمة • وأما أنت يا رابعهم فمن أذن لك في الدخول إلى بستاني فقل لي ألك على دين ~~هل بعتني شيئا برأسماله • هل حابيتني في بيع وشراء • هل بيني وبينك ما يقتضي ~~هجومك على مالي • فلم يتكلم أحد من الجماعة معه • ثم أنه ربطه ربطا محكما وشد ~~وثاقه وجلس ساعة وهو يتعاطى اللطافة والظرافة • ثم التفت إلى الفقيه ~~وقال له أنت مغني المسلمين • وعالم بمناهج الدين • وعلى فتواك مدار الإسلام • ~~والفاظك الفارقة بين الحلال والحرام • فأخبرني يا عالم الزمان أبو حنيفة رضي ~~الله عنه أفتاك أن تدخل بستاني • أم الشافعي رضي الله عنه أرشدك • أم عندك ~~دليل على إباحة أموال الناس للفقهاء • والهجوم إلى غير بيتك • ما سمعت قول ~~الله تعالى يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ~~على أهلها • إلى أن قال فإن لم تجدوا فيها أحد فلا ms156 تدخلوها حتى يؤذن لكم ~~وإذا فعلت أنت هذا فبالطريق الأولى أن يتابعك غيرك • ومن الأجناد والرؤساء ~~والسادات • ولا عتب على الجهال إذا فعل هذا العلماء والمفتون • ثم إنه ~~شده شدا محكما وطرحه وصبر ساعة • ثم اشتغل بالشريف وقال له يا شريف ~~أما الأمير فله أن يتحكم في أموالنا وأرواحنا وأولادنا كيف ما اختار إذ سيفه ~~88و ~~سياج نفوسنا • وصولته حائط حياطتنا • ووجوده أمان لنا من أعدائنا • وأما ~~أنت فمن أين لك أن تدخل إلى ما لا يحل لك الدخول إليه جدك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أمرك بهذا • أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه أباح لك ذلك • أسلافك ~~تقدموا إليك بهذا • أفتاك أحد بالفسحة فيه • وإذا كنت أنت لا تتحامى عن الحرام ~~ولا تسلك مسلك أسلافك الطاهرين • في اتباع الحق والتنزه عن الشبه • وأموال ~~الناس • فما يفعل غيرك • ثم أنه أوثقه شدا • وأحكمه ربطا • فلم يبق إلا ~~الجندي وحده فانتصف منه وربطه • ثم إنه أشبعهم ضربا وسبا حتى ~~اشتفى صدره • ورفعهم إلى الحاكم وأخذ منهم ثمن ما أخذوه من فاكهة بستانه ~~وهكذا كان قصد الأمير قرقماز أنه يرفع الأجلاب من البين حتى إذا خلا ~~له الجو مد يده وصال كما يختار وقد فعل ذلك فرد الله تعالى كيده في نحره ~~وذلك لما علم الله تعالى وأراده الإسلام والسلمين من الخير والجبر فأهلك ~~أعداءه على يد أعدائه ثم أهلك أعداءه • ونظير هذه الحكاية أيضا ما رأيته في جامع ~~الحكايات في باب من انتصف من عدوه بعدوه وهي حكاية أوردها على لسان الحيوانات ~~قيل إن فأرة كان لها مأوى في بعض البساتين فخرجت يوما لطلب الرزق ~~فجأت حية فرات مكانا مهيأ فدخلت فيها فوجدته مكانا يصلح لسكناها ~~فسكنته وفي المثل يقال أظلم من أفعى قالوا من ظلمها إنها لا تحفر بيتا ولا تتعب ~~نفسها في اتخاذ مسكن • ولا يحتفل بذلك • وإنما حيث ما وجدت سكنا دخلت ~~فيه وأوت إليه واستقرت وذلك لجبروتها وتعديها • فلما رجعت الفأرة ~~إلى مأواها وأرادت أن تدخل ms157 رأت الحية قد استقرت فيه فخرجت هاربة وعلمت ~~أنها لا طاقة لها بمقاومة الحية فتوجهت إلى ملك الفأر ووقفت في موضع ~~الخدمة وقالت إني في خدمتك ورق عبوديتك وقد قضيت عمري في ذلك ~~88ظ ~~وأبي كان في خدمة أبيك • وجدي في خدمة جدك • ولم تزل أسلافي في خدمة أسلافك ~~ولم يصدر قطعا منا لكم سوى الطاعة والمناصحة وموالاة أوليائكم • ومعاداة أعدائكم ~~وإنما نحن سالكون سنن طاعتكم • وسائرون تحت لواء أوامركم لأجل حادث يحدث ~~لنا • أو أحد يتعدى علينا • فنستكشف ذلك بقوتكم • ونستدفعه بشوكتكم • ~~إذ ثمرة خدمة العبد مولاه • هذا وقد حدث اليوم لي أمر عظيم وخطب جسيم • فجئت ~~استكشفه بسلطانك فقال وما هو قالت خرجت أطلب الرزق من وطني فلما رجعت ~~لقيت حية قد دخلت إلى وكري • وأوت إليه • وأنت تعلم أني لا طاقة لي بها • فادفعها ~~عني بقوتك وجندك • فقال لها ملك الفأر أنت فرطت في أمرك وتركت وطنك ~~سائبا حتى وضع غيرك يده عليه • أوما علمت وسمعت أن حارس القلعة ينبغي ~~أن يكون زمنا أو مقعدا لئلا يخرج من سكنه • وليتم ملازما له فإذا قصرت أنت ~~في أمرك فلا تلومي غيرك • فإن المفرط أولى بالخسارة • قالت هذا الجواب لا يفيدني ~~ولا أملي منك هذا • وما فائدة خدمتي وإخلاصي لك • إذا استصرخت بك ~~واستنصرت وقت حاجتي بقوتك وخذلتني ولم تأخذ بيدي • قال لا شك أنني ~~إذا قمت معك ونصرتك • أن تتوجه الحية أيضا على ملك الحيات وتستصرخه ~~فلا يجد بدا من القيام بنصرتها وقضاء حاجتها • فيقع إذ ذاك بيننا العداوة ~~ويجري بيننا وبينهم الشر والفتن • وربما استطردت هذه الحركة إلى محاربة ~~ومقاتلة • ونحن لا طاقة لنا بقتال الحيات ومعاداتهم فإنه يذهب في هذا الأرواح ~~ومع هذا هل يحصل المقصود أو لا يحصل فالذي أراه أن تتركي هذا الوطن ~~وتحتسبيه عند الله تعالى وتطلبي لك سكنا غير ذلك فقالت هذا وطني ~~وسكني ومرباي ومنشأي ورثته عن آبائي وأجدادي ومالي فراغ عنه لابد لي ~~منه • فقال والله ما إلى معادات الحيات ms158 سبيل ولا خطر لي أن ألقي نفسي وعسكري ~~89و ~~في شيء لا طاقة لي به ولا تتعبي نفسك فلما أيست الفأرة منه رجعت وهي خائبة ~~أخذت في اعمال الحيلة وقالت ما بقي في هذا القضية غير تعاطيها بالفكر الصحيح ~~والرأي الصائب • ثم توجهت نحو سكنا فوجدت الحية قد خرجت فأرادت أن تدخل ~~ثم افتكرت فقالت إن الحية قد اعتادت وعرفت هذا المكان فلا بد أنها تعود إليه فإذا ~~وجدتني فيه فلا شك أن تهلكني وذهاب السكن بالنسبة إلى زوال النفس أهون ~~فإنه قيل بعض الشر أهون من بعض • ثم دارت الحية35 يمينا وشمالا فوجدت ~~الحية قد نامت تحت شجرة ورد وهي مطوقة فأسرعت إلى مكان عال ونظرت وإذا ~~البستاني قد سقي البستان وتعب ثم نام تحت ظل شجرة وهو مستلق على قفاه ~~فأقبلت نحون وعلت صدره ودست ذنبها في أنفه بحيث أنها ألمته فاستيقظ ~~مذعورا ونظر أيمن وأيسر فرأها فعلم أن ذلك منها فقصدها فمشت غير بعيد ~~ثم وقفت وأطمعته في نفسها فقصد نحوها فتوجهت نحو الحية ووقفت فأخذ ~~العصا وتبعها فصارت تمشي رويدا وتقف وهو يتبعها حتى وصلت به إلى الحية ~~وأوقفته عليها فلم رأى الحية بادر إلى قتلها فانفلتت الفأرة ودخلت وكرها ~~فانتصفت بعدوها من عدوها • وفي أدعية العرب اللهم ضبعا وذئبا ~~• قال الشاعر • ~~• تفرقت غنمي يوما فقلت لها • يا رب سلط عليها الذئب والضبعا • ~~قيل إن الغنم إذ تسلط عليها الضبع والذئب فإنها تسلم وذلك إن كلا منهما ~~يشتغل بصاحبه ويمنعه إلى الوصول عن الغنم فتسلم الغنم وكذلك اشتغل كل ~~من أعداء مولانا السلطان بالآخر حتى تفانوا وكفى الله المؤمنين القتال ~~• قلت شعر • ~~وتشتت الأعداء في أراءهم • سبب لجمع خواطر الأحباب • ~~89ظ ~~ولما فرغ من أمر الأشرفية والأجلاب شرع الأمير قرقماز يتعاطى أمور المملكة بأسرها ~~وكان إذ ذاك اينال الحكمي نائب الشام • وتكري برميش • نائب حلب • والمقر ~~السيفي جليان نائب طرابلس • وقانباي الحمزاوي نائب حماة • وطوخ نائب ~~غزة • وطوغان نائب القدس • واينال الأجرود نائب صفد • وكان مولانا ms159 ~~السلطان يرسل الإنعامات الوافرة • والخلع السنية لهؤلاء النواب • يستعطف ~~خواطرهم • ويستهل قلوبهم • ويحملهم على اجتماع الكلمة • ويتقاضى حوائجهم • ~~ويتعاطى قضاها • ~~ذكر إشارة قرقماز على مولانا السلطان بالولاية ~~ثم إن قرقماز قال لمولانا السلطان يا مولانا نظام الملك إن أمور الناس ~~لا تكاد تستقيم ما دام هذا الطفل موجودا أعني الملك العزيز فإن المماليك ~~الأشرفية والأجلاب لو بقي منهم واحد وهذا الطفل منتصب لكان الصداع ~~والشر قائما ويجعلونه وسيلة إلى المخالفة والعصيان • وأما هو فلا يقدر ~~على الاستبداد بفصل القضايا • تعاطي أمور المسلمين • والقيام بمصلحة ~~السلطنة • والأجلاب لا يريدون غيره فالرأي عندي أن ترفعه من البين • ~~وأنت بحمد الله من خيار المسلمين • وما ترك وشمائلك مشهورة ومشكورة فأريد ~~أن تلي هذا المنصب لحسم مواد الشر والفتن • فقال له مولانا السلطان معاذ ~~الله إن هذا الفكر لم يخطر لي ببال • وما عهد إلي على هذا الشرط • ولا أوصي إلي ~~بهذه الطريقة • وماذا يقول الناس في • وما بقي من العمر • وربما ننسب ~~إلي تقصير • وتضييع العهد • الذي قال الله تعالى فيه واوفوا بالعهد إن العهد ~~كان مسؤلا36 • وإذا كنا نحن متفقي الكلمة • مجتمعي القلوب • متحدي الآراء • فما ~~عسى أن يفعل المخالف معنا • فقال قرقماز هذا والله هو عين الصواب فأدرك ~~90و ~~المسلمين فإنك ردؤهم • وإن لم تفعل هذا يكن فتنة في الأرض وفساد كبير فقال له مولانا ~~السلطان أما إذ عزمت على خلع الملك العزيز وتولية غيره فأنت أولى بهذا الأمر ~~من كل أحد فإنك أثبت قدما وقدما • فقال له لا أتأمر على جماعة فيهم مثلك ولا فرق ~~بيني وبينك إذ كلنا سواء في عمل مصالح المسلمين ولا زال يحرضه على هذا الأمر ويحسن ~~له هذا الرأي السعيد ويتكفل له بالقيام بأمره وكفاية ما فيه من تحمل ~~المشقة والمؤنة حتى غلب على رأيه • ثم أنه في يوم الأربعاء تاسع عشر ~~شهر ربيع الأول سنة إثنين وأربعين وثمانمائة جمع قرقماز الخليفة والقضاة ~~الأربعة والأمراء ورؤساء المباشرين كالقاضي زين الدين عبد الباسط • وكل من ~~يشار ms160 إليه • ويعول عليه • في أمور العقد والحل • والتولية والعزل • وعرض عليهم ~~هذا الرأي وما فيه من الفوائد • وما في إهماله من تضييع المصالح وتوليد المفاسد ~~فكل منهم وافق عليه بطيبة نفس وانشراح صدر وخلعوا الملك العزيز وولي ~~الخليفة مولانا السلطان وبايعه • وحكم القضاة بصحة ذلك ونفوذه ثم تابع ~~الأكابر والرؤساء من الأمراء والكبراء في المبايعة • ورضي بذلك الأكابر والأصاغر ~~ودقت به البشائر • وطيروا القصاد إلى أطراف الممالك وسائر البلاد وألبسوا ~~فيرون (...) وأرسلوا إلى جميع النواب خلعا ومراسيم بذلك وابتهجت ~~الدنيا • وبسط مولانا السلطان يده الشريفة على جاري عادتها إلى الصدقات ~~والمبرات • وأنواع الإحسان والخيرات • تعاطى ذلك قولا وعملا • وتمهدت ~~أمور الممالك • ولما أثبت الأمير قرقماز بهذه الخصلة عند مولانا السلطان ~~يد أقومه على سائر الناس وجعله أتابك العساكر الإسلامية • وأذن له ~~في فصل الحكومات في بيته على خلاف عادة من تقدمه من الأتابكية وكان ~~لا يصدر أمر إلا عن رأيه • ولا يتعاطى تولية ولا عزلا إلا بمشورته • وكأن مولانا ~~90ظ ~~كان هو الألة معه وهو الحاكم المتصرف وكل قليل يخلع عليه الخلع الفاخرة • ويقدم له الخيول ~~المسومة • ويفيض عليه الانعامات السنية • له ولأحفاده ولخدمه • وكل من هو ~~من جهته • وأرسل على الشام يطلب المقر الاشرف القضائي الكمالي بن البارزي ~~عظم الله تعالى شأنه يستدعيه • فتجهز في أسرع وقت • وتوجه إلى الديار المصرية ~~يوم الإثنين سلخ شهر ربيع الأول سنة اثنين وأربعين واربعمائة واستمر الأمر على السداد ~~إلى يوم الثلاثاء ثامن شهر ربيع الآخر • ~~• ذكر عصيان قرقماز • ~~ثم إن قرقماز ركب يوم الأربعاء تاسع شهر ربيع الآخر وحضر إلى الخدمة بالقلعة على ~~جاري عادته وبعد الخدمة أراد الانصراف فرسم مولانا السلطان فألبسوه خلعة ~~ملوكية • وقدم له فرس من جياد الخيل بسرج مغرق وكنبوش فنزل إلى بيته • ~~وهو منشرح الصدر فاجتمع عليه جماعة من الأشرفية والمؤيدية وغيرهم ~~وحرضوه على الركوب على مولانا السلطان • وشن العصا وإظهار العصيان والمخلفة ~~وذلك من غير موجب فلم يجيبهم إلى شيء من ذلك فألحوا عليه وحسنوا له ms161 هذا ~~الرأي المعكوس فما وسعه إلا أجابتهم والركوب معهم فألبس جماعته وحاشيته العدة ~~الكاملة وركب واجتمع عليه طائفة من الأمراء والأجلاب وبقية الأشرفية والمؤيدية ~~ومن لا خلاق له في الدين ولا حساب مع المسلمين • وزعق النفير وضرب الطبل ~~وتوجهوا إلى صوب القلعة • ومولانا السلطان أبعد ما يختلج في خاطره ~~أن قرقماز يعصى عليه أن يخرج عن طاعته أو يخالف أمره إذ قد فارقه في هذه ~~الساعة وهو منشرح البال • مغمورا في الانعام والأفضال • هو وحاشيته ~~وقد تفرقت الأمراء والحاشية واستراحوا في بيوتهم • ومولانا السلطان في ~~القلعة وقد دخل الحريم ولم يكن عنده أحد حتى ولا من خواصه فلم يفجاءهم37 ~~91و ~~إلا والخيل قد أقبلت والطبول تضرب والمدينة قد تخبطت أعلاها على أدناها والصياح ~~قائم من كل جانب فلم يجترئ أحد أن يخبر مولانا السلطان بذلك حتى هجم واحد إلى ~~عند باب الستارة وصاح يا مولانا السلطان مالك قد أهملت أمر نفسك ألا تسمع ~~هذا العويل والصياح فخرج مولانا السلطان وتفحصوا عن ذلك فإذا الدنيا مخبطة ~~والبغاة قد أظهروا ما في قلوبهم من المرض ففي الحال اجتمع عند مولانا السلطان ~~شرذمة قليلة وطائفة نبيلة • ثم إن الأمراء ورؤوس الأجناد ركبوا وتوجهوا ~~نحو القلعة فإذا قرقماز ومن معه واقف فحال بينهم وبين القلعة فوقفوا معه في الرميلة ~~وكان تمراز أمير أخور بباب السلسلة واستمرت الأمراء واقفين مع قرقماز كأنهم من ~~حزبه حتى أمكنتهم الفرصة توجهوا إلى القلعة وانقلبوا على قرقماز • وكان إذ ذاك ~~وقد توجه مولانا السلطان إلى • (...) المشرق على الرميلة ومعه جماعته ~~واجتمع زعر القاهرة من وراء قرقماز فنادوا لهم من القلعة يا زعر المال لك والروح ~~لمولانا السلطان • ثم أقبلت القدماء والمشايخ من المماليك الظاهرية ~~واستمر قرقماز ومن معه في الوسط الزعر من صوب • والمماليك الظاهرية من ~~صوب • وصدقوا الله الطعن والضرب • ولم تلتفت الزعر لا إلى مال ولا سلب ~~واشتد الحرب وحمي الوطيس • والتقت الرجال بالرجال • فلم يمض إلا اليسير ~~حتى انزل الله النصر للعساكر السلطانية • والعصابة المحمدية • فخذل ms162 قرقماز ~~وطائفته الطاغية الباغية • وكان في العساكر السلطانية شخص يدعى حكم ~~المصارع فقبض عليه قرقماز وذبحه من غير موجب ولا ذنب • ثم لم يسع ~~الفئة الباغية إن ولت الأدبار • وعلاها الذل والانكسار • وهرب قرقماز ~~وتفرقت جماعته شذر مذر • فلا حاجته قضى • ولا على صديقه أبقي • وتوجه ~~إلى غائط له فاختفى فيه • وفي يوم الجمعة حادي عشر شهر ربيع الأول ~~91ظ ~~أرسل يطلب الأمان ويستدعي المقر الأشرف الناصري ولد المقام الشريف • والمقر ~~الزيني عبد الباسط فتوجها إليه • فتمثل معهما بين يدي المواقف الشريفة • ولم ~~يكن له مجال للاعتذار • ولا له متشبث ولا متعلق فيما ارتكبه فأرسل إلى اسكندرية ~~وادعى عليه بأشياء مخالفة للشرع الشريف • وموجبة لإراقة دمه • منها ~~البغي والخروج عن طاعة ولي الأمر • ومنها حركات وأقوال يترتب عليها موجبات ~~الكفر ومنها إراقة دم حكم المصارع بغير ذنبه • وثبت كل ذلك عليه بالشرع الشريف ~~وطلب القصاص منه فحكم بإراقة دمه فأجرى عليه حكم الله تعالى في اسكندرية ~~ولما توجه الركاب الكريم الكمالي إلى القاهرة ورد الخبر بعصيان قرقماز ومخالفته ~~فحصل لأهل الشام تشويش لا يعلمه إلا الله تعالى خوفا على مولانا المشار إليه لئلا ~~يحصل له في الدرب نكد من أهل البغي والعدوان • او ربما يخرج قرقماز من الديار ~~المصرية بتصادقهم في الدرب فيحصل لهم منه الضرر • ولم يزل الناس في اضطراب ~~وشغل خاطر حتى وصل خبر سلامتهم وإنهم وصلوا إلى مقصدهم في خير وعافية ~~فحصل السرور والانشراح بذلك وتولى المقر الكمالي وظيفته القديمة على ~~عادته وهي كتابة السر الشريف وابتهجت المماليك الإسلامية بكمالها ولله الحمد ~~ذكر ابتداء عصيان اينال الحكمي نائب الشام وبكري ~~برميش نائب حلب • ~~ولما بلغ خبر قرقماز الشام وحلب وسائر الممالك سكن رعب مولانا ~~السلطان وهيبته قلوب الناس وسر بذلك كل من في قلبه شيء من الإسلام ~~وأما الطغاة والبغاة فإنهم ازدادوا رجسا إلى رجسهم • ومرضا على مرضهم ~~بمصر وما سواها من البلاد • وظهرت علامات النفاق من المنافقين • ووجد ~~الحساد والبغاة للطعن مجالا فأطالوا لسانهم بالسوء من ms163 القول وراسل المنافقون ~~92و ~~من المصريين نائبي حلب والشام إذ قد انقطعت أمالهم من رأس يكون لهم بمصر فلم يجدوا ~~إلا مراسلة هؤلاء النواب • فأما نائب حلب بكري برميش فإنه أبرز سخيمته ~~وجاهر بالعداوة والتمرد وأظهر العصيان والطغيان • وشرع يستطيل على الرعية ~~وعلى التجار • وأذى الكبير والصغير • ومديده إلى الحواصل السلطانية • وأما ~~نائب الشام فإنه أضمر في نفسه ما هو عليه وشرع يتملق ويترقق ويخفي في نفسه ~~ما الله مبديه • وأخذ يستخدم المماليك البطالة وأولاد الناس • ولقد كنت ~~يوما في المنيبع عند المقر البهائي بن حجي عظم الله تعالى شأنه فجاء محمد الاستدار ~~وجعل يشكوا ما فيه من الشدة والضيق فسئل عن سبب ذلك فقال كانت ~~الجامكية ستين ألفا فصارت ثمانين ألفا قيل وفيما ذلك قال إن ملك الأمراء ~~يريد زيادة المستخدمين والمماليك ويطلب منا ما لا يعطيهم وقد ضقت ذرعا ~~وما أدري ما أعمل وجعل محمد الاستدار المذكور بسبب ذلك يستطيل على الناس ~~ويفتق عليهم أنواع المظالم ويفتح أبواب الشر فكان الناس معه في شدة عظيمة ~~وما كان يرفع لخزانة اينال دينارا ولا درهما إلا ويأخذ لنفسه أضعاف ذلك ~~ولكن الله تعالى لطيف خبير وكان المقر الناصري سيدي محمد بن محك تغمدهما ~~الله تعالى برحمته بالقاهرة فكان يتلافا قضايا النواب مهما أمكنه • وكان ~~رحمه الله واسطة خير ومقصد نجاح فتعاطى أسباب إصلاح الأمور فإنه ~~كان قد وقع في أفواه الخاص والعام أن نائب الشام سيعصي أو عصى والعامة ~~لسان الفلك وكانوا يقيسون أمره على أمر نائب حلب ولكن ما كان أحد ~~يجترئ على إشهار هذا الكلام • وكان نائب الشام اينال منتظرا قدوم ~~المقر الناصري المشار إليه حتى يبني ما يريده من الأمور على ذلك • ~~• ذكر مراسلة المصريين نائبي الشام وحلب • ~~92ظ ~~واستمر المنافقون من المصريين يراسلون نائبي الشام وحلب وكان من جملة ما أرسلوا ~~اليهما أن هذا يعنون مولانا السلطان قد خالف الوصية المسندة إليه وقبض على ~~ابن استاذنا الذي هو السلطان وهو الملك العزيز مع أنه رجل فقيه ms164 صوفي ~~لا يصلح للسلطنة ولا لإقامة شعائر الرئاسة وصحبته دائما مع الفقهاء والعلماء ~~والفقراء ولا يحترس كما كان غيره يحترس من الملوك والسلاطين • ولا يتمم هيبة ~~الملك • ولا ناموس السلطنة • ونحن نريد لنا سلطانا يقيم حرمة الملك والسلطنة ~~على عادة الملوك والسلاطين • ويقدم الترك والأمراء على من سواهم • وقد رأيتهم ~~كيف فتك بإخوتنا من الأشرفية • وبرؤوس الأمراء • فإن صبرتم على هذا فقد ~~أهنتم أنفسكم وأهنتمونا • وربما يتعدى إليكم منه ما تكرهون • وإن وافقتمونا على ~~شيء فنحن منتظرون لما تبرز به مراسيمكم • ومتكفلون بجميع ما تشيرون به • فإنا ~~نقدر ان نوقع به فعلا كيف ما أردنا لأنه يمكن التوصل إليه في كل وقت • وإيقاع ~~الفعل به من غير مشقة • فلا ننها ونوافي رد الجواب • وتأملوا في هذه القضية ~~وعواقب الأمور بعين البصيرة والفكر الصحيح • وردوا الجواب سريعا • وإذا ~~رضينا أن تكونوا لنا رؤوسا وظهورا • أفلا ترضون أن نكون لكم خدما وأعوانا • ~~وفيما يدهمكم ويهمكم جندا وانصارا فواعدوهم على ذلك • ~~ذكر عصيان نائب حلب بكري وبرميش وكسره وقتله ~~وكان خير بكري وبرميش قد بلغ إلى القاهرة فإنه كان على أيام الملك الأشرف ~~ذا تهور وتعد وفجور وظلم واستمر على ذلك فلما ولي حلب وأبعد عن الديار ~~المصرية لم يتغير عن سجيته القديمة