######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_003727Vols
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: ابن الصباغ
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 855
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: الفصول المهمة في معرفة الأئمة
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: مصادر سيرة النبي والائمة
#META# 022.BookVOLS :: 2
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_003727Vols
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/3727_الفصول-المهمة-في-معرفة-الأئمة-ابن-الصباغ-ج-1
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: سامي الغريري
#META# 041.EdNUMBER :: الأولى
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: 1422
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY#
#META#Header#End#
# بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل من صلاح هذه الأمة نصب الإمام
~~العادل (1)،
# PageV01P071
#
# PageV01P071
# وأعلى (1) ذكر من اختاره لولايتها، فهو علي في العاجل والآجل، أحمده في
~~البكر (2) والأصائل، وأصلي على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) سيد الأواخر
~~والأوائل، المختار من الصفوة والأطايب، والحال من صميم العرب في أعلى
~~الذوائب، من هجرة (3) مرة بن كعب بن لؤي بن غالب (4)،
# PageV01P075
# وعلى آله (1)،
# PageV01P076
# وأزواجه (1)،
# PageV01P078
# وأصحابه (1)،
# PageV01P080
# وذرياته (1) أهل الشرف والمراتب المسطر ذكرهم في الكتاب تسطيرا المنزل
~~فيهم
# PageV01P083
#
# PageV01P083
#
# PageV01P083
#
# PageV01P083
# ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل
~~البيت ويطهركم تطهيرا﴾ (1).
# وبعد: فعن لي أن أذكر في هذا الكتاب فصولا مهمة في معرفة الأئمة، أعني
# PageV01P092
# الأئمة الاثني عشر الذين أولهم أمير المؤمنين علي المرتضى، وآخرهم المهدي
~~المنتظر، يتضمن شيئا من ذكر مناقبهم الشريفة، ومراتبهم العالية المنيفة،
~~ومعرفة أسمائهم، وصفاتهم، وآبائهم، وأمهاتهم، ومواليدهم ووفاتهم، وذكر مدة
~~أعمارهم، وأسماء حجابهم وشعرائهم، خاليا عن الإسهاب الممل والاختصار (1)
~~المخل، احترازا عن الإكثار المسئم، إلى الإيجاز (2) المفهم. ولن يعرف شرفه
~~إلا من وقف عليه فعرفه من عرفه. وعقدت لكل إمام منهم فصلا، يشتمل كل فصل
~~على ثلاثة فصول: الأول منها في عدة فصول:
# الفصل الأول منها: في ذكر بحر الخضم الأطم (3)، والطود الأشم (4)، أخي
~~الرسول (5)،
# PageV01P093
# وبعل البتول (1)،
# PageV01P095
# وسيف الله المسلول، مفرق الكتائب (1)،
# PageV01P098
# ومظهر العجائب (1)،
# PageV01P101
# ليث بني غالب (1) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
# PageV01P103
# الفصل الثاني: في ذكر ابنه الحسن.
# الفصل الثالث: في ذكر أخيه الحسين.
# الفصل الرابع: في ذكر ابنه زين العابدين علي بن الحسين.
# الفصل الخامس: في ذكر ابنه محمد الباقر.
# الفصل السادس: في ذكر ابنه جعفر الصادق.
# الفصل السابع: في ذكر ابنه موسى الكاظم.
# الفصل الثامن: في ذكر ابنه علي بن موسى الرضا.
# الفصل التاسع: في ذكر ابنه محمد بن علي الجواد.
# الفصل العاشر: في ذكر ابنه أبي الحسن علي الهادي.
# الفصل الحادي عشر: في ذكر ابنه الحسن العسكري.
# الفصل الثاني عشر: في ذكر ابنه محمد القائم المهدي. PageV01P104
# وسميته ب " الفصول المهمة في ms001 معرفة الأئمة " رضوان الله عليهم أجمعين،
~~أجبت في ذلك سؤال الأعزة من الأصحاب والخلص من الأحباب (1)، بعد أن جعلت
~~ذلك لي عند الله ذخيرة ورجاء في التكفير (2) لما أسلفته من جريرة واقترفته
~~من صغيرة أو كبيرة، وذلك لما اشتمل عليه هذا الكتاب في ذكر مناقب أهل البيت
~~الشهيرة ومآثرهم الأثيرة، ولرب ذي بصيرة قاصرة وعين من إدراك الحقايق حاسرة
~~يتأمل ما ألفته ويتعرض (3) ما جمعته ولخصته، فحمله (4) طرفه المريض وقلبه
~~المهيض إلى أن ينسبني في ذلك إلى الترفض (5).
# PageV01P105
# حكى الشيخ الإمام العلامة المحدث بالحرم الشريف جمال الدين محمد بن يوسف
~~الزرندي (1) في كتابه المسمى ب " درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى
~~والسبطين " (2) أن الإمام العلامة المعظم، والحبر الفهامة المكرم، أحد
~~الأئمة الأعلام المتتبعين، المقتدى بهم في أمور الدين، محمد بن إدريس
~~الشافعي (3)،
# PageV01P106
# المطلبي لما صرح بمحبة أهل البيت قيل فيه ما قيل، وهو السيد الجليل، فقال
~~مجيبا عن ذلك شعرا:
# إذا نحن فضلنا عليا فإننا * روافض بالتفضيل عند ذوي الجهل وفضل أبي بكر
~~إذا ما ذكرته * رميت بنصب عند ذكري للفضل فلا زلت ذا رفض ونصب كلاهما *
~~بحبهما حتى أوسد في الرمل وقال أيضا:
# قالوا (1): ترفضت قلت: كلا * ما الرفض ديني ولا اعتقادي لكن توليت دون
~~(2) شك * خير إمام وخير هاد إن كان حب الوصي (3) رفضا * فإنني أرفض العباد
~~وقال أيضا:
# يا راكبا قف بالمحصب من منى * واهتف بقاعد (4) خيفها والناهض سحرا إذا
~~فاض الحجيج إلى منى * فيضا كملتطم الفرات الفائض (5)
# PageV01P107
# إن كان رفضا حب آل محمد * فليشهد الثقلان أني رافضي (2) وحكى قاضي القضاة
~~تاج الدين عبد الوهاب السبكي (3) في طبقاته الكبرى، عن السيد الجليل
~~والإمام الحفيل أبي محمد عبد الرحمن النسائي (4) - أحد أئمة الحديث المشهور
~~اسمه وكتابه - أنه لما دخل إلى دمشق وصنف بها كتاب الخصائص في
# PageV01P108
# فضل علي كرم الله وجهه أنكر عليه ذلك، وقيل له: لم لا صنفت في فضائل
~~الشيخين (1)؟ فقال: دخلت إلى دمشق والمنحرف فيها عن علي كثير، فصنفت كتاب
~~الخصائص رجاء أن يهديهم الله ms002 تعالى به. فدفعوه في خاصرته (2) وأخرجوه من
~~المسجد، ثم ما زالوا به حتى أخرجوه من دمشق إلى الرملة، فمات بها (رحمه
~~الله).
# قال قاضي القضاة تاج الدين السبكي المشار إليه، قال: سألت شيخنا أبا عبد
~~الله الذهبي الحافظ: (3) أيهما أحفظ: مسلم بن الحجاج (4) صاحب الصحيح أو
~~النسائي؟ فقال: النسائي، ثم
# PageV01P109
# ذكرت ذلك للشيخ الإمام الوالد فوافق عليه. وكان ابن الحداد (2) أحد أئمة
~~الشافعية، كثير الحديث والحفظ له، ولم يحدث عن غير النسائي، وقال: رضيت به
~~حجة بيني وبين الله تعالى. (3) انتهى ملخصا.
# وحكى الإمام أبو بكر البيهقي (4) في الكتاب الذي صنفه في مناقب الإمام
~~الشافعي: أن الإمام الشافعي قيل له (5): إن أناسا لا يصبرون على سماع منقبة
~~أو فضيلة تذكر لأهل البيت قط! وإذا رأوا أحدا يذكر شيئا من ذلك قالوا:
~~تجاوزوا عن هذا (6) فهذا رافضي، فأنشأ الشافعي يقول: (7)
# PageV01P110
# إذا في مجلس ذكروا (1) عليا * وسبطيه وفاطمة الزكية يقال: (2) تجاوزوا يا
~~قوم عنه (3) * فهذا من حديث الرافضية برئت إلى المهيمن من أناس * يرون
~~الرفض حب الفاطمية
# PageV01P111
# [من هم أهل البيت؟] في المباهلة وهذا أوان الشروع في المراد، وبالله
~~التوفيق، وعليه الاعتماد. ولابد أن نقدم أمام ما أردنا التكلم عليه وصرفنا
~~قصد اهتمامنا إليه من تبيين من هم أهل البيت (١)؟
# وأن نذكر شيئا من فضائلهم التي لاتحصى، ومناقبهم التي لا تستقصى، فأقول
~~وبالله المستعان (٢) والتوفيق، وإياه أسأل الهداية إلى أقوم سبيل وأسهل
~~طريق:
# أهل البيت - على ما ذكر المفسرون في تفسير آية المباهلة وعلى ما روي عن
~~أم سلمة - هم: النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين
~~(عليهم السلام) (٣).
# أما آية المباهلة وهي قوله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال
~~لهو كن فيكون * الحق من ربك فلا تكن من الممترين * فمن حآجك فيه منم بعد ما
~~جآءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنآءنا وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا
~~وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين﴾ (4).
# PageV01P113
# وسبب نزول ms003 هذه الآية (1):
# PageV01P114
#
# PageV01P114
#
# PageV01P114
#
# PageV01P114
# أنه لما قدم وفد نجران (1) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخلوا
~~عليه مسجده بعد صلاة العصر
# PageV01P123
# وعليهم ثياب الحبرات (1) وأردية الحرير، لابسين الحلل، متختمين (2)
~~بخواتم الذهب، يقول من رآهم من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله): ما رأينا
~~مثلهم (3) وفدا قبلهم (4) وفيهم ثلاثة من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم، وهم:
~~العاقب واسمه عبد المسيح، كان أمير القوم
# PageV01P124
# وصاحب رأيهم وصاحب مشورتهم، لا يصدرون إلا عن رأيه. والسيد وهو الأيهم،
~~وكان عالمهم (1) وصاحب رحلهم (2) ومجتمعهم. وأبو حاتم (3) ابن علقمة، وكان
~~أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم، وكان رجلا من العرب من بني بكر بن
~~وائل، ولكنه تنصر فعظمته الروم وملوكها وشرفوه، وبنوا له الكنايس ومولوه
~~وولوه وأخدموه لما علموه من صلابته (4) في دينهم، وقد كان يعرف أمر رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) وشأنه وصفته مما علمه من الكتب المتقدمة، ولكنه
~~حمله جهله على الاستمرار في النصرانية (5) لما رأى من تعظيمه ووجاهته (6)
~~عند أهلها.
# فتكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع أبي حاتم ابن علقمة والعاقب عبد
~~المسيح، وسألهما (7) وسألاه. ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد أن
~~(8) تكلم مع هذين الحبرين - اللذين هما العاقب
# PageV01P125
# عبد المسيح وأبو حاتم (١) - دعاهما (٢) إلى الإسلام، فقالوا: أسلمنا،
~~فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كذبتم (٣)، إنه يمنعكم من الإسلام
~~ثلاثة أشياء: عبادتكم الصليب، وأكلكم الخنزير، وقولكم: لله ولد (٤)،
~~فقالوا: هل رأيت ولدا بغير أب؟ فمن أبو عيسى؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم
~~خلقه من تراب ثم قال لهو كن فيكون * الحق من ربك فلا تكن من الممترين﴾
~~(5) الآية.
# فلما نزلت هذه الآية مصرحة بالمباهلة دعا (6) رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) وفد نجران إلى المباهلة، وتلا عليهم الآية، فقالوا: حتى ننظر (7) في
~~أمرنا ونأتيك غدا (8) فلما خلا بعضهم ببعض قالوا للعاقب صاحب مشورتهم: ما
~~ترى من الرأي؟ فقال: والله لقد عرفتم - معشر النصارى - أن محمدا نبي مرسل،
~~ولقد ms004 جاءكم بالفصل من عند (9) صاحبكم، فوالله (10) ما لأعن قوم قط نبيهم
~~(11) إلا هلكوا عن آخرهم، فاحذروا كل
# PageV01P126
# الحذر أن يكون آفة (1) الاستئصال منكم، وإن أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة
~~عليه فوادعوا الرجل وأعطوه الجزية (2)، ثم انصرفوا إلى مقركم (3).
# فلما أصبحوا جاؤوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخرج وهو محتضن
~~الحسين، آخذ (4) بيد
# PageV01P127
# الحسن وفاطمة خلفه وعلي خلفهم وهو يقول: اللهم هؤلاء أهلي، إذا أنا دعوت
~~أمنوا (1).
# PageV01P128
# فلما رأى وفد نجران ذلك وسمعوا قوله قال كبيرهم: يا معشر النصارى إني
~~لأرى وجوها لو سألت (1) الله تعالى أن يزيل جبلا لأزاله، لا تباهلوا
~~فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني منكم إلى يوم القيامة، فاقبلوا
~~الجزية (2). فقبلوا الجزية و (3) انصرفوا (4) فقال رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله): والذي نفس محمد بيده، إن العذاب قد نزل على أهل نجران، ولو
~~لاعنوا لمسخهم (5) الله قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم نارا، ولاستأصل
~~الله تعالى نجران وأهله حتى الطير على الشجر ولم يحل الحول على النصارى حتى
~~هلكوا (6).
# PageV01P129
# قال جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) (1): أنفسنا محمد رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) وأبناؤنا الحسن والحسين، ونساؤنا فاطمة
~~سلام الله عليهم أجمعين (2). هكذا رواه
# PageV01P130
# الحاكم (1) في مستدركه عن علي بن عيسى (2) وقال: صحيح على شرط مسلم.
~~ورواه
# PageV01P133
# أبو داود الطيالسي (1) عن شعبة (2) عن الشعبي (3) مرسلا. وروي عن ابن
~~عباس (4) والبراء (5) نحو ذلك.
# وأما ما روي عن أم سلمة رضى الله عنها زوجة (6) النبي (صلى الله عليه
~~وآله). فروى الإمام أحمد بن حنبل (رض) (7) في مسنده يرفعه إلى أم سلمة
~~قالت: بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله) في
# PageV01P134
# بيتي يوما إذ قال الخادم (1): إن عليا وفاطمة [والحسن والحسين] بالسدة
~~(2). قالت:
# فقال لي النبي: قومي تنحي عن أهل بيتي. قالت: فقمت فتنحيت في جانب البيت
~~قريبا، فدخل علي وفاطمة والحسن والحسين وهما صبيان صغيران، فأخذ الحسن
~~والحسين فوضعهما في حجره وقبلهما وأعتنق عليا بإحدى يديه وفاطمة باليد
~~الأخرى وجللهم بخميصة (3) سوداء ms005 وقال: اللهم إليك لا إلى النار أنا وأهل
~~بيتي (4).
# قالت أم سلمة: وأنا يا رسول الله! فقال (صلى الله عليه وآله): وأنت (5).
# PageV01P135
# وروى الواحدي (1) في كتابه المسمى بأسباب النزول يرفعه بسنده إلى أم سلمة
~~رضي الله عنها أنها قالت: كان النبي (صلى الله عليه وآله) في بيتها يوما
~~فأتته فاطمة (عليها السلام) ببرمة فيها عصيدة (2) فدخلت بها عليه، فقال
~~لها: ادع لي زوجك وابنيك. فجاء علي والحسن والحسين فدخلوا وجلسوا يأكلون
~~والنبي (صلى الله عليه وآله) جالسا على دكة وتحته كساء خيبري.
# قالت: وأنا في الحجرة قريبا منهم، فأخذ النبي (صلى الله عليه وآله)
~~الكساء فغشاهم به، ثم قال: اللهم أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم
~~تطهيرا. قالت أم سلمة: فأدخلت رأسي البيت، قلت: وأنا معكم يا رسول الله؟
~~قال (صلى الله عليه وآله): إنك إلى خير، إنك إلى خير.
# فأنزل الله عزوجل: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم
~~تطهيرا) (3).
# PageV01P136
# وروى (1) الترمذي (2) في صحيحه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان
~~(3) من وقت نزول هذه الآية
# PageV01P138
# إلى قريب من ستة أشهر (1) إذا خرج إلى الصلاة يمر بباب فاطمة رضوان الله
~~تعالى
# PageV01P139
# عليها ثم يقول: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم
~~تطهيرا). وقال بعضهم (1) في ذلك شعرا:
# إن النبي محمدا (2) ووصيه * وابنيه وابنته البتول الطاهرة أهل العباء
~~فإنني بولائهم * أرجو السلامة والنجا في الآخرة
# PageV01P140
# تنبيه على ذكر شيء مما جاء في فضلهم وفضل محبتهم عن رافع (1) مولى أبي ذر
~~(2) قال: صعد أبو ذر (رضي الله عنه) على عتبة باب الكعبة وأخذ بحلقة الباب،
~~وأسند ظهره إليه وقال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني فأنا
~~أبو ذر، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أهل بيتي مثل (3) سفينة
~~نوح من
# PageV01P141
# ركبها نجا ومن تخلف عنها زج (1) في النار (2).
# وسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول (3): اجعلوا آل بيتي منكم
~~مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس، فإن الجسد لا ms006 يهتدي إلا
~~بالرأس، ولا يهتدي الرأس إلا بالعينين (4).
# PageV01P142
# ومن كتاب الفردوس (1) عن عبد الله بن عمر (2) عن النبي (صلى الله عليه
~~وآله) أنه قال: أول من أشفع له يوم القيامة من أمتي أهل بيتي ثم الأقرب
~~فالأقرب (3).
# PageV01P143
# وعن ابن مسعود (1) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: حب آل محمد
~~يوما واحدا خير من عبادة سنة، ومن مات عليه دخل الجنة (2).
# وقال (صلى الله عليه وآله): أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة: المكرم
~~لذريتي، والقاضي حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عندما اضطروا إليه، والمحب
~~لهم بقلبه ولسانه (3).
# وعن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (4) عن أبيه عن جده (عليهم السلام) قال:
~~قال
# PageV01P144
# رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أراد التوسل إلي وأن تكون (1) له
~~عندي يد أشفع بها يوم القيامة فليصل أهل بيتي ويدخل السرور عليهم (2).
# روى (3) ابن عباس (رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) يقول بإذني وإلا صمتا: أنا شجرة، وفاطمة حملها، وعلي لقاحها، والحسن
~~والحسين ثمارها، ومحبونا أهل البيت ورقها، وكلنا في الجنة حقا حقا " (4).
# PageV01P145
# وعن زيد بن أرقم (رضي الله عنه) (1) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين:
# أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم (2).
# وعن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) (3) قال: قال رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم): أهل بيتي والأنصار هم كرشي (4)
# PageV01P146
# وعيبتي، اقبلوا عن محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم (1).
# وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى (2)، عن أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله): لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه، وتكون عترتي أحب إليه
~~من عترته، ويكون أهلي أحب إليه من أهله (3).
# وعن علي (رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول:
~~من لم يعرف حق عترتي والأنصار والعرب فهو لأحد ثلاث: إما منافق، أو ولد
~~زنية (4)، وإما امرؤ حملته (5) أمه في غير طهر (6).
# PageV01P147
# وعن عبد الرحمن بن عوف (1) (رضي الله عنه) قال: ms007 قال رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله): أوصيكم بعترتي خيرا (2)، وإن موعدكم الحوض (3).
# وعن عبد الله بن زيد (4) عن أبيه أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~قال: من أحب أن ينسى له في أجله وأن يمتع (5) بما خوله الله تعالى فليخلفني
~~في أهل بيتي خلافة حسنة، فمن لم يخلفني فيهم بتر في عمره، وورد علي يوم
~~القيامة مسودا وجهه (6).
# ومن كتاب الآل لابن خالويه (7)
# PageV01P148
# ورواه أبو بكر الخوارزمي (1) في كتاب المناقب عن بلال بن حمامة (2) قال:
~~طلع علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم متبسما ضاحكا ووجهه مشرق
~~كدارة القمر، فقام إليه عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله ما هذا
~~النور؟ قال: بشارة أتتني من ربي في أخي وابن عمي وابنتي، فإن الله زوج عليا
~~من فاطمة، وأمر رضوان خازن الجنان فهز شجرة طوبى فحملت رقاقا - يعني صكاكا
~~- بعدد محبي أهل بيتي (3) وأنشأ تحتها ملائكة من النور ورفع إلى كل ملك
~~صكا، فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق فلا يبقى محب
~~لأهل البيت إلا دفعت إليه صكا فيه فكاكه من النار، فصار أخي وابن عمي
~~وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من أمتي من النار (4).
# PageV01P149
# وعن أنس بن مالك (١) (رضي الله عنه) في قوله تعالى: ﴿مرج البحرين يلتقيان﴾ (2) قال: علي
# PageV01P150
# وفاطمة ﴿يخرج منهما اللؤلؤ
~~والمرجان﴾ (1) قال: الحسن والحسين. رواه صاحب كتاب الدرر عن محمد بن
~~سيرين (2) في قوله تعالى: (وهو الذى خلق من المآء بشرا فجعله نسبا وصهرا)
~~(3) أنها نزلت في النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي بن أبي طالب (رضي الله
~~عنه) هو ابن عم
# PageV01P151
# رسول الله (صلى الله عليه وآله) زوج ابنته فاطمة فكان نسبا وصهرا.
# وروي عن عمر بن الخطاب (1) (رض) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~(2) قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (3): ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي
~~لا تنفع، إن كل سبب ونسب وصهر (4) منقطع يوم ms008 القيامة إلا سببي ونسبي وصهري
~~(5). قال عمر (رض):
# PageV01P152
# فلما سمعت ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحببت أن يكون
~~بيني وبينه نسب وسبب وصهر، فخطبت إلى علي (رضي الله عنه) ابنته أم كلثوم
~~(رض) من فاطمة رضي الله عنها بنت محمد (صلى الله عليه وآله) فزوجنيها.
~~(قيل) وكان ذلك في سنة سبع عشر من الهجرة ودخل بها في ذي القعدة من السنة
~~المذكورة، وكان صداقها أربعين ألف درهم فولدت له زيدا أو (1) زينبا.
# PageV01P154
# وروى الإمام أبو الحسين البغوي (١) في تفسيره (٢) يرفعه بسنده إلى ابن
~~عباس رضي الله عنهما قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة فى القربى﴾ (3)
~~قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمرنا الله بمودتهم؟ قال: علي وفاطمة
~~وابناها (4).
# PageV01P155
#
# PageV01P155
# وروى السدي (١) عن أبي مالك (٢) عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله
~~تعالى:
# ﴿ومن يقترف حسنة نزد لهو فيها
~~حسنا﴾ (3) قال: المودة لآل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) (4).
# PageV01P159
# فهؤلاء هم أهل البيت المرتقون بتطهيرهم إلى ذروة أوج الكمال، المستحقون
~~لتوقيرهم مراتب الإعظام والإجلال، ولله در القائل إذ قال: PageV01P160
# هم العروة الوثقى لمعتصم بها * مناقبهم جاءت بوحي وإنزال مناقب في الشورى
~~(1) وسورة هل أتى (2) * وفي سورة الأحزاب يعرفها التالي وهم آل بيت المصطفى
~~فودادهم * على الناس مفروض بحكم وإسجال (3) وقال آخر (4):
# هم القوم من أصفاهم الود مخلصا * تمسك (5) في أخراه بالسبب الأقوى هم
~~القوم فاقوا العالمين مناقبا (6) * محاسنها تجلى وآثارهم (7) تروى موالاتهم
~~فرض وحبهم هدى * وطاعتهم ود وودهم تقوى (8)
# PageV01P161
# الفصل الأول في ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه
~~PageV01P163
# الفصل الأول في ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (1)
# PageV01P165
# هو الإمام (1) الأول (2)،
# PageV01P167
# واسم أبي طالب: عبد مناف (1)، واسم عبد المطلب (2): شيبة الحمد (3).
# PageV01P168
# وكنيته أبو الحارث (1)، وعنده يجتمع نسب علي (رضي الله عنه) بنسب النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم).
# وكان ولد أبي طالب: طالبا ms009 ولا عقب له (2)، وعقيلا (3) وجعفرا (4)، وعليا،
~~وكل
# PageV01P169
# واحد أسن من الآخر بعشر سنين. وأم هاني، واسمها فاختة (1)، وأمهم جميعا
~~فاطمة بنت أسد (رض) (2)، هكذا ذكر ذلك ضياء الدين أبو المؤيد موفق بن أحمد
# PageV01P170
# الخوارزمي في كتابه المناقب (1).
# ولد علي (2) (عليه السلام) بمكة المشرفة بداخل (3) البيت الحرام في يوم
~~الجمعة الثالث عشر من شهر الله الأصم رجب الفرد سنة ثلاثين من عام الفيل
~~قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة، وقيل بخمس وعشرين (4)، وقبل المبعث باثني
~~عشرة
# PageV01P171
# سنة (1)، وقيل بعشر سنين (2). ولم يولد في البيت الحرام قبله أحد سواه،
~~وهي فضيلة خصه الله تعالى بها إجلالا له وإعلاء لمرتبته وإظهارا لتكرمته.
~~وكان علي (رضي الله عنه) هاشميا من هاشمين وأول من ولده هاشم مرتين (3).
# PageV01P172
# ومن كتاب المناقب لأبي المعالي (1) الفقيه المالكي روى خبرا يرفعه إلى
~~علي بن الحسين (2) رضى الله عنهما أنه قال: كنا عند الحسين (رضي الله عنه)
~~في بعض الأيام وإذا بنسوة مجتمعين فأقبلت امرأة منهن علينا فقلت لها: من
~~أنت يرحمك الله؟ قالت: أنا زيدة (3) ابنة العجلان من بني ساعدة، فقلت لها:
~~هل عندك من شيء تحدثينا به؟ قالت: إي والله حدثتني أم عمارة بنت عبادة بن
~~فضلة بن مالك بن عجلان (4) الساعدي أنها كانت ذات يوم في نساء من العرب إذ
~~أقبل أبو طالب كئيبا حزينا، فقلت له: ما شأنك؟ قال: إن فاطمة بنت أسد في
~~شدة من الطلق. ثم أنه أخذ بيدها وجاء بها إلى الكعبة فدخل بها، وقال: اجلسي
~~على اسم الله، فطلقت طلقة واحدة فولدت غلاما نظيفا منظفا لم أر أحسن وجها
~~منه، فسماه أبو طالب عليا وقال شعرا:
# سميته بعلي كي يدوم له * عز العلو وفخر (5) العز أدومه (6)
# PageV01P173
# وجاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فحمله معه إلى منزل أمه (1). قال
~~علي بن الحسين: فوالله ما سمعت بشيء حسن قط، إلا وهذا من أحسنه (2).
# وكان مولد علي (رضي الله عنه) بعد أن دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) بخديجة رضى الله عنها بثلاث ms010 سنين وكان عمر رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) يوم ولادة علي (رضي الله عنه) ثمانيا (3) وعشرين سنة والله أعلم.
# PageV01P175
# فصل في ذكر أم علي كرم الله وجهه أمه: فاطمة بنت أسد (1) بن هاشم بن عبد
~~مناف تجتمع هي وأبو طالب في هاشم، أسلمت وهاجرت مع النبي (صلى الله عليه
~~وآله) وكانت من السابقات إلى الإيمان بمنزلة الأم من النبي (صلى الله عليه
~~وسلم). فلما ماتت كفنها النبي (صلى الله عليه وآله) بقميصه (2) وأمر أسامة
~~بن زيد (3)، وأبا أيوب الأنصاري، وعمر بن الخطاب، وغلاما أسود، فحفروا
~~قبرها، فلما بلغوا لحدها حفره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيديه وأخرج
~~ترابه، فلما فرغ اضطجع فيه (4) وقال: الله (5) الذي يحيي ويميت وهو حي لا
~~يموت، اللهم اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع
# PageV01P177
# عليها قبرها (1) بحق نبيك محمد والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم
~~الراحمين.
# فقيل: يا رسول الله رأيناك صنعت (2) شيئا لم تكن صنعته (3) بأحد قبلها!!
~~فقال (صلى الله عليه وسلم):
# ألبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنة، واضطجعت (4) في قبرها ليخفف عنها من
~~ضغطة القبر، إنها (5) كانت من أحسن خلق الله صنعا (6) إلي بعد أبي طالب رضي
~~الله عنهما ورحمهما (7).
# PageV01P178
# فصل في تربية النبي (صلى الله عليه وسلم) له وذلك أنه لما نشأ علي بن أبي
~~طالب (رضي الله عنه) وبلغ سن التمييز أصاب أهل مكة جدب شديد وقحط أجحف بذوي
~~المروة وأضر بذوي العيال إلى الغاية، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~لعمه العباس - وكان من أيسر بني هاشم -: يا عم (1) إن أخاك أبا طالب كثير
~~العيال وقد أصاب الناس ما ترى، فانطلق بنا إلى بيته (2) لنخفف (3) من عياله
~~فتأخذ أنت رجلا واحدا وآخذ أنا رجلا، فنكفلهما عنه. قال العباس: أفعل (4).
# فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى
~~ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلا وطالبا
~~فاصنعا ماشئتما، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه ms011 وسلم) عليا وضمه (5) إليه،
~~وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم
# PageV01P181
# يزل علي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى بعث (1) الله عزوجل محمدا
~~نبيا فاتبعه علي (عليه السلام) وآمن به وصدقه، وكان عمره إذ ذاك في السنة
~~الثالثة عشر من عمره ولم يبلغ الحلم، وقيل غير ذلك (2)، وأكثر الأقوال
~~وأشهرها أنه لم يبلغ الحلم (3).
# PageV01P182
#
# PageV01P182
# وأنه أول من أسلم وآمن برسول الله (صلى الله عليه وآله) من الذكور بعد
~~خديجة (١).
# قال الثعلبي (٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿والسبقون الأولون من المهجرين والأنصار﴾ (3): وهو
~~قول ابن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وزيد بن أرقم،
# PageV01P186
# ومحمد بن المنكدر (1)، وربيعة المرائي (2). وقد أشار علي بن أبي طالب كرم
~~الله وجهه إلى شيء من ذلك في أبيات قالها رواها عنه الثقات الأثبات وهي هذه
~~الأبيات:
# محمد النبي أخي وصنوي * وحمزة سيد الشهداء عمي وبنت محمد سكني وعرسي *
~~منوط لحمها بدمي ولحمي سبقتكم إلى الإسلام طفلا * صغيرا ما بلغت أوان حلمي
~~(3)
# PageV01P187
# فويل ثم ويل ثم ويل * لمن يلقى الإله غدا بظلمي (1)
# PageV01P188
# رباه النبي (صلى الله عليه وسلم) وأزلفه وهداه إلى مكارم الأخلاق والفقه
~~(1)، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قبل بدء أمره إذا أراد الصلاة
~~خرج إلى شعاب مكة مستخفيا وأخرج عليا معه فيصليان ما شاء الله، فإذا قضيا
~~رجعا إلى مكانهما (2).
# ونقل يحيى بن عفيف الكندي قال: حدثني أبي قال: كنت جالسا مع العباس بن
~~عبد المطلب بمكة بالمسجد قبل أن يظهر أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)،
~~فجاء شاب فنظر إلى السماء حين حلقت الشمس ثم استقبل الكعبة فقام يصلي، فجاء
~~غلام فقام عن يمينه، ثم جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشاب فركع الغلام
~~والمرأة، ثم رفع فرفعا، ثم سجد فسجدا، فقلت: يا عباس أمر عظيم فقال العباس:
~~أتعرف (3) هذا الشاب؟ فقلت: لا، فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب
~~ابن أخي، أتدري من هذا الغلام؟ هذا علي بن أبي طالب ابن أخي، أتدري ms012 من هذه
~~المرأة؟ هذه خديجة بنت خويلد، إن ابن أخي هذا حدثني أن ربه رب السماوات
~~والأرض أمره بهذا الدين وهو عليه، ولا والله على ظهر الأرض اليوم على هذا
~~الدين غير هؤلاء.
# وكان عفيف يقول لي بعد أن أسلم ورسخ في الإسلام: ليتني كنت رابعا لهم
~~(4).
# PageV01P189
#
# PageV01P189
# فصل في ذكر شيء من علومه فمنها: علم الفقه الذي هو مرجع الأنام ومجمع
~~الأحكام ومنبع الحلال والحرام.
# فقد كان علي (عليه السلام) مطلعا على غوامض أحكامه، منقادا له جامحا
~~بزمامه، مشهودا له فيه بعلو محله ومقامه، ولهذا خصه رسول الله (صلى الله
~~عليه وسلم) بعلم القضاء، كما نقله الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي
~~رحمة الله عليه في كتابه المصابيح مرويا عن أنس بن مالك: أن رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) [لما] خصص جماعة من الصحابة كل واحد بفضيلة خص (1) عليا
~~بعلم القضاء، فقال: وأقضاكم علي (2).
# PageV01P195
# ومن ذلك: أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان جالسا في المسجد وعنده أناس
~~(1) من الصحابة إذ جاءه (صلى الله عليه وسلم) رجلان يختصمان، فقال أحدهما:
~~يا رسول الله، إن لي حمارا ولهذا (2) بقرة، وإن بقرته نطحت (3) حماري
~~فقتلته، فبدر (4) رجل من الحاضرين فقال: لا ضمان
# PageV01P197
# على البهائم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اقض بينهما يا علي،
~~فقال لهما علي كرم الله وجهه: أكان الحمار والبقرة موثقين أم [كانا]
~~مرسلين، أم أحدهما موثقا والآخر مرسلا (١)؟ فقالا: كان الحمار موثقا
~~والبقرة مرسلة وكان صاحبها معها، فقال (عليه السلام):
# على صاحب البقرة الضمان، وذلك بحضرة النبي (صلى الله عليه وآله)، فقرر
~~(صلى الله عليه وآله) حكمه وأمضى قضاءه (٢).
# ومن ذلك: ما يروى أن رجلا أتي به إلى عمر بن الخطاب (رض)، وكان صدر منه
~~أنه قال لجماعة من الناس وقد سألوه كيف أصبحت؟ قال: أصبحت أحب الفتنة،
~~وأكره الحق، وأصدق اليهود والنصارى، وأؤمن بما لم أره، وأقر بما لم يخلق،
~~فرفع إلى عمر (رض) فأرسل إلى علي كرم الله وجهه، فلما جاءه أخبره بمقالة ms013
~~الرجل قال: صدق، يحب الفتنة، قال الله تعالى: ﴿إنمآ أمو لكم وأولادكم فتنة﴾ (3). ويكره الحق
~~[يعني] الموت، قال الله تعالى: (وجآءت سكرة الموت
# PageV01P198
# بالحق) (١). ويصدق اليهود والنصارى، قال الله تعالى: ﴿وقالت اليهود ليست النصرى على شىء وقالت النصرى ليست
~~اليهود على شىء﴾ (2). ويؤمن بما لم يره، يؤمن بالله عزوجل، ويقر بما لم
~~يخلق، يعنى الساعة، فقال عمر (رض): أعوذ من معضلة، لا علي لها (3) (4).
# PageV01P199
# وقال سعيد بن المسيب: كان عمر يقول: اللهم لا تبقني لمعضلة ليس فيها أبو
~~الحسن، وقال (رض) مرة: لولا علي لهلك عمر (1).
# ومن ذلك: أنه (عليه السلام) وقعت له واقعة حارت علماء عصره (2) في (3)
~~حكمها، وهي: أن رجلا تزوج بخنثى ولها فرج كفرج الرجال (4) وفرج كفرج النساء
~~(5) وأصدقها جارية كانت له، ودخل بها (6)، فحملت منه الخنثى وجاءته (7)
~~بولد. ثم إن الخنثى وطأت الجارية التي أصدقها زوجها (8)، فحملت منها (9)
~~وجاءت بولد، فاشتهرت قصتهما
# PageV01P201
# ورفع أمرهما (1) إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فسأل
~~عن حال الخنثى، فأخبر أنها تحيض وتطأ وتوطأ وتمني من الجانبين وقد حبلت
~~وأحبلت فصار الناس متحيري الأفهام في جوابها! وكيف الطريق إلى حكم قضائها
~~وفصل خطابها؟
# فاستدعى أمير المؤمنين [غلامين] يرفا وقنبرا وأمرهما أن يعدا أضلاع
~~الخنثى (2) من الجانبين وينظرا، فإن كانت متساوية فهي امرأة، وإن كان
~~الجانب الأيسر أنقص من أضلاع الجانب الأيمن بضلع واحد فهو رجل، فدخلا (3)
~~على الخنثى كما أمرهما أمير المؤمنين (عليه السلام) وعدا أضلاعها من
~~الجانبين فوجدا أضلاع الجانب الأيسر تنقص (4) عن (5) أضلاع الجانب الأيمن
~~بضلع، فأخبراه بذلك وشهدا عنده به، فحكم على الخنثى بأنها رجل، وفرق بينها
~~وبين زوجها.
# ودليل ذلك: أن الله تعالى لما خلق آدم (عليه السلام) وحيدا أراد سبحانه
~~وتعالى لإحسانه إليه ولخفي حكمته فيه أن يجعل له زوجا من جنسه ليسكن كل
~~واحد منهما إلى صاحبه، فلما نام آدم (عليه السلام) خلق الله تعالى من ضلعه
~~القصير (6) من جانبه الأيسر حواء، ms014 فانتبه فوجدها جالسة إلى جانبه كأحسن ما
~~يكون من الصور، فلذلك صار الرجل ناقصا من جانبه الأيسر على المرأة بضلع
~~واحد والمرأة كاملة الأضلاع من الجانبين، والأضلاع الكاملة من الجانبين
~~أربعة وعشرون ضلعا في كل جانب اثنا عشر ضلعا، وهذا في المرأة. وأما الرجل
~~فثلاثة وعشرين ضلعا، اثنا عشر من اليمين، وأحد عشر من اليسار. وباعتبار هذه
~~الحالة قيل: للمرأة ضلع أعوج، وقد صرح النبي (صلى الله عليه وآله) - على
~~مصدر - بأن المرأة خلقت من ضلع أعوج، إن ذهبت تقيمها
# PageV01P202
# كسرتها، وإن تركتها استمتعت بها على عوج (1).
# وقد نظم بعض الشعراء (2) فقال:
# هي الضلع للعوجاء لست تقيمها * ألا إن تقويم الضلوع انكسارها أتجمع ضعفا
~~(3) واقتدارا على الفتى * أليس عجيبا ضعفها واقتدارها (4) فانظر رحمك الله
~~إلى استخراج أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بنور علمه وثاقب فهمه ما أوضح
~~به سبيل السداد وبين به طريق الرشاد، وأظهر به جانب الذكورة (5) الأنوثة من
~~مادة الايجاد، وحصلت له هذه المنة الكاملة والنعمة الشاملة بملاحظة النبي
~~له وتربيته وحنوه عليه وشفقته (6)، فاستعد لقبول الأنوار وتهيأ لفيض العلوم
~~والأسرار، فصارت الحكمة من ألفاظه ملتقطة، والعلوم الظاهرة والباطنة بفؤاده
~~مرتبطة، لم تزل بحار العلوم تتفجر من صدره ويطفيا (7) عبابها، حتى قال (صلى
~~الله عليه وآله): أنا مدينة العلم
# PageV01P203
# وعلي بابها (1).
# PageV01P204
# فصل في محبة الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) له (عليه السلام) وذلك أنه
~~صح النقل في كتب الأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة: عن أنس بن مالك (رض)
~~قال: أهدي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) طير مشوي يسمى الحجل (1). وفي
# PageV01P207
# رواية ما رواه الأحباري (1) فقال: اللهم ائتني (2) بأحب الخلق (3) إليك
~~يأكل معي من
# PageV01P210
# هذا الطير، فقلت: اللهم اجعله رجلا من الأنصار. فجاء علي فحجبته وقلت
~~(1): إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مشغول، رجاء أن يكون الدعوة لرجل
~~من قومي، ثم جاء علي ثانية فحجبته، ثم جاء الثالثة فقرع الباب فقال النبي
~~(صلى الله عليه وآله): أدخله فقد عييته، فلما دخل قال له النبي: ما حبسك
~~عني ms015 يرحمك الله؟! فقال: هذا (2) آخر ثلاث مرات وأنس يقول:
# إنك مشغول، فقال: يا أنس، ما حملك على ذلك؟ قال: سمعت دعوتك فأحببت أن
~~تكون لرجل من قومي، فقال (صلى الله عليه وآله): لا يلام الرجل على حبه
~~لقومه. رواه الترمذي (3).
# وفي صحيح البخاري (4) ومسلم (5) وغيرهما من الصحاح: أن النبي (صلى الله
~~عليه وآله) قال يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب
~~الله ويحبه الله ورسوله.
# قال: فبات الناس يخوضون (6) ليلتهم أيهم (7) يعطاها، فلما أصبح الناس
~~غدوا على
# PageV01P211
# رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل منهم يرجو أن يعطاها، فقال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله): أين علي بن أبي طالب؟
# فقيل: يا رسول الله، إنه أرمد (1)، قال: فأرسلوا إليه، فأتي به فبصق في
~~عينيه (2) ودعا له، فبرئ حتى لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي كرم
~~الله وجهه: يا الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انفذ على رسلك حتى
~~تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه،
~~فوالله لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خيرا لك من أن يكون لك حمر النعم. (3)
~~قال: فمضى وفتح الله على يديه.
# PageV01P212
#
# PageV01P212
# وفي ذلك يقول حسان بن ثابت (1) (رض) في مدحه:
# وكان علي أرمد العين يبتغي * دواء فلما لم يحس (2) مداويا شفاه (3) رسول
~~الله منه بتفلة * فبورك مرقيا وبورك راقيا وقال: سأعطي الراية اليوم صارما
~~(4) * كميا شجاعا في الحروب مجاريا (5) يحب إلهي والإله يحبه (6) * به يفتح
~~الله الحصون الأوابيا فخص لها دون البرية كلهم * عليا وسماه الولي المؤاخيا
~~(7)
# PageV01P217
# وفي صحيح مسلم (1): قال عمر بن الخطاب (رض): فما أحببت الإمارة إلا
~~يومئذ، فتساورت لها وحرصت عليها، حتى أبديت وجهي، وتصديت لذلك ليتذكرني،
~~قالوا: وإنما كانت محبة عمر لها لما دلت عليه من محبته لله ورسوله (صلى
~~الله عليه وآله) ومحبتهما له والفتح على يديه، قاله الشيخ عبد الله بن أسعد
~~اليافعي (2) في كتابه " المرهم " (3).
# PageV01P218
# فصل في مؤاخاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) له، ms016 وسبب تسميته بأبي تراب
~~وغير ذلك مما خص بها من المزايا العلية الواردة في الأحاديث الصحيحة الجلية
~~فمن ذلك ما رواه الترمذي في صحيحه بسنده عن عبد الله بن عمر (رض) أنه قال:
~~لما آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين صحابته رضي الله عنهم جاءه (1)
~~علي كرم الله وجهه وعيناه تدمعان، فقال: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك ولم
~~تؤاخ بيني وبين أحد، فسمعت (2) رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنت
~~أخي في الدنيا والآخرة (3).
# ومن مناقب ضياء الدين الخوارزمي عن ابن عباس (رض) قال: لما آخى رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) بين أصحابه من المهاجرين والأنصار - وهو أنه (صلى
~~الله عليه وآله) آخى بين أبي بكر
# PageV01P219
# وعمر (رض)، وآخى بين عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وآخى بين طلحة والزبير،
~~وآخى بين أبي ذر الغفاري والمقداد رضوان الله عليهم أجمعين - ولم يؤاخ بين
~~علي بن أبي طالب وبين أحد منهم خرج علي مغضبا حتى أتى جدولا من الأرض وتوسد
~~ذراعه ونام فيه تسفي الريح عليه (1)، فطلبه النبي (صلى الله عليه وآله)
~~فوجده على تلك الصفة، فوكزه برجله، وقال له: قم فما صلحت أن تكون إلا أبا
~~تراب، أغضبت حين آخيت بين المهاجرين والأنصار ولم أؤاخ بينك وبين أحد
~~منهم؟! أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي (2)
~~بعدي؟! ألا من أحبك فقد حف بالأمن والإيمان، ومن أبغضك أماته الله ميتة
~~جاهلية، وحوسب بعمله في الإسلام (3).
# PageV01P220
# وفي صحيح البخاري (1) عن أبي حازم أن رجلا جاء إلى سهل بن سعد فقال:
# PageV01P223
# هذا فلأن أمير المدينة (1) يدعو عليا عند المنبر يقول له أبو تراب، فضحك،
~~فقال:
# والله ما سماه بهذا الاسم إلا النبي (صلى الله عليه وآله)، وما كان اسم
~~أحب إليه منه... الحديث قال فيه: فقلت: يا أبا عباس، كيف كان ذلك؟ قال: دخل
~~علي على فاطمة ثم خرج واضطجع في المسجد، فجاءها النبي (صلى الله عليه وآله)
~~فقال: أين ابن عمك؟ قالت: ms017 في المسجد، فخرج إليه فوجد رداءه قد سقط عن ظهره
~~وخلص التراب إلى ظهره، فجعل يمسح عن ظهره ويقول: اجلس يا أبا تراب - مرتين
~~-.
# PageV01P226
# وفي صحيح مسلم نحوه عن سهل بن سعد، وقال فيه: جاء رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) إلى بيت فاطمة فلم يجد عليا في البيت، فقال: أين ابن عمك؟
~~فقالت: كانت بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يقل عندي، فقال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) لإنسان: انظر أين هو؟
# فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد، فجاءه رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) وهو مضطجع وقد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب، فجعل رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) يمسحه عنه ويقول:
# قم يا أبا تراب، ثم يا أبا تراب. وهذا بعض الحديث (1).
# قولها (2): " خرج ولم يقل عندي " هو بفتح الياء وكسر القاف من القيلولة،
~~وهي النوم نصف النهار. قال العلماء: وفيه جواز النوم في المسجد واستحباب
~~ملاحظة ملاطفة الغضبان وممازحته والمشي إليه لاسترضائه.
# وفي صحيح البخاري: عن سعد بن أبي وقاص (3) (رض) قال: قال النبي (صلى الله
~~عليه وآله) لعلي كرم الله وجهه: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى
~~(4).
# وفي صحيح مسلم قال فيه: وخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي
~~طالب في غزوة تبوك [فأرجف له من المنافقين فقالوا: خلفه مع النساء والصبيان
~~وذلك استخفافا منه فأخذ سلاحه ولحق النبي (صلى الله عليه وآله) وهو نازل
~~بالجحفة]، فقال: يا رسول الله، تخلفني
# PageV01P227
# في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى
~~إلا أنه لا نبي بعدي (1).
# PageV01P228
# ومما رواه الترمذي: أنه (صلى الله عليه وآله) انتجى عليا عند يوم الطائف،
~~فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه، فقال (صلى الله عليه وآله): ما
~~انتجيته، ولكن الله انتجاه (1).
# PageV01P231
# وروى الترمذي [عن أنس بن مالك (رض) قال:] انه (صلى الله عليه وآله) بعث
~~ب [سورة] براءة، أو قال: سورة التوبة مع أبي بكر، ms018 ثم دعاه فقال: لا ينبغي
~~لأحد أن يبلغ عني [هذا] إلا رجل هو (1) من (2) أهل بيتي، أو قال: يذهب بها
~~إلا رجل هو مني وأنا منه، فدعا عليا فأعطاه إياها (3).
# PageV01P232
# وروى الترمذي أيضا عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): من كنت مولاه فعلي مولاه. هذا اللفظ بمجرده (1).
# ورواه الترمذي ولم يزد عليه (2).
# PageV01P235
# وزاد غيره - وهو الزهري (1) - ذكر اليوم والزمان والمكان، قال: لما حج
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجة الوداع، وعاد قاصدا المدينة قام بغدير
~~خم - وهو ماء بين مكة والمدينة - وذلك في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة
~~الحرام وقت الهاجرة، فقال (صلى الله عليه وآله): أيها الناس، إني مسؤول
~~وأنتم مسؤولون، هل بلغت؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت، قال: وأنا أشهد
~~أني قد بلغت ونصحت ثم قال: أيها الناس، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله،
~~وأني رسول الله؟! قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال:
~~وأنا أشهد مثل ما شهدتم. ثم قال: أيها الناس، قد خلفت فيكم ما إن تمسكتم به
~~لن تضلوا بعدي: كتاب الله، وأهل بيتي، ألا وإن اللطيف أخبرني أنهما لم
~~يفترقا حتى يردا علي الحوض، سعة حوضي ما بين بصرى وصنعاء، عدد
# PageV01P237
# آنيته عدد النجوم، إن الله مسائلكم كيف خلفتموني في كتابه وأهل بيتي. ثم
~~قال:
# أيها الناس، من أولى الناس بالمؤمنين؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن
~~أولى الناس بالمؤمنين أهل بيتي. قال ذلك ثلاث مرات، ثم قال في الرابعة وأخذ
~~بيد علي: " اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من
~~عاداه (1)
# PageV01P238
# - يقولها ثلاث مرات - ألا فليبلغ الشاهد الغائب (1).
# وروى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: عن البراء بن عازب (2) قال: كنا مع
# PageV01P239
# النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في سفر (1) فنزلنا بغدير خم، فنودي (2)
~~فينا الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله (صلى الله عليه وآله) تحت شجرتين (3)
~~فصلى (4) الظهر، وأخذ بيد علي فقال: ألستم تعلمون أني ms019 أولى بالمؤمنين من
~~أنفسهم؟! قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟!
~~قالوا: بلى، [وأخذ بيد علي] فقال: " اللهم: من كنت مولاه فعلي
# PageV01P240
# مولاه، اللهم وال (1) من والاه، وعاد من عاداه، [قال] فلقيه عمر بن
~~الخطاب بعد ذلك فقال له: هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل
~~مؤمن ومؤمنة.
# وروى الحافظ أبو بكر بن أحمد بن الحسين البيهقي رحمة الله عليه أيضا هذا
~~الحديث بلفظه مرفوعا إلى البراء بن عازب (2).
# وروى الحافظ أبو الفتوح أسعد ابن أبي الفضائل بن خلف العجلي في كتابه "
~~الموجز " في فضل الخلفاء الأربعة (رض)، يرفعه بسنده إلى حذيفة بن أسيد
~~الغفاري (3) وعامر بن [أبي] ليلى بن ضمرة قالا (4): لما صدر رسول الله (صلى
~~الله عليه وسلم) من حجة الوداع ولم يحج غيرها أقبل، حتى إذا كان بالجحفة
~~نهى عن سمرات متغاديات (5) بالبطحاء أن لا ينزل تحتهن أحد، حتى إذا أخذ
~~القوم منازلهم أرسل فقم ما تحتهن، حتى إذا نودي (6) بالصلاة - صلاة الظهر -
~~عمد إليهن فصلى بالناس تحتهن، وذلك يوم غدير خم، [و] بعد فراغه من الصلاة،
~~قال: أيها الناس، إنه قد
# PageV01P241
# أنبأني (1) اللطيف الخبير أنه لم يعمر نبي إلا نصف عمر النبي الذي كان
~~(2) قبله، وإني لأظن بأني أدعى (3) وأجيب، وإني مسؤول وأنتم مسؤولون هل
~~بلغت؟ فما أنتم قائلون؟ قالوا: نقول: قد بلغت وجهدت ونصحت وجزاك الله خيرا،
~~قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن جنته حق،
~~وأن ناره حق، والبعث بعد الموت حق؟! قالوا: اللهم [نشهد، قال: اللهم] أشهد.
# ثم قال: أيها الناس، ألا تسمعون؟ ألا فإن الله مولاي وأنا أولى بكم من
~~أنفسكم، ألا ومن كنت مولاه فعلي مولاه. وأخذ بيد علي فرفعها حتى نظر (4)
~~القوم، ثم قال: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه (5).
# ونقل الإمام أبو إسحاق الثعلبي (ره) في تفسيره (6): أن سفيان بن
# PageV01P242
# عيينة (١) سئل عن قول الله عزوجل: ﴿سأل سآللم بعذاب واقع﴾ ms020 (2) فيمن نزلت؟ فقال
~~للسائل: لقد سألتني عن مسألة ما سألني عنها أحد قبلك، حدثني أبي، عن جعفر
~~بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما
~~كان بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا، فأخذ بيد علي وقال (3): من كنت مولاه
~~فعلي مولاه. فشاع ذلك في أقطار البلاد، وبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري،
~~فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ناقته، فأناخ راحلته (4) ونزل
~~عنها، وقال: يا محمد، أمرتنا عن الله عزوجل أن نشهد أن لا إله إلا الله
~~وأنك رسول الله فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصلي خمسا فقبلناه [منك وامرتنا
# PageV01P243
# بالزكاة فقبلنا] (١)، وأمرتنا أن نصوم رمضان فقبلناه، وأمرتنا بالحج
~~فقبلناه، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا فقلت: " من
~~كنت مولاه فعلي مولاه "، فهذا شيء منك أم من الله عزوجل؟! فقال النبي (صلى
~~الله عليه وآله): والذي (٢) لا إله إلا هو إن هذا من الله عزوجل، فولى
~~الحارث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا
~~فأمطر علينا حجارة من السماء، أو أئتنا بعذاب أليم، فما وصل إلى راحلته حتى
~~رماه الله عزوجل بحجر (٣) سقط على هامته فخرج من دبره فقتله. فأنزل الله
~~عزوجل ﴿سأل سآئل بعذاب واقع *
~~للكافرين ليس لهو دافع * من الله ذى المعارج﴾ (4).
# وعن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) قال: عممني رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) يوم غدير خم بعمامة فسدل (5) طرفها (6) على منكبي وقال (7): إن الله
~~تعالى أمدني يوم بدر وحنين بملائكة معتمين (8) هذه العمة (9).
# PageV01P244
# وروى الإمام أبو الحسن الواحدي في كتابه المسمى ب " أسباب النزول "
~~يرفعه بسنده إلى أبي سعيد الخدري (رض) (١) قال: نزلت هذه الآية ﴿يا أيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من
~~ربك﴾ (2) يوم غدير خم في علي بن أبي طالب. وقوله: " بغدير خم هو
# PageV01P245
#
# PageV01P245
#
# PageV01P245
#
# PageV01P245
#
# PageV01P245
#
# PageV01P245
#
# PageV01P245
#
# PageV01P245
# بضم الخاء المعجمة وتشديد الميم مع التنوين اسم ل " غيظة ms021 " على ثلاثة
~~أميال من الجحفة، عندها غدير مشهور يضاف إلى الغيظة، فيقال: غدير خم، هكذا
~~ذكره الشيخ محيي الدين النووي (١).
# تنبيه على معاني الكلمات في هذا الفصل:
# منها قوله (صلى الله عليه وآله): " من كنت مولاه فعلي مولاه " (٢) قال
~~العلماء: لفظة " المولى " مستعملة بإزاء معان متعددة، وقد ورد القرآن
~~العظيم بها.
# فتارة تكون بمعنى أولى، قال الله تعالى في حق المنافقين: ﴿مأولاكم النار هي مولاكم﴾ (3)
~~معناه: أولى بكم.
# PageV01P262
# وتارة بمعنى الناصر، قال الله تعالى: ﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى
~~لهم﴾ (١) معناه: أن الله ناصر الذين آمنوا وأن الكافرين لا ناصر لهم.
# وتارة بمعنى الوارث، قال تعالى: ﴿ولكل جعلنا مولى مما ترك الوالدان والأقربون﴾ (٢)
~~معناه: وارثا.
# وتارة بمعنى العصبة، قال الله تعالى: ﴿وإني خفت الموالى من ورآئى﴾ (٣) معناه:
# عصبتي.
# وتارة بمعنى الصديق، قال الله تعالى: ﴿يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا﴾ (4) معناه:
# حميم عن حميم، وصديق عن صديق.
# وتارة بمعنى السيد والمعتق، وهو ظاهر.
# وإن (5) كانت واردة لهذه المعاني فيكون معنى الحديث: من كنت ناصره أو
~~حميمه أو صديقه فإن عليا يكون كذلك (6).
# PageV01P263
#
# PageV01P263
#
# PageV01P263
#
# PageV01P263
# ومنها قوله (صلى الله عليه وسلم): " أنت مني بمنزلة هارون من موسى، غير
~~أنه لا نبي بعدي " (1) فلابد أولا من كشف سر المنزلة التي لهارون من موسى.
# PageV01P274
# وذلك أن القرآن المجيد - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه -
~~نطق بأن موسى (عليه السلام) سأل ربه عزوجل فقال: ﴿واجعل لي وزيرا من أهلى * هرون أخى * اشدد بهى أزرى *
~~وأشركه في أمرى﴾ (١)، وأن الله عزوجل أجابه إلى مسؤوله وأجناه من شجرة
~~دعائه ثمرة سؤله، فقال عز من قائل: ﴿قد أوتيت سؤلك يموسى﴾ (٢) وقال عزوجل: ﴿ولقد ءاتينا موسى الكتب وجعلنا معه
~~أخاه ms022 هرون وزيرا﴾ (٣)، وقال تعالى:
# ﴿سنشد عضدك بأخيك﴾ (٤)، فظهر أن
~~منزلة هارون من موسى منزلة الوزير، والوزير مشتق من إحدى معان ثلاثة:
# أحدها: من الوزر - بكسر الواو وتسكين الزاي - وهو الثقل، فكونه وزيرا له
~~يحمل عنه أثقاله ويخففها.
# ثانيها: من الوزر - بفتح الواو والزاي - وهو المرجع والملجأ، ومنه قوله
~~تعالى:
# ﴿كلا لا وزر﴾ (5). فكان (6)
~~الوزير المرجوع إلى رأيه ومعرفته، والملجأ (7) إلى الاستعانة به.
# والمعنى الثالث: من الأزر وهو الظهر، قال تعالى: (اشدد بهى أزرى) فيحصل
~~بالوزير قوة الأمر واشتداد الظهر، كما يقوى البدن ويشتد به، وكانت منزلة
~~هارون من موسى أنه يشد أزره ويعاضده ويحمل عنه أثقاله، أي: أثقال بني
~~إسرائيل بقدر استطاعته (8).
# PageV01P275
#
# PageV01P275
# فتلخص: أن منزلة هارون من موسى صلوات الله عليهما أنه كان أخاه ووزيره
~~PageV01P279
# وعضده في النبوة، وخليفته على قومه عند سفره، وقد جعل رسول الله (صلى
~~الله عليه وسلم) عليا منه بهذه المنزلة، إلا النبوة فإنه (صلى الله عليه
~~وسلم) استثناها بقوله: " غير أنه لا نبي بعدي ". فعلي أخوه ووزيره وعضده،
~~وخليفته على أهله عند سفره إلى تبوك.
# ومنها: الأخوة، وحقيقتها بين الشخصين، كونهما مخلوقين من أصل واحد، وهذه
~~الحقيقة منتفية هاهنا، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) أبوه (1) عبد الله
~~وأمه آمنة، وعلي أبوه أبو طالب وأمه فاطمة بنت أسد، فتعين صرف حقيقة الأخوة
~~إلى لوازمها، ومن لوازمها:
# المناصرة والمعاضدة والإشفاق وتحمل المشاق والمحبة والمودة، فمعنى قوله:
# " أنت أخي في الدنيا والآخرة " أني ناصرك وعضدك ومشفق عليك ومعتزبك (2)،
~~وقد أشار (صلى الله عليه وسلم) إلى كون المناصرة من لوازم الأخوة بقوله
~~(صلى الله عليه وسلم) في الحديث الصحيح:
# " انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقال السامع: أنصره مظلوما، فكيف أنصره
~~ظالما؟
# فقال: تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه " (3) فجعل النبي (صلى الله عليه
~~وآله) النصرة من لوازم الأخوة.
# PageV01P280
# فصل في ذكر شيء من شجاعته (1) أما شجاعته فكانت ظاهرة على أعطافه، مشهورة
~~(2) معروفة من نعوته وأوصافه، وأول ذلك: أن ms023 النبي (صلى الله عليه وآله) لما
~~بايع طائفة من الأنصار بيعة العقبة الأولى (3) وكانوا
# PageV01P281
# ستة (1) أنفس، منهم: بشير بن سعد (2)، وحارثة بن النعمان (3)، وسعد بن
~~عبادة الصامت (4)،
# PageV01P282
# وعبد الله بن رواحة (1).
# فلما كان في العام القابل (2) أقبل أولئك الستة ومعهم ستة آخرون،
# PageV01P283
# وهم (1): بشير بن زيد (2)، والبراء بن معرور (3)، وعبد الله بن أنيس (4)،
~~وسهل بن زيد (5)، وعبادة بن الصامت (6)، والهيثم (7). فلقوا النبي (صلى
~~الله عليه وآله) عند العقبة، وبايعوه (8) على أنهم لا
# PageV01P284
# يشركون بالله شيئا، ولا يسرقون، ولا يزنون، ولا يقتلون النفس التي حرم
~~الله إلا بالحق، ولا يأتون ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصونه
~~في معروف، فقالوا: يا رسول الله، إن تركنا من هذه الشرائع واحدة ماذا يكون؟
~~فقال النبي: يكون الأمر في ذلك إلى الله عزوجل: إن شاء عفا وإن شاء عذب.
~~فقالوا: رضينا يا رسول الله فابعث معنا رجلا من أصحابك يقرأ علينا القرآن،
~~ويعلمنا شرائع الإسلام، فبعث معهم النبي (صلى الله عليه وآله) مصعب بن عمير
~~(1) بن هاشم ليقرئهم القرآن ويعلمهم شرائع الإسلام، والناس يؤمنون الواحد
~~بعد الواحد، والرجل بعد الرجل، والمرأة بعد المرأة.
# فلما كان في العام الثالث (2) - وهي (3) البيعة الأخيرة التي بايعه فيها
~~منهم ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان - بايعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~على أن يمنعوه مما يمنعون نساءهم وأبناءهم وأنفسهم، فاختار رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) منهم اثني عشر نقيبا، وانصرفوا إلى المدينة، فصار كلما
~~اشتد البلاء على المؤمنين بمكة يستأذنون رسول الله (صلى الله عليه وآله) في
# PageV01P285
# الهجرة إلى المدينة فيأذن لهم، فيخرجون أرسالا متسللين أولهم فيما قيل:
~~أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي (1)، وقيل: أولهم مصعب بن عمير (2)، فعند
~~قدومهم المدينة على الأنصار أكرموهم وأنزلوهم في دورهم، وآووهم ونصروهم
~~وواسوهم.
# فلما علم المشركون بذلك وأنه صار للمسلمين دار هجرة وأن أكثر من أسلم قد
~~هاجر إليها شق عليهم ذلك، فاجتمع رؤساء قريش بدار الندوة (3) وكانت موضع
# PageV01P286
# مشورتهم لينظروا ما يصنعوا بالنبي، وكانوا عشرة (1)، وهم: شيبة (2) وعتبة
~~(3) ابنا ms024 ربيعة، ونبيه (4) ومنبه (5) ابنا الحجاج، وأبي (6) وأمية (7) ابنا
~~خلف، وأبو جهل ابن هشام (8)، ونضر (9) بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط (10)،
~~فهؤلاء العشرة (11) اجتمعوا للمشورة. فجاءهم إبليس في صورة الشيخ النجدي
~~عليه جبة صوف وبرنس أخضر، وفي يده عكاز يتوكأ عليه، فقال لهم: قد بلغني
~~اجتماعكم لمشورتكم فأحببت أن أحضركم فما تعدمون مني رأيا حسنا، فأدخلوه
~~معهم.
# وأول (12) من تكلم عتبة بن ربيعة (13)، فقال: الرأي أن تحبسوا محمدا في
~~بيت
# PageV01P287
# مغلق، ليس لها غير طاقة واحدة (1)، يدخل منها طعامه وشرابه، وتربصون (2)
~~به ريب المنون. فقال الشيخ النجدي: ليس هذا برأي (3)، فإن له عشيرة،
~~فتحملهم الحمية على أن لا يمكنوا من ذلك فتتقاتلوا، فقالوا: صدق الشيخ.
# فقال شيبة بن ربيعة: الرأي أن تركبوا محمدا جملا شرودا قد شدد تموه
~~بالافشاع (4) عليه، وتطلقوه نحو البادية، فيقع على أعراب جفاة، فيكدر عليهم
~~بما يقول، فيكون هلاكه على يد غيركم، فتستريحون منه. فقال الشيخ النجدي:
~~بئس الرأي، تعمدون إلى رجل قد أفسد سفهاءكم وجهالكم فتخرجوه إلى غيركم
~~فيفسدهم ويستعذبهم (5) بعذوبة لفظه وطلاقة لسانه؟! لئن فعلتم ليجمعن الناس
~~عليكم جمعا، ويقاتلكم بهم، ويخرجكم من دياركم، فقالوا: صدق الشيخ.
# فقال أبو جهل: لا شيرن عليكم برأي لا رأي غيره، وهو أن تأخذوا من كل بطن
~~من قريش غلاما وسطا، وتدفعوا إلى كل غلام سيفا، فيضربوا محمدا ضربة رجل
~~واحد، فإذا قتلوه يفرق دمه في قبائل قريش كلها فلا يقدر بنو هاشم على حرب
~~قريش كلها، فيرضون بالعقل فيعطوهم عقله، وتخلصوا منه. فقال الشيخ النجدي:
# هذا هو الرأي وقد صدق فيما قال وأشار به، وهو أجود آرائكم، فلا تعدلوا
~~عنه، فتفرقوا على رأي أبي جهل، مجتمعين على قتل النبي (صلى الله عليه
~~وآله).
# فأتى جبرئيل (عليه السلام) إلى النبى (صلى الله عليه وآله) وأخبره بذلك،
~~وأمره ان [لا] يبيت في موضعه الذي كان ينام فيه، وأذن الله تعالى في
~~الهجرة، فعند ذلك أخبر عليا بأمورهم، وأمره
# PageV01P288
# أن ينام عوضه في (1) مضجعه على (2) فراشه الذي كان ينام فيه، وقال ms025 له: لن
~~يصل إليك منهم أمر تكرهه (3)، ووصاه بحفظ ذمته وأداء أمانته، ظاهرا على
~~أعين الناس، وكانت قريش تدعو النبي (صلى الله عليه وآله) في الجاهلية
~~بالأمين.
# وأمره أن يبتاع رواحل له وللفواطم: فاطمة بنت النبي (4) (صلى الله عليه
~~وآله)، وفاطمة بنت أسد (5) أم علي كرم الله وجهه، وفاطمة بنت الزبير بن عبد
~~المطلب (6)، ولم يهاجر معه من بني هاشم
# PageV01P289
# ومن ضعفاء المؤمنين [أحد] وقال لعلي: إذا أبرمت ما أمرتك به كن على أهبة
~~الهجرة (1)
# PageV01P290
# إلى الله ورسوله، وسر لقدوم كتابي عليك (1). ثم خرج عنه رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) وقال له: إذا جاءك أبو بكر فوجهه خلفي نحو بئر أم ميمون
~~وكان ذلك في فحمة العشاء، والرصد من قريش قد أطافوا بالدار ينتظرون أن
~~ينتصف الليل وينام الناس، فأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) قبضة من تراب
~~وقرأ عليها (2). وحثاها في وجوههم، فخرج فلم يروه.
# ونام علي (عليه السلام) على فراشه. فدخل عليه أبو بكر (رض) وهو يظنه رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) فقال له علي إن رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~خرج نحو بئر أم ميمون (3) وهو يقول لك: أدركني فلحقه، أبو بكر (رض) ومضيا
~~جميعا يتسايران حتى أتيا جبل ثور فدخلا الغار
# PageV01P293
# واختفيا فيه وجاءت العناكب الذكور والإناث من أسفل الغار يستقبل بعضها
~~بعضا حتى نسجت على الغار نسج أربع سنين في ساعة واحدة، وأقبلت حمامتان من
~~حمام مكة حتى سقطتا جميعا على باب الغار وباضت الأنثى منهما من ساعتها
~~بقدرة الله وحضنت على البيض. وذهب من الليل ما ذهب وعلي (رض) نائم على فراش
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمشركون يرجمونه (1)، فلم يضطرب ولم
~~يكترث، ثم أنهم تسوروا عليه ودخلوا شاهرين سيوفهم، فثار في وجوههم فعرفوه
~~فقالوا: هو أنت؟! أين صاحبك (2)؟ فقال: لا أدري، فخرجوا عنه وتركوه، ولم
~~يصل إليه منهم مكروه وكفاه الله شرهم.
# قال بعض أصحاب الحديث: وأوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل أن انزلا
~~إلى علي (عليه السلام) واحرساه ms026 في هذه الليلة إلى الصباح، فنزلا إليه وهما
~~يقولان: بخ بخ من مثلك يا علي قد باهى الله تعالى بك ملائكته (3).
# وأورد الإمام حجة الإسلام أبو حامد محمد ابن الغزالي (4) رحمه الله تعالى
~~في كتاب " إحياء علوم الدين " أن ليلة بات علي بن أبي طالب على فراش رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) أوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل: أني آخيت
~~بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟
~~فاختارا كلاهما
# PageV01P294
# الحياة وأحباها، فأوحى الله تعالى إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي
~~طالب حين آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة،
~~اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه، وكان (١) جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند
~~رجليه ينادي ويقول: بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب؟ يباهي الله بك
~~الملائكة، فأنزل (٢) الله عزوجل: ﴿ومن الناس من يشرى نفسه ابتغآء مرضات الله والله رءوف
~~بالعباد﴾ (3).
# وفي تلك الليلة أنشأ علي كرم الله وجهه يقول (4):
# PageV01P295
# وقيت بنفسي خير من وطئ الثرى * وأكرم خلق طاف بالبيت والحجر وبت أراعي
~~منهم ما يسوؤني * وقد صبرت نفسي على القتل والأسر وبات رسول الله في الغار
~~آمنا * وما زال في حفظ الإله وفي السر (1) فهذا مما يشهد له بقوة جنانه،
~~وثبات أركانه، وتبريزه على نظرائه (2) وأقرانه، من أبطال الحرب وشجعانه.
# ومن كلام بعضهم: واعجباه! هذا فداه بنفسه من الكفار، وهذا ساواه بنفسه في
~~الغار، وهذا آنسه في مسيره، وهذا بات على سريره، وهذا أنفق ماله عليه، وهذا
~~بذل مهجته بين يديه، وكل (3) منهما سعيه مشكور، وفضله مشهور، وهو على صنيعه
~~مثاب ومأجور (4).
# PageV01P296
# قال (1): وأصبحت (2) قريش وقد خرجوا في طلب النبي (صلى الله عليه وآله)
~~يقصون أثره في شعاب مكة وجبالها، فلم يتركوا موضعا، حتى أنهم وقفوا على باب
~~الغار الذي فيه النبي (صلى الله عليه وآله)، فوجدوا العنكبوت ناسجا على
~~بابه، ووجدوا حمامتين وحشيتين قد نزلتا بباب الغار، وباضتا وفرختا، فقال
~~لهم عتبة بن ms027 ربيعة: ما وقوفكم هاهنا، لو دخل محمد هذا الغار لخرق هذا النسج
~~الذي ترون ولطارت الحمامتان، وجعل القوم يتكلمون. فحزن أبو بكر وخاف، فقال
~~له النبي (صلى الله عليه وآله): يا أبا بكر، نحن اثنان والله ثالثنا، فما
~~ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا، وسيقتل عامة من ترى ببدر
# PageV01P298
# إن شاء الله تعالى (1). فضرب الله على وجوه القوم فانصرفوا.
# نقل المسعودي - في شرحه لمقامات الحريري (2) عند ذكره طوق الحمامة في
~~المقامة الأربعين - عن أبي مصعب المكي قال: أدركت أنس بن مالك وزيد بن أرقم
~~والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم، فسمعتهم يتحدثون في أمر رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) ليلة الغار، فقالوا: بعد أن دخل رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) الغار [و] معه أبو بكر أمر الله سبحانه وتعالى شجرة فنبتت على فم
~~الغار قبالة وجه النبي (صلى الله عليه وآله)، وأمر حمامتين وحشيتين فنزلتا
~~بباب الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن رجل بعصيهم وبهراواهم (3) وسيوفهم
~~على عواتقهم، حتى إذا كانوا قريبا من الغار ونظروا إلى الحمامتين بباب
~~الغار فرجعوا، وقالوا: لا ننظر بالغار غير حمامتين وحشيتين، ولو كان به أحد
~~لطارتا، فسمت (4) النبي (صلى الله عليه وسلم) حينئذ على الحمام، وفرض
~~جزاءهن في قتلهن في الحرم، فكن في الحرم آمنات.
# قوله: " سمت على الحمام " يعني: قال لهن: بارك الله عليكن، يقال: سمت له
~~أي إذا دعا له بالبركة (5)، انتهى.
# وما أحسن قول الفيومي (6) في تخميسه للبردة:
# هذا الحمام بباب الغار قد نزلا * والعنكبوت حكت من نسجها حللا فالصاحبان
~~هنا يا قوم ما دخلا * ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت علا خير البرية لم تنسج
~~ولم تحم
# PageV01P299
# قال: وأقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثة أيام بلياليها في
~~الغار، وقريش يطلبونه فلا يقدرون عليه، ولا يدرون أين هو؟ وأسماء بنت أبي
~~بكر تأتيهما ليلا بطعامها وشرابهما.
# قال: فلما كان بعد الثلاثة الأيام أمرها النبي (صلى الله عليه وآله) [أن
~~تذهب] إلى علي بن أبي طالب ms028 (عليه السلام) فقال لها: أخبريه بموضعنا، وقولي
~~له يستأجر لنا دليلا، ويأتينا معه بثلاثة من الإبل بعد مضي من الليلة
~~الآتية. قال: فجاءت أسماء إلى علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) فأخبرته
~~بذلك، فأستأجر لهما علي (رضي الله عنه) عند ذلك رجلا يقال له: الأريقط بن
~~عبد الله الليثي، وأرسل معه بثلاث من الإبل، فجاء بهن إلى أسفل الجبل ليلا
~~[بعد ما مضى من الليلة الآتية (1) قليلا].
# قال: وسمع النبي (صلى الله عليه وآله) برغاء الإبل، فنزل من الغار هو
~~وأبو بكر إليه فعرفاه، فعرض عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) الإسلام،
~~فقيل: أسلم. وقيل: إنه لم يسلم، وجعل يشد على الإبل أرحالها (2) وهو يرتجز
~~ويقول:
# شدا العرى على المطي وأخرما (3) * وودعا غاركما والحرما وشمرا هديتما
~~وسلما * لله هذا الأمر حقا فاعلما سينصر الله النبي المسلما قال: وركب
~~النبي (صلى الله عليه وسلم) وركب أبو بكر وركب الدليل وساروا، فأخذ بهم
~~الدليل أسفل مكة، ومضى بهما على طريق الساحل، فاتصل الخبر بأبي جهل [في]
~~ثاني يوم، فنادى في أهل مكة فجمعهم، وقال: إنه بلغني أن محمدا قد مضى نحو
~~يثرب على طريق الساحل ومعه رجلان آخران، فأيكم يأتيني بخبره؟ قال:
# PageV01P300
# فوثب سراقة بن مالك بن جعثم المدلجي أحد بني كنانة فقال: أنا لمحمد يا
~~أبا الحكم.
# ثم إنه ركب راحلته واستجنب فرسه، وأخذ معه عبدا له أسود، كان من الشجعان
~~الموصوفين المشهورين، فسار [ا] في أثر النبي (صلى الله عليه وسلم) سيرا
~~عنيفا نحو الساحل فلحقا به. قال: فالتفت أبو بكر فنظر إلى سراقة بن مالك
~~مقبلا، فقال: يا رسول الله قد دهينا، هذا سراقة بن مالك قد أقبل في طلبنا
~~ومعه غلامه الأسود المشهور فلان، فلما أبصرهم سراقة نزل عن راحلته وركب
~~فرسه، وتناول رمحه، وأقبل نحوهم، فلما قرب منهم قال النبي (صلى الله عليه
~~وسلم): اللهم أكفنا أمر سراقة بما شئت وكيف شئت وأنى شئت. قال: فساخت (1)
~~قوائم فرسه في الأرض حتى لم يقدر الفرس أن يتحرك. ms029
# قال: فلما نظر سراقة إلى ذلك هاله فرمى بنفسه عن الفرس إلى الأرض ورمى
~~برمحه وقال: يا محمد أنت آمن أصحابك فادع ربك أن يطلق لي جوادي ولك علي عهد
~~وميثاق أن أرجع عنك ولا عليك مني [فزع] فرفع النبي (صلى الله عليه وآله)
~~يديه إلى السماء وقال: اللهم إن كان صادقا فيما يقول فأطلق له جواده.
# قال: فأطلق الله تعالى قوائم فرسه حتى وقف على الأرض صحيحا سليما، فأخرج
~~سراقة سهما من كنانته ودفعه إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال: يا محمد
~~خذ هذا السهم معك فإنك ستمر بإبل لي فيها غلام لي يرعاها [أمامك] خذ منها
~~ما شئت فادفع إليه السهم واستعر من أباعري بعيرا أو بعيرين ما أردت توصل
~~به، ولي غنم أيضا ترعى أمامك خذ منها ما شئت فاذبحه، فقال له النبي (صلى
~~الله عليه وآله): على أنك تؤمن بالله وتشهد بشهادة الحق في وقتك هذا، فقال:
~~يا محمد أما الآن فلا، ولكني أصرف عنك الناس، فقال النبي (صلى الله عليه
~~وسلم): إذا بخلت علينا بنفسك فلا حاجة لنا في مالك (2).
# PageV01P301
# قال: وانصرف سراقة راجعا إلى مكة، وسار النبي (صلى الله عليه وسلم) يريد
~~يثرب، فلما رجع سراقة إلى مكة اجتمع إليه أهلها وقالوا: أخبرنا ما وراءك يا
~~سراقة؟ فقال: ما رأيت لمحمد أثرا ولا سمعت عنه (1) خبرا، والإبل التي
~~بلغتكم أنها متوجهة نحو يثرب إبل لعبد القيس، فقال أبو جهل: أما واللات يا
~~سراقة، إن نفسي تحدثني أنك رأيت محمدا ولحقت به، ولكنه خدعك فانخدعت، ودعاك
~~فأجبت، قال: فتبسم سراقة من قول أبي جهل وقال: أما إنك لو عاينت من فرسي
~~هذا ما عاينت لصرفت عني كلامك، ونهض عنهم قائما.
# ثم إنه بعد ذلك أخبرهم بقصته مع النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ومضى
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبو بكر والدليل بين أيديهما حتى أخذ
~~بهما أسفل عسفان، ثم خرج بهما على قديد، ثم على الفجاج، ثم سار بهما إلى أن
~~قربا ms030 من المدينة، والأوس والخزرج قد بلغهم خروج النبي (صلى الله عليه وسلم)
~~من مكة يريد يثرب. وكانوا يخرجون كل يوم إذا صلوا الظهر (2) إلى ظاهر الحرة
~~يجلسون هناك ينتظرون قدومه (صلى الله عليه وسلم) فلا يزالون كذلك حتى يبلغ
~~منهم حر الشمس، فإذا لم يروا شيئا رجعوا إلى منازلهم.
# قال: فوصل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى قبا يوم الاثنين لاثنتي
~~عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، ونزل على كلثوم بن الهرم (3) أخي بني
~~عمرو بن عوف وقال قوم: نزلوا على سعد بن خيثمة، والصحيح أنه نزل على كلثوم
~~بن الهرم، غير أنه كان إذا خرج من منزل كلثوم يجلس للناس في منزل سعد بن
~~خيثمة وراودوه الدخول إلى
# PageV01P302
# المدينة فقال: ما أنا بداخلها حتى يقدم ابن عمي وابنتي - يعني عليا
~~وفاطمة رضي الله عنهما -.
# قال أبو اليقظان: ولما وصل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى قبا
~~حدثنا بما أرادت به قريش من المكر، ومن مبيت علي على فراشه، وبين مؤاخاة
~~الله بين جبرئيل وميكائيل، وجعل عمر أحدهما أطول من عمر الآخر... الحديث
~~المقدم بتمامه كما ذكره صاحب الكشاف أيضا.
# قال: وكتب النبي (صلى الله عليه وآله) إلى علي (عليه السلام) يأمره
~~بالمسير إليه والمهاجرة هو ومن معه، وكان علي كرم الله وجهه بعد أن توجه
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) قام صارخا بالأبطح ينادي:
# من كان له قبل محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمانة فليأت ترد إليه
~~أمانته وقضى حوائجه وجميع أموره. وابتاع ركايب وأجمالا بسبب المهاجرة، ولم
~~يكن ينتظر غير ورود كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما ورد عليه
~~الكتاب خرج بالفواطم وخرج معه أيمن بن أم أيمن مولى النبي (صلى الله عليه
~~وآله) وجماعة من ضعفاء المؤمنين ومعهم [أم] أيمن أيضا، فأتوا النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) وهو نازل بقبا على بني عمرو بن عوف لم يدخل المدينة.
# فلما أن جاؤوا خرج من قبا يوم الجمعة بجمع ms031 من بني سالم ومن معه من
~~المسلمين وهم يومئذ مائة رجل، ثم ركب ناقته وجعل الناس يكلمونه في النزول
~~عليهم ويأخذون بخطام الناقة فيقول (صلى الله عليه وسلم): خلوا سبيلها فإنها
~~مأمورة. فبركت عند موضع مسجد (1) رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يومئذ
~~يصلي فيه رجال من المسلمين وهو مربد (2) لسهل وسهيل غلامين من بني مالك بن
~~النجار اشتراه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعشرة دنانير، وقيل: امتنعوا
~~من بيعه وبذلوه لله عزوجل، وهو الصحيح، فاتخذه رسول الله (صلى الله عليه
~~وسلم) مسجدا (3) وهو مكان مسجده اليوم. وهذا تفصيل شيء من مواقف أبي الحسن
~~(رضي الله عنه)
# PageV01P303
# ومواطن جهاده التي قام فيها بالفروض والسنن.
# فمنها: ما كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك [كانت] على
~~رأس ثمانية عشر شهرا من مقدمه (1) إلى المدينة الشريفة وعمر علي (رض) إذ
~~ذاك سبع وعشرة (2)، سنة فاتفقت غزوة بدر التي أردت بالشرك فقصمت مطاه وفصمت
~~عراه، فيومها يوم خصه الله تعالى بإبدار بدره، وبشرت بالنصر تباشير فجره،
~~ونزلت فيه الملائكة المسمومة لا مداد نصره، وانقسمت جموع المشركين يومئذ
~~إلى مجدول بقتله (3) ومخذول بأسره. فكان علي (رض) خائضا لجج غمراته بقلب لا
~~ينحرف، وقدم إقدام لا ينصرف، يقط بشبا (4) سيفه رقاب الهام قط الأقلام.
# فكان عدة من قتل علي كرم الله وجهه من مقاتلة المشركين على ما قيل في
~~المغازي أحدا وعشرين قتيلا، منهم من اتفق الناقلون على انفراده بقتله وهم
~~تسعة:
# وليد بن عتبة بن ربيعة، خال معاوية بن أبي سفيان قتله مبارزة وكان شجاعا
~~جريئا (5) فتاكا (6) وقاحا تهابه الأبطال، والعاص بن سعيد بن العاص بن أمية
~~وكان هولا عظيما من الرجال المعدودين، وعامر بن عبد الله، ونوفل بن خويلد
~~وكان من شياطين قريش وكان من أشد الناس عداوة للنبي (صلى الله عليه وسلم)،
~~وكانت قريش تقدمه وتعظمه (7) ولما عرف رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~حضوره سأل الله أن يكفيه أمره [وقال (صلى الله عليه وآله): اللهم أكفني ms032
~~نوفلا] فقتله علي بن أبي طالب (رض)، ومسعود بن أمية بن المغيرة، وأبو قيس
~~بن
# PageV01P304
# الفاكه (1)، وعبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة، والعاص بن منبه بن
~~الحجاج، وحاجب بن السائب (2).
# PageV01P305
#
# PageV01P305
#
# PageV01P305
#
# PageV01P305
# وأما الذين شارك (1) في قتلهم غيره فهم أربعة: حنظلة بن أبي سفيان بن حرب
~~أخو معاوية، وعبيدة بن الحارث، وزمعة (2) وعقيل ابنا (3) الأسود بن [عبد]
~~المطلب (4).
# وأما المختلف فيهم فسبعة وهم (5): طعيمة (6) بن عدي بن نوفل وكان من رؤوس
~~أهل الضلال، وعمر بن عثمان بن عمر، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو
~~العاص بن قيس، وأوس الجمحي، وعقبة بن أبي معيط [صبرا]، ومعاوية بن عامر.
# فهذه عدة من قتله علي كرم الله وجهه يوم بدر. وأجمع أهل الغزوات على أن
# PageV01P313
# عدة من قتل من مقاتلة المشركين يوم بدر سبعون رجلا (1).
# وروي عن أبي رافع مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لما أصبح
~~الناس يوم بدر اصطفت قريش أمامها عتبة بن ربيعة وأخاه شيبة وابنه الوليد،
~~فنادى عتبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) [فقال]: يا محمد، أخرج إلينا
~~أكفاءنا من قريش، فبدر إليه (2) ثلاثة من شبان
# PageV01P314
# الأنصار (2)، فقال لهم عتبة: من أنتم؟ فانتسبوا له، فقال لهم: لا حاجة
~~لنا (3) إلى (4) مبارزتكم، إنما طلبنا بني عمنا، فقال رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) للأنصار: ارجعوا إلى مواقفكم، ثم قال: قم يا علي، قم يا حمزة،
~~قم يا عبيدة، قاتلوا على حقكم الذي بعث به نبيكم. إذ جاؤوا بباطلهم ليطفئوا
~~نور الله، فقاموا فصفوا [للقوم] في وجوههم وكان على رؤوسهم (5) البيض، فلم
~~يعرفوهم.
# فقال لهم عتبة: يا هؤلاء تكلموا، فإن كنتم أكفاءنا قاتلناكم، فقال حمزة:
~~أنا حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، فقال عتبة: كفو كريم. وقال
~~علي: أنا علي بن أبي طالب [بن عبد المطلب] وقال عبيدة: أنا عبيدة بن الحارث
~~بن عبد المطلب، فقال عتبة لابنه الوليد: قم يا وليد، ابرز لعلي [فبرز إليه]
~~وكانا إذ ذاك أصغر الجماعة سنا، فاختلفا بضربتين (6)، أخطأت ضربة ms033 الوليد
~~ووقعت ضربة علي [على] اليد (7) اليسرى من الوليد فأبانتها، ثم ثنى عليه
~~بأخرى فجدله صريعا (8).
# وروي عن علي (عليه السلام) أنه كان إذا ذكر (9) بدرا وقتله الوليد قال في
~~حديثه: كأني أنظر إلى وميض خاتمه في شماله، عندما أبينت يده منه وبها أثر
~~من خلوق فعلمت
# PageV01P315
# أنه قريب عهد بعرس (2).
# ثم بارز (3) عتبة حمزة فقتله حمزة، وبارز (4) عبيدة شيبة وكانا من أسن
~~القوم، فاختلفا بضربتين فأصاب ذبال (5) سيف شيبة عضلة ساق عبيدة فقطعتها،
~~فاستنقذه علي وحمزة منه وقتلا شيبة، فحمل عبيدة [من مكانه] فمات بالصفراء
~~رحمه الله تعالى.
# ومنها: غزوة أحد (6) في شوال سنة ثلاث من الهجرة، وتلخيص القول في هذه
# PageV01P316
#
# PageV01P316
# القصة: أن أشراف قريش لما كسروا يوم بدر وقتل بعضهم وأسر بعضهم دخل الحزن
~~على أهل مكة بقتل رؤسائهم وأشرافهم، فتجمعوا وبذلوا أموالا، واستمالوا جمعا
~~من الأحابيش من كنانة وغيرهم ليقصدوا النبي (صلى الله عليه وآله) بالمدينة
~~لاستيصال المسلمين، وتولى ذلك أبو سفيان بن حرب فجند الجنود وحشد وقصد
~~المدينة، فخرج PageV01P322
# النبي (صلى الله عليه وآله) بالمسلمين فاتفق (١) النفاق بين جماعة من
~~الذين خرجوا مع النبي (صلى الله عليه وآله)، فرجع قريب من ثلثهم (٢)، وبقى
~~مع النبي (صلى الله عليه وآله) سبعمائة (٣) من المسلمين.
# وهذه القصة ذكرها الله تعالى في سورة آل عمران في قوله تعالى: ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين
~~مقعد للقتال والله سميع عليم﴾ (4) إلى آخر ستين آية، واشتدت الحرب ودار
~~[ت] رحاها واضطرب المسلمون، واستشهد حمزة وجماعة من المسلمين وقتل من
~~مقاتلة المسلمين، اثنان وعشرون قتيلا.
# ونقل أصحاب المغازي (5) أن عليا قتل منهم سبعة هم: طلحة بن
# PageV01P323
# أبي طلحة بن عبد العزى، وعبد الله بن جميل من بني عبد الدار، وأبو الحكم
~~بن الأخنس، وسباغ بن عبد العزى، وأبو أمية بن المغيرة، هؤلاء الخمسة متفق
~~على أن عليا قتلهم. وأبو سعد طلحة بن طليحة، وغلام (1) حبشي مولى لبني عبد
~~الدار مختلف فيهما. وعاد أبو سفيان ومن معه من ms034 المشركين طالبين مكة (2).
# PageV01P324
# ودخل (1) النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة فدفع سيفه ذا الفقار (2)
~~إلى فاطمة رضي الله عنها فقال:
# اغسلي عن هذا دمه يا بنية، فوالله لقد صدقني اليوم. وناولها علي (رض)
~~[سيفه] (3) وقال لها مثل ذلك (4).
# وروى محمد بن إسحاق أن عليا (رض) لما فرغ من القتال ناول سيفه فاطمة
~~وأنشد يقول (5):
# أفاطم هاك السيف غير ذميم * فلست برعديد ولا بمليم (6) لعمري لقد أعذرت
~~في نصر أحمد * وطاعة رب بالعباد عليم (7) وقال ابن إسحاق: [و] في هذا اليوم
~~هاجت ريح فسمع هاتفا يقول (8):
# PageV01P325
# لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي فإذا ندبتم (1) هالكا * فابكوا
~~الولي ابن الولي وأنشد الخطيب ضياء الدين أخطب خوارزم الموفق بن أحمد
~~الخوارزمي، ثم المكي رحمة الله تعالى عليه (2):
# PageV01P326
# أسد الإله وسيفه وقناته * كالظفر يوم صياله والناب جاء النداء من الإله
~~وسيفه * بدم الكماة يسح في تسكاب لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى * إلا علي
~~هازم الأحزاب فكان السيف لمنبه بن الحجاج السهمي، كان مع ابنه العاص بن
~~منية يوم بدر، فقتله علي (رض) وجاء بالسيف إلى رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) فأعطاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا بعد ذلك فقاتل به دونه
~~يوم أحد.
# ويروى أن بلقيس أهدت إلى سليمان (عليه السلام) سبعة أسياف كان ذو الفقار
~~منها، وقد جاء في بعض الروايات عن علي بن أبي طالب (رض) أنه قال: جاء
~~جبرئيل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له: إن صنما باليمن مفغر في
~~الحديد فابعث إليه فادققه وخذ حديده (2). وقال علي (رض): فدعاني رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) وبعثني إليه فذهبت ودققت الصنم وأخذت الحديد فجئت به
~~إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) واستضرب (3) منه سيفين، فسمى أحدهما ذو
~~الفقار، والآخر مخذما، فتقلد رسول الله ذو الفقار وأعطاني مخذما، ثم أعطاني
~~بعد ذلك ذو الفقار فرآني وأنا أقاتل به دونه يوم أحد فقال:
# لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي ms035 (4) قال الواقدي في المغازي (5):
# PageV01P327
# إنه لما سافر (1) الناس يوم أحد ما زال النبي (صلى الله عليه وآله) شبرا
~~واحدا، بل مرة يرمي عن قوسه، ومرة يضرب بسيفه، ومرة يرمي بالحجارة (2).
