######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_003727Vols #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: ابن الصباغ #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 855 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الفصول المهمة في معرفة الأئمة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر سيرة النبي والائمة #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_003727Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/3727_الفصول-المهمة-في-معرفة-الأئمة-ابن-الصباغ-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: سامي الغريري #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1422 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل من صلاح هذه الأمة نصب الإمام ~~العادل (1)، # PageV01P071 # # PageV01P071 # وأعلى (1) ذكر من اختاره لولايتها، فهو علي في العاجل والآجل، أحمده في ~~البكر (2) والأصائل، وأصلي على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) سيد الأواخر ~~والأوائل، المختار من الصفوة والأطايب، والحال من صميم العرب في أعلى ~~الذوائب، من هجرة (3) مرة بن كعب بن لؤي بن غالب (4)، # PageV01P075 # وعلى آله (1)، # PageV01P076 # وأزواجه (1)، # PageV01P078 # وأصحابه (1)، # PageV01P080 # وذرياته (1) أهل الشرف والمراتب المسطر ذكرهم في الكتاب تسطيرا المنزل ~~فيهم # PageV01P083 # # PageV01P083 # # PageV01P083 # # PageV01P083 # ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا﴾ (1). # وبعد: فعن لي أن أذكر في هذا الكتاب فصولا مهمة في معرفة الأئمة، أعني # PageV01P092 # الأئمة الاثني عشر الذين أولهم أمير المؤمنين علي المرتضى، وآخرهم المهدي ~~المنتظر، يتضمن شيئا من ذكر مناقبهم الشريفة، ومراتبهم العالية المنيفة، ~~ومعرفة أسمائهم، وصفاتهم، وآبائهم، وأمهاتهم، ومواليدهم ووفاتهم، وذكر مدة ~~أعمارهم، وأسماء حجابهم وشعرائهم، خاليا عن الإسهاب الممل والاختصار (1) ~~المخل، احترازا عن الإكثار المسئم، إلى الإيجاز (2) المفهم. ولن يعرف شرفه ~~إلا من وقف عليه فعرفه من عرفه. وعقدت لكل إمام منهم فصلا، يشتمل كل فصل ~~على ثلاثة فصول: الأول منها في عدة فصول: # الفصل الأول منها: في ذكر بحر الخضم الأطم (3)، والطود الأشم (4)، أخي ~~الرسول (5)، # PageV01P093 # وبعل البتول (1)، # PageV01P095 # وسيف الله المسلول، مفرق الكتائب (1)، # PageV01P098 # ومظهر العجائب (1)، # PageV01P101 # ليث بني غالب (1) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. # PageV01P103 # الفصل الثاني: في ذكر ابنه الحسن. # الفصل الثالث: في ذكر أخيه الحسين. # الفصل الرابع: في ذكر ابنه زين العابدين علي بن الحسين. # الفصل الخامس: في ذكر ابنه محمد الباقر. # الفصل السادس: في ذكر ابنه جعفر الصادق. # الفصل السابع: في ذكر ابنه موسى الكاظم. # الفصل الثامن: في ذكر ابنه علي بن موسى الرضا. # الفصل التاسع: في ذكر ابنه محمد بن علي الجواد. # الفصل العاشر: في ذكر ابنه أبي الحسن علي الهادي. # الفصل الحادي عشر: في ذكر ابنه الحسن العسكري. # الفصل الثاني عشر: في ذكر ابنه محمد القائم المهدي. PageV01P104 # وسميته ب‍ " الفصول المهمة في ms001 معرفة الأئمة " رضوان الله عليهم أجمعين، ~~أجبت في ذلك سؤال الأعزة من الأصحاب والخلص من الأحباب (1)، بعد أن جعلت ~~ذلك لي عند الله ذخيرة ورجاء في التكفير (2) لما أسلفته من جريرة واقترفته ~~من صغيرة أو كبيرة، وذلك لما اشتمل عليه هذا الكتاب في ذكر مناقب أهل البيت ~~الشهيرة ومآثرهم الأثيرة، ولرب ذي بصيرة قاصرة وعين من إدراك الحقايق حاسرة ~~يتأمل ما ألفته ويتعرض (3) ما جمعته ولخصته، فحمله (4) طرفه المريض وقلبه ~~المهيض إلى أن ينسبني في ذلك إلى الترفض (5). # PageV01P105 # حكى الشيخ الإمام العلامة المحدث بالحرم الشريف جمال الدين محمد بن يوسف ~~الزرندي (1) في كتابه المسمى ب‍ " درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى ~~والسبطين " (2) أن الإمام العلامة المعظم، والحبر الفهامة المكرم، أحد ~~الأئمة الأعلام المتتبعين، المقتدى بهم في أمور الدين، محمد بن إدريس ~~الشافعي (3)، # PageV01P106 # المطلبي لما صرح بمحبة أهل البيت قيل فيه ما قيل، وهو السيد الجليل، فقال ~~مجيبا عن ذلك شعرا: # إذا نحن فضلنا عليا فإننا * روافض بالتفضيل عند ذوي الجهل وفضل أبي بكر ~~إذا ما ذكرته * رميت بنصب عند ذكري للفضل فلا زلت ذا رفض ونصب كلاهما * ~~بحبهما حتى أوسد في الرمل وقال أيضا: # قالوا (1): ترفضت قلت: كلا * ما الرفض ديني ولا اعتقادي لكن توليت دون ~~(2) شك * خير إمام وخير هاد إن كان حب الوصي (3) رفضا * فإنني أرفض العباد ~~وقال أيضا: # يا راكبا قف بالمحصب من منى * واهتف بقاعد (4) خيفها والناهض سحرا إذا ~~فاض الحجيج إلى منى * فيضا كملتطم الفرات الفائض (5) # PageV01P107 # إن كان رفضا حب آل محمد * فليشهد الثقلان أني رافضي (2) وحكى قاضي القضاة ~~تاج الدين عبد الوهاب السبكي (3) في طبقاته الكبرى، عن السيد الجليل ~~والإمام الحفيل أبي محمد عبد الرحمن النسائي (4) - أحد أئمة الحديث المشهور ~~اسمه وكتابه - أنه لما دخل إلى دمشق وصنف بها كتاب الخصائص في # PageV01P108 # فضل علي كرم الله وجهه أنكر عليه ذلك، وقيل له: لم لا صنفت في فضائل ~~الشيخين (1)؟ فقال: دخلت إلى دمشق والمنحرف فيها عن علي كثير، فصنفت كتاب ~~الخصائص رجاء أن يهديهم الله ms002 تعالى به. فدفعوه في خاصرته (2) وأخرجوه من ~~المسجد، ثم ما زالوا به حتى أخرجوه من دمشق إلى الرملة، فمات بها (رحمه ~~الله). # قال قاضي القضاة تاج الدين السبكي المشار إليه، قال: سألت شيخنا أبا عبد ~~الله الذهبي الحافظ: (3) أيهما أحفظ: مسلم بن الحجاج (4) صاحب الصحيح أو ~~النسائي؟ فقال: النسائي، ثم # PageV01P109 # ذكرت ذلك للشيخ الإمام الوالد فوافق عليه. وكان ابن الحداد (2) أحد أئمة ~~الشافعية، كثير الحديث والحفظ له، ولم يحدث عن غير النسائي، وقال: رضيت به ~~حجة بيني وبين الله تعالى. (3) انتهى ملخصا. # وحكى الإمام أبو بكر البيهقي (4) في الكتاب الذي صنفه في مناقب الإمام ~~الشافعي: أن الإمام الشافعي قيل له (5): إن أناسا لا يصبرون على سماع منقبة ~~أو فضيلة تذكر لأهل البيت قط! وإذا رأوا أحدا يذكر شيئا من ذلك قالوا: ~~تجاوزوا عن هذا (6) فهذا رافضي، فأنشأ الشافعي يقول: (7) # PageV01P110 # إذا في مجلس ذكروا (1) عليا * وسبطيه وفاطمة الزكية يقال: (2) تجاوزوا يا ~~قوم عنه (3) * فهذا من حديث الرافضية برئت إلى المهيمن من أناس * يرون ~~الرفض حب الفاطمية # PageV01P111 # [من هم أهل البيت؟] في المباهلة وهذا أوان الشروع في المراد، وبالله ~~التوفيق، وعليه الاعتماد. ولابد أن نقدم أمام ما أردنا التكلم عليه وصرفنا ~~قصد اهتمامنا إليه من تبيين من هم أهل البيت (١)؟ # وأن نذكر شيئا من فضائلهم التي لاتحصى، ومناقبهم التي لا تستقصى، فأقول ~~وبالله المستعان (٢) والتوفيق، وإياه أسأل الهداية إلى أقوم سبيل وأسهل ~~طريق: # أهل البيت - على ما ذكر المفسرون في تفسير آية المباهلة وعلى ما روي عن ~~أم سلمة - هم: النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين ~~(عليهم السلام) (٣). # أما آية المباهلة وهي قوله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال ~~لهو كن فيكون * الحق من ربك فلا تكن من الممترين * فمن حآجك فيه منم بعد ما ~~جآءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنآءنا وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين﴾ (4). # PageV01P113 # وسبب نزول ms003 هذه الآية (1): # PageV01P114 # # PageV01P114 # # PageV01P114 # # PageV01P114 # أنه لما قدم وفد نجران (1) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخلوا ~~عليه مسجده بعد صلاة العصر # PageV01P123 # وعليهم ثياب الحبرات (1) وأردية الحرير، لابسين الحلل، متختمين (2) ~~بخواتم الذهب، يقول من رآهم من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله): ما رأينا ~~مثلهم (3) وفدا قبلهم (4) وفيهم ثلاثة من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم، وهم: ~~العاقب واسمه عبد المسيح، كان أمير القوم # PageV01P124 # وصاحب رأيهم وصاحب مشورتهم، لا يصدرون إلا عن رأيه. والسيد وهو الأيهم، ~~وكان عالمهم (1) وصاحب رحلهم (2) ومجتمعهم. وأبو حاتم (3) ابن علقمة، وكان ~~أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم، وكان رجلا من العرب من بني بكر بن ~~وائل، ولكنه تنصر فعظمته الروم وملوكها وشرفوه، وبنوا له الكنايس ومولوه ~~وولوه وأخدموه لما علموه من صلابته (4) في دينهم، وقد كان يعرف أمر رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) وشأنه وصفته مما علمه من الكتب المتقدمة، ولكنه ~~حمله جهله على الاستمرار في النصرانية (5) لما رأى من تعظيمه ووجاهته (6) ~~عند أهلها. # فتكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع أبي حاتم ابن علقمة والعاقب عبد ~~المسيح، وسألهما (7) وسألاه. ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد أن ~~(8) تكلم مع هذين الحبرين - اللذين هما العاقب # PageV01P125 # عبد المسيح وأبو حاتم (١) - دعاهما (٢) إلى الإسلام، فقالوا: أسلمنا، ~~فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كذبتم (٣)، إنه يمنعكم من الإسلام ~~ثلاثة أشياء: عبادتكم الصليب، وأكلكم الخنزير، وقولكم: لله ولد (٤)، ~~فقالوا: هل رأيت ولدا بغير أب؟ فمن أبو عيسى؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم ~~خلقه من تراب ثم قال لهو كن فيكون * الحق من ربك فلا تكن من الممترين﴾ ~~(5) الآية. # فلما نزلت هذه الآية مصرحة بالمباهلة دعا (6) رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) وفد نجران إلى المباهلة، وتلا عليهم الآية، فقالوا: حتى ننظر (7) في ~~أمرنا ونأتيك غدا (8) فلما خلا بعضهم ببعض قالوا للعاقب صاحب مشورتهم: ما ~~ترى من الرأي؟ فقال: والله لقد عرفتم - معشر النصارى - أن محمدا نبي مرسل، ~~ولقد ms004 جاءكم بالفصل من عند (9) صاحبكم، فوالله (10) ما لأعن قوم قط نبيهم ~~(11) إلا هلكوا عن آخرهم، فاحذروا كل # PageV01P126 # الحذر أن يكون آفة (1) الاستئصال منكم، وإن أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة ~~عليه فوادعوا الرجل وأعطوه الجزية (2)، ثم انصرفوا إلى مقركم (3). # فلما أصبحوا جاؤوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخرج وهو محتضن ~~الحسين، آخذ (4) بيد # PageV01P127 # الحسن وفاطمة خلفه وعلي خلفهم وهو يقول: اللهم هؤلاء أهلي، إذا أنا دعوت ~~أمنوا (1). # PageV01P128 # فلما رأى وفد نجران ذلك وسمعوا قوله قال كبيرهم: يا معشر النصارى إني ~~لأرى وجوها لو سألت (1) الله تعالى أن يزيل جبلا لأزاله، لا تباهلوا ~~فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني منكم إلى يوم القيامة، فاقبلوا ~~الجزية (2). فقبلوا الجزية و (3) انصرفوا (4) فقال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله): والذي نفس محمد بيده، إن العذاب قد نزل على أهل نجران، ولو ~~لاعنوا لمسخهم (5) الله قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم نارا، ولاستأصل ~~الله تعالى نجران وأهله حتى الطير على الشجر ولم يحل الحول على النصارى حتى ~~هلكوا (6). # PageV01P129 # قال جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) (1): أنفسنا محمد رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) وأبناؤنا الحسن والحسين، ونساؤنا فاطمة ~~سلام الله عليهم أجمعين (2). هكذا رواه # PageV01P130 # الحاكم (1) في مستدركه عن علي بن عيسى (2) وقال: صحيح على شرط مسلم. ~~ورواه # PageV01P133 # أبو داود الطيالسي (1) عن شعبة (2) عن الشعبي (3) مرسلا. وروي عن ابن ~~عباس (4) والبراء (5) نحو ذلك. # وأما ما روي عن أم سلمة رضى الله عنها زوجة (6) النبي (صلى الله عليه ~~وآله). فروى الإمام أحمد بن حنبل (رض) (7) في مسنده يرفعه إلى أم سلمة ~~قالت: بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله) في # PageV01P134 # بيتي يوما إذ قال الخادم (1): إن عليا وفاطمة [والحسن والحسين] بالسدة ~~(2). قالت: # فقال لي النبي: قومي تنحي عن أهل بيتي. قالت: فقمت فتنحيت في جانب البيت ~~قريبا، فدخل علي وفاطمة والحسن والحسين وهما صبيان صغيران، فأخذ الحسن ~~والحسين فوضعهما في حجره وقبلهما وأعتنق عليا بإحدى يديه وفاطمة باليد ~~الأخرى وجللهم بخميصة (3) سوداء ms005 وقال: اللهم إليك لا إلى النار أنا وأهل ~~بيتي (4). # قالت أم سلمة: وأنا يا رسول الله! فقال (صلى الله عليه وآله): وأنت (5). # PageV01P135 # وروى الواحدي (1) في كتابه المسمى بأسباب النزول يرفعه بسنده إلى أم سلمة ~~رضي الله عنها أنها قالت: كان النبي (صلى الله عليه وآله) في بيتها يوما ~~فأتته فاطمة (عليها السلام) ببرمة فيها عصيدة (2) فدخلت بها عليه، فقال ~~لها: ادع لي زوجك وابنيك. فجاء علي والحسن والحسين فدخلوا وجلسوا يأكلون ~~والنبي (صلى الله عليه وآله) جالسا على دكة وتحته كساء خيبري. # قالت: وأنا في الحجرة قريبا منهم، فأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) ~~الكساء فغشاهم به، ثم قال: اللهم أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم ~~تطهيرا. قالت أم سلمة: فأدخلت رأسي البيت، قلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ ~~قال (صلى الله عليه وآله): إنك إلى خير، إنك إلى خير. # فأنزل الله عزوجل: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا) (3). # PageV01P136 # وروى (1) الترمذي (2) في صحيحه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان ~~(3) من وقت نزول هذه الآية # PageV01P138 # إلى قريب من ستة أشهر (1) إذا خرج إلى الصلاة يمر بباب فاطمة رضوان الله ~~تعالى # PageV01P139 # عليها ثم يقول: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا). وقال بعضهم (1) في ذلك شعرا: # إن النبي محمدا (2) ووصيه * وابنيه وابنته البتول الطاهرة أهل العباء ~~فإنني بولائهم * أرجو السلامة والنجا في الآخرة # PageV01P140 # تنبيه على ذكر شيء مما جاء في فضلهم وفضل محبتهم عن رافع (1) مولى أبي ذر ~~(2) قال: صعد أبو ذر (رضي الله عنه) على عتبة باب الكعبة وأخذ بحلقة الباب، ~~وأسند ظهره إليه وقال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني فأنا ~~أبو ذر، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أهل بيتي مثل (3) سفينة ~~نوح من # PageV01P141 # ركبها نجا ومن تخلف عنها زج (1) في النار (2). # وسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول (3): اجعلوا آل بيتي منكم ~~مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس، فإن الجسد لا ms006 يهتدي إلا ~~بالرأس، ولا يهتدي الرأس إلا بالعينين (4). # PageV01P142 # ومن كتاب الفردوس (1) عن عبد الله بن عمر (2) عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله) أنه قال: أول من أشفع له يوم القيامة من أمتي أهل بيتي ثم الأقرب ~~فالأقرب (3). # PageV01P143 # وعن ابن مسعود (1) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: حب آل محمد ~~يوما واحدا خير من عبادة سنة، ومن مات عليه دخل الجنة (2). # وقال (صلى الله عليه وآله): أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة: المكرم ~~لذريتي، والقاضي حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عندما اضطروا إليه، والمحب ~~لهم بقلبه ولسانه (3). # وعن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (4) عن أبيه عن جده (عليهم السلام) قال: ~~قال # PageV01P144 # رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أراد التوسل إلي وأن تكون (1) له ~~عندي يد أشفع بها يوم القيامة فليصل أهل بيتي ويدخل السرور عليهم (2). # روى (3) ابن عباس (رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) يقول بإذني وإلا صمتا: أنا شجرة، وفاطمة حملها، وعلي لقاحها، والحسن ~~والحسين ثمارها، ومحبونا أهل البيت ورقها، وكلنا في الجنة حقا حقا " (4). # PageV01P145 # وعن زيد بن أرقم (رضي الله عنه) (1) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين: # أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم (2). # وعن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) (3) قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): أهل بيتي والأنصار هم كرشي (4) # PageV01P146 # وعيبتي، اقبلوا عن محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم (1). # وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى (2)، عن أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله): لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه، وتكون عترتي أحب إليه ~~من عترته، ويكون أهلي أحب إليه من أهله (3). # وعن علي (رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ~~من لم يعرف حق عترتي والأنصار والعرب فهو لأحد ثلاث: إما منافق، أو ولد ~~زنية (4)، وإما امرؤ حملته (5) أمه في غير طهر (6). # PageV01P147 # وعن عبد الرحمن بن عوف (1) (رضي الله عنه) قال: ms007 قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله): أوصيكم بعترتي خيرا (2)، وإن موعدكم الحوض (3). # وعن عبد الله بن زيد (4) عن أبيه أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قال: من أحب أن ينسى له في أجله وأن يمتع (5) بما خوله الله تعالى فليخلفني ~~في أهل بيتي خلافة حسنة، فمن لم يخلفني فيهم بتر في عمره، وورد علي يوم ~~القيامة مسودا وجهه (6). # ومن كتاب الآل لابن خالويه (7) # PageV01P148 # ورواه أبو بكر الخوارزمي (1) في كتاب المناقب عن بلال بن حمامة (2) قال: ~~طلع علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم متبسما ضاحكا ووجهه مشرق ~~كدارة القمر، فقام إليه عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله ما هذا ~~النور؟ قال: بشارة أتتني من ربي في أخي وابن عمي وابنتي، فإن الله زوج عليا ~~من فاطمة، وأمر رضوان خازن الجنان فهز شجرة طوبى فحملت رقاقا - يعني صكاكا ~~- بعدد محبي أهل بيتي (3) وأنشأ تحتها ملائكة من النور ورفع إلى كل ملك ~~صكا، فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق فلا يبقى محب ~~لأهل البيت إلا دفعت إليه صكا فيه فكاكه من النار، فصار أخي وابن عمي ~~وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من أمتي من النار (4). # PageV01P149 # وعن أنس بن مالك (١) (رضي الله عنه) في قوله تعالى: ﴿مرج البحرين يلتقيان﴾ (2) قال: علي # PageV01P150 # وفاطمة ﴿يخرج منهما اللؤلؤ ~~والمرجان﴾ (1) قال: الحسن والحسين. رواه صاحب كتاب الدرر عن محمد بن ~~سيرين (2) في قوله تعالى: (وهو الذى خلق من المآء بشرا فجعله نسبا وصهرا) ~~(3) أنها نزلت في النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي بن أبي طالب (رضي الله ~~عنه) هو ابن عم # PageV01P151 # رسول الله (صلى الله عليه وآله) زوج ابنته فاطمة فكان نسبا وصهرا. # وروي عن عمر بن الخطاب (1) (رض) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~(2) قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (3): ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي ~~لا تنفع، إن كل سبب ونسب وصهر (4) منقطع يوم ms008 القيامة إلا سببي ونسبي وصهري ~~(5). قال عمر (رض): # PageV01P152 # فلما سمعت ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحببت أن يكون ~~بيني وبينه نسب وسبب وصهر، فخطبت إلى علي (رضي الله عنه) ابنته أم كلثوم ~~(رض) من فاطمة رضي الله عنها بنت محمد (صلى الله عليه وآله) فزوجنيها. ~~(قيل) وكان ذلك في سنة سبع عشر من الهجرة ودخل بها في ذي القعدة من السنة ~~المذكورة، وكان صداقها أربعين ألف درهم فولدت له زيدا أو (1) زينبا. # PageV01P154 # وروى الإمام أبو الحسين البغوي (١) في تفسيره (٢) يرفعه بسنده إلى ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة فى القربى﴾ (3) ~~قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمرنا الله بمودتهم؟ قال: علي وفاطمة ~~وابناها (4). # PageV01P155 # # PageV01P155 # وروى السدي (١) عن أبي مالك (٢) عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ~~تعالى: # ﴿ومن يقترف حسنة نزد لهو فيها ~~حسنا﴾ (3) قال: المودة لآل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) (4). # PageV01P159 # فهؤلاء هم أهل البيت المرتقون بتطهيرهم إلى ذروة أوج الكمال، المستحقون ~~لتوقيرهم مراتب الإعظام والإجلال، ولله در القائل إذ قال: PageV01P160 # هم العروة الوثقى لمعتصم بها * مناقبهم جاءت بوحي وإنزال مناقب في الشورى ~~(1) وسورة هل أتى (2) * وفي سورة الأحزاب يعرفها التالي وهم آل بيت المصطفى ~~فودادهم * على الناس مفروض بحكم وإسجال (3) وقال آخر (4): # هم القوم من أصفاهم الود مخلصا * تمسك (5) في أخراه بالسبب الأقوى هم ~~القوم فاقوا العالمين مناقبا (6) * محاسنها تجلى وآثارهم (7) تروى موالاتهم ~~فرض وحبهم هدى * وطاعتهم ود وودهم تقوى (8) # PageV01P161 # الفصل الأول في ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ~~PageV01P163 # الفصل الأول في ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (1) # PageV01P165 # هو الإمام (1) الأول (2)، # PageV01P167 # واسم أبي طالب: عبد مناف (1)، واسم عبد المطلب (2): شيبة الحمد (3). # PageV01P168 # وكنيته أبو الحارث (1)، وعنده يجتمع نسب علي (رضي الله عنه) بنسب النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم). # وكان ولد أبي طالب: طالبا ms009 ولا عقب له (2)، وعقيلا (3) وجعفرا (4)، وعليا، ~~وكل # PageV01P169 # واحد أسن من الآخر بعشر سنين. وأم هاني، واسمها فاختة (1)، وأمهم جميعا ~~فاطمة بنت أسد (رض) (2)، هكذا ذكر ذلك ضياء الدين أبو المؤيد موفق بن أحمد # PageV01P170 # الخوارزمي في كتابه المناقب (1). # ولد علي (2) (عليه السلام) بمكة المشرفة بداخل (3) البيت الحرام في يوم ~~الجمعة الثالث عشر من شهر الله الأصم رجب الفرد سنة ثلاثين من عام الفيل ~~قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة، وقيل بخمس وعشرين (4)، وقبل المبعث باثني ~~عشرة # PageV01P171 # سنة (1)، وقيل بعشر سنين (2). ولم يولد في البيت الحرام قبله أحد سواه، ~~وهي فضيلة خصه الله تعالى بها إجلالا له وإعلاء لمرتبته وإظهارا لتكرمته. ~~وكان علي (رضي الله عنه) هاشميا من هاشمين وأول من ولده هاشم مرتين (3). # PageV01P172 # ومن كتاب المناقب لأبي المعالي (1) الفقيه المالكي روى خبرا يرفعه إلى ~~علي بن الحسين (2) رضى الله عنهما أنه قال: كنا عند الحسين (رضي الله عنه) ~~في بعض الأيام وإذا بنسوة مجتمعين فأقبلت امرأة منهن علينا فقلت لها: من ~~أنت يرحمك الله؟ قالت: أنا زيدة (3) ابنة العجلان من بني ساعدة، فقلت لها: ~~هل عندك من شيء تحدثينا به؟ قالت: إي والله حدثتني أم عمارة بنت عبادة بن ~~فضلة بن مالك بن عجلان (4) الساعدي أنها كانت ذات يوم في نساء من العرب إذ ~~أقبل أبو طالب كئيبا حزينا، فقلت له: ما شأنك؟ قال: إن فاطمة بنت أسد في ~~شدة من الطلق. ثم أنه أخذ بيدها وجاء بها إلى الكعبة فدخل بها، وقال: اجلسي ~~على اسم الله، فطلقت طلقة واحدة فولدت غلاما نظيفا منظفا لم أر أحسن وجها ~~منه، فسماه أبو طالب عليا وقال شعرا: # سميته بعلي كي يدوم له * عز العلو وفخر (5) العز أدومه (6) # PageV01P173 # وجاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فحمله معه إلى منزل أمه (1). قال ~~علي بن الحسين: فوالله ما سمعت بشيء حسن قط، إلا وهذا من أحسنه (2). # وكان مولد علي (رضي الله عنه) بعد أن دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بخديجة رضى الله عنها بثلاث ms010 سنين وكان عمر رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) يوم ولادة علي (رضي الله عنه) ثمانيا (3) وعشرين سنة والله أعلم. # PageV01P175 # فصل في ذكر أم علي كرم الله وجهه أمه: فاطمة بنت أسد (1) بن هاشم بن عبد ~~مناف تجتمع هي وأبو طالب في هاشم، أسلمت وهاجرت مع النبي (صلى الله عليه ~~وآله) وكانت من السابقات إلى الإيمان بمنزلة الأم من النبي (صلى الله عليه ~~وسلم). فلما ماتت كفنها النبي (صلى الله عليه وآله) بقميصه (2) وأمر أسامة ~~بن زيد (3)، وأبا أيوب الأنصاري، وعمر بن الخطاب، وغلاما أسود، فحفروا ~~قبرها، فلما بلغوا لحدها حفره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيديه وأخرج ~~ترابه، فلما فرغ اضطجع فيه (4) وقال: الله (5) الذي يحيي ويميت وهو حي لا ~~يموت، اللهم اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع # PageV01P177 # عليها قبرها (1) بحق نبيك محمد والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم ~~الراحمين. # فقيل: يا رسول الله رأيناك صنعت (2) شيئا لم تكن صنعته (3) بأحد قبلها!! ~~فقال (صلى الله عليه وسلم): # ألبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنة، واضطجعت (4) في قبرها ليخفف عنها من ~~ضغطة القبر، إنها (5) كانت من أحسن خلق الله صنعا (6) إلي بعد أبي طالب رضي ~~الله عنهما ورحمهما (7). # PageV01P178 # فصل في تربية النبي (صلى الله عليه وسلم) له وذلك أنه لما نشأ علي بن أبي ~~طالب (رضي الله عنه) وبلغ سن التمييز أصاب أهل مكة جدب شديد وقحط أجحف بذوي ~~المروة وأضر بذوي العيال إلى الغاية، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~لعمه العباس - وكان من أيسر بني هاشم -: يا عم (1) إن أخاك أبا طالب كثير ~~العيال وقد أصاب الناس ما ترى، فانطلق بنا إلى بيته (2) لنخفف (3) من عياله ~~فتأخذ أنت رجلا واحدا وآخذ أنا رجلا، فنكفلهما عنه. قال العباس: أفعل (4). # فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ~~ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلا وطالبا ~~فاصنعا ماشئتما، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه ms011 وسلم) عليا وضمه (5) إليه، ~~وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم # PageV01P181 # يزل علي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى بعث (1) الله عزوجل محمدا ~~نبيا فاتبعه علي (عليه السلام) وآمن به وصدقه، وكان عمره إذ ذاك في السنة ~~الثالثة عشر من عمره ولم يبلغ الحلم، وقيل غير ذلك (2)، وأكثر الأقوال ~~وأشهرها أنه لم يبلغ الحلم (3). # PageV01P182 # # PageV01P182 # وأنه أول من أسلم وآمن برسول الله (صلى الله عليه وآله) من الذكور بعد ~~خديجة (١). # قال الثعلبي (٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿والسبقون الأولون من المهجرين والأنصار﴾ (3): وهو ~~قول ابن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وزيد بن أرقم، # PageV01P186 # ومحمد بن المنكدر (1)، وربيعة المرائي (2). وقد أشار علي بن أبي طالب كرم ~~الله وجهه إلى شيء من ذلك في أبيات قالها رواها عنه الثقات الأثبات وهي هذه ~~الأبيات: # محمد النبي أخي وصنوي * وحمزة سيد الشهداء عمي وبنت محمد سكني وعرسي * ~~منوط لحمها بدمي ولحمي سبقتكم إلى الإسلام طفلا * صغيرا ما بلغت أوان حلمي ~~(3) # PageV01P187 # فويل ثم ويل ثم ويل * لمن يلقى الإله غدا بظلمي (1) # PageV01P188 # رباه النبي (صلى الله عليه وسلم) وأزلفه وهداه إلى مكارم الأخلاق والفقه ~~(1)، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قبل بدء أمره إذا أراد الصلاة ~~خرج إلى شعاب مكة مستخفيا وأخرج عليا معه فيصليان ما شاء الله، فإذا قضيا ~~رجعا إلى مكانهما (2). # ونقل يحيى بن عفيف الكندي قال: حدثني أبي قال: كنت جالسا مع العباس بن ~~عبد المطلب بمكة بالمسجد قبل أن يظهر أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~فجاء شاب فنظر إلى السماء حين حلقت الشمس ثم استقبل الكعبة فقام يصلي، فجاء ~~غلام فقام عن يمينه، ثم جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشاب فركع الغلام ~~والمرأة، ثم رفع فرفعا، ثم سجد فسجدا، فقلت: يا عباس أمر عظيم فقال العباس: ~~أتعرف (3) هذا الشاب؟ فقلت: لا، فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ~~ابن أخي، أتدري من هذا الغلام؟ هذا علي بن أبي طالب ابن أخي، أتدري ms012 من هذه ~~المرأة؟ هذه خديجة بنت خويلد، إن ابن أخي هذا حدثني أن ربه رب السماوات ~~والأرض أمره بهذا الدين وهو عليه، ولا والله على ظهر الأرض اليوم على هذا ~~الدين غير هؤلاء. # وكان عفيف يقول لي بعد أن أسلم ورسخ في الإسلام: ليتني كنت رابعا لهم ~~(4). # PageV01P189 # # PageV01P189 # فصل في ذكر شيء من علومه فمنها: علم الفقه الذي هو مرجع الأنام ومجمع ~~الأحكام ومنبع الحلال والحرام. # فقد كان علي (عليه السلام) مطلعا على غوامض أحكامه، منقادا له جامحا ~~بزمامه، مشهودا له فيه بعلو محله ومقامه، ولهذا خصه رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) بعلم القضاء، كما نقله الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي ~~رحمة الله عليه في كتابه المصابيح مرويا عن أنس بن مالك: أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) [لما] خصص جماعة من الصحابة كل واحد بفضيلة خص (1) عليا ~~بعلم القضاء، فقال: وأقضاكم علي (2). # PageV01P195 # ومن ذلك: أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان جالسا في المسجد وعنده أناس ~~(1) من الصحابة إذ جاءه (صلى الله عليه وسلم) رجلان يختصمان، فقال أحدهما: ~~يا رسول الله، إن لي حمارا ولهذا (2) بقرة، وإن بقرته نطحت (3) حماري ~~فقتلته، فبدر (4) رجل من الحاضرين فقال: لا ضمان # PageV01P197 # على البهائم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اقض بينهما يا علي، ~~فقال لهما علي كرم الله وجهه: أكان الحمار والبقرة موثقين أم [كانا] ~~مرسلين، أم أحدهما موثقا والآخر مرسلا (١)؟ فقالا: كان الحمار موثقا ~~والبقرة مرسلة وكان صاحبها معها، فقال (عليه السلام): # على صاحب البقرة الضمان، وذلك بحضرة النبي (صلى الله عليه وآله)، فقرر ~~(صلى الله عليه وآله) حكمه وأمضى قضاءه (٢). # ومن ذلك: ما يروى أن رجلا أتي به إلى عمر بن الخطاب (رض)، وكان صدر منه ~~أنه قال لجماعة من الناس وقد سألوه كيف أصبحت؟ قال: أصبحت أحب الفتنة، ~~وأكره الحق، وأصدق اليهود والنصارى، وأؤمن بما لم أره، وأقر بما لم يخلق، ~~فرفع إلى عمر (رض) فأرسل إلى علي كرم الله وجهه، فلما جاءه أخبره بمقالة ms013 ~~الرجل قال: صدق، يحب الفتنة، قال الله تعالى: ﴿إنمآ أمو لكم وأولادكم فتنة﴾ (3). ويكره الحق ~~[يعني] الموت، قال الله تعالى: (وجآءت سكرة الموت # PageV01P198 # بالحق) (١). ويصدق اليهود والنصارى، قال الله تعالى: ﴿وقالت اليهود ليست النصرى على شىء وقالت النصرى ليست ~~اليهود على شىء﴾ (2). ويؤمن بما لم يره، يؤمن بالله عزوجل، ويقر بما لم ~~يخلق، يعنى الساعة، فقال عمر (رض): أعوذ من معضلة، لا علي لها (3) (4). # PageV01P199 # وقال سعيد بن المسيب: كان عمر يقول: اللهم لا تبقني لمعضلة ليس فيها أبو ~~الحسن، وقال (رض) مرة: لولا علي لهلك عمر (1). # ومن ذلك: أنه (عليه السلام) وقعت له واقعة حارت علماء عصره (2) في (3) ~~حكمها، وهي: أن رجلا تزوج بخنثى ولها فرج كفرج الرجال (4) وفرج كفرج النساء ~~(5) وأصدقها جارية كانت له، ودخل بها (6)، فحملت منه الخنثى وجاءته (7) ~~بولد. ثم إن الخنثى وطأت الجارية التي أصدقها زوجها (8)، فحملت منها (9) ~~وجاءت بولد، فاشتهرت قصتهما # PageV01P201 # ورفع أمرهما (1) إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فسأل ~~عن حال الخنثى، فأخبر أنها تحيض وتطأ وتوطأ وتمني من الجانبين وقد حبلت ~~وأحبلت فصار الناس متحيري الأفهام في جوابها! وكيف الطريق إلى حكم قضائها ~~وفصل خطابها؟ # فاستدعى أمير المؤمنين [غلامين] يرفا وقنبرا وأمرهما أن يعدا أضلاع ~~الخنثى (2) من الجانبين وينظرا، فإن كانت متساوية فهي امرأة، وإن كان ~~الجانب الأيسر أنقص من أضلاع الجانب الأيمن بضلع واحد فهو رجل، فدخلا (3) ~~على الخنثى كما أمرهما أمير المؤمنين (عليه السلام) وعدا أضلاعها من ~~الجانبين فوجدا أضلاع الجانب الأيسر تنقص (4) عن (5) أضلاع الجانب الأيمن ~~بضلع، فأخبراه بذلك وشهدا عنده به، فحكم على الخنثى بأنها رجل، وفرق بينها ~~وبين زوجها. # ودليل ذلك: أن الله تعالى لما خلق آدم (عليه السلام) وحيدا أراد سبحانه ~~وتعالى لإحسانه إليه ولخفي حكمته فيه أن يجعل له زوجا من جنسه ليسكن كل ~~واحد منهما إلى صاحبه، فلما نام آدم (عليه السلام) خلق الله تعالى من ضلعه ~~القصير (6) من جانبه الأيسر حواء، ms014 فانتبه فوجدها جالسة إلى جانبه كأحسن ما ~~يكون من الصور، فلذلك صار الرجل ناقصا من جانبه الأيسر على المرأة بضلع ~~واحد والمرأة كاملة الأضلاع من الجانبين، والأضلاع الكاملة من الجانبين ~~أربعة وعشرون ضلعا في كل جانب اثنا عشر ضلعا، وهذا في المرأة. وأما الرجل ~~فثلاثة وعشرين ضلعا، اثنا عشر من اليمين، وأحد عشر من اليسار. وباعتبار هذه ~~الحالة قيل: للمرأة ضلع أعوج، وقد صرح النبي (صلى الله عليه وآله) - على ~~مصدر - بأن المرأة خلقت من ضلع أعوج، إن ذهبت تقيمها # PageV01P202 # كسرتها، وإن تركتها استمتعت بها على عوج (1). # وقد نظم بعض الشعراء (2) فقال: # هي الضلع للعوجاء لست تقيمها * ألا إن تقويم الضلوع انكسارها أتجمع ضعفا ~~(3) واقتدارا على الفتى * أليس عجيبا ضعفها واقتدارها (4) فانظر رحمك الله ~~إلى استخراج أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بنور علمه وثاقب فهمه ما أوضح ~~به سبيل السداد وبين به طريق الرشاد، وأظهر به جانب الذكورة (5) الأنوثة من ~~مادة الايجاد، وحصلت له هذه المنة الكاملة والنعمة الشاملة بملاحظة النبي ~~له وتربيته وحنوه عليه وشفقته (6)، فاستعد لقبول الأنوار وتهيأ لفيض العلوم ~~والأسرار، فصارت الحكمة من ألفاظه ملتقطة، والعلوم الظاهرة والباطنة بفؤاده ~~مرتبطة، لم تزل بحار العلوم تتفجر من صدره ويطفيا (7) عبابها، حتى قال (صلى ~~الله عليه وآله): أنا مدينة العلم # PageV01P203 # وعلي بابها (1). # PageV01P204 # فصل في محبة الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) له (عليه السلام) وذلك أنه ~~صح النقل في كتب الأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة: عن أنس بن مالك (رض) ~~قال: أهدي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) طير مشوي يسمى الحجل (1). وفي # PageV01P207 # رواية ما رواه الأحباري (1) فقال: اللهم ائتني (2) بأحب الخلق (3) إليك ~~يأكل معي من # PageV01P210 # هذا الطير، فقلت: اللهم اجعله رجلا من الأنصار. فجاء علي فحجبته وقلت ~~(1): إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مشغول، رجاء أن يكون الدعوة لرجل ~~من قومي، ثم جاء علي ثانية فحجبته، ثم جاء الثالثة فقرع الباب فقال النبي ~~(صلى الله عليه وآله): أدخله فقد عييته، فلما دخل قال له النبي: ما حبسك ~~عني ms015 يرحمك الله؟! فقال: هذا (2) آخر ثلاث مرات وأنس يقول: # إنك مشغول، فقال: يا أنس، ما حملك على ذلك؟ قال: سمعت دعوتك فأحببت أن ~~تكون لرجل من قومي، فقال (صلى الله عليه وآله): لا يلام الرجل على حبه ~~لقومه. رواه الترمذي (3). # وفي صحيح البخاري (4) ومسلم (5) وغيرهما من الصحاح: أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) قال يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب ~~الله ويحبه الله ورسوله. # قال: فبات الناس يخوضون (6) ليلتهم أيهم (7) يعطاها، فلما أصبح الناس ~~غدوا على # PageV01P211 # رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل منهم يرجو أن يعطاها، فقال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله): أين علي بن أبي طالب؟ # فقيل: يا رسول الله، إنه أرمد (1)، قال: فأرسلوا إليه، فأتي به فبصق في ~~عينيه (2) ودعا له، فبرئ حتى لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي كرم ~~الله وجهه: يا الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انفذ على رسلك حتى ~~تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، ~~فوالله لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خيرا لك من أن يكون لك حمر النعم. (3) ~~قال: فمضى وفتح الله على يديه. # PageV01P212 # # PageV01P212 # وفي ذلك يقول حسان بن ثابت (1) (رض) في مدحه: # وكان علي أرمد العين يبتغي * دواء فلما لم يحس (2) مداويا شفاه (3) رسول ~~الله منه بتفلة * فبورك مرقيا وبورك راقيا وقال: سأعطي الراية اليوم صارما ~~(4) * كميا شجاعا في الحروب مجاريا (5) يحب إلهي والإله يحبه (6) * به يفتح ~~الله الحصون الأوابيا فخص لها دون البرية كلهم * عليا وسماه الولي المؤاخيا ~~(7) # PageV01P217 # وفي صحيح مسلم (1): قال عمر بن الخطاب (رض): فما أحببت الإمارة إلا ~~يومئذ، فتساورت لها وحرصت عليها، حتى أبديت وجهي، وتصديت لذلك ليتذكرني، ~~قالوا: وإنما كانت محبة عمر لها لما دلت عليه من محبته لله ورسوله (صلى ~~الله عليه وآله) ومحبتهما له والفتح على يديه، قاله الشيخ عبد الله بن أسعد ~~اليافعي (2) في كتابه " المرهم " (3). # PageV01P218 # فصل في مؤاخاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) له، ms016 وسبب تسميته بأبي تراب ~~وغير ذلك مما خص بها من المزايا العلية الواردة في الأحاديث الصحيحة الجلية ~~فمن ذلك ما رواه الترمذي في صحيحه بسنده عن عبد الله بن عمر (رض) أنه قال: ~~لما آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين صحابته رضي الله عنهم جاءه (1) ~~علي كرم الله وجهه وعيناه تدمعان، فقال: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك ولم ~~تؤاخ بيني وبين أحد، فسمعت (2) رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنت ~~أخي في الدنيا والآخرة (3). # ومن مناقب ضياء الدين الخوارزمي عن ابن عباس (رض) قال: لما آخى رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) بين أصحابه من المهاجرين والأنصار - وهو أنه (صلى ~~الله عليه وآله) آخى بين أبي بكر # PageV01P219 # وعمر (رض)، وآخى بين عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وآخى بين طلحة والزبير، ~~وآخى بين أبي ذر الغفاري والمقداد رضوان الله عليهم أجمعين - ولم يؤاخ بين ~~علي بن أبي طالب وبين أحد منهم خرج علي مغضبا حتى أتى جدولا من الأرض وتوسد ~~ذراعه ونام فيه تسفي الريح عليه (1)، فطلبه النبي (صلى الله عليه وآله) ~~فوجده على تلك الصفة، فوكزه برجله، وقال له: قم فما صلحت أن تكون إلا أبا ~~تراب، أغضبت حين آخيت بين المهاجرين والأنصار ولم أؤاخ بينك وبين أحد ~~منهم؟! أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي (2) ~~بعدي؟! ألا من أحبك فقد حف بالأمن والإيمان، ومن أبغضك أماته الله ميتة ~~جاهلية، وحوسب بعمله في الإسلام (3). # PageV01P220 # وفي صحيح البخاري (1) عن أبي حازم أن رجلا جاء إلى سهل بن سعد فقال: # PageV01P223 # هذا فلأن أمير المدينة (1) يدعو عليا عند المنبر يقول له أبو تراب، فضحك، ~~فقال: # والله ما سماه بهذا الاسم إلا النبي (صلى الله عليه وآله)، وما كان اسم ~~أحب إليه منه... الحديث قال فيه: فقلت: يا أبا عباس، كيف كان ذلك؟ قال: دخل ~~علي على فاطمة ثم خرج واضطجع في المسجد، فجاءها النبي (صلى الله عليه وآله) ~~فقال: أين ابن عمك؟ قالت: ms017 في المسجد، فخرج إليه فوجد رداءه قد سقط عن ظهره ~~وخلص التراب إلى ظهره، فجعل يمسح عن ظهره ويقول: اجلس يا أبا تراب - مرتين ~~-. # PageV01P226 # وفي صحيح مسلم نحوه عن سهل بن سعد، وقال فيه: جاء رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) إلى بيت فاطمة فلم يجد عليا في البيت، فقال: أين ابن عمك؟ ~~فقالت: كانت بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يقل عندي، فقال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) لإنسان: انظر أين هو؟ # فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد، فجاءه رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) وهو مضطجع وقد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب، فجعل رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) يمسحه عنه ويقول: # قم يا أبا تراب، ثم يا أبا تراب. وهذا بعض الحديث (1). # قولها (2): " خرج ولم يقل عندي " هو بفتح الياء وكسر القاف من القيلولة، ~~وهي النوم نصف النهار. قال العلماء: وفيه جواز النوم في المسجد واستحباب ~~ملاحظة ملاطفة الغضبان وممازحته والمشي إليه لاسترضائه. # وفي صحيح البخاري: عن سعد بن أبي وقاص (3) (رض) قال: قال النبي (صلى الله ~~عليه وآله) لعلي كرم الله وجهه: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ~~(4). # وفي صحيح مسلم قال فيه: وخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي ~~طالب في غزوة تبوك [فأرجف له من المنافقين فقالوا: خلفه مع النساء والصبيان ~~وذلك استخفافا منه فأخذ سلاحه ولحق النبي (صلى الله عليه وآله) وهو نازل ~~بالجحفة]، فقال: يا رسول الله، تخلفني # PageV01P227 # في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ~~إلا أنه لا نبي بعدي (1). # PageV01P228 # ومما رواه الترمذي: أنه (صلى الله عليه وآله) انتجى عليا عند يوم الطائف، ~~فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه، فقال (صلى الله عليه وآله): ما ~~انتجيته، ولكن الله انتجاه (1). # PageV01P231 # وروى الترمذي [عن أنس بن مالك (رض) قال:] انه (صلى الله عليه وآله) بعث ~~ب‍ [سورة] براءة، أو قال: سورة التوبة مع أبي بكر، ms018 ثم دعاه فقال: لا ينبغي ~~لأحد أن يبلغ عني [هذا] إلا رجل هو (1) من (2) أهل بيتي، أو قال: يذهب بها ~~إلا رجل هو مني وأنا منه، فدعا عليا فأعطاه إياها (3). # PageV01P232 # وروى الترمذي أيضا عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): من كنت مولاه فعلي مولاه. هذا اللفظ بمجرده (1). # ورواه الترمذي ولم يزد عليه (2). # PageV01P235 # وزاد غيره - وهو الزهري (1) - ذكر اليوم والزمان والمكان، قال: لما حج ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجة الوداع، وعاد قاصدا المدينة قام بغدير ~~خم - وهو ماء بين مكة والمدينة - وذلك في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة ~~الحرام وقت الهاجرة، فقال (صلى الله عليه وآله): أيها الناس، إني مسؤول ~~وأنتم مسؤولون، هل بلغت؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت، قال: وأنا أشهد ~~أني قد بلغت ونصحت ثم قال: أيها الناس، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، ~~وأني رسول الله؟! قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: ~~وأنا أشهد مثل ما شهدتم. ثم قال: أيها الناس، قد خلفت فيكم ما إن تمسكتم به ~~لن تضلوا بعدي: كتاب الله، وأهل بيتي، ألا وإن اللطيف أخبرني أنهما لم ~~يفترقا حتى يردا علي الحوض، سعة حوضي ما بين بصرى وصنعاء، عدد # PageV01P237 # آنيته عدد النجوم، إن الله مسائلكم كيف خلفتموني في كتابه وأهل بيتي. ثم ~~قال: # أيها الناس، من أولى الناس بالمؤمنين؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن ~~أولى الناس بالمؤمنين أهل بيتي. قال ذلك ثلاث مرات، ثم قال في الرابعة وأخذ ~~بيد علي: " اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من ~~عاداه (1) # PageV01P238 # - يقولها ثلاث مرات - ألا فليبلغ الشاهد الغائب (1). # وروى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: عن البراء بن عازب (2) قال: كنا مع # PageV01P239 # النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في سفر (1) فنزلنا بغدير خم، فنودي (2) ~~فينا الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله (صلى الله عليه وآله) تحت شجرتين (3) ~~فصلى (4) الظهر، وأخذ بيد علي فقال: ألستم تعلمون أني ms019 أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم؟! قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟! ~~قالوا: بلى، [وأخذ بيد علي] فقال: " اللهم: من كنت مولاه فعلي # PageV01P240 # مولاه، اللهم وال (1) من والاه، وعاد من عاداه، [قال] فلقيه عمر بن ~~الخطاب بعد ذلك فقال له: هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل ~~مؤمن ومؤمنة. # وروى الحافظ أبو بكر بن أحمد بن الحسين البيهقي رحمة الله عليه أيضا هذا ~~الحديث بلفظه مرفوعا إلى البراء بن عازب (2). # وروى الحافظ أبو الفتوح أسعد ابن أبي الفضائل بن خلف العجلي في كتابه " ~~الموجز " في فضل الخلفاء الأربعة (رض)، يرفعه بسنده إلى حذيفة بن أسيد ~~الغفاري (3) وعامر بن [أبي] ليلى بن ضمرة قالا (4): لما صدر رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) من حجة الوداع ولم يحج غيرها أقبل، حتى إذا كان بالجحفة ~~نهى عن سمرات متغاديات (5) بالبطحاء أن لا ينزل تحتهن أحد، حتى إذا أخذ ~~القوم منازلهم أرسل فقم ما تحتهن، حتى إذا نودي (6) بالصلاة - صلاة الظهر - ~~عمد إليهن فصلى بالناس تحتهن، وذلك يوم غدير خم، [و] بعد فراغه من الصلاة، ~~قال: أيها الناس، إنه قد # PageV01P241 # أنبأني (1) اللطيف الخبير أنه لم يعمر نبي إلا نصف عمر النبي الذي كان ~~(2) قبله، وإني لأظن بأني أدعى (3) وأجيب، وإني مسؤول وأنتم مسؤولون هل ~~بلغت؟ فما أنتم قائلون؟ قالوا: نقول: قد بلغت وجهدت ونصحت وجزاك الله خيرا، ~~قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن جنته حق، ~~وأن ناره حق، والبعث بعد الموت حق؟! قالوا: اللهم [نشهد، قال: اللهم] أشهد. # ثم قال: أيها الناس، ألا تسمعون؟ ألا فإن الله مولاي وأنا أولى بكم من ~~أنفسكم، ألا ومن كنت مولاه فعلي مولاه. وأخذ بيد علي فرفعها حتى نظر (4) ~~القوم، ثم قال: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه (5). # ونقل الإمام أبو إسحاق الثعلبي (ره) في تفسيره (6): أن سفيان بن # PageV01P242 # عيينة (١) سئل عن قول الله عزوجل: ﴿سأل سآللم بعذاب واقع﴾ ms020 (2) فيمن نزلت؟ فقال ~~للسائل: لقد سألتني عن مسألة ما سألني عنها أحد قبلك، حدثني أبي، عن جعفر ~~بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما ~~كان بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا، فأخذ بيد علي وقال (3): من كنت مولاه ~~فعلي مولاه. فشاع ذلك في أقطار البلاد، وبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري، ~~فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ناقته، فأناخ راحلته (4) ونزل ~~عنها، وقال: يا محمد، أمرتنا عن الله عزوجل أن نشهد أن لا إله إلا الله ~~وأنك رسول الله فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصلي خمسا فقبلناه [منك وامرتنا # PageV01P243 # بالزكاة فقبلنا] (١)، وأمرتنا أن نصوم رمضان فقبلناه، وأمرتنا بالحج ~~فقبلناه، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا فقلت: " من ~~كنت مولاه فعلي مولاه "، فهذا شيء منك أم من الله عزوجل؟! فقال النبي (صلى ~~الله عليه وآله): والذي (٢) لا إله إلا هو إن هذا من الله عزوجل، فولى ~~الحارث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا ~~فأمطر علينا حجارة من السماء، أو أئتنا بعذاب أليم، فما وصل إلى راحلته حتى ~~رماه الله عزوجل بحجر (٣) سقط على هامته فخرج من دبره فقتله. فأنزل الله ~~عزوجل ﴿سأل سآئل بعذاب واقع * ~~للكافرين ليس لهو دافع * من الله ذى المعارج﴾ (4). # وعن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) قال: عممني رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) يوم غدير خم بعمامة فسدل (5) طرفها (6) على منكبي وقال (7): إن الله ~~تعالى أمدني يوم بدر وحنين بملائكة معتمين (8) هذه العمة (9). # PageV01P244 # وروى الإمام أبو الحسن الواحدي في كتابه المسمى ب‍ " أسباب النزول " ~~يرفعه بسنده إلى أبي سعيد الخدري (رض) (١) قال: نزلت هذه الآية ﴿يا أيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ~~ربك﴾ (2) يوم غدير خم في علي بن أبي طالب. وقوله: " بغدير خم هو # PageV01P245 # # PageV01P245 # # PageV01P245 # # PageV01P245 # # PageV01P245 # # PageV01P245 # # PageV01P245 # # PageV01P245 # بضم الخاء المعجمة وتشديد الميم مع التنوين اسم ل‍ " غيظة ms021 " على ثلاثة ~~أميال من الجحفة، عندها غدير مشهور يضاف إلى الغيظة، فيقال: غدير خم، هكذا ~~ذكره الشيخ محيي الدين النووي (١). # تنبيه على معاني الكلمات في هذا الفصل: # منها قوله (صلى الله عليه وآله): " من كنت مولاه فعلي مولاه " (٢) قال ~~العلماء: لفظة " المولى " مستعملة بإزاء معان متعددة، وقد ورد القرآن ~~العظيم بها. # فتارة تكون بمعنى أولى، قال الله تعالى في حق المنافقين: ﴿مأولاكم النار هي مولاكم﴾ (3) ~~معناه: أولى بكم. # PageV01P262 # وتارة بمعنى الناصر، قال الله تعالى: ﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى ~~لهم﴾ (١) معناه: أن الله ناصر الذين آمنوا وأن الكافرين لا ناصر لهم. # وتارة بمعنى الوارث، قال تعالى: ﴿ولكل جعلنا مولى مما ترك الوالدان والأقربون﴾ (٢) ~~معناه: وارثا. # وتارة بمعنى العصبة، قال الله تعالى: ﴿وإني خفت الموالى من ورآئى﴾ (٣) معناه: # عصبتي. # وتارة بمعنى الصديق، قال الله تعالى: ﴿يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا﴾ (4) معناه: # حميم عن حميم، وصديق عن صديق. # وتارة بمعنى السيد والمعتق، وهو ظاهر. # وإن (5) كانت واردة لهذه المعاني فيكون معنى الحديث: من كنت ناصره أو ~~حميمه أو صديقه فإن عليا يكون كذلك (6). # PageV01P263 # # PageV01P263 # # PageV01P263 # # PageV01P263 # ومنها قوله (صلى الله عليه وسلم): " أنت مني بمنزلة هارون من موسى، غير ~~أنه لا نبي بعدي " (1) فلابد أولا من كشف سر المنزلة التي لهارون من موسى. # PageV01P274 # وذلك أن القرآن المجيد - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - ~~نطق بأن موسى (عليه السلام) سأل ربه عزوجل فقال: ﴿واجعل لي وزيرا من أهلى * هرون أخى * اشدد بهى أزرى * ~~وأشركه في أمرى﴾ (١)، وأن الله عزوجل أجابه إلى مسؤوله وأجناه من شجرة ~~دعائه ثمرة سؤله، فقال عز من قائل: ﴿قد أوتيت سؤلك يموسى﴾ (٢) وقال عزوجل: ﴿ولقد ءاتينا موسى الكتب وجعلنا معه ~~أخاه ms022 هرون وزيرا﴾ (٣)، وقال تعالى: # ﴿سنشد عضدك بأخيك﴾ (٤)، فظهر أن ~~منزلة هارون من موسى منزلة الوزير، والوزير مشتق من إحدى معان ثلاثة: # أحدها: من الوزر - بكسر الواو وتسكين الزاي - وهو الثقل، فكونه وزيرا له ~~يحمل عنه أثقاله ويخففها. # ثانيها: من الوزر - بفتح الواو والزاي - وهو المرجع والملجأ، ومنه قوله ~~تعالى: # ﴿كلا لا وزر﴾ (5). فكان (6) ~~الوزير المرجوع إلى رأيه ومعرفته، والملجأ (7) إلى الاستعانة به. # والمعنى الثالث: من الأزر وهو الظهر، قال تعالى: (اشدد بهى أزرى) فيحصل ~~بالوزير قوة الأمر واشتداد الظهر، كما يقوى البدن ويشتد به، وكانت منزلة ~~هارون من موسى أنه يشد أزره ويعاضده ويحمل عنه أثقاله، أي: أثقال بني ~~إسرائيل بقدر استطاعته (8). # PageV01P275 # # PageV01P275 # فتلخص: أن منزلة هارون من موسى صلوات الله عليهما أنه كان أخاه ووزيره ~~PageV01P279 # وعضده في النبوة، وخليفته على قومه عند سفره، وقد جعل رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) عليا منه بهذه المنزلة، إلا النبوة فإنه (صلى الله عليه ~~وسلم) استثناها بقوله: " غير أنه لا نبي بعدي ". فعلي أخوه ووزيره وعضده، ~~وخليفته على أهله عند سفره إلى تبوك. # ومنها: الأخوة، وحقيقتها بين الشخصين، كونهما مخلوقين من أصل واحد، وهذه ~~الحقيقة منتفية هاهنا، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) أبوه (1) عبد الله ~~وأمه آمنة، وعلي أبوه أبو طالب وأمه فاطمة بنت أسد، فتعين صرف حقيقة الأخوة ~~إلى لوازمها، ومن لوازمها: # المناصرة والمعاضدة والإشفاق وتحمل المشاق والمحبة والمودة، فمعنى قوله: # " أنت أخي في الدنيا والآخرة " أني ناصرك وعضدك ومشفق عليك ومعتزبك (2)، ~~وقد أشار (صلى الله عليه وسلم) إلى كون المناصرة من لوازم الأخوة بقوله ~~(صلى الله عليه وسلم) في الحديث الصحيح: # " انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقال السامع: أنصره مظلوما، فكيف أنصره ~~ظالما؟ # فقال: تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه " (3) فجعل النبي (صلى الله عليه ~~وآله) النصرة من لوازم الأخوة. # PageV01P280 # فصل في ذكر شيء من شجاعته (1) أما شجاعته فكانت ظاهرة على أعطافه، مشهورة ~~(2) معروفة من نعوته وأوصافه، وأول ذلك: أن ms023 النبي (صلى الله عليه وآله) لما ~~بايع طائفة من الأنصار بيعة العقبة الأولى (3) وكانوا # PageV01P281 # ستة (1) أنفس، منهم: بشير بن سعد (2)، وحارثة بن النعمان (3)، وسعد بن ~~عبادة الصامت (4)، # PageV01P282 # وعبد الله بن رواحة (1). # فلما كان في العام القابل (2) أقبل أولئك الستة ومعهم ستة آخرون، # PageV01P283 # وهم (1): بشير بن زيد (2)، والبراء بن معرور (3)، وعبد الله بن أنيس (4)، ~~وسهل بن زيد (5)، وعبادة بن الصامت (6)، والهيثم (7). فلقوا النبي (صلى ~~الله عليه وآله) عند العقبة، وبايعوه (8) على أنهم لا # PageV01P284 # يشركون بالله شيئا، ولا يسرقون، ولا يزنون، ولا يقتلون النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق، ولا يأتون ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصونه ~~في معروف، فقالوا: يا رسول الله، إن تركنا من هذه الشرائع واحدة ماذا يكون؟ ~~فقال النبي: يكون الأمر في ذلك إلى الله عزوجل: إن شاء عفا وإن شاء عذب. ~~فقالوا: رضينا يا رسول الله فابعث معنا رجلا من أصحابك يقرأ علينا القرآن، ~~ويعلمنا شرائع الإسلام، فبعث معهم النبي (صلى الله عليه وآله) مصعب بن عمير ~~(1) بن هاشم ليقرئهم القرآن ويعلمهم شرائع الإسلام، والناس يؤمنون الواحد ~~بعد الواحد، والرجل بعد الرجل، والمرأة بعد المرأة. # فلما كان في العام الثالث (2) - وهي (3) البيعة الأخيرة التي بايعه فيها ~~منهم ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان - بايعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~على أن يمنعوه مما يمنعون نساءهم وأبناءهم وأنفسهم، فاختار رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) منهم اثني عشر نقيبا، وانصرفوا إلى المدينة، فصار كلما ~~اشتد البلاء على المؤمنين بمكة يستأذنون رسول الله (صلى الله عليه وآله) في # PageV01P285 # الهجرة إلى المدينة فيأذن لهم، فيخرجون أرسالا متسللين أولهم فيما قيل: ~~أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي (1)، وقيل: أولهم مصعب بن عمير (2)، فعند ~~قدومهم المدينة على الأنصار أكرموهم وأنزلوهم في دورهم، وآووهم ونصروهم ~~وواسوهم. # فلما علم المشركون بذلك وأنه صار للمسلمين دار هجرة وأن أكثر من أسلم قد ~~هاجر إليها شق عليهم ذلك، فاجتمع رؤساء قريش بدار الندوة (3) وكانت موضع # PageV01P286 # مشورتهم لينظروا ما يصنعوا بالنبي، وكانوا عشرة (1)، وهم: شيبة (2) وعتبة ~~(3) ابنا ms024 ربيعة، ونبيه (4) ومنبه (5) ابنا الحجاج، وأبي (6) وأمية (7) ابنا ~~خلف، وأبو جهل ابن هشام (8)، ونضر (9) بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط (10)، ~~فهؤلاء العشرة (11) اجتمعوا للمشورة. فجاءهم إبليس في صورة الشيخ النجدي ~~عليه جبة صوف وبرنس أخضر، وفي يده عكاز يتوكأ عليه، فقال لهم: قد بلغني ~~اجتماعكم لمشورتكم فأحببت أن أحضركم فما تعدمون مني رأيا حسنا، فأدخلوه ~~معهم. # وأول (12) من تكلم عتبة بن ربيعة (13)، فقال: الرأي أن تحبسوا محمدا في ~~بيت # PageV01P287 # مغلق، ليس لها غير طاقة واحدة (1)، يدخل منها طعامه وشرابه، وتربصون (2) ~~به ريب المنون. فقال الشيخ النجدي: ليس هذا برأي (3)، فإن له عشيرة، ~~فتحملهم الحمية على أن لا يمكنوا من ذلك فتتقاتلوا، فقالوا: صدق الشيخ. # فقال شيبة بن ربيعة: الرأي أن تركبوا محمدا جملا شرودا قد شدد تموه ~~بالافشاع (4) عليه، وتطلقوه نحو البادية، فيقع على أعراب جفاة، فيكدر عليهم ~~بما يقول، فيكون هلاكه على يد غيركم، فتستريحون منه. فقال الشيخ النجدي: ~~بئس الرأي، تعمدون إلى رجل قد أفسد سفهاءكم وجهالكم فتخرجوه إلى غيركم ~~فيفسدهم ويستعذبهم (5) بعذوبة لفظه وطلاقة لسانه؟! لئن فعلتم ليجمعن الناس ~~عليكم جمعا، ويقاتلكم بهم، ويخرجكم من دياركم، فقالوا: صدق الشيخ. # فقال أبو جهل: لا شيرن عليكم برأي لا رأي غيره، وهو أن تأخذوا من كل بطن ~~من قريش غلاما وسطا، وتدفعوا إلى كل غلام سيفا، فيضربوا محمدا ضربة رجل ~~واحد، فإذا قتلوه يفرق دمه في قبائل قريش كلها فلا يقدر بنو هاشم على حرب ~~قريش كلها، فيرضون بالعقل فيعطوهم عقله، وتخلصوا منه. فقال الشيخ النجدي: # هذا هو الرأي وقد صدق فيما قال وأشار به، وهو أجود آرائكم، فلا تعدلوا ~~عنه، فتفرقوا على رأي أبي جهل، مجتمعين على قتل النبي (صلى الله عليه ~~وآله). # فأتى جبرئيل (عليه السلام) إلى النبى (صلى الله عليه وآله) وأخبره بذلك، ~~وأمره ان [لا] يبيت في موضعه الذي كان ينام فيه، وأذن الله تعالى في ~~الهجرة، فعند ذلك أخبر عليا بأمورهم، وأمره # PageV01P288 # أن ينام عوضه في (1) مضجعه على (2) فراشه الذي كان ينام فيه، وقال ms025 له: لن ~~يصل إليك منهم أمر تكرهه (3)، ووصاه بحفظ ذمته وأداء أمانته، ظاهرا على ~~أعين الناس، وكانت قريش تدعو النبي (صلى الله عليه وآله) في الجاهلية ~~بالأمين. # وأمره أن يبتاع رواحل له وللفواطم: فاطمة بنت النبي (4) (صلى الله عليه ~~وآله)، وفاطمة بنت أسد (5) أم علي كرم الله وجهه، وفاطمة بنت الزبير بن عبد ~~المطلب (6)، ولم يهاجر معه من بني هاشم # PageV01P289 # ومن ضعفاء المؤمنين [أحد] وقال لعلي: إذا أبرمت ما أمرتك به كن على أهبة ~~الهجرة (1) # PageV01P290 # إلى الله ورسوله، وسر لقدوم كتابي عليك (1). ثم خرج عنه رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) وقال له: إذا جاءك أبو بكر فوجهه خلفي نحو بئر أم ميمون ~~وكان ذلك في فحمة العشاء، والرصد من قريش قد أطافوا بالدار ينتظرون أن ~~ينتصف الليل وينام الناس، فأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) قبضة من تراب ~~وقرأ عليها (2). وحثاها في وجوههم، فخرج فلم يروه. # ونام علي (عليه السلام) على فراشه. فدخل عليه أبو بكر (رض) وهو يظنه رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) فقال له علي إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~خرج نحو بئر أم ميمون (3) وهو يقول لك: أدركني فلحقه، أبو بكر (رض) ومضيا ~~جميعا يتسايران حتى أتيا جبل ثور فدخلا الغار # PageV01P293 # واختفيا فيه وجاءت العناكب الذكور والإناث من أسفل الغار يستقبل بعضها ~~بعضا حتى نسجت على الغار نسج أربع سنين في ساعة واحدة، وأقبلت حمامتان من ~~حمام مكة حتى سقطتا جميعا على باب الغار وباضت الأنثى منهما من ساعتها ~~بقدرة الله وحضنت على البيض. وذهب من الليل ما ذهب وعلي (رض) نائم على فراش ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمشركون يرجمونه (1)، فلم يضطرب ولم ~~يكترث، ثم أنهم تسوروا عليه ودخلوا شاهرين سيوفهم، فثار في وجوههم فعرفوه ~~فقالوا: هو أنت؟! أين صاحبك (2)؟ فقال: لا أدري، فخرجوا عنه وتركوه، ولم ~~يصل إليه منهم مكروه وكفاه الله شرهم. # قال بعض أصحاب الحديث: وأوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل أن انزلا ~~إلى علي (عليه السلام) واحرساه ms026 في هذه الليلة إلى الصباح، فنزلا إليه وهما ~~يقولان: بخ بخ من مثلك يا علي قد باهى الله تعالى بك ملائكته (3). # وأورد الإمام حجة الإسلام أبو حامد محمد ابن الغزالي (4) رحمه الله تعالى ~~في كتاب " إحياء علوم الدين " أن ليلة بات علي بن أبي طالب على فراش رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) أوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل: أني آخيت ~~بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ ~~فاختارا كلاهما # PageV01P294 # الحياة وأحباها، فأوحى الله تعالى إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي ~~طالب حين آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة، ~~اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه، وكان (١) جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند ~~رجليه ينادي ويقول: بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب؟ يباهي الله بك ~~الملائكة، فأنزل (٢) الله عزوجل: ﴿ومن الناس من يشرى نفسه ابتغآء مرضات الله والله رءوف ~~بالعباد﴾ (3). # وفي تلك الليلة أنشأ علي كرم الله وجهه يقول (4): # PageV01P295 # وقيت بنفسي خير من وطئ الثرى * وأكرم خلق طاف بالبيت والحجر وبت أراعي ~~منهم ما يسوؤني * وقد صبرت نفسي على القتل والأسر وبات رسول الله في الغار ~~آمنا * وما زال في حفظ الإله وفي السر (1) فهذا مما يشهد له بقوة جنانه، ~~وثبات أركانه، وتبريزه على نظرائه (2) وأقرانه، من أبطال الحرب وشجعانه. # ومن كلام بعضهم: واعجباه! هذا فداه بنفسه من الكفار، وهذا ساواه بنفسه في ~~الغار، وهذا آنسه في مسيره، وهذا بات على سريره، وهذا أنفق ماله عليه، وهذا ~~بذل مهجته بين يديه، وكل (3) منهما سعيه مشكور، وفضله مشهور، وهو على صنيعه ~~مثاب ومأجور (4). # PageV01P296 # قال (1): وأصبحت (2) قريش وقد خرجوا في طلب النبي (صلى الله عليه وآله) ~~يقصون أثره في شعاب مكة وجبالها، فلم يتركوا موضعا، حتى أنهم وقفوا على باب ~~الغار الذي فيه النبي (صلى الله عليه وآله)، فوجدوا العنكبوت ناسجا على ~~بابه، ووجدوا حمامتين وحشيتين قد نزلتا بباب الغار، وباضتا وفرختا، فقال ~~لهم عتبة بن ms027 ربيعة: ما وقوفكم هاهنا، لو دخل محمد هذا الغار لخرق هذا النسج ~~الذي ترون ولطارت الحمامتان، وجعل القوم يتكلمون. فحزن أبو بكر وخاف، فقال ~~له النبي (صلى الله عليه وآله): يا أبا بكر، نحن اثنان والله ثالثنا، فما ~~ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا، وسيقتل عامة من ترى ببدر # PageV01P298 # إن شاء الله تعالى (1). فضرب الله على وجوه القوم فانصرفوا. # نقل المسعودي - في شرحه لمقامات الحريري (2) عند ذكره طوق الحمامة في ~~المقامة الأربعين - عن أبي مصعب المكي قال: أدركت أنس بن مالك وزيد بن أرقم ~~والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم، فسمعتهم يتحدثون في أمر رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) ليلة الغار، فقالوا: بعد أن دخل رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) الغار [و] معه أبو بكر أمر الله سبحانه وتعالى شجرة فنبتت على فم ~~الغار قبالة وجه النبي (صلى الله عليه وآله)، وأمر حمامتين وحشيتين فنزلتا ~~بباب الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن رجل بعصيهم وبهراواهم (3) وسيوفهم ~~على عواتقهم، حتى إذا كانوا قريبا من الغار ونظروا إلى الحمامتين بباب ~~الغار فرجعوا، وقالوا: لا ننظر بالغار غير حمامتين وحشيتين، ولو كان به أحد ~~لطارتا، فسمت (4) النبي (صلى الله عليه وسلم) حينئذ على الحمام، وفرض ~~جزاءهن في قتلهن في الحرم، فكن في الحرم آمنات. # قوله: " سمت على الحمام " يعني: قال لهن: بارك الله عليكن، يقال: سمت له ~~أي إذا دعا له بالبركة (5)، انتهى. # وما أحسن قول الفيومي (6) في تخميسه للبردة: # هذا الحمام بباب الغار قد نزلا * والعنكبوت حكت من نسجها حللا فالصاحبان ~~هنا يا قوم ما دخلا * ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت علا خير البرية لم تنسج ~~ولم تحم # PageV01P299 # قال: وأقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثة أيام بلياليها في ~~الغار، وقريش يطلبونه فلا يقدرون عليه، ولا يدرون أين هو؟ وأسماء بنت أبي ~~بكر تأتيهما ليلا بطعامها وشرابهما. # قال: فلما كان بعد الثلاثة الأيام أمرها النبي (صلى الله عليه وآله) [أن ~~تذهب] إلى علي بن أبي طالب ms028 (عليه السلام) فقال لها: أخبريه بموضعنا، وقولي ~~له يستأجر لنا دليلا، ويأتينا معه بثلاثة من الإبل بعد مضي من الليلة ~~الآتية. قال: فجاءت أسماء إلى علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) فأخبرته ~~بذلك، فأستأجر لهما علي (رضي الله عنه) عند ذلك رجلا يقال له: الأريقط بن ~~عبد الله الليثي، وأرسل معه بثلاث من الإبل، فجاء بهن إلى أسفل الجبل ليلا ~~[بعد ما مضى من الليلة الآتية (1) قليلا]. # قال: وسمع النبي (صلى الله عليه وآله) برغاء الإبل، فنزل من الغار هو ~~وأبو بكر إليه فعرفاه، فعرض عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) الإسلام، ~~فقيل: أسلم. وقيل: إنه لم يسلم، وجعل يشد على الإبل أرحالها (2) وهو يرتجز ~~ويقول: # شدا العرى على المطي وأخرما (3) * وودعا غاركما والحرما وشمرا هديتما ~~وسلما * لله هذا الأمر حقا فاعلما سينصر الله النبي المسلما قال: وركب ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) وركب أبو بكر وركب الدليل وساروا، فأخذ بهم ~~الدليل أسفل مكة، ومضى بهما على طريق الساحل، فاتصل الخبر بأبي جهل [في] ~~ثاني يوم، فنادى في أهل مكة فجمعهم، وقال: إنه بلغني أن محمدا قد مضى نحو ~~يثرب على طريق الساحل ومعه رجلان آخران، فأيكم يأتيني بخبره؟ قال: # PageV01P300 # فوثب سراقة بن مالك بن جعثم المدلجي أحد بني كنانة فقال: أنا لمحمد يا ~~أبا الحكم. # ثم إنه ركب راحلته واستجنب فرسه، وأخذ معه عبدا له أسود، كان من الشجعان ~~الموصوفين المشهورين، فسار [ا] في أثر النبي (صلى الله عليه وسلم) سيرا ~~عنيفا نحو الساحل فلحقا به. قال: فالتفت أبو بكر فنظر إلى سراقة بن مالك ~~مقبلا، فقال: يا رسول الله قد دهينا، هذا سراقة بن مالك قد أقبل في طلبنا ~~ومعه غلامه الأسود المشهور فلان، فلما أبصرهم سراقة نزل عن راحلته وركب ~~فرسه، وتناول رمحه، وأقبل نحوهم، فلما قرب منهم قال النبي (صلى الله عليه ~~وسلم): اللهم أكفنا أمر سراقة بما شئت وكيف شئت وأنى شئت. قال: فساخت (1) ~~قوائم فرسه في الأرض حتى لم يقدر الفرس أن يتحرك. ms029 # قال: فلما نظر سراقة إلى ذلك هاله فرمى بنفسه عن الفرس إلى الأرض ورمى ~~برمحه وقال: يا محمد أنت آمن أصحابك فادع ربك أن يطلق لي جوادي ولك علي عهد ~~وميثاق أن أرجع عنك ولا عليك مني [فزع] فرفع النبي (صلى الله عليه وآله) ~~يديه إلى السماء وقال: اللهم إن كان صادقا فيما يقول فأطلق له جواده. # قال: فأطلق الله تعالى قوائم فرسه حتى وقف على الأرض صحيحا سليما، فأخرج ~~سراقة سهما من كنانته ودفعه إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال: يا محمد ~~خذ هذا السهم معك فإنك ستمر بإبل لي فيها غلام لي يرعاها [أمامك] خذ منها ~~ما شئت فادفع إليه السهم واستعر من أباعري بعيرا أو بعيرين ما أردت توصل ~~به، ولي غنم أيضا ترعى أمامك خذ منها ما شئت فاذبحه، فقال له النبي (صلى ~~الله عليه وآله): على أنك تؤمن بالله وتشهد بشهادة الحق في وقتك هذا، فقال: ~~يا محمد أما الآن فلا، ولكني أصرف عنك الناس، فقال النبي (صلى الله عليه ~~وسلم): إذا بخلت علينا بنفسك فلا حاجة لنا في مالك (2). # PageV01P301 # قال: وانصرف سراقة راجعا إلى مكة، وسار النبي (صلى الله عليه وسلم) يريد ~~يثرب، فلما رجع سراقة إلى مكة اجتمع إليه أهلها وقالوا: أخبرنا ما وراءك يا ~~سراقة؟ فقال: ما رأيت لمحمد أثرا ولا سمعت عنه (1) خبرا، والإبل التي ~~بلغتكم أنها متوجهة نحو يثرب إبل لعبد القيس، فقال أبو جهل: أما واللات يا ~~سراقة، إن نفسي تحدثني أنك رأيت محمدا ولحقت به، ولكنه خدعك فانخدعت، ودعاك ~~فأجبت، قال: فتبسم سراقة من قول أبي جهل وقال: أما إنك لو عاينت من فرسي ~~هذا ما عاينت لصرفت عني كلامك، ونهض عنهم قائما. # ثم إنه بعد ذلك أخبرهم بقصته مع النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ومضى ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبو بكر والدليل بين أيديهما حتى أخذ ~~بهما أسفل عسفان، ثم خرج بهما على قديد، ثم على الفجاج، ثم سار بهما إلى أن ~~قربا ms030 من المدينة، والأوس والخزرج قد بلغهم خروج النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~من مكة يريد يثرب. وكانوا يخرجون كل يوم إذا صلوا الظهر (2) إلى ظاهر الحرة ~~يجلسون هناك ينتظرون قدومه (صلى الله عليه وسلم) فلا يزالون كذلك حتى يبلغ ~~منهم حر الشمس، فإذا لم يروا شيئا رجعوا إلى منازلهم. # قال: فوصل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى قبا يوم الاثنين لاثنتي ~~عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، ونزل على كلثوم بن الهرم (3) أخي بني ~~عمرو بن عوف وقال قوم: نزلوا على سعد بن خيثمة، والصحيح أنه نزل على كلثوم ~~بن الهرم، غير أنه كان إذا خرج من منزل كلثوم يجلس للناس في منزل سعد بن ~~خيثمة وراودوه الدخول إلى # PageV01P302 # المدينة فقال: ما أنا بداخلها حتى يقدم ابن عمي وابنتي - يعني عليا ~~وفاطمة رضي الله عنهما -. # قال أبو اليقظان: ولما وصل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى قبا ~~حدثنا بما أرادت به قريش من المكر، ومن مبيت علي على فراشه، وبين مؤاخاة ~~الله بين جبرئيل وميكائيل، وجعل عمر أحدهما أطول من عمر الآخر... الحديث ~~المقدم بتمامه كما ذكره صاحب الكشاف أيضا. # قال: وكتب النبي (صلى الله عليه وآله) إلى علي (عليه السلام) يأمره ~~بالمسير إليه والمهاجرة هو ومن معه، وكان علي كرم الله وجهه بعد أن توجه ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) قام صارخا بالأبطح ينادي: # من كان له قبل محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمانة فليأت ترد إليه ~~أمانته وقضى حوائجه وجميع أموره. وابتاع ركايب وأجمالا بسبب المهاجرة، ولم ~~يكن ينتظر غير ورود كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما ورد عليه ~~الكتاب خرج بالفواطم وخرج معه أيمن بن أم أيمن مولى النبي (صلى الله عليه ~~وآله) وجماعة من ضعفاء المؤمنين ومعهم [أم] أيمن أيضا، فأتوا النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وهو نازل بقبا على بني عمرو بن عوف لم يدخل المدينة. # فلما أن جاؤوا خرج من قبا يوم الجمعة بجمع ms031 من بني سالم ومن معه من ~~المسلمين وهم يومئذ مائة رجل، ثم ركب ناقته وجعل الناس يكلمونه في النزول ~~عليهم ويأخذون بخطام الناقة فيقول (صلى الله عليه وسلم): خلوا سبيلها فإنها ~~مأمورة. فبركت عند موضع مسجد (1) رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يومئذ ~~يصلي فيه رجال من المسلمين وهو مربد (2) لسهل وسهيل غلامين من بني مالك بن ~~النجار اشتراه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعشرة دنانير، وقيل: امتنعوا ~~من بيعه وبذلوه لله عزوجل، وهو الصحيح، فاتخذه رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) مسجدا (3) وهو مكان مسجده اليوم. وهذا تفصيل شيء من مواقف أبي الحسن ~~(رضي الله عنه) # PageV01P303 # ومواطن جهاده التي قام فيها بالفروض والسنن. # فمنها: ما كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك [كانت] على ~~رأس ثمانية عشر شهرا من مقدمه (1) إلى المدينة الشريفة وعمر علي (رض) إذ ~~ذاك سبع وعشرة (2)، سنة فاتفقت غزوة بدر التي أردت بالشرك فقصمت مطاه وفصمت ~~عراه، فيومها يوم خصه الله تعالى بإبدار بدره، وبشرت بالنصر تباشير فجره، ~~ونزلت فيه الملائكة المسمومة لا مداد نصره، وانقسمت جموع المشركين يومئذ ~~إلى مجدول بقتله (3) ومخذول بأسره. فكان علي (رض) خائضا لجج غمراته بقلب لا ~~ينحرف، وقدم إقدام لا ينصرف، يقط بشبا (4) سيفه رقاب الهام قط الأقلام. # فكان عدة من قتل علي كرم الله وجهه من مقاتلة المشركين على ما قيل في ~~المغازي أحدا وعشرين قتيلا، منهم من اتفق الناقلون على انفراده بقتله وهم ~~تسعة: # وليد بن عتبة بن ربيعة، خال معاوية بن أبي سفيان قتله مبارزة وكان شجاعا ~~جريئا (5) فتاكا (6) وقاحا تهابه الأبطال، والعاص بن سعيد بن العاص بن أمية ~~وكان هولا عظيما من الرجال المعدودين، وعامر بن عبد الله، ونوفل بن خويلد ~~وكان من شياطين قريش وكان من أشد الناس عداوة للنبي (صلى الله عليه وسلم)، ~~وكانت قريش تقدمه وتعظمه (7) ولما عرف رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~حضوره سأل الله أن يكفيه أمره [وقال (صلى الله عليه وآله): اللهم أكفني ms032 ~~نوفلا] فقتله علي بن أبي طالب (رض)، ومسعود بن أمية بن المغيرة، وأبو قيس ~~بن # PageV01P304 # الفاكه (1)، وعبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة، والعاص بن منبه بن ~~الحجاج، وحاجب بن السائب (2). # PageV01P305 # # PageV01P305 # # PageV01P305 # # PageV01P305 # وأما الذين شارك (1) في قتلهم غيره فهم أربعة: حنظلة بن أبي سفيان بن حرب ~~أخو معاوية، وعبيدة بن الحارث، وزمعة (2) وعقيل ابنا (3) الأسود بن [عبد] ~~المطلب (4). # وأما المختلف فيهم فسبعة وهم (5): طعيمة (6) بن عدي بن نوفل وكان من رؤوس ~~أهل الضلال، وعمر بن عثمان بن عمر، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو ~~العاص بن قيس، وأوس الجمحي، وعقبة بن أبي معيط [صبرا]، ومعاوية بن عامر. # فهذه عدة من قتله علي كرم الله وجهه يوم بدر. وأجمع أهل الغزوات على أن # PageV01P313 # عدة من قتل من مقاتلة المشركين يوم بدر سبعون رجلا (1). # وروي عن أبي رافع مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لما أصبح ~~الناس يوم بدر اصطفت قريش أمامها عتبة بن ربيعة وأخاه شيبة وابنه الوليد، ~~فنادى عتبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) [فقال]: يا محمد، أخرج إلينا ~~أكفاءنا من قريش، فبدر إليه (2) ثلاثة من شبان # PageV01P314 # الأنصار (2)، فقال لهم عتبة: من أنتم؟ فانتسبوا له، فقال لهم: لا حاجة ~~لنا (3) إلى (4) مبارزتكم، إنما طلبنا بني عمنا، فقال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) للأنصار: ارجعوا إلى مواقفكم، ثم قال: قم يا علي، قم يا حمزة، ~~قم يا عبيدة، قاتلوا على حقكم الذي بعث به نبيكم. إذ جاؤوا بباطلهم ليطفئوا ~~نور الله، فقاموا فصفوا [للقوم] في وجوههم وكان على رؤوسهم (5) البيض، فلم ~~يعرفوهم. # فقال لهم عتبة: يا هؤلاء تكلموا، فإن كنتم أكفاءنا قاتلناكم، فقال حمزة: ~~أنا حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، فقال عتبة: كفو كريم. وقال ~~علي: أنا علي بن أبي طالب [بن عبد المطلب] وقال عبيدة: أنا عبيدة بن الحارث ~~بن عبد المطلب، فقال عتبة لابنه الوليد: قم يا وليد، ابرز لعلي [فبرز إليه] ~~وكانا إذ ذاك أصغر الجماعة سنا، فاختلفا بضربتين (6)، أخطأت ضربة ms033 الوليد ~~ووقعت ضربة علي [على] اليد (7) اليسرى من الوليد فأبانتها، ثم ثنى عليه ~~بأخرى فجدله صريعا (8). # وروي عن علي (عليه السلام) أنه كان إذا ذكر (9) بدرا وقتله الوليد قال في ~~حديثه: كأني أنظر إلى وميض خاتمه في شماله، عندما أبينت يده منه وبها أثر ~~من خلوق فعلمت # PageV01P315 # أنه قريب عهد بعرس (2). # ثم بارز (3) عتبة حمزة فقتله حمزة، وبارز (4) عبيدة شيبة وكانا من أسن ~~القوم، فاختلفا بضربتين فأصاب ذبال (5) سيف شيبة عضلة ساق عبيدة فقطعتها، ~~فاستنقذه علي وحمزة منه وقتلا شيبة، فحمل عبيدة [من مكانه] فمات بالصفراء ~~رحمه الله تعالى. # ومنها: غزوة أحد (6) في شوال سنة ثلاث من الهجرة، وتلخيص القول في هذه # PageV01P316 # # PageV01P316 # القصة: أن أشراف قريش لما كسروا يوم بدر وقتل بعضهم وأسر بعضهم دخل الحزن ~~على أهل مكة بقتل رؤسائهم وأشرافهم، فتجمعوا وبذلوا أموالا، واستمالوا جمعا ~~من الأحابيش من كنانة وغيرهم ليقصدوا النبي (صلى الله عليه وآله) بالمدينة ~~لاستيصال المسلمين، وتولى ذلك أبو سفيان بن حرب فجند الجنود وحشد وقصد ~~المدينة، فخرج PageV01P322 # النبي (صلى الله عليه وآله) بالمسلمين فاتفق (١) النفاق بين جماعة من ~~الذين خرجوا مع النبي (صلى الله عليه وآله)، فرجع قريب من ثلثهم (٢)، وبقى ~~مع النبي (صلى الله عليه وآله) سبعمائة (٣) من المسلمين. # وهذه القصة ذكرها الله تعالى في سورة آل عمران في قوله تعالى: ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين ~~مقعد للقتال والله سميع عليم﴾ (4) إلى آخر ستين آية، واشتدت الحرب ودار ~~[ت] رحاها واضطرب المسلمون، واستشهد حمزة وجماعة من المسلمين وقتل من ~~مقاتلة المسلمين، اثنان وعشرون قتيلا. # ونقل أصحاب المغازي (5) أن عليا قتل منهم سبعة هم: طلحة بن # PageV01P323 # أبي طلحة بن عبد العزى، وعبد الله بن جميل من بني عبد الدار، وأبو الحكم ~~بن الأخنس، وسباغ بن عبد العزى، وأبو أمية بن المغيرة، هؤلاء الخمسة متفق ~~على أن عليا قتلهم. وأبو سعد طلحة بن طليحة، وغلام (1) حبشي مولى لبني عبد ~~الدار مختلف فيهما. وعاد أبو سفيان ومن معه من ms034 المشركين طالبين مكة (2). # PageV01P324 # ودخل (1) النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة فدفع سيفه ذا الفقار (2) ~~إلى فاطمة رضي الله عنها فقال: # اغسلي عن هذا دمه يا بنية، فوالله لقد صدقني اليوم. وناولها علي (رض) ~~[سيفه] (3) وقال لها مثل ذلك (4). # وروى محمد بن إسحاق أن عليا (رض) لما فرغ من القتال ناول سيفه فاطمة ~~وأنشد يقول (5): # أفاطم هاك السيف غير ذميم * فلست برعديد ولا بمليم (6) لعمري لقد أعذرت ~~في نصر أحمد * وطاعة رب بالعباد عليم (7) وقال ابن إسحاق: [و] في هذا اليوم ~~هاجت ريح فسمع هاتفا يقول (8): # PageV01P325 # لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي فإذا ندبتم (1) هالكا * فابكوا ~~الولي ابن الولي وأنشد الخطيب ضياء الدين أخطب خوارزم الموفق بن أحمد ~~الخوارزمي، ثم المكي رحمة الله تعالى عليه (2): # PageV01P326 # أسد الإله وسيفه وقناته * كالظفر يوم صياله والناب جاء النداء من الإله ~~وسيفه * بدم الكماة يسح في تسكاب لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى * إلا علي ~~هازم الأحزاب فكان السيف لمنبه بن الحجاج السهمي، كان مع ابنه العاص بن ~~منية يوم بدر، فقتله علي (رض) وجاء بالسيف إلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) فأعطاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا بعد ذلك فقاتل به دونه ~~يوم أحد. # ويروى أن بلقيس أهدت إلى سليمان (عليه السلام) سبعة أسياف كان ذو الفقار ~~منها، وقد جاء في بعض الروايات عن علي بن أبي طالب (رض) أنه قال: جاء ~~جبرئيل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له: إن صنما باليمن مفغر في ~~الحديد فابعث إليه فادققه وخذ حديده (2). وقال علي (رض): فدعاني رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) وبعثني إليه فذهبت ودققت الصنم وأخذت الحديد فجئت به ~~إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) واستضرب (3) منه سيفين، فسمى أحدهما ذو ~~الفقار، والآخر مخذما، فتقلد رسول الله ذو الفقار وأعطاني مخذما، ثم أعطاني ~~بعد ذلك ذو الفقار فرآني وأنا أقاتل به دونه يوم أحد فقال: # لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي ms035 (4) قال الواقدي في المغازي (5): # PageV01P327 # إنه لما سافر (1) الناس يوم أحد ما زال النبي (صلى الله عليه وآله) شبرا ~~واحدا، بل مرة يرمي عن قوسه، ومرة يضرب بسيفه، ومرة يرمي بالحجارة (2). # وصبر معه أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين، وسبعة من الأنصار. # أبو بكر، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة ~~بن عبيد الله، وأبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوام، فهؤلاء من ~~المهاجرين. ومن الأنصار: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، ~~والحارث بن الصمت، وسهل بن حنيف، وأسيد (3) بن حضير (4)، وسعد (5) بن # PageV01P329 # معاذ (1). ويقال: ثبت ابن سعد بن عبادة، ومحمد بن مسلمة. # وبايعه يومئذ ثمانية على الموت، ثلاثة من المهاجرين، وخمسة من الأنصار: # الزبير، وطلحة، وأبو دجانة، والحارث بن الصمت، وحباب بن المنذر، وعاصم بن ~~ثابت، وسهل بن حنيف، ولم يقتل منهم أحد، وأصيبت (2) يومئذ عين قتادة بن ~~النعمان حتى وقعت على خده قال: فجئت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وقلت: ~~يا رسول الله! إن تحتي امرأة شابة جميلة أحبها وتحبني وأنا أخشى أن تقذر ~~مكان عيني. قال: # فأخذها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فردها فأبصرت بها، وعادت أحسن مما ~~كانت. لم تؤلمني ساعة من الليل أو نهار، وكان يقول بعد ما أن أسن هي أقوى ~~عيني وأحسنهما (3). # وعن ابن عباس (رض) قال: خرج طلحة بن أبي طلحة يوم أحد وكان (4) صاحب لواء ~~المشركين فقال: يا أصحاب محمد! تزعمون أن الله يعجلنا بأسيافكم إلى النار، ~~ويعجلكم بأسيافنا إلى الجنة فأيكم يبرز إلي؟ فبرز إليه علي بن أبي طالب ~~وقال له: والله لا أفارقك حتى أعجلك بسيفي إلى النار، فاختلفا بضربتين ~~فضربه علي على رجله فقطعها وسقط إلى الأرض، فأراد علي أن يجهز عليه فقال: # أنشدك الله والرحم يا بن عم، فانصرف عنه إلى موقفه، فقال المسلمون: هلا ~~أجهزت عليه، فقال: أنشدني (5) الله ولن يعيش، فمات من ساعته. وبشر النبي ~~(صلى الله عليه وآله) بذلك، فسر وسر المسلمون [ثم قال:] قال ms036 [محمد] بن ~~إسحاق: كان الفتح يوم أحد بصبر (6) علي (عليه السلام) وعنائه وثباته وحسن ~~بلائه (7). # PageV01P330 # وفي ذلك يقول الحجاج بن علاط السلمي شعرا (1): # [جادت يداك له بعاجل طعنة * تركت طليحة للجبين مجدلا] لله أي مذبب عن ~~حزبه (2) * أعني ابن فاطمة المعم المخولا (3) وشددت شدة باسل فكشفتهم (4) * ~~بالسفح إذ يهوون (5) أسفل أسفلا (6) # PageV01P332 # وعللت سيفك بالدماء ولم تكن (1) * لترده حران (2) حتى ينهلا وروى الحافظ ~~محمد بن عبد العزيز الجنابذي في كتاب معالم العترة النبوية (3) مرفوعا إلى ~~قيس بن سعد عن أبيه انه سمع عليا يقول: أصابتني يوم أحد ست عشرة ضربة، سقطت ~~إلى الأرض في أربع منهن (4) فجاء (5) رجل حسن الوجه طيب الريح فأخذ بضبعي ~~فأقامني، ثم قال: أقبل عليهم فإنك في طاعة الله ورسوله وهما عنك راضيان، ~~قال علي: فأتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبرته فقال: يا علي أقر ~~الله عينيك (6) ذاك جبرئيل (7). # ومنها: غزوة الخندق (8)، وهي أن قوما تجمعت وقائدهم أبو سفيان بن # PageV01P333 # حرب (1)، وأن غطفان تجمعت وقائدهم عيينة (2) بن حصن (3) بن حذيفة بن # PageV01P334 # بدر (1)، واتفقوا مع بني النضير من اليهود على قصد رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) وحصار المدينة، أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حراسة ~~المدينة بحفر (2) خندق عليها، وعمل (صلى الله عليه وآله) فيه بنفسه الشريفة ~~(3) فاحكمه في أيام، وكان في حفر الخندق آيات من معجزات رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) شاهدها المسلمون نذكرها ليزداد من وقف عليها، إيمانا بالله ~~[تعالى] وتصديقا لرسوله (صلى الله عليه وآله). # منها: ما رواه [سعد بن معاذ] ابن مساءة أن ابنة بشير (4) بن سعد هي (5) ~~أخت النعمان بن بشير قالت: دعتني أمي [عمرة] بنت رواحة فاعطتني حفنة من تمر ~~في ثوبي ثم قالت: اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما، قالت: ~~فأخذتها وانطلقت بها فمررت برسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا ألتمس أبي ~~وخالي فقال [لي]: تعالي يا بنية ما هذا معك؟ قالت: قلت (6): يا رسول الله ~~صلى الله عليك وآلك قليل ms037 من التمر بعثتني به أمي إلى بشير بن سعيد (7) ~~وخالي عبد الله بن رواحة يتغديان به، قال (صلى الله عليه وآله): # هاتيه فصببته في كفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأملأها (8) ثم أمر ~~(صلى الله عليه وآله) بثوب فبسطه (9) ثم دحى بالتمر عليه وغطاه بثوب آخر ~~وقال لإنسان عنده: اصرخ في أهل الخندق أن هلموا (10) إلى الغداء، فاجتمع ~~أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وأنه ~~يسقط من أطراف الثوب (11). # PageV01P335 # ومنها: ما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنه) قال: اشتدت ~~عليهم في الخندق كوديه عجز (1) حافروها عنها فشكوها إلى رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) فدعا بإناء فيه ماء فتفل فيه ثم دعا بما شاء الله تعالى أن ~~يدعو به ثم نضح الماء على تلك الكوديه فقال من حضرها [من المسلمين]، والذي ~~بعث محمدا بالحق نبيا لقد انهالت حتى عادت كالرمل لا يرد فأسا ولا مسحاة ~~(2). # ومنها: ما رواه جابر أيضا قال: كان عملنا مع رسول الله في الخندق وكانت ~~عندي شويهة قال: فقلت: لو صنعناها (3) لرسول الله (صلى الله عليه وآله). ~~قال: فأمرت امرأتي فطحنت لنا شيئا من شعير فصنعت لنا خبزا وذبحت تلك ~~الشويهة (4) وصفعتها لرسول الله (صلى الله عليه وآله). قال: وأمسينا وذلك ~~أنا كنا نعمل في الخندق نهارا فإذا أمسينا رجعنا إلى أهلنا فقلت: يا رسول ~~الله إني قد صنعت لك شويهة كانت عندنا وصنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير ~~وأحب أن تنصرف معي إلى منزلي وإنما أردت ان ينصرف معي (5) رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) وحده. قال: فلما أن قلت له ذلك أمر صارخا فصرخ أن انصرفوا ~~[بأجمعكم] مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى بيت جابر بن عبد الله. ~~قال: قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال: فأقبل رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)، وأقبل الناس معه، فجلس وأخرجنا ذلك إليه فبرك (صلى الله عليه وآله) ~~عليه وسمى الله تعالى وأكل، ms038 وتواردها الناس كلما فرغ قوم جاء قوم غيرهم حتى ~~صدر أهل الخندق بأسرهم وفضل الطعام (6). # ولما فرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حفر الخندق أقبلت قريش ~~بجيوشها (7) وأتباعها من # PageV01P336 # كنانة وأهل تهامة في عشرة آلاف (١)، وأقبلت غطفان ومن تبعها من أهل نجد، ~~فنزلوا من فوق المسلمين ومن أسفلهم كما قال الله تعالى: ﴿إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم﴾ (2) فخرج (3) ~~النبي (صلى الله عليه وآله) بالمسلمين وهم ثلاثة آلاف (4) وجعلوا الخندق ~~بينهم، واتفق المشركون مع اليهود على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد ~~ذكر الله تعالى هذه القضية (5) في سورة الأحزاب (6)، وطمع المشركون بكفرهم ~~ومعاقبة (موافقة) اليهود لهم في استيصال المسلمين. # واشتد الأمر على المسلمين فركب فوارس من قريش (7) منهم عمرو بن عبد ود # PageV01P337 # وكان من مشاهيرهم وأبطالهم، وعكرمة بن أبي جهل (1)، وأقبلوا تتعثر (2) ~~بهم خيولهم حتى وقفوا على الخندق ثم قصدوا مكانا ضيقا منه وضربوا خيولهم ~~فاقتحمته وجالت خيولهم (3) بين الخندق و [بين] المسلمين (4). # فلما رأى علي بن أبي طالب (عليه السلام) ذلك خرج ومعه نفر من المسلمين ~~وبادروا الثغرة (5) التي دخلوا منها، وأخذ عليهم المضيق الذي دخلوا منه ~~واقتحموه، ووقف فيه وخرج عمرو بن عبد ود من بينهم ومعه ولده حنبل (6) وقد ~~كان عمرو جعل له علامة (7) يشتهر بها وليعرف مكانه ويظهر شأنه [على علي ومن ~~معه من النفر الذين خرجوا معه] فقال: هل من مبارز (8)؟ فقال علي (عليه ~~السلام): أنا (9) له، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): # PageV01P338 # إنه (1) عمرو، فسكت، فنادى عمرو الثانية والثالثة فقال: هل من مبارز؟ ثم ~~جعل يؤنبهم (2) ويقول: اين [حميتكم] أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل ~~دخلها؟ أفلا يبرز إلي رجل منكم، ثم ارتجل يقول شعرا (3): # ولقد بححت من النداء بجمع‍ * - كم هل من مبارز ووقفت إذ جبن الشجاع (4) * ~~موقف القرن (5) المناجز وكذاك (6) أني لم أزل * متسرعا قبل الهزاهز (7) إن ~~الشجاعة في الفتى (8) * والجود من خير الغرائز فقال علي (عليه السلام): أنا ~~له يا ms039 رسول الله، فقال (صلى الله عليه وآله): إنه عمرو، فقال: وإن كان ~~عمرو؟! # PageV01P339 # فأذن له رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مبارزته (1) وقال له: أدن مني ~~يا علي، فدنا منه، فنزع عمامته من رأسه (صلى الله عليه وآله) وعممه بها، ~~وأعطاه سيفه وقال [له]: امض لشأنك، ثم قال: # اللهم [أعنه] (2)، [و] قد خرج علي (عليه السلام) وهو يقول: # لا تعجلن فقد أتا * ك مجيب صوتك غير عاجز ذو نية (3) وبصيرة * والصدق ~~منجي كل فائز (4) إني لأرجو (5) أن أقيم * عليك نائحة الجنائز # PageV01P340 # من ضربة نجلاء (1) ويب‍ * - قي ذكرها عند الهزائز (2) ثم قال له: يا عمرو ~~إنك أخذت على نفسك عهدا أن لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين (3) إلا ~~أجبته إلى واحدة منهما (4)، قال له: أجل، فقال له علي (رضي الله عنه): # PageV01P341 # فإني أدعوك إلى الله تعالى ورسوله وإلى الإسلام، فقال: أما هذه فلا حاجة ~~لي فيها، فقال له علي: فإذا كرهت هذه فإني أدعوك إلى النزال: قال [له]: ولم ~~يا ابن أخي فما أحب أن أقتلك ولقد كان أبوك خلا لي، فقال [له] علي: ولكنى ~~والله أحب أن أقتلك. فحمى عمرو وغضب من كلامه، فاقتحم عن فرسه إلى الأرض ~~وضرب وجهها، ونزل علي (رضي الله عنه) عن فرسه، وأقبل كل واحد منهما نحو ~~الآخر فتصاولا وتجاولا ساعة ثم ضربه علي (رضي الله عنه) على عاتقه بالسيف ~~ورمى جثته إلى الأرض وتركه قتيلا. ثم ركب علي (رضي الله عنه) على فرسه وكر ~~على ابنه حنبل (1) بن عمرو فقتله، فخرجت خيولهم منهزمة ورمى عكرمة بن أبي ~~جهل رمحه وفر منهزما مع من انهزم من أصحابه (2)، فرجع علي بن أبي طالب (رضي ~~الله عنه) وهو يقول: # PageV01P342 # أعلي تقتحم (١) الفوارس هكذا * عني وعنهم (٢) خبروا (٣) أصحابي اليوم ~~تمنعني الفرار حفيظتي * ومصمم في الرأس ليس يناب أرديت عمرا إذ طغى بمهند ~~(٤) * صافي الحديد مجرب قصاب هذا ابن عبد الود كذب قوله * وصدقت فاستمعوا ~~إلى الكذاب نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت دين محمد بصواب ms040 وغدوت (٥) ~~حين تركته متجدلا * كالعير (٦) بين دكادك ورواب وعففت عن أثوابه لو أنني * ~~كنت المقطر (٧) بزني (٨) أثوابي لا تحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يا معشر ~~الأحزاب (٩) ولما قتل عمرو وولده حنبل (١٠) وانهزم عكرمة ومن معه من فوارس ~~قريش الذين اقتحموا الخندق أرسل الله تعالى الريح على قريش (١١) وغطفان ~~ووقع الاختلاف والاضطراب بينهم فولوا راجعين ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى ~~الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا﴾ (12). # PageV01P343 # وفي قتل عمرو بن عبد ود يقول حسان (رضي الله عنه): # أمسى الفتى عمرو بن ود يبتغي (1) * بجنوب يثرب غارة لم تنظر (2) ولقد ~~وجدت سيوفنا مشهورة * ولقد وجدت جيادنا (3) لم تقصر ولقد رأيت غداة بدر ~~عصبة * ضربوك ضربا ليس ضرب المحسر (4) أصبحت لا تدعى ليوم عظيمة * يا عمرو ~~أو لجسيم أمر منكر (5) وقالت أخت (6) عمرو وقد نعي إليها أخوها عمرو: من ~~[ذا الذي] اجترأ عليه [فقتله]؟ فقالوا: علي بن أبي طالب، فقالت: كفؤ كريم، ~~وأنشدت تقول: # PageV01P344 # أسدان في ضيق المكر (1) تصاولا * وكلاهما كفو كريم باسل فتخالسا مهج ~~النفوس كلاهما * وسط المجال مجالد ومقاتل وكلاهما حضر القراع حفيظة * لم ~~يثنه عن ذاك شغل شاغل فاذهب علي فما ظفرت (2) بمثله * قول سديد ليس فيه ~~تحامل (3) ثم قالت: والله لا ثأرت قريش بأخي ما حنت النوق (4). وقالت أم ~~عمرو ترثيه: # لو كان قاتل عمرو غير قاتله * ما زلت أبكي عليه دائم الأبد (5) لكن قاتله ~~ما (6) لا يعاب (7) به * من (8) كان يدعى أبوه بيضة البلد من هاشم في ذراها ~~وهي صاعدة * إلى السماء تميت الناس بالحسد # PageV01P345 # قوم أبى الله إلا أن تكون لهم * مكارم الدين والدنيا إلى (1) الأبد يا أم ~~كلثوم أبكيه ولا تدعي * بكاء معولة حرى على ولد (2) # PageV01P346 # فأسلاها وعزاها وهون عليها قتل ولدها جلالة القاتل، وافتخرت بكون ولدها ~~مقتولا له. # ومنها: وقعة الجمل (1) ثم صفين (2) التي كانت كل واحدة منهما أمر من ~~الحنظل والدفلا، وأقامت النوادب، وأجرت الدموع السواكب على ألوف من القتلى، ~~وألبست الأجساد أثوابا من ms041 الأحزان لا تخلق ولا تبلى، وكم قد تركت كل واحدة # PageV01P348 # منهما نساء أيمى وأخريات ثكلى. # ذكر حملة (1) الأخبار وأصحاب المقالات من أهل التاريخ: أن البيعة (2) لما ~~عقدت لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) بملأ من المهاجرين والأنصار وذلك بعد ~~أن أقامت المدينة خمسة أيام بعد قتل عثمان (3) وأميرها الغافقي ابن حرب ~~العكي (4) مقدم المصريين الذين قصدوا عثمان بالمدينة، وأصحاب رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) يترددون (5) إلى علي (عليه السلام) لأجل المبايعة ~~ويقولون له: لابد للناس من إمام (6)، وهو يقول: لا حاجة لي في # PageV01P349 # أمركم من اخترتموه (1) رضيت به، فقالوا: ما نختار غيرك و [إنا] لا نعلم ~~أحدا أحق بهذا (2) الأمر منك ولا أقدم سابقة ولا أقرب قرابة من رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله)، فقال: فإن كان [و] لابد ففي المسجد فإن بيعتي [لا] ~~تكون خفية. وكان كلامهم له (رض) في بيته (3). وقيل: في حائط لبني عمرو بن ~~مبذول (4). # فخرج إلى المسجد (5) فقام إليه الناس فبايعوه، وكان أول من بايعه طلحة بن # PageV01P350 # عبيد الله (1) فنظر إليه رجل يقال له حبيب بن ذؤيب (2) فقال: إنا لله ~~وإنا إليه راجعون، أول يد بايعت يد شلاء، لا يتم هذا الأمر (3). # ثم بايعه الزبير (4) (رض) ثم بقية الصحابة بعد ذلك من المهاجرين والأنصار ~~غير نفير (5) يسير، فإنهم لم يبايعوه في ذلك الوقت لأنهم كانوا عثمانية (6) ~~منهم: محمد بن # PageV01P351 # مسلمة (1)، والنعمان بن بشير (2)، ونافع (3) بن خديج، وفضالة بن عبيدة، ~~وكعب بن عجرة، وصهيب بن سنان، وأسامه بن زيد. وكانت البيعة لعلي (رضي الله ~~عنه) يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة (4)، فما ~~كان من النعمان بن بشير فإنه أخذ قميص عثمان الذي قتل فيه مضرجا بالدم، ~~وأخذ أصابع يد زوجته نائلة (5) التي قطعت حين مدت يدها دونه، وهرب بها إلى ~~الشام إلى معاوية (6). وأما طلحة بن عبيد الله (7) والزبير فإنهما هربا إلى ~~مكة بعد المبايعة بأربعة أشهر (8). # ثم إن عليا فرق عماله على البلدان وكتب إلى بعض عمال عثمان ms042 ليستقدمهم # PageV01P353 # عليه، وكتب إلى معاوية بن أبي سفيان أيضا كتابا يستقدمه فيه وكانت صورة ~~الكتاب: # " من عبد الله [علي] أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان (1)، أما ~~بعد، # PageV01P354 # فإنه (1) [إن] كان عثمان ذا حق وقرابة [فإني ذو حق وقرابة] ألا [و] إن ~~الله تعالى قلدني أمر الناس عن مشاورة من المهاجرين والأنصار، ألا وإن ~~الناس تبع لهم فيما رأوا وعملوا وأحبوا وكرهوا، فالعجل علي ثم العجل فإني ~~قد بعثت إلى جميع العمال لأعهد إليهم وأقلدهم من ذلك ما قلدت، أستبرئ من ~~(2) ذلك ديني وأمانتي، لأني لم أجد من (3) تلك بدا فأقدم إلي (4) مع أشراف ~~أصحابك عند وقوفك على كتابي هذا إن شاء الله تعالى " (5). # PageV01P355 # فعند فراغة من كتابة الكتاب جاء (١) المغيرة بن شعبة (٢) فقال: ما هذا يا ~~أمير المؤمنين؟ قال: كتاب كتبته إلى معاوية أستقدمه فيه وأريد أن أبعث به ~~إليه رسولا (٣)، فقال: يا أمير المؤمنين عندي لك نصيحة فاقبلها مني، قال: ~~هات، قال: # إنه ليس أحد يتشغب عليك غير معاوية وفي يده الشام وهو ابن عم عثمان ~~وعامله، فابعث إليه بعهده تلزمه طاعتك، فإذا استقرت قدماك رأيت فيه رأيك ~~(٤). فقال علي كرم الله وجهه: يمنعني من ذلك قول الله تعالى: ﴿وما كنت متخذ المضلين عضدا﴾ (5) ~~والله لا يراني الله مستعينا بمعاوية أبدا ولكني أدعوه إلى ما نحن عليه فإن ~~أجاب # PageV01P356 # وإلا حاكمته إلى الله تعالى (1). # فخرج عنه [المغيرة] (2) وقال: نبيت (3) هذا اليوم [واصبر] إلى غد آتيك إن ~~شاء الله تعالى ثم ننظر ماذا يكون. فلما كان من الغد جاءه المغيرة بن شعبة ~~وقال له: # يا أمير المؤمنين، إني قد جئتك بالأمس وأشرت عليك بما أشرت وخالفتني فيه، ~~ثم إني بت ليلتي هذه فرأيت أن الرأي ما رأيت فأرسل إلى معاوية بالكتاب الذي ~~كتبته فإن قدم وإلا فاعزله فهو أهون شوكة وأضيق عطنا وول من تثق به، قال: # أفعل إن شاء الله تعالى، فخرج عنه المغيرة بن شعبة وهو يقول: # نصحت عليا في ابن هند ms043 نصيحة (4) * فرد فما منى له الدهر (5) ثانية # PageV01P357 # وقلت (1) له أرسل إليه بعهده * إلى الشام (2) حتى يستقر معاوية ويعلم أهل ~~الشام إن قد ملكته * وأم ابن هند بعد ذلك هاوية فتحكم فيه ما تريد (3) فإنه ~~* لداهية فارفق به أي (4) داهية فلم يقبل النصح الذي جئته به (5) * وكانت ~~له تلك النصيحة كافية ثم إن المغيرة بن شعبة هرب إلى مكة وكان يقول: نصحت ~~عليا فلما لم يقبل غششته (6). # وعن ابن عباس (رض) قال: أتيت عليا (رض) بعد مبايعة الناس له فوجدت ~~[عنده]: المغيرة بن شعبة مستخليا به فقلت له بعد أن خرج [من عنده]: ما كان ~~يقول لك هذا؟ فقال: قال لي قبل يومه (7): إن لك حق الطاعة والنصيحة، وأنت ~~بقية الناس وإن الرأي اليوم يحرز ما في غد وإن الضياع اليوم يضيع به ما في ~~غد، وأشير عليك بشور وهو: أن تقرر معاوية، وابن عامر، وعمال عثمان على ~~عملهم حتى تأتيك بيعتهم وتسكين الناس، ثم اعزل من شئت منهم وابق من شئت، ~~فأبيت عليه (8) ذلك وقلت: لا أداهن في ديني ولا أعطي الدنية في أمري، قال: ~~فإن كنت # PageV01P358 # أبيت علي فانزع من شئت واترك معاوية فإن لمعاوية جرأة وهو في أهل الشام ~~يطيعونه ويسمعون منه، وتلك حجة في إبقائه فإن عمر بن الخطاب ولاه الشام في ~~خلافته، فقلت: لا والله لا أستعمل معاوية يومين، فانصرف من عندي وأنا أعرف ~~منه أنه يرى أني مخطئ، ثم عاد إلي الآن فقال: إني أشرت إليك أول مرة بالذي ~~أشرت وخالفتني (1) فيه ثم رأيت بعد ذلك أن تصنع الذي رأيت أن تعزل من تختار ~~وتستعين بمن تثق به فقد كفى بالله تعالى وهو أهون شوكة وأقل عددا. قال ابن ~~عباس (رضي الله عنه): فقلت لعلي (عليه السلام): إنما المرة الأولى فقد ~~نصحك، وأما المرة الثانية فقد غشك (2). # قال: وكيف نصحه لي؟ قلت: لأن معاوية وأصحابه أهل دنيا فمتى أثبتهم ~~وأبقيتهم على عملهم لا يبالون من ولي هذا الأمر، ومتى تعزلهم يقولون أخذ ~~هذا الأمر بغير ms044 شورى (3)، وهو قتل صاحبنا (4)، ويؤلبون (5) عليك فينتقض ~~عليك أهل # PageV01P359 # الشام وأهل العراق مع أني لا آمن طلحة والزبير أن يكرا (1) عليك، وأنا ~~أشير عليك أيضا أن تثبت (2) معاوية فإن بايع فلك علي أن أقلعه من منزله، ~~فقال علي (رض): # لا أعطيه إلا السيف (3)، ثم تمثل بقول القائل: # وما ميتة إن متها غير عاجز * بعار إذا ما غالت النفس غولها (4) فقلت: يا ~~أمير المؤمنين أنت رجل شجاع لست بصاحب رأي (5) في الحرب، أما سمعت قول رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) [يقول]: الحرب خدعة؟ فقال [علي]: بلى، فقلت ~~[فقال ابن عباس]: وأيم الله، لئن أطعتني لأصدرن منهم (6) بعد الورود على ما ~~في نفسك، ولأتركنهم ينظرون في أدبار الأمور ولا يعرفون ما كان وجهها (7) في ~~غير نقصان عليك ولا إثم لك. فقال: يا بن عباس لست من هنيهاتك ولا من هنيهات ~~معاوية في شيء، فقال ابن عباس (رض): فقلت له: أطعني في شيء، الحق بمالك ~~بينبع وأغلق بابك عليك فإن العرب تجول جولة وتضطرب فلا تجد غيرك، ولا تنهض ~~مع هؤلاء القوم، فلئن نهضت معهم ليحملنك دم عثمان [غدا] فأبى ذلك مني. ~~وقال: لك أن تشير علي وأرى فإذا عصيتك فأطعني. قال: فقلت له: أفعل فإن أيسر ~~ما لك عندي الطاعة (8) وإني باذلها لك، فقال له علي (رض): أريد منك أن # PageV01P360 # تسير إلى الشام فقد وليتكها (1)، فقال ابن عباس: ما هذا برأي، معاوية رجل ~~من بني أمية، وهو ابن عم عثمان وعامله، ولست آمن أن يضرب عنقي بعثمان، وأن ~~أدنى ما هو صانع بي وإن أحسن إلي أن يحبسني ويحتكم في لقرابتي منك، وكلما ~~حمل عليك حمل علي، ولكن أرسل إليه الكتاب الذي كتبته تستقدمه (2) فيه وانظر ~~ماذا يجيب. قال: فأرسل إليه علي [الكتاب] مع بشير الجهني (3)، فلما قدم على ~~معاوية بالكتاب فأخذه منه ووقف على ما فيه ولم يجب عليه بشيء. وكلما تنجز ~~جوابه لم يزده على قوله: # أدم إدامة حصن أو جدا (4) بيدي * حربا ضروسا تشب الجزل والضرما في جاركم ms045 ~~وابنكم إذ كان مقتله * شنعاء شيبت (5) الأصداغ (6) واللمما (7) # PageV01P361 # أعيى (1) المسود بها والسيدون فلم * يوجد لها غيرنا مولى ولا حكما (2) ~~حتى إذا كان الشهر الثالث من مقتل عثمان وفي أواخر صفر دعا معاوية برجل (3) ~~من بني عبس، فدفع إليه طومارا (4) مختوما على غير كتابة ليس في باطنه شيء ~~وعنوانه: من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقال ~~للعبسي: إذا دخلت بالمدينة (5) فأدخلها نهارا واعط عليا الطومار على رؤوس ~~الناس، فإذا فضه وفتحه إلى آخره ولم يجد فيه شيئا فتراه يقول لك: ما الخبر؟ ~~فقل له كيت وكيت بكلام أسره إلى [ال‍] - رسول. # ثم دعا معاوية بشير الجهني رسول علي فجهزه مع رسوله فخرجا جميعا فقدما ~~المدينة في اليوم الثامن (6) من شهر ربيع الأول، فرفع رسول معاوية الطومار ~~على يده عند دخوله المدينة، وتبعه الناس ينظرون ما أجاب [به] معاوية، ~~وعلموا أنه يتعرض # PageV01P362 # ويتشغب، فدخل الرسول على علي بن أبي طالب وأعطاه [الطومار] ففض خاتمه ~~وفتحه إلى آخره فلم يجد فيه كتابة فقال للرسول: ما وراءك؟ قال: آمن أنا؟ ~~قال: # نعم إن الرسول لا يقتل، قال: إني تركت ورائي قوما (1) يقولون: لا نرضى ~~إلا بالقود. # قال: ممن؟ (2) قال: يقولون: من خيط رقبة علي، وتركت ستين ألف (3) شيخ ~~يبكي تحت # PageV01P363 # قميص عثمان، وهو منصوب لهم قد ألبسوه (1) منبر مسجد دمشق، وأصابع زوجته ~~نائلة معلقة فيه، فقال علي (عليه السلام): أمني يطلبون دم عثمان؟! اللهم ~~إني أبرأ إليك من دم عثمان، ما نجا والله قتلة عثمان إلا أن يشاء الله، ~~فإنه إذا أراد أمرا بلغه، أخرج، قال: # وأنا آمن؟ قال: وأنت آمن، فخرج العبسي (2)، وأراد الناس أن يقتلوه ~~فقالوا: ما [ل‍] - هذا الكلب رسول الكلاب يتكلم بمثل هذا، ولولا أمان علي ~~(عليه السلام) لقتلناه. ثم (3) أحب أهل المدينة بعد ذلك أن يعلموا ما رأي ~~علي (رض) في معاوية هل يقاتله أو ينكل عنه (4)، وقد بلغهم أن ابنه الحسن ~~(رض) دعاه (5) إلى القعود (6). # PageV01P364 # وترك (1) الناس فدسوا (2) إليه زياد بن حنظلة ms046 التميمي (3) وكان منقطعا ~~إلى علي (عليه السلام) فجلس إليه ساعة، فقال له علي (عليه السلام): يا زياد ~~تيسر (4) فقال: لأي شيء يا أمير # PageV01P367 # المؤمنين؟ فقال: لحرب أهل الشام، فقال زياد: الأناة (1) والرفق يا أمير ~~المؤمنين، امتثل يا أمير المؤمنين، وأنشد: # ومن لم يصانع في أمور كثيرة * يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم (2) فقال (3) علي ~~بن أبي طالب (عليه السلام): # متى تجمع (4) القلب (5) الذكي وصارما (6) * وأنفا حميا (7) تجتنبك ~~المظالم (8) # PageV01P368 # فخرج زياد من عنده والناس ينظرونه فقالوا له: ما وراءك؟ قال: السيف، ~~فعرفوا ما هو فاعل. # ثم إن عليا (رضي الله عنه) تجهز يريد الشام لقتال (1) معاوية، فدعا محمد ~~ابن الحنفية (2) فأعطاه اللواء (3)، وولى (4) عبد الله بن عباس ميمنة (5)، ~~وعمرو بن مسلمة (6) ميسرة، ودعا (7) أبا ليلى [بن] عمر بن الجراح ابن [أخي] ~~أبي عبيدة بن الجراح مقدمته (8)، واستخلف على المدينة قثم بن العباس (9). ~~وكتب إلى العراق إلى قيس بن سعد (10)، # PageV01P369 # وإلى عثمان بن حنيف (1)، وإلى أبي موسى الأشعري (2)، أن يندبوا الناس إلى ~~الخروج إليه إلى قتال أهل الشام (3)، وقال لأهل المدينة: إن في سلطان الله ~~تعالى عصمة أمركم (4) فاعطوه طاعتكم غير ملوية (5) ولا مستكرهين لها (6) ~~لعل الله تعالى أن يلم # PageV01P370 # شعثكم، ويجمع كلمتكم ويصلح بكم ما يريد هؤلاء القوم فساده (1). # فبينما هم كذلك على قصدهم التوجه إلى الشام إذ أتاهم الخبر عن طلحة ~~والزبير وعائشة أنهم على الخلاف (2) وأنهم قد سخطوا من فعله (3) وهم يريدون ~~الخروج إلى البصرة، وكان سبب ذلك أن طلحة والزبير لما قدما من المدينة إلى ~~مكة وجدا عائشة فقالت لهما: ما وراءكما؟ قالا: إنا تحملنا هربا من المدينة ~~من غوفاء [و] أعراب وفارقنا قوما (4) حيارى لا يعرفون حقا ولا ينكرون باطلا ~~ولا يمنعون أنفسهم، فقالت: انهضوا (5) إلى هذه الغوغاء. فقالوا: كيف يكون؟ ~~فقالت: أو نأتي الشام؟ فقال ابن عامر (6) - وكان قد أتى من البصرة إلى مكة ~~بعد مقتل عثمان: لا حاجة لكم في الشام فقد كفاكم معاوية، ولكن نأتي البصرة ~~فإن لي بها صنايع ولي بها المال ولأهل البصرة في ms047 طلحة هوى وهو الأوفق بنا ~~والأليق. # فاستقام رأيهم على التوجه إلى البصرة وأجابتهم عائشة إلى ذلك ودعوا # PageV01P371 # عبد الله بن عمر (1) ليسير معهم فأبى وقال: أنا من أهل المدينة أفعل ما ~~فعلوه فتركوه (2). وأرادت حفصة أخت عبد الله بن عمر المسير معهم فمنعها ~~أخوها عبد الله بن عمر من ذلك (3). وجهزهم يعلى بن منية (4) بستمائة ألف ~~درهم وستمائة # PageV01P372 # بعير (1) وكان من عمال عثمان على اليمن قدم مكة بعد مقتل عثمان ونادى ~~منادي عائشة: إن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة فمن أراد ~~إعزاز الدين وقتال المحلين (2) والطلب بثأر عثمان وليس له مركب وجهاز ~~فليأت. فحملوا ستمائة على ستمائة [بعير] وساروا في ألف (3) من أهل المدينة ~~[ومكة] ولحقهم أناس آخرون فكانوا ثلاثة آلاف رجل (4). # PageV01P373 # وأعطى يعلى بن منية (1) عائشة جملا اسمه عسكر (2) اشتراه لها بمائتي ~~دينار (3)، وقيل: بل كان الجمل لرجل من عرينة، قال العريني: بينما أنا أسير ~~(4) على جمل لي إذ عرض لي والبة بن الحباب قال: أتبيع جملك؟ قلت: نعم، قال: ~~بكم؟ قلت: # بألف درهم، قال: أمجنون أنت؟ قلت: ولم وأنا والله ما طلبت عليه أحدا إلا ~~أدركته (5) ولا طلبني أحد إلا فته، قالوا: لا (6) تعلم لمن نريده، إنما ~~نريده لأم المؤمنين عائشة، قلت: فخذه بغير ثمن، قال: بل تذهب معنا إلى ~~الرجل فنعطيك دراهم وناقة. قال: فرجعت فأعطوني ناقة مهرية وستمائة درهم ~~(7). # PageV01P374 # # PageV01P374 # وبعثت أم الفضل - ابنة الحارث أم عبد الله بن العباس (رض) - رجلا من ~~جهينة استأجرته يسمى ظفرا (1) إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) يخبره ~~بخروج طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة. قال: وخرجت عائشة ومن معها من مكة، ~~فلما خرجوا منها وصاروا على مرحلة وجاء وقت الصلاة أذن مروان بن الحكم، ثم ~~جاء حتى وقف على طلحة والزبير وابنيهما جالسين عندهما فقال لهما: على أيكما ~~أسلم بالإمارة وأؤذن بالصلاة؟ فقال عبد الله بن الزبير: على أبي، وقال محمد ~~بن طلحة: على أبي، فبلغ ذلك عائشة، فأرسلت إلى مروان وقالت: تريد أن يفترق ~~أمرنا ليصل بالناس ms048 عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، فكان معاذ بن جبل يقول: ~~والله لو ظفرنا لا قتتلنا ما كان الزبير يترك طلحة والأمر ولا كان طلحة ~~يترك الزبير [والأمر]. # وخرج مع عائشة أمهات [المؤمنين] مودعات لها إلى ذات عرق، وبكوا الإسلام، ~~فلم ير يوم كان أكثر باكيا [وباكية] من ذلك اليوم، وكان يسمى يوم النحيب ~~(2). # PageV01P379 # ثم إنهم ساروا متوجهين إلى نحو البصرة، وسار علي (رض) من المدينة في ~~معسكره على قصده الشام، وكان ذلك في آخر شهر ربيع الآخر سنة خمس ~~PageV01P380 # وثلاثين، فبينما هو في مسيره إذ أتاه رسول أم الفضل (1) (رض) يخبره عن ~~طلحة والزبير وعائشة بما كان منهم و [أنهم] خرجوا [من] مكة قاصدين إلى ~~البصرة، فلما بلغه ذلك دعا وجوه أهل المدينة فخطبهم وحمد الله وأثنى عليه ~~وقال: إن آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما يصلح أوله، فانصروا الله تعالى ~~ينصركم ويصلح أمركم (2). # ثم إن عليا (رض) أعرض عن قصد الشام وحث المسير إلى جهة البصرة رجاء أن ~~يدرك طلحة والزبير قبل وصولهما إليها فيراهما (3) ويناجز هما، فلما انتهى ~~إلى الربذة أتاه الخبر بأنهم سبقوا إلى البصرة وقد نزلوا بقبابها (4). # قال علقمة بن وقاص الليثي (5): رأيت طلحة في مخرجه هذا مع الزبير وعائشة ~~بعد بيعة أهل البصرة لهم وأحب المجالس إليه أخلاها وهو ضارب بيده على لحيته ~~مفكرا فقلت له: يا أبا محمد إني أرى أحب المجالس إليك أخلاها وإني لم أزل ~~أراك ضاربا بيدك على لحيتك مفكرا إن كرهت شيئا فاجلس. قال: فقال [لي]: يا ~~علقمة بينا نحن على يد واحدة على من سوانا [إذ] صرنا جبلين من حديد يطلب ~~بعضنا بعضا. يا علقمة إنه كان مني في عثمان شيء ليس توبتي منه إلا أن يسفك ~~دمي في طلب دمه. قال: فقلت (6) [له]: رد ابنك محمدا فإن لك ضياعا وعيالا ~~فإن # PageV01P381 # يك شيئا يخلفك، قال: فكلمه لعله (1) يسمع منك. قال: فأتيت ابنه محمدا ~~فقلت [له]: لو أقمت فإن حدث في أبيك (2) حدث كنت تخلفه في عياله ms049 وضياعه ~~(3)، قال ما أحب أن أسائل عنه (4) الركبان (5). # ويروى أن طلحة قال في بعض هذه الأيام: [هذه] الفتنة التي كنا نتحدث بها، ~~فقال له بعض مواليه: تسميها فتنة وتقاتل فيها؟! فقال له: ويلك إنا نبصر ولا ~~تبصروا وما كان أمر قط إلا وأنا أعلم موضع قدمي فيه، غير هذا الأمر فإني لا ~~أعلم أنا مقبل فيه أم مدبر (6). # وحدث شهاب بن طارق (7) قال: خرجت مستقبلا لعلي أيام خروجه إلى الجمل # PageV01P382 # فكان صديقا لي، فلقيته وقد ترك الربذة فسألت ما أقدمه الربذة، فقيل لي: ~~خالفه طلحة والزبير وعائشة وتوجهوا إلى البصرة وهم على وجه القتال، فقلت في ~~نفسي: # أقاتل حواري رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأم المؤمنين، فهذا عظيم [أو ~~أدع القتال مع علي وهو أولى بالمؤمنين أو قال: وهو أمير المؤمنين - وابن عم ~~رسول رب العالمين فهذا عظيم]. # قال: ثم أتيت عليا فسلمت عليه وجلست إليه فأقبل بوجهه إلي (1) ثم قص علي ~~قصته وقصة القوم، فلما فرغ أذن بالصلاة فصلى بنا الظهر. ثم انفتل فقام إليه ~~ابنه الحسن (2) (رض) # PageV01P383 # فجلس بين يديه فبكى وقال: يا أبت أمرتك بأمر فعصيتني (1) ثم أمرتك (2) ~~وها أنت تقبل غدا بمصبغة (3) من الأرض ولا ناصر لك، فقال له علي (رض): ~~[هات] ما عندك إنك لا تزال تحن حنين الجارية (4) ما الذي أمرتني [به] فزعمت ~~أني عصيتك فيه؟ # قال: أمرتك حين أحاط الناس بعثمان أن تعتزل (5) ناحية [عن المدينة] فإن ~~الناس إن قتلوه طلبوك حيث كنت فبايعوك فلم تفعل، ثم قتل عثمان، فلما، أتاك ~~الناس يبايعونك أمرتك بأن لا تفعل حتى يجتمع (6) الناس ويأتيك وفود العرب ~~فلم تفعل، # PageV01P384 # ثم جاءك (1) طلحة والزبير فأمرتك أن لا تتبعهما وتدعهما فإن اجتمعت إليك ~~الأمة قبلت ذلك منها وإن اختلفت رضيت بقضاء الله تعالى (2). # فقال (3) له علي (رض): والله لا أكون كالضبع تنام (4) [على طول] اللدم ~~(5) حتى يصل إليها (6) طالبها وجارها فيدخل الحبل في رجلها ثم يقول دباب ~~دباب (7) فيقطع عرقوبها (8)، ولكن أبوك يضرب المدبر بالمقبل والعاصي ~~بالطائع والمخالف ms050 بالسامع، ثم الأمر لله يفعل ما يشاء (9). # اللدم: شيء يحرك عند غار الضبع حتى تسمعه فترتاع من صوته فتنجحر في (10) ~~غارها فيدخل عليها طالبها وهو يقول: دباب دباب فيربطها، أي لا أنخدع كما # PageV01P385 # ينخدع الضبع (1). # ثم إن عليا (رض) كتب من الربذة إلى طلحة والزبير يقول لهما: أما بعد، يا ~~طلحة ويا زبير فقد علمتما (2) أني لم أرد الناس حتى أرادوني، ولم أبايعهم ~~حتى أكرهوني وأنتما (3) أول من بادر إلى بيعتي، و لم تدخلا في هذا الأمر ~~بسلطان غالب ولا لعرض (4) حاضر، وأنت يا زبير ففارس قريش وأنت يا طلحة فشيخ ~~المهاجرين، ورفعكما (5) هذا الأمر (6) قبل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من ~~خروجكما منه إلا [أن] هؤلاء بنو عثمان هم أولياؤه المطالبون بدمه وأنتما ~~رجلان من المهاجرين وقد أخرجتكما أمكما من بيتها التي أمرها الله تعالى أن ~~تقر فيه، والله حسبكما، والسلام (7). # PageV01P386 # وكتب إلى عائشة: أما بعد [فإنك] خرجت من بيتك تطلبين أمرا كان منك (1) ~~موضوعا، ثم تزعمين أنك لن تريدين (2) إلا الإصلاح بين الناس (3) فخبريني ما # PageV01P387 # النساء وقود العسكر (1). وزعمت أنك مطالبة بدم عثمان، وعثمان من بني أمية ~~وأنت امرأة من بني تيم بن مرة، لعمري إن الذي أخرجك لهذا الأمر وحملك عليه ~~لأعظم ذنبا إليك من كل أحد، فاتق الله يا عائشة وارجعي إلى منزلك واسبلي ~~عليك سترك، والسلام (2). # فرجع الجواب: يا بن أبي طالب، جل الأمر عن العتاب (3) وضاق الوقت عن ~~الجواب (4). # PageV01P388 # ثم إن عليا (رضي الله عنه) كتب إلى أهل الكوفة وسير كتابه مع محمد بن أبي ~~بكر (1)، # PageV01P389 # ومحمد بن جعفر (1) (رض)، يقول لهم: إني اخترتكم (2) على أهل الأمصار ~~وفزعت إليكم لما حدث، فكونوا للدين (3) أعوانا وأنصارا، فانهضوا (4) إلينا ~~فالإصلاح [ما] نريد لتعود هذه الأمة إخوانا (5) فمضيا (6). # وأرسل علي (رض) إلى أهل المدينة فأتاه منها ما أراد من دابة وسلاح (7)، ~~وقام في الناس فخطبهم فقال: إن الله تعالى أعزنا بالإسلام ورفعنا به وجعلنا ~~به إخوانا بعد ذلة وتباعد (8) وتباغض، فجرى الناس على ذلك ما شاء ms051 الله ~~تعالى، الإسلام دينهم، والحق مذهبهم، والكتاب إمامهم، حتى أصيب هذا الرجل ~~بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم (9) الشيطان لينزغ بين هذه الأمة، ألا وإن ~~هذه الأمة لابد مفترقة # PageV01P390 # كما افترقت الأمم قبلهم (1)، فنعوذ بالله من شر ما هو كائن (2). # ثم عاد ثانية فقال: إنه لابد مما هو كائن أن يكون، ألا وإن هذه الأمة ~~ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة شرها فرقة تنتحلني (3) ولا تعمل بعملي، وقد ~~أدركتم ورأيتم، فالزموا دينكم واهتدوا بهدى [نبيكم] محمد (صلى الله عليه ~~وآله) واتبعوا سنته وأعرضوا ما أشكل عليكم على القرآن، فما عرفه القرآن ~~فالزموه وما أنكره فردوه وارضوا بالله [جل وعز] ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ~~(صلى الله عليه وآله) نبيا ورسولا وبالقرآن حكما وإماما (4). # ثم سار علي (رض) من الربذة إلى ذي قار، وأما المحمدان - محمد بن أبي بكر ~~ومحمد بن جعفر (رض) - فإنهما أتيا الكوفة ودخلا بالكتاب على أبي موسى ~~الأشعري (رض) فقرأه على الناس فلم يجابا بشيء، فلما كان الليل دخل ناس من ~~ذوي الحجى (5) على أبي موسى الأشعري فقرأه على الناس فقالوا: ما ترى في ~~الخروج؟ فقال: كان الرأي بالأمس ليس اليوم، إن الذي تهاونتم به فيما مضى هو ~~الذي جر عليكم ما ترون اليوم، وإنما هو أمران القعود سبيل الآخر. والخروج ~~سبيل # PageV01P391 # الدنيا فاختاروا، فلم ينفر إليه (1) أحد (2). فغضب الرجلان (3) وأغلظا ~~لأبي موسى القول، فقال لهما: والله إن بيعة عثمان لفي عنقي وعنق صاحبكما، ~~فإن لم يكن بد من قتال فلا يقاتل أحدا حتى يفرغ من قتلة عثمان حيث كانوا ~~(4). # فانطلقا إلى علي (رضي الله عنه) فأخبراه الخبر وهو بذي قار، فقال علي ~~للأشتر وكان معه: # أنت صاحبنا في أبي موسى والمعترض في كل شيء ولم نقر أبا موسى على عمل ~~الكوفة إلا برأي منك، اذهب أنت والحسن بن علي (5) والعمار (6) فأصلح ما ~~أفسده. # فخرجوا وقدموا الكوفة، فدخلوها والناس في المسجد وأبو موسى يخطبهم # PageV01P392 # ويثبطهم ويقول: أيها الناس، إن أصحاب محمد الذين صحبوه أعلم بالله (1) ~~ورسوله ممن لم يصحبه، وإن ms052 لكم علينا حق النصيحة، وإن هذه فتنة صماء ولقد ~~سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ستكون فتنة القاعد فيها خير من ~~القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب، وقد جعلنا الله ~~تعالى إخوانا وحرم علينا دماءنا وأموالنا (2). # PageV01P393 # فقام إليه الحسن بن علي (رض) فسكته وقال: اعتزل عملنا يا شيخ لا أم لك ~~(1). # فقال: أجلني هذه العشية، فقال: هي لك (2). # PageV01P394 # ثم قام الحسن (رضي الله عنه) فصعد المنبر فخطب فقال: أيها الناس، أجيبوا ~~دعوة أميركم وسيروا (1) إلى إخوانكم، والله لئن يلي هذا الأمر أو النهي ~~فإنه مثل في العاجل والآجل وخير لكم في العاقبة، فأجيبوا دعوتنا على ما ~~ابتلينا به وابتليتم، فإن أمير المؤمنين يقول: قد خرجت مخرجي هذا ظالما أو ~~مظلوما وإني أذكر الله تعالى رجلا رعى حق الله بفرقان إن كنت مظلوما أعانني ~~وإن كنت ظالما أخذ مني، والله إن طلحة والزبير أول من بايعني وأول من خرجا ~~(2) علي فهل استأثرت بمال أو بدلت حكما فانفروا فائمروا بالمعروف وانهوا عن ~~المنكر (3). # وقام عمار (رضي الله عنه) فتكلم أيضا (4). # وروى البخاري في صحيحه عن ابن مريم عبد الله بن زياد الأسدي قال: لما سار ~~طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة بعث علي (عليه السلام) عمار بن ياسر وابنه ~~الحسن فقدما علينا الكوفة وصعدا المنبر وكان الحسن بن علي (عليه السلام) في ~~أعلى المنبر وعمار (رضي الله عنه) أسفل من الحسن فاجتمعنا إليهما (5) فسمعت ~~عمارا يقول: إن عائشة سارت إلى البصرة والله إنها لزوجة نبيكم (صلى الله ~~عليه وآله) في الدنيا والآخرة. ولكن الله [تبارك وتعالى] # PageV01P395 # ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي (1)، انتهى. # وجعل (2) الأشتر (3) (رض) لا يمر بقبيلة (4) إلا دعاهم، فتسامع الناس ~~وأجابوه (5) فقام هند بن عمرو وقال لقومه: إن أمير المؤمنين قد دعانا وأرسل ~~إلينا رسله [حتى جاءنا] مع ابنه الحسن فاسمعوا إلى قوله (6) وانتهوا إلى ~~أمره وأعينوه برأيكم وانظروا معه في هذا الأمر (7). # وقام حجر بن عدي (رحمه الله) فقال: أيها الناس أجيبوا أمير المؤمنين ms053 ~~وانفروا خفافا وثقالا فانفروا وأنا أولكم وأذعن للمسير (8). # PageV01P396 # فقال الحسن: أيها الناس، إني غاد (1) فمن شاء منكم أن يخرج معي (2) الظهر ~~ومن شاء في المساء. # فنفر معهم قريب تسعة آلاف ومائتان (3) في البر وألفان وثمانمائة في البحر ~~(4)، فقدموا على أمير المؤمنين (عليه السلام) بذي قار فلقيهم في ناس من ~~وجوه أصحابه منهم عبد الله بن عباس (رض) فرحب بهم (5) وقال: يا أهل الكوفة، ~~أنتم قتلتم ملوك العجم (6) وفضضتم جموعهم حتى (7) صار إليكم تراثهم (8) ~~وأغنيتم حوزتكم وأعنتم الناس على عدوهم، وقد دعوناكم لتشهدوا معنا إخواننا ~~من أهل البصرة، فإن رجعوا (9) فذاك الذي نريد، وإن يلحوا داريناهم بالرفق ~~حتى يبدأونا بظلم، ولم ندع امرا فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن ~~شاء الله تعالى (10). # ثم دعا علي (رض) بالقعقاع (11) فأرسله إلى أهل البصرة وقال له: الق هذين # PageV01P397 # الرجلين [يا ابن الحنظلية] - يعني طلحة والزبير (1). وكان القعقاع من ~~أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - فادعهما إلى الألفة والجماعة وعظم ~~عليهما الفرقة والمباينة (2)، ومثلك يعلم كيف يصنع. فخرج القعقاع حتى قدم ~~البصرة فبدأ بعائشة فقال أي أم (3) ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ فقالت: ~~أي بني (4) لإصلاح بين الناس (5)، قال: # فابعثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما، فبعثت إليهما فجاءا ~~(6). # فقال لهما القعقاع: إني سألت أم المؤمنين ما أشخصها وأقدمها؟ قالت: # الإصلاح، فما تقولان أنتما متابعان أم مخالفان؟ فقالا: بل متابعان، فقال: ~~أخبراني ما وجه الإصلاح، فوالله إن عرفتماه لتصلحن وإن أنكرتما لا يقع شيء ~~(7) قالا: قتلة عثمان؟ فقال لهما القعقاع: هذا ما لا يكون في هذا الوقت ولا ~~يتهيأ، فالرأي عندي تسكين هذه الثائرة في هذه الساعة وحقن دماء المسلمين، ~~فإذا سكنت فاختلجوا، وليس لهذا الأمر دواء غير هذا، وإن أبيتم إلا لمكابرة ~~هذا الأمر واعتسافه كانت علامة شر وذهاب الأموال والأرواح، فآثروا (8) ~~العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح خير ولا تتعرضوا للبلاء فيصرعنا وإياكم، ~~وأيم الله إني لأقول هذا القول وأدعوكم واني لخائف أن لا يتم حتى يأخذ الله ~~حاجته ms054 من هذه الأمة. فقالوا: قد أصبت وأحسنت، فإن قدم علي على مثل رأيك هذا ~~فقد صلح الأمر. فرجع القعقاع إلى علي وأخبره # PageV01P398 # بذلك فسر به وأعجب (1). # وأشرف القوم على الصلح وكره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه، وأقبلت وفود # PageV01P399 # العرب من [أهل] البصرة نحو علي (عليه السلام) بذي قار لينظروا ما رأي ~~إخوانهم من أهل الكوفة، فأخبروهم أن الذي عليه رأيهم الإصلاح ولا خطر لهم ~~القتال على بال. # وسأل علي (رض) جرير بن شرس (1) عن طلحة والزبير فقال: أما الزبير فإنه ~~يقول: # بايعنا [ه] كرها (2)، وأما طلحة فانه يتمثل بالأشعار فيقول شعرا: # ألا بلغ أبلغ (3) بني بكر رسولا * فليس إلى بني كعب سبيل سيرجع ظلمكم ~~منكم عليكم * طويل الساعدين له فضول (4) فتمثل علي (عليه السلام) بقوله: # ألم تعلم أبا سمعان أنا * نرد (5) الشيخ مثلك ذا الصداع ونذهل عقله ~~بالحرب حتى * يقوم فيستجيب بغير داع فدافع عن خزاعة جمع بكر * وما بك يا ~~سراقة من دفاع (6) ثم إن عليا (رض) قام خطيبا في الناس فحمد الله تعالى ~~وأثنى عليه وذكر الجاهلية وشقاها والإسلام وسعادة الناس به وإنعام الله على ~~الأمة بالجماعة والخليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم الذي يليه ~~ثم حدث هذا الأمر الذي جره (7) على الأمة أقوام طلبوا الدنيا وحسدوا من ~~أفاء الله تعالى منها وأرادوا رد الإسلام والأمور على أدبارها والله بالغ ~~أمره (8). ثم قال علي (عليه السلام): ألا وإني راحل غدا فارتحلوا # PageV01P400 # ولا يرتحلن أحد أعان على قتل عثمان بشيء من أمور الناس، وليغن السفهاء عن ~~أنفسهم (1). # فشق ذلك على الذين خرجوا على عثمان وكان معه منهم بذي قار ألفان وخمسمائة ~~(2) وباتوا بأسوأ ليلة وهم يتشاورون، فقال لهم رئيسهم عبد الله بن سبأ (3) ~~وهو الشهير بابن السوداء: يا قوم إن عزكم في مخالطة الناس فلا تتركوا عليا ~~وألزموه فإذا كان غدا والتقى الناس فانشبوا القتال، فمن كنتم (4) معه لا ~~يجد بدا من أن يمتنع، فإذا اشتغل الناس بالناس ننظر ماذا يكون. فتفرقوا على ~~رأيه (5). # وأصبح ms055 علي (عليه السلام) على ظهر حتى نزل على عبد القيس (6) فانضموا ~~[إليه] وسار من هناك يريد البصرة، فقام إليه الأعور بن بيان المنقري (7) ~~فقال: يا أمير المؤمنين ما # PageV01P401 # تريد بإقدامك إلى البصرة؟ فقال: الإصلاح وإطفاء الثائرة لعل الله تعالى ~~يجمع شمل هذه الأمة بنا ويضع حربهم، قال: فإن لم يجيبوا؟ قال: تركناهم ما ~~تركونا، قال: فإن [لم] يتركوا؟ قال: دفعناهم عن أنفسنا، قال: فهل لهم من ~~هذا مثل الذي عليهم؟ # قال: نعم (1). # وقام إليه أبو سلام الدلابي (2) فقال: يا أمير المؤمنين أترى لهؤلاء ~~القوم حجة [فيما طلبوا من هذا الدم إن كانوا أرادوا الله بذلك؟ قال: أفترى ~~لك حجة] بتأخير ذلك؟ قال: نعم، إن الشيء إذا كان [لا] يدرك فإن الحكم فيه ~~ما كان أحوطه (3) وأعمه نفعا، قال: فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غدا ~~بقتالهم؟ قال: إني لأرجو أن لا يقتل منا ومنهم أحد وقلبه مخلص لله تعالى ~~إلا أدخله الله تعالى الجنة (4). # وسار طلحة والزبير وعائشة فالتقوا عند قصر عبيد الله بن زياد (5) فنزل ~~الناس هناك وهم يتراؤون وأقاموا (6) ثلاثة أيام لم يكن بينهم شيء إلا الصلح ~~وهم يتراسلون، وكان نزولهم في النصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين (7)، ~~فقام # PageV01P402 # علي (عليه السلام) فخطب أصحابه فقال: أيها الناس، املكوا عن هؤلاء أيديكم ~~[وألسنتكم] وإياكم أن تسبقوا إلى شيء فإن المخصوم غدا من خصم اليوم (1). # وكانت عائشة حين نزولهم نزلت في الأزد ويرأس الأزد يومئذ صبرة ابن سبحان ~~(2) فقال له كعب بن سور (3): إن الجموع إذا تراءت لم تستطع كفافها إنما هي # PageV01P403 # نحو تدفق، فأطعني ولا تشهدهم، واعتزل بقومك فإني أخاف أن لا يكون صلح، ~~ودع مضرا وربيعه، فإنهما اخوان، فإن اصطلحا فالصلح أردنا وإن اقتتلا كنا ~~حكاما عليهم غدا، وكان كعب في الجاهلية على دين النصرانية (1)، فقال له ~~صبرة: أخشى أن يكون (2) فيك شيء من دين النصرانية أتأمرني أن أغيب عن إصلاح ~~بين الناس وأخذل أم المؤمنين وطلحة والزبير إذا أرادوا الصلح؟ والله لا ~~أفعل ذلك أبدا، فأطبق أهل ms056 اليمن على الحضور (3). # وحضر مع عائشة المنجاب بن راشد (4) في الرباب وهم: تيم وعدي وثور وعكل ~~بنو عبد مناف (5) ابن [ادبن] طانجة بن إلياس بن مضر وضبة بن ادبن طانجة، ~~وحضر # PageV01P404 # أيضا أبو الجرباء (1) في بني عمر بن تيم وهلال بن وكيع في بني حنظلة ~~وصبرة بن سبحان على الأزد ومجاشع بن مسعود السلمي على سليم وزفر بن الحارث ~~في بني عامر وغطفان ومالك بن مشبع على بكر والحارث بن راشد على بنى ناجية ~~(2) وعلى اليمن ذوي الأحمر الحميري. فنزلت مضر إلى (3) مضر وهم لا يشكون في ~~الصلح، ونزلت ربيعة إلى ربيعة، واليمن إلى اليمن، وكل قبيلة نزلت إلى أختها ~~(4). # وكان أصحاب علي (عليه السلام) عشرين ألفا (5) وأصحاب طلحة والزبير وعائشة ~~ثلاثين (6) # PageV01P405 # ألفا، فأرسل علي (عليه السلام) عشية اليوم الثالث من نزولهم عبد الله بن ~~عباس إلى طلحة والزبير بالسلام، وأرسل طلحة والزبير إلى علي بالسلام، ~~وترددت الرسل بينهم في الصلح فتداعوا إليه، وشاع ذلك في الفئتين فسر الناس ~~بذلك وباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها من الفرح والسرور. ولما أشرفوا عليه من ~~الصلح وبات الذين أثاروا أمر عثمان بأسوأ ليلة لما رأوه ونظروه من تراسل ~~القوم وتصافيهم، فباتوا يتشاورون ليلتهم فأجمع رأيهم على إنشاب الحرب مع ~~الفجر. # [قال:] فلما كان غلس الصبح ثاروا إلى أصحاب طلحة والزبير، مضرهم إلى ~~مضرهم، وربيعتهم إلى ربيعتهم، ووضعوا فيهم السلاح، فثارت كل قبيلة إلى ~~أختها، وقام الحرب بينهم وثبت القتال، ولم يدر الناس كيف الأمر ولا كيف كان ~~(1). فقام في الميمنة أصحاب [طلحة] عبد الرحمن بن الحارث (2)، وفي الميسرة ~~عبد الرحمن [بن] عتاب (3)، وفي القلب طلحة والزبير (4) فقالوا لأصحابهم: ~~كيف كان هذا الأمر؟ # PageV01P406 # قالوا: لا ندري إلا وقد طوقونا في غلس الصبح واضعين فينا السيوف، فقال ~~طلحة والزبير: إن عليا لم يطعنا حتى يسفك الدماء. # وقام علي (عليه السلام) في أصحابه وقال: كيف هذا؟ فقال [له] السبأية: ما ~~شعرنا إلا وقد PageV01P407 # بيتونا فرددناهم فركبونا فثار الناس وثبت القتال، فقال علي (عليه ~~السلام): قد علمت ms057 أن طلحة والزبير غير منتهين حتى يسفكا الدماء وإنهما لم ~~يطاوعا. والسبأية لا تفتر عن القتال وقد وضع الناس السيف في بعضهم بعضا ~~(1)، فأقبل كعب بن سور على عائشة فقال لها: أركبي وقد أبى الناس إلا القتال ~~فأركبوها هودجا وألبسوا هودجها الأدراع وشدوا على جملها " عسكرا " وأبرزوه ~~للناس " (2). # ثم إن عليا (عليه السلام) نادى في معسكره: أيها الناس أنشدكم الله أن لا ~~تقتلوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تستحلوا سبيا، ولا تأخذوا سلاحا ~~ولا متاعا (3). ثم إنه (عليه السلام) # PageV01P408 # رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إن طلحة والزبير أعطياني صفقة أيديهما ~~طائعين ثم نصبا لي الحرب ظاهرين (1)، اللهم فاكفنيهما بما شئت فكيف شئت ~~(2). هذا كله وعلي (عليه السلام) على بغلة وعليه قميص ورداء وعمامة (3)، ~~فلما أسفر النهار [ورأى أنه لم يبق إلا التصافح بالصفاح والتطاول بالرماح] ~~خرج علي (عليه السلام) ما بين الصفين هو على تلك الصفة ونادى بأعلى صوته: ~~أين الزبير بن العوام؟ فليخرج إلي، فقال الناس: يا أمير المؤمنين أتخرج إلى ~~الزبير وأنت [معر وهو لابس وأنت على بغلة وهو على # PageV01P409 # جواد] على هذه الهيئة وقد علمت أنه فارس قريش وبطلها؟ فقال: ليس له علي ~~منه [سنة] ثم نادى الثانية: أين الزبير بن العوام؟ فليخرج إلي. # فخرج إليه الزبير فدنا كل منهما من الآخر إلى أن اختلفت (1) أعناق ~~دوابهما (2)، فقال له علي (عليه السلام): ما حملك على ما صنعت (3) يا زبير؟ ~~قال: حملني على ذلك الطلب # PageV01P410 # بدم (1) عثمان، فقال [له] علي: إن أنصفت من نفسك أنت وأصحابك قتلتموه ~~ولكني أنشدك الله يا زبير، أما تذكر قال لك رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): يا زبير أتحب عليا؟ فقلت: يا رسول الله وما يمنعني من حبه وهو ابن ~~خالي؟! فقال (صلى الله عليه وآله) لك: أما إنك ستخرج عليه وأنت ظالم له، ~~فقال [الزبير]: اللهم بلى قد كان ذلك. # فقال: أنشدك الله ثانيا أما تذكر يوم جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~من عند بني [عمرو بن] ms058 عوف وأنت معه وهو آخذ بيدك فاستقبلته [أنا] فسلمت ~~عليه فضحك في وجهي وضحكت [أنا] إليه فقلت أنت: لا يدع ابن أبي طالب زهوه ~~[أبدا]، فقال لك (صلى الله عليه وآله): # مهلا يا زبير ليس بعلي زهوة ولتخرجن عليه يوما وأنت ظالم له؟ فقال ~~الزبير: اللهم بلى ولكني قد نسيت ذلك وبعد أن ذكرتنيه لأنصرفن، ولو ذكرت ~~هذا قبل ما خرجت عليك ولكن هذا تصديقا لقوله (صلى الله عليه وآله)، ثم كر ~~راجعا. # فقالت [له] عائشة [وهي واقفه في هودجها]: ما وراك يا أبا عبد الله؟ فقال ~~لها [الزبير: ورائي] والله ما وقفت موقفا [قط] ولا شهدت مشهدا في شرك ولا ~~إسلام إلا # PageV01P412 # ولي فيه بصيرة، وأما اليوم في (1) شك من أمري (2) وما أكاد أبصر موضع ~~قدمي (3). # ثم شق الصفوف وخرج من بينهم وأخذ (4) طريق (5) مكة فنزل على قوم من بني ~~تميم فقام إليه عمرو (6) بن جرموز المجاشعي (7) فضيفه وخرج معه إلى وادي ~~السباع # PageV01P413 # وأراه أنه يريد مسايرته ومؤانسته فقتله غيلة بعد أن خدعه بذلك، وأخذ سيفه ~~وخاتمه ومضى يؤم علي بن أبي طالب (عليه السلام) فلما وصله سلم عليه وهنأه ~~بالفتح وأخبره بقتله للزبير بن العوام، فقال له علي أبشر بالنار - يعني ~~قوله، بشر قاتل ابن صفية بالنار -. قال ابن جرموز: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون، إنا إن قاتلناكم فنحن في النار وان قتلنا لكم فنحن في النار؟! فقال ~~علي بن أبي طالب: ويلك ذلك شيء قد سبق لابن صفية. # أما طلحة (1) فأصابه سهم غريب (2) (3) # PageV01P415 # فشك رجله بصفحة الفرس وهو ينادي (1): عباد الله الصبر الصبر، فقال له ~~القعقاع بن عمرو (2): يا أبا محمد إنك لجريح (3)، وإنك لفي شغل عما تريد ~~ادخل البيوت، فدخل ودمه يسيل وهو يقول: اللهم خذ لعثمان مني حتى ترضى (4)، ~~فلما امتلأ خفه (5) دما قال لغلامه: اركب من خلفي وامسكني (6) وابغني مكانا ~~أنزل فيه، فدخل به البصرة وأنزله في دار من خرابها قريبا من ظاهرها فمات ~~[بها] من فوره (7). # وقيل: إنه اجتاز به رجل من أصحاب ms059 علي (عليه السلام) فقال [له]: أنت من ~~أصحاب أمير # PageV01P417 # المؤمنين؟ قال: نعم، قال: امدد يدك أبايعك [له]، فبايعه خوفا من أن يموت ~~وليس في عنقه بيعة، ولما قضى دفن في بني سعد بظاهر البصرة. قال: ولم أر ~~شيخا أضيع دما (1) مني، وتمثل عنه دخوله البصرة بقوله شعرا (2): # فإن تكن الحوادث أقصدتني * وأخطاهن سهمي حين أرمي فقد ضيعت حين تبعت سمعا ~~* سفاهة ما سفهت بفضل (3) حلمي أطعتهم بفرقة آل (4) لأي * فألقوا للسباع ~~دمي ولحمي وكان الذي رمى طلحة مروان بن الحكم، وقيل: غيره، والله أعلم. # ثم ما كان بأسرع من أن أفجأ الناس هزيمة طلحة والزبير (5) وأطافت الخيل ~~بالجمل فلما رأى المنهزمون إطافتهم بالجمل عادوا [عليهم] قلبا واحدا كما ~~(6) كانوا أول مرة (7) وتوافقوا، فوقفت مضر البصرة لمضر الكوفة، وربيعتها ~~لربيعتها، وتيمها لتيمها فاقتتلوا أشد القتال وأعظمه وأكثر مما كان أول ~~مرة، واختلط القوم بعضهم في بعض، فما رؤي قبلها ولا بعدها وقعة أعظم منها ~~(8) ولا أكثر ذراعا مقطوعا ولا يدا مقطوعة، ولم يزل الأمر كذلك حتى قتل خلق ~~كثير ولا يحصون من الفريقين على خطام الجمل. # قال: وأخذ الخطام سبعون رجلا (9) من قريش ما نجا منهم واحد، بل كلهم ~~قتلوا، # PageV01P418 # وكان ممن أخذ بخطام الجمل محمد بن طلحة (1) فجعل لا يحمل عليه أحد إلا من # PageV01P419 # قال " حم لا ينصرون " وكان ذلك من شعار أصحاب علي (عليه السلام)، وكان ~~علي (عليه السلام) قد أذن في أصحابه بأن لا يقتل محمد بن طلحة من عسى أن ~~يظفر به ولا يتعرضه أحد بسوء، فحمل عليه شريح بن أوفى العبسي فقال: " حم " ~~وقد سبقه شريح بالطعنة فأتى على نفسه فكان كما قيل: سبق السيف العذل، وكان ~~محمد بن طلحة هذا من العباد والزهاد (1) واعتزل الناس على جانب وإنما خرج ~~برا بأبيه، وكان يعرف بالسجاد لكثرة صلاته وسجوده، وفي ذلك يقول قاتله شريح ~~بن أوفى العبسي (2): # وأشعث قوام بآيات (3) ربه * قليل الأذى فيما ترى العين مسلم هتكت (4) ~~بصدر الرمح جيب قميصه * فخر صريعا لليدين وللفم # PageV01P420 # على ms060 غير شيء غير أن ليس تابعا * عليا ومن لا يتبع الحق يندم يذكرني حم ~~والرمح شاجر * فهلا تلا حم قبل التقدم وأخذ بخطام الجمل عمرو بن الأشرف (1) ~~فجعل لا يدنو منه أحد إلا خبطه، فأقبل إليه الحارث بن زهير الأسدي (2) وهو ~~يقول: # يا أمنا يا خير أم نعلم (3) * أما ترين كم شجاع يكلم (4) وتجتلى هامته ~~والمعصم وحمل كل واحد منهما على صاحبه فاختلفا بضربتين فوقعت ضربة [كل] ~~واحد منهما على الآخر فقتلته، وأحدقت أهل النجدات والشجاعة بالجمل فكان لا ~~يأخذ أحد بخطام الجمل إلا قتل، وكان لا يأخذه إلا من ينسب ويقول أنا فلان ~~بن فلان الفلاني، فوالله إن كان إلا الموت الأحمر وما أخذه أحد، ثم أفلت ~~منه فعاد إليه (5). # وجاء عبد الله بن الزبير (6) وأخذ بخطام الجمل وهو ساكت لم يتكلم [فقالت ~~له # PageV01P421 # عائشة: من أنت يا هذا؟ لم لا تنتسب؟ فقال: أنا ابن أختك، قالت: عبد ~~الله؟! # واثكل] أسماء، فجاءه الأشتر (رض) وهو آخذ بالخطام فاقتتلا قتالا شديدا ~~فضربه الأشتر (رض) على رأسه فجرحه جراحة خفيفه ثم اعتنق كل واحد منهما ~~بصاحبه وسقطا على الأرض، فقال ابن الزبير: اقتلوني ومالكا (1)، فلم يعرفوا ~~مالكا من هو (2)، ولو عرفه أصحاب ابن الزبير لقتلوه. # ثم إنهما افترقا (3) فجاء الأشتر يقول: لقيت في ذلك اليوم جماعة من ~~الأبطال فما # PageV01P422 # لقيت منهم ما لقيت من ابن الزبير ولقيت من عبد الرحمن بن عتاب أشد من ~~ذلك، لقيته أشد الناس بأسا وأشجعهم قلبا وأثبتهم جأشا، وما كدت أن أنجو منه ~~وتمنيت أني لم أكن لقيته (1). وما رؤي مثل ذلك اليوم وكثرة من أصيب يوم ~~الجمل ومن قتل حوله من العسكرين وقتل عليه خلائق لا يحصون وقطعت عليه أيد ~~كثيرة حتى صاح علي: اعقروا الجمل (2) إن يعقر الجمل تفرق الناس، فانتدب ~~[له] رجل يقال له بحير بن دلجة الكلابي (3) فضرب ساقه فسقط إلى الأرض [على ~~جنبه وله جرجرة # PageV01P424 # عظيمة لم يسمع بمثلها، ولا سمع أشد من عجيجه حين سقط إلى الأرض] فانهزم ~~الناس وتفرق ms061 أصحاب عائشة، فجاء القعقاع وورقة بن نوفل فقطعا ابطان الجمل ~~وحملا الهودج وأنزلاه إلى الأرض وفيه عائشة وأن الهودج لكان كقنفذ (1) لما ~~فيه من السهام، ثم أطافا به وفر من فر وانهزم من انهزم. # فأمر علي (عليه السلام) بالنداء في الناس أن لا يتبعوا مدبرا ولا يجهزوا ~~على جريح ولا يدخلوا دارا ولا يسلبوا سلاحا ولا ثيابا ولا متاعا (2). وأمر ~~علي (عليه السلام) بأن يحمل الهودج من بين القتلى وأرسل إلى عائشة أخاها ~~محمد بن أبي بكر (3) وأمره أن يضرب عليها قبة، وقال: انظر هل وصل إليها شيء ~~من سهم أو جرح، فأدخل رأسه # PageV01P425 # في هودجها فقالت: من أنت؟ قال: أبغض أهلك إليك، قالت: ابن الخثعمية؟ قال: # نعم، قالت: يا ابن أبي الحمد لله الذي عافاك (1). # فلما كان الليل أدخلها أخوها إلى البصرة وأنزلها في دار عبد الله بن خلف ~~الخزاعي (2) على صفية بنت الحارث [بن طلحة] بن أبي طلحة بن العزى بن عثمان ~~بن عبد الدار وهي أم طلحة الطلحات (3)، وتسلل الجرحى ليلا من بين القتلى # PageV01P426 # فدخلوا البصرة (1)، وأقام علي (عليه السلام) بظاهر البصرة ثلاثا (2) وأذن ~~للناس في دفن قتلاهم، فخرجوا إليهم فدفنوهم. # وطاف علي (عليه السلام) على (3) القتلى فلما أتى كعب بن سور قال: زعمتم ~~أن لا يخرج معهم إلا السفهاء. وأتى علي (عليه السلام) على عبد الرحمن بن ~~عتاب فقال: هذا يعسوب القوم (4) الذي كانوا يطوفون (5) به واجتمعوا على ~~الرضا به لصلاتهم (6). وأتى علي (عليه السلام) # PageV01P427 # على قبر طلحة بن عبيد الله فقال: لهفي عليك يا أبا محمد، إنا لله وإنا ~~إليه راجعون، والله لقد كنت أكره أن أرى قريشا صرعى، أنت والله يا أبا محمد ~~كما قال الشاعر: # فتى كان يدنيه الغنى من صديقه * إذا ما هو استغنى (1) وأسعده الفقر (2) # PageV01P428 # وأتى على ابنه محمد وهو صريع فوقف عليه وقال: هذا رجل قتله بره بأبيه ~~(1). # وصلى علي (عليه السلام) على جميع القتلى من أهل البصرة والكوفة وغيرهم ~~وأمر فدفنت الأطراف (2) جميعا في قبر عظيم وجمع ما في ms062 العسكرين من سلاح ~~وثياب وطرح في المسجد وقال: من عرف شيئا فليأخذه إلا سلاحا في الخزائن ~~[كان] عليه سمة السلطان (3). # ولما فرغ علي (عليه السلام) من الواقعة أتاه (4) الأحنف بن قيس (5) في ~~بني سعد يهنونه # PageV01P429 # بالنصر، فقال له علي (عليه السلام): تربصت يا أحنف؟! (1) فقال الأحنف: ما ~~كنت أرى إلا أني قد أحسنت وبأمرك كان ما كان يا أمير المؤمنين، ارفق فإن ~~طريقتك التي سلكت # PageV01P432 # بعيد وأنت إلى غد أحوج منك إلى أمس، فاعرف إحساني وأستبق مودتى لغد، ولا ~~تقل مثل هذا فإني لم أزل لك ناصحا (1). # ودخل علي (عليه السلام) البصرة يوم الاثنين فبايعه أهلها على راياتهم حتى ~~الجرحى والمستأمنة (2). ثم راح إلى عائشة وهي في بيت عبد الله بن خلف وهي ~~أعظم دار بالبصرة، فسلم عليها وجلس إليها (3). ثم إن عائشة سألت عن الناس ~~ومن قتل منهم ممن كان معها ومع علي، فكلما نعى واحد من الفئتين قالت: يرحمه ~~الله، فقيل لها: # كيف ذلك؟! قالت: كذلك قال رسول الله فلان في الجنة وفلان في الجنة. وقال ~~علي (عليه السلام): إني لأرجو أن لا يكون أحد قتل منا ومنهم وقلبه نقي مخلص ~~لله تعالى إلا أدخله الله الجنة (4). # ثم إن عليا (عليه السلام) جهز عائشة بكل ما ينبغي لها من مركب وزاد ~~[ومتاع] وغير ذلك وبعث معها كل من نجا ممن كان معها في الوقعة من أصحابها ~~إلا من أحب (5) المقام (6)، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة ~~المخبورات المعروفات سيرهن معها وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر (7). # PageV01P433 # ولما كان اليوم الذي ارتحلت فيه عائشة أتاها علي (عليه السلام) بنفسه ~~فوقف لها وحضر الناس لوداعها فقالت: يا بني لا يعتب (1) بعضنا على بعض ~~[إنه] والله لم يكن بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة ~~وأحمائها (2) وإنه عندي على معتبتي (3) لمن الأخيار، فقال علي (عليه ~~السلام): [أيها الناس] صدقت والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك وإنها لزوجة ~~نبيكم (4) (صلى الله عليه وآله) في الدنيا ms063 والآخرة. وخرجت يوم السبت غرة ~~رجب وسار معها علي (عليه السلام) أميالا وسرح (5) بنيه معها يوما كاملا ~~(6). وكان توجهها إلى مكة المشرفة فأقامت بها إلى أيام الحج فحجت ثم رجعت ~~إلى المدينة (7). # PageV01P435 # وأما المنهزمون يوم الجمل فكان منهم: عتبة بن أبي سفيان جرح هو وعبد ~~الرحمن ويحيى ابنا الحكم، فساروا في (1) البلاد فلقيهم عصمة بن أبير (2) ~~التميمي فقال: هل لكم في الجوار؟ فقالوا: نعم، فأجارهم وأنزلهم عنده حتى ~~برئت جراحاتهم وسيرهم نحو الشام في أربعمائة راكب، فلما وصلوا معهم إلى ~~دومة الجندل قال (3): ارجعوا فقد وفت ذمة صاحبكم وقد قضيتم ما عليكم، ~~فرجعوا عنهم. وأما ابن عامر فإنه جرح أيضا فلقيه رجل من بني حرقوص فأجاره ~~وسيره إلى الشام. وأما مروان بن الحكم فاستجار بمالك بن مسمع فأجاره فحفظ ~~بنو مروان ذلك لمالك في أيام خلافتهم وانتفع بهم وشرفوه وكرموه. وأما عبد ~~الله بن الزبير فإنه نزل بدار رجل من [ال‍] أزد وبيده ست وثلاثون جراحة، ~~فقال للأزدي: # اذهب إلى أم المؤمنين عائشة وأخبرها بمكاني وإياك أن يطلع على هذا محمد ~~بن # PageV01P436 # أبي بكر (1)، [فأتى الأزدي عائشة فأخبرها فقالت: علي بمحمد بن أبي بكر ~~فقال لها الأزدي: إنه نهاني من أن يعلم بمكانه، فقالت: لا عليك، فلما أتاها ~~محمد بن أبي بكر] فقالت: اذهب مع هذا الرجل وائتني بابن أختك عبد الله. ~~فانطلق معه حتى دخلا عليه، فخرج به إلى عائشة وهي بدار عبد الله بن خلف ~~التي كانت نازلتها في البصرة (2). # ولما فرغ علي (عليه السلام) من بيعة أهل البصرة قسم ما كان في بيت المال ~~على من شهد معه (3) الوقعة فأصاب كل رجل (4) منهم خمسمائة دينار (5) وقال ~~لهم: إن أظفركم الله بأهل الشام فلكم مثلها إلى اعطياتكم (6). # قال القعقاع بن عمرو: ما رأيت شيئا أشبه [بشيء] من قتال يوم الجمل بقتال ~~يوم صفين، ولقد رأيتنا ندافعهم بأسنة رماحنا ونتكئ على أزجتها وهم مثل ذلك ~~حتى لو أن الرجال مشت عليها لاستقلت بهم (7). # وقال عبد الله بن سنان الكاهلي: ms064 لما كان يوم الجمل ترامينا بالنبل حتى ~~فنيت، وتطاعنا بالرماح حتى انكسرت، وتشبكت في صدورنا وصدورهم حتى لو أن ~~الخيل سيرت عليها لسارت. فقال علي (عليه السلام): السيوف يا أبناء ~~المهاجرين والأنصار، فما شبهت وقع أصواتها في البيض والجحف إلا بأصوات ~~القصارين (8). # PageV01P437 # وعلم أهل المدينة بوقعة الجمل من يومها من البصرة قبل أن تغرب الشمس، ~~وذلك لما كانت تمر النسور حول المدينة يرى معها من أعضاء القتلى من يد ورجل ~~وعضد وغير ذلك فيتساقط منها، ووجد كف فيه خاتم نقش عبد الرحمن بن عتاب. # وعلم من بين مكة والمدينة لمثل ذلك لما يتساقط من النسور عليهم من أعضاء ~~بني آدم (1). # وذكر نقلة الأخبار وأصحاب التواريخ أن عدة من قتل من أهل الجمل ستة عشر ~~ألفا وسبعمائة وتسعون رجلا، وكانت (2) جملتهم ثلاثين ألفا، فأتى القتل على ~~أكثر من نصفهم، وأن عدة من قتل من أصحاب علي (عليه السلام) ألفا وسبعون ~~رجلا وكانت عدتهم عشرين ألفا، وقيل غير ذلك، والله أعلم (3). # PageV01P438 # ولما انقضت وقعة الجمل اتفق حرب صفين (1) المشتمل على وقايع يضطرب لها ~~فؤاد الجليد، ويشيب لها فؤاد الوليد، ويجبن منها قلب البطل الصنديد، وذلك ~~أن عليا (عليه السلام) لما عاد من البصرة بعد فراغه من الجمل قصد الكوفة ~~وأرسل إلى جرير بن عبد الله البجلي (2) وكان عاملا على همدان (3) استعمله ~~عليها # PageV01P439 # عثمان (1)، وأرسل إلى الأشعث بن قيس (2) وكان عاملا على آذربيجان من جهة ~~عثمان أيضا (3)، فلما حضرا أخذ عليهما البيعة وأقرهما على عملهما (4). # PageV01P440 # ثم إن عليا (عليه السلام) خرج بعسكره إلى النخيلة (1) واستنفر (2) الناس ~~للمسير إلى معاوية وقتال أهل الشام، فبلغ ذلك معاوية فاستشار عمرو بن العاص ~~(3) فقال له: أما إذا سار إليك علي بنفسه فأخرج إليه بنفسك ولا تغب عنه ~~برأيك ومكيدتك (4). فخرج معاوية وخرج معه عمرو بن العاص فكتبا الكتايب، ~~وعبيا الجيوش، وعقد معاوية لواء لعمرو بن العاص، ولواء لابنيه محمد وعبد ~~الله ولواء لغلامه وردان، وفي ذلك يقول (5): # PageV01P443 # هل يغنين (1) وردان عني قنبرا * وتغني السكون (2) عني حميرا إذا ms065 الكماة ~~لبسوا السنورا (3) فبلغ ذلك عليا (عليه السلام) فقال (4): # لا صبحن العاص ابن العاصي * سبعين (5) ألفا عاقدي النواصي # PageV01P445 # [مستحقبين حلق الدلاصي * قد جنبوا الخيل مع القلاص] (2) مجنبين الخيل ~~بالقلاص * مستحقبين حلق الدلاص [آساد غيل حين لا مناص] ثم إن كل واحد منهما ~~سار في لقاء الآخر فتوافوا على الفرات فدعا علي (عليه السلام) أبا عمرة (3) ~~بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري (4)، وسعد بن قيس الهمداني (5) وشبث بن ربعي ~~التميمي (6) فقال لهم: اذهبوا إلى هذا الرجل - يعني معاوية - وادعوه إلى ~~الله تعالى وإلى الطاعة والجماعة لعل الله تعالى أن يهديه ويلتئم شمل هذه # PageV01P446 # الأمة (1). وكان ذلك في أول يوم من ذي الحجة سنة ست وثلاثين من الهجرة، ~~فأتوه ودخلوا عليه، فابتدأ (2) بشير بن عمرو الأنصاري فحمد الله وأثنى عليه ~~وقال: يا معاوية، إن الدنيا عنك زائلة وإنك راجع إلى الآخرة، وإن الله ~~تعالى محاسبك بعملك (3) ومجازيك بما قدمت يداك (4) وإني أنشدك الله تعالى ~~أن لا تفرق جماعة هذه الأمة وأن لا تسفك دماءها فيما بينها. فقطع معاوية ~~عليه كلامه وقال: هلا أوصيت (5) بذلك صاحبك، فقال: إن صاحبي ليس أحد مثله ~~وهو صاحب السابقة في الإسلام والفضل والدين والقرابة من رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) (6). # قال: فما الذي عندك يا ابن عمرو؟ وما الذي تأمرني به؟ قال: الذي عندي وما ~~آمرك به تقوى الله وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق فإنه أسلم لك ~~في دنياك وخير لك في عاقبة أمرك، قال معاوية: ونطل (7) دم عثمان والله لا ~~أفعل ذلك أبدا. # ثم تكلم سعد بن قيس وشبث بن ربعي، فلم يلتفت معاوية إلى كلامهم وقال: # انصرفوا من عندي فإنه ليس بيني وبينكم إلا السيف (8)، فقال له شبث بن ~~ربعي: # أفعلينا تهول (9) بالسيف؟ وأقسم ليعجلن بها إليك (10). # فأتوا عليا (عليه السلام) فأخبروه بالذي كان (11)، فجعل علي (عليه ~~السلام) بعد إتيانهم بكلام معاوية # PageV01P447 # يأمر الرجل ذا الشرف من أصحابه أن يخرج في خيل [فيخرج إليه جماعة من ~~أصحاب معاوية في خيل] ms066 مثلها فيقتتلان، ثم تنصرف كل خيل إلى أصحابها وذلك ~~لما كرهوه (2) من ملاقاة جمع أهل العراق لجمع أهل الشام فيكون فيه استئصال ~~العسكرين وذهاب الفئتين وهلاك المسلمين (3). فكان علي (عليه السلام) يخرج ~~مرة، ومرة الأشتر (4)، ومرة حجر بن عدي الكندي (5)، ومرة شبث بن ربعي (6)، ~~ومرة خالد بن # PageV01P448 # المعمر (1)، ومرة زياد بن النضر الحارث (2)، ومرة زياد بن خصفة التيمي ~~(3)، ومرة سعد بن قيس الهمداني (4)، ومرة معقل بن قيس الرياحي (5)، ومرة ~~قيس بن سعد الأنصاري (6) رضي الله عنهم (7). وكان الأشتر (رض) أكثرهم خروجا ~~للقتال (8). # وكان معاوية يخرج إليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد (9) مرة، ومرة أبو ~~الأعور # PageV01P449 # السلمي (1)، ومرة حبيب بن مسلمة (2) الفهري (3)، ومرة [ابن] ذي الكلاع ~~الحميري (4)، ومرة عبيد الله (5) بن عمر [بن الخطاب] (6)، ومرة شرحبيل بن ~~السمط # PageV01P450 # الكندي (1)، # PageV01P451 # ومرة حمزة بن مالك الهمداني (1) فاقتتلوا أيام ذي الحجة وربما اقتتلوا في ~~اليوم الواحد مرتين (2). # ثم دخلت سنة سبع وثلاثين فحصل في شهر المحرم منها بين علي (عليه السلام) ~~ومعاوية موادعة على الحرب طمعا في الصلح واختلفت الرسل بينهما فلم يتفق صلح ~~(3). فلما # PageV01P452 # انسلخ المحرم أمر علي (عليه السلام) مناديا فنادى: يا أهل الشام يقول لكم ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إني استدمتكم (1) لتراجعوا الحق وتنيبوا ~~إليه فلم تفعلوا ولم تنتهوا عن طغيان ولم تجيبوا إلى طاعة وإني قد نبذت ~~إليكم سواء والله لا يحب الخائنين (2). # ثم أصبح علي (عليه السلام) فجعل على خيل [أهل] الكوفة الأشتر (3) (رض)، ~~وعلى خيل # PageV01P453 # [أهل] البصرة سهل بن حنيف (1)، وعلى رجالة [أهل] الكوفة عمار بن ياسر (2) ~~(رض)، # PageV01P454 # وعلى رجالة [أهل] البصرة قيس بن سعد (1)، وجعل مسعر بن فدكي على قراء ~~الكوفة (2) # PageV01P455 # وقراء أهل البصرة، وأعطى الراية هاشم بن عتبة المرقال (1)، وخرج إلى ~~مصافاتهم (2) # PageV01P456 # وذلك في أول يوم من صفر (1). # فخرج إليهم معاوية وقد جعل على ميمنته [ابن] ذا الكلاع الحميري (2)، وعلى ~~ميسرته حبيب بن مسلمة الفهري (3)، وعلى مقدمته أبا الأعور السلمي (4)، وعلى ~~خيل دمشق عمرو بن العاص (5)، وعلى رجالة دمشق مسلم بن عقبة (6) المري ms067 (7)، ~~وعلى بقية أصحابه الضحاك بن قيس (8) (9). وبايع رجال رجالا من أهل الشام ~~على # PageV01P457 # الموت فعقلوا أنفسهم بعمائمهم (1) وكانوا خمس (2) صفوف. # فلما توافقت الأبطال وتصافت الخيل للمبارزة والنزال خرج من عسكر معاوية ~~فارس من أهل الشام معروف بشدة البأس وقوة المراس يقال له المخراق (3) بن ~~عبد الرحمن (4) فوقف بين الصفين وسأل المبارزة، فخرج إليه فارس من أهل ~~العراق يقال له ابن المرادي (5) فتطاعنا بالرماح ثم تضاربا بالصفاح وظفر به ~~الشامي فقتله، ثم نزل عن فرسه فاحتز (6) رأسه وحك بوجهه الأرض وتركه مكبوبا ~~على وجهه، ثم ركب فرسه وسأل المبارزة فخرج إليه فتى من الأزد يقال له مسلم ~~بن عبد ربه (7) فقتله الشامي أيضا وفعل به ما فعل بالأول أيضا. # ثم ركب فرسه وخرج إلى المبارزة فخرج إليه علي (عليه السلام) متنكرا ~~فتجاولا ساعة ثم ضربه الإمام البطل الهمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ~~بالسيف جاءت عاتقه رمت بشقه (8) # PageV01P458 # إلى الأرض وسقط، ونزل علي (عليه السلام) عن فرسه وحز (1) رأس الشامي وجعل ~~وجهه إلى السماء، ثم ركب ونادى: هل من مبارز؟ فخرج إليه فارس من فرسان ~~الشام فقتله علي (عليه السلام) ونزل عن فرسه وحز رأسه وجعل (2) وجهه إلى ~~السماء، ثم ركب ونادى: # هل من مبارز فخرج إليه فارس آخر من فرسان الشام فقتله وفعل به كما فعل ~~بصاحبيه الأولين، وهكذا إلى أن قتل منهم سبعة، فأحجم الناس عنه ولم يقدم ~~على مبارزته أحد بعد أولئك، فجال بين الصفين جولة ورجع إلى أصحابه ولم ~~يعرفه أهل الشام لأنه كان متنكرا (3). # ومنها: ما اتفق في بعض أيامها وقد تقابل الجيشان، إذ خرج فارس من أبطال ~~عسكر أهل الشام يقال له: كريب بن الصباح (4) فوقف بين الجمعين (5) وسأل ~~المبارزة # PageV01P459 # فخرج إليه فارس من أهل العراق يقال له المرقع الخولاني (١) فقتله الشامي، ~~ثم خرج إليه الحارث الحكمي (٢) فقتله الشامي أيضا، فنظر الناس إلى مقام ~~فارس صنديد فخرج إليه علي (عليه السلام) بنفسه الكريمة فوقف بإزائه وقال ~~له: من أنت أيها الفارس فقال: # أنا كريب ms068 (٣) بن صالح الحميري فقال له علي (عليه السلام): يا كريب أحذرك ~~الله في نفسك وأدعوك إلى كتابه وسنة نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) فقال ~~[له] كريب: من أنت؟ فقال أنا علي بن أبي طالب، يا كريب الله الله في نفسك ~~فإني أراك بطلا فارسا فيكون لك مالنا وعليك ما علينا ولا يغررك معاوية، ~~فقال: ادن مني يا علي، وجعل يلوح بسيفه فجرد الإمام سيفه ودنا منه فتجاولا ~~ساعة ثم اختلفا بضربتين فسبقه الإمام بالضربة فقتله وسقط إلى الأرض (٤) ثم ~~نادى: هل من مبارز؟ فخرج إليه الحارث الحميري (٥) فقتله وسقط على الأرض، ~~وهكذا لم يزل يخرج إليه فارس بعد فارس إلى أن قتل منهم أربعة (٦) وهو يقول: ~~﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمت ~~قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [واتقوا الله] ~~واعلموا أن الله مع المتقين﴾ (7). # PageV01P460 # ثم قال (1) علي (عليه السلام): يا معاوية هلم إلى مبارزتي لا تفنى العرب ~~بيننا (2)، فقال معاوية: لا حاجة لي في مبارزتك فقد قتلت أربعة من أبطال ~~العرب فحسبك (3). # فصاح فارس من أصحاب معاوية يقال له عروة (4) فقال: يا ابن أبي طالب إن ~~كان معاوية قد (5) كره مبارزتك فأنا (6)، وجرد سيفه وخرج للإمام فتجاولا ثم ~~إنه سبق الإمام بضربة تلقاها علي (عليه السلام) في سيفه، ثم إن عليا (عليه ~~السلام) ضربه ضربة على رأسه ألقاه إلى الأرض قتيلا (7)، فعظم على أهل الشام ~~قتل عروة لأنه كان من أعظم شجعانهم ومشاهير فرسانهم ثم حجز الليل بينهم. # ومنها: ما اتفق أيضا في بعض أيامها وقد تقابل الجيشان إذ خرج علي بن أبي ~~طالب (عليه السلام) متنكرا فدعا بالمبارزة (8) فقال معاوية لعمرو بن العاص: ~~عزمت عليك إلا # PageV01P461 # ما خرجت لمبارزة هذا الفارس، فخرج إليه عمرو وهو لا يعرف أنه علي، فلما ~~رآه علي عرفه فاطرد (1) بين يديه ليبعده عن أصحابه (2)، فتبعه عمرو هو ~~يقول: (3) يا قادة الكوفة يا أهل الفتن * أضربكم ولا أرى أبا الحسن فكر ~~عليه علي (عليه السلام) ms069 وهو يقول: # أبو الحسين فاعلمن والحسن * قد جاك يقتاد العنان والرسن فعرفه عمرو فولى ~~عنه ركضا وهو يقول: مكره أخاك لا بطل، فلحقه علي (عليه السلام) فطعنه طعنة ~~جاءت في فضول (4) درعه فألقته إلى الأرض فظن أن عليا قاتله فرفع # PageV01P463 # رجليه (1) فبدت سوأته، فصرف علي عنه وجهه راجعا إلى عسكره وهو يقول: عورة ~~المؤمن حمى، فقام عمرو فركب فرسه وأقبل على معاوية فجعل معاوية يضحك (2) ~~منه، فقال عمرو: مم تضحك؟ والله لو تكن أنت وبدا له من صفحتك ما بدا [له] ~~من صفحتي لصرت كذلك وما أقالك، فقال له معاوية: لو كنت أعلم أنك ما تحمل ~~مزاحا ما مازحتك، فقال عمرو: وما أحملني للمزاح ولكني رأيت أن لقي رجل رجلا ~~قصد أحدهما على الآخر انفطر السماء دما، فقال معاوية: ولكنها سوأة تعقب ~~فضيحة الأبد، أما والله لو عرفته ما قدمت عليه. والى ذلك أشار أبو فراس ~~بقوله: # ولا خير في دفع (3) الردى بمذلة * كما ردها يوما بسوأته عمرو ثم إن فارسا ~~من فرسان معاوية كان مشهورا بالشجاعة يقال له بسر بن أرطاة (4) # PageV01P464 # حدثته نفسه بالخروج إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومبارزته، وكان له ~~غلام شهم شجاع يقال له لاحق (1) فشاوره في ذلك فقال: ما أشير عليك إلا أن ~~تكون واثقا من نفسك (2) إنك (3) من أقرانه ومن فرسان ميدانه فابرز إليه ~~فإنه الأسد (4) الخادر والشجاع # PageV01P465 # المطرق، وأنشد العبد يقول (1): # فأنت له يابسر إن كنت مثله * وإلا فإن الليث للضبع آكل متى تلقه فالموت ~~في رأس رمحه * وفي سيفه شغل لنفسك شاغل قال: ويحك هل هو إلا الموت، والله ~~لابد لي من مبارزته على كل حال (2). فخرج بسر بن أرطاة لمبارزة علي فلما ~~رآه علي (عليه السلام) حمل عليه ودقه بالرمح، فسقط على قفاه إلى الأرض فرفع ~~رجليه (3) فبدت سوأته، فصرف علي (عليه السلام) وجهه فوثب بسر قائما وقد ~~سقطت البيضة (4) عن رأسه فعرفه أصحاب علي، فصاحوا به: يا أمير المؤمنين إنه ~~بسر بن أرطاة لا يذهب، فقال [رض]: دعوه ms070 (5) وإن كان فعليه ما يستحق، فركب ~~جواده ورجع إلى معاوية. فجعل معاوية يضحك منه ويقول له: لا عليك ولا تستحي، ~~فقال (6): نزل بك ما نزل بعمرو فصاح رجل (7) من أهل الكوفة: # ويلكم يا أهل الشام أما تستحون من كشف الا ستاه، وأنشد بقوله (8): # PageV01P466 # ألا (1) كل يوم فارس بعد فارس (2) * له عورة وسط (3) العجاجة بادية يكف ~~حيا لها (4) علي سنانه * ويضحك منها في الخلاء معاوية بدت أمس من عمرو فقنع ~~(5) رأسه * وعورة، بسر مثلها حذو حاذيه فقولا لعمرو وابن أرطاة أبصرا * ~~سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه # PageV01P467 # ولا تحمدا إلا الحياة (1) وخصاكما * هما كانتا والله للنفس واقيه ~~فلولاهما لم تنجوا من سنانه * وتلك بما فيها عن العود كافيه ناهيه (2) متى ~~تلقيا الخيل المشيحة (3) صبحة * وفيها علي فاتركا الخيل ناحية وكان بسر بن ~~أرطاة يضحك من عمرو وصار عمرو يضحك منه (4)، وتحامى أهل الشام عليا وخافوه ~~خوفا شديدا (5) ولم يقدر (6) واحد منهم مبارزته، وصار علي (عليه السلام) لا ~~يخرج إلى المبارزه إلا متنكرا. # ثم إن مولى من موالي عثمان يقال له الأحمر (7) وكان شجاعا خرج يبغي ~~المبارزة، فخرج له مولى لعلي يقال له كيسان (8) فحمل كل منهما على صاحبه ~~فسبقه الأحمر بالضربة فقتله (9)، فقال علي: قتلني الله إن لم أقتلك به ~~(10). فكر علي على # PageV01P468 # العبد فرجع العبد عليه بالسيف فضربه فتلقاها علي بسيفه فنشب (1) السيف ~~بالسيف، فدنا علي منه ومد يده إلى عنقه فقبض (2) عليها ورفعه عن فرسه وجلد ~~(3) به الأرض فكسر ظهره وأضلاعه ورجع عنه (4). # وكان لمعاوية عبد يقال له حريث (5) وكان فارسا بطلا شجاعا ومعاوية يحذره ~~من التعرض لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) (6) فخرج علي متنكرا يطلب ~~المبارزة وقد عرفه عمرو بن العاص فقال لحريث: " عليك بهذا الفارس لا يفوتنك ~~اقتله وتشيع به، فخرج له حريث وهو لا يعرف أنه علي، فما كان بأسرع من أن ~~ضربه الإمام بالسيف ضربة على أم رأسه سقط منها إلى الأرض قتيلا، وتبين ~~لمعاوية ولأهل الشام أن قاتله علي بن أبي طالب (عليه السلام) ms071 فشق ذلك على ~~معاوية وقال لعمرو: أنت قتلت عبدي وغررته ولم يقتله أحد غيرك (7). # ومنها: ما اتفق في بعض مصافه (8) أن خرج العباس بن ربيعة الهاشمي (9) من # PageV01P469 # أصحاب علي (عليه السلام) وخرج إليه فارس مشهور يقال له غرار (1) من أصحاب ~~معاوية فقال: يا عباس هل لك في المبارزة؟ فقال العباس: هل لك في المنازلة، ~~فقال: نعم، فرمى كل واحد منهما بنفسه عن فرسه وتلاقيا وكف أهل الجيشين (2) ~~أعنة خيولهم عنهما لينظرا ما يكون من أمرهما، فتجاولا ساعة بسيفهما فلم ~~يقدر أحد منهما على الآخر. ثم إنهما تجاولا ثانية فتبين للعباس وهن في درع ~~الشامي، وكان سيف العباس قاطعا فضربه بالسيف على وسطه (3) من فوق الدرع ~~فقسمه (4) بنصفين فكبر الناس وعجبوا لذلك. # وعطف العباس على فرسه فركبها وجال بين الصفين (5)، فقال معاوية لأصحابه ~~من خرج منكم إلى العباس (6) فقتله فله عندي ديتان (7)، فخرج فارسان من لخم ~~(8) وقال كل واحد منهما: أنا له، فقال اخرجا [إليه] فأيكما [سبق إلى] قتله ~~فله من # PageV01P470 # المال عندي ما قلت (١) وللآخر نصف مثله (٢)، فخرجا جميعا ووقفا في مقر ~~المبارزة (٣) ثم صاحا: يا عباس هل لك في المبارزة فابرز لأينا اخترت، فقال: ~~[حتى] أستأذن أميري (٤) وأرجع إليكما فجاء إلى علي (عليه السلام) فاستأذنه ~~فقال علي (رض): أنا لهما ادن مني يا عباس وهات لبسك وفرسك وجميع ما عليك ~~وخذ لبسي وفرسي. # ثم إن عليا (عليه السلام) خرج إليهما فجال بين الصفين وكل من رآه يظنه ~~العباس فقال له اللخميان: استأذنت صاحبك (٥) فتحرج علي (عليه السلام) من ~~الكذب فقال: ﴿أذن للذين يقتلون بأنهم ~~ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير﴾ (6) فتقدم إليه أحدهما فاختلفا (7) ~~بضربتين سبقه أمير المؤمنين بالضربة فجاءت (8) على بطنه (9) فقطعته بنصفين، ~~فتقدم إليه الآخر فما كان بأسرع من طرفة عين من أن ألحقه بصاحبه، وجال بين ~~الصفين جولة ورجع إلى مكانه، فتبين لأهل الشام ومعاوية أنه علي بن أبي طالب ~~(عليه السلام) ولكنه تنكر، فقال معاوية: قبح الله اللجاج، إنه لقعود ms072 ما ~~ركبه أحد قط إلا خذله (10)، فقال عمرو: # المخذول والله اللخميان لا [أنت] (11). # PageV01P471 # ومنها: ليلة الهرير (1) التي كلما أردى (2) علي [رض] فيها قتيلا أعلن ~~عليه بالتكبير فأحصيت (3) تكبيراته في تلك الليلة فكانت خمسمائة تكبيرة ~~وثلاثا وعشرين تكبيرة بخمسمائة وثلاثا وعشرين قتيلا (4)، وكان الناس ~~يتلاطمون في تلك (5) # PageV01P472 # الليلة تلاطم السيول والأمواج ويتصادمون تصادم الفحول عند الهياج. ولما ~~أسفر صبح هذه الليلة عن ضياء وحسر الليل عن ظلماته كانت عدة القتلى من ~~الفريقين ستة وثلاثون ألفا (1)، وكانت هذه الليلة ليلة الجمعة. # وأصبح أمير المؤمنين (عليه السلام) والمعركة كلها خلف ظهره وهو في قلب ~~معسكره والأشتر (2) (رض) في الميمنة وابن عباس (رض) في الميسرة (3) والناس ~~يقتتلون (4) من كل جانب ولوائح النصر لائحة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~(عليه السلام) والأشتر يزحف في الميمنة يقاتل بها ويقول لأصحابه: ازحفوا ~~قبل هذا الرمح، ويزحف بهم زحفة ثانية ويقول: قيد هذا القوس، وكلما فعلوا ~~(5)، يزحف نحو أهل الشام ويقول مثل ذلك (6). # PageV01P473 # ولما رأى علي بن أبي طالب (عليه السلام) الظفر من ناحية الأشتر (رض) أمده ~~برجال (1). # ولما رأى عمرو بن العاص (2) وهن أهل الشام وخورهم وأن أهل العراق استعلوا ~~عليهم وأن الحرب قد فضت (3) أصحابه وقد تضاحى عليهم النهار وتخايل # PageV01P474 # منهم (1) الهزيمة والفرار (2) قال لمعاوية: هل لك في أمر أعرضه عليك لا ~~يزيدنا إلا اجتماعا ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: نعم (3): قال: ترفع المصاحف ~~على رؤوس الرماح ثم تقول: ندعوكم لما فيها، وهذا حكم بيننا وبينكم، فإن أبى ~~بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول: ينبغي أن نقبل كتاب الله عز وجل فيكون ~~فرقة بينهم، وان قبلوا لما فيها رفع القتال عنا إلى أجل (4). # فرفعوا المصاحف على رؤوس الرماح (5) وقالوا: هذا كتاب الله بيننا وبينكم ~~من # PageV01P475 # لثغور أهل الشام؟ ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق؟ (1) فلما رآها ~~الناس قالوا: # نجيب إلى كتاب الله تعالى (2)، فقال لهم علي بن أبي طالب (عليه السلام): ~~عباد الله امضوا إلى (3) حقكم وصدقكم في قتال عدوكم، فإن معاوية وعمرو ms073 بن ~~أبي معيط وابن أبي سرح والضحاك أنا اعرف بهم منكم ليسوا بأصحاب قرآن وقد ~~صحبتهم أطفالا ثم رجالا، ويلكم والله ما رفعوها إلا مكيدة وخديعة وقد وهنوا ~~(4). فقال أصحاب علي (عليه السلام) القراء منهم: ما يسعنا (5) أن ندعى إلى ~~كتاب الله عز وجل فنأبى أن نقبله؟! فقال لهم علي (عليه السلام): إني إنما ~~أقاتلهم ليدينوا (6) لحكم الكتاب فإنهم قد عصوا الله تعالى فيما يأمرهم ~~ونسوا عهده ونبذوا كتابه (7). فقال له مسعر (8) بن فدكي التميمي وزيد بن ~~حصين (9) الطائي في عصابة من القراء الذين صاروا خوارج فيما بعد (10): يا ~~علي (11) # PageV01P476 # أجب إلى كتاب الله تعالى إذا دعيت إليه وإلى ما فيه أولا وإلا دفعناك ~~برمتك إلى القوم (1). وكان الأشتر (رض) في الميمنة وعلي (عليه السلام) في ~~القلب وابن عباس في الميسرة على ما سبق ذكره. # فكف علي وابن عباس عن القتال (2) ولم يكف الأشتر (3) وذلك لما رأى من ~~لوايح النصر والظفر فقالوا: ابعث إلى الأشتر فليأتك ويكف عن القتال فبعث ~~إليه علي يزيد بن هانئ يستدعيه (4)، فقال الأشتر: قل لأمير المؤمنين: ليست ~~هذه الساعة بالساعة التي ينبغي أن يزيلني بها عن موقفي (5) فإني قد وجدت ~~ريح الظفر (6). # فأتى عليا وأخبره بمقالته فرده إليه ثانيا وهو يقول له: اقبل إلي فإن ~~الفتنة قد وقعت، فجاءه (7) الأشتر (رض) وقال: ما هذا؟ ألرفع المصاحف؟ قال: ~~نعم، قال: # والله لقد ظننت أنها ستوقع (8) اختلافا وفرقة وأنها مشورة ابن العاص (9). # فأقبل الأشتر على القوم من أصحابه وقال: يا أهل العراق يا أهل الذل ~~والوهن، أحين علوتم القوم وعرفوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم ~~إلى ما فيها؟ # ويلكم أمهلوني فواقا فإن الفتح قد حصل والنصر قد أقبل، قالوا: لا يكون ~~ذلك أبدا فقال: أمهلوني عدو الفرس، قالوا: إذن ندخل معك في خطيئتك، قال: ~~محدثوني (10) # PageV01P477 # عنكم متى كنتم محقين؟ أحين تقاتلون وخياركم يقتلون؟ أم الآن حين أمسكتم ~~(1) عن القتال؟ فقالوا: دعنا منك يا أشتر قاتلناهم لله وندعهم لله، قال: ~~خدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم يا ms074 أصحاب الجباه السود، كنا نظن أن ~~صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقا إلى لقاء الله تعالى فلا أرى فراركم إلا إلى ~~الدنيا من الموت (2). يا أشباه النيب (3) الجلالة ما أنتم برائين بعدها عزا ~~أبدا، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون. # فسبوه وسبهم وضربوا وجه دابته، فصاح بهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) ~~[فكفوا] (4). # PageV01P478 # واتفق الناس على أن يجعلوا القرآن حكما بينهم (1) ورضوا (2) بذلك، فجاء ~~الأشعث (3) إلى علي (عليه السلام) فقال: أرى الناس قد رضوا وسرهم بما دعوا ~~إليه من حكم القرآن بينهم (4) # PageV01P481 # فإن (1) شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد (2)، قال: ائته، فأتاه (3) فقال: ~~لأي شيء رفعتم هذه المصاحف؟ قال: لنرجع (4) نحن وأنتم إلى ما أمر الله ~~تعالى في كتابه تبعثون (5) رجلا [منكم] ترضونه ونبعث رجلا [منا] نرضاه ~~ونأخذ عليهما أن لا يعملا إلا بما في كتاب الله تعالى لا يعدوانه، ثم نتبع ~~ما اتفقا عليه (6)، قال الأشعث: # هذا هو الحق، فانصرف (7) إلى علي فأخبره بما قال معاوية. # فقال الناس: قد رضينا ذلك وقبلناه، فقال أهل الشام اخترنا (8) عمرا، وقال ~~الأشعث وأولئك الذين صاروا خوارج فيما بعد: نرضى بأبي موسى الأشعري (9)، ~~فقال لهم علي (عليه السلام)، قد عصيتموني في أول الأمر ولا تعصوني الآن لا ~~أرى أن تولوا أبا موسى الحكومة فإنه يضعف عن عمرو ومكايده (10)، فقال ~~الأشعث، وزيد بن # PageV01P482 # حصين [الطائي]، ومسعر (1) بن فدكي: لا نرضى إلا به فإنه قد حذرنا مما ~~وقعنا فيه فلم نسمع منه (2)، فقال علي (عليه السلام): إن أبا موسى لا يكمل ~~(3) في هذا الأمر (4) ولكن هذا ابن عباس دعوني نوليه (5) فإنه أدرى منه ~~بهذه الأمور (6) فقالوا: والله لا نبالي أنت كنت أم ابن عباس لا نريد إلا ~~رجلا هو منك ومن معاوية سواء (7)، فقال: فدعوني أجعل الأشتر (8)، قالوا: ~~وهل سعر الأرض نارا إلا الأشتر؟! فقال: قد أبيتم أن ترضوا إلا أبا موسى؟ ~~(9) # PageV01P483 # قالوا: نعم، قال: فاصنعوا ما أردتم (1) (2). # فبعثوا إلى أبي موسى وجاؤوا (3) به وكان معتزل القتال (4) عن (5) ~~الفئتين، فأتاه مولى له فقال له: إن الناس ms075 قد اصطلحوا، فقال: الحمد لله (6) ~~فقال إنهم قد جعلوك حكما بينهم، فقال إنا لله وإنا إليه راجعون (7). # ولما حضر أبو موسى جاء الأحنف بن قيس إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) ~~وكان الأحنف أيضا معتزل القتال عن الفئتين فقال: يا أمير المؤمنين إنك رميت ~~بحجر الأرض عمرو بن العاص وإني قد عجمت عود هذا الرجل (8) وحلبت أشطره (9) ~~فوجدته كليل # PageV01P484 # الشفرة قريب القعر وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يصير ~~(1) في أكفهم ويبعد (2) حتى يصير (3) بمنزلة النجم منهم، فإن أبيت (4) أن ~~تجعلني حكما وإلا فاجعلني ثانيا أو ثالثا فإنه لن يعقد عمرو عقدة إلا ~~حللتها، ولن يحل (5) عقدة إلا ربطتها (6). فقال له (عليه السلام): ان الناس ~~قد أبوا ولن يرضوا بأحد إلا أبا موسى (7). # وحضر عمرو بن العاص عند علي (عليه السلام) ليكتب القصة بحضوره فكتب ~~الكاتب (8): # بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب (عليه السلام) ومعاوية بن أبي سفيان (9) ومن معهما، فقال عمرو بن ~~العاص: هو أميركم وأما أميرنا # PageV01P485 # فلا، امح اسم الإمرة، فقال الأحنف بن قيس لأمير المؤمنين: لا تمحها ولو ~~(1) قتل الناس بعضهم بعضا فإني أتخوف إن محوتها لا ترجع إليك أبدا (2)، ~~فأبى ذلك علي مليا من النهار ثم إن الأشعث بن قيس كلمه في ذلك فمحاه، وقال ~~علي (عليه السلام): الله أكبر سنة بسنة (3)، والله إني لكاتب رسول الله يوم ~~الحديبية فكتب: محمد رسول الله، فقال المشركون: لست برسول الله ولكن اكتب ~~اسمك واسم أبيك، فأمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمحيه، فقلت: لا ~~أستطيع، قال: فأرنيه فأريته إياه فمحاه بيده وقال: إنك ستدعى إلى مثلها ~~فتجيب، قال عمرو: سبحان الله أنشبه الكفار ونحن مؤمنون (4)؟! # فقال: اكتبوا: هذا ما تقاضى (5) عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي ~~سفيان. # قاضى علي على أهل الكوفة ومن كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين ~~(6)، وقاضى معاوية على أهل الشام ومن معهم (7) إنا ننزل عند حكم الله ms076 ~~وكتابه، وأن لا يكون بيننا غيره، وأن كتاب الله تعالى بيننا من فاتحته إلى ~~خاتمته نحيا ما أحيا ونميت ما أمات (8). # فما وجد الحكمان [ذلك] في كتاب الله تعالى اتبعناه وهما أبو موسى الأشعري ~~وعمرو بن العاص عملا به وما لم يجدا في كتاب الله تعالى فالسنة العادلة ~~الجامعة غير المفرقة، وأخذ الحكمان من علي ومعاوية وجنديهما عهودا ومواثيق ~~أنهما آمنان على أنفسهما # PageV01P487 # [وأموالهما] وأهليهما والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان (1) عليه وعلى ~~أبي موسى عبد الله بن قيس وعمرو عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة ~~بحكم القرآن ولا يرداها في حرب ولا فرقة حتى يقضيا وأجل القضاء إلى انسلاخ ~~رمضان (2)، وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه وأن مكان قضيتهما مكانا عدلا بين ~~أهل الكوفة وأهل الشام (3). # وكتب في الصحيفة الأشعث بن قيس، وعدي بن حجر، وسعد بن قيس الهمداني، ~~وورقاء بن شمس، وعبد الله بن عكل العجلي، وحجر بن عدي الكندي، وعقبة بن ~~زياد الحضرمي، ويزيد بن حجرة التميمي، ومالك بن كعب الهمداني، هؤلاء كلهم ~~من أصحاب علي (عليه السلام) (4). # PageV01P488 # وكتب من أصحاب معاوية: أبو الأعور السلمي، وحبيب بن مسلمة، وزمل (1) بن ~~عمرو العذري (2)، ومرة بن مالك الهمداني، وعبد الرحمن بن خالد المخزومي، ~~وسبيع بن يزيد الأنصاري، وعتبة بن أبي سفيان، ويزيد بن الحارث العبسي (3). # وخرج بالكتاب الأشعث بن قيس يقرأه (4) على الناس (5) وكانت كتابته يوم ~~الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين (6)، واتفقوا على أن # PageV01P489 # يكون اجتماع الحكمين - وهما أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري وعمرو بن ~~العاص بن وايل السهمي - بدومة الجندل (1) وهو موضع كثير النخل وبه حصن اسمه ~~مارد قال أبو سعيد الضرير: دومة الجندل في غايظ من الأرض خمسة فراسخ فيها ~~عين تسقي النخل والزرع، انتهى. # ثم رجع الناس عن صفين ولما رجع علي (عليه السلام) إلى الكوفة خالفت ~~الحرورية (2) # PageV01P490 # وخرجت وأنكرت التحكيم وقالت: لا حكم إلا لله، (1) ولا طاعة لمن عصى (2). ~~وكان ذلك أول ما ظهر من مرامهم ms077 (3) ورجعوا إلى غير الطريق الذي كانوا فيه. # PageV01P491 # ولما جاء (1) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) النخيلة (2) ~~ورأى بيوت الكوفة فإذا بعبد الله بن وديعة الأنصاري (3) قد لقاه فدنا منه ~~(4) وسلم عليه وقال: مرحبا يا أمير المؤمنين، ثم إنه سايره فقال له علي ~~(عليه السلام): ما سمعت الناس يقولون [في أمرنا هذا؟] (5) قال: يقولون: إن ~~عليا كان له جمع عظيم ففرقه، وكان له حصن حصين فهدمه فمتى يبني ما انهدم ~~(6) ويجمع ما تفرق (7)؟ ولو كان مضى بمن أطاعة إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى ~~يظفر (8) أو يهلك كان ذلك (9) الحزم (10). فقال علي (عليه السلام): أنا ~~هدمت أم هم هدموا؟ أنا فرقت أم هم فرقوا؟ وأما قولهم " كان يمضي بمن أطاعه ~~فيقاتل حتى يظفر أو يهلك " فوالله ما غبي (11) هذا عني وإن كنت لسخيا (12) ~~بنفسي عن الدنيا طيب النفس بالموت ولقد هممت بالإقدام على القوم فنظرت إلى ~~هذين قد ابتدراني - يعني الحسن والحسين (عليهما السلام) - ونظرت إلى هذين ~~الآخرين وقد استقدماني - يعني عبد الله بن جعفر ومحمد ابن الحنفية (رض) ~~فعلمت أن هذين إن هلكا انقطع نسل محمد (صلى الله عليه وآله) (13) # PageV01P492 # من هذه الأمة فكرهت ذلك، وأشفقت أيضا على هذين أن يهلكا على أثرهما; وأيم ~~الله إن لقيتهم (1) بعد يومي هذا لألقينهم وهم معي في معسكر (2). # ثم حرك دابته ومضى وإذا على جنبه قبور ستة أو سبعة (3) فقال علي (عليه ~~السلام): لمن هذه القبور؟ فقالوا (4): يا أمير المؤمنين الخباب بن الأرت ~~بعد مخرجك أوصى إن مات أن يدفن ظاهر البلد (5). وكان الناس قبل ذلك يدفنون ~~موتاهم في دورهم وأفنيتهم، وكان أول من دفن بظاهر الكوفة هو ودفن الناس إلى ~~جنبه (6)، فقال علي (عليه السلام): رحم الله خبابا، فلقد أسلم راغبا، وهاجر ~~طائعا، وعاش مجاهدا، وابتلي في جسمه (7) # PageV01P493 # أحوالا (1)، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا (2). ووقف عليهما وقال: ~~السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة من المؤمنين ~~والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، أنتم لنا سلف (3) ونحن لكم تبع وبكم عما ms078 ~~قليل لاحقون، اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز بعفوك عنا وعنهم، طوبى لمن ذكر ~~المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، ورضي عن الله عز وجل (4). # ثم أقبل حتى حاذى سكة الثوريين (5) فسمع البكاء فقال: ما هذه الأصوات؟ # فقيل: البكاء على قتلى صفين (6)، فقال (عليه السلام): أما إني أشهد لمن ~~قتل منهم صابرا محتسبا بالشهادة. ثم مر بالفائشيين (7) فسمع مثل ذلك، ثم مر ~~بالشباميين (8) فسمع مثل ذلك وسمع معه رجة (9) شديدة (10) فوقف فخرج إليه ~~حرب بن شرحبيل الشبامي (11) فقال له أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام): ما هذا! تغلبكم نساؤكم؟ # PageV01P494 # ألا تنهونهن عن هذه الفعال (1)؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لو كانت دارا أو ~~دارين أو ثلاثا أو أربعا قدرنا على ذلك ولكن قتل من هذا الحي وحده مائة ~~وثمانون قتيل (2) فليس دارا إلا وفيها البكاء، وأما نحن معشر (3) الرجال ~~فإنا لا نبكي ولكن نفرح لهم بالشهادة (4)، فقال علي (عليه السلام): رحم ~~الله قتلاكم، وغفر لموتاكم (5). # وأقبل حرب يمشي وعلي (عليه السلام) راكب فقال له: ارجع، وأمسك دابته عن ~~السير، فقال: بل أمشي بين يديك يا أمير المؤمنين، فقال: بل ارجع فإن مشي ~~مثلك مع مثلي فتنة للموالي ومذلة للمؤمنين (6). ثم مضى فلم يزل يذكر الله ~~تعالى حتى دخل الكوفة (7). # قال ابن خيثمة: وفي أوائل سنة سبع وثلاثين سار معاوية من الشام وكان قد ~~دعا لنفسه وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) من العراق فالتقيا بصفين الفرات ~~(8). فقتل من أصحاب علي (عليه السلام) # PageV01P495 # خمسة وعشرون ألفا (1) منهم عمار بن ياسر (2) (رض) وخمسة وعشرون بدريا ~~(3)، # PageV01P496 # وكان عدة عسكره تسعون (1) ألفا. وقتل من أصحاب معاوية خمس وأربعون ألفا ~~(2) وكان عدتهم مائة ألف وعشرون ألفا (3). # وذكر أنهما أقاما بصفين مائة يوم وعشرة أيام (4) وكان بينهم سبعون وقعة، ~~ثم # PageV01P498 # تداعيا إلى الحكومة فرضي علي وأهل الكوفة بأبي موسى الأشعري، ورضي معاوية ~~وأهل الشام بعمرو بن العاص، وعلى أن الحكمين يجتمعان بدومة الجندل بأن ~~ينظرا للمسلمين ويتفقان على حالة واحدة ورأي واحد ويختارا أمرا يكون فيه ~~مصلحة ms079 للمسلمين وائتلاف الفريقين ومهادنة بين الفئتين، انتهى. # ولما دخل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الكوفة لم يدخل ~~الخوارج معه وأتوا حرورا (1) فنزلوا بها وهم اثنا عشر ألفا (2)، ونادى ~~مناديهم: إن أمير القتال شبث بن ربعي التميمي (3)، وأمير الصلاة عبد الله ~~بن الكواء اليشكري (4)، والأمر # PageV01P499 # شورى بعد الفتح والبيعة لله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~(١)، وزعموا أن عليا (عليه السلام) كان إماما إلى أن حكم الحكمين فشك في ~~دينه وحار في أمره وأنه الحيران الذي ذكره الله في القرآن بقوله تعالى: ﴿لهو أصحب يدعونه إلى الهدى﴾ (2) ~~وكذبوا فيما زعموا - قاتلهم الله - وإنما ضرب الله تعالى بالآية المذكورة ~~مثلا لغيره كما هو معروف في كتب التفاسير وليس علي (عليه السلام) بحيران بل ~~به يهتدي الحيارى. # ولما سمع علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو وأصحابه ذلك بعث إليهم عبد ~~الله بن عباس وقال له: لا تعجل في (3) جوابهم وخصومتهم حتى آتيك فإني في ~~أثرك (4)، فلما أتاهم # PageV01P500 # عبد الله بن عباس رحبوا به وأكرموه (1). وقالوا: ما الذي جاء (2) بك يا ~~ابن عباس؟ # قال: جئتكم من عند خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3) وابن عمه ~~(4) وأعلمنا بربه وسنة نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) (5)، فقالوا: يا ابن ~~عباس إنا أذنبنا ذنبا عظيما حين حكمنا الرجال في دين # PageV01P501 # الله تعالى، فإن تاب كما تبنا ونهض لمجاهدة عدونا رجعنا إليه (١). # فلم يصبر ابن عباس على (٢) مجاوبتهم وقال: أنشدكم الله إلا [ما] صدقتم، ~~أما قال الله تعالى: ﴿فابعثوا حكما من ~~أهله وحكما من أهلهآ إن يريدآ إصلاحا يوفق الله بينهمآ﴾ (٣) في حق ~~المرأة وزوجها؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فكيف بأمة محمد (صلى الله عليه ~~وآله) (٤)؟ # فقالت الخوارج: أما ما جعل الله تعالى حكمه إلى الناس وأمرهم بالنظر فيه ~~والاصلاح له فهو إليهم، وأما ما حكم به وأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه، ~~حكم في الزاني (٥) مائة جلدة، وفي السارق بقطع ms080 يده (٦)، فليس للعباد أن ~~ينظروا في هذا (٧). # فقال ابن عباس (رض): [و] قال الله تعالى: ﴿يحكم بهى ذوا عدل منكم [وآخران من غيركم] هديا بلغ ~~الكعبة﴾ (8) في أرنب يساوي ربع درهم يصاد في الحرم (9)، فقالوا: # PageV01P503 # [أ] تجعل الحكم في الصيد وشقاق الرجل وزوجته كالحكم في دماء المسلمين؟ ~~(1) ثم قالوا له: أعدل (2) عندك عمرو بن العاص وهو بالأمس يقاتلنا [ويسفك ~~دماءنا]؟ # فإن كان عدلا فلسنا بعدول [ونحن أهل حربه] وقد حكمتم بأمر الله تعالى: # (الرجال قوامون على النسآء) (3) وقد أمضى الله تعالى حكمه في معاوية ~~وأصحابه أن يقتلوا أو يرجعوا، وقد كتبتم بينكم وبينهم كتابا وقد جعلتم ~~بينكم الموادعة، وقد قطع الله الموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت ~~براءة إلا من أقر بالجزية (4). # ثم خرج علي (عليه السلام) في أثر عبد الله بن عباس فانتهى إليهم وهم ~~يخاصمونه وهو يخاصمهم، فقال له علي (عليه السلام): ألم أنهك عن كلامهم (5)؟ ~~ثم قال لهم علي (عليه السلام): من زعيمكم؟ # قالوا: عبد الله بن الكواء، فقال لهم: علي به، فلما حضر قال له علي (عليه ~~السلام): ما أخرجكم علينا هذا المخرج؟ قالوا: حكومتكم (6) يوم صفين، فقال ~~له علي: أنشدكم (7) الله تعالى ألم أقل لكم حين (8) رفعوا المصاحف: أنا ~~أعلم بالقوم منكم، إنهم استحر بهم القتل، وإنما رفعوها خديعة ومكيدة لكم ~~ليفتنوكم ويثبطوكم عنهم ويقطعون الحرب ويتربصون بكم الدوائر [وذكر لهم جميع ~~ما كان في ذلك اليوم] فلم تسمعوا مني، واشترطت على الحكمين أن يحييا ما ~~أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن (9)، فان # PageV01P504 # حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالفه، وإن أبيا فنحن من حكمهما براء (1). # PageV01P505 # فقالوا: " أخبرنا عن عمرو أتراه عدلا حتى تحكمه في الدماء (1)؟ قال: إنما ~~حكمت القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق إنما (2) ~~يتكلم به الرجال (3). فقالوا فأخبرنا (4) عن الأجل لم جعلته فيما بينك ~~وبينهم؟ (5) قال: ليعلم الجاهل ويتثبت (6) العالم ولعل الله عز وجل أن يصلح ~~الأمة في هذه الهدنة (7) هذه ms081 المدة ويلهمها رشدها (8). # قالوا: فأخبرنا عن يوم كتبت الصحيفة إذ كتب الكاتب: هذا ما تقاضى عليه ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، فأبى عمرو أن يقبل ~~منك أنك أمير المؤمنين، فمحوت اسمك من إمرة المؤمنين فقلت (9) للكاتب: اكتب ~~هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. فإن لم تكن أنت ~~أمير # PageV01P506 # المؤمنين ونحن المؤمنون فلست بأمير (1)، فقال علي (عليه السلام): يا ~~هؤلاء أنا كنت كاتب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الحديبية، فقال ~~النبي (صلى الله عليه وآله): اكتب: هذا ما اصطلح (2) عليه محمد رسول الله ~~وسهيل بن عمرو، فقال سهيل: لو علمنا أنك رسول الله ما صددناك ولا قاتلناك، ~~فأمرني رسول الله فمحوت اسمه من الكتاب وكتبت: هذا ما اصطلح عليه محمد بن ~~عبد الله. وإنما محوت اسمي من إمرة المؤمنين كما محا رسول الله اسمه من ~~الرسالة، فكان لي به أسوة فهل عندكم شيء غير هذا تحتجون علي به؟ فسكتوا ~~(3). # فقال لهم: قوموا فأدخلوا مصركم يرحمكم الله (4)، قالوا: ندخل ولكن نريد ~~أن نمكث مدة الأجل الذي بينك وبين الحكمين هاهنا ليجبى المال ويسمن الكراع ~~(5) ثم ندخل (6). # فانصرف عنهم علي (عليه السلام) وهم كاذبون فيما زعموه قاتلهم الله. # ولما جاء وقت الحكمين أرسل علي (عليه السلام) مع أبي موسى الأشعري ~~أربعمائة (7) راكب # PageV01P507 # وعليهم شريح بن هاني الحارثي (1) ومعهم عبد الله بن عباس (رض) يصلي بهم. # وأرسل معاوية مع عمرو بن العاص أربعمائة (2) رجل من أهل الشام وتوافوا ~~بدومة الجندل، وحضر معهم: عبد الله بن عمر (3)، وعبد الرحمن بن أبي بكر ~~(4)، وعبد الله بن الزبير (5)، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام (6)، وعبد ~~الرحمن بن يغوث الزهري (7)، # PageV01P508 # وأبو جهم بن حذيفة الندوي (1)، والمغيرة بن شعبة (2) (3). # وكان سعد بن أبي وقاص (4) على ماء لبني سليم بالبادية فأتاه ابنه عمر ~~وقال (5) له: إن أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص فقد حضرا للحكومة وقد ~~شهدهم نفر من قريش فاحضر معهم فإنك صاحب رسول الله (صلى ms082 الله عليه وآله) ~~وأحد الستة التي كانت الشورى فيهم ولم تدخل في أمر تكرهه هذه الأمة وأنت ~~أحق الناس بالخلافة، فلم يفعل (6). وقيل: بل حضرهم [سعد] ثم ندم على حضوره ~~فأحرم، # PageV01P509 # بعمرة من بيت المقدس وتوجه إلى مكة المشرفة محرما (1). # وكان عمرو بن العاص بعد تحكيم علي (عليه السلام) ومعاوية له ولأبي موسى ~~الأشعري يقدم أبا موسى في كل شيء، ويظهر له الاحترام والإعظام (2) ويقول ~~له: لا أتقدمك في أمر من الأمور ولا في شيء من الأشياء ولا في كلام ولا في ~~غيره لأنك (3) أسن مني (4) وأنك (5) صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~(6) وقد دعا لك وقال: اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة ~~مدخلا كريما. حتى استقر ذلك في نفس أبي موسى [اطمأن عليه وظن أنه لا يغشه] ~~وسكن في خاطره وظن أن تقديمه له على نفسه تعظيما له وتكريما (7) # PageV01P510 # وانما هو دهاء وخديعة منه له (1). # ولما اجتمعا للحكومة وتفاوضا في الكلام وكان كلام عمرو بن العاص أن قال ~~لأبي موسى: ألست (2) تعلم أن عثمان قتل مظلوما؟ قال: أشهد (3)، قال: ألست ~~(4) تعلم أن معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قال: نعم (5)، قال فما يمنعك من ~~تولية معاوية ولي عثمان (6) وبيته (7) في قريش كما علمت، فإن تخوفت أن يقول ~~الناس ولى معاوية وليست له سابقة (8) فقد وجدته ولى عثمان الخليفة المقتول ~~(9) ظلما وهو الطالب بدمه مع ما له من حسن السياسة والتدبير (10) وهو أخو # PageV01P511 # أم حبيبة (1) زوجة (2) النبي (صلى الله عليه وآله) وكاتب (3) وحي النبي ~~(صلى الله عليه وآله)، وعرض له بسلطان (4). # فقال أبو موسى: يا عمرو اتق الله [عز وجل] فأما ما ذكرت من شرف معاوية ~~فالشرف لأهل الدين والفضل، مع اني لو كنت معطيه أفضل قريش شرفا أعطيته علي ~~بن أبي طالب (5). وأما (6) قولك: إن معاوية ولي دم عثمان فوله هذا الأمر ~~فلم أكن لأوليه (7) معاوية وأدع المهاجرين الأولين (8). وأما تعريضك لي ~~بالسلطان فوالله # PageV01P512 # لو خرج معاوية لي من (1) سلطانه [كله] ما وليته (2). # فقال له عمرو: ms083 فما تقول في ابني عبد الله وأنت تعلم فضله وصلاحه (3)؟ ~~فقال: قد غمست (4) ابنك في هذه الفتنة ولا يكون ذلك (5)، فقال عمرو: إن هذا ~~الأمر لا يصلح (6) إلا لرجل [له ضرس] يأكل ويطعم (7). فسمع ابن الزبير ~~كلمته فقال. يا أبا موسى تفطن وتنبه لكلام عمرو (8). ثم قال: يا بن العاص ~~إن العرب قد أسندت إليك أمرها بعدما تقارعت (9) بالسيوف وأشرفوا على الحتوف ~~فلا تردنهم في فتنة واتق الله (10). # PageV01P513 # ولما راود عمرو بن العاص أبا موسى على معاوية وعلى ابنه عبد الله فأبى ~~أبو موسى منه راود أبو موسى عمرو على تولية الخلافة لعبد الله بن عمر فأبى ~~(1) عمرو منه ثم قال: هات رأيا غير هذا (2)، فقال أبو موسى: رأيي (3) أن ~~نخلع هذين الرجلين - يعنى عليا ومعاوية - ونجعل (4) الأمر شورى فيختار ~~المسلمون من أحبوه (5)، فقال عمرو: الرأي ما رأيت (6). # فأقبلا على الناس بوجههما (7) وهم مجتمعون ينظرون ما يتفقان عليه (8)، ~~فقال عمرو: تكلم يا أبا موسى وأخبرهم أن رأينا اتفق (9) فقال أبو موسى: ~~أيها الناس، إن # PageV01P514 # رأينا اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر [هذه] الأمة ويلم شعثها ~~ويجمع كلمتها (1)، فقال عمرو: صدق أبو موسى وبر فيما قال، فتقدم يا أبا ~~موسى وتكلم (2). # فقام إليه عبد الله بن العباس وقال له: ويحك (3)! إن كنت وافقته على أمر ~~فقدمه يتكلم به قبلك، فإني أخشى من خديعته لك، وإني لا آمن أن يكون قد ~~أعطاك الرضا فيما بينك [وبينه] فإذا قمت في الناس خالفك (4). فقال [له] أبو ~~موسى: [إنا] قد اتفقنا (5) وتراضينا وما ثم مخالفة أبدا (6). # وكان أبو موسى رجلا سليم القلب فتقدم فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: # أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها ولا ألم ~~لشعثها (7) من أمر قد جمع (8) رأيي ورأي عمرو عليه، وهو أن نخلع عليا ~~ومعاوية، وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر بأنفسها فيولوا (9) منهم (10) من ~~أحبوا واختاروا، وإني قد خلعت عليا # PageV01P515 # ومعاوية فاستقبلوا أمركم [و] ولوا عليكم من رأيتموه ms084 أهلا لذلك (1). ثم ~~تنحى. # وأقبل (2) عمرو بن العاص فقام مقامه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها ~~الناس، إن أبا موسى قد خلع صاحبه عليا وقد قال ما سمعتم، وأنا أيضا قد أخلع ~~(3) صاحبه عليا وأثبت (4) صاحبي معاوية على الخلافة فإنه ولي عثمان بن عفان ~~والطالب (5) بدمه وأحق الناس بمقامه ثم تنحى (6). # فقال أبو موسى: مالك لا وفقك الله غدرت وفجرت؟! وانما مثلك كمثل (7) ~~الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث (8)، فقال عمرو لأبي موسى: أنت انما # PageV01P516 # مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا (1). وقال سعد لأبي موسى: ما أضعفك يا أبا ~~موسى عن عمرو ومكائده (2)؟! فقال أبو موسى: ما أصنع؟! وافقني على أمر ثم ~~غدر (3). فقال ابن عباس (رض): لا ذنب لك يا أبا موسى إنما الذنب لمن قدمك ~~وأقامك في هذا المقام (4). وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: " لو مات (5) هذا ~~الأشعري قبل هذا اليوم كان خيرا [له] " (6). # PageV01P517 # وحمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه (1) بالسوط، وحمل ابن عمرو على شريح ~~فضربه بالسوط (2) وحجز الناس بينهم (3)، فكان شريح يقول بعد ذلك: ما ندمت ~~على شيء ندامتي أن لا أكون ضربت عمرا بالسيف عوضا عن السوط (4). # والتمس الناس أبا موسى فوجدوه قد ركب راحلته ولحق (5) إلى مكة (6)، وكان ~~أبو موسى يقول: حذرني ابن عباس غدر عمرو ولكني اطمأننت إليه لما يظهر لي ~~وظننت أن هذا الغادر لا يؤثر شيئا على مصالح المسلمين ونصيحة الأمة (7). # وانصرف عمرو بن العاص وأهل الشام إلى معاوية وسلموا عليه بالخلافة (8) ~~فقيل: إن معاوية قام في الناس فقال: أما بعد، فمن كان متكلما في هذا الأمر ~~بعد ذلك فليطلع لنا قرنه (9). قال ابن عمر فأطلقت حبوتي فأردت (10) أن أقول ~~له: يتكلم # PageV01P518 # فيه رجال قاتلوك وأباك على الإسلام ثم خشيت أن أقول (1) كلمة يتفرق بها ~~جماعة ويسفك فيها دم (2) فقلت: ما وعد الله في الحساب أحب من ذلك (3) فلما ~~انصرفت إلى منزلي جاءني حبيب بن مسلمة فقال: ما منعك أن تتكلم حين سمعت هذا ~~الرجل يقول؟ قلت: ms085 أردت ذلك [ثم] خشيت أن أقول (4) كلمة يتفرق بها جماعة ~~ويسفك بها دماء، فقال حبيب: فقد وفقت وعصمت (5). # وخرج شريح بن هانى مع ابن عباس (رض) إلى علي (عليه السلام) وأخبراه الخبر ~~(6) فقام في الكوفة فخطبهم فقال: الحمد لله وإن أتى الدهر (7) بالخطب ~~الفادح والحدث (8) الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله [وحده لا شريك له] وأن ~~محمدا رسول الله. أما بعد، فإن المعصية تورث الحسرة وتعقب الندامة (9) وقد ~~كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة أمري فأبيتم ونحلتكم (10) رأيي ~~فما ألويتم، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن: # أمرتهم أمري بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا (11) النصح (12) إلا ضحى الغد ~~أما بعد، فإن هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن # PageV01P519 # وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه من غير ~~هدى من الله، فحكما بغير حجة بينة ولا سنة ماضية (1)، واختلفا في حكمهما ~~وكلاهما لم يرشدا، استعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشام وأصبحوا في معسكركم ~~[إن شاء الله] يوم الاثنين (2). # ثم نزل وكتب إلى الخوارج بالنهروان: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله ~~[علي] أمير المؤمنين إلى زيد بن حصن (3)، وعبد الله بن وهب (4)، وعبد الله ~~بن الكواء (5)، ومن معهم من الناس. أما بعد، فإن هذين الرجلين الذين ~~ارتضينا حكمهما (6) قد خالفا كتاب الله واتبعا هواهما بغير هدى من الله فلم ~~(7) يعملا بالسنة ولم ينفذا للقرآن حكما، فإذا وصلكم كتابي هذا فأقبلوا ~~إلينا فإنا سائرون إلى عدونا # PageV01P520 # وعدوكم ونحن على الأمر الأول الذي كنا عليه (1). # فكتبوا: أما بعد، فإنك لم تغضب لربك وإنما غضبت لنفسك، فان شهدت على نفسك ~~بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك وإلا فقد نابذناك على سواء، ~~إن الله لا يحب الخائنين (2). # فلما قرأ كتابهم أيس منهم فرأى (3) أن يدعهم ويمضي بالناس إلى أهل الشام ~~[حتى يلقاهم] فيناجزهم (4). # فقام في أهل الكوفة فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنه من ~~ترك الجهاد في الله تعالى وادهن (5) في أمره كان ms086 على شفا هلكة إلا أن ~~يتداركه الله برحمته (6)، فاتقوا الله تعالى وقاتلوا من حاد الله [وحاد ~~رسوله] وحاول أن يطفئ نور الله، قاتلوا الخائنين [الخاطئين الضالين ~~القاسطين المجرمين] الذين لو ولوا عملوا فيكم أعمال كسرى وهرقل، وتأهبوا ~~للمسير إلى عدوكم من أهل الشام، وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ~~ليقدموا عليكم، فإذا اجتمعتم شخصنا إن شاء الله # PageV01P521 # تعالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (1). # وكتب إلى عبد الله بن عباس (رض): أما بعد، فإنا [قد] خرجنا إلى معسكرنا ~~بالنخيلة وقد اجتمعنا على المسير (2) [إلى] عدونا من أهل المغرب (3) فاشخص ~~بالناس (4) من أهل البصرة (5). فقرأه ابن عباس على الناس وندبهم على المسير ~~مع الأحنف بن قيس فشخصوا إلى علي (عليه السلام) في ثلاثة آلاف ومائتين (6). # وكتب علي (عليه السلام) إلى رئيس كل قبيلة من القبائل يستنفره (7) بما في ~~عشيرته من المقاتلة وأبنائهم الذين أدركوا وعبدانهم ومواليهم (8). وجاءه ~~سعد بن قيس الهمداني وقال: يا أمير المؤمنين سمعا وطاعة أنا أول الناس ~~إجابة (9). وجاءه معقل بن قيس، # PageV01P522 # وعدي بن حاتم، وزياد بن خصفة (1)، وحجر بن عدي، وأشراف الناس والقبائل في ~~أربعين ألفا من المقاتلة الرجالة وستة عشر ألفا من أبناء الموالي والعبيد ~~(2). وكتب إلى سعد بن مسعود [الثقفي] بالمدائن يأمره بإرسال من معه من ~~المقاتلة (3). # وبلغ عليا (عليه السلام) أن الناس يقولون: لو سار بنا إلى قتال هؤلاء ~~الحرورية فبدأنا بهم فإذا فرغنا (4) وجهنا إلى قتال المحلين (5). فقال لهم ~~علي (عليه السلام): بلغني أنكم قلتم كيت وكيت وأن غير هؤلاء الخارجين أهم ~~إلينا فدعوا ذكرهم وسيروا بنا إلى معاوية وأهل الشام (6) أن لا يكونوا ~~جبارين في الأرض ولا يتخذوا عباد الله خولا (7). فتنادى (8) الناس: يا أمير ~~المؤمنين، نحن حزبك وأنصارك (9) وأتباعك نعادي من عاداك ونوالي من والاك ~~ونتابع من أناب إلى طاعتك، من كانوا وأين كانوا سر بنا حيث شئت (10). # PageV01P523 # فبينما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) معهم في الكلام إذ ~~أتاه الخبر أن الخوارج خرجوا على الناس ms087 وأنهم قتلوا عبد الله بن خباب (1) ~~صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) # PageV01P524 # وبقروا بطن امرأته (1) وهي حامل، وقتلوا ثلاث نسوة من طي (2)، وقتلوا أم ~~سنان الصيداوية (3)، فلما بلغ عليا ذلك بعث إليهم الحارث بن مرة (4) ~~ليأتينهم وينظر صحة الخبر فيما بلغه عنهم ويكتب به إليه ولا يكتمه شيئا من ~~أمرهم، فلما دنا منهم وسألهم قتلوه (5) وأتى عليا (عليه السلام) الخبر بذلك ~~وهو في معسكره، فقال الناس: يا أمير # PageV01P525 # المؤمنين علام ندع هؤلاء القوم وراءنا يخلفونا في أموالنا وعيالنا؟ سربنا ~~إليهم فإذا فرغنا منهم سرنا إلى أعدائنا من أهل الشام (1). فقام إليه ~~الأشعث بن قيس فتكلم بمثل كلامهم، وكان الناس يرون أن الأشعث يرى رأي ~~الخوارج لأنه كان يقول يوم صفين أنصفنا قوم يدعون (2) إلى كتاب الله تعالى، ~~فلما قال هذه المقالة علم الناس أنه لم يكن يرى رأيهم (3). # فأجمع علي (عليه السلام) المسير إليهم، فجاءه منجم يقال له مسافر بن عدي ~~(4) فقال: يا أمير المؤمنين، إذا أردت المسير إلى هؤلاء القوم فسر إليهم في ~~الساعة الفلانية فإنك إن سرت في غيرها لقيت أنت وأصحابك ضرا شديدا ومشقة ~~عظيمة. فخالفه علي (عليه السلام) وسار في غير الساعة التي أمره المنجم ~~بالمسير فيها (5)، فلما قرب علي (عليه السلام) منهم ودنا بحيث إنه يراهم ~~ويرونه نزل وأرسل إليهم أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا # PageV01P526 # [منكم] نقتلهم بهم وأترككم وأكف عنكم حتى ألقى أهل الشام فلعل الله تعالى ~~أن يقلب (1) بقلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أموركم (2). فقالوا: ~~كلنا قتلناهم وكلنا مستحلون لدمائكم ودمائهم (3). # فخرج قيس بن سعد بن عبادة فقال لهم: عباد الله، أخرجوا إلينا قتلة ~~إخواننا منكم وادخلوا [معنا] في هذا الأمر الذي خرجتم منه (4)، وعودوا إلى ~~قتال عدونا وعدوكم فإنكم قد ركبتم عظيما من الأمر تشهدون علينا بالشرك ~~وتسفكون دماء المسلمين (5)، فقال عبد الله بن شجرة السلمي (6): إن الحق قد ~~أضاء لنا فلسنا بتابعيكم (7). # ثم إن عليا (عليه السلام) خرج إليهم بنفسه فقال لهم: أيتها (8) العصابة ~~التي أخرجها عداوة ms088 المراء واللجاجة (9) وصدها (10) عن الحق اتباع الهوى ~~واللجاج، إن أنفسكم الأمارة سولت لكم فراقي لهذه الحكومة التي أنتم ~~بدأتموها وسألتموها وأنا لها كاره، # PageV01P527 # وأنبأتكم أن القوم إنما فعلوه مكيدة فأبيتم علي إباء المخالفين وعندتم ~~علي عناد العاصين [وعدلتم عني عدول النكداء] حتى صرفت رأيي إلى رأيكم، وإني ~~معاشرهم والله صغار الهام سفهاء الأحلام، فأجمع [رأي] رؤسائكم وكبرائكم أن ~~اختاروا رجلين، فأخذنا عليهما أن يحكما بالقرآن ولا يتعديانه، فتاها وتركا ~~الحق وهما يبصرانه فبينوا لنا بما تستحلون قتالنا والخروج عن جماعتنا ثم ~~تستعرضون الناس تضربون أعناقهم، إن هذا لهو الخسران المبين (1). # فتنادوا (2) ان لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيأوا للقتال، الرواح الرواح ~~إلى الجنة (3). # فرجع علي (عليه السلام) عنهم إلى أصحابه ثم عبأهم للقتال، فجعل على ~~ميمنته حجر بن عدي (4) (رض)، وميسرته شبث بن ربعي (5)، أو (6) معقل بن قيس ~~الرياحي (7)، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري (8)، وعلى الرجالة أبا قتادة ~~الأنصاري (9)، وفي مقدمتهم # PageV01P528 # قيس بن سعد بن عبادة (1) (رض) (2). # وعبأت الخوارج قاتلهم الله أصحابها، فجعلوا على ميمنتهم زيد بن قيس ~~[حصين] الطائي (3)، وعلى الميسرة شريح بن أوفى العبسي (4)، وعلى خيلهم حمزة ~~بن سنان الأسدي (5)، وعلى رجالتهم حرقوص بن زهير السعدي (6) (7). # وأعطى علي (عليه السلام) لأبي أيوب الأنصاري راية أمان (8) فناداهم أبو ~~أيوب (رض): # PageV01P529 # من جاء إلى هذه الراية فهو آمن ممن لم يكن قتل ولا تعرض لأحد من المسلمين ~~بسوء، ومن انصرف منكم إلى الكوفة فهو آمن، ومن انصرف إلى المدائن فهو آمن ~~لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا في سفك دمائكم (1). # فانصرف عروة بن نوفل الأشجعي (2) في خمسمائة (3) فارس، وخرج طائفة أخرى ~~منصرفين إلى الكوفة (4) وطائفة أخرى إلى المدائن (5)، وتفرق أكثرهم بعد أن ~~كانوا اثني عشر ألفا، فلم يبق منهم غير أربعة آلاف (6) فزحفوا إلى علي ~~(عليه السلام) وأصحابه، فقال علي لأصحابه: كفوا عنهم حتى يبدأوكم (7). ~~فتنادوا الرواح الرواح إلى الجنة (8). فحملوا على الناس فانفرقت خيل علي ~~عنهم فرقتين حتى ساروا في وسطهم (9) عطفوا عليهم من الميمنة والميسرة ~~واستقبلت الرماة ms089 وجوههم بالنبل # PageV01P530 # وعطفت عليهم الرجالة بالسيوف والرماح فما كان بأسرع من أن قتلوهم عن ~~آخرهم وكانوا أربعة آلاف (1). # فلم يفلت منهم إلا تسعة (2) أنفس لا غير، رجلان هربا إلى خراسان (3) وبها ~~نسلهما إلى الآن، ورجلان صارا إلى بلاد عمان (4) وبها نسلهما إلى الآن، ~~ورجلان إلى بلاد اليمن (5) وبها نسلهما وهم الذين يقال لهم الأباضية (6) ~~أصحاب عبد الله بن أباض (7)، ورجلان صارا إلى الجزيرة (8)، ورجل صار إلى تل ~~موذن (9). # PageV01P531 # وغنم (1) أصحاب (2) علي (عليه السلام) منهم غنائم كثيرة، وقتل من شيعة ~~علي رجلان (3) ولم يسلم من الخوارج [المارقين] المقتولين غير هذه التسعة ~~(4) المذكورين خذلهم الله. وهذه كرامة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~(عليه السلام) فإنه قال قبل ذلك: نقتلهم ولا يقتل منا عشرة ولا يسلم منهم ~~عشرة (5). # PageV01P532 # فائدة الخوارج: هم هؤلاء الذين خرجوا على علي (عليه السلام) لما حكم ~~الحكمين وقالوا: لا حكم إلا لله (1)، وهم الذين قال فيهم النبي (صلى الله ~~عليه وآله): يمرقون من الدين كما تمرق السهم من الرمية (2). كما جاء في ~~الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) يقول: يخرج في هذه الأمة - ولم يقل منها - قوم تحقرون ~~صلاتكم مع صلاتهم ويقرأون القرآن ولا يجاوز حلوقهم (3) - أو قال حناجرهم - ~~يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية (4). ومنهم عبد الله بن ذي # PageV01P533 # الخويصرة التميمي (1) [الذي] جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وهو ~~يقسم الصدقات فقال: اعدل يا رسول الله، فقال (صلى الله عليه وآله): ويلك ~~فمن يعدل إن لم أعدل (2)؟! قال عمر بن الخطاب: أيأذن لي رسول الله أن أضرب ~~عنقه (3)؟ قال (صلى الله عليه وآله): دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته ~~مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية (4). ~~وفيهم # PageV01P534 # نزل قوله تعالى: ﴿ومنهم من يلمزك ~~فى الصدقات﴾ (1) الحديث الصحيح الذي رواه البخاري أيضا عن عبد الله بن ~~عمر، ويقال لهم: الحرورية، بحاء مهملة ms090 وراء مكررة بينهما واو، ثم بالنسبة ~~إلى حرور أرض نزلوا بها لما مضوا عن علي (عليه السلام) (2). # PageV01P535 # فصل في ذكر شيء من كلماته الرائعة ومعانيه الفائقة ومواعظه النافعة ~~وزواجره الصادعة ونكته الحسنة ومقاصده المستحسنة فمن ذلك كلمات من كلامه ~~(عليه السلام) جمعها الجاحظ (1) في بعض تصانيفه وهي تشمل على كثير من ~~الحكمة، كل كلمة منها تعد بألف كلمة، وهي هذه: # الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا (2). # الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم (3). # PageV01P537 # قيمة كل امرئ ما يحسنه (1). # من عرف نفسه فقد عرف ربه (2). # المرء مخبوء تحت لسانه (3). # من عذب لسانه كثر إخوانه (4). # بشر مال البخيل بحادث أو وارث (5). # لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال (6). # الجزع عند البلاء تمام المحنة (7). # لا ظفر مع البغي (8). # PageV01P538 # لا ثناء مع الكبر (1). # لا بر مع الشح (2). # لا صحة مع النهم (3). # لا شرف مع سوء الأدب (4). # لا اجتناب من محرم مع الحرص (5). # لا راحة مع الحسد (6). # لا سؤدد مع الانتقام (7). # لا محبة مع المراء (8). # لا صواب مع ترك المشورة (9). # لا مروة لكذوب (10). # لا ريادة مع زعارة (11). # PageV01P539 # لا وفاء لملوك (1). # لا كرم أعز من التقى (2). # لا شرف أعلى من الإسلام (3). # لا معقل أحسن من العقل (4). # لا شفيع أنجح من التوبة (5). # لا لباس أجمل من العافية (6). # لا داء أعيا من الجهل (7). # PageV01P540 # لا مرض أخفى من قلة العقل (1). # لسانك يقتضيك ما عودته (2). # المرء عدو ما جهله (3). # رحم الله امرء عرف نفسه ولم يتعد طوره (4). # إعادة الاعتذار تذكرة بالذنب (5). # النصح بين الملأ تقريع (6). # إذا تم العقل نقص الكلام (7). # الشفيع جناح الطالب (8). # نفاق المرء ذله (9). # نعمة الجاهل كروض على مزبلة (10). # الجزع أتعب من الصبر (11). # المسؤول حر حتى يعده (12). # PageV01P541 # أكبر الأعداء أخفاهم مكيدة (1). # من طلب ما لا يعنيه فاته ما يعنيه (2). # السامع للغيبة أحد المغتابين (3). # الذل مع الطمع (4). # العز مع اليأس (5). # الحرمان مع الحرص (6). # من كثر مزاحه حقد عليه واستخف به (7). # عبد الشهوة أذل من عبد الرق (8). # الحاسد مغتاض على من لا ذنب له (9). # منع الجود سوء الظن بالمعبود (10). # كفى بالظفر ms091 شفيعا للذنب (11). # PageV01P542 # رب ساع فيما يضره (1). # لا تتكل على المنى فإنها بضائع الحمقى (2). # اليأس حر والرجاء عبد (3). # ظن العاقل كهانة (4). # من نظر اعتبر (5). # العداوة شغل القلب (6). # القلب إذا كره عمى (7). # الأدب صورة العقل (8). # من لانت أسافله صلبت أعاليه (9). # من أتى في عجابه قل حياؤه وبذا لسانه (10). # PageV01P543 # السعيد من وعظ بغيره (1). # البخل جامع لمساوي العيوب (2). # كثرة الوفاق نفاق، وكثرة الخلاف شفاق (3). # رب أمل خائب (4). # رب رجاء يؤدي إلى الحرمان (5). # رب ربح يؤدي إلى الخسران (6). # رب طمع كاذب (7). # البغي سائق إلى الحين (8). # في كل جرعة شرقة (9). # PageV01P544 # مع كل أكلة غصة (1). # من كثر ذكره في العواقب لم يشجع (2). # إذا حلت المقادير ضلت التدابير (3). # إذا حل القدر بطل الحذر (4). # الإحسان يقطع اللسان (5). # الشرف بالعقل، والأدب بالأصل والنسب (6). # أكرم النسب حسن الأدب (7). # أفقر الفقر الحمق (8). # أوحش الوحشة العجب (9). # أغنى الغنى العقل (10). # PageV01P545 # الطامع في وثاق الذل (1). # ليس العجب ممن هلك كيف هلك إنما العجب ممن نجا كيف نجا (2). # احذروا نفار النعم فما كل شارد بمردود (3). # أكثر مصارع العقول تحت بروق الأطماع [المطامع] (4). # من أبدى صفحته للحق هلك (5). # PageV01P546 # إذا ملقتم فبادروا بالصدقة (1). # من لان عوده كثرت أغصانه (2). # قلب الأحمق في فيه، ولسان العاقل في قلبه (3). # من جرى في ميدان أمله عثر في عنان أجله (4). # إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها (5) بقلة الشكر (6). # PageV01P547 # إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكر القدرة عليه (1). # ما أضمر أحد شيئا في قلبه إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه (2). # البخيل يستعجل الفقر [ل‍] يعيش في الدنيا عيشة الفقراء، ويحاسب في الآخرة ~~حساب الأغنياء (3). # لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه (4). # انتهى. # PageV01P548 # فصل [آخر] [في ذكر شيء من كلماته الرائعة ومعانيه الفائقة ومواعظه ~~النافعة وزواجره الصادعة ونكته الحسنة ومقاصده المستحسنة] ذكر الشيخ المفيد ~~(1) في كتاب الإرشاد: ومن كلامه (عليه السلام) في شيعتهم (2) المخلصين ما ~~رواه نقلة الآثار (3) أنه (عليه السلام) خرج ذات ليلة من المسجد وكانت ليلة ~~قمراء فأم الجبانة، ولحقه جماعة يقفون أثره، فوقف ثم قال (4): من أنتم؟ ms092 ~~قالوا: نحن شيعتك يا أمير المؤمنين، فتفرس (5) في وجوههم ثم قال: فمالي لا ~~أرى عليكم (6) سيماء الشيعة؟ قالوا: وما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين؟ ~~قال: صفر الوجوه من السهر، حدب الظهور من القيام، عمش العيون من البكاء، ~~خمص البطون من الصيام، ذبل # PageV01P549 # الشفاه من الدعاء، وعليهم غبرة الخاشعين (1). # ومن ذلك ما نقل عنه (عليه السلام) في العلم والعقل والمال قال (عليه ~~السلام): العلم حياة القلوب ونور الأبصار، ينزل الله تعالى حامله منازل ~~الأخيار، ويمنحه صحبة الأبرار، ويرفعه في الدنيا والآخرة (2). # وقال (عليه السلام): العلم يرفع الوضيع ويضع الرفيع (3). # وقال (عليه السلام): العلم خير من المال [العلم] يحرسك وأنت تحرس المال، ~~العلم حاكم والمال محكوم عليه (4). # PageV01P550 # وقال (عليه السلام): قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك، هذا ينفر ~~الناس بتهتكه (1) وهذا يضل الناس بتنسكه (2). # وقال (عليه السلام): أقل الناس قيمة أقلهم علما [إذ قيمة] كل امرئ ما ~~يحسنه، وكفى بالعلم شرفا أنه يدعيه من لا يحسنه ويفرح إذا نسب إليه، وكفى ~~بالجهل ذما أنه يبرأ منه من هو فيه ويغضب إذا نسب إليه، والناس عالم ومتعلم ~~وساير الناس همج رعاع [لا خير فيهم] (3). # وقال (عليه السلام) في العقل: الإنسان عقل وصورة، فمن أخطأه العقل لزمته ~~الصورة، ومن لم يكن كاملا كان بمنزلة جسد بلا روح (4). # وقال (عليه السلام) في صفة الدنيا: ألا وإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع ~~و [إن] الآخرة قد أظلت وأشرفت (5) باطلاع، ألا وإن المضمار اليوم والسباق ~~غدا، فإما إلى الجنة وإما إلى النار، وإنكم في أيام مهل من ورائه أجل يحثه ~~عجل، فمن (6) عمل في أيام مهله قبل حلول أجله نفعه عمله ولم يضر أمله، ومن ~~لم يعمل في أيام مهله قبل حلول أجله ضره أمله ولم ينفعه عمله، ولو عاش ~~أحدكم ألف عام كان الموت بالغه ونحبه لاحقه، فلا تغرنكم الأماني ولا يغرنكم ~~بالله الغرور، كان قبلكم في هذه الدنيا سكان شيدوا البنيان ووطنوا الأوطان ~~أضحت أبدانهم في قبورهم هامدة وأنفاسهم خامدة ويتلهف # PageV01P551 # المفرط منهم على ms093 ما فرط يقول: يا ليتني قدمت لنفسي يا ليتني أطعت ربي... ~~(1). # وقال (عليه السلام): كأن (2) ما هو كائن من الدنيا لم يكن، وكأن ما هو ~~كائن قد كان (3) من الآخرة لم يزل، وكلما هو آت قريب، فكم مؤمل لأمل لم ~~يدركه، وكم جامع ما لا يأكله وذاخر ما عساه يتركه، ولعله من باطل جمعه (4) ~~ومن حرام رفعه، أصابه حراما عدوانا، واحتمل وزره (5) وباء منه بما ضره، خسر ~~الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (6). # ومن ذلك ما ورد عنه (عليه السلام) في الحكم والأمثال عن ابن عباس انه ~~قال: ما انتفعت بكلام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانتفاعي بكتاب ~~كتبه إلي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فانه كتب إلي: # أما بعد، فإن المرء يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، ويسره درك ما لم يكن ~~ليفوته، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما ~~نلت من دنياك فلا تكثر (7) به فرحا، وما فاتك منها فلا تأس عليه [جزعا]، ~~وليكن # PageV01P552 # همك فيما (1) بعد الموت، والسلام (2). # وقال: الشيء شيئان: [ف‍] شيء [لغيري] قصر عني لم أرزقه فيما مضى ولا آمله ~~(3) فيما بقي، وشئ لا أناله دون وقته ولو استعنت (4) عليه بقوة أهل ~~السماوات والأرض، فما أعجب من الإنسان يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه ~~فوت ما لم يكن ليدركه، ولو أنه فكر لأبصر ولعلم أنه مدبر واقتصر على ما ~~تيسر، ولم يتعرض لما تعسر، واستراح قلبه مما استوعى، فكونوا أقل (5) ما لا ~~تكونوا في الباطل (6) أموالا وأحسن ما تكونوا في الآخرة أحوالا (7)، فإن ~~الله تعالى أدب عباده المؤمنين أدبا حسنا فقال عز من قائل: (يحسبهم الجاهل ~~أغنيآء من التعفف تعرفهم بسيماهم # PageV01P553 # لا يسلون الناس إلحافا) (1). # وقال: لا تكون غنيا حتى تكون عفيفا، ولا تكون زاهدا حتى تكون متواضعا، ~~ولا تكون متواضعا حتى تكون حليما، ولا يسلم قلبك حتى تحب للمسلمين ما تحب ~~لنفسك، وكفى بالمرء جهلا أن يرتكب ما نهي عنه، وكفى به ms094 عقلا أن يسلم الناس ~~شره، واعرض عن الجهل وأهله، واكفف عن الناس ما تحب ان يكف (2) عنك، وأكرم ~~من صافاك، وأحسن مجاورة من جاورك وإن جانبك، واكفف الأذى، واصفح عن سوء ~~الأخلاق، ولتكن يدك العليا ان استطعت، ووطن نفسك على الصبر على ما أصابك، ~~وألهم نفسك القناعة، وانهم الرجاء، وأكثر الدعاء تسلم من سورة الشيطان، ولا ~~تنافس على الدنيا، ولا تتبع الهوى، واحلم على السفيه تكثر أنصارك عليه، ~~وعليك بالشيم العالية تقهر من يناويك (3). # وقال: قل عند كل شدة " لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " تكف. وقل ~~عند كل نعمة " الحمد لله " تزد منها. وإذا أبطأت عليك الأرزاق فقل " أستغفر ~~الله " يوسع عليك (4). # مفتاح الجنة الصبر (5). # مفتاح الشرف التواضع (6). # مفتاح الكرم التقوى (7). # من أراد أن يكون شريفا فيلزم التواضع (8). # PageV01P554 # عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله (1). # وقال (عليه السلام): لا راحة لحسود، ولا شرف لبخيل، ولا همة لمهين، ولا ~~سلامة لمن أكثر مخالطة الناس، ولا كنز أغنى من القناعة، ولا مال أذهب ~~للفاقة من الرضا بالقوت (2). # وقال (عليه السلام): من كثرت عوارفه كثرت معارفه (3). # من أجمل في الطلب أتاه رزقه من حيث لا يحتسب (4). # من كثر دنيه لم تقر عينه (5). # من فعل ما شاء لقي ما لا يشاء (6). # من استكان بالرأي ملك، ومن كابد الأمور هلك (7). # من أمسك عن الفضول عد من أرباب العقول (8). # من لم يكتسب بالأدب مالا اكتسب به جمالا (9). # ما كساه الغنى ثوبا خفيت عن العيون عيوبه (10). # من حسنت سياسته دامت رياسته (11). # من ركب العجلة لم يأمن الكبوة (12). # من تقدم بحسن النية نصره التوفيق (13). # وقال (عليه السلام): الوحدة راحة، والعزلة عبادة، والقناعة غنى، ~~والاقتصاد بلغة، عدل # PageV01P555 # السلطان خير من خصب الزمان، والعزيز بغير الله ذليل، والغني الشره (1) ~~فقير، ولا تعرف الناس إلا بالاختبار، فاختبر أهلك وولدك في غيبتك، وصديقك ~~في مصيبتك، وذا القرابة عند فاقتك، والتودد والملق عند عطيتك، لتعلم بذلك ~~أين منزلتك (2). # وقال (عليه السلام): ما ذب عن الأعراض كالصفح والإعراض (3). # في إغضائك راحة أعضائك ms095 (4). # أجل النوال ما وصل قبل السؤال (5). # الحكيم لا يعجب بقضاء محتوم، حل بمخلوق (6). # عفة اللسان صمة. من الفراغ يكون الصبوة (7). # وقال (عليه السلام): لا تحدث من غير ثقة تكن كذابا، وقارن أهل الخير تكن ~~منهم، وباين أهل الشر تبن عنهم. واعلم أن من الحزم العزم، وساعد أخاك وإن ~~جفاك، وان قطعته فاستبق له بقية من نفسك، ولا ترغبن فيمن زهد فيك، وليس ~~جزاء من سرك أن تسوءه. واعلم أن عاقبة الكذب الذم، وعاقبة الصدق النجاة ~~(8). # وقال (عليه السلام): خير أهلك من كفاك (9). # ترك الخطيئة أهون من التوبة (10). # عدو عاقل خير من صديق جاهل (11). # PageV01P556 # التوفيق من السعادة (1). # من بحث عن عيوب الناس بنفسه بدا (2). # من سلم من ألسنة الناس كان سعيدا (3). # من وقع في ألسنة الناس هلك (4). # من تحفظ من سقط الكلام أفلح (5). # خير مالك ما أعانك على حاجتك (6). # كم من غريب خير من قريب (7). # خير إخوانك من واساك، وخير منه من كفاك (8). # من أحب الدنيا جمع لغيره (9). # المعروف قرض، والدنيا دول (10). # من كان في النعمة جهل قدر البلية (11). # من قل سروره كان في الموت راحته (12). # السؤال مذلة، والعطاء محبة، والمنع مبغضة، وصحبة الأشرار تورث سوء الظن # PageV01P557 # بالأخيار (1). # الحر حر ولو مسه الضر (2). # ما ضل من استرشد، ولا خاب من استشار (3). # الحازم لا يستبد برأيه (4). # آمن من نفسك عندك من وثقته على سرك (5). # المودة بين الآباء صلة في الأبناء (6). # من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه (7). # من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته (8). # من هون (9) صغار المصائب، ابتلاه الله بكبارها. # رب مفتون يحسن القول فيه (10). # PageV01P558 # ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلبا لما عند الله، وأحسن منه تيه ~~الفقراء على الأغنياء اتكالا على الله (1). # الدهر يومان: يوم لك ويوم عليك، فإذا (2) كان لك فلا تبطر، وإذا (3) كان ~~عليك فلا تضجر، فاصبر (4). # الراكن إلى الدنيا مع من يعاين فيها جاهل (5). # الطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار به (6) عجز (7). # البخل جامع لمساوئ الأخلاق (8). # نعم الله على العبد جالبة حوائج الناس إليه، فمن قام فيها ms096 بما يجب عرضها # PageV01P559 # للدوام والبقاء (1)، ومن لم يقم بها عرضها للزوال والفناء (2). # العفاف زينة الفقير، والشكر زينة الغنى (3). # ومن أطال الأمل أساء العمل (4). # الناس أبناء الدنيا فلا لوم عليهم في حب أمهم (5). # الطمع ضامن غير وفي... والأماني تعمي [أعين] البصاير (6). # لا تجارة كالعمل الصالح، ولا ربح كالثواب، والله أعلم بالصواب (7). # PageV01P560 # فصل في ذكر شيء يسير من بديع نظمه ومحاسن كلامه فمن ذلك قوله (عليه ~~السلام) (1): # فكن (2) معدنا للحلم واصفح عن الأذى * فإنك لاق (3) ما عملت (4) وسامع ~~واحبب (5) إذا أحببت حبا مقاربا * فإنك لا تدري متى الحب راجع (6) وابغض ~~إذا أبغضت بغضا مفارقا (7) * فإنك لا تدري متى الحب نافع (8) # PageV01P561 # ولعلي (عليه السلام) (1): # لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني * إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج ولي فرس ~~بالحلم للحلم ملجم * ولي فرس بالجهل للجهل مسرج وما كنت أرضى الجهل خدنا ~~(2) وصاحبا * ولكنني أرضى به حين أحوج وإن قال (3) بعض الناس فيه سماجة * ~~فقد (4) صدقوا والذل بالحر أسمج فإن (5) شاء (6) تقويمي فإني مقوم * وإن ~~شاء تعويجي فإني معوج (7) وله (عليه السلام) (8): # فارق تجد عوضا عما تفارقه * فانصب فإن لذيذ العيش في النصب فالأسد لولا ~~فراق الغاب ما افترست * والسهم لولا فراق القوس لم يصب وله (عليه السلام) ~~(9): # الصبر من كرم الطبيعة * والمن مفسدة الصنيعه ترك التعاهد للصديق * يكون ~~داعية القطيعة وله (عليه السلام) (10): # أحمد ربي على خصال * خص بها سادة الرجال # PageV01P562 # لزوم صبر وخلع كبر * وصون عرض وبذل مال وقال (عليه السلام) (1): # عش موسرا إن شئت أو معسرا * لابد في الدنيا من الغم دنياك بالأحزان ~~مقرونة * فلا تقطع الدنيا إلا بهم حلاوة دنياك مسمومة * فلا تأكل الشهد إلا ~~بسم وقال (عليه السلام) (2): # محامدك (3) اليوم مذمومة * فلا تكسب الحمد إلا بذم إذا تم أمر بدا نقصه * ~~توقع زوالا إذا قيل تم إذا كنت في نعمة فارعها * فإن المعاصي تزيل النعم ~~وداوم عليها بشكر الإله * فإن الإله سريع النقم فإن تعط نفسك آمالها * فعند ~~مناها تحل الندم فكم عمن عاش في غفلة (4) * فما حس بالموت ms097 (5) إلا هجم وعن ~~جابر بن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنه) (6) قال: دخلت على علي (عليه ~~السلام) في بعض علاته وقد نقه، فلما نظر إلي قال: يا جابر من كثرت نعم الله ~~عليه (7) كثرت حوائج الناس إليه، فإن قام بما أمر الله تعالى عرضها للدوام ~~والبقاء، وإن لم يعمل فيها بما أمر الله تعالى عرضها للزوال والفناء، ثم ~~أنشأ يقول: # PageV01P563 # ما أحسن الدنيا وإقبالها * إذا أطاع الله من نالها من لم يواس الناس من ~~فضله (1) * عرض للإدبار إقبالها فاحذر زوال الفضل يا جابر * واعط من الدنيا ~~(2) لمن سألها فإن ذا العرش (3) جزيل العطا * يضعف بالجنة (4) أمثالها قال ~~جابر: ثم هز بضبعي هزة خيل أن عضدي خرجت من كاهلي وقال: يا جابر حوائج ~~الناس إليكم من نعم الله عليكم، فلا تملوا النعم فيحل بكم النقم، فاعلموا ~~أن خير المال ما اكتسب حمدا أو أعقب أجرا، ثم أنشأ يقول: # لا تخضعن لمخلوق على طمع (5) * فإن ذلك وهن منك في الدين واسأل الهك مما ~~في خزائنه * فإنما هي (6) بين الكاف والنون أما (7) ترى كل من ترجو (8) ~~وتأمله * من البرية مسكين ابن مسكين ما أحسن الجود في الدنيا (9) وأجمله * ~~وأقبح البخل فيمن صيغ من طين قال جابر: فهممت أن أقوم، قال: انا معك يا ~~جابر، فلبس نعليه وألقى إزاره على منكبيه وخرجنا نتساير، فذهب بنا إلى ~~الجبانة - جبانة الكوفة - فسلم على أهل القبور، فسمعت ضجة وهجة فقلت: ما ~~هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: هؤلاء بالأمس كانوا معنا واليوم فارقونا، ~~أتسأل عن أحوالهم فهم إخوان لا يتزاورون وأوداء لا # PageV01P564 # يتعاودون. ثم خلع نعليه وحسر عن ذراعيه وقال: يا جابر أعطوا من دنياكم ~~الفانية لآخرتكم الباقية، ومن حياتكم لموتكم، ومن صحتكم لسقمكم، ومن غناكم ~~لفقركم، اليوم أنتم في الدور وغدا في القبور [وإلى الله تصير الأمور]. # ثم أنشأ يقول: # سلام على أهل القبور الدوارس * كأنهم لم يجلسوا في المجالس ولم يشربوا من ~~بارد الماء شربة * ولم يأكلوا ما بين رطب ويابس ألا فأخبروني أين قبر ~~ذليلكم ms098 * وقبر العزيز الباذخ المتنافس وله (عليه السلام) (1): # والله لو عاش الفتى من دهره * ألفا من الأعوام مالك أمره متلذذا (2) فيها ~~بكل هنيئة * ومبلغا كل المنى من دهره لا يعرف الآلام فيها مرة * كلا ولا ~~جرت الهموم بفكره ما كان ذاك يفيده من عظم ما * يلقى بأول ليلة في قبره وله ~~أيضا (عليه السلام) (3): # أي يوم من الموت أفر * يوم لا يقدر أو يوم قدر يوم لا يقدر لا أرهبه * ~~ومن المقدور لا ينجو (4) الحذر وله (عليه السلام) أيضا (5): # إذا عقد القضاء عليك أمرا * فليس يحله غير (6) القضاء # PageV01P565 # فما لك قد أقمت بدار ذل * وأرض الله واسعة الفضاء ومن نظمه [رضي الله عنه ~~وأرضاه] (1): # صن النفس واحملها على ما يزينها * تعش سالما والقول فيك جميل ولا ترين ~~الناس إلا تجملا * نبا بك دهر أو جفاك خليل وإن ضاق رزق اليوم فاصبر إلى غد ~~* عسى نكبات الدهر عنك تزول يعز غني النفس إن قل ماله * ويغني فقير النفس ~~وهو ذليل وما أكثر الإخوان حين تعدهم * ولكنهم في النائبات قليل وروي أيضا ~~(2) عنه أنه أتاه رجل وقال له يا علي: أخبرني (3) ما واجب وأوجب؟ # وعجيب وأعجب؟ وصعب (4) وأصعب؟ وقريب وأقرب؟ فأجابه بقوله: # فرض على الناس أن يتوبوا * لكن ترك الذنوب أوجب والدهر في صرفه عجيب * ~~وغفلة الناس فيه أعجب والصبر في النائبات صعب * لكن فوت الثواب أصعب وكلما ~~يرتجى قريب * والموت من كل ذاك أقرب # PageV01P566 # فصل في ذكر مناقبه الحسنة وما جاء في ذلك من الأحاديث والأخبار المستحسنة ~~فمن ذلك ما ورد في الصحيحين من المناقب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~(عليه السلام): # الأولى: نزوله من المصطفى (صلى الله عليه وآله) منزلة هارون من موسى (1). # الثانية: شهادته (صلى الله عليه وآله) له (عليه السلام) انه يحب الله ~~ورسوله (2). # الثالثة: تخصيصه [(صلى الله عليه وآله)] له [(عليه السلام)] بالراية ذات ~~المرتبة العلية، ووصفه له بالرجولة (3). # الرابعة: الشجاعة المنسوبة إليه وفتح خيبر على يديه (عليه السلام) (4). # الخامسة: علمه المشهور، وعمله المشكور (5). # السادسة: زهده المعروف ms099 الشهير الموصوف (6). # PageV01P567 # السابعة: القرابة الموصوفة بالنجابة (1). # الثامنة: قوله (صلى الله عليه وآله): اللهم هؤلاء أهلي، وأشار إلى علي ~~وفاطمة والحسن والحسين سلام الله عليهم أجمعين [وذلك لما نزلت آية ~~المباهلة] (2). # التاسعة: تزويجه (صلى الله عليه وآله) [له] بابنته فاطمة سيدة نساء أهل ~~الجنة (3). # العاشرة: انه (عليه السلام) من الرهط أولي الجاهات العراض الذين توفى ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو عنهم راض (4). # الحادية عشر: إقامته للحق غير مكترث بمعاداة الخلق كما اتفق [له] في قتل ~~الفئة الباغية وجهادها، المخطئة للصواب في رأيها واجتهادها (5). # الثانية عشر: قوله (صلى الله عليه وآله) لعمار: تقتلك الفئة الباغية، ثم ~~قتل وهو من عسكره وحزبه # PageV01P570 # وفي نصرته (رض) (1). # قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أسعد اليافعي (رحمه الله): قال ~~علماؤنا من أئمة أهل الحق: هذا الحديث حجة ظاهرة في أن عليا (عليه السلام) ~~كان محقا ومصيبا والطائفة الأخرى بغاة لكنهم مجتهدون (2). وفيه معجزة لرسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) من أوجه: # منها: أن عمارا يموت قتيلا، وأنه يقتله مسلمون، وأنهم بغاة، وأن الصحابة ~~يقاتلونهم، وأنهم يكونون فرقتين باغية وغيرها. قالوا: وكل هذا وقع مثل فلق ~~الصبح صلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله الذي ما ينطق عن الهوى إن هو ~~إلا وحي يوحى، انتهى ذكره في كتابه المرهم. # الثالثة عشر: قدمه في الإسلام مذ هو غلام (3). # الرابعة عشر: أن نسله من الزهراء البتول فاطمة بنت الرسول (صلى الله عليه ~~وآله) (4). # الخامسة عشر: شهرة محاسنه الجميلة واتصافه بكل فضيلة (رض) (5). # فمن ذلك ما رواه البيهقي في كتابه الذي صنفه في فضائل الصحابة (رض) يرفعه ~~بسنده إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: من أراد أن ينظر إلى ~~آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في ~~هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) ~~(6). # PageV01P571 # وروى الإمام أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني بسنده إلى عبد الله بن ~~حكيم الجهني قال: قال رسول ms100 الله (صلى الله عليه وآله): إن الله تبارك ~~وتعالى أوحى الي في علي ثلاثة أشياء ليلة أسري بي بإنه سيد المؤمنين، وإمام ~~المتقين، وقائد الغر المحجلين (1). # PageV01P573 # وعن ابن عباس (رض) قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿إنمآ أنت منذر ولكل قوم هاد﴾ (1) قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله): أنا المنذر وعلي الهادي، وبك يا علي يهتدي المهتدون (2). # PageV01P574 # وعن مكحول عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وتعيهآ أذن وعية﴾ (1) قال: قال لي ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله): سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي ففعل ~~(2). فكان # PageV01P575 # علي (عليه السلام) يقول: ما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~كلاما إلا وعيته وحفظته ولم أنسه (١). # وعن ابن عباس (رض) قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أوللك هم خير ~~البرية﴾ (2) قال لعلي: هو أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين ~~مرضيين، ويأتي أعداؤك غضابا مقحمين (3). # PageV01P576 # ونقل الواحدي في تفسيره يرفعه بسنده إلى ابن عباس (رض) قال: كان مع (1) ~~علي بن أبي طالب (عليه السلام) أربعة دراهم لا (2) يملك غيرها (3)، فتصدق ~~بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية (4)، فأنزل الله سبحانه ~~وتعالى: (الذين ينفقون # PageV01P577 # أمو لهم باليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون) (1). # PageV01P578 # ونقل أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي في تفسيره يرفعه بسنده قال: بينما ~~عبد الله بن عباس (رض) جالسا على شفير (1) زمزم يقول: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) وهو يحدث الناس إذ أقبل رجل متعمم بعمامة (2) فوقف فجعل ~~ابن عباس لا يقول قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا قال الرجل: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال ابن عباس: سألتك بالله من أنت [فكشف ~~العمامة عن وجهه] فقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا ~~[جندب بن جنادة البدري] ms101 أبو ذر الغفاري سمعت رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) بهاتين وإلا صمتا [ورأيته بهاتين وإلا فعميتا وهو] يقول عن علي: انه ~~قائد البررة وقاتل الكفرة منصور من نصره ومخذول من خذله (3). # PageV01P579 # أما إني وصليت (١) مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما من الأيام ~~صلاة الظهر (٢) فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا، فرفع السائل يده ~~(٣) إلى السماء وقال: اللهم [اشهد] أني سألت في مسجد رسول الله (٤) محمد ~~(صلى الله عليه وآله) ولم يعطني أحد شيئا. وكان علي في الصلاة راكعا فأومأ ~~إليه بخنصره اليمنى [وكان يتختم] فيها خاتم فأقبل السائل حتى أخذ (٥) ~~الخاتم من خنصره، وذلك بعين (٦) من النبي (صلى الله عليه وآله) وهو في ~~المسجد، فرفع رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأسه (٧) إلى السماء وقال: ~~اللهم إن أخي موسى سألك فقال: ﴿رب اشرح لى صدرى * ويسر لى أمرى * واحلل عقدة من لسانى * ~~يفقهوا قولى * واجعل لى وزيرا من أهلى * هرون أخى * اشدد بهى أزرى * وأشركه ~~فى أمرى﴾ (٨) فأنزلت عليه قرآنا ناطقا ﴿سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطنا فلا يصلون ~~إليكما﴾ (9). اللهم وأنا (10) محمد # PageV01P580 # نبيك وصفيك، اللهم فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي ~~عليا اشدد به ظهري (١). قال أبو ذر (رض) فوالله ما استتم رسول الله الكلام ~~(٢) حتى هبط عليه (٣) جبرئيل (عليه السلام) من عند الله عز وجل وقال: [يا ~~محمد هنيئا لك ما وهب الله لك في أخيك، قال: وما ذاك يا جبرئيل؟ قال: أمر ~~الله أمتك بموالاته إلى يوم القيامة، وأنزل قرآنا عليك] اقرأ ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ~~الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون﴾ (4). # ونقل الواحدي في كتابه المسمى بأسباب النزول أن الحسن (5) والشعبي (6) ~~والقرطبي (7) قالوا: إن عليا والعباس وطلحة بن شيبة افتخروا، فقال طلحة: ~~أنا # PageV01P581 # صاحب البيت بيدي مفاتيحه (1) ولو شئت كنت فيه، قال العباس: وأنا صاحب ~~السقاية والقائم عليها، ms102 فقال علي: ما أدري (2) [ما تقولان] لقد صليت ستة ~~أشهر قبل # PageV01P583 # الناس وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله تعالى [هذه الآية]: ﴿أجعلتم سقاية الحآج وعمارة المسجد الحرام كمن ءامن ~~بالله واليوم الأخر وجهد في سبيل الله لا يستوون عند الله - إلى أن قال: - ~~الذين آمنوا وهاجروا وجهدوا فى سبيل الله بأم لهم وأنفسهم أعظم درجة عند ~~الله وأولآك هم الفآزون﴾ (1). # ومن كتاب المناقب لأبي المؤيد عن أبي بردة (رض) قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) ونحن جلوس ذات يوم: والذي نفسي بيده لا يزول قدم عبد (2) ~~يوم القيامة حتى يسأل الله تعالى الرجل عن أربع: عن عمره فيما (3) أفناه، ~~وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله مم كسبه وفيم أنفقه، وعن حبنا أهل البيت ~~(4)، فقال [له] عمر [بن # PageV01P584 # الخطاب]: فما (1) آية حبكم [من بعدكم]؟ فوضع يده على رأس علي وهو جالس ~~جنبه فقال: آيته حب هذا من بعدي (2). # وروي الحافظ عبد العزيز الأخضر الجنابذي في كتابه معالم العترة النبوية ~~مرفوعا إلى فاطمة (عليها السلام) قالت: خرج علينا (3) رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) عشية عرفة فقال: إن الله عز وجل باهى بكم [الملائكة عامة] وغفر ~~لكم عامة وباهى بعلي (4) خاصة [وغفر له خاصة] واني رسول الله غير محاب ~~لقرابتي، إن السعيد كل السعيد من أحب عليا في حياته وبعد موته (5). # PageV01P585 # ورواه الطبراني أيضا في معجمه عن فاطمة الزهراء (عليها السلام) وزاد فيه: ~~إن الشقي كل الشقي من أبغض عليا في حياته وبعد مماته (1). # وروى الترمذي والنسائي عن زر بن حبيش (2) قال: سمعت عليا (عليه السلام) ~~يقول: والذي فلق الحب - أو قال: الحبة وبرء النسمة - أنه لعهد النبي الأمي ~~أنه لا يحبني (3) إلا مؤمن ولا يبغضني (4) إلا منافق (5). # PageV01P586 # وعن أبي سعيد الخدري قال: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) إلا ببغضهم عليا (1). # وعن الحارث الهمداني قال: جاء علي (عليه السلام) حتى صعد المنبر وحمد ~~الله وأثنى عليه ثم قال: قضاء ms103 قضاه الله تعالى على لسان نبيكم محمد (صلى ~~الله عليه وآله) لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق، وقد خاب من افترى ~~(2). # PageV01P587 # ومن كتاب الخصائص عن العباس بن عبد المطلب (رض) قال: سمعت عمر بن الخطاب ~~وهو يقول: كفوا عن ذكر علي ابن أبي طالب إلا بخير (1) فإني سمعت رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) يقول: في علي ثلاث خصال وددت لو أن لي واحدة منهن كل ~~واحدة منهن أحب إلي مما طلعت عليه الشمس (2)، وذاك أني كنت أنا وأبو بكر ~~وأبو عبيدة # PageV01P588 # ابن الجراح ونفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ ضرب (1) ~~النبي (صلى الله عليه وآله) على كتف (2) علي بن أبي طالب (3) وقال: يا علي ~~أنت أول المسلمين (4) إسلاما وأنت أول المؤمنين (5) إيمانا، وأنت مني ~~بمنزلة هارون من موسى (6)، كذب من زعم انه يحبني وهو مبغضك. يا علي من أحبك ~~فقد أحبني ومن أحبني أحبه الله ومن أحبه الله أدخله الجنة، ومن أبغضك فقد ~~أبغضني ومن أبغضني فقد أبغضه الله تعالى وأدخله النار (7). # وروى مسلم والترمذي أن معاوية قال: لسعد بن أبي وقاص: ما منعك أن تسب أبا ~~تراب (8) فقال سعد: أما ما ذكرت فلثلاث قالهن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) فلن أسبه ولأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم (9). سمعت ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول وقد خلفه في بعض مغازيه، فقال علي ~~خلفتني مع النساء والصبيان؟! (10) فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): # أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (11). ~~وسمعته يقول (صلى الله عليه وآله) يوم خيبر لأعطين الراية غدا رجلا يحب ~~الله ورسوله ويحبه الله ورسوله (12)، فتطاولنا إليها فقال (صلى الله عليه ~~وآله): ادعوا لي عليا، فأتي به أرمد فبصق في عينه فبرئ ودفع إليه الراية ~~ففتح الله على يديه (13). ولما نزلت هذه الآية: (قل # PageV01P589 # تعالوا ندع أبنآءنا وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم) (1) فدعا ~~رسول الله (صلى ms104 الله عليه وآله) عليا وفاطمة وحسنا وحسينا وقال: اللهم ~~هؤلاء أهلي (2). # ومن كتاب كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب (عليه السلام) تأليف ~~الشيخ الإمام الحافظ محمد بن يوسف بن محمد الكنجي الشافعي: حكي عن عبد الله ~~بن عباس وكان سعيد بن جبير يقوده (3) بعد كف بصره، فمر على ضفة زمزم فإذا ~~بقوم من أهل الشام يسبون (4) عليا فسمعهم عبد الله بن عباس فقال لسعيد: ~~ردني إليهم، فرده فوقف عليهم وقال (5): أيكم الساب لله تعالى؟ فقالوا: ~~سبحان الله! ما فينا أحد سب الله، فقال أيكم الساب لرسوله؟ فقالوا: سبحان ~~الله! ما فينا أحد سب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: فأيكم الساب ~~لعلي بن أبي طالب؟ فقالوا: أما هذا فقد كان منه شيء، فقال: # أشهد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) مما سمعته أذناي ووعاه قلبي، ~~سمعته يقول لعلي بن أبي طالب (عليه السلام): يا علي من سبك فقد سبني ومن ~~سبني فقد سب الله ومن سب الله فقد أكبه (6) الله على منخريه في النار، ثم ~~تولى (7) عنهم (8) وقال: يا بني ماذا رأيتهم صنعوا؟ # PageV01P590 # قال: فقلت له: يا أبتي: # نظروا إليك بأعين محمرة (1) * نظر التيوس إلى شفار الجازر فقال: زدني ~~فداك أبي وأمي (2)، فقلت: # خزر الحواجب (3) منكسي أذقانهم (4) * نظر الذليل إلى العزيز القاهر فقال: ~~زدني فداك أبي وأمي (5)، فقلت: ليس عندي مزيد، فقال: عندي المزيد: # أحياؤهم عار على أمواتهم * والميتون مسبة للغابر # PageV01P591 # ومن كتاب الآل لابن خالوية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) لعلي: حبك إيمان وبغضك نفاق، وأول من يدخل الجنة محبك، ~~وأول من يدخل النار مبغضك (1). # وعن عمار بن ياسر (رض) أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعلي بن أبي ~~طالب (عليه السلام): طوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب فيك (2). # وعن ابن عباس (رض) أن النبي (صلى الله عليه وآله) نظر إلى علي بن أبي ~~طالب (عليه السلام) فقال له: أنت سيد في الدنيا وسيد ms105 في الآخرة، من أحبك ~~فقد أحبني، ومن أبغضك فقد أبغضني، وبغضك بغض الله، فالويل كل الويل لمن ~~أبغضك (3). # PageV01P592 # وعن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ألا ومن مات على حب آل محمد مات ~~شهيدا، ألا ومن مات على [حب] آل محمد مات مؤمنا [مستكمل الإيمان]، ألا ومن ~~مات على حب آل محمد زف إلى الجنة كما تزف العروس إلى زوجها (1). # PageV01P593 # ولبديع الزمان الهمداني (1): # يقولون لي أما تحب الرضا * فقلت الثرى بفم الكاذب أحب النبي وآل النبي * ~~واختص آل أبي طالب ولابن هرثمة (رحمه الله) تعالى (2): # PageV01P594 # مهما ألام على حبهم (1) * فإنى أحب بني فاطمه بني بنت من جاء بالمحكمات ~~(2) * وبالدين والسنن القائمة # PageV01P595 # فصل في صفته الجميلة وأوصافه الجليلة (عليه السلام) قال الخطيب أبو ~~المؤيد الخوارزمي عن أبي إسحاق: لقد رأيت عليا (عليه السلام) أبيض الرأس ~~واللحية، ضخم البطن، ربعة من الرجال (1). # وذكر ابن مندة: إنه كان شديد الأدمة، ظاهر السمرة، كثير الشعر، عريض ~~اللحية ثقيل (2) العينين عظيمهما، ذا بطن وهو إلى القصر أقرب (3). # PageV01P597 # وزاد محمد بن حبيب البغدادي صاحب الكنز [المحبر] الكبير في صفاته، أنه ~~أدم اللون، حسن الوجه، ضخم الكراديس، أنزع (1) بطين (2). # ومما رواه الغر (3) المحدث في صفته وذلك عند سؤال بدر الدين [يوسف بن] ~~لؤلؤ صاحب الموصل له عند صفته له فقال: كان ربعة من الرجال، أدعج العينين، ~~حسن الوجه كأنه القمر ليلة البدر حسنا، ضخم البطن، عريض المنكبين، شثن ~~الكفين، كأن عنقه إبريق فضة، أصلع كث اللحية، له شاش كشاش السبع الضاري لا ~~يتبين عضده من ساعده وقد أدمجت إدماجا (4). # قال معاوية لضرار بن ضمرة (5): صف لي عليا، فقال: اعفني، فقال: [لابد أن ~~تصفه] أقسمت عليك لتصفنه [لي]، قال: أما إذا كان لابد فإنه والله كان بعيد ~~المدى شديد القوى، يقول فصلا ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه وتنطق ~~الحكمة من نواحيه (6)، # PageV01P598 # يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة (1) ~~طويل الفكرة، [يقلب كفه ويخاطب نفسه ويناجي ربه] يعجبه من اللباس ما خشن ~~ومن الطعام ms106 ما جشب، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه ويأتينا إذا ~~دعوناه، ونحن والله مع تقريبه (2) لنا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، ~~ويعظم أهل الدين ويقرب المساكين، ولا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف ~~من عدله. # وأشهد (3) لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه ~~[وهو قائم في محرابه] قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء ~~الحزين، ويقول: يا دنيا غري غيري، أبي (4) تعرضت أم إلي تشوقت، هيهات هيهات ~~طلقتك (5) ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير وخطرك كثير (6) وعيشك حقير. آه ~~من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق. # فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن، لقد كان والله كذلك، فكيف (7) ~~حزنك عليه يا ضرار؟ فقال: حزن من ذبح ولدها في حجرها، فهي لا يرقى دمعها ~~(8) ولا يخفى فجعها (9) (10). # PageV01P599 # وسأل معاوية خالد بن معمر (1) فقال له: علام أحببت عليا؟ فقال: على ثلاث # PageV01P600 # خصال: على حلمه إذا غضب، وعلى صدقه إذا قال، وعلى عدله إذا حكم (1). # ونقل عن سودة بنت عمارة الهمدانية (2) رحمهما الله أنها قدمت على معاوية ~~بعد موت علي (عليه السلام) (3) فجعل معاوية يؤنبها على تحريضها عليه في ~~أيام قتال صفين. ثم # PageV01P601 # إنه قال لها: ما حاجتك؟ فقالت: إن الله تعالى مسائلك عن أمرنا وما افترض ~~(1) عليك من حقنا وما فوض إليك من أمرنا، ولا يزال يقدم علينا من قبلك من ~~يسمو (2) بمقامك (3) ويبطش بسلطانك، فيحصدنا حصد السنبل، ويدوسنا دوس ~~الحرمل (4)، يسومنا الخسف ويذيقنا الحتف، هذا بسر بن أرطاة قد قدم علينا ~~فقتل رجالنا (5) # PageV01P602 # وأخذ أموالنا (1) ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة، فإن (2) عزلته عنا ~~شكرناك، وإلا فإلى الله شكوناك. # فقال معاوية: إياي تعنين ولي تهددين؟ لقد هممت يا سودة أن أحملك على قتب ~~أشوس (3) فأردك إليه فينفذ حكمه فيك، فأطرقت ثم أنشأت تقول [هذه الأبيات]: # صلى الإله على جسم تضمنه * قبر فأصبح فيه العدل مدفونا قد حالف الحق لا ~~يبغي به بدلا * فصار بالحق والإيمان مقرونا (4) فقال معاوية: من هذا (5) يا ~~سودة، فقالت: ms107 هذا والله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: ~~وما صنع بك حتى صار عندك كذلك؟ قالت: لقد جئته (6) في رجل كان قد ولاه ~~صدقاتنا (7) فجار علينا فصادفته قائما يريد صلاة فلما رآني انفتل ثم أقبل ~~علي بوجه طلق ورحمة ورفق وقال: ألك (8) حاجة؟ فقلت: نعم، وأخبرته بالأمر ~~فبكى، ثم قال: اللهم أنت الشاهد (9) أني لم آمرهم بظلم خلقك، ولا بترك حقك. ~~ثم أخرج من جيبه قطعة جلد وكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم (قد جآءتكم ~~بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشيآئهم ولا تفسدوا ~~فى # PageV01P603 # الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين) (1) وإذا قرأت كتابي هذا ~~فاحتفظ بما في يدك من عملك حتى يقدم عليك من يقبضه [منك] والسلام. ثم دفع ~~إلي الرقعة فجئت بالرقعة إلى صاحبه فانصرف عنا معزولا. # فقال [معاوية]: اكتبوا لها بما تريد واصرفوها إلى بلدها غير شاكية. ~~فقالت: ألي خاصة أم لقومي عامة؟ قال: وما أنت وغيرك؟ قالت: هي والله إذا ~~الفحشاء واللؤم إن لم يكن عدلا شاملا، وإلا أنا كسائر قومي. قال: هيهات، ~~لمظكم ابن أبي طالب الجرأة وغركم قوله: # فلو كنت بوابا على باب جنة * لقلت لهمدان ادخلوا بسلام (2) # PageV01P604 # فصل في ذكر كنيته ولقبه وغير ذلك مما يتصل به (عليه السلام) أما كنيته: ~~أبو الحسن (1) وأبو السبطين (2) وأبو تراب (3) كناه بذلك رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) وكان أحب الكنيات (4) إليه (5) كما سبق ذكر ذلك. # وأما لقبه: فالمرتضى (6) # PageV01P605 # وحيدر وأمير المؤمنين (1) والأنزع البطين (2). # نقش علي على خاتمه: أسندت ظهري إلى الله (3)، وقيل: حسبي الله (4)، بابه ~~(5): سلمان (رض) (6)، شاعره: حسان بن ثابت (7)، ومعاصروه: أبو بكر وعمر # PageV01P607 # وعثمان ومعاوية (1). # PageV01P608 # فصل في مقتله ومدة عمره وخلافته (عليه السلام) عن أنس بن مالك (1) (رض) ~~قال: مرض علي (عليه السلام) فدخلت عليه وعنده أبو بكر وعمر وعثمان فجلست ~~عنده معهم، فجاء النبي (صلى الله عليه وآله) فنظر في وجهه فقال أبو بكر ~~وعمر: قد تخوفنا عليه يا رسول الله، فقال (صلى ms108 الله عليه وآله): لا بأس ~~عليه ولن يموت الآن ولا يموت حتى يملأ غيظا ولن يموت إلا مقتولا (2). # PageV01P609 # وعن فضاله الأنصاري (1) قال: خرجت مع أبي إلى الينبع (2) عائدين لعلي بن ~~أبي طالب وكان مريضا بها قد نقل إليها من المدينة، فقال له: ما يقيمك بهذا ~~(3) المنزل؟ # ولو هلكت به لم يدفنك (4) إلا أعراب جهينة، وكان أبو فضاله من أهل بدر ~~(5)، فقال له علي: لست بميت من وجعي هذا وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) عهد إلي أن لا أموت حتى أؤمر وتخضب (6) هذه من دم هذا (7) - وأشار ~~إلى لحيته ورأسه - قضاء مقضيا وعهدا معهودا منه إلي (8). # وقال [أبو] المؤيد الخوارزمي في كتابه المناقب يرفعه بسنده إلى أبي ~~الأسود الدؤلي أنه عاد عليا في شكوى اشتكاها. قال: فقلت له: قد تخوفنا عليك ~~يا أمير المؤمنين في شكواك هذه، فقال لكني والله ما تخوفت على نفسي # PageV01P610 # لأني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إنك ستضرب ضربة هاهنا - ~~وأشار إلى رأسه - فيسيل دمها حتى تخضب لحيتك، يكون صاحبها أشقاها كما كان ~~عاقر الناقة أشقى ثمود (1). # قيل: وسئل علي وهو على المنبر (2) في الكوفة عن قوله تعالى: (من المؤمنين ~~رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا # PageV01P611 # تبديلا) (1) فقال: اللهم غفرا (2) هذه الآية نزلت في وفي عمي حمزة وفي ~~ابن عمي عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فأما (3) عبيدة بن الحارث فانه قضى ~~نحبه شهيدا يوم بدر، وأما عمي حمزة فإنه قضى نحبه [شهيدا] يوم أحد، وأما ~~أنا فأنتظر (4) أشقى الأمة (5) يخضب هذه من هذا (6) - وأشار [بيده] إلى ~~لحيته ورأسه وقال: - عهد عهده إلي حبيبي أبو القاسم (صلى الله عليه وآله) ~~(7). # ومن المناقب (8) مرفوعا إلى إسماعيل بن راشد [وأبو هشام الرفاعي] (9) ~~قال: # PageV01P612 # كان من حديث عبد الرحمن بن ملجم (1) لعنه الله وصاحبيه وهما البرك (2) بن ~~عبد الله التميمي وعمرو بن بكر التميمي (3)، انهم اجتمعوا بمكة فتذاكروا ~~(4) أمر الناس # PageV01P613 # وما نالهم من القتل وما ms109 هم عليه، فعابوا ذاك على ولاتهم، ثم إنهم ذكروا ~~أهل النهروان فترحموا (1) عليهم وقالوا: ما نصنع بالبقاء (2) بعدهم، أولئك ~~كانوا دعاة الناس لعبادة (3) ربهم لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا ~~أنفسنا قاتلنا أئمة الضلالة (4) فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد والعباد ~~وثأرنا بهم إخواننا في الله. # فقال ابن ملجم لعنة الله عليه: أنا أكفيكم [أمر] علي بن أبي طالب، وقال ~~البرك: # أنا أكفيكم [أمر] معاوية، وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص. # فتعاهدوا [وتعاقدوا] وتواثقوا بالله على ذلك أن لا ينكص (5) واحد منهم عن ~~صاحبه الذي تكفل به (6) حتى يقتله أو يموت دونه، فأخذوا أسيافهم (7) ~~فشحذوها ثم أسقوها السم، وتوجه كل واحد منهم إلى جهة صاحبه الذي تكفل به، ~~وتواعدوا على أن يكون وثوبهم عليهم في ليلة واحدة، وتوافقوا على أن تكون ~~هذه الليلة [هي الليلة] التي يسفر صاحبها عن ليلة تسع عشرة (8) من شهر ~~رمضان المعظم، وقيل: هي الليلة الحادية والعشرون منه. # فأما ابن ملجم لعنه الله فإنه لما أتى الكوفة لقي بها جماعة من أصحابه ~~فكتمهم (9) أمره مخافة (10) ان يظهروا (11) عليه شيء من ذلك، فمر في بعض ~~الأيام بدار من دور # PageV01P614 # الكوفة فيها عرس، فخرج منها نسوة فرأى فيهن امرأة جميلة فائقة في حسنها ~~يقال لها قطام بنت الأصبغ التميمي (1) [فنظر إليها] لعنها الله فهواها ~~ووقعت في قلبه محبتها، فقال لها: يا جارية، أيم أنت أم ذات بعل؟ فقالت: بل ~~أيم. فقال لها: هل لك في زوج لا تذم خلايقه؟ فقالت: نعم، ولكن لي أولياء ~~أشاورهم. # فتبعها فدخلت دارا ثم خرجت إليه فقالت: يا هذا، إن أوليائي أبوا أن ~~يزوجوني إلا على ثلاثة آلاف درهم وعبد وقينة، قال: لك ذلك، قالت: وشريطة ~~أخرى! قال: # وما هي؟ قالت: قتل علي بن أبي طالب فإنه قتل أبي وأخي (2) يوم النهروان، ~~قال: # ويحك! ومن يقدر على قتل علي وهو فارس الفرسان وواحد الشجعان؟! فقالت: # لا تكثر، فذلك أحب إلينا من المال، إن كنت تفعل ذلك وتقدر عليه وإلا ms110 ~~فاذهب إلى سبيلك؟ فقال لها: أما قتل علي بن أبي طالب فلا، ولكن إن رضيتي ~~ضربته بسيفي # PageV01P615 # ضربة واحدة وانظرى ماذا يكون؟ قالت: رضيت ولكن ألتمس غرته لضربتك، فإن ~~أصبته انتفعت بنفسك وبي، وإن هلكت فما عند الله خير وأبقى من الدنيا وزينة ~~أهلها، فقال لها: والله ما جاء بي (1) إلى هذا المصر إلا قتل علي بن أبي ~~طالب، قالت: # فإذا كان الأمر على ما ذكرت دعني أطلب لك من يشد (2) ظهرك ويساندك (3)، ~~فقال لها: افعلي. # فبعثت إلى رجل من أهلها يقال له وردان (4) من تيم الرباب فكلمته فأجابها، ~~وخرج (5) (6) ابن ملجم إلى رجل من أشجع يقال له شبيب بن بجرة (7) من ~~الخوارج، فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وكيف ذلك؟ قال: قتل ~~علي بن أبي طالب، فقال له: ثكلتك أمك لقد جئت شيئا [إدا] إذ كيف تقدر على ~~ذلك؟ قال: # أكمن له في المسجد، فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه (8)، فإن ~~نجونا (9) شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا، وإن قتلنا فما عند الله خير من ~~الدنيا وما فيها، ولنا أسوة في أصحابنا الذين سبقونا. # فقال له: ويحك! لو كان غير علي [كان أهون علي] وقد عرفت بلاءه في # PageV01P616 # الإسلام وسابقته مع النبي (صلى الله عليه وآله) وما أجد نفسي تنشرح ~~لقتله، قال: أما (1) تعلم أنه قتل أهل النهروان العباد المصلين؟ قال: بلى، ~~قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا. فأجابه إلى ذلك. # فجاؤوا إلى قطام وهي في المسجد الأعظم معتكفة وكان ذلك في شهر رمضان ~~فقالوا لها: قد صممنا وأجمع رأينا على قتل علي بن أبي طالب. فقال ابن ملجم ~~[قاتله الله]: ولكن يكون ذلك في ليلة الحادية والعشرين منه فإنها الليلة ~~التي تواعدت أنا وصاحباي فيها على أن يبيت كل واحد منا على صاحبه الذي تكفل ~~بقتله، فأجابوه إلى ذلك (2). # فلما كانت الليلة الحادية والعشرين أخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة ~~التي يخرج منها علي بن أبي طالب (عليه السلام) وكانت ليلة الجمعة، فلما خرج ~~لصلاة الصبح شد ms111 عليه شبيب فضربه بالسيف فوقع (3) سيفه بعضادة الباب (4)، ~~وضربه ابن ملجم لعنه الله بسيفه فأصابه (5)، وهرب وردان، ومضى شبيب لعنه ~~الله هاربا حتى دخل منزله # PageV01P617 # فدخل عليه [رجل] من بني أبيه (1) فقتله. # وأما ابن ملجم [لعنه الله] فإن رجلا من همدان لحقه فطرح (2) عليه قطيفة ~~(3) كانت في يده ثم صرعه وأخذ السيف منه وجاء به إلى أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب (عليه السلام) فنظر إليه علي ثم قال: " (النفس بالنفس) إن أنا مت ~~فاقتلوه كما قتلني، وإن سلمت رأيت رأيي فيه (4). # فقال ابن ملجم لعنه الله: والله لقد ابتعته بألف وسممته بألف، فإن خانني ~~فأبعد [ه] # PageV01P618 # الله مضاربه (1). # قال [قتادة]: فنادته أم كلثوم ابنة سيدنا علي (عليه السلام): يا عدو الله ~~قتلت أمير المؤمنين، فقال: إنما قتلت أباك (2)، قالت: يا عدو الله إني ~~لأرجو أن لا يكون عليه باس، قال لها: أراك (3) إذا تبكين علي، والله لقد ~~ضربته ضربة لو قسمت بين أهل الأرض لأهلكتهم (4). فأخرج من بين يدي أمير ~~المؤمنين والناس يلعنونه ويسبونه ويقولون [له]: يا عدو الله وماذا أتيت ~~أهلكت أمة محمد (صلى الله عليه وآله) وقتلت خير الناس، وأنهم لو تركوهم به ~~لقطعوه [لعنه الله] قطعا وهو [صامت] لا ينطق لهم. # قال: ودعا أمير المؤمنين علي (عليه السلام) حسنا وحسينا فقال: أوصيكما ~~بتقوى الله تعالى ولا تبغيا (5) الدنيا وإن بغتكما وتتكيا [ولا تبكيا ولا ~~تأسفا] على شيء زوي منها عنكما [و] قولا بالحق [واعملا للأجر] وارحما ~~اليتيم وأعينا (6) الضعيف [الملهوف الضائع] واصنعا للأخرى، وكونا للظالم ~~خصما وللمظلوم ناصرا (7)، واعملا بما في كتاب الله تعالى ولا تأخذ كما في ~~الله لومة لائم (8). # PageV01P619 # ثم التفت (1) إلى محمد بن الحنفية فقال: [هل] حفظت ما أوصيت به أخويك؟ # قال: نعم، فقال [ف‍] إني أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك لعظيم (2) ~~حقهما عليك ولا تؤثر (3) أمرا دونهما. ثم قال: أوصيكما به فإنه [شقيقكما] ~~(4) ابن أبيكما، وقد علمتما أن أباكما كان يحبه (5). # وفي رواية (6) عن الحسن بن علي (عليه السلام): لما حضرت أبي ms112 الوفاة أقبل ~~يوصي فقال: # هذا ما أوصى به [أمير المؤمنين] علي بن أبي طالب أخو محمد رسول الله وابن ~~عمه وصاحبه وخليفته، أوصى بأنه يشهد (7) أن لا إله إلا الله [وحده لا شريك ~~له] وأن محمدا [عبده ورسوله] (8) رسول الله وخيرته، اختاره بعلمه وارتضاه ~~لخيرته (9)، وأن # PageV01P620 # الله باعث من في القبور وسائل الناس عن أعمالهم، عالم بما في الصدور. # ثم قال: إني أوصيك يا حسن (1) وكفى بك وصيا بما أوصاني به رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) فإذا # PageV01P621 # كان ذلك [يا بني] فالزم بيتك وابك على خطيئتك، ولا تكن الدنيا أكبر همك، ~~وأوصيك يا بني بالصلاة عند وقتها والزكاة في أهلها عند محلها، والصمت عند ~~الشبهة (1)، والاقتصاد، والعدل في الرضا والغضب، وحسن الجوار، وإكرام ~~الضيف، ورحمة المجهود وأصحاب البلاء، وصلة الرحم، وحب المساكين ومجالستهم ~~والتواضع فإنه أفضل العبادات (2)، وقصر الأمل، وذكر (3) الموت، والزهد في ~~الدنيا فإنك رهن موت وغرض بلاء وطريح سقم. # وأوصيك بخشية الله تعالى في سر أمرك وعلانيتك، وأنهاك عن التسرع بالقول ~~والفعل، وإذا عرض شيء من أمر الآخرة فابدأ به، وإذا عرض شيء من أمر الدنيا ~~فتأنه (4) حتى تصيب رشدك فيه، وإياك ومواطن التهمة والمجلس المظنون به ~~السوء، فإن قرين السوء يغير (5) جليسه. # وكن لله يا بني عاملا، وعن الخنا زجورا، وبالمعروف آمرا، وعن المنكر ~~ناهيا، وواخ الإخوان في الله، وأحب الصالح لصلاحه، ودار الفاسق عن دينك ~~وابغضه بقلبك، وزايله بأعمالك لئلا (6) تكون مثله، وإياك والجلوس في ~~الطرقات، ودع المماراة ومجاورة (7) من لا عقل له [ولا علم]. # PageV01P622 # واقتصد يا بني في معيشتك، واقتصد في عبادتك، وعليك فيها بالأمر الدائم ~~الذي تطيقه، والزم الصمت وبه تسلم، وقدم لنفسك تغنم، وتعلم الخير تعلم، وكن ~~ذاكرا لله تعالى على كل حال، وارحم من أهلك الصغير، ووقر منهم الكبير، ولا ~~تأكلن طعاما حتى تتصدق منه قبل أكله، وعليك بالصوم فإنه زكاة البدن وجنة ~~لأهله. # وجاهد نفسك، واحذر جليسك، واجتنب عدوك، وعليك بمجالس الذكر، وأكثر من ~~الدعاء فإني لم آلك يا بني ms113 نصحا وهذا فراق بيني وبينك. # وأوصيك بأخيك محمد [خيرا] فإنه [شقيقك] ابن أبيك وقد تعلم حبي له. أما ~~أخوك الحسين فإنه شقيقك وابن أمك وأبيك، ولا [أزيد الوصاة بذلك (3)] أزيدك ~~وصياته، والله الخليفة عليكم، وإياه أسأل أن يصلحكم، وأن يكف الطغاة ~~والبغاة عنكم، والصبر الصبر حتى يقضي (4) الله الأمر، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم (5). # ثم قال للحسن: يا حسن أبصروا ضاربي، أطعموه من طعامي، واسقوه من شرابي، ~~فإن أنا عشت فأنا أولى بحقي، وإن مت فاضربوه ضربة، ولا تمثلوا به فإني سمعت ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: اياكم والمثله ولو بالكلب العقور ~~(1). يا حسن إن أنا مت # PageV01P623 # لا تغال في كفني فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا ~~تغالوا في الأكفان فامشوا بي بين المشيتين، فإن كان خيرا عجلتموني إليه، ~~وان كان شرا ألقيتموه عن أكتافكم. # يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تريقون (2) دماء المسلمين بعدي، تقولون: ~~قتلتم أمير المؤمنين، ألا لا يقتلن بي إلا قاتلي (3). ثم لم ينطق إلا بلا ~~إله إلا الله حتى قبض (عليه السلام) وذلك في شهر رمضان سنة أربعين (4). # وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ومحمد بن الحنفية يصب الماء، وكفن ~~في ثلاثة (5) أثواب ليس فيها قميص، وصلى عليه ابنه الحسن (عليه السلام) ~~وكبر عليه سبع تكبيرات (6)، # PageV01P624 # ودفن في جوف الليل بالغري (1) موضع معروف [يزار] إلى الآن وقيل: بالنجف، ~~وفيه يقول بعض الشعراء (2): # تسح (3) سحايب الرضوان سحا * كجود يديه ينسجم انسجاما ولا زالت رواة ~~المزن تهدي * إلى النجف التحية والسلاما وقيل: دفن [بين منزلة] والجامع ~~الأعظم (4)، وقيل: في القصر (5)، وقيل: غير ذلك (6)، ولما فرغوا من دفنه ~~(عليه السلام) جلس الحسن (عليه السلام) وأمر أن يؤتى بابن ملجم لعنه الله ~~فجيء به، فلما وقف بين يديه قال: يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين وأعظمت ~~الفساد في الدين (7)، # PageV01P625 # ثم أمر به فضربت عنقه وأخذه الناس وأدرجوه في بواري وأحرقوه لعنه الله ~~(5). # وقيل: إن أم الهيثم بنت الأسود النخعية ms114 (6) استوهبت جيفته من الحسن (عليه ~~السلام) وأحرقتها بالنار (7). # وأما الرجلان اللذان كانا مع ابن ملجم في العقد على قتل معاوية وعمرو بن ~~العاص فإن أحدهما في صبيحة تلك الليلة وهو البرك ضرب معاوية وهو راكع في ~~صلاة الصبح فوقعت ضربته في أليته من فوق ثياب كثيرة كانت عليه فجرحه جرحا ~~يسيرا، وقبض على البرك فقال لمعاوية: إن [لك] عندي بشارة (8) أسرك به فإن ~~أخبرتك أنافعي ذلك عندك؟ فقال: نعم، قال: إن عليا قتل في هذه الليلة، قتله ~~أخ لي، قال: وكيف؟ فأخبره بخبرهم ثلاثتهم وما عقدوا عليه، فقال معاوية: ~~ولعله لم يقدر على ذلك اقتلوه، فأخذ وقتل (1). # PageV01P626 # وبعث معاوية إلى طبيب يقال له الساعدي وكان طبيبا حاذقا فأراه جراحته، ~~فلما نظر إليها قال: اختر إما أن أحمي [لك] حديدة فاضعها (2) في موضع السيف ~~(3) [فتبرأ] وإما أن أسقيك شربة (4) يقطع بها عنك الولد وتبرأ فإن ضربته ~~مسمومة، قال معاوية: أما النار فلا صبر (5) لي عليها، وأما الولد ففي يزيد ~~وعبد الله ما تقربه عيني، فسقاه شربة (6) فبرئ ولم يولد بعدها، وأمر معاوية ~~بعد ذلك بالمقصورات في المسجد وحرس الليل وقيام الشرطة على رأسه، وهو أول ~~من عمل المقصورات في الإسلام (7). # أما الرجل الثالث وهو عمرو بن بكر التميمي وافى خارجة [بن أبي حبيبة] (8) ~~[وكان صاحب شرطته] في صبيحة تلك الليلة وهو في المسجد في صلاة الصبح فضربه ~~بسيفه وهو يظن أنه عمرو، وكان عمرو قد تخلف صبيحة تلك الليلة واستخلف خارجة ~~فوقعت الضربة في خارجة فقتله فمات (9) منها في اليوم الثاني (10)، # PageV01P627 # وفي ذلك يقول ابن زيدون (ره) (3): # فليتها إذ فدت عمرا بخارجة * فدت عليا بمن شاءت من البشر وأخذوا قاتل ~~خارجة فأدخل على عمرو فلما رآه قال له: من قتلت؟ # قال: يقولون خارجة، فقال: أردت عمرا وأراد الله خارجة (4) فصارت مثلا، ~~وأمر به عمرو فقتل، فلما بلغ معاوية قتل خارجة وسلامة عمرو كتب إليه بهذه ~~الأبيات (5): # PageV01P628 # وقتل وأسباب المنايا (1) كثيرة * منية شيخ من لؤي بن غالب فيا عمرو مهلا ~~إنما أنت ms115 عمه * وصاحبه دون (2) الرجال الأقارب نجوت وقد بل المرادي سيفه * ~~من ابن أبي شيخ الأباطح طالب ويضربني بالسيف آخر مثله * فكانت علينا (3) ~~تلك ضربة لازب وأنت تناغي كل يوم وليلة * بمصرك بيضا كالظباء (4) السوارب ~~(5) وقد صح النقل أن عليا (عليه السلام) ضربه عبد الرحمن بن ملجم ليلة ~~الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة أربعين ومات من ضربته ليلة ~~الأحد وهي الليلة الثالثة من ليلة ضربه (6)، وكان عمره إذ ذاك خمسا وستين # PageV01P629 # سنة (2) أقام منها مع النبي خمسا وعشرين سنة (3) منها قبل البعث والنبوة ~~اثنا عشر سنة وبعدها ثلاثة عشر سنة (1)، ثم هاجر واقام مع النبي (صلى الله ~~عليه وآله) بالمدينة إلى أن توفي # PageV01P630 # النبي (صلى الله عليه وآله) عشر سنين (2)، ثم عاش من بعد وفاة النبي إلى ~~أن قتل (عليه السلام) ثلاثين سنة، فجملة ذلك خمس وستون سنة (3). # وبالإسناد عن جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) قال: إني حاضر عند علي بن ~~أبي طالب [في وقت] إذ جاءه عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله يستحمله فحمله ثم ~~قال (4): # PageV01P631 # أريد حياته ويريد قتلي * عذيري من خليلي من مراد ثم قال: هذا والله قاتلي ~~لا محالة، قلنا: يا أمير المؤمنين أفلا تقتله؟! قال: لا فمن يقتلني، ثم قال ~~(1) (عليه السلام): اشدد # PageV01P632 # حيازيمك للموت * فإن الموت لاقيكا ولا تجزع من الموت * إذا حل بناديكا ~~ولا تغتر بالدهر * وان كان يواتيكا كما أضحكك الدهر * كذاك الدهر يبكيكا ~~وقال غنم بن المغيرة (1): كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) في شهر رمضان ~~من السنة التي قتل فيها يفطر ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند ~~عبد الله بن جعفر، لا يزيد في كل أكله على ثلاث أو أربع لقم (2) ويقول: ~~يأتيني أمر الله وأنا خميص، إنما هي ليال قلائل، فلم يمض الشهر حتى قتل ~~(عليه السلام) (3). # وعن الحسن بن كثير عن أبيه قال: خرج علي (عليه السلام) في فجر اليوم الذي ~~قتل فيه فأقبل الأوز يصحن في وجهه فطردن عنه، فقال (عليه ms116 السلام): ذروهن ~~فإنهن نوائح (4)، فقتله # PageV01P633 # ابن ملجم لعنه الله. # وقال الحسن بن علي (عليه السلام): قمت ليلا فوجدت أبي قائما يصلي في مسجد ~~داره فقال: يا بني أيقظ أهلك يصلون فانها ليلة الجمعة صبيحة بدر، ولقد ~~ملكتني عيناي فنمت فرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: يا رسول ~~الله ماذا لقيت من أمتك من الأود واللدد (2)!! فقال (صلى الله عليه وآله): ~~ادع عليهم، فقلت: اللهم أبدلنى بهم من هو خير منهم وأبدلهم بي من هو شر ~~منهم (3). فجاء المؤذن فأذنه بالصلاة فخرج وخرجت خلفه فضربه ابن ملجم لعنه ~~الله فقتله (4). # وفي قصة عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله ومهره لقطام واشتراطها عليه قتل # PageV01P634 # علي (عليه السلام)، يقول الفرزدق (2): # فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة * كمهر (3) قطام من فصيح وأعجم (4) ثلاثة آلاف ~~وعبد وقينة * وضرب علي بالحسام المصمم (5) فلا مهر أغلى من علي (6) وإن غلا ~~* ولا فتك (7) إلا دون فتك ابن ملجم ولله در القائل حيث يقول (8): # فلا عز (9) للأشراف إن ظفرت بها * ذئاب (10) الأعادي من فصيح وأعجم فحربة ~~وحشي سقت حمزة الردى * وحتف علي من حسام ابن ملجم وقال أبو الأسود الدؤلي ~~في قتل علي (عليه السلام) (11): # PageV01P635 # ألا أبلغ معاوية بن حرب (2) * فلا قرت عيون الشامتينا أفي شهر الحرام (3) ~~فجعتمونا * بخير الناس طرا أجمعينا رزينا (4) خير من ركب المطايا * ورحلها ~~(5) ومن ركب السفينا ومن لبس النعال ومن حذاها * ومن قرأ المثاني والمبينا ~~(6) إذا استقبلت وجه أبي حسين * رأيت البدر (7) زاغ الناظرينا لقد علمت ~~قريش حيث (8) كانت * بأنك خيرهم حسبا (9) ودينا فقل للشامتين بنا رويدا * ~~سيلقى الشامتون كما لقينا وقال بكر بن حسان الباهلي (9): # PageV01P636 # قال لابن ملجم والأقدار غالبة * هدمت (2) للدين والإسلام أركانا قتلت ~~أفضل من يمشي على قدم * وأفضل (3) الناس إسلاما وإيمانا وأعلم الناس ~~بالقرآن ثم بما * سن الرسول لنا شرعا وتبيانا صهر النبي ومولاه وناصره * ~~أضحت مناقبه نورا وبرهانا وكان (4) منه على رغم الحسود له * مكان (5) هارون ~~من موسى بن عمرانا ذكرت قاتله والدمع منحدر * فقلت سبحان رب ms117 العرش (6) ~~سبحانا قد كان يخبرنا (7) أن سوف يخضبها * قبل المنية أشقاها وقد كانا (8) ~~وبالإسناد عن الزهري قال: قال لي عبد الملك بن مروان: أي واحد أنت أن ~~حدثتني ما كانت علامة يوم قتل علي بن أبي طالب؟ قلت: يا أمير المؤمنين ما ~~رفعت حصاة ببيت المقدس إلا وكان تحتها دم عبيط. فقال: أنا وأنت غريبان في ~~هذا الحديث (9). # PageV01P637 # ومن كتاب المناقب لأبي بكر (1) الخوارزمي قال: قال أبو القاسم الحسن بن ~~محمد: كنت بالمسجد الحرام فرأيت الناس مجتمعين حول مقام إبراهيم (عليه ~~السلام) فقلت: # ما هذا؟ فقالوا: راهب قد أسلم وجاء إلى مكة وهو يحدث بحديث عجيب، فأشرفت ~~عليه فإذا شيخ كبير عليه جبة صوف وقلنسوة صوف عظيم الجثة وهو قاعد عند ~~المقام يحدث الناس وهم يسمعون إليه (2) فقال: بينما أنا قاعد في صومعتي في ~~بعض الأيام إذ أشرفت منها إشرافة فإذا طائر كالنسر الكبير قد سقط على صخرة ~~على شاطئ البحر فتقيأ فرمى من فيه ربع إنسان ثم طار! فغاب يسيرا ثم عاد ~~فتقيأ ربعا آخر ثم طار! وعاد فتقيأ (3) هكذا، إلى أن تقيأ أربعة أرباع ~~إنسان ثم طار! فدنت الأرباع بعضها إلى (4) بعض فالتأمت، فقام منها إنسان ~~كامل وأنا أتعجب مما رأيت، فإذا بالطائر قد انقض عليه فاختطف ربعه، ثم عاد ~~(5) واختطف ربعا آخر ثم طار! # وهكذا إلى أن اختطف جميعه، فبقيت أتفكر (6) وأتحسر ألا كنت سألته من هو ~~وما قصته؟ # PageV01P638 # فلما كان في اليوم الثاني فإذا بالطائر قد أقبل وفعل كفعله بالأمس، فلما ~~التأمت الأرباع وصارت شخصا كاملا نزلت من صومعتي مبادرا إليه ودنوته ~~وسألته: بالله من أنت يا هذا؟ فسكت عني، فقلت له: بحق من خلقك إلا ما ~~أخبرتني من أنت؟ # فقال: أنا ابن ملجم [ف‍] قلت: ما قصتك مع هذا الطائر؟ قال: قتلت علي بن ~~أبي طالب فوكل [الله] بي هذا الطائر ليفعل بي ما ترى كل يوم. فخرجت من ~~صومعتي وسألت عن علي بن أبي طالب من هو؟ فقيل لي: إنه ابن عم رسول الله ms118 ~~(صلى الله عليه وآله) فأسلمت وأتيت ماتا (1) من هذا إلى بيت الحرام قاصدا ~~الحج وزيارة النبي (صلى الله عليه وآله) (2). # PageV01P639 # فصل في ذكر أولاده عليه وعليهم السلام أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب (عليه السلام) سبعة [ثمانية] وعشرون ولدا (1) ما بين ذكور وإناث، وهم: ~~الحسن والحسين وزينب الكبرى (2) وزينب الصغرى المكناة أم كلثوم (3) وأمهم ~~فاطمة البتول سيدة نساء العالمين (4). ومحمد المكنى بأبي # PageV01P641 # القاسم، أمه خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية (1). وعمر ورقية كانا توأمين، ~~وأمهما أم حبيب بنت ربيعة (2). والعباس وجعفر وعثمان وعبد الله الشهداء مع ~~أخيهم # PageV01P642 # الحسين (عليه السلام) بطف كربلاء، أمهم أم البنين بنت حزام بن خالد بن ~~دارم (1). ومحمد # PageV01P643 # الأصغر المكنى أبا بكر وعبد الله الشهيدان أيضا مع أخيهما الحسين ~~بكربلاء، أمهما ليلى بنت مسعود الدارمية (1). ويحيى وعون، أمهما أسماء بنت ~~عميس الخثعمية (2). # PageV01P644 # وأم الحسن ورملة، أمهما أم مسعود بنت عروة الثقفي (1). ونفيسة وزينب ~~الصغرى ورقية الصغرى وأم هانئ وأم الكرام وجمانة المكناة بأم جعفر وأمامة ~~وأم سلمة وميمونة وخديجة وفاطمة كلهن لأمهات شتى (2). # PageV01P645 # واعلم أن الناس قد اختلفوا في عدد أولاده ذكورا وإناثا، فمنهم من أكثر ~~ومنهم من اختصر، والذي نقله صاحب كتاب الصفوة أن أولاده الذكور أربعة عشر ~~ذكرا (1)، وأولاده الإناث تسعة عشر إناثا (2). وهذا تفصيل أسمائهم رضوان ~~الله عليهم أجمعين. # الذكور: الحسن، والحسين، ومحمد الأكبر، وعبيد الله، وأبو بكر، والعباس، ~~وعثمان، وجعفر، وعبد الله، ومحمد الأصغر، ويحيى، وعون، وعمر، ومحمد الأوسط ~~(3). # الإناث: زينب الكبرى (4)، وأم كلثوم الكبرى (5)، وأم الحسن، ورملة ~~الكبرى، وأم # PageV01P646 # هانئ، وميمونة، وزينب الصغرى، وأم كلثوم الصغرى، ورقية، وفاطمة، وأمامة، ~~وخديجة، وأم الكرام، وأم سلمة، وأم جعفر، وجمانة. وعد بنتا أخرى لم يذكر ~~اسمها ماتت صغيرة (1). # وذكروا أن فيهم محسنا شقيقا للحسن والحسين (عليهما السلام) ذكرته الشيعة ~~وانه كان سقطا. فهؤلاء أولاده عليه وعليهم السلام (2). # والنسل منهم للحسن والحسين ومحمد ابن الحنفية والعباس ابن الكلابية وعمر ~~ابن التغلبية وهي الصهباء بنت ربيعة من السبي الذين (3) أغار عليهم خالد بن ~~الوليد بعين ms119 التمر وعمر عمر هذا حتى بلغ خمسا وثمانين سنة فحاز نصف ميراث ~~علي (عليه السلام) وذلك أن جميع إخوته وأشقائه - وهم عبد الله وجعفر وعثمان ~~- قتلوا جميعهم قبله مع الحسين (عليه السلام) بالطف فورثهم (4). # وكان عند علي (عليه السلام) يوم قتل أربع زوجات حرائر (5) في عقد نكاحه ~~وهن: أمامه # PageV01P647 # بنت أبي العاص بنت زينب بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) تزوجها بعد ~~موت خالتها فاطمة البتول، وليلى بنت مسعود التميمية، وأسماء بنت عميس ~~الخثعمية، وأم البنين الكلابية، وأمهات أولاد عشر إماء (١). # هذا (٢) بعض ما أوردناه من (٣) مناقب أبي السبطين وفارس بدر وأحد وحنين، ~~زوج البتول وأبي الريحانتين قرارة القلب قرة العينين سيف الله وحجته وصراطه ~~المستقيم ومحجته، فإي شرف ما افترع هضابه؟ وأي معقل عز ما فتح بابه؟ فأبناء ~~علي (عليه السلام) لهم شرف ظاهر على بني الأنام ومناقب يرثوها كابر عن كابر ~~وسجايا يهديها أول إلى آخر، وقد ثبت لأمير المؤمنين من المفاخر المشهورة ~~والمآثر المأثورة التي هي في صفحات جباه الأيام مسطورة وفي الكتاب والسنة ~~مذكورة. # ولبني فاطمة على إخوتهم من بني علي شرف إذا عدت مراتب أهل الشرف، ومكانة ~~حصلوا منها في الرأس وإخوتهم في الطرف، وجلالة ادرعوا برودها، ودرة كرم ~~ارتضعوا زودها، ومجد بلغ السماء ذات البروج، ومحل علا توطدوه، فلم يطمع ~~غيرهم في الارتقاء إليه ولا العروج، إذ هم شاركوا بني أبيهم في شرف الآباء ~~وانفردوا بشرف الأمهات، وقد أوضح الله تعالى ذلك بقوله: ﴿ورفع بعضكم فوق بعض درجت﴾ (4) فجمعوا بين مجدين ~~تالد وطريف، وضموا إلى علامة تعريفهم علامة تشريف، وعدوا النبي (صلى الله ~~عليه وآله) أبا وجدا وارتدوا من نسب أبيهم بردا ومن قبل أمهم بردا، فأصبح ~~كل منهم معلم الطرفين ظاهر الشرفين برد أبويهم الشريفين كانا لذويهما ~~ظريفين. # PageV01P648 # فصل في ذكر البتول (1) ولنذكر طرفا من مناقبها التي تشرف هذا النسب من ~~نسبها واكتسى فخرا ظاهرا من حسبها. وهي فاطمة الزهراء (2) بنت من أنزل عليه ~~(سبحن الذي أسرى) ms120 (3) # PageV01P649 # ثالثة الشمس والقمر (1)، # PageV01P650 # بنت خير البشر الطاهرة (1) الميلاد، السيدة (2) بإجماع أهل السداد. # قال الشيخ كمال الدين بن طلحة (3): ولدت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) قبل # PageV01P651 # النبوة والمبعث بخمس سنين، وقريش تبني البيت، وتزوجها علي بن أبي طالب ~~(عليه السلام) في شهر رمضان المعظم قدره من السنة الثانية من الهجرة (1)، # PageV01P652 # ودخل (1) بها في ذي الحجة من السنة المذكورة (2). # نقل (3) الشيخ أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان (4) بسنده إلى # PageV01P653 # أنس (رض) قال: كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فغشيه الوحي، فلما ~~أفاق قال لي: يا أنس، أتدري ما جاءني به جبرئيل (عليه السلام) من [عند] ~~صاحب العرش جل وعلا؟ قلت: # بأبي أنت وأمي ما جاءك به جبرئيل؟ قال: قال لي: إن الله تبارك وتعالى ~~يأمرك أن تزوج فاطمة من علي (عليه السلام)، فانطلق فادع لي أبا بكر، وعمر، ~~وعثمان، وطلحة، والزبير، وبعدتهم من الأنصار. # قال: فانطلقت فدعوتهم [له] فلما أن أخذوا مجالسهم قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله): # الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع بسلطانه، المرهوب (1) ~~إليه من عذابه، النافذ أمره في أرضه وسمائه، الذي خلق الخلق بقدرته، وميزهم ~~بأحكامه وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيه محمد (صلى الله عليه وآله). ثم إن ~~الله جعل المصاهرة نسبا لاحقا، وأمرا مفترضا، وحكما عدلا، وخيرا جامعا، وشج ~~(2) بها الأرحام، وألزمها الأنام فقال عز وجل: (وهو الذي خلق من المآء بشرا ~~فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا) (3) وأمر الله يجري إلى قضائه، وقضاؤه ~~يجري إلى قدره، ولكل قضاء قدر، ولكل قدر أجل، ولكل أجل كتاب (يمحوا الله ما ~~يشآء ويثبت وعنده أم الكتب) (4). # PageV01P654 # ثم إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي وأشهدكم أني قد زوجت فاطمة ~~من علي (1) # PageV01P655 # على أربعمائة مثقال فضة (1) إن رضي بذلك (2) على السنة القائمة، والفريضة ~~الواجبة، فجمع الله شملهما، وبارك لهما، وأطاب نسلهما، مفاتيح الرحمة، ~~ومعادن الحكمة، # PageV01P657 # وأمناء الأمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم (1). # ثم أمر لنا رسول الله ms121 بطبق فيه بسر (2) فوضعه (3) بين أيدينا (4) ثم قال: ~~انهبوا (5). # فبينما نحن كذلك إذ أقبل علي (عليه السلام) فتبسم إليه رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) ثم قال (6): يا علي إن الله # PageV01P658 # أمرني أن أزوجك فاطمة، وإني قد زوجتكها (1) على أربعمائة مثقال فضه، ~~[أرضيت؟] فقال علي: رضيت يا رسول الله. ثم قام علي فخر لله ساجدا، شكرا لله ~~تعالى، فلما رفع رأسه قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) بارك الله ~~لكما (2)، وبارك عليكما، وأسعد جدكما، وأخرج منكما الكثير الطيب (3). # قال أنس: والله لقد خرج (4) منهما الكثير الطيب (5). # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): [إن] أول شخص ~~يدخل على الجنة فاطمة بنت محمد (6). # وروى باللفظ الصريح يرويه كل من النجار، ومسلم، والترمذي، عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) أنه قال: كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم ~~بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت ~~محمد (7). # PageV01P659 # ومن كتاب العترة النبوية مرفوعا إلى قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله): # خير نسائنا مريم، وخير نسائنا فاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون (1). # وبإسناده أيضا عن أنس أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: حسبك من نساء ~~العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد (2). # PageV01P660 # وعنه أيضا قالت عائشة لفاطمة: ألا يسرك اني سمعت رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) يقول: # سيدات نساء أهل الجنة أربع: مريم بنت عمران، وفاطمة بنت محمد، وخديجة بنت ~~خويلد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون (1). # وعنه عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: إذا كان يوم القيامة قيل يا أهل ~~الجمع غضوا أبصاركم حتى تمر فاطمة بنت محمد، فتمر وعليها ريطتان خضراوان ~~وفي بعض الروايات حمراوان (2). # PageV01P661 # ومن المسند للإمام أحمد بن حنبل عن حذيفة بن اليمان (رض) قال: # سألتني أمي: متى عهدك بالنبي؟ فقلت منذ كذا وكذا [مالي به عهد] ذكرت مدة ~~طويلة فنالت مني وسبتني، فقلت لها: دعيني فإني ms122 آتي النبي (صلى الله عليه ~~وآله) [فأصلي] معه المغرب، ثم لا أدعه حتى يستغفر لي ولك. قال: # فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله) فصليت معه المغرب والعشاء، ثم انفتل ~~(صلى الله عليه وآله) من صلاته فسبقته فعرض له عارض فناجاه، ثم ذهب فسبقته ~~فسمع مشي خلفه، فقال: # من هذا! فقلت: حذيفة؟ فقال: مالك؟ فحدثته بحديث أمي، فقال: غفر الله لأمك ~~ولك. قال: أما رأيت الذي عرض لي؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال: # هو ملك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه في ~~أن يسلم علي ويبشر أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة ~~نساء العالمين (1). # PageV01P662 # ومن المسند أيضا عائشة قالت: أقبلت فاطمة تمشي وكأن مشيتها مشية رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) فقال (صلى الله عليه وآله): مرحبا بابنتي، ثم ~~أجلسها (1) عن يمينه وأسر إليها (2) حديثا فبكت، فقلت: استخصك رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) ثم تبكين. ثم أسر إليها حديثا أيضا فضحكت، فقلت: ما ~~رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن، فسألتها عما قيل لها (3) فقالت: ما كنت ~~لأفشي سر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى (4) قبض رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) فسألتها قالت: [إنه] أسر إلي [فقال: إن] جبرئيل كان يعارضني ~~بالقرآن في كل سنة (5) مرة وإنه عارضني به العام مرتين ولا أراني (6) إلا ~~وقد (7) حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحوقا بي، ونعم السلف أنا لك، فبكيت ~~(8) لذلك، فقال: " ألا ترضين (9) أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة، أو نساء ~~المؤمنين؟ قالت: # فضحكت لذلك (10). # PageV01P663 # وروي عن مجاهد (1) قال: خرج النبي (صلى الله عليه وآله) وهو آخذ بيد ~~فاطمة فقال: من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمد، وهي ~~بضعة مني، وهي قلبي وروحي التي (2) بين جنبي، فمن آذاها فقد آذاني، ومن ~~آذاني # PageV01P664 # فقد آذى الله (1). # وروى الأصبغ بن نباتة (2) عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله): إذا # PageV01P665 # كان يوم ms123 القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثم فينادى (1) ~~مناد من بطنان العرش: إن الجليل جل جلاله يقول: نكسوا وغضوا أبصاركم; فإن ~~هذه فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) تريد أن تمر على الصراط. # [وعن محمد بن الحنفية قال: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله ~~عنه) يقول: # دخلت يوما منزلي فإذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس والحسن (رضي ~~الله عنه) عن يمينه، والحسين (رضي الله عنه) عن يساره، وفاطمة (رضي الله ~~عنه) بين يديه وهو يقول: يا حسن! يا حسين! أنتما كفتا الميزان، وفاطمة ~~لسانه، ولا تعتدل الكفتان إلا باللسان، ولا يقوم اللسان إلا على الكفتين، ~~أنتما الإمامان، ولأمكما الشفاعة. ثم التفت إلي وقال: يا أبا الحسن! أنت ~~توفي أجورهم، وتقسم الجنة بين أهلها يوم القيامة] (2). # وعن أبي سعيد الخدري في حديثه عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه مر في ~~السماء الرابعة قال: # فرأيت لمريم، ولأم موسى، ولآسية امرأة فرعون، ولخديجة بنت خويلد، قصورا ~~من ياقوت، ولفاطمة بنت محمد سبعين قصرا مرجانا أحمر مكللا باللؤلؤ، ~~وأبوابها وأسترتها من عود واحد (3). # وهذا يسير من بعض مناقبها التي لا تستقصى ومفاخرها التي تجل عن الحصر ~~والعد والاستقصاء (4). # قال الشيخ كمال الدين [بن] طلحة (5): توفيت فاطمة (عليها السلام) ليلة ~~الثلاثاء لثلاث # PageV01P666 # خلون من شهر رمضان المعظم، سنة إحدى عشرة من الهجرة (1)، ودفنت بالبقيع ~~ليلا (2)، # PageV01P667 # وصلى (1) عليها علي بن أبي طالب، وكبر عليها خمس تكبيرات، وقيل: صلى ~~عليها العباس، ونزل في حفرتها هو، وعلي، والفضل بن العباس (رض) (2). # ومن كتاب الذرية الطاهرة للدولابي قال: لبثت فاطمة بعد وفاة النبي (صلى ~~الله عليه وآله) ثلاثة أشهر ثم توفيت (3). # PageV01P668 # وقال عروة بن الزبير، وعائشة: لبثت [فاطمة] ستة أشهر. ومثله عن الزهري، ~~وابن شهاب، وهو الصحيح (1). # وقال ابن قتيبة في معارفه: لبثت فاطمة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) مائة يوم (2). # وحكي أن العباس دخل على علي بن أبي طالب، وفاطمة الزهراء (عليهما السلام) ~~وكل واحد ms124 منهما (3) يقول لصاحبه: أنا أسن منك (4)، فقال العباس: ولدت يا ~~علي قبل أن تبني (5) قريش البيت بسنوات، وولدت فاطمة [ابنتي] وقريش تبني ~~البيت ورسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ ذاك ابن خمس وثلاثين سنة قبل ~~النبوة بخمس سنين (6). # وعن عمرو بن دينار قال: إن فاطمة (عليها السلام) لم تضحك بعد موت النبي ~~(صلى الله عليه وآله) حتى # PageV01P669 # قبضت (1). # وعن علي (عليه السلام) قال: إن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~جاءت إلى قبر أبيها بعد موته (صلى الله عليه وآله) فوقفت عليه (2) وبكت ثم ~~أخذت قبضة من تراب القبر فجعلتها على عينها ووجهها، # PageV01P670 # وأنشأت تقول (1): # PageV01P671 # ماذا على من شم تربة أحمد * أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت علي مصائب ~~لو أنها * صبت على الأيام صرن (1) لياليا (2) ولفاطمة (عليها السلام) ترثى ~~النبي (صلى الله عليه وآله) (3) اغبر آفاق السماء (4) فكورت (5) * شمس ~~النهار وأظلم العصران والأرض من بعد النبي كئيبة (6) * أسفا عليه كثيرة ~~الأحزان # PageV01P672 # فليبكه شرق البلاد (1) وغربها * وليبكه مضر وكل يمان وليبكه الطود الأشم ~~وجوه * والبيت والأستار والأركان يا خاتم الرسل المبارك ضوؤه * صلى عليك ~~منزل القرآن وروي أن عليا لما ماتت فاطمة وفرغ من جهازها ودفنها، رجع إلى ~~البيت فاستوحش فيه وجزع عليها جزعا شديدا، ثم أنشأ يقول (2): # أرى علل الدنيا علي كثيرة * وصاحبها حتى الممات عليل لكل اجتماع من ~~خليلين فرقة * وكل الذي دون الفراق قليل (3) وإن افتقادي فاطما بعد أحمد * ~~دليل على أن لا يدوم خليل وروى جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: لما ماتت ~~فاطمة (عليها السلام) كان علي (عليه السلام) يزور قبرها في كل يوم. قال: ~~وأقبل ذات يوم فانكب على القبر بكى وأنشأ يقول (4): # مالي مررت (5) على القبور مسلما * قبر الحبيب فلم يرد جوابي # PageV01P673 # يا قبر (1) مالك لا تجيب (2) مناديا (3) * أمللت (4) بعدى خلة الاحباب ~~فأجابه هاتف يسمع صوته، ولا يرى شخصه وهو يقول: # قل للحبيب (5) فكيف (6) لي بجوابكم * وأنا رهين جنادل وتراب أكل التراب ~~محاسني (7) فنسيتكم (8) * وحجبت عن أهلي وعن أترابى ms125 فعليكم مني السلام ~~تقطعت * مني (9) ومنكم خلة الأحباب (10) قال (11) الحافظ أبو محمد عبد ~~العزيز بن أخضر الجنابذي الحنبلي في كتابه " معالم العترة النبوية ومعارف ~~الأئمة أهل البيت الفاطمية " قال: أم الأئمة (12) # PageV01P674 # فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمها خديجة بنت خويلد بن أسد ~~(1) تزوج بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو ابن خمسة وعشرين (2) سنة، ~~على اثني عشر أوقية ذهبا (3)، وعمرها إذ ذاك ثمان وعشرون سنة (4)، وكانت ~~خديجة (رضي الله عنه) امرأة حازمة، لبيبة، # PageV01P675 # شريفة، وهي يومئذ أوسط قريش نسبا وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا، وكل قومها ~~قد كان حريصا على تزويجها (1)، فأبت (2). وعرضت نفسها على النبي (صلى الله ~~عليه وآله) وقالت: # يا ابن عم إني [قد] رغبت فيك لقرابتك مني، وشرفك في قومك، وأمانتك عندهم، ~~وحسن خلقك، وصدق حديثك. فذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه منهم حمزة بن عبد ~~المطلب (رضي الله عنه) حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فزوجها من ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله). وكانت خديجة قبل أن يتزوج بها رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) عند عتيق بن عايد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم (3)، ~~ويقال: إنها ولدت له جارية وهي أم محمد بن صيفي (4) المخزومي، ثم تزوجها ~~بعد عتيق أبو هالة هند بن ذرارة التيمي، فولدت له هند بن هند (5)، ثم ~~تزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فولدت له فاطمة، وولدت غلامين وثلاث ~~بنات، غير فاطمة وهم: القاسم، وعبد الله، وأم كلثوم، وزينب، ورقية سلام ~~الله عليهم أجمعين (6). # وعن ابن سعد يرفعه إلى حكيم بن حزام قال: توفيت خديجة (رض) في شهر # PageV01P676 # رمضان سنة عشر من النبوة (1) فخرجنا بها من منزلها حتى دفناها بالحجون، ~~فنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حفرتها ولم يكن يومئذ صلاة على ~~الجنازة (2)، قيل: ومتى ذلك يا أبا خالد؟ قال: قبل الهجرة بسنوات ثلاث أو ~~نحوها بعد خروج بني هاشم من الشعب بيسير. قال: وكانت (رض) أول امرأة تزوجها ~~رسول الله (صلى الله ms126 عليه وآله) وأولاده كلهم منها، إلا إبراهيم فإنه من ~~[مارية] جاريته القبطية (3). # وعن ابن إسحاق قال: إن خديجة بنت خويلد (رض) وأبا طالب ماتا في عام واحد ~~(4). # وعن عروة بن الزبير قال: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة (5). # وروي مرفوعا إلى الزهري قال: كانت خديجة (رض) أول من آمن برسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) (6). # وعن ابن شهاب قال: أنزل الله تعالى على رسوله، القرآن والهدى، وعنده ~~خديجة بنت خويلد (7). # وعن عائشة قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا ذكر خديجة لم ~~يسأم من الثناء عليها # PageV01P677 # والاستغفار لها، فذكرها ذات يوم فحملتني الغيرة (1) فقلت: لقد عوضك الله ~~من كبيرة السن، قالت: فرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) غضب غضبا شديدا ~~فسقط [ما] في يدي وقلت في نفسي: اللهم ان أذهب غضب رسولك محمد (صلى الله ~~عليه وآله) لم أعمد لذكرها بسوء ما بقيت، # PageV01P678 # فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما لقيت قال: كيف قلت؟ والله ~~لقد آمنت بي إذ كفر الناس، وأدنتني إذ رفضني الناس، وصدقتني إذ كذبني ~~الناس، ورزقت منها الولد حيث حرمتموه. قالت: فغدا وراح (صلى الله عليه ~~وآله) في كلمتي هذه شهرا (1)، والله أعلم. # PageV01P679 # الفصول المهمة في معرفة الأئمة تأليف الشيخ الإمام العلامة والبحر ~~الفهامة علي بن محمد بن أحمد المالكي المكي المتوفي سنة 855 ه‍ حققه ووثق ~~أصوله وعلق عليه سامي الغريري المجلد الثاني PageV02P681 # ابن صباغ، على بن محمد، 784 - 855 ق. # الفصول المهمة في معرفة الأئمة / تأليف علي بن محمد أحمد المالكي المكي ~~الشهير بابن الصباغ؛ حققه ووثق أصوله وعلق عليه سامي الغريري - قم: دار ~~الحديث، 1380. # 2 ج. # كتابنامه: ج. 2. ص. 1369 - 1408. # ISBN: 964 - 5985 - 99 - 4 1. أئمة اثنى عشر (عليهم السلام). الف. غريرى، ~~سامى، 1374 ق -، محقق. ب. عنوان. # 95 / 297 6 ف 2 الف / 36 BP شابك: 4 - 99 - 5985 - 964 مؤسسة دار الحديث ~~الثقافية الفصول المهمة في معرفة الأئمة المؤلف: علي بن محمد بن أحمد ~~المالكي المكي ms127 التحقيق: سامي الغريري تقويم النص: كمال الكاتب نضد الحروف: ~~فخر الدين جليلوند، محمد باقر النجفي مقابلة النص: محمود سپاسي، مصطفى ~~أوجي، حسين پور شريف الفهارس الفنية: تحسين پور سماوي الناشر: دار الحديث ~~للطباعة والنشر الطبعة: الأولى، 1422 المطبعة: ستاره النسخ: 1500 ثمن ~~الدورة: 4800 تومان دار الحديث للطباعة والنشر: قم، شارع معلم، قرب ساحة ~~الشهداء، الرقم 125 الهاتف: 7741650 0251 - 7740523 0251 ص. ب 4468 / 37185 ~~عنوان الأنترنت: http: / / www. hadith. net / mizan البريد الإلكتروني: ~~hadith @ hadith. net PageV02P682 # الفصل الثاني في ذكر الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) وهو ~~الإمام الثاني (1) # PageV02P685 # والسبط الأول (1)، سيد شباب أهل الجنة (2). ويتضمن هذا الفصل فصولا في ~~ذكر # PageV02P686 # مولده، وكنيته، ونسبه، ولقبه [ومبلغ عمره، ووقت وفاته] وغير ذلك مما يتصل ~~به كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى. # ولد الحسن بن علي (عليه السلام) في المدينة النصف من شهر رمضان المعظم ~~سنة ثلاث من الهجرة (1)، وكان الحسن أول أولاد علي وفاطمة (عليهما السلام). ~~وروي مرفوعا إلى علي بن # PageV02P687 # أبي طالب قال: لما حضرت ولادة فاطمة قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~لأسماء بنت عميس وأم سلمة: احضرا فاطمة (1) فإذا وقع ولدها واستهل صارخا ~~فأذنا في أذنه اليمني، وأقيما في أذنه اليسري (2)، فإنه لا يفعل ذلك بمثله ~~إلا عصم من الشيطان، ولا تحدثا شيئا حتى آتيكما (3). # PageV02P688 # فلما ولدت فعلتا ذلك وأتاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسره ولثاه ~~(1) بريقه، وقال: اللهم إني أعيذه بك [وذريته] وولده من الشيطان الرجيم ~~(2). # PageV02P689 # فلما كان اليوم السابع من مولده قال (صلى الله عليه وآله): ما سميتموه؟ ~~قالوا: حربا، قال (صلى الله عليه وآله): بل سموه حسنا (1)، # PageV02P690 # ثم إنه (صلى الله عليه وآله) عق (1) عنه وذبح كبشا وتولى ذلك بنفسه ~~الكريمة، وقال لفاطمة (عليها السلام): إحلقى رأسه، وتصدقي بوزن الشعر فضة، ~~فكان الوزن عن شعره بعد حلقه درهما وشيئا (2). # PageV02P691 # فتصدقت به، فصارت العقيقة والتصدق بوزن الشعر سنة مستمرة عند العلماء بما ~~فعله النبي (صلى الله عليه وآله) ms128 في حق الحسن (عليه السلام) (1). # فصل في نسبه، وكنيته، ولقبه، وصفاته الحسنة، وغير ذلك مما يتصل به (عليه ~~السلام) قال الشيخ كمال الدين بن طلحة: حصل للحسن وأخيه الحسين (عليهما ~~السلام) ما لم يحصل لغيرهما، فإنهما سبطا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~وريحانتاه (2)، وسيدا شباب أهل الجنة (3)، جدهما رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)، وأبوهما علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وأمهما # PageV02P692 # الطهر البتول فاطمة ابنة الرسول، ولله در القائل. # نسب كان عليه من شمس الضحى * نور (1) ومن فلق الصباح عمودا هذا النسب ~~الذي (2) تتقاصر (3) عنده الأنساب، وجاء بصحته الأثر، وصدقه الكتاب، فهو ~~وأخوه دوحة النبوة التي طابت فرعا وأصلا، وشعبتا الفتوة التي سمت رفعة ~~ونبلا، قد اكتنفهما العز والشرف، ولازمهما السؤدد فماله عنهما منصرف (4). # PageV02P693 # وأما كنيته (عليه السلام): فأبو محمد لا غير (1). # وأما ألقابه (عليه السلام) فكثيرة هي: التقي، والزكي، والطيب والسيد، ~~والسبط، والولي، كل ذلك كان يقال له ويطلق عليه، وأكثر هذه الألقاب شهرة ~~التقي وأعلاها رتبتة (2) ما لقبه به رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث ~~وصفه به وخصه بأن جعله نعتا له، فإنه صح النقل كما جاء في الصحيحين عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله) فيما أورده الأئمة الاثبات عنه (صلى الله عليه ~~وآله)، والروات الثقات أنه قال: إن ابني هذا سيد (3). وسيأتي إن شاء الله ~~تعالى الحديث (4) بتمامه فيما بعد. # PageV02P694 # وأما صفته (عليه السلام): فإنه روى عن أنس بن مالك [رض] قال: لم يكن أحد ~~أشبه برسول الله (صلى الله عليه وآله) من الحسن بن علي (عليه السلام) (1). ~~وعن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: " كان الحسن (عليه السلام) أشبه ~~برسول الله (صلى الله عليه وآله) ما بين الرأس إلى الصدر، والحسين أشبه ~~فيما كان أسفل من ذلك (2). # وروى البخاري في صحيحه يرفعه إلى عقبة بن الحارث قال: صلى أبو بكر العصر ~~ثم خرج يمشي ومعه علي (عليه السلام) فرأى الحسن يلعب مع الصبيان فحمله أبو ~~بكر # PageV02P695 # على عاتقه وقال: ms129 بأبي شبيه بالنبي ليس شبيها بعلي، قال: وعلي (عليه ~~السلام) يضحك (1). (2) وروى مرفوعا إلى أحمد بن محمد بن أيوب المقبري (3) ~~قال: كان الحسن (عليه السلام) أبيض اللون مشربا (4) بحمرة، أدعج العينين، ~~سهل (5) الخدين، دقيق المسربة (6)، كث اللحية ذا وفرة، وكأن عنقه إبريق ~~فضة، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، ربعة ليس بالطويل ولا القصير، ~~مليحا من أحسن الناس وجها، وكان (عليه السلام) يخضب بالسواد، وكان (عليه ~~السلام) جعد الشعر، حسن البدن (7)، كان نقش خاتمه " العزة لله وحده " (8) ~~بابه (9) سفينة (10)، شاعرته أم سنان المدحجية، معاصره معاوية ويزيد. # PageV02P696 # فصل فيما ورد في حقه (عليه السلام) من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~وهذا فصل أصله مقصود وفضله مشهود، فإنه جمع بين أشتات الإشارات النبوية ~~والأقوال والأفعال الطاهرة الزكية، فمن ذلك ما اتفق أهل الصحاح على إيراده ~~وتطابقوا على صحة إسناده. # وروى الحافظ عبد العزيز الأخضر الجنابدي بسنده مرفوعا إلى (1) سفيان بن ~~الحارث الثقفي قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) والحسن بن علي ~~(عليهما السلام) إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه [مرة] أخرى، ويقول: ~~إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين (2). # PageV02P697 # وروى في صحيح البخاري، ومسلم مرفوعا إلى البراء قال: رأيت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) والحسن بن علي (عليه السلام) على عاتقه وهو يقول: اللهم ~~إني أحبه فأحبه (1). # PageV02P698 # وروى عن الترمذي مرفوعا إلى ابن عباس (رضي الله عنه) أنه قال: كان رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) حامل الحسن بن علي (عليه السلام) [على عاتقه] ~~فقال رجل: نعم المركب ركبت يا غلام، فقال النبي (صلى الله عليه وآله)، ونعم ~~الراكب هو (1). # وروى عن الحافظ أبي نعيم فيما أورده في حليته عن أبي بكرة (2) قال: كان ~~النبي (صلى الله عليه وآله) يصلي بنا، فيجيء الحسن (عليه السلام) وهو ساجد ~~- وهو إذ ذاك صغير - فيجلس على ظهره، ومرة على رقبته، فيرفعه النبي (صلى ~~الله عليه وآله) رفعا رفيقا، فلما فرغ من الصلاة ms130 قالوا: يا رسول الله إنك ~~تصنع بهذا الصبي شيئا لا تصنعه بأحد؟ فقال (صلى الله عليه وآله): إن هذا ~~ريحانتي، وإن ابني هذا سيد، وعسى أن يصلح الله تعالى به بين فئتين من ~~المسلمين (3). # PageV02P699 # وروى البخاري ومسلم بسنديهما عن أبي هريرة قال: خرجت مع رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) [طائفة من النهار] لا يكلمني ولا أكلمه حتى جاء (1) سوق ~~بني قينقاع، ثم انصرف حتى أتى مخباة وهو مخبأ (2) فاطمة (عليها السلام) ~~فقال: " أثم لكع (3)؟ أثم لكع؟ " يعنى حسنا (عليه السلام)، فظننا إنما ~~حبسته (4) أمه لأن تغسله أو تلبسه [سخابا] (5) ثوبا، فلم يلبث إذ (6) جاء ~~يسعى حتى اعتنق (7) كل واحد منهما صاحبه، فقال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): # اللهم إني أحبه وأحب من يحبه (8) - وفي رواية أخرى: اللهم إني أحبه وأحب ~~من يحبه - قال أبو هريرة: فما كان أحد أحب إلي من الحسن بعدما قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) ما قال (9). # وروى عن الترمذي بسنده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله: الحسن والحسين # PageV02P700 # سيدا شباب أهل الجنة (1). # وعن ابن عمر (2): سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: هما ريحانتي ~~من الدنيا (3). # وروى النسائي بسنده عن عبد الله بن شذاذ (4) عن أبيه قال: خرج علينا رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) في إحدى صلاتي (5) العشاء وهو حامل حسنا (عليه ~~السلام) [أو حسينا (عليه السلام)] فتقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~للصلاة فوضعه ثم كبر [للصلاة] وصلى (6) فسجد بين ظهراني صلاته مسجده ~~فأطالها قال [أبي]: فرفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي فلما قضى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) صلاته فقال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة ~~أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمرا وأنه يوحى إليك! قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله): كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى ينزل ~~(7). # PageV02P701 # فصل في علمه (عليه السلام) ms131 حكي عنه (عليه السلام) أنه كان يجلس في مسجد ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويجتمع الناس حوله فيتكلم بما يشفي غليل ~~السائلين، ويقطع حجج المجادلين، من ذلك ما رواه الإمام أبو الحسن علي بن ~~أحمد الواحدي في تفسير الوسيط: أن رجلا دخل (١) إلى مسجد المدينة فوجد (٢) ~~شخصا يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والناس من حوله (٣) مجتمعون، ~~فجاء إليه الرجل قال: أخبرني عن ﴿شاهد ومشهود﴾ (4) فقال: نعم، أما الشاهد فيوم ~~الجمعة، وأما المشهود (5) فيوم عرفة، فتجاوزه (6) إلى آخر غيره يحدث في ~~المسجد فسأله (7) عن (شاهد ومشهود) قال: أما الشاهد فيوم الجمعة، وأما ~~المشهود فيوم النحر. قال: فتجاوزهما (8) إلى ثالث، غلام كأن وجهه الدينار، ~~وهو يحدث [عن # PageV02P702 # رسول الله] في المسجد، فسأله (١) عن (شاهد ومشهود) فقال: نعم، أما الشاهد ~~فرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأما المشهود فيوم القيامة، أما سمعته ~~[عز وجل] يقول: ﴿يأيها النبى إنآ ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا﴾ (٢) [و] قال تعالى: ﴿ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود﴾ (3). فسأل ~~(4) عن الأول فقالوا: ابن عباس، وسأل عن الثاني فقالوا: # ابن عمر، وسأل عن الثالث فقالوا: الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ~~[وكان قول الحسن أحسن] (5). # ونقل (6) عنه أنه اغتسل وخرج من داره في بعض الأيام وعليه حلة فاخرة وبزة ~~وبردة (7) طاهرة، ومحاسن سافرة [وقسمات ظاهرة] بنفحات [ناشرة] طيبات عاطرة، ~~ووجهه يشرق حسنا، وشكله قد كمل صورة ومعنى، [والإقبال] والسعد يلوح من (8) ~~أعطافه، ونضرة النعيم تعرف في (9) أطرافه، و [قاضي القدر] قد [حكم أن ~~السعادة من أوصافه] ركب بغلة فارهة غير قطوف (10)، وسار مكتنفا (11) من ~~حاشيته وغاشيته (12) بصفوف [فلو شاهده عبد مناف لأرغم بمفاخرته به معاطس ~~أنوف، وعده وآباءه وجده في إحراز خصل الفخار يوم التفاخر بألوف]. فعرض له ~~في # PageV02P703 # طريقه شخص من محاويج اليهود [هم في هدم] وعليه مسح من جلود، وقد أنهكته ~~العلة و [أرتكبته] الذلة ms132 [وأهلكته القلة، وجلده يستر عظامه وضعفه يقيد ~~أقدامه، وضره قد ملك زمامه، وسوء حاله قد حبب إليه حمامه] وشمس الظهيرة قد ~~تشوى (1) شواه [وقد أحرقت بحرها أخمصية ويصافح ثرى ممشاه، وعذاب حر عريه قد ~~عراه، وطول طواه قد أضعف بطنه وطواه] وهو حامل جرة ماء على قفاه، فاستوقف ~~الحسن فقال: يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سؤال (2) فقال: له ما ~~هو؟ قال: جدك يقول: " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " وأنت المؤمن وأنا ~~الكافر، فما أرى الدنيا إلا جنة لك تتنعم بها (3) وأنت مؤمن وتستلذ بها، ~~وما أراها إلا سجنا [لي] قد أهلكني ضرها (4) وأتلفني (5) فقرها. # فلما سمع الحسن (عليه السلام) كلامه أشرق عليه نور التأييد واستخرج ~~الجواب [بفهمه] من خزانة علمه وأوضح لليهودي خطأ ظنه وخطل زعمه وقال: يا ~~شيخ لو نظرت إلى ما أعد الله تعالى لي وللمؤمنين في دار الآخرة مما لا عين ~~رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، لعلمت [أني] قبل انتقالي إليه في ~~هذه الدنيا (6) في سجن ضنك (7)، ولو نظرت إلى ما أعد الله لك ولكل كافر في ~~الدار الآخرة من سعير نار جهنم، ونكال العذاب الأليم المقيم لرأيت [أنك] ~~قبل مصيرك إليه [الآن] في جنة واسعة ونعمة جامعة (8). فانظر إلى هذا الجواب ~~الصادع بالصواب. # PageV02P704 # فصل في عبادته وزهادته (عليه السلام) عبادته (عليه السلام) التي اشتهرت، ~~وزهادته التي ظهرت، قيامه بها مشهور، وأسمه في أربابها مذكور، فمن ذلك ما ~~نقله الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده أنه قال (عليه السلام): إني لأستحي من ~~ربي أن ألقاه ولم امش إلى بيته (1). فمشى عشرين مرة من المدينة إلى مكة على ~~قدميه (2). # وروى صاحب كتاب الصفوة بسنده عن علي بن زيد بن جذعان (3) أنه قال: حج ~~الحسن بن علي (عليه السلام) خمس عشرة حجة (4) ماشيا على قدميه وأن والنجائب ~~لتقاد بين # PageV02P705 # يديه (1). # وأما الصدقات: فقد روى عن الحافظ أبي نعيم في حليته أنه (عليه السلام) ~~خرج من ماله مرتين، وقاسم الله تعالى ثلاث مرات ms133 ماله وتصدق به (2). وكان ~~(عليه السلام) من أزهد الناس في الدنيا ولذاتها، عارفا بغرورها وآفاتها، ~~وكثيرا ما كان (عليه السلام) يتمثل بهذا البيت (3): # يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها * إن المقام (4) بظل زائل حمق وأما ما يدل ~~(5) على قوة عبادته وعلو مكانته (6) قوله (عليه السلام) في بعض مواعظه: يا ~~ابن آدم عف عن محارم الله تكن عابدا، وأرض بما قسم الله لك تكن غنيا، وأحسن ~~جوار من جاورك تكن مسلما، وصاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك بمثله تكن ~~عدلا، إنه كان بين أيديكم قوم يجمعون كثيرا، ويبنون مشيدا، ويأملون بعيدا، ~~أصبح جمعهم بورا، وعملهم غرورا، ومساكنهم قبورا. يا ابن آدم إنك لم تزل في # PageV02P706 # هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك فخذ (١) بما في يديك، فإن (٢) المؤمن ~~يتزود، والكافر يتمتع. وكان (عليه السلام) يتلو بعد هذه الموعظة ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ ~~(3) فتدبر هذا الكلام بحسك واعطه نصيبا وافرا من نفسك. # فصل في جوده وكرمه (عليه السلام) الكرم والجود (4) غريزة مغروسة فيه، ~~وإيصال صلاته للمسلمين (5) نهج ما زال يسلكه ويقتفيه، فمن ذلك ما نقل عنه ~~(عليه السلام) " أنه سمع رجلا يسأل ربه عز وجل أن يرزقه عشرة آلاف درهم، ~~فانصرف الحسن (عليه السلام) إلى منزله فبعث بها إليه (6). # ومن ذلك أن رجلا جاء إليه (عليه السلام) وسأله وشكا إليه حاله وفقره وقلة ~~ذات يده بعد أن كان ذلك الرجل من المثرين (7)، فقال له: يا هذا حق سؤالك ~~يعظم لدي، ومعرفتي # PageV02P707 # بما يجب لك يكبر لدي (1)، ويدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله، والكثير في ~~ذات الله [عز وجل] قليل، وما في ملكي وفاء لشكرك، فإن قبلت الميسور ورفعت ~~(2) عني مؤونة الاحتيال (3) والاهتمام بما (4) أتكلفه من واجبك فعلت. فقال ~~الرجل: يا بن رسول الله أقبل القليل وأشكر العطية وأعذر على المنع. # فدعا الحسن (عليه السلام) وكيله (5) وجعل يحاسبه على نفقاته ومقبوضاته ~~حتى استقصاها، فقال: هات الفاضل [من الثلاثمائة ألف درهم] فأحضر خمسين ألف ~~درهم، ms134 قال: # فما فعلت في الخمسمائة درهم (6) التي معك؟ فقال: هي عندي: فقال (عليه ~~السلام): # فأحضرها، فلما أحضرها دفع (7) الدراهم والدنانير إليه (8) واعتذر منه ~~(9). # ومن ذلك ما رواه أبو الحسن المدايني قال: [لما] خرج الحسن والحسين وعبد ~~الله بن جعفر (عليهم السلام) حجاجا فلما كانوا في بعض الطريق جاعوا وعطشوا ~~وقد فاتتهم أثقالهم فنظروا إلى خباء فقصدوه فإذا فيه عجوز فقالوا: هل من ~~شراب؟ # فقالت: نعم، فأناخوا بها وليس عندها إلا شويهة في كسر الخباء (10) فقالت: ~~احتلبوها # PageV02P708 # فاتذقوا لبنها، ففعلوا ذلك وقالوا لها: هل من طعام؟ فقالت: لا، إلا هذه ~~الشاة (1) ما عندي غيرها أقسم عليكم بالله إلا ما ذبحها أحدكم حتى أهيئ (2) ~~لكم حطبا واشووها وكلوها، ففعلوا وأقاموا حتى بردوا، فلما ارتحلوا قالوا ~~لها: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه، فإذا رجعنا سالمين فألمي بنا فإنا ~~صانعون إليك خيرا، ثم ارتحلوا. فأقبل زوجها فأخبرته [عن] خبر القوم والشاة ~~فغضب [الرجل] وقال: # ويحك أتذبحين شاتي (3) لأقوام لا تعرفيهم ثم تقولين نفر من قريش؟ # ثم بعد وقت (4) طويل ألجأتهم الحاجة واضطرتهم السنة إلى دخول المدينة ~~فدخلاها [وجعلا] ينقلان (5) البعر [إليها ويبيعانه ويعيشان منه] فمرت ~~العجوز في بعض السكك (6) تلتقط البعر، والحسن (عليه السلام) جالس على باب ~~داره فبصر بها فعرفها فناداها وقال لها: يا أمة الله تعرفيني؟ فقالت: لا ~~فقال (عليه السلام): أنا أحد ضيوفك في المنزل الفلاني ضيفك يوم كذا، سنة ~~كذا، فقالت: بأبي أنت وأمي لست أعرفك، قال (عليه السلام): فإن لم تعرفيني ~~فأنا أعرفك، فأمر غلامه فاشترى لها من غنم الصدقة ألف شاة وأعطاها ألف ~~دينار وبعث بها مع غلامه إلى أخيه الحسين، فعرفها وقال [لها]: # بكم وصلك أخي الحسن؟ فأخبرته، فأمر لها مثل ذلك، ثم بعث معها غلامه إلى ~~عبد الله بن جعفر (رضي الله عنه) فقال: بكم وصلك الحسن وأخوه؟ فقالت: وصلني ~~كل واحد منهما بألف شاة وألف دينار، فأمر لها بألفي شاة وألفي دينار، وقال: ~~والله لو بدأت بي لأتعبتهما. ثم رجعت إلى زوجها وهي ms135 من أغنى الناس " (7). # PageV02P709 # وعن الحسن بن سعد عن أبيه قال: متع الحسن بن علي (عليه السلام) امرأتين ~~من نسائه بعد طلاقهما بعشرين ألفا وزق (1) من عسل، فقالت إحداهما وأراها ~~الحنفية: متاع قليل من حبيب (2) مفارق (3). # فصل في شيء من كلامه (عليه السلام) نقل الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده ~~أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) سأل ابنه الحسن فقال له: ~~يا بني ما السداد؟ فقال: يا أبت السداد دفع المنكر بالمعروف. وقال (عليه ~~السلام): ما الشرف؟ قال: اصطناع العشيرة وحمل (4) الجريرة. وقال (عليه ~~السلام): # فما السماح؟ (5) قال: البذل في العسر واليسر. قال (عليه السلام): فما ~~اللؤم؟ قال: احتراز (6) المرء ما نفسه (7) وبذله عرسه (8). قال: فما الجبن؟ ~~قال: الجرأة على الصديق والنكول عن (9) العدو. قال: فما الغنى؟ قال: رضا ~~النفس بما قسم الله تعالى لها وإن قل. قال: فما # PageV02P710 # الحلم؟ قال: كظم الغيظ وملك النفس. قال: فما المنعة؟ قال: شدة البأس ~~ومنازعة أعز (1) الناس. قال: فما الذل؟ قال: الفزع عند المصدوقة (2). قال: ~~فما الكلفة؟ قال: # كلامك فيما لا يعنيك. قال: فما المجد؟ قال: أن تعطي في الغرم (3) وتعفو ~~عن (4) الجرم. قال: فما السناء (5) قال: إتيان الجميل وترك القبيح. قال: ~~فما السفه؟ قال: # اتباع الدناة ومصاحبة (6) الغواة. قال: فما الغفلة؟ قال: ترك (7) المسجد ~~وطاعة المفسدة (8). # فهذه الأجوبة الحاضرة، شاهدة ببصيرة ناصرة، ومادة فضل وافرة، وفكرة على ~~استخراج الغوامض القادرة. # ومن كلامه (عليه السلام) أنه قال: لا أدب لمن لا عقل له، ولا مودة لمن لا ~~همة له، ولا حياء لمن لا دين له، ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل، وبالعقل ~~تدرك الدارين جميعا، ومن حرم العقل حرمهما (9) جميعا (10). # PageV02P711 # وسئل (عليه السلام) عن الصمت فقال: هو ستر العي (1)، وزين العرض، وفاعله ~~في راحة، وجليسه في أمن (2). # وقال (عليه السلام): هلاك المرء في ثلاث: الكبر، والحرص، والحسد. فالكبر: ~~هلاك الدين وبه لعن إبليس، والحرص: عدو النفس وبه أخرج آدم من الجنة، ~~والحسد: # رائد السوء (3) ومنه قتل قابيل هابيل (4). # وقال (عليه السلام): لا ms136 تأتي رجلا إلا أن ترجو نواله، أو تخاف بأسه (5) ~~[أو تستفيد من علمه] أو ترجو بركته [ودعاءه] أو تصل رحما بينك وبينه (6). # وقال (عليه السلام): دخلت على علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو يجود ~~بنفسه لما ضربه ابن ملجم، فجزعت لذلك فقال لي: أتجزع (7)؟ قلت: وكيف لا ~~أجزع وأنا أراك في هذه الحالة؟! فقال: يا بني احفظ عني خصالا أربعا إذا أنت ~~حفظتهن نلت بهن النجاة: يا بني، لا غنى أكثر من العقل، ولا فقر مثل الجهل، ~~ولا وحشة أشد من العجب، ولا عيش ألد من (8) حسن الخلق. واعلم أن مروة ~~القناعة، والرضا أكبر من مروة الإعطاء، وتمام الصنيعة خير من ابتدائها (9). # PageV02P712 # وقال (عليه السلام): من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه (1). # وقال (عليه السلام): حسن السؤال نصف العلم (2). # فكلامه (عليه السلام) نوع من (3) كلام أبيه وجده، ومحله من البلاغة محل ~~لا ينبغي لأحد من بعده. # فصل في ذكر طرف من أخباره (عليه السلام) ومدة خلافته ومهادنته بعد ذلك ~~لمعاوية ومصالحته له روى جماعة (4) من أصحاب السير وغيرهم أن الحسن بن علي ~~(عليه السلام) خطب في # PageV02P713 # صبيحة الليلة التي قبض فيها أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فحمد الله ~~وأثنى عليه وصلى على النبي (صلى الله عليه وآله) ثم قال: لقد قبض في هذه ~~الليلة رجل لم يسبقه الأولون [بعمل] ولم يدركه الآخرون [بعمل] لقد كان ~~يجاهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيقيه بنفسه، وكان رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) يوجهه برايته فيكنفه (1) جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن ~~يساره (2)، فلا يرجع حتى يفتح الله على يديه. ولقد توفي [في] الليلة التي ~~عرج فيها بعيسى بن مريم، وفيها قبض يوشع بن نون (عليه السلام) [وصي موسى] ~~وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة (3) درهم فضلت من عطائه، وأراد أن ~~يبتاع بها خادما لأهله (4). ثم خنقته (5) العبرة فبكى وبكى الناس معه (6). # ثم قال (عليه السلام): أنا ابن البشير [أنا ابن] النذير، أنا ابن السراج ~~المنير، أنا ابن الداعي إلى ms137 الله بإذنه، أنا ابن الذين أذهب الله عنهم ~~الرجس وطهرهم تطهيرا، أنا من أهل بيت افترض الله تعالى حبهم (7) في كتابه ~~فقال عز من قائل: (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا # PageV02P716 # المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد لهو فيها حسنا) (1). فالحسنة مودتنا ~~أهل البيت (2). ثم جلس فقام عبد الله بن العباس بين يديه فقال: معاشر الناس ~~إن هذا ابن بنت نبيكم ووصي إمامكم فبايعوه [فاستجابوا له، وقالوا: ما أحبه ~~إلينا وأحقه بالخلافة] فتبادر الناس إلى بيعته (3). # PageV02P717 # وبعض هذه الخطبة قد أوردها أحمد بن حنبل في مسنده (1) عن هبيرة [بن مريم] ~~وكان ذلك في يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من ~~الهجرة. # وقيل: الأحد ليلة الثالث والعشرين منه على ما جاء في اختلاف الروايات ~~المتقدمة في مقتل علي (عليه السلام)، فرتب العمال، وأمر الأمراء، وجند ~~الجنود، وفرق العطيات (2). # ولما بلغ معاوية وفاة (3) علي وبيعة الحسن (عليه السلام) دس (4) رجلا من ~~حمير إلى الكوفة # PageV02P719 # ورجلا من بلقين (1) إلى البصرة ليكتبا إليه (2) بالأخبار ويفسدا على ~~الحسن (عليه السلام) الأمور (3) ويغيرا عليه قلوب الناس، فعرف بهما الحسن ~~(عليه السلام) فأخذهما وقتلهما وكتب إلى معاوية: أما بعد، فإنك دسست الرجال ~~[للاحتيال والاغتيال] وأرصدت العيون كأنك تحب اللقاء، ولو ترى العافية وما ~~أوشك (4) في ذلك فتوقعه إن شاء الله تعالى (5). # فلما بلغ معاوية كتابه وقتله الرجلين سار بنفسه إلى العراق (6) وتحرك ~~الحسن وبعث حجر بن عدي واستنفر (7) الناس للقتال، فتثاقلوا عنه ثم خف (8) ~~معه أخلاطا من الناس بعضهم من شيعته وشيعة أبيه (عليه السلام) وبعضهم من ~~المحكمة (9) الذين يؤثرون (10) القتال - قتال معاوية - بكل حيلة (11)، ~~وبعضهم من أصحاب طمع في الغنائم، وبعضهم # PageV02P720 # أصحاب عصبية اتبعو رؤساءهم ورؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين (1). ثم سار ~~حتى نزل ساباط [دون] القنطرة وبات هناك، فلما أصبح أراد (عليه السلام) أن ~~يمتحن أصحابه ويستبرئ أحوالهم في طاعته ليميز أولياءه من أعدائه ويكون على ~~بصيرة من لقاء معاوية، فأمر أن ينادي في الناس الصلاة جامعة، فاستجمعوا ~~فصعد المنبر ms138 فخطبهم (2) فقال: # الحمد لله كلما حمده حامد (3) وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد ~~(4) وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق وائتمنه على الوحي (5) (صلى ~~الله عليه وآله). أما بعد، فوالله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ~~ومنه وأنا أنصح خلق الله تعالى لخلقه، وما أصبحت محتملا على امرئ مسلم ~~ضغينة ولا مريد له بسوء ولا غايلة، وإنما تكرهون في الجماعة خير لكم مما ~~تحبون في الفرقة [ألا] وإني ناظر لكم [خيرا من نظركم] ولأنفسكم فلا تخالفوا ~~أمري ولا تردوا علي [رأيي] وإني غفر الله لي ولكم وأرشدني وإياكم لما فيه ~~المحبة والرضا ناظرا لما فيه مصالحكم، والسلام (6). # PageV02P721 # [قال:] فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا: ما ترونه يريد أن يصنع؟ قالوا: # نظنه (1) أنه يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه [فقالوا: كفر والله ~~الرجل] فشدوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته. ورداءه من ~~عاتقه [ثم شد عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي، فنزع مطرفه من ~~عاتقه، فبقي جالسا متقلدا السيف بغير رداء] (2). فرجع وركب فرسه وتقلد ~~بسيفه وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أراده (3) [فقال: ~~ادعوا لي، فدعوا له] وطافوا به ربيعة وهمدان وجماعة من غيرهم وساروا معه، ~~فبادر إليه رجل من بني أسد يقال له (4) الجراح بن سنان (5) [فأخذ بلجام ~~بغلته] في يده مغول (6) [وقال: الله أكبر شركت يا حسن كما أشرك أبوك من ~~قبل] فطعنه به في فخذه فشقه حتى بلغ العظم [فاعتنقه الحسن وخرا جميعا إلى ~~الأرض] فأكب عليه شخص من شيعة الحسن (7) فقتله # PageV02P722 # وقتلوا آخر كان معه، وحمل الحسن (عليه السلام) على سرير من تلك الضربة ~~إلى المدائن (1) فنزل بها على سعد بن مسعود الثقفي (2) وكان عاملا عليها من ~~جهة أبيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأقره الحسن على ذلك واشتغل الحسن ~~(عليه السلام) بمعالجة جرحه. وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية ~~بالطاعة سرا واستحثوه على سرعة سرعة السير (3) نحوهم وضمنوا ms139 له (4) تسليم ~~الحسن (عليه السلام) عند دنوهم (5) من عسكره والفتك به (6). # PageV02P723 # # PageV02P723 # وبلغ الحسن (عليه السلام) ذلك وتحقق فساد نيات أكثر أصحابه وخذلانهم له، ~~ولم يبق معه ممن يأمن غائلته إلا خاصة شيعته وشيعة أبيه، وهم جماعة لا ~~يقومون بحرب أهل الشام، فكتب إلى معاوية في الهدنة والصلح (1) فأجابه إلى ~~ذلك وأنفذ إليه كتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك فيه وتسليمه إليه. # وبعد إجابة (2) معاوية لصلح الحسن (3) فاشترط عليه الحسن (عليه السلام) ~~شروطا كثيره كان # PageV02P727 # في الوفاء بها مصالح شاملة منها: أن لا يتعرض عماله إلى سب أمير المؤمنين ~~على المنابر، ولا ذكره بسوء، ولا القنوت عليه في الصلوات (1)، وأن يؤمن ~~شيعته ولا يتعرض لأحد منهم بسوء (2)، ويوصل كل ذي حق حقه (3). فأجابه ~~معاوية إلى ذلك كله وكتب بينه وبينه بذلك كتابا، وهذه صورة الكتاب - كتاب ~~الصلح - الذي استقر بينهم وهو: # بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح (4) عليه الحسن بن علي بن أبي طالب، # PageV02P728 # معاوية بن أبي سفيان، صالحه (1) على أن يسلم إليه أمر (2) المسلمين على ~~أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيرة ~~الخلفاء [الصالحين] الراشدين المهديين المهدين. وليس لمعاوية بن أبي سفيان ~~أن يعهد إلى أحد من بعده عهدا، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين. ~~وعلى (3) أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى في شامهم، ويمنهم، ~~وعراقهم، وحجازهم. وعلى أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ~~ونسائهم وأولادهم حيث كانوا. وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله ~~وميثاقه [وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء وبما أعطى الله من نفسه]. ~~وعلى أن لا يبغي (4) للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين غائلة ولا لأحد من أهل ~~بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) غائلة سوء سرا أو (5) جهرا، ولا يخيف ~~أحدا منهم في أفق من الآفاق. شهد عليه بذلك فلان وفلان وكفى بالله شهيدا ~~(6). # PageV02P729 # ولما أبرم (1) الصلح بينهما التمس معاوية من الحسن (عليه السلام) أن ~~يتكلم ms140 بمجمع من الناس ويعلمهم أنه قد بايع معاوية، فأجابه إلى ذلك، فصعد ~~المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) ثم ~~قال: أيها الناس إن أكيس الكيس التقي، وأحمق الحمق الفجور. [والله] ولو ~~أنكم طلبتم ما بين جابرقا (2) وجابرصا (3) من جده رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) ما وجدتموه غيري وغير أخي الحسين، وقد علمتم أن الله تعالى جل ذكره ~~وعز اسمه هداكم بجدي محمد وأنقذكم [به] من الضلالة، وخلصكم [به] من ~~الجهالة، وأعزكم به بعد الذلة، وكثركم به بعد القلة، وان معاوية نازعني حقا ~~هو لي دونه، فتركته (4) لصلاح الأمة وقطع الفتنة، وقد كنتم بايعتموني على ~~أن تسالموا من # PageV02P731 # سالمت (١) وتحاربوا من حاربت، فرأيت أن أسالم لمعاوية وأضع الحرب بيني ~~وبينه، وقد بايعته (٢)، وقد رأيت أن حقن دماء المسلمين خير من سفكها، ولم ~~(٣) أرد بذلك إلا صلاحكم وبقاءكم ﴿وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتع إلى حين﴾ (4). ثم ~~نزل وتوجه بعد ذلك إلى المدينة الشريفة وأقام بها (5). # وكانت (6) مدة خلافته (عليه السلام) إلى أن صالح معاوية ستة أشهر وثلاثة ~~أيام، وقيل: # خمسة أيام (7). # وروى شيبة قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: الخلافة ~~ثلاثون سنة ثم تكون ملكا. # PageV02P732 # وكان آخر ولاية الحسن تمام ثلاثين وثلاثة عشر يوما من أول خلافة أبي بكر ~~(1). # وروى أنه لما تم الصلح لمعاوية واجتمع عليه الناس دخل عليه سعد بن أبي ~~وقاص (2) وقال: السلام عليك أيها الملك، فتبسم معاوية وقال: ما عليك يا أبا ~~إسحاق لو قلت يا أمير المؤمنين، قال: ما أحب أني وليتها بما ولينها به (3). ~~وروى ذلك صاحب تاريخ البديع. # وروى أبو بشر الدولابي أن معاوية أعطى للحسن بعد أن تم الصلح بينه وبينه ~~خمسة آلاف درهم (4) وقيل: بل أعطاه مائة ألف دينار (5)، والله أعلم. # PageV02P733 # فصل في ذكر وفاته (1) ومدة عمره وإمامته (عليه السلام) قال أبو علي الفضل ~~بن الحسن الطبرسي في كتابه " إعلام الورى " بعد أن تم (2) # PageV02P734 # الصلح بين ms141 الحسن بن علي ومعاوية وخرج الحسن (عليه السلام) إلى المدينة ~~وأقام بها عشر سنين سقته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي السم، وذلك ~~بعد أن بذل لها معاوية على سمة مائة ألف درهم، فبقي مريضا أربعين يوما (1). # وقال الحافظ أبو نعيم في حليته: إنه لما اشتد الأمر بالحسن قال: أخرجوا ~~فرشي إلى صحن الدار لعلي أتفكر (2) في ملكوت السماوات - يعني الآيات فلما ~~خرجوا به قال: اللهم إني أحتسب نفسي عندك فإنها أعز الأنفس علي (3). # PageV02P736 # وعن عمرو بن إسحاق قال: دخلت أنا ورجل على الحسن بن علي نعوده فقال: يا ~~فلان سلني، فقلت: لا والله لا أسألك حتى يعافيك الله ثم أسألك [قال: # فدخل عنا ثم خرج إلينا فقال: يا فلان سلني قبل أن لا تسألني، قال: بل ~~يعافيك الله تعالى ثم أسألك] قال: لقد ألقيت طائفة من كبدي (1)، وإني سقيت ~~السم مرارا فلم أسقه مثل هذه المرة] (2). ثم دخلت عليه من الغد [وهو يجود ~~بنفسه] فوجدت أخاه الحسين عند رأسه، فقال له الحسين: [من] تتهم (3) يا أخي؟ ~~قال: لم؟ لتقتله؟ (4) قال: نعم، قال: إن يكن الذي أظنه فالله أشد بأسا وأشد ~~تنكيلا، وإن لم يكن (5) فما أحب أن # PageV02P737 # يقتل بي بريء (1). # وروي أنه لما حضرته الوفاة فكأنه جزع لذلك، فقال له أخوه الحسين: ما هذا ~~الجزع؟ إنك (2) ترد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى أمير المؤمنين ~~وهما أبواك، وعلى خديجة وفاطمة وهما أماك، وعلى القاسم والطاهر وهما خالاك ~~وعلى حمزة وجعفر وهما عماك، فقال له الحسن: يا أخي ما جزعي إلا أني داخل ~~(3) في أمر من أمر الله لم أدخل في مثله قط. وأرى خلقا من خلق الله لم أر ~~مثله (4) قط (5) فبكى. الحسين عند ذلك. # ثم قال له الحسن: يا أخي قد حضرت وفاتي وحان فراقي [لك] وإني لاحق بربي ~~وأجد كبدي يتقطع وإني لعارف من أين دهيت وأنا أخاصمه إلى الله، فبحقي عليك ~~إن تكلمت في ذلك بشيء (6)، فإذا أنا قضيت [نحبي] فغمضني وغسلني وكفني ms142 ~~واحملني على سريري إلى قبر جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأجدد به ~~عهدا، ثم ردني إلى (7) # PageV02P738 # قبر جدتي فاطمة بنت أسد فأدفني هناك، وبالله أقسم عليك أن لا تهرق في ~~أمري محجمة دم (1). ثم وصى إليه بأهله وولده وتركاته (2) وجميع ما كان وصى ~~به إليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثم قضى نحبه (عليه ~~السلام) وذلك لخمس خلون من ربيع الأول سنة خمسين من الهجرة (3). وصلى عليه ~~سعيد بن # PageV02P739 # العاص (1) فإنه كان يومئذ واليا على المدينة من جهة معاوية (2) وصلى عليه ~~الحسين (عليه السلام) (3) ودفن بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد (عليها ~~السلام) (4) وعمره (رض) إذ ذاك سبع وأربعون # PageV02P740 # سنة (1)، كان منها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبع سنين (2)، ومع ~~أبيه بعد وفات رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثين سنة (3)، وعاش بعد ~~أبيه (عليه السلام) إلى حين وفاته عشر سنين (4)، وهذه مدة إمامته (عليه ~~السلام). # فصل في ذكر أولاده (5) (عليه السلام) # PageV02P742 # قال ابن الخشاب: ولد له أحد عشر ولدا وبنتا واحدة (1)، أسماء بنيه: عبد ~~الله (2)، والقاسم (3) # PageV02P744 # والحسن (1)، وزيد (2)، وعمر (3)، وعبد الله (4)، وعبد الرحمن (5)، وأحمد ~~(6)، وإسماعيل (7)، والحسين (8)، وعقيل (9)، والبنت اسمها أم الحسن فاطمة ~~وهي أم محمد بن علي الباقر (عليه السلام) (10). # قال الشيخ المفيد في رسالته: أولاد الحسن خمسة عشر [ولدا] ذكرا وأنثى # PageV02P745 # وهم: زيد بن الحسن وأختاه أم الحسن وأم الحسين أمهم أم بشير بنت أبي ~~مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجية، والحسن بن الحسن أمه خولة بنت منظور ~~الفزارية، وعمرو [بن الحسن] وأخواه القاسم وعبد الله [ابنا الحسن] أمهم أم ~~ولد استشهدوا ثلاثتهم بين يدي عمهم الحسين (عليه السلام) بطف كربلاء رضي ~~الله عنهم وأرضاهم وأحسن عن الدين والإسلام وأهله جزاءهم [بطف كربلاء]، ~~وعبد الرحمن أمه أم ولد، والحسن [والحسين] بن الحسن الملقب بالأثرم وأخوه ~~طلحة وأختهما فاطمة [بنت الحسن] أمهم أم إسحق بنت طلحة بن عبيد الله (1) ~~التميمي، وأم عبد الله وفاطمة وأم سلمة ورقية بنات الحسن لأمهات أولاد ms143 شتى ~~(2). # قال الشيخ كمال الدين بن طلحة: لم يكن لأحد من أولاد الحسن عقب غير اثنين ~~(3) منهم وهما الحسن وزيد [رض]. # تنبيه على ذكر شيء من خبرهما: # فأما زيد بن الحسن فإنه كان يلي (4) صدقات رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)، كان جليل القدر كريم الطبع طيب [ظريف] النفس كثير البر، وكان مسنا، ~~مدحه الشعراء وقصده الناس من الآفاق لطلب فضلة (5). ذكر أصحاب السير انه ~~لما ولي سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله بالمدينة: أما بعد، فإذا (6) ~~جاءك كتابي هذا فاعزل زيدا عن صدقات رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~وادفعها إلى فلان - إلى رجل من قومه وسماه ‍ [وأعنه على ما استعانك عليه، ~~والسلام]. فلما استخلف (7) الخلافة عمر بن عبد العزيز كتب # PageV02P746 # إلى عامله بالمدينة: أما بعد، فإن زيد بن الحسن شريف بني هاشم وذو سنهم ~~فإذا جاءك كتابي هذا فاردد إليه صدقات رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~وأعنه على ما استعانك عليه [والسلام] (1). # وفي زيد بن الحسن يقول محمد بن بشر [بشير] الخارجي يمدحه حيث يقول شعرا ~~(2): # إذا نزل ابن المصطفى بطن تلعة * نفى جدبها واخضر بالنبت عودها وزيد ربيع ~~الناس في كل شتوة * إذا أخلفت أنواؤها ورعودها حمول لأشناق الديات (3) كأنه ~~* سراج الدجى إذ قارنته (4) سعودها ومات زيد بن الحسن وله تسعون سنة (5) ~~فرثاه جماعة من الشعراء وذكروا مآثره وفضله وكرمه، فممن رثاه قدامة بن ~~الموسى الجمحي يقول (6): # فإن (7) يك زيد غالت الأرض شخصه * فقد بان (8) معروف هناك وجود وإن يك ~~أمسى رهن رمس فقد ثوى * به وهو محمود الفعال فقيد (9) # PageV02P747 # سميع (1) إلى المعتر (2) يعلم أنه * سيطلبه المعروف ثم يعود وليس بقوال ~~وقد حط رحله * لملتمس المعروف (3): أين تريد إذا قصر الوعد الدني (4) نما ~~به * إلى المجد آباء له وجدود إذا مات منهم سيد قام سيد * كريم يبني بعده ~~(5) ويشيد وخرج (6) زيد بن الحسن من الدنيا ولم يدع الإمامة ولا ادعاها له ~~مدع من الشيعة ولا غيرهم، وذلك لأن الشيعة رجلان: إمامي وزيدي، فالإمامي ~~يعتمد في ms144 الإمامة النصوص وهي معدومة في ولد الحسن (عليه السلام) باتفاق، ~~ولم يدع ذلك أحد منهم لنفسه فيقع فيه الارتياب، والزيدي يراعي في الإمامة ~~بعد علي والحسن والحسين الدعوة والجهاد، وزيد بن الحسن كان مسالما لبني ~~أمية ومتقلدا من قبلهم الأعمال، وكان رأيه التقية لأعدائه والتألف لهم ~~والمداراة، وهذا يضاد (7) عند الزيدية خارج عن علامات الإمامة، فزيد على ~~هذه الأقوال خارج عنها بكل حال (8). # وأما (9) الحسن بن الحسن فكان جليلا مهيبا رئيسا فاضلا ورعا زاهدا، وكان ~~يلي صدقات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [في وقته] بالمدينة. # حكي عنه أنه كان يساير الحجاج يوما بالمدينة والحجاج إذ ذاك أمير ~~المدينة، فقال له الحجاج: يا حسن أدخل معك عمك عمرا على صدقات أبيه فإنه ~~عمك وبقية # PageV02P748 # أهلك، فقال الحسن: لا أغير شرطا اشترطه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~(عليه السلام) ولا أدخل في صدقاته من لم يدخل (1)، فقال له الحجاج: أنا ~~[إذا] أدخله معك قهرا، فأمسك الحسن بن الحسن عنه. # ثم ما كان إلا أن فارقه وتوجه من المدينة إلى الشام قاصدا عبد الملك بن ~~مروان بالشام، فوقف ببابه يطلب الإذن عليه، فوافاه يحيى بن أم الحكم وهو ~~بالباب فسلم عليه وسأله عن مقدمه وما جاء به فأخبره بخبره مع الحجاج فقال: ~~أسبقك بالدخول على أمير المؤمنين ثم ادخل أنت فتكلم واذكر قصتك فسترى ما ~~أفعل معك وأنفعك لأساعدك عنده إن شاء الله تعالى. فدخل يحيى بن أم الحكم ثم ~~دخل بعده الحسن بن الحسن، فلما جلس رحب به عبد الملك وأحسن مساءلته وكان ~~الحسن قد أسرع إليه الشيب، فقال له عبد الملك: لقد أسرع إليك الشيب (2) يا ~~أبا محمد، فبدر إليه ابن أم الحكم فقال: وما يمنعه شيبه يا أمير المؤمنين؟ ~~شيبه (3) أماني أهل العراق يفد عليه (4) الركب بعد الركب في كل سنة يمنونه ~~الخلافة، فقال له الحسن: بئس والله الرفد رفدت، وليس الأمر كما قلت، ولكننا ~~أهل بيت يسرع إلينا الشيب (5)، وعبد الملك يسمع كلامهما، فأقبل عبد الملك ~~على ms145 الحسن وقال: هلم حاجتك يا أبا عبد الله لا عليك، فأخبره بقول الحجاج ~~له، فقال عبد الملك: ليس ذلك له، وكتب له كتابا يتهدده ويمنعه من ذلك (6). # PageV02P749 # ووصل الحسن بن الحسن بأحسن صلة وأجازه بأحسن جائزة وقابله بأحسن مقابلة، ~~وجهزه راجعا إلى المدينة الشريفة على أحسن حال إلى الحجاج، فبعد أن خرج ~~الحسن من عنده قصده يحيى ابن أم الحكم واجتمع به فعاتبه الحسن على ما فعل ~~وقال له: هذا وعدك الذي وعدتني به؟ فقال له يحيى: إيها لك فوالله (1) ما ~~لويت عنك نفعا ولا ادخرت عنك جهدا، ولولا كلمتي هذه ما هابك (2) ولا قضى لك ~~حاجتك فاعرف ذلك لي (3). # وروي: أن الحسن بن الحسن خطب إلى عمه الحسين إحدى ابنتيه فقال له: # يا بني اختر أيهما أحب إليك، فاستحيى الحسن (رضي الله عنه) ولم يحر ~~جوابا، فقال له الحسين (عليه السلام): [فإني] قد اخترت لك ابنتي فاطمة، فهي ~~أكثر شبها بأمي فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فزوجها منه (4). # وحضر الحسن بن الحسن مع عمه [الحسين] بطف كربلاء فلما قتل الحسين وأسر ~~الباقون من أهله وأسر من (5) جملتهم الحسن بن الحسن فجاء أسماء بن خارجة ~~فانتزع (6) الحسن من بين الأسرى وقال: والله لا يوصل إلى ابن خولة ابدا ~~(7). # PageV02P750 # فقبض (1) الحسن بن الحسن وله خمس وثمانون (2) سنة من العمر وأخوه زيد حي ~~ووصى (3) إلى أخيه من أمه إبراهيم بن محمد بن طلحة (4) ولما مات الحسن بن ~~الحسن ضربت زوجته فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) على قبره فسطاطا وكانت ~~تقوم الليل وتصوم النهار، وكانت (رض) تشبه بالحور العين لجمالها، فلما كان ~~(5) رأس السنة قالت لمواليها: إذا أظلم الليل فقوضوا [هذا] الفسطاط، فلما ~~أظلم الليل وقوضوه سمعت قائلا يقول: " هل وجدوا ما فقدوا؟ " فأجابه آخر: " ~~بل يئسوا فانقلبوا " (6). # ومضى الحسن بن الحسن ولم يدع الإمامة ولا ادعاها له مدع على ما سبق من ~~حال أخيه زيد (7). # PageV02P751 # الفصل الثالث في ذكر الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) الإمام ~~الثالث ms146 وفي هذا الفصل عدة فصول في ذكر مولده ونسبه وكنيته ولقبه وغير ذلك ~~مما يتصل به (عليه السلام). # ولد الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالمدينة لخمس خلون من ~~شعبان المكرم سنة أربع من الهجرة (1). وكانت والدته الطهر البتول فاطمة بنت ~~الرسول علقت به بعد # PageV02P753 # أن ولدت أخاه الحسن (عليه السلام) بخمسين ليلة (1)، هكذا صح النقل في ذلك ~~فلم يكن بينه وبين أخيه من التفاوت سوى هذه المدة المذكورة ومدة الحمل (2). # ولما ولد الحسين (عليه السلام) أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) به فجاءه ~~وأخذه وأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى، واستبشر به (صلى الله ~~عليه وآله) وسماه حسينا وعق عنه (صلى الله عليه وآله) كبشا وقال لأمه: # احلقي رأسه وتصدقي بوزنه فضة وافعلي به كما فعلت بأخيه الحسن (عليه ~~السلام) (3). # PageV02P754 # فصل في ذكر نسبه وكنيته ولقبه (عليه السلام) نسبه هو نسب أخيه من غير ~~زيادة، وقد تقدم ذكره فلا حاجة فيه إلى الإعادة (1). # وأما كنيته (عليه السلام) فقال الشيخ كمال الدين بن طلحة: كنيته أبو عبد ~~الله لا غير (2). # أما ألقابه فكثيرة: الرشيد، والطيب، والوفي، والسيد، والزكي، والمبارك، ~~والتابع لمرضاة الله تعالى، والسبط (3). فكل هذه كانت تقال له وتطلق عليه ~~وأشهرها الزكي ولكن أعلاها (4) رتبة ما لقبه بها (5) رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) في قوله فيه وفي (6) أخيه أنهما سيدا شباب أهل الجنة (7). فيكون ~~(8) السيد أشرفها، وكذلك السبط فإنه صح عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) # PageV02P755 # أنه قال: حسين سبط من الأسباط (1)، وسيأتي هذا الحديث إن شاء الله تعالى. # وكان الحسين (عليه السلام) أشبه الخلق بالنبي (صلى الله عليه وآله) من ~~سرته إلى كعبة (2). شاعره يحيى بن الحكم (3) وجماعة غيره، بابه أسعد الهجري ~~(4). نقش خاتمة " لكل أجل كتاب " (5)، معاصره يزيد بن معاوية وعبيد الله بن ~~زياد لعنهما الله. # فصل فيما ورد في حقه (عليه السلام) من جهة النبي (صلى الله عليه وآله) ~~وهو فصل مستجلي الموارد والمصادر مستعلي المحامد والمفاخر، مشعرا بأن الحسن ms147 ~~والحسين (عليهما السلام) أحرزا أعلى المعالي وأفخر المفاخر، فإن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) خصهما من مزايا العلى بأتم معنى وأنزلهما من ذروة ~~الشرف بالمحل الأسنى، فمدح وأثنى وأفرد وثنى، فأما ما يخص الحسن (عليه ~~السلام) فقد تقدم في فضله، وأما ما يخص الحسين (عليه السلام) مع بعض ~~المشترك فهذا أوان حصده. # فمن ذلك ما رواه الترمذي بسنده عن يعلى ابن مرة (6) قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله): # PageV02P756 # حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط (1). # وروي عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) (2) قال: اصطرع الحسن والحسين ~~(عليهما السلام) بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله): إيها حسن، فقالت فاطمة (عليها السلام) يا رسول الله ~~استنهضت الكبير على الصغير؟! فقال (صلى الله عليه وآله): هذا جبرائيل (عليه ~~السلام) يقول للحسين: إيها حسين خذ الحسن (3). # PageV02P757 # وعن زيد [يزيد] بن أبي زياد قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ~~بيت عائشة فمر على بيت فاطمة فسمع (صلى الله عليه وآله) حسينا يبكي، فقال: ~~ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني (1). # وعن البراء بن عازب قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) حامل ~~الحسين بن علي على عاتقه وهو يقول: اللهم إني أحبه فأحبه (2). # وروى الإمام محمد بن إسماعيل البخاري والترمذي كل منهما في صحيحه يرفعه ~~إلى ابن عمر أنه سأله رجل عن دم البعوض فقال: من أنت؟ قال: من أهل # PageV02P758 # العراق، فقال: انظروا [إلى] هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت ~~النبي (صلى الله عليه وآله) وقد سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: هما ~~(1) ريحانتاي من الدنيا (2). # وروي أنه سأله عن المحرم يقتل الذباب فقال: يا أهل العراق تسألون عن قتل ~~الذباب وقد قتلتم الحسين ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذكر الحديث ~~وفي آخره: هما سيدا شباب أهل الجنة (3). # وروت أم الفضل (4) بنت الحارث أنها دخلت على رسول ms148 الله (صلى الله عليه ~~وآله) فقالت: يا رسول الله إني رأيت الليلة (5) حلما منكرا قال: وما هو؟ ~~[قالت: إنه شديد، قال: # وما هو؟] قالت: رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت (6) في حجري، فقال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله): خيرا رأيت، تلد فاطمة غلاما فيكون في حجرك، ~~فولدت # PageV02P759 # فاطمة الحسين (عليه السلام). قالت: وكان (1) في حجري [فأرضعته بلبن قثم] ~~كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدخلت به [يوما على النبي (صلى ~~الله عليه وآله)] فوضعته في حجره، ثم حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) تهراقان بالدموع (2) فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول ~~الله مالك تبكي؟ قال (صلى الله عليه وآله): أتاني جبرئيل (عليه السلام) ~~فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا، [و] أتاني بتربة من تربته حمراء (3). # وروى البغوي بسنده يرفعه إلى أم سلمة أنها قالت: كان جبرئيل (عليه ~~السلام) عند النبي والحسين بن علي (عليه السلام) معي [فبكى فتركته] فغفلت ~~عنه فذهب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وجعله النبي (صلى الله عليه وآله) ~~على فخذه، فقال له جبرائيل أتحبه يا محمد؟ فقال (صلى الله عليه وآله): نعم، ~~فقال: أما أن أمتك ستقتله، وإن شئت أريتك [من] تربة الأرض التي يقتل بها ~~(4)، فبسط جناحه إلى الأرض فأراه (5) أرضا يقال لها كربلاء. تربة حمراء بطف # PageV02P760 # العراق " (1). # وروى الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي في كتابه معالم العترة ~~الطاهرة مرفوعا عن الأصبغ بن نباتة عن علي (عليه السلام): قال: أتينا مع ~~علي بن أبي طالب فمررنا بأرض كربلاء (2) [نزل وبكى وقال (3) علي (عليه ~~السلام): هاهنا مناخ ركابهم وهاهنا موضع رحالهم، وهاهنا مهراق دمائهم، فتية ~~(4) من آل محمد صلى الله عليه وآله أجمعين يقتلون بهذه (5) العرصة تبكي ~~عليهم السماء # PageV02P761 # والأرض (1). # ومنه يرفعه إلى عبد الله بن مسعود قال: بينما نحن جلوس عند النبي (صلى ~~الله عليه وآله) إذ أقبل (2) عليه فتية من بني هاشم (3) [فلما رآهم إغرورقت ~~عيناه] فتغير لونه ورؤي في وجهه كآبة فقلنا ms149 (4): يا رسول الله ما نزال (5) ~~نرى في وجهك شيئا نكرهه؟ فقال (صلى الله عليه وآله): إنا أهل بيت اختار ~~الله تعالى لنا الآخرة على الدنيا وإن أهل بيتي سيلقون بعدي تطريدا وتشريدا ~~(6). # PageV02P762 # فصل في علمه وشجاعته وشرف نفسه وسيادته (عليه السلام) قال بعض أهل العلم: ~~علوم أهل البيت لا تتوقف على التكرار والدرس، ولا يزيد يومهم فيها على ما ~~كان في الأمس، لأنهم المخاطبون في أسرارهم والمحدثون في النفس. فسماء (1) ~~معارفهم وعلومهم بعيدة عن الإدراك واللمس، ومن أراد سترها كمن أراد ستر وجه ~~الشمس، وهذا مما يجب أن يكون ثابتا مقررا في النفس فهم يرون عالم الغيب في ~~عالم الشهادة، ويقفون على حقائق المعاني (2) في خلوات العبادة، وتناجيهم ~~ثواقب أفكارهم في أوقات أذكارهم بما تسنموا به غارب الشرف والسيادة، وحصلوا ~~بصدق توجيههم إلى جناب القدس فبلغوا به منتهى السؤال (3) والإرادة، فهم كما ~~في نفوس أوليائهم ومحبيهم وزيادة، فما تزيد معارفهم في زمان الشيخوخة على ~~معارفهم في زمن الولادة. وهذه أمور تثبت لهم بالقياس والنظر، ومناقب واضحة ~~الحجول بادية الغرر، ومزايا تشرق إشراق الشمس والقمر، وسجايا تزين عيون ~~التواريخ وعنوانات (4) الأثر. فما سألهم مستفيد أو ممتحن فوقفوا، ولا أنكر ~~منكر أمرا من الأمور إلا علموا وعرفوا، ولا جرى معهم غيرهم في مضمار شرف ~~إلا سبقوا، وقصر محاورهم وتحلقوا سنة جرى عليها الذين تقدموا منهم وأحسن ~~أتباعهم الذين خلفوا، وكم عانوا (5) في الجدال والجلاد أمورا فبلغوها (6) ~~بالرأي الأصيل والصبر الجميل فما استكانوا ولا ضعفوا، فبهذا وأمثاله # PageV02P763 # سموا على الأمثال وشرفوا. تقر الشقاشق إذا هدرت شقاشقهم، وتصغي الأسماع ~~إذا قال قائلهم أو نطق ناطقهم، ويكشف الهوى إذا أفلست (1) به خلايقهم، ويقف ~~كل ساع عن شأوهم فلا يدرك فايتهم ولا ينال طرايقهم، سجايا منحهم بها ~~خالقهم، وأخبر بها صادقهم، فسر بها أولياؤهم وأصدقاؤهم (2) وحزن لها ~~مباينهم ومفارقهم. # وقد حل الحسين (عليه السلام) من هذا البيت الشريف في أوجه وارتفاعه، وعلا ~~(3) محله فيه علوا تطامنت النجوم عن ارتفاعه، واطلع بصفا سره على غوامض ~~المعارف فانكشفت ms150 له الحقايق عند اطلاعه، وطار (4) صيته بالفضائل والفواضل ~~فاستوى الصديق والعدو في استماعه، ولما انقسمت غنائم المجد حصل على صعابها ~~(5) ومرتاعه (6)، فقد اجتمع فيه وفي أخيه (عليها السلام) من خلال الفضائل ~~ما لا خلاف في اجتماعه. فكيف لا يكونا كذلك وهما أبنا علي وفاطمة وسبطان ~~لمن كان سيد النبيين والمرسلين وخاتمهم والحسين (عليه السلام) هو الذي أرضى ~~غرب السيف والسنان ومال إلى منازلة الابطال والشجعان. # قال الشيخ كمال الدين بن طلحة: اعلم أن الشجاعة من المعاني القائمة ~~بالنفوس ولها رجال أبطال وصناديد الشؤوس ولا يعرف صاحبها إلا إذا ضاق ~~المجال واشتد القتال وأحدقت الرجال بالرجال، فمن كان مجزاعا مهلاعا فنراه ~~يستركب الهزيمة ويستقبلها (7) يستوصب الدنية ويتطوقها، ويستعذب المغرة ~~ويستوثقها (8)، ويستصحب # PageV02P764 # الذلة ويتعلقها فذلك (1) مهبول الأم، لا تعرف نفسه شرفا ولا له عن ~~الخساسة والدناءة منصرفا، ومن كان كرارا صبارا خائضا غمرات الأهوال بنفس ~~مطمئنة وعزيمة مرججة بعد مصافحة الصفاح غنيمة باردة، ومراوحة الرماح فائدة ~~وعائدة، ومكافحة الكتائب مكرمة زائدة، ومناوحة المصائب منقبة شاهدة، جانحا ~~إلى ابتياع العز بمهجته ويراها ثمنا قليلا جامحا عن ارتكاب الدنايا وإن ~~غادره جماحه قتيلا (2): # يرى الموت أحلى من ركوب دنية * ولا يقتدي للناكصين عليلا (3) ويستعذب ~~التعذيب فيما يفيده * نزاهته عن أن يقاد (4) ذليلا فهذا مالك زمام الشجاعة ~~وحائزها، وله من قداحها معلاها وفايزها، وقد صحف النقلة (5) في صحائف السير ~~بما رواه وحرروا القول بما نقله المتقدم إلى المتأخر فيما رووه: # إن الحسين (عليه السلام) لما قصد العراق وشارف الكوفة سمع به أميرها عبيد ~~الله بن زياد لعنه الله، فسرب الجنود لمقاتلته إسرأبا وحزب الجيوش (6) ~~لمحاربته أحزابا، وجهز إليه من العساكر عشرين ألف مقاتل، ما بين فارس ~~وراجل، فأحدقوا به شاكين في كثرة العدد والعديد، ملتمسين منه نزوله على حكم ~~بن زياد وبيعته ليزيد، فإن أبى ذلك فليؤذن بقتال يقطع الوتين وحبل الوريد، ~~ويصعد بالأرواح إلى المحل الأعلى ويطرح الأشباح على الصعيد، فتبعت نفسه ~~الأبية جدها وأباها، وعزفت عن ارتكاب الدنية فأباها، ونادته النخوة ~~الهاشمية فلباها ms151 ومنحها بالإجابة إلى مجانبة # PageV02P765 # الذلة وحباها، فاختار مجالدة الجنود ومصادمة ضباها (1)، والصبر على ~~مقارعة صوارمها وكثرة وسم سباها. # وكان أكثر هؤلاء الخارجين لقتاله قد كاتبوه وطاوعوه، وشايعوه وتابعوه، ~~وسألوه القدوم عليهم ليبايعوه، فلما جاءهم أخلفوه ما وعدوه، ومالوا إلى ~~السحت العاجل فقصدوه، فنصب نفسه (عليه السلام) وإخوته وأهله وكانوا نيفا ~~وسبعين (2) لمحاربتهم، واختاروا جميعهم القتل على متابعتهم ليزيد ~~ومبايعتهم، فاعتقلهم الفجرة الطغام ورشقتهم الرماح والسهام. هذا والحسين ~~(عليه السلام) ثابت (3) إقدامه في المعترك أرسى من الجبال، وقلبه لا يضطرب ~~لهول القتال ولا لقتال الرجال ولا لمنازلة الأبطال، ثم قال: # يا أهل الكوفة قبحا لكم وتعسا حين استصرختمونا، فآتيناكم مرجفين فشحذتم ~~علينا سيفا كان في إيماننا، وحثثتم علينا نارا نحن أضرمناها على أعدائكم ~~وأعدائنا، فأصبحتم الباغين على أوليائكم، ويدا لأعدائكم من غير عدل أفشوه ~~فيكم، ولا ذنب كان منا إليكم، فلكم الويلات هلا إذ كرهتمونا تركتمونا، ~~والسيف ما سام، والجأش ما طاش، والرأي لم يستحصد، ولكنكم أسرعتم إلى بيعتنا ~~إسراع الذباب، وتهافتم تهافت الفراش، ثم نقضتمونا سفها وظلما، ألا لعنة ~~الله على الظالمين. ثم حمل عليهم وسيفه مصلت في يده وهو ينشد ويقول: # أنا ابن علي الخير (4) من آل هاشم * كفاني بهذا مفخرا حين أفخر وجدي رسول ~~الله أكرم من مضى (5) * ونحن سراج الله في الأرض (6) نزهر # PageV02P766 # وفاطم أمي من سلالة أحمد (1) * وعمي يدعى ذا الجناحين جعفر (2) وفينا ~~كتاب الله أنزل صادقا * وفينا الهدي والوحي بالخير (3) يذكر ولم يزل (عليه ~~السلام) يقاتل حتى قتل كثيرا من رجالهم وفرسانهم وشجعانهم خائضا في لجج ~~الحرب غمراتهم (4) غير هائب للموت من جميع جهاته، إلى أن تقدم إليه الشمر ~~بن ذي الجوشن في جموعه، وسيأتي تفصيل ما جرى له معه في فصل مصرعه إن شاء ~~الله تعالى (5). # فصل في ذكر كرمه وجوده (عليه السلام) قال الشيخ كمال الدين بن طلحة " قد ~~اشتهر النقل عنه (عليه السلام) (6) أنه كان يكرم الضيف، ويمنح الطالب، ويصل ~~الرحم، وينيل الفقير (7)، ويسعف السائل، ويكسو العاري (8)، ويشبع الجائع، ~~ويعطى الغارم. ويشد ms152 من الضعيف، ويشفق على اليتيم، ويعين ذا # PageV02P767 # الحاجة، وقل أن وصله مال إلا فرقه " (١). وفي الفصل المتقدم المعقود لكرم ~~أخيه (عليه السلام) وقصة المرأة التي ذبحت الشاة وما وصلها به لما أن جاءته ~~بعد أخيه الحسن من إعطائها الألف دينار وشرائه لها الألف شاة (٢) ما يعرفك ~~أن الكرم ثابت لهؤلاء القوم حقيقة ولغيرهم مجاز، إذ كل واحد منهم ضرب فيه ~~بالقدح المعلى، فحاز منه ما حاز، فهم بحار يجارون (٣) الغيوث سماحة، ~~ويبارون الليوث حماسة، ويعدلون الجبال حلما ورجاحة، فهم البحور الزاخرة ~~والسحب الهامية الماطرة، وفيه يقول الشاعر: # فما كان من جود أتوه فإنما * توارثه آباء آبائهم قبل وهل ينبت الخطى إلا ~~وشجه (٤) * وتغرس إلا في مغارسها النخل قال أنس: كنت عند الحسين (عليه ~~السلام) فدخلت عليه جارية بيدها (٥) بطاقة ريحان [فحيته بها] فقال [لها]: ~~أنت حرة لوجه الله تعالى [وبهر أنس فانصرف يقول] فقلت له: جارية تحييك (٦) ~~بطاقة ريحان لا حظ (٧) لها ولا بال فتعتقها؟! فقال: [كذا أدبنا الله] أما ~~سمعت قوله تعالى ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا ~~بأحسن منها﴾ (8) وكان أحسن منها عتقها (9). # PageV02P768 # وكتب إليه أخوه الحسن يلومه على إعطائه الشعراء، فكتب إليه: أنت أعلم مني ~~(١) بأن خير المال ما وقى العرض (٢). # وجنى غلام له (٣) جناية توجب العقاب عليه (٤) فأمر بتأديبه [أن يضرب] ~~فقال: يا مولاي قال الله تعالى (والكاظمين الغيظ) قال (عليه السلام): خلوا ~~عنه فقد كظمت غيظي، فقال: [يا مولاي] (والعافين عن الناس) قال (عليه ~~السلام): قد عفوت عنك، فقال: [يا مولاي]: # ﴿والله يحب المحسنين﴾ (5) قال: ~~أنت حر لوجه الله تعالى، وأجازه بجائزة سنية (6). # وقيل: أن معاوية لما قدم مكة وصله بمال كثير وثياب وافرة وكسوة فاخرة فرد ~~الجميع عليه ولم يقبل منه شيئا (7)، فهذه سجية الجود وشنشنة الكرم وصفة من ~~حوى مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم. ومما يؤذنك بكرمه وسماحته ذكر ما تقدم في ~~الفصل الذي قبل هذا من ثبات قلبه وشجاعته، إذ الشجاعة والسماحة توأمان ~~ورضيعا ms153 لبان، فالجواد شجاع والشجاع جواد، وهذه قاعدة كلية وإن خرج منها بعض ~~الآحاد، ومن خاف الوصمة في شرفه جاد بالطريف من ماله والتالد، وقد قال أبو ~~تمام في الجمع بينهما فأجاد (8): # وإذ رأيت أبا يزيد في ندى * ووغى ومبدي غارة ومعيدا أيقنت أن من السماح ~~شجاعة * تدنى وأن من الشجاعة جودا # PageV02P769 # وقال آخر في هذا المعنى: # يجود بالنفس إن ظن البخيل بها * والجود بالنفس أقصى غاية الجود وقيل: ~~الكريم شجاع القلب، والبخيل شجاع الوجه. # فصل في ذكر شيء من محاسن كلامه وبديع نظامه (عليه السلام) قال الشيخ كمال ~~الدين بن طلحة الشافعي: كانت الفصاحة لديه خاضعة والبلاغة لأمره زامعة ~~طائعة، وأما نظمه فيعد من الكلام جوهر عقد منظوم ومشهود برد مرقوم (1)، ~~انتهى. # فمن كلامه (عليه السلام): حوائج الناس إليكم من نعم الله [عز وجل] عليكم ~~فلا تملوا النعم فتعود نقما (2). # وقال (عليه السلام): صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤالك، فأكرم وجهك عن ~~رده (3). # وقال (عليه السلام) في خطبة: أيها الناس، نافسوا في المكارم، وسارعوا في ~~المغانم، ولا تحتسبوا (4) بمعروف ولم تجعلوه، واكتسبوا الحمد بالنجح ولا ~~تكسبوه بالمبطل، فمهما يكن لأحد عند أحد صنعة ورأى أنه لا يقوم بشكرها ~~فالله تعالى له بمكافاته بمكان وذلك أجزل عطاء وأعظم أجرا. واعلموا أن ~~المعروف يكسب حمدا ويعقب أجرا، فلو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه حسنا جميلا ~~يسر الناظرين، ولو رأيتم اللؤم رأيتموه منظرا قبيحا تنفر منه القلوب وتغض ~~منه الأبصار. أيها الناس، من # PageV02P770 # جاد ساد، ومن بخل ذل (1)، فإن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه، وأعف ~~الناس من عفا عن قدرة، وإن أوصل الناس من وصل من قطعه، ومن أراد بالصنيعة ~~إلى أخيه وجه الله تعالى كافأه الله تعالى بها في وقت حاجته وصرفت عنه من ~~البلاء بأكثر من ذلك، ومن نفس عن أخيه كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه ~~كربة من كرب الآخرة، ومن أحسن أحسن الله إليه والله يحب المحسنين (2). # ومن كلامه (عليه السلام): الحلم زينة، والوفاء مروة، والصلة ms154 نعمة، ~~والاستكثار صلف، والعجلة سفه، والسفه ضعف، والغلو (3) ورطة، ومجالسة ~~الدناءة شر ومجالسة أهل الفسوق (4) ريبة (5). # وقيل: كان بينه وبين أخيه الحسن (عليه السلام) كلام فقيل له: اذهب إلى ~~أخيك الحسن فاسترضه وطيب خاطره فإنه أكبر منك، فقال: سمعت جدي رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) يقول: # " أيما اثنين جرى بينهما كلام فطلب أحدهما رضا الآخر كان السابق سابقه ~~إلى الجنة " وأكره ان اسبق أخي الأكبر إلى الجنة. فبلع الحسن قوله (عليه ~~السلام) فأتاه وترضاه (6). # فهذه الألفاظ تجاري الهوى رقة ومتانة، وتنبئك بأن لهم عند الله أكبر ~~منزلة وعلو مكانة، توارثوا البيان كابرا عن كابر وتسنموا تلك الفضائل ~~كتسنمهم متون المنابر، وتساووا في مضمار المعارف فالآخر يأخذ عن الأول ~~والأول يملي على الآخر. # شرف تتابع كابر عن كابر * كالرمح أنبوبا على أنبوب (7) # PageV02P771 # وأما نظمه (عليه السلام) فمن ذلك ما نقله عنه ابن أعثم صاحب كتاب الفتوح ~~وهو أنه (عليه السلام) لما أحاطت به جموع بن زياد لعنه الله وقتلوا من ~~قتلوا من أصحابه ومنعوهم الماء كان له ولد صغير فجاءه سهم فقتله فرمله ~~الحسين (عليه السلام) وحفر له بسيفه وصلى عليه ودفنه، وقال شعرا: # كفر (1) القوم وقدما رغبوا * عن ثواب الله رب الثقلين قتلوا (2) قدما ~~عليا وابنه * حسن الخير كريم الأبوين (3) حسدا منهم وقالوا أجمعوا (4) * ~~نقتل الآن جميعا للحسين خيرة الله من الخلق أبي * ثم أمي (5) فأنا ابن ~~الخيرتين فضة قد خلصت (6) من ذهب * فأنا الفضة وابن الذهبين من له جد كجدي ~~في الورى * أو كشيخي فأنا (7) ابن القمرين فاطم الزهراء أمي وأبي * قاصم ~~الكفر ببدر وحنين وله في يوم أحد وقعة * شفت الغل بفض العسكرين ثم بالأحزاب ~~والفتح معا * كان فيها حتف أهل الوثنين (8) # PageV02P772 # ومن ذلك ما حكي أن الفرزدق (1) لقيه (عليه السلام) وهو متوجه إلى الكوفة ~~فقال له: يا ابن [بنت] رسول الله، كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ~~ابن عمك مسلم بن عقيل [وشيعته؟! فاستعبر الحسين بالبكاء، ثم قال:] فترحم ~~على مسلم بن عقيل [رحم ms155 الله مسلما] وقال: أما أنه (2) صار إلى رحمة الله ~~[وريحانه وجنته] تعالى # PageV02P773 # ورضوانه [أما أنه] قد قضى ما عليه وبقي ما علينا، وأنشد (1) يقول: # فإن (2) تكن الدنيا تعد نفيسة * فإن (3) ثواب الله أعلى وأنبل (4) وإن ~~تكن (5) الأبدان للموت أنشئت * فقتل امرء في الله بالسيف أفضل وإن تكن ~~الأرزاق قسما (6) مقدرا * فقلة حرص (7) المرء في الكسب أجمل وإن تكن ~~الأموال للترك جمعها * فما بال متروك به المرء يبخل (8) ومن نظمه (عليه ~~السلام): # ذهب الذين احبهم * وبقيت فيمن لا أحبه فيمن أراه يسبني * ظهر المغيب ولا ~~أسبه أفلا يرى أن فعله * مما يسير (9) إليه غبه حسبي بربي كافيا * مما ~~اختشى والبغي حسبه # PageV02P774 # ولعل من يبغى عليه * [فما] إلا كفاه الله ربه (1) وقال (عليه السلام): # إذا ما عضك الدهر * فلا تجنح إلى الخلق (2) ولا تسأل سوى الله * تعالى ~~قاسم الرزق فلو عشت وطوقت * من الغرب إلى الشرق لما صادفت من يقدر * أن ~~يسعد أو يشقي (3) وقال (عليه السلام) من قصيدة طويلة هذا أولها: # إذا استنصر المرء امرء لا يدا له * فناصره والخاذلون سواء انا ابن الذي ~~قد تعلمون (4) مكانه * وليس على الحق المبين طحاء (5) أليس رسول الله جدي ~~ووالدي * أنا البدر إن خلا النجوم خفاء ألم ينزل القرآن خلف بيوتنا * صباحا ~~ومن بعد الصباح مساء ينازعني والله بيني وبينه * يزيد وليس الأمر حيث يشاء ~~فيا نصحاء الله أنتم ولاته * وأنتم على أديانه أمناء بأي كتاب أم بأية سنة ~~* تناولها عن أهلها البعداء (6) وقال أبو مخنف: كان [مولانا] الحسين بن علي ~~تعلوه (7) الكراهة لما كان عليه # PageV02P775 # من أمر أخيه الحسن (عليه السلام) من صلح معاوية ويقول: لو جز أنفي بموس ~~[ل‍] كان أحب إلي مما فعله أخي. وقال في ذلك (1): # فما ساءني شيء كما ساءني أخي * ولم أرض والله الذي كان صانعا ولكن إذا ما ~~الله أمضى قضاءه * فلابد يوما أن تر الأمر واقعا ولو أنني شورت فيه لما ~~رأوا * قرينهم (2) إلا عن الأمر شاسعا ولم أك أرضى بالذي قد رضوا به * ولو ~~جمعت ms156 كل (3) إلى المجامعا ولو حز (4) أنفي قبل ذلك حزة * بموس لما ألقيت ~~للصلح طائعا (5) فصل في ذكر مخرجه (عليه السلام) إلى العراق وذلك أن معاوية ~~لما استخلف ولده يزيد وذلك في سنة ست وخمسين (6) ثم مات معاوية في سنة ستين ~~(7) ثم لم تكن ليزيد همة (8) إلا أن كتب إلى الوليد بن # PageV02P776 # عتبة (1) بن أبي سفيان عاملهم على المدينة يخبره بموت معاوية ويأمره أن ~~يأخذ البيعة له من (2) الحسين بن علي وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن ~~الزبير أخذا ليست فيه رخصة (3) أول الناس قبل ظهور الأمر وإفشائه ويشدد ~~عليهم في ذلك. # فلما قرأ الوليد الكتاب عظم عليه هلاك معاوية وما أمره يزيد من أخذه ~~البيعة على هؤلاء الثلاثة، فاستدعى (4) مروان بن الحكم وقرأ عليه الكتاب، ~~فاسترجع (5) مروان وشق عليه موت معاوية، فقال له الوليد: ما الرأي؟ كيف ~~تصنع في هؤلاء النفر الثلاثة الذين أمرني بأخذ البيعة عليهم؟ فقال له: أرى ~~أن تدعوهم الساعة وتأخذهم بالبيعة، فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم، وإن ~~أبوا [قدمتهم] فضربت # PageV02P777 # أعناقهم قبل أن يعلم (1) أحد منهم بموت معاوية، لأنهم إن علموا بموت ~~معاوية (2) وثب كل واحد منهم بناحيته وأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه، ورأيي أن ~~ابن عمر لا يحب القتال ولا يحب ان يولي (3) شيئا من أمور الدنيا بالقتال ~~إلا أن يدفع عليه هذا الأمر عفوا، فأرسل إلى الحسين وإلى ابن الزبير لاغير ~~(4). # فأرسل الوليد إلى الحسين وإلى ابن الزبير غلاما حدثا (5) من شيعته (6) ~~يدعوهما إلى الحضور إليه، وكانا جالسين في المسجد، فأتاهما في ساعة متأخرة ~~لم يكن الوليد يجلس فيها لأحد (7) فقال: أجيبا (8) الأمير، فقالا له: ~~انصرف، الآن نأته. ثم أخذا يتشاوران، فقال [عبد الله] ابن الزبير للحسين ~~(عليه السلام): ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها إلا ~~لأمر قد حدث (9)؟ فقال الحسين: نعم، أظن أن طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ~~ليأخذنا # PageV02P778 # بالبيعة (1) ليزيد قبل أن يفشى (2) الخبر في الناس (3)، فقال ابن الزبير: ~~والله ما أظن غيره فما ms157 تريد أن تصنع (4)؟ قال الحسين (عليه السلام): أجمع ~~فتياني الساعة (5) ثم أمشي إليه وأجلسهم قريبا من مجلسي وأنظر ما خبره (6)، ~~قال: فإني أخاف بعد دخولك عليه أن لا تنجو من شره (7)، قال: # لا أدخل عليه إلا وأنا قادر عن الامتناع منه (8). # ثم قام الحسين فجمع حاشيته وأهل بيته ثم دخل عليه وأدخلهم معه وأجلسهم ~~بحيث يروا مكانه ويسمعوا كلامه قريبا من مجلسهم، وقال: إن دعوتكم أو سمعتم # PageV02P779 # صوتي قد علا فائتوني بأجمعكم وإلا مكانكم حتى آتيكم. ثم دخل عليه مجلسه ~~فسلم عليه وجلس، ووجد مروان جالسا عنده فتحادثوا ساعة، ثم إن الوليد أخبره ~~بموت معاوية ودعاه إلى بيعة يزيد ووعده عن يزيد بخير جزيل، فاسترجع الحسين ~~(عليه السلام) لموت معاوية (1) وقال: مثلي لا يبايع، فإذا خرجت إلى الناس ~~ودعوتهم إلى البيعة أنا من جملتهم ويكون الأمر واحدا، ثم وثب الحسين قائما ~~وولى (2). فقال مروان للوليد: # لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت (3) على مثلها، أحبسه فإن بايع وإلا ~~اضرب عنقه (4) # PageV02P780 # فوثب (1) إليه الحسين وقال: [ويلي عليك]، يا ابن الزرقاء (2) أنت تضرب ~~(3) عنقي أم هو؟ كذبت والله (4). # ثم خرج من الباب (5) قال: وكان الوليد يحب العافية (6) فالتفت إلى مروان ~~وقال # PageV02P781 # له: ويح [وبخ] غيرك، والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت [عنه] ~~من مال الدنيا وملكها إذا قتلت حسينا [سبحان الله! أقتل حسينا] إن (1) قال ~~لا أبايع، فسكت (2) مروان (3). # وأما ابن الزبير فقال للرسول: الآن آتيكم (4)، # PageV02P782 # فألح عليه (1) الوليد في الطلب وهو يقول: امهلوني (2). ثم إن ابن الزبير ~~أرسل أخاه [إلى] الوليد وهو يقول: إنك أفزعتني وأرعبتني بمتابعة رسلك إلي ~~وطلبتك لي وأريد أن تحملني إلى الليل وآتيك إن شاء الله تعالى، فخلى عنه ~~(3). فلما كان الليل هرب (4) ابن الزبير هو وأخوه جعفر (5) إلى مكة المشرفة ~~ليس معهما [ثالث] وأخذا على طريق الفرع (6)، فأرسل الوليد بعد أن دخل الليل ~~يطلبه فلم يجده، فلما أصبح أرسل في طلبه فلم يدركه ولم يعلم إلى أى جهة أخذ ~~(7). # PageV02P783 # وأما الحسين (عليه ms158 السلام) فإنه أخذ (١) معه بنيه وإخوته وبني أخيه (٢) ~~وجميع أهله (٣) وحاشيته وخرج في الليلة الثانية (٤) من المدينة قاصدا مكة ~~المشرفة فكفوا عنه ولم يتعرض أحد. وعند خروجه من المدينة قرأ قوله تعالى ﴿فخرج منها خآئفا يترقب قال رب نجنى من ~~القوم الظالمين﴾ (٥). فلما دخل مكة قرأ قوله تعالى ﴿عسى ربى أن يهدينى سوآء السبيل﴾ (6) (7). # PageV02P784 # ثم إن الوليد بن عتبة أرسل (1) أيضا إلى ابن عمر وسأله المبايعة (2) قال: ~~إذا بايع الناس بايعت، فتركوه وكانوا لا يتخوفونه (3). # قال: ولما خرج الحسين من المدينة إلى مكة لقيه عبد الله بن مطيع (4) فقال ~~له: # جعلت فداك أين تريد؟ قال: أما الآن (5) فمكة، وأما بعد [ها فإني] أستخير ~~الله تعالى، فقال: خار الله لك وجعلنا فداك، فإذا [أنت] أتيت مكة فإياك أن ~~تقرب الكوفة فإنها بلدة مشؤومة، بها قتل أبوك وخذل أخوك [واغتيل بطعنة كانت ~~تأتي على نفسه] والزم الحرم فإنك سيد العرب ولا يعدل (6) بك [والله] أهل ~~الحجاز أحدا ويتداعى إليك الناس من كل جانب، لا تفارق الحرم فداك عمي ~~وخالي، فوالله لئن (7) هلكت لنسترقن بعدك. # فأقبل الحسين حتى دخل مكة المشرفة ونزل بها وأهلها يختلفون إليه ويأتونه ~~وكذلك من بها من المجاورين والحاج والمعتمرين من سائر أهل الآفاق (8)، # PageV02P785 # وابن الزبير أيضا قد نزل بها ولزم جانب الكعبة، ولم يزل قائما يصلي عندها ~~عامة النهار ويطوف جانبا من الليل، ومع ذلك يأتي الحسين ويجلس إليه وقد ~~ثقلت وطأة الحسين على ابن الزبير، لأن أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام ~~الحسين بالبلد، ولا يتهيأ له ما يطلب منهم مع وجود الحسين (1). # ولما بلغ أهل الكوفة موت (2) معاوية وامتناع (3) الحسين وابن عمر وابن ~~الزبير من البيعة وأن الحسين سار إلى مكة اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن ~~صرد (4) بالكوفة وتذاكروا أمر الحسين ومسيره إلى مكة، قالوا: نكتب إليه ~~يأتينا الكوفة، فكتبوا إليه كتبا من رؤسائهم من سليمان بن صرد ومن المسيب ~~بن نجبة (5) ورفاعة بن ms159 شداد وحبيب بن مظاهر وشبث بن ربعي ويزيد بن الحارث ~~ويزيد بن رويم (6) وعروة (7) بن قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد بن عمر ~~التميمي (8) # PageV02P786 # وغيرهم من أعيان الشيعة ورؤساء أهل الكوفة قريبا من نحو مائة (1) كتاب، ~~وسيروا الكتب (2) مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن والي (3) وهم ~~يحثونه فيها على القدوم عليهم والمسير إليهم على كل حال، وكتاب واحد عام ~~على لسان الجميع كتبوه وأرسلوه مع القاصدين وصورته: # بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي أمير المؤمنين من شيعته وشيعة ~~أبيه علي (عليه السلام) أما بعد، فإن الناس ينتظرونك (4) لا رأي لهم في ~~غيرك، فالعجل العجل # PageV02P787 # يا ابن رسول الله لعل الله تعالى أن يجمعنا بك على الحق ويؤيد بك ~~المسلمين والإسلام بعد أجزل السلام وأتمه عليك ورحمة الله وبركاته (1). # PageV02P788 # فكتب جوابهم (1) صحبة (2) القاصدين وسير معهم ابن عمه مسلم بن عقيل (3) ~~[فلما وصلوا إليهم اجتمع الشيعة على مسلم بن عقيل] وأخذ عليهم البيعة ~~للحسين بن علي (عليه السلام)، فكتب والي الكوفة وهو يومئذ النعمان بن بشير ~~(4) إلى يزيد بن معاوية يخبره بذلك (5)، فجهز يزيد عند ذلك إلى الكوفة عبيد ~~الله بن # PageV02P789 # زياد (1)، فلما قرب من الكوفة تنكر (2) ودخلها ليلا (3) وأوهم أنه الحسين ~~ودخلها من جهة البادية (4) في زى أهل الحجاز، وصار كلما اجتاز بجماعة يسلم ~~عليهم فيقومون له ويقولون مرحبا (5) بابن رسول الله (6) - ظنا منهم أنه ~~الحسين - (7) فلما رأى عبيد الله # PageV02P790 # تباشرهم بالحسين ساءه (1) ذلك وتكشفت له أحوالهم. # ثم إنه قصد قصر الإمارة وجاء يريد الدخول إليه فوجد النعمان بن بشير قد ~~أغلقه وتحصن فيه هو وأصحابه وذلك أن النعمان بن بشير هو وأصحابه ظنوا (2) ~~ان ابن زياد هو الحسين (عليه السلام) فصاح بهم (3) عبيد الله بن زياد: ~~افتحوا (4) لا بارك الله فيكم ولا كثر في أمثالكم، فعرفوا صوته لعنه الله ~~وقالوا: ابن مرجانة؟! # فنزلوا وفتحوا له ودخل القصر وبات به (5) فلما أصبح جمع الناس فصال وجال ~~وقال فطال (6) وأرعد وأبرق، وأمسك جماعة من أهل الكوفة فقتلهم في ms160 # PageV02P791 # الساعة (1) ثم إنه تحيل عليهم حتى ظفر بمسلم بن عقيل فمسكه وقتله. (2) # PageV02P792 # وكان (1) الحسين بن علي (عليه السلام) بعد أن سير ابن عمه مسلم بن عقيل ~~إلى الكوفة لم يقم بعده إلا قليلا (2) حتى تجهز للمسير في أثره بجميع أهله ~~وولده وخاصته وحاشيته (3) # PageV02P794 # فأتاه عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي (1) فقال: إني جئتك ~~(2) لحاجة أريد ذكرها (3) نصيحة لك، فإن كنت ترى أنك تستنصحني (4) قلتها لك ~~وأديت ما يجب علي من الحق فيها، وإن ظننت أني غير ناصح لك كففت عما أريد أن ~~أقوله لك. فقال: فو الله ما استغشك وما أظنك بسيئ الرأي (5) [ولا هوى ~~القبيح من الأمر والفعل] فقال له: قد بلغني أنك تريد العراق وأني مشفق عليك ~~أن تأتي بلدا فيها عمال يزيد وأمراؤه ومعهم بيوت الأموال وإنما الناس عبيد ~~الدراهم والدنانير فلا آمن عليك أن يقاتلك (6) من وعدك نصره ومن أنت أحب ~~إليه ممن يقاتلك وذلك عند البذل وطمع الدنيا (7). # فقال له الحسين (عليه السلام): جزاك الله خيرا من ناصح، لقد مشيت (8) يا ~~ابن عبد الرحمن بنصح وتكلمت بعقل ولم تنطق عن هوى، ولكن مهما يقضي من أمر ~~يكن # PageV02P795 # اخذت (1) برأيك أم تركت (2) مع أنك عندي أحمد مشير وأنصح (3) ناصح (4). # ثم جاءه بعد ذلك عبد الله بن عباس (5) (رضي الله عنه) ومعه جماعة من أهل ~~ذوي الحنكة والتجربة والمعرفة بالأمور فقال: [إنه قد شاع الخبر في] أن ~~الناس قد أرجفوا بأنك سائر إلى العراق [فبين لي ما أنت صانع] فهل عزمت على ~~شيء من ذلك؟ # فقال الحسين: نعم إني قد أجمعت (6) على المسير في [أيامي هذه إن شاء الله ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم] أحد يومي هذين، أريد اللحاق بابن ~~عمي مسلم بن عقيل إن شاء الله تعالى، فقال ابن عباس والجماعة الذين معه: ~~نعيذك (7) بالله من ذلك، أخبرنا أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ~~ونفوا عدوهم؟ # فإن كانوا قد فعلوا فسر إليهم، وإن كانوا إنما دعوك [إليهم] وأميرهم قائم ms161 ~~عليهم قاهر لهم وعمالهم تجبي (8) بلادهم وتأخذ خراجهم فإنما (9) دعوك إلى ~~الحرب [والقتال] ولا آمن عليك من أن يغروك ويكذبوك ويخذلوك ويتبعوك ثم ~~يستفزوا إليك فيكونوا أشد الناس عليك (10). فقال الحسين (عليه السلام) إني ~~أستخير الله تعالى ثم (11) # PageV02P796 # أنظر ماذا يكون (1). # فخرج ابن عباس والجماعة الذين معه، فبعد أن خرجوا عنه جاء (2) ابن الزبير ~~فجلس عنده ساعة يتحدث ثم قال: [ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم وكفنا عنهم و ~~نحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم] أخبرني ما تريد أن تصنع؟ بلغني ~~أنك سائر إلى العراق، فقال الحسين: نعم، نفسي تحدثني (3) بإتيان الكوفة، ~~وذلك أن جماعة من شيعتنا وأشراف الناس كتبوا إلى كتبا يحثونني على المسير ~~إليهم ويعدونني النصرة والقيام معي بأنفسهم وأموالهم ووعدتهم بالوصول ~~إليهم، وأنا أستخير الله تعالى (4). # فقال له ابن الزبير: أما أنه لو كان لي بها شيعة مثل شيعتك ما عدلت عنهم ~~(5)، ثم إنه خشي أن يتهمه فقال: وإن رأيت أنك تقيم هنا بالحجاز وتريد هذا ~~الأمر قمنا معك وساعدناك وبايعناك ونصحنا لك (6). فقال له الحسين (عليه ~~السلام): إن أبي حدثني أن لها # PageV02P797 # كبشا به تستحل حرمتها، فما أحب أن أكون [أنا] ذلك الكبش (1)، والله لئن ~~قتلت خارجا من مكة بشبر أحب إلي من أن أقتل بداخلها، ولئن أقتل خارجها ~~بشبرين أحب إلي من أقتل بداخلها بشبر واحد (2). # فقام ابن الزبير وخرج من عنده فقال الحسين (عليه السلام) لجماعة كانوا ~~عنده من خواصه: # إن هذا الرجل - يعنى ابن الزبير - ليس في الدنيا شيء أحب إليه من أن أخرج ~~من الحجاز، وقد علم أن الناس لا يعدلون بي ما دمت فيه فيود أني خرجت منه ~~لتخلو له (3). # PageV02P798 # فلما كان من الغد (1) فإذا بعبد الله بن عباس (رضي الله عنه) وقد جاء إلى ~~الحسين (عليه السلام) ثانيا فقال: يا ابن عم إني اتصبر ولا أصبر، إني أتخوف ~~عليك من هذا الوجه الهلاك والاستئصال، إن أهل العراق قوم غدر (2) فلا ~~تأمنهم (3) وأقم بهذا البيت (4) الشريف فإنك سيد أهل الحجاز، ms162 وإن كان أهل ~~العراق يريدونك كما زعموا فاكتب (5) إليهم فلينفوا عاملهم ويخرجوه عنهم ثم ~~أقدم عليهم، وإن رأيت فسر إلى اليمن فإن فيها حصونا وشعابا وهي أرض طويلة ~~عريضة ولأبيك بها شيعة كثيرة وأنت عن الناس في عزلة (6) فتكتب إلى الناس ~~ويكتبون إليك وتبث (7) دعاتك فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الفرج الذي تحب في ~~عافية " (8) فقال الحسين (عليه السلام): يا ابن العم اعلم أنك [والله] ناصح ~~مشفق ولكني قد أزمعت وأجمعت (9) # PageV02P799 # على المسير إلى هذا الوجه (1). # فقال له ابن عباس: فإن كنت سائرا ولابد فلا تسر بنسائك وصبيتك (2)، قال: ~~لا أتركهم خلفي (3)، فقال له ابن عباس: والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم ~~أني إذا أخذت بناصيتك وأخذت بناصيتي حتى يجتمع علي وعليك الناس أطعتني ~~وأقمت لفعلت (4). ثم خرج عنه ابن عباس وهو يقول: والله لقد أقررت (5) عين ~~ابن الزبير بمخرجك (6) من الحجاز (7). # وعند خروج ابن عباس من عند الحسين صدفه ابن الزبير فقال: ما وراءك يا عم؟ ~~قال # PageV02P800 # ما يقر عينك، هذا الحسين (عليه السلام) يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز ~~ثم ولى عنه وهو ينشد (1): # يا لك من قبرة بمعمر * خلا لك الجو فبيضي واسفري ونقري إن شئت أن تنقري * ~~هذا الحسين خارج فاستبشري (2) ثم إنه وردت على الحسين (عليه السلام) كتب من ~~أهل المدينة من عند عبد الله بن جعفر (3) على يدي ابنيه عون (4) ومحمد (5) ~~ومن سعيد بن العاص (6) ومعه جماعة من أعيان المدينة وكل منهم يشير # PageV02P801 # عليه أن لا يتوجه نحو العراق ولا يأتيه ولا يقربه فليس له فيه مصلحة وأن ~~يقيم بمكة (1). # هذا كله والقضاء غالب على أمره، فلم يكترث بما قيل له، ولم يلتفت إلى ما ~~كتب إليه (ليقضى الله أمرا كان مفعولا). (2) فخرج من مكة يوم الثلاثاء وهو ~~يوم # PageV02P802 # التروية الثامن من ذي الحجة الحرام سنة ستين ومعه اثنان وثمانون رجلا من ~~أهل بيته وشيعته ومواليه (1)، ولم يزل سائرا حتى كان الصفاح (2) فلقيه ~~الفرزدق الشاعر (رحمه الله) فنزل فسلم على الحسين (عليه ms163 السلام) وقال له: ~~أعطاك الله سؤلك وبلغك مأمولك (3) في جميع ما تحب، فقال له الحسين (عليه ~~السلام): من أين أقبلت يا أبا فراس؟ فقال: من الكوفة، فقال له: بين خبر (4) ~~الناس قال: أجل على الخبير سقطت (5) يا ابن رسول الله، قلوب الناس معك ~~وسيوفهم مع بني أمية (6) والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء وربنا ~~كل يوم هو في شأن، فقال: صدقت، الأمر لله (7) والله يفعل ما يشاء وهو ~~سبحانه كل يوم [ربنا] في شأن إن ينزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه ~~وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يبعد من كان ~~الحق نيته والتقوى سريرته (8). # PageV02P803 # ثم (1) فارقه الحسين (عليه السلام) وسار حتى انتهى إلى ماء قريب من ~~الحجاز فإذا هو بعبد الله بن مطيع (2) نازل على الماء فتلاقيا هو وإياه ~~فتسالما واعتنقا، وقال له: ما جاء بك (3) يا بن رسول الله؟ قال: قاصدا ~~الكوفة، فقال له: ألم أتقدم إليك بالقول؟! ألم أنهك عن المسير إلى هذا ~~الوجه يا ابن رسول الله؟! أذكرك الله تعالى في حرمة الإسلام أن تنتهك، ~~أنشدك الله تعالى في حرمة قريش (4) وذمة العرب، والله لئن طلبت ما في أيدي ~~بني أمية ليقتلنك (5)، ولئن قتلوك لا يهابوا بعدك أحدا أبدا، والله إنها ~~لحرمة الإسلام [تنتهك] وحرمة قريش وحرمة العرب، فالله الله لا تفعل ولا تأت ~~الكوفة ولا تعرض نفسك لبني أمية، فأبى أن يمضي إلا في جهته (6). # ثم ارتحل من هذا الماء وسار إلى أن أتى الثعلبية (7) فلما نزل بها أتاه ~~خبر قتل # PageV02P804 # ابن عمه مسلم بن عقيل بالكوفة، فقال له بعض أصحابه ننشدك الله تعالى إلا ~~رجعت من مكانك فإنه ليس لك بالكوفة من ناصر وإنا نتخوف أن يكونوا عليك لا ~~لك (1). # فوثب بنو عقيل وقالوا: والله لا (2) نرجع حتى ندرك (3) ثأرنا ونذوق (4) ~~ما ذاق مسلم (5). # ثم قال لهم الحسين (عليه السلام): لا خير لي بالحياة بعدكم (6). # PageV02P805 # ثم ارتحلوا حتى أتوا زبالة (1)، وكان الحسين (عليه السلام) لا يمر ms164 بأهل ~~ماء (2) من مياه العرب ولا يجيء من أحيائها إلا تبعه أهله وصحبوه (3)، فلما ~~صار بزبالة أتاه خبر قتل أخيه من الرضاع عبد الله بن يقطر، وكان أرسله (4) ~~من الطريق إلى مسلم بن عقيل يتقدم إليه ويأتيه [- وهو لا يدري أنه قد أصيب ~~-] بخبره من الكوفة فأخذته (5) خيل ابن زياد من القادسية وأخذوا كتبه ~~وقتلوه (6)، فلما بلغ الحسين (عليه السلام) ذلك قال: قد خذلتنا شيعتنا (7)، # PageV02P806 # ثم قال: أيها الناس من أحب [منكم الانصراف] أن ينصرف وليس عليه منا ذمام ~~ولا ملام، فتفرق الناس (1) عنه وأخذوا يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه لا ~~غير الذين خرج بهم من مكة (2) وإنما فعل ذلك لأنه علم من الأعراب أنهم ظنوا ~~أنه يأتي بلدا قد استقامت له وأطاعته أهلها فتسلمها عفوا صفوا من غير حرب ~~ولا قتال، فأراد أن يعرفهم على ما يقدمون عليه (3). # PageV02P807 # ثم إنه سار حتى نزل بطن العقبة (1) فأتاه رجل (2) من مشايخ العرب: فقال: ~~أنشدك الله تعالى إلا ما انصرفت، ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف، وإن ~~هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطأوا لك الأشياء (3) ~~فقدمت على (4) غير حرب كان ذلك رأيا، وأما فعلى هذه الحال التي تذكرها (5) ~~فلا أرى لك ذلك أن تفعل (6) فقال له: # يا عبد الله إنه لا (7) يخفى علي الرأي ما رأيت (8) ولكني صابر ومحتسب ~~إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا. ثم ارتحل (رضي الله عنه) سائرا نحو ~~الكوفة والله المستعان. # PageV02P808 # فصل في ذكر مصرعه ومدة عمره وإمامته (عليه السلام) قال الشيخ كمال الدين ~~بن طلحة: مصرع الحسين (عليه السلام) يسكب المدامع من الأجفان، ويجلب ~~الفجائع ويثير الأحزان، ويلهب النيران الموجدة في أكباد ذوي الإيمان، كيف ~~لا وهم رجال الذرية النبوية بنجيعها مخضوبة، وأبدانها على التراب مسلوبة، ~~ومخدرات حرائرها سبايا منهوبة (1). # وذلك أن الحسين (عليه السلام) سار حتى صار على مرحلتين من الكوفة فوافاه ~~إنسان يقال له الحر بن يزيد الرياحي (2) ومعه ألف فارس (3) من أصحاب [عبيد ~~الله] ابن زياد # PageV02P809 # شاكين ms165 في السلاح (1)، فقال للحسين (عليه السلام): إن الأمير عبيد الله بن ~~زياد أخرجني عينا عليك وقال لي: إن ظفرت به لا تفارقه أو تجيء (2) به، وأنا ~~والله كاره أن يبتليني الله بشيء من أمرك غير أني قد أخذت بيعة القوم (3)، ~~فقال له الحسين (عليه السلام): إني لم # PageV02P811 # أقدم هذا (1) البلد حتى أتتني كتب (2) أهله وقدمت علي رسلهم (3) فطلبوني، ~~وأنتم من أهل الكوفة، فإن دمتم على بيعتكم وقولكم في كتبكم دخلت مصركم وإلا # PageV02P812 # انصرفت من حيث أتيت (1)، فقال له الحر: [أنا] والله لم أعلم بشيء من هذه ~~الكتب # PageV02P813 # ولا بالرسل (1)، وأنا فما يمكنني (2) الرجوع إلى الكوفة في وقتي هذا، ~~وأما أنت فخذ طريقا غير هذا وامض (3) إلى حيث شئت حتى أكتب (4) إلى ابن ~~زياد أن الحسين خالفني الطريق فلم أظفر به (5)، وأنشدك الله في نفسك ومن ~~معك (6). # وسلك (7) الحسين (عليه السلام) طريقا آخر غير الجادة راجعا إلى الحجاز ~~(8) وسار هو # PageV02P814 # وأصحابه طول ليلتهم، فلما أصبحوا فإذا بالحر بن يزيد قد طلع عليهم في ~~جيشه فقال له الحسين (عليه السلام): ما جاء بك يا ابن يزيد؟ قال: وافاني ~~كتاب ابن زياد يؤنبني ويضعفني في أمرك تأنيبا كبيرا ومعي من هو علي عين من ~~جهته وقد سعى بي إليه PageV02P815 # ولا سبيل إلى مفارقتك (1). # فرحل الحسين (عليه السلام) وأهله ونزلوا بكربلاء وذلك يوم الأربعاء (2) ~~الثاني (3) من المحرم سنة إحدى وستين (4) فقال (عليه السلام): هذه كربلاء ~~موضع كرب وبلا، هاهنا (5) مناخ ركابنا # PageV02P816 # ومحط رحالنا ومقتل رجالنا (1) (2). وكتب الحر إلى ابن زياد يعلمه بنزول ~~الحسين (عليه السلام) بأرض كربلاء: فانظر ما ترى في أمره (3). فكتب عبيد ~~الله بن زياد كتابا إلى الحسين (عليه السلام) يقول فيه: أما بعد، فإن يزيد ~~بن معاوية كتب إلي كتابا أن لا تغمض جفنك من المنام # PageV02P817 # ولا تشبع بطنك من الطعام أو يرجع الحسين على حكمي أو تقتله، والسلام (1). # فلما ورد الكتاب على الحسين (عليه السلام) وقرأه ألقاه من يده وقال ~~للرسول: ماله عندي جواب (2). فلما رجع الرسول إلى ابن زياد ms166 وأخبره بذلك ~~اشتد غيظه (3) وجمع الجموع وجند الجنود (4) وجهز إليه العساكر وجعل على ~~مقدمتها عمر بن سعد (5) وكان قد ولاه # PageV02P818 # الري وأعمالها، فاستعفى (1) من الخروج إلى قتال الحسين (عليه السلام) وقد ~~تقدمته العساكر، فقال له ابن زياد: إما أن تخرج إليه أو اخرج عن عملنا من ~~الري (2). فخرج عمر إلى الحسين (عليه السلام) وصار ابن زياد يمده بالجيوش ~~شيئا بعد شيء إلى أن اجتمع عند عمر بن سعد عشرون ألف (3) مقاتل ما بين فارس ~~وراجل، وأول من خرج مع عمر بن سعد # PageV02P819 # الشمر بن ذي الجوشن (1) في أربعة آلاف فارس (2)، ثم زحفت خيل ابن سعد حتى ~~نزلت بشاطئ الفرات وحالوا بين الحسين (عليه السلام) وأصحابه وبين الماء، ~~فعند ذلك ضاق الأمر على الحسين (عليه السلام) وعلى أصحابه واشتد بهم العطش ~~(3). # وكان مع الحسين (عليه السلام) شخص من أهل الزهد والورع يقال له يزيد (4) ~~بن الحصين # PageV02P820 # الهمداني (2) فقال للحسين (عليه السلام): ائذن لي يا بن رسول الله في أن ~~آتي مقدم هؤلاء عمر بن سعد فأكلمه في الماء لعله أن، يرتدع فأذن له وقال: ~~ذلك إليك إذا شئت. # فجاء الهمداني إلى عمر بن سعد فكلمه في الماء فامتنع منه فلم يجبه إلى ~~ذلك فقال له: هذا ماء الفرات تشرب منه الكلاب والدواب (3) وغير ذلك وتمنعه ~~الحسين (عليه السلام) ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإخوته ~~ونساءه وأهل بيته والعترة الطاهرة يموتون عطشا وقد حلت بينهم وبين الماء ~~وأنت تزعم أنك تعرف الله ورسوله (4). فأطرق عمر بن سعد ثم قال: يا أخا ~~همدان إني لأعلم حقيقة ما تقول، وأنشد يقول (1): # PageV02P821 # دعاني عبيد الله من دون قومه * إلى خصلة فيها خرجت لحيني فوالله ما أدري ~~وأني لواقف * على خطر لا أرتضيه ومين أآخذ (2) ملك الري والري منيتي (3) * ~~وأرجع (4) مطلوبا (5) بدم (6) حسين وفي قتله النار التي ليس دونها * حجاب ~~وملك الري قرة عيني ثم قال يا أخا همدان ما تجيبني نفسي إلى ترك الري لغيري ~~فرجع يزيد بن الحصين الهمداني إلى الحسين ms167 (عليه السلام) وأخبره بمقالة ابن ~~سعد، فلما عرف الحسين ذلك منهم تيقن أن القوم مقاتلوه، فأمر أصحابه ~~فاحتفروا حفيرة شبيهة بالخندق (7) # PageV02P822 # وجعلوا له جهة واحدة يكون القتال منها، وأحدق (1) عسكر ابن سعد بالحسين ~~(عليه السلام) وأصحابه وصفوا لهم وأرشقوهم بالسهام والنبال واشتد عليهم ~~القتال ولم يزالوا (2) يقتلوا من أهل الحسين (عليه السلام) واحدا بعد واحد ~~حتى أتوا على ما ينيف على (3) خمسين (4) منهم، فعند ذلك صاح الحسين (عليه ~~السلام): أما من ذاب يذب عن حريم # PageV02P823 # رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1)؟ وإذا بالحر بن يزيد الرياحي الذي ~~تقدم ذكره الذي كان خرج إلى # PageV02P825 # الحسين أولا من جهة ابن زياد قد خرج من عسكر عمر بن سعد راكبا على فرسه ~~وقال: يا بن رسول الله أنا كنت أول من خرج عليك عينا ولم أظن أن الأمر يصل ~~إلى هذه الحال، وأنا الآن من حزبك وأنصارك أقاتل بين يديك حتى أقتل أرجو ~~بذلك شفاعة جدك، ثم قاتل بين يديه حتى قتل (1). # فلما فنى جميع أصحاب الحسين (عليه السلام) وقتلوا جميعهم عن آخرهم إخوته ~~وبنو # PageV02P826 # عمه وبقي وحده بمفرده حمل عليهم حملة منكرة قتل فيها كثيرا من الرجال ~~والأبطال ورجع سالما إلى موقعه (1) عند الحريم. # ثم حمل عليهم حملة أخرى وأراد الكر راجعا إلى موقعه فحال الشمر بن ذي ~~الجوشن لعنه الله بينه وبين الحريم (2) والمرجع إليهم في جماعة من أبطالهم ~~وشجعانهم وأحدقوا به، ثم جماعة منهم تبادروا إلى الحريم والأطفال يريدون ~~سلبهم فصاح الحسين (عليه السلام): ويحكم يا شيعة الشيطان كفوا سفهاءكم عن ~~التعرض للنساء والأطفال فإنهم لم يقاتلوا، فقال الشمر لعنه الله: كفوا عنهم ~~واقصدوا الرجل بنفسه (3). فلم يزل يقتتل هو وهم إلى أن أكثروه وأثخنوه ~~جروحا فسقط إلى الأرض من على فرسه فنزلوا وجزوا رأسه، وقيل الذي قتله سنان ~~بن أنس النخعي لعنه الله تعالى، وقيل الشمر بن ذي الجوشن (4). # PageV02P827 # وأرسل عمر بن سعد خذله الله بالرأس إلى ابن زياد مع سنان بن أنس النخعي ~~(1) قاتل الحسين (عليه السلام) فلما ms168 وضع الرأس بين يدي عبيد الله بن زياد ~~أنشد يقول (2): # PageV02P828 # إملأ ركابي فضة وذهبا * إني قتلت السيد المحجبا قتلت خير الناس أما وأبا ~~* وخيرهم إذ يذكرون النسبا PageV02P829 # فغضب عبيد الله بن زياد لعنه الله من قوله وقال له: فإذا علمت ذلك (1) ~~فلم قتلته؟ # والله لا نلت مني خيرا ولألحقنك به ثم قدمه وضرب عنقه (2). # ثم إن القوم ساقوا الحريم والأطفال كما تساق الأسارى حتى أتوا (3) الكوفة ~~فخرج الناس فجعلوا ينظرون إليهم يبكون وكان علي بن الحسين زين العابدين ~~(رضي الله عنه) معهم [مغلول مكبل بالحديد] قد أنهك جسمه المرض فجعل يقول: ~~ألا إن هؤلاء يبكون ويتوجعون من أجلنا فمن قتلنا إذا؟ (4). # فلما (5) دخلوا على عبيد الله بن زياد أرسل بهم ابن زياد وبرأس الحسين ~~(عليه السلام) صحبتهم # PageV02P830 # إلى الشام إلى يزيد بن معاوية مع شخص يقال له زجر بن القيس (1) ومعه ~~جماعة هو مقدمهم، وأرسل بالنساء والصبيان على قتاب المطايا ومعهم علي بن ~~الحسين (عليه السلام) وقد جعل ابن زياد الغل في يديه وفي عنقه (2) ولم ~~يزالوا سائرين بهم على تلك الحالة إلى أن وصلوا الشام فتقدم زجر بن قيس ~~فدخل على يزيد فقال له: هات ما وراك (3)، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح ~~الله [عليك] ونصره فإنه ورد علينا الحسين في ثمانية عشر (4) من أهل بيته ~~وستين من شيعته فسرنا إليهم وسألناهم أن يستسلموا (5) # PageV02P831 # على حكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال، فاختاروا القتال [على ~~الاستسلام] فعدونا عليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية حتى أخذت ~~السيوف مأخذها من هام القوم وجعلوا يهربون إلى غير وزر ويلوذون بالآكام ~~والحفر لواذا كما يلوذ الحمام (1) من عقاب أو صقر، فوالله ما كان إلا جزر ~~جزور أو نومة قائل حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم [أجسامهم بالعراء] ~~مجردة وثيابهم بالدماء مرملة (2) وخدودهم في التراب (3) معفرة، تصهرهم ~~الشمس وتسفى عليهم الريح وزوارهم (4) العقبان، والرخم بقي في سبسب من الأرض ~~(5). # PageV02P832 # قال: فدمعت عينا يزيد وقال: قد كنت أرضى من طاعتكم بدون ms169 قتل الحسين (1)، # PageV02P833 # لعن (1) الله ابن سمية (2) أنا والله لو كنت [أني] صاحبه لما سألني خصلة ~~إلا أعطيته إياها لعفوت عنه [ف‍] رحم الله الحسين (3). وأخرجه من عنده ولم ~~يصله بشيء. ثم إنهم دخلوا بالرأس ووضعوه بين يدي يزيد وكان بيده قضيب فجعل ~~ينكت في ثغره (4) ثم قال: ما أنا وهذا إلا كما قال الحصين: # أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت * قواضب في ايماننا تقطر الدما يفلقن هاما ~~من رجال أعزة * علينا وهم كانوا أعق وأظلما (5) فقال له أبو بردة السلمي ~~(6) وكان حاضرا: أتنكت بقضيبك ثغر الحسين (عليه السلام) [أشهد] # PageV02P834 # أما إنه لقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يرشف ثناياه وثنايا ~~أخيه الحسن (عليه السلام)، لقد رضيت يا يزيد ان يجيء عبيد الله بن زياد ~~شفيعك يوم القيامة ويجيء هذا ومحمد (صلى الله عليه وآله) شفيعه (١)، ثم قام ~~من المجلس فقال يزيد: والله لو أنى صاحبه ما قتلته (٢)، ثم قال: أما تدرون ~~من أين أتى هذا أما إنه يقول أبي علي خير من أبيه وأمي فاطمة خير من أمه ~~وجدى رسول الله خير من جده وأنا خير منه وأحق بالأمر منه، فأما قوله أبوه ~~خير من أبي فقد تحاج أبوه وأبي إلى الله تعالى وعلم الناس أيهما حكم له، ~~وأما قوله أمي خير من أمه فلعمري فاطمة بنت رسول الله خير من أمي، وأما ~~قوله جدي رسول الله خير من جده فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى ~~لرسول الله فينا عديلا ولا ندا ولكنه أتى وأنى هذا من فقهه ولم يقرأ تعالى ~~﴿قل اللهم ملك الملك تؤتى الملك من ~~تشآء وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء﴾ (3). # PageV02P835 # ثم إنه أدخل نساء الحسين والرأس بين يديه فجعلت (1) فاطمة وسكينة ~~تتطاولان (2) لتنظرا (3) إلى الرأس (4) وجعل يزيد يستره عنهما، فلما رأينه ~~صرخن وأعلن بالبكاء فبكت لبكائهن نساء يزيد وبنات معاوية فولولن وأعلن (5)، ~~فقالت فاطمة وكانت أكبر من سكينة (رضى الله عنهما): أبنات ms170 رسول الله سبايا ~~يا يزيد يسرك هذا، فقال: والله ما سرني وأني لهذا لكاره وما أنا عليكن أعظم ~~مما أخذ منكن، قال: أدخلوهن إلى الحريم، فلما دخلن على حرمه فلم تبق امرأة ~~من آل يزيد إلا أتتهن وأظهرن التوجع والحزن على ما أصابهن وعلى ما نزل بهن ~~وأضعفن لهن جمع ما أخذ منهن من الحلي والثياب بزيادة (6) فكانت سكينة تقول: ~~ما رأيت كافرا بالله خيرا من يزيد (7). # PageV02P836 # ثم أمر بعلي بن الحسين (عليه السلام) فأدخل عليه مغلولا (١) فقال علي: يا ~~يزيد لو رآنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) مغلولين لفكه عنا، قال: صدقت ~~وأمر بفكه عنه، فقال: ولو رآنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) على بعد ~~لأحب أن يقربنا، فأمر به فقرب منه (٢). # ثم قال له يزيد: ايه يا علي بن الحسين إن أباك (٣) الذي قطع رحمي وجهل ~~حقي ونازعني سلطاني فنزل به ما رأيت، فقال علي (عليه السلام): ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في ~~أنفسكم إلا في كتب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا ~~على ما فاتكم ولا تفرحوا بما ءاتاكم والله لا يحب كل مختال فخور﴾ (٤) ~~فقال يزيد: ﴿وما أصابكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم﴾ (5) فقال علي (عليه السلام): هذا في حق من ظلم لا في ~~من ظلم (6). # PageV02P837 # ثم إن يزيد أمر بإنزال علي بن الحسين (عليه السلام) وإنزال حرمه في دار ~~تخصهم بمفردهم وأجرى عليهم كلما يحتاجون إليه وكان لا يتغدى ولا يتعشى حتى ~~يحضر علي بن الحسين (عليه السلام)، فدعاه ذات يوم ومعه عمر بن الحسين وهو ~~صبي صغير فقال يزيد لعمر: # تقاتل خالدا يعنى خالد بن يزيد وكان في سنه، فقال: أعطني سكينا واعطه ~~سكينا حتى أقاتله، فضمه يزيد إليه وقال: # شنشنة أعرفها من أخزم * وهل تلد الحية إلا حية (1) ثم إن يزيد بعد ذلك ~~أمر النعمان بن بشير (2) أن يجهزهم بما يصلحهم إلى المدينة الشريفة ms171 وسير ~~معهم رجلا أمينا من أهل الشام في خيل سيرها في صحبتهم وودع يزيد علي بن ~~الحسين وقال له: لعن الله ابن مرجانة لو كنت حاضرا الحسين ما سألني خصلة ~~أبدا إلا كنت أعطيه إياها، ولدفعت عنه الحتف بكل ما استطعت، ولكن قضاء الله ~~غالب، يا علي كاتبني بأي حاجة كانت لك أقضيها إن شاء الله تعالى. وأوصى بهم ~~الرسول الذي سيره صحبهم. # وكان يسايرهم هو وخيله التي معه فيكون الحريم قدام بحيث إنهم لا يفوتونه ~~[طرفة] وإذا نزلوا تنحى عنهم [وتفرق] ناحية هو وأصحابه وكان حولهم كهيئة # PageV02P838 # الحرس [لهم] وكان يسألهم عن حالهم ويتلطف بهم في جميع أمورهم ولا يشق ~~عليهم في مسيرهم إلى أن دخلوا المدينة. فقالت فاطمة بنت الحسين لأختها ~~[زينب]: قد أحسن هذا الرجل إلينا فهل لك أن تصليه بشيء؟ فقالت: والله ما ~~معنا شيء نصله به إلا ما كان من هذا الحلي قالت: [فأخذت سواري ودملجي وأخذت ~~أختي سوارها ودملجها] فافعلي فأخرجت له سوارين ودملجين وبعثتا بهما إليه ~~فردهما وقال: لو كان ما صنعت رغبة لكان في هذا مقتنع بزيادة كثيرة، ولكني ~~ما فعلته إلا لله تعالى ولقرابتكم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1). # وكان من جملة من كان معهم أم سكينة بنت الحسين (عليه السلام) وهي الرباب ~~بنت امرء القيس (2) فلما وصلت إلى المدينة وأقامت قليلا وخطبها الأشراف من ~~قريش فقالت: # PageV02P839 # ما كنت لآخذ حموا (1) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا زوجا بعد ~~الحسين (عليه السلام). وبقيت بعده سنة لم يظللها سقف إلى أن ماتت (رض) (2). # ولما بلغ أهل المدينة قتل الحسين (عليه السلام) خرجت ابنة عقيل بن أبي ~~طالب في نساء من بني هاشم خرجن معها وهي حاسرة تلوي ثوبها (3) وتقول: # PageV02P840 # ماذا تقولون إن (1) قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم بعترتي ~~وبأهلي (2) بعد مفتقدي * منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ ~~(3) نصحت لكم * أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي وحكى الشيخ نصر الله بن يحيى ms172 ~~(4) في مشارف الصاغة (5) وكان من الثقات الحبرين (6) قال: رأيت علي بن أبي ~~طالب (عليه السلام) فقلت: يا أمير المؤمنين تقولون يوم # PageV02P841 # فتح مكة: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم يتم ولدك الحسين يوم كربلاء ~~منهم مأتم! فقال لي (عليه السلام): أما سمعت أبيات ابن الصيفي التميمي في ~~هذا المعنى؟ فقلت: لا، فقال: اذهب إليه واسمعها، فاستيقظت من نومي مفكرا، ~~ثم إني ذهبت إلى دار ابن الصيفي - وهو الحيص بيص (1) الشاعر الملقب بشهاب ~~الدين - فطرقت عليه الباب فخرج علي فقصصت عليه الرؤيا فأجهش بالبكاء وحلف ~~بالله إن كان سمعها مني أحد وإن أكن نظمتها إلا في ليلتي هذه، ثم أنشد (2): # ملكنا فكان العفو منا سجية * فلما ملكتم سال بالدم أبطح وحللتم قتل ~~الأسارى وطالما * غدونا على الأسرى نعفو ونصفح وحسبكم هذا التفاوت بيننا * ~~وكل إناء بالذي فيه ينضح ومكث الناس بعد قتل الحسين (عليه السلام) شهرين أو ~~ثلاثة كأنما لطخ الحائط بالدماء ساعة ما تطلع الشمس (3). # ذكر من قتل من أصحاب الحسين (عليه السلام) ومن أهل بيته ومواليه أما ~~الحسين (عليه السلام) قتله سنان بن أنس النخعي (4). وقتل معه العباس بن علي ~~(عليه السلام) (5)، # PageV02P842 # وأم العباس أم البنين بنت حازم، قتله زيد بن ورقاء (1) الجهني. وقتل جعفر ~~بن علي (عليه السلام) (2) وأمه أم البنين أيضا، رماه خولى بن يزيد بسهم ~~فقتله. وقتل محمد بن # PageV02P843 # علي (عليه السلام) (1) وأمه أم ولد قتله رجل من بني دارم. وقتل أبو بكر ~~بن علي (2) وأمه ليلى بنت مسعود الدارمية. وقتل علي بن الحسين الأكبر (3)، ~~وأمه ليلى بنت مرة بن عروة # PageV02P844 # الثقفي وأمهما ميمونة بنت سفيان بن حرب، قتله منقذ بن النعمان العبدي. ~~وقتل عبد الله بن الحسين بن علي (1) وأمه الرباب بنت امرء القيس الكلبي، ~~قتله هاني بن شبيب الحضرمي. وقتل أبو بكر بن الحسن (2)، وأمه أم ولد، قتله ~~حرملة بن الكاهل # PageV02P845 # رماه بسهم. وقتل عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (1)، وأمه جمانة ~~بنت المسيب، قتله عبد الله بن قطنة ms173 الطائي. وقتل محمد بن عبد الله بن جعفر ~~(2) أخوه، وأمه الخوصاء (3) بنت حفصة من تيم الله بن تغلبة، قتله عامر بن ~~نهشل التميمي (4). # PageV02P846 # وقتل جعفر بن عقيل بن أبي طالب (1) وأمه أم البنين، قتله بشر بن خوط ~~الهمداني. وقتل عبد الرحمن بن عقيل، وأمه أم ولد، قتله عثمان بن خالد ~~الجهني. وقتل عبد الله بن عقيل (2)، وأمه أم ولد، رماه عمر (3) ابن صبيح ~~الصدائي (4) بسهم فقتله. وقتل مسلم بن عقيل (5) بالكوفة، وأمه أم ولد. وقتل ~~عبد الله بن مسلم بن عقيل (6)، وأمه رقية بنت علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام)، قتله عمر بن صبيح الصدائي (7). وقتل محمد بن أبي سعيد بن عقيل ~~(8)، وأمه أم ولد، قتله لقيت (9) بن ياسر الجهني. # PageV02P847 # واستصغر الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) (1) فترك، وأمه ~~أم ولد خولة بنت منظور بن ريان، وقيل استصغر عمر بن الحسن (2) فترك، وأمه ~~أم ولد، وأراد الشمر لعنه الله قتل علي بن الحسين زين العابدين (عليه ~~السلام) (3) وكانت العلة قد أنهكته والأوجاع فقالوا له: أتقتل صغيرا معللا ~~فتركه. # وقتل من الموالي سليمان (4) مولى الحسين (عليه السلام)، قتله ابن عوف ~~الحضرمي (5)، وقتل عبد الله بن يقطر (6) بالقادسية. وقتل عبد الله (7) رضيع ~~الحسين (عليه السلام). # PageV02P848 # وكانت عدة رؤوس القتلى التي حملت إلى عبيد الله بن زياد لعنه الله مع ~~صحبة رأس الحسين (عليه السلام) سبعين (1) رأسا، وذلك أن كندة جاءت بثلاثة ~~عشر (2) رأسا مع مقدمهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأسا (3)، وجاءت ~~أخلاط من العسكر بستة رؤوس (4) وكان اليوم الذي قتل فيه الحسين (عليه ~~السلام) يوم الجمعة (5) عاشر # PageV02P849 # محرم سنة إحدى وستين من الهجرة، ودفن بالطف بأرض كربلاء من العراق ومشهده ~~(رضي الله عنه) بها معروف يزار من جميع الآفاق والجهات، وهذه الوقائع شيئا ~~منها ذكره ابن أعثم صاحب كتاب الفتوح، وشيئا ذكره ابن الأثير، وشيئا ذكره ~~صاحب تاريخ البديع، وشيئا من المعارف لابن قتيبة، ذكرته مختصرا من كلامهم ~~والعهدة في جميع ما نقلته من ذلك عليهم. ms174 # انتقل الحسين بن علي بالوفاة إلى دار الآخرة وعمره ست وخمسون سنة وبعض ~~أشهر (1) كان مع جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ذلك ست سنين وشهر ~~(2) ومع أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد وفاة رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثين سنة (3) ومع أخيه الحسن بعد وفاة أبيه ~~عشر سنين (4) وبعد وفاة أخيه إلى مقتله عشر سنين (5)، رضي الله عنهم ~~أجمعين. # PageV02P850 # فصل في ذكر أولاده الكرام عليه وعليهم أفضل السلام قال الشيخ كمال الدين ~~بن طلحة: كان للحسين (عليه السلام) من الأولاد ذكورا وإناثا عشرة، ستة ذكور ~~وأربع إناث. فالذكور: علي الأكبر، وعلي الأوسط وهو زين العابدين، وعلي ~~الأصغر، ومحمد، وعبد الله، وجعفر. فأما علي الأكبر فإنه قاتل بين يدي أبيه ~~حتى قتل شهيدا بالطف. وأما علي الأصغر فجاءه سهم وهو طفل بكربلاء فقتله، ~~وقيل إن عبد الله قتل مع أبيه شهيدا. وجعفر مات في حياة أبيه (عليه ~~السلام). وأما البنات: فزينب، وسكينة، وفاطمة، هذا هو القول المشهور (1). # وقال صاحب الإرشاد: أولاد الحسين بن علي (عليه السلام) ستة: علي بن ~~الحسين الأصغر (2) كنيته أبو محمد ولقبه زين العابدين أمه شاه زنان (3) بنت ~~كسرى أنوشروان # PageV02P851 # ملك الفرس، وعلي بن الحسين الأكبر (1) قتل مع أبيه بالطف وأمه ليلى بنت ~~أبي مرة بن عروة (2) بن مسعود الحنفية (3)، وجعفر بن الحسين وأمه قضاعية ~~مات في حياة أبيه ولا نسل له، وعبد الله بن الحسين قتل مع أبيه صغيرا جاءه ~~سهم وهو بكربلاء فذبحه (4). وسكينة بنت الحسين أمها الرباب بنت امرء القيس ~~بن عدي كلبية، وهي أيضا أم عبد الله بن الحسين، وفاطمة بنت الحسين أمها أم ~~إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله تيمية (5) انتهى والذكر المخلد والثناء المنضد ~~مخصوص من بين بنيه بعلي زين العابدين دون سائرهم وهو الذي أعقب (عليه ~~السلام). # PageV02P852 # الفصل الرابع في ذكر علي بن الحسين (عليهما السلام) زين العابدين وهو ~~الإمام الرابع (1) من (2) الكرامات الظاهرة ما شوهد بالأعين الناظرة وثبت ~~بالآثار المتواترة، ولد # PageV02P853 # علي ms175 بن الحسين (عليهما السلام) بالمدينة (1) نهار الخميس الخامس من شعبان ~~المكرم في # PageV02P854 # سنة ثمان وثلاثين (1) من الهجرة في أيام جده علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام) قبل وفاته بسنتين (2). # نسبه (عليه السلام): هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ~~وقد تقدم بسط ذلك. # كنيته (عليه السلام): المشهورة أبو الحسن، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو بكر ~~(3). # وأما لقبه (عليه السلام) فله ألقاب كثيرة كلها تطلق عليه أشهرها زين ~~العابدين (عليه السلام) (4) # PageV02P855 # وسيد الساجدين (عليه السلام) (1) والزكي (2) والأمين (3) وذو الثفنات ~~(4). # وصفته (عليه السلام): أسمر قصير رقيق (5). شاعره: الفرزدق (6) وكثير عزة ~~(7). # PageV02P856 # بابه (1) (عليه السلام): أبو جيله (2). نقش خاتمه (عليه السلام) " وما ~~توفيقي إلا بالله " (3). ومعاصره: مروان وعبد الملك والوليد ابنه (4). # أما مناقبه (عليه السلام) فكثيرة ومزاياه شهيرة: # منها: أنه كان إذا توضأ للصلاة يصفر لونه، فقيل له: ما هذا [الذي] نراه ~~يغشاك (5) عند الوضوء؟ فيقول: ما تدرون (6) بين يدي من أريد أن أقوم (7)؟ # وعن أبي حمزة الثمالي (8) قال: كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يصلي ~~في اليوم والليلة # PageV02P857 # ألف ركعة (1). # وعن طاووس (2) قال: دخلت الحجر في الليل فإذا علي بن الحسين (عليهما ~~السلام) قد دخل فقام يصلي فصلى ما شاء الله (3) تعالى ثم سجد سجدة فأطال ~~فيها، فقلت: رجل صالح من [أهل] بيت النبوة (4) لأصغين إليه فسمعته يقول: ~~عبيدك (5) بفنائك، مسكينك بفنائك، سائلك بفنائك، فقيرك بفنائك. قال طاووس: ~~فوالله ما صليت ودعوت فيهن في كرب إلا فرج عني (6). # PageV02P858 # ومنها: ما نقله سفيان (1) قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين (عليهما ~~السلام) فقال له: إن فلانا قد وقع فيك وآذاك بحضوري، فقال له: انطلق (2) ~~بنا إليه، فانطلق معه الرجل وهو يرى أنه يستنصر (3) لنفسه، فلما أتاه قال ~~له: يا هذا إن كان ما قلت في حقنا فأنا أسأل الله تعالى أن يغفره لي، وإن ~~كان ما قلت في باطلا فإن الله تعالى يغفره لك، ثم ولى عنه (4). # ومن كلامه (عليه السلام): ضل من ليس له حكيم يرشده، وذل من ليس ms176 له سفيه ~~يعضده (5). # وقال (عليه السلام): أربع فيهن الذل (6): البنت ولو مريم، والدين ولو ~~درهم، والغربة ولو ليلة، والسؤال ولو كيف الطريق (7). # وقال (عليه السلام): عجبت لمن يحتمي من الطعام لمضرته كيف لا يحتمي من ~~الذنب # PageV02P859 # لمعرته (1). # وقال (عليه السلام): إياك والابتهاج بالذنب فإن الابتهاج به أعظم من ~~ركوبه (2). # وقال (عليه السلام): من ضحك ضحكة مج من عقله مجة علم (3). # وقال (عليه السلام): إن الجسد إذا لم يمرض (4) أشر ولا خير في جسد يأشر ~~(5). # وقال (عليه السلام): فقد الأحبة غربة (6). # وقال (عليه السلام): من قنع بما قسم الله له فهو من أغنى الناس (7). # وعنه (عليه السلام) يرفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) قال: انتظار ~~الفرج عبادة (8). # ومن رضي بالقليل من الرزق رضي الله منه القليل (9) من العمل (10). # وكان (عليه السلام) يتصدق سرا ويقول: صدقة السر تطفئ غضب الرب (11). # وقال ابن عائشة: سمعت أهل المدينة يقولون ما فقدنا صدقة السر حتى مات # PageV02P860 # علي بن الحسين (عليه السلام) (1). # وقال محمد بن إسحاق: كان أناس من أهل المدينة يعيشون ولا يدرون من أين ~~معاشهم ومأكلهم، فلما مات علي بن الحسين (عليه السلام) فقدوا ما كانوا ~~يؤتون به ليلا إلى منازلهم (2). # وقال سفيان: أراد علي [السفر إلى الحج وقد صنعت له في إحدى سفراته أخته ~~سكينة زادا نفيسا أنفقت عليه ألف] (3) درهم فلحقوه بها [إلا أنه (4) لما ~~كان] (5) بظهر الحرة أمر بتوزيعه على الفقراء والمساكين فوزع عليهم (6). # وعن إبراهيم بن علي عن أبيه قال: حججت مع علي بن الحسين فالتأثت عليه (7) ~~ناقته فأشار إليها بالقضيب ثم رد يده وقال: آه من القصاص، وتلكأت ناقته ~~عليه مرة أخرى بين جبال رضوى فأناخها وأراها القضيب وقال: لتنطلقين أو ~~لأفعلن، ثم ركبها فانطلقت ولم تتلكأ بعدها أبدا (8). # PageV02P861 # وجلس إلى سعيد بن المسيب فتى من قريش فطلع علي بن الحسين (عليه السلام) ~~فقال القرشي لابن المسيب: من هذا يا أبا محمد فقال هذا سيد العابدين علي بن ~~الحسين (1). # فكان الزهري يقول: لم أر هاشميا أفضل من علي ms177 بن الحسين (عليهما السلام) ~~(2). # وقال أبو حمزة الثمالي: أتيت باب علي بن الحسين (عليهما السلام) فكرهت أن ~~أنادي (3) فقعدت على الباب إلى أن (4) خرج فسلمت عليه ودعوت له فرد علي ~~السلام ودعا لي، ثم إنتهى بي إلى حائط [له] فقال: يا أبا حمزة ألا ترى هذا ~~الحائط؟ فقلت: بلى يا بن رسول الله (5)، قال: فإني متكئ (6) عليه يوما وأنا ~~حزين مفكر إذ (7) دخل علي رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الرائحة فنظر (8) ~~في اتجاه وجهي ثم قال لي: يا # PageV02P862 # علي بن الحسين مالي أراك كئيبا حزينا؟! أعلى الدنيا؟ فهو رزق حاضر يأكل ~~منه (1) البر والفاجر، فقلت: ما عليها أحزن وأنها كما تقول، فقال: على ~~الآخرة؟ فهو (2) وعد صدق يحكم فيه ملك قاهر، فقلت: ما على هذا أحزن وأنها ~~(3) كما تقول، فقال: # فعلام حزنك؟ قلت: الخوف من فتنة ابن الزبير. قال: فضحك ثم قال (4): يا ~~علي هل رأيت أحدا سأل الله تعالى فلم يعطه؟ [قلت: لا، قال: وهل رأيت أحدا ~~خاف الله فلم ينجه؟] (5) قلت: لا، ثم نظرت فإذا ليس قدامي أحد فتعجبت من ~~ذلك، فإذا [ب‍] قائل أسمع صوته ولا أرى شخصه يقول: يا علي بن الحسين هذا ~~الخضر ناجاك (6). # وعن أبي عبد الله الزاهد قال: لما ولى عبد الملك بن مروان الخلافة كتب ~~إلى الحجاج بن يوسف الثقفي: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الملك بن مروان ~~أمير المؤمنين إلى الحجاج بن يوسف. أما بعد، فانظر دماء بني عبد المطلب ~~فاجتنبها فإني رأيت آل أبي سفيان لما ولغوا (7) فيها لم يلبثوا إلا قليلا، ~~والسلام. قال وبعث بالكتاب سرا إلى الحجاج وقال له: اكتم ذلك. فكوشف بذلك ~~علي بن الحسين (عليهما السلام) حين الكتابة إلى الحجاج وأن الله تعالى قد ~~شكر ذلك لعبد الملك، فكتب علي بن الحسين من فوره: بسم الله الرحمن الرحيم، ~~إلى عبد الملك بن مروان من علي بن # PageV02P863 # الحسين. أما بعد، فإنك كتبت في يوم كذا من شهر كذا إلى الحجاج سرا في ~~حقنا بني عبد ms178 المطلب بما هو كيت وكيت وقد شكر الله لك ذلك. ثم طوى الكتاب ~~وختمه وأرسل به مع غلام له من يومه على ناقة له إلى عبد الملك بن مروان ~~وذلك من المدينة الشريفة إلى الشام، فلما قدم الغلام على عبد الملك أوصله ~~الكتاب، فلما نظره وتأمل فيه فوجد فيه تاريخه موافقا لتاريخ كتابه الذي ~~كتبه إلى الحجاج في اليوم والساعة فعرف صدق علي بن الحسين وصلاحه ودينه ~~ومكاشفته له، فسر بذلك وبعث له مع غلامه بوقر راحلته دراهم وكسوة فاخرة ~~وسيره إليه من يومه وسأله أن لا يخليه من صالح دعائه (١). # وقدم على علي بن الحسين (عليه السلام) نفر من أهل العراق فقالوا في أبي ~~بكر وعمر وعثمان ما قالوا، فلما فرغوا من كلامهم قال لهم علي بن الحسين ~~(عليه السلام): # ألا تخبروني من أنتم؟ أنتم ﴿المهجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا ~~من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله و أولئك هم الصادقون﴾ (٢) قالوا: ~~لا، قال: فأنتم ﴿والذين تبوءو الدار ~~والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ أوتوا ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ (3) فقالوا: # لا، فقال: أما أنتم فقد تبرأتم أن تكونوا من هذين الفريقين، وأنا أشهد ~~أنكم لستم من الذين قال الله في حقهم (والذين جآءو منم بعدهم يقولون ربنا ~~اغفر # PageV02P864 # لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ~~ءامنوا) (1) اخرجوا عني فعل الله بكم وصنع (2). # وعن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين قال: أوصاني أبي وقال: يا بني لا ~~تصحب خمسة ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق، فقلت: جعلت فداك ومن هؤلاء ~~الخمسة؟ قال: لا تصحبن فاسقا، يبيعك بأكلة فما دونها، فقلت: وما دونها؟ (3) ~~قال: يطمع فيها ثم لا ينالها. قلت: ومن الثاني؟ قال: البخيل، فإنه يقطع بك ~~أحوج ما يكون إليك. قلت: ومن الثالث؟ قال: الكذاب، فإنه بمنزلة السراب يبعد ~~منك القريب ويقرب إليك ms179 البعيد. قلت: ومن الرابع؟ قال: الأحمق، فإنه يريد أن ~~ينفعك فيضرك. قلت: ومن الخامس؟ قال: قاطع الرحم، فإني وجدته (4) ملعونا في ~~ثلاثة مواضع من كتاب الله تعالى (5). # PageV02P865 # وعن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: إذا كان يوم ~~القيامة نادى مناد: ليقم أهل الفضل، فيقوم أناس من الناس (1) فيقال [لهم]: ~~انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فيقولون (2) لهم إلى أين؟ فيقولون ~~لهم إلى الجنة، قالوا: قبل الحساب؟ قالوا: نعم، قالوا: ومن أنتم؟ قالوا: ~~نحن أهل الفضل، قالوا: # وما كان فضلكم؟ قالوا: كنا إذا جهل علينا حلمنا وإذ أسيء إلينا غفرنا، ~~قالوا: # ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين (3). ثم ينادي مناد أيضا: ليقم أهل ~~الصبر، فيقوم أناس (4) من الناس فيقال لهم: انطلقوا إلى (5) الجنة، ~~فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم مثل ذلك فيقولون: نحن أهل الصبر، فيقال لهم: ~~وما صبركم؟ فيقولون: صبرنا أنفسنا على طاعة الله وصبرنا أنفسنا عن معصية ~~الله، فيقولون لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين (6). ثم ينادي [مناد]: ~~ليقم جيران الله في داره، فيقوم أناس من الناس وهم قليل فيقال لهم: انطلقوا ~~إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فتقول لهم مثل ذلك وبماذا جاورتم الله في ~~داره؟ فيقولون: كنا نتحاب (7) في الله ونتزاور في الله، قالوا: ادخلوا ~~الجنة فنعم أجر العاملين (8). # وقال أبو سعيد منصور بن الحسن الآبي في كتاب نثر الدر: نظر علي بن # PageV02P866 # الحسين (عليه السلام) سائلا يسأل وهو يبكي فقال: لو أن الدنيا كانت في كف ~~هذا ثم سقطت منه ما كان ينبغي له أن يبكي عليها (1). # وعن محمد بن حرب (2) قال: أوصى علي بن الحسين (عليه السلام) ولده أبا ~~جعفر محمد فقال: يا بني اصبر للنوائب (3) ولا تتعرض للحقوق (4) ولا تعط ~~نفسك ما ضره عليك أكثر من نفعه عليك (5). # وقال أبو حمزة الثمالي: كان علي بن الحسين (عليه السلام) يقول لأولاده: ~~يا بني، إذا أصابتكم مصيبة من مصائب الدنيا أو نزلت (6) بكم فاقة أو أمر ~~فادح فليتوضأ الرجل منكم وضوء للصلاة وليصل أربع ركعات أو ركعتين، فإذا ms180 فرغ ~~من صلاته فليقل: يا موضع كل شكوى، يا سامع كل نجوى، يا شافي كل بلوى (7)، ~~ويا عالم كل خفية، ويا كاشف ما يشاء من كل بلية، ويا منجي موسى، ويا مصطفي ~~محمد، ويا متخذا إبراهيم خليلا، أدعوك دعاء من اشتدت فاقته وضعفت قوته وقلت ~~حيلته دعاء الغريق الغريب الفقير الذي لا يجد لكشف ما هو فيه إلا أنت يا ~~أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (8). قال علي بن ~~الحسين (عليه السلام) لا يدعو أحد # PageV02P867 # بهذا الدعاء أصابه بلاء إلا فرج الله عنه (1). # ومن دعائه (عليه السلام): اللهم كما أسأت وأحسنت إلي فإن عدت فعد علي ~~(2). # ويروى أن علي بن الحسين (عليه السلام) اعتل فدخل عليه جماعة من أصحاب ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعودونه فقالوا: كيف أصبحت يا بن رسول الله ~~فدتك أنفسنا؟ قال: في عافية والله المحمود على ذلك، كيف أصبحتم أنتم جميعا؟ ~~قالوا: كيف أصبحنا لك والله يا بن رسول الله محبين وادين، فقال: من أحبنا ~~لله أدخله الله ظلا ظليلا يوم لا ظل إلا ظله، ومن أحبنا يريد مكافأتنا (3) ~~كافأه الله عنا الجنة، ومن أحبنا لغرض دنياه آتاه الله رزقه من حيث لا ~~يحتسب (4). # وحكي أنه لما حج هشام بن عبد الملك (5) في حياة أبيه دخل إلى الطواف وجهد ~~أن يستلم (6) الحجر الأسود فلم يصل إليه لكثرة زحام الناس عليه، فنصب إليه ~~منبر إلى جانب زمزم في الحطيم وجلس عليه وحوله جماعة من أهل الشام، فبينما ~~هم كذلك إذ أقبل علي بن الحسين (عليه السلام) يريد الطواف، فلما إنتهى إلى ~~الحجر الأسود تنحى الناس عنه حتى استلم (7) الحجر فقال رجل من أهل الشام: ~~من هذا الذي قد هابه الناس هذه المهابة فتنحوا عنه يمينا وشمالا؟ فقال ~~هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشام، وكان الفرزدق حاضرا، فقال ~~للشامي: أنا أعرفه، فقال الشامي: من هو يا أبا فراس؟ فقال: # PageV02P868 # هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ms181 ابن خير ~~عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم إذا رأته قريش قال قائلها * ~~إلى مكارم هذا ينتهي الكرم ينمي (1) إلى ذروة العز التي (2) قصرت * عن ~~نيلها عرب الإسلام والعجم يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء ~~يستلم يغضي حياء ويغضي من مهابته * فلا يكلم إلا حين يبتسم بكفه (3) خيزران ~~ريحه عبق * من كف أروع في عرنينه شمم ينشق نور الهدى من (4) نور غرته * ~~كالشمس تنجاب (5) عن إشراقها الظلم (6) # PageV02P869 # مشتقة (1) من رسول الله نبعته * طابت عناصره والخيم (2) والشيم هذا ابن ~~فاطمة إن كنت جاهله * بجده أنبياء الله قد ختموا الله شرفه قدما وفضله (3) ~~* جرى بذاك (4) له في لوحة القلم فليس قولك من هذا بضائره * العرب تعرف من ~~أنكرت والعجم كلتا يديه غياث عم نفعهما * تستوكفان ولا يعروهما العدم (5) ~~سهل الخليقة لا تخشى بوادره * يزينه اثنان حسن الخلق والكرم (6) حمال أثقال ~~(7) أقوام إذا قدحوا * حلو الشمايل تحلو (8) عنده نعم # PageV02P871 # لا يخلف الوعد ميمون نقيبته (3) * رحب الفناء أريب حين يعترم (4) عم ~~البرية بالإحسان وانقشعت (5) * عنه الغباوة (6) والإملاق والعدم من معشر ~~حبهم دين وبغضهم * كفر وقربهم منجى ومعتصم إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم * ~~أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم لا يستطيع جواد بعد غايتهم * ولا يدانيهم ~~قوم وإن كرموا هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت * والأسد أسد الشري والبأس محتدم ~~لا ينقص العسر بسطا من أكفهم * سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا مقدم بعد ذكر ~~الله ذكرهم * في كل بدو (7) ومختوم به الكلم يأبى لهم أن يحل الذم (8) ~~ساحتمهم * خيم كريم وأيد بالندى هضم (9) أي الخلائق ليست في رقابهم * ~~لأولية (10) هذا أو له نعم من يعرف (11) الله يعرف أولية (12) ذا * والدين ~~من بيت هذا ناله الأمم قال: فلما سمع هشام هذه القصيدة غضب، ثم إنه أخذ ~~الفرزدق وحبسه ما بين مكة والمدينة، وبلغ علي بن الحسين امتداحه فبعث باثني ~~عشر ألف درهم فردها # PageV02P872 # وقال: والله ما مدحته إلا لله تعالى لا للعطاء، فقال: قد عرف الله له ms182 ذلك ~~ولكنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا لا نستعيده، فقبلها منه (1). # وقال الفرزدق من قصيدة يهجو هشاما في حبسه له (2): # أتحبسني بين (3) المدينة والتي * إليها قلوب الناس تهوي (4) منيبها يقلب ~~رأسا لم يكن رأس سيد * وعينا له حولاء (5) باد عيوبها توفي علي بن الحسين ~~زين العابدين في الثاني عشر من المحرم (6) سنة أربع # PageV02P873 # وتسعين من الهجرة (1) وله من العمر سبع وخمسون سنة (2) أقام منها مع جده ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) سنتين (3)، ومع عمه أبي محمد ~~الحسن بعد وفاة جده علي (عليه السلام) أحد عشر سنة (4)، وكان بقاؤه بعد ~~مصرع أبيه ثلاثا وثلاثين سنة (5)، يقال: إنه مات مسموما (6) وإن الذي سمه ~~الوليد بن عبد الملك ودفن بالبقيع في القبر الذي دفن فيه عمه الحسن في ~~القبة التي فيها العباس بن عبد المطلب (7). # وقال ابن سعد: كان علي بن الحسين (عليه السلام) مع أبيه بطف كربلاء وعمره ~~إذ ذاك ثلاث وعشرون سنة لكنه كان مريضا ملقى على فراشه وقد انهكته العلة ~~والمرض، ولما قتل والده [الحسين] قال الشمر بن ذي الجوشن: اقتلوا هذا ~~الغلام، فقال بعض أصحابه: # [سبحان الله] تقتل فتى مريضا لم يقاتل؟ فتركوه. قال ابن عمر هذا القول هو ~~الصحيح # PageV02P874 # وليس قول من قال بأنه كان صغيرا حينئذ لم يقاتل وأنه ترك بسبب ذلك الشيء ~~(1). # أولاد علي بن الحسين خمسة عشر ولدا (2) ما بين ذكر وأنثى، أحد عشر ذكرا ~~وأربع إناث، وهم: محمد المكنى بأبي جعفر الملقب بالباقر، أمه أم عبد الله ~~بنت الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). وزيد وعمر، أمهما أم ولد. ~~وعبد الله والحسن والحسين، وأمهم أم ولد. والحسين الأصغر وعبد الرحمن ~~وسليمان، أمهم أم ولد. # وعلي وكان أصغر ولد علي بن الحسين وخديجة، وأمهما أم ولد. وفاطمة وعلية ~~وأم كلثوم، أمهن أم ولد. فهؤلاء أولاده (عليه السلام) [ونفعنا بهم وحشرنا ~~في زمرتهم] (3). # PageV02P875 # الفصل الخامس في ذكر أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر (عليهم ~~السلام) وهو الإمام الخامس (1) وتاريخ ms183 ولادته ودلائل إمامته ومبلغ عمره ~~ووقت وفاته ومدة إمامته وعدد أولاده وشئ من أخباره وذكر كنيته ولقبه وغير ~~ذلك مما يتصل به قال (2) بعض أهل العلم: كان محمد بن علي بن الحسين الباقر ~~هو باقر العلم # PageV02P877 # وجامعه وشاهره (1) ورافعه ومتفوق (2) دره وراضعه، صفى قلبه وزكا عمله ~~وطهرت نفسه وشرفت أخلاقه وعمرت بطاعة الله تعالى [أوقاته] ورسخ في مقام ~~التقوى قدمه وميثاقه (3) (4). # قال صاحب الإرشاد أبو عبد الله محمد بن محمد النعمان: وكان الباقر [أبو ~~جعفر] محمد بن علي [بن الحسين] خليفة أبيه من بين إخوته ووصيه والقائم ~~بالإمامة من بعده، وبرز على جماعته بالفضل وفي العلم والزهد والسؤدد، وكان ~~أنبههم (5) ذكرا وأكملهم فضلا وأعظمهم نبلا، ولم يظهر عن أحد من ولد الحسن ~~والحسين (عليهم السلام) من علم الدين والسنن وعلم القرآن والسير (6) وفنون ~~الأدب ما ظهر عن (7) أبي جعفر الباقر (عليه السلام) (8). # وروى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين ورؤساء فقهاء # PageV02P878 # المسلمين، وصار بالفضل به، وسارت بذكر علومه الأخبار وأنشدت في مدائحه ~~الأشعار، فمن ذلك ما قاله مالك بن أعين الجهني من قصيدة يمدحه (عليه ~~السلام) فيها قال (1): # إذا طلب الناس علم القرآ * ن وكانت لقريش عليه عيالا وإن قام ابن بنت ~~النبي * تلقت يداه فروعا طوالا نجوم تهلل للمدلجين * جبال تورث علما جبالا ~~وفيه يقول القرظي (2): # يا باقر العلم لأهل التقى * وخير من لبى على الأجيل ولد أبو جعفر محمد بن ~~علي بن الحسين (رض) بالمدينة في ثالث صفر (3) سنة # PageV02P879 # سبع وخمسين من الهجرة (1) قبل قتل جده الحسين (عليه السلام) بثلاث سنين ~~(2). # وأما نسبه: أبا وأما فأبوه زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي ~~طالب (عليه السلام) (3) # PageV02P880 # وهو هاشمي من هاشميين علوي من علويين (1). # وأما كنيته: فأبو جعفر (2) لاغير، وله ثلاثة ألقاب: الباقر والشاكر ~~والهادي (3)، أشهرها الباقر، ولقب بذلك لبقره العلم وهو تفجره وتوسعه (4). # PageV02P881 # وروى جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): يا جابر يوشك أن تلتحق بولد لي من ms184 ولد الحسين (عليه السلام) اسمه ~~كاسمي يبقر العلم بقرا - أي يفجره تفجيرا - فإذا رأيته فاقرأه عنى السلام. ~~قال جابر (رض): فأخر الله تعالى مدتي حتى رأيت الباقر (عليه السلام) ~~فأقرأته السلام عن جده رسول الله (صلى الله عليه وآله). # وروي أن محمد بن علي الباقر (عليه السلام) سأل جابر بن عبد الله الأنصاري ~~لما دخل عليه عن عائشة وما جرى بينها وبين علي (عليه السلام)، فقال له ~~جابر: دخلت (1) عليها يوما وقلت لها: ما تقولين في حق علي بن أبي طالب؟ ~~فأطرقت برأسها ثم رفعته فقالت (2) (3): # إذا ما التبر حك على محك * تبين غشه من غير شك وفينا الغش والذهب المصفى ~~* علي بيننا (4) شبه المحك صفة الباقر (عليه السلام): أسمر معتدل (5)، # PageV02P882 # شاعره الكميت (1) والسيد الحميري (2)، بابه (3) جابر الجعفي (4) (رض)، ~~نقش خاتمه # PageV02P883 # ﴿رب لا تذرنى فردا﴾ (1). # ونقل الثعلبي في تفسيره أن الباقر (عليه السلام) نقش على خاتمه هذه ~~الكلمات (2): # ظني بالله حسن * وبالنبي المؤتمن وبالوصي ذي المنن * وبالحسين والحسن ~~معاصره: الوليد وأولاده يزيد وإبراهيم (3). # وأما مناقبه: فكثيرة عديدة وأوصافه فحميدة جميلة منها: ما حكاه مولاه ~~أفلح # PageV02P884 # قال: حججت مع أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) فلما دخل المسجد ~~ونظر البيت بكى فقلت (1): بأبي أنت وأمي إن الناس ينظرون (2) إليك فلو خفضت ~~(3) بصوتك قليلا، فقال: ويحك (4) يا أفلح!! ولم لا أرفع صوتي بالبكاء لعل ~~الله تعالى ينظر إلي برحمة منه فأفوز بها غدا. ثم إنه طاف بالبيت وجاء حتى ~~ركع خلف المقام فلما فرغ فإذا موضع سجوده مبتل (5) من دموع عينيه (6). # وروى عنه ابنه جعفر قال: كان أبي يقوم جوف الليل فيقول في تضرعه: أمرتني ~~فلم أأتمر، ونهيتني وزجرتني فلم أنزجر، فها أنا عبدك بين يديك مقرا لأعتذر ~~(7). # وروي عنه أنه قال: ما من عبادة أفضل من عفة بطن أو فرج، وما من شيء أحب ~~إلى الله من أن يسأل، ولا يدفع القضاء إلا الدعاء، فإن أسرع الخير ثوابا ~~البر العدل، وأسرع الشر عقوبة ms185 البغي، وكفى بالمرء عيبا أن يبصر (8) من ~~الناس ما يعمى عنه من نفسه، وأن يأمر الناس (9) ما لا يفعله، وأن ينهى ~~الناس بما (10) لا يستطيع # PageV02P885 # التحول عنه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه (1). # وقال خالد بن الهيثم: قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين (عليهما ~~السلام): ما أغر ورقت (2) عين بمائها من خشية الله تعالى إلا وحرم الله وجه ~~صاحبها على النار، فإن سالت على الخدين دموعه لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة، ~~وما من شيء إلا وله جزاء إلا الدمعة، فإن الله تعالى يكفر بها بحور ~~الخطايا، ولو أن باكيا بكى في أمة لحرم الله تلك الأمة على النار (3). # وعن جابر الجعفي قال: قال لي محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام): يا ~~جابر إني لمشتغل القلب، قلت: وما يشغل قلبك؟ قال: يا جابر إنه من دخل قلبه ~~ما في دين الله الخالص شغله عما سواه. يا جابر ما الدنيا وما عسى أن تكون ~~هل هي إلا مركب ركبته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها! يا جابر إن المؤمنين ~~لم يطمئنوا إلى الدنيا لزوالها (4) ولم يأمنوا قدوم الآخرة [عليهم] ~~لأهوالها، وإن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤونة وأكثرهم لك معونة، وإن ~~نسيت ذكروك، وإن ذكرت أعانوك، قوالين للحق، قوامين بأمر الله، فاجعل (5) ~~الدنيا كمنزل نزلت به وارتحلت (6) منه أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت ~~وليس معك منه شيء، واحفظ الله فيما استرعاك من # PageV02P886 # دينه وحكمته (1). # وقال (عليه السلام): الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن، فإذا وصلا إلى ~~مكان فيه التوكل استوطنا (2) (3). # وقال (عليه السلام): ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر إلا نقص من عقله مثل ~~ذلك قل أو كثر (4) (5). # وقال (عليه السلام): سلاح اللئام قبح الكلام (6). # وكان يقول: والله لموت عالم أحب إلى إبليس من موت سبعين عابد (7). # PageV02P887 # وقال سعد الإسكافي: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) ~~يقول: عالم ينتفع بعلمه خير من ألف عابد (1). # وقال (عليه السلام): شيعتنا من أطاع الله (2). # وعن أبي ms186 عبد الله ابن محمد بن المنكدر (3) كان يقول: ما كنت أرى أن مثل ~~علي بن الحسين (عليه السلام) يدع خلفا أفضل منه (4) حتى رأيت ابنه محمد بن ~~علي (عليه السلام) وذلك أني أردت أن أعظه فوعظني. فقال [له] أصحابه: بأي ~~شيء وعظك؟ قال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في يوم من الأيام في ساعة حارة ~~فلقيني (5) أبو جعفر محمد بن علي وكان رجلا بادنا (6) ثقيلا وهو متكئ على ~~(7) غلامين أسودين له فقلت في نفسي: سبحان الله شيخ من أشياخ (8) قريش خرج ~~في هذه الساعة على هذه الحالة في طلب الدنيا؟! [أما] لأعظنه، فدنوت منه ~~وسلمت عليه فرد (9) علي بنهر (10) # PageV02P888 # وقد تصبب (١) عرقا فقلت: أصلحك الله شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على ~~هذه الحالة في طلب الدنيا؟! [أرأيت] لو جاء أجلك (٢) وأنت على هذه الحال ~~(٣) [ما كنت تصنع؟] قال: فخلى عن الغلامين والتفت إلي وقال: لو جاءني الموت ~~وأنا على هذه الحال لجاءني وأنا في طاعة من طاعة الله أكف بها نفسي ~~[وعيالي] عنك وعن الناس، وإنما كنت أخاف الموت أن لو جاءني وأنا على معصية ~~من معاصي الله تعالى، فقلت: [صدقت] يرحمك الله (٤) أردت أن أعظك فوعظتني ~~(٥). # وعن معاوية بن عمار الدهني (٦) عن محمد بن علي بن الحسين في قوله عزوجل ~~﴿فسلوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون﴾ (7) قال: نحن أهل الذكر (8). وروى الزهري (9) قال: حج هشام بن ~~عبد الملك فدخل المسجد الحرام متكئا (10) على يد سالم مولاه # PageV02P889 # ومحمد بن علي (عليه السلام) [جالس] في المسجد، فقال له سالم [مولاه]: يا ~~أمير المؤمنين هذا محمد بن علي بن الحسين في المسجد [قال هشام]: المفتون به ~~أهل العراق؟ # قال: نعم، فقال: اذهب إليه فقل (١) له: يقول لك أمير المؤمنين: ما الذي ~~يأكل الناس ويشربون إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة؟ فقال [أبو جعفر]: قل ~~له: يحشر الناس على مثل قرص نقي (٢) فيها أنهار متفجرة يأكلون ويشربون منها ~~حتى يفرغوا من الحساب. قال: فلما سمع ms187 هشام ذلك رأى أنه قد ظفر به. فقال: ~~الله أكبر اذهب (٣) إليه وقل له ما أشغلهم (٤) عن الأكل والشرب يومئذ؟ فقال ~~له أبو جعفر: قل له: هم في النار أشغل ولم يشغلوا (٥) إلى أن قالوا ﴿أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم ~~الله﴾ (6) فسكت هشام لا (7) يرجع كلاما (8). # وروي أن العلاء بن عمرو بن عبيد (9) قدم على محمد بن علي بن الحسين # PageV02P890 # يمتحنه بالسؤال فقال له: جعلت فداك ما معنى قوله تعالى ﴿أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ~~ففتقناهما﴾ (١) ما هذا الرتق والفتق؟ فقال له أبو جعفر (عليه السلام): # كانت السماء رتقا لا تنزل القطر (٢) وكانت الأرض رتقا (٣) لا تخرج ~~النبات، ففتق الله (٤) السماء بنزول المطر وفتق (٥) الأرض بخروج النبات، ~~فسكت ابن عمرو (٦) ولم يرد جوابا ولم يجد اعتراضا. # ثم انه سأله عن قوله تعالى ﴿ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى﴾ (٧) ما غضب الله تعالى؟ ~~قال: طرده وعقابه يا ابن عمرو (٨) ومن ظن (٩) أن الله يغيره شيء فقد كفر ~~(١٠). # وسئل عن قوله تعالى ﴿أولئك يجزون ~~الغرفة بما صبروا﴾ (11) فقال: الغرفة [هي الجنة # PageV02P891 # وهي جزاء لهم بما صبروا] بصبرهم على الفقر في دار الدنيا (١). # وروى أبو حمزة الثمالي عن محمد بن علي بن الحسين في قوله تعالى ﴿وجزلهم بما صبروا جنة وحريرا﴾ (2) ~~قال: بما صبروا على الفقر على مصائب الدنيا (3). # وروى الأصمعي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول لبعض ولده: يا ~~بني إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاحا كل شر، إنك إذا كسلت لم تؤد حقا، وإن ~~ضجرت لم تصبر على حق (4). # وروي أنه قال لابنه: يا بني إذا أنعم الله عليك بنعمة فقل الحمد لله إذا ~~أحزنك أمر فقل لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا أبطأ عليك (5) الرزق فقل ~~أستغفر الله (6). # وكان محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) ms188 - مع ما وصفناه به (7) من ~~العلم والفضل والسؤدد والرئاسة والإمامة - ظاهر الجود في الخاصة والعامة ~~مشهور الكرم في الكافة معروفا بالفضل والإحسان مع كثرة عياله وتوسط حاله ~~(8). # وحكت سلمى مولاة أبي جعفر (عليه السلام) أنه كان يدخل عليه بعض إخوانه ~~فلا يخرجون من عنده حتى يطعمهم الطعام الطيب ويكسوهم الثياب الحسنة في # PageV02P892 # بعض الأحيان ويهب لهم الدراهم، فكنت أقول له في ذلك فيقول: يا سلمى ما ~~حسنة الدنيا إلا صلة الإخوان والمعارف، وكان يصل بالخمسمائة درهم ~~وبالستمائة وبالألف درهم (1). # وقال الأسود بن كثير (2): شكوت إلى أبي جعفر (عليه السلام) جور الزمان ~~وجفاء الإخوان فقال: بئس الأخ أخ يرعاك غنيا ويقطعك (3) فقيرا. ثم أمر ~~غلامه فأخرج [لي] كيسا فيه سبعمائة درهم فقال: استنفق هذه فإذا نفدت (4) ~~فأعلمني (5). # وقال (رضي الله عنه): اعرف المودة في قلب أخيك بما له في قلبك (6). # ونقل عن الزبير بن (7) محمد بن مسلم المكي [أنه] قال: كنا عند جابر بن ~~عبد الله فأتاه علي بن الحسين ومعه ابنه محمد وهو صبي، فقال علي لابنه ~~محمد: قبل # PageV02P893 # رأس عمك، فدنا محمد من جابر فقبل رأسه، فقال جابر: من هذا؟ وكان قد كف ~~بصره، فقال له علي بن الحسين (عليه السلام): [هذا] ابني محمد، فضمه جابر ~~إليه وقال له: # يا محمد، محمد جدك رسول الله يقرئك السلام، فقالوا لجابر: وكيف ذلك يا ~~أبا عبد الله؟ قال: كنت مع (1) رسول الله (صلى الله عليه وآله) والحسين ~~(عليه السلام) في حجره وهو يلاعبه فقال: يا جابر يولد لابني الحسين ابن ~~يقال له علي، فإذا كان يوم القيامة ينادي مناد: ليقم سيد العابدين، فيقوم ~~علي بن الحسين، ويولد لعلي بن الحسين ابن يقال له محمد، يا جابر فإن أدركته ~~(2) فاقرأه مني السلام وإن لاقيته فاعلم أن بقاءك بعد رؤيته يسير (3). فلم ~~يعش جابر بعد ذلك إلا قليلا ومات (4). فهذه منقبة من مناقبه باقية على ممر ~~الأيام وفضيلة شهد له بها الخاص والعام. # قال فيه البليغ ما قال ذوو * الحجى وكل برأيه منطبق ms189 وكذلك العدو لم يعد ~~أن قال * جميلا فما يقول فيه الصديق (5) ومن كتاب الحلية لأبي نعيم عن أبي ~~عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) عن أبيه محمد الباقر عن أبيه علي بن ~~الحسين عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله): من نقله الله تعالى من ذل المعاصي إلى عز ~~التقوى أغناه بلا مال # PageV02P894 # وأعزه بلا عشيرة وآنسه بلا أنيس، ومن خاف الله تعالى أخاف الله منه كل ~~شيء، ومن لم يخف الله تعالى أخافه الله من كل شيء، ومن رضي من [مال] الله ~~باليسير من الرزق رضي منه باليسير من العمل، ومن لم يستح من المعيشة خفت ~~مؤونته ورخا باله ونعم عياله، ومن زهد في الدنيا آتاه (1) الله الحكمة في ~~قلبه وأنطق بها لسانه وأخرجه من الدنيا سالما إلى دار القرار (2). # وروى أبو سعيد منصور بن الحسن الآبي في كتابه نثر الدرر أن محمد بن علي ~~الباقر (عليه السلام) قال لابنه جعفر الصادق: يا بني إن الله خبأ ثلاثة ~~أشياء في ثلاثة أشياء: # خبأ رضاه في طاعته فلا تحقرن من الطاعة شيئا فلعل رضاه فيه، وخبأ سخطه في ~~معصيته فلا تحقرن من المعصية شيئا فلعل سخطه فيه، وخبأ أولياءه في خلقه فلا ~~تحقرن أحدا فلعله ذلك الولي (3). # ومن كتاب صفة الصفوة لابن الجوزي عن عروة بن عبد الله قال: سألت أبا جعفر ~~محمد بن علي عن حلية السيف، قال: لا بأس به وقد حلى أبو بكر الصديق سيفه، ~~قلت: تقول الصديق؟! قال: فوثب وثبة واستقبل القبلة وقال: نعم الصديق نعم ~~الصديق، من لم يقل له الصديق فلا صدق الله له قولا لا في الدنيا ولا في ~~الآخرة (4). # ومن كتاب الجوانح والجوامح للإمام قطب الدين أبي سعيد هبة الله بن الحسن ~~النهاوندي (5) عن أبي بصير قال: كنت مع محمد بن علي الباقر في مسجد # PageV02P895 # رسول الله (صلى الله عليه وآله) [قاعدا] في حدثان موت والده علي بن ~~الحسين (عليه السلام) ms190 إذ دخل المنصور [الدوانيقي] أبو جعفر وداود بن سليمان ~~قبل أن يفضي (1) الملك إلى بني (2) العباس، فجاء داود بن سليمان إلى محمد ~~الباقر (عليه السلام) وقعد (3) المنصور ناحية من المسجد فقال له الباقر: ما ~~منع الدوانيقي أن يأتينا (4)؟! قال: فيه جفاء، فقال الباقر (عليه السلام): ~~أما إنه لا تذهب الأيام (5) حتى يلي هذا - يعنى المنصور - أمر هذه الخلايق ~~(6) فيطأ أعناق الرجال ويملك شرقها وغربها ويطول عمره فيها حتى يجمع من ~~كنوز الأموال ما لا يجمعه غيره (7). فبعد أن قام داود من عند محمد بن علي ~~الباقر (عليه السلام) ذهب إلى المنصور وأخبره بذلك، فقام المنصور وجاء إليه ~~وقال: ما منعني من الجلوس إليك إلا جلالتك وهيبتك، ثم قال: يا سيدي ما الذي ~~يقوله داود؟ قال: هو كائن لا محالة، قال: # وملكنا قبل ملككم؟ قال: نعم، قال: ويملك بعدي أحد من ولدي؟ قال: نعم، ~~قال: # فمدة بني أمية أطول (8) أم مدتنا؟ قال: مدتكم أطول وليتلقفن (9) هذا ~~الملك صبيانكم فيلعبون به كما يلعبون بالكرة، هذا ما عهده إلي أبي. فلما ~~أفضت الخلافة إلى المنصور (10) تعجب من قول الباقر (عليه السلام) (11). # PageV02P896 # ومن الكتاب المذكور قال أبو بصير: قلت يوما للباقر (عليه السلام): أنتم ~~ذرية (1) رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال [لي] نعم، قلت: رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) وارث الأنبياء جميعهم ووارث جميع علومهم؟ (2) قال: ~~نعم، قلت: فأنتم ورثة جميع علوم رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: نعم، ~~قلت: فأنتم تقدرون أن تحيوا الموتى وتبرئوا الأكمه والأبرص وتخبرون الناس ~~بما يأكلون [ويدخرون] في بيوتهم؟ قال: نعم نفعل ذلك كله بإذن الله تعالى. ~~ثم قال: # ادن مني يا أبا بصير - وكان أبو بصير مكفوف النظر - فدنوت منه فمسح يده ~~على عيني (3) فأبصرت السهل والجبل والسماء والأرض، فقال: أتحب أن تكون هكذا ~~تبصر وحسابك على الله أو تكون كما كنت ولك الجنة؟ قلت: الجنة أحب إلي. قال ~~فمسح بيده المباركة على عيني (4) فعدت كما كنت (5). # ومن الكتاب المذكور أيضا عن جعفر الصادق ms191 (عليه السلام) قال: كان أبي في ~~مجلس عام ذات يوم من الأيام إذ أطرق برأسه إلى الأرض ثم رفعه فقال: يا قوم ~~كيف أنتم إذا جاءكم رجل يدخل عليكم مدينتكم هذه في أربعة آلاف يستعرضكم على ~~السيف ثلاثة أيام متوالية فيقتل مقاتلتكم وتلقون منه بلاء لا تقدرون عليه ~~ولا أن # PageV02P897 # تدفعوه (1) وذلك من قابل؟ فخذوا حذركم واعلموا أن الذي قلت لكم هو كائن ~~لابد منه. فلم يلتفت أهل المدينة إلى كلامه وقالوا: لا يكون هذا أبدا. فلما ~~كان من قابل ارتحل (2) أبو جعفر من المدينة بعياله هو وجماعة من بني هاشم ~~وخرجوا منها، فجاءها نافع بن الأزرق فدخلها في أربعة آلاف واستباحها ثلاثة ~~أيام وقتل فيها خلقا كثيرا لا يحصون، وكان الأمر على ما قاله (عليه السلام) ~~(3). # ومن كتاب الدلائل للحميري عن زيد بن أبي حازم قال: كنت مع أبي جعفر محمد ~~بن علي الباقر (عليه السلام) فمر بنا زيد بن علي (4) فقال أبو جعفر: أما ~~رأيت هذا # PageV02P898 # ليخرجن بالكوفة وليقتلن وليطافن برأسه، فكان كما قال (عليه السلام) (1). # وعن الحسن (2) بن راشد قال: ذكرت زيد بن علي عند أبي عبد الله جعفر ~~الصادق فنلت منه (3)، فقال: لا تفعل رحم الله عمي زيدا فإنه أتى أبي وقال: ~~إني أريد الخروج على هذا الطاغية، فقال له: لا تفعل يا زيد إني (4) أخاف أن ~~تكون المقتول المصلوب بظهر الكوفة، أما علمت يا زيد أنه لا يخرج أحد من ولد ~~فاطمة على أحد من السلاطين قبل خروج السفياني إلا قتل؟ فكان الأمر كما قال ~~أبي (5). # وعن عبد الرحمن بن يحيى بن سعيد قال: حدثني رجل من بني هاشم قال: كنا عند ~~محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) وأخوه زيد جالس إلى جانبه، فدخل رجل ~~من أهل الكوفة فقال له محمد بن علي أتروي (6) شيئا من طرائف الشعر ونوادره؟ ~~فقال: # نعم، قال: كيف قال الأنصاري لأخيه؟ فأنشده: # لعمرك ما كان أبو مالك * بوان ولا بضعيف قواه ولا مالديه (7) نازع * ~~يعادي أخاه إذا ما نهاه ms192 لأن سدته سدت مطواعه * ومهما وكلت إليه كفاه فوضع ~~محمد بن علي يده على كتف أخيه زيد وقال: هذه صفتك يا أخي، # PageV02P899 # وأعيذك بالله أن تكون قتيل أهل العراق (1). # وكان زيد بن علي (رض) دينا شجاعا ناسكا وكان من أحسن بني هاشم عبادة ~~وأجملهم إنارة (2)، وكان ملوك بني أمية تكتب إلى صاحب العراق أن امنع أهل ~~الكوفة من حضور مجلس زيد بن علي فإن له لسانا أقطع من غلبة السيف وأحد من ~~شبا الأسنة وأبلغ من السحر والكهانة ومن النفث في العقد. # وقال له يوما هشام بن عبد الملك: بلغني أنك تروم الخلافة وأنت لا تصلح ~~لها لأنك ابن (3) أمة، فقال زيد: كان إسماعيل بن إبراهيم ابن أمة وإسحاق ~~ابن حرة، فأخرج الله من صلب إسماعيل خير من ولد آدم، فقال: قم إذا لا تراني ~~إلا حيث تكره، فلما خرج من الدار قال: ما أحب أحد الحياة إلا ذل فقال له ~~سالم مولى هشام: بالله لا يسمعن منك هذا الكلام أحد (4)، فكان زيد (رض) ~~كثيرا ما ينشد (5): # شرده الخوف من أوطانه * كذلك من يكره حر الجلاد منحرق الحقين يشكو الوجى ~~* تنكبه أطراف مرو حداد # PageV02P900 # قد كان بالموت له راحة * والموت حتف في رقاب العباد ومن كتاب جمعه الوزير ~~السعيد مؤيد الدين أبو طالب محمد بن أحمد بن محمد بن علي العلقمي (1) قال ~~ذكر الشيخ الأجل أبو الفتح يحيى بن محمد بن خيار (2) الكاتب قال: سمعت (3) ~~بعض أهل العلم والخير يقول: كنت بين مكة والمدينة فإذا أنا بشيخ يلوح في ~~(4) البرية فيظهر تارة ويغيب أخرى حتى قرب مني فتأملته فإذا هو غلام سباعي ~~أو ثماني، فسلم علي فرددت عليه، فقلت: من أين يا غلام؟ قال: من الله، قلت: ~~وإلى أين؟ قال: إلى الله، فقلت: فما زادك؟ قال: التقوى، فقلت: ممن أنت؟ ~~قال: أنا رجل عربي (5)، قلت: ابن من عافاك الله؟ فقال: أنا رجل هاشمي، ~~فقلت: ابن من قال: أنا رجل علوي، ثم أنشد يقول: # فنحن (6) على الحوض ذواده (7) * تزود ويسعد وراده ms193 فما فاز من فاز إلا بنا ~~* وما (8) خاب من حبنا زاده فمن سرنا نال منا السرور * ومن ساءنا ساء ~~ميلاده # PageV02P901 # ومن كان غاصبنا حقنا * فيوم القيامة ميعاده ثم قال: أنا أبو جعفر محمد بن ~~علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ثم التفت فلم أره، فلا أعلم هل صعد إلى ~~السماء أم نزل إلى الأرض (1). # مات أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر (عليهم السلام) في سنة سبعة ~~عشر ومائة (2) # PageV02P902 # وله من العمر ثماني وخمسون سنة (1)، وقيل ستون سنة (2)، وقيل خمسا ~~وثلاثين (3)، أقام منها مع جده الحسين ثلاث سنين، ومع أبيه علي بن الحسين ~~ثلاثا وثلاثين سنة، وبقي بعد موت أبيه تسع عشر سنة، وهي مدة إمامته (عليه ~~السلام) (4)، وانه أوصى أن # PageV02P903 # يكفن في قميصه الذي كان يصلي فيه (1). # وعن ابنه جعفر الصادق (عليه السلام) قال: كنت عند أبي في اليوم الذي قبض ~~فيه فأوصاني بأشياء في غسله وتكفينه وفي دخوله قبره. قال: فقلت له: يا أبت ~~(2) والله ما رأيت (3) منذ اشتكيت أحسن هيئة منك اليوم ولا أرى عليك أثر ~~الموت، فقال: يا بني أما (4) سمعت علي بن الحسين يناديني (5) من وراء ~~الجدار (6): يا محمد عجل (7). # PageV02P904 # ويقال: إنه مات بالسم في زمن إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك (1)، قبره ~~بالبقيع (2) ودفن بالقبة التي فيها العباس في القبر الذي دفن فيه أبوه وعم ~~أبيه الحسن (عليه السلام) (3)، وقد تقدم ذكر ذلك. # أولاد الباقر (عليه السلام) ستة (4) وقيل سبعة (5) وهم: أبو عبد الله ~~جعفر الصادق (عليه السلام) - وكان يكنى به - وعبد الله، وأمهما أم فروة بنت ~~القاسم بن محمد بن أبي بكر. وإبراهيم # PageV02P905 # وعبيد الله (1) درجا في حياته، وأمهما أم حكيم بنت أسد بن المغيرة ~~الثقفية. وعلي وزينب لأم ولد. ولم يعتقد أحد من (2) ولد أبي جعفر الإمامة ~~إلا في أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام)، وكان أخوه عبد الله يشار ~~إليه بالفضل والصلاح. يقال: إن بعض بني أمية سقاه السم فمات رضوان الله ~~تعالى عليه، نقل ذلك صاحب ms194 الإرشاد (رحمه الله) (3). # PageV02P906 # الفصل السادس في ذكر أبي عبد الله جعفر (1) الصادق (عليه السلام) وهو ~~الإمام السادس وتاريخ ولادته ومدة إمامته ومبلغ عمره ووقت وفاته وعدد ~~أولاده وذكر كنيته ونسبه وغير ذلك مما يتصل به كان (2) جعفر الصادق ابن ~~محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) من بين إخوانه خليفة # PageV02P907 # أبيه محمد بن علي (عليهما السلام) ووصيه والقائم بالإمامة من بعده، وبرز ~~على جماعتهم (1) بالفضل وكان أنبههم ذكرا وأعظمهم (2) قدرا، ونقل الناس عنه ~~من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته وذكره في سائر البلدان، ولم ينقل ~~العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه من الحديث (3). # وروى عنه جماعة من أعيان الأمة وأعلامهم مثل: يحيى بن سعيد (4) وابن جريج ~~(5) # PageV02P908 # ومالك بن أنس (١) والثوري (٢) وابن عيينة (٣) وأبو حنيفة (٤) وشعبة (٥) ~~وأبو أيوب السجستاني (٦) وغيرهم (٧). # ووصى (٨) إليه أبو جعفر (عليه السلام) بالإمامة وغيرها وصية ظاهرة، ونص ~~عليها نصا جليا عن أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) قال: إن أبي ~~استودعني ما هناك، وذلك انه لما حضرته الوفاة قال: ادع لي شهودا، فدعوت له ~~أربعة [من قريش] منهم نافع مولى عبد الله بن عمر، فقال: اكتب: هذا ما أوصى ~~به يعقوب نبيه ﴿يبنى إن الله اصطفى ~~لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (9). وأوصى محمد بن علي إلى ~~ابنه جعفر وأمره أن يكفنه في برده الذي كان يصلي فيه الجمعة (10) وقميصه، ~~وأن يعممه بعمامته، وأن يرفع قبره مقدار أربع أصابع، وأن يحل أطماره (11) ~~عند # PageV02P909 # دفنه. ثم قال للشهود: انصرفوا رحمكم الله، فقلت: يا أبت ما كان في هذا ~~بأن (1) يشهد عليه؟ قال: يا بني كرهت أن تغلب وأن يقال: لم يوص [إليه] ~~فأردت بأن تكون لك (2) الحجة (3). # ولد جعفر الصادق ابن محمد بن علي زين العابدين ابن الحسين بن علي بن أبي ~~طالب بالمدينة الشريفة سنة ثمانين (4) من الهجرة وقيل سنة ثلاث وثمانين (5) ~~والأول أصح. # وأما نسبه أبا وأما فهو جعفر الصادق ابن محمد الباقر ابن ms195 علي زين ~~العابدين ابن # PageV02P910 # الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) (1) وأمه رضي الله عنها أم فروة ~~بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر (2). # وأما كنيته فأبو عبد الله (3)، وقيل أبو إسماعيل (4). وله ثلاثة ألقاب: ~~الصادق، والفاضل، والطاهر، وأشهرها الصادق (5). # PageV02P911 # صفته: معتدل أدمي اللون (1)، شاعره السيد الحميري (2) (رض) بابه: (3) ~~المفضل بن عمر (4). نقش خاتمه " ما شاء الله لا قوة إلا بالله استغفر الله ~~" (5)، معاصره أبو جعفر المنصور (6). # PageV02P912 # وأما مناقبه فتكاد تفوت من عد الحاسب ويحير في أنواعها فهم اليقظ الكاتب، ~~وقد نقل بعض أهل العلم أن كتاب الجفر (١) بالمغرب الذي يتوارثونه بنو عبد ~~المؤمن (٢) بن علي هو من كلامه، وله في المنقبة السنية والدرجة التي هي في ~~مقام الفضل عليه. عن مالك بن أنس قال: قال جعفر الصادق (عليه السلام) يوما ~~لسفيان الثوري: إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقائها فأكثر من الحمد ~~والشكر عليها فإن الله عزوجل قال في كتابه العزيز (لئن شكرتم لأزيدنكم) ~~(٣). وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار فان الله عزوجل يقول ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين - يعنى في الدنيا - ويجعل لكم ~~جنت... - في الآخرة -﴾ (4) يا سفيان إذا أحزنك أمر من سلطان أو غيره ~~فأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها مفتاح الفرج وكنز من كنوز ~~الجنة (5). # وقال ابن أبي حازم: كنت عند جعفر الصادق إذ جاء آذنه (6) وقال: إن سفيان # PageV02P913 # الثوري في الباب، فقال: ائذن له، فدخل فقال له جعفر: يا سفيان إنك رجل ~~يطلبك السلطان في بعض الأوقات وتحضر عنده وأنا (1) أتقي السلطان فأخرج عني ~~غير مطرود (2)، فقال سفيان: حدثني بحديث أسمعه منك وأقوم، فقال: حدثني أبي ~~عن جدي عن أبيه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من أنعم الله عليه ~~نعمة فليحمد الله، ومن استبطأ الرزق فليستغفر الله، ومن أحزنه أمر فليقل: ~~لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما قام سفيان قال أبو جعفر: خذها ms196 يا سفيان ~~ثلاثا وأي ثلاث (3)!! # وكان (عليه السلام) يقول: لا يتم المعروف إلا بثلاث: تعجيله وتصغيره ~~وستره (4). # وقال بعض شيعته [أصحاب جعفر بن محمد الصادق]: دخلت على جعفر وموسى ولده ~~بين يديه وهو يوصيه بهذه الوصية فحفظتها، فكان مما حفظت [أوصاه به منها] أن ~~قال له: يا بني، اقبل وصيتي واحفظ مقالتي، فإنك إن حفظتها تعش (5) سيدا ~~وتمت (6) حميدا. يا بني، إنه من قنع (7) بما قسم الله له استغنى، ومن مد ~~عينه إلى ما في يد غيره مات فقيرا، ومن لم يرض بما قسم الله له اتهم ربه ~~(8) في قضائه، ومن استصغر زلة نفسه [استعظم زلة غيره، ومن استعظم زلة نفسه] ~~استصغر زلة غيره. يا # PageV02P914 # بني، من كشف حجاب غيره انكشفت عورته (1)، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن ~~احتفر (2) لأخيه بئرا سقط فيها، ومن داخل السفهاء حقر، ومن خالط العلماء ~~وقر، ومن دخل (3) مداخل السوء اتهم. يا بني، قل الحق لك أو عليك (4)، وإياك ~~والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال. يا بني، إذا طلبت الجود فعليك ~~بمعادنه فإن للجود (5) معادن وللمعادن أصولا وللأصول فروعا وللفروع ثمرا، ~~ولا يطيب ثمر إلا بفرع ولا فرع إلا بأصل ولا أصل ثابت إلا بمعدن طيب. يا ~~بني، إذا (6) زرت فزر الأخيار ولا تزر الأشرار (7) فانهم صخرة لا ينفجر ~~ماؤها وشجرة لا يخضر ورقها وأرض لا يظهر عشبها (8). # وقال أحمد بن عمرو بن المقدام الرازي (9): وقع الذباب على وجه المنصور ~~فذبه فعاد فذبه فعاد حتى أضجره، وكان عنده جعفر بن محمد (عليه السلام) في ~~ذلك الوقت، فقال المنصور: يا أبا عبد الله لأي شيء خلق الله عزوجل الذباب؟ ~~قال: ليذل به الجبابرة (10)، فسكت المنصور (11). # PageV02P915 # وقيل: كان رجل من أهل السواد يلازم مجلس جعفر الصادق (عليه السلام) ويقعد ~~طويلا مقعده، ففقده في بعض الأيام فسأل عنه فقال له رجل يريد أن ينقصه ~~[يستنقص به] عنده: إنه رجل نبطي (1)، فقال جعفر: أصل الرجل عقله، وحسبه ~~دينه، وكرمه تقواه، والناس في آدم مستوون، فاستحيى (2) الرجل (3). # قال ms197 سفيان الثوري سمعت جعفر الصادق (عليه السلام) يقول: عزت (4) السلامة ~~حتى لقد خفي مطلبها، فإن تك في شيء فيوشك أن تكون في الخمول، وإن طلبت (5) ~~في الخمول ولم تجده فيوشك [أن تكون في الصمت، فإن طلبت في الصمت ولم توجد ~~فيوشك أن تكون في العزلة والخلوة] (6) أن تكون في كلام السلف الصالح، ~~والسعيد من وجد في نفسه خلوة يشتغل بها عن الناس (7). # وحدث عبد الله بن الفضل بن الربيع (8) عن أبيه قال: لما حج المنصور في ~~سنة سبع وأربعين ومائة قدم (9) المدينة قال للربيع: ابعث إلى جعفر بن محمد ~~من يأتينا به # PageV02P916 # متعبا سريعا قتلني الله إن لم أقتله، فتغافل الربيع عنه وناساه (1) فأعاد ~~عليه في اليوم الثاني واغلظ له في القول، فأرسل إليه الربيع فلما حضر قال ~~له الربيع: يا أبا عبد الله اذكر الله تعالى فإنه قد أرسل إليك [ب‍] ما لا ~~دافع له غير الله وإني أتخوف عليك، فقال جعفر: لا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم. # ثم إن الربيع دخل (2) به على المنصور فلما رآه المنصور أغلظ له بالقول ~~فقال: يا عدو الله اتخذك أهل العراق إماما يجبون (3) إليك بزكاة أموالهم ~~فتلحد في سلطاني (4) وتبتغي إلى الغوائل قتلني الله إن لم أقتلك، فقال ~~جعفر: يا أمير المؤمنين إن سليمان أعطي فشكر وإن أيوب ابتلي فصبر وإن يوسف ~~ظلم فغفر، فهؤلاء أنبياء الله وإليهم يرجع نسبك ولك فيهم (5) أسوة حسنة ~~فقال المنصور: أجل لقد صدقت يا أبا عبد الله ارتفع إلى هاهنا عندي، ثم قال: ~~يا أبا عبد الله إن فلان الفلاني أخبرني عنك بما قلت لك، فقال: أحضره يا ~~أمير المؤمنين ليواقفني (6) على ذلك. # فأحضر الرجل الذي سعى به إلى المنصور فقال له المنصور: أحقا ما حكيت لي ~~عن جعفر؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قال جعفر: فأستحلفه (7) على ذلك، ~~فبدر الرجل وقال: والله العظيم الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ~~الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له ms198 كفوا أحد... ~~وأخذ يعد في صفات الله، فقال جعفر: يا أمير المؤمنين يحلف بما أستحلفه به ~~ويترك يمينه هذا، فقال المنصور: حلفه بما تختار، فقال جعفر (عليه السلام): ~~قل: برئت من حول الله وقوته والتجأت # PageV02P917 # إلى حولي وقوتى لقد فعل [جعفر] كذا وكذا، فامتنع الرجل فنظر إليه المنصور ~~منكرا فحلف بها، فما كان بأسرع من أن ضرب برجله الأرض وخر (1) ميتا مكانه ~~في المجلس، فقال المنصور: جروا برجله وأخرجوه لعنه الله. # ثم قال: لا عليك يا أبا عبد الله أنت البريء الساحة السليم الناحية ~~المأمون (2) الغائلة، علي بالطيب والغالية، فأتوا بالغالية فجعل يغلف به ~~لحيته إلى أن تركها تقطر وقال: في حفظ الله وكلاءته، وألحقه الربيع بجوائز ~~حسنة وكسوة سنية. # قال الربيع: فلحقته بذلك ثم قلت له: يا أبا عبد الله إني رأيت قبلك ما لم ~~تره أنت ورأيت بعد ذلك ما رأيت ورأيتك تحرك شفتيك وكلما حركتهما سكن الغضب، ~~بأي شيء كنت تحركهما جعلت فداك؟ قال: بدعاء جدي الحسين (عليه السلام)، قلت، ~~وما هو يا سيدي؟ قال: قلت: اللهم يا عدتي عند شدتي يا غوثي عند كربتي ~~احرسني بعينك التي لا تنام واكنفني (3) بركنك الذي لا يرام وارحمني بقدرتك ~~علي فلا أهلك وأنت رجائي، اللهم إنك أكبر وأجل وأقدر مما أخاف وأحذر، اللهم ~~بك أدرأ (4) في نحره وأستعيذ بك من شره إنك على كل شيء قدير. # قال الربيع: فما نزلت بي شدة قط ودعوت به إلا فرج الله عني. قال الربيع: # وقلت لأبي عبد الله: منعت الساعي بك إلى المنصور من أن يحلف يمينه ~~وأحلفته أنت تلك اليمين، فما كان إلا أخذ لوقته فتعجبت من ذلك ما منعناك ~~فيه؟ قال: لأن في يمينه الذي أراد أن يحلف بها توحيد الله وتمجيده وتنزيهه، ~~فقلت: يحلم عليه ويؤخر عنه العقوبة، وأحببت تعجيلها فاستحلفته بما سمعت ~~فأخذه الله لوقته (5). # PageV02P918 # وروي أن داود بن علي بن العباس (1) قتل المعلى بن خنيس (2) مولى كان ~~لجعفر الصادق (عليه السلام) فأخذ ماله، فبلغ ذلك جعفر فدخل ms199 إلى داره ولم ~~يزل ليله كله قائما وقاعدا إلى الصباح، ولما كان وقت السحر سمع منه وهو ~~يقول في مناجاته يا ذا # PageV02P919 # القوة القوية، ويا ذا المحال الشديد، ويا ذا العزة التي كل خلقك لها ~~ذليل، اكفنا هذا الطاغية وانتقم لنا منه. فما كان إلا أن ارتفعت الأصوات ~~بالصراخ والعويل وقيل مات داود بن علي فجأة (1). # ولما بلغ جعفر الصادق (عليه السلام) قول الحكم بن العباس الكلبي (2): # صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة * ولم أر مهديا على الجذع يصلب فرفع جعفر ~~يديه إلى السماء وهما يرعشان (3) فقال: اللهم سلط على الحكم بن العباس ~~الكلبي كلبا من كلابك. فبعثه بنو أمية إلى الكوفة فافترسه الأسد في الطريق، ~~واتصل ذلك بالصادق فخر ساجدا وقال: الحمد لله الذي أنجزنا ما وعدنا (4). # PageV02P920 # وقال محمد بن إسماعيل (1): لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن فر (2) ~~جعفر بن محمد إلى ماله بالفرع (3)، فلم يزل هناك مقيما حتى قتل محمد واطمأن ~~الناس فرجع إلى المدينة وأقام بها (4). # وروي عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: لما رفعت (5) إلى أبي ~~جعفر المنصور بعد قتل محمد بن عبد الله بن الحسن انتهرني (6) وكلمني بكلام ~~غليظ ثم قال لي: يا جعفر قد علمت بفعل محمد بن عبد الله الذي يسمونه النفس ~~الزكية وما نزل به وإنما أنتظر الآن أن يتحرك منكم أحد فألحق الصغير ~~بالكبير. قال: فقلت: يا أمير المؤمنين حدثني أبي محمد بن علي عن أبيه ~~الحسين عن الحسن (7) بن علي بن أبي طالب أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~قال: إن الرجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين فيمدها (8) الله تعالى ~~إلى ثلاث وثلاثين سنة، وإن الرجل ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاث وثلاثون ~~سنة فيبترها (9) الله تعالى إلى ثلاث سنين. قال: فقال لي: والله عليك سمعت ~~هذا من أبيك؟ فقلت: والله سمعتها فردها [ثم ردها] علي ثلاثا ثم # PageV02P921 # قال: انصرف (١). # ومما حفظ من كلام جعفر الصادق في الحكمة والموعظة وغير ذلك ms200 قوله: ما كل ~~من نوى (٢) شيئا قدر عليه، ولا كل من قدر على شيء وفق له، ولا كل من وفق ~~أصاب له موضعا، فإذا اجتمعت النية والقدرة والتوفيق والإصابة فهناك [تجب] ~~السعادة (٣). # وقال (عليه السلام): تأخير التوبة اغترار، وطول التسويف حيرة، والاعتداء ~~على الله هلكة، والإصرار على الذنب أمن من مكر الله (٤) ﴿فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾ (5). # وقال (عليه السلام): أربعة أشياء القليل منها كثير: النار والعداوة ~~والفقر والمرض (6). # وسئل: لم سمي البيت العتيق قال: لأن الله تعالى عتقه من الطوفان (7). # PageV02P922 # وقال (عليه السلام): صحبة عشرين يوما قرابة (1). # وقال: كفارة عمل السلطان الإحسان إلى الإخوان (2). # وقال (عليه السلام): إذا دخلت منزل أخيك فاقبل الكرامة ما عدا الجلوس في ~~الصدر (3). # وقال: البنات حسنات والبنون نعم، فالحسنات يثاب عليهن والنعمة يسأل عنها ~~(4). # وقال (عليه السلام) من لم يستح من العيب ويرعوي عند المشيب ويخشى الله ~~بظهر الغيب فلا خير فيه (5). # وقال (عليه السلام): إياكم وملاحاة الشعراء فإنهم يطنبون بالمدح ويجودون ~~بالهجاء (6). # وكان يقول: اللهم إنك بما أنت له أهله من العفو أولى مني بما أنا أهله من ~~العقوبة (7). # وقال (عليه السلام): من أكرمك فأكرمه، ومن استخف بك فأكرم نفسك عنه (8). # PageV02P923 # وقال: منع الجود سوء الظن بالمعبود (1). # وقال: دعا الله الناس في الدنيا بآبائهم ليتعارفوا ودعاهم في الآخرة ~~بأعمالهم ليتجاوزوا فقال: (يأيها الذين ءامنوا) (يأيها الذين كفروا) (2). # وقال (عليه السلام): إن عيال المرء أسراؤه فمن أنعم الله عليه بنعمته ~~فليوسع على أسرائه، فإن لم يفعل أوشك أن تزول تلك النعمة عنه (3). # وقال: ثلاثة لا يزيد الله بها الرجل المسلم إلا عزا: الصفح عمن ظلمه، ~~والإعطاء لمن حرمه، والصلة لمن قطعه (4). # وقال: حفظ الرجل أخاه بعد وفاته في تركته كرم (5). # وقال: المؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه من (6) حق وإذا رضي لم يدخله رضاه في ~~باطل (7). # وروى محمد بن حبيب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده (عليه السلام) ورفعه ~~قال: ما من مؤمن أدخل على ms201 قوم سرورا إلا خلق الله من ذلك السرور ملكا يعبد ~~الله تعالى ويحمده ويمجده، فإذا صار المؤمن في لحده أتاه ذلك السرور الذي ~~أدخله على أولئك القوم فيقول: أنا اليوم أونس وحشتك وألقنك حجتك وأثبتك ~~بالقول الثابت وأشهد بك مشاهد القيامة وأشفع بك إلى ربك وأريك منزلتك من ~~الجنة (8). # PageV02P924 # وقال إبراهيم بن مسعود: كان رجل من التجار يختلف إلى جعفر بن محمد (عليه ~~السلام) وبينه (1) وبينه مودة وهو معروف بحسن حال (2) فجاء بعد حين إلى ~~جعفر بن محمد وقد ذهب ماله وتغير حاله فجعل يشكو إلى جعفر فأنشده جعفر ~~(عليه السلام) (3): # فلا تجزع وإن أعسرت يوما * فقد أيسرت في زمن طويل (4) ولا تيأس (5) فإن ~~اليأس كفر * لعل الله يغنى عن قليل ولا تظنن بربك ظن سوء * فإن الله أولى ~~بالجميل وعن أبي حمزة الثمالي: قال: كنت مع أبي عبد الله جعفر بن محمد ~~الصادق بين مكة والمدينة فالتفت فإذا عن يساره (6) كلب أسود فقال له: مالك ~~قبحك الله ما أشد مسارعتك! فإذا هو في الهواء شبيه (7) الطائر، فتعجبت من ~~ذلك، فقال لي: هذا غثيم (8) بريد الجن مات هشام (9) الساعة وهو يطير (10) ~~ينعاه في كل بلد (11). # PageV02P925 # وعن إبراهيم بن عبد الحميد قال: اشتريت من مكة بردة وآليت (1) على نفسي ~~أن لا تخرج من ملكي حتى تكون كفني، فخرجت بها إلى عرفة فوقفت فيها الموقف ~~ثم انصرفت إلى المزدلفة (2) فبعد أن صليت فيها المغرب والعشاء رفعتها ~~وطويتها ووضعتها تحت رأسي ونمت، فلما انتبهت فلم أجدها فاغتممت لذلك غما ~~شديدا، فلما أصبحت صليت وأفضيت مع الناس إلى منى فإني والله في مسجد الخيف ~~إذ أتاني رسول من أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) يقول لي: يقول ~~(3) لك أبو عبد الله: # أقبل (4) في هذه الساعة، فقمت مسرعا حتى دخلت على أبي عبد الله جعفر ~~الصادق (عليه السلام) وهو في فسطاطه فسلمت عليه وجلست فالتفت إلي وقال (5): ~~يا إبراهيم نحن نحب أن نعطيك بردة تكون لك كفنا قلت: والذي يحلف به (6) ~~إبراهيم لقد كانت ms202 معي بردة معدها لذلك ولقد ضاعت مني في المزدلفة، فأمر ~~غلامه فأتاني ببردة فتناولتها فإذا هي والله بردتي بعينها، فقلت: بردتي يا ~~سيدي، فقال: خذها واحمد الله تعالى يا إبراهيم فقد جمع الله عليك يا ~~إبراهيم (7). # وروي عن جعفر الصادق (عليه السلام) انه قال لغلامه (8) يافد: يا يافد إذا ~~كتبت رقعة أو كتابا # PageV02P926 # في حاجة وأردت أن تنجح حاجتك التي تريد فاكتب في رأس الرقعة (1) بقلم غير ~~مديد: بسم الله الرحمن الرحيم وعد الله الصابرين المخرج مما يكرهون والرزق ~~من حيث لا يحتسبون. جعلنا الله وإياكم من الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون. ~~قال يافد: فكنت أفعل ذلك فتنجح حوائجي (2). # مناقب أبي جعفر الصادق (عليه السلام) فاضلة، وصفاته في الشرف كاملة، ~~وشرفه على جبهات الأيام سائلة، وأندية المجد والعز بمفاخره ومآثره آهلة ~~(3). # مات الصادق جعفر بن محمد (عليها السلام) سنة ثمان وأربعين ومائة في شوال ~~(4) وله من العمر ثمان وستون سنة (5) أقام فيها مع جده علي بن الحسين اثني ~~عشر سنة # PageV02P927 # وأياما (1) ومع أبيه محمد بن علي بعد وفاة جده ثلاثة عشر سنة (2) وبقى ~~بعد موت أبيه أربعا وثلاثين (3) سنة وهي مدة إمامته (عليه السلام)، يقال ~~إنه مات بالسم في أيام المنصور (4) وقبره بالبقيع، دفن في القبر الذي فيه ~~أبوه وجده وعم جده، فلله دره من # PageV02P928 # قبر ما أكرمه وأشرفه (1). # وأما أولاده فكانوا سبعة، ستة ذكور وبنت واحدة، وقيل كانوا أكثر من ذلك ~~(2). # أسماء الذكور: موسى الكاظم (3) إسماعيل (4) # PageV02P929 # ومحمد (1) وعلي (2) وعبد الله (3) وإسحاق (4)، والبنت اسمها أم فروة (5) ~~رضوان الله عليهم. # PageV02P930 # الفصل السابع في ذكر أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) وهو الإمام ~~السابع (1) وتاريخ ولادته ومدة إمامته ومبلغ عمره ووقت وفاته وعدد أولاده ~~وذكر نسبه وكنيته ولقبه وغير ذلك مما يتصل به قال بعض أهل العلم: الكاظم هو ~~الإمام الكبير القدر، والأوحد الحجة الحبر، (2) # PageV02P931 # الساهر ليله قائما، القاطع نهاره صائما، المسمى لفرط حلمه وتجاوزه عن ~~المعتدين كاظما، وهو المعروف عند أهل العراق بباب الحوائج إلى الله، وذلك ~~لنجح قضاء حوائج ms203 المسلمين ونيل مطالبهم وبلوغ مآربهم وحصول مقاصدهم (1) ~~(2). # قال الشيخ المفيد: كان أبو الحسن موسى الكاظم هو الإمام بعد أبيه والمقدم ~~على جميع بنيه لاجتماع خلال (3) الفضل فيه والكمال، وورود صحيح النصوص وجلي ~~الأقوال عليه من أبيه بأنه ولي عهده والإمام القائم من بعده (4). # PageV02P932 # روى أبو علي الأرجاني عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: دخلت على أبي عبد ~~الله جعفر بن محمد (عليه السلام) في منزله فإذا هو في بيت كذا ومسجد له من ~~داره (1) وهو يدعو وعلى يمينه ولده موسى بن جعفر الكاظم يؤمن على دعائه، ~~فقلت له: جعلني الله فداك (2) قد عرفت انقطاعي إليك وخدمتي لك فمن ولي ~~الأمر بعدك؟ فقال: يا عبد الرحمن إن موسى قد لبس الدرع واستوت (3) عليه، ~~فقلت له: لا أحتاج بعد هذا إلى شيء " (4). # وروى عبد الأعلى (5) عن الفيض بن المختار (6) قال: قلت لأبي عبد الله ~~جعفر الصادق (عليه السلام): خذ بيدي من النار من لنا بعدك؟ قال: فدخل أبو ~~إبراهيم موسى الكاظم وهو يومئذ غلام فقال: هذا صاحبكم فتمسك به (7). # PageV02P933 # وعن ابن أبي نجران عن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله جعفر الصادق ~~(عليه السلام): بأبي أنت وأمي إن الأنفس يغدى عليها ويراح (1) فإذا (2) كان ~~ذلك فمن؟ # فقال جعفر: إذا كان ذلك فهو (3) صاحبكم، وضرب بيده على منكب [أبي الحسن ~~الأيمن وهو فيما أعلم يومئذ خماسي وعبد الله بن جعفر جالس معنا] (4) موسى ~~الكاظم. # ولد موسى الكاظم بالأبواء (5) سنة ثمان وعشرين ومائة للهجرة (6). # PageV02P934 # وأما نسبه أبا وأما فهو موسى الكاظم ابن جعفر الصادق ابن محمد الباقر ابن ~~علي زين العابدين ابن الحسين بن علي بن أبي طالب (رض) (1). وأما أمه فتسمى ~~حميدة البربرية (2). # وأما كنيته: فأبو الحسن (3)، وألقابه كثيرة أشهرها: الكاظم ثم الصابر ~~والصالح # PageV02P935 # والأمين (1). صفته: أسمر غميق (2)، شاعره السيد الحميري (3)، بابه (4): ~~محمد بن الفضل (5)، # PageV02P936 # نقش خاتمه " الملك لله وحده " (1)، معاصره الهادي موسى (2) وهارون الرشيد ~~(3). # وأما مناقبه وكراماته الظاهرة وفضائله وصفاته الباهرة تشهد له بأنه افترع ~~منه (4) الشرف وعلاها وسما إلى ms204 أوج المزايا فبلغ أعلاها، وذللت له كواهل ~~السيادة فركبها وامتطاها، وحكم في غنائم المجد فأختار صفاياها فاصطفاها ~~(5). # فمن ذلك ما أخبر به الفضل بن الربيع عن أبيه عن جده أن المهدي لما حبس ~~موسى بن جعفر الكاظم [ففي بعض الليالي] رأى [المهدي] في النوم (6) علي بن ~~أبي طالب (عليه السلام) وهو يقول له: يا محمد (فهل عسيتم إن توليتم أن ~~تفسدوا في الأرض وتقطعوا # PageV02P937 # أرحامكم) (1) قال الربيع: فأرسل إلي المهدي ليلا فراعني وخفت من ذلك، ~~فلما دخلت عليه (2) فإذا هو يقرأ هذه الآية وكان من أحسن الناس صوتا، فقال: ~~علي الآن بموسى بن جعفر فجئته (3) به فعانقه وأجلسه إلى جانبه (4) وقال: يا ~~أبا الحسن إني رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في هذه ~~الساعة في النوم فقرأ علي كذا وكذا فتؤمني أن لا تخرج علي ولا على أحد من ~~ولدي؟ فقال: والله لا فعلت ذلك ولا هو من شأني، قال: صدقت، يا ربيع أعطه ~~ثلاثة آلاف دينار ورده (5) إلى أهله إلى المدينة. قال الربيع فأحكمت أمره ~~في ثاني ليلة (6) وقضيت جميع حوائجه وما (7) أصبح إلا وقد قطع أرضا خوفا ~~عليه من العوائق (8). # PageV02P938 # قال حسام (١) بن حاتم الأصم: قال لي [أبي] حاتم: [قال لي] شقيق البلخي ~~(٢): # خرجت حاجا في سنة تسع وأربعين ومائة فنزلت القادسية فبينا (٣) أنا انظر ~~[إلى] الناس في مخرجهم إلى الحاج وزينتهم وكثرتهم إذ (٤) نظرت إلى فتى (٥) ~~حسن الوجه شديد السمرة ضعيف (٦) فوق ثيابه ثوب صوف مشتمل بشملة في رجليه ~~نعلان وقد جلس منفردا، فقلت في نفسي: هذا الفتى من الصوفية ويريد أن يخرج ~~مع الناس فيكون كلا على الناس (٧) في طريقهم والله لأمضين إليه ولأوبخنه، ~~فدنوت منه فلما رآني مقبلا نحوه قال: يا شقيق ﴿اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ (8) ثم ~~تركني (9) ومضى (10)، فقلت في نفسي: إن هذا الأمر عظيم قد تكلم بما (11) في ~~نفسي (12) # PageV02P939 # ونطق باسمي وما هذا إلا عبد صالح لألحقنه ولأسأله الدعاء وأن يحللني ms205 مما ~~ظننته (١) به، فغاب عنى ولم أره. # فلما نزلنا واقصة (٢) فإذا هو واقف يصلي [وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجري] ~~فقلت: هذا صاحبي أمضي إليه وأستحله (٣)، فصبرت حتى جلس (٤) من صلاته فالتفت ~~إلي وقال: يا شقيق اتل ﴿وإنى لغفار لمن تاب ~~وءامن وعمل صلحا ثم اهتدى﴾ (5) ثم قام ومضى وتركني فقلت: ان هذا الفتى ~~من الأبدال (6) لقد (7) تكلم على سري مرتين. # فلما نزلنا زبالة (8) وإذا أنا بالفتى قائم على البئر وأنا أنظر إليه ~~وبيده ركوة يريد أن يستقي فيها الماء، فسقطت الركوة من يده في البئر فرمق ~~إلى السماء بطرفه وسمعته يقول: أنت ربي إذا ظمئت إلى الماء، وأنت (9) قوتي ~~إذا طلبت طعاما (10)، ثم قال: # اللهم إلهي وسيدي مالي غيرها (11) فلا تعدمنيها. قال شقيق: فوالله لقد ~~رأيت الماء ارتفع إلى رأس البئر والركوة طافية عليه فمد يده وأخذها وملأها ~~ماء، فتوضأ منها وصلى أربع ركعات، ثم مال إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده ~~يطرحه في الركوة # PageV02P940 # ويحركها ويشرب، فأقبلت إليه (1) وسلمت عليه فرد علي السلام فقلت: أطعمني ~~من فضل ما أنعم الله عليك، فقال: يا شقيق لم تزل نعم الله علينا (2) ظاهرة ~~وباطنة فأحسن ظنك بربك، ثم ناولني الركوة فشربت منها فإذا هو سويق وسكر، ~~فوالله ما شربت قط ألذ منه ولا أطيب ريحا فشبعت ورويت وأقمت أياما لا أشتهي ~~طعاما ولا شرابا. # ثم لم أره حتى حططنا (3) بمكة فرأيته ليلة إلى جنب قبة الشراب في نصف ~~الليل وهو قائم يصلي بخشوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل، فلما ~~رأى الفجر (4) جلس في مصلاه يسبح الله تعالى، ثم قال إلى حاشيته الطواف ~~فركع الفجر (5) هناك ثم صلى فيه الصبح مع الناس، ثم دخل الطواف فطاف إلى ~~بعد شروق الشمس، ثم صلى خلف المقام، ثم خرج يريد الذهاب فخرجت خلفه أريد ~~السلام عليه وإذا بجماعة قد طافوا به يمينا وشمالا ومن خلفه ومن قدامه، ~~وإذا له حاشية وغاشية (6) وموال وخدم وحشم وأتباع قد خرجوا معه، ms206 فقلت لهم: ~~من هذا الفتى؟ # فقالوا: هو موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ~~(عليه السلام)، فقلت: لا يكون هذا إلا لمثل هذا، ثم إني انصرفت. # وهذه الحكاية رواها جماعة من أهل التأليف والمحدثين، رواها ابن الجوزي في ~~كتابه مسير العزم (7) الساكن إلى أشرف الأماكن، ورواها الحافظ عبد العزيز # PageV02P941 # الأخضر الجنابذي (1) في كتابه معالم العترة النبوية، ورواها الرامهرمزي ~~(2) قاضي القضاة في كتابه كرامات الأولياء، وغيرهم (3). # ومن كتاب الدلائل للحميري روى أحمد بن محمد عن أبي قتادة القمي عن أبي ~~خالد الزبالي (4) قال: قدم علينا أبو الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) ~~زبالة ومعه جماعة من أصحاب المهدي، بعثهم [المهدي] في إشخاصه إليه إلى ~~العراق من المدينة ذلك في مسكنه الأولى، فأتيته وسلمت عليه فسر برؤيتي ~~وأوصاني وأمرني بشراء حوائج له وتبييتها (5) عندي، ونظر إلي فرآني غير ~~منبسط وأنا مغموم (6) منقبض، فقال: مالي # PageV02P942 # أراك مغموما (1)؟ فقلت: وكيف لا، ورأيتك سائرا وأنت تصير إلى هذا (2) ~~الطاغية ولا آمنه (3) عليك منه؟! فقال: يا أبا خالد ليس علي منه بأس، فإذا ~~كانت سنة كذا في شهر كذا في يوم الفلاني فانتظرني آخر النهار مع دخول أول ~~الليل فإني أوافيك إن شاء الله تعالى. # قال أبو خالد: فما كان لي هم إلا إحصاء تلك الشهور والأيام إلى ذلك اليوم ~~الذي وعدني المأتي فيه، فخرجت وانتظرته إلى أن غربت الشمس فلم أر أحدا ~~فداخلني (4) الشك في أمره، فلما كان دخول الليل فبينما أنا كذلك فإذا بسواد ~~قد أقبل من ناحية العراق [فقصدته] فإذا هو على بغلة أمام القطار فسلمت عليه ~~وسررت بمقدمه وتخلصه، فقال لي: داخلك الشك يا أبا خالد؟ فقلت: الحمد لله ~~الذي خلصك من هذا (5) الطاغية، فقال: يا أبا خالد إن لي (6) إليهم عودة لا ~~أتخلص منها (7). # وروي عن عيس المدائني قال: خرجت سنة إلى مكة فأقمت [بها] مجاورا ثم قلت: ~~أذهب إلى المدينة فأقيم بها (8) سنة مثل ما أقمت بمكة فهو أعظم لثوابي (9)، # PageV02P943 # فقدمت المدينة فنزلت طرف ms207 المصلى إلى جنب دار أبي ذر (رض) وجعلت أختلف إلى ~~سيدى موسى الكاظم (عليه السلام)، فبينما أنا عنده في ليلة مطيرة (1) إذ ~~قال: يا عيسى ارجع (2) فقد انهدم بيتك (3) على متاعك، فقمت فإذا البيت قد ~~انهدم (4) على المتاع، فاكتريت قوما كشفوا عن متاعي واستخرجت جميعه ولم ~~يذهب لي شيء غير سطل الوضوء، فلما أتيته من الغد قال: هل فقدت شيئا من ~~متاعك فندعو الله لك بالخلف؟ # فقلت: ما فقدت غير سطل (5) كنت أتوضأ به، فأطرق رأسه [مليا] ثلاثا (6) ثم ~~رفعه فقال: قد ظننت أنك أنسيت السطل (7) قبل جارية رب الدار فاسألها عنه ~~وقل لها أنسيت السطل في بيت الخلاء فرديه فإنها (8) سترده عليك. قال: ~~فسألتها عنه فردته (9). # وعن عثمان بن عيسى قال: قال موسى الكاظم [أبو الحسن] لإبراهيم بن عبد ~~الحميد وقد لقيه سحرا وإبراهيم ذاهب إلى قبا (10) وموسى [أبو الحسن] داخل ~~إلى المدينة [فقال]: يا إبراهيم [فقلت: لبيك] قال: إلى أين؟ قال: [قلت] إلى ~~قبا، # PageV02P944 # فقال: في أي شيء؟ فقلت: انا في كل سنة نشتري من هذا التمر فأردت أن آتي ~~رجلا في هذه السنة من الأنصار فأشتري منه نخلا [من الثمار] فقال له موسى: ~~وقد آمنتم الجراد؟ ثم دخل (1) ومضيت أنا فأخبرت أبا العز فقال: لا والله لا ~~أشتري العام نخلة، فوقع كلامه في صدره (2) فلم يشتر شيئا، فما مرت [بنا] ~~خامسة حتى بعث الله جرادا فأكل عامة [ما في] النخل (3). # ونقل صاحب كتاب نثر الدر (4) [قال: وكتب علي بن يقطين إلى أبي الحسن] (5) ~~أن موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) ذكر له أن الهادي قد هم بك [وعنده ~~جماعة] قال لأهل بيته ومن يليه [بما عزم عليه موسى بن المهدي في أمره]: ما ~~تشيرون به علي من الرأي؟ فقالوا: نرى أن تتباعد عنه وأن تغيب شخصك عنه (6) ~~فإنه لا يؤمن عليك من شره، فتبسم أبو الحسن ثم قال: # زعمت سخينة (7) أن ستغلب ربها * فليغلبن مغالب الغلاب (8) # PageV02P945 # ثم إنه رفع يده إلى السماء فقال: إلهي (1) كم من عدو ms208 شحذ لي ظبة مديته ~~(2) وداف لي قواتل سمومه ولم تنم عني عين حراستك، فلما رأيت ضعفي عن احتمال ~~الفوادح وعجزي عن ملمات الحوائج (3) صرفت عني ذلك بحولك وقوتك لا بحولي ~~وقوتي وألقيته (4) في الحفيرة التي (5) احتفره لي (6) خائبا مما أمله في ~~دنياه (7) متباعدا عما يرجوه في أخراه (8) فلك الحمد على ذلك قدر ما عممتني ~~فيه من نعمك وما توليتني من جودك وكرمك. اللهم فخذه بقوتك (9) وافلل حده ~~عني بقدرتك واجعل له شغلا فيما يليه وعجزا به عما ينويه (10). اللهم وأعدني ~~عليه عدوة حاضرة تكون من غيظي شفاء ومن حقي (11) عليه وفاء، وصل اللهم ~~دعائي بالإجابة وانظم شكايتي بالتعبير وعرفه عما قليل ما وعدت [الظالمين] ~~به من الإجابة لعبيدك # PageV02P946 # المضطرين إنك ذو الفضل العظيم والمن الجسيم. # ثم إن أهل بيته انصرفوا عنه، فلما كان بعد مدة يسيرة حتى اجتمعوا لقراءة ~~الكتاب الوارد على موسى الكاظم بموت موسى الهادي، وفي ذلك يقول بعضهم: # وسارية لم تسر في الأرض تبتغي * محلا ولم يقطع بها الأرض (1) قاطع من ~~أبيات مما قيل في الدعاء المستجاب (2). # وعن عبد الله بن إدريس عن ابن سنان قال: حمل الرشيد في بعض الأيام إلى ~~علي بن يقطين (3) ثيابا فاخرة أكرمه بها وكان في (4) جملتها دراعة [خز] ~~منسوجة # PageV02P947 # بالذهب سوداء من لباس الملوك (1)، فأنفذ بها علي بن يقطين إلى موسى ~~الكاظم (عليه السلام) فردها الإمام إليه وكتب إليه أن احتفظ بها ولا تخرجها ~~عن يدك فسيكون لك بها شأن تحتاج إليها معه، فارتاب علي بن يقطين بردها عليه ~~ولم يدر ما سبب كلامه ذلك. ثم احتفظ (2) بالدراعة وجعلها في سفط وختم ~~عليها، فلما كان بعد ذلك بمدة يسيرة تغير علي بن يقطين على غلامه (3) ممن ~~كان يختص بأموره ويطلع عليها، فصرفه عن خدمته وطرده لأمر أوجب ذلك منه. # فسعى الغلام بعلي بن يقطين (4) إلى الرشيد وقال له: إن علي بن يقطين يقول ~~بإمامة موسى الكاظم (عليه السلام) وإنه يحمل إليه في كل سنة زكاة ماله ~~والهدايا والتحف، وقد حمل إليه ms209 في هذه السنة ذلك وصحبته الدراعة السوداء ~~التي أكرمه بها أمير المؤمنين في وقت كذا. فاستشاط الرشيد لذلك وغضب غضبا ~~شديدا وقال: لأكشفن عن هذه الحال (5) فإن كان الأمر على ما ذكرت أزهقت نفسه ~~(6) وذلك من بعض جزائه. # فأنفذ في الوقت والحين أن يحضر علي بن يقطين، فلما مثل بين يديه قال: ما ~~فعلت بالدراعة السوداء التي كسوتك بها (7) واختصصتك بها من مدة من بين سائر ~~خواصي؟ قال: هي عندي يا أمير المؤمنين في سفط فيه طيب مختوم عليها، فقال: # احضرها الساعة، فقال: نعم يا أمير المؤمنين السمع والطاعة، فاستدعى بعض ~~خدمه فقال: امض وخذ مفتاح البيت الفلاني من داري وافتح الصندوق الفلاني # PageV02P948 # وجئني (1) بالسفط الذي فيه على حالته بختمه. فلم يلبث الخادم إلا قليلا ~~حتى عاد وفي صحبته السفط مختوما على حالته بختمه، فوضع بين يدي الرشيد، ~~فأمر بكسر (2) ختمه ففك وفتح السفط فإذا بالدراعة فيه مطوية ومدفونة بالطيب ~~على حالها لم تلبس ولم تدنس ولم يصبها شيء من الأشياء. فقال لعلي بن يقطين: # ارددها (3) إلى مكانها وخذها وانصرف راشدا فلن أصدق (4) بعدها عليك ~~ساعيا، وأمر أن يتبع بجائزة سنية وأمر أن يضرب الساعي ألف سوط فضرب، فلما ~~بلغوا إلى خمسمائة سوط مات تحت الضرب قبل الألف (5). # وكان [أبو الحسن] موسى الكاظم (عليه السلام) أعبد أهل زمانه وأعلمهم (6) ~~وأسخاهم كفا وأكرمهم نفسا (7)، وكان يتفقد فقراء المدينة في الليل ويحمل ~~إليهم الدراهم والدنانير إلى بيوتهم والنفقات ولا يعلمون من أي جهة وصلهم ~~ذلك، ولم يعلموا بذلك إلا بعد # PageV02P949 # موته (عليه السلام) وكان كثيرا ما يدعو. " اللهم إني أسالك الراحة عند ~~الموت والعفو عند الحساب " (١). # وحكي أن الرشيد سأله يوما: كيف قلتم نحن (٢) ذرية رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) وأنتم أبناء (٣) علي وإنما ينسب الرجل إلى جده لأبيه دون جده ~~لأمه؟! فقال الكاظم (عليه السلام): أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله ~~الرحمن الرحيم: ﴿ومن ذريته داوود وسليمن ~~وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزى المحسنين ms210 وزكريا ويحيى وعيسى ~~وإلياس﴾ (٤) وليس لعيسى أب وإنما ألحق بذرية الأنبياء من قبل أمه، ~~وكذلك ألحقنا بذرية النبي من قبل أمنا فاطمة الزهراء (عليها السلام). ~~وزيادة أخرى يا أمير المؤمنين قال الله عزوجل: # ﴿فمن حاجك فيه منم بعد ما جائك من ~~العلم فقل تعالوا ندع أبنآءنا وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم ~~نبتهل...﴾ (5) ولم يدع (صلى الله عليه وآله) عند مباهلة النصارى غير ~~علي وفاطمة والحسن والحسين وهما الأبناء (6). # PageV02P950 # وروي أن موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) أحضر ولده يوما فقال لهم: يا ~~بني إني موصيكم بوصية من حفظها انتفع بها، إذا أتاكم آت فأسمع أحدكم في ~~الأذن اليمنى مكروها ثم تحول إلى الأذن اليسرى فاعتذر وقال لم أقل شيئا ~~فاقبلوا عذره (1). # وروي عن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن آبائه مرفوعا قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله): نظر الولد إلى والديه حبا لهما عبادة (2). # وعن إسحاق بن جعفر قال: سألت أخي موسى بن جعفر قلت: أصلحك الله أيكون ~~المؤمن بخيلا؟ قال: نعم، قلت: أيكون جبانا؟ قال: نعم، قلت: أيكون خائنا؟ # قال: لا ولا يكون كذابا (3). ثم قال: حدثني أبي جعفر الصادق (عليه ~~السلام) عن آبائه قال: # سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: كل خلة يطوى المؤمن عليها ليس ~~الكذب والخيانة (4). # وروي أحمد بن عبد الله بن عماد (5) عن محمد بن علي النوفلي (6) قال: كان ~~السبب في أخذ الرشيد موسى بن جعفر وحبسه أنه سعى به إليه جماعة وقالوا: إن ~~الأموال تحمل إليه من جميع الجهات والزكوات والأخماس، وإنه اشترى ضيعة # PageV02P951 # سماها اليسيرية (1) بثلاثين ألف دينار، فخرج الرشيد في تلك السنة يريد ~~الحج وبدأ بدخوله إلى المدينة، فلما أتاها (2) استقبله موسى بن جعفر في ~~جماعة من الأشراف، فلما دخلها واستقر ومضى كل إلى سبيله ذهب موسى على جاري ~~عادته إلى المسجد وأقام الرشيد إلى الليل وصار (3) إلى قبر رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إني أعتذر ms211 إليك من أمر (4) أريد أن ~~أفعله وهو أن احبس (5) موسى بن جعفر (عليه السلام) فإنه يريد التشتيت (6) ~~بين أمتك وسفك دمائهم (7) (8)، وإني أريد حقنها. # ثم خرج فأمر به فأخذ من المسجد ودخل (9) به إليه فقيده في تلك الساعة ~~واستدعى بقبتين (10) فجعل كل واحدة منهما على بغل فجعله في إحدى القبتين # PageV02P952 # وسترها بالسقلاط (1) وجعل مع كل واحدة منهما خيلا وأرسل بواحدة منهما من ~~على طريق البصرة وبواحدة [من] على طريق الكوفة، وإنما فعل الرشيد ذلك ليعمي ~~أمره على الناس. # وكان موسى الكاظم في القبة التي أرسل بها على طريق البصرة، وأوصى القوم ~~الذين كانوا معه أن يسلموه إلى عيسى بن جعفر بن منصور (2) وكان على البصرة ~~يومئذ واليا، فسلموه إليه، فتسلمه منهم وحبسه عنده سنة (3). # فبعد السنة كتب إليه الرشيد في سفك دمه وإراحته منه، فاستدعى عيسى بن ~~جعفر بعض خواصه وثقاته اللائذين (4) به والناصحين له فاستشارهم بعد أن ~~أراهم ما كتب به إليه الرشيد، فقالوا: نشير عليك بالاستعفاء من ذلك وأن لا ~~تقع فيه، فكتب عيسى بن جعفر إلى الرشيد يقول: يا أمير المؤمنين كتبت إلى في ~~هذا الرجل وقد اختبرته طول مقامه في حبسي بمن حبسته معه عينا عليه لتنظروا ~~(5) حيلته وأمره وطويته بمن له المعرفة والدراية ويجري من الإنسان مجرى ~~الدم، فلم يكن منه سوء قط، ولم يذكر أمير المؤمنين إلا بخير، ولم يكن عنده ~~تطلع إلى ولاية ولا خروج ولا شئ من أمر الدنيا، ولاقط دعا على أمير ~~المؤمنين ولا على أحد من # PageV02P953 # الناس، ولا يدعو إلا بالمغفرة والرحمة له ولجميع المسلمين، مع ملازمته ~~للصيام والصلاة والعبادة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني من أمره وينفذ ~~من يتسلمه مني و إلا خليت (1) سبيله فإني منه في غاية الحرج (2). # وروي أن شخصا من بعض العيون التي كانت عليه في السجن رفع إلى عيسى بن ~~جعفر أنه سمعه يقول في دعائه: اللهم إنك تعلم أني كنت أسألك أن تفرغني ~~لعبادتك اللهم وقد فعلت فلك الحمد (3). # فلما بلغ الرشيد كتاب ms212 عيسى بن جعفر كتب (4) إلى السندي بن شاهك أن يتسلم # PageV02P954 # موسى بن جعفر الكاظم من عيسى وأمره فيه بأمر، فكان الذي تولى به قتله ~~السندي أن يجعل له سما في طعام وقدمه إليه، وقيل في رطب، فأكل منه موسى بن ~~جعفر (عليه السلام). ثم إنه أقام موعوكا (1) ثلاثة أيام ومات (2). # PageV02P955 # ولما مات موسى بن جعفر (عليه السلام) أدخل السندي بن شاهك لعنه الله ~~الفقهاء ووجوه الناس من أهل بغداد وفيهم أبو الهيثم بن عدي وغيره فنظروا ~~(1) إليه أنه ليس به أثر من جراح ولا (2) مغل أو خنق [وأشهدهم] على أنه مات ~~حتف أنفه، فشهدوا على ذلك (3). # وقد كان قوم زعموا في أيام موسى الكاظم (عليه السلام) أنه هو القائم ~~المنتظر، وجعلوا حبسه هو الغيبة المذكورة للقائم، فأمر يحيى بن خالد أن ~~يوضع على الجسر ببغداد وأن ينادي: هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنه ~~لا يموت، فانظروا إليه ميتا، فنظر الناس إليه ثم إنه حمل ودفن في مقابر ~~قريش في باب (4) التبن (5). # PageV02P956 # وروي أنه لما حضرته الوفاة سأل من السندي أن يحضر مولى له (1) مدنيا ينزل ~~عند دار العباس بن محمد في مشرعة القصب (2) ليتولى غسله ودفنه وتكفينه، ~~فقال له السندي: أنا أقوم لك بذلك على أحسن شيء وأتمه، فقال: إنا أهل بيت ~~مهور # PageV02P957 # نسائنا وحج صرورتنا وأكفان موتانا (1) وجهازهم من طاهر (2) أموالنا، ~~وعندي كفن وأريد أن يتولى غسلي وجهازي مولاي فلان هذا، فأجابه إلى ذلك ~~وأحضره إياه فوصاه بجميع ما يفعل، ولما أن مات تولى ذلك جميعه مولاه ~~المذكور (3). # ومن كتاب الصفوة لابن الجوزي قال: بعث موسى بن جعفر (عليه السلام) إلى ~~الرشيد من الحبس برسالة كتب إليه فيها انه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا ~~انقضى عنك معه يوم من الرخاء حتى نمضي (4) جميعا إلى يوم ليس [له] انقضاء، ~~هناك يخسر فيه المبطلون (5). # وروى إسحاق بن عمار (6) قال: لما حبس هارون [أبا الحسن] موسى الكاظم ~~(عليه السلام) # PageV02P958 # دخل عليه السجن ليلا أبو يوسف ومحمد بن الحسن ms213 صاحبا أبي حنيفة [فقال ~~أحدهما للآخر: نحن على أحد الأمرين، إما أن نساويه أو نشكله] فسلما عليه ~~وجلسا عنده وأرادا أن يختبراه بالسؤال لينظرا مكانه من العلم، فجاء رجل كان ~~موكلا من قبل السندي بن شاهك (1) بالكاظم (عليه السلام) فقال له: إن نوبتي ~~قد انقضت (2) وأريد الانصراف إلى غد إن شاء الله فإن كان لك حاجة تأمرني ~~(3) حتى أن آتيك بها معي إذا جئتك غدا، فقال: مالي حاجة انصرف. # فلما أن خرج (4) قال لأبي يوسف ومحمد بن الحسن: إني لأعجب (5) من هذا ~~الرجل يسألني أن أكلفه حاجة يأتيني بها غدا إذا جاء وهو ميت في هذه الليلة. # فأمسكا عن سؤاله وقاما ولم يسألا عن شيء وقالا: أردنا أن نسأله عن الفرض ~~(6) والسنة أخذ يتكلم معنا علم الغيب، والله لنرسل خلف الرجل من يبيت عند ~~باب داره وننظر ما يكون من أمره. # فأرسلا شخصا من جهتهما جلس على باب ذلك الرجل فلما كان أثناء الليل وإذا ~~بالصراخ والواعية، فقيل لهم: ما الخبر؟ فقالوا: مات صاحب البيت فجأة، فعاد ~~إليهما الرسول وأخبرهما بذلك فتعجبا من ذلك غاية العجب (7). # PageV02P959 # كانت وفاة أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) لخمس بقين من شهر رجب ~~الفرد سنة ثلاث وثمانين ومائة (1) وله من العمر خمس وخمسون (2) سنة كان ~~مقامه منها مع أبيه عشرين سنة، وبقي بعد وفاة أبيه خمسا وثلاثين سنة وهي ~~مدة إمامته (عليه السلام) (3). # PageV02P960 # وأما أولاده فقال الشيخ المفيد (رحمه الله): [و] كان لأبي الحسن موسى بن ~~جعفر سبعة وثلاثون ولدا ما بين ذكر وأنثى منهم (١): علي بن موسى الرضا ~~الإمام وإبراهيم والعباس والقاسم لأمهات أولاد، وإسماعيل وجعفر وهارون ~~والحسن (٢) أشقاء لأم ولد، وعبد الله وإسحاق وعبيد الله وزيد والحسن والفضل ~~وسليمان لأمهات شتى، وأحمد ومحمد وحمزة أشقاء لأم ولد، وفاطمة الكبرى ~~وفاطمة الصغرى ورقية وحكيمة وأم أبيها (٣) ورقية الصغرى وكلثم (٤) وأم جعفر ~~وأم لبانة (٥) وزينب وخديجة وعائشة وآمنة وحسنة وبريهة (٦) وعلية وأم سلمة ~~وميمونة وأم كلثوم لأمهات أولاد. # وكان أفضل ولد (٧) أبي الحسن موسى ms214 الكاظم (عليه السلام) وأنبههم ذكرا ~~وأجلهم قدرا علي بن موسى الرضا (عليه السلام). # وكان أحمد بن موسى كريما جليلا كبيرا ورعا (٨) وكان أبوه موسى الكاظم ~~يحبه ووهب له ضيعة اليسيرية. ويقال: إن أحمد بن موسى أعتق له ألف مملوك. # وكان محمد بن موسى صاحب وضوء وصلاة ليله كله يتوضأ ويصلي ويرقد، ثم يقوم ~~فيتوضأ ويصلي ويرقد، هكذا إلى الصباح. قال بعض شيعة أبيه: ما رأيته قط إلا ~~ذكرت قوله تعالى: ﴿كانوا قليلا من الليل ~~ما يهجعون﴾ (9). # PageV02P961 # وكان إبراهيم بن موسى شجاعا كريما وتقلد الإمرة (1) على اليمن في أيام ~~المأمون من قبل محمد بن زيد (2) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام). # ولكل واحد من ولد (3) أبي الحسن موسى المذكور الكاظم (عليه السلام) فضل ~~مشهور (4). # PageV02P962 # الفصل الثامن في ذكر أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) وهو ~~الإمام الثامن (1) تاريخ ولادته ومدة إمامته ومبلغ عمره ووقت وفاته وعدد ~~أولاده وذكر كنيته ونسبه ولقبه وغير ذلك مما يتصل به قال الشيخ كمال الدين ~~بن طلحة: تقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) # PageV02P965 # وزين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) وجاء علي بن موسى الرضا ~~ثالثهما (1)، ومن أمعن نظره وفكره (2) وجده في الحقيقة وارثهما نمى إيمانه ~~وعلا شأنه وارتفع [واتسع] مكانه وكثر أعوانه وظهر برهانه حتى أحله (3) ~~الخليفة المأمون محل مهجته وأشركه في مملكته وفوض إليه أمر خلافته وعقد له ~~على رؤوس الأشهاد عقد نكاح ابنته. # وكانت مناقبه علية وصفاته سنية [ومكارمه حاتمية وشنشنه أخزمية وأخلاقه # PageV02P966 # عربية] ونفسه الشريفة زكية هاشمية وأرومته الكريمة نبوية (1). # قال صاحب الإرشاد (ره): وكان الإمام القائم بعد موسى الكاظم ولده علي بن ~~موسى الرضا (عليه السلام) لفضله على جماعة أهل بيته وبنيه وإخوته ووفور ~~علمه وغزير حلمه وإجماع (2) الخاصة والعامة على اجتماع ذلك فيه والنص ~~بالإمامة من أبيه وإشارته إليه بذلك دون سائر أهل بيته وبنيه (3). # وممن روى ذلك من أهل العلم والدين داود بن كثير ms215 الرقي (4) قال: قلت لأبي ~~إبراهيم موسى الكاظم (عليه السلام): جعلت فداك إني قد كبرت سني فخذ بيدي ~~وأنقذني من النار من صاحبنا بعدك؟ قال: فأشار إلى ابنه أبي الحسن الرضا ~~فقال: هذا صاحبكم من بعدي (5). # PageV02P967 # وعن زياد بن مروان القندي (1) قال: دخلت على أبي إبراهيم موسى الكاظم ~~وعنده علي ابنه أبو الحسن الرضا فقال لي: يا زياد هذا ابني علي كتابه كتابي ~~وكلامه كلامي ورسوله رسولي، وما قال فالقول قوله (2). # وعن المخزومي: وكانت أمه من ولد جعفر بن أبي طالب (رض) (3) قال: بعث ~~إلينا موسى أبو الحسن (4) الكاظم (عليه السلام) فجمعنا ثم قال: أتدرون لم ~~جمعتكم؟ فقلنا: # لا، قال: اشهدوا أن ابني هذا - وأشار إلى علي بن موسى الرضا - هو وصيي ~~والقائم (5) بأمري وخليفتي من بعدي من كان له عندي دين فليأخذه من ابني ~~هذا، ومن كانت له عندي عدة فليتنجزها (6) منه، ومن لم يكن له بد من لقائي ~~فلا يلقني إلا بكتابه (7). # PageV02P968 # ولد علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في المدينة سنة ثلاث وخمسين (1) ~~ومائة (2)، للهجرة وقيل سنة ثمان وأربعين (3) ومائة. # وأما نسبه (رض) أبا وأما فهو علي الرضا بن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق ~~ابن محمد الباقر ابن علي زين العابدين ابن الحسين ابن علي بن أبي طالب ~~(عليهم السلام) (4). # وأما أمه فأم ولد يقال لها أم البنين (5) # PageV02P969 # واسمها أروى (1)، وقيل شقراء النوبية وهو لقب لها (2). # وأما كنيته فأبو الحسن (3). # PageV02P970 # وأما ألقابه: فالرضا (1) والصابر (2) والزكي (3) والولي (4)، وأشهرها ~~الرضا (5). # صفته معتدل القامة (6)، شاعره دعبل الخزاعي (7)، # PageV02P971 # بابه (1) محمد بن الفرات (2). نقش خاتمه " حسبي الله " (3) معاصره الأمين ~~والمأمون (4). # PageV02P972 # وأما مناقبه (عليه السلام) فمن ذلك ما كان أكبر دلائل برهانه وشهد له ~~بعلو قدره وسمو مكانه وهو أنه لما جعله المأمون ولي عهده وأقامه خليفة من ~~بعده كان في حاشية المأمون أناس قد كرهوا ذلك وخافوا خروج الخلافة عن بني ~~العباس وردها إلى (1) بني فاطمة، فحصل عندهم من علي بن موسى الرضا (عليه ~~السلام) نفور، وكانت عادة الرضا إذا جاء إلى دار ms216 المأمون ليدخل عليه بادر ~~(2) من في الدهليز من الحجاب (3) وأهل النوبة من الخدم والحشم بالقيام له ~~والسلام عليه ويرفعون (4) له الستر حتى يدخل (5). # فلما حصلت لهم هذه النفرة تفاوضوا في أمر هذه القضية ودخل منها في قلوبهم ~~شيء قالوا فيما بينهم: إذا جاء ليدخل على الخليفة بعد هذا اليوم نعرض عنه ~~ولا نرفع له الستر. واتفقوا على ذلك فيما بينهم. فبينما هم جلوس إذ جاء ~~الرضا (عليه السلام) على جاري عادته فلم يملكوا أنفسهم أن قاموا وسلموا ~~عليه ورفعوا له الستر، فلما دخل أقبل بعضهم على بعض يتلاومون على كونهم ما ~~فعلوا ما اتفقو عليه، وقالوا: # الكرة الثانية (6) إذا جاء لا نرفعه له. # PageV02P973 # فلما كان اليوم الثاني وجاء الرضا (عليه السلام) على عادته قاموا وسلموا ~~عليه ولم يرفعوا له الستر، فجاءت ريح شديدة فدخلت في الستر ورفعته أكثر مما ~~كانوا يرفعونه له، فدخل ثم سكنت، ثم عند خروجه جاءت الريح أيضا من الجانب ~~الآخر فرفعته له وخرج، فأقبل بعضهم على بعض وقالوا: إن لهذا الرجل عند الله ~~منزلة وله منه (1) عناية انظروا إلى الريح كيف جاءت ورفعت له الستر عند ~~دخوله وعند خرجه من الجهتين، ارجعوا إلى ما كنتم عليه من خدمته فهو خير ~~لكم، فعادوا إلى ما كانوا عليه وزادت عقيدتهم فيه (2). # وعن صفوان بن يحيى (3) قال: [لما] مضى أبو الحسن موسى الكاظم (عليه ~~السلام) وقام ولده من بعده أبو الحسن الرضا (عليه السلام) وتكلم خفنا عليه ~~من ذلك (4) وقلت (5) له إنك أظهرت أمرا عظيما وإنا نخاف عليك من هذا (6) ~~الطاغية - يعني هارون الرشيد - قال ليجهد (7) # PageV02P974 # جهده فلا سبيل له علي (1). # قال صفوان: فأخبرنا (2) الثقة أن يحيى بن خالد البرمكي قال للطاغي (3): ~~هذا علي بن موسى الرضا قد قعد (4) وادعى الأمر لنفسه، فقال هارون: ما ~~يكفينا ما صنعنا بأبيه تريد أن نقتلهم جميعا (5)؟ # وعن مسافر قال: كنت مع أبي الحسن الرضا (عليه السلام) بمنى فمر يحيى بن ~~خالد البرمكي (6) # PageV02P975 # وهو مغطي (1) وجهه بمنديل من الغبار، فقال الرضا (عليه السلام): ms217 مساكين ~~هؤلاء لا يدرون ما يحل بهم في هذه السنة. فكان من أمرهم ما كان. قال: وأعجب ~~من هذا أنا وهارون كهاتين، وضم إصبعيه السبابة والوسطى. قال مسافر: فوالله ~~ما عرفت معنى حديثه في هارون إلا بعد موت الرضا ودفنه إلى جانبه (2). # وعن موسى بن مهران (3) قال: رأيت علي بن موسى الرضا في المدينة وهارون ~~الرشيد يخطب وقال (4): أتروني وإياه ندفن في بيت واحد (5). # وعن حمزة بن جعفر الا رجاني قال: خرج هارون الرشيد من المسجد الحرام ~~[مرتين] من باب وخرج علي بن موسى الرضا (عليه السلام) من باب [مرتين] فقال ~~الرضا (عليه السلام) وهو يعني هارون: ما أبعد الدار وأقرب اللقاء، يا طوس ~~يا طوس يا طوس ستجمعني (6) وإياه (7). # PageV02P976 # ومن ذلك ما روي عن بكر بن صالح قال: أتيت الرضا (عليه السلام) فقلت: ~~امرأتي أخت محمد بن سنان وكان من خواص شيعتهم بها حمل فادع الله أن يجعله ~~ذكرا، قال: # هما اثنان فوليت وقلت [في نفسي]: اسمي واحدا محمدا والآخر عليا، فدعاني ~~وردني فأتيته وقال: سم واحدا عليا والأخرى أم عمر (1)، فقدمت الكوفة وقد ~~ولد لي غلاما وجارية في بطن فسميت الذكر عليا والأنثى أم عمر كما أمرني ~~وقلت لأمي: ما معنى أم عمر قالت: جدتك كانت تسمى أم عمر (2). # ومن كتاب إعلام الورى للطبرسي قال: روى الحاكم أبو عبد الله الحافظ ~~بإسناده عن محمد بن عيسى عن أبي حبيب [النباجي] أنه قال رأيت النبي (صلى ~~الله عليه وآله) في المنام وكأنه قد وافى النباج ونزل بها في المسجد الذي ~~ينزله الحجاج (3) من بلدنا في كل سنة، وكأني مضيت إليه وسلمت عليه ووقفت ~~بين يديه فوجدت (4) عنده طبقا من خوص نخل المدينة فيه تمر صيحاني وكأنه (5) ~~قبض قبضة من ذلك التمر فناولني فعددته فكان (6) ثمانية عشر تمرة، فتأولت ~~أني أعيش بعدد كل تمرة سنة، فلما كان بعد عشرين يوما وأنا في أرض لي تعمر ~~للزراعة إذ (7) جاءني من أخبرني بقدوم أبي الحسن الرضا (عليه السلام) من ~~المدينة ونزوله ذلك ms218 المسجد، ورأيت الناس يسعون إلى السلام # PageV02P977 # عليه من كل جانب، فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت النبي ~~(صلى الله عليه وآله) فيه وتحته حصير مثل الحصير الذي رأيتها تحته (صلى ~~الله عليه وآله) وبين يديه طبق من خوص وفيه تمر صيحاني، فسلمت عليه، فرد ~~علي السلام واستدناني (1) وناولني قبضة من ذلك التمر فعددتها فإذا عدده مثل ~~ذلك العدد الذي ناولني (2) رسول الله (صلى الله عليه وآله) في النوم ثماني ~~عشرة حبة تمر، فقلت: زدني، فقال: لو زادك رسول الله لزدناك (3). # وروى الحافظ أيضا بإسناده عن سعيد (4) بن سعد (5) عن أبي الحسن الرضا ~~(عليه السلام) أنه نظر إلى رجل فقال: يا عبد الله أوص بما تريد واستعد لما ~~لابد منه، فكان ما قد قال: # فمات الرجل بعد ذلك بثلاثة أيام (6). # PageV02P978 # وعن الحسين بن موسى قال: كنا حول أبي الحسن الإمام علي الرضا ونحن شبان ~~(1) من بني هاشم إذ مر علينا جعفر (2) بن علي العلوي وهو رث الهيئة، فنظر ~~بعضنا إلى بعض وضحكنا من هيئته (3)، فقال الرضا (عليه السلام): لترونه (4) ~~عن قريب كثير المال كثير التبع (5) حسن الهيئة فما مضى إلا شهر واحد حتى ~~ولى أمرة المدينة وحسنت حالته وكان (6) يمر علينا وحوله الخدم [ومعه ~~الخصيان] والحشم يسيرون بين يديه (7). # وعن الحسين بن يسار (8) قال: قال لي الرضا (عليه السلام): إن عبد الله ~~يقتل محمدا، فقلت له: عبد الله بن هارون يقتل محمد بن هارون؟ فقال [لي]: ~~نعم عبد الله المأمون [الذي بخراسان] يقتل محمد الأمين [ابن زبيدة الذي هو ~~ببغداد] فكان كما # PageV02P979 # قال (عليه السلام) (1). # وعن أبي الحسن القرضي عن أبيه قال حضرنا مجلس أبي الحسن الرضا (عليه ~~السلام) فجاءه رجل فشكا إليه حاله فأنشأ الرضا يقول (2): # اعذر أخاك على ذنوبه * واستر وغط (3) على عيوبه واصبر على بهت (4) السفيه ~~* وللزمان على خطوبه ودع الجواب تفضلا * وكل الظلوم إلى (5) حسيبه وعن محمد ~~بن يحيى الفارسي قال: نظر أبو نؤاس (6) إلى أبي الحسن علي بن موسى الرضا ~~ذات يوم ms219 وقد خرج من عند المأمون على بغلة له فارهة فدنا منه # PageV02P980 # وسلم عليه وقال: يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) [قد] قلت فيك ~~أبياتا أحب أن تسمعها مني فقال له: هات (1)، فأنشأ أبو نؤاس يقول: # مطهرون نقيات ثيابهم * تجري الصلاة عليهم أينما (2) ذكروا من لم يكن ~~علويا حين تنسبه * فما له من (3) قديم الدهر مفتخر وأنتم الملأ الأعلى ~~وعندكم (4) * علم الكتاب وما جاءت به السور فقال الرضا (عليه السلام): قد ~~جئتنا بأبيات ما سبقك إليها (5) أحد. ثم قال: ما معك يا غلام من فاضل ~~نفقتنا؟ قال: ثلاث مائة دينار، قال: أعطها إياه (6). ثم بعد أن ذهب إلى ~~بيته قال (عليه السلام): لعله استقلها سق يا غلام إليه البغلة (7). # ونقل الطوسي (ره) (8) في كتابه عن أبي الصلت الهروي قال: دخل دعبل ~~الخزاعي (9) على أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بمرو فقال له: ~~يا بن رسول الله إني قد قلت فيكم أهل البيت قصيدة وآليت على نفسي أن لا ~~أنشدها أحدا قبلك وأحب أن تسمعها مني، فقال له الإمام أبي الحسن علي بن ~~موسى الرضا (عليه السلام): # PageV02P981 # هاتها (1)، فأنشأ يقول: # ذكرت محل الربع من عرفات * فأسبلت (2) دمع العين بالعبرات (3) وفل عرى ~~(4) صبري وهاجت صبابتي * رسوم ديار أقفرت وعرات مدارس آيات خلت من تلاوة * ~~ومنزل وحي مقفر العرصات لآل رسول الله بالخيف من منى * وبالبيت والتعريف ~~والجمرات ديار علي والحسين وجعفر * وحمزة والسجاد ذي الثفنات ديار لعبد ~~الله والفضل صنوه * نجي رسول الله في الخلوات (5) منازل كانت للصلاة وللتقى ~~* وللصوم والتطهير والحسنات منازل جبريل الأمين يحلها * من الله بالتسليم ~~والزكوات (6) منازل وحي الله معدن علمه * سبيل رشاد واضح الطرقات قفا نسأل ~~الدار التي خف أهلها * متى عهدها (7) بالصوم والصلوات فأين الأولى شطت بهم ~~غربة النوى * أفانين (8) في الأقطار مفترقات (9) أحب قصي الرحم من أجل حبكم ~~* وأهجر فيكم زوجتي وبناتي (10) # PageV02P982 # هم آل (1) ميراث النبي إذا انتموا * وهم خير سادات وخير حماة مطاعيم في ~~الأعسار (2) في كل مشهد * فلقد (3) شرفوا بالفضل ms220 والبركات أئمة عدل يهتدى ~~(4) بفعالهم * وتؤمن منهم (5) زلة العثرات فيا رب زد قلبي هدى وبصيرة * وزد ~~حبهم يا رب في حسنات لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها (6) * وإني لأرجو الأمن ~~بعد وفاتي ألم تر أني مذ ثلاثين حجة * أروح وأغدو دائم الحسرات أرى فيئهم ~~في غيرهم متقسما * وأيديهم من فيئهم صفرات إذا وتروا مدوا إلى أهل واتريهم ~~(7) * اكفا عن الأوتار منقبضات وآل رسول الله هلب رقابهم (8) * وآل زياد ~~غلظ القصرات (9) سأبكيهم ما ذر في الأفق شارق * ونادى منادي الخير بالصلوات ~~وما طلعت شمس وحان غروبها * وبالليل أبكيهم وبالغدوات ديار رسول الله أصبحن ~~بلقعا * وآل زياد تسكن الحجرات وآل زياد في القصور مصونة * وآل رسول الله ~~في الفلوات فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غد * تقطع نفسي إثرهم حسرات # PageV02P983 # خروج امام لا محالة خارج * يقوم على اسم الله بالبركات يميز فينا كل حق ~~وباطل * ويجزي على النعماء والنقمات فيا نفس طيبي ثم يا نفس فأبشري (1) * ~~فغير بعيد كلما (2) هو آت وهي قصيدة طويلة عدد أبياتها مائة وعشرون اقتصرت ~~منها على هذا القدر (3). # PageV02P984 # # PageV02P984 # # PageV02P984 # # PageV02P984 # ولما فرغ دعبل (ره) من إنشادها نهض أبو الحسن الرضا (عليه السلام) وقال: ~~لا تبرح، فأنفذ إليه صرة فيها مائة دينار (1) واعتذر إليه، فردها دعبل ~~وقال: والله ما لهذا، جئت للسلام عليه والتبرك بالنظر إلى وجهه الميمون، ~~وإني لفي غنى، فان رأى أن يعطيني شيئا من ثيابه للتبرك فهو أحب إلى، فأعطاه ~~الرضا جبة خز ورد عليه الصرة، وقال للغلام: قل له خذها ولا تردها فإنك ~~ستصرفها أحوج ما تكون إليها (2). # PageV02P995 # فأخذها وأخذ الجبة ثم أقام بمرو مدة فتجهزت قافلة تريد العراق فتجهز ~~صحبتها فخرج عليهم اللصوص (1) في أثناء الطريق ونهبوا القافلة عن آخرها ~~ولزموا جماعة من أهلها فكتفوهم وأخذوا ما معهم، ومن جملتهم دعبل، فساروا ~~بهم غير بعيد، ثم جلسوا يقتسمون أموالهم فتمثل مقدم اللصوص وكبيرهم يقول: # أرى فيئهم في غيرهم متقسما * وأيديهم من فيئهم صفرات ودعبل يسمعه فقال: ~~أتعرف هذا البيت لمن؟ قال: وكيف لا أعرفه وهو ms221 لرجل من خزاعة يقال له دعبل ~~شاعر أهل البيت (عليهم السلام) قاله في قصيدة مدحهم بها، فقال دعبل: فأنا ~~والله صاحب القصيدة وقائلها فيهم، فقال: ويلك انظر ماذا تقول؟ قال: # والله الأمر أشهر من ذلك واسأل أهل القافلة وهؤلاء الممسوكين معكم ~~يخبروكم بذلك، فسألهم فقالوا بأسرهم: هذا دعبل الخزاعي شاعر أهل البيت ~~المعروف الموصوف، ثم إن دعبل أنشدهم القصيدة من أولها إلى آخرها عن ظهر قلب ~~فقالوا: # قد وجب حقك علينا وقد أطلقنا القافلة ورددنا جميع ما أخذنا منها إكراما ~~لك يا شاعر أهل البيت. # ثم إنهم أخذوا دعبل وتوجهوا به إلى قم ووصلوه بمال وسألوه في بيع الجبة ~~التي أعطاها له أبو الحسن الرضا ودفعوا له فيها ألف دينار، فقال: لا أبيعها ~~وإنما أخذتها للتبرك معي من أثره. # PageV02P996 # ثم إنه رحل من عندهم من قم بعد ثلاثة أيام فلما صار خارج البلد على نحو ~~ثلاثة أميال وقيل ثلاثة أيام خرج عليه قوم من أحداثهم اخذوا الجبة منه فرجع ~~إلى قم وأخبر كبارهم بذلك فأخذوا الجبة منهم وردوها عليه ثم قالوا: نخشى أن ~~تؤخذ هذه الجبة منك يأخذها غيرنا ثم لا ترجع إليك، فبالله إلا ما أخذت ~~الألف وتركتها، فأخذ الألف منهم وأعطاهم الجبة ثم سافر عنهم. # وعن أبي الصلت (ره) قال: قال دعبل (رض): لما أنشدت مولاي الرضا هذه ~~القصيدة وإنتهيت إلى قولي: # خروج إمام لا محالة خارج (1) * يقوم على اسم الله والبركات يميز فينا كل ~~حق وباطل * ويجزي على النعماء والنقمات بكى الرضا (عليه السلام) ثم رفع ~~رأسه إلي وقال: يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين (2) أتدري ~~من هذا الإمام الذي تقول؟ فقلت (3): لا أدري إلا أني سمعت يا مولاي بخروج ~~إمام منكم يملأ الأرض (4) عدلا، فقال: يا دعبل الإمام بعدي محمد ابني وبعده ~~علي ابنه وبعد علي ابنه الحسن وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في ~~غيبته المطاع في ظهوره، ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك ~~اليوم حتى يخرج ms222 فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا (5). # PageV02P997 # قال إبراهيم بن العباس (1): سمعت العباس يقول: ما سئل الإمام الرضا (عليه ~~السلام) عن شيء [قط] إلا علمه، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان إلى ~~وقت عصره (2)، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شيء فيجيبه الجواب الشافي ~~(3). # وكان قليل النوم [بالليل] كثير الصوم لا يفوته صيام ثلاثة أيام في كل شهر ~~ويقول # PageV02P998 # ذلك صيام الدهر، وكان كثير المعروف والصدقة سرا وأكثر ما يكون ذلك منه في ~~الليالي المظلمة (1). # وكان جلوس الرضا (2) في الصيف على حصير وفي الشتاء على مسح (3). # قال إبراهيم بن العباس: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول وقد سأله رجل: ~~أيكلف الله العباد ما لا يطيقون؟ فقال: هو أعدل من ذلك، قال: أفيقدرون على ~~فعل كل ما يريدون؟ قال: هم أعجز من ذلك. # وقال [الآبي] صاحب كتاب نثر الدرر: سأل الفضل بن سهل (4) علي بن موسى ~~الرضا (عليه السلام) في مجلس المأمون قال: يا أبا الحسن الخلق مجبرون؟ قال: ~~إن الله تعالى أعدل من أن يجبر ثم يعذب، قال: فمطلقون؟ قال: الله تعالى ~~أحكم من أن يهمل # PageV02P999 # عبده ويكله إلى نفسه (1). # ومن كتاب عيون أخبار الإمام الرضا (عليه السلام) تصنيف الشيخ عماد الدين ~~أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه رحمهم الله: إن علي بن موسى ~~الرضا حدث عن أبيه عن آبائه عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه ~~وعليهم أجمعين أن موسى بن عمران لما ناجى ربه قال: يا رب أبعيد أنت مني ~~فأناديك أم قريب فأناجيك؟ # فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى أنا جليس من ذكرني، فقال (2) موسى: يا رب ~~إني أكون في حال أجلك أن أذكرك فيها، فقال: يا موسى اذكرني على كل حال (3). # وعن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله) أنه قال: من لم يؤمن بحوضي فلا أورده الله حوضي، ومن لم يؤمن بشفاعتي ~~فلا أناله الله شفاعتي. ثم قال (صلى الله عليه وآله): ms223 إنما شفاعتي لأهل ~~الكبائر من أمتي، فأما المحسنون فما عليهم من سبيل (4). # وعن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما كان ولا يكون إلى يوم ~~القيامة من مؤمن إلا وله جار يؤذيه (5). # وعن علي بن موسى الرضا عن آبائه عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله): الشيب في مقدم الرأس عز، وفي العارضين سخاء، وفي ~~الذوائب شجاعة، وفي القفا شؤم (6). # وعنه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام): قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله): لما أسري بي إلى السماء رأيت رحما معلقة بالعرش تشكو رحما إلى ~~ربها أنها قاطعة لها، قلت: كم بينك وبينها من # PageV02P1000 # أب؟ قال: نلتقي من أربعين أبا (١). # وعن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنه قال: من صام من شعبان يوما ~~واحدا ابتغاء ثواب الله إلا دخل الجنة (٢)، ومن استغفر الله تعالى في كل ~~يوم منه سبعين مرة حشره الله يوم القيامة في زمرة النبي (صلى الله عليه ~~وآله) ووجبت له من الله الكرامة (٣)، ومن تصدق في شعبان بصدقة ولو بشق تمرة ~~حرم الله جسده على النار (٤). # وعن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنه قال: من صام أول يوم من رجب ~~رغبة في ثواب الله تعالى وجبت له الجنة، ومن صام في يوم من وسطه شفع في مثل ~~ربيعة ومضر، ومن صام في يوم من آخره جعله الله من أملاك الجنة وشفعه الله ~~في أبيه وأمه وإخوانه وأخواته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته ومعارفه ~~وجيرانه وإن كان فيهم من هو مستوجب النار (٥). # وعن ياسر الخادم قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) ~~يقول: # أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاث مواطن: يوم يولد المولود ويخرج من بطن ~~أمه فيرى الدنيا، ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها، ويوم يبعث فيرى أحكاما ~~لم يرها في دار الدنيا، وقد سلم الله على يحيى في ms224 هذه الثلاثة المواطن وأمن ~~روعته فقال ﴿وسلم عليه يوم ولد ويوم ~~يموت ويوم يبعث حيا﴾ (٦) (٧). # وقد سلم عيسى بن مريم على نفسه في هذه الثلاثة المواطن أيضا فقال: # ﴿والسلم على يوم ولدت ويوم أموت ويوم ~~أبعث حيا﴾ (8). # وقال المولى السعيد إمام الدنيا عماد الدين محمد بن أبي سعيد (9) بن عبد ~~الكريم # PageV02P1001 # الوزان في محرم سنة ست وتسعين وخمسمائة قال: أورد صاحب كتاب تاريخ ~~نيشابور في كتابه: أن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) لما دخل إلى نيشابور ~~في السفرة التي فاز (1) فيها بفضيلة الشهادة كان في قبة مستورة بالسقلاط ~~(2) على بغلة شهباء وقد شق نيشابور، فعرض له الإمامان الحافظان للأحاديث ~~النبوية والمثابران (3) على السنة المحمدية أبو زرعة الرازي (4) ومحمد بن ~~أسلم الطوسي (5) ومعهما خلائق لا يحصون من طلبة العلم وأهل الأحاديث وأهل ~~الرواية والدراية، فقالا: أيها السيد الجليل ابن السادة الأئمة بحق آبائك ~~الأطهرين وأسلافك الأكرمين إلا ما أريتنا وجهك الميمون المبارك ورويت لنا ~~حديثا عن آبائك عن جدك محمد (صلى الله عليه وآله) نذكرك به. # فاستوقف البغلة وأمر غلمانه بكشف المظلة عن القبة وأقر عيون تلك الخلائق ~~برؤية طلعته المباركة، فكانت له ذؤابتان على عاتقه والناس كلهم قيام على ~~طبقاتهم ينظرون إليه وهم بين صارخ وباك ومتمرغ في التراب ومقبل لحافر (6) ~~بغلته، وعلا الضجيج فصاحت الأئمة والعلماء والفقهاء: معاشر الناس اسمعوا ~~وعوا وانصتو لسماع ما ينفعكم ولا تؤذونا بكثرة صراخكم وبكائكم. وكان ~~المستملي أبو زرعة # PageV02P1002 # ومحمد بن أسلم الطوسي. # فقال علي بن موسى الرضا (عليه السلام): حدثني أبي موسى الكاظم عن أبيه ~~جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن أبيه علي زين العابدين عن أبيه الحسين ~~شهيد كربلاء عن أبيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: حدثني حبيبي وقرة ~~عين رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: حدثني جبرئيل قال: سمعت رب العزة ~~سبحانه وتعالى يقول: كلمة لا إله إلا الله حصني، فمن قالها دخل حصني، ومن ~~دخل ms225 حصني أمن [من] عذابي. ثم أرخى الستر على القبة وسار. # قال فعدوا أهل المحابر والدوي الذين كانوا يكتبون فأنافوا على عشرين ألفا ~~(1). # قال الأستاذ أبو القاسم القشيري (2): اتصل هذا الحديث بهذا السند ببعض ~~الأمراء السامانية فكتبه بالذهب وأوصى أن يدفن معه في قبره، فرؤي بالنوم ~~بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر الله لي بتلفظي بلا إله إلا ~~الله وتصديقي بأن محمدا رسول الله [مخلصا] (3). # PageV02P1003 # ودخل على علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بنيشابور (1) قوم من الصوفية ~~فقالوا: إن أمير المؤمنين المأمون لما نظر فيما ولاه [الله] من الأمور ~~فرآكم أهل البيت أولى من قام بأمر الناس، ثم نظر في أهل البيت فرآك أولى ~~بالناس من كل واحد منهم، فرد هذا الأمر إليك، والإمامة (2) تحتاج إلى من ~~يأكل الجشب (3) ويلبس الخشن ويركب الحمار ويعود المريض ويشيع الجنائز. # قال: وكان الإمام الرضا (عليه السلام) متكئا فاستوى جالسا ثم قال: كان ~~يوسف بن يعقوب نبيا فلبس (4) أقبية الديباج المزررة بالذهب والقباطي ~~المنسوجة بالذهب وجلس على متكآت آل فرعون وحكم وأمر ونهى، وإنما يراد من ~~الإمام قسطه وعدله (5) إذا قال صدق وإذا حكم عدل وإذا وعد أنجز، إن الله لم ~~يحرم ملبوسا ولا مطعما، وتلا # PageV02P1004 # قوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله ~~التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ (1) (2). # ذكر ولاية العهد من المأمون لعلي بن موسى الرضا (عليه السلام) ذكر جماعة ~~من أصحاب السير ورواة الأخبار بأيام الخلفاء أن المأمون لما أراد ولاية ~~العهد للرضا (عليه السلام) وحدث نفسه بذلك وعزم عليه أحضر الفضل بن سهل ~~فأعلمه (3) بما قد عزم عليه وأمره مشاورة بالاجتماع مع أخيه الحسن على (4) ~~ذلك ففعل واجتمعا (5) وحضرا عند المأمون، فجعل الحسن يعظم ذلك عليه ويعرفه ~~ما في إخراج الأمر من (6) أهل بيته، فقال له المأمون: إني عاهدت الله أني ~~إن ظفرت بالمخلوع (7) أخرجت (8) الخلافة إلى أفضل (9) بني آل أبي طالب، وما ~~أعلم أحدا أفضل من هذا الرجل على وجه الأرض، ms226 ولابد من ذلك. # فلما رأيا تصميمه وعزيمته على ذلك أمسكا عن معارضته فقال: تذهبان الآن ~~إليه وتخبرانه بذلك عني وتلزمانه به، فذهبا إلى الرضا (عليه السلام) ~~وأخبراه بذلك وإلزام # PageV02P1005 # المأمون له بذلك، فامتنع منه، فلم يزالا به حتى أجاب على أنه لا يأمر ولا ~~ينهى ولا يولي ولا يعزل ولا يتكلم بين اثنين في حكم ولا يغير شيئا هو قائم ~~على أصوله، فأجابه المأمون إلى ذلك. # ثم إن المأمون جلس مجلسا خاصا لخواص أهل دولته من الأمراء والوزراء ~~والحجاب والكتاب وأهل الحل والعقد، وكان ذلك في يوم الخميس وأحضرهم، فلما ~~حضروا قال للفضل بن سهل: أخبر الجماعة الحاضرين برأي أمير المؤمنين في ~~الرضا علي بن موسى (عليه السلام)، وأنه ولاه عهده وأمرهم بلبس الخضرة ~~والعود لبيعته في الخميس الآخر وأخذ أعطياتهم وأرزاقهم سنة على حكم ~~التعجيل، ثم صرفهم. # فلما كان الخميس الثاني حضر الناس وجلسوا على مقادير طبقاتهم ومنازلهم كل ~~في موضعه، وجلس المأمون، ثم جيء بالرضا (عليه السلام) فجلس بين وسادتين ~~عظيمتين وضعتا له وهو لابس الخضرة وعلى رأسه عمامة مقلد بسيف، فأمر المأمون ~~ابنه العباس بالقيام إليه والمبايعة له أول الناس، فرفع الرضا (عليه ~~السلام) يده [فتلقى بها وجه نفسه وببطنها وجوههم] وحطها من فوق، فقال له ~~المأمون: ابسط يدك للبيعة، فقال الرضا (عليه السلام): هكذا كان يبايع رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) يضع يده فوق أيديهم، فقال: # أفعل ما ترى. # ثم وضعت بدر الدراهم (1) والدنانير وقطع (2) الثياب والخلع وقام الخطباء ~~والشعراء وذكروا ما كان أمر المأمون وولاية عهده للرضا، وذكروا فضل الرضا ~~وفرقت الصلات والجوائز على الحاضرين على قدر مراتبهم، وفرقت في ذلك اليوم ~~أموال عظيمة. # ثم إن المأمون قال للرضا: قم واخطب الناس، فقام وتكلم، فحمد الله وأثنى ~~عليه # PageV02P1006 # وثنى بذكر نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) وقال: أيها الناس إن لنا عليكم ~~حقا برسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكم علينا حق به، فإذا أديتم إلينا ~~ذلك وجب لكم علينا الحق لكم (1)، والسلام. ولم ms227 يسمع منه في هذا المجلس غير ~~هذا. # وخطب للرضا بولاية العهد في كل بلد، وخطب عبد الجبار بن سعيد في تلك ~~السنة على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمدينة الشريفة فقال في ~~الدعاء للرضا وهو على المنبر: ولي عهد المسلمين علي بن موسى بن جعفر بن ~~محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأنشد: # ستة آباء هم ما هم أفضل * من يشرب صوب الغمام (2) وذكر المديني (3) قال: ~~لما جلس الرضا ذلك المجلس وهو لابس تلك الخلع والخطباء يتكلمون وتلك ~~الألوية تخفق على رأسه نظر أبو الحسن الرضا إلى بعض مواليه الحاضرين ممن ~~كان يختص به وقد داخله من السرور مالا عليه من مزيد (4) وذلك لما رأى، ~~فأشار إليه الرضا فدنا منه وقال له في أذنه سرا: لا تشغل قلبك بهذا الأمر ~~(5) ولا تستبشر به فإنه شيء لا يتم (6). # PageV02P1007 # وهذا مختصر من كتاب العهد الذي كتبه المأمون الخليفة للرضا بخطه اختصرته ~~لطوله وذكرت أوله وآخره وصورته: # بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب كتبه عبد الله بن هارون الرشيد لعلي بن ~~موسى بن جعفر ولي عهده: # أما بعد، فإن الله عزوجل اصطفى الإسلام دينا واختار له من عباده رسلا ~~دالين عليه وهادين إليه، يبشر أولهم بآخرهم، ويصدق تأليهم ماضيهم، حتى ~~انتهت نبوة الله تعالى إلى محمد (صلى الله عليه وآله) على فترة من الرسل ~~ودروس من العلم وانقطاع من الوحي واقتراب من الساعة، فختم الله به النبيين ~~وجعله شاهدا لهم (1) ومهيمنا عليهم، وأنزل عليه الكتاب العزيز الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل (2) من حكيم حميد. فلما انقضت ~~النبوة وختم الله بمحمد (صلى الله عليه وآله) بالرسالة (3) جعل قوام الدين ~~ونظام أمر المسلمين في الخلافة (4) ونظامها والقيام بشرايعها وأحكامها. # PageV02P1008 # ولم يزل أمير المؤمنين منذ انقضت إليه الخلافة وحمل مشاقها واختبر مرارة ~~طعمها ومذاقها مسهر العينين مضنيا لبدنه مطيلا لفكره فيما فيه عز الدين ~~وقمع المشركين وصلاح الأمة وجمع الكلمة ونشر العدل ms228 وإقامة الكتاب والسنة ~~ومنعه ذلك من الحفظ والدعة ومهنأ العيش محبة أن يلقى الله سبحانه وتعالى ~~مناصحا له في دينه وعباده ومختارا لولاية عهده ورعاية الأمة من بعده، أفضل ~~من يقدر عليه في دينه وورعه وعلمه، وأرجاهم للقيام بأمر الله تعالى وحقه، ~~مناجيا لله تعالى بالاستخارة في ذلك ومسألته الهامة ما فيه رضاه وطاعته في ~~آناء ليله ونهاره، معملا فكره ونظره فيما فيه طلبه والتماسه في أهل بيته من ~~ولد عبد الله بن العباس وعلي بن أبي طالب، مقتصرا ممن علم حاله ومذهبه منهم ~~على علمه وبالغا في المسألة ممن خفي عليه أمره جهده وطاقته، رضاه وطاعته، ~~حتى استقصى أمورهم معرفة، وابتلى (1) أخبارهم مشاهدة، واستبرأ أحوالهم ~~معاينة، وكشف ما عندهم مسائلة. # وكانت خيرته بعد استخارة الله تعالى واجتهاده نفسه في قضاء حقه في عباده ~~وبلاده في الفئتين جميعا علي بن موسى الرضا ابن جعفر بن محمد بن علي بن ~~الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) لما رأى من فضله البارع وعلمه ~~الذايع وورعه الظاهر الشايع وزهده الخالص النافع، وتخليته من الدنيا وتفرده ~~عن الناس وقد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه مطبقة والألسن عليه متفقة ~~والكلمة فيه جامعه والأخبار واسعة، ولما لم نزل نعرفه به من الفضل يافعا ~~وناشئا وحدثا وكهلا فلذلك عقد له بالعهد والخلافة من بعده واثقا بخيرة الله ~~تعالى في ذلك، إذ علم الله تعالى أنه فعله إيثارا له وللدين ونظرا للإسلام ~~وطلبا للسلامة وثبات الحجة والنجاة في اليوم الذي يقوم الناس فيه لرب ~~العالمين. # PageV02P1009 # ودعا أمير المؤمنين ولده وأهل بيته وخاصته وقواده وخدمه فبايعه الكل ~~مطيعين مسارعين مسرورين عالمين بإيثار أمير المؤمنين طاعة الله على الهوى ~~في ولده وغيره (1) ممن هو أشبك منه رحما وأقرب قرابة. وسماه الرضا إذ كان ~~رضيا عند الله تعالى وعند الناس، وقد آثر طاعة الله والنظر لنفسه ~~وللمسلمين، والحمد لله رب العالمين. وكتب بيده في يوم الاثنين لسبع خلون من ~~شهر رمضان سنة إحدى ومائتين (2). # وهذه صورة ما ms229 على ظهر العهد مكتوبا بخط الإمام علي بن موسى الرضا (عليه ~~السلام) من غير اختصار: # بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الفعال لما يشاء، لا معقب لحكمه ولا ~~راد لقضائه، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وصلواته على نبيه محمد ~~خاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين. # أقول وأنا علي بن موسى بن جعفر: إن أمير المؤمنين عضده الله بالسداد ~~ووفقه للرشاد عرف من حقنا ما جهله غيره فوصل أرحاما قطعت وآمن أنفسا (3) ~~فزعت، # PageV02P1010 # بل أحياها وقد تلفت بعد أن أمن الحياة أنسيت (1) وأغناها (2) بعد فقرها ~~(3)، وعرفها بعد نكرها، مبتغيا بذلك رضا رب العالمين لا يريد جزاء من غيره ~~وسيجزي الله الشاكرين ولا يضيع أجر المحسنين. # وإنه جعل إلي عهده والإمرة الكبرى إن بقيت بعده، فمن حل عقدة أمر الله ~~بشدها [أ] وقصم عروة أحب الله إيثاقها (4) فقد أباح الله حريمه وأحل محرمه ~~إذا كان بذلك زاريا (5) على الإمام منتهكا حرمة الإسلام [بذلك جرى السلف ~~فصبر منه على الفلتات ولم يعترض على الفرمات] وخوفا من شتات الدين واضطراب ~~حبل (6) المسلمين وحذر (7) فرصة تنتهز وناعقة (8) تبتدر. # وقد جعلت لله على نفسي عهدا - إن استرعاني أمر المسلمين وقلدني خلافته - ~~العمل فيهم عامة وفي بني العباس بن عبد المطلب خاصة أن أعمل فيهم بطاعة ~~الله تعالى وطاعة رسوله (صلى الله عليه وآله) و [ان] لا أسفك دما حراما ولا ~~أبيح فرجا ولا مالا إلا ما سفكته حدوده (9) وأباحته فرائضه، وأن أتخير ~~الكفاة جهدي وطاقتي، وجعلت بذلك على نفسي عهدا مؤكدا يسألني الله عنه فإنه ~~عزوجل يقول: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا). وإن أحدثت أو غيرت أو ~~بدلت كنت للغير (10) مستحقا وللنكال # PageV02P1011 # متعرضا، وأعوذ بالله من سخطه وإليه أرغب في التوفيق لطاعته والحول بيني ~~وبين معصيته في عافية لي وللمسلمين. والجامعة والجفر يدلان على ضد ذلك، وما ~~أدري ما يفعل بي و [لا] بكم إن الحكم إلا لله يقضي بالحق وهو خير الفاصلين، ~~لكنني امتثلت أمر أمير المؤمنين وآثرت رضاه والله تعالى يعصمني وإياه، ~~وأشهدت ms230 الله على نفسي بذلك وكفى بالله شهيدا. وكتبت بخطي بحضرة أمير ~~المؤمنين أطال الله بقاءه (1) والحاضرين من أولياء نعمه وخواص دولته وهم: ~~الفضل بن سهل، وسهل بن الفضل، والقاضي يحيى بن أكثم، وعبد الله بن طاهر، ~~وثمامة بن أشرس (2)، وبشر بن المعتمر، وحماد بن النعمان، وذلك في شهر رمضان ~~سنة إحدى ومائتين. # صورة رقم شهادة القاضي يحيى بن أكثم: شهد يحيى بن أكثم على مضمون هذا ~~الكتاب ظهره وبطنه وهو يسأل الله تعالى أن يعرف أمير المؤمنين وكافة ~~المسلمين بركة (3) هذا العهد والميثاق. وكتب بخطه في التاريخ المبين فيه. # صورة رقم شهادة عبد الله بن طاهر: أثبت شهادته فيه بتاريخه، عبد الله بن ~~ظاهر. # وصورة رقم شهادة حماد بن النعمان: شهد حماد بن النعمان بمضمونه ظهره و ~~بطنه (4) وكتبه بيده في تاريخه. # وصورة رقم شهادة ابن المعتمر (5): شهد بذلك بشر بن المعتمر (6). # وعلى الجانب الأيسر بخط الفضل بن سهل: رسم أمير المؤمنين [أطال الله ~~بقاءه] # PageV02P1012 # قراءة (1) هذه الصحيفة التي هي صحيفة العهد والميثاق [نرجو أن نجوز بها ~~الصراط] ظهرها وبطنها (2) بحرم سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين ~~الروضة والمنبر على رؤوس الأشهاد وبمرأى ومسمع من وجوه بني هاشم وسائر ~~الأولياء والأخيار [والأحفاد] بعد أخذ البيعة عليهم واستيفاء شروطها بما ~~أوجبه أمير المؤمنين من العهد لعلي بن موسى الرضا (عليه السلام) لتقوم به ~~الحجة على جميع المسلمين ولتبطل (3) الشبهة التي كانت اعترضت آراء (4) ~~الجاهلين، وما كان لله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه. وكتب الفضل بن سهل ~~بحضرة أمير المؤمنين في تاريخ المعين فيه (5). # PageV02P1013 # # PageV02P1013 # روي إبراهيم بن العباس قال: كانت البيعة للرضا لخمس خلون من شهر رمضان ~~المعظم سنة إحدى ومائتين (1). # وزوجه المأمون ابنته أم حبيب في أول سنة اثنين ومأتين (2) والمأمون متوجه ~~إلى العراق. # ومما نقل إلى الأسماع بالاستماع وروته الألسن بالبقاع في الأصقاع وخطته ~~الأيدي في الصحائف والرقاع أن الخليفة المأمون وجد في يوم عيد انحراف مزاج ~~أحدث عنده ثقلا له عن الخروج إلى الصلاة فقال لأبي ms231 الحسن الرضا: قم يا أبا ~~الحسن اركب وصل بالناس العيد، فامتنع وقال: قد علمت ما كان بيني وبينك من ~~الشروط فاعفني من الصلاة، فقال المأمون: انما أريد أن أنوه (3) بذكرك ليشهر ~~أمرك بأنك ولي عهدي والخليفة من بعدي، وألح عليه في ذلك فقال له الرضا: إن ~~أعفيتني من ذلك كان أحب إلي، فإن أبيت إلا أن أخرج إلى الصلاة بالناس فإنما ~~أخرج كما كان النبي (صلى الله عليه وآله) يخرج للصلاة وعلى الصفة التي كان ~~يخرج عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال المأمون: افعل كيف ما ~~أردت. # PageV02P1018 # وأمر المأمون القواد والجند وأعيان دولته بالركوب في خدمته إلى المصلى ~~فركب الناس إلى بيته وحضر القواد والمؤذنون والمكبرون إلى بابه ينتظرون أن ~~يخرج. # فخرج إليهم الرضا وقد اغتسل ولبس أفخر ثيابه وتعمم بعمامة [بيضاء من] قطن ~~وألقى طرفا منها على عاتقه (1) ومس طيبا وأخذ عكازة (2) في يده وخرج ماشيا ~~ولم يركب، وقال لمواليه وأتباعه: افعلو كما فعلت، ففعلوا كفعله، وساروا بين ~~يديه عند شروق الشمس رافعين أصواتهم بالتكبير والتهليل، فلما رأوه القواد ~~والجند على تلك الحالة لم يسعهم إلا أن نزلوا عن خيولهم ومراكبهم وساروا ~~بين يديه وتركوا دوابهم مع غلمانهم خلف الناس، وكان كلما كبر الرضا كبر ~~الناس تكبيرة، وكلما هلل هللوا تهليلة وهم سائرون بين يديه حتى خيل للناس ~~أن الحيطان والجدران تجاوبهم بالتكبير والتهليل، وتزلزلت مرو وارتفع البكاء ~~والضجيج، فبلغ ذلك المأمون فقال له الفضل: إن بلغ الرضا المصلى افتتن الناس ~~به وخفنا على دمائنا وأرواحنا وعليك في نفسك فابعث إليه فرده، فبعث إليه ~~المأمون قائلا: قد كلفناك يا أبا الحسن شططا ولا نحب أن تلحقك مشقة، ارجع ~~إلى بيتك يصلي بالناس من كان يصلي بهم قبل. # فرجع علي بن موسى الرضا (عليه السلام) إلى بيته وركب المأمون فصلى بالناس ~~(3) # PageV02P1019 # قال هرثمة بن أعين (1) - وكان من خدام الخليفة عبد الله المأمون إلا أنه ~~كان محبا لأهل البيت إلى الغاية ويعد نفسه من شيعتهم وكان قائما بخدمة ~~الرضا ms232 وجميع مصالحه مؤثرا لذلك على جميع أصحابه مع تقدمه عند المأمون وقربه ~~منه قال: - طلبني سيدي أبو الحسن الرضا (عليه السلام) في يوم من الأيام ~~فقال لي: يا هرثمة إني مطلعك على أمر يكون سرا عندك لا تظهره لأحد مدة ~~حياتي، فإن أظهرته حال حياتي كنت خصيما لك عند الله. فحلفت له إني لا أتفوه ~~بما تقوله لي مدة حياته. # فقال لي: اعلم يا هرثمة إنه قد دنا (2) رحيلي [إلى الله تعالى] ولحوقي ~~بجدي وآبائي، وقد بلغ الكتاب أجله وإني أطعم عنبا ورمانا مفروكا (3) فأموت، ~~ويقصد الخليفة أن يجعل قبري خلف قبر أبيه الرشيد وأن الله لا يقدره على ~~ذلك، وان الأرض تشتد عليهم فلا تعمل فيها المعاول ولا يستطيعون حفر شيء ~~منها فتكون تعلم. يا هرثمة إنما مدفني في الجهة الفلانية من الحد الفلاني، ~~بموضع عينه له عنده، فإذا أنا مت وجهزت فأعلمه بجميع ما قلته لك ليكونوا ~~على بصيرة من أمري، وقل له إن أوضعت في نعشي وأرادوا الصلاة علي فلا يصلى ~~علي وليأني بي قليلا فإنه يأتيكم رجل عربي ملثم على ناقة له مصرع من جهة ~~الصحراء عليه وعثاء (4) السفر فينيخ راحلته وينزل عنها فيصلي علي وصلوا معه ~~علي، فإذا فرغتم من الصلاة علي وحملتموني إلى مدفني الذي عينته لك فاحفر ~~شيئا يسيرا من وجه # PageV02P1020 # الأرض تجد قبرا مطبقا معمورا في قعره ماء أبيض، إذا كشفت عنه الطبقات نشف ~~(1) الماء فهذا مدفني فادفنوني فيه. # والله الله يا هرثمة أن تخبر بهذا أو بشيء منه قبل موتي. قال هرثمة: ~~فوالله ما طالت الأناة حتى أكل الرضا عند الخليفة عنبا ورمانا مفتوتا فمات ~~(2). # عن أبي الصلت الهروي (3) [أنه] قال: دخلت على الرضا وقد خرج من عند ~~المأمون فقال لي: يا أبا الصلت قد فعلوها، وجعل يوحد الله ويمجده (4)، ~~فأقام يومين ومات في اليوم الثالث. # قال هرثمة: فدخلت على عبد الله المأمون لما رفع إليه موت أبي الحسن الرضا ~~فوجدت المنديل في يده وهو يبكي عليه، فقلت: يا أمير المؤمنين ms233 ثم كلام أتأذن ~~لي أن أقوله لك؟ قال: قل، قلت: إن الرضا أسر إلي في حياته بأمر وعاهدني أن # PageV02P1021 # لا أبوح به لأحد إلا لك عند موته. [قال: هات] وقصصت عليه القصة التي ~~قالها لي من أولها إلى آخرها وهو متعجب من ذلك، ثم أمر بتجهيزه وخرجنا ~~بجنازته إلى المصلى وتأنينا بالصلاة عليه قليلا فإذا بالرجل قد أقبل على ~~بعير من جهة الصحراء كما قال ونزل ولم يكلم أحدا فصلى عليه وصلى الناس معه، ~~وأمر الخليفة بطلب الرجل فلم يروا له أثرا ولا لبعيره (1). # ثم إن الخليفة قال: نحفر له من خلف قبر الرشيد، فقلت له: يا أمير ~~المؤمنين ألم أخبرك بمقالته؟ قال: نريد ننظر إلى ما قلته، فعجز الحافرون، ~~فكانت الأرض أصلب من الصخر الصوان، وعجزوا عن حفرها وتعجب الحاضرون من ذلك، ~~وتبين للمأمون صدق ما قلته له عنه. فقال: أرني الموضع الذي أشار إليه، فجئت ~~بهم إليه فما كان إلا أن كشف التراب عن وجه الأرض فظهرت الأطباق فرفعناها ~~فظهر من تحتها قبر معمول وإذا في قعره ماء أبيض، وأعلمت الخليفة فحفر ~~وأبصره على الصفة التي ذكرتها له، وأشرف عليه المأمون وأبصره. ثم إن ذلك ~~الماء نشف من وقته فواريناه ورددنا فيه الأطباق على حالها والتراب، ولم يزل ~~الخليفة المأمون يتعجب بما رأى ومما سمعه مني ويتأسف عليه ويندم، وكلما ~~خلوت في خدمته يقول: يا هرثمة كيف قال لك أبو الحسن الرضا؟ فأعيد عليه ~~الحديث فيتلهف ويتأسف ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون (2). # PageV02P1022 # قال بعض الأئمة من أهل العلم: مناقب علي بن موسى الرضا من أجل المناقب، ~~وإمداد فضائله وفواضله متوالية كتوالي الكتائب، وموالاته محمودة البوادي ~~والعواقب (1)، وعجائب أوصافه من غرائب العجائب، وسؤدده ونبله قد حل من ~~الشرف في الذروة والمغارب، فلمواليه (2) السعد الطالع ولمناويه النحس ~~الغارب. أما شرف آبائه فأشهر من الصباح المنير وأضوأ من عارض الشمس ~~المستدير. وأما أخلاقه وسماته وسيرته وصفاته ودلائله وعلاماته ونفسه ~~الشريفة فناهيك من فخار وحسبك من علو مقدار جاز على طريقة ms234 ورثها عن الآباء ~~وورثها عنه البنون، فهم جميعا في كرم الأرومة وطيب الجرثومة كأسنان المشط ~~متعادلون فشرفا لهذا البيت المعالي الرتبة السامي المحلة، لقد طال السماء ~~علاء ونبلا، وسما على الفراقد منزلة ومحلا، واستوفى صفات الكمال، فما ~~يستثنى في شيء منه لغيره وإلا انتظم هؤلاء الأئمة انتظام اللآلي، وتناسبوا ~~في الشرف فاستوى المقدم والتالي، ونالوا رتبة مجد يحيط عنها المقصر ~~والعالي، اجتهد عداتهم في خفض منازلهم والله يرفعه، وركبوا الصعب والذلول ~~في تشتيت شملهم والله يجمعه، وكم ضيعوا من حقوقهم ما لا يهمله الله ولا ~~يضيعه (3). # كانت وفاة علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بطوس من خراسان في قرية يقال ~~لها سناباد (4) في آخر صفر سنة ثلاث ومائتين (5)، وله من العمر يومئذ خمس ~~وخمسون # PageV02P1023 # سنة (1). كانت مدة إمامته عشرون (2) سنة، كان أولها في بقية ملك الرشيد، ~~ثم ملك ولده محمد المعروف بالأمين وهو ابن زبيدة بعد ثلاث سنين وخمسة ~~وعشرين يوما، ثم خلع الأمين وأجلس مكانه عمه إبراهيم بن المهدي المعروف ~~بابن شكلة أربعة # PageV02P1024 # عشر يوما، ثم خرج (1) محمد الأمين من الحبس وبويع له ثانية وبقي سنة ~~وسبعة (2) أشهر وثلاثة وعشرين يوما، وقتله طاهر بن الحسين، ثم ملك بعده ~~المأمون - عبد الله المأمون - ابن هارون الرشيد عشرين سنة وثلاثة وعشرين ~~يوما واستشهد الرضا (عليه السلام) في أيامه (3). # PageV02P1025 # # PageV02P1025 # قال ابن الخشاب في كتابه مواليد أهل البيت: ولد للرضا خمس بنين وابنة ~~واحدة، أسماء أولاده: محمد القانع والحسن وجعفر وإبراهيم والحسين، والبنت ~~عائشة [فقط] رضوان الله عليهم أجمعين (1). # PageV02P1031 # الفصل التاسع في ذكر أبي جعفر محمد الجواد بن علي الرضا (عليهما السلام) ~~وهو الإمام التاسع (1) وتاريخ ولادته ومدة إمامته ومبلغ عمره وحين وفاته ~~وعدد أولاده وذكر نسبه وكنيته ولقبه وغير ذلك مما يتصل به قال صاحب كتاب ~~مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: هو أبو جعفر محمد (2) # PageV02P1033 # الثاني فإنه تقدم في آبائه أبو جعفر محمد وهو الباقر بن علي، فجاء هذا ~~باسمه وكنيته فهو اسم جده فعرف بأبي جعفر الثاني، وإن كان صغير ms235 السن فهو ~~كبير القدر رفيع الذكر، القائم بالإمامة بعد علي بن موسى الرضا ولده أبو ~~جعفر محمد الجواد للنص عليه والإشارة له بها من أبيه، كما أخبر بذلك جماعة ~~من الثقات العدول (1). # عن صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا: قد كنا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا ~~جعفر من القائم بعدك فتقول: يهب الله لي غلاما، وقد وهبه الله لك وقر (2) ~~عيوننا به، فإن كان كون ولا أرانا الله لك يومك (3) فإلى من؟ فأشار بيده ~~إلى أبي جعفر وهو قائم بين يديه وعمره إذ ذاك ثلاث سنين، فقلت: وهذا ابن ~~ثلاث! فقال (4): وما يضر (5) من ذلك فقد قام عيسى بالحجة وهو ابن أقل من ~~ثلاث سنين (6). # PageV02P1035 # وعن معمر بن خلاد: قال سمعت الرضا (عليه السلام) يقول - وذكر شيئا (1) - ~~فقال: ما حاجتكم إلى ذلك؟! هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي وصيرته مكاني، ~~وقال: إنا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذة بالقذة (2) (3). # وعن الخيراني (4) عن أبيه قال: كنت واقفا بين يدي أبي الحسن الرضا ~~بخراسان فقال قائل: يا سيدي إن كان كون إلى من؟ فقال إلى ابني أبي جعفر، ~~فكأن القائل (5) استصغر سن (6) أبي جعفر، فقال الرضا: إن الله بعث عيسى بن ~~مريم رسولا نبيا # PageV02P1036 # صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السن الذي فيه أبو جعفر (1). # ولد أبو جعفر محمد الجواد بالمدينة تاسع عشر [من] شهر رمضان (2) المعظم ~~سنة خمس وتسعين ومائة (3) للهجرة. # PageV02P1037 # وأما نسبه: أبا وأما فهو محمد الجواد ابن علي الرضا ابن موسى الكاظم ابن ~~جعفر الصادق ابن محمد الباقر ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم ~~السلام) (1). # وأما أمه أم ولد يقال لها سبيكة (2) النوبية وقيل: المريسية (3). # وأما كنيته: فأبو جعفر كنية جده محمد الباقر (4). # وأما ألقابه: فالجواد، والقانع، والمرتضى، وأشهرها الجواد (5). # PageV02P1038 # صفته: أبيض معتدل (1). شاعره: حماد (2). بابه (3): عمرو بن الفرات (4). ~~نقش خاتمه: " نعم القادر الله " (5) معاصره: المأمون (6) والمعتصم (7). # PageV02P1039 # وأما مناقبه: فقال الشيخ كمال الدين بن طلحة: مناقب أبي جعفر محمد الجواد ~~[ف‍] - ما ms236 اتسعت جلباب مجالها ولا امتدت أوقات آجالها بل قضت عليه الأقدار ~~الإلهية بقلة بقائه في الدنيا بحكمها وأسجالها، فقل في الدنيا مقامه، وعجل ~~القدوم إليه لزيارته حمامه (1)، فلم تطل فيها مدته (2) ولا امتدت فيها ~~أيامه، غير أن الله خصه بمنقبة أنوارها متألقة في مطالع التعظيم وأخبارها ~~مرتفعة في معارج (3) التفضيل والتكريم، وهي أن أبا جعفر محمد الجواد لما ~~توفي والده أبو الحسن الرضا (عليه السلام) وقدم الخليفة المأمون إلى بغداد ~~بعد وفاته بسنة اتفق أن المأمون خرج يوما يتصيد فاجتاز بطرف البلد وثم ~~صبيان يلعبون ومحمد الجواد واقف عندهم، فلما أقبل المأمون فر الصبيان ووقف ~~محمد الجواد وعمره إذ ذاك تسع سنين، فلما قرب منه الخليفة نظر إليه وكان ~~الله تعالى ألقى في قلبه مسحة قبول، فقال له: يا غلام ما منعك أن لا تفر ~~كما فر أصحابك؟ فقال له محمد الجواد مسرعا: يا أمير المؤمنين فر أصحابي ~~خوفا والظن بك حسن أنه لا يفر منك من لا ذنب له، ولم يكن بالطريق ضيق ~~فأتنحى (4) عن أمير المؤمنين، فأعجب المأمون كلامه وحسن صورته فقال: ما ~~اسمك يا غلام؟ فقال: محمد بن علي الرضا، فترحم الخليفة على أبيه. # PageV02P1040 # وساق جواده إلى نحو وجهته (1) وكان معه بزاة الصيد، فلما بعد عن العمارة ~~أخذ الخليفة بازيا منها وأرسل على دراجة فغاب البازي عنه قليلا، ثم عاد وفي ~~منقاره سمكة صغيرة وبها بقايا (2) من الحياة، فتعجب المأمون من ذلك غاية ~~العجب ثم أنه أخذ السمكة في يده وكر راجعا إلى داره وترك الصيد في ذلك ~~اليوم وهو متفكر فيما صاده البازي من الجو، فلما وصل موضع الصبيان وجدهم ~~على حالهم ووجد محمدا معهم فتفرقوا على جاري عادتهم إلا محمد [ا] فلما دنا ~~منه الخليفة قال: يا محمد، قال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال ما في يدي؟ ~~فأنطقه الله تعالى بأن قال: إن الله تعالى خلق في بحر قدرته المستمسك في ~~الجو ببديع حكمته سمكا صغارا تصيدها (3) منها بزاة [الملوك] والخلفاء كي ~~يختبر بها سلالة ms237 بيت المصطفى. فلما سمع المأمون كلامه تعجب منه وأكثر وجعل ~~يطيل النظر فيه وقال: أنت ابن الرضا حقا ومن بيت المصطفى صدقا، وأخذه معه ~~وأحسن إليه وقربه وبالغ في إكرامه وإجلاله وإعظامه، فلم يزل مشغفا به لما ~~ظهر له أيضا بعد ذلك من بركاته ومكاشفاته وكراماته وفضله وعلمه وكمال عقله ~~وظهور برهانه مع صغر سنه. # ولم يزل المأمون متوفرا على تبجيله وإعظامه وإجلاله وإكرامه (4) إلى أن ~~عزم على أنه يزوجه ابنته أم الفضل وصمم على ذلك، فبلغ ذلك العباسيين فغلظ ~~عليهم واستكبروه (5) وخافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما إنتهى مع أبيه ~~الرضا، فاجتمع الأكابر من العباسيين الدالين على الخليفة ودخلوا عليه ~~وقالوا: ننشدك الله يا أمير المؤمنين # PageV02P1041 # إلا ما رجعت عن هذه النية وصرفت خاطرك عن هذا الأمر، فإنا نخاف ونخشى أن ~~يخرج عنا أمر قد ملكناه الله وينزع منا (1) عزا ألبسناه الله تعالى ويتحول ~~إلى غيرنا، وأنت تعلم ما بيننا وبين هؤلاء القوم وما كان عليه الخلفاء من ~~بعدهم وقد كنا في وهلة (2) من عملك مع الرضا كما عملت حتى كفانا الله تعالى ~~المهم (3) من ذلك، فالله الله أن تردنا إلى غم قد انحسر عنا، واصرف رأيك عن ~~ابن الرضا واعدل إلى من تراه (4) من أهل بيتك ممن يصلح لذلك. # فقال لهم المأمون: أما ما بينكم وبين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه، ولو ~~أنصفتم القوم لكانوا أولى بالأمر منكم. # وأما ما كان من استخلاف الرضا فقد درج الرضا إلى رحمة الله وكان أمر الله ~~قدرا مقدورا. # وأما ابنه محمد فأخبرته لتبريزه على كافة أهل الفضل في العلم والحلم (5) ~~والمعرفة والأدب مع صغر سنه، فقالوا: إن هذا صبى صغير السن وأي علم له ~~اليوم أو معرفة أو أدب؟ فأمهله (6) يتفقه يا أمير المؤمنين ثم اصنع به ما ~~شئت، قال: كأنكم تشكون في قولي إن شئتم فاختبروه أو ادعوا من يختبره ثم بعد ~~ذلك لوموا فيه أو اعذروا، قالوا: وتتركنا وذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، ~~قالوا: فيكون ذلك ms238 بين يديك يترك من يسأله عن شيء من أمور الشريعة فإن أصاب ~~لم يكن في أمره لنا اعتراض وظهر للخاصة والعامة سديد رأي أمير المؤمنين، ~~وإن عجز عن ذلك كفينا # PageV02P1042 # خطبه ولم يكن لأمير المؤمنين عذر في ذلك، فقال لهم المأمون: شأنكم وذلك ~~متى أردتم فخرجوا من عنده. # واجتمع رأيهم على القاضي يحيى بن أكثم (1) أن يكون هو الذي يسأله ويمتحنه ~~وقرروا ذلك مع القاضي يحيى ووعدوه بأشياء كثيرة متى قطعه وأخجله، ثم عادوا ~~إلى المأمون وسألوه أن يعين لهم يوما يجتمعون فيه بين يديه لمسألته، فعين ~~لهم يوما فاجتمعوا في ذلك اليوم بين يدي أمير المؤمنين المأمون، وحضر ~~العباسيون ومعهم القاضي يحيى بن أكثم، وحضر خواص الدولة وأعيانها من ~~أمرائها وحجابها وقوادها، وأمر المأمون بأن يفرش لأبي جعفر محمد الجواد ~~(عليه السلام) فرشا حسنا وأن يجعل عليه مسورتان (2)، ففعل ذلك، وخرج أبو ~~جعفر فجلس بين المسورتين، وجلس القاضي يحيى مقابله، وجلس الناس في مراتبهم ~~على قدر طبقاتهم ومنازلهم. # فأقبل يحيى بن أكثم على أبي جعفر فسأله عن مسائل أعدها له، فأجاب (3) # PageV02P1043 # بأحسن جواب وأبان فيها عن وجه الصواب بلسان ذلق ووجه طلق وقلب جسور ومنطق ~~ليس بعي ولا حصور، فعجب القوم من فصاحة لسانه وحسن اتساق منطقه ونظامه، ~~فقال له المأمون: أجدت وأحسنت يا أبا جعفر، فإن رأيت أن تسأل يحيى كما سألك ~~ولو عن مسألة واحدة، فقال ذلك إليه يا أمير المؤمنين، فقال يحيى يسأل يا ~~أمير المؤمنين فإن كان عندي في ذلك جواب أجبت به وإلا استفدت بالجواب، ~~والله أسأل أن يرشد للصواب. # فقال له أبو جعفر (عليه السلام): ما تقول في رجل نظر إلى امرأة في أول ~~النهار بشهوة فكان نظره إليها حراما عليه، فلما ارتفع النهار حلت له، فلما ~~زالت الشمس حرمت عليه، فلما كان وقت العصر حلت له، فلما غربت الشمس حرمت ~~عليه، فلما دخل وقت العشاء الآخرة حلت له، فلما انتصف الليل حرمت عليه، ~~فلما طلع الفجر حلت له، فبماذا حلت هذه المرأة ms239 لهذا الرجل؟ وبماذا حرمت ~~عليه في هذه الأوقات؟ # فقال يحيى بن أكثم: لا أدري، فإن رأيت أن تفيدنا بالجواب فذلك إليك. # فقال أبو جعفر: هذه أمة لرجل من الناس نظر إليها بعض من الناس في أول ~~PageV02P1045 # النهار بشهوة فكان نظره إليها حراما، فلما ارتفع النهار ابتاعها من ~~مولاها (١) فحلت له، فلما كان وقت الظهر اعتقها فحرمت عليه، فلما كان وقت ~~العصر تزوجها فحلت له، فلما كان وقت المغرب ظاهر منها فحرمت عليه، فلما كان ~~وقت العشاء الآخرة كفر عن الظهار فحلت له، فلما كان نصف الليل طلقها طلقة ~~واحدة فحرمت عليه، فلما كان الفجر راجعها فحلت له. # فأقبل المأمون على أهل بيته قال: هل فيكم أحد يستحضر أن يجيب عن هذه ~~المسائل بمثل هذا الجواب؟ فقالوا: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فقال: قد ~~عرفتم الآن ما كنتم تنكرونه وتبين في وجه القاضي يحيى الخجل والتغيير بحيث ~~عرف ذلك كل من في المجلس، فقال المأمون: الحمد لله على ما من به علي من ~~السداد في الأمر والتوفيق في الرأي وأقبل على أبي جعفر وقال: إني مزوجك ~~ابنتي أم الفضل وإن رغم ذلك أنوف قوم فاخطب لنفسك فقد رضيتك لنفسي وابنتي، ~~فقال أبو جعفر: # الحمد لله إقرارا بنعمته ولا إله إلا الله إخلاصا لوحدانيته، وصلى الله ~~على سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله) سيد بريته والأصفياء من عترته. أما ~~بعد، كان من فضل الله على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام فقال تعالى: ~~﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من ~~عبادكم وإمآئكم إن يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله والله وسع عليم﴾ ~~(2) ثم إن محمد بن علي بن موسى خطب إلى أمير المؤمنين ابنته أم الفضل وقد ~~بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) وهو ~~خمسمائة درهم جيادا فهل زوجتني إياها يا أمير المؤمنين على هذا الصداق ~~المذكور؟ فقال المأمون: زوجتك ابنتي أم الفضل على هذا الصداق المذكور، فقال ~~أبو جعفر: قبلت ms240 نكاحها على هذا الصداق المذكور. # قال الريان (3): وأخرج الخدم مثل السفينة من الفضة مطلية بالذهب فيها # PageV02P1046 # الغالية (1) مضروبة بأنواع الطيب والماء [ال‍] ورد والمسك فتطيب منها ~~جميع الحاضرين على قدر منازلهم ومراتبهم، ثم وضعت موائد الحلواء فأكل منها ~~الحاضرون وفرقت عليهم الجوائز والعطيات على قدر طبقاتهم، ثم انصرف الناس ~~وتقدم المأمون بالصدقة على الفقراء والمساكين وأهل الأربطة والخوانق ~~والمدارس (2). ولم يزل عنده محمد الجواد مكرما معظما إلى أن توجه بزوجته أم ~~الفضل إلى المدينة الشريفة. # روي أن أم الفضل بعد توجهها مع زوجها إلى المدينة كتبت إلى أبيها المأمون ~~تشكو أبا جعفر وتقول: إنه يتسرى (3) علي ويغيرني، فكتب إليها أبوها: يا ~~بنية إنا لم نزوجك (4) أبا جعفر لتحرمي عليه حلالا فلا تعاودينني لذكر شيء ~~مما ذكرت (5). # PageV02P1047 # وحكي أنه لما توجه أبو جعفر منصرفا من بغداد إلى المدينة الشريفة خرج معه ~~الناس يشيعونه للوداع فصار إلى أن وصل إلى باب الكوفة عند دار المسيب فنزل ~~هناك مع غروب الشمس، ودخل إلى مسجد قديم مؤسس بذلك الموضع ليصلي فيه ~~المغرب، وكان في صحن المسجد شجرة نبق (1) لم تحمل قط، فدعا بكوز فيه ماء ~~فتوضأ في أصل الشجرة [النبقة] وقام يصلي فصلى معه الناس المغرب، فقرأ في ~~الأولى الحمد وإذا جاء نصر الله والفتح، وقرأ في الثانية بالحمد وقل هو ~~الله أحد [وقنت قبل ركوعه فيها وصلى الثالثة وتشهد وسلم] ثم بعد فراغه جلس ~~هنيئة يذكر الله تعالى وقام فتنفل بأربع ركعات وسجد بعدهن سجدتي الشكر، ثم ~~قام فوادع الناس وانصرف فأصبحت النبقة وقد حملت من ليلتها حملا حسنا، فرآها ~~الناس وقد تعجبوا في ذلك غاية العجب ثم ما كان هو أغرب وأعجب من ذلك أن ~~نبقة هذه الشجرة لم يكن لها عجم (2) فزاد تعجبهم من ذلك أكثر وأكثر. وهذا ~~من بعض كراماته الجليلة ومناقبه الجميلة (3). # PageV02P1048 # وعن أبي خالد (1) قال: كنت بالعسكر (2) فبلغني أن هناك رجلا محبوسا أتي ~~به من الشام مكبولا (3) بالحديد وقالوا إنه تنبأ، فأتيت باب السجن ودفعت ~~شيئا للبوابين (4) حتى ms241 دخلت عليه، فإذا برجل ذا فهم وعقل وأدب فقلت: يا هذا ~~ما قصتك؟ قال: # إني كنت رجلا بالشام أعبد الله تعالى في الموضع الذي يقال إنه نصب فيه ~~رأس الحسين (عليه السلام)، فبينما أنا ذات ليلة (5) في موضعي مقبل على ~~المحراب أذكر الله إذ رأيت شخصا بين يدي فنظرت إليه فقال: قم، فقمت معه ~~فمشى [بي] قليلا فإذا أنا في مسجد الكوفة، فقال لي: أتعرف هذا المسجد؟ قلت: ~~نعم هذا مسجد الكوفة، قال: # فصلى فصليت معه، ثم انصرف فانصرفت (6) معه فمشى قليلا فإذا [نحن بمسجد ~~الرسول (صلى الله عليه وآله) فسلم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصلى ~~وصليت معه، ثم خرج وخرجت معه فمشى قليلا وإذا] نحن بمكة المشرفة فطاف ~~بالبيت فطفت معه، ثم خرج فخرجت معه فمشى قليلا فإذا أنا بموضعي الذي كنت ~~فيه بالشام، ثم غاب عني فبقيت متعجبا مما رأيت. # فلما كان في العام المقبل وإذا بذلك الشخص قد أقبل علي فاستبشرت به ~~فدعاني فأجبته ففعل بي كما فعل في العام (7) الماضي، فلما أراد مفارقتي قلت ~~له: # سألتك بحق الذي أقدرك على ما رأيت منك إلا ما أخبرتني من أنت؟ فقال: أنا # PageV02P1049 # محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي ~~طالب، فحدثت بعض من كان يجتمع لي بذلك فرفع ذلك إلى محمد بن عبد الملك ~~الزيات (1) فبعث إلى من أخذني من موضعي وكبلني في الحديد وحملني إلى العراق ~~وحبسني كما ترى وادعى علي بالمحال، قلت له، فأرفع عنك قصة (2) إلى محمد بن ~~عبد الملك الزيات؟ قال: افعل، فكتبت عنه قصة (3) وشرحت فيها أمره ورفعتها ~~إلى محمد بن عبد الملك فوقع في (4) ظهرها: قل للذي أخرجك من الشام إلى هذه ~~المواضع التي ذكرتها يخرجك من السجن الذي أنت فيه، فقال ابن خالد فاغتممت ~~لذلك وسقط في يدي وقلت: إلى غد آتيه وآمره بالصبر وأعده من الله بالفرج ~~وأخبره بمقالة هذا الرجل المتجبر. # قال: فلما كان من الغد ms242 باكرت السجن فإذا أنا بالحرس والجند وأصحاب السجن ~~وخلق (5) كثير يهرعون (6) فسألت: ما الخبر؟ فقيل لي: إن الرجل المتنبئ ~~المحمول من الشام فقد البارحة من الحبس (7) وحده بمفرده وأصبحت قيوده ~~والأغلال التي كانت في عنقه مرمى بها في السجن لا ندري كيف خلص منها، وطلب ~~فلم يوجد له أثر ولا خبر ولا يدرون أخسفت به الأرض أو اختطفته الطير (8). ~~فتعجبت من ذلك وقلت: # PageV02P1050 # استخفاف ابن الزيات بأمره واستهزاؤه بما وقع به على قصة خلصه (1) من ~~السجن. # قال ابن حمدون في كتابه التذكرة: روي عن محمد بن علي بن موسى الرضا أنه ~~قال: كيف يضيع من الله كافله؟ وكيف ينجو من الله طالبه (2)؟ # وعنه أنه قال: من انقطع إلى غير الله وكله الله إليه، ومن عمل على غير ~~علم أفسد أكثر مما يصلح (3). # وعنه أنه قال: القصد إلى الله بالقلوب أبلغ من إتعاب (4) الجوارح ~~بالأعمال (5). # وروي عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي في كتابه معالم العترة النبوية ~~أخبارا رواها الجواد محمد بن علي عن آبائه عن علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام) أنه قال: لما بعثني # PageV02P1051 # النبي (صلى الله عليه وآله) إلى اليمن قال لي وهو يوصيني: يا علي عليك ~~بالدلجة (1) فإن الأرض تطوى في الليل (2) مالا تطوى بالنهار. يا علي عليك ~~بالبكر فإن الله تعالى بارك لأمتي في بكورها (3). # وعنه (عليه السلام) قال: من استفاد أخا في الله فقد استفاد بيتا في الجنة ~~(4). # وعنه (عليه السلام) أنه قال: لو كانت السماوات والأرض رتقا (5) على عبد ~~ثم أتقى الله تعالى لجعل منها مخرجا (6). # وعنه (رض) أنه قال لقيس بن سعد حين قدم من مصر: يا قيس إن للمحن غايات ~~(7) لابد أن ينتهى إليها، فيجب على العاقل أن ينام لها إلى أدبارها، فإن ~~مكابدتها بالحيلة عند إقبالها زيادة فيها (8). # وقال (عليه السلام): انه من وثق بالله أراه السرور، ومن توكل عليه (9) ~~كفاه الأمور، والثقة بالله حصن لا يتحصن فيه إلا مؤمن (10)، والتوكل على ~~الله نجاة من كل سوء وحرز من # PageV02P1052 # كل عدو، والدين ms243 عز والعلم كنز والصمت نور، وغاية الزهد الورع، ولا هدم ~~للدين مثل البدع، ولا أفسد للرجال من الطمع، وبالراعي تصلح الرعية، ~~وبالدعاء تصرف البلية، ومن ركب مركب الصبر (1) اهتدى إلى مضمار النصر، ومن ~~عاب عيب، ومن شتم أجيب، ومن غرس أشجار التقى اجتنى أثمار المنى (2). # وقال (عليه السلام): أربع خصال تعين المرء على العمل: الصحة، والغنى، ~~والعلم، والتوفيق (3). # وقال (عليه السلام): إن لله عبادا (4) يخصهم بدوام النعم فلا تزال (5) ~~فيهم ما بذلوها (6)، فإذا منعوها نزعها عنهم وحولها إلى غيرهم (7). # وقال (عليه السلام): ما عظمت نعم الله على أحد (8) إلا عظمت إليه مؤونة ~~(9) الناس، فمن لم يحتمل تلك المؤونة عرض تلك النعمة للزوال (10). # وقال (عليه السلام): أهل المعروف إلى اصطناعه أحوج من أهل الحاجة إليه ~~لأن لهم أجرهم وفخره وذكره، فمهما اصطنع الرجل من معروف فإنما يبدأ فيه ~~بنفسه (11). # وقال (رض): من أمل إنسانا [فقد] هابه، ومن جهل شيئا عابه، والفرصة خلسة، ~~ومن كثر همه سقم جسده، وعنوان صحيفة المسلم (12) حسن خلقه. وقال (عليه ~~السلام) # PageV02P1053 # [في] موضع آخر: عنوان صحيفة السعيد حسن الثناء عليه (1). # وقال (عليه السلام): الجمال في اللسان، والكمال في العقل. # وقال (عليه السلام): العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى، والصبر زينة ~~البلاء، والتواضع زينة الحسب، والفصاحة زينة الكلام، والحفظ زينة الرواية، ~~وخفض الجناح زينة العلم، وحسن الأدب زينة العقل، وبسط الوجه زينة الحلم ~~(2)، وترك المن زينة المعروف، والخشوع زينة الصلاة، والتقلل (3) زينة ~~القناعة، وترك ما لا يعني زينة الورع. # وقال (عليه السلام): حسب المرء من كمال المروءة تركه مما لا يجمل فيه، ~~ومن حيائه أن لا يلقى أحدا بما يكره، ومن حسن خلق الرجل كفه أذاه، ومن ~~سخائه بره بمن يجب حقه عليه، ومن كرمه إيثاره على نفسه، ومن صبره قلة ~~شكواه، ومن عقله إنصافه من نفسه، ومن إنصافه قبول الحق إذا بان له، ومن ~~نصحه نهيه عما لا يرضاه لنفسه، ومن حفظه لجوارك (4) تركه توبيخك عند إساءتك ~~(5) مع علمه بعيوبك، ومن رفقه تركه عذلك عند غضبك بحضرة ms244 من تكره، ومن حسن ~~صحبته لك إسقاطه عنك مؤونة التحفظ [أذاك]، ومن علامة صداقته لك كثرة ~~موافقته وقلة مخالفته (6)، ومن شكره معرفته إحسان من أحسن إليه، ومن تواضعه ~~معرفته بقدره، ومن سلامته قلة حفظه لعيوب غيره وعنايته بصلاح عيوبه (7). # PageV02P1054 # وقال (عليه السلام): العالم بالظلم والمعين له والراضي (1) به شركاء. # وقال (عليه السلام): يوم العدل على الظالم أشد من يوم الجور على المظلوم. # وقال (عليه السلام): من أخطأ وجوه المطالب خذلته وجوه الحيل، والطامع في ~~وثاق الذل (2)، ومن أحب البقاء فليعد للبلاء (3) قلبا صبورا. # وقال (عليه السلام): العلماء غرباء لكثرة الجهال بينهم. # وقال: الصبر على المصيبة مصيبة على الشامت بها (4). # وقال (عليه السلام): ثلاث يبلغن بالعبد رضوان الله تعالى: كثرة ~~الاستغفار، ولين (5) الجانب، وكثرة الصدقة. وثلاث من كن فيه لم يندم: ترك ~~العجلة، والمشورة، والتوكل على الله عند العزم. وقال (عليه السلام): لو سكت ~~الجاهل ما اختلف الناس. وقال (عليه السلام): مقتل الرجل بين فكيه (6) ~~والرأي مع الإناءة، وبئس الظهر وبئس الظهير (7) [وبئس] الرأي القصير الرأي ~~الفطير. # وقال (عليه السلام): ثلاث خصال تجتلب بهن المحبة (8): الإنصاف في ~~المعاشرة (9)، والمواساة في الشدة، والانطواء والرجوع على (10) قلب سليم. # PageV02P1055 # وقال (عليه السلام): الناس (١) أشكال وكل (٢) يعمل على شاكلته، والناس ~~إخوان، فمن كانت اخوته في غير ذات الله تعالى فإنها تعود (٣) عداوة، وذلك ~~قوله عزوجل: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم ~~لبعض عدو إلا المتقين﴾ (4). # وقال (عليه السلام): من استحسن قبيحا كان شريكا فيه. # وقال (عليه السلام): كفر النعمة داعية المقت، ومن جازاك بالشكر فقد أعطاك ~~أكثر مما أخذ منك. # وقال (عليه السلام): لا تفسد (5) الظن على صديق [و] قد أصلحك اليقين له، ~~ومن وعظ أخاه سرا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه. # وقال (عليه السلام): لازال العقل والحمق يتغالبان على الرجل إلى أن يبلغ ~~ثماني عشرة سنة، فإذا بلغها غلب عليه أكثرهما فيه، وما أنعم الله على عبد ~~نعمة فعلم أنها من الله إلا كتب الله جل (6) اسمه له شكرها قبل ms245 أن يحمده ~~عليها، ولا أذنب العبد ذنبا فعلم أن الله مطلع (7) عليه إن شاء عذبه وإن ~~شاء غفر له إلا غفر [الله] له قبل أن يستغفره. # وقال (عليه السلام): الشريف كل الشريف من شرفه علمه، والسؤدد كل السؤدد ~~لمن اتقى الله ربه. # وقال (عليه السلام): لا تعالجوا الأمر قبل بلوغه فتندموا، ولا يطولن ~~عليكم الأمد فتقسو قلوبكم، وارحموا ضعفاءكم واطلبوا من الله الرحمة بالرحمة ~~لهم (8). # PageV02P1056 # وقال (عليه السلام): من أمل فاجرا كان أدنى عقوبته الحرمان. # وقال (عليه السلام): موت الإنسان بالذنوب أكثر من موته بالأجل، وحياته ~~بالبر أكثر من حياته بالعمر. آخر ما نقل من كتاب الجنابذي (ره) (1). # قبض أبو جعفر محمد الجواد ابن علي الرضا (عليه السلام) ببغداد (2) وكان ~~سبب وصوله إليها إشخاص المعتصم له من المدينة، فقدم بغداد مع زوجته أم ~~الفضل بنت المأمون لليلتين بقيتا من المحرم سنة عشرين ومائتين (3)، وتوفى ~~بها في آخر ذي القعدة الحرام، وقيل: توفي بها يوم الثلاثاء (4) لست خلون من ~~ذي الحجة من السنة المذكورة، ودفن في مقابر قريش في ظهر جده أبي الحسن موسى ~~الكاظم (5). ودخلت امرأته أم الفضل إلى قصر المعتصم فجعلت مع الحرم وكان له ~~من العمر خمس وعشرون سنة وأشهر (6). وكانت مدة إمامته # PageV02P1057 # سبعة عشر سنة (1)، أولها في بقية ملك المأمون، وآخرها في ملك المعتصم. # ويقال: إنه مات مسموما (2). # PageV02P1058 # وخلف من الولد: عليا (1) الإمام، وموسى (2)، وفاطمة وأمامة ابنين وابنتين ~~(3). # تغمدهم الله برحمته وأسكنهم فسيح جناته. # PageV02P1059 # الفصل العاشر في ذكر أبي الحسن علي المعروف بالعسكري (عليه السلام) وهو ~~الإمام العاشر (1) وتاريخ ولادته ومدة إمامته ومبلغ عمره وحين وفاته وعدد ~~أولاده وذكر نسبه وكنيته ولقبه وغير ذلك مما يتصل به قال صاحب الإرشاد: كان ~~الإمام بعد أبي جعفر ابنه أبا الحسن علي بن محمد (2) # PageV02P1061 # لاجتماع خصال الإمامة فيه ولتكامل فضله وعلمه وأنه لا وارث لمقام أبيه ~~سواه ولثبوت النص عليه بالإمامة والإشارة إليه من أبيه [بالخلافة] (1). # وعن إسماعيل بن مهران قال: لما خرج أبو جعفر محمد الجواد من المدينة إلى ms246 ~~بغداد يطلبه المعتصم قلت له عند خروجه: جعلت فداك إني أخاف عليك من هذا ~~الوجه فإلى من الأمر بعدك؟ (2) فبكى حتى اخضلت (3) لحيته، ثم التفت إلي ~~فقال: # عند هذه يخاف علي الأمر من بعدي إلى ابني (4) علي (5). # PageV02P1062 # قال ابن الخشاب في كتابه مواليد أهل البيت (عليهم السلام): ولد أبو الحسن ~~علي العسكري في رجب سنة اثنتي عشرة ومائتين من الهجرة (1). # وأما نسبه: أبا وأما فهو علي الهادي ابن محمد الجواد ابن علي الرضا ابن ~~موسى الكاظم ابن جعفر الصادق ابن محمد الباقر ابن علي زين العابدين ابن ~~الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) (2). وأما أمه فأم ولد يقال لها ~~سمانة المغربية، وقيل غير ذلك (3). # PageV02P1063 # وأما كنيته: فأبو الحسن لاغير (1) و أما ألقابه: فالهادي، والمتوكل، ~~والناصح، والمتقي، والمرتضى، والفقيه، والأمين، والطيب، وأشهرها الهادي ~~والمتوكل، وكان يأمر أصحابه أن يعرضوا عن تلقيبه بالمتوكل لكونه يومئذ لقبا ~~للخليفة جعفر المتوكل ابن المعتصم (2). # صفته: أسمر اللون (3). شاعره: العوفي (4) والديلمي (5) بابه (6): عثمان ~~بن سعيد (7). # PageV02P1064 # نقش خاتمه: الله ربي وهو عصمتي من خلقه (1). معاصره: الواثق (2)، ثم ~~المتوكل (3) أخوه، ثم ابنه المنتصر (4)، ثم المستعين (5) ابن أخي المتوكل. # وأما مناقبه: فقال الشيخ كمال الدين بن طلحة: فمنها ماحل في الآذان محل ~~جلالها باتصافها واكتناف اللآلي اليتيمة (6) بأصدافها وشهد لأبي الحسن علي ~~الرابع (7). أن نفسه موصوفة بنفائس أوصافها وأنه نازل في الدوحة (8) ~~النبوية في دار # PageV02P1065 # أشرافها وشرفات أغرافها (1). # فمن ذلك: أن أبا الحسن كان قد خرج يوما من سر من رأى إلى قرية له لمهم ~~عرض له، فجاء رجل من بعض الأعراب يطلبه في داره فلم يجده، فقيل (2) له انه ~~[قد] ذهب إلى الموضع الفلاني، فقصده إلى موضعه، فلما وصل إليه قال له: ما ~~حاجتك؟ فقال له: أنا رجل من أعراب الكوفة المتمسكين بولاية (3) جدك أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقد ركبني دين فادح أثقلني حمله ~~(4) ولم أر من أقصده لقضائه سواك، فقال له أبو الحسن: كم دينك؟ فقال: نحو ~~العشرة آلاف درهم، فقال: ms247 طب نفسا وقر عينا يقضى دينك إن شاء الله تعالى. # ثم أنزله فلما أصبح قال له: يا أخا العرب أريد منك حاجة لا تخالفني (5) ~~فيها، والله الله فيما آمرك به وحاجتك تقضى إن شاء الله تعالى، فقال ~~الأعرابي: لا أخالفك في شيء مما تأمرني به. فأخذ أبو الحسن ورقة وكتب فيها ~~بخطه دينا عليه للأعرابي بالمذكور وقال خذ هذا الخط معك فإذا وصلت (6) سر ~~من رأى فتراني أجلس مجلسا عاما فإذا حضر الناس أو احتفل المجلس فتعال إلي ~~بالخط وطالبني واغلظ علي في القول في ترك ايفائك إياه (7). والله الله في ~~مخالفتي (8) في شيء مما أوصيك به. # فلما وصل أبو الحسن إلى سر من رأى جلس مجلسا عاما وحضر عنده جماعة # PageV02P1066 # من وجوه الناس وأصحاب الخليفة المتوكل وأعيان البلد وغيرهم، فجاء ذلك ~~الأعرابي وأخرج الخط وطالبه بالمبلغ المذكور وأغلظ عليه في الكلام، فجعل ~~أبو الحسن يعتذر إليه ويطيب نفسه بالقول ويعده بالخلاص عن قريب وكذلك ~~الحاضرون وطلب منه المهلة ثلاثة أيام. فلما انفك المجلس نقل ذلك الكلام إلى ~~الخليفة المتوكل فأمر لأبي الحسن على الفور بثلاثين ألف درهم، فلما حملت ~~إليه تركها إلى أن جاء الأعرابي فقال له: خذ هذا المال واقض (1) منه دينك ~~واستعن بالباقي على وقتك والقيام على عائلتك، فقال الأعرابي: يا بن رسول ~~الله، والله إن في العشرة آلاف بلوغ مطلبي ونهاية أربي وكفاية أملي كان ~~يقصر عن ثلث هذا (2). فقال أبو الحسن: والله لتأخذن ذلك جميعه وهو رزقك ~~الذي ساقه الله إليك، ولو كان أكثر من ذلك ما نقصناه. فأخذ الأعرابي ~~الثلاثين ألف درهم وانصرف وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته (3). # وعن الوشاء عن خيران الأسباطي (4) قال: قدمت على أبي الحسن علي بن محمد ~~بالمدينة الشريفة النبوية من العراق فقال لي: ما خبر الواثق عندك؟ قلت: # [جعلت فداك] خلفته في عافية وأنا من أقرب الناس عهدا به وهذا مقدمي من ~~عنده وتركته صحيحا سويا، قال: إن أهل المدينة (5) يقولون إنه قد مات [فقلت: ~~أنا أقرب ms248 # PageV02P1067 # الناس به عهدا. قال: فقال لي: إن الناس يقولون: إنه مات] (1) فلما قال لي ~~ان الناس يقولون علمت أنه يعني نفسه فسكت، فقال لي: ما فعل ابن الزيات؟ ~~قلت: الناس معه والأمر أمره، فقال أما إنه شؤم عليه، ثم قال: لابد أن تجري ~~مقادير الله وأحكامه يا خيران (2) مات الواثق [و] قد قعد جعفر المتوكل وقتل ~~ابن الزيات، فقلت: متى جعلت فداك؟! فقال: بعد خروجك بستة أيام. فما كان إلا ~~أيام قلائل حتى وصل قصاد المتوكل إلى المدينة فكان كما قال (عليه السلام) ~~(3). # وحكي أن سبب شخوص أبي الحسن علي بن محمد من المدينة إلى سر من رأى (4) أن ~~عبد الله بن محمد (5) كان ينوب عن الخليفة المتوكل الحرب والصلاة بالمدينة ~~الشريفة فسعى بأبي الحسن إلى المتوكل وكان يقصده بالأذى، فبلغ أبو الحسن ~~سعايته [به] فكتب إلى المتوكل يذكر تحامل عبد الله بن محمد [ويكذبه فيما ~~سعى] عليه وقصده له بالأذى، فتقدم المتوكل بالكتابة إليه وأجابه عن كتابه ~~وجعل # PageV02P1068 # يعتذر إليه فيه ويلين له القول، ودعاه فيه إلى الحضور إليه على جميل من ~~القول والفعل، وكانت صورة الكتاب الذي كتبه إليه المتوكل: # بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، إن أمير المؤمنين عارف بقدرك راع ~~لقرابتك موجب لحقك مؤثر من الأمور فيك وفي أهل بيتك لما فيه إصلاح حالك ~~وحالهم ويثبت عزك وعزهم وإدخال الأمن (1) عليك وعليهم يبتغي ذلك رضاء ربه ~~(2) وأداء ما افترضه عليه فيك وفيهم، وقد رأى أمير المؤمنين صرف عبد الله ~~بن محمد عما كان يتولاه من الحرب والصلاة بمدينة الرسول (صلى الله عليه ~~وآله) إذ كان على ما ذكرت من جهالته بحقك واستخفافه بقدرك وعند ما قرفك به ~~(3) ونسبك إليه من الأمر وما رماك به وعزاك إليه من الأمر الذي قد علم أمير ~~المؤمنين براءتك منه ولما تبين له من صدق نيتك وحسن طويتك وسلامة صدرك وأنك ~~لم تؤهل نفسك بشيء مما ذكره عنك وقد ولي أمير المؤمنين مما كان يليه عبد ~~الله بن محمد من الحرب ms249 والصلاة بمدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) لمحمد ~~بن فضل، وأمره بإكرامك واحترامك وتوقيرك وتبجيلك (4) والانتهاء إلى أمرك ~~ورأيك وعدم مخالفتك والتقرب إلى الله تعالى وإلى أمير المؤمنين بذلك وأمير ~~المؤمنين مشتاق إليك ويحب إحداث العهد بقربك واليمن (5) بالنظر إلى ميمون ~~طلعتك المباركة فان نشطت لزيارته والمقام قبله وفي جهته ما أحببت أحضرت أنت ~~ومن اخترته من أهل بيتك ومواليك وحشمك وخدمك على مهلة وطمأنينة، ترحل إذا ~~شئت وتسير كيف شئت، وإن أحببت وحسن رأيك أن يكون # PageV02P1069 # يحيى بن هرثمة (1) بن أعين مولى أمير المؤمنين في خدمتك ومن معه من الجند ~~يرحلون لرحيلك وينزلون لنزولك فالأمر إليك في ذلك، وقد كتبت إليه في طاعتك ~~وجميع ما تحب، فاستخر الله تعالى، فما أحد عند أمير المؤمنين من أهل بيته ~~وولده وخاصته ألطف منزلة ولا أحمد أثرة ولا هو انظر إليهم أبر بهم وأشفق ~~عليهم وأسكن إليهم منك إليه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وكتب (2) ~~إبراهيم بن العباس في شهر كذا سنة ثلاث وأربعين ومائتين من الهجرة (3). # فلما وصل الكتاب إلى أبي الحسن (عليه السلام) تجهز للرحيل وخرج معه يحيى ~~بن هرثمة مولى أمير المؤمنين ومن معه من الجند حافين به إلى أن وصل إلى سر ~~من رأى، فلما وصل إليها تقدم المتوكل بأن يحجب عنه [في يومه] فنزل في خان ~~يعرف بخان الصعاليك وأقام فيه يومه. ثم إن المتوكل أفرد له دارا حسنة ~~وأنزله أياما، فأقام أبو الحسن مدة مقامه بسر من رأى مكرما معظما مبجلا في ~~ظاهر الحال، والمتوكل # PageV02P1070 # يبتغي له الغوائل في باطن الأمر فلم يقدره الله تعالى عليه (1). # وعن علي بن إبراهيم بن محمد الطائفي (2) قال: مرض المتوكل من خراج (3) ~~خرج بحلقه فأشرف على الهلاك أو لم يجسر (4) أحد أن يمسه بحديدة، فنذرت أم ~~المتوكل لأبي الحسن علي بن محمد إن عوفي ولدها من هذه العلة لتعطينه مالا ~~جليلا من مالها، فقال الفتح بن خاقان (5) للمتوكل: لو بعثت إلى هذا الرجل - ~~يعني أبا الحسن - فسألته فربما كان على ms250 يده فرج لك، فقال: ابعثوا إليه، ~~فمضى إليه رسول المتوكل فقال: خذوا كسب الغنم (6) وديفوه بماء ورد (7) ~~وضعوه على الخراج (8) ينفتح من ليلته بأهون ما يكون ويكون في ذلك شفاؤه إن ~~شاء الله تعالى. # فلما عاد الرسول وأخبرهم بمقالته جعل من بحضرة (9) المتوكل من خواصه يهزأ ~~من هذا الكلام، فقال الفتح: وما يضر من تجربة ذلك؟ فإني والله لأرجو به ~~الصلاح، فعملوه ووضعوه على الجراح فانفتح من ليلته وخرج ما كان فيه، فشفي ~~المتوكل من # PageV02P1071 # الألم الذي كان يجده، فأخذت أم المتوكل عشرة آلاف دينار من مالها ووضعتها ~~في كيس وختمت عليه وبعثت به إلى أبي الحسن فأخذها. وبعث إليه المتوكل بفضله ~~كيسا فيه خمسمائة دينار. # ثم بعد ذلك بمدة طويلة كبيرة سعى شخص يقال له البطحاني (1) لعنه الله ~~بأبي الحسن (عليه السلام) إلى المتوكل وقال: عنده أموال وسلاح وعدد ولا آمن ~~خروجه عليك، فتقدم المتوكل إلى سعيد الحاجب بأن يهجم عليه ليلا داره في ~~جماعة من الرجال والشجعان ويأخذ جميع ما يجده عنده من الأموال والسلاح ~~ويحمله إليه. # قال إبراهيم بن محمد: قال لي سعيد الحاجب (2): صرت (3) إلى دار أبي الحسن ~~ليلا بعد أن هجع الناس في جماعة من الرجال الأمجاد ومعي الأعوان بالسلالم ~~(4)، فصعدنا إلى سطح داره وفتحنا الباب وهجمنا بالشموع والسرج والنيران ~~وفتشنا الدار جميعا أعلاها وأسفلها موضعا موضعا ومكانا مكانا فلم نجد فيها ~~شيئا مما سعي به عليه غير كيسين أحدهما كبير ملآن مختوم والآخر صغير فيه ~~فضلة وسيف واحد في جفير خلق معلق، ووجدنا أبا الحسن قائما يصلي على حصير ~~وعليه جبة # PageV02P1072 # صوف وقلنسوة، ولم يرتاع لشيء مما نحن فيه ولا اكترث. # فأخذت الكيسين البدرة والسيف وسرت إلى المتوكل فدخلت عليه وقلت: هذا الذي ~~وجدنا من المال والسلاح، وأخبرته بما فعلت وبما رأيت من أبي الحسن، فوجد ~~على الكيس الملآن ختم أمه فطلبها وسألها عن البدرة (١) فقالت: كنت نذرت في ~~علتك إن عافاك الله منها لأعطين أبا الحسن عشرة آلاف دينار من مالي، ~~فحملتها إليه ms251 في هذا الكيس وهذا ختمي عليها، فأضاف المتوكل خمسمائة دينار ~~أخرى إلى الخمسمائة التي كانت في الكيس الصغير من قبل وقال لسعيد الحاجب: # أردد الكيسين والسيف واعتذر لنا فيه مما كان منا إليه. # قال سعيد: فرددت ذلك إليه وقلت له: أمير المؤمنين يعتذر إليك مما جرى منه ~~وقد زادك خمسمائة دينار على الخمسمائة دينار التي كانت في الكيس من قبل، ~~وأستحي (٢) منك يا سيدي أن تجعلني أنا الآخر في حل فاني عبد مأمور ولا أقدر ~~على مخالفة أمير المؤمنين، فقال لي: يا سعيد ﴿وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون﴾ (3) (4). # قال بعض أهل العلم: فضل أبي الحسن علي بن محمد الهادي قد ضرب على المجرة ~~(5) قبابه، ومد على نجوم السماء أطنابه، فما تعد منقبة إلا وإليه نحيلها ~~(6)، # PageV02P1073 # ولا تذكر كريمة إلا وله فضيلتها، ولا تورد محمدة إلا وله تفضيلها ~~وجملتها، ولا تستعظم حالة سنية إلا وتظهر عليه أدلتها، استحق ذلك بما في ~~جوهر نفسه من كرم تفرد بخصائصه ومجد حكم فيه على طبعه الكريم بحفظه من ~~الثوب (1) حفظ الراعي لفصائله (2) فكانت نفسه مهذبة وأخلاقه مستعذبة وسيرته ~~عادلة وخلاله فاضلة ومبارة (3) إلى العفاة واصلة وربوع (4) المعروف بوجود ~~وجوده عامرة آهلة، جرى من الوقار والسكون والطمأنينة والعفة والنزاهة ~~والخمول في النباهة على وتيرة نبوية وشنشنة علوية ونفس زكية وهمة علية لا ~~يقاس بها (5) أحد من الأنام ولا يدانيها، وطريقة حسنة لا يشاركه فيها خلق ~~ولا يطمع فيها. # قبض أبو الحسن علي الهادي (عليه السلام) المعروف بالعسكري ابن محمد ~~الجواد بسر من رأى في يوم الاثنين الخامس والعشرين من جمادى الآخر سنة أربع ~~وخمسين ومائتين (6)، ودفن في داره بسر من رأى وله يومئذ من العمر أربعون ~~سنة [وأشهر] # PageV02P1074 # وكان المتوكل قد أشخصه من المدينة النبوية إلى سر من رأى مع يحيى بن ~~هرثمة بن أعين في سنة ثلاث وأربعين ومائتين (1) كما قدمنا فأقام بها حتى ~~مضى لسبيله إحدى عشر سنة، وكانت مدة إمامته ثلاث وثلاثين سنة، كانت أوائل ~~إمامته ms252 في بقية ملك المعتصم، ثم ملك الواثق خمس سنين وتسعة (2) أشهر، ثم ~~ملك المتوكل أربعة عشر سنة، ثم ملك ابنه المنتصر ستة أشهر، ثم ملك المستعين ~~ابن أخي المتوكل ولم يكن أبوه خليفة سنتان (3) وتسعة أشهر، ثم ملك المعتز ~~وهو الزبير ابن المتوكل ثماني سنين وستة أشهر. استشهد في آخر ملكه أبو ~~الحسن لأنه يقال # PageV02P1075 # إنه مات مسموما، والله أعلم (1). # خلف من الولد: أبا محمد الحسن ابنه وهو الإمام من بعده (2)، والحسين (3)، ~~ومحمدا (4)، وجعفرا (5)، وابنة اسمها عائشة (6)، سقا الله ثراهم شآبيب ~~الرحمة والرضوان وأسكن محبهم فراديس الجنان. # PageV02P1076 # الفصل الحادي عشر في ذكر أبي محمد الحسن الخالص بن علي العسكري (عليه ~~السلام) وهو الإمام الحادي عشر (1) وتاريخ ولادته ووقت وفاته وذكر ولده ~~ونسبه وكنيته ولقبه وغير ذلك مما يتصل به قال صاحب الإرشاد: [وكان] الإمام ~~القائم بعد أبي الحسن علي بن محمد ابنه (2) # PageV02P1077 # أبو محمد الحسن لاجتماع خلال الفضل فيه وتقدمه على كافة أهل عصره فيما ~~يوجب له الإمامة ويقضي له الرئاسة (1) من العلم والورع والزهد وكمال العقل ~~[والعصمة والشجاعة والكرم] وكثرة الأعمال المقربة إلى الله تعالى، ثم لنص ~~أبيه عليه وإشارته بالخلافة إليه (2). # قال صاحب الإرشاد رحمه الله تعالى أيضا: الإمام المنتصب بعد أبي الحسن ~~ابنه # PageV02P1078 # أبو محمد الحسن لثبوت النص عليه من أبيه. وعن يحيى بن يسار العنبري (1) ~~قال: أوصى أبو الحسن علي بن محمد إلى ابنه أبي محمد الحسن قبل مضيه (2) ~~بأربعة أشهر وأشار إليه بالأمر من بعده وأشهدني على ذلك وجماعة من الموالي ~~(3). # ولد أبو محمد الحسن بالمدينة لثمان خلون من ربيع الآخر سنة اثنين وثلاثين ~~ومائتين للهجرة (4). # أما نسبه أبا وأما فهو الحسن الخالص ابن علي الهادي ابن محمد الجواد ابن ~~علي الرضا ابن موسى بن جعفر بن محمد بن علي زين العابدين ابن الحسين بن # PageV02P1079 # علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين (1). # وأما أمه فأم ولد يقال لها حديث (2) وقيل سوسن (3). # وأما كنيته: فأبو محمد (4). وأما لقبه: فالخالص، والسراج، والعسكري، وكان ~~هو وأبوه وجده ms253 كل واحد منهم يعرف في زمانه بابن الرضا (5). # PageV02P1080 # وصفته: بين السمرة والبياض (1). شاعره: ابن الرومي (2). بابه (3) عثمان ~~بن سعيد (4). نقش خاتمه " سبحان من له مقاليد السماوات والأرض " (5). ~~معاصرة: المعتز والمهتدي (6) والمعتمد (7). # وأما مناقبه: فقال الشيخ كمال الدين بن طلحة: كفى أبا محمد الحسن شرفا أن ~~جعل الله تعالى محمد المهدي من كسبه وأخرجه من صلبه وجعله معدودا من حزبه، ~~ولم يكن لأبي محمد ذكر سواه وحسب، ذلك منقبته وكفاه، ولم تطل مدته أيام ~~مقامه ومثواه ولا امتدت أيام حياته فيها لتظهر الناظرين مأثره ومزاياه (8). # PageV02P1081 # وعن أبي الهيثم بن عدي قال: لما أمر المعتز بحمل أبي محمد الحسن إلى ~~الكوفة كتبت إليه: ما هذا الخبر الذي بلغنا فأقلقنا وغمنا؟ فكتب: بعد ثلاث ~~يأتيكم الفرج إن شاء الله تعالى. فقتل المعتز في اليوم الثالث (1). # وعن أبي هاشم (2) قال: سمعت أبا محمد الحسن يقول: إن في الجنة بابا يقال ~~له باب المعروف لا يدخله إلا أهل المعروف، فحمدت الله في نفسي وفرحت بما ~~أتكلف به من حوائج الناس، فنظر إلي وقال: يا أبا هاشم [نعم] فدم (3) على ما ~~أنت عليه، فإن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة [وجعلك الله ~~منهم يا أبا هاشم ورحمك] (4). # PageV02P1082 # وعنه أيضا قال: سمعت أبا محمد الحسن (رض) يقول: بسم الله الرحمن الرحيم ~~أقرب إلى اسم الله الأعظم من سواد العين إلى بياضها (1). # وعن أبي هاشم قال: سمعت أبي محمد يقول: من الذنوب التي يخشى على الرجل أن ~~لا تغفر له قوله ليتني لم أوآخذ إلا بهذا الذنب، قلت في نفسي: إن هذا لهو ~~النظر دقيق قد ينبغي للرجل أن يتفقد من نفسه كل شيء. قال: فأقبل علي وقال: # صدقت يا أبا هاشم (2). # وعن محمد بن حمزة الدوري (3) قال: كتبت على يدي أبي هاشم داود بن القاسم ~~وكان لي مؤاخيا إلى أبي محمد الحسن أسأله أن يدعو الله لي بالغنى وكنت قد ~~أملقت (4) وقلت ذات يدي وخفت الفضيحة، فخرج الجواب على يده: أبشر فقد أتاك ~~الغنى ms254 غنى الله تعالى، مات ابن عمك يحيى بن حمزة وخلف مائة ألف درهم ولم ~~يترك وارثا سواك وهي واردة عليك [فاشكرا لله] وعليك بالاقتصاد وإياك ~~والإسراف فإنه من فعل الشيطان. فورد علي المال والخبر بموت ابن عمي كما قال ~~عن أيام قلائل، وزال عني الفقر، فأديت حق الله تعالى وبررت إخواني وتماسكت ~~بعد ذلك وكنت مبذرا (5). # وعن إسماعيل بن محمد بن علي بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن العباس ~~قال: قعدت لأبي محمد الحسن على ظهر الطريق (6) فلما مر قمت في وجهه شكوت # PageV02P1083 # إليه الحاجة والضرورة وحلفت له ليس عندي درهم (1). فما فوقه، فقال: تحلف ~~بالله كاذبا (2) وقد دفنت مائتي دينار وليس قولي هذا دفعا لك عن العطية، ~~اعطه يا غلام ما معك، فأعطاني غلامه (3) مائة دينار فشكرت له ووليت، فقال: ~~ما أخوفني أن تفقد المائتي دينار أحوج ما تكون إليها، فذهبت إليها ~~فافتقدتها فإذا هي في مكانها فنقلتها إلى موضع آخر ودفنتها من حيث لا يطلع ~~عليها أحد، ثم قعدت مدة طويلة فاضطررت إليها فجئت أطلبها من (4) مكانها فلم ~~أجدها فجننت وشق ذلك علي، فوجدت ابنا لي قد عرف موضعها (5) وأخذها وأبعدها ~~ولم يحصل لي شيء، فكان كما قال (6). # وحدث أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري قال: كنت في الحبس [المعروف بحبس ~~صالح بن وصيف الأحمر] الذي بالجوشق أنا والحسن بن محمد العقيقي (7) (8) ~~ومحمد بن إبراهيم العمري وفلان وفلان خمسة ستة من الشيعة إذ ورد (9) علينا # PageV02P1084 # أبو محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام وأخوه جعفر فحففنا بأبي ~~محمد (1) وكان المتولى لحبسه صالح بن الوصيف الحاجب وكان معنا في الحبس رجل ~~جمحي [يقال: إنه علوي] قال: فالتفت إلينا أبو محمد وقال لنا سرا: لولا أن ~~فيكم من ليس منكم لأعلمتكم متى يفرج عنكم (2)، وترى هذا الرجل فيكم قد كتب ~~فيكم قصته إلى الخليفة يخبره فيها بما تقولون فيه وهي مدسوسة معه في ثيابه ~~يريد أن يوسع الحيلة في إيصالها إلى الخليفة من حيث لا تعلمون فاحذروا شره. ms255 # قال أبو هاشم: فما تمالكنا أن تحاملنا جميعا على الرجل ففتشناه فوجدنا ~~القصة مدسوسة معه بين ثيابه وهو يذكرنا فيها بكل سوء، فأخذناها منه وحذرناه ~~(3). # وكان الحسن يصوم في السجن فإذا افطر أكلنا معه من طعامه وكان يحمله إليه ~~غلامه في جونة مختومة. قال أبو هاشم: فكنت أصوم معه، فلما كان ذات يوم ضعفت ~~من الصوم فأمرت غلامي فجاءني بكعك فذهبت إلى مكان خالي في الحبس فأكلت ~~وشربت ثم عدت إلى مجلسي مع الجماعة ولم يشعر بي أحد، فلما رآني تبسم وقال: ~~أفطرت؟ فخجلت، فقال: لا عليك يا أبا هاشم إذا رأيت انك قد ضعفت وأردت القوة ~~فكل اللحم فإن الكعك لا قوة فيه، وقال: عزمت عليك أن تفطر ثلاثا فإن البنية ~~إذا أنهكها الصوم لا تتقوى إلا بعد ثلاث (4). # قال أبو هاشم: ثم لم تطل مدة أبي محمد الحسن في الحبس إلا أن قحط الناس ~~بسر من رأى قحطا شديدا، فأمر الخليفة المعتمد على الله ابن المتوكل بخروج ~~الناس إلى الاستسقاء، فخرجوا ثلاثة أيام يستسقون ويدعون فلم يسقوا، فخرج # PageV02P1085 # الجاثليق في اليوم الرابع إلى الصحراء وخرج معه النصارى والرهبان وكان ~~فيهم راهب كلما مد يده إلى السماء ورفعها هطلت بالمطر. ثم خرجوا في اليوم ~~الثاني وفعلوا كفعلهم أول يوم فهطلت السماء بالمطر وسقوا سقيا شديدا حتى ~~استعفوا، فعجب الناس من ذلك وداخلهم الشك وصفا بعضهم إلى دين النصرانية، ~~فشق ذلك على الخليفة فأنفذ إلى صالح بن وصيف أن أخرج أبا محمد الحسن بن علي ~~من السجن وائتني به. # فلما حضر أبو محمد الحسن (عليه السلام) عند الخليفة قال له: أدرك أمة جدك ~~محمد (صلى الله عليه وآله) فيما لحق بعضهم في هذه النازلة، فقال أبو محمد: ~~دعهم يخرجون غدا اليوم الثالث، قال: قد استعفى الناس من المطر واستكفوا فما ~~فائدة خروجهم؟ قال: لأزيل الشك عن الناس وما وقعوا فيه من هذه الورطة التى ~~أفسدوا فيها عقولا ضعيفة. # فأمر الخليفة الجاثليق والرهبان أن يخرجوا أيضا في اليوم الثالث على جاري ms256 ~~عادتهم وأن يخرجوا الناس، فخرج النصارى وخرج لهم أبو محمد الحسن ومعه خلق ~~كثير فوقف النصارى على جاري عادتهم يستسقون إلا أن ذلك الراهب مد يديه ~~رافعا لهما إلى السماء ورفعت النصارى والرهبان أيديهم على جاري عادتهم ~~فغيمت السماء في الوقت ونزل المطر. فأمر أبو محمد الحسن القبض على يد ~~الراهب وأخذ ما فيها فإذا بين أصابعه (1) عظم آدمي، فأخذه أبو محمد الحسن ~~ولفه في خرقة وقال: استسق، فانكشف السحاب وانقشع الغيم وطلعت الشمس، فعجب ~~الناس من ذلك وقال الخليفة: ما هذا يا أبا محمد؟ فقال: عظم نبي من أنبياء ~~الله عزوجل ظفر به هؤلاء من بعض قبور (2) الأنبياء، وما كشف نبي عن عظم تحت ~~السماء إلا هطلت بالمطر. واستحسنوا (3) ذلك فامتحنوه فوجدوه كما قال. # PageV02P1086 # فرجع أبو محمد الحسن إلى داره بسر من رأى وقد أزال عن الناس هذه الشبهة، ~~وقد سر الخليفة والمسلمون ذلك، وكلم أبو محمد الحسن الخليفة في إخراج ~~أصحابه الذين كانوا معه في السجن فأخرجهم وأطلقهم له، وأقام أبو محمد الحسن ~~بسر من رأى بمنزله بها معظما مكرما مبجلا، وصارت صلات الخليفة وأنعامه تصل ~~إليه في منزله إلى أن قضي تغمده الله برحمته (1). # وعن علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن عيسى بن الفتح قال: لما دخل علينا ~~أبو محمد الحسن السجن قال لي: يا عيسى لك من العمر خمس وستون سنة وشهر ~~ويومان. قال: وكان معي كتاب [دعاء] فيه تاريخ ولادتي فنظرت فيه فكان كما ~~قال. ثم قال لي: هل أرزقت ولدا؟ فقلت: لا، قال: اللهم ارزقه ولدا يكون له ~~عضدا فنعم العضد الولد ثم أنشد: # من كان ذا عضد يدرك ظلامته * إن الذليل الذي ليست له عضد فقلت له: يا ~~سيدي وأنت لك ولد؟ فقال: والله سيكون لي ولد يملأ الأرض قسطا وعدلا، وأما ~~الآن فلا، ثم أنشد متمثلا: # لعلك يوما أن تراني كأنما * بني حوالي الأسود اللوابد فإن تميما قبل أن ~~يلد العصا * أقام زمانا وهو في الناس واحد وعن الحسن بن ms257 محمد الأشعري عن ~~أحمد بن عبيد الله (2) بن خاقان قال: لقد ورد على الخليفة المعتمد على الله ~~أحمد بن المتوكل في وقت وفاة أبي محمد الحسن بن علي العسكري ما تعجبنا منه ~~ولا ظننا أن مثله يكون من مثله، وذلك أنه لما اعتل أبو محمد ركب خمسة من ~~دار الخليفة من خدام أمير المؤمنين وثقاته # PageV02P1087 # وخاصته، كل منهم نحرير فقه، وأمرهم بلزوم دار أبي الحسن وتعرف خبره وحاله ~~ومشاركتهم له بحاله وجميع ما يحدث له في مرضه، وبعث إليه من خدام المتطببين ~~وأمرهم بالاختلاف إليه وتعاهده (1) صباحا ومساء. # فلما كان بعد ذلك بيومين أو ثلاثا أخبروا الخليفة بأن قوته قد سقطت ~~وحركته قد ضعفت، وبعيد أن يجيء منه شيء فأمر المتطببين بملازمته وبعث ~~الخليفة إلى القاضي ابن بختيار ان يختار عشرة ممن يثق بهم وبدينهم وأمانتهم ~~يأمرهم إلى دار أبي محمد الحسن وبملازمته ليلا ونهارا، فلم يزالوا هناك إلى ~~أن توفي بعد أيام قلائل (2). # ولما رفع خبر وفاته ارتجت سر من رأى وقامت ضجة واحدة [مات ابن الرضا] ~~وعطلت الأسواق وغلقت أبواب الدكاكين، وركب بنو هاشم والكتاب والقواد ~~والقضاة والمعدلون وسائر الناس إلى أن حضروا إلى جنازته، فكانت سر من رأى ~~في ذلك شبيها بالقيامة (3). # فلما فرغوا من تجهيزه وتهيئته بعث السلطان (4) إلى [أبي] عيسى ابن ~~المتوكل أخيه [فأمره] بالصلاة عليه، فلما وضعت الجنازة للصلاة دنا [أبو] ~~عيسى منها (5) # PageV02P1088 # وكشف عن وجهه وعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية وعلى القضاة ~~والكتاب والمعدلين فقال: هذا أبو محمد العسكري مات حتف أنفه على فراشه، ~~وحضره من خدام أمير المؤمنين فلان وفلان. ثم غطى وجهه وصلى عليه وكبر عليه ~~خمسا وأمر بحمله ودفنه (1). # وكانت وفاة أبي محمد الحسن بن علي بسر من رأى في يوم الجمعة لثمان خلون ~~من شهر ربيع الأول سنة ستين ومائتين للهجرة (2)، ودفن في البيت الذي دفن # PageV02P1089 # فيه أبوه بدارهما من سر من رأى وله يومئذ من العمر ثمان وعشرون سنة (1). ~~وكانت مدة إمامته ست سنين (2) كانت في ms258 بقية ملك المعتز ابن المتوكل، ثم ملك ~~المهتدي ابن # PageV02P1090 # الواثق أحد عشرا شهرا، ثم ملك المعتمد على الله أحمد ابن المتوكل ثلاث ~~وعشرين سنة مات في أوائل دولته (1). # خلف أبو محمد الحسن من الولد ابنه الحجة القائم المنتظر لدولة الحق، وكان ~~قد أخفى مولده وستر أمره لصعوبة الوقت وشدة طلب (2) السلطان وتطلبه للشيعة # PageV02P1091 # وحبسهم والقبض عليهم (1)، وتولى جعفر بن علي أخوه (2) وأخذ تركته واستولى ~~عليها وسعى في حبس جواري أبي محمد (3) وشنع على أصحابه عند السلطان، وذلك ~~لكونه أراد القيام عليهم مقام أخيه فلم يقبلوه لعدم أهليته لذلك ولا # PageV02P1092 # ارتضوه، وبذل جعفر على ذلك مالا جليلا لولي الأمر فلم يتفق له ولم يجتمع ~~عليه اثنان (1). # ذهب كثير من الشيعة إلى أن أبا محمد الحسن مات مسموما (2) وكذلك أبوه ~~وجده وجميع الأئمة الذين من قبلهم، خرجوا كلهم تغمدهم الله برحمته من ~~الدنيا على الشهادة، واستدلوا على ذلك مما روي عن الصادق (عليه السلام) أنه ~~قال: ما منا إلا مقتول أو شهيد (3). # مناقب سيدنا أبي محمد الحسن العسكري دالة على أنه السري (4) ابن السري، ~~فلا يشك في إمامته أحد ولا يمتري، واعلم إن بيعت (5) مكرمة فسواه بايعها ~~وهو المشتري، واحد زمانه من غير مدافع، ويسبح (6) وحده من غير منازع، وسيد ~~أهل عصره، وإمام أهل دهره، أقواله سديدة، وأفعاله حميدة، وإذا كانت أفاضل ~~زمانه قصيدة فهو في بيت القصيدة، وإن انتظموا عقدا كان مكانه الواسطة ~~الفريدة، فارس العلوم الذي لا تجاري، ومبين غوامضها فلا يحاول ولا يماري، ~~كاشف الحقائق بنظره الصائب، مظهر الدقائق بفكره الثاقب، المحدث في سره # PageV02P1093 # بالأمور الخفيات، الكريم الأصل والنفس والذات، تغمده الله برحمته وأسكنه ~~فسيح جنانه بمحمد (صلى الله عليه وآله) آمين (1). # PageV02P1094 # الفصل الثاني عشر في ذكر أبي القاسم محمد (عليه السلام) الحجة الخلف ~~الصالح ابن أبي محمد الحسن الخالص (عليه السلام) وهو الإمام الثاني عشر (1) ~~وتاريخ ولادته ودلائل إمامته وذكر طرف من أخباره وغيبته ومدة قيام دولته ~~وذكر كنيته ونسبه وغير ذلك مما يتصل به (رضي الله عنه) ms259 وأرضاه قال صاحب ~~الإرشاد الشيخ المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان (2) # PageV02P1095 # رحمه الله تعالى: وكان الإمام بعد أبي محمد الحسن ابنه محمدا [المسمى ~~باسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) المكنى بكنيته] ولم يخلف أبوه ولدا ~~غيره ظاهرا ولا باطنا، وخلفه أبوه غائبا مستترا (1) بالمدينة وكان سنه (2) ~~عند وفاة أبيه خمس سنين، # PageV02P1096 # آتاه الله تعالى فيها الحكمة [وفصل الخطاب، وجعله آية للعالمين] كما ~~آتاها يحيى صبيا وجعله إماما في حال الطفولية [الظاهرة] كما جعل عيسى بن ~~مريم في المهد نبيا. وقد سبق النص عليه في ملة الإسلام من نبي الهدى (1) ~~عليه الصلاة والسلام، ثم (2) من جده [أمير المؤمنين] علي بن أبي طالب [ونص ~~عليه الأئمة (عليهم السلام) واحدا بعد واحد إلى أبيه (عليه السلام)، ونص ~~أبوه عليه عند ثقاته وخاصة شيعته، وكان الخبر بغيبته ثابتا قبل وجوده، ~~وبدولته مستفيضا قبل غيبته] ومن بقية آبائه أهل الشرف والمراتب، وهو صاحب ~~السيف والقائم بالحق المنتظر [لدولة الإيمان] كما ورد ذلك في صحيح الخبر، ~~وله قبل قيامه غيبتان (3) # PageV02P1097 # إحداهما (١) أطول من الأخرى، فأما الأولى فهي القصرى (٢) منهما فمنذ وقت ~~مولده (٣) إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته، وأما الثانية فهي التي بعد ~~الأولى وفي آخرها يقوم بالسيف، قال الله تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور منم بعد الذكر أن الأرض يرثها ~~عبادى الصالحون﴾ (4). # وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لن تنقضي (5) الأيام والليالي حتى ~~يبعث الله رجلا من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي يملؤها (6) عدلا وقسطا كما ~~ملئت ظلما وجورا (7). # PageV02P1100 # وعن زرارة قال: سمعت أبا جعفر يقول: الأئمة الاثنا عشر كلهم من آل محمد ~~(صلى الله عليه وآله) كلهم محدث، علي بن أبي طالب وأحد عشر من ولده، ورسول ~~الله وعلي هما الوالدان صلى الله عليهما (1). # وروي الحافظ أبو نعيم بسنده مرفوعا إلى عبد الله بن عمر قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله): لا تذهب الدنيا حتى يملك (2) الله رجلا من أهل ~~بيتي يواطئ ms260 اسمه اسمي [واسم أبيه اسم أبي] (3)، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ~~ملئت ظلما وجورا (4). # PageV02P1101 # وروى ابن الخشاب في كتابه مواليد أهل البيت يرفعه بسنده إلى علي بن موسى ~~الرضا (عليه السلام) أنه قال: الخلف الصالح من ولد أبي محمد الحسن بن علي ~~العسكري، وهو صاحب الزمان القائم وهو المهدي (1). # وأما النص على إمامته من جهة أبيه فروى محمد بن علي بن بلال قال: قد خرج ~~إلي أمر أبي محمد الحسن بن علي العسكري قبل مضيه بسنتين يخبرني بالخلف من ~~بعده، ثم خرج إلي قبل مضيه بثلاثة أيام يخبرني بالخلف بأنه ابنه من بعده ~~(2). # وعن أبي هاشم الجعفري قال: قلت لأبي محمد الحسن بن علي: جلالتك تمنعني من ~~مساءلتك فتأذن [لي] أن أسألك؟ فقال: سل، قلت (3): يا سيدي هل لك ولد؟ قال: ~~نعم، قلت، فإن حدث حادث فأين أسأل عنه؟ قال بالمدينة (4). # ولد أبو القاسم محمد ابن الحجة ابن الحسن الخالص بسر من رأى ليلة النصف ~~من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين للهجرة (5). # PageV02P1102 # وأما نسبه أبا وأما فهو أبو القاسم محمد الحجة ابن الحسن الخالص ابن علي ~~الهادي ابن محمد الجواد ابن علي الرضا ابن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق ابن ~~محمد الباقر ابن علي زين العابدين ابن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات ~~الله عليهم أجمعين (1). # وأما أمه فأم ولد يقال لها نرجس (2) خير أمة (3)، وقيل: اسمها غير ذلك ~~(4). # PageV02P1103 # وأما كنيته فأبو القاسم (1). وأما لقبه فالحجة، والمهدي، والخلف الصالح، ~~والقائم المنتظر، وصاحب الزمان، وأشهرها المهدي (2). # PageV02P1104 # صفته (عليه السلام): شاب مرفوع القامة حسن الوجه والشعر، يسيل شعره على ~~منكبيه، أقنى الأنف أجلى الجبهة (1). # PageV02P1105 # بابه (1): محمد بن عثمان (2). معاصره: المعتمد (3). قيل: إنه غاب في ~~السرداب (4) والحرس عليه وكان ذلك سنة ست وسبعين ومائتين للهجرة (5). # PageV02P1106 # وهذا طرف يسير مما جاء في النصوص الدالة على الإمام الثاني عشر من (1) ~~الأئمة الثقات، والروايات في ذلك كثيرة أضربنا عن ذكرها وقد دونها أصحاب ~~الحديث في كتبهم واعتنوا بجمعها ولم يتركوا شيئا. # وممن اعتنى بذلك وجمعه ms261 إلى الشرح والتفصيل الشيخ الإمام جمال الدين أبو ~~عبد الله محمد بن إبراهيم الشهير بالنعماني (2) في كتابه الذي صنفه أثناء ~~(3) الغيبة في طول الغيبة (4). وجمع الحافظ أبو نعيم أربعين حديثا في أمر ~~المهدي خاصة (5). # وصنف الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في ذلك كتابا سماه ~~البيان في أخبار صاحب الزمان (6). وروى الشيخ أبو عبد الله الكنجي المذكور ~~في كتابه هذا بإسناده عن زر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي. ~~أخرجه أبو داود (7). # وعن علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه ~~قال: لو لم يبق من الدهر إلا يوم # PageV02P1107 # لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جورا. هكذا أخرجه أبو ~~داود في مسنده (1). # وروى أبو داود والترمذي في سننهما كل واحد منهما يرفعه إلى أبي سعيد ~~الخدري (رض) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله): يقول: المهدي مني ~~أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما. وزاد ~~أبو داود: يملك سبع سنين. وقال: حديث ثابت صحيح. # ورواه الطبراني في مجمعه وكذلك غيره من أئمة الحديث (2). # وذكر ابن شيرويه الديلمي في كتاب الفردوس في باب الألف واللام بإسناده عن ~~ابن عباس (رض) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): المهدي طاووس أهل ~~الجنة (3). # وبإسناده أيضا عن حذيفة بن اليمان (رض) عن النبي (صلى الله عليه وآله) ~~قال: المهدي [من] ولدي وجهه كالقمر الدري، اللون (4) منه لون عربي والجسم ~~جسم إسرائيلي، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، يرضى بخلافته أهل السماء (5) ~~وأهل الأرض والطير # PageV02P1108 # في الجو يملك عشرين سنة (1) (2). # ومما رواه أبو داود أيضا يرفعه إلى أم سلمه (رض) قالت: سمعت رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) يقول: المهدي من عترتي من أولاد (3) فاطمة (عليها ~~السلام) (4). # ومن ذلك ما رواه القاضي أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي ms262 في كتابه المسمى ~~بشرح السنة، وخرجه مسلم والبخاري في صحيحهما يرفعه كل واحد منهما بسنده إلى ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كيف أنتم إذا نزل ابن ~~مريم فيكم وإمامكم منكم (5)؟!. # ومن ذلك ما أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما يرفعه كل واحد منهما إلى ~~عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لو لم يبق من ~~الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يلي (6) فيه رجلا من أمتي ومن ~~أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، يملأ # PageV02P1109 # الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما (1). # ومن ذلك ما رواه أبو إسحاق أحمد بن محمد ابن الثعلبي يرفعه بسنده إلى أنس ~~بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): نحن ولد عبد المطلب ~~سادات (2) الجنة، أنا وحمزة وجعفر وعلي والحسن والحسين والمهدي. وأخرجه ابن ~~ماجة في صحيحه (3). # وعن علقمة بن عبد الله قال: بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) إذ أقبل فتية (4) من بني هاشم، فلما رآهم النبي (صلى الله عليه وآله) ~~اغرورقت عيناه بالدموع وتغير لونه. قال قلت: مالك (5) يا رسول الله نرى في ~~وجهك شيئا نكرهه (6)؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنا أهل بيت (7) ~~اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي تشريدا ~~وتطريدا، حتى يأتي قوم من قبل المشرق ومعهم رايات سود فيسألون الخير فلا ~~يعطونه فيقاتلون فينصرون # PageV02P1110 # فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يدفعوها (1) إلى رجل من أهل بيتي ~~فيملأها قسطا كما ملؤوها (2) جورا، فمن أدرك ذلك منكم فليأتينهم ولو حبوا ~~على الثلج. أخرجه الحافظ أبو نعيم (3). # وروى الحافظ أبو نعيم أيضا بسنده عن ثوبان قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله): إذا رأيتم الرايات السود [قد جاءت] من خراسان فائتوها ولو حبوا ~~على الثلج، فإن فيها خليفة الله المهدي (4). # وروى الحافظ أبو نعيم أيضا بسنده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله): ms263 # يخرج المهدي من قرية يقال لها كرعة (5) (6). # PageV02P1111 # وروى الحافظ أبو عبد الله بن ماجة القزويني في حديث طويل نزول عيسى بن ~~مريم على نبينا وآله وعليه السلام عن أبي أمامة الباهلي قال: خطبنا (1) ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذكر الدجال وقال فيه: إن المدينة لتنقي ~~خبثها كما ينقي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص. # فقالت (2) أم شريك بنت العسكر: يا رسول فأين العرب يومئذ؟ قال (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): هم يومئذ قليل وجلهم في بيت (3) المقدس وإمامهم المهدي ~~[وهو رجل صالح] قد تقدم إذ صلى بهم، إذ نزل عيسى بن مريم فيرجع ذلك الإمام ~~ينكص عن عيسى القهقرى ليتقدم عيسى يصلي بالناس الظهر فيضع عيسى يده بين ~~كتفيه ويقول (4): تقدم [فصل فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم]. هذا حديث ~~صحيح ثابت وهذا مختصره (5). # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كيف أنتم إذا ~~نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟ وهذا حديث حسن متفق على صحته من حديث محمد ~~بن شهاب # PageV02P1112 # الزهري، ورواه البخاري ومسلم في صحيحيهما (1). # وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا ~~تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل ~~عيسى بن مريم على نبينا وآله وعليه السلام فيقول [له] أميرهم: تعال صل بنا ~~(2) فيقول ألا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة [من] الله لهذه الأمة. هذا ~~حديث حسن صحيح أخرجه مسلم في صحيحه (3). # وعن ابن هارون العبدي قال لقيت (4) أبا سعيد الخدري (رض) فقلت له: هل ~~شهدت بدرا؟ قال: نعم، فقلت: أفلا تحدثني بما سمعت من رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) في علي (عليه السلام) وفضله؟ قال: بلى أخبرك أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) مرض مرضة نقه منها، فدخلت عليه فاطمة (عليها السلام) وأنا ~~جالس عن يمين النبي (صلى الله عليه وآله) فلما رأت فاطمة ما برسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) من الضعف ms264 خنقتها العبرة حتى بدت دموعها على خدها، ~~فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): # ما يبكيك يا فاطمة؟ قالت: أخشى الضيعة يا رسول الله، فقال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله): يا # PageV02P1113 # فاطمة إن الله تعالى أطلع إلى (1) الأرض إطلاعة على خلقه فاختار منهم ~~أباك فبعثه نبيا (2)، ثم أطلع ثانية فاختار منهم بعلك فأوحى إلى أن انكحه ~~فاطمة فأنكحته إياك (3) واتخذته وصيا. أما علمت أنك بكرامة الله تعالى إياك ~~زوجك أغزرهم علما وأكثرهم حلما وأقدمهم سلما (4)؟ فاستبشرت، فأراد رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) أن يزيدها من مزيد الخير الذي قسمه الله تعالى ~~لمحمد (صلى الله عليه وآله). قال: فقال لها: يا فاطمة ولعلي ثمانية أضراس ~~يعنى مناقب: إيمان بالله ورسوله وحكمته وزوجته وسبطاه الحسن والحسين وأمره ~~بالمعروف ونهيه عن المنكر. # يا فاطمة إنا أهل بيت أعطينا ست (5) خصال لم يعطها أحد من الأولين ولا ~~يدركها أحد من الآخرين غيرنا، فنبينا خير الأنبياء [وهو أبوك]، ووصينا خير ~~الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو عم أبيك [حمزة]، ومنا من له ~~جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء وهو جعفر، ومنا سبطا هذه الأمة وهما ~~ابناك، ومنا مهدي [هذه] الأمة الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم. ثم ضرب على ~~منكب الحسين (عليه السلام) وقال: من هذا مهدي هذه الأمة. هكذا أخرجه الدار ~~قطني صاحب الجرح والتعديل (6). # PageV02P1114 # وعن أبي نضرة قال: كنا عند جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) فقال: قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله): يوشك أهل العراق أن لا يجبى (1) إليهم ~~قفيز ولا درهم، قلنا: من أين [ذاك]؟ قال: من قبل العجم يمنعون ذلك. ثم قال: ~~يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مد، قلنا: من أين [ذاك]؟ قال: ~~من قبل الروم. ثم سكت هنيئة ثم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ~~يكون في آخر أمتي خليفة يحثو المال حثوا لا يعده عدا، قلنا: نراه عمر بن ~~عبد العزيز؟ قال: لا. وهذا حديث حسن ms265 صحيح أخرجه مسلم في صحيحه (2). # وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكون في ~~آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده. هذا لفظ مسلم في صحيحه (3). # PageV02P1115 # وعن أبي سعيد وجابر بن عبد الله قالا: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): أبشركم بالمهدي [يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلزال] يملأ (1) ~~الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، ~~يقسم المال صحاحا، فقال له رجل: ما معنى صحاحا؟ قال: بالسوية بين الناس. ~~وقال: يملأ الله قلوب أمة محمد (صلى الله عليه وآله) غنى ويسعهم عدله حتى ~~يأمر مناديا فينادي فيقول: من له في المال حاجة فليقم، فما يقوم من الناس ~~إلا رجل واحد فيقول: أنا، فيقول له: ائت السدان - يعني الخازن - فقل [له]: ~~إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالا، فيقول له، احث، فيحثو له في ثوبه حثوا، ~~حتى إذا جعله في حجره وأبرزه ندم (2) ويقول: كنت أجشع أمة محمد نفسا أو ~~أعجز عني ما عما وسعهم، فيرده إلى الخازن فلا يقبل منه فيقول: إنا لا نأخذ ~~شيئا مما أعطيناه، فيكون المهدي كذلك سبع سنين أو ثمان أو تسع، ثم لا خير ~~في العيش بعده، أو قال: لا خير في الحياة بعده. وهذا حديث حسن ثابت أخرجه ~~شيخ أهل الحديث أحمد بن حنبل في مسنده (3). # وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يكون عند ~~انقطاع من الزمان وظهور من الفتن رجل يقال له المهدي عطاؤه هنيئا، أخرجه ~~الحافظ أبو نعيم في الرد على من زعم أن المهدي هو المسيح (4). # PageV02P1116 # وعن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قلت: يا رسول الله أمنا آل محمد ~~المهدي أم من غيرنا؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا، بل منا يختم ~~الله به الدين كما فتح بنا، وبه (1) ينقذون من الفتن (2) كما أنقذوا من ~~الشرك، وبنا يؤلف الله بين قلوبهم بعد عداوة الفتنة إخوانا كما ألف الله ms266 ~~قلوبهم بعد عداوة الشرك، وبنا يصبحون بعد عداوة الفتنة إخوانا في دينهم. ~~وهذا حديث حسن عال رواه الحفاظ في كتبهم، وأما الطبراني فقد ذكره في المعجم ~~الأوسط، وأما أبو نعيم فرواه في حلية الأولياء، وأما عبد الرحمن بن حماد ~~فقد ساقه في عواليه (3). # وعن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يخرج ~~المهدي وعلى رأسه غمامة فيها ملك ينادي: هذا خليفة الله المهدي فاتبعوه. ~~روته الحفاظ كأبي نعيم والطبراني وغيرهما (4). # وعن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول (صلى الله عليه وآله): بينكم وبين ~~الروم أربع سنين (5) تؤم # PageV02P1117 # الرابعة على يد رجل من آل (1) هرقل تدوم سبع سنين، فقال له رجل من عبد ~~القيس يقال له المستور (2) بن غيلان: يا رسول الله من إمام الناس يومئذ؟ ~~قال (صلى الله عليه وآله): المهدي من ولدي ابن أربعين سنة كأن وجهه كوكب ~~دري، في خده الأيمن خال أسود وعليه عبايتان قطوانيتان (3) كأنه من رجال بني ~~إسرائيل [يملك عشرين سنة] يستخرج الكنوز ويفتح مدين الشرك (4). # وعن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لا تقوم الساعة حتى ~~يملك رجل من أهل بيتي يفتح القسطنطينية وجبل الديلم، ولو لم يبق إلا يوم ~~لطول الله ذلك اليوم حتى يفتحها. # هذا سياق الحافظ أبي (5) نعيم وقال: هذا هو المهدي بلا شك وفقا بين ~~الروايات (6). # وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): سيكون ~~بعدي خلفاء ومن بعد الخلفاء أمراء ومن بعد الأمراء ملوك جبابرة، ثم يخرج ~~رجل (7) من أهل بيتي يملأ # PageV02P1118 # الأرض عدلا كما ملئت جورا. هكذا ذكره الحافظ أبو نعيم في فوائده ~~والطبراني في معجمه الكبير (1). # وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تتنعم أمتي في ~~زمن المهدي (عليه السلام) نعيما لم ينعموا مثله (2) قط يرسل السماء عليهم ~~مدرارا، ولا تدع (3) الأرض شيئا من نباتها إلا أخرجته. رواه الطبراني في ~~معجمه الكبير (4). # قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن ms267 يوسف ابن الكنجي الشافعي في كتابه البيان ~~في أخبار صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف: في (5) الدلالة على كون المهدي ~~(عليه السلام) حيا باقيا منذ غيبته وإلى الآن، وانه لا امتناع في بقائه ~~بدليل (6) عيسى بن مريم والخضر وإلياس من أولياء الله تعالى، وبقاء الأعور ~~الدجال وإبليس الملعونين (7) من أعداء الله، وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب ~~والسنة، وقد اتفقوا عليه ثم أنكروا جواز بقاء المهدي، وها أنا أبين بقاء كل ~~واحد منهم، فلا يسمع بعد هذا لعاقل إنكار # PageV02P1119 # جواز بقاء المهدي (عليه السلام). وإنما أنكروا بقاءه من وجهين: أحدهما ~~طول الزمان، والثاني أنه في سرداب من غير أن يقوم أحد بطعامه وشرابه، وهذا ~~يمتنع عادة. قال مؤلف الكتاب محمد بن يوسف بن محمد الكنجي: بعون الله نبتدي ~~وإياه نستكفي وما توفيقي إلا بالله جل جلاله. # أما عيسى (عليه السلام) فالدليل على بقائه قوله تعالى ﴿وإن من أهل الكتب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ (1) ~~ولم يؤمن به مذ (2) نزول هذه الآية وإلى يومنا هذا أحد، فلابد أن يكون ذلك ~~(3) في آخر الزمان. # وأما السنة فما رواه مسلم في صحيحه عن زهير بن حرب بإسناده عن النواس بن ~~سمعان في حديث طويل في قصة الدجال قال: فينزل عيسى بن مريم عند المنارة ~~البيضاء [شرقي دمشق] بين مهرودتين (4)، واضعا كفيه على أجنحة ملكين (5). ~~وأيضا ما تقدم من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): كيف أنتم إذا نزل ابن ~~مريم فيكم وإمامكم منكم (6). # وأما الخضر وإلياس فقد قال ابن جرير الطبري: الخضر وإلياس باقيان يسيران ~~في الأرض (7). # PageV02P1120 # وأيضا ما رواه في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: حدثنا رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) حديثا طويلا عن الدجال (1) فكان (2) فيما حدثنا أنه قال: ~~يأتي وهو محرم عليه أن يدخل نقاب (3) المدينة فينتهي إلى بعض السباخ التي ~~تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس - أو من خير الناس - [فيقول ~~له: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله (صلى ms268 الله عليه وآله) حديثه] ~~فيقول الدجال [أرأيتم] إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر؟ فيقولون: ~~لا. قال: فيقتله ثم يحييه فيقول حين يحييه: # والله ما كنت فيك قط أشد بصيرة من (4) الآن. قال: فيريد الدجال أن يقتله ~~[ثانيا] # PageV02P1121 # فلا (١) يسلط عليه. # قال (٢) إبراهيم بن سعد: يقال إن هذا الرجل هو الخضر، هذا لفظ مسلم في ~~صحيحه (٣) كما سقناه سواء (٤) وأما الدليل على بقاء إبليس اللعين فآي ~~الكتاب العزيز وهو قوله تعالى ﴿قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى ~~يوم الوقت المعلوم﴾ (٥). # وأما بقاء المهدي فقد جاء في الكتاب والسنة. أما الكتاب فقد قال سعيد بن ~~جبير في تفسير قوله تعالى ﴿ليظهره على ~~الدين كله ولو كره المشركون﴾ (6) قال: هو المهدي من ولد فاطمة (عليها ~~السلام). وأما من قال فإنه عيسى فلا تنافي بين القولين إذ هو مساعد للمهدي ~~على ما تقدم، وقد قال مقاتل بن سليمان ومن شايعه (7) من المفسرين في تفسير ~~قوله تعالى (وإنه لعلم للساعة) (8) قال: هو المهدي (عليه السلام) يكون في ~~آخر الزمان وبعد خروجه يكون قيام الساعة وأماراتها (9) انتهى (10) والله ~~تعالى أعلم بذلك. # PageV02P1122 # علامات قيام القائم ومدة أيام ظهوره (عليه السلام) قد جاءت الأخبار (1) ~~بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي وحوادث تكون أمام قيامه وآيات (2) ~~ودلالات فمنها (3) خروج السفياني (4)، وقتل # PageV02P1123 # الحسني (1)، # PageV02P1124 # واختلاف بني العباس في الملك [الدنياوي] (1)، وكسوف الشمس في النصف من ~~شهر رمضان (2)، وخسوف القمر في آخره على خلاف العادات وعلى خلاف حساب أهل ~~النجوم ومن أن خسوف القمر لا يكون إلا في الثالث عشر أو الرابع عشر والخامس ~~عشر لاغير وذلك عند تقابل الشمس والقمر على هيئة مخصوصة، وأن كسوف الشمس لا ~~يكون إلا في السابع والعشرين من الشهر أو الثامن والعشرين والتاسع والعشرين ~~وذلك عند اقترانهما على هيئة مخصوصة، ومن ذلك (3) طلوع الشمس من # PageV02P1125 # مغربها (1)، وقتل نفس زكية تظهر في سبعين من الصالحين (2)، وذبح رجل ~~هاشمي بين ms269 الركن والمقام (3)، وهدم سور (4) مسجد الكوفة (5). # PageV02P1126 # وإقبال رايات سود من قبل خراسان (1) وخروج اليماني (2)، وظهور المغربي ~~بمصر وتملكه الشامات (3)، ونزول الترك الجزيرة (4)، ونزول الروم الرملة ~~(5)، وطلوع نجم في # PageV02P1127 # المشرق يضيء كما يضيء القمر ثم ينعطف حتى يكاد أن يلتقي طرفاه (1)، وحمرة ~~تظهر في السماء وتنتشر (2) في آفاقها، ونار تظهر بالمشرق طولا وتبقى في ~~الجو ثلاثة أيام أو سبعة أيام (3)، وخلع العرب أعنتها وتملكها البلاد ~~وخروجها عن سلطان العجم (4)، وقتل أهل مصر أميرهم، وخراب الشام واختلاف ~~ثلاث رايات فيه، ودخول رايات قيس والعرب إلى مصر، ورايات كندة إلى خراسان، ~~وورود خيل من قبل المغرب (5) حتى تربط بفناء الحيرة، وإقبال رايات سود من ~~المشرق ونحوها، وبثق (6) في الفرات حتى يدخل الماء أزقة الكوفة (7). # PageV02P1128 # وخروج ستين كذابا كلهم يدعي النبوة (1)، وخروج اثني عشر من آل أبي طالب ~~كلهم يدعي الإمامة لنفسه (2)، وإحراق (3) رجل عظيم القدر من شيعة بني ~~العباس بين جلولاء وخانقين عند [عقد] الجسر مما يلي الكرخ بمدينة بغداد ~~[السلام] (4)، وارتفاع ريح سوداء بها في أول النهار وزلزلة حتى ينخسف كثير ~~منها، وخوف يشمل أهل العراق وموت ذريع ونقص من الأنفس وفي الأموال ~~والثمرات، وجراد يظهر في أوانه وفي غير أوانه حتى يأتي على الزرع والغلات ~~وقلة ريع لما يزرعه (5) الناس (6)، واختلاف [صنفين] من (7) العجم وسفك دماء ~~كثيرة فيما بينهم (8)، وخروج # PageV02P1129 # العبيد عن طاعة (1) ساداتهم وقتلهم مواليهم [ومسخ لقوم (2) من أهل البدع ~~حتى يصيروا قردة وخنازير، وغلبة العبيد على بلاد السادات، ونداء من السماء ~~حتى يسمعه أهل الأرض كل أهل لغة بلغتهم، ووجه وصدر يظهران من السماء للناس ~~في عين الشمس، وأموات ينشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون ~~فيها ويتزاورون] ثم يختم بعد ذلك بأربع وعشرين مطرة متصلة فتحيا بها الأرض ~~من بعد موتها وتعرف (3) بركاتها، وتزول بعد ذلك كل عاهة من معتقدي الحق من ~~شيعة (4) المهدي فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكة فيتوجهون نحوه (5) قاصدين ~~لنصرته كما جاءت بذلك الأخبار (6). ومن جملة هذه الأحداث ما هو محتومة (7) ~~ومنها ما هو ms270 مشروطة والله أعلم بما يكون، وانما ذكرناها على حسب ما ثبت في ~~الأصول # PageV02P1130 # وتضمنها الأثر المنقول (1). # وعن علي بن يزيد (2) الأودي (3) عن أبيه عن جده [قال:] قال أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب (عليه السلام): بين يدي القائم موت أحمر، وموت أبيض، وجراد ~~في حينه وفي غير حينه كألوان الدم، فأما الموت الأحمر فالسيف، وأما الموت ~~الأبيض فالطاعون (4). # وعن جابر الجعفي (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال لي: الزم الأرض ~~ولا تحرك يدا ولا رجلا حتى ترى علامات أذكرها [لك] وما أراك تدرك ذلك: ~~اختلاف (6) بين بني العباس، ومناد (7) ينادي من السماء، وخسف قرية من قرى ~~الشام تسمى (8) الجابية (9)، ونزول الترك الجزيرة، ونزول الروم الرملة، ~~واختلاف كثير عند ذلك في كل أرض حتى تخرب الشام، ويكون [سبب] خرابها اجتماع ~~ثلاث رايات فيها راية الأصهب (10) # PageV02P1131 # وراية الأبقع (1) وراية السفياني (2) (3). # وأما السنة التي يقوم فيها القائم واليوم الذي يبعث فيه فقد جاءت فيه ~~آثار، وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): لا يخرج القائم إلا في ~~وتر من السنين سنة إحدى أو ثلاث أو خمس أو سبع أو تسع (4). # وعنه عن أبي عبد الله قال: ينادي باسم القائم في ليلة ثلاث وعشرين، ويقوم ~~في يوم عاشوراء وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين ولكأني به في يوم السبت ~~العاشر من المحرم قائما بين الركن والمقام وشخص [جبرائيل (عليه السلام)] ~~قائم على يده [اليمنى] ينادى البيعة البيعة [لله] فيصير إليه شيعته أنصاره ~~من أطراف الأرض تطوى لهم طيا حتى يبايعوه فيملأ الله به الأرض عدلا كما ~~ملئت ظلما وجورا (5) ثم يسير من مكة حتى يأتي الكوفة فينزل على نجفها ثم ~~يفرق الجنود منها في (6) الأمصار (7). # وعن عبد الكريم الخثعمي قال: قلت لأبي عبد الله: كم يملك القائم؟ قال: ~~سبع سنين تطول له الأيام والليالي حتى تكون السنة من سنيه مقدار (8) عشر ~~سنين من # PageV02P1132 # سنيكم فيكون سنو ملكه (1) بمقدار سبعين سنة من سنيكم هذه (2). # وعن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل ms271 قال: إذا قام القائم سار إلى ~~الكوفة فهدم بها أربعة مساجد، فلم يبق مسجد على وجه الأرض له شرف إلا هدمها ~~وجعلها جمعاء، ووسع الطريق الأعظم لمساجدها، وكسر كل جناح خارج في الطريق، ~~وأبطل الكنف والميازيب الخارجة إلى الطرقات، ولا يترك (3) بدعة إلا أزالها، ~~ولا سنة إلا أقامها، ويفتح القسطنطينية والصين وجبال الديلم فيمكث على ذلك ~~سبع سنين، مقدار كل سنة عشر سنين من سنيكم هذه، ثم يفعل الله ما يشاء (4). # وعن أبي جعفر أيضا قال: المهدي (5) منا منصور بالرعب مؤيد بالظفر، تطوى ~~له الأرض وتظهر له الكنوز، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب، ويظهر الله دينه ~~على الدين كله ولو كره المشركون، فلا يبقى في الأرض خراب إلا عمره، ولا تدع ~~الأرض شيئا من نباتها إلا أخرجته، ويتنعم الناس في زمانه نعمة لم يتنعموا ~~مثلها قط (6). # قال الراوي: فقلت له: يا بن رسول الله فمتى (7) يخرج قائمكم؟ قال: إذا ~~تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وركبت ذوات الفروج السروج، وأمات ~~الناس الصلوات (8)، واتبعوا الشهوات، وأكلوا الربا، واستخفوا بالدماء، ~~وتعاملوا بالربا، # PageV02P1133 # وتظاهروا بالزنا، وشيدوا البناء، واستحلوا الكذب، وأخذوا الرشا، واتبعوا ~~الهوى، وباعوا الدين بالدنيا، وقطعوا الأرحام، ومنوا (1) بالطعام، وكان ~~الحلم ضعا (2)، والظلم فخرا، والأمراء فجرة، والوزراء كذبة، والأمناء خونة، ~~والأعوان ظلمة، والقراء فسقة، وظهر الجور، وكثر الطلاق، وبدأ الفجور، وقبلت ~~شهادة الزور، وشربت الخمور، وركبت الذكور الذكور، وأشتغلت (3) النساء ~~بالنساء، واتخذوا الفيء مغنما، والصدقة مغرما، واتقي الأشرار مخافة ~~ألسنتهم. # وخرج السفياني من الشام، واليماني من اليمن، وخسف خسف بالبيداء (4) بين ~~مكة والمدينة، وقتل غلام من آل محمد بين الركن والمقام، وصاح صايح من # PageV02P1134 # السماء بأن الحق معه ومع أتباعه فعند ذلك خروج قائمنا (١)، فإذا خرج أسند ~~ظهره إلى الكعبة واجتمع إليه ثلاث مائة وثلاثة عشر (٢) رجلا من أتباعه، ~~فأول ما ينطق هذه الآية: ﴿بقيت الله خير لكم ~~إن كنتم مؤمنين﴾ (3) ثم يقول: أنا بقية الله وخليفته وحجته عليكم، فلا ~~يسلم مسلم عليه إلا قال: # السلام عليك يا ms272 بقية الله في الأرض (4). فإذا أجتمع عنده العقد عشرة آلاف ~~رجل فلا يبقى يهودي ولا نصراني ولا أحد ممن يعبد غير الله إلا آمن به وصدقه ~~وتكون الملة واحدة ملة الإسلام، وكلما كان في الأرض من معبود سوى الله ~~فينزل عليه نارا فيحرقه (5). # قال بعض أهل الأثر: المهدي هو القائم المنتظر، وقد تعاضدت الأخبار على # PageV02P1135 # ظهوره، وتظاهرت الروايات على إشراق نوره، وستسفر ظلمة الأيام والليالي ~~بسفوره، وتتجلى برؤيته الظلم انجلاء الصباح من ديجوره، ويخرج من سرار ~~الغيبة فيملأ القلب بسروره، ويسري عدله في الآفاق أضوأ من البدر المنير في ~~مسيره. # انتهى. # وبتمام الكلام في هذا الفصل تم جميع الكتاب والله الموفق للصواب، وصلاته ~~وسلامه على سيدنا محمد خاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين (1). # PageV02P1136 ms273