من الظلم والتعدي مع أن الملك الأشرف ~~كان له عليه اعتماد وكان ذلك كان بواسطة معرفة قديمة أو سابقة أكيدة ~~وكان الأمراء يكرهونه ويكرههم لأنه كان من التراكمة وما كان من جنسهم ولم ~~93و ~~يكن أيضا عنده مداراة يستهل بها خواطرهم فلما توفي الملك الأشرف لاح عليه إمارات ~~العصيان ولما بلغ خبره الديار المصرية أرسل إليه مرسوم شريف ملكي ظاهري ~~أن يتوصل إلى القاهرة فوصل المرسوم مع القاصد يوم الثلاثاء خامس عشرين شعبان ~~سنة إثنين وأربعين بحضوره إلى الأبواب الشريفة • فلما وصل القاصد ورأى ~~من نائب حلب إمارات العصيان لم يجسر أن يظهر المرسوم فتوجه إلى نائب القلعة ~~السيفي خطط واجتمع به ليلة الجمعة تاسع عشرين شعبان فطلب القضاة والأمراء ms165 ~~لقراءة المرسوم عليهم ليلا فلم يحضروا واعتذروا بأنه ربما يصل الخبر إلى بكري برميش ~~فيضرهم وينكد عليهم ولعل ذلك أن يأخذ حذره ويفشوا الخبر إذ أحضروا واجتمعوا ~~في غيبته فما وسع نائب القلعة إلا أنه رمي على بكري برميش من القلعة بعد العشاء ~~الاخوة وأظهر معاداته وصاحوا على أنه عاص وباغ وركب الأمراء كلهم وتوجهوا إلى ~~القلعة واختبطت الناس فركب بكري برميش وخرج من دار السعادة وحال ~~بين الأمراء وبين القلعة واجتمع على جماعته وجماعة من المشاة وتفرقت أراء الأمراء ~~وأخذ كل واحد منهم يجتهد في خلاص نفسه فتوجه السيفي بردي بك العجمي والأمير قطج ~~صوب باب ىانقوسا فإذا هو مقفل فجاء شخص يدعى صاروخان ومعه الفأس فضرب ~~القفل فكسره وفتحوا الباب وخرجوا طالبين البلاد الحموية فتوجهوا إليها وتوجه ~~المقر السيفي سودون النوروري أمير التركمان بحلب وأمير دوادار السلطان ~~بها إلى صوب البيرة وكان مدة نائبا بها على زمان الملك الأشرف فوصل إليها واستولى ~~عليها وحصنها بأنواع العدد من جحف وقسي وأسلحة وغير ذلك نقله إليها من ~~قلعة المسلمين وأخذ بكري برميش من تلك الليلة من محاصرة القلعة وعمل المدافع ~~والمكاحل وجد في المحاصرة واستدعى بني عمه واخوته من التراكمة ورفقائه من البلاد ~~فاجتمعوا إليه • ~~93ظ ~~ذكر الحيلة التي فعلها نائب حلب ورد الله تعالى كيده في نحره ~~ثم إن بكري وبرميش أعمل الحيلة في أخذ القلعة ولكن ما تم أمره • ولا استب فكره • فحاق ~~به سوء مكره • ورد الله كيده في نحره • وذلك أنه أرسل بن عمه مع جماعة من خواصه ~~في خفية إلى من يعرف باب السر من القلعة والسرداب الواصل إليها مع واحد له دالة ~~على الأمناء والحفظة بباب السر من البوابين والمقدمين • والتمس منهم أن يجتمعوا ~~بالمقدم والبواب • ويرغبوهم بالأموال ليفتحوا لهم باب السر • فاجتمعوا بهم وبذلوا ~~لهم الأموال الجزيلة حتى رضوا ووافقوهم على ذلك وأعطوهم مائة وستين ألف ~~درهم • ثم واعدوهم على وقت • فذهب واحد منهم وأخبر نائب القلعة بذلك فبعد ~~أن استكتمه القضية أرسل ms166 يطلبهم واحدا بعد واحد حتى تكاملوا عنده ثم قررهم ~~فأقروا على أنفسهم وعلى كل من معهم فلما تحقق ذلك أمر بصلب جماعة منهم على شرفات ~~القلعة ووضع المقدم في المنجنيق ورمى به إلى بكري برميش فلما تحقق أن سعيه ~~ضل حصل له من النعم والهم ما لا مزيد عليه وجد في محاصرة القلعة وأخذ في عمل ~~المدافع والزحافات والمكاحل • واستمر ذلك من أول شهر رمضان وإلي ليلة ~~العشر فتقاتلوا تلك الليلة من العشاء إلى الصباح • ولما أسفر الفجر وكان ~~جماعة بكري برميش قد كلوا وأضناهم التعب والسهر تفرقوا إلى أماكنهم وذلك ~~يوم الثلاثاء عاشر شهر رمضان المبارك وهو ثاني يوم عصى فيه اينال الحكمي ~~في الشام ولما تفرق جماعة بكري برميش نزل أهل القلعة ورموا الزحافات ~~وما كان أعده إلى الخندق وكسروا ما أمكنهم كسره وخرجوا جميع ما كان عمله بكري ~~برميش وساعدهم على ذلك جماعة من عوام الناس واجتمع طائفة كثيرة من أهل ~~البلد وأكثروا الغوغاء فلما بلغ البغاة ما فعله أهل القلعة وأهل البلد اجتمعوا ووضعوا ~~أيديهم في العوام وجرحوا منهم وقتلوا منهم • ~~94و ~~ذكر قيام أهل حلب علي بكري برميش وخروجه من حلب ~~مذموما مدحورا • ~~فعند ذلك أخذت أهل حلب الحمية على عادتهم وكبر الناس عليهم يدا واحدة وتنادوا ~~الغزاة يا مجاهدين • في أعداء الله الباغين • وتناولوهم بالحجارة والسهام وأصناف ~~السلاح ورجموا بكري برميش وجماعته • وطائفة البغي كما فعلوا مع بن قصروة • ~~وبن كبك التركماني • لما عصي في حلب في أواخر سنة أربع وعشرين وثمانمائة في ولاية ~~الملك الظاهر تتر رحمه الله • وانزل الله تعالى نصره على المسلمين قولي بكري وبرميش ~~المخذول ومن معهم الدبر وأخذهم الذلة والانكسار • فلم يسعهم إلا الخروج إلى خارج ~~البلد • ولما ولي الدبر أخذ الناس فيهم قبضا ونهيا • وقتلا وسلبا • فخرجوا ~~من باب انطاكية على أسأم طالع • وأنحس تقويم • فوصلوا إلى الميدان • ونزل أهل ~~القلعة وساعدوا العوام على ما عم فيه وقبضوا على من قدروا عليه من عساكر البغي ~~وكفى الله المؤمنين ms167 القتال واغلقوا أبواب المدينة وتضام المسلمون وتحصنوا ~~واحذوا حذوهم وأسلحتهم • واتم بكري برميش يوم في الميدان • وكان قد قرب ~~قفل من حلب من بلاد الروم فنهبهم بكري برميش وجماعته وأخذوا قماشهم وبضاعتهم ~~ودوابهم • وكان ذلك من علامة خذلانه وكسره • ولما دخل الليل قصد ~~بلاد شيزر وطلب بن سقلسين فأتى إليه وأواه • وكان ذلك من جملة خطائه ~~فإن الملك الأشرف ومولانا السلطان الملك الظاهر ما فعلا مع بن سقلسين ~~ما يقتضي عصيانه والخروج عن الطاعة لكنه أخطأ ولزم غلطه فاستمر بكري برميش ~~عند بن سقلسين مدة أيام • ~~• ذكر توجه بكري برميش إلى طرابلس • ~~ثم ان بكري برميش ضم التراكمة وحشد واجتمع عليه جماعة من المفسدين ~~94ظ ~~فاقتضى رأيهم التعيس أن يتوجهوا إلى طرابلس • وكان نائبها إذ ذاك المقر الأشرف السيفي ~~جلبان وكان إذ ذاك وقد عصي نائب الشام وراسل بكري برميش فلما توجه بكري برميش ~~إلى طرابلس كان المقر السيفي جلبان فيه كفاية للتراكمة غير أنه إختشى أن يلاقي عليه ~~نائب الشام اينال فيبقى بين عدوين وضعيفان يغلبان قويا فأخذ على الساحل ~~إلى الأمراء المجتمعين بغزة وسيأتي ذكرهم فوصل بكري برميش إلى طرابلس فدخلها ونهب ~~ما بها من أموال وثقل ولم يكن قصده عمارة البلاد فإنه تركماني ونهب بيوت الأمراء ~~والأكابر وفرق العسكر السلطاني وعاثوا وأفسدوا كما يختارون فإنها كانت فرصة ~~فساد كفرصة يونس الرماح • ولما قضوا مأربهم من الفساد في طرابلس واجتمع ~~عليه التراكمة واطمأنوا إذ لم يوجد أحد قاومهم هيئوا أمرهم وعرضوا عساكرهم ~~والتف عليهم بن سقلسين المذكور وعلي باردين اينال وبن غيمان من تراكمة طرابلس ~~ورجعوا إلى حلب وحاصروها نحوا من ستة وعشرين يوما وهم حوالي البلد يعيثون ~~ويعثون • وأرسل بكري برميش إلى بن قزمان • وإلى موسى بن قرا التركماني القصاد والخيول ~~المسومة • والخلع الفاخرة • وطلب منهم الحضور فأجابهم موسى بن قرا وتخبطت • ~~البلاد الشمالية بأسرها • وعانت المفسدون في سهلها وجبلها بكمالها • وكانت ~~من أقبح الفتن • وأبشع الشرور • فسبحان اللطيف الخبير • ~~ذكر ما فعله الأمين سليمان بن دلغادر ms168 من الخير في هذه ~~• الوقائع • ~~ثم إن الأمير سليمان بن دلغادر لما بلغه هذا الأمر من سعادته وإرشاد الله ~~تعالى إياه أن استعمل فكره الصائب • وكان مولانا السلطان من قديم ~~الزمان محسنا إليهم كما هو محسن إلى غيرهم شعر • ~~• والخير أبقى وإن طال الزمان به • ~~95و ~~وكان بين الدلغادرية • وبين هؤلاء التراكمين البغاة كان عداوة سوء موروثة مع أن ~~الدلغادرية لم يصدر منهم عصيان قط غير أن في بعض الأوقات كانوا يخافون على أنفسهم ~~لأن الحرمة السلطانية أدامها الله تعالى وأقامها باسطة فكانوا يتأبون عن الحضور ~~إلى المواقف الشريفة فإذا توجه إليه أحد من العساكر المنصورة ما كانوا يقابلون ~~ولا يشهرون في وجوههم سيفا بل كانوا يتحصنون في الجبال والأماكن الوعرة • فأراد الأمير ~~سليمان المذكور أن يكافئ بعض الصدقات الشريفة السلطانية السالفة فاهتم ~~لذلك وبذل جهده • واستقصى في الذب عنها • والقيام بحقوقها ما أمكنه • فعرض ~~جماعته من الدلغادرية • واستدعى الرؤوس من أصحابه وهو الأمير اشلماس بن كبل ~~والأمير أحمد بن بن بوزجا • والأمير عثمان بن كندز المرحوم أيلوك بن رمضان فأجابوه ~~واتفقوا أنهم يكونون يدا واحدة • ويمشون على بكري برميش ويراسلون الأمراء ~~والعساكر السلطانية • والنواب المقيمين على الطاعة الشريفة • لعل الله يرزقهم ~~بياض الوجه عند مولانا السلطان ففعلوا ذلك وتوجهوا فلما أحس بهم المخذول ~~بكري ديرمش لم يسعه إلا الهرب منهم والتوجه إلى البلاد الحموية فإنه كان أجبن ~~من صافر • وكان هيئة بلا فحوى • وصورة بلا معنى • فارتحل من مرج دابق ~~وأخذ على شرقي حلب إلى حماه • وهو مع ذلك يكاتب اينال الحكمي ويراسله ولا يجترئ ~~على المجيء إليه • والاجتماع به • لأنه لم يكن بينهما جهة جامعة إلا العصيان وإنما ~~هو تركماني • وذلك جركسي • وبينهما مباينة أكيدة • فكان يخاف منه غير أنه ~~كان يراسله بسبب العصيان • وأكد الخوف منه أنه لما سمع أنه عصى • وقبض ~~على الأمراء • ثم أنه أطلقهم ولم يتعرض لهم بسوء • زاد ذلك إنكاره وخوفه منه • وقال ~~ربما يكون عصيان اينال الحكمي من أجلي حتى يقبض علي ms169 ويتوجه بي عنه السلطان ~~ويرفع ما صدر منه بسببي فلم يزد علي المراسلة والكاتبة والمصادقة من بعيد ~~95ظ ~~إلى أن قضى الله عز وجل فيه ما يريد وانكسر اينال الحكمي • وتوجهت العساكر المنصورة إلى بكري ~~برميش وفر منهم وقتل كما سيأتي بيانه مفصلا بعد قضية اينال واستمر يكاتب اينال ~~جهارا وكان اينال قبل أن يظهر العصيان يباطنه بالمراسلة ويغريه على العصيان ~~ويكاتب المنافقين من المصريين • ~~ذكر اينال الحكمي ومبدأ عصيانه وما كان يبدوا منه ~~• من امارات المخالفة • ~~ثم إن سودون الخاصكي وهو أخوا38 اينال قدم إلى الشام قبل أن يعصي أخوه وذلك ~~بعد أن قتل قرقماز وجاء على يده مراسيم شريفة • وخلعة فاخرة سنية • وأموال ~~جمة من دنانير عديدة • وفي ضمن التوقيع الشريف بعد التلطف والترفق له أن يكون ~~مطلق التصرف • مبسوط اليد في الممالك • يولي من يشاء • ويعزل من يختار • فليس فوق ~~يده يد • فتصور أن ذلك إنما يفعل معه خوفا منه • وإنما كانت الأمور في مبادئها ~~ومولانا السلطان نصره الله نصرا مؤزرا • إنما فعل ذلك على جاري عادته الشريفة ~~من تلافي خاطر الكبير والصغير • فلما وقف اينال على هذه التلطف والمكاتبة ~~الحسنة لم يتمالك نفسه فصرخ وقال مصرحا يا مسلمين كيف يحل من الله يخلع الملك ~~العزيز بن استاذنا • وتقتل اخوتنا • وخوشد اشينا • ثم بعد ذلك يفعل ~~باغتنا الأمير قرقماز ما يفعل • ويقتل شر قتلة • بعد إذلاله وإهانته • أليس ~~كان ملكا • أما كانت تحفظ حرمته • وإذا فعل هذا بالملوك العظام • أيش يبقى ~~للناس قدر غير أن اينال لم يظهر عصيان • وكان كلما ورد مرسوم شريف تلقاه ~~بالقبول وقابله بالتعظيم التام • والتوقير والاحترام • وأظهر الطاعة والانقياد ~~على الرسم المعتاد • ثم إنه اتفق مع أخيه سودون بأمور وجهزه إلى القاهرة ~~ورد جواب المراسيم بأنه مقيم على الطاعة • وفي باطنه أمور وشرور ردها الله في ~~96و ~~نحره • ثم اينال شرع يستخدم كما من ذكره ويأخذ أهبة العصيان • وانتشر بين ~~الخاص والعام أنه عاص • والعامة لسان الفلك • ثم أنه استشار نائب القلعة ms170 ~~السيفي فارس في عمل مكحلة فأشار عليه بذلك فجمع النحاسين والاستادين وشرع ~~في عمل ذلك في الاصطبل • وكان قد حضر إلى دمشق استأذن من حلب فاستعملوه ~~في عمل المكحلة مع بن قطلوبك النحاس وغيره • وكان المقر المرحوم الناصري ~~سيدي محمد بن مبحك في مصر • وكان اينال منتظرا قدومه ليبني ما يفعله من ~~الخروج والعصيان على ما يرد على يديه فورد المرحوم الناصري المشار إليه يوم ~~الخميس خامس شهر رمضان المذكور واجتمع باينال يوم الجمعة وكان على يده خلعة ~~فاخرة سنية • لا يمكن أعلى ولا أغلى منها • وإنعامات ملوكية • وفرس لائق بالملوك ~~كامل العدة • ومن الذهب النقد على ما نقل أربعة عشر ألف دينار إلى غير ذلك ~~فأوصلها المقر الناصري لاينال • وكان المقر الناصري من أولاد الملوك وممن ~~قد انفرد بالوجاهة • والحشمة • والرئاسة • ويمن الرأي • وقبول الكلام • وحسن ~~المداراة مع الكبير والصغير • وطلبه الخير لعامة المسلمين • والسعي في أنواع ~~البر والمعروف • وإغاثة الملهوف • واحياء ما دثر من الصدقات والأوقاف ~~وبذل المجهود في كل ما يتصور من أنواع البر والإحسان • والقرب من الناس • ~~واللطف • وحسن الخلق • وقلة الطمع • والكف عما في أيدي الناس • إلى غير ذلك ~~وكان يقول الحق ولا يخاف إلا الله تعالى • ولا يأخذه في الله لومة لائم ~~ولهذا صار مقبول القول عند الكبير والصغير • ولما اجتمع باينال خلا ~~به وقال يا مولاي ملك الأمراء إن الناس يقولون كلاما • أنا أكبرك أن أفوه به ~~في حضرتك وأعيذك بالله منه فإن رسمت لي قلته قال قل يا امير فلا بأس قال ~~حاشا لله أن ننسب على مخالفة وعصيان الله الله يا مولانا ملك الأمراء اتشفع ~~96ظ ~~إليك بالله الذي لا إله إلا هو وبالجناب الرفيع • وبسائر الأنبياء والمرسلين • والملائكة ~~والمقربين • وأتشفع إليك بك أن لا تحرك ساكنا • وانظر إلى الدماء التي أريقت في حلب ~~بسبب عصيان هذا التركماني فإن كان زل به القضاء ورجع إلى أصله وما جبل عليه ~~من الفساد الذي لا يمكنه أن يخفيه فعقل مولانا ملك الأمراء وحشمته ms171 أعظم وأجل من ~~ان يوافقه ويظهر عليه اسم العصيان • والبغي • والمخالفة • قط ما ورثت على أحد ~~خير إنما فائدتها ذهاب النفوس • وإراقة الدماء • وتمزيق المال • واستجلاب غضب ~~الله تعالى وسخطه • ودمار العباد • وخراب البلاد • ثم إنه قبض على ذيله وعض عليه ~~وكشف رأسه بين يديه فقال اينال معاذ الله يا مولانا الأمير أن يصدر مني شيء يضر ~~المسلمين • وأرجوا من الله أن لا يكون إلا ما يرضيك • ~~• ذكر مجاهرة اينال بالعصيان • ~~ثم لما حصل اينال على المال وانتهى أمره فما كان ينتظره من قدوم الناصري ~~سيدي محمد بن مبحك لبس الخلعة يوم السبت سابع شهر رمضان وأوكب من قبة ~~ىلغا ودخل إلى دار السعادة في أبهة تامة • وعظمة كاملة • والسمع يوقد بين ~~يديه والناس تدعوا له • ثم أمر أن تجتمع الأمراء وجميع المباشرين يوم الإثنين ~~لاستماع المراسيم الشريفة بحيث أنه لا يتخلف منهم أحد • وأرسل إلى الجناب السيفي ~~فارس أمير نائب القلعة يستشيره فيما أراد فأجابه بالسمع والطاعة واجتمع ~~به ليلا وأتى بمفاتيح القلعة وقال له أنا مملوكك وممتثل أوامرك السعيدة فإن ~~استمررت بي فانا لك كما تحب • وإن أحببت أن تولي من اخترت فالأمر إليك ~~فقال بل استمر على ما أنت عليه فإنك امين وناصح • ~~• ذكر أمير قاني صو • ~~ثم إن قاني صو الذي كان نائب سيس وصار من المقدمين في الشام كان في الجهة القبلية ~~فكأنه ظفر برجل معه كتاب إلى المصريين أن اينال عصى فقبض عليه وأتى به إلى اينال ~~97و ~~وقال له أنت غافل والناس يسعون في دمك وقد اشتهر عنك اسم العصيان ففيهم قعودك ~~وتوانيك • وكان ذلك ليلة الإثنين فأجمع رأيه على العصيان ولما كان يوم ~~الإثنين تاسع شهر رمضان سنة إثنين وأربعين وثمانمائة • أمر مماليكه وحاشيته فأفرغوا ~~عليهم سابغ الدروع والسلاح وأخذوا أهبتهم وحذرهم وأوكب النائب وركب الأمراء ~~والمباشرون وجاؤا39 إلى دار السعادة فلما عزموا على الدخول قال اينال الجشماني للحاجب ~~الكبير برسباي بالتركي هي اغاكير ما يعني لا تدخل فإن النائب قد أضمر ms172 سوء فلم يلتف ~~إلى كلامه ونزل ودخل إلى دار السعادة فرجع اينال المذكور • وقانباي البهلوان أمير ~~كبير • ومغلباي الجقمقي • والطنبغا الشريفي إلى منازلهم • ودخل من سواهم ~~من الأمراء مع الحاجب إلى دار السعادة • وكان المباشرون قد حضروا قبلهم إلى دار ~~السعادة فحين حصلوا داخل الباب أغلقوا الأبواب وأمسكوا الحاجب وقبضوا على ~~جميع من كان دخل من الأمراء والمباشرين عن أخرهم • ولم يفلت من الأمراء غير الأمير ~~يونس أحد الأمراء المقدمين فإنه لم يكن حضر ذلك اليوم بل كان قد ركب إلى مكان ~~يشتري فيه قصيلا لخيله فلما سمع الهيعة استمر مارا على وجهه إلى صوب القاهرة ~~ولم يرجع إلى بيته فاجتمع مع الأمراء بغزة واستمر معهم • وكان ممن لم يحضر ~~من المباشرين المرحوم الناصري بن أبي والى استادار المقام الشريف فحين حصل ~~الأمراء في قبضة النائب اختبطت الدنيا ووقع النهب والغارة في خيولهم وهرب ~~كل من الأجناد والمماليك إلى بيته واختفى • ثم في هذا اليوم بل في هذه الساعة ~~حضر قانباي بهلوان • اينال الجشماني • والطنبغا المذكور إلى دار السعادة ~~طالعين وفي رقابهم المناديل واستسلموا • فلما تحقق كل الناس أن الأمور قد صارت ~~لم يريده اينال ونائب حلب فإن الدنيا ما تخبطت خباطا يمكن الإنسان تلافيه ~~ولا انقلبت انقلابا يقدر الانسان ان يتداركه ولكن الله سلم فسبحانه من فارج ~~97ظ ~~الهم وكاشف الغم • ما اخفى لطفه • وما أحسن تداركه وكشفه • ثم أن اينال أعطى ~~الخلعة والفرس الذين جاء بهما المقر الناصري بن مبحك رحمه الله لقانباي المذكور واحتفظ ~~على من قبض عليه من الأمراء • وحاجب الحجاب برسباي • وجعلوا يتفقدون أرباب • ~~الوظائف • ومن له خبز واقطاع وسائر الأجناد • فكل من كان حاضرا عندهم صار منهم ~~ومن لم يكن حاضرا عندهم توجهوا إلى بيته وتفحصوا عنه وأحضروه شاء أو أبى وإلا نهبوه ~~فما وسع الناس إلا الانقياد والإطاعة • والمثول عنده بالسمع والطاعة • ~~ذكر وصول هذا الخبر المزعج إلى القاهرة وسائر البلاد ~~وكان واحد من مماليك حاجب الحجاب برسباي واقفا على فرسه خارج باب ms173 دار السعادة ~~فلما وقعت هذه الخبطة فبمجرد ما سمع الخبر استمر على ظهر فرسه سابقا على وجهه أخذا ~~نحو مصر فوصل إلى اللجون فرأى الأمير حجكبوغا متوجها نحو شاهرخ في الرسالة ~~من جهة مولانا السلطان فأخبره الخبر لوى راجعا إلى الرملة والقدس ووصل الخبر ~~إلى الرملة يوم الأربعاء بعد العصر حادي عشر شهر رمضان • وكان طوغان نائب ~~القدس في الرملة على غير أهبة فبمجرد ما بلغه الخبر ركب وتوجه إلى القدس ولم يلو ~~على أحد فتخبطت البلاد • وخاف الكبير والصغير • هجوم العشران • وصار الناس ~~في شدة لا يعلمها إلا الله تعالى انقطعت الدروب • ~~ذكر وصول هذا الخبر إلى غزة وذكر ما جرى في غزة من ~~الأمراء • ~~ووصل الخبر إلى غزة يوم الخميس ثاني عشر شهر رمضان فهرب حاجبها الأبوغا ~~إلى صاحب صوب العريش • وكان نائبها طوخ فجمع الأمراء ومن تحت يده من الجند ~~ورجع الأبوغا يوم الجمعة إلى غزة واجتمعوا بالقضاة وشرع النائب بها يحلف ~~الأمراء ويستوثق منهم أن يكونوا يدا واحدة مع العصابة السلطانية ثم أمر فأحضر ~~98و ~~القاضي شمس الدين بن الأعسر الشافعي فحلفهم ووصل الخبر إلى القاهرة في العشر الأوسط ~~من شهر رمضان فتخبطت وكثرت الأراجيف والخباط ورفع المنافقون أيديهم وألسنتهم ~~بالسوء • وكان قبل ذلك وصل الخبر بعصيان نائب حلب وخياطة • ~~ذكر ما وقع في صفد بسبب هذا النكد • ~~فلما بلغ هذا الخبر القلق إلى صفد وكان نائبها اينال