# وصبر معه أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين، وسبعة من الأنصار.
# أبو بكر، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة
~~بن عبيد الله، وأبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوام، فهؤلاء من
~~المهاجرين. ومن الأنصار: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت،
~~والحارث بن الصمت، وسهل بن حنيف، وأسيد (3) بن حضير (4)، وسعد (5) بن
# PageV01P329
# معاذ (1). ويقال: ثبت ابن سعد بن عبادة، ومحمد بن مسلمة.
# وبايعه يومئذ ثمانية على الموت، ثلاثة من المهاجرين، وخمسة من الأنصار:
# الزبير، وطلحة، وأبو دجانة، والحارث بن الصمت، وحباب بن المنذر، وعاصم بن
~~ثابت، وسهل بن حنيف، ولم يقتل منهم أحد، وأصيبت (2) يومئذ عين قتادة بن
~~النعمان حتى وقعت على خده قال: فجئت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وقلت:
~~يا رسول الله! إن تحتي امرأة شابة جميلة أحبها وتحبني وأنا أخشى أن تقذر
~~مكان عيني. قال:
# فأخذها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فردها فأبصرت بها، وعادت أحسن مما
~~كانت. لم تؤلمني ساعة من الليل أو نهار، وكان يقول بعد ما أن أسن هي أقوى
~~عيني وأحسنهما (3).
# وعن ابن عباس (رض) قال: خرج طلحة بن أبي طلحة يوم أحد وكان (4) صاحب لواء
~~المشركين فقال: يا أصحاب محمد! تزعمون أن الله يعجلنا بأسيافكم إلى النار،
~~ويعجلكم بأسيافنا إلى الجنة فأيكم يبرز إلي؟ فبرز إليه علي بن أبي طالب
~~وقال له: والله لا أفارقك حتى أعجلك بسيفي إلى النار، فاختلفا بضربتين
~~فضربه علي على رجله فقطعها وسقط إلى الأرض، فأراد علي أن يجهز عليه فقال:
# أنشدك الله والرحم يا بن عم، فانصرف عنه إلى موقفه، فقال المسلمون: هلا
~~أجهزت عليه، فقال: أنشدني (5) الله ولن يعيش، فمات من ساعته. وبشر النبي
~~(صلى الله عليه وآله) بذلك، فسر وسر المسلمون [ثم قال:] قال ms036 [محمد] بن
~~إسحاق: كان الفتح يوم أحد بصبر (6) علي (عليه السلام) وعنائه وثباته وحسن
~~بلائه (7).
# PageV01P330
# وفي ذلك يقول الحجاج بن علاط السلمي شعرا (1):
# [جادت يداك له بعاجل طعنة * تركت طليحة للجبين مجدلا] لله أي مذبب عن
~~حزبه (2) * أعني ابن فاطمة المعم المخولا (3) وشددت شدة باسل فكشفتهم (4) *
~~بالسفح إذ يهوون (5) أسفل أسفلا (6)
# PageV01P332
# وعللت سيفك بالدماء ولم تكن (1) * لترده حران (2) حتى ينهلا وروى الحافظ
~~محمد بن عبد العزيز الجنابذي في كتاب معالم العترة النبوية (3) مرفوعا إلى
~~قيس بن سعد عن أبيه انه سمع عليا يقول: أصابتني يوم أحد ست عشرة ضربة، سقطت
~~إلى الأرض في أربع منهن (4) فجاء (5) رجل حسن الوجه طيب الريح فأخذ بضبعي
~~فأقامني، ثم قال: أقبل عليهم فإنك في طاعة الله ورسوله وهما عنك راضيان،
~~قال علي: فأتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبرته فقال: يا علي أقر
~~الله عينيك (6) ذاك جبرئيل (7).
# ومنها: غزوة الخندق (8)، وهي أن قوما تجمعت وقائدهم أبو سفيان بن
# PageV01P333
# حرب (1)، وأن غطفان تجمعت وقائدهم عيينة (2) بن حصن (3) بن حذيفة بن
# PageV01P334
# بدر (1)، واتفقوا مع بني النضير من اليهود على قصد رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) وحصار المدينة، أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حراسة
~~المدينة بحفر (2) خندق عليها، وعمل (صلى الله عليه وآله) فيه بنفسه الشريفة
~~(3) فاحكمه في أيام، وكان في حفر الخندق آيات من معجزات رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) شاهدها المسلمون نذكرها ليزداد من وقف عليها، إيمانا بالله
~~[تعالى] وتصديقا لرسوله (صلى الله عليه وآله).
# منها: ما رواه [سعد بن معاذ] ابن مساءة أن ابنة بشير (4) بن سعد هي (5)
~~أخت النعمان بن بشير قالت: دعتني أمي [عمرة] بنت رواحة فاعطتني حفنة من تمر
~~في ثوبي ثم قالت: اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما، قالت:
~~فأخذتها وانطلقت بها فمررت برسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا ألتمس أبي
~~وخالي فقال [لي]: تعالي يا بنية ما هذا معك؟ قالت: قلت (6): يا رسول الله
~~صلى الله عليك وآلك قليل ms037 من التمر بعثتني به أمي إلى بشير بن سعيد (7)
~~وخالي عبد الله بن رواحة يتغديان به، قال (صلى الله عليه وآله):
# هاتيه فصببته في كفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأملأها (8) ثم أمر
~~(صلى الله عليه وآله) بثوب فبسطه (9) ثم دحى بالتمر عليه وغطاه بثوب آخر
~~وقال لإنسان عنده: اصرخ في أهل الخندق أن هلموا (10) إلى الغداء، فاجتمع
~~أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وأنه
~~يسقط من أطراف الثوب (11).
# PageV01P335
# ومنها: ما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنه) قال: اشتدت
~~عليهم في الخندق كوديه عجز (1) حافروها عنها فشكوها إلى رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) فدعا بإناء فيه ماء فتفل فيه ثم دعا بما شاء الله تعالى أن
~~يدعو به ثم نضح الماء على تلك الكوديه فقال من حضرها [من المسلمين]، والذي
~~بعث محمدا بالحق نبيا لقد انهالت حتى عادت كالرمل لا يرد فأسا ولا مسحاة
~~(2).
# ومنها: ما رواه جابر أيضا قال: كان عملنا مع رسول الله في الخندق وكانت
~~عندي شويهة قال: فقلت: لو صنعناها (3) لرسول الله (صلى الله عليه وآله).
~~قال: فأمرت امرأتي فطحنت لنا شيئا من شعير فصنعت لنا خبزا وذبحت تلك
~~الشويهة (4) وصفعتها لرسول الله (صلى الله عليه وآله). قال: وأمسينا وذلك
~~أنا كنا نعمل في الخندق نهارا فإذا أمسينا رجعنا إلى أهلنا فقلت: يا رسول
~~الله إني قد صنعت لك شويهة كانت عندنا وصنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير
~~وأحب أن تنصرف معي إلى منزلي وإنما أردت ان ينصرف معي (5) رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) وحده. قال: فلما أن قلت له ذلك أمر صارخا فصرخ أن انصرفوا
~~[بأجمعكم] مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى بيت جابر بن عبد الله.
~~قال: قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال: فأقبل رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله)، وأقبل الناس معه، فجلس وأخرجنا ذلك إليه فبرك (صلى الله عليه وآله)
~~عليه وسمى الله تعالى وأكل، ms038 وتواردها الناس كلما فرغ قوم جاء قوم غيرهم حتى
~~صدر أهل الخندق بأسرهم وفضل الطعام (6).
# ولما فرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حفر الخندق أقبلت قريش
~~بجيوشها (7) وأتباعها من
# PageV01P336
# كنانة وأهل تهامة في عشرة آلاف (١)، وأقبلت غطفان ومن تبعها من أهل نجد،
~~فنزلوا من فوق المسلمين ومن أسفلهم كما قال الله تعالى: ﴿إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم﴾ (2) فخرج (3)
~~النبي (صلى الله عليه وآله) بالمسلمين وهم ثلاثة آلاف (4) وجعلوا الخندق
~~بينهم، واتفق المشركون مع اليهود على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد
~~ذكر الله تعالى هذه القضية (5) في سورة الأحزاب (6)، وطمع المشركون بكفرهم
~~ومعاقبة (موافقة) اليهود لهم في استيصال المسلمين.
# واشتد الأمر على المسلمين فركب فوارس من قريش (7) منهم عمرو بن عبد ود
# PageV01P337
# وكان من مشاهيرهم وأبطالهم، وعكرمة بن أبي جهل (1)، وأقبلوا تتعثر (2)
~~بهم خيولهم حتى وقفوا على الخندق ثم قصدوا مكانا ضيقا منه وضربوا خيولهم
~~فاقتحمته وجالت خيولهم (3) بين الخندق و [بين] المسلمين (4).
# فلما رأى علي بن أبي طالب (عليه السلام) ذلك خرج ومعه نفر من المسلمين
~~وبادروا الثغرة (5) التي دخلوا منها، وأخذ عليهم المضيق الذي دخلوا منه
~~واقتحموه، ووقف فيه وخرج عمرو بن عبد ود من بينهم ومعه ولده حنبل (6) وقد
~~كان عمرو جعل له علامة (7) يشتهر بها وليعرف مكانه ويظهر شأنه [على علي ومن
~~معه من النفر الذين خرجوا معه] فقال: هل من مبارز (8)؟ فقال علي (عليه
~~السلام): أنا (9) له، فقال النبي (صلى الله عليه وآله):
# PageV01P338
# إنه (1) عمرو، فسكت، فنادى عمرو الثانية والثالثة فقال: هل من مبارز؟ ثم
~~جعل يؤنبهم (2) ويقول: اين [حميتكم] أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل
~~دخلها؟ أفلا يبرز إلي رجل منكم، ثم ارتجل يقول شعرا (3):
# ولقد بححت من النداء بجمع * - كم هل من مبارز ووقفت إذ جبن الشجاع (4) *
~~موقف القرن (5) المناجز وكذاك (6) أني لم أزل * متسرعا قبل الهزاهز (7) إن
~~الشجاعة في الفتى (8) * والجود من خير الغرائز فقال علي (عليه السلام): أنا
~~له يا ms039 رسول الله، فقال (صلى الله عليه وآله): إنه عمرو، فقال: وإن كان
~~عمرو؟!
# PageV01P339
# فأذن له رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مبارزته (1) وقال له: أدن مني
~~يا علي، فدنا منه، فنزع عمامته من رأسه (صلى الله عليه وآله) وعممه بها،
~~وأعطاه سيفه وقال [له]: امض لشأنك، ثم قال:
# اللهم [أعنه] (2)، [و] قد خرج علي (عليه السلام) وهو يقول:
# لا تعجلن فقد أتا * ك مجيب صوتك غير عاجز ذو نية (3) وبصيرة * والصدق
~~منجي كل فائز (4) إني لأرجو (5) أن أقيم * عليك نائحة الجنائز
# PageV01P340
# من ضربة نجلاء (1) ويب * - قي ذكرها عند الهزائز (2) ثم قال له: يا عمرو
~~إنك أخذت على نفسك عهدا أن لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين (3) إلا
~~أجبته إلى واحدة منهما (4)، قال له: أجل، فقال له علي (رضي الله عنه):
# PageV01P341
# فإني أدعوك إلى الله تعالى ورسوله وإلى الإسلام، فقال: أما هذه فلا حاجة
~~لي فيها، فقال له علي: فإذا كرهت هذه فإني أدعوك إلى النزال: قال [له]: ولم
~~يا ابن أخي فما أحب أن أقتلك ولقد كان أبوك خلا لي، فقال [له] علي: ولكنى
~~والله أحب أن أقتلك. فحمى عمرو وغضب من كلامه، فاقتحم عن فرسه إلى الأرض
~~وضرب وجهها، ونزل علي (رضي الله عنه) عن فرسه، وأقبل كل واحد منهما نحو
~~الآخر فتصاولا وتجاولا ساعة ثم ضربه علي (رضي الله عنه) على عاتقه بالسيف
~~ورمى جثته إلى الأرض وتركه قتيلا. ثم ركب علي (رضي الله عنه) على فرسه وكر
~~على ابنه حنبل (1) بن عمرو فقتله، فخرجت خيولهم منهزمة ورمى عكرمة بن أبي
~~جهل رمحه وفر منهزما مع من انهزم من أصحابه (2)، فرجع علي بن أبي طالب (رضي
~~الله عنه) وهو يقول:
# PageV01P342
# أعلي تقتحم (١) الفوارس هكذا * عني وعنهم (٢) خبروا (٣) أصحابي اليوم
~~تمنعني الفرار حفيظتي * ومصمم في الرأس ليس يناب أرديت عمرا إذ طغى بمهند
~~(٤) * صافي الحديد مجرب قصاب هذا ابن عبد الود كذب قوله * وصدقت فاستمعوا
~~إلى الكذاب نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت دين محمد بصواب ms040 وغدوت (٥)
~~حين تركته متجدلا * كالعير (٦) بين دكادك ورواب وعففت عن أثوابه لو أنني *
~~كنت المقطر (٧) بزني (٨) أثوابي لا تحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يا معشر
~~الأحزاب (٩) ولما قتل عمرو وولده حنبل (١٠) وانهزم عكرمة ومن معه من فوارس
~~قريش الذين اقتحموا الخندق أرسل الله تعالى الريح على قريش (١١) وغطفان
~~ووقع الاختلاف والاضطراب بينهم فولوا راجعين ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى
~~الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا﴾ (12).
# PageV01P343
# وفي قتل عمرو بن عبد ود يقول حسان (رضي الله عنه):
# أمسى الفتى عمرو بن ود يبتغي (1) * بجنوب يثرب غارة لم تنظر (2) ولقد
~~وجدت سيوفنا مشهورة * ولقد وجدت جيادنا (3) لم تقصر ولقد رأيت غداة بدر
~~عصبة * ضربوك ضربا ليس ضرب المحسر (4) أصبحت لا تدعى ليوم عظيمة * يا عمرو
~~أو لجسيم أمر منكر (5) وقالت أخت (6) عمرو وقد نعي إليها أخوها عمرو: من
~~[ذا الذي] اجترأ عليه [فقتله]؟ فقالوا: علي بن أبي طالب، فقالت: كفؤ كريم،
~~وأنشدت تقول:
# PageV01P344
# أسدان في ضيق المكر (1) تصاولا * وكلاهما كفو كريم باسل فتخالسا مهج
~~النفوس كلاهما * وسط المجال مجالد ومقاتل وكلاهما حضر القراع حفيظة * لم
~~يثنه عن ذاك شغل شاغل فاذهب علي فما ظفرت (2) بمثله * قول سديد ليس فيه
~~تحامل (3) ثم قالت: والله لا ثأرت قريش بأخي ما حنت النوق (4). وقالت أم
~~عمرو ترثيه:
# لو كان قاتل عمرو غير قاتله * ما زلت أبكي عليه دائم الأبد (5) لكن قاتله
~~ما (6) لا يعاب (7) به * من (8) كان يدعى أبوه بيضة البلد من هاشم في ذراها
~~وهي صاعدة * إلى السماء تميت الناس بالحسد
# PageV01P345
# قوم أبى الله إلا أن تكون لهم * مكارم الدين والدنيا إلى (1) الأبد يا أم
~~كلثوم أبكيه ولا تدعي * بكاء معولة حرى على ولد (2)
# PageV01P346
# فأسلاها وعزاها وهون عليها قتل ولدها جلالة القاتل، وافتخرت بكون ولدها
~~مقتولا له.
# ومنها: وقعة الجمل (1) ثم صفين (2) التي كانت كل واحدة منهما أمر من
~~الحنظل والدفلا، وأقامت النوادب، وأجرت الدموع السواكب على ألوف من القتلى،
~~وألبست الأجساد أثوابا من ms041 الأحزان لا تخلق ولا تبلى، وكم قد تركت كل واحدة
# PageV01P348
# منهما نساء أيمى وأخريات ثكلى.
# ذكر حملة (1) الأخبار وأصحاب المقالات من أهل التاريخ: أن البيعة (2) لما
~~عقدت لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) بملأ من المهاجرين والأنصار وذلك بعد
~~أن أقامت المدينة خمسة أيام بعد قتل عثمان (3) وأميرها الغافقي ابن حرب
~~العكي (4) مقدم المصريين الذين قصدوا عثمان بالمدينة، وأصحاب رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) يترددون (5) إلى علي (عليه السلام) لأجل المبايعة
~~ويقولون له: لابد للناس من إمام (6)، وهو يقول: لا حاجة لي في
# PageV01P349
# أمركم من اخترتموه (1) رضيت به، فقالوا: ما نختار غيرك و [إنا] لا نعلم
~~أحدا أحق بهذا (2) الأمر منك ولا أقدم سابقة ولا أقرب قرابة من رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله)، فقال: فإن كان [و] لابد ففي المسجد فإن بيعتي [لا]
~~تكون خفية. وكان كلامهم له (رض) في بيته (3). وقيل: في حائط لبني عمرو بن
~~مبذول (4).
# فخرج إلى المسجد (5) فقام إليه الناس فبايعوه، وكان أول من بايعه طلحة بن
# PageV01P350
# عبيد الله (1) فنظر إليه رجل يقال له حبيب بن ذؤيب (2) فقال: إنا لله
~~وإنا إليه راجعون، أول يد بايعت يد شلاء، لا يتم هذا الأمر (3).
# ثم بايعه الزبير (4) (رض) ثم بقية الصحابة بعد ذلك من المهاجرين والأنصار
~~غير نفير (5) يسير، فإنهم لم يبايعوه في ذلك الوقت لأنهم كانوا عثمانية (6)
~~منهم: محمد بن
# PageV01P351
# مسلمة (1)، والنعمان بن بشير (2)، ونافع (3) بن خديج، وفضالة بن عبيدة،
~~وكعب بن عجرة، وصهيب بن سنان، وأسامه بن زيد. وكانت البيعة لعلي (رضي الله
~~عنه) يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة (4)، فما
~~كان من النعمان بن بشير فإنه أخذ قميص عثمان الذي قتل فيه مضرجا بالدم،
~~وأخذ أصابع يد زوجته نائلة (5) التي قطعت حين مدت يدها دونه، وهرب بها إلى
~~الشام إلى معاوية (6). وأما طلحة بن عبيد الله (7) والزبير فإنهما هربا إلى
~~مكة بعد المبايعة بأربعة أشهر (8).
# ثم إن عليا فرق عماله على البلدان وكتب إلى بعض عمال عثمان ms042 ليستقدمهم
# PageV01P353
# عليه، وكتب إلى معاوية بن أبي سفيان أيضا كتابا يستقدمه فيه وكانت صورة
~~الكتاب:
# " من عبد الله [علي] أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان (1)، أما
~~بعد،
# PageV01P354
# فإنه (1) [إن] كان عثمان ذا حق وقرابة [فإني ذو حق وقرابة] ألا [و] إن
~~الله تعالى قلدني أمر الناس عن مشاورة من المهاجرين والأنصار، ألا وإن
~~الناس تبع لهم فيما رأوا وعملوا وأحبوا وكرهوا، فالعجل علي ثم العجل فإني
~~قد بعثت إلى جميع العمال لأعهد إليهم وأقلدهم من ذلك ما قلدت، أستبرئ من
~~(2) ذلك ديني وأمانتي، لأني لم أجد من (3) تلك بدا فأقدم إلي (4) مع أشراف
~~أصحابك عند وقوفك على كتابي هذا إن شاء الله تعالى " (5).
# PageV01P355
# فعند فراغة من كتابة الكتاب جاء (١) المغيرة بن شعبة (٢) فقال: ما هذا يا
~~أمير المؤمنين؟ قال: كتاب كتبته إلى معاوية أستقدمه فيه وأريد أن أبعث به
~~إليه رسولا (٣)، فقال: يا أمير المؤمنين عندي لك نصيحة فاقبلها مني، قال:
~~هات، قال:
# إنه ليس أحد يتشغب عليك غير معاوية وفي يده الشام وهو ابن عم عثمان
~~وعامله، فابعث إليه بعهده تلزمه طاعتك، فإذا استقرت قدماك رأيت فيه رأيك
~~(٤). فقال علي كرم الله وجهه: يمنعني من ذلك قول الله تعالى: ﴿وما كنت متخذ المضلين عضدا﴾ (5)
~~والله لا يراني الله مستعينا بمعاوية أبدا ولكني أدعوه إلى ما نحن عليه فإن
~~أجاب
# PageV01P356
# وإلا حاكمته إلى الله تعالى (1).
# فخرج عنه [المغيرة] (2) وقال: نبيت (3) هذا اليوم [واصبر] إلى غد آتيك إن
~~شاء الله تعالى ثم ننظر ماذا يكون. فلما كان من الغد جاءه المغيرة بن شعبة
~~وقال له:
# يا أمير المؤمنين، إني قد جئتك بالأمس وأشرت عليك بما أشرت وخالفتني فيه،
~~ثم إني بت ليلتي هذه فرأيت أن الرأي ما رأيت فأرسل إلى معاوية بالكتاب الذي
~~كتبته فإن قدم وإلا فاعزله فهو أهون شوكة وأضيق عطنا وول من تثق به، قال:
# أفعل إن شاء الله تعالى، فخرج عنه المغيرة بن شعبة وهو يقول:
# نصحت عليا في ابن هند ms043 نصيحة (4) * فرد فما منى له الدهر (5) ثانية
# PageV01P357
# وقلت (1) له أرسل إليه بعهده * إلى الشام (2) حتى يستقر معاوية ويعلم أهل
~~الشام إن قد ملكته * وأم ابن هند بعد ذلك هاوية فتحكم فيه ما تريد (3) فإنه
~~* لداهية فارفق به أي (4) داهية فلم يقبل النصح الذي جئته به (5) * وكانت
~~له تلك النصيحة كافية ثم إن المغيرة بن شعبة هرب إلى مكة وكان يقول: نصحت
~~عليا فلما لم يقبل غششته (6).
# وعن ابن عباس (رض) قال: أتيت عليا (رض) بعد مبايعة الناس له فوجدت
~~[عنده]: المغيرة بن شعبة مستخليا به فقلت له بعد أن خرج [من عنده]: ما كان
~~يقول لك هذا؟ فقال: قال لي قبل يومه (7): إن لك حق الطاعة والنصيحة، وأنت
~~بقية الناس وإن الرأي اليوم يحرز ما في غد وإن الضياع اليوم يضيع به ما في
~~غد، وأشير عليك بشور وهو: أن تقرر معاوية، وابن عامر، وعمال عثمان على
~~عملهم حتى تأتيك بيعتهم وتسكين الناس، ثم اعزل من شئت منهم وابق من شئت،
~~فأبيت عليه (8) ذلك وقلت: لا أداهن في ديني ولا أعطي الدنية في أمري، قال:
~~فإن كنت
# PageV01P358
# أبيت علي فانزع من شئت واترك معاوية فإن لمعاوية جرأة وهو في أهل الشام
~~يطيعونه ويسمعون منه، وتلك حجة في إبقائه فإن عمر بن الخطاب ولاه الشام في
~~خلافته، فقلت: لا والله لا أستعمل معاوية يومين، فانصرف من عندي وأنا أعرف
~~منه أنه يرى أني مخطئ، ثم عاد إلي الآن فقال: إني أشرت إليك أول مرة بالذي
~~أشرت وخالفتني (1) فيه ثم رأيت بعد ذلك أن تصنع الذي رأيت أن تعزل من تختار
~~وتستعين بمن تثق به فقد كفى بالله تعالى وهو أهون شوكة وأقل عددا. قال ابن
~~عباس (رضي الله عنه): فقلت لعلي (عليه السلام): إنما المرة الأولى فقد
~~نصحك، وأما المرة الثانية فقد غشك (2).
# قال: وكيف نصحه لي؟ قلت: لأن معاوية وأصحابه أهل دنيا فمتى أثبتهم
~~وأبقيتهم على عملهم لا يبالون من ولي هذا الأمر، ومتى تعزلهم يقولون أخذ
~~هذا الأمر بغير ms044 شورى (3)، وهو قتل صاحبنا (4)، ويؤلبون (5) عليك فينتقض
~~عليك أهل
# PageV01P359
# الشام وأهل العراق مع أني لا آمن طلحة والزبير أن يكرا (1) عليك، وأنا
~~أشير عليك أيضا أن تثبت (2) معاوية فإن بايع فلك علي أن أقلعه من منزله،
~~فقال علي (رض):
# لا أعطيه إلا السيف (3)، ثم تمثل بقول القائل:
# وما ميتة إن متها غير عاجز * بعار إذا ما غالت النفس غولها (4) فقلت: يا
~~أمير المؤمنين أنت رجل شجاع لست بصاحب رأي (5) في الحرب، أما سمعت قول رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) [يقول]: الحرب خدعة؟ فقال [علي]: بلى، فقلت
~~[فقال ابن عباس]: وأيم الله، لئن أطعتني لأصدرن منهم (6) بعد الورود على ما
~~في نفسك، ولأتركنهم ينظرون في أدبار الأمور ولا يعرفون ما كان وجهها (7) في
~~غير نقصان عليك ولا إثم لك. فقال: يا بن عباس لست من هنيهاتك ولا من هنيهات
~~معاوية في شيء، فقال ابن عباس (رض): فقلت له: أطعني في شيء، الحق بمالك
~~بينبع وأغلق بابك عليك فإن العرب تجول جولة وتضطرب فلا تجد غيرك، ولا تنهض
~~مع هؤلاء القوم، فلئن نهضت معهم ليحملنك دم عثمان [غدا] فأبى ذلك مني.
~~وقال: لك أن تشير علي وأرى فإذا عصيتك فأطعني. قال: فقلت له: أفعل فإن أيسر
~~ما لك عندي الطاعة (8) وإني باذلها لك، فقال له علي (رض): أريد منك أن
# PageV01P360
# تسير إلى الشام فقد وليتكها (1)، فقال ابن عباس: ما هذا برأي، معاوية رجل
~~من بني أمية، وهو ابن عم عثمان وعامله، ولست آمن أن يضرب عنقي بعثمان، وأن
~~أدنى ما هو صانع بي وإن أحسن إلي أن يحبسني ويحتكم في لقرابتي منك، وكلما
~~حمل عليك حمل علي، ولكن أرسل إليه الكتاب الذي كتبته تستقدمه (2) فيه وانظر
~~ماذا يجيب. قال: فأرسل إليه علي [الكتاب] مع بشير الجهني (3)، فلما قدم على
~~معاوية بالكتاب فأخذه منه ووقف على ما فيه ولم يجب عليه بشيء. وكلما تنجز
~~جوابه لم يزده على قوله:
# أدم إدامة حصن أو جدا (4) بيدي * حربا ضروسا تشب الجزل والضرما في جاركم ms045
~~وابنكم إذ كان مقتله * شنعاء شيبت (5) الأصداغ (6) واللمما (7)
# PageV01P361
# أعيى (1) المسود بها والسيدون فلم * يوجد لها غيرنا مولى ولا حكما (2)
~~حتى إذا كان الشهر الثالث من مقتل عثمان وفي أواخر صفر دعا معاوية برجل (3)
~~من بني عبس، فدفع إليه طومارا (4) مختوما على غير كتابة ليس في باطنه شيء
~~وعنوانه: من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقال
~~للعبسي: إذا دخلت بالمدينة (5) فأدخلها نهارا واعط عليا الطومار على رؤوس
~~الناس، فإذا فضه وفتحه إلى آخره ولم يجد فيه شيئا فتراه يقول لك: ما الخبر؟
~~فقل له كيت وكيت بكلام أسره إلى [ال] - رسول.
# ثم دعا معاوية بشير الجهني رسول علي فجهزه مع رسوله فخرجا جميعا فقدما
~~المدينة في اليوم الثامن (6) من شهر ربيع الأول، فرفع رسول معاوية الطومار
~~على يده عند دخوله المدينة، وتبعه الناس ينظرون ما أجاب [به] معاوية،
~~وعلموا أنه يتعرض
# PageV01P362
# ويتشغب، فدخل الرسول على علي بن أبي طالب وأعطاه [الطومار] ففض خاتمه
~~وفتحه إلى آخره فلم يجد فيه كتابة فقال للرسول: ما وراءك؟ قال: آمن أنا؟
~~قال:
# نعم إن الرسول لا يقتل، قال: إني تركت ورائي قوما (1) يقولون: لا نرضى
~~إلا بالقود.
# قال: ممن؟ (2) قال: يقولون: من خيط رقبة علي، وتركت ستين ألف (3) شيخ
~~يبكي تحت
# PageV01P363
# قميص عثمان، وهو منصوب لهم قد ألبسوه (1) منبر مسجد دمشق، وأصابع زوجته
~~نائلة معلقة فيه، فقال علي (عليه السلام): أمني يطلبون دم عثمان؟! اللهم
~~إني أبرأ إليك من دم عثمان، ما نجا والله قتلة عثمان إلا أن يشاء الله،
~~فإنه إذا أراد أمرا بلغه، أخرج، قال:
# وأنا آمن؟ قال: وأنت آمن، فخرج العبسي (2)، وأراد الناس أن يقتلوه
~~فقالوا: ما [ل] - هذا الكلب رسول الكلاب يتكلم بمثل هذا، ولولا أمان علي
~~(عليه السلام) لقتلناه. ثم (3) أحب أهل المدينة بعد ذلك أن يعلموا ما رأي
~~علي (رض) في معاوية هل يقاتله أو ينكل عنه (4)، وقد بلغهم أن ابنه الحسن
~~(رض) دعاه (5) إلى القعود (6).
# PageV01P364
# وترك (1) الناس فدسوا (2) إليه زياد بن حنظلة ms046 التميمي (3) وكان منقطعا
~~إلى علي (عليه السلام) فجلس إليه ساعة، فقال له علي (عليه السلام): يا زياد
~~تيسر (4) فقال: لأي شيء يا أمير
# PageV01P367
# المؤمنين؟ فقال: لحرب أهل الشام، فقال زياد: الأناة (1) والرفق يا أمير
~~المؤمنين، امتثل يا أمير المؤمنين، وأنشد:
# ومن لم يصانع في أمور كثيرة * يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم (2) فقال (3) علي
~~بن أبي طالب (عليه السلام):
# متى تجمع (4) القلب (5) الذكي وصارما (6) * وأنفا حميا (7) تجتنبك
~~المظالم (8)
# PageV01P368
# فخرج زياد من عنده والناس ينظرونه فقالوا له: ما وراءك؟ قال: السيف،
~~فعرفوا ما هو فاعل.
# ثم إن عليا (رضي الله عنه) تجهز يريد الشام لقتال (1) معاوية، فدعا محمد
~~ابن الحنفية (2) فأعطاه اللواء (3)، وولى (4) عبد الله بن عباس ميمنة (5)،
~~وعمرو بن مسلمة (6) ميسرة، ودعا (7) أبا ليلى [بن] عمر بن الجراح ابن [أخي]
~~أبي عبيدة بن الجراح مقدمته (8)، واستخلف على المدينة قثم بن العباس (9).
~~وكتب إلى العراق إلى قيس بن سعد (10)،
# PageV01P369
# وإلى عثمان بن حنيف (1)، وإلى أبي موسى الأشعري (2)، أن يندبوا الناس إلى
~~الخروج إليه إلى قتال أهل الشام (3)، وقال لأهل المدينة: إن في سلطان الله
~~تعالى عصمة أمركم (4) فاعطوه طاعتكم غير ملوية (5) ولا مستكرهين لها (6)
~~لعل الله تعالى أن يلم
# PageV01P370
# شعثكم، ويجمع كلمتكم ويصلح بكم ما يريد هؤلاء القوم فساده (1).
# فبينما هم كذلك على قصدهم التوجه إلى الشام إذ أتاهم الخبر عن طلحة
~~والزبير وعائشة أنهم على الخلاف (2) وأنهم قد سخطوا من فعله (3) وهم يريدون
~~الخروج إلى البصرة، وكان سبب ذلك أن طلحة والزبير لما قدما من المدينة إلى
~~مكة وجدا عائشة فقالت لهما: ما وراءكما؟ قالا: إنا تحملنا هربا من المدينة
~~من غوفاء [و] أعراب وفارقنا قوما (4) حيارى لا يعرفون حقا ولا ينكرون باطلا
~~ولا يمنعون أنفسهم، فقالت: انهضوا (5) إلى هذه الغوغاء. فقالوا: كيف يكون؟
~~فقالت: أو نأتي الشام؟ فقال ابن عامر (6) - وكان قد أتى من البصرة إلى مكة
~~بعد مقتل عثمان: لا حاجة لكم في الشام فقد كفاكم معاوية، ولكن نأتي البصرة
~~فإن لي بها صنايع ولي بها المال ولأهل البصرة في ms047 طلحة هوى وهو الأوفق بنا
~~والأليق.
# فاستقام رأيهم على التوجه إلى البصرة وأجابتهم عائشة إلى ذلك ودعوا
# PageV01P371
# عبد الله بن عمر (1) ليسير معهم فأبى وقال: أنا من أهل المدينة أفعل ما
~~فعلوه فتركوه (2). وأرادت حفصة أخت عبد الله بن عمر المسير معهم فمنعها
~~أخوها عبد الله بن عمر من ذلك (3). وجهزهم يعلى بن منية (4) بستمائة ألف
~~درهم وستمائة
# PageV01P372
# بعير (1) وكان من عمال عثمان على اليمن قدم مكة بعد مقتل عثمان ونادى
~~منادي عائشة: إن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة فمن أراد
~~إعزاز الدين وقتال المحلين (2) والطلب بثأر عثمان وليس له مركب وجهاز
~~فليأت. فحملوا ستمائة على ستمائة [بعير] وساروا في ألف (3) من أهل المدينة
~~[ومكة] ولحقهم أناس آخرون فكانوا ثلاثة آلاف رجل (4).
# PageV01P373
# وأعطى يعلى بن منية (1) عائشة جملا اسمه عسكر (2) اشتراه لها بمائتي
~~دينار (3)، وقيل: بل كان الجمل لرجل من عرينة، قال العريني: بينما أنا أسير
~~(4) على جمل لي إذ عرض لي والبة بن الحباب قال: أتبيع جملك؟ قلت: نعم، قال:
~~بكم؟ قلت:
# بألف درهم، قال: أمجنون أنت؟ قلت: ولم وأنا والله ما طلبت عليه أحدا إلا
~~أدركته (5) ولا طلبني أحد إلا فته، قالوا: لا (6) تعلم لمن نريده، إنما
~~نريده لأم المؤمنين عائشة، قلت: فخذه بغير ثمن، قال: بل تذهب معنا إلى
~~الرجل فنعطيك دراهم وناقة. قال: فرجعت فأعطوني ناقة مهرية وستمائة درهم
~~(7).
# PageV01P374
#
# PageV01P374
# وبعثت أم الفضل - ابنة الحارث أم عبد الله بن العباس (رض) - رجلا من
~~جهينة استأجرته يسمى ظفرا (1) إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) يخبره
~~بخروج طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة. قال: وخرجت عائشة ومن معها من مكة،
~~فلما خرجوا منها وصاروا على مرحلة وجاء وقت الصلاة أذن مروان بن الحكم، ثم
~~جاء حتى وقف على طلحة والزبير وابنيهما جالسين عندهما فقال لهما: على أيكما
~~أسلم بالإمارة وأؤذن بالصلاة؟ فقال عبد الله بن الزبير: على أبي، وقال محمد
~~بن طلحة: على أبي، فبلغ ذلك عائشة، فأرسلت إلى مروان وقالت: تريد أن يفترق
~~أمرنا ليصل بالناس ms048 عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، فكان معاذ بن جبل يقول:
~~والله لو ظفرنا لا قتتلنا ما كان الزبير يترك طلحة والأمر ولا كان طلحة
~~يترك الزبير [والأمر].
# وخرج مع عائشة أمهات [المؤمنين] مودعات لها إلى ذات عرق، وبكوا الإسلام،
~~فلم ير يوم كان أكثر باكيا [وباكية] من ذلك اليوم، وكان يسمى يوم النحيب
~~(2).
# PageV01P379
# ثم إنهم ساروا متوجهين إلى نحو البصرة، وسار علي (رض) من المدينة في
~~معسكره على قصده الشام، وكان ذلك في آخر شهر ربيع الآخر سنة خمس
~~PageV01P380
# وثلاثين، فبينما هو في مسيره إذ أتاه رسول أم الفضل (1) (رض) يخبره عن
~~طلحة والزبير وعائشة بما كان منهم و [أنهم] خرجوا [من] مكة قاصدين إلى
~~البصرة، فلما بلغه ذلك دعا وجوه أهل المدينة فخطبهم وحمد الله وأثنى عليه
~~وقال: إن آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما يصلح أوله، فانصروا الله تعالى
~~ينصركم ويصلح أمركم (2).
# ثم إن عليا (رض) أعرض عن قصد الشام وحث المسير إلى جهة البصرة رجاء أن
~~يدرك طلحة والزبير قبل وصولهما إليها فيراهما (3) ويناجز هما، فلما انتهى
~~إلى الربذة أتاه الخبر بأنهم سبقوا إلى البصرة وقد نزلوا بقبابها (4).
# قال علقمة بن وقاص الليثي (5): رأيت طلحة في مخرجه هذا مع الزبير وعائشة
~~بعد بيعة أهل البصرة لهم وأحب المجالس إليه أخلاها وهو ضارب بيده على لحيته
~~مفكرا فقلت له: يا أبا محمد إني أرى أحب المجالس إليك أخلاها وإني لم أزل
~~أراك ضاربا بيدك على لحيتك مفكرا إن كرهت شيئا فاجلس. قال: فقال [لي]: يا
~~علقمة بينا نحن على يد واحدة على من سوانا [إذ] صرنا جبلين من حديد يطلب
~~بعضنا بعضا. يا علقمة إنه كان مني في عثمان شيء ليس توبتي منه إلا أن يسفك
~~دمي في طلب دمه. قال: فقلت (6) [له]: رد ابنك محمدا فإن لك ضياعا وعيالا
~~فإن
# PageV01P381
# يك شيئا يخلفك، قال: فكلمه لعله (1) يسمع منك. قال: فأتيت ابنه محمدا
~~فقلت [له]: لو أقمت فإن حدث في أبيك (2) حدث كنت تخلفه في عياله ms049 وضياعه
~~(3)، قال ما أحب أن أسائل عنه (4) الركبان (5).
# ويروى أن طلحة قال في بعض هذه الأيام: [هذه] الفتنة التي كنا نتحدث بها،
~~فقال له بعض مواليه: تسميها فتنة وتقاتل فيها؟! فقال له: ويلك إنا نبصر ولا
~~تبصروا وما كان أمر قط إلا وأنا أعلم موضع قدمي فيه، غير هذا الأمر فإني لا
~~أعلم أنا مقبل فيه أم مدبر (6).
# وحدث شهاب بن طارق (7) قال: خرجت مستقبلا لعلي أيام خروجه إلى الجمل
# PageV01P382
# فكان صديقا لي، فلقيته وقد ترك الربذة فسألت ما أقدمه الربذة، فقيل لي:
~~خالفه طلحة والزبير وعائشة وتوجهوا إلى البصرة وهم على وجه القتال، فقلت في
~~نفسي:
# أقاتل حواري رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأم المؤمنين، فهذا عظيم [أو
~~أدع القتال مع علي وهو أولى بالمؤمنين أو قال: وهو أمير المؤمنين - وابن عم
~~رسول رب العالمين فهذا عظيم].
# قال: ثم أتيت عليا فسلمت عليه وجلست إليه فأقبل بوجهه إلي (1) ثم قص علي
~~قصته وقصة القوم، فلما فرغ أذن بالصلاة فصلى بنا الظهر. ثم انفتل فقام إليه
~~ابنه الحسن (2) (رض)
# PageV01P383
# فجلس بين يديه فبكى وقال: يا أبت أمرتك بأمر فعصيتني (1) ثم أمرتك (2)
~~وها أنت تقبل غدا بمصبغة (3) من الأرض ولا ناصر لك، فقال له علي (رض):
~~[هات] ما عندك إنك لا تزال تحن حنين الجارية (4) ما الذي أمرتني [به] فزعمت
~~أني عصيتك فيه؟
# قال: أمرتك حين أحاط الناس بعثمان أن تعتزل (5) ناحية [عن المدينة] فإن
~~الناس إن قتلوه طلبوك حيث كنت فبايعوك فلم تفعل، ثم قتل عثمان، فلما، أتاك
~~الناس يبايعونك أمرتك بأن لا تفعل حتى يجتمع (6) الناس ويأتيك وفود العرب
~~فلم تفعل،
# PageV01P384
# ثم جاءك (1) طلحة والزبير فأمرتك أن لا تتبعهما وتدعهما فإن اجتمعت إليك
~~الأمة قبلت ذلك منها وإن اختلفت رضيت بقضاء الله تعالى (2).
# فقال (3) له علي (رض): والله لا أكون كالضبع تنام (4) [على طول] اللدم
~~(5) حتى يصل إليها (6) طالبها وجارها فيدخل الحبل في رجلها ثم يقول دباب
~~دباب (7) فيقطع عرقوبها (8)، ولكن أبوك يضرب المدبر بالمقبل والعاصي
~~بالطائع والمخالف ms050 بالسامع، ثم الأمر لله يفعل ما يشاء (9).
# اللدم: شيء يحرك عند غار الضبع حتى تسمعه فترتاع من صوته فتنجحر في (10)
~~غارها فيدخل عليها طالبها وهو يقول: دباب دباب فيربطها، أي لا أنخدع كما
# PageV01P385
# ينخدع الضبع (1).
# ثم إن عليا (رض) كتب من الربذة إلى طلحة والزبير يقول لهما: أما بعد، يا
~~طلحة ويا زبير فقد علمتما (2) أني لم أرد الناس حتى أرادوني، ولم أبايعهم
~~حتى أكرهوني وأنتما (3) أول من بادر إلى بيعتي، و لم تدخلا في هذا الأمر
~~بسلطان غالب ولا لعرض (4) حاضر، وأنت يا زبير ففارس قريش وأنت يا طلحة فشيخ
~~المهاجرين، ورفعكما (5) هذا الأمر (6) قبل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من
~~خروجكما منه إلا [أن] هؤلاء بنو عثمان هم أولياؤه المطالبون بدمه وأنتما
~~رجلان من المهاجرين وقد أخرجتكما أمكما من بيتها التي أمرها الله تعالى أن
~~تقر فيه، والله حسبكما، والسلام (7).
# PageV01P386
# وكتب إلى عائشة: أما بعد [فإنك] خرجت من بيتك تطلبين أمرا كان منك (1)
~~موضوعا، ثم تزعمين أنك لن تريدين (2) إلا الإصلاح بين الناس (3) فخبريني ما
# PageV01P387
# النساء وقود العسكر (1). وزعمت أنك مطالبة بدم عثمان، وعثمان من بني أمية
~~وأنت امرأة من بني تيم بن مرة، لعمري إن الذي أخرجك لهذا الأمر وحملك عليه
~~لأعظم ذنبا إليك من كل أحد، فاتق الله يا عائشة وارجعي إلى منزلك واسبلي
~~عليك سترك، والسلام (2).
# فرجع الجواب: يا بن أبي طالب، جل الأمر عن العتاب (3) وضاق الوقت عن
~~الجواب (4).
# PageV01P388
# ثم إن عليا (رضي الله عنه) كتب إلى أهل الكوفة وسير كتابه مع محمد بن أبي
~~بكر (1)،
# PageV01P389
# ومحمد بن جعفر (1) (رض)، يقول لهم: إني اخترتكم (2) على أهل الأمصار
~~وفزعت إليكم لما حدث، فكونوا للدين (3) أعوانا وأنصارا، فانهضوا (4) إلينا
~~فالإصلاح [ما] نريد لتعود هذه الأمة إخوانا (5) فمضيا (6).
# وأرسل علي (رض) إلى أهل المدينة فأتاه منها ما أراد من دابة وسلاح (7)،
~~وقام في الناس فخطبهم فقال: إن الله تعالى أعزنا بالإسلام ورفعنا به وجعلنا
~~به إخوانا بعد ذلة وتباعد (8) وتباغض، فجرى الناس على ذلك ما شاء ms051 الله
~~تعالى، الإسلام دينهم، والحق مذهبهم، والكتاب إمامهم، حتى أصيب هذا الرجل
~~بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم (9) الشيطان لينزغ بين هذه الأمة، ألا وإن
~~هذه الأمة لابد مفترقة
# PageV01P390
# كما افترقت الأمم قبلهم (1)، فنعوذ بالله من شر ما هو كائن (2).
# ثم عاد ثانية فقال: إنه لابد مما هو كائن أن يكون، ألا وإن هذه الأمة
~~ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة شرها فرقة تنتحلني (3) ولا تعمل بعملي، وقد
~~أدركتم ورأيتم، فالزموا دينكم واهتدوا بهدى [نبيكم] محمد (صلى الله عليه
~~وآله) واتبعوا سنته وأعرضوا ما أشكل عليكم على القرآن، فما عرفه القرآن
~~فالزموه وما أنكره فردوه وارضوا بالله [جل وعز] ربا وبالإسلام دينا وبمحمد
~~(صلى الله عليه وآله) نبيا ورسولا وبالقرآن حكما وإماما (4).
# ثم سار علي (رض) من الربذة إلى ذي قار، وأما المحمدان - محمد بن أبي بكر
~~ومحمد بن جعفر (رض) - فإنهما أتيا الكوفة ودخلا بالكتاب على أبي موسى
~~الأشعري (رض) فقرأه على الناس فلم يجابا بشيء، فلما كان الليل دخل ناس من
~~ذوي الحجى (5) على أبي موسى الأشعري فقرأه على الناس فقالوا: ما ترى في
~~الخروج؟ فقال: كان الرأي بالأمس ليس اليوم، إن الذي تهاونتم به فيما مضى هو
~~الذي جر عليكم ما ترون اليوم، وإنما هو أمران القعود سبيل الآخر. والخروج
~~سبيل
# PageV01P391
# الدنيا فاختاروا، فلم ينفر إليه (1) أحد (2). فغضب الرجلان (3) وأغلظا
~~لأبي موسى القول، فقال لهما: والله إن بيعة عثمان لفي عنقي وعنق صاحبكما،
~~فإن لم يكن بد من قتال فلا يقاتل أحدا حتى يفرغ من قتلة عثمان حيث كانوا
~~(4).
# فانطلقا إلى علي (رضي الله عنه) فأخبراه الخبر وهو بذي قار، فقال علي
~~للأشتر وكان معه:
# أنت صاحبنا في أبي موسى والمعترض في كل شيء ولم نقر أبا موسى على عمل
~~الكوفة إلا برأي منك، اذهب أنت والحسن بن علي (5) والعمار (6) فأصلح ما
~~أفسده.
# فخرجوا وقدموا الكوفة، فدخلوها والناس في المسجد وأبو موسى يخطبهم
# PageV01P392
# ويثبطهم ويقول: أيها الناس، إن أصحاب محمد الذين صحبوه أعلم بالله (1)
~~ورسوله ممن لم يصحبه، وإن ms052 لكم علينا حق النصيحة، وإن هذه فتنة صماء ولقد
~~سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ستكون فتنة القاعد فيها خير من
~~القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب، وقد جعلنا الله
~~تعالى إخوانا وحرم علينا دماءنا وأموالنا (2).
# PageV01P393
# فقام إليه الحسن بن علي (رض) فسكته وقال: اعتزل عملنا يا شيخ لا أم لك
~~(1).
# فقال: أجلني هذه العشية، فقال: هي لك (2).
# PageV01P394
# ثم قام الحسن (رضي الله عنه) فصعد المنبر فخطب فقال: أيها الناس، أجيبوا
~~دعوة أميركم وسيروا (1) إلى إخوانكم، والله لئن يلي هذا الأمر أو النهي
~~فإنه مثل في العاجل والآجل وخير لكم في العاقبة، فأجيبوا دعوتنا على ما
~~ابتلينا به وابتليتم، فإن أمير المؤمنين يقول: قد خرجت مخرجي هذا ظالما أو
~~مظلوما وإني أذكر الله تعالى رجلا رعى حق الله بفرقان إن كنت مظلوما أعانني
~~وإن كنت ظالما أخذ مني، والله إن طلحة والزبير أول من بايعني وأول من خرجا
~~(2) علي فهل استأثرت بمال أو بدلت حكما فانفروا فائمروا بالمعروف وانهوا عن
~~المنكر (3).
# وقام عمار (رضي الله عنه) فتكلم أيضا (4).
# وروى البخاري في صحيحه عن ابن مريم عبد الله بن زياد الأسدي قال: لما سار
~~طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة بعث علي (عليه السلام) عمار بن ياسر وابنه
~~الحسن فقدما علينا الكوفة وصعدا المنبر وكان الحسن بن علي (عليه السلام) في
~~أعلى المنبر وعمار (رضي الله عنه) أسفل من الحسن فاجتمعنا إليهما (5) فسمعت
~~عمارا يقول: إن عائشة سارت إلى البصرة والله إنها لزوجة نبيكم (صلى الله
~~عليه وآله) في الدنيا والآخرة. ولكن الله [تبارك وتعالى]
# PageV01P395
# ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي (1)، انتهى.
# وجعل (2) الأشتر (3) (رض) لا يمر بقبيلة (4) إلا دعاهم، فتسامع الناس
~~وأجابوه (5) فقام هند بن عمرو وقال لقومه: إن أمير المؤمنين قد دعانا وأرسل
~~إلينا رسله [حتى جاءنا] مع ابنه الحسن فاسمعوا إلى قوله (6) وانتهوا إلى
~~أمره وأعينوه برأيكم وانظروا معه في هذا الأمر (7).
# وقام حجر بن عدي (رحمه الله) فقال: أيها الناس أجيبوا أمير المؤمنين ms053
~~وانفروا خفافا وثقالا فانفروا وأنا أولكم وأذعن للمسير (8).
# PageV01P396
# فقال الحسن: أيها الناس، إني غاد (1) فمن شاء منكم أن يخرج معي (2) الظهر
~~ومن شاء في المساء.
# فنفر معهم قريب تسعة آلاف ومائتان (3) في البر وألفان وثمانمائة في البحر
~~(4)، فقدموا على أمير المؤمنين (عليه السلام) بذي قار فلقيهم في ناس من
~~وجوه أصحابه منهم عبد الله بن عباس (رض) فرحب بهم (5) وقال: يا أهل الكوفة،
~~أنتم قتلتم ملوك العجم (6) وفضضتم جموعهم حتى (7) صار إليكم تراثهم (8)
~~وأغنيتم حوزتكم وأعنتم الناس على عدوهم، وقد دعوناكم لتشهدوا معنا إخواننا
~~من أهل البصرة، فإن رجعوا (9) فذاك الذي نريد، وإن يلحوا داريناهم بالرفق
~~حتى يبدأونا بظلم، ولم ندع امرا فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن
~~شاء الله تعالى (10).
# ثم دعا علي (رض) بالقعقاع (11) فأرسله إلى أهل البصرة وقال له: الق هذين
# PageV01P397
# الرجلين [يا ابن الحنظلية] - يعني طلحة والزبير (1). وكان القعقاع من
~~أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - فادعهما إلى الألفة والجماعة وعظم
~~عليهما الفرقة والمباينة (2)، ومثلك يعلم كيف يصنع. فخرج القعقاع حتى قدم
~~البصرة فبدأ بعائشة فقال أي أم (3) ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ فقالت:
~~أي بني (4) لإصلاح بين الناس (5)، قال:
# فابعثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما، فبعثت إليهما فجاءا
~~(6).
# فقال لهما القعقاع: إني سألت أم المؤمنين ما أشخصها وأقدمها؟ قالت:
# الإصلاح، فما تقولان أنتما متابعان أم مخالفان؟ فقالا: بل متابعان، فقال:
~~أخبراني ما وجه الإصلاح، فوالله إن عرفتماه لتصلحن وإن أنكرتما لا يقع شيء
~~(7) قالا: قتلة عثمان؟ فقال لهما القعقاع: هذا ما لا يكون في هذا الوقت ولا
~~يتهيأ، فالرأي عندي تسكين هذه الثائرة في هذه الساعة وحقن دماء المسلمين،
~~فإذا سكنت فاختلجوا، وليس لهذا الأمر دواء غير هذا، وإن أبيتم إلا لمكابرة
~~هذا الأمر واعتسافه كانت علامة شر وذهاب الأموال والأرواح، فآثروا (8)
~~العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح خير ولا تتعرضوا للبلاء فيصرعنا وإياكم،
~~وأيم الله إني لأقول هذا القول وأدعوكم واني لخائف أن لا يتم حتى يأخذ الله
~~حاجته ms054 من هذه الأمة. فقالوا: قد أصبت وأحسنت، فإن قدم علي على مثل رأيك هذا
~~فقد صلح الأمر. فرجع القعقاع إلى علي وأخبره
# PageV01P398
# بذلك فسر به وأعجب (1).
# وأشرف القوم على الصلح وكره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه، وأقبلت وفود
# PageV01P399
# العرب من [أهل] البصرة نحو علي (عليه السلام) بذي قار لينظروا ما رأي
~~إخوانهم من أهل الكوفة، فأخبروهم أن الذي عليه رأيهم الإصلاح ولا خطر لهم
~~القتال على بال.
# وسأل علي (رض) جرير بن شرس (1) عن طلحة والزبير فقال: أما الزبير فإنه
~~يقول:
# بايعنا [ه] كرها (2)، وأما طلحة فانه يتمثل بالأشعار فيقول شعرا:
# ألا بلغ أبلغ (3) بني بكر رسولا * فليس إلى بني كعب سبيل سيرجع ظلمكم
~~منكم عليكم * طويل الساعدين له فضول (4) فتمثل علي (عليه السلام) بقوله:
# ألم تعلم أبا سمعان أنا * نرد (5) الشيخ مثلك ذا الصداع ونذهل عقله
~~بالحرب حتى * يقوم فيستجيب بغير داع فدافع عن خزاعة جمع بكر * وما بك يا
~~سراقة من دفاع (6) ثم إن عليا (رض) قام خطيبا في الناس فحمد الله تعالى
~~وأثنى عليه وذكر الجاهلية وشقاها والإسلام وسعادة الناس به وإنعام الله على
~~الأمة بالجماعة والخليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم الذي يليه
~~ثم حدث هذا الأمر الذي جره (7) على الأمة أقوام طلبوا الدنيا وحسدوا من
~~أفاء الله تعالى منها وأرادوا رد الإسلام والأمور على أدبارها والله بالغ
~~أمره (8). ثم قال علي (عليه السلام): ألا وإني راحل غدا فارتحلوا
# PageV01P400
# ولا يرتحلن أحد أعان على قتل عثمان بشيء من أمور الناس، وليغن السفهاء عن
~~أنفسهم (1).
# فشق ذلك على الذين خرجوا على عثمان وكان معه منهم بذي قار ألفان وخمسمائة
~~(2) وباتوا بأسوأ ليلة وهم يتشاورون، فقال لهم رئيسهم عبد الله بن سبأ (3)
~~وهو الشهير بابن السوداء: يا قوم إن عزكم في مخالطة الناس فلا تتركوا عليا
~~وألزموه فإذا كان غدا والتقى الناس فانشبوا القتال، فمن كنتم (4) معه لا
~~يجد بدا من أن يمتنع، فإذا اشتغل الناس بالناس ننظر ماذا يكون. فتفرقوا على
~~رأيه (5).
# وأصبح ms055 علي (عليه السلام) على ظهر حتى نزل على عبد القيس (6) فانضموا
~~[إليه] وسار من هناك يريد البصرة، فقام إليه الأعور بن بيان المنقري (7)
~~فقال: يا أمير المؤمنين ما
# PageV01P401
# تريد بإقدامك إلى البصرة؟ فقال: الإصلاح وإطفاء الثائرة لعل الله تعالى
~~يجمع شمل هذه الأمة بنا ويضع حربهم، قال: فإن لم يجيبوا؟ قال: تركناهم ما
~~تركونا، قال: فإن [لم] يتركوا؟ قال: دفعناهم عن أنفسنا، قال: فهل لهم من
~~هذا مثل الذي عليهم؟
# قال: نعم (1).
# وقام إليه أبو سلام الدلابي (2) فقال: يا أمير المؤمنين أترى لهؤلاء
~~القوم حجة [فيما طلبوا من هذا الدم إن كانوا أرادوا الله بذلك؟ قال: أفترى
~~لك حجة] بتأخير ذلك؟ قال: نعم، إن الشيء إذا كان [لا] يدرك فإن الحكم فيه
~~ما كان أحوطه (3) وأعمه نفعا، قال: فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غدا
~~بقتالهم؟ قال: إني لأرجو أن لا يقتل منا ومنهم أحد وقلبه مخلص لله تعالى
~~إلا أدخله الله تعالى الجنة (4).
# وسار طلحة والزبير وعائشة فالتقوا عند قصر عبيد الله بن زياد (5) فنزل
~~الناس هناك وهم يتراؤون وأقاموا (6) ثلاثة أيام لم يكن بينهم شيء إلا الصلح
~~وهم يتراسلون، وكان نزولهم في النصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين (7)،
~~فقام
# PageV01P402
# علي (عليه السلام) فخطب أصحابه فقال: أيها الناس، املكوا عن هؤلاء أيديكم
~~[وألسنتكم] وإياكم أن تسبقوا إلى شيء فإن المخصوم غدا من خصم اليوم (1).
# وكانت عائشة حين نزولهم نزلت في الأزد ويرأس الأزد يومئذ صبرة ابن سبحان
~~(2) فقال له كعب بن سور (3): إن الجموع إذا تراءت لم تستطع كفافها إنما هي
# PageV01P403
# نحو تدفق، فأطعني ولا تشهدهم، واعتزل بقومك فإني أخاف أن لا يكون صلح،
~~ودع مضرا وربيعه، فإنهما اخوان، فإن اصطلحا فالصلح أردنا وإن اقتتلا كنا
~~حكاما عليهم غدا، وكان كعب في الجاهلية على دين النصرانية (1)، فقال له
~~صبرة: أخشى أن يكون (2) فيك شيء من دين النصرانية أتأمرني أن أغيب عن إصلاح
~~بين الناس وأخذل أم المؤمنين وطلحة والزبير إذا أرادوا الصلح؟ والله لا
~~أفعل ذلك أبدا، فأطبق أهل ms056 اليمن على الحضور (3).
# وحضر مع عائشة المنجاب بن راشد (4) في الرباب وهم: تيم وعدي وثور وعكل
~~بنو عبد مناف (5) ابن [ادبن] طانجة بن إلياس بن مضر وضبة بن ادبن طانجة،
~~وحضر
# PageV01P404
# أيضا أبو الجرباء (1) في بني عمر بن تيم وهلال بن وكيع في بني حنظلة
~~وصبرة بن سبحان على الأزد ومجاشع بن مسعود السلمي على سليم وزفر بن الحارث
~~في بني عامر وغطفان ومالك بن مشبع على بكر والحارث بن راشد على بنى ناجية
~~(2) وعلى اليمن ذوي الأحمر الحميري. فنزلت مضر إلى (3) مضر وهم لا يشكون في
~~الصلح، ونزلت ربيعة إلى ربيعة، واليمن إلى اليمن، وكل قبيلة نزلت إلى أختها
~~(4).
# وكان أصحاب علي (عليه السلام) عشرين ألفا (5) وأصحاب طلحة والزبير وعائشة
~~ثلاثين (6)
# PageV01P405
# ألفا، فأرسل علي (عليه السلام) عشية اليوم الثالث من نزولهم عبد الله بن
~~عباس إلى طلحة والزبير بالسلام، وأرسل طلحة والزبير إلى علي بالسلام،
~~وترددت الرسل بينهم في الصلح فتداعوا إليه، وشاع ذلك في الفئتين فسر الناس
~~بذلك وباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها من الفرح والسرور. ولما أشرفوا عليه من
~~الصلح وبات الذين أثاروا أمر عثمان بأسوأ ليلة لما رأوه ونظروه من تراسل
~~القوم وتصافيهم، فباتوا يتشاورون ليلتهم فأجمع رأيهم على إنشاب الحرب مع
~~الفجر.
# [قال:] فلما كان غلس الصبح ثاروا إلى أصحاب طلحة والزبير، مضرهم إلى
~~مضرهم، وربيعتهم إلى ربيعتهم، ووضعوا فيهم السلاح، فثارت كل قبيلة إلى
~~أختها، وقام الحرب بينهم وثبت القتال، ولم يدر الناس كيف الأمر ولا كيف كان
~~(1). فقام في الميمنة أصحاب [طلحة] عبد الرحمن بن الحارث (2)، وفي الميسرة
~~عبد الرحمن [بن] عتاب (3)، وفي القلب طلحة والزبير (4) فقالوا لأصحابهم:
~~كيف كان هذا الأمر؟
# PageV01P406
# قالوا: لا ندري إلا وقد طوقونا في غلس الصبح واضعين فينا السيوف، فقال
~~طلحة والزبير: إن عليا لم يطعنا حتى يسفك الدماء.
# وقام علي (عليه السلام) في أصحابه وقال: كيف هذا؟ فقال [له] السبأية: ما
~~شعرنا إلا وقد PageV01P407
# بيتونا فرددناهم فركبونا فثار الناس وثبت القتال، فقال علي (عليه
~~السلام): قد علمت ms057 أن طلحة والزبير غير منتهين حتى يسفكا الدماء وإنهما لم
~~يطاوعا. والسبأية لا تفتر عن القتال وقد وضع الناس السيف في بعضهم بعضا
~~(1)، فأقبل كعب بن سور على عائشة فقال لها: أركبي وقد أبى الناس إلا القتال
~~فأركبوها هودجا وألبسوا هودجها الأدراع وشدوا على جملها " عسكرا " وأبرزوه
~~للناس " (2).
# ثم إن عليا (عليه السلام) نادى في معسكره: أيها الناس أنشدكم الله أن لا
~~تقتلوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تستحلوا سبيا، ولا تأخذوا سلاحا
~~ولا متاعا (3). ثم إنه (عليه السلام)
# PageV01P408
# رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إن طلحة والزبير أعطياني صفقة أيديهما
~~طائعين ثم نصبا لي الحرب ظاهرين (1)، اللهم فاكفنيهما بما شئت فكيف شئت
~~(2). هذا كله وعلي (عليه السلام) على بغلة وعليه قميص ورداء وعمامة (3)،
~~فلما أسفر النهار [ورأى أنه لم يبق إلا التصافح بالصفاح والتطاول بالرماح]
~~خرج علي (عليه السلام) ما بين الصفين هو على تلك الصفة ونادى بأعلى صوته:
~~أين الزبير بن العوام؟ فليخرج إلي، فقال الناس: يا أمير المؤمنين أتخرج إلى
~~الزبير وأنت [معر وهو لابس وأنت على بغلة وهو على
# PageV01P409
# جواد] على هذه الهيئة وقد علمت أنه فارس قريش وبطلها؟ فقال: ليس له علي
~~منه [سنة] ثم نادى الثانية: أين الزبير بن العوام؟ فليخرج إلي.
# فخرج إليه الزبير فدنا كل منهما من الآخر إلى أن اختلفت (1) أعناق
~~دوابهما (2)، فقال له علي (عليه السلام): ما حملك على ما صنعت (3) يا زبير؟
~~قال: حملني على ذلك الطلب
# PageV01P410
# بدم (1) عثمان، فقال [له] علي: إن أنصفت من نفسك أنت وأصحابك قتلتموه
~~ولكني أنشدك الله يا زبير، أما تذكر قال لك رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): يا زبير أتحب عليا؟ فقلت: يا رسول الله وما يمنعني من حبه وهو ابن
~~خالي؟! فقال (صلى الله عليه وآله) لك: أما إنك ستخرج عليه وأنت ظالم له،
~~فقال [الزبير]: اللهم بلى قد كان ذلك.
# فقال: أنشدك الله ثانيا أما تذكر يوم جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~من عند بني [عمرو بن] ms058 عوف وأنت معه وهو آخذ بيدك فاستقبلته [أنا] فسلمت
~~عليه فضحك في وجهي وضحكت [أنا] إليه فقلت أنت: لا يدع ابن أبي طالب زهوه
~~[أبدا]، فقال لك (صلى الله عليه وآله):
# مهلا يا زبير ليس بعلي زهوة ولتخرجن عليه يوما وأنت ظالم له؟ فقال
~~الزبير: اللهم بلى ولكني قد نسيت ذلك وبعد أن ذكرتنيه لأنصرفن، ولو ذكرت
~~هذا قبل ما خرجت عليك ولكن هذا تصديقا لقوله (صلى الله عليه وآله)، ثم كر
~~راجعا.
# فقالت [له] عائشة [وهي واقفه في هودجها]: ما وراك يا أبا عبد الله؟ فقال
~~لها [الزبير: ورائي] والله ما وقفت موقفا [قط] ولا شهدت مشهدا في شرك ولا
~~إسلام إلا
# PageV01P412
# ولي فيه بصيرة، وأما اليوم في (1) شك من أمري (2) وما أكاد أبصر موضع
~~قدمي (3).
# ثم شق الصفوف وخرج من بينهم وأخذ (4) طريق (5) مكة فنزل على قوم من بني
~~تميم فقام إليه عمرو (6) بن جرموز المجاشعي (7) فضيفه وخرج معه إلى وادي
~~السباع
# PageV01P413
# وأراه أنه يريد مسايرته ومؤانسته فقتله غيلة بعد أن خدعه بذلك، وأخذ سيفه
~~وخاتمه ومضى يؤم علي بن أبي طالب (عليه السلام) فلما وصله سلم عليه وهنأه
~~بالفتح وأخبره بقتله للزبير بن العوام، فقال له علي أبشر بالنار - يعني
~~قوله، بشر قاتل ابن صفية بالنار -. قال ابن جرموز: إنا لله وإنا إليه
~~راجعون، إنا إن قاتلناكم فنحن في النار وان قتلنا لكم فنحن في النار؟! فقال
~~علي بن أبي طالب: ويلك ذلك شيء قد سبق لابن صفية.
# أما طلحة (1) فأصابه سهم غريب (2) (3)
# PageV01P415
# فشك رجله بصفحة الفرس وهو ينادي (1): عباد الله الصبر الصبر، فقال له
~~القعقاع بن عمرو (2): يا أبا محمد إنك لجريح (3)، وإنك لفي شغل عما تريد
~~ادخل البيوت، فدخل ودمه يسيل وهو يقول: اللهم خذ لعثمان مني حتى ترضى (4)،
~~فلما امتلأ خفه (5) دما قال لغلامه: اركب من خلفي وامسكني (6) وابغني مكانا
~~أنزل فيه، فدخل به البصرة وأنزله في دار من خرابها قريبا من ظاهرها فمات
~~[بها] من فوره (7).
# وقيل: إنه اجتاز به رجل من أصحاب ms059 علي (عليه السلام) فقال [له]: أنت من
~~أصحاب أمير
# PageV01P417
# المؤمنين؟ قال: نعم، قال: امدد يدك أبايعك [له]، فبايعه خوفا من أن يموت
~~وليس في عنقه بيعة، ولما قضى دفن في بني سعد بظاهر البصرة. قال: ولم أر
~~شيخا أضيع دما (1) مني، وتمثل عنه دخوله البصرة بقوله شعرا (2):
# فإن تكن الحوادث أقصدتني * وأخطاهن سهمي حين أرمي فقد ضيعت حين تبعت سمعا
~~* سفاهة ما سفهت بفضل (3) حلمي أطعتهم بفرقة آل (4) لأي * فألقوا للسباع
~~دمي ولحمي وكان الذي رمى طلحة مروان بن الحكم، وقيل: غيره، والله أعلم.
# ثم ما كان بأسرع من أن أفجأ الناس هزيمة طلحة والزبير (5) وأطافت الخيل
~~بالجمل فلما رأى المنهزمون إطافتهم بالجمل عادوا [عليهم] قلبا واحدا كما
~~(6) كانوا أول مرة (7) وتوافقوا، فوقفت مضر البصرة لمضر الكوفة، وربيعتها
~~لربيعتها، وتيمها لتيمها فاقتتلوا أشد القتال وأعظمه وأكثر مما كان أول
~~مرة، واختلط القوم بعضهم في بعض، فما رؤي قبلها ولا بعدها وقعة أعظم منها
~~(8) ولا أكثر ذراعا مقطوعا ولا يدا مقطوعة، ولم يزل الأمر كذلك حتى قتل خلق
~~كثير ولا يحصون من الفريقين على خطام الجمل.
# قال: وأخذ الخطام سبعون رجلا (9) من قريش ما نجا منهم واحد، بل كلهم
~~قتلوا،
# PageV01P418
# وكان ممن أخذ بخطام الجمل محمد بن طلحة (1) فجعل لا يحمل عليه أحد إلا من
# PageV01P419
# قال " حم لا ينصرون " وكان ذلك من شعار أصحاب علي (عليه السلام)، وكان
~~علي (عليه السلام) قد أذن في أصحابه بأن لا يقتل محمد بن طلحة من عسى أن
~~يظفر به ولا يتعرضه أحد بسوء، فحمل عليه شريح بن أوفى العبسي فقال: " حم "
~~وقد سبقه شريح بالطعنة فأتى على نفسه فكان كما قيل: سبق السيف العذل، وكان
~~محمد بن طلحة هذا من العباد والزهاد (1) واعتزل الناس على جانب وإنما خرج
~~برا بأبيه، وكان يعرف بالسجاد لكثرة صلاته وسجوده، وفي ذلك يقول قاتله شريح
~~بن أوفى العبسي (2):
# وأشعث قوام بآيات (3) ربه * قليل الأذى فيما ترى العين مسلم هتكت (4)
~~بصدر الرمح جيب قميصه * فخر صريعا لليدين وللفم
# PageV01P420
# على ms060 غير شيء غير أن ليس تابعا * عليا ومن لا يتبع الحق يندم يذكرني حم
~~والرمح شاجر * فهلا تلا حم قبل التقدم وأخذ بخطام الجمل عمرو بن الأشرف (1)
~~فجعل لا يدنو منه أحد إلا خبطه، فأقبل إليه الحارث بن زهير الأسدي (2) وهو
~~يقول:
# يا أمنا يا خير أم نعلم (3) * أما ترين كم شجاع يكلم (4) وتجتلى هامته
~~والمعصم وحمل كل واحد منهما على صاحبه فاختلفا بضربتين فوقعت ضربة [كل]
~~واحد منهما على الآخر فقتلته، وأحدقت أهل النجدات والشجاعة بالجمل فكان لا
~~يأخذ أحد بخطام الجمل إلا قتل، وكان لا يأخذه إلا من ينسب ويقول أنا فلان
~~بن فلان الفلاني، فوالله إن كان إلا الموت الأحمر وما أخذه أحد، ثم أفلت
~~منه فعاد إليه (5).
# وجاء عبد الله بن الزبير (6) وأخذ بخطام الجمل وهو ساكت لم يتكلم [فقالت
~~له
# PageV01P421
# عائشة: من أنت يا هذا؟ لم لا تنتسب؟ فقال: أنا ابن أختك، قالت: عبد
~~الله؟!
# واثكل] أسماء، فجاءه الأشتر (رض) وهو آخذ بالخطام فاقتتلا قتالا شديدا
~~فضربه الأشتر (رض) على رأسه فجرحه جراحة خفيفه ثم اعتنق كل واحد منهما
~~بصاحبه وسقطا على الأرض، فقال ابن الزبير: اقتلوني ومالكا (1)، فلم يعرفوا
~~مالكا من هو (2)، ولو عرفه أصحاب ابن الزبير لقتلوه.
# ثم إنهما افترقا (3) فجاء الأشتر يقول: لقيت في ذلك اليوم جماعة من
~~الأبطال فما
# PageV01P422
# لقيت منهم ما لقيت من ابن الزبير ولقيت من عبد الرحمن بن عتاب أشد من
~~ذلك، لقيته أشد الناس بأسا وأشجعهم قلبا وأثبتهم جأشا، وما كدت أن أنجو منه
~~وتمنيت أني لم أكن لقيته (1). وما رؤي مثل ذلك اليوم وكثرة من أصيب يوم
~~الجمل ومن قتل حوله من العسكرين وقتل عليه خلائق لا يحصون وقطعت عليه أيد
~~كثيرة حتى صاح علي: اعقروا الجمل (2) إن يعقر الجمل تفرق الناس، فانتدب
~~[له] رجل يقال له بحير بن دلجة الكلابي (3) فضرب ساقه فسقط إلى الأرض [على
~~جنبه وله جرجرة
# PageV01P424
# عظيمة لم يسمع بمثلها، ولا سمع أشد من عجيجه حين سقط إلى الأرض] فانهزم
~~الناس وتفرق ms061 أصحاب عائشة، فجاء القعقاع وورقة بن نوفل فقطعا ابطان الجمل
~~وحملا الهودج وأنزلاه إلى الأرض وفيه عائشة وأن الهودج لكان كقنفذ (1) لما
~~فيه من السهام، ثم أطافا به وفر من فر وانهزم من انهزم.
# فأمر علي (عليه السلام) بالنداء في الناس أن لا يتبعوا مدبرا ولا يجهزوا
~~على جريح ولا يدخلوا دارا ولا يسلبوا سلاحا ولا ثيابا ولا متاعا (2). وأمر
~~علي (عليه السلام) بأن يحمل الهودج من بين القتلى وأرسل إلى عائشة أخاها
~~محمد بن أبي بكر (3) وأمره أن يضرب عليها قبة، وقال: انظر هل وصل إليها شيء
~~من سهم أو جرح، فأدخل رأسه
# PageV01P425
# في هودجها فقالت: من أنت؟ قال: أبغض أهلك إليك، قالت: ابن الخثعمية؟ قال:
# نعم، قالت: يا ابن أبي الحمد لله الذي عافاك (1).
# فلما كان الليل أدخلها أخوها إلى البصرة وأنزلها في دار عبد الله بن خلف
~~الخزاعي (2) على صفية بنت الحارث [بن طلحة] بن أبي طلحة بن العزى بن عثمان
~~بن عبد الدار وهي أم طلحة الطلحات (3)، وتسلل الجرحى ليلا من بين القتلى
# PageV01P426
# فدخلوا البصرة (1)، وأقام علي (عليه السلام) بظاهر البصرة ثلاثا (2) وأذن
~~للناس في دفن قتلاهم، فخرجوا إليهم فدفنوهم.
# وطاف علي (عليه السلام) على (3) القتلى فلما أتى كعب بن سور قال: زعمتم
~~أن لا يخرج معهم إلا السفهاء. وأتى علي (عليه السلام) على عبد الرحمن بن
~~عتاب فقال: هذا يعسوب القوم (4) الذي كانوا يطوفون (5) به واجتمعوا على
~~الرضا به لصلاتهم (6). وأتى علي (عليه السلام)
# PageV01P427
# على قبر طلحة بن عبيد الله فقال: لهفي عليك يا أبا محمد، إنا لله وإنا
~~إليه راجعون، والله لقد كنت أكره أن أرى قريشا صرعى، أنت والله يا أبا محمد
~~كما قال الشاعر:
# فتى كان يدنيه الغنى من صديقه * إذا ما هو استغنى (1) وأسعده الفقر (2)
# PageV01P428
# وأتى على ابنه محمد وهو صريع فوقف عليه وقال: هذا رجل قتله بره بأبيه
~~(1).
# وصلى علي (عليه السلام) على جميع القتلى من أهل البصرة والكوفة وغيرهم
~~وأمر فدفنت الأطراف (2) جميعا في قبر عظيم وجمع ما في ms062 العسكرين من سلاح
~~وثياب وطرح في المسجد وقال: من عرف شيئا فليأخذه إلا سلاحا في الخزائن
~~[كان] عليه سمة السلطان (3).
# ولما فرغ علي (عليه السلام) من الواقعة أتاه (4) الأحنف بن قيس (5) في
~~بني سعد يهنونه
# PageV01P429
# بالنصر، فقال له علي (عليه السلام): تربصت يا أحنف؟! (1) فقال الأحنف: ما
~~كنت أرى إلا أني قد أحسنت وبأمرك كان ما كان يا أمير المؤمنين، ارفق فإن
~~طريقتك التي سلكت
# PageV01P432
# بعيد وأنت إلى غد أحوج منك إلى أمس، فاعرف إحساني وأستبق مودتى لغد، ولا
~~تقل مثل هذا فإني لم أزل لك ناصحا (1).
# ودخل علي (عليه السلام) البصرة يوم الاثنين فبايعه أهلها على راياتهم حتى
~~الجرحى والمستأمنة (2). ثم راح إلى عائشة وهي في بيت عبد الله بن خلف وهي
~~أعظم دار بالبصرة، فسلم عليها وجلس إليها (3). ثم إن عائشة سألت عن الناس
~~ومن قتل منهم ممن كان معها ومع علي، فكلما نعى واحد من الفئتين قالت: يرحمه
~~الله، فقيل لها:
# كيف ذلك؟! قالت: كذلك قال رسول الله فلان في الجنة وفلان في الجنة. وقال
~~علي (عليه السلام): إني لأرجو أن لا يكون أحد قتل منا ومنهم وقلبه نقي مخلص
~~لله تعالى إلا أدخله الله الجنة (4).
# ثم إن عليا (عليه السلام) جهز عائشة بكل ما ينبغي لها من مركب وزاد
~~[ومتاع] وغير ذلك وبعث معها كل من نجا ممن كان معها في الوقعة من أصحابها
~~إلا من أحب (5) المقام (6)، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة
~~المخبورات المعروفات سيرهن معها وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر (7).
# PageV01P433
# ولما كان اليوم الذي ارتحلت فيه عائشة أتاها علي (عليه السلام) بنفسه
~~فوقف لها وحضر الناس لوداعها فقالت: يا بني لا يعتب (1) بعضنا على بعض
~~[إنه] والله لم يكن بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة
~~وأحمائها (2) وإنه عندي على معتبتي (3) لمن الأخيار، فقال علي (عليه
~~السلام): [أيها الناس] صدقت والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك وإنها لزوجة
~~نبيكم (4) (صلى الله عليه وآله) في الدنيا ms063 والآخرة. وخرجت يوم السبت غرة
~~رجب وسار معها علي (عليه السلام) أميالا وسرح (5) بنيه معها يوما كاملا
~~(6). وكان توجهها إلى مكة المشرفة فأقامت بها إلى أيام الحج فحجت ثم رجعت
~~إلى المدينة (7).
# PageV01P435
# وأما المنهزمون يوم الجمل فكان منهم: عتبة بن أبي سفيان جرح هو وعبد
~~الرحمن ويحيى ابنا الحكم، فساروا في (1) البلاد فلقيهم عصمة بن أبير (2)
~~التميمي فقال: هل لكم في الجوار؟ فقالوا: نعم، فأجارهم وأنزلهم عنده حتى
~~برئت جراحاتهم وسيرهم نحو الشام في أربعمائة راكب، فلما وصلوا معهم إلى
~~دومة الجندل قال (3): ارجعوا فقد وفت ذمة صاحبكم وقد قضيتم ما عليكم،
~~فرجعوا عنهم. وأما ابن عامر فإنه جرح أيضا فلقيه رجل من بني حرقوص فأجاره
~~وسيره إلى الشام. وأما مروان بن الحكم فاستجار بمالك بن مسمع فأجاره فحفظ
~~بنو مروان ذلك لمالك في أيام خلافتهم وانتفع بهم وشرفوه وكرموه. وأما عبد
~~الله بن الزبير فإنه نزل بدار رجل من [ال] أزد وبيده ست وثلاثون جراحة،
~~فقال للأزدي:
# اذهب إلى أم المؤمنين عائشة وأخبرها بمكاني وإياك أن يطلع على هذا محمد
~~بن
# PageV01P436
# أبي بكر (1)، [فأتى الأزدي عائشة فأخبرها فقالت: علي بمحمد بن أبي بكر
~~فقال لها الأزدي: إنه نهاني من أن يعلم بمكانه، فقالت: لا عليك، فلما أتاها
~~محمد بن أبي بكر] فقالت: اذهب مع هذا الرجل وائتني بابن أختك عبد الله.
~~فانطلق معه حتى دخلا عليه، فخرج به إلى عائشة وهي بدار عبد الله بن خلف
~~التي كانت نازلتها في البصرة (2).
# ولما فرغ علي (عليه السلام) من بيعة أهل البصرة قسم ما كان في بيت المال
~~على من شهد معه (3) الوقعة فأصاب كل رجل (4) منهم خمسمائة دينار (5) وقال
~~لهم: إن أظفركم الله بأهل الشام فلكم مثلها إلى اعطياتكم (6).
# قال القعقاع بن عمرو: ما رأيت شيئا أشبه [بشيء] من قتال يوم الجمل بقتال
~~يوم صفين، ولقد رأيتنا ندافعهم بأسنة رماحنا ونتكئ على أزجتها وهم مثل ذلك
~~حتى لو أن الرجال مشت عليها لاستقلت بهم (7).
# وقال عبد الله بن سنان الكاهلي: ms064 لما كان يوم الجمل ترامينا بالنبل حتى
~~فنيت، وتطاعنا بالرماح حتى انكسرت، وتشبكت في صدورنا وصدورهم حتى لو أن
~~الخيل سيرت عليها لسارت. فقال علي (عليه السلام): السيوف يا أبناء
~~المهاجرين والأنصار، فما شبهت وقع أصواتها في البيض والجحف إلا بأصوات
~~القصارين (8).
# PageV01P437
# وعلم أهل المدينة بوقعة الجمل من يومها من البصرة قبل أن تغرب الشمس،
~~وذلك لما كانت تمر النسور حول المدينة يرى معها من أعضاء القتلى من يد ورجل
~~وعضد وغير ذلك فيتساقط منها، ووجد كف فيه خاتم نقش عبد الرحمن بن عتاب.
# وعلم من بين مكة والمدينة لمثل ذلك لما يتساقط من النسور عليهم من أعضاء
~~بني آدم (1).
# وذكر نقلة الأخبار وأصحاب التواريخ أن عدة من قتل من أهل الجمل ستة عشر
~~ألفا وسبعمائة وتسعون رجلا، وكانت (2) جملتهم ثلاثين ألفا، فأتى القتل على
~~أكثر من نصفهم، وأن عدة من قتل من أصحاب علي (عليه السلام) ألفا وسبعون
~~رجلا وكانت عدتهم عشرين ألفا، وقيل غير ذلك، والله أعلم (3).
# PageV01P438
# ولما انقضت وقعة الجمل اتفق حرب صفين (1) المشتمل على وقايع يضطرب لها
~~فؤاد الجليد، ويشيب لها فؤاد الوليد، ويجبن منها قلب البطل الصنديد، وذلك
~~أن عليا (عليه السلام) لما عاد من البصرة بعد فراغه من الجمل قصد الكوفة
~~وأرسل إلى جرير بن عبد الله البجلي (2) وكان عاملا على همدان (3) استعمله
~~عليها
# PageV01P439
# عثمان (1)، وأرسل إلى الأشعث بن قيس (2) وكان عاملا على آذربيجان من جهة
~~عثمان أيضا (3)، فلما حضرا أخذ عليهما البيعة وأقرهما على عملهما (4).
# PageV01P440
# ثم إن عليا (عليه السلام) خرج بعسكره إلى النخيلة (1) واستنفر (2) الناس
~~للمسير إلى معاوية وقتال أهل الشام، فبلغ ذلك معاوية فاستشار عمرو بن العاص
~~(3) فقال له: أما إذا سار إليك علي بنفسه فأخرج إليه بنفسك ولا تغب عنه
~~برأيك ومكيدتك (4). فخرج معاوية وخرج معه عمرو بن العاص فكتبا الكتايب،
~~وعبيا الجيوش، وعقد معاوية لواء لعمرو بن العاص، ولواء لابنيه محمد وعبد
~~الله ولواء لغلامه وردان، وفي ذلك يقول (5):
# PageV01P443
# هل يغنين (1) وردان عني قنبرا * وتغني السكون (2) عني حميرا إذا ms065 الكماة
~~لبسوا السنورا (3) فبلغ ذلك عليا (عليه السلام) فقال (4):
# لا صبحن العاص ابن العاصي * سبعين (5) ألفا عاقدي النواصي
# PageV01P445
# [مستحقبين حلق الدلاصي * قد جنبوا الخيل مع القلاص] (2) مجنبين الخيل
~~بالقلاص * مستحقبين حلق الدلاص [آساد غيل حين لا مناص] ثم إن كل واحد منهما
~~سار في لقاء الآخر فتوافوا على الفرات فدعا علي (عليه السلام) أبا عمرة (3)
~~بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري (4)، وسعد بن قيس الهمداني (5) وشبث بن ربعي
~~التميمي (6) فقال لهم: اذهبوا إلى هذا الرجل - يعني معاوية - وادعوه إلى
~~الله تعالى وإلى الطاعة والجماعة لعل الله تعالى أن يهديه ويلتئم شمل هذه
# PageV01P446
# الأمة (1). وكان ذلك في أول يوم من ذي الحجة سنة ست وثلاثين من الهجرة،
~~فأتوه ودخلوا عليه، فابتدأ (2) بشير بن عمرو الأنصاري فحمد الله وأثنى عليه
~~وقال: يا معاوية، إن الدنيا عنك زائلة وإنك راجع إلى الآخرة، وإن الله
~~تعالى محاسبك بعملك (3) ومجازيك بما قدمت يداك (4) وإني أنشدك الله تعالى
~~أن لا تفرق جماعة هذه الأمة وأن لا تسفك دماءها فيما بينها. فقطع معاوية
~~عليه كلامه وقال: هلا أوصيت (5) بذلك صاحبك، فقال: إن صاحبي ليس أحد مثله
~~وهو صاحب السابقة في الإسلام والفضل والدين والقرابة من رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) (6).
# قال: فما الذي عندك يا ابن عمرو؟ وما الذي تأمرني به؟ قال: الذي عندي وما
~~آمرك به تقوى الله وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق فإنه أسلم لك
~~في دنياك وخير لك في عاقبة أمرك، قال معاوية: ونطل (7) دم عثمان والله لا
~~أفعل ذلك أبدا.
# ثم تكلم سعد بن قيس وشبث بن ربعي، فلم يلتفت معاوية إلى كلامهم وقال:
# انصرفوا من عندي فإنه ليس بيني وبينكم إلا السيف (8)، فقال له شبث بن
~~ربعي:
# أفعلينا تهول (9) بالسيف؟ وأقسم ليعجلن بها إليك (10).
# فأتوا عليا (عليه السلام) فأخبروه بالذي كان (11)، فجعل علي (عليه
~~السلام) بعد إتيانهم بكلام معاوية
# PageV01P447
# يأمر الرجل ذا الشرف من أصحابه أن يخرج في خيل [فيخرج إليه جماعة من
~~أصحاب معاوية في خيل] ms066 مثلها فيقتتلان، ثم تنصرف كل خيل إلى أصحابها وذلك
~~لما كرهوه (2) من ملاقاة جمع أهل العراق لجمع أهل الشام فيكون فيه استئصال
~~العسكرين وذهاب الفئتين وهلاك المسلمين (3). فكان علي (عليه السلام) يخرج
~~مرة، ومرة الأشتر (4)، ومرة حجر بن عدي الكندي (5)، ومرة شبث بن ربعي (6)،
~~ومرة خالد بن
# PageV01P448
# المعمر (1)، ومرة زياد بن النضر الحارث (2)، ومرة زياد بن خصفة التيمي
~~(3)، ومرة سعد بن قيس الهمداني (4)، ومرة معقل بن قيس الرياحي (5)، ومرة
~~قيس بن سعد الأنصاري (6) رضي الله عنهم (7). وكان الأشتر (رض) أكثرهم خروجا
~~للقتال (8).
# وكان معاوية يخرج إليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد (9) مرة، ومرة أبو
~~الأعور
# PageV01P449
# السلمي (1)، ومرة حبيب بن مسلمة (2) الفهري (3)، ومرة [ابن] ذي الكلاع
~~الحميري (4)، ومرة عبيد الله (5) بن عمر [بن الخطاب] (6)، ومرة شرحبيل بن
~~السمط
# PageV01P450
# الكندي (1)،
# PageV01P451
# ومرة حمزة بن مالك الهمداني (1) فاقتتلوا أيام ذي الحجة وربما اقتتلوا في
~~اليوم الواحد مرتين (2).
# ثم دخلت سنة سبع وثلاثين فحصل في شهر المحرم منها بين علي (عليه السلام)
~~ومعاوية موادعة على الحرب طمعا في الصلح واختلفت الرسل بينهما فلم يتفق صلح
~~(3). فلما
# PageV01P452
# انسلخ المحرم أمر علي (عليه السلام) مناديا فنادى: يا أهل الشام يقول لكم
~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إني استدمتكم (1) لتراجعوا الحق وتنيبوا
~~إليه فلم تفعلوا ولم تنتهوا عن طغيان ولم تجيبوا إلى طاعة وإني قد نبذت
~~إليكم سواء والله لا يحب الخائنين (2).
# ثم أصبح علي (عليه السلام) فجعل على خيل [أهل] الكوفة الأشتر (3) (رض)،
~~وعلى خيل
# PageV01P453
# [أهل] البصرة سهل بن حنيف (1)، وعلى رجالة [أهل] الكوفة عمار بن ياسر (2)
~~(رض)،
# PageV01P454
# وعلى رجالة [أهل] البصرة قيس بن سعد (1)، وجعل مسعر بن فدكي على قراء
~~الكوفة (2)
# PageV01P455
# وقراء أهل البصرة، وأعطى الراية هاشم بن عتبة المرقال (1)، وخرج إلى
~~مصافاتهم (2)
# PageV01P456
# وذلك في أول يوم من صفر (1).
# فخرج إليهم معاوية وقد جعل على ميمنته [ابن] ذا الكلاع الحميري (2)، وعلى
~~ميسرته حبيب بن مسلمة الفهري (3)، وعلى مقدمته أبا الأعور السلمي (4)، وعلى
~~خيل دمشق عمرو بن العاص (5)، وعلى رجالة دمشق مسلم بن عقبة (6) المري ms067 (7)،
~~وعلى بقية أصحابه الضحاك بن قيس (8) (9). وبايع رجال رجالا من أهل الشام
~~على
# PageV01P457
# الموت فعقلوا أنفسهم بعمائمهم (1) وكانوا خمس (2) صفوف.
# فلما توافقت الأبطال وتصافت الخيل للمبارزة والنزال خرج من عسكر معاوية
~~فارس من أهل الشام معروف بشدة البأس وقوة المراس يقال له المخراق (3) بن
~~عبد الرحمن (4) فوقف بين الصفين وسأل المبارزة، فخرج إليه فارس من أهل
~~العراق يقال له ابن المرادي (5) فتطاعنا بالرماح ثم تضاربا بالصفاح وظفر به
~~الشامي فقتله، ثم نزل عن فرسه فاحتز (6) رأسه وحك بوجهه الأرض وتركه مكبوبا
~~على وجهه، ثم ركب فرسه وسأل المبارزة فخرج إليه فتى من الأزد يقال له مسلم
~~بن عبد ربه (7) فقتله الشامي أيضا وفعل به ما فعل بالأول أيضا.
# ثم ركب فرسه وخرج إلى المبارزة فخرج إليه علي (عليه السلام) متنكرا
~~فتجاولا ساعة ثم ضربه الإمام البطل الهمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)
~~بالسيف جاءت عاتقه رمت بشقه (8)
# PageV01P458
# إلى الأرض وسقط، ونزل علي (عليه السلام) عن فرسه وحز (1) رأس الشامي وجعل
~~وجهه إلى السماء، ثم ركب ونادى: هل من مبارز؟ فخرج إليه فارس من فرسان
~~الشام فقتله علي (عليه السلام) ونزل عن فرسه وحز رأسه وجعل (2) وجهه إلى
~~السماء، ثم ركب ونادى:
# هل من مبارز فخرج إليه فارس آخر من فرسان الشام فقتله وفعل به كما فعل
~~بصاحبيه الأولين، وهكذا إلى أن قتل منهم سبعة، فأحجم الناس عنه ولم يقدم
~~على مبارزته أحد بعد أولئك، فجال بين الصفين جولة ورجع إلى أصحابه ولم
~~يعرفه أهل الشام لأنه كان متنكرا (3).