الأجرود أرسل إليه نائب ~~القلعة يقول له قد وقع من الأمر ما علمت وأما أنا فلا أخرج عن طائفة الحق وفرقة ~~الهدي • وأنا مع العصابة السلطانية • فإن كنت معي فأنت مخدومي وتاج رأسي ~~ولك أريد أن استوثق منك فأرسل أولادك إلى القلعة فلنا ما لهم وعلينا ما عليهم ~~ويكون يدا واحدة إلى أن ينجلي هذا الغبار وإن لم تجهز حريمك إلى القلعة أو تظهر العصيان ~~مع من عصى فاخرج من البلد بحيث لا يحصل لكل واحد ضامن رفيقه بؤس ولا ضرر ~~وإن أبيت بحيث أنك لا تؤمنا ولا ms174 تتركنا فلا نقدر على المجاورة مع كون الأنفس ~~فيها الضغائن فلا بد أني أناوشك الحرب وأرمي عليك فقال له إني مع السلطان ~~ولا أخرج يوما عن رتبة الطاعة وأجهز أولادي إلى القلعة ليكون خاطرك مطمئنا ~~وفعل كذلك واطمأن بحمد الله ذلك الجانب وبلغ هذا الخبر إلى غزة يوم الجمعة ~~ثالث عشر شهر رمضان • وكنت إذ ذاك في غزة متوجها إلى القاهرة فأبلغت هذا ~~الخبر إلى القاهرة إلى مخدومنا القاضي الكمالي بن البارزي فكان من أسر الأخبار ~~وأحسنها • ثم إن نائب القلعة المقر السيفي فارس شرع في تحصين ~~القلعة ونقل ما كان محتاجا إليه من الأهبة والعدة والذخيرة والسلاح ونشر ~~العزيز • واستمر على ذلك مدة • وظاهره مع اينال وباطنه مع الظاهر ~~وأرسل إلى اصطبل قاضي القضاة الشهابي عطر الله تعالى شأنه ونهب خيله وقماشه ~~98ظ ~~وجميع ما وجده له وذهبوا به إلى القلعة ثم إن اينال الحكمي رسم أن يردد ذلك كله ~~إلى مولانا قاضي القضاة كما كان فامتثل واستمر الأمر والمباشرون مضيقا عليهم ~~يوما واحدا • ~~ذكر ما فعله اينال مع أمراء الشام يوم عصيانه ~~ثم ان اينال احضر الأمراء والمباشرين وحلفهم أنهم يكونون معه يدا واحدة على السراء ~~والضراء وأن لا يعدلوا عن الملك العزيز يوسف بن رسباي ولا يخرجوا عن طاعته ~~فحلفوا له فأطلقهم وخلع عليهم ولم يكن معه على الإخلاص إلا قاني صو • ومسروق • وتنم • ~~وجماعة أوباش • وقبضوا على جميع المباشرين • ومنهم مولانا وسيدنا قاضي القضاة ~~برهان الدين بن جحي كاتب السر • والقاضي جمال الدين ناظر الجيش • وأما بن أبي والي ~~فإنه اختفى فأرادوا نهب بيته فما وسعه إلا أنه ظهر وحضر • واستعانوا به على ما ~~هم فيه من طرح السكر وطلبوا من كل هؤلاء جملا من الأموال إلى أن لاحت للمقر الشهابي ~~ابن جحى فرصة فخرج من غير درب إلى صوب صفد ثم توجه إلى غزة ووصل خبره ~~إلى القاهرة فورد عليه مرسوم شريف بأنه مخير بين ثلاثة أمور أن يقيم عند الأمراء ~~بغزة • أو يتوجه إلى ms175 القدس الشريف حتى تنجلي هذه الغبرة أو يتوجه إلى القاهرة ~~فتوجه إلى القاهرة ووصل يوم الأحد العشرين من شهر شوال فقوبل بالاحترام ~~والاكترام التام • ولم يزل بها حتى تمهدت الأمور • وانقضت الشرور • وقتل اينال ~~فتولى وظيفتي قضاء الشافعية • وكتابة سر الشام • وباشر ذلك أيام السيفي ~~اقبغا التمرازي • وأما القضاة فإنهم لم يتعرض أحدهم بمكروه • وكان مولانا السلطان ~~قد ولى وظيفة القضاء للشيخ برهان الدين الباعوني لما بلغه عنه من الخبر ~~وانقطاعه إلى الله تعالى فلم يقبل الشيخ برهان الدين ذلك لكونه قد اسن وقد ~~ذكر ذلك مشبعا في أول هذا الكتاب فوليها الشيخ تقي الدين بن قاضي شهبة ~~99و ~~لأنه كان عالم البلد ومولانا السلطان خلد الله سلطانه لم يقصد في المناصب إلا أهلها ~~فلما لم يقبل ذلك الشيخ برهان الدين ولاه مولانا السلطان شيخ نور المذكور من ~~غير سعي ولا كد مع أن الشيخ نور المذكور كان قد حج وعاهد الله تعالى على ما ذكره مرارا ~~في المحافل على رؤوس الأشهاد أنه عند الحجر الأسود والبيت العظم وعند الروضة الشريفة ~~عاهد الله تعالى أن لا يقبل القضاء ولا يلي وظيفة لا الحكم لا أصالة ولا نيابة ~~ما دام حيا وكان عهد الله مسؤولا فلما جاءه القضاء كأنه نسي العهد أو حمله حب الرئاسة ~~على قبوله فقبله • ولما رفع الباغون أيديهم بالعصيان • وتعلقوا بأذيال ~~الخلاف والعدوان • خطب القاضي نور المشار إليه باسم الملك العزيز وأرسل إلى ~~سائر الجوامع يأمر الخطباء بذلك • وذلك أن عنده أنه إذا مات أنسان وله ~~وظيفة فإنها ميراث لولده سواء كان أهلا لها أو لم يكن وسواء أقيمت شعائرها ~~أو لم تقم • ~~• ذكر من جاء إلى اينال من العشران • ~~ثم أن اينال أرسل إلى التراكمة والعشران والمقدمين يستدعيهم إلى الحضور ~~فحضر إليه محمد بن القاق • وأحمد بن الحوراني • ومحمد بن الحنش • وبن عبدان • ~~وغيرهم من العرب والتراكمة • ولما تخلص الأمراء من مخاليبه بسلام أخذوا ~~يدبرون مصالحهم ويحتالون فيما يكون فيه خلاصهم فإن مثل هذه الفنن يجير ms176 ~~اللبيب فيها • ويضطرب آراؤه • ولا يهتدي فيها إلى سبيل إلا من عصمه الله تعالى ~~وكانوا يركبون معه ويدارون منه ويداهنونه ولا يتقطعون عن خدمته ~~فشرع في طرح السكر على الناس وتعاطى ذلك استاداره محمد مع حضور المرحوم ~~الناصري بن أبي والي وجمال الدين ناظر الجيش والأصل في ذلك استاداره وإنما ~~كانوا هؤلاء معه كالآلة فكان المسلمون في شدة عظيمة بسبب ذلك ومشقة ~~99ظ ~~لا يعلمها إلا الله تعالى من مصادرة • وطروحات • ووقوف حال وعصيان • وغير ذلك ~~وانقطعت اسبابهم • من أنهم في مواسم الحج • وزمان معائشهم • ورواج ما أعدوه من السنة ~~إلى السنة • ولك الله تعالى له تصريف في عباده • وانقطعت أخبار مصر عن الشام • وأخبار ~~الشام عن امصر • بواسطة انبثاث المفسدين • وانتشار العشرات من العرب والفلاحين ~~وشرعت الناس يتفوهون بأشياء وأخبار ما انزل الله بها من سلطان كما هو دأبهم ~~وديدنهم كل هذا ونائب القلعة السيفي فارس مجهد في تحصين القلعة وأحكامها ~~بالعدد والعدد • والقيام بحفظها • والتيقظ ليلا ونهارا • منتظر لمن يكون الدولة ~~وعلى من تكون الدائرة • وعلى كل حال فإنه لم يغفل عن نفسه • واستمر ذلك إلى أواخر ~~شهر رمضان • والناس في حصر وشدة • ~~ذكر ما وردت القاهرة من الأخبار والطالعات • ~~ثم في يوم الأربعاء ثاني شوال قدم من القاهرة شخص يدعى زين الدين عمر ~~الكردي ومعه مطالعات إلى نائب القلعة وإلى حاجب الحجاب والأمراء تتضمن بسبهم ~~والتشنيع عليهم • وأنواع التقريع والتوبيخ • لكنهم لم يقوموا على اينال يدا ~~واحدة ولا منعوه ولا رعوه • فإن الأمور بحمد الله تعالى مستقيمة • وعن قريب ~~تصل العساكر المنصورة • وإنه كان الواجب عليهم أن يحوجوا إلى خروج عساكر ~~من القاهرة • فإن اينال وحده وهم الجم الغفير يعجزون عنه • وكيف لم ~~يرم عليه نائب القلعة فساعة وقوفهم على المرسوم الشريف يثبون عليه ~~ويكونون يدا واحدة • ولا يخورون ولا يجبنون عنه • ولا يضعفون ولا ~~يستكنون • وإن نائب القلعة يرمي عليه ولا يتوانى عنه • ويعمل في ذلك ~~جهده ما استطاع • ويحتفظ بالقلعة كما ينبغي • فإن هؤلاء بغاة ms177 يجب على كل أحد ~~قتالهم • والوثوب عليهم • فأصل زين الدين المذكور المطالعات إلى أربابها ~~100و ~~وإلى نائب القلعة • وكان قد أتى في هيبة منكرة • وحلية مغيرة • وكان أعقبه شخص ~~يدعى فارس مملوك السيد علاء الدين نقيب الأشراف كان قد توجه إلى القاهرة ~~ورجع ومعه مطالعات إلى سائر النواب والأمراء فغير حليته ودخل في صورة مزين ~~يهودي حتى وصل إلى صفد وغيرها وقضى أربه كما أراد • ~~ذكر وثوب الأمراء على اينال ورمي نائب القلعة وخروجه ~~• من البلد • ~~فأرسل نائب القلعة إليه يقول له اخرج من دار السعادة وإلا رميت عليك ~~فإني جاءني مرسوم بذلك ولا يمكن مخالفته • ولا التهاون في امتثاله • فانتقل إلى ~~القصر الأبلق • وليلة الخميس ثالث شوال نودي من أعلى القلعة أنه من كان مع ~~الملك الظاهر فإنه يحضر لقتال اينال الحكمي فإنه باغي عاصي فحضر الامراء يوم الخميس ~~وهم برسباي الحاجب الكبير • وقانباي بهلوان • واتابك العساكر الشامية • واينال ~~الجشماني • والطبغا الشريفي • ومغلباي الجقمقي • وتمراز المويدي • وغيرهم من أمراء ~~الشام • والطبلخانات • والعشراوات • بخواص اربعمائة نفس • ووقعوا مستعدين ~~كاملي العدة • والسلاح عند سوق الخيل • على أنهم يقاتلوا اينال • ويقابلوه فركب ~~اينال من الميدان • ومعه قاني صو • وولده محمد • ومسروق • ونتم • وجماعتهم ~~وهم شرذمة قليلة نحو من أربعين نفسا • فوقفوا عند مدرسة بكري برميش • ~~ثم أن محمد بن قاني صو اشرع رمحه نحوهم وحده • وتبعه أمير سلاح اينال ~~وتبعهما نحو من ستة أنفار لا غير فولت الأمراء الدبر هاربين بين نحو باب الفرج من ~~غير ضراب ولا طعان • فلحقهم محمد بن قاني صو • وقبض على دوادار قاني باي • وقنطر ~~جماعة منهم برسباي الحاجب • والطنبغا الشريفي • واختبطت العساكر • ثم ~~إن الطنبغا الشريفي هرب • واختفى في المرتفق الذي هو داخل باب الفرج ~~100ظ ~~ورجع بن قاني صو ومعه دوادار قاني باي فجاء الأمراء الهاربون إلى باب القلعة وأرادوا أن ~~يدخلوا القلعة فما مكنهم نائبها السيفي فارس • وشرع يعنفهم • ويشنع عليهم • ويقول ~~ما لكم وما دهاكم • ألستم رجالا تفرون من صبي وحده • فعل الله ms178 بكم وصنع يا لاشات ~~ها أنا أحمي القلعة فاحملوا أنتم واحموا أبواب المدينة • أليس فيكم سديد • اليس منكم ~~رجل رشيد • فأخذتهم الغيرة • واقتسموا أبواب البلد • وجعل فارس يرمي على جماعة ~~اينال من القلعة • وأرسلوا على أحد منهم مكحلة فكادت تقتله فتراجعوا • ونزل ~~اينال في الميدان • وأخذ قاني باي باب الفرج • ومغلباي • وتمراز باب الجابية • ~~وحاجب الحجاب برسباي باب الصغير • وأمين الطاري باب شرقي • وباقي الأمراء ~~بباقي الأبواب • فجاء قاني صو على اينال وقال له قم فما في التواني فائدة فانهض حتى ~~ننتصف من أعدائنا • فركبوا وتوجهوا إلى باب الجابية ومعهم جماعة من العوام والأوباش ~~فوصلوا إلى العرصة بباب الجابية • وذهب قاني صو إلى باب الصغير وأخذوا في المحاصرة ~~والمعاملة بباب الجابية • وفيه مغلباي وتمراز • وتقدم الزعر إلى الباب فكسروه ~~بالفؤوس والأطبار • وهجموا على المدينة يدا واحدة • والتقت الرجال بالرجال ~~والخيل بالخيل • ومدت العوام أيديهم بالحجارة والمطارق فولت الأجناد الدبر قدامهم ~~فلما سمع الحاجب بأخذ باب الجابية ترك باب الصغير وأخذ نحو القلعة موليا ~~فصارت العبيد والأوباش من الناس يعبثون ويشلحون من ظفروا به فلحق عبد ~~من العبيد الحاجب فضربه بحطبة فشجه ووقعت عمامته عن رأسه فخطفها العبد ~~وقصده مرة ثانية فقال له قسم أيش تريد خذ العمامة وخليني ولما سمع ~~أمير الطاري ما جرا للعسكر وأنهم كسروا باب الجابية وأخذوا المدينة عنوة ترك ~~باب شرقي وهرب ودخل إلى بيت نصراني وقال له خذ ثيابي لك حلال وأعطني ~~شيئا من قماشك البسه فما رضي النصراني وكأنه خاف على نفسه فما وسعه أن شلح ثيابه ~~101و ~~ورمى بها واختفى هو في مكان فوجدوه فقبضوا عليه واتوا به إلى اينال فلم يقل له شيئا ~~وأطلقه ورد عليه ما كان أخذ منه • وهذه الحكاية أعني حكاية أمين الطاري هو ~~حكاها عن نفسه • ثم إن الأمراء اجتمعوا عند باب القلعة واستفتحوا فلم يفتح لهم ~~فتذللوا له وتمسكنوا وتشفعوا إليه بكل شيء فلم يسمح لهم بالدخول إلى القلعة وقال ~~أقيموا مكانكم وأنا أذب عنكم وانضح بالنبل ms179 والمدافع فاستمروا حواليها في حر الشمس إلى أن ~~أكلتهم الشمس وهم حيارى أذلاء فرحمهم وفتح لهم الباب البراني فدخلوا ولبثوا بين الأبواب ~~ورجع اينال إلى الميدان • واستمر لا يبدي ولا يعيد • غير أنه في بعض الأوقات يكرب ~~ويسير إلى باب الميدان من القصر ويتعاطى أمر المكحلة التي افرغها حتى تمت • وشرع جماعة ~~من البغاة مثل جماعة بن الجنش والتراكمة الدركارية يتوجهون إلى القلعة ويتناوشونها ~~الحرب • وأحرقوا باب الحديد • وصاروا يتلطوا في الجسر والأسواق التي حوالي القلعة ~~ويتترسوا وراء العابر التي هناك فما وسع نائب القلعة إلا أنه أمر بإحراق ما حول ~~القلعة حتى ينكشف لهم قدامها • فأحرقوا عمارة الأخناي لجسر الزلابية • والسقطيين • ~~والقيسارية على محل يصنعون فيها الخيم إلى صوب مدرسة بكري برميش • وناحية ~~تربة أرغون شاه غربا • ومن الجسر إلى رأس سوق القشاشيين شرقا • واستمرت ~~الأمراء في القلعة بين الأبواب • وقصد البغاة من العشران والتراكمة نهب بيوت ~~الامراء وحريقها • والفتك بمن يتعلق بهم ولكن الله سلم • فمنعهم اينال • ولم يزالوا كذلك ~~من ثالث شوال سنة اثنين وأربعين واربعمائة إلى آخره • والناس قريبا وغريبا ~~في أشد ما يكونون من الحصر • أما قريبا فمن المصادرة وطلب ثمن السكر والتراسيم ~~والعقوبات • واستطالة المفسدين • ومن هو مجبول على الفسق والفساد فإنها ~~قامت أسواقهم • ونفقت بضائعهم • وهي العيب والفجور • والفسق والفساد • وأما ~~غربيا فالتجار والحجاج القادمون من بلاد العجم والروم والديار البعيدة ولقد ~~101ظ ~~كان قدم في تلك السنة من وفود الحاج خلق لا يعلمهم إلا الله لما بلغهم تولية مولانا السلطان ~~خلد الله سلطانه • فصادفهم هذه المحنة في أيام استعدادهم • وعلم مصالحهم • ~~وتهيئة أسبابهم • إلى التوجه على الحجاز الشريف • فكانوا في شدة لا يقدر قدرها ~~وكانوا في شدة أقوى من شدة أهل البلد • وسيأتي تفصيل ما جرا لهم • ~~ذكر ما جرى في الديار المصرية ونواحيا في أثناء هذه ~~• الحوادث وقبلها • ~~ولما توفي الملك الأشرف وانتصب الملك العزيز رفعت عرب الصعيد رؤوسها ~~وهزت يدها بالتعدي • إلى أن اشتغل مولانا السلطان بالولاية وجرى ما مر ms180 ذكره ~~جهز مولانا السلطان المقر الأشرف السيفي يشبك المشد وصحبته جماعة من ~~الأشرفية وغيرهم على العرب والمذكورين وجرى بينهم مواقعات وتحزبت العرب ~~واستمر العسكر المنصور في تلك النواحي لسد تلك الثغور وحفظ هاتيك الأطراف ~~ولئلا يحدث شر وفتنة • وقد كانت المماليك الأشرفية لما أجمعوا على إثارة الفتنة ~~وذلك لما كان مولانا السلطان نظالم الملك في ولاية الملك العزيز من جملتهم ~~طوغان الزردكاش الأشرفي فكأنه لم يوافقهم على ذلك • وتم على ما هو عليه من ~~وظيفته • فلما وقع الخباط في البلاد الحلبية • والممالك الشامية • وطال الشر ~~والفساد • تخبطت الديار المصرية أيضا كما مر • واختلفت الآراء • وتصادمت ~~الأهواء • ونجم الشقاق • وظهر النفاق • ومولانا السلطان ثبته الله بالقول ~~الثابت في الحيوة الدنيا وفي الآخرة مشغول بما هو الأهم • ومكب على التوجه إلى ~~حضرة ذي الجلال والإحسان البالغ • والإنعام العام إلى الخاص والعام • ولم ~~يهمه شيء سوى أحوال الحجاج الذين قدموا من بلاد العجم والروم وقد تركوا أوطانهم ~~وأولادهم • ثم أخذ في تهيئة العساكر إلى طرف الشام • فإن النواب الذين كانوا ~~102و ~~تجمعوا بغزة وهم نائب طرابلس المقر الأشرف السيفي جلبان • والسيفي اينال الأجرود ~~نائب صفر • ونائب الرملة القدس طوغان • والسيفي يونس أحد المقدمين بالشام ~~وغيرهم من المطيعين • وعساكر المسلمين • أرسلوا يستحثون العساكر فإنهم كانوا ~~خافوا على أنفسهم • وعلى البلاد أن يتوجه إليهم اينال • فتتخبط البلاد • ويزداد الفساد • ~~ولو فعل ذلك لحصل فساد كبير ولكن الله سلم • وتقيد بمحاصرة القلعة • وما قدر أن ~~يترك عسكر الشام وراءه ولقد كنت بغزة متوجها إلى الديار المصرية فقال ~~لي جماعة من أهلها وعسكر المسلمين إذا وصلت إلى القاهرة فقل لمن يسمع كلمته أنهم ~~يتداركون العباد والبلاد بالعساكر المنصورة • فلما وصلت إلى القاهرة ~~أبلغت هذه الرسالة لمخدومنا المقر الكمالي بن البارزي بسط الله ظله وأكدت ذلك ~~عليه فتعين لنيابة الشام المقر المرحوم انبغا التمرازي • وجلس مولانا السلطان ~~بنفسه الكريمة • وعرض العساكر المنصورة • وغيره من الأمراء ورؤوس الجند من اقتضاه ~~رأيه الشريف • وأمره السعيد • وأضاف إليه من المماليك السلطانية ms181 • من تفرس ~~في الصدق والنصح والفروسية • وانتظرا قدوم العيد حتى يخرجوا بعده • ~~• ذكر خلاص الملك العزيز وهروبه من السجن • ~~ولما خلعوا الملك العزيز كان مولانا السلطان تكفل أمره واختشى من حادث ~~يحدث عليه فإن جماعة منهم قرقماز أشاروا على مولانا السلطان يأمر في حق الملك ~~العزيز فقال معاذ الله أن أوصل إليه مكروها أو سوءا أو آذن في ذلك ولا خطر لي ~~يوما من الدهر أن ألقى الله تعالى بأذى طفل لم يترتب عليه شيء ثم وكل به من جماعته ~~وذوي الشفقة عليه من يثق به ليطمئن خاطر الجانبين • ومولانا السلطان من قديم ~~الزمان مفوض أمره إلى الله تعالى فكان الجماعة الأشرفية كان بينهم وبين من يحتفظ ~~بالملك العزيز مواضعة أنهم يطلقونه وأرغبوهم • وكان له طباخ يدخل إليه ~~102ظ ~~المأكول • وكانوا يتعاطون نقب الحائط الذي ظنوا أن له منه خلاصا وفي الجملة كانوا يتعاطون ~~أسباب ذلك بكل ما يمكنهم فإن البغاة كانوا عمالين فيما هم فيه من الفساد والطبع الردي ~~ما يمكن إصلاحه فإنه لا تبديل لخلق الله • وما كان لهم متشبث إلا الملك العزيز ليتلفوا ~~عليه • ويتسلقوا بسببه إلى أغراضهم الفاسدة • ونيل مأربهم الكاسدة • فيقيمونه ~~صورة • وحجة يتمسكون به • وفي بغيهم وفسادهم • وغيهم وعنادهم • فبذلوا مجهودهم ~~وارتقبوا الفرصة إلى ليلة العيد فبينما الناس مشغولون بالإفطار • ومهتمون ~~بأمور العيد • وقد اخذتهم سهوة وغفلة كما قلت شعر • ~~• واللص ليس له دليل ساتر • نحو الذي يبغي كنوم الحارس • ~~عمد المرتقبون لتلك الفرصة فانتهزوها • وتوصلوا بالطباخ إبراهيم الذي يدخل ~~إليه الطعام • فلما أدخل عليه الطعام ألبسه خلقان المرقدارية • وحمل خافقية أو ~~شيئا مما يتعلق بالطباخين • وخرج من الأبواب في صورة صبي من صبيان الطباخين ~~واستمر ذاهبا إلى عند اينال الأشرفي الذي كان أخبر مولانا السلطان أول ~~الأمر بكيد الأشرفية • وما أضمروه إليه من السوء والإيقاع به إذا صعد إلى القلعة ~~يوم الخميس للخدمة • وقد ذكرت ذلك في أول هذا المجلد • وحصل بذلك عند ~~مولانا السلطان زيادة قرب واعتماد فكان يركن إليه • وعينه لإمرة ms182 الحج • وأفاض ~~عليه من سابغ الإنعام ما لا يحصى • فلما وصل الملك العزيز إلى اينال المذكور ~~اضطربت آراؤه • وتحير إذ ما أمكنه إخفاء ذلك عن العلوم الشريفة • ولا سمحت ~~نفسه بإلقاء ولد استاذه في شيء يكرهه فتحير • وليته أطلع العلوم الشريفة على ~~ذلك في وقته فإن مراحمها ما تقتضي أن توصل إلى الملك العزيز شيئا يكرهه يوما من ~~الدهر • ولا عهد ذلك عنها • ولكانت مرتبته تزيد أضعاف ما كانت ولكنه افتكر ~~عاقبة ذلك وإن كان فكرا حسينا غير أنه قدر الله وما شاء فعل فما وسعه إلا أنه ~~103و ~~اختفى ففي الحال شاع الخبر أن الملك العزيز خلص من السجن وهرب • فماجت الدنيا وحارت ~~الخلائق • وازدادت الأمور اضطرابا • وتضاعفت المحن وزلزل المؤمنون زلزالا ~~شديدا • وأعلنوا الكلام السوء • وبالغ العدو والحسود في الطعن • وتفاقمت الأهوال ~~وتعاظمت الأحوال • ومولانا السلطان ثبت الله تعالى أركان دولته • وشيد بنيان ~~صولته ثابت الجنان كما مر • ~~• ذكر ما صنعه طوغان الزردكاش • ~~هرب ضوغان الزردكاش من ساعته وخرج نحو الصعيد على الهجن إلى طرف المماليك ~~الأشرفية الذين جهزهم مولانا السلطان صحبة السيفي يشبك المشد فوصل ~~إلى [...] وقد اعيت راحلته فقال للمقدم [...] إني توجهت في شغل ~~السلطان وقد كلت راحلتي فأعطاه هجينا غيره فتوجه إلى المماليك المذكورين ولم ~~يدر أحد أين توجه طوغان حتى جاء ناس من [...] فأخبروا بما صنعه مع المقدم ~~مع أنه كان قد توجه في طلبه ناس إلى الجوانب فلم يدركوه فلما وصل إليهم قال لهم إن بن ~~استاذكم الملك العزيز قد تخلص من السجن واستولى على الملك • وقد قويت شوكته ~~وضعف مخالفه • وقد قطع النيل إلى الجيزة • وإن اينال نائب الشام استولى علي ~~الشام وممالكها • ونائب حلب استولى على الممالك الحلبية • وكلهم من جهة الملك العزيز ~~فلا تلبثوا حتى تلحقوا به • وقلب الدنيا أعلاها على أدناها •وكان فيهم من له أدنى ~~مسكة وفكر • وقليل تدبروا تعقل • فقالوا له نحن بالأمس كنا عزمنا على شيء وشركناك ~~فيه فلم توافقنا عليه وخالفتنا • والآن جئت تخبرنا بخبر ms183 تفخذنا • ولا نعلم صدقك ~~من كذبك • ثم إنهم اجتمعوا مع رؤسائهم وذوي أراءهم • عند السيفي يشبك المشار ~~إليه وعرضوا عليه القضية • فخاف إن خالفهم أن يقع بينهم فتنة وشر فقال أنا ~~واحد منكم فمهما رأيتم فيه من المصلحة تبعتكم فيه • فقالوا نقبض على طوغان • ونتردى ~~103ظ ~~في الأمر فقضوا عليه وقالو إن كان الأمر كما تقول فلا يضرك قبضنا عليك وإن كان بخلاف ~~ما أنهيت فقد بيضنا وجهنا وفعلنا ما يجب فعله ثم قبضوا عليه وتوصلوا راجعين ~~واتصلت من جهتهم الأخبار مختلفة • فمن قائل إنهم عصوا • وقبضوا على السيفي يشبك ~~ورجعوا وهم على العصيان • ومن قائل إنهم مقيمون على الطاعة • وإنما رجعوا التلافي ~~أمور المسلمين • ولنصرة مولانا السلطان • واختلفت الآراء في أمرهم • فبرزت ~~المراسيم الشريفة بتجهيز المقر السيفي اسنبوغا الطياري • وكان إذ ذاك دوادار ~~المقام الشريف • وعليه أمور الحل والعقد في الديوان • فإن المقر السيفي أركماز كان ~~ضعيفا • فرسم له أن يتجهز ويقطع النيل إلى الجيزة مع الأهبة والعدة الكاملة ينتظر ~~قدوم المذكورون • فإن كانوا صالحين قابلهم بما يليق بهم • وإن كانوا غير ذلك كفا ~~المسلمين شرهم • وكان مستعد الرد كيدهم وأخذ الحذر منهم • فوصل الخبر عنهم ~~بما ذكر وأنهم مقيمون على ما يرضي الخواطر الشريفة فسكنت بحمد الله تعالى هذا الفتنة ~~وأجرى على طوغان المذكور ما كان يستحقه من الجزاء والنكال وكانت هذه الواقعة نكالا ~~لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين • ثم إن الأمور استمرت مضطربة ~~لفقد الملك العزيز وطلب هو واينال شرقا وغربا • وبرا وبحرا • واختلفت ~~الأقاويل فيه على عادتها • فمن قائل إنه توجه إلى الصعيد وظهر كذب هذا الخبر ~~بقدوم هذا العسكر الصعيدي • ومن قائل إنه توجه إلى الشام حتى بولغ أنهم رأوه ~~على هيئة كذا • في موضع كذا • ومن قائل مختف في مصر حتى يخرج مع الحاج • وبعد ~~خروج الحاج قيل إنه خرج مع الحجاج • ومن قائل إنه مختف في مصر وحصل بسببه ~~على بعض الناس شدة وتضييق • لكن لما كانت الأمور مفوضة إلى قضاء ms184 الله وقدره ~~جاءت بحمد الله سبحانه وتعالى على حسب المراد • ولله سبحانه وتعالى الحمد على ~~نعمه التي لا تحصى • ~~104و ~~ذكر بروز العساكر المنصورة صحبة المقر السيفي اقبغا ~~التمرازي إلى الشام • ~~ثم إن القصاد تتابعوا من النواب والعسكر المقيم بغزة يستحثون العساكر والنجدة ~~فتجهز المقر المرحوم السسيفي اقبغا التمرازي وقد تعين لنيابة الشام كما ذكر وصحبته ~~المماليك الذين انتخبهم مولانا السلطان وهم ألف مملوك ومعهم الاستعداد التام وعليهم ~~امارات النصر لائحة • وروائح السعد والظفر فائحة • وكل مؤمن ومخلص يدعوا ~~لهم بالنصر والفلاح • واليمن والنجاح • فخرجوا من القاهرة يوم السبت ثاني عشر ~~شوال المبارك سنة اثنين وثمانمائة • حتى وصلوا إلى غزة واجتمعوا ~~بالنواب المقيمين بها والمذكورين آنفا • وتوجهوا إلى الشام وأرسلوا إلى العشران ~~والمقدمين فجاء إليهم محمد بن عبد القادر من جبل نابلس وشبانه بن سليمان • وبن ~~مشاق ومن معهم فتقدموا • ووصل الخبر إلى الشام أن العساكر المنصورة وصلت ~~إلى الرملة وهم متوجهون إلى الشام فتجهز اينال لاستقبالهم فبلغوا إلى الخربة ~~ثم خرج اينال لم يدر أحد أين توجه هل خرج لاستقبالهم أم خرج هربا منهم ~~أم يريد أن يدور من ورائهم فصار الناس يتفوهون بأشياء • وكان خروجه ~~يوم الثلاثاء تاسع عشرين شوال المذكور ولم يجسر أحد من الأمراء يخرج وراءه ~~ثم في يوم الأربعاء انتخت الأمراء المقيمون بالشام وخرجوا صوب القبيبات ~~يتجسسون الأخبار وعلهيم السلاح التام والأهبة الكاملة فتراءى لهم غبار فولوا ~~الادبار منهزمين من غير أن يلوي أحد على أحد ويلتفت أحد لأحد ودخلوا المدينة ~~وقصدوا القلعة فلم يفتح لهم نائب القلعة الباب وعيرهم بما فعلوا فاستمروا حول ~~القلعة والبيمارستان وتلك النواحي وهم مشتتون فقال في ذلك بعض الناس ~~تمرغت الحمارة • فثارت الغبارة • هربت الإمارة • ~~104ظ ~~ذكر تلاقي العساكر المنصورة مع اينال وكيفية الواقعة ~~• وكسرته وخذلانه • ~~ثم في يوم الأربعاء المذكور تلاقى العسكران بالقرب من قرن الحارة وكان ~~في الجاليش من العساكر المنصورة المصرية محمد بن عبد القادر ومشايخ البلاد ~~صحبة السيفي طوغان نائب القدس فلاقاهم اينال فحطمهم فولوا ms185 على ادبارهم وكان ~~وراءهم سائر النواب المذكورين صحبة السيفي اقبغا فوصلوا بالجاليش وتقدم اينال ~~الأجرود نائب صفد • وطوخ ماري نائب غزة • فمشى اينال الحكمي عليهم فكسرهم وقنطر ~~نائب غزة طوخ بعد أن قاتل قتالا عظيما فعروه وسيبوه وانكسر غالب العسكر ~~المنصور المصري كل ذلك والمماليك السلطانية لم يصلوا بعد فوصل العسكر الطرابلسي ~~وفيهم المقر السيفي بجلبان نائبها • وكان قد عين لنيابة حلب فقاتلوا قتالا شديدا ~~وكان له دوادار يدعى سبور غتمش العجمي من الأبطال المعدودة • والفرسان المشهورة ~~فتقدم وقصد اينال فابتدره قاني صور وضربه بالطبر فقتله او قتله اينال ~~الحكمي على ما قيل رحمه الله وتقدم أيضا مملوكان أخران كانا من فوارس الأبطال ~~وقاتلا حتى قتلا لم أعلم أسماءهما • ثم أقبل المقر المرحوم اقبغا التمرازي بمن معه ~~من العسكر المصري فتقدم إليهم اينال الحكمي بمن معه وبذل مجهوده فيهم وصال ~~وجال وانتسب وقال انا اينال فسار لا يقصد جهة إلى حطمها فصاروا معه في كر ~~وفر ثلث مرات ثم إنه أنكى فيهم ووصل إلى أقبغا التمرازي • وكان شيخا ~~مسنا غير أنه كان من الفرسان فحطمه اينال ثلث مرات إلى أن قال هي أغا ~~مروت وصار يهشم الرماح • ويجندل الأبطال • ويذل كل من العسكرين جهده ~~وصد العسكر المصري الضراب والقتال ونصح الله ورسوله • غير أن اينال ~~الحكمي استظهر عليهم وردهم على أعقابهم • وبلغت اشدة غايتها • وأخذت الفتنة ~~105و ~~نهايتها • وأحاط بالعسكر الكسر • ووقع النهب فيهم والأسر • وأيسوا من الحياة • وإذا ~~بالمماليك السلطانية • والعصابة الظاهرة الظاهرية • مع قرا خواجا بدرت ~~كالبدور • وخرجت من وراء التل من جهة الشرق بالنصر والحبر • والفتح قائدهم ~~والنجح رائدهم • والقضاء مرشدهم • والقدس مساعدهم • فشرعوا نحوه في ظلمة تلك ~~الغبرة اسنه • كأنها نجوم الهدي في الدجنة • فأقبل إليهم كالأسد الغضبان • والنمر ~~الحردان • وقابل وقاتل • وحاول وجاول • وأخذ الراية بيديه • وفعل ما وصلت ~~قدرته إليه • إلى أن كل ساعده • وقل مساعده • وبردت همته • وسقط حوله وقوته ~~وتراجعت رجاله • وجندلت أبطاله • ونهبت أثقاله • وتحولت أحواله • فولي الأدبار ~~وقد بار • وعلى ms186 رأسه غبار عثار • وخبره بالانكسار ثار • وصيت نصر ~~العساكر الإسلامية إلى الأقطار طار • وإلى الافاق بالانتصار صار • فأخذ من قبطي ~~الغوطة موليا نحو الشرق حتى وصل إلى حرستا فاختفى هناك في مكان وهو وحيد ~~لم يكن معه أحد وقد قتله الجوع والتعب • والخوف والنصب • فأعطى شخصا يدعى ~~ابن حريكة شيئا يشتري له به شيئا يأكله وأخبره أنه اينال الحكمي واستكتمه امره ~~واستوثق منه أنه لا ينم عليه • ولا يعلم به سوى بكري بردي مملوك القاضي شهاب ~~الدين بن الكشك الحنفي فإن أولاد اينال وبعض ما كان يخاف عليه كان مودعا ~~عند بكري بردي المذكور • ثم نقلهم على ما قيل عند الخواجا بن الوىق فأسرع القاصد ~~إلى بكري بردي وأخبره الخبر فخاف على نفسه وعلم أن هذه القضية لا يمكن اخفاؤها ~~ولا كتمها وكان السيفي جانبك دوادار السيفي برسباي صاحب الحجاب صديقا ~~له فتوجه في الحال إليه وأعلمه بصورة القضية فمن فوره ركب وذهبا وأخذا ~~معهما جماعة قليلة وتوجها إلى حرستا ونزلوا عليه نزول القضاء المبرم فحين ~~رآهما أيقن بنزول البلاء • وحلول القضاء • فهاش عليهما فضربه ركاب كان معهما ~~105ظ ~~فشجه • ثم تكاثروا عليه وقبضوه وأخبروا نائب القلعة بذلك فنزل من ساعته من ~~القلعة وتوجه لاستقباله فوافاهم قريبا من مسجد القصب وهو مجروح فنزل إليه ~~وقبل ركبته وتسلمه منهم ومشى في خدمته إلى ان أدخلوه القلعة المنصورة وذلك قبيل ~~الظهر يوم الخميس المبارك ثاني ذي القعدة الحرام سنة إثنين وأربعمائة لطيفة ~~ذكر أن اينال المذكور رأى مناما فقصه على بعض الناس فقال له يدل على أنك تدخل ~~القلعة راكبا لكن على الحالة التي ذكرت وقضاها الله سبحانه وتعالى عليه • ونظير ~~ذلك ما رأيته في كتاب جامع الحكايات في باب الحرص والشره إن شخصا كان حريصا ~~على الرئاسة وجمع المال والترفع يود أن لو وصلت يده إلى حطام الدنيا وتوسع ~~فيها فكان يبذل مجهوده ويكدح ليلا ونهارا ويكد نفسه ويتعب بدنه وروحه ~~فرأى مناما قصه على معبر فقال له لكن البشارة فإنك ms187 ترث ميراثا يكون محمله ثقيلا ~~ففرح بذلك وابتهج وتصور أن ذلك يبلغه إلى ما يريده من الترفه ففي العيش والتوسع ~~في الدنيا ثم افتكر في أنه إذا ورث وكثر ماله لا بد له من دار واسعة • ومنزل ~~فسيح • يترفه فيه • ويضبط ماله من معلقات • وربما يكون له دواب ومواش ~~فأدى رأيه إلى أن اشترى قطعة أرض بالدين وأنشأ فيها عمارة واستدان شيئا واشترى ~~به حمارا ينقل عليه التراب والأحجار • وشرع يستعمل ذلك الحمار • ويبذل جهده ~~وغلب عليه حرصه إلى أنه صار لا ينام الليل ولا يسكن بالنهار • وذلك الحمار معه ~~في أشد ما يكون من التعب والجوع والنصب والشقاء يقاسي مالا يعلمه إلا الله وهو ~~أيضا في غاية الشدة • ونهاية الكد والشقاء • وقد استبطأ الميراث • ولم يكن معه ~~شيء يطعم الحمار فمات حماره من الجوع والتعب • والهزال والنصب • فحمل بردعته ~~على ظهره وجاء بها إلى منزله • فصادف العبد في طريقه فصب عليه وشكي حاله ~~إليه • وقال له يا أخي كنت عبرت لي مناما أن أرث ميراثا وقص عليه القصة ~~106و ~~إلى إن قال فمات حماري وهذه بردعته قد أثقلتني فقال له المعبر يا أخي منامك ليس بمنام ~~يوسف الصديق عليه السلام ولا رؤيا إبراهيم الخليل عليه السلام وعلى تقدير أن يكون ~~صحيح التعبير فيها قد ورثت البردعة • وهذا الذي قدر الله لك أن ترثه فلا تغالب ~~القضاء والقدر • وإن أردت أن تسعد نفسك بيدك فهذا أمر لا يصعد معك فمن غالب ~~القضاء غلب • ومن ناهب الزمان سلب • ومن لم يرض بما قدر الله تعالى وقسمه له ~~قبل خلقه تعب والسلام • ~~ذكر دخول العساكر المنصورة إلى الشام ~~ثم إن العساكر المنصورة صحبة المقر السيفي المرحوم اقبغا المرازي نائب ~~الشام دخلت يوم الجمعة ثالث ذي القعدة الحرام بالهيبة الكاملة • والسرور ~~التام • والنصر والنجح • وقد انكشفت بحمد الله تعالى الغموم • وانجابت الهموم ~~وهرب قاني صو • وتفرقت البغاة • وتشتت شمل الطغاة • وحملت المنافقون ~~هم اينال • وتشوش عامة الأوباش • وصاروا في هرج ومرج بسببه • والحاصل ms188 ~~أنه انسر كل صديق صادق • وانهم كل زنديق منافق • ~~• ذكر مراسلة شيخ العرب بليان • ~~وكان حاجب الحجاب برسباي أرسل إلى بليان شيخ الكرك مطالعة أن يجمع ~~العشران وما تحت يده من المسلمين والروافض والنصارى وجميع جماعات ~~البر ويحضر معهم إلى الشام • وأرسل المطالعة إلى الصارم مقدم الزيد أني ليوصلا ~~إلى شيخ الكرك • فاطلع على ذلك اينال الحكمي فأرسل إلى الصارم المذكور وأتى به ~~ليلا وصلبه تحت القلعة ظلما وعدوانا ولكن اتصل هذا الخبر إلى بليان فأمر ~~من تحت يده من العشران المسلمين والنصارى فاجتمعوا وأجمعوا أمرهم وكيدهم ~~ثم انتظروا قدوم العساكر المنصورة فلما قربت توجهوا إلى الشام غير أنهم عاثوا ~~106ظ ~~في البلاد ومدوا أيديهم إلى ما وصلت إليه من حريم الناس وأولادهم وطغوا وبغوا واستطالت ~~النصارى على فلاحي المسلمين وتعدوا طورهم وكانوا نحوا من سبعة آلاف نفس فلما ~~عزمت العساكر المنصورة على الدخول دخل بليان أيضا في اليوم المذكور بمن معه ~~من العشران المسلمين والنصارى فصاروا يعتدون على الناس ويعبثون كما ~~ذكر وفعلوا ذلك أيضا في القبيبات • وكان أهل الشام يكرهون بليان لكونه ~~رافضيا وكان هو أيضا يكرههم وجرى له مع أهل السنة والعشران أمور وحكايات ~~وقضايا ووقعات • يطول شرحها • فحين أمكن الله تعالى من اينال والناس مغتمون ~~بقضيته وصلت العساكر المنصورة • وأقيل بليان المذكور في حضرته وطائفته ~~الملعونة وهم على ما هم عليه من التعدي • مد أيدي البغي إلى الناس • فما وجد الناس ~~لبرد غليلهم • وشفاء غليلهم من جهة اينال • الا سب الرافضة • وتناولهم بالشتم واللعن ~~وكان السيفي فارس نائب القلعة على باب الجابية منتظرا قدوم العساكر ~~المنصورة • فسل واحد من الرافضة الدبوس على واحد من العوام فشتمه نائب القلعة ~~فرد عليه فقال نائب القلعة يا مسلمين عليكم بالرافضة لكم المال والروح فارحموهم ~~فرحموهم وأخذوا في تشتيتهم • والخوض في دمائهم • فكبروا تكبيرة واحدة ارتجت ~~لها الأرض وقتلوا ولده حزبان وهرب ولداه علي وموسى • واخذ بليان على ~~السريجة من باب الجابية • وتوجه لا يدري إلى أين يذهب فسد الله ms189 تعالى الطرق ~~في وجهه فرجع بعدل فضل إلى المزة • وصار أينما توجه يصادف الخلق ومعهم الحجارة ~~والعصي فقبضوا عليه من طريق المزة بزقاق يقال له زقاق الماء وأرادوا أن ~~يوصلوه حيا إلى المدينة فخافوا أن يخلص من أيديهم فقطعوا في الحال رأسه وأخذوه ~~على رأس عصا وذلك قبل صلاة الجمعة وكان رجل فلاح معه حمل شيخ على حماره ~~فقال معاشر المسلمين والله إني رجل فقير وقد جمعت هذا الشيخ لأبيعه ~~107و ~~وأتوسع به أنا وعيالي ولكن جعلته لله في حب الصحابة وأبي بكر وعمر فأحرقوا جسد هذا ~~الرافض الخنزير به ففعلوا ذلك وأحرقوا جثته وجاؤوا برأسه على القلعة فقال لهم ~~نائبها ما أصنع به افعلوا به ما بدا لكم فطافوا به بعد صلاة الجمعة على قصبة وهم ينادون ~~هذا جزاه وأقل جزاءه من يبغض الصحابة • ويسب أبا بكر وعمر رضي الله عنهم • وفي ~~أثناء ذلك مد الناس أيديهم إلى العشران والطوائف التي كانت مع بليان وتتبعوهم ~~فجعلوا يفرون من بين أيديهم فكان أدنى جعيدي وحرفوش يقف في طريق جماعة ~~منهم وهم كاملون العدة شاكوا السلاح والخيل الطيارة السوابق فيرميهم عن خيلهم ~~ويسلبهم أسلابهم • ويجرحهم ويقتلهم كيف ما يختار • والقى الله تعالى المذلة والكسرة ~~عليهم فقتل منهم طائفة • وتجرحت جماعة وما نجا منهم إلا السادة • والقادة • واشتغل ~~المسلمون بحكاية بليان وجماعته عن قضية اينال • وكانت وقائع تسر كل مؤمن ~~وتغم كل منافق وطاغي وهمدت الفتن وطغيت نيران المحن • واستمر اينال في القلعة ~~ولما دخل المقر السيفي اقبغا إلى الشام دقت البشائر واطمأنت الخواطر • ~~وطيرت إلى أطراف الأفاق بطائق السعد والبشارة • على الخصوص إلى القاهرة • ~~إلى يوم الإثنين العشرين من ذي القعدة المذكور وورد مرسوم شريف بإجراء • ~~أحكام الله تعالى على اينال قصاصا بدم الصارم رئيس الزبداني فقدم ومن جهات • ~~اخر فامتثل ذلك بالسمع والطاعة وذهب برأسه إلى القاهرة فوصل إليها ~~وثمانمائة ولا تحقق الكر السنا إلا بأهله ~~ذكر توجه العساكر المنصورة إلى حسم مادة الخارجي ~~بكري ديرمش وكيفية قتله • ~~ولما قبض ms190 على اينال ورفع إلى القلعة المنصورة وحبس بها لم تلبث العساكر ~~المنصورة أن استعدت وتوجهت إلى صوب حلب لقطع دابر التراكمة وحسم ~~107ظ ~~مادة الطائفة الطاغية الظالمة وكان قد علم هو أيضا أنه مكسور ومأخوذ ومقتول ~~ومنبوذ • فإن الدمار قد حل بأكبر منه • والبوار قد شمل الأشجع والأمثل • وهو ~~بالنسبة إلى اينال الحكمي لاشيء • ولان أموره من أول الزمان كانت معكوسة ~~ورايات أرائه منكوبة منكوسة • وكان نازلا على حماه كما ذكر فحين سمع أن العساكر ~~المنصورة توجهت إليه • أحاط به البلاء وتراكمت المصائب عليه • فلم يقاتل فضلا ~~أن يواجه ويقاتل • فطلب لنفسه الخلاص • ولغلت ولات حين مناص • فتوجه ~~إلى التراكمة السارجية • فقبل أن يصل العساكر المنصورة الشامية والمصرية • ~~تبعته العساكر الحلبية ومن معهم • صحبة المقر السيفي سودون النوروزي الملك ~~الظاهري • وهو إذ ذاك أمير التراكمة بالممالك الحلبية • وأمير دوادار السلطان ~~بالممالك المذكورة • بيردي بك العجمي الملك الظاهري • وقطج الظاهري • وغيرهم ~~فقبضوا عليه باليد من غير تعب ولا مشقة • وانقل عنه جنده وحاشيته وسلبت ~~نعمته وحشمته • إذ قابل نعمة الله بالكفران • فلم يبق بيده من ذلك الذبح سوى ~~الخسران • ثم أتوا به إلى حلب وسلموه إلى نائبها السيفي حطط • وكتبوا بذلك إشهادات ~~أنه تسلمه منهم • وبادروا بإرسال النجابة والمبشرين إلى المواقف الشريفة • وأطراف ~~البلاد • والممالك الإسلامية بهذه الأخيار • وماتضمنته من مسرة الأخبار • ~~ومضرة الأشرار • إلى أن برزت المراسيم الشريفة • أن يجازي بما ارتكبه من الأفعال ~~ويجهر على رفيقه اينال • وكذلك يفعل بأخيه في ملطيه • وذلك في ذي الحجة ~~سنة اثنين وأربعين وثمانمائة • فامتثلت المراسيم الشريفة • وعمت الدنيا ~~شرقا وغربا هذه البشائر اللطيفة الظريفة • الحمد لله على نعمة التي ~~لا تحصى • ومننه التي فاتت الحصر والإحصاء • وصلى الله على سيدنا محمد واله ~~وصحبه وسلم • وحسبنا الله ونعم الوكيل • ~~108و ~~تتمة ما جرى في أثناء هذه الوقائع في مصر والشام على ~~الحجاج وغيرهم وكيف وجد الملك العزيز يوسف برسباي ~~ولما وقع هذا الخباط في الممالك وهرب الملك العزيز وتخبطت الدنيا ~~واضطربت • واهتزت الفتن ms191 ودبت • حتى كأن السماء على الأرض انقلبت • لم يحمل ~~مولانا السلطان نصره الله نصرا عزيزا • غير هم الحجاج ولا التفت إلى ملك ولا إلى ~~سلطنة فإنه كان وقت الحج قد قرب والناس تسامعت بولاية مولانا السلطان ~~فأقبل من سائر الأطراف • والأكناف خلق لا يعلم عددهم إلا الله تعالى وخاصة ~~من أعيان العجم وخراسان • وأكابر الروم وممالك بن عثمان • وكان منهم الأمير ~~الكبير المجاهد المرابط • المناغر الغازي إسحاق بك ضابط أحد ثغور الروم • وله ~~قدم ثابت • وقدم في إبادة الكفار والفتوحات • وتجهيز السوايا • وحفظ عساكر ~~المسلمين • وثغور الموحدين فأقبل في عدد كثير • وجم من أعيان تلك البلاد غفير ~~فقدم الشام وأرسل هدايا فاخرة ملوكية • تليق بحشمته إلى الأبواب الشريفة ~~فقوبل بأضعاف ذلك وتوجه على القدس الشريف • وضع مصروفا كثيرا • ~~وكان منهم أيضا قاضي سمنات • من ممالك خرسان • السيد الشريف عميد ~~الملك أخو إمام المقام الأشرف السيفي شاهرخ • ومعه جماعة من أعيان التجار ~~وأعاظم