# ومنها: ما اتفق في بعض أيامها وقد تقابل الجيشان، إذ خرج فارس من أبطال
~~عسكر أهل الشام يقال له: كريب بن الصباح (4) فوقف بين الجمعين (5) وسأل
~~المبارزة
# PageV01P459
# فخرج إليه فارس من أهل العراق يقال له المرقع الخولاني (١) فقتله الشامي،
~~ثم خرج إليه الحارث الحكمي (٢) فقتله الشامي أيضا، فنظر الناس إلى مقام
~~فارس صنديد فخرج إليه علي (عليه السلام) بنفسه الكريمة فوقف بإزائه وقال
~~له: من أنت أيها الفارس فقال:
# أنا كريب ms068 (٣) بن صالح الحميري فقال له علي (عليه السلام): يا كريب أحذرك
~~الله في نفسك وأدعوك إلى كتابه وسنة نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) فقال
~~[له] كريب: من أنت؟ فقال أنا علي بن أبي طالب، يا كريب الله الله في نفسك
~~فإني أراك بطلا فارسا فيكون لك مالنا وعليك ما علينا ولا يغررك معاوية،
~~فقال: ادن مني يا علي، وجعل يلوح بسيفه فجرد الإمام سيفه ودنا منه فتجاولا
~~ساعة ثم اختلفا بضربتين فسبقه الإمام بالضربة فقتله وسقط إلى الأرض (٤) ثم
~~نادى: هل من مبارز؟ فخرج إليه الحارث الحميري (٥) فقتله وسقط على الأرض،
~~وهكذا لم يزل يخرج إليه فارس بعد فارس إلى أن قتل منهم أربعة (٦) وهو يقول:
~~﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمت
~~قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [واتقوا الله]
~~واعلموا أن الله مع المتقين﴾ (7).
# PageV01P460
# ثم قال (1) علي (عليه السلام): يا معاوية هلم إلى مبارزتي لا تفنى العرب
~~بيننا (2)، فقال معاوية: لا حاجة لي في مبارزتك فقد قتلت أربعة من أبطال
~~العرب فحسبك (3).
# فصاح فارس من أصحاب معاوية يقال له عروة (4) فقال: يا ابن أبي طالب إن
~~كان معاوية قد (5) كره مبارزتك فأنا (6)، وجرد سيفه وخرج للإمام فتجاولا ثم
~~إنه سبق الإمام بضربة تلقاها علي (عليه السلام) في سيفه، ثم إن عليا (عليه
~~السلام) ضربه ضربة على رأسه ألقاه إلى الأرض قتيلا (7)، فعظم على أهل الشام
~~قتل عروة لأنه كان من أعظم شجعانهم ومشاهير فرسانهم ثم حجز الليل بينهم.
# ومنها: ما اتفق أيضا في بعض أيامها وقد تقابل الجيشان إذ خرج علي بن أبي
~~طالب (عليه السلام) متنكرا فدعا بالمبارزة (8) فقال معاوية لعمرو بن العاص:
~~عزمت عليك إلا
# PageV01P461
# ما خرجت لمبارزة هذا الفارس، فخرج إليه عمرو وهو لا يعرف أنه علي، فلما
~~رآه علي عرفه فاطرد (1) بين يديه ليبعده عن أصحابه (2)، فتبعه عمرو هو
~~يقول: (3) يا قادة الكوفة يا أهل الفتن * أضربكم ولا أرى أبا الحسن فكر
~~عليه علي (عليه السلام) ms069 وهو يقول:
# أبو الحسين فاعلمن والحسن * قد جاك يقتاد العنان والرسن فعرفه عمرو فولى
~~عنه ركضا وهو يقول: مكره أخاك لا بطل، فلحقه علي (عليه السلام) فطعنه طعنة
~~جاءت في فضول (4) درعه فألقته إلى الأرض فظن أن عليا قاتله فرفع
# PageV01P463
# رجليه (1) فبدت سوأته، فصرف علي عنه وجهه راجعا إلى عسكره وهو يقول: عورة
~~المؤمن حمى، فقام عمرو فركب فرسه وأقبل على معاوية فجعل معاوية يضحك (2)
~~منه، فقال عمرو: مم تضحك؟ والله لو تكن أنت وبدا له من صفحتك ما بدا [له]
~~من صفحتي لصرت كذلك وما أقالك، فقال له معاوية: لو كنت أعلم أنك ما تحمل
~~مزاحا ما مازحتك، فقال عمرو: وما أحملني للمزاح ولكني رأيت أن لقي رجل رجلا
~~قصد أحدهما على الآخر انفطر السماء دما، فقال معاوية: ولكنها سوأة تعقب
~~فضيحة الأبد، أما والله لو عرفته ما قدمت عليه. والى ذلك أشار أبو فراس
~~بقوله:
# ولا خير في دفع (3) الردى بمذلة * كما ردها يوما بسوأته عمرو ثم إن فارسا
~~من فرسان معاوية كان مشهورا بالشجاعة يقال له بسر بن أرطاة (4)
# PageV01P464
# حدثته نفسه بالخروج إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومبارزته، وكان له
~~غلام شهم شجاع يقال له لاحق (1) فشاوره في ذلك فقال: ما أشير عليك إلا أن
~~تكون واثقا من نفسك (2) إنك (3) من أقرانه ومن فرسان ميدانه فابرز إليه
~~فإنه الأسد (4) الخادر والشجاع
# PageV01P465
# المطرق، وأنشد العبد يقول (1):
# فأنت له يابسر إن كنت مثله * وإلا فإن الليث للضبع آكل متى تلقه فالموت
~~في رأس رمحه * وفي سيفه شغل لنفسك شاغل قال: ويحك هل هو إلا الموت، والله
~~لابد لي من مبارزته على كل حال (2). فخرج بسر بن أرطاة لمبارزة علي فلما
~~رآه علي (عليه السلام) حمل عليه ودقه بالرمح، فسقط على قفاه إلى الأرض فرفع
~~رجليه (3) فبدت سوأته، فصرف علي (عليه السلام) وجهه فوثب بسر قائما وقد
~~سقطت البيضة (4) عن رأسه فعرفه أصحاب علي، فصاحوا به: يا أمير المؤمنين إنه
~~بسر بن أرطاة لا يذهب، فقال [رض]: دعوه ms070 (5) وإن كان فعليه ما يستحق، فركب
~~جواده ورجع إلى معاوية. فجعل معاوية يضحك منه ويقول له: لا عليك ولا تستحي،
~~فقال (6): نزل بك ما نزل بعمرو فصاح رجل (7) من أهل الكوفة:
# ويلكم يا أهل الشام أما تستحون من كشف الا ستاه، وأنشد بقوله (8):
# PageV01P466
# ألا (1) كل يوم فارس بعد فارس (2) * له عورة وسط (3) العجاجة بادية يكف
~~حيا لها (4) علي سنانه * ويضحك منها في الخلاء معاوية بدت أمس من عمرو فقنع
~~(5) رأسه * وعورة، بسر مثلها حذو حاذيه فقولا لعمرو وابن أرطاة أبصرا *
~~سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه
# PageV01P467
# ولا تحمدا إلا الحياة (1) وخصاكما * هما كانتا والله للنفس واقيه
~~فلولاهما لم تنجوا من سنانه * وتلك بما فيها عن العود كافيه ناهيه (2) متى
~~تلقيا الخيل المشيحة (3) صبحة * وفيها علي فاتركا الخيل ناحية وكان بسر بن
~~أرطاة يضحك من عمرو وصار عمرو يضحك منه (4)، وتحامى أهل الشام عليا وخافوه
~~خوفا شديدا (5) ولم يقدر (6) واحد منهم مبارزته، وصار علي (عليه السلام) لا
~~يخرج إلى المبارزه إلا متنكرا.
# ثم إن مولى من موالي عثمان يقال له الأحمر (7) وكان شجاعا خرج يبغي
~~المبارزة، فخرج له مولى لعلي يقال له كيسان (8) فحمل كل منهما على صاحبه
~~فسبقه الأحمر بالضربة فقتله (9)، فقال علي: قتلني الله إن لم أقتلك به
~~(10). فكر علي على
# PageV01P468
# العبد فرجع العبد عليه بالسيف فضربه فتلقاها علي بسيفه فنشب (1) السيف
~~بالسيف، فدنا علي منه ومد يده إلى عنقه فقبض (2) عليها ورفعه عن فرسه وجلد
~~(3) به الأرض فكسر ظهره وأضلاعه ورجع عنه (4).
# وكان لمعاوية عبد يقال له حريث (5) وكان فارسا بطلا شجاعا ومعاوية يحذره
~~من التعرض لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) (6) فخرج علي متنكرا يطلب
~~المبارزة وقد عرفه عمرو بن العاص فقال لحريث: " عليك بهذا الفارس لا يفوتنك
~~اقتله وتشيع به، فخرج له حريث وهو لا يعرف أنه علي، فما كان بأسرع من أن
~~ضربه الإمام بالسيف ضربة على أم رأسه سقط منها إلى الأرض قتيلا، وتبين
~~لمعاوية ولأهل الشام أن قاتله علي بن أبي طالب (عليه السلام) ms071 فشق ذلك على
~~معاوية وقال لعمرو: أنت قتلت عبدي وغررته ولم يقتله أحد غيرك (7).
# ومنها: ما اتفق في بعض مصافه (8) أن خرج العباس بن ربيعة الهاشمي (9) من
# PageV01P469
# أصحاب علي (عليه السلام) وخرج إليه فارس مشهور يقال له غرار (1) من أصحاب
~~معاوية فقال: يا عباس هل لك في المبارزة؟ فقال العباس: هل لك في المنازلة،
~~فقال: نعم، فرمى كل واحد منهما بنفسه عن فرسه وتلاقيا وكف أهل الجيشين (2)
~~أعنة خيولهم عنهما لينظرا ما يكون من أمرهما، فتجاولا ساعة بسيفهما فلم
~~يقدر أحد منهما على الآخر. ثم إنهما تجاولا ثانية فتبين للعباس وهن في درع
~~الشامي، وكان سيف العباس قاطعا فضربه بالسيف على وسطه (3) من فوق الدرع
~~فقسمه (4) بنصفين فكبر الناس وعجبوا لذلك.
# وعطف العباس على فرسه فركبها وجال بين الصفين (5)، فقال معاوية لأصحابه
~~من خرج منكم إلى العباس (6) فقتله فله عندي ديتان (7)، فخرج فارسان من لخم
~~(8) وقال كل واحد منهما: أنا له، فقال اخرجا [إليه] فأيكما [سبق إلى] قتله
~~فله من
# PageV01P470
# المال عندي ما قلت (١) وللآخر نصف مثله (٢)، فخرجا جميعا ووقفا في مقر
~~المبارزة (٣) ثم صاحا: يا عباس هل لك في المبارزة فابرز لأينا اخترت، فقال:
~~[حتى] أستأذن أميري (٤) وأرجع إليكما فجاء إلى علي (عليه السلام) فاستأذنه
~~فقال علي (رض): أنا لهما ادن مني يا عباس وهات لبسك وفرسك وجميع ما عليك
~~وخذ لبسي وفرسي.
# ثم إن عليا (عليه السلام) خرج إليهما فجال بين الصفين وكل من رآه يظنه
~~العباس فقال له اللخميان: استأذنت صاحبك (٥) فتحرج علي (عليه السلام) من
~~الكذب فقال: ﴿أذن للذين يقتلون بأنهم
~~ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير﴾ (6) فتقدم إليه أحدهما فاختلفا (7)
~~بضربتين سبقه أمير المؤمنين بالضربة فجاءت (8) على بطنه (9) فقطعته بنصفين،
~~فتقدم إليه الآخر فما كان بأسرع من طرفة عين من أن ألحقه بصاحبه، وجال بين
~~الصفين جولة ورجع إلى مكانه، فتبين لأهل الشام ومعاوية أنه علي بن أبي طالب
~~(عليه السلام) ولكنه تنكر، فقال معاوية: قبح الله اللجاج، إنه لقعود ms072 ما
~~ركبه أحد قط إلا خذله (10)، فقال عمرو:
# المخذول والله اللخميان لا [أنت] (11).
# PageV01P471
# ومنها: ليلة الهرير (1) التي كلما أردى (2) علي [رض] فيها قتيلا أعلن
~~عليه بالتكبير فأحصيت (3) تكبيراته في تلك الليلة فكانت خمسمائة تكبيرة
~~وثلاثا وعشرين تكبيرة بخمسمائة وثلاثا وعشرين قتيلا (4)، وكان الناس
~~يتلاطمون في تلك (5)
# PageV01P472
# الليلة تلاطم السيول والأمواج ويتصادمون تصادم الفحول عند الهياج. ولما
~~أسفر صبح هذه الليلة عن ضياء وحسر الليل عن ظلماته كانت عدة القتلى من
~~الفريقين ستة وثلاثون ألفا (1)، وكانت هذه الليلة ليلة الجمعة.
# وأصبح أمير المؤمنين (عليه السلام) والمعركة كلها خلف ظهره وهو في قلب
~~معسكره والأشتر (2) (رض) في الميمنة وابن عباس (رض) في الميسرة (3) والناس
~~يقتتلون (4) من كل جانب ولوائح النصر لائحة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب
~~(عليه السلام) والأشتر يزحف في الميمنة يقاتل بها ويقول لأصحابه: ازحفوا
~~قبل هذا الرمح، ويزحف بهم زحفة ثانية ويقول: قيد هذا القوس، وكلما فعلوا
~~(5)، يزحف نحو أهل الشام ويقول مثل ذلك (6).
# PageV01P473
# ولما رأى علي بن أبي طالب (عليه السلام) الظفر من ناحية الأشتر (رض) أمده
~~برجال (1).
# ولما رأى عمرو بن العاص (2) وهن أهل الشام وخورهم وأن أهل العراق استعلوا
~~عليهم وأن الحرب قد فضت (3) أصحابه وقد تضاحى عليهم النهار وتخايل
# PageV01P474
# منهم (1) الهزيمة والفرار (2) قال لمعاوية: هل لك في أمر أعرضه عليك لا
~~يزيدنا إلا اجتماعا ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: نعم (3): قال: ترفع المصاحف
~~على رؤوس الرماح ثم تقول: ندعوكم لما فيها، وهذا حكم بيننا وبينكم، فإن أبى
~~بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول: ينبغي أن نقبل كتاب الله عز وجل فيكون
~~فرقة بينهم، وان قبلوا لما فيها رفع القتال عنا إلى أجل (4).
# فرفعوا المصاحف على رؤوس الرماح (5) وقالوا: هذا كتاب الله بيننا وبينكم
~~من
# PageV01P475
# لثغور أهل الشام؟ ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق؟ (1) فلما رآها
~~الناس قالوا:
# نجيب إلى كتاب الله تعالى (2)، فقال لهم علي بن أبي طالب (عليه السلام):
~~عباد الله امضوا إلى (3) حقكم وصدقكم في قتال عدوكم، فإن معاوية وعمرو ms073 بن
~~أبي معيط وابن أبي سرح والضحاك أنا اعرف بهم منكم ليسوا بأصحاب قرآن وقد
~~صحبتهم أطفالا ثم رجالا، ويلكم والله ما رفعوها إلا مكيدة وخديعة وقد وهنوا
~~(4). فقال أصحاب علي (عليه السلام) القراء منهم: ما يسعنا (5) أن ندعى إلى
~~كتاب الله عز وجل فنأبى أن نقبله؟! فقال لهم علي (عليه السلام): إني إنما
~~أقاتلهم ليدينوا (6) لحكم الكتاب فإنهم قد عصوا الله تعالى فيما يأمرهم
~~ونسوا عهده ونبذوا كتابه (7). فقال له مسعر (8) بن فدكي التميمي وزيد بن
~~حصين (9) الطائي في عصابة من القراء الذين صاروا خوارج فيما بعد (10): يا
~~علي (11)
# PageV01P476
# أجب إلى كتاب الله تعالى إذا دعيت إليه وإلى ما فيه أولا وإلا دفعناك
~~برمتك إلى القوم (1). وكان الأشتر (رض) في الميمنة وعلي (عليه السلام) في
~~القلب وابن عباس في الميسرة على ما سبق ذكره.
# فكف علي وابن عباس عن القتال (2) ولم يكف الأشتر (3) وذلك لما رأى من
~~لوايح النصر والظفر فقالوا: ابعث إلى الأشتر فليأتك ويكف عن القتال فبعث
~~إليه علي يزيد بن هانئ يستدعيه (4)، فقال الأشتر: قل لأمير المؤمنين: ليست
~~هذه الساعة بالساعة التي ينبغي أن يزيلني بها عن موقفي (5) فإني قد وجدت
~~ريح الظفر (6).
# فأتى عليا وأخبره بمقالته فرده إليه ثانيا وهو يقول له: اقبل إلي فإن
~~الفتنة قد وقعت، فجاءه (7) الأشتر (رض) وقال: ما هذا؟ ألرفع المصاحف؟ قال:
~~نعم، قال:
# والله لقد ظننت أنها ستوقع (8) اختلافا وفرقة وأنها مشورة ابن العاص (9).
# فأقبل الأشتر على القوم من أصحابه وقال: يا أهل العراق يا أهل الذل
~~والوهن، أحين علوتم القوم وعرفوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم
~~إلى ما فيها؟
# ويلكم أمهلوني فواقا فإن الفتح قد حصل والنصر قد أقبل، قالوا: لا يكون
~~ذلك أبدا فقال: أمهلوني عدو الفرس، قالوا: إذن ندخل معك في خطيئتك، قال:
~~محدثوني (10)
# PageV01P477
# عنكم متى كنتم محقين؟ أحين تقاتلون وخياركم يقتلون؟ أم الآن حين أمسكتم
~~(1) عن القتال؟ فقالوا: دعنا منك يا أشتر قاتلناهم لله وندعهم لله، قال:
~~خدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم يا ms074 أصحاب الجباه السود، كنا نظن أن
~~صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقا إلى لقاء الله تعالى فلا أرى فراركم إلا إلى
~~الدنيا من الموت (2). يا أشباه النيب (3) الجلالة ما أنتم برائين بعدها عزا
~~أبدا، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون.
# فسبوه وسبهم وضربوا وجه دابته، فصاح بهم علي بن أبي طالب (عليه السلام)
~~[فكفوا] (4).
# PageV01P478
# واتفق الناس على أن يجعلوا القرآن حكما بينهم (1) ورضوا (2) بذلك، فجاء
~~الأشعث (3) إلى علي (عليه السلام) فقال: أرى الناس قد رضوا وسرهم بما دعوا
~~إليه من حكم القرآن بينهم (4)
# PageV01P481
# فإن (1) شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد (2)، قال: ائته، فأتاه (3) فقال:
~~لأي شيء رفعتم هذه المصاحف؟ قال: لنرجع (4) نحن وأنتم إلى ما أمر الله
~~تعالى في كتابه تبعثون (5) رجلا [منكم] ترضونه ونبعث رجلا [منا] نرضاه
~~ونأخذ عليهما أن لا يعملا إلا بما في كتاب الله تعالى لا يعدوانه، ثم نتبع
~~ما اتفقا عليه (6)، قال الأشعث:
# هذا هو الحق، فانصرف (7) إلى علي فأخبره بما قال معاوية.
# فقال الناس: قد رضينا ذلك وقبلناه، فقال أهل الشام اخترنا (8) عمرا، وقال
~~الأشعث وأولئك الذين صاروا خوارج فيما بعد: نرضى بأبي موسى الأشعري (9)،
~~فقال لهم علي (عليه السلام)، قد عصيتموني في أول الأمر ولا تعصوني الآن لا
~~أرى أن تولوا أبا موسى الحكومة فإنه يضعف عن عمرو ومكايده (10)، فقال
~~الأشعث، وزيد بن
# PageV01P482
# حصين [الطائي]، ومسعر (1) بن فدكي: لا نرضى إلا به فإنه قد حذرنا مما
~~وقعنا فيه فلم نسمع منه (2)، فقال علي (عليه السلام): إن أبا موسى لا يكمل
~~(3) في هذا الأمر (4) ولكن هذا ابن عباس دعوني نوليه (5) فإنه أدرى منه
~~بهذه الأمور (6) فقالوا: والله لا نبالي أنت كنت أم ابن عباس لا نريد إلا
~~رجلا هو منك ومن معاوية سواء (7)، فقال: فدعوني أجعل الأشتر (8)، قالوا:
~~وهل سعر الأرض نارا إلا الأشتر؟! فقال: قد أبيتم أن ترضوا إلا أبا موسى؟
~~(9)
# PageV01P483
# قالوا: نعم، قال: فاصنعوا ما أردتم (1) (2).
# فبعثوا إلى أبي موسى وجاؤوا (3) به وكان معتزل القتال (4) عن (5)
~~الفئتين، فأتاه مولى له فقال له: إن الناس ms075 قد اصطلحوا، فقال: الحمد لله (6)
~~فقال إنهم قد جعلوك حكما بينهم، فقال إنا لله وإنا إليه راجعون (7).
# ولما حضر أبو موسى جاء الأحنف بن قيس إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)
~~وكان الأحنف أيضا معتزل القتال عن الفئتين فقال: يا أمير المؤمنين إنك رميت
~~بحجر الأرض عمرو بن العاص وإني قد عجمت عود هذا الرجل (8) وحلبت أشطره (9)
~~فوجدته كليل
# PageV01P484
# الشفرة قريب القعر وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يصير
~~(1) في أكفهم ويبعد (2) حتى يصير (3) بمنزلة النجم منهم، فإن أبيت (4) أن
~~تجعلني حكما وإلا فاجعلني ثانيا أو ثالثا فإنه لن يعقد عمرو عقدة إلا
~~حللتها، ولن يحل (5) عقدة إلا ربطتها (6). فقال له (عليه السلام): ان الناس
~~قد أبوا ولن يرضوا بأحد إلا أبا موسى (7).
# وحضر عمرو بن العاص عند علي (عليه السلام) ليكتب القصة بحضوره فكتب
~~الكاتب (8):
# بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي
~~طالب (عليه السلام) ومعاوية بن أبي سفيان (9) ومن معهما، فقال عمرو بن
~~العاص: هو أميركم وأما أميرنا
# PageV01P485
# فلا، امح اسم الإمرة، فقال الأحنف بن قيس لأمير المؤمنين: لا تمحها ولو
~~(1) قتل الناس بعضهم بعضا فإني أتخوف إن محوتها لا ترجع إليك أبدا (2)،
~~فأبى ذلك علي مليا من النهار ثم إن الأشعث بن قيس كلمه في ذلك فمحاه، وقال
~~علي (عليه السلام): الله أكبر سنة بسنة (3)، والله إني لكاتب رسول الله يوم
~~الحديبية فكتب: محمد رسول الله، فقال المشركون: لست برسول الله ولكن اكتب
~~اسمك واسم أبيك، فأمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمحيه، فقلت: لا
~~أستطيع، قال: فأرنيه فأريته إياه فمحاه بيده وقال: إنك ستدعى إلى مثلها
~~فتجيب، قال عمرو: سبحان الله أنشبه الكفار ونحن مؤمنون (4)؟!
# فقال: اكتبوا: هذا ما تقاضى (5) عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي
~~سفيان.
# قاضى علي على أهل الكوفة ومن كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين
~~(6)، وقاضى معاوية على أهل الشام ومن معهم (7) إنا ننزل عند حكم الله ms076
~~وكتابه، وأن لا يكون بيننا غيره، وأن كتاب الله تعالى بيننا من فاتحته إلى
~~خاتمته نحيا ما أحيا ونميت ما أمات (8).
# فما وجد الحكمان [ذلك] في كتاب الله تعالى اتبعناه وهما أبو موسى الأشعري
~~وعمرو بن العاص عملا به وما لم يجدا في كتاب الله تعالى فالسنة العادلة
~~الجامعة غير المفرقة، وأخذ الحكمان من علي ومعاوية وجنديهما عهودا ومواثيق
~~أنهما آمنان على أنفسهما
# PageV01P487
# [وأموالهما] وأهليهما والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان (1) عليه وعلى
~~أبي موسى عبد الله بن قيس وعمرو عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة
~~بحكم القرآن ولا يرداها في حرب ولا فرقة حتى يقضيا وأجل القضاء إلى انسلاخ
~~رمضان (2)، وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه وأن مكان قضيتهما مكانا عدلا بين
~~أهل الكوفة وأهل الشام (3).
# وكتب في الصحيفة الأشعث بن قيس، وعدي بن حجر، وسعد بن قيس الهمداني،
~~وورقاء بن شمس، وعبد الله بن عكل العجلي، وحجر بن عدي الكندي، وعقبة بن
~~زياد الحضرمي، ويزيد بن حجرة التميمي، ومالك بن كعب الهمداني، هؤلاء كلهم
~~من أصحاب علي (عليه السلام) (4).
# PageV01P488
# وكتب من أصحاب معاوية: أبو الأعور السلمي، وحبيب بن مسلمة، وزمل (1) بن
~~عمرو العذري (2)، ومرة بن مالك الهمداني، وعبد الرحمن بن خالد المخزومي،
~~وسبيع بن يزيد الأنصاري، وعتبة بن أبي سفيان، ويزيد بن الحارث العبسي (3).
# وخرج بالكتاب الأشعث بن قيس يقرأه (4) على الناس (5) وكانت كتابته يوم
~~الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين (6)، واتفقوا على أن
# PageV01P489
# يكون اجتماع الحكمين - وهما أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري وعمرو بن
~~العاص بن وايل السهمي - بدومة الجندل (1) وهو موضع كثير النخل وبه حصن اسمه
~~مارد قال أبو سعيد الضرير: دومة الجندل في غايظ من الأرض خمسة فراسخ فيها
~~عين تسقي النخل والزرع، انتهى.
# ثم رجع الناس عن صفين ولما رجع علي (عليه السلام) إلى الكوفة خالفت
~~الحرورية (2)
# PageV01P490
# وخرجت وأنكرت التحكيم وقالت: لا حكم إلا لله، (1) ولا طاعة لمن عصى (2).
~~وكان ذلك أول ما ظهر من مرامهم ms077 (3) ورجعوا إلى غير الطريق الذي كانوا فيه.
# PageV01P491
# ولما جاء (1) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) النخيلة (2)
~~ورأى بيوت الكوفة فإذا بعبد الله بن وديعة الأنصاري (3) قد لقاه فدنا منه
~~(4) وسلم عليه وقال: مرحبا يا أمير المؤمنين، ثم إنه سايره فقال له علي
~~(عليه السلام): ما سمعت الناس يقولون [في أمرنا هذا؟] (5) قال: يقولون: إن
~~عليا كان له جمع عظيم ففرقه، وكان له حصن حصين فهدمه فمتى يبني ما انهدم
~~(6) ويجمع ما تفرق (7)؟ ولو كان مضى بمن أطاعة إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى
~~يظفر (8) أو يهلك كان ذلك (9) الحزم (10). فقال علي (عليه السلام): أنا
~~هدمت أم هم هدموا؟ أنا فرقت أم هم فرقوا؟ وأما قولهم " كان يمضي بمن أطاعه
~~فيقاتل حتى يظفر أو يهلك " فوالله ما غبي (11) هذا عني وإن كنت لسخيا (12)
~~بنفسي عن الدنيا طيب النفس بالموت ولقد هممت بالإقدام على القوم فنظرت إلى
~~هذين قد ابتدراني - يعني الحسن والحسين (عليهما السلام) - ونظرت إلى هذين
~~الآخرين وقد استقدماني - يعني عبد الله بن جعفر ومحمد ابن الحنفية (رض)
~~فعلمت أن هذين إن هلكا انقطع نسل محمد (صلى الله عليه وآله) (13)
# PageV01P492
# من هذه الأمة فكرهت ذلك، وأشفقت أيضا على هذين أن يهلكا على أثرهما; وأيم
~~الله إن لقيتهم (1) بعد يومي هذا لألقينهم وهم معي في معسكر (2).
# ثم حرك دابته ومضى وإذا على جنبه قبور ستة أو سبعة (3) فقال علي (عليه
~~السلام): لمن هذه القبور؟ فقالوا (4): يا أمير المؤمنين الخباب بن الأرت
~~بعد مخرجك أوصى إن مات أن يدفن ظاهر البلد (5). وكان الناس قبل ذلك يدفنون
~~موتاهم في دورهم وأفنيتهم، وكان أول من دفن بظاهر الكوفة هو ودفن الناس إلى
~~جنبه (6)، فقال علي (عليه السلام): رحم الله خبابا، فلقد أسلم راغبا، وهاجر
~~طائعا، وعاش مجاهدا، وابتلي في جسمه (7)
# PageV01P493
# أحوالا (1)، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا (2). ووقف عليهما وقال:
~~السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة من المؤمنين
~~والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، أنتم لنا سلف (3) ونحن لكم تبع وبكم عما ms078
~~قليل لاحقون، اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز بعفوك عنا وعنهم، طوبى لمن ذكر
~~المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، ورضي عن الله عز وجل (4).
# ثم أقبل حتى حاذى سكة الثوريين (5) فسمع البكاء فقال: ما هذه الأصوات؟
# فقيل: البكاء على قتلى صفين (6)، فقال (عليه السلام): أما إني أشهد لمن
~~قتل منهم صابرا محتسبا بالشهادة. ثم مر بالفائشيين (7) فسمع مثل ذلك، ثم مر
~~بالشباميين (8) فسمع مثل ذلك وسمع معه رجة (9) شديدة (10) فوقف فخرج إليه
~~حرب بن شرحبيل الشبامي (11) فقال له أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه
~~السلام): ما هذا! تغلبكم نساؤكم؟
# PageV01P494
# ألا تنهونهن عن هذه الفعال (1)؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لو كانت دارا أو
~~دارين أو ثلاثا أو أربعا قدرنا على ذلك ولكن قتل من هذا الحي وحده مائة
~~وثمانون قتيل (2) فليس دارا إلا وفيها البكاء، وأما نحن معشر (3) الرجال
~~فإنا لا نبكي ولكن نفرح لهم بالشهادة (4)، فقال علي (عليه السلام): رحم
~~الله قتلاكم، وغفر لموتاكم (5).
# وأقبل حرب يمشي وعلي (عليه السلام) راكب فقال له: ارجع، وأمسك دابته عن
~~السير، فقال: بل أمشي بين يديك يا أمير المؤمنين، فقال: بل ارجع فإن مشي
~~مثلك مع مثلي فتنة للموالي ومذلة للمؤمنين (6). ثم مضى فلم يزل يذكر الله
~~تعالى حتى دخل الكوفة (7).
# قال ابن خيثمة: وفي أوائل سنة سبع وثلاثين سار معاوية من الشام وكان قد
~~دعا لنفسه وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) من العراق فالتقيا بصفين الفرات
~~(8). فقتل من أصحاب علي (عليه السلام)
# PageV01P495
# خمسة وعشرون ألفا (1) منهم عمار بن ياسر (2) (رض) وخمسة وعشرون بدريا
~~(3)،
# PageV01P496
# وكان عدة عسكره تسعون (1) ألفا. وقتل من أصحاب معاوية خمس وأربعون ألفا
~~(2) وكان عدتهم مائة ألف وعشرون ألفا (3).
# وذكر أنهما أقاما بصفين مائة يوم وعشرة أيام (4) وكان بينهم سبعون وقعة،
~~ثم
# PageV01P498
# تداعيا إلى الحكومة فرضي علي وأهل الكوفة بأبي موسى الأشعري، ورضي معاوية
~~وأهل الشام بعمرو بن العاص، وعلى أن الحكمين يجتمعان بدومة الجندل بأن
~~ينظرا للمسلمين ويتفقان على حالة واحدة ورأي واحد ويختارا أمرا يكون فيه
~~مصلحة ms079 للمسلمين وائتلاف الفريقين ومهادنة بين الفئتين، انتهى.
# ولما دخل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الكوفة لم يدخل
~~الخوارج معه وأتوا حرورا (1) فنزلوا بها وهم اثنا عشر ألفا (2)، ونادى
~~مناديهم: إن أمير القتال شبث بن ربعي التميمي (3)، وأمير الصلاة عبد الله
~~بن الكواء اليشكري (4)، والأمر
# PageV01P499
# شورى بعد الفتح والبيعة لله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
~~(١)، وزعموا أن عليا (عليه السلام) كان إماما إلى أن حكم الحكمين فشك في
~~دينه وحار في أمره وأنه الحيران الذي ذكره الله في القرآن بقوله تعالى: ﴿لهو أصحب يدعونه إلى الهدى﴾ (2)
~~وكذبوا فيما زعموا - قاتلهم الله - وإنما ضرب الله تعالى بالآية المذكورة
~~مثلا لغيره كما هو معروف في كتب التفاسير وليس علي (عليه السلام) بحيران بل
~~به يهتدي الحيارى.
# ولما سمع علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو وأصحابه ذلك بعث إليهم عبد
~~الله بن عباس وقال له: لا تعجل في (3) جوابهم وخصومتهم حتى آتيك فإني في
~~أثرك (4)، فلما أتاهم
# PageV01P500
# عبد الله بن عباس رحبوا به وأكرموه (1). وقالوا: ما الذي جاء (2) بك يا
~~ابن عباس؟
# قال: جئتكم من عند خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3) وابن عمه
~~(4) وأعلمنا بربه وسنة نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) (5)، فقالوا: يا ابن
~~عباس إنا أذنبنا ذنبا عظيما حين حكمنا الرجال في دين
# PageV01P501
# الله تعالى، فإن تاب كما تبنا ونهض لمجاهدة عدونا رجعنا إليه (١).
# فلم يصبر ابن عباس على (٢) مجاوبتهم وقال: أنشدكم الله إلا [ما] صدقتم،
~~أما قال الله تعالى: ﴿فابعثوا حكما من
~~أهله وحكما من أهلهآ إن يريدآ إصلاحا يوفق الله بينهمآ﴾ (٣) في حق
~~المرأة وزوجها؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فكيف بأمة محمد (صلى الله عليه
~~وآله) (٤)؟
# فقالت الخوارج: أما ما جعل الله تعالى حكمه إلى الناس وأمرهم بالنظر فيه
~~والاصلاح له فهو إليهم، وأما ما حكم به وأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه،
~~حكم في الزاني (٥) مائة جلدة، وفي السارق بقطع ms080 يده (٦)، فليس للعباد أن
~~ينظروا في هذا (٧).
# فقال ابن عباس (رض): [و] قال الله تعالى: ﴿يحكم بهى ذوا عدل منكم [وآخران من غيركم] هديا بلغ
~~الكعبة﴾ (8) في أرنب يساوي ربع درهم يصاد في الحرم (9)، فقالوا:
# PageV01P503
# [أ] تجعل الحكم في الصيد وشقاق الرجل وزوجته كالحكم في دماء المسلمين؟
~~(1) ثم قالوا له: أعدل (2) عندك عمرو بن العاص وهو بالأمس يقاتلنا [ويسفك
~~دماءنا]؟
# فإن كان عدلا فلسنا بعدول [ونحن أهل حربه] وقد حكمتم بأمر الله تعالى:
# (الرجال قوامون على النسآء) (3) وقد أمضى الله تعالى حكمه في معاوية
~~وأصحابه أن يقتلوا أو يرجعوا، وقد كتبتم بينكم وبينهم كتابا وقد جعلتم
~~بينكم الموادعة، وقد قطع الله الموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت
~~براءة إلا من أقر بالجزية (4).
# ثم خرج علي (عليه السلام) في أثر عبد الله بن عباس فانتهى إليهم وهم
~~يخاصمونه وهو يخاصمهم، فقال له علي (عليه السلام): ألم أنهك عن كلامهم (5)؟
~~ثم قال لهم علي (عليه السلام): من زعيمكم؟
# قالوا: عبد الله بن الكواء، فقال لهم: علي به، فلما حضر قال له علي (عليه
~~السلام): ما أخرجكم علينا هذا المخرج؟ قالوا: حكومتكم (6) يوم صفين، فقال
~~له علي: أنشدكم (7) الله تعالى ألم أقل لكم حين (8) رفعوا المصاحف: أنا
~~أعلم بالقوم منكم، إنهم استحر بهم القتل، وإنما رفعوها خديعة ومكيدة لكم
~~ليفتنوكم ويثبطوكم عنهم ويقطعون الحرب ويتربصون بكم الدوائر [وذكر لهم جميع
~~ما كان في ذلك اليوم] فلم تسمعوا مني، واشترطت على الحكمين أن يحييا ما
~~أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن (9)، فان
# PageV01P504
# حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالفه، وإن أبيا فنحن من حكمهما براء (1).
# PageV01P505
# فقالوا: " أخبرنا عن عمرو أتراه عدلا حتى تحكمه في الدماء (1)؟ قال: إنما
~~حكمت القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق إنما (2)
~~يتكلم به الرجال (3). فقالوا فأخبرنا (4) عن الأجل لم جعلته فيما بينك
~~وبينهم؟ (5) قال: ليعلم الجاهل ويتثبت (6) العالم ولعل الله عز وجل أن يصلح
~~الأمة في هذه الهدنة (7) هذه ms081 المدة ويلهمها رشدها (8).
# قالوا: فأخبرنا عن يوم كتبت الصحيفة إذ كتب الكاتب: هذا ما تقاضى عليه
~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، فأبى عمرو أن يقبل
~~منك أنك أمير المؤمنين، فمحوت اسمك من إمرة المؤمنين فقلت (9) للكاتب: اكتب
~~هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. فإن لم تكن أنت
~~أمير
# PageV01P506
# المؤمنين ونحن المؤمنون فلست بأمير (1)، فقال علي (عليه السلام): يا
~~هؤلاء أنا كنت كاتب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الحديبية، فقال
~~النبي (صلى الله عليه وآله): اكتب: هذا ما اصطلح (2) عليه محمد رسول الله
~~وسهيل بن عمرو، فقال سهيل: لو علمنا أنك رسول الله ما صددناك ولا قاتلناك،
~~فأمرني رسول الله فمحوت اسمه من الكتاب وكتبت: هذا ما اصطلح عليه محمد بن
~~عبد الله. وإنما محوت اسمي من إمرة المؤمنين كما محا رسول الله اسمه من
~~الرسالة، فكان لي به أسوة فهل عندكم شيء غير هذا تحتجون علي به؟ فسكتوا
~~(3).
# فقال لهم: قوموا فأدخلوا مصركم يرحمكم الله (4)، قالوا: ندخل ولكن نريد
~~أن نمكث مدة الأجل الذي بينك وبين الحكمين هاهنا ليجبى المال ويسمن الكراع
~~(5) ثم ندخل (6).
# فانصرف عنهم علي (عليه السلام) وهم كاذبون فيما زعموه قاتلهم الله.
# ولما جاء وقت الحكمين أرسل علي (عليه السلام) مع أبي موسى الأشعري
~~أربعمائة (7) راكب
# PageV01P507
# وعليهم شريح بن هاني الحارثي (1) ومعهم عبد الله بن عباس (رض) يصلي بهم.
# وأرسل معاوية مع عمرو بن العاص أربعمائة (2) رجل من أهل الشام وتوافوا
~~بدومة الجندل، وحضر معهم: عبد الله بن عمر (3)، وعبد الرحمن بن أبي بكر
~~(4)، وعبد الله بن الزبير (5)، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام (6)، وعبد
~~الرحمن بن يغوث الزهري (7)،
# PageV01P508
# وأبو جهم بن حذيفة الندوي (1)، والمغيرة بن شعبة (2) (3).
# وكان سعد بن أبي وقاص (4) على ماء لبني سليم بالبادية فأتاه ابنه عمر
~~وقال (5) له: إن أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص فقد حضرا للحكومة وقد
~~شهدهم نفر من قريش فاحضر معهم فإنك صاحب رسول الله (صلى ms082 الله عليه وآله)
~~وأحد الستة التي كانت الشورى فيهم ولم تدخل في أمر تكرهه هذه الأمة وأنت
~~أحق الناس بالخلافة، فلم يفعل (6). وقيل: بل حضرهم [سعد] ثم ندم على حضوره
~~فأحرم،
# PageV01P509
# بعمرة من بيت المقدس وتوجه إلى مكة المشرفة محرما (1).
# وكان عمرو بن العاص بعد تحكيم علي (عليه السلام) ومعاوية له ولأبي موسى
~~الأشعري يقدم أبا موسى في كل شيء، ويظهر له الاحترام والإعظام (2) ويقول
~~له: لا أتقدمك في أمر من الأمور ولا في شيء من الأشياء ولا في كلام ولا في
~~غيره لأنك (3) أسن مني (4) وأنك (5) صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~(6) وقد دعا لك وقال: اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة
~~مدخلا كريما. حتى استقر ذلك في نفس أبي موسى [اطمأن عليه وظن أنه لا يغشه]
~~وسكن في خاطره وظن أن تقديمه له على نفسه تعظيما له وتكريما (7)
# PageV01P510
# وانما هو دهاء وخديعة منه له (1).
# ولما اجتمعا للحكومة وتفاوضا في الكلام وكان كلام عمرو بن العاص أن قال
~~لأبي موسى: ألست (2) تعلم أن عثمان قتل مظلوما؟ قال: أشهد (3)، قال: ألست
~~(4) تعلم أن معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قال: نعم (5)، قال فما يمنعك من
~~تولية معاوية ولي عثمان (6) وبيته (7) في قريش كما علمت، فإن تخوفت أن يقول
~~الناس ولى معاوية وليست له سابقة (8) فقد وجدته ولى عثمان الخليفة المقتول
~~(9) ظلما وهو الطالب بدمه مع ما له من حسن السياسة والتدبير (10) وهو أخو
# PageV01P511
# أم حبيبة (1) زوجة (2) النبي (صلى الله عليه وآله) وكاتب (3) وحي النبي
~~(صلى الله عليه وآله)، وعرض له بسلطان (4).
# فقال أبو موسى: يا عمرو اتق الله [عز وجل] فأما ما ذكرت من شرف معاوية
~~فالشرف لأهل الدين والفضل، مع اني لو كنت معطيه أفضل قريش شرفا أعطيته علي
~~بن أبي طالب (5). وأما (6) قولك: إن معاوية ولي دم عثمان فوله هذا الأمر
~~فلم أكن لأوليه (7) معاوية وأدع المهاجرين الأولين (8). وأما تعريضك لي
~~بالسلطان فوالله
# PageV01P512
# لو خرج معاوية لي من (1) سلطانه [كله] ما وليته (2).
# فقال له عمرو: ms083 فما تقول في ابني عبد الله وأنت تعلم فضله وصلاحه (3)؟
~~فقال: قد غمست (4) ابنك في هذه الفتنة ولا يكون ذلك (5)، فقال عمرو: إن هذا
~~الأمر لا يصلح (6) إلا لرجل [له ضرس] يأكل ويطعم (7). فسمع ابن الزبير
~~كلمته فقال. يا أبا موسى تفطن وتنبه لكلام عمرو (8). ثم قال: يا بن العاص
~~إن العرب قد أسندت إليك أمرها بعدما تقارعت (9) بالسيوف وأشرفوا على الحتوف
~~فلا تردنهم في فتنة واتق الله (10).
# PageV01P513
# ولما راود عمرو بن العاص أبا موسى على معاوية وعلى ابنه عبد الله فأبى
~~أبو موسى منه راود أبو موسى عمرو على تولية الخلافة لعبد الله بن عمر فأبى
~~(1) عمرو منه ثم قال: هات رأيا غير هذا (2)، فقال أبو موسى: رأيي (3) أن
~~نخلع هذين الرجلين - يعنى عليا ومعاوية - ونجعل (4) الأمر شورى فيختار
~~المسلمون من أحبوه (5)، فقال عمرو: الرأي ما رأيت (6).
# فأقبلا على الناس بوجههما (7) وهم مجتمعون ينظرون ما يتفقان عليه (8)،
~~فقال عمرو: تكلم يا أبا موسى وأخبرهم أن رأينا اتفق (9) فقال أبو موسى:
~~أيها الناس، إن
# PageV01P514
# رأينا اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر [هذه] الأمة ويلم شعثها
~~ويجمع كلمتها (1)، فقال عمرو: صدق أبو موسى وبر فيما قال، فتقدم يا أبا
~~موسى وتكلم (2).
# فقام إليه عبد الله بن العباس وقال له: ويحك (3)! إن كنت وافقته على أمر
~~فقدمه يتكلم به قبلك، فإني أخشى من خديعته لك، وإني لا آمن أن يكون قد
~~أعطاك الرضا فيما بينك [وبينه] فإذا قمت في الناس خالفك (4). فقال [له] أبو
~~موسى: [إنا] قد اتفقنا (5) وتراضينا وما ثم مخالفة أبدا (6).
# وكان أبو موسى رجلا سليم القلب فتقدم فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال:
# أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها ولا ألم
~~لشعثها (7) من أمر قد جمع (8) رأيي ورأي عمرو عليه، وهو أن نخلع عليا
~~ومعاوية، وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر بأنفسها فيولوا (9) منهم (10) من
~~أحبوا واختاروا، وإني قد خلعت عليا
# PageV01P515
# ومعاوية فاستقبلوا أمركم [و] ولوا عليكم من رأيتموه ms084 أهلا لذلك (1). ثم
~~تنحى.
# وأقبل (2) عمرو بن العاص فقام مقامه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها
~~الناس، إن أبا موسى قد خلع صاحبه عليا وقد قال ما سمعتم، وأنا أيضا قد أخلع
~~(3) صاحبه عليا وأثبت (4) صاحبي معاوية على الخلافة فإنه ولي عثمان بن عفان
~~والطالب (5) بدمه وأحق الناس بمقامه ثم تنحى (6).
# فقال أبو موسى: مالك لا وفقك الله غدرت وفجرت؟! وانما مثلك كمثل (7)
~~الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث (8)، فقال عمرو لأبي موسى: أنت انما
# PageV01P516
# مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا (1). وقال سعد لأبي موسى: ما أضعفك يا أبا
~~موسى عن عمرو ومكائده (2)؟! فقال أبو موسى: ما أصنع؟! وافقني على أمر ثم
~~غدر (3). فقال ابن عباس (رض): لا ذنب لك يا أبا موسى إنما الذنب لمن قدمك
~~وأقامك في هذا المقام (4). وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: " لو مات (5) هذا
~~الأشعري قبل هذا اليوم كان خيرا [له] " (6).
# PageV01P517
# وحمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه (1) بالسوط، وحمل ابن عمرو على شريح
~~فضربه بالسوط (2) وحجز الناس بينهم (3)، فكان شريح يقول بعد ذلك: ما ندمت
~~على شيء ندامتي أن لا أكون ضربت عمرا بالسيف عوضا عن السوط (4).
# والتمس الناس أبا موسى فوجدوه قد ركب راحلته ولحق (5) إلى مكة (6)، وكان
~~أبو موسى يقول: حذرني ابن عباس غدر عمرو ولكني اطمأننت إليه لما يظهر لي
~~وظننت أن هذا الغادر لا يؤثر شيئا على مصالح المسلمين ونصيحة الأمة (7).
# وانصرف عمرو بن العاص وأهل الشام إلى معاوية وسلموا عليه بالخلافة (8)
~~فقيل: إن معاوية قام في الناس فقال: أما بعد، فمن كان متكلما في هذا الأمر
~~بعد ذلك فليطلع لنا قرنه (9). قال ابن عمر فأطلقت حبوتي فأردت (10) أن أقول
~~له: يتكلم
# PageV01P518
# فيه رجال قاتلوك وأباك على الإسلام ثم خشيت أن أقول (1) كلمة يتفرق بها
~~جماعة ويسفك فيها دم (2) فقلت: ما وعد الله في الحساب أحب من ذلك (3) فلما
~~انصرفت إلى منزلي جاءني حبيب بن مسلمة فقال: ما منعك أن تتكلم حين سمعت هذا
~~الرجل يقول؟ قلت: ms085 أردت ذلك [ثم] خشيت أن أقول (4) كلمة يتفرق بها جماعة
~~ويسفك بها دماء، فقال حبيب: فقد وفقت وعصمت (5).
# وخرج شريح بن هانى مع ابن عباس (رض) إلى علي (عليه السلام) وأخبراه الخبر
~~(6) فقام في الكوفة فخطبهم فقال: الحمد لله وإن أتى الدهر (7) بالخطب
~~الفادح والحدث (8) الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله [وحده لا شريك له] وأن
~~محمدا رسول الله. أما بعد، فإن المعصية تورث الحسرة وتعقب الندامة (9) وقد
~~كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة أمري فأبيتم ونحلتكم (10) رأيي
~~فما ألويتم، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن:
# أمرتهم أمري بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا (11) النصح (12) إلا ضحى الغد
~~أما بعد، فإن هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن
# PageV01P519
# وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه من غير
~~هدى من الله، فحكما بغير حجة بينة ولا سنة ماضية (1)، واختلفا في حكمهما
~~وكلاهما لم يرشدا، استعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشام وأصبحوا في معسكركم
~~[إن شاء الله] يوم الاثنين (2).
# ثم نزل وكتب إلى الخوارج بالنهروان: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله
~~[علي] أمير المؤمنين إلى زيد بن حصن (3)، وعبد الله بن وهب (4)، وعبد الله
~~بن الكواء (5)، ومن معهم من الناس. أما بعد، فإن هذين الرجلين الذين
~~ارتضينا حكمهما (6) قد خالفا كتاب الله واتبعا هواهما بغير هدى من الله فلم
~~(7) يعملا بالسنة ولم ينفذا للقرآن حكما، فإذا وصلكم كتابي هذا فأقبلوا
~~إلينا فإنا سائرون إلى عدونا
# PageV01P520
# وعدوكم ونحن على الأمر الأول الذي كنا عليه (1).
# فكتبوا: أما بعد، فإنك لم تغضب لربك وإنما غضبت لنفسك، فان شهدت على نفسك
~~بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك وإلا فقد نابذناك على سواء،
~~إن الله لا يحب الخائنين (2).
# فلما قرأ كتابهم أيس منهم فرأى (3) أن يدعهم ويمضي بالناس إلى أهل الشام
~~[حتى يلقاهم] فيناجزهم (4).
# فقام في أهل الكوفة فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنه من
~~ترك الجهاد في الله تعالى وادهن (5) في أمره كان ms086 على شفا هلكة إلا أن
~~يتداركه الله برحمته (6)، فاتقوا الله تعالى وقاتلوا من حاد الله [وحاد
~~رسوله] وحاول أن يطفئ نور الله، قاتلوا الخائنين [الخاطئين الضالين
~~القاسطين المجرمين] الذين لو ولوا عملوا فيكم أعمال كسرى وهرقل، وتأهبوا
~~للمسير إلى عدوكم من أهل الشام، وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة
~~ليقدموا عليكم، فإذا اجتمعتم شخصنا إن شاء الله
# PageV01P521
# تعالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (1).
# وكتب إلى عبد الله بن عباس (رض): أما بعد، فإنا [قد] خرجنا إلى معسكرنا
~~بالنخيلة وقد اجتمعنا على المسير (2) [إلى] عدونا من أهل المغرب (3) فاشخص
~~بالناس (4) من أهل البصرة (5). فقرأه ابن عباس على الناس وندبهم على المسير
~~مع الأحنف بن قيس فشخصوا إلى علي (عليه السلام) في ثلاثة آلاف ومائتين (6).
# وكتب علي (عليه السلام) إلى رئيس كل قبيلة من القبائل يستنفره (7) بما في
~~عشيرته من المقاتلة وأبنائهم الذين أدركوا وعبدانهم ومواليهم (8). وجاءه
~~سعد بن قيس الهمداني وقال: يا أمير المؤمنين سمعا وطاعة أنا أول الناس
~~إجابة (9). وجاءه معقل بن قيس،
# PageV01P522
# وعدي بن حاتم، وزياد بن خصفة (1)، وحجر بن عدي، وأشراف الناس والقبائل في
~~أربعين ألفا من المقاتلة الرجالة وستة عشر ألفا من أبناء الموالي والعبيد
~~(2). وكتب إلى سعد بن مسعود [الثقفي] بالمدائن يأمره بإرسال من معه من
~~المقاتلة (3).
# وبلغ عليا (عليه السلام) أن الناس يقولون: لو سار بنا إلى قتال هؤلاء
~~الحرورية فبدأنا بهم فإذا فرغنا (4) وجهنا إلى قتال المحلين (5). فقال لهم
~~علي (عليه السلام): بلغني أنكم قلتم كيت وكيت وأن غير هؤلاء الخارجين أهم
~~إلينا فدعوا ذكرهم وسيروا بنا إلى معاوية وأهل الشام (6) أن لا يكونوا
~~جبارين في الأرض ولا يتخذوا عباد الله خولا (7). فتنادى (8) الناس: يا أمير
~~المؤمنين، نحن حزبك وأنصارك (9) وأتباعك نعادي من عاداك ونوالي من والاك
~~ونتابع من أناب إلى طاعتك، من كانوا وأين كانوا سر بنا حيث شئت (10).
# PageV01P523
# فبينما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) معهم في الكلام إذ
~~أتاه الخبر أن الخوارج خرجوا على الناس ms087 وأنهم قتلوا عبد الله بن خباب (1)
~~صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)
# PageV01P524
# وبقروا بطن امرأته (1) وهي حامل، وقتلوا ثلاث نسوة من طي (2)، وقتلوا أم
~~سنان الصيداوية (3)، فلما بلغ عليا ذلك بعث إليهم الحارث بن مرة (4)
~~ليأتينهم وينظر صحة الخبر فيما بلغه عنهم ويكتب به إليه ولا يكتمه شيئا من
~~أمرهم، فلما دنا منهم وسألهم قتلوه (5) وأتى عليا (عليه السلام) الخبر بذلك
~~وهو في معسكره، فقال الناس: يا أمير
# PageV01P525
# المؤمنين علام ندع هؤلاء القوم وراءنا يخلفونا في أموالنا وعيالنا؟ سربنا
~~إليهم فإذا فرغنا منهم سرنا إلى أعدائنا من أهل الشام (1). فقام إليه
~~الأشعث بن قيس فتكلم بمثل كلامهم، وكان الناس يرون أن الأشعث يرى رأي
~~الخوارج لأنه كان يقول يوم صفين أنصفنا قوم يدعون (2) إلى كتاب الله تعالى،
~~فلما قال هذه المقالة علم الناس أنه لم يكن يرى رأيهم (3).
# فأجمع علي (عليه السلام) المسير إليهم، فجاءه منجم يقال له مسافر بن عدي
~~(4) فقال: يا أمير المؤمنين، إذا أردت المسير إلى هؤلاء القوم فسر إليهم في
~~الساعة الفلانية فإنك إن سرت في غيرها لقيت أنت وأصحابك ضرا شديدا ومشقة
~~عظيمة. فخالفه علي (عليه السلام) وسار في غير الساعة التي أمره المنجم
~~بالمسير فيها (5)، فلما قرب علي (عليه السلام) منهم ودنا بحيث إنه يراهم
~~ويرونه نزل وأرسل إليهم أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا
# PageV01P526
# [منكم] نقتلهم بهم وأترككم وأكف عنكم حتى ألقى أهل الشام فلعل الله تعالى
~~أن يقلب (1) بقلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أموركم (2). فقالوا:
~~كلنا قتلناهم وكلنا مستحلون لدمائكم ودمائهم (3).
# فخرج قيس بن سعد بن عبادة فقال لهم: عباد الله، أخرجوا إلينا قتلة
~~إخواننا منكم وادخلوا [معنا] في هذا الأمر الذي خرجتم منه (4)، وعودوا إلى
~~قتال عدونا وعدوكم فإنكم قد ركبتم عظيما من الأمر تشهدون علينا بالشرك
~~وتسفكون دماء المسلمين (5)، فقال عبد الله بن شجرة السلمي (6): إن الحق قد
~~أضاء لنا فلسنا بتابعيكم (7).
# ثم إن عليا (عليه السلام) خرج إليهم بنفسه فقال لهم: أيتها (8) العصابة
~~التي أخرجها عداوة ms088 المراء واللجاجة (9) وصدها (10) عن الحق اتباع الهوى
~~واللجاج، إن أنفسكم الأمارة سولت لكم فراقي لهذه الحكومة التي أنتم
~~بدأتموها وسألتموها وأنا لها كاره،
# PageV01P527
# وأنبأتكم أن القوم إنما فعلوه مكيدة فأبيتم علي إباء المخالفين وعندتم
~~علي عناد العاصين [وعدلتم عني عدول النكداء] حتى صرفت رأيي إلى رأيكم، وإني
~~معاشرهم والله صغار الهام سفهاء الأحلام، فأجمع [رأي] رؤسائكم وكبرائكم أن
~~اختاروا رجلين، فأخذنا عليهما أن يحكما بالقرآن ولا يتعديانه، فتاها وتركا
~~الحق وهما يبصرانه فبينوا لنا بما تستحلون قتالنا والخروج عن جماعتنا ثم
~~تستعرضون الناس تضربون أعناقهم، إن هذا لهو الخسران المبين (1).
# فتنادوا (2) ان لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيأوا للقتال، الرواح الرواح
~~إلى الجنة (3).
# فرجع علي (عليه السلام) عنهم إلى أصحابه ثم عبأهم للقتال، فجعل على
~~ميمنته حجر بن عدي (4) (رض)، وميسرته شبث بن ربعي (5)، أو (6) معقل بن قيس
~~الرياحي (7)، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري (8)، وعلى الرجالة أبا قتادة
~~الأنصاري (9)، وفي مقدمتهم
# PageV01P528
# قيس بن سعد بن عبادة (1) (رض) (2).
# وعبأت الخوارج قاتلهم الله أصحابها، فجعلوا على ميمنتهم زيد بن قيس
~~[حصين] الطائي (3)، وعلى الميسرة شريح بن أوفى العبسي (4)، وعلى خيلهم حمزة
~~بن سنان الأسدي (5)، وعلى رجالتهم حرقوص بن زهير السعدي (6) (7).
# وأعطى علي (عليه السلام) لأبي أيوب الأنصاري راية أمان (8) فناداهم أبو
~~أيوب (رض):
# PageV01P529
# من جاء إلى هذه الراية فهو آمن ممن لم يكن قتل ولا تعرض لأحد من المسلمين
~~بسوء، ومن انصرف منكم إلى الكوفة فهو آمن، ومن انصرف إلى المدائن فهو آمن
~~لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا في سفك دمائكم (1).
# فانصرف عروة بن نوفل الأشجعي (2) في خمسمائة (3) فارس، وخرج طائفة أخرى
~~منصرفين إلى الكوفة (4) وطائفة أخرى إلى المدائن (5)، وتفرق أكثرهم بعد أن
~~كانوا اثني عشر ألفا، فلم يبق منهم غير أربعة آلاف (6) فزحفوا إلى علي
~~(عليه السلام) وأصحابه، فقال علي لأصحابه: كفوا عنهم حتى يبدأوكم (7).
~~فتنادوا الرواح الرواح إلى الجنة (8). فحملوا على الناس فانفرقت خيل علي
~~عنهم فرقتين حتى ساروا في وسطهم (9) عطفوا عليهم من الميمنة والميسرة
~~واستقبلت الرماة ms089 وجوههم بالنبل
# PageV01P530
# وعطفت عليهم الرجالة بالسيوف والرماح فما كان بأسرع من أن قتلوهم عن
~~آخرهم وكانوا أربعة آلاف (1).
# فلم يفلت منهم إلا تسعة (2) أنفس لا غير، رجلان هربا إلى خراسان (3) وبها
~~نسلهما إلى الآن، ورجلان صارا إلى بلاد عمان (4) وبها نسلهما إلى الآن،
~~ورجلان إلى بلاد اليمن (5) وبها نسلهما وهم الذين يقال لهم الأباضية (6)
~~أصحاب عبد الله بن أباض (7)، ورجلان صارا إلى الجزيرة (8)، ورجل صار إلى تل
~~موذن (9).
# PageV01P531
# وغنم (1) أصحاب (2) علي (عليه السلام) منهم غنائم كثيرة، وقتل من شيعة
~~علي رجلان (3) ولم يسلم من الخوارج [المارقين] المقتولين غير هذه التسعة
~~(4) المذكورين خذلهم الله. وهذه كرامة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
~~(عليه السلام) فإنه قال قبل ذلك: نقتلهم ولا يقتل منا عشرة ولا يسلم منهم
~~عشرة (5).
# PageV01P532
# فائدة الخوارج: هم هؤلاء الذين خرجوا على علي (عليه السلام) لما حكم
~~الحكمين وقالوا: لا حكم إلا لله (1)، وهم الذين قال فيهم النبي (صلى الله
~~عليه وآله): يمرقون من الدين كما تمرق السهم من الرمية (2). كما جاء في
~~الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) يقول: يخرج في هذه الأمة - ولم يقل منها - قوم تحقرون
~~صلاتكم مع صلاتهم ويقرأون القرآن ولا يجاوز حلوقهم (3) - أو قال حناجرهم -
~~يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية (4). ومنهم عبد الله بن ذي
# PageV01P533
# الخويصرة التميمي (1) [الذي] جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وهو
~~يقسم الصدقات فقال: اعدل يا رسول الله، فقال (صلى الله عليه وآله): ويلك
~~فمن يعدل إن لم أعدل (2)؟! قال عمر بن الخطاب: أيأذن لي رسول الله أن أضرب
~~عنقه (3)؟ قال (صلى الله عليه وآله): دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته
~~مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية (4).
~~وفيهم
# PageV01P534
# نزل قوله تعالى: ﴿ومنهم من يلمزك
~~فى الصدقات﴾ (1) الحديث الصحيح الذي رواه البخاري أيضا عن عبد الله بن
~~عمر، ويقال لهم: الحرورية، بحاء مهملة ms090 وراء مكررة بينهما واو، ثم بالنسبة
~~إلى حرور أرض نزلوا بها لما مضوا عن علي (عليه السلام) (2).
# PageV01P535
# فصل في ذكر شيء من كلماته الرائعة ومعانيه الفائقة ومواعظه النافعة
~~وزواجره الصادعة ونكته الحسنة ومقاصده المستحسنة فمن ذلك كلمات من كلامه
~~(عليه السلام) جمعها الجاحظ (1) في بعض تصانيفه وهي تشمل على كثير من
~~الحكمة، كل كلمة منها تعد بألف كلمة، وهي هذه:
# الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا (2).
# الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم (3).
# PageV01P537
# قيمة كل امرئ ما يحسنه (1).
# من عرف نفسه فقد عرف ربه (2).
# المرء مخبوء تحت لسانه (3).
# من عذب لسانه كثر إخوانه (4).
# بشر مال البخيل بحادث أو وارث (5).
# لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال (6).
# الجزع عند البلاء تمام المحنة (7).
# لا ظفر مع البغي (8).
# PageV01P538
# لا ثناء مع الكبر (1).
# لا بر مع الشح (2).
# لا صحة مع النهم (3).
# لا شرف مع سوء الأدب (4).
# لا اجتناب من محرم مع الحرص (5).
# لا راحة مع الحسد (6).
# لا سؤدد مع الانتقام (7).
# لا محبة مع المراء (8).
# لا صواب مع ترك المشورة (9).
# لا مروة لكذوب (10).
# لا ريادة مع زعارة (11).
# PageV01P539
# لا وفاء لملوك (1).
# لا كرم أعز من التقى (2).
# لا شرف أعلى من الإسلام (3).
# لا معقل أحسن من العقل (4).
# لا شفيع أنجح من التوبة (5).
# لا لباس أجمل من العافية (6).
# لا داء أعيا من الجهل (7).
# PageV01P540
# لا مرض أخفى من قلة العقل (1).
# لسانك يقتضيك ما عودته (2).
# المرء عدو ما جهله (3).
# رحم الله امرء عرف نفسه ولم يتعد طوره (4).
# إعادة الاعتذار تذكرة بالذنب (5).
# النصح بين الملأ تقريع (6).
# إذا تم العقل نقص الكلام (7).
# الشفيع جناح الطالب (8).
# نفاق المرء ذله (9).
# نعمة الجاهل كروض على مزبلة (10).
# الجزع أتعب من الصبر (11).
# المسؤول حر حتى يعده (12).
# PageV01P541
# أكبر الأعداء أخفاهم مكيدة (1).
# من طلب ما لا يعنيه فاته ما يعنيه (2).
# السامع للغيبة أحد المغتابين (3).
# الذل مع الطمع (4).
# العز مع اليأس (5).
# الحرمان مع الحرص (6).
# من كثر مزاحه حقد عليه واستخف به (7).
# عبد الشهوة أذل من عبد الرق (8).
# الحاسد مغتاض على من لا ذنب له (9).
# منع الجود سوء الظن بالمعبود (10).
# كفى بالظفر ms091 شفيعا للذنب (11).
# PageV01P542
# رب ساع فيما يضره (1).
# لا تتكل على المنى فإنها بضائع الحمقى (2).
# اليأس حر والرجاء عبد (3).
# ظن العاقل كهانة (4).
# من نظر اعتبر (5).
# العداوة شغل القلب (6).
# القلب إذا كره عمى (7).
# الأدب صورة العقل (8).
# من لانت أسافله صلبت أعاليه (9).
# من أتى في عجابه قل حياؤه وبذا لسانه (10).
# PageV01P543
# السعيد من وعظ بغيره (1).
# البخل جامع لمساوي العيوب (2).
# كثرة الوفاق نفاق، وكثرة الخلاف شفاق (3).
# رب أمل خائب (4).
# رب رجاء يؤدي إلى الحرمان (5).
# رب ربح يؤدي إلى الخسران (6).
# رب طمع كاذب (7).
# البغي سائق إلى الحين (8).
# في كل جرعة شرقة (9).
# PageV01P544
# مع كل أكلة غصة (1).
# من كثر ذكره في العواقب لم يشجع (2).
# إذا حلت المقادير ضلت التدابير (3).
# إذا حل القدر بطل الحذر (4).
# الإحسان يقطع اللسان (5).
# الشرف بالعقل، والأدب بالأصل والنسب (6).
# أكرم النسب حسن الأدب (7).
# أفقر الفقر الحمق (8).
# أوحش الوحشة العجب (9).
# أغنى الغنى العقل (10).
# PageV01P545
# الطامع في وثاق الذل (1).
# ليس العجب ممن هلك كيف هلك إنما العجب ممن نجا كيف نجا (2).
# احذروا نفار النعم فما كل شارد بمردود (3).
# أكثر مصارع العقول تحت بروق الأطماع [المطامع] (4).
# من أبدى صفحته للحق هلك (5).
# PageV01P546
# إذا ملقتم فبادروا بالصدقة (1).
# من لان عوده كثرت أغصانه (2).
# قلب الأحمق في فيه، ولسان العاقل في قلبه (3).
# من جرى في ميدان أمله عثر في عنان أجله (4).
# إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها (5) بقلة الشكر (6).
# PageV01P547
# إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكر القدرة عليه (1).
# ما أضمر أحد شيئا في قلبه إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه (2).
# البخيل يستعجل الفقر [ل] يعيش في الدنيا عيشة الفقراء، ويحاسب في الآخرة
~~حساب الأغنياء (3).
# لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه (4).
# انتهى.
# PageV01P548
# فصل [آخر] [في ذكر شيء من كلماته الرائعة ومعانيه الفائقة ومواعظه
~~النافعة وزواجره الصادعة ونكته الحسنة ومقاصده المستحسنة] ذكر الشيخ المفيد
~~(1) في كتاب الإرشاد: ومن كلامه (عليه السلام) في شيعتهم (2) المخلصين ما
~~رواه نقلة الآثار (3) أنه (عليه السلام) خرج ذات ليلة من المسجد وكانت ليلة
~~قمراء فأم الجبانة، ولحقه جماعة يقفون أثره، فوقف ثم قال (4): من أنتم؟ ms092
~~قالوا: نحن شيعتك يا أمير المؤمنين، فتفرس (5) في وجوههم ثم قال: فمالي لا
~~أرى عليكم (6) سيماء الشيعة؟ قالوا: وما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين؟
~~قال: صفر الوجوه من السهر، حدب الظهور من القيام، عمش العيون من البكاء،
~~خمص البطون من الصيام، ذبل
# PageV01P549
# الشفاه من الدعاء، وعليهم غبرة الخاشعين (1).
# ومن ذلك ما نقل عنه (عليه السلام) في العلم والعقل والمال قال (عليه
~~السلام): العلم حياة القلوب ونور الأبصار، ينزل الله تعالى حامله منازل
~~الأخيار، ويمنحه صحبة الأبرار، ويرفعه في الدنيا والآخرة (2).
# وقال (عليه السلام): العلم يرفع الوضيع ويضع الرفيع (3).
# وقال (عليه السلام): العلم خير من المال [العلم] يحرسك وأنت تحرس المال،
~~العلم حاكم والمال محكوم عليه (4).
# PageV01P550
# وقال (عليه السلام): قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك، هذا ينفر
~~الناس بتهتكه (1) وهذا يضل الناس بتنسكه (2).
# وقال (عليه السلام): أقل الناس قيمة أقلهم علما [إذ قيمة] كل امرئ ما
~~يحسنه، وكفى بالعلم شرفا أنه يدعيه من لا يحسنه ويفرح إذا نسب إليه، وكفى
~~بالجهل ذما أنه يبرأ منه من هو فيه ويغضب إذا نسب إليه، والناس عالم ومتعلم
~~وساير الناس همج رعاع [لا خير فيهم] (3).
# وقال (عليه السلام) في العقل: الإنسان عقل وصورة، فمن أخطأه العقل لزمته
~~الصورة، ومن لم يكن كاملا كان بمنزلة جسد بلا روح (4).
# وقال (عليه السلام) في صفة الدنيا: ألا وإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع
~~و [إن] الآخرة قد أظلت وأشرفت (5) باطلاع، ألا وإن المضمار اليوم والسباق
~~غدا، فإما إلى الجنة وإما إلى النار، وإنكم في أيام مهل من ورائه أجل يحثه
~~عجل، فمن (6) عمل في أيام مهله قبل حلول أجله نفعه عمله ولم يضر أمله، ومن
~~لم يعمل في أيام مهله قبل حلول أجله ضره أمله ولم ينفعه عمله، ولو عاش
~~أحدكم ألف عام كان الموت بالغه ونحبه لاحقه، فلا تغرنكم الأماني ولا يغرنكم
~~بالله الغرور، كان قبلكم في هذه الدنيا سكان شيدوا البنيان ووطنوا الأوطان
~~أضحت أبدانهم في قبورهم هامدة وأنفاسهم خامدة ويتلهف
# PageV01P551
# المفرط منهم على ms093 ما فرط يقول: يا ليتني قدمت لنفسي يا ليتني أطعت ربي...
~~(1).
# وقال (عليه السلام): كأن (2) ما هو كائن من الدنيا لم يكن، وكأن ما هو
~~كائن قد كان (3) من الآخرة لم يزل، وكلما هو آت قريب، فكم مؤمل لأمل لم
~~يدركه، وكم جامع ما لا يأكله وذاخر ما عساه يتركه، ولعله من باطل جمعه (4)
~~ومن حرام رفعه، أصابه حراما عدوانا، واحتمل وزره (5) وباء منه بما ضره، خسر
~~الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (6).
# ومن ذلك ما ورد عنه (عليه السلام) في الحكم والأمثال عن ابن عباس انه
~~قال: ما انتفعت بكلام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانتفاعي بكتاب
~~كتبه إلي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فانه كتب إلي:
# أما بعد، فإن المرء يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، ويسره درك ما لم يكن
~~ليفوته، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما
~~نلت من دنياك فلا تكثر (7) به فرحا، وما فاتك منها فلا تأس عليه [جزعا]،
~~وليكن
# PageV01P552
# همك فيما (1) بعد الموت، والسلام (2).
# وقال: الشيء شيئان: [ف] شيء [لغيري] قصر عني لم أرزقه فيما مضى ولا آمله
~~(3) فيما بقي، وشئ لا أناله دون وقته ولو استعنت (4) عليه بقوة أهل
~~السماوات والأرض، فما أعجب من الإنسان يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه
~~فوت ما لم يكن ليدركه، ولو أنه فكر لأبصر ولعلم أنه مدبر واقتصر على ما
~~تيسر، ولم يتعرض لما تعسر، واستراح قلبه مما استوعى، فكونوا أقل (5) ما لا
~~تكونوا في الباطل (6) أموالا وأحسن ما تكونوا في الآخرة أحوالا (7)، فإن
~~الله تعالى أدب عباده المؤمنين أدبا حسنا فقال عز من قائل: (يحسبهم الجاهل
~~أغنيآء من التعفف تعرفهم بسيماهم
# PageV01P553
# لا يسلون الناس إلحافا) (1).
# وقال: لا تكون غنيا حتى تكون عفيفا، ولا تكون زاهدا حتى تكون متواضعا،
~~ولا تكون متواضعا حتى تكون حليما، ولا يسلم قلبك حتى تحب للمسلمين ما تحب
~~لنفسك، وكفى بالمرء جهلا أن يرتكب ما نهي عنه، وكفى به ms094 عقلا أن يسلم الناس
~~شره، واعرض عن الجهل وأهله، واكفف عن الناس ما تحب ان يكف (2) عنك، وأكرم
~~من صافاك، وأحسن مجاورة من جاورك وإن جانبك، واكفف الأذى، واصفح عن سوء
~~الأخلاق، ولتكن يدك العليا ان استطعت، ووطن نفسك على الصبر على ما أصابك،
~~وألهم نفسك القناعة، وانهم الرجاء، وأكثر الدعاء تسلم من سورة الشيطان، ولا
~~تنافس على الدنيا، ولا تتبع الهوى، واحلم على السفيه تكثر أنصارك عليه،
~~وعليك بالشيم العالية تقهر من يناويك (3).
# وقال: قل عند كل شدة " لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " تكف. وقل
~~عند كل نعمة " الحمد لله " تزد منها. وإذا أبطأت عليك الأرزاق فقل " أستغفر
~~الله " يوسع عليك (4).
# مفتاح الجنة الصبر (5).
# مفتاح الشرف التواضع (6).
# مفتاح الكرم التقوى (7).
# من أراد أن يكون شريفا فيلزم التواضع (8).
# PageV01P554
# عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله (1).
# وقال (عليه السلام): لا راحة لحسود، ولا شرف لبخيل، ولا همة لمهين، ولا
~~سلامة لمن أكثر مخالطة الناس، ولا كنز أغنى من القناعة، ولا مال أذهب
~~للفاقة من الرضا بالقوت (2).
# وقال (عليه السلام): من كثرت عوارفه كثرت معارفه (3).
# من أجمل في الطلب أتاه رزقه من حيث لا يحتسب (4).
# من كثر دنيه لم تقر عينه (5).
# من فعل ما شاء لقي ما لا يشاء (6).
# من استكان بالرأي ملك، ومن كابد الأمور هلك (7).
# من أمسك عن الفضول عد من أرباب العقول (8).
# من لم يكتسب بالأدب مالا اكتسب به جمالا (9).
# ما كساه الغنى ثوبا خفيت عن العيون عيوبه (10).
# من حسنت سياسته دامت رياسته (11).
# من ركب العجلة لم يأمن الكبوة (12).
# من تقدم بحسن النية نصره التوفيق (13).
# وقال (عليه السلام): الوحدة راحة، والعزلة عبادة، والقناعة غنى،
~~والاقتصاد بلغة، عدل
# PageV01P555
# السلطان خير من خصب الزمان، والعزيز بغير الله ذليل، والغني الشره (1)
~~فقير، ولا تعرف الناس إلا بالاختبار، فاختبر أهلك وولدك في غيبتك، وصديقك
~~في مصيبتك، وذا القرابة عند فاقتك، والتودد والملق عند عطيتك، لتعلم بذلك
~~أين منزلتك (2).
# وقال (عليه السلام): ما ذب عن الأعراض كالصفح والإعراض (3).
# في إغضائك راحة أعضائك ms095 (4).
# أجل النوال ما وصل قبل السؤال (5).
# الحكيم لا يعجب بقضاء محتوم، حل بمخلوق (6).
# عفة اللسان صمة. من الفراغ يكون الصبوة (7).
# وقال (عليه السلام): لا تحدث من غير ثقة تكن كذابا، وقارن أهل الخير تكن
~~منهم، وباين أهل الشر تبن عنهم. واعلم أن من الحزم العزم، وساعد أخاك وإن
~~جفاك، وان قطعته فاستبق له بقية من نفسك، ولا ترغبن فيمن زهد فيك، وليس
~~جزاء من سرك أن تسوءه. واعلم أن عاقبة الكذب الذم، وعاقبة الصدق النجاة
~~(8).
# وقال (عليه السلام): خير أهلك من كفاك (9).
# ترك الخطيئة أهون من التوبة (10).
# عدو عاقل خير من صديق جاهل (11).
# PageV01P556
# التوفيق من السعادة (1).
# من بحث عن عيوب الناس بنفسه بدا (2).
# من سلم من ألسنة الناس كان سعيدا (3).
# من وقع في ألسنة الناس هلك (4).
# من تحفظ من سقط الكلام أفلح (5).
# خير مالك ما أعانك على حاجتك (6).
# كم من غريب خير من قريب (7).
# خير إخوانك من واساك، وخير منه من كفاك (8).
# من أحب الدنيا جمع لغيره (9).
# المعروف قرض، والدنيا دول (10).
# من كان في النعمة جهل قدر البلية (11).
# من قل سروره كان في الموت راحته (12).
# السؤال مذلة، والعطاء محبة، والمنع مبغضة، وصحبة الأشرار تورث سوء الظن
# PageV01P557
# بالأخيار (1).
# الحر حر ولو مسه الضر (2).
# ما ضل من استرشد، ولا خاب من استشار (3).
# الحازم لا يستبد برأيه (4).
# آمن من نفسك عندك من وثقته على سرك (5).
# المودة بين الآباء صلة في الأبناء (6).
# من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه (7).
# من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته (8).
# من هون (9) صغار المصائب، ابتلاه الله بكبارها.
# رب مفتون يحسن القول فيه (10).
# PageV01P558
# ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلبا لما عند الله، وأحسن منه تيه
~~الفقراء على الأغنياء اتكالا على الله (1).
# الدهر يومان: يوم لك ويوم عليك، فإذا (2) كان لك فلا تبطر، وإذا (3) كان
~~عليك فلا تضجر، فاصبر (4).
# الراكن إلى الدنيا مع من يعاين فيها جاهل (5).
# الطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار به (6) عجز (7).
# البخل جامع لمساوئ الأخلاق (8).
# نعم الله على العبد جالبة حوائج الناس إليه، فمن قام فيها ms096 بما يجب عرضها
# PageV01P559
# للدوام والبقاء (1)، ومن لم يقم بها عرضها للزوال والفناء (2).
# العفاف زينة الفقير، والشكر زينة الغنى (3).
# ومن أطال الأمل أساء العمل (4).
# الناس أبناء الدنيا فلا لوم عليهم في حب أمهم (5).
# الطمع ضامن غير وفي... والأماني تعمي [أعين] البصاير (6).
# لا تجارة كالعمل الصالح، ولا ربح كالثواب، والله أعلم بالصواب (7).
# PageV01P560
# فصل في ذكر شيء يسير من بديع نظمه ومحاسن كلامه فمن ذلك قوله (عليه
~~السلام) (1):
# فكن (2) معدنا للحلم واصفح عن الأذى * فإنك لاق (3) ما عملت (4) وسامع
~~واحبب (5) إذا أحببت حبا مقاربا * فإنك لا تدري متى الحب راجع (6) وابغض
~~إذا أبغضت بغضا مفارقا (7) * فإنك لا تدري متى الحب نافع (8)
# PageV01P561
# ولعلي (عليه السلام) (1):
# لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني * إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج ولي فرس
~~بالحلم للحلم ملجم * ولي فرس بالجهل للجهل مسرج وما كنت أرضى الجهل خدنا
~~(2) وصاحبا * ولكنني أرضى به حين أحوج وإن قال (3) بعض الناس فيه سماجة *
~~فقد (4) صدقوا والذل بالحر أسمج فإن (5) شاء (6) تقويمي فإني مقوم * وإن
~~شاء تعويجي فإني معوج (7) وله (عليه السلام) (8):
# فارق تجد عوضا عما تفارقه * فانصب فإن لذيذ العيش في النصب فالأسد لولا
~~فراق الغاب ما افترست * والسهم لولا فراق القوس لم يصب وله (عليه السلام)
~~(9):
# الصبر من كرم الطبيعة * والمن مفسدة الصنيعه ترك التعاهد للصديق * يكون
~~داعية القطيعة وله (عليه السلام) (10):
# أحمد ربي على خصال * خص بها سادة الرجال
# PageV01P562
# لزوم صبر وخلع كبر * وصون عرض وبذل مال وقال (عليه السلام) (1):
# عش موسرا إن شئت أو معسرا * لابد في الدنيا من الغم دنياك بالأحزان
~~مقرونة * فلا تقطع الدنيا إلا بهم حلاوة دنياك مسمومة * فلا تأكل الشهد إلا
~~بسم وقال (عليه السلام) (2):
# محامدك (3) اليوم مذمومة * فلا تكسب الحمد إلا بذم إذا تم أمر بدا نقصه *
~~توقع زوالا إذا قيل تم إذا كنت في نعمة فارعها * فإن المعاصي تزيل النعم
~~وداوم عليها بشكر الإله * فإن الإله سريع النقم فإن تعط نفسك آمالها * فعند
~~مناها تحل الندم فكم عمن عاش في غفلة (4) * فما حس بالموت ms097 (5) إلا هجم وعن
~~جابر بن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنه) (6) قال: دخلت على علي (عليه
~~السلام) في بعض علاته وقد نقه، فلما نظر إلي قال: يا جابر من كثرت نعم الله
~~عليه (7) كثرت حوائج الناس إليه، فإن قام بما أمر الله تعالى عرضها للدوام
~~والبقاء، وإن لم يعمل فيها بما أمر الله تعالى عرضها للزوال والفناء، ثم
~~أنشأ يقول:
# PageV01P563
# ما أحسن الدنيا وإقبالها * إذا أطاع الله من نالها من لم يواس الناس من
~~فضله (1) * عرض للإدبار إقبالها فاحذر زوال الفضل يا جابر * واعط من الدنيا
~~(2) لمن سألها فإن ذا العرش (3) جزيل العطا * يضعف بالجنة (4) أمثالها قال
~~جابر: ثم هز بضبعي هزة خيل أن عضدي خرجت من كاهلي وقال: يا جابر حوائج
~~الناس إليكم من نعم الله عليكم، فلا تملوا النعم فيحل بكم النقم، فاعلموا
~~أن خير المال ما اكتسب حمدا أو أعقب أجرا، ثم أنشأ يقول:
# لا تخضعن لمخلوق على طمع (5) * فإن ذلك وهن منك في الدين واسأل الهك مما
~~في خزائنه * فإنما هي (6) بين الكاف والنون أما (7) ترى كل من ترجو (8)
~~وتأمله * من البرية مسكين ابن مسكين ما أحسن الجود في الدنيا (9) وأجمله *
~~وأقبح البخل فيمن صيغ من طين قال جابر: فهممت أن أقوم، قال: انا معك يا
~~جابر، فلبس نعليه وألقى إزاره على منكبيه وخرجنا نتساير، فذهب بنا إلى
~~الجبانة - جبانة الكوفة - فسلم على أهل القبور، فسمعت ضجة وهجة فقلت: ما
~~هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: هؤلاء بالأمس كانوا معنا واليوم فارقونا،
~~أتسأل عن أحوالهم فهم إخوان لا يتزاورون وأوداء لا
# PageV01P564
# يتعاودون. ثم خلع نعليه وحسر عن ذراعيه وقال: يا جابر أعطوا من دنياكم
~~الفانية لآخرتكم الباقية، ومن حياتكم لموتكم، ومن صحتكم لسقمكم، ومن غناكم
~~لفقركم، اليوم أنتم في الدور وغدا في القبور [وإلى الله تصير الأمور].
# ثم أنشأ يقول:
# سلام على أهل القبور الدوارس * كأنهم لم يجلسوا في المجالس ولم يشربوا من
~~بارد الماء شربة * ولم يأكلوا ما بين رطب ويابس ألا فأخبروني أين قبر
~~ذليلكم ms098 * وقبر العزيز الباذخ المتنافس وله (عليه السلام) (1):
# والله لو عاش الفتى من دهره * ألفا من الأعوام مالك أمره متلذذا (2) فيها
~~بكل هنيئة * ومبلغا كل المنى من دهره لا يعرف الآلام فيها مرة * كلا ولا
~~جرت الهموم بفكره ما كان ذاك يفيده من عظم ما * يلقى بأول ليلة في قبره وله
~~أيضا (عليه السلام) (3):
# أي يوم من الموت أفر * يوم لا يقدر أو يوم قدر يوم لا يقدر لا أرهبه *
~~ومن المقدور لا ينجو (4) الحذر وله (عليه السلام) أيضا (5):
# إذا عقد القضاء عليك أمرا * فليس يحله غير (6) القضاء
# PageV01P565
# فما لك قد أقمت بدار ذل * وأرض الله واسعة الفضاء ومن نظمه [رضي الله عنه
~~وأرضاه] (1):
# صن النفس واحملها على ما يزينها * تعش سالما والقول فيك جميل ولا ترين
~~الناس إلا تجملا * نبا بك دهر أو جفاك خليل وإن ضاق رزق اليوم فاصبر إلى غد
~~* عسى نكبات الدهر عنك تزول يعز غني النفس إن قل ماله * ويغني فقير النفس
~~وهو ذليل وما أكثر الإخوان حين تعدهم * ولكنهم في النائبات قليل وروي أيضا
~~(2) عنه أنه أتاه رجل وقال له يا علي: أخبرني (3) ما واجب وأوجب؟
# وعجيب وأعجب؟ وصعب (4) وأصعب؟ وقريب وأقرب؟ فأجابه بقوله:
# فرض على الناس أن يتوبوا * لكن ترك الذنوب أوجب والدهر في صرفه عجيب *
~~وغفلة الناس فيه أعجب والصبر في النائبات صعب * لكن فوت الثواب أصعب وكلما
~~يرتجى قريب * والموت من كل ذاك أقرب
# PageV01P566
# فصل في ذكر مناقبه الحسنة وما جاء في ذلك من الأحاديث والأخبار المستحسنة
~~فمن ذلك ما ورد في الصحيحين من المناقب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب
~~(عليه السلام):
# الأولى: نزوله من المصطفى (صلى الله عليه وآله) منزلة هارون من موسى (1).
# الثانية: شهادته (صلى الله عليه وآله) له (عليه السلام) انه يحب الله
~~ورسوله (2).
# الثالثة: تخصيصه [(صلى الله عليه وآله)] له [(عليه السلام)] بالراية ذات
~~المرتبة العلية، ووصفه له بالرجولة (3).
# الرابعة: الشجاعة المنسوبة إليه وفتح خيبر على يديه (عليه السلام) (4).
# الخامسة: علمه المشهور، وعمله المشكور (5).
# السادسة: زهده المعروف ms099 الشهير الموصوف (6).
# PageV01P567
# السابعة: القرابة الموصوفة بالنجابة (1).
# الثامنة: قوله (صلى الله عليه وآله): اللهم هؤلاء أهلي، وأشار إلى علي
~~وفاطمة والحسن والحسين سلام الله عليهم أجمعين [وذلك لما نزلت آية
~~المباهلة] (2).
# التاسعة: تزويجه (صلى الله عليه وآله) [له] بابنته فاطمة سيدة نساء أهل
~~الجنة (3).
# العاشرة: انه (عليه السلام) من الرهط أولي الجاهات العراض الذين توفى
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو عنهم راض (4).
# الحادية عشر: إقامته للحق غير مكترث بمعاداة الخلق كما اتفق [له] في قتل
~~الفئة الباغية وجهادها، المخطئة للصواب في رأيها واجتهادها (5).
# الثانية عشر: قوله (صلى الله عليه وآله) لعمار: تقتلك الفئة الباغية، ثم
~~قتل وهو من عسكره وحزبه
# PageV01P570
# وفي نصرته (رض) (1).
# قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أسعد اليافعي (رحمه الله): قال
~~علماؤنا من أئمة أهل الحق: هذا الحديث حجة ظاهرة في أن عليا (عليه السلام)
~~كان محقا ومصيبا والطائفة الأخرى بغاة لكنهم مجتهدون (2). وفيه معجزة لرسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) من أوجه:
# منها: أن عمارا يموت قتيلا، وأنه يقتله مسلمون، وأنهم بغاة، وأن الصحابة
~~يقاتلونهم، وأنهم يكونون فرقتين باغية وغيرها. قالوا: وكل هذا وقع مثل فلق
~~الصبح صلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله الذي ما ينطق عن الهوى إن هو
~~إلا وحي يوحى، انتهى ذكره في كتابه المرهم.
# الثالثة عشر: قدمه في الإسلام مذ هو غلام (3).
# الرابعة عشر: أن نسله من الزهراء البتول فاطمة بنت الرسول (صلى الله عليه
~~وآله) (4).
# الخامسة عشر: شهرة محاسنه الجميلة واتصافه بكل فضيلة (رض) (5).
# فمن ذلك ما رواه البيهقي في كتابه الذي صنفه في فضائل الصحابة (رض) يرفعه
~~بسنده إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: من أراد أن ينظر إلى
~~آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في
~~هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)
~~(6).
# PageV01P571
# وروى الإمام أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني بسنده إلى عبد الله بن
~~حكيم الجهني قال: قال رسول ms100 الله (صلى الله عليه وآله): إن الله تبارك
~~وتعالى أوحى الي في علي ثلاثة أشياء ليلة أسري بي بإنه سيد المؤمنين، وإمام
~~المتقين، وقائد الغر المحجلين (1).
# PageV01P573
# وعن ابن عباس (رض) قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿إنمآ أنت منذر ولكل قوم هاد﴾ (1) قال رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله): أنا المنذر وعلي الهادي، وبك يا علي يهتدي المهتدون (2).
# PageV01P574
# وعن مكحول عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وتعيهآ أذن وعية﴾ (1) قال: قال لي
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله): سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي ففعل
~~(2). فكان
# PageV01P575
# علي (عليه السلام) يقول: ما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~كلاما إلا وعيته وحفظته ولم أنسه (١).
# وعن ابن عباس (رض) قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أوللك هم خير
~~البرية﴾ (2) قال لعلي: هو أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين
~~مرضيين، ويأتي أعداؤك غضابا مقحمين (3).
# PageV01P576
# ونقل الواحدي في تفسيره يرفعه بسنده إلى ابن عباس (رض) قال: كان مع (1)
~~علي بن أبي طالب (عليه السلام) أربعة دراهم لا (2) يملك غيرها (3)، فتصدق
~~بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية (4)، فأنزل الله سبحانه
~~وتعالى: (الذين ينفقون
# PageV01P577
# أمو لهم باليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم
~~ولا هم يحزنون) (1).
# PageV01P578
# ونقل أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي في تفسيره يرفعه بسنده قال: بينما
~~عبد الله بن عباس (رض) جالسا على شفير (1) زمزم يقول: قال رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) وهو يحدث الناس إذ أقبل رجل متعمم بعمامة (2) فوقف فجعل
~~ابن عباس لا يقول قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا قال الرجل: قال
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال ابن عباس: سألتك بالله من أنت [فكشف
~~العمامة عن وجهه] فقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا
~~[جندب بن جنادة البدري] ms101 أبو ذر الغفاري سمعت رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) بهاتين وإلا صمتا [ورأيته بهاتين وإلا فعميتا وهو] يقول عن علي: انه
~~قائد البررة وقاتل الكفرة منصور من نصره ومخذول من خذله (3).
# PageV01P579
# أما إني وصليت (١) مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما من الأيام
~~صلاة الظهر (٢) فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا، فرفع السائل يده
~~(٣) إلى السماء وقال: اللهم [اشهد] أني سألت في مسجد رسول الله (٤) محمد
~~(صلى الله عليه وآله) ولم يعطني أحد شيئا. وكان علي في الصلاة راكعا فأومأ
~~إليه بخنصره اليمنى [وكان يتختم] فيها خاتم فأقبل السائل حتى أخذ (٥)
~~الخاتم من خنصره، وذلك بعين (٦) من النبي (صلى الله عليه وآله) وهو في
~~المسجد، فرفع رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأسه (٧) إلى السماء وقال:
~~اللهم إن أخي موسى سألك فقال: ﴿رب اشرح لى صدرى * ويسر لى أمرى * واحلل عقدة من لسانى *
~~يفقهوا قولى * واجعل لى وزيرا من أهلى * هرون أخى * اشدد بهى أزرى * وأشركه
~~فى أمرى﴾ (٨) فأنزلت عليه قرآنا ناطقا ﴿سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطنا فلا يصلون
~~إليكما﴾ (9). اللهم وأنا (10) محمد
# PageV01P580
# نبيك وصفيك، اللهم فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي
~~عليا اشدد به ظهري (١). قال أبو ذر (رض) فوالله ما استتم رسول الله الكلام
~~(٢) حتى هبط عليه (٣) جبرئيل (عليه السلام) من عند الله عز وجل وقال: [يا
~~محمد هنيئا لك ما وهب الله لك في أخيك، قال: وما ذاك يا جبرئيل؟ قال: أمر
~~الله أمتك بموالاته إلى يوم القيامة، وأنزل قرآنا عليك] اقرأ ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا
~~الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون﴾ (4).