الأعاجم بتلك البلاد ومنهم الشيخ الجليل قطب تلك البلاد [...] ~~[...] فتوفي في الرجعة من درب الحجاز واستصحب في محفة إلى ~~دمشق فدفن بها وغيرهم من الأكابر والأعيان والتجار جماعة لا يحصون كثرة فلما ~~وقع هذا الخباط والعصيان تشوشت خواطرهم • وتكدرت ضمائرهم • إذ هم غرباء ~~تركوا أوطانهم وفارقوا أولادهم وإخوانهم • فزاد هذا كسرا على كسرهم • وصغيرا ~~على صغيرهم • وأما مولانا السلطان فإن ضميره الشريف لم يكن فيه سوى ~~108ظ ~~إعلاء كلمة الله تعالى بتعاطي أسباب الغزاة ومحاربة أعداء الله • وتمهيد درب الحجاز الشريف ~~ولم يل مصالح المسلمين والسلطنة إلا لهذين الأمرين فقط • وقد مر بيان ذلك وذكره ~~ولما وقع ما وقع جعل يندب ويقول يا ليت هذا العصيان كان بعد خروج الحجاج ~~وليتهم صبروا حتى فرغ وفد الله من أمرهم فإنهم قد قدموا من بلاد بعيدة وقاسوا أهوالا ~~ومشقة شديدة ترى كيف يكون حالهم • وماذا يبلغ البلاد الشاحطة • إذا قيل ~~إن بلاد الشام الذي هي مهبط رحال الأنبياء عليهم السلام • ومحط رحال الاولياء رضي ~~الله عنهم • وباب طريق الحج • قد ms192 وقع الخلاف والعصيان • بين أمرائها وكبرائها • وكل ~~منهم يدعى الإسلام • وقد رفع فيهم البغاة أيديهم • وبغى بعضهم على بعض فأي حرمة ~~تبغي لنا ولبلادنا يغتنم الولي ويلهث الحسود والعدو • وماذا يبغى لنا من الحرمة ~~والعزة بين الملوك والسلاطين • إذا اختلفت آراءنا • واصطدمت أهواءنا • ~~ثم يبكي ويتأسف • ويتلهف ويتضرع إلى الله تعالى ويقول هذا تقدير الله سبحان ~~من لا يسأل عما يفعل • ومع هذا فإن الخواطر الشريفة والاعتقاد الصالح ~~الشريف كان متمسكا بالاعتماد على الله تعالى خاضعا لما يرد من الفتوحات الغيبية ~~والمساعدات الإلهية • منتظرا لما عوده الله تعالى من الفرج القريب • واللطف ~~العجيب • فسبحان من يظهر قدرته • وينشر رحمته • وهو الولي الحميد • ثم ~~إنه دنا وقت الحج والملك العزيز لم يوقف له على عين ولا أثر • ولم يسمع له بكيفية ~~حال ولا خبر • ~~ذكر خروج الحاج المصري من القاهرة • ~~ثم إن الحاج المصري خرج يوم السبت تاسع عشر شوال المبارك من السنة ~~المذكورة إلى البركة • وكان قد عين لإمرة الحاج اينال الأشرفي المذكور وبرزت ~~له من الصدقات الشريفة من الهجن والنفقة وسائر ما يحتاج إليه من الاستعدادات ~~109و ~~اللائقة بالملوك • ولما وقعت قضية الملك العزيز واختفى اينال المذكور كما ذكر ~~أخذ ما وجد من ذلك وأعطى للمقر السيفي تاني بيك أمير حاجب الحجاب بمصر كان ثم نائب ~~القلعة المنصورة فتهيأ إلى الحجاز الشريف والأمور على ما هي عليه ورحل من البركة ~~يوم الأربعاء ثالث عشري الشهر المذكور• ويوم الجمعة خامس عشرينه ورد نجاب ~~بقبض شاهين وياقوت الأشرفي ورجعوا بهم من عجرود • ويوم الثلاثاء تاسع عشرين ~~شوال ورد نجاب آخر وقبضوا سرور الطواشي الطرباي وحصل له إهانة وفتشت ~~أحماله ورجعوا به فقال في أثناء ذلك وهو يبكي يا سيدي يرسول الله أنا قصدت ~~زيارتك والتوجه إليك فعاقني عنك من افترى علي ونزل بي ما ترى فإن كنت بريء ~~الساحة فأنت شفيعي ووسيلتي إلى الله فلا تحرمني زيارتك • وإن كنت غير ذلك ~~فها أنا ألاقي جزاءي • وتضرع تضرعا رق له الناس • ولم ms193 يوجد في أحماله إلا قمصان ~~وأشياء أعده للتصدق بها على الفقراء بالحرمين الشريفين فقط من أمتعة وغيرها ~~فذهب به ثم في ثاني يوم رجع سرور المذكور إلى القافلة وهو منشرح الصدر • ~~وذكر أن الملك العزيز وجد مع مملوك له يقال له ازدمر وإن المقر الأشرف • ~~الناصري ولد المقام الشريف أخذه وتوجه صحبته إلى بين يدي المواقف • ~~الشريفة وحصل له الجبر التام • وانشراح الصدر • فحصل للناس السرور • ~~واستبشروا برجوع سرور إليهم وتفاءلوا بذلك • ثم في العقبة انقطعت ~~الأخبار في يوم الخميس ثاني عشرين ذي القعدة والحاج في الينبع ورد نجابه ~~مأخوذين في دارين البقر ذكروا أنه كان معهم مطالعات أخذت منهم وإن اينال ~~الأشرفي وجدوه وأرسلوه إلى اسكندرية ووصل الحاج إلى مكة المشرفة ~~يوم السبت ثالث ذي الحجة وصل المبشر إلى مكة وهو أمير أخور وعلى يده ~~خلعة شريفة سلطانية لسلطان مكة وأخبر أنهم كسروا اينال الحكمي وقبضوا ~~109ظ ~~عليه • وإن المقر السيفي أقبغا التمرازي استقر نائب الشام • فدقت البشائر • وتباشرت ~~الحجاج • كان عندهم أعياد • وحصل لهم السرور والفرح وانشراح الصدر بما لا ~~مزيد عليه بنيل المقصود من جهات عديدة • فإنهم خرجوا من مصر وهم في شدة عظيمة ~~وبلاء شديد • وقد تركوا أوطانهم وأولادهم • ولا يدرون الأمور تصير إلى ماذا فلما ~~ورد هذا المبشر تكاملت أفراحهم • ودعوا من تلك الأماكن الشريفة لمولانا السلطان ~~بالنصر • وبقاء الأيام • ولم يزالوا كذلك حتى قدم الوفد الشامي فأخبروهم الخبر ~~فإن الركب الشامي أيضا خرج والأمور لم تنفض ولم تنجلي عن تحقيق شيء فحصل لهم من ~~السرور والحبور ما لا يمكن عده ولا حصره • وتضاعفت الأدعية لمولانا السلطان في ~~تلك الأماكن الشريفة • واستجاب الله سبحانه وتعالى منها • فإن الله تعالى أكرم ~~من أن يرد قاصده خائبا • وخاصة في تلك الأماكن الشريفة • وإن شدة أهل ~~الشام كانت أقوى بالنسبة إلى شدة أهل مصر • ولم يزالوا كذلك إلى أن قضوا ~~مناسك الحج • وكانت الوقفة يوم الجمعة والسبت فتضاعفت الأدعية ~~في هذين اليومين العظيمين لمولانا السلطان • وتضرعوا إلى الله ms194 تعالى بكشف البلاء ~~عنهم • ومآل القضية إلى ما فيه خيرتهم وصلاحهم وصلاح أمور المسلمين • ونصر ~~مولانا السلطان وكسر أعدائه • ولقد شاهدت أمارات الإجابة من كرم الله ~~تعالى • وحاشا كرم الله تعالى أن يخيب من سأله • وخاصة في ذلك المقام الشريف ~~والأماكن المفعمة • لا سيما ومعهم الغرباء والصلحاء ومن ترك أولاده • وأحبابه ~~وأوطانه • وقصد باب مولاه متدرعا أكفانه • وقد صادف في الشام من ~~الشدة والبلاء ما لا مزيد عليه • ثم لم يمكنه التصبر حتى ينظر مآل القضية إلى ما ~~ذا فما وسعه إلا الأخذ في الأهبة والتوجه إلى الحج • وخاطره مشوش وفكره ~~موزع • وعيشه منكد • وقلبه مكسور • فاستجاب الله تعالى بكرمه إليهم دعاهم ~~110و ~~فلم يرجعوا إلا والأمور بحمد الله تعالى في البلدين مصر والشام قد عادت إلى أحسن ما كانت ~~هذا ما يتعلق بالركب المصري ~~ذكر أمور حجاج الشام • ومن معهم من الأعجام ~~والأروام • ~~وأما ما يتعلق بحجاج الشام • ومن معهم من الأعجام والأروام • فإنه لما عصى ~~اينال الحكمي في شهر رمضان تخبطت أمور الناس وصاروا في مصادرات • ~~واراجيف وخباطات • واستطالت الظلمة المعتدين • وفرع محمد الاستادار أنواع ~~الظلم على الناس فتعطلت اسبابهم ومعايشهم • وتخبطت أحوالهم وكسدت • ~~بضائعهم • التي كانوا أعدوها من السنة إلى السنة للحجاج كما مر ذلك • وكانوا في ~~حصر وضيق لا يعلمه إلا الله تعالى • وإذا كان أهل البلد كذلك فما ظنك بالغرباء المساكين ~~وكان الأمير إسحاق المذكور قد توجه إلى القدس الشريف فزاره ورجع فلما ~~تخبطت أمور الناس • وكان له قاصد توجه إلى الأبواب الشريفة ورجع إليه ~~بأحسن جواب • وأيمن خطاب • مع إنعامات وافرة • وصدقات متكاثرة وكان ~~الأمير إسحاق قد عزم على أن يصنع في طريق الحجاز من أنواع البر والصدقات ~~أشياء عظيمة فإنه في بلاد الروم كان له مدة مديدة • قد حصل فيها من الغنائم والفيء ~~أموال الكفار شيئا لا يعلمه إلا الله تعالى فكان قصده ينفق ذلك كله في طريق ~~الحج بحيث أنه تكفل لكل من كان معه من التجار والأعيان أن لا يصحب أحد ms195 منهم معه ~~زادا ولا راحلة • وأن يصحب معه من الزاد الحلو والحامض • والآن الأطعمة المفتخرة ~~ما يعجز عنه أمثاله من الملوك • ويكتري من الماء مائة جمل للسبيل خاصة خارجا ~~عن الماء الذي له ولجماعته • فلما وقع العصيان تشوش خاطر الكبير والصغير ~~وكان قد تعين لإمرة الحاج سيدي رجب بن قرا وبرزت المراسيم الشريفة ~~110ظ ~~له بثلاثة آلاف دينار لعمل مصلحته من الذخيرة الشريفة فمنع ذلك اينال الحكمي فقال ~~الناس أن السنة لا يخرج من الشام ركب • وتشوشت الخواطر • وتنكد عيش الغرباء • ~~وكان الأمر كما رسم به مولانا السلطان فإنه حصل للحاج وخاصة الغرباء غاية ~~النكد والتشويش لك بعناية مولانا السلطان فرح الله تعالى وكشفه ولله الحمد ~~فاجتمع الناس الغرباء إلى الأمير إسحاق • وشكوا ضرورتهم إليه • فأرسل إلى اينال يقول ~~نحن ناس غرباء • قد جينا من بلاد بعيدة قاصدين اذا بغرض العمر • وقد تكلفنا من المشاق ~~والنفقة ما يخفي عن علمكم الكريم • ومعنا أناس وجم غفير • وعدد عديد • وقد ~~انصبنا الأبدان والرواحل ولا يمكننا التأخر • وقد ظهر من تقدير الله تعالى وقضائه ~~ما لا يخفي • وكانت المراسيم الشريفة السلطانية • برزت لأمير حاج بشيء يستعين ~~به على عمل مصالحه • والقيام بما هو بصدده • وحصل له عائق عن صرف ذلك إليه ~~فإن اقتضى رأيكم فأنا أقوم بذلك من مالي وصلب حالي • ولا أكلف أحدا إلى ما قيمته ~~الدرهم الواحد غير أن المقصود من مراسيمكم أن تنادوا لحجاج بلادكم بالخروج على جاري ~~عادتهم بحيث أنه لا يشوش على أحد منهم فإنهم يخافون من حواشيكم • وحاشاكم أنتم من ~~ظلم الرعية • وإنما يختشون من أحد يتسلط عليهم أو يتسبب لهم في إيذاء • وأنا أشفع ~~عندكم فيهم • وإن أردتم من أحد منهم شيئا فأنا أقوم به كل ذلك ليكونوا رفقاءنا ~~فإنا لو قدرنا على التوجه إلى الحجاز الشريف وحدنا فعلنا ولكن لا بد من مرافقة ~~القافلة الشامية لأنا غرباء لا نهتدي لسلوك طريق الحج إلا مع من يعرف دربته ~~وطريقه لأن سفر الحج لا يشبه بسائر الأسفار ms196 وفي الجملة مهما رسمتم فعلنا ~~ومهما طلبتهم بذلنا • ولكم الفضل إذ لو بذلنا جميع ما في أيدينا لنيل هذا المقصود ~~كنا نحن الرابحين • والمتوقع من صدقاتكم العزيزة • أن لا تخيبوا سؤالنا • ولا ~~تمنعونا قصدنا • فعند ذلك سمح اينال بخروج الحاج • وكان رجب بن قرا مختفيا ~~111و ~~فنادى له بالأمان • والظهور في ظل الراحة والأمن • وأخذ الناس في عمل مصالحهم ~~وتهيئة أسبابهم • إلى الطلوع إلى الحجاز الشريف • ولم يخرج غالبهم إلا مختفيا هاربا ~~من محمد الاستادار • فإنهم كانوا في مصادرات وطروحات • فاجتمعوا في خان بن ذي النون ~~وأصابهم فيه من الأمطار والأحوال ما لا يعلمه إلا الله تعالى • وخرج الركب الشامي ~~في أرغد عيش • غير أن الناس كانوا منكدي العيش • مشوشي الخاطر • ولكن الله تعالى ~~لا يضيع من قصده • ولا يخيب من سأله • فحجوا حجة مباركة هنيئة ورجعوا • فوجدوا ~~البلاد على أحسن حال • وأنعم بال • ولله الحمد • ~~• ذكر خبر الملك العزيز • ~~وكان من أمر الملك العزيز أنه لما خرج من القلعة وتوجه إلى اينال الأشرفي ~~كما ذكر واختفى اينال ووقع الخباط استمر الطلب له حتى خرج الحاج وكثرت الأقوال ~~فيه فمن قائل إنه توجه إلى الصعيد ومن قائل إنه توجه إلى الشام ومن ~~قائل إنه منتظر خروج الحاج حتى يخرج معهم ومن قائل إنه مختف في مصر واضطربت ~~الأحوال • كاضطراب الأقوال • حتى خرج الحاج • وقالت الناس أنه معهم • وأرسل وراء ~~شاهين وياقوت ورجعوا بهما • ثم رجعوا بشرور الطراباي كما ذكر • وإنما كان مختفيا ~~في مصر يتردد فيها بالليل ويضرب اللثام • مع بعض مماليك من مماليكه • ويمشي في الأزقة ~~في هيئة مغيرة • حتى شاع خبره • وسمع به واحد من الأمراء • كان يأوي إلى زقاقه ~~فرقبه ليلة من الليالي وهي من أواخر شوال سنة اثنين وأربعين وإذا به قد مر ~~مع مملوك يقال له أزدمر كأنه كان لألته أم من جهته وهو في هيئة فقيه وتحت ~~ابطه كتاب فصاح ذلك عليه وقال له من أنت فلم يرد عليه فتبعه فهرب منه ~~واختفى في ms197 بيت فلم يزل يتتبع أثاره حتى ظفر به وأتى به من باب السلسلة بعد عشاء ~~الأخرة وأخبروا البواب أنهم وجدوا الملك العزيز فأخبروا المقر الأشرف الناصري ~~111ظ ~~سيدي محمد فأخذه وذهب به إلى المواقف الشريفة فإذا مولانا السلطان واقف ~~يصلي واشتهر وشاش بين الحاضرين أن الملك العزيز وجد وأعلن بهذا الكلام ~~وصرح به • ومولانا السلطان مشغول بالله تعالى لم يرفع لذلك طرف • ولم يتقيد ~~بشيء من ذلك حتى أتم الصلاة على أحسن حالاتها • وأتم أركانها • ولما فرغ من الصلاة ~~وأحضروا الملك العزيز بين يديه وقال له بأحسن ملاطفة يا ولدي ماذا رأيت منا ~~وما فعلنا معك من الإساءة والأذى • حتى شوشت على نفسك وعلى الناس ثم ~~أمر بإكرامه وإعزازه كما كان وأرسله إلى مكان محتفظا عليه مما يؤذيه • استقرت ~~الأمور بحمد الله تعالى على أحسن حال • وأيمن40 بال • واستقر في نيابة الشام المقر ~~السيفي اقبغا التمرازي • إلى أن توفى إلى رحمة الله تعالى في شهر ربيع ~~الأول من شهور سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة كما سيأتي في حوادثا • وفي نيابة ~~حلب المقر السيفي جلبان نائب طرابلس إلى أن انتقل إلى نيابة الشام بعد السيفي ~~أقبغا المذكور وصار مكانه بحلب قانباي الحمزاوي انتقل إليها من طرابلس واستقر ~~مكانه المقر السيفي برسباي أمير حاجب الحجاب بالشام كان • وفي حماه المقر ~~السيفي بردي بك العجمي • وفي غزة طوخ مازي إلى أن توفي إلى رحمة الله تعالى واستقر ~~مكانه طوخ • وفي نيابة صفد اينال الأجرود • وفي نيابة القدس طوغان • ~~ذكر الحوادث في سنة أحد وأربعين وثمانمائة ~~نقلت في تاريخ الشيخ الإمام العلامة تقي الدين المقريزي أبقاه الله تعالى ~~في مصر في أول شعبان سنة اثنين وأربعين وثمانمائة أن الملك الأشرف كان قد ~~حصل له ضعف في سنة أحد وأربعين وثمانمائة • قلت وكان في سنة أربعين ~~وثمانمائة رسم أن لا يلبس أحد قبعا أحمر ولا يجلب إلى مصر وينهب من كان عنده ~~شيء من ذلك وأمر بإشهار المناداة في ذلك وتعطلت أرباب ذلك الصنف وتجاره ~~112و ms198 ~~ورسم في هذه السنة أيضا أن لا تخرج امرأة من بيتها وشدد في ذلك بحيث أنهم كانوا ~~يؤذون النساء إذ لقونه في الشوارع • وتعطلت غالب معائش الناس والتجار لأن ~~بيعهم وشراؤهم كان مع النساء • وساءت أخلاق الملك الأشرف • وحصل في سنة ~~أحد وأربعين طاعون في القاهرة فاتفق أن امرأة مات لها ولد بالطاعون وكان واحدها ~~فوجدت عليه فلما جهزوه وأخرجوه من الدار ليضعوه في التابوت أرادت أمه الخروج ~~وراءه فمنعوها للمرسوم المتقدم من تشييعه فحملها الوجد وقلة الثبات على الصعود ~~إلى أعلى الدار وألقائها نفسها إلى الأرض فماتت فرق لها الناس ودعوا على من ~~اضطرها إلى ذلك • وخرجت امرأة أخرى إلى أمرهم اضطرت إليه فصادفها ~~دولت خواجة متولي الحسبة • وكان ظالما فصاح بأعوانه أن يأخذوها ويأتوه ~~بها ليضربها فقبضوا عليها فدهشت ووقعت مغشيا عليها وذهب عقلها من ~~شدة الخوف فشفع بعض الناس فيها فتركت وانصرف المحتسب عنها فحملت إلى ~~دارها وقد اختلت وفسد عقلها فمرضت مدة • وفي يوم الجمعة تاسع شوال ~~سنة واحد وأربعين رقى الخطيب بالجامع الأزهر المنبر وخطب واسمع الناس وجلس ~~الجلسة المعهودة بين الخطبتين فأطالها ثم قام وجلس واستند إلى جانب المنبر ~~قدر ما يقرأ القارئ ىبع حزب والناس منتظرون قيامه إذ قال قائل مات الخطيب ~~فارتج الجامع وضج الناس وتأسفوا وأخذوا في البكاء واختلت الصفوف وبادر الناس ~~إلى المنبر إذ قام الخطيب ونزل عن المنبر ودخل المحراب وأوجز في الصلوة من غير ~~جهر بالقراءة • ثم من بعد الصلوة قدمت عدة جنائز فصلى عليه واضطرب ~~الناس في أقوالهم • فقال قائل إن الجمعة ما صحت وتقدم وصلى الظهر أربعا وأتم ~~به جماعة فلما فرغ قام جماعة وأمروا المؤذنين بالشدة فأذنوا ورقى واحد المنبر ~~وخطب خطبتين ونزل وتقدم ليصلي فمنعوه وأتوا بالإمام الراتب فتقدم وصلى ~~112ظ ~~الجمعة فلما انقضت الصلوة وثب آخرون وصاحوا بأن هذه الجمعة الثانية لم تصح وأقاموا ~~لصلاة الظهر • وتقدم واحد وصلى بهم الظهر أربع ركعات • فاتفق في هذا اليوم الواحد ~~بالجامع الأزهر أربع خطب • وصلاة ms199 الجمعة مرتين • وصلاة الظهر مرتين • وانصرف ~~الناس وكل طائفة تخطى الأخرى • ونظير الناس متفاد لأعلى السلطان وزواله بإقامة ~~خطبتين في مكان واحد • وهبت ريح باردة حتى ظن اكثر الناس أنهم ميتون ولو ~~قدر موت الخطيب على المنبر لهلك جماعة كثيرة من الوهم • وكان الملك الأشرف في سادس ~~هذا الشهر قد استقل من مرضه وخرج إلى خليج الزعفران وكان يوم الثلاثاء فاستمر إلى آخر ~~النهار وفرق فيه مالا على الفقراء فتزاحمت الفقراء على تفرقة ذلك ورموه عن فرسه ~~فاستشاط السلطان وطلب سلطان الحرافيش وشيخ الطوائف ورسم أن يمنعوا الجعيدية ~~من الكدية والشحاذة ورسم أنه من وجد منهم وهو يشحذ فإنه يستعمله في الحفير فلم ~~يبق من الشحاذين إلا العميان والزمني وأرباب العاهات فزادت الأدعية عليه بزوال ~~ملكه فأصبح يوم الأربعاء سابع شوال وقد انتكس ولزم الفراش وتزايد مرضه غير ~~أنه كان يظهر التجلد وينشد بلسان الحال • ~~• بتجلدي للشامتين أريهم • إني لريب الدهر لا اتضعضع • ~~ولسان القضاء والقدر يجيبه • ~~• وإذا المنية انشبت اظافرها • الغيت كل نميمة لا تنفع • ~~وكان يخلع على الأطباء ويركب وهو مصغر اللون • ساقط القوة • إلى أن عجز عن القيام • ~~في ليلة الأربعاء المذكور • وفشا الموت في الدور السلطانية • وفي أولاده وخطاياه ~~وجواريه • وجواري نسائه • وفي الخدام والمماليك السلطانية بالقلعة • وسكان ~~الطباق وسكان القلعة • وفي سائر الناس بالقاهرة ومصر وما بينها • وانتشر ~~إلى بعض بلاد الصعيد • وبلاد الواحات • والفيوم • وبعض بلاد الجرف بالشرقية ~~113و ~~وخرج المحمل يوم الإثنين تاسع عشرة • وأميرهم اقبغا الناصري أحد الطبلخاناه ~~فمات ابنه وابنته في هذا اليوم • وجماعة ممن خرج إلى الحج • وفي الغد وبعده • وفي سادس ~~هذا الشهر ثارت العشران بالشام • وقتل فيها محمد بن منصور • وقتل على ما قيل من العشران ~~ما ينيف على ألف نفس • وكانت الصقعة أتلفت فواكه دمشق وكانت ~~وقعت يوم العيد والناس في حلق العيد • فبينا الدنيا كالعروس تنجلي ما بين أشجار خضرة ~~وأزهار ونضرة • فهبت عليها نسيمة باردة • في لحظة واحدة • كما قال الله تعالى فجعلناها ~~حصيدا كان ms200 لم تغن بالأمس • فما خرج الناس من صلوة العيد إلا والأشجار كأنها فحمة ~~يابسة • ~~ثم في يوم الخميس ثاني عشرة خلع على الأطباء بأن السلطان قد تعافى في يوم الجمعة ~~سار الحاج من البركة • ويوم السبت رابع عشره رسم السلطان بتوسيط الأطباء الذين ~~خلع عليهم • وهما العفيف رئيس الأطباء • وزين الدين خضر • وذلك لاستبطائه العافية ~~وحرصه على الحيوة • وظنه أنهم يقدرون على شفائه • وإنهم يقصرون • أو أنهم أساؤوا التدبير ~~وأخطأوا في علاجه • وذلك لسوء أخلاقه • وضيق عطفه • أو لجهله • وقلة فهمه • فإنه ~~كان عميما فج لا يعرف شيئا وإنما ساعدته الأقدار • فكان يتصور أن الطبيب يقدر يشفي ~~ويعافي • ولما رأى عجزهم • أو أنهم لا يعافونه ولا يشفونه • فدعا بوالي القاهرة عمر ~~ابن سيفا فحضر وللسلطان جالس بين يديه جماعة من خواصه • منهم صلاح الدين ~~محمد بن نصر الله كاتب السر • وصفي الدين جوهر الخزندار وغيرهم • وفيهم العفيف • وزين ~~الدين خضر • فلما حضر الوالي أمره أن يأخذ العفيف ويوسطه بالقلعة فأقامه ~~ومضى به • ثم نظر إلى خضر وأمره أن يوسطه أيضا فأخذ الآخر فجعل يصيح وقام أهل ~~المجلس وصاروا ما بين مقبل رجله • وما بين مقبل الأرض • وهم يتضرعون إليه في العفو ~~فلم يقبل وبعث واحد بعد واحد يستعجل الوالي في توسيطهما وهو يتباطأ رجاء ~~113ظ ~~أن يقع العفو عنهما • فلما طال الأمر بعث السلطان من أشد أعوانه وأغلظهم وأمره أن يحضر ~~توسيطهما • فخرج بعد أن أغلظ الوالي في القول • فقدم العفيف واستسلم وثبت ~~فوسط قطعتين بالسيف • وقدم خضر فجزع جزعا شديدا • وجعل يدافع عن نفسه ~~وصاح • فتكاثروا عليه • ووسطوه توسيطا شنيعا لتلويه واضطرابه • ثم حملا إلى أهليهما ~~ذلك • ولم يعرف بمثل هذه الحادثة • وتزايد المرض بالسلطان من يومئذ إلى يوم ~~الخميس تاسع عشريه • أيس من الحياة فاستدعى الأمير الكبير جقمق العلاء الأتابك ~~ومن تأخر من الأمراء المقدمين • وقال لهم انظروا في أمركم وخوفهم مما جرى بعد المؤيد شيخ ~~من اختلاف أمرائه وتلافهم • وطال الكلام وتصدعوا على غير شيء ولم يبروموا ms201 أمرا ~~ولا عقدوا عقدا • ~~ثم أهل ذي القعدة بيوم السبت والناس في شدة عظيمة من مرض السلطان والأرجاف ~~بموته ساعة فساعة • وموت مماليكه حتى لقد مات منهم نحو الألف • ومات من الخدام ~~الخصيان مائة وستون ومن الجواري بدار السلطان نحو من ذلك • ومن الخطايا ~~سبع عشرة ومن أولاد السلطان ذكورا وإناثا سبعة عشر • وشمل الطاعون ~~عام بيوت القاهرة • ومصر وما بينهما • فما من بيت إلا وفيه ميت أو مريض • وكذلك ~~بلاد الشام من الفرات إلى غيره • وخرج قفل من القاهرة إلى الشام فمات إلى أن وصل ~~إلى العريش منهم نحو سبعين إنسانا • وأكثر مع كساد البيعات • وتعطيل الأسواق ~~والمعاملات • إلا ما يحتاج إليه الموتى • وصاروا كما قال المعمار • ومات من لا عمره ~~ماتا • غير أن الموت تناقص لما أهل هذا الشهر • ووصل الخبر أن العساكر المجردة ~~إلى ابلسيين وصلت إليها • ~~• ذكر العهد لولده • ~~114و ~~وفي رابعه عهد السلطان إلى ولده المقام الجمالي يوسف وذلك أنه لما تزايد ~~المرض • قال عظيم الدولة القاضي زين الدين عبد الباسط • للأمير صفي الدين جوهر ~~الخزندار • عن أمر المقام الجمالي • وأشار عليه أن يفاوض السلطان في وقت خلوته ~~به أن يعهد إليه بالسلطنة من بعد وفاته • ويحسن له ذلك فراقب الفرصة إلى أن ~~قال له السلطان يا جوهر حرر لي جملة ما يتحصل من الأوقاف على أولادي ففعل ثم ~~وجد فرصة للكلام فأعلمه بما أشار به القاضي زين الدين عبد الباسط من العهد ~~إلى المقام والجمالي فأعجبه ذلك وأمر باستدعائه فلما حضر سأله عما ذكر له جوهر عنه ~~فأخذ يحسن ذلك ويقول في هذا اجتماع الكلمة • وسد باب الفتن • وعمارة بيوت ~~السلطان • ومصلحة العباد • وعمارة البلاد • ونحو ذلك من القول • فأجاب ~~إلى ذلك ورسم باستدعاء الخليفة • والقضاة والأمراء • والمماليك • وأهل الدولة ~~وحضورهم في غد • فمضى عنه القاضي زين الدين ونزل إلى داره بالقاهرة • وأرسل ~~إلى المذكورين • والأعيان • أن يحضروا بكرة النهار • بين يدي السلطان • وتقدم ~~إلى القاضي شرف الدين أبي بكر الأشقر نائب كاتب السر ms202 بكتابة العهد إلى المقام ~~الجمالي فأعجبه ذلك وأمر باستدعائه فلما حضر سأله عما ذكر له جوهر عنه فأخذ يحسن ~~ذلك ويقول في هذا اجتماع الكلمة وسد الفتن • وعمارة بيوت السلطان • ومصلحة ~~العباد • وعمارة البلاد • ونحو ذلك من القول • فأجاب إلى ذلك ورسم باستدعاء ~~الخليفة والقضاة • والأمراء المماليك • وأهل الدولة وحضورهم في غد • فمضى ~~عن القاضي زين الدين • وبذل إلى داره بالقاهرة • وأرسل إلى المذكورين ~~والأعيان أن يحضروا غدا بكرة النهار بين يدي السلطان وتقدم إلى القاضي ~~شرف الدين بن أبي بكر الأشقر نائب كاتب السر بكتابة العهد إلى المقام الجمالي ~~وذلك أن القاضي صلاح الدين محمد بن نصر الله كاتب السر لما وسط العفيف ~~114ظ ~~وحضر • تغير مزاجه • واشتد جزعه • إلى أن حم في ليلة الجمعة • ونزل من القلعة ولزم ~~الفراش • وظهر الطاعون مواضع في بدنه • وجعل مرضه يتزايد • فبادر القاضي ~~شرف الدين • وكتب العهد ليلا • وأصبح الجماعة في يوم الثلاثاء • وهم بالقلعة ~~وذلك رابع الشهر فأخرج السلطان إلى مقعد يشرف على الحوش وقد وقف به ~~الأمير خوش قدم الطواشي مقدم المماليك • ومعد جميع من بقي من المماليك السلطانية ~~سكان البطاق بالقلعة • وجميع من هو أسفل القلعة من المشتراوات والمستخدمين ~~وجلس الخليفة أمير المؤمنين المعتضد بالله أبو الفتح داود • وقضاة القضاة ~~الأربع على مراتبهم • والأمير الكبير جقمق العلاء أتابك العساكر • ومن تأخر ~~من أمراء الألوف • والمباشرون ما عدا كاتب السر فإنه شديد المرض • ثم قام ~~القاضي زين الدين عبد الباسط • وفتح باب الكلام من عهد السلطان من بعد وفاته ~~لابنه المقام الجمالي بالسلطنة • وقد حضر مع أبيه فاستحسن الخليفة ذلك ~~وأشاد به فتقدم القاضي شرف الدين الأشقر بالعهد إلى بين يدي السلطان ~~فأشهد السلطان على نفسه بأنه عهد إلى ولده الملك العزيز جمال الدين أبي ~~المحاسن يوسف من بعد وفاته بالسلطنة • فأمضى الخليفة العهد • وشهد ~~بذلك القضاة • ثم إن السلطان التفت إلى مقدم المماليك وكلمه بالتركية ~~والمماليك تسمعه كلاما طويلا ليبلغه عنه إلى المماليك وحاصله أن اشتراهم ~~ورباهم وإنهم أفسدوا ms203 فسادا كبيرا عدد فيه ذنوبهم وإنه تغير من ذلك عليهم ~~وما زال يدعوا الله عليهم حتى هلك منهم من هلك في طاعون سنة ثلث وثلثين ~~ثم اشترى بعدهم طوائف ورباهم فشرعوا أيضا في الفساد كما فعل أولئك ~~الهالكون بدعائه وإنه قد وقع فيكم الطاعون فمات منكم من مات وقد عفوت ~~115و ~~عنكم • وأنا ذاهب إلى الله وتارك ولدي هذا وهو وديعتي عندكم وقد استخلفته عليكم فاسمعوا ~~له وأطيعوه • ولا تختلفوا فيدخل بينكم غيركم فتهلكوا • وأوصاهم أن لا يغيروا على أحد ~~من الأمراء • وان يبقوا الأمر المجردين على أمر يأتيهم • ولا يغيروا نواب الممالك • فاشتد ~~عند ذلك بكاؤهم وبكى الحاضرون أيضا • قيل إن اينال مشد الترسخانة كان ~~واقفا فنظر إليه الملك الأشرف وقال إن كان يقع خلف بين ممالكي وعسكري ويهلكون ~~فهذا يكون سببا لذلك وكذا جرى • ثم أقيم السلطان وأعيد إلى فراشه وقد كتب ~~الخليفة بإمضاء عهد السلطان وشهد عليه فيه القضاة بذلك ثم كتب ~~القاضي شرف الدين الأشقر اشهاد على السلطان بأنه جعل الأمير الكبير جقمق العلاء ~~قائما بتدبير أمور الملك العزيز • وأخذ فيه خط الخليفة بالإمضاء • وشهادة القضاة ~~عليه بذلك فألصقه بالعهد وانقضوا جميعهم • وفي هذا اليوم أنفق في المماليك ~~السلطانية كل واحد مبلغ ثلاثين دينارا فكان جملتها مائة وعشرين ألف دينار ~~وفيه خلع على بكري بردي أحد أتباع التاج الشويكي واستقر في ولاية ~~القاهرة عوضا عن عمر بن سيغا أخي التاج فإنه مرض بالطاعون من أخر نهار الجمعة ~~وفي يوم الجمعة سادسه وطلع إلى ~~القلعة فلما مثل بين يدي السلطان أمر به فخلع عليه واستقر به في كتابه ~~السر عوضا عن ولده صلاح الدين محمد وقد توفي فنزل في موكب جليل على كل ~~رائع بقماش ذهب أخرج له من الاصطبل السلطاني • وخلع معه على ~~نور الدين علي بن السويفي واستقر في حسبة القاهرة عوضا عن دولت ~~خواجة وقد مات في أول الشهر • ~~وفي هذا الشهر أتلف الجراد بضواحي القاهرة كثيرا من المقات كالخيار ~~والبطيخ • والقثاء • والقرع • ووقع ms204 الطاعون في الغنم والدواب • ووجد ~~115ظ ~~في النيل سمك كثير طافيا قد مات من الطاعون • ~~ذكر خبر عساكر ابلسيين • ~~وفي حادي عشره رحل الأمر المجردون من ابلسيين • ومعهم نواب الشام وعساكرها ~~من غزة إلى الفرات • وجميع تركمان الطاعة • وتوجهوا في جمع كبير يريدون آق شهر حتى ~~نزلوا عليها وحاصروها • ~~وفي يوم السبت خامس عشره اشتد مرض السلطان وحجب عن الناس فلم يدخل ~~إليه أحد من الأمراء المباشرين عدة أيام سوى الأمير اينال شاد التراسخانة • والأمير ~~على باي • والأمير صفي الدين جوهر الخزندار • والأمير جوهر الزمام • فإذا صعد القاضي ~~زين الدين عبد الباسط • والمباشرون إلى القلعة • أعلمهم هؤلاء بحال السلطان • هذا ~~والأرجاف يقوى والأمراء والمماليك السلطانية في حركة • وقد صاروا فرقا مختلفة ~~الأمراء والناس في تخوف من وقوع الحرب • وقد ودعوا ما في دورهم • وأخفى كل من أهل ~~الدولة أولاده ونساءه خوفا من النهب • وأهل النواحي بالصعيد والوجه البحري ~~قد نجم النفاق فيهم • وخيفت السبل شاما ومصرا • وقد تناقصت عدة الأموات ~~بالقاهرة • ومصر من أهل هذا الشهر كما تقدم • وفي أخريات هذا الشهر هجم على المسجد ~~الحرام سيل عظيم ملا الحرم من غير تقدم مطر بمكة • ~~ذو الحجة الحرام أهل يوم الإثنين والفأس بديار مصر في قلة الخدم في عناء ~~وجهد • فإنه مات بالقاهرة ومصر وما بينهما من مدة شهر رمضان وشوال ~~وذي القعدة زيادة على مائة ألف إنسان معظمهم الأطفال • وأكثر الأطفال ~~البنات • ويلي الأطفال في كثرة من مات الرقيق • وأكثر من مات من الرقيق الإماء ~~بحيث كادت الدور أن تخلوا من الأطفال والإماء والعبيد • وكذلك جميع بلاد ~~الشام بأسرها • وأما السلطان فإنه حدث له مع سقوط شهوة الغذاء • مدة أشهر ~~116و ~~ومع انحطاط قواه ما ليخوليا فكثر هذيانه وتخليطه • ولولا أن الله تعالى أضعف قوته لما ~~كان يؤمن مع ذلك من إفساد شيء كثير بيده • إلا أنه في أكثر الأوقات غائب فإذا أفاق ~~هذي وخلط • وصار العسكر في الجملة قسمين قسم يقال عنهم أنهم قرانصة41 وهم ~~الظاهرية • والناصرية • والمؤيدية ms205 • وكلمتهم متفقة على طاعة الملك العزيز ~~وإن يكون الأمير الكبير جقمق العلاء نظام الملك كما قرره السلطان • وإنهم لا يصعدون ~~إلى القلعة خوفا على أنفسهم من المماليك الأشرفية • والقسم الآخر المماليك الأشرفية ~~سكان الطباق بالقلعة • ورأيهم أن يكون الملك العزيز مسيدا بالأمر وحده ~~وأعيائهم الأمير اينال شاد السراسخانة • والأمير بخشي باي أمير أخور ثاني • ~~والأمير علي باي خازندار • والأمير معل باي الجقمقي استادار الصحبة • والأمير ~~قرقماز قريب السلطان • وهذه الطائفة الأشرفية مختلفة بعضها على بعض ~~فلما اشتهر امر هذين الطائفتين • وفشت المقالة عنهما • قام عظيم الدولة القاضي ~~زين الدين عبد الباسط في لم هذا الشعث • وإطفاء هذه النائرة • ليصلح بين ~~الفريقين • ووافقه على ذلك الأمير اينال شادا السراسخانة • فاستدعى سكان الطباق ~~من المماليك إلى الجامع بالقلعة • وأرسل إلى القضاة • فلما تكامل الجمع بإزائهم ~~حتى اذعنوا إلى الحلف • فتولى تحليفهم القاضي شرف الدين الأشقر نائب كاتب السر ~~على الإقامة على طاعة الملك العزيز • والاتفاق مع الأمير الكبير جقمق • وأن لا يتعرض ~~أحد منهم لشر • ولا فتنة • ولا يتعرضوا لأحد من الأمراء المقيمين بديار مصر • ولا إلى ~~الأمراء المجردين • ولا إلى كفلاء ممالك الشام • في نفس • ولا مال • ولا رزق • فلما ~~حلف الأمير اينال • والأمير علي باي • والأمير تمرباي الدوادار • وعامة المماليك ~~حلف القاضي زين الدين عبد الباسط أنه يكون مع الفريقين • ولا يباطن طائفة ~~على أخرى ثم قام الجميع وقصد القاضي زين الدين دار الأمير الكبير جقمق ومعه ~~116ظ ~~عدة من أعيان الأشرفية حتى حلفه وحلف بعده من بقي بديار مصر من الأمراء • ثم نزل ~~بعد ذلك الأمير اينال • ثم الأمير علي باي إلى الأمير الكبير جقمق • قبل كل منهما يده ~~فابتهج بهما • وبالغ في إكرامهما • وسكنت تلك النائرة ولله الحمد • ~~ويوم الأربعاء عاشره وهو عيد النحر خرج الملك العزيز فصلى صلاة العيد ~~بجامع القلعة • وقد صعد إلى خدمته بالجامع الأمير الكبير جقمق • ومن عداه من ~~الأمراء • ثم مشوا في الخدمة بعد الصلاة حتى جلس على باب الستارة • وخلع على الأمير ms206 ~~الكبير • وعلى من جرت عادته بالخلع في يوم عيد النحر • ونزلوا إلى دورهم فقام ~~الملك العزيز ودخل وذبح • ونحر الضحايا بالحوش • هذا وقد توالت على السلطان ~~نوب الصرع مرارا • وتخلت قواه حتى صار كما قيل شعر • ~~• لم يبق إلا نفس خافت • ومقلة إنسانها باهت • ~~• يرثى له الشامت مما به • يا ويح من يرثى له الشامت • ~~حتى مات عصر يوم السبت ثالث عشره • ~~السلطان الملك العزيز جمال الدين الملك العزيز يوسف ~~• أبو المحاسن • ~~ابن الأشرف برسباي • أقيم في الملك بعد أبيه وذلك أن السلطان لما مات نادر ~~القاضي زين الدين عبد الباسط • والأمير اينال الشاد • والأمير علي باي • والأمير ~~تمرباي الدوادار • وقد اجتمعوا في القلعة • وبعثوا في الحال استدعوا الخليفة ~~مع القاضي شرف الدين الأشقر • وبعث القاضي زين الدين بعض غلمانه ~~في طلب القضاة • فأتوا جميعا ودخلوا • ودخل الأمير جوهر الزمام • فاخرج ~~بالملك العزيز إلى باب الستارة فاجلس هناك • وطلب الأمير الكبير جقمق ~~وبقية الأمراء • ونزل المماليك من الطباق فلما تكامل جمعهم • وحضر الوزير • ~~117و ~~وكاتب السر • وناظر الخاص • فوض الخليفة السلطنة للملك العزيز • وأفاض عليه الشريف ~~الخليفتي • وولده السيف • وقد بقي لغروب الشمس نحو ساعة • وعمر السلطان إذ ذاك ~~أربعة عشر سنة وسبعة أشهر فقام من باب الستارة وركب فرسه • ورفعت ~~القبة والطير على رأسه • وقد حملها الأمير الكبير وساروا الكل مشاة في ركابه حتى عبر ~~إلى القصر فجلس على تخت الملك وسرير السلطنة • وقبل الأمراء وغيرهم الأرض له ~~وقرا العهد بالسلطنة الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله كاتب السر فخلع ~~علي الخليفة • وعلى الأمير الكبير • وعلى كاتب السر • وخرجوا من القصر • وقد غسل ~~السلطان الملك الأشرف برسباي وكفن واخرج بلا جنازة من الدور إلى باب القلعة ~~فوضعت هناك وتقدم قاضي القضاة شهاب الدين أبوا الفضل أحمد بن حجر الشافعي ~~رضي الله عنه فصلى بالناس عليها قبيل الغروب وشيع الأمراء والأكابر والمماليك ~~الجنازة حتى دفن بالتربة التي انشأها خارج باب المحروق بالصحراء تحت القبة ~~وقد اجتمع من الناس ما ms207 لا يحصيهم إلا الله تعالى والناس في بيعهم وشرائهم مشغولون ~~بالقاهرة • مطمئنين في أمن ورعة • وسكون • على عادتهم • ونودي بالأمان ~~والاطمئنان • والبيع والشراء • وإن ترحموا على الملك الأشرف • والدعاء للملك ~~العزيز جمال الدين أبي المحاسن • وإن النفقة يوم الإثنين مائة دينار لكل ~~واحد من المماليك • فازداد الناس أمن وطمأنينة • ولم يكن شيء مما كان يتوقع ~~ويخاف منه من الشر ولله الحمد • ~~وفي يوم الأحد رابع عشره اجتمع أهل الدولة عند قبر السلطان ~~للصحة • وكان القراء قد باتوا عنده يتناوبون القراءة ليلتهم أجمع فختموا ~~القرآن العظيم ودعوا • ثم انفض الجمع وأقام القراء عند القبر سبعة أيام وفيه ~~عملته الخدمة السلطانية بالقصر وحضر الأمين الكبير وسائر أهل الدولة ~~117ظ ~~على العادة • فزاد السلطان الخليفة جزية الصابوني على ما بيده • وكتبت فيه البشائر ~~إلى البلاد الشامية • وسائر أعمال مصر • بسلطنة الملك العزيز • ~~وفي يوم الإثنين خامس عشره جلس السلطان بالحوض في القلعة وعنده ~~الأمراء والمباشرون • وابتدى في تفرقة النفقة على المماليك لكل واحد مائة دينار ~~وفيه توجه اينال الأحمدي المعروف بالفقيه بالعشارة إلى البلاد الشامية ~~وعلى يده مع الكتب للنواب كتب الأمراء المجردين وفي سادس عشره تكملت النفقة على من بقي ~~وفيه قدم مراد بك رسول الأمير حمزة بكري قرا يلوك صاحب ماردين ~~وامتد وصحبته شمس الدين القطماوي ومعهما هدية • وكتاب يتضمن دخوله في طاعة ~~السلطان • وإنه أقام الخطبة وضرب السكة في ماردين وما هو تحت ولايته ~~باسم السلطان الملك الأشرف • وجهز الدنانير والدراهم المضروبة بالسكة ~~السلطانية • وعلى يد شمس الدين القطماوي كتب الأمر المجردين بذلك وسبب ذلك ~~أن الأمراء لما قدموا حلب كاتبوا حمزة المذكور واستمالوه إلى طاعة السلطان ~~وإنه يقدم عليهم ليرى ما يسره فأجاب بالطاعة وأقام الخطبة وضرب السكة ~~وجهز هديته • وما ضربه من المال • ولم يقدم فرضوا بذلك منه • ولم يتفق وصول ~~ذلك إلى بعد موت السلطان فأكرم الرسل وأعيد الجواب مع تشويف وخلعة ~~للأمير حمزة المذكور • ~~وفيه خلع على الأمير طوخ مازي بنيابة غزة وكانت شاغرة فقد مات ms208 نائبها ~~ثم يوم السبت عشريه وقع بين حكم الخاصكي خال السلطان • وبين ~~الأمير اينال الشاد • مفاوضة آلت إلى شر • وسبب ذلك أن التحدث والكلام ~~في أمور المملكة صار من ثلاثة أنفس الأمير الكبير جقمق نظام الملك • والقاضي ~~زين الدين عبد الباسط • والأمير اينال المذكور • وأما السلطان فإنه ~~118و ~~صغير لا يتكلم بشيء • فأنكر حكم على اينال أمره ونهيه • فيما يتعلق بأمور الدولة • وكونه أقام ~~بالقلعة • وصار يبيت بها • فغضب منه اينال ونزل إلى داره • وكان هذا ابتداء وقوع ~~الخلف الذي آل إلى ما سيأتي ذكره • ~~وفيه تجمع كثير من المماليك تحت القلعة • وأرادوا أن يفتكوا بالقاضي زين ~~الدين عبد الباسط فلما نزل من القلعة أحاطوا به • وجرت منهم مقاولات بينهم وبينه ~~أغلظوا فيها عليه • ولم يقدروا على غير ذلك • فلم يصل إليه منهم مكروه • وخلص منهم ~~إلى بيته • ~~وفي هذا الشهر الذي قبله فشات بالإسكندرية • ودمياط • وفوه • ~~ودمنهور • وما حول تلك الأعمال فمات بها عالم كبير • وتجاوزت عدة من يموت ~~بإسكندرية كل يوم مائة إنسان • ~~في يوم السبت سابع عشرية ابتداء بالنداء على النيل فزاد خمسة أصابع • وجاءت ~~القاعدة خمس أذرع • وثلاثا وعشرين إصبعا • واستمرت الزيادة كل يوم ~~ولله الحمد • ~~وفيه أنعم بإقطاع السلطان على الأمير نظام الملك جقمق بعد ما سئل ~~السلطان في ذلك فأبى ثم غلب عليه حتى أخرجه له • وأنعم بإقطاع الأمير ~~جقمق على الأمير تمراز القرمشي رأس نوبة أحد المجردين • وأنعم بإقطاع ~~الأمير تمراز على الأمير تمرا باي الدوادار • وانعم بإقطاع الأمير تمر باي على ~~الأمير علي باي • وانعم بإقطاع طوخ بازي نائب غزة على بخشي باي أمير أخور ~~ثاني • وأنعم بإقطاع الأمير بخشي باي علي يولخجا الساقي رأس نوبة • وأنعم ~~بإقطاع يول خواجة وإمرته وهي امرة عشره علي قاني باي الجركسي • وخلع ~~على الأمير اينال واستقر دوادار عوضا عن الأمير تمر باي • ~~118ظ ~~ويوم الأحد ثامن عشريه خلع على علي باي واستقر شاد الشراسخانة عوضا ~~عن الأمير اينال الوادار • ~~وفي يوم الإثنين تاسع عشريه خلع ms209 على سيف الدين تمر داش أحد المماليك ~~الأشرفية واستقر في ولاية القاهرة عوضا عن بكري بردي التاجر • ~~• ذكر ما أولاه المماليك • ~~وفيه تجمع كثير من المماليك تحت القلعة وأحاطوا بالأمير الكبير نظام ~~الملك جقمق عند نزوله من القلعة من الخدمة السلطانية إلى جهة بيته ليوقعوا ~~به فتخلص منهم من غير سوء هذا والقاضي زين الدين عبد الباسط في عناء شديد ~~من جهة المماليك • ~~ذكر أخبار العسكر المجردون إلى صوب أزريكان ~~وقدم الخبر بان العسكر المجرد لما قصد مدينة اقشهر تلقاهم السلطان أحمد ~~ابن قلج أرسلان صاحب تلي حصار وقد رغب في الطاعة السلطانية وسار معهم ~~حتى نزلوا مدينة اقشهر في أول ذي الحجة فهرب متملكها حسن الايناقي في ~~ليلة الثلاثاء ثانيه إلى قلعة برداش فملك العسكر المدينة وقلعتها