# ونقل الواحدي في كتابه المسمى بأسباب النزول أن الحسن (5) والشعبي (6)
~~والقرطبي (7) قالوا: إن عليا والعباس وطلحة بن شيبة افتخروا، فقال طلحة:
~~أنا
# PageV01P581
# صاحب البيت بيدي مفاتيحه (1) ولو شئت كنت فيه، قال العباس: وأنا صاحب
~~السقاية والقائم عليها، ms102 فقال علي: ما أدري (2) [ما تقولان] لقد صليت ستة
~~أشهر قبل
# PageV01P583
# الناس وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله تعالى [هذه الآية]: ﴿أجعلتم سقاية الحآج وعمارة المسجد الحرام كمن ءامن
~~بالله واليوم الأخر وجهد في سبيل الله لا يستوون عند الله - إلى أن قال: -
~~الذين آمنوا وهاجروا وجهدوا فى سبيل الله بأم لهم وأنفسهم أعظم درجة عند
~~الله وأولآك هم الفآزون﴾ (1).
# ومن كتاب المناقب لأبي المؤيد عن أبي بردة (رض) قال: قال رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) ونحن جلوس ذات يوم: والذي نفسي بيده لا يزول قدم عبد (2)
~~يوم القيامة حتى يسأل الله تعالى الرجل عن أربع: عن عمره فيما (3) أفناه،
~~وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله مم كسبه وفيم أنفقه، وعن حبنا أهل البيت
~~(4)، فقال [له] عمر [بن
# PageV01P584
# الخطاب]: فما (1) آية حبكم [من بعدكم]؟ فوضع يده على رأس علي وهو جالس
~~جنبه فقال: آيته حب هذا من بعدي (2).
# وروي الحافظ عبد العزيز الأخضر الجنابذي في كتابه معالم العترة النبوية
~~مرفوعا إلى فاطمة (عليها السلام) قالت: خرج علينا (3) رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) عشية عرفة فقال: إن الله عز وجل باهى بكم [الملائكة عامة] وغفر
~~لكم عامة وباهى بعلي (4) خاصة [وغفر له خاصة] واني رسول الله غير محاب
~~لقرابتي، إن السعيد كل السعيد من أحب عليا في حياته وبعد موته (5).
# PageV01P585
# ورواه الطبراني أيضا في معجمه عن فاطمة الزهراء (عليها السلام) وزاد فيه:
~~إن الشقي كل الشقي من أبغض عليا في حياته وبعد مماته (1).
# وروى الترمذي والنسائي عن زر بن حبيش (2) قال: سمعت عليا (عليه السلام)
~~يقول: والذي فلق الحب - أو قال: الحبة وبرء النسمة - أنه لعهد النبي الأمي
~~أنه لا يحبني (3) إلا مؤمن ولا يبغضني (4) إلا منافق (5).
# PageV01P586
# وعن أبي سعيد الخدري قال: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) إلا ببغضهم عليا (1).
# وعن الحارث الهمداني قال: جاء علي (عليه السلام) حتى صعد المنبر وحمد
~~الله وأثنى عليه ثم قال: قضاء ms103 قضاه الله تعالى على لسان نبيكم محمد (صلى
~~الله عليه وآله) لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق، وقد خاب من افترى
~~(2).
# PageV01P587
# ومن كتاب الخصائص عن العباس بن عبد المطلب (رض) قال: سمعت عمر بن الخطاب
~~وهو يقول: كفوا عن ذكر علي ابن أبي طالب إلا بخير (1) فإني سمعت رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) يقول: في علي ثلاث خصال وددت لو أن لي واحدة منهن كل
~~واحدة منهن أحب إلي مما طلعت عليه الشمس (2)، وذاك أني كنت أنا وأبو بكر
~~وأبو عبيدة
# PageV01P588
# ابن الجراح ونفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ ضرب (1)
~~النبي (صلى الله عليه وآله) على كتف (2) علي بن أبي طالب (3) وقال: يا علي
~~أنت أول المسلمين (4) إسلاما وأنت أول المؤمنين (5) إيمانا، وأنت مني
~~بمنزلة هارون من موسى (6)، كذب من زعم انه يحبني وهو مبغضك. يا علي من أحبك
~~فقد أحبني ومن أحبني أحبه الله ومن أحبه الله أدخله الجنة، ومن أبغضك فقد
~~أبغضني ومن أبغضني فقد أبغضه الله تعالى وأدخله النار (7).
# وروى مسلم والترمذي أن معاوية قال: لسعد بن أبي وقاص: ما منعك أن تسب أبا
~~تراب (8) فقال سعد: أما ما ذكرت فلثلاث قالهن رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) فلن أسبه ولأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم (9). سمعت
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول وقد خلفه في بعض مغازيه، فقال علي
~~خلفتني مع النساء والصبيان؟! (10) فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله):
# أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (11).
~~وسمعته يقول (صلى الله عليه وآله) يوم خيبر لأعطين الراية غدا رجلا يحب
~~الله ورسوله ويحبه الله ورسوله (12)، فتطاولنا إليها فقال (صلى الله عليه
~~وآله): ادعوا لي عليا، فأتي به أرمد فبصق في عينه فبرئ ودفع إليه الراية
~~ففتح الله على يديه (13). ولما نزلت هذه الآية: (قل
# PageV01P589
# تعالوا ندع أبنآءنا وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم) (1) فدعا
~~رسول الله (صلى ms104 الله عليه وآله) عليا وفاطمة وحسنا وحسينا وقال: اللهم
~~هؤلاء أهلي (2).
# ومن كتاب كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب (عليه السلام) تأليف
~~الشيخ الإمام الحافظ محمد بن يوسف بن محمد الكنجي الشافعي: حكي عن عبد الله
~~بن عباس وكان سعيد بن جبير يقوده (3) بعد كف بصره، فمر على ضفة زمزم فإذا
~~بقوم من أهل الشام يسبون (4) عليا فسمعهم عبد الله بن عباس فقال لسعيد:
~~ردني إليهم، فرده فوقف عليهم وقال (5): أيكم الساب لله تعالى؟ فقالوا:
~~سبحان الله! ما فينا أحد سب الله، فقال أيكم الساب لرسوله؟ فقالوا: سبحان
~~الله! ما فينا أحد سب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: فأيكم الساب
~~لعلي بن أبي طالب؟ فقالوا: أما هذا فقد كان منه شيء، فقال:
# أشهد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) مما سمعته أذناي ووعاه قلبي،
~~سمعته يقول لعلي بن أبي طالب (عليه السلام): يا علي من سبك فقد سبني ومن
~~سبني فقد سب الله ومن سب الله فقد أكبه (6) الله على منخريه في النار، ثم
~~تولى (7) عنهم (8) وقال: يا بني ماذا رأيتهم صنعوا؟
# PageV01P590
# قال: فقلت له: يا أبتي:
# نظروا إليك بأعين محمرة (1) * نظر التيوس إلى شفار الجازر فقال: زدني
~~فداك أبي وأمي (2)، فقلت:
# خزر الحواجب (3) منكسي أذقانهم (4) * نظر الذليل إلى العزيز القاهر فقال:
~~زدني فداك أبي وأمي (5)، فقلت: ليس عندي مزيد، فقال: عندي المزيد:
# أحياؤهم عار على أمواتهم * والميتون مسبة للغابر
# PageV01P591
# ومن كتاب الآل لابن خالوية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) لعلي: حبك إيمان وبغضك نفاق، وأول من يدخل الجنة محبك،
~~وأول من يدخل النار مبغضك (1).
# وعن عمار بن ياسر (رض) أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعلي بن أبي
~~طالب (عليه السلام): طوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب فيك (2).
# وعن ابن عباس (رض) أن النبي (صلى الله عليه وآله) نظر إلى علي بن أبي
~~طالب (عليه السلام) فقال له: أنت سيد في الدنيا وسيد ms105 في الآخرة، من أحبك
~~فقد أحبني، ومن أبغضك فقد أبغضني، وبغضك بغض الله، فالويل كل الويل لمن
~~أبغضك (3).
# PageV01P592
# وعن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ألا ومن مات على حب آل محمد مات
~~شهيدا، ألا ومن مات على [حب] آل محمد مات مؤمنا [مستكمل الإيمان]، ألا ومن
~~مات على حب آل محمد زف إلى الجنة كما تزف العروس إلى زوجها (1).
# PageV01P593
# ولبديع الزمان الهمداني (1):
# يقولون لي أما تحب الرضا * فقلت الثرى بفم الكاذب أحب النبي وآل النبي *
~~واختص آل أبي طالب ولابن هرثمة (رحمه الله) تعالى (2):
# PageV01P594
# مهما ألام على حبهم (1) * فإنى أحب بني فاطمه بني بنت من جاء بالمحكمات
~~(2) * وبالدين والسنن القائمة
# PageV01P595
# فصل في صفته الجميلة وأوصافه الجليلة (عليه السلام) قال الخطيب أبو
~~المؤيد الخوارزمي عن أبي إسحاق: لقد رأيت عليا (عليه السلام) أبيض الرأس
~~واللحية، ضخم البطن، ربعة من الرجال (1).
# وذكر ابن مندة: إنه كان شديد الأدمة، ظاهر السمرة، كثير الشعر، عريض
~~اللحية ثقيل (2) العينين عظيمهما، ذا بطن وهو إلى القصر أقرب (3).
# PageV01P597
# وزاد محمد بن حبيب البغدادي صاحب الكنز [المحبر] الكبير في صفاته، أنه
~~أدم اللون، حسن الوجه، ضخم الكراديس، أنزع (1) بطين (2).
# ومما رواه الغر (3) المحدث في صفته وذلك عند سؤال بدر الدين [يوسف بن]
~~لؤلؤ صاحب الموصل له عند صفته له فقال: كان ربعة من الرجال، أدعج العينين،
~~حسن الوجه كأنه القمر ليلة البدر حسنا، ضخم البطن، عريض المنكبين، شثن
~~الكفين، كأن عنقه إبريق فضة، أصلع كث اللحية، له شاش كشاش السبع الضاري لا
~~يتبين عضده من ساعده وقد أدمجت إدماجا (4).
# قال معاوية لضرار بن ضمرة (5): صف لي عليا، فقال: اعفني، فقال: [لابد أن
~~تصفه] أقسمت عليك لتصفنه [لي]، قال: أما إذا كان لابد فإنه والله كان بعيد
~~المدى شديد القوى، يقول فصلا ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه وتنطق
~~الحكمة من نواحيه (6)،
# PageV01P598
# يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة (1)
~~طويل الفكرة، [يقلب كفه ويخاطب نفسه ويناجي ربه] يعجبه من اللباس ما خشن
~~ومن الطعام ms106 ما جشب، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه ويأتينا إذا
~~دعوناه، ونحن والله مع تقريبه (2) لنا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له،
~~ويعظم أهل الدين ويقرب المساكين، ولا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف
~~من عدله.
# وأشهد (3) لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه
~~[وهو قائم في محرابه] قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء
~~الحزين، ويقول: يا دنيا غري غيري، أبي (4) تعرضت أم إلي تشوقت، هيهات هيهات
~~طلقتك (5) ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير وخطرك كثير (6) وعيشك حقير. آه
~~من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.
# فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن، لقد كان والله كذلك، فكيف (7)
~~حزنك عليه يا ضرار؟ فقال: حزن من ذبح ولدها في حجرها، فهي لا يرقى دمعها
~~(8) ولا يخفى فجعها (9) (10).
# PageV01P599
# وسأل معاوية خالد بن معمر (1) فقال له: علام أحببت عليا؟ فقال: على ثلاث
# PageV01P600
# خصال: على حلمه إذا غضب، وعلى صدقه إذا قال، وعلى عدله إذا حكم (1).
# ونقل عن سودة بنت عمارة الهمدانية (2) رحمهما الله أنها قدمت على معاوية
~~بعد موت علي (عليه السلام) (3) فجعل معاوية يؤنبها على تحريضها عليه في
~~أيام قتال صفين. ثم
# PageV01P601
# إنه قال لها: ما حاجتك؟ فقالت: إن الله تعالى مسائلك عن أمرنا وما افترض
~~(1) عليك من حقنا وما فوض إليك من أمرنا، ولا يزال يقدم علينا من قبلك من
~~يسمو (2) بمقامك (3) ويبطش بسلطانك، فيحصدنا حصد السنبل، ويدوسنا دوس
~~الحرمل (4)، يسومنا الخسف ويذيقنا الحتف، هذا بسر بن أرطاة قد قدم علينا
~~فقتل رجالنا (5)
# PageV01P602
# وأخذ أموالنا (1) ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة، فإن (2) عزلته عنا
~~شكرناك، وإلا فإلى الله شكوناك.
# فقال معاوية: إياي تعنين ولي تهددين؟ لقد هممت يا سودة أن أحملك على قتب
~~أشوس (3) فأردك إليه فينفذ حكمه فيك، فأطرقت ثم أنشأت تقول [هذه الأبيات]:
# صلى الإله على جسم تضمنه * قبر فأصبح فيه العدل مدفونا قد حالف الحق لا
~~يبغي به بدلا * فصار بالحق والإيمان مقرونا (4) فقال معاوية: من هذا (5) يا
~~سودة، فقالت: ms107 هذا والله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال:
~~وما صنع بك حتى صار عندك كذلك؟ قالت: لقد جئته (6) في رجل كان قد ولاه
~~صدقاتنا (7) فجار علينا فصادفته قائما يريد صلاة فلما رآني انفتل ثم أقبل
~~علي بوجه طلق ورحمة ورفق وقال: ألك (8) حاجة؟ فقلت: نعم، وأخبرته بالأمر
~~فبكى، ثم قال: اللهم أنت الشاهد (9) أني لم آمرهم بظلم خلقك، ولا بترك حقك.
~~ثم أخرج من جيبه قطعة جلد وكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم (قد جآءتكم
~~بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشيآئهم ولا تفسدوا
~~فى
# PageV01P603
# الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين) (1) وإذا قرأت كتابي هذا
~~فاحتفظ بما في يدك من عملك حتى يقدم عليك من يقبضه [منك] والسلام. ثم دفع
~~إلي الرقعة فجئت بالرقعة إلى صاحبه فانصرف عنا معزولا.
# فقال [معاوية]: اكتبوا لها بما تريد واصرفوها إلى بلدها غير شاكية.
~~فقالت: ألي خاصة أم لقومي عامة؟ قال: وما أنت وغيرك؟ قالت: هي والله إذا
~~الفحشاء واللؤم إن لم يكن عدلا شاملا، وإلا أنا كسائر قومي. قال: هيهات،
~~لمظكم ابن أبي طالب الجرأة وغركم قوله:
# فلو كنت بوابا على باب جنة * لقلت لهمدان ادخلوا بسلام (2)
# PageV01P604
# فصل في ذكر كنيته ولقبه وغير ذلك مما يتصل به (عليه السلام) أما كنيته:
~~أبو الحسن (1) وأبو السبطين (2) وأبو تراب (3) كناه بذلك رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) وكان أحب الكنيات (4) إليه (5) كما سبق ذكر ذلك.
# وأما لقبه: فالمرتضى (6)
# PageV01P605
# وحيدر وأمير المؤمنين (1) والأنزع البطين (2).
# نقش علي على خاتمه: أسندت ظهري إلى الله (3)، وقيل: حسبي الله (4)، بابه
~~(5): سلمان (رض) (6)، شاعره: حسان بن ثابت (7)، ومعاصروه: أبو بكر وعمر
# PageV01P607
# وعثمان ومعاوية (1).
# PageV01P608
# فصل في مقتله ومدة عمره وخلافته (عليه السلام) عن أنس بن مالك (1) (رض)
~~قال: مرض علي (عليه السلام) فدخلت عليه وعنده أبو بكر وعمر وعثمان فجلست
~~عنده معهم، فجاء النبي (صلى الله عليه وآله) فنظر في وجهه فقال أبو بكر
~~وعمر: قد تخوفنا عليه يا رسول الله، فقال (صلى ms108 الله عليه وآله): لا بأس
~~عليه ولن يموت الآن ولا يموت حتى يملأ غيظا ولن يموت إلا مقتولا (2).
# PageV01P609
# وعن فضاله الأنصاري (1) قال: خرجت مع أبي إلى الينبع (2) عائدين لعلي بن
~~أبي طالب وكان مريضا بها قد نقل إليها من المدينة، فقال له: ما يقيمك بهذا
~~(3) المنزل؟
# ولو هلكت به لم يدفنك (4) إلا أعراب جهينة، وكان أبو فضاله من أهل بدر
~~(5)، فقال له علي: لست بميت من وجعي هذا وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) عهد إلي أن لا أموت حتى أؤمر وتخضب (6) هذه من دم هذا (7) - وأشار
~~إلى لحيته ورأسه - قضاء مقضيا وعهدا معهودا منه إلي (8).
# وقال [أبو] المؤيد الخوارزمي في كتابه المناقب يرفعه بسنده إلى أبي
~~الأسود الدؤلي أنه عاد عليا في شكوى اشتكاها. قال: فقلت له: قد تخوفنا عليك
~~يا أمير المؤمنين في شكواك هذه، فقال لكني والله ما تخوفت على نفسي
# PageV01P610
# لأني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إنك ستضرب ضربة هاهنا -
~~وأشار إلى رأسه - فيسيل دمها حتى تخضب لحيتك، يكون صاحبها أشقاها كما كان
~~عاقر الناقة أشقى ثمود (1).
# قيل: وسئل علي وهو على المنبر (2) في الكوفة عن قوله تعالى: (من المؤمنين
~~رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا
# PageV01P611
# تبديلا) (1) فقال: اللهم غفرا (2) هذه الآية نزلت في وفي عمي حمزة وفي
~~ابن عمي عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فأما (3) عبيدة بن الحارث فانه قضى
~~نحبه شهيدا يوم بدر، وأما عمي حمزة فإنه قضى نحبه [شهيدا] يوم أحد، وأما
~~أنا فأنتظر (4) أشقى الأمة (5) يخضب هذه من هذا (6) - وأشار [بيده] إلى
~~لحيته ورأسه وقال: - عهد عهده إلي حبيبي أبو القاسم (صلى الله عليه وآله)
~~(7).
# ومن المناقب (8) مرفوعا إلى إسماعيل بن راشد [وأبو هشام الرفاعي] (9)
~~قال:
# PageV01P612
# كان من حديث عبد الرحمن بن ملجم (1) لعنه الله وصاحبيه وهما البرك (2) بن
~~عبد الله التميمي وعمرو بن بكر التميمي (3)، انهم اجتمعوا بمكة فتذاكروا
~~(4) أمر الناس
# PageV01P613
# وما نالهم من القتل وما ms109 هم عليه، فعابوا ذاك على ولاتهم، ثم إنهم ذكروا
~~أهل النهروان فترحموا (1) عليهم وقالوا: ما نصنع بالبقاء (2) بعدهم، أولئك
~~كانوا دعاة الناس لعبادة (3) ربهم لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا
~~أنفسنا قاتلنا أئمة الضلالة (4) فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد والعباد
~~وثأرنا بهم إخواننا في الله.
# فقال ابن ملجم لعنة الله عليه: أنا أكفيكم [أمر] علي بن أبي طالب، وقال
~~البرك:
# أنا أكفيكم [أمر] معاوية، وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص.
# فتعاهدوا [وتعاقدوا] وتواثقوا بالله على ذلك أن لا ينكص (5) واحد منهم عن
~~صاحبه الذي تكفل به (6) حتى يقتله أو يموت دونه، فأخذوا أسيافهم (7)
~~فشحذوها ثم أسقوها السم، وتوجه كل واحد منهم إلى جهة صاحبه الذي تكفل به،
~~وتواعدوا على أن يكون وثوبهم عليهم في ليلة واحدة، وتوافقوا على أن تكون
~~هذه الليلة [هي الليلة] التي يسفر صاحبها عن ليلة تسع عشرة (8) من شهر
~~رمضان المعظم، وقيل: هي الليلة الحادية والعشرون منه.
# فأما ابن ملجم لعنه الله فإنه لما أتى الكوفة لقي بها جماعة من أصحابه
~~فكتمهم (9) أمره مخافة (10) ان يظهروا (11) عليه شيء من ذلك، فمر في بعض
~~الأيام بدار من دور
# PageV01P614
# الكوفة فيها عرس، فخرج منها نسوة فرأى فيهن امرأة جميلة فائقة في حسنها
~~يقال لها قطام بنت الأصبغ التميمي (1) [فنظر إليها] لعنها الله فهواها
~~ووقعت في قلبه محبتها، فقال لها: يا جارية، أيم أنت أم ذات بعل؟ فقالت: بل
~~أيم. فقال لها: هل لك في زوج لا تذم خلايقه؟ فقالت: نعم، ولكن لي أولياء
~~أشاورهم.
# فتبعها فدخلت دارا ثم خرجت إليه فقالت: يا هذا، إن أوليائي أبوا أن
~~يزوجوني إلا على ثلاثة آلاف درهم وعبد وقينة، قال: لك ذلك، قالت: وشريطة
~~أخرى! قال:
# وما هي؟ قالت: قتل علي بن أبي طالب فإنه قتل أبي وأخي (2) يوم النهروان،
~~قال:
# ويحك! ومن يقدر على قتل علي وهو فارس الفرسان وواحد الشجعان؟! فقالت:
# لا تكثر، فذلك أحب إلينا من المال، إن كنت تفعل ذلك وتقدر عليه وإلا ms110
~~فاذهب إلى سبيلك؟ فقال لها: أما قتل علي بن أبي طالب فلا، ولكن إن رضيتي
~~ضربته بسيفي
# PageV01P615
# ضربة واحدة وانظرى ماذا يكون؟ قالت: رضيت ولكن ألتمس غرته لضربتك، فإن
~~أصبته انتفعت بنفسك وبي، وإن هلكت فما عند الله خير وأبقى من الدنيا وزينة
~~أهلها، فقال لها: والله ما جاء بي (1) إلى هذا المصر إلا قتل علي بن أبي
~~طالب، قالت:
# فإذا كان الأمر على ما ذكرت دعني أطلب لك من يشد (2) ظهرك ويساندك (3)،
~~فقال لها: افعلي.
# فبعثت إلى رجل من أهلها يقال له وردان (4) من تيم الرباب فكلمته فأجابها،
~~وخرج (5) (6) ابن ملجم إلى رجل من أشجع يقال له شبيب بن بجرة (7) من
~~الخوارج، فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وكيف ذلك؟ قال: قتل
~~علي بن أبي طالب، فقال له: ثكلتك أمك لقد جئت شيئا [إدا] إذ كيف تقدر على
~~ذلك؟ قال:
# أكمن له في المسجد، فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه (8)، فإن
~~نجونا (9) شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا، وإن قتلنا فما عند الله خير من
~~الدنيا وما فيها، ولنا أسوة في أصحابنا الذين سبقونا.
# فقال له: ويحك! لو كان غير علي [كان أهون علي] وقد عرفت بلاءه في
# PageV01P616
# الإسلام وسابقته مع النبي (صلى الله عليه وآله) وما أجد نفسي تنشرح
~~لقتله، قال: أما (1) تعلم أنه قتل أهل النهروان العباد المصلين؟ قال: بلى،
~~قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا. فأجابه إلى ذلك.
# فجاؤوا إلى قطام وهي في المسجد الأعظم معتكفة وكان ذلك في شهر رمضان
~~فقالوا لها: قد صممنا وأجمع رأينا على قتل علي بن أبي طالب. فقال ابن ملجم
~~[قاتله الله]: ولكن يكون ذلك في ليلة الحادية والعشرين منه فإنها الليلة
~~التي تواعدت أنا وصاحباي فيها على أن يبيت كل واحد منا على صاحبه الذي تكفل
~~بقتله، فأجابوه إلى ذلك (2).
# فلما كانت الليلة الحادية والعشرين أخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة
~~التي يخرج منها علي بن أبي طالب (عليه السلام) وكانت ليلة الجمعة، فلما خرج
~~لصلاة الصبح شد ms111 عليه شبيب فضربه بالسيف فوقع (3) سيفه بعضادة الباب (4)،
~~وضربه ابن ملجم لعنه الله بسيفه فأصابه (5)، وهرب وردان، ومضى شبيب لعنه
~~الله هاربا حتى دخل منزله
# PageV01P617
# فدخل عليه [رجل] من بني أبيه (1) فقتله.
# وأما ابن ملجم [لعنه الله] فإن رجلا من همدان لحقه فطرح (2) عليه قطيفة
~~(3) كانت في يده ثم صرعه وأخذ السيف منه وجاء به إلى أمير المؤمنين علي بن
~~أبي طالب (عليه السلام) فنظر إليه علي ثم قال: " (النفس بالنفس) إن أنا مت
~~فاقتلوه كما قتلني، وإن سلمت رأيت رأيي فيه (4).
# فقال ابن ملجم لعنه الله: والله لقد ابتعته بألف وسممته بألف، فإن خانني
~~فأبعد [ه]
# PageV01P618
# الله مضاربه (1).
# قال [قتادة]: فنادته أم كلثوم ابنة سيدنا علي (عليه السلام): يا عدو الله
~~قتلت أمير المؤمنين، فقال: إنما قتلت أباك (2)، قالت: يا عدو الله إني
~~لأرجو أن لا يكون عليه باس، قال لها: أراك (3) إذا تبكين علي، والله لقد
~~ضربته ضربة لو قسمت بين أهل الأرض لأهلكتهم (4). فأخرج من بين يدي أمير
~~المؤمنين والناس يلعنونه ويسبونه ويقولون [له]: يا عدو الله وماذا أتيت
~~أهلكت أمة محمد (صلى الله عليه وآله) وقتلت خير الناس، وأنهم لو تركوهم به
~~لقطعوه [لعنه الله] قطعا وهو [صامت] لا ينطق لهم.
# قال: ودعا أمير المؤمنين علي (عليه السلام) حسنا وحسينا فقال: أوصيكما
~~بتقوى الله تعالى ولا تبغيا (5) الدنيا وإن بغتكما وتتكيا [ولا تبكيا ولا
~~تأسفا] على شيء زوي منها عنكما [و] قولا بالحق [واعملا للأجر] وارحما
~~اليتيم وأعينا (6) الضعيف [الملهوف الضائع] واصنعا للأخرى، وكونا للظالم
~~خصما وللمظلوم ناصرا (7)، واعملا بما في كتاب الله تعالى ولا تأخذ كما في
~~الله لومة لائم (8).
# PageV01P619
# ثم التفت (1) إلى محمد بن الحنفية فقال: [هل] حفظت ما أوصيت به أخويك؟
# قال: نعم، فقال [ف] إني أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك لعظيم (2)
~~حقهما عليك ولا تؤثر (3) أمرا دونهما. ثم قال: أوصيكما به فإنه [شقيقكما]
~~(4) ابن أبيكما، وقد علمتما أن أباكما كان يحبه (5).
# وفي رواية (6) عن الحسن بن علي (عليه السلام): لما حضرت أبي ms112 الوفاة أقبل
~~يوصي فقال:
# هذا ما أوصى به [أمير المؤمنين] علي بن أبي طالب أخو محمد رسول الله وابن
~~عمه وصاحبه وخليفته، أوصى بأنه يشهد (7) أن لا إله إلا الله [وحده لا شريك
~~له] وأن محمدا [عبده ورسوله] (8) رسول الله وخيرته، اختاره بعلمه وارتضاه
~~لخيرته (9)، وأن
# PageV01P620
# الله باعث من في القبور وسائل الناس عن أعمالهم، عالم بما في الصدور.
# ثم قال: إني أوصيك يا حسن (1) وكفى بك وصيا بما أوصاني به رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) فإذا
# PageV01P621
# كان ذلك [يا بني] فالزم بيتك وابك على خطيئتك، ولا تكن الدنيا أكبر همك،
~~وأوصيك يا بني بالصلاة عند وقتها والزكاة في أهلها عند محلها، والصمت عند
~~الشبهة (1)، والاقتصاد، والعدل في الرضا والغضب، وحسن الجوار، وإكرام
~~الضيف، ورحمة المجهود وأصحاب البلاء، وصلة الرحم، وحب المساكين ومجالستهم
~~والتواضع فإنه أفضل العبادات (2)، وقصر الأمل، وذكر (3) الموت، والزهد في
~~الدنيا فإنك رهن موت وغرض بلاء وطريح سقم.
# وأوصيك بخشية الله تعالى في سر أمرك وعلانيتك، وأنهاك عن التسرع بالقول
~~والفعل، وإذا عرض شيء من أمر الآخرة فابدأ به، وإذا عرض شيء من أمر الدنيا
~~فتأنه (4) حتى تصيب رشدك فيه، وإياك ومواطن التهمة والمجلس المظنون به
~~السوء، فإن قرين السوء يغير (5) جليسه.
# وكن لله يا بني عاملا، وعن الخنا زجورا، وبالمعروف آمرا، وعن المنكر
~~ناهيا، وواخ الإخوان في الله، وأحب الصالح لصلاحه، ودار الفاسق عن دينك
~~وابغضه بقلبك، وزايله بأعمالك لئلا (6) تكون مثله، وإياك والجلوس في
~~الطرقات، ودع المماراة ومجاورة (7) من لا عقل له [ولا علم].
# PageV01P622
# واقتصد يا بني في معيشتك، واقتصد في عبادتك، وعليك فيها بالأمر الدائم
~~الذي تطيقه، والزم الصمت وبه تسلم، وقدم لنفسك تغنم، وتعلم الخير تعلم، وكن
~~ذاكرا لله تعالى على كل حال، وارحم من أهلك الصغير، ووقر منهم الكبير، ولا
~~تأكلن طعاما حتى تتصدق منه قبل أكله، وعليك بالصوم فإنه زكاة البدن وجنة
~~لأهله.
# وجاهد نفسك، واحذر جليسك، واجتنب عدوك، وعليك بمجالس الذكر، وأكثر من
~~الدعاء فإني لم آلك يا بني ms113 نصحا وهذا فراق بيني وبينك.
# وأوصيك بأخيك محمد [خيرا] فإنه [شقيقك] ابن أبيك وقد تعلم حبي له. أما
~~أخوك الحسين فإنه شقيقك وابن أمك وأبيك، ولا [أزيد الوصاة بذلك (3)] أزيدك
~~وصياته، والله الخليفة عليكم، وإياه أسأل أن يصلحكم، وأن يكف الطغاة
~~والبغاة عنكم، والصبر الصبر حتى يقضي (4) الله الأمر، ولا حول ولا قوة إلا
~~بالله العلي العظيم (5).
# ثم قال للحسن: يا حسن أبصروا ضاربي، أطعموه من طعامي، واسقوه من شرابي،
~~فإن أنا عشت فأنا أولى بحقي، وإن مت فاضربوه ضربة، ولا تمثلوا به فإني سمعت
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: اياكم والمثله ولو بالكلب العقور
~~(1). يا حسن إن أنا مت
# PageV01P623
# لا تغال في كفني فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا
~~تغالوا في الأكفان فامشوا بي بين المشيتين، فإن كان خيرا عجلتموني إليه،
~~وان كان شرا ألقيتموه عن أكتافكم.
# يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تريقون (2) دماء المسلمين بعدي، تقولون:
~~قتلتم أمير المؤمنين، ألا لا يقتلن بي إلا قاتلي (3). ثم لم ينطق إلا بلا
~~إله إلا الله حتى قبض (عليه السلام) وذلك في شهر رمضان سنة أربعين (4).
# وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ومحمد بن الحنفية يصب الماء، وكفن
~~في ثلاثة (5) أثواب ليس فيها قميص، وصلى عليه ابنه الحسن (عليه السلام)
~~وكبر عليه سبع تكبيرات (6)،
# PageV01P624
# ودفن في جوف الليل بالغري (1) موضع معروف [يزار] إلى الآن وقيل: بالنجف،
~~وفيه يقول بعض الشعراء (2):
# تسح (3) سحايب الرضوان سحا * كجود يديه ينسجم انسجاما ولا زالت رواة
~~المزن تهدي * إلى النجف التحية والسلاما وقيل: دفن [بين منزلة] والجامع
~~الأعظم (4)، وقيل: في القصر (5)، وقيل: غير ذلك (6)، ولما فرغوا من دفنه
~~(عليه السلام) جلس الحسن (عليه السلام) وأمر أن يؤتى بابن ملجم لعنه الله
~~فجيء به، فلما وقف بين يديه قال: يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين وأعظمت
~~الفساد في الدين (7)،
# PageV01P625
# ثم أمر به فضربت عنقه وأخذه الناس وأدرجوه في بواري وأحرقوه لعنه الله
~~(5).
# وقيل: إن أم الهيثم بنت الأسود النخعية ms114 (6) استوهبت جيفته من الحسن (عليه
~~السلام) وأحرقتها بالنار (7).
# وأما الرجلان اللذان كانا مع ابن ملجم في العقد على قتل معاوية وعمرو بن
~~العاص فإن أحدهما في صبيحة تلك الليلة وهو البرك ضرب معاوية وهو راكع في
~~صلاة الصبح فوقعت ضربته في أليته من فوق ثياب كثيرة كانت عليه فجرحه جرحا
~~يسيرا، وقبض على البرك فقال لمعاوية: إن [لك] عندي بشارة (8) أسرك به فإن
~~أخبرتك أنافعي ذلك عندك؟ فقال: نعم، قال: إن عليا قتل في هذه الليلة، قتله
~~أخ لي، قال: وكيف؟ فأخبره بخبرهم ثلاثتهم وما عقدوا عليه، فقال معاوية:
~~ولعله لم يقدر على ذلك اقتلوه، فأخذ وقتل (1).
# PageV01P626
# وبعث معاوية إلى طبيب يقال له الساعدي وكان طبيبا حاذقا فأراه جراحته،
~~فلما نظر إليها قال: اختر إما أن أحمي [لك] حديدة فاضعها (2) في موضع السيف
~~(3) [فتبرأ] وإما أن أسقيك شربة (4) يقطع بها عنك الولد وتبرأ فإن ضربته
~~مسمومة، قال معاوية: أما النار فلا صبر (5) لي عليها، وأما الولد ففي يزيد
~~وعبد الله ما تقربه عيني، فسقاه شربة (6) فبرئ ولم يولد بعدها، وأمر معاوية
~~بعد ذلك بالمقصورات في المسجد وحرس الليل وقيام الشرطة على رأسه، وهو أول
~~من عمل المقصورات في الإسلام (7).
# أما الرجل الثالث وهو عمرو بن بكر التميمي وافى خارجة [بن أبي حبيبة] (8)
~~[وكان صاحب شرطته] في صبيحة تلك الليلة وهو في المسجد في صلاة الصبح فضربه
~~بسيفه وهو يظن أنه عمرو، وكان عمرو قد تخلف صبيحة تلك الليلة واستخلف خارجة
~~فوقعت الضربة في خارجة فقتله فمات (9) منها في اليوم الثاني (10)،
# PageV01P627
# وفي ذلك يقول ابن زيدون (ره) (3):
# فليتها إذ فدت عمرا بخارجة * فدت عليا بمن شاءت من البشر وأخذوا قاتل
~~خارجة فأدخل على عمرو فلما رآه قال له: من قتلت؟
# قال: يقولون خارجة، فقال: أردت عمرا وأراد الله خارجة (4) فصارت مثلا،
~~وأمر به عمرو فقتل، فلما بلغ معاوية قتل خارجة وسلامة عمرو كتب إليه بهذه
~~الأبيات (5):
# PageV01P628
# وقتل وأسباب المنايا (1) كثيرة * منية شيخ من لؤي بن غالب فيا عمرو مهلا
~~إنما أنت ms115 عمه * وصاحبه دون (2) الرجال الأقارب نجوت وقد بل المرادي سيفه *
~~من ابن أبي شيخ الأباطح طالب ويضربني بالسيف آخر مثله * فكانت علينا (3)
~~تلك ضربة لازب وأنت تناغي كل يوم وليلة * بمصرك بيضا كالظباء (4) السوارب
~~(5) وقد صح النقل أن عليا (عليه السلام) ضربه عبد الرحمن بن ملجم ليلة
~~الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة أربعين ومات من ضربته ليلة
~~الأحد وهي الليلة الثالثة من ليلة ضربه (6)، وكان عمره إذ ذاك خمسا وستين
# PageV01P629
# سنة (2) أقام منها مع النبي خمسا وعشرين سنة (3) منها قبل البعث والنبوة
~~اثنا عشر سنة وبعدها ثلاثة عشر سنة (1)، ثم هاجر واقام مع النبي (صلى الله
~~عليه وآله) بالمدينة إلى أن توفي
# PageV01P630
# النبي (صلى الله عليه وآله) عشر سنين (2)، ثم عاش من بعد وفاة النبي إلى
~~أن قتل (عليه السلام) ثلاثين سنة، فجملة ذلك خمس وستون سنة (3).
# وبالإسناد عن جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) قال: إني حاضر عند علي بن
~~أبي طالب [في وقت] إذ جاءه عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله يستحمله فحمله ثم
~~قال (4):
# PageV01P631
# أريد حياته ويريد قتلي * عذيري من خليلي من مراد ثم قال: هذا والله قاتلي
~~لا محالة، قلنا: يا أمير المؤمنين أفلا تقتله؟! قال: لا فمن يقتلني، ثم قال
~~(1) (عليه السلام): اشدد
# PageV01P632
# حيازيمك للموت * فإن الموت لاقيكا ولا تجزع من الموت * إذا حل بناديكا
~~ولا تغتر بالدهر * وان كان يواتيكا كما أضحكك الدهر * كذاك الدهر يبكيكا
~~وقال غنم بن المغيرة (1): كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) في شهر رمضان
~~من السنة التي قتل فيها يفطر ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند
~~عبد الله بن جعفر، لا يزيد في كل أكله على ثلاث أو أربع لقم (2) ويقول:
~~يأتيني أمر الله وأنا خميص، إنما هي ليال قلائل، فلم يمض الشهر حتى قتل
~~(عليه السلام) (3).
# وعن الحسن بن كثير عن أبيه قال: خرج علي (عليه السلام) في فجر اليوم الذي
~~قتل فيه فأقبل الأوز يصحن في وجهه فطردن عنه، فقال (عليه ms116 السلام): ذروهن
~~فإنهن نوائح (4)، فقتله
# PageV01P633
# ابن ملجم لعنه الله.
# وقال الحسن بن علي (عليه السلام): قمت ليلا فوجدت أبي قائما يصلي في مسجد
~~داره فقال: يا بني أيقظ أهلك يصلون فانها ليلة الجمعة صبيحة بدر، ولقد
~~ملكتني عيناي فنمت فرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: يا رسول
~~الله ماذا لقيت من أمتك من الأود واللدد (2)!! فقال (صلى الله عليه وآله):
~~ادع عليهم، فقلت: اللهم أبدلنى بهم من هو خير منهم وأبدلهم بي من هو شر
~~منهم (3). فجاء المؤذن فأذنه بالصلاة فخرج وخرجت خلفه فضربه ابن ملجم لعنه
~~الله فقتله (4).
# وفي قصة عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله ومهره لقطام واشتراطها عليه قتل
# PageV01P634
# علي (عليه السلام)، يقول الفرزدق (2):
# فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة * كمهر (3) قطام من فصيح وأعجم (4) ثلاثة آلاف
~~وعبد وقينة * وضرب علي بالحسام المصمم (5) فلا مهر أغلى من علي (6) وإن غلا
~~* ولا فتك (7) إلا دون فتك ابن ملجم ولله در القائل حيث يقول (8):
# فلا عز (9) للأشراف إن ظفرت بها * ذئاب (10) الأعادي من فصيح وأعجم فحربة
~~وحشي سقت حمزة الردى * وحتف علي من حسام ابن ملجم وقال أبو الأسود الدؤلي
~~في قتل علي (عليه السلام) (11):
# PageV01P635
# ألا أبلغ معاوية بن حرب (2) * فلا قرت عيون الشامتينا أفي شهر الحرام (3)
~~فجعتمونا * بخير الناس طرا أجمعينا رزينا (4) خير من ركب المطايا * ورحلها
~~(5) ومن ركب السفينا ومن لبس النعال ومن حذاها * ومن قرأ المثاني والمبينا
~~(6) إذا استقبلت وجه أبي حسين * رأيت البدر (7) زاغ الناظرينا لقد علمت
~~قريش حيث (8) كانت * بأنك خيرهم حسبا (9) ودينا فقل للشامتين بنا رويدا *
~~سيلقى الشامتون كما لقينا وقال بكر بن حسان الباهلي (9):
# PageV01P636
# قال لابن ملجم والأقدار غالبة * هدمت (2) للدين والإسلام أركانا قتلت
~~أفضل من يمشي على قدم * وأفضل (3) الناس إسلاما وإيمانا وأعلم الناس
~~بالقرآن ثم بما * سن الرسول لنا شرعا وتبيانا صهر النبي ومولاه وناصره *
~~أضحت مناقبه نورا وبرهانا وكان (4) منه على رغم الحسود له * مكان (5) هارون
~~من موسى بن عمرانا ذكرت قاتله والدمع منحدر * فقلت سبحان رب ms117 العرش (6)
~~سبحانا قد كان يخبرنا (7) أن سوف يخضبها * قبل المنية أشقاها وقد كانا (8)
~~وبالإسناد عن الزهري قال: قال لي عبد الملك بن مروان: أي واحد أنت أن
~~حدثتني ما كانت علامة يوم قتل علي بن أبي طالب؟ قلت: يا أمير المؤمنين ما
~~رفعت حصاة ببيت المقدس إلا وكان تحتها دم عبيط. فقال: أنا وأنت غريبان في
~~هذا الحديث (9).
# PageV01P637
# ومن كتاب المناقب لأبي بكر (1) الخوارزمي قال: قال أبو القاسم الحسن بن
~~محمد: كنت بالمسجد الحرام فرأيت الناس مجتمعين حول مقام إبراهيم (عليه
~~السلام) فقلت:
# ما هذا؟ فقالوا: راهب قد أسلم وجاء إلى مكة وهو يحدث بحديث عجيب، فأشرفت
~~عليه فإذا شيخ كبير عليه جبة صوف وقلنسوة صوف عظيم الجثة وهو قاعد عند
~~المقام يحدث الناس وهم يسمعون إليه (2) فقال: بينما أنا قاعد في صومعتي في
~~بعض الأيام إذ أشرفت منها إشرافة فإذا طائر كالنسر الكبير قد سقط على صخرة
~~على شاطئ البحر فتقيأ فرمى من فيه ربع إنسان ثم طار! فغاب يسيرا ثم عاد
~~فتقيأ ربعا آخر ثم طار! وعاد فتقيأ (3) هكذا، إلى أن تقيأ أربعة أرباع
~~إنسان ثم طار! فدنت الأرباع بعضها إلى (4) بعض فالتأمت، فقام منها إنسان
~~كامل وأنا أتعجب مما رأيت، فإذا بالطائر قد انقض عليه فاختطف ربعه، ثم عاد
~~(5) واختطف ربعا آخر ثم طار!
# وهكذا إلى أن اختطف جميعه، فبقيت أتفكر (6) وأتحسر ألا كنت سألته من هو
~~وما قصته؟
# PageV01P638
# فلما كان في اليوم الثاني فإذا بالطائر قد أقبل وفعل كفعله بالأمس، فلما
~~التأمت الأرباع وصارت شخصا كاملا نزلت من صومعتي مبادرا إليه ودنوته
~~وسألته: بالله من أنت يا هذا؟ فسكت عني، فقلت له: بحق من خلقك إلا ما
~~أخبرتني من أنت؟
# فقال: أنا ابن ملجم [ف] قلت: ما قصتك مع هذا الطائر؟ قال: قتلت علي بن
~~أبي طالب فوكل [الله] بي هذا الطائر ليفعل بي ما ترى كل يوم. فخرجت من
~~صومعتي وسألت عن علي بن أبي طالب من هو؟ فقيل لي: إنه ابن عم رسول الله ms118
~~(صلى الله عليه وآله) فأسلمت وأتيت ماتا (1) من هذا إلى بيت الحرام قاصدا
~~الحج وزيارة النبي (صلى الله عليه وآله) (2).
# PageV01P639
# فصل في ذكر أولاده عليه وعليهم السلام أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي
~~طالب (عليه السلام) سبعة [ثمانية] وعشرون ولدا (1) ما بين ذكور وإناث، وهم:
~~الحسن والحسين وزينب الكبرى (2) وزينب الصغرى المكناة أم كلثوم (3) وأمهم
~~فاطمة البتول سيدة نساء العالمين (4). ومحمد المكنى بأبي
# PageV01P641
# القاسم، أمه خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية (1). وعمر ورقية كانا توأمين،
~~وأمهما أم حبيب بنت ربيعة (2). والعباس وجعفر وعثمان وعبد الله الشهداء مع
~~أخيهم
# PageV01P642
# الحسين (عليه السلام) بطف كربلاء، أمهم أم البنين بنت حزام بن خالد بن
~~دارم (1). ومحمد
# PageV01P643
# الأصغر المكنى أبا بكر وعبد الله الشهيدان أيضا مع أخيهما الحسين
~~بكربلاء، أمهما ليلى بنت مسعود الدارمية (1). ويحيى وعون، أمهما أسماء بنت
~~عميس الخثعمية (2).
# PageV01P644
# وأم الحسن ورملة، أمهما أم مسعود بنت عروة الثقفي (1). ونفيسة وزينب
~~الصغرى ورقية الصغرى وأم هانئ وأم الكرام وجمانة المكناة بأم جعفر وأمامة
~~وأم سلمة وميمونة وخديجة وفاطمة كلهن لأمهات شتى (2).
# PageV01P645
# واعلم أن الناس قد اختلفوا في عدد أولاده ذكورا وإناثا، فمنهم من أكثر
~~ومنهم من اختصر، والذي نقله صاحب كتاب الصفوة أن أولاده الذكور أربعة عشر
~~ذكرا (1)، وأولاده الإناث تسعة عشر إناثا (2). وهذا تفصيل أسمائهم رضوان
~~الله عليهم أجمعين.
# الذكور: الحسن، والحسين، ومحمد الأكبر، وعبيد الله، وأبو بكر، والعباس،
~~وعثمان، وجعفر، وعبد الله، ومحمد الأصغر، ويحيى، وعون، وعمر، ومحمد الأوسط
~~(3).
# الإناث: زينب الكبرى (4)، وأم كلثوم الكبرى (5)، وأم الحسن، ورملة
~~الكبرى، وأم
# PageV01P646
# هانئ، وميمونة، وزينب الصغرى، وأم كلثوم الصغرى، ورقية، وفاطمة، وأمامة،
~~وخديجة، وأم الكرام، وأم سلمة، وأم جعفر، وجمانة. وعد بنتا أخرى لم يذكر
~~اسمها ماتت صغيرة (1).
# وذكروا أن فيهم محسنا شقيقا للحسن والحسين (عليهما السلام) ذكرته الشيعة
~~وانه كان سقطا. فهؤلاء أولاده عليه وعليهم السلام (2).
# والنسل منهم للحسن والحسين ومحمد ابن الحنفية والعباس ابن الكلابية وعمر
~~ابن التغلبية وهي الصهباء بنت ربيعة من السبي الذين (3) أغار عليهم خالد بن
~~الوليد بعين ms119 التمر وعمر عمر هذا حتى بلغ خمسا وثمانين سنة فحاز نصف ميراث
~~علي (عليه السلام) وذلك أن جميع إخوته وأشقائه - وهم عبد الله وجعفر وعثمان
~~- قتلوا جميعهم قبله مع الحسين (عليه السلام) بالطف فورثهم (4).
# وكان عند علي (عليه السلام) يوم قتل أربع زوجات حرائر (5) في عقد نكاحه
~~وهن: أمامه
# PageV01P647
# بنت أبي العاص بنت زينب بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) تزوجها بعد
~~موت خالتها فاطمة البتول، وليلى بنت مسعود التميمية، وأسماء بنت عميس
~~الخثعمية، وأم البنين الكلابية، وأمهات أولاد عشر إماء (١).
# هذا (٢) بعض ما أوردناه من (٣) مناقب أبي السبطين وفارس بدر وأحد وحنين،
~~زوج البتول وأبي الريحانتين قرارة القلب قرة العينين سيف الله وحجته وصراطه
~~المستقيم ومحجته، فإي شرف ما افترع هضابه؟ وأي معقل عز ما فتح بابه؟ فأبناء
~~علي (عليه السلام) لهم شرف ظاهر على بني الأنام ومناقب يرثوها كابر عن كابر
~~وسجايا يهديها أول إلى آخر، وقد ثبت لأمير المؤمنين من المفاخر المشهورة
~~والمآثر المأثورة التي هي في صفحات جباه الأيام مسطورة وفي الكتاب والسنة
~~مذكورة.
# ولبني فاطمة على إخوتهم من بني علي شرف إذا عدت مراتب أهل الشرف، ومكانة
~~حصلوا منها في الرأس وإخوتهم في الطرف، وجلالة ادرعوا برودها، ودرة كرم
~~ارتضعوا زودها، ومجد بلغ السماء ذات البروج، ومحل علا توطدوه، فلم يطمع
~~غيرهم في الارتقاء إليه ولا العروج، إذ هم شاركوا بني أبيهم في شرف الآباء
~~وانفردوا بشرف الأمهات، وقد أوضح الله تعالى ذلك بقوله: ﴿ورفع بعضكم فوق بعض درجت﴾ (4) فجمعوا بين مجدين
~~تالد وطريف، وضموا إلى علامة تعريفهم علامة تشريف، وعدوا النبي (صلى الله
~~عليه وآله) أبا وجدا وارتدوا من نسب أبيهم بردا ومن قبل أمهم بردا، فأصبح
~~كل منهم معلم الطرفين ظاهر الشرفين برد أبويهم الشريفين كانا لذويهما
~~ظريفين.
# PageV01P648
# فصل في ذكر البتول (1) ولنذكر طرفا من مناقبها التي تشرف هذا النسب من
~~نسبها واكتسى فخرا ظاهرا من حسبها. وهي فاطمة الزهراء (2) بنت من أنزل عليه
~~(سبحن الذي أسرى) ms120 (3)
# PageV01P649
# ثالثة الشمس والقمر (1)،
# PageV01P650
# بنت خير البشر الطاهرة (1) الميلاد، السيدة (2) بإجماع أهل السداد.
# قال الشيخ كمال الدين بن طلحة (3): ولدت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) قبل
# PageV01P651
# النبوة والمبعث بخمس سنين، وقريش تبني البيت، وتزوجها علي بن أبي طالب
~~(عليه السلام) في شهر رمضان المعظم قدره من السنة الثانية من الهجرة (1)،
# PageV01P652
# ودخل (1) بها في ذي الحجة من السنة المذكورة (2).
# نقل (3) الشيخ أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان (4) بسنده إلى
# PageV01P653
# أنس (رض) قال: كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فغشيه الوحي، فلما
~~أفاق قال لي: يا أنس، أتدري ما جاءني به جبرئيل (عليه السلام) من [عند]
~~صاحب العرش جل وعلا؟ قلت:
# بأبي أنت وأمي ما جاءك به جبرئيل؟ قال: قال لي: إن الله تبارك وتعالى
~~يأمرك أن تزوج فاطمة من علي (عليه السلام)، فانطلق فادع لي أبا بكر، وعمر،
~~وعثمان، وطلحة، والزبير، وبعدتهم من الأنصار.
# قال: فانطلقت فدعوتهم [له] فلما أن أخذوا مجالسهم قال رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله):
# الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع بسلطانه، المرهوب (1)
~~إليه من عذابه، النافذ أمره في أرضه وسمائه، الذي خلق الخلق بقدرته، وميزهم
~~بأحكامه وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيه محمد (صلى الله عليه وآله). ثم إن
~~الله جعل المصاهرة نسبا لاحقا، وأمرا مفترضا، وحكما عدلا، وخيرا جامعا، وشج
~~(2) بها الأرحام، وألزمها الأنام فقال عز وجل: (وهو الذي خلق من المآء بشرا
~~فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا) (3) وأمر الله يجري إلى قضائه، وقضاؤه
~~يجري إلى قدره، ولكل قضاء قدر، ولكل قدر أجل، ولكل أجل كتاب (يمحوا الله ما
~~يشآء ويثبت وعنده أم الكتب) (4).
# PageV01P654
# ثم إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي وأشهدكم أني قد زوجت فاطمة
~~من علي (1)
# PageV01P655
# على أربعمائة مثقال فضة (1) إن رضي بذلك (2) على السنة القائمة، والفريضة
~~الواجبة، فجمع الله شملهما، وبارك لهما، وأطاب نسلهما، مفاتيح الرحمة،
~~ومعادن الحكمة،
# PageV01P657
# وأمناء الأمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم (1).
# ثم أمر لنا رسول الله ms121 بطبق فيه بسر (2) فوضعه (3) بين أيدينا (4) ثم قال:
~~انهبوا (5).
# فبينما نحن كذلك إذ أقبل علي (عليه السلام) فتبسم إليه رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) ثم قال (6): يا علي إن الله
# PageV01P658
# أمرني أن أزوجك فاطمة، وإني قد زوجتكها (1) على أربعمائة مثقال فضه،
~~[أرضيت؟] فقال علي: رضيت يا رسول الله. ثم قام علي فخر لله ساجدا، شكرا لله
~~تعالى، فلما رفع رأسه قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) بارك الله
~~لكما (2)، وبارك عليكما، وأسعد جدكما، وأخرج منكما الكثير الطيب (3).
# قال أنس: والله لقد خرج (4) منهما الكثير الطيب (5).
# وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): [إن] أول شخص
~~يدخل على الجنة فاطمة بنت محمد (6).
# وروى باللفظ الصريح يرويه كل من النجار، ومسلم، والترمذي، عن النبي (صلى
~~الله عليه وآله) أنه قال: كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم
~~بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت
~~محمد (7).
# PageV01P659
# ومن كتاب العترة النبوية مرفوعا إلى قتادة عن أنس قال: قال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله):
# خير نسائنا مريم، وخير نسائنا فاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون (1).
# وبإسناده أيضا عن أنس أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: حسبك من نساء
~~العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد (2).
# PageV01P660
# وعنه أيضا قالت عائشة لفاطمة: ألا يسرك اني سمعت رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) يقول:
# سيدات نساء أهل الجنة أربع: مريم بنت عمران، وفاطمة بنت محمد، وخديجة بنت
~~خويلد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون (1).
# وعنه عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: إذا كان يوم القيامة قيل يا أهل
~~الجمع غضوا أبصاركم حتى تمر فاطمة بنت محمد، فتمر وعليها ريطتان خضراوان
~~وفي بعض الروايات حمراوان (2).
# PageV01P661
# ومن المسند للإمام أحمد بن حنبل عن حذيفة بن اليمان (رض) قال:
# سألتني أمي: متى عهدك بالنبي؟ فقلت منذ كذا وكذا [مالي به عهد] ذكرت مدة
~~طويلة فنالت مني وسبتني، فقلت لها: دعيني فإني ms122 آتي النبي (صلى الله عليه
~~وآله) [فأصلي] معه المغرب، ثم لا أدعه حتى يستغفر لي ولك. قال:
# فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله) فصليت معه المغرب والعشاء، ثم انفتل
~~(صلى الله عليه وآله) من صلاته فسبقته فعرض له عارض فناجاه، ثم ذهب فسبقته
~~فسمع مشي خلفه، فقال:
# من هذا! فقلت: حذيفة؟ فقال: مالك؟ فحدثته بحديث أمي، فقال: غفر الله لأمك
~~ولك. قال: أما رأيت الذي عرض لي؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال:
# هو ملك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه في
~~أن يسلم علي ويبشر أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة
~~نساء العالمين (1).
# PageV01P662
# ومن المسند أيضا عائشة قالت: أقبلت فاطمة تمشي وكأن مشيتها مشية رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) فقال (صلى الله عليه وآله): مرحبا بابنتي، ثم
~~أجلسها (1) عن يمينه وأسر إليها (2) حديثا فبكت، فقلت: استخصك رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) ثم تبكين. ثم أسر إليها حديثا أيضا فضحكت، فقلت: ما
~~رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن، فسألتها عما قيل لها (3) فقالت: ما كنت
~~لأفشي سر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى (4) قبض رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) فسألتها قالت: [إنه] أسر إلي [فقال: إن] جبرئيل كان يعارضني
~~بالقرآن في كل سنة (5) مرة وإنه عارضني به العام مرتين ولا أراني (6) إلا
~~وقد (7) حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحوقا بي، ونعم السلف أنا لك، فبكيت
~~(8) لذلك، فقال: " ألا ترضين (9) أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة، أو نساء
~~المؤمنين؟ قالت:
# فضحكت لذلك (10).
# PageV01P663
# وروي عن مجاهد (1) قال: خرج النبي (صلى الله عليه وآله) وهو آخذ بيد
~~فاطمة فقال: من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمد، وهي
~~بضعة مني، وهي قلبي وروحي التي (2) بين جنبي، فمن آذاها فقد آذاني، ومن
~~آذاني
# PageV01P664
# فقد آذى الله (1).
# وروى الأصبغ بن نباتة (2) عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله): إذا
# PageV01P665
# كان يوم ms123 القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثم فينادى (1)
~~مناد من بطنان العرش: إن الجليل جل جلاله يقول: نكسوا وغضوا أبصاركم; فإن
~~هذه فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) تريد أن تمر على الصراط.
# [وعن محمد بن الحنفية قال: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله
~~عنه) يقول:
# دخلت يوما منزلي فإذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس والحسن (رضي
~~الله عنه) عن يمينه، والحسين (رضي الله عنه) عن يساره، وفاطمة (رضي الله
~~عنه) بين يديه وهو يقول: يا حسن! يا حسين! أنتما كفتا الميزان، وفاطمة
~~لسانه، ولا تعتدل الكفتان إلا باللسان، ولا يقوم اللسان إلا على الكفتين،
~~أنتما الإمامان، ولأمكما الشفاعة. ثم التفت إلي وقال: يا أبا الحسن! أنت
~~توفي أجورهم، وتقسم الجنة بين أهلها يوم القيامة] (2).
# وعن أبي سعيد الخدري في حديثه عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه مر في
~~السماء الرابعة قال:
# فرأيت لمريم، ولأم موسى، ولآسية امرأة فرعون، ولخديجة بنت خويلد، قصورا
~~من ياقوت، ولفاطمة بنت محمد سبعين قصرا مرجانا أحمر مكللا باللؤلؤ،
~~وأبوابها وأسترتها من عود واحد (3).
# وهذا يسير من بعض مناقبها التي لا تستقصى ومفاخرها التي تجل عن الحصر
~~والعد والاستقصاء (4).
# قال الشيخ كمال الدين [بن] طلحة (5): توفيت فاطمة (عليها السلام) ليلة
~~الثلاثاء لثلاث
# PageV01P666
# خلون من شهر رمضان المعظم، سنة إحدى عشرة من الهجرة (1)، ودفنت بالبقيع
~~ليلا (2)،
# PageV01P667
# وصلى (1) عليها علي بن أبي طالب، وكبر عليها خمس تكبيرات، وقيل: صلى
~~عليها العباس، ونزل في حفرتها هو، وعلي، والفضل بن العباس (رض) (2).
# ومن كتاب الذرية الطاهرة للدولابي قال: لبثت فاطمة بعد وفاة النبي (صلى
~~الله عليه وآله) ثلاثة أشهر ثم توفيت (3).
# PageV01P668
# وقال عروة بن الزبير، وعائشة: لبثت [فاطمة] ستة أشهر. ومثله عن الزهري،
~~وابن شهاب، وهو الصحيح (1).
# وقال ابن قتيبة في معارفه: لبثت فاطمة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) مائة يوم (2).
# وحكي أن العباس دخل على علي بن أبي طالب، وفاطمة الزهراء (عليهما السلام)
~~وكل واحد ms124 منهما (3) يقول لصاحبه: أنا أسن منك (4)، فقال العباس: ولدت يا
~~علي قبل أن تبني (5) قريش البيت بسنوات، وولدت فاطمة [ابنتي] وقريش تبني
~~البيت ورسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ ذاك ابن خمس وثلاثين سنة قبل
~~النبوة بخمس سنين (6).
# وعن عمرو بن دينار قال: إن فاطمة (عليها السلام) لم تضحك بعد موت النبي
~~(صلى الله عليه وآله) حتى
# PageV01P669
# قبضت (1).
# وعن علي (عليه السلام) قال: إن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~جاءت إلى قبر أبيها بعد موته (صلى الله عليه وآله) فوقفت عليه (2) وبكت ثم
~~أخذت قبضة من تراب القبر فجعلتها على عينها ووجهها،
# PageV01P670
# وأنشأت تقول (1):
# PageV01P671
# ماذا على من شم تربة أحمد * أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت علي مصائب
~~لو أنها * صبت على الأيام صرن (1) لياليا (2) ولفاطمة (عليها السلام) ترثى
~~النبي (صلى الله عليه وآله) (3) اغبر آفاق السماء (4) فكورت (5) * شمس
~~النهار وأظلم العصران والأرض من بعد النبي كئيبة (6) * أسفا عليه كثيرة
~~الأحزان
# PageV01P672
# فليبكه شرق البلاد (1) وغربها * وليبكه مضر وكل يمان وليبكه الطود الأشم
~~وجوه * والبيت والأستار والأركان يا خاتم الرسل المبارك ضوؤه * صلى عليك
~~منزل القرآن وروي أن عليا لما ماتت فاطمة وفرغ من جهازها ودفنها، رجع إلى
~~البيت فاستوحش فيه وجزع عليها جزعا شديدا، ثم أنشأ يقول (2):
# أرى علل الدنيا علي كثيرة * وصاحبها حتى الممات عليل لكل اجتماع من
~~خليلين فرقة * وكل الذي دون الفراق قليل (3) وإن افتقادي فاطما بعد أحمد *
~~دليل على أن لا يدوم خليل وروى جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: لما ماتت
~~فاطمة (عليها السلام) كان علي (عليه السلام) يزور قبرها في كل يوم. قال:
~~وأقبل ذات يوم فانكب على القبر بكى وأنشأ يقول (4):
# مالي مررت (5) على القبور مسلما * قبر الحبيب فلم يرد جوابي
# PageV01P673
# يا قبر (1) مالك لا تجيب (2) مناديا (3) * أمللت (4) بعدى خلة الاحباب
~~فأجابه هاتف يسمع صوته، ولا يرى شخصه وهو يقول:
# قل للحبيب (5) فكيف (6) لي بجوابكم * وأنا رهين جنادل وتراب أكل التراب
~~محاسني (7) فنسيتكم (8) * وحجبت عن أهلي وعن أترابى ms125 فعليكم مني السلام
~~تقطعت * مني (9) ومنكم خلة الأحباب (10) قال (11) الحافظ أبو محمد عبد
~~العزيز بن أخضر الجنابذي الحنبلي في كتابه " معالم العترة النبوية ومعارف
~~الأئمة أهل البيت الفاطمية " قال: أم الأئمة (12)
# PageV01P674
# فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمها خديجة بنت خويلد بن أسد
~~(1) تزوج بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو ابن خمسة وعشرين (2) سنة،
~~على اثني عشر أوقية ذهبا (3)، وعمرها إذ ذاك ثمان وعشرون سنة (4)، وكانت
~~خديجة (رضي الله عنه) امرأة حازمة، لبيبة،
# PageV01P675
# شريفة، وهي يومئذ أوسط قريش نسبا وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا، وكل قومها
~~قد كان حريصا على تزويجها (1)، فأبت (2). وعرضت نفسها على النبي (صلى الله
~~عليه وآله) وقالت:
# يا ابن عم إني [قد] رغبت فيك لقرابتك مني، وشرفك في قومك، وأمانتك عندهم،
~~وحسن خلقك، وصدق حديثك. فذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه منهم حمزة بن عبد
~~المطلب (رضي الله عنه) حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فزوجها من
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله). وكانت خديجة قبل أن يتزوج بها رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) عند عتيق بن عايد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم (3)،
~~ويقال: إنها ولدت له جارية وهي أم محمد بن صيفي (4) المخزومي، ثم تزوجها
~~بعد عتيق أبو هالة هند بن ذرارة التيمي، فولدت له هند بن هند (5)، ثم
~~تزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فولدت له فاطمة، وولدت غلامين وثلاث
~~بنات، غير فاطمة وهم: القاسم، وعبد الله، وأم كلثوم، وزينب، ورقية سلام
~~الله عليهم أجمعين (6).
# وعن ابن سعد يرفعه إلى حكيم بن حزام قال: توفيت خديجة (رض) في شهر
# PageV01P676
# رمضان سنة عشر من النبوة (1) فخرجنا بها من منزلها حتى دفناها بالحجون،
~~فنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حفرتها ولم يكن يومئذ صلاة على
~~الجنازة (2)، قيل: ومتى ذلك يا أبا خالد؟ قال: قبل الهجرة بسنوات ثلاث أو
~~نحوها بعد خروج بني هاشم من الشعب بيسير. قال: وكانت (رض) أول امرأة تزوجها
~~رسول الله (صلى الله ms126 عليه وآله) وأولاده كلهم منها، إلا إبراهيم فإنه من
~~[مارية] جاريته القبطية (3).
# وعن ابن إسحاق قال: إن خديجة بنت خويلد (رض) وأبا طالب ماتا في عام واحد
~~(4).
# وعن عروة بن الزبير قال: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة (5).
# وروي مرفوعا إلى الزهري قال: كانت خديجة (رض) أول من آمن برسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) (6).
# وعن ابن شهاب قال: أنزل الله تعالى على رسوله، القرآن والهدى، وعنده
~~خديجة بنت خويلد (7).
# وعن عائشة قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا ذكر خديجة لم
~~يسأم من الثناء عليها
# PageV01P677
# والاستغفار لها، فذكرها ذات يوم فحملتني الغيرة (1) فقلت: لقد عوضك الله
~~من كبيرة السن، قالت: فرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) غضب غضبا شديدا
~~فسقط [ما] في يدي وقلت في نفسي: اللهم ان أذهب غضب رسولك محمد (صلى الله
~~عليه وآله) لم أعمد لذكرها بسوء ما بقيت،
# PageV01P678
# فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما لقيت قال: كيف قلت؟ والله
~~لقد آمنت بي إذ كفر الناس، وأدنتني إذ رفضني الناس، وصدقتني إذ كذبني
~~الناس، ورزقت منها الولد حيث حرمتموه. قالت: فغدا وراح (صلى الله عليه
~~وآله) في كلمتي هذه شهرا (1)، والله أعلم.
# PageV01P679
# الفصول المهمة في معرفة الأئمة تأليف الشيخ الإمام العلامة والبحر
~~الفهامة علي بن محمد بن أحمد المالكي المكي المتوفي سنة 855 ه حققه ووثق
~~أصوله وعلق عليه سامي الغريري المجلد الثاني PageV02P681
# ابن صباغ، على بن محمد، 784 - 855 ق.
# الفصول المهمة في معرفة الأئمة / تأليف علي بن محمد أحمد المالكي المكي
~~الشهير بابن الصباغ؛ حققه ووثق أصوله وعلق عليه سامي الغريري - قم: دار
~~الحديث، 1380.
# 2 ج.
# كتابنامه: ج. 2. ص. 1369 - 1408.
# ISBN: 964 - 5985 - 99 - 4 1. أئمة اثنى عشر (عليهم السلام). الف. غريرى،
~~سامى، 1374 ق -، محقق. ب. عنوان.
# 95 / 297 6 ف 2 الف / 36 BP شابك: 4 - 99 - 5985 - 964 مؤسسة دار الحديث
~~الثقافية الفصول المهمة في معرفة الأئمة المؤلف: علي بن محمد بن أحمد
~~المالكي المكي ms127 التحقيق: سامي الغريري تقويم النص: كمال الكاتب نضد الحروف:
~~فخر الدين جليلوند، محمد باقر النجفي مقابلة النص: محمود سپاسي، مصطفى
~~أوجي، حسين پور شريف الفهارس الفنية: تحسين پور سماوي الناشر: دار الحديث
~~للطباعة والنشر الطبعة: الأولى، 1422 المطبعة: ستاره النسخ: 1500 ثمن
~~الدورة: 4800 تومان دار الحديث للطباعة والنشر: قم، شارع معلم، قرب ساحة
~~الشهداء، الرقم 125 الهاتف: 7741650 0251 - 7740523 0251 ص. ب 4468 / 37185
~~عنوان الأنترنت: http: / / www. hadith. net / mizan البريد الإلكتروني:
~~hadith @ hadith. net PageV02P682
# الفصل الثاني في ذكر الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) وهو
~~الإمام الثاني (1)
# PageV02P685
# والسبط الأول (1)، سيد شباب أهل الجنة (2). ويتضمن هذا الفصل فصولا في
~~ذكر
# PageV02P686
# مولده، وكنيته، ونسبه، ولقبه [ومبلغ عمره، ووقت وفاته] وغير ذلك مما يتصل
~~به كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى.
# ولد الحسن بن علي (عليه السلام) في المدينة النصف من شهر رمضان المعظم
~~سنة ثلاث من الهجرة (1)، وكان الحسن أول أولاد علي وفاطمة (عليهما السلام).
~~وروي مرفوعا إلى علي بن
# PageV02P687
# أبي طالب قال: لما حضرت ولادة فاطمة قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~لأسماء بنت عميس وأم سلمة: احضرا فاطمة (1) فإذا وقع ولدها واستهل صارخا
~~فأذنا في أذنه اليمني، وأقيما في أذنه اليسري (2)، فإنه لا يفعل ذلك بمثله
~~إلا عصم من الشيطان، ولا تحدثا شيئا حتى آتيكما (3).
# PageV02P688
# فلما ولدت فعلتا ذلك وأتاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسره ولثاه
~~(1) بريقه، وقال: اللهم إني أعيذه بك [وذريته] وولده من الشيطان الرجيم
~~(2).
# PageV02P689
# فلما كان اليوم السابع من مولده قال (صلى الله عليه وآله): ما سميتموه؟
~~قالوا: حربا، قال (صلى الله عليه وآله): بل سموه حسنا (1)،
# PageV02P690
# ثم إنه (صلى الله عليه وآله) عق (1) عنه وذبح كبشا وتولى ذلك بنفسه
~~الكريمة، وقال لفاطمة (عليها السلام): إحلقى رأسه، وتصدقي بوزن الشعر فضة،
~~فكان الوزن عن شعره بعد حلقه درهما وشيئا (2).
# PageV02P691
# فتصدقت به، فصارت العقيقة والتصدق بوزن الشعر سنة مستمرة عند العلماء بما
~~فعله النبي (صلى الله عليه وآله) ms128 في حق الحسن (عليه السلام) (1).
# فصل في نسبه، وكنيته، ولقبه، وصفاته الحسنة، وغير ذلك مما يتصل به (عليه
~~السلام) قال الشيخ كمال الدين بن طلحة: حصل للحسن وأخيه الحسين (عليهما
~~السلام) ما لم يحصل لغيرهما، فإنهما سبطا رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~وريحانتاه (2)، وسيدا شباب أهل الجنة (3)، جدهما رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله)، وأبوهما علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وأمهما
# PageV02P692
# الطهر البتول فاطمة ابنة الرسول، ولله در القائل.
# نسب كان عليه من شمس الضحى * نور (1) ومن فلق الصباح عمودا هذا النسب
~~الذي (2) تتقاصر (3) عنده الأنساب، وجاء بصحته الأثر، وصدقه الكتاب، فهو
~~وأخوه دوحة النبوة التي طابت فرعا وأصلا، وشعبتا الفتوة التي سمت رفعة
~~ونبلا، قد اكتنفهما العز والشرف، ولازمهما السؤدد فماله عنهما منصرف (4).
# PageV02P693
# وأما كنيته (عليه السلام): فأبو محمد لا غير (1).
# وأما ألقابه (عليه السلام) فكثيرة هي: التقي، والزكي، والطيب والسيد،
~~والسبط، والولي، كل ذلك كان يقال له ويطلق عليه، وأكثر هذه الألقاب شهرة
~~التقي وأعلاها رتبتة (2) ما لقبه به رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث
~~وصفه به وخصه بأن جعله نعتا له، فإنه صح النقل كما جاء في الصحيحين عن
~~النبي (صلى الله عليه وآله) فيما أورده الأئمة الاثبات عنه (صلى الله عليه
~~وآله)، والروات الثقات أنه قال: إن ابني هذا سيد (3). وسيأتي إن شاء الله
~~تعالى الحديث (4) بتمامه فيما بعد.
# PageV02P694
# وأما صفته (عليه السلام): فإنه روى عن أنس بن مالك [رض] قال: لم يكن أحد
~~أشبه برسول الله (صلى الله عليه وآله) من الحسن بن علي (عليه السلام) (1).
~~وعن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: " كان الحسن (عليه السلام) أشبه
~~برسول الله (صلى الله عليه وآله) ما بين الرأس إلى الصدر، والحسين أشبه
~~فيما كان أسفل من ذلك (2).
# وروى البخاري في صحيحه يرفعه إلى عقبة بن الحارث قال: صلى أبو بكر العصر
~~ثم خرج يمشي ومعه علي (عليه السلام) فرأى الحسن يلعب مع الصبيان فحمله أبو
~~بكر
# PageV02P695
# على عاتقه وقال: ms129 بأبي شبيه بالنبي ليس شبيها بعلي، قال: وعلي (عليه
~~السلام) يضحك (1). (2) وروى مرفوعا إلى أحمد بن محمد بن أيوب المقبري (3)
~~قال: كان الحسن (عليه السلام) أبيض اللون مشربا (4) بحمرة، أدعج العينين،
~~سهل (5) الخدين، دقيق المسربة (6)، كث اللحية ذا وفرة، وكأن عنقه إبريق
~~فضة، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، ربعة ليس بالطويل ولا القصير،
~~مليحا من أحسن الناس وجها، وكان (عليه السلام) يخضب بالسواد، وكان (عليه
~~السلام) جعد الشعر، حسن البدن (7)، كان نقش خاتمه " العزة لله وحده " (8)
~~بابه (9) سفينة (10)، شاعرته أم سنان المدحجية، معاصره معاوية ويزيد.
# PageV02P696
# فصل فيما ورد في حقه (عليه السلام) من رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~وهذا فصل أصله مقصود وفضله مشهود، فإنه جمع بين أشتات الإشارات النبوية
~~والأقوال والأفعال الطاهرة الزكية، فمن ذلك ما اتفق أهل الصحاح على إيراده
~~وتطابقوا على صحة إسناده.
# وروى الحافظ عبد العزيز الأخضر الجنابدي بسنده مرفوعا إلى (1) سفيان بن
~~الحارث الثقفي قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) والحسن بن علي
~~(عليهما السلام) إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه [مرة] أخرى، ويقول:
~~إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين (2).
# PageV02P697
# وروى في صحيح البخاري، ومسلم مرفوعا إلى البراء قال: رأيت رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) والحسن بن علي (عليه السلام) على عاتقه وهو يقول: اللهم
~~إني أحبه فأحبه (1).
# PageV02P698
# وروى عن الترمذي مرفوعا إلى ابن عباس (رضي الله عنه) أنه قال: كان رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) حامل الحسن بن علي (عليه السلام) [على عاتقه]
~~فقال رجل: نعم المركب ركبت يا غلام، فقال النبي (صلى الله عليه وآله)، ونعم
~~الراكب هو (1).
# وروى عن الحافظ أبي نعيم فيما أورده في حليته عن أبي بكرة (2) قال: كان
~~النبي (صلى الله عليه وآله) يصلي بنا، فيجيء الحسن (عليه السلام) وهو ساجد
~~- وهو إذ ذاك صغير - فيجلس على ظهره، ومرة على رقبته، فيرفعه النبي (صلى
~~الله عليه وآله) رفعا رفيقا، فلما فرغ من الصلاة ms130 قالوا: يا رسول الله إنك
~~تصنع بهذا الصبي شيئا لا تصنعه بأحد؟ فقال (صلى الله عليه وآله): إن هذا
~~ريحانتي، وإن ابني هذا سيد، وعسى أن يصلح الله تعالى به بين فئتين من
~~المسلمين (3).
# PageV02P699
# وروى البخاري ومسلم بسنديهما عن أبي هريرة قال: خرجت مع رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) [طائفة من النهار] لا يكلمني ولا أكلمه حتى جاء (1) سوق
~~بني قينقاع، ثم انصرف حتى أتى مخباة وهو مخبأ (2) فاطمة (عليها السلام)
~~فقال: " أثم لكع (3)؟ أثم لكع؟ " يعنى حسنا (عليه السلام)، فظننا إنما
~~حبسته (4) أمه لأن تغسله أو تلبسه [سخابا] (5) ثوبا، فلم يلبث إذ (6) جاء
~~يسعى حتى اعتنق (7) كل واحد منهما صاحبه، فقال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله):
# اللهم إني أحبه وأحب من يحبه (8) - وفي رواية أخرى: اللهم إني أحبه وأحب
~~من يحبه - قال أبو هريرة: فما كان أحد أحب إلي من الحسن بعدما قال رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) ما قال (9).
# وروى عن الترمذي بسنده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله: الحسن والحسين
# PageV02P700
# سيدا شباب أهل الجنة (1).
# وعن ابن عمر (2): سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: هما ريحانتي
~~من الدنيا (3).
# وروى النسائي بسنده عن عبد الله بن شذاذ (4) عن أبيه قال: خرج علينا رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) في إحدى صلاتي (5) العشاء وهو حامل حسنا (عليه
~~السلام) [أو حسينا (عليه السلام)] فتقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~للصلاة فوضعه ثم كبر [للصلاة] وصلى (6) فسجد بين ظهراني صلاته مسجده
~~فأطالها قال [أبي]: فرفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي فلما قضى رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) صلاته فقال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة
~~أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمرا وأنه يوحى إليك! قال رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله): كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى ينزل
~~(7).
# PageV02P701
# فصل في علمه (عليه السلام) ms131 حكي عنه (عليه السلام) أنه كان يجلس في مسجد
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويجتمع الناس حوله فيتكلم بما يشفي غليل
~~السائلين، ويقطع حجج المجادلين، من ذلك ما رواه الإمام أبو الحسن علي بن
~~أحمد الواحدي في تفسير الوسيط: أن رجلا دخل (١) إلى مسجد المدينة فوجد (٢)
~~شخصا يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والناس من حوله (٣) مجتمعون،
~~فجاء إليه الرجل قال: أخبرني عن ﴿شاهد ومشهود﴾ (4) فقال: نعم، أما الشاهد فيوم
~~الجمعة، وأما المشهود (5) فيوم عرفة، فتجاوزه (6) إلى آخر غيره يحدث في
~~المسجد فسأله (7) عن (شاهد ومشهود) قال: أما الشاهد فيوم الجمعة، وأما
~~المشهود فيوم النحر. قال: فتجاوزهما (8) إلى ثالث، غلام كأن وجهه الدينار،
~~وهو يحدث [عن
# PageV02P702
# رسول الله] في المسجد، فسأله (١) عن (شاهد ومشهود) فقال: نعم، أما الشاهد
~~فرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأما المشهود فيوم القيامة، أما سمعته
~~[عز وجل] يقول: ﴿يأيها النبى إنآ
~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا﴾ (٢) [و] قال تعالى: ﴿ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود﴾ (3). فسأل
~~(4) عن الأول فقالوا: ابن عباس، وسأل عن الثاني فقالوا:
# ابن عمر، وسأل عن الثالث فقالوا: الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)
~~[وكان قول الحسن أحسن] (5).
# ونقل (6) عنه أنه اغتسل وخرج من داره في بعض الأيام وعليه حلة فاخرة وبزة
~~وبردة (7) طاهرة، ومحاسن سافرة [وقسمات ظاهرة] بنفحات [ناشرة] طيبات عاطرة،
~~ووجهه يشرق حسنا، وشكله قد كمل صورة ومعنى، [والإقبال] والسعد يلوح من (8)
~~أعطافه، ونضرة النعيم تعرف في (9) أطرافه، و [قاضي القدر] قد [حكم أن
~~السعادة من أوصافه] ركب بغلة فارهة غير قطوف (10)، وسار مكتنفا (11) من
~~حاشيته وغاشيته (12) بصفوف [فلو شاهده عبد مناف لأرغم بمفاخرته به معاطس
~~أنوف، وعده وآباءه وجده في إحراز خصل الفخار يوم التفاخر بألوف]. فعرض له
~~في
# PageV02P703
# طريقه شخص من محاويج اليهود [هم في هدم] وعليه مسح من جلود، وقد أنهكته
~~العلة و [أرتكبته] الذلة ms132 [وأهلكته القلة، وجلده يستر عظامه وضعفه يقيد
~~أقدامه، وضره قد ملك زمامه، وسوء حاله قد حبب إليه حمامه] وشمس الظهيرة قد
~~تشوى (1) شواه [وقد أحرقت بحرها أخمصية ويصافح ثرى ممشاه، وعذاب حر عريه قد
~~عراه، وطول طواه قد أضعف بطنه وطواه] وهو حامل جرة ماء على قفاه، فاستوقف
~~الحسن فقال: يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سؤال (2) فقال: له ما
~~هو؟ قال: جدك يقول: " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " وأنت المؤمن وأنا
~~الكافر، فما أرى الدنيا إلا جنة لك تتنعم بها (3) وأنت مؤمن وتستلذ بها،
~~وما أراها إلا سجنا [لي] قد أهلكني ضرها (4) وأتلفني (5) فقرها.
# فلما سمع الحسن (عليه السلام) كلامه أشرق عليه نور التأييد واستخرج
~~الجواب [بفهمه] من خزانة علمه وأوضح لليهودي خطأ ظنه وخطل زعمه وقال: يا
~~شيخ لو نظرت إلى ما أعد الله تعالى لي وللمؤمنين في دار الآخرة مما لا عين
~~رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، لعلمت [أني] قبل انتقالي إليه في
~~هذه الدنيا (6) في سجن ضنك (7)، ولو نظرت إلى ما أعد الله لك ولكل كافر في
~~الدار الآخرة من سعير نار جهنم، ونكال العذاب الأليم المقيم لرأيت [أنك]
~~قبل مصيرك إليه [الآن] في جنة واسعة ونعمة جامعة (8). فانظر إلى هذا الجواب
~~الصادع بالصواب.
# PageV02P704
# فصل في عبادته وزهادته (عليه السلام) عبادته (عليه السلام) التي اشتهرت،
~~وزهادته التي ظهرت، قيامه بها مشهور، وأسمه في أربابها مذكور، فمن ذلك ما
~~نقله الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده أنه قال (عليه السلام): إني لأستحي من
~~ربي أن ألقاه ولم امش إلى بيته (1). فمشى عشرين مرة من المدينة إلى مكة على
~~قدميه (2).
# وروى صاحب كتاب الصفوة بسنده عن علي بن زيد بن جذعان (3) أنه قال: حج
~~الحسن بن علي (عليه السلام) خمس عشرة حجة (4) ماشيا على قدميه وأن والنجائب
~~لتقاد بين
# PageV02P705
# يديه (1).
# وأما الصدقات: فقد روى عن الحافظ أبي نعيم في حليته أنه (عليه السلام)
~~خرج من ماله مرتين، وقاسم الله تعالى ثلاث مرات ms133 ماله وتصدق به (2). وكان
~~(عليه السلام) من أزهد الناس في الدنيا ولذاتها، عارفا بغرورها وآفاتها،
~~وكثيرا ما كان (عليه السلام) يتمثل بهذا البيت (3):
# يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها * إن المقام (4) بظل زائل حمق وأما ما يدل
~~(5) على قوة عبادته وعلو مكانته (6) قوله (عليه السلام) في بعض مواعظه: يا
~~ابن آدم عف عن محارم الله تكن عابدا، وأرض بما قسم الله لك تكن غنيا، وأحسن
~~جوار من جاورك تكن مسلما، وصاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك بمثله تكن
~~عدلا، إنه كان بين أيديكم قوم يجمعون كثيرا، ويبنون مشيدا، ويأملون بعيدا،
~~أصبح جمعهم بورا، وعملهم غرورا، ومساكنهم قبورا. يا ابن آدم إنك لم تزل في
# PageV02P706
# هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك فخذ (١) بما في يديك، فإن (٢) المؤمن
~~يتزود، والكافر يتمتع. وكان (عليه السلام) يتلو بعد هذه الموعظة ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾
~~(3) فتدبر هذا الكلام بحسك واعطه نصيبا وافرا من نفسك.
# فصل في جوده وكرمه (عليه السلام) الكرم والجود (4) غريزة مغروسة فيه،
~~وإيصال صلاته للمسلمين (5) نهج ما زال يسلكه ويقتفيه، فمن ذلك ما نقل عنه
~~(عليه السلام) " أنه سمع رجلا يسأل ربه عز وجل أن يرزقه عشرة آلاف درهم،
~~فانصرف الحسن (عليه السلام) إلى منزله فبعث بها إليه (6).
# ومن ذلك أن رجلا جاء إليه (عليه السلام) وسأله وشكا إليه حاله وفقره وقلة
~~ذات يده بعد أن كان ذلك الرجل من المثرين (7)، فقال له: يا هذا حق سؤالك
~~يعظم لدي، ومعرفتي
# PageV02P707
# بما يجب لك يكبر لدي (1)، ويدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله، والكثير في
~~ذات الله [عز وجل] قليل، وما في ملكي وفاء لشكرك، فإن قبلت الميسور ورفعت
~~(2) عني مؤونة الاحتيال (3) والاهتمام بما (4) أتكلفه من واجبك فعلت. فقال
~~الرجل: يا بن رسول الله أقبل القليل وأشكر العطية وأعذر على المنع.
# فدعا الحسن (عليه السلام) وكيله (5) وجعل يحاسبه على نفقاته ومقبوضاته
~~حتى استقصاها، فقال: هات الفاضل [من الثلاثمائة ألف درهم] فأحضر خمسين ألف
~~درهم، ms134 قال:
# فما فعلت في الخمسمائة درهم (6) التي معك؟ فقال: هي عندي: فقال (عليه
~~السلام):
# فأحضرها، فلما أحضرها دفع (7) الدراهم والدنانير إليه (8) واعتذر منه
~~(9).
# ومن ذلك ما رواه أبو الحسن المدايني قال: [لما] خرج الحسن والحسين وعبد
~~الله بن جعفر (عليهم السلام) حجاجا فلما كانوا في بعض الطريق جاعوا وعطشوا
~~وقد فاتتهم أثقالهم فنظروا إلى خباء فقصدوه فإذا فيه عجوز فقالوا: هل من
~~شراب؟
# فقالت: نعم، فأناخوا بها وليس عندها إلا شويهة في كسر الخباء (10) فقالت:
~~احتلبوها
# PageV02P708
# فاتذقوا لبنها، ففعلوا ذلك وقالوا لها: هل من طعام؟ فقالت: لا، إلا هذه
~~الشاة (1) ما عندي غيرها أقسم عليكم بالله إلا ما ذبحها أحدكم حتى أهيئ (2)
~~لكم حطبا واشووها وكلوها، ففعلوا وأقاموا حتى بردوا، فلما ارتحلوا قالوا
~~لها: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه، فإذا رجعنا سالمين فألمي بنا فإنا
~~صانعون إليك خيرا، ثم ارتحلوا. فأقبل زوجها فأخبرته [عن] خبر القوم والشاة
~~فغضب [الرجل] وقال:
# ويحك أتذبحين شاتي (3) لأقوام لا تعرفيهم ثم تقولين نفر من قريش؟
# ثم بعد وقت (4) طويل ألجأتهم الحاجة واضطرتهم السنة إلى دخول المدينة
~~فدخلاها [وجعلا] ينقلان (5) البعر [إليها ويبيعانه ويعيشان منه] فمرت
~~العجوز في بعض السكك (6) تلتقط البعر، والحسن (عليه السلام) جالس على باب
~~داره فبصر بها فعرفها فناداها وقال لها: يا أمة الله تعرفيني؟ فقالت: لا
~~فقال (عليه السلام): أنا أحد ضيوفك في المنزل الفلاني ضيفك يوم كذا، سنة
~~كذا، فقالت: بأبي أنت وأمي لست أعرفك، قال (عليه السلام): فإن لم تعرفيني
~~فأنا أعرفك، فأمر غلامه فاشترى لها من غنم الصدقة ألف شاة وأعطاها ألف
~~دينار وبعث بها مع غلامه إلى أخيه الحسين، فعرفها وقال [لها]:
# بكم وصلك أخي الحسن؟ فأخبرته، فأمر لها مثل ذلك، ثم بعث معها غلامه إلى
~~عبد الله بن جعفر (رضي الله عنه) فقال: بكم وصلك الحسن وأخوه؟ فقالت: وصلني
~~كل واحد منهما بألف شاة وألف دينار، فأمر لها بألفي شاة وألفي دينار، وقال:
~~والله لو بدأت بي لأتعبتهما. ثم رجعت إلى زوجها وهي ms135 من أغنى الناس " (7).
# PageV02P709
# وعن الحسن بن سعد عن أبيه قال: متع الحسن بن علي (عليه السلام) امرأتين
~~من نسائه بعد طلاقهما بعشرين ألفا وزق (1) من عسل، فقالت إحداهما وأراها
~~الحنفية: متاع قليل من حبيب (2) مفارق (3).
# فصل في شيء من كلامه (عليه السلام) نقل الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده
~~أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) سأل ابنه الحسن فقال له:
~~يا بني ما السداد؟ فقال: يا أبت السداد دفع المنكر بالمعروف. وقال (عليه
~~السلام): ما الشرف؟ قال: اصطناع العشيرة وحمل (4) الجريرة. وقال (عليه
~~السلام):
# فما السماح؟ (5) قال: البذل في العسر واليسر. قال (عليه السلام): فما
~~اللؤم؟ قال: احتراز (6) المرء ما نفسه (7) وبذله عرسه (8). قال: فما الجبن؟
~~قال: الجرأة على الصديق والنكول عن (9) العدو. قال: فما الغنى؟ قال: رضا
~~النفس بما قسم الله تعالى لها وإن قل. قال: فما
# PageV02P710
# الحلم؟ قال: كظم الغيظ وملك النفس. قال: فما المنعة؟ قال: شدة البأس
~~ومنازعة أعز (1) الناس. قال: فما الذل؟ قال: الفزع عند المصدوقة (2). قال:
~~فما الكلفة؟ قال:
# كلامك فيما لا يعنيك. قال: فما المجد؟ قال: أن تعطي في الغرم (3) وتعفو
~~عن (4) الجرم. قال: فما السناء (5) قال: إتيان الجميل وترك القبيح. قال:
~~فما السفه؟ قال:
# اتباع الدناة ومصاحبة (6) الغواة. قال: فما الغفلة؟ قال: ترك (7) المسجد
~~وطاعة المفسدة (8).
# فهذه الأجوبة الحاضرة، شاهدة ببصيرة ناصرة، ومادة فضل وافرة، وفكرة على
~~استخراج الغوامض القادرة.
# ومن كلامه (عليه السلام) أنه قال: لا أدب لمن لا عقل له، ولا مودة لمن لا
~~همة له، ولا حياء لمن لا دين له، ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل، وبالعقل
~~تدرك الدارين جميعا، ومن حرم العقل حرمهما (9) جميعا (10).
# PageV02P711
# وسئل (عليه السلام) عن الصمت فقال: هو ستر العي (1)، وزين العرض، وفاعله
~~في راحة، وجليسه في أمن (2).