وقبضوا ~~على عدة من أعيانها • وبعثوا سلطان أحمد بن قلج أرسلان مع عسكر فملك ~~قلعتي فارس وتمشلي فأقروه على نيابة السلطنة وصاروا لمحاصرة حسن بقلعة ~~برداش ففر منها إلى قلعة برطلش فنزل بها الأمير قرقماس أمير سلاح وحاصرها ~~وأخذها في ثامن عشره بعد محاصرتها بضعة عشر يوما ثم هدمها حتى سوى بها ~~الأرض وقد فر منها حسن الأنباقي ثم سار الأمير قرقماز بمن معه من بقية العساكر ~~يريدون ازريكان فقدم عليهم أمير زاده بن يعقوب بن قرا يلوك رسولا من ~~أبيه يعقوب صاحب ازريكان وكاخ وقد خرج من ازريكان ونزل كاخ وقدم ~~119و ~~مع ام زاده زوجة أبيه • وعدة من القضاة وأعيان ازريكان • يسألون العفو عن ~~الأمير يعقوب • وإعفائه من قدومه إليهم • وأن يجهز لنيابة السلطنة بازريكان ~~الأمير جهانكير • بن ناصر الدين • علي بيك • بن قرا يلوك • فأجيبوا إلى ذلك كله • وخلع ~~على الأمر أمير زادة ودفع إليه خلعة لأبيه الأمير يعقوب • وفرس بقماش ذهب ~~وأعيد وصحبته الأمير جهانكير • وقد خلع عليه بنيابة ارزيكان • وساروا وقد ~~جهز إلى ارزيكان بالأمير سودون النوروزي دوادار السلطان بحلب ومعه ~~نائب دوركي • ونائب بهنسا فتسلموا ارزيكان بلا مانع وأقاموا بها • ثم توجه ~~القاضي معين الدين عبد ms210 اللطيف بن القاضي شرف الدين ابي بكر بن الأشقر كاتب ~~السر بحلب فحلف أهل ارزيكان بالإقامة على طاعة السلطان • ثم سارت العساكر ~~من أقشهر في ثاني عشره فنزلت على ارزيكان وعسكروا هناك فخرج إليهم ~~أهلها وباعوا واشتروا عليهم ما أرادوا منهم • وفتحت أبواب المدينة والعساكر • ~~يدخلون ويخرجون للمعاملة من غير ضرر ولا نهب واستمروا على ذلك إلى آخر الشهر ~~• ذكر بعض أخبار المغرب • ~~وقدم الخبر بان الملك البرتقال صاحب مدينة شلب من الأندلس سار ~~يريد مدينة طبخة فنزل على سبتة في المحرم ومضى فيها وهي بيده في البر والبحر ~~ومعه فيما يقال ثمانية عشر ألف رام وستة آلاف فارس حتى نزل على طبخة فحاصرها ~~مدة شهر إلى أن اتته جموع المسلمين من فاس • ومكناسه • وأصيلا • في شهر ربيع ~~الآخر فكانت بينهم وبين البرتقال من النصارى حروب عظيمة نصر الله تعالى فيها ~~جيوش المسلمين وقتل فيها نحو من الثلاثين من النصارى والتجأ باقيهم إلى محلتهم ~~فضايقهم المسلمون فطلبوا الأمان على أن يسلموا المسلمين مدينة مسبته ويفرجوا ~~عن سبعمائة أسير • ويدفعوا ما بأيديهم من آلات الحرب للمسلمين فآمنوهم وبعثوا ~~119ظ ~~رهائن على ذلك فصار المسلمون يأخذون النصارى ويوصلونهم إلى اسطولهم بالبحر ~~فحسد أحمد اللحياني القائم بتدبير مكناسه الأزرق • وهو أبو زكريا يحيى بن زيان ~~ابن عمر الوطاسيعي • القائم بتدبير مدينة فاس • وقتل عدة من النصارى ورحل ~~فحنق النصارى من ذلك وحطموا على المسلمين حطمة قتل فيها جماعة وخلصوا إلى • ~~اسطولهم • وبقي بن ملكهم في يد المسلمين • فلما وصلوا إلى بلادهم لم يرض أكابرهم ~~بتسليم سبته للمسلمين • وبعثوا فداء بن الملك بمال • فلم يقع بينهم وبين المسلمين اتفاق ~~فقبض المسلمون على الرسول وحبسوه مع بن ملك النصارى المرتهن عند صالح ~~ابن حمو بطبخة • فيقول المكثر أن الذي قتل من النصارى في هذه الوقعة خمسة ~~وعشرون ألفا وغنم المسلمون منهم أموالا كثيرة ولله الحمد • ~~• ذكر من مات بالطاعون • ~~مات بالطاعون في هذه السنة خلق كثير لا يعلمهم إلا الله تعالى في بلاد الشام ~~ومصر ms211 وحلب • وما بين ذلك • ومن أهل الأرض طرأ • وكان قد وصل الطاعون ~~إلى هذه البلاد • من بلاد الشرق • والحطا • وما وراء النهر إلى الدست • وإلى بروسا ~~وسائر بلاد الروم • ثم وصل إلى الشام • ووصل إليها من حلب • ثم تنقل إلى مصر ~~والقاهرة • ثم إلى اسكندرية • والصعيد • وما سوى ذلك من البلاد • فممن ~~له شهرة بالقاهرة سعد الدين بن كريم الدين عبد الكريم بن سعد الدين بركة ~~المعروف بابن كاتب حكم ناظر الخاص بن ناظر الخاص يوم الخميس سابع عشر شهر ~~ربيع الأول منها عن نحو ثلاثين سنة • وكان من المترفين المنهمكين في اللذات ~~المنغمسين في الشهوات • وصلى عليه السلطان الملك الأشرف ودفن بالقرافة ~~وفي يوم الخميس ثامن عشر بل تاسع عشر الحجة الحرام فيه توفى أخوة المقر الجمالي ~~ناظر الجيوش المنصورة والخواص الشريفة وما مع ذلك • وكان رحمه الله في زمانه ~~120و ~~عظيم الدولة بل عزيز مصر • ~~ومات تمراز المؤيدي خنقا بالإسكندرية ثالث عشرين ربيع الآخر رباه المؤيد ~~صغيرا إلى أن تغير عليه ونفاه إلى طرابلس فتنقل بعد موته ثم تنقلت به الأحوال ~~حتى صار نائب صفد على زمان الأشرف ثم عزل عنا السوء سيرة وأعطى ~~أمريه في دمشق • وكانت المزة في إقطاعه وكان الشيخ علي الدين ~~البخاري رضي الله عنه ساكنا بها فكان تمراز يتعدى عليهم وكانوا يتجاهون عليه ~~بالشيخ وربما تشفعوا إليه بالشيخ • ~~الحوادث في السنة الأولى من سلطنته وهي سنة 823 • ~~فيها توفي الأمير صفي الدين جوهر الجلباني الحبشي الزمام المعروف باللألاء ~~في يوم الأربعاء ثالث عشرين جمادي الأول وعمره نحو ستين سنة تخمينا • وكان ~~من رؤوس الخدام حشمة وعقلا • وزينا وكرما • وهو صاحب المدرسة • والدار بالمصنع ~~بالقرب من قلعة الجبل • ~~وفيها توفي قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان ~~البساطي • المالكي قاضي قضاة الديار المصرية • وعالمها في ليلة الجمعة ثالث عشر ~~رمضان • ومولده في المحرم سنة ستين وسبعمائة • ومات وقد انتهت إليه ~~الرئاسة في المعقول والمنقول • وبرع في ذلك وافي ودرس ms212 • وولي نيابة الحكم ~~عن بن عمه جمال الدين البساطي • ثم استقل بوظيفة الفضل نحو عشرين ~~سنة إلى أن مات • ~~وفيها قتل الأمير قرقماس الشعباني الأتابكي بثغر الإسكندرية قيل ~~أنه هو الذي أحدث جلوس النقباء على باب الداوادار الثاني حين وليها في أوائل ~~الدولة الأشرفية وحكم بين الناس ولم يكن ذلك بعادة أن الدوادار الثاني ~~120ظ ~~يحكم بين الناس وولي الدودار الثانية بعد موت الأمير جانبك الأشرفي • ~~وفيها توفي الشريف أحمد بن عجلان المكي الحسني بن بيد لما فارق أخاه ~~الشريف بركات • ~~وفيها توفي صاحب بلاد اليمن الملك الظاهر عبد الله بن الأشرف إسماعيل ~~ابن علي • بن داود • بن يوسف • بن عمر • بن علي • بن رسول التركماني الأصل اليمني ~~في سلخ رجب • وكانت مدة ملكه اثني عشر سنة وأقيم بعده في ملك اليمن ~~الأشرف إسماعيل • وله من العمر نحو العشرين سنة فأتتنا السيرة وسفك ~~الدماء وقتل الأمير برقوق التركي القائم بدولتهم في عدة أخر من الأتراك ~~أمر النيل القديم خمسة أذرع وثلاثة وعشرون اصبعا مبلغ الزيادة مسبقة ~~عشر ذراعا وعشرون إصبعا • ~~• الحوادث في سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة • ~~وفيها توفي الأتابك اقبغا التمرازي نائب الشام بها فجأة وهو على ~~ظهر فرسه في يوم السبت سادس عشر ربيع الآخر • ~~وفيها توفي قاضي قضاة حلب علاء الدين علي بن محمد • بن مسعد • بن ~~محمد • بن علي • بن عثمان الحلبي الشافعي • قاضي حلب • وعالمها • ومؤرخها • ~~المعروف بابن خطيب الناصرية في ليلة الثلاثاء تاسع ذي القعدة بحلب ~~ومولده سنة أربع وسبعين وسبعمائة • وكان إماما عالما بارعا في ~~الفقه والأصول والعربية • والحديث • والتفسير • وافتى • ودرس بحلب ~~سنين • وولي قضاها وقدم القاهرة غير مرة • وله مصنفات ~~فمنها كتابه المسمى بالمنتخب • في تاريخ حلب • ذيله على التاريخ بن العديم ~~وكان به صمم خفيف • ~~121و ~~• الحوادث في سنة أربع وأربعين وثمانمائة • ~~فيها توفي الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير صارم الدين إبراهيم بن الأمير الوزير ~~منجك اليوسفي بدمشق في خامس عشر ربيع الأول وهو في عشر السبعين • ~~وفيها توفي شيخ ms213 الإسلام • وقاضي القضاة • محب الدين أبو الفضل أحمد ~~ابن الشيخ جلال الدين نصر الله بن أحمد • بن محمد • بن عمر الششتري الأصل • ~~البغدادي • الحنبلي • قاضي قضاة الديار المصرية • وعالم السادة الحنابلة في ~~زمانه • وكانت وفاته في خامس جمادي الأولى بالقاهرة وهو قاض وولي ~~بعده القضاة بدر الدين محمد بن عبد المنعم البغدادي • ~~وفيها توفي الأمير علاء الدين الطن بغا المرقبي المؤيدي أحد أمراء الألوف ~~بالديار المصرية في عاشر رجب • وكان من كبار مماليك المؤيد شيخ من ~~أيام جنديته • ~~وفيها توفي القاضي شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن رسلان البلقيني الشافعي ~~المعروف بالعجمي قاضي المحلة في رابع عشر جمادي الأول وكان من افاضل ~~قضاة الشافعية • ~~وفيها توفي الأمير صفي الدين جوهر الزمام • والخازندار المعروف ~~بالقنقباي في ليلة أول شعبان • ودفن بمدرسته التي انشأها بجوار ~~جامع الأزهر قبل أن تتم وله من العمر سبعون سنة واستمر على وظيفتي الزمامية ~~والخازنداريه إلى أن مات من غير نكبة ولم يخلف مالا له جرم بالنسبة لمقامه ~~فعظم ذلك على الملك الظاهر فإن السلطان كان في عزمه أن يأخذ ماله بوجه ~~من الوجوه وفطن جوهر لذلك وأدركته منيته ومات من غير أن يعلم أحدا ~~بماله وكان جوهر المذكور عفيفا • دينا • عاقلا • مدبرا • سيوسا • ~~121ظ ~~فاضلا يقرأ القرآن الكريم بالسبع وله صدقات ومعروف وكان من عقلاء ~~الخدام رحمه الله • ~~وفيها توفي شرف الدين أبو بكر بن سليمان الأشقر المعروف بابن العجمي ~~الحلبي الأصل • والمولد • والمنشأ • المصري الدار • والوفاة • نائب كاتب السر • ~~الشريف بالديار المصرية • تاسع رمضان • وهو في عشر الثمانين وكان رجلا ~~عاقلا • سيوسا • عارفا • بصناعة الإنشاء • قام بأعباء ديوان الإنشاء عدة ~~سنين • وخدم عدة ملوك • وكان مقربا من خواطرهم محببا إليهم • ~~وفيها توفي الشيخ العالم نور الدين علي بن عمر بن حسن • بن حسين • بن علي • ~~ابن صالح الجرواني الأصل • ثم التلواني الفقيه الشافعي العالم المشهور في ثالث ~~عشرين ذي القعدة • وكان والده من بلاد المغرب • وسكن جروان وهي قريبة ~~من أعمال المنوفية • فولد له ms214 بها ابنه نور الدين هذا بعد سنة ستين وسبعمائة ~~فنشأ بها ثم انتقل إلى تلوانة فعرف بالتلواني • ولما قدم القاهرة وطلب العلم ~~ولازم شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني • وأجازه بالفتوى والتدريس وتصدى ~~للإقراء والتدريس • وانتفع به جماعة من الطلبة • وولي عدة وظائف دينية ~~وتداريس عديدة • منها مشيخة الركنية • ثم تدريس قبة الشافعي رضي ~~الله عنه بالقرافة • وكان دينا • خيرا • جهوري الصوت • وفيه كرم وأفضال ~~وهمة عالية • أمر النيل القديم ستة أذرع • وأربعة أصابع • مبلغ الزيادة ~~عشرون ذراعا واحد وعشرون إصبعا • ~~الحوادث في سنة خمس وأربعين وثمانمائة ~~فيها توفي الخليفة المعتضد بالله أبو الفتح دواد بن الخليفة المتوكل ~~على الله أبي عبد الله محمد بن المعتضد بالله • أبي بكر بن الخليفة المستكفي بالله • ~~122و ~~أبي الربيع سليمان الهاشمي العباسي المصري في يوم الأحد رابع عشر شهر ربيع الأول ~~بعد مرض تمادى به أياما • وحضر السلطان الصلاة عليه بالمومني • ودفن ~~بالمشهد النفيسي • وكانت خلافته تسعة وعشرون سنة وأياما • وتولى ~~الخلافة بعده أخوه شقيقه المستكفي بالله سليمان بعهد منه إليه وكان ~~المعتضد خليقا للخلافة سيد نبي العباس في زمانه • وكان كريما عاقلا • حليما ~~متواضعا • دينا • خيرا • حلو المحاضرة • كثير الصدقات • والبر • وكان ~~يحب مجالسة العلماء والفضلاء • وله مشاركة مع فهم وفطنة • ~~وفيها توفى الشيخ الأديب المعروف بابن الدين في مستهل ربيع الأول ~~بالوجه البحري قيل إنه مدح النبي صلى الله عليه وسلم مما ينيف على عشرة آلاف ~~قصيد • ~~وفيها توفى الشيخ الإمام العالم المحدث • عمدة المؤرخين • ورأس المحدثين • ~~تقي الدين أحمد بن علي • بن عبد القادر • بن محمد • بن إبراهيم • بن محمد بن عبد الصمد • ~~البعلبكي الأصل • المصري المولد • والوفاة المقريزي الحنفي • ثم الشافعي • ~~قيل إن نسبه متصل بالخلفاء الفاطميين • وكانت وفاته في يوم ~~الخميس سادس عشر شهر رمضان • ودفن في يوم الجمعة بمقابر الصوفية ~~خارج باب النصر • قيل إن قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني • ذكر وفاته ~~في يوم الجمعة التاسع والعشرين من شعبان وهو وهم • وكان مولده ~~بالقاهرة • وبها نشأ • وتفقه ms215 على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه ~~وهو مذهب جده لأمه الشيخ شمس الدين بن الصائغ • الحنفي ثم تحول شافعيا ~~بعد مدة لأمر اقتضى ذلك • وكان إماما • بارعا • مفننا • ضابطا • يميل إلى ~~الحديث • والعمل به • حتى نسب إلى مذهب الظاهرية • وكان فيه تعصب ~~122ظ ~~على السادة الحنفية • عرف ذلك من مصنفاته • وليس في التعصب فائدة • ~~وفيها توفي قاضي اسكندرية قاضي جمال الدين عبد الله بن الدماميني ~~المالكي السكندري بها في رابع ذي القعدة • وكان مشهورا بالسماحة • إلا ~~أن بضاعته في العلوم كاسدة • امر النيل القديم عشرة أذرع ونصف • مبلغ ~~الزيادة عشرون ذراعا • وخمسة عشر إصبعا • وكان الوفاء سادس ~~عشرين أبيب • ~~الحوادث في سنة ست وأربعين وثمانمائة • ~~وفيها توفي الشيخ عباده ولقبه نور الدين بن علي بن صالح • بن عبد المنعم ~~ابن سراج • بن نجم بن فضل الزرزاي الفقيه المالكي • شيخ السادة المالكية • ~~وكانت وفاته في يوم الجمعة سابع شوال • وصلى عليه الشيخ مدين بجامع ~~الأزهر وكان صاحبه ولم يخلف مثله علما ودينا • وكان مولده في جمادي الأول ~~سنة ثمان وسبعين وسبعمائة ببلدة زرزا • وطلب العلم • وسمع الحديث • واشتغل ~~على علماء مصر • حتى برع في الفقه والأصليين • والعربية • وأفتى • ودرس • ~~واشتغل سنين كثيرة • وانتفع به الطلبة • وسئل بالقضاء بعد موت ~~العلامة شمس الدين البساطي فامتنع فألح عليه السلطان بالولاية • والأمة ~~بها غصبا • فلما رأى تصمم السلطان على ولايته • وإنه لا يستطيع دفعه قال ~~حتى أستخير الله وفر من يومه من القاهرة واختفى ببعض الأماكن إلى أن ~~ولي السلطان القاضي بدر الدين بن التنسي فلما بلغه ذلك حضر إلى القاهرة بعد ~~أيام كثيرة وهذا شيء لم يقع لغيره في عصرنا هذا فإننا لا نعلم من سئل بالقضاء وامتنع ~~امتناعا حقيقيا غيره • والذي يدل على ذلك اختفائه • وأما المتمنع صورة ~~فقد يقع ليقال ثم إذا ألح عليه يقبل مع شروط يشرطها على السلطان مع علمه ~~123و ~~أنها لا تتم له وقد شاهدنا ذلك في زماننا واستمر الشيخ عباده بعد ذلك سنين ms216 إلى أن ~~توفى في التاريخ المذكور رحمه الله تعالى • ~~وفيها توفى قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز • بن العز • البغدادي • الحنبلي ~~قاضي قضاة الحنابلة بالديار المصرية ثم بدمشق • وفيها مات في أخر هذه السنة ~~وولى قضاء السادة الحنابلة بعده بدمشق بن مفلح • وكان القاضي عز الدين ~~فقيها • دينا • متقشفا • عديم التكلف في ملبسه • ومركبه • مع دهاء ومعرفة ~~تامة • ولما ولي قضاء الديار المصرية صار يمشي في الأسواق لحاجته • ويردف ~~عبده على بغلته • وأشياء من هذا النسق • وكان جميع ولايته رضي الله عنه ~~من غير سعي • ~~وفيها توفى الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله بن حسن بن محمد الأركوي ~~الأصل ثم الفوي • كاتب سر الديار المصرية • وناظر جيشها • وخاصها • والوزير ~~بها • ثم استادار • ثم محتسبا • في يوم الثلاثاء سلخ ربيع الأول • ودفن ~~بتربته بالصحراء بعد أن كبر سنة • واختلط عقله • وكان مولده بفوة ~~من المزاحميتين في ليلة الثلاثاء ثالث عشر ربيع الأول سنة ست وسبعين ~~وسبعمائة • وبها نشأ وباشر في عدة جهات • ثم انتقل إلى القاهرة • ولا زال ~~يترقي حتى ولي الوظائف المذكورة ثم صودر ونكب غير مرة وكان أكولا • ~~وفيها توفى الأمير سيف الدين تغري بردي البكلمشي المؤدي الدوادار الكبير ~~في حادي عشر جمادي الأخرة بعد مرض طويل وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة ~~المومني ودفن بتربة طيبغا الطويل الناصري حسن • وطيبغا الطويل ~~هو أستاذ بكلمش • وبكلمش أستاذ تغري بردي • هذا وقد تقدم أنه ولي الدوادارية ~~الكبرى بعد عزل الأمير أركماس الظاهري ومن يوم ولي هذه الوظيفة عظم ~~123ظ ~~ونالته السعادة • وعمر مدرسته التي بالشارع الأعظم بصليبة جامع أحمد بن طولون ~~وكان يتفقه ويكتب الخط بحسب الحال • ويعف عن المنكرات والفروج وعنده ~~شجاعة وإقدام • وبخل • وفحش • في لفظه • وجبروت • وسوء الخلق • وحدة مزاج • ~~إلا أنه كان مشكور السيرة في أحكامه • وينصف المظلوم من الظالم • ولم يسمع ~~رسالة مرسل كائن من كان فعد ذلك من محاسنه • وكان رومي الجنس وهو ~~يدعى أنه تركي الجنس • ~~وفيها توفي الأمير ناصر الدين محمد بك ms217 بن دلغادر صاحب بلستين ~~بابلستين • وهو حمو الملك الظاهر جقمق في أوائل جمادي الأخرى • وقيل قتل ~~على فراشه والأول أصح وكان كثير الشر والعصيان على الملوك • أمر النيل ~~القديم ثمانية أذرع • وخمسة أصابع • ومبلغ الزيادة عشرون ذراعا وإحدى ~~وعشرون إصبعا • ~~الحوادث في سنة سبع وأربعين وثمانمائة ~~فيها توفي الشيخ الإمام العالم الرباني الصوفي شمس الدين محمد بن الشيخ بدر ~~الدين حسن الحنفي بزاويته خارج القاهرة بالقرب من سوق السباعين ~~بحكر طقزمر الناصري في أوائل ربيع الأول وهو حدود الثمانين • ودفن ~~بالزاوية المذكورة وكان دينا • خيرا • فقيها • عالما • مسلكا • كان يعط الناس ~~وكان لوعظه أنس • ورونق • ولكلامه وقع في القلوب • وأفنى عمره في العبادة • ~~وطلب العلم وإطعام الطعام • وبرأ الفقراء • والقادمين عليه • وكان محظوظا ~~من الملوك ولهم فيه اعتقاد • ومحبة زائدة • وتردد إليه الملك الظاهر ططر ~~إليه ونالته منه السعادة في أيام سلطنته • ~~وفيها توفي الشيخ الإمام العالم العلامة زين الدين أبي بكر بن إسحاق • بن ~~124و ~~خالد الكختاوي الحنفي المعروف بالشيخ باكير شيخ الشيوخ بخانقاه شيخون في ثالث ~~عشر جمادي الأولى • وحضر السلطان جقمق الصلاة عليه بمصلاة المومني • ثم ~~أعيد إلى الشيخونية فدفن بها • واستقر عوضه في المشيخة الشيخ العلامة جمال الدين بن الهمام ~~وكان الشيخ باكير عالما مفيد الطلبة غير بحاث مع أقرانه من العلماء لثقل كان في ~~لسانه • وكان مليح الشكل • منور الشيبة ظاهر اللون • وقورا • معظما • عند ~~الخاص والعام • وكان مولده بمدينة كختا في حدود السبعين والسبعمائة ~~وفيها توفي غرس الدين خليل السخاوي • ناظر الحرمين • القدس • والخليل • ~~في العشر الأول من جمادي الأول وقد تقدم شيء من ترجمته عند توليته الحرمين ~~الشريفين • ~~وفيها توفى المقام الناصري محمد بن السلطان الملك الظاهر جقمق في ليلة ~~السبت ثاني عشرين ذي الحجة بقلعة الجبل بعد مرض طويل • وصلي عليه من الغد ~~بمصلاة باب القلعة وحضر والده السلطان جقمق الصلاة عليه • ودفن بتربة ~~عمه جركس القاسمي المصارع • ومات وهو في حدود الثلاثين تخمينا وأمه خوند ~~قراجا بنت الأمير أرعون شاه أمير ms218 مجلس الظاهر برقوق • وكان رحمه الله ~~فقيها شاعرا • أدوبا • حليفا للإمارة • حسنة من حسنات الدهر • لم ير مثله ~~في أولاد الأمراء ولا أولاد الملوك رحمه الله • أمر