# وقال (عليه السلام): هلاك المرء في ثلاث: الكبر، والحرص، والحسد. فالكبر:
~~هلاك الدين وبه لعن إبليس، والحرص: عدو النفس وبه أخرج آدم من الجنة،
~~والحسد:
# رائد السوء (3) ومنه قتل قابيل هابيل (4).
# وقال (عليه السلام): لا ms136 تأتي رجلا إلا أن ترجو نواله، أو تخاف بأسه (5)
~~[أو تستفيد من علمه] أو ترجو بركته [ودعاءه] أو تصل رحما بينك وبينه (6).
# وقال (عليه السلام): دخلت على علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو يجود
~~بنفسه لما ضربه ابن ملجم، فجزعت لذلك فقال لي: أتجزع (7)؟ قلت: وكيف لا
~~أجزع وأنا أراك في هذه الحالة؟! فقال: يا بني احفظ عني خصالا أربعا إذا أنت
~~حفظتهن نلت بهن النجاة: يا بني، لا غنى أكثر من العقل، ولا فقر مثل الجهل،
~~ولا وحشة أشد من العجب، ولا عيش ألد من (8) حسن الخلق. واعلم أن مروة
~~القناعة، والرضا أكبر من مروة الإعطاء، وتمام الصنيعة خير من ابتدائها (9).
# PageV02P712
# وقال (عليه السلام): من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه (1).
# وقال (عليه السلام): حسن السؤال نصف العلم (2).
# فكلامه (عليه السلام) نوع من (3) كلام أبيه وجده، ومحله من البلاغة محل
~~لا ينبغي لأحد من بعده.
# فصل في ذكر طرف من أخباره (عليه السلام) ومدة خلافته ومهادنته بعد ذلك
~~لمعاوية ومصالحته له روى جماعة (4) من أصحاب السير وغيرهم أن الحسن بن علي
~~(عليه السلام) خطب في
# PageV02P713
# صبيحة الليلة التي قبض فيها أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فحمد الله
~~وأثنى عليه وصلى على النبي (صلى الله عليه وآله) ثم قال: لقد قبض في هذه
~~الليلة رجل لم يسبقه الأولون [بعمل] ولم يدركه الآخرون [بعمل] لقد كان
~~يجاهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيقيه بنفسه، وكان رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) يوجهه برايته فيكنفه (1) جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن
~~يساره (2)، فلا يرجع حتى يفتح الله على يديه. ولقد توفي [في] الليلة التي
~~عرج فيها بعيسى بن مريم، وفيها قبض يوشع بن نون (عليه السلام) [وصي موسى]
~~وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة (3) درهم فضلت من عطائه، وأراد أن
~~يبتاع بها خادما لأهله (4). ثم خنقته (5) العبرة فبكى وبكى الناس معه (6).
# ثم قال (عليه السلام): أنا ابن البشير [أنا ابن] النذير، أنا ابن السراج
~~المنير، أنا ابن الداعي إلى ms137 الله بإذنه، أنا ابن الذين أذهب الله عنهم
~~الرجس وطهرهم تطهيرا، أنا من أهل بيت افترض الله تعالى حبهم (7) في كتابه
~~فقال عز من قائل: (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا
# PageV02P716
# المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد لهو فيها حسنا) (1). فالحسنة مودتنا
~~أهل البيت (2). ثم جلس فقام عبد الله بن العباس بين يديه فقال: معاشر الناس
~~إن هذا ابن بنت نبيكم ووصي إمامكم فبايعوه [فاستجابوا له، وقالوا: ما أحبه
~~إلينا وأحقه بالخلافة] فتبادر الناس إلى بيعته (3).
# PageV02P717
# وبعض هذه الخطبة قد أوردها أحمد بن حنبل في مسنده (1) عن هبيرة [بن مريم]
~~وكان ذلك في يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من
~~الهجرة.
# وقيل: الأحد ليلة الثالث والعشرين منه على ما جاء في اختلاف الروايات
~~المتقدمة في مقتل علي (عليه السلام)، فرتب العمال، وأمر الأمراء، وجند
~~الجنود، وفرق العطيات (2).
# ولما بلغ معاوية وفاة (3) علي وبيعة الحسن (عليه السلام) دس (4) رجلا من
~~حمير إلى الكوفة
# PageV02P719
# ورجلا من بلقين (1) إلى البصرة ليكتبا إليه (2) بالأخبار ويفسدا على
~~الحسن (عليه السلام) الأمور (3) ويغيرا عليه قلوب الناس، فعرف بهما الحسن
~~(عليه السلام) فأخذهما وقتلهما وكتب إلى معاوية: أما بعد، فإنك دسست الرجال
~~[للاحتيال والاغتيال] وأرصدت العيون كأنك تحب اللقاء، ولو ترى العافية وما
~~أوشك (4) في ذلك فتوقعه إن شاء الله تعالى (5).
# فلما بلغ معاوية كتابه وقتله الرجلين سار بنفسه إلى العراق (6) وتحرك
~~الحسن وبعث حجر بن عدي واستنفر (7) الناس للقتال، فتثاقلوا عنه ثم خف (8)
~~معه أخلاطا من الناس بعضهم من شيعته وشيعة أبيه (عليه السلام) وبعضهم من
~~المحكمة (9) الذين يؤثرون (10) القتال - قتال معاوية - بكل حيلة (11)،
~~وبعضهم من أصحاب طمع في الغنائم، وبعضهم
# PageV02P720
# أصحاب عصبية اتبعو رؤساءهم ورؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين (1). ثم سار
~~حتى نزل ساباط [دون] القنطرة وبات هناك، فلما أصبح أراد (عليه السلام) أن
~~يمتحن أصحابه ويستبرئ أحوالهم في طاعته ليميز أولياءه من أعدائه ويكون على
~~بصيرة من لقاء معاوية، فأمر أن ينادي في الناس الصلاة جامعة، فاستجمعوا
~~فصعد المنبر ms138 فخطبهم (2) فقال:
# الحمد لله كلما حمده حامد (3) وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد
~~(4) وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق وائتمنه على الوحي (5) (صلى
~~الله عليه وآله). أما بعد، فوالله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله
~~ومنه وأنا أنصح خلق الله تعالى لخلقه، وما أصبحت محتملا على امرئ مسلم
~~ضغينة ولا مريد له بسوء ولا غايلة، وإنما تكرهون في الجماعة خير لكم مما
~~تحبون في الفرقة [ألا] وإني ناظر لكم [خيرا من نظركم] ولأنفسكم فلا تخالفوا
~~أمري ولا تردوا علي [رأيي] وإني غفر الله لي ولكم وأرشدني وإياكم لما فيه
~~المحبة والرضا ناظرا لما فيه مصالحكم، والسلام (6).
# PageV02P721
# [قال:] فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا: ما ترونه يريد أن يصنع؟ قالوا:
# نظنه (1) أنه يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه [فقالوا: كفر والله
~~الرجل] فشدوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته. ورداءه من
~~عاتقه [ثم شد عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي، فنزع مطرفه من
~~عاتقه، فبقي جالسا متقلدا السيف بغير رداء] (2). فرجع وركب فرسه وتقلد
~~بسيفه وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أراده (3) [فقال:
~~ادعوا لي، فدعوا له] وطافوا به ربيعة وهمدان وجماعة من غيرهم وساروا معه،
~~فبادر إليه رجل من بني أسد يقال له (4) الجراح بن سنان (5) [فأخذ بلجام
~~بغلته] في يده مغول (6) [وقال: الله أكبر شركت يا حسن كما أشرك أبوك من
~~قبل] فطعنه به في فخذه فشقه حتى بلغ العظم [فاعتنقه الحسن وخرا جميعا إلى
~~الأرض] فأكب عليه شخص من شيعة الحسن (7) فقتله
# PageV02P722
# وقتلوا آخر كان معه، وحمل الحسن (عليه السلام) على سرير من تلك الضربة
~~إلى المدائن (1) فنزل بها على سعد بن مسعود الثقفي (2) وكان عاملا عليها من
~~جهة أبيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأقره الحسن على ذلك واشتغل الحسن
~~(عليه السلام) بمعالجة جرحه. وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية
~~بالطاعة سرا واستحثوه على سرعة سرعة السير (3) نحوهم وضمنوا ms139 له (4) تسليم
~~الحسن (عليه السلام) عند دنوهم (5) من عسكره والفتك به (6).
# PageV02P723
#
# PageV02P723
# وبلغ الحسن (عليه السلام) ذلك وتحقق فساد نيات أكثر أصحابه وخذلانهم له،
~~ولم يبق معه ممن يأمن غائلته إلا خاصة شيعته وشيعة أبيه، وهم جماعة لا
~~يقومون بحرب أهل الشام، فكتب إلى معاوية في الهدنة والصلح (1) فأجابه إلى
~~ذلك وأنفذ إليه كتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك فيه وتسليمه إليه.
# وبعد إجابة (2) معاوية لصلح الحسن (3) فاشترط عليه الحسن (عليه السلام)
~~شروطا كثيره كان
# PageV02P727
# في الوفاء بها مصالح شاملة منها: أن لا يتعرض عماله إلى سب أمير المؤمنين
~~على المنابر، ولا ذكره بسوء، ولا القنوت عليه في الصلوات (1)، وأن يؤمن
~~شيعته ولا يتعرض لأحد منهم بسوء (2)، ويوصل كل ذي حق حقه (3). فأجابه
~~معاوية إلى ذلك كله وكتب بينه وبينه بذلك كتابا، وهذه صورة الكتاب - كتاب
~~الصلح - الذي استقر بينهم وهو:
# بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح (4) عليه الحسن بن علي بن أبي طالب،
# PageV02P728
# معاوية بن أبي سفيان، صالحه (1) على أن يسلم إليه أمر (2) المسلمين على
~~أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيرة
~~الخلفاء [الصالحين] الراشدين المهديين المهدين. وليس لمعاوية بن أبي سفيان
~~أن يعهد إلى أحد من بعده عهدا، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين.
~~وعلى (3) أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى في شامهم، ويمنهم،
~~وعراقهم، وحجازهم. وعلى أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم
~~ونسائهم وأولادهم حيث كانوا. وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله
~~وميثاقه [وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء وبما أعطى الله من نفسه].
~~وعلى أن لا يبغي (4) للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين غائلة ولا لأحد من أهل
~~بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) غائلة سوء سرا أو (5) جهرا، ولا يخيف
~~أحدا منهم في أفق من الآفاق. شهد عليه بذلك فلان وفلان وكفى بالله شهيدا
~~(6).
# PageV02P729
# ولما أبرم (1) الصلح بينهما التمس معاوية من الحسن (عليه السلام) أن
~~يتكلم ms140 بمجمع من الناس ويعلمهم أنه قد بايع معاوية، فأجابه إلى ذلك، فصعد
~~المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) ثم
~~قال: أيها الناس إن أكيس الكيس التقي، وأحمق الحمق الفجور. [والله] ولو
~~أنكم طلبتم ما بين جابرقا (2) وجابرصا (3) من جده رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) ما وجدتموه غيري وغير أخي الحسين، وقد علمتم أن الله تعالى جل ذكره
~~وعز اسمه هداكم بجدي محمد وأنقذكم [به] من الضلالة، وخلصكم [به] من
~~الجهالة، وأعزكم به بعد الذلة، وكثركم به بعد القلة، وان معاوية نازعني حقا
~~هو لي دونه، فتركته (4) لصلاح الأمة وقطع الفتنة، وقد كنتم بايعتموني على
~~أن تسالموا من
# PageV02P731
# سالمت (١) وتحاربوا من حاربت، فرأيت أن أسالم لمعاوية وأضع الحرب بيني
~~وبينه، وقد بايعته (٢)، وقد رأيت أن حقن دماء المسلمين خير من سفكها، ولم
~~(٣) أرد بذلك إلا صلاحكم وبقاءكم ﴿وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتع إلى حين﴾ (4). ثم
~~نزل وتوجه بعد ذلك إلى المدينة الشريفة وأقام بها (5).
# وكانت (6) مدة خلافته (عليه السلام) إلى أن صالح معاوية ستة أشهر وثلاثة
~~أيام، وقيل:
# خمسة أيام (7).
# وروى شيبة قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: الخلافة
~~ثلاثون سنة ثم تكون ملكا.
# PageV02P732
# وكان آخر ولاية الحسن تمام ثلاثين وثلاثة عشر يوما من أول خلافة أبي بكر
~~(1).
# وروى أنه لما تم الصلح لمعاوية واجتمع عليه الناس دخل عليه سعد بن أبي
~~وقاص (2) وقال: السلام عليك أيها الملك، فتبسم معاوية وقال: ما عليك يا أبا
~~إسحاق لو قلت يا أمير المؤمنين، قال: ما أحب أني وليتها بما ولينها به (3).
~~وروى ذلك صاحب تاريخ البديع.
# وروى أبو بشر الدولابي أن معاوية أعطى للحسن بعد أن تم الصلح بينه وبينه
~~خمسة آلاف درهم (4) وقيل: بل أعطاه مائة ألف دينار (5)، والله أعلم.
# PageV02P733
# فصل في ذكر وفاته (1) ومدة عمره وإمامته (عليه السلام) قال أبو علي الفضل
~~بن الحسن الطبرسي في كتابه " إعلام الورى " بعد أن تم (2)
# PageV02P734
# الصلح بين ms141 الحسن بن علي ومعاوية وخرج الحسن (عليه السلام) إلى المدينة
~~وأقام بها عشر سنين سقته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي السم، وذلك
~~بعد أن بذل لها معاوية على سمة مائة ألف درهم، فبقي مريضا أربعين يوما (1).
# وقال الحافظ أبو نعيم في حليته: إنه لما اشتد الأمر بالحسن قال: أخرجوا
~~فرشي إلى صحن الدار لعلي أتفكر (2) في ملكوت السماوات - يعني الآيات فلما
~~خرجوا به قال: اللهم إني أحتسب نفسي عندك فإنها أعز الأنفس علي (3).
# PageV02P736
# وعن عمرو بن إسحاق قال: دخلت أنا ورجل على الحسن بن علي نعوده فقال: يا
~~فلان سلني، فقلت: لا والله لا أسألك حتى يعافيك الله ثم أسألك [قال:
# فدخل عنا ثم خرج إلينا فقال: يا فلان سلني قبل أن لا تسألني، قال: بل
~~يعافيك الله تعالى ثم أسألك] قال: لقد ألقيت طائفة من كبدي (1)، وإني سقيت
~~السم مرارا فلم أسقه مثل هذه المرة] (2). ثم دخلت عليه من الغد [وهو يجود
~~بنفسه] فوجدت أخاه الحسين عند رأسه، فقال له الحسين: [من] تتهم (3) يا أخي؟
~~قال: لم؟ لتقتله؟ (4) قال: نعم، قال: إن يكن الذي أظنه فالله أشد بأسا وأشد
~~تنكيلا، وإن لم يكن (5) فما أحب أن
# PageV02P737
# يقتل بي بريء (1).
# وروي أنه لما حضرته الوفاة فكأنه جزع لذلك، فقال له أخوه الحسين: ما هذا
~~الجزع؟ إنك (2) ترد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى أمير المؤمنين
~~وهما أبواك، وعلى خديجة وفاطمة وهما أماك، وعلى القاسم والطاهر وهما خالاك
~~وعلى حمزة وجعفر وهما عماك، فقال له الحسن: يا أخي ما جزعي إلا أني داخل
~~(3) في أمر من أمر الله لم أدخل في مثله قط. وأرى خلقا من خلق الله لم أر
~~مثله (4) قط (5) فبكى. الحسين عند ذلك.
# ثم قال له الحسن: يا أخي قد حضرت وفاتي وحان فراقي [لك] وإني لاحق بربي
~~وأجد كبدي يتقطع وإني لعارف من أين دهيت وأنا أخاصمه إلى الله، فبحقي عليك
~~إن تكلمت في ذلك بشيء (6)، فإذا أنا قضيت [نحبي] فغمضني وغسلني وكفني ms142
~~واحملني على سريري إلى قبر جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأجدد به
~~عهدا، ثم ردني إلى (7)
# PageV02P738
# قبر جدتي فاطمة بنت أسد فأدفني هناك، وبالله أقسم عليك أن لا تهرق في
~~أمري محجمة دم (1). ثم وصى إليه بأهله وولده وتركاته (2) وجميع ما كان وصى
~~به إليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثم قضى نحبه (عليه
~~السلام) وذلك لخمس خلون من ربيع الأول سنة خمسين من الهجرة (3). وصلى عليه
~~سعيد بن
# PageV02P739
# العاص (1) فإنه كان يومئذ واليا على المدينة من جهة معاوية (2) وصلى عليه
~~الحسين (عليه السلام) (3) ودفن بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد (عليها
~~السلام) (4) وعمره (رض) إذ ذاك سبع وأربعون
# PageV02P740
# سنة (1)، كان منها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبع سنين (2)، ومع
~~أبيه بعد وفات رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثين سنة (3)، وعاش بعد
~~أبيه (عليه السلام) إلى حين وفاته عشر سنين (4)، وهذه مدة إمامته (عليه
~~السلام).
# فصل في ذكر أولاده (5) (عليه السلام)
# PageV02P742
# قال ابن الخشاب: ولد له أحد عشر ولدا وبنتا واحدة (1)، أسماء بنيه: عبد
~~الله (2)، والقاسم (3)
# PageV02P744
# والحسن (1)، وزيد (2)، وعمر (3)، وعبد الله (4)، وعبد الرحمن (5)، وأحمد
~~(6)، وإسماعيل (7)، والحسين (8)، وعقيل (9)، والبنت اسمها أم الحسن فاطمة
~~وهي أم محمد بن علي الباقر (عليه السلام) (10).
# قال الشيخ المفيد في رسالته: أولاد الحسن خمسة عشر [ولدا] ذكرا وأنثى
# PageV02P745
# وهم: زيد بن الحسن وأختاه أم الحسن وأم الحسين أمهم أم بشير بنت أبي
~~مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجية، والحسن بن الحسن أمه خولة بنت منظور
~~الفزارية، وعمرو [بن الحسن] وأخواه القاسم وعبد الله [ابنا الحسن] أمهم أم
~~ولد استشهدوا ثلاثتهم بين يدي عمهم الحسين (عليه السلام) بطف كربلاء رضي
~~الله عنهم وأرضاهم وأحسن عن الدين والإسلام وأهله جزاءهم [بطف كربلاء]،
~~وعبد الرحمن أمه أم ولد، والحسن [والحسين] بن الحسن الملقب بالأثرم وأخوه
~~طلحة وأختهما فاطمة [بنت الحسن] أمهم أم إسحق بنت طلحة بن عبيد الله (1)
~~التميمي، وأم عبد الله وفاطمة وأم سلمة ورقية بنات الحسن لأمهات أولاد ms143 شتى
~~(2).
# قال الشيخ كمال الدين بن طلحة: لم يكن لأحد من أولاد الحسن عقب غير اثنين
~~(3) منهم وهما الحسن وزيد [رض].
# تنبيه على ذكر شيء من خبرهما:
# فأما زيد بن الحسن فإنه كان يلي (4) صدقات رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله)، كان جليل القدر كريم الطبع طيب [ظريف] النفس كثير البر، وكان مسنا،
~~مدحه الشعراء وقصده الناس من الآفاق لطلب فضلة (5). ذكر أصحاب السير انه
~~لما ولي سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله بالمدينة: أما بعد، فإذا (6)
~~جاءك كتابي هذا فاعزل زيدا عن صدقات رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~وادفعها إلى فلان - إلى رجل من قومه وسماه [وأعنه على ما استعانك عليه،
~~والسلام]. فلما استخلف (7) الخلافة عمر بن عبد العزيز كتب
# PageV02P746
# إلى عامله بالمدينة: أما بعد، فإن زيد بن الحسن شريف بني هاشم وذو سنهم
~~فإذا جاءك كتابي هذا فاردد إليه صدقات رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~وأعنه على ما استعانك عليه [والسلام] (1).
# وفي زيد بن الحسن يقول محمد بن بشر [بشير] الخارجي يمدحه حيث يقول شعرا
~~(2):
# إذا نزل ابن المصطفى بطن تلعة * نفى جدبها واخضر بالنبت عودها وزيد ربيع
~~الناس في كل شتوة * إذا أخلفت أنواؤها ورعودها حمول لأشناق الديات (3) كأنه
~~* سراج الدجى إذ قارنته (4) سعودها ومات زيد بن الحسن وله تسعون سنة (5)
~~فرثاه جماعة من الشعراء وذكروا مآثره وفضله وكرمه، فممن رثاه قدامة بن
~~الموسى الجمحي يقول (6):
# فإن (7) يك زيد غالت الأرض شخصه * فقد بان (8) معروف هناك وجود وإن يك
~~أمسى رهن رمس فقد ثوى * به وهو محمود الفعال فقيد (9)
# PageV02P747
# سميع (1) إلى المعتر (2) يعلم أنه * سيطلبه المعروف ثم يعود وليس بقوال
~~وقد حط رحله * لملتمس المعروف (3): أين تريد إذا قصر الوعد الدني (4) نما
~~به * إلى المجد آباء له وجدود إذا مات منهم سيد قام سيد * كريم يبني بعده
~~(5) ويشيد وخرج (6) زيد بن الحسن من الدنيا ولم يدع الإمامة ولا ادعاها له
~~مدع من الشيعة ولا غيرهم، وذلك لأن الشيعة رجلان: إمامي وزيدي، فالإمامي
~~يعتمد في ms144 الإمامة النصوص وهي معدومة في ولد الحسن (عليه السلام) باتفاق،
~~ولم يدع ذلك أحد منهم لنفسه فيقع فيه الارتياب، والزيدي يراعي في الإمامة
~~بعد علي والحسن والحسين الدعوة والجهاد، وزيد بن الحسن كان مسالما لبني
~~أمية ومتقلدا من قبلهم الأعمال، وكان رأيه التقية لأعدائه والتألف لهم
~~والمداراة، وهذا يضاد (7) عند الزيدية خارج عن علامات الإمامة، فزيد على
~~هذه الأقوال خارج عنها بكل حال (8).
# وأما (9) الحسن بن الحسن فكان جليلا مهيبا رئيسا فاضلا ورعا زاهدا، وكان
~~يلي صدقات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [في وقته] بالمدينة.
# حكي عنه أنه كان يساير الحجاج يوما بالمدينة والحجاج إذ ذاك أمير
~~المدينة، فقال له الحجاج: يا حسن أدخل معك عمك عمرا على صدقات أبيه فإنه
~~عمك وبقية
# PageV02P748
# أهلك، فقال الحسن: لا أغير شرطا اشترطه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
~~(عليه السلام) ولا أدخل في صدقاته من لم يدخل (1)، فقال له الحجاج: أنا
~~[إذا] أدخله معك قهرا، فأمسك الحسن بن الحسن عنه.
# ثم ما كان إلا أن فارقه وتوجه من المدينة إلى الشام قاصدا عبد الملك بن
~~مروان بالشام، فوقف ببابه يطلب الإذن عليه، فوافاه يحيى بن أم الحكم وهو
~~بالباب فسلم عليه وسأله عن مقدمه وما جاء به فأخبره بخبره مع الحجاج فقال:
~~أسبقك بالدخول على أمير المؤمنين ثم ادخل أنت فتكلم واذكر قصتك فسترى ما
~~أفعل معك وأنفعك لأساعدك عنده إن شاء الله تعالى. فدخل يحيى بن أم الحكم ثم
~~دخل بعده الحسن بن الحسن، فلما جلس رحب به عبد الملك وأحسن مساءلته وكان
~~الحسن قد أسرع إليه الشيب، فقال له عبد الملك: لقد أسرع إليك الشيب (2) يا
~~أبا محمد، فبدر إليه ابن أم الحكم فقال: وما يمنعه شيبه يا أمير المؤمنين؟
~~شيبه (3) أماني أهل العراق يفد عليه (4) الركب بعد الركب في كل سنة يمنونه
~~الخلافة، فقال له الحسن: بئس والله الرفد رفدت، وليس الأمر كما قلت، ولكننا
~~أهل بيت يسرع إلينا الشيب (5)، وعبد الملك يسمع كلامهما، فأقبل عبد الملك
~~على ms145 الحسن وقال: هلم حاجتك يا أبا عبد الله لا عليك، فأخبره بقول الحجاج
~~له، فقال عبد الملك: ليس ذلك له، وكتب له كتابا يتهدده ويمنعه من ذلك (6).
# PageV02P749
# ووصل الحسن بن الحسن بأحسن صلة وأجازه بأحسن جائزة وقابله بأحسن مقابلة،
~~وجهزه راجعا إلى المدينة الشريفة على أحسن حال إلى الحجاج، فبعد أن خرج
~~الحسن من عنده قصده يحيى ابن أم الحكم واجتمع به فعاتبه الحسن على ما فعل
~~وقال له: هذا وعدك الذي وعدتني به؟ فقال له يحيى: إيها لك فوالله (1) ما
~~لويت عنك نفعا ولا ادخرت عنك جهدا، ولولا كلمتي هذه ما هابك (2) ولا قضى لك
~~حاجتك فاعرف ذلك لي (3).
# وروي: أن الحسن بن الحسن خطب إلى عمه الحسين إحدى ابنتيه فقال له:
# يا بني اختر أيهما أحب إليك، فاستحيى الحسن (رضي الله عنه) ولم يحر
~~جوابا، فقال له الحسين (عليه السلام): [فإني] قد اخترت لك ابنتي فاطمة، فهي
~~أكثر شبها بأمي فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فزوجها منه (4).
# وحضر الحسن بن الحسن مع عمه [الحسين] بطف كربلاء فلما قتل الحسين وأسر
~~الباقون من أهله وأسر من (5) جملتهم الحسن بن الحسن فجاء أسماء بن خارجة
~~فانتزع (6) الحسن من بين الأسرى وقال: والله لا يوصل إلى ابن خولة ابدا
~~(7).
# PageV02P750
# فقبض (1) الحسن بن الحسن وله خمس وثمانون (2) سنة من العمر وأخوه زيد حي
~~ووصى (3) إلى أخيه من أمه إبراهيم بن محمد بن طلحة (4) ولما مات الحسن بن
~~الحسن ضربت زوجته فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) على قبره فسطاطا وكانت
~~تقوم الليل وتصوم النهار، وكانت (رض) تشبه بالحور العين لجمالها، فلما كان
~~(5) رأس السنة قالت لمواليها: إذا أظلم الليل فقوضوا [هذا] الفسطاط، فلما
~~أظلم الليل وقوضوه سمعت قائلا يقول: " هل وجدوا ما فقدوا؟ " فأجابه آخر: "
~~بل يئسوا فانقلبوا " (6).
# ومضى الحسن بن الحسن ولم يدع الإمامة ولا ادعاها له مدع على ما سبق من
~~حال أخيه زيد (7).
# PageV02P751
# الفصل الثالث في ذكر الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) الإمام
~~الثالث ms146 وفي هذا الفصل عدة فصول في ذكر مولده ونسبه وكنيته ولقبه وغير ذلك
~~مما يتصل به (عليه السلام).
# ولد الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالمدينة لخمس خلون من
~~شعبان المكرم سنة أربع من الهجرة (1). وكانت والدته الطهر البتول فاطمة بنت
~~الرسول علقت به بعد
# PageV02P753
# أن ولدت أخاه الحسن (عليه السلام) بخمسين ليلة (1)، هكذا صح النقل في ذلك
~~فلم يكن بينه وبين أخيه من التفاوت سوى هذه المدة المذكورة ومدة الحمل (2).
# ولما ولد الحسين (عليه السلام) أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) به فجاءه
~~وأخذه وأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى، واستبشر به (صلى الله
~~عليه وآله) وسماه حسينا وعق عنه (صلى الله عليه وآله) كبشا وقال لأمه:
# احلقي رأسه وتصدقي بوزنه فضة وافعلي به كما فعلت بأخيه الحسن (عليه
~~السلام) (3).
# PageV02P754
# فصل في ذكر نسبه وكنيته ولقبه (عليه السلام) نسبه هو نسب أخيه من غير
~~زيادة، وقد تقدم ذكره فلا حاجة فيه إلى الإعادة (1).
# وأما كنيته (عليه السلام) فقال الشيخ كمال الدين بن طلحة: كنيته أبو عبد
~~الله لا غير (2).
# أما ألقابه فكثيرة: الرشيد، والطيب، والوفي، والسيد، والزكي، والمبارك،
~~والتابع لمرضاة الله تعالى، والسبط (3). فكل هذه كانت تقال له وتطلق عليه
~~وأشهرها الزكي ولكن أعلاها (4) رتبة ما لقبه بها (5) رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) في قوله فيه وفي (6) أخيه أنهما سيدا شباب أهل الجنة (7). فيكون
~~(8) السيد أشرفها، وكذلك السبط فإنه صح عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)
# PageV02P755
# أنه قال: حسين سبط من الأسباط (1)، وسيأتي هذا الحديث إن شاء الله تعالى.
# وكان الحسين (عليه السلام) أشبه الخلق بالنبي (صلى الله عليه وآله) من
~~سرته إلى كعبة (2). شاعره يحيى بن الحكم (3) وجماعة غيره، بابه أسعد الهجري
~~(4). نقش خاتمة " لكل أجل كتاب " (5)، معاصره يزيد بن معاوية وعبيد الله بن
~~زياد لعنهما الله.
# فصل فيما ورد في حقه (عليه السلام) من جهة النبي (صلى الله عليه وآله)
~~وهو فصل مستجلي الموارد والمصادر مستعلي المحامد والمفاخر، مشعرا بأن الحسن ms147
~~والحسين (عليهما السلام) أحرزا أعلى المعالي وأفخر المفاخر، فإن رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) خصهما من مزايا العلى بأتم معنى وأنزلهما من ذروة
~~الشرف بالمحل الأسنى، فمدح وأثنى وأفرد وثنى، فأما ما يخص الحسن (عليه
~~السلام) فقد تقدم في فضله، وأما ما يخص الحسين (عليه السلام) مع بعض
~~المشترك فهذا أوان حصده.
# فمن ذلك ما رواه الترمذي بسنده عن يعلى ابن مرة (6) قال: قال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله):
# PageV02P756
# حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط (1).
# وروي عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) (2) قال: اصطرع الحسن والحسين
~~(عليهما السلام) بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله): إيها حسن، فقالت فاطمة (عليها السلام) يا رسول الله
~~استنهضت الكبير على الصغير؟! فقال (صلى الله عليه وآله): هذا جبرائيل (عليه
~~السلام) يقول للحسين: إيها حسين خذ الحسن (3).
# PageV02P757
# وعن زيد [يزيد] بن أبي زياد قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من
~~بيت عائشة فمر على بيت فاطمة فسمع (صلى الله عليه وآله) حسينا يبكي، فقال:
~~ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني (1).
# وعن البراء بن عازب قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) حامل
~~الحسين بن علي على عاتقه وهو يقول: اللهم إني أحبه فأحبه (2).
# وروى الإمام محمد بن إسماعيل البخاري والترمذي كل منهما في صحيحه يرفعه
~~إلى ابن عمر أنه سأله رجل عن دم البعوض فقال: من أنت؟ قال: من أهل
# PageV02P758
# العراق، فقال: انظروا [إلى] هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت
~~النبي (صلى الله عليه وآله) وقد سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: هما
~~(1) ريحانتاي من الدنيا (2).
# وروي أنه سأله عن المحرم يقتل الذباب فقال: يا أهل العراق تسألون عن قتل
~~الذباب وقد قتلتم الحسين ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذكر الحديث
~~وفي آخره: هما سيدا شباب أهل الجنة (3).
# وروت أم الفضل (4) بنت الحارث أنها دخلت على رسول ms148 الله (صلى الله عليه
~~وآله) فقالت: يا رسول الله إني رأيت الليلة (5) حلما منكرا قال: وما هو؟
~~[قالت: إنه شديد، قال:
# وما هو؟] قالت: رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت (6) في حجري، فقال رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله): خيرا رأيت، تلد فاطمة غلاما فيكون في حجرك،
~~فولدت
# PageV02P759
# فاطمة الحسين (عليه السلام). قالت: وكان (1) في حجري [فأرضعته بلبن قثم]
~~كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدخلت به [يوما على النبي (صلى
~~الله عليه وآله)] فوضعته في حجره، ثم حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) تهراقان بالدموع (2) فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول
~~الله مالك تبكي؟ قال (صلى الله عليه وآله): أتاني جبرئيل (عليه السلام)
~~فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا، [و] أتاني بتربة من تربته حمراء (3).
# وروى البغوي بسنده يرفعه إلى أم سلمة أنها قالت: كان جبرئيل (عليه
~~السلام) عند النبي والحسين بن علي (عليه السلام) معي [فبكى فتركته] فغفلت
~~عنه فذهب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وجعله النبي (صلى الله عليه وآله)
~~على فخذه، فقال له جبرائيل أتحبه يا محمد؟ فقال (صلى الله عليه وآله): نعم،
~~فقال: أما أن أمتك ستقتله، وإن شئت أريتك [من] تربة الأرض التي يقتل بها
~~(4)، فبسط جناحه إلى الأرض فأراه (5) أرضا يقال لها كربلاء. تربة حمراء بطف
# PageV02P760
# العراق " (1).
# وروى الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي في كتابه معالم العترة
~~الطاهرة مرفوعا عن الأصبغ بن نباتة عن علي (عليه السلام): قال: أتينا مع
~~علي بن أبي طالب فمررنا بأرض كربلاء (2) [نزل وبكى وقال (3) علي (عليه
~~السلام): هاهنا مناخ ركابهم وهاهنا موضع رحالهم، وهاهنا مهراق دمائهم، فتية
~~(4) من آل محمد صلى الله عليه وآله أجمعين يقتلون بهذه (5) العرصة تبكي
~~عليهم السماء
# PageV02P761
# والأرض (1).
# ومنه يرفعه إلى عبد الله بن مسعود قال: بينما نحن جلوس عند النبي (صلى
~~الله عليه وآله) إذ أقبل (2) عليه فتية من بني هاشم (3) [فلما رآهم إغرورقت
~~عيناه] فتغير لونه ورؤي في وجهه كآبة فقلنا ms149 (4): يا رسول الله ما نزال (5)
~~نرى في وجهك شيئا نكرهه؟ فقال (صلى الله عليه وآله): إنا أهل بيت اختار
~~الله تعالى لنا الآخرة على الدنيا وإن أهل بيتي سيلقون بعدي تطريدا وتشريدا
~~(6).
# PageV02P762
# فصل في علمه وشجاعته وشرف نفسه وسيادته (عليه السلام) قال بعض أهل العلم:
~~علوم أهل البيت لا تتوقف على التكرار والدرس، ولا يزيد يومهم فيها على ما
~~كان في الأمس، لأنهم المخاطبون في أسرارهم والمحدثون في النفس. فسماء (1)
~~معارفهم وعلومهم بعيدة عن الإدراك واللمس، ومن أراد سترها كمن أراد ستر وجه
~~الشمس، وهذا مما يجب أن يكون ثابتا مقررا في النفس فهم يرون عالم الغيب في
~~عالم الشهادة، ويقفون على حقائق المعاني (2) في خلوات العبادة، وتناجيهم
~~ثواقب أفكارهم في أوقات أذكارهم بما تسنموا به غارب الشرف والسيادة، وحصلوا
~~بصدق توجيههم إلى جناب القدس فبلغوا به منتهى السؤال (3) والإرادة، فهم كما
~~في نفوس أوليائهم ومحبيهم وزيادة، فما تزيد معارفهم في زمان الشيخوخة على
~~معارفهم في زمن الولادة. وهذه أمور تثبت لهم بالقياس والنظر، ومناقب واضحة
~~الحجول بادية الغرر، ومزايا تشرق إشراق الشمس والقمر، وسجايا تزين عيون
~~التواريخ وعنوانات (4) الأثر. فما سألهم مستفيد أو ممتحن فوقفوا، ولا أنكر
~~منكر أمرا من الأمور إلا علموا وعرفوا، ولا جرى معهم غيرهم في مضمار شرف
~~إلا سبقوا، وقصر محاورهم وتحلقوا سنة جرى عليها الذين تقدموا منهم وأحسن
~~أتباعهم الذين خلفوا، وكم عانوا (5) في الجدال والجلاد أمورا فبلغوها (6)
~~بالرأي الأصيل والصبر الجميل فما استكانوا ولا ضعفوا، فبهذا وأمثاله
# PageV02P763
# سموا على الأمثال وشرفوا. تقر الشقاشق إذا هدرت شقاشقهم، وتصغي الأسماع
~~إذا قال قائلهم أو نطق ناطقهم، ويكشف الهوى إذا أفلست (1) به خلايقهم، ويقف
~~كل ساع عن شأوهم فلا يدرك فايتهم ولا ينال طرايقهم، سجايا منحهم بها
~~خالقهم، وأخبر بها صادقهم، فسر بها أولياؤهم وأصدقاؤهم (2) وحزن لها
~~مباينهم ومفارقهم.
# وقد حل الحسين (عليه السلام) من هذا البيت الشريف في أوجه وارتفاعه، وعلا
~~(3) محله فيه علوا تطامنت النجوم عن ارتفاعه، واطلع بصفا سره على غوامض
~~المعارف فانكشفت ms150 له الحقايق عند اطلاعه، وطار (4) صيته بالفضائل والفواضل
~~فاستوى الصديق والعدو في استماعه، ولما انقسمت غنائم المجد حصل على صعابها
~~(5) ومرتاعه (6)، فقد اجتمع فيه وفي أخيه (عليها السلام) من خلال الفضائل
~~ما لا خلاف في اجتماعه. فكيف لا يكونا كذلك وهما أبنا علي وفاطمة وسبطان
~~لمن كان سيد النبيين والمرسلين وخاتمهم والحسين (عليه السلام) هو الذي أرضى
~~غرب السيف والسنان ومال إلى منازلة الابطال والشجعان.
# قال الشيخ كمال الدين بن طلحة: اعلم أن الشجاعة من المعاني القائمة
~~بالنفوس ولها رجال أبطال وصناديد الشؤوس ولا يعرف صاحبها إلا إذا ضاق
~~المجال واشتد القتال وأحدقت الرجال بالرجال، فمن كان مجزاعا مهلاعا فنراه
~~يستركب الهزيمة ويستقبلها (7) يستوصب الدنية ويتطوقها، ويستعذب المغرة
~~ويستوثقها (8)، ويستصحب
# PageV02P764
# الذلة ويتعلقها فذلك (1) مهبول الأم، لا تعرف نفسه شرفا ولا له عن
~~الخساسة والدناءة منصرفا، ومن كان كرارا صبارا خائضا غمرات الأهوال بنفس
~~مطمئنة وعزيمة مرججة بعد مصافحة الصفاح غنيمة باردة، ومراوحة الرماح فائدة
~~وعائدة، ومكافحة الكتائب مكرمة زائدة، ومناوحة المصائب منقبة شاهدة، جانحا
~~إلى ابتياع العز بمهجته ويراها ثمنا قليلا جامحا عن ارتكاب الدنايا وإن
~~غادره جماحه قتيلا (2):
# يرى الموت أحلى من ركوب دنية * ولا يقتدي للناكصين عليلا (3) ويستعذب
~~التعذيب فيما يفيده * نزاهته عن أن يقاد (4) ذليلا فهذا مالك زمام الشجاعة
~~وحائزها، وله من قداحها معلاها وفايزها، وقد صحف النقلة (5) في صحائف السير
~~بما رواه وحرروا القول بما نقله المتقدم إلى المتأخر فيما رووه:
# إن الحسين (عليه السلام) لما قصد العراق وشارف الكوفة سمع به أميرها عبيد
~~الله بن زياد لعنه الله، فسرب الجنود لمقاتلته إسرأبا وحزب الجيوش (6)
~~لمحاربته أحزابا، وجهز إليه من العساكر عشرين ألف مقاتل، ما بين فارس
~~وراجل، فأحدقوا به شاكين في كثرة العدد والعديد، ملتمسين منه نزوله على حكم
~~بن زياد وبيعته ليزيد، فإن أبى ذلك فليؤذن بقتال يقطع الوتين وحبل الوريد،
~~ويصعد بالأرواح إلى المحل الأعلى ويطرح الأشباح على الصعيد، فتبعت نفسه
~~الأبية جدها وأباها، وعزفت عن ارتكاب الدنية فأباها، ونادته النخوة
~~الهاشمية فلباها ms151 ومنحها بالإجابة إلى مجانبة
# PageV02P765
# الذلة وحباها، فاختار مجالدة الجنود ومصادمة ضباها (1)، والصبر على
~~مقارعة صوارمها وكثرة وسم سباها.
# وكان أكثر هؤلاء الخارجين لقتاله قد كاتبوه وطاوعوه، وشايعوه وتابعوه،
~~وسألوه القدوم عليهم ليبايعوه، فلما جاءهم أخلفوه ما وعدوه، ومالوا إلى
~~السحت العاجل فقصدوه، فنصب نفسه (عليه السلام) وإخوته وأهله وكانوا نيفا
~~وسبعين (2) لمحاربتهم، واختاروا جميعهم القتل على متابعتهم ليزيد
~~ومبايعتهم، فاعتقلهم الفجرة الطغام ورشقتهم الرماح والسهام. هذا والحسين
~~(عليه السلام) ثابت (3) إقدامه في المعترك أرسى من الجبال، وقلبه لا يضطرب
~~لهول القتال ولا لقتال الرجال ولا لمنازلة الأبطال، ثم قال:
# يا أهل الكوفة قبحا لكم وتعسا حين استصرختمونا، فآتيناكم مرجفين فشحذتم
~~علينا سيفا كان في إيماننا، وحثثتم علينا نارا نحن أضرمناها على أعدائكم
~~وأعدائنا، فأصبحتم الباغين على أوليائكم، ويدا لأعدائكم من غير عدل أفشوه
~~فيكم، ولا ذنب كان منا إليكم، فلكم الويلات هلا إذ كرهتمونا تركتمونا،
~~والسيف ما سام، والجأش ما طاش، والرأي لم يستحصد، ولكنكم أسرعتم إلى بيعتنا
~~إسراع الذباب، وتهافتم تهافت الفراش، ثم نقضتمونا سفها وظلما، ألا لعنة
~~الله على الظالمين. ثم حمل عليهم وسيفه مصلت في يده وهو ينشد ويقول:
# أنا ابن علي الخير (4) من آل هاشم * كفاني بهذا مفخرا حين أفخر وجدي رسول
~~الله أكرم من مضى (5) * ونحن سراج الله في الأرض (6) نزهر
# PageV02P766
# وفاطم أمي من سلالة أحمد (1) * وعمي يدعى ذا الجناحين جعفر (2) وفينا
~~كتاب الله أنزل صادقا * وفينا الهدي والوحي بالخير (3) يذكر ولم يزل (عليه
~~السلام) يقاتل حتى قتل كثيرا من رجالهم وفرسانهم وشجعانهم خائضا في لجج
~~الحرب غمراتهم (4) غير هائب للموت من جميع جهاته، إلى أن تقدم إليه الشمر
~~بن ذي الجوشن في جموعه، وسيأتي تفصيل ما جرى له معه في فصل مصرعه إن شاء
~~الله تعالى (5).
# فصل في ذكر كرمه وجوده (عليه السلام) قال الشيخ كمال الدين بن طلحة " قد
~~اشتهر النقل عنه (عليه السلام) (6) أنه كان يكرم الضيف، ويمنح الطالب، ويصل
~~الرحم، وينيل الفقير (7)، ويسعف السائل، ويكسو العاري (8)، ويشبع الجائع،
~~ويعطى الغارم. ويشد ms152 من الضعيف، ويشفق على اليتيم، ويعين ذا
# PageV02P767
# الحاجة، وقل أن وصله مال إلا فرقه " (١). وفي الفصل المتقدم المعقود لكرم
~~أخيه (عليه السلام) وقصة المرأة التي ذبحت الشاة وما وصلها به لما أن جاءته
~~بعد أخيه الحسن من إعطائها الألف دينار وشرائه لها الألف شاة (٢) ما يعرفك
~~أن الكرم ثابت لهؤلاء القوم حقيقة ولغيرهم مجاز، إذ كل واحد منهم ضرب فيه
~~بالقدح المعلى، فحاز منه ما حاز، فهم بحار يجارون (٣) الغيوث سماحة،
~~ويبارون الليوث حماسة، ويعدلون الجبال حلما ورجاحة، فهم البحور الزاخرة
~~والسحب الهامية الماطرة، وفيه يقول الشاعر:
# فما كان من جود أتوه فإنما * توارثه آباء آبائهم قبل وهل ينبت الخطى إلا
~~وشجه (٤) * وتغرس إلا في مغارسها النخل قال أنس: كنت عند الحسين (عليه
~~السلام) فدخلت عليه جارية بيدها (٥) بطاقة ريحان [فحيته بها] فقال [لها]:
~~أنت حرة لوجه الله تعالى [وبهر أنس فانصرف يقول] فقلت له: جارية تحييك (٦)
~~بطاقة ريحان لا حظ (٧) لها ولا بال فتعتقها؟! فقال: [كذا أدبنا الله] أما
~~سمعت قوله تعالى ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا
~~بأحسن منها﴾ (8) وكان أحسن منها عتقها (9).
# PageV02P768
# وكتب إليه أخوه الحسن يلومه على إعطائه الشعراء، فكتب إليه: أنت أعلم مني
~~(١) بأن خير المال ما وقى العرض (٢).
# وجنى غلام له (٣) جناية توجب العقاب عليه (٤) فأمر بتأديبه [أن يضرب]
~~فقال: يا مولاي قال الله تعالى (والكاظمين الغيظ) قال (عليه السلام): خلوا
~~عنه فقد كظمت غيظي، فقال: [يا مولاي] (والعافين عن الناس) قال (عليه
~~السلام): قد عفوت عنك، فقال: [يا مولاي]:
# ﴿والله يحب المحسنين﴾ (5) قال:
~~أنت حر لوجه الله تعالى، وأجازه بجائزة سنية (6).
# وقيل: أن معاوية لما قدم مكة وصله بمال كثير وثياب وافرة وكسوة فاخرة فرد
~~الجميع عليه ولم يقبل منه شيئا (7)، فهذه سجية الجود وشنشنة الكرم وصفة من
~~حوى مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم. ومما يؤذنك بكرمه وسماحته ذكر ما تقدم في
~~الفصل الذي قبل هذا من ثبات قلبه وشجاعته، إذ الشجاعة والسماحة توأمان
~~ورضيعا ms153 لبان، فالجواد شجاع والشجاع جواد، وهذه قاعدة كلية وإن خرج منها بعض
~~الآحاد، ومن خاف الوصمة في شرفه جاد بالطريف من ماله والتالد، وقد قال أبو
~~تمام في الجمع بينهما فأجاد (8):
# وإذ رأيت أبا يزيد في ندى * ووغى ومبدي غارة ومعيدا أيقنت أن من السماح
~~شجاعة * تدنى وأن من الشجاعة جودا
# PageV02P769
# وقال آخر في هذا المعنى:
# يجود بالنفس إن ظن البخيل بها * والجود بالنفس أقصى غاية الجود وقيل:
~~الكريم شجاع القلب، والبخيل شجاع الوجه.
# فصل في ذكر شيء من محاسن كلامه وبديع نظامه (عليه السلام) قال الشيخ كمال
~~الدين بن طلحة الشافعي: كانت الفصاحة لديه خاضعة والبلاغة لأمره زامعة
~~طائعة، وأما نظمه فيعد من الكلام جوهر عقد منظوم ومشهود برد مرقوم (1)،
~~انتهى.
# فمن كلامه (عليه السلام): حوائج الناس إليكم من نعم الله [عز وجل] عليكم
~~فلا تملوا النعم فتعود نقما (2).
# وقال (عليه السلام): صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤالك، فأكرم وجهك عن
~~رده (3).
# وقال (عليه السلام) في خطبة: أيها الناس، نافسوا في المكارم، وسارعوا في
~~المغانم، ولا تحتسبوا (4) بمعروف ولم تجعلوه، واكتسبوا الحمد بالنجح ولا
~~تكسبوه بالمبطل، فمهما يكن لأحد عند أحد صنعة ورأى أنه لا يقوم بشكرها
~~فالله تعالى له بمكافاته بمكان وذلك أجزل عطاء وأعظم أجرا. واعلموا أن
~~المعروف يكسب حمدا ويعقب أجرا، فلو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه حسنا جميلا
~~يسر الناظرين، ولو رأيتم اللؤم رأيتموه منظرا قبيحا تنفر منه القلوب وتغض
~~منه الأبصار. أيها الناس، من
# PageV02P770
# جاد ساد، ومن بخل ذل (1)، فإن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه، وأعف
~~الناس من عفا عن قدرة، وإن أوصل الناس من وصل من قطعه، ومن أراد بالصنيعة
~~إلى أخيه وجه الله تعالى كافأه الله تعالى بها في وقت حاجته وصرفت عنه من
~~البلاء بأكثر من ذلك، ومن نفس عن أخيه كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه
~~كربة من كرب الآخرة، ومن أحسن أحسن الله إليه والله يحب المحسنين (2).
# ومن كلامه (عليه السلام): الحلم زينة، والوفاء مروة، والصلة ms154 نعمة،
~~والاستكثار صلف، والعجلة سفه، والسفه ضعف، والغلو (3) ورطة، ومجالسة
~~الدناءة شر ومجالسة أهل الفسوق (4) ريبة (5).
# وقيل: كان بينه وبين أخيه الحسن (عليه السلام) كلام فقيل له: اذهب إلى
~~أخيك الحسن فاسترضه وطيب خاطره فإنه أكبر منك، فقال: سمعت جدي رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) يقول:
# " أيما اثنين جرى بينهما كلام فطلب أحدهما رضا الآخر كان السابق سابقه
~~إلى الجنة " وأكره ان اسبق أخي الأكبر إلى الجنة. فبلع الحسن قوله (عليه
~~السلام) فأتاه وترضاه (6).
# فهذه الألفاظ تجاري الهوى رقة ومتانة، وتنبئك بأن لهم عند الله أكبر
~~منزلة وعلو مكانة، توارثوا البيان كابرا عن كابر وتسنموا تلك الفضائل
~~كتسنمهم متون المنابر، وتساووا في مضمار المعارف فالآخر يأخذ عن الأول
~~والأول يملي على الآخر.
# شرف تتابع كابر عن كابر * كالرمح أنبوبا على أنبوب (7)
# PageV02P771
# وأما نظمه (عليه السلام) فمن ذلك ما نقله عنه ابن أعثم صاحب كتاب الفتوح
~~وهو أنه (عليه السلام) لما أحاطت به جموع بن زياد لعنه الله وقتلوا من
~~قتلوا من أصحابه ومنعوهم الماء كان له ولد صغير فجاءه سهم فقتله فرمله
~~الحسين (عليه السلام) وحفر له بسيفه وصلى عليه ودفنه، وقال شعرا:
# كفر (1) القوم وقدما رغبوا * عن ثواب الله رب الثقلين قتلوا (2) قدما
~~عليا وابنه * حسن الخير كريم الأبوين (3) حسدا منهم وقالوا أجمعوا (4) *
~~نقتل الآن جميعا للحسين خيرة الله من الخلق أبي * ثم أمي (5) فأنا ابن
~~الخيرتين فضة قد خلصت (6) من ذهب * فأنا الفضة وابن الذهبين من له جد كجدي
~~في الورى * أو كشيخي فأنا (7) ابن القمرين فاطم الزهراء أمي وأبي * قاصم
~~الكفر ببدر وحنين وله في يوم أحد وقعة * شفت الغل بفض العسكرين ثم بالأحزاب
~~والفتح معا * كان فيها حتف أهل الوثنين (8)
# PageV02P772
# ومن ذلك ما حكي أن الفرزدق (1) لقيه (عليه السلام) وهو متوجه إلى الكوفة
~~فقال له: يا ابن [بنت] رسول الله، كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا
~~ابن عمك مسلم بن عقيل [وشيعته؟! فاستعبر الحسين بالبكاء، ثم قال:] فترحم
~~على مسلم بن عقيل [رحم ms155 الله مسلما] وقال: أما أنه (2) صار إلى رحمة الله
~~[وريحانه وجنته] تعالى
# PageV02P773
# ورضوانه [أما أنه] قد قضى ما عليه وبقي ما علينا، وأنشد (1) يقول:
# فإن (2) تكن الدنيا تعد نفيسة * فإن (3) ثواب الله أعلى وأنبل (4) وإن
~~تكن (5) الأبدان للموت أنشئت * فقتل امرء في الله بالسيف أفضل وإن تكن
~~الأرزاق قسما (6) مقدرا * فقلة حرص (7) المرء في الكسب أجمل وإن تكن
~~الأموال للترك جمعها * فما بال متروك به المرء يبخل (8) ومن نظمه (عليه
~~السلام):
# ذهب الذين احبهم * وبقيت فيمن لا أحبه فيمن أراه يسبني * ظهر المغيب ولا
~~أسبه أفلا يرى أن فعله * مما يسير (9) إليه غبه حسبي بربي كافيا * مما
~~اختشى والبغي حسبه
# PageV02P774
# ولعل من يبغى عليه * [فما] إلا كفاه الله ربه (1) وقال (عليه السلام):
# إذا ما عضك الدهر * فلا تجنح إلى الخلق (2) ولا تسأل سوى الله * تعالى
~~قاسم الرزق فلو عشت وطوقت * من الغرب إلى الشرق لما صادفت من يقدر * أن
~~يسعد أو يشقي (3) وقال (عليه السلام) من قصيدة طويلة هذا أولها:
# إذا استنصر المرء امرء لا يدا له * فناصره والخاذلون سواء انا ابن الذي
~~قد تعلمون (4) مكانه * وليس على الحق المبين طحاء (5) أليس رسول الله جدي
~~ووالدي * أنا البدر إن خلا النجوم خفاء ألم ينزل القرآن خلف بيوتنا * صباحا
~~ومن بعد الصباح مساء ينازعني والله بيني وبينه * يزيد وليس الأمر حيث يشاء
~~فيا نصحاء الله أنتم ولاته * وأنتم على أديانه أمناء بأي كتاب أم بأية سنة
~~* تناولها عن أهلها البعداء (6) وقال أبو مخنف: كان [مولانا] الحسين بن علي
~~تعلوه (7) الكراهة لما كان عليه
# PageV02P775
# من أمر أخيه الحسن (عليه السلام) من صلح معاوية ويقول: لو جز أنفي بموس
~~[ل] كان أحب إلي مما فعله أخي. وقال في ذلك (1):
# فما ساءني شيء كما ساءني أخي * ولم أرض والله الذي كان صانعا ولكن إذا ما
~~الله أمضى قضاءه * فلابد يوما أن تر الأمر واقعا ولو أنني شورت فيه لما
~~رأوا * قرينهم (2) إلا عن الأمر شاسعا ولم أك أرضى بالذي قد رضوا به * ولو
~~جمعت ms156 كل (3) إلى المجامعا ولو حز (4) أنفي قبل ذلك حزة * بموس لما ألقيت
~~للصلح طائعا (5) فصل في ذكر مخرجه (عليه السلام) إلى العراق وذلك أن معاوية
~~لما استخلف ولده يزيد وذلك في سنة ست وخمسين (6) ثم مات معاوية في سنة ستين
~~(7) ثم لم تكن ليزيد همة (8) إلا أن كتب إلى الوليد بن
# PageV02P776
# عتبة (1) بن أبي سفيان عاملهم على المدينة يخبره بموت معاوية ويأمره أن
~~يأخذ البيعة له من (2) الحسين بن علي وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن
~~الزبير أخذا ليست فيه رخصة (3) أول الناس قبل ظهور الأمر وإفشائه ويشدد
~~عليهم في ذلك.
# فلما قرأ الوليد الكتاب عظم عليه هلاك معاوية وما أمره يزيد من أخذه
~~البيعة على هؤلاء الثلاثة، فاستدعى (4) مروان بن الحكم وقرأ عليه الكتاب،
~~فاسترجع (5) مروان وشق عليه موت معاوية، فقال له الوليد: ما الرأي؟ كيف
~~تصنع في هؤلاء النفر الثلاثة الذين أمرني بأخذ البيعة عليهم؟ فقال له: أرى
~~أن تدعوهم الساعة وتأخذهم بالبيعة، فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم، وإن
~~أبوا [قدمتهم] فضربت
# PageV02P777
# أعناقهم قبل أن يعلم (1) أحد منهم بموت معاوية، لأنهم إن علموا بموت
~~معاوية (2) وثب كل واحد منهم بناحيته وأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه، ورأيي أن
~~ابن عمر لا يحب القتال ولا يحب ان يولي (3) شيئا من أمور الدنيا بالقتال
~~إلا أن يدفع عليه هذا الأمر عفوا، فأرسل إلى الحسين وإلى ابن الزبير لاغير
~~(4).
# فأرسل الوليد إلى الحسين وإلى ابن الزبير غلاما حدثا (5) من شيعته (6)
~~يدعوهما إلى الحضور إليه، وكانا جالسين في المسجد، فأتاهما في ساعة متأخرة
~~لم يكن الوليد يجلس فيها لأحد (7) فقال: أجيبا (8) الأمير، فقالا له:
~~انصرف، الآن نأته. ثم أخذا يتشاوران، فقال [عبد الله] ابن الزبير للحسين
~~(عليه السلام): ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها إلا
~~لأمر قد حدث (9)؟ فقال الحسين: نعم، أظن أن طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا
~~ليأخذنا
# PageV02P778
# بالبيعة (1) ليزيد قبل أن يفشى (2) الخبر في الناس (3)، فقال ابن الزبير:
~~والله ما أظن غيره فما ms157 تريد أن تصنع (4)؟ قال الحسين (عليه السلام): أجمع
~~فتياني الساعة (5) ثم أمشي إليه وأجلسهم قريبا من مجلسي وأنظر ما خبره (6)،
~~قال: فإني أخاف بعد دخولك عليه أن لا تنجو من شره (7)، قال:
# لا أدخل عليه إلا وأنا قادر عن الامتناع منه (8).
# ثم قام الحسين فجمع حاشيته وأهل بيته ثم دخل عليه وأدخلهم معه وأجلسهم
~~بحيث يروا مكانه ويسمعوا كلامه قريبا من مجلسهم، وقال: إن دعوتكم أو سمعتم
# PageV02P779
# صوتي قد علا فائتوني بأجمعكم وإلا مكانكم حتى آتيكم. ثم دخل عليه مجلسه
~~فسلم عليه وجلس، ووجد مروان جالسا عنده فتحادثوا ساعة، ثم إن الوليد أخبره
~~بموت معاوية ودعاه إلى بيعة يزيد ووعده عن يزيد بخير جزيل، فاسترجع الحسين
~~(عليه السلام) لموت معاوية (1) وقال: مثلي لا يبايع، فإذا خرجت إلى الناس
~~ودعوتهم إلى البيعة أنا من جملتهم ويكون الأمر واحدا، ثم وثب الحسين قائما
~~وولى (2). فقال مروان للوليد:
# لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت (3) على مثلها، أحبسه فإن بايع وإلا
~~اضرب عنقه (4)
# PageV02P780
# فوثب (1) إليه الحسين وقال: [ويلي عليك]، يا ابن الزرقاء (2) أنت تضرب
~~(3) عنقي أم هو؟ كذبت والله (4).
# ثم خرج من الباب (5) قال: وكان الوليد يحب العافية (6) فالتفت إلى مروان
~~وقال
# PageV02P781
# له: ويح [وبخ] غيرك، والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت [عنه]
~~من مال الدنيا وملكها إذا قتلت حسينا [سبحان الله! أقتل حسينا] إن (1) قال
~~لا أبايع، فسكت (2) مروان (3).
# وأما ابن الزبير فقال للرسول: الآن آتيكم (4)،
# PageV02P782
# فألح عليه (1) الوليد في الطلب وهو يقول: امهلوني (2). ثم إن ابن الزبير
~~أرسل أخاه [إلى] الوليد وهو يقول: إنك أفزعتني وأرعبتني بمتابعة رسلك إلي
~~وطلبتك لي وأريد أن تحملني إلى الليل وآتيك إن شاء الله تعالى، فخلى عنه
~~(3). فلما كان الليل هرب (4) ابن الزبير هو وأخوه جعفر (5) إلى مكة المشرفة
~~ليس معهما [ثالث] وأخذا على طريق الفرع (6)، فأرسل الوليد بعد أن دخل الليل
~~يطلبه فلم يجده، فلما أصبح أرسل في طلبه فلم يدركه ولم يعلم إلى أى جهة أخذ
~~(7).
# PageV02P783
# وأما الحسين (عليه ms158 السلام) فإنه أخذ (١) معه بنيه وإخوته وبني أخيه (٢)
~~وجميع أهله (٣) وحاشيته وخرج في الليلة الثانية (٤) من المدينة قاصدا مكة
~~المشرفة فكفوا عنه ولم يتعرض أحد. وعند خروجه من المدينة قرأ قوله تعالى ﴿فخرج منها خآئفا يترقب قال رب نجنى من
~~القوم الظالمين﴾ (٥). فلما دخل مكة قرأ قوله تعالى ﴿عسى ربى أن يهدينى سوآء السبيل﴾ (6) (7).
# PageV02P784
# ثم إن الوليد بن عتبة أرسل (1) أيضا إلى ابن عمر وسأله المبايعة (2) قال:
~~إذا بايع الناس بايعت، فتركوه وكانوا لا يتخوفونه (3).
# قال: ولما خرج الحسين من المدينة إلى مكة لقيه عبد الله بن مطيع (4) فقال
~~له:
# جعلت فداك أين تريد؟ قال: أما الآن (5) فمكة، وأما بعد [ها فإني] أستخير
~~الله تعالى، فقال: خار الله لك وجعلنا فداك، فإذا [أنت] أتيت مكة فإياك أن
~~تقرب الكوفة فإنها بلدة مشؤومة، بها قتل أبوك وخذل أخوك [واغتيل بطعنة كانت
~~تأتي على نفسه] والزم الحرم فإنك سيد العرب ولا يعدل (6) بك [والله] أهل
~~الحجاز أحدا ويتداعى إليك الناس من كل جانب، لا تفارق الحرم فداك عمي
~~وخالي، فوالله لئن (7) هلكت لنسترقن بعدك.
# فأقبل الحسين حتى دخل مكة المشرفة ونزل بها وأهلها يختلفون إليه ويأتونه
~~وكذلك من بها من المجاورين والحاج والمعتمرين من سائر أهل الآفاق (8)،
# PageV02P785
# وابن الزبير أيضا قد نزل بها ولزم جانب الكعبة، ولم يزل قائما يصلي عندها
~~عامة النهار ويطوف جانبا من الليل، ومع ذلك يأتي الحسين ويجلس إليه وقد
~~ثقلت وطأة الحسين على ابن الزبير، لأن أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام
~~الحسين بالبلد، ولا يتهيأ له ما يطلب منهم مع وجود الحسين (1).
# ولما بلغ أهل الكوفة موت (2) معاوية وامتناع (3) الحسين وابن عمر وابن
~~الزبير من البيعة وأن الحسين سار إلى مكة اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن
~~صرد (4) بالكوفة وتذاكروا أمر الحسين ومسيره إلى مكة، قالوا: نكتب إليه
~~يأتينا الكوفة، فكتبوا إليه كتبا من رؤسائهم من سليمان بن صرد ومن المسيب
~~بن نجبة (5) ورفاعة بن ms159 شداد وحبيب بن مظاهر وشبث بن ربعي ويزيد بن الحارث
~~ويزيد بن رويم (6) وعروة (7) بن قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد بن عمر
~~التميمي (8)
# PageV02P786
# وغيرهم من أعيان الشيعة ورؤساء أهل الكوفة قريبا من نحو مائة (1) كتاب،
~~وسيروا الكتب (2) مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن والي (3) وهم
~~يحثونه فيها على القدوم عليهم والمسير إليهم على كل حال، وكتاب واحد عام
~~على لسان الجميع كتبوه وأرسلوه مع القاصدين وصورته:
# بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي أمير المؤمنين من شيعته وشيعة
~~أبيه علي (عليه السلام) أما بعد، فإن الناس ينتظرونك (4) لا رأي لهم في
~~غيرك، فالعجل العجل
# PageV02P787
# يا ابن رسول الله لعل الله تعالى أن يجمعنا بك على الحق ويؤيد بك
~~المسلمين والإسلام بعد أجزل السلام وأتمه عليك ورحمة الله وبركاته (1).
# PageV02P788
# فكتب جوابهم (1) صحبة (2) القاصدين وسير معهم ابن عمه مسلم بن عقيل (3)
~~[فلما وصلوا إليهم اجتمع الشيعة على مسلم بن عقيل] وأخذ عليهم البيعة
~~للحسين بن علي (عليه السلام)، فكتب والي الكوفة وهو يومئذ النعمان بن بشير
~~(4) إلى يزيد بن معاوية يخبره بذلك (5)، فجهز يزيد عند ذلك إلى الكوفة عبيد
~~الله بن
# PageV02P789
# زياد (1)، فلما قرب من الكوفة تنكر (2) ودخلها ليلا (3) وأوهم أنه الحسين
~~ودخلها من جهة البادية (4) في زى أهل الحجاز، وصار كلما اجتاز بجماعة يسلم
~~عليهم فيقومون له ويقولون مرحبا (5) بابن رسول الله (6) - ظنا منهم أنه
~~الحسين - (7) فلما رأى عبيد الله
# PageV02P790
# تباشرهم بالحسين ساءه (1) ذلك وتكشفت له أحوالهم.
# ثم إنه قصد قصر الإمارة وجاء يريد الدخول إليه فوجد النعمان بن بشير قد
~~أغلقه وتحصن فيه هو وأصحابه وذلك أن النعمان بن بشير هو وأصحابه ظنوا (2)
~~ان ابن زياد هو الحسين (عليه السلام) فصاح بهم (3) عبيد الله بن زياد:
~~افتحوا (4) لا بارك الله فيكم ولا كثر في أمثالكم، فعرفوا صوته لعنه الله
~~وقالوا: ابن مرجانة؟!
# فنزلوا وفتحوا له ودخل القصر وبات به (5) فلما أصبح جمع الناس فصال وجال
~~وقال فطال (6) وأرعد وأبرق، وأمسك جماعة من أهل الكوفة فقتلهم في ms160
# PageV02P791
# الساعة (1) ثم إنه تحيل عليهم حتى ظفر بمسلم بن عقيل فمسكه وقتله. (2)
# PageV02P792
# وكان (1) الحسين بن علي (عليه السلام) بعد أن سير ابن عمه مسلم بن عقيل
~~إلى الكوفة لم يقم بعده إلا قليلا (2) حتى تجهز للمسير في أثره بجميع أهله
~~وولده وخاصته وحاشيته (3)
# PageV02P794
# فأتاه عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي (1) فقال: إني جئتك
~~(2) لحاجة أريد ذكرها (3) نصيحة لك، فإن كنت ترى أنك تستنصحني (4) قلتها لك
~~وأديت ما يجب علي من الحق فيها، وإن ظننت أني غير ناصح لك كففت عما أريد أن
~~أقوله لك. فقال: فو الله ما استغشك وما أظنك بسيئ الرأي (5) [ولا هوى
~~القبيح من الأمر والفعل] فقال له: قد بلغني أنك تريد العراق وأني مشفق عليك
~~أن تأتي بلدا فيها عمال يزيد وأمراؤه ومعهم بيوت الأموال وإنما الناس عبيد
~~الدراهم والدنانير فلا آمن عليك أن يقاتلك (6) من وعدك نصره ومن أنت أحب
~~إليه ممن يقاتلك وذلك عند البذل وطمع الدنيا (7).
# فقال له الحسين (عليه السلام): جزاك الله خيرا من ناصح، لقد مشيت (8) يا
~~ابن عبد الرحمن بنصح وتكلمت بعقل ولم تنطق عن هوى، ولكن مهما يقضي من أمر
~~يكن
# PageV02P795
# اخذت (1) برأيك أم تركت (2) مع أنك عندي أحمد مشير وأنصح (3) ناصح (4).
# ثم جاءه بعد ذلك عبد الله بن عباس (5) (رضي الله عنه) ومعه جماعة من أهل
~~ذوي الحنكة والتجربة والمعرفة بالأمور فقال: [إنه قد شاع الخبر في] أن
~~الناس قد أرجفوا بأنك سائر إلى العراق [فبين لي ما أنت صانع] فهل عزمت على
~~شيء من ذلك؟
# فقال الحسين: نعم إني قد أجمعت (6) على المسير في [أيامي هذه إن شاء الله
~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم] أحد يومي هذين، أريد اللحاق بابن
~~عمي مسلم بن عقيل إن شاء الله تعالى، فقال ابن عباس والجماعة الذين معه:
~~نعيذك (7) بالله من ذلك، أخبرنا أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم
~~ونفوا عدوهم؟
# فإن كانوا قد فعلوا فسر إليهم، وإن كانوا إنما دعوك [إليهم] وأميرهم قائم ms161
~~عليهم قاهر لهم وعمالهم تجبي (8) بلادهم وتأخذ خراجهم فإنما (9) دعوك إلى
~~الحرب [والقتال] ولا آمن عليك من أن يغروك ويكذبوك ويخذلوك ويتبعوك ثم
~~يستفزوا إليك فيكونوا أشد الناس عليك (10). فقال الحسين (عليه السلام) إني
~~أستخير الله تعالى ثم (11)
# PageV02P796
# أنظر ماذا يكون (1).
# فخرج ابن عباس والجماعة الذين معه، فبعد أن خرجوا عنه جاء (2) ابن الزبير
~~فجلس عنده ساعة يتحدث ثم قال: [ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم وكفنا عنهم و
~~نحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم] أخبرني ما تريد أن تصنع؟ بلغني
~~أنك سائر إلى العراق، فقال الحسين: نعم، نفسي تحدثني (3) بإتيان الكوفة،
~~وذلك أن جماعة من شيعتنا وأشراف الناس كتبوا إلى كتبا يحثونني على المسير
~~إليهم ويعدونني النصرة والقيام معي بأنفسهم وأموالهم ووعدتهم بالوصول
~~إليهم، وأنا أستخير الله تعالى (4).
# فقال له ابن الزبير: أما أنه لو كان لي بها شيعة مثل شيعتك ما عدلت عنهم
~~(5)، ثم إنه خشي أن يتهمه فقال: وإن رأيت أنك تقيم هنا بالحجاز وتريد هذا
~~الأمر قمنا معك وساعدناك وبايعناك ونصحنا لك (6). فقال له الحسين (عليه
~~السلام): إن أبي حدثني أن لها
# PageV02P797
# كبشا به تستحل حرمتها، فما أحب أن أكون [أنا] ذلك الكبش (1)، والله لئن
~~قتلت خارجا من مكة بشبر أحب إلي من أن أقتل بداخلها، ولئن أقتل خارجها
~~بشبرين أحب إلي من أقتل بداخلها بشبر واحد (2).
# فقام ابن الزبير وخرج من عنده فقال الحسين (عليه السلام) لجماعة كانوا
~~عنده من خواصه:
# إن هذا الرجل - يعنى ابن الزبير - ليس في الدنيا شيء أحب إليه من أن أخرج
~~من الحجاز، وقد علم أن الناس لا يعدلون بي ما دمت فيه فيود أني خرجت منه
~~لتخلو له (3).
# PageV02P798
# فلما كان من الغد (1) فإذا بعبد الله بن عباس (رضي الله عنه) وقد جاء إلى
~~الحسين (عليه السلام) ثانيا فقال: يا ابن عم إني اتصبر ولا أصبر، إني أتخوف
~~عليك من هذا الوجه الهلاك والاستئصال، إن أهل العراق قوم غدر (2) فلا
~~تأمنهم (3) وأقم بهذا البيت (4) الشريف فإنك سيد أهل الحجاز، ms162 وإن كان أهل
~~العراق يريدونك كما زعموا فاكتب (5) إليهم فلينفوا عاملهم ويخرجوه عنهم ثم
~~أقدم عليهم، وإن رأيت فسر إلى اليمن فإن فيها حصونا وشعابا وهي أرض طويلة
~~عريضة ولأبيك بها شيعة كثيرة وأنت عن الناس في عزلة (6) فتكتب إلى الناس
~~ويكتبون إليك وتبث (7) دعاتك فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الفرج الذي تحب في
~~عافية " (8) فقال الحسين (عليه السلام): يا ابن العم اعلم أنك [والله] ناصح
~~مشفق ولكني قد أزمعت وأجمعت (9)
# PageV02P799
# على المسير إلى هذا الوجه (1).
# فقال له ابن عباس: فإن كنت سائرا ولابد فلا تسر بنسائك وصبيتك (2)، قال:
~~لا أتركهم خلفي (3)، فقال له ابن عباس: والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم
~~أني إذا أخذت بناصيتك وأخذت بناصيتي حتى يجتمع علي وعليك الناس أطعتني
~~وأقمت لفعلت (4). ثم خرج عنه ابن عباس وهو يقول: والله لقد أقررت (5) عين
~~ابن الزبير بمخرجك (6) من الحجاز (7).
# وعند خروج ابن عباس من عند الحسين صدفه ابن الزبير فقال: ما وراءك يا عم؟
~~قال
# PageV02P800
# ما يقر عينك، هذا الحسين (عليه السلام) يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز
~~ثم ولى عنه وهو ينشد (1):
# يا لك من قبرة بمعمر * خلا لك الجو فبيضي واسفري ونقري إن شئت أن تنقري *
~~هذا الحسين خارج فاستبشري (2) ثم إنه وردت على الحسين (عليه السلام) كتب من
~~أهل المدينة من عند عبد الله بن جعفر (3) على يدي ابنيه عون (4) ومحمد (5)
~~ومن سعيد بن العاص (6) ومعه جماعة من أعيان المدينة وكل منهم يشير
# PageV02P801
# عليه أن لا يتوجه نحو العراق ولا يأتيه ولا يقربه فليس له فيه مصلحة وأن
~~يقيم بمكة (1).
# هذا كله والقضاء غالب على أمره، فلم يكترث بما قيل له، ولم يلتفت إلى ما
~~كتب إليه (ليقضى الله أمرا كان مفعولا). (2) فخرج من مكة يوم الثلاثاء وهو
~~يوم
# PageV02P802
# التروية الثامن من ذي الحجة الحرام سنة ستين ومعه اثنان وثمانون رجلا من
~~أهل بيته وشيعته ومواليه (1)، ولم يزل سائرا حتى كان الصفاح (2) فلقيه
~~الفرزدق الشاعر (رحمه الله) فنزل فسلم على الحسين (عليه ms163 السلام) وقال له:
~~أعطاك الله سؤلك وبلغك مأمولك (3) في جميع ما تحب، فقال له الحسين (عليه
~~السلام): من أين أقبلت يا أبا فراس؟ فقال: من الكوفة، فقال له: بين خبر (4)
~~الناس قال: أجل على الخبير سقطت (5) يا ابن رسول الله، قلوب الناس معك
~~وسيوفهم مع بني أمية (6) والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء وربنا
~~كل يوم هو في شأن، فقال: صدقت، الأمر لله (7) والله يفعل ما يشاء وهو
~~سبحانه كل يوم [ربنا] في شأن إن ينزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه
~~وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يبعد من كان
~~الحق نيته والتقوى سريرته (8).
# PageV02P803
# ثم (1) فارقه الحسين (عليه السلام) وسار حتى انتهى إلى ماء قريب من
~~الحجاز فإذا هو بعبد الله بن مطيع (2) نازل على الماء فتلاقيا هو وإياه
~~فتسالما واعتنقا، وقال له: ما جاء بك (3) يا بن رسول الله؟ قال: قاصدا
~~الكوفة، فقال له: ألم أتقدم إليك بالقول؟! ألم أنهك عن المسير إلى هذا
~~الوجه يا ابن رسول الله؟! أذكرك الله تعالى في حرمة الإسلام أن تنتهك،
~~أنشدك الله تعالى في حرمة قريش (4) وذمة العرب، والله لئن طلبت ما في أيدي
~~بني أمية ليقتلنك (5)، ولئن قتلوك لا يهابوا بعدك أحدا أبدا، والله إنها
~~لحرمة الإسلام [تنتهك] وحرمة قريش وحرمة العرب، فالله الله لا تفعل ولا تأت
~~الكوفة ولا تعرض نفسك لبني أمية، فأبى أن يمضي إلا في جهته (6).
# ثم ارتحل من هذا الماء وسار إلى أن أتى الثعلبية (7) فلما نزل بها أتاه
~~خبر قتل
# PageV02P804
# ابن عمه مسلم بن عقيل بالكوفة، فقال له بعض أصحابه ننشدك الله تعالى إلا
~~رجعت من مكانك فإنه ليس لك بالكوفة من ناصر وإنا نتخوف أن يكونوا عليك لا
~~لك (1).
# فوثب بنو عقيل وقالوا: والله لا (2) نرجع حتى ندرك (3) ثأرنا ونذوق (4)
~~ما ذاق مسلم (5).
# ثم قال لهم الحسين (عليه السلام): لا خير لي بالحياة بعدكم (6).
# PageV02P805
# ثم ارتحلوا حتى أتوا زبالة (1)، وكان الحسين (عليه السلام) لا يمر ms164 بأهل
~~ماء (2) من مياه العرب ولا يجيء من أحيائها إلا تبعه أهله وصحبوه (3)، فلما
~~صار بزبالة أتاه خبر قتل أخيه من الرضاع عبد الله بن يقطر، وكان أرسله (4)
~~من الطريق إلى مسلم بن عقيل يتقدم إليه ويأتيه [- وهو لا يدري أنه قد أصيب
~~-] بخبره من الكوفة فأخذته (5) خيل ابن زياد من القادسية وأخذوا كتبه
~~وقتلوه (6)، فلما بلغ الحسين (عليه السلام) ذلك قال: قد خذلتنا شيعتنا (7)،
# PageV02P806
# ثم قال: أيها الناس من أحب [منكم الانصراف] أن ينصرف وليس عليه منا ذمام
~~ولا ملام، فتفرق الناس (1) عنه وأخذوا يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه لا
~~غير الذين خرج بهم من مكة (2) وإنما فعل ذلك لأنه علم من الأعراب أنهم ظنوا
~~أنه يأتي بلدا قد استقامت له وأطاعته أهلها فتسلمها عفوا صفوا من غير حرب
~~ولا قتال، فأراد أن يعرفهم على ما يقدمون عليه (3).
# PageV02P807
# ثم إنه سار حتى نزل بطن العقبة (1) فأتاه رجل (2) من مشايخ العرب: فقال:
~~أنشدك الله تعالى إلا ما انصرفت، ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف، وإن
~~هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطأوا لك الأشياء (3)
~~فقدمت على (4) غير حرب كان ذلك رأيا، وأما فعلى هذه الحال التي تذكرها (5)
~~فلا أرى لك ذلك أن تفعل (6) فقال له:
# يا عبد الله إنه لا (7) يخفى علي الرأي ما رأيت (8) ولكني صابر ومحتسب
~~إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا. ثم ارتحل (رضي الله عنه) سائرا نحو
~~الكوفة والله المستعان.
# PageV02P808
# فصل في ذكر مصرعه ومدة عمره وإمامته (عليه السلام) قال الشيخ كمال الدين
~~بن طلحة: مصرع الحسين (عليه السلام) يسكب المدامع من الأجفان، ويجلب
~~الفجائع ويثير الأحزان، ويلهب النيران الموجدة في أكباد ذوي الإيمان، كيف
~~لا وهم رجال الذرية النبوية بنجيعها مخضوبة، وأبدانها على التراب مسلوبة،
~~ومخدرات حرائرها سبايا منهوبة (1).
# وذلك أن الحسين (عليه السلام) سار حتى صار على مرحلتين من الكوفة فوافاه
~~إنسان يقال له الحر بن يزيد الرياحي (2) ومعه ألف فارس (3) من أصحاب [عبيد
~~الله] ابن زياد
# PageV02P809
# شاكين ms165 في السلاح (1)، فقال للحسين (عليه السلام): إن الأمير عبيد الله بن
~~زياد أخرجني عينا عليك وقال لي: إن ظفرت به لا تفارقه أو تجيء (2) به، وأنا
~~والله كاره أن يبتليني الله بشيء من أمرك غير أني قد أخذت بيعة القوم (3)،
~~فقال له الحسين (عليه السلام): إني لم
# PageV02P811
# أقدم هذا (1) البلد حتى أتتني كتب (2) أهله وقدمت علي رسلهم (3) فطلبوني،
~~وأنتم من أهل الكوفة، فإن دمتم على بيعتكم وقولكم في كتبكم دخلت مصركم وإلا
# PageV02P812
# انصرفت من حيث أتيت (1)، فقال له الحر: [أنا] والله لم أعلم بشيء من هذه
~~الكتب
# PageV02P813
# ولا بالرسل (1)، وأنا فما يمكنني (2) الرجوع إلى الكوفة في وقتي هذا،
~~وأما أنت فخذ طريقا غير هذا وامض (3) إلى حيث شئت حتى أكتب (4) إلى ابن
~~زياد أن الحسين خالفني الطريق فلم أظفر به (5)، وأنشدك الله في نفسك ومن
~~معك (6).
# وسلك (7) الحسين (عليه السلام) طريقا آخر غير الجادة راجعا إلى الحجاز
~~(8) وسار هو
# PageV02P814
# وأصحابه طول ليلتهم، فلما أصبحوا فإذا بالحر بن يزيد قد طلع عليهم في
~~جيشه فقال له الحسين (عليه السلام): ما جاء بك يا ابن يزيد؟ قال: وافاني
~~كتاب ابن زياد يؤنبني ويضعفني في أمرك تأنيبا كبيرا ومعي من هو علي عين من
~~جهته وقد سعى بي إليه PageV02P815
# ولا سبيل إلى مفارقتك (1).
# فرحل الحسين (عليه السلام) وأهله ونزلوا بكربلاء وذلك يوم الأربعاء (2)
~~الثاني (3) من المحرم سنة إحدى وستين (4) فقال (عليه السلام): هذه كربلاء
~~موضع كرب وبلا، هاهنا (5) مناخ ركابنا
# PageV02P816
# ومحط رحالنا ومقتل رجالنا (1) (2). وكتب الحر إلى ابن زياد يعلمه بنزول
~~الحسين (عليه السلام) بأرض كربلاء: فانظر ما ترى في أمره (3). فكتب عبيد
~~الله بن زياد كتابا إلى الحسين (عليه السلام) يقول فيه: أما بعد، فإن يزيد
~~بن معاوية كتب إلي كتابا أن لا تغمض جفنك من المنام
# PageV02P817
# ولا تشبع بطنك من الطعام أو يرجع الحسين على حكمي أو تقتله، والسلام (1).
# فلما ورد الكتاب على الحسين (عليه السلام) وقرأه ألقاه من يده وقال
~~للرسول: ماله عندي جواب (2). فلما رجع الرسول إلى ابن زياد ms166 وأخبره بذلك
~~اشتد غيظه (3) وجمع الجموع وجند الجنود (4) وجهز إليه العساكر وجعل على
~~مقدمتها عمر بن سعد (5) وكان قد ولاه
# PageV02P818
# الري وأعمالها، فاستعفى (1) من الخروج إلى قتال الحسين (عليه السلام) وقد
~~تقدمته العساكر، فقال له ابن زياد: إما أن تخرج إليه أو اخرج عن عملنا من
~~الري (2). فخرج عمر إلى الحسين (عليه السلام) وصار ابن زياد يمده بالجيوش
~~شيئا بعد شيء إلى أن اجتمع عند عمر بن سعد عشرون ألف (3) مقاتل ما بين فارس
~~وراجل، وأول من خرج مع عمر بن سعد
# PageV02P819
# الشمر بن ذي الجوشن (1) في أربعة آلاف فارس (2)، ثم زحفت خيل ابن سعد حتى
~~نزلت بشاطئ الفرات وحالوا بين الحسين (عليه السلام) وأصحابه وبين الماء،
~~فعند ذلك ضاق الأمر على الحسين (عليه السلام) وعلى أصحابه واشتد بهم العطش
~~(3).
# وكان مع الحسين (عليه السلام) شخص من أهل الزهد والورع يقال له يزيد (4)
~~بن الحصين
# PageV02P820
# الهمداني (2) فقال للحسين (عليه السلام): ائذن لي يا بن رسول الله في أن
~~آتي مقدم هؤلاء عمر بن سعد فأكلمه في الماء لعله أن، يرتدع فأذن له وقال:
~~ذلك إليك إذا شئت.
# فجاء الهمداني إلى عمر بن سعد فكلمه في الماء فامتنع منه فلم يجبه إلى
~~ذلك فقال له: هذا ماء الفرات تشرب منه الكلاب والدواب (3) وغير ذلك وتمنعه
~~الحسين (عليه السلام) ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإخوته
~~ونساءه وأهل بيته والعترة الطاهرة يموتون عطشا وقد حلت بينهم وبين الماء
~~وأنت تزعم أنك تعرف الله ورسوله (4). فأطرق عمر بن سعد ثم قال: يا أخا
~~همدان إني لأعلم حقيقة ما تقول، وأنشد يقول (1):
# PageV02P821
# دعاني عبيد الله من دون قومه * إلى خصلة فيها خرجت لحيني فوالله ما أدري
~~وأني لواقف * على خطر لا أرتضيه ومين أآخذ (2) ملك الري والري منيتي (3) *
~~وأرجع (4) مطلوبا (5) بدم (6) حسين وفي قتله النار التي ليس دونها * حجاب
~~وملك الري قرة عيني ثم قال يا أخا همدان ما تجيبني نفسي إلى ترك الري لغيري
~~فرجع يزيد بن الحصين الهمداني إلى الحسين ms167 (عليه السلام) وأخبره بمقالة ابن
~~سعد، فلما عرف الحسين ذلك منهم تيقن أن القوم مقاتلوه، فأمر أصحابه
~~فاحتفروا حفيرة شبيهة بالخندق (7)
# PageV02P822
# وجعلوا له جهة واحدة يكون القتال منها، وأحدق (1) عسكر ابن سعد بالحسين
~~(عليه السلام) وأصحابه وصفوا لهم وأرشقوهم بالسهام والنبال واشتد عليهم
~~القتال ولم يزالوا (2) يقتلوا من أهل الحسين (عليه السلام) واحدا بعد واحد
~~حتى أتوا على ما ينيف على (3) خمسين (4) منهم، فعند ذلك صاح الحسين (عليه
~~السلام): أما من ذاب يذب عن حريم
# PageV02P823
# رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1)؟ وإذا بالحر بن يزيد الرياحي الذي
~~تقدم ذكره الذي كان خرج إلى
# PageV02P825
# الحسين أولا من جهة ابن زياد قد خرج من عسكر عمر بن سعد راكبا على فرسه
~~وقال: يا بن رسول الله أنا كنت أول من خرج عليك عينا ولم أظن أن الأمر يصل
~~إلى هذه الحال، وأنا الآن من حزبك وأنصارك أقاتل بين يديك حتى أقتل أرجو
~~بذلك شفاعة جدك، ثم قاتل بين يديه حتى قتل (1).
# فلما فنى جميع أصحاب الحسين (عليه السلام) وقتلوا جميعهم عن آخرهم إخوته
~~وبنو
# PageV02P826
# عمه وبقي وحده بمفرده حمل عليهم حملة منكرة قتل فيها كثيرا من الرجال
~~والأبطال ورجع سالما إلى موقعه (1) عند الحريم.
# ثم حمل عليهم حملة أخرى وأراد الكر راجعا إلى موقعه فحال الشمر بن ذي
~~الجوشن لعنه الله بينه وبين الحريم (2) والمرجع إليهم في جماعة من أبطالهم
~~وشجعانهم وأحدقوا به، ثم جماعة منهم تبادروا إلى الحريم والأطفال يريدون
~~سلبهم فصاح الحسين (عليه السلام): ويحكم يا شيعة الشيطان كفوا سفهاءكم عن
~~التعرض للنساء والأطفال فإنهم لم يقاتلوا، فقال الشمر لعنه الله: كفوا عنهم
~~واقصدوا الرجل بنفسه (3). فلم يزل يقتتل هو وهم إلى أن أكثروه وأثخنوه
~~جروحا فسقط إلى الأرض من على فرسه فنزلوا وجزوا رأسه، وقيل الذي قتله سنان
~~بن أنس النخعي لعنه الله تعالى، وقيل الشمر بن ذي الجوشن (4).
# PageV02P827
# وأرسل عمر بن سعد خذله الله بالرأس إلى ابن زياد مع سنان بن أنس النخعي
~~(1) قاتل الحسين (عليه السلام) فلما ms168 وضع الرأس بين يدي عبيد الله بن زياد
~~أنشد يقول (2):
# PageV02P828
# إملأ ركابي فضة وذهبا * إني قتلت السيد المحجبا قتلت خير الناس أما وأبا
~~* وخيرهم إذ يذكرون النسبا PageV02P829
# فغضب عبيد الله بن زياد لعنه الله من قوله وقال له: فإذا علمت ذلك (1)
~~فلم قتلته؟
# والله لا نلت مني خيرا ولألحقنك به ثم قدمه وضرب عنقه (2).
# ثم إن القوم ساقوا الحريم والأطفال كما تساق الأسارى حتى أتوا (3) الكوفة
~~فخرج الناس فجعلوا ينظرون إليهم يبكون وكان علي بن الحسين زين العابدين
~~(رضي الله عنه) معهم [مغلول مكبل بالحديد] قد أنهك جسمه المرض فجعل يقول:
~~ألا إن هؤلاء يبكون ويتوجعون من أجلنا فمن قتلنا إذا؟ (4).
# فلما (5) دخلوا على عبيد الله بن زياد أرسل بهم ابن زياد وبرأس الحسين
~~(عليه السلام) صحبتهم
# PageV02P830
# إلى الشام إلى يزيد بن معاوية مع شخص يقال له زجر بن القيس (1) ومعه
~~جماعة هو مقدمهم، وأرسل بالنساء والصبيان على قتاب المطايا ومعهم علي بن
~~الحسين (عليه السلام) وقد جعل ابن زياد الغل في يديه وفي عنقه (2) ولم
~~يزالوا سائرين بهم على تلك الحالة إلى أن وصلوا الشام فتقدم زجر بن قيس
~~فدخل على يزيد فقال له: هات ما وراك (3)، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح
~~الله [عليك] ونصره فإنه ورد علينا الحسين في ثمانية عشر (4) من أهل بيته
~~وستين من شيعته فسرنا إليهم وسألناهم أن يستسلموا (5)
# PageV02P831
# على حكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال، فاختاروا القتال [على
~~الاستسلام] فعدونا عليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية حتى أخذت
~~السيوف مأخذها من هام القوم وجعلوا يهربون إلى غير وزر ويلوذون بالآكام
~~والحفر لواذا كما يلوذ الحمام (1) من عقاب أو صقر، فوالله ما كان إلا جزر
~~جزور أو نومة قائل حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم [أجسامهم بالعراء]
~~مجردة وثيابهم بالدماء مرملة (2) وخدودهم في التراب (3) معفرة، تصهرهم
~~الشمس وتسفى عليهم الريح وزوارهم (4) العقبان، والرخم بقي في سبسب من الأرض
~~(5).
# PageV02P832
# قال: فدمعت عينا يزيد وقال: قد كنت أرضى من طاعتكم بدون ms169 قتل الحسين (1)،
# PageV02P833
# لعن (1) الله ابن سمية (2) أنا والله لو كنت [أني] صاحبه لما سألني خصلة
~~إلا أعطيته إياها لعفوت عنه [ف] رحم الله الحسين (3). وأخرجه من عنده ولم
~~يصله بشيء. ثم إنهم دخلوا بالرأس ووضعوه بين يدي يزيد وكان بيده قضيب فجعل
~~ينكت في ثغره (4) ثم قال: ما أنا وهذا إلا كما قال الحصين:
# أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت * قواضب في ايماننا تقطر الدما يفلقن هاما
~~من رجال أعزة * علينا وهم كانوا أعق وأظلما (5) فقال له أبو بردة السلمي
~~(6) وكان حاضرا: أتنكت بقضيبك ثغر الحسين (عليه السلام) [أشهد]
# PageV02P834
# أما إنه لقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يرشف ثناياه وثنايا
~~أخيه الحسن (عليه السلام)، لقد رضيت يا يزيد ان يجيء عبيد الله بن زياد
~~شفيعك يوم القيامة ويجيء هذا ومحمد (صلى الله عليه وآله) شفيعه (١)، ثم قام
~~من المجلس فقال يزيد: والله لو أنى صاحبه ما قتلته (٢)، ثم قال: أما تدرون
~~من أين أتى هذا أما إنه يقول أبي علي خير من أبيه وأمي فاطمة خير من أمه
~~وجدى رسول الله خير من جده وأنا خير منه وأحق بالأمر منه، فأما قوله أبوه
~~خير من أبي فقد تحاج أبوه وأبي إلى الله تعالى وعلم الناس أيهما حكم له،
~~وأما قوله أمي خير من أمه فلعمري فاطمة بنت رسول الله خير من أمي، وأما
~~قوله جدي رسول الله خير من جده فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى
~~لرسول الله فينا عديلا ولا ندا ولكنه أتى وأنى هذا من فقهه ولم يقرأ تعالى
~~﴿قل اللهم ملك الملك تؤتى الملك من
~~تشآء وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء﴾ (3).
# PageV02P835
# ثم إنه أدخل نساء الحسين والرأس بين يديه فجعلت (1) فاطمة وسكينة
~~تتطاولان (2) لتنظرا (3) إلى الرأس (4) وجعل يزيد يستره عنهما، فلما رأينه
~~صرخن وأعلن بالبكاء فبكت لبكائهن نساء يزيد وبنات معاوية فولولن وأعلن (5)،
~~فقالت فاطمة وكانت أكبر من سكينة (رضى الله عنهما): أبنات ms170 رسول الله سبايا
~~يا يزيد يسرك هذا، فقال: والله ما سرني وأني لهذا لكاره وما أنا عليكن أعظم
~~مما أخذ منكن، قال: أدخلوهن إلى الحريم، فلما دخلن على حرمه فلم تبق امرأة
~~من آل يزيد إلا أتتهن وأظهرن التوجع والحزن على ما أصابهن وعلى ما نزل بهن
~~وأضعفن لهن جمع ما أخذ منهن من الحلي والثياب بزيادة (6) فكانت سكينة تقول:
~~ما رأيت كافرا بالله خيرا من يزيد (7).
# PageV02P836
# ثم أمر بعلي بن الحسين (عليه السلام) فأدخل عليه مغلولا (١) فقال علي: يا
~~يزيد لو رآنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) مغلولين لفكه عنا، قال: صدقت
~~وأمر بفكه عنه، فقال: ولو رآنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) على بعد
~~لأحب أن يقربنا، فأمر به فقرب منه (٢).
# ثم قال له يزيد: ايه يا علي بن الحسين إن أباك (٣) الذي قطع رحمي وجهل
~~حقي ونازعني سلطاني فنزل به ما رأيت، فقال علي (عليه السلام): ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في
~~أنفسكم إلا في كتب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا
~~على ما فاتكم ولا تفرحوا بما ءاتاكم والله لا يحب كل مختال فخور﴾ (٤)
~~فقال يزيد: ﴿وما أصابكم من مصيبة
~~فبما كسبت أيديكم﴾ (5) فقال علي (عليه السلام): هذا في حق من ظلم لا في
~~من ظلم (6).
# PageV02P837
# ثم إن يزيد أمر بإنزال علي بن الحسين (عليه السلام) وإنزال حرمه في دار
~~تخصهم بمفردهم وأجرى عليهم كلما يحتاجون إليه وكان لا يتغدى ولا يتعشى حتى
~~يحضر علي بن الحسين (عليه السلام)، فدعاه ذات يوم ومعه عمر بن الحسين وهو
~~صبي صغير فقال يزيد لعمر:
# تقاتل خالدا يعنى خالد بن يزيد وكان في سنه، فقال: أعطني سكينا واعطه
~~سكينا حتى أقاتله، فضمه يزيد إليه وقال:
# شنشنة أعرفها من أخزم * وهل تلد الحية إلا حية (1) ثم إن يزيد بعد ذلك
~~أمر النعمان بن بشير (2) أن يجهزهم بما يصلحهم إلى المدينة الشريفة ms171 وسير
~~معهم رجلا أمينا من أهل الشام في خيل سيرها في صحبتهم وودع يزيد علي بن
~~الحسين وقال له: لعن الله ابن مرجانة لو كنت حاضرا الحسين ما سألني خصلة
~~أبدا إلا كنت أعطيه إياها، ولدفعت عنه الحتف بكل ما استطعت، ولكن قضاء الله
~~غالب، يا علي كاتبني بأي حاجة كانت لك أقضيها إن شاء الله تعالى. وأوصى بهم
~~الرسول الذي سيره صحبهم.
# وكان يسايرهم هو وخيله التي معه فيكون الحريم قدام بحيث إنهم لا يفوتونه
~~[طرفة] وإذا نزلوا تنحى عنهم [وتفرق] ناحية هو وأصحابه وكان حولهم كهيئة
# PageV02P838
# الحرس [لهم] وكان يسألهم عن حالهم ويتلطف بهم في جميع أمورهم ولا يشق
~~عليهم في مسيرهم إلى أن دخلوا المدينة. فقالت فاطمة بنت الحسين لأختها
~~[زينب]: قد أحسن هذا الرجل إلينا فهل لك أن تصليه بشيء؟ فقالت: والله ما
~~معنا شيء نصله به إلا ما كان من هذا الحلي قالت: [فأخذت سواري ودملجي وأخذت
~~أختي سوارها ودملجها] فافعلي فأخرجت له سوارين ودملجين وبعثتا بهما إليه
~~فردهما وقال: لو كان ما صنعت رغبة لكان في هذا مقتنع بزيادة كثيرة، ولكني
~~ما فعلته إلا لله تعالى ولقرابتكم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1).
# وكان من جملة من كان معهم أم سكينة بنت الحسين (عليه السلام) وهي الرباب
~~بنت امرء القيس (2) فلما وصلت إلى المدينة وأقامت قليلا وخطبها الأشراف من
~~قريش فقالت:
# PageV02P839
# ما كنت لآخذ حموا (1) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا زوجا بعد
~~الحسين (عليه السلام). وبقيت بعده سنة لم يظللها سقف إلى أن ماتت (رض) (2).
# ولما بلغ أهل المدينة قتل الحسين (عليه السلام) خرجت ابنة عقيل بن أبي
~~طالب في نساء من بني هاشم خرجن معها وهي حاسرة تلوي ثوبها (3) وتقول:
# PageV02P840
# ماذا تقولون إن (1) قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم بعترتي
~~وبأهلي (2) بعد مفتقدي * منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ
~~(3) نصحت لكم * أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي وحكى الشيخ نصر الله بن يحيى ms172
~~(4) في مشارف الصاغة (5) وكان من الثقات الحبرين (6) قال: رأيت علي بن أبي
~~طالب (عليه السلام) فقلت: يا أمير المؤمنين تقولون يوم
# PageV02P841
# فتح مكة: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم يتم ولدك الحسين يوم كربلاء
~~منهم مأتم! فقال لي (عليه السلام): أما سمعت أبيات ابن الصيفي التميمي في
~~هذا المعنى؟ فقلت: لا، فقال: اذهب إليه واسمعها، فاستيقظت من نومي مفكرا،
~~ثم إني ذهبت إلى دار ابن الصيفي - وهو الحيص بيص (1) الشاعر الملقب بشهاب
~~الدين - فطرقت عليه الباب فخرج علي فقصصت عليه الرؤيا فأجهش بالبكاء وحلف
~~بالله إن كان سمعها مني أحد وإن أكن نظمتها إلا في ليلتي هذه، ثم أنشد (2):
# ملكنا فكان العفو منا سجية * فلما ملكتم سال بالدم أبطح وحللتم قتل
~~الأسارى وطالما * غدونا على الأسرى نعفو ونصفح وحسبكم هذا التفاوت بيننا *
~~وكل إناء بالذي فيه ينضح ومكث الناس بعد قتل الحسين (عليه السلام) شهرين أو
~~ثلاثة كأنما لطخ الحائط بالدماء ساعة ما تطلع الشمس (3).
# ذكر من قتل من أصحاب الحسين (عليه السلام) ومن أهل بيته ومواليه أما
~~الحسين (عليه السلام) قتله سنان بن أنس النخعي (4). وقتل معه العباس بن علي
~~(عليه السلام) (5)،
# PageV02P842
# وأم العباس أم البنين بنت حازم، قتله زيد بن ورقاء (1) الجهني. وقتل جعفر
~~بن علي (عليه السلام) (2) وأمه أم البنين أيضا، رماه خولى بن يزيد بسهم
~~فقتله. وقتل محمد بن
# PageV02P843
# علي (عليه السلام) (1) وأمه أم ولد قتله رجل من بني دارم. وقتل أبو بكر
~~بن علي (2) وأمه ليلى بنت مسعود الدارمية. وقتل علي بن الحسين الأكبر (3)،
~~وأمه ليلى بنت مرة بن عروة
# PageV02P844
# الثقفي وأمهما ميمونة بنت سفيان بن حرب، قتله منقذ بن النعمان العبدي.
~~وقتل عبد الله بن الحسين بن علي (1) وأمه الرباب بنت امرء القيس الكلبي،
~~قتله هاني بن شبيب الحضرمي. وقتل أبو بكر بن الحسن (2)، وأمه أم ولد، قتله
~~حرملة بن الكاهل
# PageV02P845
# رماه بسهم. وقتل عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (1)، وأمه جمانة
~~بنت المسيب، قتله عبد الله بن قطنة ms173 الطائي. وقتل محمد بن عبد الله بن جعفر
~~(2) أخوه، وأمه الخوصاء (3) بنت حفصة من تيم الله بن تغلبة، قتله عامر بن
~~نهشل التميمي (4).
# PageV02P846
# وقتل جعفر بن عقيل بن أبي طالب (1) وأمه أم البنين، قتله بشر بن خوط
~~الهمداني. وقتل عبد الرحمن بن عقيل، وأمه أم ولد، قتله عثمان بن خالد
~~الجهني. وقتل عبد الله بن عقيل (2)، وأمه أم ولد، رماه عمر (3) ابن صبيح
~~الصدائي (4) بسهم فقتله. وقتل مسلم بن عقيل (5) بالكوفة، وأمه أم ولد. وقتل
~~عبد الله بن مسلم بن عقيل (6)، وأمه رقية بنت علي بن أبي طالب (عليه
~~السلام)، قتله عمر بن صبيح الصدائي (7). وقتل محمد بن أبي سعيد بن عقيل
~~(8)، وأمه أم ولد، قتله لقيت (9) بن ياسر الجهني.
# PageV02P847
# واستصغر الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) (1) فترك، وأمه
~~أم ولد خولة بنت منظور بن ريان، وقيل استصغر عمر بن الحسن (2) فترك، وأمه
~~أم ولد، وأراد الشمر لعنه الله قتل علي بن الحسين زين العابدين (عليه
~~السلام) (3) وكانت العلة قد أنهكته والأوجاع فقالوا له: أتقتل صغيرا معللا
~~فتركه.
# وقتل من الموالي سليمان (4) مولى الحسين (عليه السلام)، قتله ابن عوف
~~الحضرمي (5)، وقتل عبد الله بن يقطر (6) بالقادسية. وقتل عبد الله (7) رضيع
~~الحسين (عليه السلام).
# PageV02P848
# وكانت عدة رؤوس القتلى التي حملت إلى عبيد الله بن زياد لعنه الله مع
~~صحبة رأس الحسين (عليه السلام) سبعين (1) رأسا، وذلك أن كندة جاءت بثلاثة
~~عشر (2) رأسا مع مقدمهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأسا (3)، وجاءت
~~أخلاط من العسكر بستة رؤوس (4) وكان اليوم الذي قتل فيه الحسين (عليه
~~السلام) يوم الجمعة (5) عاشر
# PageV02P849
# محرم سنة إحدى وستين من الهجرة، ودفن بالطف بأرض كربلاء من العراق ومشهده
~~(رضي الله عنه) بها معروف يزار من جميع الآفاق والجهات، وهذه الوقائع شيئا
~~منها ذكره ابن أعثم صاحب كتاب الفتوح، وشيئا ذكره ابن الأثير، وشيئا ذكره
~~صاحب تاريخ البديع، وشيئا من المعارف لابن قتيبة، ذكرته مختصرا من كلامهم
~~والعهدة في جميع ما نقلته من ذلك عليهم. ms174
# انتقل الحسين بن علي بالوفاة إلى دار الآخرة وعمره ست وخمسون سنة وبعض
~~أشهر (1) كان مع جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ذلك ست سنين وشهر
~~(2) ومع أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد وفاة رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثين سنة (3) ومع أخيه الحسن بعد وفاة أبيه
~~عشر سنين (4) وبعد وفاة أخيه إلى مقتله عشر سنين (5)، رضي الله عنهم
~~أجمعين.
# PageV02P850
# فصل في ذكر أولاده الكرام عليه وعليهم أفضل السلام قال الشيخ كمال الدين
~~بن طلحة: كان للحسين (عليه السلام) من الأولاد ذكورا وإناثا عشرة، ستة ذكور
~~وأربع إناث. فالذكور: علي الأكبر، وعلي الأوسط وهو زين العابدين، وعلي
~~الأصغر، ومحمد، وعبد الله، وجعفر. فأما علي الأكبر فإنه قاتل بين يدي أبيه
~~حتى قتل شهيدا بالطف. وأما علي الأصغر فجاءه سهم وهو طفل بكربلاء فقتله،
~~وقيل إن عبد الله قتل مع أبيه شهيدا. وجعفر مات في حياة أبيه (عليه
~~السلام). وأما البنات: فزينب، وسكينة، وفاطمة، هذا هو القول المشهور (1).
# وقال صاحب الإرشاد: أولاد الحسين بن علي (عليه السلام) ستة: علي بن
~~الحسين الأصغر (2) كنيته أبو محمد ولقبه زين العابدين أمه شاه زنان (3) بنت
~~كسرى أنوشروان
# PageV02P851
# ملك الفرس، وعلي بن الحسين الأكبر (1) قتل مع أبيه بالطف وأمه ليلى بنت
~~أبي مرة بن عروة (2) بن مسعود الحنفية (3)، وجعفر بن الحسين وأمه قضاعية
~~مات في حياة أبيه ولا نسل له، وعبد الله بن الحسين قتل مع أبيه صغيرا جاءه
~~سهم وهو بكربلاء فذبحه (4). وسكينة بنت الحسين أمها الرباب بنت امرء القيس
~~بن عدي كلبية، وهي أيضا أم عبد الله بن الحسين، وفاطمة بنت الحسين أمها أم
~~إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله تيمية (5) انتهى والذكر المخلد والثناء المنضد
~~مخصوص من بين بنيه بعلي زين العابدين دون سائرهم وهو الذي أعقب (عليه
~~السلام).
# PageV02P852
# الفصل الرابع في ذكر علي بن الحسين (عليهما السلام) زين العابدين وهو
~~الإمام الرابع (1) من (2) الكرامات الظاهرة ما شوهد بالأعين الناظرة وثبت
~~بالآثار المتواترة، ولد
# PageV02P853
# علي ms175 بن الحسين (عليهما السلام) بالمدينة (1) نهار الخميس الخامس من شعبان
~~المكرم في
# PageV02P854
# سنة ثمان وثلاثين (1) من الهجرة في أيام جده علي بن أبي طالب (عليه
~~السلام) قبل وفاته بسنتين (2).
# نسبه (عليه السلام): هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)
~~وقد تقدم بسط ذلك.
# كنيته (عليه السلام): المشهورة أبو الحسن، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو بكر
~~(3).
# وأما لقبه (عليه السلام) فله ألقاب كثيرة كلها تطلق عليه أشهرها زين
~~العابدين (عليه السلام) (4)
# PageV02P855
# وسيد الساجدين (عليه السلام) (1) والزكي (2) والأمين (3) وذو الثفنات
~~(4).
# وصفته (عليه السلام): أسمر قصير رقيق (5). شاعره: الفرزدق (6) وكثير عزة
~~(7).
# PageV02P856
# بابه (1) (عليه السلام): أبو جيله (2). نقش خاتمه (عليه السلام) " وما
~~توفيقي إلا بالله " (3). ومعاصره: مروان وعبد الملك والوليد ابنه (4).
# أما مناقبه (عليه السلام) فكثيرة ومزاياه شهيرة:
# منها: أنه كان إذا توضأ للصلاة يصفر لونه، فقيل له: ما هذا [الذي] نراه
~~يغشاك (5) عند الوضوء؟ فيقول: ما تدرون (6) بين يدي من أريد أن أقوم (7)؟
# وعن أبي حمزة الثمالي (8) قال: كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يصلي
~~في اليوم والليلة
# PageV02P857
# ألف ركعة (1).
# وعن طاووس (2) قال: دخلت الحجر في الليل فإذا علي بن الحسين (عليهما
~~السلام) قد دخل فقام يصلي فصلى ما شاء الله (3) تعالى ثم سجد سجدة فأطال
~~فيها، فقلت: رجل صالح من [أهل] بيت النبوة (4) لأصغين إليه فسمعته يقول:
~~عبيدك (5) بفنائك، مسكينك بفنائك، سائلك بفنائك، فقيرك بفنائك. قال طاووس:
~~فوالله ما صليت ودعوت فيهن في كرب إلا فرج عني (6).
# PageV02P858
# ومنها: ما نقله سفيان (1) قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين (عليهما
~~السلام) فقال له: إن فلانا قد وقع فيك وآذاك بحضوري، فقال له: انطلق (2)
~~بنا إليه، فانطلق معه الرجل وهو يرى أنه يستنصر (3) لنفسه، فلما أتاه قال
~~له: يا هذا إن كان ما قلت في حقنا فأنا أسأل الله تعالى أن يغفره لي، وإن
~~كان ما قلت في باطلا فإن الله تعالى يغفره لك، ثم ولى عنه (4).
# ومن كلامه (عليه السلام): ضل من ليس له حكيم يرشده، وذل من ليس ms176 له سفيه
~~يعضده (5).
# وقال (عليه السلام): أربع فيهن الذل (6): البنت ولو مريم، والدين ولو
~~درهم، والغربة ولو ليلة، والسؤال ولو كيف الطريق (7).
# وقال (عليه السلام): عجبت لمن يحتمي من الطعام لمضرته كيف لا يحتمي من
~~الذنب
# PageV02P859
# لمعرته (1).
# وقال (عليه السلام): إياك والابتهاج بالذنب فإن الابتهاج به أعظم من
~~ركوبه (2).
# وقال (عليه السلام): من ضحك ضحكة مج من عقله مجة علم (3).
# وقال (عليه السلام): إن الجسد إذا لم يمرض (4) أشر ولا خير في جسد يأشر
~~(5).
# وقال (عليه السلام): فقد الأحبة غربة (6).
# وقال (عليه السلام): من قنع بما قسم الله له فهو من أغنى الناس (7).
# وعنه (عليه السلام) يرفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) قال: انتظار
~~الفرج عبادة (8).
# ومن رضي بالقليل من الرزق رضي الله منه القليل (9) من العمل (10).
# وكان (عليه السلام) يتصدق سرا ويقول: صدقة السر تطفئ غضب الرب (11).
# وقال ابن عائشة: سمعت أهل المدينة يقولون ما فقدنا صدقة السر حتى مات
# PageV02P860
# علي بن الحسين (عليه السلام) (1).
# وقال محمد بن إسحاق: كان أناس من أهل المدينة يعيشون ولا يدرون من أين
~~معاشهم ومأكلهم، فلما مات علي بن الحسين (عليه السلام) فقدوا ما كانوا
~~يؤتون به ليلا إلى منازلهم (2).
# وقال سفيان: أراد علي [السفر إلى الحج وقد صنعت له في إحدى سفراته أخته
~~سكينة زادا نفيسا أنفقت عليه ألف] (3) درهم فلحقوه بها [إلا أنه (4) لما
~~كان] (5) بظهر الحرة أمر بتوزيعه على الفقراء والمساكين فوزع عليهم (6).
# وعن إبراهيم بن علي عن أبيه قال: حججت مع علي بن الحسين فالتأثت عليه (7)
~~ناقته فأشار إليها بالقضيب ثم رد يده وقال: آه من القصاص، وتلكأت ناقته
~~عليه مرة أخرى بين جبال رضوى فأناخها وأراها القضيب وقال: لتنطلقين أو
~~لأفعلن، ثم ركبها فانطلقت ولم تتلكأ بعدها أبدا (8).
# PageV02P861
# وجلس إلى سعيد بن المسيب فتى من قريش فطلع علي بن الحسين (عليه السلام)
~~فقال القرشي لابن المسيب: من هذا يا أبا محمد فقال هذا سيد العابدين علي بن
~~الحسين (1).
# فكان الزهري يقول: لم أر هاشميا أفضل من علي ms177 بن الحسين (عليهما السلام)
~~(2).
# وقال أبو حمزة الثمالي: أتيت باب علي بن الحسين (عليهما السلام) فكرهت أن
~~أنادي (3) فقعدت على الباب إلى أن (4) خرج فسلمت عليه ودعوت له فرد علي
~~السلام ودعا لي، ثم إنتهى بي إلى حائط [له] فقال: يا أبا حمزة ألا ترى هذا
~~الحائط؟ فقلت: بلى يا بن رسول الله (5)، قال: فإني متكئ (6) عليه يوما وأنا
~~حزين مفكر إذ (7) دخل علي رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الرائحة فنظر (8)
~~في اتجاه وجهي ثم قال لي: يا
# PageV02P862
# علي بن الحسين مالي أراك كئيبا حزينا؟! أعلى الدنيا؟ فهو رزق حاضر يأكل
~~منه (1) البر والفاجر، فقلت: ما عليها أحزن وأنها كما تقول، فقال: على
~~الآخرة؟ فهو (2) وعد صدق يحكم فيه ملك قاهر، فقلت: ما على هذا أحزن وأنها
~~(3) كما تقول، فقال:
# فعلام حزنك؟ قلت: الخوف من فتنة ابن الزبير. قال: فضحك ثم قال (4): يا
~~علي هل رأيت أحدا سأل الله تعالى فلم يعطه؟ [قلت: لا، قال: وهل رأيت أحدا
~~خاف الله فلم ينجه؟] (5) قلت: لا، ثم نظرت فإذا ليس قدامي أحد فتعجبت من
~~ذلك، فإذا [ب] قائل أسمع صوته ولا أرى شخصه يقول: يا علي بن الحسين هذا
~~الخضر ناجاك (6).
# وعن أبي عبد الله الزاهد قال: لما ولى عبد الملك بن مروان الخلافة كتب
~~إلى الحجاج بن يوسف الثقفي: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الملك بن مروان
~~أمير المؤمنين إلى الحجاج بن يوسف. أما بعد، فانظر دماء بني عبد المطلب
~~فاجتنبها فإني رأيت آل أبي سفيان لما ولغوا (7) فيها لم يلبثوا إلا قليلا،
~~والسلام. قال وبعث بالكتاب سرا إلى الحجاج وقال له: اكتم ذلك. فكوشف بذلك
~~علي بن الحسين (عليهما السلام) حين الكتابة إلى الحجاج وأن الله تعالى قد
~~شكر ذلك لعبد الملك، فكتب علي بن الحسين من فوره: بسم الله الرحمن الرحيم،
~~إلى عبد الملك بن مروان من علي بن
# PageV02P863
# الحسين. أما بعد، فإنك كتبت في يوم كذا من شهر كذا إلى الحجاج سرا في
~~حقنا بني عبد ms178 المطلب بما هو كيت وكيت وقد شكر الله لك ذلك. ثم طوى الكتاب
~~وختمه وأرسل به مع غلام له من يومه على ناقة له إلى عبد الملك بن مروان
~~وذلك من المدينة الشريفة إلى الشام، فلما قدم الغلام على عبد الملك أوصله
~~الكتاب، فلما نظره وتأمل فيه فوجد فيه تاريخه موافقا لتاريخ كتابه الذي
~~كتبه إلى الحجاج في اليوم والساعة فعرف صدق علي بن الحسين وصلاحه ودينه
~~ومكاشفته له، فسر بذلك وبعث له مع غلامه بوقر راحلته دراهم وكسوة فاخرة
~~وسيره إليه من يومه وسأله أن لا يخليه من صالح دعائه (١).
# وقدم على علي بن الحسين (عليه السلام) نفر من أهل العراق فقالوا في أبي
~~بكر وعمر وعثمان ما قالوا، فلما فرغوا من كلامهم قال لهم علي بن الحسين
~~(عليه السلام):
# ألا تخبروني من أنتم؟ أنتم ﴿المهجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا
~~من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله و أولئك هم الصادقون﴾ (٢) قالوا:
~~لا، قال: فأنتم ﴿والذين تبوءو الدار
~~والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ أوتوا
~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ (3) فقالوا:
# لا، فقال: أما أنتم فقد تبرأتم أن تكونوا من هذين الفريقين، وأنا أشهد
~~أنكم لستم من الذين قال الله في حقهم (والذين جآءو منم بعدهم يقولون ربنا
~~اغفر
# PageV02P864
# لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين
~~ءامنوا) (1) اخرجوا عني فعل الله بكم وصنع (2).
# وعن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين قال: أوصاني أبي وقال: يا بني لا
~~تصحب خمسة ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق، فقلت: جعلت فداك ومن هؤلاء
~~الخمسة؟ قال: لا تصحبن فاسقا، يبيعك بأكلة فما دونها، فقلت: وما دونها؟ (3)
~~قال: يطمع فيها ثم لا ينالها. قلت: ومن الثاني؟ قال: البخيل، فإنه يقطع بك
~~أحوج ما يكون إليك. قلت: ومن الثالث؟ قال: الكذاب، فإنه بمنزلة السراب يبعد
~~منك القريب ويقرب إليك ms179 البعيد. قلت: ومن الرابع؟ قال: الأحمق، فإنه يريد أن
~~ينفعك فيضرك. قلت: ومن الخامس؟ قال: قاطع الرحم، فإني وجدته (4) ملعونا في
~~ثلاثة مواضع من كتاب الله تعالى (5).
# PageV02P865
# وعن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: إذا كان يوم
~~القيامة نادى مناد: ليقم أهل الفضل، فيقوم أناس من الناس (1) فيقال [لهم]:
~~انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فيقولون (2) لهم إلى أين؟ فيقولون
~~لهم إلى الجنة، قالوا: قبل الحساب؟ قالوا: نعم، قالوا: ومن أنتم؟ قالوا:
~~نحن أهل الفضل، قالوا:
# وما كان فضلكم؟ قالوا: كنا إذا جهل علينا حلمنا وإذ أسيء إلينا غفرنا،
~~قالوا:
# ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين (3). ثم ينادي مناد أيضا: ليقم أهل
~~الصبر، فيقوم أناس (4) من الناس فيقال لهم: انطلقوا إلى (5) الجنة،
~~فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم مثل ذلك فيقولون: نحن أهل الصبر، فيقال لهم:
~~وما صبركم؟ فيقولون: صبرنا أنفسنا على طاعة الله وصبرنا أنفسنا عن معصية
~~الله، فيقولون لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين (6). ثم ينادي [مناد]:
~~ليقم جيران الله في داره، فيقوم أناس من الناس وهم قليل فيقال لهم: انطلقوا
~~إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فتقول لهم مثل ذلك وبماذا جاورتم الله في
~~داره؟ فيقولون: كنا نتحاب (7) في الله ونتزاور في الله، قالوا: ادخلوا
~~الجنة فنعم أجر العاملين (8).
# وقال أبو سعيد منصور بن الحسن الآبي في كتاب نثر الدر: نظر علي بن
# PageV02P866
# الحسين (عليه السلام) سائلا يسأل وهو يبكي فقال: لو أن الدنيا كانت في كف
~~هذا ثم سقطت منه ما كان ينبغي له أن يبكي عليها (1).
# وعن محمد بن حرب (2) قال: أوصى علي بن الحسين (عليه السلام) ولده أبا
~~جعفر محمد فقال: يا بني اصبر للنوائب (3) ولا تتعرض للحقوق (4) ولا تعط
~~نفسك ما ضره عليك أكثر من نفعه عليك (5).
# وقال أبو حمزة الثمالي: كان علي بن الحسين (عليه السلام) يقول لأولاده:
~~يا بني، إذا أصابتكم مصيبة من مصائب الدنيا أو نزلت (6) بكم فاقة أو أمر
~~فادح فليتوضأ الرجل منكم وضوء للصلاة وليصل أربع ركعات أو ركعتين، فإذا ms180 فرغ
~~من صلاته فليقل: يا موضع كل شكوى، يا سامع كل نجوى، يا شافي كل بلوى (7)،
~~ويا عالم كل خفية، ويا كاشف ما يشاء من كل بلية، ويا منجي موسى، ويا مصطفي
~~محمد، ويا متخذا إبراهيم خليلا، أدعوك دعاء من اشتدت فاقته وضعفت قوته وقلت
~~حيلته دعاء الغريق الغريب الفقير الذي لا يجد لكشف ما هو فيه إلا أنت يا
~~أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (8). قال علي بن
~~الحسين (عليه السلام) لا يدعو أحد
# PageV02P867
# بهذا الدعاء أصابه بلاء إلا فرج الله عنه (1).
# ومن دعائه (عليه السلام): اللهم كما أسأت وأحسنت إلي فإن عدت فعد علي
~~(2).
# ويروى أن علي بن الحسين (عليه السلام) اعتل فدخل عليه جماعة من أصحاب
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعودونه فقالوا: كيف أصبحت يا بن رسول الله
~~فدتك أنفسنا؟ قال: في عافية والله المحمود على ذلك، كيف أصبحتم أنتم جميعا؟
~~قالوا: كيف أصبحنا لك والله يا بن رسول الله محبين وادين، فقال: من أحبنا
~~لله أدخله الله ظلا ظليلا يوم لا ظل إلا ظله، ومن أحبنا يريد مكافأتنا (3)
~~كافأه الله عنا الجنة، ومن أحبنا لغرض دنياه آتاه الله رزقه من حيث لا
~~يحتسب (4).
# وحكي أنه لما حج هشام بن عبد الملك (5) في حياة أبيه دخل إلى الطواف وجهد
~~أن يستلم (6) الحجر الأسود فلم يصل إليه لكثرة زحام الناس عليه، فنصب إليه
~~منبر إلى جانب زمزم في الحطيم وجلس عليه وحوله جماعة من أهل الشام، فبينما
~~هم كذلك إذ أقبل علي بن الحسين (عليه السلام) يريد الطواف، فلما إنتهى إلى
~~الحجر الأسود تنحى الناس عنه حتى استلم (7) الحجر فقال رجل من أهل الشام:
~~من هذا الذي قد هابه الناس هذه المهابة فتنحوا عنه يمينا وشمالا؟ فقال
~~هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشام، وكان الفرزدق حاضرا، فقال
~~للشامي: أنا أعرفه، فقال الشامي: من هو يا أبا فراس؟ فقال:
# PageV02P868
# هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ms181 ابن خير
~~عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم إذا رأته قريش قال قائلها *
~~إلى مكارم هذا ينتهي الكرم ينمي (1) إلى ذروة العز التي (2) قصرت * عن
~~نيلها عرب الإسلام والعجم يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء
~~يستلم يغضي حياء ويغضي من مهابته * فلا يكلم إلا حين يبتسم بكفه (3) خيزران
~~ريحه عبق * من كف أروع في عرنينه شمم ينشق نور الهدى من (4) نور غرته *
~~كالشمس تنجاب (5) عن إشراقها الظلم (6)
# PageV02P869
# مشتقة (1) من رسول الله نبعته * طابت عناصره والخيم (2) والشيم هذا ابن
~~فاطمة إن كنت جاهله * بجده أنبياء الله قد ختموا الله شرفه قدما وفضله (3)
~~* جرى بذاك (4) له في لوحة القلم فليس قولك من هذا بضائره * العرب تعرف من
~~أنكرت والعجم كلتا يديه غياث عم نفعهما * تستوكفان ولا يعروهما العدم (5)
~~سهل الخليقة لا تخشى بوادره * يزينه اثنان حسن الخلق والكرم (6) حمال أثقال
~~(7) أقوام إذا قدحوا * حلو الشمايل تحلو (8) عنده نعم
# PageV02P871
# لا يخلف الوعد ميمون نقيبته (3) * رحب الفناء أريب حين يعترم (4) عم
~~البرية بالإحسان وانقشعت (5) * عنه الغباوة (6) والإملاق والعدم من معشر
~~حبهم دين وبغضهم * كفر وقربهم منجى ومعتصم إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم *
~~أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم لا يستطيع جواد بعد غايتهم * ولا يدانيهم
~~قوم وإن كرموا هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت * والأسد أسد الشري والبأس محتدم
~~لا ينقص العسر بسطا من أكفهم * سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا مقدم بعد ذكر
~~الله ذكرهم * في كل بدو (7) ومختوم به الكلم يأبى لهم أن يحل الذم (8)
~~ساحتمهم * خيم كريم وأيد بالندى هضم (9) أي الخلائق ليست في رقابهم *
~~لأولية (10) هذا أو له نعم من يعرف (11) الله يعرف أولية (12) ذا * والدين
~~من بيت هذا ناله الأمم قال: فلما سمع هشام هذه القصيدة غضب، ثم إنه أخذ
~~الفرزدق وحبسه ما بين مكة والمدينة، وبلغ علي بن الحسين امتداحه فبعث باثني
~~عشر ألف درهم فردها
# PageV02P872
# وقال: والله ما مدحته إلا لله تعالى لا للعطاء، فقال: قد عرف الله له ms182 ذلك
~~ولكنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا لا نستعيده، فقبلها منه (1).
# وقال الفرزدق من قصيدة يهجو هشاما في حبسه له (2):
# أتحبسني بين (3) المدينة والتي * إليها قلوب الناس تهوي (4) منيبها يقلب
~~رأسا لم يكن رأس سيد * وعينا له حولاء (5) باد عيوبها توفي علي بن الحسين
~~زين العابدين في الثاني عشر من المحرم (6) سنة أربع
# PageV02P873
# وتسعين من الهجرة (1) وله من العمر سبع وخمسون سنة (2) أقام منها مع جده
~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) سنتين (3)، ومع عمه أبي محمد
~~الحسن بعد وفاة جده علي (عليه السلام) أحد عشر سنة (4)، وكان بقاؤه بعد
~~مصرع أبيه ثلاثا وثلاثين سنة (5)، يقال: إنه مات مسموما (6) وإن الذي سمه
~~الوليد بن عبد الملك ودفن بالبقيع في القبر الذي دفن فيه عمه الحسن في
~~القبة التي فيها العباس بن عبد المطلب (7).
# وقال ابن سعد: كان علي بن الحسين (عليه السلام) مع أبيه بطف كربلاء وعمره
~~إذ ذاك ثلاث وعشرون سنة لكنه كان مريضا ملقى على فراشه وقد انهكته العلة
~~والمرض، ولما قتل والده [الحسين] قال الشمر بن ذي الجوشن: اقتلوا هذا
~~الغلام، فقال بعض أصحابه:
# [سبحان الله] تقتل فتى مريضا لم يقاتل؟ فتركوه. قال ابن عمر هذا القول هو
~~الصحيح
# PageV02P874
# وليس قول من قال بأنه كان صغيرا حينئذ لم يقاتل وأنه ترك بسبب ذلك الشيء
~~(1).
# أولاد علي بن الحسين خمسة عشر ولدا (2) ما بين ذكر وأنثى، أحد عشر ذكرا
~~وأربع إناث، وهم: محمد المكنى بأبي جعفر الملقب بالباقر، أمه أم عبد الله
~~بنت الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). وزيد وعمر، أمهما أم ولد.
~~وعبد الله والحسن والحسين، وأمهم أم ولد. والحسين الأصغر وعبد الرحمن
~~وسليمان، أمهم أم ولد.
# وعلي وكان أصغر ولد علي بن الحسين وخديجة، وأمهما أم ولد. وفاطمة وعلية
~~وأم كلثوم، أمهن أم ولد. فهؤلاء أولاده (عليه السلام) [ونفعنا بهم وحشرنا
~~في زمرتهم] (3).
# PageV02P875
# الفصل الخامس في ذكر أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر (عليهم
~~السلام) وهو الإمام الخامس (1) وتاريخ ms183 ولادته ودلائل إمامته ومبلغ عمره
~~ووقت وفاته ومدة إمامته وعدد أولاده وشئ من أخباره وذكر كنيته ولقبه وغير
~~ذلك مما يتصل به قال (2) بعض أهل العلم: كان محمد بن علي بن الحسين الباقر
~~هو باقر العلم
# PageV02P877
# وجامعه وشاهره (1) ورافعه ومتفوق (2) دره وراضعه، صفى قلبه وزكا عمله
~~وطهرت نفسه وشرفت أخلاقه وعمرت بطاعة الله تعالى [أوقاته] ورسخ في مقام
~~التقوى قدمه وميثاقه (3) (4).
# قال صاحب الإرشاد أبو عبد الله محمد بن محمد النعمان: وكان الباقر [أبو
~~جعفر] محمد بن علي [بن الحسين] خليفة أبيه من بين إخوته ووصيه والقائم
~~بالإمامة من بعده، وبرز على جماعته بالفضل وفي العلم والزهد والسؤدد، وكان
~~أنبههم (5) ذكرا وأكملهم فضلا وأعظمهم نبلا، ولم يظهر عن أحد من ولد الحسن
~~والحسين (عليهم السلام) من علم الدين والسنن وعلم القرآن والسير (6) وفنون
~~الأدب ما ظهر عن (7) أبي جعفر الباقر (عليه السلام) (8).
# وروى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين ورؤساء فقهاء
# PageV02P878
# المسلمين، وصار بالفضل به، وسارت بذكر علومه الأخبار وأنشدت في مدائحه
~~الأشعار، فمن ذلك ما قاله مالك بن أعين الجهني من قصيدة يمدحه (عليه
~~السلام) فيها قال (1):
# إذا طلب الناس علم القرآ * ن وكانت لقريش عليه عيالا وإن قام ابن بنت
~~النبي * تلقت يداه فروعا طوالا نجوم تهلل للمدلجين * جبال تورث علما جبالا
~~وفيه يقول القرظي (2):
# يا باقر العلم لأهل التقى * وخير من لبى على الأجيل ولد أبو جعفر محمد بن
~~علي بن الحسين (رض) بالمدينة في ثالث صفر (3) سنة
# PageV02P879
# سبع وخمسين من الهجرة (1) قبل قتل جده الحسين (عليه السلام) بثلاث سنين
~~(2).
# وأما نسبه: أبا وأما فأبوه زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي
~~طالب (عليه السلام) (3)
# PageV02P880
# وهو هاشمي من هاشميين علوي من علويين (1).
# وأما كنيته: فأبو جعفر (2) لاغير، وله ثلاثة ألقاب: الباقر والشاكر
~~والهادي (3)، أشهرها الباقر، ولقب بذلك لبقره العلم وهو تفجره وتوسعه (4).
# PageV02P881
# وروى جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): يا جابر يوشك أن تلتحق بولد لي من ms184 ولد الحسين (عليه السلام) اسمه
~~كاسمي يبقر العلم بقرا - أي يفجره تفجيرا - فإذا رأيته فاقرأه عنى السلام.
~~قال جابر (رض): فأخر الله تعالى مدتي حتى رأيت الباقر (عليه السلام)
~~فأقرأته السلام عن جده رسول الله (صلى الله عليه وآله).
# وروي أن محمد بن علي الباقر (عليه السلام) سأل جابر بن عبد الله الأنصاري
~~لما دخل عليه عن عائشة وما جرى بينها وبين علي (عليه السلام)، فقال له
~~جابر: دخلت (1) عليها يوما وقلت لها: ما تقولين في حق علي بن أبي طالب؟
~~فأطرقت برأسها ثم رفعته فقالت (2) (3):
# إذا ما التبر حك على محك * تبين غشه من غير شك وفينا الغش والذهب المصفى
~~* علي بيننا (4) شبه المحك صفة الباقر (عليه السلام): أسمر معتدل (5)،
# PageV02P882
# شاعره الكميت (1) والسيد الحميري (2)، بابه (3) جابر الجعفي (4) (رض)،
~~نقش خاتمه
# PageV02P883
# ﴿رب لا تذرنى فردا﴾ (1).
# ونقل الثعلبي في تفسيره أن الباقر (عليه السلام) نقش على خاتمه هذه
~~الكلمات (2):
# ظني بالله حسن * وبالنبي المؤتمن وبالوصي ذي المنن * وبالحسين والحسن
~~معاصره: الوليد وأولاده يزيد وإبراهيم (3).
# وأما مناقبه: فكثيرة عديدة وأوصافه فحميدة جميلة منها: ما حكاه مولاه
~~أفلح
# PageV02P884
# قال: حججت مع أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) فلما دخل المسجد
~~ونظر البيت بكى فقلت (1): بأبي أنت وأمي إن الناس ينظرون (2) إليك فلو خفضت
~~(3) بصوتك قليلا، فقال: ويحك (4) يا أفلح!! ولم لا أرفع صوتي بالبكاء لعل
~~الله تعالى ينظر إلي برحمة منه فأفوز بها غدا. ثم إنه طاف بالبيت وجاء حتى
~~ركع خلف المقام فلما فرغ فإذا موضع سجوده مبتل (5) من دموع عينيه (6).
# وروى عنه ابنه جعفر قال: كان أبي يقوم جوف الليل فيقول في تضرعه: أمرتني
~~فلم أأتمر، ونهيتني وزجرتني فلم أنزجر، فها أنا عبدك بين يديك مقرا لأعتذر
~~(7).
# وروي عنه أنه قال: ما من عبادة أفضل من عفة بطن أو فرج، وما من شيء أحب
~~إلى الله من أن يسأل، ولا يدفع القضاء إلا الدعاء، فإن أسرع الخير ثوابا
~~البر العدل، وأسرع الشر عقوبة ms185 البغي، وكفى بالمرء عيبا أن يبصر (8) من
~~الناس ما يعمى عنه من نفسه، وأن يأمر الناس (9) ما لا يفعله، وأن ينهى
~~الناس بما (10) لا يستطيع
# PageV02P885
# التحول عنه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه (1).
# وقال خالد بن الهيثم: قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين (عليهما
~~السلام): ما أغر ورقت (2) عين بمائها من خشية الله تعالى إلا وحرم الله وجه
~~صاحبها على النار، فإن سالت على الخدين دموعه لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة،
~~وما من شيء إلا وله جزاء إلا الدمعة، فإن الله تعالى يكفر بها بحور
~~الخطايا، ولو أن باكيا بكى في أمة لحرم الله تلك الأمة على النار (3).
# وعن جابر الجعفي قال: قال لي محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام): يا
~~جابر إني لمشتغل القلب، قلت: وما يشغل قلبك؟ قال: يا جابر إنه من دخل قلبه
~~ما في دين الله الخالص شغله عما سواه. يا جابر ما الدنيا وما عسى أن تكون
~~هل هي إلا مركب ركبته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها! يا جابر إن المؤمنين
~~لم يطمئنوا إلى الدنيا لزوالها (4) ولم يأمنوا قدوم الآخرة [عليهم]
~~لأهوالها، وإن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤونة وأكثرهم لك معونة، وإن
~~نسيت ذكروك، وإن ذكرت أعانوك، قوالين للحق، قوامين بأمر الله، فاجعل (5)
~~الدنيا كمنزل نزلت به وارتحلت (6) منه أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت
~~وليس معك منه شيء، واحفظ الله فيما استرعاك من
# PageV02P886
# دينه وحكمته (1).
# وقال (عليه السلام): الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن، فإذا وصلا إلى
~~مكان فيه التوكل استوطنا (2) (3).
# وقال (عليه السلام): ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر إلا نقص من عقله مثل
~~ذلك قل أو كثر (4) (5).
# وقال (عليه السلام): سلاح اللئام قبح الكلام (6).
# وكان يقول: والله لموت عالم أحب إلى إبليس من موت سبعين عابد (7).
# PageV02P887
# وقال سعد الإسكافي: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام)
~~يقول: عالم ينتفع بعلمه خير من ألف عابد (1).
# وقال (عليه السلام): شيعتنا من أطاع الله (2).
# وعن أبي ms186 عبد الله ابن محمد بن المنكدر (3) كان يقول: ما كنت أرى أن مثل
~~علي بن الحسين (عليه السلام) يدع خلفا أفضل منه (4) حتى رأيت ابنه محمد بن
~~علي (عليه السلام) وذلك أني أردت أن أعظه فوعظني. فقال [له] أصحابه: بأي
~~شيء وعظك؟ قال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في يوم من الأيام في ساعة حارة
~~فلقيني (5) أبو جعفر محمد بن علي وكان رجلا بادنا (6) ثقيلا وهو متكئ على
~~(7) غلامين أسودين له فقلت في نفسي: سبحان الله شيخ من أشياخ (8) قريش خرج
~~في هذه الساعة على هذه الحالة في طلب الدنيا؟! [أما] لأعظنه، فدنوت منه
~~وسلمت عليه فرد (9) علي بنهر (10)
# PageV02P888
# وقد تصبب (١) عرقا فقلت: أصلحك الله شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على
~~هذه الحالة في طلب الدنيا؟! [أرأيت] لو جاء أجلك (٢) وأنت على هذه الحال
~~(٣) [ما كنت تصنع؟] قال: فخلى عن الغلامين والتفت إلي وقال: لو جاءني الموت
~~وأنا على هذه الحال لجاءني وأنا في طاعة من طاعة الله أكف بها نفسي
~~[وعيالي] عنك وعن الناس، وإنما كنت أخاف الموت أن لو جاءني وأنا على معصية
~~من معاصي الله تعالى، فقلت: [صدقت] يرحمك الله (٤) أردت أن أعظك فوعظتني
~~(٥).
# وعن معاوية بن عمار الدهني (٦) عن محمد بن علي بن الحسين في قوله عزوجل
~~﴿فسلوا أهل الذكر إن كنتم لا
~~تعلمون﴾ (7) قال: نحن أهل الذكر (8). وروى الزهري (9) قال: حج هشام بن
~~عبد الملك فدخل المسجد الحرام متكئا (10) على يد سالم مولاه
# PageV02P889
# ومحمد بن علي (عليه السلام) [جالس] في المسجد، فقال له سالم [مولاه]: يا
~~أمير المؤمنين هذا محمد بن علي بن الحسين في المسجد [قال هشام]: المفتون به
~~أهل العراق؟
# قال: نعم، فقال: اذهب إليه فقل (١) له: يقول لك أمير المؤمنين: ما الذي
~~يأكل الناس ويشربون إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة؟ فقال [أبو جعفر]: قل
~~له: يحشر الناس على مثل قرص نقي (٢) فيها أنهار متفجرة يأكلون ويشربون منها
~~حتى يفرغوا من الحساب. قال: فلما سمع ms187 هشام ذلك رأى أنه قد ظفر به. فقال:
~~الله أكبر اذهب (٣) إليه وقل له ما أشغلهم (٤) عن الأكل والشرب يومئذ؟ فقال
~~له أبو جعفر: قل له: هم في النار أشغل ولم يشغلوا (٥) إلى أن قالوا ﴿أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم
~~الله﴾ (6) فسكت هشام لا (7) يرجع كلاما (8).
# وروي أن العلاء بن عمرو بن عبيد (9) قدم على محمد بن علي بن الحسين
# PageV02P890
# يمتحنه بالسؤال فقال له: جعلت فداك ما معنى قوله تعالى ﴿أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا
~~ففتقناهما﴾ (١) ما هذا الرتق والفتق؟ فقال له أبو جعفر (عليه السلام):
# كانت السماء رتقا لا تنزل القطر (٢) وكانت الأرض رتقا (٣) لا تخرج
~~النبات، ففتق الله (٤) السماء بنزول المطر وفتق (٥) الأرض بخروج النبات،
~~فسكت ابن عمرو (٦) ولم يرد جوابا ولم يجد اعتراضا.
# ثم انه سأله عن قوله تعالى ﴿ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى﴾ (٧) ما غضب الله تعالى؟
~~قال: طرده وعقابه يا ابن عمرو (٨) ومن ظن (٩) أن الله يغيره شيء فقد كفر
~~(١٠).
# وسئل عن قوله تعالى ﴿أولئك يجزون
~~الغرفة بما صبروا﴾ (11) فقال: الغرفة [هي الجنة
# PageV02P891
# وهي جزاء لهم بما صبروا] بصبرهم على الفقر في دار الدنيا (١).
# وروى أبو حمزة الثمالي عن محمد بن علي بن الحسين في قوله تعالى ﴿وجزلهم بما صبروا جنة وحريرا﴾ (2)
~~قال: بما صبروا على الفقر على مصائب الدنيا (3).
# وروى الأصمعي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول لبعض ولده: يا
~~بني إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاحا كل شر، إنك إذا كسلت لم تؤد حقا، وإن
~~ضجرت لم تصبر على حق (4).
# وروي أنه قال لابنه: يا بني إذا أنعم الله عليك بنعمة فقل الحمد لله إذا
~~أحزنك أمر فقل لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا أبطأ عليك (5) الرزق فقل
~~أستغفر الله (6).
# وكان محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) ms188 - مع ما وصفناه به (7) من
~~العلم والفضل والسؤدد والرئاسة والإمامة - ظاهر الجود في الخاصة والعامة
~~مشهور الكرم في الكافة معروفا بالفضل والإحسان مع كثرة عياله وتوسط حاله
~~(8).
# وحكت سلمى مولاة أبي جعفر (عليه السلام) أنه كان يدخل عليه بعض إخوانه
~~فلا يخرجون من عنده حتى يطعمهم الطعام الطيب ويكسوهم الثياب الحسنة في
# PageV02P892
# بعض الأحيان ويهب لهم الدراهم، فكنت أقول له في ذلك فيقول: يا سلمى ما
~~حسنة الدنيا إلا صلة الإخوان والمعارف، وكان يصل بالخمسمائة درهم
~~وبالستمائة وبالألف درهم (1).
# وقال الأسود بن كثير (2): شكوت إلى أبي جعفر (عليه السلام) جور الزمان
~~وجفاء الإخوان فقال: بئس الأخ أخ يرعاك غنيا ويقطعك (3) فقيرا. ثم أمر
~~غلامه فأخرج [لي] كيسا فيه سبعمائة درهم فقال: استنفق هذه فإذا نفدت (4)
~~فأعلمني (5).
# وقال (رضي الله عنه): اعرف المودة في قلب أخيك بما له في قلبك (6).
# ونقل عن الزبير بن (7) محمد بن مسلم المكي [أنه] قال: كنا عند جابر بن
~~عبد الله فأتاه علي بن الحسين ومعه ابنه محمد وهو صبي، فقال علي لابنه
~~محمد: قبل
# PageV02P893
# رأس عمك، فدنا محمد من جابر فقبل رأسه، فقال جابر: من هذا؟ وكان قد كف
~~بصره، فقال له علي بن الحسين (عليه السلام): [هذا] ابني محمد، فضمه جابر
~~إليه وقال له:
# يا محمد، محمد جدك رسول الله يقرئك السلام، فقالوا لجابر: وكيف ذلك يا
~~أبا عبد الله؟ قال: كنت مع (1) رسول الله (صلى الله عليه وآله) والحسين
~~(عليه السلام) في حجره وهو يلاعبه فقال: يا جابر يولد لابني الحسين ابن
~~يقال له علي، فإذا كان يوم القيامة ينادي مناد: ليقم سيد العابدين، فيقوم
~~علي بن الحسين، ويولد لعلي بن الحسين ابن يقال له محمد، يا جابر فإن أدركته
~~(2) فاقرأه مني السلام وإن لاقيته فاعلم أن بقاءك بعد رؤيته يسير (3). فلم
~~يعش جابر بعد ذلك إلا قليلا ومات (4). فهذه منقبة من مناقبه باقية على ممر
~~الأيام وفضيلة شهد له بها الخاص والعام.
# قال فيه البليغ ما قال ذوو * الحجى وكل برأيه منطبق ms189 وكذلك العدو لم يعد
~~أن قال * جميلا فما يقول فيه الصديق (5) ومن كتاب الحلية لأبي نعيم عن أبي
~~عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) عن أبيه محمد الباقر عن أبيه علي بن
~~الحسين عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: قال رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله): من نقله الله تعالى من ذل المعاصي إلى عز
~~التقوى أغناه بلا مال
# PageV02P894
# وأعزه بلا عشيرة وآنسه بلا أنيس، ومن خاف الله تعالى أخاف الله منه كل
~~شيء، ومن لم يخف الله تعالى أخافه الله من كل شيء، ومن رضي من [مال] الله
~~باليسير من الرزق رضي منه باليسير من العمل، ومن لم يستح من المعيشة خفت
~~مؤونته ورخا باله ونعم عياله، ومن زهد في الدنيا آتاه (1) الله الحكمة في
~~قلبه وأنطق بها لسانه وأخرجه من الدنيا سالما إلى دار القرار (2).
# وروى أبو سعيد منصور بن الحسن الآبي في كتابه نثر الدرر أن محمد بن علي
~~الباقر (عليه السلام) قال لابنه جعفر الصادق: يا بني إن الله خبأ ثلاثة
~~أشياء في ثلاثة أشياء:
# خبأ رضاه في طاعته فلا تحقرن من الطاعة شيئا فلعل رضاه فيه، وخبأ سخطه في
~~معصيته فلا تحقرن من المعصية شيئا فلعل سخطه فيه، وخبأ أولياءه في خلقه فلا
~~تحقرن أحدا فلعله ذلك الولي (3).
# ومن كتاب صفة الصفوة لابن الجوزي عن عروة بن عبد الله قال: سألت أبا جعفر
~~محمد بن علي عن حلية السيف، قال: لا بأس به وقد حلى أبو بكر الصديق سيفه،
~~قلت: تقول الصديق؟! قال: فوثب وثبة واستقبل القبلة وقال: نعم الصديق نعم
~~الصديق، من لم يقل له الصديق فلا صدق الله له قولا لا في الدنيا ولا في
~~الآخرة (4).
# ومن كتاب الجوانح والجوامح للإمام قطب الدين أبي سعيد هبة الله بن الحسن
~~النهاوندي (5) عن أبي بصير قال: كنت مع محمد بن علي الباقر في مسجد
# PageV02P895
# رسول الله (صلى الله عليه وآله) [قاعدا] في حدثان موت والده علي بن
~~الحسين (عليه السلام) ms190 إذ دخل المنصور [الدوانيقي] أبو جعفر وداود بن سليمان
~~قبل أن يفضي (1) الملك إلى بني (2) العباس، فجاء داود بن سليمان إلى محمد
~~الباقر (عليه السلام) وقعد (3) المنصور ناحية من المسجد فقال له الباقر: ما
~~منع الدوانيقي أن يأتينا (4)؟! قال: فيه جفاء، فقال الباقر (عليه السلام):
~~أما إنه لا تذهب الأيام (5) حتى يلي هذا - يعنى المنصور - أمر هذه الخلايق
~~(6) فيطأ أعناق الرجال ويملك شرقها وغربها ويطول عمره فيها حتى يجمع من
~~كنوز الأموال ما لا يجمعه غيره (7). فبعد أن قام داود من عند محمد بن علي
~~الباقر (عليه السلام) ذهب إلى المنصور وأخبره بذلك، فقام المنصور وجاء إليه
~~وقال: ما منعني من الجلوس إليك إلا جلالتك وهيبتك، ثم قال: يا سيدي ما الذي
~~يقوله داود؟ قال: هو كائن لا محالة، قال:
# وملكنا قبل ملككم؟ قال: نعم، قال: ويملك بعدي أحد من ولدي؟ قال: نعم،
~~قال:
# فمدة بني أمية أطول (8) أم مدتنا؟ قال: مدتكم أطول وليتلقفن (9) هذا
~~الملك صبيانكم فيلعبون به كما يلعبون بالكرة، هذا ما عهده إلي أبي. فلما
~~أفضت الخلافة إلى المنصور (10) تعجب من قول الباقر (عليه السلام) (11).
# PageV02P896
# ومن الكتاب المذكور قال أبو بصير: قلت يوما للباقر (عليه السلام): أنتم
~~ذرية (1) رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال [لي] نعم، قلت: رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) وارث الأنبياء جميعهم ووارث جميع علومهم؟ (2) قال:
~~نعم، قلت: فأنتم ورثة جميع علوم رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: نعم،
~~قلت: فأنتم تقدرون أن تحيوا الموتى وتبرئوا الأكمه والأبرص وتخبرون الناس
~~بما يأكلون [ويدخرون] في بيوتهم؟ قال: نعم نفعل ذلك كله بإذن الله تعالى.
~~ثم قال:
# ادن مني يا أبا بصير - وكان أبو بصير مكفوف النظر - فدنوت منه فمسح يده
~~على عيني (3) فأبصرت السهل والجبل والسماء والأرض، فقال: أتحب أن تكون هكذا
~~تبصر وحسابك على الله أو تكون كما كنت ولك الجنة؟ قلت: الجنة أحب إلي. قال
~~فمسح بيده المباركة على عيني (4) فعدت كما كنت (5).
# ومن الكتاب المذكور أيضا عن جعفر الصادق ms191 (عليه السلام) قال: كان أبي في
~~مجلس عام ذات يوم من الأيام إذ أطرق برأسه إلى الأرض ثم رفعه فقال: يا قوم
~~كيف أنتم إذا جاءكم رجل يدخل عليكم مدينتكم هذه في أربعة آلاف يستعرضكم على
~~السيف ثلاثة أيام متوالية فيقتل مقاتلتكم وتلقون منه بلاء لا تقدرون عليه
~~ولا أن
# PageV02P897
# تدفعوه (1) وذلك من قابل؟ فخذوا حذركم واعلموا أن الذي قلت لكم هو كائن
~~لابد منه. فلم يلتفت أهل المدينة إلى كلامه وقالوا: لا يكون هذا أبدا. فلما
~~كان من قابل ارتحل (2) أبو جعفر من المدينة بعياله هو وجماعة من بني هاشم
~~وخرجوا منها، فجاءها نافع بن الأزرق فدخلها في أربعة آلاف واستباحها ثلاثة
~~أيام وقتل فيها خلقا كثيرا لا يحصون، وكان الأمر على ما قاله (عليه السلام)
~~(3).
# ومن كتاب الدلائل للحميري عن زيد بن أبي حازم قال: كنت مع أبي جعفر محمد
~~بن علي الباقر (عليه السلام) فمر بنا زيد بن علي (4) فقال أبو جعفر: أما
~~رأيت هذا
# PageV02P898
# ليخرجن بالكوفة وليقتلن وليطافن برأسه، فكان كما قال (عليه السلام) (1).
# وعن الحسن (2) بن راشد قال: ذكرت زيد بن علي عند أبي عبد الله جعفر
~~الصادق فنلت منه (3)، فقال: لا تفعل رحم الله عمي زيدا فإنه أتى أبي وقال:
~~إني أريد الخروج على هذا الطاغية، فقال له: لا تفعل يا زيد إني (4) أخاف أن
~~تكون المقتول المصلوب بظهر الكوفة، أما علمت يا زيد أنه لا يخرج أحد من ولد
~~فاطمة على أحد من السلاطين قبل خروج السفياني إلا قتل؟ فكان الأمر كما قال
~~أبي (5).
# وعن عبد الرحمن بن يحيى بن سعيد قال: حدثني رجل من بني هاشم قال: كنا عند
~~محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) وأخوه زيد جالس إلى جانبه، فدخل رجل
~~من أهل الكوفة فقال له محمد بن علي أتروي (6) شيئا من طرائف الشعر ونوادره؟
~~فقال:
# نعم، قال: كيف قال الأنصاري لأخيه؟ فأنشده:
# لعمرك ما كان أبو مالك * بوان ولا بضعيف قواه ولا مالديه (7) نازع *
~~يعادي أخاه إذا ما نهاه ms192 لأن سدته سدت مطواعه * ومهما وكلت إليه كفاه فوضع
~~محمد بن علي يده على كتف أخيه زيد وقال: هذه صفتك يا أخي،
# PageV02P899
# وأعيذك بالله أن تكون قتيل أهل العراق (1).
# وكان زيد بن علي (رض) دينا شجاعا ناسكا وكان من أحسن بني هاشم عبادة
~~وأجملهم إنارة (2)، وكان ملوك بني أمية تكتب إلى صاحب العراق أن امنع أهل
~~الكوفة من حضور مجلس زيد بن علي فإن له لسانا أقطع من غلبة السيف وأحد من
~~شبا الأسنة وأبلغ من السحر والكهانة ومن النفث في العقد.
# وقال له يوما هشام بن عبد الملك: بلغني أنك تروم الخلافة وأنت لا تصلح
~~لها لأنك ابن (3) أمة، فقال زيد: كان إسماعيل بن إبراهيم ابن أمة وإسحاق
~~ابن حرة، فأخرج الله من صلب إسماعيل خير من ولد آدم، فقال: قم إذا لا تراني
~~إلا حيث تكره، فلما خرج من الدار قال: ما أحب أحد الحياة إلا ذل فقال له
~~سالم مولى هشام: بالله لا يسمعن منك هذا الكلام أحد (4)، فكان زيد (رض)
~~كثيرا ما ينشد (5):
# شرده الخوف من أوطانه * كذلك من يكره حر الجلاد منحرق الحقين يشكو الوجى
~~* تنكبه أطراف مرو حداد
# PageV02P900
# قد كان بالموت له راحة * والموت حتف في رقاب العباد ومن كتاب جمعه الوزير
~~السعيد مؤيد الدين أبو طالب محمد بن أحمد بن محمد بن علي العلقمي (1) قال
~~ذكر الشيخ الأجل أبو الفتح يحيى بن محمد بن خيار (2) الكاتب قال: سمعت (3)
~~بعض أهل العلم والخير يقول: كنت بين مكة والمدينة فإذا أنا بشيخ يلوح في
~~(4) البرية فيظهر تارة ويغيب أخرى حتى قرب مني فتأملته فإذا هو غلام سباعي
~~أو ثماني، فسلم علي فرددت عليه، فقلت: من أين يا غلام؟ قال: من الله، قلت:
~~وإلى أين؟ قال: إلى الله، فقلت: فما زادك؟ قال: التقوى، فقلت: ممن أنت؟
~~قال: أنا رجل عربي (5)، قلت: ابن من عافاك الله؟ فقال: أنا رجل هاشمي،
~~فقلت: ابن من قال: أنا رجل علوي، ثم أنشد يقول:
# فنحن (6) على الحوض ذواده (7) * تزود ويسعد وراده ms193 فما فاز من فاز إلا بنا
~~* وما (8) خاب من حبنا زاده فمن سرنا نال منا السرور * ومن ساءنا ساء
~~ميلاده
# PageV02P901
# ومن كان غاصبنا حقنا * فيوم القيامة ميعاده ثم قال: أنا أبو جعفر محمد بن
~~علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ثم التفت فلم أره، فلا أعلم هل صعد إلى
~~السماء أم نزل إلى الأرض (1).
# مات أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر (عليهم السلام) في سنة سبعة
~~عشر ومائة (2)
# PageV02P902
# وله من العمر ثماني وخمسون سنة (1)، وقيل ستون سنة (2)، وقيل خمسا
~~وثلاثين (3)، أقام منها مع جده الحسين ثلاث سنين، ومع أبيه علي بن الحسين
~~ثلاثا وثلاثين سنة، وبقي بعد موت أبيه تسع عشر سنة، وهي مدة إمامته (عليه
~~السلام) (4)، وانه أوصى أن
# PageV02P903
# يكفن في قميصه الذي كان يصلي فيه (1).
# وعن ابنه جعفر الصادق (عليه السلام) قال: كنت عند أبي في اليوم الذي قبض
~~فيه فأوصاني بأشياء في غسله وتكفينه وفي دخوله قبره. قال: فقلت له: يا أبت
~~(2) والله ما رأيت (3) منذ اشتكيت أحسن هيئة منك اليوم ولا أرى عليك أثر
~~الموت، فقال: يا بني أما (4) سمعت علي بن الحسين يناديني (5) من وراء
~~الجدار (6): يا محمد عجل (7).
# PageV02P904
# ويقال: إنه مات بالسم في زمن إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك (1)، قبره
~~بالبقيع (2) ودفن بالقبة التي فيها العباس في القبر الذي دفن فيه أبوه وعم
~~أبيه الحسن (عليه السلام) (3)، وقد تقدم ذكر ذلك.
# أولاد الباقر (عليه السلام) ستة (4) وقيل سبعة (5) وهم: أبو عبد الله
~~جعفر الصادق (عليه السلام) - وكان يكنى به - وعبد الله، وأمهما أم فروة بنت
~~القاسم بن محمد بن أبي بكر. وإبراهيم
# PageV02P905
# وعبيد الله (1) درجا في حياته، وأمهما أم حكيم بنت أسد بن المغيرة
~~الثقفية. وعلي وزينب لأم ولد. ولم يعتقد أحد من (2) ولد أبي جعفر الإمامة
~~إلا في أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام)، وكان أخوه عبد الله يشار
~~إليه بالفضل والصلاح. يقال: إن بعض بني أمية سقاه السم فمات رضوان الله
~~تعالى عليه، نقل ذلك صاحب ms194 الإرشاد (رحمه الله) (3).
# PageV02P906
# الفصل السادس في ذكر أبي عبد الله جعفر (1) الصادق (عليه السلام) وهو
~~الإمام السادس وتاريخ ولادته ومدة إمامته ومبلغ عمره ووقت وفاته وعدد
~~أولاده وذكر كنيته ونسبه وغير ذلك مما يتصل به كان (2) جعفر الصادق ابن
~~محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) من بين إخوانه خليفة
# PageV02P907
# أبيه محمد بن علي (عليهما السلام) ووصيه والقائم بالإمامة من بعده، وبرز
~~على جماعتهم (1) بالفضل وكان أنبههم ذكرا وأعظمهم (2) قدرا، ونقل الناس عنه
~~من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته وذكره في سائر البلدان، ولم ينقل
~~العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه من الحديث (3).
# وروى عنه جماعة من أعيان الأمة وأعلامهم مثل: يحيى بن سعيد (4) وابن جريج
~~(5)
# PageV02P908
# ومالك بن أنس (١) والثوري (٢) وابن عيينة (٣) وأبو حنيفة (٤) وشعبة (٥)
~~وأبو أيوب السجستاني (٦) وغيرهم (٧).
# ووصى (٨) إليه أبو جعفر (عليه السلام) بالإمامة وغيرها وصية ظاهرة، ونص
~~عليها نصا جليا عن أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) قال: إن أبي
~~استودعني ما هناك، وذلك انه لما حضرته الوفاة قال: ادع لي شهودا، فدعوت له
~~أربعة [من قريش] منهم نافع مولى عبد الله بن عمر، فقال: اكتب: هذا ما أوصى
~~به يعقوب نبيه ﴿يبنى إن الله اصطفى
~~لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (9). وأوصى محمد بن علي إلى
~~ابنه جعفر وأمره أن يكفنه في برده الذي كان يصلي فيه الجمعة (10) وقميصه،
~~وأن يعممه بعمامته، وأن يرفع قبره مقدار أربع أصابع، وأن يحل أطماره (11)
~~عند
# PageV02P909
# دفنه. ثم قال للشهود: انصرفوا رحمكم الله، فقلت: يا أبت ما كان في هذا
~~بأن (1) يشهد عليه؟ قال: يا بني كرهت أن تغلب وأن يقال: لم يوص [إليه]
~~فأردت بأن تكون لك (2) الحجة (3).
# ولد جعفر الصادق ابن محمد بن علي زين العابدين ابن الحسين بن علي بن أبي
~~طالب بالمدينة الشريفة سنة ثمانين (4) من الهجرة وقيل سنة ثلاث وثمانين (5)
~~والأول أصح.
# وأما نسبه أبا وأما فهو جعفر الصادق ابن محمد الباقر ابن ms195 علي زين
~~العابدين ابن
# PageV02P910
# الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) (1) وأمه رضي الله عنها أم فروة
~~بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر (2).
# وأما كنيته فأبو عبد الله (3)، وقيل أبو إسماعيل (4). وله ثلاثة ألقاب:
~~الصادق، والفاضل، والطاهر، وأشهرها الصادق (5).
# PageV02P911
# صفته: معتدل أدمي اللون (1)، شاعره السيد الحميري (2) (رض) بابه: (3)
~~المفضل بن عمر (4). نقش خاتمه " ما شاء الله لا قوة إلا بالله استغفر الله
~~" (5)، معاصره أبو جعفر المنصور (6).
# PageV02P912
# وأما مناقبه فتكاد تفوت من عد الحاسب ويحير في أنواعها فهم اليقظ الكاتب،
~~وقد نقل بعض أهل العلم أن كتاب الجفر (١) بالمغرب الذي يتوارثونه بنو عبد
~~المؤمن (٢) بن علي هو من كلامه، وله في المنقبة السنية والدرجة التي هي في
~~مقام الفضل عليه. عن مالك بن أنس قال: قال جعفر الصادق (عليه السلام) يوما
~~لسفيان الثوري: إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقائها فأكثر من الحمد
~~والشكر عليها فإن الله عزوجل قال في كتابه العزيز (لئن شكرتم لأزيدنكم)
~~(٣). وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار فان الله عزوجل يقول ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل
~~السمآء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين - يعنى في الدنيا - ويجعل لكم
~~جنت... - في الآخرة -﴾ (4) يا سفيان إذا أحزنك أمر من سلطان أو غيره
~~فأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها مفتاح الفرج وكنز من كنوز
~~الجنة (5).
# وقال ابن أبي حازم: كنت عند جعفر الصادق إذ جاء آذنه (6) وقال: إن سفيان
# PageV02P913
# الثوري في الباب، فقال: ائذن له، فدخل فقال له جعفر: يا سفيان إنك رجل
~~يطلبك السلطان في بعض الأوقات وتحضر عنده وأنا (1) أتقي السلطان فأخرج عني
~~غير مطرود (2)، فقال سفيان: حدثني بحديث أسمعه منك وأقوم، فقال: حدثني أبي
~~عن جدي عن أبيه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من أنعم الله عليه
~~نعمة فليحمد الله، ومن استبطأ الرزق فليستغفر الله، ومن أحزنه أمر فليقل:
~~لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما قام سفيان قال أبو جعفر: خذها ms196 يا سفيان
~~ثلاثا وأي ثلاث (3)!!
# وكان (عليه السلام) يقول: لا يتم المعروف إلا بثلاث: تعجيله وتصغيره
~~وستره (4).
# وقال بعض شيعته [أصحاب جعفر بن محمد الصادق]: دخلت على جعفر وموسى ولده
~~بين يديه وهو يوصيه بهذه الوصية فحفظتها، فكان مما حفظت [أوصاه به منها] أن
~~قال له: يا بني، اقبل وصيتي واحفظ مقالتي، فإنك إن حفظتها تعش (5) سيدا
~~وتمت (6) حميدا. يا بني، إنه من قنع (7) بما قسم الله له استغنى، ومن مد
~~عينه إلى ما في يد غيره مات فقيرا، ومن لم يرض بما قسم الله له اتهم ربه
~~(8) في قضائه، ومن استصغر زلة نفسه [استعظم زلة غيره، ومن استعظم زلة نفسه]
~~استصغر زلة غيره. يا
# PageV02P914
# بني، من كشف حجاب غيره انكشفت عورته (1)، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن
~~احتفر (2) لأخيه بئرا سقط فيها، ومن داخل السفهاء حقر، ومن خالط العلماء
~~وقر، ومن دخل (3) مداخل السوء اتهم. يا بني، قل الحق لك أو عليك (4)، وإياك
~~والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال. يا بني، إذا طلبت الجود فعليك
~~بمعادنه فإن للجود (5) معادن وللمعادن أصولا وللأصول فروعا وللفروع ثمرا،
~~ولا يطيب ثمر إلا بفرع ولا فرع إلا بأصل ولا أصل ثابت إلا بمعدن طيب. يا
~~بني، إذا (6) زرت فزر الأخيار ولا تزر الأشرار (7) فانهم صخرة لا ينفجر
~~ماؤها وشجرة لا يخضر ورقها وأرض لا يظهر عشبها (8).
# وقال أحمد بن عمرو بن المقدام الرازي (9): وقع الذباب على وجه المنصور
~~فذبه فعاد فذبه فعاد حتى أضجره، وكان عنده جعفر بن محمد (عليه السلام) في
~~ذلك الوقت، فقال المنصور: يا أبا عبد الله لأي شيء خلق الله عزوجل الذباب؟
~~قال: ليذل به الجبابرة (10)، فسكت المنصور (11).
# PageV02P915
# وقيل: كان رجل من أهل السواد يلازم مجلس جعفر الصادق (عليه السلام) ويقعد
~~طويلا مقعده، ففقده في بعض الأيام فسأل عنه فقال له رجل يريد أن ينقصه
~~[يستنقص به] عنده: إنه رجل نبطي (1)، فقال جعفر: أصل الرجل عقله، وحسبه
~~دينه، وكرمه تقواه، والناس في آدم مستوون، فاستحيى (2) الرجل (3).
# قال ms197 سفيان الثوري سمعت جعفر الصادق (عليه السلام) يقول: عزت (4) السلامة
~~حتى لقد خفي مطلبها، فإن تك في شيء فيوشك أن تكون في الخمول، وإن طلبت (5)
~~في الخمول ولم تجده فيوشك [أن تكون في الصمت، فإن طلبت في الصمت ولم توجد
~~فيوشك أن تكون في العزلة والخلوة] (6) أن تكون في كلام السلف الصالح،
~~والسعيد من وجد في نفسه خلوة يشتغل بها عن الناس (7).
# وحدث عبد الله بن الفضل بن الربيع (8) عن أبيه قال: لما حج المنصور في
~~سنة سبع وأربعين ومائة قدم (9) المدينة قال للربيع: ابعث إلى جعفر بن محمد
~~من يأتينا به
# PageV02P916
# متعبا سريعا قتلني الله إن لم أقتله، فتغافل الربيع عنه وناساه (1) فأعاد
~~عليه في اليوم الثاني واغلظ له في القول، فأرسل إليه الربيع فلما حضر قال
~~له الربيع: يا أبا عبد الله اذكر الله تعالى فإنه قد أرسل إليك [ب] ما لا
~~دافع له غير الله وإني أتخوف عليك، فقال جعفر: لا حول ولا قوة إلا بالله
~~العلي العظيم.
# ثم إن الربيع دخل (2) به على المنصور فلما رآه المنصور أغلظ له بالقول
~~فقال: يا عدو الله اتخذك أهل العراق إماما يجبون (3) إليك بزكاة أموالهم
~~فتلحد في سلطاني (4) وتبتغي إلى الغوائل قتلني الله إن لم أقتلك، فقال
~~جعفر: يا أمير المؤمنين إن سليمان أعطي فشكر وإن أيوب ابتلي فصبر وإن يوسف
~~ظلم فغفر، فهؤلاء أنبياء الله وإليهم يرجع نسبك ولك فيهم (5) أسوة حسنة
~~فقال المنصور: أجل لقد صدقت يا أبا عبد الله ارتفع إلى هاهنا عندي، ثم قال:
~~يا أبا عبد الله إن فلان الفلاني أخبرني عنك بما قلت لك، فقال: أحضره يا
~~أمير المؤمنين ليواقفني (6) على ذلك.
# فأحضر الرجل الذي سعى به إلى المنصور فقال له المنصور: أحقا ما حكيت لي
~~عن جعفر؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قال جعفر: فأستحلفه (7) على ذلك،
~~فبدر الرجل وقال: والله العظيم الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة
~~الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له ms198 كفوا أحد...
~~وأخذ يعد في صفات الله، فقال جعفر: يا أمير المؤمنين يحلف بما أستحلفه به
~~ويترك يمينه هذا، فقال المنصور: حلفه بما تختار، فقال جعفر (عليه السلام):
~~قل: برئت من حول الله وقوته والتجأت
# PageV02P917
# إلى حولي وقوتى لقد فعل [جعفر] كذا وكذا، فامتنع الرجل فنظر إليه المنصور
~~منكرا فحلف بها، فما كان بأسرع من أن ضرب برجله الأرض وخر (1) ميتا مكانه
~~في المجلس، فقال المنصور: جروا برجله وأخرجوه لعنه الله.
# ثم قال: لا عليك يا أبا عبد الله أنت البريء الساحة السليم الناحية
~~المأمون (2) الغائلة، علي بالطيب والغالية، فأتوا بالغالية فجعل يغلف به
~~لحيته إلى أن تركها تقطر وقال: في حفظ الله وكلاءته، وألحقه الربيع بجوائز
~~حسنة وكسوة سنية.
# قال الربيع: فلحقته بذلك ثم قلت له: يا أبا عبد الله إني رأيت قبلك ما لم
~~تره أنت ورأيت بعد ذلك ما رأيت ورأيتك تحرك شفتيك وكلما حركتهما سكن الغضب،
~~بأي شيء كنت تحركهما جعلت فداك؟ قال: بدعاء جدي الحسين (عليه السلام)، قلت،
~~وما هو يا سيدي؟ قال: قلت: اللهم يا عدتي عند شدتي يا غوثي عند كربتي
~~احرسني بعينك التي لا تنام واكنفني (3) بركنك الذي لا يرام وارحمني بقدرتك
~~علي فلا أهلك وأنت رجائي، اللهم إنك أكبر وأجل وأقدر مما أخاف وأحذر، اللهم
~~بك أدرأ (4) في نحره وأستعيذ بك من شره إنك على كل شيء قدير.
# قال الربيع: فما نزلت بي شدة قط ودعوت به إلا فرج الله عني. قال الربيع:
# وقلت لأبي عبد الله: منعت الساعي بك إلى المنصور من أن يحلف يمينه
~~وأحلفته أنت تلك اليمين، فما كان إلا أخذ لوقته فتعجبت من ذلك ما منعناك
~~فيه؟ قال: لأن في يمينه الذي أراد أن يحلف بها توحيد الله وتمجيده وتنزيهه،
~~فقلت: يحلم عليه ويؤخر عنه العقوبة، وأحببت تعجيلها فاستحلفته بما سمعت
~~فأخذه الله لوقته (5).
# PageV02P918
# وروي أن داود بن علي بن العباس (1) قتل المعلى بن خنيس (2) مولى كان
~~لجعفر الصادق (عليه السلام) فأخذ ماله، فبلغ ذلك جعفر فدخل ms199 إلى داره ولم
~~يزل ليله كله قائما وقاعدا إلى الصباح، ولما كان وقت السحر سمع منه وهو
~~يقول في مناجاته يا ذا
# PageV02P919
# القوة القوية، ويا ذا المحال الشديد، ويا ذا العزة التي كل خلقك لها
~~ذليل، اكفنا هذا الطاغية وانتقم لنا منه. فما كان إلا أن ارتفعت الأصوات
~~بالصراخ والعويل وقيل مات داود بن علي فجأة (1).
# ولما بلغ جعفر الصادق (عليه السلام) قول الحكم بن العباس الكلبي (2):
# صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة * ولم أر مهديا على الجذع يصلب فرفع جعفر
~~يديه إلى السماء وهما يرعشان (3) فقال: اللهم سلط على الحكم بن العباس
~~الكلبي كلبا من كلابك. فبعثه بنو أمية إلى الكوفة فافترسه الأسد في الطريق،
~~واتصل ذلك بالصادق فخر ساجدا وقال: الحمد لله الذي أنجزنا ما وعدنا (4).
# PageV02P920
# وقال محمد بن إسماعيل (1): لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن فر (2)
~~جعفر بن محمد إلى ماله بالفرع (3)، فلم يزل هناك مقيما حتى قتل محمد واطمأن
~~الناس فرجع إلى المدينة وأقام بها (4).
# وروي عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: لما رفعت (5) إلى أبي
~~جعفر المنصور بعد قتل محمد بن عبد الله بن الحسن انتهرني (6) وكلمني بكلام
~~غليظ ثم قال لي: يا جعفر قد علمت بفعل محمد بن عبد الله الذي يسمونه النفس
~~الزكية وما نزل به وإنما أنتظر الآن أن يتحرك منكم أحد فألحق الصغير
~~بالكبير. قال: فقلت: يا أمير المؤمنين حدثني أبي محمد بن علي عن أبيه
~~الحسين عن الحسن (7) بن علي بن أبي طالب أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~قال: إن الرجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين فيمدها (8) الله تعالى
~~إلى ثلاث وثلاثين سنة، وإن الرجل ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاث وثلاثون
~~سنة فيبترها (9) الله تعالى إلى ثلاث سنين. قال: فقال لي: والله عليك سمعت
~~هذا من أبيك؟ فقلت: والله سمعتها فردها [ثم ردها] علي ثلاثا ثم
# PageV02P921
# قال: انصرف (١).
# ومما حفظ من كلام جعفر الصادق في الحكمة والموعظة وغير ذلك ms200 قوله: ما كل
~~من نوى (٢) شيئا قدر عليه، ولا كل من قدر على شيء وفق له، ولا كل من وفق
~~أصاب له موضعا، فإذا اجتمعت النية والقدرة والتوفيق والإصابة فهناك [تجب]
~~السعادة (٣).
# وقال (عليه السلام): تأخير التوبة اغترار، وطول التسويف حيرة، والاعتداء
~~على الله هلكة، والإصرار على الذنب أمن من مكر الله (٤) ﴿فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾ (5).
# وقال (عليه السلام): أربعة أشياء القليل منها كثير: النار والعداوة
~~والفقر والمرض (6).
# وسئل: لم سمي البيت العتيق قال: لأن الله تعالى عتقه من الطوفان (7).
# PageV02P922
# وقال (عليه السلام): صحبة عشرين يوما قرابة (1).
# وقال: كفارة عمل السلطان الإحسان إلى الإخوان (2).
# وقال (عليه السلام): إذا دخلت منزل أخيك فاقبل الكرامة ما عدا الجلوس في
~~الصدر (3).
# وقال: البنات حسنات والبنون نعم، فالحسنات يثاب عليهن والنعمة يسأل عنها
~~(4).
# وقال (عليه السلام) من لم يستح من العيب ويرعوي عند المشيب ويخشى الله
~~بظهر الغيب فلا خير فيه (5).
# وقال (عليه السلام): إياكم وملاحاة الشعراء فإنهم يطنبون بالمدح ويجودون
~~بالهجاء (6).
# وكان يقول: اللهم إنك بما أنت له أهله من العفو أولى مني بما أنا أهله من
~~العقوبة (7).
# وقال (عليه السلام): من أكرمك فأكرمه، ومن استخف بك فأكرم نفسك عنه (8).
# PageV02P923
# وقال: منع الجود سوء الظن بالمعبود (1).
# وقال: دعا الله الناس في الدنيا بآبائهم ليتعارفوا ودعاهم في الآخرة
~~بأعمالهم ليتجاوزوا فقال: (يأيها الذين ءامنوا) (يأيها الذين كفروا) (2).
# وقال (عليه السلام): إن عيال المرء أسراؤه فمن أنعم الله عليه بنعمته
~~فليوسع على أسرائه، فإن لم يفعل أوشك أن تزول تلك النعمة عنه (3).
# وقال: ثلاثة لا يزيد الله بها الرجل المسلم إلا عزا: الصفح عمن ظلمه،
~~والإعطاء لمن حرمه، والصلة لمن قطعه (4).
# وقال: حفظ الرجل أخاه بعد وفاته في تركته كرم (5).
# وقال: المؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه من (6) حق وإذا رضي لم يدخله رضاه في
~~باطل (7).
# وروى محمد بن حبيب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده (عليه السلام) ورفعه
~~قال: ما من مؤمن أدخل على ms201 قوم سرورا إلا خلق الله من ذلك السرور ملكا يعبد
~~الله تعالى ويحمده ويمجده، فإذا صار المؤمن في لحده أتاه ذلك السرور الذي
~~أدخله على أولئك القوم فيقول: أنا اليوم أونس وحشتك وألقنك حجتك وأثبتك
~~بالقول الثابت وأشهد بك مشاهد القيامة وأشفع بك إلى ربك وأريك منزلتك من
~~الجنة (8).
# PageV02P924
# وقال إبراهيم بن مسعود: كان رجل من التجار يختلف إلى جعفر بن محمد (عليه
~~السلام) وبينه (1) وبينه مودة وهو معروف بحسن حال (2) فجاء بعد حين إلى
~~جعفر بن محمد وقد ذهب ماله وتغير حاله فجعل يشكو إلى جعفر فأنشده جعفر
~~(عليه السلام) (3):
# فلا تجزع وإن أعسرت يوما * فقد أيسرت في زمن طويل (4) ولا تيأس (5) فإن
~~اليأس كفر * لعل الله يغنى عن قليل ولا تظنن بربك ظن سوء * فإن الله أولى
~~بالجميل وعن أبي حمزة الثمالي: قال: كنت مع أبي عبد الله جعفر بن محمد
~~الصادق بين مكة والمدينة فالتفت فإذا عن يساره (6) كلب أسود فقال له: مالك
~~قبحك الله ما أشد مسارعتك! فإذا هو في الهواء شبيه (7) الطائر، فتعجبت من
~~ذلك، فقال لي: هذا غثيم (8) بريد الجن مات هشام (9) الساعة وهو يطير (10)
~~ينعاه في كل بلد (11).
# PageV02P925
# وعن إبراهيم بن عبد الحميد قال: اشتريت من مكة بردة وآليت (1) على نفسي
~~أن لا تخرج من ملكي حتى تكون كفني، فخرجت بها إلى عرفة فوقفت فيها الموقف
~~ثم انصرفت إلى المزدلفة (2) فبعد أن صليت فيها المغرب والعشاء رفعتها
~~وطويتها ووضعتها تحت رأسي ونمت، فلما انتبهت فلم أجدها فاغتممت لذلك غما
~~شديدا، فلما أصبحت صليت وأفضيت مع الناس إلى منى فإني والله في مسجد الخيف
~~إذ أتاني رسول من أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) يقول لي: يقول
~~(3) لك أبو عبد الله:
# أقبل (4) في هذه الساعة، فقمت مسرعا حتى دخلت على أبي عبد الله جعفر
~~الصادق (عليه السلام) وهو في فسطاطه فسلمت عليه وجلست فالتفت إلي وقال (5):
~~يا إبراهيم نحن نحب أن نعطيك بردة تكون لك كفنا قلت: والذي يحلف به (6)
~~إبراهيم لقد كانت ms202 معي بردة معدها لذلك ولقد ضاعت مني في المزدلفة، فأمر
~~غلامه فأتاني ببردة فتناولتها فإذا هي والله بردتي بعينها، فقلت: بردتي يا
~~سيدي، فقال: خذها واحمد الله تعالى يا إبراهيم فقد جمع الله عليك يا
~~إبراهيم (7).
# وروي عن جعفر الصادق (عليه السلام) انه قال لغلامه (8) يافد: يا يافد إذا
~~كتبت رقعة أو كتابا
# PageV02P926
# في حاجة وأردت أن تنجح حاجتك التي تريد فاكتب في رأس الرقعة (1) بقلم غير
~~مديد: بسم الله الرحمن الرحيم وعد الله الصابرين المخرج مما يكرهون والرزق
~~من حيث لا يحتسبون. جعلنا الله وإياكم من الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون.
~~قال يافد: فكنت أفعل ذلك فتنجح حوائجي (2).
# مناقب أبي جعفر الصادق (عليه السلام) فاضلة، وصفاته في الشرف كاملة،
~~وشرفه على جبهات الأيام سائلة، وأندية المجد والعز بمفاخره ومآثره آهلة
~~(3).
# مات الصادق جعفر بن محمد (عليها السلام) سنة ثمان وأربعين ومائة في شوال
~~(4) وله من العمر ثمان وستون سنة (5) أقام فيها مع جده علي بن الحسين اثني
~~عشر سنة
# PageV02P927
# وأياما (1) ومع أبيه محمد بن علي بعد وفاة جده ثلاثة عشر سنة (2) وبقى
~~بعد موت أبيه أربعا وثلاثين (3) سنة وهي مدة إمامته (عليه السلام)، يقال
~~إنه مات بالسم في أيام المنصور (4) وقبره بالبقيع، دفن في القبر الذي فيه
~~أبوه وجده وعم جده، فلله دره من
# PageV02P928
# قبر ما أكرمه وأشرفه (1).
# وأما أولاده فكانوا سبعة، ستة ذكور وبنت واحدة، وقيل كانوا أكثر من ذلك
~~(2).
# أسماء الذكور: موسى الكاظم (3) إسماعيل (4)
# PageV02P929
# ومحمد (1) وعلي (2) وعبد الله (3) وإسحاق (4)، والبنت اسمها أم فروة (5)
~~رضوان الله عليهم.
# PageV02P930
# الفصل السابع في ذكر أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) وهو الإمام
~~السابع (1) وتاريخ ولادته ومدة إمامته ومبلغ عمره ووقت وفاته وعدد أولاده
~~وذكر نسبه وكنيته ولقبه وغير ذلك مما يتصل به قال بعض أهل العلم: الكاظم هو
~~الإمام الكبير القدر، والأوحد الحجة الحبر، (2)
# PageV02P931
# الساهر ليله قائما، القاطع نهاره صائما، المسمى لفرط حلمه وتجاوزه عن
~~المعتدين كاظما، وهو المعروف عند أهل العراق بباب الحوائج إلى الله، وذلك
~~لنجح قضاء حوائج ms203 المسلمين ونيل مطالبهم وبلوغ مآربهم وحصول مقاصدهم (1)
~~(2).
# قال الشيخ المفيد: كان أبو الحسن موسى الكاظم هو الإمام بعد أبيه والمقدم
~~على جميع بنيه لاجتماع خلال (3) الفضل فيه والكمال، وورود صحيح النصوص وجلي
~~الأقوال عليه من أبيه بأنه ولي عهده والإمام القائم من بعده (4).
# PageV02P932
# روى أبو علي الأرجاني عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: دخلت على أبي عبد
~~الله جعفر بن محمد (عليه السلام) في منزله فإذا هو في بيت كذا ومسجد له من
~~داره (1) وهو يدعو وعلى يمينه ولده موسى بن جعفر الكاظم يؤمن على دعائه،
~~فقلت له: جعلني الله فداك (2) قد عرفت انقطاعي إليك وخدمتي لك فمن ولي
~~الأمر بعدك؟ فقال: يا عبد الرحمن إن موسى قد لبس الدرع واستوت (3) عليه،
~~فقلت له: لا أحتاج بعد هذا إلى شيء " (4).
# وروى عبد الأعلى (5) عن الفيض بن المختار (6) قال: قلت لأبي عبد الله
~~جعفر الصادق (عليه السلام): خذ بيدي من النار من لنا بعدك؟ قال: فدخل أبو
~~إبراهيم موسى الكاظم وهو يومئذ غلام فقال: هذا صاحبكم فتمسك به (7).
# PageV02P933
# وعن ابن أبي نجران عن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله جعفر الصادق
~~(عليه السلام): بأبي أنت وأمي إن الأنفس يغدى عليها ويراح (1) فإذا (2) كان
~~ذلك فمن؟
# فقال جعفر: إذا كان ذلك فهو (3) صاحبكم، وضرب بيده على منكب [أبي الحسن
~~الأيمن وهو فيما أعلم يومئذ خماسي وعبد الله بن جعفر جالس معنا] (4) موسى
~~الكاظم.
# ولد موسى الكاظم بالأبواء (5) سنة ثمان وعشرين ومائة للهجرة (6).
# PageV02P934
# وأما نسبه أبا وأما فهو موسى الكاظم ابن جعفر الصادق ابن محمد الباقر ابن
~~علي زين العابدين ابن الحسين بن علي بن أبي طالب (رض) (1). وأما أمه فتسمى
~~حميدة البربرية (2).
# وأما كنيته: فأبو الحسن (3)، وألقابه كثيرة أشهرها: الكاظم ثم الصابر
~~والصالح
# PageV02P935
# والأمين (1). صفته: أسمر غميق (2)، شاعره السيد الحميري (3)، بابه (4):
~~محمد بن الفضل (5)،
# PageV02P936
# نقش خاتمه " الملك لله وحده " (1)، معاصره الهادي موسى (2) وهارون الرشيد
~~(3).
# وأما مناقبه وكراماته الظاهرة وفضائله وصفاته الباهرة تشهد له بأنه افترع
~~منه (4) الشرف وعلاها وسما إلى ms204 أوج المزايا فبلغ أعلاها، وذللت له كواهل
~~السيادة فركبها وامتطاها، وحكم في غنائم المجد فأختار صفاياها فاصطفاها
~~(5).