النيل القديم ستة أذرع ~~وعشرون إصبعا • مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون ~~إصبعا • ~~الحوادث في سنة ثمان وأربعين وثمانمائة ~~فيها كان الطاعون بالديار المصرية • وكان مبدأه في ذي الحجة سنة ~~سبعة وأربعين وثمانمائة • وكان معظمه في المحرم وصفر ثم تناقص في أواخر ~~124ظ ~~صفر ومات فيه خلق لا تعد • ~~وفيها توفي الشيخ الواعظ شمس الدين الحموي خطيب الجامع الأشرفي بالعنبريين ~~في ثالث ذي القعدة عن نيف وسبعين سنة تخمينا وكان يعظ الناس ويعمل ~~المواعيد وكان له قبول من العامة والنساء • وكان نصيحا في خطبته • ~~وفيها مات الطواشي فيروز الرومي الساقي الزمام بطالا في القاهرة ~~في رابع عشر شعبان • ودفن بمدرسته التي أنشأها بالقرب من داره عند ~~سوق القرب بالوزيرية • ~~وفيها توفي الأمير حمزة بن قرايلك • واسم قرايلك عثمان بن طردغلي صاحب ماردين ~~من دياربكر في أوائل شهر رجب • أمر النيل القديم ستة أذرع وخمسة عشر إصبعا ~~مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا • ~~الحوادث في سنة تسع وأربعين وثمانمائة ~~فيها توفي قاضي القضاة شمس الدين محمد بن إسماعيل بن محمد الواني الشافعي ~~الفقيه العالم معزولا عن قضاء دمشق في يوم الثلاثاء سابع عشر صفر بالقاهرة ~~ودفن من الغد بالقرافة بعد أن صلى عليه قاضي القضاة شمس الدين القاياتي ~~الشافعي وكان فقيها عالما عفيفا • ~~وفيها توفي الأمير الكبير يشبك السودوني أتابك العساكر بالديار المصرية ~~المعروف بالمشد في يوم الخميس ثالث شعبان وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة ~~المومني وتولى الأتابكية بعده الأمير اينال العلاي الناصري نقل من الدودارية ~~الكبرى إلى الأتابكية دفعة واحدة • ثم منها ولي السلطنة على ما يأتي ~~بيان ذلك • أمر النيل القديم خمسة أذ رع وخمسة عشر إصبعا • مبلغ الزيادة ~~تسعة عشر ذراعا وتسعة أصابع • ~~125و ~~الحوادث في سنة خمسين وثمانمائة • ~~فيها توفي قاضي القضاة شمس الدين محمد بن علي ms219 بن محمد بن يعقوب القاياتي ~~الشافعي في العشر الأخير من المحرم وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المومني ~~ودفن بتربة الصوفية بالصحراء خارج باب النصر وقد تقدم شيئا من ترجمته عند ~~ولايته • ~~وفيها توفي القاضي بهاي42 الدين محمد بن قاضي القضاة نجم الدين عمر بن جحي ~~الدمشقي المولد والمنشأ الشافعي ناظر جيش دمشق بخط بولاق بمنظرة على النيل ~~في ثالث عشرين صفر وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المومني • ودفن ~~بالقرافة الصغرى تجاه شباك الإمام الشافعي رضي الله عنه وهو في حدود الأربعين ~~من العمر تخمينا • وكان شابا طوالا حميما جميلا • طويل اللحية جدا • كريما مفرطا في الكرم ~~ومات وعليه جمل من الديون فقضى دينه من موجوده • ~~الحوادث في سنة إحدى وخمسين وثمانمائة ~~فيها في أول المحرم ولي قاضي القضاة علم الدين صالح بن البلقيني الشافعي ~~قضاء الديار المصرية عوضا عن الشيخ شهاب الدين بن حجر رضي الله عنه بحكم عزله ~~وفيها استقر أبو النحاس النحاس في وكالة بيت المال عوضا عن ولي ~~الدين السقطي وقد تقدم ذكر توصل ابوا الخير المذكور على السلطان وسبب ترقيه ~~وفيها أنعم السلطان على الأمير خشقدم الناصري المؤيدي بإقطاع حائر بك الأجرود ~~وفيها في يوم الخميس قدم الشريف بركات بن الشريف حسن بن عجلان امير ~~مكة المشرفة وكان الواسطة في دخوله في الطاعة وقدومه إلى السلطان القاضي ~~شرف الدين موسى التتاي الأنصاري ونزل الملك الظاهر إلى لقائه بمطعم الطير ~~بالريدانية وبالغ السلطان في إكرامه وقام ومشى إليه خطوات وأجلسه بجانبه ~~125ظ ~~ثم أخلع عليه وأحضر له فرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش وركب مع السلطان إلى أن ~~ركب قرب من القلعة أذنه أن يتوجه إلى مكان أنزله به • ~~وفيها ظهر الطاعون بالديار المصرية ودام أشهرا • ~~الحوادث في سنة اثنين وخمسين وثمانمائة ~~فيها تزايد الطاعون ومات جماعة كبيرة من أعيان الدولة وأمرائها • ~~وفيها أخلع السلطان على الأمير جرباش الكريمي باستقراره أمير سلاح عوضا ~~عن تمراز القومشي بحكم وفاته • ~~وفيها خامس ربيع الأول استقر الأمير اشنبغا الطياري رأس نوبة ms220 ~~النوب عوضا عن الأمير تمر باي التمر بغاوي بحكم وفاته • ~~وفيها في سادس ربيع الأخر رسم بنفي يرعلي المحتسب العجمي ثم شفع فيه ~~وفيها أخلع السلطان علي مملوكه إزبك من ططح باستقراره من جملة رؤوس ~~النوب • ~~وفيها سافر الأمير قانم التاجر رسولا إلى بن عثمان متملك بلاد الروم ~~وفيها في ثاني عشر رجب استقر شيخ الإسلام شرف الدين يحي المناوي ~~رضي الله عنه في قضاء الديار المصرية عوضا عن علم الدين صالح بن البلقيني بحكم عزله ~~وفيها رسم السلطان للأمير زين الدين الاستادار في التكلم في الحسبة من ~~غير أن يلبس لها خلعة وفي سابع رمضان اختفى السقطي فلم يعلم له مكان • ~~وفيها حج بالناس أمير المحمل الأمير فيروز الزمام • ~~وفيها استقر الأمير جانبك اليشبكي محتسب القاهرة مضافا لما بيده ~~من الولاية وشد الدواوين والحجوبية • ~~الحوادث في سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة • ~~126و ~~فيها توفى السيد الشريف سراج الدين عبد اللطيف الفاسي الأصل المكي المولد ~~والمنشأ • الحنبلي قاضي قضاة الحنابلة بمكة ومات بها في أواخر هذه السنة وكان ~~سيدا كريما متواضعا • رحل إلى بلاد الشرق غير مرة • وأقبل عليه شاه رخ بن تيمور ~~لنك • وابنه صاحب سمرقند • وعاد إلى مكة بأموال كثيرة أتلفها في مدة يسيرة ~~لكرم كان فيه وهو أول حنبلي ولي قضاء مكة استقلالا • ~~وفيها توفي قاضي القضاة أمين الدين أبو اليمن محمد النويري الشافعي قاضي ~~قضاة مكة وخطيبها في ذي القعدة عن نحو ستين سنة وهو قاض وكان فاضلا ~~دينا خيرا فصيحا مفوها • كثير الصوم والعبادة • مشكور السيرة في أحكامه ~~فردا في معناه • أمر النيل القديم سبعة أذرع وخمسة عشر إصبعا مبلغ الزيادة ~~ثمانية عشر ذراعا وثلاثة أصابع • ~~الحوادث في سنة أربع وخمسين وثمانمائة ~~فيها كان الشراقي العظيم بأرض مصر والغلاء المفرض المتداول إلى سنة سبع ~~وخمسين وثمانمائة وبلغ سعر القمح الأروب نحو ألفي درهم والحمل التبن سبعمائة درهم ~~وفيها توفي الشيخ المعمر شمس الدين محمد بن الخطيب عبد الله الرشيدي الشافعي ~~خطيب جامع الأمير حسين خارج القاهرة ms221 بحكر النوبي في يوم الجمعة حادي ~~عشر شهر رجب سنة تسع وستين وسبعمائة وكانت له مسموعات ~~كثيرة وحدث سنين وتفرد بأشياء وكان شيخا منور الشيبة فصيحا مفوها ~~خطيبا بليغا • ~~وفيها توفي الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد الله بن ~~إبراهيم الدمشقي الحنفي المعروف بابن عرب شاه غريبا عن أهله وأوطانه بخانقاة ~~سعيد السعداء في خامس عشر رجب ورحل إلى بلاد الروم في واقعة تمرلنك ~~126ظ ~~وترد إلى القاهرة وولي قضاء حماة وعدة وظائف وكان إماما بارعا في علوم كثيرة مفننا ~~في الفقه • والعربية • وعلم المعاني • والبيان • والأرب • والتاريخ • وله محاضرة ~~حسنة وكان متواضعا وكان ينظم الشعر باللغات الثلاث العربية • والفارسية ~~والتركية • ~~وفيها توفي القاضي زين الدين عبد الباسط بن خليل بن إبراهيم الدمشقي الأصل ~~والمولد • والمنشأ المصري الدار • والوفاة • بطالا بها في رابع شوال بداره بخط ~~الكافوري وقت المغرب • ودفن من الغد بتربته التي أنشأها بالصحراء خارج القاهرة ~~ومولده في حدود التسعين نشأ بدمشق • وخدم القاضي بدر الدين بن الشهاب ~~محمود وبه عرف بين الناس • ثم اتصل بخدمة الملك المؤيد شيخ وهو على نيابة ~~دمشق • ولازمه إلى أن قتل الملك الناصر • وقدم معه على القاهرة وسكن بالسبع ~~قاعات وهو فقير • ولما تسلطن المؤيد قربه وأدناه وولاه نظر الخزانة فانتقل ~~من داره إلى دار أخرى • ثم أخذ أمره في نمو • وعظم في الدولة • وعمر الأملاك ~~الكثيرة • ثم أنشأ مدرسة بخط الكافوري تجاه داره • ثم ولي نظر الجيوش المنصورة ~~بالديار المصرية • في الدولة الظاهرية ططر • بعد عزل بن البارزي • وتم في نظر الجيش ~~سنين • وعظم في أوائل الدولة الأشرفية • ثم أخذ أمره عنده في أدبار • ثم ولي ~~الوزر والاستاداريه وحبس وصودر وقاسا أهوالا كثيرة وقد ذكرنا ذلك ~~في ترجمته فلم نحتج إلى إعادة ذلك • ~~وفيها توفي الأمير أركماس الظاههري الدوادار بطالا بالقاهرة في ثامن ~~عشرين شوال وسنه يزيد على سبعين سنة • ~~وفيها توفي قاضي القضاة ولي الدين أحمد بن محمد بن يوسف السفطي الشافعي ~~في مستهل ذي الحجة ms222 ودفن من الغد بعد أن مرض يوما واحدا كان أصله من سفط ~~127و ~~الحنا بالوجه البحري من أعمال القاهرة ونشأ بالقاهرة وحفظ عدة متون واشتغل بالعلم ~~في مبادئ أمره • وناب في الحكم عن قاضي القضاة جلال الدين البلقيني مدة سنين ثم ~~تنزه عن ذلك • وتردد للأكابر • إلى أن اتصل بالملك الظاهر جقمق وحظي عنده وولي ~~عدة وظائف آخرها قضاء القضاة بالديار المصرية فسلط عليه أبو الخير النحاس ~~فتكلم فيه عند السلطان وأبلغه ما يتفق منه مع الناس من قطع أرزاقهم والترسيم ~~عليهم • والتشويش • ففعل به السلطان ما ذكرناه في ترجمته • ~~وفيها توفي العلامة قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء محمد بن قاضي القضاة ~~شهاب الدين أحمد بن الشيخ الإمام العلامة ضياء الدين محمد • بن محمد • بن سعد • بن ~~عمرو • بن يوسف • بن إسماعيل الصاغاني الأصل • المكي المولد • والدار • والوفاة ~~ولي قضاء الحنفية بمكة • وافتى بها وصنف • ومولده في تاسع المحرم سنة تسع ~~وتمانين وسبعمائة بمكة • وكانت وفاته في تاسع عشرين ذي القعدة • وولي القضاء ~~بعده بمكة أخوه أبو حامد • أمر النيل القديم ستة أذرع وخمسة عشر إصبعا مبلغ ~~الزيادة خمسة عشر ذراعا • وسبعة أصابع وهي سنة الشراقي العظيم • ~~الحوادث في سنة خمس وخمسين وثمانمائة ~~فيها توفي الخليفة أمير المؤمنين المستكفي بالله • أبو الربيع سليمان ~~ابن الخليفة المتوكل على الله • أبي عبد الله محمد بالقاهرة في يوم الجمعة ثاني المحرم ~~وصلى الله عليه السلطان بمصلاة المؤمنين ومشى في جنازته إلى أن شهد دفنه وربما ~~أراد حمل نعشه في طريقه • وكان سنه نحو الستين سنة وكانت خلافته ~~تسع سنين وعشرة أشهر تقريبا • وكان دينا خيرا كثير الصمت منجمعا عن الناس ~~بالكلية • وولي الخلافة بعده أخوه حمزة بغير عهد منه ولقب القائم بأمر الله ~~وفيها توفي القاضي جمال الدين عبد الله بن هشام الحنبلي الفقيه أحد ~~127ظ ~~نواب الحكم العزيز بالقاهرة في العشر الأخير من المحرم • وكان فقيها فاضلا مشكور السيرة ~~في أحكامه • ~~وفيها توفي الرئيس مجد الدين عبد الرحمن بن الجيعان ناظر ms223 الخزانة الشريفة في تاسع ~~عشرين المحرم بعد قدومه من الحجاز الشريف وخلف عدة أولاد من حوار بيض مسلمات ~~وفيها توفي القاضي شمس الدين محمد بن زبالة الشافعي المصري الأصل والمولد ~~قاضي قضاة مدينة الينبوع بها وكان له سمعة وصيت في تلك الأقطار ومولده ~~خارج القاهرة بباب البحر • ~~وفيها توفي خوندكار مراد بك بن عثمان متملك برصا وأعمالها من ممالك ~~الروم بمملكته في سابع المحرم • وولي المملكة من بعده ولده السلطان محمد بن مراد بك ~~ومات السلطان مراد بك وهو في أوائل الكهولية • وكان خير ملوك زمانه شرقا ~~وغربا • أفنى عمره في الجهاد في سبيل الله • وفتح عدة فتوحات • وملك الحصون المنيعة ~~على أنه كان منهمكا في اللذات • ~~وفيها توفي الشيخ شمس الدين محمد المعروف بالكاتب الحنفي الرومي الأصل والمولد ~~المصري الدار والوفاة في ثالث عشرين ربيع الأول بعد أن نال حظا من مصر لا سيما ~~من الملك الظاهر جقمق فإنه عظم في دولته إلى الغاية ونالته السعادة وعد ~~من الرؤساء ولم يكن لذلك أهلا • ثم الحظ قدره ونكت وصودر وادعي عليه ~~بدعاوي عند القضاة اقتضت تعزيزه وحبسه بسجن الرحبة • وقاسى أهوالا ~~كل ذلك بأمر السلطان الظاهر جقمق حين تغير عليه نكالا من الله • ~~وفيها توفي الشريف هلمان بن وبير بن بحيار أمير مدينة الينبوع بها في أواخر ~~جمادي الأول وتولى بعده إمرة الينبوع أخوه سنقر • ~~وفيها توفي الشريف أميان بن مانع الحسني أمير المدينة الشريفة النبوية ~~128و ~~في جمادي الآخر وتولي امرة المدينة من بعده زبيري بن قيسي بن ثابت • ~~وفيها توفي الأمير شهاب الدين أحمد • بن الأمير علي • بن الأمير أينال • اليوسفي الأتابكي ~~أخذ مقدمي الألوف بالديار المصرية في ليلة الثلاثاء سابع عشرين ذي القعدة وحضر ~~السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمنين • ودفن بتربة جده الأتابك اينال ~~وله من العمر نحو خمسين عاما والي والده ينتسب الملك الظاهر جقمق • ~~وفيها توفى السيد الشريف إبراهيم بن حسن بن عجلان الحسني المقبوض عليه ~~مع أخيه عليه من مكة وحمل إلى القاهرة وحبس ms224 بالبرج من القلعة مدة طويلة ثم اخرج ~~مع أخيه علي إلى ثغر دمياط فدام به بعد موت أخيه علي (إلى ثغر دمياط فدام به بعد موت ~~أخيه علي)43 إلى أن مات في هذا التاريخ • ~~وفيها توفي الأمير تمراز من بكتمر شاد جده المؤيد المصارع قتيلا بالحديدة من ~~بلاد اليمن في خامس عشر رمضان وقد ذكرنا عصيانه وأخذه مال السلطان وما ~~وقع مفصلا في أصل الترجمة • ~~وفيها توفي قاضي القضاة شيخ الإسلام بدر الدين أبو الثناء محمد وقيل أبو ~~محمد بدر الدين محمود بن القاضي شهاب الدين أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف ~~ابن محمود العنيتابي المعروف بالعني الحنفي قاضي قضاة الديار المصرية وعالمها ~~ومؤرخها في ليلة الثلاثاء رابع ذي الحجة • ودفن من الغد بمدرسته التي أنشأها ~~تجاه داره بالقرب من الجامع الأزهر • ومولده بعينتاب في سنة اثنين وستين ~~وسبعمائة • ونشأ بها وحفظ القرآن الكريم وتفقه بوالده وكان أبوه قاضي عينتاب ~~وتوفي بها في شهر رجب سنة أربع وثمانين وسبعمائة • ثم رحل ولده القاضي بدر الدين ~~بعد موته إلى حلب وتفقه بها على العلامة جمال الدين يوسف بن موسى الملطي الحنفي ~~وغيره ثم قدم لزيارة القدس الشريف فلقي به العلامة علاي الدين بن العلاء بن أحمد ~~128ظ ~~ابن محمد اليرامي الحنفي شيخ المدرسة الظاهرية برقوق وهو أيضا كان توجه لزيارة القدس ~~فاستقدمه معه إلى القاهرة في سنة ثمان وثمانين وسبعمائة وجعله من جملة الصوفية ~~بالمدرسة الظاهرية • ثم قرره خادما به • ثم وقع له أمور يطول الشرح في ذكرها ~~إلى أن عرف بين الطلبة • وفضل في علوم • وصحب الأمير بكم من عوض • والأمير قلمطاي ~~العثماني الدوادار • وتغري بردي القودمي • إلى أن توفي الملك الظاهر برقوق في سنة إحدى ~~وثمانمائة • ولي حسبة القاهرة في مستهل ذي الحجة من السنة بسفارة هؤلاء الأمراء ~~عوضا عن الشيخ تقي الدين المقريزي • فمن يومئذ وقعت العداوة بينهما • ثم صرف ~~عنها بعد أشهر ثم وليها بعد مدة مرة أخرى • ثم عزل عنها • ثم وليها • آخر ms225 ولايته لها ~~الدولة المؤيدية • ولما تسلطن الأشرف برسباي صحبه وعظم عنده إلى الغاية ~~وصار ينادمه ويقرأ له التاريخ من أيام السلف من الوقائع والأخبار • ويعلمه دينه ~~كما يقرأ له التاريخ باللغة العربية • ثم يفسر له باللغة التركية • وكان فصيحا في ~~اللغتين • وكان فقيها • أصوليا • نحويا • لغويا • بارعا في علوم كثيرة • وأفتى ~~ودرس • وصنف التصانيف الكثيرة في كل فن • وانتفع الناس بذلك كثيرا ~~وهي مشهورة • ~~وفيها توفي السيد الشريف عفيف الدين أبو بكر محمد الأيكي العجمي الشافعي ~~نزيل مكة المشرفة بمني في ثاني يوم من التشريق وحمل إلى مكة ودفن بها وكانت جنازته ~~مشهورة وكان الناس في أمره وصلاحه على أقسام • أمر النيل القديم أربعة ~~أذرع • وخمسة عشر أصبعا • مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وثمانية أصابع ~~الحوادث في سنة ست وخمسين وثمانمائة ~~فيها أخذ الغلاء في الخطاط من الديار المصرية وأعمالها • ~~129و ~~وفيها توفي الشيخ الإمام العلامة علاء الدين علي بن الشيخ قطب الدين أحمد القلقشندي ~~الشافعي أحد فقهاء الشافعية في يوم الإثنين مستهل محرم • ودفن من الغد خارج ~~القاهرة • ومولده بالقاهرة في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وسبعمائة ونشأ بها ~~وحفظ عدة متون في مذهبه • وتصدى للاشتغال • وتولى عدة تداريس • ورشح ~~لقضاء الديار المصرية • ~~وفيها توفى الأمام المصري ناصر الدين محمد بن كول بغا الحنفي إمام المدرسة ~~الأشرفية بالعنبريين في يوم الأحد تاسع عشر صفر وهو في عشر الخمسين ومات ~~ولم يخلف بعده مثله في القرآات44 • وحسن التادي كان من الأفراد في القرآة45 في المحراب ~~وكان أبوه من مماليك الأمير الطن بغا الجوباني نائب دمشق • ~~وفيها توفي عظيم الديار المصرية وعالمها ورئيسها كمال الدين أبوا المعالي محمد ~~ابن العلامة القاضي ناصر الدين • محمد بن القاضي كمال الدين • محمد بن عثمان • بن عثمان ~~ابن محمد • بن عبد الرحيم • بن هبة الله البارزي • الحموي • الجهني • الشافعي • كاتب السر ~~الشريف • بالديار المصرية • وبن كاتب سرها • وصهر السلطان الملك الظاهر جقمق ~~بداره بخط الخراطين من القاهرة في يوم الأحد سادس عشرين صفر وحضر السلطان ms226 ~~الصلاة عليه بمصلاة المؤمنين • ودفن عند والده بالقرافة الصغرى تجاه شباك ~~الإمام الشافعي رضي الله عنه وكان عالما فقيها كريما سخيا • كان يضرب بكرمه ~~المثل • وولي الوظائف الدينية بالشام ومصر • وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمته رحمه الله ~~وفيها توفي الشيخ الإمام العالم العلامة طاهر بن محمد • بن علي النويري المالكي ~~أحد فقهاء المالكية بالقاهرة في يوم الإثنين خامس شهر ربيع الأول وسنة نيف ~~وستين تقريبا وكان إماما عالما • فقيها • دينا • صالحا • رحمه الله ~~وفيها توفي الملك الكامل خلل بن الملك الأشرف الملك الأشرف أحمد بن الملك العادل ~~129ظ ~~سليمان صاحب حصن كيفا من ديار بكر قتيلا بيد ولده في شهر ربيع الأول وولي الملك من بعد ~~ولده ولقب بالملك الناصر ودام في مملكة الحصن إلى شهر رمضان ووثب عليه بن عمه ~~الملك حسن وقتله وتسلطن أخاه ولقب بلقب ابنة الملك الكامل • ~~وفيها توفي الإمام العلامة زين الدين عمر بن الأمير سيف الدين قديد القلمطائي ~~بمكة المشرفة في مجاورته في ثامن من عشر رمضان وسنة ثمان وستون سنة • وكان ~~إمام عصره في النحو والعربية والتصريف وله مشاركة في فنون كثيرة وكان يتزيا ~~بزي الأجناد ويتقلد في ملبسه ولم يتعاظم في أحواله ويركب الحمار مع عراقته في الرئاسة ~~وتبحره في العلوم ولم يخلف بعده مثله في علم العربية والتصريف • أم النيل ~~القديم خمسة أذرع وأربعة وعشرون إصبعا • مبلغ الزيادة تسعة عشر ~~ذراعا واثني عشر إصبعا • تمت السيرة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه ~~•على يد الفقير المعترف بالتقصير محمد بن جمال الدين بن • ~~• محمد المتبولي الأنصاري وكان الفراغ • ~~• من كتابتها في يوم الثلاثاء المبارك • ~~• ثاني عشري محرم الحرام وصلى • ~~• الله على سيدنا محمد • ~~• وعلى أله وسلم • ~~• تسليما • ms227