# فمن ذلك ما أخبر به الفضل بن الربيع عن أبيه عن جده أن المهدي لما حبس
~~موسى بن جعفر الكاظم [ففي بعض الليالي] رأى [المهدي] في النوم (6) علي بن
~~أبي طالب (عليه السلام) وهو يقول له: يا محمد (فهل عسيتم إن توليتم أن
~~تفسدوا في الأرض وتقطعوا
# PageV02P937
# أرحامكم) (1) قال الربيع: فأرسل إلي المهدي ليلا فراعني وخفت من ذلك،
~~فلما دخلت عليه (2) فإذا هو يقرأ هذه الآية وكان من أحسن الناس صوتا، فقال:
~~علي الآن بموسى بن جعفر فجئته (3) به فعانقه وأجلسه إلى جانبه (4) وقال: يا
~~أبا الحسن إني رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في هذه
~~الساعة في النوم فقرأ علي كذا وكذا فتؤمني أن لا تخرج علي ولا على أحد من
~~ولدي؟ فقال: والله لا فعلت ذلك ولا هو من شأني، قال: صدقت، يا ربيع أعطه
~~ثلاثة آلاف دينار ورده (5) إلى أهله إلى المدينة. قال الربيع فأحكمت أمره
~~في ثاني ليلة (6) وقضيت جميع حوائجه وما (7) أصبح إلا وقد قطع أرضا خوفا
~~عليه من العوائق (8).
# PageV02P938
# قال حسام (١) بن حاتم الأصم: قال لي [أبي] حاتم: [قال لي] شقيق البلخي
~~(٢):
# خرجت حاجا في سنة تسع وأربعين ومائة فنزلت القادسية فبينا (٣) أنا انظر
~~[إلى] الناس في مخرجهم إلى الحاج وزينتهم وكثرتهم إذ (٤) نظرت إلى فتى (٥)
~~حسن الوجه شديد السمرة ضعيف (٦) فوق ثيابه ثوب صوف مشتمل بشملة في رجليه
~~نعلان وقد جلس منفردا، فقلت في نفسي: هذا الفتى من الصوفية ويريد أن يخرج
~~مع الناس فيكون كلا على الناس (٧) في طريقهم والله لأمضين إليه ولأوبخنه،
~~فدنوت منه فلما رآني مقبلا نحوه قال: يا شقيق ﴿اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ (8) ثم
~~تركني (9) ومضى (10)، فقلت في نفسي: إن هذا الأمر عظيم قد تكلم بما (11) في
~~نفسي (12)
# PageV02P939
# ونطق باسمي وما هذا إلا عبد صالح لألحقنه ولأسأله الدعاء وأن يحللني ms205 مما
~~ظننته (١) به، فغاب عنى ولم أره.
# فلما نزلنا واقصة (٢) فإذا هو واقف يصلي [وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجري]
~~فقلت: هذا صاحبي أمضي إليه وأستحله (٣)، فصبرت حتى جلس (٤) من صلاته فالتفت
~~إلي وقال: يا شقيق اتل ﴿وإنى لغفار لمن تاب
~~وءامن وعمل صلحا ثم اهتدى﴾ (5) ثم قام ومضى وتركني فقلت: ان هذا الفتى
~~من الأبدال (6) لقد (7) تكلم على سري مرتين.
# فلما نزلنا زبالة (8) وإذا أنا بالفتى قائم على البئر وأنا أنظر إليه
~~وبيده ركوة يريد أن يستقي فيها الماء، فسقطت الركوة من يده في البئر فرمق
~~إلى السماء بطرفه وسمعته يقول: أنت ربي إذا ظمئت إلى الماء، وأنت (9) قوتي
~~إذا طلبت طعاما (10)، ثم قال:
# اللهم إلهي وسيدي مالي غيرها (11) فلا تعدمنيها. قال شقيق: فوالله لقد
~~رأيت الماء ارتفع إلى رأس البئر والركوة طافية عليه فمد يده وأخذها وملأها
~~ماء، فتوضأ منها وصلى أربع ركعات، ثم مال إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده
~~يطرحه في الركوة
# PageV02P940
# ويحركها ويشرب، فأقبلت إليه (1) وسلمت عليه فرد علي السلام فقلت: أطعمني
~~من فضل ما أنعم الله عليك، فقال: يا شقيق لم تزل نعم الله علينا (2) ظاهرة
~~وباطنة فأحسن ظنك بربك، ثم ناولني الركوة فشربت منها فإذا هو سويق وسكر،
~~فوالله ما شربت قط ألذ منه ولا أطيب ريحا فشبعت ورويت وأقمت أياما لا أشتهي
~~طعاما ولا شرابا.
# ثم لم أره حتى حططنا (3) بمكة فرأيته ليلة إلى جنب قبة الشراب في نصف
~~الليل وهو قائم يصلي بخشوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل، فلما
~~رأى الفجر (4) جلس في مصلاه يسبح الله تعالى، ثم قال إلى حاشيته الطواف
~~فركع الفجر (5) هناك ثم صلى فيه الصبح مع الناس، ثم دخل الطواف فطاف إلى
~~بعد شروق الشمس، ثم صلى خلف المقام، ثم خرج يريد الذهاب فخرجت خلفه أريد
~~السلام عليه وإذا بجماعة قد طافوا به يمينا وشمالا ومن خلفه ومن قدامه،
~~وإذا له حاشية وغاشية (6) وموال وخدم وحشم وأتباع قد خرجوا معه، ms206 فقلت لهم:
~~من هذا الفتى؟
# فقالوا: هو موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب
~~(عليه السلام)، فقلت: لا يكون هذا إلا لمثل هذا، ثم إني انصرفت.
# وهذه الحكاية رواها جماعة من أهل التأليف والمحدثين، رواها ابن الجوزي في
~~كتابه مسير العزم (7) الساكن إلى أشرف الأماكن، ورواها الحافظ عبد العزيز
# PageV02P941
# الأخضر الجنابذي (1) في كتابه معالم العترة النبوية، ورواها الرامهرمزي
~~(2) قاضي القضاة في كتابه كرامات الأولياء، وغيرهم (3).
# ومن كتاب الدلائل للحميري روى أحمد بن محمد عن أبي قتادة القمي عن أبي
~~خالد الزبالي (4) قال: قدم علينا أبو الحسن موسى الكاظم (عليه السلام)
~~زبالة ومعه جماعة من أصحاب المهدي، بعثهم [المهدي] في إشخاصه إليه إلى
~~العراق من المدينة ذلك في مسكنه الأولى، فأتيته وسلمت عليه فسر برؤيتي
~~وأوصاني وأمرني بشراء حوائج له وتبييتها (5) عندي، ونظر إلي فرآني غير
~~منبسط وأنا مغموم (6) منقبض، فقال: مالي
# PageV02P942
# أراك مغموما (1)؟ فقلت: وكيف لا، ورأيتك سائرا وأنت تصير إلى هذا (2)
~~الطاغية ولا آمنه (3) عليك منه؟! فقال: يا أبا خالد ليس علي منه بأس، فإذا
~~كانت سنة كذا في شهر كذا في يوم الفلاني فانتظرني آخر النهار مع دخول أول
~~الليل فإني أوافيك إن شاء الله تعالى.
# قال أبو خالد: فما كان لي هم إلا إحصاء تلك الشهور والأيام إلى ذلك اليوم
~~الذي وعدني المأتي فيه، فخرجت وانتظرته إلى أن غربت الشمس فلم أر أحدا
~~فداخلني (4) الشك في أمره، فلما كان دخول الليل فبينما أنا كذلك فإذا بسواد
~~قد أقبل من ناحية العراق [فقصدته] فإذا هو على بغلة أمام القطار فسلمت عليه
~~وسررت بمقدمه وتخلصه، فقال لي: داخلك الشك يا أبا خالد؟ فقلت: الحمد لله
~~الذي خلصك من هذا (5) الطاغية، فقال: يا أبا خالد إن لي (6) إليهم عودة لا
~~أتخلص منها (7).
# وروي عن عيس المدائني قال: خرجت سنة إلى مكة فأقمت [بها] مجاورا ثم قلت:
~~أذهب إلى المدينة فأقيم بها (8) سنة مثل ما أقمت بمكة فهو أعظم لثوابي (9)،
# PageV02P943
# فقدمت المدينة فنزلت طرف ms207 المصلى إلى جنب دار أبي ذر (رض) وجعلت أختلف إلى
~~سيدى موسى الكاظم (عليه السلام)، فبينما أنا عنده في ليلة مطيرة (1) إذ
~~قال: يا عيسى ارجع (2) فقد انهدم بيتك (3) على متاعك، فقمت فإذا البيت قد
~~انهدم (4) على المتاع، فاكتريت قوما كشفوا عن متاعي واستخرجت جميعه ولم
~~يذهب لي شيء غير سطل الوضوء، فلما أتيته من الغد قال: هل فقدت شيئا من
~~متاعك فندعو الله لك بالخلف؟
# فقلت: ما فقدت غير سطل (5) كنت أتوضأ به، فأطرق رأسه [مليا] ثلاثا (6) ثم
~~رفعه فقال: قد ظننت أنك أنسيت السطل (7) قبل جارية رب الدار فاسألها عنه
~~وقل لها أنسيت السطل في بيت الخلاء فرديه فإنها (8) سترده عليك. قال:
~~فسألتها عنه فردته (9).
# وعن عثمان بن عيسى قال: قال موسى الكاظم [أبو الحسن] لإبراهيم بن عبد
~~الحميد وقد لقيه سحرا وإبراهيم ذاهب إلى قبا (10) وموسى [أبو الحسن] داخل
~~إلى المدينة [فقال]: يا إبراهيم [فقلت: لبيك] قال: إلى أين؟ قال: [قلت] إلى
~~قبا،
# PageV02P944
# فقال: في أي شيء؟ فقلت: انا في كل سنة نشتري من هذا التمر فأردت أن آتي
~~رجلا في هذه السنة من الأنصار فأشتري منه نخلا [من الثمار] فقال له موسى:
~~وقد آمنتم الجراد؟ ثم دخل (1) ومضيت أنا فأخبرت أبا العز فقال: لا والله لا
~~أشتري العام نخلة، فوقع كلامه في صدره (2) فلم يشتر شيئا، فما مرت [بنا]
~~خامسة حتى بعث الله جرادا فأكل عامة [ما في] النخل (3).
# ونقل صاحب كتاب نثر الدر (4) [قال: وكتب علي بن يقطين إلى أبي الحسن] (5)
~~أن موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) ذكر له أن الهادي قد هم بك [وعنده
~~جماعة] قال لأهل بيته ومن يليه [بما عزم عليه موسى بن المهدي في أمره]: ما
~~تشيرون به علي من الرأي؟ فقالوا: نرى أن تتباعد عنه وأن تغيب شخصك عنه (6)
~~فإنه لا يؤمن عليك من شره، فتبسم أبو الحسن ثم قال:
# زعمت سخينة (7) أن ستغلب ربها * فليغلبن مغالب الغلاب (8)
# PageV02P945
# ثم إنه رفع يده إلى السماء فقال: إلهي (1) كم من عدو ms208 شحذ لي ظبة مديته
~~(2) وداف لي قواتل سمومه ولم تنم عني عين حراستك، فلما رأيت ضعفي عن احتمال
~~الفوادح وعجزي عن ملمات الحوائج (3) صرفت عني ذلك بحولك وقوتك لا بحولي
~~وقوتي وألقيته (4) في الحفيرة التي (5) احتفره لي (6) خائبا مما أمله في
~~دنياه (7) متباعدا عما يرجوه في أخراه (8) فلك الحمد على ذلك قدر ما عممتني
~~فيه من نعمك وما توليتني من جودك وكرمك. اللهم فخذه بقوتك (9) وافلل حده
~~عني بقدرتك واجعل له شغلا فيما يليه وعجزا به عما ينويه (10). اللهم وأعدني
~~عليه عدوة حاضرة تكون من غيظي شفاء ومن حقي (11) عليه وفاء، وصل اللهم
~~دعائي بالإجابة وانظم شكايتي بالتعبير وعرفه عما قليل ما وعدت [الظالمين]
~~به من الإجابة لعبيدك
# PageV02P946
# المضطرين إنك ذو الفضل العظيم والمن الجسيم.
# ثم إن أهل بيته انصرفوا عنه، فلما كان بعد مدة يسيرة حتى اجتمعوا لقراءة
~~الكتاب الوارد على موسى الكاظم بموت موسى الهادي، وفي ذلك يقول بعضهم:
# وسارية لم تسر في الأرض تبتغي * محلا ولم يقطع بها الأرض (1) قاطع من
~~أبيات مما قيل في الدعاء المستجاب (2).
# وعن عبد الله بن إدريس عن ابن سنان قال: حمل الرشيد في بعض الأيام إلى
~~علي بن يقطين (3) ثيابا فاخرة أكرمه بها وكان في (4) جملتها دراعة [خز]
~~منسوجة
# PageV02P947
# بالذهب سوداء من لباس الملوك (1)، فأنفذ بها علي بن يقطين إلى موسى
~~الكاظم (عليه السلام) فردها الإمام إليه وكتب إليه أن احتفظ بها ولا تخرجها
~~عن يدك فسيكون لك بها شأن تحتاج إليها معه، فارتاب علي بن يقطين بردها عليه
~~ولم يدر ما سبب كلامه ذلك. ثم احتفظ (2) بالدراعة وجعلها في سفط وختم
~~عليها، فلما كان بعد ذلك بمدة يسيرة تغير علي بن يقطين على غلامه (3) ممن
~~كان يختص بأموره ويطلع عليها، فصرفه عن خدمته وطرده لأمر أوجب ذلك منه.
# فسعى الغلام بعلي بن يقطين (4) إلى الرشيد وقال له: إن علي بن يقطين يقول
~~بإمامة موسى الكاظم (عليه السلام) وإنه يحمل إليه في كل سنة زكاة ماله
~~والهدايا والتحف، وقد حمل إليه ms209 في هذه السنة ذلك وصحبته الدراعة السوداء
~~التي أكرمه بها أمير المؤمنين في وقت كذا. فاستشاط الرشيد لذلك وغضب غضبا
~~شديدا وقال: لأكشفن عن هذه الحال (5) فإن كان الأمر على ما ذكرت أزهقت نفسه
~~(6) وذلك من بعض جزائه.
# فأنفذ في الوقت والحين أن يحضر علي بن يقطين، فلما مثل بين يديه قال: ما
~~فعلت بالدراعة السوداء التي كسوتك بها (7) واختصصتك بها من مدة من بين سائر
~~خواصي؟ قال: هي عندي يا أمير المؤمنين في سفط فيه طيب مختوم عليها، فقال:
# احضرها الساعة، فقال: نعم يا أمير المؤمنين السمع والطاعة، فاستدعى بعض
~~خدمه فقال: امض وخذ مفتاح البيت الفلاني من داري وافتح الصندوق الفلاني
# PageV02P948
# وجئني (1) بالسفط الذي فيه على حالته بختمه. فلم يلبث الخادم إلا قليلا
~~حتى عاد وفي صحبته السفط مختوما على حالته بختمه، فوضع بين يدي الرشيد،
~~فأمر بكسر (2) ختمه ففك وفتح السفط فإذا بالدراعة فيه مطوية ومدفونة بالطيب
~~على حالها لم تلبس ولم تدنس ولم يصبها شيء من الأشياء. فقال لعلي بن يقطين:
# ارددها (3) إلى مكانها وخذها وانصرف راشدا فلن أصدق (4) بعدها عليك
~~ساعيا، وأمر أن يتبع بجائزة سنية وأمر أن يضرب الساعي ألف سوط فضرب، فلما
~~بلغوا إلى خمسمائة سوط مات تحت الضرب قبل الألف (5).
# وكان [أبو الحسن] موسى الكاظم (عليه السلام) أعبد أهل زمانه وأعلمهم (6)
~~وأسخاهم كفا وأكرمهم نفسا (7)، وكان يتفقد فقراء المدينة في الليل ويحمل
~~إليهم الدراهم والدنانير إلى بيوتهم والنفقات ولا يعلمون من أي جهة وصلهم
~~ذلك، ولم يعلموا بذلك إلا بعد
# PageV02P949
# موته (عليه السلام) وكان كثيرا ما يدعو. " اللهم إني أسالك الراحة عند
~~الموت والعفو عند الحساب " (١).
# وحكي أن الرشيد سأله يوما: كيف قلتم نحن (٢) ذرية رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) وأنتم أبناء (٣) علي وإنما ينسب الرجل إلى جده لأبيه دون جده
~~لأمه؟! فقال الكاظم (عليه السلام): أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله
~~الرحمن الرحيم: ﴿ومن ذريته داوود وسليمن
~~وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزى المحسنين ms210 وزكريا ويحيى وعيسى
~~وإلياس﴾ (٤) وليس لعيسى أب وإنما ألحق بذرية الأنبياء من قبل أمه،
~~وكذلك ألحقنا بذرية النبي من قبل أمنا فاطمة الزهراء (عليها السلام).
~~وزيادة أخرى يا أمير المؤمنين قال الله عزوجل:
# ﴿فمن حاجك فيه منم بعد ما جائك من
~~العلم فقل تعالوا ندع أبنآءنا وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم
~~نبتهل...﴾ (5) ولم يدع (صلى الله عليه وآله) عند مباهلة النصارى غير
~~علي وفاطمة والحسن والحسين وهما الأبناء (6).
# PageV02P950
# وروي أن موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) أحضر ولده يوما فقال لهم: يا
~~بني إني موصيكم بوصية من حفظها انتفع بها، إذا أتاكم آت فأسمع أحدكم في
~~الأذن اليمنى مكروها ثم تحول إلى الأذن اليسرى فاعتذر وقال لم أقل شيئا
~~فاقبلوا عذره (1).
# وروي عن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن آبائه مرفوعا قال: قال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله): نظر الولد إلى والديه حبا لهما عبادة (2).
# وعن إسحاق بن جعفر قال: سألت أخي موسى بن جعفر قلت: أصلحك الله أيكون
~~المؤمن بخيلا؟ قال: نعم، قلت: أيكون جبانا؟ قال: نعم، قلت: أيكون خائنا؟
# قال: لا ولا يكون كذابا (3). ثم قال: حدثني أبي جعفر الصادق (عليه
~~السلام) عن آبائه قال:
# سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: كل خلة يطوى المؤمن عليها ليس
~~الكذب والخيانة (4).
# وروي أحمد بن عبد الله بن عماد (5) عن محمد بن علي النوفلي (6) قال: كان
~~السبب في أخذ الرشيد موسى بن جعفر وحبسه أنه سعى به إليه جماعة وقالوا: إن
~~الأموال تحمل إليه من جميع الجهات والزكوات والأخماس، وإنه اشترى ضيعة
# PageV02P951
# سماها اليسيرية (1) بثلاثين ألف دينار، فخرج الرشيد في تلك السنة يريد
~~الحج وبدأ بدخوله إلى المدينة، فلما أتاها (2) استقبله موسى بن جعفر في
~~جماعة من الأشراف، فلما دخلها واستقر ومضى كل إلى سبيله ذهب موسى على جاري
~~عادته إلى المسجد وأقام الرشيد إلى الليل وصار (3) إلى قبر رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إني أعتذر ms211 إليك من أمر (4) أريد أن
~~أفعله وهو أن احبس (5) موسى بن جعفر (عليه السلام) فإنه يريد التشتيت (6)
~~بين أمتك وسفك دمائهم (7) (8)، وإني أريد حقنها.
# ثم خرج فأمر به فأخذ من المسجد ودخل (9) به إليه فقيده في تلك الساعة
~~واستدعى بقبتين (10) فجعل كل واحدة منهما على بغل فجعله في إحدى القبتين
# PageV02P952
# وسترها بالسقلاط (1) وجعل مع كل واحدة منهما خيلا وأرسل بواحدة منهما من
~~على طريق البصرة وبواحدة [من] على طريق الكوفة، وإنما فعل الرشيد ذلك ليعمي
~~أمره على الناس.
# وكان موسى الكاظم في القبة التي أرسل بها على طريق البصرة، وأوصى القوم
~~الذين كانوا معه أن يسلموه إلى عيسى بن جعفر بن منصور (2) وكان على البصرة
~~يومئذ واليا، فسلموه إليه، فتسلمه منهم وحبسه عنده سنة (3).
# فبعد السنة كتب إليه الرشيد في سفك دمه وإراحته منه، فاستدعى عيسى بن
~~جعفر بعض خواصه وثقاته اللائذين (4) به والناصحين له فاستشارهم بعد أن
~~أراهم ما كتب به إليه الرشيد، فقالوا: نشير عليك بالاستعفاء من ذلك وأن لا
~~تقع فيه، فكتب عيسى بن جعفر إلى الرشيد يقول: يا أمير المؤمنين كتبت إلى في
~~هذا الرجل وقد اختبرته طول مقامه في حبسي بمن حبسته معه عينا عليه لتنظروا
~~(5) حيلته وأمره وطويته بمن له المعرفة والدراية ويجري من الإنسان مجرى
~~الدم، فلم يكن منه سوء قط، ولم يذكر أمير المؤمنين إلا بخير، ولم يكن عنده
~~تطلع إلى ولاية ولا خروج ولا شئ من أمر الدنيا، ولاقط دعا على أمير
~~المؤمنين ولا على أحد من
# PageV02P953
# الناس، ولا يدعو إلا بالمغفرة والرحمة له ولجميع المسلمين، مع ملازمته
~~للصيام والصلاة والعبادة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني من أمره وينفذ
~~من يتسلمه مني و إلا خليت (1) سبيله فإني منه في غاية الحرج (2).
# وروي أن شخصا من بعض العيون التي كانت عليه في السجن رفع إلى عيسى بن
~~جعفر أنه سمعه يقول في دعائه: اللهم إنك تعلم أني كنت أسألك أن تفرغني
~~لعبادتك اللهم وقد فعلت فلك الحمد (3).
# فلما بلغ الرشيد كتاب ms212 عيسى بن جعفر كتب (4) إلى السندي بن شاهك أن يتسلم
# PageV02P954
# موسى بن جعفر الكاظم من عيسى وأمره فيه بأمر، فكان الذي تولى به قتله
~~السندي أن يجعل له سما في طعام وقدمه إليه، وقيل في رطب، فأكل منه موسى بن
~~جعفر (عليه السلام). ثم إنه أقام موعوكا (1) ثلاثة أيام ومات (2).
# PageV02P955
# ولما مات موسى بن جعفر (عليه السلام) أدخل السندي بن شاهك لعنه الله
~~الفقهاء ووجوه الناس من أهل بغداد وفيهم أبو الهيثم بن عدي وغيره فنظروا
~~(1) إليه أنه ليس به أثر من جراح ولا (2) مغل أو خنق [وأشهدهم] على أنه مات
~~حتف أنفه، فشهدوا على ذلك (3).
# وقد كان قوم زعموا في أيام موسى الكاظم (عليه السلام) أنه هو القائم
~~المنتظر، وجعلوا حبسه هو الغيبة المذكورة للقائم، فأمر يحيى بن خالد أن
~~يوضع على الجسر ببغداد وأن ينادي: هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنه
~~لا يموت، فانظروا إليه ميتا، فنظر الناس إليه ثم إنه حمل ودفن في مقابر
~~قريش في باب (4) التبن (5).
# PageV02P956
# وروي أنه لما حضرته الوفاة سأل من السندي أن يحضر مولى له (1) مدنيا ينزل
~~عند دار العباس بن محمد في مشرعة القصب (2) ليتولى غسله ودفنه وتكفينه،
~~فقال له السندي: أنا أقوم لك بذلك على أحسن شيء وأتمه، فقال: إنا أهل بيت
~~مهور
# PageV02P957
# نسائنا وحج صرورتنا وأكفان موتانا (1) وجهازهم من طاهر (2) أموالنا،
~~وعندي كفن وأريد أن يتولى غسلي وجهازي مولاي فلان هذا، فأجابه إلى ذلك
~~وأحضره إياه فوصاه بجميع ما يفعل، ولما أن مات تولى ذلك جميعه مولاه
~~المذكور (3).
# ومن كتاب الصفوة لابن الجوزي قال: بعث موسى بن جعفر (عليه السلام) إلى
~~الرشيد من الحبس برسالة كتب إليه فيها انه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا
~~انقضى عنك معه يوم من الرخاء حتى نمضي (4) جميعا إلى يوم ليس [له] انقضاء،
~~هناك يخسر فيه المبطلون (5).
# وروى إسحاق بن عمار (6) قال: لما حبس هارون [أبا الحسن] موسى الكاظم
~~(عليه السلام)
# PageV02P958
# دخل عليه السجن ليلا أبو يوسف ومحمد بن الحسن ms213 صاحبا أبي حنيفة [فقال
~~أحدهما للآخر: نحن على أحد الأمرين، إما أن نساويه أو نشكله] فسلما عليه
~~وجلسا عنده وأرادا أن يختبراه بالسؤال لينظرا مكانه من العلم، فجاء رجل كان
~~موكلا من قبل السندي بن شاهك (1) بالكاظم (عليه السلام) فقال له: إن نوبتي
~~قد انقضت (2) وأريد الانصراف إلى غد إن شاء الله فإن كان لك حاجة تأمرني
~~(3) حتى أن آتيك بها معي إذا جئتك غدا، فقال: مالي حاجة انصرف.
# فلما أن خرج (4) قال لأبي يوسف ومحمد بن الحسن: إني لأعجب (5) من هذا
~~الرجل يسألني أن أكلفه حاجة يأتيني بها غدا إذا جاء وهو ميت في هذه الليلة.
# فأمسكا عن سؤاله وقاما ولم يسألا عن شيء وقالا: أردنا أن نسأله عن الفرض
~~(6) والسنة أخذ يتكلم معنا علم الغيب، والله لنرسل خلف الرجل من يبيت عند
~~باب داره وننظر ما يكون من أمره.
# فأرسلا شخصا من جهتهما جلس على باب ذلك الرجل فلما كان أثناء الليل وإذا
~~بالصراخ والواعية، فقيل لهم: ما الخبر؟ فقالوا: مات صاحب البيت فجأة، فعاد
~~إليهما الرسول وأخبرهما بذلك فتعجبا من ذلك غاية العجب (7).
# PageV02P959
# كانت وفاة أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) لخمس بقين من شهر رجب
~~الفرد سنة ثلاث وثمانين ومائة (1) وله من العمر خمس وخمسون (2) سنة كان
~~مقامه منها مع أبيه عشرين سنة، وبقي بعد وفاة أبيه خمسا وثلاثين سنة وهي
~~مدة إمامته (عليه السلام) (3).
# PageV02P960
# وأما أولاده فقال الشيخ المفيد (رحمه الله): [و] كان لأبي الحسن موسى بن
~~جعفر سبعة وثلاثون ولدا ما بين ذكر وأنثى منهم (١): علي بن موسى الرضا
~~الإمام وإبراهيم والعباس والقاسم لأمهات أولاد، وإسماعيل وجعفر وهارون
~~والحسن (٢) أشقاء لأم ولد، وعبد الله وإسحاق وعبيد الله وزيد والحسن والفضل
~~وسليمان لأمهات شتى، وأحمد ومحمد وحمزة أشقاء لأم ولد، وفاطمة الكبرى
~~وفاطمة الصغرى ورقية وحكيمة وأم أبيها (٣) ورقية الصغرى وكلثم (٤) وأم جعفر
~~وأم لبانة (٥) وزينب وخديجة وعائشة وآمنة وحسنة وبريهة (٦) وعلية وأم سلمة
~~وميمونة وأم كلثوم لأمهات أولاد.
# وكان أفضل ولد (٧) أبي الحسن موسى ms214 الكاظم (عليه السلام) وأنبههم ذكرا
~~وأجلهم قدرا علي بن موسى الرضا (عليه السلام).
# وكان أحمد بن موسى كريما جليلا كبيرا ورعا (٨) وكان أبوه موسى الكاظم
~~يحبه ووهب له ضيعة اليسيرية. ويقال: إن أحمد بن موسى أعتق له ألف مملوك.
# وكان محمد بن موسى صاحب وضوء وصلاة ليله كله يتوضأ ويصلي ويرقد، ثم يقوم
~~فيتوضأ ويصلي ويرقد، هكذا إلى الصباح. قال بعض شيعة أبيه: ما رأيته قط إلا
~~ذكرت قوله تعالى: ﴿كانوا قليلا من الليل
~~ما يهجعون﴾ (9).
# PageV02P961
# وكان إبراهيم بن موسى شجاعا كريما وتقلد الإمرة (1) على اليمن في أيام
~~المأمون من قبل محمد بن زيد (2) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه
~~السلام).
# ولكل واحد من ولد (3) أبي الحسن موسى المذكور الكاظم (عليه السلام) فضل
~~مشهور (4).
# PageV02P962
# الفصل الثامن في ذكر أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) وهو
~~الإمام الثامن (1) تاريخ ولادته ومدة إمامته ومبلغ عمره ووقت وفاته وعدد
~~أولاده وذكر كنيته ونسبه ولقبه وغير ذلك مما يتصل به قال الشيخ كمال الدين
~~بن طلحة: تقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)
# PageV02P965
# وزين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) وجاء علي بن موسى الرضا
~~ثالثهما (1)، ومن أمعن نظره وفكره (2) وجده في الحقيقة وارثهما نمى إيمانه
~~وعلا شأنه وارتفع [واتسع] مكانه وكثر أعوانه وظهر برهانه حتى أحله (3)
~~الخليفة المأمون محل مهجته وأشركه في مملكته وفوض إليه أمر خلافته وعقد له
~~على رؤوس الأشهاد عقد نكاح ابنته.
# وكانت مناقبه علية وصفاته سنية [ومكارمه حاتمية وشنشنه أخزمية وأخلاقه
# PageV02P966
# عربية] ونفسه الشريفة زكية هاشمية وأرومته الكريمة نبوية (1).
# قال صاحب الإرشاد (ره): وكان الإمام القائم بعد موسى الكاظم ولده علي بن
~~موسى الرضا (عليه السلام) لفضله على جماعة أهل بيته وبنيه وإخوته ووفور
~~علمه وغزير حلمه وإجماع (2) الخاصة والعامة على اجتماع ذلك فيه والنص
~~بالإمامة من أبيه وإشارته إليه بذلك دون سائر أهل بيته وبنيه (3).
# وممن روى ذلك من أهل العلم والدين داود بن كثير ms215 الرقي (4) قال: قلت لأبي
~~إبراهيم موسى الكاظم (عليه السلام): جعلت فداك إني قد كبرت سني فخذ بيدي
~~وأنقذني من النار من صاحبنا بعدك؟ قال: فأشار إلى ابنه أبي الحسن الرضا
~~فقال: هذا صاحبكم من بعدي (5).
# PageV02P967
# وعن زياد بن مروان القندي (1) قال: دخلت على أبي إبراهيم موسى الكاظم
~~وعنده علي ابنه أبو الحسن الرضا فقال لي: يا زياد هذا ابني علي كتابه كتابي
~~وكلامه كلامي ورسوله رسولي، وما قال فالقول قوله (2).
# وعن المخزومي: وكانت أمه من ولد جعفر بن أبي طالب (رض) (3) قال: بعث
~~إلينا موسى أبو الحسن (4) الكاظم (عليه السلام) فجمعنا ثم قال: أتدرون لم
~~جمعتكم؟ فقلنا:
# لا، قال: اشهدوا أن ابني هذا - وأشار إلى علي بن موسى الرضا - هو وصيي
~~والقائم (5) بأمري وخليفتي من بعدي من كان له عندي دين فليأخذه من ابني
~~هذا، ومن كانت له عندي عدة فليتنجزها (6) منه، ومن لم يكن له بد من لقائي
~~فلا يلقني إلا بكتابه (7).
# PageV02P968
# ولد علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في المدينة سنة ثلاث وخمسين (1)
~~ومائة (2)، للهجرة وقيل سنة ثمان وأربعين (3) ومائة.
# وأما نسبه (رض) أبا وأما فهو علي الرضا بن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق
~~ابن محمد الباقر ابن علي زين العابدين ابن الحسين ابن علي بن أبي طالب
~~(عليهم السلام) (4).
# وأما أمه فأم ولد يقال لها أم البنين (5)
# PageV02P969
# واسمها أروى (1)، وقيل شقراء النوبية وهو لقب لها (2).
# وأما كنيته فأبو الحسن (3).
# PageV02P970
# وأما ألقابه: فالرضا (1) والصابر (2) والزكي (3) والولي (4)، وأشهرها
~~الرضا (5).
# صفته معتدل القامة (6)، شاعره دعبل الخزاعي (7)،
# PageV02P971
# بابه (1) محمد بن الفرات (2). نقش خاتمه " حسبي الله " (3) معاصره الأمين
~~والمأمون (4).
# PageV02P972
# وأما مناقبه (عليه السلام) فمن ذلك ما كان أكبر دلائل برهانه وشهد له
~~بعلو قدره وسمو مكانه وهو أنه لما جعله المأمون ولي عهده وأقامه خليفة من
~~بعده كان في حاشية المأمون أناس قد كرهوا ذلك وخافوا خروج الخلافة عن بني
~~العباس وردها إلى (1) بني فاطمة، فحصل عندهم من علي بن موسى الرضا (عليه
~~السلام) نفور، وكانت عادة الرضا إذا جاء إلى دار ms216 المأمون ليدخل عليه بادر
~~(2) من في الدهليز من الحجاب (3) وأهل النوبة من الخدم والحشم بالقيام له
~~والسلام عليه ويرفعون (4) له الستر حتى يدخل (5).
# فلما حصلت لهم هذه النفرة تفاوضوا في أمر هذه القضية ودخل منها في قلوبهم
~~شيء قالوا فيما بينهم: إذا جاء ليدخل على الخليفة بعد هذا اليوم نعرض عنه
~~ولا نرفع له الستر. واتفقوا على ذلك فيما بينهم. فبينما هم جلوس إذ جاء
~~الرضا (عليه السلام) على جاري عادته فلم يملكوا أنفسهم أن قاموا وسلموا
~~عليه ورفعوا له الستر، فلما دخل أقبل بعضهم على بعض يتلاومون على كونهم ما
~~فعلوا ما اتفقو عليه، وقالوا:
# الكرة الثانية (6) إذا جاء لا نرفعه له.
# PageV02P973
# فلما كان اليوم الثاني وجاء الرضا (عليه السلام) على عادته قاموا وسلموا
~~عليه ولم يرفعوا له الستر، فجاءت ريح شديدة فدخلت في الستر ورفعته أكثر مما
~~كانوا يرفعونه له، فدخل ثم سكنت، ثم عند خروجه جاءت الريح أيضا من الجانب
~~الآخر فرفعته له وخرج، فأقبل بعضهم على بعض وقالوا: إن لهذا الرجل عند الله
~~منزلة وله منه (1) عناية انظروا إلى الريح كيف جاءت ورفعت له الستر عند
~~دخوله وعند خرجه من الجهتين، ارجعوا إلى ما كنتم عليه من خدمته فهو خير
~~لكم، فعادوا إلى ما كانوا عليه وزادت عقيدتهم فيه (2).
# وعن صفوان بن يحيى (3) قال: [لما] مضى أبو الحسن موسى الكاظم (عليه
~~السلام) وقام ولده من بعده أبو الحسن الرضا (عليه السلام) وتكلم خفنا عليه
~~من ذلك (4) وقلت (5) له إنك أظهرت أمرا عظيما وإنا نخاف عليك من هذا (6)
~~الطاغية - يعني هارون الرشيد - قال ليجهد (7)
# PageV02P974
# جهده فلا سبيل له علي (1).
# قال صفوان: فأخبرنا (2) الثقة أن يحيى بن خالد البرمكي قال للطاغي (3):
~~هذا علي بن موسى الرضا قد قعد (4) وادعى الأمر لنفسه، فقال هارون: ما
~~يكفينا ما صنعنا بأبيه تريد أن نقتلهم جميعا (5)؟
# وعن مسافر قال: كنت مع أبي الحسن الرضا (عليه السلام) بمنى فمر يحيى بن
~~خالد البرمكي (6)
# PageV02P975
# وهو مغطي (1) وجهه بمنديل من الغبار، فقال الرضا (عليه السلام): ms217 مساكين
~~هؤلاء لا يدرون ما يحل بهم في هذه السنة. فكان من أمرهم ما كان. قال: وأعجب
~~من هذا أنا وهارون كهاتين، وضم إصبعيه السبابة والوسطى. قال مسافر: فوالله
~~ما عرفت معنى حديثه في هارون إلا بعد موت الرضا ودفنه إلى جانبه (2).
# وعن موسى بن مهران (3) قال: رأيت علي بن موسى الرضا في المدينة وهارون
~~الرشيد يخطب وقال (4): أتروني وإياه ندفن في بيت واحد (5).
# وعن حمزة بن جعفر الا رجاني قال: خرج هارون الرشيد من المسجد الحرام
~~[مرتين] من باب وخرج علي بن موسى الرضا (عليه السلام) من باب [مرتين] فقال
~~الرضا (عليه السلام) وهو يعني هارون: ما أبعد الدار وأقرب اللقاء، يا طوس
~~يا طوس يا طوس ستجمعني (6) وإياه (7).
# PageV02P976
# ومن ذلك ما روي عن بكر بن صالح قال: أتيت الرضا (عليه السلام) فقلت:
~~امرأتي أخت محمد بن سنان وكان من خواص شيعتهم بها حمل فادع الله أن يجعله
~~ذكرا، قال:
# هما اثنان فوليت وقلت [في نفسي]: اسمي واحدا محمدا والآخر عليا، فدعاني
~~وردني فأتيته وقال: سم واحدا عليا والأخرى أم عمر (1)، فقدمت الكوفة وقد
~~ولد لي غلاما وجارية في بطن فسميت الذكر عليا والأنثى أم عمر كما أمرني
~~وقلت لأمي: ما معنى أم عمر قالت: جدتك كانت تسمى أم عمر (2).
# ومن كتاب إعلام الورى للطبرسي قال: روى الحاكم أبو عبد الله الحافظ
~~بإسناده عن محمد بن عيسى عن أبي حبيب [النباجي] أنه قال رأيت النبي (صلى
~~الله عليه وآله) في المنام وكأنه قد وافى النباج ونزل بها في المسجد الذي
~~ينزله الحجاج (3) من بلدنا في كل سنة، وكأني مضيت إليه وسلمت عليه ووقفت
~~بين يديه فوجدت (4) عنده طبقا من خوص نخل المدينة فيه تمر صيحاني وكأنه (5)
~~قبض قبضة من ذلك التمر فناولني فعددته فكان (6) ثمانية عشر تمرة، فتأولت
~~أني أعيش بعدد كل تمرة سنة، فلما كان بعد عشرين يوما وأنا في أرض لي تعمر
~~للزراعة إذ (7) جاءني من أخبرني بقدوم أبي الحسن الرضا (عليه السلام) من
~~المدينة ونزوله ذلك ms218 المسجد، ورأيت الناس يسعون إلى السلام
# PageV02P977
# عليه من كل جانب، فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت النبي
~~(صلى الله عليه وآله) فيه وتحته حصير مثل الحصير الذي رأيتها تحته (صلى
~~الله عليه وآله) وبين يديه طبق من خوص وفيه تمر صيحاني، فسلمت عليه، فرد
~~علي السلام واستدناني (1) وناولني قبضة من ذلك التمر فعددتها فإذا عدده مثل
~~ذلك العدد الذي ناولني (2) رسول الله (صلى الله عليه وآله) في النوم ثماني
~~عشرة حبة تمر، فقلت: زدني، فقال: لو زادك رسول الله لزدناك (3).
# وروى الحافظ أيضا بإسناده عن سعيد (4) بن سعد (5) عن أبي الحسن الرضا
~~(عليه السلام) أنه نظر إلى رجل فقال: يا عبد الله أوص بما تريد واستعد لما
~~لابد منه، فكان ما قد قال:
# فمات الرجل بعد ذلك بثلاثة أيام (6).
# PageV02P978
# وعن الحسين بن موسى قال: كنا حول أبي الحسن الإمام علي الرضا ونحن شبان
~~(1) من بني هاشم إذ مر علينا جعفر (2) بن علي العلوي وهو رث الهيئة، فنظر
~~بعضنا إلى بعض وضحكنا من هيئته (3)، فقال الرضا (عليه السلام): لترونه (4)
~~عن قريب كثير المال كثير التبع (5) حسن الهيئة فما مضى إلا شهر واحد حتى
~~ولى أمرة المدينة وحسنت حالته وكان (6) يمر علينا وحوله الخدم [ومعه
~~الخصيان] والحشم يسيرون بين يديه (7).
# وعن الحسين بن يسار (8) قال: قال لي الرضا (عليه السلام): إن عبد الله
~~يقتل محمدا، فقلت له: عبد الله بن هارون يقتل محمد بن هارون؟ فقال [لي]:
~~نعم عبد الله المأمون [الذي بخراسان] يقتل محمد الأمين [ابن زبيدة الذي هو
~~ببغداد] فكان كما
# PageV02P979
# قال (عليه السلام) (1).
# وعن أبي الحسن القرضي عن أبيه قال حضرنا مجلس أبي الحسن الرضا (عليه
~~السلام) فجاءه رجل فشكا إليه حاله فأنشأ الرضا يقول (2):
# اعذر أخاك على ذنوبه * واستر وغط (3) على عيوبه واصبر على بهت (4) السفيه
~~* وللزمان على خطوبه ودع الجواب تفضلا * وكل الظلوم إلى (5) حسيبه وعن محمد
~~بن يحيى الفارسي قال: نظر أبو نؤاس (6) إلى أبي الحسن علي بن موسى الرضا
~~ذات يوم ms219 وقد خرج من عند المأمون على بغلة له فارهة فدنا منه
# PageV02P980
# وسلم عليه وقال: يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) [قد] قلت فيك
~~أبياتا أحب أن تسمعها مني فقال له: هات (1)، فأنشأ أبو نؤاس يقول:
# مطهرون نقيات ثيابهم * تجري الصلاة عليهم أينما (2) ذكروا من لم يكن
~~علويا حين تنسبه * فما له من (3) قديم الدهر مفتخر وأنتم الملأ الأعلى
~~وعندكم (4) * علم الكتاب وما جاءت به السور فقال الرضا (عليه السلام): قد
~~جئتنا بأبيات ما سبقك إليها (5) أحد. ثم قال: ما معك يا غلام من فاضل
~~نفقتنا؟ قال: ثلاث مائة دينار، قال: أعطها إياه (6). ثم بعد أن ذهب إلى
~~بيته قال (عليه السلام): لعله استقلها سق يا غلام إليه البغلة (7).
# ونقل الطوسي (ره) (8) في كتابه عن أبي الصلت الهروي قال: دخل دعبل
~~الخزاعي (9) على أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بمرو فقال له:
~~يا بن رسول الله إني قد قلت فيكم أهل البيت قصيدة وآليت على نفسي أن لا
~~أنشدها أحدا قبلك وأحب أن تسمعها مني، فقال له الإمام أبي الحسن علي بن
~~موسى الرضا (عليه السلام):
# PageV02P981
# هاتها (1)، فأنشأ يقول:
# ذكرت محل الربع من عرفات * فأسبلت (2) دمع العين بالعبرات (3) وفل عرى
~~(4) صبري وهاجت صبابتي * رسوم ديار أقفرت وعرات مدارس آيات خلت من تلاوة *
~~ومنزل وحي مقفر العرصات لآل رسول الله بالخيف من منى * وبالبيت والتعريف
~~والجمرات ديار علي والحسين وجعفر * وحمزة والسجاد ذي الثفنات ديار لعبد
~~الله والفضل صنوه * نجي رسول الله في الخلوات (5) منازل كانت للصلاة وللتقى
~~* وللصوم والتطهير والحسنات منازل جبريل الأمين يحلها * من الله بالتسليم
~~والزكوات (6) منازل وحي الله معدن علمه * سبيل رشاد واضح الطرقات قفا نسأل
~~الدار التي خف أهلها * متى عهدها (7) بالصوم والصلوات فأين الأولى شطت بهم
~~غربة النوى * أفانين (8) في الأقطار مفترقات (9) أحب قصي الرحم من أجل حبكم
~~* وأهجر فيكم زوجتي وبناتي (10)
# PageV02P982
# هم آل (1) ميراث النبي إذا انتموا * وهم خير سادات وخير حماة مطاعيم في
~~الأعسار (2) في كل مشهد * فلقد (3) شرفوا بالفضل ms220 والبركات أئمة عدل يهتدى
~~(4) بفعالهم * وتؤمن منهم (5) زلة العثرات فيا رب زد قلبي هدى وبصيرة * وزد
~~حبهم يا رب في حسنات لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها (6) * وإني لأرجو الأمن
~~بعد وفاتي ألم تر أني مذ ثلاثين حجة * أروح وأغدو دائم الحسرات أرى فيئهم
~~في غيرهم متقسما * وأيديهم من فيئهم صفرات إذا وتروا مدوا إلى أهل واتريهم
~~(7) * اكفا عن الأوتار منقبضات وآل رسول الله هلب رقابهم (8) * وآل زياد
~~غلظ القصرات (9) سأبكيهم ما ذر في الأفق شارق * ونادى منادي الخير بالصلوات
~~وما طلعت شمس وحان غروبها * وبالليل أبكيهم وبالغدوات ديار رسول الله أصبحن
~~بلقعا * وآل زياد تسكن الحجرات وآل زياد في القصور مصونة * وآل رسول الله
~~في الفلوات فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غد * تقطع نفسي إثرهم حسرات
# PageV02P983
# خروج امام لا محالة خارج * يقوم على اسم الله بالبركات يميز فينا كل حق
~~وباطل * ويجزي على النعماء والنقمات فيا نفس طيبي ثم يا نفس فأبشري (1) *
~~فغير بعيد كلما (2) هو آت وهي قصيدة طويلة عدد أبياتها مائة وعشرون اقتصرت
~~منها على هذا القدر (3).
# PageV02P984
#
# PageV02P984
#
# PageV02P984
#
# PageV02P984
# ولما فرغ دعبل (ره) من إنشادها نهض أبو الحسن الرضا (عليه السلام) وقال:
~~لا تبرح، فأنفذ إليه صرة فيها مائة دينار (1) واعتذر إليه، فردها دعبل
~~وقال: والله ما لهذا، جئت للسلام عليه والتبرك بالنظر إلى وجهه الميمون،
~~وإني لفي غنى، فان رأى أن يعطيني شيئا من ثيابه للتبرك فهو أحب إلى، فأعطاه
~~الرضا جبة خز ورد عليه الصرة، وقال للغلام: قل له خذها ولا تردها فإنك
~~ستصرفها أحوج ما تكون إليها (2).
# PageV02P995
# فأخذها وأخذ الجبة ثم أقام بمرو مدة فتجهزت قافلة تريد العراق فتجهز
~~صحبتها فخرج عليهم اللصوص (1) في أثناء الطريق ونهبوا القافلة عن آخرها
~~ولزموا جماعة من أهلها فكتفوهم وأخذوا ما معهم، ومن جملتهم دعبل، فساروا
~~بهم غير بعيد، ثم جلسوا يقتسمون أموالهم فتمثل مقدم اللصوص وكبيرهم يقول:
# أرى فيئهم في غيرهم متقسما * وأيديهم من فيئهم صفرات ودعبل يسمعه فقال:
~~أتعرف هذا البيت لمن؟ قال: وكيف لا أعرفه وهو ms221 لرجل من خزاعة يقال له دعبل
~~شاعر أهل البيت (عليهم السلام) قاله في قصيدة مدحهم بها، فقال دعبل: فأنا
~~والله صاحب القصيدة وقائلها فيهم، فقال: ويلك انظر ماذا تقول؟ قال:
# والله الأمر أشهر من ذلك واسأل أهل القافلة وهؤلاء الممسوكين معكم
~~يخبروكم بذلك، فسألهم فقالوا بأسرهم: هذا دعبل الخزاعي شاعر أهل البيت
~~المعروف الموصوف، ثم إن دعبل أنشدهم القصيدة من أولها إلى آخرها عن ظهر قلب
~~فقالوا:
# قد وجب حقك علينا وقد أطلقنا القافلة ورددنا جميع ما أخذنا منها إكراما
~~لك يا شاعر أهل البيت.
# ثم إنهم أخذوا دعبل وتوجهوا به إلى قم ووصلوه بمال وسألوه في بيع الجبة
~~التي أعطاها له أبو الحسن الرضا ودفعوا له فيها ألف دينار، فقال: لا أبيعها
~~وإنما أخذتها للتبرك معي من أثره.
# PageV02P996
# ثم إنه رحل من عندهم من قم بعد ثلاثة أيام فلما صار خارج البلد على نحو
~~ثلاثة أميال وقيل ثلاثة أيام خرج عليه قوم من أحداثهم اخذوا الجبة منه فرجع
~~إلى قم وأخبر كبارهم بذلك فأخذوا الجبة منهم وردوها عليه ثم قالوا: نخشى أن
~~تؤخذ هذه الجبة منك يأخذها غيرنا ثم لا ترجع إليك، فبالله إلا ما أخذت
~~الألف وتركتها، فأخذ الألف منهم وأعطاهم الجبة ثم سافر عنهم.
# وعن أبي الصلت (ره) قال: قال دعبل (رض): لما أنشدت مولاي الرضا هذه
~~القصيدة وإنتهيت إلى قولي:
# خروج إمام لا محالة خارج (1) * يقوم على اسم الله والبركات يميز فينا كل
~~حق وباطل * ويجزي على النعماء والنقمات بكى الرضا (عليه السلام) ثم رفع
~~رأسه إلي وقال: يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين (2) أتدري
~~من هذا الإمام الذي تقول؟ فقلت (3): لا أدري إلا أني سمعت يا مولاي بخروج
~~إمام منكم يملأ الأرض (4) عدلا، فقال: يا دعبل الإمام بعدي محمد ابني وبعده
~~علي ابنه وبعد علي ابنه الحسن وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في
~~غيبته المطاع في ظهوره، ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك
~~اليوم حتى يخرج ms222 فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا (5).
# PageV02P997
# قال إبراهيم بن العباس (1): سمعت العباس يقول: ما سئل الإمام الرضا (عليه
~~السلام) عن شيء [قط] إلا علمه، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان إلى
~~وقت عصره (2)، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شيء فيجيبه الجواب الشافي
~~(3).
# وكان قليل النوم [بالليل] كثير الصوم لا يفوته صيام ثلاثة أيام في كل شهر
~~ويقول
# PageV02P998
# ذلك صيام الدهر، وكان كثير المعروف والصدقة سرا وأكثر ما يكون ذلك منه في
~~الليالي المظلمة (1).
# وكان جلوس الرضا (2) في الصيف على حصير وفي الشتاء على مسح (3).
# قال إبراهيم بن العباس: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول وقد سأله رجل:
~~أيكلف الله العباد ما لا يطيقون؟ فقال: هو أعدل من ذلك، قال: أفيقدرون على
~~فعل كل ما يريدون؟ قال: هم أعجز من ذلك.
# وقال [الآبي] صاحب كتاب نثر الدرر: سأل الفضل بن سهل (4) علي بن موسى
~~الرضا (عليه السلام) في مجلس المأمون قال: يا أبا الحسن الخلق مجبرون؟ قال:
~~إن الله تعالى أعدل من أن يجبر ثم يعذب، قال: فمطلقون؟ قال: الله تعالى
~~أحكم من أن يهمل
# PageV02P999
# عبده ويكله إلى نفسه (1).
# ومن كتاب عيون أخبار الإمام الرضا (عليه السلام) تصنيف الشيخ عماد الدين
~~أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه رحمهم الله: إن علي بن موسى
~~الرضا حدث عن أبيه عن آبائه عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه
~~وعليهم أجمعين أن موسى بن عمران لما ناجى ربه قال: يا رب أبعيد أنت مني
~~فأناديك أم قريب فأناجيك؟
# فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى أنا جليس من ذكرني، فقال (2) موسى: يا رب
~~إني أكون في حال أجلك أن أذكرك فيها، فقال: يا موسى اذكرني على كل حال (3).
# وعن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه
~~وآله) أنه قال: من لم يؤمن بحوضي فلا أورده الله حوضي، ومن لم يؤمن بشفاعتي
~~فلا أناله الله شفاعتي. ثم قال (صلى الله عليه وآله): ms223 إنما شفاعتي لأهل
~~الكبائر من أمتي، فأما المحسنون فما عليهم من سبيل (4).
# وعن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن علي بن أبي طالب (عليه
~~السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما كان ولا يكون إلى يوم
~~القيامة من مؤمن إلا وله جار يؤذيه (5).
# وعن علي بن موسى الرضا عن آبائه عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله): الشيب في مقدم الرأس عز، وفي العارضين سخاء، وفي
~~الذوائب شجاعة، وفي القفا شؤم (6).
# وعنه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام): قال رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله): لما أسري بي إلى السماء رأيت رحما معلقة بالعرش تشكو رحما إلى
~~ربها أنها قاطعة لها، قلت: كم بينك وبينها من
# PageV02P1000
# أب؟ قال: نلتقي من أربعين أبا (١).
# وعن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنه قال: من صام من شعبان يوما
~~واحدا ابتغاء ثواب الله إلا دخل الجنة (٢)، ومن استغفر الله تعالى في كل
~~يوم منه سبعين مرة حشره الله يوم القيامة في زمرة النبي (صلى الله عليه
~~وآله) ووجبت له من الله الكرامة (٣)، ومن تصدق في شعبان بصدقة ولو بشق تمرة
~~حرم الله جسده على النار (٤).
# وعن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنه قال: من صام أول يوم من رجب
~~رغبة في ثواب الله تعالى وجبت له الجنة، ومن صام في يوم من وسطه شفع في مثل
~~ربيعة ومضر، ومن صام في يوم من آخره جعله الله من أملاك الجنة وشفعه الله
~~في أبيه وأمه وإخوانه وأخواته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته ومعارفه
~~وجيرانه وإن كان فيهم من هو مستوجب النار (٥).
# وعن ياسر الخادم قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام)
~~يقول:
# أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاث مواطن: يوم يولد المولود ويخرج من بطن
~~أمه فيرى الدنيا، ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها، ويوم يبعث فيرى أحكاما
~~لم يرها في دار الدنيا، وقد سلم الله على يحيى في ms224 هذه الثلاثة المواطن وأمن
~~روعته فقال ﴿وسلم عليه يوم ولد ويوم
~~يموت ويوم يبعث حيا﴾ (٦) (٧).
# وقد سلم عيسى بن مريم على نفسه في هذه الثلاثة المواطن أيضا فقال:
# ﴿والسلم على يوم ولدت ويوم أموت ويوم
~~أبعث حيا﴾ (8).
# وقال المولى السعيد إمام الدنيا عماد الدين محمد بن أبي سعيد (9) بن عبد
~~الكريم
# PageV02P1001
# الوزان في محرم سنة ست وتسعين وخمسمائة قال: أورد صاحب كتاب تاريخ
~~نيشابور في كتابه: أن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) لما دخل إلى نيشابور
~~في السفرة التي فاز (1) فيها بفضيلة الشهادة كان في قبة مستورة بالسقلاط
~~(2) على بغلة شهباء وقد شق نيشابور، فعرض له الإمامان الحافظان للأحاديث
~~النبوية والمثابران (3) على السنة المحمدية أبو زرعة الرازي (4) ومحمد بن
~~أسلم الطوسي (5) ومعهما خلائق لا يحصون من طلبة العلم وأهل الأحاديث وأهل
~~الرواية والدراية، فقالا: أيها السيد الجليل ابن السادة الأئمة بحق آبائك
~~الأطهرين وأسلافك الأكرمين إلا ما أريتنا وجهك الميمون المبارك ورويت لنا
~~حديثا عن آبائك عن جدك محمد (صلى الله عليه وآله) نذكرك به.
# فاستوقف البغلة وأمر غلمانه بكشف المظلة عن القبة وأقر عيون تلك الخلائق
~~برؤية طلعته المباركة، فكانت له ذؤابتان على عاتقه والناس كلهم قيام على
~~طبقاتهم ينظرون إليه وهم بين صارخ وباك ومتمرغ في التراب ومقبل لحافر (6)
~~بغلته، وعلا الضجيج فصاحت الأئمة والعلماء والفقهاء: معاشر الناس اسمعوا
~~وعوا وانصتو لسماع ما ينفعكم ولا تؤذونا بكثرة صراخكم وبكائكم. وكان
~~المستملي أبو زرعة
# PageV02P1002
# ومحمد بن أسلم الطوسي.
# فقال علي بن موسى الرضا (عليه السلام): حدثني أبي موسى الكاظم عن أبيه
~~جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن أبيه علي زين العابدين عن أبيه الحسين
~~شهيد كربلاء عن أبيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: حدثني حبيبي وقرة
~~عين رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: حدثني جبرئيل قال: سمعت رب العزة
~~سبحانه وتعالى يقول: كلمة لا إله إلا الله حصني، فمن قالها دخل حصني، ومن
~~دخل ms225 حصني أمن [من] عذابي. ثم أرخى الستر على القبة وسار.
# قال فعدوا أهل المحابر والدوي الذين كانوا يكتبون فأنافوا على عشرين ألفا
~~(1).
# قال الأستاذ أبو القاسم القشيري (2): اتصل هذا الحديث بهذا السند ببعض
~~الأمراء السامانية فكتبه بالذهب وأوصى أن يدفن معه في قبره، فرؤي بالنوم
~~بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر الله لي بتلفظي بلا إله إلا
~~الله وتصديقي بأن محمدا رسول الله [مخلصا] (3).
# PageV02P1003
# ودخل على علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بنيشابور (1) قوم من الصوفية
~~فقالوا: إن أمير المؤمنين المأمون لما نظر فيما ولاه [الله] من الأمور
~~فرآكم أهل البيت أولى من قام بأمر الناس، ثم نظر في أهل البيت فرآك أولى
~~بالناس من كل واحد منهم، فرد هذا الأمر إليك، والإمامة (2) تحتاج إلى من
~~يأكل الجشب (3) ويلبس الخشن ويركب الحمار ويعود المريض ويشيع الجنائز.
# قال: وكان الإمام الرضا (عليه السلام) متكئا فاستوى جالسا ثم قال: كان
~~يوسف بن يعقوب نبيا فلبس (4) أقبية الديباج المزررة بالذهب والقباطي
~~المنسوجة بالذهب وجلس على متكآت آل فرعون وحكم وأمر ونهى، وإنما يراد من
~~الإمام قسطه وعدله (5) إذا قال صدق وإذا حكم عدل وإذا وعد أنجز، إن الله لم
~~يحرم ملبوسا ولا مطعما، وتلا
# PageV02P1004
# قوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله
~~التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ (1) (2).
# ذكر ولاية العهد من المأمون لعلي بن موسى الرضا (عليه السلام) ذكر جماعة
~~من أصحاب السير ورواة الأخبار بأيام الخلفاء أن المأمون لما أراد ولاية
~~العهد للرضا (عليه السلام) وحدث نفسه بذلك وعزم عليه أحضر الفضل بن سهل
~~فأعلمه (3) بما قد عزم عليه وأمره مشاورة بالاجتماع مع أخيه الحسن على (4)
~~ذلك ففعل واجتمعا (5) وحضرا عند المأمون، فجعل الحسن يعظم ذلك عليه ويعرفه
~~ما في إخراج الأمر من (6) أهل بيته، فقال له المأمون: إني عاهدت الله أني
~~إن ظفرت بالمخلوع (7) أخرجت (8) الخلافة إلى أفضل (9) بني آل أبي طالب، وما
~~أعلم أحدا أفضل من هذا الرجل على وجه الأرض، ms226 ولابد من ذلك.
# فلما رأيا تصميمه وعزيمته على ذلك أمسكا عن معارضته فقال: تذهبان الآن
~~إليه وتخبرانه بذلك عني وتلزمانه به، فذهبا إلى الرضا (عليه السلام)
~~وأخبراه بذلك وإلزام
# PageV02P1005
# المأمون له بذلك، فامتنع منه، فلم يزالا به حتى أجاب على أنه لا يأمر ولا
~~ينهى ولا يولي ولا يعزل ولا يتكلم بين اثنين في حكم ولا يغير شيئا هو قائم
~~على أصوله، فأجابه المأمون إلى ذلك.
# ثم إن المأمون جلس مجلسا خاصا لخواص أهل دولته من الأمراء والوزراء
~~والحجاب والكتاب وأهل الحل والعقد، وكان ذلك في يوم الخميس وأحضرهم، فلما
~~حضروا قال للفضل بن سهل: أخبر الجماعة الحاضرين برأي أمير المؤمنين في
~~الرضا علي بن موسى (عليه السلام)، وأنه ولاه عهده وأمرهم بلبس الخضرة
~~والعود لبيعته في الخميس الآخر وأخذ أعطياتهم وأرزاقهم سنة على حكم
~~التعجيل، ثم صرفهم.
# فلما كان الخميس الثاني حضر الناس وجلسوا على مقادير طبقاتهم ومنازلهم كل
~~في موضعه، وجلس المأمون، ثم جيء بالرضا (عليه السلام) فجلس بين وسادتين
~~عظيمتين وضعتا له وهو لابس الخضرة وعلى رأسه عمامة مقلد بسيف، فأمر المأمون
~~ابنه العباس بالقيام إليه والمبايعة له أول الناس، فرفع الرضا (عليه
~~السلام) يده [فتلقى بها وجه نفسه وببطنها وجوههم] وحطها من فوق، فقال له
~~المأمون: ابسط يدك للبيعة، فقال الرضا (عليه السلام): هكذا كان يبايع رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) يضع يده فوق أيديهم، فقال:
# أفعل ما ترى.
# ثم وضعت بدر الدراهم (1) والدنانير وقطع (2) الثياب والخلع وقام الخطباء
~~والشعراء وذكروا ما كان أمر المأمون وولاية عهده للرضا، وذكروا فضل الرضا
~~وفرقت الصلات والجوائز على الحاضرين على قدر مراتبهم، وفرقت في ذلك اليوم
~~أموال عظيمة.
# ثم إن المأمون قال للرضا: قم واخطب الناس، فقام وتكلم، فحمد الله وأثنى
~~عليه
# PageV02P1006
# وثنى بذكر نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) وقال: أيها الناس إن لنا عليكم
~~حقا برسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكم علينا حق به، فإذا أديتم إلينا
~~ذلك وجب لكم علينا الحق لكم (1)، والسلام. ولم ms227 يسمع منه في هذا المجلس غير
~~هذا.
# وخطب للرضا بولاية العهد في كل بلد، وخطب عبد الجبار بن سعيد في تلك
~~السنة على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمدينة الشريفة فقال في
~~الدعاء للرضا وهو على المنبر: ولي عهد المسلمين علي بن موسى بن جعفر بن
~~محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأنشد:
# ستة آباء هم ما هم أفضل * من يشرب صوب الغمام (2) وذكر المديني (3) قال:
~~لما جلس الرضا ذلك المجلس وهو لابس تلك الخلع والخطباء يتكلمون وتلك
~~الألوية تخفق على رأسه نظر أبو الحسن الرضا إلى بعض مواليه الحاضرين ممن
~~كان يختص به وقد داخله من السرور مالا عليه من مزيد (4) وذلك لما رأى،
~~فأشار إليه الرضا فدنا منه وقال له في أذنه سرا: لا تشغل قلبك بهذا الأمر
~~(5) ولا تستبشر به فإنه شيء لا يتم (6).
# PageV02P1007
# وهذا مختصر من كتاب العهد الذي كتبه المأمون الخليفة للرضا بخطه اختصرته
~~لطوله وذكرت أوله وآخره وصورته:
# بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب كتبه عبد الله بن هارون الرشيد لعلي بن
~~موسى بن جعفر ولي عهده:
# أما بعد، فإن الله عزوجل اصطفى الإسلام دينا واختار له من عباده رسلا
~~دالين عليه وهادين إليه، يبشر أولهم بآخرهم، ويصدق تأليهم ماضيهم، حتى
~~انتهت نبوة الله تعالى إلى محمد (صلى الله عليه وآله) على فترة من الرسل
~~ودروس من العلم وانقطاع من الوحي واقتراب من الساعة، فختم الله به النبيين
~~وجعله شاهدا لهم (1) ومهيمنا عليهم، وأنزل عليه الكتاب العزيز الذي لا
~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل (2) من حكيم حميد. فلما انقضت
~~النبوة وختم الله بمحمد (صلى الله عليه وآله) بالرسالة (3) جعل قوام الدين
~~ونظام أمر المسلمين في الخلافة (4) ونظامها والقيام بشرايعها وأحكامها.
# PageV02P1008
# ولم يزل أمير المؤمنين منذ انقضت إليه الخلافة وحمل مشاقها واختبر مرارة
~~طعمها ومذاقها مسهر العينين مضنيا لبدنه مطيلا لفكره فيما فيه عز الدين
~~وقمع المشركين وصلاح الأمة وجمع الكلمة ونشر العدل ms228 وإقامة الكتاب والسنة
~~ومنعه ذلك من الحفظ والدعة ومهنأ العيش محبة أن يلقى الله سبحانه وتعالى
~~مناصحا له في دينه وعباده ومختارا لولاية عهده ورعاية الأمة من بعده، أفضل
~~من يقدر عليه في دينه وورعه وعلمه، وأرجاهم للقيام بأمر الله تعالى وحقه،
~~مناجيا لله تعالى بالاستخارة في ذلك ومسألته الهامة ما فيه رضاه وطاعته في
~~آناء ليله ونهاره، معملا فكره ونظره فيما فيه طلبه والتماسه في أهل بيته من
~~ولد عبد الله بن العباس وعلي بن أبي طالب، مقتصرا ممن علم حاله ومذهبه منهم
~~على علمه وبالغا في المسألة ممن خفي عليه أمره جهده وطاقته، رضاه وطاعته،
~~حتى استقصى أمورهم معرفة، وابتلى (1) أخبارهم مشاهدة، واستبرأ أحوالهم
~~معاينة، وكشف ما عندهم مسائلة.
# وكانت خيرته بعد استخارة الله تعالى واجتهاده نفسه في قضاء حقه في عباده
~~وبلاده في الفئتين جميعا علي بن موسى الرضا ابن جعفر بن محمد بن علي بن
~~الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) لما رأى من فضله البارع وعلمه
~~الذايع وورعه الظاهر الشايع وزهده الخالص النافع، وتخليته من الدنيا وتفرده
~~عن الناس وقد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه مطبقة والألسن عليه متفقة
~~والكلمة فيه جامعه والأخبار واسعة، ولما لم نزل نعرفه به من الفضل يافعا
~~وناشئا وحدثا وكهلا فلذلك عقد له بالعهد والخلافة من بعده واثقا بخيرة الله
~~تعالى في ذلك، إذ علم الله تعالى أنه فعله إيثارا له وللدين ونظرا للإسلام
~~وطلبا للسلامة وثبات الحجة والنجاة في اليوم الذي يقوم الناس فيه لرب
~~العالمين.
# PageV02P1009
# ودعا أمير المؤمنين ولده وأهل بيته وخاصته وقواده وخدمه فبايعه الكل
~~مطيعين مسارعين مسرورين عالمين بإيثار أمير المؤمنين طاعة الله على الهوى
~~في ولده وغيره (1) ممن هو أشبك منه رحما وأقرب قرابة. وسماه الرضا إذ كان
~~رضيا عند الله تعالى وعند الناس، وقد آثر طاعة الله والنظر لنفسه
~~وللمسلمين، والحمد لله رب العالمين. وكتب بيده في يوم الاثنين لسبع خلون من
~~شهر رمضان سنة إحدى ومائتين (2).
# وهذه صورة ما ms229 على ظهر العهد مكتوبا بخط الإمام علي بن موسى الرضا (عليه
~~السلام) من غير اختصار:
# بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الفعال لما يشاء، لا معقب لحكمه ولا
~~راد لقضائه، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وصلواته على نبيه محمد
~~خاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين.
# أقول وأنا علي بن موسى بن جعفر: إن أمير المؤمنين عضده الله بالسداد
~~ووفقه للرشاد عرف من حقنا ما جهله غيره فوصل أرحاما قطعت وآمن أنفسا (3)
~~فزعت،
# PageV02P1010
# بل أحياها وقد تلفت بعد أن أمن الحياة أنسيت (1) وأغناها (2) بعد فقرها
~~(3)، وعرفها بعد نكرها، مبتغيا بذلك رضا رب العالمين لا يريد جزاء من غيره
~~وسيجزي الله الشاكرين ولا يضيع أجر المحسنين.
# وإنه جعل إلي عهده والإمرة الكبرى إن بقيت بعده، فمن حل عقدة أمر الله
~~بشدها [أ] وقصم عروة أحب الله إيثاقها (4) فقد أباح الله حريمه وأحل محرمه
~~إذا كان بذلك زاريا (5) على الإمام منتهكا حرمة الإسلام [بذلك جرى السلف
~~فصبر منه على الفلتات ولم يعترض على الفرمات] وخوفا من شتات الدين واضطراب
~~حبل (6) المسلمين وحذر (7) فرصة تنتهز وناعقة (8) تبتدر.
# وقد جعلت لله على نفسي عهدا - إن استرعاني أمر المسلمين وقلدني خلافته -
~~العمل فيهم عامة وفي بني العباس بن عبد المطلب خاصة أن أعمل فيهم بطاعة
~~الله تعالى وطاعة رسوله (صلى الله عليه وآله) و [ان] لا أسفك دما حراما ولا
~~أبيح فرجا ولا مالا إلا ما سفكته حدوده (9) وأباحته فرائضه، وأن أتخير
~~الكفاة جهدي وطاقتي، وجعلت بذلك على نفسي عهدا مؤكدا يسألني الله عنه فإنه
~~عزوجل يقول: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا). وإن أحدثت أو غيرت أو
~~بدلت كنت للغير (10) مستحقا وللنكال
# PageV02P1011
# متعرضا، وأعوذ بالله من سخطه وإليه أرغب في التوفيق لطاعته والحول بيني
~~وبين معصيته في عافية لي وللمسلمين. والجامعة والجفر يدلان على ضد ذلك، وما
~~أدري ما يفعل بي و [لا] بكم إن الحكم إلا لله يقضي بالحق وهو خير الفاصلين،
~~لكنني امتثلت أمر أمير المؤمنين وآثرت رضاه والله تعالى يعصمني وإياه،
~~وأشهدت ms230 الله على نفسي بذلك وكفى بالله شهيدا. وكتبت بخطي بحضرة أمير
~~المؤمنين أطال الله بقاءه (1) والحاضرين من أولياء نعمه وخواص دولته وهم:
~~الفضل بن سهل، وسهل بن الفضل، والقاضي يحيى بن أكثم، وعبد الله بن طاهر،
~~وثمامة بن أشرس (2)، وبشر بن المعتمر، وحماد بن النعمان، وذلك في شهر رمضان
~~سنة إحدى ومائتين.
# صورة رقم شهادة القاضي يحيى بن أكثم: شهد يحيى بن أكثم على مضمون هذا
~~الكتاب ظهره وبطنه وهو يسأل الله تعالى أن يعرف أمير المؤمنين وكافة
~~المسلمين بركة (3) هذا العهد والميثاق. وكتب بخطه في التاريخ المبين فيه.
# صورة رقم شهادة عبد الله بن طاهر: أثبت شهادته فيه بتاريخه، عبد الله بن
~~ظاهر.
# وصورة رقم شهادة حماد بن النعمان: شهد حماد بن النعمان بمضمونه ظهره و
~~بطنه (4) وكتبه بيده في تاريخه.
# وصورة رقم شهادة ابن المعتمر (5): شهد بذلك بشر بن المعتمر (6).
# وعلى الجانب الأيسر بخط الفضل بن سهل: رسم أمير المؤمنين [أطال الله
~~بقاءه]
# PageV02P1012
# قراءة (1) هذه الصحيفة التي هي صحيفة العهد والميثاق [نرجو أن نجوز بها
~~الصراط] ظهرها وبطنها (2) بحرم سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين
~~الروضة والمنبر على رؤوس الأشهاد وبمرأى ومسمع من وجوه بني هاشم وسائر
~~الأولياء والأخيار [والأحفاد] بعد أخذ البيعة عليهم واستيفاء شروطها بما
~~أوجبه أمير المؤمنين من العهد لعلي بن موسى الرضا (عليه السلام) لتقوم به
~~الحجة على جميع المسلمين ولتبطل (3) الشبهة التي كانت اعترضت آراء (4)
~~الجاهلين، وما كان لله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه. وكتب الفضل بن سهل
~~بحضرة أمير المؤمنين في تاريخ المعين فيه (5).
# PageV02P1013
#
# PageV02P1013
# روي إبراهيم بن العباس قال: كانت البيعة للرضا لخمس خلون من شهر رمضان
~~المعظم سنة إحدى ومائتين (1).
# وزوجه المأمون ابنته أم حبيب في أول سنة اثنين ومأتين (2) والمأمون متوجه
~~إلى العراق.
# ومما نقل إلى الأسماع بالاستماع وروته الألسن بالبقاع في الأصقاع وخطته
~~الأيدي في الصحائف والرقاع أن الخليفة المأمون وجد في يوم عيد انحراف مزاج
~~أحدث عنده ثقلا له عن الخروج إلى الصلاة فقال لأبي ms231 الحسن الرضا: قم يا أبا
~~الحسن اركب وصل بالناس العيد، فامتنع وقال: قد علمت ما كان بيني وبينك من
~~الشروط فاعفني من الصلاة، فقال المأمون: انما أريد أن أنوه (3) بذكرك ليشهر
~~أمرك بأنك ولي عهدي والخليفة من بعدي، وألح عليه في ذلك فقال له الرضا: إن
~~أعفيتني من ذلك كان أحب إلي، فإن أبيت إلا أن أخرج إلى الصلاة بالناس فإنما
~~أخرج كما كان النبي (صلى الله عليه وآله) يخرج للصلاة وعلى الصفة التي كان
~~يخرج عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال المأمون: افعل كيف ما
~~أردت.
# PageV02P1018
# وأمر المأمون القواد والجند وأعيان دولته بالركوب في خدمته إلى المصلى
~~فركب الناس إلى بيته وحضر القواد والمؤذنون والمكبرون إلى بابه ينتظرون أن
~~يخرج.
# فخرج إليهم الرضا وقد اغتسل ولبس أفخر ثيابه وتعمم بعمامة [بيضاء من] قطن
~~وألقى طرفا منها على عاتقه (1) ومس طيبا وأخذ عكازة (2) في يده وخرج ماشيا
~~ولم يركب، وقال لمواليه وأتباعه: افعلو كما فعلت، ففعلوا كفعله، وساروا بين
~~يديه عند شروق الشمس رافعين أصواتهم بالتكبير والتهليل، فلما رأوه القواد
~~والجند على تلك الحالة لم يسعهم إلا أن نزلوا عن خيولهم ومراكبهم وساروا
~~بين يديه وتركوا دوابهم مع غلمانهم خلف الناس، وكان كلما كبر الرضا كبر
~~الناس تكبيرة، وكلما هلل هللوا تهليلة وهم سائرون بين يديه حتى خيل للناس
~~أن الحيطان والجدران تجاوبهم بالتكبير والتهليل، وتزلزلت مرو وارتفع البكاء
~~والضجيج، فبلغ ذلك المأمون فقال له الفضل: إن بلغ الرضا المصلى افتتن الناس
~~به وخفنا على دمائنا وأرواحنا وعليك في نفسك فابعث إليه فرده، فبعث إليه
~~المأمون قائلا: قد كلفناك يا أبا الحسن شططا ولا نحب أن تلحقك مشقة، ارجع
~~إلى بيتك يصلي بالناس من كان يصلي بهم قبل.
# فرجع علي بن موسى الرضا (عليه السلام) إلى بيته وركب المأمون فصلى بالناس
~~(3)
# PageV02P1019
# قال هرثمة بن أعين (1) - وكان من خدام الخليفة عبد الله المأمون إلا أنه
~~كان محبا لأهل البيت إلى الغاية ويعد نفسه من شيعتهم وكان قائما بخدمة
~~الرضا ms232 وجميع مصالحه مؤثرا لذلك على جميع أصحابه مع تقدمه عند المأمون وقربه
~~منه قال: - طلبني سيدي أبو الحسن الرضا (عليه السلام) في يوم من الأيام
~~فقال لي: يا هرثمة إني مطلعك على أمر يكون سرا عندك لا تظهره لأحد مدة
~~حياتي، فإن أظهرته حال حياتي كنت خصيما لك عند الله. فحلفت له إني لا أتفوه
~~بما تقوله لي مدة حياته.
# فقال لي: اعلم يا هرثمة إنه قد دنا (2) رحيلي [إلى الله تعالى] ولحوقي
~~بجدي وآبائي، وقد بلغ الكتاب أجله وإني أطعم عنبا ورمانا مفروكا (3) فأموت،
~~ويقصد الخليفة أن يجعل قبري خلف قبر أبيه الرشيد وأن الله لا يقدره على
~~ذلك، وان الأرض تشتد عليهم فلا تعمل فيها المعاول ولا يستطيعون حفر شيء
~~منها فتكون تعلم. يا هرثمة إنما مدفني في الجهة الفلانية من الحد الفلاني،
~~بموضع عينه له عنده، فإذا أنا مت وجهزت فأعلمه بجميع ما قلته لك ليكونوا
~~على بصيرة من أمري، وقل له إن أوضعت في نعشي وأرادوا الصلاة علي فلا يصلى
~~علي وليأني بي قليلا فإنه يأتيكم رجل عربي ملثم على ناقة له مصرع من جهة
~~الصحراء عليه وعثاء (4) السفر فينيخ راحلته وينزل عنها فيصلي علي وصلوا معه
~~علي، فإذا فرغتم من الصلاة علي وحملتموني إلى مدفني الذي عينته لك فاحفر
~~شيئا يسيرا من وجه
# PageV02P1020
# الأرض تجد قبرا مطبقا معمورا في قعره ماء أبيض، إذا كشفت عنه الطبقات نشف
~~(1) الماء فهذا مدفني فادفنوني فيه.
# والله الله يا هرثمة أن تخبر بهذا أو بشيء منه قبل موتي. قال هرثمة:
~~فوالله ما طالت الأناة حتى أكل الرضا عند الخليفة عنبا ورمانا مفتوتا فمات
~~(2).
# عن أبي الصلت الهروي (3) [أنه] قال: دخلت على الرضا وقد خرج من عند
~~المأمون فقال لي: يا أبا الصلت قد فعلوها، وجعل يوحد الله ويمجده (4)،
~~فأقام يومين ومات في اليوم الثالث.
# قال هرثمة: فدخلت على عبد الله المأمون لما رفع إليه موت أبي الحسن الرضا
~~فوجدت المنديل في يده وهو يبكي عليه، فقلت: يا أمير المؤمنين ms233 ثم كلام أتأذن
~~لي أن أقوله لك؟ قال: قل، قلت: إن الرضا أسر إلي في حياته بأمر وعاهدني أن
# PageV02P1021
# لا أبوح به لأحد إلا لك عند موته. [قال: هات] وقصصت عليه القصة التي
~~قالها لي من أولها إلى آخرها وهو متعجب من ذلك، ثم أمر بتجهيزه وخرجنا
~~بجنازته إلى المصلى وتأنينا بالصلاة عليه قليلا فإذا بالرجل قد أقبل على
~~بعير من جهة الصحراء كما قال ونزل ولم يكلم أحدا فصلى عليه وصلى الناس معه،
~~وأمر الخليفة بطلب الرجل فلم يروا له أثرا ولا لبعيره (1).
# ثم إن الخليفة قال: نحفر له من خلف قبر الرشيد، فقلت له: يا أمير
~~المؤمنين ألم أخبرك بمقالته؟ قال: نريد ننظر إلى ما قلته، فعجز الحافرون،
~~فكانت الأرض أصلب من الصخر الصوان، وعجزوا عن حفرها وتعجب الحاضرون من ذلك،
~~وتبين للمأمون صدق ما قلته له عنه. فقال: أرني الموضع الذي أشار إليه، فجئت
~~بهم إليه فما كان إلا أن كشف التراب عن وجه الأرض فظهرت الأطباق فرفعناها
~~فظهر من تحتها قبر معمول وإذا في قعره ماء أبيض، وأعلمت الخليفة فحفر
~~وأبصره على الصفة التي ذكرتها له، وأشرف عليه المأمون وأبصره. ثم إن ذلك
~~الماء نشف من وقته فواريناه ورددنا فيه الأطباق على حالها والتراب، ولم يزل
~~الخليفة المأمون يتعجب بما رأى ومما سمعه مني ويتأسف عليه ويندم، وكلما
~~خلوت في خدمته يقول: يا هرثمة كيف قال لك أبو الحسن الرضا؟ فأعيد عليه
~~الحديث فيتلهف ويتأسف ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون (2).
# PageV02P1022
# قال بعض الأئمة من أهل العلم: مناقب علي بن موسى الرضا من أجل المناقب،
~~وإمداد فضائله وفواضله متوالية كتوالي الكتائب، وموالاته محمودة البوادي
~~والعواقب (1)، وعجائب أوصافه من غرائب العجائب، وسؤدده ونبله قد حل من
~~الشرف في الذروة والمغارب، فلمواليه (2) السعد الطالع ولمناويه النحس
~~الغارب. أما شرف آبائه فأشهر من الصباح المنير وأضوأ من عارض الشمس
~~المستدير. وأما أخلاقه وسماته وسيرته وصفاته ودلائله وعلاماته ونفسه
~~الشريفة فناهيك من فخار وحسبك من علو مقدار جاز على طريقة ms234 ورثها عن الآباء
~~وورثها عنه البنون، فهم جميعا في كرم الأرومة وطيب الجرثومة كأسنان المشط
~~متعادلون فشرفا لهذا البيت المعالي الرتبة السامي المحلة، لقد طال السماء
~~علاء ونبلا، وسما على الفراقد منزلة ومحلا، واستوفى صفات الكمال، فما
~~يستثنى في شيء منه لغيره وإلا انتظم هؤلاء الأئمة انتظام اللآلي، وتناسبوا
~~في الشرف فاستوى المقدم والتالي، ونالوا رتبة مجد يحيط عنها المقصر
~~والعالي، اجتهد عداتهم في خفض منازلهم والله يرفعه، وركبوا الصعب والذلول
~~في تشتيت شملهم والله يجمعه، وكم ضيعوا من حقوقهم ما لا يهمله الله ولا
~~يضيعه (3).
# كانت وفاة علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بطوس من خراسان في قرية يقال
~~لها سناباد (4) في آخر صفر سنة ثلاث ومائتين (5)، وله من العمر يومئذ خمس
~~وخمسون
# PageV02P1023
# سنة (1). كانت مدة إمامته عشرون (2) سنة، كان أولها في بقية ملك الرشيد،
~~ثم ملك ولده محمد المعروف بالأمين وهو ابن زبيدة بعد ثلاث سنين وخمسة
~~وعشرين يوما، ثم خلع الأمين وأجلس مكانه عمه إبراهيم بن المهدي المعروف
~~بابن شكلة أربعة
# PageV02P1024
# عشر يوما، ثم خرج (1) محمد الأمين من الحبس وبويع له ثانية وبقي سنة
~~وسبعة (2) أشهر وثلاثة وعشرين يوما، وقتله طاهر بن الحسين، ثم ملك بعده
~~المأمون - عبد الله المأمون - ابن هارون الرشيد عشرين سنة وثلاثة وعشرين
~~يوما واستشهد الرضا (عليه السلام) في أيامه (3).
# PageV02P1025
#
# PageV02P1025
# قال ابن الخشاب في كتابه مواليد أهل البيت: ولد للرضا خمس بنين وابنة
~~واحدة، أسماء أولاده: محمد القانع والحسن وجعفر وإبراهيم والحسين، والبنت
~~عائشة [فقط] رضوان الله عليهم أجمعين (1).
# PageV02P1031
# الفصل التاسع في ذكر أبي جعفر محمد الجواد بن علي الرضا (عليهما السلام)
~~وهو الإمام التاسع (1) وتاريخ ولادته ومدة إمامته ومبلغ عمره وحين وفاته
~~وعدد أولاده وذكر نسبه وكنيته ولقبه وغير ذلك مما يتصل به قال صاحب كتاب
~~مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: هو أبو جعفر محمد (2)
# PageV02P1033
# الثاني فإنه تقدم في آبائه أبو جعفر محمد وهو الباقر بن علي، فجاء هذا
~~باسمه وكنيته فهو اسم جده فعرف بأبي جعفر الثاني، وإن كان صغير ms235 السن فهو
~~كبير القدر رفيع الذكر، القائم بالإمامة بعد علي بن موسى الرضا ولده أبو
~~جعفر محمد الجواد للنص عليه والإشارة له بها من أبيه، كما أخبر بذلك جماعة
~~من الثقات العدول (1).
# عن صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا: قد كنا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا
~~جعفر من القائم بعدك فتقول: يهب الله لي غلاما، وقد وهبه الله لك وقر (2)
~~عيوننا به، فإن كان كون ولا أرانا الله لك يومك (3) فإلى من؟ فأشار بيده
~~إلى أبي جعفر وهو قائم بين يديه وعمره إذ ذاك ثلاث سنين، فقلت: وهذا ابن
~~ثلاث! فقال (4): وما يضر (5) من ذلك فقد قام عيسى بالحجة وهو ابن أقل من
~~ثلاث سنين (6).
# PageV02P1035
# وعن معمر بن خلاد: قال سمعت الرضا (عليه السلام) يقول - وذكر شيئا (1) -
~~فقال: ما حاجتكم إلى ذلك؟! هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي وصيرته مكاني،
~~وقال: إنا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذة بالقذة (2) (3).
# وعن الخيراني (4) عن أبيه قال: كنت واقفا بين يدي أبي الحسن الرضا
~~بخراسان فقال قائل: يا سيدي إن كان كون إلى من؟ فقال إلى ابني أبي جعفر،
~~فكأن القائل (5) استصغر سن (6) أبي جعفر، فقال الرضا: إن الله بعث عيسى بن
~~مريم رسولا نبيا
# PageV02P1036
# صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السن الذي فيه أبو جعفر (1).
# ولد أبو جعفر محمد الجواد بالمدينة تاسع عشر [من] شهر رمضان (2) المعظم
~~سنة خمس وتسعين ومائة (3) للهجرة.
# PageV02P1037
# وأما نسبه: أبا وأما فهو محمد الجواد ابن علي الرضا ابن موسى الكاظم ابن
~~جعفر الصادق ابن محمد الباقر ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم
~~السلام) (1).
# وأما أمه أم ولد يقال لها سبيكة (2) النوبية وقيل: المريسية (3).
# وأما كنيته: فأبو جعفر كنية جده محمد الباقر (4).
# وأما ألقابه: فالجواد، والقانع، والمرتضى، وأشهرها الجواد (5).
# PageV02P1038
# صفته: أبيض معتدل (1). شاعره: حماد (2). بابه (3): عمرو بن الفرات (4).
~~نقش خاتمه: " نعم القادر الله " (5) معاصره: المأمون (6) والمعتصم (7).
# PageV02P1039
# وأما مناقبه: فقال الشيخ كمال الدين بن طلحة: مناقب أبي جعفر محمد الجواد
~~[ف] - ما ms236 اتسعت جلباب مجالها ولا امتدت أوقات آجالها بل قضت عليه الأقدار
~~الإلهية بقلة بقائه في الدنيا بحكمها وأسجالها، فقل في الدنيا مقامه، وعجل
~~القدوم إليه لزيارته حمامه (1)، فلم تطل فيها مدته (2) ولا امتدت فيها
~~أيامه، غير أن الله خصه بمنقبة أنوارها متألقة في مطالع التعظيم وأخبارها
~~مرتفعة في معارج (3) التفضيل والتكريم، وهي أن أبا جعفر محمد الجواد لما
~~توفي والده أبو الحسن الرضا (عليه السلام) وقدم الخليفة المأمون إلى بغداد
~~بعد وفاته بسنة اتفق أن المأمون خرج يوما يتصيد فاجتاز بطرف البلد وثم
~~صبيان يلعبون ومحمد الجواد واقف عندهم، فلما أقبل المأمون فر الصبيان ووقف
~~محمد الجواد وعمره إذ ذاك تسع سنين، فلما قرب منه الخليفة نظر إليه وكان
~~الله تعالى ألقى في قلبه مسحة قبول، فقال له: يا غلام ما منعك أن لا تفر
~~كما فر أصحابك؟ فقال له محمد الجواد مسرعا: يا أمير المؤمنين فر أصحابي
~~خوفا والظن بك حسن أنه لا يفر منك من لا ذنب له، ولم يكن بالطريق ضيق
~~فأتنحى (4) عن أمير المؤمنين، فأعجب المأمون كلامه وحسن صورته فقال: ما
~~اسمك يا غلام؟ فقال: محمد بن علي الرضا، فترحم الخليفة على أبيه.
# PageV02P1040
# وساق جواده إلى نحو وجهته (1) وكان معه بزاة الصيد، فلما بعد عن العمارة
~~أخذ الخليفة بازيا منها وأرسل على دراجة فغاب البازي عنه قليلا، ثم عاد وفي
~~منقاره سمكة صغيرة وبها بقايا (2) من الحياة، فتعجب المأمون من ذلك غاية
~~العجب ثم أنه أخذ السمكة في يده وكر راجعا إلى داره وترك الصيد في ذلك
~~اليوم وهو متفكر فيما صاده البازي من الجو، فلما وصل موضع الصبيان وجدهم
~~على حالهم ووجد محمدا معهم فتفرقوا على جاري عادتهم إلا محمد [ا] فلما دنا
~~منه الخليفة قال: يا محمد، قال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال ما في يدي؟
~~فأنطقه الله تعالى بأن قال: إن الله تعالى خلق في بحر قدرته المستمسك في
~~الجو ببديع حكمته سمكا صغارا تصيدها (3) منها بزاة [الملوك] والخلفاء كي
~~يختبر بها سلالة ms237 بيت المصطفى. فلما سمع المأمون كلامه تعجب منه وأكثر وجعل
~~يطيل النظر فيه وقال: أنت ابن الرضا حقا ومن بيت المصطفى صدقا، وأخذه معه
~~وأحسن إليه وقربه وبالغ في إكرامه وإجلاله وإعظامه، فلم يزل مشغفا به لما
~~ظهر له أيضا بعد ذلك من بركاته ومكاشفاته وكراماته وفضله وعلمه وكمال عقله
~~وظهور برهانه مع صغر سنه.
# ولم يزل المأمون متوفرا على تبجيله وإعظامه وإجلاله وإكرامه (4) إلى أن
~~عزم على أنه يزوجه ابنته أم الفضل وصمم على ذلك، فبلغ ذلك العباسيين فغلظ
~~عليهم واستكبروه (5) وخافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما إنتهى مع أبيه
~~الرضا، فاجتمع الأكابر من العباسيين الدالين على الخليفة ودخلوا عليه
~~وقالوا: ننشدك الله يا أمير المؤمنين
# PageV02P1041
# إلا ما رجعت عن هذه النية وصرفت خاطرك عن هذا الأمر، فإنا نخاف ونخشى أن
~~يخرج عنا أمر قد ملكناه الله وينزع منا (1) عزا ألبسناه الله تعالى ويتحول
~~إلى غيرنا، وأنت تعلم ما بيننا وبين هؤلاء القوم وما كان عليه الخلفاء من
~~بعدهم وقد كنا في وهلة (2) من عملك مع الرضا كما عملت حتى كفانا الله تعالى
~~المهم (3) من ذلك، فالله الله أن تردنا إلى غم قد انحسر عنا، واصرف رأيك عن
~~ابن الرضا واعدل إلى من تراه (4) من أهل بيتك ممن يصلح لذلك.
# فقال لهم المأمون: أما ما بينكم وبين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه، ولو
~~أنصفتم القوم لكانوا أولى بالأمر منكم.
# وأما ما كان من استخلاف الرضا فقد درج الرضا إلى رحمة الله وكان أمر الله
~~قدرا مقدورا.
# وأما ابنه محمد فأخبرته لتبريزه على كافة أهل الفضل في العلم والحلم (5)
~~والمعرفة والأدب مع صغر سنه، فقالوا: إن هذا صبى صغير السن وأي علم له
~~اليوم أو معرفة أو أدب؟ فأمهله (6) يتفقه يا أمير المؤمنين ثم اصنع به ما
~~شئت، قال: كأنكم تشكون في قولي إن شئتم فاختبروه أو ادعوا من يختبره ثم بعد
~~ذلك لوموا فيه أو اعذروا، قالوا: وتتركنا وذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم،
~~قالوا: فيكون ذلك ms238 بين يديك يترك من يسأله عن شيء من أمور الشريعة فإن أصاب
~~لم يكن في أمره لنا اعتراض وظهر للخاصة والعامة سديد رأي أمير المؤمنين،
~~وإن عجز عن ذلك كفينا
# PageV02P1042
# خطبه ولم يكن لأمير المؤمنين عذر في ذلك، فقال لهم المأمون: شأنكم وذلك
~~متى أردتم فخرجوا من عنده.
# واجتمع رأيهم على القاضي يحيى بن أكثم (1) أن يكون هو الذي يسأله ويمتحنه
~~وقرروا ذلك مع القاضي يحيى ووعدوه بأشياء كثيرة متى قطعه وأخجله، ثم عادوا
~~إلى المأمون وسألوه أن يعين لهم يوما يجتمعون فيه بين يديه لمسألته، فعين
~~لهم يوما فاجتمعوا في ذلك اليوم بين يدي أمير المؤمنين المأمون، وحضر
~~العباسيون ومعهم القاضي يحيى بن أكثم، وحضر خواص الدولة وأعيانها من
~~أمرائها وحجابها وقوادها، وأمر المأمون بأن يفرش لأبي جعفر محمد الجواد
~~(عليه السلام) فرشا حسنا وأن يجعل عليه مسورتان (2)، ففعل ذلك، وخرج أبو
~~جعفر فجلس بين المسورتين، وجلس القاضي يحيى مقابله، وجلس الناس في مراتبهم
~~على قدر طبقاتهم ومنازلهم.
# فأقبل يحيى بن أكثم على أبي جعفر فسأله عن مسائل أعدها له، فأجاب (3)
# PageV02P1043
# بأحسن جواب وأبان فيها عن وجه الصواب بلسان ذلق ووجه طلق وقلب جسور ومنطق
~~ليس بعي ولا حصور، فعجب القوم من فصاحة لسانه وحسن اتساق منطقه ونظامه،
~~فقال له المأمون: أجدت وأحسنت يا أبا جعفر، فإن رأيت أن تسأل يحيى كما سألك
~~ولو عن مسألة واحدة، فقال ذلك إليه يا أمير المؤمنين، فقال يحيى يسأل يا
~~أمير المؤمنين فإن كان عندي في ذلك جواب أجبت به وإلا استفدت بالجواب،
~~والله أسأل أن يرشد للصواب.
# فقال له أبو جعفر (عليه السلام): ما تقول في رجل نظر إلى امرأة في أول
~~النهار بشهوة فكان نظره إليها حراما عليه، فلما ارتفع النهار حلت له، فلما
~~زالت الشمس حرمت عليه، فلما كان وقت العصر حلت له، فلما غربت الشمس حرمت
~~عليه، فلما دخل وقت العشاء الآخرة حلت له، فلما انتصف الليل حرمت عليه،
~~فلما طلع الفجر حلت له، فبماذا حلت هذه المرأة ms239 لهذا الرجل؟ وبماذا حرمت
~~عليه في هذه الأوقات؟
# فقال يحيى بن أكثم: لا أدري، فإن رأيت أن تفيدنا بالجواب فذلك إليك.
# فقال أبو جعفر: هذه أمة لرجل من الناس نظر إليها بعض من الناس في أول
~~PageV02P1045
# النهار بشهوة فكان نظره إليها حراما، فلما ارتفع النهار ابتاعها من
~~مولاها (١) فحلت له، فلما كان وقت الظهر اعتقها فحرمت عليه، فلما كان وقت
~~العصر تزوجها فحلت له، فلما كان وقت المغرب ظاهر منها فحرمت عليه، فلما كان
~~وقت العشاء الآخرة كفر عن الظهار فحلت له، فلما كان نصف الليل طلقها طلقة
~~واحدة فحرمت عليه، فلما كان الفجر راجعها فحلت له.
# فأقبل المأمون على أهل بيته قال: هل فيكم أحد يستحضر أن يجيب عن هذه
~~المسائل بمثل هذا الجواب؟ فقالوا: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فقال: قد
~~عرفتم الآن ما كنتم تنكرونه وتبين في وجه القاضي يحيى الخجل والتغيير بحيث
~~عرف ذلك كل من في المجلس، فقال المأمون: الحمد لله على ما من به علي من
~~السداد في الأمر والتوفيق في الرأي وأقبل على أبي جعفر وقال: إني مزوجك
~~ابنتي أم الفضل وإن رغم ذلك أنوف قوم فاخطب لنفسك فقد رضيتك لنفسي وابنتي،
~~فقال أبو جعفر:
# الحمد لله إقرارا بنعمته ولا إله إلا الله إخلاصا لوحدانيته، وصلى الله
~~على سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله) سيد بريته والأصفياء من عترته. أما
~~بعد، كان من فضل الله على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام فقال تعالى:
~~﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من
~~عبادكم وإمآئكم إن يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله والله وسع عليم﴾
~~(2) ثم إن محمد بن علي بن موسى خطب إلى أمير المؤمنين ابنته أم الفضل وقد
~~بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) وهو
~~خمسمائة درهم جيادا فهل زوجتني إياها يا أمير المؤمنين على هذا الصداق
~~المذكور؟ فقال المأمون: زوجتك ابنتي أم الفضل على هذا الصداق المذكور، فقال
~~أبو جعفر: قبلت ms240 نكاحها على هذا الصداق المذكور.
# قال الريان (3): وأخرج الخدم مثل السفينة من الفضة مطلية بالذهب فيها
# PageV02P1046
# الغالية (1) مضروبة بأنواع الطيب والماء [ال] ورد والمسك فتطيب منها
~~جميع الحاضرين على قدر منازلهم ومراتبهم، ثم وضعت موائد الحلواء فأكل منها
~~الحاضرون وفرقت عليهم الجوائز والعطيات على قدر طبقاتهم، ثم انصرف الناس
~~وتقدم المأمون بالصدقة على الفقراء والمساكين وأهل الأربطة والخوانق
~~والمدارس (2). ولم يزل عنده محمد الجواد مكرما معظما إلى أن توجه بزوجته أم
~~الفضل إلى المدينة الشريفة.
# روي أن أم الفضل بعد توجهها مع زوجها إلى المدينة كتبت إلى أبيها المأمون
~~تشكو أبا جعفر وتقول: إنه يتسرى (3) علي ويغيرني، فكتب إليها أبوها: يا
~~بنية إنا لم نزوجك (4) أبا جعفر لتحرمي عليه حلالا فلا تعاودينني لذكر شيء
~~مما ذكرت (5).
# PageV02P1047
# وحكي أنه لما توجه أبو جعفر منصرفا من بغداد إلى المدينة الشريفة خرج معه
~~الناس يشيعونه للوداع فصار إلى أن وصل إلى باب الكوفة عند دار المسيب فنزل
~~هناك مع غروب الشمس، ودخل إلى مسجد قديم مؤسس بذلك الموضع ليصلي فيه
~~المغرب، وكان في صحن المسجد شجرة نبق (1) لم تحمل قط، فدعا بكوز فيه ماء
~~فتوضأ في أصل الشجرة [النبقة] وقام يصلي فصلى معه الناس المغرب، فقرأ في
~~الأولى الحمد وإذا جاء نصر الله والفتح، وقرأ في الثانية بالحمد وقل هو
~~الله أحد [وقنت قبل ركوعه فيها وصلى الثالثة وتشهد وسلم] ثم بعد فراغه جلس
~~هنيئة يذكر الله تعالى وقام فتنفل بأربع ركعات وسجد بعدهن سجدتي الشكر، ثم
~~قام فوادع الناس وانصرف فأصبحت النبقة وقد حملت من ليلتها حملا حسنا، فرآها
~~الناس وقد تعجبوا في ذلك غاية العجب ثم ما كان هو أغرب وأعجب من ذلك أن
~~نبقة هذه الشجرة لم يكن لها عجم (2) فزاد تعجبهم من ذلك أكثر وأكثر. وهذا
~~من بعض كراماته الجليلة ومناقبه الجميلة (3).
# PageV02P1048
# وعن أبي خالد (1) قال: كنت بالعسكر (2) فبلغني أن هناك رجلا محبوسا أتي
~~به من الشام مكبولا (3) بالحديد وقالوا إنه تنبأ، فأتيت باب السجن ودفعت
~~شيئا للبوابين (4) حتى ms241 دخلت عليه، فإذا برجل ذا فهم وعقل وأدب فقلت: يا هذا
~~ما قصتك؟ قال:
# إني كنت رجلا بالشام أعبد الله تعالى في الموضع الذي يقال إنه نصب فيه
~~رأس الحسين (عليه السلام)، فبينما أنا ذات ليلة (5) في موضعي مقبل على
~~المحراب أذكر الله إذ رأيت شخصا بين يدي فنظرت إليه فقال: قم، فقمت معه
~~فمشى [بي] قليلا فإذا أنا في مسجد الكوفة، فقال لي: أتعرف هذا المسجد؟ قلت:
~~نعم هذا مسجد الكوفة، قال:
# فصلى فصليت معه، ثم انصرف فانصرفت (6) معه فمشى قليلا فإذا [نحن بمسجد
~~الرسول (صلى الله عليه وآله) فسلم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصلى
~~وصليت معه، ثم خرج وخرجت معه فمشى قليلا وإذا] نحن بمكة المشرفة فطاف
~~بالبيت فطفت معه، ثم خرج فخرجت معه فمشى قليلا فإذا أنا بموضعي الذي كنت
~~فيه بالشام، ثم غاب عني فبقيت متعجبا مما رأيت.
# فلما كان في العام المقبل وإذا بذلك الشخص قد أقبل علي فاستبشرت به
~~فدعاني فأجبته ففعل بي كما فعل في العام (7) الماضي، فلما أراد مفارقتي قلت
~~له:
# سألتك بحق الذي أقدرك على ما رأيت منك إلا ما أخبرتني من أنت؟ فقال: أنا
# PageV02P1049
# محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي
~~طالب، فحدثت بعض من كان يجتمع لي بذلك فرفع ذلك إلى محمد بن عبد الملك
~~الزيات (1) فبعث إلى من أخذني من موضعي وكبلني في الحديد وحملني إلى العراق
~~وحبسني كما ترى وادعى علي بالمحال، قلت له، فأرفع عنك قصة (2) إلى محمد بن
~~عبد الملك الزيات؟ قال: افعل، فكتبت عنه قصة (3) وشرحت فيها أمره ورفعتها
~~إلى محمد بن عبد الملك فوقع في (4) ظهرها: قل للذي أخرجك من الشام إلى هذه
~~المواضع التي ذكرتها يخرجك من السجن الذي أنت فيه، فقال ابن خالد فاغتممت
~~لذلك وسقط في يدي وقلت: إلى غد آتيه وآمره بالصبر وأعده من الله بالفرج
~~وأخبره بمقالة هذا الرجل المتجبر.
# قال: فلما كان من الغد ms242 باكرت السجن فإذا أنا بالحرس والجند وأصحاب السجن
~~وخلق (5) كثير يهرعون (6) فسألت: ما الخبر؟ فقيل لي: إن الرجل المتنبئ
~~المحمول من الشام فقد البارحة من الحبس (7) وحده بمفرده وأصبحت قيوده
~~والأغلال التي كانت في عنقه مرمى بها في السجن لا ندري كيف خلص منها، وطلب
~~فلم يوجد له أثر ولا خبر ولا يدرون أخسفت به الأرض أو اختطفته الطير (8).
~~فتعجبت من ذلك وقلت:
# PageV02P1050
# استخفاف ابن الزيات بأمره واستهزاؤه بما وقع به على قصة خلصه (1) من
~~السجن.
# قال ابن حمدون في كتابه التذكرة: روي عن محمد بن علي بن موسى الرضا أنه
~~قال: كيف يضيع من الله كافله؟ وكيف ينجو من الله طالبه (2)؟
# وعنه أنه قال: من انقطع إلى غير الله وكله الله إليه، ومن عمل على غير
~~علم أفسد أكثر مما يصلح (3).
# وعنه أنه قال: القصد إلى الله بالقلوب أبلغ من إتعاب (4) الجوارح
~~بالأعمال (5).
# وروي عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي في كتابه معالم العترة النبوية
~~أخبارا رواها الجواد محمد بن علي عن آبائه عن علي بن أبي طالب (عليه
~~السلام) أنه قال: لما بعثني
# PageV02P1051
# النبي (صلى الله عليه وآله) إلى اليمن قال لي وهو يوصيني: يا علي عليك
~~بالدلجة (1) فإن الأرض تطوى في الليل (2) مالا تطوى بالنهار. يا علي عليك
~~بالبكر فإن الله تعالى بارك لأمتي في بكورها (3).
# وعنه (عليه السلام) قال: من استفاد أخا في الله فقد استفاد بيتا في الجنة
~~(4).
# وعنه (عليه السلام) أنه قال: لو كانت السماوات والأرض رتقا (5) على عبد
~~ثم أتقى الله تعالى لجعل منها مخرجا (6).
# وعنه (رض) أنه قال لقيس بن سعد حين قدم من مصر: يا قيس إن للمحن غايات
~~(7) لابد أن ينتهى إليها، فيجب على العاقل أن ينام لها إلى أدبارها، فإن
~~مكابدتها بالحيلة عند إقبالها زيادة فيها (8).
# وقال (عليه السلام): انه من وثق بالله أراه السرور، ومن توكل عليه (9)
~~كفاه الأمور، والثقة بالله حصن لا يتحصن فيه إلا مؤمن (10)، والتوكل على
~~الله نجاة من كل سوء وحرز من
# PageV02P1052
# كل عدو، والدين ms243 عز والعلم كنز والصمت نور، وغاية الزهد الورع، ولا هدم
~~للدين مثل البدع، ولا أفسد للرجال من الطمع، وبالراعي تصلح الرعية،
~~وبالدعاء تصرف البلية، ومن ركب مركب الصبر (1) اهتدى إلى مضمار النصر، ومن
~~عاب عيب، ومن شتم أجيب، ومن غرس أشجار التقى اجتنى أثمار المنى (2).
# وقال (عليه السلام): أربع خصال تعين المرء على العمل: الصحة، والغنى،
~~والعلم، والتوفيق (3).
# وقال (عليه السلام): إن لله عبادا (4) يخصهم بدوام النعم فلا تزال (5)
~~فيهم ما بذلوها (6)، فإذا منعوها نزعها عنهم وحولها إلى غيرهم (7).
# وقال (عليه السلام): ما عظمت نعم الله على أحد (8) إلا عظمت إليه مؤونة
~~(9) الناس، فمن لم يحتمل تلك المؤونة عرض تلك النعمة للزوال (10).
# وقال (عليه السلام): أهل المعروف إلى اصطناعه أحوج من أهل الحاجة إليه
~~لأن لهم أجرهم وفخره وذكره، فمهما اصطنع الرجل من معروف فإنما يبدأ فيه
~~بنفسه (11).
# وقال (رض): من أمل إنسانا [فقد] هابه، ومن جهل شيئا عابه، والفرصة خلسة،
~~ومن كثر همه سقم جسده، وعنوان صحيفة المسلم (12) حسن خلقه. وقال (عليه
~~السلام)
# PageV02P1053
# [في] موضع آخر: عنوان صحيفة السعيد حسن الثناء عليه (1).
# وقال (عليه السلام): الجمال في اللسان، والكمال في العقل.
# وقال (عليه السلام): العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى، والصبر زينة
~~البلاء، والتواضع زينة الحسب، والفصاحة زينة الكلام، والحفظ زينة الرواية،
~~وخفض الجناح زينة العلم، وحسن الأدب زينة العقل، وبسط الوجه زينة الحلم
~~(2)، وترك المن زينة المعروف، والخشوع زينة الصلاة، والتقلل (3) زينة
~~القناعة، وترك ما لا يعني زينة الورع.
# وقال (عليه السلام): حسب المرء من كمال المروءة تركه مما لا يجمل فيه،
~~ومن حيائه أن لا يلقى أحدا بما يكره، ومن حسن خلق الرجل كفه أذاه، ومن
~~سخائه بره بمن يجب حقه عليه، ومن كرمه إيثاره على نفسه، ومن صبره قلة
~~شكواه، ومن عقله إنصافه من نفسه، ومن إنصافه قبول الحق إذا بان له، ومن
~~نصحه نهيه عما لا يرضاه لنفسه، ومن حفظه لجوارك (4) تركه توبيخك عند إساءتك
~~(5) مع علمه بعيوبك، ومن رفقه تركه عذلك عند غضبك بحضرة ms244 من تكره، ومن حسن
~~صحبته لك إسقاطه عنك مؤونة التحفظ [أذاك]، ومن علامة صداقته لك كثرة
~~موافقته وقلة مخالفته (6)، ومن شكره معرفته إحسان من أحسن إليه، ومن تواضعه
~~معرفته بقدره، ومن سلامته قلة حفظه لعيوب غيره وعنايته بصلاح عيوبه (7).
# PageV02P1054
# وقال (عليه السلام): العالم بالظلم والمعين له والراضي (1) به شركاء.
# وقال (عليه السلام): يوم العدل على الظالم أشد من يوم الجور على المظلوم.
# وقال (عليه السلام): من أخطأ وجوه المطالب خذلته وجوه الحيل، والطامع في
~~وثاق الذل (2)، ومن أحب البقاء فليعد للبلاء (3) قلبا صبورا.
# وقال (عليه السلام): العلماء غرباء لكثرة الجهال بينهم.
# وقال: الصبر على المصيبة مصيبة على الشامت بها (4).
# وقال (عليه السلام): ثلاث يبلغن بالعبد رضوان الله تعالى: كثرة
~~الاستغفار، ولين (5) الجانب، وكثرة الصدقة. وثلاث من كن فيه لم يندم: ترك
~~العجلة، والمشورة، والتوكل على الله عند العزم. وقال (عليه السلام): لو سكت
~~الجاهل ما اختلف الناس. وقال (عليه السلام): مقتل الرجل بين فكيه (6)
~~والرأي مع الإناءة، وبئس الظهر وبئس الظهير (7) [وبئس] الرأي القصير الرأي
~~الفطير.
# وقال (عليه السلام): ثلاث خصال تجتلب بهن المحبة (8): الإنصاف في
~~المعاشرة (9)، والمواساة في الشدة، والانطواء والرجوع على (10) قلب سليم.
# PageV02P1055
# وقال (عليه السلام): الناس (١) أشكال وكل (٢) يعمل على شاكلته، والناس
~~إخوان، فمن كانت اخوته في غير ذات الله تعالى فإنها تعود (٣) عداوة، وذلك
~~قوله عزوجل: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم
~~لبعض عدو إلا المتقين﴾ (4).
# وقال (عليه السلام): من استحسن قبيحا كان شريكا فيه.
# وقال (عليه السلام): كفر النعمة داعية المقت، ومن جازاك بالشكر فقد أعطاك
~~أكثر مما أخذ منك.
# وقال (عليه السلام): لا تفسد (5) الظن على صديق [و] قد أصلحك اليقين له،
~~ومن وعظ أخاه سرا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه.
# وقال (عليه السلام): لازال العقل والحمق يتغالبان على الرجل إلى أن يبلغ
~~ثماني عشرة سنة، فإذا بلغها غلب عليه أكثرهما فيه، وما أنعم الله على عبد
~~نعمة فعلم أنها من الله إلا كتب الله جل (6) اسمه له شكرها قبل ms245 أن يحمده
~~عليها، ولا أذنب العبد ذنبا فعلم أن الله مطلع (7) عليه إن شاء عذبه وإن
~~شاء غفر له إلا غفر [الله] له قبل أن يستغفره.
# وقال (عليه السلام): الشريف كل الشريف من شرفه علمه، والسؤدد كل السؤدد
~~لمن اتقى الله ربه.
# وقال (عليه السلام): لا تعالجوا الأمر قبل بلوغه فتندموا، ولا يطولن
~~عليكم الأمد فتقسو قلوبكم، وارحموا ضعفاءكم واطلبوا من الله الرحمة بالرحمة
~~لهم (8).
# PageV02P1056
# وقال (عليه السلام): من أمل فاجرا كان أدنى عقوبته الحرمان.
# وقال (عليه السلام): موت الإنسان بالذنوب أكثر من موته بالأجل، وحياته
~~بالبر أكثر من حياته بالعمر. آخر ما نقل من كتاب الجنابذي (ره) (1).
# قبض أبو جعفر محمد الجواد ابن علي الرضا (عليه السلام) ببغداد (2) وكان
~~سبب وصوله إليها إشخاص المعتصم له من المدينة، فقدم بغداد مع زوجته أم
~~الفضل بنت المأمون لليلتين بقيتا من المحرم سنة عشرين ومائتين (3)، وتوفى
~~بها في آخر ذي القعدة الحرام، وقيل: توفي بها يوم الثلاثاء (4) لست خلون من
~~ذي الحجة من السنة المذكورة، ودفن في مقابر قريش في ظهر جده أبي الحسن موسى
~~الكاظم (5). ودخلت امرأته أم الفضل إلى قصر المعتصم فجعلت مع الحرم وكان له
~~من العمر خمس وعشرون سنة وأشهر (6). وكانت مدة إمامته
# PageV02P1057
# سبعة عشر سنة (1)، أولها في بقية ملك المأمون، وآخرها في ملك المعتصم.
# ويقال: إنه مات مسموما (2).
# PageV02P1058
# وخلف من الولد: عليا (1) الإمام، وموسى (2)، وفاطمة وأمامة ابنين وابنتين
~~(3).
# تغمدهم الله برحمته وأسكنهم فسيح جناته.
# PageV02P1059
# الفصل العاشر في ذكر أبي الحسن علي المعروف بالعسكري (عليه السلام) وهو
~~الإمام العاشر (1) وتاريخ ولادته ومدة إمامته ومبلغ عمره وحين وفاته وعدد
~~أولاده وذكر نسبه وكنيته ولقبه وغير ذلك مما يتصل به قال صاحب الإرشاد: كان
~~الإمام بعد أبي جعفر ابنه أبا الحسن علي بن محمد (2)
# PageV02P1061
# لاجتماع خصال الإمامة فيه ولتكامل فضله وعلمه وأنه لا وارث لمقام أبيه
~~سواه ولثبوت النص عليه بالإمامة والإشارة إليه من أبيه [بالخلافة] (1).
# وعن إسماعيل بن مهران قال: لما خرج أبو جعفر محمد الجواد من المدينة إلى ms246
~~بغداد يطلبه المعتصم قلت له عند خروجه: جعلت فداك إني أخاف عليك من هذا
~~الوجه فإلى من الأمر بعدك؟ (2) فبكى حتى اخضلت (3) لحيته، ثم التفت إلي
~~فقال:
# عند هذه يخاف علي الأمر من بعدي إلى ابني (4) علي (5).
# PageV02P1062
# قال ابن الخشاب في كتابه مواليد أهل البيت (عليهم السلام): ولد أبو الحسن
~~علي العسكري في رجب سنة اثنتي عشرة ومائتين من الهجرة (1).
# وأما نسبه: أبا وأما فهو علي الهادي ابن محمد الجواد ابن علي الرضا ابن
~~موسى الكاظم ابن جعفر الصادق ابن محمد الباقر ابن علي زين العابدين ابن
~~الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) (2). وأما أمه فأم ولد يقال لها
~~سمانة المغربية، وقيل غير ذلك (3).
# PageV02P1063
# وأما كنيته: فأبو الحسن لاغير (1) و أما ألقابه: فالهادي، والمتوكل،
~~والناصح، والمتقي، والمرتضى، والفقيه، والأمين، والطيب، وأشهرها الهادي
~~والمتوكل، وكان يأمر أصحابه أن يعرضوا عن تلقيبه بالمتوكل لكونه يومئذ لقبا
~~للخليفة جعفر المتوكل ابن المعتصم (2).
# صفته: أسمر اللون (3). شاعره: العوفي (4) والديلمي (5) بابه (6): عثمان
~~بن سعيد (7).
# PageV02P1064
# نقش خاتمه: الله ربي وهو عصمتي من خلقه (1). معاصره: الواثق (2)، ثم
~~المتوكل (3) أخوه، ثم ابنه المنتصر (4)، ثم المستعين (5) ابن أخي المتوكل.
# وأما مناقبه: فقال الشيخ كمال الدين بن طلحة: فمنها ماحل في الآذان محل
~~جلالها باتصافها واكتناف اللآلي اليتيمة (6) بأصدافها وشهد لأبي الحسن علي
~~الرابع (7). أن نفسه موصوفة بنفائس أوصافها وأنه نازل في الدوحة (8)
~~النبوية في دار
# PageV02P1065
# أشرافها وشرفات أغرافها (1).
# فمن ذلك: أن أبا الحسن كان قد خرج يوما من سر من رأى إلى قرية له لمهم
~~عرض له، فجاء رجل من بعض الأعراب يطلبه في داره فلم يجده، فقيل (2) له انه
~~[قد] ذهب إلى الموضع الفلاني، فقصده إلى موضعه، فلما وصل إليه قال له: ما
~~حاجتك؟ فقال له: أنا رجل من أعراب الكوفة المتمسكين بولاية (3) جدك أمير
~~المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقد ركبني دين فادح أثقلني حمله
~~(4) ولم أر من أقصده لقضائه سواك، فقال له أبو الحسن: كم دينك؟ فقال: نحو
~~العشرة آلاف درهم، فقال: ms247 طب نفسا وقر عينا يقضى دينك إن شاء الله تعالى.
# ثم أنزله فلما أصبح قال له: يا أخا العرب أريد منك حاجة لا تخالفني (5)
~~فيها، والله الله فيما آمرك به وحاجتك تقضى إن شاء الله تعالى، فقال
~~الأعرابي: لا أخالفك في شيء مما تأمرني به. فأخذ أبو الحسن ورقة وكتب فيها
~~بخطه دينا عليه للأعرابي بالمذكور وقال خذ هذا الخط معك فإذا وصلت (6) سر
~~من رأى فتراني أجلس مجلسا عاما فإذا حضر الناس أو احتفل المجلس فتعال إلي
~~بالخط وطالبني واغلظ علي في القول في ترك ايفائك إياه (7). والله الله في
~~مخالفتي (8) في شيء مما أوصيك به.
# فلما وصل أبو الحسن إلى سر من رأى جلس مجلسا عاما وحضر عنده جماعة
# PageV02P1066
# من وجوه الناس وأصحاب الخليفة المتوكل وأعيان البلد وغيرهم، فجاء ذلك
~~الأعرابي وأخرج الخط وطالبه بالمبلغ المذكور وأغلظ عليه في الكلام، فجعل
~~أبو الحسن يعتذر إليه ويطيب نفسه بالقول ويعده بالخلاص عن قريب وكذلك
~~الحاضرون وطلب منه المهلة ثلاثة أيام. فلما انفك المجلس نقل ذلك الكلام إلى
~~الخليفة المتوكل فأمر لأبي الحسن على الفور بثلاثين ألف درهم، فلما حملت
~~إليه تركها إلى أن جاء الأعرابي فقال له: خذ هذا المال واقض (1) منه دينك
~~واستعن بالباقي على وقتك والقيام على عائلتك، فقال الأعرابي: يا بن رسول
~~الله، والله إن في العشرة آلاف بلوغ مطلبي ونهاية أربي وكفاية أملي كان
~~يقصر عن ثلث هذا (2). فقال أبو الحسن: والله لتأخذن ذلك جميعه وهو رزقك
~~الذي ساقه الله إليك، ولو كان أكثر من ذلك ما نقصناه. فأخذ الأعرابي
~~الثلاثين ألف درهم وانصرف وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته (3).
# وعن الوشاء عن خيران الأسباطي (4) قال: قدمت على أبي الحسن علي بن محمد
~~بالمدينة الشريفة النبوية من العراق فقال لي: ما خبر الواثق عندك؟ قلت:
# [جعلت فداك] خلفته في عافية وأنا من أقرب الناس عهدا به وهذا مقدمي من
~~عنده وتركته صحيحا سويا، قال: إن أهل المدينة (5) يقولون إنه قد مات [فقلت:
~~أنا أقرب ms248
# PageV02P1067
# الناس به عهدا. قال: فقال لي: إن الناس يقولون: إنه مات] (1) فلما قال لي
~~ان الناس يقولون علمت أنه يعني نفسه فسكت، فقال لي: ما فعل ابن الزيات؟
~~قلت: الناس معه والأمر أمره، فقال أما إنه شؤم عليه، ثم قال: لابد أن تجري
~~مقادير الله وأحكامه يا خيران (2) مات الواثق [و] قد قعد جعفر المتوكل وقتل
~~ابن الزيات، فقلت: متى جعلت فداك؟! فقال: بعد خروجك بستة أيام. فما كان إلا
~~أيام قلائل حتى وصل قصاد المتوكل إلى المدينة فكان كما قال (عليه السلام)
~~(3).
# وحكي أن سبب شخوص أبي الحسن علي بن محمد من المدينة إلى سر من رأى (4) أن
~~عبد الله بن محمد (5) كان ينوب عن الخليفة المتوكل الحرب والصلاة بالمدينة
~~الشريفة فسعى بأبي الحسن إلى المتوكل وكان يقصده بالأذى، فبلغ أبو الحسن
~~سعايته [به] فكتب إلى المتوكل يذكر تحامل عبد الله بن محمد [ويكذبه فيما
~~سعى] عليه وقصده له بالأذى، فتقدم المتوكل بالكتابة إليه وأجابه عن كتابه
~~وجعل
# PageV02P1068
# يعتذر إليه فيه ويلين له القول، ودعاه فيه إلى الحضور إليه على جميل من
~~القول والفعل، وكانت صورة الكتاب الذي كتبه إليه المتوكل:
# بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، إن أمير المؤمنين عارف بقدرك راع
~~لقرابتك موجب لحقك مؤثر من الأمور فيك وفي أهل بيتك لما فيه إصلاح حالك
~~وحالهم ويثبت عزك وعزهم وإدخال الأمن (1) عليك وعليهم يبتغي ذلك رضاء ربه
~~(2) وأداء ما افترضه عليه فيك وفيهم، وقد رأى أمير المؤمنين صرف عبد الله
~~بن محمد عما كان يتولاه من الحرب والصلاة بمدينة الرسول (صلى الله عليه
~~وآله) إذ كان على ما ذكرت من جهالته بحقك واستخفافه بقدرك وعند ما قرفك به
~~(3) ونسبك إليه من الأمر وما رماك به وعزاك إليه من الأمر الذي قد علم أمير
~~المؤمنين براءتك منه ولما تبين له من صدق نيتك وحسن طويتك وسلامة صدرك وأنك
~~لم تؤهل نفسك بشيء مما ذكره عنك وقد ولي أمير المؤمنين مما كان يليه عبد
~~الله بن محمد من الحرب ms249 والصلاة بمدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) لمحمد
~~بن فضل، وأمره بإكرامك واحترامك وتوقيرك وتبجيلك (4) والانتهاء إلى أمرك
~~ورأيك وعدم مخالفتك والتقرب إلى الله تعالى وإلى أمير المؤمنين بذلك وأمير
~~المؤمنين مشتاق إليك ويحب إحداث العهد بقربك واليمن (5) بالنظر إلى ميمون
~~طلعتك المباركة فان نشطت لزيارته والمقام قبله وفي جهته ما أحببت أحضرت أنت
~~ومن اخترته من أهل بيتك ومواليك وحشمك وخدمك على مهلة وطمأنينة، ترحل إذا
~~شئت وتسير كيف شئت، وإن أحببت وحسن رأيك أن يكون
# PageV02P1069
# يحيى بن هرثمة (1) بن أعين مولى أمير المؤمنين في خدمتك ومن معه من الجند
~~يرحلون لرحيلك وينزلون لنزولك فالأمر إليك في ذلك، وقد كتبت إليه في طاعتك
~~وجميع ما تحب، فاستخر الله تعالى، فما أحد عند أمير المؤمنين من أهل بيته
~~وولده وخاصته ألطف منزلة ولا أحمد أثرة ولا هو انظر إليهم أبر بهم وأشفق
~~عليهم وأسكن إليهم منك إليه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وكتب (2)
~~إبراهيم بن العباس في شهر كذا سنة ثلاث وأربعين ومائتين من الهجرة (3).
# فلما وصل الكتاب إلى أبي الحسن (عليه السلام) تجهز للرحيل وخرج معه يحيى
~~بن هرثمة مولى أمير المؤمنين ومن معه من الجند حافين به إلى أن وصل إلى سر
~~من رأى، فلما وصل إليها تقدم المتوكل بأن يحجب عنه [في يومه] فنزل في خان
~~يعرف بخان الصعاليك وأقام فيه يومه. ثم إن المتوكل أفرد له دارا حسنة
~~وأنزله أياما، فأقام أبو الحسن مدة مقامه بسر من رأى مكرما معظما مبجلا في
~~ظاهر الحال، والمتوكل
# PageV02P1070
# يبتغي له الغوائل في باطن الأمر فلم يقدره الله تعالى عليه (1).
# وعن علي بن إبراهيم بن محمد الطائفي (2) قال: مرض المتوكل من خراج (3)
~~خرج بحلقه فأشرف على الهلاك أو لم يجسر (4) أحد أن يمسه بحديدة، فنذرت أم
~~المتوكل لأبي الحسن علي بن محمد إن عوفي ولدها من هذه العلة لتعطينه مالا
~~جليلا من مالها، فقال الفتح بن خاقان (5) للمتوكل: لو بعثت إلى هذا الرجل -
~~يعني أبا الحسن - فسألته فربما كان على ms250 يده فرج لك، فقال: ابعثوا إليه،
~~فمضى إليه رسول المتوكل فقال: خذوا كسب الغنم (6) وديفوه بماء ورد (7)
~~وضعوه على الخراج (8) ينفتح من ليلته بأهون ما يكون ويكون في ذلك شفاؤه إن
~~شاء الله تعالى.
# فلما عاد الرسول وأخبرهم بمقالته جعل من بحضرة (9) المتوكل من خواصه يهزأ
~~من هذا الكلام، فقال الفتح: وما يضر من تجربة ذلك؟ فإني والله لأرجو به
~~الصلاح، فعملوه ووضعوه على الجراح فانفتح من ليلته وخرج ما كان فيه، فشفي
~~المتوكل من
# PageV02P1071
# الألم الذي كان يجده، فأخذت أم المتوكل عشرة آلاف دينار من مالها ووضعتها
~~في كيس وختمت عليه وبعثت به إلى أبي الحسن فأخذها. وبعث إليه المتوكل بفضله
~~كيسا فيه خمسمائة دينار.
# ثم بعد ذلك بمدة طويلة كبيرة سعى شخص يقال له البطحاني (1) لعنه الله
~~بأبي الحسن (عليه السلام) إلى المتوكل وقال: عنده أموال وسلاح وعدد ولا آمن
~~خروجه عليك، فتقدم المتوكل إلى سعيد الحاجب بأن يهجم عليه ليلا داره في
~~جماعة من الرجال والشجعان ويأخذ جميع ما يجده عنده من الأموال والسلاح
~~ويحمله إليه.
# قال إبراهيم بن محمد: قال لي سعيد الحاجب (2): صرت (3) إلى دار أبي الحسن
~~ليلا بعد أن هجع الناس في جماعة من الرجال الأمجاد ومعي الأعوان بالسلالم
~~(4)، فصعدنا إلى سطح داره وفتحنا الباب وهجمنا بالشموع والسرج والنيران
~~وفتشنا الدار جميعا أعلاها وأسفلها موضعا موضعا ومكانا مكانا فلم نجد فيها
~~شيئا مما سعي به عليه غير كيسين أحدهما كبير ملآن مختوم والآخر صغير فيه
~~فضلة وسيف واحد في جفير خلق معلق، ووجدنا أبا الحسن قائما يصلي على حصير
~~وعليه جبة
# PageV02P1072
# صوف وقلنسوة، ولم يرتاع لشيء مما نحن فيه ولا اكترث.
# فأخذت الكيسين البدرة والسيف وسرت إلى المتوكل فدخلت عليه وقلت: هذا الذي
~~وجدنا من المال والسلاح، وأخبرته بما فعلت وبما رأيت من أبي الحسن، فوجد
~~على الكيس الملآن ختم أمه فطلبها وسألها عن البدرة (١) فقالت: كنت نذرت في
~~علتك إن عافاك الله منها لأعطين أبا الحسن عشرة آلاف دينار من مالي،
~~فحملتها إليه ms251 في هذا الكيس وهذا ختمي عليها، فأضاف المتوكل خمسمائة دينار
~~أخرى إلى الخمسمائة التي كانت في الكيس الصغير من قبل وقال لسعيد الحاجب:
# أردد الكيسين والسيف واعتذر لنا فيه مما كان منا إليه.
# قال سعيد: فرددت ذلك إليه وقلت له: أمير المؤمنين يعتذر إليك مما جرى منه
~~وقد زادك خمسمائة دينار على الخمسمائة دينار التي كانت في الكيس من قبل،
~~وأستحي (٢) منك يا سيدي أن تجعلني أنا الآخر في حل فاني عبد مأمور ولا أقدر
~~على مخالفة أمير المؤمنين، فقال لي: يا سعيد ﴿وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون﴾ (3) (4).
# قال بعض أهل العلم: فضل أبي الحسن علي بن محمد الهادي قد ضرب على المجرة
~~(5) قبابه، ومد على نجوم السماء أطنابه، فما تعد منقبة إلا وإليه نحيلها
~~(6)،
# PageV02P1073
# ولا تذكر كريمة إلا وله فضيلتها، ولا تورد محمدة إلا وله تفضيلها
~~وجملتها، ولا تستعظم حالة سنية إلا وتظهر عليه أدلتها، استحق ذلك بما في
~~جوهر نفسه من كرم تفرد بخصائصه ومجد حكم فيه على طبعه الكريم بحفظه من
~~الثوب (1) حفظ الراعي لفصائله (2) فكانت نفسه مهذبة وأخلاقه مستعذبة وسيرته
~~عادلة وخلاله فاضلة ومبارة (3) إلى العفاة واصلة وربوع (4) المعروف بوجود
~~وجوده عامرة آهلة، جرى من الوقار والسكون والطمأنينة والعفة والنزاهة
~~والخمول في النباهة على وتيرة نبوية وشنشنة علوية ونفس زكية وهمة علية لا
~~يقاس بها (5) أحد من الأنام ولا يدانيها، وطريقة حسنة لا يشاركه فيها خلق
~~ولا يطمع فيها.
# قبض أبو الحسن علي الهادي (عليه السلام) المعروف بالعسكري ابن محمد
~~الجواد بسر من رأى في يوم الاثنين الخامس والعشرين من جمادى الآخر سنة أربع
~~وخمسين ومائتين (6)، ودفن في داره بسر من رأى وله يومئذ من العمر أربعون
~~سنة [وأشهر]
# PageV02P1074
# وكان المتوكل قد أشخصه من المدينة النبوية إلى سر من رأى مع يحيى بن
~~هرثمة بن أعين في سنة ثلاث وأربعين ومائتين (1) كما قدمنا فأقام بها حتى
~~مضى لسبيله إحدى عشر سنة، وكانت مدة إمامته ثلاث وثلاثين سنة، كانت أوائل
~~إمامته ms252 في بقية ملك المعتصم، ثم ملك الواثق خمس سنين وتسعة (2) أشهر، ثم
~~ملك المتوكل أربعة عشر سنة، ثم ملك ابنه المنتصر ستة أشهر، ثم ملك المستعين
~~ابن أخي المتوكل ولم يكن أبوه خليفة سنتان (3) وتسعة أشهر، ثم ملك المعتز
~~وهو الزبير ابن المتوكل ثماني سنين وستة أشهر. استشهد في آخر ملكه أبو
~~الحسن لأنه يقال
# PageV02P1075
# إنه مات مسموما، والله أعلم (1).
# خلف من الولد: أبا محمد الحسن ابنه وهو الإمام من بعده (2)، والحسين (3)،
~~ومحمدا (4)، وجعفرا (5)، وابنة اسمها عائشة (6)، سقا الله ثراهم شآبيب
~~الرحمة والرضوان وأسكن محبهم فراديس الجنان.
# PageV02P1076
# الفصل الحادي عشر في ذكر أبي محمد الحسن الخالص بن علي العسكري (عليه
~~السلام) وهو الإمام الحادي عشر (1) وتاريخ ولادته ووقت وفاته وذكر ولده
~~ونسبه وكنيته ولقبه وغير ذلك مما يتصل به قال صاحب الإرشاد: [وكان] الإمام
~~القائم بعد أبي الحسن علي بن محمد ابنه (2)
# PageV02P1077
# أبو محمد الحسن لاجتماع خلال الفضل فيه وتقدمه على كافة أهل عصره فيما
~~يوجب له الإمامة ويقضي له الرئاسة (1) من العلم والورع والزهد وكمال العقل
~~[والعصمة والشجاعة والكرم] وكثرة الأعمال المقربة إلى الله تعالى، ثم لنص
~~أبيه عليه وإشارته بالخلافة إليه (2).
# قال صاحب الإرشاد رحمه الله تعالى أيضا: الإمام المنتصب بعد أبي الحسن
~~ابنه
# PageV02P1078
# أبو محمد الحسن لثبوت النص عليه من أبيه. وعن يحيى بن يسار العنبري (1)
~~قال: أوصى أبو الحسن علي بن محمد إلى ابنه أبي محمد الحسن قبل مضيه (2)
~~بأربعة أشهر وأشار إليه بالأمر من بعده وأشهدني على ذلك وجماعة من الموالي
~~(3).
# ولد أبو محمد الحسن بالمدينة لثمان خلون من ربيع الآخر سنة اثنين وثلاثين
~~ومائتين للهجرة (4).
# أما نسبه أبا وأما فهو الحسن الخالص ابن علي الهادي ابن محمد الجواد ابن
~~علي الرضا ابن موسى بن جعفر بن محمد بن علي زين العابدين ابن الحسين بن
# PageV02P1079
# علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين (1).
# وأما أمه فأم ولد يقال لها حديث (2) وقيل سوسن (3).
# وأما كنيته: فأبو محمد (4). وأما لقبه: فالخالص، والسراج، والعسكري، وكان
~~هو وأبوه وجده ms253 كل واحد منهم يعرف في زمانه بابن الرضا (5).
# PageV02P1080
# وصفته: بين السمرة والبياض (1). شاعره: ابن الرومي (2). بابه (3) عثمان
~~بن سعيد (4). نقش خاتمه " سبحان من له مقاليد السماوات والأرض " (5).
~~معاصرة: المعتز والمهتدي (6) والمعتمد (7).
# وأما مناقبه: فقال الشيخ كمال الدين بن طلحة: كفى أبا محمد الحسن شرفا أن
~~جعل الله تعالى محمد المهدي من كسبه وأخرجه من صلبه وجعله معدودا من حزبه،
~~ولم يكن لأبي محمد ذكر سواه وحسب، ذلك منقبته وكفاه، ولم تطل مدته أيام
~~مقامه ومثواه ولا امتدت أيام حياته فيها لتظهر الناظرين مأثره ومزاياه (8).
# PageV02P1081
# وعن أبي الهيثم بن عدي قال: لما أمر المعتز بحمل أبي محمد الحسن إلى
~~الكوفة كتبت إليه: ما هذا الخبر الذي بلغنا فأقلقنا وغمنا؟ فكتب: بعد ثلاث
~~يأتيكم الفرج إن شاء الله تعالى. فقتل المعتز في اليوم الثالث (1).
# وعن أبي هاشم (2) قال: سمعت أبا محمد الحسن يقول: إن في الجنة بابا يقال
~~له باب المعروف لا يدخله إلا أهل المعروف، فحمدت الله في نفسي وفرحت بما
~~أتكلف به من حوائج الناس، فنظر إلي وقال: يا أبا هاشم [نعم] فدم (3) على ما
~~أنت عليه، فإن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة [وجعلك الله
~~منهم يا أبا هاشم ورحمك] (4).
# PageV02P1082
# وعنه أيضا قال: سمعت أبا محمد الحسن (رض) يقول: بسم الله الرحمن الرحيم
~~أقرب إلى اسم الله الأعظم من سواد العين إلى بياضها (1).
# وعن أبي هاشم قال: سمعت أبي محمد يقول: من الذنوب التي يخشى على الرجل أن
~~لا تغفر له قوله ليتني لم أوآخذ إلا بهذا الذنب، قلت في نفسي: إن هذا لهو
~~النظر دقيق قد ينبغي للرجل أن يتفقد من نفسه كل شيء. قال: فأقبل علي وقال:
# صدقت يا أبا هاشم (2).
# وعن محمد بن حمزة الدوري (3) قال: كتبت على يدي أبي هاشم داود بن القاسم
~~وكان لي مؤاخيا إلى أبي محمد الحسن أسأله أن يدعو الله لي بالغنى وكنت قد
~~أملقت (4) وقلت ذات يدي وخفت الفضيحة، فخرج الجواب على يده: أبشر فقد أتاك
~~الغنى ms254 غنى الله تعالى، مات ابن عمك يحيى بن حمزة وخلف مائة ألف درهم ولم
~~يترك وارثا سواك وهي واردة عليك [فاشكرا لله] وعليك بالاقتصاد وإياك
~~والإسراف فإنه من فعل الشيطان. فورد علي المال والخبر بموت ابن عمي كما قال
~~عن أيام قلائل، وزال عني الفقر، فأديت حق الله تعالى وبررت إخواني وتماسكت
~~بعد ذلك وكنت مبذرا (5).
# وعن إسماعيل بن محمد بن علي بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن العباس
~~قال: قعدت لأبي محمد الحسن على ظهر الطريق (6) فلما مر قمت في وجهه شكوت
# PageV02P1083
# إليه الحاجة والضرورة وحلفت له ليس عندي درهم (1). فما فوقه، فقال: تحلف
~~بالله كاذبا (2) وقد دفنت مائتي دينار وليس قولي هذا دفعا لك عن العطية،
~~اعطه يا غلام ما معك، فأعطاني غلامه (3) مائة دينار فشكرت له ووليت، فقال:
~~ما أخوفني أن تفقد المائتي دينار أحوج ما تكون إليها، فذهبت إليها
~~فافتقدتها فإذا هي في مكانها فنقلتها إلى موضع آخر ودفنتها من حيث لا يطلع
~~عليها أحد، ثم قعدت مدة طويلة فاضطررت إليها فجئت أطلبها من (4) مكانها فلم
~~أجدها فجننت وشق ذلك علي، فوجدت ابنا لي قد عرف موضعها (5) وأخذها وأبعدها
~~ولم يحصل لي شيء، فكان كما قال (6).
# وحدث أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري قال: كنت في الحبس [المعروف بحبس
~~صالح بن وصيف الأحمر] الذي بالجوشق أنا والحسن بن محمد العقيقي (7) (8)
~~ومحمد بن إبراهيم العمري وفلان وفلان خمسة ستة من الشيعة إذ ورد (9) علينا
# PageV02P1084
# أبو محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام وأخوه جعفر فحففنا بأبي
~~محمد (1) وكان المتولى لحبسه صالح بن الوصيف الحاجب وكان معنا في الحبس رجل
~~جمحي [يقال: إنه علوي] قال: فالتفت إلينا أبو محمد وقال لنا سرا: لولا أن
~~فيكم من ليس منكم لأعلمتكم متى يفرج عنكم (2)، وترى هذا الرجل فيكم قد كتب
~~فيكم قصته إلى الخليفة يخبره فيها بما تقولون فيه وهي مدسوسة معه في ثيابه
~~يريد أن يوسع الحيلة في إيصالها إلى الخليفة من حيث لا تعلمون فاحذروا شره. ms255
# قال أبو هاشم: فما تمالكنا أن تحاملنا جميعا على الرجل ففتشناه فوجدنا
~~القصة مدسوسة معه بين ثيابه وهو يذكرنا فيها بكل سوء، فأخذناها منه وحذرناه
~~(3).
# وكان الحسن يصوم في السجن فإذا افطر أكلنا معه من طعامه وكان يحمله إليه
~~غلامه في جونة مختومة. قال أبو هاشم: فكنت أصوم معه، فلما كان ذات يوم ضعفت
~~من الصوم فأمرت غلامي فجاءني بكعك فذهبت إلى مكان خالي في الحبس فأكلت
~~وشربت ثم عدت إلى مجلسي مع الجماعة ولم يشعر بي أحد، فلما رآني تبسم وقال:
~~أفطرت؟ فخجلت، فقال: لا عليك يا أبا هاشم إذا رأيت انك قد ضعفت وأردت القوة
~~فكل اللحم فإن الكعك لا قوة فيه، وقال: عزمت عليك أن تفطر ثلاثا فإن البنية
~~إذا أنهكها الصوم لا تتقوى إلا بعد ثلاث (4).
# قال أبو هاشم: ثم لم تطل مدة أبي محمد الحسن في الحبس إلا أن قحط الناس
~~بسر من رأى قحطا شديدا، فأمر الخليفة المعتمد على الله ابن المتوكل بخروج
~~الناس إلى الاستسقاء، فخرجوا ثلاثة أيام يستسقون ويدعون فلم يسقوا، فخرج
# PageV02P1085
# الجاثليق في اليوم الرابع إلى الصحراء وخرج معه النصارى والرهبان وكان
~~فيهم راهب كلما مد يده إلى السماء ورفعها هطلت بالمطر. ثم خرجوا في اليوم
~~الثاني وفعلوا كفعلهم أول يوم فهطلت السماء بالمطر وسقوا سقيا شديدا حتى
~~استعفوا، فعجب الناس من ذلك وداخلهم الشك وصفا بعضهم إلى دين النصرانية،
~~فشق ذلك على الخليفة فأنفذ إلى صالح بن وصيف أن أخرج أبا محمد الحسن بن علي
~~من السجن وائتني به.
# فلما حضر أبو محمد الحسن (عليه السلام) عند الخليفة قال له: أدرك أمة جدك
~~محمد (صلى الله عليه وآله) فيما لحق بعضهم في هذه النازلة، فقال أبو محمد:
~~دعهم يخرجون غدا اليوم الثالث، قال: قد استعفى الناس من المطر واستكفوا فما
~~فائدة خروجهم؟ قال: لأزيل الشك عن الناس وما وقعوا فيه من هذه الورطة التى
~~أفسدوا فيها عقولا ضعيفة.
# فأمر الخليفة الجاثليق والرهبان أن يخرجوا أيضا في اليوم الثالث على جاري ms256
~~عادتهم وأن يخرجوا الناس، فخرج النصارى وخرج لهم أبو محمد الحسن ومعه خلق
~~كثير فوقف النصارى على جاري عادتهم يستسقون إلا أن ذلك الراهب مد يديه
~~رافعا لهما إلى السماء ورفعت النصارى والرهبان أيديهم على جاري عادتهم
~~فغيمت السماء في الوقت ونزل المطر. فأمر أبو محمد الحسن القبض على يد
~~الراهب وأخذ ما فيها فإذا بين أصابعه (1) عظم آدمي، فأخذه أبو محمد الحسن
~~ولفه في خرقة وقال: استسق، فانكشف السحاب وانقشع الغيم وطلعت الشمس، فعجب
~~الناس من ذلك وقال الخليفة: ما هذا يا أبا محمد؟ فقال: عظم نبي من أنبياء
~~الله عزوجل ظفر به هؤلاء من بعض قبور (2) الأنبياء، وما كشف نبي عن عظم تحت
~~السماء إلا هطلت بالمطر. واستحسنوا (3) ذلك فامتحنوه فوجدوه كما قال.
# PageV02P1086
# فرجع أبو محمد الحسن إلى داره بسر من رأى وقد أزال عن الناس هذه الشبهة،
~~وقد سر الخليفة والمسلمون ذلك، وكلم أبو محمد الحسن الخليفة في إخراج
~~أصحابه الذين كانوا معه في السجن فأخرجهم وأطلقهم له، وأقام أبو محمد الحسن
~~بسر من رأى بمنزله بها معظما مكرما مبجلا، وصارت صلات الخليفة وأنعامه تصل
~~إليه في منزله إلى أن قضي تغمده الله برحمته (1).
# وعن علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن عيسى بن الفتح قال: لما دخل علينا
~~أبو محمد الحسن السجن قال لي: يا عيسى لك من العمر خمس وستون سنة وشهر
~~ويومان. قال: وكان معي كتاب [دعاء] فيه تاريخ ولادتي فنظرت فيه فكان كما
~~قال. ثم قال لي: هل أرزقت ولدا؟ فقلت: لا، قال: اللهم ارزقه ولدا يكون له
~~عضدا فنعم العضد الولد ثم أنشد:
# من كان ذا عضد يدرك ظلامته * إن الذليل الذي ليست له عضد فقلت له: يا
~~سيدي وأنت لك ولد؟ فقال: والله سيكون لي ولد يملأ الأرض قسطا وعدلا، وأما
~~الآن فلا، ثم أنشد متمثلا:
# لعلك يوما أن تراني كأنما * بني حوالي الأسود اللوابد فإن تميما قبل أن
~~يلد العصا * أقام زمانا وهو في الناس واحد وعن الحسن بن ms257 محمد الأشعري عن
~~أحمد بن عبيد الله (2) بن خاقان قال: لقد ورد على الخليفة المعتمد على الله
~~أحمد بن المتوكل في وقت وفاة أبي محمد الحسن بن علي العسكري ما تعجبنا منه
~~ولا ظننا أن مثله يكون من مثله، وذلك أنه لما اعتل أبو محمد ركب خمسة من
~~دار الخليفة من خدام أمير المؤمنين وثقاته
# PageV02P1087
# وخاصته، كل منهم نحرير فقه، وأمرهم بلزوم دار أبي الحسن وتعرف خبره وحاله
~~ومشاركتهم له بحاله وجميع ما يحدث له في مرضه، وبعث إليه من خدام المتطببين
~~وأمرهم بالاختلاف إليه وتعاهده (1) صباحا ومساء.
# فلما كان بعد ذلك بيومين أو ثلاثا أخبروا الخليفة بأن قوته قد سقطت
~~وحركته قد ضعفت، وبعيد أن يجيء منه شيء فأمر المتطببين بملازمته وبعث
~~الخليفة إلى القاضي ابن بختيار ان يختار عشرة ممن يثق بهم وبدينهم وأمانتهم
~~يأمرهم إلى دار أبي محمد الحسن وبملازمته ليلا ونهارا، فلم يزالوا هناك إلى
~~أن توفي بعد أيام قلائل (2).
# ولما رفع خبر وفاته ارتجت سر من رأى وقامت ضجة واحدة [مات ابن الرضا]
~~وعطلت الأسواق وغلقت أبواب الدكاكين، وركب بنو هاشم والكتاب والقواد
~~والقضاة والمعدلون وسائر الناس إلى أن حضروا إلى جنازته، فكانت سر من رأى
~~في ذلك شبيها بالقيامة (3).
# فلما فرغوا من تجهيزه وتهيئته بعث السلطان (4) إلى [أبي] عيسى ابن
~~المتوكل أخيه [فأمره] بالصلاة عليه، فلما وضعت الجنازة للصلاة دنا [أبو]
~~عيسى منها (5)
# PageV02P1088
# وكشف عن وجهه وعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية وعلى القضاة
~~والكتاب والمعدلين فقال: هذا أبو محمد العسكري مات حتف أنفه على فراشه،
~~وحضره من خدام أمير المؤمنين فلان وفلان. ثم غطى وجهه وصلى عليه وكبر عليه
~~خمسا وأمر بحمله ودفنه (1).
# وكانت وفاة أبي محمد الحسن بن علي بسر من رأى في يوم الجمعة لثمان خلون
~~من شهر ربيع الأول سنة ستين ومائتين للهجرة (2)، ودفن في البيت الذي دفن
# PageV02P1089
# فيه أبوه بدارهما من سر من رأى وله يومئذ من العمر ثمان وعشرون سنة (1).
~~وكانت مدة إمامته ست سنين (2) كانت في ms258 بقية ملك المعتز ابن المتوكل، ثم ملك
~~المهتدي ابن
# PageV02P1090
# الواثق أحد عشرا شهرا، ثم ملك المعتمد على الله أحمد ابن المتوكل ثلاث
~~وعشرين سنة مات في أوائل دولته (1).
# خلف أبو محمد الحسن من الولد ابنه الحجة القائم المنتظر لدولة الحق، وكان
~~قد أخفى مولده وستر أمره لصعوبة الوقت وشدة طلب (2) السلطان وتطلبه للشيعة
# PageV02P1091
# وحبسهم والقبض عليهم (1)، وتولى جعفر بن علي أخوه (2) وأخذ تركته واستولى
~~عليها وسعى في حبس جواري أبي محمد (3) وشنع على أصحابه عند السلطان، وذلك
~~لكونه أراد القيام عليهم مقام أخيه فلم يقبلوه لعدم أهليته لذلك ولا
# PageV02P1092
# ارتضوه، وبذل جعفر على ذلك مالا جليلا لولي الأمر فلم يتفق له ولم يجتمع
~~عليه اثنان (1).
# ذهب كثير من الشيعة إلى أن أبا محمد الحسن مات مسموما (2) وكذلك أبوه
~~وجده وجميع الأئمة الذين من قبلهم، خرجوا كلهم تغمدهم الله برحمته من
~~الدنيا على الشهادة، واستدلوا على ذلك مما روي عن الصادق (عليه السلام) أنه
~~قال: ما منا إلا مقتول أو شهيد (3).
# مناقب سيدنا أبي محمد الحسن العسكري دالة على أنه السري (4) ابن السري،
~~فلا يشك في إمامته أحد ولا يمتري، واعلم إن بيعت (5) مكرمة فسواه بايعها
~~وهو المشتري، واحد زمانه من غير مدافع، ويسبح (6) وحده من غير منازع، وسيد
~~أهل عصره، وإمام أهل دهره، أقواله سديدة، وأفعاله حميدة، وإذا كانت أفاضل
~~زمانه قصيدة فهو في بيت القصيدة، وإن انتظموا عقدا كان مكانه الواسطة
~~الفريدة، فارس العلوم الذي لا تجاري، ومبين غوامضها فلا يحاول ولا يماري،
~~كاشف الحقائق بنظره الصائب، مظهر الدقائق بفكره الثاقب، المحدث في سره
# PageV02P1093
# بالأمور الخفيات، الكريم الأصل والنفس والذات، تغمده الله برحمته وأسكنه
~~فسيح جنانه بمحمد (صلى الله عليه وآله) آمين (1).
# PageV02P1094
# الفصل الثاني عشر في ذكر أبي القاسم محمد (عليه السلام) الحجة الخلف
~~الصالح ابن أبي محمد الحسن الخالص (عليه السلام) وهو الإمام الثاني عشر (1)
~~وتاريخ ولادته ودلائل إمامته وذكر طرف من أخباره وغيبته ومدة قيام دولته
~~وذكر كنيته ونسبه وغير ذلك مما يتصل به (رضي الله عنه) ms259 وأرضاه قال صاحب
~~الإرشاد الشيخ المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان (2)
# PageV02P1095
# رحمه الله تعالى: وكان الإمام بعد أبي محمد الحسن ابنه محمدا [المسمى
~~باسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) المكنى بكنيته] ولم يخلف أبوه ولدا
~~غيره ظاهرا ولا باطنا، وخلفه أبوه غائبا مستترا (1) بالمدينة وكان سنه (2)
~~عند وفاة أبيه خمس سنين،
# PageV02P1096
# آتاه الله تعالى فيها الحكمة [وفصل الخطاب، وجعله آية للعالمين] كما
~~آتاها يحيى صبيا وجعله إماما في حال الطفولية [الظاهرة] كما جعل عيسى بن
~~مريم في المهد نبيا. وقد سبق النص عليه في ملة الإسلام من نبي الهدى (1)
~~عليه الصلاة والسلام، ثم (2) من جده [أمير المؤمنين] علي بن أبي طالب [ونص
~~عليه الأئمة (عليهم السلام) واحدا بعد واحد إلى أبيه (عليه السلام)، ونص
~~أبوه عليه عند ثقاته وخاصة شيعته، وكان الخبر بغيبته ثابتا قبل وجوده،
~~وبدولته مستفيضا قبل غيبته] ومن بقية آبائه أهل الشرف والمراتب، وهو صاحب
~~السيف والقائم بالحق المنتظر [لدولة الإيمان] كما ورد ذلك في صحيح الخبر،
~~وله قبل قيامه غيبتان (3)
# PageV02P1097
# إحداهما (١) أطول من الأخرى، فأما الأولى فهي القصرى (٢) منهما فمنذ وقت
~~مولده (٣) إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته، وأما الثانية فهي التي بعد
~~الأولى وفي آخرها يقوم بالسيف، قال الله تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور منم بعد الذكر أن الأرض يرثها
~~عبادى الصالحون﴾ (4).
# وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لن تنقضي (5) الأيام والليالي حتى
~~يبعث الله رجلا من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي يملؤها (6) عدلا وقسطا كما
~~ملئت ظلما وجورا (7).
# PageV02P1100
# وعن زرارة قال: سمعت أبا جعفر يقول: الأئمة الاثنا عشر كلهم من آل محمد
~~(صلى الله عليه وآله) كلهم محدث، علي بن أبي طالب وأحد عشر من ولده، ورسول
~~الله وعلي هما الوالدان صلى الله عليهما (1).
# وروي الحافظ أبو نعيم بسنده مرفوعا إلى عبد الله بن عمر قال: قال رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله): لا تذهب الدنيا حتى يملك (2) الله رجلا من أهل
~~بيتي يواطئ ms260 اسمه اسمي [واسم أبيه اسم أبي] (3)، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما
~~ملئت ظلما وجورا (4).
# PageV02P1101
# وروى ابن الخشاب في كتابه مواليد أهل البيت يرفعه بسنده إلى علي بن موسى
~~الرضا (عليه السلام) أنه قال: الخلف الصالح من ولد أبي محمد الحسن بن علي
~~العسكري، وهو صاحب الزمان القائم وهو المهدي (1).
# وأما النص على إمامته من جهة أبيه فروى محمد بن علي بن بلال قال: قد خرج
~~إلي أمر أبي محمد الحسن بن علي العسكري قبل مضيه بسنتين يخبرني بالخلف من
~~بعده، ثم خرج إلي قبل مضيه بثلاثة أيام يخبرني بالخلف بأنه ابنه من بعده
~~(2).
# وعن أبي هاشم الجعفري قال: قلت لأبي محمد الحسن بن علي: جلالتك تمنعني من
~~مساءلتك فتأذن [لي] أن أسألك؟ فقال: سل، قلت (3): يا سيدي هل لك ولد؟ قال:
~~نعم، قلت، فإن حدث حادث فأين أسأل عنه؟ قال بالمدينة (4).
# ولد أبو القاسم محمد ابن الحجة ابن الحسن الخالص بسر من رأى ليلة النصف
~~من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين للهجرة (5).
# PageV02P1102
# وأما نسبه أبا وأما فهو أبو القاسم محمد الحجة ابن الحسن الخالص ابن علي
~~الهادي ابن محمد الجواد ابن علي الرضا ابن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق ابن
~~محمد الباقر ابن علي زين العابدين ابن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات
~~الله عليهم أجمعين (1).
# وأما أمه فأم ولد يقال لها نرجس (2) خير أمة (3)، وقيل: اسمها غير ذلك
~~(4).
# PageV02P1103
# وأما كنيته فأبو القاسم (1). وأما لقبه فالحجة، والمهدي، والخلف الصالح،
~~والقائم المنتظر، وصاحب الزمان، وأشهرها المهدي (2).
# PageV02P1104
# صفته (عليه السلام): شاب مرفوع القامة حسن الوجه والشعر، يسيل شعره على
~~منكبيه، أقنى الأنف أجلى الجبهة (1).
# PageV02P1105
# بابه (1): محمد بن عثمان (2). معاصره: المعتمد (3). قيل: إنه غاب في
~~السرداب (4) والحرس عليه وكان ذلك سنة ست وسبعين ومائتين للهجرة (5).
# PageV02P1106
# وهذا طرف يسير مما جاء في النصوص الدالة على الإمام الثاني عشر من (1)
~~الأئمة الثقات، والروايات في ذلك كثيرة أضربنا عن ذكرها وقد دونها أصحاب
~~الحديث في كتبهم واعتنوا بجمعها ولم يتركوا شيئا.
# وممن اعتنى بذلك وجمعه ms261 إلى الشرح والتفصيل الشيخ الإمام جمال الدين أبو
~~عبد الله محمد بن إبراهيم الشهير بالنعماني (2) في كتابه الذي صنفه أثناء
~~(3) الغيبة في طول الغيبة (4). وجمع الحافظ أبو نعيم أربعين حديثا في أمر
~~المهدي خاصة (5).
# وصنف الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في ذلك كتابا سماه
~~البيان في أخبار صاحب الزمان (6). وروى الشيخ أبو عبد الله الكنجي المذكور
~~في كتابه هذا بإسناده عن زر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي.
~~أخرجه أبو داود (7).
# وعن علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه
~~قال: لو لم يبق من الدهر إلا يوم
# PageV02P1107
# لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جورا. هكذا أخرجه أبو
~~داود في مسنده (1).
# وروى أبو داود والترمذي في سننهما كل واحد منهما يرفعه إلى أبي سعيد
~~الخدري (رض) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله): يقول: المهدي مني
~~أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما. وزاد
~~أبو داود: يملك سبع سنين. وقال: حديث ثابت صحيح.
# ورواه الطبراني في مجمعه وكذلك غيره من أئمة الحديث (2).
# وذكر ابن شيرويه الديلمي في كتاب الفردوس في باب الألف واللام بإسناده عن
~~ابن عباس (رض) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): المهدي طاووس أهل
~~الجنة (3).
# وبإسناده أيضا عن حذيفة بن اليمان (رض) عن النبي (صلى الله عليه وآله)
~~قال: المهدي [من] ولدي وجهه كالقمر الدري، اللون (4) منه لون عربي والجسم
~~جسم إسرائيلي، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، يرضى بخلافته أهل السماء (5)
~~وأهل الأرض والطير
# PageV02P1108
# في الجو يملك عشرين سنة (1) (2).
# ومما رواه أبو داود أيضا يرفعه إلى أم سلمه (رض) قالت: سمعت رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) يقول: المهدي من عترتي من أولاد (3) فاطمة (عليها
~~السلام) (4).
# ومن ذلك ما رواه القاضي أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي ms262 في كتابه المسمى
~~بشرح السنة، وخرجه مسلم والبخاري في صحيحهما يرفعه كل واحد منهما بسنده إلى
~~أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كيف أنتم إذا نزل ابن
~~مريم فيكم وإمامكم منكم (5)؟!.
# ومن ذلك ما أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما يرفعه كل واحد منهما إلى
~~عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لو لم يبق من
~~الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يلي (6) فيه رجلا من أمتي ومن
~~أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، يملأ
# PageV02P1109
# الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما (1).
# ومن ذلك ما رواه أبو إسحاق أحمد بن محمد ابن الثعلبي يرفعه بسنده إلى أنس
~~بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): نحن ولد عبد المطلب
~~سادات (2) الجنة، أنا وحمزة وجعفر وعلي والحسن والحسين والمهدي. وأخرجه ابن
~~ماجة في صحيحه (3).
# وعن علقمة بن عبد الله قال: بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) إذ أقبل فتية (4) من بني هاشم، فلما رآهم النبي (صلى الله عليه وآله)
~~اغرورقت عيناه بالدموع وتغير لونه. قال قلت: مالك (5) يا رسول الله نرى في
~~وجهك شيئا نكرهه (6)؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنا أهل بيت (7)
~~اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي تشريدا
~~وتطريدا، حتى يأتي قوم من قبل المشرق ومعهم رايات سود فيسألون الخير فلا
~~يعطونه فيقاتلون فينصرون
# PageV02P1110
# فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يدفعوها (1) إلى رجل من أهل بيتي
~~فيملأها قسطا كما ملؤوها (2) جورا، فمن أدرك ذلك منكم فليأتينهم ولو حبوا
~~على الثلج. أخرجه الحافظ أبو نعيم (3).
# وروى الحافظ أبو نعيم أيضا بسنده عن ثوبان قال: قال رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله): إذا رأيتم الرايات السود [قد جاءت] من خراسان فائتوها ولو حبوا
~~على الثلج، فإن فيها خليفة الله المهدي (4).
# وروى الحافظ أبو نعيم أيضا بسنده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله): ms263
# يخرج المهدي من قرية يقال لها كرعة (5) (6).
# PageV02P1111
# وروى الحافظ أبو عبد الله بن ماجة القزويني في حديث طويل نزول عيسى بن
~~مريم على نبينا وآله وعليه السلام عن أبي أمامة الباهلي قال: خطبنا (1)
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذكر الدجال وقال فيه: إن المدينة لتنقي
~~خبثها كما ينقي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص.
# فقالت (2) أم شريك بنت العسكر: يا رسول فأين العرب يومئذ؟ قال (صلى الله
~~عليه وآله وسلم): هم يومئذ قليل وجلهم في بيت (3) المقدس وإمامهم المهدي
~~[وهو رجل صالح] قد تقدم إذ صلى بهم، إذ نزل عيسى بن مريم فيرجع ذلك الإمام
~~ينكص عن عيسى القهقرى ليتقدم عيسى يصلي بالناس الظهر فيضع عيسى يده بين
~~كتفيه ويقول (4): تقدم [فصل فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم]. هذا حديث
~~صحيح ثابت وهذا مختصره (5).
# وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كيف أنتم إذا
~~نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟ وهذا حديث حسن متفق على صحته من حديث محمد
~~بن شهاب
# PageV02P1112
# الزهري، ورواه البخاري ومسلم في صحيحيهما (1).
# وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا
~~تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل
~~عيسى بن مريم على نبينا وآله وعليه السلام فيقول [له] أميرهم: تعال صل بنا
~~(2) فيقول ألا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة [من] الله لهذه الأمة. هذا
~~حديث حسن صحيح أخرجه مسلم في صحيحه (3).
# وعن ابن هارون العبدي قال لقيت (4) أبا سعيد الخدري (رض) فقلت له: هل
~~شهدت بدرا؟ قال: نعم، فقلت: أفلا تحدثني بما سمعت من رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) في علي (عليه السلام) وفضله؟ قال: بلى أخبرك أن رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) مرض مرضة نقه منها، فدخلت عليه فاطمة (عليها السلام) وأنا
~~جالس عن يمين النبي (صلى الله عليه وآله) فلما رأت فاطمة ما برسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) من الضعف ms264 خنقتها العبرة حتى بدت دموعها على خدها،
~~فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله):
# ما يبكيك يا فاطمة؟ قالت: أخشى الضيعة يا رسول الله، فقال رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله): يا
# PageV02P1113
# فاطمة إن الله تعالى أطلع إلى (1) الأرض إطلاعة على خلقه فاختار منهم
~~أباك فبعثه نبيا (2)، ثم أطلع ثانية فاختار منهم بعلك فأوحى إلى أن انكحه
~~فاطمة فأنكحته إياك (3) واتخذته وصيا. أما علمت أنك بكرامة الله تعالى إياك
~~زوجك أغزرهم علما وأكثرهم حلما وأقدمهم سلما (4)؟ فاستبشرت، فأراد رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) أن يزيدها من مزيد الخير الذي قسمه الله تعالى
~~لمحمد (صلى الله عليه وآله). قال: فقال لها: يا فاطمة ولعلي ثمانية أضراس
~~يعنى مناقب: إيمان بالله ورسوله وحكمته وزوجته وسبطاه الحسن والحسين وأمره
~~بالمعروف ونهيه عن المنكر.
# يا فاطمة إنا أهل بيت أعطينا ست (5) خصال لم يعطها أحد من الأولين ولا
~~يدركها أحد من الآخرين غيرنا، فنبينا خير الأنبياء [وهو أبوك]، ووصينا خير
~~الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو عم أبيك [حمزة]، ومنا من له
~~جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء وهو جعفر، ومنا سبطا هذه الأمة وهما
~~ابناك، ومنا مهدي [هذه] الأمة الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم. ثم ضرب على
~~منكب الحسين (عليه السلام) وقال: من هذا مهدي هذه الأمة. هكذا أخرجه الدار
~~قطني صاحب الجرح والتعديل (6).
# PageV02P1114
# وعن أبي نضرة قال: كنا عند جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) فقال: قال
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله): يوشك أهل العراق أن لا يجبى (1) إليهم
~~قفيز ولا درهم، قلنا: من أين [ذاك]؟ قال: من قبل العجم يمنعون ذلك. ثم قال:
~~يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مد، قلنا: من أين [ذاك]؟ قال:
~~من قبل الروم. ثم سكت هنيئة ثم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
~~يكون في آخر أمتي خليفة يحثو المال حثوا لا يعده عدا، قلنا: نراه عمر بن
~~عبد العزيز؟ قال: لا. وهذا حديث حسن ms265 صحيح أخرجه مسلم في صحيحه (2).
# وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكون في
~~آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده. هذا لفظ مسلم في صحيحه (3).
# PageV02P1115
# وعن أبي سعيد وجابر بن عبد الله قالا: قال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): أبشركم بالمهدي [يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلزال] يملأ (1)
~~الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض،
~~يقسم المال صحاحا، فقال له رجل: ما معنى صحاحا؟ قال: بالسوية بين الناس.
~~وقال: يملأ الله قلوب أمة محمد (صلى الله عليه وآله) غنى ويسعهم عدله حتى
~~يأمر مناديا فينادي فيقول: من له في المال حاجة فليقم، فما يقوم من الناس
~~إلا رجل واحد فيقول: أنا، فيقول له: ائت السدان - يعني الخازن - فقل [له]:
~~إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالا، فيقول له، احث، فيحثو له في ثوبه حثوا،
~~حتى إذا جعله في حجره وأبرزه ندم (2) ويقول: كنت أجشع أمة محمد نفسا أو
~~أعجز عني ما عما وسعهم، فيرده إلى الخازن فلا يقبل منه فيقول: إنا لا نأخذ
~~شيئا مما أعطيناه، فيكون المهدي كذلك سبع سنين أو ثمان أو تسع، ثم لا خير
~~في العيش بعده، أو قال: لا خير في الحياة بعده. وهذا حديث حسن ثابت أخرجه
~~شيخ أهل الحديث أحمد بن حنبل في مسنده (3).
# وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يكون عند
~~انقطاع من الزمان وظهور من الفتن رجل يقال له المهدي عطاؤه هنيئا، أخرجه
~~الحافظ أبو نعيم في الرد على من زعم أن المهدي هو المسيح (4).
# PageV02P1116
# وعن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قلت: يا رسول الله أمنا آل محمد
~~المهدي أم من غيرنا؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا، بل منا يختم
~~الله به الدين كما فتح بنا، وبه (1) ينقذون من الفتن (2) كما أنقذوا من
~~الشرك، وبنا يؤلف الله بين قلوبهم بعد عداوة الفتنة إخوانا كما ألف الله ms266
~~قلوبهم بعد عداوة الشرك، وبنا يصبحون بعد عداوة الفتنة إخوانا في دينهم.
~~وهذا حديث حسن عال رواه الحفاظ في كتبهم، وأما الطبراني فقد ذكره في المعجم
~~الأوسط، وأما أبو نعيم فرواه في حلية الأولياء، وأما عبد الرحمن بن حماد
~~فقد ساقه في عواليه (3).
# وعن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يخرج
~~المهدي وعلى رأسه غمامة فيها ملك ينادي: هذا خليفة الله المهدي فاتبعوه.
~~روته الحفاظ كأبي نعيم والطبراني وغيرهما (4).
# وعن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول (صلى الله عليه وآله): بينكم وبين
~~الروم أربع سنين (5) تؤم
# PageV02P1117
# الرابعة على يد رجل من آل (1) هرقل تدوم سبع سنين، فقال له رجل من عبد
~~القيس يقال له المستور (2) بن غيلان: يا رسول الله من إمام الناس يومئذ؟
~~قال (صلى الله عليه وآله): المهدي من ولدي ابن أربعين سنة كأن وجهه كوكب
~~دري، في خده الأيمن خال أسود وعليه عبايتان قطوانيتان (3) كأنه من رجال بني
~~إسرائيل [يملك عشرين سنة] يستخرج الكنوز ويفتح مدين الشرك (4).
# وعن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لا تقوم الساعة حتى
~~يملك رجل من أهل بيتي يفتح القسطنطينية وجبل الديلم، ولو لم يبق إلا يوم
~~لطول الله ذلك اليوم حتى يفتحها.
# هذا سياق الحافظ أبي (5) نعيم وقال: هذا هو المهدي بلا شك وفقا بين
~~الروايات (6).
# وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): سيكون
~~بعدي خلفاء ومن بعد الخلفاء أمراء ومن بعد الأمراء ملوك جبابرة، ثم يخرج
~~رجل (7) من أهل بيتي يملأ
# PageV02P1118
# الأرض عدلا كما ملئت جورا. هكذا ذكره الحافظ أبو نعيم في فوائده
~~والطبراني في معجمه الكبير (1).
# وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تتنعم أمتي في
~~زمن المهدي (عليه السلام) نعيما لم ينعموا مثله (2) قط يرسل السماء عليهم
~~مدرارا، ولا تدع (3) الأرض شيئا من نباتها إلا أخرجته. رواه الطبراني في
~~معجمه الكبير (4).
# قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن ms267 يوسف ابن الكنجي الشافعي في كتابه البيان
~~في أخبار صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف: في (5) الدلالة على كون المهدي
~~(عليه السلام) حيا باقيا منذ غيبته وإلى الآن، وانه لا امتناع في بقائه
~~بدليل (6) عيسى بن مريم والخضر وإلياس من أولياء الله تعالى، وبقاء الأعور
~~الدجال وإبليس الملعونين (7) من أعداء الله، وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب
~~والسنة، وقد اتفقوا عليه ثم أنكروا جواز بقاء المهدي، وها أنا أبين بقاء كل
~~واحد منهم، فلا يسمع بعد هذا لعاقل إنكار
# PageV02P1119
# جواز بقاء المهدي (عليه السلام). وإنما أنكروا بقاءه من وجهين: أحدهما
~~طول الزمان، والثاني أنه في سرداب من غير أن يقوم أحد بطعامه وشرابه، وهذا
~~يمتنع عادة. قال مؤلف الكتاب محمد بن يوسف بن محمد الكنجي: بعون الله نبتدي
~~وإياه نستكفي وما توفيقي إلا بالله جل جلاله.
# أما عيسى (عليه السلام) فالدليل على بقائه قوله تعالى ﴿وإن من أهل الكتب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ (1)
~~ولم يؤمن به مذ (2) نزول هذه الآية وإلى يومنا هذا أحد، فلابد أن يكون ذلك
~~(3) في آخر الزمان.
# وأما السنة فما رواه مسلم في صحيحه عن زهير بن حرب بإسناده عن النواس بن
~~سمعان في حديث طويل في قصة الدجال قال: فينزل عيسى بن مريم عند المنارة
~~البيضاء [شرقي دمشق] بين مهرودتين (4)، واضعا كفيه على أجنحة ملكين (5).
~~وأيضا ما تقدم من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): كيف أنتم إذا نزل ابن
~~مريم فيكم وإمامكم منكم (6).
# وأما الخضر وإلياس فقد قال ابن جرير الطبري: الخضر وإلياس باقيان يسيران
~~في الأرض (7).
# PageV02P1120
# وأيضا ما رواه في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: حدثنا رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) حديثا طويلا عن الدجال (1) فكان (2) فيما حدثنا أنه قال:
~~يأتي وهو محرم عليه أن يدخل نقاب (3) المدينة فينتهي إلى بعض السباخ التي
~~تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس - أو من خير الناس - [فيقول
~~له: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله (صلى ms268 الله عليه وآله) حديثه]
~~فيقول الدجال [أرأيتم] إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر؟ فيقولون:
~~لا. قال: فيقتله ثم يحييه فيقول حين يحييه:
# والله ما كنت فيك قط أشد بصيرة من (4) الآن. قال: فيريد الدجال أن يقتله
~~[ثانيا]
# PageV02P1121
# فلا (١) يسلط عليه.
# قال (٢) إبراهيم بن سعد: يقال إن هذا الرجل هو الخضر، هذا لفظ مسلم في
~~صحيحه (٣) كما سقناه سواء (٤) وأما الدليل على بقاء إبليس اللعين فآي
~~الكتاب العزيز وهو قوله تعالى ﴿قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى
~~يوم الوقت المعلوم﴾ (٥).
# وأما بقاء المهدي فقد جاء في الكتاب والسنة. أما الكتاب فقد قال سعيد بن
~~جبير في تفسير قوله تعالى ﴿ليظهره على
~~الدين كله ولو كره المشركون﴾ (6) قال: هو المهدي من ولد فاطمة (عليها
~~السلام). وأما من قال فإنه عيسى فلا تنافي بين القولين إذ هو مساعد للمهدي
~~على ما تقدم، وقد قال مقاتل بن سليمان ومن شايعه (7) من المفسرين في تفسير
~~قوله تعالى (وإنه لعلم للساعة) (8) قال: هو المهدي (عليه السلام) يكون في
~~آخر الزمان وبعد خروجه يكون قيام الساعة وأماراتها (9) انتهى (10) والله
~~تعالى أعلم بذلك.
# PageV02P1122
# علامات قيام القائم ومدة أيام ظهوره (عليه السلام) قد جاءت الأخبار (1)
~~بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي وحوادث تكون أمام قيامه وآيات (2)
~~ودلالات فمنها (3) خروج السفياني (4)، وقتل
# PageV02P1123
# الحسني (1)،
# PageV02P1124
# واختلاف بني العباس في الملك [الدنياوي] (1)، وكسوف الشمس في النصف من
~~شهر رمضان (2)، وخسوف القمر في آخره على خلاف العادات وعلى خلاف حساب أهل
~~النجوم ومن أن خسوف القمر لا يكون إلا في الثالث عشر أو الرابع عشر والخامس
~~عشر لاغير وذلك عند تقابل الشمس والقمر على هيئة مخصوصة، وأن كسوف الشمس لا
~~يكون إلا في السابع والعشرين من الشهر أو الثامن والعشرين والتاسع والعشرين
~~وذلك عند اقترانهما على هيئة مخصوصة، ومن ذلك (3) طلوع الشمس من
# PageV02P1125
# مغربها (1)، وقتل نفس زكية تظهر في سبعين من الصالحين (2)، وذبح رجل
~~هاشمي بين ms269 الركن والمقام (3)، وهدم سور (4) مسجد الكوفة (5).
# PageV02P1126
# وإقبال رايات سود من قبل خراسان (1) وخروج اليماني (2)، وظهور المغربي
~~بمصر وتملكه الشامات (3)، ونزول الترك الجزيرة (4)، ونزول الروم الرملة
~~(5)، وطلوع نجم في
# PageV02P1127
# المشرق يضيء كما يضيء القمر ثم ينعطف حتى يكاد أن يلتقي طرفاه (1)، وحمرة
~~تظهر في السماء وتنتشر (2) في آفاقها، ونار تظهر بالمشرق طولا وتبقى في
~~الجو ثلاثة أيام أو سبعة أيام (3)، وخلع العرب أعنتها وتملكها البلاد
~~وخروجها عن سلطان العجم (4)، وقتل أهل مصر أميرهم، وخراب الشام واختلاف
~~ثلاث رايات فيه، ودخول رايات قيس والعرب إلى مصر، ورايات كندة إلى خراسان،
~~وورود خيل من قبل المغرب (5) حتى تربط بفناء الحيرة، وإقبال رايات سود من
~~المشرق ونحوها، وبثق (6) في الفرات حتى يدخل الماء أزقة الكوفة (7).
# PageV02P1128
# وخروج ستين كذابا كلهم يدعي النبوة (1)، وخروج اثني عشر من آل أبي طالب
~~كلهم يدعي الإمامة لنفسه (2)، وإحراق (3) رجل عظيم القدر من شيعة بني
~~العباس بين جلولاء وخانقين عند [عقد] الجسر مما يلي الكرخ بمدينة بغداد
~~[السلام] (4)، وارتفاع ريح سوداء بها في أول النهار وزلزلة حتى ينخسف كثير
~~منها، وخوف يشمل أهل العراق وموت ذريع ونقص من الأنفس وفي الأموال
~~والثمرات، وجراد يظهر في أوانه وفي غير أوانه حتى يأتي على الزرع والغلات
~~وقلة ريع لما يزرعه (5) الناس (6)، واختلاف [صنفين] من (7) العجم وسفك دماء
~~كثيرة فيما بينهم (8)، وخروج
# PageV02P1129
# العبيد عن طاعة (1) ساداتهم وقتلهم مواليهم [ومسخ لقوم (2) من أهل البدع
~~حتى يصيروا قردة وخنازير، وغلبة العبيد على بلاد السادات، ونداء من السماء
~~حتى يسمعه أهل الأرض كل أهل لغة بلغتهم، ووجه وصدر يظهران من السماء للناس
~~في عين الشمس، وأموات ينشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون
~~فيها ويتزاورون] ثم يختم بعد ذلك بأربع وعشرين مطرة متصلة فتحيا بها الأرض
~~من بعد موتها وتعرف (3) بركاتها، وتزول بعد ذلك كل عاهة من معتقدي الحق من
~~شيعة (4) المهدي فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكة فيتوجهون نحوه (5) قاصدين
~~لنصرته كما جاءت بذلك الأخبار (6). ومن جملة هذه الأحداث ما هو محتومة (7)
~~ومنها ما هو ms270 مشروطة والله أعلم بما يكون، وانما ذكرناها على حسب ما ثبت في
~~الأصول
# PageV02P1130
# وتضمنها الأثر المنقول (1).
# وعن علي بن يزيد (2) الأودي (3) عن أبيه عن جده [قال:] قال أمير المؤمنين
~~علي بن أبي طالب (عليه السلام): بين يدي القائم موت أحمر، وموت أبيض، وجراد
~~في حينه وفي غير حينه كألوان الدم، فأما الموت الأحمر فالسيف، وأما الموت
~~الأبيض فالطاعون (4).
# وعن جابر الجعفي (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال لي: الزم الأرض
~~ولا تحرك يدا ولا رجلا حتى ترى علامات أذكرها [لك] وما أراك تدرك ذلك:
~~اختلاف (6) بين بني العباس، ومناد (7) ينادي من السماء، وخسف قرية من قرى
~~الشام تسمى (8) الجابية (9)، ونزول الترك الجزيرة، ونزول الروم الرملة،
~~واختلاف كثير عند ذلك في كل أرض حتى تخرب الشام، ويكون [سبب] خرابها اجتماع
~~ثلاث رايات فيها راية الأصهب (10)
# PageV02P1131
# وراية الأبقع (1) وراية السفياني (2) (3).
# وأما السنة التي يقوم فيها القائم واليوم الذي يبعث فيه فقد جاءت فيه
~~آثار، وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): لا يخرج القائم إلا في
~~وتر من السنين سنة إحدى أو ثلاث أو خمس أو سبع أو تسع (4).
# وعنه عن أبي عبد الله قال: ينادي باسم القائم في ليلة ثلاث وعشرين، ويقوم
~~في يوم عاشوراء وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين ولكأني به في يوم السبت
~~العاشر من المحرم قائما بين الركن والمقام وشخص [جبرائيل (عليه السلام)]
~~قائم على يده [اليمنى] ينادى البيعة البيعة [لله] فيصير إليه شيعته أنصاره
~~من أطراف الأرض تطوى لهم طيا حتى يبايعوه فيملأ الله به الأرض عدلا كما
~~ملئت ظلما وجورا (5) ثم يسير من مكة حتى يأتي الكوفة فينزل على نجفها ثم
~~يفرق الجنود منها في (6) الأمصار (7).
# وعن عبد الكريم الخثعمي قال: قلت لأبي عبد الله: كم يملك القائم؟ قال:
~~سبع سنين تطول له الأيام والليالي حتى تكون السنة من سنيه مقدار (8) عشر
~~سنين من
# PageV02P1132
# سنيكم فيكون سنو ملكه (1) بمقدار سبعين سنة من سنيكم هذه (2).
# وعن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل ms271 قال: إذا قام القائم سار إلى
~~الكوفة فهدم بها أربعة مساجد، فلم يبق مسجد على وجه الأرض له شرف إلا هدمها
~~وجعلها جمعاء، ووسع الطريق الأعظم لمساجدها، وكسر كل جناح خارج في الطريق،
~~وأبطل الكنف والميازيب الخارجة إلى الطرقات، ولا يترك (3) بدعة إلا أزالها،
~~ولا سنة إلا أقامها، ويفتح القسطنطينية والصين وجبال الديلم فيمكث على ذلك
~~سبع سنين، مقدار كل سنة عشر سنين من سنيكم هذه، ثم يفعل الله ما يشاء (4).
# وعن أبي جعفر أيضا قال: المهدي (5) منا منصور بالرعب مؤيد بالظفر، تطوى
~~له الأرض وتظهر له الكنوز، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب، ويظهر الله دينه
~~على الدين كله ولو كره المشركون، فلا يبقى في الأرض خراب إلا عمره، ولا تدع
~~الأرض شيئا من نباتها إلا أخرجته، ويتنعم الناس في زمانه نعمة لم يتنعموا
~~مثلها قط (6).
# قال الراوي: فقلت له: يا بن رسول الله فمتى (7) يخرج قائمكم؟ قال: إذا
~~تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وركبت ذوات الفروج السروج، وأمات
~~الناس الصلوات (8)، واتبعوا الشهوات، وأكلوا الربا، واستخفوا بالدماء،
~~وتعاملوا بالربا،
# PageV02P1133
# وتظاهروا بالزنا، وشيدوا البناء، واستحلوا الكذب، وأخذوا الرشا، واتبعوا
~~الهوى، وباعوا الدين بالدنيا، وقطعوا الأرحام، ومنوا (1) بالطعام، وكان
~~الحلم ضعا (2)، والظلم فخرا، والأمراء فجرة، والوزراء كذبة، والأمناء خونة،
~~والأعوان ظلمة، والقراء فسقة، وظهر الجور، وكثر الطلاق، وبدأ الفجور، وقبلت
~~شهادة الزور، وشربت الخمور، وركبت الذكور الذكور، وأشتغلت (3) النساء
~~بالنساء، واتخذوا الفيء مغنما، والصدقة مغرما، واتقي الأشرار مخافة
~~ألسنتهم.
# وخرج السفياني من الشام، واليماني من اليمن، وخسف خسف بالبيداء (4) بين
~~مكة والمدينة، وقتل غلام من آل محمد بين الركن والمقام، وصاح صايح من
# PageV02P1134
# السماء بأن الحق معه ومع أتباعه فعند ذلك خروج قائمنا (١)، فإذا خرج أسند
~~ظهره إلى الكعبة واجتمع إليه ثلاث مائة وثلاثة عشر (٢) رجلا من أتباعه،
~~فأول ما ينطق هذه الآية: ﴿بقيت الله خير لكم
~~إن كنتم مؤمنين﴾ (3) ثم يقول: أنا بقية الله وخليفته وحجته عليكم، فلا
~~يسلم مسلم عليه إلا قال:
# السلام عليك يا ms272 بقية الله في الأرض (4). فإذا أجتمع عنده العقد عشرة آلاف
~~رجل فلا يبقى يهودي ولا نصراني ولا أحد ممن يعبد غير الله إلا آمن به وصدقه
~~وتكون الملة واحدة ملة الإسلام، وكلما كان في الأرض من معبود سوى الله
~~فينزل عليه نارا فيحرقه (5).
# قال بعض أهل الأثر: المهدي هو القائم المنتظر، وقد تعاضدت الأخبار على
# PageV02P1135
# ظهوره، وتظاهرت الروايات على إشراق نوره، وستسفر ظلمة الأيام والليالي
~~بسفوره، وتتجلى برؤيته الظلم انجلاء الصباح من ديجوره، ويخرج من سرار
~~الغيبة فيملأ القلب بسروره، ويسري عدله في الآفاق أضوأ من البدر المنير في
~~مسيره.
# انتهى.
# وبتمام الكلام في هذا الفصل تم جميع الكتاب والله الموفق للصواب، وصلاته
~~وسلامه على سيدنا محمد خاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين (1).
# PageV02P1136 ms273